ghaemiyeh.com
الخرسان، محمّد مهدي ١٩٢٨م.
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.
قم : مركز الأبحاث العقائدية، ١٤٣٣ق = ١٣٩٠
الفهرسة طبق نظام فيپا.
ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، ٣ ـ ٦٨ق.
مركز الأبحاث العقائدية.
١٣٩٠ ٤خ / ١٧الف ٨/ ٩٢ Bp ١٩٢٤/ ٢٩٧
الرقم في المكتبة الوطنيّة ٢٥٥٦١٠١
مركز الأبحاث العقائدية
ص. ب: ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥
الهاتف: ٣٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥)(٠٠٩٨)
الفاكس: ٣٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥)(٠٠٩٨)
شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام
ص. ب: ٧٢٩
الهاتف: ٣٣٢٦٧٩ (٣٣)(٠٠٩٦٤)
الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com
البريد الإلكتروني: info@aqaed.com
شابك (ردمك): ٧ ـ ٥٠٠ ـ ٣١٩ ـ ٩٦٤ ـ ٩٧٨/ دورة ٢١ جزءاً
شابك (ردمك) ج٢٠ / ٧ ـ ٤١ ـ ٧١٠٠ ـ ٦٠٠ ـ ٩٧٨
موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن
تأليف: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان
الجزء العشرون
الطبعة الأُولى: ٢٠٠٠ نسخة
سنة الطبع: ١٤٣٧هـ
الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش
المطبعة: الوفاء
السعر ١٥٠٠٠٠ ريال
*جميع الحقوق محفوظة للمركز *
موسوعة عبدالله بن عباس
سلسلة رد الشبهات - ٥
موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن
الجزء العشرون
الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان
في رحاب أهل البيت عليهم السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ورضي الله عن الصحابة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فقد طالت مسيرتنا مع ابن عبّاس رضي الله عنه ، وقرأنا في أجزاء موسوعته الشاملة ــ ولا أقول هي الكاملة ــ فثمّة سعة في تاريخه، ومساحة واسعة لا تزال بحاجة إلى قراءة واعية، وداعية إلى مزيد من التحقيق، فإنّ قراءتنا التاريخية كانت بقدر المستطاع، وفهمنا له من خلال النصوص من غير تجميل أو تحميل حسماً للنزاع، وأين هذا من فهم الشيء على حقيقته! فذلك هو الإبداع لمعرفة الصورة الحقيقية لذات الحقّ المغيَّب من دون تزويق أو تمزيق، بل هو الأقوى دلالة في الإقناع، فإن تم آنئذ فهو الإبداع.
إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه مع علوّ نسبه، وشموخ محتده، أصابه تضبيب في تاريخه وتشويه، حتّى طال المعالم الواضحة في أدوار حياته، وكان للصبغة السياسية الحاكمة دورها الفاعل في ذلك التشويه، ولمّا كان هو وأبوه من قبل كبقية بني هاشم من أنصار الخلافة المغتصبة، ومواقفه في نصرة صاحب الحقّ الشرعي لا تخفى على من قرأ تاريخه في الحلقات الأربع من موسوعته.
وحسبنا أن نتذكّر إعلانه بشجاعة منقطعة النظير، في قوله لعمر: (فاردد إليه ظلامته)، حين قال له: ((ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً)).
وفي قوله الآخر وقد استفزّه قول عمر: ((ما أظنّ القوم منعهم منه إلاّ أنّه استصغره قومه))، قال ابن عبّاس: (فقلت في نفسي: هذه والله شرّ من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك أبي بكر. قال: فأعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه)(1).
ومَن كان غيره يتجرّأ فيقول لعمر بعد محاورة طويلة أفضت إلى ملاحات احتجاجية، أغضبت عمر حتّى ضاق به ذرعاً، فقال له: ((إليك عنّي يا بن عبّاس، قم الآن فارجع إلى منزلك))، فقال ابن عبّاس: (أفعل، فلمّا ذهبتُ لأقوم استحيى منّي)، فقال: ((يا بن عبّاس! مكانك أيّها المنصرف، إنّي على ما كان منك، فوالله إنّي لراع لحقّك، محبّ لِما سرّك)).
فقال ابن عبّاس: (يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك وعلى كلّ مسلم (مؤمن) حقّاً برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، وحظّه أصاب، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع، وحظّه أخطأ) فقال عمر لجلسائه: ((واهاً لابن عبّاس، والله ما رأيته لاحى أحداً إلاّ خصمه))(2).
ومن كان غيره يتجرّأ في نقد مقولة التيار المناوئ ذات الصبغة السياسية للحاكمين: (أبت قريشٌ أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة)، وهي التي أعلنها عمر، فتبنّاها من بعده الحاكمون، فيقول لعمر: (وما يصنع ــ عليّ ــ بالترشيح قد رشحه لها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فصرفت عنه)(1).
والآن السؤال الذي يفرض نفسه:
فمن أين لابن عبّاس رضي الله عنه هذا الفهم الثاقب، والسهم الصائب! لولا التسديد الإلهي، والتأييد من أهل البيت عليهم السلام! فمنذ دعا له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في صباه، ثمّ تولّى تربيته من بعده ابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، إذ هو الذي تولّى تثقيفه حتّى جعل منه نسخة فريدة مميّزة من بين أصحابه، بل تميّز حتّى على الصحابة، وليس اعتباطاً صارت له المرجعية في التفسير، والحديث، والفقه، وحتّى الأدب العربي بفنونه، وهذه حقيقة تكاد تكون مسلّماً بها لدى أصحاب التراث التفسيري، وإن دخلت عليها من أقطارها عناصر التغبيش، فكادت تضيع في غياهب النسيان، وكيف لا بعد أن أخذت مكانها في سجلّ الحقائق المغيّبة في التراث؟!
لقد مرّت بنا مكرّراً قراءة قول ابن عبّاس: (جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(2).
وقوله الآخر: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1).
وقوله الثالث: (...عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من الله، وعلم عليّ من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر)(2).
ولا غرابة لو وجدنا التشابه في الآثار المنسوبة إليهما، فقد وحّد الهدف منها في مسالك نشر المعرفة، فتشابهت الآثار، وقد مرّت الإشارة إلى هذا الجانب في الجزء السادس من الموسوعة(3)فراجع!
والآن هل يستوحش الباحث حين يجد رواية بعض أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن ابن عبّاس، وحكاية آرائه عند آخرين، ممّا يوحي بأنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان مرضياً عند الأئمّة عليهم السلام سواء من عاصره منهم، ومن لم يدرك عصره، وهذه حقيقة تكاد تكون مغيّبة لدى الكثير من القرّاء، ولكنّها تتجلّى حين يقرأ قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لابن عبّاس: (أنت كُنيفٌ مملوء علماً)(4).
1) - المصدر نفسه.
2) - انظر: الجزء التاسع، والثامن، والتاسع، والحادي عشر من الموسوعة.
3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس، آخر الفصل الأوّل (تنبيه مهم) في كلام ابن حمدون صاحب التذكرة.
4) - عمدة ابن البطريق: ٢٦٤، ط محقّقة بقم، والكُنيف مصغر الكنيف ــ بالفتح ــ الوعاء الذي يضع الرجل فيه أدامه وتصغيره على جهة المدح له (لسان العرب: كنف).
وقال صلوات الله عليه أيضاً: (إنّه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق)(1).
وفي رواية المناوّي في (فيض القدير): ((قال عليّ كرّم الله وجهه في ابن عبّاس رضي الله عنه: (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق)))(2).
وقال الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام لعلي بن زيد وقد حدّثه أنّ ابن عبّاس لمّا دفن زيد بن ثابت حثا عليه التراب، ثمّ قال: هكذا يدفن العلم، فحدّثت به عليّ بن الحسين، فقال: (وابن عبّاس والله لقد دفن به علم كثير)(3).
وعن رزين بن عبيد قال: شهدت ابن عبّاس وأتاه عليّ بن الحسين، فقال: مرحباً بابن الحبيب(4).
وعن ابن جريج، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج، خرج من كفنه طير أبيض يطير، ينظرون إليه يطير نحو السماء، حتّى غاب عنهم، وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب. قال: فأتاه بعدما أصيبت بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك(5).
إلى غير هذا من الشواهد على عمق المودّة وقوّة الصلة بين ابن عبّاس وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، فهو منهم نسباً وولاءً، يراهم ذخراً وفخراً، وفي دعائه الذي ختم به حياته ساعة وفاته في الطائف خير دليل على ما أقول، وقد مرّ ذكره برواية الفريقين سُنّة وشيعة، ولم يضارعه في هذا أحد.
ولمّا كنت قد شارفت على إنهاء الحلقة الرابعة من موسوعة عبد الله ابن عبّاس رضي الله عنه، رأيت اختتامها بذكر ما يتعلّق بابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام، ليكون مسك الختام، باختيار بعض الأخبار من موسوعة (بحار الأنوار الجامعة) للشيخ المجلسي الثاني قدس سره (ت١١١١هـ).
وإنّما اخترتها من دون الجوامع الحديثية الأُخرى لجهتين:
الأُولى: أنّي مررت بها باحثاً يوم سُعدت بتحقيق بعض أجزائها اللاتي ضمت تاريخ ثمانية من أئمّة أهل البيت عليهم السلام: من الإمام زين العابدين عليه السلام إلى الإمام العسكري عليه السلام(1)، وازددت سعادة وخبرة بتحقيق ستّة أجزاء أُخرى منها، تضمّنت كتاب الحجّ والعمرة، وكتاب المزار، وأبواب المكاسب وأحكام العقود والإيقاعات(2).
وفي تلك الفترة التحقيقية، رأيت لابن عبّاس رضي الله عنه حضوراً شاخصاً، قد انتشرت مروياته مرفوعة وموقوفة، في شتّى فنون المعرفة، ففي العلوم أزكاها، وفي الأخلاق والآداب أسماها وأسناها.
ولمّا كانت موسوعة (بحار الأنوار) الجامعة هي كاسمها، والغوص في تلك البحار لاستخراج الدراري المخزونة من أصدافها المشحونة، قد تضيء الدرب لمن يحار في الموائمة بين عمل المجلسي الابن وقول أبيه، وهذه هي الجهة الثانية.
الجهة الثانية: قول الشيخ محمّد تقي المجلسي الأوّل (ت١٠٧٠هـ)
ــ والد المجلسي الثاني صاحب (البحار) ــ :
(((عبد الله بن عبّاس) من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرنا في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله عنه (الخلاصة)(1).
وعلّق الشهيد الثاني رحمه الله على ذلك: جملة ما ذكره الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند، والله أعلم بحاله.
واعلم أنّ الصدوق ذكر في الأمالي أخباراً كثيرة عنه في مدائح
أمير المؤمنين عليه السلام(2)وغيرُه من أصحابنا، والعامّة أيضاً رووا عنه في فضائله عليه السلام أخباراً كثيرة تدلّ على جلالة قدره، وليس في أخبارنا خبر
ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً، لأنّ أصحابنا استغنوا عن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وعن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بالأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.
فلا نحتاج إلى معرفته، فالتوقّف فيه أولى، فإنّ أخبار الكشي يؤيّدها أخبار كثيرة من طرقنا وطرق العامّة، وتخلّفه عن الحسين عليه السلام ظاهر، وكذا عدم ارتباطه بعليّ بن الحسين عليه السلام، بخلاف جابر بن عبد الله الأنصاري، كما تقدّم والله تعالى أعلم.
والظاهر أنّ ما رواه أصحابنا عنه في أمير المؤمنين عليه السلام كان بمجرد الردّ على العامّة حيث يعتقدون جلالته وثقته))(1)، اهـ .
أقول: إنّ هذا الشيخ هو الذي دعاني أن أخوض بحار ابنه ــ والولد سرّ أبيه ــ فاستخرج منها بعض اللئالئ التي تزيّن صحائف أعمال الرجال، ومن أولى منّي بنصرة ابن عبّاس المظلوم ــ الذي أسيء فهمه ــ فأذكر ما له من مواقف إيمانية ــ تفرّد بها ــ في نصرة صاحب الحقّ الشرعي المهضوم، قارع بها الحاكمين سابقين ولا حقين، وسائر المعاندين، ومن ذا الذي ينكر دفاعه بشجاعة إيمانية في هذا المضمار؟
ومن الغريب من جناب الشيخ الجليل أن يكتب في أوّل كلامه ما قاله العلاّمة الحلّي رحمه الله (ت٧٢٦هـ)، مع إشارة إلى ما علّق به عليه الشهيد الثاني رحمه الله (ت٩٦٦هـ).. وزاد في الغرابة اعترافه بما ذكره الصدوق رحمه الله
1) - روضة المتّقين، للمجلسي الأوّل ١٤/٣٨٤، ط بتحقيق الكرماني، قم ١٣٩٩هـ.
(ت٣٨١هـ) في كتابه (الأمالي) من أخبار كثيرة عن ابن عبّاس في مدائح أمير المؤمنين عليه السلام(1)..
وقوله: ((وغيره من أصحابنا، والعامّة أيضاً رووا عنه في فضائله أخباراً كثيرة تدلّ على جلالة قدره)).
وبعد هذا الكلام المُعرب عن الثناء والتقدير، بدا منه التراجع عنه، فقال: ((وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً...))، إلى آخر ما تعلّل به.
وختم ذلك بقوله: ((فلا نحتاج إلى معرفته، فالتوقّف فيه أولى))؟!
ثمّ قال ما ينقض ما قاله العلاّمة الحلّي والشهيد الثاني! وهذا هو الذي جعلني في موقف مساءلة لا محاسبة، ولا مِساس بمقام الشيخ رحمه الله ، والذي أظنّه به غلبة الموروث المعثوث عليه، فأغشى نظره من دون غبار، فكبا جواده من دون عثار، وكم له من نظير من أصحاب الهفوات النادرة العاثرة، فالعصمة لأهلها، وليس لي في المقام إلاّ بيان ما حشره المجلسي رحمه الله ــ الابن ــ من أخبار عن ابن عبّاس رضي الله عنه مرفوعة وموقوفة، ممّا ينفي علائم الاستفهام، ويربو بمقامه عن الاتّهام إلى عالي مقام.
1) - لقد مرّ ذكر أكثر من أربعين مورداً؛ فراجع!
لقد كان هذا الحبر الجليل، كما قال صاحب (روضات الجنّات) في أوّل ترجمته: ((زبدة العلماء المتّقين، وأسوة العرفاء المرتقين...))(1).
وقال صاحب (لؤلؤة البحرين) في ترجمته: ((...نسب إلى التصوّف كما اشتهر بين جملة ممّن يقول بهذا القول، إلاّ أنّ ابنه (المجلسي الثاني ت١١١١هـ) قد نزّهه عن ذلك في بعض رسائله.. فقال: وإيّاك أن تظنّ بالوالد أنّه من الصوفية، وإنّما كان يظهر أنّه منهم لأجل التوصّل إلى ردّهم من اعتقاداتهم الباطلة، مع كلام هذا حاصله...))(2).
أقول: فهذا الذي قيل عنه، وابتلي به من نسبة إلى بعض المذاهب الباطلة، لا يخلو في نظري القاصر نحو شَبه ما بما قاله هو تبعاً لغيره من شبهات كاذبة في ابن عبّاس رضي الله عنه، وإلاّ كيف يقول: وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً؟! وكم في روايات كتب الصدوق رحمه الله ممّا ليس سنده بضعيف بناء على مباني التوثيق عند المتأخّرين..
فخذ مثلاً ما ذكره الصدوق في (علل الشرائع)(3)في علّة الوضوء ممّا
يخرج لا ممّا يدخل، فقد قال في (وسائل الشيعة): ((محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمّد بن الحسن، عن محمّد بن يحيى، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمّد بن أورمة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن مثنى الحنّاط، عن منصور بن حازم، عن سعيد بن أحمد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (توضؤوا ممّا يخرج منكم، ولا توضؤوا ممّا يدخل، فإنّه يدخل طيباً ويخرج خبيثاً)))(1).
فرجال سند هذا الحديث ما بين ثقات وحسان غير مثنى الحنّاط المردّد بين الثقة وغيره، ولمّا كان هو من رجال (كامل الزيارات) فهو موثّق عند من يرى توثيق صاحب (كامل الزيارات)، وكذلك سعيد بن أحمد الراوي عن ابن عبّاس، لم أقف على من ترجمه، وقلت في الجزء السادس من الموسوعة في ترجمته: أظنّ وهما في اسم أبيه، والصحيح سعيد بن يحمد(2)، وقد ذكرته بعد ذلك ومَن وثّقه(3)فراجع. ويجد الباحث في أخبار الصدوق في كتبه نحو هذا، بل أظهر وضوحاً، كما سيأتي.
ثمّ ذكر: ((إنّ أخبار الكشي يؤيّدها أخبار كثيرة من طرقنا وطرق العامّة))، ولكنّه لم يذكر شاهداً واحداً لا من طرقنا ولا من طرق العامّة!
ثمّ قال: ((وتخلّفه عن الحسين عليه السلام ظاهر))، وقد مرّ في الجزء الرابع من هذه الحلقة(1)بحث هذا الجانب، فلا نعيد؛ فليراجع من يريد المزيد.
ثمّ قال: ((وكذا عدم ارتباطه بعليّ بن الحسين عليه السلام بخلاف جابر...))، وهذا أيضاً مرّ بحثه، وقد ذكرت شواهد الارتباط، بما لا حاجة إلى إعادته؛ وحسبنا أن نذكر للقارئ ما رواه المجلسي الابن في (البحار) نقلاً عن الصدوق في (علل الشرائع) في العلّة التي من أجلها سُمّي عليّ بن الحسين عليه السلام بـ(زين العابدين)، بسنده: ((عن الزهري وقد سمع سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطو ــ يخطر ــ بين الصفوف)))(2)كما سيأتي أنّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام سمع بعض حديث وقعة الجمل من ابن عبّاس، كما مرّت الإشارة إلى رواية الكشي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً)، إلى غير هذا ممّا سيأتي ذكره ضمن لئاليء (بحار الأنوار).
ولعلّ الشيخ المجلسي الأوّل = (الأب) فاته النظر في الجزء الثاني من (عيون أخبار الرضا عليه السلام) في ما جاء عن الرضا عليه السلام في الأخبار المجموعة برواية الإمام الرضا عليه السلام، فقد قال: ((وبهذا الإسناد، عن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: (قال أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّ عبد الله بن
عبّاس كان يقول: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كان إذا أكل الرمان، لم يشرك أحد فيها، ويقول: في كلّ رمانة حبّة من حبّات الجنّة)))(1).
وليتني أدري ما هو رأي الشيخ المجلسي الأوّل في كتاب (قرب الإسناد) وصحّة إسناده؟ فإنّه ورد فيه: ((محمّد بن عبد الحميد وعبد الصمد ابن محمّد جميعاً، عن حنّان بن سدير، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: سألني عيسى بن موسى عن الغنم للأيتام، وعن الإبل المؤبلّة، ما يحلّ منها؟ فقلت له: إنّ ابن عبّاس كان يقول: إذا لاط حوضها وطلب ظالّتها، وهنأ جرباها، فله أن يصيب من لبنها من غير نهك الضرع، ولا فساد لنسل))(2).
وإذا قال قائل: إنّ هذا كان في مقام التقيّة، فما هو الجواب عمّا في (قرب الإسناد) أيضاً: ((جعفر، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: انتدب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الناس ليلة بدر إلى الماء، فانتدب عليّ، فخرج وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة، فخرج بقربته، فلمّا كان (صار/ظ) إلى القليب لم يجد دلواً، فنزل في الجبّ تلك الساعة فملأ قربته ثمّ أقبل، فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أُخرى فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أُخرى فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، فلمّا جاء قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما حبسك يا أبا الحسن؟) فقال: لقيت ريحاً ثمّ ريحاً ثمّ ريحاً شديدة، فأصابتني قشعريرة، فقال: (أتدري ما كان ذلك يا عليّ؟ فقال: لا، فقال:
(ذلك جبرئيل في ألف من الملائكة وقد سلّم عليك وسلّموا، ثمّ مرّ ميكائيل في ألف من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا، ثمّ مرّ إسرافيل في ألف من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا)))(1)، وهذا نقله ابنه صاحب (البحار)(2)في بحاره.
فهذا خبر صحيح السند صريح المتن، فهل هو من جملة الأخبار التي قال عنها: ((وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً))؟
ثمّ ما رأيه في خبر ثالث في (قرب الإسناد)(3)، قال: ((وعنه، عن جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن ابن عبّاس أنّهما قالا: (النظر إلى الفرج عند الجماع يورث العمى)))، وهذا كسابقه نقله ابنه في (البحار)(4).
ولنترك هذا، ولننظر إلى بقيّة كتب الحديث الجوامع الأربعة، ولنأخذ من كلّ واحد منها رواية واحدة:
فمن (الاستبصار): ((ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية ابن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (سُئل ابن عبّاس: هل كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يتطيّب قبل أن يزور البيت؟ فقال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يضمّد رأسه بالمسك قبل أن يزور)))(5). (وهذا رواه الطوسي أيضاً في التهذيب)(6).
وإلى ما روى الشيخ الطوسي في (التهذيب)، بسنده: ((عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم، إلاّ أنّه لا يلبي إلاّ من كان حاجّاً أو معتمراً)))(1)، وهذا الحديث صحيح الإسناد، وعليه ترتّب حكم شرعي في الجوامع الفقهية، راجع (جواهر الكلام)(2).
وماذا يكون رأي الشيخ المجلسي الأوّل (الأب) فيما وصل إلينا عن طريق ابنه المجلسي (الثاني) صاحب الموسوعة الجامعة (بحار الأنوار) من باقي الأصول الأربعمائة، وهي (الأصول الستّة عشر)، ففيها عن ابن عبّاس ما رواه الإمام الصادق عليه السلام، كما في كتاب محمّد بن المثنى الحضرمي [في رواية هارون بن موسى التلعكبري، عن أبي علي محمّد همام بن سهل الكاتب] جعفر بن محمّد بن شريخ الحضرمي، عن ذريح بن يزيد المحاربي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال ابن عبّاس: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ(3)؟ فقال أبو عبد الله: (نحن الناس المحسودون).
وما رأيه فيما رواه (الكافي) في الفروع في باب اللباس: ((محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العبّاس إلى ابن الكوّاء وأصحابه، وعليه قميص رقيق وحُلّة، فلمّا نظروا إليه قالوا: يا بن عبّاس! أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس؟! فقال: وهذا أوّل ما أخصمكم به: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(1)، وقال: خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ(2)...))(3)، وسيأتي الحديث بتمامه.
ونبقى مع الشيخ المجلسي الأوّل في نفيه خبراً عن ابن عبّاس طريقه صحيح.. فلهذا يحقّ لي المساءلة من الشيخ الجليل: ما رأيه في الأحاديث التالية:
أوّلاً: الحديث الذي رواه الصدوق رحمه الله في كتابه (العلل) في باب ذكر العلّة التي لم يتمتع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بالعمرة إلى الحجّ فأمر بالتمتع، فقال: ((أبي رحمه الله قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حين حجّ حجّة الوداع...
ــ ثمّ ساق الحديث بطوله، إلى أن قال الإمام عليه السلام ــ : إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة المتعة.
وقال ابن عبّاس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)))(1).
ورواه في الفقيه، ولفظه: ((وروى الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال ابن عبّاس: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)(2).
فقلتَ أنتَ في (الروضة ج٧/٤٦٨): (وروى الحلبي) في الصحيح، ونقله عليه السلام عن ابن عبّاس للردّ على العامّة، فإنّهم يعتقدونه.
أقول: ولولا غلبة الموروث لقال الشيخ غير هذا!
وهذا الحديث رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب) من دون ذكر ابن عبّاس(3)، مع أنّه نقله بسنده عن الحلبي، فمن سوّغ الحذف؟ ولماذا؟!
وتعقيباً على ما ذكر الصدوق في (المشيخة) طريقه إلى الحلبي، (فقلتَ أنت) في (شرح المشيخة)(4). وما ذكره الصدوق يرتقي إلى ستّة طرق صحيحة، وخمسة طرق أقوياء كالصحاح، ولمّا كان هذا الكتاب
ــ يعني كتاب الحلبي ــ بمنزلة كتاب المعصوم لما عرض عليه عليه السلام وصحّحه، كان في الشهرة بحيث لا يحتاج إلى الطريق، وأنت قلت: أنّ متون أخبار
الحلبي وأمثاله أدلّة (دالّة/ظ) على صحّتها، بخلاف أخبار الضعفاء والمجاهيل، بل ثقات ليس لهم فضل هؤلاء، ليس أخبارهم كأخبارهم؛ فتأمّل وتدبّر، واستفت قلبك، وإن أفتوك وأنت أفتوك.
أقول: لقد تأمّلتُ وتدّبرتُ، وامتثلت ما أمرتَ به، فرأيتُ في كلامك هذا نحو منافاة مع ما سبق منك قوله: ((وليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً)).
ثانياً: الحديث الذي رواه الصدوق في كتابه (العلل) في باب العلّة التي من أجلها لا تعول سهام المواريث، وهذا رواه أيضاً في (الفقيه) في باب إبطال العول في المواريث، ولفظه في الأوّل: ((حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله ، قال حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، قال: حدّثنا أيوب ابن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان ابن عبّاس يقول: إنّ الذي يحصي رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول من ستّة)))(1).
وهذا الحديث يا شيخ مررت عليه في الروضة مروراً عابراً دون الإشارة إلى تقييم السند! مع أنّ هذا الحديث قد أخرجه الشيخ الطوسي في (التهذيب) بطريق صحيح، وزيادة في آخره: (فمن شاء لاعنته عند الحجر، إنّ السهام لا تعول من ستّة)(2). قال سيّدنا الأُستاذ قدس سره في ترجمة سيف في
(معجم رجال الحديث): ((وطريق الصدوق إليه... كطريق الشيخ إليه صحيح...))(1).
والخبر رواه الكليني في (الكافي)(2)، ورواه المفيد في (أماليه)، وعنه في (مستدرك الوسائل)(3)، ولمّا كان الصدوق أخرجه في (الفقيه)(4)بتحقيق المرحوم سيّدنا الوالد رحمه الله ، فجاء في الهامش: ((لا خلاف عند العامّة أنّ ابن عبّاس لم يقل بالعول))، كما رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))(5)، و(سنن البيهقي)(6)، و(كنز العمّال)(7)، و(أحكام القرآن)(8)للجصّاص.
ثالثاً: ما رواه الكليني في (الكافي) بسنده: ((عن يوسف بن إبراهيم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعلَيَّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ، فنظر إليَّ، فقلت: جعلت فداك علَيَّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ فما تقول فيه؟ فقال: (وما بأس بالخزّ)، قلت، وسداه أبريسم؟ قال: (وما بأس بأبريسم، فقد أصيب الحسين عليه السلام وعليه جبّة خزّ)، ثمّ قال: (إنّ عبد الله بن عبّاس لمّا بعثه أمير
المؤمنين عليه السلام إلى الخوارج فواقفهم، لبس أفضل ثيابه، وتطيّب بأفضل طيبه، وركب أفضل مراكبه، فخرج فواقفهم، فقالوا: يا بن عبّاس! بينا أنت أفضل الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم، فتلا عليهم هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(1)، فالبس وتجمّل، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال وليكن من حلال)))(2).
إلى غير هذا ممّا لم يخف على الشيخ المجلسي الأوّل رحمه الله خبرُه، ولو سلّمنا جدلاً أن (ليس في أخبارنا خبر ينتهي إليه لا يكون طريقه ضعيفاً)، كما قال المرحوم، أو لا تكن تلك الكثرة الكاثرة، حجّة ظاهرة، على أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان من خير شيعة أهل البيت عليهم السلام ومن النخبة الطاهرة الفاخرة؟
ولنستودع الآن الشيخ المجلسي الأوّل (الأب)، ولنرجع إلى الشيخ المجلسي الثاني (الابن)، لنقرأ في موسوعة ابنه (بحار الأنوار)، ولا شكّ في أنّ تلك الموسوعة قد ضمّت ما حصل عليه صاحبها ممّا وصلت إليه يده، من آثار تتعلّق بأهل البيت عليهم السلام عقيدة وتاريخاً وثقافة وتراثاً، من مصادر تراثية، منها المعروف لدى القرّاء، ومنها ما لم يعرفوه من قبل، ولولاه لضاعت تلك الأصول التراثية، وقد بذل مشكوراً الجهد البالغ في جمع ذلك الشتات، ممّا تفرّق من ذلك التراث، وأدرجه في متفرّق أجزاء (البحار) حسب الموضوعات والأبواب، وأضاف بتعقيبات على ما يراه لا يخلو من
ملاحظة لبيان الغموض فيه، فجعل له عنوان (بيان) ولم يتعهّد بصحّة جميع ما في كتابه، على أنّه بذل جهداً جهيداً، وعانى مشكوراً مزيداً في دفع بعض الإشكاليات، ومع ذلك فقد بقي منها ما لم يُدفع بنظره، ومهما يكن فقد كان موفّقاً في اختياره الاسم لما فيه من معنى دلّ بنباهة على دفع ما يورد على بعض النصوص بالخصوص، فإنّ البحار وما فيها من عجائب الخلقة وأصناف المخلوقات من أنواع الحيوان والنبات، والشجر والمدر، وكما فيها اللؤلو والمرجان، كذلك فيها الصدف والخزف، وفي هذا الاسم ما يرفع الإصر وكثير مؤاخذةٍ عن شيخنا المجلسي الثاني (الابن)، لأنّه أورد في موسوعته ما عزّ وبزّ، كذلك ما هبّ ودبّ، وقد انتقيتُ من بحاره جملة أخبار صالحة ممّا تتعلّق بابن عبّاس في رحاب أهل البيت نسباً وسبباً، من دون تهميش اختصاراً للوقت.
ولا يسعني فعلاً إلاّ أن ابتسم عَجَباً لا سخرية! كيف قال المرحوم المجلسي الأوّل (الأب) ما قال، ورآه الابن المجلسي الثاني يقيناً، فكيف الموائمّة بين سلوكي الأب والابن في هذا المقام، لتناقض النتائج التي ظهرت للباحث؟! فتوصّل إليها مع احترام العالمَين العظيميَن، اللذَين تخالفا بغير خلاف بينهما، فذهب كلّ منهما في طريقه وإظهار رأيه... وليس هذا غريباً، فالنتائج وإن اختلفت فيبقى احترام الرأي الآخر على طبيعته.
وليس من الإطالة من غير طائل في عرضي لموقف المجلسيَيَن (الأب والابن)، بل الغرض إحاطة القارئ بكلّ ما أمكنني إيراده في سبيل ضمّ
الشتات في هذه الموسوعة، للتنبيه على أنّه ليس كلّ ما يراه القارئ هو من الحقائق الثابتة عن ابن عبّاس، ولا بدّ من التمييز بين الثابت واقعاً وبين الدخيل عليه حتّى صار بمثابة الثابت، للأنس بذكره في المصادر التراثية المنظورة، فكانت إزالة الرواسي الشامخات أيسر إزالة من محو ثابتٍ في الأذهان من قديم الزمان، ومع هذا يبقى الجميع على المحكّ بلا شكّ.
١ـ روضة الواعظين: روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: أساس الدين بني على العقل، وفرضت الفرائض على العقل، وربّنا يعرف بالعقل، ويتوسّل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربّه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من برّ العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام(1)
تنبيه: سنذكر أرقام الأجزاء والصفحات فقط للدلالة على موارد النصوص في البحار من دون تكرار ذكره. (المؤلّف).
.٢ـ عن ابن عبّاس مرفوعاً في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ(2)، قال: الحكمة: القرآن(3).
٣ـ أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن محمّد الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن زياد الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان تغلب(4)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يقول: (طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، ألا فاعرفوهم
1) - ١/٩٤.
2) - سورة البقرة/٢٦٩.
3) - ١/٢٢٠.
4) - وزان تضرب، هو أبان بن تغلب بن رباح، أبو سعيد البكري الجريري، مولى بني جرير بن عبادة بن صبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن بكر بن وائل، وجلالة قدره ووثاقته وتبحّره في العلوم مسلّمة عند العامّة والخاصّة، فمن شاء أزيد من هذا فليراجع إلى مظانه. (هامش الأصل).
بصفاتهم وأعيانهم: صنف منهم يتعلّمون للمراء والجهل(1)، وصنف منهم يتعلّمون للاستطالة والختل، وصنف منهم يتعلّمون للفقه والعقل(2).
فأمّا صاحب المراء والجهل، تراه مؤذياً ممارياً للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالتخشع، وتخلّى من الورع، فدقّ الله من هذا حيزومه، وقطع منه خيشومه.
وأمّا صاحب الاستطالة والختل، فإنّه يستطيل على أشباهه من أشكاله، ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم(3)، فأعمى الله من هذا بصره، وقطع من آثار العلماء أثره.
وأمّا صاحب الفقه والعقل(4)، تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه، وقد انحنى في برنسه، يعمل ويخشى، خائفاً وجلاً من كلّ أحد إلاّ من كلّ ثقة من إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه)(5).
٤ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن علي بن خالد المراغي، عن الحسن بن علي بن عمرو الكوفي، عن القاسم بن محمّد بن حمّاد الدلال، عن عبيد بن يعيش، عن مصعب بن سلام، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبّاس،
قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (تناصحوا في العلم فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله، وإن الله مسائلكم يوم القيامة)(1).
٥ـ غيبة الشيخ الطوسي: قرقارة(2)، عن أبي حاتم، عن محمّد بن يزيد الآدمي ــ بغدادي عابد ــ عن يحيى بن سليم الطائفي، عن سميل بن عباد، قال: سمعت أبا الطفيل يقول: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: (أظلّتكم فتنة مظلمة عمياء مكتنفة لا ينجو منها إلاّ النومة)، قيل: يا أبا الحسن وما النومة؟ قال: (الذي لا يعرف الناس ما في نفسه).
(بيان): قال الجزري: في حديث عليّ عليه السلام وذكر آخر الزمان والفتن، ثمّ قال: خير ذلك الزمان كلّ مؤمن نومة، النومة بوزن الهمزة: الخامل الذكر الذي لا يؤبه له(3). وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشرّ وأهله، وقيل: النَوَمة بالتحريك: الكثير النوم، فأمّا الخامل الذي لا يؤبه له فهو بالتسكين. ومن الأوّل حديث ابن عبّاس أنّه قال لعليّ عليه السلام: ما النومة؟ قال (الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء(4).
٦ـ الخصال: طاهر بن محمّد، عن محمّد بن عثمان الهروي، عن جعفر
ابن محمّد بن سوار، عن علي بن حجر السعدي، عن سعيد بن نجيح، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (من حفظ من أُمّتي أربعين حديثاً من السُنّة كنت له شفيعاً يوم القيامة)(1).
٧ـ وقد روت العامّة في ألم عن ابن عبّاس: أنّ (الألف) آلاء الله، و(اللام): لطفه، و(الميم): ملكه. وتأويلها: بأنّ المراد التنبيه على أنّ هذه الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب، وتمثيل بأمثلةَ حسنة، تكلّف مستغنى عنه(2).
٨ـ التوحيد، أمالي الصدوق: حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن الحسين بن يحيى بن الحسين، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلمصلّى الله عليه وآله: (والذي بعثني بالحقّ بشيراً لا يعذب الله بالنار موحِّداً أبداً، وإنّ أهل التوحيد ليشفعون فيشفّعون).
ثمّ قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار، فيقولون: يا ربّنا! كيف تدخلنا النار وقد كنّا نوحِّدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق بالنار ألسنتنا وقد نطقت بتوحيدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على أن لا إله إلا أنت؟ أم
كيف تحرق وجوهنا وقد عفرناها لك في التراب؟ أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء إليك؟
فيقول الله جلّ جلاله: عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنّم.
فيقولون: يا ربنا! عفوك أعظم أم خطيئتنا؟
فيقول تبارك وتعالى: بل عفوي.
فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا؟
فيقول عزّ وجلّ: بل رحمتي.
فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟
فيقول تعالى: بل إقراركم بتوحيدي أعظم.
فيقولون: يا ربنا! فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كلّ شيء.
فيقول الله جلّ جلاله: ملائكتي! وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليَّ من المقرّين بتوحيدي، وأن لا إله غيري، وحقّ عليَّ أن لا أصلي أهل توحيدي، ادخلوا عبادي الجنّة).
(بيان): قوله: (وحقّ عليّ) الظاهر أنّه اسم، أي: واجب ولازم عليَّ، ويمكن أن يقرأ على صيغة الماضي المعلوم والمجهول، قال الجوهري: قال الكسائي: يقال: حقّ لك أن تفعل هذا وحقّقت أن تفعل هذا بمعنى، وحقّ له أن يفعل كذا، وهو حقيق به ومحقوق به، أي: خليق له، وحقّ الشيء يحِقّ بالكسر، أي: وجب. وقال: يقال: صليت الرجل ناراً: إذا أدخلته النار وجعلته
يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاءاً كأنّك تريد الإحراق، قلت: أصليته (بالألف) وصليته تصلية. وقال: صلّى فلان النار يصلى صلياً احترق(1).
٩ـ التوحيد: ماجيلويه، عن عمّه، عن محمّد بن علي القرشي، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن يعلى الكوفي، عن جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! علّمني من غرائب العلم؟
قال: ما صنعت في رأس العلم حتّى تسأل عن غرائبه؟
قال الرجل: ما رأس العلم يا رسول الله؟
قال: معرفة الله حقّ معرفته.
قال الأعرابي: وما معرفة الله حقّ معرفته؟
قال: تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا نِدّ، وأنّه واحد أحد ظاهر باطن أوّل آخر، لا كفو له ولا نظير، فذلك حقّ معرفته(2).
(بيان): النِدّ بالكسر: المثل.
١٠الكفاية: أبو المفضل الشيباني، عن أحمد بن مطوق بن سوار، عن المغيرة بن محمّد بن المهلب، عن عبد الغفّار بن كثير، عن إبراهيم بن حميد، عن أبي هاشم، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قدم يهودي على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ــ يقال له: نعثل ــ فقال: يا محمّد! إنّي سائلك عن أشياء تلجلج
في صدري منذ حين، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك.
قال: سل يا أبا عمارة.
فقال: يا محمّد! صف لي ربّك؟
فقال عليه السلام: (إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي يعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نأيه كيّف الكيفية فلا يقال له: كيف، وأيّن الأين فلا يقال له: أين، هو منقطع الكيفوفية والأينونية، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد).
قال: صدقت يا محمّد! أخبرني عن قولك: إنّه واحد لا شبيه له، أليس الله واحد والإنسان واحد، فوحدانيته أشبهت وحدانية الإنسان؟
فقال عليه السلام: (الله واحد وأحديّ المعنى، والإنسان واحد ثنوي المعنى، جسم وعرض، وبدن وروح، فإنّما التشبيه في المعاني لا غير).
قال: صدقت يا محمّد(1).
١١التوحيد: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن الضبّي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، قال: بينما ابن عبّاس يحدّث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يا بن عبّاس! تفتي في النملة والقملة، صف لنا إلهك الذي تعبده؟
1) - ٣/٣٠٣ ــ ٣٠٤.
فأطرق ابن عبّاس إعظاماً لله عزّ وجلّ، وكان الحسين بن عليّ عليه السلام جالساً ناحية، فقال: إليّ يا بن الأزرق!
فقال: لست إياك أسأل!
فقال ابن عبّاس: يا بن الأزرق! إنّه من أهل بيت النبوّة، وهم ورثة العلم.
فأقبل نافع بن الأزرق نحو الحسين عليه السلام.
فقال له الحسين عليه السلام: (يا نافع! إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل.
يا بن الأزرق! أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه: لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيد غير متقص، يوحّد ولا يبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال).
(بيان): على القياس، أيّ مقايسة الربّ تعالى بالخلق، أو الأعمّ، أي: الحكم بالعقل في الله تعالى ودينه، والتقصي: غاية البعد(1).
١٢وحدّثنا(2)أحمد بن الحسن القطّان، عن السكري، عن الجوهري، عن العبّاس بن بكار الضبّي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن
عبّاس، قالوا: لمّا انصرف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام من صفّين، قام إليه شيخ ممّن شهد الوقعة معه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن مسيرنا هذا أبقضاء من الله وقدر؟
ــ وقال الرضا في روايته عن آبائه، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر؟ــ
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أجل يا شيخ! فوالله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر.
فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين(1).
فقال: مهلاً يا شيخ! لعلك تظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسيء لائمة، ولا لمحسن محمدة، ولكان المحسن أولى
1) - الظاهر كما يستفاد من الكافي سقوط جملة من هنا إمّا من الصدوق، أو من النسّاخ ومن روى الحديث عنه، وهي في الكافي هكذا; فقال له: مه يا شيخ! فوالله لقد عظم الله الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفى مقامكم وأنتم مقيمون، وفى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين. فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال له: وتظنّ أنّه كان قضاءاً حتماً. إه، وأورد مثله العلاّمة في شرح التجريد في باب القضاء والقدر بإسناده عن الأصبغ مع اختلاف نشير إليه بعد ذلك. وفيه أيضاً بعد قوله يا أمير المؤمنين، قوله: ما أرى لي من الأجر شيئاً. ويأتي نحوه أيضاً في خبر ١٩ من الباب الثالث مع زيادة. (هامش الأصل).
باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها.
يا شيخ! إنّ الله عزّ وجلّ كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً(1)،ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(2).
قال: فنهض الشيخ وهو يقول:
أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته *** يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً *** جزاك ربّك عنّا فيه إحسانا
فليس معذرة في فعل فاحشة *** قد كنت راكبها فسقاً وعصيانا
لا لا ولا قايلاً ناهيه أوقعه *** فيها عبدت إذا يا قوم شيطانا
ولا أحبّ ولا شاء الفسوق ولا *** قتل الولي له ظلماً وعدوانا
أنّى يحبّ وقد صحّت عزيمته؟ *** ذو العرش أعلن ذاك الله إعلانا
لم يذكر محمّد بن عمر الحافظ في آخر هذا الحديث من الشعر إلاّ بيتين من أوّله(3)
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً *** جزاك ربّك بالإحسان إحسانا
كسابقه.
.١٣وقال رحمه الله(1): في قوله تعالى: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً(2)، أي: كتب وقدر أجلاً، وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ(3)، قيل: فيه أقوال: أحدها: أنّه يعني بالأجلين: أجل الحياة إلى الموت، وأجل الموت إلى البعث.
وروى ابن عبّاس، قال: قضى أجلاً من مولده إلى مماته، وأجل مسمّى عنده من الممات إلى البعث، لا يعلم أحد ميقاته سواه، فإذا كان الرجل صالحاً واصلاً لرحمه زاد الله له في أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل نقصه الله من أجل الحياة، وزاد في أجل المبعث، قال: وذلك قوله: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ(4).
١٤قصص الأنبياء: الصدوق، عن جعفر بن محمّد بن شاذان، عن أبيه، عن الفضل، عن محمّد بن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال عزير(5): يا ربّ! إنّي نظرت في جميع أمورك وإحكامها فعرفت عدلك بعقلي، وبقي باب لم أعرفه: إنّك تسخط على أهل البليّة فتعمّهم بعذابك وفيهم الأطفال! فأمره الله تعالى أن يخرج
إلى البرية وكان الحرّ شديداً، فرأى شجرة فاستظلّ بها ونام، فجاءت نملة فقرصته، فدلك الأرض برجله فقتل من النمل كثيراً، فعرف أنّه مثل ضرب، فقيل له: يا عزيز! إنّ القوم إذا استحقّوا عذابي قدرت نزوله عند انقضاء آجال الأطفال فماتوا أولئك بآجالهم وهلك هؤلاء بعذابي.
(بيان): القرص: أخذك لحم إنسان بإصبعك حتّى تؤلمه، ولسع البراغيث، والقبض والقطع; كذا ذكره الفيروزآبادي.
أقول: لعلّه تعالى إنّما أراه قصّة النمل لبيان أنّ الحكمة قد تقتضي تعميم البلية والانتقام لرعاية المصالح العامّة. وحاصل الجواب: إنّ الله تعالى كما أنّه يميت الأطفال متفرّقاً إما لمصلحتهم أو لمصلحة آبائهم أو لمصلحة النظام الكلّي، كذلك قد يقدّر موتهم جميعاً في وقت واحد لبعض تلك المصالح، وليس ذلك على جهة الغضب عليهم، بل هي رحمة لهم لعلمه تعالى بأنّهم يصيرون بعد بلوغهم كفّاراً، أو يعوّضهم في الآخرة، ويميتهم لردع سائر الخلق عن الاجتراء على مساخط الله، أو غير ذلك، مع أنّه ليس يجب على الله تعالى إبقاء الخلق أبداً، فكلّ مصلحة تقتضي موتهم في كبرهم يمكن جريانها في موتهم عند صغرهم، والله تعالى يعلم(1).
١٥قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ(2)، أي: وكّل بقبض أرواحكم، عن ابن عبّاس، قال: جعلت
الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء إذا قضى عليه الموت من غير عناء، وخطوته ما بين المشرق والمغرب. وقيل: إنّ له أعوانا كثيرة من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فعلى هذا، المراد بملك الموت الجنس، ويدلّ عليه قوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا(1)، وقوله: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ(2)، وأمّا إضافة التوفّي إلى نفسه في قوله: يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا(3)، فلأنّه سبحانه خلق الموت ولا يقدر عليه أحد سواه(4).
١٦وروى ابن عبّاس: عذاب القبر أثلاث: ثلث للغيبة، وثلث للنميمة، وثلث للبول(5)(6).
١٧تفسير علي بن إبراهيم: فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ(7)، يعني القيامة، أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا(8)، فإنّه حدّثني أبي، عن سليمان بن مسلم الخشّاب(9)، عن عبد
1) - سورة الأنعام/٦١.
2) - سورة النحل/٢٨.
3) - سورة الزمر/٤٢.
4) - بحار الأنوار ٦/١٤٠.
5) - أي: لعدم التوقّي من البول. وقد وردت روايات تدلّ على النهي عن الاستحقار بالبول، وعن عدم المبالات بإصابة البول الجسد، أبواب التخلّي من الكتاب ومن الوسائل. (هامش الأصل).
6) - ٦/٢٤٥.
7) - سورة محمّد/١٨.
8) - سورة محمّد/١٨.
9) - بفتح الخاء وتشديد الشين: بياع الخشب. والخبر يشتمل على الانباء بجلائل من الأمور التي تقع بعده صلي الله عليه وآله وسلم التي لا يطلع عليه إلاّ من له صلة بعالم الغيب وعلام الغيوب، ففيه من أعلام النبوّة وآيات الرسالة ما يبصر كلّ ناظر ويرشده إلى الإيمان بنبوّة خاتم النبيّين صلي الله عليه وآله وسلم. (هامش الأصل).
الله بن جريج المكّي، عن عطاء بن أبي رياح، عن عبد الله بن عبّاس، قال: حججنا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حجّة الوداع، فأخذ باب الكعبة(1)ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: (ألا أخبركم بأشراط الساعة؟)
ــ وكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان رضي الله عنه ــ فقال: بلى يا رسول الله.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ من أشراط القيامة إضاعة الصلاة، واتّباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم المال(2)، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن وجوفه كما يذوب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! إنّ عندها أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة).
فقال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده، يا سلمان! إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وائتمن الخائن(3)، ويخون الأمين، ويُصدّق الكاذب، ويُكذّب الصادق).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! فعندها إمارة النساء، ومشاورة الإماء، وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب طُرفاً، والزكاة مغرماً، والفيئ مغنماً، ويجفو الرجل والديه، ويبرّ صديقه، ويطلع الكوكب المذنّب).
قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (أي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة، ويكون المطر قيظاً، ويغيض الكرام غيضاً، ويُحتقر الرجل المُعسر، فعندها يقارب الأسواق، إذا قال هذا: لم أبع شيئاً(1)، وقال هذا: لم أربح شيئاً، فلا ترى إلاّ ذاماً لله).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! فعندها يليهم أقوام، إن تكلّموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم ليستأثروا بفيئهم(2)، وليطؤون حرمتهم، وليسفكنّ دماءهم، ولتملأنّ قلوبهم رعباً، فلا تراهم إلاّ وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: إنّ عندها يؤتى بشيء من
المشرق وشيء من المغرب يلوّن أُمّتي(1)، فالويل لضعفاء أُمّتي منهم، والويل لهم من الله، لا يرحمون صغيراً، ولا يوقّرون كبيراً، ولا يتجاوزون عن مسيء، أخبارهم خناء، جثتهم جثة الآدميين(2)، وقلوبهم قلوب الشياطين).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان(3)كما يغار على الجارية في بيت أهلها، ويشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، ويركبن ذوات الفروج السروج، فعليهن من أُمّتي لعنة الله).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! إنّ عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس(4)وتحلّى المصاحف، وتطول المنارات، وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة وألسن مختلفة).
قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. وعندها تحلّى ذكور أُمّتي بالذهب،
ويلبسون الحرير والديباج، ويتّخذون جلود النمور صفاقاً(1)).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها يظهر الربا، ويتعاملون بالغيبة والرشاء(2)، ويوضع الدين، وترفع الدنيا).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها يكثر الطلاق، فلا يقام لله حدّ، ولن يضرّ الله شيئاً).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها تظهر القينات والمعازف، ويليهم أشرار أُمّتي).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! وعندها تحجّ أغنياء أُمّتي للنزهة، وتحجّ أوساطها للتجارة، وتحجّ فقراؤهم للرياء والسمعة، فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير الله، ويتّخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقّهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنا، ويتغّنون بالقرآن، ويتهافتون بالدنيا(3)).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! ذاك إذا انتهكت المحارم، واكتسبت المآثم، وسلّط الأشرار على الأخيار، ويفشو الكذب، وتظهر اللجاجة، ويفشو الحاجة(1)، ويتباهون في اللباس، ويمطرون في غير أوان المطر، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الأُمّة(2)، ويظهر قراؤهم وعبّادهم فيما بينهم التلاوم، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات: الأرجاس والأنجاس).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! فعندها لا يخشى الغنيّ إلاّ الفقر(3)، حتّى أنّ السائل ليسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في يده شيئاً).
قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟!
قال صلي الله عليه وآله وسلم، (إي والذي نفسي بيده. يا سلمان! عندها يتكلّم الرويبضة).
فقال: وما الرويبضة يا رسول الله فداك أبي وأُمّي؟
قال صلي الله عليه وآله وسلم: (يتكلّم في أمر العامّة من لم يكن يتكلّم، فلم يلبثوا إلاّ قليلاً حتّى تخور الأرض خورة، فلا يظنّ كلّ قوم إلاّ أنّها خارت في ناحيتهم
فيمكثون ما شاء الله، ثمّ ينكتون في مكثهم، فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها ــ قال: ذهب وفضّة ــ ثمّ أومأ بيده إلى الأساطين، فقال: (مثل هذا، فيومئذ لا ينفع ذهب ولا فضّة)، فهذا معنى قوله: أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا.
(بيان): قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (ويكون الكذب طرفاً)، أي: يستطرفه الناس ويعجبهم، والكوكب المذنّب: ذو الذنب. وقال الجزري: يوم قائظ: شديد الحرّ، ومنه حديث أشراط الساعة: يكون الولد غيظاً، والمطر قيظاً، لأنّ المطر إنّما يراد للنبات وبرد الهواء، والقيظ ضدّ ذلك. انتهى. ويقال: استباحهم، أي: استأصلهم.
قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (يلون أُمّتي من اللون)، أي: يتلونون ويتزينون بألوان مختلفة ممّا يؤتى إليهم من المشرق والمغرب.
قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (ويتّخذون جلود النمور صفاقاً)، أي: يرققونها ويلبسونها، والثوب الصفيق: ضدّ السخيف، أو يعملونها للدف والعود وسائر آلات اللهو، يقال: صفق العود، أي: حرّك أوتاره، والصفق: الضرب يسمع له صوت، والقينة: الأمة المغنّية، والمعازف: الملاهي كالعود والطنبور.
قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (يتخذونه مزامير)، أي: يتغنّون به. قال الجزري: في حديث أبي موسى: سمعه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقرأ، فقال: (لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود)، شبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار. انتهى.
والتهافت: التساقط، والكوبة بالضم: النرد، والشطرنج، والطبل الصغير المخصّر والبربط.
وقال الجزري: في حديث أشراط الساعة: أن ينطق الرويبضة في أمر العامّة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: (الرجل التافه يتكلّم في أمر العامّة)، والرويبضة تصغير الرابضة وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة، والتافه: الحقير الخسيس.
وقال صلي الله عليه وآله وسلم في أشراط الساعة: (تقئ الأرض أفلاذ كبدها)، أي: تخرج كنوزها المدفونة فيها، وهو استعارة، والأفلاذ جمع فلذ، والفلذ جمع فلذة، وهي القطعة المقطوعة طولاً، ومثله قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(1)انتهى.
وخار الثور: صاح(2).
١٨والبغتة: الفجأة. قال ابن عبّاس: تهجم الصيحة بالناس وهم في أسواقهم(3).
١٩وفي قوله تعالى: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ(4)، أي: من القبر، عن ابن عبّاس: يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور بعدما يصوّر الصور في القبور، فيخرج الخلائق كلّهم من قبورهم، إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ(5)من الأرض أحياءاً(6).
٢٠وفي قوله تعالى: فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ(1)، يعني: صيحة القيامة، عن ابن عبّاس(2).
٢١ـوَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(3)، أي: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها، حتّى امتلأت، وقيل: إنّ المعنى: فجر بعضها في بعض فصارت البحور كلّها بحراً واحداً ويرتفع البرزخ، وقيل: أي أوقدت فصارت ناراً تضطرم، عن ابن عبّاس(4).
٢٢ـوَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ(5)، أي: تساقطت وتهافتت، قال ابن عبّاس: سقطت سوداً لا ضوء لها(6).
٢٣وقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(7)، معناه: أنّ الأرض تحدّث فتقول: إنّ ربّك يا محمّد أوحى لها، أي: ألهمها وعرفها بأن تحدّث أخبارها، وقيل: بأن تلقي الكنوز والأموات على ظهرها، يقال: أوحى له وإليه، أي: ألقى إليه من جهة تخفى، قال الفراء: تحدّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، وقال ابن عبّاس: أُذن لها بأن تخبر بما عمل عليها(8).
٢٤وحدّثنا سعيد بن محمّد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ(1)، يريد: أوقدت للكافرين، والجحيم: النار الأعلى من جهنّم، والجحيم في كلام العرب: ما عظم من النار، كقوله عزّ وجلّ: ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ(2)، يريد: النار العظيمة، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ(3)، يريد: قربت لأولياء الله من المتّقين(4).
٢٥تفسير علي بن إبراهيم: سعيد بن محمّد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(5)، يريد: الملك، والقدرة، والسلطان، والعزّة، والجبروت، والجمال، والبهاء، والإلهية، لا شريك له(6).
٢٦أمالي الصدوق: علي بن أحمد بن موسى، عن محمّد الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن أحمد التميمي، عن أبيه، عن عبد الملك بن عمير الشيباني، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم :
(أنا أكثر النبيّين تبعاً يوم القيامة)، الخبر(1).
٢٧الاحتجاج: ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، قال: (إنّ في الجنّة عشرين ومائة صف، أُمّتي منها ثمانون صفاً)(2)، الخبر.
٢٨وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ(3)، وجوه: أحدها: ما روي عن ابن عبّاس، أنّه قال: كان وعيد الكفّار مبهماً غير مقطوع به، ثمّ قطع به بقوله سبحانه: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ(4)(5).
٢٩ـوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ(6)، أي: تتشقّق السماء وعليها غمام، كما يقال: ركب الأمير بسلاحه، وقيل: تتشقّق السماء عن الغمام الأبيض، وإنّما تتشقّق لنزول الملائكة، وهو قوله: وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً(7)، وقال ابن عبّاس: تتشقّق السماء الدنيا، فينزل أهلها وهم أكثر ممّن في الأرض من الجنّ والإنس، ثمّ تتشقّق السماء الثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممّن في السماء الدنيا ومن الجنّ والإنس، ثمّ كذلك حتّى تتشقّق السماء السابعة، وأهل كلّ سماء يزيدون على أهل كلّ سماء التي قبلها(8).
٣٠ـفَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا(1)، قال ابن عبّاس: أي: فمنها يصل الخير إليه، والمعنى: فله من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمان من العقاب، فخير ههنا اسم وليس بالذي هو بمعنى الأفضل(2).
٣١ـفَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ(3)، أي: في الجنّة ينعمون ويسرّون سروراً يتبين أثره عليهم، وقال ابن عبّاس: أي: يكرمون(4).
٣٢ـعَبُوساً(5)، أي: مكفهراً تعبس فيه الوجوه، ووصف اليوم بالعبوس توسعاً لما فيه من الشدّة، قال ابن عبّاس: يعبس فيه الكافر حتّى يسيل من بين عينيه مثل القطران(6).
٣٣ـتَصْلَى نَاراً حَامِيَةً(7)، قال ابن عبّاس: قد حميت فهي تتلظّى على أعداء الله(8).
٣٤وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الضريع: شيء يكون في النار يشبه الشوك، أمرّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرّاً من النار،
سمّاه الله الضريع)(1).
٣٥ـفِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ(2)، قال ابن عبّاس: ألواحها من ذهب مكلّلة بالزبرجد والدرّ والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتّى يجلس عليها، ثمّ ترتفع إلى موضعها(3).
٣٦حدّثنا سعيد بن محمّد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغنيّ بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله: مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(4)، يريد: منافع لكم ولأنعامكم(5).
٣٧مجالس المفيد: المراغي، عن أبي عبد الله الأسدي، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن يحيى بن هاشم، عن أبي الصباح، عن عبد الغفور الواسطي، عن عبد الله بن محمّد القرشي، عن الحسن بن علي الراسبي، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الشاكّ في فضل عليّ بن أبي طالب عليه السلام يحشر يوم القيامة من قبره وفي عنقه طوق من نار فيه ثلاثمائة شعبة، على كلّ شعبة منها شيطان يكلح في وجهه(6)ويتفل فيه)(7).
٣٨ثواب الأعمال: عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من بنى بناءاً رياءاً وسمعة حمل يوم القيامة(1)إلى سبع أرضين، ثمّ يُطوّقه ناراً توقد في عنقه ثمّ يرمى به في النار، ومن خان جاره شبراً من الأرض طوّقه الله يوم القيامة إلى سبع أرضين ناراً حتّى يدخله جهنّم، ومن نكح امرأة حراماً في دبرها أو رجلاً أو غلاماً حشره الله يوم القيامة أنتن من الجيفة تتأذّى به الناس حتّى يدخل جهنّم، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً(2)، وأحبط الله عمله، ويدعه في تابوت مشدود بمسامير من حديد، ويضرب عليه في التابوت بصفائح حتّى يشتبك في تلك المسامير، فلو وضع عرق من عروقه على أربعمائة أُمّة لماتوا جميعاً، وهو أشدّ الناس(3)عذاباً، ومن ظلم امرأة مهرها فهو عند الله زان، يقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة: عبدي زوّجتك أمتي على عهدي فلم تف لي بالعهد، فيتولّى الله طلب حقّها، فيستوعب حسناته كلّها فلا يفي بحقّها، فيؤمر به إلى النار، ومن رجع عن شهادة وكتمها أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق، ويدخل النار(4)وهو يلوك لسانه، ومن كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله جاء يوم القيامة مغلولاً مائلاً شقّه(5)حتّى يدخل النار، ومن صافح امرأة حراماً جاء يوم
القيامة مغلولاً ثمّ يؤمر به إلى النار، ومن فاكه امرأة لا يملكها حبس بكلّ كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام(1)، والمرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها حراماً أو قبلها أو باشرها حراماً أو فاكهها فأصاب بها فاحشة فعليها من الوزر ما على الرجل، وإن غلبها على نفسها كان على الرجل وزره ووزرها، ومن لطم خدّ مسلم لطمة بدّد الله عظامه(2)يوم القيامة، ثمّ سلّط عليه النار وحشر مغلولاً حتّى يدخل النار، ومن مشى في نميمة بين اثنين سلّط الله عليه في قبره ناراً تحرقه إلى يوم القيامة، فإذا خرج من قبره سلّط الله تعالى عليه(3)أسود ينهش لحمه حتّى يدخل النار، ومن بغى على فقير وتطاول عليه واستحقره حشره الله تعالى يوم القيامة مثل الذرّة في صورة رجل حتّى يدخل النار، ومن رمى محصناً أو محصنة أحبط الله تعالى عمله وجلده يوم القيامة سبعون ألف ملك من بين يديه ومن خلفه ثمّ يؤمر به إلى النار، ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله عزّ وجلّ من سمّ الأساود(4)، ومن سم العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها، فإذا شربها تفسخ لحمه وجلده كالجيفة، يتأذّى به أهل الجمع حتّى يؤمر به إلى النار، وشاربها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه(5)
وآكل ثمنها سواء في عارها وإثمها، ألا ومن سقاها يهودياً أو نصرانياً أو صابياً أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها، ومن شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذمّي أو من كان من الناس علّق بلسانه يوم القيامة وهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ومن ملا عينه من مرأة حراماً حشره الله يوم القيامة مسمّراً بمسامير من نار حتّى يقض(1)الله تعالى بين الناس ثمّ يؤمر به إلى النار، ومن أطعم طعاماً رياءاً وسمعة أطعمه الله مثله من صديد جهنّم وجعل ذلك الطعام ناراً في بطنه حتّى يقضي بين الناس، ومن تعلم القرآن ثمّ نسيه متعمّداً لقى الله تعالى يوم القيامة مجذوماً مغلولاً ويسلّط عليه بكلّ آية حيّة موكلة به، ومن تعلّم فلم يعمل به وآثر عليه حبّ الدنيا وزينتها استوجب سخط الله عزّ وجلّ وكان في الدرك الأسفل(2)مع اليهود والنصارى، ومن قرأ القرآن يريد به السمعة والرياء بين الناس لقى الله عزّ وجلّ يوم القيامة ووجهه مظلم ليس عليه لحم، وزخ القرآن في قفاه حتّى يدخله النار ويهوى فيها مع من يهوى، ومن قرأ القرآن ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى، فيقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً(3)؟ فيقال: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى(4)،
فيؤمر به إلى النار، ومن تعلم القرآن يريد به رياءاً وسمعة ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو يطلب به الدنيا بدّد الله عزّ وجلّ عظامه يوم القيامة، ولم يكن في النار أشدّ عذاباً منه، وليس نوع من أنواع العذاب إلاّ يعذب به من شدّة غضب الله وسخطه(1)، ومن صبر على سوء خلق امرأته احتساباً(2)، أعطاه الله تعالى بكلّ مرّة يصبر عليها من الثواب مثل ما أعطى أيوّب عليه السلام على بلائه، فكان عليها من الوزر في كلّ يوم وليلة مثل رمل عالج(3)، فإن مات قبل أن تعينه وقبل أن يرضى عنها حشرت يوم القيامة منكوسة مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ومن تولّى عرافة(4)قوم حبس على شفير جهنّم بكلّ يوم ألف سنة، وحشر ويده مغلولة إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله أطلقه الله، وإن كان ظالماً هوى به في نار جهنّم سبعين خريفاً، ومن مشى في عيب أخيه وكشف عورته كانت أوّل خطوة خطاها ووضعها في جهنّم، وكشف الله عورته على رؤوس الخلائق، ومن بنى على ظهر الطريق ما يأوى به عابر سبيل بعثه الله عزّ وجلّ يوم القيامة على نجيب من نور(5)ووجهه يضئ لأهل الجمع نوراً حتّى يزاحم إبراهيم خليل الرحمن في قبّته، فيقول أهل الجمع: هذا ملك من الملائكة)(6).
1) - في المصدر: غضب الله عليه وسخطه. م، كسابقه.
2) - في المصدر: على سوء خلق امرأة واحتسبه. م، كسابقه.
3) - أي: رمل متراكم، كسابقه.
4) - العرافة: تدبير أمور القوم والقيام بسياستهم، كسابقه.
5) - في المصدر: مأوى لعابري سبيل بعثه الله يوم القيامة على تخت من درّ، كسابقه.
6) - الراوي لهذه الخطبة عنه صلي الله عليه وآله وسلم أبو هريرة وابن عبّاس وهي أخر خطبة خطبها صلي الله عليه وآله وسلم، وبها ختم كتاب عقاب الأعمال أيضاً. م، كسابقه.
أقول: ستأتي الخطبة بتمامها وإسنادها وشرحها في أبواب الأوامر والنواهي(1).
٣٩وروي أيضاً تأويل آخر عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية ــ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا...(2)ــ فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا السور، وعليّ الباب)(3).
٤٠مجالس المفيد، أمالي الطوسي: المفيد، عن الحسن بن علي بن الفضل الرازي، عن علي بن أحمد العسكري، عن محمّد بن هارون الهاشمي، عن إبراهيم بن مهدي الابلي، عن إسحاق بن سليمان الهاشمي، عن أبيه، عن هارون الرشيد، عن أبيه المهدي، عن الدوانيقي، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (يا أيّها الناس! نحن في القيامة ركبان أربعة ليس غيرنا)، فقال له قائل: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله من الركبان؟
قال: (أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه، وابنتي فاطمة على ناقتي العضباء(4)، وعليّ بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة، خطامها من اللؤلؤ الرطب، وعيناها من ياقوتتين حمراوين، وبطنها من
زبرجد أخضر، عليها قبّة من لؤلؤة بيضاء يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، ظاهرها من رحمة الله، وباطنها من عفو الله، إذا أقبلت زفت، وإذا أدبرت زفت، وهو أمامي، على رأسه تاج من نور يضئ لأهل الجمع، ذلك التاج له سبعون ركناً، كلّ ركن يضئ كالكوكب الدرّي في أفق السماء، بيده لواء الحمد، وهو ينادي في القيامة: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فلا يمرّ بملأ من الملائكة إلاّ قالوا: نبيّ مرسل، ولا يمرّ بنبيّ إلاّ يقول: ملك مقرّب، فينادي مناد من بطنان العرش: يا أيّها الناس! ليس هذا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب، وتجئ شيعته من بعده، فينادي مناد لشيعته: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، فيأتيهم النداء: أيّها العلويون أنتم آمنون ادخلوا الجنّة مع من كنتم توالون)(1).
٤١الخصال، أمالي الصدوق: العطّار، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن الأصم، عن عبد الله البطل، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم وهو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: (يا معشر الأنصار! يا معشر بني هاشم! يا معشر بني عبد المطّلب! أنا محمّد، أنا رسول الله، ألا إنّي خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا، وعليّ، وحمزة، وجعفر).
فقال قائل: يا رسول الله! هؤلاء معك ركبان يوم القيامة؟
1) - ٧/٢٣٠ ــ ٢٣١.
فقال: (ثكلتك أُمّك(1)إنّه لن يركب يومئذ إلاّ أربعة: أنا، وعليّ، وفاطمة: وصالح نبيّ الله، فأمّا أنا فعلى البراق، وأمّا فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء، وأمّا صالح فعلى ناقة الله التي عقرت، وأمّا عليّ فعلى ناقة من نوق الجنّة، زمامها من ياقوت، عليه حلتان خضراوان(2)، فيقف بين الجنّة والنار وقد ألجم الناس العرق يومئذ، فتهب ريح من قبل العرش فتنشف عنهم عرقهم، فيقول الملائكة المقرّبون والأنبياء والصدّيقون: ما هذا إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، فينادي مناد من قبل العرش: معشر الخلائق إنّ هذا ليس(3)بملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، ولكنّه عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله في الدنيا والآخرة)(4).
(بيان): قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (لن يركب يومئذ إلاّ أربعة)، لعلّ هذا مختصّ ببعض مواطن القيامة لا جميعها، لئلا ينافي الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ المتّقين ركبان يوم القيامة، ويؤيّده قوله صلي الله عليه وآله وسلم في الخبر الآتي: (يأتي على الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكب إلاّ نحن أربعة)، وفي (النهاية): في الحديث: يبلغ العرق منهم ما يلجمهم، أي: يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام يعني في المحشر يوم القيامة(5).
٤٢أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمّد بن أحمد بن الحسين، عن خزيمة بن ماهان، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يأتي على الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكب إلاّ نحن أربعة).
فقال له العبّاس بن عبد المطّلب عمّه: فداك أبي وأُمّي من هؤلاء الأربعة؟
قال: (أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه، وعمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء، وأخي عليّ بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنّة مدبجة الجنبين، عليه حلّتان خضراوان من كسوة الرحمن، على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركناً، على كلّ ركن ياقوتة حمراء تضيء للراكب مسيرة ثلاثة أيام، وبيده لواء الحمد، ينادي: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فيقول الخلائق: من هذا؟ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو حامل عرش؟ فينادي مناد من بطن العرش: ليس بملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول الله ربّ العالمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين في جنّات النعيم)(1)(2).
1) - ٧/٢٣٣.
2) - رواه ابن طاووس أيضاً في كتابه اليقين ص٢٢ بإسناده عن الخوارزمي، عن مهذب الأئمّة أبى المظفّر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني، عن أبي القاسم أحمد بن عمر المقرى، عن عاصم بن الحسين بن محمّد، عن عبد الواحد بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن سعيد، وبأسانيد أُخرى عن ابن عقدة في ص١٦٣ و١٦٦.(هامش الأصل).
٤٣الخصال: أبو بكر محمّد بن علي بن إسماعيل، عن عبد الله بن زيدان البلخي فيما قرأه عليه ابن عقدة، عن علي بن المثنى، عن زيد بن حباب، عن عبد الله بن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله عليه السلام: (ما في القيامة راكب غيرنا، ونحن أربعة).
فقام إليه العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: من هم يا رسول الله؟
فقال: (أمّا أنا فعلى البراق، ووجهها كوجه الإنسان، وخدّها كخدّ الفرس، وعرفها من لؤلؤ مسموط، وأذناها زبرجدتان خضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة تتوقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس، يتحدّر من نحرها الجمان مطوية الخلق، طويلة اليدين والرجلين، لها نفس كنفس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل).
قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟
قال: (وأخي صالح على ناقة الله عزّ وجلّ التي عقرها قومه).
قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟
قال: (وعمّي حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله وأسد رسوله سيّد الشهداء على ناقتي العضباء).
قال العبّاس: ومن يا رسول الله؟
قال: (وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنّة، زمامها من لؤلؤ رطب عليها محمل من ياقوت أحمر، قضبانه من الدرّ الأبيض، على رأسه تاج من نور،
عليه حلّتان خضراوان، بيده لواء الحمد وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّداً رسول الله، فيقول الخلائق: ما هذا إلاّ نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، فينادي مناد من بطنان العرش: ليس هذا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول ربّ العالمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين)(1)
أقول: لقد كررّ المجلسي رحمه الله نقل هذا الخبر من عدّة مصادر كما مرّ نقلاً عن أمالي الطوسي وخصال الصدوق، ونقله بعد هذا عن كشف اليقين للعلاّمة الحلّي وهو عن كفاية الطالب للكنجي الشافعي.
وأشار إليه مرّة رابعة عن كشف اليقين عن جزء عليه رواية القطيعي وحسبنا منه ما في المقام. (مهدي).
. قال الصدوق رضي الله عنه: هذا حديث غريب لما فيه من ذكر البراق ووصفه، وذكر حمزة بن عبد المطّلب.(ج١ ص٩٥).إيضاح: اللؤلؤ المسموط: المنظوم في السمط، وهو بالكسر: خيط النظم، وقال الجزري: في صفته صلي الله عليه وآله وسلم: يتحدّر منه العرق مثل الجمان: هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حبّ يتّخذ من الفضّة أمثال اللؤلؤ.
قوله صلي الله عليه وآله وسلم: مطوية الخلق، أي: متقارب الأعضاء مندمجها، وقال الجزري فيه: كان اسم ناقته العضباء هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء، أي:
1) - قلت: وأخرجه ابن طاوس عن مجموعة لورام بن أبي فراس حكاه فيه عن ناظر الحلّة ابن الحداد ممّا انتقاه من تاريخ الخطيب يرفعه عن جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وفيه: على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركناً ما من ركن إلاّ وفيه ياقوتة حمراء تضئ للراكب المحّث ثلاثة أيام، عليه حلتان اه. وفيه: أو ملك مقرّب، أو حامل عرش. كسابقه.
مشقوقة الأذن ــ ولم تكن مشقوقة الأذن ــ وقال بعضهم: إنّها كانت مشقوقة الأذن، والأوّل أكثر، وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء وهي القصيرة اليد، انتهى.
قوله: هذا حديث غريب لمّا كانت الأخبار السابقة التي رواها الصدوق رحمه الله خالية عن وصف البراق، مشتملة على ذكر فاطمة عليها السلام مكان حمزة، وصف هذا الحديث بالغرابة، وأمّا وجه الجمع بينها في ذكر فاطمة وحمزة عليها السلام فبالحمل على اختلاف المواطن، إذ يمكن أن تكون فاطمة عليها السلام في بعض المواطن راكبة على الناقة العضباء، وفي بعضها على ناقة الجنّة، كما سيأتي في باب فضائلها أخبار كثيرة دالّة على أنّها تركب في القيامة على ناقة الجنّة، فقوله صلي الله عليه وآله وسلم في هذا الخبر: (ما في القيامة راكب غيرنا)، أي: من الرجال، والله يعلم(1).
٤٤تفسير فرات بن إبراهيم: عبيد بن عبد الواحد رفعه، عن ابن عبّاس، قال: بينا نحن مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعرفات إذ قال: (أفيكم عليّ بن أبي طالب؟).
قلنا: بلى يا رسول الله!
فقربه منه وضرب يده على منكبه، ثمّ قال: (طوبى لك يا عليّ، نزلت عليَّ آية ذكرني وإيّاك(2)فيها سواء، فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً(1)، هذا جبرئيل يخبرني عن الله: إذا كان يوم القيامة جئت أنت وشيعتك ركبانا على نوق من نور البرق، يطيرهم في أرجاء(2)الهواء ينادون في عرصة القيامة: نحن العلويون، فيأتيهم النداء من قبل الله: أنتم المقرّبون الذين لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)(3). ٤٥وقال الرازي في تفسيره: في وزن الأفعال قولان: الأوّل في الخبر: أنّه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرّها.
قال ابن عبّاس: أمّا المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(4): الناجون، قال: وهذا كما قال في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً(5)(6).
٤٦وقال ابن عبّاس: معنى قوله: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ(7)، كقوله
سبحانه: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ(1)(2).
٤٧وروى أيضاً في الكتاب المذكور حديثاً يرفعه بإسناده، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أقف أنا وعليّ على الصراط، وبيد كلّ واحد منّا سيف، فلا يمرّ أحد من خلق الله إلاّ سألناه عن ولاية عليّ، فمن كان معه شيء منها نجا وفاز وإلاّ ضربنا عنقه وألقيناه في النار)(3).
٤٨أمالي الطوسي: الحفار، عن أبي القاسم الدعبلي، عن أبيه، عن دعبل، عن مجاشع بن عمرو، عن ميسرة بن عبيد الله، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه سُئل عن قول الله عزّ وجلّ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(4)؟ قال: سأل قوم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقالوا: فيمن نزلت هذه الآية يا نبيّ الله؟
قال: (إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض ونادى مناد: ليقم سيّد المؤمنين(5)عليّ بن أبي طالب، فيعطي الله اللواء من النور الأبيض بيده، تحته جميع السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، لا يخالطهم غيرهم
حتّى يجلس على منبر من نور ربّ العزّة، ويعرض الجميع عليه رجلاً رجلاً فيعطي أجره ونوره، فإذا اتي على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم موضعكم ومنازلكم من الجنّة، إنّ ربّكم يقول لكم: عندي لكم مغفرة وأجر عظيم ــ يعني الجنّة ــ فيقوم عليّ بن أبي طالب والقوم تحت لوائه معهم حتّى يدخل الجنّة، ثمّ يرجع إلى منبره ولا يزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه منهم إلى الجنّة ويترك أقواماً على النار، فذلك قوله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ(1)، يعني السابقين الأوّلين والمؤمنين وأهل الولاية له، وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(2)، هم الذين قاسم عليهم النار فاستحقّوا الجحيم)(3)
والخبر أخرجه ابن المغازلي الشافعي في مناقبه: ٣٢٢ ــ ٣٢٣، كما أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٢٥٢ ــ ٢٥٣ بتفاوت يسير بينهما.
.٤٩تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: اختلفوا في تفسير الكوثر: فقيل: هو نهر في الجنّة، عن عائشة وابن عمر. قال ابن عبّاس: لمّا نزل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(4)، صعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم المنبر فقرءها على الناس، فلمّا نزل قالوا: يارسول الله! ما هذا الذي أعطاكه الله؟
قال: (نهر في الجنّة أشدّ بياضاً من اللبن، وأشدّ استقامة من القدح، حافتاه قباب الدرّ والياقوت، ترده طير خضر لها أعناق كأعناق البخت).
قالوا: يا رسول الله! ما أنعم تلك الطير!
قال: (أفلا أخبركم بأنعم منها؟)
قالوا: بلى.
قال: (من أكل الطائر وشرب الماء فاز برضوان الله تعالى)(1).
٥٠مجالس المفيد، أمالي الطوسي، المفيد، عن علي بن هلال
(بلال خ ل) المهلبي، عن أحمد بن الحسين البغدادي، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الصلت، عن أبي كديبة(2)، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا نزل على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(3)، قال له عليّ بن أبي طالب: ما هو الكوثر يا رسول الله؟ قال: (نهر أكرمني الله به). قال عليّ: إنّ هذا النهر شريف فانعته لنا يا رسول الله؟ قال: (نعم يا عليّ، الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تعالى، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وحصاه (حصباؤه خ ل) الزبرجد والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر، قواعده تحت
عرش الله عزّ وجلّ). ثمّ ضرب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يده في جنب(1)عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (يا عليّ! إنّ هذا النهر لي ولك ولمحبّيك من بعدي)(2).
٥١الاحتجاج: عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله عزّ وجلّ أعطاني نهراً في السماء مجراه تحت العرش، عليه ألف ألف قصر، لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة، حشيشها الزعفران، ورضراضها الدرّ والياقوت، وأرضها المسك الأبيض، فذلك خير لي ولأُمّتي، وذلك قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(3)، الخبر.
(بيان): قال الجزري: في صفة الكوثر: طينه المسك ورضراضه التوم. الرضراض الحصى الصغار، والتوم: الدرّ(4).
٥٢أمالي الصدوق: علي بن أحمد بن موسى، عن محمّد الأسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن أحمد التميمي، عن أبيه، عن عبد الملك بن عمير الشيباني، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم : (أنا سيّد الأنبياء والمرسلين، وأفضل من الملائكة المقرّبين، وأوصيائي سادة أوصياء النبيّين والمرسلين، وذرّيتي أفضل ذرّيات النبيّين والمرسلين، وأصحابي الذين سلكوا منهاجي أفضل أصحاب النبيّين والمرسلين، وابنتي فاطمة سيّدة نساء العالمين، والطاهرات من أزواجي أُمّهات المؤمنين، وأُمّتي
خير أُمّة أخرجت للناس، وأنا أكثر النبيّين تبعاً يوم القيامة، ولي حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء، فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، وخليفتي على الحوض يومئذ خليفتي في الدنيا).
فقيل: ومن ذاك يا رسول الله؟
قال: (إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومولاهم بعدي عليّ بن أبي طالب، يسقي منه أولياءه، ويذود عنه أعداءه، كما يذود أحدكم الغريبة من الإبل عن الماء).
ثمّ قال عليه السلام: (من أحبّ عليّاً وأطاعه في دار الدنيا ورد عليَّ حوضي غداً، وكان معي في درجتي في الجنّة، ومن أبغض عليّاً في دار الدنيا وعصاه لم أره ولم يرني يوم القيامة، واختلج دوني وأخذ به ذات الشمال إلى النار).
(بيان): بصرى، كحبلى: بلد بالشام، وقرية ببغداد(1).
٥٣كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن سعيد العماري، عن إسماعيل بن زكريا، عن محمّد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(2)، قال: نهر في الجنّة عمقه في الأرض سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خصّ الله به نبيّه
وأهل بيته عليهم السلام دون الأنبياء(1).
٥٤أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن محمّد بن الوليد، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الله بن موسى، عن محمّد بن عبد الرحمن العرزمي(2)، عن معلى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح(3)، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أعطاني الله خمساً وأعطى عليّاً خمساً: أعطاني جوامع الكلم وأعطى عليّاً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً وجعله وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطاه الإلهام، وأسرى بي إليه وفتح له أبواب السماء والحجب، حتّى نظر إليَّ ونظرت إليه)(4)، الحديث(5).
٥٥الخصال: ابن الوليد، عن الصفّار، وسعد عن ابن عيسى والبرقي معاً، عن محمّد البرقي، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب، وأُحلّ لي
1) - ٨/٢٥.
2) - هكذا في النسخ، وفى الأمالي المطبوع هكذا: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا عبد الله بن هارون، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن العرزمي إ ه. والعرزمي بفتح العين وسكون الراء وفتح الزاي نسبة إلى عرزم بطن من فزارة، وجبانة عرزم بالكوفة معروفة، ولعلّ هذا البطن نزلوا بها. راجع اللباب ج٢ ص١٣١.(هامش الأصل).
3) - قال ابن حجر في التقريب ص٥٩٤ في الكنى: أبو صالح عن ابن عبّاس اسمه ميزان. تقدّم، وقال في ص٥١٧: ميزان البصري أبو صالح مقبول من الثالثة وهو مشهور بكنيته، كسابقه.
4) - في الأمالي المطبوع: وأعطى عليّاً الإلهام وأسرى بي إليه، وفتحت له أبواب السماء حتّى رأى ما رأيت ونظر إلى ما نظرت إليه، كسابقه.
5) - ٨/٢٧ ــ ٢٨.
المغنم، وأعطيت جوامع الكلم، وأعطيت الشفاعة)(1).
٥٦مناقب ابن شهرآشوب: علي بن الجعد، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(2)، قال: يعنى ما تنفع كفّار مكّة شفاعة الشافعين.
ثمّ قال: أوّل من يشفع يوم القيامة في أُمّته رسول الله، وأوّل من يشفع في أهل بيته وولده أمير المؤمنين، وأوّل من يشفع في الروم المسلمين صهيب، وأوّل من يشفع في مؤمني الحبشة بلال(3).
٥٧تفسير وكيع: قال ابن عبّاس في قوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(4)، يعني: ولسوف يشفعك يا محمّد يوم القيامة في جميع أهل بيتك فتدخلهم كلّهم الجنّة ترضى بذلك عن ربّك(5).
٥٨الخصال: بسندين عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أربع خطط في الأرض، وقال: (أتدرون ما هذا؟)
قلنا: الله ورسوله أعلم.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أفضل نساء الجنّة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة
بنت محمّد صلي الله عليه وآله وسلم ، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(1)
وفي كتاب (عليّ إمام البررة) ٢/٢٣١ ــ ٢٩٣ مصادر الحديث وما يتعلّق به؛ فراجع.
.٥٩قال ابن عبّاس: لمّا أتى أبو جهل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم انتهره رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال أبو جهل: أتنهرني يا محمّد(2)؟ فوالله لقد علمت ما بها ــ أي بمكّة ــ أحد أكثر نادياً منّي، فأنزل الله سبحانه: فَلْيَدْعُ نَادِيَه، وهذا وعيد، أي: فليدع أهل ناديه ومجلسه، يعنى: عشيرته فلينتصر بهم إذا حلّ عقاب الله به، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(3)، يعني: الملائكة الموكلين بالنار، وهم الملائكة الغلاظ الشداد(4).
٦٠وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس: إنّ لعليّ في كتاب الله أسماء لا تعرفها الناس، قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ(5)، فهو المؤذّن بينهم، يقول: أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الذين كذّبوا بولايتي واستخفّوا بحقّي(6)
والخبر أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٢٦٧ برقم ٢٦٢.
.٦١وروى أبو روق(7)، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: الذين شقوا
1) - ٨/١٧٨.
2) - في التفسير المطبوع: أتنتهرني يا محمّد.(هامش الأصل).
3) - سورة العلق/١٧ ــ ١٨.
4) - ٨/٢٨٧.
5) - سورة الأعراف/٤٤.
6) - ٨/٣١٣.
7) - بفتح الراء وسكون الواو، هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفي صاحب التفسير، قال ابن حجر في التقريب: ٣٦٣: صدوق من الخامسة، وفي تعقيب التقريب: قال ابن عبد البرّ: وثّقه الكوفيون بلا جرح وصدقه أحمد وأبو حاتم، انتهى. وقال العلاّمة في القسم الأوّل من الخلاصة: ٦: عطية بن الحارث أبو روق الهمداني الكوفي تابعي، قال ابن عقدة: إنّه كان يقول بولاية أهل البيتG.(هامش الأصل).
ليس فيهم كافر، وإنّما هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم، ثمّ يتفضّل الله عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنّة، فيكونون أشقياء في حال، سعداء في حال أُخرى(1).
٦٢أمالي الصدوق: حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حمّاد، عن الحسين بن يحيى بن الحسين، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً لا يعذب الله بالنار موحّداً أبداً، وإنّ أهل التوحيد يشفعون فيشفعون).
ثمّ قال عليه السلام: (إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار، فيقولون: يا ربّ كيف تدخلنا النار وقد كنّا نوحدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق قلوبنا(2)وقد عقدت على أن لا إله إلاّ أنت؟ أم كيف تحرق وجوهنا وقد عفرناها لك في التراب؟ أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء إليك؟ فيقول الله جلّ جلاله: عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنّم، فيقولون: يا ربّنا عفوك أعظم أم
خطيئتنا؟ فيقول: بل عفوي، فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا؟ فيقول عزّ وجلّ: بل رحمتي، فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟ فيقول عزّ وجلّ: بل إقراركم بتوحيدي أعظم، فيقولون: يا ربّنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كلّ شيء، فيقول الله جلّ جلاله: ملائكتي! وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليَّ من المقرّين لي بتوحيدي، وأن لا إله غيري، وحقّ عليَّ أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي، أدخلوا عبادي الجنّة)(1).
٦٣وفي رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ أحبار اليهود وجدوا صفة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مكتوبة في التوراة: أكحل أعين ربعة حسن الوجه، فمحوه من التوراة حسداً وبغياً، فأتاهم نفر من قريش فقالوا: أتجدون في التوراة نبيّاً منّا؟ قالوا: نعم، نجده طويلاً أزرق سبط الشعر، ذكره الواحدي بإسناده في الوسيط(2)(3).
٦٤في قوله: وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ(4)، قال ابن عبّاس(5): كانت اليهود يستفتحون ــ أي: يستنصرون ــ على الأوس
1) - ٨/٣٥٨ ــ ٣٥٩.
2) - ٩/٦٥.
3) - مجمع البيان ١/١٤٦، فيه: كانت صفته أسمر ربعة فجعلوه آدم طويلاً. قلت: أسمر: من كان لونه بين السواد والبياض. الربعة: الوسيط القامة، يستعمل للمذكر والمؤنث. قال الثعالبي: إذا علاه أدنى سواد فهو أسمر، فإذا زاد سواده على الصفرة فهو آدم انتهى. الأعين: الذي عظم سواد عينه في سعة. الأكحل: ذو الكحل: سواد جفونها خلقة من غير كحل. (هامش الأصل).
4) - سورة البقرة/٨٩.
5) - ٩/٦٥ ــ ٦٦.
والخزرج برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه، فلمّا بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود! اتّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنّا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية(1).
٦٥في قوله: قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ(2)، عن ابن عبّاس، قال: سبب نزول هذه الآية ما روي أنّ ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك لمّا قدم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى المدينة سألوه، فقالوا: يا محمّد! كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبيّ الذي يأتي في آخر الزمان.
فقال: (ينام عيناي وقلبي يقظان).
قالوا: صدقت يا محمّد، فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟
فقال: (أمّا العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأمّا اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة).
قالوا: صدقت يا محمّد، فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه شبه من أخواله؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟
فقال: (أيّهما علا ماؤه كان الشبه له).
قالوا: صدقت يا محمّد، قالوا: فأخبرنا عن ربّك ما هو؟
فأنزل الله سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)إلى آخر السورة.
فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أيّ ملك يأتيك بما أنزل الله عليك؟
قال: فقال جبرئيل.
قال: ذلك عدوّنا ينزل بالقتال والشدّة والحرب، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك.
فأنزل الله هذه الآية جواباً لليهود ورداً عليهم(2)(3).
٦٦وفي قوله: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ(4)، روي عن ابن عبّاس: أنّ رؤساء مكّة من قريش أتوا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمّد! إن كنت رسولاً فحول لنا جبال المكّة ذهباً، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوّة.
فأنزل الله تعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ الآية(5).
٦٧عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت الآية، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا المنذر، وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون)(6).
٦٨ـقَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ(1)، قال ابن عبّاس: كانوا يقولون: يسخر محمّد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وغداً يأمرهم بأمر وإنّه لكاذب، ويأتيهم بما يقول من عند نفسه(2).
٦٩ـوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ(3)، قال ابن عبّاس: قالت قريش: إنّما يعلمه بلعام، وكان قيناً بمكّة رومياً نصرانياً(4).
٧٠في قوله: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ(5)، قال ابن عبّاس: إنّ جماعة من قريش، وهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن الحرب، والأسود بن المطّلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أُميّة(6)، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، وبنيه ومنبه ابنا الحجّاج، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، اجتمعوا عند الكعبة، وقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمّد وكلّموه وخاصموه. فبعثوا إليه أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك، فبادر ــ عليه وآله صلوات الله وسلامه ــ إليهم ظنّاً منه أنّه بدا لهم من أمره، وكان حريصاً على رشدهم، فجلس إليهم، فقالوا: يامحمّد! إنّا دعوناك لنعتذر إليك، فلا نعلم قوماً أدخل على
قومه ما أدخلت على قومك، شتمت الآلهة، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالاً أعطيناك، وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا، وإن كانت علّة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء!
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (ليس شيء من ذلك، بل بعثني الله إليكم رسولاً وأنزل كتاباً، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه أصبر حتّى يحكم الله بيننا).
قالوا: فإذا ليس أحد أضيق بلداً منّا، فاسأل ربّك أن يسير هذه الجبال ويجري لنا أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى، وليكن فيهم قصي فإنّه شيخ صدوق لنسألهم عمّا تقول أحقّ أم باطل؟
فقال: (ما بهذا بعثت).
قالوا: فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربّك أن يبعث ملكاً يصدّقك، ويجعل لنا جنّات وكنوزاً وقصوراً من ذهب.
فقال: (ما بهذا بعثت، وقد جئتكم بما بعثني الله تعالى به، فإن قبلتم وإلاّ فهو يحكم بيني وبينكم).
قالوا: فأسقط علينا السماء كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل ذلك.
قال: (ذاك إلى الله إن شاء فعل).
وقال قائل منهم: لا نؤمن لك حتّى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
فقام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، وقام معه عبد الله بن أُميّة(1)المخزومي ابن عمّته عاتكة بنت عبد المطّلب، فقال: يا محمّد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثمّ سألوك لأنفسهم أموراً فلم تفعل، ثمّ سألوك أن تعجل ما تخوفهم به فلم تفعل، فوالله لا أؤمن بك أبداً حتّى تتّخذ سلّماً إلى السماء ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر، وتأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك.
وقال أبو جهل: إنّه أبى إلاّ سبّ الآلهة وشتم الآباء، وإنّي أعاهد الله لأحملن حجراً فإذا سجد ضربت به رأسه.
فانصرف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حزيناً لمّا رأى من قومه فأنزل الله سبحانه الآيات(2).
٧١الخصال: علي بن أحمد بن موسى، عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن عبد الرحيم بن علي بن سعيد الجبلي الصيدناني، وعبد الله بن الصلت ــ واللفظ له ــ عن الحسن بن نصر الخزّاز، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود إلى المدينة، فقالا: يا قوم! إنّ نبيّاً حدّثنا عنه أنّه قد ظهر بتهامة نبيّ يسفه أحلام اليهود، ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عمّا كان عليه آباؤنا، فأيّكم هذا النبيّ؟ فإن يكن الذي بشّر به داود آمنا به واتّبعناه، وإن لم
يكن يورد الكلام على ائتلافه ويقول الشعر ويقهرنا بلسانه جاهدناه بأنفسنا وأموالنا، فأيّكم هذا النبيّ؟
فقال المهاجرون والأنصار: إنّ نبيّنا محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم قد قبض.
فقالا: الحمد لله، فأيّكم وصيّه؟ فما بعث الله عزّ وجلّ نبيّاً إلى قوم إلاّ وله وصيّ يؤدّي عنه من بعده، ويحكي عنه ما أمره ربّه، فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر، فقالوا: هذا (هو خ ل) وصيّه.
فقالا لأبي بكر: إنّا نلقى عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء، ونسألك عمّا تسأل الأوصياء عنه.
فقال لهما أبو بكر: ألقيا ما شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله تعالى.
فقال أحدهما: ما أنا وأنت عند الله عزّ وجلّ؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع الشمس؟ وفي أين تغرب (تغيب خ ل)؟ وأين طلعت الشمس ثمّ لم تطلع فيه بعد ذلك؟ وأين تكون الجنّة؟ وأين تكون النار؟ وربّك يحمل أو يحمل؟ وأين يكون وجه ربّك؟ وما اثنان شاهدان، واثنان غائبان، واثنان متباغضان؟ وما الواحد؟ وما الاثنان؟ وما الثلاثة؟ وما الأربعة؟ وما الخمسة؟ وما الستّة؟ وما السبعة؟ وما الثمانية؟ وما التسعة؟ وما العشرة؟ وما الأحد عشر؟ وما الاثنا عشر؟ وما العشرون؟ وما الثلاثون؟ وما الأربعون؟ وما الخمسون؟ وما الستّون؟ وما السبعون؟ وما الثمانون؟ وما التسعون؟ وما المائة؟
قال: فبقي أبو بكر لا يردّ جواباً، وتخوّفنا أن يرتّد القوم عن الإسلام،
فأتيت منزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقلت له: يا عليّ! إنّ رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا يردّ جواباً.
فتبسم عليّ عليه السلام ضاحكاً، ثمّ قال: هو اليوم الذي وعدني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم به، فأقبل يمشي أمامي، وما أخطأت مشيته من مشية رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم شيئاً، حتّى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، ثمّ التفت إلى اليهوديين، فقال عليه السلام: يا يهوديان ادنوا منّي وألقيا عليَّ ما ألقيتماه على الشيخ.
فقال اليهوديان: ومن أنت؟
فقال لهما: أنّا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب أخو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ووصيه في حالاته كلّها، وصاحب كلّ منقبة وعزّ، وموضع سرّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال له أحد اليهوديين: ما أنا وأنت عند الله؟
قال عليه السلام: أنا مؤمن منذ عرفت نفسي، وأنت كافر منذ عرفت نفسك، فما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك.
فقال اليهودي: فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟
قال عليه السلام: ذاك يونس عليه السلام في بطن الحوت.
قال له: فما قبر سار بصاحبه؟
قال: يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.
قال له: فالشمس من أين تطلع؟
قال: من قرني الشيطان.
قال: فأين تغرب (تغيب خ ل)؟
قال: في عين حامئة. قال لي حبيبي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا تصلى في إقبالها ولا في إدبارها، حتّى تصير مقدار رمح أور محين).
قال: فأين طلعت الشمس، ثمّ لم تطلع في ذلك الموضع؟
قال: في البحر حين فلقه الله لقوم موسى عليه السلام.
قال له: فربّك يحمل أو يحمل؟
قال: إنّ ربّي عزّ وجلّ يحمل كلّ شيء بقدرته ولا يحمله شيء.
قال: فكيف قوله عزّ وجلّ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(1)؟
قال: يا يهودي! ألم تعلم أنّ لله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟ فكلّ شيء على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة به تحمل كلّ شيء.
قال: فأين تكون الجنّة؟ وأين تكون النار؟
قال: أمّا الجنّة ففي السماء، وأمّا النار ففي الأرض.
قال: فأين يكون وجه ربّك؟
فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام لي: يا بن عبّاس! ائتني بنار وحطب. فأتيته
1) - سورة الحاقة/١٧.
بنار وحطب فأضرمها.
ثمّ قال: يا يهودي! أين يكون وجه هذه النار؟
قال: لا أقف لها على وجه.
قال: فإنّ ربّي عزّ وجلّ عن هذا المثل، وله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله.
فقال له: ما اثنان شاهدان؟
قال: السماوات والأرض لا يغيبان ساعة.
قال: فما اثنان غائبان؟
قال: الموت والحياة لا يوقف عليهما.
قال: فما اثنان متباغضان؟
قال: الليل والنهار.
قال: فما الواحد؟ قال: الله عزّ وجلّ.
قال: فما الاثنان؟
قال: آدم وحواء.
قال: فما الثلاثة؟
قال: كذبت النصارى على الله عزّ وجلّ قالوا: ثالث ثلاثة، والله لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا.
قال: فما الأربعة؟
قال: القرآن والزبور والتوراة والإنجيل.
قال: فما الخمسة؟
قال: خمس صلوات مفترضات.
قال: فما الستّة؟
قال: خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيام.
قال: فما السبعة؟
قال: سبعة أبواب النار متطابقات.
قال: فما الثمانية؟
قال: ثمانية أبواب الجنّة.
قال: فما التسعة؟
قال تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
قال: فما العشرة؟
قال: عشرة أيام العشر.
قال: فما الأحد عشر؟
قال: قول يوسف لأبيه: يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(1).
قال: فما الاثنا عشر؟
قال: شهور السنة.
1) - سورة يوسف/٤.
قال: فما العشرون؟
قال: بيع يوسف بعشرين درهماً.
قال: فما الثلاثون؟
قال: ثلاثون يوماً شهر رمضان صيامه فرض واجب على كلّ مؤمن إلاّ من كان مريضاً أو على سفر.
قال: فما الأربعون؟
قال: كان ميقات موسى عليه السلام ثلاثون ليلة فأتّمها الله عزّ وجلّ بعشر، فتم ميقات ربّه أربعين ليلة.
قال: فما الخمسون؟
قال: لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
قال: فما الستّون؟
قال: قول الله عزّ وجلّ في كفارة الظهار: فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً(1)، إذا لم يقدر على صيام شهرين متتابعين.
قال: فما السبعون؟
قال: اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه عزّ وجلّ.
قال: فما الثمانون؟
قال: قرية بالجزيرة يقال لها ثمانون، منها قعد نوح عليه السلام في السفينة
1) - سورة المجادلة/٤.
واستوت على الجودي وأغرق الله القوم.
قال: فما التسعون؟
قال: الفلك المشحون، اتّخذ نوح عليه السلام فيه تسعين بيتاً للبهائم.
قال: فما المائة؟
قال: كان أجل داود عليه السلام ستّين سنة، فوهب له آدم عليه السلام أربعين سنة من عمره، فلمّا حضرت آدم الوفاة جحد فجحدت ذرّيته.
فقال له: يا شاب! صف لي محمّداً كأنّي أنظر إليه حتّى أؤمن به الساعة؟
فبكى أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ قال: يا يهودي! هيجت أحزاني، كان حبيبي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم صلت الجبين، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، سهل الخدين، أقنى الأنف، دقيق المسربة، كث اللحية، براق الثنايا، كأنّ عنقه إبريق فضّة، كان له شعيرات من لبته إلى سرته ملفوفة كأنّها قضيب كافور لم يكن في بدنه شعيرات غيرها، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النزر، كان إذا مشى مع الناس غمرهم نوره، وكان إذا مشى كأنّه ينقلع من صخر أو ينحدر من صبب، كان مدور الكعبين، لطيف القدمين، دقيق الخصر(1)، عمامته السحاب، وسيفه ذو الفقار، وبغلته دلدل، وحماره
1) - قال الجزري في النهاية: في صفته عليه السلام: كان صلت الجبين، أي: واسعة. وكان ذا مسربة ــ بضم الراء ــ: ما دق من شعر الصدر سائلاً إلى الجوف. وفي حديث آخر: كان دقيق المسربة، وكث اللحية، الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها كثافة. النزر: القليل التافه. الصبب: ما انحدر من الأرض أو الطريق. الخصر: وسط الإنسان فوق الورك. وقد تقدّم تفسير بعض ألفاظ الخبر آنفا.(هامش الأصل).
اليعفور، وناقته العضباء، وفرسه لزاز، وقضيبه الممشوق، كان عليه الصلاة والسلام أشفق الناس على الناس، وأرأف الناس بالناس، كان بين كتفيه خاتم النبوّة مكتوب على الخاتم سطران: أمّا أوّل سطر: فلا إله إلاّ الله، وأمّا الثاني: فمحمد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، هذه صفته يا يهودي.
فقال اليهوديان: نشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ، وأنّك وصيّ محمّد حقّاً. فأسلما وحسن إسلامهما ولزما أمير المؤمنين عليه السلام، فكانا معه حتّى كان من أمر الجمل ما كان، فخرجا معه إلى البصرة، فقتل أحدهما في وقعة الجمل، وبقي الآخر حتّى خرج معه إلى صفّين فقتل بصفّين(1).
(بيان): قوله عليه السلام: (والقدرة تحمل كلّ شيء)، أي: ليست القدرة شيئاً غير الذات بها تحمل الذات الأشياء، بل معنى حمل القدرة أنّ الذات سبب لوجود كلّ شيء وبقائه.
قوله عليه السلام: (الموت والحياة لا يوقف عليهما)، أي: على وقت حدوثهما وزوالهما.
قوله: (متطابقات)، أي: مغلقات على أهلها، أو موافقات بعضها لبعض.
قوله: (أيام العشر)، أي: عشر ذي الحجّة، أو العشرة بدل الهدي كما سيأتي(2).
أقول: تفسير سائر أجزاء الخبر مفرّق في الأبواب المناسبة لها(1).
٧٢الفضائل، الروضة: بالإسناد يرفعه إلى أنس بن مالك، قال: دخل يهودي في خلافة أبي بكر، وقال: أريد خليفة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟ فجاؤوا به إلى أبي بكر. فقال له اليهود: أنت خليفة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟
فقال: نعم، أما تنظرني في مقامه ومحرابه؟!
فقال له: إن كنت كما تقول يا أبا بكر، أريد أن أسألك عن أشياء(2)؟
قال: اسأل عمّا بدا لك وما تريد.
فقال اليهودي: أخبرني عمّا ليس لله؟ وعمّا ليس عند الله؟ وعمّا لا يعلمه الله؟
فقال عند ذلك أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي!
فعند ذلك هم المسلمون بقتله، وكان فيمن حضر ابن عبّاس رضي الله عنه، فزعق بالناس، وقال: يا أبا بكر! أمهل في قتله!
قال له: أما سمعت(3)ما قد تكلّم به؟
فقال ابن عبّاس: فإن كان جوابه عندكم وإلاّ فأخرجوه حيث شاء من الأرض.
قال: فأخرجوه وهو يقول: لعن الله قوماً جلسوا في غير مراتبهم(1)يريدون قتل النفس التي قد حرم الله بغير علم.
قال: فخرج وهو يقول: أيّها الناس ذهب الإسلام حتّى لا يجيبون(2)، أين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ؟ وأين خليفة رسول الله؟
قال: فتبعه ابن عبّاس، وقال له: اذهب(3)إلى عيبة علم النبوّة إلى منزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
قال: فعند ذلك أقبل أبو بكر والمسلمون في طلب اليهودي فلحقوه في بعض الطريق فأخذوه وجاؤوا به إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فاستأذنوا عليه، ثمّ دخلوا عليه وقد ازدحم الناس، قوم يبكون، وقوم يضحكون.
قال: فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! إنّ هذا اليهودي سألني عن مسألة من مسائل الزنادقة.
فقال الإمام عليه السلام: ما تقول يا يهودي؟
فقال اليهودي: أسأل وتفعل بي مثل ما فعل بي هؤلاء؟
قال: وأي شيء أرادوا يفعلون بك(4)؟
قال: أرادوا أن يذهبوا بدمي.
فقال الإمام عليه السلام: دع هذا واسأل عمّا شئت.
فقال: سؤالي لا يعلمه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ.
قال: اسأل عمّا بدا لك(1).
فقال اليهودي: أجبني عمّا ليس لله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله؟
فقال له عليّ عليه السلام: على شرط يا أخا اليهود.
قال: وما الشرط؟
قال: تقول معي قولاً عدلاً مخلصاً(2): لا إله إلا الله، محمّد رسول الله.
فقال: نعم يا مولاي(3).
فقال عليه السلام: يا أخا اليهود! أمّا قولك: ما ليس لله، فليس لله صاحبة ولا ولد.
قال: صدقت يا مولاي.
وأمّا قولك: ما ليس عند الله، فليس عند الله الظلم.
قال: صدقت يا مولاي.
وأمّا قولك: ما ليس يعلمه الله، فإنّ الله لا يعلم أنّ له شريكاً ولا وزيراً، وهو على كلّ شيء قدير(1).
فعند ذلك قال: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم رسول الله، وأنّك خليفته حقّاً ووصيه ووارث علمه، فجزاك الله عن الإسلام خيراً.
قال: فضجّ الناس عند ذلك.
فقال أبو بكر: يا كاشف الكربات، يا عليّ! أنت فارج الهم.
قال: فعند ذلك خرج أبو بكر ورقى المنبر، وقال: أقيلوني أقيلوني أقيلوني، لست بخيركم وعليّ فيكم.
قال: فخرج إليه عمر وقال: أمسك يا أبا بكر عن هذا الكلام،
فقد ارتضيناك لأنفسنا، ثمّ أنزله عن المنبر، فأخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام(2).
(بيان): الزعق: الصياح(3)
أقول: لقد مرّ هذا الخبر نقلاً عن كتاب المجتنى، لابن دريد وعدّة مصادر أُخرى في ج٢ من الحلقة الأولى ص٥١ ــ ٥٢؛ فراجع. (مهدي).
.٧٣معاني الأخبار، الخصال: حدّثنا أبو الحسن علي بن الفضل بن العبّاس البغدادي، قال: قرأت على أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان بن
الحارث، قلت: حدّثكم محمّد بن علي بن خلف العطّار، قال: حدّثنا الحسين بن الأشقر(1)، قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سألت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلّقى آدم من ربّه فتاب عليه؟
قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليَّ، فتاب عليه)(2)(3).
٧٤ـفَخَانَتَاهُمَا(4)، قال ابن عبّاس: كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس: إنّه مجنون، وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وكان امرأة لوط تدلّ على أضيافه، وكان ذلك خيانتهما لهما، وما بغت امرأة نبيّ قطّ، وإنّما كانت خيانتهما في الدين(5).
٧٥روي عن ابن عبّاس أنّه قال: ما زنت امرأة نبيّ قطّ، وكانت الخيانة من امرأة نوح أنّها كانت تنسبه إلى الجنون، والخيانة من امرأة لوط أنّها كانت تدلّ على أضيافه(6).
٧٦الخصال: ابن موسى، عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن
عبد الرحيم الجبلي وعبد الله بن الصلت، عن الحسن بن نصر الخزّاز، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس فيما سأل اليهودي أمير المؤمنين عليه السلام:
قال: فما الخمسون؟
قال: لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
قال: فما الثمانون؟
قال: قرية بالجزيرة يقال لها ثمانون، منها قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وأغرق الله القوم.
قال: فما التسعون؟
قال: الفلك المشحون، اتّخذ نوح عليه السلام فيه تسعين بيتاً للبهائم(1)(2).
٧٧ـوَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً(3)، قال ابن عبّاس: كانوا يبنون القصور بكلّ موضع وينحتون من الجبال بيوتاً يسكنونها شتاء لتكون مساكنهم في الشتاء أحصن وأدفأ(4).
٧٨ـتِسْعَةُ رَهْطٍ(5)، هم أشرافهم، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، قال ابن عبّاس: هم قدار بن سالف، ومصدع، ودهمى،
ودهيم، ودعمى، ودعيم، وأسلم، وقبال، وصداق(1)(2).
٧٩الخصال: العطّار، عن سعد، عن ابن أبي الخطّاب، عن عبد الله الأصم، عن عبد الله البطل، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم وهو آخذ بيد عليّ عليه السلام وهو يقول: (يا معشر الأنصار! يا معشر بني هاشم! يا معشر بني عبد المطّلب! أنا محمّد أنا رسول الله، ألا إنّي خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعليّ وحمزة وجعفر).
فقال قائل: يا رسول الله! هؤلاء معك ركبان يوم القيامة؟
فقال: (ثكلتك أُمّك، إنّه لن يركب يومئذ إلاّ أربعة: أنا، وعليّ، وفاطمة، وصالح نبيّ الله، فأما أنا فعلى البراق، وأمّا فاطمة ابنتي فعلى ناقتي العضباء(3)، وأمّا صالح فعلى ناقة الله التي عقرت، وأمّا عليّ فعلى ناقة من نوق الجنّة، زمامها من ياقوت، عليه حلتان خضراوان، فيقف بين الجنّة والنار
1) - في المصدر: (وصداف) بالفاء، وذكر ابن حبيب في المحبر أسماءهم هكذا: ١ـ مصدع بن دهر ٢ـ قدار بن سالف ٣ـ هريم ٤ـ صؤاب ٥ـ دأب ٦ـ رئاب ٧ـ دعمى ٨ـ هرمى ٩ـ رعين بن عمرو. وذكر الثعلبي في العرائس أسماء أربعة منهم هكذا: ١ـ قدار بن سالف ٢ـ مصدع ٣ـ هديات بن مبلع خال قدار ٤ـ دعر بن غنم بن داعرة أخو مصدع، ولم يتعرّض أسماء بقيتهم. (هامش الأصل).
2) - ١١/٣٧٤.
3) - بالعين المهملة، قال الجزري في النهاية: كان اسم ناقته عضباء، هو علم لها منقول من قولهم: ناقة العضباء أي مشقوقة الأذن ولم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: كانت مشقوقة الأذن والأوّل أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة العضباء وهي قصيرة اليد، كسابقه.
وقد ألجم الناس العرق يومئذ، فتهب ريح من قبل العرش فتنشف عنهم عرقهم، فتقول الملائكة والأنبياء والصدّيقون: ما هذا إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، فينادي مناد: ما هذا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولكنّه عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله في الدنيا والآخرة)(1).
أقول: قد مرّت الأخبار في كون صالح عليه السلام من الركبان يوم القيامة في أبواب الحشر، وستجئ في أبواب فضائل أمير المؤمنين أيضاً(2).
٨٠الخصال: محمّد بن علي بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمد(3)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أربع خطط في الأرض، وقال: (أتدرون ما هذا؟)
قلنا: الله ورسوله أعلم.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أفضل نساء الجنّة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(4)
وراجع كتاب (عليّ إمام البررة) ٢/٢٤٤ تجد تفصيل ما في المتن نقلاً عن مصادر العامّة.
(5).٨١الخصال: سليمان بن أحمد اللخمي، عن علي بن عبد العزيز، عن حجّاج بن منهال، عن داود بن أبي الفرات الكندي، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أربع خطوط(1)، ثمّ قال: (خير نساء الجنّة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(2)(3).
٨٢تفسير العياشي: عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: ما وجدت للناس ولعليّ بن أبي طالب شبها إلاّ موسى وصاحب السفينة، تكلّم موسى بجهل، وتكلّم صاحب السفينة بعلم، وتكلّم الناس بجهل، وتكلّم عليّ بعلم(4)
٢/٣٣٥، والخبر من بعض ما رواه الإمام زين العابدين عليه السلام عن ابن عبّاس، فلاحظ السند.
(5).٨٣تفسير العياشي: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن نجدة الحروري كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن سبي الذراري؟
فكتب إليه: أمّا الذراري فلم يكن رسول الله يقتلهم، وكان الخضر يقتل كافرهم ويترك مؤمنهم، فإن كنت تعلم ما يعلم الخضر فاقتلهم(6)
٢/٣٣٥، وله مصادر أُخرى ذكرتها في ١٠/٦٨ من الموسوعة؛ فراجع.
!(7)٨٤تفسير فرات بن إبراهيم: عن سعيد بن الحسن معنعناً، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ(1)؟ قال: قضى بخلافة يوشع بن نون من بعده. ثمّ قال: لم أدع(2)نبيّاً من غير وصيّ، وإنّي باعث نبيّاً عربياً، وجاعل وصيّه عليّاً، فذلك قوله: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ(3).
وعن علي بن أحمد بن علي بن حاتم(4)معنعناً، عن ابن عبّاس مثله. وزاد فيه: في الوصاية، وحدثه بما كان وما هو كائن(5)(6).
٨٥روى الطبرسي رحمه الله : عن ابن عبّاس، أنّه قال: سألت عليّاً عليه السلام عن هذه الآية؟
فقال: (ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟)
فقلت: سمعت كعباً يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتّى فاتته الصلاة، فقال: ردّوها عليَّ، يعني: الأفراس، وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً لأنّه ظلم
1) - سورة القصص/٤٤.
2) - في المصدر: قال له: أنّى لم أدع. (هامش الأصل).
3) - تفسير الفرات: ١١٦، وفيه: إذ قضينا إلى موسى الأمر، كسابقه.
4) - في المصدر، علي بن أحمد بن حاتم، كسابقه.
5) - تفسير الفرات: ١١٦، في ذيله: فقال ابن عبّاس: وقد حدّث نبيّه (ص) بما هو كائن، وحدثه باختلاف هذه الأُمّة من بعده، فمن زعم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مات بغير وصية فقد كذب الله وجهل نبيّه، كسابقه.
6) - ١٣/٣٦٢.
الخيل بقتلها.
فقال عليّ عليه السلام: (كذب كعب! لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنّه أراد جهاد العدو حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها عليَّ، فردّت، فصلّى العصر في وقتها، وإنّ أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم لأنّهم معصومون مطهرون(1)
وراجع كتابي (مزيل اللبس في مسألتي شق القمر ورد الشمس: ٢٨٣ ــ ٢٨٩.).
(2).٨٦الخصال: محمّد بن علي بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع(3)، عن شيبان بن فروخ، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أربع خطط في الأرض. وقال: (أتدرون ما هذا؟)
قلنا: الله ورسوله أعلم.
1) - مجمع البيان ٨/٤٧٥، مفاتيح الغيب ٧/١٣٦.
2) - ١٤/١٠٣.
3) - في نسخة: عن منيع، وحكى في ذيل الخصال المطبوع جديداً عن النسخ المخطوطة أنّه أبو العبّاس بن منيع، قلت: فيهما وهم والصحيح ما في المتن وما في الخصال المطبوع والظاهر أنّه أبو القاسم عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي الحافظ كان ابن بنت أحمد بن منيع البغوي، ولد سنة ٢١٤ وتوفى سنة ٣١٧. وشيبان بن فروخ هو شيبان بن فروخ أبي شيبة الحبطي الإبلي أبو محمّد المتوفى في سنة ٢٣٥ أو ٢٣٦ وله بضع وتسعون سنة. وداود بن أبي الفرات هو داود بن بكر بن أبي الفرات الأشجعي المدني. وعلباء بالكسر فالسكون هو ابن أحمر اليشكري البصري كان من القرّاء. (هامش الأصل).
فقال رسول الله: (أفضل نساء الجنّة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(1)
و١/١٦٤ من الطبعة الجديدة. وراجع كتابي (عليّ إمام البررة ٢/٢٤٤) تجد ما يتعلّق بالحديث. (مهدي).
(2).٨٧الخصال: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي(3)، عن علي بن عبد العزيز، عن حجّاج بن المنهال، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خطّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أربع خطوط، ثمّ قال: (خير نساء الجنّة: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(4)(5).
٨٨أمالي الصدوق: بإسناده عن ابن عبّاس في حديث طويل(6)رواه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال في فاطمة عليها السلام وما يصيبها من الظلم بعده: (ثمّ ترى
1) - الخصال ١/٩٦.
2) - ١٤/٢٠٠ ــ ٢٠١.
3) - هو سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي أبو القاسم الطبراني الحافظ، صاحب المعاجم الثلاث الكبير والأوسط والصغير وقد عاش مائة سنة، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة سنة وبقى إلى سنة ستين وثلاث مائة، كسابقه.
4) - الخصال ١/٩٦. (هامش الأصل).
5) - ١٤/٢٠١.
6) - في فضائل عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولم يذكر المصنّف إسناد الحديث اختصاراً ويذكره في محلّه وهو هكذا: علي بن أحمد بن موسى الدقّاق رحمه الله، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. (هامش الأصل).
نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة! إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة! اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين، ثمّ يبتدئ بها الوجع فتمرض فيبعث الله إليها مريم بنت عمران تمرضها(1)وتؤنسها في علّتها...) إلى آخر الخبر(2)(3).
٨٩قصص الأنبياء: بالإسناد إلى الصدوق: بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: دخل أبو سفيان على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يوماً، فقال: يا رسول الله! أريد أن أسألك عن شيء؟
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني).
قال: افعل.
قال: (أردت أن تسأل عن مبلغ عمري).
فقال: نعم يا رسول الله.
فقال: (إني أعيش ثلاثاً وستّين سنة).
فقال: أشهد أنّك صادق.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (بلسانك دون قلبك).
قال ابن عبّاس: والله ما كان إلاّ منافقاً.
قال: ولقد كنّا في محفل فيه أبو سفيان وقد كفّ بصره وفينا عليّ عليه السلام فأذّن المؤذن، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله. قال أبو سفيان: ههنا مَن يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا، فقال: لله در أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه؟
فقال عليّ عليه السلام: (أسخن الله عينك يا أبا سفيان! الله فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(1)).
فقال أبو سفيان: أسخن الله عين مَن قال: ليس هيهنا من يحتشم(2)
وقد ورث ابنه معاوية ذلك النفاق حين قال وقد سمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمّداً رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: إلاّ دفناً دفناً، راجع مروج الذهب ٣/٤٥٤ نقلاً عن الموفقيات، وشرح نهج البلاغة ٥/١٢٩ ــ ١٣٠.
.(بيان): أسخن الله عينه: أبكاه(3).
٩٠الخرائج: روي عن ابن عبّاس، قال: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جالساً في ظلّ حجر كاد أن ينصرف عنه الظلّ، فقال: (إنّه سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلّموه).
فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فدعاه، وقال: (على ما تشتموني أنت وأصحابك؟) فقال: لا نفعل، قال: دعني آتك بهم، فدعاهم فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ
لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ(1)(2). ٩١ابن موهب، قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان يكلّمه في حاجته، فقال: اقض حاجتي فوالله إن مؤنتي لعظيمة، وإنّي أبو عشرة، وعمّ عشرة، وأخو عشرة.
فلمّا أدبر مروان وابن عبّاس جالس معه على السرير، فقال معاوية: أشهد بالله يا بن عبّاس! أما تعلم أنّ رسول الله قال: (إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دغلاً، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمأة كان هلاكهم أسرع من لوك(3)تمرة)؟
فقال ابن عبّاس: اللهم نعم.
وترك مروان حاجة له(4)فردّ عبد الملك إلى معاوية فكلّمه، فلمّا أدبر عبد الملك قال: أنشدك الله يا بن عبّاس أما تعلم أنّ رسول الله ذكر هذا فقال: (أبو الجبابرة الأربعة)؟
قال: ابن عبّاس: اللهم نعم(5)
والخبر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق مرّتين في ترجمة عبد الملك بن مروان وترجمة أبيه ٢٧/١٢٧ و٥٧/٢٥٢، ط دار الفكر.
.٩٢ابن عبّاس: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها قتلى كثيرة بعد أن كادت)(1)
الحديث ثابت وله شواهد، وقد ذكر من شواهده الألباني في الأخبار الصحيحة ١/٧٦٧ برقم ٤٧٤ حديث (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب)؛ فراجع، وللإطمئنان بصحّة ما رواه راجع أيضاً المصادر التالية:
١ـ مجمع الزوائد ٧/٢٣٤.
٢ـ فتح الباري ١٣/٤٥.
٣ـ الاستقصاء، للسلاوي ١/١٠٠، ط دار الكتاب الدار البيضاء.
٤ـ البدء والتاريخ، للمقدسي ٥/٢١١، ط مكتبة الثقافة الدينية بور سعيد.
٥ـ البداية والنهاية، لابن كثير، تح شيري ٦/٢٣٦ و٧/٢٥٨.
٦ـ الفتوح، لابن أعثم ٢/٤٥٧، ط دار الأضواء.
٧ـ الكامل، لابن الأثير ٢/٥٧٣، ط دار الكتاب العربي.
٨ـ المختصر، لأبي الفداء ١/١٧٣، ط الحميدية بمصر.
٩ـ تاريخ ابن الوردي ١/١٤٨، ط العلمية بيروت سنة١٤١٧.
١٠ـ تاريخ ابن خلدون ٢/٤٩٨، ط دار الفكر بيروت سنة ١٤٠٨.
١١ـ تاريخ الطبري ٤/٤٥٦، ط دار التراث بيروت سنة ١٣٨٧.
١٢ـ سمط النجوم العوالي ٢/٥٥٩، ط العلمية بيروت سنة ١٤١٩هـ. (مهدي).
.٩٣روى ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: صعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم الصفا، فقال: (يا صباحاه!).
فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: مالك؟
فقال: (أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟)
1) - ١٨/١٤٢.
قالوا: بلى.
قال: فإنّي نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(1).
فقال أبو لهب: تبّاً لك لهذا دعوتنا جميعاً؟!
فأنزل الله هذه السورة(2).
٩٤مناقب ابن شهر آشوب: ابن عبّاس دخل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الكعبة وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب وقد سلّ سيفه، فلمّا رأوه جعلوا ينهضون، فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، ثمّ قال: يا ابن أخي! من الفاعل بك؟
قال: هذا عبد الله(3).
فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً، وألقى عليه(4).
٩٥أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدّثنا محمّد بن جرير الطبري سنة ثمان وثلاث مائة، قال: حدّثنا محمّد بن حيد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمّد بن إسحاق: عن عبد الغفّار بن القاسم.
قال أبو المفضل: وحدّثنا محمّد بن محمّد بن سليمان الباغندي(5)
1) - سورة سبأ/٤٦.
2) - ١٨/١٧٥.
3) - في المصدر: من الفاعل بك هذا؟ قال عبد الله. (هامش الأصل).
4) - ١٨/١٨٧.
5) - منسوب إلى باغند بفتح الغين وسكون النون، قال ياقوت: قال تاج الإسلام: أظنّها من قرى واسط: ينسب إليها أبو بكر أحمد بن محمّد بن سليمان الأزدي المعروف بالباغندى، كان عارفاً حافظاً للحديث، توفي في ذي الحجّة سنة ٣١٢، وأخوه محمّد بن محمّد، حدّث عن شعيب بن أيوب الصريفيني، روى عنه أبو الحسين محمّد بن المظفر الحافظ، وذكر أنّه سمع منه بالموصل. (هامش الأصل).
ــ واللفظ له ــ عن محمّد بن الصباح الجرجرائي(1)، عن سلمة بن صالح الجعفي، عن سليمان الأعمش وأبي مريم جميعاً، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(2)، دعاني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال لي: يا عليّ! إنّ الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتك(3)الأقربين. قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت على(4)ذلك، وجاءني جبرئيل فقال: يا محمّد! إنّك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربّك، فاصنع لنا يا عليّ صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ(5)لنا عساً من لبن، ثمّ
1) - منسوب إلى جرجرايا بفتح الجيم وسكون الراء الأولى: بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي، كانت مدينة وخربت مع ما خرب من النهروانات وقد خرج منها جماعة من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء، منهم محمّد بن الصباح بن سفيان الجرجرائي وابنه جعفر. كسابقه.
2) - تقدّم الإيعاز إلى موضع الآية في الآيات. كسابقه.
3) - في المصدر: عشيرتي. كسابقه.
4) - في تفسير فرات: فصمت عن ذلك، أقول: هو الصحيح إمّا من صام يصوم، أي: أمسكت، أو بتشديد التاء من صمت، أي: سكت. كسابقه.
5) - في تفسير فرات: وأعدلنا. كسابقه.
اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أكلّمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثمّ دعوتهم أجمع وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا له دعاني بالطعام الذي صنعت له فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حذية من اللحم فنتفها(1)بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة، ثمّ قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتّى صدروا(2)مالهم بشيء من الطعام حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس عليّ بيده أن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم، ثمّ جئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا جميعهاً(3)، وأيم الله أن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.
فلمّا أراد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لشدّ ما سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال لي من الغد: يا عليّ! إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم، فعد(4)لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثمّ أجمعهم لي، قال: ففعلت، ثمّ جمعتهم، فدعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل
1) - في المصدرين: فشقها. كسابقه.
2) - في تفسير فرات: كلوا بسم الله، فأكل القوم حتّى نهلوا. كسابقه. في تفسير فرات: ثمّ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: أسقهم يا عليّ! فجئت بذلك العس فشربوا منه حتّى نهلوا جميعاً. كسابقه.
3) - في تفسير فرات: ثمّ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: أسقهم يا عليّ! فجئت بذلك العس فشربوا منها حتّى نهلوا جميعاً.
4) - في تفسير فرات: أعدلى وهو الصحيح. كسابقه.
كما فعل بالأمس وأكلوا حتّى ما لهم به من حاجة، ثمّ قال: أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزّ وجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟ قال: فأمسك القوم، وأحجموا عنها جميعاً، قال: فقمت وإنّي لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً، فقلت: أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(1)
وراجع كتابي (عليّ إمام البررة) ١/٧٣ ــ ٩٢. (مهدي).
(2).٩٦عن ابن عبّاس: إنّ الوليد بن المغيرة أتى قريشاً، فقال: إنّ الناس يجتمعون غداً بالموسم وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس وهم يسألونكم عنه فما تقولون؟
فقال أبو جهل: أقول: إنّه مجنون. وقال أبو لهب: أقول: إنّه شاعر، وقال عقبة بن أبي معيط: أقول: إنّه كاهن، فقال الوليد: بل أقول: هو ساحر، يفرّق بين الرجل والمرأة وبين الرجل وأخيه وأبيه.
فأنزل الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ(1)الآية، وقوله: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ(2)الآية. وكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن.
فقال أبو سفيان، والوليد، وعتبة، وشيبة للنضر بن الحارث: ما يقول محمّد؟ فقال: أساطير الأوّلين، مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية، فنزل: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً(3)الآية(4).
٩٧ابن عبّاس: قالت قريش: إنّ القرآن ليس من عند الله وإنّما يعلمه بلعام، وكان قينا بمكّة رومياً نصرانياً، فنزل: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ(5)الآية(6).
٩٨ابن عبّاس: عيروا النبيّ بكثرة التزوّج، وقالوا: لو كان نبيّاً لشغلته النبوّة عن تزوّج النساء، فنزل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ(7).
ابن عبّاس: والأصم: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يصلّي عند المقام فمرّ به أبو جهل، فقال: يا محمّد! ألم أنهك عن هذا وتوعّده، فأغلظ له رسول الله وانتهره، فقال: يا محمّد! بأي شيء تهدّدني، أما والله إنّي لأكبر هذا الوادي نادياً،
فنزلت: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى إلى قوله: فَلْيَدْعُ نَادِيَه‡ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(1)، فقال ابن عبّاس: لو نادى لأخذته الزبانية بالعذاب مكانه(2).
٩٩ابن عبّاس: كان جماعة إذا صحّ جسم أحدهم ونتجت فرسه وولدت امرأته غلاماً وكثرت ما شيته رضي بالإسلام، وإن أصابه وجع أو سوء، قال: ما أصبت في هذا الدين إلاّ سوءاً، فنزل: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ(3)(4).
١٠٠ـ ابن عبّاس: في قوله: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا(5)، قال وفد ثقيف: نبايعك على ثلاث لا ننحني(6)، ولا نكسر إلها بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود، فأمّا كسر أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأمّا الطاغية اللات فإنّي غير ممتعكم بها)، قالوا: أجلنا سنة حتّى نقبض ما يهدى لآلهتنا، فإذا قبضناها كسرناها وأسلمنا، فهمّ بتأجيلهم، فنزلت هذه الآية(7).
١٠١ـ مناقب ابن شهرآشوب: ابن عبّاس وأنس: أوحى الله إليه يوم
الاثنين: السابع والعشرين من رجب وله أربعون سنة(1)(2).
١٠٢ـ روي عن ابن عبّاس، قال: لمّا بعث الله محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم دحر(3)الجنّ ورموا بالكواكب، وكانوا قبل يستمعون، لكلّ قبيل من الجنّ مقعد يستمعون فيه، فأوّل من فزع لذلك أهل الطائف، فجعلوا يذبحون لآلهتهم من كان له أبل أو غنم كلّ يوم حتّى كادت أموالهم يذهب، ثمّ تناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا ترون معالم السماء كما هي لم يذهب منها شيء، وقال إبليس: هذا أمر حدث في الأرض، ائتوني من كلّ أرض بتربة، فكان يؤتى بالتربة فيشمها ويلقيها، حتّى أتي بتربة تهامة فشمها، وقال: هنا الحدث(4).
١٠٣ـ قال ابن عبّاس: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه القرآن تلّقاه بلسانه وشفتيه، كان يعالج من ذلك شدّة، فنزل: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ(5)، وكان إذا نزل عليه الوحي وجه منه ألماً شديداً، ويتصدّع رأسه، ويجد ثقلاً، قوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً(6)(7).
١٠٤ـ أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن
سليمان السجستاني، عن إسحاق بن إبراهيم النهشلي، عن زكريا بن يحيى الخزّاز، عن مندل بن علي، عن الأعمش، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يغدو إليه عليّ عليه السلام في الغداة، وكان يحبّ أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(1)في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي.
فقال: السلام عليك، كيف أصبح رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟
قال: بخير يا أخا رسول الله.
فقال عليّ عليه السلام: جزاك الله عنّا أهل البيت خيراً.
قال له دحية: إنّي أحبّك، وإنّ لك عندي مديحة أهديها إليك: أنت أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وسيّد ولد آدم يوم القيامة(2)ما خلا النبيّين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمّد وحزبه إلى الجنان، قد أفلح من والاك، وخاب وخسر من خلاك(3)، بحبّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم أحبّوك، وببغضه أبغضوك(4)، ولا تنالهم شفاعة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، أدن من صفوة الله، فأخذ رأس النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره.
فانتبه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: ما هذه الهمهمة؟ فأخبره الحديث.
فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل سمّاك باسم سمّاك الله تعالى به، وهو الذي ألقى محبّتك في قلوب المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين(1)(2).
١٠٥ـ أمالي الصدوق: السناني، عن محمّد الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (يا عليّ! أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحجّة الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيّد الوصيين، ووصي سيّد النبيّين، يا عليّ! إنه لما عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وأكرمني ربّي جلّ جلاله بمناجاته، قال لي: يا محمّد! قلت: لبيك ربّي وسعديك، تباركت وتعاليت، قال: إنّ عليّاً إمام أوليائي، ونور لمن أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، فبشّره بذلك.
فقال عليّ عليه السلام: يا رسول الله! بلغ من قدري حتّى أنّي أذكر هناك؟
فقال: نعم يا عليّ! فاشكر ربّك.
فخرّ عليّ عليه السلام ساجداً شكراً لله على ما أنعم به عليه.
فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: ارفع رأسك يا عليّ! فإنّ الله قد باهى بك ملائكته(3)(4).
١٠٦ـ قال ابن عبّاس: فلمّا ثقل أبو طالب، رئي يحرّك شفتيه، فأصغى إليه العبّاس يسمع قوله، فرفع العبّاس [عنه] رأسه، وقال: يا رسول الله! والله قد قال الكلمة التي سألته إيّاها.
وعن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عارض جنازة أبي طالب، فقال: (وصلت رحماً(1)، وجزيت خيراً يا عمّ)(2)(3).
١٠٧ـ قال ابن عبّاس: عارض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جنازة أبي طالب، فقال: (وصلتك رحم، وجزاك الله خيراً يا عمّ)(4).
١٠٨ـ أمالي الطوسي: جماعة(5)، عن أبي المفضل، عن أحمد بن سفيان بن العبّاس(6)، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، عن محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي(7)، عن إبراهيم بن إسماعيل(8)، عن داود بن حصين، عن أبي
1) - في النسخة: وصلتك رحم. كسابقه.
2) - قصص الأنبياء: مخطوط.
3) - ١٩/٥.
4) - ١٩/٢٠.
5) - في المصدر: أخبرنا جماعة منهم: الحسين بن عبد الله (وهو مصحف عبيد الله أي الغضائري)، وأحمد بن عبدون، وأبو طالب بن عرفة، وأبو الحسن الصفّار (الصقال خ)، وأبو علي الحسن ابن إسماعيل بن أشناس، قالوا: حدّثنا أبو المفضل محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيباني. (هامش الأصل).
6) - وصفه في المصدر بالنحوي. كسابقه.
7) - في نسخة أحمد وهو وهم، وفي المصدر: محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قاضى الشرقية وهو الصحيح وهو الواقدي المشهور، راجع التقريب: ٤٦٣ وغيره. كسابقه.
8) - في المصدر: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة يعنى الأسلمي. أقول: الرجل مذكور في التراجم راجع التقريب: ١٩. كسابقه.
غطفان(1)، عن ابن عبّاس، قال: اجتمع المشركون في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله، وأتى جبرئيل رسول الله فأخبره الخبر، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.
فلمّا أراد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم المبيت، أمر عليّاً عليه السلام أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات عليّ عليه السلام، وتغشى ببرد أخضر حضرمي كان لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ينام فيه، وجعل السيف إلى جنبه.
فلمّا اجتمع أولئك النفر من قريش يطيفون(2)ويرصدونه يريدون قتله، فخرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهم جلوس على الباب خمسة وعشرون رجلاً(3)، فأخذ حفنة من البطحاء ثمّ جعل يذرها(4)على رؤوسهم وهو يقرأ: يس ‡ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ(5)، حتّى بلغ: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ(6)، فقال لهم قائل: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّداً، قال: خبتم وخزيتم(7)قد والله مرّ بكم، فما منكم رجل إلاّ وقد جعل على رأسه تراباً، قالوا: والله ما أبصرناه، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(1)(2). ١٠٩ـ أمالي الطوسي: أبو عمرو(3)، عن ابن عقدة، عن الحسين بن عبد الرحمن الأزدي، عن أبيه، عن عبد النور بن عبد الله بن المغيرة القرشي، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عبّاس، قال: بات عليّ عليه السلام ليلة خرج رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى المشركين على فراشه ليعمى على قريش، وفيه نزلت هذه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ(4)(5).
١١٠ـ تفسير العياشي: عن ابن عبّاس، قال: فدى عليّ عليه السلام بنفسه، لبس ثوب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ نام مكانه، فكان المشركون يرمون رسول الله، قال: فجاء أبو بكر وعليّ عليه السلام نائم، وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، فقال: أين نبيّ الله؟ فقال عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدرك، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، وجعل عليه السلام يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يتضوّر قد لفّ رأسه، فقالا: إنّك كنت(6)، لو كان صاحبك لا يتضوّر
1) - سورة الأنفال/٣٠. مجالس ابن الشيخ: ٢٨٤ و٢٨٥، وفيه: والله لقد مرّ بكم. كسابقه.
2) - ١٩/٥٣ ــ ٥٤.
3) - هكذا في النسخ، وفى المصدر: أبو عمر وهو عبد الواحد بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن مهدي، على ما في حديث قبله. (هامش الأصل).
4) - مجالس ابن الشيخ: ١٥٨. كسابقه، سورة البقرة/٢٠٧.
5) - ١٩/٥٦.
6) - هذا يوافق ما يأتي عن الطبري وابن حنبل، وأمّا سائر الروايات ففيها أنّه لقيه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في الطريق، ولعلّ التوفيق بينهما أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعد ما لم يطلع أحداً على خروجه مخافة أن يعلم المشركون ذلك، بل نهى أصحابه عن الخروج في تلك الليلة، خرج بنفسه، ثمّ أتى أبو بكر إلى دار النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ليتعرّف ما هو فيه، فاعلمه عليّ عليه السلام أنّه قد خرج وحيداً، فتعجّل أبو بكر حتّى لحق به في الطريق. (هامش الأصل).
قد استنكرنا ذلك منك(1)
وروى الحديث الخوارزمي في مناقبه: ٧٥ بإسناده عن الشيخ الزاهد أبى الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي، قال: أخبرني شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ، أخبرني والدي أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرني أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن جعفر القطيعي، حدّثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، أخبرني أبي، حدّثني يحيى بن معاذ، حدّثني أبو عوانة، حدّثنا أبو ثلج، حدّثني عمر بن ميمون، عن ابن عبّاس. وفيه: وهو يتضوّر قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك لئيم، وقد كان صاحبك لا يتضوّر ونحن نرميه وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.
أقول: أبو عبد الله الحافظ هو محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري روى الحديث في المستدرك ٣/١٣٢ وإسناد الخوارزمي فيه أوهام لعلّها من النسّاخ، والصحيح كما في المستدرك يحيى ابن حمّاد (وهو ابن أبي زياد الشيباني ختن أبى عوانة)، حدّثنا أبو عوانة، حدّثنا أبو بلج (بفتح الباء وسكون اللام هو الفزاري الواسطي، ويقال: الكوفي الكبير، واسمه يحيى بن سليم بن بلج، ويقال: ابن أبي سليم، ويقال: يحيى بن الأسود)، حدّثنا عمرو بن ميمون (هو عمرو بن ميمون الأودي أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى مخضرم مشهور ثقة عابد نزل الكوفة مات سنة ٧٤ ــ أو بعدها).
وفى المستدرك: إنّك للئيم. والحديث في تفسير العياشي ١/١٠١. وأخرجه البحراني أيضاً في البرهان ١/٢٠٧. وكذا الحديث الذي قبله. كسابقه، وراجع كتابي (عليّ إمام البررة ٣/٢٨٠ ــ ٣٠٢.
(2).١١١ـ إعلام الورى: قال ابن عبّاس: لمّا انطلق النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى الغار أنام عليّاً في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش تريد أن يقتل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم،
فجعلوا يرمون عليّاً عليه السلام وهم يرون أنّه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فجعل يتضوّر، فلمّا نظروا إذا هو عليّ عليه السلام(1).
١١٢ـ تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن الحكم، عن يحيى بن عبد الحميد، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال في عليّ بن أبي طالب صلي الله عليه وآله وسلم(2): لمّا انطلق النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى الغار فأنامه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش يريدون أن يقتلوا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فجعلوا يرمون عليّاً عليه السلام وهم يرون أنّه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقد ألبسه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم برده، فجعل يتضوّر، فنظروا فإذا هو عليّ عليه السلام، فقالوا: إنّك لنائم؟! لو كان صاحبك ما تضوّر لقد استنكرنا ذلك منك(3)(4).
١١٣ـ قال ابن عبّاس: لمّا أمر الله سبحانه المؤمنين بالهجرة، وأرادوا الهجرة فمنهم من تعلّقت به زوجته، ومنهم من تعلّق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم، فبيّن سبحانه أنّ أمر الدين مقدّم على النسب، وإذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى(5).
١١٤ـ قال ابن عبّاس: نزل قوله: مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ
الْقُرَى(1)، في أموال كفّار أهل القرى، وهم: قريظة، وبنو النضير، وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة وينبع، جعلها الله لرسوله صلي الله عليه وآله وسلم يحكم فيها ما أراد، وأخبر أنّها كلّها له، فقال أناس: فهلا قسمها؟ فنزلت الآية(2). ١١٥ـ عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم بني النضير: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولا يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقال لهم الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها، فنزلت: يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ(3)الآية(4).
١١٦ـ قال ابن عبّاس: لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر، وكانوا في غيره من الأيام عدّة ومدداً(5).
١١٧ـ قال ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر: (من جاء بكذا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا)، فتسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلمّا انقضى الحرب طلب الشبان ما كان قد نفلهم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم به، فقال
الشيوخ: كنّا ردأ لكم(1)، ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا، وجرى بين أبي اليسر بن عمرو الأنصاري أخي بني سلمة وبين سعد بن معاذ كلام، فنزع الله تعالى الغنائم منهم، وجعلها لرسوله يفعل بها ما يشاء، فقسّمها بينهم بالسوية(2).
١١٨ـ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: كانت الغنائم لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خاصّة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، فسألوا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يعطيهم منها، فنزلت الآية(3).
١١٩ـ قال ابن عبّاس: لمّا كان يوم بدر واصطف القوم للقتال، قال أبو جهل: اللّهمّ أولانا بالنصر فانصره(4)
ما تنقم الحرب العوان منيّ *** بازل عامين حديث سنيّ
لمثل هذا ولدتني أُمّي
(هامش الأصل).
، واستغاث المسلمون، فنزلت الملائكة، ونزل قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ(5)إلى آخره(6).1) - الردأ: الناصر والعون. (هامش الأصل).
2) - ١٩/٢١١ ــ ٢١٢.
3) - ١٩/٢١٢.
4) - في الامتاع: واستفتح أبو جهل يومئذ، فقال: اللّهمّ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة، فأنزل الله: ayebazإِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَayebaste، وقال يومئذ:
5) - سورة الأنفال/٩.
6) - ١٩/٢٢١.
١٢٠ـ عن ابن عبّاس: إنّ الملائكة قاتلت يوم بدر وقَتَلت(1).
١٢١ـ قال ابن عبّاس: حدّثني رجل من بني غفّار، قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتّى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة(2)، فبينا نحن هناك إذ دنت منّا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعنا قائلاً يقول: أقدم حيزوم(3)، وقال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك، ثمّ تماسكت(4).
١٢٢ـ وروى عكرمة، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر: (هذا جبرئيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب)، أورده البخاري في الصحيح(5)(6).
١٢٣ـ روى مقسم(7)، عن ابن عبّاس، قال: كان الذي أسر العبّاس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً، وكان العبّاس رجلاً جسيماً.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأبي اليسر: (كيف أسرت العبّاس يا أبا اليسر؟)
1) - ١٩/٢٢٢.
2) - الدبرة: الهزيمة. (هامش الأصل).
3) - قيل: الحيزوم: اسم فرس جبرئيل. كسابقه.
4) - ١٩/٢٢٦ ــ ٢٢٧.
5) - صحيح البخاري ٥/١٠٣. (هامش الأصل).
6) - ١٩/٢٢٦ ــ ٢٢٧.
7) - مقسم بكسر أوّله، ابن بجرة بالضمّ فسكون، ويقال: نجدة بفتح النون، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عبّاس للزومه له، مات سنة ١٠١. (هامش الأصل).
فقال: يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا.
فقال: (لقد أعانك عليه ملك كريم)(1).
١٢٤ـ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا(2)، العدوة: شفير الوادي، وللوادي عدوتان، وهما جانباه، والدنيا: تأنيث الأدنى، قال ابن عبّاس: يريد والله: قدير على نصركم وأنتم أقلّة أذلّة، إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة(3).
١٢٥ـ قال ابن عبّاس: لمّا رأى أبو سفيان أنّه أحرز عيره أرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتّى نرد بدراً ــ وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كلّ عام ــ فنقيم بها ثلاثاً، وننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح(4).
١٢٦ـ عن ابن عبّاس، قال: لمّا أمسى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم بدر والناس محبوسون بالوثاق بات ساهراً أوّل الليل، فقال له أصحابه: ما لك لا تنام؟
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (سمعت أنين عمّي العبّاس في وثاقه).
فأطلقوه، فسكت، فنام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (1).
١٢٧ـ أمالي الطوسي: محمّد بن علي بن حشيش(2)
وقد ضبطه العلاّمة في إيضاح الاشتباه بالخاء المعجمة المضمومة والشين المفتوحة المعجمة والياء الساكنة المنقطة تحتها نقطتين والشين المعجمة أخيراً.
، عن محمّد بن أحمد بن علي بن عبد الوهاب(3)، عن محمّد بن علي بن الحسين، عن علي ابن عبيد الله(4)، عن محمّد بن إسحاق الضبيّ، عن نصر بن حمّاد، عن شعبة، عن السدي، عن مقسم، عن ابن عبّاس، قال: وقف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم على قتلى بدر، فقال: (جزاكم الله من عصابة شرّاً، لقد كذبتموني صادقاً، وخونتم أميناً(5))، ثمّ التفت إلى أبي جهل بن هشام، فقال(6): (إنّ هذا أعتى على الله من فرعون، إنّ فرعون لمّا أيقن بالهلاك وحّد الله، وإنّ هذا لمّا أيقن بالهلاك دعا باللات والعزى)(7)(8).1) - ١٩/٢٤٠.
2) - قد تكرّر اسمه في الأمالي، ففي أوّل حديث رواه الشيخ عنه: محمّد بن علي بن خشيش بن نصر بن جعفر بن إبراهيم التميمي. (هامش الأصل).
3) - في المصدر: الأسفرايني. (هامش الأصل).
4) - في المصدر: علي بن عبد الله. كسابقه.
5) - في الإمتاع: جزاكم الله عنّي من عصابة شرّاً، فقد خونتموني أميناً، وكذبتموني صادقاً. كسابقه.
6) - أمالي ابن الشيخ: ١٩٥. كسابقه.
7) - الموجود في المصدر: ابن عقدة، عن علي بن محمّد بن علي الحسيني عن جعفر بن محمّد ابن سيسي. كسابقه.
8) - ١٩/٢٧٢ ــ ٢٧٣.
١٢٨ـ تفسير: أبي يوسف النسوي وقبيصة بن عقبة عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس في قوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الآية، نزلت في عليّ، وحمزة، وعبيدة، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ(1): عتبة، وشيبة، والوليد(2).
١٢٩ـ تفسير فرات بن إبراهيم: فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً عن ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(3)، قال: نزلت الآية في ثلاثة من المسلمين، فهم المتّقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفي ثلاثة من المشركين، هم(4)المفسدون في الأرض، فأمّا الثلاثة من المسلمين فعليّ ابن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة، وأمّا الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وهم الذين يبارزون(5)يوم بدر، فقتل عليّ الوليد، وقتل حمزة عتبة بن ربيعة، وقتل عبيدة شيبة(6)(7).
١٣٠ـ روى بإسناده عن ابن عبّاس، أنّه قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لأصحابه:
(إنّي قد عرفت أنّ رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً، لا حاجة لنا بقتلهم، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومن لقي العبّاس عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فلا يقتله، فإنّه إنّما أُخرج مستكرهاً)(1)(2).
١٣١ـ قرب الإسناد: ابن طريف(3)، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، عن ابن عبّاس، قال: انتدب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ليلة بدر(4)إلى الماء، فانتدب عليّ عليه السلام فخرج، وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة، فخرج بقربته، فلمّا كان إلى القليب لم يجد دلواً، فنزل في الجبّ تلك الساعة فملأ قربته، ثمّ أقبل فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أُخرى فجلس حتّى مضت، ثمّ قام، ثمّ مرّت به أُخرى فجلس حتّى مضت، فلمّا جاء قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما حبسك يا أبا الحسن؟) قال: لقيت ريحاً، ثمّ ريحاً، ثمّ ريحاً شديدة، فأصابتني قشعريرة، فقال: (أتدري ما كان ذاك(5)ياعليّ؟) فقال: لا، فقال: (ذاك(6)جبرئيل في ألف من الملائكة وقد سلّم
1) - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ٣: ٣٣٥، ط مصر. (هامش الأصل).
2) - ١٩/٣٠٤.
3) - هكذا في نسخة المصنّف وغيرها وهو مصحف ظريف بالظاء المعجمة. (هامش الأصل).
4) - هكذا في نسخة المصنّف وغيرها وهو مصحف والصحيح: بدر كما في المصدر أيضاً وفيه: استندب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الناس ليلة بدر. كسابقه.
5) - في المصدر: ذلك. كسابقه.
6) - في المصدر: ذلك. كسابقه.
عليك وسلّموا، ثمّ مرّ ميكائيل في ألف من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا، ثمّ مرّ إسرافيل وألف(1)من الملائكة فسلّم عليك وسلّموا)(2)
اقسم بالله وآلائه *** والمرء عما قال مسؤول
إنّ عليّ بن أبي طالب *** على التقى والبر مجبول
وإنّه كان الإمام الذي *** له على الأُمّة تفضيل
إلى أن قال:
ذاك الذي سلّم في ليلة *** عليه ميكال وجبريل
ميكال في ألف وجبريل في *** ألف ويتلوهم سرافيل
ليلة بدر مدداً أنزلوا *** كأنّهم طير أبابيل
فسلّموا لما أتوا حذوه *** وذاك إعظام وتبجيل
كسابقه.
(3).١٣٢ـ قال الواقدي: وكان ابن عبّاس يقول: لم يقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر، وقال: كان الملك يتصوّر في صورة من يعرفه المسلمون من الناس ليثبتهم، فيقول: إنّي قد دنوت من المشركين فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا لهم وليسوا بشيء فاحملوا عليهم، وذلك قول الله تعالى:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ(4)الآية(5).
١٣٣ـ قال محمّد بن إسحاق: فحدّثني داود بن الحصين(1)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ردّ زينب بعد ستّ سنين على أبي العاص بالنكاح الأوّل، لم يحدث شيئاً(2)(3).
١٣٤ـ روي عن ابن عبّاس أنّ آنسة مولى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قتل ببدر، وروي أنّ معاذ بن ماعص(4)جرح ببدر فمات من جراحته بالمدينة، وإنّ عبيد بن السكن جرح فاشتكى جرحه فمات منه(5)(6).
١٣٥ـ عن ابن عبّاس، قال: لمّا كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ إنّه ليس لهم أن يعلونا)، فمكث أبو سفيان ساعة، وقال: يوماً بيوم إنّ(7)الأيام دول، وإنّ الحرب سجال(8).
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (أجيبوه).
1) - في نسخة المصنّف: الحسين بالسين، وهو سهو قلمه الشريف. والحديث مروى عنه في السيرة ٢/٣٠٤ وتاريخ الطبري ٢/١٦٧، وهو مترجم في التقريب: ١٤٧ بقوله: داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلاّ في عكرمة، ورمى برأي الخوارج، من السادسة مات سنة ١٣٥. (هامش الأصل).
2) - زاد ابن الأثير في الكامل ٢/٩٥، وقيل: بنكاح جديد. كسابقه.
3) - ١٩/٣٥٤.
4) - في أسد الغابة: معاذ بن ماعض، وقيل: ناعض، وقيل: معاض بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الأنصاري. (هامش الأصل).
5) - شرح نهج البلاغة ٣/٣٥٦ و٣٥٧. كسابقه.
6) - ١٩/٣٦١.
7) - في المصدر: وإن. (هامش الأصل).
8) - الحبّ سجال، أي: تارة لهم، وتارة عليهم. كسابقه.
فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النار، فقال: لنا عزّى ولا عزّى لكم.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (الله مولانا ولا مولى لكم).
فقال أبو سفيان: أعل هبل.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الله أعلى وأجلّ). وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ(1)، أي: نصرّفها مرّة لفرقة، ومرّة عليها(2).
١٣٦ـ قال ابن عبّاس وعكرمة: لمّا أصاب المسلمون ما أصابهم يوم أحد وصعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الجبل، جاء أبو سفيان، فقال: يا محمّد! لنا يوم، ولكم يوم.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (أجيبوه).
فقال المسلمون: لا سواء قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النار.
فقال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).
فقال أبو سفيان: أعل هبل.
فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (قولوا: الله أعلى وأجل).
فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى.
ونام المسلمون وبهم الكلوم، وفيهم نزلت: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ(1)الآية، وفيهم نزلت: إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ(2)الآية، لأنّ الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم، وأراد بذلك إرهاب المشركين، فخرجوا إلى حمراء الأسد، وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتّى دخلوا مكّة(3).
١٣٧ـ وروى الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس: أنّ طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذ فوقف بين الصفّين فنادى: ياأصحاب محمّد! إنّكم تزعمون أنّ الله تعالى يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنّة فأيّكم يبرز إليَّ؟
فبرز أمير المؤمنين عليه السلام إليه، فقال: (والله لا أفارقك هذا اليوم حتّى أعجلك بسيفي إلى النار)، فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ بن أبي طالب عليه السلام على رجليه فقطعهما، فسقط فانكشف عنه، فقال له: أنشدك الله يا بن عمّ والرحم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال له المسلمون: ألا أجهزت عليه؟ فقال: (ناشدني الله والرحم، والله لا عاش بعدها أبداً)، فمات طلحة في مكانه، وبشّر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بذلك فسرّ به، وقال: (هذا كبش الكتيبة)(4).
١٣٨ـ تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن أحمد بن يوسف رفعه إلى
ابن عبّاس(1)في قوله: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ(2)، قال: فلم يبق معه من الناس يوم أحد غير عليّ بن أبي طالب عليه السلام ورجل من الأنصار، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! قد صنع الناس ما ترى)، فقال: لا والله يا رسول الله! لا أسأل عنك الخبر من وراء، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أمّا لا فاحمل على هذه الكتيبة)، فحمل عليها ففضها، فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله! إنّ هذه لهي المواساة، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّي منه وهو منّي). فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما(3)(4).
١٣٩ـ روي عن ابن عبّاس أنّه صلي الله عليه وآله وسلم قال: (أمّا انقصام سيفي فقتلة رجل من أهل بيتي)(5).
١٤٠ـ وروى الطبرسي رحمه الله في (مجمع البيان) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول ــ الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم بني النضير للأنصار: (إن شئتم قسّمتم للمهاجرين من دياركم وأموالكم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة)، فقال الأنصار: بل نقسم
1) - في المصدر: حدّثني جعفر بن محمّد بن يوسف معنعناً عن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه يقول حين انجفل عنه يوم أحد في قوله. (هامش الأصل).
2) - سورة آل عمران/١٥٣.
3) - تفسير فرات: ٢٢: وللحديث ذيل تركه المصنّف لعدم تعلّقه بالباب. (هامش الأصل). راجع كتاب عليّ إمام البررة ٣/٥٦.
4) - ٢٠/١١٣.
5) - ٢٠/١٢٤.
لهم من أموالنا(1)ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ(2)الآية(3).
١٤١ـ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً(4)، قال ابن عبّاس: إنّ المنافقين قالوا: يعدنا محمّد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء، هذا والله الغرور(5).
١٤٢ـ إكمال الدين: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معاً، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا دعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بكعب بن أسد ليضرب عنقه فأُخرج وذلك في غزوة بني قريظة، نظر إليه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال له: (يا كعب! أما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام، فقال: تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبيّ يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكّة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة والتميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوّة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر؟)
قال كعب: قد كان ذلك يا محمّد، ولولا أنّ اليهود تعيّرني أنّي جبنت(1)عند القتل لآمنت بك وصدّقتك، ولكنّي على دين اليهودية عليه أحيا وعليه أموت.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (قدّموه فاضربوا عنقه). فقدّم وضربت عنقه(2)(3).
١٤٣ـ قال ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خرج يريد مكّة، فلمّا بلغ الحديبية وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة، فقال أصحابه: خلات الناقة(4)، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل). ودعا عمر بن الخطّاب ليرسله إلى أهل مكّة ليأذنوا له بأن يدخل مكّة ويحلّ من عمرته وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإنّي أخاف قريشاً لشدّة(5)عداوتي إيّاها، ولكن أدلك على رجل هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان، فقال: (صدقت)، فدعا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عثمان، فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائراً لهذا البيت، معظّماً لحرمته(6)، فاحتبسته قريش عندها. فبلغ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم
1) - في المصدر: خشيت. (هامش الأصل).
2) - إكمال الدين: ١٤٤ و١١٥، وأورده أيضاً في باب البشائر بمولده؛ راجع ١٥/٢٠٥. كسابقه.
3) - ٢٠/٢٤٧.
4) - أي: بركت ولم تبرح من مكانها. (هامش الأصل).
5) - شدّة خ ل. كسابقه.
6) - في سيرة ابن هشام ٣/٣٦٣: فخرج عثمان إلى مكّة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثمّ أجاره حتّى بلغ رسالة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم اه. كسابقه.
والمسلمين أنّ عثمان قد قتل، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (لا نبرح حتّى نناجز القوم)، فدعا الناس إلى البيعة، فقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى الشجرة فاستند إليها، وبايع الناس(1)على أن يقاتلوا المشركين ولا يفرّوا، قال عبد الله بن مغفل: كنت قائماً على رأس رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس، فلم يبايعهم على الموت، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا(2).
١٤٤ـ مناقب ابن شهرآشوب: تفسير النقاش بإسناده عن سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: كنت عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن عليّ، وهو تارة يقبل هذا، وتارة يقبل هذا، إذ هبط جبرئيل بوحي من ربّ العالمين، فلمّا سري عنه، قال: (أتاني جبرئيل من ربّي، فقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرأ عليك السلام ويقول: لست أجمعهما فافد أحدهما بصاحبه)، فنظر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى إبراهيم فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، وقال: (إنّ إبراهيم أُمّه أمة، ومتى مات لم يحزن عليه غيري، وأُمّ الحسين فاطمة، وأبوه عليّ ابن عمّي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت ابنتي، وحزن ابن عمّي، وحزنت أنا عليه، وأنا أؤثر حزني على حزنهما، يا جبرئيل! يقبض إبراهيم فديته للحسين)، قال: فقبض بعد ثلاث، فكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إذا رأى الحسين مقبلاً قبّله وضمّه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: (فديت من فديته بابني إبراهيم)(3).
الطرائف: من الجمع بين الصحاح الستّة عن سفيان مثله(1)(2).
١٤٥ـ قال ابن عبّاس: أوّل من ولد لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمكّة قبل النبوّة القاسم يكنى به، ثمّ ولد له زينب، ثمّ رقية، ثمّ فاطمة، ثمّ أُمّ ــ كلثوم، ثمّ ولد له في الإسلام عبد الله، فسمّي الطيب والطاهر، وأُمّهم جميعاً خديجة بنت خويلد، وكان أوّل من مات من ولده القاسم، ثمّ مات عبد الله بمكّة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ(3)(4).
١٤٦ـ روى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جالساً مع حفصة فتشاجر بينهما، فقال: (هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلاً؟) قالت: نعم، فأرسل إلى عمر، فلمّا أن دخل عليهما، قال لها: تكلّمي، قالت: يا رسول الله! تكلّم ولا تقل إلاّ حقّا، فرفع عمر يده فوجأ وجهها، ثمّ رفع يده فوجأ وجهها، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: كف، فقال عمر: ياعدوة الله! النبيّ لا يقول إلاّ حقّاً، والذي بعثه بالحقّ لولا مجلسه ما رفعت يدي حتّى تموتي، فقام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فصعد إلى غرفة فمكث فيها شهراً لا يقرب شيئاً من نسائه يتغدّى ويتعشى فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآيات:
إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا(1)(2). ١٤٧ـ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء(3)، قال ابن عبّاس: أي: ليس قدركنّ عندي كقدر غيركنّ من النساء الصالحات(4).
١٤٨ـ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(5)، أي: خاصّة لك دون غيرك، قال ابن عبّاس: يقول: لا يحلّ هذا لغيرك وهو لك حلال، وهذا من خصائصه في النكاح، فكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة، ولا ينعقد ذلك لأحد غيره(6).
١٤٩ـ عن ابن عبّاس، قال: قلت لعمر بن الخطّاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال: عايشة وحفصة، أورده البخاري في الصحيح(7)
راجع موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن ١/١٠٢ تجد التفاوت في رواية البخاري لهذا الحديث وما عليه من الحديث.
(8).١٥٠ـ ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لنسائه: (أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، يقتل حولها قتلى كثير، وتنجو بعدما كادت)(1)
((أيتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب)) أخرجه أحمد (٦/٥٢) عن يحيى وهو ابن سعيدن، و(٦/٩٧) عن شعبة، وأبو إسحاق الحربي في (غريب الحديث) (٥/٧٨/١) عن عدّة، وابن حبّان في صحيحه (١٨٣١) موارد الظمآن، عن وكيع وعلي بن مسهر، وابن عدي في الكامل (ق٢/٢٢٣) عن ابن فضيل، والحاكم (٣/١٢٠) عن يعلى بن عبيد، كلّهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: أنّ عائشة لمّا أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب فقالت: (ما أظنّي إلاّ راجعة، إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لنا: ...فذكرت الحديث، ثمّ قال الألباني: وإسناده صحيح جدّاً، ورجاله ثقات أثبات من رجال الستّة...).
وقال أيضاً بعد كلام: فالحديث من أصحّ الأحاديث، ولذلك تتابع الأئمّة على تصحيحه قديماً وحديثاً:
الأوّل: ابن حبّان فقد أخرجه في صحيحه...
الثاني: الحاكم بإخراجه إيّاه في المستدرك...
الثالث: الذهبي...
الرابع: الحافظ ابن كثير...
الخامس: الحافظ ابن حجر...
ثمّ قال: فهؤلاء خمسة من كبار أئمّة الحديث صرّحوا بصحّة هذا الحديث... وبعد كلام كثير قال: وللحديث شاهد يزداد به قوّة، وهو من حديث ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لنسائه: (ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثير، ثمّ تنجو بعد ما كادت) (رواه البزّار ورجاله ثقات)، كذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/٢٣٤)، والحافظ ــ ابن حجر ــ في فتح الباري (١٣/٤٥)...
وقد مرّ ذكر بعض المصادر الدالّة على صحّة الحديث وشواهده. (مهدي).
(2).١٥١ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن عمر بن محمّد، عن الحسين بن
إسماعيل، عن عبد الله بن شبيب، عن محمّد بن محمّد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عبّاس، قال: وجدت حفصة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مع أُمّ إبراهيم في يوم عائشة، فقالت: لأخبرنّها، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (اكتمي ذلك وهي عليَّ حرام)، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأعلم الله نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، فعرف حفصة أنّها أفشت سرّه، فقالت له: قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ(1)، فآلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من نسائه شهراً، فأنزل الله عزّ اسمه: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا(2)، قال ابن عبّاس: فسألت عمر بن الخطّاب من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ فقال: حفصة وعائشة(3)(4).
١٥٢ـ عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (دخلت البارحة الجنّة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة مع أصحابه)(5)(6).
١٥٣ـ تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد معنعناً عن ابن عبّاس في قوله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، قال: نزلت في بني هاشم، منهم حمزة بن عبد المطّلب وعبيدة بن الحارث، وفيهم نزلت:
وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ(1)(2). ١٥٤ـ أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن أحمد بن يوسف الجعفي، عن محمّد بن إسحاق، عن الحسن بن محمّد الليثي، قال: حدّثني أبو جعفر المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من آذى العبّاس فقد آذاني، إنّما عمّ الرجل صنو أبيه)(3)(4).
١٥٥ـ أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن محمّد بن زياد، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ عليه السلام لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله! إنّك لتحبّ عقيلاً؟ قال: (إي والله، إنّي لأحبّه حبّين: حبّاً له، وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون)، ثمّ بكى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتّى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: (إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي)(5)(6).
١٥٦ـ وقال ابن عبّاس: رأيت سلمان الفارسي رحمه الله في منامي، فقلت له:
سلمان؟ فقال: سلمان.
فقلت: ألست مولى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال: بلى.
وإذا عليه تاج من ياقوت وعليه حليّ وحلل، فقلت: يا سلمان! هذه منزلة حسنة أعطاكها الله عزّ وجلّ؟ فقال: نعم.
فقلت: فماذا رأيت في الجنّة أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟
فقال: ليس في الجنّة بعد الإيمان بالله ورسوله شيء هو أفضل من حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والاقتداء به(1).
١٥٧ـ الجوهري في كتاب (السقيفة) عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا أُخرج أبو ذرّ إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: أن لا يكلّم أحد أبا ذرّ ولا يشيّعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فتحاماه الناس إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وعقيلاً أخاه، وحسناً وحسيناً عليهما السلام، وعمّار بن ياسر، فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه، فجعل الحسن عليه السلام يكلّم أبا ذرّ؛ فقال له مروان: ايهاً يا حسن! ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين قد نهى عن كلام ذلك الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك. فحمل عليّ عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال: (تنح لحاك الله إلى النار)، فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره خبر، فتلظّى على عليّ عليه السلام، ووقف أبو ذرّ، فودّعه القوم ومعه ذكوان مولى أُمّ هانئ بنت أبي طالب.
1) - ٢٢/٣٤١ ــ ٣٤٢.
قال ذكوان: فحفظت كلام القوم وكان حافظاً.
فقال عليّ عليه السلام: (يا با ذرّ! إنّك غضبت لله، إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلا، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً ثمّ اتّقى الله لجعل له منهما مخرجاً، يا أبا ذرّ! لا يؤنسك إلاّ الحقّ ولا يوحشنك إلاّ الباطل)؛ ثمّ قال لأصحابه: (ودّعوا عمّكم)؛ وقال لعقيل: (ودّع أخاك).
فتكلّم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا با ذرّ! أنت تعلم أنّا نحبّك وأنت تحبّنا فاتّق الله، فإنّ التقوى نجاة، واصبر فإنّ الصبر كرم، واعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.
ثمّ تكلّم الحسن عليه السلام فقال: (يا عّماه! لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت، وللمشيّع أن ينصرف، لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراقها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، واصبر حتّى تلقى نبيّك صلي الله عليه وآله وسلم وهو عنك راض).
ثمّ تكلّم الحسين عليه السلام، فقال: (يا عماه! إنّ الله تعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى، والله كلّ يوم في شأن. وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فإنّ الصبر من الدين والكرم، وإنّ الجشع لا يقدّم رزقاً، والجزع لا يؤخّر أجلاً).
ثمّ تكلّم عمّار رحمه الله مغضباً، فقال: لا آنس الله مَن أوحشك، ولا آمن مَن أخافك، أما والله، لو أردت دنياهم لآمنوك، ولو رضيتَ أعمالهم لأحبّوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا، والجزع من الموت ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
فبكى أبو ذرّ رحمه الله ، وكان شيخاً كبيراً، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله، والله ما أريد إلاّ الله صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة.
ورجع القوم إلى المدينة، فجاء عليّ عليه السلام إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ردّ رسولي وتصغير أمري؟
فقال عليّ عليه السلام: (أمّا رسولك فأراد أن يردّ وجهي فرددته، وأمّا أمرك فلم أصغره).
قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذرّ.
قال: (أو كلّ ما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟!)
قال عثمان: أقد مروان من نفسك.
قال: ممّ ذا؟
قال: من شتمه وجذب راحلته.
قال: (أمّا الراحلة، فراحلتي بها، وأمّا شتمه إيّاي فوالله لا يشتمني شتمة إلاّ شتمتك، لا أكذب عليك).
فغضب عثمان، وقال: لم لا يشتمك كأنّك خير منه؟!
قال عليّ عليه السلام: (إي والله، ومنك).
ثمّ قام فخرج، فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار، وإلى بني أُميّة يشكو إليهم عليّاً عليه السلام.
فقال القوم: أنت الوالي عليه، وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذاك؛ فأتوا عليّاً عليه السلام وقالوا: لو اعتذرتَ إلى مروان وأتيته.
فقال: (كلاّ، أمّا مروان فلا آتيه ولا أعتذر إليه، ولكن إن أحبّ عثمان أتيته).
فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل إليه فأتاه ومعه بنو هاشم.
فتكلّم عليّ عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أمّا ما وجدت عليَّ فيه من كلام أبي ذرّ ووداعه، فوالله ما أردتُ مناواتك ولا الخلاف عليك، ولكن أدرت به قضاء حقّه، وأمّا مروان فإنّه اعترض يريد ردّي عن قضاء حقّ الله عزّ وجلّ فرددته، ردّ مثلي مثله.
وأمّا ما كان منّي إليك، فإنّك أغضبتني، فأخرج الغضب منّي ما لم أرده).
فتكلّم عثمان فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا ما كان منك إليَّ فقد وهبته لك، وأمّا ما كان منك إلى مروان فقد عفا الله عنك، وأمّا ما حلفتَ عليه فأنت البّر الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمّها إلى صدره.
فلمّا نهض، قالت قريش وبنو أُميّة لمروان: أنت رجل جبهك عليّ فضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان وعبس في لطمة فرس، والأوس والخزرج في نسعة، أفتحمل لعليّ عليه السلام ما أتى إليك.
فقال مروان: والله لو أردتُ ذلك لما قدرتُ عليه(1).
١٥٨ـ معاني الأخبار، علل الشرائع: السناني والقطّان والمكتب والورّاق والدقاق جميعاً عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم في مسجد قبا وعنده نفر من أصحابه، فقال: (أوّل من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنّة)، فلمّا سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا وكلّ واحد منهم يحبّ أن يعود ليكون هو أوّل داخل فيستوجب الجنّة.
فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذلك منهم، فقال لمن بقي عنده من أصحابه: سيدخل عليكم جماعة يستبقوني، فمن بشّرني بخروج آذار فله الجنّة، فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذرّ، فقال لهم: (في أي شهر نحن من الشهور الرومية؟) فقال أبو ذرّ: قد خرج آذار يا رسول الله، فقال: (قد علمت ذلك يا أبا ذرّ،
1) - ٢٢/٤١١ ــ ٤١٥.
ولكن أحببتُ أن يعلم قومي أنّك رجل من الجنّة، وكيف لا تكون كذلك وأنت المطرود عن حرمي بعدي لمحبّتك لأهل بيتي، فتعيش وحدك. وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولّون تجهيزك ودفنك، أولئك رفقائي في جنّة الخلد التي وعد المتّقون)(1)(2).
١٥٩ـ قصص الأنبياء: الصدوق، عن أحمد الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ(3)، دخل أبو ذرّ عليلاً متوكياً على عصاه على عثمان، وعنده مائة ألف درهم حملت إليه من بعض النواحي، فقال: إنّي أريد أن أضمّ إليها مثلها، ثمّ أرى فيها رأيي.
فقال أبو ذرّ: أتذكر إذ رأينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حزيناً عشاء، فقال: بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دراهم لم أكن قسمتها ثمّ قسمها، فقال: الآن استرحت، فقال: الآن استرحت.
فقال عثمان لكعب الأحبار: ما تقول في رجل أدى زكاة ماله، هل يجب بعد ذلك شيء؟ قال: لا، لو اتّخذ لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة.
فقال أبو ذرّ رضي الله عنه: يا ابن اليهودية! ما أنت والنظر في أحكام المسلمين؟!
فقال عثمان: لولا صحبتك لقتلتك، ثمّ سيّره إلى الربذة(1)(2).
١٦٠ـ مناقب ابن شهرآشوب: ابن بطة، والطبري، ومسلم، والبخاري واللفظ له: إنّه سمع ابن عبّاس يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى بل دمعه الحصى، فقال: اشتدّ برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وجعه يوم الخميس، فقال: (ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ــ وفي رواية مسلم والطبري ــ قالوا: إنّ رسول الله يهجر(3).
١٦١ـ مجالس المفيد: عمر بن محمّد الصيرفي، عن العبّاس بن المغيرة الجوهري، عن أحمد بن منصور الرمادي، عن أحمد بن صالح، عن عتيبة، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا حضرت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هلّموا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فقال: لا تأتوه بشيء فإنّه قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا(4)يكتب لكم رسول الله، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا كثر اللغط والاختلاف قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (قوموا عنّي)، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: وكان ابن عبّاس رحمه الله
يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(1).
بيان: أقول خبر طلب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الدواة والكتف ومنع عمر عن ذلك مع اختلاف ألفاظه متواتر بالمعنى، وأورده البخاري ومسلم وغيرهما من محدثي العامّة في صحاحهم، وقد أورده البخاري في مواضع من صحيحه، منها في الصفحة الثانية من مفتتحه(2)(3).
١٦٢ـ مجالس المفيد: عمر بن محمّد الصيرفي، عن جعفر بن محمّد الحسني، عن عيسى بن مهران، عن يونس بن محمّد، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن عبد الرحمن بن خلاب الأنصاري، عن عكرمة، عن عبد الله بن عبّاس، قال: إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والعبّاس بن عبد المطّلب، والفضل ابن العبّاس دخلوا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه، فقالوا: يارسول الله! هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك، فقال: (وما يبكيهم؟) قالوا: يخافون أن تموت، فقال: (أعطوني أيديكم)، فخرج في ملحفة وعصابة حتّى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (أمّا بعد، أيّها الناس فما تنكرون من موت نبيّكم؟ ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم، لو خلد أحد قبلي ثمّ بعث إليه لخلدت فيكم، ألا إنّي لاحقّ بربّي،
وقد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله تعالى بين أظهركم تقرؤونه صباحاً ومساءاً، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي، وأنا أوصيكم بهم، ثمّ أوصيكم بهذا الحيّ من الأنصار، فقد عرفتم بلاءهم عند الله عزّ وجلّ وعند رسوله وعند المؤمنين، ألم يوسعوا في الديار، ويشاطر الثمار، ويؤثروا وبهم الخصاصة؟ فمن ولى منكم أمراً يضرّ فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسن الأنصار، وليتجاوز عن مسيئهم)، وكان آخر مجلس جلسه حتّى لقي الله عزّ وجلّ(1)(2).
١٦٣ـ تفسير فرات بن إبراهيم: محمّد بن القاسم بن عبيد معنعناً، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو يقول: لمّا أن مرض(3)النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم المرضة التي قبضه الله فيها، دخلت فجلست بين يديه، ودخلت عليه فاطمة الزهراء عليهما السلام ، فلمّا رأت ما به خنقتها العبرة حتّى فاضت دموعها على خدّيها.
فلمّا أن رآها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (ما يبكيك يا بنية؟)
قالت: وكيف لا أبكي وأنا أرى ما بك من الضعف، فمن لنا بعدك يا رسول الله؟
قال لها: (لكم الله، فتوكّلي عليه واصبري كما صبر آباؤك من الأنبياء، وأُمّهاتك من أزواجهم. يا فاطمة! أو ما علمت أنّ الله تعالى اختار أباكِ فجعله نبيّاً، وبعثه رسولاً، ثمّ عليّاً فزوّجتكِ إياه وجعله وصيّاً، فهو أعظم الناس حقّاً على المسلمين بعد أبيكِ، وأقدمهم سلماً وأعزّهم خطراً وأجملهم خلقاً، وأشدّهم فيّ الله وفيّ غضباً، وأشجعهم قلباً، وأثبتهم وأربطهم جاشاً، وأسخاها كفاً).
ففرحت بذلك الزهراء عليها السلام فرحاً شديداً، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هل سررتك يا بنية؟)
قالت: نعم يا رسول الله! لقد سررتني وأحزنتني.
قال: (كذلك أمور الدنيا يشوب سرورها بحزنها)، قال: (أفلا أزيدكِ في زوجكِ من مزيد الخير كلّه؟)
قالت: بلى يا رسول الله.
قال: (إنّ عليّاً أوّل من آمن بالله، وهو ابن عمّ رسول الله، وأخ الرسول، ووصيّ رسول الله، وزوج بنت رسول الله، وابناه سبطا رسول الله، وعمّه سيّد الشهداء عمّ رسول الله، وأخوه جعفر الطيار في الجنّة ابن عمّ رسول الله، والمهدي الذي يصلّي عيسى خلفه منكِ ومنه، فهذه يا بنية خصال لم يُعطَها أحد قبله، ولا أحد بعده، يا بنتي هل سررتك؟)
قالت: نعم يا رسول الله.
قال: (أو لا أزيدك مزيد الخير كلّه؟)
قالت: بلى.
قال: (إنّ الله تعالى خلق الخلق قسمين، فجعلني وزوجك في أخيرهما قسماً، وذلك قوله عزّ وجلّ: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(1)، ثمّ جعل الاثنين ثلثاً، فجعلني وزوجك في أخيرها ثلثاً، وذلك قوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‡ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‡ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(2))(3).
١٦٤ـ أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، قال: إنّي لعند عبد الله بن عبّاس في بيته، وعنده رهط من الشيعة، فذكروا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وموته، فبكى ابن عبّاس، وقال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ــ وهو اليوم الذي قبض فيه وحوله أهل بيته وثلاثون رجلاً من أصحابه ــ : (ايتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي ولا تختلفوا بعدي)، فقال رجل منهم: إنّ رسول الله يهجر، فغضب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وقال: (إنّي لأراكم تختلفون وأنا حيّ، فكيف بعد موتي؟)، فترك الكتف.
قال سليم: ثمّ أقبل عليَّ ابن عبّاس، فقال: يا سليم! لولا ما قال ذلك الرجل، لكتب لنا كتاباً لا يضلّ أحد ولا يختلف.
فقال رجل من القوم: ومن ذلك الرجل؟
فقال: ليس إلى ذلك سبيل.
فخلوت بابن عبّاس بعد ما قام القوم، فقال: هو عمر.
فقلت: قد صدقت، قد سمعت عليّاً عليه السلام، وسلّمان، وأبا ذرّ، والمقداد، يقولون: إنّه عمر.
قال: يا سليم اكتم إلاّ ممّن تثق به من إخوانك، فإنّ قلوب هذه الأُمّة أشربت حبّ هذين الرجلين، كما أشربت قلوب بني إسرائيل حبّ العجل والسامري(1)(2).
١٦٥ـ كشف الغمّة: روي عن ابن عبّاس، قال: قالت فاطمةI للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو في سكرات الموت: يا أبه أنا لا أصبر عنك ساعة من الدنيا، فأين الميعاد غداً؟
قال: (أما إنّك أوّل أهلي لحوقاً بي، والميعاد على جسر جهنّم).
قالت: يا أبه! أليس قد حرّم الله عزّ وجلّ جسمك ولحمك على النار؟
قال: (بلى، ولكنّي قائم حتّى تجوز أُمّتي).
قالت: فإن لم أرك هناك؟
قال: (تريني عند القنطرة السابعة من قناطر جهنّم، أستوهب الظالم من المظلوم).
قالت: فإن لم أرك هناك؟
قال: (تريني في مقام الشفاعة، وأنا أشفع لأُمّتي).
قالت: فإن لم أرك هناك؟
قال: (تريني عند الميزان وأنا أسأل(1)لأُمّتي الخلاص من النار).
قالت: فإن لم أرك هناك؟
قال: (تريني عند الحوض، حوضي عرضه ما بين ايله إلى صنعاء، على حوضي ألف غلام بألف كأس كاللؤلؤ المنظوم، وكالبيض المكنون، من تناول منه شربة فشربها لم يظمأ بعدها أبداً).
فلم يزل يقولها، حتّى خرجت الروح من جسده صلي الله عليه وآله وسلم(2)(3).
١٦٦ـ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(4)، روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا نزلت الآية، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا المنذر وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون)(5).
١٦٧ـ أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من دان بديني، وسلك منهاجي، واتّبع سُنتي، فليدن بتفضيل الأئمّة من أهل بيتي على جميع أُمّتي، فإن مثلهم في هذه الأُمّة مثل
باب حطة في بني إسرائيل)(1)(2).
١٦٨ـ الطرائف: ابن المغازلي، في عدّة أحاديث، منها: بإسناده إلى بشر ابن الفضل، قال: سمعت الرشيد(3)يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك)(4)(5).
١٦٩ـ وروى ابن المغازلي بإسناده عن ابن جبير عن ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق)(6).
١٧٠ـ إكمال الدين، أمالي الصدوق: ابن البرقي، عن أبيه، عن جدّه، عن غياث بن إبراهيم، عن ثابت بن دينار، عن سعد بن طريف، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله لعليّ بن أبي طالب: (يا عليّ! أنا مدينة الحكمة وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلاّ من قبل الباب، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك، لأنّك منّي، وأنا منك، لحمك من لحمي،
ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك سريرتي، وعلانيتك علانيتي، وأنت إمام أُمّتي وخليفتي عليها بعدي، سعُد من أطاعك، وشقي من عصاك، وربح من تولاك، وخسر من عاداك، وفاز من لزمك، وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمّة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة)(1)(2).
١٧١ـ وروى ابن بطريق رحمه الله في المستدرك من كتاب حلية الأولياء: بإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن التي غرسها الله، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، ويل للمكذبين بفضلهم من أُمّتي القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم شفاعتي)(3)(4).
١٧٢ـ ومن كتاب الفردوس: بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول
1) - أمالي الصدوق: ١٦٢ إكمال الدين: ١٤٠. (هامش الأصل).
2) - ٢٣/١٢٥ ــ ١٢٦.
3) - المستدرك مخطوط ليست نسخته عندي، والحديث يوجد في حلية الأولياء ١/٨٦ رواه ابن نعيم بإسناده عن محمّد بن المظفر، عن محمّد بن جعفر بن عبد الرحيم، عن أحمد بن محمّد بن يزيد بن سليم، عن عبد الرحمن بن عمران بن أبي ليلى أخو محمّد بن عمران، عن يعقوب ابن موسى الهاشمي، عن ابن أبي رواد، عن إسماعيل بن أُميّة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وفيه: [ويسكن جنّة عدن غرسها ربّى فليوال] وفيه: وويل. (هامش الأصل).
4) - ٢٣/١٣٩.
الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا ميزان العلم، وعليّ كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمّة من بعدي عموده، يوزن(1)فيه أعمال المحبّين لنا والمبغضين لنا)(2)(3).
١٧٣ـ الفضائل، الروضة: بالإسناد يرفعه إلى ابن عبّاس، أنّه قال: لمّا رجعنا من حجّة الوداع جلسنا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في مسجده، فقال: (أتدرون ما أقول لكم؟)
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: (اعلموا أنّ الله عزّ وجلّ مَنّ على أهل الدين إذ هداهم بي، وأنا أمن على أهل الدين إذ أهديهم بعليّ بن أبي طالب، ابن عمّي وأبي ذرّيتي، ألا ومن اهتدى بهم نجا، ومن تخلّف عنهم ضلّ وغوى، أيّها الناس! الله الله في عترتي وأهل بيتي، فإنّ فاطمة بضعة منّي، وولديها عضداي، وأنا وبعلها كالضوء، اللّهمّ ارحم من رحمهم، ولا تغفر لمن ظلمهم)، ثمّ دمعت عيناه وقال: (كأنّي أنظر الحال)(4)(5).
١٧٤ـ معاني الأخبار، أمالي الصدوق: أبي، عن عبد الله بن الحسن المؤدّب، عن أحمد بن علي الأصبهاني، عن محمّد بن أبي عمر النهدي،
عن أبيه، عن محمّد بن مروان، عن محمّد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ(1)، قال: على آل محمّد عليهم السلام(2)(3).
١٧٥ـ معاني الأخبار، أمالي الصدوق(4): عبد الله بن محمّد بن عبد الوهاب، عن عبيد الله بن يحيى بن عبد الباقي، عن أبيه، عن علي بن الحسن، عن عبد الرزاق، عن صندل(5)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ: قال: السلام من ربّ العالمين على محمّد وآله صلّى الله عليه وعليهم، والسلامة لمن تولاهم في القيامة(6)(7).
١٧٦ـ أقول: قال العلاّمة(قدّس الله روحه) في (كشف الحقّ) في قوله تعالى: سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ(8): عن ابن عبّاس: هم آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم. وقال
1) - سورة الصافات/١٣٠.
2) - معاني الأخبار: ٤١، أمالي الصدوق: ٢٨٢ و٢٨٣، في المعاني: أحمد بن علي الأصبهاني، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: أخبرني أحمد بن أبي عميرة النهدي، راجع. (هامش الأصل).
3) - ٢٣/١٦٩ ــ ١٧٠.
4) - النسخة المخطوطة خالية عن رمز (لي) ولم نجد الحديث في الأمالي أيضاً. (هامش الأصل).
5) - في المعاني: (حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن عبد الباقي، عن أبيه، عن علي بن الحسن ابن عبد الغني المعاني، عن عبد الرزاق، عن مندل) أقول: مندل هو مندل بن علي العنزل أبو عبد الله الكوفي يقال: اسمه عمرو ومندل لقب. كسابقه.
6) - معاني الأخبار: ٤١.
7) - ٢٣/١٦٩ ــ ١٧٠.
8) - سورة الصافات/١٣٠.
الناصب الراد له في شرحه: أقول: صحّ هذا، وآل يس آل محمّد، وعليّ عليه السلام منهم، والسلام عليهم، ولكن أين هو من دليل المدّعى(1).
١٧٧ـ أقول: قال العلاّمة قدس سره في كتاب (كشف الحقّ): روى الحافظ محمّد بن موسى الشيرازي، من علماء الجمهور، واستخرجه من التفاسير الاثني عشر عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ(2)، قال: هو محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وهم أهل الذكر، والعلم، والعقل، والبيان، وهم أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، والله ما سمّى المؤمن مؤمناً إلاّ كرامة لأمير المؤمنين عليه السلام. ورواه سفيان الثوري عن السدي عن الحارث. انتهى(3)(4).
١٧٨ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: شيخ الطائفة بإسناده عن إبراهيم بن النخعي، عن ابن عبّاس، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام، فقلت: يا أبا الحسن! أخبرني بما أوصى إليك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟
قال: سأخبركم، إنّ الله اصطفى لكم الدين وارتضاه، وأتم نعمته عليكم، وكنتم أحقّ بها وأهلها، وإنّ الله أوحى إلى نبيّه أن يوصي إليَّ، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! احفظ وصيتي، وارع ذمامي(5)، وأوف بعهدي، وأنجز
عداتي، واقض ديني، وأحي سُنّتي، وادع إلى ملّتي، لأنّ الله تعالى اصطفاني واختارني فذكرت دعوة أخي موسى، فقلت: اللّهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي كما جعلت هارون من موسى، فأوحى الله عزّ وجلّ إليَّ: إنّ عليّاً وزيرك وناصرك والخليفة من بعدك، ثمّ(1)يا عليّ أنت من أئمّة الهدى، وأولادك منك(2)، فأنتم قادة الهدى والتقى، والشجرة التي أنا أصلها، وأنتم فرعها، فمن تمسّك بها فقد نجا ومن تخلّف عنها فقد هلك وهوى، وأنتم الذين أوجب الله تعالى مودّتكم وولايتكم والذين ذكرهم الله في كتابه ووصفهم لعباده، فقال عزّ وجلّ من قائل: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ‡ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(3)، فأنتم صفوة الله من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران. وأنتم الأسرة(4)من إسماعيل، والعترة الهادية من محمّد صلّى الله عليه وآله عليه وعليهم)(5)(6).
١٧٩ـ تفسير فرات بن إبراهيم: محمّد بن القاسم بإسناده عن ابن عبّاس، في قول الله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ(7)، قال: قال رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هي قلوب شيعتنا تهوي إلى محبّتنا)(1)(2).
١٨٠ـ أخبرنا، السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني(3)، عن القاضي أبى بكر الحيري(4)، عن أبي العبّاس الضبعي، عن الحسن بن زياد السري(5)، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حسين الأشتر(6)، عن قيس، عن الأعمش، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس،
1) - في المصدر: ayebazفَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْayebaste، والآية في سورة إبراهيم/٣٤. (هامش الأصل).
2) - ٢٣/٢٢٤.
3) - منسوب إلى حسكان، كغضبان: قرية من قرى نيسابور، والرجل هو الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حمد بن محمّد بن حسكان القرشي العامري النيسابوري الحنفي يعرف بابن الحدّاد، ترجمه الذهبي في تذكرة الحفاظ، ووصفه بالقاضي المحدّث، وقال شيخ متقن ذو عناية تامّة بعلم الحديث، وهو من ذرّية الأمير عبد الله بن عامر بن كريز الذي افتتح خراسان زمن عثمان، وكان معمّراً عالي الإسناد، صنّف وجمع، وحدّث عن جدّه، وابن أبي الحسن العلوي، وأبى عبد الله الحاكم، وأبى طاهر بن محمش، وأبى الحسن علي بن السقا، وأبى عبد الله ابن باكويه، وخلق، واختصّ بصحبة أبى بكر بن الحارث الأصبهاني النحوي وأخذ عنه، وأخذ أيضاً عن الحافظ أحمد بن علي بن منجويه، وتفقّه على القاضي أبى العلاء صاعد بن محمّد، وما زال يسمع ويجمع ويفيد، وقد أكثر عنه المحدّث عبد النافر بن إسماعيل الفارسي وذكره في تاريخه. انتهى. وترجمه أيضاً ابن شهرآشوب في معالم العلماء وعد من تصانيفه: شواهد التنزيل بقواعد التفضيل، وخصائص عليّ بن أبي طالب عليه السلام في القرآن، ومسألة في تصحيح ردّ الشمس وترغيم النواصب الشمس. توفى بعد سنة ٤٩٠. (هامش الأصل).
4) - في نسخة: (الحائري) وفي المصدر: الحميري. كسابقه.
5) - في المصدر: الحسن بن علي بن زياد السرى. كسابقه.
6) - هكذا في الكتاب ومصدره، والظاهر أنّ الصحيح الأشقر، وهو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي يروى عن قيس بن الربيع، راجع تهذيب التهذيب ٢/٣٣٥ و٣٣٦، وسيأتي في حديث عن تفسير فرات التصريح بذلك. كسابقه.
قال: لمّا نزلت: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً(1)الآية، قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أمرنا(2)بمودّتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وولدهما)(3).
١٨١ـ ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدّثني عثمان بن عمير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة واستحكم الإسلام، قالت الأنصار فيما بينهم: نأتي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فنقول له: تعروك أمور، فهذه أموالنا فاحكم(4)فيها غير حرج ولا محظور عليك؛ فأتوه في ذلك، فنزل(5): قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(6)، فقرأها عليهم، فقال: (تودّون قرابتي من بعدي)، فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله.
فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه، أراد بذلك أن يذلّلنا لقرابته من بعده، فنزلت: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً(7)، فأرسل إليهم فتلاها عليهم، فبكوا واشتدّ عليهم، فأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ(8)الآية، فأرسل في أثرهم فبشّرهم، قال: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
آمَنُوا(1)، وهم الذين سلّموا لقوله، ثمّ قال تعالى: وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً(2)، أي: من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن نوجب له الثواب(3). ١٨٢ـ قال العلاّمة روح الله روحه في كتاب (كشف الحقّ): روى الجمهور في الصحيحين، وأحمد بن حنبل في مسنده، والثعلبي في تفسيره، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وابناهما). ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة. انتهى(4)(5).
١٨٣ـ قال الرازي في تفسيره الكبير: روى الكلبي، عن ابن عبّاس، قال: إنّ النبيّ لمّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة.
فقال الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هداكم الله على يده، وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا، ثمّ أتوه به فردّه عليهم، ونزل قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، أي: على الإيمان إلاّ أن تودّوا أقاربي، فحثّهم على مودّة أقاربه.
ثمّ قال: نقل صاحب (الكشاف)(1)عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السُنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافرا ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة(2).
١٨٤ـ روي أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنّهم افتخروا، فقال عبّاس أو ابن عبّاس: لنا الفضل عليكم.
1) - يوجد في الكشاف، للزمخشري ٤/١٧٣، وتفسير الرازي ٧/٤٠٥، ط العامرة بمصر وتفسير القرطبي ١٦/٢٣، وتفسير الثعلبي في آية المودّة ٨/٣١٤، ومناقب ابن المغازلي: ١٣٦ ــ ١٣٧، وذخائر العقبى، للمحبّ الطبري: ١٨، وينابيع المودّة، للقندوزي الحنفي: ٣٩٠ و٣١٤ و٤٤٤، ط الحيدرية بتقديمي، وفرائد السمطين، للحمويني ٢/٢٥٥، ط١، وإحياء الميت، للسيوطي: ١١٥، وتخريج الأحاديث والآثار، للزيلعي ٣/٢٣٨، ط١ بالرياض دار ابن خزيمة الحديث الخامس برقم ١١٤٧.
2) - ٢٣/٢٣٢ ــ ٢٣٣.
فبلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال: (يا معشر الأنصار! ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟)
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: (ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟)
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: (أفلا تجيبوني؟)
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: (ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدّقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟)
قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية(1).
١٨٥ـ تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد، عن محمّد بن علي ابن خلف العطّار، عن الحسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: لمّا نزلت الآية: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2)، قلت: يا رسول الله! من قرابتك الذين افترض الله علينا مودّتهم؟
قال: (عليّ وفاطمة وولدهما)، ثلاث مرّات يقولها(1)(2).
١٨٦ـ تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن محمّد بن علي بن عمر النصري(3)، عن القاسم بن أحمد، يعني: ابن إسماعيل، عن جعفر، يعني: ابن عاصم. ونصر وعبد الله، يعني: ابن المغيرة، عن محمّد، يعني: ابن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: إنّ رسول الله قدم المدينة فكانت تنوبه فيها نوائب وحقوق، وليس في يديه سعة لذلك، فقالت الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هدانا الله على يديه، وهو ابن أختكم تنوبه نوائب وحقوق، وليس في يديه لذلك سعة، فاجمعوا له من أموالكم ما لا يضرّكم، فتأتونه به فيستعين به على ما ينوبه، ففعلوا، ثمّ أتوه.
فقالوا: يا رسول الله! إنّك ابن أختنا، وقد هدانا الله على يديك، وتنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة فرأينا أن نجتمع من أموالنا فنأتيك به فتستعين به على من ينوبك وهو ذا، فأنزل الله هذه الآية: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، يقول: إلاّ أن تودّوني في قرابتي(4)(5).
١٨٧ـ الطرائف: روى البخاري(1)في صحيحه في الجزء السادس على حدّ كراسين ونصف من أوّله من النسخة المنقول منها: قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، بإسناده إلى طاووس، عن ابن عبّاس، أنّه سُئل عن قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؟ قال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، الخبر(2).
١٨٨ـ روى ابن بطريق رحمه الله في (العمدة) بإسناده عن مسند أحمد بن حنبل، أنّه قال: فيما كتب إلينا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي أنّه حدّثه حارث بن الحسن الطحان، عن حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال: (عليّ وفاطمة وابناهما). ورواه من تفسير الثعلبي أيضاً بهذا الإسناد(3).
وروى من صحيح البخاري والترمذي(4)، بإسنادهما عن طاووس: أنّه سأل ابن عبّاس عن قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؟ قال سعيد بن جبير: قربى
آل محمّد عليهم السلام(1)
وأخرجه الزمخشري في الكشّاف في تفسير الآية في سورة الشورى، قال: وروي أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول الله! مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: (عليّ وفاطمة وابناهما).
ونقل الرازي في تفسيره الكبير ما ذكره الزمخشري، ثمّ قال: فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم... واستمر في استدلاله على هذا؛ فليراجع.
(2).١٨٩ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي الحسن الأزدي، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن ابن عبّاس، أنّه قال: هو من قُتل في مودّتنا أهل البيت(3)(4).
١٩٠ـ قال عباد بن صهيب: قال جعفر بن محمّد، قال أبو جعفر عليه السلام: وكان ابن عبّاس إذا ذكر هذا الحديث، فقال: أنا أجده في كتاب الله:
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
1) - العمدة: الفصل التاسع ص٩١، ط محقّقة وفي فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل ٢/٦٦٩ برقم ١١٤١، ط جامعة أُمّ القرى بمكّة المكرّمة سنة ١٤٠٣هـ، وأخرجه الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان ــ وساق السند والمتن ــ في تفسير الآية، كما أخرجه السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير الآية، وقال: وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، وساق الحديث.
2) - ٢٣/٢٥١ ــ ٢٥٢.
3) - كنز جامع الفوائد: ٣٧٢. (هامش الأصل). في تفسير قوله تعالى ayebazوَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْayebaste.
4) - ٢٣/٢٥٥.
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(1). قال: فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: والله ما استودعهم ديناراً ولا درهماً ولا كنزاً من كنوز الأرض، ولكنّه أوحى إلى السماوات والأرض والجبال من قبل أن يخلق آدم عليه السلام: أنّي مخلّف فيك الذرّية: ذرّية محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، فما أنت فاعلة بهم؟ إذا دعوك فأجيبيهم، وإذا آووك فآويهم. وأوحى إلى الجبال: إذا دعوك فأجيبيهم وأطغي على عدوهم، فأشفقن منها السماوات والأرض والجبال عمّا سأله الله من الطاعة، فحملّها بنو آدم فحملوها.
قال عباد: قال جعفر عليه السلام: (والله ما وفوا بما حملوا من طاعتهم)(2)
وهذا بعض ما رواه الإمام الباقر عليه السلام عن ابن عبّاس.
(3).١٩١ـ أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن موسى ابن إسحاق ومحمّد بن عبد الله بن سليمان معاً، عن يحيى بن عبد الحميد، عن قيس، عن السدي، عن عطا، عن ابن عبّاس: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ(4)، قال: نحن الناس، دون الناس(5)(6).
١٩٢ـ تفسير العياشي: عن أبي سعيد المؤدّب، عن ابن عبّاس، في قوله:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، قال: نحن الناس، وفضله النبوّة(1)(2). ١٩٣ـ مجالس المفيد: الجعابي، عن إسحاق بن محمّد، عن زيد المعدل، عن سيف بن عمر وعن محمّد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (اسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله الأمر، فإنّه نظام الإسلام)(3)(4).
١٩٤ـ تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمّد الفزاري معنعناً، عن ابن عبّاس، في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، قال: الحسن والحسين عليهما السلام، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ، قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي ــ طالب عليه السلام (5)(6).
١٩٥ـ الروضة: عن ابن عبّاس، قال: كنت في مسجد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وقد قرأ القاري: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(7)الآية، فقلت: يا رسول الله! ما البيوت؟
فقال: (بيوت الأنبياء)، وأومأ بيده إلى منزل فاطمةI(1)(2).
١٩٦ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن إبراهيم بن عبد الله، عن الحجّاج بن منهال، عن حمّاد بن سلمة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: إنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قال لعليّ عليه السلام: أنا أبسط منك لساناً، وأحدّ منك سناناً، وأملأ منك حشواً للكتيبة.
فقال له عليّ عليه السلام: (اسكت يا فاسق!)
فأنزل الله جلّ اسمه: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ(3)(4)
وأخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج ١٧/٢٣٨، ط محقّقة وأحمد في فضائل الصحابة ٢/٦١٠ وفي فضائل أهل البيتG من فضائل الصحابة ص١١٦ برقم ١٦٧ وفي الهامش تخريجه عن مناقب ابن المغازلي حديث/٣٧٠، وشواهد التنزيل، للحسكاني حديث/٦١٠، وهو خبر مشهور رواه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٢٢ في ترجمة نوح بن خلف، وعنه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٦٣/٢٣٥ في ترجمة الوليد بن عقبة، ورواه البلاذري في أنساب الأشراف ٢/٣٨٠ في ترجمة الإمام عليه السلام، وابن المغازلي الشافعي في المناقب: ٣٢٤ برقم ٣٧١ وغيرهم كثير, (مهدي).
.١٩٧ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، عن عمرو بن حمّاد،
عن أبيه، عن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ، قال: نزلت في رجلين أحدهما من أصحاب الرسول وهو المؤمن، والآخر فاسق، فقال الفاسق للمؤمن: أنا والله أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً(1)، وأملا منك حشواً للكتيبة، فقال المؤمن للفاسق: اسكت يا فاسق! فأنزل الله عزّ وجلّ: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ(2)، ثمّ بين حال المؤمن، فقال: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وبين حال الفاسق، فقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ(3)(4).
١٩٨ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن عبيد، عن حسين بن حكم، عن حسن بن حسين، عن حيّان بن علي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ:
أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ، قال: الذين آمنوا وعملوا الصالحات: بنو هاشم، وبنو عبد المطّلب، والذين اجترحوا السيئات:
١٩٩ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريا، عن أيوب بن سليمان، عن محمّد ابن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ الآية، قال: إنّها نزلت في: عليّ بن أبي طالب، وحمزة وعبيدة بن الحارث عليهم السلام هم الذين آمنوا، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وهم الذين اجترحوا السيئات(3)(4).
٢٠٠ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن أحمد الكاتب، عن حسين(5)بن خزيمة الرازي، عن عبد الله بن بشير، عن أبي هوذة، عن إسماعيل بن عياش، عن جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ قال: نزلت في بني هاشم وبني أُميّة(6)(7).
٢٠١ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى شيخ الطائفة(8)
1) - كنز جامع الفوائد: ٣٠٠. والآية في الجاثية/٢١. (هامش الأصل).
2) - ٢٣/٣٨٤
3) - كنز جامع الفوائد: ٣٠٠. والآية في الجاثية/٢١. (هامش الأصل).
4) - ٢٣/٣٨٤
5) - في المصدر: [حصين بن خزيمة] وفيه: عن هوذة. (هامش الأصل).
6) - كنز جامع الفوائد: ٣٠٣. والآيتان في سورة محمّد/٢٢ و٢٥. كسابقه.
7) - ٢٣/٣٨٥ ــ ٣٨٦.
8) - هذا وهم واضح، فإنّ الشيخ متقدّم على أخطب زماناً ولا يصحّ روايته عنه، توفّى الشيخ في سنة ٤٦٠، وأخطب خوارزم في سنة ٥٦٨، ومنشأ الوهم أنّ الشولستاني نقل الحديث عن أخطب خوارزم، ثمّ قال بعد تمام الحديث: وهذا ذكره الشيخ في أماليه، ومراده أنّ الشيخ ذكره أيضاً في أماليه، فتوهّم المصنّف أنّه رواه فيه عن أخطب خوارزم. وأمّا إسناد الحديث في الأمالي فرواه الشيخ عن الحفّار، عن إسماعيل بن علي، عن أبيه، عن دعبل، عن مجاشع، ابن عمر [عن] ميسرة بن عبيد الله، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس راجع الأمالي: ٢٤٠. (هامش الأصل).
بإسناده عن أخطب خوارزم، رفعه إلى ابن عبّاس، قال: سأل قوم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فيمن نزلت هذه الآية: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(1)؟ فقال: (إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض ونادى مناد: ليقم سيّد المؤمنين، ومعه الذين آمنوا بعد بعث محمّد، فيقوم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فيعطى اللواء من النور الأبيض بيده، وتحته جميع السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، لا يخالطهم غيرهم، حتّى يجلس على منبر من نور ربّ العزّة، ويعرف الجميع عليه رجلاً رجلاً فيعطيه أجره ونوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم صفتكم(2)ومنازلكم في الجنّة، إنّ ربّكم يقول: إنّ لكم عندي مغفرة وأجراً عظيماً، يعني الجنّة.
فيقوم عليّ والقوم تحت لوائه معه حتّى يدخل بهم الجنّة، ثمّ يرجع إلى منبره، فلا يزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه منهم إلى الجنّة، ويترك(3)أقواماً على النار، فذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، يعني: السابقين الأوّلين والمؤمنين وأهل الولاية له، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، يعني: كفروا وكذّبوا بالولاية وبحقّ عليّ عليه السلام)(1)(2). ٢٠٢ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمّد، عن حفص بن غياث، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، إنّه قال في قوله عزّ وجلّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، قال ابن عبّاس: ذهب عليّ عليه السلام بشرفها وفضلها(3)(4).
٢٠٣ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: وروى الشيخ الطوسي رحمه الله(5)عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قول الله عزّ
1) - كنز جامع الفوائد: ٣٤٥، النسخة الرضوية، والآية في سورة الحديد/١٩، وفى الأمالي: أصحاب الجحيم هم الذين قاسم النار فاستحقّ الجحيم. كسابقه.
2) - ٢٣/٣٨٨ ــ ٣٨٩.
3) - كنز جامع الفوائد: ٣٠٨. والآية في سورة الحجرات/١٥. (هامش الأصل).
4) - ٢٣/٣٨٨ ــ ٣٨٩.
5) - في المصدر: [وفى أمالي الشيخ عن ابن عبّاس] أقول: الحديث في الأمالي: ٤٤ رواه الشيخ، عن المفيد، عن محمّد بن الحسين المقري، عن عمر بن محمّد الورّاق، عن علي بن عبّاس البجلي، عن حميد بن زياد، عن محمّد بن تسنيم الورّاق، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس. وفيه: ayebazأُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‡ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِayebaste. وفيه: ذلك عليّ. (هامش الأصل).
وجلّ: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‡ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(1)؟ فقال: (قال لي جبرئيل: ذاك عليّ وشيعته هم السابقون إلى الجنّة المقرّبون من الله بكرامته لهم)(2)(3).
٢٠٤ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن عبيد ومحمّد بن القاسم بن سلام، عن حسين بن حكم، عن حسن ابن حسين، عن حيّان بن(4)علي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: عليّ، وحمزة، وعبيدة، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ: عتبة، وشيبة، والوليد، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ: عليّ وأصحابه، كَالْفُجَّارِ: فلان وأصحابه)(5)(6).
٢٠٥ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن الحسين بن علي المقري، عن محمّد بن إبراهيم الجواني، عن محمّد بن عمرو الكوفي، عن حسين الأشقر، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عبّاس، قال: السباق ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون إلى
موسى(1)، وحبيب صاحب ياسين إلى عيسى، وعليّ بن أبي طالب إلى محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وهو أفضلهم صلوات الله عليهم أجمعين(2)(3).
٢٠٦ـ مناقب ابن شهرآشوب: من تفسير وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن السدي، عن أسباط ومجاهد، عن عبد الله بن عبّاس، في قوله: اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(4)، قال: قولوا معاشر العباد: أرشدنا إلى حبّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأهل بيته(5)
والخبر أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٨٥ برقم ١٠٥.
.٢٠٧ـ الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، والله، هو محمّد وأهل بيته، وَمَنِ اهْتَدَى(6)فهم أصحاب محمّد(7)
والخبر أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٤٩٩ برقم ٥٢٧، وفيه: (أصحاب الصراط السوي) هو والله محمّد وأهل بيته والصراط الطريق الواضح الذي لا عوج فيه، ومن اهتدى فهم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم.
.٢٠٨ـ روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كُونُواْ مَعَ
الصَّادِقِينَ(1)، مع عليّ عليه السلام وأصحابه(2).
٢٠٩ـ العكبري في فضائل الصحابة بإسناده عن أبي مالك، وأبو صالح، عن ابن عبّاس، والثمالي بإسناده(3)عن ابن عبّاس، قال: اقتراف الحسنة المودّة لآل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم(4)
أخرج الخبر عن ابن عبّاس الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٢١٤ برقم ٨٤٨، وابن عدي في الكامل ٢/٢٠٨ ــ ٢٠٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ١٠/٣٢٧٧ برقم ١٨٤٧٦.
(5).٢١٠ـ روى ابن بطريق في العمدة، عن تفسير الثعلبي بإسناده، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً، قال: المودّة لآل محمّد عليهم السلام(6)(7).
٢١١ـ تفسير العياشي: محمّد بن حاتم(8)، قال: وجدت في كتاب أبي حمزة الزيات، عن عمرو بن مرّة، قال: قال ابن عبّاس لعمر: يا أمير المؤمنين! هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
1) - سورة التوبة/١١٩.
2) - ٢٤/٣٠. وأخرج لفظ الخبر عن ابن عبّاس الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان ٥/١٠٨ ــ ١٠٩، وقريباً منه في شواهد التنزيل، للحسكاني ١/٣٤٣ و٣٤٤، والسيوطي في الدرّ المنثور ٣/٥١٧، وغيرهم.
3) - في المصدر: والثمالي بإسناده عن السدي عن ابن عبّاس. (هامش الأصل).
4) - مناقب آل أبي طالب ٣/١٧١.
5) - ٢٤/٤٤.
6) - العمدة: ٢٧. والآية في سورة الشورى/٢٣.
7) - ٢٤/٤٧.
8) - في المصدر: علي بن حاتم. (هامش الأصل).
الْبَوَارِ(1)؟ قال: هما الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك، فأمّا أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأمّا أعمامك فأملى الله لهم إلى حين(2)(3).
٢١٢ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن أحمد الكاتب، عن الحسين بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (مثلي فيكم مثل الشمس، ومثل عليّ مثل القمر، فإذا غابت الشمس فاهتدوا بالقمر)(4)(5).
٢١٣ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن حمّاد بإسناده إلى مجاهد، عن ابن عبّاس، في قول الله عزّ وجلّ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، قال: هو النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، قال: الحسن والحسينH: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(6)
وأخرج صدر الخبر الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٤٣٢ برقم ١٠٩٤.
، بنو أُميّة.ثمّ قال ابن عبّاس: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (بعثني الله نبيّاً فأتيت بني أُميّة فقلت: يا بني أُميّة! إنّي رسول الله إليكم: قالوا: كذبت ما أنت برسول، ثمّ
أتيت بني هاشم فقلت: إنّي رسول الله إليكم فآمن بي عليّ بن أبي طالب عليه السلام سرّاً وجهراً، وحماني أبو طالب عليه السلام جهراً، وآمن بي سرّاً، ثمّ بعث الله جبرئيل بلوائه فركزه(1)في بني هاشم، وبعث إبليس بلوائه فركزه في بنى أُميّة.
فلا يزالون أعداءنا، وشيعتهم أعداء شيعتنا إلى يوم القيامة)(2)(3).
٢١٤ـ مناقب ابن شهرآشوب: أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: إنّ فاطمة عليها السلام بكت للجوع والعرى، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (اقنعي يا فاطمة بزوجك، فوالله، إنّه سيّد في الدنيا، وسيّد في الآخرة، وأصلح بينهما، فأنزل الله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يقول: أنا الله أرسلت البحرين: عليّ بن أبي طالب عليه السلام بحر العلم، ووفاطمة بحر النبوّة، يلتقيان يتّصلان، أنا الله أوقعت الوصلة بينهما، ثمّ قال: بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ مانع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، يمنع عليّ بن أبي طالب عليه السلام أن يحزن لأجل الدنيا، ويمنع فاطمة أن تخاصم بعلها لأجل الدنيا، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا يا معشر الجنّ والإنس، تُكَذِّبَانِ(4)بولاية أمير المؤمنين عليه السلام أو حبّ فاطمة الزهراء عليها السلام، فاللؤلؤ الحسن، والمرجان الحسين، لأنّ اللؤلؤ الكبار،
٢١٥ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمّد، عن جعفر بن عمر، عن مقاتل ابن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء، قال: يعني به عليّاً كان عالماً بالله ويخشى الله ويراقبه ويعمل بفرائضه ويجاهد في سبيله ويتّبع جميع أمره برضاه ومرضاة رسوله صلي الله عليه وآله وسلم (3)(4).
٢١٦ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن ابن عقدة، عن حريث بن محمّد الحارثي، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس، قال: قوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...(5)الآية، نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام(6)(7).
٢١٧ـ روي عن ابن عبّاس، قال: قال جبرئيل عليه السلام للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أنت
الشجرة، وعليّ غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها(1).
٢١٨ـ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ(2). روي عن ابن عبّاس أنّها شجرة لم يخلقها الله بعد، وإنّما هو مثل ضربه(3)
أخرج الخبر عن ابن عبّاس ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وعنهما السيوطي في الدرّ المنثور ٥/٢٣، ط دار إحياء التراث العربي بيروت.
(4).٢١٩ـ تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن بشرويه القطّان بإسناده، عن ابن عبّاس في قول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ... الآية قال: نزلت في آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم(5)(6).
٢٢٠ـ العمدة: بإسناده إلى ابن المغازلي من مناقبه، عن أحمد بن محمّد ابن عبد الوهاب، عن محمّد بن عثمان، عن محمّد بن سليمان، عن محمّد ابن علي بن خلف، عن حسين الأشقر، عن عثمان بن أبي المقدام(7)، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سُئل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة
والحسن والحسين إلاّ ما تبت عليَّ، فتاب عليه)(1)
وص٤٩٣، ط محقّقة والحديث منقول عن مناقب ابن المغازلي ص٦٣، وقد أخرجه السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير الآية (سورة البقرة/٣٧)، وقال أخرجه ابن النجّار. (مهدي).
(2).٢٢١ـ الخصال: عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال في خطبته: (نحن كلمة التقوى وسبيل الهدى)(3)(4).
٢٢٢ـ معاني الأخبار، الخصال، أمالي الصدوق: أبي، عن الحميري، عن اليقطيني، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لله(5)عزّ وجلّ حرمات ثلاث ليس مثلهن شيء: كتابه وهو حكمته ونوره، وبيته الذي جعله قبلة للناس لا يقبل من أحد توجها إلى غيره، وعترة نبيّكم صلي الله عليه وآله وسلم(6)(7).
1) - العمدة: ١٩٧، ط الأولى.
2) - ٢٤/١٨٣.
3) - الخصال ٢/٥٢، اختصر المصنّف الحديث متناً وسند! والإسناد هكذا: علي بن أحمد بن موسى، قال: حدّثنا حمزة بن القاسم العلوي، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس بن بسام، قال حدّثنا محمّد بن خالد بن إبراهيم السعدي، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الله اليماني، قال حدّثنا علي بن العبّاس المقري، قال: حدّثنا حمّاد بن عمرو النصيبي، عن جعفر بن عرفان، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عبّاس. (هامش الأصل).
4) - ٢٤/١٨٤.
5) - في المصدر: أنّه قال: إنّ لله عزّ وجلّ حرمات ثلاثاً. (هامش الأصل).
6) - معاني الأخبار: ٤٠، الخصال ١/٧١، الأمالي: ١٧٥، لم نظفر بالحديث في الخصال بالإسناد المذكور، بل الموجود هكذا: حدّثنا أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عبد الحميد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ لله. (هامش الأصل).
7) - ٢٤/١٨٥.
٢٢٣ـ تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن عتاب معنعناً، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: إنّ لعليّ بن أبي طالب عليه السلام في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس، قال: قلنا وما هي؟ قال: أسماء الله في القرآن: مؤذّناً وأذاناً، فأمّا قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(1)، فهو المؤذّن بينهم، يقول: ألا لعنة الله على الذين كذّبوا بولايتي واستخفّوا بحقّي(2)
وأخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٢٧٦ رقم ٢٦٢.
(3).٢٢٤ـ تفسير فرات بن إبراهيم: محمّد بن الفضل بن جعفر بن الفضل العبّاسي معنعناً، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ(4)، قال: النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعليّ بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن والحسين عليهم السلام، على سور(5)بين الجنّة والنار يعرفون المحبّين لهم ببياض الوجوه، والمبغضين لهم بسواد الوجوه(6)
وأخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٢٦٤ برقم ٢٥٨، والثعلبي في الكشف والبيان ٤/٢٣٦ عن جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس بلفظ: الأعراف موضع عال من الصراط عليه: العبّاس، وحمزة، وعليّ، وجعفر، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسواد الوجوه، وهذا غريب والسند ضعيف. (مهدي).
(7).٢٢٥ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن صالح بن أحمد، عن أبي مقاتل، عن حسين بن حسن، عن حسين بن نصر ابن مزاحم، عن القاسم بن الغفّار، عن أبي الأحوص، عن المغيرة، عن الشعبي، عن ابن عبّاس في قول الله عزّ وجلّ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ، قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام(1).
وروى مثله من طريق العامّة عن أبي نعيم، عن ابن عبّاس؛ ومثله عن أبي سعيد الخدري(2)ومثله عن سعيد بن جبير كلّهم عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(3)(4).
٢٢٦ـ تفسير فرات بن إبراهيم: بإسناده(5)عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ، قال: عن ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام(6)(7).
٢٢٧ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى شيخ الطائفة رحمه الله في (مصباح الأنوار)(8)بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول
1) - شواهد التنزيل ٢/١٠٨، ط الأولى.
2) - شواهد التنزيل ٢/١٠٧، ط الأولى.
3) - كنز الفوائد: ٢٥٨. والآية في سورة الصافات/٢٤. (هامش الأصل).
4) - ٢٤/٢٧٠ ــ ٢٧١.
5) - عبيد بن كثير بإسناده. (هامش الأصل).
6) - تفسير فرات: ١٣١. والآية في سورة الصافات/٢٤. كسابقه.
7) - ٢٤/٢٧٠ ــ ٢٧١.
8) - نسبته إلى الشيخ الطوسي سهو وخطأ، راجع الذريعة ٢١/١٠٣ ــ ١٠٤ تجد توضيح ذلك، والخبر أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٦٢ برقم ٧٨٩، ط الثانية. (مهدي).
الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أقف أنا وعليّ عليه السلام على الصراط، بيد كلّ واحد منّا سيف، فلا يمر أحد من خلق الله إلاّ سألناه عن ولاية عليّ عليه السلام، فمن كان معه شيء منها نجا وفاز، وإلاّ ضربنا عنقه وألقيناه في النار، ثمّ تلا: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ‡ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ‡ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ(1)(2).
٢٢٨ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روت الخاصّة والعامّة عن ابن عبّاس، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (نزل القرآن أرباعاً: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن)(3)
والخبر أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٥٩ برقم ٦٠، ط٢. (مهدي).
(4).٢٢٩ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريا، عن أيوب بن سليمان، عن محمّد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: قوله عزّ وجلّ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ، نزلت في عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وهم الذين بارزوا عليّاً، وحمزة، وعبيدة، ونزلت فيهم: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‡ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، قال: في عليّ وصاحبيه(1)(2).
٢٣٠ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن محمّد بن القاسم بن عبيد، عن جعفر بن عبد الله المحمدي(3)، عن أحمد بن إسماعيل، عن العبّاس بن عبد الرحمان، عن سليمان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: لمّا قدم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم المدينة أعطى عليّاً عليه السلام وعثمان أرضاً أعلاها لعثمان وأسفلها لعليّ عليه السلام، فقال عليّ عليه السلام لعثمان: إنّ أرضي لا تصلح إلاّ بأرضك، فاشتر منّي أو بعني، فقال له: أنا أبيعك، فاشترى منه عليّ عليه السلام، فقال له أصحابه: أيّ شيء صنعت؟! بعت أرضك من عليّ وأنت لو أمسكت عنه الماء ما أنبتت أرضه شيئاً حتّى يبيعك بحكمك، قال: فجاء عثمان إلى عليّ عليه السلام فقال له: لا أجيز(4)البيع، فقال له: بعت ورضيت وليس ذلك لك. قال: فاجعل بيني وبينك رجلاً، قال عليّ عليه السلام: النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم. فقال عثمان: هو ابن عمّك، ولكن اجعل بيني وبينك غيره. فقال عليّ عليه السلام: لا أحاكمك إلى غير النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والنبيّ شاهد علينا، فأبى ذلك فأنزل الله: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا
أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ‡ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ، إلى قوله: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1)(2).
٢٣١ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روي من طريق العامّة عن ابن عبّاس(3)
والصواب عن ابن شهاب الزهري، والخبر أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/١٠١، ط١. (مهدي).
، قال: قوله عزّ وجلّ: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، قال: الأعمى: أبو جهل، والبصير: أمير المؤمنين عليه السلام، وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ، فالظلمات: أبو جهل، والنور: أمير المؤمنين، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، فالظلّ: ظلّ أمير المؤمنين عليه السلام في الجنّة، الحرور، يعني: جهنّم لأبي جهل، ثمّ جمعهم جميعاً، فقال: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ، فالأحياء: عليّ، وحمزة، وجعفر، والحسن والحسين، وفاطمة، وخديجة عليهم السلام، والأموات: كفّار مكّة(4)(5).٢٣٢ـ أقول: روى العلاّمة في كشف الحقّ، في قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ
1) - كنز الفوائد: ١٨٧ و١٨٨، والآيات في النور: ٤٧ ــ ٥١. كسابقه. راجع ما نزل من القرآن في علي عليه السلام، لأبي الفضائل أحمد بن محمّد بن المظفر بن المختار الحنفي ت٦٣١هـ، ط العتبة العبّاسية. (مهدي).
2) - ٢٤/٣٦٣ ــ ٣٦٤.
3) - في المصدر: روى عن أنس بن مالك بن شهاب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. (هامش الأصل).
4) - كنز الفوائد: ٢٥١، والآيات في سورة فاطر/١٩ ــ ٢٢.
5) - ٢٤/٣٧٢ ــ ٣٧٣.
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً: عن ابن(1)عبّاس: لا تقتلوا أهل بيت نبيّكم(2).
بيان: أي أهل بيت نبيّكم بمنزلة أنفسكم، فيلزمكم أن تكرموهم كأنفسكم، بل ينبغي أن يكونوا عندكم أولى من أنفسكم(3).
٢٣٣ـ إكمال الدين، عيون أخبار الرضا عليه السلام: الورّاق، عن سعد، عن النهدي، عن ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن ابن طريف، عن ابن نباته، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)(4)(5).
٢٣٤ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن عبد العزيز بن يحيى، عن إبراهيم بن محمّد، عن علي بن نصير(6)
لقد ورد الخبر في شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني الحنفي ٢/١٩٧، ط الأولى وفي السند إبراهيم بن فهد بدل بن محمّد وعلي بن نصر العطّار. (مهدي).
، عن الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس في قوله تعالى:1) - في المصدر: قال ابن عبّاس. (هامش الأصل).
2) - إحقاق الحقّ ٣/٤٦٠ و٤٦١. والآية في سورة النساء/٢٩. كسابقه. وقد أخرج الخبر الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/١٤٢ وابن المغازلي في المناقب: ٣١٨ برقم ٣٦٢ وكلاهما بصورة أوسع. (مهدي).
3) - ٢٤/٣٩٩.
4) - إكمال الدين: ١٦٣. عيون الأخبار: ٣٨. (هامش الأصل).
5) - ٢٥/٢٠١
6) - في المصدر: علي بن نصر أقول: لعلّه الجهضمي. (هامش الأصل).
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ(1)، قال: نزلت في النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام(2)(3). ٢٣٥ـ وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ بن أبي طالب عليه السلام أفضل خلق الله غيري، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما، وإنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين، وإنّ عليّاً ختني(4)، ولو وجدت لفاطمة خيراً من عليّ لم أزوّجها منه)(5)
لقد أخرج النسائي في السنن الكبرى ٥/١٤٨ برقم ٨٥٢٣ بإسناده: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (أمّا أنت يا عليّ فختني وأبو ولدي وأنت منّي وأنا منك)، وهذا أخرجه أحمد في مسنده ٥/٢٠٤ برقم ٢١٨٢٥، والحاكم في المستدرك ٣/٢٣٩ برقم ٤٩٥٧، والضياء المقدسي في المختارة ٤/١٥١ برقم ١٣٦٩، وابن المغازلي في مناقبه: ٢٩٢. (مهدي).
(6).٢٣٦ـ وروى الكراجكي في كنز الفوائد: عن الحسين بن محمّد بن علي الصيرفي البغدادي، عن محمّد بن عمر الجعابي، عن محمّد بن محمّد ابن سليمان، عن أحمد بن محمّد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبان، عن
أبي مريم، عن عطا، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الله ربّي لا إمارةلي معه، وأنا رسول ربّي لا إمارة معي، وعليّ وليّ من كنت وليّه ولا
إمارة معه)(1)
أقول: وهذا الخبر أخرجه الصدوق في معاني الأخبار ١/٦٤، ط الحيدرية. (مهدي).
(2).٢٣٧ـ قال: وحدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن شاذان، عن أحمد ابن محمّد، عن محمّد بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء بعدي أفضل من عليّ بن أبي طالب، وإنّه إمام أُمّتي وأميرها، وإنّه وصيّي وخليفتي عليها، من اقتدى به بعدي اهتدي، ومن اهتدى بغيره ضلّ وغوى، إنّي أنا النبيّ المصطفى، ما أنطق بفضل عليّ بن أبي طالب عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(3)، نزل به الروح المجتبى عن الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)(4)(5).
٢٣٨ـ وروى أيضاً من كتاب الخصائص لابن البطريق رفعه إلى الحارث، قال: قال عليّ عليه السلام: (نحن أهل البيت لا نقاس بالناس)، فقام رجل فأتى عبد الله بن العبّاس فأخبره بذلك، فقال: صدق عليّ، أوليس كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لا يقاس بالناس؟(6)
1) - كنز الفوائد: ١٥٤. (هامش الأصل).
2) - ٢٥/٣٦١.
3) - سورة النجم/٤.
4) - كنز الفوائد: ٢٠٨.
5) - ٢٥/٣٦١ ــ ٣٦٢.
6) - أخرج السيوطي في الدرّ المنثور ٨/٥٣٨، ط (دار إحياء التراث العربي بيروت)، فقال: وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين)) (مهدي).
ثمّ قال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عليّ عليه السلام: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1)
أخرج هذا المعنى غير واحد من أئمّة الحديث، وقبل أولئك قول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الثانية من نهج البلاغة، حيث قال: ((ولا يقاس بآل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً...)) (مهدي).
(2).٢٣٩ـ الخصال: ابن موسى، عن العلوي، عن محمّد بن العبّاس بن بسام(3)، عن محمّد بن خالد بن إبراهيم، عن الحسن بن عبد الله اليماني، عن علي بن العبّاس، عن حمّاد بن عمرو، عن جعفر بن يرقان، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فينا خطيباً، فقال في آخر خطبته: (جمع الله عزّ وجلّ لنا عشر خصال لم يجمعها لأحد قبلنا ولا تكون في أحد غيرنا: فينا الحكم، والحلم، والعلم، والنبوّة، والسماحة، والشجاعة، والقصد(4)، والصدق، والطهور، والعفاف، ونحن كلمة التقوى، وسبيل الهدى، والمثل الأعلى، والحجّة العظمى، والعروة الوثقى، والحبل
المتين، ونحن الذين أمر الله لنا بالمودّة، فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال، فأنّى تصرفون)(1).
(بيان): قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (ونحن كلمة التقوى)، أي: ولايتنا الكلمة التي بها يتّقى من النار، أو نحن أهلها، إشارة إلى قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى(2).
قوله: (والمثل الأعلى)، المثل محرّكة.
الحجّة والحديث والصفة، أي: أهل الحجّة العليا، أو الصفة العليا، أو مثل الله بهم في القرآن في آية النور وغيرها، والأخير أظهر، ودينهم وولايتهم ومتابعتهم.
العروة الوثقى التي لا انفصام لها.
(والحبل المتين): الذي أمر الله بالاعتصام به وعدم التفرّق عنه(3).
٢٤٠ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن أحمد بن حاتم، عن حسن بن عبد الواحد، عن سليمان بن محمّد ابن(4)أبي فاطمة، عن جابر بن إسحاق البصري، عن النضر بن إسماعيل الواسطي، عن جوهر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قول الله عزّ وجلّ:
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ(1)، قال: بالخلافة ليوشع بن نون من بعده. ثمّ قال الله: لن أدع نبيّاً من غير وصيّ وأنا باعث نبيّاً عربياً وجاعل وصيّه عليّاً، فذلك قوله: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ، في الوصاية، وحدّثه بما هو كائن بعده. قال ابن عبّاس: وحدّث الله نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم بما هو كائن، وحدّثه باختلاف هذه الأُمّة من بعده، فمن زعم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مات بغير وصية(2)فقد كذب على الله عزّ وجلّ وعلى نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم(3).
٢٤١ـ الخصال، عيون أخبار الرضا عليه السلام ، معاني الأخبار(4): علي بن الفضل، عن أحمد بن محمّد بن سليمان، عن محمّد بن علي بن خلف، عن حسين الأشقر، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: سألت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليَّ، فتاب الله عليه)(5).
الروضة: عن أحمد بن عبد الوهاب يرفعه بإسناده مثله(1)
وراجع مناقب ابن المغازلي: ٦٣، وفي الدرّ المنثور، للسيوطي ١/١٣٥، ط (دار إحياء التراث العربي بيروت)، قال: وأخرج ابن النجّار عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأل بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليَّ، فتاب عليه). (مهدي).
(2).٢٤٢ـ تفسير فرات بن إبراهيم: محمّد بن القاسم بن عبيد، عن الحسن ابن جعفر، عن الحسين بن سوار، عن محمّد بن عبد الله، عن شجاع بن الوليد، وأبو بدر السكوني(3)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لمّا نزلت الخطيئة بآدم وأُخرج من الجنّة، أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم! ادع ربّك. قال: يا حبيبي جبرئيل! ما أدعو؟ قال قل: ربّ أسألك بحقّ الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلاّ تبت عليَّ ورحمتني. فقال له آدم: يا جبرئيل! سمّهم لي، قال: قل (اللّهمّ بحقّ محمّد نبيّك، وبحقّ عليّ وصيّ نبيّك، وبحقّ فاطمة بنت نبيّك، وبحقّ الحسن والحسين سبطي نبيّك، إلاّ تبت عليَّ فارحمني)(4). فدعا بهن آدم فتاب الله عليه، وذلك قول الله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ(5)، وما من عبد مكروب يخلص النية ويدعو بهنّ
إلاّ استجاب الله له(1)
وقد أخرج الخبر ابن المغازلي في المناقب: ٦٣ برقم ٨٩، والسيوطي في الدرّ المنثور ١/١١٩، وابن الجوزي في الموضوعات ٢/٣ بصورة أخصر ممّا مرّ. (مهدي).
(2).٢٤٣ـ أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمّد بن الفضل ابن إبراهيم، عن أبيه، عن نصر بن قابوس، عن جابر، عن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، قال: قال ابن عبّاس: ما وطأت الملائكة فرش أحد من الناس غير فرشنا(3)
وهذا من بعض الأخبار التي رواها الإمام محمّد الباقر عليه السلام عن ابن عبّاس، ولم أقف عليه في غير هذا المصدر. (مهدي).
(4).٢٤٤ـ أمالي الصدوق: ابن المتوكّل، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن الثمالي، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يجمع الله له الخير كلّه فليوال عليّاً بعدي، وليوال أولياءه، وليعاد أعداءه)(5)(6).
٢٤٥ـ أمالي الصدوق: أحمد بن محمّد بن الصقر، عن محمّد بن أيوب، عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن عبد الله بن
سليمان، عن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله عزّ وجلّ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي)(1)
وأخرجه الترمذي في سننه ٥/٣٢٩ وقال حسن غريب، وفي راموز الأحاديث ص١٧، ط استانبول نقلاً عن الترمذي ومعجم الطبراني الكبير وشعب الإيمان، للبيهقي والحاكم في المستدرك، وسيأتي ذكره ثانية مع ذكر مصادره. (مهدي).
(2).٢٤٦ـ أمالي الصدوق: القطّان، عن العبّاس بن الفضل، عن أبي زرعة، عن عثمان بن محمّد بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ولايتي وولاية أهل بيتي أمان(3)من النار)(4)(5).
٢٤٧ـ بشارة المصطفى: الحسين بن أحمد الصفّار، عن ابن عقدة، عن محمّد بن عبد الرحيم، عن أحمد بن حفص الهروي، عن يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة الأفراقي، عن صفوان بن أبي سليم، عن عطاء بن يشكر، عن ابن عبّاس، قال: خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتق وهذا على عاتق، وهو يلثم هذا مرّة وهذا مرّة، فقال له جبرئيل: إنّك
تحبهما؟ قال: (إنّي أحبّهما وأحبّ من يحبّهما(1)، فإنّ من أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)(2)
وبمعناه في ذخائر العقبى ٢/٤٨، وفي الهامش جملة من المصادر. (مهدي).
(3).٢٤٨ـ الطرائف، من الجمع بين الصحاح الستّة عن ابن عبّاس، قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمة ولما هو أهله، وأحبّوني لحبّ الله تعالى، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي)(4)
أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢/٩٨٦، ط مؤسّسة الرسالة، والحاكم في المستدرك ٣/١٦٢، والترمذي في سننه في كتاب المناقب وحسّنه، والطبراني في معجمه الكبير ٣/٣٦، والبيهقي في شعب الإيمان ١/٣٦٦ و٢/١٣٠، ط دار الكتب العلمية بيروت، والسيوطي في الدرّ المنثور ٧/٣٤٩، ط دار الفكر بيروت، والآلوسي في روح المعاني ٢٥/٣٢، والمتّقي الهندي في كنز العمّال ١٢/٤٤، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣/٢١١، والبسوي في المعرفة والتاريخ ١/٢٦٩، والذهبي في ميزان الاعتدال ٤/١١٣، والمزّي في تهذيب الكمال ١٥/٦٤، وابن حجر المكّي في الصواعق المحرقة، والمحبّ الطبري في ذخائر العقبى ١/٨١. (مهدي).
.٢٤٩ـ كتاب فضائل الشيعة للصدوق بإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (حبّ عليّ بن أبي طالب يأكل السيئات كما تأكل النار الحطب)(5)
وأخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العقبى ١/٤٤٣ وقال: أخرجه الملّا وفي الهامش جملة من المصادر فراجع. (مهدي).
(6).٢٥٠ـ وبسندين عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ يوم القيامة على الحوض لا يدخل الجنّة إلاّ بجواز من جاز من عليّ بن أبي طالب)(1)(2).
٢٥١ـ الإرشاد: المظفر بن محمّد، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، عن محمّد بن مسلم الكوفي، عن عبيد الله بن كثير، عن جعفر بن محمّد بن الحسن الزهري، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي إسرائيل، عن أبي حصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة دعي الناس كلّهم بأسماء أُمّهاتهم ما خلا شيعتنا فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم وطيب موالدهم)(3)(4).
٢٥٢ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن الحسين بن محمّد التمار، عن ابن أبي أويس، عن أبيه، عن حميد بن قيس، عن عطا، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا بني عبد المطّلب! إنّي سألت الله لكم أن يعلّم جاهلكم، وأن يثبّت قائمكم، وأن يهدي ضالّكم، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء، ولو أنّ رجلاً صلّى وصف قدميه بين الركن والمقام ولقي الله ببغضكم أهل
البيت دخل النار)(1)
وأخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العقبى ١/٦٨ نقلاً عن الملّا في سيرته، وفي الهامش جملة من المصادر فراجع، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٧١ وقال: روه الطبراني عن شيخه محمّد بن زكريا الغلابي وهو ضعيف، وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات، فإنّ في روايته عن المجاهيل بعض المناكير، قلت ــ والقائل هو الهيثمي ــ روى هذا عن سفيان الثوري وبقية رجاله رجال الصحيح. (مهدي).
(2).٢٥٣ـ مجالس المفيد: محمّد بن الحسين المقري، عن الحسين بن محمّد البزّاز، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن يحيى بن هاشم، عن المعمر ابن سليمان، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أيّها الناس! الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه من لقي الله بودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، فوالذي نفس محمّد بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفتنا وولايتنا)(3)
وهذا أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٧٢ نقلاً عن الطبراني في الأوسط برواية الإمام الحسن بن علي عليه السلام: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إلزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله عزّ وجلّ وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عملُه إلاّ بمعرفة حقّنا). (مهدي).
(4).٢٥٤ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعيد ابن عبد الله بن موسى، عن محمّد بن عبد الرحمان، عن المعلّى بن هلال، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: قلت للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أوصني؟
قال: (عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو تعالى أعلم، فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء ثمّ أمر به إلى النار.
يا بن عبّاس! والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض عليّ عليه السلام منها على من زعم أنّ لله ولداً.
يا بن عبّاسّ لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذبهم الله بالنار).
قلت: يا رسول الله! وهل يبغضه أحد؟
قال: (يا بن عبّاس! نعم، يبغضه قوم يذكرون أنّهم من أُمّتي لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً.
يا بن عبّاس! إنّ من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه، والذي بعثني بالحقّ ما بعث نبيّاً أكرم عليه منّي، ولا أوصياء أكرم عليه من وصيّي عليّ).
قال ابن عبّاس: فلم أزل له كما أمرني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأوصاني بمودّته، وإنّه لأكبر عملي عندي. الخبر(1)(2).
٢٥٥ـ روى ابن شيرويه في الفردوس عن ابن عبّاس، قال: قال رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أربعة لعنتهم ولعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب، الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتعزّز بالجبروت ليذلّ من أعزّ الله ويعزّ من أذلّ الله، والمستحلّ من عترتي ما حرم الله)(1)(2).
٢٥٦ـ وبإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله أدخل نار جهنّم، وله عذاب عظيم)(3)(4).
٢٥٧ـ قال الكراجكي في كنز الفوائد: حدّثني القاضي أبو الحسن أسد ابن إبراهيم السلمي، عن عمر بن علي العتكي، عن محمّد بن إبراهيم البغدادي، عن الحسن بن عثمان الخلال، عن أحمد بن حمّاد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الله تبارك وتعالى حبس قطر المطر عن بني إسرائيل بسوء رأيهم في أنبيائهم، وإنّه حابس قطر المطر عن هذه الأُمّة ببغضهم عليّ بن أبي
1) - فردوس الأخبار، للديلمي ١/٣٧٨ ح/١٥٢١، وأخرجه ابن عدي في الكامل ١/٢٠٥ ترجمة ٥١، والذهبي في ميزان الاعتدال ١/٤١٩ في ترجمة أحمد بن العبّاس الهاشمي ص١٠٦. (مهدي).
2) - ٢٧/٢٢٥.
3) - راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي ٨/٢٩٨ تجد ذكر المصادر التالية: مسند أحمد ٦/٣٢٣، ومجمع الزوائد ٩/١٣٠، ومستدرك الحاكم النيسابوري ٣/١٢١، وكنز العمّال ٣/٣٢٩، ومشكاة المصابيح: ٦٩٢، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٨٨، وخصائص النسائي: ٤٧، وبداية ابن كثير ٧/٣٥٥، وابن عساكر ٤/٣١٧، وغيرها. (مهدي).
4) - ٢٧/٢٢٧.
٢٥٨ـ قال: وروى ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (من صلّى عليَّ صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة، ولم يبق رطب ولا يابس إلاّ وصلّى على ذلك العبد لصلاة الله عليه)(3)
والأخبار في هذا المعنى كثيرة راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي ٨/٣٦٦ ــ ٣٧٠ تجد عشرات المتون والمصادر. (مهدي).
(4).٢٥٩ـ مناقب ابن شهرآشوب: الثعلبي في تفسيره عن مجاهد، عن ابن عبّاس، وأبو القاسم القشيري في تفسيره، عن الحاكم الحافظ، عن أبي برزة، وابن بطة في إبانته بإسناده، عن أبي سعيد الخدري كلّهم، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربعة: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت)(5)
مناقب آل أبي طالب: ٢ ــ ٤. (هامش الأصل).
وأخرجه الألباني في الصحيحة برقم ٩٤٦، فقال في آخره: وقد روي من حديث ابن عبّاس وزاد في آخره: (وعن حبّنا أهل البيت)، وهو بهذه الزيادة باطل، ولذلك خرّجته في الكتاب الآخر (١٩٢٢) يعني سلسلة الأحاديث الضعيفة.
أقول: ليس هذا بغريب من الألباني وقد وفد على ربّه وسيجد ما كتبه حول هذا الحديث وحكمه ببطلان الزيادة (وعن حبّنا أهل البيت)، مع أنّ الهيثمي ذكره في مجمع الزوائد ١٠/٣٤٦، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جدّاً، وقد وثّقه ابن حبّان مع أنّه يشتم السلف، فتبيّن وجه التضعيف، لأنّه يشتم السلف، ولو أغمضنا النظر عن هذا الجانب ولم نحاسب السلف أنفسهم على شتيمة بعضهم بعضاً، ولم نقايضهم بسبّ معاوية لأمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين وابن عبّاس وو... وبقيت بدعة السبّ في عهد الأمويين إلاّ فترة حكم عمر بن عبد العزيز، فإنّ الحديث لم يقتصر على رواية ابن عبّاس في معجمي الطبراني الكبير والأوسط ليضعّف من حسين بن الأشقر، فقد روى هذا أيضاً أبو برزة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا تزول قدما عبد حتّى يسأل عن أربعة: عن جسده فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت)، قيل: يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ فضرب بيده على منكب عليّ رضي الله عنه ، رواه الطبراني في الأوسط، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ولم يعلّه بشيء، وليتني عرفت سبب هذه العقدة من أهل البيت عليهم السلام عند الألباني وأضرابه؟! مع أنّ الحديث الذي رواه ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا بني عبد المطّلب...)، وقد مرّ فراجعه تجد قوله صلي الله عليه وآله وسلم في آخره: (فلو أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام وصلّى وصام ثمّ مات وهو مبغض لآل بيت محمّد صلي الله عليه وآله وسلم دخل النار). (مهدي).
.٢٦٠ـ ابن عبّاس: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (والذي بعثني بالحقّ لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1)(2).
٢٦١ـ عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (يا عليّ! أنت صاحب الجنان وقاسم النيران(3)، ألا وإنّ مالكاً ورضوان يأتياني غداً عن أمر الرحمان، فيقولان: يا محمّد! هذه مفاتيح الجنّة والنار هبة من الله إليك، فسلّمها إلى عليّ بن أبي طالب، فأدفعها إليك، فمفاتيح الجنّة والنار يومئذ
٢٦٢ـ وردت الرواية عن ابن عبّاس أنّه قال في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة ــ كالذين من قبلكم ــ هؤلاء بنو إسرائيل شبّهنا بهم، لا أعلم إلاّ أنّه قال: (والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتّى لو دخل الرجل منهم جحر ضبّ لدخلتموه)(3)(4).
٢٦٣ـ كشف الغمّة: عن كفاية الطالب، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّكم محشورون حفاة عراة غرلاً)، ثمّ قرأ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(5). (ألا وإنّ أوّل من يكسى إبراهيم عليه السلام، ألا وإنّ ناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصيحابي أصيحابي، قال: فيقال: إنّهم لم يزالوا مرّتدين على أعقابهم مذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى عليه السلام: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ، إلى قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(6)(7).
1) - مشارق الأنوار: ٢٤٥. كسابقه.
2) - ٢٧/٣١٣.
3) - وهكذا أخرج الحديث ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عبّاس بلفظه، راجع الدرّ المنثور، للسيوطي ج٣ /٢٥٥. (هامش الأصل).
4) - ٢٨/٧.
5) - سورة الأنبياء/١٠٤.
6) - ٢٨/٢٢ ــ ٢٣.
7) - .وقد أخرج الحديث غير واحد من أعلام المحدّثين منهم الشيخان البخاري ومسلم، والحديث من جملة أحاديث الحوض التي قال عنها الحافظ ابن حجر: بلغني أنّ بعض المتأخّرين أوصلهم إلى ثمانين نفساً، وفي مناهل الصفاء روى أحاديث الحوض خمسة وخمسون صحابياً خرجت أحاديثهم في الأحاديث المتواترة، ولكاتب الحروف (قطف الروض في أحاديث الحوض). (مهدي).
٢٦٤ـ الطرائف، العمدة: بإسنادهما إلى صحيحي البخاري ومسلم، والجمع بين الصحيحين، بإسنادهم إلى ابن عبّاس، قال: خطب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أيّها الناس! إنّكم محشورون إلى الله عراة حفاة غرلاً)، ثمّ تلا: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(1). ثمّ قال: (ألا وإنّ أوّل الخلايق يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنّه يجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(2)، فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرّتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). قال مسلم: وفي حديث وكيع ومعاذ: (فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(3)(4).
٢٦٥ـ الروضة الفضائل: بالإسناد يرفعه إلى سليم بن قيس أنّه قال: لمّا
1) - سورة الأنبياء/١٠٤.
2) - سورة المائدة/١١٧.
3) - الطرائف: ١١٣، عمدة ابن البطريق: ٢٤٢، والحديث هو الذي مرّ تحت ــ الرقم ٣٢ من كتاب الكشف بإخراجه عن الحافظ الگنجي، ترى الحديث وما هو بمضمونه في صحيح البخاري الباب ٨ و٤٨ من كتاب الأنبياء، صحيح مسلم كتاب الجنّة تحت الرقم ٥٨، صحيح الترمذي الباب ٣ من كتاب القيامة، صحيح النسائي الباب ١١٩ من كتاب الجنائز، سنن ابن ماجة الباب ٧٦ من كتاب المناسك، مسند ابن حنبل ج١/٣٥ و٢٥٣ و٢٥٨. (هامش الأصل).
4) - ٢٨/٢٤ ــ ٢٥.
قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام بكى ابن عبّاس بكاء شديداً، ثمّ قال: ما لقيت هذه الأُمّة بعد نبيّها، اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ولولده وليّ، ولعدوّه عدوّ، ومن عدوّ ولده برئ، وإنّي سلم لأمرهم.
ولقد دخلت على ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بذي قار، فأخرج لي صحيفة وقال لي: يا بن عبّاس! هذه صحيفة أملاها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وخطّي بيدي.
قال: فأخرج لي الصحيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين! اقرأها عليَّ، فقرأها وإذا فيها كلّ شيء منذ قبض رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وكيف يقتل الحسين، ومن يقتله، ومن ينصره، ومن يستشهد معه؟ وبكى بكاء شديداً، وأبكاني.
وكان فيما قرأه: كيف يصنع به، وكيف تستشهد فاطمة عليها السلام ، وكيف يستشهد الحسن عليه السلام، وكيف تغدر به الأُمّة، فلمّا قرأ مقتل الحسين عليه السلام ومن يقتله أكثر البكاء، ثمّ أدرج الصحيفة.
وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وكان فيما قرأ: أمر أبي بكر وعمر وعثمان، وكم يملك كلّ إنسان منهم، وكيف يقع على عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ووقعة الجمل، ومسير عائشة وطلحة والزبير، ووقعة صفّين ومَن يقتل بها، ووقعة النهروان، وأمر الحكمين، وملك معاوية ومَن يقتل من الشيعة، وما تصنع الناس بالحسن، وأمر يزيد بن معاوية، حتّى انتهى إلى قتل الحسين عليه السلام.
فسمعت ذلك، فكان كما قرأ لم يزد ولم ينقص.
ورأيت خطّه في الصحيفة لم يتغيّر ولم يعفّر.
فلمّا أدرج الصحيفة، قلت: يا أمير المؤمنين! لو كنتَ قرأت عليَّ بقية الصحيفة؟
قال: لا، ولكنّي أحدّثك بما فيها من أمر بيتك وولدك، وهو أمر فظيع من قتلهم لنا وعداوتهم لنا، وسوء ملكهم وشوم قدرتهم، فأكره أن تسمعه فتغتم، ولكنّي أحدّثك: أخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم، ففتح لي من كلّ باب ألف باب، وأبو بكر وعمر ينظران إلىَّ وهو يشير إلىَّ بذلك، فلمّا خرجت قالا لي: ما قال لك رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ فحدثتهما بما قال لي: فحرّكا أيديهما، ثمّ حكيا قولي، ثمّ وليّا.
يا بن عبّاس! إنّ ملك بني أُميّة إذا زال أوّل من يملك ولدك من بني هاشم، فيفعلون الأفاعيل.
قال ابن عبّاس: لئن نسخني ذلك الكتاب كان أحبّ إلىَّ ممّا طلعت عليه الشمس(1)
ومن ذلك ما أخرجه الفضل بن شاذان في كتابه الإيضاح ص٤٥٢: عن إسحاق بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي قيس، عن ميسرة النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، قال: أخبرني رجل من بنى تميم، قال: نزلنا مع عليّ ذا قار ونحن نرى أنا سنختطف من يومنا، فقال: والله لتظهرن على هذه القرية ولنقتلنّ هذين الرجلين يعنى طلحة والزبير ولنستبيحن عسكرهما، فقال التميمي: فأتيت ابن عبّاس فقلت: أما ترى ابن عمّك ما يقول؟ والله ما نرى أن نبرح حتّى نختطف من يومنا. (أقول: كأنّه كان يستعظم قتال المسلمين).
فقال ابن عبّاس: لا تعجل حتّى ننظر ما يكون، فلمّا كان من أمر البصرة ما كان، أتيته فقلت: لا أرى ابن عمّك إلاّ قد صدق، فقال: ويحك، إنّا كنّا نتحدّث أصحاب محمّد أنّ النبيّ عهد إليه ثمانين عهداً، ولعلّ هذا ممّا عهد إليه.
ورواه أبو نعيم في الحلية ١/٦٨ ولفظه: (كنّا نتحدّث أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عهد إلى عليّ سبعين عهداً لم يعهد إلى غيره)، وأخرجه الخطيب البغدادي في موضّح الأوهام ٢/١٣٩، والحموي في فرائد السمطين، والهيثمي في المجمع ٩/١١٣ عن الطبراني، والمناوي في شرح الجامع الصغير: ٢٤٨، والقندوزي في الينابيع: ٧٨، وغيرهم.
راجع في ذلك هامش إحقاق الحقّ، للعلاّمة المرعشي رحمه الله ، ج٦ ص٤٧ ــ ٤٩. (هامش الأصل).
.1) - حديث الصحيفة التي عهد بما فيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ عليه السلام مستفيض مشهور، وسيجيء تمام الكلام فيها في أبواب الجمل وصفّين والنهروان.
(بيان): (ولم يعفر)، أي: لم يظهر فيه أثر التراب والغبار، يقال: عفره كضربه وبالتشديد في التراب أي مرغه، وفي بعض النسخ ولم يصفر(1).
٢٦٦ـ مأخوذ من مناقب ابن الجوزي، خطبة خطب بها أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: روى مجاهد(2)، عن ابن عبّاس، قال: لمّا دفن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، جاء العبّاس وأبو سفيان بن حرب ونفر من بني هاشم إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: مد يدك نبايعك. وهذا اليوم الذي قال فيه أبو سفيان: إن شئت ملأتها خيلاً ورجلاً [وحرّضوه فامتنع، وقال له العبّاس: أنت والله بعد أيام عبد العصا](3)
أيّها الناس! شقوا أمواج الفتن الخطبة. كسابقه.
، فخطب، وقال:1) - ٢٨/٧٣ ــ ٧٥.
2) - في المطبوع من المصدر: قال مجالد: حدّثني عكرمة عن ابن عبّاس. (هامش الأصل).
3) - قال ابن أبي الحديد في ج١/٧٣ من شرحه على النهج: لمّا قبض رسول الله واشتغل عليّ عليه السلام بغسله ودفنه وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعه من المهاجرين ــ بعبّاس وعليّ عليه السلام لإجالة الرأي، وتكلّموا بكلام يقتضى الاستنهاض والتهييج، فقال العبّاس: قد سمعنا قولكم فلا لقلّة نستعين بكم، ولا لظنّة نترك آراءكم، فأمهلونا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا وبهم الحقّ صرير الجدجد ونبسط إلى المجد أكفاً لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإن تكن الأُخرى فلا لقلّة في العدد، ولا لوهن في الأيد، والله لولا أنّ الإسلام قيد الفتك، لتد كدت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحلّ العلى. فحلّ عليّ عليه السلام حبوته وقال: الصبر حلم، والتقوى دين، والحجّة محمّد، والطريق الصراط.
(أيّها الناس! شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، فقد فاز من نهض بجناح، أو استسلم فارتاح، ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها أجدر بالعاقل من لقمة تخشى بزنبور، ومن شربة تلذ بها شاربه مع ترك النظر في عواقب الأمور، فإن أقل، يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت، يقولوا: جزع من الموت، هيهات هيهات بعد اللتيا واللتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، ومن الرجل بأخيه وعمّه، ولقد اندمجت على علم لو بحت به لاضطربتم الأرشية في الطوى البعيدة)، وذكر كلاماً كثيراً(1).
(بيان): هذا الكلام أورده السيّد رضي الله عنه في (نهج البلاغة) بأدنى تغيير(2).
وقال ابن ميثم رحمه الله (3): سبب هذا الكلام ما روى أنّه لمّا تمّ في السقيفة أمر البيعة لأبي بكر، أراد أبو سفيان أن يوقع الحرب بين المسلمين، فمضى إلى العبّاس فقال له: إنّ هؤلاء ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم، وإنّه ليحكم فينا غداً هذا الفظّ الغليظ من بني عدي، فقم بنا إلى عليّ عليه السلام حتّى نبايعه
بالخلافة، وأنت عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأنا رجل مقبول القول في قريش، فإن دافعونا قاتلناهم وقتلناهم، فأتيا أمير المؤمنين عليه السلام: فأجابهم صلوات الله عليه بهذا الكلام(1).
٢٦٧ـ قصص الأنبياء(2): بالإسناد إلى الصدوق، بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: دخل أبو سفيان إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يوماً، فقال: يا رسول الله(ص)! أريد أن أسألك عن شيء؟
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني).
قال: افعل.
قال: (أردت أن تسأل عن مبلغ عمري؟)
فقال: نعم، يا رسول الله(ص).
فقال: (إنّي أعيش ثلاثاً وستّين سنة).
فقال: أشهد أنّك صادق.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (بلسانك دون قلبك).
قال ابن عبّاس: والله ما كان إلاّ منافقاً، قال: ولقد كنّا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره وفينا عليّ(صلوات الله عليه) فأذّن المؤذّن، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال أبو سفيان: هاهنا من يحتشم(3)؟ قال
واحد من القوم: لا. فقال: لله در أخي بني هاشم، انظروا أين وضع اسمه!
فقال عليّ عليه السلام: أسخن الله عينك(1)يا أبا سفيان: الله فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(2).
فقال أبو سفيان: أسخن الله عين من قال لي ليس هاهنا من يحتشم(3).
٢٦٨ـ وبإسناده عن ابن عبّاس، قال: أوصت فاطمة أن لا يعلم إذا ماتت أبو بكر ولا عمر ولا يصلّيا عليها، قال: فدفنها عليّ عليه السلام ليلاً ولم يعلمهما بذلك(4).
٢٦٩ـ أمالي الصدوق: بإسناده عن ابن عبّاس ــ في خبر طويل ــ وفيه قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (وإنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقّها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمّداه! فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، وتتذكّر فراقي أُخرى، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تسمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة. فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة! إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ
وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ(1)، يا فاطمة! اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(2)، ثمّ يبتدئ عند ذلك: يا رب! إنّي قد سئمت الحياة وتبرّمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها الله عزّ وجلّ بي، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فتقدّم عليَّ محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، مقتولة، فأقول عند ذلك: اللّهمّ العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلّل من أذلّها، وخلّد في نارك من ضرب جنبيها حتّى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين)(3).
٢٧٠ـ أمالي الطوسي: المفيد، بإسناده عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا حضرت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الوفاة بكى حتّى بلّت دموعه لحيته، فقيل له: يا رسول الله! ما يبكيك؟
فقال: (أبكي لذرّيتي وما تصنع بهم أشرار أُمّتي من بعدي، كأنّي بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي: يا أبتاه! فلا يعينها أحد من أُمّتي).
فسمعت ذلك فاطمة عليها السلام، فبكت، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لا تبكين يا بنية)، فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك، ولكنّي أبكي لفراقك يا رسول الله.
فقال لها: (أبشري يا بنت محمّد بسرعة اللحاق بي، فإنّك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي)(1).
٢٧١ـ تفسير فرات بن إبراهيم: بإسناده عن عكرمة، وسُئل عن قول الله تعالى... وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(2)، بنو أُميّة. قال ابن عبّاس: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (بعثني الله نبيّاً فأتيت بني أُميّة، فقلت: يا بني أُميّة! إنّي رسول الله إليكم، قالوا: كذبت ما أنت برسول الله، قال: ثمّ ذهبت إلى بني هاشم، فقلت: يا بني هاشم! إنّي رسول الله إليكم، فآمن بي مؤمنهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وحماني...)، قال ابن عبّاس: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ثمّ بعث الله جبرئيل بلوائه فركزها في بني هاشم، وبعث إبليس بلوائه فركزها في بني أُميّة، فلا يزالون أعداءنا، وشيعتهم أعداء شيعتنا إلى يوم القيامة)(3).
٢٧٢ـ تفسير فرات بن إبراهيم: بإسناده عن عكرمة، وسُئل عن قول الله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‡ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، قال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، هو محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا: أمير المؤمنين عليه السلام، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا: آل محمّد، وهما الحسن والحسين، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(4): بنو أُميّة. وقال ابن عبّاس هكذا، وقال أبو جعفر عليه السلام هكذا... الخبر(5)
أقول: لقد ذكر ابن عبّاس في تاريخ مدينة دمشق ٥٧/٢٧٢ ــ ٢٧٣ في ترجمة مروان، وابن الجوزي في الموضوعات ١/٣٧٠ ــ ٣٧١ في باب فضائل عليّ عليه السلام نقلاً عن الخطيب البغدادي بإسناده عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (اسمي في القرآن ayebazوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَاayebaste، واسم عليّ بن أبي طالب ayebazوَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَاayebaste، واسم الحسن والحسين ayebazوَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَاayebaste، واسم بني أُميّة ayebazوَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَاayebaste.
ونحوه في شواهد التنزيل، للحسكاني ٢/٤٣٢ ــ ٤٣٣ بسند فرات بن إبراهيم في تفسيره ٥/٥٦١: عن جعفر، عن أبيه عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ayebazوَالشَّمْسِ وَضُحَاهَاayebaste: هو رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ayebazوَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَاayebaste، قال: هو عليّ بن أبي طالب، ayebazوَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَاayebaste، قال: الحسن والحسين، ayebazوَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَاayebaste، قال: بنو أُميّة وهذا بعض ما رواه الإمام الباقر عليه السلام عن ابن عبّاس. (مهدي).
.٢٧٣ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: بإسناده عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(1)، قال: نزلت في بني هاشم وبني أُميّة(2).
٢٧٤ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: بإسناده عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: عليّ، وحمزة، وعبيدة، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ: عتبة، وشيبة، والوليد، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ: عليّ وأصحابه، كَالْفُجَّارِ(3): فلان وأصحابه(4).
٢٧٥ـ الروضة: بإسناده إلى عبد الله بن عبّاس أنّه قال: كنت عند
النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إذ أقبل عليّ بن أبي طالب وهو مغضب.
فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: ما بك يا أبا الحسن؟
قال: آذوني فيك يا رسول الله.
فقام صلي الله عليه وآله وسلم وهو مغضب، وقال: (أيّها الناس! من منكم آذى عليّاً؟ فإنّه أوّلكم إيماناً وأوفاكم بعهد الله، أيّها الناس! من آذى عليّاً بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً).
فقال جابر بن عبد الله الأنصاري: يا رسول الله! وإن شهد أن لا إله إلاّ الله؟
قال: (نعم، وإن شهد أنّ محمّد رسول الله يا جابر)(1)
أخرج الخبر ابن المغازلي الشافعي في مناقبه ص٢٠٣ برقم ٧٦، وفي آخره: يا جابر! كلمة يحتجزون بها أن لا تسفك دماؤهم ولا تستباح أموالهم، وأن لا يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقد ذكر زغلول في موسوعته أطراف الحديث النبوي الشريف ٨/٥ مصادر حديث (من آذى عليّاً فقد آذاني...) عن سبعة مصادر من كتب الحديث، أوّلها مستدرك الحاكم ٣/١٢٢؛ فراجع. (مهدي).
.٢٧٦ـ وروي عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال: سألت ابن عبّاس عن تلك الرسالة؟ فقال: بعثني فأتيت الزبير فقلت له. فقال: إنّي أريد ما تريد. كأنّه يقول: الملك ولم يزدني على ذلك، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته(2)
روى هذا الخبر الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام عن ابن عبّاس وهو من بعض مروياته عنه، وقد مرّ في ج٣/١٣٦ ما يتعلّق بهذا؛ فراجع. (مهدي).
.٢٧٧ـ نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد الله بن العبّاس دخلت على أمير المؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت لا قيمة لها.
قال: (والله، لهي أحبّ إليَّ من إمرتكم إلاّ أن أقيم حقّاً أو أدفع باطلاً).
ثمّ خرج فخطب الناس، فقال: (إنّ الله سبحانه بعث محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدّعي نبوّة فساق الناس حتّى بوأهم محلتهم، وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم واطمأنت صفاتهم.
أما والله، إن كنت لفي ساقتها حتّى تولّت بحذافيرها، ما عجزت ولا جبنت، وإنّ مسيري هذا لمثلها، فلأنقبن الباطل حتّى يخرج الحقّ من جنبه. ما لي ولقريش! والله، لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم)(1).
٢٧٨ـ الخرائج: روي عن أبي الصيرفي، عن رجل من مراد، قال: كنت واقفاً على رأس أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة، إذ أتاه ابن عبّاس بعد القتال، فقال: إنّ لي [إليك] حاجة؟
فقال عليه السلام: ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها تطلب الأمان لابن الحكم؟
1) - ٣٢/٧٦ ــ ٧٧.
قال: نعم، أريد أن تؤمنه.
قال: آمنته ولكن اذهب إليه وجئني به، ولا تجئني به إلاّ رديفاً فإنّه أذلّ له.
فجاء به ابن عبّاس ردفاً خلفه فكأنّه قرد.
[فـ] قال [له] أمير المؤمنين: أتبايع؟
قال: نعم، وفي النفس ما فيها.
قال: الله أعلم بما في القلوب.
فلمّا بسط يده ليبايعه، أخذ كفّه عن كفّ مروان فترها، فقال: لا حاجة لي فيها إنّها كفّ يهودية، لو بايعني بيده عشرين مرّة لنكث بإسته.
ثمّ قال: هيه يا ابن الحكم! خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة، كلاّ والله حتّى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأُمّة خسفاً، ويسقونه كأساً مصبرة.
(بيان): قوله: (فترها) كذا في أكثر النسخ بالتاء والراء المهملة، [قال الفيروزآبادي] في القاموس: تر العظم يتر ويتر [على زنة يمد ويفر] ترا وترورا: بان وانقطع وقطع كأتر. و[تر] عن بلده: تباعد. والتترتر. التزلزل والتقلقل. وترتروا السكران: حركوه وزعزعوه واستنكهوه حتّى يوجد منه الريح. وفي بعض النسخ: (فنثرها) بالنون والثاء المثلثة، أي: نفضها. وفي بعضها بالنون والتاء المثناة من النتر وهو الجذب بقوّة. وقال في القاموس: يقال لشيء يطرد: هيه هيه بالكسر، وهي كلمة استزادة أيضاً. وفي النهاية:
المعامع: شدّة الموت. والجد في القتال. والمعمعة في الأصل: صوت الحريق. والمعمعان. شدّة الحر(1).
٢٧٩ـ الاحتجاج: روي أنّ ابن عبّاس قال لأمير المؤمنين عليه السلام ــ حين أبت عائشة من الرجوع ــ : دعها في البصرة ولا ترحلّها.
فقال عليّ عليه السلام: (إنها لا تألوا شرّاً، ولكن أردها إلى بيتها).
(بيان): لا تألوا شرّاً: أي: لا تقصر فيه(2).
٢٨٠ـ وعن مطلب بن زياد، عن كثير النوا، قال: قال ابن عبّاس رضي الله عنه لعائشة: السلام عليك يا أمة، ألسنا ولاة بعلك؟ أو ليس قد ضرب الله الحجاب عليك؟ أو ليس قد أوتيت أجرك مرّتين؟
قالت: بلى.
قال: فما أخرجك علينا مع منافقي قريش؟!
قالت: كان قدراً يا ابن عبّاس.
قال: وكانت أُمّنا تؤمن بالقدر!!(3)
٢٨١ـ عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ(4)، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لأجاهدن العمّالقة ــ يعني الكفّار والمنافقين ــ)،
فأتاه جبرئيل وقال: أنت، أو عليّ(1).
٢٨٢ـ أمالي الطوسي: بالإسناد عن الطبري، عن محمّد بن العلاء، عن عبد الرحمان بن أبي حاتم، عن عبد الله بن عبد الكريم، عن عمرو بن حمّاد ابن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رحمه الله [قال]: إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(2)، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت!!! والله إنّي لأخوه وابن عمّه ووارثه، فمن أحقّ به مني؟!)(3).
٢٨٣ـ أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد الهمداني، عن محمّد بن أحمد القطواني، عن منذر العبدي: عن علي بن أبي فاطمة قال: كنت عند أبي بردة بن أبي موسى وعنده العيزار بن جرول التميمي قال أبو بردة: إن أهل الكوفة كانوا يدعون الله عزّ وجلّ أن ينصر المظلوم فنصر الله عليّاً على أهل الجمل فقال له العيزار بن جرول: ألا أحدثك بحديث سمعته من ابن عبّاس؟ قال أبو بردة: بلى. قال: سمعت ابن عبّاس. يقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: كيف أنتم يا معشر قريش إذا كفرتم وضرب
بعضكم وجه بعض بالسيف ثمّ تعرفوني أضربكم في كتيبة من الملائكة؟! وأتاه جبرئيل فقال أنت إنشاء الله أو علي. فقال أبو بردة: سمعت ابن عبّاس يقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم(1).
٢٨٤ـ كنز الكراجكي: عن القاضي أسد بن إبراهيم السلمي ــ وكان من المخالفين المعاندين ــ عن محمّد بن أحمد الحنظلي، عن عبد الله بن أحمد ابن عامر، عن محمّد بن يونس، عن أحمد بن مضا، عن محمّد بن يعقوب ومعاذ بن حكيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عوف بن مالك المازني، عن ابن عبّاس، قال: رأيت أبا ذرّ الغفاري متعلّقاً بحلقة بيت الله الحرام وهو يقول: أيّها الناس! من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته باسمي: أنا جندب الربذي أبو ذرّ الغفاري، إنّي رأيت رسول الله في العام الماضي وهو آخذ بهذه الحلقة، وهو يقول: (أيّها الناس! لو صمتم حتّى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتّى تكونوا كالحنايا، ودعوتم حتّى تقطعوا إرباً إربا، ثمّ أبغضتم عليّ بن أبي طالب أكبكم الله في النار)
[ثمّ قال]: (قم يا أبا الحسن فضع خمسك في خمسي ــ يعني: كفك في كفي ــ فإنّ الله اختارني وإيّاك من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، فمن قطع فرعها أكبه الله على وجهه في النار).
[ثمّ قال]: (عليّ سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، يقتل الناكثين والمارقين
1) - ٣٢/٢٩٥. رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (٣٤) من الجزء (١٦) من أماليه ١/٤٧٢، ط بيروت.
والجاحدين)، (عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)(1)
راجع كتابي (عليّ إمام البررة ١/٢٥٣ ــ ٢٨٦) تجد المزيد المفيد حوله، وفي آخره ذكر أكثر من خمسين مصدراً عنه. (مهدي).
.٢٨٥ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن عبد العزيز بن يحيى، عن المغيرة بن محمّد، عن عبد الغفّار بن محمّد، عن منصور بن أبي الأسود، عن زياد بن المنذر، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: ما حسدت قريش عليّاً عليه السلام بشيء ممّا سبق له أشدّ ممّا وجدت [عليه] يوماً ونحن عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (كيف أنتم معشر قريش لو قد كفرتم من بعدي فرأيتموني في كتيبة أضرب وجوهكم بالسيف)، فهبط عليه جبرئيل فقال: قل إنشاء الله، أو عليّ.
فقال: (إنشاء الله، أو عليّ)(2).
٢٨٦ـ العمدة: بإسناده إلى أحمد بن حنبل من مسنده بإسناده إلى ابن عبّاس: إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله عزّ وجلّ قال: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ(3)، والله، لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ولئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل [عليه] حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارثه، ومن أحقّ به منّي)(4)
رواه يحيى بن الحسن بن البطريق رفع الله مقامه في الفصل: (١٩) من كتاب العمدة ص٨٤. والحديث مذكور تحت الرقم: (٢٣٢) من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل ــ تأليف أحمد بن حنبل وابنه: ١٦٦، ط١. وقد ذكرناه في المختار: (٣) من كتاب نهج السعادة: ١/٢٧، ط٢ عن مصادر كثيرة. (هامش الأصل).
أقول: لقد أخرج هذا الخبر الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣/١٢٦، والذهبي في تلخيصه، والطبراني في معجمه الكبير ١٠/٦٤ برقم ١٧٦، والنسائي في الخصائص: ١٣٠، وأبو نعيم في المعرفة ١/٣٢٠ برقم ٣٥٦، والمحبّ الطبري في الرياض النضرة ٢/٣٠٠، وغيرهم. (مهدي).
.٢٨٧ـ الواقدي بإسناده عن شعبة، عن ابن عبّاس، قال: أرسلني عليّ عليه السلام إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين، فأمرها أن ترجع إلى بلادها(1)(2).
٢٨٨ـ وروي عن ابن عبّاس أنّه قال لأمير المؤمنين عليه السلام ــ لما أبت عائشة الرجوع إلى المدينة ــ: أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحّلها.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّها لا تألوا شرّاً، ولكنّي أردّها إلى بيتها الذي تركها فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله [وسلم]) فإنّ الله بالغ أمره)(3).
٢٨٩ـ علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن الأعمش، عن عباية الأسدي،
قال: كان عبد الله بن العبّاس جالساً على شفير زمزم يحدّث الناس، فلمّا فرغ من حديثه أتاه رجل فسلّم عليه، ثمّ قال: يا عبد الله! إنّي رجل من أهل الشام. فقال: أعوان كلّ ظالم إلاّ من عصم الله منكم، سل عمّا بدا لك.
فقال: يا عبد الله بن عبّاس! إنّي جئتك أسألك عمّن قتله عليّ بن أبي طالب من أهل لا إله إلاّ الله لم يكفروا بصلاة ولا بحجّ ولا بصوم شهر رمضان ولا بزكاة!!
فقال له عبد الله: ثكلتك أُمّك! سل عمّا يعنيك ودع ما لا يعنيك.
فقال: ما جئتك أضرب إليك من حمص للحجّ ولا للعمرة، ولكنّي أتيتك لتشرح لي أمر عليّ بن أبي طالب وفعاله.
فقال له: ويلك، إنّ علم العالم صعب لا تحتمله ولا تقرّ به قلوب الصدية!!! أخبرك أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان مثله في هذه الأُمّة كمثل موسى عليه السلام والعالم، وذلك إنّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ‡ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ(1)، وكان موسى يرى أنّ جميع الأشياء قد أثبتت له، كما ترون أنتم أنّ علماءكم قد أثبتوا جميع الأشياء، فلمّا انتهى موسى إلى ساحل البحر فلقي العالم فاستنطق بموسى ليصل علمه ــ ولم يحسده كما حسدتم أنتم عليّ بن أبي طالب وأنكرتم فضله ــ فقال له موسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن
1) - سورة الأعراف/١٤٤ ــ ١٤٥.
تُعَلِّمَنِ ممّا عُلِّمْتَ رُشْداً(1)، فعلم العالم أنّ موسى لا يطيق بصحبته ولا يصبر على علمه، فقال له: قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ‡ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ‡ قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً(2)، فعلم العالم أنّ موسى لا يصير على علمه، فقال: قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً(3)، قال: فركبا في السفينة فخرقها العالم، فكان خرقها لله عزّ وجلّ رضى وسخطاً لموسى، ولقي الغلام فقتله، فكان قتله لله عزّ وجلّ رضاً وسخط ذلك موسى، وأقام الجدار فكان إقامته لله عزّ وجلّ رضى وسخط موسى ذلك. كذلك كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لم يقتل إلاّ من كان قتله لله عزّ وجلّ رضى ولأهل الجهالة من الناس سخطاً. اجلس حتّى أخبرك! إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم تزوّج زينب بنت جحش فأولم، فكانت وليمته الحيس، وكان يدعو عشرة فكانوا إذا أصابوا طعام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم استأنسوا إلى حديثه واستغنموا النظر إلى وجهه، وكان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يشتهي أن يخفوا عنه فيخلوا له المنزل لأنّه حديث عهد بعرس، وكان يكره أذى المؤمنين، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه قرآناً أدباً للمؤمنين، وذلك قوله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ
فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فلمّا نزلت هذه الآية كان الناس إذا أصابوا طعام نبيّهم صلي الله عليه وآله وسلم لم يلبثوا أن يخرجوا. قال: فلبث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم سبعة أيام ولياليهن عند زينب بنت جحش، ثمّ تحوّل إلى بيت أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة، وكان ليلتها وصبيحة يومها من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. قال: فلمّا تعالى النهار انتهى عليّ عليه السلام إلى الباب فدقّه دقاً خفيفاً له، عرف رسول الله دقّه، وأنكرته أُمّ سلمة، فقال: (يا أُمّ سلمة! قومي فافتحي له الباب). فقالت: يا رسول الله! من هذا الذي يبلغ من خطره أن أقوم له فأفتح له الباب؟ وقد نزل فينا بالأمس ما قد نزل من قول الله عزّ وجلّ: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ(1)، فمن هذا الذي بلغ من خطره أن أستقبله بمحاسني ومعاصمي؟
قال: فقال لها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كهيئة المغضب: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، قومي فافتحي له الباب، فإنّ بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا بالنزق ولا بالعجول في أمره، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، وليس بفاتح الباب حتّى يتوارى عنه الوطئ).
فقامت أُمّ سلمة وهي لا تدري من بالباب، غير أنّها قد حفظت النعت والمدح، فمشت نحو الباب وهي تقول: بخ بخ لرجل يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ففتحت له.
1) - سورة الأحزاب/٥٣.
قال: فأمسك [عليّ] بعضادتي الباب ولم يزل قائماً حتّى خفي عنه الوطئ، ودخلت أُمّ سلمة خدرها، ففتح الباب ودخل، فسلّم على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. فقال رسول الله: (يا أُمّ سلمة أتعرفينه؟)
قالت: نعم، وهنيئا له، هذا عليّ بن أبي طالب.
فقال: (صدقت يا أُمّ سلمة! هذا عليّ بن أبي طالب، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.
يا أُمّ سلمة! اسمعي واشهدي: هذا عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيّد الوصيين، وهو عيبة علمي، وبابي الذي أوتي منه، وهو الوصي بعدي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أُمّتي، وأخي في الدنيا والآخرة، وهو معي في السنام الأعلى.
اشهدي يا أُمّ سلمة واحفظي! إنّه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين).
فقال الشامي: فرّجت عنّي يا عبد الله، وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب مولاي ومولى كلّ مسلم(1)(2).
1) - رواه الصدوق رفع الله مقامه في الحديث: (٣) من الباب: (٥٤) من كتاب علل الشرائع ١/٦٤. ولقصّة أُمّ سلمة مصادر وأسانيد جمّة يجد الباحث كثيراً منها في الحديث: (١٢١٤) وتواليه من ترجمة عليّ من تاريخ دمشق ٣/٢٠٥، ط٢. ورواها أيضاً ابن خالويه في كتاب الآل، كما رواها عنه في عنوان: (محبّة الرسول وتحريضه على محبّته) من كتاب كشف الغمّة: ١/٩١. ٣٣١ ــ رواه العلاّمة في كتاب كشف اليقين. (هامش الأصل).
2) - ٣٢/ ٣٤٥.
٢٩٠ـ كشف اليقين: من كتاب أحمد بن محمّد الطبري، عن أحمد بن هشام، عن محمّد بن نسيم القرشي، عن الحسن بن الحسين، عن يحيى بن يعلى، عن الأعمش، قال: وحدّثني جعفر بن محمّد الكوفي، عن عبد الله بن داهر الرازي، عن أبيه داهر بن يحيى، عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عبّاس مثله(1)(2).
٢٩١ـ كشف اليقين: المظفّر بن جعفر، عن محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيباني، عن محمّد بن جرير الطبري، عن محمّد بن حميد الرازي، عن داهر، عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عبّاس مثله.
بيان: [قال ابن الأثير] في [مادّة (صدأ) من كتاب] النهاية: فيه: (إنّ هذه القلوب تصدأ كما كما يصدأ الحديد)، هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام فيذهب بجلائه كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما.
قوله (فاستنطق بموسى)، أي: أنطقه الله بسبب موسى ليضل علم موسى في جنب علمه ويقرّ موسى بالجهل فلم يحسده موسى. والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط.
قوله: (وكان ليلتها)، أي: كان زمان التحول الليلة والصبيحة التي كانت نوبتها منه صلي الله عليه وآله وسلم.
قوله: (دقاً خفيفاً له)، أي: دقاً خفيفاً كان مختصاً به عليه السلام عرف بذلك أنّه هو الداق. والخرق: ترك الرفق في الأمر. والنزق: الخفة والطيش. والخدر بالكسر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت. وسنام كلّ شيء: أعلاه(1)(2).
٢٩٢ـ عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟ فقال له ابن عبّاس: إنّ عليّ بن أبي طالب صلّى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة [و] لم يشرك بالله طرفة عين.
فقال الرجل: إنّي لم أسألك عن هذا! إنّما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتّى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً، ثمّ سار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتّى قتلهم، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم؟!
فقال له ابن عبّاس: أعليّ أعلم عندك أم أنا؟
فقال: لو كان عليّ أعلم عندي منك ما سألتك!!
قال: فغضب ابن عبّاس حتّى اشتد غضبه، ثمّ قال: ثكلتك أُمّك، عليّ علّمني وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله علمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من علم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ، وعلمي من علم عليّ،
وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر(1).
٢٩٣ـ بشارة المصطفى: إبراهيم بن الحسين البصري، عن محمّد بن الحسين بن عتبة، عن محمّد بن أحمد بن مخلّد، عن أبي المفضل الشيباني، عن محمّد بن محمّد بن معقل، عن محمّد بن أبي الصهبان، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة مولى عبد الله بن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، قال: عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، ما كشفت النساء ذيولهن عن مثله، لا والله ما رأيت فارساً محدثاً يوزن به، لرأيته يوماً ونحن معه بصفّين وعلى رأسه عمامة سوداء وكأن عيينة سراجاً سليط يتوقّدان من تحتهما، يقف على شرذمة شرذمة يحضهم، حتّى انتهى إلى نفر أنا فيهم وطلعت خيل لمعاوية تدعى بالكتيبة الشهباء، عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب، فاقشعر الناس لها لمّا رأوها، وانحاز بعضهم إلى بعض.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (فيم النخع والخنع يا أهل العراق! هل هي إلاّ أشخاص ماثلة فيها قلوب طايرة، لو مسها سيوف قلوب أهل الحقّ لرأيتموها كجراد بقيعة سفته الريح في يوم عاصف، ألا فاستشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وادرعوا الصبر، وغضوا الأصوات، وقلقلوا الأسياف في الأغماد قبل السلة، وانظروا الشزر، واطعنوا الوجر، وكافحوا بالظبي، وصلوا السيوف
1) - ٣٢/٣٥٠ ــ ٣٥١.
بالخطى، والنبال بالرماح، وعاودا الكر، واستحيوا من الفر فإنّه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفساً، وامشوا إلى الموت مشية سجحا، فإنّكم بعين الله عزّ وجلّ ومع أخي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. وعليكم بهذا السرادق الأدلم والرواق المظلم، فاضربوا ثبجه فإنّ الشيطان راقد في كسره، نافج حضنيه، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يداً وأخّر للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ، وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم، ها أنا شاد فشدّوا بسم الله حم لا ينصرون).
ثمّ حمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام وعلى ذرّيته حملته، وتبعه خويلة لم يبلغ المائة فارس، فأجالهم فيها جولان الرحى المسرحة بثقالها، فارتفعت عجاجة منعتني النظر، ثمّ انجلت، فأثبت النظر فلم نر إلاّ رأساً نادراً ويداً طايحة، فما كان بأسرع أن ولّوا مدبرين، كأنّهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، فإذا أمير المؤمنين عليه السلام قد أقبل وسيفه ينظف ووجهه كشقة القمر، وهو يقول: (قاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لعلهم ينتهون).
قال عكرمة: وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يحدّث، قال أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وقال: (يا عليّ! إنّك لمقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله).
(بيان): قال في القاموس: نخع لي بحقّي ــ كمنع ــ: أقر. والذبيحة: جاوز منتهى الذبح فأصاب نخاعها. وفلان الود والنصيحة: أخلصهما له. وأنخع الأسماء: أذلّها وأقهرّها. ونخع العود كفرح: جرى فيه الماء. وقال: الخانع:
المريب الفاجر. وقد خنع كمنع. والخنعة: الفجرة والريبة. وكصبور: الغادر الذي يحيد عنك. وبالضم: الخضوع والذلّ. والخنع: التجميش واللين. قوله عليه السلام: (ماثلة)، أي: قائمّة أو متمثلة مشبهة بالإنسان [وقال الفيروزآبادي] في القاموس: مثل: قام منتصباً ــ كمثل بالضم ــ ولطأ بالأرض ضدّ زال عن موضعه. وفلان فلاناً: صار مثله. وفي بعض النسخ: (مائلة) من الميل، أي: عادلة عن الحقّ (فيها قلوب طائرة) أي من الخوف. والقيعة بالكسر: الأرض المستوي أو جمع القاع. (واطعنوا الوجر) بالجيم والراء المهملة، قال في القاموس: أو جره بالرمح: طعنه به في فيه. وفي النهاية: في حديث عبد الله ابن أنيس: (فوجرته بالسيف وجرا)، أي: طعنته والمعروف في الطعن أوجرته الرمح ولعلّه لغة فيه. أو بالحاء المهملة وهو الحقد والغيظ. أو بالخاء والرأي. وهو الطعن بالرمح وغيره لا يكون نافذاً، ولا يناسب إلاّ بتكلف. أو بالجيم والزاي وهو السريع الحركة وقد مرّ على وجه آخر. والمكافحة: المضاربة والمدافعة تلقاء الوجه كالمنافحة ويروى بهما (والنبال بالرماح)، أي: أرموهم بالنبال فإذا قربتم فاستعملوا الرماح، والعكس أظهركما سيأتي، أي إذا لم تصل الرماح فاستعملوا النبال كأنّكم وصلتموها بها فيكون أنسب بالفقرة السابقة، وكذا في النهاية أيضاً وقد مرّ. والأدلم: الأسود صورة أو معنى كالمظلم. قوله عليه السلام (نافج حضنيه) [الحضن] بالكسر: ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر أو العضدين أو ما بينهما. ونفجت الشيء أو رفعته وعظمته، قال في النهاية: كنّى به عن التعظم والتكبر والخيلاء. وفي بعض
النسخ (نافش) بالشين ولا يناسب المقام، وقال في [مادّة بيت من] النهاية: في حديث الجهاد: (إذا بيتم فقولوا حم لا ينصرون)، قيل: معناه اللّهمّ لا ينصرون ويريد به الخبر لا الدعاء، وأنّه لو كان دعاء لقال: لا ينصروا مجزوماً، فكأنّه قال: والله لا ينصرون. وقيل: إنّ السور التي أوّلها (حم) سور لها شأن فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها ممّا يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله: (لا ينصرون) كلام مستأنف، كأنّه حين قال: قولوا حم، قيل: ماذا يكون إذا قلناها؟ فقال: لا ينصرون. (والخويلة) كأنّه تصغير الخيل وإن لم (يساعده) القياس، أو تصغير الخول بمعنى الخدم والحشم. وقال في النهاية: في حديث عليّ عليه السلام: (تدقهم الفتن دق الرحا بثفالها) الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمّى الحجر الأسفل ثفالاً بها، والمعنى أنّها تدقهم دق الرحا للحبّ إذا كانت مثفلة، ولا تثفل إلاّ عند الطحن، انتهى. والعجاجة بالفتح: الغبار. وندر الشيء: سقط. وطاح يطوح ويطيح: هلك وأشرف على الهلاك وذهب وسقط. وطوحته الطوائح: قذفته القواذف. والقسورة: الأسد. وسيفه ينطف، أي: يقطر، وفي النهاية: نطف الماء ينطف وينطف إذا قطر قليلاً قليلاً، ومنه صفة المسيح ينطف رأسه ماءا. والشقة بالكسر: القطعة المشقوقة، ونصف الشيء إذا شق. قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (على تأويل القرآن)، أي: ليقبلوا منك تأويل القرآن أو أن آيات قتال المشركين والكافرين، ظاهرهاً قتال من قاتلهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وباطنها يشتمل قتال من قاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام. وأمّا آية: (وإن طائفتان)، فليست
بنازلة فيهم، لعدم إيمان هؤلاء، وإن كان عليه السلام قرأها في بعض المواطن إلزاماً عليهم، مع أنّه يحتاج إجراؤها في ابتداء قتالهم إلى استدلال ونظر، وقد مرّ شرح سائر أجزاء الخبر في رواية النهج(1)(2).
٢٩٤ـ تفسير فرات بن إبراهيم: إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن جعفر بن أحمد بن يحيى، عن علي بن أحمد بن القاسم الباهلي، عن ضرار بن الأزور: إنّ رجلاً من الخوارج سأل ابن عبّاس رضي الله عنه عن أمير المؤمنين عليه السلام عليّ بن أبي طالب؟ فأعرض عنه، ثمّ سأله؟ فقال: والله لقد كان أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر، والأسد الخادر، والفرات الزاخر، والربيع الباكر، فأشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه، ومن الأسد شجاعته ومضاؤه، ومن الفرات جوده وسخاؤه، ومن الربيع خصبه وحياؤه، عقمت النساء أن يأتين بمثل عليّ بعد النبيّ، والله ما سمعت ولا رأيت إنساناً محارباً مثله، وقد رأيته يوم صفّين وعليه عمامة بيضاء وكأنّ عينيه سراجان، وهو يتوقّف على شرذمة شرذمة يحضهم ويحثهم، إلى أن انتهى إليَّ وأنا في كنف من المسلمين، فقال: (معاشر الناس! استشعروا الخشية، وأميتوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة، وأكملوا اللامة، وقلقلوا السيوف في الغمد قبل السلة، والحظوا الشزر، واطعنوا الخزر، ونافجوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، والرماح
بالنبال، فإنّكم بعين الله [و] مع ابن عمّ نبيّكم، وعاودوا الكر واستحيوا من الفرّ فإنّه عار باق في الأعقاب ونار يوم الحساب، فطيبوا عن أنفسكم أنفساً، وطوا واطروا عن الحياة كشحا(1)، وامشوا إلى الموت مشياً، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرواق المطنب، فاضربوا ثبجه فإنّ الشيطان عليه اللعنة راكد في كسره، نافج حضنيه، ومفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا وأخّر للنكوص رجلاً، فصمداً حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ، وأنتم الأعلون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم).
قال: وأقبل معاوية في الكتيبة الشهباء وهي زهاء عشرة آلاف بجيش شاكين في الحديد لا يرى منهم إلاّ الحدق تحت المغافر، فقال عليه السلام: (ما لكم تنظرون بما تعجبون؟ إنّما هم جثث ماثلة، فيها قلوب طائرة مزخرفة بتمويه الخاسرين ورجل جراد زفت به ريح صبا ولفيف سداه ولحمته الضلالة: وصرخ بهم ناعق البدعة، وفيهم خور الباطل وضحضحة المكاثر، فلو قد مسّها سيوف أهل الحقّ لتهافتت تهافت الفراس في النار، ألا فسوّوا بين الركب، وعضوا على النواجذ، واضربوا القوابض بالصوارم، واشرعوا الرماح في الجوانح، وشدّوا فإنّي شادّ، حم لا ينصرون). فحملوا حملة ذي لبد، فأزالوهم عن مصافهم، ودفعوهم عن أماكنهم، ورفعوهم عن مراكبهم، وارتفع الرهج، وخمدت الأصوات، فلا يسمع إلاّ صلصلة الحديد، وغمغمة
1) - رواه فرات بن إبراهيم في تفسير الآية (٨) من سورة الحجرات، وهي الآية: ayebazوَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِayebaste.
الأبطال، ولا يرى إلاّ رأس نادر ويد طائحة، وأنا كذلك إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من موضع يريد أن ينجلي من الغبار، وينفذ العلق من ذراعيه، سيفه يقطر الدماء وقد انحنى كقوس النازع، وهو يتلو هذه الآية: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ(1)، فما رأيت قتالاً أشدّ من ذلك اليوم.
يا بني! إنّي أرى الموت لا يقلع، ومن مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، إنّي أوصيك بوصية فاحفظها واتّق الله، وليكن أولى الأمر بك الشكر لله في السرّ والعلانية، فإن الشكر خير زاد.
(بيان): قال في القاموس: الخدر: أجمة الأسد، ومنه أسد الخادر. والربيع الباكر، أي: أوّل ما دخل فإنّه أكثر مطراً وأظهر آثاراً، وكلّ من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه، وبكر، أي: وقت كان. والباكورة: أوّل الفاكهة، ذكره الجوهري وقال: مضى الأمر مضاءا: نفذ. وقال: الحياء مقصوراً: الخصب والمطر. (وأنا في كنف)، أي: في ناحية وجانب. وفي بعض النسخ (في كتيبة) وهو أظهر، والرجل: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصّة. والخور: الضعف. وضحضحة المكاثر، هي: التوهيم والتهديد الذي يأتي به المكاثر ويدعيه ولا أصل له. قال في القاموس: ضحضح السراب: ترقرق، والضحضخة جري السراب. (واضربوا القوانص)، أي: الأعناق والصدور،
1) - سورة الحجرات/٩.
تشبيها بقانصة الطير، أو الفرق التي يريدون اصطيادكم من قنصه، أي: صاده. ويحتمل القوابض بالباء والضاد المعجمة، أي: الأيدي القابضة. والصارم: السيف القاطع. وأشرعت الرمح قبله، أي: سددت، وكذا شرعت. والجوانح: الأضلاع التي تلي الصدر. والشدّة بالفتح: الحملة في الحرب. والرهج بالتحريك: الغبار. والغمغمة: أصوات الأبطال في القتال. وفي القاموس: اللبدة بالكسر: شعر زبرة الأسد، وكنيته ذو لبدة(1).
٢٩٥ـ وكتب معاوية إلى ابن عبّاس عند صلح الحسن عليه السلام كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته، ويقول له فيه: ولعمري، لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا، وأن يكون رأياً صواباً، فإنّك من الساعين عليه، والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ولا بيدك أمان.
فكتب إليه ابن عبّاس جواباً طويلاً يقول فيه: وأمّا قولك: إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه. فأقسم بالله لأنت المتربّص بعثمان، والمحبّ لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه، على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت ــ حتّى بعثت به معذرا بأخرة ــ وأنت تعلم أنّهم لن يدركوه حتّى يقتل، فقتل كما كنت أردت، ثمّ علمت بعد ذلك أنّ الناس ــ لن يعدلوا ــ بيننا وبينك، فطفقت تنعي عثمان، وتلزمنا دمه، وتقول: قتل عثمان مظلوماً، فإن يك قتل مظلوماً، فأنت أظلم الظالمين، ثمّ لم تزل مصوباً ومصعداً، وجاثماً ورابضاً،
1) - ٣٢/٦٠٥ ــ ٦٠٧.
تستغوي الجهال، وتنازعنا حقّنا بالسفهاء، حتّى أدركت ما طلبت، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1)
أقول: لقد مرّ ذكر هذا الكتاب والجواب في ج٤/٣٤٥ من الموسوعة فراجع. (مهدي).
.(بيان): بعثت به، أي: بالجيش أو الصريخ، (معذراً) بالتشديد، وهو: المقصّر، ومن يبدي عذراً وليس بمحقّ، (بأخرة)، أي: بتأخير وتسويف، أو آخراً حيث لا ينفع. قال الجوهري: بعته بأخره: بكسر الخاء وقصر الألف، أي: بنسئة، وجاء فلان بأخرة بفتح الخاء، أي: أخيراً. وفي النهاية فيه: (فصعد في النظر وصوبه)، أي: نظر إلى أعلاي وأسفلي يتأمّلني، انتهى. وجثم الطائر: تلبد بالأرض. وربوض الغنم والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير، فتارة شبهه بالطيور الخاطفة، وتارة بالكلاب الضارية الصايدة(2).
٢٩٦ـ ثمّ إنّ معاوية مرّ بحلقة من قريش، فلمّا رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عبّاس: فقال له: يا بن عبّاس! ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ لموجدة عليَّ بقتالي إيّاكم يوم صفّين! يا بن عبّاس! إنّ ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً.
قال ابن عبّاس: فعمر بن الخطّاب قد قتل أيضاً مظلوماً.
1) - اقتباس من الآية/١١١ من سورة الأنبياء. ٤٠٥ ــ رواه ابن أبي الحديد تاما ــ وابن ميثم ناقصا ــ في شرح المختار: ١٠ من الباب الثاني من نهج البلاغة من شرحيهما ٤/٥٢٨، ط الحديث ببيروت، وفي شرح كمال الدين ابن ميثم ٤/٣٧١. ورواه نصر بن مزاحم رحمه الله في أواسط الجزء الثاني من كتاب صفّين ص١٠٨، ط مصر. ورويناه عنه وعن مصدر آخر تحت الرقم ٩١ ــ ٩٢ من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج السعادة ٤/٢٤٦. (هامش الأصل).
2) - ٣٣/٩٩.
قال: فتسلم الأمر إلى ولده، وهذا ابنه.
قال: إنّ عمر قتله مشرك.
قال ابن عبّاس: فمن قتل عثمان؟
قال: قتله المسلمون!!
قال: فذلك أدحض لحجّتك، وأحلّ لدمه، إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ.
قال: فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته، فكف لسانك يا بن عبّاس، وأربع على نفسك.
قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال: لا.
قال: فتنهانا عن تأويله؟
قال: نعم.
قال: فنقرأه ولا نسأل عن ما عنى الله به؟
قال: نعم.
قال: فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال: العمل به.
قال: فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال: يُسئل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك.
قال: إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي، فأسأل عنه آل أبي سفيان، وآل أبي معيط، واليهود والنصارى، والمجوس؟!
قال: فقد عدلتني بهؤلاء؟
قال: لعمري، ما أعدلك بهم إلاّ إذا نهيت الأُمّة أن يعبدوا الله بالقرآن وبما فيه من أمر أو نهي، أو حلال أو حرام، أو ناسخ أو منسوخ، أو عام أو خاص، أو محكم أو متشابه، وإن لم تسأل الأُمّة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.
قال معاوية: فاقرأوا القرآن ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم وممّا قال رسول الله وارووا ما سوى ذلك.
قال ابن عبّاس: قال الله تعالى في القرآن: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1).
قال معاوية: يا بن عبّاس! اكفني نفسك، وكفّ عنّي لسانك، وإن كنت لا بدّ فاعلاً، فليكن سرّاً فلا تسمعه أحداً علانية(2).
٢٩٧ـ ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي: من إفراد مسلم بإسناده عن ابن عبّاس، قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فتواريت خلف باب، فجاء فحطاني حطأة، وقال: (اذهب فادع لي معاوية).
قال: فجئت فقلت: هو يأكل.
ثمّ قال: (اذهب فادع لي معاوية).
قال: فجئت فقلت هو يأكل.
فقال: (لا أشبع الله بطنه)(1).
٢٩٨ـ أقول: رواه في الاستيعاب بإسناده عن ابن عبّاس(2)(3).
٢٩٩ـ وروى العلاّمة قدس سره في كشف الحقّ، نقلاً عن صحيح مسلم مثله.
ثمّ قال: قال الحسن بن مثنى: قلت ما معنى حطاني؟ قال: وقذني وقذة.
وأقول: قال في [مادّة (حطا) من] النهاية: في حديث ابن عبّاس: قال: (أخذ النبيّ بقفاي فحطاني حطوة)، قال الهروي: هكذا جاء به الرواي غير مهموز، وقال: قال ابن الأعرابي: الحطو: تحريك الشيء مزعزعاً. وقال: رواه شمر بالهمزة، يقال: حطأه يحطؤه حطأ إذا دفعه بكفّه. وقيل: لا يكون الحطأة إلاّ ضربة بالكفّ بين الكتفين، انتهى(4)(5).
1) - ٣٣/١٩٥.
2) - رواه أبو عمر ابن عبد البرّ في ترجمة معاوية من كتاب الاستيعاب بهامش الإصابة ٣/٤٠١، قال: وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا هشيم وأبو عوانة، عن أبي حمزة، عن ابن عبّاس [قال:] إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث إلى معاوية يكتب له، فقيل: إنّه يأكل. ثمّ بعث إليه، فقيل: إنّه يأكل. فقال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: (لا أشبع الله بطنه). وقد أشار إليه أيضاً ابن حجر في ترجمة معاوية من كتاب الإصابة ٣/٤٣٤، ولكنّه راوغ ولم يسرد الحديث حرفياً! قال: وفي مسند أحمد ــ وأصله في مسلم ــ عن ابن عبّاس، قال: قال لي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: ادع لي معاوية، وكان كاتبه!! (هامش الأصل).
3) - ٣٣/١٩٥.
4) - رواه العلاّمة رحمه الله في المطّلب الرابع من كتاب نهج الحقّ وكشف الصدق ص٣٨٠، ط بيروت، وانظر: دلائل الصدق ٣ /٢٢٠، ط١. (هامش الأصل).
5) - ٣٣/١٩٥ ــ ١٩٦.
٣٠٠ـ أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمّد بن هارون ابن حميد، عن جرير بن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة(1)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كنت عند معاوية وقد نزل بذي طوى، فجاءه سعد بن أبي وقاص فسلّم عليه، فقال معاوية: يا أهل الشام! هذا سعد وهو صديق لعليّ، قال: فطأطأ القوم رؤوسهم وسبّوا عليّاً عليه السلام، فبكى سعد. فقال له معاوية: ما الذي أبكاك؟ قال: ولم لا أبكي لرجل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يسبّ عندك ولا أستطيع أن أغير، وقد كان في عليّ خصال لان تكون في واحدة منهنّ أحبّ أليَّ من الدنيا وما فيها.
أحدها: أنّ رجلاً كان باليمن فجفاه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: لأشكونك إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقدم على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فسأله عن عليّ عليه السلام فثنا عليه، فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل عليَّ الكتاب واختصّني بالرسالة أعن سخط [تقول] ما تقول في عليّ عليه السلام؟) قال: نعم، يا رسول الله! قال: (ألا تعلم أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قال: بلى؟ قال: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه).
والثانية: أنّه بعث يوم خيبر عمر بن الخطّاب إلى القتال فهزم وأصحابه، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (لأعطين الراية غداً إنسانا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله)،
1) - هذا هو الصواب، وفي، ط الكمباني من البحار: (عن ابن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المايرة). والرجلان قميان موثّقان عند حفّاظ أهل السُنّة، وذكرهما ابن حجر، ولكن ذكر الأوّل بعنوان التمييز، والثاني بعنوان كونه من رجال الصحاح في كتاب تهذيب التهذيب ١/٣٥٠ و٢/١٠٨. (هامش الأصل).
فغدا المسلمون وعليّ أرمد، فدعاه فقال: (خذ الراية)، فقال: يا رسول الله! إنّ عيني كما ترى! فتفل فيها، فقام فأخذ الراية، ثمّ مضى بها حتّى فتح الله عليه.
والثالثة: [أنّه] خلفه في بعض مغازيه، فقال عليّ عليه السلام: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي).
والرابعة: (سدّ الأبواب في المسجد إلاّ باب عليّ).
والخامسة: نزلت هذه الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً وحسناً وحسيناً وفاطمة عليهم السلام، فقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).
بيان: الثناء بتقديم المثلثة يطلق على المدح والذمّ، وفي الأوّل أغلب وبتقديم النون بالعكس(2)(3).
٣٠١ـ وروى ابن أبي الحديد عن البلاذري في كتاب أنساب الأشراف، قال: قام عمرو بن العاص بالموسم، فأطرى معاوية وبني أُميّة، وتناول بني هاشم وذكر مشاهده بصفّين ويوم أبي موسى.
فقام إليه ابن عبّاس، فقال: يا عمرو! إنّك بعت دينك من معاوية، فأعطيته ما في يدك ومنّاك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون الذي أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى. فلمّا صارت مصر في يدك، تتبّعك بالنقض عليك والتعقب لأمرك، ثمّ بالعزل لك، حتّى لو أن نفسك في يدك لأرسلتها، وذكرت يومك مع أبي موسى، فلا أراك فخرت إلاّ بالغدر، ولا مننت إلاّ بالفجور والغش، وذكرت مشاهدك بصفّين، فوالله، ما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكأت فينا جرأتك، ولقد كنت فيها طويل اللسان، قصير البنان، آخر الحرب إذا أقبلت، وأوّلها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تقبضها عن شرّ، ويد لا تبسطها إلى خير، ووجهان: وجه مؤنس، ووجه موحش. ولعمري، من باع دينه بدنيا غيره لحري حزنه على ما باع. وأمّا إنّ لك بياناً ولكن فيك خطل، وإنّ لك لرأياً ولكن فيك فشل، وإن أصغر عيب فيك لأعظم عيب في غيرك!!(1)
٣٠٢ـ وحدّث الزبير عن رجاله، قال: قدم ابن عبّاس على معاوية، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه، لمعرفته أنّ معاوية كان يكره إظهاره لشأنه، وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن عليّ عليهما السلام فسجد شكراً لله تعالى وبان السرور في وجهه.. في حديث طويل ذكره الزبير، ذكرت منه موضع الحاجة إليه: وأذن للناس، وأذن لابن عبّاس بعدهم، فدخل فاستدناه، وكان قد عرف بسجدته، فقال له: أتدري ما حدث بأهلك؟
1) - ٣٣/٢٣١ ــ ٢٣٣.
قال: لا.
قال: فإنّ أبا محمّد رحمه الله توفي، فعظم الله أجرك.
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، عند الله نحتسب المصيبة برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسنS، إنّه قد بلغتني سجدتك، فلا أظنّ ذلك إلاّ لوفاته، والله لا يسدّ جسده حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن، ثمّ جبر الله.
قال معاوية: كم كان أتى له؟
قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده.
قال: أحسبه ترك صبية صغاراً؟
قال: كلّنا كان صغيراً فكبر.
ثمّ قال: أصبحت سيّد أهلك.
قال: أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن عليّ فلا. ثمّ قام وعينه تدمع.
فقال معاوية: لله درّه، لا والله ما هيجنا قطّ إلاّ وجدناه سيّداً.
ودخل [ابن عبّاس] على معاوية بعد انقضاء العزاء، فقال: يا أبا العبّاس! أما تدري ما حدث في أهلك؟
قال: لا.
قال: هلك أسامة بن زيد، فعظم الله أجرك.
قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله أسامة، وخرج.
وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاققته [محاقته (خ ل)](1)، فصلّى في الجامع يوم الجمعة، واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الإسلام والجاهلية.
وافتقد معاوية الناس، فقيل: إنّهم مشغولون بابن عبّاس، ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل!
فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن أهله، ومنعناه حاجته، ونعينا إليه أحبّته. انطلقوا فادعوه.
فأتاه الحاجب فدعاه، فقال: إنّا بنو عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتّى نصلّي، أصلّي إنشاء الله وآتيه.
فرجع. وصلّى [ابن عبّاس] العصر، وأتاه.
فقال: حاجتك؟ فما سأله حاجة إلاّ قضاها، وقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك ــ وإنّما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عبّاس إلى الدنيا، فعرف ما يريده ــ
فقال: إنّ ذلك ليس لي ولا لك، فإن أذنت أن أعطي كلّ ذي حقّ حقّه فعلت؟
قال: أقسمت عليك إلاّ دخلت فأخذت حاجتك.
فدخل فأخذ برنس خز أحمر، يقال: أنّه كان لأمير المؤمنين عليّ بن
1) - المحاقة: المخاصمة، يقال: حاققت زيدا على كذا: خاصمته عليه. (هامش الأصل).
أبي طالب عليه السلام، ثمّ خرج.
فقال: يا أمير المؤمنين! بقيت لي حاجة؟
قال: ما هي؟
قال: عليّ بن أبي طالب، قد عرفت فضله وسابقته وقرابته، وقد كفاكه الموت، أحبّ أن لا يشتم على منابركم.
قال: هيهات يا بن عبّاس! هذا أمر دين، أليس أليس، وفعل وفعل.. فعدد ما بينه وبين عليّ عليه السلام.
فقال ابن عبّاس: أولى لك يا معاوية والموعد القيامة، ولكلّ نبأ مستقر وسوف تعلمون. وتوجه إلى المدينة(1)(2).
٣٠٣ـ وحدث الزبير عن رجاله، عن ابن عبّاس: أنّ معاوية أقبل عليه وعلى بني هاشم، فقال: إنّكم تريدون أن تستحقّوا الخلافة كما استحققتم النبوّة ولا يجتمعان لأحد، حجّتكم في الخلافة شبهة على الناس، تقولون: نحن أهل بيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فما بال خلافة النبيّ في غيرنا، وهذه شبهة لأنّها تشبه الحقّ، فأما الخلافة فتتقلب في أحياء قريش برضى العامّة وشورى
1) - رواه الأربلي رحمه الله ــ مع الحديث التالي ــ في العنوان المتقدّم الذكر آنفا من كتاب كشف الغمّة ٢/٤٨، ط بيروت. وللكلام شواهد كثيرة ذكرنا بعضها في تعليق الحديث: (١٥٠٥) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ٣/٤٠٨. وأيضاً بعض الشواهد يجده الباحث في الحديث: (٣٦٨) وتعليقاته من ترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق ص٢٤٠، ط بيروت ١. (هامش الأصل).
2) - ٣٣/٢٥٤ ــ ٢٥٧.
الخاصّة، فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولونا، ولو أنّ بني هاشم ولونا لكان خيراً لنا في دنيانا وآخرتنا، فلا هم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم. وأمّا ما زعمتم أنّ لكم ملكاً هاشمياً ومهدياً قائماً، فالمهدي عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا الأمر في أيدينا حتّى نسلّمه إليه(1)، ولعمري لئن ملكتموها(2)ما رايحة عاد وصاعقة ثمود بأهلك للقوم منكم. ثمّ سكت.
فقال له عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه: أما قولك: إنّا نستحقّ الخلافة بالنبوّة، فإذا لم نستحقّها بها فبم نستحقّها؟!
وأمّا قولك: إنّ الخلافة والنبوّة لا تجتمعان لأحد، فأين قول الله تعالى: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً(3)، فالكتاب النبوّة والحكمة السُنّة، والملك الخلافة، ونحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد، والسُنّة لنا ولهم جارية.
وأمّا قولك: إنّ حجّتنا مشتبهة، فوالله، لهي أضوء من الشمس، وأنور من نور القمر، وإنّك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفك وصعرك، قتلنا أخاك وجدّك وأخاه وخالك، فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح أهل النار، ولا
1) - ومنه أخذ هذا الاختلاق وقول الزور بعض شيعة بني عبّاس المتملقين لهم في أيامهم المتقربين إليهم بالترهات والأباطيل فافترى على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بأنّه قال: الخلافة في ولد عمّي العبّاس إلى أن يسلموها إلى المسيح عيسى بن مريم!!! (هامش الأصل).
2) - كذا في بعض النسخ، وفي بعض آخر: (لئن ملكتمونا..). كسابقه.
3) - سورة النساء/٥٤.
تغضبن لدماء أحلّها الشرك ووضعها.
فأمّا ترك الناس أن يجتمعوا علينا، فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم.
وأمّا قولك: إنّا زعمنا أنّ لنا ملكاً مهدياً، فالزعم في كتاب الله شرك، قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا(1)، وكلّ يشهد أنّ لنا ملكاً، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لبعث الله لأمره منّا من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، لا تملكون يوماً واحداً إلاّ ملكنا يومين، ولا شهراً إلاّ ملكنا شهرين، ولا حولاً إلاّ ملكنا حولين.
وأمّا قولك: إن المهدي عيسى بن مريم، فإنّما ينزل عيسى على الدجال، فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة، والإمام منّا رجل يصلّي خلفه عيسى بن مريم ولو شئت سمّيته.
وأمّا ريح عاد وصاعقة ثمود، فإنّهما كانا عذاباً، وملكنا والحمد لله رحمة.
وحدث الزبير، قال: حجّ معاوية فجلس إلى ابن عبّاس، فأعرض عنه ابن عبّاس، فقال: لم تعرض عنّي؟! فوالله إنّك لتعلم أنّي أحقّ بالخلافة من ابن عمّك!
قال ابن عبّاس: لم ذاك، لأنّه كان مسلماً وكنت كافراً؟!
قال: لا، ولكن ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً!
1) - سورة التغابن/٧.
قال ابن عبّاس: وعمر قتل مظلوماً.
قال: إنّ عمر قتله كافر، وإنّ عثمان قتله المسلمون!
قال ابن عبّاس: ذاك أدحض لحجّتك، فأسكت معاوية(1).
٣٠٤ـ ووجدت أيضاً في الكتاب المذكور برواية أبان عن سليم، أنّه قال: حدّثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين(صلوات الله عليهما) وعنده عبد الله بن عبّاس، فالتفت إليَّ معاوية، فقال: يا عبد الله! ما أشدّ تعظيمك للحسن والحسين، وما هما بخير منك، ولا أبوهما خير من أبيك، ولولا أنّ فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لقلت ما أُمّك أسماء بنت عميس بدونها.
فقلت: والله إنّك لقليل العلم بهما وبأبيهما وأُمّهما، بل والله لهما خير منّي، وأبوهما خير من أبي، وأُمّهما خير من أُمّي. يا معاوية! إنّك لغافل عمّا سمعته أنا من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول فيهما وفي أبيهما وأُمّهما [ممّا] قد حفظنه ووعيته ورويته.
قال: هات يا ابن جعفر، فوالله ما أنت بكذاب ولا متّهم.
فقلت: إنّه أعظم ممّا في نفسك!
قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعاً فلست أبالي إذا قتل الله صاحبك، وفرق جمعكم، وصار الأمر في أهله، فحدّثنا فما نبالي ما قلتم ولا
1) - ٣٣/٢٥٤ ــ ٢٥٧.
يضرّنا ما عددتم.
قلت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وسُئل عن هذه الآية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ(1)؟ فقال: (إني رأيت اثني عشر رجلاً من أئمّة الضلال يصعدون منبري وينزلون يردون أُمّتي على أدبارهم القهقرى، فيهم رجلين من حيين من قريش مختلفين، وثلاثة من بني أُميّة، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص) [وسمعته يقول: (إن بني أبي العاص] إذا بلغوا خمسة عشر رجلاً جعلوا كتاب الله دخلاً وعباد الله خولاً).
يا معاوية! إنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر وأنا بين يديه، وعمرو بن أبي سلمة، وأسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وسلّمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، والمقداد، والزبير بن العوام، وهو يقول: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: (من كنت مولاه فهذا مولاه أولى به من نفسه)، وضرب بيده على منكب عليّ عليه السلام: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. أيّها الناس! أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر، وعليّ من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر، ثمّ ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر). ثمّ أعاد فقال: (يا أيّها الناس! إذا أنا استشهدت فعليّ أولى بكم من أنفسكم، فإذا استشهد عليّ فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، وإذا استشهد
1) - سورة الإسراء/٦٠.
الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فإذا استشهد الحسين فابني عليّ بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر). ثمّ أقبل إلى عليّ فقال: (يا عليّ! أنّك ستدركه فاقرأ منّي السلام، فإذا استشهد فابني محمّد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، وستدركه أنت يا حسين فاقرأ منّي السلام، ثمّ يكون في عقب محمّد رجال واحد بعد واحد وليس منهم أحد إلاّ وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلّهم هادون مهتدون). فقام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو يبكي، فقال: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله أتقتل؟ قال: (نعم أهلك شهيداً بالسم، وتقتل أنت بالسيف، وتخضب لحيتك من دم رأسك، ويقتل ابني الحسن بالسمّ، ويقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغ بن طاغ دعي ابن دعي).
فقال معاوية: يا بن جعفر! لقد تكلّمت بعظيم، ولئن كان ما تقول حقّاً، لقد هلكت أُمّة محمّد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم.
فقلت: والله إنّ الذي قلت بحقّ سمعته من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قال معاوية: يا حسن ويا حسين ويا بن عبّاس! ما يقول ابن جعفر؟!
فقال ابن عبّاس: إن كنت لا تؤمن بالذي قال، فأرسل إلى الذين سمّاهم فاسألهم عن ذلك.
فأرسل معاوية إلى عمرو بن أبي سلمة، وإلى أسامة بن زيد فسألهما، فشهدا أنّ الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كما سمعه.
فقال معاوية: يا بن جعفر! قد سمعنا في الحسن والحسين وأبيهما، فما سمعت في أُمّهما؟ ومعاوية كالمستهزئ والمنكر.
فقلت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (ليس في جنّة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربّي من منزلي ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي: أوّلهم أخي عليّ، وابنتي فاطمة، وابناي الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، هداة مهتدون، أنا المبلغ عن الله وهم المبلغون عنّي، وهم حجج الله على خلقه، وشهداؤه في أرضه، وخزّانه على علمه، ومعادن حكمه، من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، لا تبقى الأرض طرفة عين إلاّ ببقائهم ولا تصلح إلاّ بهم، يخبرون الأُمّة بأمر دينهم حلالهم وحرامهم، يدلونهم على رضى ربّهم وينهونهم عن سخط، بأمر واحد ونهي واحد، ليس فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع، يأخذ آخرهم عن أوّلهم إملائي وخطّ أخي عليّ بيده، يتوارثونه إلى يوم القيامة، أهل الأرض كلّهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم، لا يحتاجون إلى أحد من الأُمّة في شيء من أمر دينهم والأُمّة تحتاج إليهم، هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(1)).
فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عبّاس والفضل بن عبّاس
1) - سورة النساء/٥٩.
وعمرو بن أبي سلمة وأسامة بن زيد، فقال: كلّكم على ما قال ابن جعفر؟
قالوا: نعم.
قال: يا بني عبد المطّلب! إنّكم لتدعون أمراً عظيماً، وتحتجّون بحجج قوّية إن كانت حقّاً، وإنّكم لتضمرون على أمر تسرّونه والناس عنه في غفلة عمياء، وإن كان ما تقولون حقّاً لقد هلكت الأُمّة وارتدّت عن دينها وتركت عهد نبيّها صلي الله عليه وآله وسلم غيركم أهل البيت، ومن قال بقولكم فأولئك في الناس قليل.
فقلت: يا معاوية! إنّ الله تبارك وتعالى يقول: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(1)، ويقول: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(2)، ويقول: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ(3)، ويقول لنوح: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ(4)يا معاوية! المؤمنون في الناس قليل.
فقال ابن عبّاس: يا معاوية! إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ(5)، ويقول لنوح: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ، ويقول: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ، يا معاوية! المؤمنون في الناس قليل، وإنّ أمر بني إسرائيل أعجب! حيث قالت السحرة لفرعون: فَاقْضِ مَا أَنتَ
قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاً ‡ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا(1)، فآمنوا بموسى وصدّقوه وتابعوه، فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل، فأقطعهم البحر، وأراهم الأعاجيب، وهم مصدّقون به وبالتوراة، مقرون له بدينه، فمرّ بهم على قوم (يعبدون أصناماً لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، ثمّ اتّخذوا العجل فعكفوا عليه جميعاً غير هارون وأهل بيته، وقال لهم السامري: (هذا إلهكم وإله موسى)، وقال لهم بعد ذلك: ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ(2)، فكان من جوابهم ما قصّ الله في كتابه: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ(3)، قال موسى: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(4). فاحتذت هذه الأُمّة ذلك المثال سواء، وقد كانت لهم فضائل وسوابق مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ومنازل بينة قريبة منه، مقرّين بدين محمّد والقرآن، حتّى فارقهم نبيّهم صلي الله عليه وآله وسلم، فاختلفوا وتفرّقوا وتحاسدوا وخالفوا إمامهم ووليهم، حتّى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيّهم غير صاحبنا الذي هو من نبيّنا بمنزلة هارون من موسى ونفر قليل اتّقوا الله عزّ وجلّ على دينهم وإيمانهم، ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم، كما فعل أصحاب موسى عليه السلام باتّخاذهم العجل وعبادتهم إيّاه
وزعمهم أنّه ربّهم وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته.
ونبينا صلي الله عليه وآله وسلم قد نصب لأُمّته أفضل الناس وأولاهم وخيّرهم، ثمّ الأئمّة واحداً بعد واحد بغدير خمّ، وفي غير موطن، واحتجّ عليهم به، وأمر بطاعتهم، وأخبرهم أنّ أوّلهم عليّ بن أبي طالب منه بمنزلة هارون من موسى، وأنّه ولي كلّ مؤمن من بعده، وأنّه من كان هو وليّه ومن أولى به من نفسه فعليّ أولى به، وأنّه خليفته فيهم ووصيّه، وأنّ من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله، ومن والاه والى الله ومن عاداه عادى الله، فأنكروه وجعلوه وتولّوا غيره.
يا معاوية! أما علمت أنّ رسول الله حين بعث إلى مؤتة أمّر عليهم جعفر بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ قال: (إنّ هلك جعفر فزيد بن حارثة، فإنّ هلك زيد فعبد الله بن رواحة)، ولم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم، أفكان يترك أُمّته ولا بين لهم خليفته فيهم بعده! بلى والله، ما تركهم في عمى ولا شبهة، بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيّهم، وكذبوا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فهلكوا وهلك من شايعهم وضلّ من تابعهم، فبعدا للقوم الظالمين.
فقال معاوية: يا بن عبّاس! إنّك لتتفوّه بعظيم، والاجتماع عندنا خير من الاختلاف، وقد علمت أنّ الأُمّة لم تستقم على صاحبك.
فقال ابن عبّاس: إنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (ما اختلفت أُمّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها)، وإنّ هذه الأُمّة اجتمعت على أمور كثيرة ليس بينها اختلاف ولا منازعة ولا فرقة، شهادة لا إله إلاّ الله وأنّ
محمّداً رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، والصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، وأشياء كثيرة من طاعة الله، ونهى الله مثل تحريم الزنا، والسرقة، وقطع الأرحام، والكذب، والخيانة، واختلفت في شيئين: أحدهما اقتتلت عليه وتفرّقت فيه وصارت فرقاً يلعن بعضها بعضاً ويبرأ بعضها من بعض [والثاني لم تقتتل عليه ولم تتفرق فيه ووسع بعضهم فيه لبعض، وهو كتاب الله وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، وما يحدث زعمت أنّه ليس في كتاب الله ولا سُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، وأمّا الذي اختلفت فيه وتفرّقت وتبرأت بعضها من بعض] فالملك والخلافة، زعمت أنّها أحقّ بها من أهل بيت نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم، فمن أخذ بما ليس بين أهل القبلة اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله سلم ونجا من النار، ولم يسأله الله عمّا أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلف فيهما، ومن وفقه الله ومن عليه ونوّر قلبه وعرّفه ولاة الأمر ومعدن العلم أين هو، فعرف ذلك كان سعيداً ولله وليا، وكان نبيّ الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (رحم الله عبداً قال حقّاً فغنم، أو سكت فلم يتكلّم)، فالأئمّة من أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومنزل الكتاب ومهبط الوحي ومختلف الملائكة لا تصلح إلاّ فيها، لأنّ الله خصّها بها وجعلها أهلها في كتابه وعلى لسان نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، فالعلم فيهم وهم أهله، وهو عندهم كلّه بحذافيره باطنه وظاهره، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه.
يا معاوية! إنّ عمر بن الخطّاب أرسلني في إمرته إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام: إنّي أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلينا ما كتبت من القرآن.
فقال: (تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه).
قلت: ولم؟
قال: (إنّ الله يقول: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(1)، يعني: لا يناله كلّه إلاّ المطهرون، إيّانا نحن عنى الذين أذهب الله عنّا الرجس وطهرنا تطهيراً، وقال: أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا(2)، فنحن الذين اصطفانا الله من عباده، ونحن صفوة الله ولنا ضرب الأمثال، وعلينا نزل الوحي).
فغضب عمر وقال: إنّ ابن أبي طالب يحسب أنّه ليس عند أحد علم غيره، فمن كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتنا به.
فكان إذا جاء رجل بقرآن يقرءه ومعه آخر كتبه، وإلا لم يكتبه.
فمن قال يا معاوية أنّه ضاع من القرآن شيء فقد كذب، هو عند أهله مجموع.
ثمّ أمر عمر قضاته وولاته، فقال: اجتهدوا آراءكم، واتّبعوا ما ترون أنّه الحقّ.
فلم يزل هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة، فكان عليّ بن أبي طالب عليه السلام يخبرهم بما يحتجّ به عليهم، وكان عمّاله وقضاته يحكمون في شيء واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم، لأنّ الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كلّ صنف من أهل القبلة أنّهم معدن العلم والخلافة
دونهم، فبالله نستعين على من جحدهم حقّهم، وسنّ للناس ما يحتجّ به مثلك عليهم. ثمّ قاموا فخرجوا.
(بيان): قوله عليه السلام: (واختلف في شيئين) كذا في أصل الكتاب، وفي [كتاب] الاحتجاج واختلفوا في سُنن اقتتلوا فيها وصاروا فرقاً يلعن بعضها بعضاً وهي الولاية.
فأمّا على ما في الأصل، فالشيء الآخر إمّا القرآن كما ذكره بعد، أو البراءة من خلفاء الجور ولعنهم، وتركه للمصلحة والتقية.
وقوله: (فمن أخذ) المراد بهم المستضعفون، فإنّهم إذا أخذوا بالمجمع عليه من ولاية الأئمّة ومحبّتهم، ولم يتبرؤا من أعدائهم لاختلاف الأُمّة فيه ولم يقولوا بإمامة الأئمّة لذلك، ولم يكن لهم قوّة في العلم والعقل يمكنهم معرفة ذلك، كان يحتمل نجاتهم في الآخرة.
ويؤيّده أنّه روى في الاحتجاج في سياق هذه الرواية من كلام الحسن عليه السلام، وروى هذه الكلمات أيضاً عنه عليه السلام، أنّه قال: (إنّما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقّنا ويسلّم لنا ويأتم بنا فذلك ناج محبّ لله ولي، وناصب لنا العداوة يتبرّأ منّا ويلعننا ويستحلّ دماءنا ويجحد حقّنا ويدين الله بالبراءة منّا، فهذا كافر مشرك فاسق، وإنّما كفر وأشرك من حيث لا يعلم، كما سبّوا الله بغير علم كذلك كثيراً يشرك بالله بغير علم، ورجل أخذ بما لم يختلف فيه وردّ علم ما أشكل عليه إلى الله مع ولايتنا، ولا يأتم بنا ولا يعادينا، ويعرف حقّنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنّة، فهذا مسلم ضعيف)، انتهى.
وقد أوردت الخبر برواية الاحتجاج في موضع آخر يناسبه وإنّما كررنا للاختلاف(1).
٣٠٥ـ قال ابن عبّاس: فكنت جالساً عند أمير المؤمنين عليه السلام، فجاءنا الرجل وقد سبقه خبره إلينا، فقال: يا أمير المؤمنين! قد جئتك مستأمناً.
فقال له: (أنت صاحب الكلام، أنت تعرف معاوية من أنا، فكيف رأيت جواب المنافق، قم لا أقام الله رجليك). فبقي مذبذباً(2).
٣٠٦ـ والتمس أصحاب عليّ عليه السلام أبا موسى، فركب ناقته ولحق بمكّة، فكان ابن عبّاس يقول: قبّح الله أبا موسى، لقد حذّرته وهديته إلى الرأي فما عقل. وكان أبو موسى يقول: لقد حذّرني ابن عبّاس غدرة الفاسق، ولكن اطمأننت إليه [وظننت] أنّه لا يؤثر شيئاً على نصيحة الأُمّة(3).
٣٠٧ـ الاحتجاج: روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أرسل عبد الله بن عبّاس إلى الخوارج وكان بمرأى منهم ومسمع [ليسألهم ماذا الذي نقموا عليه؟ فقال لهم ابن عبّاس: ماذا نقمتم على أمير المؤمنين؟].
قالوا له في الجواب: نقمنا يا بن العبّاس على صاحبك خصالاً كلّها مكفّرة موبقة تدعو إلى النار: أمّا أوّلها: فإنّه محى اسمه من إمرة المؤمنين، ثمّ كتب بينه وبين معاوية، فإذا لم يكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون فلسنا
نرضى أن يكون أميرنا. وأمّا الثانية: فإنّه شكّ في نفسه حين قال للحكمين: (أنظرا فإن كان معاوية أحقّ بها فأثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني)، فإذا هو شكّ في نفسه فلم يدر أهو المحقّ أم معاوية، فنحن فيه أشدّ شكّاً. والثالثة: أنّه جعل الحكم إلى غيره، وقد كان عندنا أحكم الناس. والرابعة: أنّه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه. والخامسة: أنّه قسّم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة، ومنعنا النساء والذرّية. والسادسة: أنّه كان وصيّاً فضيّع الوصية.
قال ابن عبّاس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، فأنت أحقّ بجوابهم.
فقال: نعم، ثمّ قال: (يا بن عبّاس! قل لهم: ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله؟)
قالوا نعم.
قال: أبدأ على ما بدأتم به في بدء الأمر. ثمّ قال: (كنت أكتب لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الوحي والقضايا والشروط والأمان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، فكتب: بسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما اصطلح عليه محمّد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أبا سفيان وسهيل بن عمرو. فقال سهيل: إنّا لا نعرف الرحمان الرحيم، ولا نقر أنّك رسول الله، ولكنّا نحسب ذلك شرفاً لك أن تقدّم اسمك قبل أسمائنا، وإن كنّا أسنّ منك وأبي أسنّ من أبيك!! فأمرني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: أكتب مكان (بسم الله الرحمان الرحيم) باسمك اللّهمّ،
فمحوت ذلك وكتبت (باسمك اللّهمّ)، ومحوت (رسول الله) وكتبت (محمد بن عبد الله)، فقال لي: (إنّك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره)، وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: (هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص). فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنّك أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن أكتب عليّ بن أبي طالب، فمحوت كما محى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم.
فقالوا: هذه لك خرجت منها.
فقال: (وأمّا قولكم: إنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا فإن كان معاوية أحقّ بها منّي فأثبتاه)، فإن ذلك لم يكن شكّاً منّي، ولكنّي أنصفت في القول قال الله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(1)، ولم يكن ذلك شكّاً وقد علم الله أنّ نبيّه على الحقّ.
قالوا: وهذه لك.
قال: وأمّا قولكم: (إنّي جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس)، فهذا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد كان أحكم الناس، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(2)، فتأسيت برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قالوا: وهذه لك بحجّتنا.
قال: وأمّا قولكم: (إنّي حكّمت في دين الله الرجال)، فما حكّمت الرجال، وإنّما حكّمت كلام ربّي الذي جعله الله حكماً بين أهله، وقد حكّم الله الرجال في طائر، فقال: وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ(1)، فدماء المسلمين أعظم من دم طائر؟!
قالوا: وهذه لك بحجتنا.
قال: وأمّا قولكم: (إنّي قسمت يوم البصرة لمّا أظفرني الله بأصحاب الجمل الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرّية)، فإنّي مننت على أهل البصرة كما من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم على أهل مكّة، فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم ولم نأخذ صغيراً بكبير؟! وبعد فأيّكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟
قالوا: وهذه لك بحجتنا.
قال: وأمّا قولكم: (إنّي كنت وصيّاً فضيعت الوصية)، فأنتم كفرتم وقدّمتم عليَّ وأزلتم الأمر عنّي، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، إنّما يبعث الله الأنبياء(صلوات الله عليهم) فيدعون إلى أنفسهم، والوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه، وذلك لمن آمن بالله ورسوله صلي الله عليه وآله وسلم، ولقد قال الله عزّ ذكره: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(2)، فلو ترك الناس الحجّ لم يكن البيت ليكفر بتركهم إيّاه، ولكن [الناس] كانوا يكفرون بتركهم [البيت]، لأنّ الله تعالى نصبه لهم علماً،
وكذلك نصّبني علماً، حيث قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! أنت منّي [بمنزلة هارون من موسى وأنت منّي] بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي)(1).
فقالوا: وهذه لك بحجتنا.
فأذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممّن كانوا قعدوا عنه، فقاتلهم فقتلهم.
(بيان): قوله عليه السلام (فدماء المسلمين)، لعلّ المراد أنّ تحكيم الرجال في الطائر لمّا كان لجهل الناس والاضطرار، فالضرورة هنا أشدّ، فالكلام على التنزّل، فإنّه عليه السلام منع أوّلاً تحكيم الرجال، وقال بعد التسليم لا فساد فيه، ويحتمل أن يكون مؤيّداً لأوّل الكلام رداً لشبهة أصحاب معاوية بالمقايسة بالطائر، أي لم تحكّم الرجال لأنّ التحكيم إنّما ورد في الأمور الجزئية التي لا مفسدة كثيراً في الخطأ فيها ولا يمكن مقايسة دماء المسلمين بها، فإنّه قياس مع الفارق. [و] لكنّه بعيد ولا يجري في بعض الأخبار التي وردت بهذا الوجه(2)(3).
1) - ما بين المعقوفين غير موجود في طبعة الكمباني من البحار، وأخذناه من كتاب الاحتجاج، ط بيروت ص١٨٩. وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي...) رواه أيضاً ابن الأثير في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أسد الغابة ٤/٣١، ط١. وأيضاً روى ما في معناه ابن عساكر في الحديث: (٩١٢) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ٢/٤٠٧، ط٢. ورواه ابن المغازلي في الحديث: (١٤٩) من كتابه: مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ص١٠٦، ط١. وليلاحظ ما رواه السيوطي نقلاً عن الديلمي في ذيل كتاب اللآلي المصنوعة ١/٦٢. (هامش الأصل).
2) - رواه الطبرسي رحمه الله في عنوان: (احتجاجه عليه السلام على الخوارج) من كتاب الاحتجاج ١/١٨٧، ط بيروت. كسابقه.
3) - ٣٣/٣٧٧ ــ ٣٨٠.
٣٠٨ـ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (يا بن عبّاس! امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه، ولماذا اجتمعوا).
فلمّا وصل إليهم قالوا: ويلك يا بن عبّاس! أكفرت بربّك كما كفر صاحبك عليّ بن أبي طالب، وخرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثعلبي.
فقال ابن عبّاس: من بنى الإسلام؟
فقال: الله ورسوله.
فقال: النبيّ أحكم أموره وبين حدوده أم لا؟
قال: بلى.
قال: فالنبيّ بقي في دار الإسلام أم ارتحل؟
قال: بل ارتحل.
قال: فأمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده؟
قال: بل بقيت.
قال: وهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه؟
قال: نعم، الذرّية والصحابة.
قال: أفعمّروها أو خربوها؟
قال: بل عمّروها.
قال: فالآن هي معمورة أم خراب؟
قال: بل خراب.
قال: خرّبها ذرّيته أم أُمّته؟
قال: بل أُمّته.
قال: وأنت من الذرّية أو من الأُمّة؟
قال: من الأُمّة.
قال: أنت من الأُمّة وخربت دار الإسلام فكيف ترجو الجنّة؟!
وجرى بينهم كلام كثير. فحضر أمير المؤمنين عليه السلام في مائة رجل، فلمّا قابلهم خرج إليه ابن الكواء في مائة رجل.
فقال عليه السلام: (أنشدكم الله، هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، فقلت لكم: إنّي أعلم بالقوم منكم) وذكر مقاله إلى أن قال: (فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب، اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه وإن أبيا فنحن منه براء).
فقالوا له: أخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟
فقال: (إنّا لسنا الرجال حكّمنا وإنّما حكّمنا القرآن، والقرآن إنّما هو خطّ مسطور بين دفّتين لا ينطق، إنّما يتكلّم به الرجال).
قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟
قال: (ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعلّ الله يصلح في هذه المدّة هذه الأُمّة)(1).
1) - ٣٣/٣٨٩ ــ ٣٩٠.
٣٠٩ـ ثمّ قال عليّ عليه السلام لعبد الله بن العبّاس: قم فتكلّم، فقام وقال: أيّها الناس إنّ للحقّ أهلاً أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به وراغب عنه، وإنّما بعث عبد الله بن قيس بهدي إلى ضلالة، وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى الهدى، فلمّا التقيا رجع عبد الله عن هداه وثبت عمرو على ضلالته، والله لئن حكما بالكتاب لقد حكما عليه، وإن حكما بما اجتمعا عليه معاً ما اجتمعا على شيء، وإن كنا حكما بما سارا إليه لقد سار عبد الله وإمامه عليّ وسار عمرو وإمامه معاوية، فما بعد هذا من غيب ينتظر، ولكنّهم سئموا الحرب وأحبّوا البقاء ودفعوا البلاء ورجا كلّ قوم صاحبهم. ثمّ جلس(1).
٣١٠ـ فدعا عليّ عليه السلام عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، فأرسله إليهم، فحادثهم فلم يرتدعوا، وقالوا: ليخرج إلينا عليّ بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه. فرجع ابن عبّاس فأخبره، فركب في جماعة ومضى إليهم، فركب ابن الكواء في جماعة منهم، فواقفه.
فقال له عليّ عليه السلام: (يا بن الكواء! إنّ الكلام كثير فأبرز إليَّ من أصحابك لأكلمك؟)
فقال: وأنا آمن من سيفك.
فقال: نعم.
فخرج إليه في عشرة من أصحابه. فقال له عليّ عليه السلام عن الحرب مع معاوية، وذكر له رفع المصاحف على الرماح وأمر الحكمين..
1) - ٣٣/٣٩٣ ــ ٣٩٤.
وقال: (ألم أقل لكم إنّ أهل الشام يخدعونكم بها، فإنّ الحرب قد عضّتهم، فذروني أناجزهم فأبيتم؟)(1).
٣١١ـ وخرج [إليهم عليّ عليه السلام] فسار حتّى بقي على فرسخين منهم، وكاتبهم وراسلهم، فلم يرتدعوا، فأركب إليهم ابن عبّاس، وقال: سلهم ما الذي نقموه وأنا ردفك فلا تخف منهم، فلمّا جاءهم ابن عبّاس، قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين؟
قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضراً لكفّرناه بها.
وعليّ عليه السلام وراءه يسمع ذلك. فقال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! قد سمعت كلامهم وأنت أحقّ بالجواب.
فتقدّم وقال: أيّها الناس أنا عليّ بن أبي طالب...(2).
٣١٢ـ الكافي: محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله(صلوات الله عليه)، قال: بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العبّاس إلى ابن الكواء وأصحابه، وعليه قميص رقيق وحلّة.
فلمّا نظروا إليه، قالوا: يا بن عبّاس! أنت خيرنا في أنفسنا، وأنت تلبس هذا اللباس؟!
فقال: هذا أوّل ما أخاصمكم فيه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(1)، وقال الله عزّ وجلّ: خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ(2)(3). ٣١٣ـ الكافي: العدّة، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان، عن يوسف بن إبراهيم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال: إنّ عبد الله بن العبّاس لمّا بعثه أمير المؤمنين إلى الخوارج يواقفهم، لبس أفضل ثيابه، وتطيب بأطيب طيبه، وركب أفضل مراكبه، فخرج فواقفهم فقالوا: يا بن عبّاس! بيننا أنت أفضل الناس، إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم؟! فتلا عليهم هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، فالبس وتجمّل، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال، وليكن من حلال(4)(5).
٣١٤ـ مناقب ابن شهرآشوب: في حلية الأولياء: قال أبو مجلر: قال عليّ ابن أبي طالب عليه السلام: (عابوا عليَّ تحكيم الحكمين، وقد حكم الله في طائر حكمين).
إبانة أبي عبد الله ابن بطة: ناظر ابن عبّاس جماعة الحرورية، فقال: ماذا
نقمتم على أمير المؤمنين؟
قالوا: ثلاثاً: إنّه حكم الرجال في دين الله فكفر به، وقاتل ولم يغنم ولم يسب، ومحى اسمه من إمرة المؤمنين.
فقال: إنّ الله حكم رجالاً في أمر الله مثل قتل صيد، فقال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ(1)، وفي الإصلاح بين الزوجين، قال: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا(2). وأمّا أنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم، أفتسبون أُمّكم عائشة ثمّ تستحلّون منها ما يستحلّ من غيرها، فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أُمّكم، وإن قلتم ليست بأمّنا فقد كذبتم، لقوله: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(3)، وأمّا أنّه محى اسمه من إمرة المؤمنين، فقد سمعتم بأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أتاه سهيل بن عمرو وأبو سفيان للصلح يوم الحديبية، فقال: أكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم... القصّة، ووالله لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خير من عليّ وما خرج من النبوّة بذلك. فقال بعضهم: هذا من الذين قال الله تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(4)، وقال: وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً(5)، قال: ورجع منهم خلق كثير(6).
٣١٥ـ تفسير العياشي: عن يزيد بن رومان، قال: دخل نافع بن الأزرق المسجد الحرام والحسين بن عليّ مع عبد الله بن عبّاس في الحجر، فجلس إليهما، ثمّ قال: يا بن عبّاس! صف لي إلهك الذي تعبده؟
فأطرق ابن عبّاس طويلاً مستبطئاً بقوله، فقال له الحسين: (إليَّ يا بن الأزرق، المتورّط في الضلالة، المرتكس في الجهالة، أجيبك عمّا سألت عنه).
فقال: ما إيّاك سألت فتجيبني.
فقال له ابن عبّاس: مه! سل ابن رسول الله، فإنّه من أهل بيت النبوّة، ومعه من الحكمة.
فقال له: صف لي؟
فقال: (أصفه بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرف به نفسه: لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب غير ملزق، وبعيد غير متقص، يوحّد ولا يبعّض، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال).
قال: فبكى ابن الأزرق بكاء شديداً.
فقال له الحسين عليه السلام: ما يبكيك؟
قال: بكيت من حسن وصفك!
قال: (يا بن الأزرق! إنّي أخبرت، أنّك تكفّر أبي وأخي وتكفّرني!).
قال له نافع: لئن قلت ذاك، لقد كنتم الحكّام ومعالم الإسلام، فلمّا بدلّتم استبدلنا بكم.
فقال له الحسين: (يا بن الأزرق! أسألك عن مسألة: فأجبني عن قول الله لا إله إلاّ هو: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا، إلى قوله: كَنزَهُمَا(1)، من حفظ فيهما؟)
قال: أبوهما.
قال: (فأيّهما أفضل أبوهما أم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وفاطمة؟)
قال: لا، بل رسول الله وفاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
قال: (فما حفظنا حتّى حال بيننا وبين الكفر).
فنهض [ابن الأزرق] ثمّ نفض ثوبه، ثمّ قال: قد نبأنا الله عنكم معشر قريش أنتم قوم خصمون(2)(3).
٣١٦ـ نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عبّاس وهو عامله على البصرة: (اعلم أنّ البصرة مهبط إبليس، ومغرس الفتن، فحادث أهلها بالإحسان، وأحلل عقدة الخوف من قلوبهم، وقد بلغني تنمّرك لبني تميم وغلظتك عليهم، وإنّ بني تميم لم يغب لهم نجم إلاّ طلع آخر، وأنّهم لم
1) - سورة الكهف/٨٢.
2) - رواه العياشي رحمه الله في تفسير الآية: (٨٢) من سورة الكهف من تفسيره. ورواه عنه البحراني في تفسير الآية الكريمة من سورة الكهف من تفسير البرهان ٢/٤٧٨، ط٣. ورواه أيضاً الشيخ الصدوق رحمه الله في باب التوحيد ونفي الشريك من كتاب التوحيد ص٧٩، ح ٣٥. ورواه عنه المجلسي في البحار ٤/٢٩٧، ط١. ورواه الحافظ ابن عساكر بسندين عن عكرمة في الحديث: (٢٠٣) من ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ١٣/١٥٧، ط١. (هامش الأصل).
3) - ٣٣/٤٢٣ ــ ٤٢٤.
يسبقوا بوغم في جاهلية ولا إسلام، وإنّ لهم بنا رحماً ماسّة وقرابة خاصّة، نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها. فأربع أبا العبّاس رحمك الله فيما جرى على يدك ولسانك من خير وشرّ فإنا شريكان في ذلك، وكن عند صالح ظنّي بك، ولا يفيلن رأيي فيك).
تبيين: قال ابن ميثم رحمه الله : روي أنّ ابن عبّاس كان قد أضرّ ببني تميم حين ولّي أمر البصرة من قبل عليّ عليه السلام للذي عرفهم به من العداوة يوم الجمل، لأنّهم كانوا من شيعة طلحة والزبير وعائشة، فحمل عليهم ابن عبّاس فأقصاهم وتنكّر عليهم وعيّرهم بالجمل، حتّى كان يسمّيهم شيعة الجمل، وأنصار عسكر، وهو اسم جمل عائشة، وحزب الشيطان، فاشتدّ ذلك على نفر من شيعة عليّ عليه السلام من بني تميم، منهم حارثة(1)
الصواب: جارية، وهو صاحب القصّة مع معاوية في تسميته بجارية، كما في العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٤/٢٧، ط مصر، تح أحمد أمين ورفيقيه، وهي قصّة طريفة تحسن مراجعتها. (مهدي).
بن قدامة وغيره، فكتب بذلك حارثة [جارية/ صح] إلى عليّ عليه السلام يشكو إليه ابن عبّاس. فكتب عليه السلام إلى ابن عبّاس: (أمّا بعد، فإنّ خير الناس عند الله غداً أعملهم بطاعته فيما عليه وله، وأقواهم بالحقّ وإن كان مراً، ألا وإنّه بالحقّ قامت السماوات والأرض فيما بين العباد، فلتكن سريرتك فعلاً وليكن حكمك واحداً وطريقتك مستقيمة. واعلم أنّ البصرة مهبط إبليس، ومغرس1) - كذا في أصلي ومثله في طبع بيروت من شرح ابن ميثم ٤/٣٩٥، ولعلّ الصواب: (جارية) وهو ابن قدامة. (هامش الأصل).
الفتن...) إلى آخر ما مرّ.
قوله: قوله عليه السلام: (فيما بين العباد)، حال عن الحقّ، أو ظرف للقيام، لكونه عبارة عمّا ينفع العباد ويصير سبباً لانتظام أمورهم. [قوله عليه السلام:] (فلتكن سريرتك فعلا) أي لا تضمر خلاف ما تفعل ولا تخدع الناس. قوله عليه السلام: (ومغرس الفتن) قال ابن أبي الحديد: أي: موضع غرسها. ويروى بالعين المهملة، وهو الموضع الذي ينزل فيه القوم آخر الليل. (فحادث أهلها)، أيك تعهدهم بالإحسان، قال في النهاية: فيه: (حادثوا هذه القلوب بذكر الله)، أي: اجلوها واغسلوا الدرن عنها وتعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال. وفي الصحاح: قال الأصمعي: تنمّر له، أي: تنكّر له وتغيّر وأوعده، لأنّ النمر لا يلقاه أبداً إلاّ متنكراً غضبان. وتنمّروا: تشبهوا بالنمر. (لم يغب لهم نجم)، أي: لم يمت لهم سيّد إلاّ قام آخر مقامه، وقال ابن ميثم: الوغم: الترة والأوغام. التراث، أي: لم يهدر لهم دم في جاهلية ولا في إسلام، يصفهم بالشجاعة والحمية، فالمضاف محذوف، أي لم يسبقوا بشفاء حقد من عدو؛ ويحتمل أن يكون المعنى: أنّهم لم يسبقهم أحد إلى التراب والأحقاد لشرف نفوسهم بقلّة احتمالهم للأذى، وذلك لأنّ المهين الحقير في نفسه لا يكاد يغضب ويحقد بما يفعل به من الأذى، وإن غضب في الحال إلاّ أنّه لا يدوم ذلك الغضب ولا يصير حقداً، أو لم يسبقهم أحد ولم يغلب عليهم بالقهر والبطش؛ وفي وصفهم بذلك إشارة إلى وجه المصلحة في الإحسان إليهم مع نوع من المدح والاستمالة والرحم الماسة لاتصالهم عند إلياس بن مضر. وقال ابن أبي الحديد: (مأزورون) أصله: موزورون ولكنّه جاء بالهمزة
لتحاذي بها همزة (مأجورون). قوله عليه السلام: (فأربع)، أي: توقّف وتثبت فيما تفعل، والمراد بالشرّ الضرر لا الظلم وإن احتمله. قوله عليه السلام: (فإنّا شريكان)، هو كالتعليل لحسن أمره له بالتثبت، لأنّه لما كان والياً من قبله فكلّ حسنة أو سيئة يحدثها في ولايته فله عليه السلام شركة في إحداثها إذ هو السبب البعيد. وأبو العبّاس كنية ابن عبّاس. وقال الجوهري: قال الرأي يفيل فيولة: [ضعف وأخطأ]، ورجل فال [وفائل] أي: ضعيف الرأي مخطئ الفراسة(1)(2).
٣١٧ـ نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى [عبد الله] ابن عبّاس وكان ابن عبّاس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام: (أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً، وليكن همّك فيما بعد الموت).
(بيان): أوّل الكلام إشارة إلى قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‡ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(3). و(الدرك) محركة: لحاق الشيء والوصول إليه بعد طلبه.
واسم (لم يكن) ضمير (المرء)، والغرض عدم الإكثار في الفرح بالنعم بحيث يؤدّي إلى الاغترار بالدنيا والغفلة عن العقبى، وعدم الحزن المفرط في المصيبة بحيث يفضي إلى عدم الرضا بالقضاء وترك ما يجب أو يستحب فعله. قوله عليه السلام: (بما نلت من آخرتك)، أي: من أسباب آخرتك والطاعات التي توجب حصول الدرجات الأخروية. (ولا تأس) أي: لا تحزن(1)(2).
٣١٨ـ نهج البلاغة: ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن العبّاس عند استخلافه إيّاه على البصرة: (سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإيّاك والغضب فإنّه طيرة من الشيطان. واعلم أنّ ما قرّبك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقرّبك من النار).
(بيان): سع الناس، أي: لا تخصّ بعض الناس بشيء من ذلك بل ساوهم فيها. (ومجلسك)، أي: تقرّبهم منك في المجلس. (طيرة من الشيطان)، في بعض النسخ بفتح الطاء وسكون الياء، وفي بعضها بكسر الطاء وفتح الياء. وقال الجوهري: في فلان طيرة وطيرورة، أي: خفة وطيش. والطيرة مثال العتبة وهو ما يتشأم به من الفال الردى. انتهى. والأوّل هنا: أظهر، وعلى الثاني فيمكن أن يكون المراد: أنّ ذلك قال رديء ناش من الشيطان يدلّ على أنّ صاحبه بعيد من رحمة الله(3).
٣١٩ـ قال إبراهيم: فحدّثنا محمّد بن عبد الله، عن المدائني، قال: كتب عليّ عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس وهو على البصرة: (من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عبّاس: سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد، فإنّ مصر قد افتتحت، وقد استشهد محمّد بن أبي بكر وعند الله عزّ وجلّ ــ نحتسبه، وقد كنت أوعزت إلى الناس وتقدّمت إليهم في بدء الأمر، وأمرتهم بإعانته قبل الوقعة، ودعوتهم سرّاً وجهراً، وعوداً وبدءاً، فمنهم الآتي كارهاً، ومنهم المعتل كاذباً، ومنهم القاعد خاذلاً. أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً، وأن يريحني منهم عاجلاً، فوالله لولا طمعي عند لقاء العدو في الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً، عزم الله لنا ولك على تقواه وهداه إنّه على كلّ شيء قدير، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته)(1).
قال: فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: لعبد الله عليّ أمير المؤمنين من عبد الله بن عبّاس: سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمّد بن أبي بكر، وأنّك سألت ربّك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجاً ومخرجاً، وأنا أسأل الله أن يعلّي كلمتك وأن يأتي بما تحبّه عاجلاً، وأعلم أنّ الله صانع لك ومقرّ دعوتك، وكابت عدوك، وأخبرك يا أمير المؤمنين
1) - ورواه السيّد الرضي رفع الله مقامه في المختار (٣٥) من الباب الثاني من نهج البلاغة. (هامش الأصل).
أنّ الناس ربّما قبضوا ثمّ نشطوا، فأرفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومنّهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله المهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(1).
٣٢٠ـ نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر بمصر: (أمّا بعد، فإنّ مصر قد افتتحت، ومحمّد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً، و[قد] كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرّاً وجهراً، وعوداً وبدءاً، فمنهم الآتي كارهاً، ومنهم المعتل كاذباً، ومنهم القاعد خاذلاً، أسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً ولا التقي [بهم] أبداً).
إيضاح: أستشهد على بناء المجهول، أي: قتل في سبيل الله. وقال في النهاية: الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتد بعمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنّه معتد به، والاحتساب في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالصبر والتسليم أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها، ومنه الحديث: (من مات له ولد فاحتسبه)، أي: احتسب الأجر بصبره على مصيبته، يقال: احتسب فلان ابناً له إذا مات كبيراً، وافترطه إذا مات صغيراً،
1) - ٣٣/٥٦٥ ــ ٥٦٦.
ومعناه: اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها. انتهى. والكدح: العمل والسعي، قاله الجوهري، وقال: ركن الشيء: جانبه الأقوى، وهو يأوي إلى ركن شديد، أي: عزّ ومنعة، وقال: لحقه ولحق به لحاقاً بالفتح، أي: أدركه. وقال: استغاثني فأغثته والاسم الغياث: صارت الواو ياءاً لكسرة ما قبلها. قوله عليه السلام: (ومنهم المعتل)، أي: قعد واعتل بعلّة كاذبة. قوله عليه السلام: (ولا التقي) معطوف على [قوله]. (لأحببت أن أبقى) كما أنّ في بعض النسخ بالنصب وفي بعضها بالرفع(1)(2).
٣٢١ـ وقال ابن أبي الحديد نقلاً من كتاب الغارات، لإبراهيم بن محمّد الثقفي ــ ووجدته في أصل كتابه أيضاً ــ روى بإسناده عن عمرو بن محصن: أنّ معاوية لمّا أصاب محمّد بن أبي بكر بمصر، بعث عبد الله بن عامر الحضرمي إلى أهل البصرة ليدعوهم إلى نفسه، وإلى الطلب بدم عثمان، فلمّا أتاهم وقرأ عليهم كتاب معاوية اختلفوا، فبعضهم ردوا، وأكثرهم قبلوا وأطاعوا. وكان الأمير يومئذ بالبصرة زياد بن عبيد، قد استخلفه عبد الله بن العبّاس، وذهب إلى عليّ عليه السلام يعزيه عن محمّد بن أبي بكر، فلمّا رأى زياد إقبال الناس على ابن الحضرمي، استجار من الأزد ونزل فيهم، وكتب إلى ابن عبّاس وأخبره بما جرى، فرفع ابن عبّاس ذلك إلى عليّ عليه السلام، وشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، واختلف أصحابه عليه السلام
فيمن يبعثه إليهم حمية، فقال عليه السلام: (تناهوا أيّها الناس! وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاوي، ولتجتمع كلمتكم، وألزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجّة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متباغضين متفرّقين فألّف بينكم بالإسلام، فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم، فلا تتفرّقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تباغضوا بعد إذ تحاببتم، وإذا رأيتم الناس وبينهم النايرة وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوههم بسيوفكم، حتّى يفزعوا إلى الله وكتابه وسُنّة نبيّه، فأمّا تلك الحمية فإنّها من خطوات الشياطين، فانتهوا عنها لا أباً لكم تفلحوا وتنجحوا)(1).
ثمّ قال ابن أبي الحديد: وروى الواقدي أنّ عليّاً عليه السلام استنفر بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي، ويردّ عادية بني تميم الذين أجاروه بها، فلم يجبه أحد، فخطبهم وقال: (ليس من العجب أن ينصرني الأزد ويخذلني مضر، وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي، وخلاف تميم البصرة عليَّ، وأن استنجد بطائفة منهم ما يشخص إليَّ أحد منها فيدعوهم إلى الرشاد، فإن أجابت وإلاّ فالمنابذة والحرب. فكأنّي أخاطب صماً بكماً لا يفقهون حواراً، ولا يجيبون نداءاً، كلّ ذلك جنباً عن
1) - القصّة رواها الثقفي رحمه الله في الحديث: (١٤٤) وتواليه من كتاب الغارات ٢/٣٧٣. ورواها عنه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (٥٥) من نهج البلاغة: ١/٧٦٢، ط الحديث ببيروت، وفي، ط مصر: ص٤٥. وما رواه المصنّف عنهما هاهنا هو تلخيص، ما فيهما وليس نص القصّة. (هامش الأصل).
البأس وحبّاً للحياة. [و] لقد كنّا(1)مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجدّاً في جهاد العدو. ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدونا، ومرّة لعدونا منّا. فلمّا رأى الله صدقنا، أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتّى استقرّ الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوئاً أوطانه. ولعمري، لو كنّا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً).
قال: فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقال: أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، فأتكفّل لك بقتل ابن الحضرمي، أو إخراجه عن البصرة. فأمره بالتهيؤ للشخوص، فشخص حتّى قدم البصرة.
رجعنا إلى رواية الثقفي: قال إبراهيم: فلمّا قدمها دخل على زياد وهو بالأهواز مقيم، فرحّب به وأجلسه إلى جانبه، فأخبره بما قال له عليّ عليه السلام، وإنه ليكلّمه إذ جاءه كتاب من عليّ فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين عليّ إلى زياد بن عبيد: سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به، وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش، فهو
1) - من قوله عليه السلام: ولقد كنّا إلى قوله ولتتبعنها ندماً، رواه السيّد الرضي رحمه الله في المختار: (٥٥) من كتاب نهج البلاغة. كسابقه.
ما نحبّ، وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان، فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم، فإن ظفرت فهو ما ظننت، وإلاّ فطاولهم وماطلهم، فكأنّ كتائب المسلمين قد أظلت عليك، فقتل الله الظالمين المفسدين، ونصر المؤمنين المحقّين، والسلام)(1).
فلمّا قرأه زياد، أقرأه أعين بن ضبيعة، فقال له: إنّي لأرجو أن تكفي هذا الأمر إن شاء الله. ثمّ خرج من عنده فأتى رحله، فجمع إليه رجالاً من قومه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا قوم! على ماذا تقتلون أنفسكم، وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء والأشرار! وإنّي والله ما جئتكم حتّى عبأت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحقّ نقبل منكم، ونكف عنكم، وإن أبيتم فهو والله استيصالكم وبواركم. فقالوا: بل نسمع ونطيع. فقال: انهضوا اليوم على بركة الله، فنهض بهم على جماعة ابن الحضرمي، فخرجوا إليه فصافوه، وواقفهم عامّة يومه يناشدهم الله ويقول: يا قوم! لا تنكثوا بيعتكم، ولا تخالفوا إمامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم. فكفوا عنه، وهم في ذلك يشتمونه. فانصرف عنهم وهو منهم منتصف، فلمّا آوى إلى رحله، تبعه عشرة نفر يظنّ الناس أنّهم خوارج، فضربوه بأسيافهم وهو على فراشه، لا يظنّ أن الذي كان يكون، فخرج يشتدّ عرياناً فلحقوه في
1) - قريباً منه رواه السيّد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٤) من الباب الثاني من نهج البلاغة. كسابقه.
الطريق فقتلوه.
فكتب زياد إلى عليّ عليه السلام ما وقع، وكتب: إنّي أرى أن تبعث إليهم جارية بن قدامة، فإنّه نافذ البصيرة، ومطاع العشيرة، شديد على عدو أمير المؤمنين عليه السلام.
فلمّا قرأ عليه السلام الكتاب، دعا جارية، فقال: (يا بن قدامة! تمنع الأزد عن عاملي وبيت مالي وتشاقني مضر وتنابذني، وبنا ابتدأها الله بالكرامة، وعرفها الهدى، وتدعو إلى المعشر الذين حادوا الله ورسوله وأرادوا إطفاء نور الله سبحانه حتّى علت كلمته عليهم وأهلك الكافرين).
فروى إبراهيم بإسناده عن كعب بن قعين، قال: خرجت مع جارية من الكوفة في خمسين رجلاً من بني تميم، وما كان فيهم يماني غيري، وكنت شديد التشيّع، فقلت لجارية: إن شئت كنت معك، وإن شئت ملت إلى قومي. فقال: بل سر معي، فوالله لوددت أنّ الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلاً عن الإنس. فلمّا دخلنا البصرة، بدأ بزياد فرحّب به وأجلسه إلى جانبه، وناجاه ساعة وساءله، ثمّ خرج فقام في الأزد، فقال: جزاكم الله من حيّ خيراً، ثمّ قرأ عليهم وعلى غيرهم كتاب أمير المؤمنين، فإذا فيه: (من عبد الله أمير المؤمنين، إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، أمّا بعد، فإنّ الله حليم ذو أناة، لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة، ولكنّه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة، ليكون أعظم للحجّة، وأبلغ في المعذرة. وقد كان من شقاق جلكم أيّها الناس، ما استحققتم أن تعاقبوا عليه، فعفوت عن
مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي، أعمل فيكم بالكتاب وقصد الحقّ، وأقيم فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أنّ والياً بعد محمّد صلي الله عليه وآله وسلم أعلم بذلك منّي، ولا أعمل. أقول قولي هذا صادقاً غير ذام لمن مضى، ولا منتقصاً لأعمالهم. وإن خطت بكم الأهواء المردية، وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي، فها أنا ذا قربت جيادي، ورحلت ركابي، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم، لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلاّ كلعقة لاعق، وإنّي لظان إن شاء الله أن لا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. وقد قدّمت هذا الكتاب حجّة عليكم، وليس أكتب إليكم من بعده كتاباً إن أنتم استغششتم نصيحتي، ونابذتم رسولي، حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله، والسلام).
فلمّا قرئ الكتاب على الناس. قام صبرة بن شيمان، فقال: سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم. إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك. وقام وجوه الناس فتكلّموا بمثل ذلك، فلم يأذن [جارية] لأحد أن يسير معه، ومضى نحو بني تميم وكلّمهم فلم يجيبوه، وخرج منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم [و] يأمرهم أن يسيروا إليه، فسارت الأزد بزياد. وخرج إليهم ابن الحضرمي فاقتتلوا ساعة، واقتتل شريك بن الأعور الحارثي، وكان من شيعة عليّ عليه السلام وصديقاً لجارية [فقال له: ألا أقاتل معك عدوّك؟ فقال: بلى. فقاتلهم.] فما لبث بنو تميم أن
هزموهم واضطروهم إلى دار سنبل السعدي، فحصروا ابن الحضرمي فيها. وأحاط جارية وزياد بالدار، وقال جارية: عليَّ بالنار. فقالت الأزد: لسنا من الحريق في شيء، وهم قومك وأنت أعلم. فحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلاً أحدهم عبد الرحمن بن عثمان القرشي. وسارت الأزد بزياد حتّى أوطأوا قصر الامارة ومعه بيت المال، وقالت له: هل بقي علينا من جوارك شيء؟ قال: لا. فانصرفوا عنه.
وكتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أمّا بعد، فإنّ جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره، وأعانه من الأزد ففضه واضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتّى حكم الله بينهما، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه، منهم من أحرق، ومنهم من ألقي عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلّم منهم نفر ثابوا وتابوا فصفح عنهم، وبعداً لمن عصى وغوى، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فلمّا وصل الكتاب قرأه عليه السلام على الناس فسرّ بذلك وسرّ أصحابه وأثنى على جارية وعلى الأزد وذمّ البصرة، فقال: (إنّها أوّل القرى خراباً، إمّا غرقاً وإمّا حرقاً، حتّى يبقى مسجدها كجؤجؤة سفينة)(1)(2).
٣٢٢ـ نهج: [و] قال عليه السلام لعبد الله بن العبّاس ــ وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه ــ: (لك أن تشير عليَّ، وأرى، فإذا عصيتك فأطعني).
(بيان): قال ابن ميثم: روي أنّه أشار عليه عند انصرافه من مكّة حاجّاً، وقد بايعه الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ هذا أمر عظيم يخاف غوائل الناس فيه، فاكتب لطلحة بولاية البصرة، وللزبير بولاية الكوفة، واكتب إلى معاوية وذكره القرابة والصلة وأقرّه على ولاية الشام حتّى يبايعك، فإن بايعك وجرى على سُنّتك وطاعة الله فاتركه على حاله، وإن خالفك فادعه إلى المدينة وأبدله بغيره ولا تموج بحار الفتنة.
فقال عليه السلام: (معاذ الله أن أفسد ديني بدنيا غيري! ولك يا بن عبّاس أن تشير...) إلى آخر الكلام(1)(2).
٣٢٣ـ عن ابن عبّاس [عن عليّ عليه السلام] قال: (أوّل هلاك أهل الأرض قريش وربيعة). قالوا وكيف؟ قال: (أمّا قريش فيهلكها المُلك، وأمّا ربيعة فتهلكها الحمية)(3).
وبحذف الإسناد، قال: قال عليّ عليه السلام: (أما والله ما قاتلت إلاّ مخافة أن ينزو فيها تيس من بني أُميّة فيتلاعب بدين الله)(4).
1) - رواه السيّد الرضي في المختار: (٣٢١) من الباب الثالث من نهج البلاغة. (هامش الأصل).
2) - ٣٤/٢٨٣.
3) - وهذا هو الحديث: (٩٨) من كتاب الغارات ص١٩٤. (هامش الأصل).
4) - وهذا هو الحديث: (٩٩) من كتاب الغارات ص١٩٤. ورواه البلاذري مسنداً في الحديث: (٣٧) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الأشراف ٢/١٠٣، ط١. كسابقه.
وعن زر بن حبيش، قال: سمعت عليّاً عليه السلام يقول: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد إليَّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)(1)(2).
٣٢٤ـ علل الشرائع: القطّان، عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: قلت لعبد الله ابن عبّاس: لم كنّى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً أبا تراب؟ قال: لأنّه صاحب الأرض وحجّة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها، ولقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إنّه إذا كان يوم القيامة ورأي الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة عليّ من الثواب والزلفى(3)والكرامة، يقول: [يا ليتني كنت ترابياً، أي: يا ليتني من شيعة عليّ، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (ويقول [الكافر] يا ليتني كنت ترابا)(4)(5).
٣٢٥ـ علل الشرائع، معاني الأخبار: القطّان، عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال له: أخبرني عن الأنزع البطين عليّ بن أبي طالب، فقد اختلف الناس فيه؟
فقال له ابن عبّاس: أيّها الرجل! والله، لقد سألت عن رجل ما وطئ الحصى(1)بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أفضل منه، وإنّه لأخو رسول الله وابن عمّه ووصيّه وخليفته على أُمّته، وإنّه لأنزع من الشرك، بطين(2)من العلم، ولقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من أراد النجاة غداً فليأخذ بحجزة هذا الأنزع ــ يعني عليّاً ــ)(3).
توضيح: قال الجزري: أصل الحجزة موضع شدّ الإزار، ثمّ قيل للإزار حجزة للمجاورة، واحتجز الرجل بالإزار: إذا شدّه على وسطه، فاستعير للاعتصام، ومنه الحديث والنبيّ آخذ بحجزة الله، أي: بسبب منه(4)(5).
٣٢٦ـ قال ابن عبّاس: كان عليّاً عليه السلام يتّبع في جميع أمره مرضاة الله ورسوله، فلذلك سمّي المرتضى(6).
٣٢٧ـ ابن عبّاس، قال: لمّا نكل المسلمون عن مقارعة(7)طلحة العبدوي، تقدّم إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال طلحة: من أنت؟ فحسر عن
لثامه(1)، فقال: (أنا القضم(2)، أنا عليّ بن أبي طالب)(3).
٣٢٨ـ وحدّثني أبو العلاء الهمداني، بالإسناد عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس في حديث: أنّ عليّاً عليه السلام خرج مغضباً فتوسّد ذراعه(4)، فطلبه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حتّى وجده، فوكزه برجله، فقال: (قم فما صلحت أن تكون إلاّ أبا تراب، أغضبت عليَّ حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أواخ بينك وبين أحد منهم؟ أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى...)، الخبر(5).
٣٢٩ـ أمالي الصدوق، ابن مسرور، عن محمّد الحميري، عن أبيه، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله ابن عبّاس، قال: أقبل عليّ بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم باكياً وهو يقول: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون).
فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (مه(6)يا عليّ؟)
فقال عليّ: (يا رسول الله! ماتت أُمّي فاطمة بنت أسد).
قال: فبكى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ قال: (رحم الله أُمّك يا عليّ، أما إنّها إن كانت لك أُمّاً فقد كانت لي أُمّاً، خذ عمامتي هذه وخذ ثوبي هذين فكفّنها فيهما، ومر النساء فليحسن غسلها، ولا تخرجها حتّى أجئ فألي أمرها).
قال: وأقبل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعد ساعة وأخرجت فاطمة أُمّ عليّ عليه السلام فصلّى عليها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم صلاة لم يصلّ على أحد قبلها مثل تلك الصلاة، ثمّ كبر عليها أربعين تكبيرة، ثمّ دخل إلى القبر فتمدّد فيه، فلم يسمع له أنين ولا حركة، ثمّ قال: (يا عليّ ادخل، يا حسن ادخل)، فدخلا القبر، فلمّا فرغ ممّا احتاج إليه، قال له: (يا عليّ اخرج يا حسن اخرج)، فخرجا، ثمّ زحف النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حتّى صار عند رأسها، ثمّ قال: (يا فاطمة! أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر، فإن أتاك منكر ونكير فسألاك من ربّك؟ فقولي: الله ربّي، ومحمّد نبيّي، والإسلام ديني، والقرآن كتابي، وابني إمامي ووليي)، ثمّ قال: (اللّهمّ ثبت فاطمة بالقول الثابت)، ثمّ خرج من قبرها وحثا عليها حثيات(1)، ثمّ ضرب بيده اليمنى على اليسرى فنفضهما، ثمّ قال: (والذي نفس محمّد بيده لقد سمعت فاطمة تصفيق يميني على شمالي).
فقام إليه عمّار بن ياسر، فقال: فداك أبي وأُمّي يا رسول الله! صلّيت عليها صلاة لم تصلّ على أحد قبلها مثل تلك الصلاة؟!
فقال: (يا أبا اليقظان! وأهل ذلك هي منّي، لقد كان لها(2)من أبي
طالب ولد كثير، ولقد كان خيرهم كثيراً وكان خيرنا قليلاً، فكانت تشبعني وتجيعهم، وتكسوني وتعريهم، وتدهنني وتشعثهم).
قال: فلم كبّرت عليها أربعين تكبيرة يا رسول الله؟!
قال: (نعم، يا عمّار التفت عن يميني فنظرت إلى أربعين صفاً من الملائكة فكبرت لكلّ صف تكبيرة).
قال: فتمددك في القبر ولم يسمع لك أنين ولا حركة؟!
قال: (إنّ الناس يحشرون يوم القيامة عراة ولم أزل أطلب إلى ربّي عزّ وجلّ أن يبعثها ستيرة، والذي نفس محمّد بيده ما خرجت من قبرها حتّى رأيت مصباحين من نور عند رأسها ومصباحين من نور عند يديها ومصباحين من نور عند رجليها، وملكيها الموكّلين بقبرها، يستغفران لها إلى أن تقوم الساعة)(1)(2).
٣٣٠ـ أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف ابن حمّاد، عن أبي الحسن العبدي(3)، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، قال: قال أبو طالب لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: يا ابن أخ! الله أرسلك؟ قال: (نعم). قال: فأرني آية؟ قال: (ادع لي تلك الشجرة)، فدعاها فأقبلت حتّى سجدت بين يديه، ثمّ انصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنّك
صادق، يا عليّ! صل جناح ابن عمّك(1). مناقب ابن شهرآشوب: ابن عبّاس، عن أبيه مثله(2)(3).
٣٣١ـ أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن الحسن بن متيل، عن الحسن بن علي بن فضال، عن مروان بن مسلم، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سعيد ابن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، أنّه سأله رجل، فقال له: يا ابن عمّ رسول الله! أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلماً؟
فقال(4): وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل:
وقد علموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعبأ بقول إلاّ باطل
إنّ أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف حين أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين(5).
أقول: رواه السيّد فخار بن معد الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل، بإسناده إلى ابن الوليد(6)(7).
٣٣٢ـ مناقب ابن شهرآشوب: القاضي المعتمد في تفسيره عن ابن عبّاس: أنّه وقع بين أبي طالب وبين يهودي كلام وهو بالشام، فقال اليهودي: لم تفخر علينا وابن أخيك بمكّة يسأل الناس؟ فغضب أبو طالب وترك تجارته وقدم مكّة، فرأى غلماناً يلعبون ومحمّد فيهم مختلّ الحال، فقال له: يا غلام من أنت ومن أبوك؟ قال: أنا محمّد بن عبد الله أنا يتيم لا أب لي ولا أُم، فعانقه أبو طالب وقبّله، ثمّ ألبسه جبّة مصرية ودهن رأسه، وشدّ ديناراً في ردائه ونشر قبله تمراً، فقال: يا غلمان! هلموا فكلوا، ثمّ أخذ أربع تمرات إلى أُمّ كبشة وقصّ عليها(1)، فقالت: فلعلّه أبوك أبو طالب؟ قال: لا أدري رأيت شيخاً باراً، إذ مرّ أبو طالب، فقالت: يا محمّد! كان هذا؟ قال: نعم، قلت: هذا أبوك أبو طالب، فأسرع إليه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وتعلّق به، وقال: يا أبه! الحمد لله الذي أرانيك، لا تخلفني في هذه البلاد، فحمله أبو طالب(2)(3).
٣٣٣ـ ابن عبّاس: دخل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم الكعبة وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثاً ودماً وألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب وقد سلّ سيفه، فلمّا رأوه جعلوا ينهضون، فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، ثمّ قال: يا ابن أخي! من
الفاعل بك؟ قال: هذا عبد الله(1)، فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً وألقى عليه(2).
٣٣٤ـ وأخبرني محمّد بن إدريس، بإسناده إلى أبي جعفر الطوسي، عن رجاله، عن الثمالي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: أخبرني العبّاس ابن عبد المطّلب أنّ أبا طالب شهد عند الموت أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله(3).
٣٣٥ـ وأخبرني عبد الحميد بن التقي بإسناده عن أبي علي الموضع، عن الحسن السكوني، عن أحمد بن محمّد بن سعيد، عن الزبير بن بكار، عن إبراهيم المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي حبيبة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: جاء أبو بكر إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بأبي قحافة يقوده(4)وهو شيخ كبير أعمى، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: (ألا تركت الشيخ حتّى نأتيه؟)
فقال: أردت يا رسول الله أن يأجرني الله، أما والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لأنا كنت أشدّ فرحاً بإسلام عمّك أبي طالب منّي بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرّة عينك.
فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (صدقت).
وقد روى هذا الحديث أبو الفرج الأصفهاني، عن أبي بشر، عن الغلابي، عن العبّاس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم... وذكر الحديث(1)(2).
٣٣٦ـ وأخبرني الحسن بن معية، عن عبد الله بن جعفر بن محمّد الدوريستي، عن أبيه، عن جدّه، عن محمّد بن علي بن بابويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن المعيدي(3)، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، قال: قال أبو طالب للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بمحضر من قريش ليريهم فضله: يا بن أخي! الله أرسلك؟ قال: نعم، قال: إنّ للأنبياء معجزاً وخرق عادة فأرنا آية، قال: (ادع تلك الشجرة وقل لها: يقول لك محمّد بن عبد الله: أقبلي بإذن)، فدعاها فأقبلت حتّى سجدت بين يديه، ثمّ أمرها بالانصراف فانصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنّك صادق، ثمّ قال لابنه عليّ: يا بني! الزم ابن عمّك(4)(5).
٣٣٧ـ قال ابن الأعرابي: ومن العور خبر ابن عبّاس، قال: فما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(1)، قال عليّ عليه السلام [وقال ابن عبّاس: وكان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يربيه وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق] فقال لي صلي الله عليه وآله وسلم: [يا عليّ] قد أمرت أن أنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعاماً واطبخ لي لحماً(2)، قال عليّ عليه السلام: فعددتهم [بني هاشم بحتا] فكانوا أربعين، قال: فصنعت الطعام طعاماً يكفي لاثنين أو ثلاثة(3)، قال: فقال لي المصطفى صلي الله عليه وآله وسلم: هاته، قال: فأخذ شظية(4)من اللحم فشظاها بأسنانه وجعلها في الجفنة(5)، قال: وأعددت لهم عساً من لبن، قال: ومضيت إلى القوم فأعلمتهم أنّه قد دعاهم لطعام وشراب، قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتمّوا نصف الطعام حتّى تضلّعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده، قال: ثمّ أتيت باللبن، قال: فشربوا حتّى تضلعوا(6)، قال: ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن، قال: وما بلغوا نصف العس، قال: ثمّ قام فلمّا أراد أن يتكلّم اعترض عليه أبو لهب لعنه الله، فقال: ألهذا دعوتنا؟ ثمّ أتبع كلامه بكلمة، ثمّ قال: قوموا، فقاموا. وانصرفوا كلّهم. قال: فلمّا كان من الغد قال
1) - تقدّم الإيعاز إلى موضع الآية في الآيات. كسابقه.
2) - في (ح) واطبخ لحماً. (هامش الأصل).
3) - كذا في (ك) وفى غيره: وضعت طعاماً يكفي بالاثنين. كسابقه.
4) - الشظية: فلقة العود والعظم ونحوهما. وفى (د) شنطة. وهي اللحمان المنضجة. كسابقه.
5) - الجفنة: القصعة الكبيرة. كسابقه.
6) - حتّى بضعوا خ ل. ويأتي في البيان معناه. كسابقه.
لي: يا عليّ! أصلح لي مثل ذلك الطعام والشراب، قال: فأصلحته ومضيت إليهم برسالته، قال: فأقبلوا إليه فلمّا أكلوا وشربوا، قام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ليتكلّم فاعترضه أبو لهب لعنه الله، قال: فقال له أبو طالب رضي الله عنه: اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ قال: ثمّ قال أبو طالب رضي الله عنه: لا يقومنّ أحد، قال: فجلسوا، ثمّ قال للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: قم يا سيّدي فتكلّم بما تحبّ، وبلغ رسالة ربّك فإنّك الصادق المصدّق، قال: فقال صلي الله عليه وآله وسلم لهم: أرأيتم لو قلت لكم: أنّ وراء هذا الجبل جيشاً يريد أن يغير(1)عليكم أكنتم تصدقوني؟ قال: فقالوا كلّهم: نعم إنّك لأنت الأمين الصادق، قال: فقال لهم: فوحدّوا الله الجبّار واعبدوه وحده بالإخلاص، واخلعوا(2)هذه الأنداد الأنجاس، وأقرّوا وأشهدوا بأنّي رسول الله إليكم وإلى الخلق، فإنّي قد جئتكم بعزّ الدنيا والآخرة. قال: فقاموا وانصرفوا كلّهم وكأنّ الموعظة قد عملت فيهم. هذا آخر لفظة حديث أبي عمر والزاهد(3).
٣٣٨ـ ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره، قال في تفسير قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(4)عن عبد الله بن عبّاس، قال: اجتمعت قريش إلى أبي طالب رضي الله عنه وقالوا له: يا أبا طالب! سلّم إلينا محمّداً فإنّه قد أفسد أدياننا وسبّ آلهتنا، وهذه أبناؤنا
بين يديك تبن بأيّهم شئت، ثمّ دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسناً، فقال لهم: هل رأيتم ناقة حنت إلى غير فصيلها؟ لا كان ذلك أبداً، ثمّ نهض عنهم فدخل على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فرآه كئيباً وقد علم مقالة قريش، فقال رضي الله عنه: يا محمّد! لا تحزن، ثمّ قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتّى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وذكرت أنّك ناصحي *** ولقد نصحت وكنت قبل أمينا
وذكرت دينا قد علمت بأنّه *** من خير أديان البرية دينا(1)
٣٣٩ـ ومن ذلك ما رواه صاحب الكتاب المزبور بإسناده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس رضي الله عنه: أنّ أبا طالب مرض فعاده النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
ومن ذلك ما رواه أيضاً الحنبلي في الكتاب المشار إليه بإسناده إلى عطاء بن أبي رياح، عن ابن عبّاس، قال: عارض النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم جنازة أبي طالب رضي الله عنه، قال: (وصلتك رحم وجزاك الله يا عمّ خيراً)(2).
٣٤٠ـ أخرج الخطيب في المتّفق والمفترق: عن ابن عبّاس، قال: تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم للسائل: (من أعطاك هذا الخاتم؟) قال: ذاك الراكع، فأنزل الله فيه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ(3).
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه: عن ابن عبّاس في قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1)
راجع كتابي (عليّ إمام البررة) ١/٣٥٣ ــ ٣٧٠ تجد المفيد حول هذه الآية، وقد ساق المجلسي رحمه الله عدّة آثار من عدّة مصادر بينها تفاوت أعرضت عنها دفعاً للإطالة. (مهدي).
.٣٤١ـ ورواه الشافعي ابن المغازلي من خمس طرق: فمنها عن عبد الله ابن عبّاس، قال: مرّ سائل بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وفي يده خاتم، قال: (من أعطاك هذا الخاتم؟)، قال: ذاك الراكع ــ وكان عليّ يصلّي ــ فقال: (الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي)(2)
راجع كتاب (عليّ إمام البررة) ١/٣٥٣ ــ ٣٧٠ تجد الشرح الوافي الشافي مع ذكر ما قاله الحفّاظ والفقهاء والشعراء في ستين مصدراً من كتب العامّة. (مهدي).
.٣٤٢ـ أمالي الصدوق: أبي، عن ابن عامر، عن المعلّى، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عليّاً وصيّي وخليفتي، وزوجته(3)فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولداي، من والأهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناواهم فقد ناواني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برّهم فقد برّني، وصل الله من وصلهم، وقطع من
قطعهم، ونصر من نصرهم، وأعان من أعانهم، وخذل من خذلهم، اللّهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعليّ وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)(1)(2).
٣٤٣ـ وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنّ وفد نجران من النصاري قدموا على رسول الله وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم السيّد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده صاحب رأيهم، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أسلما) قالا: أسلمنا. قال: (ما أسلمتما). قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: (كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أنّ لله ولداً)، فنزل: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى...(3)الآية، فلمّا قرأها عليهم، قالوا: ما نعرف ما تقول! فنزل: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من القرآن: فَقُلْ تَعَالَوْاْ، إلى قوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ(4)، يقول: نجتهد في الدعاء أنّ الذي جاء به محمّد هو الحقّ وأنّ الذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: (إنّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم)، فقالوا: يا أبا القاسم! بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك،
فخلا بعضهم ببعض ليصادقوا(1)فيما بينهم: قال السيّد للعاقب: قد والله علمتم أنّ الرجل نبيّ، فلو لاعنتموه لاستؤصلتم(2)، وما لاعن قوم قطّ نبيّاً فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم(3)، فإن أنتم لم تتّبعوه وأبيتم إلاّ إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خرج ومعه عليّ والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إن أنا دعوت فأمنوا أنتم)، فأبوا أن يلاعنوه، وصالحوه على الجزية(4)
راجع كتاب (عليّ إمام البررة) ١/٤٢٥ ــ ٤٦٨ تجد تفصيل ما يتعلّق بالمباهلة عن أكثر من مائة مصدر كلّها من العامّة. (مهدي).
.٣٤٤ـ أمالي الصدوق: ابن سعيد، عن فرات، عن محمّد بن أحمد الهمداني، عن الحسين بن علي، عن عبد الله بن سعيد الهاشمي، عن عبد الواحد بن غياث، عن عاصم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: صلينا العشاء الآخرة ذات ليلة مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فلمّا سلّم أقبل علينا بوجهه، ثمّ قال: (أما إنه سينقض(5)كوكب من السماء مع طلوع الفجر
1) - في المصدر: حكمك. (هامش الأصل).
2) - في المصدر: وتصادقوا. كسابقه.
3) - في المصدر: نبيّ مرسل ولئن لاعنتموه إنّه ليستأصلكم. كسابقه.
4) - ٣٥/٢٦٤ ــ ٢٦٥.
5) - أي: يسقط. والمراد بانقضاض الكوكب أو النجم في دار عليّ عليه السلام كما تدلّ عليه روايات الباب: سقوط شهاب من الشهب الساقطة عن الكواكب والنجوم كما نراه كثيراً، ولا إشكال في ذلك، ويكون هذا آية من الله سبحانه لفضله عليه السلام وكونه خليفة الرسول، فإنّ التصريح بهذا الأمر مع حداثة عهدهم بالإسلام ونفاق بعضهم مشكل جدّاً كما أشير عليه في بعض روايات الباب، فلا بدّ عن تعريف خلافته ووصايته وولايته بالكنايات والعلامات، فسقوط الشهاب في نفسه في دار أحد من الناس لا يوجب فضيلة أبداً، وأمّا إذا جعل علامة قبلاً كما قاله رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فيوجب ذلك. (هامش الأصل).
فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيّي وخليفتي والإمام بعدي)، فلمّا كان قرب الفجر جلس كلّ واحد منّا في داره ينتظر سقوط الكوكب في داره، وكان أطمع القوم في ذلك أبي: العبّاس بن عبد المطّلب، فلمّا طلع الفجر انقض الكوكب من الهواء فسقط في دار عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ: (يا عليّ! والذي بعثني بالنبوّة، لقد وجبت لك الوصية والخلافة والإمامة بعدي)، فقال المنافقون عبد الله بن أُبي وأصحابه: لقد ضلّ محمّد في محبّة ابن عمّه وغوى، وما ينطق في شأنه إلاّ بالهوى! فأنزل الله تبارك وتعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، يقول الله عزّ وجلّ وخالق النجم إذا هوى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ، يعني: في محبّة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وَمَا غَوَى ‡ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، يعني في شأنه: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1).
وحدّثني بهذا الحديث شيخ لأهل الريّ، يقال له: أحمد بن الصقر، عن محمّد بن العبّاس بن بسام، عن محمّد بن أبي الهيثم، عن أحمد بن أبي الخطّاب، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، عن ابن عبّاس بمثل ذلك، إلا أنّه قال في حديثه: (يهوي
1) - سورة النجم/١ ــ ٤.
كوكب من السماء مع طلوع الشمس فيسقط في دار أحدكم).
وحدّثنا أيضاً القطّان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن محمّد بن إسحاق الكوفي، عن إبراهيم بن عبد الله السجزي، عن يحيى بن الحسين المشهدي، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: سألت ابن عبّاس عن قول الله عزّ وجلّ: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى؟
قال: هو النجم الذي هوى مع طلوع الفجر، فسقط في حجرة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكان أبي: العبّاس يحبّ أن يسقط ذلك النجم في داره فيحوز(1)الوصية والخلافة والإمامة، ولكن أبى الله أن يكون ذلك غير عليّ ابن أبي طالب عليه السلام (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)(2)(3).
٣٤٥ـ الطرائف، كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: روى علي بن المغازلي بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبيّ إذا انقض كوكب، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي، قال: فقام فتية من بني هاشم فنظروا قد انقض الكوكب(4)في منزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا رسول الله قد غويت في حبّ ابن عمّك! فأنزل الله وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‡ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(5).
العمدة: ابن المغازلي، عن محمّد بن أحمد بن عثمان، عن محمّد بن العبّاس، عن الحسين بن علي الدهان، عن علي بن محمّد بن الخليل، عن هيثم، عن أبي بشير، عن سعيد، عن ابن عبّاس مثله(1)(2).
٣٤٦ـ علل الشرائع: ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان بن مهران، عن الحكم ابن مقسم، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر ببراءة، ثمّ أتبعه عليّاً فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! حيف(3)في شيء؟
قال: (لا، إلاّ أنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ). وكان الذي بعث به(4)عليّ عليه السلام: (لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، ولا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فهو إلى مدّته)(5)
راجع كتاب (عليّ إمام البررة) ١/١٨٩ ــ ٢٠٣ تجد التلاعب في المصادر التفسيرية والتاريخية وغيرها لحساب أبي بكر، ودسّ أبي هريرة نفسه في التبليغ في أكثر من ثمانين مصدراً من التراث السُنّي. (مهدي).
(6).٣٤٧ـ عبد الله بن الحسن في كتاب الكليني ــ واللفظ له ــ عن ميمون بن
مهران، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لمّا نزلت: وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(1)، قلت: اللّهمّ اجعلها أُذن عليّ، فما سمع شيئاً بعده إلاّ حفظه)(2).
سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ، عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما زلت أسأل الله تعالى منذ أنزلت أن تكون أُذنيك يا عليّ).
تفسير القشيري وغريب الهروي: لمّا نزلت هذه الآية، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (إنّي دعوت الله أن يجعل هذه أُذنك)(3).
٣٤٨ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن محمّد بن الحسين: عن عمر بن محمّد الورّاق، عن علي بن العبّاس، عن حميد بن زياد، عن محمّد بن تسنيم، عن الفضل بن دكين، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‡ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‡ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(4)؟
فقال: (قال لي جبرئيل: ذلك عليّ وشيعته، هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله بكرامته لهم)(5)(6).
٣٤٩ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: أبو نعيم الحافظ مرفوعاً إلى ابن عبّاس: أنّ سابق هذه الأُمّة عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1).
[أقول: وروى السيّد حيدر من كتاب منقبة المطهرين لأبي نعيم عن ابن عبّاس مثله](2).
٣٥٠ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن محمّد الكاتب، عن حميد بن الربيع، عن حسين بن الحسن الأشعري، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عامر، عن ابن عبّاس، قال: سبق الناس ثلاثة: يوشع صاحب موسى إلى موسى، وصاحب (يس) إلى عيسى، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم.
كشف: ابن مردويه، عن ابن عبّاس مثله(3)(4).
٣٥١ـ [كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن علي بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمّد، عن يحيى بن صالح، عن الحسين الأشقر، عن عيسى بن راشد، عن أبي بصير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: فرض الله الاستغفار لعليّ عليه السلام في القرآن على كلّ مسلم، وهو قوله تعالى: رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(1)، وهو سابق الأُمّة(2)](3).
٣٥٢ـ وعن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(4)؟
فقال: (قال لي جبرئيل: ذاك عليّ وشيعته، هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله بكرامته لهم)(5)(6).
٣٥٣ـ [٣ـ وأقول: وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل القرآن في عليّ عليه السلام بأسانيد[ه] عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: ذكر وليد بن عقبة عليّاً عليه السلام عند النبيّ بما يكره، فقال: أنا أحدّ منه سناناً وأملاء للكتيبة غناء(7)، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ(8)(9).
1) - سورة الحشر/١٠.
2) - كنز جامع الفوائد مخطوط. (هامش الأصل). وشواهد التنزيل ٢/٣٣٥ برقم ٩٧٥ بقم.
3) - ٣٥/٣٣٤.
4) - قد ذكر ذيل الآية أيضاً في المصدر. (هامش الأصل).
5) - كشف الغمّة ١/٢٩٩، ط منشورات الشريف الرضي.
6) - ٣٥/٣٣٥.
7) - أي: كفاية. من هنا إلى الرواية الثامنة يوجد في هامش (ك) و(د) فقط. (هامش الأصل).
8) - كنز جامع الفوائد: ٢٢٨ فيه: [أنا أقسط] وفيه: [في الكتيبة]، والآية في سورة السجدة/١٨. (هامش الأصل).
9) - سورة السجدة/١٨.
٤ـ وعن محمّد بن المظفر، عن أحمد بن إبراهيم، عن الربيع بن سليمان، عن عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس: في قوله: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً الآية، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: أمّا المؤمن: فعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأمّا الفاسق: فعقبة بن أبي معيط.
٥ـ وعن ابن حبّان، عن عبد الله بن محمّد، عن إسحاق بن الفيض، عن سلمة بن حفص، عن سفيان الجريري، عن حبيب بن أبي العالية، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والوليد بن عقبة. وبإسناد آخر عن حبيب مثله.
٦ـ وعن عبد الله بن محمّد بن جعفر، عن إسحاق بن بنان، عن حبيش ابن مبشر، عن عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال الوليد بن عقبة لعليّ عليه السلام: أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملا للكتيبة منك، فقال له عليّ عليه السلام: (اسكت، فإنّما أنت فاسق)، فنزلت: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً الآية، قال: يعني بالمؤمن: عليّاً عليه السلام، وبالفاسق: الوليد بن عقبة.
٧ـ وعن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن أبي بكر، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة معمر بن مثنى، عن يونس بن حبيب، قال: سألت أبا عمرو عن تلخيص الآي المكّي والمدني من القرآن، فقال أبو عمرو: سألت مجاهداً كما سألتني، فقال: سألت ابن عبّاس ذلك، فقال: ألم السجدة نزلت بمكّة إلاّ ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وذلك أنّه
شجر(1)بين عليّ والوليد كلام، فقال له الوليد: أنا أذرب(2)منك لساناً وأحدّ منك سناناً وأدرك للكتيبة. فقال له عليّ عليه السلام: (اسكت، فإنّك فاسق)، فأنزل الله عزّ وجلّ الآية.
وأقول: قال الزمخشري في الكشّاف: روي في نزولها أنّه شجر بين عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فإنّك صبي: أنا أشبّ منك شباباً، وأجلد منك جلداً(3)، وأذرب منك لساناً، وأحدّ منك سناناً، وأشجع منك جناناً(4)، وأملا منك للكتيبة(5)، فقال له عليّ عليه السلام: (اسكت، فإنّك فاسق)، فنزلت.
وعن الحسن بن عليّ عليهما السلام أنّه قال للوليد: (كيف تشتم عليّاً وقد سمّاه الله مؤمناً في عشر آيات، وسمّاك فاسقا؟!)(6)
وقد رواه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ٢/٦١٠ برقم ١٠٤٣، والحاكم الحسكاني ١/٥٧٥ مكرّراً، والطبري في تفسيره م١١/١١/١٠٧، والسيوطي في الدرّ المنثور ٥/٣٤١، نقلاً عن ابن مردويه والخطيب، وغيرهم. (مهدي).
](7).٣٥٤ـ الثعلبي في تفسيره، وقد روى أبو صالح، عن ابن عبّاس: أنّ عبد
الله بن أبي وأصحابه تملّقوا(1)مع عليّ عليه السلام في الكلام، فقال عليّ عليه السلام: (يا عبد الله! اتّق الله ولا تنافق، فإنّ المنافق شرّ خلق الله).
فقال: مهلاً يا أبا الحسن، والله إنّ إيماننا كإيمانكم. ثمّ تفرّقوا، فقال عبد الله: كيف رأيتم ما فعلت؟ فأثنوا عليه، فنزل: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا(2)الآية(3).
٣٥٥ـ وروى الشيخ الطبرسي ــ طيب الله رمسه ــ من كتاب شواهد التنزيل لأبي القاسم الحسكاني، قال: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، بالإسناد المرفوع إلى زيد بن شراحيل كاتب عليّ عليه السلام مثله.
قال: وفيه عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله: أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(4)، قال: نزلت في عليّ عليه السلام وشيعته(5).
وقال العلاّمة ــ رفع الله في الآخرة مقامه ــ: من طرق الجمهور عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هم أنت يا عليّ وشيعتك، تأتى أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين)، انتهى(6). ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة.
1) - تملّقه: تودّد إليه وتذلّل له، وأبدى له بلسانه من الإكرام والودّ ما ليس في قلبه. (هامش الأصل).
2) - سورة البقرة/١٤.
3) - ٣٥/٣٤٠.
4) - سورة البينة/٧.
5) - مجمع البيان ١٠/٥٢٤. وفيه: نزلت في عليّ وأهل بيته. (هامش الأصل).
6) - كشف الحقّ ١/٩٣. الغضاب جمع الغضوب. أقمح بأنفه: شمخ به، هذا إذا قرئ مبنياً للفاعل، وأمّا إذا قرئ مبنياً للمفعول، فمعناه: أنّهم يرفعون رؤوسهم لشدّة الغلّ وضيقه. كسابقه.
أقول: كونه وشيعته خير البرية، يدلّ على فضل عظيم وشرف جسيم على جميع الصحابة وغيرهم، والعقل يأبى عن أن يكون تابعاً ورعية لمن هو دونه بمراتب شتّى(1).
٣٥٦ـ وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في عليّ عليه السلام، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، وعن تميم بن حذيم عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(2)، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً(3)مقمحين)، قال: يا رسول الله! ومن عدوي؟ قال: (من تبرأ منك ولعنك). ثمّ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من قال: رحم الله عليّاً يرحمه الله)(4)
شواهد التنزيل ٢/٣٧٥.
.٣٥٧ـ وبإسناده عن شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: قال عليّ عليه السلام: (نحن أهل بيت لا يقاس بنا ناس)، فقام رجل فأتى عبد الله بن عبّاس فأخبره بذلك، فقال ابن عبّاس: عليّ أو ليس كالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم للقياس بالناس؟ فقال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عليّ عليه السلام: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(1)](2). ٣٥٨ـ وروى في المستدرك عن أبي نعيم بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ(3)، قال: إنّ الله تعالى حرّم كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فإذا أراد الرجل أن يكلّمه تصدّق بدرهم ثمّ كلّمه بما يريد، فكفّ الناس عن كلام رسول الله وبخلوا أن يتصدّقوا قبل كلامه! قال: وتصدق عليّ عليه السلام ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره(4).
٣٥٩ـ وروى السدي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس، قال: كان الناس يناجون رسول الله في الخلاء(5)إذا كانت لأحدهم حاجة، فشقّ ذلك على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ففرض الله على من ناجاه سرّاً أن يتصدّق بصدقة، فكفّوا عنه وشقّ ذلك عليهم(6)(7).
٣٦٠ـ وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في عليّ عليه السلام بسنده عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وعن مقاتل، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ
الرَّسُولَ الآية، لم يكن أحد يقدر أن يناجي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حتّى يتصدّق قبل ذلك، فكان أوّل من تصدّق عليّ بن أبي طالب عليه السلام فصرف ديناراً بعشرة دراهم وتصدّق بها وناجى رسول الله بعشرة كلمات(1). ٣٦١ـ وبإسناده عن محمّد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: إنّ الله عزّ وجلّ حرم كلام الرسول، فإذا أراد الرجل أن يكلّمه تصدّق بدرهم ثمّ يكلّمه بما يريد، فكفّ الناس عن كلام الرسول الله وبخلوا أن يتصدّقوا قبل كلامه! قال: وتصدّق عليّ عليه السلام ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره، فقال المنافقون: ما صنع عليّ الذي صنع من الصدقة إلاّ أنّه أراد أن يروّج لابن عمّه(2).
٣٦٢ـ تفسير علي بن إبراهيم: محمّد بن أحمد المدائني، عن هارون بن مسلم: عن الحسين بن علوان، عن علي بن غراب، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله: وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ(3)، قال: ذكر ربّه ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام (4)
وأخرج الخبر الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٢٨٦ برقم ١٠٣٥. (مهدي).
.٣٦٣ـ مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى: أبو جهل، وَالْبَصِيرُ: أمير
المؤمنين، وَلاَ الظُّلُمَاتُ: أبو جهل، وَلاَ النُّورُ: أمير المؤمنين، وَلاَ الظِّلُّ يعني: ظلّ أمير المؤمنين في الجنّة، وَلاَ الْحَرُورُ يعني: جهنّم، ثمّ جمعهم جميعاً، فقال: وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء: عليّ، وحمزة، وجعفر، والحسن والحسين، وفاطمة، وخديجة عليهم السلام، وَلاَ الأَمْوَاتُ(1): كفّار مكّة(2)
أخرج الخبر الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/١٥٤ برقم ٧٨١. (مهدي).
.٣٦٤ـ وعنه فيما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام بالإسناد عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وعن شيرويه في الفردوس عن ابن عبّاس، واللفظ لأبي نعيم، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا المنذر والهادي عليّ، يا عليّ! بك يهتدي المهتدون).
رواه الفلكي المفسر الثعلبي في الكشف [عن] عطاء بن السائب، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية وضع رسول الله يده على صدره، وقال: (أنا المنذر)، وأومأ بيده إلى منكب عليّ بن أبي طالب، فقال: (أنت الهادي، يا عليّ! بك يهتدي المهتدون بعدي)(3).
كشف الغمّة: أخرجه العزّ المحدّث الحنبلي مثله. والحافظ أبو بكر بن
1) - سورة الجنّ/١٩ ــ ٢٢.
2) - ٣٥/٣٩٦ ــ ٣٩٧.
3) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٣/١٠٨، والحسكاني في شواهد التنزيل ١/٣٨٥، والثعلبي في الكشف والبيان ٥/٢٧٢، وقال السيوطي في الدرّ المنثور ٤/٤٥: وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة والديلمي وابن عساكر وابن النجّار، فذكر الحديث مثله. (مهدي).
مردويه عن ابن عبّاس بعدّة طرق مثله(1).
أقول: روى ابن بطريق عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن السائب مثله(2)(3).
٣٦٥ـ تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمّد بن بشرويه(4)القطّان بإسناده عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ(5)، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام (6)(7).
٣٦٦ـ مناقب ابن شهرآشوب: أبو صالح عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً(8)، أي: من ترك ولاية عليّ أعماه الله وأصمّه عن الهدى(9)
شواهد التنزيل ١/٣٨٠ برقم ٥٢٥.
.٣٦٧ـ كشف الغمّة: ممّا أخرجه العزّ المحدّث الحنبلي: قوله: وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ(10)، قال ابن عبّاس: كونوا مع عليّ وأصحابه. قوله تعالى:
وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ(1)، الذي جاء بالصدق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، والذي صدّق به عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قاله مجاهد. قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ(2)نزلت في عليّ عليه السلام. وروى أبو بكر بن مردويه عن ابن عبّاس، في قوله: وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ، قال: مع عليّ عليه السلام (3)(4).
٣٦٨ـ وحدّثني أبو الفتوح الرازي ــ في روض الجنان ــ بما ذكره أبو عبد الله المرزباني، بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ(5)نزلت في رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وفي عليّ عليه السلام(6)(7)
وأخرج الخبر الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/١٤٣، والطبراني في المعجم الكبير ١١/١٤٦، وابن كثير في تفسيره ٢/٣٣٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٦، والسيوطي في الدرّ المنثور ٣/١٤٦. (مهدي).
.٣٦٩ـ روى السيوطي في الدرّ المنثور، عن الخطيب وابن عساكر، عن
1) - سورة الزمر/٣٣.
2) - سورة الحديد/١٩.
3) - كشف الغمّة: ٩٢ و٩٣. (هامش الأصل). أخرج الخبر الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٢٦٠، والثعلبي في الكشف والبيان ٥/١٠٨ ــ ١٠٩، وابن مردويه وعنه السيوطي في الدرّ المنثور ٣/٥١٧. (مهدي).
4) - ٣٥/٤٠٩ ــ ٤١٠.
5) - سورة النساء/٥٤.
6) - تفسير فرات: ٦١. (هامش الأصل).
7) - ٣٥/٤٢٥.
ابن عبّاس، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ، قال: النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وَبِرَحْمَتِهِ(1)، قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)(3).
٣٧٠ـ تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن الحكم معنعناً عن ابن عبّاس في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ(4)، نزلت الآية في: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وحمزة، وعبيدة، وسهل بن حنيف، والحارث بن صمة، وأبي دجانة(5)
أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ٢/٣٣٩. (مهدي).
.٣٧١ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن الحسين بن محمّد، عن حجّاج بن يوسف، عن بشر بن الحسين، عن الزبير ابن عدي، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ، قال: قلت له: من هؤلاء؟ قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وحمزة أسد الله وأسد رسوله، وعبيدة ابن الحارث، ومقداد بن الأسود(6)
شواهد التنزيل ٢/٣٣٧.
.٣٧٢ـ مناقب ابن شهرآشوب: تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان النسوي، والكلبي، ومجاهد، وأبي صالح، والمغربي، عن ابن عبّاس: أنّه رأت حفصة النبيّ في حجرة عائشة مع مارية القبطية، قال: (أتكتمين عليَّ حديثي؟) قالت: نعم، قال: (فإنّها عليَّ حرام)، ليطيب قلبها، فأخبرت عائشة وبشّرتها من تحريم مارية، فكلمت عائشة النبيّ في ذلك، فنزل: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً، إلى قوله: هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، قال: صالح المؤمنين والله عليّ عليه السلام يقول الله والله حسبه: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(1)(2)
أخرجه السيوطي في الدرّ المنثور ٨/٢٠٤ نقلاً عن ابن المنذر عن الضحّاك.
ولقد مرّ الكلام في هذا في ٢/١٠٢ وج٧/٨٢ ــ ٨٣ من الموسوعة. (مهدي).
.٣٧٣ـ إكمال الدين، عيون أخبار الرضا عليه السلام: الورّاق، عن سعد، عن النهدي، عن ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن ابن طريف، عن ابن نباتة، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)(3)(4).
٣٧٤ـ إكمال الدين، عيون أخبار الرضا عليه السلام: القطّان، عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن الفضل بن الصقر، عن أبي معاوية، عن
الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيين، وإنّ أوليائي(1)اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم)(2)(3).
٣٧٥ـ وروى بإسناده عن السدي، عن زيد بن أرقم، وعن شريك، عن الأعمش، عن حبيب ابن ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، وعن عكرمة، وعن سلمة بن كهيل، كليهما عن ابن عبّاس، أنّه قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن التي غرسها ربّي فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي(4)، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، ويل للمكذبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي(5)، لا أنالهم الله شفاعتي)(6).
٣٧٦ـ الكفاية: الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن الكوفي، عن النخعي، عن النوفلي، عن الحسن بن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطّلع
الثانية فاختار منها عليّاً فجعله إماماً، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخاً ووصياً وخليفة ووزيراً، فعليّ منّي وأنا من عليّ، وهو زوج ابنتي وأبو سبطي الحسن والحسين، ألا وإنّ الله تبارك وتعالى جعلني وإيّاهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري(1)، ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أُمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، ليظهر بعده(2)غيبة طويلة وحيرة مضلّة، فيعلي أمر الله(3)، ويظهر دين الله، ويؤيّد بنصر الله، وينصر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(4).
٣٧٧ـ الكفاية: علي بن الحسين، عن التلعكبري، عن الحسن بن علي ابن زكريا، عن محمّد بن إبراهيم بن المنذر، عن الحسين بن سعيد بن الهيثم، عن الأحلج الكندي، عن أفلح بن سعيد، عن محمّد بن كعب، عن طاوس اليماني، عن عبد الله بن العبّاس، قال: دخلت على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: (اللّهمّ وال من والاهما وعاد من عاداهما).
ثمّ قال: (يا بن عبّاس! كأنّي به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، ويستنصر فلا ينصر).
قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول الله؟!
قال: (شرار أُمّتي، مالهم لا أنالهم الله شفاعتي).
ثمّ قال: (يا بن عبّاس! من زاره عارفاً بحقّه كتب له ثواب ألف حجّة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنّما قد زارني، ومن زارني فكأنّما قد زار الله، وحقّ الزائر على الله أن لا يعذّبه بالنار، وإنّ الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمّة من ولده).
قلت: يا رسول الله! فكم الأئمّة بعدك؟
قال: (بعدد حواري عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل).
قلت: يا رسول الله! فكم كانوا؟
قال: (كانوا اثني عشر، والأئمّة بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد، فإذا انقضى محمّد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه محمّد، فإذا انقضى محمّد فابنه عليّ، فإذا انقضى عليّ فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجّة).
قال ابن عبّاس: قلت: يا رسول الله! أسامي ما أسمع بهم قطّ!
قال لي: (يا بن عبّاس! هم الأئمّة بعدي وإن قهروا، أمناء معصومون نجباء أخيار.
يا بن عبّاس! من أتى يوم القيامة عارفاً بحقّهم أخذت بيده فأدخله الجنّة.
يا بن عبّاس! من أنكرهم، أو ردّ واحداً منهم فكأنّما قد أنكرني وردّني، ومن أنكرني وردّني فكأنّما أنكر الله وردّه.
يا بن عبّاس! سوف يأخذ الناس يميناً وشمالاً، فإذا كان كذلك فاتّبع عليّاً وحزبه فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ولا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض.
يا بن عبّاس! ولايتهم ولايتي وولايتي ولاية الله، وحربهم حربي وحربي حرب الله، وسلّمهم سلمي وسلّمي سلم الله).
ثمّ قال صلي الله عليه وآله وسلم: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1)(2).
٣٧٨ـ قصص الأنبياء: الصدوق، عن الورّاق، عن سعد، عن النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمران بن خالد، عن ابن طريف، عن ابن نباتة، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله يقول: (أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون).
مناقب ابن شهرآشوب: عن ابن نباتة مثله(3).
٣٧٩ـ الكفاية: أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافا بن زكريا البغدادي، قال: حدّثنا أبو سلمان أحمد بن أبي هراسة، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاري، عن إسماعيل بن أويس، عن
أبيه، عن عبد الحميد الأعرج، عن عطاء، قال: دخلنا على عبد الله بن عبّاس وهو عليل بالطائف في العلّة التي توفّي فيها ونحن زهاء ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف، وقد ضعف، فسلّمنا عليه وجلسنا، فقال لي: يا عطاء! من القوم؟ قلت: يا سيّدي هم شيوخ هذا البلد؟ منهم عبد الله بن سلمة بن حصرم الطائفي، وعمارة بن أبي الأجلح، وثابت بن مالك، فما زلت أعد له واحداً بعد واحد، ثمّ تقدّموا إليه، فقالوا: يا بن عمّ رسول الله! إنّك رأيت رسول الله وسمعت منه ما سمعت، فأخبرنا عن اختلاف هذه الأُمّة، فقوم قدّموا عليّاً على غيره، وقوم جعلوه بعد الثلاثة. قال: فتنفس ابن عبّاس، فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ معه، وهو الإمام والخليفة من بعدي، فمن تمسّك به فاز ونجا، ومن تخلّف عنه ضلّ وغوى، يلي تكفيني وغسلي ويقضي ديني، وأبو سبطي الحسن والحسين، ومن صلب الحسين تخرج الأئمّة التسعة، ومنها مهديّ هذه الأُمّة).
فقال عبد الله بن سلمة: يا بن عمّ رسول الله! فهلا كنت تعرّفنا قبل هذا؟!
فقال: قد والله أدّيت ما سمعت ونصحت لكم، ولكن لا تحبّون الناصحين!
ثمّ قال: اتّقوا الله عباد الله تقية من اعتبر تمهيداً، واتّقى في وجل، وكمش في مهل، ورغب في طلب، ورهب في هرب، فاعملوا لآخرتكم قبل حلول آجالكم، وتمسّكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيّكم، فإنّي سمعته
يقول: (من تمسّك بعترتي من بعدي كان من الفائزين). ثمّ بكى بكاء شديداً. فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مكانك؟!
فقال لي: يا عطاء! إنّما أبكي لخصلتين: هول المطلع، وفراق الأحبة. ثمّ تفرّق القوم عنه.
فقال لي: يا عطاء! خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار، فأخذنا بيده أنا وسعيد وحملناه إلى صحن الدار، ثمّ رفع يديه إلى السماء، وقال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بمحمّد وآل محمّد، اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ عليّ ابن أبي طالب، فما زال يكرّرها حتّى وقع إلى الأرض.
فصبرنا عليه ساعة، ثمّ أقمناه فإذا هو ميت رحمة الله عليه(1).
(بيان): كمش ككرم: أسرع(2).
٣٨٠ـ إعلام الورى: وممّا ذكره الشيخ أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن أحمد الدوريستي في كتابه في الردّ على الزيدية: أخبرني أبي، قال: أخبرني الشيخ أبو جعفر بن بابويه، قال: حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه، عن عمّه، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد الأسدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حين حضرته وفاته، فقلت: إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟
فأشار إلى عليّ عليه السلام، فقال: (إلى هذا، فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ
يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعته)(1)(2).
٣٨١ـ قال: وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن وهبان، قال: حدّثنا أبو بشر أحمد بن إبراهيم بن أحمد العمي، قال: أخبرنا محمّد بن زكريا بن دينار الغلابي، حدّثنا سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العبّاس، قال: حدّثني أبي، قال: كنت يوماً عند الرشيد فذكر المهدي وما ذكر من عدله، فأطنب في ذلك.
فقال الرشيد: إنّي أحسبكم تحسبونه أبي المهدي؟ حدّثني عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، عن أبيه العبّاس بن عبد المطّلب: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال له: (يا عمّ! يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثمّ تكون أمور كريهة وشدّة عظيمة(3)، ثمّ يخرج المهدي من ولدي، يصلح الله أمره في ليلة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويمكث في الأرض ما شاء الله، ثمّ يخرج الدجال)(4)(5).
٣٨٢ـ إرشاد القلوب: بالإسناد إلى المفيد، بإسناده إلى عبد الله بن العبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطّلع ثانية فاختار منها عليّاً عليه السلام فجعله
إماماً، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخاً ووصياً وخليفة ووزيراً، فعليّ منّي، وهو زوج ابنتي، وأبو سبطي الحسن والحسين، ألا وإنّ الله جعلني أنا وهم(1)حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائمهم)(2)(3).
٣٨٣ـ الاختصاص: الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمّه الحسين بن يزيد، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ابن طريف عن ابن نباتة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ذكر الله عزّ وجلّ عبادة، وذكري عبادة، وذكر عليّ عبادة، وذكر الأئمّة من ولده عبادة، والذي بعثني بالنبوّة وجعلني خير البرية إنّ وصيّي لأفضل الأوصياء، وإنّه لحجّة الله على عباده وخليفته على خلقه، ومن ولده الأئمّة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب من أهل الأرض، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ باذنه، وبهم يمسك الجبال أن تميد بهم، وبهم يسقي خلقه الغيث، وبهم يخرج النبات، أولئك أولياء الله حقّاً وخلفائي صدقاً، عدّتهم عدّة الشهور وهي اثنا عشر شهراً، وعدّتهم عدّة نقباء موسى بن عمران)، ثمّ تلا صلي الله عليه وآله وسلم هذه الآية: وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ(4)، ثمّ قال: (أتقدر(5)يا
ابن عبّاس أنّ الله يقسم بالسماء ذات البروج ويعني به السماء وبروجها؟).
قلت: يا رسول الله! فما ذاك؟
قال: (أمّا السماء فأنا، وأمّا البروج فالأئمّة بعدي، أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي، صلوات الله عليهم أجمعين)(1)(2).
٣٨٤ـ الخصال: ابن المتوكّل، عن محمّد العطّار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش الرازي، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عبّاس: (إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وإنّه يتنزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم)، فقال ابن عبّاس. من هم؟ قال: (أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون)(3).
إكمال الدين: ابن الوليد، عن محمّد العطّار، عن سهل وابن عيسى، عن الحسن بن العبّاس، مثله(4).
غيبة الشيخ الطوسي: جماعة عن التلعكبري، عن الأسدي، عن سهل، عن الحسن بن عبّاس، مثله(5)(6).
٣٨٥ـ أمالي الصدوق: أبي وابن مسرور(1)، عن ابن عامر، عن المعلّى، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عليّاً وصيّي وخليفتي، وزوجته فاطمة(2)سيّدة نساء العالمين ابنتي، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولداي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن ناواهم فقد ناواني، ومن جفاهم فقد جفاني، ومن برّهم فقد برّني، وصل الله من وصلهم، وقطع من قطعهم، ونصر من أعانهم(3)، وخذل من خذلهم، اللّهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت فعليّ وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتي وثقلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)(4)(5).
٣٨٦ـ الإرشاد: محمّد بن العبّاس الرازي، عن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن عبد الله، عن محمّد بن سليمان الديلمي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عدي بن حكيم، عن عبد الله بن العبّاس، قال: قال: لنا أهل البيت سبع خصال ما منهنّ خصلة في الناس: منّا النبيّ، ومنّا الوصي خير هذه الأُمّة بعده عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ومنّا حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيّد الشهداء، ومنّا جعفر بن أبي طالب المزّين بالجناحين يطير بهما في الجنّة
حيث يشاء، ومنّا سبطا هذه الأُمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، ومنّا قائم آل محمّد الذي أكرم الله به نبيّه، ومنّا المنصور)(1).
(بيان): لعلّ المراد بالمنصور أيضاً القائم عليه السلام، بقرينة أنّ بالقائم يتمّ السبع، ويحتمل أن يكون المراد به الحسين عليه السلام فإنّه منصور في الرجعة، وسيأتي ما يؤيّده(2).
٣٨٧ـ ومن ذلك ما رواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب بإسناده إلى عبد الله ابن عبّاس، قال: سُئل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟
قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليَّ، فتاب عليه)(3).
ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزل قوله تعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(4)، قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذين وجبت مودّتهم؟
قال: (عليّ وفاطمة وابناهما)(5).
رواه الثعلبي في تفسيره في تفسير هذه الآية، بهذه الألفاظ والمعاني(1).
وروى أيضاً في تفسير هذه الآية، قال: نظر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وقال: (أنا حرب لمن حاربتم، وسلّم لمن سالمتم)(2)(3).
٣٨٨ـ وعنه بإسناده، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله إذا قدم من مغازيه قبّل فاطمة عليها السلام (4)(5).
٣٨٩ـ الفضائل: سليمان بن مهران، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (لمّا عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوباً: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله، الحسن والحسين سبطا رسول الله، وفاطمة الزهراء صفوة الله، على ناكرهم وباغضهم لعنة الله)(6)(7).
٣٩٠ـ تفسير فرات بن إبراهيم: محمّد بن أحمد بن ظبيان معنعناً، عن الحسين بن محمّد الخارقي، قال: سألت سفيان بن عيينة عن: سَأَلَ
1) - الكشف والبيان ٨/٣١٠. (مهدي).
2) - أخرجه الترمذي في سننه ٥/٦٩٩ برقم ٣٨٧٠، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣/١٦١ برقم ٤٧١٤، وابن المغازلي في المناقب: ٦٤. (مهدي)
3) - ٣٧/٦٥.
4) - مستدرك ابن بطريق مخطوط، ولم نظفر بنسخته. (هامش الأصل).
5) - ٣٧/٧٠.
6) - لم نجده في المصدر المطبوع. (هامش الأصل).
7) - ٣٧/٧٦.
سَائِلٌ(1)فيمن نزلت؟ فقال: يا بن أخي!(2)سألتني عن شيء ما سألني عنه خلق قبلك، لقد سألت جعفر بن محمّدH عن مثل الذي سألتني عنه؟ فقال: (أخبرني أبي، عن جدّه، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: لمّا كان يوم غدير خمّ قام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم خطيباً فأوجز في خطبته، ثمّ دعا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بضبعه، ثمّ رفع بيده حتّى رئي بياض إبطيهما، فقال: ألم أبلغكم الرسالة؟ ألم أنصح لكم؟ قالوا: اللّهمّ نعم، فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، ففشت هذه في الناس فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فرحل راحلته(3)، ثمّ استوى عليها ــ ورسول الله إذ ذاك بمكّة ــ حتّى انتهى إلى الأبطح، فأناخ ناقته ثمّ عقلها، ثمّ جاء إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فسلّم، فردّ عليه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمّد! إنّك دعوتنا أن نقول: لا إله إلاّ الله فقلنا، ثمّ دعوتنا أن نقول إنّك رسول الله فقلنا وفي القلب ما فيه! ثمّ قلت: فصلّوا فصلّينا، ثمّ قلت: فصوموا فصمنا، ثمّ قلت: فحجّوا فحججنا(4)، ثمّ قلت: إذا رزق أحدكم مائتي درهم فليتصدّق بخمسة كلّ سنة ففعلنا، ثمّ إنّك أقمت ابن عمّك فجعلته علماً وقلت: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال
من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، أفعنك أم عن الله؟ قال: بل عن الله ــ قال: فقالها ثلاثاً ــ قال: فنهض وإنّه لمغضب وإنّه ليقول: اللّهمّ إن كان ما قال محمّد صلي الله عليه وآله وسلم حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء تكون نقمة في أوّلنا وآية في آخرنا، وإن كان ما قال محمّد كذباً فأنزل به نقمتك، ثمّ أثار ناقته فحلّ عقالها ثمّ استوى عليها، فلمّا خرج من الأبطح رماه الله تعالى بحجر من السماء فسقط عن رأسه(1)وخرج من دبره، وسقط ميّتاً، فأنزل الله فيه: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ‡ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ‡ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ(2)
وهذا الخبر من بعض ما رواه أهل البيت عليهم السلام عن ابن عبّاس، فهو عن جعفر عن أبيه ــ الباقر عليه السلام ــ عن جدّه ــ السجاد عليه السلام ــ عن أبيه ــ الحسين عليه السلام ــ. (مهدي).
). الطرائف: روى الثعلبي بإسناده عن سفيان بن عينية مثله(3)(4).٣٩١ـ وعن ابن عبّاس، قال: لمّا أمر الله رسوله أن يقوم بعليّ فيقول له ما قال، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (يا ربّ! إن قومي حديثو عهد بجاهلية)، ثمّ مضى بحجّه، فلمّا أقبل راجعاً ونزل بغدير خمّ أنزل الله عليه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ(5)الآية، فأخذ بعضد عليّ عليه السلام ثمّ خرج إلى الناس، فقال: (أيّها الناس، ألست أولى بكم من أنفسكم؟)
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: (اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأعن من أعانه واخذل من خذله، وانصر من نصره، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه).
قال ابن عبّاس: فوجبت والله في رقاب القوم. وقال حسّان بن ثابت: (يناديهم يوم الغدير نبيّهم...) إلى آخر الأبيات(1).
٣٩٢ـ الطرائف: روى أبو سعيد مسعود السجستاني، واتّفق عليه مسلم في صحيحه والبخاري، وأحمد بن حنبل في مسنده من عدّة طرق بأسانيد متّصلة إلى عبد الله بن عبّاس، وإلى عائشة، قالا: لمّا خرج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى حجّة الوداع نزل بالجحفة، فأتاه جبرئيل فأمره أن يقوم بعليّ عليه السلام، فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (أيّها الناس، ألستم تزعمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعزّ من أعزه، وأعن من أعانه)، قال ابن عبّاس: وجبت والله في أعناق القوم.
وروى مسعود السجستاني بإسناده إلى عبد الله بن عبّاس، قال: أراد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن يبلّغ بولاية عليّ عليه السلام، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ(2)الآية، فلمّا كان يوم غدير خمّ قام فحمد الله
وأثنى عليه، وقال: (ألست [إنّي] أولى بكم من أنفسكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه...) تمام الحديث(1)(2).
٣٩٣ـ ومن ذلك بإسناد الثعلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس رضي الله عنه في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الآية: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أن يبلغ فيه، فأخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(3)(4).
٣٩٤ـ وروى عن ابن جرير بإسناده، عن ابن عبّاس: وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، يعني: إن كتمت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ: ما نزل على رسول الله يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب عليه السلام (5).
٣٩٥ـ بشارة المصطفى: محمّد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جدّه، عن محمّد بن القاسم الفارسي، عن محمّد بن يوسف، عن محمّد بن أحمد بن حمّاد، عن محمّد بن محمّد بن سليمان، عن أحمد بن يزيد بن
سليم، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي مريم، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من كنت وليّه فعليّ وليّه)(1)(2).
٣٩٦ـ معاني الأخبار: محمّد بن عمر، عن محمّد بن الحارث، عن أحمد بن محمّد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي مريم، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الله ربّي ولا إمارة لي معه، وأنا رسول ربّي ولا إمارة معي(3)، وعليّ ولىّ من كنت وليّه ولا إمارة معه)(4)(5).
٣٩٧ـ وفيه أيضاً بالإسناد المرفوع إلى حيّان بن علي العنزي(6)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في عليّ عليه السلام، فأخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بيده، فقال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه). وقد أورد هذا الخبر(7)أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعاً إلى ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في عليّ عليه السلام أُمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أن يبلّغ(8)، فأخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بيد عليّ عليه السلام، فقال:
1) - بشارة المصطفى: ١٨١. (هامش الأصل).
2) - ٣٧/٢٢٢.
3) - أي: لا إمارة لأحد معي. (هامش الأصل).
4) - معاني الأخبار: ٦٦. وفيه: وعلى [وليي و] ولى من كنت وليه اه. كسابقه.
5) - ٣٧/٢٢٤.
6) - في المصدر: حيّان بن علي الغنوي. (هامش الأصل).
7) - في المصدر: هذا الخبر بعينه. كسابقه.
8) - في المصدر: أن يبلغ فيه. كسابقه.
(من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(1).
٣٩٨ـ كشف اليقين: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، عن أحمد بن جعفر النسائي، عن محمّد بن حريز، عن عبد الله بن داهر، عن أبي داهر بن يحيى الأحمري، عن الأعمش، عن عباية، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هذا عليّ بن أبي طالب، لحمه من لحمي ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)، وقال صلي الله عليه وآله وسلم: (يا أُمّ سلمة! اشهدي واسمعي: هذا عليّ أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه، والوصي على أُمّتي من أهل بيتي، أخي في الدنيا وخديني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى)(2).
(بيان): الخدين: الصديق(3).
٣٩٩ـ بشارة المصطفى: محمّد بن علي، عن أبيه، عن جدّه عبد الصمد، عن محمّد بن القاسم الفارسي، عن محمّد بن الفضل المذكر، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن أبي سعيد العدوي، عن سلمة بن شبيب(4)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عبّاس، قال: رأيت حسّان بن ثابت واقفا بمنى والنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وأصحابه مجتمعين، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (معاشر المسلمين! هذا عليّ بن أبي طالب سيّد العرب، والوصي الأكبر، منزلته منّي منزلة
هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، لا تقبل التوبة من تائب إلاّ بحبّه. يا حسّان! قل فيه شيئاً).
فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:
لا تقبل التوبة من تائب *** إلاّ بحبّ ابن أبي طالب
أخي رسول الله بل صهره *** والصهر لا يعدل بالصاحب
ومن يكن مثل عليّ وقد *** ردّت له الشمس من المغرب
ردّت عليه الشمس في ضوئها *** بيضا كأن الشمس لم تغرب(1)(2)
أقول: لقد ذكرت في كتابي (مزيل اللبس في مسألتي شق القمر ورد الشمس) ص٤٥٧ نشر العتبة العلوية سنة ٢٠١٢م الأبيات الثلاثة الأولى منسوبة إلى الصاحب بن عبّاد، كما في ديوانه وقلت في الهامش: انّه ورد البيتان الثاني والثالث منسوبين إلى حسّان بن ثابت، كما في ينابيع المودّة، ولعلّ الصاحب ضمّنهما شعره إن صحّت النسبة. (مهدي).
٤٠٠ـ وروى عن أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب، يرفعه إلى عمر بن ميمون، عن ابن عبّاس، قال: أخرج الناس في غزاة تبوك، فقال عليّ عليه السلام ــ يعني للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ــ: أخرج معك؟ قال: لا، فبكى، فقال له: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبيّ)(3)
راجع كتابي (عليّ إمام البررة) ١/٢٥٣ ــ ٢٨٦ تجد تفصيل المصادر التي وثقته وذكر الموارد التي ورد فيها هذا الحديث. (مهدي).
.٤٠١ـ أمالي الصدوق: ابن سعيد الهاشمي، عن فرات، عن محمّد بن
ظهير، عن الحسين بن علي العبدي، عن محمّد بن عبد الواحد، عن محمّد ابن ربيعة، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر يقول ــ وقد بلغه عن أناس من قريش إنكار تسميته لعليّ أمير المؤمنين ــ فقال: (معاشر الناس، إنّ الله عزّ وجلّ بعثني إليكم رسولاً وأمرني أن أستخلف عليكم عليّاً أميراً، ألا فمن كنت نبيّه فإنّ عليّاً أميره، تأميره أمّره الله عزّ وجلّ عليكم، وأمرني أن أعلمكم ذلك لتسمعوا له وتطيعوا، إذا أمركم [بأمر] تأتمرون، وإذا نهاكم عن أمر تنتهون، ألا فلا يأتمّرن أحد منكم على عليّ عليه السلام في حياتي ولا بعد وفاتي، فإنّ الله تبارك وتعالى أمّره عليكم وسمّاه أمير المؤمنين، ولم يسمّ أحداً من قبله بهذا الاسم، وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم في عليّ، فمن أطاعني فيه فقد أطاع الله، ومن عصاني فيه فقد عصى الله عزّ وجلّ ولا حجّة له عند الله وكان مصيره إلى [النار وإلى] ما قال الله عزّ وجلّ، في كتابه: وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا(1))(2).
٤٠٢ـ مجالس المفيد: المراغي، عن أبي عبد الله الأسدي، عن جعفر ابن عبد الله العلوي، عن يحيي بن هاشم، عن أبي الصباح، عن عبد الغفور الواسطي، عن عبد الله بن محمّد القرشي، عن الحسن بن علي الراسبي، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الشاكّ في
فضل عليّ بن أبي طالب يحشر يوم القيامة من قبره وفي عنقه طوق من نار فيه ثلاث مائة شعبة، على كلّ شعبة منها شيطان يكلح في وجهه ويتفل فيه)(1)(2).
٤٠٣ـ الطرائف: ابن مردويه بإسناده عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه الآية في عليّ عليه السلام: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(3)(4)
الطرائف ١/١٣١، تح السيّد علي عاشور، وقد أخرج الخبر السيوطي في الدرّ المنثور ٨/٥٣٨، ط دار إحياء التراث العربي بيروت نقلاً عن ابن عدي عن ابن عبّاس. (مهدي).
.٤٠٤ـ وعنه، عن أبيه، عن جدّه، عن الصدوق، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن أبي هاشم، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ولاية عليّ بن أبي طالب ولاية الله عزّ وجلّ، وحبّه عبادة الله، واتّباعه فريضة الله، وأولياؤه أولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، وحربه حرب الله، وسلّمه سلم الله عزّ وجلّ)(5)(6).
٤٠٥ـ ومنه، عن عبيد بن عبد الله الكندي، قال: حجّ معاوية فأتى المدينة وأصحاب النبيّ متوافرون، فجلس في حلقة بين عبد الله بن عبّاس
وعبد الله بن عمر، فضرب بيده على فخذ ابن عبّاس، ثمّ قال: أما كنت أحقّ وأولى بالأمر من ابن عمّك؟
قال ابن عبّاس: وبم؟!
قال: لأنّي ابن عمّ الخليفة المقتول ظلماً.
قال: هذا إذا ــ يعني ابن عمر ــ أولى بالأمر منك، لأنّ أبا هذا قتل قبل ابن عمّك!
قال: فانصاع عن ابن عبّاس وأقبل على سعد، وقال: وأنت يا سعد الذي لم يعرف حقّنا من باطل غيرنا فتكون معنا أو علينا؟
قال سعد: إنّي لمّا رأيت الظلمة قد غشيت الأرض قلت لبعيري: (هيخ) فأنخته حتّى إذا أسفرت مضيت.
قال: ولله لقد قرأت المصحف يوماً بين الدفتين ما وجدت فيه (هيخ)!
فقال: أمّا إذا أبيت فإنّي سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ: (أنت مع الحقّ والحقّ معك).
قال: لتجيئني بمن سمعه معك أو لأفعلن؟
قال: أُمّ سلمة.
قال: فقام وقاموا معه حتّى دخلوا على أُمّ سلمة، قال: فبدأ معاوية فتكلّم، فقال: يا أُمّ المؤمنين! إنّ الكذّابة قد كثرت على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعده، فلا يزال قائل يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ما لم يقل، وإن سعداً روى حديثاً زعم أنّك سمعته معه.
قالت: فما هو؟
قال: زعم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لعليّ: (أنت مع الحقّ والحقّ معك).
قالت: صدق في بيتي قاله.
فأقبل على سعد، فقال: الآن ألوم ما كنت عندي، والله لو سمعت هذا من رسول الله ما زلت خادماً لعليّ حتّى أموت(1)
أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٣٣ خبر سعد مع معاوية أنّه سمع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ حيث كان)، ولقد مرّ في ج٩/٢٣٢٩ ــ ٣٤٠ ما يتعلّق بمحاورة ابن عبّاس مع معاوية فراجع، وأمّا حديث سعد مع معاوية فقد رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٣/١٧٠ و١/٢٠٧ برقم ٢٧١٨، تح المحمودي، والحمويني في فرائد السمطين ١/٣٧٧، وذكر المسعودي في مروج الذهب في خلافة معاوية ٣/٢٣، تح محمّد محي الدين عبد الحميد ط٣ دار السعادة بمصر سنة ١٣٧٧هـ، ذكر روايتين في لقاء سعد بمعاوية في المدينة فراجع تجد في الثانية (فضرط له معاوية) وقال له اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت، ما كنت عندي قطّ الأَم منك الآن، فهلاّ نصرته، ولم قعدت عن بيعته؟ فإنّي لو سمعت من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعليّ ما عشت. (مهدي).
.٤٠٦ـ أمالي الصدوق: ماجيلويه، عن عمّه، عن الكوفي، عن محمّد بن سنان، عن المفضل، عن الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (معاشر الناس، من أحسن من الله قيلاً وأصدق منه حديثاً؟
معاشر الناس، إنّ ربّكم جلّ جلاله أمرني أن أقيم لكم عليّاً علماً وإماماً وخليفة ووصياً وأن أتّخذه أخاً ووزيراً.
1) - ٣٨/٣٣.
معاشر الناس، إنّ عليّاً باب الهدى بعدي والداعي إلى ربّي، وهو صالح المؤمنين، ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنّني من المسلمين.
معاشر الناس، إنّ عليّاً منّي، ولده ولدي، وهو زوج حبيبتي، أمره أمري ونهيه نهيي.
معاشر الناس، عليكم بطاعته واجتناب معصيته، فإنّ طاعته طاعتي ومعصيته معصيتي.
معاشر الناس، إنّ عليّاً صدّيق هذه الأُمّة وفاروقها ومحدّثها، إنّه هارونها ويوشعها وآصفها وشمعونها، إنّه باب حطتها وسفينة نجاتها، إنّه طالوتها وذو قرنيها.
معاشر الناس، إنّه محنة الورى، والحجّة العظمى، والآية الكبرى، وإمام أهل الدنيا، والعروة الوثقى.
معاشر الناس، إنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ معه وعلى لسانه.
معاشر الناس، إنّ عليّاً قسيم النار، لا يدخل النار وليّ له ولا ينجو منها عدوّ له، وإنّه قسيم الجنّة لا يدخلها عدوّ له ولا يزحزح(1)عنها وليّ له.
معاشر أصحابي، قد نصحت لكم وبلغتكم رسالة ربّي ولكن لا تحبّون الناصحين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)(2)(3).
٤٠٧ـ أمالي الصدوق: الحافظ، عن محمّد بن أحمد بن ثابت، عن محمّد بن الحسن بن العبّاس، عن حسن بن الحسين العرني، عن عمرو بن ثابت، عن عطاء، عن أبي يحيى، عن ابن عبّاس، قال: صعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم المنبر فخطب واجتمع الناس إليه، فقال: (يا معشر المؤمنين! إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إليَّ أنّي مقبوض وأنّ ابن عمّي عليّاً مقتول، وإنّي أيّها الناس أخبركم خبراً إن عملتم به سلمتم وإن تركتموه هلكتم، إنّ ابن عمّي عليّاً هو أخي وهو وزيري وهو خليفتي وهو المبلغ عنّي وهو إمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين، إن استرشدتموه أرشدكم، وإن تبعتموه نجوتم، وإن خالفتموه ضللتم، وإن أطعتموه فالله أطعتم، وإن عصيتموه فالله عصيتم، وإن بايعتموه فالله بايعتم، وإن نكثتم بيعته فبيعة الله نكثتم، إنّ الله عزّ وجلّ أنزل عليَّ القرآن، وهو الذي من خالفه ضلّ، ومن ابتغى علمه عند غير عليّ هلك.
أيّها الناس، اسمعوا قولي واعرفوا حقّ نصيحتي ولا تخلفوني في أهل بيتي إلاّ بالذي أمرتم به من حفظهم، فإنّهم حامتي وقرابتي وإخوتي وأولادي، وإنّكم مجموعون ومساءلون عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، إنّهم أهل بيتي فمن آذاهم آذاني، ومن ظلمهم ظلمني، ومن أذلّهم أذلّني، ومن أعزّهم أعزّني، ومن أكرمهم أكرمني، ومن نصرهم نصرني، ومن خذلهم خذلني، ومن طلب الهدى في غيرهم فقد كذبني.
أيّها الناس، اتّقوا الله وانظروا ما أنتم قائلون إذا لقيتموه، فإنّي خصم لمن آذاهم، ومن كنت خصمه خصمته. أقول قولي هذا أستغفر الله لي
ولكم)(1).
(بيان): قوله: (وهو الذي من خالفه) الضمير فيه راجع إلى القرآن، قال الجزري فيه: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) حامة الإنسان: خاصّته ومن يقرب منه(2)، وقال الفيروزآبادي: خاصمه فخصمه: غلبه(3)(4).
٤٠٨ـ أمالي الصدوق: السناني، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ابن طريف، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ: (يا عليّ! أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحجّة الله بعدي على الخلق أجمعين، وسيّد الوصيين ووصي سيّد النبيّين.
يا عليّ! إنّه لما عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وأكرمني ربّي جلّ جلاله بمناجاته، قال لي، يا محمّد! قلت: لبيك ربّي وسعديك تباركت وتعاليت، قال: إنّ عليّاً إمام أوليائي ونور لمن أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أطاعه أطاعني ومن عصاه عصاني، فبشّره بذلك).
فقال عليّ: يا رسول الله! بلغ من قدري حتّى أنّي أذكر هناك؟!
فقال: (نعم، يا عليّ! فاشكر ربّك).
فخرّ عليّ ساجداً شكراً لله على ما أنعم به عليه.
فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ارفع رأسك يا عليّ، فإنّ الله قد باهى بك ملائكته)(1)(2).
٤٠٩ـ أمالي الصدوق: القطّان، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن هارون ابن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (يا عليّ! أنت صاحب حوضي وصاحب لوائي، ومنجز عداتي، وحبيب قلبي، ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء، وأنت أمين الله في أرضه، وأنت حجّة الله على بريته، وأنت ركن الإيمان، وأنت مصباح الدجى، وأنت منار الهدى، وأنت العلم المرفوع لأهل الدنيا، من تبعك نجا، ومن تخلّف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت قائد الغرّ المحجّلين، وأنت يعسوب المؤمنين، وأنت مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، لا يحبّك إلاّ طاهر الولادة ولا يبغضك إلاّ خبيث الولادة، وما عرج بي ربّي عزّ وجلّ إلى السماء قطّ وكلمني ربّي إلاّ قال لي: يا محمّد! اقرأ عليّاً منّي السلام وعرّفه أنّه إمام أوليائي ونور أهل طاعتي، فهنيئا لك يا عليّ هذه الكرامة)(3)(4).
٤١٠ـ أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب ذات يوم وهو في مسجد قبا والأنصار مجتمعون: (يا عليّ! أنت أخي وأنا أخوك. يا عليّ! أنت وصيّي وخليفتي وإمام أُمّتي بعدي، والى الله من والاك، وعادى الله من عاداك، وأبغض الله من أبغضك، ونصر من نصرك، وخذل من خذلك(1). يا عليّ! أنت زوج ابنتي وأبو ولدي. يا عليّ! إنّه لمّا عرج بي إلى السماء عهد إليَّ ربّي فيك ثلاث كلمات، فقال: يا محمّد! قلت: لبيك ربّي وسعديك تباركت وتعاليت، فقال: إنّ عليّاً إمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب المؤمنين)(2).
٤١١ـ أمالي الصدوق: الفامي، عن محمّد الحميري، عن أبيه، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن ابن طريف، عن ابن نباتة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (يا عليّ! أنت خليفتي على أُمّتي في حياتي وبعد موتي، وأنت منّي كشيث من آدم، وكسام من نوح، وكإسماعيل من إبراهيم، وكيوشع من موسى، وكشمعون من عيسى. يا عليّ! أنت وصيّي ووارثي وغاسل جثتي، وأنت الذي تواريني في حفرتي وتؤدّي ديني وتنجز عداتي. يا عليّ! أنت أمير المؤمنين، وإمام المسلمين،
وقائد الغرّ المحجّلين، ويعسوب المتّقين. يا عليّ! أنت زوج سيّدة النساء فاطمة ابنتي وأبو سبطي الحسن والحسين. يا عليّ! إنّ الله تبارك وتعالى جعل ذرّية كلّ نبيّ من صلبه وجعل ذرّيتي من صلبك. يا عليّ! من أحبّك ووالاك أحببته وواليته، ومن أبغضك وعاداك أبغضته وعاديته، لأنّك منّي وأنا منك. يا عليّ! إنّ الله طهّرنا واصطفانا، لم يلتق لنا أبوان على سفاح قطّ من لدن آدم، فلا يحبّنا إلاّ من طابت ولادته. يا عليّ! أبشر بالسعادة فإنّك مظلوم بعدي ومقتول).
فقال عليّ عليه السلام يا رسول الله! وذلك في سلامة من ديني؟
قال: (في سلامة من دينك. يا عليّ! إنّك لم تضلّ ولن تزلّ(1)، ولولاك لم يعرف حزب الله بعدي)(2)(3).
٤١٢ـ أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الأزدي، عن إسماعيل بن الفضل، عن أبيه، عن الثمالي، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إليَّ أنّه جاعل لي من أُمّتي أخاً ووارثاً وخليفة ووصياً. فقلت: يا ربّ! من هو؟ فأوحى إليَّ عزّ وجلّ: يا محمّد! إنّه إمام أُمّتك وحجّتي عليها بعدك. فقلت: يا ربّ! من هو؟ فأوحى إليَّ عزّ وجلّ: يا محمّد! ذاك من أحبّه ويحبّني،
ذاك المجاهد في سبيلي والمقاتل لناكثي عهدي، والقاسطين في حكمي والمارقين من ديني، ذاك وليّي حقّاً، زوج ابنتك وأبو ولدك عليّ بن أبي طالب)(1)(2).
٤١٣ـ أمالي الصدوق: الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن المنذر بن محمّد، عن جعفر بن إسماعيل، عن عبد الله بن الفضل، عن الثمالي، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من أنكر إمامة عليّ بعدي كان كمن أنكر نبوّتي في حياتي، ومن أنكر نبوّتي كان كمن أنكر ربوبية ربّي عزّ وجلّ)(3)(4).
٤١٤ـ معاني الأخبار: ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من أحبّ أن يتمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسّك بولاية أخي ووصيي عليّ بن أبي طالب، فإنّه لا يهلك من أحبّه وتولاه، ولا ينجو من أبغضه وعاداه)(5)(6).
٤١٥ـ أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمّد بن هارون
ابن حميد، عن محمّد بن حميد، عن جرير بن أشعث بن إسحاق، عن جعفر ابن أبي المغيرة، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: كنت مع معاوية(1)وقد نزل بذي طوى(2)، فجاءه سعد بن أبي وقاص فسلّم عليه، فقال معاوية: يا أهل الشام! هذا سعد(3)وهو صديق لعليّ. قال: فطأطأ القوم رؤوسهم وسبّوا عليّاً. فبكى سعد، فقال له معاوية: ما الذي أبكاك؟! قال: ولِمَ لا أبكي لرجل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يسبّ عندك ولا أستطيع أن أغير، وقد كان في عليّ خصال لأن تكون فيّ واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها: أحدها أنّ رجلاً كان باليمن فجاه عليّ بن أبي طالب عليه السلام(4)فقال: لأشكونّك إلى رسول الله، فقدم على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فسأله عن عليّ فشنأ عليه(5). فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (أنشدك بالله الذي أنزل علي الكتاب واختصّني بالرسالة أعن سخط تقول ما تقول في عليّ؟) قال: نعم يا رسول الله. قال: (ألا تعلم أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟). قال: بلى. قال: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه).
وأنّه بعث يوم خيبر عمر بن الخطّاب إلى القتال فهزم وأصحابه! فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (لأعطين غداً الراية(6)إنساناً يحبّ الله
ورسوله ويحبّه الله ورسوله)، فغدا المسلمون وعليّ عليه السلام أرمد، فدعاه فقال: (خذ الراية)، فقال عليه السلام: يا رسول الله! إنّ عيني كما ترى، فتفل فيها فقام فأخذ الراية، ثمّ مضى بها حتّى فتح الله عليه.
والثالثة: خلّفه في بعض مغازيه، فقال عليّ عليه السلام: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟).
والرابعة: سدّ الأبواب في المسجد إلاّ باب عليّ.
والخامسة: نزلت هذه الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، فدعا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عليّاً وحسناً وحسيناً وفاطمة عليهم السلام، فقال: (اللّهمّ هؤلاء أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)(2)(3).
٤١٦ـ يوسف القطّان في تفسيره، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ(4)، قال: إذا كان يوم القيامة دعا الله عزّ وجلّ أئمّة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام التقى أمير المؤمنين والحسن والحسين عليه السلام، ثمّ يقال لهم: جوزوا
الصراط أنتم وشيعتكم وادخلوا الجنّة بغير حساب، ثمّ يدعو أئمّة الفسق ــ قال: والله(1)يزيد منهم ــ فيقال له: خذ بيد شيعتك إلى النار بغير حساب(2).
٤١٧ـ الطرائف: من كتاب شواهد التنزيل بإسناده إلى عبد الله بن عبّاس، في قوله: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(3)، قال: لمّا نزلت هذه الآية، قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (من ظلم عليّاً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوتي ونبوّة الأنبياء قبلي)(4)(5).
٤١٨ـ قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى ابن عبّاس، قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة(6)، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جرّة(7)كان عنده، واستلقى على مرفقة(8)له وطفق بحمد الله(9)يكرّر ذلك، ثمّ قال: من أين جئت يا عبد الله؟ قلت: من
1) - في المصدر: وإن والله. كسابقه.
2) - ٣٨/١٥٤.
3) - سورة الأنفال/٢٥.
4) - شواهد التنزيل ١/٢٠٦.
5) - ٣٨/١٥٥ ــ ١٥٦.
6) - الخصفة: القفة تعمل من الخوص للتمر ونحوه. (هامش الأصل).
7) - الجرة: إناء من خزف له بطن كبير وعروتان وفم واسع. كسابقه.
8) - المرفقة: المخدة. كسابقه.
9) - طفق يفعل كذا: ابتدأ. وفي المصدر: يحمد الله. كسابقه.
المسجد، قال: كيف خلفت بني عمّك؟(1)ــ فظننته يعني عبد الله بن جعفر ــ قلت: خلفته يلعب مع أترابه(2)، قال: لم أعن ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت، قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فدان(3)ويقرأ القرآن، قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال، أيزعم أنّ رسول الله نصّ عليه؟! قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه؟ فقال: صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة ولا يقطع عذراً! ولقد كان يزيغ(4)في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام! لا وربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّي علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم.
ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً(5)
وقد مرّت المحاورة في ج٩/٩٨ ومصادرها فراجع. (مهدي).
(6).1) - في المصدر: ابن عمّك. كسابقه.
2) - جمع الترب ــ بكسر التاء وسكون الراء ــ الصديق أو من ولد معه. كسابقه.
3) - متح الماء: نزعه، الدلو وبها: استخرجها. الغرب ــ بفتح أوله وسكون ثانيه ــ الدلو العظيمة. والفدان: المزرعة، وفي المساحة أربعمائة قصبة مربعة. كسابقه.
4) - أي: يميل. كسابقه.
5) - شرح النهج ٣/١٤١ و١٤٢. كسابقه.
6) - ٣٨/١٥٦ ــ ١٥٩.
٤١٩ـ روى العلاّمة في كشف الحقّ مثله عن أخطب خوارزم، وروى عنه بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لو أنّ الرياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب)(1)(2)
أقول: وأخرجه الخوارزمي الحنفي مكرّراً في مناقبه ص١٣٢ و٣٢٨ و٣٤١، والحمويني في فرائد السمطين ١/١٦، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: ٢٣. (مهدي).
.٤٢٠ـ مسند أحمد عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، قالا: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (أوّل من صلّى معي عليّ)(3)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ص٩٠ برقم ١٢٢ بلفظ: (إنّ عليّاً أوّل من أسلم)، وهذا رواه عبد الرزاق في المصنّف ٥/٣٢٥ برقم ٩٧١٩، والطبراني في الكبير ١١/٤٠٩ وغيرهم كثير. (مهدي).
.٤٢١ـ وقد روينا عن الشيرازي ما رواه عن ابن عبّاس في قوله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ(4): نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، سبق الناس كلّهم بالإيمان، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين(5)
أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل ١/٣٣٦ برقم ٣٤٦. (مهدي).
.٤٢٢ـ أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمّد
ابن يحيى الجعفي(1)، عن جابر بن الحرّ، عن عبد الرحمان بن ميمون، عن أبيه قال: سمعت ابن عبّاس يقول: أوّل من آمن برسول الله من الرجال عليّ، ومن النساء خديجة رضوان الله عليهم(2)(3).
٤٢٣ـ كشف اليقين: ابن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن عبد الله ابن داهر، عن أبيه، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عبّاس، قال: ستكون فتنة، فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإنّي سمعت رسول الله يقول وهو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب: (هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو فاروق هذه الأُمّة يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه)(4)(5)
وأخرجه ابن حجر في لسان الميزان ٢/٤١٤، ط حيدر آباد وفي آخره (وهو خليفتي من بعدي).
.٤٢٤ـ النطنزي في الخصائص العلوية، بالإسناد عن إبراهيم بن إسماعيل، عن المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يا
عليّ! أنت أوّل المسلمين إسلاماً، وأوّل المؤمنين إيماناً)(1).
أبو يوسف النسوي في المعرفة والتاريخ: روى السدي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ أوّل من آمن بي وصدّقني)(2)(3).
٤٢٥ـ محمّد بن سعد في كتاب الطبقات، وأحمد في المسند: قال ابن عبّاس: أوّل من أسلم بعد خديجة عليّ(4).
٤٢٦ـ تفسير قتادة، وكتاب الشيرازي: روى ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: والله ما من عبد آمن بالله إلاّ وقد عبد الصنم، فقال: وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب من عبادة الأصنام، إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإنّه آمن بالله من غير أن يكون عبد صنماً، فذلك قوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ(5)، يعني المحبّ لعليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ آمن به من غير شرك.
سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس في قوله:
1) - أخرجه الديلمي في الفردوس ٥/٣١٥ برقم ٨٢٩٩، وفي آخره حديث المنزلة، والمتّقي في كنز العمّال ١٣/١٢٤ برقم ٣٦٣٩٥. (مهدي).
2) - هذا النص من النصوص الضائعة من نسخة كتاب المعرفة والتاريخ، المطبوعة بنشر وزارة الأوقاف العراقية بتحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري! وقد ذكر في المقدّمة نقصان النسخة والمفقود منها، كما ذكر بعض من أخذ عن كتاب المعرفة والتاريخ، ولم يذكر عن المجلسي وكتابه شيئاً، وقد نبهت في نسختي ٣/٣٨٤ على ذلك، وذكرت النص المنقول عن المعرفة والتاريخ. (مهدي).
3) - ٣٨/٢٢٩ ــ ٢٣٠.
4) - ٣٨/٢٣١.
5) - سورة البروج/١٤.
الَّذِينَ آمَنُوا، يا محمّد! الذين صدقوا بالتوحيد، قال: هو أمير المؤمنين، وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ(1)، أي: ولم يخلطوا، نظيرها: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ(2)، يعني: الشرك، لقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(3). قال ابن عبّاس: والله ما من أحد إلاّ أسلم بعد شرك ما خلا أمير المؤمنين، أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ(4)، يعني: عليّاً(5). ٤٢٧ـ إنّه قال ابن عبّاس: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا: صدّقوا بالله ورسوله، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا(6)، يعني: لم يشكّوا في إيمانهم، نزلت في: عليّ، وجعفر، وحمزة، وَجَاهَدُوا الأعداء، فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعته بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، فشهد الله لهم بالصدق والوفاء(7)
شواهد التنزيل، للحسكاني ٢/١٨٧، وفيه: ayebazوَجَاهَدُواayebaste الأعداء، ayebazفِي سَبِيلِ اللَّهِayebaste في طاعته ayebazبِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَayebaste يعني: في إيمانهم، فشهد الله لهم بالصدق والوفاء. (مهدي).
.٤٢٨ـ كشف الغمّة: من مناقب ابن المغازلي: عن ابن عبّاس رضي الله عنه في
قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(1)، قال: سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق صاحب آل ياسين إلى عيسى، وسبق عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى محمّد بن عبد الله صلي الله عليه وآله وسلم، وهو أفضلهم(2).
ومن مسند أحمد بن حنبل: عن عمر بن عبادة، عن عبد الله، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: (أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب مفتر، ولقد صلّيت قبل الناس بسبع سنين)(3)
فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، لأحمد بن حنبل ص١٨٢ برقم ١١٧، تح المرحوم الطباطبائي. (مهدي).
.٤٢٩ـ وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليّ سبع سنين)، قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟! قال: (لم يكن معي من الرجال غيره).
وفي رواية من مناقب الخوارزمي أيضاً، قال: (صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليّ سبع سنين، وذلك أنّه لم يرتفع شهادة أن لا إله إلاّ الله إلى السماء إلاّ منّي ومن عليّ).
وقد أورده الطبري صاحب الخصائص وقال: (إلاّ منه ومنّي)(4)
أخرجه ابن مردويه في المناقب: ٤٨ برقم ٣، والخوازرمي في مناقبه: ٥٣ برقم ١٨، وابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام من تاريخه ١/٦٤ برقم ١٠٣، ط الأولى. (مهدي).
.٤٣٠ـ ومن مسند أحمد: عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذا أتاه تسعة رهط، قالوا: يا بن عبّاس! إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا يا هؤلاء. فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح لم يعم، قال: فابتدؤوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا، فجاء ينفض ثوبه وهو يقول: أفٍ وتفٍ وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه الله أبداً يحبّ الله ورسوله)، قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: (أين عليّ؟) قالوا: هو في الرحل يطحن، قال: (وما كان أحدكم يطحن؟!) قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر، قال: فنفث في عينه، ثمّ هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إيّاه، فجاء بصفية بنت حيي. قال: ثمّ بعث فلاناً بسورة التوبة، فبعث عليّاً خلفه فأخذها منه، قال: (لا يذهب بها إلاّ رجل هو منّي وأنا منه). قال: وقال لبني عمّه: (أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟) قال: وعليّ جالس معهم فأبوا، فقال عليّ عليه السلام: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، قال: فتركه ثمّ أقبل على رجل منهم، فقال: أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا، قال: فقال عليّ عليه السلام: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: (أنت وليي في الدنيا والآخرة). قال: وكان أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة. قال: وأخذ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن وحسين صلوات الله عليهم، فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1). قال: وشرى عليّ نفسه: لبس ثوب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ نام
1) - سورة الأحزاب/٣٣.
مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله، فجاء أبو بكر وعليّ نائم وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، قال: فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك للئيم كان صاحبك نرميه لا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك. قال: وخرج الناس في غزاة تبوك، قال: فقال له عليّ عليه السلام: أخرج معك؟ فقال له نبيّ الله: لا، فبكى عليّ عليه السلام فقال له: (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبيّ؟ لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي). قال: وقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنت وليي في كلّ مؤمن من بعدي). قال: وسد أبواب المسجد غير باب عليّ عليه السلام، قال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره. قال: وقال صلي الله عليه وآله وسلم: (من كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ). قال: وأخبرنا الله عزّ وجلّ أنّه قد رضي عنهم: عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم، هل حدّثنا أحد أنّه سخط عليهم بعد؟(1)
ومن المسند عن ابن عبّاس، قال: أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعد خديجة عليّ عليه السلام، وقال مرّة: أسلم، قال أبو المؤيد: وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق
1) - هذا الخبر أحد الأخبار المتظافرة المشتهرة عن ابن عبّاس، وله شرح وتوثيق قيد التحقيق نسأله تعالى دوام التوفيق لإكماله. (مهدي).
إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمّد عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1).
٤٣١ـ الطرائف(2): أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه إلى ابن عبّاس، أنّه قال: إنّ عليّاً أوّل من أسلم، ورواه من عدّة طرق(3).
وروى ابن المغازلي الشافعي في المناقب(4)، والثعلبي في تفسيره(5).
٤٣٢ـ وقال أبو عمر: حدّثنا أحمد بن محمّد، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل، قال: حدّثنا محمّد بن جرير، قال: أخبرنا علي بن عبد الله الدهقان، قال: أخبرنا محمّد بن صالح، عن السماك بن الحرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لعليّ عليه السلام أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أوّل عربي وعجمي صلّى مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كان لواه معه في كلّ زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرّ عنه(6)، وهو الذي غسله وأدخله قبره(7)
الاستيعاب في ترجمة الإمام عليه السلام. (مهدي).
.٤٣٣ـ قال أبو عمر: وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا ابن عوانة، عن أبي بلخ، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، أنّه قال: أوّل من صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بعد خديجة عليّ بن أبي طالب.
قال أبو عمر: وحدّثنا ابن عوانة، عن أبي بلخ، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ أوّل من آمن من الناس بعد خديجة. قال أبو عمر: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد، لصحّته وثقة نقلته(1)
راجع الاستيعاب في ترجمة الإمام عليه السلام. (مهدي).
.٤٣٤ـ تاريخ البلاذري والسلامي، وغيرهما: عن ابن عبّاس وغيره: لمّا نزل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(2)، آخى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بين الأشكال والأمثال، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان وعبد الرحمان، وبين سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد، وبين طلحة والزبير، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب الأنصاري، وبين أبي ذرّ وابن مسعود، وبين سلمان وحذيفة، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين أبي الدرداء وبلال، وبين جعفر الطيار ومعاذ بن جبل، وبين المقداد وعمّار، وبين عائشة وحفصة، وبين زينب بنت جحش وميمونة، وبين أُمّ سلمة وصفية، حتّى آخى بين أصحابه بأجمعهم على قدر منازلهم، ثمّ قال: (أنت أخي وأنا أخوك يا عليّ)(3)
راجع كتاب (عليّ إمام البررة) ١/٢٤٥ ــ ٢٥٣. (مهدي).
.٤٣٥ـ وبالإسناد عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً كان يقول في
حياة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ(1)، لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارثه، ومن أحقّ به منّي؟)(2).
٤٣٦ـ وبالإسناد عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (خير إخواني عليّ)(3).
٤٣٧ـ وروى ابن بطريق في العمدة، ما مرّ من الأخبار من مسند أحمد ابن حنبل بستّة أسانيد، عن سعيد بن المسيب، وعن عمر بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، وعن زيد بن أبي أوفى، وعن ابن عبّاس، وعن أمير المؤمنين عليه السلام برواية أبي المغيرة وربيعة بن ناجد، ومن مناقب ابن المغازلي بثمانية أسانيد، عن أنس، وزيد بن أرقم، وابن عبّاس، وابن عمر بروايتين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الحمراء، ومن صحيح الترمذي، وسنن أبي داود، عن ابن عمر(4)(5).
٤٣٨ـ وروى ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة من مناقب ضياء الدين الخوارزمي، عن ابن عبّاس، قال: لمّا آخى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، آخى بين أبي بكر وعمر، وآخى بين
عثمان بن عفّان وعبد الرحمان بن عوف، وآخى بين طلحة والزبير، وآخى بين أبي ذرّ الغفاري والمقداد، ولم يواخ بين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وبين أحد منهم، فخرج عليّ مغضباً حتّى أتى جدولاً من الأرض وتوسّد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه، فطلبه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فوجده على تلك الصفة، فركزه برجله وقال له: (قم، فما صلحت أن تكون إلاّ أبا تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أو أخ بينك وبين أحد منهم؟! أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟ ألا من أحبّك فقد حف بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية)(1)(2).
٤٣٩ـ إبانة ابن بطة، وفضائل أحمد، في خبر عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ولقد عاتب الله أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم في غير آي من القرآن، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(3)، وذلك نحو قوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ(4)، وقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ(5)الآية، وقوله
1) - الفصول المهمة: ٢٠ و٢١، ط النجف. (هامش الأصل).
2) - ٣٨/٣٤٧ ــ ٣٤٨.
3) - ما ذكره المجلسي رحمه الله هو جزء حديث عن ابن عبّاس، قال: ليس من آية في القرآن ayebazيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْayebaste إلاّ وعليّ رأسها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب... وقد أخرجه أحمد في الفضائل ص٢٧٦ برقم ٢٣٦، تح الطباطبائي رحمه الله، وأبو نعيم في الحلية ١/٦٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الإمام ٢/٤٣٠ برقم ٩٣، تح المحمودي. (مهدي).
4) - سورة آل عمران/١٢٣.
5) - سورة التوبة/٢٥.
تعالى في آية المناجاة: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ(1)(2).
٤٤٠ـ كشف الغمّة: من مناقب الخوارزمي، عن أنس، قال: كان عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم طير، فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير)، فجاء(3)عليّ عليه السلام فأكل معه. ومنه عن ابن عبّاس، قال: أتي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بطائر، فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك)، فجاءه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (اللّهمّ وآله). قال: أخرج أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في جامعه وذكره النسائي في حديثه(4)(5).
٤٤١ـ بشارة المصطفى: محمّد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جدّه، عن محمّد بن القاسم الفارسي، عن عبد الله بن أبي حامد، عن محمّد بن إبراهيم ابن أحمد، عن أحمد بن مدرك، عن إبراهيم بن سعد، عن حسين بن محمّد، عن سليمان بن قرط، عن محمّد بن شعيب، عن داود بن علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أتي بطير، فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك)، فجاء عليّ عليه السلام فقال: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(6)(7)
أقول: راجع كتاب (عليّ إمام البررة) ٢/٣٧٩ ــ ٤٤٨ تجد المزيد من المفيد حول حديث الطير. (مهدي).
.٤٤٢ـ أمالي الصدوق: أحمد بن محمّد بن إسحاق الدينوري، عن أحمد بن شعيب، عن محمّد بن وهب، عن مسكين بن بكير، عن شعبه، عن أبي بلح، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، قال: أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بأبواب المسجد فسدّت إلاّ باب عليّ(1)(2).
٤٤٣ـ علل الشرائع: محمّد بن أحمد الشيباني(3)، عن الأسدي، عن البرمكي، عن عبد الله ابن أحمد، عن سليمان بن حفص المروزي، عن عمرو بن ثابت، عن سعد بن طريف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا سدّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الأبواب الشارعة إلى المسجد إلاّ باب عليّ، ضجّ أصحابه من ذلك، فقالوا: يا رسول الله! لم سددت أبوابنا وتركت باب هذا الغلام؟! فقال: (إنّ الله تبارك وتعالى أمرني بسدّ أبوابكم وترك باب عليّ، فإنّما أنا متّبع لِما يوحى إليَّ من ربّي)(4)(5).
٤٤٤ـ مسند أبي يعلى، وفضائل السمعاني، وحلية الأولياء عن أبي نعيم بطريقين، عن أبي صالح، عن عمرو بن ميمون، قال ابن عبّاس: قال رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم: (سدّوا أبواب المسجد كلّها إلاّ باب عليّ)، وفي رواية عن ابن عبّاس: (سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ قبل أن ينزل العذاب)(1).
٤٤٥ـ جامع الترمذي: عن شعبة، عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ(2).
٤٤٦ـ الطرائف: روى أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن عمر، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وروى أبو زكريا بن مندة الأصفهاني الحافظ في مسانيد المأمون، عن إبراهيم بن سعيد الجوهرين قال: حدّثني المأمون، قال: حدّثني الرشيد، قال: حدّثني المهدي، قال: حدّثني المنصور، قال: حدّثني أبي، عن عبد الله ابن عبّاس، قال: قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (أنت وارثي)، وقال: (إنّ موسى سأل الله تعالى أن يطهّر له مسجداً لا يسكنه إلاّ موسى وهارون وابنا هارون، وإنّي سألت الله تعالى أن يطهّر مسجداً لك ولذرّيتك من بعدك)، ثمّ أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك، فاسترجع، وقال: فعل هذا بغيري؟ فقيل: لا، فقال: سمعاً وطاعة، فسدّ بابه، ثمّ أرسل إلى عمر، فقال: سدّ بابك، فاسترجع، وقال: فعل هذا بغيري؟ فقيل: بأبي بكر، فقال: إنّ في أبي بكر أسوة حسنة، فسدّ بابه، ثمّ ذكر رجلاً آخر فسدّ النبيّ بابه، وذكر كلاماً له، ثمّ قال: فصعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم المنبر، فقال: (ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت(3)باب
عليّ عليه السلام، ولكن الله سدّ أبوابكم وفتح باب عليّ عليه السلام)، ورواه الشافعي ابن المغازلي من ثمانية طرق، فمنها عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: لمّا قدم أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(1)المدينة لم يكن لهم بيوت يسكنون فيها، وكانوا يبيتون في المسجد، وساق الحديث إلى آخر ما مرّ(2).
(بيان): هذا الخبر من المتواترات، ورواه ابن بطريق في العمدة من مسند أحمد بن حنبل بثلاثة أسانيد، عن زيد بن أرقم، وعمر بن الخطّاب وابنه، ومن مناقب ابن المغازلي بثمانية طرق، عن عدي بن ثابت، وحذيفة ابن أسيد، وسعد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وسعيد ونافع، وابن عبّاس بسندين(3)، وهو يدلّ على فضيلة جليلة ومنقبة نبيلة تستلزم الإمامة والخلافة والعصمة والطهارة، ولذا احتجّ صلوات الله عليه به في الشورى، وأيّ فضيلة أسنى من إدخاله بعد إخراج حمزة سيّد الشهداء مع كبر سنه وتقادم عهده؟ وتجويز أن يجنب هو في المسجد ويمرّ فيه جنباً دون غيره؟ وهل يكون مثل هذا إلاّ لبيان استحقاقه للرئاسة العظمى والخلافة الكبرى؟(4)
وراجع كتاب (عليّ إمام البررة) ٢/٤٦ ــ ٧٩ حول حديث سدّ الأبواب تجد أكثر من ثمانين مصدراً ذكرت الحديث وما يمت إليعه وكلّها مصادر غير شيعية. (مهدي).
٤٤٧ـ إكمال الدين: ابن المتوكّل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كنّا جلوساً عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في سلمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته(1)، وإلى داود في زهده، فلينظر إلى هذا)، فنظرنا إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2)قد أقبل كالماء ينحدر من صبب(3)(4)
وأخرج هذا الحديث جماعة من المحدّثين والمؤرخين، راجع شواهد التنزيل، للحاكم الحسكاني ١/٧٩، وتاريخ دمشق ترجمة الإمام عليه السلام ٢/٢٢٨ و٢٨٠، وفي الهوامش ذكر مصادر أُخرى. (مهدي).
.٤٤٨ـ الطرائف: ابن مردويه، عن أحمد بن عبد الله بن الحسين، عن عبد العزيز بن يحيى البصري، عن مغيرة بن محمّد المهلبي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن علي بن هاشم بن البريد، عن جابر الجعفي، عن صالح بن ميثم، عن أبيه، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من لقي الله تعالى وهو جاحد ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام لقي الله وهو عليه غضبان لا يقبل الله منه شيئاً من أعماله، فيوكل به سبعون ملكاً يتفلون في وجهه، ويحشره الله أسود الوجه أزرق العين)، قلنا: يا بن عبّاس! أينفع حبّ عليّ بن أبي طالب في الآخرة؟ قال: قد تنازع أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في حبّه، حتّى سألنا رسول
الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: (دعوني حتّى أسأل الوحي)، فلمّا هبط جبرئيل عليه السلام سأله، فقال: (أسأل ربّي عزّ وجلّ عن هذا)، فرجع إلى السماء ثمّ هبط إلى الأرض، فقال: يا محمّد! إنّ الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول: أحبّ عليّاً، فمن أحبّه فقد أحبّني، ومن أبغضه فقد أبغضني، يا محمّدّ حيث تكن يكن عليّ، وحيث يكن عليّ يكن محبّوه [وإن اجترحوا وإن اجترحوا]. الروضة، الفضائل: بالأسانيد يرفعه إلى ابن عبّاس مثله(1)
راجع الطرائف ١/٢٣١ برقم ٢٤٣، وراجع مناقب ابن مردويه ص٧١ برقم ٤٥ وفي هوامش الكتابين ذكر مصادر الخبر. (مهدي).
.٤٤٩ـ وعن ابن عبّاس عنه صلي الله عليه وآله وسلم قال: (يحشر الشاكّ في علي من قبره وفي عنقه طوق من نار فيه ثلاثمائة شعبة، على كلّ شعبة شيطان يلطخ في وجهه حتّى يوقف موقف الحساب)، انتهى(2)
أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب: ٣٢٩ برقم ٣٤٧، وكذلك ابن مردويه في مناقبه ص٨ برقم ٦٣. (مهدي).
.٤٥٠ـ أمالي الصدوق: القطّان، عن العبّاس بن الفضل، عن علي بن الفرات، عن أحمد بن محمّد البصري، عن جندل بن والق، عن علي بن حمّاد، عن سعيد، عن ابن عبّاس، أنّه مرّ بمجلس من مجالس قريش وهم يسبّون عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال لقائده: ما يقول هؤلاء؟ قال: يسبّون عليّاً، قال: قرّبني إليهم، فلمّا أن وقف عليهم، قال: أيّكم السابّ الله؟!
قالوا: سبحان الله! ومن يسبّ الله فقد أشرك بالله.
قال: فأيّكم السابّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟!
قالوا: ومن يسبّ رسول الله فقد كفر.
قال: فأيّكم السابّ عليّ بن أبي طالب؟!
قالوا: قد كان ذلك.
قال: فأشهد بالله، وأشهد لله، لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله عزّ وجلّ).
ثمّ مضى، فقال لقائده: فهل قالوا شيئاً حين قلت لهم ما قلت؟ قال: ما قالوا شيئاً، قال: كيف رأيت وجوههم؟ قال:
نظروا إليك بأعين محمرّة *** نظر التيوس إلى شفار الجازر(1)
قال: زدني فداك أبوك، قال:
خزر الحواجب ناكسو أذقانهم *** نظر الذليل إلى العزيز القاهر
قال: زدني فداك أبوك، قال: ما عندي غير هذا، قال: لكن عندي:
أحياؤهم خزي على أمواتهم *** والميتون فضيحة للغابر(2)
مناقب ابن شهرآشوب: الطبري في الولاية والعكبري في الإبانة عن
ابن عبّاس مثله(1). كشف الغمّة: من كتاب كفاية الطالب عنه مثله(2).
(بيان): خزر(3)العيون: ضيقها، ولعلّه إنّما نسبه إلى الحاجب بإطلاق الحاجب على العين مجازاً، أو نسب إلى الحاجب لأنّ تضييق العين يستلزم تضييقها(4)
أقول: راجع ما تقدّم في ١٠/٢٢٦ ــ ٢٤١ حول هذه المحاورة وذكر مصادرها. (مهدي).
.٤٥١ـ مناقب ابن شهرآشوب: الأصل في سبّه عليه السلام ما صحّ عند أهل العلم أنّ معاوية أمر بلعنه على المنابر، فتكلّم فيه ابن عبّاس، فقال: هيهات هذا أمر دين ليس إلى تركه سبيل! أليس الغاش لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الشتام لأبي بكر، المعيّر عمر، الخاذل عثمان؟
قال: أتسبّه على المنابر وهو بناها بسيفه؟!
قال: لا أدع ذلك حتّى يموت عليه الكبير(5)ويشب عليه الصغير!
فبقي ذلك إلى أن ولى عمر بن عبد العزيز، فجعل بدل اللعنة
في الخطبة، قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى(6)فقال عمرو بن شعيب: ويل للأُمّة رفعت الجمعة، وتركت اللعنة،
٤٥٢ـ الروضة: بإسناده إلى عبد الله بن عبّاس، أنّه قال: كنت عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إذ أقبل عليّ بن أبي طالب وهو مغضب، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ما بك يا أبا الحسن؟!) قال: آذوني فيك يا رسول الله.
فقام صلي الله عليه وآله وسلم وهو مغضب، وقال: (أيّها الناس، من منكم آذى عليّاً؟ فإنّه أوّلكم إيماناً، وأوفاكم بعهد الله، أيّها الناس، من آذى عليّاً بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً).
فقال جابر بن عبد الله الأنصاري: يا رسول الله! وإن شهد أن لا إله إلاّ الله؟
قال: (نعم، وإن شهد أنّ محمّداً رسول الله يا جابر)(3)
أخرجه ابن المغازلي الشافعي في مناقبه ص٥٢ برقم ٧٦. (مهدي).
.٤٥٣ـ أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن محمّد ابن سنان، عن أبي الجارود، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ولاية عليّ بن أبي طالب ولاية الله، وحبّه عبادة الله، واتّباعه فريضة الله، وأولياؤه أولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، وحربه حرب الله، وسلّمه سلم الله عزّ وجلّ)(4)(5)
ورواه في بشارة المصطفى ص١٥٣.
.٤٥٤ـ أمالي الصدوق: المكتب، عن الحسن بن علي العدوي، عن الهيثم بن عبد الله، عن المأمون، عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (أنت وارثي)(1)(2)
وأخرجه الحافظ ابن منده في مسانيد المأمون عن إبراهيم بن سعيد الجوهري كما في الطرائف ١/٨٦، ط محقّقة. (مهدي).
.٤٥٥ـ أمالي الصدوق: ابن موسى، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن عبد الرحيم بن علي الجبلي، عن الحسن بن نضر، عن عمر بن طلحة، عن أسباط بن نضر، عن سماط بن حرب، عن سعيد بن جبير، قال: أتيت عبد الله ابن عبّاس فقلت له: يا بن عمّ رسول الله! إنّي جئتك أسألك عن عليّ بن أبي طالب واختلاف الناس فيه، فقال ابن عبّاس: يا بن جبير! جئتني تسألني عن خير خلق الله من الأُمّة بعد محمّد نبيّ الله، جئتني تسألني عن رجل كانت له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة وهي ليلة القربة، يا بن جبير! جئتني تسألني عن وصيّ رسول الله ووزيره وخليفته وصاحب حوضه ولوائه وشفاعته، والذي نفس ابن عبّاس بيده لو كانت بحار الدنيا مداداً والأشجار أقلاماً وأهلها كتّاباً فكتبوا مناقب عليّ بن أبي طالب وفضائله من يوم خلق الله عزّ وجلّ الدنيا إلى أن يفنيها ما بلغوا معشار ما آتاه الله تبارك وتعالى(3).
(بيان): ليلة القربة إشارة إلى ليلة بدر حيث ذهب ليأتي بالماء. ومناقبه سلام جبرئيل عليه في ألف من الملائكة وميكائيل في ألف وإسرافيل في ألف، فكان كلّ سلام من الملائكة منقبة، وحمل الخبر على أنّ كلا من الثلاثة محسوبون في الألف، ويؤيّده الآية فتفطنّ(1)(2)
أقول: لقد رواه القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة في الباب/٤٠ نقلاً عن موفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي في مناقبه. (مهدي).
.٤٥٦ـ الخصال: أحمد بن محمّد بن إسحاق الدينوري، عن محمّد بن عبد الحميد الفرقاني، عن أحمد بن بديل، عن مفضل بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: كان لعليّ عليه السلام أربع مناقب لم يسبقه إليها عربي: كان أوّل من صلّى مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وكان صاحب رايته في كلّ زحف، وانهزم الناس يوم المهراس وثبت هو، وغسّله وأدخله قبره(3).
(بيان): يوم المهراس هو يوم أحد، قال الجزري: فيه (أنّه عطش يوم أحد فجاءه عليّ بماء من المهراس فعافه وغسل به الدم عن وجهه) المهراس: صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء وقد يعمل منه(4)حياض للماء.
1) - أي أنّ كلّ واحد من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام داخل في الألف، ولو لم يكن كذلك لم يصحّ أن يقال: كان له ثلاثة آلاف منقبة، وكان اللازم أن يقال: كان له ثلاث وثلاثة آلاف منقبة، وهذا خلاف ظاهر الآية: ayebazإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَayebaste سورة آل عمران/١٢٤. كسابقه.
2) - ٤٠/٧ ــ ٨ .
3) - الخصال ١/٩٩. (هامش الأصل).
4) - في المصدر: منها. كسابقه.
وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء بأحد(1)(2)
أخرجه الخوارزمي في مناقبه: ٤٧. (مهدي).
.٤٥٧ـ الخصال: الأشناني، عن جدّه، عن محمّد بن الغفّار، عن عبد الله ابن صالح عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن مجاهد، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عبّاس، قال: كانت لعليّ عليه السلام ثمانية عشرة منقبة لو لم يكن له إلاّ واحدة لنجا، ولقد كانت له ثلاثة عشرة(3)منقبة لم تكن لأحد في هذه الأُمّة(4)(5)
وأخرج صدر الخبر الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٢٠، وقال: رواه الطبراني في الأوسط... وأخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١/١٥ و١٦ في أوّل الفصل الأوّل، كما أخرجه الحموئي في فرائد السمطين ص٣٤٣ ــ ٢٤٤ ونسب القول إلى عمر بدل ابن عبّاس، وهو الذي رواه الخوارزمي في الفصل ٧ و١٩ من مناقبه. (مهدي).
.٤٥٨ـ كشف الغمّة: من كتاب كفاية الطالب عن أبي علي الكوكبي، عن أبي السمري، عن عوانة بن الحكم، عن أبي صالح، قال: ذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام عند عائشة ــ وابن عبّاس حاضر ــ: فقالت عائشة: كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟
فقال ابن عبّاس: وأي شيء يمنعه عن ذاك؟! اصطفاه الله لنصرة
رسوله، وارتضاه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لإخوته، واختاره لكريمته، وجعله أبا ذرّيته، ووصيّه من بعده، فإن ابتغيت شرفاً فهو في أكرم منبت وأورق عود، وإن أردت إسلاماً فأوفر بحظّه وأجزل بنصيبه، وإن أردت شجاعته فبهمة حرب وقاضية حتم، يصافح السيوف أنساً لا يجد لموقعها حسّاً، ولا ينهنه نعنعة، ولا يقلّه الجموع، الله ينجده وجبرئيل يرفده ودعوة الرسول تعضده، أحدّ الناس لساناً وأظهرهم بياناً وأصدعهم بالصواب في أسرع جواب، عظته أقلّ من عمله وعمله يعجز عنه أهل دهره، فعليه رضوان الله وعلى مبغضيه لعائن الله(1)
ذكره الأربلي في كشف الغمّة١/٣٦٣، ط منشورات الرضي نقلاً عن كفاية الطالب، للحافظ الكنجي الشافعي، ولم أقف على هذا بالرغم من مراجعة عدّة طبعات بما فيها الطبعة الحجرية، وهو مروي في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمّد بن سليمان الكوفي ــ من أعلام القرن الرابع ــ ص٧٠١ برقم ٥٦٣ ولم يسمّ عبد الله بن صفوان: ابن عبّاس، بل قال: قال عن رجل. (مهدي).
.٤٥٩ـ تفسير فرات بن إبراهيم: أبو محمّد الحسن بن الحسين الزنجاني معنعناً، عن عبد الله بن عبّاس، قال: أبصر برجل يطوف حول الكعبة وهو يقول: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من علي بن أبي طالب.
فقال له ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك وعدمتك فلم تفعل ذلك؟ فوالله، لقد سبقت لعليّ عليه السلام سوابق لو قسم(2)واحدة منهنّ على أهل الأرض لوسعتهم.
قال: أخبرني بواحدة منهنّ؟
قال: أمّا أوّلهنّ فإنّه صلّى مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم القبلتين وهاجر معه [الهجرتين]، والثانية لم يعبد صنماً قطّ ولا وثناً قطّ.
قال: يا بن عبّاس! زدني فإنّي تائب.
قال: لمّا فتح النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم مكّة دخلها فإذا هو بصنم على الكعبة يعبد من دون الله، فقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: أطمئن لك فترقى عليَّ؟ فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: لو أنّ أُمّتي اطمأنوا لي لم يعلوني لموضع الوحي، ولكن أطمئن لك فترقى عليَّ، فاطمأن له فرقى فأخذ الصنم، فضرب به الصفا فصارت إرباً إرباً، ثمّ طفر(1)إلى الأرض وهو ضاحك، فقال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: ما أضحكك؟ قال: عجبت لسقطتي ولم أجد لها ألماً، فقال: وكيف تألم منها وإنّما حملك محمّد وأنزلك جبرئيل.
قال ابن حرب: وزادني فيه إبراهيم بن محمّد التميمي، عن عبد الله بن داود، قال: لقد رفعني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يومئذ ولو شئت أن أنال السماء لنلتها.
قال: فقال الرجل: يا بن عبّاس! زدني فإنّي تائب.
قال: أخذ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بيدي ويد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فانتهى إلى سفح الجبل، فرفع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، يديه، فقال: اللّهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به أزري، فقال ابن عبّاس: لقد سمعت منادياً ينادي من السماء: لقد أعطيت سؤلك يا محمّد، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: ادع، فقال
1) - أي وثب. كسابقه.
أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً الآية(1)(2).
٤٦٠ـ الطرائف: مسند أحمد، عن السدي، عن أبي صالح، قال: لمّا حضرت عبد الله ابن عبّاس الوفاة، قال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ ابن أبي طالب عليه السلام(3)
لقد مرّ ذكر هذا في ج٥ من الحلقة الأولى مع ذكر مصادره من العامّة والخاصّة. (مهدي).
.٤٦١ـ كنز الكراجكي: عن محمّد بن أحمد بن شاذان، عن المعافا بن زكريا، عن محمّد بن أحمد بن الثلج(4)، عن الحسن بن محمّد بن بهرام، عن يوسف بن موسى القطّان، عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(5)(6).
٤٦٢ـ أخبرني السيّد الإمام المرتضى أبو الفضل الحسين في كتابه إليَّ من مدينة الريّ جزاه الله عنّي خيراً، أخبرنا السيّد أبو الحسن عليّ بن أبي طالب الحسيني الشيباني بقراءتي عليه، أخبرنا الشيخ العالم أبو النجم محمّد
ابن عبد الوهاب بن عيسى الثمان الرازي، أخبرنا الشيخ العالم أبو سعيد محمّد أحمد بن الحسين النيسابوري، أخبرنا محمّد بن علي بن جعفر الأديب بقراءتي عليه، حدّثني المعافا بن زكريا أبو الفرج، عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، عن الحسن بن محمّد بن بهرام، عن يوسف بن موسى القطّان، عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1)(2).
٤٦٣ـ وروى ابن شيرويه الديلمي في فردوس الأخبار، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال لعليّ: (لو أنّ البحر مداد، والغياض أقلام، والإنس كتّاب، والجنّ حسّاب، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن)(3).
٤٦٤ـ وعن ابن عبّاس، عنه صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله، ومن سبّ الله أدخله الله نار جهنّم وله عذاب مقيم)(4)
هذا جزء من خبر طويل مرّ ذكره في احتجاجاته ٩/١٠٧؛ فراجع. (مهدي).
.٤٦٥ـ ومن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري، عن رجاله، عن ابن عبّاس، قال: إنّي لأماشي عمر بن الخطّاب في سكّة من سكك المدينة إذ قال لي: يا بن عبّاس! ما أظنّ صاحبك إلاّ مظلوماً! قلت في نفسي: والله لا
يسبقني بهما، فقلت: يا عمر! فاردد ظلامته. فانتزع يده من يدي ومضى وهو يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته، فقال: يا بن عبّاس! ما أظنّهم منعهم منه إلاّ استصغروه! فقلت في نفسي: هذه والله شرّ من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك، قال: فأعرض عنّي(1)
انظر ٢/٩٩ من الحلقة الأولى وج٩/١٠٧ من الحلقة الثانية. (مهدي).
(2).٤٦٦ـ الإرشاد: محمّد بن جعفر التميمي، عن محمّد بن القاسم، عن هشام بن يونس، عن عائذ بن حبيب، عن أبي الصباح الكناني، عن محمّد ابن عبد الرحمن السلمي، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (عليّ بن أبي طالب أعلم أُمّتي وأقضاهم فيما اختلفوا فيه من بعدي)(3)(4).
٤٦٧ـ النقّاش في تفسيره، قال ابن عبّاس: عليّ علم علماً علّمه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّمه الله، فعلم النبيّ ــ صلوات الله عليه وآله ــ من علم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ عليه السلام، وما علمي وعلم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم في علم عليّ عليه السلام إلاّ كقطرة في سبعة أبحر.
الضحّاك عن ابن عبّاس، قال: أعطي عليّ بن أبي طالب عليه السلام تسعه
أعشار العلم، وإنّه لأعلمهم بالعُشر الباقي(1).
٤٦٨ـ عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب قال له: يا أبا الحسن! إنّك لتعجل في الحكم والفصل للشيء إذا سُئلت عنه؟! قال: فأبرز عليّ كفه وقال له: كم هذا؟ فقال عمر: خمسة، فقال: عجلت أبا حفص(2)! قال: لم يخف عليَّ، فقال عليّ: وأنا أُسرع فيما لا يخفى عليَّ(3).
٤٦٩ـ ذكر الشيرازي في نزول القرآن، وأبو يوسف يعقوب في تفسيره، عن ابن عبّاس، في قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ(4): كان النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يحرّك شفتيه عند الوحي ليحفظه، فقيل له: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ يعني: بالقرآن، لِتَعْجَلَ بِهِ: من قبل أن يفرغ به من قراءته عليك، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، قال: ضمن الله محمّداً أن يجمع القرآن بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه. قال ابن عبّاس: فجمع الله القرآن في قلب عليّ وجمعه عليّ بعد موت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بستّة أشهر(5).
٤٧٠ـ تفسير النقاش: قال ابن عبّاس: جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب عليه السلام وابن مسعود، إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما
منها إلاّ وله ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام عَلِم الظاهر والباطن(1).
٤٧١ـ ابن عبّاس، قال: قال عليّ عليه السلام: (نقيق الديك(2): اذكروا الله يا غافلين، وصهيل الفرس: اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، ونهيق الحمار أن يلعن العشارين وينهق في عين الشيطان، ونقيق الضفدع: سبحان ربّي المعبود المسبح في لجج البحار، وأنين القبرة: اللّهمّ العن مبغضي آل محمّد)(3).
٤٧٢ـ وقال ابن عبّاس: لقد أعطي(4)عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العُشر العاشر(5).
٤٧٣ـ ومن مناقب أبي المؤيد، عن ابن عبّاس، قال: خطبنا عمر، فقال: عليّ أقضانا، وأُبي أقرؤنا.
ومن المناقب عن ابن عبّاس، قال: العلم ستّة أسداس، لعليّ من ذلك خمسة أسداس وللناس سدُس، ولقد شاركنا في السدُس، حتّى لهو أعلم به منّا. وعن ابن عبّاس أيضاً مثله(6).
٤٧٤ـ وروى ابن عبّاس عنه: أنّه شرح له في ليلة واحدة من حين أقبل
ظلامها حتّى أسفر صباحها(1)في شرح الباء من بِسْمِ اللهِ، ولم يتقدّم إلى السين، وقال: (لو شئت لأوقرت أربعين بعيراً من شرح بِسْمِ اللهِ)(2)(3).
٤٧٥ـ الطرائف: روى مسلم في صحيحه في أوّل كرّاس من جزء منه في النسخة المنقول فيها في تأويل: غَافِرِ الذَّنبِ(4)، أعني: حم ‡ تَنزِيلُ الْكِتَابِ(5)، عن ابن عبّاس، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يعرف بها الفتن. قال: وأراه زاد في الحديث: وكلّ جماعة كانت في الأرض أو تكون في الأرض ومن كلّ قرية كانت أو تكون في الأرض.
وروي أنّ عليّاً عليه السلام قال على المنبر: (سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فما من آية إلاّ وأعلم حيث نزلت، بحضيض جبل أو سهل أرض، وسلوني عن الفتن فما من فتنة إلاّ وقد علمت كونها(6)ومن يقتل فيها).
قال: وقد روى عنه نحو هذا كثير، ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الخامس منه، وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن سعيد، قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (سلوني) إلاّ عليّ بن أبي طالب صلي الله عليه وآله وسلم،
وروى ابن المغازلي بإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أتاني جبرئيل عليه السلام بدرنوك(1)من الجنّة، فجلست عليه، فلمّا صرت بين يدي ربّي كلّمني وناجاني، فما علّمني شيئاً إلاّ وعلّمت عليّاً، فهو باب علم مدينتي)، ثمّ دعاه إليه فقال: (يا عليّ! سلمك سلمي وحربك حربي، وأنت العلم بيني وبين أُمّتي بعدي)(2).
أقول: روى ابن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب، عن جماعة من الرواة والمحدّثين، قالوا: لم يقل أحد من الصحابة (سلوني) إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام (3). وقال ابن أبي الحديد: روى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية، عن علي بن الجعد، عن ابن شبرمة، قال: ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر (سلوني) إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام (4)(5).
٤٧٦ـ وعن مناقب الخوارزمي، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)(6)(7)
ومناقب الخوارزمي ص٤٠.
.٤٧٧ـ جامع الأخبار: بالإسناد عن الصدوق، عن ابن البرقي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه محمّد بن خالد، عن غياث بن إبراهيم، عن ثابت بن دينار، عن سعد بن طريف عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: (يا عليّ! أنا مدينة الحكمة(1)وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلاّ من قبل الباب، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك، لأنّك منّي وأنا منك، لحمك من لحمي، ودمك من دمي، وروحك من روحي، وسريرتك سريرتي، وعلانيتك علانيتي وأنت إمام أُمّتي وخليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك وشقي من عصاك، وربح من تولاّك وخسر من عاداك، وفاز من لزمك وهلك من فارقك، مثلك ومثل الأئمّة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلّما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة)(2)(3).
٤٧٨ـ العمدة: ابن المغازلي، عن محمّد بن أحمد بن عثمان، عن أحمد ابن إبراهيم، عن محمّد بن حميد، عن محمّد بن محمّد بن عثمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب)(4)(5).
٤٧٩ـ وروى أيضاً، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أنا دار الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب). وروى عن سلمة بن كهيل عن عليّ عليه السلام عنه صلي الله عليه وآله وسلم مثله(1)(2).
٤٨٠ـ أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان بن غالب ومحمّد بن سعيد بن شرجيل، عن الحسن بن علي بن عبد الغني، عن عبد الوهاب بن همام، عن أبيه همام بن نافع، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال(3): (أنا مدينة الجنّة وعليّ بابها، فمن أراد الجنّة فليأتها من بابها)(4)(5).
٤٨١ـ ووجدت في كتاب سليم بن قيس، عن أبان بن أبي عياش، عنه، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: سمعت من عليّ عليه السلام حديثاً لم أدر ما وجهه، سمعته يقول: (إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أسرّ إليَّ في مرضه وعلّمني مفتاح ألف باب من العلم يفتح كلّ باب ألف باب)، وإنّي لجالس بذي قار في فسطاط عليّ عليه السلام، وقد بعث الحسن وعمّاراً يستفزّان(6)الناس، إذ أقبل عليّ عليه السلام فقال: (يا بن عبّاس! يقدم عليك الحسن ومعه أحد عشر ألف رجل غير
رجل أو رجلين)، فقلت في نفسي: إن كان كما قال فهو من تلك الألف باب، فلمّا أظلّنا الحسن عليه السلام بذلك الحدّ(1)، استقبلت الحسن عليه السلام فقلت لكاتب الجيش الذي معه أسماؤهم: كم رجل معكم؟ فقال: أحد عشر ألف رجل غير رجل أو رجلين(2)(3).
٤٨٢ـ الخطيب في الأربعين، قال ابن عبّاس: كنّا في جنازة، فقال عليّ عليه السلام لزوج أُمّ الغلام: (أمسك عن امرأتك)، فقال له عمر: ولم يمسك عن امرأته؟ أخرج ممّا جئت(4)به؟! قال: (نعم، نريد أن تستبرئ رحمهما، فلا يلقى فيها شيء فيستوجب به الميراث من أخيه ولا ميراث له)، فقال عمر: أعوذ بالله من معضلة لا عليّ لها(5).
٤٨٣ـ دخل ابن عبّاس على أمير المؤمنين عليه السلام، وقال: إنّ الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا منك، وهو يخصف نعلاً، قال: (أما والله، إنّ لي لهما أحبّ إليَّ من أمركم هذا إلاّ أن أقيم حدّاً أو أدفع باطلاً)(6).
٤٨٤ـ وروي عن ابن عبّاس، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أطرق هبنا أن نبتدئه بالكلام. وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: بم غلبت الأقران؟ قال:
(بتمكّن هيبتي في قلوبهم)(1).
٤٨٥ـ قال ابن عبّاس: فَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: عتبة، وشيبة، والوليد، قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ الآيات، وأنزل في أمير المؤمنين، وحمزة، وعبيدة: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ، إلى قوله: صِرَاطِ الْحَمِيدِ(2)(3).
٤٨٦ـ أسباب النزول: روى قيس بن سعد بن عبادة، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزينا يوم بدر، إلى قوله: عَذَابُ الْحَرِيقِ. وروى جماعة عن ابن عبّاس: نزل قوله: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ(4)يوم بدر في هؤلاء الستّة(5).
٤٨٧ـ تفسير أبي يوسف النسوي، وقبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(6)الآية، نزلت في: عليّ، وحمزة، وعبيدة، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ: عتبة، وشيبة، والوليد.
الكلبي نزلت في بدر: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(1)(2).
٤٨٨ـ أمالي الصدوق: الطالقاني، عن محمّد بن جرير الطبري، عن الحسن بن محمّد، عن محمّد بن عبد الرحمن المخزومي، عن محمّد بن أبي يعفور، عن موسى بن أبي أيوب التميمي، عن موسى بن المغيرة، عن الضحّاك بن مزاحم، قال: ذكر عليّ عليه السلام عند ابن عبّاس بعد وفاته، فقال: وا أسفاه على أبي الحسن! مضى والله ما غيّر ولا بدّل، ولا قصر ولا جمع، ولا منع ولا آثر إلاّ الله، والله لقد كانت الدنيا أهون عليه من شسع نعله، ليث في الوغى، بحر في المجالس، حكيم في الحكماء، هيهات قد مضى إلى الدرجات العلى(3)(4)
والدرّ النظيم ص٢٤٠، ط جماعة المدرسين بقم. (مهدي).
.٤٨٩ـ ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أخذ ومنه فرع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحّة ذلك، لأنّ أكثره عنه، وعن عبد الله بن عبّاس، وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته(5)وانقطاعه إليه، وإنّه تلميذه وخريجه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة
من المطر إلى البحر المحيط(1).
٤٩٠ـ وعن ابن عبّاس بطرق كثيرة: أنّه لم تردّ الشمس إلاّ لسليمان وصيّ داود، وليوشع وصيّ موسى، ولعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.
وأمّا طعن الملاحدة أنّ ذلك يبطل الحساب والحركات، فمجاب: بأنّ الله تعالى ردّها وردّ معها الفلك، فلا يختلف الحساب والحركات، ونقول بردها ثمّ يحدث فيها من السير ما يظهر وتلحق بموضعها ولا يظهر على الفلك، وذلك مبني على حدوث العالم وإثبات المحدث. وأمّا اعتراض ابن فورك في كتاب الفصول من تعليق الأصول: أنّه لو كان ذلك صحيحاً لرآه جميع الناس في جميع الأقطار. فالانفصال منه بما أجيب عنه من اعترض على انشقاق القمر للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(2).
٤٩١ـ أمالي الصدوق: القطّان، عن القاسم بن العبّاس، عن أحمد بن يحيى الكوفي، عن أبي قتادة، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن زاذان، عن ابن عبّاس، قال: لمّا فتح الله عزّ وجلّ مكّة خرجنا ونحن ثمانية آلاف رجل، فلمّا أمسينا صرنا عشرة آلاف من المسلمين، فرفع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الهجرة، فقال: (لا هجرة بعد فتح مكّة).
قال: ثمّ انتهينا إلى هوازن، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ بن أبي طالب عليه السلام:
(يا علي! قم فانظر كرامتك على الله عزّ وجلّ، كلّم الشمس إذا طلعت).
قال ابن عبّاس: والله ما حسدت أحداً إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام في ذلك اليوم، وقلت للفضل: قم ننظر كيف يكلّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام الشمس! فلمّا طلعت الشمس قام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: (السلام عليك أيّتها العبد الصالح الدائب في طاعة الله ربّه)، فأجابته الشمس وهي تقول: وعليك السلام يا أخا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ووصيّه وحجّة الله على خلقه. قال: فانكب عليّ عليه السلام ساجداً شكراً لله عزّ وجلّ. قال: فوالله لقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قام فأخذ برأس عليّ عليه السلام يقيمه ويمسح وجهه، ويقول: (قم حبيبي فقد أبكيت أهل السماء من بكائك وباهى الله عزّ وجلّ بك حملة عرشه)(1). قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن موسى، عن أحمد بن جعفر بن نصر، عن عمر بن خلاد، عن أبي قتادة مثله(2)(3).
٤٩٢ـ تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن محمّد بن مخلّد الجعفي معنعناً، عن سليمان بن يسار، قال: رأيت ابن عبّاس لمّا توفّي أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وقد قعد على المسجد محتبياً(4)ووضع فرقه على ركبتيه وأسند يده تحت خده، وقال: أيّها الناس، إنّي قائل فاسمعوا من شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر، سمعت عن رسول الله يقول: (إذا مات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأخرج من الدنيا ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها)، فقلت: وما هي يا رسول الله؟ فقال: (تقلّ الأمانة، وتكثر الخيانة، حتّى يركب الرجل الفاحشة وأصحابه ينظرون إليه، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة، ألا وإنّ الأرض لم تخل(1)منّي ما دام عليّ بن أبي طالب حيّاً في الدنيا بقية من بعدي، عليّ في الدنيا عوض منّي بعدي(2)، عليّ كجلدي، عليّ لحمي، عليّ عظمي، عليّ كدمي، عليّ عروقي، عليّ أخي ووصيي في أهلي، وخليفتي في قومي، ومنجز عداتي، وقاضي ديني، قد صحبني عليّ في ملمات أمري، وقاتل معي أحزاب الكفّار، وشاهدني في الوحي، وأكل معي طعام الأبرار، وصافحه جبرئيل عليه السلام مراراً نهاراً جهاراً(3)، وشهد جبرئيل وأشهدني أنّ عليّاً عليه السلام من الطيبين الأخيار، وأنا أشهدكم معاشر الناس لا يتسائلون(4)من علم آمركم ما دام عليّ فيكم، فإذا فقدتموه فعند ذلك تقوم الآية: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ(5)، صدق الله وصدق نبيّ الله)(6)(7).
٤٩٣ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام: بالإسناد إلى دارم، قال: حدّثنا علي بن موسى الرضا ومحمّد بن عليّ عليهما السلام، قالا: سمعنا المأمون يحدّث عن الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال ابن عبّاس لمعاوية: أتدري لم سمّيت فاطمة فاطمة؟ قال: لا، قال: لأنّها فطمت هي وشيعتها من النار، سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقوله(1).
٤٩٤ـ وروى عبد الله بن عمر ابن عبّاس، قال: لمّا أصيب معاوية، قال(2): ما آسى على شيء إلاّ على أن أحجّ ماشياً، ولقد حجّ الحسن بن عليّ عليهما السلام خمساً وعشرين حجّة ماشياً وإنّ النجائب لتقاد معه، وقد قاسم الله مرّتين حتّى أن كان ليعطي النعل ويمسك النعل، ويعطى الخفّ ويمسك الخفّ.
(بيان): أسي على مصيبته بالكسر يأسى أسى، أي: حزن(3).
٤٩٥ـ الخرائج: روي أنّ الحسن عليه السلام وعبد الله بن العبّاس كانا على مائدة، فجاءت جرادة ووقعت على المائدة، فقال عبد الله للحسن: أي شيء مكتوب على جناح الجرادة؟ فقال عليه السلام: (مكتوب عليه: أنا الله لا إله إلاّ أنا ربّما أبعث الجراد لقوم جياع ليأكلوه، وربّما أبعثها نقمة على قوم فتأكل أطعمتهم)، فقام عبد الله وقبل رأس الحسن، وقال: هذا من مكنون العلم(4)
أخرج هذا الخبر غير واحد، وقد مرّ ذكره بتفصيل مع تفاوت سنداً ومتناً، فراجع. (مهدي).
.٤٩٦ـ وفي حديث مدرك بن أبي زياد، قلت لابن عبّاس وقد أمسك للحسن ثمّ الحسين بالركاب، وسوى عليهما: أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب؟! فقال: يا لكع، وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أو ليس ممّا أنعم الله عليَّ به أن أمسك لهما وأسوي عليهما(1).
٤٩٧ـ الاحتجاج: روى سليم بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، قال: قال لي معاوية: ما أشدّ تعظيمك للحسن والحسين، ما هما بخير منك، ولا أبوهما بخير من أبيك، لولا أنّ فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لقلت ما أُمّك أسماء بنت عميس بدونها؟! قال: فغضبت من مقالته، وأخذني ما لا أملك، فقلت: إنّك لقليل المعرفة بهما وبأبيهما وأُمّهما، بلى والله، هما خير منّي، وأبوهما خير من أبي، وأُمّهما خير من أُمّي، ولقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته. فقال معاوية ــ وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام، وابن جعفر رحمه الله ، وابن عبّاس، وأخيه الفضل ــ: هات ما سمعت، فوالله ما أنت بكذاب. فقال: إنّه أعظم ممّا في نفسك. قال: وإن كان أعظم من أحد وحرى، فإنّه ما لم يكن أحد من أهل الشام لا أبالي، أما إذا قتل الله طاغيتكم، وفرق جمعكم وصار الأمر في أهله ومعدنه، فلا نبالي ما قلتم، ولا يضرّنا ما ادعيتم. قال: (سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من كنت أولى به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه ــ وعليّ بين يديه عليهما السلام [في
1) - ٤٣/٣١٩.
البيت والحسن والحسين، وعمر بن أُمّ سلمة، وأسامة بن زيد](1)وفي البيت فاطمة عليها السلام، وأُمّ أيمن، وأبو ذرّ، والمقداد، والزبير بن العوام، وضرب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم على عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثاً، ثمّ نصّ بالإمامة على الأئمّة تمام الاثني عشر عليهم السلام، ثمّ قال صلوات الله عليه: (ولأُمّتي اثنا عشر إمام ضلالة كلّهم ضالّ مضلّ عشرة من بني أُميّة ورجلان من قريش، وزر جميع الاثني عشر وما أضلّوا في أعناقهما)، ثمّ سماهما رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وسمّى العشرة معهما. قال: فسمّهم لنا، قال: فلان وفلان وفلان، وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، أوّلهم مروان. قال معاوية: لئن كان ما قلت حقّاً لقد هلكت وهلكت الثلاثة قبلي، وجميع من تولاّهم من هذه الأُمّة، ولقد هلك أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار والتابعين غيركم أهل البيت وشيعتكم، قال ابن جعفر: فإنّ الذي قلت والله حقّ سمعته من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. قال معاوية للحسن والحسين وابن عبّاس: ما يقول ابن جعفر؟ قال ابن عبّاس ــ ومعاوية بالمدينة أوّل سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل عليّ عليه السلام: أرسل إلى الذين سمّى. فأرسل إلى عمر بن أُمّ سلمة، وأسامة، فشهدوا جميعاً أنّ الذي قال ابن جعفر حقّ قد سمعوا من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كما سمعه(2).
ثمّ أقبل معاوية إلى الحسن والحسين، وابن عبّاس، والفضل، وابن أُمّ سلمة، وأسامة، فقال: كلّكم على ما قال ابن جعفر؟ قالوا: نعم، قال معاوية: فإنّكم يا بني عبد المطّلب لتدعون أمراً عظيماً وتحتجّون بحجّة قوّية، فإن كانت حقّاً فإنّكم لتبصرون على أمر وتسترونه، والناس في غفلة وعمى، ولئن كان ما تقولون حقّاً لقد هلكت الأُمّة، ورجعت عن دينها، وكفرت بربّها وجحدت نبيّها إلاّ أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم، فأولئك قليل في الناس.
فأقبل ابن عبّاس على معاوية، فقال: قال الله: وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(1)، وقال: وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ(2)، وما تعجب منّي يا معاوية أعجب من بني إسرائيل، إنّ السحرة قالوا لفرعون: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ(3)فآمنوا بموسى وصدّقوه، ثمّ سار بهم ومن اتّبعهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر، وأراهم العجائب، وهم مصدّقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه، ثمّ مرّوا بأصنام تعبد، فقالوا: اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(4)، وعكفوا على العجل جميعاً غير هارون، فقالوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى(5)، وقال لهم موسى بعد ذلك: ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ(6)،
فكان من جوابهم ما قصّ الله عزّ وجلّ عليهم، فقال موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(1). فما اتّباع(2)هذه الأُمّة رجالاً سودوهم وأطاعوهم، لهم سوابق مع رسول الله ومنازل قريبة منه، وأصهار مقرين بدين محمّد وبالقرآن، حملهم والكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليّهم، بأعجب من قوم صاغوا من حليهم عجلاً ثمّ عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له، ويزعمون أنّه ربّ العالمين، واجتمعوا على ذلك كلّهم غير هارون وحده. وقد بقي مع صاحبنا الذي هو من نبيّنا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس: سلمان، وأبو ذرّ، والمقداد، والزبير، ثمّ رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتّى لقوا الله. وتتعجب يا معاوية أن سمّى الله من الأئمّة واحداً بعد واحد، قد نصّ عليهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بغدير خمّ وفي غير موطن واحتجّ بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم وأخبر أنّ أوّلهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام ولي كلّ مؤمن ومؤمنة من بعده، وأنّه خليفته فيهم ووصيه، وقد بعث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جيشاً يوم موته، فقال: (عليكم جعفر فإن هلك فزيد، فإن هلك فعبد الله بن رواحة)، فقتلوا جميعاً، أفتراه يترك الأُمّة ولم يبيّن لهم من الخليفة بعده، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة، كأنّ رأيهم لأنفسهم أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره، وما ركب القوم ما ركبوا إلاّ بعد ما بينه، وما تركهم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في عمى ولا شبهة. فأمّا ما قال الرهط
الأربعة الذين تظاهروا على عليّ عليه السلام وكذبوا على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وزعموا أنّه قال: إنّ الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوّة والخلافة، فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم. قال معاوية: ما تقول يا حسن؟ قال: (يا معاوية! قد سمعت ما قلت وما قال ابن عبّاس، العجب منك يا معاوية ومن قلّة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم، وردّ الأمر إلى معدنه، فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟ ويل لك يا معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس، وسنّوا لك هذه السُنّة، لأقولنّ كلاماً ما أنت أهله، ولكنّي أقول لتسمعه بنو أبي هؤلاء حولي.:إنّ الناس قد اجتمعوا على أمور كثيرة، ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة: على شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله وعبده، والصلوات الخمس والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، ثمّ أشياء كثيرة من طاعة الله التي لا تحصى ولا يعدّها إلاّ الله، واجتمعوا على تحريم الزنا، والسرقة، والكذب والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدّها إلاّ الله. واختلفوا في سنن اقتتلوا فيها، وصاروا فرقاً يلعن بعضهم بعضاً وهي الولاية ويبرأ بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً أيّهم(1)أحقّ وأولى بها، إلاّ فرقة تتّبع كتاب الله، وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف وردّ علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجا به من النار، ودخل الجنّة، ومن وفّقه الله ومن عليه واحتجّ عليه بأن نوّر قلبه
1) - أنّهم خ. كسابقه.
بمعرفة ولاة الأمر من أئمّتهم، ومعدن العلم أين هو؟ فهو عند الله سعيد، ولله وليّ، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: رحم الله امرءاً علم حقّاً فقال فغنم، أو سكت فسلم. نحن نقول أهل البيت: إنّ الأئمّة منّا، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ فينا، وإنّ الله جعلنا أهلها في كتابه وسُنّة نبيّه صلي الله عليه وآله وسلم، وإنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه، بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وخطّ عليّ عليه السلام بيده. وزعم قوم أنّهم أولى بذلك منّا، حتّى أنت يا بن هند تدّعي ذلك، وتزعم أنّ عمر أرسل إلى أبي: أنّي أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إليَّ بما كتبت من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك، قال: ولم؟ قال: لأنّ الله تعالى قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(1)، قال: إيّاي عنى ولم يعنك، ولا أصحابك، فغضب عمر. ثمّ قال: إنّ ابن أبي طالب يحسب أن أحداً ليس عنده علم غيره، من كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتني، فإذا جاء رجل فقرأ شيئاً معه فيه آخر(2)كتبه وإلاّ لم يكتبه، ثمّ قالوا: قد ضاع منه قرآن كثير، بل كذبوا والله، بل هو مجموع محفوظ عند أهله. ثمّ أمر عمر قضاته وولاته: أجهدوا آراءكم واقضوا بما ترون أنّه الحقّ، فلا يزال هو بعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتجّ عليهم بها فتجتمع القضاة عند خليفتهم، وقد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم لأنّ الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كلّ
صنف من مخالفينا من أهل هذه القبلة أنّ معدن الخلافة والعلم دوننا، فنستعين بالله على من ظلمنا، وجحدنا حقّنا وركب رقابنا، وسنّ للناس علينا ما يحتجّ به مثلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل. إنّما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقّنا، ويسلّم لنا، ويأتم بنا، فذلك ناج محبّ لله وليّ، وناصب لنا العداوة يتبرأ منّا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقّنا ويدين الله بالبراءة منّا، فهذا كافر مشرك فاسق، وإنّما كفر وأشرك من حيث لا يعلم، كما سبّوا الله (عدوا) بغير علم(1)كذلك يشرك بالله بغير علم، ورجل آخذ بما [لا] يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى مع ولايتنا، ولا يأتم بنا ولا يعادينا ولا يعرف حقّنا، فنحن نرجو أن يغفر الله له ويدخله الجنّة، فهذا مسلم ضعيف). فلمّا سمع ذلك معاوية، أمر لكلّ واحد منهم بمائة ألف درهم غير الحسن والحسين وابن جعفر، فإنّه أمر لكلّ واحد منهم بألف ألف درهم(2).
أقول: وجدته في كتاب سليم برواية ابن أبي عياش عنه بتغيير: ما وقد أوردته في كتاب الفتن، وقد مرّ بعض الخبر بأسانيد في باب نصّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم على الاثني عشر صلوات الله عليهم(3)(4).
1) - مأخوذ من قوله تعالى: ayebazوَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍayebaste سورة الأنعام/١٠٨، يعنى فكما سبّ المشركون الله عدوا بغير علم، يشرك هؤلاء بالله من غير علم. (هامش الأصل).
2) - الاحتجاج: ١٤٧ ــ ١٤٨. كسابقه.
3) - أخرجه في ٣٦ /٢٣١ (الطبعة الحديثة) عن كمال الدين، والخصال وعيون الأخبار، للصدوق وهكذا عن غيبة الشيخ النعماني. كسابقه.
4) - ٤٤/٩٧ ــ ١٠٢.
٤٩٨ـ الروضة، الفضائل: عن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، عن ربعي، عن خراش، قال: سأل معاوية ابن عبّاس، قال: فما تقول في عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟ قال: عليّ أبو الحسن عليه السلام، عليّ كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحلّ الحجى، ومحتد الندا، وطود النهى، وعلم الورى، ونوراً في ظلمة الدجى، وداعياً إلى المحجّة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، وسامياً إلى المجد والعلا، وقائد الدين والتقى، وسيّد من تقمص وارتدى، بعل بنت المصطفى، وأفضل من صام وصلّى، وأفخر من ضحك وبكى، صاحب القبلتين، فهل يساويه مخلوق كان أو يكون. كان والله كالأسد مقاتلاً، ولهم في الحروب حاملاً، على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد.
إيضاح: المحتد بالكسر الأصل، والندا: العطاء، والطود الجبل العظيم(1).
٤٩٩ـ ربيع الأبرار، عن الزمخشري، والعقد عن ابن عبد ربّه(2): أنّه لمّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ عليهما السلام سجد وسجد من حوله، وكبّر وكبّروا معه، فدخل عليه ابن عبّاس، فقال له: يا بن عبّاس! أمات أبو محمّد؟ قال: نعم، رحمه الله، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله، ما يسدّ جثمانه
حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. قال: حسبته ترك صبية صغاراً ولم يترك عليهم كثير معاش، فقال: إنّ الذي وكلّهم إليه غيرك.
وفي رواية كنّا صغاراً فكبرنا. قال: فأنت تكون سيّد القوم. قال: أمّا أبو عبد الله الحسين بن عليّ عليهما السلام باقٍ.
للفضل بن عبّاس:
أصبح اليوم ابن هند آمنا *** ظاهر النخوة إذ مات الحسن
رحمة الله عليه إنّما *** طالما أشجى ابن هند وأرن
استراح اليوم منه بعده *** إذ ثوى رهناً لأحداث الزمن
فارتع اليوم ابن هند آمنا *** إنما يقمص بالعير السمن(1)
(بيان): أشجاه أحزنه، والأرن بالتحريك النشاط، يقال: أرن كفرح والأنسب هنا الفتح، وكونه بتشديد النون بأن يكون من الرنين بمعنى الصياح وفاعله ابن هند بعيد، والعير الحمار الوحشي والأهلي أيضاً، ويقال: قمص الفرس وغيره يقمص ويقمص، وهو أن يرفع يديه ويطرحها معاً ويعجن برجليه، وقمص به، أي: وثب وطرحه، والحاصل أنّ السمن آفة للعير يصرعه ويقتله(2).
٥٠٠ـ كتاب التخريج: عن العامري بالإسناد، عن هبيرة بن مريم(3)،
عن ابن عبّاس، قال: رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجّه إلى العراق على باب الكعبة وكفّ جبرئيل في كفّه وجبرئيل ينادي: هلّموا إلى بيعة الله عزّ وجلّ.
وعنف ابن عبّاس على تركه الحسين عليه السلام، فقال: إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم. وقال محمّد ابن الحنفية: وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم(1)(2).
٥٠١ـ كامل الزيارة: الحسين بن علي الزعفراني، عن محمّد بن عمرو الأسلمي، عن عمرو بن عبد الله بن عنبسة، عن محمّد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: الملك الذي جاء إلى محمّد صلي الله عليه وآله وسلم يخبره بقتل الحسين كان جبرئيل الروح الأمين منشور الأجنحة، باكياً صارخاً، قد حمل من تربته، وهو يفوح كالمسك، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (وتفلح أُمّة تقتل فرخي؟!) أو قال: (فرخ ابنتي) قال جبرئيل: يضربها الله بالاختلاف فيختلف قلوبهم(3).
٥٠٢ـ أمالي الصدوق: السناني، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن علي بن عاصم، عن الحصين بن عبد الرحمان، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خرجته إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو بشط الفرات، قال بأعلا صوته: (يا بن عبّاس! أتعرف هذا الموضع؟) قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: (لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي). قال: فبكى طويلاً حتّى إخضلت
لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معاً وهو يقول: (أوه أوه، مالي ولآل أبي سفيان؟! مالي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر؟! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم). ثمّ دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة فصلّى ما شاء الله أن يصلّي، ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل إلاّ أنّه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثمّ انتبه، فقال: (يا بن عبّاس!) فقلت: ها أنا ذا، فقال: (ألا أحدّثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي؟) فقلت: نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين. قال: (رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع، وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة، ثمّ رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض تضطرب بدم عبيط، وكأنّي بالحسين سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه يستغيث فيه فلا يغاث، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من المساء ينادونه ويقولون: صبراً آل الرسول، فإنّكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة، ثمّ يعزونني ويقولون: يا أبا الحسن أبشر، فقد أقرّ الله به عينك يوم يقوم الناس لربّ العالمين. ثمّ انتبهت هكذا. والذي نفس عليّ بيده، لقد حدّثني الصادق المصدق أبو القاسم صلي الله عليه وآله وسلم أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يدفن فيها الحسين عليه السلام وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة، وإنّها لفي السماوات معروفة، تذكر أرض كرب وبلاء، كما تذكر بقعة الحرمين، وبقعة بيت المقدس).
ثمّ قال لي: (يا بن عبّاس! اطلب في حولها بعر الظباء، فوالله ما كذبت
ولا كذبت وهي مصفرة لونها لون الزعفران).
قال ابن عبّاس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أمير المؤمنين! قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي، فقال عليّ عليه السلام: (صدق الله ورسوله). ثمّ قام عليه السلام يهرول إليها فحملها وشمّها، وقال: (هي هي بعينها، أتعلم يا بن عبّاس ما هذه الأبعار؟ هذه قد شمّها عيسى بن مريم، وذلك أنّه مرّ بها ومعه الحواريون فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهي تبكي فجلس عيسى، وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى. فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد صلي الله عليه وآله وسلم وفرخ الحرّة الطاهرة البتول، شبيهة أُمّي، ويلحد فيها طينة أطيب من المسك لأنّها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا يكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول: إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض. ثمّ ضرب بيده إلى هذه الصيران(1)فشمّها وقال: هذه بعر الظباء على هذه الطيب لمكان حشيشها، اللّهمّ فأبقها أبداً حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء وسلوة، قال، فبقت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء). ثمّ قال بأعلا صوته:
1) - الصيران: جمع صوار ــ كغراب وكتاب ــ ومن معانيها وعاء المسك، كأنّه أراد تشبيه البعر بنافجة المسك لطيبها، ويحتمل أن يكون جمع صور ــ بالفتح ــ وأراد به الحشيش الملتف النابت في تلك الأرض. (هامش الأصل).
(يا ربّ عيسى بن مريم! لا تبارك في قتلته، والمعين عليه والخاذل له). ثمّ بكى بكاء طويلاً وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصره في ردائه وأمرني أن أصرها كذلك.
ثمّ قال: (يا بن عبّاس! إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً، ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قتل بها، ودفن).
قال ابن عبّاس: فوالله لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض الله عزّ وجلّ عليَّ وأنا لا أحلّها من طرف كمّي، فبينما أنا نائم في البيت إذا انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً، وكان كمّي قد امتلأ دماً عبيطاً، فجلست وأنا باك وقلت: قد قتل والله الحسين، والله ما كذبني عليّ قطّ في حديث حدّثني ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلاّ كان كذلك لأنّ رسول الله كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره. ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر، فرأيت والله المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثمّ طلعت الشمس ورأيت كأنّها منكسفة، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باك، فقلت: قد قتل والله الحسين، وسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول:
اصبروا آل الرسول *** قتل الفرخ النحول(1)
نزل الروح الأمين *** ببكاء وعويل
1) - كذا في النسخ كلّها والصواب (النحيل) صفة من النحول وهو الأنسب بقافية النظم. كسابقه.
ثمّ بكى بأعلا صوته وبكيت، فأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرم يوم عاشوراً لعشر مضين منه، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ولا ندري ما هو، فكنّا نرى أنّه الخضر عليه السلام (1)(2).
٥٠٣ـ أمالي الصدوق: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل جنّة عدن منزلي، ويمسك قضيباً غرسه ربّي عزّ وجلّ، ثمّ قال له: كن فكان، فليتولّ عليّ بن أبي طالب، وليأتم بالأوصياء من ولده، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، إلى الله أشكوا أعداءهم من أُمّتي المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلن ابني بعدي الحسين لا أنا لهم الله شفاعتي)(3)(4).
٥٠٤ـ (تذنيب) قال السيّدS في كتاب تنزيه الأنبياء: فإن قيل: ما العذر في خروجه صلوات الله عليه من مكّة بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمّر فيها من قبل يزيد اللعين يتسلّط الأمر والنهي وقد رأى صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه صلوات الله عليهما، وأنّهم
غادرون خوانون، وكيف خالف ظنّه ظنّ جميع نصحائه في الخروج، وابن عبّاس رحمه الله يشير بالعدول عن الخروج، ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لمّا ودعه عليه السلام يقول له: ((أستودعك الله من قتيل)) إلى غير ذلك ممّن تكلّم في هذا الباب، ثمّ لمّا علم بقتل مسلم بن عقيل، وقد أنفذه رائداً له، كيف لم يرجع؟ ويعلم الغرور من القوم، ويفطن بالحيلة والمكيدة، ثمّ كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها كثيرة؟ ثمّ لمّا عرض عليه ابن زياد الأمان وأن يبايع يزيد كيف لم يستجب حقناً لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه؟ ولم ألقى بيده إلى التهلكة، وبدون هذا الخوف سلّم أخوه الحسن عليه السلام الأمر إلى معاوية، فكيف يجمع بين فعليهما في الصحّة؟
الجواب قلنا: قد علمنا أنّ الإمام متى غلب على ظنّه أنّه يصل إلى حقّه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمّل مثلها، وسيّدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالباً الكوفة إلاّ بعد توثق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها تقدّمت إليه في أيام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن عليه السلام فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسن عليه السلام ومعاوية باق فوعدهم ومناهم، وكانت أيام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها، فلمّا مضى معاوية وأعادوا المكاتبة، وبذلوا الطاعة وكرّروا الطلب والرغبة ورأي عليه السلام من قوّتهم على ما كان يليهم في الحال من قبل
يزيد، وتسلّطهم عليه وضعفه عنهم ما قوي في ظنّه أن المسير هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسبانه عليه السلام أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحقّ عن نصرته، ويتّفق ما اتّفق من الأمور الغريبة، فإنّ مسلم بن عقيل لمّا دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها، ولمّا وردها عبيد الله بن زياد ــ وقد سمع بخبر مسلم، ودخوله الكوفة وحصوله في دار هانئ بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة ــ وحصل شريك بن الأعور بها، جاء ابن زياد عائداً، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وأمكنه ذلك، وتيّسر له، فما فعل واعتذر بعد فوت الأمر إلى شريك بأنّ ذلك فتك، وأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ الإيمان قيد الفتك)، ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكّن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الأمر، ودخل الحسين عليه السلام الكوفة غير مدافع عنها، وحسر كلّ أحد قناعه في نصرته، واجتمع له من كان في قلبه نصرته، وظاهره مع أعدائه وقد كان مسلم بن عقيل أيضاً لمّا حبس ابن زياد هانئاً سار إليه في جماعة من أهل الكوفة حتّى حضره في قصره، وأخذ بكظمه وأغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفاً وجبناً، حتّى بث الناس في كلّ وجه يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا وتفرّق أكثرهم حتّى أمسى في شرذمة، وانصرف وكان من أمره ما كان وإنّما أردنا بذكر هذه الجملة، أنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجهة، وأنّ الاتّفاق السيئ عكس الأمر إلى ما يروون من صبره واستسلامه وقلّة ناصره على الرجوع إلى الحقّ ديناً أو حمية، فقد فعل ذلك نفر منهم حتّى قتلوا بين
يديه عليه السلام شهداء، ومثل هذا يطمع فيه ويتوقّع في أحوال الشدّة.
فأمّا الجمع بين فعله وفعل أخيه الحسن عليه السلام فواضح صحيح، لأنّ أخاه سلّم كفا للفتنة، وخوفاً على نفسه وأهله وشيعته، وإحساساً بالغدر من أصحابه، وهذا عليه السلام لمّا قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، ورأي من أسباب قوّة نصار الحقّ وضعف نصار الباطل، ما وجب معه عليه الطلب والخروج، فلمّا انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتّفاق، رام الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه عليه السلام، فمنع من ذلك، وحيل بينه وبينه، فالحالان متّفقان إلاّ أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه عليه السلام ولم يجب إلى الموادعة وطلبت نفسه عليه السلام فمنع منها بجهده حتّى مضى كريماً إلى جنّة الله تعالى ورضوانه. وهذا واضح لمتأمّله انتهى.
أقول: قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة دالّة على أنّ كلاًّ منهم عليهم السلام كان مأموراً بأمور خاصّة مكتوبة في الصحف السماوية النازلة على الرسول صلي الله عليه وآله وسلم فهم كانوا يعملون بها. ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلّقة بهم على أحكامنا، وبعد الاطّلاع على أحوال الأنبياء عليهم السلام وأنّ كثيراً منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة، ويسبّون آلهتهم، ويدعونهم إلى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل والالقاء في النار وغير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمّة الدين في أمثال ذلك، مع أنّه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين والنصوص المتواترة، لا
مجال للاعتراض عليهم، بل يجب التسليم لهم في كلّ ما يصدر عنهم. على أنّك لو تأمّلت حقّ التأمّل، علمت أنّه عليه السلام فدى نفسه المقدّسة دين جدّه، ولم يتزلزل أركان دول بني أُميّة إلاّ بعد شهادته، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلاّ عند فوزه بسعادته، ولو كان عليه السلام يسالمهم ويوادعهم كان يقوّى سلطانهم، ويشتبه على الناس أمرهم، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة، وآثار الهداية مندرسة، مع أنّه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنّه عليه السلام هرب من المدينة خوفاً من القتل إلى مكّة، وكذا خرج من مكّة بعد ما غلب على ظنّه أنّهم يريدون غيلته وقتله، حتّى لم يتيسّر له ــ فداه نفسي وأبي وأُمّي وولدي ــ أن يتمّ حجّة، فتحلّل وخرج منها خائفاً يترقّب، وقد كانوا لعنهم الله ضيقوا عليه جميع الأقطار، ولم يتركوا له موضعاً للفرار. ولقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاّه أمر الموسم وأمره على الحاج كلّهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سرّاً وإن لم يتمكّن منه بقتله غيلة، ثمّ إنّه دسّ مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة، وأمرهم بقتل الحسين عليه السلام على أي حال اتّفق، فلمّا علم الحسين عليه السلام بذلك، حلّ من إحرام الحجّ، وجعلها عمرة مفردة.
وقد روي بأسانيد أنّه لمّا منعه عليه السلام محمّد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة، قال: (والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني).
بل الظاهر أنّه صلوات الله عليه لو كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدّة عداوتهم، وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكلّ حيلة، ويدفعونه بكلّ وسيلة، وإنّما كانوا يعرضون البيعة عليه أوّلاً لعلمهم بأنّه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى إلى مروان لعنه الله كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه، وكان عبيد الله بن زياد عليه لعائن الله إلى يوم التناد يقول: أعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثمّ نرى فيه رأينا، ألا ترى كيف أمنّوا مسلماً ثمّ قتلوه.
فأمّا معاوية لعنه الله فإنّه مع شدّة عداوته وبغضه لأهل البيت عليهم السلام كان ذا دهاء ونكراء وحزم، وكان يعلم أن قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، وذهاب ملكه وخروج الناس عليه، فكان يداريهم ظاهراً على أي حال، ولذا صالحه الحسن عليه السلام ولم يتعرّض له الحسين، ولذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرّض للحسين عليه السلام لأنّه كان يعلم أنّ ذلك يصير سبباً لذهاب دولته. اللّهمّ العن كلّ من ظلم أهل بيت نبيّك، وقتلهم وأعان عليهم ورضي بما جرى عليهم من الظلم والجور لعناً وبيلاً، وعذبهم عذاباً أليماً، واجعلنا من خيار شيعة آل محمّد وأنصارهم، والطالبين بثأرهم مع قائمهم صلوات الله عليهم أجمعين(1).
٥٠٥ـ أحمد في المسند، عن أنس، والغزالي في كيمياء السعادة، وابن بطة في كتابه الإبانة من خمسة عشر طريقاً، وابن حبيش التميمي، واللفظ له
1) - ٤٥/٩٦ ــ ١٠٠.
قال ابن عبّاس: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أُمّ سلمة، وهي تقول: يا بنات عبد المطّلب! اسعدنني وابكين معي، فقد قتل سيّدكنّ، فقيل: ومن أين علمتِ ذلك؟ قالت: رأيت رسول الله الساعة في المنام شعثاً مذعوراً، فسألته عن ذلك؟ فقال: (قتل ابني الحسين وأهل بيته فدفنتهم). قالت: فنظرت فإذا بتربة الحسين الذي أتى بها جبرئيل من كربلا، وقال: إذا صارت دماً فقد قتل ابنك، فأعطانيها النبيّ، فقال: (اجعليها في زجاجة فلتكن عندك فإذا صارت دماً فقد قتل الحسين عليه السلام)، فرأيت القارورة الآن قد صارت دماً عبيطاً يفور(1)(2).
٥٠٦ـ أمالي الطوسي: ابن حشيش، عن أبي المفضل الشيباني، عن علي ابن محمّد بن مخلّد، عن محمّد بن سالم بن عبد الرحمن، عن عون بن مبارك الخثعمي، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه أبي المقدام، عن ابن جبير، عن ابن عبّاس، قال: بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أُمّ سلمة زوج النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء. فلمّا انتهيت إليها.
قلت: يا أُمّ المؤمنين! ما لك تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني، وأقبلت على النسوة الهاشميات، وقالت: يا بنات عبد المطّلب اسعديني وابكين معي فقد قتل والله سيّدكنّ وسيّد شباب أهل الجنّة، قد والله قتل سبط رسول الله
وريحانته الحسين.
فقلت: يا أُمّ المؤمنين! ومن أين علمت ذلك؟!
قالت: رأيت رسول الله في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: (قتل ابني الحسين عليه السلام وأهل بيته اليوم، فدفنتهم والساعة فرغت من دفنهم). قالت: فقمت حتّى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلا، فقال: (إذا صارت هذه التربة دماً فقد قتل ابنك)، وأعطانيها النبيّ، فقال: (اجعل هذه التربة في زجاجة أو قال في قارورة ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قتل الحسين)، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور.
قال: فأخذت أُمّ سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين عليه السلام، فجاءت الركبان بخبره وأنّه قتل في ذلك اليوم.
قال عمرو بن ثابت: إنّي دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ منزله فسألته عن هذا الحديث، وذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبد الله بن عبّاس؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: (حدّثنيه عمر بن أبي سلمة عن أُمّه أُمّ سلمة). قال ابن عبّاس في رواية سعيد بن جبير عنه، قال: فلمّا كانت الليلة القابلة رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في منامي أغبر أشعث، فذكرت له ذلك، وسألته عن شأنه فقال لي: (ألم تعلم أنّي فرغت من دفن الحسين وأصحابه). قال عمرو بن أبي المقدام: فحدّثني سدير، عن أبي جعفر عليه السلام: أنّ جبرئيل جاء
إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بالتربة التي يقتل عليها الحسين عليه السلام، قال أبو جعفر عليه السلام: (فهي عندنا)(1).
٥٠٧ـ في بعض كتب المناقب، روى عن الحسن بن أحمد الهمداني، عن هبة الله ابن محمّد الشيباني، عن الحسن بن علي التميمي، عن أحمد بن جعفر القطيفي، عن إبراهيم بن عبد الله، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن عمّار: أنّ ابن عبّاس رأى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في منامه يوماً بنصف النهار، وهو أشعث أغبر، في يده قارورة فيها دم، فقال: يا رسول الله! ما هذا الدم؟ قال: (دم الحسين لم أزل التقطه منذ اليوم)، فاحصي ذلك اليوم، فوجد (أنّه) قتل في ذلك اليوم(2)(3).
٥٠٨ـ مناقب ابن شهرآشوب: تاريخ بغداد، وخراسان، والإبانة، والفردوس: قال ابن عبّاس: أوحى الله تعالى إلى محمّد صلي الله عليه وآله وسلم: أنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وأقتل بابن بنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. الصادق عليه السلام: (قتل بالحسين مائة ألف وما طلب بثأره، وسيطلب بثأره)(4)(5).
٥٠٩ـ وروى ابن شيرويه في الفردوس، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (قال لي جبرئيل: قال الله عزّ وجلّ: قتلت بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي أقتل بدم ابنك الحسين بن عليّ سبعين ألفاً وسبعين ألفاً).
وعن عليّ عليه السلام، عنه صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا)(1).
٥١٠ـ غيبة الشيخ الطوسي: إبراهيم بن سلمة، عن أحمد بن مالك، عن حيدر بن محمّد، عن عباد بن يعقوب، عن نصر بن مزاحم، عن محمّد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(2)، قال: هو خروج المهدي(3).
٥١١ـ غيبة الشيخ الطوسي: بهذا الإسناد، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا(4)، يعني: يصلح الأرض بقائم آل محمّد من بعد موتها يعني من بعد جور أهل مملكتها: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ، بقائم آل محمّد، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(5).
٥١٢ـ غيبة الشيخ الطوسي: أبو محمّد المجدي، عن محمّد بن علي بن تمام، عن الحسين بن محمّد القطعي، عن علي بن أحمد بن حاتم، عن
محمّد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قول الله: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ‡ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ، قال: قيام القائم عليه السلام، ومثله: أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً(1)، قال: أصحاب القائم يجمعهم الله في يوم واحد(2).
٥١٣ـ وقال أيضاً: حدّثنا يوسف بن يعقوب، عن محمّد بن أبي بكر المقري، عن نعيم بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، قال: لا يكون ذلك حتّى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملّة إلاّ دخل في الإسلام حتّى أمن الشاة والذئب، والبقرة والأسد، والإنسان والحيّة، وحتّى لا تقرض فأرة جراباً، وحتّى توضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وذلك قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(3)، وذلك يكون عند قيام القائم عليه السلام (4).
٥١٤ـ وبالإسناد يرفعه إلى ابن عبّاس في قوله تعالى: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(5)، قال: هو خروج المهدي عليه السلام.
وبالإسناد أيضاً عن ابن عبّاس، في قوله تعالى(1): [وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(2)، قال: هو خروج المهدي عليه السلام.
وبالإسناد أيضاً عن ابن عبّاس، في قوله تعالى]: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا(3)، قال: يصلح الله الأرض بقائم آل محمّد، بَعْدَ مَوْتِهَا، يعني: بعد جور أهل مملكتها، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ بالحجّة من آل محمّد، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(4).
٥١٥ـ إكمال الدين: ابن إدريس، عن أبيه، عن محمّد بن آدم، عن أبيه، عن ابن أياس، عن المبارك بن فضالة، عن وهب بن منبه يرفعه إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لمّا عرج بي ربّي جلّ جلاله أتاني النداء يا محمّد! قلت: لبيك ربّ العظمة لبيك.
فأوحى الله عزّ وجلّ إليَّ: يا محمّد! فيم اختصم الملا الأعلى؟ قلت: إلهي لا علم لي.
فقال لي: يا محمّد! هلا اتّخذت من الآدميين وزيراً وأخاً ووصيّاً من بعدك؟ فقلت: إلهي ومن أتّخذ؟ تخيّر لي أنت يا إلهي.
فأوحى الله إليَّ: يا محمّد! قد اخترت لك من الآدميين عليّاً. فقلت:
إلهي ابن عمّي!
فأوحى الله إليَّ: يا محمّد! إنّ عليّاً وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي من ورد عليه من مؤمني أُمّتك.
ثمّ أوحى الله عزّ وجلّ: يا محمّد! إنّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقّاً: لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك ولأهل بيتك وذرّيتك الطيبين حقّاً حقّا.
أقول: يا محمّد! لأدخلنّ الجنّة جميع أُمّتك إلاّ من أبى، فقلت: إلهي وأحد يأبى دخول الجنّة؟
فأوحى الله عزّ وجلّ: بلى، فقلت: فكيف يأبى؟
فأوحى الله عزّ وجلّ إليَّ: يا محمّد! اخترتك من خلقي واخترت لك وصيّاً من بعدك وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدك، وألقيت محبّة في قلبك، وجعلته أبا ولدك، فحقّه بعدك على أُمّتك كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه جحد حقّك ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة.
فخررت لله ساجداً شكراً لما أنعم إليَّ. فإذا مناد ينادي: ارفع يا محمّد رأسك وسلني أعطك؟
فقلت: يا إلهي! أجمع أُمّتي من بعدي على ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام ليردوا عليَّ جميعاً حوضي يوم القيامة.
فأوحى الله عزّ وجلّ إليَّ: يا محمّد! إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، وقضاي ماض فيهم لأهلك به من أشاء واهدي به من أشاء، وقد آتيته علمك من بعدك وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك وأُمّتك، عزيمة منّي، ولا يدخل الجنّة من عاداه وأبغضه وأنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن عاداه فقد عاداك، ومن عاداك فقد عاداني، ومن أحبّه فقد أحبّك، ومن أحبّك فقد أحبّني، وقد جعلت له هذه الفضيلة وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهدياً كلّهم من ذرّيتك من البكر البتول، وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أنجي به من الهلكة واهدي به من الضلالة، وأبرئ به الأعمى، وأشفي به المريض.
فقلت: إلهي وسيّدي! متى يكون ذلك؟
فأوحى الله عزّ وجلّ: يكون ذلك إذا رفع العلم وظهر الجهل، وكثر القرّاء، وقل العمل وكثر القتل، وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة والخونة، وكثر الشعراء، واتّخذ أُمّتك قبورهم مساجد، وحليت المصاحف وزخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمر أُمّتك به ونهى عن المعروف، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وصار الأمراء كفرة وأولياءهم فجرة وأعوانهم ظلمة، وذوو الرأي منهم فسقة، وعند ذلك ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخراب البصرة على يد رجل من ذرّيتك يتّبعه الزنوج، وخروج رجل من
ولد الحسين بن عليّ، وظهور الدجال، يخرج من المشرق من سجستان، وظهور السفياني.
فقلت: إلهي! ما يكون بعدي من الفتن؟
فأوحى الله إليَّ، وأخبرني ببلاء بني أُميّة لعنهم الله، ومن فتنة ولد عمّي، وما هو كائن إلى يوم القيامة، فأوصيت بذلك ابن عمّي حين هبطت إلى الأرض، وأديّت الرسالة ولله الحمد على ذلك كما حمده النبيّون، وكما حمده كلّ شيء قبلي وما هو خالقه إلى يوم القيامة).
(بيان): قوله تعالى فيما (اختصم الملا الأعلى) إشارة إلى قوله تعالى: مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(1)، والمشهور بين المفسرين أنّه إشارة إلى قوله تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً(2)، وسؤال الملائكة في ذلك، فلعلّه تعالى سأله أوّلاً عن ذلك ثمّ أخبره به، وبيّن أنّ الأرض لا تخلو من حجّة وخليفة، ثمّ سأله عن خليفته وعيّن له الخلفاء بعده، ولا يبعد أن يكون الملائكة سألوا في ذلك الوقت عن خليفة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم فأخبره الله بذلك، وقد مضى في باب المعراج بعض القول في ذلك. قوله تعالى: (وخراب البصرة) إشارة إلى قصّة صاحب الزنج الذي خرج في البصرة سنة ستّ أو خمس وخمسين ومأتين، ووعد كلّ من أتى إليه من السودان أن يعتقهم ويكرمهم، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، وبذلك
علا أمره، ولذا لقّب صاحب الزنج، وكان يزعم أنّه علي بن محمّد بن أحمد ابن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
وقال ابن أبي الحديد: وأكثر الناس يقدحون في نسبه، وخصوصاً الطالبيون وجمهور النسابين على أنّه من عبد القيس، وأنّه علي بن محمّد بن عبد الرحيم، وأُمّه أسدية من أسد بن خزيمة، جدّها محمّد بن الحكم الأسدي من أهل الكوفة؛ ونحو ذلك قال ابن الأثير في الكامل، والمسعودي في مروج الذهب، ويظهر من الخبر أنّ نسبه كان صحيحاً.
ثمّ اعلم، أنّ هذه العلامات لا يلزم كونها مقارنة لظهوره عليه السلام إذ الغرض بيان أنّ قبل ظهوره عليه السلام يكون هذه الحوادث، كما أنّ كثيراً من أشراط الساعة التي روتها العامّة والخاصّة ظهرت قبل ذلك بدهور وأعوام، وقصّة صاحب الزنج كانت مقارنة لولادته عليه السلام، ومن هذا الوقت ابتدأت علاماته إلى أن يظهر عليه السلام، على أنّه يحتمل أن يكون الغرض علامات ولادته عليه السلام لكنّه بعيد(1).
٥١٦ـ إكمال الدين: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن المعلّى، عن جعفر ابن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر، أوّلهم أخي وآخرهم ولدي). وقيل: يا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم! ومن أخوك؟ قال: (عليّ بن أبي طالب). قيل: فمن ولدك؟ قال: (المهدي
1) - ٥١/٦٨ ــ ٧١.
يملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لأطال الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم عليه السلام فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب)(1).
٥١٧ـ إكمال الدين: ابن المتوكّل، عن الأسدي، عن البرمكي، عن علي بن عثمان، عن محمّد بن الفرات، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: عليّ بن أبي طالب عليه السلام إمام أُمّتي، وخليفتي عليهم بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الله عزّ وجلّ به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً، إنّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر).
فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريـ فقال: يا رسول الله! وللقائم من ولدك غيبة؟
فقال: (إي وربّي: وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(2)، يا جابر! إنّ هذا لأمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله، مطويّ عن عباده، فإيّاك والشكّ في أمر الله فهو كفر)(3).
٥١٨ـ غيبة الشيخ الطوسي: أحمد بن إدريس، عن ابن قتيبة، عن
الفضل، عن مصبح، عن أبي عبد الرحمان، عمّن سمع وهب بن منبه يقول، عن ابن عبّاس، في حديث طويل، أنّه قال: يا وهب! ثمّ يخرج المهدي. قلت: من ولدك؟ قال: لا والله ما هو من ولدي ولكن من ولد عليّ عليه السلام فطوبى لمن أدرك زمانه، وبه يفرج الله عن الأُمّة حتّى يملاها قسطاً وعدلاً، إلى آخر الخبر(1).
٥١٩ـ أخرجه الحافظ أبو داود السجستاني في صحيحه(2)، ورواه غيره من الحفّاظ كالطبراني وغيره، وذكر ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس في باب الألف واللام(3)، بإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (المهدي طاووس أهل الجنّة)(4).
٥٢٠ـ الطرائف: ابن شيرويه في الفردوس، بإسناده إلى ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (المهدي طاووس أهل الجنّة)(5)
الفردوس ٤/٤٩٧.
.٥٢١ـ كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمّد بن العبّاس، عن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد، عن أحمد بن معمر الأسدي، عن محمّد بن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ
وجلّ: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(1)، قال: هذه نزلت فينا وفي بني أُميّة، تكون لنا دولة تذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة، وهوان بعد عزّ(2).
٥٢٢ـ الكفاية: بالإسناد السابق في الباب المذكور، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي أُمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلّة، فيعلي أمر الله، ويظهر دين الله، ويؤيّد بنصر الله، وينصر بملائكة الله، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(3)(4).
٥٢٣ـ حدّثنا علي بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمّد، عن أحمد بن معمر الأسدي، عن محمّد بن فضل، عن الكلبي(5)، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله عزّ وجلّ: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(6)، قال: هذه نزلت فينا وفي بني أُميّة، يكون لنا عليهم دولة فتذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة، وهوان بعد عزّ(7).
٥٢٤ـ حدّثنا هاشم بن [أبي] خلف، عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى ابن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال في خطبة خطبها في حجّة الوداع: (لأقتلن العمّالقة في كتيبة)، فقال له جبرئيل عليه السلام: (أو عليّ)، قال: (أو عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(1).
٥٢٥ـ وعن ابن عبّاس في قوله: وَالتَّرَائِبِ، قال: تريبة المرأة، وهو موضع القلادة(2).
وعن ابن عبّاس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزّ وجلّ: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(3)؟ قال: الترائب موضع القلادة من المرأة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
٥٢٧ـ وعن ابن عبّاس، قال: الترائب أربعة أضلاع من كلّ جانب من أسفل الأضلاع(1)(2).
٥٢٨ـ وعن ابن عبّاس في قوله: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(3)، قال: أن يجعل الشيخ شاباً، والشاب شيخاً(4)(5).
٥٢٩ـ قال ابن عبّاس: في بني آدم نفس وروح، وبينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وإذا مات قبض الله نفسه وروحه(6).
٥٣٠ـ الدرّ المنثور: عن ابن عبّاس في قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ(7)
ــ الآية ــ قال: نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه ويدع الروح في جوفه يتقلّب ويعيش، فإن بدا لله أن يقبضه قبض الروح فمات، وإن أخّر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه(8).
وعن ابن عبّاس في قوله الله: يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ ــ الآية ــ قال: كلّ نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتّى ينقطع السبب والتي لم تمت تترك(1).
وعن ابن عبّاس في الآية، قال: سبب ممدود(2)ما بين المشرق والمغرب بين السماء والأرض، فأرواح الموتى وأرواح الاحياء تأوي إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحيّة، فإذا أذن لهذه الحيّة بالانصراف إلى جسدها تستكمل رزقها أمسكت النفس الميتة وأرسلت الأُخرى(3)(4).
٥٣١ـ مجالس الصدوق: بإسناده عن ابن عبّاس، قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خروجه إلى صفّين، فلمّا نزل نينوى ــ وهو بشط الفرات ــ توضأ وصلّى ثمّ نعس فانتبه، فقال: (رأيت في منامي كأنّي برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلّدوا سيوفهم وهي بيض تلمع، وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة، ثمّ رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض يضطرب بدم عبيط، وكأنّي بالحسين فرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه يستغيث فلا يغاث، وكان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبراً آل الرسول، فإنّكم تقتلون على أيدي شرار الناس،
وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة، ثمّ يعزونني(1)ويقولون: يا أبا الحسن أبشر، فقد أقرّ الله(2)عينك به يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ثمّ انتبهت هكذا والذي نفس عليّ بيده لقد نبأني الصادق المصدّق أبو القاسم صلي الله عليه وآله وسلم أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة(3). (والحديث مختصر)(4).
٥٣٢ـ وعن ابن عبّاس: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا(5)، قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه(6)(7).
٥٣٣ـ وعن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (ألا إنّه لم يبق من مبشّرات النبوّة إلاّ الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)(8)(9).
٥٣٤ـ وعن ابن عبّاس، قال: إنّ الله أوحى إلى داود أن يسأل سليمان عن أربع عشرة كلمة، فإن أجاب ورثه العلم والنبوّة.
قال: أخبرني يا بني أين موضع العقل منك؟ قال: الدماغ.
قال: أين موضع الحياء منك؟ قال: العينان.
قال: أين موضع الباطل منك؟ قال: الأذنان.
قال: أين باب الخطيئة منك؟ قال: اللسان.
قال: أين طريق الريح منك؟ قال: المنخران.
قال: أين موضع الأدب والبيان منك؟ قال: الكلوتان.
قال: أين باب الفظاظة والغلظة منك؟ قال: الكبد.
قال: أين بيت الريح منك؟ قال: الرئة.
قال: أين باب الفرح منك؟ قال الطحال.
قال: أين باب الكسب منك؟ قال: اليدان.
قال: أين باب النصب منك؟ قال: الرجلان.
قال: أين باب الشهوة منك؟ قال: الفرج.
قال: أين باب الذرّية منك؟ قال: الصلب.
قال: أين باب العلم والفهم والحكمة؟ قال: القلب. إذا صلح القلب، صلح ذلك كلّه، وإذا فسد القلب فسد ذلك كلّه(1).
٥٣٥ـ الاختصاص: عن ابن عبّاس، قال: شهدنا مجلس أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، فإذا نحن بعدّة من العجم
1) - ٥٨/٣٣١.
فسلّموا عليه، فقالوا: جئناك لنسألك عن ستّ خصال، فإن أنت أخبرتنا آمنا وصدّقنا، وإلاّ كذّبنا وجحدنا.
فقال عليّ عليه السلام: سلوا متفّقهين ولا تسألوا متعنتين.
قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس: في صهيله، والحمار في نهيقه، والدراج في صياحه، والقنبرة في صفيرها، والديك في نعيقه، والضفدع في نقيقه؟
فقال عليّ عليه السلام: إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه، فيقول: (سبحان الملك القدوس)، ويقول الحمار في نهيقه: (اللّهمّ العن العشارين)، ويقول الديك في نعيقه بالأسحار: (اذكروا الله يا غافلين)، ويقول الضفدع في نقيقه: (سبحان المعبود في لجج البحار)، ويقول الدراج في صياحه: (الرحمن على العرش استوى)، وتقول القنبرة في صفيرها: (اللّهمّ العن مبغضي آل محمّد).
قال: فقالوا: آمنا وصدّقنا، وما على وجه الأرض من هو أعلم منك.
فقال عليه السلام: ألا أفيدكم؟ قالوا: بلى يا أمير ــ المؤمنين.
فقال: إنّ للفرس في كلّ يوم ثلاث دعوات مستجابات، يقول في أوّل نهاره: (اللّهمّ وسع على سيّدي الرزق)، ويقول في وسط النهار: (اللّهمّ اجعلني أحبّ إلى سيّدي من أهله وماله)، ويقول في آخر نهاره: (اللّهمّ ارزق سيّدي على ظهري الشهادة)(1).
1) - الاختصاص: ١٣٦. (هامش الأصل).
(بيان): نعق الغراب بالعين المهملة والمعجمة ينعق نعيقاً: صاح، ونق الضفدع ينق نقيقاً: صاح(1).
٥٣٦ـ وعن ابن عبّاس أنّه سُئل: كيف تفقّد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إنّ سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدلّ سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده. قيل: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيدها؟ فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر(2)(3).
٥٣٧ـ وذكر صاحب الترغيب والترهيب، والبيهقي في الشعب: عن ابن عبّاس: أنّ ملكاً من الملوك خرج يتصيّد في مملكته مختفّياً من الناس(4)، فنزل على رجل له بقرة، فراحت عليه تلك البقرة فحلبت مقدار ثلاثين بقرة، فحدّث الملك نفسه أن يأخذها، فلمّا كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها ثمّ راحت فحلبت نصف ذلك فدعا الملك صاحبها، فقال: أخبرني عن بقرتك هذه لم نقص حلابها؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟ قال: بلى، ولكن أرى الملك أضمر لبعض الرعية سوء فنقص لبنها، فإنّ الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة، قال: فعاهد الملك ربّه أن لا يأخذها ولا
يظلم أحداً، قال: فغدت ثمّ راحت(1)فحلبت حلابها في اليوم الأوّل فاعتبر الملك بذلك وعدل، وقال: إنّ الملك إذا ظلم أو همّ بظلم ذهبت البركة لا جرم لأعدلنّ ولأكوننّ على أفضل الحالات(2).
وقال: الغنم الشاة لا واحد له من لفظه(3).
٥٣٨ـ روى ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّ عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكّة، وكان أوّل من غير دين إسماعيل، فاتّخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: فلقد رأيته في النار تؤذّي أهل النار ريح قصبه). ويروى يجر قصبه في النار: وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ، أي: يكذبون على الله بادّعائهم أنّ هذه الأشياء من فعل الله أو أمره، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(4)خصّ الأكثر بأنّهم لا يعقلون لأنّهم أتباع فهم لا يعقلون أنّ ذلك كذب وافتراء كما يعقله الرؤساء. وقيل: إنّ معناه: أنّ أكثرهم لا يعقلون ما حرّم عليهم وما حلّل لهم، يعني: أنّ المعاند هو الأقلّ منهم(5)(6).
٥٣٩ـ أمان الأخطار: ذكر محمّد بن صالح مولى جعفر بن سليمان في كتاب نسب الخيل في حديث عن ابن عبّاس: أنّ إسماعيل عليه السلام لمّا بلغ أخرج الله له من البحر مائة فرس فأقامت ترعى بمكّة ما شاء الله، ثمّ أصبحت على بابه فرسنها وأنتجها وركبها(1)(2).
٥٤٠ـ وروى الطبراني: عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة)(3)
أخرجه أحمد في مسنده ٦/٢٠٠، والطبراني في الكبير ١١/٢٠٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢٢٩ وج٤/٤٧، وغيرهم. (مهدي).
.٥٤١ـ وفي الكامل: عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (من قتل وزغة فكأنّما قتل شيطاناً)(4).
٥٤٢ـ الدرّ المنثور: عن ابن عبّاس، قال: سُئل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قتل الحيّات؟ قال: (خلقت هي والإنسان كلّ واحد منهما عدوّ لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لذعته أوجعته، فاقتلها حيث وجدتها)(5)(6).
٥٤٣ـ وقال ابن عبّاس: إنّ الحيّات مُسخن كما مسخت القردة من بني
إسرائيل(1).
٥٤٤ـ وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجة: عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النحلة والنملة والهدهد والصرد(2)
موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ١٠/١٦٩ نقلاً عن سنن البيهقي ٩/٣١٧. (مهدي).
.٥٤٥ـ وروى أيضاً في ترجمة محمّد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (اتّخذوا الحمام المقاصيص(3)في بيوتكم فإنّها تلهي الجنّ عن صبيانكم)(4)
موسوعة أطراف الحديث النبوي ١/٦٧. (مهدي).
.٥٤٦ـ وقال ابن عبّاس: كلب أمين خير من صاحب خؤون(5).
٥٤٧ـ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ(6)، قال ابن عبّاس: يعني أنّ المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامهم، ولبسوا من جياد ثيابهم، ونكحوا من صالح نسائهم، ثمّ يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء(7).
٥٤٨ـ وعن ابن عبّاس: أنّ البهيمة إذا انعلفت وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثاً، وأوسطه لبنا، وأعلاه دماً(1).
٥٤٩ـ الدرّ المنثور: عن عكرمة، قال: قال ابن عبّاس: مكتوب على الجرادة بالسريانية: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلطه على من أشاء من عبادي(2).
٥٥٠ـ وعن الحسين بن عليّ عليه السلام، قال: (كنّا على مائدة أنا وأخي محمّد ابن الحنفية وبني عمّي عبد الله بن عبّاس وقثم والفضل، فوقعت جرادة، فأخذها عبد الله بن عبّاس، فقال للحسن: تعلم ما مكتوب على جناح الجرادة؟ فقال: سألت أبي، فقال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال لي: على جناح الجرادة مكتوب: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ربّ الجرادة ورازقها، إذا شئت بعثتها رزقاً لقوم، وإن شئت(3)على قوم بلاء، فقال ابن عبّاس: هذا والله من مكنون العلم)(4).
٥٥١ـ وفي حديث ابن عبّاس: إذا مطرت السماء فتحت الصدف أفواهها. وهو غلاف اللؤلؤ، الواحدة صدفة(5).
٥٥٢ـ قال ابن عبّاس: لم يعش ممسوخ قطّ أكثر من ثلاثة أيام، ولا يأكل ولا يشرب(1)(2).
٥٥٣ـ عن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى خلق في زمن موسى طائراً اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كلّ جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كلّ شيء قسطاً، وخلق لها ذكراً مثلها، وأوحى إليه، أنّى خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وجعلتهما زيادة فيما وصلت به بني إسرائيل، وتناسلا وكثر نسلهما، فلمّا توفّى موسى عليه السلام انتقلت، فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن بنى(3)خالد بن سنان العبسي من بني عبس قبل النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فشكوا إليه ما يلقون منها، فدعا الله عليها فانقطع نسلها وانقرضت، فلا توجد اليوم(4)(5).
٥٥٤ـ وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، أنّه قال: إذا استقرّ العلف في الكرش، صار أسفله فرثاً، وأعلاه دماً، وأوسطه لبناً، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى:
مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً(1)، لا يشوبه الدم ولا الفرث(2). ٥٥٥ـ روى الكلبي، عن ابن عبّاس، قال: إذا استقرّ العلف في الكرش، صار أسفله فرثاً، وأعلاه دماً، وأوسطه لبناً، فيجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذلك قوله: مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً، لا يشوبه الدم ولا الفرث، والكبد مسلّطة على هذه الأصناف، فتقسّمها على الوجه الذي اقتضاه التدبير الإلهي(3)(4).
٥٥٦ـ الدرّ المنثور: عن ابن عبّاس، قال: أهبط آدم عليه السلام بثلاثين صنفاً من فاكهة الجنّة، منها ما يؤكل داخله وخارجه، ومنها ما يؤكل داخله ويطرح خارجه، ومنها ما يؤكل خارجه ويطرح داخله(5)(6).
٥٥٧ـ عن ابن عبّاس، قال: قال عليه السلام: (كلوا التمر على الريق فإنّه يقتل الدود)(7).
٥٥٨ـ الفردوس: عن ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (في البطيخ عشر خصال: هو طعام، وشراب، ويغسل المثانة، ويقطع الابردة، وهو ريحان،
وأشنان، ويغسل البطن، ويكثر الجماع، وينقى البشرة)(1).
٥٥٩ـ ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحّة والفراغ)(2).
٥٦٠ـ أمالي الصدوق: عن القطّان، عن عبد الرحمن بن محمّد الحسيني، عن أحمد بن عيسى العجلي، عن محمّد بن أحمد العرزمي، عن علي بن حاتم، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (يا عليّ! شيعتك هم الفائزون يوم القيامة، فمن أهان واحداً منهم فقد أهانك، ومن أهانك فقد أهانني ومن أهانني أدخله الله نار جهنّم خالداً فيها وبئس المصير.
يا عليّ! أنت منّي وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشيعتك خلقوا من فضل طينتنا، فمن أحبّهم فقد أحبّنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا، ومن عاداهم فقد عادانا، ومن ودّهم فقد ودّنا.
يا عليّ! إنّ شيعتك مغفور لهم على ما كان فيهم من ذنوب وعيوب.
يا عليّ! أنا الشفيع لشيعتك غداً إذا قمت المقام المحمود، فبشّرهم بذلك.
يا عليّ! شيعتك شيعة الله، وأنصارك أنصار الله، وأولياؤك أولياء الله، وحزبك حزب الله.
يا عليّ! سعد من تولاّك، وشقي من عاداك.
يا عليّ! لك كنز في الجنّة وأنت ذو قرنيها)(1).
بشارة المصطفى: محمّد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جدّه، عن أحمد بن عيسى العجلي، مثله(2).
توضيح: أقول: قد مرّ شرح قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (وأنت ذو قرنيها) في المجلد التاسع(3)، قال في النهاية: فيه أنّه قال لعليّ عليه السلام: (إنّ لك بيتاً في الجنّة وأنت ذو قرنيها)، أي: طرفي الجنّة وجانبيها، قال أبو عبيد: وأنا أحسب أنّه أراد ذو قرني الأُمّة، فأضمر وقيل: أراد الحسن والحسين. ومنه حديث عليّ عليه السلام وذكر قصّة ذي القرنين، ثمّ قال: وفيكم مثله، فيرى أنّه إنّما عنى نفسه لأنّه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق، والأُخرى ضربة ابن ملجم لعنه الله، وذو القرنين هو الإسكندر سمّى بذلك لأنّه ملك الشرق والغرب. وقيل: لأنّه كان في رأسه شبه قرنين. وقيل: رأى في النوم أنّه أخذ بقرني الشمس(4).
أقول: قد مضى في باب جوامع مناقب عليّ عليه السلام: عن جابر، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، أنّه قال لعليّ عليه السلام: (إنّه لن يرد على الحوض مبغض لك، ولن
يغيب عنه محبّ لك حتّى يرد الحوض معك)(1)(2).
٥٦١ـ مجالس المفيد(3)، أمالي الطوسي: عن المفيد، عن محمّد بن الحسين المقري، عن عمر بن محمّد الورّاق، عن علي بن العبّاس، عن حميد ابن زياد، عن محمّد بن نسيم، عن الفضل ابن دكين، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‡ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‡ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(4)؟ فقال: (قال لي جبرئيل عليه السلام: ذاك عليّ وشيعته هم السابقون إلى الجنّة المقرّبون من الله بكرامته لهم)(5)(6).
٥٦٢ـ الخصال: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن الحسين ابن أشكيب، عن محمّد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة، عن الحضرمي، عن سلمة بن كهيل رفعه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (سبعة في ظلّ عرش الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل تصدّق بيمينه فأخفاه عن شماله. ورجل ذكر الله عزّ وجلّ خالياً ففاضت عيناه من خشية الله، ورجل لقي أخاه المؤمن، فقال: إنّي
لأحبّك في الله عزّ وجلّ، ورجل خرج من المسجد وفي نيته أن يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها، فقال: إنّي أخاف الله ربّ العالمين)(1)(2).
٥٦٣ـ أمالي الصدوق: الصائغ، عن محمّد بن أيوب، عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان، عن محمّد بن علي ابن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبّوني لحبّ الله عزّ وجلّ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي)(3).
علل الشرائع: محمّد بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق المذكر، عن أحمد بن العبّاس، عن أحمد بن يحيى الكوفي، عن يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، مثله(4).
أمالي الطوسي: الفحّام، عن المنصوري، عن عمر بن أبي موسى، عن عيسى بن أحمد، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، مثله(5).
بشارة المصطفى: أبو البركات عمر بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد ابن أحمد، عن علي بن عمر السكري، عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبّار،
٥٦٤ـ أمالي الطوسي: ابن مخلّد، عن محمّد بن عمرو بن البختري، عن محمّد بن يونس، عن عون بن عمارة، عن سليمان بن عمران، عن أبي حازم المدني، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، قال: الظاهر الإسلام والباطنة ستر الذنوب(3)(4).
٥٦٥ـ عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ثلاث من لم تكن فيه أو واحدة منهنّ فلا يعتدن بشيء من عمله: تقوى يحجزه عن معاصي الله عزّ وجلّ، أو حلم يكفّ به السفيه، أو خلق يعيش به في الناس)(5)
موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ٤/٤٥٧.
.٥٦٦ـ قال عطا، عن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى قال: ولا يشرك به، لأنّه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحبّ أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحبّ للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصل بها(6).
٥٦٧ـ الخصال: عن ابن بندار، عن أحمد بن إسحاق، عن عمر بن الحسن بن نصر، عن مؤمّل بن إهاب، عن عبد الله بن المغيرة المصري، عن
سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (الليل والنهار مطيتان)(1)(2).
٥٦٨ـ أمالي الصدوق: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمّه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ أوّل درهم ودينار ضرباً في الأرض نظر إليهما إبليس، فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه، ثمّ ضمهما إلى صدره، ثمّ صرخ صرخة، ثمّ ضمهما إلى صدره، ثمّ قال: أنتما قرّة عيني، وثمرة فؤادي، ما أبالي من بني آدم إذا أحبّو كما أن لا يعبدوا وثناً، حسبي من بني آدم أن يحبّوكما(3)(4).
٥٦٩ـ وقال ابن عبّاس: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إذا غضبت فاسكت)(5)
موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ١/٣٥٦ نقلاً عن الأدب المفرد، للبخاري وإتحاف المهرة، ومعجم الطبراني الكبير. (مهدي).
.٥٧٠ـ أمالي الطوسي: عن حمويه، عن أبي الحسين، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد وأبي كثير معاً، عن شعبة، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن ابن عبّاس، قال: ما ظهر البغي قطّ في قوم إلاّ ظهر فيهم الموتان، ولا
ظهر البخس في الميزان [إلاّ وظهر فيهم الخسران] والفقر.
ــ قال أبو خليفة: عن أبي كثير إلاّ ابتلوا بالسنة ــ ولا ظهر نقض العهد في قوم إلاّ أديل عليهم عدوهم(1)(2).
٥٧١ـ أمالي الطوسي: ابن منصور السكري، عن جدّه علي بن عمر، عن عيسى بن سليمان، عن محمّد بن حميد، عن زافر بن سليمان، عن المسلم بن سعيد، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ما ولد بار نظر إلى أبويه برحمة إلاّ كان له بكلّ نظرة حجّة مبرورة)، فقالوا: يا رسول الله! وإن نظر في كلّ يوم مائة نظرة؟ قال: (نعم، الله أكبر وأطيب)(3)(4).
٥٧٢ـ تفسير العياشي: عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قول الله: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، قال: ذو القربى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ، قال: الذين ليس بينك وبينه قرابة، وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ، قال: الصاحب في السفر(5)(6).
٥٧٣ـ أمالي الطوسي: المفيد، عن محمّد بن المظفر البزّاز، عن الحسن ابن رجاء، عن عبد الله بن سليمان، عن محمّد بن علي العطّار، عن هارون
ابن أبي بردة، عن عبيد الله بن موسى، عن المبارك بن حسّان، عن عطية، عن ابن عبّاس، قال: قيل: يا رسول الله! أيّ الجلساء خير؟ قال: (من ذكّركم بالله رؤيته، وزادكم في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله)(1)(2).
٥٧٤ـ الخصال: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن الحسن ابن أشكيب، عن محمّد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة، عن أبي بكر الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، رفعه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (سبعة في ظلّ عرش الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل تصدّق بيمينه فأخفاه عن شماله، ورجل ذكر الله عزّ وجلّ خالياً ففاضت عيناه من خشية الله، ورجل لقي أخاه المؤمن فقال: إنّي لأحبّك في الله عزّ وجلّ، ورجل خرج من المسجد وفي نيته أن يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها، فقال: إنّي أخاف الله ربّ العالمين)(3).
أقول: قد مضى بإسناد آخر، عن أبي سعيد الخدري، أو عن أبي هريرة، وفيه ورجلان كانا في طاعة الله فاجتمعا على ذلك وتفرّقا(4)(5).
٥٧٥ـ تفسير العياشي: عن عبد الله بن أسباط، عن أبي عبد الله عليه السلام،
قال: سمعته يقول: إنّ نجدة اسم الحروري، كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن اليتيم متى ينقضي يتمه، فكتب إليه: أمّا اليتيم فانقطاع يتمه أشدّه، وهو الاحتلام، إلاّ أن لا يؤنس منه رشد بعد ذلك، فيكون سفيها أو ضعيفاً، فليسند عليه(1)(2).
٥٧٦ـ وروى ابن عبّاس: عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث للغيبة، وثلث للنميمة، وثلث للبول(3).
٥٧٧ـ الخصال: عن العسكري، عن عبد الله بن محمّد، عن عبدان العسكري، عن محمّد بن سليمان، عن حنان بن علي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يهزم اثنا عشر ألف من قلّة إذا صبروا وصدقوا)(4)(5)
وموسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ٤/٦٤٥ نقلاً عن خمسة عشر مصدرا. (مهدي).
.٥٧٨ـ ورأيت في الجزء الرابع من كتاب دفع الهموم والأحزان، تأليف أحمد بن داود النعماني، قال ابن عبّاس: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام ليلة
صفّين: أما ترى الأعداء قد أحدقوا بنا؟ فقال: (وقد راعك هذا؟) قلت: نعم. فقال: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ في هداك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتقر في غناك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضيع في سلامتك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أغلب والأمر لك). أقول أنا: فكفاه الله جلّ جلاله أمرهم(1).
٥٧٩ـ الرابع: عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته: (أيّها الناس! إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إنّ المؤمن بين مخافتين، يوم قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، ويوم قد بقي لا يدري ما الله صانع به، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن شبابه لهرمه ومن صحّته لسقمه، ومن حياته لوفاته، فوالذي نفسي بيده وما بعد الموت من مستعتب(2)، ولا بعد الدنيا من دار إلاّ الجنّة أو النار)(3).
٥٨٠ـ الثامن: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من انقطع إلى الله كفاه كلّ مؤونة، ومن انقطع إلى الدنيا وكلّه الله إليها، ومن حاول أمراً بمعصية الله كان أبعد له ممّا رجا وأقرب ممّا اتّقى، ومن طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده منهم ذاماً، ومن أرضى الناس بسخط الله وكلّه الله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرّهم، ومن أحسن ما بينه
وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أحسن سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لاخرته كفى الله أمر دنياه)(1).
٥٨١ـ الحادي عشر: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يرى جزاء ما قدم وقلّة غنا ما خلف(2)، ولعلّه من حقّ منعه ومن باطل جمعه).
الثاني عشر: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (أيّها الناس! إنّ الرزق مقسوم لن يعدو امرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، وإنّ العمر محدود لن يتجاوز أحد ما قدر له، فبادروا قبل نفاد الأجل، والأعمال المحصيّة)(3).
٥٨٢ـ الثاني والعشرون: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بعض خطبه أو مواعظه: (أيّها الناس! لا يشغلنكم دنياكم عن آخرتكم، فلا تؤثروا هواكم على طاعة ربّكم، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذّبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنّها موقف عدل واقتضاء حقّ، وسؤال عن واجب، وقد أبلغ في الاعذار من تقدّم بالانذار)(4).
٥٨٣ـ عن عبد الله بن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (أيّها الناس! بسط الأمل متقدّم حلول الأجل، والمعاد مضمار العمل، فمغتبط بما
احتقب غانم، ومتيسّر بما فاته نادم(1).
أيّها الناس! إنّ الطمع فقر، واليأس غنى، والقناعة راحة، والعزلة عبادة، والعمل كنز، والدنيا معدن، والله ما يساوي ما مضى من دنياكم هذه بأهداب بردي هذا(2)، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء، وكلّ إلى بقاء وشيك وزوال قريب، فبادروا العمل وأنتم في مهل الأنفاس، وجدة الأحلاس(3)قبل أن تأخذوا بالكظم فلا ينفع الندم)(4).
٥٨٤ـ عن ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إنّه ما سكن حبّ الدنيا قلب عبد إلاّ التاط(5)فيها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، ألا إنّ الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتّى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتّى يأخذه الموت بغتة، ألا وإنّ السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفد عذابها، وقدم لمّا تقدّم عليه ممّا هو في يديه قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه وقد شقي هو بجمعه)(6).
1) - المغتبط: المسرور، واحتقب الشيء جمعه، وغانم فاعل من غنم يغنم. والمتيسر هو الذي يمكنه أن يفعل ما يشاء من الخيرات. (هامش الأصل).
2) - الأهداب جمع هدب وهو خمل الثوب وطرته. كسابقه.
3) - جدة الثوب ــ بكسر الجيم وشد الدال ــ كونه جديداً. والأحلاس ــ بالحاء المهملة ــ جمع حلس ــ بكسر الحاء ــ وهو ما يوضع على ظهر الدابة تحت السراج، والرحل الذي يبسط في البيت على الأرض تحت حرّ الثياب والمتاع. (هامش الأصل).
4) - ٧٤/١٨٣ ــ ١٨٤.
5) - التاط بقلبى أي لصق به وأحببته. (هامش الأصل).
6) - ٧٤/١٨٨.
٥٨٥ـ من مناقب ابن الجوزي(1)، الخطبة المنبرية: روى مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوماً على منبر الكوفة، فقال: (الحمد لله وأحمده وأومن به وأستعينه وأستهديه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون).
ثمّ قال: (أيّتها النفوس المختلفة، والقلوب المتشتة، الشاهدة أبدانهم، الغائبة عقولهم، كم أدلّكم على الحقّ وأنتم تنفرون نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم ذروة العدل، أو أقيم اعوجاج الحقّ، اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن منّي منافسة في سلطان، ولا التماس فضول الحطام، ولكن لأرد المعالم من دينك، وأظهر الصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللّهمّ إنّك تعلم أنّي أوّل من أناب، وسمع فأجاب لم يسبقني إلاّ رسولك. اللّهمّ لا ينبغي أن يكون الوالي على الدماء والفروج والمغانم والأحكام ومعالم الحلال والحرام، وإمامة المسلمين [وأمور المؤمنين] البخيل، لأنّ تهمته في جميع الأموال، ولا الجاهل فيدلّهم بجهله على الضلال، ولا الجافي فينفّرهم بجفائه، ولا الخائف فيتّخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ولا المعطل للسنن فيؤدّي ذلك إلى الفجور، ولا الباغي فيدحض الحقّ، ولا الفاسق فيشين الشرع).
1) - المصدر ص٧٠. (هامش الأصل).
فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! ما تقول في رجل مات وترك امرأة وابنتين وأبوين؟
فقال: (لكلّ واحد من الأبوين السدس، وللابنتين الثلثان).
قال: فالمرأة؟
قال: (صار ثمنها تسعاً).
وهذا من أبلغ الأجوبة(1).
٥٨٦ـ أمالي الطوسي(2): عن محمّد بن أحمد بن شاذان، عن محمّد بن علي بن المفضل، عن علي بن حسن النحوي، عن الحسن بن علي الزفري(3)، عن العبّاس بن بكار الضبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: (الحمد لله الذي لا يحويه مكان، ولا يحدّه زمان، علا بطوله ودنى بحوله، سابق كلّ غنيمة وفضل، وكاشف كلّ عظيمة وإزل(4)، أحمده على جود كرمه وسبوغ نعمه، وأستعينه على بلوغ رضاه والرضا بما قضاه، وأومن به إيمانا وأتوكّل عليه إيقاناً، وأشهد أن لا إله إلاّ الله الذي رفع السماء فبناها، وسطح الأرض فطحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها(5)، لا يؤوده خلق وهو
العليّ العظيم، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى المشهور، والكتاب المسطور، والدين المأثور، إبلاء لعذره وإنهاء لأمره، فبلّغ الرسالة وهدى من الضلالة، وعبد ربّه حتّى أتاه اليقين، فصلّى الله عليه وآله وسلّم كثيراً. أوصيكم بتقوى الله فإنّ التقوى أفضل كنز، وأحرز حرز، وأعزّ عزّ، فيه نجاة كلّ هارب، ودرك كلّ طالب، وظفر كلّ غالب، وأحثّكم على طاعة الله فإنّها كهف العابدين، وفوز الفائزين، وأمان المتّقين.
واعلموا أيّها الناس! إنّكم سيارة قد حدا بكم الهادي، وحدي لخراب الدنيا حادي، وناداكم للموت منادي، فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغرور، ألا وإنّ الدنيا دار غرارة خداعة، تنكح في كلّ يوم بعلا، وتقتل في كلّ ليلة أهلاً، وتفرّق في كلّ ساعة شملاً، فكم من منافس فيها وراكن إليها من الأمم السالفة قد قذفتهم في الهاوية، ودمرتهم تدميراً، وتبرتهم تتبيرا وأصلتهم سعيرا(1)، أين من جمع فأوعى، وشدّ فأوكى، ومنع فأكدى(2)، بل أين من عسكر العساكر، ودسكر الدساكر(3)، وركب المنابر، أين من بنى الدور، وشرف القصور، وجمهر ــ الألوف(4)قد تداولتهم أيامها،
1) - التدمير: الاهلاك والتتبير: الاهلاك أيضاً، وأصلاه النار: أدخله إياها وأثواه فيها. والسعير: لهب النار. كسابقه.
2) - أوكى ايكاء ــ القربة وعلى ما في القربة: شدها بالوكاء، والوكاء رباط القربة ونحوها. وأكدى اكداء ــ الرجل ــ: لم يظفر بحاجته، أو بخل في العطاء. وأكداه عن كذا: رده عنه ومنعه. كسابقه.
3) - قال الفيومي في المصباح: الدسكرة بناء يشبه القصر، حوله بيوت، ويكون للملوك: قال الأزهري: وأحسبه معربا. والدسكرة: القربة. كسابقه.
4) - شرف البيت ــ من باب التفعيل ــ: جعل له شرفا. وجمهر الشيء: جمعه. كسابقه.
وابتلعتهم أعوامها، فصاروا أمواتاً وفي القبور رفاتاً، قد يئسوا ما خلفوا(1)، ووقفوا على ما أسلفوا، ثمّ ردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين. وكأنّي بها وقد أشرفت بطلايعها، وعسكرت بفظايعها، فأصبح المرء بعد صحّته مريضاً، وبعد سلامته نقيصاً(2)يعالج كرباً ويقاسي تعباً، في حشرجة السباق(3)وتتابع الفواق، وتردّد الأنين، والذهول عن البنات والبنين، والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل وهو هائل، قد اعتقل منه اللسان وتردّد منه البنان، فأصاب مكروهاً وفارق الدنيا مسلوباً، لا يملكون له نفعاً ولا لما حلّ به دفعاً، يقول الله عزّ وجلّ في كتابه: فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ‡ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(4)، ثمّ من دون ذلك أهوال يوم القيامة ويوم الحسرة والندامة، يوم تنصب الموازين، وتنشر الدواوين، بإحصاء كلّ صغيرة وإعلان كلّ كبيرة، يقول الله في كتابه: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(5).
[ثمّ قال:]. أيّها الناس! الآن الآن من قبل الندم، ومن قبل: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ‡
1) - في المصدر (قد نسوا ما خلفوا). كسابقه.
2) - في المصدر (نقيضا) بالضاد المعجمة. كسابقه.
3) - حشرج الرجل أي غرغر عند الموت وتردد نفسه. والفواق ــ بالضم ــ: ما يأخذ الإنسان عند النزع، وترجيع الشهقة العالية. كسابقه.
4) - سورة الواقعة/٨٦ ــ ٨٧. وقوله ayebazغَيْرَ مَدِينِينَayebaste أي غير مجزيين يوم القيامة أو غير مملوكين مقهورين من دانه إذا أذله واستعبده وأصل التركيب للذل والانقياد. كسابقه.
5) - سورة الكهف/٤٩.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ‡ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(1)، فيرد الجليل جلّ ثناؤه: بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(2)، فوالله ما سُئل الرجوع إلاّ ليعمل صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا. [ثمّ قال:] أيّها الناس! الآن الآن ما دام الوثاق مطلقاً، والسراج منيراً، وباب التوبة مفتوحاً، ومن قبل أن يجفّ القلم، وتطوى الصحيفة، فلا رزق ينزل، ولا عمل يصعد، المضمار اليوم، والسباق غداً، فإنّكم لا تدرون إلى جنّه أو إلى نار. وأستغفر الله لي ولكم)(3).
٥٨٧ـ وعزى عبد الله بن عبّاس، عن مولود صغير مات له، فقال عليه السلام: (لمصيبة في غيرك لك أجرها أحبّ إليَّ من مصيبة فيك لغيرك ثوابها، فكان لك الأجر لا بك، وحسن لك العزاء لا عنك، وعوضك الله عنه مثل الذي عوضه منك)(4).
٥٨٨ـ وقال ابن عبّاس: سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: أوصني؟
فقال: (لا تحدّث نفسك بفقر، ولا بطول عمر)(5).
٥٨٩ـ وكتب إلى عبد الله بن العبّاس حين سيّره عبد الله بن الزبير(6)إلى
1) - سورة الزمر/٥٦ ــ ٥٨.
2) - سورة الزمر/٥٩.
3) - ٧٤/٣٧٣ ــ ٣٧٦.
4) - ٧٥/٤٨.
5) - ٧٥/٧٧.
6) - إنما وقع هذا التسيير بعد قتل المختار الناهض الوحيد لطلب ثار الإمام السبط المفدى فالكتاب هذا لا يمكن أن يكون للحسين السبط عليه السلام ولعلّه لولده الطاهر علي بن الحسين السجاد سلام الله عليهما فاشتبه على الراوي علي بن الحسين بالحسين بن علي صلوات الله عليهم. (هامش الأصل).
اليمن: (أمّا بعد، بلغني أنّ ابن الزبير سيّرك إلى الطائف فرفع الله لك بذلك ذكراً وحطّ به عنك وزراً، وإنّما يبتلى الصالحون. ولو لم توجر إلاّ فيما تحت لقلّ الأجر(1)، عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى، والشكر عند النعمى(2)ولا أشمت بنا ولا بك عدواً حاسداً أبداً، والسلام)(3).
٥٩٠ـ كنز الكراجكي(4): قال الحسين بن عليّH يوماً لابن عبّاس: (لا تتكلّمن فيما لا يعنيك فإنّي أخاف عليك الوزر، ولا تتكلّمن فيما يعنيك حتّى ترى للكلام موضعاً، فربّ متكلّم قد تكلّم بالحقّ فعيب، ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً، فإنّ الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك، ولا تقولنّ في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلاّ ما تحبّ أن يقول فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنّه مأخوذ بالإجرام، مجزي بالإحسان، والسلام)(5).
٥٩١ـ مجالس المفيد، أمالي الطوسي(6): عن المفيد، عن الكاتب، عن
الزعفراني، عن الثقفي، عن حبيب بن بصير(1)، عن أحمد بن بشير، عن هشام بن محمّد، عن أبيه محمّد بن السائب، عن إبراهيم بن محمّد اليماني، عن عكرمة، قال: سمعت عبد الله بن العبّاس يقول لابنه علي بن عبد الله: ليكن كنزك الذي تدخره العلم، كنّ به أشدّ اغتباطاً منك بكثرة الذهب الأحمر، فإنّي مودعك كلاماً إن أنت وعيته اجتمع لك به خير أمر الدنيا والآخرة: لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة الطول الأمل، ويقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبغي الزيادة فيما بقي، ويأمر بما لا يأتي، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض الفجّار وهو أحدهم، ويقول: لم أعمل فأتعني ألا أجلس فأتمني، فهو يتمنّي المغفرة وقد دأب في المعصية، قد عمر ما يتذكّر فيه من تذكر يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت كان ذخراً لي، ويعصي ربّه تعالى فيما بقي غير مكترث، إن سقم ندم على العمل(2)، وإن صحّ أمن واغترّ وأخّر العمل، معجباً بنفسه ما عوفي، وقانطاً إذا ابتلي، إن رغب أشر، وإن بسط له هلك، تغلبه نفسه على ما يظنّ ولا يغلبها على ما يستيقن، لا يثق من الرزق بما قد ضمن له، ولا يقنع بما قسم له، لم يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، فهو يبتغي الزيادة وإن لم يشكر، ويضيع من نفسه ما هو أكبر، يكره الموت لا ساءته ولا يدع الإساءة في
حياته، إن عرضت شهوته واقع الخطيئة ثمّ تمنّى التوبة، وإن عرض له عمل الآخرة دافع، يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في العمل حين يعمل، فهو بالطول مدلّ وفي العمل مقلّ، يبادر في الدنيا، يعبأ بمرض فإذا أفاق واقع الخطايا ولم يعرض، يخشى الموت ولا يخاف الفوت، يخاف على غيره بأقلّ من ذنبه، ويرجو لنفسه بدون عمله، وهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يرجو الأمانة ما رضي ويرى الخيانة إن سخط، إن عوفي ظنّ أنّه قد تاب، وإن ابتلي طمع في العافية وعاد، لا يبيت قائماً، ولا يصبح صائماً، يصبح وهمّه الغذاء، ويمسي ونيته العشاء وهو مفطر، يتعوّذ بالله من فوقه ولا ينجو بالعوذ منه من هو دونه، يهلك في بغضه إذا أبغض، ولا يقصر في حبّه إذا أحبّ، يغضب في اليسير، ويعصي على الكثير، فهو يطاع ويعصي الله، والله المستعان(1).
٥٩٢ـ وقال ابن عبّاس رحمه الله(2): خمس خصال تورث خمسة أشياء: ما فشت الفاحشة في قوم قطّ إلاّ أخذهم الله بالموت، وما طففت قوم الميزان إلاّ أخذهم الله بالسنين، وما نقض قوم العهد إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم، وما جار قوم في الحكم إلاّ كان القتل بينهم، وما منع قوم الزكاة إلاّ سلّط الله عليهم عدوهم(3).
٥٩٣ـ عن عبد الله بن عبّاس لمّا رجع من البصرة، وحمل المال ودخل
الكوفة، وجد أمير المؤمنين عليه السلام قائماً في السوق وهو ينادي بنفسه: (معاشر الناس! من أصبناه بعد يومنا يبيع الجري والطافي والمارماهي علوناه بدرّتنا هذه)، وكان يقال لدرته السبتية. قال ابن عبّاس: فسلّمت عليه، فرد على السلام، ثمّ قال: (يا بن عبّاس! ما فعل المال؟) فقلت: ها هو يا أمير المؤمنين، وحملته إليه، فقرّ بني ورحّب بي، ثمّ أتاه مناد ومعه سيفه ينادي عليه بسبعة دراهم، فقال: (لو كان لي في بيت مال المسلمين ثمن سواك أراك ما بعته)، فباعه واشترى قميصاً، بأربعة دراهم له، وتصدّق بدرهمين، وأضافني بدرهم ثلاثة أيام(1)(2).
٥٩٤ـ أعلام الدين: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من قال: سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ يعني: صلاتي المغرب والعشاء، وَحِينَ تُصْبِحُونَ: صلاة الغداة، وَعَشِيّاً: صلاة العصر، وَحِينَ تُظْهِرُونَ: صلاة الظهر، هذه الآية تجمع صلواتكم الخمس، فمن قرأ هذه الثلاث الآيات من سورة الروم وآخر الصافات(3): سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، ثلاث مرّات دبر صلاة المغرب أدرك ما فات في يومه ذلك، وقبلت صلاته، فإن قرأها دبر كلّ صلاة يصلّيها من فريضة أو تطوع كتب له من الحسنات
عدد نجوم السماء وقطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد تراب الأرض، فإذا مات أجري له بكلّ حسنة عشر حسنات في قبره).
(بيان): الثلاث الآيات من الروم هي هذه: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ‡ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ‡ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، ويحتمل أن يكون إلى تظهرون عندهم ثلاث آيات(1).
٥٩٥ـ الخصال: عن عبدوس بن علي بن العبّاس، عن بندار بن إبراهيم ابن عيسى، عن عمّار بن رجاء، عن داود بن داود، عن نافع بن عبد الله، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قدم قبيصة بن مخارق الهلالي على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فسلّم عليه ورحّب به، ثمّ قال: (ما جاء بك يا قبيصة؟) قال: يا رسول الله! كبرت سنّي، وضعفت قوّتي، وهنت على أهلي، وعجزت عن أشياء كنت أحملها، فعلمني كلمات ينفعني الله بهنّ، وأوجز، فإنّي رجل نسئ، فقال له: (كيف قلت يا قبيصة؟) فأعاده، ثمّ قال له: (كيف قلت؟) فأعاده، ثمّ قال له: (كيف قلت؟) فأعاده، فقال: ما بقي حولك حجر ولا شجر ولا مدر إلاّ وبكى رحمة لك يا قبيصة، احفظ عنّي: أمّا لدنياك فقل ثلاث مرّات إذا صليت الغداة: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)، فإنّك إذا قلتهنّ أمنت من عمى وجذام
1) - ٨٣/١٨ ــ ١٩.
وبرص وفالج، وأمّا لآخرتك فقل: (اللّهمّ اهدني من عندك، وأفض على من فضلك، وانشر على من رحمتك، وأنزل على من بركاتك). قال: فجعل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقولهنّ، وقبيصة يعقد عليهن أصابعه. فقال أبو بكر وعمر: إنّ خالك هذا يا رسول الله لشدّ ما عقد عليهن أصابعه! يعنيك الكلمات الأربع، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إن وافى بهنّ يوم القيامة لم يدعهنّ متعمداً فتح له أربعة أبواب من الجنّة، يدخل من أيّها شاء)، قال نافع: فحدّثت بهذا الحديث جاراً لي جليساً للحسن، فحدّث به الحسن، فقال له: ايتني به؟ فأتيته، فسألني عن الحديث فحدّثته، فقال: ما أغلى حديثك هذا يا خراساني عندي وأرخصه عندك: والله لقد أوطأ رجل راحلته حتّى قدم على صاحب الحديث وهو والي مصر، فقال: إنّي لم آتك لشيء ممّا في يدك، ثمّ سأله عن الحديث ثمّ انصرف(1)(2).
٥٩٦ـ أقول: وذكر أبو عمر الزاهد واسمه محمّد بن عبد الواحد في كتابه بإسناده: أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: (يا أبا عبّاس! إذا صلّيت العشاء الآخرة فالحقني إلى الجبان)، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: (ما تفسير الألف من الحمد؟) قال: فما علمت حرفاً أجيبه، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، قال: ثمّ قال لي: (فما تفسر اللام من الحمد؟) قال: فقلت: لا أعلم، فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، قال: ثمّ قال: (فما تفسير الميم من الحمد؟) فقلت: لا أعلم، قال: فتكلّم فيها ساعة تامّة، قال: ثمّ
قال: (ما تفسير الدالّ من الحمد؟) قال: قلت: لا أدري، قال: فتكلّم فيها إلى أن برق عمود الفجر، قال: فقال لي: (قم أبا عبّاس إلى منزلك وتأهّب لفرضك). قال أبو العبّاس عبد الله بن العبّاس: فقمت وقد وعيت كلّ ما قال، ثمّ تفكّرت، فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في المثعنجر.
يقول علي بن موسى بن طاووس: وذكر محمّد بن الحسن بن زياد المعروف بالنقاش في المجلد الأوّل من تفسير القرآن الذي سمّاه (شفاء الصدور) ما هذا لفظه: وقال ابن عبّاس: جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ ابن أبي طالب عليه السلام.
وقال النقاش أيضاً في تعظيم ابن عبّاس لمولانا عليّ عليه السلام، ما هذا لفظه: أخبرنا أبو بكر، قال: حدّثنا أحمد بن غالب الفقيه بطالقان، قال: حدّثنا محمّد بن علي، قال: حدّثنا سويد، قال: حدّثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن الكلبي، قال: ابن عياش: وممّا وجدت في أصله: وذهب بصر ابن عبّاس من كثرة بكائه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
وذكر النقاش ما هذا لفظه: وقال ابن عبّاس: عليّ عليه السلام علم علماً علّمه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّمه الله، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من علم الله، وعلم عليّ من علم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وعلمي من علم عليّ عليه السلام، وما علمي وعلم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر(1).
1) - ٨٩/١٠٤ ــ ١٠٥.
٥٩٧ـ فصل: وروى النقاش أيضاً حديث تفسير لفظة الحمد، فقال بعد إسناده عن ابن عبّاس: قال: قال لي عليّ عليه السلام: (يا أبا عبّاس! إذا صليت العشاء الآخرة فالحقني إلى الجبان)، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: (ما تفسير الألف من الحمد، والحمد جميعاً؟)، قال: فما علمت حرفاً منها أجيبه، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثمّ قال لي: (فما تفسير اللام من الحمد؟) قال: فقلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثمّ قال: (فما تفسير الحاء من الحمد؟) قال: فقلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثمّ قال لي: (فما تفسير الميم من الحمد؟) قال: فقلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثمّ قال: (فما تفسير الدالّ من الحمد؟) قال: قلت: لا أدري، فتكلّم فيها إلى أن برق عمود الثعنجر، قال: فقال لي: (قم يا أبا عبّاس إلى منزلك، فتأهّب لفرضك)، فقمت وقد وعيت كلّ ما قال، قال: ثمّ تفكّرت فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ عليه السلام كالقرارة في المثعنجر.
قال: القرارة: الغدير، المثعنجر البحر(1).
٥٩٨ـ وعن ابن عبّاس، أنّه مرّ بهذه الآية: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى(2)، قال: سبحانك اللّهمّ وبلى(3).
وعن ابن عبّاس، قال: إذا قرأت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)، فقل: سبحان ربّي الأعلى(2).
٥٩٩ـ وعن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذا تلا هذه الآية: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‡ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(3)، وقف ثمّ قال: (اللّهمّ آت نفسي تقويها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها)، قال: وهو في الصلاة(4)(5).
٦٠٠ـ وعن ابن عبّاس، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمّد عليّ بن أبي طالب)(6).
وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله عليه السلام: (الصدّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب آل يس، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام)(7)(8).
٦٠١ـ دعوات الراوندي: قال ابن عبّاس: إنّ رجلاً ضرب خباءه على قبر ولم يعلم أنّه قبر، فقرأ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ(1)، فسمع صائحاً يقول: هي المنجية، فذكر ذلك لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: (هي المنجية من عذاب القبر)(2).
٦٠٢ـ الدرّ المنثور: عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هاتين الآيتين، سبع مرّات: وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ــ إلى ــ يَفْقَهُونَ(3)، قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ــ إلى ــ تَشْكُرُونَ(4)، فإنه يبرأ بإذن الله)(5)(6).
٦٠٣ـ وعن ابن عبّاس، قال: ضرب بعض أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فناة على قبر وهو لا يحسب أنّه قبر، فإذا قبر إنسان، فقرأ سورة الملك حتّى ختمها، فأتى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (هي المانعة المنجية، تنجيه عذاب القبر)(7).
٦٠٤ـ وعن ابن عبّاس، قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى، قال: اقرأ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ(1)، وعلّمها أهلك وجميع ولدك، وصبيان بيتك وجيرانك، فإنّها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربّها لقارئها، وتطلب له أن ينجيه من عذاب النار، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لوددت أنّها في قلب كلّ إنسان من أُمّتي)(2).
٦٠٥ـ وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (إنّي لا أجد في كتاب الله سورة وهي ثلاثون آية، من قرأها عند نومه كتب له بها ثلاثون حسنة، ومحي له بها ثلاثون سيئة، ورفع له ثلاثون درجة، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة يبسط عليه جناحه ويحفظه من كلّ سوء حتّى يستيقظ، وهي المجادلة يجادل عن صاحبها في القبر وهي تبارك الذي بيده الملك)(3).
٦٠٦ـ كشف الغمّة: من كتاب مولد فاطمةI لابن بابويه: عن ابن عبّاس، قال: سألت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّى آدم من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليَّ، فتاب عليه)(4).
٦٠٧ـ كشف الغمّة: من كتاب الحافظ عبد العزيز، عن جعفر بن محمّد عليهما السلام، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (من قال:
جزى الله عنّا محمّداً ما هو أهله، أتعب سبعين كاتباً ألف صباح)(1).
٦٠٨ـ الاختصاص: الصدوق، عن ابن المتوكّل، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمّه الحسين بن زيد، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن سالم بن دينار، عن ابن طريف، عن ابن نباته، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (ذكر الله عزّ وجلّ عبادة، وذكري عبادة، وذكر عليّ عبادة، وذكر الأئمّة من ولده عبادة)، الخبر(2)(3).
٦٠٩ـ وعن ابن عبّاس، قال: قال لي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (رأيت في ما يرى النائم عمّي حمزة بن عبد المطّلب وأخي جعفر بن أبي طالب، وبين يديهما طبق من نبق، فأكلا ساعة، فتحوّل النبق عنباً، فأكلا ساعة، فتحوّل العنب لهما رطباً، فأكلا ساعة، فدنوت منهما، وقلت: بأبي أنتما أي: الأعمال وجدتما أفضل؟ قالا: فديناك بالآباء والأُمّهات، وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك، وسقي الماء، وحبّ عليّ بن أبي طالب)(4).
٦١٠ـ من خطّ الشهيد قدس سره : عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يعوّذ الحسن والحسين عليهما السلام يقول: (أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامّة)، ويقول: (هكذا كان أبي إبراهيم يعوّذ
ابنيه إسماعيل وإسحاق)(1).
٦١١ـ ومن ذلك دعاء لمولانا ومقتدانا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في صفّين، وجدته في الجزء الرابع من كتاب (دفع الهموم والأحزان) لأحمد ابن داود النعمان، قال ابن عبّاس: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام ليلة صفّين: أما ترى الأعداء قد أحدقوا بنا؟ فقال: (وقد راعك هذا؟) قلت: نعم، فقال: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضام في سلطانك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ في هداك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتقر في غناك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضيع في سلامتك، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أغلب والأمر إليك)(2)(3).
٦١٢ـ من خطّ الشهيد قدس سره: عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يعلّمنا من الأوجاع كلّها أن نقول: (باسم الكبير، أعوذ بالله العظيم، من شرّ عرق نعار، ومن حرّ النار)(4)(5).
قال ابن عبّاس رحمه الله :
((اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ولولده وليّ، ولعدّوه عدوّ، ومن عدوّ ولده بريء، وإنّي سلمٌ لأمرهم))(1)
وبعد هذا السرد للأحاديث التي اعتمدها الشيخ المجلسي، فرواها منثورة في أجزاء موسوعته (البحار)، هل لاحظ القارئ في محتواها ما يشين ابن عبّاس عقيدة أو سلوكاً؟ أو أخباراً تشوّه تاريخ حياته العامّة في صورته الاجتماعية ومجالاتها المختلفة طيلة سنوات عمره الطويل؟ ــ وقد جاوز السبعين ــ وقد عاصر الأحداث السياسية التي طرأت على المسلمين من عهد الرسول صلي الله عليه وآله وسلم ومن بعده، وكان شاهد عيان على ما جرى، فروى ما رأى، ولم يلبث مؤرّخو الأحداث والسير أن رووا عنه الكثير بسلسلة من أسماء الرواة توثيقاً لِما رووا، وكذلك أصحاب الحديث والتفسير والفقه والأدب، فكان معيناً ثرّاً مباركاً يرد عليه السائلون وكلّهم يصدرون ــ كما قال.
وهذا السرد في (البحار) ليس إلاّ بعض ما جمعه الشيخ المجلسي رحمه الله من أخبار ابن عبّاس رضي الله عنه، وأنا انتقيته للتدليل على كذب ما زعمه الزاعمون من
1) - بحار الأنوار ٢٨/٧٣ ــ ٧٥ نقلاً عن الروضة والفضائل، ولقد مرّ ذكر الحديث بطوله في ص٢٠٥ - ٢٠٨ ، برقم ٢٦٥.
مفارقة ابن عبّاس حظيرة التشيّع لعليّ وأهل البيت عليهم السلام، وهنا يجدر بنا أن نسأل أولئك الحشوية ــ كما وصفهم المرحوم السيّد شرف الدين في كلامه الآتي بنصّه ــ : هل هذه الأحاديث التي سردها المجلسي رحمه الله منثورة في أجزاء بحاره هل هي موضوعة كلّها؟ ولا يعقل هذا! أو بعضها؟ وعلى هذا يبقى السؤال بحاله: مَن الذي وضعها؟ فهل هم رواة الشيعة؟ وهذا لا يقبله سهلا باستسلام أولئك الحشوية، ولعلّ فيهم من يتّهم الآخرين بوضع بعض المرويات في تعظيمه من الرواة في أيام العبّاسيين، وقد مرّ بحث هذا الجانب في الجزء السادس من الموسوعة في ردّ زعم أحمد أمين وأمثاله، ممّن قالوا: بأنّ لرواة العصر العبّاسي كبيراً، وكثير خبر في تاريخ ابن عبّاس، والباحث بعد الفحص وجد في مرويات ابن عبّاس ما يزيّف حجّة العبّاسيين في الحكم.
ومهما قلنا في تسجيل التاريخ الإسلامي في عصوره الأولى، وبأنّه كان تاريخ حكّام الشعوب لا تاريخ الشعوب، وابن عبّاس كان من الساسة المدبّرين للشئون العامّة أيام حكومة الخلفاء، فكيف نتقبّل جميع ما روي عنه في تساهل من دون فحص وتمييز؟ وأنا وقد جمعت كثيراً، وفحصت كثيراً، ولاحظت ربط السابق منه باللاحق، فكانت النتيجة التي توصّلت إليها هي التي سبق أن ذكرتها في أوّل أجزاء الموسوعة، بأنّ ابن عبّاس ضحيّة عدّة عناصر ضبابيّة، يحتاج منّي بذل جهد بالغ لاستجلاء شخصية ابن عبّاس رضي الله عنه، كما هي من بين تراكم تلكم الضبابيات التي أحاطت به، وقد فعلت وقد استوت سفينتي ــ بحمد الله ــ على الجودي
بسلام، ورأيت الرجل مظلوماً يشبه إمامه عليه السلام وابن عمّه في ظلامته، من حيث المحبّ الغالي والعدو القالي، وقليل هم النمرقة الوسطى، جعلني الله تعالى منهم على ما أرجو وآمل، والله وليّ التوفيق.
ويبقى عجبي المتزايد! من الشيخ المجلس الثاني رحمه الله تعالى كيف يسرد من الروايات الموقوفة والمروفعة عن ابن عبّاس رضي الله عنه في فضل أهل البيت عليهم السلام بالمئات، ثمّ يبقى سيئ العقدية به؟!!
فيقول عنه في ج٦٩/٢٢٥ في باب أنّ الإيمان مستقرّ ومستودع، في الحديث (١٦) نقلاً عن (الكافي)(1)، وقد ذكره عطفاً على سابقه الموجود في (تفسير العياشي)(2)، وقال: وزاد في آخره: وكان فلان منهم معاراً. فقال بعد كلام له طويل: ((والظاهر أنّ المراد بفلان أبو الخطّاب، وكنّى عنه بفلان لمصلحة، فإنّ أصحابه كانوا جماعة كثيرة، كان يحتمل ترتب مفسدة على التصريح باسمه، ويحتمل أن يكون كناية عن ابن عبّاس، فإنّه قد انحرف عن أمير المؤمنين عليه السلام وذهب بأموال البصرة إلى الحجاز، ووقع بينه عليه السلام وبينه مكاتبات تدلّ على شقاوته وارتداده، كما مرّ، والتقيّة فيه أظهر، لكن سيأتي التصريح بأبي الخطّاب في خبر شلقان...)) إلى آخر كلامه.
ولولا حسن الظنّ بقوّة إيمانه، ولو كان غيره لقلت: إنّ هذا من
هذيانه الحشوية! فإنّ من يروي عن ابن عبّاس في ج٣٦/٢٨٧ نقلاً عن (كفاية الأثر) عن عطاء، خبر تقرّب ابن عبّاس عند وفاته إلى الله تعالى بولاية عليّ عليه السلام، فيقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ معه، وهو الإمام والخليفة من بعدي، فمن تمسّك به فاز ونجا، ومن تخلّف عنه ظلّ وغوى...)، ثمّ بكى بكاءاً شديداً، فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم مكانك؟! فقال: إنّما أبكي لخصلتين: هول المطّلع وفراق الأحبّة، ثمّ قال: يا عطاء! خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار، قال: وأخذنا بيده أنا وسعيد، وحملناه إلى صحن الدار، ثمّ رفع يده إلى السماء، وقال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بمحمّد وآل محمّد عليهم السلام، اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فما زال يكررّها حتّى وقع إلى الأرض، فصبرنا عليه ساعة، ثمّ أفقناه، فإذا هو ميت رحمة الله عليه.
ثمّ يكرّر نقل هذا الخبر مرّة أخرى في ج٤٢/١٥٢، نقلاً عن (رجال الكشي)، وفيه بعد كلام رواه رجل من أهل الطائف، قال: أتينا ابن عبّاس نعوده في مرضه الذي مات فيه، قال: فأغمي عليه في البيت، فأخرج إلى صحن الدار، قال: فأفاق، فقال: إنّ خليلي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: أنّي سأهجر هجرتين ــ ثمّ ذكر ما أخبره صلي الله عليه وآله وسلم من العمى والغرق، وأن يبرأ من الناكثين والقاسطين والخوارج والقدرية والمرجئة، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أحيى على ما حيّ عليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأموت على ما مات عليه عليّ بن
أبي طالب عليه السلام، قال: ثمّ مات، فغسّل وكفّن ثمّ صُلّي على سريره، قال: فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه، فرأى الناس إنّما هو فقهه، فدفن(1).
ولم أدر!! كيف أفسّر رواية المجلسي رحمه الله لهذا الخبر! ثمّ قال ما قال في تجريح ابن عبّاس رضي الله عنه!!
وأعجب من ذلك! إعراضه عن رواية الخبر الذي رواه الكشي أيضاً بعد الذي تقدّم، وهو بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج، خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء حتّى غاب عنهم، وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام، فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب)، قال: فأتاه بعدما أصاب بصره، فقال: من أنت؟ قال أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك، من لم يعرفك فلا عرفك.
فمن يروي، هذا كيف يقول في أيمانه معاراً!! ولولا قداسة الشيخ وإيمانه الموروث لطال الكلام معه في المقام، وحسبنا منه ما رواه في ج٢٨/٧٣ ــ ٧٥، وقد تقدّم.
1) - اختيار معرفة الرجال ص٥٦ برقم ١٠٦، تح المصطفوي.
في الختام لا أدع الحديث عن مواقف الرجاليين من ابن عبّاس رضي الله عنه وآراء أعلام الطائفة من قدامى ومحدثين، ولعلّ في ذكر ما عند شيوخ العلم الذين أدركتهم أو حظيت بصحبة بعضهم، ما يكفي لإقناع القارئ بالنتائج التي وصلت إليها من كشف مفتريات العناصر المناوءة للعبّاسيين، إزراءاً بأبيهم.
ولمّا كانت المواقف والآراء متفاوتة، ومتدافعة ومترافعة، فقد رأيت أصحابها على ثلاثة أنماط:
ــ نمط أحسن الظنّ بموروث التراث، فقبله على علاّته، مأخوذاً مبهوراً بألقاب أصحابه، فأقروا الإدانة بحديث الخيانة، من دون نفاذ بصيرة في بواطن الأحداث، وقراءة واعية لِما جاء في تاريخ ابن عبّاس رضي الله عنه الطويل العريض ذي المناحي المتعدّدة، علمياً وسياسياً واجتماعياً، وهذا النمط هم الذين ابتلوا بقداسة الموروث كما هو، فأحسنوا الظنّ بالرواة، فقمشوا كثيراً وجمعوا ما وصلت إليه أيديهم من كلّ ما رواه حيّان بن بيّان، كما صنع المرحوم العلاّمة المجلسي الثاني رحمه الله في موسوعته (بحار الأنوار)، فلقد ذكر في مقدّمتها مصادره وكيفية تحصيلها، وأبان عن منهجيته التي انتهجها، فوقع في مطبّات كثيرة، إذ ذكر أخباراً ما كان ينبغي له ذكرها، وإذ ذكرها ما كان ينبغي
له أن يتركها من دون بيان، فلم يتعقّبها ببيان وإيضاح، وإذ لم يفعل هذا أيضاً في بعض من ذلك، فقد أوجب له تشويش النظرة إليه، فكان عدّه جمّاعاً مصدّقاً أكثر منه محقّقاً مقتصداً، فزاد في حشو الحشوية عدداً ومدداً، فكان نموذجاً للنمط المأخوذ بقداسة الموروث حتّى المعثوث.
ــ وفوق هذا النمط، نمط آخر كانت لديه بصيرة نافذة وناقدة، غير أنّه تحيّر وما تخيّر، فكان مهزوزاً في موقفه، يميل إلى الاعتدال، لكنّه يؤثر الاعتزال، لأنّه مأخوذ أوّلاً برواة الأخبار، وثانياً مصدوماً بالواقع الذي لا يسعه إنكاره، فصار من المتوقّفين، وخير من يمثل هذا النمط هو ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة)، الذي قال: ((قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون: إنّه عبد الله ابن العبّاس... وقال آخرون وهم الأقلّون: هذا لم يكن، ولا فارق ابن عبّاس عليّاً عليه السلام ولا باينه ولا خالفه، وكان أميراً على البصرة إلى أن قُتل عليّ عليه السلام، واستدلّوا على ذلك بأنّ معاوية اختدع كثيراً من عمّال أمير المؤمنين عليه السلام واستمالهم إليه بالأموال فمالوا، فما باله وقد علم النبوّة وما حدث بينهما لم يستمل ابن عبّاس ولا اجتذبه إلى نفسه، وكلّ من قرأ السير والتواريخ يعرف مشاقة ابن عبّاس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه السلام، وهذا عندي هو الأمثل والأصوب... وقد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب! فإن أنا كذبت النقل وقلت: هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام، خالفت الرواة، فإنّهم أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه عليه السلام، وقد ذكر في أكثر
كتب السيرة، وإن صرفته إلى عبد الله بن عبّاس، صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد مماته، وإن صرفته إلى غيره، لم أعلم إلى من أصرفه، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين)).
وهذا من غرائب العجائب أن يكون مثل ابن أبي الحديد في ألمعيته وإحاطته يكون من المتوقّفين!! فما بالك بمن هو دونه؟!
ــ وثمّة نمط ثالث كان أقوى حجّة وأنفذ بصيرة إلى بواطن الأحداث ممّن سبق ذكره، ووجدت في هؤلاء خير نصير لي فيما رأيت، إذ لا يسع المرتاب أو المشكّك القدح فيهم، لمكانتهم العلمية، والاجتماعية فهم في ديانتهم وورعهم فوق الشبهات، وسأذكرهم حسب سنيّ الوفيّات وهم:
الأوّل: السيّد أحمد بن طاووس رحمه الله المتوفى سنة (٦٧٣هـ) صاحب المؤلّفات القيّمة، ومنها كتابه (بناء المقالة العلوية (الفاطمية)) وهو مطبوع، وكذا كتابه (عين العبرة في غبن العترة)، وله كتاب (حلّ الإشكال في معرفة الرجال)، الذي حرّره المرحوم الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، وسمّاه (التحرير الطاووسي) وقد طبع مؤخّراً بتحقيق فاضل الجواهري وإشراف السيّد محمود المرعشي، وفقهما الله تعالى.
وقد ذكر محرّر الكتاب في مقدّمته الوجه الباعث له على التحرير، فقال: ((هذا تحرير كتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي في الرجال، انتزعته من كتاب السيّد الجليل العلاّمة المحقّق جمال الملّة والدين، أبي الفضائل أحمد بن طاووس الحسني، قدس الله نفسه وطهر رمسه.
والباعث لي على ذلك: إنّي لم أظفر لكتاب السيّد رحمه الله بنسخة غير نسخة الكتاب بكماله متعذّراً بخطّ المصنّف، وقد أصابها تلف في أكثر المواضع، بحيث صار نسخ الكتاب بكماله متعذّراً. ورأيت بعد التأمّل أنّ المهم منه هو تحرير كتاب الاختيار، حيث أنّ السيّد رحمه الله جمع في الكتاب عدّة كتب من كتب الرجال بعد تلخيصه لها، ولمّا كان أكثر تلك الكتب محرّراً منقّحاً، اقتصر فيها على مجرّد الجمع، فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتب...
وأمّا كتاب الاختيار من كتاب الكشي للشيخ رحمه الله (1)، فهو باعتبار اشتماله على الأخبار المتعارضة من دون تعرّض لوجه الجمع بينهما، محتاج إلى التحرير والتحقيق، ومع ذلك ليس بمبّوب، فتحصيل المطلوب منه عسر، فعنى السيّد رحمه الله بتبويبه وتهذيبه، وبحث عن أكثر أخباره متناً وإسناداً، وضمّ إليه فوائد شريفة، وزوائد لطيفة، ووزّعه على أبواب كتابه.
وحيث تعذّر نسخ الكتب، آل أمر تلك الفوائد إلى الضياع، مع أنّ أغلبها ــ بتوفيق الله تعالى ــ سليم من ذلك التلف، والذاهب منها شيء يسير قليل الجدوى، فرأيت الصواب في انتزاعه من باقي الكتاب، وجمعه كتاباً مفرداً يليق أن يوسم بـ (التحرير الطاووسي لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي)، نفع الله تعالى به.
1) - المراد بالشيخ هو الطوسي رحمه الله.
قال السيّد رحمه الله في أثناء خطبة الكتاب بعد كلام له في منهجيته: ((وأختص كتاب الاختيار من كتاب الكشي بنوعي عناء لم يحصلا في غيره، لأنّه غير منسوق على حروف المعجم، فنسقته، وغير ذلك من تحرير دبرته، ثمّ القصد إلى تحقيق الأسانيد المتعلّقة بالقدح في الرجال، والمدح حسبما اتّفق لي، وما أعرف أحداً سبقني إلى هذا على مرّ الدهر وسالف العصر، وقد يكون عذر من ترك أوضح من عذر من فعل، ووجه عذري ما نبّهت عليه: إنّ الكتاب ملتبس جدّاً، وفي تدبيره على ما خطر لي بعد عن طعن عدوّ أو شكّ وليّ، أو طعن في وليّ أو مدح لعدوّ، وذلك مظنّة الاستئناس في موضع التهمة، والتهمة موضع الاستئناس، وبناء الأحكام وإهمالها على غير الوجه، وهو ردم لباب رحمة وفتح لباب هلكة...))(1).
ثمّ قال بعد كلام طويل حول مصادر كتابه:
((واعلم أنّي ذاكر قاعدة كلّية في الجرح والتعديل، وهي ما لا يستغني عنها في هذا الطلاب، والله الموفّق للصواب.
فأقول: الرواة من الممدوحين والمجروحين ينقسم حالهم إلى أقسام ثلاثة:
فمنهم من حصل له مدح خاصّة، ومنهم من حصل له قدح خاصّة، ومنهم من قيل فيه مدح وذمّ، فإن كان الأوّل فلا يخلو أن يكون الطريق
1) - التحرير الطاووسي: ٤ ــ ٥.
معتبراً ــ عقلاً أو شرعاً أو معاً ــ أو لا يكون، فإن كان الأوّل فالبناء على ذلك لازم، وإن لم يكن الأمر كذلك فلا عبرة بما قيل، وكذا من ورد فيه قدح خاصّة.
فأمّا القسم الثالث ــ وهو تمام القسمة ــ وهو من حصل له مدح وقدح، فإنّه لا يخلو إمّا أن يكون الطريقان معتبرين، أو كلاهما غير معتبرين، أو أحدهما معتبر والآخر غير معتبر، فإن كان الأوّل فلا يخلو أن يكون مع أحدهما رجحان يحكم التدبر الصحيح باعتباره أو لا، فإن كان الأوّل فالعمل على الراجح، وإن كان الثاني فالتوقّف عن القبول لازم، وإن كان الطريقان غير معتبرين ــ بمعنى أن ليس طريق منهما محلاًّ قابلاً للبناء عليه ــ فلا عبرة بهما، وإن كان أحد الطريقين سقيماً لا يبنى عليه، والآخر عكس ذلك، فالحكم للراجح.
واعلم أنّ التردّد في قبول الجرح لائق ما لم يحصل معارض، لأنّ الناس قسمان: مبغض، وغير مبغض، فالمبغض قسمان: متعلّق بذنب (بمذهب)، أو لا متعلّق بذنب (بمذهب)، وقد يكون التعلّق صحيحاً وقد لا يكون، وغير المتعلّق بالذنب (بالمذهب) قد يكون حاسداً، وقد يكون غير حاسد، بل يتبع ميل النفس الخسيسة في الأذى والقدح في بريء مستقيم:
والظلم من شيم النفوس *** فإن تجد ذا عفة فلعلّة لا يظلم
أو تابعاً لغرض غيره، وهو إمّا معذور، أو غير معذور، بل قد يقع
القدح ممّن ينسب إلى الثقة والصداقة لبعض ما ذكرت من العلل، والعيان يشهد بذلك.
وإنّ امرؤاً أمسى وأصبح سالماً *** من الناس إلا ما جنى لسعيد
وهذه الأقسام هي المستولية على أكثر البرية، فالتهمة إذاً شائعة، ولا يحصل بإزائها في جانب المادحين، فالسكون إليهم ما لم يحصل معارض راجح، والسكون إلى القادحين ما لم يحصل معارض مرجوح، وبالله الثقة وبه نستعين))(1).
أقول: وبعد هذه المقدّمة النفيسة، نذكر للقارئ ما قاله هذا السيّد في ترجمة ابن عبّاس وتعقيباً منه على ما جاء فيه في كتاب (الاختيار).
قال رحمه الله كما في ص٣١٢ (التحرير الطاووسي):
((عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه
حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام والموالاة والنصرة له، والذبّ عنه والخصام في رضاه والموازرة، ممّا لا شبهة فيه، وقد كان يعتمد ذلك مع من يجب اعتماده معه بعده على ما نطق به لسان السيرة.
وقد روى صاحب الكتاب أخباراً شاذة ضعيفة تقتضي قدحاً أو جرحاً، ومثل الحبر رضي الله عنه موضع أن يحسده الناس وينافسوه، ويقولوا فيه
1) - التحرير الطاووسي: ٨ ــ ٩.
ويباهتوه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً وبغياً إنه لذميم(1)
ولو اعتبر العاقل حال الناس كافّة، رأى أنّه ليس أحد منهم خالياً من متعرّض به، أو قائل فيه، إمّا مباهتاً أو غير مباهت، ومعلوم أنّ ذلك جار على قانون الصحّة ونمط السداد إذ فيهم من لا شبهة في نزاهته وبرائته:
وما زلت أستصفي لك الودّ أبتغي *** محاسنه حتّى كأنيّ مجرم
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي *** سلمتِ وهل حيّ من الناس يسلم(2)
فقد يظهر السرّ المضيّع فيندم *** صن السرّ بالكتمان يرضيك غبّة
فيظهر خرق السرّ من حيث يكتم *** ولا تفشين سرّاً إلى غير أهله
برجع جواب السائلي عنه أعجم *** وما زلت في الكتمان حتّى كأنني
ولو شكّ العاقل في كلّ شيء لَما شكّ في حال نفسه عند قول باطل
يقال فيه، وبهت يبهت به لا أصل له.
ولي كلام شاهد بأنّ السلامة من التعرض بعيدة، لأنّ الرفيع بمظّنة حسد المتوسّط له ومن دونه فيقولان فيه، والمتوسّط بمظنّة الحسد من الساقط فيقول فيه، والساقط بمنزلة قدح الرفيع والمتوسط حقّاً فيه.
وأنا مورد ما رواه صاحب الكتاب في خلاف ما مدحته به، ومجيب عن ذلك إن شاء الله تعالى.
حديث أوّل: يتعلّق بقول صدر فيه من مولانا زين العابدين عليه السلام من رواية إبراهيم بن عمر الصنعاني، وقال ابن الغضائري فيه: إبراهيم بن عمر الصنعاني اليماني يكنّى أبا إسحاق ضعيف جدّاً، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وله كتاب.
حديث ثاني: يتعلّق بغضب الحسن عليه السلام عقيب مقالة قالها تتعلّق بافتخاره بالعلم وكأنّه كان يعرّض به.
الطريق: محمّد بن مسعود، قال: حدّثني جعفر بن أحمد بن أيوب، قال حدّثني حمدان بن سليمان أبو الخير، قال: حدّثني أبو محمّد عبد الله ابن محمّد اليماني، قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب الكوفي، عن أبيه الحسين، عن طاووس.
وفي هذا الحديث من لا تثبت روايته، إمّا من حيث لا تعرف عدالته، أو من حيث أنّ الطعن متوجّه إليه.
حديث ثالث: يتعلّق بأخذ عبد الله ألفي ألف درهم من مال البصرة،
من رواية سفيان بن سعيد، عن الزهري. والمشار إليهما عدوّان متّهمان، وقد ذكرت في بعض ما ألفت شيئاً يتعلّق بحالهما.
حديث رابع: يتعلّق بمراجعته لعليّ عليه السلام بما سفك من الدماء، والحديث مروي عن شيخ من أهل اليمامة يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي. وهذا السند ضعيف جدّاً، لا أصل له، تارة بجهالة الشيخ اليمامي، وتارة بما يعرف من حال الشعبي الشاهد بالقدح فيه من طريق المخالف، وأمّا من طرقنا فالأمر ظاهر، ومعلّى بن هلال لا بدّ من معرفة عدالته.
وروى حديثاً يتعلّق به وبأخيه عبيد الله شديداً في الطعن، لكن طريقه ضعيف، لأنّ من رواته محمّد بن سنان، يرويه عنه محمّد بن عيسى العنبري ــ كذا رأيت في النسخة والظاهر أنّه العبيدي ــ وهو مضعف(1).
هذا الذي رأيت، ولو ورد في مثله ألف حديث ينقل أمكن أن يعرض للتهمة، فكيف مثل هذه الروايات الواهية الضعيفة الركيكة))(2)
مراجيح في الرهج الأضهب *** مساميح بيض كرام الجدود
قدّم وأخّر إلى أرحب *** إذا ضم في الروع يوم الهياج
بشقان قطقطها الأشهب *** مطاعيم حين نزوح الشمال
لأمثاله حين لا موهب *** مواهيب للمنفس المستزاد
مطاعيم للطارق الأجنب *** أكارم غرّ حسان الوجوه
مواريّ للقادح المثقب *** مقاريّ تحت جنحيّ الظلام
بظلماء ديجورها الغيهب *** نجوم اللمور إذا أدلجت
إذا انقضت حبوة المحتبي *** وأهل القديم وأهل الحديث
قال محقّق الكتاب: الأبيات من جملة قصيدة للكميت الأسدي من هاشمياته، انظر الروضة المختارة: ٧٤ ــ ٧٦ ففيما نقله المؤلّف أبيات لم ترد هناك.
أقول: ولقد روى السيّد(رحمه الله) في كتابه الآخر (بناء المقالة الفاطمية ص٩٧) مسنداً عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (يحشر الشاكّ في عليّ من قبره وفي عنقه طوق من نار، فيه ثلثمائة شعبة، على كلّ شعبة شيطان يكلح في وجهه حتّى يوقف موقف القيامة)، كما أنّه ذكر ابن عبّاس في أكثر من عشرين مورداً في كتابه هذا راوياً عنه مرفوعاً وموقوفاً؛ فراجع.
. اهـ .1) - لقد مرّ ذكر المناقشة في هذه الأحاديث في الجزء الثالث من هذه الحلقة؛ فراجع.
2) - وللسيّد المؤلّف(قدّس الله روحه) كلام في فضل بني هاشم، ذكره في (عين العبرة في غبن العترة)، جاء في آخره: ((... والعبّاس بن عبد المطّلب رحمه الله ، وولده عبد الله الحبر المعظم(قدّس الله روحه)، وعبيد الله الأريحي السخيّ، والفضل البطل الكميّ، وقثم المقدّم السريّ.
وقد تبع هذا السيّد الجليل ابن طاووس رحمه الله في رأيه سيّد آخر مثله في الدفاع عن ابن عبّاس رضي الله عنه وهو من أعلام القرن الثاني عشر، وهو السيّد علي خان المدني الشيرازي (ت١١٢٠هـ) فقد ترجمه في كتابه (الدرجات الرفيعة) ص٩٩ إلى ص١٤٤، وهي أطول ترجمة لهاشمي في الكتاب، ضمّت الكثير من أخبار ابن عبّاس، منذ الولادة وحتّى الوفاة، فذكر فيها ما قاله السيّد ابن طاووس مصرّحاً بالنقل من كتابه (حلّ الإشكال) بعد أن ابتدأ بحكاية قول العلاّمة الحلّي رحمه الله ، وتعليقة الشهيد الثاني رحمه الله عليه، ثمّ ذكر قول القاضي نور الله (ت١٠١٩) في (مجالس المؤمنين): ((أما أنا فاعتقد
إيمانه، وأمّا أجوبة العلاّمة في كتابه الكبير فلم أقف عليها، والذي سمعناه من بعض الثقاة إنّ كتابه ضاع قبل أن يبيّض في جملة كتب وأثاث للعلاّمة(رض) في الفترة الواقعة بعد وفاة السلطان محمّد خدابنده الماضي، وإلى الآن لم يقف أحد من الأفاضل على نسخة من الكتاب المذكور))(1). ثمّ قال المؤلّف ــ صاحب الدرجات الرفيعة ــ عفا الله عنه: الذي اعتقده في ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه كان من أعظم المخلصين لأمير المؤمنين عليه السلام وأولاده، ولا شكّ في تشيعه وإيمانه، وستقف على ما نذكره من أخباره على ما تحقّق معه ذلك إن شاء الله تعالى.
ثمّ قال: وقال السيّد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحلّي رحمه الله في كتابه (حلّ الإشكال في معرفة الرجال)... وساق ما تقدّم ذكره أوّلاً عن ابن طاووس بنصّه.
ثمّ قال: وهنا حين نذكر جملة من أخباره، فبدأ بذكر حديث الرزية نقلاً عن الصحيحين برواية ابن عبّاس وقوله: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.. وتعقّبه بقول بعض العلماء: صدق ابن عبّاس عند كلّ عاقل مسلم، والله لو لبس المسلمون السواد وأقاموا المآتم وبلغوا أعظم الحزن لأجل ما فعل عمر بن الخطّاب لكان قليلاً..
1) - مجالس المؤمنين، للقاضي نور الله التستري المتوفى سنة ١٠١٩ مطبوع وهو بالفارسية، وما حكاه عنه السيّد المدني فهو في آخر ترجمته في ١/١٩٠، ط المكتبة الإسلامية بطهران سنة ١٣٧٥هـ.
ثمّ ذكر ثلاثاً من محاورات ابن عبّاس مع عمر في شأن الخلافة، وذكر مدح الحطيئة له، وذكر ما يتعلّق بإقامته الحجّ وعثمان محصور، وما جرى له بعد أن رجع، فدخل على الإمام عليه السلام وقد بايعه الناس وسمع ما أشار به المغيرة من إبقاء معاوية ومناقشته في هذا، ثمّ ما كان منه وقام به في حرب الجمل، بدءاً ونهاية، وولايته على البصرة، ثمّ ذكر مواقفه في حرب صفّين، ومكاتبات عمرو بن العاص ومعاوية إليه، وجوابه لهما، ثمّ ذكر قصّة التحكيم وما إليها نثراً وشعراً، ثمّ ذكر من مناكير العامّة قصّة إحراق الإمام عليه السلام لجماعة المرّتدين وإنكار ابن عبّاس ذلك.
وقد مرّ ذكر هذا في (فقهه)، وفي (أكاذيب عكرمية) أيضاً؛ فراجع!
ثمّ قال: قال شيخنا المفيد(قدّس الله روحه): وهذا من أظرف شيء سمع وأعجبه، وذلك إنّ ابن عبّاس أحد تلامذته والآخذين العلم عنه، وهو الذي يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يجلس بيننا كأحدنا، ويداعبنا ويبسطنا، ويقول: والله ما ملأت طرفي منه قطّ هيبة له، فكيف يجوز من مثل ما وصفناه التقدّم على أمير المؤمنين في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين، لاسيّما في الحال التي هو مظهر له فيه الإتباع والتعظيم والتبجيل؟ وكيف ندم على إحراقهم وقد أحرق في آخر زمانه عليه السلام الأحد عشر الذين ادّعوا فيه الربوبية؟ أفتراه ندم على ندمه الأوّل؟! كلاّ ولكن الناصبة تتعلّق بالهباء المنثور، وقال ابن أبي الحديد: وهل أخذ عبد الله بن عبّاس الفقه وتفسير القرآن إلاّ عنه عليه السلام (1).
1) - الدرجات الرفيعة: ١١٧ ــ ١١٨.
ثمّ قال: وروى الكشي وغيره: إنّ ابن عبّاس حمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكّة وترك عليّاً عليه السلام ووقع بين أمير المؤمنين عليه السلام وبينه مكاتبات شنيعة من أجل ذلك، وهي مذكورة في (كتاب الكشي) وبعضها في (نهج البلاغة).
وأنكر المحقّقون من العلماء ذلك وقالوا: إنّ ذلك لم يكن، ولا فارق عبد الله بن عبّاس عليّاً ولا باينه ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قتل عليه السلام.
قال ابن أبي الحديد: وهذا هو الأمثل عندي والأصوب، أي: لم يفارق أمير المؤمنين عليه السلام.
قال المؤلّف عفا الله عنه: وممّا يدلّ على أنّ ابن عبّاس لم يفارق أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قتل، ما رواه المؤيّد الخوارزمي في مناقبه عن عثمان بن المغيرة، قال: لمّا أن دخل شهر رمضان، كان عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن عبّاس، لا يزيد على ثلاث لقم، يقول: (يأتيني أمر الله وأنا خميص، إنّما هي ليلة أو ليلتان، فأصيب من الليل)(1).
وروى ذلك أيضاً مصنّف كتاب زهد عليّ بن أبي طالب عليه السلام(2).
وروى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب (مقاتل الطالبيين): أن عليّاً ولي غسله ابنه الحسن وعبد الله بن عبّاس(1).
وذكر بعض المؤرخين أنّ ابن عبّاس لمّا قتل عليّ عليه السلام حمل مبلغاً من بيت مال البصرة ولحق بالحجاز، واستخلف على البصرة عبد الله بن الحرث بن نوفل، وهذا هو الصحيح، ويدلّ عليه أنّ ابن الزبير عيّره، بذلك كما سيأتي(2).
ثمّ ذكر محاورة ابن عبّاس مع معاوية وجماعته، وقد مرّ ذكرها في ضمن محاوراته تحت عنوان: (ما تكشف الأيام منك إلاّ عن سيف صقيل)(3)فراجع.
ثمّ ذكر السيّد المدني جملة من أخبار ابن عبّاس وأقواله في نصرة
أمير المؤمنين عليه السلام.. ثمّ قال: وفي بعض الروايات أنّ ابن عبّاس حضر موت الحسن عليه السلام بالمدينة.. ثمّ ذكر ما جرى بينه وبين عائشة ومروان، وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة، فبادر ابن عبّاس إلى مروان وعائشة فردّهما، وذكر كلامه مع كلّ منهما، وحاول المؤلّف تصحيح الروايات، وانساب يذكر ما كان يقوله ابن عبّاس في أمير المؤمنين عليه السلام
من جواب السائل عنه، والسابّ له، وما خطب به على المنبر بالبصرة، وذكر مسألة العول وموقف ابن عبّاس منها، وكذلك مسألة نكاح المتعة، وما كان من ابن عبّاس حين همّ الحسين عليه السلام بالخروج إلى العراق، مع ابن الزبير، وما كان له معه من مواقف أُخرى.. ثمّ ذكر ما كان بينه وبين يزيد بن معاوية، وآخره كتابه إليه بعد شهادة الحسين عليه السلام.. وعاد إلى ذكر ما جرى له مع ابن الزبير وما لحقه منه من الأذى، آخره إخراجه إلى الطائف وما جرى له فيه إلى وفاته.. وما ختم به حياته من الدعاء والتقرب إلى الله تعالى بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وقد مرّ منّي ذكر هذا بتفصيل فراجع آخر الحلقة الأولى(1)، وخبر زيارة المؤلّفS قبر ابن عبّاس مراراً بالطائف، وقد وُفّقت أنا كذلك والحمد لله تعالى على حسن توفيقه لي.
الثاني: من أعلام الطائفة من معاصري السيّد ابن طاووس ممّن قد نهج نهجه في آرائه في ابن عبّاس، ذلك هو العلاّمة الحلّي (ت٧٢٦هـ)، فقد قال في كتابه (خلاصة الأقوال)(2)في حرف العين في أوّل الباب الثاني فيمن اسمه عبد الله: ((عبد الله بن العبّاس: من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن
قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها، رضي الله تعالى عنه)) اهـ .
ولمّا كان كتابه قد فقد مع آثار أُخرى له، كما مرّ ذكر هذا عن القاضي نور الله التستري في (مجالس المؤمنين)، وقد حكاه عنه السيّد عليخان المدني في (الدرجات الرفيعة)، فأنّى لنا الاطّلاع عليه!
وقد تبع العلاّمة الحلّي رحمه الله في مقالته جماعة ممّن تأخّر عنه من الرجاليين..
فذكروا قوله ولم يزيدوا عليه بشيء، كما صنع السيّد مصطفى ابن الحسين الحسيني التفريشي من أعلام القرن الحادي عشر، فقد ذكر ترجمة ابن عبّاس رضي الله عنه بعين ما مرّ عن العلاّمة الحلّي، ولم يعقّب عليه بشيء(1).
أو زادوا عليه، إلاّ أنّهم افتتحوا الترجمة بمقالته، كما صنع الشيخ محمّد بن إسماعيل المازندراني المعروف بـ(أبي علي الحائري) المتوفى سنة ١٢١٦هـ، فقد ذكر في (منتهى المقال) في أوّل الترجمة عين ألفاظ العلاّمة الحلّي، ثمّ تعقبه بقوله:
((وقال شه(2): جملة ما ذكره كش من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند والله أعلم بحاله(3).
وفي كش ــ يعني رجال الكشي ــ فساق جميع ما ورد فيه من ص١٩٧ إلى ص٢٠٠..
ثمّ قال: وفي تعق ــ يعني التعليقة على الوجيزة ــ في الوجيزة مختلف فيه(1).
وفي كشف الغمّة عن أبي مخنف لوط بإسناده، عن أبي إسحاق السبيعي، وغيره، قالوا: خطب الحسن عليه السلام صبيحة الليلة التي قبض فيها علي عليه السلام... ــ إلى أن قال ــ:فقام عبد الله بن عبّاس بين يديه فقال: معاشر الناس هذا ابن نبيّكم ووصي إمامكم فبايعوه... إلى أن قال: فرتّب العمّال وأمّر الأمراء وأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة... الحديث(2).
فتأمّل فيه! فإنّ الظاهر من هذا عدم صحّة حكاية حمل بيت المال، ولعلّه الحامل له عبيد الله بن العبّاس، بل هو الظاهر، فإنّه لم يكن مرتبطاً بعليّ بن الحسين والباقر، بل والحسين عليهم السلام، وتخلّف عنه، فتأمّل! لكن في كتاب الحجّة من الكافي في شأن سورة إنّا أنزلناه، خبر يتضمّن ذمّاً عظيماً فيه(3)فلاحظ(4).
ثمّ قال أبو علي مؤلّف الكتاب: أقول: لا يخفى أنّ المعروف من
كتب السيّد الرضي رضي الله عنه في مواضع متعدّدة أنّ عبد الله كان عامل عليّ عليه السلام على البصرة، وعبيد الله على اليمن، وصرّح به السيّد الرضي رضي الله عنه في مواضع متعدّدة من (نهج البلاغة)(1)، وكذا ابن أبي الحديد في الشرح، ومن ذلك ما نقل من أنّه خطب ابن الزبير بمكّة على المنبر وابن عبّاس جالس مع الناس تحت المنبر، فقال: إنّ هاهنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى، وكيف ألومه في ذلك وقد قاتل أُمّ المؤمنين وحواري رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.
فقال ابن عبّاس... إلى أن قال: يا بن الزبير! أمّا العمى، فإنّ الله تعالى يقول: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(2)، وأمّا فتياي في القملة والنملة، فإنّ فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأمّا حملي المال، فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله فأخذناها بحقّنا، وأمّا المتعة، فسل أُمّك أسماء... إلى آخر كلامه(3).
وفي موضع آخر منه: قال الرواندي: المكتوب إليه عبيد الله لا عبد
الله، وليس كذلك، فإنّ عبيد الله كان عامل عليّ عليه السلام على اليمن، وقد ذكرنا قصّته مع بسر بن أرطاة، وقد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب، فإن أنا كذّبت هذا النقل وقلت هذا الكلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام خالفت الرواة، فإنّهم قد أطبقوا على روايته عنه، وذكر في أكثر كتب السير، وإن صرفته إلى عبد الله بن عبّاس، صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام، والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين(1).
وفي موضع آخر منه: قد اختلف في المكتوب إليه هذا الكتاب، والأكثرون على أنّه عبد الله(2).
ثمّ قال أبو علي: وأمّا ما في كشف الغمّة، فإن ثبت لا يبعد أن يكون رجع إلى عليّ عليه السلام بعد أخذ المال، ويكون الحسن عليه السلام قد أمّره على البصرة ثانياً، والله العالم.
وقد بالغ ابن طاووس رضي الله عنه في مدحه وذبّ الذّم عنه، حيث قال على ما في التحرير: حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وموالاته والنصرة له، والذب عنه، والخصام في رضاه، والمؤزارة ممّا لا
شبهة فيه. ثمّ قال: وقد روى صاحب الكتاب ــ أي الكشي ــ أخباراً شاذّة ضعيفة تقتضي قدحاً أو جرحاً، ومثل الحبر رضي الله عنه موضع أن تحسده الناس، ويتنافسوا فيه، ويباهتوه ويقولوا فيه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً وبغياً إنّه لذميم
ثمّ أطال الكلام في إثبات فضله وجلالته وتنزيهه عمّا يشينه، وتضعيف الأحاديث الواردة في ذمّه. ثمّ قال: ولو ورد في مثله ألف حيث ينقل، أمكن أن يعرّض للتهمة، فكيف مثل هذه الروايات الضعيفة الركيكة، انتهى(1).
وذكره في الحاوي في الثقاة مع ما عرفت من طريقته(2)فتدبّر.
وفي مشكا ــ المشتركات ــ ابن العبّاس الصحابي الذي لا بأس به يعرف بوقوعه في آخر السند(3)))(4).
وتبع هؤلاء الأعلام في هذا المقام الشيخ عبد النبيّ الكاظمي (ت١٢٥٦هـ) في كتابه (تكملة الرجال)(5)، فقال قوله:
عبد الله بن العبّاس: أنا لا أشكّ في أنّه ثقة، وأنّه من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه ناصح له من صميم الفؤاد، لكن في بعض الروايات ذمّ له وطعن فيه، فمن ذلك حكاية أخذه بيت مال البصرة، وهربه منها حين عمّله أمير المؤمنين عليه السلام فيها..
ثمّ ذكر بعض كتاب الإمام عليه السلام المذكور في النهج وفيه: (أشركتك في أمانتي)..
ثمّ قال: (والجواب) إنّ المقطوع من الخطاب في هذه الفقرات لأحد بني عمّه، وأمّا أنّه لخصوص عبد الله هذا فهو غير معلوم! ولذا عنون السيّد الرضي رحمه الله صدره بقوله: ومن كتابه له عليه السلام إلى بعض عمّاله، مع صراحتها في أحد بني عمّه، هذا بالنسبة إلى نفس كلامه، وصرح ابن أبي الحديد بالتوقّف في تعيينه، ونقل هو عن الراوندي أنّه هو عبيد الله ابن العبّاس لا عبد الله، والحاصل أنّ الخلاف في تعيينه موجود...
ثمّ نقل كلام ابن أبي الحديد بطوله، وحكى كلام ابن ميثم البحراني في شرحه على النهج بطوله، واستحسن منه قوله: أنّ الغلظة في الكتاب وشدّة العتاب لا توجب المفارقة، لأنّه عليه السلام كان إذا فعل أحد من الصحابة ما يستحقّ به المؤاخذة أخذه به سواء كان عزيزاً أو ذليلاً، قريباً منه أو بعيداً، فإذا استوفى حقّ الله منه أو تاب إليه ممّا فعل عاد إلى ما كان عليه... فلا يلزم إذاً من غلظته على ابن عبّاس ومقابلته إيّاه بما يكره مفارقته له وشقاقه، على ما بينهما من المحبّة الوكيدة والقرابة.
ثمّ ذكر بقية ما ورد في ذمّ ابن عبّاس في تفسير القمي والكافي، والجواب عنه بضعف السند أوّلاً، و(ثانياً) إنّ ما تضمّنته من إنكار شهادته مناف لِما استفاض من مجادلته مع عمر بن الخطّاب(1)في أخبار كثيرة، وإن شئت أن تقف عليها فارجع إلى كتابنا في مطاعن عن الثلاثة، فقد ذكرنا بعضها، وأنّه خاصم معاوية بن أبي سفيان كثيراً(2)، ولِما نقله العامّة ــ من طرق كثيرة ــ من قوله: الرزية كلّ الرزية ما حال بينه وبين الكتاب(3)، ولِما نقل عنه متواتراً عنه من فضائل عليّ عليه السلام وهي متواترة، ومباحثته مع الخوارج معلومة، وأراد عليّ عليه السلام أن يجعله أحد الحكمين(4)، وهذا يدلّ على أنّه متيقّن النصح له عليه السلام والاعتماد عليه، ومذاهبه المنقولة عنه مخالفة لِما عليه العامّة من حلّية المتعة، وعدم جواز المسح على الخفّين، ومن وجوب التقيّة، وأنّ الفريضة لا تعول، وعدم توريث العصبة، وغير ذلك من المسائل الخلافية بيننا وبين العامّة(5).
فهذا كلّه دليل على أنّه شهد لعليّ عليه السلام بالخلافة، وأنّه تابع لقوله،
1) - راجع الجزء الثاني من الموسوعة (في عهد عمر)، وفي الجزء التاسع ٩٨ ــ ١٣٣ تجد أربعة عشر احتجاجاً على عمر.
2) - راجع الجزء الخامس من الموسوعة من ص١٨ إلى ص٨٣، وفي الجزء التاسع ٣١٣ ــ ٤٢٦ تجد أكثر من عشرين محاورة.
3) - راجع الجزء الأوّل من الموسوعة من ص٢٤١ إلى ص٤٥٨، وقد طبعت هذا الحديث العتبة العبّاسية في كتاب خاص.
4) - راجع الجزء الرابع من الموسوعة ص١٣٦ فما بعدها.
5) - راجع الجزء الثامن من الموسوعة ص٣٥٥ (ابن عبّاس فقيهاً).
وهو يبلغ فوق التواتر. وكذلك سائر أحواله من حسن سيرته، وطاعته له.
والمتدبّر المطلّع على ذلك لا يجده أقلّ مرتبة من محمّد بن أبي بكر وأضرابه، من خواص عليّ عليه السلام وأهل بطانته، وأنّ كلّ متديّن لو ورد عليه مثل هذه الأخبار في حقّ محمّد بن أبي بكر وأضرابه لا يقبلها ولطرحها ورماها بكلّ مرمى، فكذا ينبغي في حقّ ابن عبّاس، بل وأولى لأنّه أعلم وأفقه وأبصر، ومحمّد وأضرابه وإن كانوا في المحبّة بلغوا تلك المرتبة، لكنّهم لم يكونوا في العلم والفقاهة كابن عبّاس، كما لا يخفى على الممارس، ومع ذلك فقد ورد ما فيه دلالة على جلالته وخاصيته.
روى الشهيد الثاني بإسناده عن مشايخه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله الأشعري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن أبي عبد الله عليه السلام ــ في حديث عبد الله النجاشي الطويل ــ قال: (لمّا تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة أتاه ابن عبّاس رضي الله عنه فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطفّ، فقال: ما وكدي من الدنيا إلاّ فراقها يابن عبّاس...) (الحديث)...
على أنّ أكثر الأجلاّء ورد فيهم ذمّ أكثر من هذا الذمّ، وطُرح وأُوّل، باعتبار ما عرفوه من حسن السيرة والسريرة وظاهر العدالة، فليكن ذلك فيمن هو دون ابن عبّاس كذلك، بل هنا أولى.
وقال أبو مخنف، ونقله عنه ابن طاووس: ((إنّ الحسين عليه السلام لمّا توجّه إلى مكّة، جاء عبد الله بن العبّاس فأشار عليه بالإمساك، فقال
الحسين عليه السلام: قد أمرني رسول الله بأمر وأنا ماض فيه))، إلى أن قال، فخرج ابن عبّاس وهو يقول: ((واحسيناه واغريباه))(1).
وفي روضة الواعظين، قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لكلّ شيء فارس، وفارس القرآن عبد الله بن عبّاس)(2).
وعنه عليه السلام: (ويح ابن عبّاس، كأنّه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق)(3).
هما الشيخان المتعاصران التبريزيان، ولكلّ منهما كتاب رجال، فقد اختلفت مذاهبهما في ابن عبّاس.
فالأوّل: هو الحجّة العلم الشيخ محمّد طه نجف التبريزي المتوفى سنة (١٣٢٣هـ)، صاحب كتاب (إتقان المقال)(1).
والثاني: هو العلاّمة الرجالي الشيخ الملا علي العلياري التبريزي المتوفى سنة (١٣٢٧هـ)، صاحب كتاب (بهجة الآمال في شرح زبدة المقال)(2).
ولكلّ منهما قولة هو متبنّيها.
فأمّا ما ذهب إليه الأوّل، فقد ذكر ابن عبّاس في كتابه ص٣١٣ ــ ٣١٥ في القسم الثالث في الضعفاء، فقال:
((عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب:
(ل ي جخ (يعني من أصحاب الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام كما في رجال الشيخ الطوسي)، ولم يحك عن جش (يعني النجاشي)، ولا عن غض
(يعني ابن الغضائري)، ولا عن غيرهما من القدماء سوى كش (يعني الكشي) فيه شيئاً، وفي هج (يعني منهج المقال)، عن كش فيه أخبار كثيرة مدحاً وذمّاً كثيراً كلّها ضعيفة السند، وفي الوجيزة: مختلف فيه، وفي نهج البلاغة: ومن كتاب له على بعض عمّاله وهو عبد الله بن عبّاس(1).
ثمّ ذكر كتاباً يتضمّن فيه يتضمّن ذمّاً بليغاً عظيماً، ورمياً بالخيانة والخذلان وقلّة التقوى، وضعف الإيمان، وأنّه أخذ من بيت المال بغير إذن إمامه، قال ابن أبي الحديد في شرحه (فذكر ما في الشرح وقد مرّ جميعه في ج٣ من هذه الحلقة).
ثمّ قال الشيخ نجف: والكتاب المذكور ممّا حكاه في هج عن كش (منهج المقال عن الكشي) بسند ضعيف، وزاد على ذلك حكاية كتابين فضيعين أرسلهما جواباً لأمير المؤمنين عليه السلام... إلى غير ذلك من الأخبار المتضمّنة ذمّه، وهي خمسة، مضافاً إلى ما مرّ في الحسن بن العبّاس الحريش عن الكافي في باب شأن: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وقال في صه (الخلاصة للعلاّمة الحلّي رحمه الله): كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي فيه ما يتضمّن قدحاً، وهو أجلّ من ذلك، وقد أجبنا عنه في الكتاب الكبير، وكأنّه أراد بضعف الإسناد أو معارضتها
1) - ليس في النهج: وهو عبد الله بن عبّاس وإنما ألحقها بعض الناسخين في بعض النسخ.
للمقطوع به، فيكون الطعن بها حينئذ على الراوي أولى من الطعن بها على المروي فيه، لاقتضائها الغضّ منه والحسد، وإلاّ فالدلالة واضحة جدّاً.
وفي د (يعني رجال ابن داود الحلّي): رضي الله عنه، حاله أعظم من أن يشار غليه، في الفضل والجلالة ومحبّة أمير المؤمنين عليه السلام وانقياده له.
وحكى أبو علي (الحائري صاحب منتهى المقال) عن طس (يعني ابن طاووس) أنّه قال: حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وموالاته والنصرة له والذبّ عنه، والخصام في رضاه، والموازرة له ممّا لا شبهة فيه ــ ثمّ قال معرضا بأخبار الذمّ ــ ومثل الخبر موضع أن يحسده الناس ويباهتوه:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً وبغياً إنه لذميم
ثمّ قال: ولو ورد في مثله ألف حديث بنقل أمكن أن تعرض للتهمة، فكيف بهذه الأخبار الضعيفة الركيكة.
قلت ــ والقائل هو الشيخ نجف رحمه الله ــ هذا أوّل إطراء حكى فيه من أصحابنا(1)
...يدل على صحّة هذا التأويل ــ يعني فرض محبّة علي عليه السلام ــ ما قدّمناه في الفصل الذي قبله، من قول ابن عبّاس رحمه الله عند موته: ((اللّهمّ إني اتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب)) وأهملنا الكلام فيه سهوا، وهذا القول من ابن عبّاس رحمه الله من أدل دليل على أنّ الميت يُسأل عن معرفة الله تعالى ومعرفة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وولاء أمير المؤمنين عليه السلام، لأنّه قد ثبت عند من يعلم ومن لا يعلم أن منكراً ونكيرا ومبشّراً وبشيراً يسألان الميت عند نزول قبره عن ربّه ونبيّه وإمامه، وهذا من أدل دليل على سؤال الملائكة عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ولولا ذلك لما جعلها ابن عبّاس رحمه الله خاتمة عمله، لأنّه كان أعلم أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعد أمير المؤمنين بلا خلاف، وقد كان يقول له أمير المؤمنين عليه السلام دائما: أنت كُنيف مملوء علما، ولو لم يتحقّق في ذلك حالا من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لما كان قد جعل غاية تقرّبه إلى الله تعالى ــ وهو آخر كلام يكتب له ــ ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ولو لم يعلم أنّ فيها النجاة لما جعلها آخر عنله، وهذا ممّا يوجب على كافة خلق الله تعالى أن يأتوا بمثل ما أتى به ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأعلمهم.
، وهو إطراء عظيم، وناهيك به من مثل السيّد والعلاّمة، وإن1) - لقد فات الشيخ نجف قدس سره الاطلاع على ما قاله الحافظ ابن البطريق المتوفى سنة ٦٠٠ في كتابه عمدة عيون صحاح الأخبار ١/١٨١، ط مكتبة العلاّمة المجلسي، حيث قال:
حكاه شيخنا عن المحقّق السعيد الحسن بن الشهيد، أنّ العلاّمة كالتابع للسيّد ابن طاووس، فإنّه محلّ منع ظاهر، والإنصاف إنّ استقامة الرجل وذبّه عن الحقّ وأهله، وغيرته على الدين، وغزارة علمه بشريعة سيّد المرسلين، أوضح شيء لدى المسلمين، لكن لا ريب في أنّه لا ملازمة عقلاً بين كمال العلم وتمام التقوى، فإنّ الرجل لم يشتهر بالتقوى والعدالة اشتهار أويس(1)مثلاً الذي لم يشتهر في العلم وما هو فيه اشتهاره، بل ولا من دونه، وإنّما اشتهر باستقامة العقيدة ونصرة المذهب وكمال الدفّة عنه والذب، وهو وإن اقتضى الملازمة اعتباراً، إلاّ أنّها غير ملازمة عياناً، على أنّ الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، فقد سبق في
1) - هو أويس القرني الذي قال فيه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ذات يوم لأصحابه ابشروا برجل من أُمّتي يقال له أويس القرني، فانه يشفع لمثل ربيعة ومضر، ثمّ قال لعمر، يا عمر إن انت أدركته فاقرأه مني السلام... تمام الخبر في رجال الكشي وعنه في قاموس الرجال ٢/٢٢٠، ط الثانية.
أبي ولاد، وأحمد بن محمّد بن عيسى الثقة العدل باتّفاقهم، وغيرهما ما يونسك بالمقام، سيّما وإنّ تمام التقوى ودوامها في خصوص المال إنّما يحظى بها أبدال الأبدال.
ففي الخبر: (إنّ الشيطان ليجثوا لابن آدم عند كلّ باب، فإذا أعياه، جثم له عند المال، فإذاً لا يعجزه)(1).
وأيضاً، إنّ كمال العزّ والشرف مظنّة للزهو والغرور والفخر إلاّ من فاز من الله تعالى بقوّة قدسية، وألطاف خفيّة، فإنّ النفس أمّارة بالسوء إلاّ من رحم الله، وليس المعصوم إلاّ من عصمه الله.
وليس هذا منّا تصديقاً لتلك الأخبار وعملاً بها، بل منع استبعاد محضاً، على أنّ الإنصاف إنّ حكاية نسبة الخيانة إليه بعيدة الاعتبار، إذ لو صحّت لاشتهرت عنه اشتهار الشمس في رابعة النهار، فإنّ صغيرة الكبير كبيرة، كما أن كبيرة الصغير صغيرة.
هذا وفي (كشف الغمّة) بإسناده إلى أبي مخنف: أنّ الحسن عليه السلام ولاّه بعد أبيه البصرة.
وفي كتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ ابن عبّاس كان عند عليّ عليه السلام عند وفاته.
وممّا اشتهر جدّاً أنّه رسول عليّ عليه السلام إلى أهل النهروان والمخاصم
1) - الكافي ٢/٤٤٠، وعنه في الوسائل ١٦/٢١ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إنّ الشيطان يدبر ابن آدم في كلّ شيء، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته) وهو في البحار ٦٠/٢٦٠.
لهم عنه، والظاهر أنّ واقعة النهروان كانت في آخر سنيّ خلافته عليه السلام، وذلك كلّه يشعر بالرجوع إلى الديانة ــ على صحّة تقدير الخيانة ــ مع إمكان أن يقال: إنّ الاستقراء في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وابنه الحسن عليه السلام يفيد أنّها لم تكن على تمام مبسوطية اليد واستقامة الحكم على مرّ الحقّ، وإنّها كانت على حساب الإمكان، يشهد بذلك استعماله شريح بن الحارث، والأشعث بن قيس، وزياد بن أبيه، وأبي موسى الأشعري، والمنذر بن الجارود العبدي، وقثم بن العبّاس(1). وفي الخبر: أنّ عليّاً عليه السلام لم تثبت قدامه قدماه، ولو ثبتت قدماه لأدّى الحقّ. وناهيك بقوله عليه السلام: (لولا ما سبقني إليه ابن الخطّاب ما زنى إلاّ شفا)(2)، مشيراً إلى نهيه عن المتعة، وقولهم: وا سُنّة عمراه لمّا نهى عن صلاة التراويح(3)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، وكيف كان فالظاهر ما قاله العلاّمة رحمه الله)).
هذا ما قاله الشيخ محمّد طه نجف التبريزي في ابن عبّاس.
وأمّا الذي قاله الشيخ العلياري التبريزي في كتابه (بهجة الآمال في
1) - ممّا يستغرب في كلام الشيخ نجف ذكر قثم مع من سبق له ذكرهم، فهو كان واليا على مكّة ولم يبدو منه خلاف أو خيانة، بل كان مرضيّاً وهو الذي سئل من أين ورث علي عليه السلام النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال: إنه كان أولنا به لحوقا، وأشدّنا لزوقا كما في خصائص النسائي: ٢٨ وأسد الغابة وغيرها.
2) - شرح النهج، لابن أبي الحديد ٢٠/٢٥، ط محقّقة.
3) - شرح النهج، لابن أبي الحديد ١٢/٢٨٣.
شرح زبدة المقال)(1)، فقد بدأ بشرح بيت صاحب الزبدة:
كُنيفُ علم ولد العبّاس *** ولا أراه من خيار الناس
فقال: ((عبد الله بن العبّاس، من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنه رضي الله عنه وأرضاه (صه) ــ يعني ما سبق مأخوذ من كتاب الخلاصة للعلاّمة الحلّي رحمه الله ــ)).
ثمّ قال العلياري رحمه الله: ((وعليها بخطّ الشهيد الثاني رحمه الله جملة ما ذكر الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند، والله أعلم بحاله)) اهـ .
ثمّ حكى ما في رجال الشيخ الطوسي رحمه الله ، وما في (الوجيزة) للمجلسي الثاني رحمه الله ، ثمّ نقل ما ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة) في ترجمة ابن عبّاس نقل المسطرة، ثمّ نقل ما في (رجال الكشي) من أخبار القدح، وبعدها ما فيه من أخبار المدح من أقواله في الطائف عند موته، وعقّب عليها بخبر محاورته مع عائشة بعد وقعة الجمل بالبصرة، ثمّ ذكر خبر الخيانة نقلاً عن الكشي وما جرى فيه من مكاتبات بين الإمام عليه السلام وبين ابن عبّاس، ثمّ ذكر ما جاء في (كشف الغمّة) من تولية الإمام الحسن عليه السلام له ثانية على البصرة، ثمّ استدرك بقوله: ((لكن في كتاب الحجّة من الكافي في سورة (إنّا أنزلناه) رواية مأثورة عن أبي عبد الله عليه السلام سنذكرها
1) - بهجة الآمال في شرح زبدة المقال ٥/٢٤٤.
بطولها))، ثمّ قال أيضاً مستدركاً بقوله: ((لكن رواياته في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وسائر أهل البيت عليهم السلام من الطرفين مستفيضة)).
ثمّ نقل عن الحافظ الكنجي خبر وقوفه على من كان يسبّ عليّاً عليه السلام باختصار، وتعقّبه ببعض ما ورد عن ابن عبّاس في فضل الإمام عليه السلام من نزول آيات فيه، ثمّ عاد فنقل قول أبي علي ــ الحائري ــ في (منتهى المقال) بطوله. وختم ترجمة ابن عبّاس بقوله: ((وقول الناظم رحمة الله عليه: كُنيف علم، بالتصغير بمعنى الوعاء كذا في نهاية ابن الأثير، والتصغير هنا تصغير تعظيم، ومنه قول عمر لعبد الله بن مسعود: إنّه كُنيفٌ ملأ علماً، كما ذكر حديثه في أسد الغابة))، وبهذا ختم الترجمة.
والآن تبيّن لنا أنّ الشيخين ــ نجف، والعلياري ــ ليسا على تناقض تامّ، بل يلتقيان حينا، ويختلفان أكثر، وهذا شأن العلماء في حرية الرأي وصراحة الكلمة..
وإلى القارئ أسماء علماء رجاليين من مختلفي القرون، مع الالتزام بترتيبهم حسب سنيّ الوفيات، لا ترتيب أسمائهم على الحروف الهجائية، بل أذكرهم كما ورد في المسودّات من قبل:
١ـ الميرزا إبراهيم الخوئي، المستشهد سنة ١٣٢٥هـ في فتنة الأكراد بخوي(1)، صاحب كتاب (ملخّص المثال)، ذكره في القسم الثالث الذي ذكر فيه الممدوحين، فحكى قول العلاّمة الحلّي ــ وقد مرّ آنفاً ــ ثمّ قال: ((وبالجملة الرجل مختلف فيه، ولا يبعد جلالته وفاقاً لجماعة؛ فتأمّل)).
٢ـ الشيخ فخر الدين الطريحي، المتوفّى سنة ١٠٨٥هـ، قال في كتابه (جامع المقال): ((ابن العبّاس الصحابي الذي لا بأس به، ويعرف بوقوعه في آخر السند؛ فتدبّر)).
٣ـ السيّد حسن صدر الدين العاملي المتوفى سنة ١٣٥٤هـ، قال في (نكت الرجال) ــ الذي هو تعليقة على منتهى المقال ــ : ((أقول: لعلّ فيما نسب إليه من الخيانة منافاة لإرسال الحسن عليه السلام ثانياً إلى البصرة)).
أقول: أخذت موضع الحاجة، وذكره في كتابه (الشيعة وفنون الإسلام ص١٩ ط صيدا)، عند كلامه على أئمّة القرآن من الشيعة، ومنهم عبد الله ابن العبّاس، وهو أوّل من أملى في تفسير القرآن من الشيعة، وقد نصّ كلّ علمائنا على تشيّعه، وترجمه بترجمة حسنة السيّد في كتابه (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة)، وذكرت في الأصل ما به الكفاية من ذلك، مات
1) - مصفى المقال: ٩.
سنة ٧٠هـ في الطائف، ولمّا حضرته الوفاة، قال: (اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولائي لعليّ بن أبي طالب عليه السلام).
٤ـ الشيح محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، المتوفّى سنة ١١٠٤هـ، قال في كتابه (وسائل الشيعة) بعد أن ذكر كلام العلاّمة الحلّي في الخلاصة ــ وقد مرّ آنفاً ــ: ((وبعض الذمّ الوارد فيه محمول على أنّه في أخيه عبيد الله...)).
ومثل هذا في كتاب رجاله (المخطوط) في مكتبة كاشف الغطاء.
٥ـ الميرزا محمّد الاسترابادي، المتوفى سنة ١٠٢٨هـ، له ثلاثة كتب في الرجال، الكبير وهو (منهج المقال)، الوسيط (تلخيص المقال)، والصغير (الوجيز)، فذكره في المنهج ج/ ط، فذكر عبارة العلاّمة الحلّي رحمه الله في (الخلاصة)، كما مرّ ذكرها، ثمّ ما ذكره الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند، والله أعلم بحاله.
وهذا ما ذكره أيضاً في رجاله الوسيط المسمّى (تلخيص الأقوال)، وهو عين ماذ كره في رجاله الصغير الموسوم بـ(الوجيز)، كما في نسخته في الرضوية برقم (٣٦٠٩) رجال.
٦ـ الميرزا أبو القاسم النراقي، المتوفى سنة ١٣١٩هـ، ذكر ابن عبّاس في (شعب المقال) من ص١٤٥ إلى ص١٤٨، قال فيها:
((عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، رضي الله عنهم، كان محبّاً لأمير المؤمنين عليه السلام وتلميذه، وارتقى في العلم أقصى مدارجه، والأخبار فيه
مختلفة، بطرق العامّة والخاصّة، دالّة على مدحه وقدحه، قال العلاّمة وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجل من ذلك، انتهى.
(أقول) ــ والقائل هو النراقي ــ ذلك لأنّ أخبار القدح كلّها ضعيفة السند، وقد رأيت أخباراً أُخر من طريق العامّة تقتضي قدحه المشتملة على كتمان أمير المؤمنين عليه السلام أسراره عنه، والخلوة بعمّار، وكون ابن عبّاس صاحب سرّ عثمان، لكن الحجّة فيها كما ترى، وأخبار المدح فيه أيضاً فيه كثير من الطريقين، لا بأس بذكر واحدة منها...)).
ثمّ ذكر خبر دخول ابن عبّاس على عائشة بعد حرب الجمل بالبصرة، وما جرى بينهما، وقد مرّ ذكره في الحلقة الأولى(1)فراجع.
ثمّ عقّب النراقي بقوله: ((أقول: وإن لم أرغب ذكر الأخبار، لاسيّما الطوال منها في هذا الكتاب، لكن كان يعجبني ذكر هذا الحديث فذكرته، وإلاّ فالأخبار في مدحه كثيرة من طرق العامّة والخاصّة أصحّ منه سنداً، وأوضح دلالة على جلالته))، انتهى.
٧ـ الشيخ عبد الرحيم الفصولي ــ نسبة إلى جدّه صاحب (الفصول في الأصول) ــ له منظومتان في الدراية باسم (موجز المقال)، وفي الرجال (ملخص المقال) المطبوعتان معاً في إيران سنة ١٣٤٣هـ، ذكر ابن عبّاس في ص٧٤، وعدّه في الممدوحين في منظومته الرجالية.
1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس/ الجزء الثالث/في عهد أمير المؤمنين عليّ/ماذا عن نصّ المحاورة.
٨ـ السيّد يوسف بن محمّد بن زين الدين الحسيني الشامي، من علماء أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر، له كتاب (جامع الأقوال) المخطوط سنة ١٠١٨هـ، رأيت نسخته عند المرحوم الشيخ الأميني قدس سره، وذكر ابن عبّاس وحكى قول العلاّمة الحلّي رحمه الله ، ثمّ قال: ((أقول: الأحاديث التي أورد الكشي بعض طرقها عامّي، وبعضها ضعيف، وبعضها فيه توقّف)).
٩ـ الشيخ أبو الحسن النباطي العاملي، المتوفى سنة ١١٣٨هـ، له كتاب (ضياء العالمين) في الإمامة، جاء فيه ــ في ج٣ المخطوط ــ ذكر بني هاشم وموقفهم من نصرة أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: ((...وهم العبّاس بن عبد المطّلب وأولاده ــ لاسيّما الفضل، وقثم، وعبد الله ــ وعقيل ابن أبي طالب، وهؤلاء ولو من أهل المعرفة والنجاة ــ إلاّ أنّ ما سوى الفضل وقثم ــ ليس بخال عن بعض ما رود من الذمّ حتّى الشكوى من عليّ، لكن من حيث الأطماع لا غير.
على أنّ الحقّ من تتبّع الأحاديث التي رواها المخالفون عن عبد الله، لم يبق له شكّ في أنّ له مقاماً عظيماً في بيان ما يدلّ على مناقب عليّ، ومثالب خصمائه، لاسيّما في مناظراته مع الخلفاء، فإنّ مداره على نقل ما يتبيّن، منه بطلانهم في ضمن الكلام، ورواية ما لم يكن يرويه غيره من الأعلام)).
١٠ـ السيّد حسين بن كمال الدين الأبرز الحسيني الحلّي ــ من القرن الحادي عشر ــ تلميذ الشيخ البهائي رحمه الله ، ذكر ابن عبّاس في كتابه (زبدة
الأقوال في خلاصة الرجال) في ص١٤٩ ــ نسخة مصورة عن نسخة مكتبة مدرسة الإمام الصادق عليه السلام ــ وحكى قول العلاّمة الحلّي في (الخلاصة)، ولم يزد عليه.
ومثل هذا السيّد أيضاً:
١١ـ الشيخ محمّد بن علي التبيني، له كتاب (جامع الأقوال في علم الرجال)، ذكر فيه ابن عبّاس في ص٢٧٨ نسخة مصورة عن نسخة المكتبة المركزية بطهران، فحكى قول العلاّمة الحلّي في (الخلاصة)، ولم يزد عليه.
١٢ـ الشيخ مهذب الدين أحمد بن عبد الرضا، من أجلة تلاميذ الشيخ المحدّث الحرّ العاملي صاحب (الوسائل)، له كتاب (فائق المقال في علم الرجال)، ذكر فيه ابن عبّاس في ص٩٨ ــ نسخة مصورة عن نسخة في مكتبة بريتش في لندن ــ، فقال: ((عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه، من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان محبّاً لعليّ أمير المؤمنين عليه السلام وتلميذه، وحاله في الإخلاص له عليه السلام أشهر من أن يخفى أو يذكر، وكان واسع العلم والدراية، كثير الحديث والرواية)).
١٣ـ الشيخ أقا بن عابد بن رمضان الدربندي، المتوفّى سنة ١٢٨٥ ــ ١٢٨٦هـ، له (القواميس في علم الرجال) نسخة مصورة عن نسخة في مكتبة المرحوم السيّد النجومي في كرمنشاه، جاء في ص١٧٢ منه:
((...وأمّا وجه عدم الاعتداد بكتاب أغسال ابن عبّاس، فلعلّه لأجل القدح في ذلك الكتاب، نظراً إلى عدم ثبوت الانتساب إلى ابن عبّاس، لا
لأجل القدح فيه، فإنّ الشيخ الحرّ رحمه الله قد ذكر في ترجمته: أنّ حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وروي فيه قدح، وهو أجلّ من ذلك، قاله العلاّمة الحلّيS: وبعض الذمّ الوارد فيه محمول على أنّه في أخيه عبيد الله، انتهى كلامه.
ويقرب من ذلك ما ذكره السيّد التفريشي، وقال في آخر كلامه: وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وما ذكره الكشي من الطعن فيه ضعيف السند، هذا ويقرب من ذلك أيضاً ما ذكره السيّد الاسترابادي، وهو قال في آخر كلامه: وما ذكره الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند، والله أعلم بحاله، وقد يقال: إنّه قد تواتر عن أئمّتنا عليهم السلام ذمّه، وما ورد فيه من مدح إنّما كان في حال استقامته، قبل أن يلحق بمكّة ويأخذ من بيت مال البصرة، هذا وأنت خبير بما فيه، ولعلّ الأخبار المتواترة عند ذلك القائل هي تلك الأحاديث الخمسة التي أشار إليها السيّد الاسترابادي؛ فتأمّل.
والعلاّمة المجلسي رحمه الله قد اكتفى في ترجمته بأنّه مختلف فيه، وكيف كان فإنّ الأقوى عندي هو الاعتماد بحديثه)).
١٤ـ الشيخ علي بن شريعت مدار الحاج مولى محمّد جعفر الاسترابادي الطهراني، المتوفّى سنة ١٣١٥هـ، له كتاب (غاية الآمال في استعلام أحوال الرجال) ــ وهو كالتكملة لمنتهى المقال = رجال أبي علي الحائري ــ جاء فيه (أصل)، يعني: كلام الحائري، ثمّ (فصل) فيه كلام سائر علماء الرجال، ثمّ
(وصل) وفيه تحقيقات المؤلّف، فقال في ص٣٠٥ (أصل).. وذكر ما في أوّل كلام الحائري في (المنتهى)، من حكايته قول العلاّمة في (الخلاصة)، ثمّ ذكر بعض ما ورد في الكشي، ثمّ حكى قول صاحب التعليقة نقلاً عن (الوجيزة): مختلف فيه، ثمّ ما في (كشف الغمّة) من خطبة الإمام الحسن عليه السلام في صبيحة الليلة التي قبض فيها أبوه، وقيام ابن عبّاس بين يديه ودعا الناس إلى بيعته، فبايعه الناس، ثمّ أنفذ ــ الإمام الحسن عليه السلام ــ ابن عبّاس إلى البصرة.
ثمّ قال المؤلّف: ((إنّ الظاهر من هذا عدم صحّة حكاية حمل بيت المال، ولعلّ الحامل عبيد الله بن العبّاس))، وردّ ذلك، وأطال في ذكر خطبة ابن الزبير ورد ابن عبّاس عليه، ثمّ ذكر كلام ابن أبي الحديد وأنّه من المتوقّفين في صحّة النسبة إلى ابن عبّاس..
إلى أن قال: ((وقد بالغ طس وصه ــ يعني: ابن طاووس والعلاّمة الحلّي في الخلاصة ــ في مدحه والذب عنه، حيث قال على ما في التحرير))، ثمّ حكى ما فيه بطوله إلى قوله: ((ولو ورد في مثله ألف حديث ينقل أمكن أن يعرض للتهمة، فكيف مثل هذه الروايات الضعيفة الركيكة)). ثمّ قال: وذكره في (الحاوي في الثقات) مع ما عُرف من طريقته(1)فتدبّر...
1) - إشارة إلى أنّ صاحب الحاوي ــ وهو الشيخ عبد النبيّ الجزائري المتوفى سنة ١٠٢١ ــ قال شيخنا الرازي قدس سره في كتابه المصفى ص٢٥١: هو أوّل من رتّب في كتابه (حاوي الأقوال في معرفة الرجال) مراتب الرواة على أربعة أقسام بحسب القسمة الأصلية للحديث الصحيح، والموثّق والحسن والضعيف، والكتب الرجالية قبله إمّا غير مقسّمة، أو مقسّمة لها على قسمين، مثل خلاصة العلاّمة ورجال ابن داود، وفي المتأخّرين رتّب شيخنا الشيخ محمّد طه نجف رجاله الموسوم: (إتقان المقال) على ثلاثة أقسام...
أقول: لقد مرّت أقوال جماعة من الرجاليين قبل هؤلاء الأربعة عشر وكلّهم عَلَماً عالِماً، وسيأتي ذكر أقوال آخرين قد تميّزوا عن غيرهم بعمق نظر في تمييز الصحيح في الموروث من المعثوث، ولا غضاضة فإنّ من فضل الله تعالى على العبد المخلوق الضعيف أن أنعم عليه بنعمة العقل، فأصبح منوطاً به تمييز الصحيح من الخطأ، ولم يحجب نور العلم عن أحد من الناس، إلاّ أنّ الذي يغلبه هواه، فيعشوا في الظلمات كمن هو أعمى، هو الذي أضاع نعمته، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (... فبعث فيهم رُسُله، وواتر إليهن أنبياءه، ليستأدّوهم وهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا دفائن العقول...)(1).
قال الشيخ محمّد عبده: ((دفائن العقول: أنوار العرفان التي تكشف للإنسان أسرار الكائنات وترتفع به إلى الإيقان بصانع الموجودات، وقد تحجب هذه الأنوار غيوم من الأوهام، وحجب من الخيال، فيأتي النبيّون لإثارة تلك المعارف الكامنة، وإبراز تلك الأسرار الباطنة))(2).
لذلك تفاوت الناس في مداركهم وليس كلّ قارئ علاّمة، وليس كلّ علاّمة فهّامة، وإنّما يعرف قدر المرء بما أوتي من مواهب، وبما يملك من قدرة على البيان، وما أثمر من معرفة أبقت له أثراً من بعده، وهكذا كان ابن عبّاس صاحب الموسوعة، فقد تجلّت قدراته في فنون المعارف التي
ظهرت فيها آثاره، وشاعت أخباره، فمن ذا الذي ينكر تميّزه في التفسير والحديث والفقه والأدب والتاريخ، وحتّى أيام العرب، وإن كان مترجموه المجمعون على مدحه على تمييزه في فنون المعرفة، إلاّ أنّهم غير مجمعين على قدحه لما قيل فيه، ولمّا كانت الروايات التي وصلت إلينا فيها تغبيش وتشويش، فهي تقميش من غير تفتيش، لهذا فقدت تأثيرها الفاعل، فتناولها حملة العلم من المحقّقين بالنقد سنداً ودلالة، ولو قلت: إنّ بعضهم لاحظ العناصر النفسية في الراوي والمروي فيه، لم ابتعد عن الصواب، فإنّ ابن عبّاس بماله من مكانة نسبية وسببية، صار مستهدفاً سياسياً وعقائدياً فقيل فيه ما قيل:
قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً *** فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وقد قيل من أمثال الحكماء: إذا أردت أن تقتل عدوك، فسلّط عليه إشاعة بين العامّة.
وهذا الذي قد حصل مع ابن عبّاس، فقد حملّته عناصر التضبيب أوزار التهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس بغريب أن تروي الرواة أخباراً دخلت في مخزون تراثنا الثقافي، الذي عراه من التدجين، وافداً مع العناصر اللاتي دخلت الإسلام من الأمم الأُخرى، فكان للموالي في العصر الإسلامي الأوّل ما لا ينكر من تأثير.
وفي نبش المخزون الفكري، نجد بعض الأساطير زُجّ فيها اسم ابن عبّاس، فكان من ضحايا الدسّ المتعمّد، كما في قصّة ابن سبأ وكان ابن
عبّاس شفيعا له في نفيه إلى المدائن.
راجع شرح النهج لابن أبي الحديد تجد المؤلّف يقول: ((... ثمّ إنّ جماعة من أصحاب عليّ عليه السلام منهم ابن عبّاس شفعوا في عبد الله بن سبأ خاصّة، وقالوا: إنّه قد تاب فأعف عنه، فأطلقه بعد أن اشترط عليه أن لا يقيم بالكوفة، فنفاه إلى المدائن...))(1)، كما مرّ ذكر شفاعته بعد حرب الجمل لجماعة من شباب قريش بمن فيهم مروان بن الحكم ــ الوزغ ابن الوزغ ــ إلى غير هذا وذاك..
فابن عبّاس يبقى ضحية أهواء المعاندين، فلا غرابة، إنّما الغرابة أن نجده ضحية عند الموالين، ممّن لهم المقام السامي علماً وديناً! ثمّ يكبو بهم الجواد من دون عثار، كما في صنيع الشيخ الطوسي قدس سره في (اختيار الرجال) ــ إن صحّت نسبة الواصل إلينا نسخته أنّه له ــ وأنا على ريب من صحّة النسبة إليه(2)
أوّلاً: لقد ورد في ترجمة حذيفة ــ ابن اليمان ــ وقد ذكره (في ص٣٦ برقم ٧٢)، فقال: حدّثنا ابن مسعود، قالك أخبرني أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضال، قال: حدّثني محمّد بن الوليد البجلي، قال: حدّثني العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ذكر: إنّ حذيفة لمّا حضرته الوفاة وكان آخر الليل، قال لابنته: أية ساعة هذه؟ قالت: آخر الليل، قال: الحمد لله الذي بلغني هذا المبلغ ولم أوال ظالماً على صاحب حقّ، ولم أعاد صاحب حقّ. فبلغ ذلك زيد بن عبد الرحمن بن عبد يغوث، فقال: كذب والله لقد والى على عثمان، فأجابه بعض من حضره أنّ عثمان والاه يا أخا زهرة...) والحديث منقطع.
أقول: ولم يتبيّن لنا وجه انقطاعة، فإنّ الانقطاع إنّما يكون في السند، وهو في هذا الخبر متّصل ليس فيه انقطاع من أوّله إلى رابع رجاله تصريح بالتحدّيث، إلاّ العبّاس بن هلال قال عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، والعبّاس هذا هو مولى أبي الحسن، كما في الكافي كتاب الإيمان والكفر باب الذنوب/١١١ الحديث/٢٩، ومعجم رجال الحديث ج٩/٢٥٩، ط النجف. فما معنى قوله: والحديث منقطع؟! وهل أنّ الشيخ الطوسي هو قائل ذلك؟
ثانياً: ما قاله في ص١٤٨: قال الكشي: محمّد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه مغيّر عن وجهه. فما معنى قوله هذا: وهذا الحديث مزاد فيه مغيّر عن وجهه؟! فما هي الزيادة؟ وما هو التغيير؟ ولمن كان هذا التعبير، هل هو للكشي أو للطوسي؟
ثالثاً: ما جاء في ص٥٨٨ برقم ١١٠١: بسنده عن محمّد بن أحمد بن أبي نصر أنّه كان قد اجتمع بالإمام الرضا عليه السلام في القادسية، وأنّه دفع إليه مصحفاً ففتحه، قال: فوقعت بين يدي سورة (لم يكن) فإذا هي أطول وأكثر ممّا يقرأ الناس، قال: فحفظت منه أشياء، قال: فأتاني مسافر ومعه منديل وطين وخاتم، فقال: هات فدفعته إليه، فجعله في المنديل ووضع عليه الطين وختمه، فذهب عنّي ما كنت حفظت منه، فجهدت أن أذكر منه حرفاً واحداً فلم أذكره (؟).
ولم يعقّب عليه بشيء! كما لم يعره الطوسي اهتماماً فلم يعقّب عليه! وهذا ممّا يؤاخذ عليه. ولي أن أسأل محامو الدفاع تبرعاً: ما رأيهم في هذا؟ هل هو ذا من المختار من الكشي؟ وإذا كان كذلك فلماذا لم يعقّب عليه بتكذيب، أو تعذير؟! أو لم يكن هو من نفاة التحريف وهذا الخبر دالّ عليه؟! أو لم يكن هو قد ذكر ابن عبّاس في مقدّمة كتابه تفسير التبيان فامتدحه، وابن عبّاس روى مرفوعاً: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وهذا رواه الفريقان، فهل أنّ ما رآه ابن أبي نصر في ذلك المصحف من زيادة أطول وأكثر ممّا يقرأها الناس؟ أليس من القول بالقرآن بغير علم؟! إذ أضاف إليه ما لم يكن منه؟ سواء كان من النصّ أو تفسير النصّ. إنّها بلايا الموروث على غثاثته!
ــ فإنّ روايات ابن عبّاس في مؤلّفات الطوسي الأُخرى تنسف ما في(الاختيار)، فهي أولى بالاعتبار، وقد مرّ ذكر هذا إجمالاً.
وللتذكير ثانية، فلنقرأ:
روايات ابن عبّاس في مؤلّفات الشيخ الطوسي
١ـ ففي (الاستبصار ٢/٢٨٧/١٠٢٣): ... وما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (سُئل ابن عبّاس: هل كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يتطيّب قبل أن يزور البيت؟ فقال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يضمّد رأسه بالمسك قبل أن يزور)، وأعاد الشيخ الطوسي الخبر في كتاب (التهذيب ج٥/٢٤٧)، وسنده صحيح.
٢ـ (تهذيب الأحكام ٢/٦٣/ ١٧٢/ ٢١): ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم توضأ ومسح على قدميه ونعليه.
(١٧٣) ٢٢ ورووا أيضاً عن ابن عبّاس: أنّه وصف وضوء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فمسح على رجليه.
(١٧٤) ٢٣ وروي عنه أيضاً أنّه قال: إنّ في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلاّ الغسل.
(١٧٦) ٢٥ وروي عن ابن عبّاس أيضاً أنّه قال: غسلتان ومسحتان.
٣ـ وفي (تهذيب الأحكام ١/٨٤): ... ويدلّ على أنّ لفظة (إنّما) موضوعة لما ذكرنا أنّ ابن عبّاس رحمه الله كان يرى جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقداً، وناظره على ذلك وجوه الصحابة واحتجّوا عليه بنهي النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة، فعارضهم بقوله عليه السلام: (إنّما الربا في النسيئة)، فرأى ابن عبّاس هذا الخبر دليلاً على أنّه لا ربا إلاّ في النسيئة.
٤ـ (تهذيب الأحكام ج٢/١٠٧): ...فقال رجل لابن عبّاس: شدّ ما قبض عليها خالك...
٥ـ (تهذيب الأحكام ج٥/٤٢٤/ ١٤٧٣/ ١١٩): وعنه، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة، ثمّ يتجرّدان، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم).
٦ـ (تهذيب الأحكام ج٩/٢٤٨/ ٩٦٢/ ٥): أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان ابن عبّاس رضي الله عنه يقول: إنّ الذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول من ستّة، فمن شاء لاعنته عند الحجر أنّ السهام لا تعول من ستّة)، وسنده صحيح.
٧ـ )تهذيب الأحكام ج٩/٢٤٩/٩٧٠/ ٦): الفضل بن شاذان، عن محمّد ابن يحيى، عن علي بن عبد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد...
ورواه أبو طالب الأنباري، قال: حدّثني أحمد بن هودة أبو بكر الحافظ، قال: حدّثني علي بن محمّد الحضني، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: جلست إلى ابن عبّاس رضي الله عنه، فعرض ذكر الفرائض والمواريث، فقال ابن عبّاس رضي الله عنه: سبحان الله العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، وهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع
الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: يا أبا العبّاس! فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال:عمر بن الخطّاب، لمّا التفت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر الله، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كلّ ذي حقّ حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، وأيم الله لو قدّم من قدّم الله وأخّر من أخّر الله ما عالت فريضة. فقال له زفر بن أوس: فأيّها قدّم الله وأيّها أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلى فريضة فهذا ما قدّم، وأمّا ما أخّر الله فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاّ ما بقي فتلك التي أخّرها...(1).
٨ـ (تهذيب الأحكام ج٩/٢٥٤)، في حكايته قول الفضل بن شاذان في المسألة... وفيه دليل أنّ الصحيح ما قاله ابن عبّاس رضي الله عنه والأئمّة الهادية من آل محمّد عليهم السلام، انتهى كلام الفضل رحمه الله...
أمّا في (الأمالي) فقد ورد فيها ذكر ابن عبّاس أكثر من خمسين مرّة، أشير إلى بعض ما رواه الطوسي عنه:
فأوّلها: ما رواه في ص١١ بإسناده: عن سعيد بن المسيّب، قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟ فقال له ابن عبّاس: إنّ
1) - راجع مستدرك الحاكم النيسابوري ٤/٣٤٠، ط حيدر أباد، والسنن الكبرى، للبيهقي ٦/٢٥٣، ط حيدر آباد، وكنز العمّال، للمتّقي الهندي ٦/٧، ط حيدر آباد، وأحكام القرآن، للجصاص ٢/١٠٩.
عليّ بن أبي طالب عليه السلام صلّى القبلتين، وبايع البيعتين، ولم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يضرب على رأسه بزلم ولا قدح، ولد على الفطرة ولم يشرك بالله طرفة عين.
فقال الرجل: إنّي لم أسألك عن هذا، إنّما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتّى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً، ثمّ صار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتّى قتلهم، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم؟
فقال له ابن عبّاس: أعليّ أعلم عندك أم أنا؟
فقال: لو كان عليّ أعلم عندي منك لما سألتك.
فغضب ابن عبّاس حتّى اشتدّ غضبه، ثمّ قال: ثكلتك أُمّك، عليّ عليه السلام علّمني، وكان علمه من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّمه الله من فوق عرشه، فعلم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من الله، وعلم عليّ من النبيّ عليه السلام، وعلمي من علم عليّ عليه السلام، وعلم أصحاب محمّد صلي الله عليه وآله وسلم كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر.
وثاني أخباره: ما رواه في ج١ ص٧٠ وص١٠٧ بسنده: عن عبد الوراث، قال: بينا ابن عبّاس رحمه الله يخطب عندنا على منبر البصرة، إذا أقبل على الناس بوجهه، ثمّ قال: أيّتها الأُمّة المتحيّرة في دينها، أما والله لو قدّمتم من قدّم الله، وأخّرتم من أخّر الله، وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله، ما عال سهم من فرائض الله، ولا عال وليّ الله، ولا اختلف اثنان في حكم
الله، فذوقوا وبال ما فرطّتم فيه بما قدّمت أيديكم، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(1).
وثالثها: ما رواه في ص٧٩ بسنده: عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن قول الله عزّ وجلّ: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‡ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ‡ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(2)؟ فقال: (قال لي جبريل عليه السلام: ذاك عليّ وشيعته، هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله بكرامته لهم).
إلى غير هذا من روايات لابن عبّاس رضي الله عنه في فضائل أهل البيت عليهم السلام رواها مشايخنا في الحديث وغيرهم، وهي من الكثرة لا أحصي لها عدداً..
وعندي أولى بالذكر في المقام للختام، ما أخرجه أبو يوسف يعقوب ابن سفيان البسوي (ت٢٧٧هـ) في كتابه (المعرفة والتاريخ) برواية عبد الله ابن جعفر بن درستويه النحوي في المجلد الأوّل (٤٩٨)، قال: حدّثني يحيى ابن عبد الحميد، قال: حدّثنا قيس، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي الأسدي، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّ الله عزّ وجلّ خلق الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، وذلك قول الله عزّ وجلّ: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ(3)، وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ(4)، فأنا من أصحاب اليمين،
وأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(1)، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(2)، فأنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(3)، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله عزّ وجلّ، ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً، وذلك قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(4)، وأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب)(5).
وإنّما اخترت الختام بهذا لعدّة اعتبارات: أهمّها عندي هو قدم تاريخ النصّ، لأنّ مؤلّف الكتاب متوفّى سنة ٢٧٧هـ، وهذا يعني في أوائل الغيبة الصغرى، أي: قبل النصوص التي رواها مشايخنا في مصادرهم.
وكم في هذا الكتاب من فوائد نافعة، لم ترد في الموروث عندنا نقلاً عنه، مع أنّ صاحبه كان معاصراً للإمامين الهادي عليه السلام المتوفّى سنة ٢٥٤هـ، والعسكري عليه السلام المتوفّى سنة ٢٦٠هـ، وأدرك ١٧ سنة من أوائل الغيبة، لأنّ وفاته كانت ٢٧٧هـ .
فإن وفّقني الله تعالى وأعانني على طاعته في فسحة الأجل، استخرج تلك الفوائد في كراسة خاصّة بها، لأنّها نافعة، وأسأله سبحانه أن يجعل ما عملته في هذه الموسوعة لنصرة مظلوم خالصاً لوجهه الكريم، ويرزقني أحسن الثواب، ويتجاوز لي عن سقطات الألفاظ وسهوات الجنان وهفوات اللسان، إنّه هو الغفور الرحيم وهو السميع العليم.
تم تبييضه ليلة الأحد ٦ ذي الحجّة عند الفجر، وأنا في جوار مولاي
أمير المؤمنين عليه السلام حامداً لله تعالى شاكراً على نعمة مجاورته وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، وبحقّهم أسأله الممات على الولاية وفي الولاية.
والآن وقد تمت ــ بحمد الله تعالى ــ أجزاء الموسوعة، بعد طول السنين ــ دام أكثر من نصف قرن ــ فماذا عن الصورة التي قرأتها عن ابن عبّاس في مصادرها، وقمّشت أنا أخبارها، وفتّشْت، هل تحسنّت فحسن عرضها؟ وإن هي كذلك فماذا هو المفيد من الموسوعة بعد ذلك الجهد الجهيد للقرّاء؟
ثمّ أخيراً هل اقتنع الباحث هو بنتائج جهده؟ وإن كان، هل أقنع القارئ بما توصل إليه؟ ليكون على حدّ قول المضرّس الأسدي(1):
موارده ضاقت عليه المصادر *** وإيّاك والأمر الذي إن توسعت
فما حسنٌ أن يعذر المرء نفسه *** وليس له من سائر الناس عاذر
سؤال بعد سؤال، ينبغي الإجابة على كلّ واحد منها بما فيه الإصابة، فأقول:
الجواب عن السؤال الأوّل: إنّ الصورة التي قرأتها عن ابن عبّاس رضي الله عنه قبل الموسوعة، لا شكّ كانت مضبّبة بسحب التضليل السياسي، ولم تخل من تشويه في التزيد عبر القرون التي خلت، فانطلت على كثير من المؤرّخين الذين اعتمدوا الرواة ــ وما آفة الأخبار إلاّ رواتها ــ فدونّوا ما
1) - المضرّس الأسدي: شاعر إسلامي محسن متمكّن كان معاصراً للفرزدق، وله معه خبر ذكره المرزباني في المؤتلف: ٢٩١، تح (فراج)، وفي معجم الشعراء: ٣٠٧، تح (فراج)، والجاحظ في البيان والتبيين ٣/٤٠، تح (هارون).
ارتسمت صورته عندهم، دون الالتفات إلى مظاهر العناصر النفسية عند الرواة، ومرّ الزمان وهو يقرأ كسائر الناس عن الصورة وما حولها كحقائق، لاكتها ألسنة المتحدّثين، لأنّها محاطة بسياج الرواية وعنعنة الرواة، دون الالتفات إلى مظاهر الخساسة في مضاميرالسياسة، فحجبت العيون عن الشكّ فيها، وأخرست الألسن عن التفوّه حولها، فصدّت العقول عن مناقشتها، هكذا كانت الصورة المشوشة لدى الباحث، وازدادت غاشية، بل غواشي حين صرت أقرأ من التراث المتأخّر ما يصف العبّاس ــ والد صاحب الصورة ــ طليقاً، جلفاً، جافياً، ولكن بعد البحث تبيّن أن وراء الأكمة ممّن تزيّدوا في التهمة بهمة، وأكثروا التناد على العباد، فزادوا الصورة تشويها باهتزاز، ولكنّي والحمد لله أقولها بفخر واعتزاز، لقد عرفت أنّ للهوى سلطان على العقول عند ذوي النقول، لا يبرأ منه حاكم ولا محكوم، ومن هذا المنظور الصواب، كشفت كثيراً من خفايا تاريخ ابن عبّاس، ومن إليه كأبيه وبعض ذويه، فاتضحت عندي الصورة التي عاشها هو وذويه وعايشوها من دون تزويق ولا تمزيق، وهذا هو فتح مبين لمن كان على شكّ، وإن لم يبلغ مرحلة اليقين بعدُ، لكن تجلّى لي أنّ في الموروث ما هو معثوث.
وهذا هو جزء الجواب عن السؤال الثاني: ماذا هو المفيد من هذه الموسوعة؟
وملخص الجواب: إنّي أنفقت عمراً طويلاً في الجمع والتحرّي في المصادر التراثية المختلفة من مطبوع ومخطوط، وكانت الثمرة كبيرة
وجليلة، إذ بلغ ما سجلت في الجزازات والدفاتر ممّا ينفع القارئ من معلومات يحتاجها الباحث لتصحيح ما علق بالأذهان من أوهام وإبهام أنتج الاتهام، وكان كشف تلك الحقائق المغيّبة، ضرورياً ومعيناً على تصحيح المفاهيم الخاطئة التي نالت ابن عبّاس وذويه، فساعدت على نبذ ونسف تلك التراكمات التي أساء الرواة روايتها، وأسيء فهمهما، فكان ابن عبّاس رضي الله عنه من أبرز ضحاياها، لغلبة الموروث فكانت الموسوعة ــ وفيها عن ابن عبّاس رضي الله عنه ما أحاط به تاريخياً وعلمياً وسياسياً ــ ساعدت الباحث في لملمتها وعرضها، فصحّحت بعض المفاهيم الخاطئة عند القارئ، وهذا في نظر الباحث مفيد ما عليه من مزيد، وهو كافٍ وشافٍ في جواب السؤال الثاني.
أمّا جواب السؤال الثالث: هل أغنت قناعة البحث قرّاء كتابه، ولم يكن على قول المضرّس الأسدي الذي مرّ ذكره.
فأقولها بصراحة دون تبجح أو إدلال، ولست أفاخر، فقد وجدت لنفسي من الناس أكثر من عاذر وناصر، من قبل طبع الموسوعة ــ كما قد مرّ ذكر العلَمَين اللذين قرّضاها قبل نشرها بما ذكرته في أوّل الأجزاء ذكراً وشكراً لهما، وأمّا بعد صدورها، فثمّة رسائل ووسائل شفاها وخطاً كتاباً، حمد أصحابها صبري على مواصلة البحث من بدايته إلى نهايته، حتّى أنجزت مهمّتي بهمتي من فضل الله تعالى.
فأنا فخور وشكور لتلك العواطف وأصحابها، داعياً الله تعالى أن يثيبني
على عملي، ويجعل كتابي هذا كتاب علم ينتفع به، وهو خير ما أخلّف، ويختم لي بما ختم به ابن عبّاس حياته، حين قال: (اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب)(1)، ولو لم يعلم أنّها خير وسيلة للنجاة، لما دعا بها وجعلها خاتمة عمله، و(إنّما الأعمال بخواتيمها)(2)، وهذا منه دعوة حسنة فريدة في بابها، عظيمة في ثوابها، وجيزة في خطابها.
وما أولاني أن أودّع القارئ في ختام الموسوعة، بما ختم به الأديب الكبير المسيحي اللبناني مارون عبّود ــ رئيس الجامعة الوطنية في عالية ــ قصيدته العصماء في مدح النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال:
فلتنحني الأجيال إجلالاً إذا *** ذكر النبيّ الأطهر العدناني
المالئ الدنيا بذكر الله والداعي *** شعوب الأرض للوجداني
ولينعق المتعصّبون فلم يضر *** طيرَ الجنان تمطّق(3)الغربان(4)
أمّا أنا فأقول في ابن عبّاس رضي الله عنه:
ولتنحني الأجيال للحبر الذي *** فاق الصحاب مفسّر القرآن
1) - راجع الموسوعة الجزء الخامس/الفصل الثالث/حديث الخاتمة.
2) - موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف ٣/٥١٤ نقلاً عن صحيح البخاري وغيره.
3) - التمطق: التذوّق والتصويت باللسان والغار الأعلى (الصحاح: مطق)، وقيل: هو إلصاق اللسان بالغار الأعلى فيسمع له صوت، وذلك عند استطابة الشيء (لسان العرب: مطق).
4) - نظمها في ٢١/ ٦/ ١٩٣٤م وتشرّفت بشرحها جريدة صوت الأحرار اللبنانية، ونشرتها مستقلّة مكتبة العرفان لصاحبها الحاج إبراهيم الزين بمطبعة العرفان ــ صيدا سنة ١٣٥٣هـ (عن هامش المطبوعة).
بهدى عليّ يستنير بعلمه *** وهما معاً من سيّد الأكوان
فليَّ الفخار بأن نصرت محمّداً *** ببني عميّه من عدنان
وليخسأ الأقزام من زعموا له *** أكذوبة بصياغة البهتان
وإلى هنا انتهى الكلام في الجواب عن أثر الموسوعة: صورة، وفائدة، وقناعة، ولئن ذكرت شعر المضرّس الأسدي بقوله:
فما حسنٌ أن يعذر المرء نفسه *** وليس له من سائر الناس عاذر
فإنّي لم أعذر نفسي إلاّ بعدما وجدت كثيراً ممّن يعذرني:
فقلت بلى يا ذا المضرّس إنّني *** فخورٌ رأيت الحقّ حقّاً فناصرُ
تناثرت الأقلام تكتب حرفها *** قديم مضى عنا وثانٍ معاصرُ
فكلّ له أجرُ بمقدار جهده *** وقد يفضل الماضين آت وآخرُ
فما كلّ نجم يستضاء بنوره *** وما كلّ ليل فيه بدر وباهرُ
وما كلّ روض يستطاب أريجُه *** وما كلّ غيم فيه ماءٌ وماطرُ
ولا كلّ سيف في الكريهة نافع *** إذا لم تكن كف المحارب باترُ(1)
وأخيراً لست مغروراً بضمير (الأنا)، ولكن من التحدث بنعمة الله تعالى أن وفّقت لإصدار الموسوعة، وأنا أعترف أنّها بحاجة إلى إعادة نظر في التصحيح والتنقيح، وهذا مبلغ علمي وفوق كلّ ذي علم عليم والحمد لله ربّ العالمين.
1) - الباتر: القاطع لقوّته.