موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 7

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

موسوعة

من حياة المستبصرين

المجلد السابع

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله )

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

الموقع على الإنترنيت : www . aqaed . com

البريد الإلكتروني : info @ aqaed . com

شابك ( ردمك ) : 2 - 49 - 5213 - 600 - 978

موسوعة من حياة المستبصرين ( ج 7 )

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

صف الحروف واخراج : ضياء الخفّاف

الطبعة الأُولى - 2000 نسخة

سنة الطبع : 1430

الفلم والألواح الحسّاسة : تيزهوش

المطبعة : ستارة

اشارة

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 7742088 (251) (0098)

الفاكس : 7742056 (251) (0098)

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله )

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 (33) (00964)

الموقع على الإنترنيت : www . aqaed . com

البريد الإلكتروني : info @ aqaed . com

شابك ( ردمك ) : 2 - 49 - 5213 - 600 - 978

موسوعة من حياة المستبصرين ( ج 7 )

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

صف الحروف واخراج : ضياء الخفّاف

الطبعة الأُولى - 2000 نسخة

سنة الطبع : 1430

الفلم والألواح الحسّاسة : تيزهوش

المطبعة : ستارة

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

بسم الله الرحمن الرحيم

دلیل الکتاب

مقدّمة المركز... 9

{1} محمّد التيجاني السماوي... 13

{2} محمّد الصغير السندي... 46

{3} محمّد العربي... 49

{4} محمّد الرصافي المقداد... 52

{5} منصف الحامدي... 87

{6} وسام شريف المالكي... 90

{7} الهاشمي بن علي رمضان... 92

{8} أم عبد الرحمن... 104

{9} جعفر حسيني... 118

{10} زرفاوي عبد الدائم... 121

{11} سامعي الأزهر... 126

{12} شكيم علي الفردي... 130

{13} طالب خالد... 133

{14} عبد الباقي قرنة الجزائري... 140

{15} عبد الحليم انواصر... 145

{16} علي الجزائري... 148

{17} علي مباركية... 151

{18} غريبي مراد عبد الملك... 156

{19} فريد الهيول... 175

{20} محمّد أبو النجا... 180

{21} مختار الجزائري... 187

{23} ناصر محمود... 215

{24} وداد باي العقول... 220

{25} آتوماني محمّد... 226

{26} عبد الله شفيق ستورمن... 229

{27} حمادي ناجي... 234

{28} رمضاني عمّار... 238

{29} آنتون وسنين... 248

{30} اكترينا كروجكاوي (فاطمة)... 251

{31} افشربيك بوتايف... 253

{32} حبيب الله إغماضي... 256

{33} سوتلانا موراوسكايا... 263

{34} كريشا باباليان... 266

{35} إبراهيم زنكو... 270

{36} إبراهيم منتو بيتو... 274

{37} امباكي نوكوسو... 279

{38} إيغورا كانا... 283

{39} بوانا خان بول (عيسى)... 288

{40} خديجة كيوانوا أنفالولا... 293

{41} داود ومبى... 296

{42} سامبا كامبا (حميد)... 301

{43} عبد العزيز اتيك موتوند... 306

{44} فاطمة دودو... 310

{45} كانامبا تامبا تامبا... 313

{46} كينا كيميو (عيسى)... 318

{47} ميكتو ماليابونا... 323

{48} نيكولا بوابا... 326

{49} يوسف سيمبا... 329

{50} آدم تراوري... 332

{51} إبراهيم كولي بالي... 335

{52} إبراهيم وترى... 338

{53} أحمد التيجاني كان... 348

{54} إلياس حسن محمّد تيكان... 355

{55} أمد عبد الله... 359

{56} أمين جابي... 364

{57} بامبا عثمان... 368

{58} بمبا عبد الله... 373

{59} جباتي قاسم... 380

{60} جمانده مامادو... 383

{61} حميد سانوغو... 386

{62} سليمان دنبلي... 391

{63} سوادغو حسين... 394

{64} عبد الرحمن توري... 398

{65} عبد الرحمن وترى... 401

{66} عبد الله دوسو... 406

{67} عليّ بالو... 409

{68} فاكراموكو دومبيا... 412

{69} كوليبالي سياكا... 417

{70} لاسينا تراوري... 423

{71} لاسينا جباتي... 430

{72} لاسين تودي... 435

{73} محمّد إسحاق كوني... 439

{74} محمّد جارا... 451

{75} محمّد فاكراموكو دومبيا... 459

{76} ويدروغو يونس... 462

{77} يوناتي إسحاق... 468

{78} أبو خالد الزبالي الزيدي... 474

{79} أبو عبد الله الجنيدي... 476

{80} زهير بن القين البجليّ... 478

{81} عامر بن واثلة الليثي... 484

{82} عبد العزيز محمّد... 486

{83} عز الشمس... 491

{84} معلّى بن خنيس... 510

{85} إبراهيم سي سي انتصار الحقّ... 514

{86} إدريس كولي... 536

{87} محمّد عليّ حيدرة... 542

فهرس المصادر... 549

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز

الحمدُ للّه على ما منح من الهداية ، ووهب من الدلالة ، وصلواته على مَن ابتعثه رحمةً للأنام ، ومصباحاً للظلام ، وغيثاً للعباد ، وعلى أخيه أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ، وآلهما الغُرّ الكرام ، عليهم أفضل الصلاة والسلام ما هطلَ غمام ووكفَ (1)رُكام (2).

والحمدُ لله على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الربّ الإسلام لنا ديناً بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين وقائد الغُرّ المحجلين علي بن أبي طالب ، وأولاده المعصومين عليهم صلوات ربي ما بقي الليل والنهار .

في أثناء كتابتي لهذه الأسطر ، أجرت قناة فضائية ، تدّعي الاستقلال وعدم الانحياز الطائفي والمذهبي ، مناظرةً بين بعض المسلمين من السنّة والشيعة ، حول مظلوميّة سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وما جرى عليها بعد وفاة أبيها المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - من هجوم على دارها وإسقاط لجنينها وكسر لضلعها .

وكان مقدّم هذه المناظرة طرح سؤالاً مفاده : هل توجد روايات صحيحة من طرق أهل السنّة حول مظلوميّتها ( عليها السلام ) ، وإسقاط جنينها وكسر ضلعها ؟


1) - وَكَفَ : أي قَطَرَ . الصحاح 4 : 1441 " وكف " .

2) - الرُكام : السحاب المتراكم . الصحاح 5 : 1936 " ركم " .

وقد أدلى المشاركون في هذه المناظرة بدلائهم وأفرغوا ما في حقائبهم من معلومات ، محاولين إثبات معتقداتهم ، وقد نسوا أو تناسوا نقطة مهمة ، وهي :

إنّنا أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) نعتمد في كافة اُمورنا الدينيّة على أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا نحتاج إلى سواهم من أتباع مدرسة الخلفاء .

وبشكل أوضح نقول : إنّ المسلمين يعتبرون القرآن والسنّة المطهّرة كمصدري للتشريع الإسلامي ، لكن نقطة الخلاف الرئيسية بينهم هي : مَن الذي يمثّل هذه السنّة الشريفة ؟

فأتباع مدرسة الخلفاء يحدّدوها بقول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفعله وتقريره .

وأتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) يوسعونها لتشمل المعصوم عليه السلام عموماً .

والمعصومون عندنا أربعة عشر : النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وعلي والحسن والحسين والتسعة المعصومون من أولاد الحسين ( عليهم السلام ) .

فإذا ثبت لنا القول عن أحدهم عليه السلام فيكون حجّة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى ، ويجب علينا التعبّد به .

فنحن لا نُفرّق بين كلام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين كلام أي معصوم آخر من حيث الحجيّة ، وُاكرّر وأقول : من حيث الحجيّة ، وإلاّ فكلام النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له خصوصياته المعروفة .

إذاً عندما ثبتت مظلوميّة الزهراء ( عليها السلام ) بروايات صحيحة من طرق أئمتنا عليهم السلام ، وأكدّها علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم ، فنحن نعتقد بها ونؤمن بها اعتماداً على هذه الأدلة الصحيحة سواء وردت روايات فيها من طرق أتباع مدرسة الخلفاء أم لم ترد ، وسواء اعتقد بها العلماء المخالفون لنا أم لم يعتقدوا ، فنحن لا تهمنا رواياتهم ولا أقوال علمائهم ، بل لا نعتمد على رواياتهم ، لا في

الصحاح ولا في غيرها ، كما أنّهم لا يعتمدون على الروايات الواردة من طرقنا ولا

يجعلونها حجّة عليهم .

وفي بعض الأوقات حينما نستدلّ برواياتهم في إثبات بعض معتقداتنا ، ذلك من باب قاعدة " ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم " ، وذلك أقوى في الحجّة وأبلغ ، وإلاّ فنحن لا تعوزنا الحجّة ولا ينقصنا الدليل من طرقنا على معتقداتنا .

ومن هذا يتضح غفلة مقدّم ذلك البرنامج ، أو تغافله عن هذه النقطة المهمة ، وكذلك عدم انتباه المشاركين في ذلك الحوار .

إنّ رأي أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، هو إسلام كلّ مَن تشهّد الشهادتين ، دون النظر إلى معتقداته المذهبية ، وكذلك هو رأي أصحاب المذاهب الإسلاميّة السنيّة الأربعة : الحنفية ، والمالكية ، والشافعيّة ، والحنبلية .

فالمسلم أخو المسلم ، حرام دمه وماله وعرضه .

لذلك نرى أنّ علماء المسلمين يرتّبون أحكاماً فقهيّة على إسلام عموم المسلمين من السنّة والشيعة ، فيجوّزون التزاوج بينهم ، والتوراث كذلك ، ويحكمون بحليّة ذبيحة كلّ منهم لأخيه المسلم الآخر .

نحن ندعوا كافة المسلمين إلى الوحدة الإسلاميّة ، أي ترك التباغض والتناحر والعداء بينهم الذي لا يستفيد منه إلاّ العدوّ ، الذي لا يميّز بين الشيعي والسنّي ، وهدفه القضاء على الدين الإسلامي الحنيف .

أمّا البحث العلمي المبتني على الاُسس الصحيحة والمتينة ، فيجب أن يبقى في مجالس خاصّة بالعلماء والمثّقفين الذين يبحثون عن الحقّ .

وقد شاهدنا الكثير من هذه الحوارات العلميّة الهادئة ، التي كان الهدف الرئيسي منها هو الوقوف على الحقّ ومعرفة الحقيقة ، بعيداً عن التعصّب المذهبي البغيض . وقد أدّت هذه الحوارات إلى تحولات مذهبية عند الكثير ، نتيجة لتغيير القناعات التي ورثوها عن الأباء والأجداد .

وما هذه الموسوعة المباركة " موسوعة من حياة المستبصرين " التي صدرَ

منها ستة أجزاء ، وهذا هو ا لجزء السابع منها ، إلاّ دليل واضح على الثمرات العديدة التي أنتجتها تلك الحوارات والمناظرات العلميّة والتي أدّت إلى تغيير مجموعة كبيرة من المسلمين مذهبهم واعتقادهم السابق ، وركبوا سفينة النجاة ، سفينة علي وأولاده المعصومين ( عليهم السلام ) .

ويحتوي هذا المجلّد على ترجمة سبعة وثمانين شخصاً ينتمون إلى دول مختلفة ، هي :

تونس ، الجزائر ، جزر القمر ، جنوب أفريقيا روسيا ، زائير ، ساحل العاج ، السعودية ، السنغال .

علماً بأنّ العمل مستمر في إعداد وإصدار باقي أجزاء هذه الموسوعة .

ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ من ساهم في إخراج هذا المجلّد من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية ، فلله درهم وعليه أجرهم .

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

17 صفر 1429 ه‍

الصفحة على الإنترنيت : Site aqaed . com / Mohammad

البريد الإلكتروني : Muhammad @ aqaed . com

(1) محمّد التيجاني السماوي( مالكي / تونس )

الصورة

F01

مرّت ترجمته في ( 3 : 171 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم نذكرها سابقاً ، فنقول :

إنّ أوّل من ساهم في تغيّر انتماء " الدكتور التيجاني " هو " عبد المنعم حميد حسن " ، وقد جاء في كتاب الكوكب النوراني في ترجمة التيجاني تأليف الشيخ محمّد الحسّون :

من هو " عبد المنعم " الذي هدى التيجاني إلى الحقّ ؟

كثيرا ما سمعنا هذا السؤال من الذين طالعوا كتاب " ثمّ اهتديت " ، وقد وجّهنا هذا السؤال للدكتور " التيجاني " عند زيارته لمركز الأبحاث العقائدية في اليوم الثاني من شهر شعبان سنة 1428 ه‍ فأجاب قائلاً :

" هو الدكتور عبد المنعم حميد حسن " ، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الأزهر ، وأصبح أُستاذاً لمادة التاريخ في جامعة بغداد ، كانت داره في بغداد ، حي جميلة ، قرب كازينو الجزائر .

وآخر مرّة التقيتُ به سنة 1980 م في بغداد ، وأخبرني أنّ البعثيين أعدموا ابن أخته ولم يسلّموا جثته لأهله ، وقال لي : " لقد حان الآن دوري للشهادة " .

وقد أخبرني أحد أقارب " عبد المنعم " في لندن بأنّ البعثيين اعتقلوا " عبد

المنعم " وأعدموه بعد ذلك ، وقد كان الدكتور " عبد المنعم " من ضمن الوفد الذي استقبل أحمد أمين في بغداد ، الذين عاتبوه على ما كتبه ضدّ الشيعة في كتبه مثل فجر الإسلام ، وضحى الإسلام ، فقال أحمد أمين : إنّي أعتذر منكم لما صدر منّي ، لأنّي لم أكن أعرف عنكم شيئاً .

فقلنا له : ربّ عذر أقبح من ذنب ، كيف تكتب عن الشيعة ولا تعلم عنهم شيئاً ؟ !

وقد سمعتُ - كما أكّد ذلك الشيخ محمّد جواد مغنية - بأنّ أحمد أمين كتب في آخر عمره كتاباً أسماه " يوم الإسلام " ، يعترف فيه بأحقيّة نظرية الشيعة في الخلافة والإمامة .

وفي زيارتي الأُولى للعراق ، إصطحبني " عبد المنعم " إلى النجف الأشرف وعرّفني على عدّة أشخاص في مدينة الكوفة ، وكان منهم عيسى عبد الرسول " أبو شبر " الذي ذكرته في كتابي " سيروا في الأرض " ، وقد قتل البعثيون هذا الشخص أيضاً .

أسباب الاستبصار للدكتور التيجاني :

توجد عدّة عوامل في تغيّر انتماء الدكتور التيجاني عبّر عنها قائلاً :

" أمّا الأسباب التي دعتني للاستبصار فكثيرة جدّاً ، ولا يمكن لي في هذه العجالة إلاّ ذكر بعض الأمثلة منها :

1 - النصّ على الخلافة :

لقد آليت على نفسي عند الدخول في هذا البحث أن لا أعتمد إلاّ ما هو موثوق عند الفريقين ، وأن أطرح ما انفردت به فرقة دون أُخرى وعلى ذلك أبحث في فكرة التفضيل بين أبي بكر وعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأنّ الخلافة إنّما كانت بالنصّ على علي كما يدّعي الشيعة ، أو بالانتخاب والشورى كما يدّعي أهل السنّة

والجماعة .

والباحث في هذا الموضوع إذا تجرّد للحقيقة فإنّه سيجد النصّ على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) واضحاً جليّاً ، كقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " ، قال ذلك بعد ما انصرف من حجّة الوداع ، فعقد لعلي ( عليه السلام ) موكب للتهنئة حتّى أنّ أبا بكر نفسه وعمر كانا من جماعة المهنّئين للإمام يقولان : بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كُلّ مؤمن ومؤمنة (1).

وهذا النصّ مجمع عليه من الشيعة والسنّة ولم أخرّج أنا في البحث هذا إلاّ من مصادر أهل السنّة والجماعة ، ومع ذلك لم أذكر المصادر كلّها ، فهي أكثر بكثير ممّا ذكرت ، وللاطلاع على مزيد من التفصيل أدعو القارئ إلى مطالعة كتاب ( الغدير ) للعلاّمة الأميني ، وقد طبع منه أحد عشر مجلّداً يحصي فيها المصنّف رواة هذا الحديث من طريق أهل السنة والجماعة .

أما الإجماع المدّعي على انتخاب أبي بكر يوم السقيفة ، ثمّ مبايعته بعد ذلك في المسجد فإنّه دعوى بدون دليل ، إذ كيف يكون الإجماع وقد تخلّف عن البيعة علي ( عليه السلام ) والعبّاس وسائر بني هاشم ، كما تخلّف أُسامة بن زيد ، والزبير ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمّار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو بريدة الأسلمي ، والبرّاء بن عازب وأبي بن كعب ، وسهل بن حنيف ، وسعد بن عبادة ، وقيس بن سعد ، وأبو أيوب الأنصاري ، وجابر ابن عبد الله ، وخالد بن سعيد ، وغير هؤلاء كثيرون (2).


1) - مسند الإمام أحمد بن حنبل 4 : 28 ، سر العالمين للإمام الغزالي : 12 ، تذكرة الخواص لابن الجوزي : 29 ، الرياض النضرة للطبري 2 : 169 ، كنز العمال 6 : 397 ، البداية والنهاية لابن كثير 5 : 212 ، تاريخ ابن عساكر 2 : 50 ، تفسير الرازي 3 : 63 الحاوي للفتاوي للسيوطي 1 : 112 .

2) - تاريخ الطبري ، تاريخ ابن الأثير ، تاريخ الخلفاء ، تاريخ الخميس ، الاستيعاب ، وكلّ من ذكر بيعة أبي بكر .

فأين الإجماع المزعوم يا عباد الله ؟ على أنّه لو كان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحده تخلّف عن البيعة لكن ذلك كافياً للطعن في ذلك الإجماع ، إذ أنّه المرشّح الوحيد للخلافة من قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على فرض عدم وجود النصّ المباشر عليه .

وإنّما كانت بيعة أبي بكر عن غير مشورة ، بل وقعت على حين غفلة من الناس ، وخصوصاً أولي الحلّ والعقد منهم ، كما يسمّيهم علماء المسلمين ، إذ كانوا مشغولين بتجهيز الرسول ودفنه ، وقد فوجئ سكان المدينة المنكوبة بموت نبيّهم وحمل الناس على البيعة بعد ذلك قهراً (1)، كما يشعرنا بذلك تهديدهم بحرق بيت فاطمة ( عليها السلام ) إن لم يخرج المتخلّفون عن البيعة ، فكيف يجوز لنا هذا أن نقول بأنّ البيعة كانت بالمشورة وبالإجماع ، وقد شهد عمر بن الخطاب نفسه بأنّ تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، وقال : فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ، أو قال : فمن دعا إلى مثلها فلا بيعة له ولا لمن بايعه (2).

ويقول الإمام علي ( عليه السلام ) في حقها : " أمّا والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير " (3).

ويقول سعد بن عبادة الأنصاري ، الذي هاجم أبا بكر وعمر يوم السقيفة ، وحاول بكُلّ جهوده أن يمنعهم ويبعدهم عن الخلافة ، ولكنّه عجز عن مقاومتهم لأنّه كان مريضاً لا يقدر على الوقوف ، وبعدما بايع الأنصار أبا بكر قال سعد :

" والله لا أُبايعكم أبداً حتّى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أعرض


1) - تاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1 : 18 .

2) - صحيح البخاري 4 : 127 .

3) - شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 1 : 34 الخطبة الشقشقية .

على ربّي " .

فكان لا يصلّي بصلاتهم ، ولا يجتمع بجمعتهم ، ولا يفيض بإفاضتهم ، ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم ، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم ، ولم يزل كذلك حتّى قتل بالشام في خلافة عمر (1).

فإذا كانت هذه البيعة " فلتة وقى الله المسلمين شرّها " على حدّ تعبير عمر الذي شيّد أركانها وعرفت ما آلت إليه أُمور المسلمين بسببها .

وإذا كانت هذه الخلافة " تقمّصاً " من قبل أبي بكر ، كما وصفها الإمام علي ( عليه السلام ) وهو صاحبها الشرعي .

وإذا كانت هذه البيعة ظلماً كما اعتبرها سعد بن عبادة سيّد الأنصار الذي فارق الجماعة بسببها .

وإذا كانت هذه البيعة غير شرعيّة ، لتخلّف أكابر الصحابة والعبّاس عمّ النبي عنها ، فما هي إذن الحجّة في صحة خلافة أبي بكر ؟

والجواب لا حجّة هناك عند أهل السنّة والجماعة .

فقول الشيعة إذن هو الصحيح في هذا الموضوع ، لأنّه ثبت وجود النصّ على خلافة علي ( عليه السلام ) عند السنّة أنفسهم ، وقد تأولوه حفاظاً على كرامة الصحابة ، فالمنصف العادل لا يجد مناصاً من قبول النصّ ، وبالأخصّ إذا عرف ملابسات القضية (2).

2 - خلاف فاطمة ( عليها السلام ) مع أبي بكر :

وهذا الموضوع أيضاً مجمع على صحته من الفريقين ، فلا يسع المنصف العاقل إلاّ أنّ يحكم بخطأ أبي بكر إنّ لم يعترف بظلمه وحيفه على سيّدة النساء ،


1) - تاريخ الخلفاء 1 : 17 .

2) - راجع السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود ، والسقيفة للشيخ محمّد رضا المظفر .

لأنّ من يتتبع هذه المأساة ويطّلع على جوانبها ، يعلم علم اليقين أنّ أبا بكر تعمّد إيذاء الزهراء ( عليها السلام ) وتكذيبها ، لئلا تحتجّ عليه بنصوص الغدير وغيرها على خلافة زوجها وابن عمّها علي ( عليه السلام ) ونجد قرائن عديدة على ذلك :

منها : ما أخرجه المؤرّخون من أنّها - سلام الله عليها خرجت تطوف على مجالس الأنصار ، وتطلب منهم النصرة والبيعة لابن عمّها ، فكانوا يقولون : يا ابنة رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به .

فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه .

فقالت فاطمة ( عليها السلام ) ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (1).

ولو كان أبو بكر مخطئاً عن حسن نيّة أو على اشتباه ، لأقنعته فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : ولكنّها غضبت عليه ولم تكلّمه حتّى ماتت ، لأنّه ردّ في كلّ مرّة دعواها ولم يقبل شهادتها ولا شهادة زوجها ، ولكلّ هذا اشتدّ غضبها عليه ، حتّى أنّها لم تأذن له بحضور جنازتها حسب وصيّتها لزوجها الذي دفنها في الليل سراً (2).

وعلى ذكر دفنها سلام الله عليها سرّاً في الليل ، فقد سافرت خلال سنوات البحث إلى المدينة المنورة لأطّلع بنفسي علي بعض الحقائق واكتشفت :

أولاً : أنّ قبر الزهراء ( عليها السلام ) مجهول لا يعرفه أحد ، فمن قائل بأنّه في الحجرة النبوية ، ومن قائل بأنّه في بيتها مقابل الحجرة النبوية ، وثالث يقول : إنّه في البقيع


1) - تاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1 : 19 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( بيعة أبي بكر ) .

2) - صحيح البخاري 3 : 36 ، صحيح مسلم 2 : 72 باب " لا نورّث ما تركناه صدقة " .

وسط قبور أهل البيت بدون تحديد .

هذه الحقيقة الأولى التي استنتجت منها أنّها - سلام الله عليها - أرادت بهذا أن يتساءل المسلمون عبر الأجيال عن السبب الذي دعاها أن تطلب من زوجها أن يدفنها في الليل سراً ، ولا يحضر جنازتها منهم أحد ! ! وبذلك يمكن لأيّ مسلم أن يصل إلى بعض الحقائق المثيرة من خلال مراجعة التاريخ .

ثانياً : اكتشفت أنّ الزائر الذي يريد زيارة قبر عثمان بن عفان يمشي مسافة طويلة حتّى يصل إلى آخر البقيع ، فيجده تحت الحائط ، بينما يجد أغلب الصحابة مدفونين في بداية البقيع قرب المدخل ، وحتّى مالك بن أنس صاحب المذهب - وهو من تابعي التابعين - مدفون قرب زوجات الرسول ، وتحقّق لدى ما قاله المؤرّخون من أنّه دفن " بحش كوكب " وهي أرض يهودية ; لأنّ المسلمين منعوا دفنه في بقيع رسول الله ، ولمّا استولى معاوية بن أبي سفيان على الخلافة اشترى تلك الأرض من اليهود وأدخلها في البقيع ، ليدخل بذلك قبر ابن عمّه عثمان فيها ، والذي يزور البقيع حتّى اليوم سيرى هذه الحقيقة بأجلى ما تكون .

وإنّ عجبي لكبير حين أعلم أنّ فاطمة الزهراء - سلام الله عليها - أول من لحق بأبيها ، فبينها وبينه سته أشهر على أكثر الاحتمالات ، ثمّ لا تدفن إلى جانب أبيها .

وإذا كانت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) هي التي أوصت بدفنها سرّاً ، فلِمَ لَمْ تدفن بالقرب من قبر أبيها كما ذكرت ، فما بال ما حصل مع جثمان ولدها الحسن ، لم يدفن قرب قبر جدّه ؟ فقد منعت هذا ( أم المؤمنين ) عائشة وقد فعلت ذلك عندما جاء الحسين بأخيه الحسن ليدفنه إلى جانب جدّه رسول الله ، فركبت عائشة بغلة وخرجت تنادي وتقول : لا تدفنوا في بيتي من لا أُحبّ ! !

واصطف بنو أُميّة وبنو هاشم للحرب ، ولكنّ الإمام الحسين قال لها : إنّه

سيطوف بأخيه على قبر جدّه ثمّ يدفنه في البقيع ; لأنّ الإمام الحسن أوصى أن لا يهرقوا من أجله ولو محجمة من دم !

وقال لها ابن عبّاس أبياتاً مشهورة :

تجمّلت (1)تبغّلت (2)* ولو عشت تفيّلت

لك الثُمن من التسع * وبالكلّ تصرّفت

وهذه حقيقة أُخرى من الحقائق المخيفة ، فكيف ترث عائشة كلّ البيت من بين أزواج النبيّ المتعدّدات ، وهن تسع نساء حسب ما قاله ابن عبّاس ؟ !

وإذا كان النبيّ لا يورّث ، كما شهد بذلك أبو بكر نفسه ، ومنع ذلك ميراث الزهراء ( عليها السلام ) من أبيها ، فكيف ترث عائشة ؟ فهل هناك في كتاب الله آية تُعطي الزوجة حقّ الميراث وتمنع البنت ؟ أمّ أنّ السياسة هي التي أبدلت كلّ شيء ، فحرمت البنت من كلّ شيء وأعطت الزوجة كلّ شيء ؟

وبالمناسبة أذكر هنا قصّة طريفة ذكرها بعض المؤرّخين ، ولها علاقة بموضوع الإرث :

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه " لنهج البلاغة " : جاءت عائشة وحفصة ودخلتا على عثمان أيام خلافته ، وطلبتا منه أن يقسم لهما إرثهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان عثمان متكئاً فاستوى جالساً وقال لعائشة : أنت وهذه الجالسة جئتما بأعرابي يتطهّر ببوله وشهدتما أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " نحن معشر الأنبياء لا نورّث " ، فإذا كان الرسول حقيقة لا يورّث فماذا تطلبان بعد هذا ؟ وإذا كان الرسول يورّث لماذا منعتم فاطمة حقّها ؟ فخرجت من عنده غاضبة وقالت :

اقتلوا نعثلاً فقد كفر (3).


1) - إشارة إلى ركوبها في حرب الجمل المشهورة .

2) - إشارة إلى ركوبها البغلة يوم منعت دفن الحسن ( عليه السلام ) بجانب جدّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

3) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 220 - 223 .

3 - علي أولى بالاتّباع :

ومن الأسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنّة الآباء والأجداد ، الموازنة العقلية والنقلية بين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأبي بكر .

وكما ذكرت في الأبواب السابقة من هذا البحث ، أنّي اعتمد على الإجماع الذي يوافق عليه أهل السنّة والشيعة .

وقد فتّشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعاً إلاّ على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنّة في ما ورد من نصوص ثبتتها مصادر الطرفين ، بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلاّ فريق من المسلمين ، وقد كنّا ذكرنا ما قاله عمر عن بيعة أبي بكر ، كما أن الكثير من الفضائل والمناقب التي يذكرها الشيعة في علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لها سند ووجود حقيقي ثابت في كتب السنّة المعتمدة عندهم ، ومن عدّة طرق ، لا يتطرق إليها الشكّ ، فقد روى الحديث في فضائل الإمام علي جمع غفير من الصحابة حتّى قال أحمد بن حنبل :

ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (1).

وقال القاضي إسماعيل والنسائي وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي (2).

هذا مع ملاحظة أنّ الأمويين حملوا الناس في مشارق الأرض ومغاربها

على سبّه ولعنه وعدم ذكر فضيلة له ، حتّى منعوا أن يتسمّى أحد باسمه ، ومع كلّ ذلك خرجت فضائله ومناقبه - سلام الله عليه - رغم الجحود ، وفي ذلك يقول


1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم 3 : 107 ، المناقب للخوارزمي : 3 و 19 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 168 ، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي : 73 ، تاريخ ابن عساكر 2 : 63 ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي : 19 .

2) - الرياض النضرة للطبري 2 : 282 ، الصواعق المحرقة لابن حجر : 118 و 72 .

الإمام الشافعي : عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً وكتمها محبّوه خوفاً ، وخرج ما بين ذين وذين ما طبق الخافقين . أمّا بشأن أبي بكر ، فقد فتشت أيضاً في كتب الفريقين فلم أجد له في كتب أهل السنّة والجماعة القائلين بتفضيله ما يوازى أو يعادل فضائل الإمام علي ( عليه السلام ) على أن فضائل أبي بكر المذكورة في الكتب التاريخية مروية إمّا عن ابنته عائشة - وقد عرفنا موقفها من الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهي تحاول بكلّ جهدها دعم أبيها ولو بأحاديث موضوعة - أو عن عبد الله بن عمر ، وهو أيضاً من البعيدين عن الإمام علي ، وقد رفض مبايعته بعدما أجمع الناس على ذلك ، وكان يحدّث أنّ أفضل الناس بعد النبيّ أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ثمّ لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية (1).

يعني هذا الحديث أنّ عبد الله بن عمر جعل الإمام علي من سوقة الناس كأيّ شخص عادي ليس له فضل ولا فضيلة .

فأين عبد الله بن عمر من الحقائق التي ذكرها أعلام الأمة وأئمتها ، بأنّه لم يرد في أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) هل أنّ عبد الله بن عمر لم يسمع بفضيلة واحدة لعلي .

بلى والله لقد سمع ووعى ، ولكنّ السياسة ، وما أدراك ما السياسة ! ! فهي تقلب الحقائق وتصنع الأعاجيب .

كذلك يروي فضائل أبي بكر كلّ من عمرو بن العاص ، وأبو هريرة ، وعروة ، وعكرمة .

وهؤلاء كلّهم يكشف التاريخ أنّهم كانوا متحاملين على الإمام علي ( عليه السلام )

وحاربوه إمّا بالسلاح ، وإمّا بالدسّ واختلاق الفضائل لأعدائه وخصومه .

قال الإمام أحمد بن حنبل : إنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتّش أعداؤه عن


1) - صحيح البخاري 2 : 202 .

شيء يعيبونه به فلم يجدوا ، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له (1).

ولكن الله يقول : * ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * (2)وإنّه من معجزات الله سبحانه أن تخرج فضائل الإمام علي ( عليه السلام ) بعد ستّة قرون من الحكم الجائر الظالم له ولأهل بيته ، إذ لم يكن العبّاسيون أقلّ بغضاً وحسداً ونكاية وتقتيلاً لأهل البيت النبوي من أسلافهم الأمويين ، حتّى قال أبو فراس الحمداني في ذلك :

ما نال منهم بنو حرب وإنّ عظمت * تلك الجرائر إلاّ دون نيلكم

كم غدرة لكم في الدين واضحة * وكم دم لرسول الله عندكم

أنتم له شيعة في ما ترون وفي * أظفاركم من بنيه الطاهرين دم

فإذا خلصت بعد كلّ تلكم الأحاديث ، وخرجت من تلكم الظلمات ، فلتكن لله الحجّة البالغة ، ولئلا يكون للناس على الله حجّة بعد ذلك .

ورغم أنّ أبا بكر كان هو الخليفة الأوّل ، وله من النفوذ ما قد عرفنا .

ورغم أنّ الدولة الأموية كانت تجعل عطاء خاصاً ورشوة لكلّ من يروي في حقّ أبي بكر وعمر وعثمان .

ورغم أنّها اختلقت لأبي بكر من الفضائل والمناقب الكثير ممّا سودت صفحات الكتب .

مع ذلك فلم يبلغ معشار عشر حقائق الإمام علي ( عليه السلام ) وفضائله .

أضف إلى ذلك أنّك إذا حلّلت الأحاديث المروية في فضائل أبي بكر ،


1) - فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 : 83 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 199 ، الصواعق المحرقة لابن حجر : 125 .

2) - سورة الطارق (86) : 15 - 17 .

وجدتها لا تتماش مع ما سجّله له التاريخ من أعمال تناقض ما قيل فيه ، ولا يقبلها عقل ولا شرع ، وقد تقدّم شرح ذلك في حديث لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمّتي لرجح إيمان أبي بكر .

ولو كان يعلم رسول الله أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ، ما كان ليؤمّر عليه أُسامة بن زيد ، ولا ليمتنع من الشهادة له كما شهد على شهداء أحد وقال له : إنيّ لا أدري ماذا تحدث من بعدي ، حتّى بكى أبو بكر (1)، وما كان ليرسل خلفه علي بن أبي طالب ليأخذ منه سورة براءة فيمنعه من تبليغها (2).

وما كان قال يوم إعطاء الراية في خيبر ، لأعطين رايتي غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كراراً ليس فراراً ، امتحن الله قلبه بالإيمان ، فأعطاها إلى علي ولم يعطها إليه (3).

ولو علم الله أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ، وأنّ إيمانه يفوق إيمان أمّة محمّد بأسرها ، فلم يكن الله سبحانه ليهدّده بإحباط عمله عندما رفع صوته فوق صوت النبيّ (4).

ولو علم علي بن أبي طالب والصحابة الذين اتبعوه أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ما جاز لهم أن يتخلّفوا عن بيعته .

ولو علمت فاطمة الزهراء سيّدة النساء ( عليها السلام ) أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ما كانت لتغضب عليه وتمتنع من الكلام معه وعن ردّ السلام عليه وتدعو

الله عليه في كل صلاة (5)، ثمّ لا تأذن له ، حسب - ما ورد في وصيّتها - حتّى بحضور


1) - موطأ الإمام مالك 1 : 307 ، مغازي الواقدي : 310 .

2) - سنن الترمذي 4 : 339 ، مسند أحمد بن حنبل 2 : 319 ، مستدرك الحاكم 3 : 51 .

3) - صحيح مسلم ، باب فضائل علي بن أبي طالب .

4) - الإمامة والسياسة 1 : 14 ، رسائل الجاحظ : 301 .

5) - تأريخ الطبري 4 : 52 ، الإمامة والسياسة 1 : 18 ، تاريخ المسعودي 1 : 414 .

جنازتها .

ولو علم أبو بكر أنّه على هذه الدرجة من الإيمان ما كان ليتمنّى عند احتضاره أنّه لو لم يكن يكشف بيت فاطمة ( عليها السلام ) .

وأنّه لو لم يكن أحرق الفجاءة السلمي ، ولكان يوم السقيفة قذف الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة .

فالذي هو على هذه الدرجة من الإيمان ، ويرجح إيمانه على ايمان كلّ الأمة ، لا يندم في آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة ، وعلى حرقه الفجاءة السلمي ، وعلى توليه الخلافة ، كما لا يتمّنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أو بعرة ، أفيعادل مثل هذا الشخص إيمان الأمّة الإسلامية بل يرجح عليها ؟ !

وإذا أخذنا حديث : لو كنت متّخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، فهو كسابقه ، إذ أين أبو بكر يوم المؤاخاة الصغرى في مكّة قبل الهجرة ، ويوم المؤاخاة الكبرى في المدينة بعد الهجرة ، وفي كلتيها اتخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً أخاً له وقال له : " أنت أخي في الدنيا والآخرة " (1)، ولم يلتفت إلى أبي بكر ، فحرمه من مؤاخاة الآخرة كما حرمه من الخلة .

وأنا لا أريد الإطالة في هذا الموضوع وأكتفي بهذين المثلين اللذين أوردتهما من كتب أهل السنّة والجماعة .

أمّا عند الشيعة ، فلا يعترفون بتلك الأحاديث مطلقاً ، ولديهم الأدلة الواضحة على أنّها وضعت في زمن متأخّر عن زمن أبي بكر .

هذا وإذا تركنا الفضائل وبحثنا في المساوئ ، فإنّنا لا نحصي لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) سيئة واحدة من كتب الفريقين ، بينما نجد لغيره مساوئ كثيرة في كتب


1) - تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 23 ، تاريخ دمشق لابن عساكر 1 : 107 ، المناقب للخوارزمي : 7 ، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : 21 .

أهل السنّة كالصحاح وكتب السير والتاريخ .

وبهذا يكون الإجماع من الفريقين يختصّ بعلي ( عليه السلام ) وحده ، كما يؤكّد التاريخ أنّ البيعة الصحيحة لم تكن إلاّ لعلي وحده .

فقد امتنع هو وأصرّ عليها المهاجرون والأنصار ، وقعد عن بيعته نفر فلم يجبرهم عليها ، بينما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها - كما يقول عمر بن الخطاب - وكانت خلافة عمر عهدها إليه أبو بكر .

وكانت خلافة عثمان مهزلة تاريخية ، ذلك أنّ عمر رشّح ستّة للخلافة وألزمهم أن يختاروا من بينهم واحداً ، وقال : إذا اتفق أربعة وخالف اثنان فاقتلوهما ، وإذا انقسم الستة إلى فريقين ، ثلاثة في كلّ جهة ، فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف ، وإذا مضى وقت ولم يتفق الستّة فاقتلوهم ، والقصة طويلة وعجيبة .

والمهم أنّ عبد الرحمن بن عوف اختار عليّاً واشترط عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنّة رسوله وسنّة الشيخين أبي بكر وعمر ، فرفض علي هذا الشرط وقبله عثمان ، فكان هو الخليفة ، وخرج علي ( عليه السلام ) من البيعة وهو يعلم مسبقاً النتيجة ، وقد تحدّث عن ذلك في خطبته المعروفة بالشقشقية .

وبعد علي ( عليه السلام ) استولى معاوية على الخلافة ، فأبدلها قيصرية ملكية يتداولها بنو أُميّة ، ومن بعده بنو العبّاس ابناً عن أب ، ولم يكن هناك خليفة إلاّ بنصّ السابق على اللاحق أو بقوة السيف والسلاح والاستيلاء ، فلم تكن هناك بيعة صحيحة (1)في التاريخ الإسلامي من عهد الخلفاء وحتّى عهد كمال أتاتورك الذي قضى على الخلافة الاسلامية إلاّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .


1) - أي باجماع المسلمين لم يفرضها عليهم أحد ولم تكن " فتنة " .

4 - الأحاديث الواردة في علي ( عليه السلام ) توجب اتّباعه :

من الأحاديث التي أخذتُ بها ، ودفعتني للاقتداء بالإمام علي ( عليه السلام ) تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنّة والجماعة ، وأكّدت صحتها ، والشيعة عندهم أضعافها ولكن - وكالعادة - سوف لا استدل ولا اعتمد إلاّ الأحاديث المتفق عليها من الفريقين ، ومن هذه الأحاديث .

أ - حديث :

" أنا مدينة العلم وعلي بابها " (1)، وهذا الحديث وحده كاف لتشخيص القدوة الذي ينبغي اتباعه بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأنّ العالم أولى بالاتباع ، أي أولى أن يقتدى به من الجاهل .

قال تعالى : * ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * (2)، وقال أيضاً * ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * (3).

ومن المعلوم أن العالم هو الذي يهدي والجاهل يستحقّ الهداية ، وهو أحوج إليها من أيّ أحد ، وفي هذا الصدد سجّل لنا التاريخ أنّ الإمام عليّاً هو أعلم الصحابة على الإطلاق ، وكانوا يرجعون إليه في أُمهّات المسائل ، ولم نعلم أنّه ( عليه السلام ) رجع إلى واحد منهم قط ، فهذا عمر يقول : لولا علي لهلك عمر (4).

وهذا ابن عبّاس يقول : " ما علمي وعلم أصحاب محمّد في علم علي إلاّ

كقطرة في سبعة أبحر " (5)


1) - مستدرك الحاكم 3 : 127 ، البداية والنهاية 7 : 358 .

2) - سورة الزمر (39) : 9 .

3) - سورة يونس (10) : 35 .

4) - الاستيعاب 3 : 39 ، مناقب الخوارزمي : 48 ، الرياض النضرة 2 : 194 .

5) - لقد أجمعت صحاح أهل السنّة وكتبهم على أفضلية علي وتقدّمه في العلم على كلّ الصحابة راجع على سبيل المثال ما جاء في الاستيعاب 3 : 38 - 45 من أقوال الصحابة فيه وتقديمهم له عليهم .

وهذا الإمام علي ( عليه السلام ) نفسه يقول : " سلوني قبل أن تفقدوني ، والله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة ، إلاّ أخبرتكم به ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل " (1)

بينما يقول أبو بكر : عندما سُئل عن معنى الأب في قوله تعالى : * ( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ) * قال أبو بكر : أي سماء تظلّني ، وأيّ أرض تقلّني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم !

وهذا عمر بن الخطّاب يقول : " كل الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال " .

ويُسأل عن آية من كتاب الله ، فينتهر السائل ويضربه بالدرّة حتّى يدميه ويقول * ( لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) * (2)، وقد سئل عن الكلالة فلم يعلمها .

أخرج الطبري في تفسيره عن عمر ، أنّه قال : لئن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليّ من أن يكون لم مثل قصور الشام .

كما أخرج ابن ماجة في سننه عن عمر بن الخطّاب قال : ثلاث لئن يكون رسول الله بيّنهن أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والربا ، والخلافة .

سبحان الله ، حاش لرسول الله أن يكون سكت عن هذه الأشياء ولم يبيّنها .

ب - حديث :

" يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي " وهذا


1) - المحبّ الطبري في الرياض النضرة 2 : 198 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 124 ، الإتقان 2 : 319 ، فتح الباري 8 : 485 تهذيب التهذيب 7 : 338 .

2) - سنن الدارمي 1 : 54 ، تهذيب التهذيب 7 : 338 .

الحديث كما لا يخفى على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بالوزارة والوصاية والخلافة .

فكما كان هارون وزيراً ووصيّاً وخليفة موسى في غيابه عندما ذهب لميقات ربّه ، كذلك أيضاً منزلة الإمام علي ( عليه السلام ) فهو كهارون عليه وعلى نبينا السلام ، وصورة طبق الأصل عنه ، ما عدا النبوّة التي استثناها نفس الحديث .

وفيه أيضاً أنّ الإمام عليّاً هو أفضل الصحابة ، والحديث كما هو معلوم مجمع عليه عند عامة المسلمين .

ج - حديث :

" من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، واُنصر من نصره واُخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار " .

وهذا الحديث وحده كاف لردّ مزاعم تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على من نصّبه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولياً للمؤمنين من بعده ، ولا عبرة بمن أوّل الحديث إلى معنى المحبّ والنصير ; لصرفه عن معناه الأصلي الذي قصده الرسول ، وذلك حفاظاً على كرامة الصحابة ; لأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما قام خطيباً في ذلك الحرّ الشديد قال : " ألستم تشهدون بأنيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ؟

قالوا : بلى يا رسول الله .

فقال عندئذ : " فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه " .

وهذا نصّ صريح في استخلافه على أمّته ، ولا يمكن للعقل المنصف العادل إلاّ قبول هذا المعنى ، ورفض تأويل البعض المتكّلف والحفاظ على كرامة الرسول قبل الحفاظ على كرامة الصحابة ، لأنّ في تأويلهم هذا استخفافاً واستهزاء بحكمة

الرسول الذي يجمع حشود الناس في الحرّ والهجير الذي لا يطاق ليقول لهم بأنّ عليّاً هو محبّ المؤمنين وناصرهم .

وبماذا يفسّر هؤلاء الذين يؤولون النصوص حفاظاً على كرامة كبرائهم

وساداتهم موكب التهنئة الذي عقده له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

وبدأ بزوجاته أمّهات المؤمنين ، وجاء أبو بكر وعمر يقولان : بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة . والواقع والتاريخ يشهدان أن المتأولين لكاذبون ، فويل لهم ممّا كتبت أيديهم ، وويل لهم ممّا يكتبون ، قال تعالى * ( فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) * (1)- سنن ابن ماجة 1 : 44 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 20 ، الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي 5 : 300 ، جامع الأصول لابن كثير 9 : 471 ، الجامع الصغير للسيوطي 2 : 56 ، الرياض النضرة 2 : 229 .(2).

د - حديث :

" علي منّي وأنا من علي ، ولا يؤدّي عني إلا أنا أو علي " (2) .

وهذا الحديث الشريف هو الآخر صريح في أنّ الإمام عليّاً هو الشخص الوحيد الذي أهلّه صاحب الرسالة ليؤدّي عنه ، وقد قاله عندما بعثه بسورة براءة يوم الحجّ الأكبر عوضاً عن أبي بكر ، ورجع أبو بكر يبكي ويقول : يا رسول الله أنزل في شيء فقال : " إنّ الله أمرني أن لا يؤدّي عني إلا أنا أو علي " .

وهذا نظير ما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي في مناسبة أُخرى عندما قال له : " أنت يا علي تبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي " (3).

فإذا كان لا يؤدّي عن رسول الله إلاّ علي ، وهو الذي يبيّن للأمّة ما اختلفوا فيه بعده ، فكيف يتقدّم عليه من لا يعرف معنى ( الأب ) ، ومن لا يعرف معنى

( الكلالة ) ؟

وهذا لعمري من المصائب التي أصابت هذه الأُمّة ، وأعاقتها عن أداء المهمّة التي رشّحها الله لها ، وليست الحجّة على الله ، ولا على رسول الله ، ولا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وإنّما الحجّة البالغة على الذين عصوا وبدّلوا ، قال


1) - سورة البقرة

2) : 146 .

3) - تاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 488 ، كنوز الحقائق للمناوي : 203 ، كنز العمال 5 : 33 .

تعالى : * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) * (1).

ه‍ - حديث

الدار يوم الإنذار ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مشيراً إلى علي ( عليه السلام ) :

" إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا " (2).

وهذا الحديث هو أيضاً من الأحاديث الصحيحة التي نقلها المؤرّخون لبداية البعثة النبويّة ، وعدوّها من معجزات النبيّ ، ولكن السياسة التي أبدلت وزيفت الحقائق والوقائع ، ولا عجب من ذلك ، لأنّ ما وقع في ذلك الزمان المظلم يتكرّر اليوم في عصر النور .

فهذا محمّد حسنين هيكل أخرج الحديث ، بكامله في كتاب " حياة محمّد " في صفحة 101 من الطبعة الأولى سنة 1354 ه‍ ، وفي الطبعة الثانية وما بعدها حذف من الحديث قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، " وصيي وخليفتي من بعدي " ، كذلك حذفوا من " تفسير الطبري : الجزء 19 صفحة 121 قوله " وصيي وخليفتي " ، " وأبدلوها بقوله : إنّ هذا أخي وكذا وكذا . . ! ! صفحة 319 " .

اُنظر كيف يحرّفوا الكلم عن مواضعه ، ويقلبون الأمور ، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره .

وخلال البحث الذي قمت به أردنا الوقوف على جلية الحال ، فبحثت عن الطبعة الأولى لكتاب " حياة محمّد " وتحصّلت عليها بحمد الله بعد عناء ومشقّة ، وقد كلّفني ذلك كثيراً ، والمهم أننّي اطّلعت على ذلك التحريف ، وزادني ذلك يقيناً


1) - سورة المائدة (5) : 104 .

2) - تاريخ الطبري 2 : 319 ، الكامل في التاريخ ابن الأثير 2 : 62 ، السيرة الحلبية 1 : 311 ، شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 371 ، كنز العمال 15 : 15 ، تاريخ ابن عساكر 1 : 85 ، تفسير الخازن لعلاء الدين الشافعي 3 : 371 ، حياة محمّد لحسنين هيكل ، الطبعة الأولى باب وأنذر عشيرتك الأقربين .

بأنّ أهل السوء يحاولون جهدهم أن يمحوا الحقائق الثابتة لأنّها حجّة قوية " لخصومهم " .

ولكن الباحث المنصف عندما يقف على شيء من هذا التحريف والتزييف يزداد عنهم بعداً ، ويعرف بلا شكّ أنّهم لا حجّة لديهم غير التضليل والدسّ وقلب الحقائق بأيّ ثمن ، ولقد استأجروا كتّاباً كثيرين ، وأغدقوا عليهم الأموال ، كما أغدقوا عليهم الألقاب والشهادات الجامعية المزيفّة ، ليكتبوا لهم ما يريدون من الكتب والمقالات التي تشتم الشيعة وتكفّرهم وتدافع بكلّ جهد - وإنّ كان باطلاً - عن كرامة بعض الصحابة المنقلبين على أعقابهم ، والذين بدلوا بعد رسول الله الحقّ بالباطل * ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ ) * (1)صدق الله العلي العظيم .

مؤلّفات الدكتور التيجاني :

الّف " الدكتور التيجاني " عدة كتب وقد أشرنا إليها سابقاً في ترجمته ، ونذكر مؤلفاته الجديدة منها :

1 - مؤتمر السقيفة :

يقول " الدكتور التيجاني " في مقدّمة هذا الكتاب حول الدواعي التي حثته

على تأليفه : " عندما نجد أن التاريخ الإسلامي - الذي تهمنا قراءته قراءة صحيحة - لا تزال حقائقه ملفوفة بخرق بالية عتيقة ، وممنوع على الشرفاء أن يقرأوا أو يعرفوا سوى الذي دوَّنه الإعلام الرسمي للملوك والخلفاء الذين تسنوا ذروة الخلافة والملك .

كان علينا نحن الشرفاء أن نكون على مستوى المسؤولية - نقول للحق هذا حق وللباطل هذا باطل فالأسود لا يمكن أن يتحول إلى أبيض إلا في نظر الأغبياء والمغفلين والذين على أعينهم غشاوة لا يبصرون بها . . .


1) - البقرة (2) : 118 .

ولكن الحقيقة التي يحاولون إبعادها عن الناس لا تنام طويلاً ولا تدوم في خبائها بل لا بد وأن تظهر ، وهذا غاية ما نتمناه في بحثنا هذا ولا نروم غيره وليس هدفنا تجريح فلان أو فلان لأن التاريخ الذي حملهم بآثامهم وأعمالهم طيلة هذه القرون كفيل بأن يسقطهم يوماً لأنهم أصبحوا على ظهره عبئاً ثقيلاً . . وعليه أن يتجاوز دورهم ليكتب لنا سيرة الطهر والنقاء سيرة العظماء والشرفاء الذين منحوا الناس والزمان كل عطاء وكل خير دونما ثمن ولا مصلحة ولا هدف . . .

هؤلاء الرجال هم الذين تحكموا بالقرار والتاريخ وأرسلوا لنا تلك الأخبار المضلة كي يفصلوا بيننا وبين الدعوة الإسلامية من جهة ويعيدوا مجد القبيلة والجاهلية من وجهة أخرى ولعلّ دراستنا لتاريخهم نستطيع أن نقترب منهم أكثر وتزداد معرفتنا بهؤلاء الذين كانوا سبب كل ما نعانيه اليوم من تمزق وتشرذم وتضليل فلنحاول أن نرفع الغطاء عن هؤلاء - أصحاب الانقلاب - كي يظهروا على حقيقتهم فمن كان يحمل في سيرته التاريخية نقاء وصفاء وطهراً وإيماناً فهو الصحابي الجليل الذي يستحق منا كل ثناء وتقدير . . ، ومن كان عكس ذلك فلتسقط حصانته ويدان أمام الرأي العام مهما كان له من الفضائل المزعومة التي زورها له الأذناب وبهذه الطريقة قد نتوصل إلى تصفية النفوس من أدران الجهل والتبعيّة . . ، وتنقية القلوب من محبة الذين ليس لهم في تراث الإنسانية مقام .

وعندما تنظر في كلام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإخباره بتلك الفتنة التي ستجري بعده ونحن نعلم من الذي قام فيها وناصرها وأيدها وجعلها سنة متبعة - لا بد والحالة هذه من أن نضع النقاط على الحروف نصرة للحق ودفعاً للظلم . . .

لعلّ في ذلك كشفاً لدولة الانقلابيين وعسى أن يهدي الله قوماً آمنوا بقداسة تلك العصابية إمعاناً في التضليل ومشياً على سنة الآباء والأجداد وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً كما قال تعالى : * ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم

مُّقْتَدُونَ ) * (1)، وفي هذه الآية ذم لا حمد فيه لمن يتبع مذهب الآباء عن غير علم ولا بصيرة ولا هدى . . ، وطالما بيّن الرسول الأعظم أنّ الأمّة ستغدر بعلي ( عليه السلام ) بعده فمن هو السبب الذي يجعلني وغيري نتبع سنة من أحدثوا في الدين وغيروا من معالمه وأساءوا إلى مُحكمه قبل متشابهه اللّهم إلا أن تكون السياسة الظالمة هي التي دفعتني إلى المساومة على الدين الحق واتباع مذهب الضالين من هذه الأمّة . . .

جاءت السقيفة رداً على ما أوصى به الرسول لسيدنا علي ( عليه السلام ) وتأكيداً على مخالفتهم له علانية بعد أن كان سراً . . ، وإذا كان هؤلاء كبار الصحابة هم الذين ابتدعوا مخالفة الرسول وتناسوا تعاليمه ووصاياه فكيف ندين لهم ونعظمهم وهم خالفوا الإسلام مخالفة صريحة لا تأويل فيها . . .

وكلما نظرت وفكرت فيما جرى أسائل نفسي ترى هل حقاً حدث ما نقرأ ونسمع ؟ هل حقاً افتعل الصحابة الكبار هذه الأحداث لنيل المطامع والتربع على عرش الخلافة أين كان الدين منهم عندما تآمروا . . بل كيف فكروا أن يسقطوا البناء الكبير الذي قضى الرسول أعواماً وهو يبني صرحه ؟

كيف انخلعت عنهم مسوح الإيمان وأردية التقوى ؟ بل كيف ظهروا للناس بوجوه جديدة لم يعرفوهم بها من قبل ؟ أين تعاليم الرسول ؟ أين وصاياه ؟

وكل هذا دعاني إلى التساؤل مرات ومرات إذا كان هذا فعلهم وهذه موآمراتهم فكيف وصلت إلينا صورهم في التاريخ العام وهي مزدانة بأبهى الصور وأجمل الفضائل ومن كان له مصلحة في تزيين هذه الصور وإيصالها على هذا النحو الذي نراه اليوم ولماذا الخوف من الجهر بحقيقة الأحداث طالما أننا مسلمون والواجب علينا أن نكون مع الحق لا ضده ، والساكت عن الحق شيطان أخرس . . .

لماذا تعمد الجم الغفير أن ينصهر في أدوار هذه المسرحية الهزيلة الخطيرة


1) - الزخرف (43) : 23 .

لا شك أنّ هناك وسائل إعلام تضليلية ورجال دين دأبوا على تنفيذ السياسة الأموية . . .

فلهذا قررت أن أجند نفسي وقلمي لنصرة الحقيقة وأن أبتدأ كتابة التاريخ الإسلامي بحلة جديدة لكي أظهر تآمرهم على الرسول وآل الرسول . . .

وأبتدأ بالمرحلة الأولى من حادثة حجّة الوداع لأن الموآمرة حسب اعتقادي بدأت بعد حجّة الوداع وبعد تنصيب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام علي ( عليه السلام ) كخليفة له يوم الغدير وبذلك عرف الطامعون في الرئاسة أن ليس أمامها إلا التمرد والمعارضة وبذلك تستقيم الأحداث التي يتناولها كتابنا هذا التي بدأت بمعارضة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كل أوامره من كتابة الكتب إلى تأمير أسامة إلى عدم الذهاب في الجيش الذي عبأه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنفسه وكذلك الأحداث التي أعقبت وفاته من حمل الناس على البيعة بالقوة وتهديد المتخلفين بالحرق وفيهم علي وفاطمة والحسنين ( عليهم السلام ) ، وحبس الصحابة لئلا يتحدثوا بأحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى قتل الصحابة الذين امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر لأنه ليس هو الخليفة الذي بايعوه على عهد نبيهم إلى اغتصاب حق فاطمة الزهراء من فدك والإرث وسهم الخمس وتكذيبها في دعواها إلى إبعاد الإمام علي عن كل مسؤولية وتولية الفسّاق والمنافقين من بني أميّة على رقاب المسلمين إلى منع الصحابة من التبرك بآثار

الرسول ومحاولة محو اسمه من الآذان إلى إباحة مدينته المنورة للجيش الكافر يفعل فيها ما يشاء وحرقه وقتل الصحابة في داخله إلى قتل عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسبهم ولعنهم وحمل الناس على ذلك إلى قتل وتشريد من يحب أهل البيت ( عليهم السلام ) ويتشيع لهم إلى أن أصبح دين الله لعباً وهزواً والقرآن يمزَّق ويعبث به . . .

وقد تبلغ بنا الجرأة بحيث نسأل التاريخ عن هؤلاء الأشخاص الذين لعبوا هذه الأدوار ، لمصلحة من صيغت هذه الأحداث بهذا الشكل ؟ وهل كانت هذه المؤامرة وهذا الانقلاب مجرد طمع بالخلافة فقط دون أن يكون باعثهم الحقد

على آل البيت بما قتل سيدنا علي من أهلهم في سبيل الإسلام . . ، ونتساءل هل إن التاريخ سيكون أكثر إشراقاً وتطوراً فيما لو حملهم علي على جادة الحق ، ولكنّنا نشهد من الفضيلة والقيم ما لا نحلم برؤيته في وقتنا هذا وفي عصرنا اليوم . . .

أمّا وقد أصبحنا في ظل الإسلام شيعاً وفرقاً وطوائف وأحزاب وشعب وكل واحدة تدعي أنها مع الإسلام وأنها هي الفرقة الناجية . . لا أغالي إذا قلت إنّ ما نعانيه اليوم لم يكن سوى حصاداً لزراعة الأمس ونتيجة حتمية لغصب الخلافة وصرف الأمر عن صاحبه الشرعي . . .

وهذا الكتاب ربما سيكون مع أخوته . . . في سبيل نصرة أهل الحق لأنني لست سوى خادم للحقيقة يرسم وجهها ويوصلها إلى أهلها بيضاء نقية فإياك أيها القارئ الكريم أن تأخذك العصبية القبلية أو الحمية الجاهلية إذا أنت سمعت أو قرأت ما يتنافى مع عقيدتك ومبدأك قبل أن تحقق وتدقق حتّى تتجلى لك الأمور وتنكشف لك الحقائق كما هي عليه في واقعها وحقيقة أمرها فلعل الحق في خلاف ما أنت عليه فإياك أن تنحرف عن الحق أينما كان ولو خالف ما عليه أهلك وجيرانك إذا كانوا على غير الحق أو ابتغوا غير العدل والإنصاف فإنما هي نفس واحدة فلا تفرط في حفظها وبيعها بالتوافه والغرور فتقع بالخسران الذي لا يجبر والبلاء الذي لا يطاق والعذاب الذي لا يغني ولا يزول أبداً فعليك بالتأمل والتمهل

والتأني والتروي فلعلّ الله أن يمنَ عليك ويشملك بلطفه وعنايته ويلحظك بعطفه وحنانه . . ، والله تعالى أسأل تمام النعمة والهداية لي ولجميع الذين يتشوقون إلى معرفة الحقيقة والصدق . . . " .

أجيبوا داعي الله :

صدر عن دار ومكتبة الهلال في بيروت يذكر الدكتور التيجاني في هذا الكتاب العلاج للأمراض التي نخرت في جسم الأمّة الإسلامية ، فيقول : " إذ كنّا نريد النهوض بهذه الأمّة وبلسمة جراحها واستئصال السرطان الذي كبّلها . . فلا بد

من مراعاة الوصفات التالية :

1 - الولاء .

2 - البراءة .

3 - الصدق في القول والإخلاص في العمل .

4 - الحكمة والموعظة الحسنة .

5 - نبذ العنصرية والتعصب .

6 - التمسك بالأخلاق الفاضلة ونبذ الفتاوى المتطرّفة .

7 - الاهتمام بالأسرة المسلمة والمحافظة عليها .

8 - الابتعاد عن الفواحش .

9 - احترام النظام والانضباط .

10 - السعي للوحدة الإسلامية .

مقابلة للدكتور التيجاني مع صحيفة " كيهان العربية " :

•
• ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به علماء ومفكّروا الأُمّة الإسلامية إزاء ما يواجهه المسلمون من تحدّيات مختلفة ومتنوعة ؟
•

الدور هو كما علّمنا القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة ، هو قبل كلّ شيء ما يدعو إليه العقل والمنطق ، وهو توحيد الصفوف * ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) * لأنّ في التفرّق ضعفاً وذهاب ذات الريح وتكسر الشوكة ، وفي الوحدة عصمة وقّوة .

ولكن السؤال المطروح : هو كيف نوحّد هذه الأمة ؟

في اعتقادي أنّه لا يمكن لهذه الأُمّة أن تتوحّد إلاّ تحت الشعار الذي رسمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو : " تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إنّ

تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً " هذا هو شعار الوحدة الذي يجب أن يسعى كلّ مسلم للالتزام والعمل به ، وإذا ما آمنا بأنّ الهداية أساس العقيدة ، فيعني ذلك أنّ الهداية هي أساس الوحدة .

أمّا أن نتوحّد لهدف سياسي ومصلحة مؤقتة ، فسوف نجد هذه الوحدة تتبخّر في زمن قصير جداً ، وهذا ما أظهرته التجارب التاريخية في حياة الأمم والشعوب ، لذلك فأنا أدعو لأن تتكاتف جهود المسلمين لتتوحّد ، وإذا ما توحّدنا فسوف لن يستبد بنا العدو ، ولن نمكّن المستعمر منّا من جديد .

•
• وهل تعتقدون أنّ الوضع الإسلامي الحالي قد أصبح مهيّئاً لتحقيق الوحدة التي ينشدها المسلمون ؟
•

حسب اعتقادي فإنّه قد حان الوقت لرفع هذه المظلمة التاريخية عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فالرجوع للحقّ فضيلة ، وأنا مستبشر بأنّ كثيراً من المسلمين الآن بدأوا يفكّرون بجدية بالرجوع إلى الحقّ .

•
• بعد سقوط النظريّة الشيوعيّة هل تعتقدون أنّ الصراع بين المعسكر المادي والمعسكر الإسلامي قد أخذ أبعاداً وصوراً جديدة أُخرى .
•

لا شكّ في ذلك ، والإسلام منذ أن بعث النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو في معركة مستمرة ، وهي معركة الحقّ مع الباطل ، وبعد سقوط النظام الشيوعي الذي كان يحارب الإسلام ويحارب العقيدة الدينية بشكل عام ، يبدو أنّ الصراع قد فتح بين المستكبرين والمستضعفين الذين يقف في مقدّمتهم المسلمون ، واليوم الكلّ يشهد الظلم والتعسف والوحشية التي يتعامل بها هؤلاء المستكبرون مع المسلمين أين كانوا ، في حين أننا نعيش في زمن يدّعي فيه الغرب التقّدم ، ويرفع شعارات حريّة الإنسان وحقوقه الدينية والفكرية وفي الحقيقة فإنّ الغرب اليوم هو أبعد ما يكون

عن تطبيق هذه الشعارات ، لا سيما إذا ما مُسّت مصالحه بضرر ما .

•
• بم تفسّرون المواجهة الساخنة القائمة بين التيار الإسلامي العربي وعدد من الأنظمة العربية ، لا سيما في مصر والجزائر والعراق ؟
•

إنّ هذه المواجهة قائمة حسب اعتقادي لسببين :

الأول : إنّ النظم السائدة في العالم العربي وإنّ كانت تدّعي الإسلام ، إلاّ أنّها علمانية في شكلها ومفهومها ، وهي بالأحرى تتعارض في كثير من مبادئها مع الدين الإسلامي الحنيف .

ثانياً : السبب الآخر هو إنّ بعض الحركات الإسلامية في تلك الأقطار لم تختر الأُسلوب الأفضل لمواجهة هذه الأنظمة العلمانية ، فتسبب البعض ، وللأسف ونتيجة بعض الأخطاء إلى حرق الأخضر واليابس ، بينما يدعونا القرآن إلى توخّي الحذر والحيطة في التعامل مع الغير من أجل دعوته للإسلام ، فهو يقول : * ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * ، إنّ الحركات الإسلامية مطالبة بحسن اختيار الزمان والمكان المناسب للمواجهة ، كما أنّها مطالبة أن تكون قوية قبل أن تعلن مواجهتها لأيّ نظام معاد للإسلام ، فالله تعالى

يقول : * ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ ) * (1)وإلاّ فإن إعلان المواجهة من دون تهيئة الظروف لها يمكن أن تتسبب في مخاطر ومضارّ كبيرة .

وبالنسبة لي فإنا أعتقد أنّ الاسلاميين إذا كانوا يرون أنفسهم ليسوا بمستوى المواجهة ، فإنّ عليهم أن يعملوا من خلال أُسلوب النصح والإقناع للالتزام بمفاهيم الإسلام والدعوة إليه ، كما أننا كإسلاميين لا بدّ من مواجهة


1) - الأنعام (8) : 60 .

خصومنا بالدليل العلمي والمنطق والنصح ، لا سيما في ظلّ الظرف الراهن ، وأن نصبر ولا نستعجل الأُمور ، ولا أعتقد أنّ تغيير واقعنا بين عشيّة وضحاها ، فالتغيير يحتاج إلى مراحل عديدة حتّى يتحقّق ، ومن خلال الأسلوب القرآني الذي أمرنا به .

•
• هل يفهم من كلامكم هذا أنّكم تدعون الحركات الإسلامية للتراجع وإعادة الحسابات في تعاملها مع الأنظمة الحاكمة ، أم إنّها دعوة للصلح مع هذه الأنظمة ، وهل هناك إمكانية للصلح بين الطرفين ؟
•

أنا لا أدعو إلى التراجع وأقول فقط : إنّ تجربتي الخاصة كإنسان كنت ضمن الحركة الإسلامية ، أنّه لا بدّ لنا من تقصّي الحقائق قبل اتخاذ القرار ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، كما فعل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) نفعل نحن ، فالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مؤيّد بروح القدس ، ومع ذلك اختبأ في الغار وأمر أصحابه بالهجرة ، ومع ذلك هاجر من مكّة ، كلّ هذه الأساليب لا بدّ لنا أن نستفيد منها كأسلوب لنا في التعامل مع الذين لم يفهموا الإسلام ولم يستوعبوه .

وأنا أتصور أنّه حتّى لو سالت الدماء بين الطرفين ، فإنّه يبقى هناك مجال

ومنفذ للصلح ، ولكن نتصالح على أُسس تنفع البلاد والعباد ، وإذا ما توفّرت النوايا الحسنة فعند ذلك يمكن أن نقول لحكّام البلاد العربية : هذا هو رأي الله في هذه القضية ، وإذا كنتم تدّعون حكم الإسلام أن تعملوا بالإسلام الصحيح دون عنف أو تكفير ، فالذين يحكموننا من بني جنسنا ومن أبناء أوطاننا ، ولكنّهم لم يفهموا معاني الإسلام الحقيقية ، ولا بدّ لنا أن نوضّح لهم مقاصد القرآن والسنّة النبوية حتّى يعملوا بها .

•
• هل ما تدعو إليه من دعوات صلح بين الإسلاميين والسلطات الحاكمة

ينطبق على جميع الحالات العربية ؟

• أنا لا أتكلّم إلاّ عن تجربتي في ( تونس ) والحال التونسية ، أمّا الحالات الأُخرى التي تعيشها الحركات الإسلامية في العراق ومصر والجزائر وغيرها فلا يحقّ لي التكلّم باسمها ، وأهل مكّة أدرى بشعابها .

فالعراقيون أعلم بما يناسبهم في مواجهتهم للنظام العراقي ، ولا يمكن أن أتطفّل عليهم وعلى طريقة عملهم . وكذلك الحال في مصر والجزائر فلكلّ تجربة وحالة وضعها الخاصّ بها ، ولكن بشكل عام فأنا لا أدعو لمهادنة الأنظمة ، وإنّما أدعو لاختيار السبيل الأفضل في تحديد العلاقات مع هذه الأنظمة .

•
• يبدو أنّكم من أنصار العمل بمفهوم التقية في الوقت الراهن ، والتي عمل بها عدد من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولستم من الذين يدعون إلى النهج الذي اتبعه الإمام الحسين ( عليه السلام ) في تعامله ؟ أنا أُريد أن أقول بصراحة : إنّ الأئمة ( عليهم السلام ) سلسلة تكمّل بعضها البعض ، الإمام الحسن ( عليه السلام ) قام بقدر المستطاع ، ولكنّه لمّا رأى أنّه يحارب قوّة أقوى منه بكثير قبل بالصلح ، رغم أن أصحابه اتهموه بالعديد من التهم الباطلة .

أمّا الإمام الحسين ( عليه السلام ) فقضيته قضية أُخرى ، فالإمام الحسين ( عليه السلام ) كانت مسألة استشهاده مفروغ منها ، وهو يعلم بها ، وقد أعلمه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّه سيقتل منذ كان عمره عدّة سنوات ، وتحرّكه كان يستهدف تحريك واستنهاض ضمير الأُمة .

فثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليست كما فهمها بعض الناس بأنّها كانت ثورة مسلحة ضدّ نظام ظالم ، إنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) كان يعلم أنّ رأسه مطلوب حتّى ولو تعلّق بأستار الكعبة ، لذلك خرج من المدينة إلى الكوفة ، وفي الطريق يحلم أنّه

مقتول لا محال ، ومع ذلك لم يتراجع أو يتردّد في قتال يزيد ، لأنّه كان يعلم أنّ يزيد يريد أن يذّله ، لذلك قال قولته المشهورة " يخيّرني ابن سميّة بين السلة والذلة ، فهيهات منّا الذلة ، يأبى ذلك الله ورسوله والمؤمنين " ، فقرّر أن يموت عزيزاً وشهيداً في سبيل الله والإسلام .

فالأئمة كلّهم ( عليهم السلام ) نصحوا أئمة الجور .

وهكذا كان دور الإمام علي ( عليه السلام ) مع الخلفاء ، ومع ذلك فإنّ كلّ أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا ثوريين ، ولكن لكلّ وقت وظروف أسلوبه الخاصّ ، ولا بدّ أن نواجه الحكام والطغاة بالأساليب التي واجههم بها أئمتنا ( عليهم السلام ) .

وأخيراً فلا بدّ من التأكيد بأنّي لست من الذين يميلون ويدعون إلى التقية في كلّ الأحوال والظروف ، أنا أقول إنّنا كمسلمين علينا أن نكون مجاهدين وقت الجهاد ، ومتّقين في وقت التقية ، ان نضحّي بالغالي والنفس في وقت ينفع الإسلام ، وأن نكون من الصابرين في وقت ينفع الصبر . . . (1).


1) - " جريدة كيهان العربية ، العدد 3351 ، السنة الثالثة عشر ، السبت 5 محرم 1414 ه‍ " .

مقابلة مع جريدة " العصر " الكويتيّة

تحت عنوان " رجل اصطفاه الله للدفاع عن أهل البيت : "

•
• اشتهرت بالحوار في مجال التقريب ، وفي مجال ردّ الشبهات في ما بين المذاهب الاسلامية ، فهل وجدت أن هذا الحوار كان ناجحاً ؟ وإذا لم يكن كذلك فما هي أُسس الحوار الناجح ؟
•

قبل كلّ شيء أنا من دعاة الحوار ، لأنّ الحوار في الحقيقة عقيدة أو جزء من عقيدتنا التي جاء بها القرآن الكريم ، كما أنّه أساس المعرفة .

الله سبحانه يقول في كتابه العزيز : * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) * (1)والمقصود بكلمة ( لتعارفوا ) هو الحوار ، إذ لا يمكن أن نتعارف بلا حوار ، وأنا أعتقد بأن الذين يريدون لهذه الأمة إنّ تبقى متفرّقة ومشتتة هم الذين منعوا الحوار .

نعم أقول : إنّ الحوار ضروري ومنه ينبثق النور ، وكلّما حاورت كلّما قربت من الطرف المقابل ، ولذلك شاركت في الحوار الذي أقيم في لندن في رمضان العام الماضي مع قناة المستقلة ، ولكن تبيّن إن من كنّا نحاورهم يمّثلون أنفسهم ، وأنهّم لم يأتوا للحوار البنّاء ، ونحن بدورنا جئنا للبناء وللوحدة ، وعلى الأقل أنا كشفت لهم عن فتوى للإمام محمود شلتوت رئيس الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية في عهده الذي أفتى بأنّ مذهب الشيعة مذهب إسلامي حقيقي ، فلماذا أنتم تنكرون هذا ؟

نحن لم نكفّر أحداً ، ونبحث دائماً وأبداً عن الحوار البناء الذي يبني ولا


1) - الحجرات (49) : 13 .

يهدم ، الذي يجمع ويقرب ولا يفرق ولا يبعد .

وبالعكس نحن بحاجة إلى هذا الحوار للمّ الشمل ; لأنّه إذا كان الله والرسول قد أمرنا من قبل بأن نتحاور ، فلماذا نهرب نحن من الواقع !

•
• تحدّثتم عن الوحدة الإسلامية ، ترى كيف يمكن تحقيقها على الرغم من وجود خلافات بين المسلمين ؟
•

الخلافات هي خلافات بشريّة اقتضتها السياسة والظروف من عهد الدولة الأموية والعبّاسية والعثمانية ، وليس هناك خلاف في كتاب الله ولا في سنّة رسوله ، وكلّما ازددنا بعداً عن التاريخ الإسلامي كلّما ازددنا تفرقاً ، لأنّه إذا رجعنا لتاريخنا وأصولنا وقرأنا كتاب ربنا وسنّة نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، واتفقنا على الأصل الصحيح منها ، فسوف نتحد ونتوافق ، والله سبحانه يحب الجماعة ويحب أن يكون الناس - على الأقل المؤمنين منهم - أمّة واحدة بقوله سبحانه : * ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) * (1).

أنا دائماً وأبداً أينما حللت وارتحلت أدعو إلى الوحدة الإسلامية ، ولكن أقول صراحة : إنّ الحقّ أحقّ أن يتبع وما على الرسول إلاّ البلاغ : لقد قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما قال وهو الذي دعا المسلمين إلى هذه الوحدة : " تركت فيكم ما إنّ تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنّ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً " ، فنحن لو تمسّكنا بكتاب الله وأهل البيت ( عليهم السلام ) لاتّحد المسلمون ولقلّت هذه الخلافات وهذه المشاكل .

•
• لقد درستم في مدينة النجف المقدّسة فترة من الزمن ، فما هو إنطباعكم

1) - آل عمران (3) : 103 .

عن الحوزة العلمية هناك ؟

• كنت أذهب إلى النجف الأشرف في العطلة الصيفية ثلاثة شهور ونصف كلّ سنة ، حيث كنت أقضيها في الحوزة العلمية مع المراجع الكبار والعلماء ، وأتنقّل بين البيوت الخاصة بالعلماء والمراجع ، أستفيد منهم في جلساتهم الخاصة مع طلبتهم .

وقد أبهرتني طريقة الدراسة في الحوزة ، وأعجبت بها ، وتمنيّت لو سمحت لي الظروف لرجعت لأثني ركبي من جديد وأتعلّم من جديد في الحوزات العلمية ، ولكن الظروف بالنسبة لي غير مواتية ، فاكتفيت بحمد الله بما حصلت عليه من هؤلاء الأفذاذ وهؤلاء المراجع الكبار ، وتكوّنت لي الكثير من المعلومات الدينية والفقهية بصورة عامة .

•
• كيف وجدتم المنتديات والديوانيات في دولة الكويت ؟
•

لقد انشرح صدري لمّا رأيت ما لديكم هنا بالكويت من جلسات بالديوانيات ، وأتمنى أن تستغل الأوقات التي يقضيها الناس في هذه المجالس وبالأخص الليالي الرمضانية في دراسة القرآن الكريم وتنظيم ندوات ومناقشات باستمرار ، كما أتمنى أن يتمّ تقليل الحكايات فيها وترك التجارة للنهار على الأقل ، إمّا في الليل فقد قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يحرم السهر إلا في ثلاث : تهجّد بقرآن ، أو علم ، أو عروس تزف إلى بعلها " ، أمّا غير ذلك فهو حرام ، إذا لتكن السهرات في طاعة الله ليكتب لكم أجر وتكونوا من العابدين وبالأخص في شهر رمضان .

(2) محمّد الصغير السندي( مالكي / تونس )

الصورة

F02

ولد " محمّد الصغير السندي " بمدينة السند عام 1376 ه‍ ( 1957 م ) في تونس ، وقد نشأ في أوساط عائلة محافظة فكان متدّيناً يحبّ العبادة منذ الصغر ، أما حصيلته الدراسية فهو في المرحلة الرابعة من الدراسة الثانوية المهنية .

الاستغراب من استبصار أحد أقربائي :

لتعلّق " محمّد الصغير السندي " بالدين فقد كان كثير التردد على المساجد ، فيسمع الخطب والمواعظ و . . فيزداد إقباله على هذه الأماكن وهذه الأجواء ، وهذا ما جعله يتتبع - في بعض الأحيان - المناقشات والمناظرات التي تدور بين الاشخاص بين فترة وأخرى ، وكانت محاورها في مجالات العقائد ، الفقه ، التفسير . . ، فنشأ يعتقد ما يعتقده السواد الأعظم من المسلمين في تونس - وأكثرهم مالكية - من تقديس لما في الصحاح من أخبار وروايات ، مما ترك في نفسه محبّة للصحابة ولأهل البيت ( عليهم السلام ) خصوصاً فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

وفي أحدى الأيام التقى بأحد أقربائه - وكان قريبه هذا قد استبصر منذ فترة - فدار بينهما حوار حول عدّة مسائل ، منها : عقائد الفريقين ، فجعله هذا الحوار

يتأمّل ويفكّر ويطلب المزيد لأجل التعرّف أكثر على مذهب التشيّع .

مظلومية الزهراء ( عليها السلام ) مَن الظالم ؟ ؟

يقول " محمّد " : بعد سفر الأستاذ التيجاني إلى النجف الأشرف ولقائه بالمرجع الديني السيّد الخوئي والشهيد الصدر ( رحمهما الله ) ، وعودته إلى تونس ، وكان قد استبصر ، وأحضر معه كتباً وأشرطة تتحدّث عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وعقائد أتباعهم وتاريخهم وما جرى عليهم ، وقد أثّر بي أحد أشرطة الكاسيت ، وكان عبارة عن محاضرة للخطيب الشيخ الوائلي يتحدّث فيها عن مظلومية فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ومما جرى عليها من الصحابة .

فلقد كان لما ذكره الشيخ الوائلي وقع يشبه الصاعقة على قلبي ، لأنّنا كنّا نتصوّر أنّ هذه المرأة هي امتداد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفيها تنحصر ذرّيته ، فكيف يتصرّف القوم معها بهذا الشكل الدنيء ؟ !

وأخذ يكرر سماع الشريط ، وفي كلّ مرّة يبكي هو ومن معه ، سواء كانوا مستبصرين أم لا فالحادث مؤلم ومر ، فهذه بضعة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمّ العترة الطيّبة .

بحث ومتابعة :

بدأ " محمّد الصغير " ببحث واسع في كتب أهل السنّة لأجل الوصول إلى الحقيقة ، ووجد الطامة الكبرى عندما تأكّد من جرأة القوم على دار الزهرا ( عليها السلام ) ، وإقتيادهم للإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . . ، كما حيّره بحث الخلافة ، إذ وجدها مرددة بين النص والشورى والانتخاب ، ففي كلّ مرّة ضابط ! كما أنّ الفقه السني والتهافت الواضح ، والاختلاف البيّن في مسائله ، فالشوافع يرون ما لا يرى غيرهم ، وكذا الأحناف يحللون ما يحرّمه غيرهم ، وقس على ذلك الموالك والحنابل ، وكلّهم يدّعي أخذه الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ثمّ عدل إلى ما متوفّر من مصادر الشيعة وأخذ يقارن ، وإذا به يرى أنّ الحقّ

معهم ، ولا وجود للعثرات والثغرات في عقائدهم وفقههم و . . ، وهكذا بدأت الفكرة تتبلور لديه باعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الإعجاب بكتاب نهج البلاغة :

أخذ " محمّد الصغير " يكوّن لنفسه مكتبة في بيته تحوي مختلف الكتب ، وكان أوّل كتاب اشتراه ليضعه فيها هو كتاب نهج البلاغة الحاوي لخطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والسبب في ذلك هو أنّه أعجب به أيّما إعجاب ، وكذلك للردّ على السنة الذين يقولون : إنّ هذا الكتاب موضوع باسم علي بن أبي طالب ، والخطب ليست له ! !

مرحلة الاستبصار :

وهكذا توالت الكتب ، وبدأ بالقراءة المعمّقة ، حتّى انكشفت له الحقائق . . ، وعرف بأنّ الإمام علي إمام وخليفة بنصّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا " (1).

وبيعة أبي بكر فلتة قال عمر : " كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله المسلمين شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " (2).

وحقائق أخرى ، فقرّر ترك ما كان يعتقد ، وهجر المذهب المالكي ، وتحوّل إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) - تاريخ الطبري 2 : 63 ، راجع : الغدير : 2 : 279 .

2) - السنن الكبرى النسائي 4 : 272 ، النهاية في غريب الحديث 3 : 419 .

(3) محمّد العربي( سنّي / تونس )

ولد 1379 ه‍ ( 1959 م ) في جرجيس ( الجنوب التونسي ) ، واصل دراسته حتّى أكمل دراسة كلية الفنون الجميلة ، نشأ في أجواء سنّية المذهب صوفية الطريقة ، وكان يحضر حلقات الذكر ، استبصر عام 1400 ه‍ ( 1980 م ) على أثر البحث والحوار مع الدكتور التيجاني السماوي .

الفتنة نائمة لاتُيقظها :

كان " محمّد " يحضر حلقات الذكر التي كان يبحث فيها عن أذكار الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بداية البعثة إلى وفاته حتّى وصلوا إلى ما يسمّى بالفتنة الكبرى ، وعلّة وقوعها وحدوثها .

وهنا قطع الشيخ كلامه وقال : نغلق هذا الباب وننهي الحلقة هنا .

فسألته : لماذا يا فضيلة الشيخ ؟

فأجاب : إنّ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها !

فقلت له : لا يمكن أن نؤمن بشيء أو نعتقده إلاّ بعد دراسة وبحث ، وغربلة وتمحيص .

فقال الشيخ : إذا دخلتم في هذا الباب فسوف ينتهي بكم هذا البحث إلى

الكفر ، وسوف تظلمون صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هنا انتهت الحلقة وخرجنا كلّ إلى بيته .

التعرّف على طالب إيراني :

قررّ " محمّد " مواصلة البحث بنفسه فذهب إلى مكتبة جامع الزيتونة ، وبدأ بالقراءة حول موضوع الفتنة الكبرى ، ثمّ تعرّف على طالب إيراني يُدعى " محمّد البنهاني " يدرس في جامعة " بورقينة " سكول للغات الحيّة ولم يرغب " محمّد العربي " في البداية أن يحاور هذا الطالب ; لأنّه شيعي ! ولكنّه ضغط على نفسه ، وتحمّل لقاؤه وتحاور معه أوّلاً حول الشبهات التي كانت عالقة في ذهنه حول التشيّع ، فوجد معظم ما يعلمه عن التشيّع مجرّد افتراء وتهم ألصقها المخالفون للشيعة ; لتكون مانعاً تحجب الناس عن البحث حول فكر وعقيدة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

اللقاء مع الدكتور التيجاني السماوي :

تعرّف " محمّد العربي " عن طريق الطالب الإيراني على الدكتور التيجاني السماوي ، وكان هذا حوالي عالم 1977 م ، وحاول الطالب أن يجمعهما ، ولمّا التقيا أهدى الدكتور التيجاني مجموعة من الكتب " لمحمّد العربي " ، وتحاور معه حول مختلف المواضيع العقائدية والتاريخية حتّى وصل " محمّد " إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، واستمر بحثه مدّة ثلاث سنوات حتّى أعلن تشيّعه عام 1400 ه‍ ( 1980 م ) .

كلمة إلى كلّ شاب إسلامي :

يقول " محمّد " : أقول إلى كلّ الشباب الإسلامي في العالم : لا تأخذوا الأمور على عواهنها ، ولا تجعلوا إيمانكم مثل إيمان العجائز ، ولا بدّ من البحث والتحقيق

والتدقيق في كلّ المسائل .

أنا أقول : أيّها الأخوة لا تجمّدوا عقولكم ، اجعلوا عقولكم كلّها حركة وتفكير إلى يوم المصير .

مواصلة طلب العلم :

سافر " محمّد العربي " إلى الحجاز لأداء مناسك العمرة في شهر رمضان 1997 م ، ثمّ سافر إلى سوريا لزيارة مقام السيّدة زينب ( عليها السلام ) ، وبعد مجيئه إلى سوريا أحبّ البقاء فيها لدراسة العلوم الإسلامية في الحوزات الشيعية .

يقول " محمّد " : وفعلاً توفّقت والحمد لله في دخول الحوزة لإكمال بحثي عن الحقيقة ، ولا زلت أمكث في سوريا لمواصلة الدروس بشكل حرّ ، وأعمل بعض الأعمال الحرّة حتّى أتمكّن من دراسة علوم آل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان من ضمن أعمالي الحرّة رسم لوحات فنّية باعتبار أنّ دراستي كانت في كلية الفنون الجميلة في تونس ، وكانت لوحاتي تأخذ صبغة دينية عقائدية لتأثّري بالتشيع ومدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) (1).


1) - اقتبسنا معلومات هذه الترجمة من كتاب المتحوّلون ، هشام آل قطيط 3 : 203 - 210 .

(4) محمّد الرصافي المقداد( مالكي / تونس )

الصورة

F03

مرّت ترجمته في ( 3 : 203 ) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلى ما حصلنا عليه من معلومات لم تُذكر من قبل .

بعد تجلّي الحقائق ل‍ " محمّد الرصافي " أخذ على عاتقه مهمّة تبينها ونشرها في أقطار العالم من خلال نشر المقالات حول أهم المسائل المطروحة في الساحة العقائدية ، وقد أرسل مقالاته إلى مركز الأبحاث العقائدية من أجل طبعها ونشرها .

كما أنّه ألّف العديد من الكتب التي سيطبعها مركز الأبحاث العقائدية قريباً .

من مؤلّفاته :

1 - نعم لقد تشيّعت وهذا هو السبب .

2 - بيّنات من الهدى .

وقفة مع كتابه " بينات من الهدى " :

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات ، كتبها المؤلّف في أوقات مختلفة ، وبعثها إلى مركز الأبحاث العقائدية من أجل طبعها ونشرها ، فقام المركز بمراجعتها وتصحيحها واخراجها في كتاب سماه بيّنات من الهدى .

وتوضّح هذه المقالات عقائد الشيعة وتبيّن معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، مع

دراسة مقارنة بين عقائد الشيعة وعقائد مذهب أهل السنّة وجاء في بداية هذا الكتاب :

تشكو المجتمعات الإسلامية عموماً من نقيصة سيّئة ظلّت ترافقها منذ زمن طويل ، وهي شدّة اهتمامها بالمحسوسات ، وإهمالها للغيبيات ، وبمعنى أدقّ انجذابها للدنيا وتباعدها عن دينها .

ففي أكثر نواحي حياة أفرادها نجدهم يولون اهتماماً مفرطاً إلى البهرج والزينة ، يتحسسون فيهما أنجح الصفقات ، وأقوم المكسب ، وأجود المتاع ، وألذ المأكلّ قد يقضي هؤلاء أكثر أوقاتهم من أجل تحصيل شيء زائل ، وفي كسب مطلب لا يستحق كُلّ ذلك الجهد والاهتمام والوقت ، لكنّك إذا التفت إلى علاقاتهم بدينهم وأسباب بلوغ رضوان الله تعالى في الآخرة ، لا تجد منهم نفس الاهتمام والرغبة واللهفة والجهد ، بل لا تكاد تجد شيئاً من ذلك كلّه عند أكثر أفراد الأمة ، ولا دليل أسوقه هنا أوضح من انصراف أكثر الصحابة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يخطب في صلاة الجمعة ، ليجتمعوا بدحية الكلبي وما أتى به معه من تجارة .

ولئن عبرت تلك الحادثة عن سطحية عقيدة المنفضين عن الله تعالى إلاّ أنّها في نفس الوقت أشارت إلى أنّ الدنيا يبقى لها أثر لا ينمحي من أكثر النفوس حتّى ولو كانت متصلة بأفضل الأنبياء والمرسلين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ويبقى عامل الدنيا هو المؤثر في عموم الناس ، ولكن يمكن تغييره ليكون في صالح الدين . . .

وهي قلة المطالعة ، وانصراف همّة أفرادها عن تحصيل المعلومة ، إلى درجة الاتّكال على الغير في أخذها وتلقّفها .

وهذه الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث بقدر ما هي قديمة قدم مؤسسيها من القصاصين والوعّاظ والرواة من اليهود ، قرّبتهم الأنظمة آنذاك ، ووسعت لهم

في مجالسهم ; ككعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وعبد الله بن سلام ، الذين وجدوا أمامهم مجالاً لتمرير أفكارهم المسمومة وعقائدهم المحرّفة ، ولولا حزب النفاق الذي كان المؤسس الأوّل لوظيفة القاصّ لما كان لهؤلاء وجود داخل منظومتنا الخاتمة ، ولا كان لهم أثر سلبي على جانب من الروايات التي تمسّ بجوهر الدين وعقيدته ، وكان الوضع الاجتماعي والعلمي للأُمّة في ذلك الوقت دافعاً إلى تلك النتيجة ، بحكم قلّة الكتب ، وانعدام توفّرها ، وتعسّر وصول طالبي العلم إليها ، لأنّها نسخ معدودة بعدد أصحابها ، الأمر الذي أوجد في أفراد الأُمّة عقليّة التواكل ، والعزوف عن تحصيل المعلومة لضنين مواردها ، وفسح المجال من جهة أُخرى إلى الطغاة والظالمين ليمرروا سياساتهم الهدّامة ، وأفكارهم المريضة إلى عقول الأمّة بعناوين إسلامية .

وعوض أن يتفطن الناس إلى ما دُبّر لهم من تضليل وتجهيل إلتفّوا حول أولئك الذين اشتروا آخرتهم بدنيا زائلة لا محالة ، فأعطوهم نوافذ عقولهم وأفئدتهم ، وأصغوا إليهم بجوارحهم إصغاء الأبله المريض ، بينما كان القصاصون من الجهة المقابلة يدسّون السمّ في الدسم ، وينشرون ما يقوي الظالمين ، ويشدّ أزر سلطانهم ، فلم ينتبه إلى الحق إلاّ القليل ، ومضى الأمر على ذلك النسق زمن طويلاً ، تربّت فيه الأجيال على ثقافة مشوشة بالكذب والبهتان والزور ، وجاء عصر التدوين ، فكتب حق وباطل ، أثبت بعد ذلك ، ثُمّ وصف بالصحة ، ونودي عليه بالسلامة والنقاوة ، وسُمّي سنّة نبويّة ، ولو علم الناس انقطاعه عن زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما أخذوه وعملوا به .

ولا يفوتني في هذا المقام أن أستحضر مقالة للإمام علي ( عليه السلام ) ، تحدّث فيها عن أصناف رواة السنّة النبويّة المطهّرة استكمالاً للفائدة المرجوّة من وراء ذلك إذ يقول ( عليه السلام ) :

" إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً

وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، ولقد كُذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على عهده حتّى قام خطيباً فقال : من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس :

رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنع بالإسلام ، لا يتأثّم ولا يتحرّج ، يكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) متعمداً ، فلو علم الناس أنّه منافق كاذب ، لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ، ولكنهم قالوا صحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، سمع منه ولقف عنه ، فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثُمّ بقوا بعده - عليه وآله السلام - ، فتقربوا إلى أئمة الضلالة ، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان ، فولوهم الأعمال ، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله ، فهو أحد الأربعة .

ورجل سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شيئاً لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ، ولم يتعمد كذباً فهو في يديه يرويه ويعمل به ويقول : أنا سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه ، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه .

ورجل ثالث سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شيئاً يأمر به ، ثُمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثُمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم الناس إذ سمعوه أنّه منسوخ لرفضوه .

وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفاً من الله ، وتعظيماً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه ، لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنب عنه ، وعرف الخاصّ والعامّ فوضع كُلّ شيء موضعه ، وعرف المتشابه ومحكمه . . . " (1).


1) - شرح نهج البلاغة للشيخ محمّد عبدة 2 : 188 - 190 .

لقد كان للعامل السياسي في تفشي ظاهرة الكذب في دين الله تعالى الأثر الأكبر ، مضافاً إلى ذلك الإجراء الظالم في منع تدوين الأحاديث النبوية ، والذي استمر أكثر من قرن ونيف ، حتّى إجازة التدوين - التي صدرت من عمر بن عبد العزيز ، وبوشر العمل بها بعده - كانت مقيدة ومخصوصة ، بحيث لم تشمل جميع من له صلة بالرواية والفقه ، وإنّما تعلّق الأمر بالمقرّبين من البلاط الأموي ، بينما أُقصي غيرهم باعتبارهم مناوئين للسلطة .

وإذا نحن استعرضنا من جانب آخر تشجيع الأمويين - وعلى رأسهم مؤسّس سلطانهم معاوية بن أبي سفيان الطليق - بعض الصحابة كأبي هريرة ، والمغيرة بن شعبة ، وسمرة بن جندب ، وعمرو بن العاص ، وإغرائهم بالأموال والأعمال ، للكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، في عصر ما زال التدوين فيه بعيداً عن الحصول ، تكونت لدينا فكرة ثابتة وصحيحة ، عن الظروف والأوضاع التي مرّت بها السنّة النبوية التي هي بين أيدينا الآن ، أخصّ بالذكر منها ما هو متعلق بما يُسمّى ب‍ ( الصحاح ) والمسانيد ، وبقية الكتب الروائية عند بني مذهبي الذين كنت منهم .

وعلى ذلك حصل لدينا يقين بأنّ الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض لا يمكنه أن لا يكون إلاّ حكيماً دائماً ، ومكمّلاً دائماً ، ومتمّاً دائما ومحسنا دائماً ، فقد جعل لمسألة حفظ دينه بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مستحفظاً يذب عنه تحريف الضالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، وهو الإمام المبين ، ومن عنده علم الكتاب ، باب مدينة علم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والهادي إلى سبيل الله تعالى من بعده ، وثقل القرآن وعدله ، الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الذي لو تأمّلت سيرته ، بما فيها من تضحيات في سبيل الحق ، وبذل للمهجة من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونوره المبين ، وتتبعت كلامه الذي قال عنه جهابذة اللغة وأرباب البلاغة : " إنّه دون كلام الله تعالى وفوق كلام البشر " ، واستقصيت دعاءه الذي لم

يشهد له الناقلون مثيلاً من حيث العمق المعنوي ، والقوّة البلاغيّة ، والتناسق الفكري ، والبناء العقائدي ، ونظرت إلى من كان حوله من أصحابه واتباعه ، والتفت إلى من ناوءه وظلَمه وحارَبه وهضم حقه ، تأكّدت أنّ الحق أبلج كالنور ، وأعلى كالقمم الشماء ، فليس بعد الحق إلاّ الضلال المبين .

إنّ الإسلام دين خاتم جاء ليصحح ما حرّف من رسالات سابقة ، وليقوّم اعوجاج مسار البشريّة ، ويوجهها جميعاً إلى التوحيد الخالص الذي لا شرك فيه ، وأعني بذلك فصل الدين عن الحياة ، واعتبار أنّ الدين شيء والسياسة شيء آخر .

لقد شرّع المولى تعالى دينه الخاتم ليشكل به خلاصة الرسالات السابقة ، فهو مجموعة من الأحكام التي تتعلّق بعلاقة الفرد مع خالقه ومع غيره من البشر والكائنات ، وهذه المنظومة تحتاج لاستمرارها إلى أداة تنفيذ وحفظ تكون من جنس التشريع ، والقول بغير هذا كلام غير مبني على أساس ، ولا يستند على دليل منطقي .

نقطة الخلاف الأساسي بين المسلمين اليوم - بصرف النظر عن بعض الخلافات في التوحيد والنبوة - هي نظام الحكم في الإسلام ، علينا أن نبحث بما توفّر لدينا من نصوص عن أصحاب الرأي الأصح ، والحجّة الأقوى ; لنكون معهم يداً واحدة بها يتجدّد الدين ، ويقوم أساسه الأول وهو ( الإمامة ) .

عليك أيّها المسلم الرشيد أن تعيد حساباتك جيداً ، وتبحث بين ذلك الركام الذي وصلنا عبر قرون طويلة ، استطال فيها الظلم والبغي ، حتّى أصبح ديناً يتعبّد به الناس ، فتخير سبيل الرشاد ، واُنظر لنفسك من ستقدم ، يوم يدعو الله تعالى كُلّ أناس بإمامهم ، وأسأل الله تعالى العون على ذلك ، مخلصاً له في كُلّ حركة تقوم بها ، وتأكد أنّه لن يتركك سدى .

وقفة مع كتابه " نعم لقد تشيعت وهذا هو السبب " :

يتضمّن هذا الكتاب مجموعة حوارات بعض المستبصرين مع أهل السنّة ، منها :

حوار حول أسباب تشيّع هؤلاء :

التقيت بهم على غير موعد ، فقد كانوا تعوّدوا على الالتقاء في مكان واحد ، يتحسّسون فيه الأُلفة والأُنس ، وتبادل الرأي ، وتمتين رابطة الإخوّة ، وأواصر الصداقة ، في عصر قلّت فيه الإخوّة وهُجرت الصداقة قلوب أغلب الناس ، وانعدم الشعور بالراحة والأُنس والطمأنينة اتجاه الآخر ، ولم يعد للرأي والمشورة نصيب ، حتّى الدين الذي له من القداسة والخشية في القلوب ، لقي من العنت والتطاول ما جعل الجرأة عليه أكثر من أيّ شي آخر ، وقد كان للحكّام العرب على مرّ التاريخ دور كبير في إضعافه ، وتحريف بعض أحكامه وتعطيل البعض الآخر ، وكان الناس في ذلك تبعاً لهم ، إلاّ قليلا من المؤمنين ; لأنّ أغلبية البشر عبيد الدنيا ، وقد قيل : يؤخذ بالسلطان ما لا يؤخذ بالقرآن ، والناس على دين ملوكهم .

إذاً في عصر طغى فيه الاستبداد ، وعمّت الأنانية حتّى ذهبت بفلسفة الخلق وطبيعة النشأة ، فلم يعد يعني لوجود الإنسان الذي كرّمه الله تعالى ، وفضّله على سائر مخلوقاته غير المظاهر المادية ، وعلامات الترف والاستعلاء على الآخرين .

وسط تلك الأجواء كان اللقاء . . وكان التعارف ، من أجل إحياء الروح الإيمانية التي تكاد تتلاشى من مجتمعاتنا الإسلامية ، ومن أجل صياغة الفرد المؤمن ، وبناء علاقة أساسها الحبّ في الله تعالى والبغض في الله ، وما الدين في جوهره وحقيقته إلاّ تولّياً وتبرّياً ، ولم توجد على مرّ تاريخ البشريّة نماذج كثيرة من هذه العلاقات ، إذ استثنينا حركة المعصومين في مجتمعاتهم - وأعني بهم الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) أو مجالات تحرّك المرجعيات وعلماء الأُمة رضوان الله

تعالى عليهم .

وطبيعي في هذه الحالة أن ينتابني شعور من الغبطة والاعتزاز والرضى وأنا أرمق تلك الوجوه المحيطة بي ، قد زانها الله تعالى بنور الإيمان ، وأسبغ عليها من فضله في إدراك ما لم يهتد إليه آخرون .

توجّهت في مفتتح اللقاء بسؤال عام وجّهته للجميع ، ليتحدّثوا عن السبب الذي دفع بهم إلى الخروج عن معتقد المجتمع وموروث الأُسرة ، والانتقال إلى فضاء اعتقادي آخر ، يختلف في بعض تفاصيله ، وكثير من بواطنه عمّا كانوا يتعبّدون به سابقاً ، الغاية واحدة والأسباب كثيرة ، متنوعة بتنوع عقول الناس وأفئدتهم ، والنهج التعبدي الجديد امتلك من قوّة الدليل بحيث تنوّعت وتعدّدت أدلّته على أحقّيته في أن يكون له وحده الحقّ في أن يكون عنوان الإسلام المحمدي الصافي من كلّ الأدران التي أحكمت طوقها وأسرت جمعها ، ورمت بهم إلى الشبهة والظنّ والهوى قامعة إياهم بمقامع الظالمين .

رأيت أن أجعل أسباب تشيّع هذه الثلّة ، موضوع هذه الدراسة لعلّها تكون الدافع القوي لمن لم يطلع على العلل التي دفعت بكثير من المسلمين إلى تحريك عقولهم نحو نور الإيمان الحقّ ، نور محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفاطمة وعلي والحسن والحسين والأئمة التسعة الأطهار من ذريّة الحسين ( عليهم السلام ) ، منهم فاضت معالم الدين الحقّ على المؤمنين . . .

شيّعتني الحجج التي في كتب السنّة المعتمدة :

وكان أحد المستبصرين يدعى حسن قبل أنْ يعتنق خطّ الشيعة الإمامية الاثني عشريّة مثلي ومثل بقيّة الإخوة المؤمنين مالكيّاً أشعريّاً ، لم يكن معتقداً إسلاماً آخر صحيحاً غير الذي كان يعتنقه ، وقد عمّقت قناعاته ما كان يتلقّاه من معلومات عن بقيّة الفرق والمذاهب خلال الدرس في مادة التربية الإسلاميّة ،

والتي كتبت بأقلام جرى فيها حبر التعصّب الأعمى ، وتلوّنت بشتّى الافتراءات والأكاذيب التي لفّقت من أجل إطفاء نور الإسلام الحقّ ، مضافاً إلى التربية التي تلقّاها على ذلك الأساس ، والتي لم تسمح له بالالتفات إلى بقيّة الاتجاهات الإسلاميّة والتمييز بينها .

في إحدى التظاهرات التي كانت تقام هنا وهناك على الساحة التونسيّة ، بمناسبة يوم الأرض ، واليوم العالمي لحقوق الإنسان ، وغيرها من المناسبات التي يتجنّد المثقفون التونسيون لإحيائها داخل أسوار الجامعة ، من أجل الإبقاء على نفس المبادئ ، داخل وجدان الطلائع المؤمنة بها ، التقينا على مائدة الحوار الإسلاميّ ، إسلاميّاً ، باحتشام ومداراة شديدين ، ولولا علاقة الجيرة التي كانت تربطنا ببعض ، لما أمكن لنا أن نلتقي في ذلك الحوار الذي وقف في وجهه قياديّوا النهضة ، وشدّدوا على منع عناصرهم من الانخراط فيه ، أو حتّى الاقتراب منه بأيّ شكل من الأشكال .

أتذكر أنّه في تلك الفترة التي بدأت الدعوة إلى التشيّع تظهر على الساحة ، وفي أماكن معدودة ، ومن طرف عناصر لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، بدأت قيادات النهضة في ترويج كتب إحسان إلهي ظهير ، التي كان يراد بها تكفير الشيعة ، وإخراجهم عن الإسلام ، وتنفير المسلمين منهم ، في محاولة لنسف أسس الدعوة إلى فكرهم ، وغلق الطرق المؤدية إليهم أمام عناصرها الإسلاميّة ، وذلك لمّا رأوا أنّ أعناق بعض منتسبيها بدأت أياديها تمتدّ إلى كلّ ظاهرة إسلاميّة ، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران .

بحكم تواجدي داخل أسوار الجامعة ، وفي كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة ، حضرت في أحد الأيّام مناقشة بين زميلين ، أحدهما شيعيّ وكان داعية إلى التشيّع ، والآخر سنيّ من خطّ النهضة ، وبقدر ما كان النقاش محتدما وحامياً بين الطرفين ، بقدر ما كان غير متكافىء ، وقفت فيه على حقيقة قلبت مجرى اعتقادي

رأساً على عقب .

في البداية كنت مأخوذاً بالتهم التي ساقها السنيّ النهضوي ، ليضع التشيّع بما اشتمل عليه وأهله في موضع المتجنّي على الإسلام ، لكنّني وبمرور الوقت ، بدأت أشعر أنّ هناك منطقاً آخر وحجّة تغازلان عقلي ، وتدفعانه نحو اكتشاف الحقيقة والوقوف عليها .

لم أكن أعلم أنّ الشيعيّ كان من حركة النهضة ، ولما التقى بأحد الدعاة الشيعة اقتنع بالطرح الذي قُدِّم له ، واعتنق الفكر الشيعيّ الاثني عشري ، وطبعاً لم يكن ذلك ممكناً من لقاء واحد ، أو من خلال بحث واحد .

كانت أولى مقالات الزميل السنّي متعلقة بتحريف القرآن ، فقال : إنّ من أقوى البراهين التي استُدلّ بها على بطلان مذهب الشيعة هو قولُهم بتحريف القرآن ، وجلّ علمائهم يدينون بذلك ، وكتبهم ملئى بالروايات التي تقرّ بالتحريف .

فقال الزميل الشيعي : أظنّك قد استقيت ذلك من كتاب إحسان إلهي ظهير " الشيعة والقرآن " ، ومن بعض الأقلام المشبوهة التي لا يعرف لها أصل من فصل ، لأنّني لم أعثر على مفسّر واحد من مفسري الشيعة يعتقد بتحريف القرآن ، ويدين به ، ناهيك أنّه خلاف قوله تعالى : * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) * (1)والقرآن الذي تعرفه وتتلوه وتصلي بسوره وآياته ، ويباع في المكتبات ، ويلقن في الكتاتيب ، هو نفسه القرآن الذي يدين به الشيعة منذ أن وجدوا ، ولم يخرج على الناس مفسر واحد منهم بغير ما هو متعارف عند جميع المسلمين ، ولو كان الأمر كما تدّعي ، لانتهى أمر الشيعة بهذا الادّعاء المنحرف .

قال السنّي : إحسان إلهي ظهير تحدّث عن أكبر حُفّاظ الشيعة ، ورأس رواياتهم الشيخ الكليني ، الذي أخرج عدداً من روايات التحريف .


1) - الحجر (15) : 9 .

قال الشيعيّ : إنّ الشيخ الكلينيّ أخرج تلك الروايات لسبب واحد ، هو الأمانة العلمية التي حتّمت عليه نقل تلك الروايات ، لكنّه من الجهة الاعتقاديّة لم يكن مطمئنا لها ، فأفرد لها باب في كتابه الكافي سماه باب النوادر ، وقد درج الشيخ الجليل على تخصيص باب للنوادر في كلّ أبواب الفقه ، وهي خاصيّة تميّز بها عن غيره من علماء ( السنّة ) كالبخاري ومسلم وغيرهما ممّن أخرج روايات التحريف في القرآن ، وأدرجوها في أبواب الفقه دون حيّز ولا فصل ، والاعتقاد بالزيادة أو النقيصة في القرآن اعتقاد واحد ، وأزيدك أكثر ، عندما نرى في عصرنا الحاضر أنّ الله تعالى دافع عن الشيعة في مسألة تحريف القرآن ، وكيف لا يفعل وهو الذي يقول : * ( إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور ) * (1)فقد ظهر من أبناء الشيعة هذه السنوات أطفال صغار السنّ حفظوا القرآن حفظاً عجيباً لم يأت الزمان بمثله ، فمن إيران الإسلاميّة إلى العراق ، خرج علينا براعم في عمر الزهور ذكوراً وإناثاً بعجيب حفظ ، أذهل العقول وأثار الغرابة ، وألقم الذين نسبوا إلى الشيعة تحريف القرآن حجراً لو كانوا يعقلون ، فإذا كان الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن فلماذا يتعهدونه ويحفظونه لناشئتهم ؟ ولماذا يزيدهم الله تعالى من فضل رحمته بحفظ لم يعهده أحد من الناس ؟

قال السنّي : إذاً ، فمن أين جاءت تهمة التحريف التي رُمي بها الشيعة ؟

قال الشيعي : إنّ نسبة التحريف التي جاء بها أهل الافتراء والكذب على الشيعة ، لا أصل لها في حقيقة الأمر ، كلّ ما يمكنني أنْ أفيدك به في هذا المجال ، هي كلمة قالها الإمام أبو عبد الله جعفر الباقر عن المخالفين لخطّ الإمامة بخصوص القرآن : ( وأقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ) (2). بمعنى أنّ التحريف لم يقع في لفظ القرآن ، وإنّما وقع في معانيه وتأويله وتفسيره ، والشيعة الإماميّة الاثني


1) - الحج (22) : 38 .

2) - الكافي ، الكليني 8 : 53 .

عشريّة مُبرّؤون من تحريف القرآن لفظاً ومعنى ; لأنّ ما عنيه خامس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) غير متعلّق بشيعته ، باعتبار أنّهم ملتزمون بأئمتهم ، علماً وعملا ، وأمراً ونهياً ، طيلة القرون الثلاثة التي وجدوا فيها ، بينما تفرّقت بغيرهم السبل ، واتّبعوا أثر كلّ ناعق ، لذلك أجزم بأنّ مصدر التهمة جاء من أنظمة الحكم التي كانت تعتبر التشيع لأهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خطراً يُهدّد كيانها ، وينذر بذهاب سلطانها ، فلفّقت لهم عدداً من التهم ، وأحاطتهم بهالة من الإشاعات الكاذبة ، من أجل الحد من إشعاع ذلك البيت الطاهر وتأثر أنصاره في المجتمعات التي يعيشون بينها .

قال السنّي : كيف تريدني أنْ اقتنع برؤيتك التي تدّعي أنّها إسلاميّة ، وكتبك لا أعرف عنها شيئاً ، وهي غير معتمدة عندنا نحنُ أهل السنّة ؟

قال الشيعي : أنا لا أريد أنْ ألزمك بما في كتبي فذلك يحتاج إلى مجال وجهد ووقت آخر ، لكنّني ألزمك بما ألزمت به نفسك من كتب نعتموها بالصحاح ، وكتب قدّرتم جهود أصحابها ، فصدح بها أئمة المنابر ، وأخذ منها الباحثون ومؤلفوا الإسلام في الأصول والفروع ، وغياب كتب الشيعة عن الناس لم يكن بسبب أئمة الشيعة ولا أتباعهم ، وإنّما كان السبب فيه الأنظمة التي حكمت رقاب المسلمين بالقهر والحديد والنار ، فلم يُزكّوا غير مواليهم وأتباع سلطانهم ، بينما عُدّ الشيعة من المعارضة ، وطلب رؤساؤهم للقتل أو السجن بسبب ذلك .

فلم أتمالك عندما وصل الحديث عند هذا القول من التدخل فقلت : وأي حجّة أعظم من أنْ تلزمنا بما نحن ملزمون به ، إنّها قمّة الاستدلال ، وغاية إقامة الحجّة ، وهل ترى غير ذلك يا زميلنا العزيز ؟

قال السنّي : لا أجد ما أقوله لك بعد الذي قلت ، فهات ما عندك من براهين .

قال الشيعيّ : لسوف اقتصر في البداية على الأحاديث النبوية ; نظراً لكونها المفسّر الأساس للقرآن ، وسأختتم بمتعلقها من الآيات زيادة في إظهار الدليل :

أخرج حفاظ خطّك عدداً من الأحاديث ، التي يستشف منها أحقيّةُ عليّ ( عليه السلام ) في قيادة الأمّة الإسلامية ، منها ما فيه إفادة مباشرة على ذلك ، ومنها ما هو دون ذلك ، لكنّه يتضافر ويقوي ويعاضد جانب الإفادة الأولى .

وتعدّد الأحاديث ، جاء ليكشف عن حرص شديد للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، من أجل بيان مقام أهل بيته ( عليهم السلام ) ، كمعتصم من بعده للمسلمين ، وقادة يسلكون بهم سبل السلام . فقد أخرج البخاري ومسلم حديث المنزلة ، الذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي " (1).

وحديث المنزلة هذا من أحد الحجج على أحقيّة عليّ ( عليه السلام ) في قيادة الأمّة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، نظراً لأنّ القرآن الكريم قد احتوى على عناصره من خلال سياق الآيات المتعلقة بهارون وموسى ( عليهما السلام ) ، فقد جاء في سورة طه قوله تعالى : * ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً ) * (2). فلعليّ من خلال هذه الآية : أخوّته من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد تمّت بالمؤاخاة في مكّة والمدينة باتّفاق أهل العلم ، ولو كان لغير عليّ ( عليه السلام ) من القربة والمكانة ما يمكنه أن يكون أخاً للنبيّ أو خليلا كما يحاول ترويجه الأدعياء ، لما صرف عنه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجهه إلى غيره . ولعليّ ( عليه السلام ) الوزارة وشدّ الأزر والإشراك في الأمر ، والسيرة شاهدة على ما قدّمه علي ( عليه السلام ) بالدليل والبرهان وليس بالكذب والبهتان ، وأضغاث الأحلام التي طفحت بها كتب الحديث المسمّاة بالصحاح ، وإذا غاب الأمير حضر الوزير .

وجاء في قوله تعالى : * ( قَالَ مُوسَى لاَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) * (3).


1) - اُنظر حديث المنزلة في صحيح البخاري 4 : 208 ، 5 : 29 ، صحيح مسلم 7 : 120 ، وغيرها من المصادر .

2) - طه (20) : 29 - 35 .

3) - الأعراف (7) : 142 .

فهذه الآية تؤكّد خلافة عليّ ( عليه السلام ) لمنصب الحكم الذي كان يشغله النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحسب الحديث المتقدّم ، لأنّها تؤكّد بأنّ إحدى منازل هارون من موسى هي منزلة الخلافة .

قال الزميل السنّي : لكنّ كبار علماء السنّة قالوا بأنّ خلافة عليّ هي في الأهل وليست في الأمّة ، فالنووي مثلا في شرح صحيح مسلم ، لم يعترف بغير خلافة علي ( رضي الله عنه ) في أهله دون الأمّة ، وبذلك قال من المتأخرين أبو الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك .

قال الشيعي : لقد بلغ التقليد الأعمى بأهله إلى التعمية على حديث المنزلة بالادّعاء الباطل بأنّ منزلة علي ( عليه السلام ) التي أشار إليها النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هي مخصوصة في أهله فقط دون أمتّه ، سعياً من المحرّفين إلى صرف المسلمين عن حقيقة منزلة عليّ ( عليه السلام ) ، دون إشارة إلى كون المنزلة المشار إليها قد فصلّ القرآن فيها القول بشكل جليّ ، لا يلتبس إلاّ على منافق خبيث الولادة ، فوصاية عليّ ( عليه السلام ) على أهل بيته ، لا تستوجب ذكراً ، ولا إشارة ، ولا تلميحا من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأنّها من تحصيل حاصل ، ولا تحتاج إلى تأكيد أو توثيق ; لأنّها ممّا لا يمكن عقلا وعرفاً أنْ ينازعه عليها أحد .

إذاً فقوله تعالى : * ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) * دليل على أنّ خلافة هارون كانت في قومه وهم بنو إسرائيل ، فتكون خلافة علي ( عليه السلام ) في الأمة الإسلامية ، ولا يحتاج بيانها إلى أكثر من إشارة وتلميح .

قلت وقد صدع تفسير الشيعي الثوابت التي كنت أعتقدها بشأن الخلافة ، وهزّ أسسها هزّاً تهيّأت فيه للتداعي والسقوط ، فليس بعد هذا الدليل حجّة يستطيع منصف ردّها : إذاً فمسألة الخلافة قد حسمها حديث المنزلة ، الذي توضّحت أركانه من خلال آيات القرآن التي بيّنت منزلة هارون من موسى ( عليهما السلام ) ، وظهرت بذلك منازل علي ( عليه السلام ) من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وسوف لن أكون مفرطاً في اعترافي

بحقيقة أنّ علياً ( رضي الله عنه ) قد ظُلم باغتصاب حقّه في خلافة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونُكبت الأمّة وحرمت من قيادة رشيدة هادية مهديّة اختزلت كلّ قيم النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وجمعت كافّة الخصائص الممكنة لشخص له أهليّة الحلول محلّ خاتم الأنبياء والمرسلين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قيادة الأمّة الإسلاميّة .

فقال الزميل السنّي : لكن كيف يمكن أنْ يجتمع الصحابة كلّهم رضوان الله عليهم على باطل التنكّر لعليّ ( عليه السلام ) ، وهم الذين قال عنهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم " (1)، كما أنّه قال : " إنّ الله لا يجمع أُمّتي - أو قال أمّتي محمّد - على ضلالة . . . " (2).

قال الشيعي : لو تتبّعنا الحقبة التاريخيّة التي سبقت وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما تبعها من أحداث كحادثة السقيفة ، فإنّنا نجد أنّ الروايات في معظمها قد دوّنت بأسانيد تضمنت أشخاصاً قد طعن في صدقيتهم ، فكذّب علماء الجرح من كذّبوا منهم وضعّفوا من ضعّفوا ، ومع ذلك مرّت رواياتهم التي كانت في معظمها بعيدة عن حقيقة ما وقع في تلك الفترة ، واعتمدها أكثر رواة التاريخ دون بحث وتمحيص ، ولعل محمّد بن جرير الطبري الذي يُعتبر من أقدم مصادرها ، قد دوّنها في تاريخه ، والفاصل الزمني بينه وبين تلك الأحداث يناهز الثلاثة قرون دون تحقيق ، ولو بذل جهداً بسيطاً في ذلك المجال لردّها كلّها . وسيأتيك أنّ حديث النجوم باطل وموضوع .

أمّا قولك بأنّ الصحابة لا يجتمعون على باطل ، فإنّهم لم يجتمعوا كلّهم على موالاة الخليفة الأوّل ; لأنّ بيعته قد تمّت في غياب كافّة بني هاشم الذين كانوا منشغلين في تجهيز النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مضافاً إلى ذلك غياب عدد من المهاجرين كالزبير


1) - اُنظر الحديث وتخريجاته في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني 1 : 144 ، حديث رقم (58) .

2) - سنن الترمذي 3 : 315 .

وطلحة وأبي ذر وعمار وآخرون كالمقداد وسلمان .

أمّا ما نسبته إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من حديث بأنّ أصحابه كالنجوم بأيّهم نقتدي نهتدي ، فالحديث مردود من طرف عدد من أرباب علم الحديث عند مذاهبكم ، كابن حزم وابن حنبل وابن عبد البر ، كما حكم الألباني بوضعه (1)، وفي حقيقة الأمر ، فإنّ الحديث المزعوم لا يستقيم مع القرآن وواقع الصحابة أنفسهم ; لأنّهم كانوا طبقات متفاوتة في التديّن والتقوى ، فهنالك الصحابي المؤمن ، والذي في قلبه مرض ، والمنافق الذي أظهر الولاء وأبطن العداء ، وقد جاء في عدد من الآيات ما يُفنّد عدالتهم جميعاً لاختلافهم مع بعضهم ، وافتراقهم عن بعضهم ، ومحاربتهم بعضهم بعضاً ، ولم تتضمن آية من القرآن ما يفيد عصمتهم حتّى يكون إقتداؤنا بأحدهم هداية ومنجاة ، ناهيك أنّ في القرآن آيات جاءت فاضحة لسرائر وخفايا عدد منهم ، وقد بيّن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أحاديث الحوض التي أجمع على إخراجها كبار الحفّاظ ، أنّ عدداً من صحابته سيدخلون النار ، فبطل الاقتداء بهم لانتفاء العصمة وسقوط العدالة عنهم ، ودخول أكثرهم النار ، وسقطت تبعاً لذلك رواية أصحابي كالنجوم ، لعدم ملاءمتها لكلّ ذلك الواقع ، ودخول عدد من الصحابة النار بما اقترفت أيديهم ، ليس أمراً مستحيل الوقوع ; لأنّ الصحابة ليسوا شركاء في نبوّة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة ما يفيد براءتهم ونجاتهم من النار يوم القيامة ، هم أناس مكلّفون مثلنا ، جرى عليهم من الأحكام والقضاء والقدر ما جري ويجري على كلّ الأجيال الإسلاميّة ، وكلّ فضل حصّله أحد الصحابة أو اكتسبه فلنفسه وليس لأحد ، رضي الله تعالى في كتابه عن صلحائهم ، ولعن وتوعّد وفضح طلحاءهم ومرضى القلوب منهم .

ثمّ إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بيّن مرجعيّة الأُمّة في حالة الاختلاف في مواطن عديدة


1) - اُنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1 : 144 - 145 ، حديث رقم (58) .

منها ما قاله لعمّار : " يا عمار بن ياسر رأيت عليّاً قد سلك وادياً ، وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى " (1). فتبيّن أنّ حجّة اجتماع الأمّة من دون علي ( عليه السلام ) لا تدلّ على أنّ الحقّ مع الأمّة ، بينما يدلّ شخص عليّ ( عليه السلام ) ، ومواقف عليّ ( عليه السلام ) ، أنّه مع الحق دائماً وأبداً ، ولا أدلُّ على ما أقول من قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " عليّ مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة " (2)وقوله ( صلى الله عليه وآله ) أيضا : " علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " (3).

قال السنّي : فلماذا وقع تقديم الصحابة عند أهل السنّة وتفضيلهم بهذا الشكل ؟

قال الشيعي : إنّ الاعتقاد بتفضيل الخلفاء الأوائل على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لم تكن له صلة بعهد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولم تظهر محاولة التقديم إلاّ في عهد طلقاء بني أميّة ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وحزبه ، سياسة زرع الباطل ومحاولة إحلاله محل الحقيقة من طرفه وطرف عصابته التي أسّست لفتنة كبرى لا نزال نعاني من آثارها الخطيرة إلى اليوم ، وجاء بنو أميّة من بعده فامضوا خطّته ، وعملوا بمقتضاها ما ناهز الثلاثة أجيال ، فنشأ عليها الصغير وهرم الكبير ، واستقرّت بعد ذلك في عقول الناس ، ومحصّلات أفكارهم ، على أنّها الدين الذي لا تشوبه شائبة ، والعقيدة التي لا يعتريها شك ، وذلك لتثبيت الانحراف عن منهج الإمامة الإلهي ، وإيهام الناس بأنّ تفضيل الصحابة كان على عهد النبيّ مطابقاً لما أفرزه ترتيب الحكومة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والروايات التي أخرجها البخاري وغيره عن ابن عمر مثلا في تقديم الخلفاء الثلاثة وتساوي الناس بعدهما ، وهذا لا يعكس واقع


1) - تاريخ بغداد 13 : 188 .

2) - المصدر نفسه 14 : 323 ، تاريخ ابن عساكر 42 : 449 .

3) - المستدرك على الصحيحين 3 : 124 .

الأمر ; لأنّ عليّاً ( عليه السلام ) شخص لا يمكن أنْ يقدّم عليه أحد سوى النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فضلا عن أن يقدم عليه الخلفاء الثلاثة ، أو أن يساوى مع بقيّة الصحابة ، والذي لم يُنقّب عن خبايا صفحات التاريخ الإسلامي بعد التخلّي عن آليّة التفضيل في تقديم الكتب أيضاً يستطيع أن يجد دلائل كثيرة على أنّ التفضيل الذي تمسّك به المنحرفون عن منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) مفتعل ، ووُضع لأغراض سياسية تعلّقت بنظام الحكم .

قال السنّي : فهل هناك نصوص أخرى ترجّح كفّة علي ( رضي الله عنه ) في الخلافة على غيره من الصحابة ؟

قال الشيعي : النصوص التي تعطي لعليّ ( عليه السلام ) أحقيّة قيادة الأمّة الإسلاميّة بعد النبيّ كثيرة ، وتصبُّ كلّها في ذلك المعنى الذي تجاهله سواد الأمّة ، وانصرف عنه علماءهم بتأويل النصوص ، وحمله على غير محملها الذي أراده لها الوحي ، وأيده العقل السليم ، ولعلّ أكبر دليل على صحة خطّ اتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والمعروف بالشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، هو استقاءه لإثبات صحّة نهجه ، أدلة قطعيّة من كتب خصومه والمحاربين له ، وفي ذلك حجّة بالغة لمن يعقل أصول الاحتجاج ، ويفهم مبادئ الاستدلال . وحتّى تستطيع مراجعة الحجج التي استدلّ بها الشيعة على إخوانهم السنّة ، اسمح لي أن أقدم إليك كتاب المراجعات ، الذي يعتبر بحقّ نموذج الحوار الصادق ، والتخاطب السليم بين أهل الملّة الواحدة ، والعلم إذا استعمل بنيّة صادقة وعزم خالص ، فإنّ أصحابه سيقفون من خلاله على عين الحقيقة .

أخذتُ منه الكتاب ، وانكببت على دراسته ، ومقارنة النصوص التي تضمنها نصّاً نصّاً ، ولم أنته منه إلاّ وقد أدركت ما أذعنت له همّة الشيخ سليم البشري ، وعرفت أنّ الإسلام المحمّدي الأصيل لا يوجد في أبهى مظاهره إلاّ عند المسلمين الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، فقررت أنْ أكون شيعيّاً اثني عشريّاً ،

ملتزماً بخطّ أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، الذين اذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

والحمد لله على نعمة الهداية إلى صفوة الله تعالى ، من بعد نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونسأله أنْ يجعلنا من أوليائهم في الدنيا والآخرة ، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين .

تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني :

ويقول أحد الأصدقاء الذين عرفتهم بعد استقراري بمدينة قابس ، واتّخذته صديقاً بعد أنْ عرفت فيه أكثر من ميزة وخصلة ، لعلّ أهمها على الإطلاق صبره وأناته وامتلاكه لنفسه عند الغضب ، ممّا أعطاه مكانة متميّزة ليس عندي فقط ، بل عند كلّ الناس الذين يزنون الحياة بميزان العقل ، استبصر نتيجة بحوث ومقارنات ، أفضت به إلى معرفة حقيقة الحكومة الإسلاميّة ، وصفتها بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولولا ما ميّز نفسه من تعقّل وصبر وهدوء ، لما أمكنه أنْ يصل إلى معرفة حقيقة نظام الحكم في الإسلام لوحده .

دعوته إلى الحضور ; ليقدّم لنا أطوار تساؤلاته ، ونتائج بحوثه ، بخصوص المسألة التي دفعت به إلى اعتناق إسلام الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة ، فقبل الدعوة ، وجاء ملبيّا نداء الواجب ; لعلّه يقدّم جزءاً من الجميل إلى أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، على ما قدّموه من أجل هذا الدين الخاتم ، ولمّا جاء دوره في الحديث قال :

منذ أنْ كنت حدثاً ، وفي بداية اعتناقي للإسلام ، راودتني أسئلة عديدة حول الدين ، وما تعلّق به من مسائل مصيريّة وحسّاسة ، لم تدفعني إلى البحث إلاّ بعد أنْ وصلتُ إلى المرحلة الختاميّة من التعليم الثانوي ، بسبب البرنامج الذي خصّص لنا في مادة التربية الإسلاميّة ، والذي تناولت بعض دروسه عصر ما سمّي

بالخلافة الراشدة ، وكان الدرس الأول متضمنا فترة وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحادثة السقيفة ، وقد خلص الدرس ، وانتهت مداخلة الأستاذ تعقيباً على ذلك ، إلى اعتبار أنّ الإسلام لم يأخذ مسألة الحكومة بعين الاعتبار ، لا من حيث مبدأ التعيين ، ولا من حيث شروط الاختيار ، وقد ترك أمرها للناس شورى بدليل قوله تعالى : * ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) * (1)وقوله أيضا : * ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الاننَمْرِ ) * (2)- الأنعام (6) : 38 .(3).

لكنّ عقلي رفض أنْ يتقبّل فكرة الأستاذ ، في ترك مسألة الحكومة الإسلاميّة للناس ، فرفعت يدي إليه ، ولمّا أذن لي في الكلام قلت له : إذاً ، يمكن القول بأنّ الدين الإسلاميّ ، لا يملك في منظومته التي صرّح الوحي بتمامها وكمالها ، في قوله تعالى : * ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء ) * (3) وقوله : * ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء ) * (4)نظاماً للحكم فيه ؟ ممّا يعتبر متناقضاً مع البيان الذي صرّحت به الآيتان .

فردّ علي الأستاذ قائلا : للأسف الشديد أن الاعتقاد بفصل الدين عن أداة الحكم ، يتناقض مع تمام الدين وكماله وشموليّته ، إلاّ أنّنا عندما نتناول بالقراءة والتحليل مرحلة ما بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، نجد أنّه لم يثبُت نصّ واضح وصريح تعلّق بنظام الحكم في الإسلام ، سوى ما جاء من تطبيق لمبدأ الشورى ، مُجسّداً في حادثة سقيفة بني ساعدة ، والتي انبنى على أساسها نظام الخلافة الإسلاميّة .

قلت : ألاّ ترى أن هذه القراءة قد تأسّست على نمط تبريري لأحداث قد وقعت ، ونُظر إليها على أساس أنّها انعكاس صحيح لمفهوم الحكومة الإسلاميّة ؟

قال : هذا ممّا أوحت به الأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والتي لم


1) - الشورى (42) : 38 .

2) - آل عمران

3) : 159 .

4) - النحل (16) : 89 .

تترك مجالا للقول بأنّ التشريع قد ترك نظام حكم إسلامي واضح المعالم ، وفي غياب الأدلة الواضحة على نمط الحكومة الإسلاميّة ، اُعتمد على اجتهادات السلف الصالح للأمّة على أساس سلامة مرجعيّته في ذلك المجال .

قلت : إذاً ، فنظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن واضحا لدى الأمّة ؟

قال : نعم ، في ما عدا الأساس الشوروي الذي أكّده القرآن الكريم ، وعفي عن كيفيته ومداه وطريقة إقامته .

قلت : إذاً ، عدنا إلى مبدأ الشورى من حيث كونه نظاما عامّاً للحكم في الإسلام ، فإنّنا نجد أن الشورى لا يمكنها أن تشمل التشريع الإلهي ; لأنّها أحكام غير قابلة للأخذ والرد ، فأين ترى يمكن تطبيق هذا المبدأ ؟

قال : في مسألة اختيار وليّ أمور المسلمين مثلا .

قلت : فهل وقع تطبيق مبدأ الشورى على حقيقته في هذا المنصب ؟

قال : نعم ، ولكن بضرب من النسبيّة ، إذا نحن أخذنا شورى سقيفة بني ساعدة ، وباعتبار أنّ المدينة تعتبر عاصمة المسلمين ، ومركزهم السياسي ، وثقلهم الاجتماعي والاقتصادي والعسكري ، فإنّ سكّانها يعتبرون أهل الحلّ والعقد ، وقراراتهم غير قابلة للرّد أو الرفض .

قلت : طالما أنّ الشورى هي الوسيلة الوحيدة لاختيار وليّ أمر المسلمين وحاكمهم ، فلماذا وقع التخلّي عنها سريعا ؟

قال : وكيف ذلك ؟

قلت : عندما مات أبو بكر أوصى إلى عمر بن الخطاب ، وكان الكاتب للوصيّة عثمان بن عفان .

قال : لكنّ هنالك رواية تقول : إنّ الخليفة الأول قد أجرى مشورة حول من

يكون أهلا للحكم بعده ، فوجد أكثر الصحابة ميلا إلى عمر .

قلت : وعلى افتراض أنّ الصحابة كانوا بذلك الميل ، فلماذا لا يتركهم يُتمّمون رغبتهم وحدهم ، ويختارون بأنفسهم بعد موته ، طالما أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يختر في حياته أحداً ؟ ولماذا تحسّر عمر على فقد صاحب السقيفة الثالث ، أبو عبيدة بن الجراح ، ولو بقيَ حيّا لولاّه ؟ (1)ولماذا تحسّر بعد ذلك على فقد سالم مولى أبي حذيفة ، الذي كان الساعي لهم بالأخبار من داخل المدينة ، ولو كان حيّاً لولاّه ؟ ولماذا ضيّق عمر الشورى إلى ستّة أشخاص ، وجعل عبد الرحمان بن عوف الفيصل في اختيار الخليفة ؟ (2)

قال : كلّ ذلك أوجده الحرص على سلامة الدولة الفتيّة من أطماع الأعداء ، وكانت تلك اجتهادات مأجورة من قبل أناس هم أهل للاجتهاد .

قلت : فهل كان هؤلاء أحرص من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

قال : بل إنّ اجتهادهم هو نابع من التربيّة التي ربّاهم عليها النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قلت : وهل يوجد تصوّر آخر لنظام الحكم في الإسلام بخلاف هذا التصوّر ؟

قال : يوجد تصوّر آخر خلاف ما نعتقده نحن أهل السنّة والجماعة ، وهو عقيدة الشيعة في النصّ على إمامة عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) والأئمّة من ولده ، وهؤلاء يبنون تصوّرهم على نصوص رأوا فيها بيانا واضحاً يؤكّد عندهم على إمامة أهل البيت رضي الله عنهم .

قلت : وهل انفردت تلك الطائفة بنصوصها وبتأويل تلك النصوص ؟

قال : لا ، فكلّ ما استدلّوا به من نصوص موجودة عندنا ، وهي مدوّنة في


1) - اُنظر تاريخ المدينة لابن شبة 3 : 922 ، تاريخ الطبري 3 : 292 ، الكامل في التاريخ 3 : 65 .

2) - اُنظر على سبيل المثال تاريخ الطبري 3 : 292 - 293 ، الكامل في التاريخ 3 : 65 - 66 والمسألة محلّ إجماع لا خلاف فيها .

أُمّهات كتبنا المعتمدة ، أكثرها صحيح من طرقنا ، وأسانيد رواتنا .

قلت : طالما أنّ النصوص مشتركة النقل ، فلماذا اختلف في مقاصدها ومعانيها ؟

قال : بسبب التأويل الذي سلكه العلماء ، في تحديد معاني المفردات التي وردت في أحاديث النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قلت : ولم يكن هناك سبب آخر أسهم في خلق ضبابيّة حالت دون بلوغ مقاصد تلك الأحاديث ؟

قال : ربّما تأخّر تدوين أحاديث النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هو الذي أسهم بشكل كبير في خلق حالة من سوء الفهم والتأويل الخاطىء لبعض المصطلحات التي تكلّم بها النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إلى هنا انتهى حديث الأستاذ ، ومنه انطلقت في أفق السنّة النبويّة ، والتاريخ ، والسيرة ، أبحث عن قرينة تمكّنني من التعرّف على نظام الحكم الإسلامي الصحيح ، وكان عَلَيّ أوّلا أنْ أتعرّف على تفاصيل السيرة النبويّة العطرة ، لكنّني اصطدمت منذ الخطوة الأولى بعائق كبير ، تمثّل في طعن الرواة والحفّاظ بعضهم بعضاً ، الأمر الذي دفع المحقّقين إلى التشكيك في صدقيّة أكثر الحفّاظ ، للدور الكبير الذي لعبه سلاطينهم ، في إذكاء روح التفرقة وغرس أسباب الفتنة بين المسلمين ، وفي إجبار عدد كبير من علماء السلطان على تجاهل عدد من الحقائق ، أو توهينها ، والسكوت عنها ، ومن بين تلك الحقائق ، حادثة هامّة ومصيريّة إن صحّ وقوعها ، فإنّها قد تعصف بكلّ البناء الذي أسّسه الاتجاه الشوروي في الحكم بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، الحادثة كما أُخبر عنها ، تمثّلت في أمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتجهيز جيش من الصحابة لمحاربة الروم ، وقد عقد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بيديه الشريفتين لواء تلك السريّة ، وأمّر عليها أسامة بن زيد ، وأشرك فيها - كما

نصّ على ذلك أغلب أصحاب السيرة والتاريخ - وجوه الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم .

لم أجد خلافاً حول بعث أسامة بن زيد في التواريخ والسير ، ولا وجدت عدم توافق في أسماء الذين ذكروا في ذلك التجهيز ، الخلاف الوحيد الذي نشأ تمثّل في اختلاف المحدثين عن ردّة فعل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيال ذلك التمرّد والتقاعس على تأميره لأسامة ، هل لعن المتخلّف عن الجيش ، أو لم يلعنه ؟ (1)

ومهما يكن من أمر ذلك اللعن بالنسبة لي ، سواء صدر أم لم يصدر ، فإنّ مجرد الوقوع في معصية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تستوجب اللعن والبراءة ، والنعت بالضلال ، قال تعالى : * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً ) * (2)فقد وقفت على حقيقة وقوع ذلك التعيين ، وقلت في نفسي ، بعد أن وجدت أمامي ازدواجية في تواجد عدد من الصحابة المعيّنين من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في جيش أسامة ، الذين يفترض أن يكونوا خارج المدينة بالجرف ، حيث عسكر أسامة بجيشه ليستكمل عدّته وعدده ، غير أنّ الحاصل خلاف ذلك ، فكان عمر يتوسط جماعة من الصحابة في حجرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وعلى مرأى ومسمع منه ، يتصدّى لأمره في كتابة وصيّته ، ويتقوّل عليه بالهذيان ، ويتهمه بالهجر (3)، وإذا بأبي بكر في المسجد يصلّي بالناس ، فهل استثناهما النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من ذلك الجيش ؟ أو أنّ في الأمر سرّاً مخفيّاً آخر ؟


1) - وممّن ذكر اللعن وأقرّ به ، الشهرستاني في الملل والنحل 1 : 23 ، والآمدي على ما نقله الأيجي في المواقف 3 : 649 - 650 ، وراجع بعث جيش أسامة في صحيح البخاري 4 : 213 ، 5 : 84 ، صحيح مسلم 7 : 131 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 2 : 249 ، 190 ، تاريخ الطبري 2 : 249 ، الكامل في التاريخ 2 : 317 . فتح الباري 8 : 815 عمدة القاري 18 : 76 ، شرح نهج البلاغة 6 : 52 .

2) - الأحزاب (33) : 36 .

3) - وذلك في رزيّة الخميس المشهورة ، وقد تقدّمت في حلقة سابقة .

ولمّا لم يذكر المؤرخون لذلك الاستثناء أصلا ، وظهر ما يدعو إلى القول بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس ، لبلوغ غاية ما ، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب ، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة ، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة ، فقالوا : صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ ، وصلى الناس مؤتمين بأبي بكر (1)، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين ، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر ، ويتركون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول : لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس ، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه ، ولا أنْ يعي بما يدور حوله ، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة ، مبرراً على طريق استلام الحكم ، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمره بالصلاة بالناس .

كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تعامله مع إمامة الصلاة ، أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه ، وقد كانت كلمته دائما : " مروا مَنْ يُصلّي بالناس " (2)وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه ، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم ، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة ، مع أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة ، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير ، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته ، فعيّن فيمن عيّن عليّاً ، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله ، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً .


1) - صحيح البخاري 1 : 162 ، سنن ابن ماجة 1 : 391 .

2) - اُنظر مسند أحمد 4 : 322 ، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعدم صلاة أبي بكر بالناس ! فلا ندري لماذا يعمم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) القول فيمن يؤم الناس ، ثم يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة أبي بكر .

إحدى الحقائق التي قفزت إلى فكري ، جاءت نتيجة مقارنة بين موقفين وقفهما مؤسّس الانقلاب على إمامة عليّ ( عليه السلام ) ، ألا وهو الخليفة عمر بن الخطاب ، ففي غزوة أحد فرّ الرجل مع من فرّ من الصحابة (1)عندما اعتقدوا بمقتل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لمّا راجت إشاعات أكدت ذلك ، ففي تلك اللحظة وفي ذلك اليوم صدّق عمر أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد قتل ، وكان من ضمن الفارّين ، واقفاً على صخرة في أعلى الجبل يدرأ عن نفسه غيلة القتل . وعقيدته بأنّ النبيّ بشر يمكن موته وقتله ، هي التي كانت الدافع وراء فراره في محاولة منه للنجاة بنفسه .

والموقف الثاني ، عندما بلغته وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فما كان منه إلاّ أنْ سلّ سيفه ، ووقف أمام الوافدين على بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لاستجلاء الخبر ، وإظهار الفجيعة والحزن ، قال : والله ! ما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ; ولا يموت ، حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير ، وأرجلهم ، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لم يمت ، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات * ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) * (2)- اُنظر سنن ابن ماجة 1 : 520 .(3)قال عمر : فَلَكأنّي لم أقرأها إلاّ يومئذ " (3) .

فلم يهدأ الرجل من تهديده ، ولا انقطع وعيده ، ولا سكنت دعايته الغريبة والعجيبة ، إلاّ عندما أقبل صاحبه ابن أبي قحافة من خارج المدينة ، وقال كلمته التي أعادت لعمر رشده ، وأطلعته على حقيقة موت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وبالاطلاع على الموقفين لعمر تبيّن لي تناقضهما ; لأنّ موقف قبول مقتله


1) - اُنظر فرار عمر في تفسير الفخر الرازي مجلد 3 ، ح 9 : 50 ، وشرح نهج البلاغة 15 : 24 ، عن الواقدي ، وغير ذلك من المصادر العديدة .

2) - آل عمران

3) : 144 .

على أيدي المشركين ، وتسليمه بذلك ، وفراره عند سماعه لذلك النبأ ، يختلف تمام الاختلاف مع ما صدر منه عند سماعه لنباء وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وتحقّقه من تلك الوفاة بقدومه إلى بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإشهاره السيف أمامه .

فهمت قطعاً ، وفهم كلّ عاقل مرّت عليه هذه الاستنتاجات ، أنّ عمر كان يدرك جيّداً وقوع الموت على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلى كلّ الناس ، ولشدّة إدراكه لموت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، جاء هروبه ، ووقع فراره من أحد لمجرد إشاعة تناهت إلى أسماعه ، مع أنّه قد يكون من الذين تحدّث عنهم الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بالسيرة الحلبية ، حيث ذكر أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يناديهم : إليّ يا فلان إليّ يا فلان ، أنا رسول الله ، فما يعرج إليه أحد " (1). ولم يكن موقفه يوم وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نابعاً من عقيدة تخلّلت عقله ، وغيّرت من اعتقاده ، وإنّما جاءت تنفيذاً لمخطّط يقضي بحصر نبأ وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتّى لا ينتشر ، فتمتلىء المدينة بالوافدين ; فيكون ذلك عائقاً دون تنفيذ مخطّط الانقلاب على منصب الحكومة الإسلاميّة .

الحقيقة الأخرى التي أطلّت عليّ ، ولم أتبيّنها إلاّ فيما بعد هي حركة التمرّد على تأمير النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأسامة بن زيد ، فمن يكونوا هؤلاء ؟ ولماذا ذلك الطعن ؟ وهل هو متعلق بشخص أسامة فقط ، أم يتجاوزه إلى أشياء أخرى ؟

فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير ، أنّ عمر ذهب إلى أبي بكر بعد أنْ تمّ له أمر الحكومة ، وعبّر له عن رغبته في تغيير القائد أسامة ابن زيد ، وتكلّم على أساس أنّه مفوّض من قبل عدد من الصحابة ، فردّ عليه قائلا : " ثكلتك أمّك يا بن الخطّاب ، مستعمله رسول الله وتأمرني أنْ أعزله " (2). فلو كان ابن الخطاب يدرك معنى النبوّة والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقدسيّته وطاعته حيّا وميّتا لدافع عن ذلك التعيين ، ولما احتاج منه الأمر إلى طلب تغيير قائد عيّنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكن ماذا يمكن أن


1) - السيرة الحلبية 2 : 505 .

2) - تاريخ الطبري 2 : 462 ، الكامل في التاريخ 2 : 335 ، تاريخ دمشق 2 : 50 .

يقال في رجل قضى عمره في مواجهة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتصدي له في كلّ صغيرة وكبيرة ، كأنّما يريد إسقاط مكانته ، والتقليل من قيمته ، ولا شكّ أنّ صلح الحديبيّة شاهد على ما اقترفه الرجل بحقّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1)، كأنّما هو الوحيد الذي يدرك الحقائق .

وفهمت أنّ الطعن لم يكن بالأساس موجّهاً إلى أسامة ، بقدر ما كان موجّهاً إلى البعث من أساسه ، فالوقت الذي أراده النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للبعث ، أوحى إليهم بأنّ مقصده كان إخلاء المدينة من عناصر ظهرت عليها رغبة وأطماع في السلطة ، وبقاء تلك العناصر ، قد يسبّب مشاكل في المجتمع الإسلامي الفتي وهو في غنى عنها ، وعندما بلغهم أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يموت ، تحرّك المتمرّدون على أمره وقراره ، فدخلوا المدينة لاستجلاء الأمر ، وتنفيذ ما كان متّفقاً عليه بينهم .

وقد تسبب دخولهم ذلك ، في فرض واقع على الأنصار ، أملاه خوفهم وخشيتهم من تلك التحرّكات التي كانوا ينظرون إليها بقلق كبير ، وفي مضامينها العصيان والتمرّد والتحدّي للنبوّة والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكانت سقيفة بني ساعدة ملجأهم في البحث عن سبيل لدرء هذا الخطر القادم أمام أعينهم .

كلّ ذلك ما كان له أنْ يوجد لولا انقلاب بعض الصحابة ممّن تحيّن فرصة انشغال أهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لينقض على الحكم .

وفوق ذلك فإنّني لا أرى موجباً يسمح بإهمال مسألة نظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا مدعاة إلى تركه لأناس ما زالوا حديثي عهد بالدين ، لم يفهموا منه أبسط أحكامه ، فضلا عن استيعاب مبدأ الشورى ، ومعرفة نمط الحكومة .

وقد ورد في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي ضمّنت من بين


1) - تقدّمت الإشارة إلى ذلك في حلقة سابقة .

مفرداتها مصطلح الحكم وأولي الأمر ، وجاء تعدّدها تأكيداً على أهميّتها ، وضرورتها ، في مجتمع ناشىء في بداية بناء مؤسساته ، ولا شكّ في أنْ النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أوضح مفهوم الحكم والحكومة في الإسلام امتثالا لأمر الله تعالى ، في بيان دينه وشريعته ، وإبلاغها للناس ، وتفسيراً لمقاصد الآيات التي جاءت متضمنة لمصطلح الحكم ، وولاية الأمر ، فتركُ أمر مهمّ وخطير كالحكومة ، وتجاهل مسألة ولاية الأمر في منصب حسّاس ، تنطلق به مرحلة ما بعد النبوة ، إهمال لا يمكننا أن نتصوّر وقوعه من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا من الله تعالى مشرّع تلك الوظيفة ، ومضمّنها في كتابه العزيز .

إنّ ما حدث في سقيفة بني ساعدة ، لا يمكن وضعه في إطار عملية الشورى التي يدّعيها الفريق القائل بأنّ نظام الحكم في الإسلام يستند على أساسها ، حيث إنّ المكان لا يمكنه أنْ يسع غير عدد قليل من المسلمين ، والزمان لا يحتمل غير انتظار توديع ومواراة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التراب ، ثمّ الحضور إلى المسجد ، ذلك المكان الطبيعيّ الذي ربّى فيه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الناس على حزم أمورهم وإبرامها فيه ، وقد أسرف من قال بصحّة ما وقع في تلك الفترة الوجيزة من الزمن ، والتي كان لها الأثر السلبيّ على مفهوم الحاكميّة الصحيح ، فلا القدامى منهم كالأشعريّ ولا المتأخرين كأبي الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك ، قد رجّحوا فكرتهم بخصوص نظرية الحكم في الإسلام ، وجميعهم في ذلك مبرّرون ومثبتون لجملة كلّ تلك التجاوزات التي حصلت ، ومؤسّسون على منوالها نظرية متهافتة ، وبعيدة عن المنطق القرآني للحكومة الإسلاميّة .

كانت تبريرات الأستاذ مهمّة بالنسبة لي ، ورأيت فيها دافعاً نحو مزيد من البحث عن حقيقة نظام الحكم في الإسلام بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، عدت إلى قراءة تلك الحقبة من الزمن في تاريخ الطبري ، الذي يعتبر من أقدم مصادرها في كتب السنّة ، فازددت حيرة من أمري ، ولم يفدني ذلك بشي .

وفي أحد الأيّام ، بينما أنا أتجوّل في أحدى دورات معرض الكتب التي تقام سنويّاً في البلاد ، تراءى لي من أحد أروقة المعرض عنوان لكتاب قد يجيب على تساؤلاتي التي لا تزال قائمة حول نظام الحكم في الإسلام ، يحمل عنوان ( السقيفة ) ، لصاحبه الشيخ المظفّر ، فانتهيت إليه واستخرجته من الدرج ، وبدأت في تصفحه ، ومن خلال ذلك عرفت أنّ مؤلّفه عالم من علماء الشيعة ، ومع ذلك اقتنيته لقراءة وجهة نظر تلك الطائفة من الحكومة الإسلاميّة .

إنّ مقدّمات أحداث السقيفة ، وما تخللها وتلاها ، يؤكّدان بوضوح على أنّ الذي حصل للنبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وللإمام عليّ ( عليه السلام ) ، لم يكن سوى مؤامرة خسيسة على الدين ، أُريد بها صرف الإمامة عن أهلها ، كما نُقل عن الخليفة الثاني قوله لعبد الله بن عباس : " كرهوا [ يعني قريش ] أنْ يجمعوا لكم النبوة والخلافة " (1)، وقريش كما لا يخفى على كلّ ذي بصيرة ليست كلّ المهاجرين من مكّة ، وإنّما أولئك الذين وقفوا للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم الخميس الذي سبق وفاته ، وتطاولوا على مقامه وانتهاك حرمته وحرمة بيته ، بالادّعاء عليه بدعوى لا تجوز على النبوّة والوحي ، حيث نسبوا له الهذيان ، فقالوا : إنّه يهجر والعياذ بالله (2)، وأولئك الذين تمرّدوا عليه ، ورفضوا الخروج في جيش أسامة (3).

أما ما حاولوا الاحتجاج به على الشورى بما ورد في القرآن من قوله تعالى : * ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) * (4). وقوله تعالى أيضاً : * ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) * (5).


1) - تاريخ الطبري 3 : 289 ، الكامل في التاريخ 3 : 63 ، شرح نهج البلاغة 12 : 53 .

2) - والقائل هو الخليفة عمر وقد هذّبها البعض فقال : إنّه قال : غلب عليه الوجع وقد تقدّم ذلك .

3) - تقدّمت الإشارة إلى أولئك فيما تقدّم .

4) - آل عمران (3) : 159 .

5) - الشورى (42) : 38 .

فلم يرد بها المولى سبحانه وتعالى ، غير تربية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لصحابته ، على مبدأ الشورى فيما يتعلق بالمسائل الحياتيّة التي تعترضهم ، فلا ينصرف معنى الشورى والتشاور ، إلى ما يتعلق بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة ; لذلك فان مقصد الآيتين في هذا الإطار ، ليس احتياج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أخذ آراء المحيطين به ، بقدر ما كان يراد به تربية الصحابة ومن سيأتي بعدهم على العمل بذلك المبدأ ، لأنّ علاقة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالوحي ، لا تترك له مجالا حتى يحتاج إلى أحد يعطيه رأيه في مسألة من المسائل العرضية .

أمّا ما حيك من روايات تُخطّىء النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وترجّح آراء بعض أصحابه عليه ، كرواية أسرى بدر (1)، فمردود من ناحية كون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معصوماً عن الخطأ ، ويجب أن يكون دوره دائماً ، هو المصحّح وليس العكس ، مضافاً لصريح القرآن الدال على وجوب طاعة النبي مطلقاً .

بعد هذه الحقائق المتتابعة ، هل يصحّ لنا أنْ نقول بأنّ ما أقدم على فعله هؤلاء الصحابة ، يعتبر شورى مستقاة من الدين الحنيف ، وليست ستاراً وهمياً أريد به الاستيلاء على السلطة ؟

أنا لم أجد مسوّغاً واحداً يؤيّد نسبة ما وقع إلى شورى مرجعها الدين الإسلاميّ ; لأنّها في واقع الأمر مجموعة من الأعمال المتناقضة التي هدّمت بعضها


1) - وحاصل الرواية أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) استشار أبو بكر وعمر في شأن أسارى بدر ، فقال أبو بكر : " يا نبيّ الله ، هم بنو العمّ والعشيرة . أرى أنْ تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكافر ، فعسى الله أنْ يهديهم للإسلام " أمّا عمر فرفض ذلك وقال : " ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أنْ تمكّنا فنضرب أعناقهم . . . " فهوى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ، لكنّ الله سبحانه وتعالى خالف الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووافق عمر فنزلت الآية : " ما كان لنبيّ أنْ يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض . . " [ الأنفال : 67 ] واُنظر ما تقدّم في صحيح مسلم 5 : 157 ، مسند أحمد 1 : 31 ، سنن الترمذي 4 : 336 ، وقد رواه مختصراً ، واُنظر عمدة القاري 4 : 144 حيث أشار إلى القصّة باعتبارها من موافقات عمر .

بعضاً ، فحصر الشورى في ستّة كان القصد منها تسليم الحكم بطريقة غير شريفة من الصهر ابن عوف إلى صهره ابن عفّان ، وهي رغبة الخليفة الثاني ، والسبب قد يكون إسداء يد لابن عفان مقابل كتابة هذا الأخير لوصيّة الخليفة الأول التي نقلها المؤرّخون ، أو قد يكون استمراراً في تنفيذ الاتّفاق الذي أبرمه المتحزّبون على صرف الحكومة عن الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وأغلب هؤلاء هم طلقاء النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بني أميّة . وقد تهاوت نظرية الشورى بتنصيص أبي بكر على عمر وحصر عمر لها بسته اشخاص فقط !

وما أنْ تمّ للإمام عليّ ( عليه السلام ) أمر الحكومة ، حتّى كشّر أعداءه عن أنيابهم ، ووقفوا في وجهه يحولون دونه والمضيّ بالأمّة في طريق التوحيد والإنابة ، بسبب السياسات الخاطئة التي صدرت عمّن سبقه ، واستطاع الطلقاء أنْ يبنوا قوّة على مدى عشرين سنة ، استكملت عدّتها وعددها ، ووقفت جحافلها تريد صرف الإمامة عن عليّ ( عليه السلام ) تحت مبرّر القصاص من قتلة عثمان .

وفي واقع الأمر ، ما كانت المطالبة بدم عثمان ، إلاّ تعلّة للخروج على إجماع الأمّة ، وإحداث الفتنة في صفّها ، ومحاولة خبيثة لتحويل الثورة التي قام بها المسلمون الحقيقيون الغيارى على الدين وأهله من عنت وظلم وبغي بني أميّة ، إلى جريمة ، وقلب حقيقة الخليفة عثمان الذي استغله بنو أبيه ، من حاكم ظالم بدّل وغيّر ، واستنزف الأموال الإسلاميّة في مصالح شخصيّة ، واستعمل المنافقين والفسقة والأدعياء ، أمراء وحكّاما وقادة على وجوه الأمّة وخيارها ، إلى خليفة مظلوم ، مات شهيداً والمصحفُ بين يديه .

إنّ من يشكّ في إسلاميّة الثورة التي قامت على الخليفة الثالث ، وأحقيّة القائمين بها ، لا يملك من التعقّل والإنصاف شيئا ; لأنّ الدلائل التي وردت في كتب التاريخ تؤكّد مظلومية هؤلاء الثوّار وإصرار الخليفة على عدم الاستجابة لهم في مطالبهم التي تقدّموا بها إليه والتي كان فيها الإمام عليّ ( عليه السلام ) وسيطاً بين

الطرفين ، ولمّا يئس المسلمون من إمكانية الإصلاح ، عادوا فحاصروا بيت الخليفة مدّة تجاوزت الأسبوعين ، على مرأى ومسمع ومشاركة من وجوه الصحابة كعمار ابن ياسر الذي شمله النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله : " أبشروا فإن آل ياسر ، موعدكم الجنّة " (1)، ولو كان الأمر كما حاول تصويره لنا أتباع خطّ الخلافة ، من استضعاف ومظلمة للخليفة الثالث ، لوجد أنصاراً أشدّاء في المدينة ، كالإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وشجعان بني هاشم رضوان الله تعالى عليهم ، وأكثريّة الصحابة الذين ما زالت تعجّ بهم المدينة ، ولما بقي الرجل محاصراً تلك المدّة ، ولما قتل تلك القتلة ، ولما بقي في بيته ثلاثة أيّام ، ولما دفن ليلا على عجل ، وفي مكان لم يسبق للمسلمين أنْ دفنوا موتاهم فيه ، بعد أنْ أصرّ من بالمدينة من صحابة على عدم دفنه في البقيع (2).

الغريب أنّ من ظهر مطالباً بدم عثمان ، كعائشة كانت ممّن ألّب المسلمين عليه ، فهي التي قالت كلمتها الشهيرة : " اقتلوا نعثلا فقد كفر " (3). وكالزبير وطلحة الذين كانوا مع الثوار (4)، لذلك يمكن القول بأنّ مطالبتهم بدم عثمان من عليّ ( عليه السلام ) وأصحابه ، لم يكن إلاّ وسيلة قذرة للوصول إلى إزاحة الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وتسلّم الحكم بعده .

ولولا تعيين الخليفة الثاني لطلحة والزبير في شورى الستّة المزعومة ، لكانت أطماعهما أقلّ حدة ، ولما خلعا بيعتيهما وانساقا بولديهما وراء مطلب خطير تسبّب في تمزيق أوصال الأمّة إلى اليوم ، فقد أخرجا عائشة على جمل


1) - كنز العمال 11 : 727 .

2) - اُنظر ذلك في تاريخ المدينة 1 : 113 ، تاريخ الطبري 3 : 438 وما بعدها ، الاستيعاب 3 : 1047 ، المعجم الكبير 1 : 79 ، مجمع الزوائد 9 : 95 وغيرها الكثير من المصادر .

3) - تاريخ الطبري 3 : 477 ، الكامل في التاريخ 3 : 206 .

4) - راجع سير أعلام النبلاء 1 : 34 .

وهي المأمورة بأنْ تقرّ في بيتها ، من مكّة إلى البصرة في محاولة خبيثة لاستنفار الأعراب من حول مكّة والمدينة ، فمن من هؤلاء يسمع بخروج ( أمّ المؤمنين ) فلم يبادر إلى سيفه وراءها ؟

وأمّا زعيم الطلقاء معاوية بن أبي سفيان لعنهما الله ، قد بنى ملكه على مهل ، وتصرّف في الشام وفلسطين تصرّف المالك ، بفضل إقرار عمر له عليهما ، بعد أنْ كان عيّنه الخليفة الأوّل قائداً للجيش الفاتح لبلاد الروم .

فإذا تهاوت نظريّة الشورى بمعاول مؤسّسيها ، وتركت وراءها أثرين خطيرين ما تزال الأمّة الإسلاميّة تعاني من نتائجهما الخطيرة على الدين والأمّة الإسلاميّة هما :

الأول - تحوّل وهم الشورى ( لأنّ ما وقع إدراجه ضمن إطار شورى الحكم بعد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لم يجسّد حقيقة الشورى حتّى في أبسط مفاهيمها ) إلى ملك غاشم ظلوم خلال فترة قصيرة جدّاً من خوض تلك التجربة .

الثاني - فصل الدين عن دوره في الإشراف على كلّ أوجه الحياة ، وتسبّبت تلك الأحداث في فصل الدين عن السياسة خصوصاً والحياة عموماً .

ومقابل الرأي الذي ادّعى إهمال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأمر الحكومة الإسلاميّة ، تاركاً شأنها للناس ، جاءت عقيدة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لتعكس الواقع الصحيح لحكومة الإسلام بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو عدم ترك ذلك المنصب الحسّاس والخطير ، والذي يتوقف عليه مصير الدين بكافّة تشريعاته ، وبقاء مؤسّساته وتماسك مجتمعه ، فإنّ التعيين لمن سيكون وليّ أمور المسلمين من بعد مرحلة النبوّة أمراً لازماً تحتّمه المرحلة التي مرّ بها هذا الكيان الناشئ من بين معتقدات جاهليّة ، ضاربة جذورها في عمق المتدينين الجدد ، وتحتاج إلى وقت لتغييرها وإحلال بدائل إسلاميّة مكانها ، وتحتّمه تواجد قوّتين معاديتين تتربّصان بالدين الجديد

وتريدان الخلاص منه ; لأنّه يشكّل تهديداً مباشراً لها ، مضافاً إلى الأكثر خطراً منهما ، وهو حزب المنافقين الذي أسّسه الطلقاء ، ودخلوا في الدين من خلاله ; ليسيئوا إليه ويقوّضوا أركانه بالكذب والدعاية والبهتان ، فكلّ تلك المخاطر تستوجب عدم ترك الدين الجديد والأمّة بلا راع بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

والاعتقاد بحتميّة تعيين من يحكم المسلمين بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أملتها المعطيات التي وفقت إلى الوقوف عليها ، وشواهد تاريخية قالت بأنّ التعيين كان سائداً فيمن يتولى زمام الأمور بعد عصر الأنبياء ( عليهم السلام ) .

كما أنّ في قوله تعالى : * ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الاْمْرِ شَىْءٌ ) * (1)دليل على أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس له حقّ في التصرّف من تلقاء نفسه ، بل هو في إطار دوره ، ليس إلاّ مبلغا عن الله تعالى ، فكيف يكون للناس ما لا يكون للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مسألة حسّاسة كالحكومة الإسلاميّة .

وبذلك عرفت أحقيّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في قيادة الأمّة الإسلاميّة ، واقتنعت بأنّ تكالب أعداء الدين من أجل إحلال الصحابة محلّ هؤلاء الأطهار ، كان مؤامرة خسيسة دُبّرت من أجل صرف الناس عن أبواب الهدى التي أمر الله سبحانه وتعالى بإتيانها ، وأخذ الدين منها ، فلم أتردّد لحظة في موالاة العترة الطاهرة ، فاتّخذتهم أولياء في الدنيا والآخرة والحمد لله ربّ العالمين .


1) - آل عمران (3) : 128 .

(5) منصف الحامدي( مالكي / تونس )

الصورة

F04

مرت ترجمته في ( 1 : 495 ) من هذه الموسوعة ، وسنذكر هنا ما لم نشر إليه سابقاً .

تأثّره بكتاب الاحتجاج :

تأثّر " منصف الحامدي " بكتاب الاحتجاج - تأليف الشيخ الطبرسي ( من علماء القرن السادس ) - كثيراً ، وكتاب الاحتجاج - كما ورد في مقدّمة بقلم العلاّمة جعفر السبحاني - " ضمّ بين دفتيه احتجاجات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمّة في شتى المجالات وأناروا لطلبة الحقّ والحقيقة طريق الهدى ، كما قطعوا الطريق على أهل اللجاج ، وبذلك انتشرت علومهم ، وفضائلهم ، وليس لهذا الكتاب مثيل في مؤلّفات أصحابنا ، حيث جمع في كتاب واحد ما وصل إليه من مناظراتهم ، إلاّ أنّه ربما يؤخذ عليه بعض الأشياء لا بأس بالتنويه عليها : أكثر ما أورده في الكتاب من المناظرات مراسيل لا مسانيد .

إنّ المؤلّف يجيب عن هذا الإشكال بقوله : " ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده ، إمّا لوجود الإجماع عليه ، أو موافقته لما دلّت العقول عليه ، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المؤالف والمخالف ، إلاّ ما أوردته عن أبي محمّد

الحسن العسكري ( عليه السلام ) فإنّه ليس في الاشتهار على حدّ ما سواه وإن كان مشتملاً على مثل الذي قدّمناه فلأجل ذلك ذكرتُ إسناده في أوّل جزء من ذلك دون غيره ، لأنّ جميع ما رويت عنه ، إنّما رويته بإسناد واحد من جملة الأخبار التي ذكرها ( عليه السلام ) في تفسيره (1).

والسند الذي روى به احتجاجات الإمام العسكري ذكره في أوّل الكتاب على النحو التالي :

حدّثني السيّد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي ( رضي الله عنه ) قال : حدّثني الشيخ الصدوق أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن أحمد الدوريستي ( رحمهم الله ) قال : حدّثني أبي محمّد بن أحمد ، قال : حدّثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( رحمهم الله ) ، قال : حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم المفسّر الأسترآبادي ، قال : حدّثني أبو يعقوب يوسف بن محمّد ابن زياد وأبو الحسن علي بن محمّد سيّار - وكانا من الشيعة الإمامية - قالا : حدّثنا أبو محمّد الحسن بن علي العسكري . . .

وبهذا الاسناد الذي ذكره في أوّل الكتاب ، أخرج ما رواه عن الإمام الحسن العسكري وأشار إليه في الباب الخاصّ به .

وسواء كان ما اعتذر به المؤلّف مقبولاً أو غير مقبول ن فقد عولجت هذه النقيصة في هذه الطبعة على القدر المستطاع ، حيث قام المحقّقان لهذا الكتاب بإرجاع مراسيلها إلى المسانيد ، وذلك بالغور في كتب مشايخنا الإمامية ، كالكافي للشيخ الكليني ، وكتب الصدوق المختلفة ، وغيرهما ، وبذلك أصبحت جلّ أحاديثه مسندة ، خارجة عن الإرسال .

على أنّ ما اعتذر به المؤلّف عذر مقبول ; وذلك لأنّ المسائل العقائدية


1) - الاحتجاج ، الشيخ الطبرسي 1 : 10 .

تختلف عن المسائل الفرعية العملية ، فالمطلوب في الثانية هو العمل وإن لم يكن هناك يقين بالصحّة ، وهذا بخلاف الحال في الأولى ، فإنّ المطلوب فيها هو الاعتقاد والإذعان ، وهو رهن قوّة البرهان ورصانة الحجّة . فلو توفّرت فيه لنال الإنسان ضالتّه المنشودة وإلاّ فلا ، من غير فرق بين كونه مسنداً أو مرسلاً ، فلأجل ذلك ترك المؤلّف الإسناد ، ورواها بالشكل المرسل اعتماداً على مضمون الحجّة ، وقوّتها .

انّ موقف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمّة في عامّة المناظرات ، هو موقف المعلّم المحايد ، والمرشد الناصح ، وهو يعتمد على قوة العارضة وحصافة الرأي ، لا على كونه نبيّاً موحى إليه أو وصيّاً قائماً مقام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولولا اتّخاذ ذلك الموقف لما أنتجت تلك المناظرات وصارت عقيمة ، وعلى ضوء ذلك ، فالاعتماد إنّما هو على المضمون والمحتوى ، سواء أصحّ إسناده إلى المعصوم أو لا .

أضف إلى ذلك أنّه ليس علينا ردّ المراسيل بما أنّها مراسيل ، وكيف يكون ذلك ، فإنّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) يقول : " لا تكذّبوا الحديث إذا قام به مرجئيّ ولا قدريّ ولا حروريّ ، ينسبه إلينا ، فإنّكم لا تدرون لعلّه شيء من الحق ، فيكذّب الله فوق عرشه " (1)(2).


1) - المحاسن 1 : 230 ، ح 175 .

2) - الاحتجاج ، الطبرسي 1 : 17 - 20 .

(6) وسام شريف المالكي( مالكي / تونس )

ولد عام 1394 ه‍ ( 1975 م ) في تونس ، بلد سوسة ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ لاح بصره الحقّ ، فاهتدى به إلى سبيل الرشاد ، وأعلن استبصاره عام 1421 ه‍ ( 2001 م ) .

لماذا تشيّعت ؟

يقول " وسام " : السبب الأساسي الذي جعلني أعتنق الإسلام المحمّدي الصحيح - لا أقول مذهب فأظلمه - هو العقل ، ذلك أنّ العقل هو الرسول الباطن .

والأمر يتعدّى سرد الأحداث والمراحل التي ألحقتني بسفينة النجاة إلى كونه وعي ونضج عقائدي وتحرّر من ذريعة ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا ، ومن الفطرة الساذجة والتأمّل والتشخيص .

ثُمّ أشار " وسام " إلى حديث الثقلين وقال : ألا يكفي هذا أن يكون باباً للحق ، والحق واحد ولا يتعدّد ، لا طريق بين طريقين ، هذا الحديث الشريف حجّة قاطعة على جميع البشر ، خصوصاً مسلمي المذاهب المشتتة .

ويجب على كلّ المسلمين الذين تمّت الحجّة عليهم أن يقدّموا الإجابة عن ذلك ، قد يجدون إجابة في الدنيا ، ولكن لن يجدوا لذلك سبيلاً يوم القيامة بين يدي

الرحمن .

وإذا كان من عذر للجاهلين غير المطلّعين ، فلا عذر لعلماء المذاهب ، غداً سيقفون جميعاً أمام الله ، وسيسألون عن الوصيّة الإلهية .

وجميع المسلمين حتّى من المذاهب المختلفة يجمعون أنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) النبوي الشريف من سادات الصديقين والشهداء الصالحين بلا كلام ، كلّهم يجمعون أنّهم شجرة النبوّة ، ومختلف الملائكة ، وأهل بيت الرسالة ، وأهل البيت الرحمة ، ومعدن العلم ، كلّهم يجمعون أنّ أبا بكر هرب يوم خيبر ويوم حنين وقال تعالى : * ( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاء بِغَضَب مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * (1).

وكلّهم يجمعون أنّ أبا بكر لم يصلح لتأدية سورة البراءة ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّ الله تعالى أمره بإعادة أبا بكر وإنفاذ علي ، فكيف استصلحوا للخلافة من لم يستصلحه الله ورسوله للقيام ببعضها ؟ فمن لم يصلح لتدبير الحروب ولا ولاية الجيوش فكيف صلح للخلافة الشاملة لتدبير كافّة العباد والبلاد بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ !

إنّ هذه لمن الأمور المؤسفة التي ينبغي أن يُبكي لها دماً .

ويضيف " وسام " في نهاية كلامه قائلاً : يا آل بيت رسول الله أبكيكم دماً ، وأتّخذ من السواد لباساً ، ومن الحزن فراشاً .

يا أبا عبد الله ، يا حسين ، يا ليتنا كنّا معك .

السلام عليك وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك ، عليكم منّي جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار .


1) - الأنفال (8) : 17 .

(7) الهاشمي بن علي رمضان( مالكي / تونس )

الصورة

F05

مرّت ترجمته في هذه الموسوعة ( 3 : 507 ) ونشير إلى معلومات أخرى لم يشر إليها سابقاً .

إنّ كلّ ما كان يسمعه " الهاشمي " عن الشيعة هو التهم والافتراء ، ولم تسنح له الفرصة في التحقيق حول هذه الافتراءات ، وقد صادف أن التقى بأحد أصدقائه الذي تربطه به علاقة طيبة ، والذي قد تشيع مع عدّة من زملائه فبيّن له أموراً كانت خافية عليه واليك القصة :

يقول " الهاشمي " : صمّمت في الأثناء أن التقي بهذا الصديق ( المتشيّع ) ، حتّى أبحث معه هذه المواضيع التي كنت أسمعها عن التشيّع ، وأستفسره حول تلك الافتراءات .

ومرّت الأيام وإذا به يلتقي بصاحبه الشيعي الجديد ، فدار بينهما عدّة حوارات ، وتوالت اللقائات وأثيرت الاستفهامات ، وكان نتيجة كلّ هذا أقتناعه بأدلّة صديقه الشيعي ، وبعدها رأى " الهاشمي " أن يجمع هذه النقاشات في كتابه سماه " حوار مع صديقي الشيعي " ، ومن جملة الحوار الذي كان للهاشمي بن علي مع صديقه الشيعي ، والذي أورده في كتابه المذكور .

الضالَّة :

وتمضي سنين وسنين . . .

كنت في بيت أحد الأصدقاء وجرى ذكر فلان - جارهم - ، فقال أحد الحاضرين معلّقاً : إنّه شيعي ، وقال : إنّهم أي الشيعة - يشتمون الصحابة . . .

وقع كلامه في نفسي موقعاً كبيراً ، وقلت : أو في بلادنا شيعة ؟ ! ولماذا هذا الاقتران بين الشيعة وسبّ الصحابة ؟ !

وتشوّقت نفسي للالتقاء بأحد الشّيعة حتّى أسأله سؤالاً واحداً : لماذا تشتمون الصحابة ؟ وكنت أقصد ما هو الداعي الذي يجعلهم يشتمون الصحابة ، وإلاّ فلا بدّ من أن يكون هناك توجيه أو سبب قويّ لديهم حتّى تصبح هذه التّهمة لهم كبيرة ، أضف إلى حبّ الاطلاع الذي كان عندي حول الملل والنحل - وما زال - كان وراء رغبتي في الالتقاء بأحدهم .

لكن وللأسف لم تتوفّر الفرصة لذلك ، حيث كنت منشغلاً طوال تلك السنة بالاستعداد والتحضير لامتحان الباكالوريا (1)، حيث يعتبر أهم امتحان شعبي ورسمي في تونس على الإطلاق .

وذات يوم من أيام الشتاء التقيت بأحد زملاء الدراسة وتذاكرنا في انشغالات الامتحان وغيرها ، إلى أن دار الحديث حول الشيعة ، فقال لي هذا الصديق مبتسماً : بأنّ زعيم الشيعة في تونس ضُبط في أحد شواطئ تونس يحدّق في النساء بمنظار !

فأجبته بكلّ عفوية ممزوجة بكثير من الدهشة والاستغراب : وهل هناك طائفة شيعية في تونس حتّى يكون لها زعيم ؟ !

أجاب الصديق قائلاً : ألا تعرف بأنّ فلاناً وفلاناً - بعض أصدقائي ومعارفي - صاروا من الشيعة ؟ !


1) - هو امتحان الثانوية العامة في بلاد المشرق العربي .

فازدادت دهشتي ، وقلت : فلان شيعي ! ! لا يمكن ذلك ، ماذا حدث له حتّى يصبح كذلك ؟ !

افترقنا وأنا أضحك في نفسي من أحد أصدقائي الذّي صار شيعيّاً وقلت : إنّها نزوة من نزواته ، فكما يتأثر بعض الشباب عندنا بفلان المطرب أو بفلان الرياضي ، أو بهذا اللّباس أو بتلك التّقليعة ، فهذا الصديق يبدو أنّه تأثّر بفكر الشيعة من باب " خالف تعرف " .

ثُمّ عزمت في الأثناء أن التقي بهذا الصديق " المُستشيع " حتّى أبحث معه هذا الموضوع ، ولتتوفّر لي الفرصة القديمة لمعرفة فكر الشيعة " فربّ صدفة خير من ألف ميعاد " .

لم تمض إلاّ أيّام يسيرة حتّى التقيت به في أحد شوارع حيّناً ، سلّم عليّ ودعاني إلى بيته ، دخلنا البيت ثُمّ ولجنا إلى غرفته الخاصّة الصغيرة ، فكان ممّا قلت له : هل جُننتّ ؟ ! ما هذا التحوّل الذي أصابك ؟ !

ضحك - وكان ذا شخصية مرحة ظريفة - لكن لم يجبني صراحة لمحتُ على مكتبه كتاباً كبيراً شدّني حجمه في البداية - لأنّ من عادة كتّابنا الإسلاميين في العصر الحاضر أن تكون لهم " كتيّبات " فيها مقدّمة طويلة ودعاء أطول في آخر الكتاب وينتهي الكتيّب - فقرأت عنوان الكتاب ( المراجعات ) (1)، فلم أفهم معناه ، هل هو من الرجوع أم من المراجعة ، لكن فهمت أنّه كتاب شيعي ; لأنّ صورة المؤلّف بعمامته السوداء كانت في الصفحة الثانية داخل الكتاب .

لم تطل بنا الجلسة ، حيث كان عنده أحد الضيوف ، فتواعدنا على لقاء آخر .

في الموعد اللاحق أردت أن أخرج بصديقي من حالة الهزل إلى حالة


1) - المراجعات كتاب قيّم للعلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي اللّبناني ، يمثّل مناظرات في العقيدة والاختلافات بين السنّة والشيعة وهو مفيد لكلّ باحث عن الحقيقة .

الجدّ ، فسألته أسئلة من أهمّها : لماذا يتحرش الشيعة بالصحابة - هذه النخبة التي ما وجد ولا يوجد إلى يوم القيامة مثلها - وكنت ما زلت غير متفهّم كون صديقي صار فعلا شيعيّاً .

قال صديقي مجيباً - وكأنّه يريد أن يدخل بي الموضوع من حيث تؤكل الكتف - : هل تعرف حديث العشرة المبشّرين بالجنّة (1)؟ !

قلت : نعم ، لقد حفظت أسماءهم ، وعرفت سيرتهم منذ نعومة أظفاري .

فقال لي : سَمّهم لي ؟

أجبت ببداهة : هم الخلفاء الأربعة الراشدون - أبو بكر الصدّيق ، وعمر الفاروق ، وعثمان بن عفّان ، وعليّ بن أبي طالب - وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعيد بن زيد ، وبلال في قول ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام .

قال لي : طيّب ، هل تعرف الحديث القائل بأنّه إذا اقتتل مسلمان فالقاتل والمقتول في النار (2)؟

قال : على هذا القول يكون عثمان بن عفّان وعليّ وطلحة والزبير بن العوّام وغيرهم من أهل النّار ؟ !

قلت : كيف ذلك ؟ !

قال : دقّق جيّداً في معنى الحديثين وسترى التناقض ، فلو صحّ حديث العشرة لا يصحّ القاتل والمقتول في النار ، ولو صحّ هذا الثاني لم يصحّ الأوّل .

صمتُّ هنيئة أدقّق في هذا الكلام المنطقي ، العاري عن الزيف والزخارف والمتين عقلاً !


1) - مسند أحمد 1 : 187 .

2) - صحيح البخاري 1 : 13 ، سنن ابن ماجة 2 : 1311 ، كتاب الفتن ، مسند أحمد 4 : 401 .

أجبته بصوت بادىء الضعف : فكيف الحيلة ؟ !

قال : من غير المعقول أن يكون جميع الصحابة كلّهم - من أسلم في أيام الدعوة الأولى في مكّة ، ومن أسلم في المدينة ، ومن أسلم بعد الفتح - كلّهم متساوون ، وهذا أمر بديهي ، فليس من تربّى في حجر الرسالة من يومها الأوّل كعليّ يكون مثل معاوية الذي أسلم يوم فتح مكّة ، ولا أبو سفيان بن حرب كعمّار ابن ياسر ، هذا شيء طبيعي وبديهي في كلّ دعوة سماوية كانت أو وضعيّة .

ثُمّ إنّ صحبة هؤلاء وهؤلاء للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليست واحدة ، وعليه تكون النتيجة أنّ الصحابة مختلفون ومتفاوتون في علمهم ، وجهادهم ، وفهمهم للقرآن والسنّة . . ، فليس الأمر على ما نحن عليه اليوم ، فمن فاتته صحبة عشر سنوات للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لا يتيسّر له بسهولة أن يساوي من سبقه ، خاصّة مع عدم توفّر وسائل الطباعة والتسجيل وغيرها كما هو الحال عندنا اليوم .

هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ الصحبة وإن كانت فضيلة في نفسها ; لأنّ رؤية أو معايشة أعظم الرسل ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شرف عظيم جداً ، إلاّ أنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا يمكن بحال أن يكونوا فوق الشرع ، ثُمّ لو كانت الصحبة ماحيةً لكلّ ذنب لكانت زوجيّة زوجات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعلى وأفضل ، في حين أنّ الله لم يقرَّ ذلك (1)ولا رسوله (2)!

وعلى هذا نخلص إلى القول بأنّ الصُّحبة غير عاصمة لصاحبها ، لا من الضلال ولا من العذاب ، والصحابة كما دلّ القرآن والسنّة فيهم من بلغ مراتب


1) - إشارة إلى قوله تعالى : ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ) ، ( سورة الأحزاب (33) : 30 - 31 .

2) - اُنظر : حديث الحوض مثلاً في صحيح البخاري 4 : 110 ، صحيح مسلم 7 : 68 ، كتاب الفضائل ، مسند أحمد 3 : 28 .

الملائكة وفيهم من انحطّ إلى أسفل سافلين .

اكتفيت بهذه الأدلّة ، وفي الواقع فُتحت لي آفاقُ أُخرى كانت مسدودة في وجهي لعقدة الخطّ الأحمر الوهمي الذّي زرعه فينا كبراؤنا ، فإنّ بحثي في ( ملفّات الصحابة ) ليس ذنباً أو عيباً بل لأكون على بصيرة .

وكيف يكون هذا الشيء حراماً وممنوعاً ، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ذامّاً الكافرين الّذين اتّبعوا تقاليدهم وصمّوا عقولهم : * ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) * (1)؟ !

ثُمّ إذا كان سفك الصحابة للدماء ، ورميهم لزوجة من زوجات الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالفاحشة ، وشتم بعضهم لبعض اجتهاداً ومأجورين فيه أجراً واحداً ، فيكن هذا البحث اجتهاداً منّي وإن أخطأت الحقيقة ، أم أنّ المسألة " حلال عليكم حرام علينا " كما يقول المثل عندنا !

ووجدت بعد تحليل ونظر أنّ الصحابة لا يخلو حالهم من أوجه ثلاث : فإمّا أن يكونوا كلّهم عدولاً ، وإمّا أن يكونوا جميعاً قد هلكوا بما جرى بينهم من فتن ، أو أنّ هناك أمراً وسطاً منطقياً ، وهو أنّ بعضهم عدول وبعضهم غير عدول .

أبو هريرة . . . سرٌّ آخر :

كثيراً ما كنت أسمع هذه الجملة عند حضوري لصلاة الجمعة في مسجد الجمعة في مدينتي قابس (2)، وذلك بعد صعود الإمام للمنبر وقبل بدء الخطبة ، هي . . عن الضحّاك . . عن أبي هريرة (3)، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من قال لصاحبه


1) - الزخرف (43) : 22 .

2) - مدينة على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد التونسيّة سكنها البربر وسماّها الروم باسم Tacaps عرّبت إلى قابس قطب صناعي حاليّاً .

3) - هو أبو هريرة الدوسي اليماني ، لم يضبظ اسمه في الجاهلية ولا في الإسلام .

أنصت فقد لغى . . . " الحديث .

كنتُ أسمع برواية أبي هريرة هذه وما كنت أعرف شخصيته بالتفصيل ، بل كنت أظنّ أنّ اسمه الفعلي هو أبو هريرة ، فتبيّن أن هذه كنيته ; وذلك لهرّة كانت لا تفارقه ! جرى ذكر أبي هريرة يوماً في نقاش آخر لي مع صديقي الشيعي .

فقال صديقي معلّقاً : هو كذّاب ، وقد وضع أحاديث كثيرة ونشرها على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أرضى بها جبابرة عصره ملوك بني أميّة كمعاوية ومروان .

والعجيب أنّه لقّلة صحبته للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قياساً بباقي الصحابة كعليّ ( عليه السلام ) وعمر وأبي بكر ، فإنّه أكثرهم حديثاً ! بل فاق زوجات الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الرواية ممّا جعل الباحثون يشكّون ويطعنون في صدق ما روى .

تلقّيت كلامه هذا كضربة كهربائية سرت في بدني ، لأني كنت ما زلتُ لم أهضم بعد صدمتي في الصحابة عموماً ، رغم اقتناعي بما قاله صديقي عنهم .

قلت وأنا متترّس نفسيّاً بما بقي لي من شجاعة - أعلم في داخلي علم اليقين أنّها ستتهاوى أمام معول منطق صديقي الشيعي - : إنّ أبا هريرة أعظم راوية عندنا ، حتّى سُمّي برواية الإسلام ، فكيف ترميه بهذا الإفك ، ولماذا هذا التسرّع في الأحكام ؟ !

أجاب صديقي بهدوء : خذ بعضاً من حديثه حتّى ترى العجب ، ثُمّ قبل ذلك هل تعلم متى أسلم أبو هريرة ؟ !

سكت ولم أحر جواباً ! !

أسلم أبو هريرة سنة سبع للهجرة بعد غزوة خيبر ، وكان من أشهر أصحاب الصفّة (1)بل وعرّيفهم .


1) - أصحاب الصفّة كانوا من فقراء المسلمين الذين ما كان لهم عشائر ولا منازل وكان المسجد صفتهم ومثواهم .

وقد أُحصي جميع ما رواه فوُجد خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين مسنداً (5374) ! ، وكان جميع ما رواه الخلفاء الراشدون الأربعة من الحديث لا يمثّل سوى سبع وعشرين بالمائة ( 27 ) لمجموع ما رواه أبو هريرة الذي قلّت صحبته بالنسبة إليهم ، وهذا أوّل الوهن .

ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، حتّى صرّح بنفسه أنّه لو قال كلّ ما عنده لقُطع بلعومه (1)!

ويا ليت ثُمّ يا ليت وقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل اُنظر مليّاً في أحاديثه حتّى ترى نفسك أمام كمّ هائل من الخرافات والأساطير ، وليست أحاديث نقلت عن رسول العقل والقلب ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

كنت أتقلّب يمنة ويسرة وأشعر بالإختناق وأنا أتمنّى أن لا يكشف لي صديقي أيّ حديث من أحاديث أبي هريرة الّتي نعتها بأقبح الأوصاف ، فإنّ نفسي تنازعني كي لا أذعن وعقلي يدفعني للاطلاع حتّى أكون على بيّنة من أمري .

قال صديقي : خذلك حديث موسى ( عليه السلام ) وملك الموت مثلاً .

قلت : هات لأسمع منك .

قال : أخرج الشيخان في صحيحيهما بالإسناد إلى أبي هريرة قال : جاء ملك الموت إلى موسى ( عليه السلام ) فقال له : أجب ربّك ، قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع الملك إلى الله تعالى فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني ، قال : فردّ الله إليه عينه وقال : أرجع إلى عبدي فقل : الحياة تريد ؟ فإنّ كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعره فانّك تعيش بها سنة " (2)الحديث .


1) - صحيح البخاري 1 : 39 ، باب حفظ العلم من كتاب العلم .

2) - صحيح مسلم 7 : 100 ، كتاب الفضائل فضائل موسى ( عليه السلام ) 100 .

ثُمّ تبسّم صديقي وأردف قائلاً : كلّ ما في هذا الحديث مخالف للعقل والنقل ، فموسى ( عليه السلام ) نبيّ مدحه الله في كتابه الكريم ووصفه بأحسن الأوصاف ، وهو بعد من أولي العزم الخمسة ، وهذه الدرجة لا يُتصوّر معها خوف من موت .

ثُمّ ما ذنب ملك الموت ؟ وهل كان جسداً مثلنا يبصر ويعمى ويؤثّر فيه الصفع واللّطم ؟ !

ثُمّ ألم ينقل لنا كتاب الله البعض من أحكام التوراة التي أُنزلت على موسى ( عليه السلام ) وفيها يقول الله : * ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) * (1).

فلماذا لم يقتصّ ملك الموت من موسى ( عليه السلام ) على افتراض صحّة القصّة ؟ ! هل يخالف موسى شريعته وحبرُها لم يجفّ بعد ؟

اُنظر وأعمل عقلك بعيدا عن الأهواء والإمّعيّة (2)، ثُمّ لا تظننّ أن هذا الحديث كبوة جواد ، بل هناك ما لا يحصى مثله (3)، بل إنّ أبا هريرة روى أشياء وتحدّث عن أحداث لم يعشها ! ! كروايته عن رقيّة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي ماتت في السنة الثالثة للهجرة ، بينما أسلم أبو هريرة سنة 7 ه‍ (4).

مضى صديقي لسبيله وتركني في حيرة من أمري . . .


1) - المائدة (5) : 45 .

2) - من الإمّعّة : وهو الذي يجاري ويقول ويؤمن بكلّ ما يقوله الناس فهو معهم في كلّ شيء .

3) - اُنظر : صحيح البخاري 4 : 170 و 184 75 و 151 و 155 و 158 و 169 و 63 و 190 ، وغير ذلك في الصحاح والمسانيد .

4) - اُنظر : الاستيعاب 4 : 1771 .

حوار للهاشمي بن علي

مع صحيفة المبلغ الرسالي

جاء في صحيفة المبلغ الرسالي الحوار التالي مع " الهاشمي بن علي " :

•
• السؤال : متى وكيف تشرّفت بالإيمان بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟
•

الجواب : بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين .

قد لا تختلف قصة استبصاري عن بقية إخواني المهتدين ، باعتبار أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الدين الكامل ، والإنسان يسعى ويحب الوصول إلى الكمال .

أمّا من ناحيتي فإنّ كنت شغوفاً منذ صغري بقراءة التاريخ ، وكان يمثل لي قصة ممتعة أتسلى بها ، حتّى وصلت إلى التاريخ الإسلامي فلاحظت فيه تناقضات غريبة وعجيبة ، من بينها خلاف الصحابة واقتتالهم ومخالفة البعض منهم للكتاب وللرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فشعرت بتمّزق نفسي كبير بين ما نشأت عليه من عقائد ومقدّسات وبين ما أرى بعيني من حقائق ، فتوفّقت بإذن الله إلى مطالعة بعض الأشياء البسيطة - والأمر لا يحتاج إلى تحقيق كبير وعلم عريض كما يدّعى بعض المعاندين - للوصول إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، مذهب العقل لا مذهب الخرافات ، كان هذا منذ حوالي 9 سنوات .

•
• السؤال : ما هي نظرتك عن مستقبل التشيّع ؟
•

الجواب : من ينظر إلى تاريخ التشيّع يلاحظ دور العلماء الأعلام الذين حفظوا دين الله الحقّ بمدادهم ودمائهم ، حتّى شمخ هذا البناء ويزداد يوماً بعد

آخر تلألؤا في كلّ العالم .

لكن طبعاً لا بدّ على اتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من التحلّي بمكارم الفضائل والصبر ومداراة إخوانهم من المخالفين ، فإنّ فيهم من هو قاصر أو جاهل ولا حجّة عليهم * ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) * (1).

•
• السؤال : هل لديك كلمة توجهها إلى أتباع المذاهب الإسلامية الأُخرى ؟
•

الجواب : إنّ الله تعالى دعا أهل الكتاب إلى كلمة سواء بيننا وبينهم ، وهي أن لا نشرك به شيئاً ، فكيف بنا ونحن أهل ملّة واحدة ، وأنّ ما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا ، وحسب رأيي لا أجد شيئاً بعد الإيمان بالله ورسوله يجمعنا مثل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وحديث ( العترة ) متواتر عند كلّ المسلمين وهو حجّة على كلّ من علم به .

والواقع أنّ هناك مسألة مهمة نلفت إليها النظر ، وهي خوف بعض إخواننا السنّة من مطالعة كتبنا حتّى أن البعض منهم يشتريها ويحرقها كما سمعت ! !

من يخاف من قراءة كتاب فلن يبلغ الغاية ، لا في الدين ولا في الدنيا .

أقرؤوا كتبنا فإنّ كنا ضالين فهاتوا برهانكم وأرشدونا لتكسبوا الثواب ، وإن كنّا على الحقّ فتعالوا إليه وإن كان مرّاً .

طبعاً ما زلت أقول إنّ هناك الملايين من المسلمين وغيرهم ممّن لهم طينة صالحة ، ولكن لم يصل إليهم هذا المذهب ، " فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا " (2)كما ورد عن الإمام المعصوم ( عليه السلام ) .


1) - الإسراء (17) : 15 .

2) - معاني الأخبار : 180 .

كما أدعو إخواني المؤمنين أن يتخذوا من الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة وسيلة لا يصال المذهب الحقّ ، لأنّ الطرف المقابل لا يخلو من حالين : إمّا جاهل قاصر ، أو معاند مقصّر ، والثاني لا كلام معه ، أمّا الأوّل فمن حقّه علينا أن نوصل إليه المذهب الحقّ .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(8) أم عبد الرحمن( مالكيّة / الجزائر )

الصورة

F06

أم عبد الرحمن تروي قصّة استبصارها :

الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله ، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين .

حصلت على بكالوريوس التعليم الثانوي في مادة الكيمياء في المعهد العالي للأساتذة ، وانشغلت بتدريس مادتي الفيزياء والكيمياء لمدّة تسع سنوات ، والآن ومنذ خمس سنوات أشرف على الإدارة الداخلية لمعهد السيّدة خديجة ( عليها السلام ) للعلوم الإسلاميّة في قم المقدّسة تحت نظر اللّجنة الإدارية الموقرة ، وأدرّس علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) . مند أيّام الجامعة كان أمل أبو عبد الرحمن أن يلتحق بقم المقدّسة لطلب علم أهل البيت ، وقد تعرّف على المذهب ومنجزات الثورة الإسلاميّة عن طريق شاب إيراني ، كان يدرس معنا في الجامعة ، وأضحى هدفه الوحيد منذ ذلك الوقت هو الهجرة وطلب العلم ولم يتحقّق هدفه إلا بعد مرور اثنتي عشرة سنة ، في أيّام الجامعة تقريباً .

أمّا أنا فقد كنت منغمسة في التدريس ومسؤوليّاته ، ولم يكن لدينا أدنى توجّه في المعارف الإسلاميّة ، بل كان تديني تقليدي كأغلب الناس ، فلم أكن

أناقشه في مسائل المذهب الجديد ، ولم أكن أهتمّ بمطالعة الكتب الشيعيّة القليلة التي كان يحصل عليها عن طريق السفارة الإيرانية ، وهكذا بقيت طول هذه الفترة على مذهبي إلى أنْ جئت إلى إيران .

قدم أبو عبد الرحمن إلى إيران سنة قبل سفري حيث استطاع أن يهيّىء لنا المسكن وغيره ، ثُمّ أرسل إلينا على أنْ نلتحق به أنا والأطفال ، فنزلنا إلى سوريا في محرّم سنة 1414 ه‍ وهناك التقينا به .

في سوريا أوّل ما فعله هو أنّه أخذنا إلى زيارة مقام السيّدة زينب سلام الله عليها .

طبعاً ، معلوم أنّ المشرق أرض الأنبياء والمغرب أرض الأولياء ، فمقامات أولياء الله الصالحين منتشرة في كلّ المغرب العربي ، حيث يرد عليهما الناس فيرفعون حاجاتهم إلى الله تعالى ، ويتوسّلون بهم . وكثيراً ما كان يستجاب دعاءهم وتقضى حاجاتهم ، إلا أنّه وبعد ظهور بعض الفرق الإسلاميّة التي تعتقد بأنّ زيارة المراقد ، شرك ، قلّت زيارة الناس وتردّدهم على هذه المقامات .

فلمّا دخلنا إلى مقام السيّدة زينب ( عليها السلام ) ، لم أتعجّب ممّا رأيته من توسّل الناس ، وتبرّكهم بمرقدها الشريف ، وبكائهم ودعائهم ، إلاّ أنّه بهرني جماله وإتقان صنعه ، واحترام الزّوار له ، لم أكن أتردّد على مراقد الأولياء الصالحين في بلدي " خاصّة أنّ عقيدتي بهم كانت ضعيفة جدّاً لأنني كنت أجهل دور وساطة الأولياء والصالحين ومكانتهم عند الله تعالى ، وكان يرتابني الشكّ والخوف من السقوط في الشرك بجهلنا بالدين والعقيدة " .

عندها ناولني أبو عبد الرحمن التربة وزيارة السيّدة زينب ( عليها السلام ) قائلاً : صلّي ركعتين ، ثُمّ إقرأي هذه الزيارة .

فصلّيت ركعتين ثُمّ بدأت في قراءة الزيارة وكنت كلّما أقرأ ما فيها من

وصف حال أبناء بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، تأخذني رعشة ، ولم أكن أدري ما حصل في يوم عاشوراء للحسين ( عليه السلام ) وأهله وأصحابه ، ولم أكن أعلم ما حدث بالسيّدة زينب وبنات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد ذلك ، فكانت هذه الحقائق تدمي القلوب وتذيبها ، هل يمكن أن يفعل هكذا بأحفاد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإذا كان الأمر كذلك لماذا نجهل هذه الأمور ؟ لماذا لا ندرسها في دروس التربية الإسلاميّة ؟ والتاريخ ؟ ألا تستحقّ هذه الفجيعة أنْ تعرف من طرف كلّ مسلم ، أم أنّها أخفيت لهدف معيّن وعمداً ، تساؤلات لا أجد لها أجوبة ، لأنّ الحقيقة حجبت علينا ، والتاريخ محرّف مزيّف ، فما وجدت حيلة ولا وسيلة إلا البكاء والنحيب ، وفي تلك اللحظات الحاسمة الحزينة التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام حقائق خطيرة تمسّ بعقيدته وتاريخ دينه أصاب شعاع من أشعة الرحمة واللّطف والعناية الإلهية التي كانت تعمّ تلك الحضرة الشريفة قلبي فحرّك الفطرة الدفينة والحبّ العميق الذي أودعه الله تعالى في قلب الإنسان اتّجاه أهل بيت الرسول ، وبحمد الله وعونه صارت نقطة التحوّل في حياتي وحياة أسرتي كلّها منذ تلك اللحظة . وقد كانت هذه الهبة الإلهية أجمل وأفضل نعمة أنعمها الله علينا إلى جانب نعمه وفضله الدائم ، فالحمد لله ربّ العالمين .

بعد أسبوع تركنا سوريا وتوجّهنا إلى إيران ، هناك بدأت أطالع كتب التاريخ والسيرة وأتعرّف على سرّ الإمامة والخلاف بين السنّة والشيعة في هذه المسألة بالخصوص ، فاستغربت كيف حجبت الحقيقة عن الناس ، وقد ورد في القرآن الكريم آيات ، وفي السيرة روايات عديدة تنصّ على تنصيب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والأئمّة من ولده منصب الخلافة والإمامة ، فأوّلت الآيات وأخفيت الروايات أو أتلفت ولم يمض على رحلة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا أيّام معدودة .

وجهل الأمّة الإسلاميّة بالتاريخ في اعتقادي يرجع إلى أمرين :

الأمر الأوّل : هو تواطؤ العلماء مع الحكومات والحّكام على إخفائها .

الأمر الثاني : أنّ البلدان العربيّة والإسلاميّة تعرّضت في القرنين الأخيرين إلى الاستعمار الغربي .

وكان هذا عامل في بعد الناس عن البحث في الدين والعلّم ، فأضحى الدين تقليدياً دون علم ولا بحث أو تحقيق ، ولذا نجد أغلب السنّة جاهلين للتاريخ والسيرة ، ففي المغرب العربي مثلاً الجهل هو عامل بعد الناس وجهلهم بأهل البيت ( عليهم السلام ) وليس بعدهم عنهم ناتج عن عداء أو بغضاء أو نصب .

وكلّ من يتعرّف بالمذهب وبالخصوص بفضائل أهل البيت ومناقبهم ، فإنّه يعثر على إيجابيّات يفتقدها المذهب السنيّ بكلّ فرقه ، وهي تتلخّص - في اعتقادي - في هذه النقاط التالية :

1 - أنّ المذهب عقلي ، فهو يوافق الأحكام العقليّة سواء على مستوى المعتقدات أو على مستوى الفروع ، فكلّما تعمّق الانسان في معرفة المذهب وفهمه ازداد اقتناعه به ، وأنّه المذهب الحقّ ، وهو يمتاز بهذه الميزة لسببين :

السبب الأوّل :

أنّ كلّ الديانات السماوية نزلت لتنظيم حياة الإنسان وإيصاله إلى كماله المنشود ، لينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة ، والدين جعله الله تعالى الطريق الذي يوصل إلى الحقّ والكمال ، ويجعل الإنسان يعيش لهدف سام وعال وهو الخلود بعد الموت .

القياس : فإنّ كانْ الدين محرّفاً أو مشوهاً بالبدع والخرافات - التي يرفضها كلّ عقل سليم - فإنّه لا يؤدي الدور المطلوب منه ، لأنّ العقل البشري حينئذ يرى أنّ هذا الدين لا يؤدّي به إلى كماله ، ولا يرفع نقائصه ، بل بالعكس هو يبعده عن هدفه ومراده ، فيتركه ويتّبع طرق أخرى ومعتقدات يتوهم أنّها توصله إلى ذلك الهدف المنشود .

فبإختياره الطريق الخاطىء " المادّي ، العلماني ، الحيواني إلى غيره " فهدفه يتحوّل وينحرف أيضاً فيحصل على كمالات دنيوية ، فانية ، اعتبارية ، ويترك الكمال الحقيقي ، وهو التأسّي بالإنسان الكامل الذي لا يحصل إلا عن طريق الدين والالتزام به .

السبب الثاني :

إنّ المذهب الشيعي " أو الدين الإسلامي الحقّ " انتقل من الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، صاحب الوحي والرسالة إلى كافّة الناس بعد ارتحاله عن طريق فئة مختارة من طرف الله تعالى ، تمتاز عن باقي البرية بكونها من أهل بيت النبوّة ، كبرت وترعرعت في أحضان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . أخذت من فضائله ، وقيمه ، وأخلاقه ، وعلمه ، والأهمّ من ذلك تمتاز هذه الفئة بصفة لا يتّصف بها إلا نبيّ منزل أو رسول مرسل وهي العصمة .

فللعصمة الدور الأساسي للحافظ على الدين وصونه من التحريف والبدع والخرافات ، فبقي دين الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على حاله ينتقل من إمام معصوم إلى وصيّ معصوم إلى يومنا هذا ، ولذا يستحيل أنْ يخالف المذهب أحكام العقل .

2 - إنّ الإنسان في حياته اليوميّة قد يتعرّض إلى مشاكلّ ومصائب فيسعى إلى حلّها بكلّ الوسائل ، لكنّه يفشل أو قد تكون لديه حاجات معنويّة لا يقدر على تحقيقها ، أو قد يشعر أحيانا بنعم خالقه ولطفه ورعايته ، فلا يعرف كيف يشكره ويحمده ، وقد يشعر أحياناً بشغف وشوق وحبّ عميق لله تعالى فيريد أنْ يبرزه فلا يجد السبيل إلى ذلك . . .

أمّا من عرف أهل البيت ( عليهم السلام ) فإنّه ينال مناله بكلّ سهولة ودون عناد وتعب ، فهم حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، لا يضيع من تمسكّ به ، ولا يشقي ولا يخيب ، فقد تركوا لشيعتهم ومحبّيهم ومواليهم الأدعية والأوراد والمناجاة يعيش

في خلالها المؤمن مع خالقه ، في كلّ آن وحين ، يبرز له العبودية والفقر والحبّ والاشتياق ، يطلب حاجات فيجاب ، يستغفر فيجاب ، يتوسّل فيجاب ، يشفع فيجاب ، هذا الأمر مفتقد لدى المذاهب الإسلاميّة الأخرى ، فلولا كذا أدعية ، وكذا أوراد ، وكذا أحراز ، لما تخلّفوا عنها ; لأنّها حقيقة زاد معنوي ثمين يُجلي الصدى عن القلوب ، ويوثّق العلاقة والرابطة بين العبد وخالقه ، فلا يزيده ذلك إلا إيماناً بالله وقربة منه .

3 - لا شكّ في أنّ المسلمين كافّة مجمعين على ظهور صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف وإنْ اختلفوا في جزئيّات المسألة ، والجانب الإيجابي المفقود عند السنّة في مسألة الظهور هو : أنّ الشيعة يعيشون الظهور بعلمائهم وعوامّهم ويحضّرون له ، فيصبح للإنسان هدف مقدّس يعيش من أجله ، وهو الاستعداد ليوم الظهور ، والعمل على تعجيل ذلك اليوم كلّ حسب مرتبته ، فهم يعيشون مع إمام زمانهم أرواحنا له الفداء في غيبته ، وهذا أمر مهمٌّ جدّاً ; لأنّه يعيش ضابطاً يمشي وفقه المسلم وتترتب بذلك آثار إيجابيّة جدّاً على حياته وسلوكه ومعتقداته .

4 - النقطة الرابعة التي يمتاز بها المذهب عن باقي المذاهب أو الفرق الإسلاميّة هو وجود مرجع التقليد فإذا إحتار المكّلف أمام مسألة فقهيّة تواجهه أو في تحديد وظيفته الشرعيّة إزاءها ، فلا يلجأ للرأي أو القياس الذي يؤدّي بالإنسان إلى الانحراف عن الشرع ، بل يتبّع فتوى العلماء الذين بذلوا حياتهم في العلم والاجتهاد وفق ما ورد عن الأئمّة ( عليهم السلام ) عن الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فوجود المرجع يحفظ المذهب ويحميه من الانحراف ودخول البدع والأوهام فيه ، كما أنّ له دوراً أساسياً في الحفاظ على اتّحاد الأمّة واتفاقها .

5 - ما وجدت إيديولجية أو مذهب أو فرقة تحثُّ على العلم والتعلّم كمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

فالعلم هو الذي ينور العقل ، والعقل هو السّراج الذي يضيء الطريق ، والطريق هو الشريعة السمحاء التي سطّرها الحقّ تعالى للإنسان ، فلو اتّبع المسلمون نصائح أهل البيت ( عليهم السلام ) وتوجيهاتهم وعملوا بما أوصوا به لمّا شقي مسلم على الأرض ولما تخلّف عن الحقّ ، ولما ركن إلى رؤى كونيّة ومعتقدات غير المعتقدات الإسلاميّة ، فالعقل إذا تحرك وصل إلى كشف الحقائق وتشخيص المصلحة من المفسدة ، وفي هذا العصر مع تطوّر وسائل الإعلام والاتصال ، لم يبقى لأحد حجّة ، فعلى كلّ واحد منّا أنْ يبحث وينقّب في التاريخ ، فليبحث كلّ واحد منّا في كتب الشيعة أو السنّة عن حديث المنزلة ، عن حديث الدار ، عن حديث الثقلين ، عن حديث الغدير ، حتّى يطّلع على محتواها ، وقد تواترت هذه الأحاديث بأسانيد صحيحة ومعتبرة القول على وصيّة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كلّ فرصة يُري الناس أنّ له نائباً ، ووصي ، وخليفة ولم يكن إلا الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فهل يعقل أن تحمل كلّ هذه الروايات على محامل مختلفة ، ما عدا الولاية والخلافة ، هل يعقل أنْ يؤول حديث الغدير بالمحبّة والقربى ، والتاريخ يروي في أيّ ظروف ورد هذا الحديث ، فلنتمعّن أنّ الله تعالى لما جعل الدين الإسلامي خالداً صالحا لكلّ الأزمنة والعصور فقد جعل له أيضاً رجاله ، فلو لم يرسل الله تعالى الأئمّة لإكمال الرسالة المحمّدية لاضمحلّت هذه الرسالة ولما كان الدين الإسلامي خالداً إلى قيام الساعة ، فلنبحث ولنصبر ونغتنم والله ولي التوفيق ، والحمد لله ربّ العالمين .

حوار مع المستبصرة أم عبد الرحمن الجزائرية (1):

مقدّمة الموقع :

الأخت الفاضلة أم عبد الرحمن هي الشخصيّة الأولى على صعيد علميّ


1) - شبكة والفجر الثقافية 26 / 7 / 2005 م .

وفكريّ من النساء المواليات في المغرب العربي .

وقد أجرت شبكة والفجر هذا اللقاء معها ، وإليكم مجريات الحوار بعد التعرّف على شخصيتّها .

أمّ عبد الرحمن الجزائرية من مواليد 1960 ميلادي بالجزائر العاصمة ، نشأت في أسرة لم تكن متشدّدة في تطبيق تعاليم الدين الإسلامي كما هو الحال بالنسبة للكثير من العوائل الجزائريّة ، والسبب الرئيسيّ في ذلك ، هو أنّ الاستعمار الفرنسي الذي دام احتلاله للجزائر أكثر من مائة وثلاثين سنة ، حاول بكلّ الوسائل طمس الهويّة الجزائرية ، فحارب الدين الإسلامي واللغة العربيّة ، وضعّف الحوزات الدينية التي كانت معقل التصوّف والعرفان وحاول إرساء ثقافته ، وبطبيعة الحال بعد هذه الفترة الطويلة والجهود المتواصلة لا بدّ من أنْ يتأثر المجتمع بهذه الأفعال ، وخاصّة المدن الكبيرة ، فنشأ جيل تتلمّذ على أيدي الفرنسيين ، وتخرّج من مدارسهم حاملاً ثقافتهم ممتزجة بالروح الإسلاميّة والتقاليد العربية المستمدّة من الدين الإسلامي ، فمنحتها تلك التربية الأخلاق الحميدة والفطرة النقيّة السليمة ممّا ساعدها على الاستبصار وقبول مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بسهولة ودون تعصب .

تقول أم عبد الرحمن :

زاولت الدراسات العليا في المدرسة العليا للأساتذة ، حيث حصلت على ليسانس التعليم الثانوي واشتغلت بتدريس مادتي الكيمياء والفيزياء لمدّة تسع سنوات انقطعت بالهجرة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة في سنة 1993 ميلادي . بهذا السفر بدأت صفحة جديدة من حياتي حيث اعتنقت مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وكان هذا الأمر بداية لوعي جديد وأهداف جديدة ، بل كان مولداً جديداً بالنسبة لي حيث إنني لم أكن أشعر بوجودي ، ولم أكن أشعر بمعنى الحياة والموت ، والهدف من الخلقة إلاّ في هذه الحقبة من الزمن ، ففي قم المقدّسة توجّهت إلى العلوم

الدينية ، حيث درست عند أستاذتنا الفاضلة الحاجّة أم عبّاس حفظها الله تعالى دروساً في الفقه والأصول ، وعند الأستاذ الشيخ أبو عبد الرحمن درست المنطق والفلسفة والكلام والعقائد ، وكلّما تبحّر ، الإنسان في علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كلّما أدرك عظمتهم وسؤددهم وأدرك جهله وقصوره .

•
• ما هي المثل التي يختصّ بها أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟
•

للإجابة على هذا السؤال أنطلق من حديث الثقلين حيث يقول : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهي بيتي ، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً " (1).

في هذا الحديث الصحيح والمستفيض عند الفريقين يشير الرسول الأعظم من خلاله إلى ثلاث نقاط مهمّة وهي :

الأولى : أنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) والقرآن قرينان لن يفترقا ولا يمكن لغيرهم أن ينالوا هذه المرتبة الرّفيعة ، وهذا دليل صريح جاء على لسان الرسول الأكرم على أنّه كما أنّ القرآن حجّة على الناس ، فإنّ أهل البيت حجج كذلك على الناس .

الثاني : الدّعوة إلى التمسّك بهم عليهم السلام والحثّ على اتّباعهم في كلّ أمورنا .

الثالث : من اتبّعهم فإنّه لن يضلّ أبداً ، حيث نفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الضلال والظلام على كلّ من اتّبعهم إلى الأبد .

والذي أريد أنْ أبيّنه هو أنّ ما انطوى عليه هذا الحديث الشريف من نكات قد شعرنا به في أوّل إستبصارنا ، ونحن نجهل الحديث من أصله ، وهذا خير دليل على أنّ كلام الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّما جاء لإثارة دفائن العقول وإحيائها ، وأنّ


1) - أنظر : مسند أحمد 3 : 59 ، باب مسند أبي سعيد الخدري ، سنن الترمذي 6 : 124 ، حديث 3786 ، باب مناقب أهل البيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

الولاء لأهل البيت ( عليهم السلام ) مرتكز في النفوس والقلوب ، وإبتعادنا عنهم إنّما كان نتيجة جهلنا بهم لا غير .

•
• هل وجدت أسوتك في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟

إنّ الإنسان ، مهما كانت طبيعته ، يميل بطبعه إلى المحسوسات ، ولهذا السبب نجده يبحث دائماً عن نموذج حيّ يتأثر ويقتدي به ، وديننا الحنيف وجّهنا إلى النموذج الأسمى والأعلى حيث يقول تعالى في كتابه الكريم : * ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * (1)، ويقول رسول الله : " أهل بيتي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم " (2)، ومن بين أهل البيت ( عليهم السلام ) بل الحجّة العظمى هي فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) حيث يقول الإمام العسكري ( عليه السلام ) في حقّها : " نحن حجج الله على خلقه وجدّتي فاطمة حجّة علينا " (3)، وهذا يعني أنّها ( عليها السلام ) قدوة الرّجال والنساء .

والاقتداء هو ممارسة عملية تقتضي الوعي والمعرفة التامّة بالمقتدى به ، فأوّل سؤال يتبادر إلى الذهن هو لماذا بنت رسول الله هي النموذج الحيّ الذي يجب اتّباعه ؟

للإجابة على هذا السؤال نحاول عرض بعض جوانب حياتها الشريفة ولنجعلها دستوراً لممارساتنا اليومية :

الذي يتأمل في حياتها الشريفة يلاحظ أنّ حياتها ( عليها السلام ) تنقسم إلى مرحلتين : الأولى في مكّة المكرّمة ، والثانية في المدينة المنورة .

أمّا المرحلة الأولى : فتبدأ بولادتها الشريفة ، حيث انعقدت نطفتها من ثمار الجنّة وهذا الشرف العظيم لم ينله غيرها . وكانت في صباها تكابد مع رسول الله المتاعب والآلام التي كانت تلحقه من طرف الكفار في بداية الدعوة الإسلاميّة ،


1) - الأحزاب (33) : 21 .

2) - ميزان الاعتدال ، الذهبي 1 : 214 ، رقم 295 .

3) - مقامات فاطمة الزهراء ، محمّد السند : 20 ، نقلاً عن تفسير أطيب البيان 13 : 235 .

وعمرها لم يتجاوز الخامسة ، فكانت تمرّض أباها وتمسح عن وجهه الكريم الدم ، وتزيح عنه التراب ، حتّى ناداها بأمّ أبيها . وهذا يدلّ على وعيها وصلابة جأشها رغم صغر سنّها ( عليها السلام ) .

أمّا المرحلة الثانية : فبدورها تنقسم إلى مرحلتين : ما قبل رحلة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما بعد رحلته .

أمّا الفترة الأولى من هذه المرحلة ، فأوّل منقبة لها ( عليها السلام ) هي أنّها جعلت مهرها شفاعة للمؤمنين ، وهذا أيضاً دليل على مدى اهتمامها بأمر الأمّة والرسالة المحمّدية . وكان المسلمون في المدينة يعيشون استقراراً تحت حكومة الرسول الأعظم ، فانشغلت الزهراء ( عليها السلام ) حينها بالتعلم وتعليم النساء أحكام الشريعة وفي هذه المرحلة من حياتها كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يترك مناسبة إلاّ ويشيد بمكانتها ومناقبها وأفضليتها ، فأثبت يوم المباهلة أنّه لا يعادلها أحد من النساء مطلقاً حيث قارن الحسن بالحسين في قوله تعالى وأولادنا ، وقارن ذاته المقدّسة بأمير المؤمنين في قوله تعالى وأنفسنا ، وأمّا قوله تعالى ونساءنا فكانت ( عليها السلام ) مصداقه الفريد فكانت سيّدة نساء العالمين .

وأمّا الآيات الشريفة التي نزلت في أهل البيت ومنهم الزهراء ( عليها السلام ) ، فآية التطهير وآية الكوثر وآية الإطعام وآية النور وغيرها من الآيات ، وكلّ هذا الاهتمام بشخصها الشريف يوحي بأنّ لها دوراً عظيماً ، بل كان دورها مصيريّاً في حياة البشريّة لا يقل عن دور النبيّ والأمير نفسه .

وقد أبرزت هذا الدور فعلاً في الفترة الثانية من هذه المرحلة ، فبعد رحلة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرجت إلى الصحابة مدافعة عن الولاية وتحجّهم بغدير خمّ ، فما كان جزاءها من الأمّة إلا الأذيّة والنكران . وفي هذه الفترة تجلّت فيها منقبة لم تتجلّى إلاّ في الأنبياء العظام وهي نزول أمين الوحي جبرائيل ( عليه السلام ) لمدّة أربعة وسبعين يوماً ، يواسيها ويخفّف عنها آلامها إلى أنْ فارقت الدنيا الدنيّة .

هذه أسوتنا وأسوة كلّ من أراد الوصول إلى الحقّ تعالى . وهي وإنْ رحلت عنّا منذ قرون وأخفت قبرها فلا يزورها في هذه الأيّام - وهي أيّام ولادتها - إلاّ ابنها بقيّة الله الأعظم أرواحنا له الفداء ، فإنها نموذج ربّاني حيّ لا يموت . وقد عاشت تجربة مع هذا النور الإلهي في بداية استبصاري زادتني حبّاً واعتقاداً ويقيناً بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، حيث تعسّرت عليّ مسألة دنيويّة ، وضاق صدري منها ، ولم أهتد إلى حلها فصليت صلاة الاستغاثة بالزهراء ، ثُمّ خلدت إلى النوم ، فرأيت خيالها ( عليها السلام ) واقفاً أمامي دون أنْ تتفوّه بكلمة واحدة ، وفي الصباح لم أعلم كيف انحلّت تلك المسألة . وفي مرّة أخرى تعرّضت إلى أذيّة من طرف إحدى الأخوات ، وأصابني من ذلك غمّ ، فاستلقيت على الفراش ومن دون شعور توسّلت بها ( عليها السلام ) وناديتها مرّتين : يا زهراء ، فبدت لي كشبح يرتدي لباساً أبيض يرفرف ، فارتفع المشكل مطلقاً ، وكان ذلك في أيّام شدّة ، فانجلى عنّي الهمّ والغم .

وقد قامت ( عليها السلام ) بتربية نماذج نسويّة فذة ، أمثال أمّ كلثوم والسيّدة زينب ( عليهما السلام ) ، التي عادت من كربلاء وقد فقدت إمام زمانها وأخاها الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأبناءها ، بل فقدت كلّ أهل بيتها وبطريقة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً ، ومع ذلك لم تنهار ولم تتراجع ، بل كانت سفيرة الحسين ( عليه السلام ) تدافع عن الحقّ تماما كأمّها .

ومن سلالتها الشريفة أيضاً السيّدة رقيّة بنت الحسين وفاطمة الصغرى وغيرهما ممّن حضرن واقعة كربلاء . ومنها السيّدة فاطمة بنت موسى الكاظم ( عليهما السلام ) الملقبة بالسيّدة المعصومة ، حيث عرفت بالتقوى والعلم والكرم والعزّة وقد ورثت هذه الخصال الحميدة من جدتها فاطمة الكبرى ( عليها السلام ) .

ولا زالت الشجرة الطيّبة المباركة تؤتي أُكلها كلّ حين ، فها هي الشهيدة بنت الهدى أخت الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليهما ، تظهر في أرض السواد كالنور الساطع وكقبس من جدّتها الزهراء ، فانتهجت نهجها ومنحاها فغدت نبراساً يستضاء به ، ونموذجاً حيّاً للمرأة المعاصرة ، وبقيت على الطريق

حتّى نالت الشهادة ، حشرها الله مع أجدادها الطاهرين .

ومن النماذج النسويّة الواعية التي تأسّت بالزهراء ( عليها السلام ) والتي كرّست حياتها ووقتها لخدمة الحقّ الأخت الفاضلة والعالمة أمّ عبّاس النمر ، التي لم نرَ مثلها في ميدان التدريس وتبليغ تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذا الزمان ، فقد ساهمت بشكل واسع في تربية جيل صاعد طاهر وتفعيله ، وذلك بما بذلته ولا زالت تبذله من جهود مضنية كتأسيسها لمعاهد للدراسات الإسلاميّة ، وإفاضتها للعلوم والمحاضرات في شتّى المناسبات ، وفقها الله تعالى لمزيد من العطاء وأدام الله ظلّها الشريف .

ونحن في وقتنا الحاضر ، والإسلام ينعت بعنوان الرجعية والتخلّف ، في حاجة ماسة إلى هذا النوع من النماذج ، بخاصّة وأنّ المذهب يزداد انتشاراً يوماً بعد يوم ، والاستبصار يتوسّع وبشكل سريع جدّاً في كلّ أنحاء العالم من خلال الجهود التي يبذلها المبلغون والفضائيات وشبكات الإنترنيت ، فكم هي المرأة بحاجة إلى التعليم والتربية والتوعية في دينها ، وقد لمست هذا الأمر من خلال تجربتي المتواضعة في التبليغ في بلدي ، حيث قمت بإحياء أيّام محرم الحرام ( مع العلم أنّه لأوّل مرّة تحيي النساء هذه المناسبة بمفردهنّ حيث لم تكن لهنّ فعاليات خاصة بهنّ بل كانت تتسمّعن للرّجال ) . فوجدت تعطشاً كبيراً وإقبالاً شديداً نحو المعرفة والبحث عن الحقيقة ، حيث تتبادل الأخوات الكتب والأقراص والأشرطة وما شابه ذلك والنتيجة التي توصّلت إليها من خلال هذه التجربة هي أنّه يجب علينا أنْ نركز أكثر على معرفة أهل البيت ( عليهم السلام ) وعلى سيرتهم العطرة ; لأنّها دستور الهداية ونبض الحياة ، وأنْ نربط الناس بصاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء ، ونوعّيهم بضرورة التحضير لظهوره المبارك والاستعداد على المستوى العلمي والعملي لذلك الأمر العظيم ، ويحب أنْ نشعر الجميع أنّ عصر الغيبة عصر عظيم لا يقلّ أهميّة عن العصور الغابرة وزمان بعثة الأنبياء ، حيث كان الناس ينتظرون

ظهور النبيّ الموعود ، فكانوا يهاجرون ويقطعون البراري باحثين عنه وعن علاماته راجين ملاقاته ، كما فعل ذلك سلمان الفارسي وغيره ، نعم ، فإنّ أهل البيت ما ضحّوا تلك التضحيات الجسيمة وما أعطوا ذلك العطاء الوافر إلاّ لأجل بزوغ فجر ذلك اليوم العظيم الذي تتحقق فيه الحكومة الإلاهيّة العالميّة ، فتعلو كلمة التوحيد ويتحقّق حلم المستضعفين وهدف جميع الأنبياء ( عليهم السلام ) .

والخلاصة :

يكفينا فخراً وعزّة أنْ تكون الزهراء ( عليها السلام ) المثل الأعلى والنموذج الأسمى الذي يجب علينا اتّباعه ، جعلنا الله تعالى في مستوى هذه الوظيفة المقدّسة ويسّر لنا طريقنا وأمورنا . اللّهم إنّا نسألك أن تمنّ علينا بالرضا وأنْ تجعل خواتم أمورنا وعواقبها خيراً ، وأن تعجّل فرج وليّك الحجّة بن الحسن بجاه الصلوات على محمّد وآل محمّد .

(9) جعفر حسيني( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) في الجزائر نشأ في أسرة مالكية المذهب ، حاصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ ، استبصر عام 1414 ه‍ ، ( 1994 م ) ، ومن مؤلّفاته : عدالة الحكّام الشيعة عبر التاريخ .

بداية الطريق :

يقول " جعفر " حول قصّة استبصاره : كنت أعيش وأتربّى عند جدّتي منذ صغري الباكر ، وكان أحد أخوالي متشيّع ، وله صورة للإمام الخميني ( قدس سره ) في بيته ، وكنت كلّما أدخل إلى بيته أبقى متأمّلاً في صورة الإمام لحظات أدهشت العائلة وبالتحديد خالي المستبصر .

كنت أسأل خالي دوماً من هذا الشيخ ؟

ويرد عليّ قائلاً : هذا من نسل الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فأحببت الإمام وأنا لا أعرف عن المذهب الجعفري شيئاً .

وعندما حصلت على شهادة البكالوريا ، عُرض عليّ دراسة اللغة الإسبانية ، ولكنني رفضت ذلك ، واخترت دراسة التاريخ ، كلّ ذلك حبّاً في التعلّم ، وبحثاً عن الحقيقة التي كنت في حيرة وتناقضات رغم إرشاد خالي إليّ ، لكن أحببت أن

استقل عن كلّ ما هو خارج عنّي ، وأقوم ببحث شخصي يدلّني على الحقيقة ، وأنا دائماً أرى في آل محمّد ( عليهم السلام ) أنّهم القدوة ، ولا يقاس بهم أحد .

وفي دراسة التاريخ تخصّصت في تاريخ الإسلام لمدّة سنتين ، ولم أكمل المدّة حتّى أعلنت استبصاري أمام الجميع ، وتحدّيت الأساتذة في قضايا تاريخية ومحطّات هامّة من التشيّع وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وممّا زاد استبصاري استمراراً وتماسكاً هو عدم وجود أدلة مقنعة لدى هؤلاء الدكاترة ، ولا ردّ ثابت على كلّ الإشكاليات التي تخصّ الخلاف بين السنة والشيعة ، وتعرّفت من خلال التاريخ على عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) ، ومظلوميته ، والمصائب التي سقطت على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والمحن التي مرّوا بها ، وأدركت أنّ مخالفيهم يعادونهم لدينهم وضعف إيمانهم ونفاقهم الخبيث منذ عهد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى استشهاد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وما عانى النبيّ من سيرة المنافقين والمنشقّين عن الخطّ الإلهي وانحرافهم إلى العقلية الجاهلية الوثنية التي لم ينفصلوا عنها كلّياً إلاّ عدّة من الصحابة المنتجبين ، والذين كانوا مؤمنين بولاية الإمام علي ( عليه السلام ) ومعارضين لأصحاب الانقلابات وأبناء السقيفة ووجوه الظلم والعدوان .

الأسباب الرئيسة التي دفعتني إلى الاستبصار :

يقول " جعفر " حول أهم أسباب استبصاره :

أوّلاً : القرآن الكريم وما يحتويه من آيات عدّة تتحدّث عن عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وعن ولايتهم ، وكونها من أسباب كمال الدين وتمامه .

ثانياً : الأحاديث الشريفة المروية عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعلاقتها التي هي في تأثير وتأثّر مع القرآن العظيم ، ووجدتها بمثابة شرح وتفصيل لكلام الله ، كما أنّ كلامهم ليس بكلام أناس عاديين ، وما أروع الحكمة والعلوم التي تصدر منهم .

كما أنّ الأئمة لم يختلفوا فيما بينهم من حيث العلوم ، وإنّما كلامهم واحد

ومصدره واحد وخطّه واحد عكس كلام بقية المذاهب ، فإنّ كلامهم متناقض ومتشابك .

لماذا لم تهتم كتب أهل السنّة بكلام أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟

يقول " جعفر " إنّني لم أجد لدى كتب السنّة أحاديث تروي كلام وعلوم الأئمة ، ومن جانب آخر يدّعون حبّهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، لكن البخاري لم يرو حديثاً واحداً عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ناهيك عن الكتب الأخرى ، بينما نجد كتب أهل السنّة مليئة بالخرافات التي لا يقبلها العقل ، ومصدرها من أناس لا علاقة لهم بالعلم .

كما أنّ علماء أهل السنّة حذفوا العقل في دراسة مصادر التشريع ، وأصبحوا بذلك شبيه المنظّمات السريّة الدينية ، والطوائف الانتحارية التي تشترط على المنتسبين فيها أن لا يستعملوا عقولهم ، ويحدّوا من نشاط التفكير إلاّ في خدمة أفكارهم وآيدلوجيتهم .

عقلانية التشيّع وسرّ بقائه :

يقول " جعفر " : ومن جهة أخرى تعرّفت على مستوى تفكير أصحاب المذاهب في فتاواهم من كلّ الجوانب والزوايا ، وأدركت حقيقة شخصية هؤلاء وطريقة حسابهم الخاطئ في غلق باب الاجتهاد ، وفتاوى لا تنطبق مع العقل بأيّ صفة أو وجه ، ولا مع المنطق بأيّ صورة ودليل .

أمّا من حيث العلوم وتصانيفها لم أعرف أكبر العلماء إلاّ من المذهب الشيعي وأتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

والمتطلّع للتاريخ يجد طوائف كثيرة انقرضت وذابت مع التاريخ ، لكن المذهب الإمامي لم يزل ولم يتراجع رغم كلّ التيارات المعاكسة له ، وأدركت أنّ التشيّع كالمسمار كلّما ازداد الضرب عليه ازداد ثباتاً وتماسكاً .

(10) زرفاوي عبد الدائم( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1403 ه‍ ، ( 1983 م ) ، في الجزائر ، يدرس حالياً في كلية الطب ، استبصر عام 1422 ه‍ ، ( 2002 م ) ، في ولاية " تبسة " .

يقول " زرفاوي " حول سبب استبصاره : السبب الرئيسي هو كوني أنحدر من عائلة تحبّ أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فالأم والأب دوماً يردّدون أشعاراً تبيّن فضلهم ( عليهم السلام ) ، وبالمقابل لا نسمع عنهم إلاّ النادر في خطب الجمعة . وهذا ما كان يثير غيظي ، فبدأت البحث ، والحمد لله أصبحت جميع العائلة موالية لأهل بيت النبوّة ( عليهم السلام ) .

فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنّ فضائل أهل البيت الواردة في كتب الحديث ، والمروية عن طريق علماء الإسلام كثيرة جدّاً بحيث تبعث كلّ باحث إلى التأمّل والاستفسار حول أسباب اهتمام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا سيما بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومن هذه الفضائل :

علي قسيم الجنّة والنار :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يا علي إنّك قسيم الجنّة والنار " (1).


1) - ينابيع المودّة 1 : 249 ، الصواعق المحرقة 2 : 369 .

عظمة منزلة الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " علي منّي بمنزلة رأسي من بدني " (1).

الأخوّة بين الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما عقد المؤاخاة بين أصحابه : " هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ، ووصيّي في أمتي ، ووارث علمي ، وقاضي ديني ، ماله منّي ومالي منه ، نفعه نفعي ، وضرّه ضرّي ، من أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني " (2).

إحصاء فضائل الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لو أنّ البحر مداد ، والرياض أقلام ، والإنس كتّاب ، والجن حسّاب ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن " (3).

أثر محبّة الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من أحبّ علياً قبل الله منه صلاته وصومه وقيامه ، واستجاب دعاءه .

ألا ومن أحبّ عليّا أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة .

ألا ومن أحبّ آل محمّد أمن من الحساب والميزان والصراط .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فأنا كفيله بالجنّة مع الأنبياء .

ألا من أبغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة

الله " (4).


1) - الصواعق المحرقة 2 : 366 .

2) - ينابيع المودّة 2 : 289 ، حديث 825 .

3) - ينابيع المودّة 2 : 285 ، حديث 813 .

4) - المناقب ، الخوارزمي : 72 ، حديث 51 .

أهمية ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أوصي من آمن بي وصدّقني بولاية عليّ بن أبي طالب ، فمن تولاّه تولاّني ، ومن تولاّني تولّى الله ، ومن أحبّه أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ " (1).

علي مع القرآن :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض ، فأسألكم ما تخلّفوني فيهما " (2).

الإمام علي مؤوّل القرآن :

ورد في كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري ، قال :

" كنّا جلوساً مع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ قال :

" ليضربنّكم رجل على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله " .

فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : لا .

فقال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال لا ، ولكن خاصف النعل .

فانطلقنا فإذا علي يخصف نعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حجرة عائشة فبشّرناه " (3).

خلقة الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يا علي ضع كفّك في كفّي يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة ، أنا أصلها ، وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها ، فمن تعلّق بغصن من


1) - مجمع الزوائد 9 : 108 .

2) - ينابيع المودّة 1 : 124 ، حديث 56 .

3) - الإصابة ، ابن حجر العسقلاني 4 : 245 .

أغصانها دخل الجنّة ، يا علي لو أنّ أمتي صاموا حتّى يكونوا كالحنايا ، وصلّوا حتّى كانوا كالأوتار ، ثُمّ أبغضوك لأكبّهم الله على وجوههم في النار " (1).

الإمام علي وصيّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

عن أحمد بن حنبل أنّه أسند إلى أنس بن مالك ، أنّه قال : قلنا لسلمان : سل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن وصيّه .

فقال سلمان : يا رسول الله من وصيّك ؟

. . . قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وصيي ووارثي يقضي ديني ، وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب (2).

وورد في حديث آخر :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام علي ( عليه السلام ) : " أنت تؤدّي عنّي ، وتسمعهم صوتي ، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي " (3).

حبّ الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام علي ( عليه السلام ) : " لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق " (4).

مودّة الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " جاءني جبرئيل بورقة آس خضراء من الجنّة مكتوب

عليها : إنّي أنا الله ، افترضت مودّة عليّ على خلقي ، فبلّغهم يا حبيبي ذلك عني " (5).

الإمام علي ( عليه السلام ) وليلة المبيت :


1) - ينابيع المودّة 1 : 270 ، حديث 5 .

2) - ينابيع المودّة 1 : 234 ، حديث 4 .

3) - تاريخ مدينة دمشق 42 : 386 .

4) - مسند أحمد 1 : 95 .

5) - ينابيع المودّة 1 : 411 ، حديث 3 .

أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عبّاس أنّه قال :

شرى علي نفسه ، ولبس ثوب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ثُمّ نام مكانه ، وكان المشركون يرمون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ألبسه بردة ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فجعلوا يرمون علياً ، ويرونه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد لبس بردة . . . فإذا هو علي . . . " (1).


1) - المستدرك على الصحيحين 3 : 4 .

(11) سامعي الأزهر( مالكي / الجزائر )

الصورة

F07

ولد عام 1398 ه‍ ، ( 1978 م ) ، في الجزائر في " بتنا " ، واصل دراسته الأكاديمية حتّى أكمل الإعدادية ، ثُمّ توجّه نحو العمل الحرّ ، كان مالكي المذهب وفق انتماء أسرته ، لكنّه بعد البحث والتعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وجد بغيته في هذا المذهب فانتمى إليه وأعلن استبصاره عام 1421 ه‍ ، ( 2001 م ) .

لقاء مبارك !

يقول سامعي : سافرت مع صديقي إلى سوريا لنذهب منها إلى لبنان بحثاً عن العمل ، لكن حصلت بعض الموانع للسفر إلى لبنان ، فبقينا مقيمين في سوريا ، فتعرّفت خلال هذه الفترة على أحد مبلغي الشيعة يدعى " السيّد أحمد العلوي " ، فحدّثنا حول أهل البيت ( عليهم السلام ) ومكانتهم السامية ، فدفعني هذا الأمر إلى البحث والمطالعة فقرأت بعض الكتب الشيعية ، وكانت النتيجة أنّني اقتنعت بأحقّية هذا المذهب فاعتنقته بعد ذلك .

هذا من فضل الله :

يضيف " سامعي " : إنّني أعتبر هذا التحوّل المذهبي من فضل الله الذي شملني ، وأنّني وإنّ لم أتمكّن من الحصول على العمل ، ولكن كانت ثمرة سفري

هذا ، وهذا أهم من العمل ، لأنّني خلال هذا السفر اهتديت إلى الحقّ ، وتعرّفت على الكثير من الحقائق التي كنت غافلاً عنها .

ومن جملة المواضيع التي اهتممت بها موضوع السجود على التربة عند الشيعة ، وكنت أتصوّر بأنّها نوع من أنواع عبادة الحجر ! ولكن اتّضح لي بعد ذلك بأنّها طريقة للسجود على المكان الطاهر والنظيف والأفضل ، ولم تكن الشائعات ضدّ الشيعة من قبل علمائنا إلاّ تهم وافتراءات لصدّنا عن معرفة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

لماذا السجود على التربة حين الصلاة ؟

يسجد الشيعة على التربة ; لأنّ الأدلّة فرضت عليهم السجود فقط على مالا يؤكل وما لا يلبس .

قال العلاّمة الأميني حول ما يجب السجود عليه : يجب اتّخاذ الأرض مسجداً ، فإنّ الواجب المتسالم عليه على المصلّي لدى جميع الأمّة المسلمة أن يسجد على الأرض ، ومرفوعة : " جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " (1)، من المتفق عليه ، أتّفق عليها أئمة المذاهب ، ولا مندرحة لدى الاختيار والإمكان من السجود عليها ، أو على ما ينبت منها . . .

وأخذ الصحابة الأوّلين حصاة المسجد عند حرارتها في الظهائر وتبريدها بتقليبها باليد - كما سيوافيك حديثه - يومئ إلى عدم كفاية غيرها منهما يتمكّن المصلي من السجود عليها ولو بالعلاج ورفع العذر .

وكذلك حديث افتراشه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحت يديه اللباس عند حرارة الحصاة وبرودتها ، والسكوت على الافتراش على المسجد والسجود عليه يؤيّد إيجاب السجدة على التراب فحسب ليس إلاّ .


1) - صحيح البخاري 1 : 113 ، باب قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جعلت لي الأرض مسجداً .

وأمّا حين عدم تيسّر السجود عليه والتمكّن منه ، لحرارة قارصة أو لإيجاب عذر آخر ، فلا وازع عندئذ من السجود على غيرها ، إذ الضرورات تبيح المحظورات .

والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل (1)والخمرة وأمثالها تسوّغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس .

والأنسب بالسجدة - التي إنّ هي إلاّ التصاغر والتذلّل تجاه عظمة المولى سبحانه ورجاء كبريائه - أن تتخذ الأرض لديها مسجداً يعفّر المصلّي بها خده ويرغم أنفه تذكّر الساجد لله طينة الوضيعة الخسيسة التي خلق منها ، وإليها يعود ، ومنها يعاد تارة أخرى ، حتّى يتّعظ بها ويكون على ذكر من وضاعة أصله ، لتأتي له خضوع روحي ، وذلّ في الباطن ، وانحطاط في النفس ، واندفاع في الجوارح إلى العبودية ، وتقاعس عن الترفع والأنانية ، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذلّ والمسكنة ليس إلاّ .

ولا توجد هذه الأسرار قط وقط في المنسوج من الصوف والديباج والحرير ، وأمثاله من وسائل الدعة والراحة ، ممّا يُري للإنسان عظمة في نفسه ، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه ، ويكون له ترفعاً وتجبّراً واستعلاءً ، وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع (2).

غاية سجود الشيعة على التربة :

نستنتج ممّا ذكرناه بأنّ الغاية التي يتوخّاها الشيعة من إعدادهم التربة للسجود عليها حين الصلاة هي اتّخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة طيّبة يتيّقن


1) - الفَحل : حصير يتخذ من سعف الفحل من النخيل . الصحاح 5 : 1789 " فحل " .

2) - السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة الإمامية ، العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني : 41 - 43 .

بطهارتها ، من أيّ أرض أخذت ، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت . . .

وإنّ هو إلاّ كرعاية المصلّي طهارة جسده وملبسه ومصلاّه ، يتّخذ المسلم لنفسه صعيداً طيّباً يسجد عليه في حلّه وترحاله ، وفي حضره وسفره ، ولا سيما في السفر ، إذ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها ويتّخذها مسجداً لا تتأتى له في كلّ موضع . . . أنّى له بذلك وقد يحلّ بها كلّ إنسان من الفئة المسلمة وغيرها ، ومن أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة .

فأيّ وازع من أن يستحيط المسلم في دينه ، ويتّخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها ، يسجد عليها لدى صلاته ، حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا يتقرّب بها إلى الله قط ، ولا تجوّز السنّة السجود عليها ، ولا يقبله العقل السليم بعد ذلك التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه (1).


1) - السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة الإمامية ، العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني : 41 - 43 .

(12) شكيم علي الفردي( مالكي / الجزائر )

مرّت ترجمته في ( 1 : 303 ) من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تُذكر من قبل .

مرّ " شكيم " بالمراحل العصيبة في رحلته الفكرية التي غربل فيها تراثه الماضي ، وقد أثبتت له هذه الرحلة بأنّه كان يضفي على معتقداته قداسة لم تكن مبتنية على أُسس وبراهين صحيحة ، وإنّما كانت مبتنية على التقليد الأعمى لأسلافه ، وقد أسفر بحثه عن نتائج غير متوقعة أدّت به في نهاية المطاف إلى غربلة كل معتقداته السابقة .

يقول " شكيم " : تعرّفت على صديق شيعي فأجريت معه العديد من الجلسات لأتعرّف على سبب اختلافه العقائدي معنا ، وكانت مواضيع الجلسات المقارنة بين عقائد السنّة والشيعة ، وتعرّفت خلال هذه الجلسات على الكثير من معتقدات الشيعة ، فطلبت من صديقي التعمّق في البحث حول هذا المذهب ، فرحّب بذلك ، وأخذ يبيّن لي معتقدات الشيعة ، فلفت انتباهي قوله :

إنّ الشيعة يعتقدون بأنّ مصدر تشريع كثير من الأحكام السائدة في المجتمع الإسلامي هي بدعة محض ، ويعتبرون أنّ مؤامرات بعض الصحابة التي ظهرت بعد التحاق النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرفيق الأعلى أتاحت الفرصة ليتصدّى إلى منصب

الخلافة أشخاص بغير حقّ ويتربّعوا على مسندها من دون أيّ جواز شرعي .

فقاطعته قائلاً : وكيف لهم من إثبات هذه الترّهات التي ينسبونها إلى الصحابة ؟

فقال : لنطرح أدلّتهم ، ثُمّ نناقشها ليكون البحث ذات طابع علمي ، ولنترك التعصّب والتقليد الأعمى ، فإنّ الشيعة يستندون في أقوالهم إلى الكتب المعتبرة عند السنّة .

فقاطعته قائلاً : أين توجد هذه الأكاذيب ؟ !

فأجابني صديقي بكل هدوء إنّ الشيعة يعتقدون بأنّ عمر ابتدع الكثير من الأُمور : كحرمة المتعة ، وصلاة التراويح ، وتعطيل حكم السارق والسارقة : ولك يا صديقي أن تختار الموضوع الذي سنجعله على طاولة البحث ، فكتمت أحاسيسي وقرّرت أن أواصل معه البحث بصورة علميّة وبعيدة عن التعصّب ، وبما أنّني كنت من الملتزمين بصلاة التراويح طلبت منه تناول هذا الموضوع ، فأجابني وكأنّه يعيش الحالة النفسية المضطربة التي أعيشها .

هل تعتمد على كتاب البخاري ؟

أجبته بكلّ ثقة : نعم ، وماذا في كتاب البخاري ؟

فقال : ذكر البخاري في صحيحه : عن عروة بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد ، لكان أمثل ، ثُمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب ، ثُمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه (1).


1) - صحيح البخاري 2 : 252 .

ولا يخفى أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نهى عن البدعة واعتبرها ضلال ، فقد ورد عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : " أمّا بعد ، فإنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وإنّ أفضل الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلال " (1).

والبدعة اصطلاحاً هي : ايراد قول أو فعل لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة (2).

وقد أقرّ كثير من علماء العامة بأنّ صلاة التراويح بدعة ، فقد ذكر القسطلاني في تفسير قول عمر نعم البدعة : هذه سمّاها بدعة ; لأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسن لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصدّيق ، ولا أول الليل ، ولا كلّ ليلة ، ولا هذا العدد (3).

وقد حاول القسطلاني تخصيص قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كلّ بدعة ضلال " مبرّراً بذلك فعل عمر ، أغفل أو تغافل أنّ البدعة لا تحتمل التخصيص .

والبدعة هي أقوى الوسائل لتمزيق صفوف الأمّة وتضييع كيانها ، وقد قال الله في محكم كتابه : * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) * (4).

يقول " شكيم " : ساقتني هذه الكلمات نحو منعطف خطير بما فيها التعرّض إلى قداسة الصحابة ، فعزمت على معرفة الحقيقة مهما كانت نتائجها .

وبعد البحث والتفحّص في المصادر المعتبرة عند العامّة وجدت الحقائق مدفونة في أعماق التاريخ ، قد كسوها بغبار الخيانة والتدليس ، فأعلنت تشيّعي ، واحمد لله على نعمة الهداية .


1) - مسند أحمد 3 : 310 .

2) - المفردات في غريب القرآن الراغب ، الأصفهاني : 39 .

3) - إرشاد الساري 4 : 656 .

4) - الحشر (59) : 7 .

(13) طالب خالد( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في العاصمة الجزائر ، استبصر عام ( 1412 ه‍ ) ، 1992 م ، فترك المذهب المالكي واعتنق مذهب التشيّع ، ثُمّ تعرّف على اللجنة العلميّة في مركز الأبحاث العقائدية عن طريق الإنترنيت ، وتحاور مع أعضاء هذه اللجنة في مختلف البحوث العقائديّة ، ليزيل بذلك الشبهات العالقة بذهنه وقام بتقديم بعض البحوث منها :

الصلة بين خواجة نصير الدين الطوسي والإسماعيليين :

من البحوث التي اهتم بها طالب خالد دراسة حياة خواجة نصير الدين الطوسي ، فعرف بعد البحث بأنّ هذا الشخص من أعظم علماء الشيعة الإماميّة ، وأحبّ الاطّلاع على صلة الخواجة بالإسماعيليين ، فتبيّن له بأنّ بدء إقامة الخواجة عند الإسماعيليين يتزامن مع الهجوم الأوّل للمغول على عهد جنكيز خان ، فراراً من وطأة الغزاة ، لجأ هو وغيره - ممّن استطاعوا الفرار والنجاة - إلى قلاع الإسماعيليّة التي صمدت في وجه جنكيز خان ، فتمكّن الطوسي من الاستمرار في إشتغالاته العلميّة هناك ، خصوصاً أنّ أُمراء الإسماعيليّة أظهروا له الودّ والمحبّة في الأوائل وإنّ اختلفوا معه في الأواخر .

ويوجد رأي لبعض المؤرّخين - هو صاحب كتاب " درّة الأخبار " - بأنّ الخواجة ذهب إلى الإسماعيليين مرغماً ، وأقام عندهم مكرهاً ، إذ هدّدوه بالالتحاق بهم ، ويؤيّد مؤرخ آخر - سرجان مدكم - هذا النظر في تاريخه وإنّ كان يختلف في كيفيّة الإرغام .

وفي المقابل ينفي آخرون قصّة إرغامه أو سجنه ، بل ويدّعي بعضهم أنّ الخواجة كان محلّ ثقة واعتماد عند الإسماعيليين .

وبصورة عامّة فإنّ الذي يظهر من بعض كتبه ( رحمهم الله ) هو صحّة مضايقته أو فرض الإقامة الجبريّة عليه ، ففي تتمة كتاب " شرح الإشارات " يلوح بتلك الضغوط ، وتراكم الهموم والغموم الواردة عليه .

وعموماً ، فأغلب الظنّ أنّ الإسماعيليين وإنْ رحّبوا بالخواجة بدواً ، ولكن عندما ثبت عندهم بمرور الزمن عدم رضوخه لعقيدتهم ، استعملوا معه أساليب أخرى للتأثير عليه ، وهذا هو الوجه الصحيح في كيفيّة تعامل الإسماعيليين مع الخواجة من البدو إلى الختم .

فالخواجة كان يستعمل حالة التقيّة معهم لدفع شرّهم وأذاهم ، وهذا الأسلوب كان ينفع أحيانا ، ولا ينفع في بعض الأحيان عندما يصل الأمر إلى حدّ أساس العقيدة فكان يظهر عدم موافقته لبعض آرائهم ، فينتهي الأمر إلى الشدّة والضيق .

ومهما يكون الأمر ، فإنّ الخواجة لم يتأثّر بأيّه سلبيّة إسماعيليّة في عقيدته ، كيف وهو رأس المتكلّمين والفلاسفة في عصره ، فكيف ينخدع بأدلّة واهية وأسس غير متينة ؟

وهذه كتب الخواجة ( رحمهم الله ) بين أيدينا كلّها في دعم الدين والمذهب ، وليست فيها أيّة إشارة إلى تأثّره بالمذهب الإسماعيلي .

وأمّا دعوى اعتناقه المذهب الاثني عشري بعد الإسماعيليّة ، فهي باطلة من الأساس ، فلا يوجد لإثباتها دليل قطعيّ مقنع ، مضافاً إلى استبعادها عقلاً ، إذ أنّ الذي حدث في الأمر هو مجي هولاكو وإبادة الحكم الإسماعيلي بيده ، وهذا بحدّ نفسه لا يكون حافزاً على التشيّع بعد ما نعرف أنّ المغول كانوا وثنيين لا يفرّقون بين المذاهب .

وأمّا في داخل قلاع الإسماعيليّة ، فليس هناك ما يكون باعثاً على الاستبصار بعدما نعلم شدّة عصبية أولئك لمذهبهم ، ممّا لا يبقي مجالاً لتبليغ أو دراسة لبقيّة المذاهب فالصحيح هو أنّ الخواجة كان يعتنق المذهب الإمامي الاثني عشري من البدء ، ولكن لخطورة الموقف كان يتّقي أحياناً لدى الحكّام اتّقاءاً لشرّهم وصيانة للعلم والعقيدة .

الطائفة اليزيدية :

بحث " طالب خالد " خلال دراسته الموسّعة للفرق والمذاهب الإسلاميّة عن الطائفة اليزيديّة ، فتوصّل في نهاية البحث إلى النتائج التالية :

1 - هذه الطائفة تنحدر من أصل كردي ، ويسكن معظم معتنقيها في كردستان العراق حوالي مدينة الموصل ، كما أنّ نشأتهم كانت هناك .

2 - مؤسّسوا هذه الفرقة كانوا ينتمون إلى العائلة الأمويّة فزرعوا في قلوب مواليهم محبّة الأمويين ، وبما أنّ المجتمع الإسلامي المحيط بهم كان يتبرّاً من بني أميّة وعلى الخصوص من يزيد بن معاوية لما صنعه بأهل البيت ( عليهم السلام ) قاومت هذه الفرقة الضالة فكرة اللعن والبراءة ، بل وتصدّت لها ، وأظهرت ولاؤها ليزيد ( لعنة الله عليه ) ، واستمّرت في هذا النهج الباطل حتّى اعتقدت فيه التأليه أو ما يقاربه مضموناً !

3 - ومن منطلق عدم جواز اللعن ، استحوذ عليهم الشيطان ، فاعتبروه أوّل

الموحدين لرفضه السجود لغير الله عزّ وجلّ ، فحرّموا لعنه ثمّ أحبّوه ، بل وتمادوا في غيّهم فعبدوا الشيطان ، وهذا ممّا يظهر من سلوك معتنقيهم .

4 - لا صلة لهذه الطائفة الباطلة بالأديان السماويّة ، بل هي طريقة شيطانيّة حدثت على يد شخص أموي يُدعى " عديّ بن مسافر " .

5 - الطقوس التي تمارسها هذه الفرقة هي مزيج من بعض الظواهر الدينية التي التقطوها من هنا وهناك مع روح وثنيّة .

فأتباع هذه الفرقة يستعملون بعض الأحيان بعض السور القرآنيّة والأذكار وحتّى الأسماء الإسلاميّة في مراسيمهم أو كتاباتهم مع أنّهم ليسوا مسلمين بالتأكيد .

6 - يذهب أكثر المحقّقين إلى أنّ المعتنقين الأوائل لهذه الطائفة كانوا على دين المجوس وعلى ضوء هذه النظريّة يمكن تفسير بعض معتقدات اليزيديّة بأنّها رواسب ذلك الدين السابق لهم ، وعلى سبيل المثال يعتقدون بمنشأ الخير " الله " ومصدر الشر " الشيطان " ، وهذه هي عقيدة المجوس بالضبط ، ثُمّ يختلفون معهم بأنّ المجوس يرون انتصار الحقّ على الباطل ، أي الرحمن على الشيطان في منتهى الأمر ، ولكنّ اليزيديّة لا ترى هذه النتيجة حتميّة الوقوع ، ولهذا تتقرّب بل تعبد الشيطان خوفاً من سطوته وشرّه ، ولا تهتم بعبادة الرحمن لأنّه مصدر الخير ، فلا يعاقب أحد على عدم عبادته !

7 - تدّعي هذه الفرقة بوجود كتابين سماويين لها : " الجلوة " و " مصحف رشد " ، ومن خلال فقرات وعبارات هذين الكتابين يتّضح أنّهما من صنع بعض المنحرفين ولا علاقة لهما بوجود السماء ، ففيهما أباطيل تضحك الثكلى ، ويشتملان على مخالفات واضحة للعقل السليم والنقل المتّفق عليه عند جميع الأديان السماويّة .

8 - وأخيراً فإنّ هذه الطائفة الضالّة ليس لها أيّ منطق للتبليغ والدفاع عن معتقداتها ، بل تحتكر هذا الدين الباطل لنفسها ، فمن الصعب الحصول على كافّة أقوالها وآرائها ، وما ذكرناه هو القدر المتيقّن المنشور في كتبهم ، وإلاّ فهم يلتزمون بخرافات وأساطير باطلة ومنسوخة قد يخفونها على عامّة الناس .

توبة طلحة والزبير :

اطلع " طالب خالد " خلال بحثه على سلوك الصحابة ، وكان أكثر ما بعثه على الاستغراب مبادرة طلحة والزبير لشهر السيف ضدّ إمام زمانهم ، ولكنّه أحبّ في نفسه البحث عن وجود مبرّر يقلل من شناعة فعلهما .

فطرء هذا التساؤل في ذهنه ، هل يحتمل توبة طلحة والزبير بعد محاربتهما للإمام عليّ ( عليه السلام ) ؟ لأنّ المصادر التاريخيّة تذكر بأنّ الزبير بن العوّام انسحب من المعركة فتبعه ابن جرموز فقتله .

وأمّا طلحة فالمصادر تذكر أنّ مروان بن الحكم قتله أثناء المعركة حتّى يختلط الحابل بالنابل ، فهل أراد طلحة الانسحاب من المعركة كالزبير فقتله مروان حتّى لا يتمّ الصلح .

وعثر " طالب خالد " على هذه الإجابة ، بأنّ طلحة والزبير قد ضلاّ وأضلاّ الكثير بنكثهما بيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وبهذا أصبحا جاحدين لإمام زمانهما .

وأيضاً فقد طلحة والزبير إيمانهما بخروجهما على إمام زمانهما ، فهما من الغاوين المغرضين .

وأمّا توبتهما فلم تثبت أبداً ، لأنّهما قُتلا وهما مصمّمان على الحرب ، ولو كان تائبين للزمهما أنْ يصرّحا بخطأهما وظلمهما وإعتدائاتهما ، ثُمّ كان يجب عليهما الحضور في معسكر الإمام عليّ ( عليه السلام ) وإطاعة أوامره ونواهيه ، لا الانسحاب والفرار من المعركة .

إذ قد يحتمل أنّ انسحاب الزبير كان بسبب ظهور العجز والانكسار في معسكر الضلال وأمّا قضيّة طلحة فهي أوضح ، لأنّه كان عازماً على الاستمرار في القتال ، إلى أنْ غدر به صاحبه .

تحريف الحقائق في كتب أهل السنّة :

بدأ " طالب خالد " بعد ارتقاء مستواه العلمي بكتابة المساهمات في المواقع على الإنترنيت وذكر في إحدى مساهماته ردّاً على من يقول بأنّ الشيعة يكذبون : " أردت أنْ أبيّن الحقيقة لكلّ من يطلبها ، وأبيّن من هم الكذّابين وأرجو منكم أنْ تنشروا هذه الفقرات تبياناً للحقيقة وخدمة لأهل البيت ( عليهم السلام ) .

1 - روى ابن الأثير في تاريخه قال :

عندما أراد معاوية البيعة ليزيد خطب مروان وقال : إنّ أمير المؤمنين قد اختار لكم ولم يسأل وقد استخلف لابنه يزيد سنة أبو بكر وعمر ، فقام عبد الرحمن بن أبو بكر وقال : كذبت يا مروان وكذب معاوية ما الخيار أردتما لأمّة محمّد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقليّة ، كلّما مات هرقل قام هرقل . .

ثُمّ يذكر : أنّ عائشة خرجت من وراء حجاب وقالت : يا مروان كذبت ولكنك فضض من لعنة رسول الله (1).

وفي رواية أخرى قالت : لكنّ رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه ، فمروان فضض من لعنة رسول الله (2).

لكن الشيخ البخاري ذكر الحديث في باب : والذي قال لوالديه أفّ لكما ، فقال : كان مروان على الحجاز واستعمله معاوية فخطب وجعل يذكر يزيد حتّى يبايع له بعد أبيه ، فقال عبد الرحمن كلاماً ، فقال مروان : خذوه ، فدخل إلى بيت


1) - الكامل في التاريخ 3 : 506 .

2) - المستدرك على الصحيحين 4 : 481 .

عائشة ، فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إنّ الله أنزل فيه : والذي قال لوالديه أفّ لكما ، فخرجت عائشة من وراء حجاب وقالت : ما أنزل الله فينا من القرآن شيء إلاّ أنّ الله أنزل عذري (1).

لاحظوا جيداً كيف حذف الشيخ البخاري كلام عبد الرحمن عندما قال : كذبت يا مروان وكذب معاوية تريدون أنْ تجعلوها هرقليّة ، وأبدله بعبارة : فقال عبد الرحمن كلاماً ، وحذف قول عائشة لعبد الرحمن إنّ النبيّ لعن أباه وهو في صلبه ، فهو من لعنة رسول الله .

2 - روى الطبري في تاريخه في وصف مرض النبيّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عائشة ، قالت : فخرج رسول الله بين رجلين بين الفضل بن عبّاس ورجل آخر ، يقول عبيد الله : فحدثت هذا الحديث عنها ابن عبّاس فقال : أتدري من الرجل ؟ قلت : لا ، قال : عليّ بن أبي طالب ، ولكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع (2).

ورواه ابن سعد في طبقاته (3)، لكن الشيخ البخاري ذكر الحديث في باب مرض النبيّ (4)، توقف عند كلمة : أتدري من الرجل ، إنّه عليّ بن أبي طالب ! ولم يذكر قول ابن عبّاس لعبيد الله أنّ عائشة كانت لا تقدر على ذكر علي بخير .


1) - صحيح البخاري 6 : 42 ، سورة الأحقاف .

2) - تاريخ الطبري 2 : 433 ، السنة الحادية عشر من الهجرة .

3) - الطبقات الكبرى 2 : 232 ، ذكر استئذان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نساءه أن يمرّض في بيت عائشة .

4) - صحيح البخاري 5 : 139 ، باب مرض النبيّ 7 : 18 ، كتاب الطب .

(14) عبد الباقي قرنة الجزائري( مالكي / الجزائر )

الصورة

F08

ولد عام 1376 ه‍ ، ( 1957 م ) ، في الجزائر ، حاصل على شهادة الماجستير في علوم التربية ، استبصر عام 1407 ه‍ ، ( 1987 م ) ، في سوريا ، ثُمّ هاجر إلى إيران واهتمّ بتأليف الكتب العقائدية ، كما ظهر كثيراً على شاشة قناة الكوثر للدفاع عن المبادئ التي من أجلها غيّر انتماؤه المذهبي .

اختيار الدين :

يقول الأستاذ " عبد الباقي " : يولد الواحد منّا في بلد لم يختره ومن عشيرة لم يخترها ، ويجد أمامه ثقافة جاهزة ينصهر فيها ، ويتلقّى من المعارف ما شاء الله أن يتلّقى قلّ أم كثر ، ثُمّ ينضج فكره ويصبح صاحب رأي وموقف ، ثُمّ يأتي عليه يوم يلاحظ فيه تناقضات كثيرة بين ما يؤمن به وما يمارسه ، وهنا تبدأ المعركة الداخلية بينه وبين السمو الروحي والهبوط الحيواني ، وبعبارة قرآنية معركة السرائر .

ماذا يقول الإنسان في سريرته حينما يلاحظ تناقضاً في دينه ؟ وهنا يفترق الناس منهم من يريد العافية والمحافظة على وضعيته الاجتماعية فلا يرى نفسه

مكلّفاً بشيء ، انطلاقاً من مبدأ * ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) * (1)- الأعراف (7) : 175 - 176 .(2).

وهذا الصنف من الناس ليس لديه احترام لنفسه ; لأنّ أهون شيء عنده دينه . فهو إذا أراد أن يأكلّ تخيّر أفضل الأطعمة ، وإذا أراد أن يلبس تخيّر أفضل الألبسة ، وإذا أراد الزواج فلا تسأل عن الخبر ، حتّى إذا تعلّق الأمر بالدين تساهل وتسامح وغض الطرف ، واعتبر كلّ شيء صحيحاً ومنّى النفس الأماني .

ومنهم من يكون قد تقدّم في تديّنه بحيث يُستمع إليه إذا تكلّم ويستشار ويُستفتى ، وقد يترقى اجتماعياً بسبب تديّنه حتّى إذا تشابهت الأمور كان أهم شيء عنده ألاّ يفقد منصبه الديني ووضعيته الاجتماعية فيجنّد نفسه للدفاع عن ذلك ، ويتخلّف عما عاهد الله من الصدق والإخلاص ، فيغتنمها منه الشيطان ويصيب منه المقتل ، فيفتح له باب الإفتاء ، ويحيطه بالشبهات ، ويُعتّم عليه ويطلعه على أقوال شيوخ السوء ممن ساءت نيّته وخبثت سريرته فخذله الله تعالى ووكّله إلى نفسه .

وهذا الصنف يصدق عليه قوله تعالى : * ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * (2) .

ومنهم من يبقى حائراً متردداً لا يدري ما يفعل ، إذ لا هو مقتنع بما هو عليه ولا هو مطّلع على بديل ، فيخشى على نفسه الضلال ، خصوصاً إذا كان دينه من قلبه بمكان ومنهم من هو في غنى عن الوضعيّة الاجتماعية والمنصب ، ومع ذلك لأسباب يعلمها الله تغلب عليه الشقوة ويؤثر الباطل على الحقّ ويصبح من دعاته


1) - البقرة

2) : 286 .

المتفانين .

ومنهم الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه .

ومنهم . . .

ثُمّ ماذا لو سأل المرء نفسه كأن يقول مثلاً : لو أنّني خلقت في محيط بوذي أو هندوسي ، هل أعرف من نفسي ما يطمئنني إلى أنّي أكون بسهولة من المهتدين ؟

ولو أنّني ولدت في وسط يهودي أو مسيحي أتراني كنت أعتنق الإسلام لأوّل ما يتبيّن لي الحقّ ؟

أتراني أكون مستعدّاً لفراق الأهل والعشيرة والتقاليد والرسوم . . . ؟

مثل هذه الأسئلة تمّثل المحك الذي يكشف عن خفايا النفوس وخباياها ، لذلك ترى كثيراً من الناس يفرّون من طرحها ; لأنّها أشبه ما تكون بالمرآة ، تعكس الشيء نفسه لا أقل ولا أكثر .

والإنسان يعرف من ذاته الدفاع عن النفس الأمّارة ، ويتمحل في التأويل والتلقيق ، ويريد ان يقول : إنّه دائماً على صواب ولكن الآخرين لا يفهمونه ، وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً .

نعم ، لو أنّني خلقت بوذياً أكنت أقبل على الإسلام لأوّل ما يتبيّن لي الأمر ؟

إنّها نعمة لا تعدلها نعمة ، إنّي ولدت في مجتمع مسلم من أبوين مسلمين ، فقد كفيت مؤونة البحث ، ودخلت سنّ التكليف غير ملوّث بالشرك ، وما أكثر أطفال العالم الذين لم يحظوا بهذه النعمة ، ولم يزدهم آباؤهم وأمهاتهم إلاّ بعداً من الطريق ، إلاّ أن تدركهم العناية الإلهية ، وقد أوتيت هذه النعمة من غير استحقاق ، فهل أنا في مستوى الشكر ؟

إنّها أسئلة صعبة وأجوبتها أصعب ! فإن قال المتسائل : نعم ، أنا في مستوى الشكر كان مزكّياً لنفسه مخالفاً لقوله تعالى : * ( فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ

اتَّقَى ) * (1)، وإنّ قال : لا ، كان شاهداً على نفسه بكفران النعمة ، والسكوت أسلم لكنه لا يحل المشكلة .

ومن هذا القبيل أيضاً أن يقول مثلاً : لو أنّني كنت في مكّة زمن البعثة النبوّية الشريفة ، مع من كنت أمضي ؟ مع رسول الله والأبرار ، أم مع أبي جهل والوليد بن المغيرة و . . . ؟

صحيح أنّ ذلك من الغيب ، ولكن هناك أمور يستشف من ورائها موقف الإنسان لا تكهناً ورجماً بالغيب ، بل بناء على مؤهّلات واقعية اختيارية .

وهل نعجب عند سماع قوله تعالى : * ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) * (2)، هؤلاء رأوا العذاب الذي لا طاقة للبشر بوصفه ، لكنّهم لأوّل لحظة يتمكّنون من الاختيار فيختارون متابعة الهوى ، فكيف نعجب ممن يتّبع هواه ولم ير العذاب ؟ !

إنّ موقف الإنسان الواقعي يكشف عن موقفه الافتراضي ، بمعنى أنّه من خلال مواقفه يستطيع أن يتصوّر بصورة تقريبية موقفه من رسول الله لو ولد في زمانه ، فما عليه إلاّ أن يعرض سلوكه المعنوي على توجيهات وإرشادات وأوامر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويتبيّن من خلال ذلك في أيّ صفّ يكون ، معه أم عليه ؟

نعم ، السلوك المعنوي لا العبادات التي أفرغت من محتواها فأضحت من المكّملات الشكلية !

والمقصود من ذلك أنّ الإنسان إذا كان صادقاً في معتقداته فإنّه يحوطها ويدافع عنها ، ويتأذّى من كلّ ما يسيء إليها . أمّا إذا كان لا يبالي أن تُهان مقدساته فإنّة لا يكون إلاّ كاذباً في دعواه ، وشواهد ذلك لا تخفى على من كان له قلب أو


1) - النجم (53) : 32 .

2) - الأنعام (6) : 28 .

ألقى السمع وهو شهيد (1).

قراءة في كتاب " قراءة في سلوك الصحابة " :

إنّ الأستاذ " عبد الباقي قرنة الجزائري " من المحامين الذين عاشوا همّ قضية عدالة الصحابة ، وعرف - بحقّ - ما تمثّله من مكانة في ما ينبغي أن يُطرح في البحوث وأن يُتناول بالتمحيص .

ومن هذا جاء كتابه " قراءة في سلوك الصحابة " كتجسيد لوعيه لهذا الجانب ، ولعلّ الأستاذ عبد الباقي قرنة - وهو المستبصر - من أدرى الناس بما ينبغي وما لا ينبغي أن يُطرح ، انطلاقاً من تجربته في البحث بين المذاهب الإسلاميّة . هذه التجربة التي انتهت بعقله وقلبه إلى اتّخاذ القرار بركوب سفينة أهل البيت ( عليهم السلام ) واعتناق مذهبهم الشريف الذي يمّثل بحقّ دين الإسلام الحنيف مبرّأ من شوائب الانحراف ومصفّى من كدورات التضليل ، وليس يخفى على القارئ اللبيب ما تركته هذه التجربة من وعي وتكامل فكري يظهر جليّاً في طيّات كتابه .

ويتضمّن هذا الكتاب ثمانية فصول وهي :

الفصل الأوّل : مسألة عدالة الصحابة .

الفصل الثاني : ماذا يريد القائلون بعدالة جميع الصحابة ؟

الفصل الثالث : الصحابة وطاعة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

الفصل الرابع : المخالفات .

الفصل الخامس : عمر بن الخطّاب .

الفصل السادس : المغيرة بن شعبة .

الفصل السابع : نماذج من التحريف .

الفصل الثامن : معرفة الحقّ .


1) - قراءة في سلوك الصحابة ، عبد الباقي الجزائري : 16 - 19 .

(15) عبد الحليم انواصر( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1391 ه‍ ، ( 1972 م ) ، في باتنة ، الجزائر ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ استبصر عام 1418 ه‍ ، ( 1998 م ) ، وهو مقيم في غيفري ، ويقول عبد الحليم حول العوامل التي دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي : " أسباب استبصاري معاملة الخليفتين الأوّل والثاني لأهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " .

موقف عمر من بيت سيّدة نساء العالمين :

ذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة ( عليها السلام ) ، منهم أسيّد بن حضير ، وسلمة بن أسلم ، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا ، فأبوا عليه ، وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب ! فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار (1).

ثُمّ انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم وعلي يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى إنتهوا ابه إلى أبي بكر ، فقيل له : بايع ، فقال : أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا احتج عليكم


1) - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 6 : 11 ، أخبار السقيفة .

بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، فانصفونا إنّ كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمور مثل ما عرفت الأنصار لكم ، وإلاّ فبوروا بالظلم وأنتم تعلمون .

فقال عمر : إنّك لست متروكاً حتّى تبايع .

فقال له علي : احلب يا عمر حلباً لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليردّه عليك غداً !

ثُمّ قال علي : يا معشر المهاجرين ، الله الله ! لا تخرجوا سلطان محمّد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ، أما كان منّا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنّة ، المضطلع بأمر الرعية ، والله إنّه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى ، فتزدادوا من الحقّ بعداً ! !

الهجوم على دار فاطمة ( عليها السلام ) :

قال أبو بكر قبيل وفاته : إنّي لا آس على شيء من الدنيا . . . وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة . . . " (1).

ومجمل قضية الهجوم على دار فاطمة كما يرويها المؤرّخون والمحدّثون : أنّ عمر بن الخطّاب أتى منزل علي فنادى الإمام علي ( عليه السلام ) ومن معه في الدار أن يخرجوا لبيعة أبي بكر ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفسي عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها ! فقيل له : إنّ فيها فاطمة ! فقال : وإن ! (2).

ثُمّ أقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ ! قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه


1) - ميزان الاعتدال ، الذهبي 5 : 135 ، رقم 5769 .

2) - الإمامة والسياسة 1 : 30 .

الأمّة (1).

ثُمّ أمر عمر أعوانّه باقتحام الدار ، وفي هذا الاقتحام بقيت الزهراء بين الحائط والباب فعصروها عصرة أدّت إلى إسقاط جنينها المحسن ( عليه السلام ) ، فوقعت من ذلك اليوم في فراش العلّة حتّى قضت نحبها واستشهدت في سبيل الدفاع عن الولاية .

وبقيت مظلومية الزهراء ( عليها السلام ) إلى يومنا هذا من أهم أسباب تحرر طلبة الحقّ من اتّباع التقليد الأعمى للموروث العقائدي ، ولو استقرأنا أسباب الاستبصار فإنّنا سنجد بأنّ مظلومية الزهراء ( عليها السلام ) ستكون في صدارة هذه الأسباب .


1) - العقد الفريد 5 : 13 .

(16) علي الجزائري( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1392 ه‍ ، ( 1973 م ) ، في الجزائر ، ونشأ في أسرة مالكية ، أشعرية ، صوفية المذهب ، حاصل على شهادة جامعية ، واستبصر عام 1427 ه‍ ، ( 2007 م ) .

نصيحته إلى كلّ شخص حرّ التفكير :

يقول " علي الجزائري " حول أسباب وقصّة استبصاره ، هذه نصيحة إلى كلّ شخص حرّ التفكير غير متعصّب لمذهبه وقوميته ، دائم البحث ، يقبل البحث ولو كان مرّاً ، ولو كان من أعدائه وخصومه .

اطّلعت على مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق القنوات الفضائية والإنترنيت ، كما لفت انتباهي انتصار حزب الله في لبنان على اليهود ، فدفعني ذلك إلى المزيد من البحث حول عقائد الشيعة .

ومن خلال مطالعة الكتب الدينية العقائدية والفقهية والفلسفية لأهل السنّة عثرت على تناقضات كثيرة في عقيدتهم وتخبّطهم في الأمور الكثيرة منذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

تناقضات وجدتها في عقيدة أهل السنّة :

أوّل تناقض وجدته في عقيدة أهل السنّة هو أنهم لم يمتثلوا لأمر الله ورسوله بتنصيب الإمام علي ( عليه السلام ) خليفة بعدما بايعوه في يوم الغدير 18 ذي الحجة ، وكان ذلك حوالي 80 يوماً قبل وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد حضر يوم الغدير ما يقارب 120 ألف صحابي ، ولكنهم بعد التحاق الرسول بالرفيق الأعلى نقضوا البيعة لعلي ( عليه السلام ) ، واجتمع المتآمرون في سقيفة بين ساعدة ، وتذرّعوا بحجج واهية لعزل الإمام علي ( عليه السلام ) عن المقام الذي عيّنه الله تعالى ورسوله لذلك ، وقالوا بأنّهّ ( عليه السلام ) صغير في السن ، أو أنّ النبوّة والخلافة لا تجتمعان في بيت واحد و . . .

وكان احتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار في أحقّيتهم بالخلافة أنّهم من قريش ، فلّما سمع الإمام علي ( عليه السلام ) بذلك قال : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " (1).

وتقدّمت سيّدة نساء العالمين الزهراء ( عليها السلام ) لتدافع عن الخلافة الإلهية ، فظلمها القوم ، وحاصروا تحركاتها ، ولم يراعوا حقّها .

أسئلة تبحث عن إجابة :

يقول " علي الجزائري " : لماذا عيّن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل وفاته بأيام أبا بكر وعمر برتبة جنديين في جيش أسامة القائد بعمر 17 سنة لغزو الروم ؟

إنّ الأدلّة تشير إلى أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أراد بذلك إبعاد أبي بكر وعمر عن المدينة المنورة لئلا يحققوا مخططهم ضدّ خليفة الله في أرضه ، ولكنهما تمرّدا على أو أمر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولم يلتحقا بجيش أسامة ، فشملتهم لعنة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث لعن من تخلّف عن هذا الجيش .


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 116 ، رقم 67 .

والسؤال : الآخر : لماذا عندما طلب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالدواة والقرطاس ليكتب للأمة كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، وقف عمر بوجهه وقال : " إنّ الرسول ليهجر أو غلبه الوجع " ، وقال : " حسبنا كتاب الله " (1).

الجواب : أنّهم عرفوا ما الذي يعصم الأمّة من الضلال ، هما الثقلين : القرآن والعترة ، ولكنهم تلبية لمطامعهم ومصالحهم الدنيوية الدانية تجرّؤا في دفع العترة عن حقّها وحذفها من المجتمع ، والقول : " حسبنا كتاب الله " ! !

ضعف أدلّة أهل السنّة في أمر الخلافة :

يقول " علي الجزائري " : وجدت بعد البحث بأنّ كلّ أدلّة أهل السنّة على خلافة أبي بكر ضعيفة وواهية ، ولا تصمد أبداً أمام الكم الهائل من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأدلّة العقلية المثبتة لأحقية إمامة الإمام علي ( عليه السلام ) وإمامة ذريته من بعده ، الذين اصطفاهم الله تعالى ، كما اصطفى آل عمران وآل إبراهيم .

وصيّتي لكلّ سني :

يضيف " علي الجزائري " : أقدّم وصيّتي لكلّ سني يهتم بدينه وعقيدته أن يهتم بالبحث حول حديث الغدير ، وحديث المنزلة ، وحديث الكساء ، وحديث مدينة العلم ، وحديث السفينة ، وحديث الثقلين ، وحديث الطير ، ويراجع كتب أهل السنّة التي نقلت هذه الأحاديث ، ويراجع أيضاً الأحاديث الشريفة الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في خصوص محبّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولزوم طاعتهم ، والتمسكّ بهم ، وأفضليتهم عمن سواهم ، وولايتهم بعد ولاية الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال ، وويل للذين يكتمون الحقّ ، وويل للذين ينصرون الظالم على المظلوم !


1) - صحيح البخاري 7 : 9 ، كتاب المرضى والطب .

(17) علي مباركية( سني / الجزائر )

كتب " علي مباركة " في مساهمة بعثها إلى مركز الأبحاث العقائدية :

السلام عليكم ورحمة الله . . . اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد .

إخواني . . . أخواتي : أكتب هذه الكلمات المتواضعة والبسيطة إلى من تمسّك بولاية آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين .

ترجع قصّة استبصاري وتشيّعي حين كنت أدرس في الثانوية ، وكان يدرس معي أحد الشيعة ، وكان شخصية مميزة ، ولم أر له مثيلاً إلى يومنا هذا من حيث مرتبته العلمية وذكائه وفطنته وحبّه للعلم والتعلّم والمطالعة ، وكان شجاعاً لا يهاب أحداً ، يعلن تشيّعه أمام كلّ الناس ، ولم أر أيّ أحد تمكّن أن يواجهه في المناظرات ، وكان حادّ اللسان في الدفاع عن التراث الشيعي ، وحافظاً لكتب السنّة ومصادرهم ممّا جعله يقنع الكثير من المخالفين ويفحم العديد من النواصب .

اليقظة من السبات :

يضيف " علي مباركية " : في البداية لم أكن مهتماً في تلك الفترة بالتديّن ولا بالتشيّع ، وكنت أعيش في نومي العميق في الدنيا وملذاتها وشهواتها ، ولكن بعدما تاب عليّ الله ورجعت إلى الدين وكلام الله فكّرت بأوامر ووصايا أخونا العزيز

الذي افتقدته وندمت لأنّي لم أكن من أصدقائه ولا من المقرّبين له لاستفيد منه .

التزمت بصلاتي واهتممت بطهارتي ، لكن كلام أخونا ترك أثراً بالغاً في وجودي ، وتذكّرت كلامه الذي جعلني أبحث عن الحقيقة ، فقصدت التعرّف بدقّة على التشيّع ، فاستعنت بالكتب الشيعية ومصادرهم ، وكان أوّل كتاب هو المراجعات للسيّد عبد الحسين شرف الدين .

الأدلّة الشرعيّة تفرض مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

عرف " علي المباركية " خلال قراءته لكتاب المراجعات بأنّ تعبّد الشيعة في الأصول بغير المذهب الأشعري وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزّب أو تعصّب ، ولكن الأدلّة الشرعيّة أخذت بأعناقهم إلى الأخذ بمذهب أئمة أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل ، فانقطعوا إليهم في فروع الدين وعقائده ، وأصول الفقه وقواعده ، ومعارف الكتاب والسنّة ، وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب ، نزولاً على حكم الأدلّة والبراهين ، وتعبّداً بسنة سيّد النبيين والمرسلين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ولا دليل لأهل السنّة على رجحان شيء من مذاهبهم فضلاً عن وجوبها ، والاجتهاد غير محصور بهم فكيف يمكن أن تكون مذاهبهم واجبة على سبيل التعيين ؟ ! ولا يجرأ أحد بالقول بتفضيلهم على أئمة أهل البيت وهم أئمة العترة الطاهرة ، وسفن نجاة الأمّة ، وباب حطّتها ، وأمانها من الاختلاف في الدين ، وأعلام هدايتها ، وثقل رسول الله ، وبقيته في أمّته ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم " (1)، لكنّها السياسة وما أدراك ما اقتضت في صدر الإسلام .

والعجب من قول أهل السنّة أنّ السلف الصالح دانوا بتلك المذاهب ورأوها


1) - المعجم الكبير ، الطبراني 5 : 167 ، أبو الطفيل عامر بن واثلة عن زيد بن أرقم .

أعدل المذاهب وأفضلها واتّفقوا على التعبّد بها في كلّ عصر ومصر ، وكأنّهم لا يعلمون بأنّ الخلف والسلف الصالحين من شيعة آل محمّد إنّما دانوا بمذهب الأئمّة من ثقل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلم يجدوا عنه حولاً ، وأنّهم على ذلك من عهد علي وفاطمة إلى الآن ، حيث لم يكن الأشعري ولا واحد من أئمة المذاهب الأربعة ولا آباؤهم كما لا يخفى .

وأنّ أهل القرون الثلاثة مطلقاً لم يدينوا بشيء من تلك المذاهب أصلاً ، وأين كانت تلك المذاهب عن القرون الثلاثة ؟ ! - وهي خير تلك القرون - وقد ولد الأشعري سنة 207 ه‍ ، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة ، وابن حنبل ولد سنة 164 ه‍ ، وتوفي سنة 241 ه‍ ، والشافعي ولد سنة 150 ه‍ ، وتوي سنة 204 ه‍ ، ومالك ولد سنة 95 ه‍ ، ومات سنة 170 ه‍ ، وولد أبو حنيفة سنة 80 ه‍ ، وتوفي سنة 150 ه‍ .

والشيعة يدينون بمذهب الأئمّة من أهل البيت - وأهل البيت أدرى بالذي فيه - وغير الشيعة يعملون بمذاهب العلماء من الصحابة والتابعين ، فما الذي أوجب على المسلمين كافّة بعد القرون الثلاثة تلك المذاهب دون غيرها من المذاهب التي كان معمولاً بها من ذي قبل ؟ ! وما الذي عدل بهم عن أعدال كتاب الله وسفرته ، وثقل رسول الله وعيبته ، وسفينة نجاة الأمّة وقادتها وأمانها وباب حطتها ؟ !

وما الذي أرتجّ باب الاجتهاد في وجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة الأُولى مفتوحاً على مصراعيه ؟ ! لولا الخلود إلى العجز والاطمئنان إلى الكسل والرضا بالحرمان والقناعة بالجهل .

ومن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون - من حيث يشعر أو لا يشعر - قائلاً بأنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث أفضل أنبيائه ورسله بأفضل أديانه وشرائعه ؟ ! ولم ينزل عليه أفضل كتبه وصحفه بأفضل حكمه ونواميسه ، ولم يكمل له الدين ، ولم يتمّ

عليه النعمة ، ولم يعلّمه علم ما كان وعلم ما بقي إلاّ لينتهي الأمر في ذلك كلّه إلى

أئمة تلك المذاهب فيحتكروه لأنفسهم ، ويمنعوا من الوصول إلى شيء منه عن طريق غيرهم ، حتّى كأنّ الدين الإسلامي بكتابه وسنته وسائر بيّناته وأدلّته من أملاكهم الخاصة ، وأنّهم لم يبيحوا التصرّف به على غير رأيهم ، فهل كانا ورثة الأنبياء أم ختم الله بهم الأوصياء والأئمّة وعلّمهم علم ما كان وعلم ما بقي ، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ؟ !

كلا ، بل كانوا كغيرهم من أعلام العلم ورعاته وسدنته ودعاته ، وحاشا دعاة العلم أن يوصدوا بابه ، أو يصدّوا عن سبيله ، وما كانوا ليعتقلوا العقول والأفهام ، ولا ليسلموا أنظار الأنام ، ولا ليجعلوا على القلوب أكنّة ، وعلى الأسماع وقراً ، وعلى الأبصار غشاوة ، وعلى الأفواه كمامات ، وفي الأيدي والأعناق أغلالاً ، وفي الأرجل قيوداً ، لا ينسب ذلك إليهم إلاّ من افترى عليهم .

ويضيف العلاّمة عبد الحسين شرف الدين قائلاً للشيخ سليم البشري : هلمّ بنا إلى المهمة التي نبّهتنا إليها من لمّ شعث المسلمين ، والذي أراه أنّ ذلك ليس موقوفاً على عدول الشيعة عن مذهبهم ، ولا على عدول السنّة عن مذهبهم ، وتكليف الشيعة بذلك دون غيرهم ترجيح بلا مرجّح ، بل ترجيح للمرجوح ، بل تكليف بغير المقدور .

نعم ، يلمّ الشعث وينتظم عقد الاجتماع بتحريركم مذهب أهل البيت واعتباركم إيّاه كأحد مذاهبكم ، حتّى يكون نظر كلّ من الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية إلى شيعة آل محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كنظر بعضهم إلى بعض ، وبهذا ينتظم عقد اجتماعهم .

والاختلاف بين مذاهب أهل السنّة لا يقلّ عن الاختلاف بينها وبين مذهب الشيعة ، تشهد بذلك الألوف المؤلفة في فروع الطائفتين وأصولهما .

فلماذا ندّد المندّدون منكم بالشيعة في مخالفتهم لأهل السنّة ، ولم ينددوا

بأهل السنّة في مخالفتهم للشيعة ، بل في مخالفة بعضهم لبعض ، فإذا جاز أن تكون المذاهب أربعة ، فلماذا لا يجوز أن تكون خمسة ؟ وكيف يمكن أن تكون الأربعة موافقة لاجتماع المسلمين ، فإذا زادت مذهباً خامساً تمزّق الاجماع وتفرّق المسلمون طرائق قدداً ؟ ! (1)


1) - اُنظر المراجعات للعلامة عبد الحسين شرف الدين : المراجعة الرابعة ، ص 16 - 19 .

(18) غريبي مراد عبد الملك( سني / الجزائر )

الصورة

F09

ولد في الجزائر ، ونشأ في أسرة سنّية المذهب ، فلمّا ترعرع توجّه نحو البحث وطلب العلم حتّى توصّل إلى العقيدة الحقّة التي أملتها عليه الأدلّة والبراهين .

يقيم حالياً في " أم النبلاء " بالجزائر ، له اتّصال دائم مع مركز الأبحاث العقائدية عبر الإنترنيت ، ويبعث إليها دائماً مقالات لتضاف في موقع المركز قسم مساهمات المستبصرين ، وقد اخترنا ثلاث مقالات نوردها فيما يلي :

المقال الأوّل : في ظلال المولد العلوي :

تمرّ هذه الأيّام ذكرى مولد إمام المتّقين ، أسد الله الغالب ، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وصي النبيّ وأخوه ونفسه ، وزوج الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وأبو سيّدي شباب أهل الجنّة ( عليهما السلام ) ، هازم قريش يوم بدر ، وقاصم شعث الأحزاب ، وحامي وفادي رسول الله ليلة الهجرة ويوم أحد ، وقاهر اليهود يوم خيبر والقاسطين يوم الجمل وصفين والنهروان ، إنّه علي وليّ الله ، الذي عاش حياته كما عاشها النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أجل الله ودين الله ، وحمل عباد الله على الحقّ والعدل والإسلام دين الله ، فاستطاع أن يملأ الدنيا تقى وورعاً وعلماً

وإيماناً ، كما ملأها جهاداً في سبيل الله ، ولأجل وعي المسلمين للمواقف والمواقع والمسؤوليات العظيمة ، وفي سبيل مواجهة الظلم كلّه " الكفر ، الشرك ، الضلال ، والاستكبار " الذي يعمل لأجل انحراف المسلم عن خط الرسالة المحمّدية الأصيلة .

هذه الأيّام هي أيّام الإكبار والإجلال والسمو والصفاء الروحي والتعمّق العقلي في سيرة الطهر الإمامي والشعور الإنساني باللطف الإلهي .

يوم علي ( عليه السلام ) هو يوم التطلّع إلى الإسلام الأصيل الذي يملاً عقل الإنسان كلّه وحياته كلّها بما يرضي الله ; لأنّ حياة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليس فيها شيء لغير الله ، وحتّى نفسه فقد كانت " نفسه " الزكية الطاهرة بكلّها لله تعالى ، وعقله للحق ، وقلبه للخير ، وحياته اتّسعت لتحتضن الإنسان كلّه . . .

• ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) * (1)- المائدة (5) : 55 .(2)، هذه الآية الكريمة وغيرها من آيات الذكر الحكيم كآية الولاية (2) ، تذكر الروايات عن طريق السنّة والشيعة أنّها نزلت بحقّ عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) . وأغلب الآيات النازلة بحقّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) تتحدّث عن علاقته ( عليه السلام ) بالله تبارك وتعالى ، وبعبارة أدق وأهدى تحدّثت هذه الآية وأخواتها عن سرّ الولاية وجوهرها وأبعادها من خلال الإيحاء للتجربة الإيمانية وآفاقها الرسالية العظيمة في شخصية الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، والتي رسمت الحقيقة الإسلاميّة والعظمة المحمّدية والتقوى الإسلاميّة في كلّ جزئيات سيرة أمير المؤمنين وسيّد الوصيين ( عليه السلام ) .

ومن خلال هذا الحديث القرآني الخاص عن شخصية الإمام عليّ بن أبي


1) - البقرة

2) : 207 .

طالب ( عليه السلام ) ، نستوحي تلك الحقائق والمنبّهات الحيثية لموقع هذه الشخصية العظيمة في منظومة الحركة الإسلاميّة عبر الزمن كلّه .

" أنا مدينة العلم وعلي بابها " (1)، " من كنت مولاه فهذا علي مولاه . . . " (2)، " علي مع الحقّ والحقّ مع علي . . . " (3)، " برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه " (4)، وما هنالك ممّا تعجز عن حصره وذكره الأسفار ، وتكلّ عن شرحه العقول والألسن ، وتنكسر الأعداء لو حاولت طمسه . . .

إنّه وليد الكعبة ، وأخ سيّد الخلق كلّهم ، وزوج أمّ أبيها ، وأبو أئمّة الهدى عليهم الصلاة والسلام أجمعين . . .

علي بكلّه : الإيمان واليقين والإخلاص والسلام والإنسانية . . . ، والتي تختزن كلّها حقائق الحقّ ، وإنسان الجنّة ، وولي الله ، وتجلّي حقائق النبوّة في الناس .

كان علي ( عليه السلام ) المؤمن المسؤول عن الوحدة والحقّ والعدل والسلم والرسالة كلّها ، وهذا ما نلمسه في كلماته الرحبة التي قالها ( عليه السلام ) : " فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلاّ وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي ، وذلك أحبّ إليّ من أن أقاتلها على ضلالها وإنّ كانت تبوء بآثامها " (5).

" لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصّة " (6).

" فخشيت إنّ لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون


1) - المستدرك على الصحيحين 3 : 126 .

2) - مسند أحمد 4 : 370 .

3) - تاريخ بغداد 14 : 322 ، رقم 7643 .

4) - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 13 : 161 .

5) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 104 ، رقم 55 .

6) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 124 ، رقم 74 .

المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما ينقشّع السحاب " (1).

لنحدق جيّداً ليقين علي وحبّ علي وإسلام علي ، حيث يقول ( عليه السلام ) : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " (2).

وبهذا يبقى بجنب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بحار العرفان الإلهي والمعرفة القدسية والقرب الإلهي .

ونكتشف أيضاً من قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله " (3)، ماذا يحبّ علي ( عليه السلام ) .

ولذلك قال علي ( عليه السلام ) للناس : " ليس أمري وأمركم واحداً إنّي أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم " (4).

فشخص علي ( عليه السلام ) هو أعظم نموذج للعبودية الخالصة لله بأسمى معانيها ، لا يتقدّمه أحد في ذلك إلاّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولهذا أشغال علي وعلاقاته وحساباته وحركاته كلّها مرتبطة بالله تعالى وبرسوله القدوة ، والخلق العظيم الذي استمدّ منه علي ( عليه السلام ) العلم ، وتربّع على عرش القرب من حبيب الله ، وبالتالي اكتسابه وسام الحبّ الإلهي عن جدارة واستحقاق ، فكان من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنزلة هارون من موسى دون النبوّة ; لأنّ علي عاش رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلّه منذ أن كان طفلاً إلى أن كبر ، ولقد احتضنه المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأعطاه عقله وروحانيته وقلبه . . .

" يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً " (5).


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 3 : 119 ، 62 .

2) - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 11 : 202 .

3) - صحيح البخاري 4 : 20 ، باب دعاء النبيّ إلى الإسلام .

4) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 2 : 19 ، رقم 136 .

5) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 2 : 157 ، رقم 192 .

إنّنا أيّها الإخوة ، لا يمكننا معرفة النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلّه دون أن نعرف علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لذلك لا يمكن أن يغيب عنّا علي ( عليه السلام ) حتّى نبقى في رحاب الإسلام المحمّدي . . .

وتجربتي الشخصية من قبل ركوب سفينة النجاة التي أعتقد أنّني ركبتها بالفطرة لكنني نزلت منها عند تقليدي الأعمى لوسطي الاجتماعي ، كنت أشعر أنّ علي ( عليه السلام ) حاضراً في حياتي كلّها ، أميل لعلي ( عليه السلام ) أكثر من أيّ شخصية أُخرى من أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، رغم تسنني الضاغط آنذاك على قيمة علي العظيمة في وجداني .

كانت تجربة مريرة وعظيمة في آن واحد ; لأنّها تختزن الميلاد الجديد للإسلام كلّه بداخلي ، وكانت سرّاً أصلح ما فسد منّي ، فعلي ( عليه السلام ) نور من نور المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يضيء بقوّة ولطف إلهيين ، قد يحمله كلّ مسلم ، لكن كلّ حسب وعيه واهتمامه بمصيره الأخروي . . . لكنني الحمد لله ذات يوم قلت : لبيك يا علي ، بعد لبيك يا محمّد التي كنت أظلمها من حيث جهلي بكنهها ، حينها أدركت أنّ حياة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلي وأهل البيت ( عليهم السلام ) هي حياة أعظم وأكبر وأتقى وأنقى وأطهر من حياة الكثير ممن رّوج لهم التاريخ الإسلامي .

والتقيت بإمام المتّقين ( عليه السلام ) من خلال سيرته العطرة التي استقرّت بداخلي لتعينني على أن يكون إيماني مستقرّاً لا مستودعاً ، ونهلت من كلماته العرفانية العقلانية والواقعية الهادفة التي لا يحدّها زمان ولا مكان ، فكان حديثي عن علي ( عليه السلام ) مع الموالين والعامة وغير المسلمين حديثاً طبيعياً ليس فيه من التكلّف شيء ; لأنّ حديث علي عذب فرات ، وحديث ورع واجتهاد ، وعفّة وسداد ، يفضي بسامعه لولوج رحاب علي ( عليه السلام ) برحابة ولطافة ، فكان والحقّ يقال علي من شيّعني ، كما كتبتها في مقدّمة مذكّراتي " إرادة التشيّع " .

أيّها الأحبّة ، من أراد معرفة علي ( عليه السلام ) فليقرأ أدعيته التي كان يدعو الله بها ،

ليعرف لماذا علي ( عليه السلام ) وليس غيره ; لأنّه يقول : " اللّهم إنّك أعلم بي من نفسي ، وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللّهم اجعلنا خيراً ممّا يظنون ، واغفر لنا ما لا يعلمون " (1).

ويقول أيضاً : " اللّهم إنّي أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي ، وتقبح فيما أبطن لك سريرتي ، محافظاً على رئاء الناس من نفسي بجميع ما أنت مطّلع عليه منّي ، فأبدي للناس حسن ظاهري وأفضي إليك بسوء عملي تقرّباً إلى عبادك ، وتباعداً عن مرضاتك " (2).

إنّه علي الإمام والوالي والعالم والوصي والوزير ، يتحدّث عن الإنسان التائه ليرشد هذا الإنسان إلى الهدى وترك الضلال والهوى . . . ، ولا بدّ أن يسترشد كلّ منّا بعلي الإمام ، وعلي الولي ، وعلي المعصوم ، لينطلق في مدارج الكمال والطهر والصفاء والأمن والحقّ .

علي هو نور من أنوار الله للمستوحشين في الظلام .

علي هو عالم علّمه الله علم رسوله من خلال نبيه فلم يعلمه أحد غير الله .

" علّمني رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ألف باب كلّ باب يفتح ألف باب " (3).

وكما قال الفراهيدي : " احتياج الكلّ إليه ، واستغناؤه عن الكلّ دليل علي أنّه إمام الكلّ " (4).

" إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة " (5).

ويبقى علي ( عليه السلام ) بسموّه كلّه ، ويسمو معه كلّ من والاه بحقّ وصدق وعدل ، وهو القائل سلام الله عليه :


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 4 : 22 ، رقم 100 .

2) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 67 ، رقم 276 .

3) - كنز العمال 13 : 50 ، حديث 36368 .

4) - تنقيح المقال ، المامقاني 26 : 12 .

5) - نهج البلاغة 4 : 36 ، رقم 147 .

" لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صبّت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني ، وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبيّ الأمي صلّى الله عليه وآله أنّه قال : يا علي لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق " (1).

أيّها الأحبّة ، علي مصباح الهدى والإيمان ، فبقدر حبّه - الحبّ الرسالي لا العاطفي فقط - يرتقي المسلم في مدارج الصالحين والعارفين والمؤمنين الصادقين المتّقين .

ويبقى رحاب علي ( عليه السلام ) يعطينا الدروس تلو الدروس مهما سعى الإرهاب لإبعاد زائريه بتفجيراته وإجرامه وحقده ; لأنّه في رحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نحيا الحياة الكريمة ، ونموت الموت الشاهدة على الحقّ ، ونلقى الله بقلب سليم .

وشيعة علي لن يموتوا ، ولن يمح ذكر علي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام .

أحبّتي علي ( عليه السلام ) علّمنا كيف نصمد ونثبت ونبتهل ونجاهد ونحيا ونعتزّ بالإسلام ، علي يريدنا لله وللرسول وللإسلام الأصيل .

ومع علي نعرف قدر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم .

وقدر القرآن ، وقدر العبودية لله .

أمّا أنتم أيّها المجرمون الحاقدون الظالمون المستكبرون القاتلون النفس التي حرّم الله حتّى جرحها .

علي ( عليه السلام ) وصي النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والنبأ العظيم .

علي ( عليه السلام ) كما قال الشاعر المسيحي بولس سلامة :

يا سماء اشهدي ، ويا أرض قري * واخشعي إنّني ذكرت علياً


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 4 : 13 ، رقم 45 .

ومن هذا كلّه نعرف أنّ التشيّع أعظم وأشد وأنقى وأصفى وأطهر من كلّ دعوى من دعاوى المغضوب عليهم والضالين ; لأنّه ليس كلمة ، وليس عاطفة ، وليس مجرد خلجات يمكن ترهيبها .

سوف نبقى مع علي ( عليه السلام ) ونزوره ; لأنّنا نحبّه ونواليه حقّاً حقّاً .

هكذا نبقى نحتفل ونفرح ونبتهج بذكرى أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وهكذا يكون الحقّ والصدق والعدل جوهر حياتنا حتّى يبقى التشيّع إمامياً ، والإسلام محمّدياً .

فلنستحضر علياً ( عليه السلام ) في كلّ تفاصيل حياتنا ، استحضاراً ولائياً عميقاً دقيقاً يبعد الشياطين ويخزيهم عن كلّ بلاد المسلمين .

إنّه يوم علي المسلم ، علي الرسالي ، علي الكرم والشجاعة والفداء والتواضع والمعجزة والولاية والشهادة ، علي القرآن الناطق ، علي أسد الله الغالب ، علي الصدّيق الأكبر ، علي الفاروق حقّاً ، علي وزير النبيّ ووصيّه وصهره ونفسه ، علي ولي الله .

أحبّتي المؤمنون ، ولاية علي تقرّبنا إلى سعادة المصير ، فلنحيا محمّديون علويون حسينيون إماميون مهدويون .

ونقول ختاماً : السلام عليك يا أمير المؤمنين يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم نراك عند خروج أرواحنا لبارئها ، ويوم نلقاك مع أخيك المصطفى صلّى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم الصلاة والسلام فتشفعوا لنا بإذن الله تعالى .

والحمد لله ربّ العالمين .

المقال الثاني : في مولد الإمام الشهيد ( عليه السلام ) : فرح من رحم الحزن :

نبقى مع الزمن الإسلامي ككل في معانيه المتصلة بالإنسان المسلم في حركته ، في داخل ذاته ، وفي إنطلاقاته داخل مجتمعه ، وفي كلّ تطلّعاته في الحياة

كلّها ، ذلك الزمن الإسلامي الذي يوحي بالطهر والصفاء والنقاء كمصاديق للأمانة وللحقّ وللإخلاص ، ليس الزمن شهوراً وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثوان نتجمّد ونتخلّف معها ونخلد إليها بحيث نشعر على أعتاب الزمن أنّنا نعيش التقليد من أعمارنا ، ولكن الزمن الإسلامي هو ذلك النور والإشراقة والضياء والانفتاح والتقدّم والرحابة والأصالة الإسلاميّة بأرقى وأسمى تعابيرها القدسية والعرفانية .

نحن هذه الأيام ضيف لمولد الشهيد ، الذي اسمه قد يوحي بالحزن ، لكن وأنت تقترب من ذكراه تشعر بأنّ حياتك تتروّح بروح الفرح الكبير ، حتّى وأنت تعيش في أعماق الحزن ، لأنّ خط الحزن عليه هو خط القضية ، وخط الرسالة التي عند وعيك إيّاها تتحّول المأساة إلى فرح مميّز وكبير ; لأن روح الحسين ( عليه السلام ) تنفتح على روحك لتعلّمك الإسلام الأصيل في حركة الأمّة وامتداد الرسالة ومحض الإخلاص والعبودية لله تبارك وتعالى ، فيصبح الحزن لديك يختزن الفرح الحقيقي والتطلّع الصادق إلى المعالي الروحية والرضوان ، حيث الله يتقّبل إبتهالاتك ، ويجيب روحانيتك بلطفه الذي يتجلّى في رحيميته بك ، ومنها تقريبك إليه عزّ وجلّ من خلال الأخلاق الفاضلة والآلاء العظيمة والمواقف الجليلة ، فتبصر الخلق والنعم والمسؤولية والمصير ببصيرة نافذة واعية عارفة بكنه الحياة كلّها ، وتنفتح على الحقيقة كلّها بعبادة الشكر لله ، والتحرر من أغلال النفس والشيطان والدنيا وغرورها ، وهكذا نحلّ في رحاب مولد الإمام الحسين زين السماوات لنتزيّن بعقله وروحه ورسالته وحركته وروحانيته وانفتاحه على الله وعباد الله من خلال لطف الله بنا أن عرّفنا على آله وورثة رسوله (1).

في اليوم الثالث من شهر شعبان الكريم نطل على كون فسيح ورحيب يمتدّ بنا إلى رسول الله وأهل بيته الأطهار عليهم الصلاة والسلام أجمعين في تاريخ


1) - مناقب آل أبي طالب ، ابن شهرآشوب 3 : 211 ، باب إمامة أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) .

الإسلام ، ويعرج بنا إلى بداية الخلق " خلق آدم ( عليه السلام ) " ليختزل الإسلام كلّه ، وينفذ بنا إلى كلمات طيّبة سقاها الدم الزكي النقي الطاهر ، فجعلها تخلق في كلّ جيل إسلاماً قويّاً يواجه الاستكبار كلّه عبر الزمن الإسلامي كلّه .

في ذكرى مولد الشهيد ( عليه السلام ) يشرق الزمن بشروق السماوات التي تتزّين بالحسين ( عليه السلام ) ، لذلك هذا اليوم ليس يوماً عادياً نقلّد فيه سابقه ، إنّه يوم يولّد فينا معنى الحرية والعزّة والكرامة ويمّثل كلّ امتدادات الحرية في العقل والقلب والحياة ; لأنّك قبل الدنو من شخصية الحسين ( عليه السلام ) عليك أن تفهم الطيف الرسالي كلّه ، وقضيته التي انطلقت من معين النبوّة وبُعدها من امتداد الإمامة ، حيث عمق الحسين ( عليه السلام ) هو عقل يحمل علم النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم ، وعلم علي ( عليه السلام ) ، وعلم فاطمة ( عليها السلام ) ، وعلم الحسن ( عليه السلام ) ، وقلبه ( عليه السلام ) ينبض بالحبّ العظيم لله ، ولرسول الله الأعظم صلّى لله عليه وآله وسلم ، ولأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وللصديقة الطاهرة ( عليها السلام ) ، ولصنوه المجتبى ( عليه السلام ) ، وللأخت العقيلة ( عليها السلام ) ، وللإسلام كلّه والمسلمين الصادقين . وهو روح يبعث الخير كلّه .

هذه هي ذكرى مولد الحسين ( عليه السلام ) كيف أعيشها ؟ سؤال سهل ممتنع التعبير عنه بالكلم أو القلم ، المهم أنّك تعقله وتفهمه وتفتّشه لتجيب عنه ; لأنّ مأساة الحسين ( عليه السلام ) كما عرفتها هي منذ ولادته إلى شهادته ، هي مأساة ليس ككل مآسي البشر العاديين ، كونها مأساة تختزن الفرح الرسالي والفرح الروحي ; لأنّها مأساة ترعرعت في بيت الرسالة الإسلاميّة فكانت تتغدّى بالوحي والطهر والصفاء والأمانة والعبودية الحقّة لله تعالى ، لذلك عصي على من خان أمانة الوحي ، وتولّى عن الطهر ، ورفض الصفاء ، وأشرك في العبودية لله أن يفقهها .

وسنبقى نبكي الحسين ( عليه السلام ) بدموع المواقف الرسالية حتّى نكون أهلاً لأن نستشعر الفرح الرسالي بالحسين ( عليه السلام ) في كلّ مأساته ، حتّى لا نعيش الفرح دون الرسالة ; لأنّ الرسالة تستدعي حزناً يختزن الفرح ، بينما أغلبنا يحبّ الفرح لوحده

وبدون تضحيات ، وهذا فرح بلا معنى يقتل فينا المسؤولية التي هي معنى الإنسانية .

المقال الثالث : في ذكرى وفاة الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

تأمّلات في ضرورات إسلامية : الإمامة . . الحوار . . الانتماء :

تميّزت أقوال الأحبّة من مراجع وفقهاء وخطباء ومثقّفين ومفكّرين هذه السنة ، حول شخصية الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) بالشفافية العقلانية والموضوعية والعبرة أكثر من ذي قبل " ناهيك عن الإعلام الإمامي الهادف الذي فتح المجال لنشر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتبيان المؤامرة التأريخية " مبرزين جوانب مهمّة في العمل الإسلامي ، ملفتين العقول إلى ضرورة قراءة مرحلة إمامة الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ) ، معتبرين أنّها من أهم المراحل في الحضارة الإسلاميّة .

قال الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) : " ذكر عند الصادق ( عليه السلام ) الجدال في الدين ، وأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) قد نهوا عنه ، فقال الصادق ( عليه السلام ) : لم ينه عنه مطلقاً ، ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن " (1).

ولعل الكلام عن ذكرى وفاة الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ) ، يجرّنا مرغمين إلى البعد الأكثر حضوراً في سيرته وهو " الحوار الإسلامي " . هذا الحوار الذي نجد آثاره في كتابات الفقهاء والعلماء والمفكّرين والمؤرّخين في شهاداتهم عن سيرة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وخصوصاً سيرة الإمام أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) وفي هذا كلّه لقد عانى تراث الإمام الصادق ( عليه السلام ) كما أهل بيته كثيراً من التمويه ومصادرة الحقّ الإسلامي والحقيقة الإسلاميّة التي يجسّدونها قولاً وعملاً وموقفاً وشهادة ، حتّى أنّك لتحار في تفسير اختفاء ترجمة تاريخ الإسلام ( عليه السلام ) لدى إخواننا السنّة ، ولو برز يكون حسب المراد المذهبي الذاتي لا الحقيقة التأريخية ، ورغم كلّ


1) - الاحتجاج 1 : 14 ، فصل في ذكر طرف ممّا جاء عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الجدال .

هذا وذاك فالإمام جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) صاحب الزيادة والأثر في المدارس الإسلاميّة والمسيحيةّ ، أو قل : الدينية كلّها ، وما تلك المصادرة لموقعه الإسلامي والإنساني والعلمي والثقافي إلاّ جزء من العداء التأريخي لأهل البيت ( عليهم السلام ) .

لكن يبدو أنّنا عندما نحاول أن نستحضر ذكرى أحد أئمّتنا الأطهار من أهل البيت ( عليهم السلام ) نجد أنفسنا أمام مرجعيات ثقافية عديدة نلاحظ أنّها غائبة عن وعينا كالقيمة الموضوعية والهدف المنهجي ، كي لا نبقى حبيسي الاعتياد الذكرياتي الفارغ من الاعتبار ، والغفلة عن الجواهر الكامنة في سيرة الأئمّة ( عليهم السلام ) والعلماء الصالحين رضوان الله عليهم ، هذا من جهة .

ومن جهة أُخرى معوّقات آيديولوجية فوق نفسانية متجذّرة في الفكر الإسلامي الراهن ، تثبّط العطاء والإبداع والتجديد والوحدة والتغيير ، لذلك نحتاج في هذه الأيّام المباركة وكلّ المناسبات الإسلاميّة أن نتباحث حول شخصيّاتنا العظيمة ، كشخصية الإمام الصادق ( عليه السلام ) من كونه إنساناً كاملاً فلا نغفل عن أيّة جزئية في حياته أو جانب فكري تناول سيرته ; لأنّ لفظة الإمام في المنظومة اللفظية الإسلاميّة " القرآن العظيم ، والسنّة الشريفة " عظيمة الشأن جّداً .

زد إلى ذلك أنّها تشقّ طريقها لتركّز المسؤولية الرسالية في ذاكرة الوعي الإسلامي المعاصر ، وفي مضمون التربية الإسلاميّة لأبنائنا ، والتنظيم الاجتماعي والفّعالية الثقافية لمجتمعاتنا إلى ما هنالك من مشاريع إسلامية خامدة تنتظر الاهتمام والاجتهاد والجدّية في التغيير والنهوض من كبوة التخلّف والجهل والعصبية والظلم والدونية والإرهاب بجلّ أشكاله وأنواعه .

ومن اللطف الإلهي عنايته تبارك وتعالى بدوام الحقيقة الإسلاميّة واستمراريتها عبر الأجيال ، حيث اتّسع اسم الإمام الصادق ( عليه السلام ) ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة والعلم الحديث " الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات . . . ، والفقه والإدارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والزهد

والأخلاق والفلسفة والعرفان ، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً .

وعلى كلّ فالركيزة الأساسية المستوحاة من شخصية الإمام الصادق ( عليه السلام ) - كما هو شأن كلّ أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) - تتحدد بكونه الإمام المنفتح على الله وعباده ، صاحب المسؤولية والقضية الإسلامية ، المتفاعل مع قضايا مجتمعه الإسلامي ، صاحب نظر فيها لا عن جاه أو مال أو قوّة ، بل عن اجتباء وعلم وتفكّر وتدبّر وحكمة وخلق عظيم .

وممّا لا شك فيه أنّ دائرة الإمام واسعة في الإسلام ولا تكاد تنتهي بعد النبوّة ، وعندما تُتجاوز ينفلت العقل الإسلامي ومجتمعه إلى عالم التيه والضلال والاستكبار التي تسير عكس التنظيم والتدبير الإلهي .

ولكن الذي حصل أنّه في الدائرة الإسلاميّة الواسعة يمارس تمويه لهذا المضمون الإسلامي المصيري في قبل بعض الجهات ، وعندما تفشل إعلامياً في محاصرة الفكر الإمامي تستنجد بالسلطات وتقحمها في صراعها مع ذلك الفكر .

وهذا السيناريو تكرر كثيراً في تأريخ أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الحافل بالمصائب والويلات . ونورد في هذا السياق أحد نماذج مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وهو يبرز مركزية الإمامة في البقاء الإسلامي ورقيّه .

" كان عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) جماعة من أصحابه ، فيهم حمران بن أعين ومؤمن الطاق وهشام بن سالم والطيار ، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا هشام ، قال : لبيك يا بن رسول الله .

قال : ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد ؟ وكيف سألته ؟

فقال هشام : إنّي أجلك وأستحييك ، ولا يعمل لساني بين يديك ، فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) إذا أمرتكم بشيء فافعلوه .

قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة ،

وعظم ذلك عليّ ، فخرجت إليه ، ودخلت البصرة يوم الجمعة ، وأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة ، وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف وشملة مرتد بها ، والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ، ثُمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي .

ثُمّ قلت : أيّها العالم أنا رجل غريب أتأذن لي فأسألك عن مسألة ؟ فقال : اسأل .

قلت له : ألك عين ؟

قال : يا بني أيّ شيء هذا من السؤال ؟ !

وشئ تراه كيف تسأل عنه ؟

فقلت : هكذا مسألتي ، فقال : يا بني سل وإنّ كانت مسألتك حمقاء .

قلت : أجبني فيها . فقال لي : سل ، قلت : ألك عين ؟

قال : نعم ، قلت : فما ترى بها ؟

قال : الألوان والأشخاص .

قلت : فلك أنف ؟

قال : نعم .

قلت : فما تصنع به ؟

قال : أشمّ به الرائحة .

قلت : ألك فم ؟

قال : نعم .

قلت : فما تصنع به ؟

قال : أذوق به الطعم .

قلت : ألك قلب ؟

قال : نعم

قلت : فما تصنع به ؟

قال : أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح .

قلت : أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟

قال : لا .

قلت : وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة ؟

قال : يا بني الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب ، فيتيّقن اليقين ويبطل الشك .

قلت : وإنّما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟

قال : نعم .

قلت : فلا بدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح ؟

قال : نعم .

قلت : يا أبا مروان ، إنّ الله لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحح لها الصحيح ، ويتيّقن لها من شكّت فيه ، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم ، وشكّهم واختلافاتهم لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم ، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك .

قال : فسكت ولم يقل لي شيئاً ، ثُمّ التفت إليّ فقال لي : أنت هشام ؟

قال : قلت : لا .

فقال لي : أجالسته ؟

فقلت : لا .

قال : فمن أين أنت ؟

قلت : من أهل الكوفة .

قال : فأنت إذن هو .

قال : ثُمّ ضمّني إليه ، وأقعدني في مجلسه وما نطق حتّى قمت . فضحك أبو عبد الله ( عليه السلام ) ، ثُمّ قال : يا هشام من علّمك هذا ؟

قال : قلت يا بن رسول الله جرى على لساني .

فقال : يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى " (1).

ولا يغيب عن أنّ نقطة الصراع الأصلية بين فرق المسلمين إنّما هي " الإمامة " فأعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة ، حيث ما سلّ سيف على قاعدة دينية مثلما سلّ على الإمامة في كلّ زمان .

وعلى كلّ فسعة المقال لا تسمح لنا بقراءة دقيقة وعميقة وراشدة لتأريخ الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

ولنحاول أن نلج دوائر أرحب في إستهدائنا بشخصية الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فمن الأسباب التي تدعونا إلى التعمّق في غمار تأريخه الحافل بالجمال الروحي والإمامة والرحابة والجهاد والوعي والوحدة والسلم والإصلاح الإسلامي :

1 - اضمحلال الجانب الروحي وخفوت هدير المنطق الإسلامي في منظومة الفكر الإسلامي ، إذ إنّ الفكر المادي جعل أغلب المفكّرين يضيقون ذرعاً بالرأي المخالف وان كان في دائرة الصواب أو الخطأ .

2 - استمرار الأجيال بنفس المناهج التي وضعها السلفية ، مع انطلاق سهام التضليل والتبديع والتكفير في حال تجديد المناهج البحثية للمستجدّات والتطوّرات الحاضرة . وهذا ملحوظ قلّما ننتبه إليه ، والغفلة عن هذا البعد في آلياتنا


1) - الاحتجاج 2 : 125 ، مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد .

ومنظوماتنا الثقافية الإسلاميّة لا يعطيها كمية التحرّك اللازمة للانطلاق في تعاملها مع قضايا الكون والإنسان والحياة ، بل تتحّول إلى أزمة مسؤولية وجبن ثقافي .

3 - الفساد السياسي كأحد أكثر صور المرحلة الراهنة تصاعداً ، مما أربك المشاريع الإسلاميّة في أساليب التعامل مع الأنظمة ، ومحاولة تطهير العمل السياسي من براثين الجهل والتخلّف والاستبداد .

4 - العولمة ، والاستكبار العالمي ، والإرهاب المتعدد الأوجه ، والتحدّيات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية ، والإستراتيجيات الاستعمارية الجديدة .

كلمة أخيرة إنّ ذكرى الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ) في مولده واستشهاده في إرهاصة قوّية لمفاهيم حضارية ، كالمنطق الإسلامي ، والحرية والعدالة والحوار والانفتاح الإسلامي ، والشورى والسلم والاجتماعي ، والإدارة الإسلاميّة والرحابة الإسلاميّة ، واللا عنف ، والمسؤولية الرسالية ، والدور السياسي في المجتمع بالحكمة الإسلاميّة ، والوحدة الإسلاميّة " الأمّة الواحدة " ، هذه الأمور وغيرها التي ما زالت غائبة من ذاكرة الوعي الإسلامي العام ، ولو بحثنا عنها لوجدنا أنّها قد طمست في ثنايا الاستكبار عبر تأريخنا الطويل ، أو فبركت في ملفات الحسابات المذهبية والطائفية والسياسية وما هنالك من ميادين الصراعات الهامشية .

ونحن في هذا اليوم لا نزال نجاهد من أجلها ; لأنّها مربط الفرس التائه في خبال وأحلام حلّ المشكلة تأريخياً ، متناسين أنّ ذلك التأريخ المملوء بالصراعات والجدليات والمظالم يعود كلّ حين إلى حاضرنا لا لتزداد القضية الإسلاميّة تعقيداً بالمعالم ذات الصبغة الجاهلية لتضفي على الانحراف التأريخي لبوس الدين .

ويضاف إلى هذا وذاك الممارسة التأريخية للصحابة والسلف على اعتبار

أنّها من حجج الشرع ، بينما الأمر كلّه أنّ التأريخ آيات إذا حسن تدبّرها تنتهي حلقات الحصار على حرية التفكير والممارسة العملية للحوار والسلم والتسامح والتعايش واللا عنف وللعدالة والشورى والمساواة .

إنّنا بحاجة ماسّة لقراءة التأريخ بغثّه وسمينه ، ومناقشته على ضوء الثقل الأوّل القرآن العظيم ، لنلتقي بالثقل الثاني حتّى نتحرّر من أسر الاستكبار التأريخي الذي أفقدنا إرادة النهوض كأمّة رائدة وقائدة .

الإمام الصادق ( عليه السلام ) من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين فتحوا فكرهم للناس كافّة ، وبهذا كانت مدرسته ممتدة في الحياة الإسلاميّة كلّها ، وتمثّل المدرسة الإسلامية الوحيدة المنفتحة على الناس كلّهم .

فقد كان ( عليه السلام ) يستقبل الملاحدة والزنادقة والفرق الضالّة في المسجد الحرام عندما يذهب إلى الحج ، وفي بيته عندما كان يستقبل طلاّب المعرفة ، فكان يفتح لهم قلبه وعقله ليقولوا كلّ شيء ، ويحدّثهم عن رأيه في كلّ ما يقولون من دون أن يتعقّد منهم ، ويجادل الحاكم المستبد باللين وبالتي هي أحسن فيفحمه فيستعصي على حكّام زمانه كيف ينالوا منه ، وقد ذاع صيته بين الناس .

الإمام الصادق ( عليه السلام ) كان إمام المسلمين جميعاً ، حيث تتلمذ على يديه كلّ من أبي حنيفة ومالك بن أنس .

والإمام الصادق ( عليه السلام ) هو مفجّر علوم آل البيت ( عليهم السلام ) ، حيث نستلهم من هذا كلّه أن نكون منفتحين على من حولنا ، حتّى الذين نختلف معهم في المهب ، ونكون أهل علم ومعرفة لا جهل وتخلّف وجاهلية ; لأنّنا دعاة للإسلام الصافي النقي من خلال أخلاقنا وإنفتاحنا على الآخر ككل ، ومن خلال ثقافتنا وإسهاماتنا في العلم الحديث وتطويع مصاعب الحياة للإنسان ; لأنّا دعاة الرحمة والسعادة الأبدية للبشرية جمعاء ، هكذا كان الإمام الصادق ( عليه السلام ) كما هم أهل بيته ( عليهم السلام ) ، وكما هو

صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه الشريف .

في الختام إنّني أريد أن أقول لكلّ المسلمين " سنة وشيعة " لا بدّ من اللقاء والحوار والانفتاح لنبحث مسألة الإسلام والتشيّع بحثاً عميقاً من أجل إيجاد مصالحة واقعية مستقبلية لا مصالحة سياسية ، وندرس الإسلام والتشيّع دراسة جدّية وعلمية وعملية فنفوّت الفرصة على الذين يلعبون لعبة " التكفير والإقصاء والتجاهل والسباب والذم و . . . " ، أن يلعبوها مرّات ومرّات أخرى .

في رحاب هذا اليوم الزكي والخالد : خلود الإمامة اليوم الخامس والعشرين من شهر شوال من كلّ سنة هجرية ، نلتقي بذكرى وفاة الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، سادس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، لنستذكر الشهادة والعصمة والطهارة والإخلاص والتوحيد والرضا بالقضاء والقدر دون أدنى شك أو ريب ، ونحن علاقتنا بالثقلين تنطلق من القراءة الواعية لهما ، ومن علاقتنا العميقة بالإسلام دين الحياة ; لأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هم المخلصون للرسالة ، والملتزمون بحقّ بها ، والمجاهدون بصدق في سبيلها ، والعاملون على إيضاحها للناس وإبعادها عن التحريف ، لكن تبقى الذكريات بحاجة إلى وعي ، ويبقى التشيّع صميم الإسلام ، ونصير المستضعفين ، وخصيم المستكبرين في العالم المعاصر ، ونبقى في رحاب كلمة الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، التي قالها لأحد أصحابه : " أحبّونا حبّ الإسلام " (1)، والتي على أساسها ندرك صحّة علاقتنا ووعينا وحبّنا للإمام الصادق ( عليه السلام ) وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبالتالي ينطلق الإسلام فينا من جديد ، وندعو له بشكل جيّد وجديد دون أيّة مساومة أو تخلّف ، ولا تنازل عن الحقّ والمسؤولية والصدق والإخلاص والأمانة والوحدة والشهادة كضرورات رسالية .


1) - الإرشاد 2 : 141 ، فضائل الإمام علي بن الحسين ( عليه السلام ) .

(19) فريد الهيول( مالكي / الجزائر )

الصورة

F10

ولد عام 1392 ه‍ ، ( 1973 م ) ، في الجزائر بمدينة بتنا ، نشأ في أوساط أسرة مالكية المذهب فتعلّم منها معتقداته الدينية ومناهجه العبادية .

قصد السفر إلى لبنان برفقة أحد أصدقائه بغية الحصول على عمل يوفّر لنفسه من خلاله معيشته المادّية ، ولكنّه كان لا يدري ما قدّر له القضاء الإلهي ، فالتقى في سوريا وهو عازم على السفر إلى لبنان برجل دين شيعي يُدعى السيّد أحمد العلوي ، فغيّر هذا اللقاء مجرى حياته ; لأنّه أُعجب بالسيّد وبكلامه الشيّق والعذب الملئ بالنفحات القدسية ، فأسمعه السيّد أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى تفتّحت بصيرته وازدادت محبّة عترة الرسول في قلبه .

وعندما وجد السيّد أحمد رغبة " فريد " لمعرفة أقوال أهل البيت ( عليهم السلام ) شجّعه للهجرة إلى مدينة قم في إيران والانتساب إلى الحوزة العلمية ، فقبل " فريد " مقترح السيّد ودفعه الشوق لطلب علوم آل محمّد إلى تقبّل عناء الهجرة وسافر إلى مدينة قم وبدأ رحلته العلمية ، وتعرّف على الطلبة الجزائريين المقيمين في مدينة قم والمنشغلين بدراسة علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن هنا بدأ " فريد " حواراته العلمية حتّى تبيّن له أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وأعلن استبصاره .

مزايا الشيعة :

من المسائل التي اهتم بها " فريد " خلال استبصاره هي مسألة السجود على التربة الحسينيّة ; لأنّه وجد المخالفين لمذهب التشيّع يتشبّثون بها لخلق الحواجز بين الناس وبين التشيّع .

وقرأ " فريد " في هذا الصعيد كتاب السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة تأليف : باقر شريف القرشي ، فعرف من خلال قراءته لهذا الكتاب بأنّ الشيعة سلكت في إطارها العقائدي مسلكاً مشرقاً اتّسم بأنّه من أوضح المناهج ومن أكثرها واقعية ومن أشدّها التصاقاً بسيرة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتزاماً بحرفية ما جاء عنه ، ولم تلغ الشيعة نصّاً من شريعة الله ، ولم تبدّل أو تغيّر حكماً من أحكام الله ، كما لم تبتدع حكماً قبال أحكامه تعالى ، وقد واكبت سيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واتّبعت سنّته وتمسّكت بجميع ما أثر عنه ، وهي - من دون مغالاة - من أظهر الفرق الإسلاميّة تمسّكاً بكتاب الله وولاءً لعترة رسوله ، لم تشذ عن هذين المنهجين ولم ينحرف عنهما ، وإنّما سايرتهما لا عن هوى أو تقليد وإنّما اتّباعاً للأدلة القطعية التي فرضت على كلّ مسلم التمسّك بالثقلين كما أمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك وجعله ضماناً لأمّته ووقاية لها من الانحراف والتردّي في مجاهل هذه الحياة .

وتبّنت الشيعة بصورة ايجابية ومتميّزة الولاء لأهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل ، ولاؤهم قائم في أعماق قلوبهم ودخائل نفوسهم سرى فيهم كما يسري الدم في عروقهم ، ولم يكن ذلك - يعلم الله - عن غلو وإفراط في الولاء والحبّ ، وإنّما كان منبعثاً عن وصايا النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيهم وإلزامه بمودّتهم ، فقد أثرت عنه في ذلك كوكبة من النصوص

المتواترة التي لا يخالجها شك ، ولا يسع المسلم أني يتغاضى عنها أو يتجاهلها ، ومن أبرزها حديث الثقلين ، فقد قرنهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كما جعلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى ، وأنّتم من الأمّة بمنزلة الرأس من الجسد ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تلزم المسلمين بمودّتهم والولاء لهم (1).

الشيعة والسجود على التربة :

نظراً لأهمية السجود ، ولأنّه جزء من العبادة يشترط فيه :

أوّلاً : أن يكون السجود على الأرض ، وقد تظافرت الأخبار بذلك عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعن بعض صحابته ، وهذه بعض الأخبار :

أ - قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " (2).

ب - قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأبي ذر : " الأرض لك مسجد ، فحيثما أدركتك الصلة فصلّ " (3).

ج - روى ابن عبّاس أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سجد على الحجر (4).

د - روى أنس بن مالك قال : كنّا نصلّي مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في شدّة الحر ، فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه (5).

ثانياً : يشترط أن يكون المكان الذي يسجد عليه المصلّي مباحاً ، فلو كان


1) - السجود على التربة الحسينيّة ، باقر شريف القرشي : 9 - 10 .

2) - صحيح البخاري 1 : 13 ، كتاب الصلاة ، باب قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جعلت لي الأرض مسجداً .

3) - صحيح مسلم 1 : 310 ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 520 .

4) - مستدرك الحاكم 1 : 473 ، السجود على الحجر .

5) - السنن الكبرى ، البيهقي 2 : 106 ، باب من بسط ثوباً فسجد عليه .

مغصوباً عيناً أو منفعة فلا يصح السجود عليه .

ثالثاً : يشترط في المكان الذي يسجد عليه أن يكون طاهراً ، فلو كان نجساً فلا يصح السجود عليه .

رابعاً : أن لا يكون من جنس المأكول والملبوس ، فلو كان منهما فلا يصح السجود عليه في الصلاة (1).

الشيعة والسجود على التربة الحسينيّة :

حظيت أرض كربلاء باهتمام بالغ عند الشيعة ، فهي عندهم أرض مقدّسة ، ومن مظاهر تقديسها عندهم السجود على تربتها في الصلاة المفروضة والمندوبة ، واتّخاذ أقراص منها في الجوامع والتكايا للسجود عليها .

واتّهم بعض من لا حريجة له في الدين الشيعة بأنّهم اتّخذوا التربة الحسينيّة صنماً يسجدون لها ويعبدونها من دون الله ، وهذا من سخف القول ، وضحالة الفكر والتردّي في الجهل ، فالشيعة تعبد الله تعالى وحده لا تشرك به شيئاً ، وإنّما يسجدون على التربة الحسينيّة لقداستها وطهارتها .

ولم يكن سجود الشيعة على التربة الحسينيّة عن تعصّب أو هوى وتقليد ، وإنّما هو لأهمية هذه التربة وقداستها ، فعلى صعيد هذه التربة سفك دم الإمام الحسين ( عليه السلام ) والدماء الزكية من أبنائه وأهل بيته وأصحابه من أجل إعلاء كلمة الإسلام .

لقد أضاءت تلك الدماء الزكية طريق الحرية والكرامة لجميع شعوب العالم ، وأوّل من صلّى على التربة الحسينيّة هو الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، وذلك بعدما فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره ، فقد أخذ قبضة من التربة التي وضع


1) - اُنظر : السجود على أتربة الحسينيّة عند الشيعة ، باقر شريف القرشي : 23 - 25 .

عليها الجسد الشريف الذي خرقته سيوف الأمويين وكان يسجد عليها عند الصلاة .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " السجود على طين قبر الحسين ( عليه السلام ) ينوّر إلى الأرضين السبعة " (1).

ومن هنا عرف " فريد " الحكمة من سجود الشيعة على التربة الحسينيّة ووجه مشروعية عملهم ، وواصل بحثه حتّى أصبح ممن يسجدون على تربة الإمام الحسين ( عليه السلام ) عند الصلاة .


1) - وسائل الشيعة 5 : 365 ، حديث 6806 .

(20) محمّد أبو النجا( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1391 ه‍ ، ( 1972 م ) ، بمدينة " تبسة " ، ونشأ في أسرة ملتزمة فرضت عليه محبّة شخصيات إسلامية تأثّر بها ، ولكن الأدلّة ساقته بعد ذلك إلى رفض بعضاً وإخراجها من نطاق الهالة التي وضعها الآخرون فيها .

الأزمة التي عشناها :

يقول " محمّد أبو النجا " كانت الجزائر تعيش حالة من المخاض السياسي والفكري ، ولعلّ أبرز التحرّكات غير الظاهرة تلك التي ولدت انفجار الشارع ، وهي تطلّعات على المستوى الاجتماعي ، كان ذلك بتاريخ 5 إكتوب سنة 1408 ه‍ ، ( 1988 م ) ، وتحولّت العاصمة إلى فناء واسع لصراعات أديولوجية ، ثُمّ فلت زمام الغضب والتثور وفاض على شوارعها غضباً عشوائياً ، فتحوّل في يوم وبضع ساعات من الليل كلّ شيء فيها إلى حطام ودمار ورميم . . .

تربّع الوهابيون على أعتى وأقوى الأحزاب . . . لحى طويلة ولباس أفغاني . . . حتّى أنّ الزائر والغريب يحسب نفسه إمّا في دولة باكستان أو أفغانستان ، كنت طالباً في الثانوية راغباً في نيل شهادة ، وحصلت على شهادة الباكالوريا سنة 1410 ه‍ ، ( 1990 م ) ، ولم يكن أمامي إلاّ التوجّه إلى معهد

المدّرسين .

زرت المحافظة وكان الجو مشحونا بالمظاهرات ، أزقة تموج ، وهرج في كلّ مكان ، حلقات دينية حتّى في الحافلات والقطارات يديرها القادمون من كابل والشيشان . . . كنت كثير الردّ على ما لا يعجبني حتّى أنّهم كانوا يرمقونني بنظرات حادّة ; لأنّي أفرنجي اللباس إخواني الفكر لا أتحمّل أفكارهم . . . اتّهموني بالزندقة ; لأنّي أدرس الفلسفة والمنطق . . تَمّ تسجيلي بالمعهد بحمد الله ، لكن بعد عام واحد تغيّرت الأمور هنا . . . كتب ملوّنة وصغيرة غريبة كثيرة جدّاً بالمجان ، تدعوا إلى عدم زيارة القبور . . . وكتب أخرى تشتم علماء مصريين ، وتسبّ فرقاً إسلامية . .

أعيان المجتمع لم يجدوا إلى ردعهم سبيلاً ، إنّ الشعوب التي فرخ في أحضانها بيض هذا المذهب دّمرت نفسها بنفسها ، انصرف الناس عن العمل والعلم ، وشغل الجميع بالجدل والمناقشات العقيمة ; لأنّ الفهم الخاطئ عند الأمم يولّد أفكاراً مشوّهة . . .

كانت أفواه الوهابية لا تنفك تقول للعوام من الناس أنّكم كفّار وملحدين وعليكم تسليم الأمر لنا ، لأنّنا فرق وكتائب الله المختارة التي تخرجكم من الظلمات إلى النور .

أنهيت دراستي بالمعهد التربوي للمدرسين ، وبدأنا العمل في أرياف المدينة ونتابع ما يحدث في الإعلام الوطني والأجنبي . . . دوّامة من العنف نار من السبي والخطف ، زوبعة الانتقام مخلّفة الخراب ، الوطن ينزف بشدّة ، قتلى هنا وجرح هناك لماذا ؟ لأنّ علل كثيرة جعلت الأمّة تدفع الثمن ، منها أفكار قادمة من كتاتيب قندهار وجبال لاهور .

كان شهر رمضان المبارك يحّل في تلك السنوات مع دماء كثيرة ، وأعلن

عدد القتلى في قرية بن طلحة نحو 400 قتيل في ليلة العيد ، وأعقبتها قرية مفتاح ب - 300 مذبوح في ساعات قليلة ، رؤوس مقطوعة ، وأطفال في سن الزهور وضعت جثثهم في آلات الغسل وطحنت ، أحشاء متنافرة فوق موائد على الأرض ، دماء في كلّ مكان ، أياً كان صاحب هذه الأفكار فهو ليس إنسان .

مرّت علينا عشر سنوات رعب في النفوس وتخريب للممتلكات العامة ، يأتون في الظلام يذبحون ، ينهبون ، في القرى ، المدن ، الطرقات ، كانت الحياة مديرة . . .

نمط من الحياة الحرجة ، شوارع المدينة خالية من الحركة ساعات المساء . . . تؤخذ أرواح الأبرياء بدافع الجهاد ، وأيادي حملت السلاح في لاهور والشيشان ، ونعقت وباضت في وطني الطيّب .

خفافيش الظلام يهجمون على القرى وينهبون بيت الفلاّح البسيط ، يأخذون أغنامه عنوة ، يصطحبون ابنته البكر ، العائلة كلّها ترتجف تحت وقع التهديد . . .

يد على الزناد وأخرى تحمل سكيناً إنّه المعنى بالذبيحة . . . روح شريرة تضرب رأس الأب المحزوزة عن الجسد ، تبطش بكلّ ما هو جديد على كلّ ما هو حي ! ويغادرون مسرعين تحت جلباب الليل إلى المغارات والكهوف هناك بعيداً . . تاركين ورائهم ي عتمة دهماء سيل من النواح وحمّاماً من الدماء ، كأنّ جهنم فتحت لها باباً على الأبرياء من الفقراء والمساكين ، سيعودون مرّة أخرى لذبح البقية . . كتائب الرحمن . . عصابة الفرقان . . جماعة أبو مصعب . . أبو دجانة ، وغيرها من الأسماء !

مكامنهم في كهوف معزولة وموحشة ليس فيها سوى أشرطة الفتاوى بأنّ الشعب كافر ، والويل لمن لفظ ضدّهم كلاماً أو نبر ببنت شفة عنهم . . .

انتشر الشرّ في كلّ مكان ، وعمّت رياح الخبث والنتانة كلّ أنحاء الوطن .

يصعدون إلى الحافلة . . اسمك ؟ لقبك ؟ بطاقة هوّيتك ، هل عملت في الجيش ؟ نعم سيّدي . . انزل من الحافلة ، اذبحوه !

أنت . . أخوك يعمل في المشفى أليس كذلك . . نعم ، اذبحوه .

أنتِ . . مرتدة احملوها مع أدوات تجميلها .

حواجز مزيّفة في كلّ طريق ودرب ومكان ، نار تأتي على الأخضر واليابس ، إنّه الوجه الحقيقي لهم .

الصحوة :

العفن الضارب أطنابه حرّك أيادي الخير الصالحة ، وبدأت حملة التوعية ، قرّرات الشعب لفظ هؤلاء ، واحتضان صوت الخير والانفراج . . . عملت العيون الطيّبة على الحراسة ، نمت الأفكار العادلة ، وأُصدر قانون الرحمة . . الشعب موافق على الرحمة . . ثُمّ الوئام المدني ، وأخيراً المصالحة الوطنية .

مرّت سنوات من الجمر وبدأت الجزائر تستعيد عافيتها ، الجزائر الطيبة . . الصلح مع النفس نزع الفتيل عن الوهابية ، وجاء غطاء جديد هو السلفية العلمية . .

بداية تعرّفي على الشيعة :

كان لي صديق سلفي يجالسني لشيء واحد هو أنّه درس معي المرحلة الثانوية ، وكان يتحدّث عن كتاب يقول : إنّه ممتاز ، عنوانّه " وجاء دور المجوس " .

قلت له : منذ أيام وأنت تمصّ ثدي هذا الكتاب كالفصيل .

فردّ : نعم ، إنّه يفضح الشيعة .

فقلت بحيرة : لماذا هل سرقوا لك شيئاً ؟

فضحك ، ثُمّ أقطب غاضباً ، وقال : إنّهم فرقة كافرة تسبّ الصحابة !

فقاطعته : هل عرفت ذلك من خلال كتبهم .

قال : العلماء يحذّرون من قراءة كتبهم .

قلت : لماذا ؟ أليس من الأحسن أن تقرأ للجميع .

فتذمّر من كلامي ، وبدأ يبيّن لي أسباب تكفيره للشيعة . . .

لقد كنت كثير الجلوس في مكتبة لأحد سكّان الحي ، وفي يوم جاء شخصان عليهما آثار الغضب وطلب منه كتاب " أسد الغابة في معرفة الصحابة " .

والتفت الأوّل للثاني قائلاً : لا تشتريه فتأريخ المسعودي أفضل وما صبرت فقلت : لأنّه أكبر حجماً وأوسع معلومات .

فقال : لا ، لأنّ الشيعي الكافر عبد الحسين شرف الدين أخذ منه قصّة ، ونريد أن نستقصي الأمر ، فقلت في نفسي : والله الفرصة . . !

أدخلت رأسي وسط المعمعة ، فقال أحدهم وتغيّر لونه : القصّة صحيحة ، فأشرت بإصبعي إلى الهامش : إنّها في كتاب الكامل والطبقات .

فغضب وأردف : ولكنها قد تكون غير موجودة في كتب ابن كثير .

حينها قلت : ما القصّة ؟

قال الثاني : تصوّر يا أخ أنّ صحابي يزني ! إنّه صحابي جليل .

قلت له : هل نقلها أيّ القصّة كاملة دون تحريف ؟

قال : نعم ، ولكنه علّق وشنّع وشوّه .

قلت : كيف ؟ ! هل زاد فيها أو أنّك تقصد شرح وفصّل في القضية ، هل أعطى الرجل أمانة النقل حقّها ؟

قال الأوّل : كان عليه أن لا يعلّق ويكشف ستر هذا الرمز .

قلت مرّة ثانية : هل القصّة صحيحة ؟

ردّ الثاني : نعم . . . وحملق وأقطب وأزبد .

وأردف بقوله : إنّه صحابي ، ويجب إخفاء هذه الأشياء عن العوام .

حينها تحرّكت عاطفة علوية سماوية في فؤادي ، ووقع هذا التساؤل في نفسي : من هم الشيعة ؟

نظرت إلى يده وهي تمسك كتاباً عليه عنوان " النص والاجتهاد " ، وكانت نسخة رثّة عليها آثار الإهمال ، ثُمّ ناديتهما حين هما بالانصراف : هل الكتاب لكما ؟

قال أحدهم : لعنه الله على كاتبه ، ورمى به إلى الشارع .

أسرعت قبل أن يهوى إلى الأرض ; وحملته .

قلت : بكم تبيعه ؟

قال صاحبه : لا ، أعطني إيّاه ، أمزّقه .

قال الثاني : إحرقه أمامي حتّى ينتهي الأمر .

تدخّل صاحب المحل : خذا أي كتاب بدلاً عنه .

فقالا معاً : صحيح ! أعطنا كتاب لابن فلان .

حينها أدرت رأسي إلى صاحب المكتبة : كم ثمنه ؟

قال : كما تشاء .

أعطيته مبلغاً ، ثُمّ جلست معه أشكره وأنا أريد أن أفتح الكتاب اللغز ، ففهم منّي ذلك ، فأحضر لي كأساً من الشاي وقال : هيّا أتريد أن تسمعنا فصلاً ، ويا لها من صدمة حين رأيت الأدلّة والحجج الناصعة . . .

وبعد عودتي إلى البيت دفعتني سلاسة الرجل المؤلف لكتاب النص والاجتهاد على قراءته جملةً وتفصيلاً .

بدأت أقارن أقواله بأقوال وروايات أمّهات الكتب حتّى تفتق الحقّ من جوانح الحجج والأدلّة ، ناطقاً به ، ومن ذلك الحين عرفت الشيعة .

مصير السنّة النبوّية :

ماذا حدث للعرب والمسلمين الأوائل حتّى يأتي رجل من بخارى ويصحّح لهم سنّة نبيّهم ؟ ولماذا لم تدوّن حتّى ذلك الحين ؟ هل صحيح ما ينقله الجمهور الخوف من خلطها مع القرآن ؟ هل هذا عذر يقبله العقل ؟ !

لماذا ينقل البخاري عن معظّم الصحابة ولكنه لا ينقل عن أهل بيت النبيّ إلاّ النزر اليسير ؟

أين نحن من أهل البيت ؟ !

ماذا نقول لربّنا إذا سألنا عنهم ؟ !

ماذا نفعل حتّى نوفيهم حقّهم ؟

أين قبر فاطمة ؟

ومن منطلق هذه الأسئلة بدأ " محمّد أبو النجا " بحثه العلمي الذي أوصله في نهاية المطاف إلى اعتناق مذهب التشيّع والالتحاق بركب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(21) مختار الجزائري( مالكي / الجزائر )

ولد في الستينات من القرن الماضي في دولة الجزائر ، ترعرع في أسرة مالكيّة بالوراثة كأغلبيّة الجزائريين ، وحصل على شهادة الليسانس في الحقوق ، استبصر إثر سماعه مظلومية فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وألّف عدّة كتب عن النبيّ وآل بيته ( عليهم السلام )

ما بعد الاستبصار :

يقول " مختار الجزائري " : " أمّا السبب الرئيسي لإستبصاري ، هو سماع مظلوميّة سيّدتي فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في شريط كان عند أحد الأصدقاء ، وكان مستبصراً ، ولكّنني كنت أجهل ذلك ، فترك ذلك الشريط علىَّ تأثيراً كبيراً ، وانطلقت بعدها مباشرة إلى البحث الحار الذي دام لفترة طويلة ، حتّى أكرمني الله بنعمة الولاية ولله الحمد .

مؤلّفاته :

• " النبيّ وآل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) في كتب الحديث التسعة " - مخطوط .

يتناول هذا الكتاب الأحاديث التي تتعلّق بالنبيّ وآل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) في الكتب الحديثيّة المعتبرة عند أهل السنّة وهي : صحيح البخاري ، صحيح مسلم ،

صحيح الترميذي ، صحيح النسائي ، سنن أبي داود ، سنن أبي ماجة ، مسند أحمد بن حنبل ، وسنن الدارمي .

مقدّمة كتب المؤلّف :

بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، من خلقه القرآن ومن مدحه ربّه فقال : . . وإنّك لعلى خلق عظيم . محمّد المصطفى نور الله في الأرضيين وعلى آل بيته وعيبة علمه ، سفن النجاة الطيبين الطاهرين .

شكراً لك يا الله ، لقد خصصتني بعنايتك ورحمتني بلطفك ، لقد هديتني بعد ما كنت ضالاً فهديتني إلى صراطك المستقيم وحبلك المتين ، فعرّفتني رسولك الكريم حقّ المعرفة ، وكذا آله الهداة الميامين ، فنوَّرت بصيرتي ، وأطلقت عقلي من قيود الخمول والتبعيّة ، فأصبح يؤدّي وظيفته في التفكير والتمييز ، ثُمّ يتّخذ القرار السليم عن قناعة كاملة وتسليم .

عرفّتني يا الله رسولك المعصوم مطلقاً لا كما يعتقده فيه الآخرون ، الذين ينسبون له كلّ قول وعمل مشين ، وعرَّفتني آل بيته وخلفائه الراشدين المهديّين المغصوب حقّهم ، والمنسيين الذين تعرّضوا للتشريد والتطريد والتنكيل عبر السنين ، كما تنبّأ به جدّهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

لقد هديتني يا الله فاتّبعت وصيّة رسولك ، وتمسّكت بالثقلين كتابك الكريم وأهل بيت المصطفى وعترته الطاهرة غير مكترث لما يقوله عنّي الأهل والأصدقاء والآخرين ، طالما هذا عمل يرضيك يا الله .

بقلب تغمره السعادة ، وأنا أنهي هذا العمل المتواضع في سبيل إعلاء كلمة الحقّ ، وإظهاراً للحقيقة ، يشرّفني أنْ أضع هذا العمل في خدمة أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في المقام الأوّل ، ومن ثُمّ إلى كلّ باحث عن الحقيقة .

والله من وراء القصد .

مقتطفات من كتاب " الرسول الأكرم محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كتب الحديث التسعة " .

أتّهام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالنسيان :

يذكر الكاتب في الفصل الأوّل من هذا الكتاب جملة أحاديث ينقلها الرواة المعتمدين عند أهل السنّة ، تتّهم النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالسهو والنسيان ، ونظراً لكثرة الأحاديث ، نذكرها قسماً موجزاً منها .

والروايات المذكورة هنا منقولة من أكثر الصحاح اعتباراً وهما صحيح البخاري وصحيح مسلم :

1 - حدّثنا بشر بن آدم أخبرنا علي بن مسهر ، أخبرنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلم قارئاً يقرأ من الليل في المسجد ، فقال يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا (1).

2 - حدّثنا أبو الوليد قال : حدّثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال صلّى الله عليه وسلّم : الظهر ركعتين ، فقيل : صليت ركعتين ، فصلى ركعتين ، ثُمّ سلم ، ثُمّ سجد سجدتين (2).

3 - حدّثنا حفص بن عمر ، حدّثنا يزيد بن إبراهيم ، حدّثنا محمّد ، عن أبي هريرة : صلى بنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الظهر ركعتين ، ثُمّ سلم ، ثُمّ قام إلى خشبة في مقدّم المسجد ، ووضع يده عليها ، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه وخرج سرعان الناس فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي القوم رجل كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعوه ذا اليدين ، فقال ، يا نبي الله ، أنسيت أم قصرت ، فقال : لم أنس ولم تقصر : قالوا : بل نسيت يا رسول الله . قال : صدق ذو اليدين . فقام فصلّى


1) - صحيح البخاري 6 : 111 .

2) - صحيح البخاري 1 : 175 .

ركعتين ثُمّ سلم ثُمّ كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثُمّ رفع رأسه وكبّر ، ثُمّ وضع مثل سجوده أو أطول ، ثُمّ رفع رأسه وكبر (1).

4 - حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي ، حدّثنا خالد وهو الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن الحصين قال : سلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ثلاث ركعات من العصر ، ثُمّ قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ، فخرج مغضبا فصلّى الركعة التي كان ترك ثُمّ سلم ثُمّ سجد سجدتي السهو ، ثُمّ سلم (2).

5 - حدّثنا عثمان قال : حدّثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : قال عبد الله : صلّى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص ، فلمّا سلم قيل له يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا .

فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ، ثُمّ سلم ، فلمّا أقبل علينا بوجهه قال : إنّه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شكّ أحكم في صلاته فليتحرّ الصواب ، فليتم عليه ثُمّ ليسلم ، ثُمّ يسجد سجدتين (3).

وكأنّهم نسوا أو تناسوا أنّ هذا الرجل العظيم هو الذي قال عنه تعالى : * ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) * (4)، وإنّه لو جاز عليه السهو لم يوثق بشيء من أفعاله وأقواله وهو نقض للغرض من نصبه .

ثُمّ يذكر الكاتب عدّة أحاديث تصف الناسي في الصلاة بأنّه قد ألبس عليه


1) - صحيح البخاري 7 : 85 .

2) - صحيح مسلم 2 : 88 .

3) - صحيح البخاري 1 : 104 .

4) - النجم (53) : 3 - 4 .

الشيطان حيث نسي عدد ركعاته ، منها :

1 - حدّثنا محمّد بن يوسف ، حدّثنا الأوزاعي ، عن يحيى ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضرابط ، فإذا قضى أقبل ، فإذا ثوّب بها أدبر ، فإذا قضى أقبل حتّى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول : اذكر كذا وكذا حتّى لا يدري أثلاثا صلّى أم أربعاً .

فإذا لم يدرى ثلاثاً صلّى أو أربعا سجد سجدتي السهو (1).

2 - حدّثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمّة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : إنّ أحدكم إذا قام يُصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتّى لا يدري كم صلّى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس (2).

اتّهام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالابتعاد عن الأخلاق :

يذكر الكاتب في هذا الفصل بعض التهم التي نُسبت إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتي يأبى الإنسان أن ينسبها إلى مسلم عادي ، فكيف بأشرف المخلوقات وسيّد الكائنات ، الذي قال الله سبحانه وتعالى بشأنه : * ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ) * (3)، ولعلّ جعل هذه الأحاديث جاء على خلفيّة تبرير مواقف خلفائهم المخزية في عهد رسول الله وبعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

والأحاديث المذكورة هنا ، تُذكر من باب الإجمال ، فمن أراد الكثير فليرجع إلى مفصّلات الكتب الحديثيّة عند أهل السنّة ، ومن هذه الأحاديث الموضوعة :


1) - صحيح البخاري 4 : 94 .

2) - صحيح مسلم 2 : 82 .

3) - القلم (68) : 4 .

1 - حدّثنا أحمد بن عيسى قال : حدّثنا ابن وهب قال : أخبرنا عمرو أن محمّد بن عبد الرحمن الأسدي حدّثه عن عروة ، عن عائشة قالت : دخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال دعهما ، فلمّا غفل غمزتهما ، فخرجتا وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإمّا سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإمّا قال تشتهين تنظرين ؟ فقلت : نعم ، فأقامني وراءه خدّي على خدّه وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة حتّى إذا مللت قال : حسبك ؟ قلت : نعم . قال فاذهبي (1).

2 - حدّثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينا الحبشة يلعبون عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحرابهم ، دخل عمر فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها فقال : دعهم يا عمر وزاد علي : حدّثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر في المسجد (2).

3 - حدّثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدّثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قال : : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث ، قال : وليستا بمغنيتين . فقال أبو بكر : أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا أبا بكر لكل قوم عيداً وهذا عيدنا (3).

4 - حدّثنا يحيى بن بكير قال : حدّثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : أنّ أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام


1) - صحيح البخاري 2 : 2 .

2) - صحيح البخاري 3 : 227 .

3) - صحيح البخاري 2 : 3 .

منى تدففان وتضربان ، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن وجهه فقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنّها أيام عيد ، وتلك الأيّام أيام منى ، وقالت عائشة رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر . فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعهم ، أمنّاً بنيى أرفدة يعني من الأمن (1).

5 - حدّثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر ، قال يحيى ابن يحيى : أخبرنا ، وقال الآخرون : حدّثنا إسماعيل ، يعنون ابن جعفر ، عن محمّد بن أبي حرملة ، عن عطاء وسليمان ابني يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن : أنّ عائشة قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مضطجعا في بيتي ، كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه ، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ، فتحدث ثُمّ استأذن عمر فأذن له وهو كذلك ، فتحدّث ثُمّ استأذن عثمان ، فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسوى ثيابه ، قال محمّد : ولا أقول ذلك في يوم واحد ، فدخل فتحدّث ، فلمّا خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ، ثُمّ دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ، ثُمّ دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك . فقال : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة (2).

6 - حدّثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدّثنا إبراهيم ، يعني ابن سعد . ح وحدّثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد قال عبد أخبرني ، وقال حسن : حدّثنا يعقوب ، وهو ابن إبراهيم بن سعد ، حدّثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، أخبرني عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد : أنّ محمّد بن سعد بن أبي وقاص أخبره أنّ أباه سعداً قال : استأذن عمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده نساءٌ من قريش


1) - صحيح البخاري 2 : 11 .

2) - صحيح مسلم 7 : 116 .

يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهنّ ، فلمّا استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحك . فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي ، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب . قال عمر : فأنت يا رسول الله أحقّ أن يهبن ، ثُمّ قال عمر : أي عدوات أنفسهنّ ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قلن : نعم ، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلاّ سلك فجاً غير فجك . حدّثنا هارون بن معروف ، حدّثنا به عبد العزيز بن محمّد ، أخبرني سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنّ عمر بن الخطاب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وعنده نسوةٌ قد رفعن أصواتهن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا استأذن عمر ، ابتدرن الحجاب ، فذكر نحو حديث الزهري (1).

وأيضاً يمكن الإشارة إلى مجموعة أخرى من الأحاديث المجعولة بشأن خلق النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهي :

1 - حدّثنا يحيى بن يحيى أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل قال : كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول : إنّ بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض . فقال حذيفة : لوددت أنّ صاحبكم لا يشدد هذا التشديد . فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم نتماشى ، فأتى سباطة خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال ، فانتبذت منه ، فأشار إليّ ، فجئت ، فقمت عند عقبه حتّى فرغ (2).


1) - صحيح مسلم 7 : 115 .

2) - صحيح مسلم 1 : 157 .

2 - حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي ، أخبرنا أبو خيثمة ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن حذيفة قال : كنت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً . فتنحيت فقال : ادنه ، فدنوت حتّى قمت عند عقبيه ، فتوضأ فمسح على خفيه (1).

3 - حدّثنا زهير بن حرب ، حدّثنا روح بن عبادة ، حدّثنا زكرياً بن إسحاق ، حدّثنا عمرو بن دينار قال : سمعت جابر بن عبد الله يحدث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة ، وعليه إزاره ، فقال له العبّاس عمّه : يا ابن أخي ، لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة . قال : فحله ، فجعله على منكبه ، فسقط مغشيّاً عليه . قال : فما رئى بعد ذلك اليوم عرياناً (2)

4 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، واللفظ لأبي كريب قالا : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن جابر بن عبد الله قال : كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستسقى ، فقال رجل : يا رسول الله ، ألا نسقيك نبيذاً ؟ فقال : بلى . قال فخرج الرجل يسعى ، فجاء بقدح فيه نبيذ ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ألا خمرته ، ولو تعرض عليه عوداً ؟ قال : فشرب (3).

5 - حدّثنا محمّد بن المثنى وابن بشار قالا : حدّثنا محمّد بن جعفر ، حدّثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عائشة رضي الله عنها : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يباشر وهو صائم (4).


1) - صحيح مسلم 1 : 157 .

2) - صحيح مسلم 1 : 184 .

3) - صحيح مسلم 6 : 105 .

4) - صحيح مسلم 3 : 135 .

رزيّة الخميس :

يذكر الكاتب في هذا الفصل عدد من الأخبار التي تصوّر لنا الأيّام الأخيرة في حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما عاناه فيها ، ومن هذه الأخبار :

1 - حدّثنا قبيصة ، حدّثنا ابن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أنّه قال يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثُمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتد برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . قال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ، وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، ونسيت الثالثة . وقال يعقوب بن محمّد : سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال : مكّة والمدينة واليمامة واليمن وقال يعقوب : والعرج أوّل تهامة (1).

2 - حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن طلحة ابن مصرّف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس : أنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثُمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيت على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ . قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ائتوني بالكتف والدّواة أو اللوح والدواة ، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً . فقالوا : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهجر (2).

مقتطفات من كتاب " عليّ ( عليه السلام ) في كتب الحديث التسعة " :

يذكر المصنّف في هذا الكتاب قسماً من فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الواردة في الصحاح المعتبرة عند أهل السنّة ، والتي تستدعي الإنسان إلى التأمّل في سبب


1) - صحيح البخاري 4 : 31 .

2) - صحيح مسلم 5 : 76 .

تنحية الأمّة للإمام عليّ ( عليه السلام ) من الخلافة الظاهريّة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ وتحريف الإسلام عن مساره الطبيعي ! والحال أنّه أجدر بها من غيره ، وأنّها الرداء الذي لا يليق إلاّ به ( عليه السلام ) .

ونظراً لكثرة الأخبار ، نذكر هنا قسماً موجزاً منها مقتصرين على النقل من صحيحي البخاري ومسلم :

ألف - حديث المنزلة :

1 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، ومحمّد بن عباد ، وتقاربا في اللفظ قالا : حدّثنا حاتم ، وهو ابن إسماعيل ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا التراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبّه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحب إليّ من حمز النعم ، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول له خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله ، خلفتني مع النساء والصبيان : فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي . وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله قال : فتطاولنا لها . فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأتى به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الرّاية إليه ، ففتح الله عليه ، ولمّا نزلت هذه الآية * ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) * (1)، دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللّهم هؤلاء أهلي (2).

2 - حدّثنا مسدد ، حدّثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً . فقال :


1) - آل عمران (3) : 61 .

2) - صحيح مسلم 7 : 120 .

أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبي بعدي (1).

3 - حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر محمّد بن الصباح وعبيد الله القواريري وسريج بن يونس كلهم عن يوسف بن الماجشون ، واللفظ لابن الصبّاح ، حدّثنا يوسف أبو سلمة الماجشون ، حدّثنا محمّد بن المنكدر ، عن سعيد ابن المسيب ، عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليّ : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي . قال سعيد : فأحببت أن أشافه بها سعداً ، فلقيت سعداً فحدّثته بما حدّثني عامر فقال : أنا سمعته فقلت : أنت سمعته ؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال : نعم ، وإلاّ فاستكتا (2).

ب - عليّ ( عليه السلام ) يوم خيبر :

1 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا حاتم ، يعني ابن إسماعيل ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : كان علي قد تخلّف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في خيبر ، وكان رمداً ، فقال : أنا أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فخرج علي فلحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : لأعطينّ الرّاية أو ليأخذنّ بالرّاية غداً رجل يحبّه الله ورسوله ، أو قال : يحبّ الله ورسوله ، يفتح الله عليه ، فإذا نحن بعليّ وما نرجوه ، فقالوا : هذا عليّ فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرّاية ، ففتح الله عليه (3).

2 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد


1) - صحيح البخاري 5 : 129 .

2) - صحيح مسلم 7 : 119 .

3) - صحيح مسلم 7 : 122 .

الله بن عبد القارئ ، عن أبي حازم قال : أخبرني سهل رضي الله عنه ، يعني ابن سعد ، قال : قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم خيبر : لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يفتح على يديه ، يحبّ الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى ، فغدوا كلهم يرجوه ، فقال : أين عليّ ؟ فقيل : يشتكي عينيه ، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه فقال : أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا . فقال : أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ، ثُمّ ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجبّ عليهم ، فوالله لأنّ يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم (1).

3 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا يعقوب ، يعني ابن عبد الرحمن القارئ ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم خيبر : لأعطينّ هذه الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، يفتح الله على يديه . قال عمر بن الخطّاب : ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ . قال : فتساورت لها رجاء أن أدعى لها . قال : فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها وقال : امش ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك . قال : فسار علي شيئاً ثُمّ وقف ولم يلتفت ، فصرخ يا رسول الله ، على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك ، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها ، وحسابهم على الله (2).

4 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة : حدّثنا هاشم بن القاسم . ح وحدّثنا إسحاق ابن إبراهيم ، أخبرنا أبو عامر العقديّ ، كلاهما عن عكرمة بن عمّار . ح وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وهذا حديثه : أخبرنا أبو عليّ الحنفي ، عبيد الله بن عبد المجيد ، حدثنا عكرمة ، وهو ابن عمّار وحدّثني إلياس بن سلمة ، حدّثني أبي :


1) - صحيح البخاري 4 : 20 .

2) - صحيح مسلم 7 : 121 .

( الحديث إلى أنْ قال ) ، قال سلمة : خرجت فإذا نفر من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقولون : بطل عمل عامر ، قتل نفسه . قال : فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنا أبكي ، فقلت يا رسول الله ، بطل عمل عامر ؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : من قال ذلك ؟ قال قلت : ناسٌ من أصحابك . قال : كذب من قال ذلك ، بل له أجره مرتين ، ثُمّ أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال : لأعطينّ الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، أو يحبّه الله ورسوله قال : فأتيت عليّاً ، فجئت به أقوده وهو أرمد ، حتّى أتيت به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فبصق في عينيه ، فبرأ وأعطاه الرّاية ، وخرج مرحب فقال :

قد علمت خيبر أنّي مرحب * شاكي السلاح بطل مجرّب

إذا الحروب أقبلت تلهب *

فقال علي :

أنا الذي سمتني أمّي حيدرة * كليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة *

قال : فضرب رأس مرحب فقتله ، ثُمّ كان الفتح على يديه . قال إبراهيم : حدّثنا

محمّد بن يحيى ، حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن عكرمة بن عمّار بهذا الحديث بطوله ، وحدّثنا أحمد بن يوسف الأزدي السلمي ، حدّثنا النضر بن محمّد ، عن عكرمة بن عمّار بهذا (1).

ج - علي ( عليه السلام ) يمتثل أمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، خلافاً لغيره :

1 - حدّثنا محمّد بن بشار ، حدّثنا غندر ، حدّثنا شعبة ، عن الحكم ، عن علي


1) - صحيح مسلم 5 : 195 .

ابن حسين ، عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعليّاً رضي الله عنهما ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلمّا رأى علي ، أهل بهما : لبيك بعمرة وحجّة . قال : ما كنت لأدع سنة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقول أحد (1).

2 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا حجاج بن محمّد الأعور ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن سعيد بن المسيب قال : اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان في المتعة ، فقال علي : ما تريد إلاّ أن تنهى عن أمر فعله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فلمّا رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً (2).

3 - حدّثنا محمّد بن المثنّى ومحمّد بن بشار قالا : حدّثنا محمّد بن جعفر ، حدّثنا شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن سعيد بن المسيّب قال : اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة ، فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تنهى عنه ؟ فقال عثمان : دعنا منك . فقال : إنّي لا أستطيع أن أدعك . فلمّا أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعاً (3).

د - حبّ عليّ ( عليه السلام ) إيمان وبغضه نفاق :

حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدّثنا وكيع وأبو معاوية ، عن الأعمش . ح وحدّثنا يحيى بن يحيى واللفظ له ، أخبرنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، عن زر قال : قال علي : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إنّه لعهد النبيّ الأميّ صلّى الله عليه وسلّم إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق (4).

ه‍ - علي ( عليه السلام ) ووعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

1 - حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى قالا أخبرنا عبد الله بن


1) - صحيح البخاري 2 : 151 .

2) - صحيح البخاري 2 : 153 .

3) - صحيح مسلم 4 : 46 .

4) - صحيح مسلم 1 : 60 .

وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد ، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أنّ الحرورية لمّا خرجت وهو مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، قالوا : لا حكم إلاّ لله ، قال علي : كلمة حقّ أريد بها باطل ، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصف ناسا إنّي لأعرف صفتهم في هؤلاء ، يقولون الحقّ بألسنتهم لا يجوز هذا منهم ، وأشار إلى حلقه ، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي ، فلمّا قتلهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : انظروا ، فنظروا فلم يجدوا شيئاً فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت ، مرتين أو ثلاثاً ، ثُمّ وجدوه في خربة فأتوا به حتّى وضعوه بين يديه قال عبيد الله : وأنا حاضر ذلك من أمرهم . وقول علي فيهم زاد يونس في روايته ، قال بكير : وحدّثني رجل عن ابن حنين أنّه قال : رأيت ذلك الأسود (1).

2 - حدّثنا محمّد بن أبي بكر المقدّمي ، حدّثنا ابن عليّة وحمّاد بن زيد . ح وحدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا حمّاد بن زيد . ح وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واللفظ لهما قالا : حدّثنا إسماعيل ابن علية ، عن أيوب ، عن محمّد ، عن عبيدة ، عن علي قال : ذكر الخوارج فقال فيهم رجل مخدج اليد ، أو مودن اليد ، أو مثدون اليد ، لولا أن تبطروا لحدّثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمّد صلّى الله عليه وسلّم قال : قلت : أنت سمعته من محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، قال إي وربّ الكعبة ، إي وربّ الكعبة إي وربّ الكعبة . حدّثنا محمّد ابن المثنّى ، حدّثنا ابن أبي عديّ ، عن ابن عون ، عن محمّد ، عن عبيدة قال : لا أحدثكم إلاّ ما سمعت منه ، فذكر عن علي نحو حديث أيوب مرفوعاً (2).


1) - صحيح مسلم 3 : 116 .

2) - صحيح مسلم 3 : 114 .

و - لماذا سُمّيَ ( عليه السلام ) أبا تراب :

حدّثنا عبد الله بن مسلمة ، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه : أنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال : هذا فلان لأمير المدينة ، يدعو عليّاً عند المنبر . قال : فيقول : ماذا قال ؟ يقول له أبو تراب ، فضحك ، قال : والله ما سمّاه إلاّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وما كان له اسم أحبّ إليه منه ، فاستطعمت الحديث سهلاً ، وقلت : يا أبا عبّاس ، كيف ذلك ؟ قال : دخل علي على فاطمة ثُمّ خرج فاضطجع في المسجد فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أين ابن عمّك ، قالت : في المسجد ، فخرج إليه ، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ، وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول : اجلس يا أبا تراب مرتين (1).

مقتطفات من كتاب " فاطمة ( عليها السلام ) في كتب الحديث التسعة " :

يذكر الكاتب في هذا الكتاب جملة من الروايات الواردة في كتب الحديث التسعة عند أهل السنّة ، والتي تدلّ على المكانة العظيمة ، وجلالة قدر فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) عند أبيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومنها :

1 - قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة (2).

2 - حدثني أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي ، حدّثنا سفيان ، عن عمرو ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها (3).

3 - حدّثنا أبو الوليد ، حدّثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن أبي مليكة ، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم


1) - صحيح البخاري 4 : 207 .

2) - صحيح البخاري 4 : 209 .

3) - صحيح مسلم 7 : 141 .

قال : فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني (1).

4 - حدّثنا أبو كامل الجحدري فضيل بن حسين ، حدّثنا أبو عوانة ، عن فراس ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كنّ أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنده لم يغادر منهنّ واحدّة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئاً ، فلمّا رآها رحبّ بها فقال : مرحبّاً بابنتي . ثُمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثُمّ سارّها فبكت بكاء شديداً ، فلمّا رأى جزعها سارّها الثانية ، فضحكت ، فقلت لها : خصّك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بين نسائه بالسرار ثُمّ أنت تبكين . فلمّا قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألتها : ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قالت : ما كنت أفشي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سرّه قالت : فلمّا توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلت : عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ لما حدّثتني ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . فقالت : أمّا الآن فنعم ، أمّا حين سارّني في المرّة الأولى ، فأخبرني أنّ جبريل كان يعارضه القرآن في كلّ سنة مرّة أو مرّتين ، وإنّه عارضه الآن مرتين ، وإنّي لا أرى الأجل إلاّ قد اقترب ، فاتقي الله واصبري فإنّه نعم السلف أنا لك . قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلمّا رأى جزعي سارّني الثانية فقال : يا فاطمة أمّا ترضي أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمّة قالت : فضحكت ضحكي الذي رأيت (2).

ثُمّ يذكر أخباراً تشير إلى موقف أبي بكر من بضعة المصطفى ( عليها السلام ) حين طلبت ميراثها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكيف أنّها غضبت عليه وهجرته ولم تكلّمه حتّى توفيت ( عليها السلام ) :

1 - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدّثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن


1) - صحيح البخاري 4 : 210 .

2) - صحيح مسلم 7 : 142 .

ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن فاطمة ( عليها السلام ) ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّا أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : لا نورث ما تركنا صدقة . فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستة أشهر (1).

2 - حدثني محمّد بن رافع ، أخبرنا حجين ، حدّثنا ليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة : أنّها أخبرته أنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك قال : فهجرته فلم تكلمه حتّى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ستة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ بن أبي طالب ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها علي (2).

مقتطفات من كتاب " الحسن والحسين ( عليهما السلام ) في كتب الحديث التسعة " :

يذكر " مختار الجزائري " في هذا الكتاب ما يبلغ على مائتين حديث من المصادر المعتبرة عند أهل السنّة في فضائل الحسنين ( عليهما السلام ) وعظم مكانتهما عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ونظراً لاعتبار صحيحي البخاري ومسلم عند أهل السنّة ، نقتصر على ذكر


1) - صحيح البخاري 4 : 42 .

2) - صحيح مسلم 5 : 153 .

بعض الأحاديث من هذين المصدرين :

1 - حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا مهدي حدّثنا أبن أبي يعقوب عن ابن أبي نعم قال : كنت شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال : ممّن أنت ؟ فقال : من أهل العراق قال : انظروا إلى هذا ، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وسمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول : هما ريحانتاي من الدنيا (1).

2 - حدثني إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري أخبرني أنس قال : لم يكن أحدٌ أشبه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم من الحسن بن علي (2).

3 - حدثني إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أخبرنا يحيى بن آدم ، حدّثنا ورقاء بن عمر ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن نافع بن جبير ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سوق من أسواق المدينة ، فانصرف فانصرفت فقال : أين لكع ثلاثاً ، ادع الحسن بن علي ، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب . فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيده هكذا ، فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه فقال : اللّهم إنيّ أحبّه فأحبّه ، وأحبّ من يحبّه ، وقال أبو هريرة : فمّا كان أحدٌ أحبّ إلى من الحسن بن علي بعد ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قال (3).

4 - حدّثنا حجاج بن المنهال ، حدّثنا شعبة قال : أخبرني عدي قال : سمعت البراء رضي الله عنه قال : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والحسن بن علي على


1) - صحيح البخاري 7 : 74 .

2) - صحيح البخاري 4 : 217 .

3) - صحيح البخاري 7 : 55 .

عاتقه يقول : اللّهم إنّي أحبّه فأحبّه (1).

5 - حدثني محمّد بن الحسين بن إبراهيم قال : حدثني حسين بن محمّد ، حدّثنا جرير ، عن محمّد ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين ( عليه السلام ) ، فجعل في طشت ، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئاً فقال أنس : كان أشبههم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكان مخضوباً بالوسمة (2).

وعندئذ يتبادر الاستفسار إلى ذهن القارئ بأنّ الحسنين ( عليهما السلام ) إذا كانت لهما هذه المكانة المرموقة والرفيعة عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لماذا ظلمتهم الأمّة بعده وانتهكت حرمهم ؟ لماذا دُسّ السُّم للحسن ( عليه السلام ) ولم يقبلوا بدفنه عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ لماذا رموا جثمانه الطاهر بالسهام ؟ لماذا ضيّقوا على الحسين ( عليه السلام ) في مدينة جدّه ؟ وسفكوا دمه الطاهر في كربلاء ؟ لماذا ذهبوا بنسائه وأهل بيته سبايا إلى الشام ؟ ولماذا ؟ ؟ ؟

والحال أنّ كلّ هذه الأمور تجري باسم الإسلام وخلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ! ! !

مقتطفات من كتاب " المهدي المنتظر ( عليه السلام ) في كتب الحديث التسعة " :

يذكر المصنّف لهذا الكتاب عدّة أحاديث تدلّ على أنّ الإمام المنتظر عجل الله فرجه من قريش وأنّه عندما يظهر ، يؤم الناس في صلاته ومن بين المأمومين عيسى بن مريم ( عليه السلام ) : منها :

1 - حدّثنا أحمد بن يونس ، حدّثنا عاصم بن محمّد ، سمعت أبي يقول : قال ابن عمر : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان (3).


1) - صحيح البخاري 4 : 216 .

2) - صحيح البخاري 4 : 216 .

3) - صحيح البخاري 8 : 105 .

2 - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا يونس بن محمّد ، حدّثنا القاسم بن الفضل الحدّاني ، عن محمّد بن زياد ، عن عبد الله ابن الزبير ، أنّ عائشة قالت : عبث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في منامه ، فقلنا : يا رسول الله ، صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله ، فقال : العجب إنّ ناساً من أمّتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت (1).

3 - حدّثني حرملة بن يحيى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري : أنّ أبا هريرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم (2).

مقتطفات من كتاب " أهل البيت ( عليهم السلام ) في كتب الحديث التسعة " :

يذكر المصنّف في هذا الكتاب جملة من الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت ( عليهم السلام ) ومكانتهم عند الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، على لسان الصحاح الستّة ، والكتب المعتبرة الأخرى التي يرجع إليها أهل السنّة ، ومنها :

الف - حديث الثقلين :

1 - حدّثني زهير بن حرب ، وشجاع بن مخلد جميعاً عن ابن عليّة ، قال زهير : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدّثني أبو حيّان ، حدّثني يزيد بن حيّان قال : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلمّا جلسنا إليه ، قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً ، رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسمعت حديثه ، وغزوت معه وصليت خلفه ، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً ، حدّثنا يا زيد ، ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قال : يا ابن أخي ، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلّى الله


1) - صحيح مسلم 8 : 168 .

2) - صحيح مسلم 1 : 94 .

عليه وسلّم ، فما حدّثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه ، ثُمّ قال : قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثني عليه ووعظ وذكر ، ثُمّ قال : أمّا بعد ، ألا أيها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه ثُمّ قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (1).

2 - حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا الأسود بن عامر ، ثنا شريك ، عن الدكين ، عن القاسم بن حسّان عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إنّي تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (2).

وأورده الهيثميّ في " مجمع الزوائد " وقال عنه : " رواه أحمد وإسناده جيّد " (3).

ب - آية التطهير :

حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن عبد الله بن نمير واللفظ لأبي بكر قالا : حدّثنا محمّد بن بشر ، عن زكريا ، عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة قالت : قالت عائشة : خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثُمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثُمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثُمّ جاء علي فأدخله ، ثُمّ قال : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (4).


1) - صحيح مسلم 7 : 122 .

2) - مسند أحمد 5 : 182 .

3) - مجمع الزوائد 9 : 163 .

4) - صحيح مسلم 7 : 130 ، الأحزاب (33) : 33 .

ج - آية المباهلة :

حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمّد بن عباد وتقاربا في اللفظ قالا : حدّثنا حاتم ، وهو ابن إسماعيل ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلن أسبه ، لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم إلى أن قال : ولمّا نزلت هذه الآية : * ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) * (1)- صحيح البخاري 4 : 118 .(2)، دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّاً وفاطمة حسناً وحسيناً فقال : اللّهم هؤلاء أهلي (3).

د : الصلاة على النبيّ وآله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

1 - حدّثنا قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل قالا : حدّثنا عبد الواحد ابن زياد ، حدثنا أبو فروة مسلم بن سالم الهمداني قال : حدّثني عبد الله بن عيسى ، سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال : إلاّ أهدي لك هديّة سمعتها من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . فقلت : بلى ، فأهدها لي . فقال : سألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلنا : يا رسول الله ، كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فإنّ الله قد علمنا كيف نسلم عليكم . قال : قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد (3) .

2 - حدّثنا عبد الله بن يوسف ، حدّثنا الليث ، قال : حدّثني ابن الهاد ، عن عبد الله بن خبّاب ، عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا : يا رسول الله ، هذا التسليم ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا : اللّهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك كما صليت


1) - آل عمران

2) : 61 .

3) - صحيح مسلم 7 : 120 .

على آل إبراهيم وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم . قال أبو صالح ، عن الليث : على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم . حدّثنا إبراهيم بن حمزة ، حدّثنا ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد وقال : كما صليت على إبراهيم وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم (1).

ه‍ - خلفائي اثنا عشر :

1 - حدّثنا قتيبة بن سعيد ، حدّثنا جرير ، عن حصين ، عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول ح وحدّثنا رفاعة بن الهيثم الواسطي واللفظ له ، حدّثنا خالد ، يعني ابن عبد الله الطحّان ، عن حصين ، عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول : إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ، قال : ثُمّ تكلم بكلام خفي عليّ . قال : فقلت لأبي ما قال ؟ قال : كلهم من قريش (2).

2 - حدّثني محمّد بن المثنى ، حدّثنا غندر ، حدّثنا شعبة ، عن عبد الملك ، سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول : يكون اثنا عشر أميراً . فقال كلمة لم أسمعها . فقال أبي : إنّه قال : كلهم من قريش (3).

ولا توافق رؤية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هذه إلاّ عقائد الشيعة الاثني عشريّة ، حيث يعتقدون أنّه عيّنهم بأسمائهم وأوصافهم .

ما ذكر هنا في فضل أهل البيت ( عليهم السلام ) من باب الإجمال ، فمن أراد الكثير فليرجع إلى كتاب المراجعات للسيّد شرف الدين ( رضي الله عنه ) المراجعة رقم 10 ، 12 ، 26 ، 32 ، 36 ، وغيرها حيث يذكر بعض الأحاديث من المصادر السنّية .


1) - صحيح البخاري 6 : 27 .

2) - صحيح مسلم 6 : 3 .

3) - صحيح البخاري 8 : 127 .

(22) ميلود العلمي حجاج( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1397 ه‍ ، ( 1977 م ) ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، حصل على شهادة الثانوية ، دفعه البحث إلى ترك مذهبه والانتماء إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

مصحف فاطمة ( عليها السلام ) :

يعتبر كتاب مصحف فاطمة ( عليها السلام ) من الكتب التي أثيرت حوله الكثير من الشبهات التي حاول المخالفون اتّخاذها ذريعة للتشنيع والتهريج ضدّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وكان " ميلود " ممن لفت انتباهه " مصحف فاطمة ( عليها السلام ) " فبحث حوله حتّى عرف الحقيقة ، وتعبّد له طريق الاستبصار .

المقصود من كلمة " مصحف " :

إطلاق كلمة " المصحف " على مصحف فاطمة ( عليها السلام ) هو الذي دفع المخالفون إلى تشبيهه بالقرآن ، واعتباره قرآناً آخر يمتلكه الشيعة ، في الوقت الذي صرّح أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّ مصحف فاطمة ( عليها السلام ) لا صلة له بالقرآن أبداً .

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " . . . وخلّفت فاطمة ( عليها السلام ) مصحفاً ما هو قرآن " (1).

وأمّا كلمة " مصحف " ففي اللغة العربية تطلق على " الجامع للصحف " المكتوبة بين الدفتين " (2).

الأقوال المختلفة حول مصحف فاطمة ( عليها السلام ) :

القول الأوّل : يتضمّن مصحف فاطمة بعض الأمثال والحكم والمواعظ والعبر والأخبار والنوادر ، ألّفه الإمام علي ( عليه السلام ) ، وقدّمه للزهراء ( عليها السلام ) لتتسلّى به خلال فترة فقدانها لأبيها .

القول الثاني : يتضمّن هذا الكتاب معارف في التشريع والأخلاق وبيان الحوادث التي ستقع في المستقبل ، وقد جمعت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) معلومات هذا الكتاب مما سمعته من أبيها .

القول الثالث : يحتوي هذا الكتاب على حقائق غيبية حصلت عليها الزهراء ( عليها السلام ) من قبل الله تعالى عن طريق الإلهام .

القول الرابع : إنّ للزهراء ( عليها السلام ) مصحفين ، أحدهما : ملهم من قبل الله تعالى لها ، والثاني : أملاه عليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن الأحاديث الشريفة المرتبطة بمصحف فاطمة ، عن أبي عبيدة قال : سأل أبا عبد الله بعض أصحابنا عن . . . مصحف فاطمة ( عليها السلام ) ؟

قال : فسكت طويلاً ، ثُمّ قال : . . . إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خمسة وتسعين يوماً ، وكان دخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل ( عليه السلام ) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيّب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما


1) - بصائر الدرجات ، الصفار : 176 ، باب 14 في الأئمّة ( عليهم السلام ) أنّهم أعطوا الجفر والجامعة ومصحف فاطمة ، حديث 14 .

2) - كتاب العين 3 : 120 " صحف " .

يكون في ذرّيتها ، وكان علي ( عليه السلام ) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة " (1).

وبصورة عامة كان " ميلود " ممن لفت مصحف فاطمة انتباهه فتوجّه للبحث عنه ، ولكنّه لم يقف في بحثه حدّ المصحف ، بل درس حياة الزهراء ( عليها السلام ) ، وهذا ما أنار بصيرته ، ودفعه لإعادة النظر في موروثه العقائدي ، وتغيير الكثير في معتقداته الدينية ، وتأسيسها من جديد وفق المعطيات العلمية الجديدة .


1) - الكافي 1 : 241 ، حديث 5 ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة .

(23) ناصر محمود( مالكي / الجزائر )

ولد عام 1391 ه‍ ، ( 1972 م ) ، في الجزائر ، ونشأ في بيئة مالكية المذهب ، استبصر عام 1420 ه‍ ، ( 2000 م ) ، نتيجة انجذابه إلى أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال أدعيتهم ومناجاتهم .

سبيل تعرّفه على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

لم يعثر " ناصر محمود " على كتاب شيعي واحد في الأجواء التي كان يعيش فيها ، وإنّما تعرّف على التشيّع من خلال المواقع الشيعية على الإنترنيت ، وأوّل ما لفت انتباهه الأدعية والمناجاة الواردة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وكان يعي " ناصر محمود " بأنّ الهدف الذي خلقه الله تعالى من أجله هو العبادة ، وقد قال تعالى : * ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * (1).

والعبادة لا تكون إلاّ بعد المعرفة ، والمعرفة تعتمد على الأدلّة والبراهين العقلية والنقلية ، ولكن هذه الأدلّة لا تغذي إلاّ الجانب الفكري للإنسان ، وأمّا غذاء القلب الذي ينبض في وجود الإنسان ويمدّه بالعطاء الروحي هو الاتّصال بالله بصورة مباشرة ، وأفضل ما يحقق هذا الاتّصال هو الدعاء .


1) - الذاريات (51) : 56 .

ولمّا عثر " ناصر محمود " على أدعية أهل البيت ( عليهم السلام ) وجد نفسه قريباً من الله تعالى ، وشعر بأنّ هذه الأدعية تقربّه من ألطاف الله تعالى وتسديداته وتوفيقاته .

وكان يعيش " ناصر " من خلال مناجاته لله عن طريق أدعية أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الشعور بالسعادة .

وكان يناجي " ناصر " ربّه بالدعاء " اللّهم إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء ، وبقوّتك التي قهرت بها كلّ شيء ، وخضع لها كلّ شيء ، وذلّ لها كلّ شيء وبجبروتك التي غلبت بها كلّ شيء ، وبعزّتك التي لا يقوم لها شيء ، وبعظمتك التي ملأت كلّ شيء ، وبسلطانك الذي علا كلّ شيء ، وبوجهك الباقي بعد فناء كلّ شيء ، وبأسمائك التي ملأت أركان كلّ شيء ، وبعلمك الذي أحاط بكلّ شيء ، وبنور وجهك الذي أضاء له كلّ شيء ، يا نور يا قدوس ، يا أوّل الأوّلين ويا آخر الآخرين " (1).

وبهذا الدعاء وأمثاله كان يشعر " ناصر " بأنّه يعرف الله حقّ معرفته ، وينال معرفة لا ينالها أبداً من خلال أبرز الأدلّة الفلسفية والكلامية ، بل كان يشعر بأنّ مضامين هذه الأدعية نور ، تنير له الدرب وتقرّبه إلى الله عزّ وجلّ .

" يا إلهي وسيّدي وربّي ، أتراك معذّبي بنارك بعد توحيدك ، وبعدما انطوى عليه قلبي من معرفتك ، ولهج به لساني من ذكرك ، واعتقده ضميري من حبّك ، وبعد صدق اعترافي ودعائي ، خاضعاً لربوبيتك ، هيهات أنت أكرم من أن تضيّع من ربّيته ، أو تبعد من أدنيته ، أو تشرّد من آويته ، أو تسلّم إلى البلاء من كفيته ورحمته " (2).

وكان يقرأ " ناصر محمود " هذه الأدعية ويبكي ، ويناجي ربّه ، وكان يلتجئ إلى هذه الأدعية كلّما يشعر بالحاجة إلى بث همومه ، وطلب العون من الله تعالى :


1) - مقطع من دعاء كميل بن زياد ، راجع مفاتيح الجنان ، الشيخ عبّاس القمي .

2) - المصدر نفسه .

" وليت شعري يا سيّدي وإلهي ومولاي أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة ، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة ، وبشكرك مادحة ، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة ، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتّى صارت خاشعة ، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة ، وأشارت باستغفارك مذعنة ، ما هكذا الظن بك ، ولا أخبرنا بفضلك عنك يا كريم " (1).

وبقي " ناصر " مرتبطاً بأدعية أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى دفعه حبّ الاستطلاع التعرّف عليهم ، فبحث في شبكات الإنترنيت حتّى تكشّف له الحقائق التاريخية التي لم يتوقّعها أبداً ، فعرف عظمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ودناءة أعدائهم ، ودور الأنانيات والمصالح الشخصية في إبعاد عترة الرسول عن مرجعيتهم الدينية والسياسية .

واستمر " ناصر " في قراءة أدعية أهل البيت ( عليهم السلام ) : " اللّهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك ، وأمينك وصفيك وحبيبك وخيرتك من خلقك ، وحافظ سرّك ، ومبلّغ رسالاتك ، أفضل وأحسن ، وأجمل وأكمل ، وأزكى وأنمى ، وأطيب ، وأطهر وأسنى ، وأكثر ما صلّيت وباركت ، وترحمت وتحننت ، وسلّمت على أحد من عبادك وأنبيائك ورسلك وصفوتك وأهل الكرامة عليك من خلقك .

اللّهم وصلّ على عليّ أمير المؤمنين ، ووصيّ رسول ربّ العالمين ، عبدك ووليك ، وأخي رسولك ، وحجتك على خلقك ، وآيتك الكبرى ، والنباء العظيم .

وصلّ على الصديقة الطاهرة ، فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين .

وصلّ على سبطي الرحمة ، وإمامي الهدى ، الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة .

وصلّ على أئمة المسلمين : علي بن الحسين ، ومحمّد بن علي وجعفر بن محمّد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمّد بن علي ، وعلي بن محمّد ، والحسن بن علي ، والخلف الهادي المهدي ، حججك على عبادك ، وأمنائك في


1) - المصادر نفسه .

بلادك ، صلاة كثيرة دائمة .

اللّهم وصلّ على وليّ أمرك القائم المؤمّل ، والعدل المنتظر ، وحفه بملائكتك المقربين ، وأيده بروح القدس يا ربّ العالمين .

اللّهم أجعله الداعي إلى كتابك ، والقائم بدينك ، استخلفه في الأرض ، كما استخلفت الذين من قبله ، مكّن له دينه الذي ارتضيته له ، أبدله من بعد خوفه أمنا ، يعبدك لا يشرك بك شيئاً .

اللّهم أعزه وأعزز به ، وانصره وانتصر به ، وانصره نصراً عزيزاً ، وافتح له فتحاً يسيراً ، واجعل له من لدنك سلطاناً نصيراً .

اللّهم أظهر به دينك وسنة نبيك ، حتّى لا يستخفي بشيء من الحقّ ، مخافة أحد من الخلق .

اللّهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة ، تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، والقادة إلى سبيلك ، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة .

اللّهم ما عرفتنا من الحقّ فحملناه ، وما قصرنا عنه فبلغناه ، اللّهم ألمم به شعثنا ، واشعب به صدعنا ، وارتق به فتقنا ، وكثر به قلّتنا ، وأعزز به ذلّتنا ، وأغن به عائلنا ، واقض به عن مغرمنا ، واجبر به فقرنا ، وسد به خلّتنا ، ويسّر به عسرنا ، وبيض به وجوهنا ، وفك به أسرنا ، وأنجح به طلبتنا ، وأنجز به مواعيدنا واستجب به دعوتنا ، وأعطنا به سؤلنا ، وبلّغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا ، وأعطنا به فوق رغبتنا .

يا خير المسؤولين ، وأوسع المعطين ، اشف به صدورنا ، واذهب به غيظ قلوبنا ، واهدنا به لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك ، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، وانصرنا به على عدوّك وعدونا ، إله الحقّ آمين .

اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا صلواتك عليه وآله ، وغيبة ولينا ، وكثرة عدوّنا ،

وقلّة عددنا ، وشدّة الفتن بنا ، وتظاهر الزمان علينا ، فصلّ على محمّد وآل محمّد وأعنّا على ذلك كلّه بفتح منك تعجله ، وضر تكشفه ، ونصر تعزه ، وسلطان حقّ تظهره ، ورحمة منك تجللناها ، وعافية منك تلبسناها ، برحمتك يا أرحم الراحمين (1).

ومن خلال هذه الأدعية ، ومن خلال الدراسات التاريخية التي أجراها " ناصر محمود " توصّل إلى أحقّيقة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتوكّل على الله تعالى ، واستعان به ، فمكّنه الله من اجتياز كلّ الحواجز والعقبات والموانع التي وجدها في طريق استبصاره .

فأعلن استبصاره عام 1420 ه‍ ، ( 2000 م ) .


1) - مقطع من دعاء الافتتاح ، انظر : مفاتيح الجنان ، الشيخ عبّاس القمي .

(24) وداد باي العقول( مالكية / الجزائر )

ولدت عام 1402 ه‍ ، ( 1982 م ) ، بعنابة ، في الجزائر ، وكان استبصارها في شهر رمضان عام 1423 ه‍ ، ( 2003 م ) .

تقول " وداد " حول أسباب استبصارها : كنت أعيش اضطراب ديني بسبب ما شاهدت في الجزائر من عمل السلفية ، فتركت الدين لفترة ليس كفراً ، بل تركت العبادات ، ثُمّ التقيت صدفة بشاب شيعي عراقي ، فسألته هل أنت شيعي ؟ وكأنّه شيء دفعني إلى هذا السؤال .

فأخذ يتكلّم حول الشيعة ، وعن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعن إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأنّهم سفن النجاة والهدى ، وبدأ يقدّم لي الأدلّة .

ومن هذا المنطلق وقع حبّ أهل البيت ( عليهم السلام ) في قلبي ، وبهم عرفت الإسلام من جديد .

ولكّنني خشيت ردود أفعال أهلي وأصدقائي عند إعلان استبصاري ، فكتمت الأمر ، ثُمّ رأيت الإمام الرضا ( عليه السلام ) في المنام فقال لي : لا تخافي ، إنّ الله معكي .

أعلنت استبصاري في شهر رمضان عام 1423 ه‍ ، ( 2003 م ) ، وبدأ أهلي وأصدقائي يلقبونني من باب الاستهزاء بالشيعية ، ولكنني فخورة بهذا اللقب .

من هم الشيعة :

الشيعة لغةً : الفرقة ، والأتباع والأعوان ، أخذت من الشياع والمشايعة بمعنى المتابعة والمطاوعة (1). قال تعالى : * ( ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَة ) * (2)، أي : من كلّ فرقة .

وقال تعالى : * ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) * (3)، أي : الذي من أتباعه .

وأما اصطلاحاً :

فالشيعة : كلّ من اتّبع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ونصره وقدّمه على غيره ممّن اغتصب الخلافة منه (4).

قال الشهرستاني في تعريف الشيعة :

" الشيعة : هم الذين شايعوا عليّاً ( عليه السلام ) على الخصوص ، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّةً ، إمّا جلياً وإمّا خفياً ، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده ، وإنّ خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده ، وقالوا : ليست الإمامة قضية مصلحية تُناط باختيار العامة ، وينتصب الإمام بنصبهم ، بل هي قضية أُصولية ، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل إغفاله وإهماله ، ولا تفويضه إلى العامة " (5).

ولفظ الشيعة وإنّ صدق على الزيدية والإسماعيلية الذين لا يعتقدون بالأئمّة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، لكنّ الشيعة الإمامية يعتقدون - تبعاً لأئمتهم - باثني عشر إماماً ، أولهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وآخرهم المهدي صاحب


1) - لسان العرب 8 : 188 - 189 ، مادة : شيع ، مجمع البحرين 2 : 572 ، مادة : شيع .

2) - مريم (19) : 69 .

3) - القصص (28) : 15 .

4) - أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد : 94 .

5) - الملل والنحل 1 : 146 .

الزمان عجّل الله فرجه الشريف .

قال الشيخ المفيد أحد أعلام الشيعة الإمامية :

" واتفقت الإمامية على أن الأئمّة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اثنا عشر إماماً ، وخالفهم في ذلك كلّ من عداهم من أهل الملّة وحججهم على ذلك - خلاف الجمهور - ظاهرة من جهة القياس العقليّ والسمع المرضيّ والبرهان الجليّ الذي يفضي التمسّك به إلى اليقين " (1).

وأوّل من نطق بلفظ " الشيعة " وجذّر هذا المصطلح في وعي الأُمة هو النبيّ الأكرم محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث ذكره في مناسبات عديدة ، حتّى عرفت نخبة من صحابة الرسول بولائهم ومتابعتهم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، منهم : سلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود .

روى ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : كنّا عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقبل علي ( عليه السلام ) ، فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، فنزل قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (2).

وعن أم المؤمنين - أم سلمة - رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة " (3).

وأورد ابن جرير الطبري بسنده عن أبي الجارود عن محمّد بن علي : * ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنت يا علي وشيعتك " (4).


1) - أوائل المقالات : 41 .

2) - الدر المنثور 6 : 379 ، والآية في سورة البينة (98) : 7 .

3) - ينابيع المودّة 2 : 245 ، باب المناقب ، الحديث 45 .

4) - تفسير الطبري 30 : 335 .

وفي الصواعق المحرقة قال مؤلّفه :

الآية الحادية عشر : قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * .

قال : " أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عبّاس : إنّ هذه الآية لمّا نزلت قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) : " هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين ، قال : ومن عدوي ؟ قال : من تبرأ منك ولعنك " (1).

ولا يصح بعد هذا أن يّدعي مدع ويقول : أنّ أصل التشيّع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم ، كما أدعى ذلك جماعة من العامة (2)، اتباعاً لأهوائهم ومخالفة للحقّ الصريح الذي نطق به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

لا يجوز أيضاً أن يُدّعى : أن أصل التشيّع يرجع إلى الاُصول الفارسية ، كما أدعى ذلك أيضاً بعض العامة (3)، وأوحى به بعض المستشرقين (4)، إنّ التشيّع له جذور فكرية أصلية ، وليس هو مذهب قام - كردّ فعل - على التسلّط الأموي ، كما أراد أن يظهر ذلك من أدعى الفريتين السابقتين (5)، وذلك واضح من :

1 - إنّ التشيّع سبق ظهور عبد الله بن سبأ كما قدّمنا .

2 - إنّ الدور المدّعى لابن سبأ دور عظيم لا يمكن تصديقه ، فكيف يستطيع


1) - الصواعق المحرقة 2 : 467 - 478 .

2) - مثل محمّد رشيد رضا وأحمد أمين وفريد وجدي وحسن إبراهيم حسن من الكتاب المحدثين فضلاً عمن سبقهم مثل ابن جرير الطبري وابن خلدون وغيرهم .

3) - مثل أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلاميّة ، وأحمد عطية في كتابه القاموس الإسلامي .

4) - مثل فلوتن في كتابه " السيادة العربية " .

5) - الأصل اليهودي ، والأصل الفارسي .

يهودي يمني أُمّه سوداء أسلم متأخراً أن يخدع كبار الصحابة من أهل التقى والورع مثل أبي ذر الغفاري الذي خالف معاوية وعثمان رافضاً أموالهم ، وبماذا أغراهم ابن سبأ هل كان يملك المال والسلطة ، إنّ السلطة والأموال كانت في يد الأمويين ومقرّبيهم في زمان عثمان ، وقد استخدمها عثمان في نفي أبي ذر وضرب عمّار حتّى فتق بطنه ، وضرب ابن مسعود سيّد القراء أيضاً ، في حين لم يَطَل ابن سبأ أي أذى من عثمان ، فكيف ترك مثل هذا المحرّض برغم الزاعمين ولم يُترك كبار الصحابة ؟ !

قال الدكتور طه حسين المصري :

وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا - وإنّ كان كلّ ما يروى عنه صحيحاً - إنّما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة ، وعظم الخلاف ، فهو قد استغلّ الفتنة ولم يثرها ، وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين ، قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ; ليشكّكوا في بعض ما تسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنعوا على علي ( عليه السلام ) وشيعته من ناحية أُخرى ، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين ، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة " (1).

3 - الكلام المتقدّم يأتي على فرض وجود عبد الله بن سبأ كشخصية تاريخية ، أمّا إذا كان اُسطورة تاريخية خيالية مختلقة ، كما أثبت ذلك بعض المحققين (2)، فيسقط الاتهام بالسبأية من أساسه .

4 - إنّ الشيعة جميعهم يتبرأون من عبد الله بن سبأ - على فرض وجوده - .


1) - الفتنة الكبرى : 134 .

2) - السيّد مرتضى العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى .

5 - الاتهام بالأصل الفارسي ، كلام فارغ لا معنى له ، فالشيعة يوالون أئمّتهم وهم من صميم العرب ، أمّا أهل السنّة فمعظم أئمّتهم من الأعاجم ! ! ، وهذا الأمر من بعض فتن بني أُمّية ، وإلاّ فقد أعلى الإسلام على لسان الرسول المعصوم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى " (1)


1) - تحف العقول : 34 ، خطبة الرسول في حجّة الوداع ، مسند أحمد بن حنبل 5 : 411 ، خطبة الرسول وسط أيام التشريق .

(25) آتوماني محمّد( شافعي / جزر القمر )

مرّت ترجمته في 1 : 15 من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .

المعلّم خير مرشد :

يقول " محمّد " : كان لي أستاذ يعينني في أموري الدينيّة ، وكان يعقد جلسات ، ويتحدّث فيها حول فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ومقامهم ومنزلتهم عند الله تعالى .

ومن هذا المنطلق أحببت التعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) والتعمّق في دراسة هذا المذهب .

وكان الأستاذ يلبّي بشوق رغباتي ، ويروي تعطّشي الديني ويرفع مستواي العلمي بالأُسس والمبادئ العقائديّة الرصينة ، حيث كان يعقد لي جلسات خاصة يبيّن لي معتقدات الشيعة .

وكان الأستاذ ملجئي عند إثارة الأسئلة في ذهني ، وكان يتيح لي الفرصة ولا ينهرني عن السؤال ، بل كان يحثّني على الاستفسار والتعقّل والبحث لحلّ الشبهات التي أواجهها ، وكان يحذّرني من عاقبة اتّباع الأسلاف في عقائدهم غير

المبتنية على الأدلّة والبراهين الرصينة ، وقد ذمّ الله عزّ وجلّ السائرين على هذا المنهج الخاطئ ، فقال تعالى في محكم كتابه : * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) * (1)- صحيح البخاري 3 : 83 .(2).

السجود على التربة سنّة :

استفسرت من الأستاذ حول سجود الشيعة على الأحجار ، ولماذا يعبدونها ؟ فأجابني : إنّ الشيعة يستندون في عملهم هذا إلى أحاديث متواترة ومتّفق عليها ، فقد ذكر البخاري في صحيحه : " إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : . . . جعلت ليّ الأرض مسجداً وطهوراً . . . " (2) .

وقال ابن حجر في تفسير هذا الحديث قوله : " وجعلت ليّ الأرض مسجداً ، أي : موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره . . . " (3).

وذكر البيهقي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : " كنت أصلّي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة الظهر فأخذ قبضة من الحصى في كفّي حتّى تبرد وأضعها بجبهتي إذا سجدت من شدّة الحر " .

قال الشيخ ( رحمه الله ) : " ولو جاز السجود على ثوب متّصل به ، لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود عليها . . . " (4).

وذكر ابن حجر في فتح الباري حديث خباب ، قال : " شكونا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكنا ، أي : فلم يزل شكوانا وهو حديث صحيح رواه مسلم . . . " (5).


1) - البقرة

2) : 170 .

3) - فتح الباري 1 : 37 .

4) - السنن الكبري للبيهقي 2 : 105 .

5) - فتح الباري 2 : 13 .

وقال الغزالي : السجود وأقلّه وضع الجبهة على الأرض مكشوفة بقدر ما ينطلق عليه الاسم " (1).

وأخذ الأستاذ يذكر لي المصادر التي وردت فيها أحاديث جواز السجود على الأرض ، وقد انتابني الشكّ في صحة ما يقوله ، فعزمت على مراجعة المصادر لمعرفة مدى صحة ما يقوله ؟

ولكن أُصبت بخيبة أمل شديدة عند مراجعة المصادر المعتبرة عندنا ، فوجدت أنّ كلّ ما ذكره الأستاذ صحيح .

وكشف لي البحث ، الكثير من الحقائق التي حاول أصحاب النفوس الضعيفة إخفاءها تلبية لرغبات السلاطين وحفاظاً على مناصبهم الدنيويّة الزائلة .

من هنا تجلّت لي أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وألزمتني ركوب سفينتهم التي من تمسّك بها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى .


1) - العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير 1 : 520 .

(26) عبد الله شفيق ستورمن( مسيحي / جنوب أفريقيا )

يقول " عبد الله شفيق ستورمن " : ولدت عام 1391 ه‍ ، ( 1972 م ) ، في " كأب تاون " عاصمة جنوب أفريقيا ، حين كان نظام التمييز العنصري في ذروته ، وكنت أنتمي إلى فئة " المواطنين من الدرجة الثانية " ; لأنّي من السكان " الملونين " ، وكان السود وهم الأكثرية يعتبرون مواطنين من الدرجة الثالثة ، وبالتأكيد فإنّ المنحدرين من أصل أوروبي ، أي : " البيض " كانوا مصنّفين على أنّهم مواطنون من الدرجة الأولى .

سأسرد لكم حادثة واحدة للدلالة على كيفية تغلغل العنصرية في النفوس ، والتي كان يغذّيها نظام التمييز العنصري في بلدي آنذاك :

عندما كنت في الخامسة من عمري كنت ألهو مع أترابي قرب البيت أو المدرسة ، وكان بجانب المدرسة حقل واسع شرعت إحدى شركات البناء بتشييد مجمع سكني فيه ، وكان حارس الموقع من السكان السود ، ولديه ابن في مثل سني تقريباً كان يلهو في ذلك الحقل ، ولم يرغب أصدقائي في اللعب معه ; لأنّه أسود . وقالت لي ابنة جيراننا لا تلعب مع ذاك الصبي الأسود ; لأنّه هو وأمثاله في اللون ينتمون إلى فئة الشياطين ، وبينما كنّا نلهو قرب الحقل ، اقترب الصبي منّا مبدياً رغبته في اللعب معنا ، لكنا خفنا منه باعتباره شيطاناً ، وفررنا عائدين إلى المنزل ;

لأنّه بحسب توهّمنا سيلتهم لحومنا !

فهذه الحادثة وغيرها من المئات ، تدلّنا على دأب النظام العنصري على تأصيل فكرة الفروقات العنصرية بين البشر بحسب ألوانهم ، وما آلت إليه هذه الفكرة من نتائج فظيعة على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي في جنوب أفريقيا .

البحث عن الحقيقة مبكراً :

تلقيت علومي في مدرسة القديس كليمانس في " كأب تاون " ، وكنت متأثّراً بجدّتي التي كانت متديّنة للغاية ، وكان لها الأثر الكبير في تكويني الديني وفي ثقافتي المسيحية .

وبالرغم من كوني مسيحياً ، فإنّ التساؤلات عن الأديان الأخرى ، وتحديداً الإسلام ، الدين الشائع في جنوب أفريقيا ، كانت تخطر ببالي دائماً وفي وقت مبكر من عمري ، أي : منذ الخامسة عشر ، كنت أرغب بالتعرف على معتقدات المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم ; لأنني كنت أريد أن أكون بجانب الحقّ أينما كان هذا الحقّ .

النور الأوّل : الذهاب إلى المسجد :

في يوم الجمعة ، تسللت سرّا إلى أحد مساجد " كأب تاون " لأرى كيف يصلّي المسلمون . . . ، وكانت طريقتهم في الصلاة ذات أثر بالغ في حياتي . . . ، رأيتهم يصلّون لله ، مستسلمين بكلّ تواضع وخشوع ، لا فرق بين أبيض وأسود ، أو بين غني وفقير ، وأكثر مشهد أثّر فيّ كان أثناء سجود المصلين لله ، حتّى بتّ أعتبر ذلك اليوم أسعد أيام حياتي .

في الطريق إلى الإسلام :

وطيلة الأسبوع الذي تلا هذه الواقعة ، كنت أفكّر في الله . . في الدين . . في

الحقيقة . . فخطر ببالي أن أصلّي كالمسلمين في المنزل ، وصادف أن تغيّبت عن المدرسة بسبب هطول الأمطار الغزيرة ، فوضعت سجّادة صغيرة - كانت قد أعطتني إيّاها جدّتي - باتّجاه مكّة ، مع علمي أنّ الله موجود في كلّ مكان ، وبدأت أتضرّع إليه قائلاً : إلهي أنت خلقتني وأريد أن أكون عبداً لك ، وأريد أن أكون مع الحقّ ، وفيما كنت أردد تلك الكلمات سجدت لله كما يفعل المسلمون . . كما رأيتهم في المسجد . . وبكيت بإخلاص ، أردت أن أقول لربّي إنّي بحاجة للهداية . . وللتعرّف إلى الإسلام خاتم الأديان السماوية .

الوصول إلى شاطئ الأمان :

عليّ أن أقرّ بفضل الشخص الذي سهّل قبولي واعتناقي الإسلام . . صديقتي وزميلتي في الدراسة " وسيلة أو غسطين " ، كنت مسيحياً وكانت مسلمة ، وكنت أطرح عليها أسئلة كثيرة حول الإسلام ، وكانت تجيب على عشرات الأسئلة ، وأعطتني بعض الكتب للقراءة ، وكلّما زادت قراءاتي ازدادت أسئلتي ، وفي وقت لاحقّ أعلنت إسلامي ، وكان مفاجأة بالنسبة إلى صديقتي التي كنت أهيل عليها الأسئلة كالمطر ، وكان ذلك في العام 1409 ه‍ ، ( 1989 م ) ، ويجب أن أذكر عمّي عبد الكريم ستورمن الذي اعتنق الإسلام قبل 25 عاماً ، فكنت أستزيد منه معرفة عن هذا الدين الحنيف .

في نادي الكاراتيه :

إنظمّت صديقتي " وسيلة " إلى نادي كاراتيه في المنطقة ، وألحّت عليّ أن التحق بذلك النادي أيضاً ، وتحت إصرارها وافقت على مضض .

ولحسن حظّي كان المسؤول عن ذلك النادي شاباً مؤمناً اسمه " فريد لويس " كان قد اعتنق الإسلام أيضاً ، ويعقد في منزله حلقات للفتيان ، تدور فيها نقاشات حول الإسلام ، وكانت نقاشات كثيرة تدور حول أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد

أعطانا كتباً عديدة تتحدّث عن الإسلام وعن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الأطهار ( عليهم السلام ) ، فوجدت نفسي مؤمناً أتّبع تعاليم هذه المدرسة في الإسلام ، وتأكّد لي أنّ الإمامية أو مذهب الاثني عشرية الجعفري مذهب صحيح لا تشوبه الشوائب مهما حاول الآخرون تشويهه .

ولا أنس أيضاً جاري المرحوم إبراهام دايفدز الذي علّمني أموراً كثيرة عن الإسلام ، وكان أحد الأوائل أيضاً الذين عرّفوني على تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الأهل : الرفض ثُمّ القبول :

لم تتقبل أمّي في البداية إسلامي ، وعندما رأت أنّه ليس بمقدورها منعي عن ذلك ، تراجعت عن رفضها وقبلتني بمعتقدي الجديد ، ولا سيما أنّ علاقتي بها ممتازة ، أمّا والدي فقد عارض الأمر بشدّة ، ولكنّه تراجع أيضاً عن محاربتي عندما رأى إصراري ، وأثناء مناقشة الأمر معهما كنت أستحضر في نفسي قصة إسلام الإمام علي ( عليه السلام ) عندما قال للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ الله تعالى عندما خلقه لم يطلب الأذن من أبويه . . وكذلك أنا لم أكن بحاجة لإذن والدي إذا ما أردت قبول الرسالة التي جاء بها النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكانت هذه حجّتي حين قلت لهم : إنّني لست بحاجة لموافقة أيّ كان إذا ما أردت أن أكون مسلماً . . وعندما رأوا إصراري تراجعوا وتصالحوا مع وجود مسلم في العائلة .

حرية الرأي والمعتقد :

بعد إسلامي شعرت بأنّي حرّ في طرح الأسئلة ، وأنّ باستطاعتي طرح كلّ التساؤلات عن الإسلام بكلّ حرية ، وهو أمر يتميّز به الإسلام والمسلمون عن غيرهم ، عندما ينبذ المرء الانحياز الأعمى الموروث ، والمعتقدات التي يرثها من العائلة والمجتمع سيصل إلى المنطق والتفكير السليم الحر ، بالإضافة إلى هذا فإنّ الإخلاص والصدق هما ما يحتاجه المرء لبلوغ الحقيقة .

والحمد لله فإنّني ما زلت أنكب على دراسة الإسلام عقيدة وشريعة ومفاهيم ، دراسة حوزوية معمّقة وذلك في لبنان ، كي أستطيع القيام بواجب الدعوة والتبليغ في بلادي عندما أعود إنّ شاء الله ، وفي الوقت نفسه أعمل على ترجمة بعض الكتب النافعة في هذا السبيل .

الإسلام في جنوب أفريقيا :

ينظر الناس إلى الإسلام في جنوب أفريقيا بإيجابية ، إلاّ أنّ بعض الشكوك تحوم حوله بسبب جهلهم به ، وبسبب الدعاية العالمية ضدّه ، ويعتنق سنوياً عشرات الأشخاص الإسلام وينتمون إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ونشر الإسلام بحاجة إلى جهود مكثّفة من قبل العاملين للإسلام ، ولا سيما أنّ جنوب أفريقيا رزحت تحت نظام عنصري ما زالت آثاره ماثلة إلى اليوم (1).


1) - مجلة نور الإسلام ، العدد 87 - 88 .

(27) حمادي ناجي( شافعي / رواندا )

مّرت ترجمته في 1 : 213 من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .

يقول حمادي : " كنت أظنّ بأنّ المذاهب الإسلاميّة كلّها على حقّ ، وأنّ اختلافاتها لا تمسّ أصل العقيدة ، ولكن انقلبت الموازين عند البحث والتحقيق حولها وذلك بفضل الكتب التي أهداها لي صديقي الشيعيّ ، وكان من جملتها كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي .

وعندما بدأت بقراءة الكتاب لفت انتباهي أسلوب الباحث في تبيين العقبات التي واجهها ، ومن أهمّ تلك المسائل مسألة الإمامة و . . . " .

معرفة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ الفترة الزمنيّة التي عاشها الصحابة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لم تكن فترة قليلة بحيث لا يتسنّى لهم معرفة الإمام علي ( عليه السلام ) فإنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يؤكّد في مواقف عديدة على خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) من بعده كحديث الدار ، وحديث المنزلة ، وحديث الغدير ، وغيرها من الأحاديث التي تواتر نقلها عند الفريقين ، ولكن أبت نفوس القوم إلاّ نفوراً .

هنا محطّ الرحال :

حطّ " حمادي " رحاله عند سفره في رحاب التاريخ حيث وجد ضالّته المفقودة فيه .

يقول " حمادي " تعرّفت من خلال البحث على شخصيّة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وفوجئت عندما رأيت في مصادر أهل السنّة ما يؤكّد وجوب اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) .

فقد أخرج الترمذي عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشاً واستعمل عليهم عليّ بن أبي طالب ; فمضى في السريّة فأصاب جارية فأنكروا عليه ، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا : إنّ لقينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرناه بما صنع علي .

وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلّموا عليه ثُمّ انصرفوا إلى رحالهم ، فلمّا قدمت السريّة سلّموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقام أحد الأربعة فقال : يا رسول الله ألم ترَ إلى عليّ بن أبي طالب صنع كذا وكذا ، فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ثُمّ قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ، ثُمّ قام إليه الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ، ثُمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا ، فأقبل إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والغضب يعرف في وجهه فقال : " ما تريدون من عليّ ، ما تريدون من عليّ ، ما تريدون من عليّ ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي " (1).

وقال الترمذي في ذيل الحديث : هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان (2).


1) - سنن الترمذي 5 : 296 .

2) - سنن الترمذي 5 : 296 .

وذكر الألباني الحديث وعلّق على ( جعفر بن سليمان ) بقوله : " وهو ثقة من رجال مسلم وكذلك سائر رجاله ، ولذلك قال الحاكم : تصحيح على شرط مسلم . وأقرّه الذهبي ، وللحديث شاهد يرويه أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه . . . " .

وأخرج أحمد في مسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثين إلى اليمن ، على أحدهما عليّ بن أبي طالب ، وعلى الآخر خالد بن الوليد فقال : " إذا التقيتم فعليّ على الناس ، وإنّ افترقتما فكلّ واحد منكما على جنده " .

فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا ، فظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة وسبينا الذريّة فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه .

قال بريدة : فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخبره بذلك فلمّا أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دفعت الكتاب فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فقلت يا رسول الله هذا مكان العائذ ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " لا تقع في عليّ فإنّه منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي " (1).

وأمّا حديث الغدير ، فهو غنيّ عن التعريف في ذكر المصادر المتواترة عند الفريقين ، ونكتفي بذكر أقوال كبار علماء السنّة كالغزالي وغيره ، فقد ذكر الذهبي في سيرة أعلام النبلاء " ولأبي المظفّر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب " رياض الافهام " في مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) قال : ذكر أبو حامد في كتابه " سرّ العالمين وكشف ما في الدارين " . . .

حديث : " من كنت مولاه ، فعلي مولاه " وقال : إنّ عمر قال لعلي : بخ بخ ،


1) - مسند أحمد 5 : 356 .

أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة . . . وهذا تسليم ورضى ، ثُمّ بعد هذا غلب عليه الهوى حبّا للرياسة ، وعقد البنود ، وأمر الخلافة ونهيها ، فحملهم على الخلاف ، فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمناً قليلاً . فبئس ما يشترون ، وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية ، وما أدري ما عذره في هذا ؟ والظاهر أنّه رجع عنه ، وتبع الحقّ ، فإنّ الرجل من بحور العلم ، والله أعلم (1).

ويضيف " حمادي " : هنا كشف لي التاريخ عن بصماته فانهالت علي الأسئلة ، وعصفت بي الشبهات ، أرى الحقّ جلياً فيلزمني اتّباعه ، وأحنّ على تراث ورثته عن أسلافي تحيط به الشبهات والتناقضات حتّى صار التناقض يبوح على لسان الأكابر من علمائنا ، فكيف يقول الغزالي : إنّ هذا الكلام فسل مع أنّه يعترف بأنّ ابن الجوزي من بحور العلم ؟ !

ولكن رأيت الحقّ يعلو ولا يعلى عليه ، فاتّبعت ما تملي عليّ الأدلّة والبراهين ، والتحقت بركب آل محمّد فإنّه طريق النجاء في يوم المحشر .


1) - سيرة أعلام النبلاء 19 : 328 وللمزيد انظر كتاب أئمّة أهل البيت للشيخ حكمت الرحمة .

(28) رمضاني عمّار( سنّي / رواندا )

مرّت ترجمته في 1 : 241 من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .

التعرّف على التشيّع :

لم تكن معرفة ( رمضاني ) إلاّ كسائر أبناء العامّة ، معرفة مشوّهة قد انقلبت فيها الحقائق رأساً على عقب ، ونضجت هذه الرؤية عند أبناء العامّة عن الشيعة أنهم روافض كفرة . . ؟ !

ولم يكن هذا الواقع المرّ وليد يوم وليلة ، بل له جذور عريقة في التاريخ ، وهذا ما أدّى إلى تشويه صورة الشيعة ، وأصبحت هذه الصورة المزّيفة هي السائدة في المجتمعات الإسلاميّة .

ولكن عندما يتسنّى للباحثين عن الحقّ كشف حقيقة مذهب التشيّع ، تنقلب عندهم الموازين وتؤدّي في نهاية المطاف إلى استبصارهم ، وحينما تتجلّى الحقائق يبقى السؤال مطروحاً في الساحة ، لماذا هذا التشويه ؟ !

يقول ( رمضاني ) : سنحت لي الفرصة لدراسة مذهب التشيّع ، وذلك حينما سافرت إلى ( كينيا ) فالتقيت ببعض الشيعة ودار بيننا العديد من الحوارات ،

فانجذبت نحو التعمّق وتواصل البحث ، فقمت بزيارة المراكز الثقافيّة ومن جملتها مؤسّسة ( بلال مسلم ) الشيعيّة ، وكان لهذه الزيارة الأثر البالغ في غرس نبتة تغيّر انتمائي المذهبي حيث قرأت العديد من الكتب ، وتعرّفت على عقائد الشيعة .

الحقائق في مصادر أهل السنّة :

يضيف ( رمضاني ) : بعد التعرّف على عقائد الشيعية وجدت بأنّهم يعتمدون في استدلالهم على المصادر السنيّة المعتبرة من الصحاح ، فعزمت على مراجعة المصادر المذكورة لمعرفة صحّة ما يدّعيه الشيعة ، وبعد البحث والتحقيق في الصحاح ، وجدت بأنّ الشيعة لا يستندون إلاّ لما هو ثابت في الصحاح من كتبنا ، والعجيب من علمائنا كيف لا يتطرّقون إلى هذه الحقائق ، ويسعون بشتّى الطرق إلى حملها على محامل لا تنسجم مع العقل السليم الخالي من العصبيّة الجهلاء .

وعلى الباحث عن الحقيقة الغوص في أعماق التاريخ لمعرفة الحقائق المندسّة فيه .

وأمّا أهمّ الأُمور التي ساهمت في تغيير انتمائي المذهبي ، فهي :

1 - الآيات الدالّة على التمسّك بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، والتي أشارت إليها المصادر المعتبرة من كتب أهل السنّة منها :

• ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1).

ذكر المفسّرون شيعة وسنّة أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) منهم :

أبو جعفر الإسكافي في المعيار والموازنة حيث قال بعد ذكره جملة من خصائص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :


1) - المائدة (5) : 55 .

في أنّ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كان قد فاق العالمين زهداً وصبراً وعبادة ، وكان أزهدهم في الزخارف الدنيويّة ، وأصبرهم عند الهزاهز والشدائد ، وأعبدهم في ساحات المناجاة مع الله ومقام العبوديّة .

ثُمّ ارجعوا إلى النظر في الزهد ، ودرجته لتعلموا أنّ عليّ بن أبي طالب قد برز على الزاهدين بزهده وصبره ، وسبق العابدين بعبادته ، فكان ممّن يطعم الطعام على حبّ الله مسكيناً ويتيماً وأسيراً .

وكان من المؤثرين على أنفسهم وإنّ كانت بهم خصاصة ، وكان من الكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، وكان من الصابرين على البأساء والضرّاء ، وكان ممّن قسّم بالسويّة ، وعدل في الرعيّة ، ولم يرزأ شيئاً من مال الله ، ولم تدّع عليه زلّة ، ولا تهمة ولا تكبّر ولا حميّة ، وفيه نزلت : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1)تصديقاً لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " إذ قرن الله ولايته بولاية رسوله (2).

وذكر الثعلبي في تفسيره عن ابن عبّاس قال : وقال السدي ، وعتبة بن حكيم ، وثابت بن عبد الله : إنّما يعني بقوله : * ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ) * ، الآية . عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه .

وعن الأعمش عن عبادة بن الربعي ، قال : بينا عبد الله بن عبّاس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمّم بالعمامة فجعل ابن عبّاس لا يقول ، قال رسول الله : إلاّ قال الرجل : قال رسول الله فقال ابن عبّاس : سألتك بالله من أنت ؟


1) - المائدة (5) : 55 .

2) - المعيار والموازنة : 226 .

قال : فكشف العمامة عن وجهه .

وقال : يا أيّها الناس ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري ، أبو ذر الغفاري : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهاتين وإلاّ صمّتا ، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا يقول : " علي قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله " .

أمّا إني صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيّام صلاة الظهر فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللّهم اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً ، وكان عليّ راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختّم فيها ، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم !

فلمّا فرغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال : " اللّهم إنّ أخي موسى سألك ، فقال : * ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) * (1)، الآية ، فأنزلت عليه قرآنا ناطقاً * ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) * (2)، اللّهم وأنا محمّد نبيّك وصفيّك اللّهم فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به ظهري " .

قال أبو ذر : فوالله ما استتم رسول الله الكلمة حتّى أنزل عليه جبرئيل من عند الله ، فقال : يا محمّد أقرأ ، فقال : " وما أقرأ " ؟ قال : أقرأ * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * إلى * ( رَاكِعُونَ ) * (3)(4).


1) - طه (20) : 25 - 31 .

2) - القصص (28) : 35 .

3) - المائدة (5) : 55 .

4) - تفسير الثعلبي 4 : 80 .

وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية : وغالب الإخباريّين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه ، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متّصل قال : " أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالوا : يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس ، وأنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وصدّقناه رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا ، فشقّ ذلك علينا ، فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * .

ثُمّ إنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال : " هل أعطاك أحد شيئاً " ؟ فقال : نعم خاتم من فضّة !

فقال : " من أعطاكه " ؟

فقال : ذلك القائم ، وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه .

فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : " علي أيّ حال أعطاك " ؟

فقال : وهو راكع .

" فكبّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثُمّ تلا هذه الآية " .

فأنشأ حسّان رضي الله تعالى عنه يقول :

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكلّ بطيء في الهدى ومسارع

أيذهب مدحي المحبر ضائعاً * وما المدح في جنب الإله بضائع

وأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً * زكاة فدتك النفس يا خير راكع

فأنزل فيك الله خير ولاية * فبيّنها في نيّرات الشرائع (1)

وقد بذل الآلوسي قصارى جهده لتغيير مدلول الآية المباركة ، مبرّراً بذلك فعل من تقدّم عليه ( عليه السلام ) من غير حقّ ، وسعياً لكسب المشروعيّة التي يفتقدون لها . ولكنّ الحقّ يعلو ولا يعلى عليه .

وذكر السيوطي في تفسير الآية عدّة روايات فقال : أخرج الخطيب في المتّفق عن ابن عبّاس قال : تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للسائل : " من أعطاك هذا الخاتم " ؟ قال : ذاك الراكع ، فأنزل الله * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) * ، الآية قال : نزلت في عليّ بن أبي طالب .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمّار بن ياسر قال : وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعلمه ذلك فنزلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * ، فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه ، ثُمّ قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللّهم وآل من والاه ، وعاد من عاداه " .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال : " نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيته * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ . . . ) * ، إلى آخر الآية ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدخل المسجد وجاء الناس يصلّون بين راكع وساجد وقائم يصلّي ، فإذا سائل فقال : " يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً " ، قال : إلاّ ذاك الراكع " لعليّ بن أبي طالب " أعطاني خاتمه .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال :


1) - تفسير الآلوسي 6 : 167 .

تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع فنزلت * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ ) * ، الآية .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ ) * ، الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب تصدّق وهو راكع وأخرج ابن جرير عن السدى وعتبة بن حكيم مثله .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس قال : كان عليّ بن أبي طالب قائماً يصلّي فمرّ سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه فنزلت هذه الآية * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ ) * ، الآية قال : نزلت في الذين آمنوا وعليّ بن أبي طالب أوّلهم .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عبّاس في قوله : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ ) * ، الآية قال : يعني من أسلم فقد تولّى الله ورسوله والذين آمنوا .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي جعفر أنّه سئل عن هذه الآية ، من الذين آمنوا ؟ قال : . . . إنّها نزلت في عليّ بن [ أبي ] طالب . . . (1).

وعلّق السيوطي في كتابه لباب النقول على هذه الأخبار بقوله : فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضاً (2).

نتائج محيّرة :

بعد هذه الدراسة التي أجراها " رمضاني " في معطيات الآيات القرآنيّة والتي غربلت معتقداته السابقة ، يقول " رمضاني " :

وقفت في حيرة من أمري بعد التتبّع في المصادر المعتبرة عند أهل السنّة ، وعجبت من جمود الأفكار على هذه العقائد الموروثة التي لا تنسجم مع البرهان والمنطق الصحيح ، وقد لفت انتباهي أيضاً الأحاديث الكثيرة الواردة في صحاح


1) - الدر المنثور 2 : 293 .

2) - لباب المنقول : 93 ، وللمزيد راجع كتاب أئمة أهل البيت في كتب أهل السنّة للشيخ حكمت الرحمة .

أهل السنّة والتّي تؤكّد وجوب اتّباع أهل البيت ( عليهم السلام ) منها :

حديث الاثني عشر وهو متواتر عند أعظم المحدّثين من الفريقين .

فقد أخرج البخاري عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول :

" يكون اثنا عشر أميراً " ، فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي : إنّه قال : " كلهم من قريش " (1).

وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول : " إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " ، قال ثُمّ تكلّم بكلام خفي عليّ قال : فقلت لأبي ما قال ؟ قال : " كلّهم من قريش " (2).

وأخرج الترمذي عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " يكون من بعدي اثنا عشر أميراً " ، قال : ثُمّ تكلّم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني فقال : قال : " كلهم من قريش " . وقال الترمذي في ذيل الحديث : هذا حديث حسن (3).

يقول " رمضاني " : بتّ لا أفهم هذه الأحاديث لأنّ المحدّثين لم يذكروا تفسيراً لها مع تعدّد الخلفاء عند أهل السنّة إلى ستّ وثلاثون خليفة ؟ !

مضافاً إلى ما ورد من الأحاديث المتضافرة التي نصّت على أسماء هؤلاء الخلفاء ، منها ما جاء في ينابيع المودّة نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني قال :

بسنده عن مجاهد ، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قدم يهودي يقال له


1) - صحيح البخاري 8 : 127 .

2) - صحيح مسلم 6 : 3 .

3) - سنن الترمذي 3 : 34 .

نعثل ، فقال : يا محمّد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك .

قال : سل يا أبا عمارة . . .

فقال : أخبرني عن وصيّك من هو ؟ فما من نبيّ إلاّ وله وصيّ ، وإنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون .

قال : إنّ وصييّ عليّ بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين .

قال : يا محمّد فسمّهم لي ؟

قال : إذا مضى الحسين فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد ، فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر فابنه موسى ، فإذا مضى موسى فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد فابنه علي ، فإذا مضى علي فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمّد المهدي ، فهؤلاء اثنا عشر .

قال : أخبرني كيفيّة موت علي والحسن والحسين ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يقتل علي بضربة على قرنه ، والحسن يقتل بالسمّ ، والحسين بالذبح .

قال : فأين مكانهم ؟

قال : في الجنّة في درجتي .

قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله ، وأشهد أنّهم الأوصياء بعدك (1).

الخاتمة السعيدة :

يقول " رمضاني " : بعد تجلّي الحقائق عرفت أنّ علماءنا يسعون في إخفاء


1) - ينابيع المودّة 3 : 281 .

الحقائق التي طالما اندّرست في تراكم غبار التاريخ ، يكسوها غبار الخيانة والتدليس ، حتّى انخدع الكثير من الناس بهذه الأفكار المسمومة والتي تأخذ بيد الإنسان إلى أودية التيه والضلال ، وتضفي القداسة على التراث المدفون في التاريخ مع ما فيه من تناقضات وأباطيل .

وممّا يزيد المرء حيرة ودهشة ، هو إخضاع الناس على تقبّل هذه الأباطيل التي دسّت في الشريعة المقدّسة ، فحوّلت الكثير من المفاهيم والقيم الصحيحة إلى السقيمة ، وجعلت الحقّ خاضعاً لأهواء السلاطين .

وطالما شوّهت الأيادي الأثيمة والأقلام المأجورة إلى إخفاء النور الساطع وحجب الأبصار عن السراج المنير .

وهذا ما دفعني إلى الابتعاد عن علمائنا من أهل السنّة ، والتوجّه إلى أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين جعلهم الله الوسيلة لهدايتنا إلى سواء السبيل .

(29) آنتون وسنين( مسيحي / روسيا )

الصورة

F11

ولد عام 1404 ه‍ ، ( 1984 م ) ، في روسيا ، " بسيبريا " ، ونشأ في أسرة مسيحية ، ثُمّ استبصر في شهر محرم الحرام عام 1423 ه‍ ، ( 2002 م ) .

قصّة استبصاره :

يقول " آنتون " : كنت أذهب في مرحلة المراهقة إلى الكنيسة ، ولكنني وجدت العقائد المسيحية غير معقولة وغير قادرة على إرواء فطرتي ، وكانت عندي أسئلة عقائدية كثيرة عجز علماؤنا عن تقديم الإجابة المقنعة لي .

ذهبت إلى موسكو بعد إتمامي للثانوية حوالي عام 1421 ه‍ ، ( 2001 م ) ، والتقيت هناك ببعض علماء من مختلف الأديان كاليهودية والإسلام ، وأخذت منهم بعض الكتب ، وعدّت إلى بلدي وعكفت على قراءة هذه الكتب ، فتبيّن لي بأنّ اليهودية مرحلة مقدّماتية للمسيحية ، وأنّ المسيحية أكمل من اليهودية ، وأنّ الإسلام أكمل من المسيحية .

وقرأت كتب " أحمد ديدات " وكتب أخرى حتّى ثبت لي أحقيّة الدين الإسلامي فأسلمت عام 1422 ه‍ ، ( 2002 م ) .

سفرة سياحية إلى إيران :

أتيت إلى إيران عام 1422 ه‍ ، ( 2002 م ) ، لأجل السياحة ، ولكنّني تفاجأت عندما قمت بالحوار الديني معهم عن طريق المترجم بأنّ معتقدات هؤلاء تختلف نوعاً ما عما تعلّمته .

اتّصلت هاتفياً ببعض أهل الفضل في روسيا ، وسألت منهم حول التشيّع ، فحذّروني منهم ، وقالوا لي : بأنّهم منحرفين ، ولهم قرآن آخر .

وخلال سفري إلى إيران ، ذهبنا إلى مدينة قم ، فالتقيت هناك بطالب علم طاجيكستاني مستبصر ، فسألته عن التشيّع ، فبيّن لي الكثير من القضايا .

ثُمّ سافرنا إلى مدينة مشهد ، وأخذت بعض الكتب من الروضة الرضوية ، فبدأت بقراءتها ، ثُمّ سافرنا إلى سوريا ، والتقيت هناك ببعض الشيعة ، وتحاورت معهم ، وأصغيت إلى كلامهم .

قلت لأحدهم : هل تريد منّي أن أكون شيعياً ؟

قال لي : أنا أريد أن تخرج من الدائرة العلمية الضيّقة التي تعيش في نطاقها ، وتنطلق في فضاءات واسعة ، وتكون رؤيتك ذات أفق رحب ، وتحيط علماً بأكبر قدر ممكن من المعارف ، ثُمّ تختار بنفسك العقيدة التي تمليها عليك الأدلّة والبراهين .

الاختيار الديني الواعي :

يقول " آنتون " : رجعت إلى بلدي ومعي كتب كثيرة ، منها : ما تدعوني إلى مذهب أهل السنّة ، ومنها : ما تبيّن لي أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وبدأ الشك يدبّ في نفسي ، فقرّرت السفر إلى مدينة قم وطلب العلم في حوزاتها من أجل التعرّف على التشيّع .

فقدّمت طلب الانتساب إلى مدرسة الإمام المهدي عجل الله فرجه ، وشجّعني صديقي الطاجيكستاني على ذلك ، وبعد فترة وجدت نفسي أحد طلبة علوم آل محمّد ( عليهم السلام ) .

وبعد فترة وجيزة أعلنت استبصاري ، وعكفت على طلب العلم ، وبذلت غاية جهدي لتشييد معتقداتي على الأسس المتينة .

وأقول بصراحة : بأنّ أكبر عامل دفعني إلى الاستبصار هو قراءة كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، وهو مترجم إلى اللغة الروسية ، فتأثّرت به كثيراً ، وكان هذا الأمر رهو النقطة الأخيرة التي دفعتني إلى إعلان تشيّعي بصورة كاملة .

(30) اكترينا كروجكاوي ( فاطمة )( مسيحية / روسية )

ولدت عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في روسيا ، البلد الذي شاع فيه الكفر والإلحاد ، ولكّنها لم تتأثّر بالتيار الذي حاول الإطاحة بفطرتها والقضاء على وجدانها وضميرها ، فسلكت طريق البحث عن الله .

وقد مرّت بأفكار مختلفة ، منها : اعتناق الديانة المسيحية المتمثّلة بمذهب أرثوذكس ، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وغزو الديانة المسيحية لهذه البلاد ، لكّنها سرعان ما رأت هذه الديانة لا تلبّي طلباتها الفطرية فتحّولت منها إلى الإسلام وسجّلت اسمها بعد الحصول على شهادة الديبلوم في مدرسة دينية حنفية المذهب ، فدرست في هذه المدرسة العقائد والفقه والتاريخ والأخلاق ، وحفظت بعض السور القرآنية ، ولكن صادف في هذه المدرسة وجود مدّرس شيعي كان سبباً في استبصارها ومعرفتها بالمذهب الإسلامي المطابق لما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

تقول الأخت " اكترينا " : سجّلت اسمي عام 1419 ه‍ ، ( 1999 م ) ، بمدينة موسكو في مدرسة إسلامية منتمية إلى المذهب الحنفي ، وكان يأتينا أستاذ يُدعى الشيخ أفضلي لإلقاء بعض الدروس الإسلاميّة ، لكّنه كان على خلاف باقي الأساتذة لا يقنع بما هو مذكور في الكراسات التي كنّا على ضوئها ندرس المفاهيم

الإسلاميّة ، فكان يطرح بين الحين والآخر المواضيع المذكورة على طاولة البحث فينقدها ويأتي بما هو أفضل منها : وهذا ما جعل أذهاننا تتفتح وأن نخرج من حالة التقليد والتقبّل الأعمى ، وأن لا نقبل كلّ ما هو مذكور من دون بحث وإمعان نظر .

فواصلت البحث حتّى تبيّن لي أنّ أستاذنا الشيخ أفضلي ينتمي إلى مذهب آخر هو مذهب التشيّع ، فانتهزت الفرصة وبدأت أوجّه له الكثير من الاستفسارات حول التاريخ الإسلامي والقضايا الفكرية الإسلاميّة المختلف فيها ، وهذا ما دفع الأستاذ إلى أن يبيّن لنا معتقدات الشيعة من هذا الخصوص .

وبعد البحث والتنقيب وجدت أنّ الفكر الشيعي أفضل من غيره ، لأنّني كنت أناظر باقي أساتذتنا الأحناف لأقارن بين أدلّتهم وأدلّة الشيعة ، وبمرور الزمان تبيّن لي صحة معتقدات الشيعة وأحقّيتها من باقي الأطروحات ، فبحثت عن السبب حتّى تبيّن لي أنّ سبب ذلك هو لأنّ مأخذ الشيعة وهم أهل البيت ( عليهم السلام ) أوثق من مأخذ أهل السنّة الذين كانوا أكثر ما يعتمدون على التاريخ الذي حرّفه حكّام الجور .

ومن هذا المنطلق اخترت بعد ذلك مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فإنتميت إليه وأعلنت استبصاري عام 1421 ه‍ ، ( 2001 م ) ، ثُمّ غيّرت اسمي فسميّت نفسي فاطمة .

وكان من أهم الكتب التي تأثّرت بها في استبصاري هي كتب السيّد مجتبى الموسوي اللاري ، إذ إنّها كانت متوفّرة في روسيا ومترجمة إلى اللغة الروسية ، وأملي أن يوفّق الله تعالى باقي الأخوة والأخوات أيضاً لاعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) والاعتصام من الضلال بعد التمسّك بالقرآن والعترة .

(31) افشربيك بوتايف( سني / روسيا )

ولد عام 1402 ه‍ ، ( 1982 م ) ، في روسيا ، كان منتمياً لمذهب أهل السنّة ، ولكنّه بعد أن التقى بأحد مبلغي الشيعية الوافدين إلى بلده تأثّر به وإعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولم يكن له من العمر سوى ثمانية عشر عاماً .

يقول " افشربيك " : غزا تيّار الثقافة الغربية بلدنا بع انهيار الاتّحاد السوفيتي ، وصار مجتمعنا متشبّهاً بالغرب في جميع جوانب حياته ، ولكنني كنت ملتزماً بديني ، وكنت أعتقد بأنّ الوازع الديني هو الوحيد الذي يصونني أمام هذا التيار الجارف الذي يحاول أن يطيح بكرامتنا الإنسانية ، وقد صمدت كثيراً إزاء هذا التحدّي ، ولكنني بعد ذلك عرفت ضرورة الابتعاد عن هذه الأجواء ; لأنّني كنت لا أمتلك الرصيد المعنوي الذي يمنحني الثبات أمام هذا التيار الهائل الذي هيمن على أوساطنا الاجتماعية .

كنت أعتقد بأنّني ينبغي أن أعيش في أجواء إسلامية لفترة ما لأتمكّن من تقوية بنيتي الفكرية لأستطيع بعدها عند العودة إلى بلدي أن أواجه تيّار الضلال والانحراف بقوّة وثبات .

ولكنّني كنت استصعب الهجرة وتحمّل الغربة في بلد لا أدري أين أحطّ فيه

رحالي ، فحاولت وأنا في بلدي أن أرفع مستواي الفكري ، ولكنّني كنت لا أجد في مواعظ ونصائح علماء أهل السنّة في منطقتنا الأثر المعنوي الذي يمنحني الثبات والاستقامة .

فبقيت على هذا المنوال حتّى التقيت بأحد مبلغي الشيعة ، فلمّا طرق كلامه سمعي أحسست أنّ لكلامه الأثر البليغ في تنمية المناعة في نفسي أمام مظاهر الفساد التي كانت نصب عيني كلّ حين ، فحاولت أن أوثّق علاقتي به لأنتهل المزيد من معارفه العذبة التي كانت تزيل الأدران عن قلبي .

فقلت له : كلام مَن هذا ؟

قال لي : إنّه كلام عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قلت له : ومن هم عترة الرسول ؟

قال لي : إنّهم أهل بيته الذين اصطفاهم الله ليكونوا الامتداد الطبيعي له من بعده ، فهم حملة علمه وخزّان معارفه ، اجتباهم الله فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، ونحن الشيعة متمسّكين بحبلهم وآخذين علومنا ومعارفنا منهم .

يضيف " افشربيك " : شعرت عند ذلك أنّني وجدت ضالّتي التي كنت أبحث عنها فاستفسرت منه : من أيّ بلد أنت ؟

قال : من إيران .

قلت : هل يسعني أن أهاجر إليها لأتلقّى علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) فيها ؟

قال لي : لا يوجد مانع في ذلك .

فبذلت بعد ذلك قصارى جهدي لأحقق أملي هذا ، ولم تمض فترة إلاّ واستجاب الله سبحانه وتعالى دعائي ، وإذا أنا أجد نفسي في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة .

وها أنا اليوم أعيش في أفضل أجواء دينية ، وأنا أشعر كلّ يوم بازدهار طاقاتي الكامنة وتفتّح ذهنيتي على الآفاق الرحبة في عالم الفكر والثقافة ، وأملي أن لا أضيّع لحظة واحدة في هذه الأجواء التي لا يعرف قدرها الإنسان إلاّ بعد فقدانها ، ورجائي من الله أن يديمها ويجعلها أرضاً مباركة تمدّ العالم بأسره بيمن معارفها المنبثقة من معادن العلم والمعرفة وهم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(32) حبيب الله إغماضي( بهائي / روسيا )

من مواليد روسيا ، عاش في القرن الرابع عشر ، يقول حول استبصاره :

عشت في دائرة الجهل والغفلة مدّة ثلاثين عاماً ، وهذا ما جعلني متّبعاً للفرقة البهائيّة الضالة ، فكنت متمسكاً بالعقائد الباطلة والمزيّفة ، وواقعاً في أسر التقليد الأعمى ، وسائراً مع ركب أناس غير ملتزمين بعقيدة ثابتة ، ولهذا عشت حالة الإزدواجية وحالة التزلزل العقائدي ، وكان علماؤنا يخدعونا بشعاراتهم الباطلة التي تستمد قوّتها المادية من الأجانب منذ مائة عام في بلاد إيران .

وقد غرس الأجانب شجرة خبيثة في منطقة " عشق آباد " التابعة لبلاد روسيا ، وكانت هذه الشجرة هي شجرة البهائيّة ، وكان في منطقتنا مجموعة دفعتهم الأهواء والأطماع المادية لدعم هذه الشجرة ، وكان هؤلاء لا يعرفون للضمير معنى ، ولا يراقبون الله في شيء ، وكان همّهم تلبية ميولهم ورغباتهم الدنيوية ، فكان الاستعمار يدعمهم بقوّة .

وكما ذكرت دفعني الجهل لاتباع هذا التيار لمدّة ثلاثين عاماً ، وكنت أشاهد ارتكاب علمائنا للذنوب والمعاصي وانغماسهم في ملذّاتهم وشهواتهم الدنيوية ، وكنت أرى بأنّ الدين عند هؤلاء جسر يصلون من خلاله إلى مآربهم ، ولكن كانت

بصيرتي عمياء حتّى التقيت بجماعة مؤمنة ومثقفة من شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) فنوّر هؤلاء قلبي ، وغذّوا عقلي بالأدلّة والبراهين التي منحتني القوّة للتخلّص من الجهل المتجذّر في وجودي (1).

تاريخ البهائيّة :

ادّعى شخص يُدعى علي محمّد الشيرازي - في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة ، الموافق لمنتصف القرن التاسع عشر الميلادي - أنّه الباب والواسطة للإمام المهدي عجل الله فرجه ، وحاول الاستفادة لتثبيت ادّعائه من عقائد الصوفية والشيخية ، وأصبح هذا الادّعاء في ما بعد نواة لنشوء البهائيّة .

وكان علي محمّد الشيرازي معروفاً قبل ادّعائه هذا بالخرافات والشعوذة ، وكان يعاني من عدم الاتّزان النفسي ، وكان المعروف عنه ممارسة السحر ، وقراءة الكف ، وإحضار الأرواح والجن .

وانشغل علي محمّد الشيرازي لفترة بكتابة الأدعية والأحراز الموهومة للناس السذج في مدينة بوشهر في إيران ، ثُمّ ادّعى بأنّه نائب الإمام المهدي عجل الله فرجه ، وبعد فترة ادّعى بأنّه هو الإمام المهدي عجل الله فرجه ، ثُمّ ادّعى النبوّة والإتيان بدين جديد ، ثُمّ آل أمره إلى ادّعاء الألوهية .

ثارت الضجّة من قبل الناس ضدّه ، فسافر إلى مدينة شيراز ، وهناك أيضاً ألقى الناس عليه القبض وعزموا على ضربه ، فأعلن توبته ، وحضر في إحدى المساجد وبيّن براءته من عقيدته أمام الناس ، ثُمّ سافر إلى مدينة تبريز واستمر على منهجه ، فثار الناس هناك أيضاً ضدّه ، فأعلن مرّة أُخرى توبته ، ولكن الناس لم يقبلوا توبته ، فحكموا عليه بالإعدام ، ثُمّ انصرفوا عن ذلك لاعتقادهم احتمال جنونه ، ولكن رئيس الوزراء آنذاك " أمير كبير " أمر بإعدامه ، تمَّ تنفيذ هذا


1) - انظر : التكامل في الإسلام 5 : 196 - 197 ، الرقم 5 .

الحكم (1).

الشرائع الدينية لدى البهائيين :

الصوم عند البهائيين :

شهر الصيام عند البهائيين هو الشهر التاسع عشر - وكما لا يخفى أنّ عدد الشهور في السنة الواحدة عندهم تسعة عشر شهراً - وكيفية الصوم عندهم هي الامتناع من تناول الطعام من الشروق للغروب مدّة تسعة عشر يوماً .

ويقع شهر الصوم عند البهائيين دائماً في فصل الربيع ، ولا يقع أبداً في حرّ الصيف الشديد أو برد الشتاء القارص .

ويعفى من الصيام من كان دون البلوغ والمسافر والمريض والهرم والحامل والمرضع والحائض والنفساء ، ولا يجب عندهم قضاء الصوم .

الصلاة عند البهائيين :

يجب الصلاة عند البهائيين من أوّل البلوغ ، ويؤدّيها المصلّي تجاه شطري الأقدس مقام المقدّس ، أي : مدينة " عكا " حيث يرقد بهاء الله .

ويجب عندهم الوضوء ، فمن لم يجد الماء يذكر خمس مرّات اسم الله الأطهر الأطهر ، ثُمّ يشرع في العمل .

وأمّا المسافر فعليه أن يقضي - إذا نزل واستراح - سجدة واحدة مكان كلّ صلاة ، وأمّا الذي يشعر في نفسه ضعفاً من مرض أو هرم فيعفى من الصلاة كما تعفى الحائض والنفساء ، ولا يجب عليهما القضاء .

وقد رفع حكم صلاة الجماعة عند البهائيين إلاّ في صلاة الميت ، كما رفع


1) - انظر : البهائيّة في خدمة الاستعمار ، منظمة الإعلام الإسلامي : 14 - 15 .

حكم صلاة الآيات ، وجوّزوا السجود على كلّ شيء طاهر حتّى شعر الحيوان أو عظمه أو الحرير أو الخز .

وأمّا كيفية الصلاة عندهم ، فإنّ المصلّي يقوم ويقبل إلى الله ويقول :

" يا إله الأسماء وفاطر السماء أسألك بمطالع غيبك العلي الأبهى بأن تجعل صلاتي ناراً لتحرق حجباتي التي منعتني عن مشاهدة جمالك ، ونوراً يدلّني إلى بحر وصالك " .

ثُمّ يرفع المصلّي يديه للقنوت ويقول الدعاء المقرر ، ثُمّ يقرأ بعض الأدعية التي جاء بها البهاء نتيجة ادّعائه النبوّة ، ثُمّ الألوهية .

الحج عند البهائيين :

يحج البهائيين اتجاه الدار التي أقام فيها " بهاء الله أثناء إقامته في " العراق " أو الدار التي سكنها " الباب " السيّد علي محمّد في شيراز دون تحديد في الزمن أو تفضيل بيت على بيت .

الزكاة عند البهائيين :

سئل عبد البهاء عبّاس أفندي عن حكم الزكاة في شريعة البهاء فأجاب : الزكاة في البهائيّة كالزكاة في الإسلام .

وشدد بهاء الله على وجوب دفع الزكاة وقال : " إيّاكم يا قوم أن تمنعوا أنفسكم عن هذا الفضل العظيم ، يا قوم لا تخونوا في حقوق الله ، ولا تصرّفوا فيها إلاّ بعد إذنه ، من خان الله يخان بالعدل ، والذي عمل بما أمر ينزل عليه البركة من سماء عطاء ربّه الفيّاض " .

الزواج والطلاق عند البهائيين :

لا تجوّز البهائيّة الزواج بأكثر من زوجة واحدة ، كما لا يجوز عندهم أن تتجاوز المدّة بين العقد والزفاف اليوم الواحد .

وأمّا الطلاق فمكروه عند البهائيّة ، وفي حالة وقوع الكره والكدورة بين الزوجين ، فلكلّ منهما الحقّ في طلب الطلاق .

تقويم البهائيّة :

تنقسّم السنّة البهائيّة إلى تسعة عشر شهراً في كلّ شهر تسعة عشر يوماً ، فيكون مجموع ذلك 361 يوماً ، وتبدأ هذه السنة باليوم الحادي والعشرين من شهر آذار الغربي ، وهو يوم عيد النوروز .

وأمّا أسماء الشهور عند البهائيّة : 1 ) شهر البهاء ، 2 ) شهر الجلال ، 3 ) شهر الجمال ، 4 ) شهر العظمة ، 5 ) شهر النور ، 6 ) شهر الرحمة ، 7 ) شهر الكلمات ، 8 ) شهر الكمال ، 9 ) شهر الأسماء ، 10 ) شهر العزّة ، 11 ) شهر المشيئة ، 12 ) شهر العلم ، 13 ) شهر القدرة ، 14 ) شهر القول ، 15 ) شهر المسائل ، 16 ) شهر الشرف ، 17 ) شهر السلطان ، 18 ) شهر الملك ، 19 ) شهر العلاء .

وأمّا أسماء الأيام السبعة فهي : 1 ) يوم الجلال ( وهو يوم السبت ) ، 2 ) يوم الجمال ( وهو يوم الأحد ) ، 3 ) يوم الكمال ( وهو يوم الاثنين ) ، 4 ) يوم الفضال ( وهو يوم الثلاثاء ) ، 5 ) يوم العدل ( وهو يوم الأربعاء ) ، 6 ) يوم الإستجلال ( وهو يوم الخميس ) ، 7 ) يوم الاستقلال ( وهو يوم الجمعة ) .

وأمّا أعياد البهائيّة فهي خمسة :

1 - عيد النوروز ، ويصادف يوم 21 آذار من كلّ سنة .

2 - عيد الرضوان ، وعدّته 12 يوماً أوّلها 21 نيسان وآخرها اليوم الثاني من أيار ، وهذا العيد هو عيد إعلان " بهاء الله " دعوته في حديقة نجيب باشا ببغداد ،

والتي سمّاها حديقة الرضوان .

3 - عيد ولادة الباب السيّد علي محمّد ، وهو اليوم الأول من شهر محرم من كلّ عام .

4 - عيد ولادة البهاء المرزة حسين علي ، وهو اليوم الثاني من شهر محرم من كلّ سنة .

5 - عيد إعلان دعوة الباب " السيّد علي محمّد ، وهو يوم خامس جمادي الأوّل (1).

الاختلاف بين الإسلام والبهائيّة

يتّضح مما ذكرناه مدى الاختلاف بين الإسلام والبهائيّة ، ويتبيّن أنّ البهائيّة لا صلة لها بالإسلام أبداً ، وإنّما هي ديانة خاصّة ابتدعها أئمة الكفر ، وجاؤوا بها مما ألقت عليهم أهواؤهم النفسية .

وهذا ما جعل رؤساء هذه الديانة بعيدين كلّ البعد عن الحقّ ، فوقف علماء الإسلام ضدّهم وحكموا عليهم بالكفر ، ويجد الباحث عند أدنى تأمّل في مضامين أحكام هذه الديانة أنّها ركيكة وضعيفة ، وهي مما صنعتها أيدي البشر من تلقاء أنفسهم ، وليس لهذه الديانة أيّ صلة بالله تعالى .

التحرر من الجهل :

يقول " حبيب الله إغماضي " : إنّ السبب الوحيد الذي جعلني متمسّكاً بالبهائية هو الجهل ، ولهذا بمجرد توجّهي نحو البحث عرفت مدى الظلمة التي كانت تحيطني خلال الثلاثين عاماً التي أمضيتها منتمياً للضلال .


1) - انظر : البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم ، السيّد عبد الرزاق الحسيني : 74 - 89 .

ولمّا أشرف نور الإسلام في قلبي ، وتعرّفت على عظمة أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) أعلنت استبصاري ، وفتحت صفحة جديدة في حياتي ، واتّبعت العقيدة التي كانت مؤسسة على الأدلّة والبراهين الساطعة .

ويأمل " حبيب الله إغماضي " لكلّ الذين يعيشون في دائرة الجهل أن يتحرروا منها عن طريق طلب العلم ، والتمسّك بالأسباب الموصلة إلى الحقّ والحقيقة .

(33) سوتلانا موراوسكايا( مسيحية / روسية )

ولدت عام 1395 ه‍ ، ( 1976 م ) ، في روسيا ، كانت على الديانة المسيحية ، ثُمّ أسلمت فانتمت إلى المذهب الحنفي ، ثُمّ واصلت دراستها وبحوثها حتّى تجلّت لها الحقيقة متمثّلة بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فاستبصرت واعتنقت التشيّع .

تقول " سوتلانا " : كنت في البداية منتمية إلى الديانة المسيحية ، وذلك لأنّني تأثّرت بالتبشير المسيحي الذي غزا بلادنا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وكان من أهم الأسباب التي دفعتني للدين هو الاستجابة لفطرتي التي كانت تحثّني على الإيمان فإنتميت إلى المسيحية ، ولكنني بعد ذلك شعرت بأنّ الديانة المسيحية لا تلبّي حاجتي الفكرية ، ولا تشبع فهمي وتعطّشي للخالق .

بقيت على هذه الحالة وأنا أواصل دراستي الأكاديمية ، فلمّا تممت الثانوية دخلت جامعة الطبّ ، وصرت أواصل دراستي في فرع الممرضات .

وفي الجامعة تعرّفت على شاب من أهالي كشمير كان يدرس في فرع الطب ، فكان ذلك الشاب طيلة الفترة التي رافقته في الجامعة يشرح لي المبادئ الإسلاميّة ، ولكنني كنت لا أبالي بالمفاهيم التي يذكرها لي ; لأنّني كنت لا أجد فرقاً بين الديانات والمذاهب ، وكنت أظن بوجود دين واحد على وجه الأرض

لعبادة الله ، وذلك هو ما أنا عليه من الديانة المسيحية .

ولكن بمرور الزمان ارتفع مستوى وعيي الديني ، فاندفعت إلى البحث عن الإسلام ، ولم تمضى فترة حتّى تشرّبت نفسي بروح الإسلام فاخترته ديناً لنفسي ، ولكنني بعد ذلك تحيّرت بين المذاهب الإسلاميّة ، فقررت السير على المذهب الحنفي موقتاً حتّى يتبيّن لي المذهب الصحيح بعد ذلك عبر مواصلة البحث والتتبع ، فقررت بعد ذلك أن أواصل دراستي بعد إكمال المعهد في مدرسة إسلامية لأتعرّف على المذهب الصحيح بين المذاهب الإسلاميّة .

فلمّا أتممت دورة المعهد وجدت الفرصة متوفّرة لرفع مستواي الديني ، فصرت أبحث عن مدرسة أتلّقى فيها العلوم والمعارف الإسلاميّة ، فسألت عن المدارس فعرّفني البعض على إحدى المدارس الموجودة في تاتارستان .

لكن صادف في تلك الفترة أن تعرّفت على شاب منتمياً لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) اسمه ياسين ، فأعجبت بأخلاقه وسلوكه وتعامله ، كما أنّه كان يتمتّع بثقافة إسلامية رفيعة ، وكان دوماً يدور كلامه حول الفكر والثقافة الإسلاميّة التي تلقّاها من مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فرافقته مدّة طويلة ; لأنّني كنت أشعر عند صحبته أنّني أستلهم منه الكثير من العلوم والمعارف الدينية ، كما أنّه كان مثالاً رائعاً لأخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) .

فكنت طيلة مصاحبتي له أقارن بين ما يسرده من أدلّة وبراهين على أحقّية اتّباع عترة الرسول ( عليهم السلام ) ، وبين ما عليه أهل السنّة الذين كنت أعيش في أوساطهم ، وكانت النتيجة أنّني اقتنعت بالأدلّة التي كان يبيّنها لي فاعتنقت بعد ذلك مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وشاءت الإرادة الإلهية أن يجمعني الله بالأخ ياسين في بيت واحد

فتزوّجنا بعد ذلك ، وشيّدنا أسرتنا على تقوى الله ومحبّة الرسول وعترته الطاهرة . وبعد ذلك اخترت مدرسة " الرسول الأكرم " لمواصلة الدراسة فسجّلت اسمي فيها ، وصرت أتلّقى فيها علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثُمّ أصبح بيتنا بعد ذلك مدرسة دينية إذ كان زوجي يدّرس الرجال القرآن صباحاً ، وكنت أنا أدرّس النساء مساءً دروس الأحكام والأخلاق ، كما كنت في أيام العطل أعقد جلسة نسوية لتجويد القرآن في مسجد منطقتنا .

(34) كريشا باباليان( مسيحي / روسيا )

الصورة

F12

يقول " كريشا " في رسالة يشرح فيها كيفية إسلامه .

" إنّني من الجالية الروسية ، ولدت في أسرة مسيحية ملتزمة بدينها ، فلمّا كثر الاضطهاد الديني من قبل التيار الشيوعي المهيمن على دفّة الحكم ، قرّرنا الهجرة إلى إيران ليكون لنا الحريّة الكاملة لممارسة طقوسنا الدينية ، ثُمّ التحقت في إيران بالمدرسة ، فكان كافّة زملائي من المسلمين ، فحصل لي نوع من حبّ الاستطلاع لمعرفة الإسلام .

قرأت القرآن وحفظت بعض سوره ، كما أنّني طالعت بعض الكتب المدوّنة حول الإسلام ، فأعجبني من الإسلام قانون المساواة بين البشر ، والأخوّة بين المسلمين ، ومبدأ الحثّ على العفو والإيثار والتعاطف والمحبّة .

أعجبني من الإسلام أيضاً تحريمه للخمور والفسق والفجور والانحطاط ، ودعوته إلى الكمال والتسامي والارتقاء ، فلم أسمح لنفسي لحظة واحدة بعد معرفتي بالإسلام أن أبقى في دائرة الضلال التي كنت فيها ، فقررت أن اعتنق الإسلام ، وبقيت فترة على هذه الحالة حتّى وفّقني الله لذلك ، وأنا أفخر حالياً أن هداني الله إلى سواء السبيل .

تحمّلت الغربة فلماذا لا استبصر ؟ !

عرف " كريشا " بأنّ هجرته إلى إيران وتحمّله للغربة لم تكن إلاّ للحفاظ على دينه المسيحي الذي ورثه من آبائه ، ولكنه بعد تعرّفه على الإسلام ، ومقارنته بين ما عليه من المسيحية والإسلام وقع الشك في قلبه إزاء أحقّية الدين المسيحي .

وطرء هذا التساؤل في قلبه : هل يستحق الدين المسيحي هذا الاهتمام ليتحمّل من أجله عناء الهجرة ومرارة الغربة ؟ !

ومن هذا المنطلق عرف " كريشا " فراغ معتقداته الموروثة وعظمة الدين الإسلامي ، وعرف بأنّ العبادة في المسيحية عبارة عن عبادة ساعات في يوم الأحد من كلّ أسبوع ، وبمجرد أن يخرج الإنسان من الكنيسة فإنّه يقبل على حياة مليئة بالكفر والإلحاد وتحدّي تعاليم المسيح ، ولكن الإسلام عبارة عن عقيدة متجدّدة دائماً ، وهي التي تدعو معتنقيها ليعيشوا مع الله ، وليس دين الإسلام مجرد مفاهيم وتعاليم نظرية فقط .

تعاليم القرآن :

وجد " كريشا " بأنّ تعاليم القرآن عبارة عن مرشد أبدي للبشرية ، وأنّه كتاب هداية لكلّ من يريد الاهتداء بنوره .

وأكبر دليل على ثبوت نزول القرآن من قبل الله تعالى ، أنّه تعالى تحدّى البشرية ليأتوا بمثله ، وقد مرّت قرون مديدة ولكن لحدّ الآن لم يتقدّم أحد لمقاومة هذا التحدّي .

وتمنّى " كريشا " أن يكون ممن يفهم اللغة العربية ليستمتع بحلاوة بلاغة القرآن وفصاحته وتأثيره المباشر ، ولكنّه عرف بأنّ الله تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها ، فأخذ يطّلع على مضامين القرآن عن طريق قراءة ترجمته ، والتأمّل في محتوى ما يريد الله تعالى إخبار الإنسان به .

مقارنة الحقيقة الإلهية عند المسيحية والإسلام :

وجد " كريشا " بأنّ المسيحية تؤمن بأنّ الله ثلاثة ، وعبادة المسيحيين لله تعالى لا تنسجم مع عظمته ولا جلالة قدره ، فإنّهم يقولون في الصلاة الربانية :

" أبانا الذي في السماوات ، ليتقدّس اسمك ، لتأت ملكوتك ، لتكن مشيئتك ، كما في السماء كذلك على الأرض ، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم ، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا ، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشر " (1).

وعندما يتأمّل الإنسان في هذه الصلاة يجد بأنّها خالية عن التمجيد لله تعالى والثناء عليه ، وأنّها لا تليق بعظمة الله تعالى .

ولكن عندما يتأمّل الإنسان في الحقيقة الإلهية في الإسلام يجد أنّ الله تعالى واحد أحد صمد ، وهو الرحمن الرحيم ، وهو المتنزّه عن المكان والزمان والجهة وغيرها من الصفات السلبية .

ويقرأ المسلم في صلاته : بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * ( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ * عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) * (2).

وتتضمّن هذه الصلاة الثناء على الله والحمد له ووصفه بالربوبية والرحمة والتصريح بعدم وجود جهة مستقلة لداتها في القوّة والقدرة ليحق للإنسان الاستعانة بها من دون إذن الله تعالى .

فالله تعالى هو الوحيد المستحق على نحو الاستقلال وبالذات بالقوّة والقدرة والعلم والحياة ، وسائر الكائنات كلّها تستمد منه القوّة والقدرة والعلم والحياة فلا يحق الاستعانة بغير الله على نحو الاستقلال .


1) - الكتاب المقدّس ( العهد الجديد ) ، إنجيل متى : 10 .

2) - الفاتحة (1) : 1 - 7 .

وهذا بعكس ما تقوله المسيحية بأنّ الله ثالث ثلاثة ، وأنّ المسيح هو الله ، وروح القدس هي الله ، وغير ذلك من الأمور التي تنافي عظمة الله وقدرته وتنسب ألوهيته إلى غيره .

وبصورة عامّة فعقائد الإسلام تنسجم مع العقل والفطرة على خلاف العقائد المسيحية التي لا يقبلها العقل ، ولا تنسجم مع فطرة الإنسان السليمة .

(35) إبراهيم زنكو( مسيحي / زائير كونغو )

الصورة

F13

ولد عام 1388 ه‍ ، ( 1969 م ) ، بمدينة كينشاسا في مونغو ، وترعرع في أحضان أُسرة مسيحيّة بروتسنانتيّة ذات نزعة متشدّدة .

بداية الرحلة الفكريّة :

إنّ الذين قرأوا الكتاب المقدّس - بعهديه القديم والجديد - ودّققوا النّظر في فقراته ، وكانوا موضوعيّين في حكمهم ، أكّدوا بأنّ في مطاوي هذا الكتاب كلاماً لا يمكن نسبته إلى الله تعالى ، وبالتالي لا يمكن التعبير عنه ب‍ ( المقدّس ) ، لما فيه من قصص غير لائقة ومحفّزة على الإثارة ، رغم أنّ النصارى يدّعون الروحانيّة والزهد والعزوف عن الدّنيا ، فهم يقولون : لا يمكن مناقشة الكتاب المقدّس ، ولا يصحّ الخوض في محتواه ، بل لا بدّ من تقديس هذا الكتاب وقبوله من دون نقاش فيه .

يقول " إبراهيم " : توجّهت نحو البحث لأصل إلى العقائد المبتنية على الدليل والبرهان ، لا العقائد المأخوذة نتيجة التقليد الأعمى من الآباء والسلف .

وتمكّنت من اجتياز عقبة وفرّت لي البحث الحرّ في ميادين التحقيق ، وعلّمتني بأنْ لا أقدّس إلاّ ما تثبت قدسيته بالأدلّة والبراهين .

في رحاب الدراسة الدينيّة الإجباريّة :

وفرّت الدراسة الدينيّة الإجباريّة في المراحل الابتدائيّة والاعداديّة ل‍ " إبراهيم زنكو " فرصة جيّدة للاطّلاع على العقائد المسيحيّة فأثارت هذه الدراسة في نفسه العديد من التساؤلات ، فتوجّه نحو البحث والاستفسار ، ووجّه أسئلته نحو العديد من العلماء ، فحذّره العلماء من الخوض في هذه المسائل والاكتفاء بالتعبّد ، ولكنّه كان ممّن لم يخش ، هذه التهديدات ، وكان قد تجاوز عقبة تقديس ما لم تثبت قداسته بالدّليل والبرهان .

فطلب من العلماء الدليل فقط ، فوجد إجابتهم غير مقنعة أو غير واضحة ، وكانت أكثر أسئلته تدور حول التّوحيد ، وكيف يكون لله تعالى ولد ؟ ومن هي زوجة الله تعالى ليكون عيسى ابن الله ؟

نقطة التحوّل :

كان من جملة المدرّسين الذين درّسوا " إبراهيم زنكو " أستاذ سوريّ مسلم ، فعمّق إبراهيم علاقته مع هذا الأستاذ ليتعرّف على عقيدة الإسلام في خصوص التّوحيد .

وكان هذا الأستاذ السوري من أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فلمّا شرح ل‍ " إبراهيم " التّوحيد شعر " إبراهيم " بأنّ هذا الشرح قرّبه من الله ، فانجذب إلى أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) الواردة حول التّوحيد .

ومن خلال حوار " إبراهيم " مع أستاذه الشيعيّ تعرّف " إبراهيم " على صفات الله وأفعاله .

وقرأ العديد من الكتب في هذا المجال ، وكان يستفسر " إبراهيم " من أستاذه بعد قراءته لتلك الكتب ليوسّع بذلك آفاق معرفته الدينيّة .

ومن هذا المنطلق استبصر " إبراهيم " ، وأعلن ذلك في مسجد للمسلمين في

العاصمة كينشاسا .

معرفة الله في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنَّ معرفة الله تعالى مسألة فطريّة ، وأهمّ ما ينبغي على الإنسان القيام به هو تهذيب نفسه لإزالة الحجب عنها ، فإذا زالت الحجب فسيرى القلب ربّه بالبصيرة لا البصر ; لأنّ الله تعالى نور السماوات والأرض .

ومن أهمّ الآيات القرآنية الدالّة على أنّ معرفة الله تعالى مسألة فطريّة :

قوله تعالى : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * (1).

ومن هنا بدأ " إبراهيم " بتطّهير قلبه ، وتوجّه باخلاص نحو الله تعالى ، ثُمّ واصل بحثه باخلاص ، وكان هذا الأمر هو السبب الأساسي في استبصاره ، كما كان هذا الأمر هو السبب الذي مكّنه من الاستقامة إزاء المضايقات التي واجهها من أهله ، حيث طرده والده من البيت ، ولكنّه لم يقطع صلته بوالده ، وكان يتردّد عليهم بين الحين والآخر حتّى تمكّن من إعادة العلاقة بهم .

دوره في البيت والمجتمع :

بعد اتّساع معلومات إبراهيم واطّلاعه حول مبادئ الإسلام ، وبالخصوص مبادئ أهل البيت ( عليهم السلام ) وتأثّره بها ، بدأ بالانفتاح على أفراد عائلته ، وتجاذب أطراف الحديث معهم حول اعتقاده واعتقادهم حتّى تمكّن من التأثير عليهم ، فأسلم اثنين من أشقّائه على يديه ، كما تمكّن بفضل الله تعالى من هداية مجموعة من أصدقائه لدين الحقّ .


1) - الروم (30) : 30 - 31 .

واصل " إبراهيم " بعد ذلك دراسته الحوزويّة التي أمضى فيها أربع سنوات كما مارس دوره التبليغي باللّغة العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والسواحليّة ، وهذا ممّا جعله أكثر فاعلية وتأثيراً في الناس .

وحيث كان " إبراهيم " عاملاً بما يعلم ، فلهذا كان كلامه يترك أثره الإيجابي على الآخرين ، فكان الشباب يشعرون عندما يتحدّث معهم " إبراهيم " بأنّهم يزدادون إيماناً وتقرباً إلى الله مع نتيجة الأجواء المعنوية التي كان يوجدها " إبراهيم " لهم .

وكان لا يقتصر " إبراهيم " حديثه معهم لحلّ الشبهات الفكريّة فقط ، بل كان يحاول أن يحفزّهم لتزكية أنفسهم وتطّهير قلوبهم من الشوائب العالقة بها ; لأنّه كان يعلم بأنّ تأثير هذا الأمر أكثر من غيره .

واستمرّ " إبراهيم " على هذا المنوال ، وهو يشعر بالسّعادة عندما يهدي الآخرين إلى الحقائق وينير لهم الدرب للسير نحو الكمال .

(36) إبراهيم منتو بيتو( مسيحي كاثوليكي ثُمّ مسلم شافعي / زائير كونغو )

ولد سنة 1395 ه‍ ، ( 1976 م ) ، في عاصمة بلاد الكونغو كينشاسا في أُسرة مسيحية .

حصل على شهادة الثانوية ، ودخل الجامعة في كلية الحقوق ، ولم يكمل الدراسة فيها .

اعتنق الإسلام على المذهب الشافعي ، ودرس فيه لمدّة سنتين في المساجد ، وفي بيوت الشيوخ ، قرأ القرآن حتّى صار مقرئاً يعلّم القرآن للآخرين .

ثُمّ استبصر ، واعتنق مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) ، ودرس مدّة أربع سنوات في مدرسة دار الهدى الشيعية .

وكانت له نشاطات تبليغية ، واجتماعية منها : العضوية في الجمعية الإسلاميّة ، سافر من بلاده إلى إيران ، وانتمى للحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة وبقي يدرس فيها لسنوات عديدة .

بين المسيحية والإسلام صديق حميم :

يقول الأخ " إبراهيم " : كان لي صديق حميم منذ أيام الطفولة ، وكنّا رفيقين متلازمين طيلة فترة المدرسة الابتدائية ، ولكن في المرحلة المتوسطة افترقنا

وذهب كلٌ منّا إلى مدرسة ، وكانت مدرسة صديقي تضم طلاباً من الأجانب فيهم مسلمون ، وقد تأثرّ صديقي بأحد زملائه المسلمين فاعتنق الإسلام . وأخفى صديقي إسلامه على الجميع لمن فيهم أنا صديقه الحميم ، حيث لاحظت عليه في هذه الفترة التهرّب من لقائي ، والفرار من التحدّث معي .

في أحد أيام هذه الفترة ، التقيت بصديقي ووجدت عنده مصادفة كتاباً من كتب المسلمين ، فسألته عن ذلك ، فلم يجد صديقي بدّاً من مصارحتي بحقيقة الأمر وأنّه قد أسلم ، وترك دين المسيح ، فتألمت منه وتكلّمت معه بجدّة ، وأنا أقرّعه وأؤنبه ، ثُمّ سألته عن السبب ، فقال لي بهدوء : يطول شرح ذلك ، ولم أكن في حال يساعدني على السماع منه ، فتركته وأنا متأسف لفراقه لشدّة العلاقة التي كانت تربطنا ، وقوّة المحبة التي كانت تسود بيننا .

ذهبت إلى البيت ، وأخذت أُفكر ما الذي دفع صديقي الودود إلى الإسلام ؟ وهل في الإسلام شيء لم يأت به الربّ السيّد المسيح مظهر المحبة ، وعنوان الفداء ، هذا السيّد العظيم الذي أتى ليخلّص أبناءَ آدم من خطيئة أبيهم ، وهنا قررّت زيارة صديقي مرة أُخرى لعلّي اُعيده إلى جادة الصواب !

ذهبت إلى صديقي ، وكان اليوم يوم جمعة ، فدعاني صديقي إلى المسجد ، فذهبت معه على تردّد ، وأنا آمل أن يعود معي إلى الكنيسة مثلما ذهبت معه إلى المسجد . صعد الخطيب على المنبر ليتحدّث عن الإسلام وأنا أصغي إليه ، فتأثّرت ببعض كلامه ، ولكن لم أُظهر ذلك لصديقي .

بعد الخطبة دخلت مع صديقي إلى غرفة داخل المسجد ، جلس فيها الخطيب يتحدّث مع الناس ويردّ على أسئلتهم ، وكان هناك عدد كبير من المسيحيين ضمن الحضور ، فدعانا الشيخ إلى الإسلام ووكّل الأمر إلينا في القبول والردّ ، فقبل البعض الإسلام ، ولم أقبل أنا مع البعض الآخر .

وفي هذه الأثناء وجدت في نفسي قوّة عجيبة تدعوني إلى التفكير في كلام الشيخ : من أنّ المسيح عبدٌ من عبيد الله ، وهو نبيّ أرسله الله لهداية البشر وخلاصهم من الشياطين .

طال بي التفكير ، وجرت بيني وبين صديقي مباحثات جادّة هدتني أنا أيضاً إلى الإسلام والتوحيد ، وأخرجتني من التثليث وأوهامه ، مع بقاء حبّي للمسيح كنبيّ من أنبياء الله الصالحين .

بدأت اُصلّي في المسجد وأنا أخفي إسلامي عن أهلي ، حيث كنت إذا صلّيت في البيت أغلق الأبواب وأطفأ المصابيح ، واستمرّ هذا الحال معي ستّة أشهر أحسُّ فيها بالقرب من الله ، وألتذّ بها بالعبادة في الخلوات .

وكان من الطبيعي أن لا يدوم هذا الأمر ، حيث إكتشفتني والدتي في أحد الأيام ، فأخبرت أبي وإخوتي ، فقامت قيامتهم وخيّروني بين العودة إلى دين المسيح أو الإخراج من البيت ، فخرجت مختاراً للدين على الأهل ، وشاء الله أن أعود مرة أخرى إلى البيت بعد ستّة أشهر أُخرى قضيتها في بيت أحد أبناء عمومتي ، ولكن هذه المرّة وجدت أنّ أخي الكبير قد أسلم هو الآخر فصرنا اثنين بدلاً من واحد ، وبعد فترة أُخرى التحق بنا أخونا الآخر فصرنا ثلاثة مسلمين في البيت .

بين التسنّن والتشيّع ، رجل عليم :

بعد إسلامي لازمت أحد العلماء السنّة ، وتأثّرت به ، وكان شيخاً وقوراً ، يصل نسبه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان منفتحاً على جميع المذاهب ، وله علمية كبيرة ، واطلاع واسع في شؤون الإسلام بجميع مذاهبه .

زرع هذا الشيخ - على تسنّنه - حبّ أهل البيت ( عليهم السلام ) في قلبي وهو من ذريّتهم ، فصرت أُعظّم السادة تعظيماً لأهل البيت ، وأحبُّ الشرفاء لمحبّتهم ، وشاء

القدر أن أفقد هذا الشيخ بوفاته التي هزّتني في الصميم وزادت من عواطفي نحوه ، واحترامي لشخصيته ، ووفائي لمبادئه .

بعد فترة من الزمن افتتحت مدرسة لشيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) في منطقتنا ، فسارعت للتسجيل فيها ، وكانت مدرسة لكلّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، لا تختص بالشيعة وحدهم ، وقد استفدت من مكتبتها كثيراً حيث كان فيها كتبٌ لكلّ المذاهب ولا تختصّ بكتب الشيعة وحدهم أيضاً .

في سنة 1992 م أعلنت تشيعي ، وعقدتُ القلب على الولاء لهم ، حيث وجدت فيهم الإسلام متجسماً ، وعرفت منهم مكارم الأخلاق عملاً .

الإمام الصادق ( عليه السلام ) أعلم الناس :

انقسم المسلمون بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مذاهب مختلفة ، وادّعى أهل كلّ مذهب أنّ مذهبهم هو المذهب الصحيح ، وعاش الإمام الصادق ( عليه السلام ) في أوج فترة تشكّل المذاهب وانقسامها ، وكان الجميع يحترمه ، ويرون فيه شمائل جدّه رسول الله ( عليه السلام ) بعلمه ومنهجه السويّ ، فهو كبير أهل البيت ( عليهم السلام ) في زمانه ، وأهل البيت أدرى بالذي فيه ، وكان للإمام الصادق ( عليه السلام ) طلاب كثيرون من جميع البلاد الإسلاميّة ، صار بعضهم قادة لمذاهب أسّسوها ، وكان البعض الآخر من مواليه وشيعته .

هذا وسُئل أبو حنيفة وهو ممّن تتلمذ عند الإمام الصادق ( عليه السلام ) : من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمّد ، لمّا أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له مسائلك الشداد ، فهيّأت له أربعين مسألة ، ثُمّ بعث إليّ أبو جعفر وهو في الحيرة فأتيته فسلمت عليه ، فأورد إليّ المجلس فجلست ثُمّ التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة .

قال : نعم أعرفه .

ثُمّ التفت إليّ فقال : ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه

فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعناكم ، وربّما تابعناهم ، وربما خالفنا جميعاً ، حتّى أتيت على الأربعين مسألة ، فما أخلّ منها بشيء .

ثُمّ قال أبو حنيفة : أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (1).

تجارب من الواقع :

يتابع الأخ " إبراهيم " قائلاً : جذبتني أُمور كثيرة إلى اتّباع مذهب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، ومنها أُمور جربتها بنفسي ، أو شاهدتها عن قرب ، فمثلاً في مسألة الجميع بين الصلاتين ( الظهر والعصر ، المغرب والعشاء ) التي لا تقبل بها المذاهب الأربعة إلاّ في ظروف خاصة ، وجدت فيها تسهيلاً مريحاً ، فقد كنّا نعاني قبل ذلك ، وكانت صلوات كثيرة تفوتنا ونصليها قضاءً ، وكنت قد رأيت سابقاً بعض أساتذتي من أهل السنّة يجمع بين الصلاتين ، ولم أكن أعرف سبب ذلك .

كما رأيتُ حادثاً طريفاً تأثّرت به ، وهو أنّ أحد شيوخنا من أهل السنّة كانت تتردّد عليه في بيته امرأة ، وكانت زوجة هذا الشيخ وعائلته بعيدة عنه ، وكنا نستهجن هذا العمل منه ، وعندما سألناه عن ذلك ، قال : إنّه لا يفعل شيئاً محرّماً ، إنّها المتعة ، وهي حلال في الإسلام ! !

مثل هذه الأمور جعلتني أُفكّر في الإسلام ومذاهبه ، فعرفت أفضلية وأعلمية أهل البيت ( عليهم السلام ) بشكل لا يُقاس بهم أحد ، فما كان مني إلاّ أن اهتدي بهم ، لعلّي أكون من الناجين يوم القيامة بشفاعتهم .


1) - مناقب آل أبي طالب 3 : 378 .

(37) امباكي نوكوسو( مسيحي ثُمّ مسلم سنّي / زائير كونغو )

ولد سنة 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في مدينة كينشاسا عاصمة الكونغو في عائلة مسيحيّة ، ورُبى تربية مسيحيّة ، فكان يذهب إلى الكنيسة من صغره ، بل كان خادماً للقسّيس ، وأمّا الدراسة الأكاديميّة فقد أنهى الدراسة الثانوية ، وحصل على شهادتها .

بين المسيحيّة والإسلام :

يقول الأخ " امباكي " : كانت عقيدةُ التثليث التي يدين بها المسيحيون محيّرةً لي ، فلم يستطيع عقلي أنْ يهضمها ، ولم يستقرّ فكري على قرار فيها فما معنى أن تكون هناك آلهة ثلاثة هي واحدٌ في الوقت نفسه ، وما معنى الإله الأب . وما معنى الإله الابن ، وهل يصحّ أن يرسل الإله الأب ابنه فداءاً للناس ليخلّصهم من الخطيئة الأولى ، ثُمّ إنّ الخطيئة الأولى المنسوبة لآدم أبي البشر كيف يمكنها أنْ تكون حكماً جبريّاً على البشر أجمع حتّى الطفل الرضيع الذي لم يعرف معنى الذنب بعد ، هذه الأسئلة وأخرى مشابهة لها لم أجد لها جواباً .

في أحد أيام سنة 1409 ه‍ ، ( 1989 م ) ، كنتُ مارّاً في الطريق ، فرأيت جماعة قد اجتمعوا حول شخص يتحدّث معهم عن خصائص الإسلام ، ويبيّن لهم

معالم التوحيد ، فاقتربت منه وسألته عن عقيدة الإسلام في الإلوهيّة ، وإستفهمته عن صقائق التوحيد ، ثُمّ سألته عن رأيه في التثليث ، فبيّن لي بعض الاشكالات الواردة عليه ، والتي خطر بعضها ببالي سابقاً ، فازدادت حيرتي ، واهتزّت عقائدي في دين المسيحيين .

ذهبت إلى البيت بعد وداعي لهذا المبلّغ المسلم ، وتوجّهت إلى أخي بالسؤال عمّا يعرفه عن الإسلام ، فقال : إنّ الإسلام دين يتحدّثون فيه عن كلّ شيء وأمام كلّ الناس ، ولكن نحن في دين المسيح لا نفعل ذلك ، فالأمور عندنا مرتبة ، يديرها أصحابُ الاختصاص والخبرة ، فهناك طائفة خاصّة هم القساوسة يدرسون أمور الدين ويطلعون على أسراره التي لا تباح لكلّ أحد .

فقلتُ لأخي متعجّباً : لماذا يكون الأمر هكذا بحيث يعرف القساوسة أموراً لا نعرفها نحن ؟ وما فائدة هذه المعلومات المقصورة على فئة خاصّة ؟ ثُمّ ما هذه الخصوصيات الممنوحة لهم ، بحيث يجب أنْ نعترف بخطايانا أمامهم ، ونتقرّب إلى الله على أيديهم وهم بشر مثلنا .

فأجابني أخي بكلام لا حاصل له لم يدخل أعماق قلبي الذي توثّب لمعرفة الحقيقة ، ولم يشف غليل روحي التي اشتاقت لوصال الحقّ .

عدت مرّة أخرى إلى صاحبي المسلم ، وسألته أسئلة أخرى كانت تدور في ذهني ، فأجابني عنها بهدوء يحمل في طيّاته علامات الحقّ وماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال ، فما كان مني إلاّ أن أشهد شهادتي الحقّ معلناً إسلامي لربّ العالمين .

ولكنّ هذا الهدوء لم يستمر ، فإذا كان القلب قد قبل الإسلام بهدوء لسطوع نور الهداية الإلهيّة عليه ، فمن أين لي هذا الهدوء في مواجهة أسرتي المسيحيّة التي لا تعرف شيئاً مهمّاً عن الإسلام .

عندما علم أبي بإسلامي سألني قائلاً : لماذا تركت المسيحيّة وهي دين

الأجداد ؟ فأجبته : " إنّي وجدت دين الله الحقيقي ، وإنّ عيسى المسيح لو كان حيّاً لأتبع هذا الدين ، وهو دين يقبله القلب والعقل ، وأنا أدعوك للاطلاع عليه والاهتداء بهديه ، وكان ردّ فعل أبي الرفض بعصبيّة ، وأمرني بالخروج من البيت وعدم العودة إليه ، فخرجت من البيت لا ألوي على شيء ، هائماً على وجهي ، لا أدري أين أذهب ، فتشرّدت هنا وهناك لمدّة ثلاثة أشهر عدّت بعدها إلى البيت وأنا لا زلت مسلماً صلب العقيدة " .

بين التسنّن والتشيّع :

يواصل الأخ " امباكي " الحديث ، فيقول : بعد مرور عام على إسلامي ، أهداني صديقي المبلّغ المسلم كتاب " المراجعات " (1)، فقلت : خيراً ، ما هذا الكتاب ، فقال : يا أخي كنت أنا السبب في هدايتك للإسلام ونجاتك من ضلال المسيحيّة ، وأنا أدعوك لقراءة هذا الكتاب ، لتعرف المذهب الصحيح في الإسلام وهو التشيّع ، وكان هو قد تشيّع حديثاً ، وأحبّ هدايتي إلى التشيّع كما هداني إلى الإسلام ، فقلت له مستغرباً : ولكنّي سمعت عن الشيعة أخباراً عجيبة تذكر أنّ لهم قرآناً خاصّاً ! وأنّهم يعبدون حجراً ! يسمّونه التربة و . . . و . . .

ناولني صاحبي الكتاب مبتسماً وهو يقول : خذ الكتاب واقرأه بتأن وأعد قراءته ، ثُمّ حكّم عقلك ، واستفتِ قلبك ، فما حَكَمَ به دليل العقل فاتّبعه ، وما لا مسته شغاف القلب فاقبله .

أخذت الكتاب منه وقرأته بتلهّف ، وأنا أشعر كأنّه يجيب عن أسئلة راودتني ، ووساوس اعترتني ، وقد فتح لي هذا الكتاب أفقاً جديداً للبحث ، وهو متابعة المسائل الخلافية بين السنّة والشيعة ، وكانت هذه مؤلمة وصعبة ، كشفت عن


1) - كتاب للسيّد عبد الحسين شرف الدين ، وهو حوار بين عالم شيعيّ وآخر سنّي ، يبحث في مسألة الإمامة والمذاهب الإسلاميّة .

اختلاف الصحابة بعد وفاة الرسول وخوضهم الحروب بعضهم مع بعض ، ممّا أدّى إلى انقسام المسلمين إلى هذا اليوم تبعاً لهم ، ولكن بعد صبري على مضاضة البحث ، وطلب الهداية من الله سبحانه وتعالى تبيّن الصبح لذي عينين ، وظهرت الشمس في رابعة النهار ، فلا يجوز للرسول الأعظم الرؤوف بأمّته أنْ يتركها سدىً بدون وليّ يسير بها على جادّة السلامة ويدفع عنها مكائد أعداء الإسلام الكثر المتربصين به ، لا سيما وأنّ الإسلام لا زال ليّن العود ، طريّ الغصن ، وهو الذي وَتَرَ أعداءه ، وسفّه أحلامهم .

من هنا كان ليوم الغدير (1)الشأن العظيم في تاريخ الإسلام ، ولكن شاء فتية من بطون قريش لبسوا لباس الإسلام أنْ يلبسوه لبس الفرو مقلوباً طلباً للرئاسة ، وحسداً لمن اختاره الله زاعمين الخوف من الفتنة ، ولكنّهم في الفتنة سقطوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون .

ويتابع الأخ " امباكي " القول : " الحمدّ لله إنّي عرفت ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، والحمدُ لله إنّي تمسّكتُ بعترة الرسول حبل الله المتين الذي أوحى الرسول بالتمسّك به مع القرآن الكريم (2).

والحمدُ لله إنّي عرفت الشيعة والتشيّع بهدوء وتعقّل ، وإنتميت إليهما باطمئنان ووضوح رؤية ، والحمدّ لله أوّلاً وآخراً على الهداية الخاصّة ، والعناية التامّة " .


1) - وهو اليوم الذي نصّب فيه الرسول عليّاً ( عليه السلام ) ولياً للمسلمين .

2) - في حديث الثقلين المشهور المتواتر .

(38) إيغورا كانا( مسيحي ثُمّ وّهابي / زائير كونغو )

ولد سنة 1389 ه‍ ، ( 1970 م ) ، في مدينة ينكافي دولة الكونغو في عائلة مسيحيّة ، حاصل على الشهادة الثانويّة ، ودرس في الحوزة العلميّة بعد استبصاره ، أنشأ حوزة دار الهدى في كينشاسا .

صلاة العيد قادتني إلى الإسلام :

يقول الأخ " إيغورا " : كنت في السنة الرابعة عشر من عمري عندما سافرت من محلّ سكني مع أهلي في العاصمة كينشاسا إلى مدينة " كينساند " حيث يسكن أخي ، وقد صادف دخولي إلى المدينة يوم عيد الفطر عند المسلمين ، حيث اجتمعوا في إحدى ساحات المدينة لصلاة العيد وقد بهرني منظر الصلاة الجماعيّة الجميل المنظر الذي لم أرَ مثله من قبل ، فسألت أحد رفاق السفر من المسيحيين عن المسلمين وصلاتهم فقال لي منزعجاً : دعنا منهم ، إنّهم يعبدون الأصنام ! ويقتلون أولادهم ! ! لم يرق لي هذا الكلام منه ، وسرح فكري يسترجع صور الصلاة الجميلة التي أخذ بمجامع قلبي صفائُها ، وهزّت أعماق روحي قداستُها .

قررت مع نفسي أنْ أسأل المسلمين أنفسهم عن صلاتهم ، فذهبتُ إلى المسجد ، حيث كانوا يصلّون صلاة المغرب ، وسألت عن إمام الجماعة فأرشدني

إليه ، فسألته عن الإسلام ما هو ، وما هذه الصلاة التي تؤدّونها فقال : هذه الصلاة هي إحدى عباداتنا لله ، والإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له ، والإيمان بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه [ وآله ] وجميع الأنبياء ، فسألته عن محمّد من هو ، فقال : هو رسول الله أرسله بالإسلام ، وهو خاتم الأنبياء ، والدين الإسلاميّ هو خاتم الأديان ، وهو يعترف بعيسى نبيّ الله ، ثُمّ سألته عن قتل الأولاد ، فأجاب بالنفي متعجّباً من كلامي . وقع كلام إمام المسجد في قلبي موقعاً حسناً ، فسألته أنّه إذا أراد أحدٌ أن يسلم فماذا يفعل ، فقال لي : تشهد الشهادتين ، وتغتسل غسل الإسلام وتصلّي مثلنا ، فنطقت بالشهادتين ، واغتسلت غسل الإسلام ، وصرتٌ أصلّي في المسجد ، وهكذا كان إسلامي بكلّ بساطة .

صعوبات في سبيل الله :

يتابع الأخ " إيغورا " قائلاً : أخبرت أخي عن إسلامي ، فكان موقفه أنّه طردني من بيته ، فصرت أنام في المسجد ، وبعد فترة عدتُ إلى بيتنا في كينشاسا وأخبرت أبي بإسلامي ، فطردني هو الآخر ، فذهبت إلى بيت أحد جيراننا المسلمين ، وهناك تعلّمت منه اللغة العربية ، وبعض ما يعرفه عن الإسلام ، ثُمّ سافرت إلى دولة بوروندي لمواصلة دراستي بعد أنْ سُدّت أمامي السبل في بلادي .

في بوروندي أيضاً واجهت المشاكلّ ، حيث كنت أنام في أطراف أحد المساجد لمدّة ستة أشهر ، وفي أحد الأيّام ذكر لي خادم المسجد ، أنّ هناك رجل من أهل الخير يمكنه مساعدتك وهو شيعيّ ، فقلت له : ما معنى شيعيّ فقال : إنّه على مذهب غير مذهبنا ، ولكنّه مسلم .

ذهبت لملاقاة هذا الرجل ، فرحّب بي وأعطاني حجرة في مدرسة كان يديرها ، وبقيت في هذه المدرسة لمدةّ سنة ونصف أدرس علوم الدين وفق مذهب

آل البيت ( عليهم السلام ) ، فعرفتُ الأئمّة المعصومين من عترة النبيّ ( عليهم السلام ) وآمنت بهم ، وكيف يستطيع المسلم أنْ لا يواليهم لو عرفهم ؟ !

التشيّع معراج الكمال :

ويضيف الأخ " إيغورا " : بعد معرفتي بمعادن العلم ، وأئمّة الفضل سادتي أهل البيت ( عليهم السلام ) ازداد شوقي لطلب علومهم ، ومعرفة سيرتهم ورأيت أنّ المدرسة التي أنا فيها في بوروندي لا تفي برغبتي في طلب العلم ، فهاجرت إلى تنزانيا حيث توجد حوزة أكبر باسم مدرسة دار الهدى في منطقة دودوما ، وبقيت فيها لمدةّ سنة ونصف أخرى ، وأنا أنهل علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، حيث استفدت من علماء كبار كانوا يدرسون فيها أو يحضرون فيها للتبليغ في المناطق المجاورة ، حيث ازدادت معلوماتي ، وظهرت بعض قدراتي ، وصرتُ من الطلبة المبرّزين في المدرسة .

طلب منّي أحد الشيوخ في المدرسة أنْ أسعى في إنشاء مدرسة في بلادي تكون فرعاً لمدرسة تنزانيا ، وبالفعل وفقت في إنشائها في العاصمة كينشاسا وحضر فيها الطلبة . وإستقدمنا بعض المدرّسين الأكفّاء ، وشرعت في الخدمة والإفادة والاستفادة في هذه المدرسة .

بعد فترة من الزمن وجدت أنّ عطشي لطلب العلم لم يعد يروى في مدرستي التي أسّستها ، فهاجرت إلى حوزة مدينة قم في إيران ، رغم علاقتي الشديدة بمدرستي ، ولكنّ علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) التي هي حياةٌ في أفنية الموت ، وينبوعٌ في صحراء العطش ، جذبتني إليها ، فتركتُ ورائي كلّ شيء ، ولم أرَ أمامي إلاّ أئمّتي ، فهاجرت إلى حيث ربوع علماء شيعتهم ، وإلى حيث هناك شميمٌ من عطر وجودهم ، حيث المراقد المطهّرة والأماكن المقدّسة .

الدين بين المسيحيّة والإسلام :

يتأمّل الأخ " إيغورا " في مسيرته في الحياة ويقول : كان عيسى ( عليه السلام ) رسول الله ، دعا إلى التوحيد والمحبّة والطهارة ، لكن عندما يتأمّل المرء في مجتمعاتنا المسيحيّة ، يجد أنّ الكنيسة قد انحرفت كثيراً عن رسالة المسيح ، فهي تدعو إلى التثليث ليل نهار ، وملأت الدنيا دعايةً إلى ذلك ، وفي المقابل يدعو الإسلام إلى التوحيد الذي تطمئنّ إليه النفس ، بل تخضع وتسجد له عندما تعرف بعض حقائقه ، فكيف بالعارفين تراهم يهيمون على وجوههم ممّا بهم من المحبّة التي لا تحتملها قلوبهم وأجسادهم . أمّا إذا عدّت بالنظر إلى دنيا المسيحيين تجدُ الكلام عن المحبّة مستمرّاً لفقدانهم لها ، وتجد أحياناً شيئاً من الرحمة ولكنّها ظاهرٌ يغطّي على قلوب مملوءة بالبغض فيما بينهم ، فكيف بغيرهم .

هذا وقد شرّع الإسلام تشريعات محكمة في قضايا الطهارة الشخصية الجسديّة والمعنوية ، لا تجد مثلها في تعاليم الكنيسة ، رغم اعتناء المجتمع المسيحي بالنظافة الظاهريّة ، إلاّ أنّه يعاني من النجاسات بشكل فضيع .

أمّا في دنيا الإسلام فيكون المرءُ فخوراً بدينه ما دام هو عامّياً ، أو على ضفاف الإسلام ، فكلّ شيء يبدو جميلاً وصحيحاً ، بل وعظيماً ، فالقرآن هو المعجزة الخالدة التي لا نظير لها ، والسنّة الشريفة تبيّن القرآن ، وتفصّل الأحكام ، والمسلمون أهل الشرف والجهاد وخصوصاً الصحابة الكرام .

لكن عندما يدقّق الإنسان في تاريخ المسلمين ، ويتعمّق في علومهم ، يجد الخلاف إلى ما شاء الله ! وهو ليس خلافاً علمياً فحسب بل هو خلافٌ سالت فيه الدماء ، وانتهكت فيه الحرمات ، وأقصي فيه الحقّ ، وقرب فيه الأجنبي ، وهو خلاف شمل كلّ شيء من الأصول إلى الفروع ، ومن الشكل الظاهر إلى المعنى الباطن .

ولكن الذي يعزّي المرء ، ويفرح قلبه ، هو معرفته بآل البيت ( عليهم السلام ) ، فهو إذا عرفهم حقّ معرفتهم ترك الأخرين ، وتمسّك بهم دون غيرهم ، لأنّه يجدُ عندهم دين الله الممتدّ من آدم ( عليه السلام ) إلى الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ثُمّ لم يترك الناس سدىً بعد الرسول الخاتم ، لا يدرون ما يفعلون ، بل جعل الله لهم الأئمّة الاثني عشر ، حيث نُصّب أولهم وهو عليّ بن أبي طالب وليّاً للمسلمين بأمر من الله في يوم الغدير (1)، واستمرّت الولاية في أولاده حضوراً إلى قرنين ونصف بعد وفاة الرسول ، وغياباً إلى أنْ يشاء الله ظهور الإمام المهدي ( عليه السلام ) الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

إنّ آل البيت ( عليهم السلام ) هم عنوان الوحدة ، وسفينة النجاة (2)، وهم جبل الله (3)، من عرفهم وتمسّك بهم نجا ، ومن عاندهم هلك ، وإنّ على المسلمين أنْ يعودوا إليهم واقعاً ، ويتمسّكوا بهداهم صدقاً ، فهذا هو سبيل الخلاص ، وإلاّ فسيخسر المسلمون ويتسلّط عليهم الظالمون منهم أو من عدوهم .

إنّ المسلمين الموعودين بوراثة الأرض نراهم اليوم يحكم فيهم المستعمرون ، ويستهزءون بدينهم ، ويهينون مقدّساتهم ، والنجاة تكون بالعودة إلى دين الله الذي يقوده أهل البيت ( عليهم السلام ) فبهم ( عليهم السلام ) يفتح الله وبهم يختم (4)، وأمّا الآخرون ، فقد جرّبهم المسلمون ولم يروا منهم إلاّ الويل والثبور ; لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله ، فكانوا من الفاسقين والظالمين والكافرين (5)، وهل يرحم مثل هؤلاء المسلمين ؟ !


1) - في حديث الغدير المتواتر بين الطرفين حيث قال رسول الله : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " حيث ورد الأمر الإلهي : " يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين " .

2) - عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 2 : 262 .

3) - انظر بحار الأنوار 24 : 82 ، باب ( أنّهم ( عليهم السلام ) حبل الله المتين . . . )

4) - سعد السعود : 107 .

5) - مصداقاً للآيات 44 ، 45 ، 47 ، من سورة المائدة (5) .

(39) بوانا خان بول ( عيسى )( مسيحي ثُمّ شافعي / زائير كونغو )

ولد سنة 1380 ه‍ ، ( 1961 م ) ، في مدينة " كينشانا " في كونغو ، نشأ في أسرة مسيحية ، ثُمّ أسلم واتبع المذهب الشافعي ، ثُمّ قرأ كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي فانكشفت له حقائق دفعته إلى الاستبصار عام 1418 ه‍ ، ( 1998 م ) .

الصحابة في سرية اُسامة :

كان يعتقد " بوانا " بقدسية جميع الصحابة بعد إسلامه ، ولكنّه بعد قراءته لكتاب " ثُمّ اهتديت " تعرّف على حقائق بيّنت له بأنّ جميع الصحابة ليسوا عدول ، وإنّما بعضهم عدول والسبيل لمعرفة العادل منهم عن غيره هو مراجعة علم الرجال .

ومن القضايا التاريخية التي كشفت له حقيقة الصحابة هي واقعة سرية اُسامة ، ومجمل هذه الحادثة التاريخية كما ينقلها الدكتور التيجاني في كتابه " ثُمّ اهتديت " :

أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جهز جيشاً لغزو الروم قبل وفاته بيومين ، وأمرّ على هذه السرية اُسامة بن زيد بن حارثة وعمره ثمانية عشر عاماً ، وقد عبأ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وغيرهم من كبار الصحابة

المشهورين ، فطعن قوم منهم في تأمير اُسامة وقالوا : كيف يؤمّر علينا شاب لا نبات بعارضيه ، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد حتّى غضب ( صلى الله عليه وآله وسلم ) غضباً شديداً ممّا سمع من طعنهم وانتقادهم ، فخرج ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معصّب الرأس محموماً ، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض بأبي هو وأمي من شدّة ما به من لغوب فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثُمّ قال :

" أيّها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اُسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اُسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله ، وأيم الله إنّه كان لخليقاً بالإمارة ، وأنّ أبنه من بعده لخليق بها " (1).

ثُمّ جعل ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يحضّهم على التعجيل وجعل يقول : جهّزوا جيش اُسامة ، أنفذوا جيش اُسامة ، أرسلوا بعث اُسامة ، يكرّر ذلك على مسامعهم وهم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون .

إنّ مثل ذلك يدفعني إلى أن أتساءل : ما هذه الجرأة على الله ورسوله ؟ !

ما هذا العقوق في حقّ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي هو حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم ؟

لم أكن أتصوّر كما لا يمكن لأحد أن يتصوّر تفسيراً مقبولاً لهذا العصيان وهذه الجرأة .

وكالعادة ، عند قراءة مثل هذه الأحداث التي تمسّ كرامة الصحابة من قريب أو بعيد أحاول تكذيب مثل هذه القضايا وتجاهلها ، ولكن لا يمكن تكذيب وتجاهل ما أجمع عليه المؤرّخون والمحدّثون من علماء السنّة والشيعة .

وقد عاهدت ربّي أن أكون منصفاً ، فلا أتعصّب لمذهبي ولا أُقيم وزناً لغير


1) - شرح نهج البلاغة 1 : 159 .

الحقّ ، والحقّ هنا مرّ كما يقال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : " قل الحقّ ولو كان على نفسك ، وقل الحقّ ولو كان مرّاً " .

والحقّ في هذه القضية : هو أنّ هؤلاء الصحابة الذين طعنوا في تأمير اُسامة قد خالفوا أمر ربّهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشكّ ولا تقبل التأويل ، وليس لهم عذر في ذلك ، إلاّ ما يلتمسه البعض من أعذار باردة حفاظاً على كرامة الصحابة و " السلف الصالح " والعاقل الحرّ لا يقبل بحال من الأحوال هذه المتمحّلات ، اللّهم إلاّ إذا كان من الذين لا يفقهون حديثاً ولا يعقلون ، أو من الذين أعمت العصبية أعينهم ، فلم يعودوا يفرّقون بين الفرض الواجب طاعته والنهي الواجب تركه . .

ولقد فكرت مليّاً عساني أجد عذراً لهؤلاء مقبولاً ، فلم يسعفني تفكيري بطائل ، وقرأت اعتذار أهل السنّة ، أنّه كان حدثاً ولم يشارك في المعارك المصيرية لغزة الإسلام كمعركة بدر وأحد وحنين ، ولم تكن له سابقة بل كان صغير السن عندما ولاّه رسول الله إمارة السّرية ، وطبيعة النفوس البشرية تأبى بجبلتها إذا كانت بين كهول وشيوخ أن تنقاد إلى الأحداث وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبّان ، ولذلك طعنوا في تأميره وأرادوا منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يستبدله بأحد من وجوه الصحابة وكبرائهم .

إنّه اعتذار لا يستند إلى دليل عقلي ولا شرعي ، ولا يمكن لأي مسلم قرأ القرآن وعرف أحكامه إلاّ أن يرفض مثل هذا ، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول : * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) * (1)، * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا


1) - الحشر (59) : 7 .

مُّبِينًا ) * (1).

فأي عذر بعد هذه النصوص الصريحة يقبله العاقلون ، وماذا عساني أن أقول في قوم أغضبوا رسول الله وهم يعلمون أن غضب الله في غضبه . . .

وممّا يدّلنا على المعارضة الصريحة ، أنّهم رغم ما شاهدوه من غضب رسول الله ومن عقد اللواء له بيده الشريفة والأمر لهم بالإسراع والتعجيل ، تثاقلوا وتباطئوا ، ولم يذهبوا حتّى توفّى بأبي هو وأمّي وفي قلبه حسرة على أمّته المنكوبة التي سوف تنقلب على أعقابها وتهوى في النار ولا ينجو منها إلاّ القليل الذي شبّهه رسول الله بهمل النعم .

وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية فإنّنا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها وأشهر أقطابها ، إذ أنّه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل اُسامة ويبدّله بغيره ، فقال له أبو بكر : ثكلتك اُمّك يا ابن الخطاب ! أيستعمله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتأمرني أن أنزعه ! (2).

فأين هو عمر الملهم من هذه الحقيقة التي أدركها أبو بكر ، أم أنّ في الأمر سرّاً آخر خفي عن المؤرّخين (3).

مناقشة القضايا :

تفاجأ " بوانا " عند اطّلاعه على الحقائق خلال قراءته لكتاب " ثُمّ اهتديت " ، وكان هذا الأمر بالنسبة إليه انطلاقه للبحث والتحقيق .

وواصل " بوانا " بحثه حتّى عرف بأنّه على رغم انتقاله من الدين المسيحي


1) - الأحزاب (33) : 36 .

2) - شرح نهج البلاغة 17 : 183 .

3) - ثُمّ اهتديت : 87 - 90 .

إلى الدين الإسلامي ، فإنّ البحث عن الحقيقة مستمر ، وقد ألزمه البحث تغيير انتمائه المذهبي .

وبعد الاستبصار فتح " بوانا " جلسة دينية في بيته ، وبدأ يدرس فيها المعارف الدينية الحقّة ، كما أصبح من أعضاء جمعية أهل البيت للإيخاء الإسلامي ، وبدأ يساهم مع بقية أعضاء هذه الجمعية في توعية الناس وغرس الثقافة الصحيحة في المجتمع ، وتطهير القلوب من دنس الثقافات المنحرفة والمعارف الباطلة .

(40) خديجة كيوانوا أنفالولا( مسيحية / زائير كونغو )

ولدت عام 1397 ه‍ ، ( 1977 م ) ، بمدينة " كينشاسا " في دولة كونغو ، ونشأت في بيئة مسيحية ملتزمة ، وكانت تذهب إلى الكنيسة بين الحين والآخر .

تعرّفت على الدين الإسلامي خلال سماع عقائد المسلمين وآرائهم في مختلف العلوم والمعارف ، فتأثرّت بالأخلاق الإسلاميّة السامية ، وأكثرما أعجبها حجاب المسلمات ، وأثره الإيجابي في حياة المرأة حيث إنّه يتكّفل صيانة عفتها وجعلها ذات مكانة سامية ، لا مسرحاً لأنظار أهل الأهواء والشهوات الذين يفترسون النساء المتبرّجات بنظر اتهم السّامة .

مقام المرأة بين الإسلام والديانات الأخرى :

من جملة المسائل التي تكفّل القرآن الكريم ببيانها مقام المرأة ومنزلتها في المجتمع ، فلم يفسح القرآن الكريم المجال للمغرضين كي يصوّروا موقف الإسلام بأنّه يحطّ من منزلة المرأة وإنّما بادر إلى بيان موقفه منها بشكل واضح .

فالقرآن الكريم يذكر في آيات عديدة وبصراحة تامّة ، أنّ الله سبحانه وتعالى خلق النساء والرجال من طينة واحدة فقال جلّ وعلا : * ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ

رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ) * (1)- الأعراف (7) : 22 .(2).

وهذا بعكس ما ورد في كتب بعض الديانات المنحرفة التي ذهبت إلى أنّ النساء خلقن من مادّة أدنى من مادّة الرجل أو أنّهن ناقصات الخلقة .

كما أنّ القرآن الكريم ردَّ النظريات التي تحتقر المرأة والتي كانت سائدة سابقاً والتي تركت آثاراً سيّئة في أدب الشعوب ، كتلك النظريات التي تقول بأنّ المرأة عنصر الخطيئة ومن وجودها يدبُّ الشرّ والفساد ، وأنَّ لها يداً في كلّ جريمة يرتكبها الرجال ، وكقولهم بأنَّ الرجل في حدّ ذاته مبرء من الأخطاء وأنَّ المرأة هي التي تخدعه وتجرُّه إلى الخطيئة ، فالشيطان يوسوس للمرأة وهي بدورها توسوس الرجل .

وكذا قولهم بأنَّ آدم ( عليه السلام ) لم يخدعه الشيطان وإنَّما خدعته زوجته ، فكان ذلك سبباً في خروجه من الجنّة .

ولكنّ القرآن حين طرح قصّة خروج آدم ( عليه السلام ) من الجنّة لم يشر أبداً إلى أنَّ الشيطان أو الثعبان قد أغوت حوّاء وأنّهما أغويا آدم ( عليه السلام ) ، ولم يحمِّل المسؤولية على أحدهما ، بل تعامل معهما بالتسويّة وألقى اللّوم عليهم وقال : * ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا ) * (3).

ثمّ حين يتطرّق إلى وسوسة الشطان نجده يتحوّل إلى التثنية في الحديث فيقول : * ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ) * (4)، و * ( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُور ) * (4) ، و * ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) * (5).


1) - النساء

2) : 1 .

3) - البقرة (2) : 35 .

4) - الأعراف (7) : 20 .

5) - الأعراف (7) : 21 .

فواجه القرآن الكريم بشدّة الأفكار التي كانت منتشرة في العصر الجاهلي ، ونزَّه المرأة عمّا كان ينسب إليها من كونها عنصر وسوسة وخطيئة .

جلباب الإسلام :

أعلنت " خديجة كيوانوا أتفالولا " استبصارها عام 1995 م بعد أنّ تبيَّن لها بوضوح أنَّ الدين الإسلامي هو المتكفِّل بصيانة عفّة المرأة ، وأنَّ الضوابط التي فرضها عليها في ملبسها وزينتها ليست إلاّ لسدّ ذريعة الفساد في المجتمع ، والذي ينتج من تبرّج المرأة بزينتها ، وليست هذه الضوابط تقييداً لحرّيتها بل وقاية وصيانة لها كي لا تسقط في أودية الذلّ والمهانة .

(41) داود ومبى( مسيحي / زائير كونغو )

الصورة

F14

ولد عام 1395 ه‍ ، ( 1976 م ) ، في كونغو بمدينة " لووزي " في أوساط عائلة مسيحية ، ثُمّ أسلم على يد أحد زملائه في المدرسة وهو في عمر يناهز خمسة عشر عاماً .

يقول " داود ومبى " كان أكبر دافع لإسلامي هو أنّني وجدت الإسلام دين التعاون والمحبّة والاتّصال المباشر والدائم بالله ، وحيث إنّني منذ الصغر كنت معجباً باللغة العربية ، وتعامل المسلمين والديانة الإسلاميّة التي لا تفصل الدين عن الحياة ، سبّب ذلك دخولي في رحاب الإسلام بسهولة .

ويضيف " داود ومبى " : وبعد دخولي في الإسلام على ضوء مذهب أهل السنّة وجدت هنالك تحذير شديد من قبلهم للتعرّف على مذهب التشيّع ، وهذا ما دفعني للبحث عن هذه الطائفة لأنّني قلت في نفسي : إنّني بالدليل اعتنقت بالإسلام وإنتميت إلى المذهب السني ، وإذا كان سبب إسلامي هو الدليل فلا داعي أن أتحاشى الاستماع إلى أدلّة المذاهب الأخرى .

ومن هذا المنطلق وطّنت نفسي للبحث ، فحصلت عبر أحد جيراني على كتاب شيعي باللغة الفرنسية باسم " مسائل الإمامة " تأليف السيّد مجتبى اللاري ، فتعرّفت عن طريق ذلك الكتاب على عترة الرسول ومكانتهم في الإسلام فوقع

حبّي على هذه الثلّة الصالحة ، ومن خلال ذلك الكتاب تعرّفت على المقام الشامخ لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فرأيت أنّ اتّباعه أولى من غيره .

فواصلت بعد ذلك البحث حول مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى أدّى بي البحث أن اعتنق هذا المذهب عام 1414 ه‍ ، في بلدي الكونغو بمدينة كينشاسا ، ثُمّ دخلت مدرسة دار الهدى فتلقّيت فيها مدّة ثلاث سنوات معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثُمّ أصبحت بعد ذلك داعية للتشيّع حتّى استبصر على يدي أكثر من عشرة .

الهجرة لطلب العلم :

سافر " داود ومبى " إلى إيران عام 1420 ه‍ ، ( 2000 م ) ، ليستقر في مدينة قم ، ويدرس فيها علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) من أجل تقوية بنيته العلمية .

وبهذا تمكّن داود من ارتقاء مستواه العلمي ، فتعرّف على الكثير من الحقائق ، وتمكّن من العثور على الإجابة الصحيحة للشبهات المطروحة ضدّ مذهب التشيّع .

أصل الخلاف السني - الشيعي :

عرف " داود ومبى " أنّ أصل الاختلاف بين الشيعة والسنّة يكمن في مسألة واحدة فقط ، وهي مسألة الولاية ، ومصدر معرفة ما جاء به الرسول بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فالشيعة تعتقد بأنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أصحاب الولاية الذين ورد النص عليهم من قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لتكون لهم المرجعية السياسية من بعده ، كما أنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) هم المصدر الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه لمعرفة ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بعده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهم الذين خلّفهم الله في أمته ، وهم الثقل الثاني بعد القرآن ، وبعبارة مختصرة هم أصحاب المرجعية التشريعية بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وكان يعترض البعض على " داود ومبى " بأنّ النظرية الشيعية حول الخلافة بعد الرسول دكتاتورية ، ولكن النظر السنية نظرية ديمقراطية ، والعقل يوافق الثانية ولا يوافق الأولى .

فكان " داود ومبى " يوضّح لهم الفرق بين الدكتاتورية والاصطفاء الإلهي ، فإذا كان تعيين الأئمّة من قبل الله دكتاتورية فمعنى ذلك أنّ الأنبياء كلّهم - لا سمح الله - من هذا القبيل ، ولكن المسألة هي مسألة اصطفاء إلهي ، ولم يجبر الله في دائرة التكوين أحداً على إطاعة الأئمّة الذين اختارهم ، بل بيّن الله للعباد سبيل الحقّ وسبيل الباطل ، وعرّفهم بأئمة الحقّ وأئمّة الباطل ، وترك لهم مجال الاختيار لاتّباع أيّهما شاؤوا .

والأمر الآخر الملفت للنظر أنّ قول الشيعة بأنّ الخلافة بالنص لا يقال له " نظرية " ، بل هي " عقيدة " أملتها عليهم الأدلّة والبراهين .

والمسألة المهمة جدّاً هي أنّ الأئمّة ليسوا مجرّد حكّام اختارهم الله تعالى لمسألة الحكومة فقط ، بل هم يقومون بجميع الوظائف التي كان الرسول يقوم بها في حياته ، فهم ورثة الرسول في هذا المجال ما عدا النبوّة .

وأمّا الحديث عن عقلانية قول الشيعة أو قول السنّة ، فالعقل يحكم أن لا يهمل الرسول أمر الخلافة من بعده ، فالرسول الذي كان حريصاً على نجاح تبليغه لأوامر الله كيف يدع أمر هذه الأمّة من دون بيان الطريقة التي تكون من بعده لاختيار الحاكم ؟ !

أضف إلى ذلك أنّ تحليل الشرائط الحاكمة على عصر الرسالة تبيّن صحة عقيدة الشيعة .

إنّ الوضعية الداخلية والخارجية للعالم الإسلامي حين وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تقتضي وتفرض أن لا يهمل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأمّة من دون تحديد مصيرهم من بعده

والشخص الذي ينوبه في المجال السياسي على أقل تقدير .

كانت الأمّة الإسلاميّة أنذاك محاصرة من قبل خطر الإمبراطورية الرومية ، وخطر مملكة الفرس ، ومن خطر المنافقين من الداخل ، وكلّ هذه الأمور كانت محيطة بالأمة الإسلاميّة وتهدّد كيانها من الداخل والخارج .

فهل يعقل أن يترك الرسول الأمّة في هذه الحال لتعيش الحيرة في أمرها ، ويوقعها في تنازع يهدّد كيانها لتكون نتيجته مجيء خلافة وصفها الخليفة الثاني بأنّها " فلتة " ؟ !

والغريب في الأمر أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اهتم كثيراً بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا شك أنّ اهتمام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا المجال لم يكن من منطلق رغبته الشخصية أو ميله النفسي ، وإنّما كان بأمر من الله تعالى ، ولكننا نجد بأنّ معظّم الحكومات التي تولّت شؤون الأمّة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت معادية لأهل البيت ( عليهم السلام ) بصورة علنية .

وهذا ما يثير هذا التساؤل : لماذا هذا العداء لأهل البيت ( عليهم السلام ) ؟

لماذا هجم القوم على دار فاطمة ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

لماذا اقتحموا دارها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها ؟

لماذا ابتعد الإمام علي ( عليه السلام ) عن الساحة السياسية ، وقلّ دوره في الأمّة ؟

لماذا سنّ معاوية سنّة سب ولعن الإمام علي ( عليه السلام ) على المنابر ؟

لماذا لم يُسمح بدفن الإمام الحسن ( عليه السلام ) بجوار قبر رسول الله ؟

لماذا رُمي جثمان الإمام ( عليه السلام ) بالسهام بأمر من عائشة ؟

لماذا قُتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) بصورة فجيعة مع أهل بيته في أرض كربلاء ؟

ولماذا كان عموم أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) محاربين في ظلّ حكومة بني أُميّة وبني العبّاس ؟

هذه التساؤلات كلّها - من دون شك - تلفت نظر الإنسان الباحث والواعي ،

فيعرف أنّ المسألة هي مسألة صراع حقّ وباطل .

وليست الشورى التي يتباهى بها أهل السنّة إلاّ شعاراً لم يُعمل بها لا في خلافة أبي بكر ولا في خلافة عمر ولا عثمان ولا في خلافة بني أُميّة وبني العبّاس .

وكلّ ما أصاب الأمّة الإسلاميّة من أوّل يوم بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإلى يومنا هذا من نكبات ومصائب وتخلّف ، فإنّه لم يكن إلاّ لابتعاد الأمّة عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتركهم لأبواب الهدى ، والتجائهم إلى ما تملي عليهم أهواءهم ومصالحهم الدنيوية الدنيئة .

(42) سامبا كامبا ( حميد )( مسيحي / زائير كونغو )

ولد عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في كينشاسا ، ونشأ في أسرة مسيحية ، حاصل على الشهادة الثانوية ، استبصر عام 1414 ه‍ ، ( 1994 م ) ، وذلك عند افتتاح المدرسة الإسلاميّة دار الهدى ، حيث وفّرت له هذه المدرسة الأجواء المناسبة ، ثُمّ التحق بها بعد الاستبصار ، ودرس فيها لمدّة ثلاث سنوات .

العقيدة الإسلاميّة حول السيّدة مريم :

يرى الإسلام بأنّ مريم بنت عمران ، أم السيّد المسيح من النساء المعصومات والمطهرّات ، وقال تعالى : * ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) * (1).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّ الله عزّ وجلّ اختار من النساء أربعاً : مريم ، وآسية ، وخديجة ، وفاطمة " (2).

وقد وصف القرآن السيّدة مريم بالصدّيقة ، فقال تعالى : * ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ


1) - آل عمران (3) : 42 .

2) - بحار الأنوار 141 : 201 .

مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) * (1)- آل عمران (3) : 37 .(2).

كما قال تعالى : * ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) * (3)

وقال تعالى حول ولادة السيّدة مريم ( عليها السلام ) : * ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * (4).

والمقصود من " المحرّر " هو الذي يتحرّر من تبعية الأب والأم أو أي جهة أخرى ، ويوطّن نفسه في خدمة بيت الله من أجل العبادة والقيام بالأعمال الصالحة .

وكانت تظنّ أم مريم وهي " حنة " زوجة عمران ، بأنها ستلد ولداً فجعلته " محرّراً " ، ولكن تبيّن لها بعد الولادة أنّها ولدت أنثى .

• ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) * (5).

ولكن مع ذلك * ( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) * (5) .

وقال تعالى حول الطعام الذي كان ينزله لمريم : * ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب ) * (6)


1) - المائدة

2) : 75 .

3) - التحرم (66) : 12 .

4) - آل عمران (3) : 35 .

5) - آل عمران (3) : 36 .

6) - آل عمران (3) : 37 .

العقيدة الإسلاميّة حول السيّد المسيح :

يعتقد المسلمون - وفق ما جاء في القرآن الكريم - بأنّ السيّد المسيح عبد الله ورسوله .

قال تعالى : * ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) * (1)- الكافي 1 : 175 ، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة ، حديث 3 .(2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " سادة النبيين والمرسلين خمسة ، وهم أولوا العزم من الرسل وعليهم دارت الرحى : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلّى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء " (2) .

وأمّا في خصوص ولادة السيّد المسيح ، فقد أشار القرآن إلى هذه الولادة بصورة مفصّلة ، وقال تعالى : * ( إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * (3).

كما بيّن القرآن قصة حمل السيّد المسيح : * ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ) * (4).

فقال لهذا الشخص الذي تمثل لها بشراً سوياً : * ( إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ) * (5).


1) - البقرة

2) : 136 .

3) - آل عمران (3) : 45 .

4) - مريم (19) : 16 - 18 .

5) - مريم (19) : 19 .

أجابته مريم : * ( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) * (1).

ومن هنا نستنتج بأنّ مريم لم تكن متزوّجة إلى ذلك الحين ، ولم يكن لها اتصال غير مشروع مع أحد .

• ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) * (2).

وسُئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) حول سبب ولادة عيسى من غير أب فقال ( عليه السلام ) : " ليعلم الناس تمام قدرته وكمالها ويعلموا أنّه قادر على أن يخلق خلقاً من أنثى من غير ذكر ، كما هو قادر على أن يخلفه من غير ذكر ولا أنثى ، وأنّه عزّ وجلّ فعل ذلك ليعلم أنّه على كلّ شيء قدير " (3).

وأشار الباري تعالى إلى إعجاز ولادة السيّد المسيح في محكم الكتاب بقوله : * ( قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * (4).

وقال تعالى في آية أُخرى حول سبب خلق عيسى ( عليه السلام ) بهذه الصورة الخارقة للعادة : * ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ) * (5).

كما قال تعالى : * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * (6).

وسرد القرآن بقية قصة ولادة السيّد المسيح بقوله : * ( فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى


1) - مريم (19) : 20 .

2) - التحريم (66) : 12 .

3) - بحار الأنوار 14 : 218 .

4) - آل عمران (3) : 47 .

5) - مريم (19) : 21 .

6) - مريم (19) : 59 .

جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ) * (1).

وبمجرد أن رأى الناس مريم وهي تحمل طفلاً ، واجهوها بسيل من التهم .

• ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) * (2).

وكانت السيدة مريم صائمة عن الكلام ، فسكتت وأشارت إلى طفلها .

• ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) * (3).

وهنا تجلّت القدرة الإلهية :

• ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) * (4).

إنجذابي نحو الإسلام الأصيل :

يقول " سامبا " : جذبتني عقيدة الإسلام بالسيّدة مريم والسيّد المسيح ورأيت أنّ عقيدتهم تنسجم مع العقل والفطرة ، وواصلت البحث في دراستي المقارنة بين الإسلام والمسيحية حتّى تبلورت لدّي القناعة التامة بأحقيّة الدين الإسلامي ، فأعلنت استبصاري ثُمّ واصلت دراستي في المدرسة الإسلاميّة دار الهدى لأطلب المزيد من علوم محمّد وآل محمّد عليهم السلام .


1) - مريم (19) : 23 - 26 .

2) - مريم (19) : 27 - 28 .

3) - مريم (19) : 29 .

4) - مريم (19) : 30 - 31 .

(43) عبد العزيز اتيك موتوند( مسيحي / زائير كونغو )

مرّت ترجمته في 1 : 387 من هذه الموسوعة ، ونشير في هذا المقام إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل .

من أهم محفزات تغيّر الانتماء العقائدي هو الاطلاع على الحقائق المندثرة عمداً في طيّات التاريخ ، ونلاحظ معاناة المستبصرين عند مواجهتهم لهذه العقبة الشاقة .

يقول " عبد العزيز " : لا يخفى على كلّ متتبع في التاريخ عدم صحة الأحداث والوقائع التاريخية من كلّ جوانبها ، فقد لمست من خلال قراءتي لبعض الكتب التاريخيّة التناقضات والاختلافات الهائلة ، وتجلّت لي حقائق غيرّت مجرى حياتي .

عثمان وتغيّر سنّة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

يقول " عبد العزيز " : كنت لا أعرف عن عثمان إلاّ أنّه الخليفة الثالث ، قتل مظلوماً من قبل بعض المسلمين ، ولكن السؤال الذي يهيمن على هذه الواقعة هو :

ما هي ملابسات هذه الواقعة ؟

أخذتني الدهشة عند قراءتي لكتاب " عبقريات الإمام " للكاتب الشهير

عبّاس محمود العقاد حيث يقول :

" مضت السنوات الأُولى من خلافة عثمان على خير ما يرجى لها أنّ تمضي في عهد خليفة . . .

ثُمّ تغيّرت الأحوال من جانب الراعي ومن جانب الرعيّة ، لم تكن طارئة ساعة ظهورها ، وإنّ ظهرت عواقبها طارئات .

إلاّ أننا نجتزي هنا بالإشارة إلى التذمر الذي أثار الفتنة والإلمام بأسبابه عند أصحابه . . . أهم هذه الأسباب :

أنّه خالف بعض السنن التي اتبعها النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الأذان والصلاة ، وأنّه أدنى أناس من أقاربه كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أقصاهم عن المدينة . . فاستدعاهم إليه بعد استخلافه وأغدق عليهم المنح والأموال ، وأنّه أطلق العنان لأبناء أسرته في الولاية والعمالة ، ومنهم من اتهموه بإقامة الصلاة وهو سكران ، وأنّه منح سفيان بن حرب مائتي ألف درهم ، ومنح الحارث بن الحكم زوج ابنته عائشة مائة ألف درهم من بيت المال ، وأنّه توسّع في بناء القصور وحرم بعض الصحابة ، وضرب بعضهم على مشهد من الملا ضرب إهانة وإيجاع . .

ويدلّ على خطر مسألة الثروة في هذه الفتنة ، أنّ أناس تألبوا على الخليفة مرّة . . فأرسل في طلب عليّ ليصرفهم عنه ، فلمّا قدم إليه استأذنه في إعطائهم بعض الرفد العاجل من بيت المال ، فأذن له . . فانصرفوا عن زعماء الفتنة ، وهدءوا إلى حين . .

ثُمّ توافد المتذمّرون من الولايات إلى المدينة مجندين وغير مجندين . . وتولّى زعامة المتذمرين في بعض الأحيان جماعة من أجلاء الصحابة ، كتبوا صحيفة ووقعوها وأشهدوا فيها المسلمين على مآخذ الخليفة . . فلمّا حملها عمّار بن ياسر إليه ، غضب وزيره مروان بن الحكم ، وقال له : " إنّ هذا العبد الأسود قد

جرّأ عليك الناس . . وإنك إنّ قتلته نكلت به من وراءه " فضربوه حتّى غشي عليه .

وفي مرّات أخرى ، كان الخليفة يصغي إلى هذه الشكايات ويندم على ما اجترحه أعوانّه بعلمه أو بغير علمه ، ثُمّ يعلن التوبة إلى رعاياه ، ويؤكد لهم الوعد بإقصاء أولئك الأعوان وإخلافهم في أعمالهم بمن يرضى المسلمين ، ويرضى الله .

ثُمّ يغلب أولئك الأعوان على مشيته ، فيبقيهم حيث كانوا ويملي لهم فيما تعوّدوه من الترف والنكاية ، وعلى رأسهم مروان بن الحكم . . أبغض أولئك الأعوان إلى المسلمين ، حتّى من أهل الخليفة المقرّبين .

وكان بعض الوفود يشكون ولاتهم ، فإذا عادوا إلى بلادهم تلقاهم أولئك الولاة وقتلوا بعضهم ضرباً على ملأ من الشاكين الذين ينتظرون الإنصاف . .

فيعود المضروبون إلى الشكوى ، وينصرهم أجلاّء الصحابة عند الخليفة ، ويسألونه أن يولي غير وليهم المسئ إليهم ، فإذا توجه الولي الجديد إلى مكانه ، إذا في الطريق رسول يحمل خطابا للوالي المعزول ، يأمره فيه بقتل من يفد إليه من حاملي الشكوى وحاملي كتاب الولاية ، ويقرّه مكانه !

حدث هذا مع وفد مصر ، واختلفت الأقاويل في تأويله من متهم للخليفة ، ومتهم لمنافسيه على الخلافة ، ومتهم لوفد الشكوى الذي عثر بالخطاب ، ومتهم لمروان بن الحكم - عنصر السوء في هذه المأساة كلّها - . . إذ كان أيسر شيء على مروان لو كان بريئاً من هذه المكيدة أن يكشف حقيقتها بسؤال الغلام حامل الخطاب ، وفي كشف هذه الحقيقة إبراء له ، وتعزيزاً لسلطان الخليفة ، وفضيحة لأعدائه ، وادحاض لحجة الفتنة ، ودعوة الإثارة والتحريض . . ولكنّه أهمل السؤال ، وقنع من تبرئة نفسه بقذف التهمة على متهميه " (1).

يقول " عبد العزيز " : دفعني هذا الكلام إلى التفتيش في كتب التاريخ لمعرفة


1) - عبقريات الإمام : 40 .

مدى صحتها وسقمها ، فوجدت الكثير منها تصرّح بوقوعها من قبل الخلفاء ، بل وجدت حقائق أُخرى هزّت أُسسي العقائدية التي عكفت عليها مدّة من الزمن ، ولم أكن أعلم أنني أعيش في متاهات الظلام وخرافات من الأباطيل أدّت إلى إضفاء القداسة على موروثي العقائدي ، فاقتصرت على مهمّة التعقّل في غربلة موروثاتي .

عندها عزمت على ترك ما كنت عليه ، والإلتحاق بسفينة أهل البيت عليهم السلام .

(44) فاطمة دودو( مسيحية / زائير كونغو )

ولدت عام 1397 ه‍ ، ( 1977 م ) ، في دولة زائير ، كانت على الديانة المسيحية ، وذلك لأنّ دولة زائير كانت فيما سبق تحت هيمنة الاستعمار البلجيكي ، وهذا ما أجبر الناس لتقبّل الديانة المسيحية .

تقول " فاطمة دودو " : كان جدّ أُمّي مسلماً ، وهذا هو الأمر الذي جعل أُسرتنا أن لا تكون جاهلة بالاسلام مطلقاً ، فحاول أخي أن يبحث في هذا المجال وكانت نتيجته أن أسلم بعد ذلك .

والملاحظ أنّني عندما كنت على الديانة المسيحية كنت أحبّ العبادة ، ولم يكن لدينا من العبادات إلاّ القليل وهذا الأمر لم يكن يحقّق رغبتي في التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى ، فكنت أشعر بأنّ هذه الطقوس الدينية المتداولة بين النصارى لا تشبع نهمي للقرب إلى الباري .

وحينما بلغ عمري ثلاثة عشر عاماً ، أحسست ذات يوم من خلال النقاش الذي يدور بين أخي وبين أمّي أنّه قد اختلف معنا في منهج العبادة ، وهذا ما أثار حبّي للاستطلاع ، فراقبته فرأيته يغسل كلّ يوم عدّة مرّات وجهه ويده بالماء ، ثُمّ يتوجّه بخشوع إلى الله ، ثُمّ يركع ويسجد عدّة مرّات ، فاستفسرت منه الأمر فأخبرني أنّه أسلم وانتمى إلى دين خاتم الرسل محمّد المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فطلبت منه أن يبيّن لي ما قد انتمى إليه ، فجعل أخي يشرح لي عن الإسلام وعن عباداته وأحكامه ، وكان أكثر ما أعجبني هو كثرة عبادة الصلاة والتوجّه إلى الله بها ، وأحسست بمحبّة خاصة اتجاه الإسلام ، فطلبت من أخي أن يعلّمني كيفيّة الدخول في الإسلام ، فقبل أخي ذلك وأصبح يعلّمني الأحكام والعبادات الإسلاميّة .

أخبرت أمّي بعد ذلك بإسلامي ، فقالت : إنّ الإسلام يفرض على منتميه أن يصلّوا كلّ يوم خمس مرّات فهل تطيقين ذلك ؟

فقلت : نعم .

فلمّا رأت أُمّي شوقي وتلهّفي لعبادة الله من طريق الديانة الإسلاميّة لم تمنعني من ذلك .

وقد يستغرب البعض من اسمي فاطمة ، فيستفسر لماذا سمّيتُ باسم ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حين كانت ولادتي في عائلة مسيحية .

وفي الحقيقة كان سبب ذلك هو أنّني لمّا كنت جنينة في بطن أمّي رأت والدتي في عالم الرؤيا شخصين قالا لها إنّك ستلدين بنتاً فإذا ولدتيها سمّيها فاطمة كاسم بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلمّا انتبهت أمّي من منامها استغربت من ذلك ، ثُمّ راجعت المكتبة باحثة عن رسول الله . فوقع في يدها الكتاب الذي كانت تبحث عنه ، فلمّا صفّحته وعلمت بأنّ اسم ابنة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاطمة قرّرت أن تسميني بذلك الاسم ، فلمّا أسلمتُ علمتُ بعناية الله لي .

كما كان من أهمّ الأسباب في إسلامي أنّني ترعرعت في عائلة كانت متأثّرة بجدّ أُمّي المسلم ، فكنّا قد حرّمنا على أنفسنا شرب الخمور والكحولات وأكل لحم الخنزير والأشياء التي حرّمها الإسلام ، وإنّني أظنّ أنّ ذلك كان له دور في إسلامي ، وإسلام كافة أعضاء أُسرتي الذين أسلموا بعد ذلك .

ثُمّ إنّنا واجهنا بعد إسلامنا تعدّد المذاهب في الإسلام ، وكان معظّم المسلمين الذين يتواجدون في منطقتنا هم من أبناء العامّة ، فكان من الصعب علينا معرفة المذهب الصحيح بينها ، فتصدّى أخي للبحث والدراسة حول المذاهب ، وكانت النتيجة أنّه شخّص بعد تتبّعه للأدلّة والبراهين أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من بين المذاهب الإسلاميّة ، ثُمّ بادر ليبيّن لنا ملخّص الأبحاث التي كان يستنتجها من مطالعة الكتب فقرّرنا اتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لما ثبت لنا من أحقيّتهم بالنص الصريح من الله ورسوله ، فسلكنا نهجهم ، واعتنقنا مذهب التشيّع ، وكان ذلك عام 1410 ه‍ ، ( 1990 م ) ، في مدينتنا كينشاسا بدولة زائير .

ثُمّ إنّي بادرت بعد ذلك لتلّقي علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) في إحدى المساجد اللبنانيّة التي كانت موجودة في بلدتنا ، فحاولت أن أرفع مستواي الفكري والعقائدي لأكون أداة موثّرة في إصلاح واقعنا الاجتماعي .

ولم أكتف بذلك بل حاولت المجي إلى إيران لرفع مستواي العلمي ، وتحققت أمنيتي والتحقت بجامعة الزهراء في مدينة قم المقدسة .

(45) كانامبا تامبا تامبا( مسيحي ثُمّ شافعي / زائير كونغو )

ولد عام 1487 ه‍ ، ( 1967 م ) ، في كونغو ، نشأ في أُسرة مسيحيّة ثُمّ أسلم وانتمى إلى المذهب الشافعي ، ثُمّ واصل البحث والتحق بمدرسة دار الهدى بكينشاسا ، فاستبصر عام 1414 ه‍ ، ( 1994 م ) .

واقعة الغدير :

يقول " كانامبا " : أنّ من أهمّ الكتب التي أدّت إلى استبصاري هو كتاب " ثُمّ اهتديت " الذي كشف لي حقائق لم أكن مطّلعاً عليها فيما سبق .

ومن أهمّ الحقائق التاريخيّة المرتبطة بصدر الإسلام والتي تدعو الباحث للتأمّل فيها هي واقعة الغدير .

ويعدّ حديث الغدير من الأحاديث المشهورة بين المسلمين والمتواترة في جميع طبقاته ، ولم يلق حديث من العناية مثل ما لقي هذا الحديث .

فقد شهد هذه الحادثة مائة ألف من المسلمين - رجالاً ونساءً - ، ورواها مائة وعشرة من الصحابة ، وأربعة وثمانون من التابعين ، وآلاف العلماء من الفريقين ، وقد شهد بصحّته وتواتره أكثر من ثلاثين من أكابر علماء السنّة .

أمّا نص واقعة الغدير فهو : أجمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الخروج إلى الحجّ في سنة

عشر من مهاجره ، وأذّن في الناس بذلك ، فقدم المدينة خلق كثير يأتمّون به في حجّته تلك التي يقال عليها " حجّة الوداع " ، و " حجّة الإسلام " ، و " حجّة البلاغ " ، و " حجّة الكمال " ، و " حجّة التمام " .

فخرج ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدينة مغتسلاً متدهّناً مترجّلاً متجرّداً في ثوبين صُحاريّين ، إزار ورداء ، وذلك يوم السبت لخمس ليال أو ستّ بقين من ذي القعدة ، وأخرج معه نساءه كلّهنّ في الهوادج ، وسار معه أهل بيته وعامّة المهاجرين والأنصار والعديد من قبائل العرب وأفناء الناس .

وكان معه جموع لا يعلمها إلاّ الله تعالى ، وقد يقال : خرج معه مائة ألف وعشرون ألفاً ، ويقال : أكثر من ذلك ، وهذه عدّة من خرج معه ، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك ، كالمقيمين بمكّة ، والذين أتوا من اليمن مع عليّ أمير المؤمنين .

فلمّا قضى مناسكه ، وانصرف راجعاً إلى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورات .

وصل إلى غدير خُمّ من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيّين والمصريّين والعراقيّين ، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله : * ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) * (1)الآية ، وأمره أن يقيم عليّاً علماً للناس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطّاعة على كلّ أحد .

وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة ، فأمر رسول الله أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ، ونهى عن سمرات خمس متقاربات - دوحات عظام - أن لا ينزل تحتهنّ أحد ، حتّى إذا أخذ القوم منازلهم ، فقمَّ ما تحتهنّ ، حتّى إذا نودي بالصلاة - صلاة الظهر - عمد إليهنّ ، فصلّى بالناس تحتهنّ ،


1) - المائدة (5) : 67 .

وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، وظُلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمُرة من الشمس .

فلمّا انصرف ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من صلاته ، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل ، وأسمع الجميع ، رافعاً عقيرته ، فقال :

" الحمد لله ونستعينه ونؤمن به ، ونتوكّل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله .

أمّا بعد : أيّها الناس قد نبّأني اللّطيف الخبير ، أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله ، وإنّي أُوشِك أن أُدعى فأُجيب ، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون " ؟

قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت ، فجزاك الله خيراً .

قال : " ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور " ؟

قالوا : بلى نشهد ذلك .

قال : " اللّهم اشهد " ، ثُمّ قال : " أيّها الناس ألا تسمعون " ؟

قالوا : نعم .

قال : " فإنّي فَرَط على الحوض ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النّجوم من فضّه ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين " .

فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله ؟

قال : " الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم ،

فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا " .

ثُمّ أخذ بيد عليّ ، فرفعها حتّى رؤي بياض أباطهما وعرفه القوم أجمعون .

فقال : " أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم " ؟

قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه " يقولها ثلاث مرّات .

ثُمّ قال : " اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب " .

ثُمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل أمين وحي الله بقوله : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) * (1)الآية .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي " .

ثُمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وممّن هنّأه - في مقدّم الصحابة - أبو بكر وعمر كلّ يقول بخّ بخّ لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

وقال ابن عبّاس : وجبت - والله - في أعناق القوم .

فقال حسّان : ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ ، فقال : قل على بركة الله .


1) - المائدة (5) : 3 .

فقال حسّان ، فقال : يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ، ثُمّ قال :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخمّ فأسمع بالرسول منادياً

إلى آخر الأبيات (1).

معرفة الحقّ :

هذا الحديث وغيره من الأحاديث جعلت " كانامبا " يتأمّل كثيراً فيما يعتقد ، فقد عرف أنّ النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يترك الأُمّة تتخبّط في متاهات الحيرة ، بل عيّن ونصّ على خليفته وهو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

ولم يجد " كانامبا " أيّ مانع يمنعه من الاستبصار ، لأنّه حيث ترك دين أسلافه وهو الدين المسيحي ، وأسلم وتحمّل ما تحمّل نتيجة هذا التغيير العقائدي ، فلا داعي له أن يتعصّب لمعتقده الجديد فيما لو أثبت له الأدلّة والبراهين وجود النقص فيه ووجود مذهب آخر هو الحقّ لا غير .

ومن هنا أعلن " كانامبا " استبصاره وركب سفينة النّجاة ، سفينة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى .

وبعد أن أكمل " كانامبا " دراسته في المدرسة الإسلاميّة دار الهدى ، وبعد ارتفاع مستواه العلمي ، بدأ يدرّس في هذه المدرسة . كما أنّه واصل نشاطه التبليغي وبدأ ينشر الحقائق التي توصّل إليها .

ويأمل " كانامبا " أن يتمكّن من توسيع دائرة نشاطه الديني في المستقبل ، وأن يتمكّن من إيصال صوت الحقّ إلى أكبر قدر ممكن من الذين يعيشون في أسر الإعلام التضليلي المبتني على المصالح الشخصيّة والأنانيّات والمطامع الدنيويّة .


1) - انظر : الغدير للأميني 1 : 9 .

(46) كينا كيميو ( عيسى )( مسيحي ثُمّ شافعي / زائير كونغو )

ولد عام 1398 ه‍ ، ( 1978 م ) ، في مدينة كينشاسا في كونغو ، حاصل على شهادة الدبلوم ، استبصر عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، وأعلن استبصاره في المدرسة الإسلاميّة دار الهدى ، وهي المدرسة التي كان يشارك في إحتفالاتها التي تعقد في مختلف المناسبات الإسلاميّة ، فتأثر بالمحاضرات التي تُلقى هناك وبكلام الأساتذة حول الدين الإسلامي ، وانتهى به الأمر بعد البحث إلى الإستبصار ، ثُمّ التحق بعد الاستبصار بشكل رسمي في المدرسة الإسلاميّة دار الهدى ودرس فيها عامين من أجل رفع مستواه العلمي .

العقيدة الإسلاميّة حول الإنجيل :

نزل الإنجيل من الله تعالى إلى النبيّ عيسى ( عليه السلام ) في الثالث عشر من شهر رمضان (1)، ويستفاد من الآيات القرآنية بأنّ الإنجيل نزل دفعة واحدة ، حيث قال تعالى : * ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) * (2).


1) - بحار الأنوار 14 : 283 .

2) - المائدة (5) : 46 .

ويستفاد من القرآن الكريم بأن تطبيق الإنجيل يؤدي إلى سعادة الفرد والمجتمع : * ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ) * (1)- الأعراف (7) : 157 .(2).

ولهذا دعى القرآن الكريم ، النصارى إلى العمل بالإنجيل : * ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) * (3).

وقال تعالى أيضاً : * ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) * (4).

وقد دعى الله تعالى أيضاً في الإنجيل إلى الجهاد في سبيل الله : * ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) * (5).

وقد أشار القرآن الكريم أيضاً إلى أن الإنجيل يبشر بظهور نبيّ الإسلام فقال تعالى : * ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * (5) .

كما قال تعالى : * ( وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا


1) - المائدة

2) : 66 .

3) - المائدة (5) : 47 .

4) - المائدة (5) : 68 .

5) - التوبة (9) : 111 .

ذُكِّرُواْ بِهِ ) * (1).

العقيدة الإسلاميّة حول معجزات السيّد المسيح :

وجد " كينا " خلال بحثه بأنّ الإسلام اهتم بالسيّد المسيح وسلّط الأضواء على معاجزه في القرآن الكريم .

قال تعالى : * ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَة مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) * (2)- المائدة (5) : 110 .(3).

وقال تعالى : * ( إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * (3) .

ومن المعاجز الأخرى للسيّد المسيح والتي أشار إليها القرآن الكريم هي نزول مائدة من السماء عليه وأصحابه ، حيث قال تعالى : * ( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * (4).


1) - المائدة (5) : 14 .

2) - آل عمران

3) : 49 .

4) - المائدة (5) : 114 .

العقيدة الإسلاميّة حول صلب السيّد المسيح :

وجد " كينا " بأنّ الإسلام لا يعتقد بصلب السيّد المسيح ، بل يعتقد بأنّ الله رفعه إلى السماء ، وقال تعالى : * ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) * (1)- الصف (61) : 6 .(2).

تبشير الكتب المقدّسة برسول الإسلام :

واصل " كينا " دراسته للإسلام وقراءته للقرآن ، فوجد موقف الإسلام من الأنبياء الماضين موقف ايجابي حيث قال تعالى : * ( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) * (3)- الأعراف (7) : 157 .(4).

وأمّا في خصوص تبشير الكتب السماوية السابقة بمجيئ نبي الإسلام فقد صرّح القرآن الكريم بذلك ، فقال تعالى : * ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) * (3) .

بل صرّح القرآن بهذه الحقيقة في قوله تعالى : * ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * (4) .


1) - النساء

2) : 157 - 158 .

3) - آل عمران

4) : 84 .

تجلّي الحقيقة :

أكمل " كينا " قراءته للقرآن ، ولما انتهى منه ، وصل إلى قناعة تامة بأنّ القرآن كتاب سماوي ، ويستحيل للبشر الإتيان بمثل هذا الكتاب ، ومن هنا تبلورت لديه القناعة بأنّ الإسلام آخر وأكمل الأديان ، وهو المبرئ للذّمة ومن خلال مشاركته في احتفالات مدرسة دار الهدى الإسلاميّة تعرّف على الثقل الثاني أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره وكان ذلك عام ( 1996 م ) ، وواصل دراسته في مدرسة دار الهدى .

(47) ميكتو ماليابونا( سنّي مالكي ثُمّ وّهابي / زائير كونغو )

ولد في مدينة كاليما بدولة الكونغو في عائلة مالكيّة المذهب ، نال الشهادة الثانوية ودرس علم النفس في الجامعة لمدّة سنتين ، أمّا الدراسة الدينيّة فقد درس علوم القرآن والحديث واللغة والتاريخ لمدّة ثلاث سنوات في جامعة أفريقيا العالميّة السودانيّة ، ثُمّ درس علوم مذهب آل البيت في مدرسة دار الهدى ، ومدرسة ( بلال مسلم ) في تنزانيا ، ثُمّ هاجر إلى الحوزة العلميّة المعروفة في مدينة قم .

صديقٌ قادني إلى جنّة الولاية :

يقول الأخ " ميكتو " : كنتُ أدرس في جامعة أفريقيا العالميّة في السودان ، حيث زارني أحد الأصدقاء من تنزانيا ، فوجدت في كلامه لحناً جديداً لم أعرفه من قبل ، ولمست في أخلاقه حُسناً جميلاً لم أعهده في السابق ، فسألته عن أحواله وأخباره ، فقال لي : إنّه تشيّع ! وأنّه يدرس في مدرسة شيعيّة ! !

فقلت له : لم تجد غير الشيعة من تسلّمهم دينك ؟ وتقلّدهم مقاليد أمورك ؟

فقال : لا تعجل يا أخي ، إنّ التشيّع هو الإسلام الصحيح ، وإنّ الشيعة هم الفائزون يوم القيامة بموالاتهم لعليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقائد الغر

المحجلين .

أدهشني هذا الكلام ، وبدأنا الحوار ، وأخذنا في أطراف النقاش الذي طال معنا الأيّام والأسابيع ، حيث كان في كلامه منطقاً قويّاً ، يستند إلى آيات قرآنيّة كأنّما ما قرأناها ، وأحاديث نبويّة كأنّما ما سمعناها ، أو سمعناها وما وعيناها .

سجلت عدّة نقاط خلافية تحررت لدي من ثنايا النقاش وعرضتها على بعض الأساتذة في الجامعة ، فلم أحصل على جواب مقنع شاف ، فبقيتُ في حيرة من أمري ، لا أدري ما هو الموقف الصحيح الذي أواجه به ما ورد عليّ من أمر ديني ، وأخيراً ، قررت السفر بنفسي إلى المدرسة التي كان يدرس فيها صديقي ، وهي مدرسة دار الهدى ، وهناك بدأت بالدراسة والمطالعة المكثّفة للكتب التي تعالج مواضيع الخلاف ، وقد لفت نظري استدلال الشيعة بالأحاديث التي ينقلها أهل السنّة ويصححونها ، كحديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وغيرها ، واحتجاجهم بكتب أهل السنّة التي ألّفها كبار علمائهم ، ممّا يقطع السبيل على طالب الحقّ ، ويلوي بعنقه للخضوع أمام آيات الولاية الباهرات ، وأحاديث مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) الساطعات .

عرضت هذه الآيات والأحاديث على علماء أهل السنّة مرّة أخرى ، ومنهم أحد أصهاري ، فكان جوابه : نعم ، هذه الأدلّة تثبت خلافة الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، ولكن ما فائدة ذلك الآن ، ونحن لا نحتاج إلى خلافة ، فهنا قلت جواباً له : جوابك الأوّل يكفيني ، وهو على قدر سؤالي وهنا كان لا بدّ لي أنْ أعلن تشيّعي ، وأصرّح بولائي لأمير المؤمنين الذي دخل قلبي ، وامتزج بروحي منذ وقت طويل ، فكانت مدرسة دار الهدى داراً للهدى واقعاً بالنسبة لي ، حيث شهدت جنباتها تصريحي بالشهادة الثالثة في سنة 1994 م ، وهي الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) اتّباعاً للرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي صرح بولايته بوضوح أمام الحشود الغفيرة في يوم الغدير ، وأشار إليها ، أو صرّح بها في أماكن وأزمنة أُخرى وهكذا

شاءت العناية الإلهية أنْ استروح روائح حبّ آل البيت الزكيّة ، وأنْ أتضمّخ بعطور جنّة الولاء الشذيّة التي لا يمكن لها أنْ توصف بكلام ، وإنّما لا بدّ للمرء من معاناة صبابة التوله بحبّهم ، حتّى يعرف طعم شهد مودّتهم ، ويستذوق رحيق ولائهم المختوم المخصوص لمحبّيهم دون غيرهم ، وما أحسن ما قال الشاعر :

لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصباية إلاّ من يعانيها (1)

هذا الشوق ، وهذه الصبابة ، دفعاني إلى أنْ أواصل الطريق في طلب علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتركت الأوطان ، وهاجرت من القارّة الإفريقية الحبيبة إلى عش آل محمّد ( عليهم السلام ) ، وهي مدينة قم المقدّسة التي ترقد في قلبها بضعة للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، احتضنها أهل قم وآووها عند تشرّدها على يد الظالمين ، فكافأ الله سبحانه مدينة قم بحوزة علوم آل البيت الشريفة ، التي فاضت منها علوم آل محمّد إلى كلّ الدنيا .

وأسأل الله أن تكون هجرتي هذه من مصاديق آية النفر (2)للتفقّه بدين الله وإنذار قومي وأهلي وأحبّتي عند العودة إليهم بالحذر من نيران جهنّم التي تحيط بهم ، والسعي إلى جنان الخلد بواسطة ولاء من أوجب الله ولاءهم بقلوب تحمل الشوق إلى مناقبهم ، وتعاني الصبابة في سبيل التأسّي بهم .


1) - هذا بيت شعر مشهور للأبله البغدادي ، أبو عبد الله محمّد بن بختيار بن عبد الله ( ت 579 ه‍ ) ، وفيات الأعيان 4 : 464 .

2) - التوبة (9) : 122 ، وهي قوله تعالى : * ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) *

(48) نيكولا بوابا( مسيحي ثُمّ مسلم سني / زائير كونغو )

ولد سنة 1386 ه‍ ، ( 1967 م ) ، في الكونغو ، ونشأ في عائلة مسيحيّة ربّته على دراسة الكتاب المقدّس وحفظه .

نال شهادة الليسانس في التربية والتعليم ، وعمل مدرّساً ، وألّف كتاباً درسيّاً باللغة الإنجليزية ، أسّس مؤسسة ثقافيّة دينية بعد استبصاره ، وبنى مسجداً في قريته أيضاً .

لجعلتُ من إسماعيل اثني عشر خليفة :

يقول الأخ " نيكولا " : حفظت الإنجيل في طفولتي ، وقرأت مناجاة النبيّ إبراهيم ( عليه السلام ) مع الله سبحانه ، حيث يذكر إسحاق وإسماعيل ، وقد ورد في هذه المناجاة خطاب الله لإبراهيم : أنّ الله سبحانه سيحبوا إسماعيل اثني عشر خليفة .

ويتابع نيكولا قائلاً : " بقي رقم الاثني عشر عالقاً في ذهني ، وعندما أسلمت سمعت بعد فترة بحديث الاثني عشر ، فلفت نظري هذا الحديث ، وأثارَ فضولي ، فأخذتُ أسأل عنه ، وأتابع المصادر ، إلى أن عرفت الأئمّة الاثني عشر المعصومين من عترة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وعرفت أنّهم البشارة الإلهيّة لإسماعيل دون غيرهم فأسعدني هذا الاكتشاف ، ودخل في أعماق نفسي ، فما كان منّي إلا أنْ اعتنق

التشيّع لهم ، وأصرّح بالولاء لهم .

إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) في الكتب السابقة :

وردت إشارات كثيرة وصريحة في نبوّة نبيّنا محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد صرّح بذلك القرآن الكريم ، كما وردت إشارات أخرى لأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تذكر عظمتهم ، وتصرّح بملكهم وإمامتهم .

وقد نقل الشيخ المفيد في كتابه أجوبة المسائل السروية : " وقد بشّر الله عزّ وجلّ بالنبيّ والأئمّة ( عليهم السلام ) في الكتب الأولى ، فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه ( عليهم السلام ) وأهل الكتاب يقرؤونه : أنّه ناجى إبراهيم الخليل في مناجاته : " إنّي قد عظمتك وباركت عليك وعلى إسماعيل ، وجعلت منه اثني عشر عظيماً ، وكرّمته جدّاً جدّا ، وجعلت منه شعباً عظيماً " وأشباه ذلك كثير في كتب الله الأولى " (1).

كما نقل العلاّمة الطبرسي في كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى ، قال : " حدّثني من أثق به قال : مكتوب في خروج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من ولد إسماعيل ، وصفته هذه الألفاظ : " لا شموعيل شمعشخوا هني بيراخت اوتو هزبيث اتو هربيتي واتو بمآد مآد شينم اسور نسئيم وأنا تيتو الكوى كادل " (2).

وتفسيره : " إسماعيل قبلت صلاتك له وباركت فيه وأنميته وكثّرت عدده بولد له اسمه محمّد ، يكون اثنين وتسعين في الحساب سأخرج اثني عشر إماماً ملكا من نسله وأعطيه قوماً كثير العدد "

وما أجمل كلام الشيخ النعماني في كتاب الغيبة : " قال : فما بعد شهادة كتاب الله عزّ وجلّ ورواية الشيعة عن نبيها وأئمّتها ، ورواية العامّة من طرقها عن رجالها ، وشهادة الكتب المتقدّمة وأهلها بصحّة أمر الأئمّة الإثنى عشر - لمستر شد


1) - المسائل السروية : 43 .

2) - إعلام الورى : 58 .

مرتاد طالب ، أو معاند جاحد - من حجّة تجب ، وبرهان يظهر ، وحقّ يلزم . . . " (1).

إنّ تجربة الأخ " نكولا " تعدّ تجربةً حيّةً ، ومثالاً تطبيقياً على ما ورد في هذه الكتب المقدّسة السابقة ، حيثُ إنّه قرأ هذه النصوص ، وشاءت له المقادير أنْ يسلم تأثراً بالدين الإسلامي العظيم دون أنْ يعلم أنّ هناك إشارات في الكتب المقدّسة السابقة إلى نبوّة النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولكنّه بعد ما أسلم تذكّر رقم الاثني عشر ، وبواسطته عرف المذهب الصحيح في الإسلام ، حيث وجد الإسلام الحقيقي الذي يلتقي مع البشارات الصحيحة في الكتب الإلهيّة السابقة ، لأنّها من ينبوع واحد ، وتسير في المسارات الإلهيّة نفسها .

هذا ولقد توفّق الأخ " نيكولا " بعد هداية الله له أنْ يكون سبباً في هداية جميع غفير من أبناء قريته ، حيث بنى لهم مسجداً من الخشب - لقلة الإمكانات أوّل الأمر - وجعله مسجداً فعالاً يؤمّه الناس ، ويرجعون منه ، وهم على هدىً من ربّهم ، ومعرفة نبيّهم وآله الكرام ، واطمينان من السير في درب الكمال الواقعي الديني والدنيوي .


1) - كتاب الغيبة : 109 .

(49) يوسف سيمبا( مسيحي ثُمّ سنّي شافعي / زائير كونغو )

الصورة

F15

ولد سنة 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في كينشاسا الكونغو ، ونشأ في عائلة مسيحية ، وحصل على شهادة الدراسة الثانوية استبصر سنة 1995 م وصار إماماً للجمعة ، ومعلّماً للقرآن .

أنوار تلاوة القرآن :

يقول " يوسف " : كنت في العشرين من عمري ، عندما بدأت مع أحد أصدقائي بمتابعة برامج المسلمين في التلفاز ، وقد تأثّرت شديداً بترتيل آيات القرآن الكريم ، وكذلك بصوت الأذان بطريقة أدائه ، بمعاني كلماته .

وكنت قبل ذلك قد شكّكت بدين المسيحية الّذي ورثته عن آبائي ، وكان عقلي وقلبي لا تقبلان بالآلهة الثلاثة ، وعندما كان الخطيب في التلفاز يشرح التوحيد في دين الإسلام تأثّرت بذلك وقلت في نفسي : إنّ هذا هو الحقّ الذي لا غبار عليه .

فبدأت مع صديقي نبحث عن شخص من المسلمين يعرّفنا على الإسلام ويوضّح لنا معالمه ، فوجدنا أحداً ، فسألناه عن الإسلام ، فوجّه إلينا السؤال التالي :

ما الّذي دعاكما إلى التوجّه صوب الإسلام ، وترك دين المسيحية ؟

فتأمّلت في نفسي قليلاً وقلت : تأثّرت بسماع ترتيل القرآن وبأذان المسلمين للصلاة الذي يختلف عمّا تعوّدناه من ناقوس الكنيسة ، وكذلك بعقيدة التوحيد العظيمة التي أطاحت بكلّ أوهام التثليث في نفوسنا ، وعندما تأكد هذا الشخص من صدق نيّتنا علّمنا الصلاة وبعض السور القرآنية القصيرة ، وبدأنا نتعلّم ونبحث عن مفاهيم الدين عن طريق الحضور في المساجد وحضور المحاضرات وحلقات الدعاء .

التلّمذ في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

يضيف " يوسف " : لم يمضِ أسبوع على إسلامي حتّى تعرّفت على مدرسة إسلامية يديرها الشيعة ، فكان من حسن حظّي أنّي انتميت إليها ، فتعرّفت على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وسمعت بأسمائهم المقدّسة ، وعرفت شيئاً من سيرتهم التي هي امتداد لسيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إنّ ولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) أو محبتهم تجري في عروق الإنسان المسلم عندما يسمع بمناقبهم وفضائلهم التي لا نظير لها عند أحد من الخلق ، ويجد هذا الإنسان المسلم في نفسه عاطفة شديدة تجذبه إليهم حيث الشرف الباذخ ، والكرامة العظيمة حيث جعلهم الرسول عدل القرآن (1).

فهم القرآن الناطق (2)الذي يجسّم كلّ معاني الدين الشريف ، ويظهر كلّ مفاخر الأخلاق الطاهرة التي تختص بالمعصومين دون غيرهم .

وبعد فترة وجدت أنّ هذه المدرسة صغيرة جدّاً بالنسبة إلى تلّقي علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) التي لا تقف عند حدّ ، فهاجرت إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة


1) - مثل حديث الثقلين المشهور - إنّ لم نقل متواتراً عند الطرفين ، انظر مسند أحمد 3 : 14 ، 17 ، 59 .

2) - انظر ينابيع المودّة 1 : 214 ، رقم 20 .

لمواصلة طلب المزيد من العلم الذي لا يوجد في الشرق ولا في الغرب .

هذا بعد رجوعي إلى بلدي وفّقني الله للقيام بالعمل التبليغي لهداية الناس إلى المذهب الحقّ ، فأسلم الكثير من أبناء بلدي على يديّ وصاروا من المسلمين المخلصين والحمدُ لله على نعمة الهداية ، ورحمة الولاية التي حُرم منها الكثيرون وقد حُرموا في الواقع خيراً كثيراً يقود إلى الجنّة ، وينجّي من النار ، ويُسهّل الجواز على الصراط وعبور أهوال يوم القيامة .

(50) آدم تراوري( مالكي / ساحل العاج )

ولد في مدينة " كاتيولا " بدولة ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ، حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة العمرانية ، ثُمّ عمل موظّفاً في وزارة التخطيط والبناء ، اهتم بعقائده فتوجّه نحو البحث حتّى دلّه البحث على أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فاستبصر عام 1417 ه‍ ، ( 1997 م ) ، في مدينة غراند بسام .

بداية بلورة قناعته بأحقّية التشيّع :

تعرّف " آدم تروري " على جمعية شيعية باسم جمعية الشباب المسلمين في مدينة غراند بسام ، فأصغى إلى المحاضرات التي كانت تلقى في هذه الجمعية ، فاقتنع بأحقّية المذهب الشيعي .

ومن أهم الأمور التي يعتمد عليها الشيعة ، بل يمتازون بها عن باقي المذاهب الإسلاميّة هو اعتمادهم على أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في تلقّي ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ويعتقد الشيعة بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يهمل المرجعية السياسية والدينية من بعده لتتلاعب بها الأهواء والمصالح الشخصية ، بل أرشد الناس إلى الثقلين

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أكثر من مرّة :

" كأنّي دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " (1).

ولم يكتف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا الحديث لتعيين المرجعية السياسية والدينية من بعده فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق " (2).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث شريف آخر : " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس " (3).

وورد عن الإمام علي بن الحسين ( عليه السلام ) : " . . . فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلاّ أعدال الكتاب وأبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى ، الذين احتج الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجّة ؟ ! هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة ، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وبرّأهم من الآفات ، وافترض مودّتهم في الكتاب " ؟ ! (4).


1) - انظر : مسند أحمد 3 : 14 ، فضائل الصحابة ، النسائي : 15 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 109 .

2) - المستدرك على الصحيحين 2 : 343 .

3) - المستدرك على الصحيحين 3 : 149 .

4) - الصواعق المحرقة 2 : 444 ، الفصل الأوّل من الباب 11 ، الآية الخامسة .

اتّضاح الحقّ كالشمس في رابعة النهار :

وجد " آدم تراوري " من خلال بحثه بأنّ الرسول عيّن أهل البيت ( عليهم السلام ) بأمر الله عزّ وجلّ ليكونوا خلفاءه في الصعيد السياسي والعلمي لسدّ الفراغات الهائلة التي تركها من بعده ، ولهذا فليس من الصحيح ترك ما أوصانا به رسول الله واتّباع غيرهم . وإذا كان السلف قد تلابست عليه بعض الأمور نتيجة الوقوع في شباك المصالح الشخصية والأنانيات ، فلا داعي لنا أن نتّبع هؤلاء ، ونسير على خطاهم بعد اتّضاح خطئهم وكشف اتّباعهم للأهواء والميول والرغبات .

فلمّا تعرّف " آدم تراوري " على الحقّ ، وجد لزاماً عليه اتّباعه ، فأعلن استبصاره عام 1417 ه‍ ، ( 1997 م ) ، في مدينة غراند بسام ، وبدأ يتعاون مع جمعية الشباب المسلمين .

(51) إبراهيم كولي بالي( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1395 ه‍ ، ( 1976 م ) ، في مدينة " مباتو " بساحل العاج ، ونشأ في أوساط عائلة مالكية المذهب ، فورث هذا المعتقد كباقي أفراد مجتمعه .

حصل على شهادة " الديبلوم " من المدارس الأكاديمية في مسقط رأسه ، ولكنّه ولعلاقته الوافرة بالعلوم الدينية هاجر إلى " السيراليون " ، ودخل المعهد الإسلامي المالكي لتلّقي العلوم الإسلاميّة .

من هو القائد ؟

بدأت رحلة استبصار " إبراهيم كولي بالي " عندما التقى في أحدى الأيّام بأحد المسيحيين حيث دار الحوار بينهما حول الديانتين المسيحية والإسلاميّة ، فسأله المسيحي خلال النقاش من قائد المسلمين وزعيمهم في هذا الوقت ، فسكت " إبراهيم " ولم يجد الجواب المقنع للسائل ، كما لم يقتنع هو أيضاً ، وكان هذا السؤال بمثابة دافع له ومحفّز على البحث والتحقيق .

حوار مع أخيه :

التقى " إبراهيم " بعد ذلك بشقيقه عبد القادر الذي تلقّي العلوم الدينية في بعض مدارس الشيعة ، ولكنّه كان يخفي انتماءه ، ودار الحديث بين الأخوين حول

مختلف المواضيع ، فوجد " إبراهيم " أنّ اللغة التي يتحدّث بها عبد القادر لغة علمية شيّقة مليئة بالآيات والروايات .

ومن حينها قرّر مناقشة أخيه في مثل هذه الأُمور ، فمضت الأيّام وإذا به يسمع معلومات جديدة من شقيقه لم يكن يسمعها طوال السنوات الست التي قضاها في المعهد الإسلامي ، فوجد جواب سؤال ذلك المسيحي بأنْ لا بدّ لله تعالى من خليفة في أرضه ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة ، ولا بدّ للناس من إمام وقائد يتصّف بصفات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من عترته الطاهرة ، واتّضحت له بعض الحقائق المضيّعة بشأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) وأنّهم قد أريحوا عن أماكنهم التي وضعهم الله فيها .

كما تأثّر بكتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور محمّد التيجاني السماوي ، فاستبصر عام 1411 ه‍ ، ( 1991 م ) ، في مدينة " ابيدجان " بساحل العاج وقرّر نشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بهدوء في أوساط مجتمعه .

ونتيجة ذلك فقد استبصر على يديه العديد من الطلبة الجامعيين وغيرهم من الذين هداهم الله لطريق الحقّ والرشاد .

كما أسّس " إبراهيم " جمعية تبليغية ثقافية باسم " العترة الطاهرة " لنشر فكر أهل البيت ( عليهم السلام ) .

حوار مع أحد مشايخ الصوفية :

بعد استبصار " إبراهيم كولي بالي " وإنارة بصيرته بنور أهل البيت ( عليهم السلام ) ، سمعت عمّته بخبر استبصاره ، وكانت هي بمثابة أُمّه ، وكانت تتمنّى أن يصبح عالماً دينياً في المستقبل فسألته عن معتقده الجديد فأجابها ، لكنّها لم تدرك الفارق بين ما يقوله وبين العقيدة السائدة في مجتمع أهل السنّة ، فقرّرت الاستفسار من أحد مشايخ الصوفية ، فدعاه الشيخ ودار بينهما حوار جاء فيه :

• هل أنت من المنتمين لمذهب أهل البيت ؟
• نعم .
• نحن أيضاً نحبّهم ونقرُّ بحقّهم وبفضلهم على سائر الخلق ولدينا أذكار خاصّة بأسمائهم نردّدها في مواضعها ، ولكن هناك ما يمنع من إثارة هذا الموضوع !
• ما المانع ؟
• إنّنا نقرُّ بخلافة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وما حدث في السقيفة وما تلاها مضى وفات ولا فائدة من إعادته لأنّ التاريخ لا يرجع .
• وكيف تنفي الفائدة ؟ ألسنا مأمورين بأخذ العبر وتجنّب الأخطاء التي وقع فيها غيرنا ؟ !

أليس ما يجري الآن من ويلات مرتبط بذلك اليوم ؟

ألم نؤمر بالاتّحاد تحت راية الهدى ، راية آل محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

إنّ تمسُّككم بأذكار أهل البيت ( عليهم السلام ) لا يمثّل سوى التعلُّق بالفرع وترك الأصل وهم نفس أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وبعد أن عرفت عمّة " إبراهيم " بأنّ ابن أخيها انتمى إلى عقيدة إسلامية عن دليل وبرهان فرحت بذلك ، وأدركت بأنّ ابن أخيها باحث عن الحقيقة فحسب .

في ذمة الله :

بعد عدّة سنوات من السعي والجهد لإحياء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وتبيين الرؤى الإسلاميّة الصحيحة ، انتقل " إبراهيم كولي بالي " إلى جوار ربّه وكان ذلك عام 1428 ه‍ ، ( 2006 م ) .

يقول المستبصر عبد الله دوسو : كان " إبراهيم كولي بالي " من أوائل المستبصرين في ساحل العاج ، وكانت له نشاطات جمّة لهداية الشباب إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(52) إبراهيم وترى( مالكي / ساحل العاج )

مرّت ترجمته في 1 : 35 من هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما حصلنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .

كان " إبراهيم " شغوفاً بمادّة التاريخ التي تعتبر تراثاً لكلّ ملّة ، ومن خلال دراسة هذه المادة تسنّت له الفرصة لمعرفة التشيّع .

يقول " إبراهيم " : من خلال التتبّع في التاريخ والتعرّف على أحد أصدقائي الشيعة تعرّفت على الشيعة وأصول مذهبهم ، وساقني البحث إلى مراجعة أسس العقائد التي ورثتها من أسلافي ، وقد ساهم صديقي الشيعي في تغيّر انتمائي حيث أعطاني العديد من الكتب التي من جملتها كتاب مؤتمر علماء بغداد .

مع مؤتمر علماء بغداد :

أجرى علماء الشيعة والسنّة حواراً بأمر من الملك السلجوقي لمعرفة الحقّ بين المذهبين ، وقد أبدى علماء الشيعة فيه الأدلّة والبراهين الرصينة على أحقٌية مذهبهم حتّى استبصر على أثره العديد ممّن يهمّه الحقّ والحقيقة ، وعلى رأسهم الملك ووزيره وقادته .

يقول المؤلّف في مقدّمة الكتاب : " فهذا كتاب مؤتمر علماء بغداد الذي انعقد

بين علماء أهل السنّة وعلماء أهل الشيعة الذين جمعهم الملك الكبير ملك شاه السلجوقي تحت إشراف العالم العظيم الوزير نظام الملك ، وكان من قصّة ذلك : أنّ الملك شاه لم يكن رجلاً متعصّباً أعمى يقلّد الآباء والأجداد عن عمى وعصبيّة ، وإنّما كان شاباً متفتّحاً ، محبّاً للعلم والعلماء .

وكذلك كان الرجل العظيم نظام الملك ربّى جماعة من الصوفية قد أُشربوا حبّ آل البيت ، وكان نظام الملك رجلاً حكيماً فاضلاً يحبّ الخير وأهله ، يتحرّى الحقيقة دائماً ، وكان رجلاً زاهداً عازفاً عن الدنيا ، قويّ الإرادة ، قد أسس المدارس النظامية ، وجعل لأهل العلم رواتب ، وكان يحنُّ على الفقراء والمساكين (1).

بداية الحوار :

بدأ الحوار بين العالم السنّي الذي كان يشتهر بالعباسي والعالم الشيعي الذي كان يشتهر بالعلوي ، وتناول العديد من المسائل الخلافية ، ومن أهمّ المسائل الخلافية بين الفريقين هي مسألة الخلافة ، وعدالة الصحابة ، والتي أخذت أبعادها الواسعة عند كلا الفريقين ، حتّى أنّ السنّة أضفوا على مسألة الخلافة والصحابة القداسة التامّة فيعتبرون المساس بها تخطيّ لكلّ الحدود الحمراء !

خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

قال العالم العلوي : يعتقد الشيعة أنّ الإمام علي ( عليه السلام ) الخليفة المتعيّن بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهناك نصوص صريحة وأدلّة واضحة على خلافة الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) منتقاة من كتب علماء السنّة .

قال الملك : فلماذا نحترم الخلفاء ؟ !


1) - مؤتمر علماء بغداد : 137 .

قال الوزير : اتّباعاً للسلف الصالح .

قال العالم العلوي : موجّهاً كلامه إلى الملك ، قل للوزير أيّها الملك : هل الحقّ أحقّ أن يتّبع ، أو السلف ؟ أليس تقليد السلف ضدّ الحقّ مشمولاً لقوله تعالى : * ( قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) * (1)؟

قال الملك : موجّها الخطاب إلى العلوي : إذا لم يكن هؤلاء الثلاثة خلفاء فمن هو خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ !

قال العالم العلوي : خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

قال الملك : ولماذا هو خليفته ؟

قال العلوي : لأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عينه خليفة من بعده ، حيث إنّه جمع الناس في غدير خمّ ورفع يد عليّ ( عليه السلام ) وقال للجماهير : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله " . ثُمّ نزل عن المنبر ، وقال المسلمين - وهم يزيدون على مائة ألف إنسان - سلّموا على عليّ بأمير المؤمنين ، فجاء المسلمون وقالوا لعليّ : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة .

إذن فالخليفة الشرعي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو : عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

قال الملك : - موجّها الكلام إلى الوزير - هل صحيح ما يذكره العلوي ؟

قال الوزير : نعم ، هكذا ذكر المؤرّخون ، والمفسرون . . .

وأردف العالم العلوي قائلاً : ومن أخطاء أهل السنّة أنّهم تركوا عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وتبعوا كلام الأوليّن .

قال العالم العباسي : ولماذا ؟


1) - الزخرف (43) : 23 .

قال العالم العلوي : لأنّ علي عيّنه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأولئك الثلاثة لم يعيّنهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ثُمّ أردف : أيها الملك ، لو أنّك عيّنت في مكانك ولخلافتك إنساناً فهل اللازم أن يتّبعك الوزراء ، وأعضاء الحكومة ، أم يحقّ لهم أن يعزلوا خليفتك ، ويعيّنوا إنسانا آخر مكانه ؟

قال الملك : بل الواجب أن يتّبعوا أوامري ، ويقتدوا بخليفتي .

قال العالم العلوي : وهكذا فعل الشيعة ، اتّبعوا خليفة الرسول عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وتركوا غيره .

قال العالم العباسي : لكنّ عليّ بن أبي طالب لم يكن أهلاً للخلافة حيث إنّه كان قليل العمر ، بينما أبو بكر كبير العمر ، وعليّ بن أبي طالب كان قد قتل كبار العرب فلم تكن العرب ترضى به ، ولم يكن كذلك أبو بكر .

قال العالم العلوي : أسمعت أيّها الملك ! إنّ العباسي يقول : إنّ الناس أعلم من الله ، ومن الرسول في تعيين الأصلح ؟ !

قال العالم العباسي : كلاّ إنّي لم أقل ذلك .

قال العالم العلوي : لا ، إذن لا معنى لكلامك ، فإن كان الله والرسول عيّن إنساناً ، فاللازم أن نقتدي به ، سواء رضي به الناس ، أم لم يرضوا به .

قال العالم العباسي : المؤهلات في عليّ بن أبي طالب كانت قليلة .

قال العالم العلوي : بالعكس ، بل المؤهلات في عليّ بن أبي طالب كانت متوفرة ، ولم تكن تلك المؤهلات في غيره .

قال الملك : وما هي تلك المؤهلات ؟

قال العالم العلوي : أوّل المؤهلات تعيين الله ، وتعيين رسوله لعليّ بن أبي طالب .

ثانيها : أنّه كان أعلم الصحابة : فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " أقضاكم علي " ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها " .

ثالثها : أنّه كان مستغنياً عن غيره ، وغيره كان محتاجاً إليه ، ألم يقل أبو بكر : أقيلوني فلست بخيركم وعليّ فيكم ؟

ألم يقل عمر في مواضع عديدة : لولا علي لهلك عمر ؟ ! و . . .

قال الملك موجّهاً الخطاب إلى الوزير : هل صحيح أنّ أبا بكر قال : أقيلوني .

قال الوزير : هذا مذكور في كتب الروايات .

قال الملك : دعوا هذا الكلام وتكلّموا في غيره .

عدالة الصحابة :

قال العالم العباسي : إنّي لا أتمكّن أن أجادل مذهباً يكفّر كلّ الصحابة .

فأجابه العالم العلوي قائلاً : من هم الذين يكفّرون كلّ الصحابة ؟ !

قال العالم العباسي : أنتم أيّها الشيعة هم أولئك الذين يكفّرون كلّ الصحابة .

فردّ عليه العالم العلوي : هذا الكلام منك خلاف الواقع ، أليس من الصحابة : علي ( عليه السلام ) والعبّاس وابن عبّاس وسلمان والمقداد وأبو ذر وغيرهم ، فهل نحن الشيعة نكفّرهم ؟ !

قال العالم العباسي : إنّي قصدت بكلّ الصحابة : أبا بكر وعمر وعثمان وأتباعهم .

قال العالم العلوي : نقضت نفسك بنفسك ، فإنّك تقول مرّة : إنّ الشيعة يكفّرون كلّ الصحابة ، وتقول مرّة : إنّ الشيعة يكفّرون بعض الصحابة !

ثُمّ استمّر العالم العلوي قائلاً : تبيّن أيّها العالم العباسي قولك : إنّ الشيعة يكفّرون كلّ الصحابة كذب صريح . ولم يمكن العباسي من الجواب ، واحمر وجهه

خجلاً .

ثُمّ قال : دعنا من ذلك ، ولكن هل أنتم الشيعة تسبوّن أبا بكر وعمر وعثمان ؟

فأجاب العالم العلوي : إنّ الذين يسبّون لهم منطقهم وإنّ سبّهم لهذه الثلاثة لا يوجب شيئاً ، لا كفراً ، ولا هو من الذنوب الصغيرة .

قال العالم العباسي : أسمعت أيّها الملك ماذا يقول هذا الرجل ؟

قال العالم العلوي : أيّها السنّي إنّ توجيهك الخطاب إلى الملك مغالطة ، فإنّ الملك أحضرنا لأجل التكلّم حول الحجج ، والأدلّة ، لا لأجل التحاكم إلى السلاح والقوّة .

قال الملك : صحيح ما يقوله العالم الشيعي ، وما هو ردّك أيّها العالم السنّي على كلامه ؟

قال العالم العباسي : واضح أنّ من يسبّ الصحابة كافر .

فأجابه العالم العلوي : واضح عندك لا عندي ، ما هو الدليل على كُفر من يسبّ بعض الصحابة عن اجتهاد ودليل ؟

قال العالم العباسي : وضوح الشمس !

قال العالم العلوي : هل تعترف بأنّ من يسبّه الرسول يستحقّ السبّ ؟

قال العالم العباسي : - وبكلّ ثقة - أعترف .

فقال العالم العلوي : فالرسول سبّ أبا بكر وعمر .

قال العالم العباسي : - وقد فاض غيضا - وأين سبّهم ؟ ! هذا كذب على الرسول .

قال العالم العلوي : ذكر أهل التواريخ من السنّة : أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هيّأ جيشاً بقيادة أُسامة وجعل في الجيش أبا بكر وعمر وقال : " لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة " ، ثُمّ إنّ أبا بكر وعمر تخلّفا عن جيش أُسامة ، فشملهم لعن الرسول ، ومن

يلعنه الرسول يحقّ للمسلم أن يلعنه .

هنا أطرق العالم العباسي برأسه ، ولم يقل شيئاً .

قال الملك - متوجّها إلى الوزير - : وهل صح ما ذكره العلوي ؟

قال الوزير : ذكر أهل التواريخ ذلك (1).

وتطرّق العالم الشيعي في بحثه إلى الروايات الواردة في كتب أهل السنّة التي ينسبون فيها حبّ الطرب والغناء إلى عائشة !

قال العالم العلوي : ثُمّ إنّ السنّة ينقلون في كتبهم : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يحمل عائشة فوق كتفه لتتفّرج على الطبّالين .

فقد أخرج البخاري عن عائشة قالت : " دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهّه ، ودخل أبو بكر ، فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال : " دعهما " ، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا ، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدّرق والحراب ، فإمّا سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإمّا قال : " أتشتهين تنظرين " ؟ قلت : نعم فأقامني وراءه خدّي على خدّه وهو يقول : " دونكم يا بني أرفدة " حتّى إذا مللت قال : " حسبك " ، قلت : نعم ، قال : ( فاذهبي ) " (2).

قال الملك : فكيف نؤمن بنبيّ يكون حاله هكذا ؟

قال الوزير : لا بدّ لنا من تأويل ذلك .

قال العلوي : أعرفت أيّها الملك ، إنّ أهل السنّة يقولون بخرافات وخزعبلات وبما يهدم أساس مذهبهم .


1) - انظر كتاب مؤتمر علماء بغداد : 65 .

2) - البخاري 2 : 2 .

واستمّر العالم العلوي قائلاً : ثُمّ إنّ أهل السنّة ينسبون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما لا يجوز على الإنسان العادي .

قال العالم العباسي : مثل ماذا ؟

قال العالم العلوي : مثل إنّهم يقولون : إنّ سورة " عبس وتولى " نزلت في حقّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قال العباسي : وما المانع من ذلك ؟

قال العلوي : وهل يعقل أنّ الرسول الذي يصفه الله في القرآن الحكيم : * ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ) * (1)، يفعل بالأعمى هذا الفعل الّلا إنساني ؟ !

قال الملك : هذا غير معقول ، ولكن في رأيك أيّها العلوي هذه السورة نزلت في أيّ شخص ؟

قال العلوي : نزلت في عثمان بن عفان .

قال السيّد جمال الدين - وهو أحد علماء الشيعة الحاضرين في المجلس - : قد وقعت معي قصّة في هذه السورة ، فإنّ أحد علماء النصارى قال لي : إنّ نبينا عيسى ( عليه السلام ) أفضل من نبيّكم محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قلت له : ولماذا ؟

قال : لأنّه كان سيّئ الأخلاق ، يعبس للعميان ، ويدير لهم ظهره ، بينما نبيّنا عيسى ( عليه السلام ) كان يبرأ الأكمه ، والأبرص ، فأيّهما الأفضل ؟

قلت له : اعلم أيّها المسيحي : إنّا معاشر الشيعة نقول : إنّ السورة نزلت في عثمان بن عفان ، لا في النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأمّا نبيّ الإسلام فهو كما قال الله تعالى في حقّه : * ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم ) * .


1) - القلم (68) : 4 .

قال المسيحي : لقد سمعت هذا الكلام الذي قلته من أحد خطباء المسجد في بغداد .

قال العلوي : المشهور عندنا إنّ بعض رواة السوء نسبوا هذه القصّة إلى الرسول ، ليبرّؤوا ساحة عثمان ، فإنّهم نسبوا الكذب إلى الله والرسول والأنبياء حتّى يبرّؤوا ساحة من نصبوهم خلفاء .

وفي نهاية الحوار الذي أجراه العالم الشيعي مع العالم السنّي ، اقتنع الملك والوزير والعديد من رجال الدولة بالأدلّة التي بيّنها العالم الشيعي .

قال الملك : إنّي وثقت من هذه المحاورة - وكانت قد دامت ثلاثة أيام - وإنّ الحقّ مع الشيعة في كلّ ما يقولون ، وإنّ أهل السنّة باطل مذهبهم ، وإنّي أكون ممّن إذا رأى الحقّ أذعن له ، ولا أكون من أهل الباطل في الدنيا ، وأهل النار في الآخرة ، ولذا فإنّي أعلن تشيّعي ، ومن أحبّ أن يكون معي فليتشيّع .

فقال نظام الملك : وأنا أيضاً كنت أعلم ذلك منذ أيّام دراستي ، وإنّ التشيّع حقّ ، وإنّ المذهب الصحيح فقط هو مذهب الشيعة ، ولذا أعلن أنا أيضاً تشيّعي ، وهكذا دخل أغلب العلماء ، والوزراء ، والقوّاد الحاضرين في المجلس - وكان عددهم ما يقارب السبعين - في مذهب الشيعة وانتشر خبر تشيّع الملك ، ونظام الملك ، والوزراء والقوّاد في كافة أقطار البلاد ، فدخل في التشيّع عدد كبير من الناس .

النهاية المشرقة :

يقول " رمضاني " : أصبحت في حيرة من أمري ، قد تبيّن لي الحقّ جليّاً ، ولكنّ ما ورثته من أسلافي لم يسمح لي الاقتناع بأنّ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فضّل الإمام علي ( عليه السلام ) على أبي بكر وعمر ، وأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اختاره لأمر الخلافة بعده ولم يجعل الخلافة في غير أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولكن كلّما تعمّقت في البحث والتحقيق زال عندي هذا الشعور وقلت في نفسي : لماذا لم أر في المناظرات إلا وغلبة أدلّة الشيعة وانتصار براهينهم ؟ فبدأت أميل نحو هذا المذهب .

وبفضل الله انجلى الغبار عن أبصاري ، وسكنت الحقيقة في قلبي ، وأضاء نور أهل البيت ( عليهم السلام ) حياتي التي كانت مظلمة .

(53) أحمد التيجاني كان( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F16

ولد عام 1374 ه‍ ، ( 1974 م ) ، في ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكيّة المذهب ، حصل على شهادة الإعدادية ، تعرّف على مجموعة من الشيعة ، فدار بينه وبينهم حوارات دينيّة أدّت به في نهاية المطاف إلى الاستبصار .

يقول " أحمد " حول قصّة استبصاره : كان بيني وبين بعض الشيعة الذين تعرّفت عليهم حوارات ومناظرات عقائديّة حول العديد من المسائل الخلافية والأدلّة عليها منها الأئمّة الاثني عشر وحديث السفينة وآية الولاية ، فتأثّرت بكلامهم ، ولكنّ الأثر الكبير في تحوّلي العقائدي عندما قرأت كتاب نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار تأليف الشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي ، فلمّا قرأت مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) تأثّرت بهم ، ودفعني ذلك إلى اتّباع سبيلهم .

مناقب الإمام علي ( عليه السلام ) :

ولد الإمام علي ( عليه السلام ) بمكّة داخل البيت الحرام . . . ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد . . .

يقال عند ذكره كرّم الله وجهه ; لأنّه لم يسجد لصنم قطّ ، اُمّه فاطمة بنت أسد ابن هاشم بن عبد مناف ، تجتمع مع أبي طالب في هاشم جدّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أسلمت

وهاجرت مع النبيّ . . . وهي أوّل هاشميّة ولدت هاشميّاً ، ولمّا ماتت كفّنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقميصه ; لأنّها كانت عنده بمنزلة أمّه .

تربّى الإمام علي ( عليه السلام ) عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وذلك أنّه لمّا أصاب أهل مكّة جدب وقحط أجحف ندى المروءة وأضرّ بذي العيال ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعمّه العبّاس رضي الله عنه وكان من أيسر بني هاشم : يا عمّ ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، ما ترى وقد أصاب الناس ما ترى ؟ وانطلق بنا إلى بيته لنخفّف من عياله عنه ، فتأخذ أنت رجلاً وأنا رجلاً فنكفلهما عنه " فقال العبّاس : أفعل . . . فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً فضمّه إليه وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إليه .

فلم يزل عليّاً ( عليه السلام ) مع رسول الله حتّى بعث النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاتّبعه عليّ ( عليه السلام ) وآمن به وصدّقه ، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة . . .

وشهد الإمام عليّ ( عليه السلام ) المشاهد كلّها ، ولم يتخلّف إلا في تبوك ، فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خلّفه في أهله ، فقال الإمام عليّ : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ قال : " ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي " (1).

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية سقاية الحاج :

ورد أنّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) والعبّاس وطلحة بن شيبة افتخروا ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت مفتاحه بيدي ولو شئت كنت فيه .

فقال العبّاس رضي الله عنه : وأنا صاحب السقاية والقائم عليها .

فقال الإمام عليّ ( عليه السلام ) : لا أدري ، لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد في سبيل الله .


1) - صحيح البخاري 5 : 129 ، كتاب المغازي ، باب غزوة تبوك .

فأنزل الله تعالى : * ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ ) * (1)، إلى أنْ قال : * ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) * (2).

الإمام عليّ وآية الولاية :

ورد عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه قال : صلّيت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوماً من الأيّام الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً ، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال : اللّهم اشهد أنّي سألت في مسجد نبيّك محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلم يعطني أحد شيئاً وكان عليّ رضي الله عنه في الصلاة راكعاً ، فأومأ إليه بخنصر اليمنى وفيها خاتم ، فأقبل السائل ، فأخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بمرأى من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو في المسجد .

فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طرفه إلى السماء وقال : " اللّهم إنّ أخي موسى سألك فقال : * ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) * (3).

فأنزلت عليه قرآناً : * ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) * (4)، اللّهم وإنّي محمّد نبيك وصفيّك ، اللّهم فاشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً ، أشدد به ظهري .


1) - التوبة (9) : 19 .

2) - التوبة (9) : 20 .

3) - طه (20) : 25 - 32 .

4) - القصص (20) : 35 .

قال أبو ذرّ رضي الله عنه : فما استتمّ دعاءه حتّى نزل عليه جبريل ( عليه السلام ) من عند الله عزّ وجلّ وقال يا محمّد : اقرأ : * ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) * (1).

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية الانفاق :

ورد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : كان مع عليّ رضي الله عنه أربعة دراهم لا يملك غيرها ، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيّة . فأنزل الله تعالى : * ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * (2).

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية خير البرية :

قال ابن عبّاس رضي الله عنه : لمّا نزلت هذه الآية * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (3).

قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعليّ : " أنت وشيعتك ، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين ، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين " .

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية تعيها أذن واعية :

ورد عن مكحول ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى : * ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) * (4).

قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : سألت الله أنْ يجعلها أذنك يا عليّ ففعل ، فكان


1) - المائدة (5) : 55 .

2) - البقرة (2) : 274 .

3) - البينة (89) : 7 .

4) - الحاقة (69) : 12 .

عليّ رضي الله عنه يقول : ما سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلاماً إلاّ وعيته وحفظته ولم أنسه .

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية لكلّ قوم هاد :

قال ابن عبّاس رضي الله عنه : لمّا نزل قوله تعالى : * ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد ) * (1)، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنا المنذر وعليّ الهادي ، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون " .

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآيات الذين آمنوا :

قال ابن عبّاس رضي الله عنه : ليس آية من كتاب الله تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) * إلاّ وعليّ أوّلها وأميرها وشريفها .

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وآية سأل سائل :

نقل الإمام أبو إسحاق الثعالبي في تفسيره : أنّ سفيان بن عيينة سئل عن قوله تعالى : * ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع ) * (2)، فيمن نزلت ؟

فقال للسائل : لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ، حدّثني أبي ، عن جعفر بن محمّد ، عن آبائه رضي الله عنهم ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا كان بغدير خمّ ، نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد عليّ رضي الله عنه ، وقال : " من كنت مولاه فعليّ مولاه " فشاع ذلك فطار في البلاد ، وبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ناقة ، فأناخ راحلته ، ونزل عنها ، وقال : يا محمّد أمرتنا عن الله عزّ وجلّ أنْ نشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله فقبلنا منك ، وأمرتنا أنْ نصلّي خمساً فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا ، وأمرتنا أنْ نصوم رمضان فقبلنا ،


1) - الرعد (13) : 7 .

2) - المعارج (70) : 1 .

وأمرتنا بالحجّ فقبلنا . ثُمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك تفضّله علينا فقلت : " من كنت مولاه فعليّ مولاه " فهذا شيء منك أم من الله عزّ وجلّ ؟

فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : والله الذي لا إله إلاّ الله هو ، أنّ هذا من الله عزّ وجلّ .

فولّى الحرث بن النعمان يريد راحلته ، وهو يقول : اللّهم إنْ كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فما وصل إلى راحلته حتّى رماه الله عزّ وجلّ بحجر سقط على هامته ، فخرج من دُبره فقتله .

فانزل الله عزّ وجلّ * ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ) * (1).

الإمام عليّ ( عليه السلام ) وضغائن في صدور أقوام :

ورد في حديث شريف عن عليّ كرّم الله وجهه قال : بينما رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) آخذ بيدي ونحن نمش في بعض سكك المدينة ، إذ أتينا على حديقة ، قال : فقلت : يا رسول الله ما أحسنها من حديقة .

فقال : ما أحسنها ، ولك في الجنّة أحسن منها ، ثُمّ مرّوا بأخرى فقلت : يا رسول الله ما أحسنها من حديقة .

فقال : ما أحسنها ، ولك في الجنّة أحسن منها . . . حتّى مررنا بسبع حدائق ، وكلّ ذلك أقوله له : ما أحسنها ، ويقول : " لك في الجنّة أحسن منها " فلمّا خلا له الطريق اعتنقني ثُمّ أجهش بالبكاء ، فقلت : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ضغائن لك في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعد موتي .

قال : قلت : أي رسول الله في سلامة من ديني ؟

قال : في سلامة من دينك .


1) - المعارج (70) : 1 - 3 .

الإمام عليّ وشيعته :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين وتقدّم أعداؤك غضاباً مقمحين " (1).

رأيت الإمام عليّ ( عليه السلام ) في الرؤيا :

يقول " أحمد التيجاني " : واصلت البحث حتّى اجتمعت عندي أدلّة وبراهين ألزمتني التخلّي عن معتقداتي الموروثة ، واعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وفي الليلة التي قررت فيها الاستبصار ، رأيت في المنام الإمام عليّ ( عليه السلام ) وهو في ساحة جهاد يقاتل ، ونحن من ورائه نتّعبه ، وهو يكبّر ونحن نكبّر ورائه ، فلمّا استيقظت أتخذتُ قراري النهائي ، وأعلنت استبصاري ، وكان ذلك عام (1998) .

قرّر " أحمد " بعد ذلك فتح مكتبة تتضمن كتب عربية وفرنسية لتكون مقرّاً لنشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبدأ ببيان الحقائق للآخرين .


1) - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار ، الشيخ مؤمن الشبلنخي : 116 - 123 ( بتصرّف يسير ) .

(54) إلياس حسن محمّد تيكان( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F17

ولد عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في ساحل العاج ، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب المالكي ، حاصل على الشهادة الثانوية ، ثُمّ درس مدّة ثلاثة سنوات في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة ، ثُمّ ذهب إلى مصر ودرس في كلية الآداب - فرع اللغة الإنجليزية - وحصل على شهادة البكالوريوس ، مارس نشاطاً مستمراً في التبليغ الديني في ساحل العاج ، وكان مرشداً للحجاج لفترة طويلة ، وهو عضو في جمعية الاتّحاد الإسلامي للتنمية في ساحل العاج .

يقول " إلياس " : حصلت في سنة 1405 ه‍ ، ( 1985 م ) ، على منحة دراسية في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة ، وكنت مجبوراً على مماشاة التيار الوهابي الحاكم هناك ; لأنّ هذا التيار كان شديد التعامل مع من يختلف معه في الرأي ، ولا يسمح لأبناء المذاهب الأخرى بأداء شعائرهم بحرية ، وهذا ما جعلني أعيش بينهم بضيق وعدم ارتياح .

وفي سنة 1408 ه‍ ، ( 1988 م ) ، ذهبت إلى مصر بمنحه دراسية أيضاً ، لكني وجدت هناك - على خلاف السعودية - حرية أداء المراسم وحرّية اختيار المذهب ، فوجدت الوهابي والصوفي و . . . يعيشون معاً بدون أي تشنّج أو

تعارض ، فساعدني هذا الجو على البحث في دائرة المذاهب .

وقع في يدي في هذه الفترة كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، فتأثّرت به كثيراً ، وراجعت المصادر التي أشار إليها مؤلف هذا الكتاب فرأيتها مطابقة للواقع ، وعرضت الأمر على بعض علماء أهل السنّة وطرحت لهم الأسئلة والشبهات التي مرت في بالي ، فلم أجد الإجابات الشافية منهم .

طالعت بعد ذلك كتب شيعيّة أخرى ، فغرست هذه الكتب قناعات جديدة في عقلي ونفسي ، ثُمّ دفعتني هذه القناعات إلى تغيير انتمائي المذهبي ، وكان ذلك سنة 1415 ه‍ ، ( 1995 م ) ، وبعد إتمامي للدراسة في مصر ورجوعي إلى بلدي التقيت ببعض اللبنانيين الشيعة الموجودين في بلدنا ، فعملت معهم في مجال نشر العلوم الإسلاميّة .

لزوم اتّباع أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

من الكتب الأخرى التي تأثّر بها " إلياس " هو كتاب " المراجعات " ، ومنه عرف وجوب اتّباع الأئمّة من أهل البيت ( عليهم السلام ) دون غيرهم .

وقد جاء في كتاب المراجعات في هذا المجال : " . . . وإليك بيان ما أشرنا إليه من كلام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إذ أهاب في الجاهلين ، وصرخ في الغافلين ، فنادى : " يا أيها الناس ، إنّي تركت فيكم ما إنّ أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (1).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا


1) - سنن الترمذي 6 : 124 ، حديث 3786 .

عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (1).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، أو ما بين السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " (2).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّي أوشك أن أُدعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وأنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (3).

والصحاح الحاكمة بوجوب التمسكّ بالثقلين متواترة ، وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة ، وقد صدع بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مواقف له شتّى ، فتارة يوم غدير خمّ كما سمعت ، وتارة يوم عرفة في حجّة الوداع ، وتارة بعد انصرافه من الطائف ، ومّرة من على منبره في المدينة ، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه ، والحجرة غاصّة بأصحابه ، إذ قال :

" أيها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً ، فينطلق بي ، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ، ثُمّ أخذ بيد عليّ فرفعها ، فقال : هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض " (4).

وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور ، حتّى قال ابن حجر - إذ أورد


1) - سنن الترمذي 6 : 125 ، حديث 3788 .

2) - مسند أحمد 5 : 182 .

3) - مسند أحمد 3 : 17 .

4) - ينابيع المودّة 2 : 403 .

حديث الثقلين - : " ثُمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً ، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ ، وفي أخرى أنّه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ، ولا تنافي ، إذ لا مانع من أنّه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة " (1).


1) - الصواعق المحرقة 2 : 44 ، الباب 11 ، الفصل الأوّل ، الآية الرابعة .

(55) أمد عبد الله( مسيحي / ساحل العاج )

ولد في أبيدجان ، ساحل العاج ، حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الفرنسية ، ترعرع في أسرة مسيحية ، ثُمّ أسلم وانتمى إلى التيار الوهابي ، ثُمّ واصل دراسته في الدائرة الإسلاميّة ، فتعرّف على أحقّية المذهب الشيعي ، فاستبصر عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) .

كيف انجذب نجو الوهابية ؟

كان " أمد عبد الله " مسيحياً ، ثُمّ تعرّف على الإسلام عن طريق الوهابية ، فانجذب نحو المعارف الإسلاميّة ، وتأثّر بالقرآن وأحاديث الرسول الصحيحة . ولكنه بعد الدخول في داخل الدائرة الإسلاميّة عرف بأنّ في الإسلام مذاهب متعدّدة ، وكلّ مذهب يدّعي أنّه الحقّ ، ولهذا لا يعني اعتناقه للإسلام انتهاء مطاف البحث ، بل ينبغي عليه مواصلة البحث والتحقيق ليتمكن من اختيار المذهب الحقّ .

حاول الوهابيون صرف نظره عن البحث فاستغرب من أسلوبهم ، وقال لهم : بأنّ علماء النصارى أيضاً حذّروه من البحث ولكنه لم يصغ إليهم ، وأملى عليه عقله اتّباع الدليل والبرهان ، وعدم خشية البحث والاستماع إلى آراء المخالفين .

ومن هذا المنطلق توجّه " أمد عبد الله " إلى توسيع دائرة البحث ، فبدأ

بالتعرف على حقيقة التيار الوهابي ، وزمان وأسباب ودوافع نشأته .

الوهابية في نظر أخ مؤسسها :

ألّف " سليمان بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي " أخ محمّد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية كتاباً باسم فصل الخطاب من كتاب الله وحديث الرسول وكلام العلماء في مذهب ابن عبد الوهاب .

جاء في هذا الكتاب خطاباً لأتباع محمّد بن عبد الوهاب :

" إنّكم الآن تكفّرون من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأقام الصلاة ، آتى الزكاة ، وصام رمضان ، وحجّ البيت مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ملتزماً لجميع شعائر الإسلام ، وتجعلونهم كفّاراً ، وبلادهم بلاد حرب .

فنحن نسألكم مَن إمامكم في ذلك ؟ وممن أخذتم هذا المذهب عنه ؟

فإن قلتم : كفرّناهم لأنهّم مشركون بالله ، والذي منهم ما أشرك بالله لم يكفّر من أشرك بالله ; لأنّ الله سبحانه قال : * ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ . . . ) * (1)- الصافات (37) : 35 .(2)الآية ، وما في معناها من الآيات ، وأنّ أهل العلم قد عدّوا في المكفّرات من أشرك بالله .

قلنا حقّ ، الآيات حقّ ، وكلام أهل العلم حقّ .

ولكن أهل العلم قالوا في تفسير " أشرك بالله " ، أي : ادّعى أنّ لله شريكاً ، كقول المشركين : * ( هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا ) * (3)، وقوله تعالى : * ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء ) * (4)، * ( إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) * (4) ، * ( أَجَعَلَ


1) - النساء

2) : 48 .

3) - النحل (16) : 86 .

4) - الأنعام (6) : 94 .

الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ) * (1).

إلى غير ذلك مما ذكره الله في كتابه ورسوله وأهل العلم " (2).

آراء وأهواء مخالفة لإجماع الأمّة :

يضيف سليمان بن عبد الوهاب : " ولكن هذه التفاصيل التي تفصّلون من عندكم أنّ من فعل كذا فهو مشرك ، وتخرجونه من الإسلام .

من أين لكم هذا التفصيل ؟

أاستنبطتم ذلك بمفاهيمكم ؟

فقد تقدّم لكم من إجماع الأمّة أنّه لا يجوز لمثلكم الاستنباط !

ألكم في ذلك قدوة من إجماع ؟ أو تقليد من يجوز تقليده ؟

مع أنّه لا يجوز للمقلّد أن يكفّر إنّ لم تُجمع الأمّة على قول متبوعه .

فبيّنوا لنا : من أين أخذتم مذهبكم هذا ؟

ولكم علينا عهد الله وميثاقه إنّ بيّنتم لنا حتماً يجب المصير إليه ، لنتبع الحقّ إنّ شاء الله .

فإن كان المراد مفاهيمكم فقد تقدّم أنّه لا يجوز لنا ولا لكم ولا من يؤمن بالله واليوم الآخر الأخذ بها ، ولا تكفّر من معه الإسلام الذي أجمعت الأمّة على أنّ ما أتى به فهو مسلم .

وأمّا الشرك ففيه أكبر وأصغر ، وفيه كبير وأكبر ، وفيه ما يُخرج من الإسلام ، وفيه ما لا يخرج من الإسلام ، وهذا كلّه بإجماع . وتفاصيل ما يُخرج مما لا يُخرج يحتاج إلى تبيين أئمّة أهل الإسلام الذين اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد ، فإن


1) - ص (38) : 5 .

2) - فصل الخطاب ، سليمان بن عبد الوهاب : 28 - 29 .

أجمعوا على أمر لم يسع أحداً الخروج عنه وإنّ اختلفوا فالأمر واسع .

فإن كان عندكم عن أهل العلم بيان واضح فبيّنوا لنا - وسمعاً وطاعة - ، وإلاّ فالواجب علينا وعليكم الأخذ بالأصل المجمع عليه ، واتّباع سبيل المؤمنين وأنتم تحتجون أيضاً بقوله عزّ وجلّ : * ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) * (1).

وبقوله عزّ وجلّ في حقّ الأنبياء : * ( وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * (2).

وبقوله تعالى : * ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا ) * (3).

فنقول : نعم ، كلّ هذا حقّ يجب الإيمان به .

ولكن ، من أين لكم أنّ المسلم الذي يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، إذا دعا غائباً أو ميّتاً ، أو نذر له أو ذبح لغير الله أو تمسّح بقبر ، أو أخذ من ترابه أنّ هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله ، وحلّ ماله ودمه ، وأنّه الذي أراد الله سبحانه من الآية وغيرها في القرآن ؟

فإن قلتم : فهمنا ذلك من الكتاب والسنّة .

قلنا : لا عبرة بمفهومكم ، ولا يجوز لكم ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم .

فإنّ الأمّة مجمعة - كما تقدّم - على أنّ الاستنباط مرتبة أهل الاجتهاد المطلق .

ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر .

قال الشيخ تقي الدين : من أوجب تقليد الإمام بعينه دون نظر إنّه يستتاب ،


1) - الزمر (39) : 65 .

2) - الأنعام (6) : 88 .

3) - آل عمران (3) : 80 .

فإن تاب وإلاّ قتل " (1).

يقول " أمد عبد الله " : عرفت من خلال البحث بضلال تيار الوهابية ، وهذا ما جعلني أبحث عن المذهب الحقّ ، فواصلت بحثي حتّى رست سفينة بحثي إلى شاطئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلنت استبصاري عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في أبيدجان ، ساحل العاج .


1) - فصل الخطاب ، سليمان بن عبد الوهاب : 29 - 31 .

(56) أمين جابي( مالكي / ساحل العاج )

ولد في أبيدجان ، يوبوغون بدولة ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ تأثّر بالتيار الوهابي ، يجيد اللغة العربية والفرنسية ، له رغبة خاصّة في مطالعة الكتب الدينية ، وهذا ما أدّى إلى رفع مستواه العلمي وأبلغه مرتبة إمام ومبلّغ ومدرّس في صعيد العلوم الدينية .

بداية اختلاف الأمّة الإسلاميّة :

بدأ " أمين جابي " بحثه بداية من بعثة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فوجد أنّه تعالى أرسل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالهدى والحقّ ليخرج الناس عن طريق تمسّكهم بهدى الله من الظلمات إلى النور ، وليتحرروا من أسر عبودية الأهواء والميول والشهوات .

وتمكّن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من إعلاء كلمة الحقّ ، ونصره ثلّة صالحة ومؤمنة ، وحققت عملية الإصلاح الاجتماعي ، وتطهير المجتمع من الشوائب والأدران العالقة به .

وأصبح المسلمون أمّة واحدة ، تأخذ بأحكام الله وترجع في أمورها الإختلافية إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن هذا المنطلق لم تتحقق الفرقة بين المسلمين في زمن حياته ، بل عاش

الناس في ظل العهد النبوي بسلام واتّحاد ووئام متمسكين بقوله تعالى : * ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) * (1)، وقوله تعالى : * ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) * (2).

وكانت حركة النفاق موجودة في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكانت حركة قوّية جدّاً بحيث نزلت آيات كثيرة في دحضها والوقوف أمام تحرّكاتها وعرقلة مشاريعها المعاكسة .

ولكن بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ظهرت الفتن تلو الفتن ، وأوّل اختلاف برز بصورة واضحة على أرض الواقع هو الاختلاف حول خلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا سعد بن عبادة زعيماً ورئيساً للمسلمين ، فلمّا وصل الخبر لعمر بن الخطاب وأبي بكر أسرعا إلى السقيفة وقلبوا الأمور على الأنصار رأساً على عقب ، فأثيرت الحساسيات القديمة التي كانت بين الأوس والخزرج ، وكان لعمر بن الخطاب دور كبير في تغيير مجرى الأمور وتنصيب أبي بكر للخلافة .

ولمّا بلغ الأمر إلى الإمام عليّ ( عليه السلام ) حاول إرجاع الأمر إلى ما أراده الله ورسوله ، ولكنه وجد الناس كما صرّحت الزهراء ( عليها السلام ) بذلك في خطبتها :

" فلمّا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهر فيكم حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، ثُمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتم غير مشربكم ، هذا والعهد


1) - الحشر (59) : 7 .

2) - النساء (4) : 59 .

قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر ، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين " (1).

وبذل الإمام عليّ ( عليه السلام ) غاية جهده لإصلاح الأمور ، فلم يتمكّن ، فكانت الغلبة لحزب الشيطان ، وبقي أمير المؤمنين صابراً محتسباً حتّى فرّج الله تعالى عنه ، فجاءته الخلافة ، ولكن جاءته بعد التحريف العظيم الذي تركه الخلفاء قبله .

ولهذا واجه الإمام عليّ ( عليه السلام ) الكثير من المشاكلّ في خلافته ، ولكن بقي أتباع الإمام عليّ ( عليه السلام ) متمسّكين بمنهجه ومعتقدين بالاصطفاء الإلهي له للخلافة والإمامة ، أخذوا ما جاء به الرسول منه ومن ذريته أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

واستمر التشيّع المتمثل بأهل البيت ( عليهم السلام ) رغم كلّ الاضطهاد الذي ناله من حكومة بني أمية وبني العبّاس .

ويزداد عدد الشيعة يوماً بعد يوم نتيجة انكشاف الحقّ للناس وتحررهم من دائرة التعتيم التي كانت مفروضة عليهم في الأزمنة السابقة .

إظهار تشيّعه :

أظهر " أمين جابي " تشيّعه عام 1409 ه‍ ، ( 1989 م ) ، في أبيدجان ساحل العاج ، ثُمّ رفع مستواه العلمي بصورة تخصصية بحيث بلغ رتبة إمام ومبلّغ ومدرّس في حوزة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ساحل العاج .

وبدأ ينشر " أمين جابي " ما توصّل إليه من أدلة وبراهين في إثبات أحقّية التشيّع .

واجه " أمين جابي " في بداية الأمر بعد تحوّله المذهبي بعض المواجهات الحادّة من أقربائه وأصدقائه ، ولكن تعامل مع كلّ هذه المخالفات بالتي هي


1) - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 16 : 251 .

أحسن ، وتجنّب الجدال والنقاش الفاقد للشروط المطلوبة ، وابتعد عن الأنانيات وحالة التغلّب على الآخرين ، وأصغى بدقّة إلى آراء المخالفين ، ثُمّ بدأ بكلّ هدوء ببيان ما توصّل إليه من أدلّة ، وحاول أن يخاطب عقول وفطرة المخالفين ، وأن لا يستفزّ مشاعرهم أو يثير أحاسيسهم ، وبهذا تمكّن " أمين جابي " من احتواء الأزمة التي أحاطته والتخلص منها بالتي هي أحسن .

(57) بامبا عثمان( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F18

ولد عام 1381 ه‍ ، ( 1962 م ) ، في مدينة " دناني " بساحل العاج ، وترعرع في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي ، واصل دراسته حتّى نال الشهادة الثانوية ، ثُمّ درس في المدارس الدينية لمدة إحدى عشرة سنة ، وكان عضواً في إحدى الجمعيات التبليغية ومعلّماً في المدارس الابتدائية .

بدأت رحلة استبصاره من قراءة كتاب يسيء إلى المذهب الشيعي ، فدفعه ذلك إلى البحث والتحقيق في هذا المجال ، ومن هنا تبلورت قناعته بأحقِّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأعلن استبصاره عام 1411 ه‍ ، ( 1991 م ) .

أوّل ما سمعت بالشيعة والتشيّع :

يقول " بامبا " : كانت تصلني - وبصفتي طالباً في العلوم الدينية - بعض الكتب من مؤسسات تبليغية في الدول الإسلاميّة وفي إحدى المرّات وصلني كتاب من إحدى المؤسسات التركية الفعّالة - ولا سيمّا في أفريقيا - وكان هذا الكتاب ضدّ الشيعة ويتَّهمهم بأشدّ الافتراءات . ومن خلال هذا الكتاب سمعت باسم الشيعة والتشيّع ولم أكن أعرفهم من قبل .

ولكثرة ما أثار مؤلّف هذا الكتاب من شبهات ضدّ التشيّع ولهول ما سمعتُ

من تشنيعات على هذا المذهب ، أحببت أنْ أعرف من هم الشيعة وهل هم مسلمون ؟ ولماذا كلّ هذا التشنيع ؟ فدفعني هذا الأمر إلى البحث عنهم ، فسمعت بمدرسة شيعية بدولة غانا ، ولحبّ الاطلاع ، سجّلت اسمي في تلك المدرسة الدينية وبدأت أدرس فيها لأتعرّف أكثر فأكثر على المذهب الشيعي .

وكان منهج إدارة المدرسة إهداء كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور محمّد التيجاني - لكلّ طالب يدخل المدرسة ، فعندما أخذت الكتاب وطالعته تعرّفت على بعض عقائد الشيعة ، ثُمّ واصلت قراءة الكتب الشيعية إلى أن اكتملت معلوماتي عنهم .

عليّ ( عليه السلام ) خير البشر بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

كانت إحدى العقائد الشيعية التي طعن بها مؤلّف هذا الكتاب واتهمهم لأجلها بالغلوّ والكفر ، هي أنّ الشيعة يعتقدون بأفضلية الإمام عليّ ( عليه السلام ) على سائر الأنبياء والرسل ومن المناسب في هذا المجال أن نذكر الأدلّة على أفضلية الإمام عليّ ( عليه السلام ) من جميع الأنبياء سوى نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فمن هذه الأدلّة قوله تعالى : * ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) * (1)- الكشاف 1 : 362 .(2).

فإنَّ شأن نزول هذه الآية الكريمة هم أهل الكساء الخمسة النجباء ( عليهم السلام ) ، كما صرَّح به أكثر المحدّثين والمفسّرين من الفريقين وأرسلوه ارسال المسلمات ، فقد ذكر نزول هذه الآية فيهم ( عليهم السلام ) الكثير : منهم الحاكم في مستدركه ، وأبو نعيم في الدلائل (3)، والزمخشري في تفسيره (3) . حتّى أنّ الفخر الرازي قال في تفسيره لهذه الآية : روي أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثُمّ إنّهم أصرّوا


1) - آل عمران

2) : 61 .

3) - الدر المنثور 2 : 38 .

على جهلهم فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " إنَّ الله أمرني ان لم تقبلوا الحّجة أن أباهلكم - إلى أن قال - وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ ( رضي الله عنه ) خلفهما وهو يقول : " إذا دعوت فأمّنوا " ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة - إلى أن قال - قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ولولا عنوا لمسخوا قردةً وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر " (1).

وكذا قال مسلم في صحيحه : " ولما نزلت هذه الآية * ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ . . . ) * ، دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال " اللّهم هؤلاء أهلي " (2).

وهذه الأقوال التي ذكرت في شأن نزول هذه الآية قطرة من بحر ، فمن أراد الكثير فليراجع كتاب " إحقاق الحقّ " للتستري (3).

ثُمّ أنّ الدليل على أفضلية عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) من جميع البشر والأنبياء سوى الرسول الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله تعالى : * ( وَأَنفُسَنَا ) * نفس محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل غيره ، وكما ظهر من الروايات وأقوال المؤرخين والمحدّثين هو عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

وكذا حين لا يمكن القول بأنّ نفس عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) هي عين نفس الرسول ، لزم أن تكون هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي المساواة من جميع الوجوه إلاّ ما أُستثني منها مثل النبوّة .


1) - التفسير الكبير 3 : 247 .

2) - صحيح مسلم 4 : 1491 .

3) - إحقاق الحقّ 3 : 46 - 79 .

ومن جهة ثانية فقد أجمع المسلمون على أفضلية الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من سائر الأنبياء ، فيلزم أنْ يكون عليّ ( عليه السلام ) أفضل من سائر الرسل والأنبياء غيره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ويؤيِّد الاستدلال بهذه الآية الحديثُ المقبول عند الفريقين ، وهو قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من أراد أنْ ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى يحيى بن زكريا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى عليّ ابن أبي طالب " (1)، فالحديث يدل على أنّ ما تفرّق من الفضائل في الأنبياء قد اجتمعت كلها في شخص الإمام عليّ ( عليه السلام ) وكذا الحديث المروي عن العلاّمة الكراجكي عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " يا أبا الحسن ! لو وضع إيمان الخلائق وأعمالهم في كفّة ميزان ووضع عملك يوم أُحُد في كفة أخرى ، لرجح عملك على جميع ما عمل الخلائق " (2).

وأمّا مضامين هذه الأحاديث عن طريق شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) فهي أكثر من أن تحصى ، منها ما رواه الطبرسي ( رحمهم الله ) في الاحتجاج عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : " يا معاشر الناس فضّلوا عليّاً فإنّه أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى ، بنا أنزل الله الرزق وبقى الخلق " الحديث (3).

ولقد أجاد الشاعر في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث قال :

لك في مرتقى العلى والمعالي * درجاتٌ لا يرتقى أدناها

أنت بعد النبيّ خير البرايا * والسماء خير ما بها قمراها

مواصلة البحث واقتطاف الثمرة :

يضيف " بامبا " قائلاً : من الأُمور الأُخرى التي بحثتها بنفسي ووجدت فيها


1) - تاريخ دمشق 42 : 313 .

2) - ينابيع المودّة 1 : 202 .

3) - الاحتجاج 1 : 75 .

الحقّ مع المذهب الجعفري هي مسألة العدل الإلهي ، وكذا مسألة الإمامة والأئمّة الاثني عشر ، واستغربت جدّاً عندما رأيت الأحاديث التي ذكرها القندوزي في هذا المجال ، وحصل لي التساؤل بأنّ علماءنا هل يعلمون بهذه الأحاديث أم لا ؟

وفي نهاية مطاف البحث وبعد اقتناعي بالمبادئ الحقّة للتشيّع ، أعلنت تشّيعي وعملت في مجال التبليغ ، ثُمّ هاجرت إلى إحدى الحوزات العلمية لمواصلة الدرس للرجوع إلى بلدي مواصلاً نشاطي التبليغي ونشري لعلوم ومعارف آل محمّد ( عليهم السلام ) .

(58) بمبا عبد الله( مالكي / ساحل العاج )

ولد في " أبيدجان ، يوبوغو " في ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ تأثّر بالوهابية ، وكان يحبّ قراءة الكتب الدينية ، وكان يودّ توسيع نطاق معلوماته العقائدية ، ولهذا كان يراسل المؤسسات والمراكز الدينية الموجودة في السعودية وإيران ، فيرسلوا له الكتب العلمية والدينية ، فكان يقرأها برغبة وشوق ، ويقارن بين مختلف المذاهب الإسلاميّة حتّى توصّل إلى أنّ الفرقة الناجية هي مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلن استبصاره عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في أبيدجان عاصمة ساحل العاج .

حرمان الأمّة الإسلاميّة من كتاب الهداية :

من أهم الكتب التي تأثّر بها " بمبا عبد الله " كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، ومن خلال هذا الكتاب عرف حقيقة الصحابة ، وتبيّن له بأنّ الصحابة ليسوا كلّهم عدول ، بل لا بدّ من مراجعة التاريخ لدراسة شخصية كلّ الصحابة ، والاعتماد على العدول منهم لمعرفة ما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن أبرز الوقائع التاريخية التي تكشف حقيقة بعض الصحابة ، والتي قرأها " بمبا عبد الله " هي قصّة رزية يوم الخميس حيث طالعها في كتاب " ثُمّ اهتديت "

فبيّنت له هذه القصّة حقيقة كان غافلاً عنها : ويقول الدكتور التيجاني السماوي : " مجمل القصّة " أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله قبل وفاته بثلاثة أيام ، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة ، ولكن الصحابة اختلفوا منهم من عصى أمره واتّهمه بالهجر ، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئاً ، وإليك شيئاً من التفصيل :

قال ابن عبّاس : يوم الخميس وما يوم الخميس اشتدّ برسول الله وجعه ، فقال : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : إنّ النبيّ قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ كتاباً لا تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ ، قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قوموا عنّي .

فكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).

هذه الحادثة صحيحة لا شك فيها ، فقد نقلها علماء السنّة ومحدّثوهم ، وهي ملزمة لي على ما ألزمت به نفسي ، ومن هنا أقف حائراً في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطاب من أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأي أمر هو ؟ أمر عاصم من الضلالة لهذه الأمّة ، ولا شك أنّ هذا الكتاب فيه شيء جديد بالنسبة للمسلمين سوف يقطع عليهم كلّ شك " .

ويضيف الدكتور التيجاني : ولنترك قول الشيعة : " بأنّ الرسول أراد أن يكتب اسم عليّ خليفة له ، وتفطّن عمر لذلك فمنعه " .

فلعلّهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئياً ، ولكن هل نجد تفسيراً معقولاً لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتّى طردهم ، وجعلت ابن


1) - صحيح البخاري 7 : 9 ، كتاب المرض والطب .

عبّاس يبكي حتّى يبلّ دمعه الحصى ، ويسمّيها أكبر رزية .

أهل السنّة يقولون : بأنّ عمر أحسّ بشدّة مرض النبيّ فأشفق عليه ، وأراد أن يريحه .

وهذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلاً من العلماء ، وقد حاولت مراراً وتكراراً التماس بعض الأعذار لعمر ، ولكن واقع الحادثة يأبى عليّ ذلك ، وحتّى لو أبدلتْ كلمة يهجر " والعياذ بالله " بلفظة " غلبه الوجع " ، فسوف لن نجد مبرراً لقول عمر : " عندكم القرآن " وحسبنا كتاب الله ، أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول الله الذي أنزل عليه ؟

أم أنّ رسول الله لا يعي ما يقول " حاشاه " ؟

أم أنّه أراد بأمره ذلك أن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة ؟ " استغفر الله " .

ثُمّ لو كان تعليل أهل السنّة صحيحاً ، فلم يكن ذلك ليخفى على رسول الله ولا يجهل حسن نيّة عمر ، ولشكره رسول الله على ذلك ، وقرّبه بدلاً من أن يغضب عليه ويقول : اخرجوا عنّي .

ويضيف الدكتور التيجاني : وهل لي أن أتساءل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوّية ، ولم يقولوا بأنّه يهجر ؟ إلاّ لأنّهم نجحوا بمخططهم في منع الرسول من الكتابة ، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم ، والدليل على أنّهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وانقسموا إلى حزبين منهم من يقول : قرّبوا إلى رسول الله يكتب لكم ذلك الكتاب ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، أي : إنّه " يهجر " .

والأمر لم يعد بتلك البساطة يتعلّق بشخص عمر وحده ، ولو كان كذلك لأسكته رسول الله ، وأقنعه بأنّه لا ينطق عن الهوى ، ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الأمّة وعدم ضلالتها ، ولكن الأمر استفحل واستشرى ووجد له أنصاراً كأنّهم متّفقون مسبقاً ، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف ، ونسوا أو تناسوا قول الله

تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) * (1).

وفي هذه الحادثة تعدّوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالهجر والهذيان " والعياذ بالله " ، ثُمّ أكثروا اللغط والاختلاف وصارت معركة كلامية بحضرته .

ويقول التيجاني : وأكاد أعتقد بأنّ الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر ، ولذلك رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عدم الجدوى في كتابة الكتاب ; لأنّه علم بأنّهم لم يحترموه ولم يمتثلوا لأمر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته ، وإذا كانوا لأمر الله عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين .

واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب ; لأنّه طعن فيه في حياته ، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته ؟ وسيقول الطاعنون : بأنّه هجر من القول ، وله بما سيشككون في بعض الأحكام التي عقدها رسول الله في مرض موته ، إذ إنّ اعتقادهم بهجره ثابت .

أستغفر الله ، وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم ، وكيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحرّ بأنّ عمر بن الخطاب كان عفوياً في حضرة الرسول الأكرم ، وكيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحرّ بأنّ عمر بن الخطّاب كان عفوياً في حين أنّ الصحابة ومن حضروا محضره بكوا لمّا حصل حتّى بلّ دمعهم بل الحصى ، وسمّوها رزية المسلمين .

ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كلّ التعليلات التي قدّمت لتوجيه ذلك ، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذّبها لأستريح من مأساتها ، ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها ولم تحسن تبريرها .


1) - الحجرات (49) : 2 .

وأكاد أميل إلى رأي الشيعة في تفسير هذا الحدث ; لأنّه تعليل منطقي ، وله قرائن عديدة ، وإنّي لا زلت أذكر إجابة السيّد محمّد باقر الصدر عندما سألته : كيف فهم سيّدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول كتابته وهو استخلاف عليّ " على حدّ زعمكم " فهذا ذكاء منه .

قال السيّد الصدر : لم يكن عمر لوحده فهم مقصد الرسول ، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ; لأنّه سبق لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن قال مثل هذا ، إذ قال لهم : إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنّ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، وفي مرضه قال لهم : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أنّ رسول الله يريد أن يؤكّد ما ذكره في غدير خمّ كتابّياً ، وهو التمسّك بكتاب الله وعترته ، وسيّد العترة هو عليّ ، فكأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعليّ ، وقد قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكر المحدّثون .

وكان أغلبية قريش لا يرضون بعلي ; لأنّه أصغر القوم ; ولأنّه حطّم كبرياءهم ، وهشّم أنوفهم ، وقتل أبطالهم ، ولكنهم لا يجرؤون على رسول الله إلى الحد الذي حصل في صلح الحديبية ، وفي المعارضة الشديدة للنبي عندما صلّى على عبد الله بن أبي المنافق ، وفي عدّة مواقف أُخرى سجّلها التاريخ ، وهذا الموقف منها ، وأنت ترى أنّ المعارضة لكتابة الكتاب في مرض النبيّ شجّعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة ، ومن ثُمّ الإكثار من اللغط في حضرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إنّ هذه المقولة : جاءت ردّاً مطابقاً تماماً لمقصود الحديث ، فمقولة : عندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ، مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسّك بكتاب الله وبالعترة معاً ، فكان المقصود هو حسبنا كتاب الله فهو بكفينا ، ولا حاجة لنا بالعترة وليس هناك تفسير معقول غير هذا ، " بالنسبة لهذه الحادثة " اللّهم إلاّ إذا كان

المراد هو القول بإطاعة الله دون إطاعة الرسول ، وهذا أيضاً باطل وغير معقول .

ويقول الدكتور التيجاني : وأنا إذا طرحت التعصّب الأعمى والعاطفة الجامحة ، وحكّمت العقل السليم والفكر الحرّ لملت إلى هذا التحليل ، وذلك أهون من اتّهام عمر بأنّه أوّل من رفض السنّة النبوّية بقوله : " حسبنا كتاب الله " .

وهكذا كان بعض الحكّام قد رفض السنّة النبوّية بدعوى أنّها متناقضة ، فإنّه اتّبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين ، مع أنّي لا أحمّل عمر وحده المسؤولية لهذه الحادثة وحرمان الأمّة من الهداية ، وحتّى أكون منصفاً في حقّه أحمّلها هو ومن معه من الصحابة الذين قالوا مثل مقالته ، وعضدوا بذلك موقفه المعارض لأمر رسول الله .

وإنّي لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمر بها وكأنّ شيئاً لم يكن ، مع أنّها من أكبر الرزايا كما سمّاها ابن عبّاس ، وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي وتصحيح خطئه ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول الله وعلى حساب الإسلام ومبادئه .

ولماذا نهرب من الحقيقة ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا ؟ لماذا لا نعترف بأنّ الصحابة بشر مثلنا ، لهم أهواء وميول وأغراض ويخطؤون ويصيبون ؟

ويضيف الدكتور التيجاني : لقد أدركت خلفية موقف الشيعة من الخليفة الثاني الذي يحمّلونه مسؤولية الكثير من المآسي التي وقعت في حياة المسلمين منذ رزية يوم الخميس التي حرمت الأمّة من كتاب الهداية الذي أراد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يكتبه لهم (1).

تأثّر " بمبا عبد الله " بكتاب " ثُمّ اهتديت " كثيراً ، فكان هذا الأمر السبب


1) - ثُمّ اهتديت ، للدكتور التيجاني : 83 - 87 .

الأساسي في تعرّفه على الحقائق التي كانت خافية عنه .

ومن هنا تبلورت عند " بمبا عبد الله " قناعات دفعته إلى تغيير انتمائه العقائدي ، فأعلن استبصاره عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في أبيدجان عاصمة ساحل العاج .

(59) جباتي قاسم( وهابي / ساحل العاج )

ولد عام 1389 ه‍ ، ( 1970 م ) ، في ساحل العاج بمدينة " أمباتو " ، ونشأ في أجواء أملت عليه التلبّس بالأفكار الوهابية ، فتقبّل هذه الأفكار من دون غربلتها أو البحث حول صحّتها .

استمر " جباتي قاسم " على السير وفق المنهج الوهابي حتّى صادف له أن تعرّف على مجموعة من أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فجرى بينه وبينهم حواراً دفع " جباتي قاسم " إلى إعادة النظر في معتقداته .

التحرّر من العقائد المورثة :

بدأ " جباتي قاسم " بالتدريج يتحرّر من العقائد الموروثة ويستبدلها بعقائد مبتنية على الأدلّة والبراهين .

وبعد فترة وجد " جباتي قاسم " بأنّه أصبح شيعياً من حيث لا يعلم ، ولم يبق له عن إعلان استبصاره إلاّ حلّ بعض الشبهات العالقة بذهنه ، وكانت المجموعة الشيعية التي تعرّف عليها غير قادرة على حلّ هذه الشبهات .

بقي " جباتي قاسم " على هذه الحالة حتّى عاد صديقه المستبصر من إيران بعد تلقّيه للعلم والمعرفة ، فحلّ له هذه الشبهات ، كما أنّه بعد الهجرة مرّة أخرى إلى

إيران أعطى عنوان " جباتي " إلى مؤسسة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليرسلوا له الكتب الشيعية .

فلمّا وصلت هذه الكتب إلى " جباتي قاسم " قرأها بدقة ، فوجد أنّ الحجة تلزمه التخلّي عن معتقداته الموروثة والانتماء إلى المعتقدات الشيعية التي توصّل إليها عن طريق الدليل والبرهان ، فلهذا أعلن استبصاره وركب سفينة النجاة .

أسباب النجاة في البحث العلمي :

وجد " جباتي قاسم " بأنّ من أهم الأمور التي ساعدته على معرفة الحقّ أنّه لم يجعل الحوار مع من كان يختلف معهم في العقيدة وسيلة للمغالبة والمخاصمة والمراء والمشاجرة ، بل جعل الحوار جسراً لتوسيع آفاق معارفه الدينية .

كان " جباتي قاسم " يعلم جيّداً بمسألة نهي الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن المراء والخصومة .

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أنا زعيم ببيت في ربض الجنّة لمن ترك المراء وإنّ كان محقاً ، وببيت في وسط الجنّة لمن ترك الكذب وإنّ كان مازحاً ، وببيت في أعلى الجنّة لمن حسن خلقه " (1).

ومن منطلق اهتمام " جباتي قاسم " بتطهير قلبه من الشوائب واهتمامه بمعرفة الحقّ فتح الله تعالى له أبواب العلم وهيّأ له أخوة مؤمنين تحاور معهم حتّى أدّى هذا الحوار إلى تنوير بصيرته بالحقّ .

وعرف " جباتي قاسم " بأنّ الجدل غير نافع في معرفة الحقّ ; لأنّه ما من حقيقة إلاّ ويمكن إثارة الشبهات حولها والتمسّك بالمغالطات لردّها ، ولكن الإنسان الذي يسلك هذا السبيل لا يصل إلى النتيجة المطلوبة أبداً ، بل يبقى في


1) - سنن أبي داود 4 : 271 ، حديث 4800 ، كتاب الأدب ، باب في حسن الخلق .

دوّامة من الشبهات والتشكيكات .

وأوّل شرط ينبغي أن يكون متوفّراً لمن يريد أن يصل إلى الحقّ عن طريق الحوار هو التحرّر من الأهواء والمسلّمات الموروثة والترسّبات المتراكمة التي تحجب بصيرة الإنسان عن رؤية الحقّ والحقيقة .

ومن هذا المنطلق توكّل " جباتي قاسم " على الله في حواراته ، وطلب العون والتسديد منه تعالى ، وحرّر نفسه من كلّ التراكمات الموروثة ، ونظر إلى البحوث بهدوء وتأنّي وبموضوعية حتّى تمكّن من معرفة الحقّ والتمسّك به .

(60) جمانده مامادو( مالكي / ساحل العاج )

ولد في أبيدجان عاصمة ساحل العاج ، ونشأ في أسرة مالكية المذهب ، حاصل على شهادة البكالوريوس ، وهو حالياً مدير الجمرك والمشرف على البضائع الداخلة إلى ساحل العاج .

تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) نتيجة قراءته لكتب الدكتور التيجاني السماوي ولم يكتفِ بالقراءة فحسب ، بل التحق بحوزة أهل البيت ( عليهم السلام ) ليدرس فيها علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ودرس في هذه الحوزة مدّة أربع سنوات ، ثُمّ أعلن استبصاره عام 1415 ه‍ ، ( 1995 م ) ، .

اتّباع أهل الذكر :

قرأ " جمانده " كتاب " فسألوا أهل الذكر " فتعرّف من خلاله على أنّ الآية : * ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) * (1)، تأمر المسلمين بالرجوع إلى أهل الذكر في الأمور التي تشكل عليهم ليتعرّفوا بهذا على الصواب .

وقد نزلت هذه الآية من أجل التعرّف بأهل البيت ( عليهم السلام ) وتنصيبهم لمهمة المرجعية الدينية ، وقد أشارت العديد من الأحاديث الشريفة إلى هذه الحقيقة ،


1) - النحل (16) : 43 .

وذكر المفسّرون من أهل السنّة إلى هذا الأمر في تفاسيرهم عند تفسيرهم لهذه الآية ، منهم :

1 ) الثعلبي في تفسيره الكبير .

2 ) تفسير القرآن لابن الكثير .

3 ) تفسير الطبري .

4 ) تفسير الآلوسي المسمّى بروح المعاني .

5 ) تفسير القرطبي .

6 ) تفسير الحاكم المسمّى بشواهد التنزيل .

7 ) تفسير التستري المسمّى بإحقاق الحقّ .

وقد يتصوّر البعض بأنّ المقصود من أهل الذكر هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولكن هذا الرأي مردود لأسباب منها :

أوّلاً : ذكر القرآن الكريم في الكثير من الآيات بأنّهم حرّفوا كلام الله وكتبوا الكتاب بأيديهم ، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ، وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق ، فلا يمكن والحال هذه أن يأمر المسلمين بأن يرجعوا إليهم في المسائل التي لا يعلمونها .

ثانياً : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا تصدّقوا أهل الكتاب ، ولا تكذّبوهم ، وقولوا آمنّا بالله وما أنزل " (1).

ويدلّ هذا الحديث على عدم الرجوع إلى أهل الكتاب سواء كانوا يهوداً أو نصارى ، وتركهم وإهمالهم .

ثالثاً : ورد عن ابن عبّاس : قال يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب


1) - صحيح البخاري 3 : 163 ، كتاب الشهادات ، باب لا يسأل أهل الشرك .

عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم صلّى الله عليه وآله أحدث الأخبار بالله محضاً لم يشب ، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيّروا فكتبوا بأيديهم ، قالوا : هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمناً قليلاً ، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، فلا والله ما رأينا رجُلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم (1).

رابعاً : إنّ كلاًّ من النصارى واليهود يكذّب أحدهم الآخر ، وكلاهما يكذّبون الإسلام ، ولا يؤمنون بنبي الإسلام ، ويقولون عنه : كذّاب ودجّال ، فكيف يسعنا السؤال منهم والاعتماد على كلامهم ؟ !

وإنّما القول الصحيح في هذا الصعيد هو أنّ الله تعالى أورث علم الكتاب الذي ما فرّط فيه من شيء إلى هؤلاء الأئمّة الذين اصطفاهم من عباده ليرجع إليهم الناس في التفسير والتأويل ، وبذلك تضمن هدايتهم ، إذا ما أطاعوا الله ورسوله .

ويقول الدكتور التيجاني : ولأنّ الله سبحانه وجلّت حكمته أراد أن يخضع الناس عامة إلى نخبة منهم اصطفاهم وعلّمهم علم الكتاب لكي تسهل القيادة وتنتظم أحوال الناس بذلك ، فلو غاب هؤلاء عن حياة الناس لأصبح المجال مفتوحاً أمام المدّعين والجاهلين ، ولركب كلّ واحد هواه واضطربت أمور الناس ما دام كلّ واحد يمكنه ادّعاء الأعلمية " (2).


1) - صحيح البخاري 8 : 213 ، كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى : ( كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن ) .

2) - فسألوا أهل الذكر ، الدكتور محمّد التيجاني السماوي : 23 - 24 .

(61) حميد سانوغو( مالكي / ساحل العاج )

ولد في مدينة " غراند بسام " من مدن دولة ساحل العاج ، نشأ في أوساط أسرة تعتنق المذهب المالكي ، حاصل على شهادة الماجستير في الكيمياء ، وهو رجل ثريّ يمتلك شركة لبيع البنزين في مدينة غراند بسام ، كما أنّه نشطاً في المجال السياسي ورئيسا لحزب معارض للحكومة ، وهو يتمتّع بشهرة ومحبوبية بين الناس ولا سيما الشباب ، وله قدرة على استقطاب الجماهير وجمعهم حوله .

استبصر عام 1417 ه‍ ، ( 1997 م ) ، على إثر قراءته لكتاب ثُمّ اهتديت باللغة الفرنسية .

الصحابة عند الشيعة والسنّة :

قرأ " حميد سانوغو " في كتاب " ثُمّ اهتديت " حول الصحابة عند الشيعة والسنّة بأنّ هذا الموضوع من أهمّ البحوث الإسلاميّة التي تدفع الباحث إلى معرفة الحقيقة ، لأنّ الصحابة عماد كلّ شيء وعنهم أخذنا ديننا ، وبهم نستضي في الظلمات لمعرفة أحكام الله .

ولقد تناول العديد من العلماء موضوع الصحابة بالبحث والتحقيق ، وألّفوا في هذا الصعيد الكتب الكثيرة منها أُسد الغابة في معرفة الصحابة ، وكتاب الإصابة

في معرفة الصحابة ، وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل من وجهة نظر أهل السنّة .

ولكنّ المشكلة الكامنة في هذا الصعيد هي أنّ العلماء الأوائل الذين ألّفوا في هذا المجال كتبوا وأرّخوا بالنحو الذي يوافق آراء الحكّام من الأمويين والعبّاسيين المعروفين بعدائهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، بل هو عداء لكلّ من يشايع أهل البيت ( عليهم السلام ) ويتابعهم ويتّبع نهجهم ، ولهذا لا يمكن الاعتماد على أقوال هؤلاء دون أقوال غيرهم من علماء المسلمين الذين اضطهدتهم تلك الحكومات وشرّدتهم وقتلتهم ; لأنّهم كانوا أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

والمشكلة الأساسيّة التي نواجهها في الصحابة أنّهم اختلفوا فيما بينهم في موارد متعدّدة منها :

أنّهم اختلفوا عندما أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أنْ يكتب لهم كتاباً يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة ، فأدى اختلافهم إلى حرمان الأمّة من كتابة هذا الكتاب ، ولهذا انقسمت الأمّة الإسلاميّة وتفرّقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها .

والصحابة هم الذين اختلفوا فيما بينهم في الخلافة ، فانقسموا بين حزب حاكم وحزب معارض ، فأدّى ذلك إلى تخلّف الأمّة وانقسامها إلى شيعة عليّ وشيعة معاوية .

والصحابة هم الذين اختلفوا فيما بينهم حول تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله ، ومن هنا نشأت المذاهب والفرق والملل والنحل وظهرت في الساحة الإسلاميّة العديد من المدارس الكلاميّة والفكريّة وبرزت فلسفات متنوّعة أملتها دوافع وأسباب سياسيّة تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم .

فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة ، وكلّ خلاف نشأ وينشأ إنّما يعود إلى اختلاف الصحابة فيما بينهم .

وأبرز اختلاف بدأ بين الصحابة بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو اختلافهم في سقيفة بني ساعدة واستمرّ هذا الاختلاف إلى يومنا هذا وسيستمر إلى ما شاء الله .

أقسام الصحابة :

وجد " حميد سانوغو " بأنّ الدكتور التيجاني السماوي استنتج في كتابه " ثُمّ اهتديت " من خلال حواره مع علماء الشيعة أنّ الصحابة ينقسمون - في نظر الشيعة - إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : الصحابة الأخيار الذين عرفوا الله ورسوله حقّ المعرفة ، وبايعوه على الموت ، وصاحبوه بصدق في القول ، وبإخلاص في العمل ، ولم ينقلبوا بعده ، بل ثبتوا على العهد وقد امتدحهم الله جلّ جلاله في كتابه العزيز في العديد من المواقع ، وقد أثنى عليهم رسول الله في العديد من المواقع أيضاً ، والشيعة يذكرونهم باحترام وتقديس ، ويترضّون عليهم ، كما يذكرهم أهل السنّة باحترام وتقديس أيضاً .

القسم الثاني : الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام ، واتّبعوا رسول الله إمّا رغبة أو رهبة ، وهؤلاء كانوا يمنّون إسلامهم على رسول الله ، وكانوا يؤذونه في بعض الأوقات ، ولا يمتثلون لأوامره ونواهيه ، بل يجعلون لآرائهم مجالاً في مقابل النصوص الصريحة حتّى ينزل القرآن بتوبيخهم مرّة وتهديدهم أخرى ، وقد فضحهم الله في العديد في الآيات وحذّرهم رسول الله أيضاً في العديد من الأحاديث النبوّية ، والشيعة لا يذكرونهم إلا بأفعالهم بدون احترام ولا تقديس .

القسم الثالث : الصحابة المنافقون الذين صحبوا رسول الله للكيد له ، وقد أظهروا الإسلام ، وانطوت سرائرهم على الكفر ، وقد تقرّبوا ليكيدوا للإسلام والمسلمين عامّة ، وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة ، وذكرهم في العديد من المواقع ، وتوعّدهم بالدرك الأسفل من النار ، وقد ذكرهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحذّر منهم ،

وعلّم بعضاً من أصحابه أسماءهم وعلاماتهم ، وهؤلاء يتّفق الشيعة والسنّة على لعنهم والبراءة منهم .

قسم خاص :

ويضيف الدكتور التيجاني : وهناك قسم خاص ، وإنْ كانوا من الصحابة ، ولكنّهم يتميّزون عليهم بالقرابة من رسول الله ، وبخصائص اختصّهم الله ورسوله بها بحيث لا يلحقهم فيها لاحقّ ، وهؤلاء هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وقال تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (1).

وهؤلاء هم أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أوجب لهم سهم من الخمس .

قال تعالى : * ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) * (2).

وهؤلاء هم أهل البيت الذين أوجب الله مودّتهم على كلّ مسلم كأجر للرسالة المحمّدية قال تعالى : * ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (3).

وهؤلاء هم أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم .

قال تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) * (4).

وهؤلاء هم أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن ، ويعلمون المتشابه منه والمحكم .


1) - الأحزاب (33) : 33 .

2) - الأنفال (8) : 41 .

3) - الشورى (42) : 23 .

4) - النساء (4) : 59 .

قال تعالى : * ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) * (1).

أمّا أهل السنّة لا يعترفون بهذا التقسيم للصحابة ، ولا يعدّون المنافقين في الصحابة ، بل الصحابة في نظرهم خير الخلق بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

واتّبع " حميد سانوغو " في البحث لتقييم الصحابة نفس المنهج الذي تبعه الدكتور التيجاني ، وقد قال التيجاني حول هذا المجال بعد تقسيمه للصحابة : هذا ما أعرفه من علماء أهل السنّة والجماعة ، وذاك ما سمعته من علماء الشيعة في تقسيم الصحابة ، وهذا ما دعاني أنْ أجعل بحثي يبدأ بهذه الدراسة المعمّقة " أي : كتابه ثُمّ اهتديت " حول الصحابة ، وعاهدت ربّي - إنّ هداني - أنْ أتجرّد من العاطفة لأكون حيادّياً موضوعياً ، ولأسمع القول من الطرفين فاتّبع أحسنه ، ومرجعي في ذلك .

1 - القاعدة المنطقيّة السليمة : وهي أنْ لا اعتمد إلا ما اتفّقوا عليه جميعاً في خصوص التفسير لكتاب الله ، والصحيح من السنّة النبويّة الشريفة .

2 - العقل : فهو أكبر نعمة من نعم الله على الإنسان ، إذ به كرّمه وفضّله على سائر مخلوقاته ، ألا ترى أنّ الله سبحانه عندما يحتجّ على عباده يدعوهم للتعقّل بقوله " أفلا يعقلون ، أفلا يفقهون ، أفلا يتدبرون ، أفلا ينصرون . . . " (2).


1) - آل عمران (3) : 7 .

2) - انظر ثُمّ اهتديت ، الدكتور محمّد التيجاني السماوي : 90 - 92 .

(62) سليمان دنبلي( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1394 ه‍ ، ( 1975 م ) ، في مدينة " امباتو " بدولة ساحل العاج ، نشأ في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي ، حاصل على الشهادة الإعداديّة ، استبصر عام 1424 ه‍ ، ( 2004 م ) ، إثر دراسات معمّقة ومحاورات جادّة مع بعض المستبصرين .

كتاب صحيح البخاري :

من جملة البحوث التي أجراها " سليمان دنبلي " قبل استبصاره هي دراسة تقييميّة لكتاب صحيح البخاري ، ومن خلال هذا البحث عرف بأنّ صحيح البخاري لم يكتمل على يد مؤلّفه محمّد بن إسماعيل البخاري ، وإنّما جاء اثنان من تلامذته من بعده فأكملا هذا الكتاب وهذان التلميذان هما : محمّد بن يوسف الفربري ومحمّد بن إبراهيم المستملي ، وقد صرّح هذان أنّهما شاهدا في كتاب الصحيح أوراقاً بيضاء ، فأضافا إليها بعض المطالب .

قال المستملي ( ت 376 ) : " انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه " الفربري " فرأيت فيه أشياء لم تتمّ وأشياء مبيضّة . . . منها : تراجم لم

يثبت بعدها شيء وأحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض " (1).

شخصيّة البخاري :

يجد الباحث على الرغم من التوثيقات الواردة حول شخصيّة البخاري ، فقد عدّه جماعة من المحدّثين من المدلّسين ، كابن حجر في كتابه " طبقات المدلّسين " ، وكالسبط بن العجمي في كتابه " تبيين أسماء المدلّسين " (2).

الإسرائيلّيات في صحيح البخاري :

يتضمّن كتاب صحيح البخاري مرويّات كثيرة تنقص من شأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن هذه الأحاديث :

1 ) حدّثنا يحيى بن بكير ، عن اللّيث ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن الفضل ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : بينما يهوديّ يعرض سلعته أُعطي بها شيئاً كرهه .

فقال : لا والذي اصطفى موسى على البشر .

فسمعه رجل من الأنصار فقام ، فلطم وجهه وقال : تقول : والذي اصطفى موسى على البشر والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بين أظهرنا .

فذهب إليه فقال : يا أبا القاسم ! إنّ لي ذمّة وعهداً فما بال فلان لطم وجهي ؟

فقال : " لم لطمت وجهه " ؟ !

فذكره ، فغضب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى رُئي في وجهه ، ثُمّ قال : " لا تفضّلوا بين أنبياء الله فإنّه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلاّ من


1) - مقدّمة فتح الباري : 6 .

2) - طبقات المدلّسين لابن حجر : 24 ، رقم 23 ، تبيين أسماء المدلّسين لابن العجمي 77 ، رقم 64 ، نقلاً عن البخاري وصحيحه للشيخ حسين غيب غلامي .

شاء الله ، ثُمّ ينفخ فيه أُخرى فأكون أوّل من بُعث ، فإذا موسى آخذ بالعرش ! فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطّور ؟ أم بعث قبلي ؟ ! ولا أقول : إنّ أحداً أفضل من يونس بن متّى " (1).

2 ) قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا يخيّروني على موسى . . . " (2).

3 ) قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متّى " (3).

4 ) قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من قال : أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب " (4).

مع القناعات الجديدة :

يقول " سليمان دنبلي " : واصلت بحثي ، وراجعت الكثير من التفاسير للاطّلاع على تفاسيرهم حول بعض الآيات التي يعتمد عليها أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لإثبات مدّعاهم ، ومن أهمّ التفاسير التي انتفعت منها لإثبات أحقّية التشيّع هو تفسير الفخر الرازي كما كان لحديث الثقلين الأثر الكبير في استبصاري ، وكانت النتيجة من البحث حول هذا الحديث التوصّل إلى القناعة دفعته إلى تغيير انتمائه المذهبي ، فأعلن التشيّع عام 1424 ه‍ ، ( 2004 م ) ، والتحق بالأُخوة المستبصرين الذين كان يتحاور معهم حول المسائل العقائديّة ، وانضمّ إلى صفّهم وبدأ يعمل معهم لنشر الحقائق بين الناس .


1) - صحيح البخاري 4 : 133 .

2) - المصدر السابق 7 : 193 .

3) - المصدر السابق 4 : 125 .

4) - المصدر السابق 6 : 31 ، كتاب التفسير ، سورة الصافات .

(63) سوادغو حسين( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1386 ه‍ ، ( 1967 م ) ، في أبيدجان بدولة ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ تعرّف على مجموعة من الشيعة ، فتحاور معهم حول المسائل العقائدية فاتّضحت له حقائق دفعته إلى الاستبصار وإعلان ذلك عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) .

نشأة التشيّع :

أوّل ما سمع " سوادغو حسين " بالتشيّع طرح في ذهنه سؤال حول نشأة التشيّع ، وتشير الحقائق المنزّهة من الدس والتشويه إلى أنّ التشيّع مذهب وضع أساسه الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن طريق دعوة الناس إلى التمسّك بالثقلين : القرآن والعترة ، وسيّد العترة هو أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) ، ومن يتمسّك به فهو من شيعته .

معنى الشيعة في الاصطلاح اللغوي :

ورد في لسان العرب : " الشيعة : القوم الذين يجتمعون على الأمر ، وكلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، وكلّ قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع . . .

وقوله تعالى : * ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) * (1)، فإن ابن الأعرابي قال : الهاء لمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أي : إبراهيم خبر مخبرة فاتّبعه ودعا له ، وكذلك قال الفراء : يقول هو على منهاجه ودينه وإنّ كان إبراهيم سابقاً له ، وقيل : معناه أي : من شيعة نوح ومن أهل ملّته .

قال الأزهري : وهذا القول أقرب ; لأنّه معطوف على قصّة نوح ، وهو قول الزجاج . والشيعة أتباع الرجل وأنصاره ، وجمعها شيع ، وأشياع جمع الجمع " (2).

زرع البذرة الأولى للتشيّع :

أوّل من زرع البذرة الأولى للتشيّع هو الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأبرز شاهد على ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى : * ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (3).

جاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي :

" أخرج ابن عساكر ، عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقبل عليّ ، فقال النبيّ : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة . قال : وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ألم تسمع قول الله : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * ، أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين " (4).

وعن ابن عبّاس قال : لما نزلت هذه الآية : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * ، قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي : " هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت


1) - الصافات (37) : 83 .

2) - لسان العرب 7 : 258 " شيع " .

3) - البينة (98) : 7 .

4) - الدر المنثور 6 : 379 .

وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوّك غضابا مقمحين " (1).

ظهور التشيّع في الساحة الاجتماعية :

كان أوّل ظهور للشيعة في الساحة الاجتماعية بعد اغتصاب الخلافة من الإمام عليّ ( عليه السلام ) بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فاجتمع شيعة عليّ ( عليه السلام ) في بيته ينتظرون أمره وموقفه .

جاء في تاريخ اليعقوبي : " وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع عليّ بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله ، فأتوا في جماعة حتّى هجموا الدار . . . " (2).

وجاء في كتاب الإمامة والسياسية لابن قتيبة الدينوري : " أنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم ، وهم في دار عليّ فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب ، وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها " (3).

وكان قرار الإمام عليّ ( عليه السلام ) الحفاظ على بيضة الإسلام وحفظ الوحدة الإسلاميّة ، فلم يواجه المخالفين بالقوّة ، بل آثر العزلة واكتفى بإبداء النصح والمشورة في تسديد الحركة الإسلاميّة .

وبدأ التشيّع بالاتّساع رغم الضغوطات التي انهالت عليه من حكومة بني أمية ، حتّى بلغ ذروته العلمية على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ) ، فعرف المذهب الشيعي الاثني عشري بالمذهب الجعفري .


1) - شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني 2 : 461 ، 1126 .

2) - تاريخ اليعقوبي 2 : 85 ، خبر سقيفة بني ساعدة .

3) - الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة 1 : 30 .

الانتقال المذهبي :

عندما وجد " سوادغو " أمامه الأدلّة المقنعة والمثبتة لأحقّية المذهب الشيعي ، لم يتردّد لحظة واحدة في تغيير انتمائه المذهبي ، فاتّخذ قراره الأخير ، وأعلن استبصاره عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في أبيدجان - ساحل العاج .

اهتم " سوادغو " بعد الاستبصار بنشر علوم ومعارف المذهب الشيعي وبيان الحقائق لعامّة الناس .

(64) عبد الرحمن توري( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1389 ه‍ ، ( 1970 م ) ، في ساحل العاج بمدينة أبيدجان ، حاصل على الشهادة المتوسطة باللغة الفرنسية ، كان مالكي المذهب ، لكنّه تعرّف على جمعية شيعية ، فأعجب بها ، فكان يحضر الجلسات والمحاضرات التي تقام فيها ، كما أنّ الجمعية قدّمت له بعض الكتب الشيعية المترجمة إلى اللغة الفرنسية ، فتفتّحت بصيرته عبر هذه الكتب فأبصر نور الحقيقة برحابة صدر ، ثُمّ اعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثُمّ ارتقى مستواه في الجمعية فأصبح المندوب الثقافي فيها .

مرجعية أهل البيت ( عليهم السلام ) أم مرجعية الصحابة الدينية :

وجد " عبد الرحمن توري " خلال استماعه إلى محاضرات الشيعة بأنّهم يؤكّدون على مرجعية أهل البيت ( عليهم السلام ) الدينيّة ويفضلونها على مرجعية الصحابة ; لأنّ الأدلّة فرضت عليهم عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولكنّ الصحابة - كما يثبت الواقع التاريخي - اجتهدوا كثيراً في مقابل النص ، وصدرت منهم العديد من المخالفات في قبال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، منها :

ما ورد في صلح الحديبية أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعطى لقريش بعض الامتيازات ، فاعترض عمر بن الخطّاب أمام مرأى الصحابة على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - كما ذكر البخاري عن لسان عمر نفسه - فقلت : ألست نبي الله حقّاً ؟ !

قال : بلى .

قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ !

قال : بلى .

قلت : فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟ !

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّي رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري .

قلت : أوليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ !

قال : بلى ، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟

قلت : لا .

قال : فإنّك آتيه ومطوف به . . .

فلمّا فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قضية الكتاب - الذي كتب يومئذ في الصلح - قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأصحابه : قوموا فانحروا ثُمّ احلقوا .

قال : فوالله ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات .

فلمّا لم يقم منهم أحد . . . فلم يكلّم أحداً منهم حتّى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتّى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّا . . . " (1).

وتكررت مخالفات الصحابة لأوامر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى بدأ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يبدي شكواه علناً ، ويبيّن ما يلقاه من أذى نتيجة مخالفاتهم واعتراضاتهم .

وقد ورد عن عائشة أنّها قالت : " قدم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل عليّ وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك يا رسول الله ؟ أدخله الله النار !

قال : أوما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ، ولو أنّي استقبلت


1) - صحيح البخاري 3 : 182 ، كتاب الشروط .

من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتّى اشتريه ، ثُمّ أحلّ كما حلّوا " (1).

وورد عنها أيضاً أنّها قالت : " صنع النبيّ شيئاً فرخّص فيه ، وتنزّه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فحمد الله ، ثُمّ قال : " ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه ؟ ! فوالله إنّي أعلمهم بالله ، وأشدّهم له خشية " (2).

ومن أبرز مخالفات الصحابة لأوامر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما أمرهم بأن يلتحقوا بجيش أُسامة بن زيد ، فاعترض الصحابة عليه زعماً منهم أنّ حداثة سن زيد لا تؤهّله لكي يتأمّر على مشيخة المهاجرين والأنصار .

فخرج الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مغضباً ، فصعد المنبر وهو في مرضه الشديد وقال : " أيّها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة ؟ ! ولئن طعنتم في تأميري أُسامة ، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله إنّه كان لخليقاً بالإمارة ، وإنّ ابنه من بعده لخليق بها " (3).

وأشد مخالفات الصحابة عندما قال الرسول قبل وفاته بفترة وجيزة : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده .

فقال عمر إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فاختلف الصحابة واختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كتاباً لا تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قاله عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " قوموا عنّي " .

فكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (4).


1) - صحيح مسلم 2 : 719 ، كتاب الحج ، باب بيان وجوه الإحرام ، حديث 130 .

2) - صحيح البخاري 8 : 145 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة .

3) - الطبقات الكبرى لابن سعد 2 : 190 .

4) - صحيح البخاري 7 : 9 ، كتاب المرضى والطب .

(65) عبد الرحمن وترى( مالكي / ساحل العاج )

مرّت ترجمته في 1 : 377 من هذه الموسوعة ، ونشير في هذا المقام إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل .

استطاع " وترى " : من خلال البحث والتحقيق في موروثاته العقائدية الوصول إلى حقائق غيّرت مجرى حياته .

يقول " وترى " : كانت الإشاعات الكثيرة حول الشيعة تردعني عن الخوض والبحث حول معتقداتهم ، وكان لي أستاذ يحثني ويحفّزني على البحث ، ويقول لي : على الباحث أن يطلب الحقيقة مهما كانت معطياتها ، وأن لا تعيقه العقبات والشبهات التي يواجهها ، وعليه أن يبحث عن الأدلّة والبراهين لتشييد معتقداته .

ويضيف " وترى " : ومن هذا المنطلق أجريت العديد من النقاشات العقائدية مع بعض الشيعة ، وطالعت العديد من الكتب في هذا المجال ، وقد جذبني كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، ولاحظت أنّ المؤلّف قد اعترته حاله الشكّ والحيرة عند سفره إلى العراق ، وقد تسنت له الفرصة للتعرّف على الشيعة وعقائدهم حيث يقول :

" . . . فكرّت مليّاً في ما سمعته من هؤلاء الذين اكتشفتهم وكأنّهم كانوا يعيشون على سطح القمر ، فلماذا لم يحدّثنا أحد عنهم إلاّ بما هو مزر ومشين ، لماذا

أنا أكرههم وأحقد عليهم دون أن أعرفهم ، لعلّ ذلك ناتج من الإشاعات التّي نسمعها عنهم من أنّهم يعبدون عليّاً ، وأنّهم ينزلون أئمتهم منزلة الآلهية ، وأنّهم يقولون بالحلول ، وأنّهم يسجدون للحجر من دون الله ، وأنّهم يأتون إلى قبر الرسول ليلقون فيه القذرات والنجاسات وقد أمسكهم السعوديون وحكموا عليهم بالإعدام . . ، وأنّهم . . ، وأنّهم . . ، حدّث ولا حرج .

كيف يسمع المسلمون بهذا ولا يحقدون على هؤلاء الشيعة ولا يبغضونهم ، بل كيف لا يقاتلونهم !

ولكن كيف أُصدّق هذه الإشاعات وقد رأيت بعيني ما رأيت وسمعت بأذني ما سمعت وها قد مضى على وجودي بينهم أكثر من أسبوع ولم أر منهم ولم أسمع إلاّ الكلام المنطقي الذي يدخل العقل بدون استئذان ، بل قد استهوتني عباداتهم وصلاتهم ودعاؤهم وأخلاقهم واحترامهم لعلمائهم حتّى تمنيّت أن أكون مثلهم ، وبقيت أتسأل :

هل حقّاً أنّهم يكرهون رسول الله ! وكلّما ذكرته وكثيراً ما أذكره لاختبارهم فيصيحون بكلّ جوارحهم اللّهم صل على محمّد وعلى آل محمّد وظننت أنّهم ينافقون ، ولكن زال هذا الظنّ بعد ما تصفّحت كتبهم التّي قرأت شيئاً منها فوجدت احتراماً وتقديساً وتنزيّهاً لشخص الرسول لم أعهده في كتبنا ، فهم يقولون بعصمته صلى الله عليه وآله في كلّ شيء قبل البعثة وبعدها ، بينما نقول نحن أهل السنّة والجماعة بأنّه معصوم في تبليغ القرآن فقط ، وما عدا ذلك فهو بشر يخطئ كغيره ، وكثيراً ما نستدلّ على ذلك بخطئه صلّى الله عليه وآله وتصويب بعض الصحابة رأيه ولنا في ذلك أمثلة متعدّدة ، بينما يرفض الشيعة أن يكون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يخطئ ويصيب غيره ، فكيف أصدّق بعد هذا أنّهم يكرهون رسول الله ؟ كيف " ؟ (1).


1) - ثُمّ اهتديت : 44 .

الطريقة الصحيحة في البحث :

يقول " وترى " : جذبني أيضاً كتاب " ثُمّ اهتديت " بطريقة البحث ، فإنّ المؤلّف لم يعتمد على المصادر الشيعيّة والسنيّة ، بل اعتمد على المتفق عليه عند كلا الفريقين . حيث يقول :

" وأخذت على نفسي عهداً وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير ، أن أعتمد الأحاديث الصحيحة التي اتّفق عليها السنّة والشيعة ، وأن أطرح الأحاديث التي انفرد بها فريق دون الآخر ، وبهذه الطريقة المعتدلة ، أكون قد ابتعدت عن المؤثّرات العاطفيّة ، والتعصبّات المذهبيّة والنزعات القوميّة أو الوطنيّة ، وفي الوقت نفسه أقطع طريق الشكّ لأصل إلى حبل اليقين وهو صراط الله المستقيم " (1).

رزيّة يوم الخميس :

يقول " وترى " : بعد قراءتي لكتاب " ثُمّ اهتديت " قمت بمراجعة المصادر التي ذكرها المؤلّف ، والتي من جملتها رزيّة يوم الخميس بما فيها التعرّض إلى سيّدنا عمر بن الخطّاب والصحابة ، فعزمت على التحقيق في الموضوع وملابساته ومعرفة الحقيقة ، فبدأت بالمصادر المعتبرة عندنا كصحيح البخاري ومسلم و . . .

حادثة رزيّة يوم الخميس في الصّحاح :

مجمل القصة أنّ الصحابة كانوا مجتمعين عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حينما أشتدّ به الوجع الذي توفّي فيه أمر الصحابة أن يحضروا له كتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يظلوا بعده ، ولكن أكثرهم عصى أمره وأتّهمه عمر بالهجر ، فكثر الاختلاف بينهم ، فغضب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فطردهم من عنده .

وقد ذكر البخاري هذه القصّة عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه قال : " لمّا


1) - ثُمّ اهتديت : 88 .

حضر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده " فقال عمر إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللّغو والاختلاف عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " قوموا " قال عبيد الله : وكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم . . . " (1).

يقول " وترى " : عند بحثي في صحيح البخاري كنت أتمنّى أن لا أجد هذه الواقعة ، ولكن أُصبت بخيبة أمل شديدة عندما وجدتها ، فسعيت أن أبرء ساحة عمر من هذه الاتهامات وهذا الدور الخطير الذي قام به ، فقلت في نفسي : لا بدّ من تكذيّب هذه الواقعة برمّتها ، ولكن الواقع كان يأبى ذلك ، فهناك العديد من الشواهد تدلّ على وقوع هذا الأمر من بعض الصحابة وعلى رأسهم عمر ، من جملتها :

1 ) إنّ الصحابة رموا النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالهجر عندما أمرهم أنّ يأتوا له بالكتف والدواة ، ولكن عندما أمرهم بالخروج وطردهم استمعوا كلامه وامتثلوا أمره ، ولم يرموه بالهجر ، فمن الواضح أنّهم أرادوا أن يمنعوه من كتابة هذا الأمر المهم .

2 ) أجمع علماؤنا بأنّ كلّ ما في الصحاح صحيح ، فكيف لي أن أُكذّب هذه الواقعة المذكورة في الصحاح ؟

3 ) تكذيّب هذه الواقعة يوهن اعتبار ما ورد في الصحاح .

4 ) إذا كان البخاري ينقل مثل هذه الوقائع الكاذبة ، فما المبرر في الوثوق بما ينقله من حوادث أُخرى ؟


1) - صحيح البخاري 4 : 31 .

التاريخ يكشف الحقيقة :

أصبت بخيبة أمل شديدة ، وانهالت عليّ الشبهات والشكوك ولم أجد لكلّ هذه التناقضات حلّ ، بل كلّما تعمّقت في البحث كشف لي التاريخ العديد من الحقائق فأخذت أحكّم العقل في كلّ هذه التناقضات :

هل من الصحيح أنّ نتّبع شخص منع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يكتب شيئاً لا نضل بعده ؟ وذلك لطمعه في الحكم .

إنّ اختلاف الناس - شيعة وسنّة - كان نتيجة فعل أكثر الصحابة بزعامة عمر حينما تجرّأ على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ورماه بالهجر ، وقد وصفه القرآن بأنّه * ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) * (1).

كيف نعتمد على هؤلاء الصحابة ، وكيف نجعلهم عماد الدين نأخذ معالم ديننا منهم في هذه المنزلة ونمنحهم القداسة بحيث أصبح المساس بهم كفر ونفاق و . . .

وفي نهاية المطاف أدّى البحث والتحقيق إلى غربلة معتقداتي الموروثة من سلفي الذي يحتضن كلّ هذه التناقضات والتساؤلات ، والتحقت بمدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .


1) - النجم (53) : 3 - 5 .

(66) عبد الله دوسو( وهابي / ساحل العاج )

مرّت ترجمته في 1 : 341 من هذه الموسوعة ، ونشير في هذا المقام إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل .

يقول " عبد الله " أهم الدوافع التي أدّت بي إلى نبذ معتقداتي ، هي المنهج العقائدي المنحرف والمنحط الذي يمارسه الوهابية على الساحة ، ونبذهم العقائد الصحيحة التّي يمارسها المسلمون في ساحل العاج ، حيث كان المسلمون في ساحل العاج يسدلون أيديهم في الصلاة ، ويحتفلون بعيد المولد النبويّ الشريف و . . .

وكانوا إذا توفّي أحد المسلمين يقومون بتلقين الميت ، قراءة القرآن وإهداء ثوابها إلى روح الميت و . . .

كما كانوا يتوسّلون بالأولياء ويتبرّكون بقبر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند ذهابهم إلى أداء فريضة الحج و . . .

ولكن عندما اتّسع التيار الوهابي ووجد هذا النمط من الفكر الباطل والمنحط أعواناً لنشر بدعهم في ساحل العاج ، تصدّوا إلى هذه السنن الصحيحة فقالوا :

إنّ إرسال اليدين في الصلاة بدعة ، وإنّ السنّة الصحيحة هو التكّتف في

الصلاة !

وإنّ الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف بل كلّ الأعياد بدعة منكرة !

وإنّ قراءة القرآن عند الميت لا ينفعه بشيء ، وهو حرام باطل !

وإنّ زيارة القبور والتوسّل والتبرّك بالأولياء شرك مناف للتوحيد !

وكذا أوجبوا على الرجال إرسال اللحية وقص الشارب ولبس السراويل القصيرة و . . .

كلّ هذه العقائد والفتاوى الغريبة عن الدين دفعت المسلمين إلى مواجهة الوهابيّين وأفكارهم المنحرفة بالرفض ، لأنّهم جعلوا كلّ مظاهر التديّن خرافة بعيدة عن الدين .

التشيّع في ساحل العاج :

بدأ تاريخ التشيّع في ساحل العاج بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران ، من أهمّ عوامل نمو التشيّع هي :

1 - اطلاع الناس على المذهب الجعفري من خلال الكتب التي أرسلتها المؤسسات الدينية ، والتي من جملتها مركز الأبحاث العقائدية حيث كان ولا زال له الدور الهام في توعية وإطلاع المسلمين على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وذلك من خلال الكتب والمجلات و . . . ، فإكتشفنا من خلالها أنّ هناك حقائق يحاول علماؤنا اخفائها منذ اعتناق الأفارقة للإسلام .

2 - افتتاح حوزة علمية عام 1414 ه‍ ، كانت هذه الحوزة سبباً لدخول الكثير من المسلمين في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأعلن الكثير من المسلمين انتماءهم إلى المذهب الجعفري .

وقد استطاع الشيعة في فترة وجيزة أن يبرهنوا على حقّانية مذهبهم ، واطلاع المسلمين على الحقائق التاريخية في الإسلام التي كان يخفيها علماؤنا ،

واستدلّوا عليهم بأدلّة منطقية قوية ممّا جعل الناس يقبلون على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وقام " عبد الله " بدوره بنشر الحقائق التي تجلّت له ، وأخذ على عاتقه مهمّة تبليغها وذلك بنشر المقالات في الصحف والمجلاّت ، وقد نشرت له عدّة مقالات من جملتها :

واقعة الغدير حقيقة مدفونة :

يتطرّق " عبد الله " في كلامه إلى الحقائق التي تنبثق من صميم هذه الواقعة ، فيقول : إذا أمعنا النظر في واقعة الغدير ، يتبيّن لنا أنّ القرائن الموجودة تأبى حمل الواقعة على المحبّة والمودّة وسنبيّن بعضها في هذا المجال :

1 - ما الجدوى في إرجاع الحجّاج المتقدّمين وانتظار باقي الحجّاج ، في ذلك الحرّ الشديد ، وفي ذلك المكان المهم الذي هو مفترق طرق الحجّاج ، إلاّ أن يكون هناك أمر بالغ الأهمية ، ألا وهو الولاية والخلافة من قبل الله عزّ وجلّ ، فإنّ جعل الولاية في ذمّة الناس لا ينسجم إلاّ مع هذا التفسير .

2 - إنّ المستفاد من قوله تعالى : * ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) * (1)، أنّ الإمامة هي امتداد للرسالة ، ولذا عدم إبلاغ ولاية أمير المؤمنين يكون بمثابة عدم إبلاغ الرسالة .

3 - تدلّنا خطبة الغدير بوضوح أنّ ولاية الله عزّ وجلّ وولاية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) واحدة غير منفكة .


1) - المائدة (5) : 67 .

(67) عليّ بالو( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1369 ه‍ ، ( 1950 م ) ، في مالي ، نشأ في أسرة مالكية المذهب ، ثُمّ تأثّر بالوهابية ، ثُمّ حصل على بعض الكتب الشيعية ، فاقتنع بالأدلّة الموجودة فيها ، ثُمّ أعلن استبصاره عام 1417 ه‍ ، ( 1991 م ) .

عظمة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد " عليّ بالو " بوجود أدلّة كثيرة كان غافلاً عنها ، وكلّها تكشف لزوم اتّباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن أبرز الشواهد على عظمة أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علّم المسلمين كيفية الصلاة عليه عندما نزل قوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) * (1).

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء " .

فسأله الصحابة : كيف نصلّي عليك يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قولوا : " اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد " (2).


1) - الأحزاب (33) : 56 .

2) - الصواعق المحرقة 2 : 429 ، الباب 11 ، الفصل الأوّل ، الآية الثانية .

ولهذا قال الشافعي في أبياته المشهورة :

يا أل بيت رسول الله حبّكم * فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم * من لم يصلّ عليكم لا صلاة له (1)

أبرز خصائص أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) العصمة :

من أهم الأمور التي تدفعنا للتمسّك بهدي أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) والسير على خطاهم أنّهم معصومون .

وأبرز دليل على عصمتهم هو حديث الثقلين ، حيث قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حول القرآن وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) " أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . . . " (2).

وبما أنّ القرآن معصوم ، وقد قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّ العترة لا تفترق عنه فلهذا تثبت عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ; لأنّ صدور الخطأ منهم يعني افتراقهم عن القرآن .

وبعبارة أخرى : إذا صدر الخطأ من الأئمّة فإنّ سبيلهم سيكون غير سبيل القرآن فيتحقق الافتراق بينهم ، ولكن بما أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : إنّ القرآن والعترة لن يفترقا ، فلازم ذلك عصمة العترة كما أنّ القرآن معصوم .

بعد ثبوت عصمة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فسيكون من الجهل أن يترك الإنسان هدي هؤلاء ويذهب إلى غيرهم من أجل معرفة ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن هنا عندما عرف " عليّ بالو " هذه الخصائص في أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يتردد أبداً في تلقّي معالمه الدينية من هؤلاء ، وعندما عرف " عليّ بالو " بأنّ الصحابة ليسوا بأجمعهم عدول ، بل فيهم من هو عادل ، وفيهم من هو فاسق ، وقد وقعت صراعات دامية بينهم ، وقد لعن بعضهم بعضاً ، وتبرّئ بعضهم من الآخر ،


1) - ينابيع المودّة 2 : 434 .

2) - مسند أحمد 3 : 14 .

عرف بأنّ إضفاء الهالة المقدّسة على كلّ الصحابة مشروع حكومي وسياسي لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولهذا حرر " عليّ بالو " نفسه من أسر الموروث العقائدي بعد ثبوت بطلانه ، واعتناق الحقائق الجديدة التي تعرّف عليها ، أعلن استبصاره ، وتوجّه بقدر وسعه إلى نشر هذه الحقائق الجديدة بين الآخرين .

(68) فاكراموكو دومبيا( سني / ساحل العاج )

كتب إلى مركز الأبحاث العقائدية رسالة حول استبصاره جاء فيها :

ولدتُ سنة 1389 ه‍ ، ( 1965 م ) ، في مدينة غراتد بسام في جنوب جمهورية ساحل العاج ، وعندما بلغت السابعة من عمري أدخلني والدي في المدرسة " المدرسة التهذيبية لإحياء السنّة المحمّدية " ، وعندما حصلت على الشهادة الابتدائية انتقلت إلى " مدرسة نهضة الثقافة الإسلاميّة " في نفس المدينة ، ودرست فيها حتّى حصلت على الشهادة الثانوية في سنة 1406 ه‍ ، ( 1986 م ) ، ثُمّ انتقلت مباشرة إلى مدينة أبيدجان عاصمة ساحل العاج ، فقمت بتدريس التلاميذ هناك في " مدرسة دار العلم " .

تزوّجت سنة 1408 ه‍ ، ( 1988 م ) ، وفي نفس السنة كنت أذهب في الأسبوع ثلاث مرّات إلى مركز اللبنانيين الإسلامي لأتلقّى بعض العلوم الإسلاميّة على المذهب الاثني عشري الشيعي عند مديره الشيخ عدنان .

وفي سنة 1415 ه‍ ، ( 1995 م ) ، اعتنقت التشيّع كلّياً ، فقمت بالوعظ والإرشاد في كثير من بلدان ساحل العاج ، وبعون الله قد اعتنق التشيّع بسببي كثير من الشباب المسلمين .

وفي نفس السنة 1415 ه‍ ، ( 1995 م ) ، أسست مدرسة إسلامية سمّيتها " مدرسة الإمام المنتظر ( عجل الله تعالى فرجه ) العلمية " ، ثُمّ أسست مباشرة جميعة إسلامية باسم " الجمعية الإسلاميّة الثقافية للدعوة والإرشاد في ساحل العاج " .

ولله الحمد فالوضع الشيعي في ساحل العاج يستمر الآن بإذن الله تعالى .

ويضيف " فاكراموكو " : أسسنا الجمعية الثقافية تنفيذاً لقوله تعالى : * ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) * (1).

وقول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام عليّ ( عليه السلام ) في غزوة خيبر : " فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم " (2).

ونحن بعون الله ما زلنا في تنفيذ مسؤولية الدعوة والإرشاد والتعليم بنشاط واجتهاد كبير .

ولله الحمد استطعنا بسبب هذه الجمعية - بعون الله تعالى - هداية عدد من العاجيين الكافرين والنصارى إلى اعتناق الإسلام ، وكذلك تمسّك الكثير من الشباب المسلمين العاجيين المغفّلين بأخلاق الإسلام وهدى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) بسبب هذه الجمعية .

دعوته إلى التشيّع :

بذل " فاكراموكو " غاية جهده لنشر التشيّع في ساحل العاج بقدر وسعه وطاقته ، ومن أهم المسائل التي اهتم بها هو التعريف بأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) الاثني عشر ، وبيان فضائلهم ومقامهم ومنزلتهم عند الله تعالى .


1) - آل عمران (3) : 104 .

2) - صحيح البخاري 4 : 207 ، باب مناقب عليّ بن أبي طالب .

وقد صرّح الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حياته مكرراً بأنّ عدد الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش ، وأنّ عزّة الإسلام في ظل خلافتهم .

قال جابر بن سمرة : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثُمّ قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلّهم من قريش " (1).

ولو تأمّلنا في تاريخ الإسلام فإنّنا لا نجد أيّ مذهب إسلامي يتمسّك باثني عشر إماماً إلاّ المذهب الشيعي الجعفري .

أوّل الأئمّة الاثني عشر وصيّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

أوّل إمام من الأئمّة الاثني عشر هو الإمام عليّ ( عليه السلام ) وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويجد كلّ باحث متأمّل في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّ الرسول بيّن إمامة الإمام عليّ ( عليه السلام ) للناس في مواطن كثيرة أوّلها في بداية البعثة المباركة ، عندما نزل قوله تعالى : * ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) * (2).

قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأقربائه :

" إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم " ؟

فأحجم القوم عنها جميعاً إلاّ عليّ بن أبي طالب ، فقال له رسول الله ملتفتاً إلى الحاضرين : " إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا " (3).

ومن المواقف المهمة الأخرى في غزوة تبوك حيث قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام عليّ : " أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي


1) - صحيح مسلم 3 : 1155 ، كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش .

2) - الشعراء (26) : 214 .

3) - تاريخ الطبري 2 : 63 .

بعدي " ؟ ! (1).

وأهم المواقف هي موقف غدير خمّ ، حيث أخذ رسول الله بيد الإمام عليّ ( عليه السلام ) أمام الحشود العظيمة من المسلمين وقال لهم : " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " (2).

والملفت للنظر أنّ الرسول دفعاً للشبهة ، لئلا يدّعي بعد ذلك أحد بأنّ المقصود من المولى هنا هو المحب والناصر قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهم قبل كلّ شيء : " ألست أولى بكم من أنفسكم " ؟

فقالوا : بلى .

ثُمّ قال : " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " ، ليفهم القوم ومن يأتي بعدهم بأنّ الولاية هنا هي الحاكمية والأولوية بالناس من أنفسهم ، وتعيين صاحب الاختيار التام فيهم .

وفي هذه الواقعة قال حسّان بن ثابت أبياته المعروفة :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * نجم واسمع بالرسول مناديا

فقال : فمن مولاكم ونبيّكم ؟ * فقالوا ولم يبدو هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا * ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

فقال له : قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه * فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا اللّهم وال وليّه * وكن للذي عادى عليّاً معاديا (3)


1) - مسند أحمد 1 : 184 .

2) - انظر : مسند أحمد 4 : 370 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 109 .

3) - المناقب للخوارزمي : 136 .

ومن هذا المنطلق تبلورت عقيدة الشيعة وهي أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يترك أمر الخلافة من بعده ، بل عيّن الإمام عليّ ( عليه السلام ) ولياً وإماماً من بعده .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مشيراً إلى الإمام عليّ ( عليه السلام ) : " والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " (1).

ومن هنا بذل " فاكراموكو " غاية جهده لتوعية الناس وإنقاذهم من الجهل وبيان الحقائق لهم .

واستقبل الناس التشيّع برحابه صدر ; لأنّهم لم يكونوا متعصبين ، بل كانوا يعيشون حسب الفطرة ، وبمجرد أن سمعوا نداء الحقّ ، وتبيّن لهم الرشد اتّبعوا ، وتمسّكوا بالثقلين القرآن والعترة ; ليعصموا بذلك أنفسهم من الضلال .


1) - الدر المنثور للسيوطي 6 : 379 .

(69) كوليبالي سياكا( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F19

ولد عام 1391 ه‍ ، ( 1972 م ) ، في ساحل العاج ، ونشأ في أسرة مالكية المذهب ، واصل دراسته حتّى المرحلة الثانوية ، ثُمّ درس العلوم الدينية وفقاً للمذهب المالكي .

بدأت قصّة استبصاره بعد ذهابه إلى المركز الثقافي اللبناني الواقع في مدينة آبيدجان لمواصلة الدراسة ، والتعرّف على العقائد الشيعية .

بدأ يطرح " كوليبالي " المسائل الخلافية التي تخطر على باله مع مسؤول المركز ، فكان المسؤول يعطيه الإجابات الكافية والمقنعة ، ويرشده إلى مراجعة المصادر السنية المؤيّدة لقول الشيعة .

كيف تعامل الشيعة معنا ؟

يقول " كوليبالي " : كنّا مع باقي أتباع السنّة نمارس أعمالنا المذهبية وفقاً للمذهب السني في المركز الثقافي ، ولم نواجه أيّ لون من ألوان التعصّب للعقائد الشيعية من قبل مسؤول المركز ، بل كان المسؤول يعرض علينا عقائد الشيعة بهدوء وتأنّي وبدون استعجال أو استفزاز .

لماذا لا تأخذ الشيعة بمذاهب أهل السنّة ؟

قرأ " كوليبالي " بعض الكتب الشيعية من قبيل : المراجعات ، عقائد الإمامية ، " ثُمّ اهتديت " ، فتأثّر بهذه الكتب ، ومن أهم المواضيع الملفتة للنظر في كتاب المراجعات :

قال الشيخ سليم البشري للعلاّمة شرف الدين في المراجعة الخامسة :

" أخذت كتابك الكريم مبسوط العبارة ، مشبع الفصول ، مقبول الأطناب ، حسن التحرير ، شديد المراء ، قوي اللداد ، لم يألو يدّخر وسعاً في بيان عدم وجوب اتّباع شيء من مذاهب الجمهور في الأصول والفروع ، ولم جهداً في إثبات بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً .

فكتابك قوي الحجة في المسألتين ، صحيح الاستدلال على كلّ منهما ، ونحن لا ننكر عليك الإمعان في البحث عنهما ، واستجلاء غوامضها ، وإنّ لم يبق منّا التعرّض لهما صريحاً ، والرأي فيهما ما رأيت .

وإنّما سألناك عن السبب في إعراضكم عن تلك المذاهب التي أخذ بها جمهور المسلمين فأجبت بأنّ السبب في ذلك إنّما هو الأدلّة الشرعيّة ، وكان عليك بيانها تفصيلاً ، فهل لك أن تصدع الآن بتفصيلها من الكتاب أو السنّة أدلة قطعية تقطع - كما ذكرت - على المؤمن وجهته ، تحول بينه وبين ما يروم ، ولك الشكر والسلام .

فأجابه العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين :

إنّكم بحمد الله ممن تغنيه الكناية عن التصريح ، ولا يحتاج مع الإشارة إلى توضيح ، وحاشا لله أن تخالطكم - في أئمّة العترة الطاهرة - شبهة ، أو تلابسكم - في تقديمهم على من سواهم - غمّة ، وقد آذن أمرهم بالجلاء ، فأربوا على الأكفّاء ، وتميّزوا عن النظراء ، حملوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علوم النبيين ، وعقلوا عنه أحكام

الدنيا والدين .

ولذا قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأولى الألباب ، وسفناً للنجاة إذا طغت لجج النفاق ، وأماناً للأمّة من الاختلاف إذا عصفت عواصف الشقاق ، وباب حطة يغفر لمن دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها .

وقد قال أمير المؤمنين : فأين تذهبون وأنّى تؤفكون ؟ والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة فأين يتاه بكم ؟ ! بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهم أزمة الحقّ ، وأعلام الدين ، وألسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، وردوهم ورود الهيم العطاش .

أيها الناس خذوها من خاتم النبيين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنّه يموت من مات منّا وليس بميت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، وأعذروا من لا حجّة لكم عليه وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ، وأترك فيكم الثقل الأصغر ، وركزت فيكم راية الإيمان ؟ ! (1)

وقال ( عليه السلام ) انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإنّ نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا " (2).

وذكرهم ( عليه السلام ) مرة فقال : " هم عيش العلم وموت الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخافون الحقّ ولا يختلفون فيه ، هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ إلى نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية ، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل " (3).


1) - نهج البلاغة ، شرح محمّد عبده 1 : 153 ، رقم 87 .

2) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 189 ، رقم 98 .

3) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 2 : 232 ، رقم 239 .

وقال ( عليه السلام ) من خطبة أُخرى : " عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ، وشجرته خير الشجر نبتت في حرم وبسقت في كرم لها فروع طوال وثمرة لا تنال " (1).

وقال ( عليه السلام ) : : نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب ، ولا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقاً ، إلى أن قال في وصف العترة الطاهرة : " فيهم كرائم القرآن ، وهم كنوز الرحمن ، إنّ نطقوا صدقوا ، وإنّ صمتوا لم يسبقوا ، فليصدق رائد أهله ، وليحضر عقله " (2).

وقال ( عليه السلام ) في خطبة له : " واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه ، فالتمسوا ذلك من عند أهله ، فإنّهم عيش العلم ، وموت الجهل ، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، وصمتهم عن منطقهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق " (3).

إلى كثير من النصوص المأثورة عنه في هذا الموضوع نحو قوله ( عليه السلام ) : " بنا إهتديتهم في الظلماء ، وتسنّمتم العلياء ، وبنا انفجرتم عن السرار وقر سمع لم يفقه الواعية " (4).

وقوله : " أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ، وامتاحوا من صفو عين قد روقت من الكدر " (5).

وقوله : " نحن شجرة النبوّة ، ومحط الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 185 ، رقم 94 .

2) - المصدر السابق 2 : 43 ، رقم 154 .

3) - المصدر السابق 2 : 32 ، رقم 147 .

4) - المصدر السابق 1 : 38 ، رقم 4 .

5) - المصدر السابق 1 : 201 ، رقم 105 .

العلم وينابيع الحكم ، ناظرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة " (1).

وقوله : " أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى .

إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم - إلى أن قال عمن خالفهم - : " آثروا عاجلاً وأخروا آجلاً ، وتركوا صافياً ، وشربوا آجناً " (2).

وقوله : " فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيداً ووقع أجره على الله ، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله ، وقامت النيّة مقام إصلاته لسيفه " (3).

وقوله ( عليه السلام ) : " نحن النجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وحزبنا حزب الله عزّ وجلّ ، والفئة الباغية حزب الشيطان ، ومن سوّى بيننا وبين عدونا فليس منّا " (4).

وخطب الإمام المجتبى أبو محمّد الحسن السبط سيّد شباب أهل الجنّة فقال : " اتّقوا الله فينا فإنّا أمراؤكم " (5).

وكان الإمام أبو محمّد عليّ بن الحسين زين العابدين وسيّد الساجدين إذا تلا قوله تعالى : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) * (6)، يدعو الله عزّ


1) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1 : 215 ، رقم 109 .

2) - المصدر السابق 2 : 27 ، رقم 144 .

3) - المصدر السابق 2 : 133 ، رقم 190 .

4) - ينابيع المودّة 2 : 376 .

5) - مجمع الزوائد 9 : 172 .

6) - التوبة (9) : 119 .

وجلّ دعاءً طويلاً ، يشتمل على طلب اللحوق بدرجة الصادقين والدرجات العلية ، ويتضمّن وصف المحن وما انتحلته المبتدعة المفارقة لأئمّة الدين والشجرة النبوّية ، ثُمّ يقول " وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا ، واحتجّوا بمتشابه القرآن ، فتأوّلوا بآرائهم ، واتّهموا مأثور الخبر فينا - إلى أن قال - : فإلى من يفزع خلف هذه الأمّة ، وقد درست أعلام هذه الملّة ، ودانت الأمّة بالفرقة والاختلاف ، يكفّر بعضهم بعضاً والله تعالى يقول : * ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) * (1)- المراجعات ، العلاّمة عبد الحسين شرف الدين : 65 - 70 .(2)، فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة ، وتأويل الحكم ؟ إلاّ أعدال الكتاب ، وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، الذين احتج الله بهم على عباده ، ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة ، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة ، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وبرأهم من الآفات ، وافترض مودّتهم في الكتاب " (3).

هذا كلامه ( عليه السلام ) بعين لفظه ، فامعن النظر فيه ، وفيما تلوناه عليك من كلام أمير المؤمنين ، تجدهما يمثلان مذهب الشيعة في هذا الموضوع بأجلى مظاهره . واعتبر هذه الجملة من كلامهم نموذجاً لأقوال سائر الأئمّة من أهل البيت ( عليهم السلام ) فإنّهم مجمعون على ذلك ، وصحاحنا عنهم في هذا متواترة ، والسلام (3) .

إعلان الاستبصار :

أعلن " كوليبالي " استبصاره عام 1407 ه‍ ، ( 1987 م ) ، ثُمّ سافر إلى سوريا لإكمال دراسته الدينية ، وبعد التخّرج من الحوزة العلمية في سوريا عاد إلى مدينة آبيدجان ، وبدأ نشاطه الثقافي والإعلامي في المركز اللبناني الثقافي ، وأصبح من الخطباء والمبلغين والمدرسين . واستبصر العديد من الأشخاص على يده .


1) - آل عمران

2) : 105 .

3) - ينابيع المودّة 2 : 367 .

(70) لاسينا تراوري( مالكي / ساحل العاج )

ولد عام 1387 ه‍ ، ( 1968 م ) ، في مدينة آبيدجان عاصمة ساحل العاج ، ونشأ في أُسرة مالكيّة المذهب ، حاصل على الشهادة الثانويّة ، ثُمّ درس بعض الكتب الدينيّة وفق المذهب السنّي .

بدأت رحلته من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي بعد التحاقه بالمركز الثقافي اللّبناني في مدينة أبيدجان ، فتعرّف في ذلك المركز على المذهب الشيعي ، فاعتقد بأحقّيته بعد البحث والتحقيق ، وأعلن استبصاره سنة 1405 ه‍ ، ( 1985 م ) .

الأخلاق عند مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

قرأ " لاسينا تراوري " كتاب " الأربعون حديثاً " للإمام الخميني ( رحمهم الله ) فتأثّر به ، وتعرّف من خلال هذا الكتاب على كلام أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في خصوص الفضائل والرذائل النفسيّة ، فوجد المدرسة الشيعيّة غنيّة جدّاً في مجال علم الأخلاق ، فجذبه ذلك نحو المزيد من البحث حول مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وعمل " لاسينا " خلال بحثه بالآداب التي تعلّمها من كتاب " الأربعون حديثاً " في خصوص طلب العلم والبحث والحوار مع الآخرين .

المراء والجدل :

قرأ " لاسينا " في كتاب " الأربعون حديثاً " حديثاً حول المراء والجدل قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " طلبة العلم ثلاثة ، فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل ، فصاحب الجهل والمِراء موذ ممار متعرّض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع ، فدقّ الله من هذا خيشومه ، وقطع منه حيزومه ، وصاحب الاستطالة والختل ذو خبّ وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره ، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنّك في برنسه وقام اللّيل في حِندسه ، يعمل ويخش وجلاً داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، مستوحشاً من أوثق إخوانّه ، فشدّ الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه " (1).

وذكر الإمام الخميني ( رحمهم الله ) في شرحه لهذا الحديث فصلاً حول مفاسد المِراء والجدال جاء فيه :

ورد في الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) : قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " إيّاكم والمِراء والخصومة فإنّهما يمرضان القلوب على الإخوان ، وينبت عليهما النفاق " (2).

والمراء والخصومة في المقال ، يمرضان القلب ، ويسيئان نظرة الإنسان إلى أصدقائه ، ويبعثان النفاق في القلب .

ولا يخفى أنّ الأعمال الظاهريّة تترك آثاراً في الباطن والقلب ، متناسبة مع تلك الأعمال ، ونقول هنا بأنّ تأثير الأعمال السيّئة في القلب أسرع وأكثر ; لأنّ


1) - الكافي 1 : 49 ، كتاب فضل العلم ، باب النوادر ، ح 5 .

2) - الكافي 2 : 300 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب المراء والخصومة ، ح 1 .

الإنسان نتاج عالم الطبيعة - المادّة - وأنّ القوى الشهويّة والغضبيّة والشيطانيّة ترافقه وتتصرّف فيه ، كما ورد في الحديث : " إنّ الشيطان يجرى مجرى الدم من بني آدم " (1).

ولهذا يتّجه القلب نحو المفاسد ، والأُمور المنسجمة مع الطبيعة ، ولدى وصول أقل عون ومدد من الخارج مثل أعضاء الإنسان أو الصديق المنحرف السيّء ، يتحقّق الأثر الشديد في القلب ، كما ورد النهي في الروايات الشريفة عن الصداقة والمؤاخاة مع المنحرفين .

قال الإمام عليّ ( عليه السلام ) : " لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر فإنّه يزيّن له فعله ، ويحبّ أن يكون مثله ، ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده ، ومدخله إليه ومخرجه من عنده شين عليه " (2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا ينبغي للمرء المسلم أن يواخي الفاجر ولا الأحمق ولا الكذّاب " (3).

والنكتة المهمّة في النهي عن مخالطة أهل المعصية ، أو الحضور إلى مجلس يعصى الله فيه ، أو التوادّ والتحابّ مع أعداء الله ، هي من تأثير أخلاق العصاة والمنحرفين وسلوكهم في الإنسان .

والأهمّ من كلّ ذلك هو تأثّر روح الإنسان من أعمال نفسه ، فإنّ في ممارسة قليلة للأعمال السيّئة ، تأثير كبير على الروح ، بحيث لا يتيسّر ولا يمكن التنزّه من تلك الآثار وتطهير الروح منها عبر سنين طويلة .

فالإنسان لو انصرف إلى المراء والخصومة ، لحصلت بعد فترة ظلمة موحشة في القلب ، وأفضت الخصومة اللّسانيّة الظاهريّة إلى الخصومة القلبيّة الباطنيّة .


1) - بحار الأنوار 60 : 268 .

2) - الكافي 2 : 640 ، كتاب العشرة ، باب من تكره مجالسته ، ح 2 .

3) - المصدر السابق : ح 3 .

وهذا هو السبب الكبير للنفاق والتلوّن ، فلا بدّ من معرفة أنّ مفاسد النفاق تعود إلى مفاسد المراء والجدال أيضاً .

وذكر الإمام الصادق ( عليه السلام ) آثاراً وعلائم لصاحب الجهل والمراء منها : إيذاء الناس ، وسوء مجلسه ، وهذه من الصفات الذميمة والمفاسد التي تكون سبباً مستقلاً لهلاك الإنسان .

وفي الحديث الشريف المنقول من الكافي " من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة " (1).

ومنها : المراء والتصدّي للحديث والبحث العلمي لأجل التغلّب على الآخرين ، وإظهار علمه .

وأمّا جعله صلوات الله وسلامه عليه ، المراء علامة على المراء ، فيمكن أن يكون المقصود من المراء الأوّل - في كلامه ( عليه السلام ) - الصفة القلبيّة وملكته الخبيثة ، ومن المراء الذي هو آية وعلامة - المراء الثاني - الأثر الظاهر من المراء .

ومنها : أن يظهر الإصّاف بالحلم رغم أنّه غير ملتزم به ، وهذا هو النفاق وذو الوجهين والرياء والشرك ، كما أنّ إظهار الخشوع من الخلو من الورع ، من أوضح مصاديق الشرك والرياء والنفاق والتلوّن .

فلمّا علمنا أنّ لهذه الصفة - المراء - مساوئ عظيمة ، وأنّ كلّ واحدة منها توجب الموبقات والمهلكات ، وجب إنقاذ أنفسنا بالترويض والجهد من هذه الخصلة المشينة ، والرذيلة المفسدة للقلب ، المدمّرة للإيمان ، وتطهير النفس من هذه الظلمة والغبرة ، وتزيين القلب وجلائه بخلوص النيّة وصدق الباطن .

إذن الويل لنا نحن أصحاب المراء والجدال ، وذوي الأهواء النفسيّة والخصومات ، حيث ابتلينا بهذه النفس الخبيثة التي لا تعرف الرحمة والحنان ،


1) - الكافي 2 : 352 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب من آذى المسلمين : ح 8 .

والتي لا تتركنا إلى أن تهلكنا في جميع النشآت والعوالم ، ولم نبادر لإصلاحها إطلاقاً ، لقد صممنا آذاننا ولم نستيقظ من سباتنا العميق الباعث على التوغّل في عالم المادّة .

آثار المراء :

إنّ للمراء آثار أشار إليها الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، ومن هذه الآثار :

1 - الخدعة والاحتيال على الناس ، فإنّه يجعل نفسه من أهل الصلاح ، في حين أنّه لم يكن في الحقيقة منهم ، وهؤلاء الناس ذئاب في زيّ الحمل الوديع ، وشياطين في هيكل الإنسان ، وأنّهم أسوأ خلق الله ، وإساءتهم إلى دين الناس أكثر من إساءة جيوش المخالفين الأعداء .

2 - التزلّف والتواضع تجاه من يطمعون فيه ، وينصبون له شرك التدليس والتملّق حتّى يصيدوا البسطاء من الناس ، ويستفيدوا من حبّهم الدافئ الجميل ، وقربهم واحترامهم الدنيوي ، فهم يدفعون بدينهم وإيمانهم ، كي يستفيدوا من دنياهم .

3 - التكبّر على أبناء نوعهم وأمثالهم الذين لا يطمعون فيها دنيويّاً ، ولكنّهم يعتبرونهم عثرات في طريق تقدّمهم ، ويترفّعون عليهم ويحقّرونهم مهما أمكن من سلوكهم وأقوالهم ، لأنّهم يخشون أن ينافسوهم يوماً من الأيّام ، ويقلّلون من اعتباراتهم .

ويضيف صاحب كتاب " الأربعون حديثاً " : يجب على طلاّب العلوم الدينيّة ، والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر ، أن يكون أوّل ما يضعونه بعين الاعتبار ، إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة ، ويفضّلوه مهما أمكن على كلّ شيء ; لأنّه أوجب كلّ الواجبات العقليّة والفرائض الشرعيّة وأصعبها .

فيا طلاّب العلوم الإسلاميّة ، والكمالات والمعارف ، استيقظوا من نومكم ،

واعلموا أنّ الله قد أتمّ الحجّة عليكم أكثر وسيحاسبكم أشدّ ويكون ميزان أعمالكم وعلومكم مغايراً كلّياً لميزان كافّة العباد ، وصراطكم أرقّ وأدقّ ومحاسبة الله لكم أعظم الويل لطالب العلم ، عندما يبعث علمه في قلبه الظلمة والكدرة ، كما نشعر نحن بأنّنا إذا حصلنا على بعض المفاهيم الناقصة والمصطلحات التي لا طائل منها .

توقّفنا عن متابعة طريق الحقّ ، وتحكّم فينا الشيطان والنفس ، وانثنينا عن طريق الإنسانيّة والهداية ، وغدت هذه المفاهيم الحقيرة حجابنا الغليظ ، ولا منجي لنا إلاّ اللّجوء إلى الذات المقدّس تعالى .

سمات أهل العلم :

قرأ " لاسينا " في كتاب " الأربعين حديثاً " أيضاً أنّ لأصحاب العلم والذين يقصدون التفقّه في الدين وإدراك الحقائق علامات - أشار إليها الإمام الصادق ( عليه السلام ) - أهمّها :

أنّه ينجم عن هذا العلم في قلبه الحزن والهمّ والانكسار ، ومن الواضح أنّ هذا الانكسار والفزع لا يكون لأجل الأُمور الدنيويّة الدنية الزائلة ، بل إنّه ناجم عن الخوف من المعاد ، والتقصير في وظائف العبوديّة .

وأنّ الانكسار والحزن مضافاً إلى أنّهما ينيران القلب ويجليانه ، يكونان مبدأً لإصلاح النفس ، ومنشأً للنهوض بوظائف العبوديّة .

وأنّ هذا النور - نور القلب - يسلب السكون والقرار في النفس ، ويعرّف قلبه على الحقّ سبحانه وعلى دار كرامته ، ويجعله مستمتعاً في مناجاته مع الحقّ المتعالي فيحيي لياليه ويقوم بوظائف العبوديّة .

ومن علامات هذا العالم الربّاني أنّه رغم قيامه الكامل بوظائف العبوديّة يعيش حالة الفزع ; لأنّ نور العلم يهديه إلى أنّه كلّما أدّى وظائفه ، يشعر بأنّه قاصر أو مقصّر ، وأنّه لا يستطيع أن يخرج من مسؤوليّة شكر نعمه وحقيقة عبادته ، فيكون

قلبه مملوءاً من الخوف والخشية وقد قال تعالى : * ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) * (1)(2).

تهذيب النفس تمهيداً للاستبصار :

هذّب " لاسنا " نفسه وفق تعاليم أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثُمّ جاهد نفسه فهداه الله تعالى سواء السبيل ، وقد قال تعالى : * ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) * (3).

فأعلن استبصاره عام 1405 ه‍ ، ( 1985 م ) ، ثُمّ توجّه نحو نشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وكان يحاول " لاسينا " خلال دعوته أن يدفع الآخرين أولاً إلى القيام بتطهير قلوبهم وأنفسهم من شوائب الرذائل النفسيّة ; لتكون أنفسهم مستعدّة أولاً لتقبّل الحقّ بعد نبذ الهوى والتمسّك به بعد نبذ التعصّب .

وبهذا تمكّن " لاسينا " من إقناع العديد من الأشخاص - سواء كانوا من أقربائه أو أصدقائه - بأحقيّة مذهب التشيّع وعدم براءة الأمّة عند اتّباع الفرق الإسلاميّة الأُخرى .


1) - فاطر (35) : 28 .

2) - الأربعون حديثاً ، الإمام الخميني : الحديث الثالث والعشرون : 415 - 429 ، ( بتصرّف ) .

3) - العنكبوت (29) : 69 .

(71) لاسينا جباتي( مالكي / ساحل العاج )

ولد في " سامبيدرو " من مدن دولة ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكيّة المذهب ، حصل على الشهادة المتوسّطة باللغة الفرنسيّة ، ثُمّ أخذ شهادة الدبلوم في الخياطة ، وتوجّه إلى مهنة الخياطة ، وأصبح خيّاطاً معروفاً وذا نفوذ كبير بين الناس .

استبصر عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في مدينة " غراند بسام " إحدى مدن ساحل العاج على أثر قراءته لكتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني .

الصحابة وصلح الحديبية :

عرف " لاسينا " من خلال قراءته لكتاب " ثُمّ اهتديت " حقيقة الصحابة الذين كان يعتبرهم خطوط حمراء ، وكان يضفي عليهم هالة من القداسة والجلال التي لا يجوز المسّ منها بنقد أو توجيه إشكال .

ولكن عرف " لاسينا " بأنّ للصحابة مخالفات كثيرة للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منها ، مخالفتهم له في صلح الحديبية .

ومجمل القصّة كما قرأها " لاسينا جباتي " في كتاب ثُمّ اهتديت : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج في السنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من

أصحابه ، فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب ، وأحرم هو وأصحابه بذي الحليفة ، وقلّدوا الهدى ليعلم قريشاً أنّه إنّما جاء زائراً معتمراً وليس محارباً ، ولكن قريشاً بكبريائها خافت أنْ يسمع العرب بأنّ محمّداً دخل عنوة إلى مكّة وكسر شوكتها ، فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ودّ العامري ، وطلبوا منه أنْ يرجع في هذه المرّة من حيث أتى على أنْ يتركوا له مكّة في العام القادم ثلاثة أيّام ، وقد اشترطوا عليه شروطاً قاسية قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التي أوحى بها إليه ربّه عزّ وجلّ .

ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرّف من النبيّ ، وعارضوه في ذلك معارضة شديدة ، وجاء عمر بن الخطّاب فقال : ألست نبي الله حقّاً ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : بلى .

قال عمر : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : بلى .

قال عمر : فلمَ نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّي رسول الله ، ولست أعصيه وهو ناصري .

قال عمر : أولست كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوّف به ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : بلى ، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام .

قال عمر : لا .

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : فإنّك آتيه ومطوّف به .

ثُمّ أتى عمر بن الخطّاب إلى أبي بكر ، فقال : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي الله حقّاً ؟

قال : بلى ، ثُمّ سأله عمر نفس الأسئلة التي سألها رسول الله ، وأجابه أبو بكر بنفس الأجوبة قائلا له : أيّها الرجل إنّه لرسول الله ، وليس يعصي ربّه وهو ناصره

فاستمسك بعذره (1).

ومراجعة عمر مرّة ثانية لأبي بكر غريبة جدّاً ، فكأنّ عمر بن الخطّاب ، لم يطمئنّ بكلام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهل يثق بكلام أبي بكر ويطمئنّ له أكثر من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ !

ولا نعلم لماذا يغضب عمر من كلام النبيّ ، ولا يغضب من كلام أبي بكر عندما أجابه نفس الجواب .

وعلى كلّ حال فإنّا نعود الآن لتكملة الحديث إذ جاء فيه : لمّا فرغ رسول الله من كتاب الصلح ، قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثُمّ أحلقوا ، فوالله ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلمّا لم يمتثل لأمره منهم أحد ، فدخل خباءه ثُمّ خرج فلم يكلّم أحداً منهم بشيء حتّى نحر بُدنةً بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلمّا رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضاً " (2).

تعجّب " لاسينا " عند قراءته لهذه الواقعة ، واستغرب من فعل الصحابة ، فإذا كان الصحابة تصدر منهم مثل هذه المخالفة للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا يبعد إذن صدور مخالفة أخرى منهم له .

وأهل السنّة يقولون بأنّ الصحابة كانوا يمتثلون دائماً أوامر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكنّ هذه الواقعة تكذّب مدّعاهم وتبيّن بأنّ الصحابة لم يأتمروا دائماً بأوامر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وتصرّف الصحابة هذا غير هيّن وغير مقبول ولا يمكن تأويله وقد قال تعالى : * ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) * (3).


1) - صحيح البخاري 3 : 182 ، كتاب الشروط .

2) - صحيح البخاري 3 : 182 ، كتاب الشروط .

3) - النساء (4) : 65 .

فهل سلّم عمر بن الخطّاب هنا ، ولم يجد في نفسه حرجاً ممّا قضى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ ! أم كان في موقفه تردّد فيما أمر النبيّ ؟ وخصوصاً في قوله : أولست نبيّ الله حقّاً ؟ أولست كنت تحدّثنا ؟

وهل سلّم بعد ما أجابه رسول الله بتلك الأجوبة المقنعة .

كلا لم يقتنع بجوابه ، وذهب يسأل أبا بكر نفس الأسئلة ، وهل سلّم بعدما أجابه أبو بكر ونصحه أنْ يلزم عذر النبيّ ، لا أدري إذا كان سلّم بذلك أو اقتنع بجواب النبيّ أو بجواب أبي بكر !

فالله وحده ورسوله يعلم ما هي الأعمال التي عملها عمر ، ولا أدري سبب تخلّف البقيّة الباقية من الحاضرين بعد ذلك إذ قال لهم رسول الله : قوموا فانحروا ثُمّ احلقوا ، فلم يستمع إلى أمره أحد منهم ، حتّى كرّرها عليهم ثلاث مرّات بدون جدوى .

ويضيف التيجاني السماوي : سبحان الله ! أنا لا أكاد أصدّق ما أقرأ ، وهل يصل الأمر بالصحابة لهذه الحدّ في التعامل مع أمر الرسول ، ولو كانت هذه القصّة مرويّة من طريق الشيعة وحدهم لعددتُ ما قالوا افتراءً على الصحابة الكرام ، ولكن القصّة بلغت من الصحّة والشهرة أن تناقلها كلّ المحدّثين من أهل السنّة والجماعة أيضاً ، وبما أنّني ألزمت نفسي توثيق ما اتّفقوا عليه ، فلا أراني إلاّ مسلماً متحيّراً :

ماذا عساني أنْ أقول ؟

وبماذا اعتذر عن هؤلاء الصحابة الذين قضوا مع رسول الله قرابة عشرين عاماً من البعثة إلى يوم الحديبية ، وهم يشاهدون المعجزات وأنوار النبوّة ؟ والقرآن يعلّمهم ليلاً ونهاراً كيف يتأدّبون مع حضرة الرسول وكيف يكلّموه ، حتّى هدّدهم

الله بإحباط أعمالهم إن رفعوا أصواتهم فوق صوته (1).

اقتنع " لاسينا " بكلام التيجاني السماوي ، ودفعته هذه الحقائق إلى التأمّل في موروثاته العقائديّة ، وما يبعث الباحث على المزيد من التأمّل قول التيجاني بعد ذكره لقضيّة صلح الحديبية : يدفعني إلى الاحتمال بأنّ عمر بن الخطّاب هو الذي أثار بقيّة الحاضرين ، ودفعهم إلى التردّد والتخلّف عن أمر الرسول زيادة على اعترافه بأنّه عمل لذلك أعمالاً لم يشأ ذكرها . ما يردّده في موارد أخرى قائلا : ما زلت أصوم وأتصدّق ، وأصلّي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلّمت به . . . إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية (2)، ممّا يشعرنا بأنّ عمر نفسه كان يدرك بُعد الموقف الذي وقفه ذلك اليوم " (3).

إعادة النظر في الموروثات العقائديّة :

تأثّر " لاسينا جباتي " بصورة عامة بكلام الدكتور التيجاني السماوي وبكتبه ولا سيما كتاب " ثُمّ اهتديت " ، وكان هذا الأمر محفزاً له لإعادة النظر في قناعاته الموروثة .

وبعد فترة من مواصلة البحث توصّل " لاسينا " إلى أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المذهب الحقّ ، فاتّخذ قراره النهائي وأعلن استبصاره عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) .


1) - انظر : ثُمّ اهتديت ، الدكتور التيجاني السماوي : 93 - 95 .

2) - تاريخ الطبري 2 : 280 .

3) - ثُمّ اهتديت ، الدكتور التيجاني السماوي : 95 .

(72) لاسين تودي( سني / ساحل العاج )

الصورة

F20

ولد عام 1387 ه‍ ، ( 1968 م ) ، في مدينة دوكوي ، بدولة ساحل العاج ، حاصل على الشهادة الثانوية ، نشأ في أسرة مالكيّة المذهب ، ثُمّ تأثّر بالتيار الوهابي ، ثُمّ استبصر عام 1413 ه‍ ، (1993) ، في مدينة آبيدجان .

يقول " لاسين " حول قصّة استبصاره : ما زلت أذكر كيف أخذني والدي معه إلى مدرسة أهل السنّة وأنا على مذهب أهل السنّة .

وفي سنة 1404 ه‍ ، ( 1984 م ) ، سافرت إلى " دلوهي الثالثة " عاصمة كوت ديفوار ، ثُمّ أدخلني عمّي مع ابن عمّي إلى المدرسة الوهابية ، فبقيت فيها مدّة ثلاث سنوات ، وقرأت في هذه المدرسة علم الحديث والتاريخ الإسلامي مع التأكيد على تاريخ الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان ، ولكن لم ندرس حول الإمام عليّ ( عليه السلام ) شيئاً .

وسافرت بعد ذلك إلى مدينة " بواكي " ، وبقيت فيها مدّة خمس سنوات ، ثُمّ سافرت إلى مدينة آبيدجان عاصمة ساحل العاج ، ثُمّ ذهب إلى حوزة أهل البيت ( عليهم السلام ) في " كوماسي " عند الشيخ زكريا .

وكان أستاذنا الشيخ يذكر الإمام عليّ ( عليه السلام ) كثيراً ، ثُمّ يقول بعد ذكر اسمه :

" عليه السلام " ، فاستغربت من ذلك ، وسألته ذات يوم لماذا نقول : " عليه السلام " بعد ذكر عليّ بن أبي طالب ؟ قال : لأنّه يمتاز عن البقيّة بخصائص تجعلنا تميّزه عن الآخرين بهذه الطريقة .

ثُمّ أعطاني كتاب " ثُمّ اهتديت " للدكتور التيجاني السماوي ، فأخذته إلى البيت ، فلمّا قرأت مقداراً منه تفاجأت ، وعرفت بحوادث تاريخية لم أسمعها من قبل ، وعرفت مخالفة الإمام عليّ ( عليه السلام ) مع أبي بكر وعمر ، واعتزاله عنهم ، وعدم تأييده لخلافتهم ، وإعراضه عنهم ذهبت في اليوم الثاني إلى الأستاذ وقلت له : أيّهما أفضل أبو بكر أم عليّ ؟

قال الإمام عليّ ( عليه السلام ) أفضل .

قلت : لماذا ؟

قال : لأنّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) وفق آية المباهلة هو نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّ " حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق " (1)، حتّى قال بعض الصحابة " ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم لعلي " (2).

استغربت كثيراً من كلام الأستاذ ، ثُمّ واصلت جلساتي مع الأستاذ حتّى انكشف لي بأنّ المسألة ليست مسألة الأفضلية بين الإمام عليّ ( عليه السلام ) وبين أبي بكر ، وإنّما المسألة هي حقّ وباطل ، وقد غصب أبو بكر الخلافة بمساعدة عمر بن الخطّاب من صاحبها الحقيقي وهو الإمام عليّ ( عليه السلام ) الذي اصطفاه الله ورسوله للإمامة والخلافة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


1) - ينابيع المودّة 3 : 41 .

2) - الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي 1 : 185 .

مناقشة أدلّة أهل السنّة على إمامة أبي بكر :

أهل الأدلّة التي يعتمد عليها أهل السنّة لإثبات إمامة أبي بكر هي كما جاء في كتاب شرح المواقف ما نصّه :

" . . . الإمام الحقّ بعد رسول الله هو عندنا أبو بكر ، وعند الشيعة عليّ " ثُمّ يشير إلى بعض الأدلّة أوّلها كما يلي :

الأوّل : أن طريقة [ أي : طريق تعيين الإمام ] إمّا النص أو الإجماع ، أمّا النص فلم يوجد ، وأمّا الإجماع فلم يوجد على غير أبي بكر اتّفاقاً من الأمّة . . . الإجماع منعقد على حقّية إمامة أحد الثلاثة : أبي بكر وعليّ والعبّاس ، ثُمّ إنّهما لم ينازعا أبا بكر ، ولو لم يكن على الحقّ لنازعاه " (1).

وجد " لاسين " بعد البحث بأنّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) عارض بشدّة خلافة أبي بكر ، ولم يبايعه فترة طويلة حتّى استشهدت زوجته فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

وبقي الإمام عليّ ( عليه السلام ) بعيداً عن الأجواء السياسية إلاّ في الحالات النادرة التي كان يشعر وجود فائدة وأثر من أمره بالمعروف والنهي عن المنكر .

ولمّا اجتمع الناس حول الإمام عليّ ( عليه السلام ) وبايعوه للخلافة بعد مقتل عثمان فتصدّى الإمام للخلافة .

والخطبة الشقشقية للإمام معروفة في بيان مظلوميته بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

مناقشة أدلّة أهل السنّة على أفضلية أبي بكر :

ذهب بعض أهل السنّة بأنّ أبا بكر أفضل من الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وهذا ما يثبت شرعية خلافة أبي بكر .


1) - شرح المواقف 8 : 354 .

ومن أدلّتهم : قوله تعالى : * ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَد عِندَهُ مِن نِّعْمَة تُجْزَى ) * (1).

فذهب بعض أهل السنّة إلى أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر ، فيُستنتج أفضلية أبي بكر ، ولكن عندما يراجع الباحث إلى أقوال المفسّرين يجد أقوالاً ثلاثة حول شأن نزول هذه الآية :

القول الأوّل : إنّ الآية عامّة للمؤمنين ولا اختصاص لها بأحد .

القول الثاني : إنّ الآية نزلت في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة المذكورة في كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور (2).

القول الثالث : فهو أن الآية نازلة في أبي بكر .

إذن القول بأنّ هذه الآية نازلة في أبي بكر هو أحد الأقوال الثلاثة ، ولكن لو دققنا النظر في سند هذا القول لرأيناه سنداً ضعيفاً .

فالرواية التي يعتمد عليها القول الثالث يرويها الطبراني ، ويرويها عنه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ، ثُمّ يقول : فيه [ أي : في سند هذه الرواية ] مصعب ابن ثابت ، وفيه ضعف (3).

ويتبيّن هذا ضعف ما استدل به لإثبات أفضلية أبي بكر ، بل كيف يكون أبو بكر أفضل من الإمام عليّ ( عليه السلام ) وقد سجد نصف عمره للأصنام وعبد الأوثان ؟ ! ولكن الإمام عليّ ( عليه السلام ) لم يسجد لصنم قط ، ولهذا يقول القوم عند ذكرهم للإمام عليّ ( عليه السلام ) : " كرّم الله وجهه " .


1) - الليل (92) : 17 - 19 .

2) - الدر المنثور 6 : 358 .

3) - مجمع الزوائد 9 : 51 .

(73) محمّد إسحاق كوني( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F21

ولد عام 1383 ه‍ ، ( 1964 م ) ، في مدينة آزوبية في ساحل العاج ، نشأ في أسرة مالكيّة المذهب ، حاصل على الشهادة الثانوية ، له مطالعات دينيّة عديدة ، ومارس نشاطاً دينياً متعدداً ، فكان إماماً للجماعة في إحدى المساجد ، وهو مؤسّس ومدير مدرسة المنارة الإسلاميّة في مدينته ، ومارس التبليغ للدين بطرق مختلفة .

يقول الاُستاذ " محمّد إسحاق " : كنت أدرس كتاب " الثمرة الدانية على رسالة القيرواني " فقال أستاذنا أثناء الدرس : لا يجوز لأحد السؤال عن أفعال الصحابة لأنّهم كلّهم عدول !

سألت الأستاذ : لماذا ؟ وما هو الدليل على هذا القول ؟

أجابني : للصحابة دور مهم في حفظ الإسلام ونقله إلى التابعين ومن بعدهم ؟

قلت له : ما هو الإشكال أنْ نبحث عن الصحابة لنأخذ ديننا من صلحاء الصحابة دون غيرهم .

قال الأستاذ : الصحابة كلّهم عدول !

قلت : ما هو الدليل على ذلك ؟

فجعل الأستاذ يلفّ ويدور ، ويحذّر من البحث في هذا المجال ، فلم أقتنع من إجاباته ، وبدأت هذه المسألة تدور في ذهني عساني أجد لها حلاً يشفي غليلي .

عرفت أهل البيت ( عليهم السلام ) :

يقول " محمّد إسحاق " ( عليهم السلام ) طالعت كتاب " نور الأبصار في مناقب آل البيت النبيّ المختار " تأليف الشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي ، وكان ممّا حفّزني على قراءة هذا الكتاب بدقّة أنّني وجدت المؤلّف يقول في مقدّمته :

" أصاب عيني رمد فوفقني الله الفرد الصمد لزيارة السيّدة نفيسة بنت سيدي حسن الأنور ، فزرتها وتوسّلت بها إلى الله وبجدّها الأكبر في كشف ما أنا فيه وإزالة ما أكابده وأقاسيه ، ونذرت أن شفاني الله لأجمعنّ كليمات من كتب السادة الأعلام تشتمل على ذكر بعض مناقب أهل بيته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الكرام .

فمضى زمن يسير وحصل الشفاء فأخذت في الأسباب وعزمت على الوفاء " (1).

وجد " محمّد إسحاق " خلال قراءته للباب الثاني وذكر الإمام الحسن والحسين ( عليهما السلام ) وباقي الأئمّة الاثني عشر ، بأنّ لهؤلاء العترة مقام ومنزلة رفيعة عند الله تعالى .


1) - نور الابصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 5 .

أهل البيت ( عليهم السلام ) وآية المباهلة :

إنّ المقصود من أهل البيت الذين نزلت في حقّهم الآيات القرآنية هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وجاء في كتاب نور الابصار : " . . . هذا ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين أراد المباهلة هو ووفد نجران ، كما ذكره المفسّرون في تفسير آية المباهلة ، وهي قوله تعالى : * ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) * (1).

. . . قال المفسرون : لمّا قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هذه الآية على وفد نجران ، ودعاهم إلى المباهلة ، قالوا حتّى نرجع وننظر في أمرنا ، ثُمّ نأتيك غداً .

فلمّا خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب ، وكان كبيرهم ، وصاحب رأيهم : ما ترى يا عبد المسيح ؟

قال : لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل ، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن . . .

فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد أحتضن الحسين ، وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعليّ يمشي خلفها ، والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول لهم : إذا دعوت فأمّنوا .

فلمّا رآهم أسقف نجران قال : يا معشر النصارى ، إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أنْ يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة .

فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا أنْ لا نباهلك ، وأن نتركك على دينك وتتركنا


1) - آل عمران (3) : 61 .

على ديننا . . .

فصالحهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على [ ما تعهدوا العمل به ] (1).

أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أهل الكساء :

ورد في كتاب نور الأبصار : " أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله ، ثُمّ جاء الحسين فأدخله ، ثُمّ فاطمة ثُمّ عليّ ، ثُمّ قال : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (2).

وفي ذلك دليل على نبوّته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلى فضل أهل الكساء . . . (3).

أهل البيت ( عليهم السلام ) وآية الموّدة :

قال الشبلنجي في كتابه نور الأبصار : " ما قدّمناه من أنّ أهل البيت هم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين هو ما جنح إليه الفخر الرازي في تفسيره . . . وعبارته عند تفسير قوله تعالى : * ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (4).

روي أنّها لمّا نزلت قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟

قال : " عليّ وفاطمة وإبناهما " .

ويدلّ له ما روي عن عليّ رضي الله عنه : شكوت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حسد الناس لي : فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة ، أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين ، وأزواجنا على إيماننا وشمائلنا ، وذريتنا خلف أزواجنا " .

وعن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي ، فأنا أجازيه عليها


1) - نور الأبصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 168 - 169 .

2) - الأحزاب (33) : 33 .

3) - نور الأبصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 169 .

4) - الشورى (42) : 23 .

غداً إذا لقيني يوم القيامة " (1).

أهل البيت ( عليهم السلام ) وآية التطهير :

جاء أيضاً في كتاب نور الأبصار : " روى من طرق عديدة صحيحة أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين . . . ثُمّ لفّ عليهم كساء ، ثُمّ تلا هذه الآية : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (2).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " اللّهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس ، وطهّرهم تطهيرا " .

وفي رواية : " اللّهم هؤلاء آل محمّد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد كما جعلتها على إبراهيم إنّك حميد مجيد " .

. . . وعن أنس : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد نزول هذه الآية . . . كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر ، يقول : الصلاة أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا " .

وفي رواية . . . أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جاء أربعين صباحاً إلى دار فاطمة يقول : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، الصلاة رحمكم الله إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا " .

وفي رواية له عن ابن عبّاس : سبعة أشهر (3).

فضل أهل البيت ( عليهم السلام ) :

قرأ " محمّد إسحاق كوني " في كتاب نور الأبصار حول فضل أهل


1) - نور الابصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 169 .

2) - الأحزاب (33) : 33 .

3) - نور الأبصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 170 .

البيت ( عليهم السلام ) :

جاء في فضلهم وشرفهم آيات وأحاديث ، فمن الآيات زيادة على ما سبق ، ما أخرجه الثعلبيّ في تفسير قوله تعالى : * ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا ) * (1)- مريم (19) : 96 .(2)، عن جعفر الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : نحن حبل الله .

وأخرج بعضهم عن محمّد الباقر ( عليه السلام ) في قوله تعالى : * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) * (3)- البينة (98) : 7 .(4)، أنّه قال : أهل البيت هم الناس .

وأخرج بعضهم عن محمّد بن الحنفية في قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) * (3) ، أنّه قال : لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ودّ لعليّ وأهل بيته ، وذكر النقاش أنّها نزلت في عليّ رضي الله عنه .

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : لمّا نزلت هذه الآية : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * (4) ، قال لعليّ : هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين .

وعن أنس بن مالك في قوله تعالى : * ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) * (5)، قال : عليّ وفاطمة رضي الله عنهما * ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) * (6)، قال : الحسن والحسين (7).


1) - آل عمران

2) : 103 .

3) - النساء

4) : 54 .

5) - الرحمن (55) : 19 .

6) - الرحمن (55) : 22 .

7) - نور الأبصار : مؤمن بن حسن الشبلنجي .

موقف الشافعي من أهل البيت ( عليهم السلام ) :

جاء في كتاب نور الأبصار : إنّ الإمام الشافعي قيل له : إنّ أناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة تذكر لأهل البيت ، فإذا رأوا أحداً يذكر شيئاً من ذلك قالوا : تجاوزوا عن هذا فهو رافضي ، فأنشأ الشافعي . . . يقول :

إذا في مجلس نذكرُ عليّاً * وسبطيه وفاطمة الزكيّة

يقال : تجاوزوا يا قوم هذا * فهذا من حديث الرافضيّة

برئت إلى المهيمن من أناس * يرون الرفض حبّ الفاطميّة

وقال :

قالوا : ترفضت قلت : كلاّ * ما الرفض ديني ولا اعتقادي

لكن توليت غير شك * خير إمام خير هادي

إنْ كان حبّ الولي رفضاً * فإنّني أرفض العبادِ

وقال :

يا راكبا قف بالمحصب من مِنى * واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كملتطم الفرات الفائض

إنْ كان رفضاً حبّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي

موقف لعلماء آخرين من أهل البيت ( عليهم السلام ) :

قال الحسين بن جبير :

أحبّ النبيّ المصطفى وابن عمّه * عليّاً وسبطيه وفاطمة الزهراء

هم أهل البيت أذهب الرجس عنهمُ * وأطلعهم أفق الهدى أنجماً زهراء

موالاتهم فرض على كلّ مسلم * وحبّهمُ سنى الذخائر للأخرى

ولبعضهم :

هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وإنزال

مناقب في الشورى وفي هل أتى أتت * وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي

وهم آل بيت المصطفى فودادُهم * على الناس مفروض بحكم وإسجال

وقال آخر :

هم القوم من أصفاهم الودَّ مخلصاً * تمسّك في أخراه بالسبب الأقوى

هم القوم فاقوا العالمين مناقباً * محاسنهم تجلى وآثارهم تروى

موالاتهم فرض وحبّهم هدى * وطاعتهم وودهمُ تقوى

وللشافعي أيضاً :

آل النبيّ ذريعتي * وهم إليه وسيلتي

أرجو بهم أعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي

وحكى أنّ بعض الوعّاظ أطنب في مدح آل البيت الشريف ، وذكر فضائلهم حتّى كادت الشمس أنْ تغرب ، فالتفت إلى الشمس وقال مخاطباً لها :

لا تغربي يا شمس حتّى ينقضي * مدحي لآل محمّد ولنسله

واثني عنانك إن أردت ثناءهم * أنسيت إذ كان الوقوف لأجله

إن كان لمولى وقوفك فليكن * هذا الوقوف لفرعه ولنجله

وما أحسن قول ابن الوردي ناظم البهجة :

يا أهل بيت النبيّ من بُذلت * في حبّكم روحه فما غبنا

من جاءكم يطلب الحديث له * قولوا لنا البيتُ والحديث لنا

قال الشيخ الشعراني : وما أحسن ما أورده الشيخ الأكبر في الفتوحات :

فلا تعدل بأهل البيت خلقاً * فأهل البيت هم أهل السيادة

فبغضهم من الإنسان خسرٌ * حقيقي وحبّهم عباده (1)

لقائي ببعض الشيعة :

يقول " محمّد إسحاق كوني " : سافرت عام ( 1993 م ) ، إلى العاصمة آبيدجان لحضور حفل افتتاح الجمعية الإسلاميّة المقام من قبل الحكومة ، وكان بين المدعوّين أتباع المذهب الشيعي ، فاغتنمت الفرصة والتقيت ببعضهم ، وسألتهم عن مذهبهم ، فأعطوني عدّة كتب ، منها كتاب المراجعات ، وكتب التيجاني السماوي .


1) - نور الأبصار ، مؤمن بن حسن الشبلنجي : 176 - 178 .

وبعد رجوعي إلى البيت بدأت بمطالعة هذه الكتب ، وتأثّرت بها كثيراً ، وانفتحت أمامي آفاق جديدة من العلوم والأحاديث وحوادث التاريخ الإسلامي ، وعرضت هذه الكتب على أحد أساتذتي ، وبعض أصدقائي فقرؤوها وتأثّروا بها ، وقالوا : إنّها كتب حقّ ، ولكن احذر الفتنة ، فعرفت أنّهم يقدمون مصالحهم الشخصيّة على الحقّ ، وأنّهم غير مستعدين للتضحية في سبيل الدفاع عن الحقّ .

مناظرتي مع شيخ وهابي :

يقول " محمّد إسحاق كوني " ، حصلت لي مناظرة مع شيخ وهابي عام ( 1995 م ) ، وكان ذلك في إحدى المساجد الوهابيّة ، حضرت فيها فرأيت خطيبهم يشنّع ضدّ الشيعة ويلصق بهم تهم وافتراءات ما أنزل الله بها من سلطان ، فطلبت منه بيان المصادر التي يعتمد عليها في حديثه ضدّ الشيعة .

قال لي : الشيعة كفرة !

قلت له : كيف تكفّر الشيعة وهم يحبّون أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟

قال : الشيعة تقول بخيانة جبرئيل و . . .

قلت : هل يمكنك أن تدلّني على كتاب شيعي واحد فقط جاء فيه ما تقول ؟

قال : إنّما قرأت ذلك في كتبنا فقط ، وأنا لا أقرا الكتب الشيعيّة .

قلت : لكنّني أرى بأنّ الطريقة الصحيحة في تقييم المذهب تتمّ عن طريق قراءة كتب المذهب ، ولا يصحّ الاعتماد على كتب أعداء الشيعة لمعرفة الشيعة .

قال : لا يستبعد ذلك من الشيعة .

قلت : الشيعة عقلانية وعدليّة ، فكيف تقول بخيانة جبرئيل ، وهذا يتنافى مع العدل الإلهي ، وكيف سكت الله عن جبرئيل وترك الأمر ولم تصدر منه مخالفة بعد ذلك ، ثُمّ قلت له : لماذا لا تقرأ كتب الشيعة .

قال : كتب الشيعة كلّها بدع ، وعندهم قرآن غير قرآننا ، يسمّى مصحف فاطمة .

قلت : هل رأيته ؟

قال : لا .

قلت : هل لك أنْ تقرأ لي جملة واحدة من مصحف فاطمة ؟

قال : دعنا عن الأمور التي تحتاج إلى مصادر ، وأجبني عن الأمور الظاهرة عند الشيعة ، فلماذا يسجد الشيعة للتربة ؟

قلت : لا يسجدون للتربة ، وإنّما يسجدون على التربة .

ثُمّ قلت له : برأيك أيّهما أفضل ، السجود على التراب أم السجود على السجاد ؟

قال : السجود على التربة أفضل .

قلت : وهذا ما يفعله الشيعة ، فإنّهم يخصّصون قطع من الطين المجفف في مساجدهم وبيوتهم ليسجدوا عليها ولا يكون سجودهم على ما يؤكلّ أو يُلبس .

قال لي الشيخ الوهابي : ما تقوله ليس كلام الشيعة ، وإنّ الشيعة تذهب إلى غير ما تقوله أنت .

قلت له : أنا مستعدّ لآتيك بكتب الشيعة ، وأبيّن لك بأنّ ما قلته لك من كتبهم .

التفاف الناس حوله :

التف الناس حول " محمّد إسحاق كوني " بعد انتشار خبر مناظرته مع شيخ الوهابية وبدؤوا يسألونه حول العقائد الجديدة .

فاغتنم " محمّد إسحاق " هذه الفرصة ، وبدأ ينشر التشيّع وعلوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وبدأ يرفع مستوى وعي الناس في المجال العقائدي .

هجرته إلى إيران :

تعرّف " محمّد إسحاق كوني " على أحد المستبصرين ، فشجّعه ذلك المستبصر على الهجرة إلى إيران والالتحاق بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة ، ليسجّل اسمه في الدورة المكثّفة .

قبل " محمّد إسحاق " اقتراح ذلك المستبصر ، وبذل جهده لتحقّق سفره إلى إيران ، فوفقه الله تعالى لذلك ، فدخل في هذه الدورة المكثفة ، ثُمّ عاد إلى بلده محمّلاً بالعلم والمعرفة والثقافة ، وواصل نشاطه الإعلامي لنشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(74) محمّد جارا( مالكي / ساحل العاج )

الصورة

F22

ولد عام 1398 ه‍ ، ( 1978 م ) ، في ساحل العاج منطقة " أزوبى " ، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب حتّى منّ الله تعالى عليه باعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

المدّ الشيعي في عقر ديارنا :

يقول " محمّد جارا " يسرّني في هذه البقعة الكريمة " مدينة قم المقدّسة " أن أبيّن كيفية استبصاري في جمهورية ساحل العاج في مدينة " آبيدجان " .

كنت من أتباع العقيدة الوهابية في حارة " يوبو غانا وساكرى " آبيدجان ، ساحل العاج ، وكنت طالباً في المدرسة الوهابية .

كان في المدرسة عالم لبناني يُدعى " مسلم " يلقي علينا بين الحين والآخر محاضرات دينية تدور مواضيعها حول عالم البرزخ وعذاب يوم القيامة ، ولم يكن يتطرّق حول المواضيع العقائدية المذهبية والخلافات الطائفية بين السنّة والشيعة .

وذات يوم سمعنا بأنّ أحد أساتذة المدرسة يطلب من مدير المدرسة بطرد هذا العالم اللبناني من المدرسة بذريعة أنّه شيعي ، وأنّه يعمل على تغيير الطلبة ودفعهم إلى الاستبصار والانتقال إلى المذهب الشيعي .

فقال المدير للأستاذ : بأنّنا لم نر من هذا العالم ما يشير إلى تحركّه المذهبي

أو نشر أفكاره ، وبإمكاننا استمالته وجذبه إلى المذهب الوهابي .

واستمر الحال على هذا المنوال لفترة ، وكان الأستاذ دائماً يقصد العالم اللبناني ويتحاور معه في الأمور المذهبية .

وبعد فترة انتشر خبر تشيع هذا الأستاذ على يد العالم اللبناني ، وسمّى الأستاذ نفسه بالشيخ المهتدي ! فلمّا علم المدير بهذه القضية - وبدأ الشيخ المهتدي ينشر أفكار التشيّع في المدرسة - بادر الأستاذ إلى عدم فسح مجال مجيئه ومجيئ العالم اللبناني إلى مدرستنا ، وسمعنا بعدها أنّ ، الشيخ المهتدي فتح مدرسة شيعية ، فكنا نقصدها ونشارك في محاضرات الشيخ المهتدي لنستمع إلى ما يقول حبّاً للاستطلاع . علم مدير مدرستنا بذلك ، فجمعنا وقال لنا : أمنعكم جميعاً منعاً باتاً من الذهاب والمشاركة في جلسات الشيخ المهتدي ; لأنّه أصبح يعبد الأحجار ، ويسجد للأحجار ، ولا يغسل قدميه عند الوضوء ، وهؤلاء الشيعة يقولون : بأن سيّدنا جبرئيل أخطأ في أداء الرسالة وإيصالها إلى الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، وأعطاها اشتباهاً إلى النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّهم يقولون : بأنّ القرآن الذي بين أيدينا ناقص ، وعندهم سورة الولاية ، ويفضلّون الإمام عليّ ( عليه السلام ) على الرسول الأعظم ، وبلغ حبّهم للإمام عليّ ( عليه السلام ) حدّ الغلو فجعلوا يعبدوه ، وأنّهم عند صلاتهم على النبيّ يصلون عليّ عليّ ويقولون : " اللّهم صل على محمّد وعليّه " .

فلمّا سمعت هذا من فم المدير انفعلت وتأسّفت كثيراً ، وقلت في نفسي : هذا الشيخ المتديّن الذي كنّا نصلّي خلفه في شهر رمضان نوافل التهجد والتراويح وهو يبكي حين الصلاة كيف ساءت عاقبته ، وضلّ عن الدين ، وأصبح ممن يعبد الأحجار و . . .

وبعد أن أتمّ المدير كلامه التوجيهي قال : ندعو الله على هذا الشيخ حتّى يموت جائعاً فلعنه الجميع بكلّ فنون اللعن ، وأنا كنت أدعو عليه في كلّ صلواتي ، ولا سيّما بين الإقامة وتكبيرة الإحرام ، وعند سجود الشكر .

بعد انتهاء الجلسة قصدت البيت فوراً لأخبر أختي بما آل إليه أمر الشيخ المهتدي التي كانت تترك نومها اللذيذ وتقصد المسجد بشوق ، ولا يمنعها أيّ ما نع حتّى المطر الشديد من قصد المسجد لتصلّي وراء هذا الشيخ .

فلمّا أخبرتها بالأمر بكت وطلبت من الله تعالى لنفسها حسن العاقبة .

لقاءاتي المتواصلة مع الشيخ المهتدي :

بدأت من ذلك الحين أشعر برغبة كبيرة وتلهّف لمعرفة المذهب الشيعي وعقائده وأفكاره ، فقررت الذهاب خفية إلى الشيخ المهتدي والاستماع إلى الأدلّة التي أدّت إلى تشيّعه .

فذهبت يوماً مع أحد أصدقائي الطلبة إلى الشيخ المهتدي ، وتناقشنا معه حول عدّة مواضيع ، منها : الوضوء ، فبيّن لنا الشيخ أقوال علماء الفريقين ، وكان حوله مجموعة كتب ، وكان حين بيانه للأدلة يرفع كتاباً من جهة اليمين ويرينا المصدر ، ويرفع تارة كتاباً من جهة الشمال ويدلّنا على المصدر ، ولم يكن من بين جميع تلك الكتب كتاباً واحداً شيعياً .

وكنت متفاعلاً معه ، ومؤيّداً له على خلاف صديقي الذي كان لا يخالفه دائماً ، ويشكك في كلامه بتشكيكات واهية .

خرجت مع صديقي من عند الشيخ المهتدي وأنا متعب ومرهق جدّاً ، فقلت لصديقي : ما رأيك بكلام الشيخ والأدلّة التي بيّنها ؟

قال : كلّ ما قاله أباطيل ، ثُمّ أبدى استغرابه منّي لتقبّل أقواله خلال الجلسة وتأييده ، وقال : سأخبر المدير بذلك !

فقلت له : أنا لم أؤيّده قلباً ، وإنّما أيّدته من باب المجاملة ، وطلبت منه أن لا يخبر المدير ، ولكنه مع الأسف أخبر المدير ، فاستدعاني المدير ووبّخني ، وأخبر أمي وأختي بذلك ، وحذّرني من الذهاب إلى الشيخ ، وقال لأمي وأختي : عليكما

بمراقبته ; لأنّني أراه على حافة حفرة من نار !

وتجاوز المدير بعد ذلك معي حدّ الاعتدال ، وكان يأمل من ضغوطاته الشديدة أن يمنعني من زيارة الشيخ المهتدي ، ولكن تركت أفعاله ردود فعل عكسية ، حفزّتني بشدّه إلى معاندة المدير وزيارة الشيخ المهتدي خّفية بصورة متواصلة والحوار معه حول مختلف المواضيع الدينية .

وكان أسلوبي في جلساتي مع الشيخ المهتدي أنّني أطرح موضوعاً دينياً ، فيتكلّم الشيخ حوله مدّة معينة ويطرح أدلّته مع توثيقها من الكتب ، وكان دوري الاستماع فقط وكتابة أهم ما يقوله ، ثُمّ يأتي دور السؤال والجواب ودرء الشبهات .

وكنت أذهب بعد ذلك مباشرة إلى أحد أساتذتنا اسمه " عثمان تروري " من جمهورية مالي ، وهو وهابي ، وكان عالماً كبير يعتمد عليه جميع الطلبة ، فكنت أقدم له العقيدة الشيعية باختصار مع بيان الأدلّة والبراهين ، وأطلب منه تفنيدها ، وكنت أبين له مصدر الأدلّة مع ذكر الجزء والصفحة ، وكان بعض الأحيان لا يمتلك المصادر فأحضرها له وأدلّه على محل الشاهد ، فيقرأه ويستغرب ولا يقول شيئاً ، ولكنه كان بصورة عامة يبيّن أدلّة عقائد مذهب أهل السنّة ، وكنت أنا بدوري أكتب ما يقوله واحتفظ به .

ومن هنا بدأت أقارن بين أدلّة الطرفين ، وكانت النتيجة أنّني وجدت كلام الشيخ المهتدي أقرب إلى الحقّ ، ولكن لم تطاوعني نفسي قبول ذلك .

الحيرة بين هذا وذاك :

يقول " محمّد جارا " : بقيت حائراً بين البقاء على المذهب السني أو الانتقال إلى المذهب الشيعي ، وكنت أرى بأنّ أهل السنّة أكثر من الشيعة فكان هذا الأمر يدعوني لاتّباع الأكثرية ، ولكنني عرفت بعد ذلك من خلال قراءتي للقرآن بأنّ الأكثرية لا تمثّل الحقّ ، بل الأكثر به دائماً تتبع الأهواء .

ومن هذا المنطلق بدأت أعيش حالة تأنيب الضمير ، فكنت أقوم بالفرائض الدينية وفق المذهب السني ، ولكنني غير واثق من قبولها عند الله تعالى .

آية المباهلة :

بحثت ذات يوم مع صديقي " عثمان " آية المباهلة وهي قوله تعالى : * ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) * (1).

فقلت لصديقي : الشيعة تقول : إنّ " أبناءنا " في الآية هما الحسن والحسين ، وأنّ " نساءنا " هي فاطمة الزهراء ، والمقصود من " أنفسنا " هو الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، فما هو رأيكم في هذا ؟

وكان صديقي " عثمان " متخرّجاً من مدرسة التربية الإسلاميّة ، وكان إماماً لصلاة التهجد في شهر رمضان في المسجد الكبير من مدينة " سيكاسو " جمهورية مالي ، فأجابني : يا محمّد ، أكثرت عليّ السؤال ، وأنا أخشى من إجابتك بغير علم ، فأكون كاذباً ، ولهذا أمهلني حتّى أراجع صحيح البخاري ومسند أحمد بن حنبل ، ثُمّ آتيك بالجواب .

وبعد أسبوع ذكّرته بالموضوع ، فبيّن لي تفاسير أهل السنّة حول الآية ، وقال : لا تدلّ هذه الآية على لزوم إمامة الإمام عليّ بلا فصل بعد رسول الله ، وطلب منّي مناقشة أدلّة الشيعة حول إمامة الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

فقلت له : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في واقعة الغدير : " من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " (2).

ثُمّ سألت صديقي : هل تعتقد بصحة هذه الواقعة ؟


1) - آل عمران (3) : 61 .

2) - مسند أحمد 4 : 370 ، حديث زيد بن أرقم .

قال : نعم .

قلت : فما هو تفسيركم لهذا الحديث ؟

قال : لم يقصد الرسول من هذا الحديث أن يكون إماماً على المسلمين بعده ، بل أراد أن يظهر حبّه للإمام عليّ أمام الجماهير !

قلت له : قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للناس : " ألست أولى بكم من أنفسكم " (1)، ثُمّ قال : " من كنت مولاه . . . " ، فهذه قرينة صريحة أنّ المقصود من الولاية في هذا الحديث هي " أولى الناس بأنفسهم " وليس المقصود المحبّة .

قال : سأراجع المزيد من كتب العلماء ، وأبيّن لك ما قالوه حول هذا الحديث .

ومضت فترة ، ولكنه بدأ يتجنّب معي الحديث حول الأمور الدينية ، ويحاول أن تقتصر معي الحديث حول القضايا العامة والأحوال الشخصية .

وقال لي صديقي ذات يوم : أخي " محمّد " ، أنت إنسان بكلّ معنى الكلمة ، ولك مستقبل ممدوح ، وأنا أحبّك ، وأريد لك الخير ، ولهذا أحذّرك من الشيعة ، وأخشى أن يفسدوا عليك دينك ، فرجائي منك أن تبتعد عنهم ; لأنّهم أقوياء في المناقشة ، وأقوياء في المنطق والفلسفة .

حواري مع مدير المدرسة :

التقيت ذات يوم بمدير المدرسة ، فتجرّأت وقلت : لماذا غضبت الزهراء على أبي بكر وادّعت أنّه منعها ميراثها ؟

قال : إنّ أبا بكر لم يمنع فاطمة حقّها ; لأنّ إيمانه لا يسمح له بذلك ، بل عمل بحديث ورد عن الرسول حيث قال صلّى الله عليه وسلّم : " نحن معاشر الأنبياء لا


1) - المعجم الكبير ، الطبراني 5 : 195 .

نورث ما تركناه صدقة " (1).

قلت له : فلماذا غضبت الزهراء عليه ؟ وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذا الغضب .

قال : ما يهمّنا أنّ أبا بكر لم يرتكب في حقّ فاطمة خطأً .

قلت : فهل غضبت الزهراء عليه اعتباطاً أو خطأً ؟ وقد قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني " (2).

فاستاء المدير وقال : يبدو أنّك تذهب خفية عند الشيخ المهتدي ؟ !

قلت : هل رأيتني أذهب إليه ؟ !

قال إذن بدأت تقرأ كتبه ومقالاته ؟ !

ومن هنا عرفت أنّ مدير المدرسة وزمرته لا يمتلكون الأدلّة ، بل يتّبعون أهواءهم ، ولا يريدون حقّاً .

ثُمّ قال لي المدير : هل تعلم - يا محمّد - لماذا نمنعكم من قراءة كتب الشيعة ؟

قلت : لا أدري .

قال : لأنّها مسحورة ، وكلّ من يقرأها يقع في فخ هذا السحر ، فيتأثّر بها ، ولهذا تجد ازدياد عدد المتشيعين في منطقتنا ، فلا تنخدع بكلامهم وأحذّرك من سحرهم !

سفري إلى بواكي :

" بواكي " مدينة كبرى في ساحل العاج ، وتعدّ مركزاً للوهابية ، فسافرت إليها عام 1412 ه‍ ، ( 1992 م ) ، لألتحق بمدرسة دار الحديث التي تعد من أكبر المدارس


1) - تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير 3 : 362 .

2) - صحيح البخاري 4 : 21 ، باب مناقب المهاجرين وفضلهم .

الوهابية في غرب أفريقيا .

قضيت ثلاث سنوات في هذه المدرسة ثُمّ مرضت ، فعدت إلى العاصمة وبعد العلاج ، واصلت دراستي فيها ، ثُمّ عملت في بيت شخص لبناني لمراقبة أبيه ورعايته والاعتناء به . .

ثُمّ واصلت لقاءاتي مع الشيخ المهتدي ، فأهداني كتاب " ثُمّ اهتديت " فلمّا قرأته ، انجذبت إليه بشكل غير طبيعي ، فقرأته مرّة أخرى ، ومرّة أخرى ، وكان ذلك شهر رمضان 1415 ه‍ ، ( 1995 م ) ، ثُمّ تعرّفت على بعض الشيعة ، فأعطوني أشرطة محاضرات دينية .

وبمرور الزمان تبلورت قناعتي الكاملة بأحقّية التشيّع ، وتمكّنت من الغلبة على أهوائي النفسية ، فأعلنت تشيّعي بصورة قاطعة ، وآمل أن يوفّقني الله تعالى لنشر علوم آل محمّد ( عليهم السلام ) .

(75) محمّد فاكراموكو دومبيا( سنّي / ساحل العاج )

ولد عام 1384 ه‍ ، ( 1965 م ) ، في غراند بسام ، إحدى مدن ساحل العاج ، نشأ في أجواء سنيّة المذهب ومتأثّرة بالوهابيّة ، حصل على الشهادة الثانويّة باللغة العربيّة ، وكان يحبّ مطالعة الكتب الدينيّة ، وهذا ما دعاه إلى الاستبصار ، حيث أملت عليه الأدلّة والبراهين أحقيّة المذهب الشيعي ، فأعلن استبصاره عام 1414 ه‍ ، ( 1994 م ) ، في آبيدجان ، وتوجّه نحو التبليغ ، إضافة إلى عمله في الصعيد التجاري .

الإمامة الإلهيّة :

عَرف " محمّد فاكراموكو " خلال مطالعاته بأنّ الإمامة بيد الله عزّ وجلّ ، والإمامة كالنبوّة لا يعود أمرها إلى الناس ، فكما لا يستطيع الناس اختيار نبي لأنفسهم كذلك لا يستطيعون اختيار إمام لأنفسهم ، بل الإمامة لا تكون إلاّ بالاصطفاء الإلهي .

وأبرز شاهد على ذلك أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما أمره الله بتبليغ الرسالة إلى الناس وقال تعالى له : * ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) * (1)، بادر الرسول إلى دعوة القبائل إلى


1) - الحجر (15) : 94 .

الإسلام ، وورد أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ ، وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يُقال له بحيرة بن فراس : والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثُمّ قال : أرأيت إنْ نحن بايعناك على أمرك ، ثُمّ أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء " .

فقال له : أفتهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه (1).

ومن هذا الموقف يمكننا الاستنتاج بأنّ الإمامة إلى الله يضعها حيث شاء ، وليست الإمامة بيد العباد ليختاروا لأنفسهم من شاؤوا .

الإمامة جعل إلهي :

يجد الباحث المتأمّل في قوله تعالى خطاباً لإبراهيم : * ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) * (2).

وقوله تعالى خطاباً لداود : * ( إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ ) * (3)، أنّ الإمامة جعل إلهي ، وهي كالنبوّة والرسالة .

وقال تعالى : * ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * (4).

ولهذا عندما خرج الرسول من نطاق الدعوة السريّة ودخل في دائرة الدعوة العلنيّة التي بدأها بدعوة أقربائه كان أوّل ما فعل التعريف بإمامة الإمام عليّ ( عليه السلام )


1) - تاريخ الطبير 2 : 84 .

2) - البقرة (2) : 124 .

3) - ص (38) : 26 .

4) - القصص (28) : 68 .

من بعده ، كما كان آخر ما فعل قبل التحاقه الرفيق الأعلى أنّه طلب دواةً وقرطاساً ليكتب للناس كتاباً لا يضلّوا من بعده أبداً ، ولكنّ القوم منعوه من كتابة ذلك ، لأنّهم علموا بأنّ الرسول يريد التأكيد على التمسّك بالثقلين كتاب الله وعترة الرسول وسيّد العترة هو الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، فقال عمر بن الخطّاب : " حسبنا كتاب الله " (1).

وبهذا ابتعد أهل السنّة من عترة الرسول ، ولكن عندما عرف " محمّد فاكراموكو " حقيقة الأمر ، ترك ما كان عليه وتمسّك بالقرآن والعترة ، وأعلن استبصاره عام ( 1994 م ) .


1) - صحيح البخاري 7 : 9 ، كتاب المرضى .

(76) ويدروغو يونس( حنبلي / ساحل العاج )

ولد في آبيدجان عاصمة جمهورية ساحل العاج ، حاصل على شهادة الدبلوم ، نشأ في أسرة حنبلية المذهب ، ثُمّ استبصر عام 1412 ه‍ ، ( 1992 م ) ، في " كماسى " ، نتيجة تعرّفه على أحد المبلغين الشيعة يُدعى الشيخ " بامبا عثمان " ، فبيّن له الشيخ " بامبا عثمان " الكثير من الحقائق التاريخية ، وكشف له أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بالأدلّة والبرهان .

ومن هذا المنطلق توجّه " ويدروغو " نحو البحث والتحقيق ، وطالع العديد من الكتب الشيعية ، وكان من جملة الكتب التي تأثّر بها كتب آية الله الشيخ جعفر السبحاني ، وكتب الدكتور التيجاني السماوي ، فأعلن استبصاره ، وتوجّه نحو تبليغ المذهب الشيعي ، فأصبح إمام الشباب الشيعة في حارته " يوبوغن " .

العدل الإلهي :

تعرّف " ويدروغو " خلال مطالعته لكتب آية الله جعفر السبحاني على الكثير من الحقائق الدينية من مصادرها النقيّة والمروية عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن جملة الحقائق مسألة العدل الإلهي فعرف الفرق بين معتقد أهل السنّة والسنّة في هذا المجال خلال قراءته لكتب آية الله الشيخ جعفر السبحاني ولا سيّما

كتابه الإلهيات .

وأساس الاختلاف يكمن في مسألة الحسن والقبح ، ولا شك أنّ معنى الحسن والقيح واحد ، ولكن للحسن والقبح ملاكات مختلفة ، إذا عرفناها فسنعرف محل الاختلاف حول العدل الإلهي .

ملاكات الحسن والقبح :

ذكر العلماء للحسن والقبح أربع ملاكات وهي عبارة عن :

الملاك الأوّل : ملائمة الطبع ومنافرته .

مثال ذلك : المنظر الجميل فإنّه يلائم الطبع ، ولهذا يقال عنه : بأنّه حسن .

والمنظر الباعت للاشمئزاز فإنّه ينافر الطبع ، ولهذا يقال عنه : بأنّه قبيح .

الملاك الثاني : موافقة الغرض والمصلحة ومخالفتهما .

وتنقسم الأغراض والمصالح إلى نوعين :

أ - الأغراض والمصالح الشخصية .

ومثال ذلك : قتل عدو الإنسان يعدّ حسناً عنده ; لأنّه يوافق غرضه ومصلحته ، ولكن هذا الأمر قبيح لأهل المقتول وأصدقائه ; لأنّه يخالف غرضهم ومصالحهم .

ب - الأغراض والمصالح النوعية .

ومثال ذلك : العدل فإنّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهو حسن .

وبما أنّ الظلم مخلّ للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح .

الملاك الثالث : كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاناً لها .

مثال ذلك : العلم والجهل .

فالعلم زين للنفس ، والجهل شين لها ، وكذا : الشجاعة والجبن ، وغيرها من

كمالات النفس ونقائصها .

الملاك الرابع : ما يوجب مدح الفاعل وذمّه عند العقل .

وذلك بملاحظة الفعل من حيث إنّه مناسب لكمال وجودي للموجود العاقل المختار أو نقصان له ، فسيقول العقل بحسنه ووجوب فعله ، أو قبحه ووجوب تركه ، وهذا كما إذا لاحظ العقل جزاء الإحسان بالإحسان ، فيحكم بحسنه وجزاء الإحسان بالإساءة فيحكم بقبحه ، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار وبعضها الآخر نقص له فيحكم بحسن الأوّل وقبح الثاني .

محلّ النزاع بين العدلية والأشاعرة :

لم يقع أي نزاع في الحسن والقبح بالملاك الأوّل والثالث ، وكذلك في الحسن والقبح بملاك الغرض والمصلحة الشخصيين ، وأمّا الغرض والمصلحة النوعيان فإنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين يعلّلون حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان ، باشتمال الأوّل على مصلحة عامة والثاني على مفسدة كذلك . وهذا الملاك في الحقيقة من مصاديق الملاك الرابع كما لا يخفى أدلّة المثبتين والنافين .

أوّلاً : أدلّة المثبتين :

استدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بوجوه عديدة أهمّها :

الدليل الأوّل : وهو ما أشار إليه المحقق الطوسي بقوله : " ولإنتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً " .

توضيحه : أنّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل ، بحيث كان العقل مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب فلا إشكال في أنّ ما أخبر الشارع عن حسنه حسن ، وما أخبر عن قبح قبيح ، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح والشارع منزّه

عن ارتكاب القبيح .

وأمّا لو لم يستقل العقل بذلك ، فلو أخبر الشارع بحسن فعل أو قبحه فلا يمكن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتّى نعتقد بمضمون أخباره ونستكشف منه حسن الفعل أو قبحه ، وذلك لاحتمال عدم صدق الشارع في إخباره ، فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد ، وإثبات قبح الكذب بإخبار الشارع عن قبحه مستلزم للدور .

الدليل الثاني : وهو ما ذكره العلاّمة الحلي بقوله :

" لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من الله تعالى شيء ، ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين ، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوّة ، فإنّ أي نبي أظهر المعجزة عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوّة " (1).

والغريب أنّ الفضل بن روزبهان حاول الإجابة عن هذا الدليل بقوله :

" عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه قبيحاً عقلاً ، بل لعدم جريان عادة الله الجاري مجرى المجال العادي بذلك " (2).

فعند ذلك لا ينسدّ باب معرفة النبوّة ; لأنّ العلم العادي حاكم باستحالة هذا الإظهار .

يلاحظ عليه : أنّه من أين علم بتلك العادة ، وأنّه تعالى لا يجري الإعجاز على يد الكاذب ؟

ولو كان التصديق متوقّفاً على إحرازها لزم أن يكون المكذّبون بنبوّة نوح أو من قبله ومن بعده معذورين في إنكارهم لنبوّة الأنبياء ، إذ لم تثبت عندهم تلك


1) - نهج الحقّ وكشف الصدق : 84 .

2) - محاضرات في الإلهيات 1 : 248 .

العادة ; لأنّ العلم بها إنّما يحصل من تكرّر رؤية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين .

ثانياً : أدلّة النافين :

الدليل الأوّل : قالوا : لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين ، لكن التالي باطل بالوجدان .

ويلاحظ عليه أوّلاً : أنّه يجوز التفاوت في الإدراكات البديهية ، فالأوّليات مستقدمة على المشاهدات وهي على الفطريات وهكذا ، فوجود التفاوت بين البديهيات لا ينافي بداهتها .

وثانياً : نفي كون الحكم بحسن فعل أو قبحه بديهياً لا يدل على نفي كونه عقلياً ، فإنّ نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم ، فمن الجائز أن يكون العقل مستقلاً بحسن فعل أو قبحه لكن بالتأمل والنظر ، فعلى فرض قبول ما ادّعى من التفاوت لا يجدي المنكر شيئاً .

الدليل الثاني : لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا ، أي : لما حسن القبيح ولما قبح الحسن ، والتالي باطل ، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح ، وذلك فيما إذا تضمّن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك والصدق إهلاكه .

فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله .

والجواب عنه : أنّ كّلاً من الكذب في الصورة الأولى والصدق في الصورة الثانية على حكمه من القبح والحسن ، إلاّ أنّ ترك إنقاذ النبيّ أقبح من الكذب ، وإنقاذه أحسن من الصدق ، فيحكم العقل بترك الصدق وارتكاب الكذب قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح ، فإنّ تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل .

الدليل الثالث : إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين دخالة في شؤون ربّ العالمين الذي هو مالك كلّ شيء حتّى العقل ، فله أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء ، ولازم القول بأنّ العقل حاكم بحسن بعض الأفعال وقبحه تحديد لملكه وقدرته سبحانه .

ويردّه : أن العقل ليس فارضاً على الله تعالى شيئاً ، وإنّما هو كاشف عن القوانين السائدة على أفعاله تعالى ، فالعقل يطالع أوّلاً صفات الله الكمالية كالغني الذاتي والعلم والقدرة الذاتيين ، ثُمّ يستنتج منها تنزهه عن ارتكاب القبائح ، وهذا كما أنّ العقل النظري يكشف عن القوانين السائدة على نظام الكون وعالم الطبيعة (1).

اعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

واصل " ويدروغو " قراءته لكتب آية الله الشيخ جعفر السبحاني وكتب الدكتور التيجاني السماوي ، ثُمّ استبصر نتيجة تعرّفه في هذه الكتب على الحقائق التي نوّرت بصيرته ودفعته في نهاية المطاف إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) - محاضرات في الإلهيات ، جعفر السبحاني ، تلخيص : عليّ الرباني الكلبايكاني : 155 - 160 ، ( بتصرّف ) .

(77) يوناتي إسحاق( مسيحي / ساحل العاج )

ولد في آبيدجان عاصمة ساحل العاج ، حاصل على شهادة البكالوريا ، نشأ في أسرة مسيحية ، ثُمّ تعرّف على الإسلام عن طريق الوهابيّين ، فأسلم ، ثُمّ واصل بحثه فكشف من خلال قراءة الكتب المتعددة ، والمقارنة بين المذاهب الإسلاميّة ، بأنّ الوهابية تيار فكري منحرف ، وهو تيار يكفّر جميع المسلمين ، وما يمتاز به هذا المذهب هو التمويل المادي الذي يتمتع به ، والذي يجعله أكثر قدرة على امتلاك القوّة الإعلامية .

الإيمان والكفر في الإسلام :

الإيمان هو الإذعان إلى الحقّ على سبيل التصديق له واليقين .

ويجد المتأمّل في آيات القرآن الكريم أنّ الإيمان ليس مجرّد العلم بالشيء والجزم بكونه حقّاً ، لوجود الكثير من الأشخاص الذين لهم علم بالحقّ ، ولكن لا يردعهم هذا العلم عن اتّباع هذا العلم عن اتّباع طريق الكفر والضلال ، وقد قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ

اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى ) * (1).

فتكشف هذه الآية وجود أشخاص تبيّن لهم الهدى ، ولكن لم يمنعهم هذا الكشف من الارتداد على أدبارهم والكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إذن معرفة الهدى شيء والإيمان شيء آخر .

وكما أنّ الإيمان ليس هو العلم ، فالإيمان أيضاً ليس هو العمل ; لأنّ الإنسان قد يعمل الصالحات ولكنّه يعيش حالة النفاق ولا إيمان له في قلبه .

وأمّا قول أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذا الخصوص هو كما قال الإمام عليّ ( عليه السلام ) : " الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان " (2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمني ، ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الأعمال " (3).

وسُئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً عن حدود الإيمان ، فقال ( عليه السلام ) : " شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، والإقرار بما جاء به من عند الله ، وصلاة الخمس ، وأداء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت ، وولاية ولينا ، وعداوة عدّونا ، والدخول مع الصادقين " (4).


1) - محمّد (47) : 25 - 32 .

2) - نهج البلاغة شرح محمّد عبده 4 : 50 ، حكمة 227 .

3) - معاني الأخبار : 187 ، باب معنى الإسلام والإيمان ، حديث 3 .

4) - الكافي 2 : 18 ، حديث 2 .

الإيمان الحقيقي :

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتّى يحبّ أبعد الخلق منه في الله ، ويبغض أقرب الخلق منه في الله " (1).

وورد عن جابر بن عبد الله بن حزام الأنصاري ، قال كنّا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذات يوم جماعة من الأنصار فقال لنا : " يا معشر الأنصار بوروا (2)أولادكم بحبّ عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فمن أحبّه فاعلموا أنّه لرشدة ، ومن أبغضه فاعلموا أنّه لغية " (3).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً .

ألا من مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له .

ألا من مات على حبّ آل محمّد مات تائباً .

ألا من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان .

ألا من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ، ثُمّ منكر ونكير .

ألا من مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها .

ألا من مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره باباً إلى الجنّة .

ألا من مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة .

ألا من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة .

ألا من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً على عينيه آيس من رحمة الله .


1) - تحف العقول : 369 .

2) - أي : اختبروا .

3) - الإرشاد 1 : 45 .

ألا من مات على بغض آل محمّد مات كافراً .

ألا من مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة " (1).

ومن هنا يكشف الباحث أن الإيمان والكفر له صلة بحبّ وبغض أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الكفر وخصائص الكافر :

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " كلّ معصية عصي الله بها بجهة الجحد والإنكار والاستخفاف والتهاون في كلّ ما دقّ وجلّ ، وفاعله كافر ومعناه معنى كفر ، من أيّ ملّة كان ومن أيّ فرقة كان بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات فهو كافر " (2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) حول حدود الكفر : " الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه ، فمنها : كفر الجحود ، والجحود على وجهين ، والكفر بترك ما أمر الله ، وكفر البراءة ، وكفر النعم .

فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول من يقول : لا ربّ ولا جنّة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم : الدهرية ، وهم الذين يقولون : * ( وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) * (3)، وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشي مما يقولون ، وقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * (4)، يعني بتوحيد الله تعالى ، فهذا أحد وجوه الكفر .

وأمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة ، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استقر عنده ، وقد قال الله عزّ وجلّ : * ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا


1) - الكشف والبيان ( تفسير الثعلبي ) 8 : 314 .

2) - تحف العقول : 330 .

3) - الجاثية (45) : 24 .

4) - البقرة (2) : 6 .

وَعُلُوًّا ) * (1)، وقال الله عزّ وجلّ : * ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) * (2)، فهذا تفسير وجهي الجحود . والوجه الثالث من الكفر كفر النعم ، وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان ( عليه السلام ) : * ( هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) * (3).

وقال : * ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) * (4).

وقال : * ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ) * (5).

والوجه الرابع : من الكفر ترك ما أمر الله عزّ وجلّ به ، وهو قول الله عزّ وجلّ : * ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * (6).

والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة ، وذلك قوله عزّ وجلّ يحكي قول إبراهيم ( عليه السلام ) : * ( كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) * (7)، يعني تبرأنا منكم ، وقال يذكر إبليس وتبرئته من أوليائه من الإنس يوم


1) - النمل (27) : 14 .

2) - البقرة (2) : 89 .

3) - النمل (27) : 40 .

4) - إبراهيم (14) : 7 .

5) - البقرة (2) : 152 .

6) - البقرة (2) : 84 - 85 .

7) - الممتحنة (60) : 4 .

القيامة : * ( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ) * (1).

وقال : * ( إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا ) * (2)، يعني يتبرأ بعضكم من بعض " (3).

مقارنة بين العقيدتين :

قارن " يوناتي إسحاق " بين عقيدة أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وعقيدة الوهابية ، فوجد الوهابية يكفّرون المسلمين نتيجة عدم اتّباعهم لإجتهاداتهم الظنية ومزاعمهم والواهية ، ولكن المذهب الشيعي صاحب عقيدة متكاملة نتيجة اعتماده على أقوال وأحاديث الأئمّة المعصومين أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

فأعلن استبصاره عام 1416 ه‍ ، ( 1996 م ) ، في آبيدجان ، ودخل مرحلة جديدة في صعيد العقائد ، وبدأ يشعر يوماً بعد آخر برسوخ عقيدة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في قلبه ; لأنّه كان يزداد نوراً وبصيرة نتيجة تمسّكه بعترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


1) - إبراهيم (14) : 22 .

2) - العنكبوت (29) : 25 .

3) - الكافي 2 : 389 ، حديث 1 ، باب وجوه الكفر .

(78) أبو خالد الزبالي الزيدي( زيدي / السعودية )

اعتنق مذهب الشيعة الإماميّة لما شاهده من الإمام الكاظم موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، الإمام السابع من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) من أمر عجيب .

حدّث " أبو خالد " قال : " نزل أبو الحسن منزلنا في يوم شديد البرد في سنة مجدبة ونحن لا نقدر على عود نستوقد به ، فقال : يا " أبا خالد " ائتنا بحطب نستوقد به " .

قلت : والله ما أعرف في هذا الموضع عوداً واحداً .

فقال : " كلاّ يا " أبا خالد " ، ترى هذا الفجّ خذ فيه فإنّك تلقى إعرابيّاً معه حملان حطباً ، فاشترهما منه ولا تماكسه " .

فركبت حماري وانطلقت نحو الفجّ الذي وصف لي ، فإذا إعرابيّ معه حملان حطباً ، فاشتريتهما منه ، وأتيته بهما فاستوقدوا منه يومهم ذلك ، وأتيته بطرف ما عندنا فطعم منه .

ثُمّ قال : " يا " أبا خالد " انظر خفاف الغلمان ونعالهم فأصلحها حتّى نقدم عليك في شهر كذا وكذا " .

قال " أبو خالد " : فكتبت تاريخ ذلك اليوم ، فركبت حماري في اليوم

الموعود حتّى جئت إلى لزق ميل ونزلت فيه ، فإذا أنا براكب مقبل نحو القطار فقصدت إليه ، فإذا هو يهتف بي ويقول : " يا أبا خالد " .

قلت : لبّيك جعلت فداك .

قال : " أتراك وفيناك بما وعدناك " ؟ ثُمّ قال : " يا أبا خالد ما فعلت بالقبّتين اللتين كنّا نزلنا فيهما " ؟

فقلت : جعلت فداك : قد هيأتهما لك . وانطلقت معه حتّى نزل في القبّتين اللتين كان نزل فيهما ، ثُمّ قال : " ما حال خفاف الغلمان ونعالهم " ؟

قلت : قد أصلحناها ، فأتيته بهما .

فقال : " يا أبا خالد سلني حاجتك " .

فقلت : جعلت فداك أُخبرك بما فيه ، كنت زيديّ المذهب حتّى قدمت عليّ وسألتني الحطب ، وذكرت مجيئك في يوم كذا ، فعلمت أنّك الإمام الذي فرض الله طاعته .

فقال : " يا أبا خالد ، من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ، وحوسب ما عمل في الإسلام " (1).


1) - مناقب آل أبي طالب 3 : 413 .

(79) أبو عبد الله الجنيدي( سنيّ / السعودية )

روي أنّه قدم عمر بن الفرج المرخجي المدينة حاجّاً بعد مضيّ أبي جعفر ( عليه السلام ) فأحضر جماعة من أهل المدينة والمخالفين المعاندين لأهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقال لهم : إبغوا لي رجلاً من أهل الأدب والقرآن والعلم لا يوالي أهل هذا البيت لأضمّه إلى هذا الغلام [ يعني أبو الحسن الهادي ( عليه السلام ) ] ، وأوكّله بتعليمه ، وأتقدّم إليه بأن يمنع منه الرافضة الذين يقصدونه .

فأسموا له رجلاً من أهل الأدب يكنّى أبو عبد الله ، ويعرف الجنيدي ، متقدّماً عند أهل المدينة في الأدب والفهم ، ظاهر الغضب والعداوة ، فأحضره عمر بن الفرج وأسنى له الجاري من مال السلطان وتقدّم إليه بما أراد وعرّفه أنّ السلطان أمره باختيار مثله وتوكيله بهذا الغلام .

قال : فكان الجنيدي يلزم أبا الحسن ( عليه السلام ) في القصر بصريّاً ، فإذا كان الليل أغلق الباب وأقفله وأخذ المفاتيح إليه ، فمكث على هذا مدّة ، وانقطعت الشيعة عنه وعن الاستماع منه والقراءة عليه ، ثُمّ إنيّ لقيته في يوم جمعة ، فسلّمت عليه ، وقلت له : ما قال هذا الغلام الهاشمي الذي تؤدّبه ؟

فقال منكراً عليّ : فإنّي والله أذكر له الحزب من الأدب أظنّ أنّي قد بالغت فيه ، فيملي عليّ باباً فيه أستفيده منه ، ويظنّ الناس أنّي أعلّمه وأنا والله أتعلّم منه .

قال : فتجاوزت عن كلامه هذا كأنّي ما سمعته منه ، ثُمّ لقيته بعد ذلك فسلّمت عليه ، وسألته عن خبره وحاله ، ثُمّ قلت : ما حال الفتى الهاشمي ؟

فقال لي : دع هذا القول عنك ، هذا والله خير أهل الأرض وأفضل من خلق الله ، وإنّه لربّما همّ بالدخول فأقول له : تنظر حتّى تقرأ عشرك .

فيقول لي : أيّ السور تحب أن أقرأها ؟ وأنا أذكر له من السور الطوال ما لم يبلغ إليه ، فيهذها بقراءة لم اسمع أصح منها من أحد قط ، وجزم أطيب من مزامير داود النبيّ ( عليه السلام ) الذي إليها من قراءته يضرب المثل .

قال : ثُمّ قال : هذا مات أبوه بالعراق وهو صغير بالمدينة ونشأ بين هذه الجواري السود ، فمن أين علم هذا ؟

قال : ثُمّ ما مرّت به الأيّام والليالي حتّى لقيته فوجدته قد قال بإمامته وعرف الحقّ وقال به (1).


1) - إثبات الوصية : 230 .

(80) زهير بن القين البجليّ( سنّي / السعودية )

جاء في كتاب أعيان الشيعة : " كان " زهير " أوّل عثمانيّا ، وكان قد حجّ في السنّة التي خرج فيها الحسين إلى العراق ، فلمّا رجع من الحجّ جمعه الطريق مع الحسين ، فأرسل إليه الحسين ( عليه السلام ) وكلّمه فانتقل علويّاً وفاز بالشهادة .

وفي إبصار العين : كان زهير رجلاً شريفاً في قومه نازلاً فيهم بالكوفة شجاعاً ، له في المغازي مواقف مشهورة ومواطن مشهودة .

وروى أبو مخنف في المقتل والمفيد في الإرشاد وغيرهما قالوا : حدّث جماعة من فزارة وبجيلة ، قالوا : كنّا مع زهير بن القين البجليّ حين أقبلنا من مكّة ، فكنّا نساير الحسين ( عليه السلام ) ، فلم يكن شيء أبغض إليه من أنْ نسير معه في مكان واحد ، أو ننزل معه في منزل واحد ، فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين ، وإذا نزل الحسين تقدّم زهير حتّى نزلنا يوما في منزل لم نرد بدّاً من أن ننازله فيه ، فنزل الحسين في جانب ، ونزلنا في جانب ، فبينما نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين ( عليه السلام ) حتّى سلّم ، ثُمّ دخل قال : يا زهير بن القين ، إنّ أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه ، فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده ، حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير ( كراهة أنْ يذهب زهير إلى الحسين ، فإنّهم كانوا عثمانيّة يبغضون الحسين

وأباه ) .

قال أبو مخنف : فحدّثتني دلهم بنت عمرو امرأة زهير ، قالت : فقلت له : سبحان الله ، أيبعث إليك ابن رسول الله ، ثُمّ لا تأتيه ، فلو أتيته ، فسمعت من كلامه ، ثُمّ انصرفت .

فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق ( أسفر ) وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقوّض وحمل إلى الحسين ، ثُمّ قال لي : أنت طالق ، ألحقي بأهلك ، فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير ، ثُمّ قال لأصحابه : من أحبّ منكم أن يتّبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد ، إنّي سأحدّثكم حديثاً ، غزونا بلنجر - وهي مدينة ببلاد الخزر عند باب الأبواب - ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان : أفرحتم ؟ فقلنا : نعم . فقال : إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتلكم معه ممّا أصبتم اليوم من الغنائم ، فأمّا أنا فاستودعكم الله .

قالوا : ثُمّ والله ما زال في القوم من الحسين ( عليه السلام ) حتّى قتل .

قال أبو مخنف وغير هذه : إنّه لما التقى الحرّ بالحسين ( عليه السلام ) بذي حسن - وهو جبل - ومنعهم الحرّ من المسير ، خطبهم الحسين خطبته التي يقول فيها : إنّه نزل بنا من الأمر ما قد ترون . . . الخ .

فقام زهير وقال لأصحابه : تتكلّمون أم أتكلّم ، قالوا : بل تكلّم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثُمّ قال : قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك ، والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك لأثرنا النهوض معك على الإقامة فيها ، فدعا له الحسين وقال له خيراً .

وقال أبو مخنف والمفيد وابن الأثير : إنّه لمّا أخذ الحرّ الحسين وأصحابه بالنزول على غير ماء وفي غير قرية ، قال زهير بن القين للحسين إنّه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشدّ منه بابن رسول الله ، وإنّ قتال هؤلاء الساعة أهون

علينا من قتال من يأتينا بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به ، فقال له زهير : سر بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها ، فإنّها حصينة ، وهي على شاطئ الفرات ، فإنْ منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم .

فقال الحسين : ما هي ؟

قال : العقر .

قال : اللّهم إنّي أعوذ بك من العقر ، ثُمّ نزل ولما ذهب العبّاس إلى أصحاب عمر بن سعد يسألهم : ما بالهم حين زحفوا لقتال الحسين ( عليه السلام ) كان في عشرين فارساً ، فيهم حبيب بن مظاهر ، وزهير بن القين ، فقالوا : جاء أمر الأمير بالنزول على حكمه أو المنازلة .

فقال لهم العبّاس : لا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله ، فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وذهب العبّاس راجعاً ، ووقف أصحابه .

قال أبو مخنف : فقال حبيب لزهير : كلّم القوم إنْ شئت ، وإنْ شئت كلّمتهم أنا .

فقال زهير : أنت بدأت فكلّمهم .

فقال هلم حبيب : إنّه والله ، لبئس القوم عند الله غداً ، قوم يقدمون على الله ، وقد قتلوا ذريّة نبيّه وعترته وأهل بيته ، وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيرا .

فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكي نفسك ما استطعت .

فقال له زهير : إنّ الله قد زكاها وهداها ، فاتقي الله يا عزرة فإني لك من الناصحين ، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية .

فقال عزرة : يا زهير ، ما كنت عندنا من شيعة هذا البيت ، إنّما كنت عثمانيّاً .

قال : أفلا تستدلّ بموقفي هذا على أنّي منهم ، أمّا والله ما كتبت إليه كتاباً قط ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرت به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه عدوّه وحزبكم ، فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله .

قال أبو مخنف والمفيد وغيرهما : ولمّا خطب الحسين ( عليه السلام ) أصحابه وأهل بيته ليلة العاشر من المحرم وأذن لهم في الانصراف ، وأجابوه بما أجابوه ، كان ممّن أجابه زهير بن القين ، فقام وقال : والله لوددتُ أنّي قتلت ، ثُمّ نشرت ، ثُمّ قتلت حتّى أقتل كذا ألف ، وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك .

قالوا : ولمّا عّبأ الحسين ( عليه السلام ) أصحابه للقتال ، جعل في ميمنته زهير بن القين .

ولمّا خطب الحسين ( عليه السلام ) أهل الكوفة يوم عاشوراء ، ونزل ، كان أوّل خطيب بعده زهير بن القين ، فخرج على فرس له ذنوب وهو شاك في السلاح ، فقال : يا أهل الكوفة ، بدار ( نذار ) لكم من عذاب الله بدار ( نذار ) إنّ حقّاً على المسلم نصيحة المسلم ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد وملّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا نحن أمّة وأنتم أمّة ، إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منها إلاّ سواء . . . يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثّلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم ، أمثال حجر بن عديّ وأصحابه ، وهانيء بن عروة وأتباعه .

فسبّوه وأثنوا على ابن زياد وأبيه ، وقالوا : والله لا نبرح حتّى نقتل صاحبك

ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلماً .

فقال لهم : يا عباد الله : إنّ ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنصر من ابن سميّة ، فإنّ كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، خلّوا بين الرجل وبين ابن عمّه يزيد ابن معاوية ، فلعمري أنّ يزيد يرضي من طاعتكم بدون قتل الحسين ، فرماه شمر بسهم ، وقال اسكت اسكت الله نأمتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك .

فقال زهير : يا ابن البوّال على عقبيه ، ما إيّاك أخاطب ، إنّما أنت بهيمة ، والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين ، وأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم .

فقال شمر : إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة .

قال زهير : أفبالموت تخوّفني ، والله للموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم ، ثُمّ رفع صوته ، وقال : عباد الله ، لا يغرنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي ، فوالله لا تنال شفاعة محمّد قوماً أهرقوا دماء ذريّته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم .

قال أبو مخنف : فناداه رجل من خلفه : يا زهير ، إنّ أبا عبد الله يقول لك : أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء ، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والإبلاغ ، فرجع .

ولمّا حمل شمر على فسطاط الحسين ( عليه السلام ) حتّى طعنه بالرمح ، وقال عليّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله ، ونهاه شبث بن ربعي ، وذهب لينصرف حمل عليه زهير بن القين في عشرة من أصحابه فكشفهم عن البيوت وقتل زهير أبا عزرة الصحابي وحمل عليه الحرّ وزهير يوم عاشوراء فقاتلا قتالاً شديداً ، وكان إذا حمل أحدهما وغاص فيهم ، حمل الآخر حتّى يخلّصه .

ولمّا حضر وقت صلاة الظهر ، قال الحسين ( عليه السلام ) لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي : تقدّما أمامي حتّى أصلّي ، فتقدما أمامه في نحو نصف من أصحابه ،

حتّى صلّى بهم صلاة الخوف ، وفي ذلك يقول الشاعر :

سعيد بن عبد الله لا تنسينه * ولا الحرّ إذ آسي زهيرا على قسر

فلو وقفت صمّ الجبال مكانهم * لمارت على سهل ودكت على وعر

فمن قائم يستعرض النبل وجهه * ومن مقدم يلقي الأسنّة بالصدر

ولمّا فرغ الحسين ( عليه السلام ) من الصلاة ، تقدّم زهير ، فجعل يقاتل قتالاً لم يرَ مثله ، ولم يسمع بشبهه .

قال ابن شهرآشوب في المناقب وغيره : حمل على القوم وهو يقول :

أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسينا أحد السبطين * من عترة البرّ التقي الزين

ذاك رسول الله غير المين * أضربكم ولا أرى من شين

• يا ليت نفسي قسّمت قسمين *

قال ابن شهرآشوب : فقتل 120 رجلاً ، ثُمّ رجع فوقف أمام الحسين ( عليه السلام ) وقال له :

فدتك نفسي هاديا مهديّا * اليوم ألقى جدّك النبيّا

وحسنا والمرتضى عليّاً * وذا الجناحين الشهيد الحيّا

فكأنّه ودّعه ، وعاد يقاتل ، فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبيّ ، ومهاجر بن أوس التميمي ، فقتلاه ، ولمّا صرع ، وقف عليه الحسين ( عليه السلام ) فقال : لا يبعدنّك الله يا زهير ، ولعن الله قاتلك ، لعن الذين مسخوا قردة وخنازير (1).


1) - أعيان الشيعة 7 : 71 .

(81) عامر بن واثلة الليثي( كيساني / السعودية )

ولد في الحجاز ، وكانت وفاته عام 110 ه‍ ، رمي بالكيسانيّة ، ويظهر من رواية عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) حسن حاله ورجوعه على فرض صحّة كيسانيّته (1).

وجاء في تعليقات على منهج المقال للوحيد البهبهاني قال : في الخصال بعد ذكر حديث فقال معروف بن خربوذ : فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر ( عليه السلام ) فقال : صدق أبو الطفيل رحمه الله . . . وفي هذا شهادة على حسن حاله ورجوعه لو صحّ كونه كيسانيّاً (2).

الكيسانيّة :

جاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني حول الكيسانيّة أنّهم : " أصحاب كيسان مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، وقيل تلمّذ للسيّد محمّد بن الحنفية رضي الله عنه ، يعتقدون فيه اعتقاداً فوق حدّه ودرجته ، من إحاطته بالعلوم كلّها ، واقتباسه من السيّدين الأسرار بجملتها من علم التأويل والباطن وعلم الآفاق والأنفس .


1) - الكنى والألقاب 1 : 111 .

2) - تعليقة على منهج المقال : 207 .

ويجمعهم القول بأنّ الدين طاعة رجل ، حتّى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعيّة من الصلاة والصيام والزكاة والحجّ ، وغير ذلك على رجال ، حمل بعضهم على ترك القضايا الشرعيّة بعد الوصول إلى طاعة الرجل ، وحمل بعضهم على ضعف الاعتقاد بالقيامة ، وحمل بعضهم على القول بالتناسخ والحلول والرجعة بعد الموت ، فمن مقتصر على واحد معتقد أنّه لا يموت ، ولا يجوز أنْ يموت حتّى يرجع ، ومن معتقد حقيقة الإمامة إلى غيره ، ثُمّ متحسّر عليه ، متحيّر فيه ، ومن مدّع حكم الإمامة وليس من الشجرة وكلّهم حيارى متقطّعون ، ومن اعتقد أنّ الدين طاعة رجل ولا رجل له فلا دين له . . . " (1).

" عامر " وعقيدته الجديدة :

اعتقد " عامر بن واثلة " بعد استبصاره بإمامة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبدأ يستقي علمه من عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وجاء في كتاب معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي حول " عامر بن واثلة " :

كان " عامر بن واثلة " كيسانياً ، ممّن يقول بحياة محمّد بن الحنفية ، وله في ذلك شعر ، وخرج تحت راية المختار بن أبي عبيدة ، وكان يقول : ما بقي من السبعين غيرى ويقول :

وبقيت سهماً في الكتانة واحداً * سيرمى به أو يكسر السهم كأسه

وهو القائل :

ويدعونني شيخاً وقد عشت حقبة * وهنّ من الأزواج نحوي نوازع

وما شاب رأسي من سنين تتابعت * عليّ ولكن شيبتني الوقائع (2)


1) - الملل والنحل ، الشهرستاني 1 : 147 .

2) - معجم رجال الحديث ، السيّد الخوئي 10 : 220 - 223 ، رقم 6118 .

(82) عبد العزيز محمّد( سني / السعودية )

ولد سنة 1400 ه‍ ، ( 1980 م ) ، تقريباً في إحدى المدن السعودية ، في عائلة سنّية محافظة ومتشدّدة جداً - كما يصفها هو - ، في بيت ملاصق للمسجد .

من هم الشيعة ؟

يقول " عبد العزيز " كان الشيعة بنظري مسلمون ، ويختلفون عن السنّة بأنّهم لا يتكتّفون بالصلاة ويفترقون في بعض المسائل الفقهية ، " كأنّهم مذهب آخر من مذاهب السنّة " بالإضافة إلى تفضيلهم لعليّ ( عليه السلام ) على باقي الصحابة ، واهتمامهم الكبير بزيارة أضرحة الأئمّة .

لكن تغيّر رأيي فيهم بنحو سيّء جداً ، وذلك أنّي حضرت مرّة صلاة الجمعة ، وتفاجأت أنّ عنوان الخطبة هو الكفرة الرافضة لعنهم الله ! !

وممّا سمعت في الخطبة : أنّهم يعتقدون بتخطئة جبريل بإنزال القرآن على النبيّ صلّى الله عليه وآله بدلاً من عليّ ( عليه السلام ) ! ! بل واعتقادهم بتحريف القرآن ، وتكفير الصحابة الذين كنّا نراهم بمنزلة الملائكة في البشر ، كما أنّ للشيعة حديث يقول : " من قتل سنّياً سنوياً دخل الجنّة " ! !

أو على أضعف الإيمان عندهم أنّهم يبولون في أكلّ السنّة ، وهم ألعن من

اليهود ! ! حيث أنّ اليهود لهم ذمّة أمّا الشيعة ليس لهم ذمّة ! !

وختم الخطيب الخطبة بالدعاء عليهم وعلى العلمانية والمجوس ! !

الواقع الغريب :

يواصل " عبد العزيز " القول : " ذهبت مرّة لزيارة أحد أصدقائي ، فقال لي : عندي ضيوف من الشرقيّة ، لديهم عمل في إحدى الدوائر الحكومية ، وهم يسكنون في مكان قريب ، ولا يعرفون أحداً غيري ، فتعال نذهب إليهم .

فذهبت معه وخالطتهم لمدّة يومين ، وكانوا قمةً من الأخلاق الفاضلة ، وأهل صدق واحترام وتفاهم وصداقة بحيث تمنيت أن تطول صحبتي معهم ، لأنّي لم أجد في حياتي أفضل منهم .

بعد وداعهم وعودتهم إلى منطقتهم قلت لصديقي : ليتني أتعرّف على ناس مثل هؤلاء في مدينتنا ، فأجابني - ويا لدهشتي - الشيعة محترمون .

قلت له شيعة ؟ !

قال : نعم ، وأغلب الشيعة سواء الملتزمين منهم أو الناس العاديين يتصفون بصفات حسنة .

بعد مدّة حضرت مجلساً صغيراً يضمّ مجموعة من الشباب المقاربين لي في العمر ، وفجأة قام أحدهم ونادى شخصاً آخراً : " يا شيعي تعال نُحضر الشاي " ، وبعدما أحضر الشاي ، سأل أكثر من شخص - على سبيل المزاح - زميلهم السنّي ، " من الذي حضّر الشاي أنت أو الشيعي " ؟ فأجاب صاحبهم السنّي : لا تخافوا أنا كنت معه ! !

وكان هذا الرجل الشيعي مرحاً ومتفاهماً جدّاً ، بحيث تشجّعت أن أتكلم معه بصراحة .

جلست بجواره وانتهزت إحدى الفرص وتكلّمت معه ، فقلت : أنا أتكلّم

معك بصراحة الشباب ، فأنا قد سمعت عن الشيعة أشياءً كثيرة ، وذكرت له بعض ما سمعت وكنت ألاحظ قسمات وجهه حيث كان الاستغراب من كلامي يغطّي كل محياه .

ثُمّ قلت له : لكنّي رأيت منهم العكس ، وأنا أريد أن أعرف الصحيح .

قال : نحن مسلمون ، ولا يوجد لدينا ما تقوله عنّا ، ونحن ندافع عن أنفسنا فقط بوجه من يظلمنا ويشتمنا من النواصب ، ولدينا بعض العقائد التي تختلف عنكم ، ونفسّق بعض الصحابة ونلعنهم ، فهم بشر مثل بقيّة الناس ، فيهم الصالح والطالح ولدينا أدلّة مقنعة يقبلها حتّى السنّي المنصف .

أمّا ما ذكرت عن خيانة جبرئيل للوحي فهذا كذب صريح ، وفرية باهتة ، وأمّا ما ذكرت من الأحاديث فلم أسمع بها من قبل ، ولا توجد في مذهبنا أبداً ، وجرّب بنفسك واذهب إلى بلاد الشيعة ، فهل ترى أنّهم سيؤذونك فضلاً عن القتل .

رحلة دينيّة في عالم الإنترنيت :

دخلت في الإنترنيت وأنا أبحث عن مواقع شيعيّة ، وتفاجأت أنّ أغلب المواقع محجوبة في بلادنا ، ولكن بفضل الله وبفضل جهود بعض الإخوان توفّقت للدخول إلى المواقع الشيعية ، وكان أهمّها بالنسبة لي - موقع مركز الأبحاث العقائدية - ، حيث قرأت الكثير من الكتاب وأنزلتها عندي ، كما حضرت المنتديات السنّية في الإنترنيت واستمعت للحوار الدائر بين الشيعة والسنّة .

والذي لفت نظري وأعجبني كثيراً هو استدلال الشيعة على السنّة بآيات القرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة المعتمدة عند أهل السنّة ، لا سيما ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم .

حيث تعرّفت على الأحاديث الدالّة على الإمامة ، كما قرأت سيرة أبي بكر وعمر وخالد بن الوليد وغيرهم ، وعرفت مخالفتهم للرسول وفضائحهم ! ! كما

صدمتني البدع التي ابتدعها عمر (1)خلاف سنّة رسول الله .

ثُمّ إنّي وجدت عقائد الشيعة - كما وصفها بعض المستبصرين - أكثر وضوحاً ، وأقوى دليلاً ، وأقرب إلى المنطق والعقل ، فالله سبحانه منزّه عن التجسيم ، لا ينزل ولا يصعد ، ولا يجلس على كرسي ، ولا يحدّه مكان ولا زمان ; لأنّه بسيط في ذاته .

أمّا الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالعبادات والمعاملات فالحقّ يقال : أنّني لم أرَ صلاحية الإسلام لكلّ زمان ومكان إلاّ في فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والأمثلة كثيرة .

فجمع الصلوات ملائم لظرف هذا العصر ، هذا العصر الملي بالانشغال والمزاحمات ، والطلاق لا يمكن أن يتم ولا يجوز إلاّ بحضور شاهدين ، والثلاث طلقات في مجلس واحد لا تحسب إلاّ واحدة ، والزواج المؤقّت بديل شرعي ومنطقي .

ثُمّ إنّ الاجتهاد ومفتوح لدى الشيعة ، بينما أغلقه أهل السنّة على أنفسهم فسدّوا عليهم باباً من أبواب الرحمة الإلهية .

أمّا على صعيد الأخلاق والتربية الروحيّة ، فما عليك إلاّ أن تنظر في مفاتيح الجنان ، والصحيفة السجاديّة ، وغيرها من كتب الأدعية والزيارات المأثورة ، لترى المستوى الرفيع الذي أراده أهل البيت ( عليهم السلام ) أن يهذّبوا به أتباعهم ، ممّن لم يحرموا أنفسهم من فيض العطاء الإلهي الموجود عند أهل البيت ( عليهم السلام ) دون غيرهم ، لأنّهم خيرة الله وصفوته ، وقادة الأمّة وساسة العباد ، اختارهم الله وأمر نبيّه تبليغ المسلمين بعلو شأنهم المعادل للقرآن الكريم (2).


1) - كالنهي عن المتعتين ، وتحريف الآذان ، وصلاة التراويح جماعة ، وغيرها .

2) - من الأحاديث التي تدلّ على ذلك ، " عليّ مع القرآن ، والقرآن معه " ، انظر أمالي الطوسي : 460 ، الحديث 1028 ، و 479 ، 1045 ، و 506 ، الحديث 1108 .

الولاية لآل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم :

يتابع " عبد العزيز " : يسألني البعض كيف تعتقد بولاية أهل البيت ( عليهم السلام ) وأنت لا تعرف الكثير من الأحكام التي يعمل بها الشيعة فأُجيبهم : عندما يأتي إنسان غير مسلم ويريد أن يسلم ، فهو يشهد الشهادتين ويصير مسلماً ، وبعد ذلك يتعلّم الأحكام ، فالنيّة والعقيدة يسبقان العمل بالشريعة عادة .

ثُمّ إنّ البعض قال عنيّ : يظهر من مشاركاتك وكتاباتك أنّك شيعي ولست سنّياً دخل التشيّع ، فشكرت الله وحمدته حيث جعلني أبصر النور ، وأجادل أهل الضلال بأسلوب جعلهم يعتقدون أنّي لم أكن منهم يوماً ما .

فالحمد لله على نعمة البصيرة ، والحمد لله على نعمة العمل بعد العلم ، والحمد لله الذي يهدي من يشاء ، ويضلّ من يشاء .

كما إنّ أحدهم سمعني مرة ألعن فلاناً وفلاناً ، فلامني على اللّعن وأنا في أوّل الطريق ، فأجبته : لعنتهم عن دليل مقنع ، ولماذا لا ألعنهم وهم قد عملوا ما عملوا بالنبي وآله ( عليهم السلام ) ، فأنا في لعنهم على بصيرة من أمري ، أمّا الأُمور التي لا أعرفها فلا أخوض فيها .

خرافات خطيب الجمعة ! :

يضيف " عبد العزيز " : لقد عرفت لماذا تفوّه خطيب جمعتنا بالكلام السابق عن الشيعة ، فقد علمت أنّه أحد تلاميذ عبد الرحمن بن سعدي ، وعبد الرحمن بن سعدي من تلاميذ محمّد بن عبد الوهّاب ، فكلّ كلامه كان من أراجيف الوهابيّة التي لا أساس لها ، بل هي تنبع عن أحقاد بادية ، وضعائن معلنة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولشيعتهم الكرام ، فهم الذين يقتلون النّاس ، وهم الذين يشيعون الإرهاب ، ثُمّ يتّهمون غيرهم بأدوائهم أخزاهم الله .

إنّ ادعاءات الوهابيّة الفارغة لم تعدّ تنطلي على أحد ، وقد فضحهم الله سبحانه في أكثر من موقف ، وسيلقيهم التاريخ في مزبلته ، ويكون مصيرهم جهنّم وساءت منقلباً ومستقراً ومصيراً .

(83) عز الشمس( وهابية / السعودية )

ولدت في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية في عائلة وهابيّة متشدّدة ، وقد ورثت المذهب الوهابي من عائلتها ، واعتقدت به عن فخر ، لكنّ التعصب لهذا المذهب لم يفقدها عقلها ، وخاصّة بعد دراستها في الجامعة ، ومن ثُمّ فإنّ مواجهتها واكتشافها لأكاذيب أساطين الوهابيّة مثل عثمان الخميس ، وإطلاعها على أقوال أصحاب المذاهب الأخرى من السنّة وغيرهم ، كلّ ذلك دفعها إلى التفكّر في دينها إلى أنْ اهتدت إلى الحقّ ، وننقل قصّة استبصارها على لسانها حيث ذكرت أنّها تأثرت بموقع مركز الأبحاث العقائدية على الإنترنيت :

بسم الله الرحمن الرحيم .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أنا أختكم " عز الشمس " من الرياض التي جاءت قبل زمن لتطرح عليكم أسئلة عن عقيدة الشيعة . . وأنا الآن أعود لكم لأعلن هنا هدايتي واعتناقي لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بفضل الله تعالى ، ثُمّ بفضل الشيخ عثمان الخميس .

رحلتي من المذهب الهشّ إلى المذهب الحقّ : . . وبعد البحث لمدة عامين تقريباً ، وببركة كتب وخطب الشيخ عثمان الخميس فتح الله بصيرتي لطريق

الصواب ، بكيت لحال الشيعة المظلومين وبكيت على عظمة العلم الذي يحملونه والذي يغرق صحاح السنّة وعلمائها . . . وها أنا الآن أعلن لوجه الله الكريم عن اعتناقي للمذهب الحقّ مذهب الآل الأكارم الطاهرين . .

بداية التحول :

كنت أعيش في الرياض في أسرة محترمة ولله الحمد ، فخورون بأنّ عقيدتنا التوحيد ، وهي توحيد الله تعالى لا شريك له ، وإخلاص العبادة له ، وفخورون بأنّنا أتباع إمام أعاد للجزيرة العربية إسلامها الحقيقي النقي الصافي من الشوائب كما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وكنت متديّنة وأحبّ مطالعة الأمور الإسلاميّة والسياسية وقراءة السيرة المباركة . . وبعد دخولي الكلية ودراسة التوحيد بدأت أتفكّر في هذه القضيّة . . إذ إنّنا ندرس أنّ كلّ الفرق باطلة وضالة . . وندرس أنّنا أتباع مذهب أهل السنّة والجماعة وهو المذهب الحقّ .

ما هي الأسباب التي دعتني أبحث عن الفرقة الناجية :

1 - أول سبب جعلني أهتمّ بهذه القضيّة هو العداء الغريب والغير مبرّر من قبلنا ضدّ الشيعة . . حيث أنّ كلمة شيعة ثقيلة علينا أثقل من الدنيا بما فيها . . بينما كلمة صهيوني عندنا شيء عادي ، ولا أبالغ إنْ قلت نعتبره أخاً لنا . والشيعي عدو لنا .

2 - حديث الرسول الذي فيما معناه أنّ أمّته ستفترق إلى فرق وكلّها في النار ما عدا واحدة . . وهذا الحديث أعطاني دافع قويّ للبحث عن هذه الواحدة . . إذ إنّ العقل والمنطق لا يقبل أنّني أسلّم لما أعتقد به ، هكذا كما ولدتني أمّي . . فأنا سنّية لأنني ولدت هكذا من أب سنّيّ وأمّ سنّية ، ولو ولدت من أب شيعي وأمّ شيعيّة لكنت شيعيّة أيضاً . . وهكذا .

3 - إكتشافي أنّ علماء أهل السنّة لهم مواقف سلبيّة من دعوة الشيخ محمّد ابن عبد الوهاب الذي نؤمن بدعوته . . حيث إنْ دعوته شبه معاصرة ، وليس من المعقول أنّ كلّ الفرق التي قبله باطلة وفرقته صحيحة .

كيف بحثت وماذا قرأت ؟

بعد أن شعرت بشغف كبير جدّاً للبحث في قضيّة السنّة والشيعة ، سألت الله تعالى أنْ يرزقني بحسن خاتمة الاجتهاد والتفكير والتفكّر ، وهي معرفة الفرقة الناجية . . بدأت أقرأ سيرة الرسول عند الطرفين ، وقرأت كتب عن أهداف الإسلام ومقاصده عند الطرفين ، قرأت رأي الطرفين في الملل والنحل . .

وفي الإنترنيت . . تأثّرت بالدكتورة أمينة ، حيث تابعتها في البالتوك ، حيث اكتشف أنّها منقطعة لله تعالى وتنظر للدنيا وكأنّها في السماء وهذه هي النظرة الصائبة .

•

قرأت كتب عثمان الخميس .

•

قرأت الكتب التي تردّ على عثمان الخميس .

•

قرأت كتاب ثُمّ اهتديت للتيجاني .

•

شاركت في منتدى الساحات الوهابية .

•

تابعت الكثير من المناظرات على البالتوك في غرفة الغدير والسقيفة ونور الغدير والسرداب والأنصار .

•

زرت موقع مركز الأبحاث العقائدية وطرحت عليهم الكثير من الأسئلة .

•

ناقشت معلّمة دين عندنا .

•

بعثت أسئلة لأشهر المشايخ عندنا في الرياض .

•

تابعت جميع حلقات المناظرة في قناة المستقلة .

• أسباب ترك المذهب الهشّ واعتناق المذهب الحقّ :

هي كثيرة تلك الأسباب التي اكتشفتها ولكم بعض منها :

أولاً : التردّد في قبول الحقيقة التي وصلت إليها بسبب الأوضاع الخاصّة والاجتماعيّة ، ولكنّني تمردّت على نفسي وأعنتها بيني وبين الله تعالى ، وأملي كبير بأنّها ستكون علنية وبصوت عال بعد تخرجي من الكليّة إنْ شاء الله تعالى .

الأسباب :

1 - التاريخ عندنا يثبت أنّ مذهب أهل السنّة والجماعة صنعته السياسة .

2 - لا يوجد لدينا أيّ دليل على أنّ خليفة رسول الله هو أبو بكر .

3 - عشرات الأدلّة من القرآن والحديث والعقل والتاريخ والسنن الإلهية تثبت قطعاً ويقيناً أنّ خليفة رسول الله هو الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

4 - حديث وصيّة الرسول " كتاب الله وسنّتي " ضعيف وآحاد . . بينما حديث " كتاب الله وعترتي " صحيح ومتواتر عندنا .

5 - إذا كان الوليّ كما في آية التصدّق بالخاتم هو الناصر والمحب . . فهل نصر أبو بكر الإمام عليّ عندما طلب الخلافة ؟ ؟

6 - ظلم أبي بكر لسيّدة نساء العالمين .

7 - الخلاف الديني الكبير بين الصحابة " فأين خليفة رسول الله أبي بكر " !

8 - علماء أهل السنّة يتهرّبون من الإجابة على الأسئلة العقائديّة . . وعلماء الوهابية يكذبون ويدلّسون ويبترون الحقائق .

9 - تابعت عثمان الخميس وإذا بالحقيقة التي صعب عليّ تصديقها وقبولها ، وهي أنّه إنسان كاذب كاذب كاذب وكثير الكذب . . بالله عليكم إذا كان يحمل الحقيقة فلماذا يكذب .

10 - أنّ مشايخنا يردّون على معتقدات الشيعة ولكنّهم لا يستطيعون الردّ على الأدلّة التي استدلّ بها الشيعة في معتقداتهم .

11 - الله تعالى عندنا له صفات معيّنة مثل صفات الإنسان ! والرسول يرتكب الآثام ! بينما أبو بكر وعمر وابن تيميّة منزّهون عن ذلك .

12 - علماؤنا يكفرّون من ينتقد ابن تيميّة ، ولا يكفرون من ينتقد الرسول ! !

نصيحتي لإخواني أهل السنّة والوهابيّة والسلفية بمذاهبها :

•

الذي جعلني أصل للحقائق هو أنّني جرّدت نفسي من كلّ الشبهات ، ونظرت للسنّة والشيعة من زاوية بعيدة لأراقبهم ولأطّلع على هذه المذاهب بهدوء .

•

يجب عليك أنْ تقبل الحقّ غصباً عنك . . ولا تقل قال الشيخ الفلاني أو هذا خلاف معتقدنا . . إذا جائتك كلمة الحقّ فلا بدّ من قبولها كما في الحديث الصحيح عندنا أنّ ابن عبّاس قال للناس : " تكاد أنْ تنزل عليكم حجارة من السماء ! نقول : قال الله ورسوله ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر ! (1).

إذن فإنّ ابن عبّاس اعترض عليهم أنّهم يستدلّون بأقوال أبي بكر وعمر ويتركون القرآن والسنّة .

فما بالنا نحن لا نعترض على علمائنا الذين هم في الحقيقة علماء السياسة والسلطان ، وهل أنّ علماءنا أفضل من أبي بكر وعمر !

فلا بدّ من قبول الحقيقة " أعرف الحقّ تعرف أهله " (2)، ولا يمكنك معرفة أهل الحقّ إلا بعد أنْ تعرف الحقّ نفسه .

وأكثر الناس تكره الحقّ . . فهذا رسول الله ضربوه واتّهموه و . . . ; لأنّه قال الحقّ والحقيقة .


1) - الأحكام لابن حزم 2 : 147 .

2) - فيض القدير 1 : 28 .

• لا تنسى أنّك سنّي ; لأنّك مولود هكذا ولا ذنب لك . . بل أنت مذنب إذا لم تستخدم العقل للبحث عن الحقيقة . . والبحث عن الحقيقة ممتع إذا قصدت وجه الله وتطلّعت للآخرة التي هي قريبة منك . والله ولي التوفيق والغالب على أمره . . .

وأنا مستعدّة لأنّ أعيّن من يريد الوصول للحقيقة والردّ على ما طرحته بوضوح .

ونسأل الله أنْ لا يحجب العنوان الجديد للموقع في بلادنا إنْ شاء الله .

وختاماً : أهنئكم يا شيعة على نعمة الحقّ الذي أنتم عليه . . وأهنئكم بوجود داعية لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وهو عثمان الخميس ، حيث إنّه داعية للتشيّع من حيث لا تشعر .

وكذلك أشكر القائمين على مركز الأبحاث العقائدية الذي أغنوني عن كلّ شيء ، وأجابوني عن كلّ سؤال . . والله أكبر . . ما أعظم الحقيقة . .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وللأخت " عزّ الشمس " نشاط واسع في صفحات الإنترنت ، ونورد هنا بعض أجوبتها على الأسئلة الموجّهة إليها التي تردّ فيها على الشبهات دون ذكر الأسئلة للاختصار .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صدق التيجاني وصدقت الدكتورة أمينة وصدق المستبصرون للحقّ . . حينما قالوا : إنّ الشيعة فرحوا لهدايتهم . .

فماذا ستفيدهم هدايتي ؟ ؟ غير أنّهم محبّون للخير وأصحاب رسالة إلهية عظيمة يسعون لإيصالها للناس .

أتقدّم بالشكر الجزيل للجميع ووفقكم الله لكلّ خير .

بالنسبة للردود على الأعضاء :

من طلب الدليل على كوني سنّية ثُمّ تشيعتّ . . برأيكم ما هو الدليل الذي يمكنني أنْ أقدّمه لكم . . من جانب آخر أقسم لكم بالله العليّ العظيم أنّني في حياتي لم أعهد شيعيّاً يكذب في هذه المسائل قط . . وبالعكس الكثير من الوهابيّة يكذبون ويدّعون أنّهم شيعة ، وأصبحوا سنّة ، وخير دليل على ذلك ما قاله البلوشي بلسانه : أنّ عدداً كبيراً من الأحساء تسنّنوا . . ! وعندما وقفت على الحقيقة لم أجد أحداً منهم !

وفي المقابل المئات من المتشيّعين هاهي كتبهم ومؤلّفاتهم شامخة تشهد في التاريخ . . ومنهم الكثير من هو موجود الآن ، فأين آثار الشيعة المتسننين .

باختصار : احتمال أنْ أكون شيعيّة وأكذب فهذا محال . . واحتمال أكون وهابيّة وأكذب على الشيعة هذا جائز . . طبعاً بالاستناد للحقائق .

وما الذي يفيدني إعلان تشيّعي في الإنترنيت فقط غير أنّني أريد أنّ أخرج ما في قلبي ، وهو النور الذي اكتشفته ، فدمعت عيني فرحاً وحزناً أن أعبّر عن شعوري لمن يفهمني .

الأخ : ابن مسلم :

إنّ قصدت الحقيقة وسعيت لها راغباً فستراها بأم قلبك وبأمّ عينك . . وأنا مستعدّة لأنّ أأخذ بيدك لطريق النجاة ، لأنّني أعرف كيف تفكّر أنت وما هي نظرتك للآخرين .

الأدلّة على كذب عثمان الخميس :

• في مناظرة رمضان بالمستقلّة . . حدث جدال بين النجدي والخميس حول حديث " فرأيتماني . . . ، وجعله " أفرأيتماني " ، ولا أريد أنْ أكمل لأنّك تعرف ذلك .
•

يعطي أرقام لصفات خاطئة من أجل أنْ يمرّر حجّته المفلسة .

•

يدعي أشياء وينسبها لأهل السنّة ، وأهل السنّة براء ممّا يقول . . مثل تضعيفه لبعض الأحاديث ، وتمجيده ليزيد ، وتنقيصه من شأن الزهراء وغيرها .

•

هروبه المخجل من المناظرات في البالتوك . . حيث إنّني حضرت مناظرة له مع أخ شيعي اسمه أحمد . . وأتمنّى أنّك حضرت هذه المناظرة .

•

نقله لكلام مبتور من كتاب الإمام الخوئي في مسألة تكفير النواصب كما فضح في الحوار الأخير بالمستقلّة .

•

يأتي بأقوال شاذّة ويقول إنّها حجّة على الشيعة ، ويقول : الشيعة مجمعون على ذلك . . وعندما قال له الموسوي : الحجّة علينا هي أقوال أغلب العلماء قال الخميس : هذا صعب !

بالله عليكم . . الخميس بعظمة لسانه يقول الأخذ برأي أغلب العلماء صعب . . . إذاً فكيف حكم على الشيعة وهو لم يقرأ إجماعهم ؟

طبعاً هناك الكثير من الأكاذيب والتدليس واللف والدوران له . . وقد بيّنته الأخت الفاضلة أمينة ، وتبيّن من خلال مناظراته الكثيرة في الإنترنيت .

بالنسبة لماذا لم أقرأ كتاب الردّ على التيجاني . . أقول : يكفي هذا الكتاب بطلاناً أنّه كتب بيد الخميس . . حيث إنّ سيرة الخميس وأقواله وأفعاله لا تدع مجالاً لأن نشكّ في كذبه . فضلاً عن أنّنا متأكّدين من كذبه !

والحقّ لا يتوقف على كتاب الخميس . . فهناك كتاب يردّ على كتاب الخميس . . أليس كذلك ؟

تعترض على مقولتي : جرّدت نفسي من الشبهات . . . وهي أنّني أقصد بذلك أنّني لم أقبل أيّ كلام اسمعه عن الشيعة إلا بعد التأكد من صحّته . .

بمعنى آخر : أنّنا نحكم على الشيعة بما نسمع عنهم من قبل مشايخنا ، وما هو

مشاع عنهم عند عامّة الناس . . أي أنّ القاعدة التي نبني عليها هي أنّ الشيخ الفلاني قال كذا ، والشيخ الفلاني قال كذا . . .

ألم تقرأ حديث اعتراض ابن عبّاس على الناس عندما أخذ يحتجّون بأقوال أبي بكر وعمر . . ؟ وقال لهم : تكاد أنْ تنزل عليكم حجارة من السماء ، نقول : قال الله ورسوله ، وتقولون قال أبو بكر وعمر .

فما لنا نحن لا نعترض على هؤلاء المشايخ الذين كُشفوا على أنّهم ألعوبة بيد آل سعود . كذلك سائر علماء السلاطين .

أضرب لك مثالاً : نحن عندما يحذّروننا في الخطب من عقائد الشيعة ، ماذا يقول الخطيب لنا . . ؟ يقول : الشيعة يكفّرون الصحابة ، والشيعة أبناء المتعة ، وللشيعة مصحف آخر و . . . و . . .

ولكن بالله عليكم وأقسم عليكم أنْ تكون صادقاً مع نفسك . . هل سمعت يوماً أنّ هؤلاء الذين يعترضون على الشيعة استطاعوا أن يردّوا على أدلّة الشيعة ؟

مثلاً يقولون عن الشيعة : أنّهم يتزوجون المتعة ويقفون عن الكلام . . لكن هل رأيتهم يردّون على ما يستدلّ به الشيعة في جواز المتعة ؟ ؟

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد .

ووفق الله الجميع لكلّ خير .

الإجابة على أسئلة الأخ : محبّ الحسن والحسين .

بالنسبة للحوار بين الشيعي والسنّي حول الصحابة :

أنت تقارن بين أمرين لا يمكن المقارنة بينهما . . حيث إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعث ولم يكن معه أحد نهائياً ، ولم يوجد مسلم نهائياً غير الإمام عليّ ( عليه السلام ) . . فكيف تدّعي أنّ رسول الله وفّق في اختيار أعوانه ! ورسول الله يسعى لهدايتهم أوّلاً .

بينما الإمام الخميني ، لم يكن رسولاً ، وكان الأمر عنده جاهزاً ، ويمكنه أنْ

يختار خيرة الناس . . ثُمّ من قال لك إنّ أصحاب الإمام الخميني كلّهم خلّص ؟ ؟ هناك من تستّر من المخابرات والجواسيس الأمريكيّة ثُمّ أفسد في إيران بعد ذلك ! والمسألة لا تبنى على حوار انشائي افتراضي . . والحوار لا بدّ أنْ يكون في الوقائع .

وكأنّك تسأل هذا السؤال : ألم يستطع الرسول أنْ يهدي جميع أصحابه ؟

الجواب : الرسول يستطيع ذلك بالمعجزة وغيرها . . ولكن ليس هذا وظيفة الرسل . . إذ أين الامتحان للناس ، قال تعالى : * ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة ) * (1).

الإجابة على بقيّة الأسئلة :

1 - الشيعة لا يطعنون في أحد من خلق الله بدون وجه حقّ ، فضلاً عن أمّ المؤمنين عائشة . . ولكن لا تظن أنّ النبيّ يتزوج كلّ هذه النساء اتّباعاً لشهواته ، بل يتزوّج كلّ واحدة من أجل حكم وأهداف سامية . . وإذا كان لديك دليل على طعن الشيعة في عائشة بدون وجه حقّ ، أعطنا إيّاه ؟

2 - الأئمّة يعلمون الغيب . . وهذا الغيب الذي يجهله الناس العاديّين . . وليس يعلمون مثل علم الله . . ثُمّ إنّ علمهم بإذن الله وبأمره ، وليس منهم أو من صنعهم . . فما ذنب الشيعة ؟ إذ إنّ الله تعالى أعطى هؤلاء علماً لم يعطهِ لغيرهم ، وهل هذا عسير على الله تعالى ؟

3 - السؤال مكرّر عن عائشة . . ولكن قبل أنْ تتهّم الشيعة بالطعن في عائشة هات البرهان . . ثُمّ إنّ زواج النبيّ من أي امرأة لا تعطي هذه المرأة عصمة أو قدسيّة . . وهناك نساء ضرب الله بهم مثلاً . . * ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوح وَاِمْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا


1) - الأنفال (8) : 42 .

وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) * (1).

ونحن لا ننكر أنّ زواج المرأة من رسول الله هو شرف عظيم لها . . وأيضاً القرآن الكريم سجّل الكثير من أخطاء عائشة بحقّ رسول الله .

4 - مات في المدينة . . وهناك روايات مختلفة تؤكّد استشهاده بالسمّ كما في صحيح البخاري (2). . على يد امرأة يهوديّة . . والمقطع الآخر من سؤالك غير واضح ! فما دخل الزوجة هنا .

5 - أخي الكريم . . أنت تعتقد أن أبي بكر هو الذي صلّى ، ولكنّ هذا الكلام مزعوم وكذب وبهتان بحقّ الإسلام والمسلمين . . إذ إنّ رواياتها غير صحيحة ، وكلّها من صنع علماء السياسة والسلاطين . . إذ كيف يأمره الرسول بأمران في وقت واحد ؟ ! إذ إنّه كان مأموراً بالخروج مع جيش أسامة ، وقد تخلّف عن أمر رسول الله ، ومن يتخلّف عن أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعتبر " فاسقاً " والنبيّ لا يأمر الفاسقين بإمامة المسلمين .

6 - الصادقون هو الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

7 - أخي الكريم . . راجع المصدر التالي لتعرف من هم أهل البيت ( عليهم السلام ) في الآية : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (3).

المستدرك على الصحيحين 3 : 147 - 148 .

حديث آخر : " قالت أمّ المؤمنين أمّ سلمة : . . . فأدخلت رأسي في البيت فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال : إنّك إلى خير ، إنّك إلى خير ، مسند الإمام أحمد 6 : 292 . . .


1) - التحريم (66) : 10 .

2) - صحيح البخاري 3 : 141 .

3) - صحيح مسلم 7 : 130 ، الأحزاب (33) : 33 .

حديث آخر : سئل الصحابي زيد بن أرقم : من هم أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال : لا وأيم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثُمّ يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته : أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده . صحيح مسلم 7 : 623 .

حديث آخر : عن أبي سعيد الخدري : أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فعدّهم في يده فقال : خمسة : رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين . مجمع الزوائد 9 : 167 .

دليل من اللغة العربية يا عرب ! لاحظ أنّ الآيات عندما كانت تخاطب نساء النبيّ ، كانت تخاطبهم بنون النسوة . . وعندما وصلت لآية التطهّير لم تخاطب بنون النسوة ، وهذا دليل على أنّ نساء النبيّ لم تشملهم الآية . . وأنت تعرف لا توجد آية في القرآن الكريم تخاطب النساء بغير نون النسوة !

ولو كانت النساء تشملهم لكانت الآية هكذا ( . . ليذهب عنكنّ الرجس . . ويطهركنّ تطهيرا ) .

إخواني الأعزاء . . من خلال ردود الأخوة من السنّة تبيّن أنّهم يظنّون أنّ التشيّع هو سبّ الصحابة وأمّهات المؤمنين !

وكأنّ الصحابة هم الرسول أو القرآن .

نعم ، السنّة مخدوعون ويتوهمون أنّ الشيعة يسبّون الصحابة ، ولكن قليلاً من الوقوف على الحقائق يتبيّن أنّ الشيعة هم أعظم من في هذا العالم الذين يعطون كلّ ذي حقّ حقّه - وبدون مبالغة طبعاً - حيث إنّ تصنيفهم للناس هو تصنيف القرآن الكريم . . ومن ذلك تصنيفهم للصحابة . . حيث إنّ القرآن يذكر المنافقين . . ويذكر ضعاف الإيمان . . ويذكر من يرفع صوته فوق صوت النبيّ . . وكلّ هذه الأصناف صحابة . . والشيعة تصنيفهم للصحابة هو تصنيف القرآن الكريم .

أمّا أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمرنا بهم ووصّانا بهم ، وكذلك القرآن الكريم * ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) * (1). .

وأمّا ما وصل إلينا من مديح لبعض الصحابة فهو كذب من صنعهم لخدمة سياسة الحكومات الظالمة .

وأنا أتحدّى وأتحدّى أنْ تأتوني بمدح من رسول الله لأبي بكر مرتبط بعمل عمله أبو بكر !

حيث إنّنا نجد الكثير من المديح لأبي بكر ، ولكن ما هي المناسبة التي جعلت الرسول يمدح أبي بكر ؟ وكأنّ رسول الله يوزّع المناصب بالمجّان ! ! وقس على ذلك . . !

تحية معطرة لأختي الكريمة زهرة الولاية

وسؤالك : كيف واجهتي هذه الحقيقة مع العيلة ، وكيف صارت العلاقة مع والديك الكريمين ؟

الجواب : أنا أعترف بالهزيمة في الإفشاء عن ذلك حالياً . . حيث إنّني لا أستطيع البوح بهذا الأمر حالياً . . لأنني أعيش وسط ( متعصّبين ) عقولهم مغلقة ، ولا أستبعد أنْ أقتل بتهمة الردّة عن الإسلام . . ولكن بحول الله الذي مكّن التيجاني ، ومكّن الأخت أمينة وغيرهم ، سيمكّنني إنْ شاء الله تعالى بأمره ( كن فيكون ) .

وصلّيت لله ركعتين شكراً عندما سمعت الشيخ أسد قصير في قناة سحر يقول : الصلاة خلف أهل السنّة ومعهم مستحبّة وصحيحة . . فالحمد لله ، الحمد لله ، والحمد لله ، إنّ صلاتي مع السنّة صحيحة . . مع العلم أنّني أصلّي لوحدي في غرفتي إلا نادراً .

وأنا لا أترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأسأل عنها الطرفين ( الشيعة والسنّة ) . .


1) - الشورى (42) : 23 .

وحالياً أوجّه أسئلتي الفقهية للشيخ المرجع السيستاني عن طريق الإنترنيت حتّى أحتاط في عباداتي . . وأسئلتي العقائدية أوجّهها لمركز الأبحاث العقائدية عن طريق الإنترنيت أيضاً . . وللمعلوميّة ، موقع مركز الأبحاث العقائدية هو الهادي بعد الله تعالى لي . . ثُمّ ببركة أكاذيب الشيخ عثمان الخميس . . .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أختي الفاضلة عثمانة الخميس .

يعني أنا تألمتُ عندما فهمت من اسمك أنّك تنسبين نفسك للشيخ عثمان الخميس ، أو أنّك تريدين من اسمك أنّه يدلّ على محبّتك لعثمان الخميس . .

أختي الكريمة . . هل لديك دليل عقليّ واحد على أنّك تتّبعين المذهب الصحيح . . وما الذي طمأنك من أنّك تتّبعين المذهب الصحيح ؟ ؟ وهل أنت تتّبعين هذا المذهب من اختيارك أم هو مفروض عليك ؟ ؟

لذلك يجب أن تعي لهذه الأمور . . وأنّ تغيير المعتقد ليس بالأمر السهل ، بل هو من أعسر الأمور على الإنسان .

حيث أنّني لم أغيّر مذهبي طمعاً بدنيا أو منصب أو . . وأنا مجرد فتاة في بيتها تذكر ربّها ، وتشيّعي أو عدمه لن يجلب لي أي مصلحة دنيويّة ، بل إنّ الموعد يوم القيامة الذي هو قريب جداً منّا جميعاً . . فكلّها سنوات قلائل ونحن بين يدي الله تعالى ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جاه ولا سلطان . . .

أختي الكريمة . . إنّني واجهتُ الحقيقة المرّة ، وهي أصعب لحظات حياتي ، واجهتها بتطلّع للآخرة . . والله ، إنّها حقيقة مرّة لا يهضمها إلا ذو حظّ عظيم . . ونسأل الله لي ولك الهداية . .

وفي مسألة أنّني أدّعي العلم والاجتهاد . . فحاشا لله وأنا لم أقل كذلك ، والمسألة ليست مسألة تحدّي يا غالب يا مغلوب . . والمذهب الحقّ ليس ملكاً

لأحد دون أحد . . بل هو دين الله ونعمته على خلقه لينهل من هذه النعمة من أراد النجاة يوم القيامة .

ومسألة يوم الجمل . . سأناقشك فيها إنْ أردت ، لأنّ المسألة ليست مسألة تحدي . .

وقولك : وتفسير حادثة التصدّق بالخاتم ما يقبله عقل طفل ، هل عليّ لا يخشع بالصلاة لكي يتصدّق ، وما في أحد فسّرها بالتصدق بالخاتم إلا الشيعة ؟

والجواب : الإمام عليّ ( عليه السلام ) جمع عبادتين في عبادة واحدة ( الصدقة والصلاة ) فنزلت آية التأييد له ، والتأكيد على أنّه وليّ كلّ مسلم ومسلمة ، وحتّى أنّ أهل السنّة فسّروا هذا العمل بجواز الحركة البسيطة أثناء الصلاة !

راجعي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني النيسابوري 1 : 212 في تفسير هذه الآية .

وأمّا قولك : ومن قال إنّنا ننزّه الصحابة ونعصمهم ، والله ما قلنا ذلك إلا إذا أنت تؤلّفين على السنّة وباقي الأمور التي ذكرتيها ، ما ذكرتي أيّ كتب عرفتي منها هذا الكلام ، وأتوقع أنك خلطتي بين كتبنا وكتب الشيعة وعلى ظنّك هذا كلامنا ؟

الجواب : أين نصّ كلامي بالتحديد حتّى أناقشك بوضوح ، ونفهم على بعضنا إنْ شاء الله تعالى .

لأنّ الكلام يطول ، ولكن لكي أفيدك حالياً باختصار أدعوك لتوجيه السؤال التالي للشيخ عثمان الخميس ، وبإمكانك فعل ذلك عن طريق موقعه المنهاج .

السؤال : ما حكم نقد آراء أو اجتهاد صحابي من الصحابة ؟ ؟

سيأتيك الجواب بأنّه كفر مخرج من الملّة !

إلى أخي السلام الفاضل .

أعتذر عن تأخرّي في الردّ على أسئلتك الجميلة ، وإليك الردّ إنّ شاء الله

تعالى . . .

قولك : في البداية أنتِ بدأت بهجوم كاسح ضدّ السنّة . . من غير مبرّر منطقي ؟

الجواب : أخي الكريم ، كلامي الأوّل لم يكن فيه أيّ فتوى منّي أو تهجّم وما شابه ، وإنّما هو نقل لواقع حالنا ، وكيف ننظر للشيعة في الرياض بشكل خاص وهذه تجربتي الشخصيّة ، والتي تمثّل الفكر العام وهو نظرتنا نحن السنّة أو الوهابيّة للشيعة . . وراجع المساجد ستجد فيها الإعلانات التي تخدّر من الشيعة . . ! راجع أرشيف جامعة الملك سعود وجامعة الإمام محمّد بن سعود ستجد فيهما الكمّ الهائل من البحوث التي تطعن في الشيعة . . ! والأمثلة كثيرة .

قولك : ولا أدري صراحة ما هي المشكلة التي حصلت لكي تنقلبي إلى المذهب الشيعي . . . هكذا وبسهولة بالغة . . ( قراءتي بعض الكتب . . ضرب زميلتك . . . الخ ؟

الجواب : أولاً : لا تظنّ أنّني غيّرت مذهبي بهذه السهولة ، بل كانت أمرّ لحظات حياتي . . إنّها الحقيقة المرّة . . ولكن ما الذي يبقيني على مذهبي إذا كان غير صحيح ؟ ؟ فهل سينفعني في الآخرة ؟ ؟

ثانياً : رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما دعى للإسلام اهتدى في البداية كثير من الجهلة إلى الإسلام . . فمعرفة الحقيقة لا تحتاج من الشخص الكثير من العلم !

قولك : أنت ما دخلت مناظرات حتّى تقتنعي بحجّة القوم . . ولا حتّى " على الديئ " زي ما يقولون إخوانا المصريين . . والمناظرات تكشف الكثير ؟

الجواب : حضرت وناقشت وعرفت منطق الشيعة والسنّة . . . وما رأيك أخي الكريم أنْ نفتح قلوبنا ونتناقش أنا وأنت ؟ ؟

قولك : والأخلاق بابها يطول والقصص كثيرة . . . وليست أبداً سبباً في التفكير ؟

الجواب : أخي الكريم ، أنا لم أقل إنّ أخلاق الشيعة هي سبب هدايتي . . فحاشا لله أنْ أمشي مع العواطف والظواهر . . إنّما قلت : إنّ أخلاق الشيعة العالية وتهجّم السنّة على الشيعة بشكل غريب جعلني أبحث في قضيّة الشيعة والسنّة . . !

إذاً . . أخلاق الشيعة والسنّة هي التي نبّهتني وجعلتني أبحث . . ولم تجعلني أبني معتقدي بناءً على أنّ أخلاق الشيعة طيّبة .

قولك : قناة المنار . . .

تقولين : إنّ أهلك يمنعونك عن متابعتها . . . غريب جدّاً هذا الكلام ؟

الجواب : أنا لم أقل لك إنّ أبي يمنعني أنا شخصيّاً من مشاهدة المنار . . !

إنّما قلت إنّه مشاع بين الأهالي من فتاوى علماء تحريم مشاهدة هذه القناة ، والسبب البسيط أنّها شيعيّة !

قولك : فهل أستطيع أنْ أطلب منكم كتاباً واحداً فقط ؟ ؟

كتاب الأنوار النعمانيّة كيف أحصل عليه . . .

لنعمة الله الجزائري . . .

الجواب إذا كان هدفك من الكتاب البحث عن الحقيقة فلا بأس . . وإذا كان الهدف التحدّي ، فهذا ليس بالأسلوب العلمي . . فإن المسألة ليست مسألة تحدّي ، أو أنك لم تقرئي الكتاب الفلاني . . . الخ

ولكن ربّما يتمكّن الأخوة من إعطائك هذا الكتاب !

إثبات السلام على أهل البيت الكرام من صحاح أهل السنّة والجماعة وهذا إهداء خاص لأخي الكريم بندر .

1 - صحيح البخاري عندما يذكر فاطمة الزهراء والحسين يقول ( عليه السلام ) نص الحديث " حدّثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا ، يونس . ح وحدّثنا أحمد بن صالح ، حدّثنا عنبسة ، حدّثنا يونس ، عن الزهري ، أخبرنا عليّ بن الحسين : أنّ

حسين بن عليّ ( عليهم السلام ) أخبره أنّ عليّاً قال : كانت لي شارف من نصيبي من الغنم يوم بدر ، وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعطاني ممّا أفاء الله عليه من الخمس يومئذ ، فلمّا أردت أنْ أبتني بفاطمة ( عليها السلام ) بنت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واعدت رجلا . . . " .

كتاب المغازي 3702 ، أو راجع :

http : / / hadith . hl - islam . com / d isplay . . . ? doc = 0 u0026 rec = 5946

2 - وهذا الألباني يقول عليّ ( عليه السلام ) نصّ الحديث : " عن أمّ المنذر بنت قيس الأنصاريّة قالت : دخل عليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومعه عليّ ( عليه السلام ) ، وعليّ ناقة . . . " .

الكتاب : سلسلة الأحاديث الصحيحة ، المجلّد الأوّل بقسميه المؤلّف : محمّد ناصر الدين الألباني ، الناشر مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض ، الطبعة : طبعة جديدة منقحة ومزيدة ، تاريخ الطبعة : 1415 ه‍ - 1995 م ، رقم الحديث 59 .

أو راجع : http : / / arabic . islamicweb . com / books / albani . asp = 7362

3 - وهذا الطبري يقول الحسين ( عليه السلام ) : النصّ : " قال هشام : قال أبو مخنف : ولمّا قتل الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) ، جيء برؤوس من قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد . . . " .

راجع تاريخ الطبري :

http : / / islamwwb . net / pls / wieb / librar . . . u0026 startartno = 1 u0026 l = - 1

4 - وهذا الألباني ينقل حديث ويقول عليّ ( عليه السلام ) نصّ الحديث : " عن عليّ ( عليه السلام ) قال : كان آخر كلام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الصلاة الصلاة ، اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم . . " .

راجع : http : / / arabic . islamicweb . com / books / albani . asp / id = 16115

5 - وهذا صحيح أبي داوود يقول عليّ ( عليه السلام ) نصّ الحديث : " عن أبي الوضيء قال : قال عليّ ( عليه السلام ) : اطلبوا المخدج فذكر . . . " .

راجع : http : / / arabic . islamicweb . com / books / albani . asp / id = 15763

6 - وهذا في سنن أبي داوود أيضاً يقول عليّ ( عليه السلام ) نصّ الحديث : " حدّثنا محمّد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن أبيه ، عن ابن أبي نعم ، عن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليّ ( عليه السلام ) إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذهيبة في تربتها . . . " . سنن أبي داوود ، السنّة 4136 .

أو راجع : http : / / hadith . al - islam . com / display / . . . / doc = 4 u0026 rec = 5920

7 - وفي صحيح البخاري يقول عليّ ( عليه السلام ) نصّ الحديث : " . . . فلمّا سجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وضعه بين كتفيه ، وثبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ساجداً فضحكوا حتّى مال بعضهم إلى بعض من الضحك ، فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام ، وهي حورية فأقبلت تسعى . . . " .

صحيح البخاري - الصلاة - المرأة تطرح عن المصلّى شيئاً من الأذى .

أو راجع : http : / / hadith . al - islam . com / display / . . . p / doc = 0 u0026 rec = 851

(84) معلّى بن خنيس( سني / السعودية )

من أهالي الحجاز ، عاش في القرن الثاني ، قال ابن الغضائري : أنّه كان أوّل أمره مغيرياً ، ثُمّ دعا إلى محمّد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية ، والغلاة يضيفون إليه كثيراً (1).

المعتزلة :

جاء في كتاب الملل والنحل : " المعتزلة يسمّون أصحاب العدل والتوحيد ، ويلقّبون بالقدرية والعدلية . وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركاً ، وقالوا : لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشرّه من الله تعالى ، احترازاً من وصمة اللقب ، وإذا كان الذم به متّفقاً عليه بقول النبيّ عليه الصلاة والسلام : " القدرية مجوس هذه الأمّة " ، وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتّفاق ، على أنّ الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد ، فكيف يطلق لفظ الضد على الضد ، وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام : " القدرية خصماء الله في القدر " ؟

والخصومة في القدر ، وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصوّر على مذهب من يقول بالتسليم والتوكّل ، وإحالة الأحوال كلّها على القدر


1) - خلاصة الأقوال ، العلاّمة الحلي : 409 ، رقم 1 .

المحتوم ، والحكم المحكوم .

والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد :

القول بأنّ الله تعالى قديم ، والقدم أخص وصف ذاته ، ونفوا الصفات القديمة أصلاً ، فقالوا : هو عالم بذاته ، قادر بذاته ، حي بذاته ، لا بعلم وقدرة وحياة ، هي صفات قديمة ، ومعان قائمة به ; لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية .

واتّفقوا على أنّ كلامه مُحدث مخلوق في محل ، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه ، فإنّ ما وجد في المحل عرض قد فنى في الحال .

واتّفقوا على أنّ الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته ، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ، ومحامل معانيها . . .

واتّفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ، ونفي التشبيه عنه من كلّ وجه : جهة ومكاناً وصورة وجسماً وتحيّزاً وانتقالاً وزوالاً وتغيّراً وتأثّراً ، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها ، وسمّوا هذا النمط توحيداً .

واتّفقوا على أنّ العبد قادر ، خالق لأفعاله خيرها وشرها ، مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة ، والرب تعالى منزّه أن يضاف إليه شر وظلم ، وفعل هو كفر ومعصية ; لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً ، كما لو خلق العدل كان عادلاً .

واتّفقوا على أنّ الله تعالى لا يفعل إلاّ الصلاح والخير ، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد ، وأمّا الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف ، وسمّوا هذا النمط عدلاً .

واتّفقوا على أنّ المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة ، استحق

الثواب والعوض والتفضّل معنى آخر وراء الثواب ، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار ، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفّار ، وسمّوا هذا النمط وعداً ووعيداً .

واتّفقوا على أن أصول المعرفة ، وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع ، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل ، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك ، وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسّط الأنبياء عليهم السلام امتحاناً واختباراً * ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة ) * (1)(2).

استبصار معلّى بن خنيس :

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتابه الغيبة : إنّه [ أي : معلّى بن خنيس ] كان من قوّام أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وكان محموداً عنده ، ومضى على منهاجه (3).

تغيير معتقداته الدينية :

وعندما اعتنق " معلّى " مذهب التشيّع ، فتغيّرت تبعاً لذلك معتقداته التي كانت وفق المعتزلة ، فأصبحت عقيدته الاعتقاد بالعدل ، أي : أنّ الله تعالى عادل ، ولا يفعل ما هو ظلم ، وأصبح يعتقد كما قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين " (4).

وأصبح يعتقد بأنّ صفات الله عين ذاته تعالى ، وتنقسم صفات الله إلى صفات ذاتية وصفات فعل ، وتنقسم صفات الله أيضاً إلى صفات ثبوتية وصفات


1) - الأنفال (8) : 42 .

2) - الملل والنحل ، الشهرستاني 1 : 43 - 45 .

3) - خلاصة الأقوال ، العلاّمة الحلي : 409 ، رقم 1 .

4) - التوحيد ، للصدوق : 206 .

سلبية .

وأصبح يعتقد بأنّ كلام الله تعالى حادث .

وأمّا الإرادة فهي من صفات الله الفعلية ، وهي صفة محدثة .

وأمّا الرؤية فلا يمكن رؤية الله بالبصر ; لأنّه محال ، وإنّما تراه القلوب بحقائق الإيمان .

وأمّا أفعال العبد ، فإنّ العبد يقوم بها بقدرة الله تعالى ، وليست هي مخلوقات لله عزّ وجلّ ، بل يخلقها العبد بإذن الله * ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) * (1)، وتدلّ هذه الآية على وجود خالق غير الله ، ولكن الله تعالى أحسن الخالقين .

والله تعالى منزّه أن يضاف إليه شر أو ظلم ، ومنزّه عن خلق الكفر والمعصية .

وأمّا اللطف وفعل الأصلح فإنّه تعالى لا يفعل إلاّ الأصلح ، وهو قادر على فعل الشر ، ولكنّه لا يفعل ذلك ; لأنّه حكيم .

وأمّا أصول الدين عند الشيعة فهي خمسة : التوحيد ، العدل ، النبوّة ، الإمامة ، والمعاد .

وبهذا تحوّل " معلّى بن خنيس " من عقيدة المعتزلة إلى عقيدة الإمامية الاثني عشرية .


1) - المؤمنون (23) : 14 .

(85) إبراهيم سي سي انتصار الحقّ( سني / السنغال )

يقول " إبراهيم سي سي " حول قصّة استبصاره : بعد أنْ عرفت الحقّ وأهله ، وهداني الله لمذهب أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، دخلت إحدى الحوزات العلميّة التابعة للجمهوريّة الإسلاميّة ، وكانت الحوزة في مدينة " فريتاون " عاصمة " سيراليون " إحدى الدول الإفريقية الواقعة في غرب أفريقيا ، وكانت الحوزة تبثّ فكرة أهل البيت ( عليهم السلام ) بدون أيّ منافس ، وكان الطلاب يأتون من انحاء أفريقيا لاستلهام علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذا ممّا مزق قلوب الوهابية ، فحاولوا فتح جامعة في نفس البلاد لمنافسة هذه الحوزة ، وحاولوا كلّ المحاولات حتّى تمّ لهم بناء جامعة في منطقة " مجبروكا " التي تبعد عن العاصمة مسافة كبيرة جداً ، وزودوا الجامعة بوسائل حديثة ، كما تفننوا في عمارتها وبنائها الذي قام به الصينيون المهرة في البناء وفنّه ، وقبل فتحها قاموا بحملة دعائية في الصحف والإذاعات بأنّ الجامعة تقوم بكلّ ما في وسعها لتوفّر لطلاّبها جميع امكانيّات الدراسة ، وتقوم بتقديم منحة شهرية تصل إلى خمسين دولاراً ، بينما في حوزتنا لم تكن المنحة الشهرية تصل إلى خمس دولارات ، وكان الوضع المعيشي أيضاً يناسب الطالب الذي هدفه العلم دون الذي جاء لأغراض دنيوية وماديّة .

انتقال الطلاب إلى الجامعة :

بعدما تمّ فتح هذه الجامعة انتقل كثير من طلاب الحوزة إلى تلك الجامعة ، ولم يبقَ في الحوزة إلاّ ما يعادل ثلاثين نفراً بعد أنْ كان العدد أكثر من سبعين ، وفي صباح يوم من الأيّام جاء المدير إلى الحوزة ووجدها خالية ، ومَن فوجئ بهذا الخبر الأليم كيف لا يحزن ؟ مع أنّه أُرسل لمهمّة التبليغ ، وقد قام فعلا بتربية أشخاص منذ سنين أو أكثر ، وفي خلال عشيّة وضحاها رأى ما يحزّ في القلب .

ولا أنسى اليوم الذي ناداني إلى مكتبه لمناقشة هذه القضيّة ، وكانت الدموع تسيل من عيوننا ، سيما بعد غياب اثنين من الطلاب الأذكياء المؤمنين الذين كان يثق بهما كثيراً ، وكنّا جميعاً نرى بأنّ مثل هذه الحادثة فشل وضرر كبير ، ولكنّه بعد مدّة ظهر لنا عكس ما كنّا نتصور ، وفهمت قوله تعالى : * ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) * (1).

ولكن ماذا حدث ؟

بعد مضي أشهر لهذه الحادثة ، جاء أحد الملتحقين إلى الجامعة يطلب من مدير الحوزة أنْ يقبله مرّة أخرى في الحوزة ; لأنّه ما وجد الجامعة كما كان يتصوّر !

بداية النقاش بين طلاب الحوزة وطلاب الجامعة :

وبعد قليل أغلقت الجامعة أبوابها لثلاثة أشهر بسبب العطلة الصيفية ، انتقل الطلاب إلى العاصمة حيث تقع حوزتنا ، وكانوا يسكنون في مقرّ رابطة العلم الإسلامي ، وبدأوا يأتون إلينا مع زملائهم الذين جاءوا من دول أخرى .

وكان من بينهم طالبان من الذين انتقلوا إلى الجامعة ثابتين في العقيدة


1) - البقرة (2) : 216 .

الشيعية فكريّاً لا عمليّاً ، وهذان الطالبان في الحقيقة كان انتقالهما إلى الجامعة قد مهّد لنا الطريق إلى الوهابيّة ، وبثّ أفكارنا فيهم ، سيما طلابهم الذين كانوا يعتقدون بأنّ الشيعة تساوي الكفر ، ولا أزال أتذكّر المناقشات التي كانت تجري بيننا حول صحّة المذهب الشيعي ، وتلك المناقشات أنتجت نتائج حسنة على كلّ حال لما كانوا يستفيدونه منّا من الأدلّة الدامغة سيما الكتب التي كنّا نقدّمها لهم ، كما كان يتمّ تبادل الزيارات بيننا حيث يأتون إلينا ونذهب إليهم .

نقاشي مع أحد الأساتذة الوهابيّين :

في يوم من الأيّام ذهبت إلى مقرّهم ، وصادف أنْ حان وقت الصلاة وشرعت إلى الصلاة بعدما توضّأت أمامهم كما نتوضأ ، ولم يقولوا شيئاً لأنّ جميع المسائل قد قمنا بإقناعهم على صحّتها من كتبهم المعتبرة .

وبعدما انتهيت من الوضوء دخلت إلى إحدى الغرف لأصلّي ، وإذا بالطلاب قد جاءوا بأستاذ لهم كان يدرّسهم بأنّ الشيعة كفّار ، وكان يدّعي بأنّه درس الشيعة وعقائدها بصورة مفصلة في جامعة المدينة المنوّرة ، لذا لا يستطيع أيّ شيعي أنْ يقف أمامه إلا وأثبت له بطلان مذهبه بأدلّة مقنعة من الكتاب والسنّة .

هكذا كان رأيه على كلّ حال ، جاؤوا به إلى الغرفة التي كنت أصلّي فيها ، وكان محلّ سجدتي ورقة بيضاء ، لأنّي ما جلبت معي التربة لكونها نادرة في أفريقيا .

لمّا دخل الاُستاذ إلى الغرفة وجدني رافعاً يدي في حالة القنوت ، ولمّا رآني على هذه الحالة انفعل صائحاً : من جاء بهذا الشيعي حتّى يصلّي هنا صلاة الشيعة ؟

ثُمّ جلس الأستاذ مع طلابه وبدأ يتكلّم معهم حول أُمور الامتحانات وغير ذلك ، أنا جلست أفكر كيف يمكنني إنقاذ هذا الإنسان ، بينما أنا كذلك وإذا بأحد طلابه وكان ماليّا ، وهو ذكيّ جدّاً ، كان يأخذ منّي بعض الكتب الشيعيّة ، وكان يريد

أن يعرف مدى صحّة ادّعاء أستاذه الذي يعطي دروساً حول انحراف الشيعة ، قال له بكلّ جرأة :

يا أستاذ ، أريد أنْ أسألك عن تفسير آية في القرآن .

قال له : سل ما شئت ، إذا علمت أجيبك ، فإذا لم أعلم سأعطيك جواباً بعدما أبحث عنها في كتب التفاسير .

قال له : ما المقصود من قوله تعالى : * ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَّكْنُون * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) * (1)؟

حينئذ أدركت بأنّه يريد إرجاع أستاذه إلى ما كان يفرّ منه ; لأنّ الآية قد سبق أنْ ناقشناها حتّى اعتقدوا بتفسيرنا لها .

قال الأستاذ : هذه الآية هي ما يستفيد منها الفقهاء بأنّ القرآن لا يجوز لمسه إلا بعد الطهارة ، أي القرآن طاهر لا يلمسه إلا طاهر .

أنا قمت بدوري قائلاً للأستاذ : أتسمح لي بالمشاركة في حديثكم حول تفسير الآية ؟

قال : لم لا ، هذا المجلس مجلس العلم ، يمكنك إبداء رأيك بشرط أن لا تجرّنا إلى آراء الشيعة .

قلت له : أنا أفسّر الآية لغوياً بغض النظر عن آراء الشيعة أو السنّة .

قال : ماذا تقول في الآية ؟

قلت : إنّ مضمون الآية لا يؤيّد رأيك .

حينئذ بدأ الاُستاذ يتكلم بلغة الأولوفيّة ، وهي التي لا يتكلّم بها في الغالب إلا في سنغال وغامبيا التي هو منها ، وكان يريد من الطلاب أنْ لا يفهموا تفسير


1) - الواقعة (56) : 77 - 79 .

الآية .

قلت له : فلنواصل حديثنا بالعربية ; لأنّ هؤلاء الطلاب يريدون الاستفادة من كلامنا ولا يفهمون هذه اللغة ، لكنّه أخذ يواصل بالأولوفيّة ، وأنا كنت أجيب بالعربية ، وأخيراً قال صاحب السؤال : يا أستاذي تكلّموا بالعربيّة ، أنا لا أفهم كلامكم بلهجتكم المحليّة .

ووافق قائلاً : تكلّم حول تفسير الآية .

قلت : هناك ثلاث قرائن تدلّ على أنّ الآية ليس ناظرة إلى قولك ، وإنْ كان هناك اتّفاق بين السنّة والشيعة بأنّ القرآن لا يلمس إلا بالطهارة ، لكن مع فارق بسيط بيننا ، وليست بصدد بيان هذا الفارق ، وأمّا القرائن الثلاثة فهي كما يلي :

القرينة الأولى : الآية ( المطهَّرون - بفتح الهاء - ) أي اسم مفعول لا ( مطهِّرون - بكسر الهاء - ) أي اسم الفاعل ، يعني أنّ الطهارة هنا ليست مكتسبة ولا تشريعيّة ، بل هي غير مكتسبة ، أي تكوينيّة .

القرينة الثانية : أنّ الآية صرحت : ( لا يمسّه ) لا ( لا يلمسه ) الذي يحصل بالحس ، بل الحسّ بمعنى الفهم والإدراك والإحاطة ، أي المسّ المعنوي كما جاء في قوله : * ( الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ ) * (1)أي إذا أحاط عليكم الشيطان ، وقوله : * ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ ) * (2)أي أدركني الكبر ، أي لا يدري ولا يحيط بالقرآن إلاّ المطهَّرون .

القرينة الثالثة : اللام في قوله : * ( لاَّ يَمَسُّهُ ) * ليست ناهية ، فإنّ الله لم ينهى هنا عن لمس القرآن ، لأنّه لو كان كذلك لقال : * ( لاَّ يَمَسُّهُ ) * بتسكين السين اللام الجزم كما في قوله : * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) * (3)، هنا اللام للنهي أي أنّ الله نفي عن


1) - الأعراف (7) : 201 .

2) - الحجر (15) : 54 .

3) - الإسراء (17) : 36 .

فهم القرآن وإدراكه إلاّ من طهّره طهارة معنويّة ، وبقي أنْ نعرف منهم هؤلاء المطهّرون الذين يمتازون بهذه الطهارة التي بها يدرك ويفهم حقيقة القرآن ؟ فهؤلاء المطهّرون ليسوا أنا ولا أنت بل هم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذا بدليل قرآني أيضاً ، وهو قوله تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * .

وحينئذ صاح الاُستاذ صيحة عالية : هذا التفسير شيعيّ محض ، هكذا يفعلون ويلعبون بالنصوص القرآنيّة والنبويّة ، إنّ القول بأنّ أهل البيت هم المطهّرون ، فهذا لا دليل عليه ، ولو سلّمنا جدلاً بأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) المطهّرون كما استدللت بالآية بقوله تعالى : * ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * (1)، هذا من جهة ومن جهة ثانية : أنّ الله لم يصرّح بأنّه طهّرهم ، بل قال : إنّما يريد ، وإنّما يريد لا يدلّ على أنّه أراد ، مثلاً إذا قلت : إنّما أريد الطهارة ، هل هذا يكفي بأنّي أصبحت طاهراً ، وهذا له مثيل في القرآن وذلك قوله تعالى : * ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) * (2)، هل يمكننا في هذه الآية الجزم بأنّ الرجال تطهّروا مع تصريح القرآن بأنّهم يريدون الطهارة ، على مثل هذا فقس أنّ الله يريد من أهل البيت الطهارة كما يريدها منّي ومنك .

الفرق بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعية :

قلت : يا أخي قولك مناف للواقع ، أولاً : قبل التطرّق لمن المقصود من أهل البيت ، أعلّق على كلامك بأنّ إرادة الله التطهير لأهل البيت لا دليل على تحقّقها ;


1) - الأحزاب (33) : 32 - 33 .

2) - التوبة (9) : 108 .

لأنّها مجرّد إرادة ممكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق ، أنت اختلط عليك الفرق بين الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة .

حينئذ صاح قائلاً : لا تتفلسف ، الإرادة لا فرق بين تشريعيّتها وتكوينيّتها .

قلت : يا أخي ، المجال واسع للمناقشة ، لا تستعجل ، كنت استمع إليك تأتي بأدلّتك دون أن أقطع كلامك ، فعليك أيضاً أنْ تستمع إلي حتّى انتهي من كلامي ، وحينئذ يمكنك قبول كلامي أو رفضه مع الأدلّة ، إنّه هنا فرق بين الإرادتين ، أولاً : الإرادة التكوينيّة تتحقّق بدون أيّ عائق ومانع ، مثلاً : الله يريد منّي أن أكون على هذا الشكل ، أسود اللون ، قصير القامة ، وذكر دون أنثى . . كما أراد منك هذا الشكل ، هكذا فإنّه متى ما تعلّقت إرادته يتحقّق المراد كما في قوله تعالى : * ( إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) * (1)، فلا يمكن تخلّف المراد عنن الإرادة الإلهية وإلا يلزم العجز والجهل على الله ، والله سبحانه منزّه عن ذلك ، فإنّه القادر على كلّ شيء ، والعالم يكلّ شيء .

فهذه الإرادة التكوينيّة التي تتعلّق بالكون وما فيه من المصنوعات والمخلوقات سواء شئنا أو أبينا فإنّها تتحقّق بدون أيّ شرط ، لأنّ الإرادة هنا ذات طرف واحد لا دخل للإنسان في ذلك ، أمّا الإرادة التشريعيّة فهي ليست كذلك ، أي يمكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق ، مثلاً : الله يريد من الناس كلّهم أنْ يكونوا مؤمنين ، لذا زوّدهم بالعقل ، وأرسل إليهم الرسل ، ولكن لا يمكن أنْ يكونوا مؤمنين كلّهم إلاّ إذا أرادوا ; لأنّه تعالى بعدما أراد ذلك منهم خيّرهم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، هذه الإرادة هي الإرادة التشريعية التي لا تتحقق إلا بطرفين : طرف من الله سبحانه ، وآخر من العباد .

وقال الطلاب كلهم : " هذا على كلّ حال منطقيّ وواقعيّ " .


1) - يس (36) : 82 .

قلت : فلنرجع إلى الآيتين ، أي اللتين ذكرتهما لننظر أيّهما هي : التكوينيّة أم التشريعيّة ، أمّا بالنسبة للمراد من الإرادة في قوله تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ . . . ) * (1)الخ ، فالإرادة هنا تكوينيّة لا تشريعيّة ، فإنّ الله يريد انْ يكون أهل البيت مطهّرون من الذنوب والرجس ، ليصبحوا معصومين ما داموا هم القدوة للبشريّة جميعاً ، أمّا ما قلتم بأنّ الله قال : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) * ، فهذه الصيغة للاستقبال لا تدل على الوقوع ، فهذا غير وارد في حقّه تعالى ، لأنّ قوله : إنّما أريد أن أفعل ، يختلف عن قولي وقولك : إنّما نريد أنْ نفعل ; لأنّه يمكننا إرادة الفعل ، ولكن لا يتحقّق الفعل لعجزنا عن الفعل ، نظراً لوجود العراقيل التي تمنع عن الفعل ، أو للغو في الكلام فقط أو الانسحاب عمّا كنّا نريده لسوء خطأ في التفكير ، وما إلى ذلك من أنواع الجهل ، وقولوا لي أيّها الطلاب بكلّ صراحة ، فهل يمكن تصوّر العجز واللغو والجهل في ساحته تعالى ؟ قالوا : لا والله .

قلت : وأمّا قوله تعالى في الآية : * ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ) * (2)، فهنا الإرادة تشريعيّة لا تكوينيّة ، لدليلين :

أولاً : هم يريدون ذلك ، والله أيضاً يريده لهم منهم ، كما يريد منّي الطهارة ومنك ، هنا الإرادة ممكن أنْ تتحقّق ، وممكن ألا تتحقّق .

ثانياً : هؤلاء طهارتهم ليست دائميّة ، لذا يحتاجون إليها في كلّ آن ، أي يريدون تجديدها في كلّ حين ، كالاستغفار وفعل ما يقرّبهم إلى الله ، لذا صرّح الله بقوله : * ( يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ) * ، أي التطهير ، طلب الطهارة ، بينما فيما نحن فيه قال تعالى : * ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * ، هنا المصدر ليس التطهر بل طهر تطهيراً ، هنا الفعل للمتعدّي ، أي هناك مطهِّر وهو الله ، ومطهَّر وهو أهل البيت ، وهذا التفسير وهو ما ينسجم مع قوله تعالى : * ( لَّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) * .


1) - صحيح مسلم 7 : 130 ، الأحزاب (33) : 33 .

2) - التوبة (9) : 108 .

إذن بالنتيجة هكذا نجمع بين الآيتين : الله أراد أنْ يطهّر أهل البيت ( عليهم السلام ) وقد طهّرهم ، وبعدما أصبحوا طاهرين صاروا يفهمون القرآن حتّى أصبحوا معلميه ، وفي بيوتهم نزل الكتاب ، وهذا ما جاء في قول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض " (1).

إذن القرآن وأهل البيت شيء واحد ، الكتاب قرآن ساكت ، وأهل البيت قرآن ناطق ، فكلّ ما في القرآن في أهل البيت ، وكلّ ما في أهل البيت في القرآن ; لأنّه لن يفترقا في كلّ شيء إلى يوم القيامة .

أهل البيت ليسوا أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

أمّا قولكم : لو سلّمنا بأنّ أهل البيت المطهّرون ليسوا إلا أزواجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهذا مخالف للقواعد النحوية أولاً ، وثانياً : مخالف للقرآن نفسه ، وثالثاً : مخالف لتعليمات أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

أمّا كونه مخالف للقواعد النحويّة : أنّ الصيغة في الآية للمخاطبين الذكور لا للمخاطبات ، مع أنّ الآية بدأت بصيغة المخاطبات : * ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) * ، وهكذا حتّى وصلت إلى هذا المقطع غيّر التعبير إلى صيغة المخاطبين الذكور .

ولو كان المقصود من أهل البيت هم أزواجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لواصل قائلاً : ليذهب عنكنّ ويطهركنّ ، وقد ثبت في القواعد النحويّة بأنّه لا يمكن مخاطبة النسوة بصيغة الذكور إلا من باب التغليب ، أي أنْ يكون من بينهنّ ولو رجلاً واحداً وهذا ما لم تقله أنت ولا غيرك ، بل قلت بأنّ المخاطبين هنا هم أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهذا الخطأ واضح في النحو أو أنْ تقول بأنّ الله لا يفهم العربيّة معاذ الله ، فيسقط كون القرآن فصيحاً بليغاً حتّى أصبح مرجع اللغويين .


1) - المستدرك على الصحيحين 3 : 148 .

أمّا كونه مخالف للقرآن ، هو أنّ الله قال : بأنّ هؤلاء المطهّرون أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، فهل الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً يمكن أنْ تصدر عنهم ولو معصية واحدة ، كلا ، وإنْ قلتم بأنّ المقصود هم أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكيف نقول في عائشة التي هي واحدة من أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اللاتي أمرها الله بعدم الخروج من بيوتهنّ للتبرّج كما في قوله تعالى : * ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) * (1)، وقد ثبت متواتراً في التاريخ بأنّ عائشة ما التزمت بهذا الأمر الإلهي ، بل خرجت بآلاف الرجال من المحارم لمحاربة الخليفة الشرعي في عصرها وهو أمير المؤمنين الذي قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه : الحقّ معه أينما دار والآن إذا كان المقصود من أهل البيت هم أزواج النبيّ ، فكيف تبرّر هذا السلوك من عائشة ؟ وهنا سكت بدون جواب وطلابه ينظرون إلى أستاذهم .

أمّا كونه مخالف لتعليمات أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنفسهنّ فهو : لما نزلت هذه الآية حسب رواية أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لفاطمة : إئتيني بزوجك وابنيك فجاءت بهم فألقى عليهم كساءاً فدكياً ، قالت ، ثُمّ وضع يده عليهم ، ثُمّ قال : إنّ هؤلاء آل محمّد . . . قالت أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي ، وقال إنّك على خير (2).

لعل أمّ سلمة بهذا الفعل كانت تعرف بأنّكم تفسرّون أهل البيت بأنّهم هم أزواجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لذا أرادت أنْ تقيم عليكم الحجّة .

ونفس هذه الرواية سمعت بأنّها رويت من قبل عائشة أيضاً ، ولكن ما رأيتها ، والروايات الدالّة على هذا القول كثيرة جدّاً .

وبعد ذلك قال : يا أخي ، إنّ هذه الرواية من بحاركم - ويقصد كتاب ( البحار )


1) - الأحزاب (33) : 33 .

2) - انظر : مسند أحمد 6 : 323 .

• لأنّي رأيت هذا الكتاب في السعوديّة وفيه وما فيه من الأكاذيب .

قلت : يا أخي ، هذه الرواية وغيرها ما رويتُ ولو حديثاً واحداً منها من كتب الشيعة ; لأنّ مصادر الشيعة عندنا نادرة جدّاً ، بل كلّها من كتبكم المعتبرة .

قال : أنا تخرّجت من كلية الشريعة ودرست علم الرجال ومصطلح الحديث بصورة مفصّلة ، كما درست المذاهب المنحرفة كلّها ، ومنها المذهب الشيعي ، ولكن ما رأيت ولو حديثاً واحداً ممّا ذكرت من كتبنا .

وقلت له تشجيعاً له في مواصلة الحديث : يا أخي ، أنا عرفت بأنّك إنسان مثقف ، وأنت تختلف مع كثير من الوهابيين الذين أناقشهم ، وعرفت أيضاً بأنّك فعلاً درست ; لأنّ لهجتك العربية فصيحة جدّاً ، لكنّ عدم الرؤية لا يدلّ على عدم الوجود .

إنّ عدم رؤيتكم هذه الأحاديث في كتبكم المعتبرة لا يكفي دليلاً على عدم وجودها فيها ، أنا أقول بكلّ صراحة بأنّها موجودة في كتبكم .

وبعد ذلك قال لي : أطالبكم ولو بمصدر واحد ، لكنّي في ذلك الحين ما تذكرت المصدر بالضبط ، وهذا من عيوبي اعترف بها ، لكن امهلني غداً إن شاء الله . الأستاذ يعلن استعداده للبحث عن حقيقة الشيعة :

قال الاُستاذ : صدّقني إذا جئت بمصدر واحد من كتبنا المعتبرة ستكون سبباً في بحثي حول مذهب الشيعة من كتبكم لا ممّا كتبنا ، قلت له : لكن يا أخي أنصحكم إذا أردتم البحث عن الحقيقة إذا سمحت لي بذلك .

قال : تفضّل .

قلت له : إنّ أصعب شيء هو الانتقال من عقيدة تربيت بها ودرستها إلى أخرى ولو كانت أصحّ ممّا اعتقدناها ، لكنّ الباحث المخلص لا يهمّه إلا الحقّ أينما هو .

وثانياً : دع عنك أبا بكر وعمر وعثمان والإمام علي ( عليه السلام ) ، لا تقيس الحقّ في أحدهم ، بل قس الحقّ بالحقّ ، وهذا ما يشير إليه عليّ ( عليه السلام ) في قوله : " الحقّ لا يعرف بالرجال ، أعرف الحقّ تعرف أهله " (1).

عيبنا هو أنْ نجعل رجالنا في جهة ، كلّما وافقهم هو الحقّ ، وكلّما خالفهم هو الباطل ، وهذا خطأ فاضح للبحث عن الحقّ .

على الباحث عن الحقّ أنْ يعرف أنّ الحقّ واحد ، يبحث عنه فقط دون غيره ، أكان مع رجله فهو ، وان كان مع خلافه فليترك رجله لأجل الحقّ ، ويكون مع الحقّ ; لأنّ الله لا يطلب غداً منّا الرجال ، بل المطلوب منّا غداً هو الحقّ لا شيء آخر .

ضحك الاُستاذ قائلا : أنا أيضاً أطلب منك أنْ تقرأ الكتب الشيعيّة كلّها سوف تصل إلى نتيجة .

قلت : شكراً لك على هذه النصيحة ، على كلّ حال أنا لا يهمّني إلا الحقّ ، ولو رأيت مذهب أصح من الشيعة فسأنتقل إليه ، ولو كنت معتقداً بأصحّية المذهب الإمامي وكان هناك مذهب آخر أصحّ منه فليشهد الله بأنّي لو رأيته لانتقلت إليه ، ومن هنا توادعنا وكانت الساعة تشير إلى الساعة الثالثة والنصف ، خضناها في المناقشة ثمّ اتّفقنا بأنْ أعطي المصادر لذلك السنغالي .

القرينة الرابعة :

الأستاذ يعترف بصحة الروايات في كتبهم :

رجعت إلى حوزتنا ، ووجدت المكتب مغلقاً كالعادة في كلّ مساء ، لكن في الصباح الباكر سألت المسؤول عن المكتب عن كتاب " أهل البيت في القرآن


1) - مجمع البيان 4 : 146 .

والسنّة " ، فأشار إلي بالكتاب ، فاستخرجت منه جميع المصادر من كتب السنّة ، وسجلتها كلا في ورقة ، وكتبت تحت الورقة : هذه هي المصادر تابعها في كلّ كتبكم ، وسلام على من اتّبع الهدى ، وقدمتها للأخ الحسن لوه .

لكنّ الأخ حذف هذه العبارة قائلاً : بأنّ العبارة ينزعج منها ، واتّفقنا على أنْ يعطيه إيّاها .

ولمّا أعطاه الأخ الورقة ، رجع الاُستاذ إلى كتبهم ووجد جميع المصادر كما ذكرتها له .

ولم أرجع إليه لمدّة تتراوح ما بين أربعة وخمسة أيّام ، ولما رأيته أعلمني بأنّه رأى جميع الروايات في كتبهم ، إلا أنّه بقي يبحث عن مدى صحّتها وضعفها .

وأمهلته مدّة أخرى ربما يبحث ، لكن كنت حرجاً في هذه المدّة ; لاّنّي كنت أتوقّع بأنّه يحاول كلّما بوسعه لإثبات ضعفها ، وأخيراً قال للأخ الحسن الذي كان يراه يومياً : بأنّ الرواة كلّهم عدول ، بل يوجد فقط في السنّة راو واحد هو شيعي ، لكنّه ثقة عند رجال السنّة .

وبعد ذلك ذهب الأخ الحسن إلى مديرنا ، وهو الشيخ عليّ السلطاني الذي كان في ذلك الحين مديراً للحوزة وللمركز الثقافي ، وقصّ عليه القصّة كلّها ، وفرح لذلك جدّاً .

وفي الصباح جاء إلى الحوزة وناداني ، وكنت أظنّ بأنّه يريدني لمهمّة أخرى ، لكن لمّا جئته بدأ يبتسم قائلاً : اجلس ، فجلست ، والأساتذة كلّهم جالسون في غرفة الاستقبال ، وكنت أظنّ بأنّه يريد أنْ يقنعني في موضوع الذهاب إلى إيران لإكمال دراستي هناك ، ولكن كنت أرغب في لبنان أكثر ، وكنت أعارض بالنسبة إلى مجيئي إلى إيران ، كنت أظنّ ذلك في هذا الموضوع ، لكنّه فاجئني بقوله : أريد منك أنْ تقصّ لي ماذا حدث بينك وبين الأستاذ الذي يدرّس عند

الوهابيّين .

قلت له : كيف عرفت بذلك ؟

قال لي : بأنّي سمعت من نفس طلابهم ، جاءني في مكتبتي يطلبون منّي الكتب الشيعيّة ، فأريد أن أسمع القصّة من لسانك .

وأخيراً امتثلت كلامه ، وقصصت له كلّ ما جرى بيننا ، وفرح هو والأساتذة جميعاً ، وأهداني واحد من الأساتذة كتابا حول مؤتمر بغداد ، وسألني المدير نفسه : هل تظنّ بأنّ الأستاذ مستعدّ للبحث عن الشيعة ؟

قلت له : حسب قوله .

قال : لا بأس ، تأتي إلى المركز ، سأعطيك بعض الكتب .

وقلت : لا بأس . . .

فقال : لا بأس ، أعطيه كتاب " الغدير " ، واتفقنا ، وأركبني في سيارته إلى المركز ، وكتب لي ورقة إلى مسؤول المكتب لآخذ كتاب الغدير لا أدري بالضبط أيّ جزء هو ؟ هل التاسع أو الحادي عشر ؟ على كلّ حال أخذت الكتاب وأعطيته إلى الأخ الحسن الذي كان الوسيط بيننا ، وقد لعب دوراً كبيراً في هذا المجال ، لمّا أعطاه الكتاب مكثت مدّة طويلة بدون الذهاب إليه ، وبعد مدّة قال للأخ بأنّه في حاجة ماسّة إلى رؤيتي ، فلمّا أخبرت بذلك كنت أتوّقع بأنّه جحد عن الحقائق التي رآها ، لكن على كلّ حال أنا مستعدّ للردّ عن شبهاته ، لكنّه فاجئني بقلب رحب ، بمجرّد أن رآني قال لي : طالعت الكتاب مطالعة كاملة دقيقة ، كنت أسهر الليالي لمطالعته ، الحمد لله لقد تفتّحت لي آفاق جديدة ، فأسألك : هل يمكنني رؤية مديركم شخصيّا ؟

قلت له : أليس لاستقبال الناس أُرسل إلى هنا ؟ لا شكّ بأنّه يفرح بهذا اللقاء .

قال : أسأله أيّ وقت يكون فارغاً للقاء ؟

قلت : لا بأس ، سأسأله عن ذلك .

أوّل لقاء بين الأستاذ ومدير الحوزة :

ذهبت إلى المدير ، وأخبرته بكلّ ذلك ، فقال : أنا في خدمته على كلّ حال ، أيّ وقت يريد أنْ يراني أنتظره ، ورجعت إليه مباشرة لإخباره بذلك .

قال : قل له : غداً في الساعة العاشرة انتظره في الحوزة ، فلا أذهب إلى المركز باعتبار أنّ المركز لا نجد فيه الفرصة للتحدّث كثيراً ، لكثرة الزوّار والمراجعين .

وفي الصباح ذهبت إليه وكان ينتظرني في باب منزلهم الذي كان يبتعد عن الحوزة بسبعمائة متر تقريبا ، لما رآني قال : يمكننا الذهاب الآن ؟

قلت : نعم .

سألنا ما إذا كانت المسافة بعيدة حتّى نركب السيارة ؟

قلت : بأنّه يمكن المشي ، وفي الطريق صادفنا مديره ، وهو دكتور من خريجي السعودية ، وكان مديراً لرابطة العالم الإسلامي في ذلك الحين ، لما رآنا سألنا عما إذا كان يريد الذهاب إلى مكتب الرابطة ، لكنّه أجابه : لا يا أستاذ ، بكلّ صراحة أننا نريد أنْ نزور مدرسة الشيعة ، سأله عمّا كان يريد أنْ يفعل هناك ، قال : مجرّد الزيارة ، ثُمّ ضحك وواصل سيره مع سيارته الضخمة الجميلة ، ووصلنا إلى الحوزة ، لكن بسبب وقوفنا في الطريق مدّة تأخرّنا قليلاً ، إذ وصلنا إلى الحوزة في الساعة العاشرة والنصف تقريباً ، ووجدنا المدير راجعاً إلى بيته ، بعدما انتظرنا في رأس الساعة العاشرة ، إلا أنّه قال لنائبه بأن نلتقي معه في بيته القريب من الحوزة ، فهو ينتظرنا هناك ، مباشرة ذهبنا إليه ، فوجدناه ينتظرنا في صالون كبير ، وبعدما جلسنا ، قمت بتعريف بعضنا للآخر ، وبعد ذلك صرّح للمدير بسبب رغبته بمقابلته ، وقال بكلّ صراحة بأنّه كان يحمل للشيعة بغضاً لا حدّ له نظراً لما درسه في السعودية حول الشيعة وما رآه هو بأمّ عينيه من الأحاديث في البحار ولما يمكن

للعقل قبولها ، لكونها مناقضة مع الشريعة الغرّاء ، ولكنّه بعد بحوثه من الكتب الشيعيّة ، فهو يعترف بأنّ الشيعة مذهب صحيح كمذهبه ، لكنه يسأل كيف تعتبر الشيعة كتاب البحار كتابا صحيحاً مائة بالمائة مع ما فيه من الأحاديث التي لا يمكن للعقل السليم قبولها ، وهو شخصيّاً لا يستطيع أيّ إنسان أنْ يقنعه بتصديقها ؟

فأجابه المدير بعدما شكره على زيارته ، ثُمّ رغبته في البحث من كتب الشيعة أنفسهم دون ما كتب ضدّهم .

الكتاب الصحيح عندنا هو القرآن :

وقال له : نحن نريد أن تكون على يقين بأنّه لا يوجد عندنا كتاب صحيح مائة بالمائة إلا كتاب الله القرآن الكريم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، وغيرها من الكتب الروائية فنحن نعترف بأنّ فيها الصحيح وغيره .

أمّا القول بأنّ للشيعة كتابا صحيحاً كما للسنّة ، كصحيح البخاري ومسلم ، فهذا القول من الافتراءات والتهم الموجّهة إلينا ، ولا ترى أيّ عالم من علمائنا يقول بأنّ كتبنا كلّها صحيحة مائة بالمائة ، ألا ترى بأنّ عندنا علما كما عندكم يتعلّق بالأحاديث فقط ، والبحث عن صحّة سندها أو ضعفها ، وهو علم الرواية وعلم الرجال ، ولو كانت أحاديثنا كلّها صحيحة فما الداعي لوضع مثل هذين العلمين ؟

هل يوجد فرقة من فرق المسلمين تضع علماً للبحث عن الآيات غير الصحيحة في القرآن ؟

قال : أصلاً لا يوجد .

قال : أليس ذلك لإعتقادنا بأنّ القرآن الموجود عندنا هو نفس القرآن المنزل على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

وبعد كلّ هذا ، كيف يقال بأنّ الشيعة تعتقد بأنّ البحار كتاب صحيح عندهم ؟

وحينئذ قال الاُستاذ الوهابي : الحمد لله ، وشكراً لكم على هذا الشرح

الوافي ، لأنيّ أول يوم أسمع منكم مثل هذا الشرح المطابق للعقل .

ثُمّ قال : وعندي شبهة أخرى حول الشيعة ، وهي أنّه كنت أطالع كتابا شيعيّاً في مكتبكم في المدينة ، وكان معي واحداً من طلابكم الذي هو الآن عندنا - ويقصد الحسن لوه - لكن رأيت عبارة " عدّة من أصحابنا " قالوا كذا وكذا ، وكنت أقول : كيف هذا ، عدّة من أصحابنا فقط رووا كذا فمن هم هؤلاء الأصحاب حتّى نعلم هل هم من الثقات أم لا ؟ لكنّ طالبكم هذا بيّن قائلاً : هذا اصطلاح خاص عندهم كلّما قيل عدّة من أصحابنا ، يقصدون أصحاباً معيّنين معروفين بالثقة ، وأسماؤهم أيضاً مذكورة في كتب رجالهم .

فقال : الحمد لله ، لأنيّ لا أحكم بدون أن أعرف المقصود من هذا الاصطلاح .

وبعدما تكلّم المدير والاُستاذ حول هذا الموضوع كثيراً ، تطرّقوا إلى مواضيع أخرى مثل : وجوب وحدّة صفوف المسلمين ، ووجوب التكاتف لمواجهة المسيحيّة التي ركّزت جميع إمكانياتها لمواجهة المسلمين ، بينما المسلمون ما زالوا في محاربة بعضهم بعض .

وبعد ساعة من الحديث ، استودع وقال للمدير بأنّه عن قريب يرجع إلى بلاده ليواصل التدريس في الجامعة ، والآن يطلب منه تزويده بالكتب الشيعيّة ; لأنّه يريد مواصلة بحثه في هذا المذهب الذي بدأ ينكشف به جميع الافتراءات الموجّهة إليه ، ثُمّ طلب منه كتاباً آخر بعد مطالعته لبعض أجزاء من الغدير ، وأعطاه معالم المدرستين ، فذهب به فرحا مستبشراً بما آتاه الله من فضله .

الوهابيّة لا تسمح لطلابها بمطالعة كتب الشيعة :

بعدما أخذت الكتاب منه بكلّ هدوء ، سألته عن سبب خشونة الوهابية اتّجاه الشيعة ، مع أنّنا منفتحون أمامهم ، نطالع كتبهم كلّها حتّى المؤلّفة ضدّنا .

قال : على كلّ حال أنا شخصيّا أدركت بأنّ الوهابيّة ليس عندهم أيّة مرونة ،

فأنا عندما كنت طالبا في السعودية كان الطالب إذا أراد أن يكتب مقالا ضدّ الشيعة يصوّرون له بعض الصفحات من كتاب البخاري ، ولا يسمحون له حتّى النظر إلى نفس الكتاب ، بل يستدلّ على بعض الصفحات التي صوّرت له ، ليثبت على أساسها بأنّ الشيعة مذهب منحرف وهم كفار ، كما لا يسمح لأيّ طالب أن يطالع في أيّ كتاب ألّف من قبل الشيعة مهما كان موضوعه ، حتّى لا يسمح له بالتكاتب مع إيران ، فهذا يساوي الطرد من الجامعة ، وأنا لا أفهم هذه الخشونة ، بينما نحن نطالع كتب الصهاينة والماسونية والشيوعيّة ، وهؤلاء ملحدون وإنْ كان الشيعة منحرفين لكن لا أقل يؤمنون بوجود الله .

فقلت له : الجواب واضح جدّاً ، لاّنّهم يعرفون بأنّ الطالب الذي لا يهمّه إلا الحقّ إذا سمح له بمطالعة كتب الشيعة ويرى كيف يستدلّ الشيعة على صحّة مذهبهم معتمداً على المنطق السليم وعلى الكتب المعتبرة عند السنّة ، لا شكّ بأنّ هذا الطالب يترك الوهابيّة القائمة على وضع الإسلام دين الله الحنيف في زاوية ضيّقة ، فينتقل إلى الشيعة ، وهذا ما لا تريده الوهابيّة ، فيحاولوا أنْ يصمّوا آذانهم وآذان طلابهم كما كان يفعل المشركون في صدر الإسلام عندما كانوا يسمعون القرآن من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

لذا ترى بأنّ الوسيلة الوحيدة هي منعه عن مطالعة كتب الشيعة ، بينما نحن بالعكس ، فإنّ في مكاتبنا جميع الكتب المعتبرة عند السنّة ، كالبخاري ومسلم وغيرهما ، حتّى بعض الكتب المؤلفة ضدّنا ، لذا أنت رأيت في مكتبتنا جميع الكتب لأنّك تذهب إلى هناك للمطالعة ، وأنا شخصيّاً عندي أكثر الكتب المؤلّفة ضدّنا ، نحن كلّ هذه الكتب عندنا ; لأنّه لا نراها مهدّدة لموقفنا ، بل بالعكس ، ومن جهة ثانية نحن الشيعة نشترط الاجتهاد في الأصول ، ولا يجوز التقليد فيها .

وقال : لكن أرى من الأفضل في السعوديّة أن لا يترك الطالب يطالع كلّ شيء ; لأنّه تجتمع عنده الشبهات ، ولا يعتقد بعقيدة الذين لأجلها جاؤوا به ، ليحمل

فكرتهم ، وهذا شيء طبيعي ، كلّ إنسان يريد أن يميل الناس جميعاً إلى فكرته ، الشيعة تريد ذلك كما تريده المسيحية .

قلت : نعم . كلّ إنسان يريد ذلك ، ولكن عليك أنْ تعرف أوّلاً بأنّا نعيش في عصر الانفتاح ، وكلّ من أراد نشر فكرته عليه أوّلاً بتزويدها بأدلّة مقنعة ; لأنّ الناس يمكنك وضعهم في ركن ضيّق ، وتعطيهم ما شئت ، ولكن في اليوم الذي يصبحون فيه غير مقيّدين ، ويرون أفكار غير ما كانوا يعلمون ، ويرونها مزوّدة بأدلّة قويّة يقتنعون بها ، وتصبح أنت عدّواً لهم ، أو يتجرّأون في الخوض في عقائد الآخرين بدون علم مسبق إلا ما شربوه من السموم من قبل معلميهم وحينئذ يقعون في مشكلة ، لأنّ في هذا العصر إذا قلت : بأنّ الشيعة كفرة فإنّهم يطالبونك بالدليل ، أمّا إذا لم تكن عندك أية أدلّة فهنا العار ، وهذا فعلا ما أصاب كثير من خريجي السعودية ، إمّا أنْ يروا حقيقة الشيعة ، أو يتكلموا عنها مع جهل تامّ كما أصابك أنت ، وعند ذلك يسقطون أمام كلّ شيعي حقيقي مهما كان مستوى علمه وثقافته ، أليس كذلك ؟

المقطع الأخير من قصّة هدايتي :

الاُستاذ يطلب لقاءً ثانياً مع مدير الحوزة :

وبعد ذلك قال لي : أنا أشكركم كثيراً يا أخي ، لأنّي استفدت منك كثيراً ، لم يكن يخطر ببالي أبداً بأنّي أستطيع أن أتكلّم مع شيعي أكثر من دقيقة واحدة حتّى ترتبط بيننا علاقة الصداقة .

وحينئذ قطعت كلامه قائلاً له : لا يا أستاذي ، إنْ كان الشكر فأنت مستحقّ للشكر ; لأنّك عالم كبير تدرّس في الجامعة ، لكن رغم كلّ ذلك تجالسني وتتحدّث معي حول المسائل الاعتقاديّة ، ثُمّ ضحك قائلاً : أنا الآن مصمّم على الرجوع إلى بلادي ، لأنّي لا أستطيع المواصلة في التدريس بالجامعة ، أنا أريد أن أبحث بحثاً

تفصيليّاً حول الشيعة ، لأنّي دخلت في آفاق جديدة ، والآن قل لمديركم بأنّي أريد أن أجلس معه جلسة طويلة قبل مغادرتي " فريتاون " .

وبعدما سمعت منه ذلك ذهبت إلى المدير فأخبرته بذلك ، أمرني بالرجوع إليه ليضرب لنفسه موعداً حول هذا اللقاء .

مدير عام رابطة العالم الإسلامي يتجنّب الحوار :

رجعت إليه ، وكان يسكن في مسكن مدير رابطة العالم الإسلامي ، ووجدتهم كلّهم يشربون الشاي الأفريقي في صالون كبير ، لمّا رأوني قال أحدهم : جاء آية الله ، فسأله أحد الضيوف : ما المقصود من آية الله ؟

قال : هذا الشاب يدرس عند الشيعة ، وهو شيعي ، سألني ما إذا كان هذا الكلام صحيح أو لا .

قلت : صحيح ، وبدأ هو بدوره يعاتبني ، لكنّ الأستاذ الذي كنت أناقشه قال له : تمهّل .

قلت له : اتركه يواصل كلامه ، أنا مستعدّ للدخول معه في حوار ، لكنّ مدير رابطة العالم الإسلامي تدخّل قائلاً : بأنّي لا أسمح لكم الخوض في هذا الموضوع داخل بيتي ، نحن كلّنا مسلمون ، أمّا هذه المناقشة فلا طائل لها ، أنا شخصيّا أريد أنْ أتحدّث مع هذا الشاب لأنّه مثقّف ، ولأنّه جاء من بلاد أغلبيتهم مثقّفون ، وهم أيضاً سنّيون ، أرى من الأفضل أنْ يكون مع الأكثريّة ، أنا سأنعزل معه إنْ شاء الله ، قلت له : إنْ شاء الله ، أيّ وقت تريد أنْ تتحدّث معي فأنا مستعدّ ، قال : غداً بعد صلاة المغرب تأتي إليّ لنتحدّث ، وكان اليوم مصادفاً ليوم الخميس ، وكانت عادتي أنْ أصومه ، أخبرته بذلك قال : لا بأس ، تعال لتفطر عندنا .

دعاء كميل يحضره المدير العام للرابطة :

ذهبت إلى المدير وأخبرته بقرار مدير الرابطة لزيارته ، لكنّه ربّما لم يكن يصدّق ذلك ، وبعد يومين قال لي : قل له بأنْ يأتينا ليلة الجمعة إلى مسجد الحوزة . رجعت إليه قبل الموعد أخبرته بذلك ففرح جدّاً ، ولمّا حان يوم الخميس ذهبت إليه للذهاب إلى الحوزة وكان في رفقة صديق له ، وركبنا في سيارة " باجيرو " ولمّا دخلنا المسجد وجدناهم كلّهم منغمسين في الدعاء ، ربّما تعجّب لأنّه رأى السفير وأعضاء السفارة كلّهم جالسون مع الطلاب على فرش ، ولا يكاد المرء يميّز السفير من غيره ، على كلّ حال جلس هو وصديقه وناولتهما نسخة من الدعاء ، فقرأ الدعاء مع الخضوع والخشوع ، ولمّا انتهى الدعاء ، قام المدير ورحّب به وأبدى فرحه وفرح السفير بهذه الزيارة ، وأعطاه المجال لإلقاء الخطاب ، فلمّا قام استقبله الطلاب بأصوات عالية بالصلاة على محمّد وآل محمّد ، وسأل ما إذا كان يلقي كلامه بالإنجليزية أو العربية ، قال المدير : بالعربيّة ، وركّز كلامه كلّه في أهميّة الوحدة بين المسلمين ، وقال بأنّه على المسلمين أنْ يكونوا الآن كفريق واحد لكرة القدم ، إنّ هذا الفريق إذا أراد أنْ يتغلّب على منافسيه فلا بدّ للاعبيه من التفاهم فيما بينهم ; لأنّ التفرقة بينهم تكون في صالح الأعداء ، وقال بأنّه لا يمكن أنْ يكون بين السنّة والشيعة أيّ اختلاف خصوصاً في هذا البلد الذي سيطرت عليه المسيحيّة ، كما طلب من المدير والسفير تبادل الزيارات فيما بينهم ، وبعد كلامه جلس كثيراً في المسجد مع صديقه يتحدّث مع السفير والمدير في داخل المسجد .

وبعد رجوعه التقيت معه عدّة مرّات ، لكنّه قال لي بأنّه تعجّب جدّاً حول بساطة الإيرانيين سيما السفير نفسه .

مصير الأستاذ :

أمّا ذلك الأستاذ الذي ناقشته قبل مغادرته إلى سيراليون رجع إلى المدير

ودار بينهما حوار طويل وطلب من مديرنا تزويده بالكتب الشيعيّة - سيّما المصادر - لأنّه يريد مواصلة بحوثه عن مذهب الشيعة ، لكنّ المدير أعلمه بأنّ الكتب الموجودة في المكتب لا يمكن إهداؤها أمّا أنا فقبل مغادرته إلى بلاده كتب لي عنوانه ، وطلب منّي كتابة رسالة له إذا وصلت إلى إيران ، لأنّي في ذلك الحين كنت على وشك السفر إلى إيران ، وبعد وصولي إلى إيران كتبت إليهما رسائل لكن لم أستلم جواباً .

وأخيراً جاءتني رسالة من أحد طلابهم تقول : بأنّ المدير للرابطة استقال من منصبه لسوء التفاهم بينه وبين السعوديّة ، كما أنّ الجامعة أغلقت نهائيّاً لاحتلال المتمرّدين المنطقة التي بنيت فيها ، وطلابها كلّهم رجعوا إلى بلادهم .

أمّا ذلك الأستاذ فإلى الآن لم أعرف مصيره النهائي حول بحثه عن الشيعة ، على كلّ حال علمت بأنّه غير رأيه اتجاه الشيعة ، واعترف بصحّتها ، كما اعترف بصحّة روايات غدير خمّ كلّها وطهارة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وآخر دعوانا اللّهم ثبت أقدامنا على الحقّ ، وعلى موالاة أهل البيت ( عليهم السلام ) وأوصل كلّ طالب للحقّ إلى الحقّ وإلى الصراط المستقيم .

والحمد لله ربّ العالمين .

(86) إدريس كولي( مالكي / سنغال )

ولد في السنغال ، ثُمّ انتقل مع عائلته إلى ساحل العاج ، مدينة آبيدجان ، نشأ في أُسرة مالكيّة المذهب ومتأثّرة بالتيّار الوهّابي ، حصل على شهادة البكالوريوس باللغة العربية ، استبصر عام 1414 ه‍ ، ( 1994 م ) ، في ساحل العاج ، آبيدجان - أجامى .

لماذا غيّرت انتمائي المذهبي ؟

يقول " إدريس " حول سبب استبصاره : انطلاقاً من رغبتي في البحوث الدينيّة لم أكتف بما أملته عليّ أُسرتي من معلومات ، بل توجّهت للبحث ، وبمجرّد اطلاعي بوجود مذهب مخالف لمذهبنا في بعض أصوله العقائديّة ، دفعني حبّ الاستطلاع ورغبتي في البحث إلى قراءة بعض كتب هذا المذهب .

ومن حسن الحظّ وجد " إدريس كولي " إضافة إلى قراءة الكتب بعض الشيعة المثقّفين والواعين ، فتباحث وتحاور معهم حول العديد من المسائل العقائديّة .

من هم الشيعة ؟

وجد " إدريس كولي " بعد البحث والدراسة بأنّ الشيعة مذهب إسلاميّ يتّبع بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأئمّة الاثني عشر ، ويأخذ منهم كلّ مسائله الفقهيّة من قبيل العبادات والمعاملات ، وتعتقد الشيعة بأنّ الله تعالى هو الذي اصطفى هؤلاء ليتولّوا مهمّة الإمامة من بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وليكونوا حجج الله على برّيته ، ولهذا سدّد الله هؤلاء ، بالعصمة ، ولا يقاس هؤلاء بغيرهم حتّى الصحابة ، ما عدا جدّهم صاحب الرسالة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ووجد " إدريس كولي " بأنّ المخالفين لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يلصقون الكثير من التهم بهذا المذهب ، فيدّعون بأنّ هذا المذهب يعتقد بنبوّة عليّ ( عليه السلام ) ، أو أنّ منشأ هذا المذهب رجل يهوديّ يُدعى عبد الله بن سبأ و . . .

ولكن وجد " إدريس كولي " بأنّ كلّ ما يدّعيه هؤلاء المخالفين هو محض افتراء وكذب صريح ، والغريب أنّه وجد الجيل المعاصر يردّد ما قاله السلف من دون الاهتمام بالتشيع لمعرفة صدق ذلك أولا .

ووجد " إدريس كولي " بأنّ مخالفين الشيعة يلقّبون أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ب‍ " الرافضة " ، ومن هنا قد يبدو للبعض بأنّ أتباع هذا المذهب رفضوا أصول الدين أو قواعد الإسلام وأعرضوا عنها ! ولكنّ الواقع غير ذلك ، وإنّما لُقّب الشيعة بالروافض ; لأنّهم رفضوا كلّ حكومة أسسّت بنيانها على الظلم والجور ، ولم تمتلك الحقّ الشرعيّ في استلامها لزمام الأُمور .

ولهذا استُهدف الشيعة من قبل الحكّام ، لأنّهم رفضوا بيعتهم ولم يقبلوا بها واعتبروها اغتصاباً لحقّ أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن هنا بادر بنو أُميّة وبنو العبّاس إلى محاربة أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام )

أشدّ المحاربة ، وحاولت هذه الحكومات الجائرة أن تصوّر للناس بأنّ الشيعيّ قد رفض الإسلام ليبرّروا لأنفسهم سفك دمه ويثبّتوا بذلك دعائم حكومتهم .

ولكن عرف " إدريس " بأنّ عداء السلف للشيعة كان لأجل مصالح ومطامع سياسيّة ومنافع دنيويّة ، والذين حاربوا الشيعة إنّما حاربوهم لأنّهم وجدوا الشيعة تهدّد مصالحهم الدنيويّة ، وأمّا نحن فلماذا نعادي الشيعة ونبيع آخرتنا لدنيا غيرنا ؟ ! وهذا ما يحتّم علينا الانتباه والحذر لئلاّ نقع في فخّ التعصّبات الواهية ، وإنّما علينا التوجّه نحو البحث بموضوعيّة ولنتعرّف عن الحقيقة من دون تدخّل الأيدي الأثيمة لتحريف الحقائق .

وعرف " إدريس " بأنّه قد ولّى عصر التعصّب والعداوة الوراثيّة ، وأقبل عهد النّور والحريّة الفكريّة ، وهذا ما يحتّم علينا الاهتمام بالبحث والتحقيق .

ومن هذا المنطلق لم يشمئزّ " إدريس " عند وقوع كتاب شيعيّ بيده ، بل رحّب بهذا الكتاب وخصّص وقتاً لمطالعته ، وعندما عرف بأنّ المذهب الشيعيّ مذهب غنّي وثريّ من الناحية العلميّة والفكريّة والثقافيّة ، جذبه ذلك للبحث عن المزيد من الكتب الشيعة واعتراف المزيد من المعارف الإلهيّة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وعرف " إدريس " بأنّ الباحث المنصف إذا تعرّف على التشيّع فإنّه سيستبصر قطعاً ، ومن أهمّ الأسباب المانعة في هذا السبيل هي الدعاية المغرضة ، والإشاعات الكاذبة ، والتهم التي يلصقها أعداء الشيعة بهذا المذهب .

تشويه سمعة التشيّع :

وجد " إدريس " بأنّ مسألة تشويه سمعة التشيّع من أجل صدّ عوام الناس وإبعادهم عن هذا المذهب هي طريقة قديمة ، يتّبعها أعداء الشيعة ليخلقوا حاجزاً

يمنع عامّة الناس من التقرّب إلى هذا المذهب .

ومن أبرز الشواهد التاريخيّة على ذلك قصّة الشامي الذي ضلّلته وسائل إعلام معاوية ابن أبي سفيان ، بحيث عندما دخل هذا الشامي إلى المدينة المنوّرة لزيارة قبر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التقى في الطريق برجل له هيبة ووقار ومعه أصحابه ، فلمّا علم الرجل الشامي بأنّ صاحب الهيبة هو الإمام الحسن ( عليه السلام ) أولغ سبّاً وشتماً فيه وأبيه وأهل بيته ! !

وأراد أصحاب الإمام الحسن ( عليه السلام ) أن يقتلوا الرجل الشامي ، لكن منعهم الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وتوجّه الإمام للرجل الشامي وقال له : " يبدو أنّك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب " ؟

قال الشامي : نعم ، أنا من الشام من شيعة أمير المؤمنين وسيّد المسلمين معاوية بن أبي سفيان !

رحّب به الإمام مرّة أخرى وقال له : " أنت من ضيوفي " .

امتنع الشامي ، ولكنّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) لم يتركه حتّى قَبِل النزول عنده .

وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيّام الضيافة ويلاطفه ، فلمّا كان اليوم الرابع بدأ على الشامي الندم والتوبة ممّا صدر منه اتجاه الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وكيف يسبّه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحسن الضيافة ! فطلب من الإمام الحسن أن يسامحه على ما صدر منه ثُمّ بدأ الإمام الحسن يكشف له بعض الحقائق .

قال الإمام الحسن للشامي : " أقرأت القرآن " ؟

قال الشامي : أنا احفظ القرآن كلّه .

قال الإمام الحسن ( عليه السلام ) : " هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم " ؟

قال الشامي : إنّهم معاوية وآل أبي سفيان .

استغرب الحاضرون وتعجّبوا ! وابتسم له الإمام الحسن ( عليه السلام ) قائلاً :

" أنا الحسن بن عليّ ، وأبي هو ابن عمّ رسول الله وأخوه ، وأمّي فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين ، وجدّي رسول الله سيّد الأنبياء والمرسلين ، وعمّي حمزة سيّد الشهداء ، وجعفر الطيّار ، ونحن أهل البيت الذين طهّرنا الله سبحانه وافترض مودّتنا على كلّ المسلمين ، ونحن الذين صلّى الله وملائكته علينا وأمر المسلمين بالصلاة علينا ، وأنا وأخي الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة " .

وعدّد الإمام الحسن ( عليه السلام ) للشامي بعض فضائل أهل البيت ، وعرّفه حقيقة الأمر .

فاستبصر الشامي وبكى وقال :

والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي دخلت المدينة وليس لي على وجه الأرض أبغض إليّ منكم ، وها أنا أخرج منها وليس على وجه الأرض أحبّ إليّ منكم ، وإنّي أتقرّب إلى الله سبحانه بحبّكم وموالاتكم ، والبراءة من أعدائكم .

التفت الإمام الحسن إلى أصحابه قائلاً : " لقد أردّتم قتله وهو برئ ! لأنّه لو عرف الحقّ ما كان ليعانده ، وإنّ أكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحقّ لاتّبعوه " ، ثُمّ قرأ قول الله تعالى : * ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) * (1)(2).

ومن هنا نكتشف بأنّ الكثير من الناس هم ضحايا الإعلام المضاد ، وهذا ما يحتّم على العلماء ورجال الدين أن يبذلوا غاية جهدهم من أجل التعريف بالحقّ


1) - فصلت (41) : 34 .

2) - انظر بحار الأنوار 43 : 344 .

لكلّ أبناء العالم ولا سيّما العالم الإسلامي ، وليس أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) حكرة على الشيعة وإنّما هم أئمّة الهدى ومصابيح الدجى لكلّ المسلمين .

وبعد فترة أمضاها " إدريس " في البحث ، عرف الحقّ ، فأعلن استبصاره وهو في آبيدجان ، ساحل العاج ، وبدأ يدعو الآخرين إلى البحث والتحقيق ويحفّزهم على قراء كتب حديث أهل البيت ( عليهم السلام ) والاستضاءة بنورهم .

كما بدأ " إدريس " بدراسة العلوم الحوزويّة ، ليرفع بذلك مستواه العلمي والمعرفي ، وليوسّع دائرة ثقافته الدينية من المنبع الصحيح .

(87) محمّد عليّ حيدرة( مالكي / السنغال )

الصورة

F23

ولد عام 1379 ه‍ ، ( 1960 م ) ، في السنغال ، وترعرع في أُسرة تنتمي إلى المذهب المالكي ، وهو مع ذلك من الأشراف المنتسبين إلى الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) ، تعرّف على التشيّع نتيجة إعجابه بالثورة الإسلاميّة في إيران ، استبصر عام 1412 ه‍ ، ( 1992 م ) ، وأعلن استبصاره عام 1423 ه‍ ، ( 2003 م ) .

وفيما يلي نص المقابلة التي أجرتها معه شبكة أخبار الشيعة الإنترنتية :

•
• أخبار الشيعة : في البداية نرجو منكم أن تعرّفوا لنا هويّتكم ليتسنّى لنا معرفة قائد السنغال أكثر فأكثر ، ولكي نبدأ بطرح الأسئلة .
•

الجواب : اسمي " شريف محمّد عليّ حيدرة " ، عائلتي منحدرة من موريتانيا ، وولدت في السنغال ، أبي " إدريس بن عبد الله بن كامل بن حسن مني ، ابن الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) بيني وبين الإمام ( عليه السلام ) ما يقارب ثلاثين جدّاً ، ولي من العمر 47 عاماً .

•
• أخبار الشيعة : سمعنا أنّك تفتخر بإنتسابك إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لكنّك كنت ملتزماً فيما مضى بمذهب أهل السنّة ، وكنت مالكيّاً ، لماذا التحقت بالمذهب الشيعي ؟ وماذا كان العامل الأساس في معرفتك سبيل الحقيقة ؟
• الجواب : نعم ، أنا ومنذ صغري لم أكن بعيداً عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولم أرَ في طفولتي ديوان الإمام عليّ ( عليه السلام ) قط ، ولكنّي عندما قرأته فيما بعد تذكّرت أنّي كنت حافظاً لأشعاره منذ الطفولة ، لكنيّ معرفتي التفصيليّة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) والمذهب الشيعي كانت من خلال الثورة الإسلاميّة في إيران ، ومعرفتي للسيّد الإمام الخميني ( قدس سره ) وتعلّقي به ، كنت أتابع جميع الثورات في العالم منذ الطفولة حتّى تعرّفت على ثورة إيران الإسلاميّة وقائدها السيّد الإمام ، وكان هذا الأمر سبباً لمحبّتي وتعلّقي بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

أسرتي وأقاربي يعلمون أنّي استبصرت قبل 15 عاماً ، لكنّي لم أعلن ذلك حينها من خلال الإذاعة ، وأعلنت ذلك رسميّاً منذ سنتين إلى أربع سنوات .

•
• أخبار الشيعة : لماذا تأخرّت هذه المدّة ولم تعلن استبصارك رسميّاً ؟ هل فعلت ذلك للتقيّة أم لسبب آخر ؟
•

الجواب : كان لهذا التأخير أسباب مختلفة ، أحدها أنّي كنت أبحث عن نقاط تكمل أبحاثي وتحقيقاتي في هذا الموضوع ، لذا عزمت أنْ أعلن ذلك تدريجيّاً لكي أكمل تحقيقاتي من جهة ، وأهيّئ أسرتي لتقبُّلهم هذا الأمر من جهة أخرى .

•
• أخبار الشيعة : إذن ، كنت سنيّاً إلى سن ال‍ 32 ، هل كانت لك نشاطات مذهبيّة في تلك المدّة ؟
•

الجواب : كنت أتّبع المذهب المالكي قبل تشيّعي ، لكن لم تكن لي أي نشاطات مذهبيّة وحيث كنّا من السادات والأشراف فكانوا يرجعون إلينا في أمورهم الدينيّة ، أمّا الآن فأقوم بإدارة بعض المؤسّسات التعليميّة .

•
• أخبار الشيعة : ما هي أهم الأمور التي كان الناس يرجعون إليكم فيها قبل إستبصاركم ؟ هل كانت المسائل الفقهيّة مثلاً ؟
•

الجواب : أغلب الناس هناك شيعة من حيث لا يعلمون ، لأنّهم يحبّون أهل البيت ( عليهم السلام ) وعندما يواجهون أحداً من أحفاد أهل البيت ( عليهم السلام ) يتبرّكون به ويسألوه مسائلهم الشرعيّة ، لأنّ هؤلاء الأفراد غالباً ما تربّوا في الأسر الدينيّة ، مثلاً إذا حان وقت الصلاة في كلّ مكان ، وكان أحد المصلّين سيّداً فإنّهم يقدّمونه للإمامة وإنّ كان صغيراً ، وإذا كانت مناسبة دينيّة وعلموا أنّ هناك سيّداً يتمكّن من إدارة المراسم فإنّهم ينتخبوه رئيساً لهم ، لاحترامهم للسادة ، ولأنّهم من أحفاد الرسول .

•
• أخبار الشيعة : أعلنت أنّ تأثّرك الكبير وعلاقتك بالثورة الإسلاميّة والإمام الخميني ( قدس سره ) كان السبب في تشيّعك ولم تذكر الواقعة التي أدّت إلى استبصارك بالتحديد ؟ !
•

الجواب : الإجابة واضحة جدّاً إذا سعى أحداً لنيل الحقيقة يجدها ، إنّي من أحفاد أهل البيت ( عليهم السلام ) وبعد التحقيق اتّضح لي أنّ المذهب الشيعيّ هو المذهب الحقّ ، فالتحقت به .

•
• أخبار الشيعة : كيف كان تعامل الآخرين معك بعد الاستبصار ؟ هل أوجدوا لك المصاعب والمضايقات ؟
•

الجواب : كلا ، كان تعاملهم معي طبيعيّاً ، لم أر منهم انفعالاً سيّئاً ، وإذا كانت هناك بعض الانفعالات لم تكن شديدة .

•
• أخبار الشيعة : هل توجد عندكم الحريّة للشخص في انتخاب مذهبه ؟
•

الجواب : الناس هنا عندهم الحريّة التامة في تعيين المذهب والحكومة تنظر إلى الكلّ بمنظار واحد !

•
• أخبار الشيعة : هل يعتبرك السنغاليون قائداً للشيعة في بلدهم ؟
•

الجواب : بعض الأفراد في السنغال يعتبروني قائداً لهم ، لا كلّ الشيعة هناك ، فالبعض لا يدري من قائده ، أنا أو غيري !

•
• أخبار الشيعة : ما هو عدد سكّان السنغال ؟ وكم بالمئة منهم مسلمين وكم نسبة الشيعة في بلدكم ؟
•

الجواب : عدد السكان ما يقارب 14 مليون نسمة والشيعة هم الأقليّة .

•
• أخبار الشيعة : بعنوانك قائد شيعة السنغال ، ما هي النشاطات التي قمت بها في نطاق انتشار الرؤية الدينيّة ؟
•

الجواب : النشاطات كثيرة ، ألّفت عدداً من الكتب ونشرتها ، نظّمت مؤتمرات عدّة والقاء كلمات في السنوات الماضية ، بعض الأفراد المتعاملين معي يشتغلون في الإذاعة والتلفزيون ، وبعضهم يعمل في الصحافة ، وبالجملة عندنا نشاطات مكثّفة ، أنا سافرت إلى أماكن عدّة ضمن 27 عام ، أسرتي تسكن عاصمة السنغال ، أبي في الجنوب ، وأنا دائما في حال السفر ، ولم أستقّر في مكان خاص .

•
• أخبار الشيعة : هل يمكن لكم التوضيح أكثر حول مؤلّفاتكم ؟
•

الجواب : الإمكانات هنا شخصيّة كما تعلمون ، ألّفت كتباً عدّة ، لكنّ الكتب التي تمّ طبعها لم تتجاوز الأربعة ، والسبب الأصليّ هو عدم الإمكانات .

•
• أخبار الشيعة : أرجو منك ذكر عناوين الكتب التي ألّفتها ونشرتها ؟
•

الجواب : أحد الكتب هو " الحقائق الواضحة في حياة نبيّ الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " باللغة العربية والفرنسية ، والكتاب الآخر كان حول واقعة عاشوراء والذي سمّيته " عاشوراء يوم حزن أم سرور " ؟ وهذا الكتاب أيضاً طبع باللغة العربيّة والفرنسيّة .

•
• أخبار الشيعة : وهل يقيمون مجالس الأفراح في يوم عاشوراء ؟ وما هو السبب ؟ هل يعملون هذه الأعمال على علم أم لا ؟
•

الجواب : عامّة الناس يقيمون مجالس الأفراح في هذا اليوم وهم لا يعلمون السبب إلاّ أنّهم يعلمون أنّه يوم عيد وأنّه أوّل أيام السنّة القمرية ، فإنّهم لم يسمعوا بالحوادث التي جرت على سيّد الشهداء ( عليه السلام ) في هذا اليوم وعملهم هذا

يجري جري السنن والتقليد للآباء ، أمّا القادة فعلمهم بالإحداث التي جرت محتمل ولكنّهم ساكتون .

•
• أخبار الشيعة : ما هي المؤسّسات التعليميّة التي تديرونها في السنغال ؟
•

الجواب : عندنا مؤسّسة خيريّة معترف بها رسميّاً بأم " مزدهرة " والتي تساعد الناس باسم أهل البيت ( عليهم السلام ) وكذا نُدير مؤسّسة تعليميّة لتربية المبلّغين وعدد المشتغلين فيها بالتحصيل لتهيئة أنفسهم للتبليغ ما يقارب 50 شخصاً .

•
• أخبار الشيعة : هل أنّ الشيعة والسنّة في السنغال متّحدون ؟
•

الجواب : لا توجد أي مشكلة بين الشيعة والسنّة في السنغال ، عندما نقيم المؤتمرات يشترك فيها العلماء من الشيعة والسنّة ودعوة علماء السنّة للمشاركة في هذه المراسم هو أحد أهدافنا .

•
• أخبار الشيعة : وهل يدعوكم علماء السنّة أيضاً إلى مراسمهم ؟
•

الجواب : لم يدعُني أحدٌ لحد الآن ، ولكنّي لا أعلم هل دعوا بقيّة أصدقائي أم لا ؟ !

•
• أخبار الشيعة : من الذي يرأسُ الحكومة في السنغال ؟
•

الجواب : في بلدنا ، السنغاليون أنفسهم ينتخبون الحكومة ، لأنّ الحكومة هنا بنيت على الديموقراطيّة ولا تُعَيَنُ الحكومة إلاّ من خلال صناديق الاقتراع .

•
• أخبار الشيعة : ما هي نشاطات الوهابيّة هناك ؟
•

الجواب : إنهم يُبلّغُون الفكر السلفي بقوّة وفي نطاق واسع ، لا أقدر على التصريح ، ولكن أقول أنّ عدة دول أغلبهم من الدول العربيّة الإسلاميّة المطلّة على الخليج تسندهم وتحميهم ، ممثّل الوهابية هنا كتب كتاباً ونشره ردّاً على أحد كتبي . * * أخبار الشيعة : للجمهورية الإسلاميّة نشاطات هناك ؟

•

الجواب : أتصور أنّها تُدير مركزاً للحوزة العلمية في السنغال والذي

يدرس فيه الطلاب السنغاليون ويعطوهم هناك محلاً للسكن ومساعدات ماليّة ، المسؤول للمركز أيضاً عنده تعامل حسن مع الناس .

•
• أخبار الشيعة : كم هو عدد المساجد والحسينيّات في السنغال ؟ وما هي وضعيّتهم هناك ؟
•

الجواب : لا أعلم العدد بدّقة لكنّها قليلة جدّاً .

•
• أخبار الشيعة : لا نطيل عليكم أكثر من هذا ، ماذا تريد أنْ تتفضل في نهاية المقابلة ؟
•

الجواب : أتشكّر منكم ومن أصدقائكم وأدعوكم إلى بناء المساجد والحسينيّات هنا لتكون مركزاً لتجمع الشيعة واتّحاد المسلمين .

فهرس المصادر

1 - القرآن الكريم .

2 - أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد ، محمّد جميل حمّود ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1423 ه‍ .

3 - الإتقان في علوم القرآن ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي ( ت 911 ه‍ ) ، تصحيح : محمّد سالم هاشم ، دار الكتب العلمية ، 1424 ه‍ .

4 - الاحتجاج ، أحمد بن عليّ الطبرسي ( ت 548 ه‍ ) ، تحقيق : السيّد محمّد باقر الخرسان ، دار النعمان للطباعة والنشر ، النجف الأشرف ، 1386 ه‍ .

5 - إحقاق الحقّ ، نور الله الحسيني المرعشي التستري ( ت 1019 ه‍ ) ، منشورات مكتبة المرعشي النجفي .

6 - إرشاد الساري ، لابن العبّاس شهاب الدين أحمد القسطلاني ، دار الفكر ، 1421 ه‍ .

7 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي المشهور بالمفيد ( ت 413 ه‍ ) ، تحقيق : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، المؤتمر العالمي لألفيّة الشيخ المفيد ، قم ، الطبعة الأولى ،

سنة 1413 ه‍ .

8 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي ( ت 463 ه‍ ) ، تحقيق وتعليق : عليّ محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 1415 ه‍ .

9 - أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ابن الأثير ( ت 630 ه‍ ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت .

10 - الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) ، تحقيق وتعليق : عادل عبد الموجود وعليّ محمّد معوض ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1423 ه‍ .

11 - إعلام الورى بأعلام الهدى ، أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 ه‍ ) ، تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

12 - أعيان الشيعة ، السيّد محسن الأمين ( ت 1371 ه‍ ) ، تحقيق : حسن الأمين ، دار المعارف للمطبوعات ، بيروت .

13 - اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، جلال الدين السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، تحقيق : صلاح بن محمّد بن عويضة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1417 ه‍ .

14 - الأمالي ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه‍ ) ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة - مؤسسة البعثة ، قم ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

15 - الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري ( ت 276 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ شيري ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، الطبعة الأولى 1413 ه‍ .

16 - أوائل المقالات ، محمّد بن النعمان المفيد ( ت 413 ه‍ ) ، دار المفيد ،

بيروت ، الطبعة الثانية ، 1414 ه‍ .

17 - البابيّون والبهائيّون في حاضرهم وماضيهم ، السيّد عبد الرزاق الحسيني ، مكتبة اليقظة العربية ، بغداد ، الطبعة الرابعة 1403 ه‍ .

18 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، محمّد باقر المجلسي ( ت 1111 ه‍ ) ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة الرابعة 1362 ش .

19 - البداية والنهاية ، إسماعيل بن كثير ( ت 774 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ شيري ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

20 - بصائر الدرجات ، محمّد بن الحسن الصفار ( ت 290 ه‍ ) ، تصحيح وتعليق : ميرزا حسن كوجه باغي ، منشورات الأعلمي ، طهران 1404 ه‍ .

21 - البهائيّة في خدمة الاستعمار ، منظمة الإعلام الإسلامي ، طهران ، 1405 ه‍ .

22 - تاريخ الخلفاء ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة المدني ، القاهرة ، الطبعة الثالثة 1383 ه‍ .

23 - تاريخ الطبري ، محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 ه‍ ) ، تحقيق : نخبة من العلماء الأجلاء ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1403 ه‍ .

24 - تاريخ المدينة ( المنورة ) ، عمر بن شبّة النمري ( ت 262 ه‍ ) ، تحقيق : فهيم محمّد شلتوت ، دار الفكر ، قم الطبعة الثانية 1410 ه‍ .

25 - تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن إسحاق اليعقوبي ( ت 284 ه‍ ) ، تعليق : خليل المنصوري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1419 ه‍ .

26 - تاريخ بغداد ، أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي ( ت 463 ه‍ ) ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1425 ه‍ .

27 - تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ( ت 571 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ شيري ، دار

الفكر ، بيروت ، 1421 ه‍ .

28 - تحف العقول عن آل الرسول ، الحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحرّاني من أعلام القرن الرابع ، تصحيح وتعليق : عليّ أكبر الغفاري ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الثانية 1404 ه‍ .

29 - تذكرة الخواص من الأمّة بذكر خصائص الأئمّة ، يوسف بن قزعليّ بن عبد الله التركي المعروف بسبط ابن الجوزي ( ت 654 ه‍ ) ، تحقيق : حسين تقي زاده ، نشر المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام ، قم ، الطبعة الأولى 1426 ه‍ .

30 - تعليقة على منهج المقال ، الوحيد البهبهاني ( ت 1205 ه‍ ) .

31 - تفسير الخازن ، علاء الدين عليّ بن محمّد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن ، ( ت 725 ه‍ ) ، تصحيح : عبد السلام محمّد عليّ شاهين ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العلمية ، 1425 ه‍ .

32 - تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير الدمشقي ( ت 774 ه‍ ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1420 ه‍ .

33 - التفسير الكبير ، الفخر الرازي ( ت 606 ه‍ ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1415 ه‍ .

34 - تفسير فرات الكوفي ، فرات بن إبراهيم الكوفي ( ت 352 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد كاظم ، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، طهران الطبعة الأولى 1410 ه‍ .

35 - تفسير مجمع البيان ، الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 ه‍ ) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1415 ه‍ .

36 - التكامل في الإسلام ، أحمد أمين ، دار النعمان للطباعة والنشر ، النجف الأشرف .

37 - تنقيح المقال في عمل الرجال ، الشيخ عبد الله المامقاني ( ت 1351 ه‍ ) ، تحقيق واستدراك : محيي الدين المامقاني ، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الأولى 1427 ه‍ .

38 - تهذيب التهذيب ، أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1404 ه‍ .

39 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، أبو الحجاج يوسف المزّي ( ت 742 ه‍ ) ، تحقيق أحمد عليّ عبيد وحسن أحمد آغا ، دار الفكر ، بيروت ، 1414 ه‍ .

40 - التوحيد ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه‍ ) ، تحقيق : السيّد هاشم الحسيني الطهراني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة السابعة 1422 ه‍ .

41 - ثُمّ اهتديت ، محمّد التيجاني ، مؤسسة الفجر ، لندن .

42 - جامع الأصول في أحاديث الرسول ، المبارك بن محمّد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري ( ت 606 ه‍ ) ، تحقيق : أيمن صالح شعبان ، دار الكتاب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418 ه‍ .

43 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، محمّد بن جرير الطبري ( ت 310 ه‍ ) ، ضبط وتوثيق وتخريج : صدقي جميل العطّار ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى 1421 ه‍ .

44 - الجامع الصغير ، عبد الرحمن السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، دار الفكر ، بيروت ، ط الأولى 1401 ه‍ .

45 - الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي ، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي ( ت 279 ه‍ ) ، عبد الوهّاب عبد اللطيف ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1403 ه‍ .

46 - الجامع لأحكام القرآن ، محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( ت 671 ه‍ ) ، تحقيق : سالم مصطفى البدري ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1420 ه‍ .

47 - الحاوي للفتاوي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمّد السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، دار الكتب العلمية ، 1408 ه‍ .

48 - حوارات ، معتصم السيّد أحمد ، مؤسسة البلاغ ، الطبعة الأولى ، 1425 ه‍ .

49 - حياة محمّد ، محمّد حسنين هيكل ، دار المعارف ، الطبعة السادسة عشر .

50 - خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 ه‍ ) ، تحقيق : حمزة النشرتي وعبد الحفيظ فرغلي وعبد الحميد مصطفى ، المكتبة القيمة ، القاهرة .

51 - خلاصة الأقوال ، العلاّمة الحلي ( ت 726 ه‍ ) ، تحقيق : جواد القيومي ، نشر الفقاهة ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

52 - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، دار المعرفة ، بيروت .

53 - دعوة الحاسبين المؤمنين ، طارق زين العابدين ، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للآستانة الرضوية المقدّسة ، الطبعة الأولى ، 1418 ه‍ .

54 - ديوان فاطمة الزهراء عليها السلام ، تحقيق : كامل سلمان الجبوري ، مؤسسة المواهب ، بيروت ، الطبعة الأولى 1419 ه‍ .

55 - رسائل الجاحظ ، عمر بن بحر بن محبوب الملقب بالجاحظ ( ت 255 ه‍ ) ، تقديم وتبويب وشرح : عليّ أبو ملحم ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1995 م .

56 - الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، سديد الدين شاذان بن جبرائيل القمي المعروف بابن شاذان ( ت 660 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ

الشكرجي ، مكتبة الأمين ، قم ، الطبعة الأولى 1423 ه‍ .

57 - الرياض النضرة في مناقب العشرة ، محبّ الدين الطبري ( ت 694 ه‍ ) ، المحقق : عيسى بن عبد الله الحميدي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1996 م .

58 - السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة الإمامية ، العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني ، تحقيق : محمّد عبد الحكيم الصافي ، دار المحبّة البيضاء ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الخامسة 1420 ه‍ .

59 - سر العالمين وكشف ما في الدارين ، أبو حامد الغزالي ( ت 505 ه‍ ) ، تحقيق : أيمن عبد الجابر البحيري ، دار الآفاق العربية ، الطبعة الأولى ، 1421 ه‍ .

60 - سعد السعود ، عليّ بن موسى بن طاووس ( ت 664 ه‍ ) ، منشورات الرضي ، قم ، 1363 ش .

61 - سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمّد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف ، الرياض ، 1415 ه‍ .

62 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، محمّد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الأولى ، مكتبة المعارف ، 1412 ه‍ .

63 - سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني ( ت 275 ه‍ ) ، بشرح السندي ( ت 1138 ه‍ ) ، تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1420 ه‍ .

64 - سنن أبي داود ، سليمان بن الأشعث السجستاني ( ت 275 ه‍ ) ، تحقيق : صدقي محمّد جميل العطار ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1418 ه‍ .

65 - سنن الدارمي ، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي ( ت 255 ه‍ ) ، مطبعة الاعتدال ، دمشق ، 1349 ه‍ .

66 - السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي ( ت 458 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1420 ه‍ .

67 - السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب النسائي ( ت 303 ه‍ ) ، تحقيق : عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي حسن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1411 ه‍ .

68 - سير أعلام النبلاء ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه‍ ) ، تحقيق : بشار عواد معروف ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1419 ه‍ .

69 - السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون ، نور الدين الحلبي الشافعي ( ت 1044 ه‍ ) ، تحقيق : عبد الله محمّد الخليلي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1422 ه‍ .

70 - شجرة طوبى ، الشيخ الحائري ، محمّد مهدي ( ت 1369 ه‍ ) ، المكتبة الحيدريّة ، النجف الأشرف ، الطبعة الخامسة 1385 ه‍ .

71 - شرح المواقف ، عليّ بن محمّد الجرجاني ( ت 816 ه‍ ) ، منشورات الشريف الرضي ، قم ، الطبعة الثانية 1415 ه‍ .

72 - شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ( ت 656 ه‍ ) ،

73 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام ، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس ، تحقيق : الشيخ محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1393 ه‍ .

74 - الصحاح ، إسماعيل بن حماد الجوهري ( ت 393 ه‍ ) ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1407 ه‍ .

75 - صحيح البخاري ، محمّد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 ه‍ ) ، دار الكتب

العلمية ، بيروت ، 1420 ه‍ .

76 - صحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابوري ( ت 261 ه‍ ) ، دار ابن حزم ، بيروت ، الطبعة الأولى 1416 ه‍ .

77 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة ، ابن حجر الهيتمي ( ت 973 ه‍ ) ، تحقيق : عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

78 - الطبقات الكبرى ، محمّد بن سعد ( ت 230 ه‍ ) ، دار الصادر ، بيروت .

79 - عبقريات الإمام ، عبّاس محمود العقاد ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع .

80 - العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ، عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني الشافعي ( ت 623 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

81 - العقد الفريد ، أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي ( ت 328 ه‍ ) ، تحقيق : عبد المجيد الترحيني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417 ه‍ .

82 - عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ، بدر الدين العيني ( ت 855 ه‍ ) ، تحقيق : عبد الله محمود محمّد عمر ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1421 ه‍ .

83 - العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175 ه‍ ) ، تحقيق : مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، مؤسسة دار الهجرة ، إيران ، الطبعة الثانية ، سنة 1409 ه‍ .

84 - عيون أخبار الرضا عليه السلام ، الشيخ الصدوق ( ت 381 ه‍ ) ، تصحيح وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت 1404 ه‍ .

85 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ، عبد الحسين الأميني ( ت 1392 ه‍ ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1397 ه‍ .

86 - الغيبة ، محمّد بن إبراهيم بن جعفر المعروف بن نعماني ( ت 360 ه‍ ) ، تحقيق : فارس حسون كريم ، أنوار الهدى ، قم ، الطبعة الأولى 1422 ه‍ .

87 - فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1421 ه‍ .

88 - الفتنة الكبرى ، طه حسين ، دار المعارف ، القاهرة ، الطبعة التاسعة ، 1976 ه‍ .

89 - فتنة الوهّابية ، أحمد بن زيني دحلان ( ت 1304 ه‍ ) ، الطبعة الأولى ، المكتبة الحقيقة ، إسلامبول ، تركيا .

90 - فسألوا أهل الذكر ، الدكتور محمّد التيجاني السماوي ، مؤسسة أنصاريان قم .

91 - فصل الخطاب من كتاب الله وحديث الرسول وكلام العلماء في مذهب ابن عبد الوهّاب ، الشيخ سليمان بن عبد الوهّاب النجدي الحنبلي ( ت 1210 ه‍ ) ، مكتبة ايشق كتبوي ، إسطنبول ، تركيا ، الطبعة الرابعة .

92 - الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ، عليّ بن محمّد بن أحمد المالكي ( ت 855 ه‍ ) ، انتشارات الأعلمي ، طهران ، الطبعة الأولى 1375 ه‍ .

93 - فضائل الصحابة ، أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي ( ت 303 ه‍ ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت .

94 - فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير ، محمّد عبد الرؤوف المناوي ، تحقيق : أحمد عبد السلام ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1322 ه‍ .

95 - قراءة في سلوك الصحابة ، عبد الباقي قرنة ، مؤسسة الفكر الإسلامي ،

هولندا ، الطبعة الأولى ، 1424 ه‍ .

96 - الكافي محمّد بن يعقوب الكليني ( ت 329 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ أكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة السادسة ، سنة 1375 ه‍ .

97 - الكامل في التاريخ ، عليّ بن محمّد بن الأثير ( ت 630 ه‍ ) ، دار صادر ، بيروت ، 1385 ه‍ .

98 - الكتاب المقدّس ( العهد الجديد ) الكنيسة ، دار الكتاب المقدّس ، 1980 م .

99 - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، جار الله الزمخشري ( ت 538 ه‍ ) ، تصحيح : محمّد عبد السلام شاهين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1424 ه‍ .

100 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، العلاّمة الحلّي ( ت 726 ه‍ ) ، تحقيق : آية الله حسن زاده الآملي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة السابعة ، 1417 ه‍ .

101 - الكشف والبيان ( تفسير الثعلبي ) ، أبو إسحاق أحمد الثعلبي ( ت 1035 ه‍ ) ، تحقيق : ابن عاشور ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1422 ه‍ .

102 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، عليّ المتّقي بن حسام الدين الهندي ( ت 975 ه‍ ) ، تحقيق : محمود عمر الدمياطي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1424 ه‍ .

103 - كنوز الحقائق ، عبد الرؤوف بن عليّ بن زين العابدين المناوي الحداد المصري الشافعي ، ( ت 1031 ه‍ ) ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى ، 1417 ه‍ .

104 - الكنى والألقاب ، الشيخ عبّاس القمي ( ت 1359 ه‍ ) ، تقديم : محمّد هادي الأميني ، مكتبة الصدر ، طهران .

105 - لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي المصري ( ت 711 ه‍ ) ، دار إحياء

التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1419 ه‍ .

106 - لسان الميزان ، أحمد بن عليّ ابن حجر العسقلاني ، ( ت 852 ه‍ ) ، الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1390 ه‍ .

107 - المتحولون ، هشام آل قطيط ، دار المحجة البيضاء ، الطبعة الأولى ، 1422 ه‍ .

108 - مجلة نور الإسلام ، نشر : مؤسسة الإمام الحسين عليه السلام ، بيروت ، لبنان .

109 - مجمع البحرين ، فخر الدين الطريحي ، ( ت 1085 ه‍ ) ، الإسلاميّة ، قم ، الطبعة الثانية ، 1408 ه‍ .

110 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، عليّ بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ( ت 807 ه‍ ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1408 ه‍ .

111 - المحاسن ، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ( ت 274 ه‍ ) ، تحقيق : جلال الدين الحسيني ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران الطبعة الأولى 1370 ه‍ .

112 - محاضرات في الإلهيات ، الشيخ جعفر السبحاني ، تلخيص : عليّ الرباني الكلبايكاني ، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ، قم ، الطبعة الأولى 1418 ه‍ .

113 - المراجعات ، سيّد عبد الحسين شرف الدين ( ت 1377 ه‍ ) ، تحقيق : حسين الراضي ، الطبعة الثانية 1402 ه‍ ، بيروت .

114 - مروج الذهب ومعادن الجوهر ، أبي الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي ، ( ت 346 ه‍ ) ، الطبعة الأولى ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، 1421 ه‍ .

115 - المسائل السروية ، محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد ( ت 413 ه‍ ) ، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد .

116 - المستدرك على الصحيحين ، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه‍ ) ، تحقيق : يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، دار المعرفة ، بيروت .

117 - مسند أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل ( ت 241 ه‍ ) ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1420 ه‍ .

118 - مشكاة المصابيح ، محمّد بن عبد الله الخطيب التبريزي ( ت 737 ه‍ ) ، محمّد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1405 ه‍ .

119 - مصباح المتهجّد ، محمّد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه‍ ) ، مؤسسة فقه الشيعة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1411 ه‍ .

120 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، محمّد بن طلحة الشافعي ، تحقيق : ماجد العطية .

121 - معاني الأخبار ، الشيخ محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ( ت 381 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ أكبر الغفاري ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الرابعة 1418 ه‍ .

122 - المعجم الأوسط ، سليمان بن أحمد الطبراني ( ت 360 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد حسن الشافعي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1420 ه‍ .

123 - المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني ( ت 360 ه‍ ) ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية .

124 - معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة ، السيّد الخوئي ، الطبعة الخامسة 1413 ه‍ .

125 - المغازي ، محمّد بن عمر الواقدي ( ت 307 ه‍ ) ، عالم الكتب للطباعة والنشر ، الطبعة الأولى 2006 م .

126 - المفردات في غريب القرآن ، الحسن بن محمّد المعروف بالراغب

الأصفهاني ( ت 502 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد خليل عيتاني ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1422 ه‍ .

127 - مقامات فاطمة الزهراء عليها السلام في الكتاب والسنّة ، محاضرات محمّد السند بقلم محمّد عليّ الحلو ، دار الغدير ، قم ، الطبعة الأولى 1424 ه‍ .

128 - الملل والنحل ، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت 548 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد سيّد كيلاني ، دار المعرفة ، بيروت .

129 - مناقب آل أبي طالب ، محمّد بن عليّ بن شهرآشوب ( ت 588 ه‍ ) ، المكتبة الحيدريّة ، النجف الأشرف 1376 ه‍ .

130 - مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، محمّد بن سليمان الكوفي ( ت 300 ه‍ ) ، تحقيق : محمّد باقر المحمودي ، مجمع ضياء الثقافة الإسلاميّة ، قم ، الطبعة الأولى 1412 ه‍ .

131 - مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، أبو الحسن بن المغازلي ( ت 438 ه‍ ) ، دار الأضواء ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1424 ه‍ .

132 - المناقب ، الموفق بن أحمد الخوارزمي ( ت 568 ه‍ ) ، تحقيق : مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الثانية 1411 ه‍ .

133 - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، الإمام محيي الدين النووي ( ت 676 ه‍ ) ، تحقيق وتخريج : الشيخ خليل مأمون شيما ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة السادسة ، 1420 ه‍ .

134 - المواقف في علم الكلام ، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ( ت 756 ه‍ ) ، مكتبة المتنبي ، القاهرة .

135 - الموطّأ ، مالك بن أنس ( ت 179 ه‍ ) ، جمعية إحياء التراث ، الضاحية ، الكويت ، الطبعة الأولى 1419 ه‍ .

136 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( ت 748 ه‍ ) ، تحقيق : عليّ محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب

العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1416 ه‍ .

137 - الميزان في تفسير القرآن ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي ( ت 1402 ه‍ ) ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1419 ه‍ .

138 - النهاية في غريب الحديث والأثر ، ابن الأثير الجزري ( ت 606 ه‍ ) ، خرّج أحاديثه : صلاح بن محمّد عويضة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418 ه‍ .

139 - نهج البلاغة ، ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، تحقيق : محمّد عبده ، دار الذخائر ، قم ، المصورة على طبعة دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1412 ه‍ .

140 - نهج الحقّ وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي ( ت 726 ه‍ ) ، تعليق : الشيخ عين الله الأرموي ، مؤسسة دار الهجرة ، إيران ، الطبعة الأولى 1407 ه‍ .

141 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار ، الشيخ مؤمن بن حسن بن مؤمن الشبلنجي ، تعليق : عبد الوارث محمّد عليّ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1418 ه‍ .

142 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ( ت 1104 ه‍ ) ، تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الثانية 1414 ه‍ .

143 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، أحمد بن محمّد ابن خلّكان ، ( ت 618 ه‍ ) ، تحقيق : إحسان عبّاس ، دار الثقافة ، بيروت .

144 - ينابيع المودّة لذوي القربى ، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ( ت 1294 ه‍ ) ، تحقيق : سيّد عليّ جمال أشرف الحسيني ، دار الأسوة ، قم ، الطبعة الأولى 1416 ه‍ .