القطوف الدانیة جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

بطاقة تعريف: الحسيني الشيرازي، السيد محمد، 1307 - 1380.

عنوان واسم المؤلف: القطوف الدانية المجلد 7/ آية اللّه العظمی السيد محمد الحسيني الشيرازي.

تفاصيل المنشور: قم : انتشارات دارالعلم، 1441ق.، 1399 -

خصائص المظهر : ج.

ISBN : دوره : 978-964-204538-9 ؛ ج.1 : 978-964-204539-6 ؛ ج.2 : 978-964-204540-2 ؛ ج.3 : 978-964-204541-9 ؛ ج.4 : 978-964-204542-6 ؛ ج.5 : 978-964-204543-3 ؛ ج.6 : 978-964-204544-0 ؛ ج.7 : 978-964-204545-7 ؛ ج.8 : 978-964-204546-4

حالة الاستماع : فاپا

لسان : العربية.

ملحوظة : ج.2 - 8 (چاپ اول: 1399) (فیپا).

ملحوظة : فهرس.

مشكلة : الإسلام - محتويات مختلفة

Islam - Miscellanea

ترتيب الكونجرس: BP11

تصنيف ديوي: 297/02

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 6223294

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: فاپا

اشارة

القطوف الدانية


آية اللّه العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي(رحمه اللّه)

الناشر:دار العلم

المطبعة:إحسان

إخراج:نهضة اللّه العظيمي

كمية:500

الطبعة الأولى - 1441ه ق


شابك (الدورة): 9-204538-964-978

شابك (المجلد الأوّل): 6-204539-964-978


النجف الأشرف: شارع الرسول، سوق الحويش، قرب جامع الأنصاري، مكتبة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)

كربلاء المقدسة: شارع الإمام علي(عليه السلام)، مكتبة الإمام الحسين(عليه السلام) التخصصية

طهران: شارع انقلاب، شارع 12 فروردین، مجتمع ناشران، الطابق الأرضي، الرقم 16 و 18، دار العلم

قم المقدسة: شارع معلم، دوار روح اللّه، أول فرع 19، دار العلم

قم المقدسة: شارع معلم، مجتمع ناشران، الطابق الأرضي، الرقم 7، دار العلم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين

من خطى الأولياء

كدح الإنسان في الدنيا

اشارة

قال تعالى: {يَٰأَيُّهَا الْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ}(1).

الإنسان في هذه الحياة الدنيا يسعى بجد ليصل إلى هدفه الأخير وهو الكمال، ولذلك يصف اللّه عزّ وجلّ سير الإنسان في الحياة بالكدح وهو العمل الشاق المتعب؛ {يَٰأَيُّهَا الْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ} أي إن نهاية الأمر هو الرجوع إلى اللّه تعالى، ولكن غايات البشر متباينة، فالمؤمن يكدح ليحصل على رضا اللّه، والملحد يكدح ليلتذ بالدنيا، ويتمتع بزخارفها. وكلامنا يخص الإنسان المؤمن وسيرته، وهذه المسيرة الإيمانية عادة تمر بمراحل عديدة، حتى يصل المرء إلى الشوط الأخير. فيبدأ الإنسان يفتش عن خبايا نفسه العجيبة وأسرارها، وهي المرحلة المسماة ب(معرفة النفس)، أي الاطلاع على حقيقة فقر الذات الإنسانية، وكيف أنها لا تستغني عن خالقها في كل آن. وهو الأمر الذي يدعو الإنسان إلى (معرفة اللّه)، وهي المرحلة الثانية من مراحل مسيرة الكمال، فيبدأ يبحث عن صفات اللّه عزّ وجلّ ويستشعرها، أما المرحلة الأخرى فهي العيش في الأجواء النورانية التي تفيض عليه نوراً ومعرفة، وهي مرحلة العبور من الإيمان السطحي المتمثل بأداء الواجبات عن خوف وطمع إلى اليقين وأداء


1) سورة الانشقاق، الآية: 6.

الواجبات حباً وطاعة وشكراً، عندها يتهذب السلوك؛ لأنه سوف يتنوّر بالمشارق النورانية الإلهية، وتتبدل أعماله من إشباع للغريزة إلى صفة التقوى وملازمة الطاعة والشكر والقرب إلى اللّه تعالى. فهذا حال المؤمنين، تراهم يأكلون ويشربون لأجل الكدح المُوصل إلى اللّه عزّ وجلّ، لا لأجل الملذات نفسها، أو لنداء الغرائز الشهويّة، وبذلك يرتفع هؤلاء إلى المستوى الذي يفضلون منه على ملائكة اللّه عزّ وجلّ.

ومنها تبدأ مرحلة الكدح الأخيرة، وهي محاولة الاندكاك والفناء في اللّه، وهي التي يصلها الأنبياء والأوصياء، ولكن بمراتب متباينة، وقد فاز الرسول الأعظم وأهل بيته (عليهم أفضل الصلوات) بهذه المرتبة العظمى، ولذلك كانت الخلائق كلها في الدنيا والآخرة تنهل من النورانية المحمّدية، والقدسية الشريفة التي يفيضها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على الخلائق.

أما سائر الناس فإنهم يتسافلون إلى حد البهيمة، لأنهم دائموا الطاعة لنداء الغرائز الشهوية، وهكذا هي المسيرة، فهو صراع حادّ بين الإيمان والهوى، وبين حب اللّه وحب الدنيا، وبين الكدح واللامبالاة، إلى أن يصلوا إلى اليقين الذي يقربهم من ربهم، فتتسدّد خطاهم، وتنشرح صدورهم لاستقبال الفيض القدسي، الذي ينشر على جوارح وجوانح الإنسان رحمةً وقراراً وسكينة.

درجات اليقين

إن اليقين صفة ذات مراتب ودرجات، وليس كل المؤمنين الموقنين على درجة واحدة من اليقين، فاليقين عند الأنبياء(عليهم السلام) غير اليقين عند الأوصياء، ويقين الأوصياء غير يقين العلماء، ويقين الشهداء غير يقين الآخرين، وهكذا الأمثل فالأمثل؛ ولذلك كانت الجنة مراتب مختلفة، فمناصب الأنبياء غير

مناصب الناس العاديين، ومنصب الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يفوق كل مناصب أهل الجنة، فاليقين الذي تحلّى به الإمام علي(عليه السلام)، ويصفه بقوله: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»(1)، ذلك اليقين باللّه هو قطعاً غير يقين همّام، الذي ما إن سمع كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصف المتقين(2)، حتى زهقت روحه، فكيف الحال به لو انكشف له الغطاء؟ إن يقين أمير المؤمنين(عليه السلام) يمتاز بأن ذاته القدسية قد وصلت إلى مقام الاستغراق في اللّه فأصبح بعيداً عن فكرة الجنة والنار، بل إنه يرى اللّه في كل آن، أما يقين همّام فقد كان عبارة عن الخشية من عذاب اللّه، فهذا فرق واضح، وأعظم من ذلك يقين الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فلولا عظمة درجة يقينه لما تحمّل رحلة الإسراء والمعراج، فليس كل قلب يستطيع أن يتحمل ذلك.

بل الكثيرين في عصرنا الحاضر ممن يشكك في مسألة الإسراء والمعراج؛ لأنه يراها ثقيلة على فكره الصغير.

ثم إنه لا بد من الإشارة إلى أن اليقين قابل للضعف والشدة، وذلك مرتبط بمقدار المعرفة التي يحملها الإنسان عن ربه، فكلما ازدادت معرفته به فقد ارتفع يقينه، وازداد عمله الخيّر، وكلما ضعفت معرفته بربه فقد قلّ يقينه، وخفّت أعماله في الميزان؛ فلذلك ذكر العلماء درجات اليقين، استلهاماً من القرآن الكريم، وهي: عين اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين.

الموقنون وخرق العادة

إن الركون والإيمان بالتوحيد يلهم الإنسان المؤمن قوة روحية عظيمة جداً، لأنه عندما ينظر إلى ربه في تحركه، ويفكر بربه في كل فكرة، ويذكر ربه في كل


1) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 38.

2) أنظر نهج البلاغة، الخطب الرقم: 193، من خطبة يصف(عليه السلام) فيها المتقين.

قول، ويستشعر عظمة الرب في قلبه، فإن ذلك يكون مدعاة لانشراح الصدر، واستقبال الفيض الرباني الذي يفيض على الروح قوة، ويجعلها تذلل الصعاب، بل تنقاد لها الأمور.

يروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «إن عيسى بن مريم(عليه السلام) كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى(عليه السلام)، فلما انتهى عيسى إلى البحر، قال: بسم اللّه، بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير، حين نظر إلى عيسى جازه: بسم اللّه، بصحة يقين منه، فمشى على الماء ولحق بعيسى»(1). لأنه كان على معرفة يقينية تامة بالنبي عيسى(عليه السلام)، وعلى أساس هذه المعرفة مشى على الماء، فالوصول إلى هذه الدرجات ليس خيالاً ولا أمراً مستحيلاً، بل هو واقع لا يمكن إنكاره. ولذلك جاء في الحديث القدسي المشهور: «يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني في ما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون»(2).

وهكذا يمكن تفسير قلع باب خيبر من قبل أمير المؤمنين(عليه السلام)، والتي لم يكن يقدر على فتحها وإغلاقها إلّا أربعون رجلاً، بينما تقدم أمير المؤمنين(عليه السلام) وأخذه بيده، وقلعه من الحصن، ليجعل منه جسراً على الخندق، تعبر عليه جيوش الإسلام، فقد روي أن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال في رسالته إلى سهل بن حنيف(رحمه اللّه): «واللّه، ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوة جسدية ولا حركة غذائية لكن أيدت بقوة ملكوتية، ونفسٌ بنور ربها مضيئة وأنا من أحمد كالضوء من الضوء» الحديث(3).


1) الكافي 2: 306.

2) عدة الداعي: 310.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 514.

فهذه الأمور يقف أمامها العقل المادي حائراً مذهولاً لأنه لا يجد لها تفسيراً، بعد أن حجّم الناس أنفسهم، وقيّدوا أفكارهم بالمادة، وابتعدوا عن الغيب والروح، التي لا تعرف لها حدود معينة، فيحاولون أن يكذبوا هذه الأخبار، ويصفوها بالخرافة، ولكن هيهات فإن اللّه يأبى إلّا أن يتم نوره، فقد تحدثت الأخبار لدى عامة المسلمين بفضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأكدت على هذه الأمور عين الواقع، ولكن حال بين هؤلاء وبين تصديق ذلك، الغشاوات والحجب التي راكموها على قلوبهم. وصاروا كما قال تعالى عنهم: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}(1).

ثمرات اليقين

اشارة

اليقين - كما مرّ - صفة كمالية يصل بها الإنسان إلى كماله الروحي المطلق، وهو الأُنس والاكتفاء والاعتماد على اللّه عزّ وجلّ فقط، ولهذه الصفة ثمرات عظيمة جداً في الحياة الدنيا.

السعادة العظمى

منها: إن المتقي يرى السعادة العظمى في خدمة الآخرين للّه، حيث يسعد ويفرح عندما يقدّم خدمة أو عملاً ما لشخص من أجل اللّه، يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «كان علي بن الحسين(عليهما السلام) لا يسافر إلّا مع رفقة لا يعرفونه ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة، في ما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم، فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا علي بن الحسين(عليهما السلام). فوثبوا، فقبلوا يده ورجله، وقالوا: يا ابن رسول اللّه، أردت أن تصلينا نار جهنم لو


1) سورة البقرة، الآية: 17-18.

بدرت منا إليك يد أو لسان، أما كنّا قد هلكنا آخر الدهر فما الذي يحملك على هذا؟ فقال: إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني، فأعطوني، برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، ما لا أستحق به، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب لي»(1). هذه صورة وانموذج من أحوال المتقين، الذين تجاوزت أرواحهم وأفكارهم هذه الدنيا وتجاوزت حب الذات، إلى أن صارت تنظر إلى الآخرين وكأنها تنظر إلى نفسها، ويقوم الإنسان الموقن بخدمة الناس، ويشعر بأنه يخدم نفسه، ويقدم الخير إليها، فيسعد حينما يسعد الناس، وكذلك الشهيد، فهو ذلك الإنسان الذي وصل إلى حالة من اليقين بربه، وانقطع عن الدنيا تماماً، وتجاوز أفق الدنيا إلى الآخرة، فهو يجاهد ويخرج مقاسياً الألم ونزف الدماء، من أجل أن يعيش الآخرون؛ إذ أنه يعي تماماً بأنه يموت من أجل أن يعيش الآخرون.

فهذه كلها من ثمرات اليقين، وهي أعمال تخدم البشرية وتؤمّن عيشها الرغيد، وتحافظ عليها.

الرصيد الروحي

ومن الثمرات الأخرى، أن الموقن لا ينفك يقدّم صالح الأعمال، لأنه يشعر أنها الرصيد الروحي له في الدنيا، وانها رصيده في الآخرة، فتراه يقدّم الخدمات الاجتماعية للناس على اختلافها.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في خطبة يبين فيها صفة المتقين: «عباد اللّه إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبداً أعانه اللّه على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعدّ القرى ليومه النّازل به، فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشّديد، نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذبٍ فراتٍ سهّلت له


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 145.

موارده،فشرب نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشّهوات، وتخلّى من الهموم إلّا همّاً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى، ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الرّدى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس، قد نصب نفسه للّه - سبحانه - في أرفع الأمور من إصدار كلّ واردٍ عليه، وتصيير كلّ فرعٍ إلى أصله. مصباح ظلماتٍ كشّاف عشواتٍ، مفتاح مبهماتٍ، دفّاع معضلاتٍ، دليل فلواتٍ، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص للّه فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه. يصف الحقّ ويعمل به، لا يدع للخير غايةً إلّا أمّها. ولا مظنّةً إلّا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، وينزل حيث كان منزله»(1).

الشخصية الطاهرة

يذكر أن أحد العلماء ذهب إلى الشيخ مرتضى الأنصاري(رحمه اللّه)، فشكى إليه أوضاع أحد الطلبة، وأنه يعاني من أزمة مالية، إضافة إلى مرضه، وبعض الضغوط الأخرى، فقال الشيخ: ليس عندي سوى (ثمانية توامين)(2)، وهي متعلقة بسنتي صوم وصلاة استئجارييّن، فقال ذلك العالم: إنه يعاني من المرض، ولا يقدر على ذلك، ففكر الشيخ برهة من الزمن، ثم قال: حسناً أعطه المبلغ، وأنا سأقوم بالصلاة والصوم عنه. إن هذا المستوى من الإيمان لا يأتي اعتباطاً، ولا يتولد في النفس منذ الطفولة، بل هو مجموعة ضخمة جداً من المجاهدات، ومكافحة


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 87، ومن خطبة له(عليه السلام) في بيان صفات المتقين.

2) توامين: جمع (تومان) وهي العملة النقدية المتداولة في إيران اليوم.

الهوى، والهروب من كل موقف فيه شبهة، لكي تبقى النفس نظيفة طاهرة نقية، عندها تكون مستعدة لأن تحصل على اليقين، الذي هو أعلى مراتب الإيمان.

الوصول إلى الأهداف

ومن ثمرات اليقين، إضافة إلى ما مرّ، وصول الإنسان إلى أهدافه وتحقيقها؛ قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «باليقين تدرك الغاية القصوى»(1). وبلا شك فإن الغاية القصوى هي الجنة؛ إذ لا يوجد أشرف من الجنة، إلّا أمر واحد، وهو حب اللّه عزّ وجلّ، بغض النظر عن الجنة والنار، وهذا ما اختص به الأنبياء والأئمة (صلوات اللّه عليهم)، ومضافاً إلى ذلك فإن الإنسان المتيقن يدرك حتى أهدافه الدنيوية؛ لأنه دائماً تسيطر عليه فكرة الإيمان والتقوى، ودائماً يعيش حب اللّه، والنظر إليه بعين انقطعت عن جميع العلل والأسباب، فالمتيقن يستشعر التوحيد أكثر من غيره، ويدرك جيداً أنه لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه، فهو متمسك به في جميع أموره، ومن تمسك واعتمد على اللّه بدرجة عالية كان اللّه تعالى يده وعينه وقلبه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(2).

وبذلك يكون نظر الإنسان دائماً إلى العلة البعيدة، وهو اللّه، إلّا إنه يراها قريبة جداً بنور إيمانه، واطمئنانه باللّه عزّ وجلّ، ولا يعني هذا ترك الأسباب والعلل، بل هي أمور لا بد منها، ولكن الموقن يهيئ السبب ويعمل به ونظره إلى اللّه عزّ وجلّ، لا إلى السبب.

خليل الرحمن(عليه السلام)

ولذلك نرى إبراهيم الخليل(عليه السلام)، عندما يخاطب قومه، وينكل بالأصنام


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 157، ومن خطبة له(عليه السلام) يحثّ الناس على التقوى.

2) سورة الطلاق، الآية: 3.

والآلهة،يقول: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَٰلَمِينَ}(1). ثم يعرض لنا صوراً من يقينه الشريف: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}(2).

فكان(عليه السلام) لا يرى علّة حقيقية غيره، حتى سيطر على لبّه الذوبان في اللّه، والانقطاع التام إليه عن كل شيء، توجّه إلى اللّه تعالى بكل إخلاص، وكذا الحال مع السحرة الذين تحدّوا موسى(عليه السلام)، لكنهم عندما أيقنوا بأن المسألة ليست سحراً أو تضليلاً، فإن نظرتهم قد انقلبت رأساً على عقب، إلى درجة أنهم حين هددهم فرعون بالقتل وتقطيع الأوصال، فقال لهم: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}(3)أجابوه بجواب المتيقن بربه، الذي لا يرهبه التقطيع أو الموت، {قَالُواْ لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}(4).ولعل أقرب مثال للموقنين هم أصحاب الحسين (صلوات اللّه عليهم)، الذين لم يكونوا ليشعروا بحرّ السيوف ووقعها.

الاستغناء

والاستغناء عن الناس ثمرة من ثمرات اليقين، فقد قال مولى المتقين أمير المؤمنين(عليه السلام): «استغن باللّه عمّن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأفضل على من شئت تكن أميره»(5).

فالموقن هو الذي لا يتوسط إلّا باللّه، ولا يطلب أمره إلّا من عند اللّه، لأنه لم


1) سورة الشعراء، الآية: 77.

2) سورة الشعراء، الآية: 78-81.

3) سورة الشعراء، الآية: 49.

4) سورة الشعراء، الآية: 50.

5) كنز الفوائد 2: 194.

يكن يرى العلّة غيره سبحانه، بعد أن عظم الخالق في عينه فصغر ما دونه في نظره، فهذا نزر يسير من فوائد وثمار اليقين.

بُعد النظر

ومن ثمرات اليقين هو كون الموقن لديه بُعد نظر في الحوادث والأمور الأخرى؛ لأنه شديد التمسك والتوكل على اللّه عزّ وجلّ، إلى درجة تصاغر ذاته (الأنا) وانعدامها أمام اللّه عزّ وجلّ، فلا يرى الموقن لنفسه وجوداً حقيقياً إلّا باللّه تعالى، وعندما يصل إلى هذه المرحلة، فان اللّه سوف يسدده في كل حياته.

هذا هو منهج الأئمة(عليهم السلام): «وما أنا يا سيِّدي وما خطري؟ ... سيِّدي، أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته...»(1). وهذا المنهج هو الذي يجعل الرب تبارك وتعالى يفيض على عبده الرحمة والنعمة، والفضل وسعة الصدر، وازدياد العلم وقوة الإيمان واليقين، وبهذا الشكل نرى أن هذا السلوك سوف يجعل من الإنسان الموقن ذا نظر بعيد، فهو حسب منهجيته يتجاوز ذاته دائماً، ليصل بالخير والودّ والحب إلى الآخرين؛ لأنه يشعر بأن ذلك يقربه من اللّه، فهو دائماً يفكر في المصلحة العامة، ويتخطى المصلحة الخاصة، وينعدم الطمع والحرص في ذاته، ويرى مصلحته ومصيره مع الآخرين، وكأنه يرى نفسه أباً ومسؤولاً عن الأمة ومصالحها، فتراه يلح في العبادة والتقرب ويتعب نفسه في الفروض والمستحبات، ثم يدعو اللّه، وعندما يدعو تراه يقدم الغير وحاجات الغير، أمام دعائه لنفسه أو حاجاته، فإن هذا الإحساس يمثل النفس الطاهرة التي ارتقت سلّم الكمال، وحلّقت في أعلى مراتبه، كما يروي الإمام الحسن(عليه السلام) عن مولاتنا الزهراء(عليها السلام) أنها «قامت في محرابها ليلة جمعتها،


1) المصباح للكفعمي: 594.

فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت(عليها السلام): يا بني الجار ثم الدار»(1). فهذا هو الأساس في العبادة، وهو الأسلوب الصحيح، حيث يذكر الإنسان الآخرين، وهو الإيثار وعلوّ النفس.

وجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من دعا للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم خمساً وعشرين مرة نزع اللّه الغل من صدره وكتبه من الأبدال إن شاء اللّه»(2).

كيف نحصل على اليقين؟

اشارة

إذا كانت درجة اليقين بهذا المستوى من الشرافة والقدسية والقرب من اللّه عزّ وجلّ، فحريّ بالإنسان أن يسعى للوصول بإيمانه إلى اليقين، ليضمن رضا اللّه عزّ وجلّ، والخطوات الواجب اتباعها من أجل ذلك هي كما يلي:

الذكر المتواصل

أي أن يذكر اللّه على كل حال، وفي كل موطن وموقف، وعدم التجاهل في ذلك، فإن للذكر أثراً عظيماً على القلب، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «ذكر اللّه جلاء الصدور وطمأنينة القلوب»(3).

وقال(عليه السلام): «الذكر جلاء البصائر ونور السرائر»(4).

وقال(عليه السلام): «إن اللّه سبحانه جعل الذكر جلاء القلوب، تبصر به بعد العشوة


1) علل الشرائع 1: 182.

2) الجعفريات: 223.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 369.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 74.

وتسمع به بعد الوقرة وتنقاد به بعد المعاندة»(1).

فالذكر يجلي القلوب وينظفها، ويجعلها مهيأة لاستقبال الفيض الإلهي؛ إذ لو بقيت القلوب على كدورتها، لما كانت لها القابلية على استقبال الفيض من اللّه عزّ وجلّ، والقرآن الكريم يؤكد على مسألة الذكر، فيقول تبارك وتعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}(2).

ويقول سبحانه: {إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا}(3).

ويقول جلّ وعلا: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}(4).

ثم أن الفائدة الثانية للذكر هي الاطمئنان، أي سكون القلب بذكر اللّه، والاطمئنان وذهاب القلق عنه كما يقول اللّه سبحانه: {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(5). فإذا اطمأن القلب كان مستعداً لنيل واستيعاب واستقبال النعم والفيوض الإلهية العظيمة.

وقد جاء في مجمع البيان(6)للطبرسي(رحمه اللّه) في تفسير هذه الآية المباركة: {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ} معناه الذين اعترفوا بتوحيد اللّه على جميع صفاته ونبوة نبيه وقبول ما جاء به من عند اللّه، وتسكن قلوبهم بذكر اللّه، وتأنس إليه... ، وقد وصف اللّه المؤمن ههنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر اللّه، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر اللّه وجلّ قلبه، لأنه المراد بالأول أنه يذكر


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 235.

2) سورة الأعراف، الآية: 205.

3) سورة الشعراء، الآية: 227.

4) سورة الأحزاب، الآية: 41.

5) سورة الرعد، الآية: 28.

6) تفسير مجمع البيان 6: 36.

ثوابه وأنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه وبالثاني أنه ليذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه.

العناية التامة بالنوافل والمستحبات

أي أن مرحلة المحافظة على الفروض في أوقاتها تكون عنده من المسلمات، ومن الأمور العادية التي تصبح جزء من سلوكه اليومي، ثم العناية بالنوافل، فإنها تقرّب الإنسان المؤمن من ربه أكثر وتجعله يلتصق بالحب الإلهي، فعن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «قال اللّه: ما تحبب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وإنه ليتحبب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في موت مؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته»(1).

صلاة الليل

ومن أفضل النوافل هي صلاة الليل لما لها من آثار عظيمة تنعكس على روح الإنسان، وازدياد إيمانه، وارتفاع شأنه في الدنيا والآخرة.

فقد نزل جبرئيل(عليه السلام) على النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال له: «يا جبرئيل عظني» فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه كف الأذى عن الناس(2).

وقال أبو عبداللّه(عليه السلام): «إن من روح اللّه عزّ وجلّ ثلاثة، التهجد بالليل وإفطار الصائم ولقاء الإخوان»(3).


1) المحاسن 1: 291.

2) من لا يحضره الفقيه 1: 471.

3) من لا يحضره الفقيه 1: 472.

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «عليكم بصلاة الليل فإنها سنة نبيكم ودأب الصالحين قبلكم ومطردة الداء عن أجسادكم»(1).

وعنه(عليه السلام) قال في قول عزّ وجلّ: {إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطًْٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا}(2)قال(عليه السلام): «يعني بقوله {وَأَقْوَمُ قِيلًا} قيام الرجل عن فراشه يريد به اللّه لا يريد به غيره»(3).

و روى جابر بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه(عليهما السلام): «أن رجلا سأل علي بن أبي طالب(عليه السلام) عن قيام الليل بالقراءة فقال له: أبشر، من صلى من الليل عشر ليلة للّه مخلصا ابتغاء ثواب اللّه قال اللّه تبارك وتعالى لملائكته: اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما أنبت في الليل من حبة وورقة وشجرة، وعدد كل قصبة وخوص ومرعى، ومن صلى تسع ليلة أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات وأعطاه اللّه كتابه بيمينه، ومن صلى ثمن ليلة أعطاه اللّه أجر شهيد صابر صادق النية وشفع في أهل بيته، ومن صلى سبع ليلة خرج من قبره يوم يبعث ووجهه كالقمر ليلة البدر حتى يمر على الصراط مع الآمنين، ومن صلى سدس ليلة كتب في الأوابين وغفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صلى خمس ليلة زاحم إبراهيم خليل الرحمن في قبته، ومن صلى ربع ليلة كان في أول الفائزين حتى يمر على الصراط كالريح العاصف ويدخل الجنة بغير حساب، ومن صلى ثلث ليلة لم يبق ملك إلّا غبطه بمنزلته من اللّه عزّ وجلّ، وقيل له ادخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت، ومن صلى نصف ليلة فلو أعطي مل‌ء الأرض ذهبا سبعين ألف مرة لم يعدل جزاءه وكان له بذلك عند اللّه عزّ وجلّ أفضل من


1) ثواب الأعمال: 41.

2) سورة المزمل، الآية: 6.

3) الكافي 3: 446.

سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل، ومن صلى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرات، ومن صلى ليلة تامة تاليا لكتاب اللّه عزّ وجلّ راكعا وساجدا وذاكرا أعطي من الثواب ما أدناه يخرج من الذنوب كما ولدته أمه، ويكتب له عدد ما خلق اللّه عز، وجلّ من الحسنات ومثلها درجات، ويثبت النور في قبره، وينزع الإثم والحسد من قلبه، ويجار من عذاب القبر، ويعطى براءة من النار، ويبعث من الآمنين، ويقول الرب تبارك وتعالى لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي أحيا ليلة ابتغاء مرضاتي أسكنوه الفردوس وله فيها مائة ألف مدينة في كل مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ولم يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة والمزيد والقربة»(1).

العيش مع القرآن

وكذلك العيش المتواصل مع القرآن قراءة وتدبراً وتأملاً، فقد روي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قوله: «قال من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بدمه ولحمه، وجعله اللّه مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيجاً عنه يوم القيامة، ويقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله إلّا عاملي فبلّغ به كريم عطاياك، فيكسوه اللّه عزّ وجلّ حلتين من حلل الجنة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا رب، قد كنت أرغب له في ما هو أفضل من هذا، قال: فيعطي الأمن بيمينه والخلد بيساره ثم يدخل الجنة، فيقال له: إقرأ آية واصعد درجة، ثم يقال له: بلغنا به وأرضيناك فيه؟ فيقول: اللّهم نعم، قال: ومن قرأ كثيراً وتعاهده من شدة حفظه أعطاه اللّه أجر هذا مرتين»(2). فإن القرآن يعطي أهم صفة للموقنين، وهي عدم نسيانهم الآخرة، مما يدعوهم دوماً إلى العمل


1) من لا يحضره الفقيه 1: 475.

2) ثواب الأعمال: 100.

والجد والاجتهاد وعدم التقصير، لأنهم يرون ما لا يراه الآخرون: {وَبِالْأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(1). فالاستمرار بالنوافل، سواء كانت (أدعية أو صلوات) تقرّب العبد من ربه، وتجعله على يقين بربه، وللنوافل آثار عديدة، منها: الابتعاد عن الماديات، والقرب من الغيب عبر المناجاة والصلوات، والعيش بالقرب من الغيب أو الاستشعار به دائماً يلهم المؤمن يقيناً ثابتاً، وذكراً متواصلاً للّه عزّ وجلّ: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}(2).

خطبة المتقين

وهنا نذكر أروع ما قيل في صفة المتقين على لسان مولى المتقين وإمام الموحدين أمير المؤمنين(عليه السلام) فقد جاء في نهج البلاغة(3):

رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام) يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلاً عَابِداً فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ(عليه السلام) عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا هَمَّامُ، اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثُمَّ قَالَ(عليه السلام):

«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، ووَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ. مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ووَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ، نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاءِ


1) سورة البقرة، الآية: 4.

2) سورة الأنبياء، الآية: 49.

3) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 193، ومن خطبة له(عليه السلام) يصف فيها المتقين.

كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْ لا الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَاَدتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَيَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَاغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ، فَمِنْ عَلامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَحَزْماً فِي لِينٍ وَإِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ وَعِلْماً فِي حِلْمٍ وَقَصْداً فِي غِنًى وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَةٍ وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ وَطَلَباً فِي حَلالٍ وَنَشَاطاً فِي هُدًى وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي مَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِي مَا تُحِبُّ،

قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي مَا لا يَزُولُ وَزَهَادَتُهُ فِي مَا لا يَبْقَى، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ، تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلاً زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ، فِي الزَّلازِلِ وَقُورٌ وَفِيالْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَلا يَأْثَمُ فِي مَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَلا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَلا يُنَابِزُ بِالأَلْقَابِ وَلا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَلا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَلا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ ونَزَاهَةٌ وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ وَلا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ».

قَالَ: فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام):

«أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَهَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا؟ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ(عليه السلام): وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لا يَعْدُوهُ وَسَبَباً لا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلاً لا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ».

الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام)

من أهم الأمور الموصلة إلى اليقين التام والانقطاع إلى اللّه تعالى هو ملازمة أهل البيت(عليهم السلام) - وهم أولياء اللّه عزّ وجلّ - في حياتهم، والسير على خطاهم بعد مماتهم. والابتعاد عن أعداء اللّه، الذين لا تكون خطواتهم معبرة عن الإيمان الأصيل، ولا يكون تحركهم ضمن الإطار الإسلامي والمذهب الحق، فإن الابتعاد عن مواطن الشبهة والشك، والركون كلياً إلى آل اللّه، وهم آل محمد (صلوات اللّه

وسلامه عليهم) يزيل كل اضطراب وقلق نفسي، ويرفع كل وساوس الشيطان.

نعم، الولاء لهم(عليهم السلام) أيضاً متفاوت، فليس كل الناس في ولائهم متساوين، بل هناك درجات ومراتب في حب أولياء اللّه، كما هو الحال في الإيمان، فهناك من يحبهم على حرف واحد، فإن أصابه شرٌّ مال عنهم إلى غيرهم، وهناك من يحبهم لأنهم شفعاؤه، وهناك من يحبهم لأنهم أنوار اللّه وأصفياؤه، ولأنهم ظُلموا أو عذبوا، فحبه لهم ليس في مقابل شيء.

وهناك مرحلة من الحب والولاء رفيعة وهي حبهم(عليهم السلام) لأنهم مصدر الفيض، وإن جميع الممكنات في هذا العالم تستمد فيضها ونعمها ووجودها من أصل أنوارهم الطاهرة(عليهم السلام)، وهذا القدر من الحب والولاء هو الذي يحدد تحرك الإنسان، وكذلك تطابق عمله وسلوكه مع أولياء اللّه، فكلما ازداد المرء حباً لهم عن وعي وعلم، كلما ازداد يقيناً؛ لأن روحه سوف تكون مستعدة لقبول فيوض الإمام(عليه السلام) عليه، ومهيأة للتحلي بدعاء الإمام لها بالخير والفضيلة.

المرتابون

كلما ازداد المؤمن إيماناً بهم ازداد ثباتاً ورسوخاً في إيمانه ويقينه؛ لأنهم باب اللّه، فمن شك فيهم، أو ارتاب في ولايتهم، ظل قلبه غير مستقر، وتذبذب إيمانه، لأنهم كانوا يمثلون أعلى درجات اليقين فمن تبعهم لا بد أن يكون في تابعيته لهم على يقين أيضاً.

فعن زرارة أنه قال: دخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام)، وعن يمينه سيد ولده موسى(عليه السلام) وقدامه مرقد مغطى، فقال(عليه السلام) لي: «يا زرارة، جئني بداود بن كثير الرقي وحمران وأبي بصير» ودخل عليه المفضل بن عمر، فخرجت وأحضرته من أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحداً إثر واحد حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً، فلما حشد المجلس، قال: «يا داود، اكشف لي عن وجه

إسماعيل»فكشف عن وجهه، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا داود، أحي هو أم ميت؟»، قال داود: يا مولاي، هو ميت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتى أتى على آخر من في المجلس وانتهى عليهم بأسرهم كل يقول: هو ميت يا مولاي، فقال: «اللّهم اشهد»، ثم أمر بغسله وحنوطه، وإدراجه في أثوابه، فلما فرغ منه قال للمفضل: «يا مفضل، إحسر عن وجهه» فحسر عن وجهه، فقال(عليه السلام): «أحي هو أم ميت؟»، فقال: ميت، قال: «اللّهم اشهد عليهم» ثم حمل إلى قبره فلما وضع في لحده، قال: «يا مفضل، اكشف عن وجهه» وقال للجماعة: «أحي هو أم ميت؟» قلنا له: ميت. فقال: «اللّهم اشهد واشهدوا فإنه سيرتاب المبطلون يريدون إطفاء نور اللّه بأفواههم - ثم أومأ إلى موسى(عليه السلام) - واللّه متم نوره ولو كره المشركون»، ثم حثونا عليه التراب ثم أعاد علينا القول، فقال: «الميت المحنط المكفن المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل، قال: «اللّهم اشهد» ثم أخذ بيد موسى(عليه السلام) وقال: «هو حق والحق منه إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها»(1).

ولكن بعد وفاة الإمام الصادق(عليه السلام) نرى أن طائفة كبيرة تدعي أن الإمامة في إسماعيل، وإنه غائب، وليس بميّت، وهذا الأمر يدلل على عدم الإخلاص في الولاء، مما يؤدي إلى الانحراف في العقيدة والسلوك؛ إذ أن الانضباط والإخلاص في اتباع الأولياء(عليهم السلام) من العوامل المهمة والرئيسية في مسيرة الكمال الإنساني، لأنهم يضعون لنا الخطوط العريضة، والقواعد الرئيسية، والخطوات المطلوبة في المسيرة، وأيضاً يضعون الإشارات الحمراء، ويشخصون مناطق الخطر، فإذا زاغ الإنسان عن متابعتهم اختلطت عليه المراحل، وانعدمت عنده


1) الغيبة للنعماني: 327.

الرؤية الصافية، فتبدأ مرحلة الانحراف، وبالتالي الخروج من جادة الحق والصواب، وعدم الوصول إلى الهدف المنشود.

اللّهم صل على محمد وآل محمد، «وتفضّل علي اللّهم وأنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى، اللّهم أسلك بي الطريقة المثلى، وأجعلني على ملتك أموت وأحيا»(1).

من هدي القرآن الحكيم

العمل مع الإيمان

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَئَِّاتِهِمْ}(3).

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّٰلِحِينَ}(4).

وقال جلّ وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٖ}(5).

اليقين في الدين

قال سبحانه: {وَبِالْأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}(7).

وقال تعالى: {يُفَصِّلُ الْأيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}(8).


1) الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

2) سورة مريم، الآية: 96.

3) سورة العنكبوت، الآية: 7.

4) سورة العنكبوت، الآية: 9.

5) سورة فصلت، الآية: 8.

6) سورة البقرة، الآية: 4.

7) سورة الأنعام، الآية: 75.

8) سورة الرعد، الآية: 2.

وقال جلّ وعلا: {قَدْ بَيَّنَّا الْأيَٰتِ لِقَوْمٖ يُوقِنُونَ}(1).

ثمرات اليقين

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ}(2).

وقال سبحانه: {هَٰذَا بَصَٰئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٖ يُوقِنُونَ}(3).

الطاعة

قال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَٰغُ الْمُبِينُ}(4).

وقال عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}(5).

وقال سبحانه: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِي شَيْءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(6).

وقال جلّ وعلا: {فَأَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}(7).

من هدي السنّة المطهّرة

العمل والإيمان

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن اللّه تعالى لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصاً


1) سورة البقرة، الآية: 118.

2) سورة السجدة، الآية: 24.

3) سورة الجاثية، الآية: 20.

4) سورة النور، الآية: 54.

5) سورة الأنفال، الآية: 20.

6) سورة النساء، الآية: 59.

7) سورة المجادلة، الآية: 13.

وابتغي به وجهه»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «بالصالحات يستدل على الإيمان»(2).

وقال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «... الإيمان لا يكون إلّا بعمل والعمل منه ولا يثبت الإيمان إلّا بعمل»(3).

اليقين

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خير ما ألقي في القلب اليقين»(4).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «باليقين تتم العبادة»(5).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «كفى باليقين غنى وبالعبادة شغلاً»(6).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «كن موقناً تكن قوياً»(7).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «اليقين يثمر الزهد»(8).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب، كذلك أخبر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم(عليه السلام) كان يمشي على الماء، فقال: لو زاد يقينه لمشى في الهواء»(9).

عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الإيمان والإسلام، فقال: «قال أبو


1) نهج الفصاحة: 300.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 301.

3) الكافي 2: 38.

4) من لا يحضره الفقيه 4: 376.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 297.

6) المحاسن 1: 247.

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 528.

8) غرر الحكم ودرر الكلم: 48.

9) بحار الأنوار 67: 179.

جعفر(عليه السلام): إنما هو الإسلام والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين» قال - يونس - : فأيشيء اليقين؟ قال(عليه السلام): «التوكل على اللّه والتسليم للّه والرضا بقضاء اللّه والتفويض إلى اللّه» قلت: فما تفسير ذلك؟ قال(عليه السلام): «هكذا قال أبو جعفر(عليه السلام)»(1).

الطاعة

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «... ولا يحمل أحدكم استبطاء شيء من الرزق أن يطلبه بغير حله فإنه لا يدرك ما عند اللّه إلّا بطاعته»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «نعم الوسيلة الطاعة»(3).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «طاعة اللّه مفتاح كل سداد وصلاح كل فساد»(4).

الأولياء والمؤمنون

قال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من عرف اللّه وعظمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام وعفا نفسه بالصيام والقيام. قالوا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللّه هؤلاء أولياء اللّه؟ قال: إن أولياء اللّه سكتوا فكان سكوتهم ذكرا ونظروا فكان نظرهم عبرة ونطقوا فكان نطقهم حكمة ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب»(5).

وخطب الناس الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام) فقال: «أيها الناس، أنا أخبركم عن


1) الكافي 2: 52.

2) الكافي 2: 74.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 718.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 436.

5) الكافي 2: 237.

أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، كانخارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يده إلّا على ثقة لمنفعة، كان لا يتشهى ولا يتسخط ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين، كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه، ولا يخص نفسه بشي‌ء دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا، كان لا يلوم أحدا في ما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول، كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، كان لا يشكو وجعا إلّا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلّا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يتشهى ولا ينتقمُ ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه(1).

عن مهزم الأسدي قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا مهزم، شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمتدح بنا معلنا، ولا يجالس لنا عائبا، ولا يخاصم لنا قاليا، إن لقي مؤمنا أكرمه، وإن لقي جاهلا هجره» قلت: جعلت فداك، فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة؟ قال: «فيهم التمييز وفيهم التبديل وفيهم التمحيص، تأتي عليهم سنون تفنيهم، وطاعون يقتلهم، واختلاف يبددهم، شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل عدونا، وإن مات جوعا» قلت: جعلت فداك، فأين أطلب هؤلاء؟ قال: «في أطراف الأرض،


1) الكافي 2: 237.

أولئك الخفيض عيشهم المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لا يجزعون وفي القبور يتزاورون، وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لن تختلفقلوبهم وإن اختلف بهم الدار»(1).

وقال أبو جعفر(عليه السلام): «إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق»(2)

وقال(عليه السلام): «المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف إذا قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ»(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «المؤمن كمثل شجرة لا يتحات ورقها في شتاء ولا صيف» قالوا: يا رسول اللّه، وما هي؟ قال: «النخلة»(4).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «المؤمن حليم لا يجهل، وإن جهل عليه يحلم، ولا يظلم وإن ظلم غفر، ولا يبخل وإن بخل عليه صبر»(5).

وقال(عليه السلام): «المؤمن من طاب مكسبه وحسنت خليقته وصحت سريرته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من كلامه وكفى الناس شره وأنصف الناس من نفسه»(6).


1) الكافي 2: 238.

2) الكافي 2: 234.

3) الكافي 2: 234.

4) الكافي 2: 235.

5) الكافي 2: 235.

6) الكافي 2: 235.

من معاناة الإسلام والمسلمين

الإسلام وأزمة العاملين له

اشارة

جاء في الحديث الشريف: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء»(1).

لقد بدأ الإسلام يتنفس أنفاسه الأولى يوم ولد على يد الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) غريباً، ففي بداية الأمر لم يكن المؤمنين بهذا الدين الجديد سوى الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والسيدة خديجة(عليها السلام) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).

فقد ورد عن ابن عباس قال: أول من آمن برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من الرجال علي(عليه السلام)، ومن النساء خديجة(عليها السلام)(2).

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «اكتتم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بمكة مختفياً خائفاً خمس سنين ليس يظهر أمره، وعلي(عليه السلام) معه وخديجة(عليها السلام) ثم أمره اللّه عزّ وجلّ أن يصدع بما أمر به، فظهر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأظهر أمره».(3)

وروي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) - أيضاً - قال: «مكث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بمكة بعد ما جاءه الوحي عن اللّه تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنين مختفياً خائفاً لا يظهر، حتى أمره اللّه عزّ وجلّ أن يصدع بما أمر به فأظهر حينئذ


1) كمال الدين 1: 66.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 259.

3) كمال الدين 2: 334.

الدعوة»(1).

ثم بدأ الأفراد بالتفاعل مع هؤلاء الأطهار والدخول إلى الإسلام.

فالدعوة إذن مكية - نسبة إلى مكة - النشوء، والذين دخلوا إلى الإسلام كانوا مكيِّين، ولكنهم كانوا غرباء في مدينتهم وبين أهليهم حيث كانوا مهدَّدين بالقتل والاضطهاد والكره والعداوة من قبل طواغيت قريش وأعوانهم.

فكانت - في البداية - مظاهر التخفّي والسريّة غالبة على أتباع الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)؛ وبما أن الإسلام رفض الشرك وعبادة الأصنام؛ لذلك جوبه بأنواع عديدة من الأساليب الوحشية التي لاتعرف الرحمة. وهكذا بدأت المعركة بين المسلمين من جانب والكفّار والمنافقين من جانب آخر. ولكن الحق دائماً يعلو ولا يُعلى عليه، حيث قال تبارك وتعالى: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}(2).

وقال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(3).

فوصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وظلّ كصخرة صمّاء تتكسر عليها معاول الطغاة إلى أن رحل صاحب الرسالة إلى الرفيق الأعلى، وبموته بدأ البعض باقتناص الفرص، وتبديل معالم ومفاهيم الإسلام.

خلفاء الجور

لقد واجه الإسلام مشكلتين كبيرتين منذ رحلة الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإلى يومنا هذا، وعلى الذين يريدون عودة الإسلام ثانية إلى حياة المسلمين أن يرفعوا هاتين المعضلتين من البلاد الإسلامية.

المشكلة الأولى: هي خلفاء الجور، أو الحكام الظالمون الذين تسلَّطوا على


1) كمال الدين 2: 344.

2) سورة التوبة، الآية: 40.

3) من لا يحضره الفقيه 4: 334.

رقاب المسلمين وبلادهم بمساعدة الأيادي الاستعمارية، ولهؤلاء الحكام من مظاهر الاستبداد والطغيان ما شمل كل مظاهر الحياة في البلاد الإسلامية، مضافاًإلى ذلك استئثارهم بثروات وأموال الشعوب، وهتك أعراض الناس وسفك دمائهم.

وهؤلاء الحكام على قسمين:

القسم الأول: الحكام الذين يتصورون ويصورون أنفسهم خلفاء لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وهم يعرّفون الإسلام إلى الآخرين وفق ما يشتهون؛ لذا لا بد من فضح مثل هؤلاء الحكام الظالمين، فالحكومة التي تدّعي الحرية والديمقراطية دون أن تطبق شيئاً من الحرية في تفاعلها مع الشعب يلزم فضحها. حتى لا يتصور بعض الناس بأن الحرية هي هذه وحسب، أي إنها تعني الاستبداد والدكتاتورية المعمول بها في أغلب البلاد الإسلامية والمبطنة بشعارات وتطبيقات ما أنزل اللّه بها من سلطان.

من هنا كان على المسلمين الذين يريدون عودة نور الإسلام الساطع إلى حياة المسلمين مرة أخرى أن يُفشوا وينشروا حقيقة هؤلاء الحكام الظالمين وإعلام العالم كلّه بأنهم لا يمثلون المسلمين، ولا يطبقون شيئاً من الإسلام الحقيقي أبداً، وهؤلاء ليسوا إلّا عصابات قفزت على كرسي الحكم. ويتم تمويه الأمور عبر الدعاية والإعلام المغرض وعبر تأليف الكتب وطبع الكثير منها ونشرها في كافة مناطق العالم أو عبر بعض المشاريع الخيرية التي يغلب عليها الطابع الدعائي وباطنها هدّام.

والقسم الثاني: هم الحكام الذين عملوا وما زالوا يعملون على محو الإسلام وإخماد ذكر الرسول الأعظم وأهل بيته(عليهم السلام)، وهم متكاتفون مع الغرب والشرق من أجل تشويه الإسلام، وإثارة الشكوك حول صاحب الرسالة وحول التشريع

الإسلامي، وإثارة الشبهات حول الإسلام ورجاله المخلصين.

وهذا الأمر لم يغب عن بال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)؛ ولذلك نراه كان يركز علىمسألة الولاية من بعده وقيادة الأمة الإسلامية، فكان يكرّر ويقول(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «فإني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(1).

وورد عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لما نزلت هذه الآية: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَٰمِهِمْ}(2)قال المسلمون: يا رسول اللّه، ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟

قال: فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أنا رسول اللّه إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من اللّه من أهل بيتي يقومون في الناس، فيُكذَّبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدَّقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألّا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه بريء»(3).

وهؤلاء الحكام الظلمة بقسمَيْهم لم يطبقوا شيئاً مما أمر به الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أبداً؛ لهذا دخل المسلمون بسبب انحراف قياداتهم في متاهات كثيرة، وضلالات واضحة في العقيدة.

فنرى الكثير من المسلمين اليوم يعتقدون بخلافة يزيد بن معاوية، والوليد بن عبد الملك بن مروان، وهارون العباسي، والمأمون العباسي، وغيرهم من خلفاء الجور ويتصورون بأنهم خلفاء شرعيّون.


1) معاني الأخبار: 90.

2) سورة الإسراء، الآية: 71.

3) الكافي 1: 215.

جاء عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «من حكم في الدرهمين بحكم جور ثم أجبرعليه كان من أهل هذه الآية: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَٰفِرُونَ}»(1).

قلت: فكيف يجبر عليه؟

قال: «يكون له سوط وسجن فيحكم عليه، فإن رضي بحكومته، وإلّا ضربه بسوطه وحبسه في سجنه»(2).

وعن سعيد بن أبي الخضيب البجلي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزامله حتى جئنا إلى المدينة، فبينا نحن في مسجد الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذ دخل جعفر بن محمد(عليهما السلام) فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه؟

فقال: وما نصنع عنده؟

فقلت: نسائله ونحدثه.

فقال: قم.

فقمنا إليه، فسألني عن نفسي وأهلي، ثم قال: «من هذا معك؟».

فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.

فقال: «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟».

فقال: نعم.

فقال: «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتقتل، وتفرق بين المرء وزوجه، ولا تخاف في ذلك أحداً؟».

قال: نعم.


1) سورة المائدة، الآية: 44.

2) تهذيب الأحكام 6: 221.

قال: «فبأي شيء تقضي؟».

قال: بما بلغني عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعن علي(عليه السلام) وعن أبي بكر وعمر.

قال: «فبلغك عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: إن علياً(عليه السلام) أقضاكم؟».

قال: نعم.

قال: «فكيف تقضي بغير قضاء علي(عليه السلام) وقد بلغك هذا، فما تقول إذا جيء بأرض من فضة وسماوات من فضة، ثم أخذ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بيدك فأوقفك بين يدي ربك وقال: يا رب، إن هذا قضى بغير ما قضيت؟».

قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران، ثم قال لي: التمس لنفسك زميلاً، واللّه لا أكلمك من رأسي كلمة أبداً(1).

نعم، إن الانحرافات والضلالات إنّما جاءت نتيجة بذر الأفكار الضالة في المجتمع من قبل الحكام الظالمين، وتحريف أقوال الرسول والمعصومين(عليهم السلام). وليت الأمر قد توقف عند هذا الحد، ولم يتعدَّه إلى أصول الدين والأمور الخطيرة في العقيدة، فنرى البعض يتصور بأن اللّه سبحانه وتعالى جسم، أو ظالم (والعياذ باللّه)، مما حدا ببعض علمائنا رضوان اللّه عليهم بمواجهة مثل هذه الانحرافات والضلالات، أمثال المحقق الطوسي، وشيخ الطائفة والعلامة الحلي وغيرهم (رحمة اللّه عليهم) قولاً وفعلاً.

ترك القوانين الإلهية

المشكلة الثانية: وهي متفرِّعة عن المشكلة الأولى؛ إذ أن حكام الجور هم الذين مهدوا لها، هي مشكلة سنّ القوانين الغربية والاستعمارية وتطبيقها في كافة مجالات الحياة. وقد جاءت هذه القوانين إلى المسلمين بعد احتلال البلاد


1) تهذيب الأحكام 6: 220.

الإسلامية وغزوها عسكرياً وفكرياً، وبقاء المستعمر فيها سنين طويلة، ثم وَضْعِه للعُمَلاء من بعد خروجه منها.

كل هذه الأمور أدّت إلى تلاشي وضياع القوانين والأحكام الإسلامية وهكذا ضاعت النداءات التي يصرّح بها القرآن الكريم دوماً في سبيل بناء الأمة الإسلامية الواحدة، وغرس الأخوة الإسلامية، ومن أجل تحقق الحرية الإسلامية في المجتمع وعمارة الأرض، وغيرها من الأحكام التي بيّناها في كتبنا(1).

وإذا ما نظر الآخرون إلى ديننا، وهو بهذه الصورة التي رسمها الحكام الجائرون وعملاء المستعمرين، وبهذه الصورة الخالية من المحتوى والمضمون والمملوءة بالجور والاستبداد والدكتاتورية. فهم يرون أن الكفر الذي عندهم أفضل من الدين الذي عندنا؛ فالحرية والأخوة الموجودة في البلاد الغربية أكثر بكثير من الحرية الموجودة في البلاد الإسلامية التي انسلخت عن حقيقة الإسلام، وهكذا الوحدة والرأفة والشفقة الموجودة في ما بينهم أكثر من الرأفة والرحمة الموجودة لدينا، لقد أدت هذه الظاهرة إلى تأخر الأمة الإسلامية، فإن بروز هاتين المشكلتين الكبيرتين وقف بوجه انتشار الإسلام وهما كما أشرنا سابقاً:

1- سيطرة خلفاء السوء وحكام الجور في المجتمعات الإسلامية.

2- تطبيق القوانين الغربية في البلاد الإسلامية المخالفة للموازين والأحكام الإلهية.

ولن ترتفع هاتان المشكلتان عن كاهل المسلمين وبلادهم، إلّا بهمة رجال


1) انظر كتاب (الصياغة الجديدة) و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير) وغيرها من المؤلفات للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

مخلصين، عاملين للإسلام والمسلمين بكل إخلاص وتفان، انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.

فالإسلام لا يعاني من أزمة في الأفكار أو المفاهيم أو التشريع، بل من أزمة المخلصين الذين يدافعون عن حريمه بكل صدق، ولانعني أن الساحة قد خلت منهم، ولكن نسبة العاملين المخلصين للإسلام مقارنة مع الاتجاهات الإلحادية والمشركة وإعلامهم وإضلالهم تعتبر أقل بكثير، والمطلوب مضاعفة الكم والكيف. ولعل القسم الأكبر من ذلك يقع على عاتق طلبة الحوزات العلمية والعلماء والمفكرين والكتّاب؛ إذ أنهم الحصن الحصين للدفاع عن ثغور الإسلام ومبادئه، ومن ثم يأتي دور سائر الناس وباقي أفراد المجتمع؛ لأنّهم أيضاً مسؤولون عن الرسالة المحمدية.

ولذا ورد في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو المسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»(1).

وبذلك يخرج الإسلام من الغربة التي هو فيها الآن. فالمطلوب أن تصل كل مبادئ الإسلام إلى كل إنسان في العالم، وفي حالة عدم تحقق ذلك فإن الإسلام يبقى غريباً، كما في الحديث الشريف - المذكور سابقاً - .

العمل الإسلامي

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «لا شرف كبعد الهمة»(2).


1) عوالي اللئالي 1: 129.

2) تحف العقول: 286.

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّهمن العمل الكثير على غير يقين»(1).

إن الإسلام يؤكد دائماً على العمل والإخلاص فيه وبعد الهمة. فعلى العاملين للإسلام، ومن أجل إعادة المجتمعات الإسلامية إلى التمسك بدينها وحمل مبادئه، أن يلتفتوا إلى هذه النقطة المهمة، وطالما أكد عليها النبي الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وحث المسلمين على عدم اليأس، وعدم التوقف؛ فالإسلام دائماً وأبداً يؤمن بالحركة، ويؤكد على العناصر الفعّالة؛ لذلك فهو يعتبر العمل عبادة، لأن العلم يعني تقدّم عجلة المجتمع الإسلامي، وبالتالي تكون الفائدة لكافة البشر.

فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أيها الناس، اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألّا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال؛ إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه»(2).

وقال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحل عنه»(3).

والرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في اللحظات الحرجة الصعبة كان يؤكد على المسلمين بعدم اليأس، ويبعث فيهم روح الأمل والنصر، فنراه في موقف الأحزاب وقد أحاطه الأعداء وتكاتفوا عليه، وحاول بعض المسلمين الهروب من الساحة، حيث قال تعالى: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ}(4). وبعض آخر


1) الكافي 2: 57.

2) الكافي 1: 30.

3) الكافي 1: 44.

4) سورة الأحزاب، الآية: 13.

منهم حاول أن يجد طريقاً للتوسل إلى المشركين، والحصول منهم على أمان خاصله(1)، إضافة إلى الظروف المناخيّة القاسية التي كانوا يمرون بها... والحالة النفسية التي يمر بها الجيش الإسلامي، إلى درجة أن عمرو بن عبد ود العامري عندما دعا المسلمين إلى البراز لم يجبه أحد، وتراجع الجميع إلّا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، مع كل ذلك نرى أن الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يبشرهم بالفتوحات العظيمة كفتح بلاد كسرى وبلاد الروم(2)، ليرفع من الروح المعنويّة فيهم، وليهدم الحاجز النفسي الذي لفّهم باليأس والخيبة.

قصة الأحزاب

روي أن قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَٰرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا۠ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَٰفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(3)نزل في قصة الأحزاب من قريش والعرب، الذين تحزبوا على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك أن قريشاً تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب وجلبوا، واستفزوهم لحرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فوافوا في عشرة آلاف، ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حين أجلى بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حيي بن أخطب، وهم يهود من بني هارون(عليه السلام) فلما أجلاهم من المدينة صاروا


1) انظر تفسير القمي 2: 188، وفيه: ونزلت هذه الآية في فلان لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمداً إلى قريش ونلحق نحن بقومنا.

2) انظر بحار الأنوار 20: 189.

3) سورة الأحزاب، الآية: 9-12.

إلى خيبر وخرج حيي بن أخطب وهم إلى قريش بمكة، وقال لهم: إن محمداً قد وتركم ووترنا، وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلى بني عمنا بني قينقاع، فسيروا فيالأرض واجمعوا حلفاءكم وغيرهم، حتى نسير إليهم؛ فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ويكونون معنا عليهم، فتأتونه أنتم من فوق، وهم من أسفل.

وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى بئر المطلب، فلم يزل يسير معهم حيي بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة، والأقرع بن حابس في قومه، وعباس بن مرداس في بني سليم، فبلغ ذلك رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فاستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فقال سلمان الفارسي: يا رسول اللّه، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.

قال: «فما نصنع؟».

قال: نحفر خندقاً يكون بيننا وبينهم حجاباً فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه؛ فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرئيل(عليه السلام) على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «أشار سلمان بصواب».

فأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بحفره من ناحية أحد إلى رائح، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوماً من المهاجرين والأنصار يحفرونه، فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأخذ معولاً فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين(عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعيي، وقال: «لا عيش إلّا عيش الآخرة، اللّهم اغفر للأنصار

والمهاجرين».

فلما نظر الناس إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر، وقعد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مسجد الفتح، فبيناالمهاجرون والأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يعلمه بذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول اللّه مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه، وقد شد على بطنه حجراً، فقلت: يا رسول اللّه، إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه.

فقام مسرعاً حتى جاءه، ثم دعا بماء في إناء، فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه، ثم شرب ومج من ذلك الماء في فيه ثم صبه على الحجر، ثم أخذ معولاً فضرب ضربة، فبرقت برقة، فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة، نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى نظرنا فيها إلى قصور اليمن.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أما إنه سيفتح اللّه عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق» ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل.

فقال جابر: فعلمت أن رسول اللّه مقوي، أي جائع؛ لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول اللّه، هل لك في الغذاء؟

قال: «ما عندك يا جابر؟».

فقلت: عناق وصاع من شعير.

فقال: «تقدم وأصلح ما عندك».

قال: فجئت إلى أهلي، فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)

فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، قد فرغنا فاحضر مع من أحببت.

فقام(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى شفير الخندق ثم قال: «معاشر المهاجرين والأنصار، أجيبوا جابراً».

قال جابر: وكان في الخندق سبعمائة رجل فخرجوا كلهم، ثم لم يمر بأحد منالمهاجرين والأنصار إلّا قال: «أجيبوا جابراً».

قال جابر: فتقدمت وقلت لأهلي: واللّه قد أتاك محمد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بما لا قبل لك به.

فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟

قال: نعم.

قالت: هو أعلم بما أتى.

قال جابر: فدخل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فنظر في القدر، ثم قال: «اغرفي وأبقي»، ثم نظر في التنور، ثم قال: «أخرجي وأبقي» ثم دعا بصحفة فثرد فيها وغرف، فقال: «يا جابر، أدخل علي عشرة».

فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثم قال: «يا جابر، علي بالذراع»، فأتيته بالذراع فأكلوه.

ثم قال: «أدخل علي عشرة» فدخلوا فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثم قال: «عليَّ بالذراع»، فأكلوا وخرجوا.

ثم قال: «أدخل علي عشرة»، فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلواً ولم ير في القصعة إلّا آثار أصابعهم.

ثم قال: «يا جابر، علي بالذراع» فأتيته، فقلت: يا رسول اللّه، كم للشاة من ذراع؟

قال: «ذراعان».

فقلت: والذي بعثك بالحق نبياً لقد أتيتك بثلاثة!؟

فقال: «أما لو سكت يا جابر لأكلوا الناس كلهم من الذراع».

قال جابر: فأقبلت أدخل عشرة عشرة، فدخلوا فيأكلون حتى أكلوا كلهم وبقيواللّه لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياماً.

قال: وحفر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الخندق وجعل له ثمانية أبواب، وجعل على كل باب رجلاً من المهاجرين ورجلاً من الأنصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الرغابة.

ففرغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام، فأقبلت قريش ومعهم حيي بن أخطب فلما نزلوا العقيق جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل، وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، - إلى أن قال - فقال - أي حيي بن أخطب - : ويلك يا كعب، انقض العهد الذي بينك وبين محمد ولاترد رأيي؛ فإن محمداً لا يفلت من هذا الجمع أبداً، فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبداً.

قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود، مثل: غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة بن زيد والزبير بن ياطا، فقال لهم كعب: ما ترون؟

قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وأنت صاحب عهدنا، فإن نقضت نقضنا وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك.

فقال الزبير بن ياطا، وكان شيخاً كبيراً مجرباً قد ذهب بصره: قد قرأت التوراة التي أنزلها اللّه في سفرنا، بأنه يبعث نبياً في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة، ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة، يركب الحمار العربي ويلبس الشملة، ويجتزي بالكسيرات والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم

النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقاه، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها.

فقال حيي: ليس هذا ذلك، وذلك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب منولد إسماعيل، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعاً لولد إسماعيل أبداً؛ لأن اللّه قد فضلهم على الناس جميعاً وجعل منهم النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى ألّا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمد آية، وإنما جمعهم جمعاً وسحرهم، ويريد أن يغلبهم بذلك، فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه، فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد، فأخرجوه فأخذه حيي بن أخطب ومزقه، وقال: قد وقع الأمر، فتجهزوا وتهيئوا للقتال.

وبلغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ذلك فغمه غماً شديداً وفزع أصحابه، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين، وكانا من الأوس، وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس، فقال لهما: «ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا، فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحداً إذا رجعتما إلي، وقولا عضل والفارة».

فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حصين إلى باب الحصن، فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعداً وشتم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال له سعد: إنما أنت ثعلب في جحر، لنولين قريشاً وليحاصرنك رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولينزلنك على الصغر والقماع وليضربن عنقك.

ثم رجعا إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقالا: عضل والفارة.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لعناء، نحن أمرناهم بذلك» وذلك أنه كان على عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عيون لقريش يتجسسون خبره، وكانت عضل والفارة قبيلتان من العرب دخلا في الإسلام، ثم غدرا، فكان إذا غدر أحد ضرب بهذا المثل، فيقال:

عضل والفارة.

ورجع حيي بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقد كان أسلم قبل قدوم قريشبثلاثة أيام، فقال: يارسول اللّه، قد آمنت باللّه وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وإن أمرت أن أخذِّل بين اليهود وبين قريش فعلت؛ حتى لا يخرجوا من حصنهم؟

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «اخذل بين اليهود وقريش، فإنه أوقع عندي».

قال: فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد؟

قال: «قل ما بدا لك».

فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي أن ينصركم اللّه على عدوكم، وقد بلغني أن محمداً قد وافق اليهود، أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه لبني النضير وقينقاع، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا في عسكركم حتى تأخذوا منهم رهناً تبعثوا بهم إلى مكة، فتأمنوا مكرهم وغدرهم.

فقال أبو سفيان: وفقك اللّه وأحسن جزاك، مثلك أهدى النصائح، ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم، ولا أحد من اليهود.

ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة فقال: يا كعب، تعلم مودتي لكم، وقد بلغني أن أبا سفيان قال: تخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد، فإن ظفروا كان الذكر لنا دونهم، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم

وعقدكم بين محمد وبينكم؛ لأنه إن ولت قريش ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم.

فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا.وأقبلت قريش، فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة، ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك!

فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه، فوافى عمرو بن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد صف أصحابه بين يديه، فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فصاروا أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كلهم خلف رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقدموا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من إخوانه: أما ترى هذا الشيطان عمرو، لا واللّه ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمداً ليقتله ونلحق نحن بقومنا، فأنزل اللّه على نبيه في ذلك الوقت قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ - إلى قوله - وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}(1)وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض، وأقبل يجول حوله ويرتجز ويقول:

ولقد بححت من النداء *** بجمعكم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن الشجاع *** مواقف القرن المناجز

إني كذلك لم أزل *** متسرعاً نحو الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى *** والجود من خير الغرائز


1) سورة الأحزاب، الآية: 18-19.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من لهذا...؟».

فلم يجبه أحد.

فقام إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) وقال: «أنا له يا رسول اللّه» فقال: «يا علي، هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل».

قال: «أنا علي بن أبي طالب».

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ادن مني».

فدنا منه، فعممه بيده، ودفع إليه سيفه ذا الفقار، فقال له: «اذهب وقاتل بهذا»، وقال: «اللّهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته».

فمر أمير المؤمنين(عليه السلام) يهرول في مشيه وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتاك *** مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة *** والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم *** عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى *** صوتها بعد الهزاهز

فقال له عمرو: من أنت؟

قال: «أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وختنه».

فقال: واللّه، إن أباك كان لي صديقاً قديماً، وإني أكره أن أقتلك، ما آمن ابن عمك حين بعثك إلي أن أختطفك برمحي هذا، فأتركك شائلاً بين السماء والأرض لا حي ولا ميت؟

فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلتُ الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة».

فقال عمرو: وكلتاهما لك يا علي، تلك إذا قسمة ضيزى!

قال علي(عليه السلام): «دع هذا يا عمرو، إني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة، تقول: لا يعرضن علي أحد في الحرب ثلاث خصال إلّا أجبته إلى واحدة منها، وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة».

قال: هات يا علي.

قال: «أحدها تشهد أن لا إله إلّا اللّه وأن محمداً رسول اللّه».

قال: نح عني هذه فاسأل الثانية.

فقال: «أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فإن يك صادقاً فأنتم أعلى به عيناً، وإن يك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره».

فقال: إذن لا تتحدث نساء قريش بذلك، ولا تنشد الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت على عقبي من الحرب وخذلت قوماً رأسوني عليهم.

فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «فالثالثة أن تنزل إلي فإنك راكب وأنا راجل حتى أنابذك».

فوثب عن فرسه وعرقبه وقال: هذه خصلة ما ظننت أن أحداً من العرب يسومني عليها.

ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين(عليه السلام) بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين بدرقته فقطعها وثبت السيف على رأسه.

فقال له علي(عليه السلام): «يا عمرو أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير». فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) مسرعاً على ساقيه قطعهما جميعاً وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ثم انكشف العجاجة، فنظروا فإذا أمير المؤمنين(عليه السلام) على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، فذبحه ثم أخذ رأسه، وأقبل إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)

والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول - والرأس بيده - :

«أنا علي وابن عبد المطلب *** الموت خير للفتى من الهرب»

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «يا علي، ماكرته؟».

قال: «نعم يا رسول اللّه؛ الحرب خديعة».

وبعث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهماً، فقال ضرار: ويحك يا ابن صهاك أترميني في مبارزة! واللّه لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلّا قتلته، فانهزم عنه عمر ومر نحوه ضرار وضربه على رأسه بالقناة، ثم قال: احفظها يا عمر، فإني آليت أن لا أقتل قرشياً ما قدرت عليه، فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فولاه.

فبقي رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوماً - إلى أن قال - فلما طال على أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الأمر واشتد عليهم الحصار، وكانوا في وقت برد شديد وأصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفاً شديداً، وتكلم المنافقون بما حكى اللّه عنهم ولم يبق أحد من أصحاب رسول اللّه إلّا نافق إلّا القليل، وقد كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أخبر أصحابه أن العرب تتحزب ويجيئون من فوق وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل، وأنه ليصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(1).

وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا: يا رسول اللّه تأذن لنا أن نرجع


1) سورة الأحزاب، الآية: 12.

إلى دورنا؛ فإنها في أطراف المدينة وهي عورة ونخاف اليهود أن يغيروا عليها؟

وقال قوم: هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالأعراب؛ فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلاً كله. وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحدمن قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائماً وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة، فلما رأى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا اللّه وناجاه في ما وعده وكان مما دعاه أن قال:

«يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي ووليي وولي آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك».

فنزل عليه جبرئيل فقال: «يا محمد، إن اللّه قد سمع مقالتك وأجاب دعوتك، وأمر الدَّبور وهي الريح مع الملائكة أن تهزم قريشاً والأحزاب».

وبعث اللّه على قريش الدَبور فانهزموا وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك.

فنادى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حذيفة بن اليمان، وكان قريباً منه فلم يجبه، ثم ناداه فلم يجبه، ثم ناداه الثالثة، فقال: لبيك يا رسول اللّه.

قال: «أدعوك فلا تجيبني؟».

قال: يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع.

فقال: «ادخل في القوم وائتني بأخبارهم، ولا تحدثن حدثاً حتى ترجع إلي؛

فإن اللّه قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش فهزمهم».

قال حذيفة: فمضيت وأنا انتفض من البرد، فواللّه ما كان إلّا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام، فقصدت خباء عظيماً فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد،ويقول: يا معشر قريش، إن كنا نقاتل أهل السماء، بزعم محمد، فلا طاقة لنا بأهل السماء، وإن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين في ما بيننا، قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني: من أنت؟

فقال: أنا عمرو بن العاص.

ثم قلت للذي عن يساري من أنت.

قال: أنا معاوية.

وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبوسفيان راحلته وهي معقولة، ولولا أن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «لا تحدث حدثاً حتى ترجع إلي» لقدرت أن أقتله.

ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد يا أبا سليمان، لا بد من أن أقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا إنا مرتحلون، ففروا منهزمين.

فلما أصبح رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال لأصحابه: «لا تبرحوا»، فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في نفر يسير.

وكان ابن فرقد الكناني رمى سعد بن معاذ رحمه اللّه بسهم في الخندق فقطع أكحله، فنزفه الدم، فقبض سعد على أكحله بيده، ثم قال: اللّهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فلا أحد أحب إلي محاربتهم من قوم حادوا اللّه ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وبين قريش

فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فأمسك الدم وتورمت يده. وضرب رسول اللّه له في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه، فأنزل اللّه: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَمِنكُمْ} يعني بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَٰرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} إلى قوله: {إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}(1)وهم الذين قالوا لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): تأذن لنا نرجع إلى منازلنا؛ فإنها في أطراف المدينة ونخاف اليهود عليها؟

فأنزل اللّه فيهم: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا - إلى قوله - وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}(2)ونزلت هذه الآية في فلان لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمداً إلى قريش، ونلحق نحن بقومنا.

ثم وصف اللّه المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما يصيبهم في الخندق من الجهد، فقال:

{وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ... وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَٰنًا}(3)يعني: ذلك البلاء والجهد والخوف(4).

إذن، على من يعمل للإسلام أن يتذكر هذه المواقف جيداً ويعتبر بها، ولا يركن إلى اليأس، بل عليه أن لا يعطي لنفسه مجالاً كي يفكر باليأس والتراجع والفشل، وعليه أن يُقدم متأسياً بأمير المؤمنين(عليه السلام) حينما أحجم القوم وقام بها،


1) سورة الأحزاب، الآية: 9-13.

2) سورة الأحزاب، الآية: 13-19.

3) سورة الأحزاب، الآية: 22.

4) تفسير القمي 2: 176-188.

حتى قال فيه الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أبشر يا علي، فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمّد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لرجح عملك بعملهم وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلّا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلّا وقد دخله عزّ بقتلعمرو»(1).

وروي عن عبد اللّه بن مسعود قال: وكفى اللّه المؤمنين القتال بعلي(2).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أيضاً: «لضربة علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة»(3).

فالعاملون يجب أن يكونوا مصداقاً للآية الشريفة: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا}(4)أي ثبتوا على المبدأ، واستقاموا من أجل نشره والحفاظ عليه.

فقد روي عن حذيفة بن اليمان قال: لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم المسلمون كافة ما خلا علياً، فإنه برز إليه فقتله اللّه على يديه، والذي نفس حذيفة بيده، لعمله في ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة، وكان الفتح في ذلك اليوم على يد علي(عليه السلام)، وقال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لضربة علي خير من عبادة الثقلين»(5).

مقارعة الطاغوت

وليعلم العاملون، أن مقارعة الطاغوت ليس بالأمر الهيّن، ولكنها في الوقت


1) شواهد التنزيل 2: 12.

2) الإرشاد 1: 106.

3) إقبال الأعمال 1: 467.

4) سورة الأحزاب، الآية: 23.

5) بحار الأنوار 39: 1.

نفسه ليست بالأمر المستحيل، غاية الأمر أن مسالة التغلب عليه تتوقف على مجموعة من الأسباب التي يجب أن تكون سابقة على تحقق النصر، وإلّا فالنصر لا يُعطى لطالبيه بارزاً جاهزاً على طبق من ذهب وفضة.

فالنبي موسى(عليه السلام) قبل أن يخوض الصراع الفعلي مع فرعون أعطاه اللّه آيتين، العصا ويده البيضاء، لتكونا برهاناً على صدقه، لعل فرعون يرجع عن غيه وعساه أن يذعن للأمر، ولكننا نرى موسى(عليه السلام) مع ذلك يطلب من اللّه أمراً آخر، وهو السند والوزير، فقال: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَٰرُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِۦ أَزْرِي}(1)وذلك كما قال هو: لكي يتقوى أكثر على مقارعة فرعون. فهو هنا يعمل على تهيئة سبب ماديّ ومعنوي ضروري، وهنا تظهر كفاءته في الطلب وفي الاختبار، وإلى جانب ذلك يطلب أموراً أخرى أيضاً، أي يعمل على تهيئة أسباب بعضها مادي والآخر معنوي: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي}(2).

تهيئة أسباب النصر

وهكذا، فالعاملون لا بدّ أن يعملوا على محورين:

أولهما: الثبات.

وثانيهما: تهيئة أسباب النصر.

وكلاهما يتخللهما العنصر الغيبي الذي لا بدّ منه، ولكن حتى هذا العنصر الغيبي يتطلب سبباً أيضاً، وهو الدعاء والتوجه إلى اللّه بقلب سليم مطمئن، فقد


1) سورة طه، الآية: 25-31.

2) سورة طه، الآية: 25-28، انظر تفسير القرآن 3: 474.

قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}(1).

وهذا العنصر هو الفارق الرئيسي والجوهري بين العمل الإسلامي والعمل غير الإسلامي، ذلك لأن العمل الإسلامي دائماً يكون مؤطّراً به، وأما عملالطواغيت فيكون عملاً مادّياً بحتاً، فتراه عندما يفشل ويسقط تتبدّد كل أعماله: {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٖ}(2)، فلا يبقى من القصور والامبراطوريات إلّا رسمها، وشيء من الذكريات المرّة. بينما العمل الإسلامي الخالص للّه تبارك وتعالى فإنه يبقى خالداً في الدنيا إلى آخر الدهر؛ لأن يد الغيب هي التي تحافظ عليه وتجعله مناراً وأُسوة حسنة يُقتدى به.

ثم إنه ليس هناك فرق بين طواغيت الأمس واليوم إلّا في الصورة، ولازم ذلك أن تختلف بعض الأساليب التي استخدمها العاملون بالأمس. فالحكام سابقاً على الرغم من سيطرتهم الفعلية على دفّة الحكم وبطشهم وظلمهم ووضع الشرطة والجواسيس على الناس، إلّا أن ظاهرة اللا نظام كانت سائدة، أما حكام اليوم فحيلهم منظمة ومرتبة، ومواجهة ذلك يقتضي أن ينتظم العاملون ويكون عملهم منظماً أيضاً، لكي يصمد أمام المواجهات والتحديات المنظمة.

من واقع الطواغيت

قال تبارك وتعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِۦ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(3).

إن عادة الطغاة إشاعة الفساد في الأرض بحرق النسل والحرث وما أشبه،


1) سورة الفرقان، الآية: 77.

2) سورة إبراهيم، الآية: 18.

3) سورة القصص، الآية: 4.

وذلك من خلال قناتين:

1- الإرهاب، المتمثل بالقتل والسجن والتعذيب وبثّ الجواسيس وشراء الضمائر ومحاربة الدين.

2- التفرّد بالأموال وثروات الشعب وصرفها على ما تشتهي أنفسهم، وحرمانالناس منها.

وبكلمة أخرى: إنّهم يسيطرون على الناس من خلال الجهاز السياسي والاقتصادي، أما الجانب الاجتماعي فهو مرتبط بذينك العاملين السابقين، فكلما فسد اقتصاد البلد وصودرت الثروات، عاش الناس في فقر مُدقع، وتكون عاقبة ذلك الفساد - بالطبع - الانحراف الأخلاقي.

وهكذا بالنسبة للجانب السياسي وتأثيره على الوحدة الاجتماعية للناس، ومن أشد الأمور التي تجعل المجتمع متأثراً، وتسوده الفوضى، هو تلاعب الطغاة بالأموال يميناً وشمالاً، وحرق الملايين على شهواتهم وملذاتهم وحرمان الشعب من ثرواته، فإن هذا النوع من السلوك يخلق لدى الجماهير سخطاً عاماً ربما يتبعه تصادم عنيف؛ لأن الجماهير تشعر بأن السلطة تسرق أموالها وخيراتها وتتمتع بها، وهم يعيشون في أحوال تعيسة وظروف صعبة، وهذا من أسباب خلق المعارضة مما يضطر الطاغية لأن يجابه تحرك الجماهير بكل قوة وعنف وإرهاب، خوفاً على كرسيه، فيكافح كل من يعترض على سلوكه وتصرفاته بكل قساوة.

حكّام لا حكمة لهم

نقل عن خلافة الأمين بن هارون العباسي أنه عند ما ملك، وجّه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق، واقتنى الوحوش والسباع والطيور واحتجب عن أهل بيته وأمرائه، واستخفّ بهم، ومحق ما في بيوت الأموال،

وضيّع الجواهر والنفائس، وبنى عدّة قصور للَّهو في أماكن مختلفة، وأجاز مرة أحد المغنين بأن ملأ له زورقه ذهباً. بينما كان الكثير من الجماهير في حكمهيعيش أسوء حالات الفقر(1).

وهكذا الحال مع الطاغية صدام في العراق، فإنه يتمتع بمعيشة بذخ وإسراف، ويقضي كل شهواته الحيوانية، وملذاته الطائشة هو وأعوانه، بينما يعيش العراقيون في أوضاع مأساوية وظروف قاسية، فمئات الآلاف من المهجّرين والمهاجرين، ومئات الآلاف يقبعون في قعر السجون، فضلاً عن الحالة التي يعيشها الملايين من الشعب العراقي المظلوم، وكثرة الصعوبات والمضايقات. وعندما يثور الشعب ويغضب ضد هذه الأساليب اللاإنسانية ترى الطغاة كيف يقمعونها بوحشية نادرة قلّما نجد لها مثيلاً، وأساليبهم معروفة للعالم كله.

وهكذا الحال في غيره من الرؤساء، الذين لا تراهم الشمس، ولا يعرفون للحر والبرد والجوع والفقر معنى، بينما تعيش الملايين من شعوبهم حالة البطالة والفقر والانزلاق الأخلاقي، وتفشي كل أنواع الفاحشة والجريمة.

فهذا واقع الطغاة، وهذه أساليبهم، وهذا طراز حياتهم، لايختلف الواحد عن الآخر إلّا في بعض الشكليات، وإلّا فالمضمون والجوهر واحد، أي: إن الروح العدائية للجماهير موجودة في قلب كل منهم، ولكن كل يعرفها بشكل أو بآخر وهؤلاء الطغاة هم من أكثر مشاكل المسلمين ومعانة الأمة.

طغيان الحجّاج

كان الحجاج بن يوسف الثقفي من الطغاة الذين استولوا على الحكم الإسلامي فإنه، الذي يعتبر واحد من أشهر طغاة التاريخ كان والياً لبني أمية


1) انظر تاريخ الخلفاء: 331.

الذين حكموا البلاد بالظلم والجور والاستبداد، عُرف الحجاج بأسلوبه البشع في تعذيب السجناء؛ حيث ذكر في كتب السيرة والتاريخ أنه كان قد صنع سجناًمكشوفاً يضم بداخله ما لا يقلّ عن مائة ألف سجين من الرجال والنساء بصورة مختلطة، يلاقون أشدَّ وأقسى الظروف المناخية كالحرِّ والبرد، ويعانون من صنوف التعذيب الجسدي والنفسي.

وفي التاريخ: أنه قد أحصي من قتله صبراً سوى من قتل في عساكره وحروبه، فوجد مائة وعشرين ألفاً، مات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفاً مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد(1).

وكان الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان يؤيِّد كل أعمال الحجاج، ويُمدّه بما يحتاج إليه؛ وكيف لا، وهو القائل حينما استلم مقاليد الخلافة: واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه(2).

وهو الذي حين أفضى الأمر إليه، وكان المصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك(3)، وليس هذا فحسب، بل إنه عندما حضرته الوفاة جعل يوصي ابنه الوليد بالحَجاج خيراً، رغم علمه بوحشيته وولعه بالدماء، فيقول لابنه: وانظر الحجاج فأكرمه، فإنه هو الذي وطَّأ لكم المنابر، وهو سيفك، يا وليد، ويدك على من ناواك، فلا تسمعنَّ فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا متُّ إلى البيعة؛ فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا(4).


1) مروج الذهب 3: 166.

2) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 239.

3) تاريخ بغداد 10: 389، وفي خبر آخر قالوا: لما سلم على عبد الملك بن مروان بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك.

4) تاريخ الخلفاء: 220.

ثم يعلِّق السيوطي فيقول: لو لم يكن من مساويء عبد الملك إلّا الحجّاج، وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة، يهينهم ويُذِلُّهم قتلاً وضرباً وشتماًوحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين مالا يحصى، فضلاً عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً، يريد بذلك ذُلّهم فلا رحمه اللّه ولا عفا عنه(1).

وسئل شريح عن الحجاج: أكان الحجاج مؤمناً؟

قال: نعم بالطاغوت! كافراً باللّه تعالى(2).

وقال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أُمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم(3). ومما ينقل أن الحجاج كان في صغره لا يقبل الثدي، وأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصوّر له في صورة الحرث بن كلدة حكيم العرب، فسألهم عن ذلك، فأخبره مخبر من أهله، فقال لهم: إذبحوا له تيساً وألعقوه من دمه، وأولغوه فيه، ثم اطلوا به وجهه، ففعلوا ذلك، فقبل الثدي؛ فلأجل ذلك كان لا يصبر على سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذَّاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدر غيره عليها(4).

ومن ذلك ما روي: أن الحجاج بن يوسف الثقفي قال ذات يوم: أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى اللّه بدمه! فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه.

فبعث في طلبه، فأتي به، فقال له: أنت قنبر؟


1) تاريخ الخلفاء: 220.

2) وفيات الأعيان 2: 463.

3) تهذيب التهذيب 2: 185.

4) المستطرف 1: 100.

قال: نعم.

قال: أبو همدان؟

قال: نعم.

قال: مولى علي بن أبي طالب؟

قال: اللّه مولاي وأمير المؤمنين علي ولي نعمتي.

قال: ابرأ من دينه؟

قال: فإذا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه.

قال: إني قاتلك، فاختر أي قتلة أحب إليك؟

قال: قد صيرت ذلك إليك.

قال: ولم؟

قال: لأنك لا تقتلني قتلة إلّا قتلتك مثلها، وقد أخبرني أمير المؤمنين(عليه السلام) أن ميتتي تكون ذبحاً ظلماً بغير حق.

قال: فأمر به فذبح(1).

ولكن مع كبريائه وجبروته وبطشه الشديد، نراه ذليلاً لشهوته، منقاداً لهواه، تعيس الحظِّ حتى مع النساء.

الحجّاج على لسان إحدى زوجاته

فقد حكي أن هنداً إبنة النعمان كانت أحسن أهل زمانها. فوصِف للحجاج حسنها، فأنفذ إليها يخطبها، وبذل لها مالاً وافراً، وتزوج بها، وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم، ودخل بها، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة وتقول:


1) الإرشاد 1: 328.

وما هند إلّا مهرةٌ عربيةٌ *** سليلة أفراسٍ تحلَّلَها بغل

فإن وَلَدت فحلاً فللّه درُّها *** وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل

فسمعها الحجاج فانصرف ولم يدخل عليها، ثم بعث عبد اللّه بن طاهر ليطلِّقها فأعطاها المائتي ألف درهم، فقالت: هذه المائتا ألف درهم التي جئت بها بشارة لك بخلاصي من كلب بني ثقيف. ثم بعد ذلك بلغ عبد الملك بن مروان خبرها، فأرسل إليها يخطبها، فاشترطت عليه: أن يقود الحجاج محملي إلى بلدك التي أنت فيها، ويكون ماشياً حافياً، فلما علم عبد الملك شرطها ضحك وأنفذ إلى الحجاج وأمره بذلك، فامتثل الحجاج لذلك. فهذا هو الحجاج(1).

وكذلك هو واقع الظلمة والطغاة، الذين ينقضّون بكل قواهم على المستضعفين، في حين أن قوتهم وجبروتهم هذه تذوب أمام النساء والملَذّات الأخرى.

إن السلوك الذي يمارسه الجبابرة على الأمم والشعوب، وإن أخضعها حيناً إلّا أنها ما تلبث أن تفلت وتتمرد على الطاغوت وتخرج من ربقته؛ لأن القوة والبطش والرعب والسجون كل ذلك لا يكون نظاماً للناس، أو منهاجاً لحياتهم، بل إنها تخلق جوّاً إرهابياً يخشاه الناس حيناً، ثم ينقلب الأمر على الطاغوت.

نعم، إن من معاناة الإسلام والمسلمين هؤلاء الطغاة وسياستهم المنحرفة واللاعقلائية، فإنها تبعث في كثير من الأحيان في نفوس الأمة الخوف والهزيمة، وذوبان القيم الأخلاقية وانصهارها في اللاشعور، وتظهر أساليب وسلوكيات أخرى تعكس واقعهم المزري، وضحالة الحالة الاجتماعية، أمثال المكر والرشوة


1) انظر المستطرف 1: 102.

والوشاية والتجسس، وغيرها.

الأسباب والمسببات

فعلى الأفراد والأمم أن يسألوا أنفسهم: لماذا يتسلط هؤلاء الطغاة عليهم؟

وما هي الأسباب التي دعت لذلك؟

ثم ما هي الأساليب التي بها يمكن إزالة حكم هؤلاء الظلمة؟

يقول اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}(1).

إذن هناك منهج ربّاني تحكمه قوانين إلهية دقيقة لا بد أن يلتفت إليها الإنسان؛ ولهذا جاء التأكيد على التدبر في آيات القرآن؛ لأن فيها بيان سنن اللّه في الحياة، ولكن الإنسان هو الذي لا يلتفت إليها.

إن قانون الأسباب والمسببات هو الذي يحكم الكون بنظامه الصارم، فلكل معلول علّة، ولكل فعل ردّ فعل، ولكل عمل نتيجة أو نتائج.

قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام): «الذنوب التي تغير النعم: البغي على الناس والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم وترك الشكر، قال اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}(2).

والذنوب التي تورث الندم: قتل النفس التي حرم اللّه، قال اللّه تعالى في قصة قابيل حين قتل أخاه هابيل فعجز عن دفنه: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّٰدِمِينَ}(3).

وترك صلة القرابة حتى يستغنوا، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية ورد المظالم، ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان.


1) سورة الرعد، الآية: 11

2) سورة الرعد، الآية: 11.

3) سورة المائدة، الآية: 31.

والذنوب التي تنزل النقم: عصيان العارف بالبغي، والتطاول على الناس، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم.

والذنوب التي تدفع القسم: إظهار الافتقار، والنوم عن العتمة، وعن صلاة الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود عزّ وجلّ.

والذنوب التي تهتك العصم: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب.

والذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والذنوب التي تديل الأعداء: المجاهرة بالظلم، وإعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الأخيار، والانطياع للأشرار.

والذنوب التي تعجل الفناء: قطيعة الرحم، واليمين الفاجرة، والأقوال الكاذبة، والزنا، وسد طريق المسلمين، وادعاء الإمامة بغير حق.

والذنوب التي تقطع الرجاء: اليأس من روح اللّه، والقنوط من رحمة اللّه، والثقة بغير اللّه، والتكذيب بوعد اللّه عزّ وجلّ.

والذنوب التي تظلم الهواء: السحر، والكهانة، والإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وعقوق الوالدين.

والذنوب التي تكشف الغطاء: الاستدانة بغير نية الأداء، والإسراف في النفقة على الباطل، والبخل على الأهل والولد وذوي الأرحام، وسوء الخلق، وقلة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة بأهل الدين.

والذنوب التي ترد الدعاء: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى اللّه عزّ وجلّ بالبر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في

القول.

والذنوب التي تحبس غيث السماء: جور الحكام في القضاء، وشهادة الزور،وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة والقرض والماعون، وقساوة القلب على أهل الفقر والفاقة، وظلم اليتيم والأرملة، وانتهار السائل ورده بالليل»(1).

الفضائل ازدهار الحياة

في المقابل عندما تكون هناك أمة صالحة يعيش أفرادها بوئام وسلام وتراحم، ستكون أعمالهم هذه أسباباً لازدهار الحياة وسعادتها؛ وهذا كله بحاجة إلى الإخلاص في العمل، فإن هكذا الإخلاص يزيد في العلم والحكمة، وفقاً لقول الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من أخلص للّه أربعين يوماً فجر اللّه ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(2).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ما أخلص العبد الإيمان باللّه عزّ وجلّ أربعين يوماً، ... إلّا زهده اللّه عزّ وجلّ في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، فأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}(3)فلا ترى صاحب بدعة إلّا ذليلاً، أو مفترياً على اللّه عزّ وجلّ وعلى رسوله وأهل بيته (صلى اللّه عليهم أجمعين) إلّا ذليلاً»(4).

ومن المعلوم أنه بواسطة العلم والحكمة تزدهر الحياة العامة، وينتفع الناس بذلك، وكذلك تعدّ صلة الرحم من الصفات المحببة التي يحثنا عليها أئمتنا(عليهم السلام)


1) وسائل الشيعة 16: 281.

2) عدة الداعي: 232.

3) سورة الأعراف، الآية: 152.

4) الكافي 2: 16.

وهي من أسباب الزيادة في العمر؛ فعن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيّرها اللّه ثلاثين سنة، ويفعل اللّهما يشاء»(1).

وكلما ازداد العمر أمكن للإنسان أن ينتفع من ذلك.

وهكذا بقية الأعمال الصالحة، فالصدقة تدفع البلاء، قال الإمام الباقر(عليه السلام): «الصدقة تدفع البلاء المبرم فداووا مرضاكم بالصدقة»(2).

وحسن الخلق يزيد في الرزق، حيث ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) قوله: «حسن الخلق يزيد في الرزق»(3).

وغير ذلك كثير من الأسباب والفضائل التي إذا هيّأها أبناء المجتمع فإنهم يكونون قد هيّأوا لأنفسهم أسباب العيش الهنيء والحياة الآمنة، البعيدة عن الحوادث والكوارث وغضب اللّه. ومن خلال هؤلاء الناس أنفسهم يظهر من فيه كفاءة القيادة، فيسوسهم بالرحمة والعطف والعدل وهذا يسبب نجاة المسلمين من معاناتهم.

الرذائل وهلاك المجتمع

ومن أسباب معاناة المسلمين ما نراه اليوم من تفش المحرمات والرذائل فإنها توجب هلاك المجتمع.

عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذا ظهر الزّنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفّف المكيال والميزان أخذهم اللّه بالسّنين والنّقص، وإذا منعوا الزّكاة منعت الأرض بركتها من الزّرع والثّمار والمعادن كلّها،


1) الكافي 2: 150.

2) وسائل الشيعة 2: 433.

3) الزهد: 30.

وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظّلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلّط اللّه عليهم عدوّهم، وإذا قطّعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لميأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم»(1).

نعم، إذا اتصف أبناء المجتمع بالرذائل والصفات غير الأخلاقية فإن هذه الصفات نفسها تكون كافية لإهلاكهم وتسليط الجبابرة عليهم، لأن طبيعة الإنسان العاصي أن يكون مستغرقاً في الملذّات والهوى، ولا يعلم كيف تجري الأمور السياسية والاقتصادية أو غيرها، فهو يجهل حتى هدفه في الحياة، فمثلاً عندما تستشري ظاهرة الزنا - والعياذ باللّه في المجتمع - فالزنا فعل لا بدّ له من نتائج، ومن نتائجه المعنوية قصر العمر، ومن نتائجه الماديّة شيوع الأمراض الجنسية الزهرية الخطيرة وهكذا الإيدز وغيره، وتفشي الانحلال الأخلاقي.

ثم إن بعض هذه الذنوب تكون نتائجها السيئة سريعة، أي أن ما يتبعها من مساوي تظهر مباشرة فتنعكس سلبياتها في المجتمع.

فمثلاً، الزنا ينشر الأمراض، وفساد السوق والميزان يوجب الجدب والقحط. وإذا منع الناس الزكاة أو الخمس منعت السماء ماءها.

وهكذا في المقابل، فإن اللّه قد جعل لكل صفةٍ أخلاقية حسنة نتائج معنوية إيجابية، ونتائج مادية إيجابية ينتفع الناس منها.

كما جعل اللّه لكل صفة لا أخلاقية، ولكل ذنب أو معصية نتائج سلبية تنعكس على روح الإنسان، فتضعف إيمانه، ونتائج سلبية مادية تنعكس أضرارها في المجتمع، قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خمس إن أدركتموهنَّ فتعوذوا باللّه منهنَّ:


1) الكافي 2: 374.

لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلّا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلّا أُخذوا بالسنينوشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلّا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد اللّه وعهد رسوله إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّهم وأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل اللّه عزّ وجلّ إلّا جعل اللّه عزّ وجلّ بأسهم بينهم»(1).

وهذا الحديث الشريف يكشف لنا عن نظام العليّة وقانون الأسباب والمسببات وبعض أسرار تسلط الظلمة على الناس، لكنه يؤكد على أن ذلك التسليط ليس من قبل اللّه (والعياذ باللّه)، بل هو من جزاء أيدي الناس وأعمالهم.

قال عزّ وجلّ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(2).

الخروج من المأزق

ثم إن اللازم للخروج من هذا المأزق والتخلص من هذه المعاناة ولكي نصل إلى الحياة الطيبة والقيادة العادلة لا بد لنا من أن نأخذ بعين الاعتبار قانون الأسباب والمسببات والسنن الكونية، ونعمل كل ما بوسعنا لكي تكون أعمالنا صالحة، حتى تأتي النتائج صالحة فتنعكس إيجابياتها على مختلف الناس، كما إن من الضروري إيجاد التعددية السياسية لكي لا يكون مجال لتسلُّط الطغاة والجبابرة. فإذا استطعنا أن نبني ونُربّي أولادنا على الفضيلة والأدب الإسلامي


1) الكافي 2: 373.

2) سورة الروم، الآية: 41.

وسلوك أهل البيت(عليهم السلام)، نكون قد ضمنّا قيادة عادلة حكيمة في المستقبل؛ إذ عندما نجهل هذا الكون وما أودع اللّه فيه من السنن، ونهجر القرآن الذي فيه علم كلشيء، ولم نتبع سيرة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) نكون قد تخلّينا عن حياتنا السعيدة وعن مصيرنا الموعود، فنذوب في العمل اليومي والقضايا الجانبية والثانوية، فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «اللّه اللّه في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم»(1).

وكلما ازداد ابتعادنا عن القرآن وعن منهج أهل البيت(عليهم السلام) ازداد استغراقنا في المتاهات، لنفاجأ مَدهوشين بالطغاة واحداً تلو الآخر كدهشتنا بحاكم كالحجاج أو صدام وقد تسلط علينا.

وعندها نقول: لماذا سلّطه اللّه علينا؟ ونبتهل إلى اللّه بالدعاء والفرج، ولكن دون جدوى فعملنا هو - في الواقع - الذي فسح المجال لأن يأتي أمثال هؤلاء الطغاة، وبالعمل والسلوك أيضاً نستطيع أن نبدّل الواقع السيئ إلى واقع حسنٍ ومُرْضٍ، حيث قال تعالى: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(2). فإذا كان الإنسان دائماً في طاعة اللّه، مقيماً لشعائره ومجداً في سبيله، ومدافعاً عن الدين والمؤمنين، وباذلاً روحه وأمواله في سبيل شريعة اللّه عزّ وجل، فإن هذا بحدّ ذاته نصر لدين اللّه، وسيكون سبباً لغلق الأبواب التي منها يتسلّل الانتهازيون وأشباههم ممّن يريدون الكيد بالإسلام العظيم، وكلما ازداد الدفاع عن الإسلام قويت قاعدة المسلمين التي تنتهي برسوخ وثبات الحكم الإسلامي.


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 47، من وصية له(عليه السلام) للحسن والحسين(عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم (لعنه اللّه).

2) سورة محمد، الآية: 7.

حكومة أمير المؤمنين(عليه السلام)

إن لنا تجربة رائعة في الحكم وقدوة عظيمة نتأسى بها دوماً وهي دولة أميرالمؤمنين(عليه السلام)، حيث جسَّد أروع صور العدل الإنساني فيقول(عليه السلام): «إن هذا المال ليس لي ولالك، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلّا فجناة أيديهم لا يكون لغير أفواههم»(1).

ويقول(عليه السلام): «إن السلطان لأمين اللّه في الأرض، ومقيم العدل في البلاد والعباد ووزعته في الأرض»(2).

وكتب(عليه السلام) للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد اللّه علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر، جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها:

أمره بتقوى اللّه وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلّا باتباعها ولا يشقى إلّا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر اللّه سبحانه بقلبه ويده ولسانه؛ فإنه جلّ اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه، وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات(3)فإن النفس أمارة بالسوء إلّا ما رحم اللّه.

ثم اعلم يا مالك، أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 232، من كلام له(عليه السلام) كلم به عبد اللّه بن زمعة وهو من شيعته، وذلك أنه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 242.

3) الجَمَحات: منازعات النفس إلى شهواتها ومآربها.

عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بمايجري اللّه لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عمّا لا يحل لك؛ فإن الشح بالنفس الإنصاف منها في ما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه من عفوه وصفحه؛ فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، واللّه فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب اللّه؛ فإنه لا يد لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحةً ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع؛ فإن ذلك إدغال(1)في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير. وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهةً أو مخيلةً فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك.

إياك ومساماة اللّه في عظمته والتشبه به في جبروته؛ فإن اللّه يذل كل جبار ويهين كل مختال، أنصف اللّه وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوًى من رعيتك؛ فإنك إلّا تفعل تظلم ومن ظلم عباد اللّه كان اللّه


1) الإدغال: إدخال الفساد.

خصمه دون عباده ومن خاصمه اللّه أدحض حجته، وكان للّه حرباً حتى ينزع أو يتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم،فإن اللّه سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية؛ فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مئونةً في الرخاء وأقل معونةً له في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم، وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس؛ فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عمّا غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك واللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لايضح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع؛ فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين، ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن باللّه.

إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن لك بطانةً؛ فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه، أولئك أخف عليك مئونةً وأحسن لك معونةً وأحنى عليك عطفاً وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصةً لخلواتك

وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك وأقلهم مساعدةً في ما يكون منك، مما كره اللّه لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهلالورع والصدق ثم رُضهم(1)على ألّا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله؛ فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة. ولا يكونن المحسن والمسي‌ء عندك بمنزلة سواء؛ فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه.

واعلم أنه ليس شي‌ء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المئونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك؛ فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. ولا تنقض سنةً صالحةً عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنةً تضر بشي‌ء من ماضي تلك السنن؛ فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك.

واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلّا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود اللّه ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى اللّه له سهمه، ووضع على حده فريضةً في كتابه أو سنة


1) رُضهم: أي عودهم على ألا يطروك، أي يزيدوا في مدحك.

نبيه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عهداً منه عندنا محفوظاً، فالجنود بإذن اللّه حصون الرعية، وزين الولاة وعزّ الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلّا بهم، ثم لا قوام للجنود إلّا بمايخرج اللّه لهم من الخراج؛ الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه في ما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلّا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب؛ لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعاً إلّا بالتجار وذوي الصناعات، في ما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي اللّه لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللّه من ذلك إلّا بالاهتمام والاستعانة باللّه، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه، في ما خفّ عليه أو ثقل، فول من جنودك أنصحهم في نفسك للّه ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً وأفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة؛ فإنهم جماع من الكرم وشعب من العُرُف(1)، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولايتفاقمن في نفسك شي‌ء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل؛ فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها؛ فإن لليسير من لطفك موضعاً


1) العُرُف: المعروف.

ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه، وليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم، منخلوف أهليهم؛ حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك. وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية، وإنه لا تظهر مودتهم إلّا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلّا بحيطتهم على ولاة الأمور، وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم؛ فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء اللّه.

ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً، واردد إلى اللّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور؛ فقد قال اللّه تعالى لقوم أحب إرشادهم: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِي شَيْءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(1)فالرد إلى اللّه الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة. ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم، ولايتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفي‌ء إلى الحق إذا عرفه، ولاتشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم


1) سوره النساء، الآية: 59.

أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ليأمن بذلكاغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً؛ فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا.

ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباةً وأثرةً؛ فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة؛ فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشراقاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم أسبغ عليهم الأرزاق؛ فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك، ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم؛ فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم(1)على استعمال الأمانة والرفق بالرعية وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة. وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله؛ فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلّا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلّا قليلاً، فإن شكوا ثقلاً أو علةً أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف


1) حَدْوَة: أي سوق لهم وحثّ.

بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شي‌ء خففت به المئونة عنهم؛ فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيينولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم؛ فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبةً أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر، ثم انظر في حال كتّابك، فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكايدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق، ممن لاتبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ، ولاتقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك في ما يأخذ لك ويعطي منك، ولايضعف عقداً اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور؛ فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل، ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك؛ فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شي‌ء، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً؛ فإن ذلك دليل على نصيحتك للّه ولمن وليت أمره، واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم، لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها، ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته. ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق

ببدنه؛ فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترءونعليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار؛ فإن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع؛ فمن قارف حكرةً بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف.

ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى والزَمنى(1)فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً واحفظ للّه ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام(2)في كل بلد؛ فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه. ولا يشغلنك عنهم بطر؛ فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم. وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى اللّه يوم تلقاه؛ فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى اللّه في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد


1) الزَمنى - جمع زمين - : وهو المصاب بالزَمانه أي العاهة، يريد عليه السلام أرباب العاهات المانعة لهم عن الإكتساب.

2) صوافي الإسلام - جمع صافية - : وهي أرض الغنيمة.

يخففه اللّه على أقوام طلبوا العاقبة فصبّروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود اللّه لهم. واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساًعاماً، فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك؛ حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لايؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع، ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنهم الضيق والأنف، يبسط اللّه عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً وامنع في إجمال وإعذار.

ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتّابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك، وأمض لكل يوم عمله؛ فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك في ما بينك وبين اللّه أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها للّه إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية، وليكن في خاصة ما تخلص به للّه دينك إقامة فرائضه، التي هي له خاصةً، فأعط اللّه من بدنك في ليلك ونهارك، ووفِّ ما تقربت به إلى اللّه من ذلك، كاملاً غير مثلوم ولامنقوص، بالغاً من بدنك ما بلغ. وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً؛ فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حين وجهني إلى اليمن: كيف أصلي بهم؟ فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيماً.

وأما بعد، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به

من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب؛ وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابكمن واجب حق تعطيه؟ أو فعل كريم تسديه، أو مبتلًى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بَذْلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لامئونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة. ثم إن للوالي خاصةً وبطانةً، فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولاتقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعةً، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس، في شرب أو عمل مشترك، يحملون مئونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة.

وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك(1)، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك؛ فإن في ذلك رياضةً منك لنفسك ورفقاً برعيتك وإعذاراً، تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق. ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك وللّه فيه رضًا؛ فإن في الصلح دعةً لجنودك، وراحةً من همومك، وأمناً لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه؛ فإن العدو ربما قارب ليتغفّل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدةً أو ألبسته منك ذمةً، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنةً دون ما أعطيت؛ فإنه ليس من فرائض اللّه شي‌ء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق


1) أصحر لهم بعذرك: أي أبرز لهم وبيّن عذرك فيه، وهو من الإصحار: الظهور وأصله البروز في الصحراء.

أهوائهم، وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون في ما بينهم دون المسلمين؛ لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتكولاتخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك؛ فإنه لا يجترئ على اللّه إلّا جاهل شقي، وقد جعل اللّه عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحق؛ فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من اللّه فيه طلبة لا تستقبل فيها دنياك ولا آخرتك.

إياك والدماء وسفكها بغير حلها؛ فإنه ليس شي‌ء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، واللّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد في ما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام؛ فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند اللّه، ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ، وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلةً، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء؛ فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد في ما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك؛ فإن المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند اللّه والناس، قال اللّه تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا

تَفْعَلُونَ}(1).

وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت، فضع كل أمر موضعه، وأوقع كل أمر موقعه. وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عمّا تعنى به، مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم، املك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك، فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك، والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أو فريضة في كتاب اللّه، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك؛ لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها، وأنا أسأل اللّه بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه، من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راجعون والسلام على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً والسلام»(2).

والآن وقد فقد العدل في أغلب صوره في الدول التي أعقبت حكم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)؛ ولذا عاد الإسلام غريباً كما بدأ، وأصبحت مبادئه غريبة في أغلب


1) سورة الصف، الآية: 3.

2) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53، كتابه(عليه السلام) للأشتر النخعي.

بلاد الإسلام، من جرّاء اللّهاث وراء القوانين الوضعية الجائرة وقد استولى الطغاةعلى البلاد وهذا من أكبر معاناة الإسلام والمسلمين.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد «ولا تبتليني بالكسل عن عبادتك، ولا العمى عن سبيلك، ولا بالتعرض لخلاف محبتك، ولا مجامعة من تفرّق عنك، ولا مفارقة من اجتمع إليك. اللّهم اجعلني أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتنّي بالإستعانة بغيرك إذا اضطررت. ولابالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت»(1)بحق محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

من هدي القرآن الحكيم

من صفات الحاكم الإسلامي

قال تعالى: {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَئًْا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعَا بَصِيرًا}(3).

وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَٰنِ وَإِيتَايِٕ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(4).

وقال جلّ وعلا: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَٰبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ


1) الصحيفة السجادية: من دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

2) سورة المائدة، الآية: 42.

3) سورة النساء، الآية: 58.

4) سورة النحل، الآية: 90

وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(1).

الثبات على المبدأ

قال تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَٰفِرِينَ}(2).

وقال سبحانه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}(4).

وقال جلّ وعلا: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(5).

لا للخوف، فإنه أحد أسباب تسلط الطغاة

قال تعالى: {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(6).

وقال سبحانه: {... فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بَِٔايَٰتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَٰفِرُونَ}(7).


1) سورة الحديد، الآية: 25.

2) سورة آل عمران، الآية: 147.

3) سورة إبراهيم، الآية: 27.

4) سورة النحل، الآية: 102.

5) سورة الأنفال، الآية: 45.

6) سورة آل عمران، الآية: 175.

7) سورة المائدة، الآية: 44.

وقال عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٖ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَايَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٖ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}(1).

وقال سبحانه: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}(2).

الإخلاص في العمل

قال عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا * إِنَّ الْمُنَٰفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}(3).

وقال عزّ من قائل: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٖ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(4).

وقال تبارك وتعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَٰذِبٌ كَفَّارٌ}(5).

وقال سبحانه: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ قُلْ إِنَّ الْخَٰسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(6).


1) سورة المائدة، الآية: 54.

2) سورة طه، الآية: 46.

3) سورة النساء، الآية: 144-146.

4) سورة الأعراف، الآية: 29.

5) سورة الزمر، الآية: 3.

6) سورة الزمر، الآية: 14-15.

من هدي السنّة المطهّرة

من صفات الحاكم الإسلامي

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من ولي عشرة فلم يعدل فيهم جاء يوم القيامة ويداهورجلاه ورأسه في ثقب فأس»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أول من يدخل النار أمير متسلط لم يعدل...»(2).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من تولى أمراً من أُمور الناس فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس كان حقاً على اللّه عزّ وجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة»(3).

الثبات والاستمرارية في العمل

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال أبونا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قلَّ أرضى للّه وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء»(4).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته للإمام الحسين(عليه السلام): «يا بني، أوصيك بتقوى اللّه في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على الصديق والعدو، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضا عن اللّه في الشدة والرخاء»(5).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «أحب الأعمال إلى اللّه عزّ وجلّ ما داوم عليه العبد


1) ثواب الأعمال: 260.

2) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 28.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 245.

4) الكافي 8: 8.

5) تحف العقول: 88.

وإن قل»(1).

التحذير من مؤازرة الحكّام الظالمين

قال الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) - في حديث المناهي - : «أنه نهى عن المدح وقال: احثوا في وجوه المداحين التراب» قال: وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من تولى خصومة ظالم أو أعان عليها، ثم نزل به ملك الموت قال له: أبشر بلعنة اللّه ونار جهنم وبئس المصير»، قال: وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من مدح سلطاناً جائراً وتحفف وتضعضع له طمعاً فيه كان قرينه في النار».

قال: «وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): قال اللّه عزّ وجلّ: {وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(2)وقال(عليه السلام): من ولي جائراً على جور كان قرين هامان في جهنم»(3).

وقال(عليه السلام): «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم»(4).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوانهم، من لاط لهم دواة، أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مرة قلم فاحشروهم معهم»(5).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام): «من أحب عاصياً فهو عاص، ومن أحب مطيعاً فهو مطيع، ومن أعان ظالماً فهو ظالم، ومن خذل عادلاً فهو ظالم»(6).

الإخلاص في العمل

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أخلص قلبك يكفك القليل من العمل»(7).


1) الكافي 2: 82.

2) سورة هود، الآية: 113.

3) وسائل الشيعة 17: 183.

4) الكافي 2: 333.

5) ثواب الأعمال: 260.

6) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 235.

7) بحار الأنوار 70: 175.

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يستدل على اليقين بقصر الأمل وإخلاص العمل والزهد في الدنيا»(1).

وقال(عليه السلام): «فضيلة العمل الإخلاص فيه»(2).

وقال(عليه السلام): «للمتقي ثلاث علامات: إخلاص العمل، وقصر الأمل، واغتنام المهل»(3)

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}(4)؟ قال: «ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنما الإصابة خشية اللّه والنية الصادقة والحسنة» ثم قال: «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّه عزّ وجلّ، والنية أفضل من العمل ألّا وإن النية هي العمل - ثم تلا قوله عزّ وجلّ - {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ}(5)يعني على نيته»(6).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما أخلص عبد للّه عزّ وجلّ أربعين صباحاً إلّا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(7).


1) مستدرك الوسائل 11: 201.

2) عيون الحكم والمواعظ: 358.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 548.

4) سورة الملك، الآية: 2.

5) سورة الإسراء، الآية: 84.

6) الكافي 2: 16.

7) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 69.

من مكارم الأخلاق

حسن الخلق

اشارة

قال اللّه العظيم في كتابه الكريم: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(2).

وقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «جاء أعرابي أحد بني عامر فسأل عن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلم يجده، فقالوا: هو يفرج(3)، فطلبه فلم يجده.

قالوا: هو بمنى، قال: فطلبه فلم يجده.

فقالوا: هو بعرفة، فطلبه فلم يجده.

قالوا: هو بالمشعر، قال: فوجده في الموقف.

قال: حلوا(4)لي النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

فقال الناس: يا أعرابي، ما أنكرك (ما أنكرت) إذا وجدت النبي وسط القوم وجدته مفخماً.

قال: بل حلوه لي حتى لا أسأل عنه أحداً.


1) سورة آل عمران، الآية: 159.

2) مكارم الأخلاق: 8.

3) كذا في الأصل وفي البحار 16: 184: «بقزح» وهو الظاهر، وقُزَح اسم موضع بالمزدلفة.

4) حلّوا: أي اذكروا أوصافه.

قالوا: فإن نبي اللّه أطول من الربعة(1)، وأقصر من الطويل الفاحش، كأن لونه فضة وذهب، أرجل الناس جمة، وأوسع الناس جبهة، بين عينيه غرة، أقنى الأنف، واسع الجبين، كث اللحية، مفلج الأسنان، على شفته السفلى خال، كأن رقبته إبريق فضة، بعيد ما بين مشاشة(2)المنكبين، كأن بطنه وصدره سواء، سبط البنان، عظيم البراثن(3)، إذا مشى مشى متكفياً(4)، وإذا التفت التفت بأجمعه، كأن يده من لينها متن أرنب، إذا قام مع إنسان لم ينفتل حتى ينفتل صاحبه، وإذا جلس لم يحلل حبوته حتى يقوم جليسه.

فجاء الأعرابي فلما نظر إلى النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عرفه، قام بمحجنه على رأس ناقة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عند ذنب ناقته، فأقبل الناس تقول: ما أجرأك يا أعرابي؟!

قال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): دعوه فإنه أديب [إرب](5)، ثم قال: ما حاجتك؟

قال: جاءتنا رسلك أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتحجوا البيت وتغتسلوا من الجنابة، وبعثني قومي إليك رائداً، أبغي أن أستحلفك وأخشى أن تغضب.

قال: لا أغضب، إني أنا الذي سماني اللّه في التوراة والإنجيل: محمد رسول اللّه، المجتبى المصطفى ليس بفاحش ولا سخاب في الأسواق، ولا يتبع السيئة السيئة، ولكن يتبع السيئة الحسنة، فسلني عمّا شئت، وأنا الذي سماني اللّه في القرآن: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(6)فسل عمّا شئت.

قال: إن اللّه الذي رفع السماوات بغير عمد هو أرسلك؟


1) الربعة: الوسيط القامة.

2) المشاشة: رأس عظم اللين.

3) السبْط: الممتد الذي ليس فيه تعقد، والبراثن - جمع برثن كقنفذ - : الكف مع الأصابع.

4) متكفياً: تمايلاً إلى القدام.

5) الإرب الحاجة المهمة، يقال: ما إربك إلى هذا الأمر، أي: ما حاجتك إليه.

6) سورة آل عمران، الآية: 159.

قال: نعم هو أرسلني.

قال: باللّه الذي قامت السماوات بأمره، هو الذي أنزل عليك الكتاب وأرسلك بالصلاة المفروضة والزكاة المعقولة؟

قال: نعم.

قال: وهو أمرك بالاغتسال من الجنابة وبالحدود كلها؟

قال: نعم.

قال: فإنا آمنا باللّه ورسله وكتابه واليوم الآخر والبعث والميزان والموقف والحلال والحرام، صغيره وكبيره.

قال: فاستغفر له النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ودعا له»(1).

من أخلاق الأنبياء(عليهم السلام)

إنَّ من أهم صفات الأنبياء(عليهم السلام) المميزة هي معاشرة الناس ومعايشتهم بالحسنى وحسن الظن والأخلاق الرفيعة في سبيل هداية الناس. فقد قال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إياكم والظن فإنه أكذب الحديث»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن في المؤمن ثلاث خصال ليس منها خصلة إلّا وله منها مخرج: الظن والطيرة والحسد، فمن سلم من الظن سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان»(3).

إنّ حسن الظن والمقابلة بالإحسان والخلق العالي من أهم الأمور التي توجب التفاف الناس حول صاحبها، فتعطيه جاذبية خاصة لكل القلوب والأرواح حتى للقلوب المعادية والأرواح الشريرة.


1) تفسير العياشي 1: 203.

2) مستدرك الوسائل 9: 147.

3) مستدرك الوسائل 9: 147.

فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «شر الناس الظانون، وشر الظانين المتجسسون، وشر المتجسسين القوالون، وشر القوالين الهتاكون»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «حسن الظن أصله من حسن إيمان المرء وسلامة صدره، وعلامته أن يرى كلما نظر إليه بعين الطهارة والفضل، من حيث ركب فيه وقذف في قلبه من الحياء والأمانة والصيانة والصدق. قال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أحسنوا ظنونكم بإخوانكم تغتنموا بها صفاء القلب وإثاء الطبع»(2).

وعن السنبسي عن الإمام الحسن بن علي العسكري(عليهما السلام): «أحسن ظنك ولو بحجر يطرح اللّه سره فيه فتناول نصيبك منه».

فقلت: يابن رسول اللّه ولو بحجر؟!

فقال(عليه السلام): «ألا تنظرون إلى الحجر الأسود»(3).

إنَّ الأنبياء(عليهم السلام) لم يسيئوا الظن بأي أحد، بل كانوا يعاملون الجميع بالإحسان والنية الحسنة، بينما بعض الناس لا يحسنون الظن بالآخرين، بل يحملون الجميع على محمل السوء ويشككون في دوافعهم وأغراضهم وأعمالهم، وإنّما يبرؤون أنفسهم فقط ولايثقون بأحد إلّا بأنفسهم، ولا ينظرون إلى محاسن الناس وإيجابياتهم، وأحياناً لا يبصرون إلّا السلبيات؛ ولهذا السبب نجد أن الناس ينفضون عنهم ولا يحترمونهم، ولا ينضوون تحت لوائهم؛ لأن الإنسان الذي ينظر إلى الجميع بعدسة سوداء واحدة ويغتاب الناس، ويتهمهم دائماً دون أي مبرر يعامله الناس بنفس معاملته لهم، فقد قيل:


1) مستدرك الوسائل 9: 147.

2) مصباح الشريعة: 173.

3) عوالي اللئالي 1: 25.

ومن هاب الرجال تهيبوه *** ومن يهن الرجال فلن يهابا(1)

والروايات تحذرنا من هذه الصفات السلبية في تقويم الآخرين ومعاشرتهم، فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس»(2).

وورد عنه(عليه السلام): «ضع أَمر أَخيك على أَحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً»(3).

لذا فإن من اللازم على المصلحين والأخيار في المجتمع الاشتغال بتهذيب نفوسهم والستر على عيوب الناس إلّا في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقد قال أبو عبد اللّه الصادق: «... ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر اللّه عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة».

وقال(عليه السلام): «واللّه في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أَخيه، فانتفعوا بالعظة وارغبوا في الخير»(4).

وهؤلاء هم الذين يكسبون المحبوبية بين المجتمع ويرتقون إلى المكانة اللائقة بهم بين الناس.

التنزه عن سوء الظن

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس إلى ما يعمى عنه من نفسه، أو يعير الناس بما لا يستطيع تركه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه»(5).


1) ديوان أمير المؤمنين(عليه السلام): 69.

2) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 176، ومن خطبة له(عليه السلام) وفيها يعظ ويبيّن فضل القرآن وينهى عن البدعة.

3) الكافي 2: 362.

4) الكافي 2: 200.

5) الكافي 2: 460.

وقريب من هذا المعنى، قول رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم):

«لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»(1).

إذن، فليكن فكر الإنسان ونظرته إلى الأمور وأعماله أيضاً وعلى جميع المستويات منزهة من سوء الظن وسيئاته.

وإذا وفق الإنسان لهذا فسيرضى اللّه عنه ويجعله موضع تقدير واحترام الناس كما قال عزّ وجلّ: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}(2).

فإن اللّه سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة يثير في النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عاطفته الكامنة نحو المؤمنين حتى يعفو عن عملهم في معركة أحد؛ حيث تخلوا عن مواقعهم التي عينهم الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فيها حتى سيطر المشركون على المعركة وفعلوا تلك الأفاعيل بالنبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه من جرح وقتل وتمثيل، فيقول اللّه عزّ وجلّ: يا أيها النبي إن لينك ومداراتك الناس هي رحمة من رب العالمين وهبها لك لكي يلتف الناس حولك ويهتدوا بهديك {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ}(3)أي كنت جاف اللسان، قاسي القلب لتناثر الناس من حولك وابتعدوا عنك، وغلظة القلب هو الذي لا يلين ولا يحنو، وإنما جمعت الفظاظة مع الغلظة مع أنهما متقاربتان؛ لأن الفظاظة تكون في الكلام والغلظة في القلب والآية الكريمة نفت الجفاء عن لسان النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والقسوة عن قلبه(4).


1) مكارم الأخلاق: 17.

2) سورة آل عمران، الآية: 159.

3) سورة آل عمران، الآية: 159.

4) انظر تفسير تقريب القرآن 1: 410.

لا تكن متكبراً

اشارة

كما يلزم على الإنسان أن لا يكون متكبراً ومتفاخراً على الآخرين؛ لأن ذلك من أسوأ الأخلاق التي تحطم الإنسان في الدنيا والآخرة، إذ أن التكبر على الناس يصغر الإنسان في أنظار الآخرين ويبتعد بذلك عن رحمة اللّه عزّ وجلّ، فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أمقت الناس المتكبر»(1).

قال الإمام الكاظم(عليه السلام): «طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة - وقال(عليه السلام) - إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار؛ لأن اللّه تعالى جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجه، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه، فكذلك من لم يتواضع للّه خفضه اللّه، ومن تواضع للّه رفعه - إلى أن قال(عليه السلام) - واعلم أن اللّه لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم، ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده»(2).

ويعد التكبر من الرذائل الأخلاقية ذي الأضرار النفسية والاجتماعية الخطيرة؛ وقد وردت الآيات والروايات متشددة في ذمه، فقد قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إياك والكبر؛ فإنه أعظم الذنوب وألأم العيوب، وهو حلية إبليس»(3).

وقال(عليه السلام): «عجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة»(4).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «فاللّه اللّه عباد اللّه، أن تتردوا رداء الكبر؛ فإن الكبر مصيدة


1) من لا يحضره الفقيه 4: 395.

2) مستدرك الوسائل 11: 299.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 166.

4) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 126.

إبليس العظمى التي يساور بها القلوب مساورة السموم القاتلة»(1).

وقال شخص لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أنا فلان بن فلان إلى أن عدّ تسعة، فقال له رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أما إنك عاشرهم في النار»(2).

لأنه كان يتفاخر ويتكبر على الناس بحسبه ونسبه.

ومن هذا يبدو أن التفاخر والتكبر على الآخرين من الخصال المهلكة للإنسان التي رفضها الإسلام بشدة، فقال تبارك وتعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٖ فَخُورٖ}(3).

وقال عزّ وجلّ في آية أخرى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}(4).

أي: لا تمش في الناس مشي الاشر والبطر والخيلاء والتكبر... فإنت لن تخرق الأرض، وهذا مثل ضربه اللّه تعالى، قال: إنك أيها الإنسان لن تشق الأرض من تحت قدمك بكبرك، ولن تبلغ الجبال بتطاولك،... فعلام التكبر والتعالي على الناس؟

وإنما قال ذلك لأن من الناس من يمشي في الأرض بطراً يدق قدميه عليها؛ ليري بذلك قدرته وقوته، ويرفع رأسه وعنقه، فبيّن سبحانه أنّه ضعيف مهين لا يقدر أن يخرق الأرض بدق قدميه عليها حتى ينتهي إلى آخرها، وأن طوله لا يبلغ طول الجبال وإن كان طويلاً، يريد اللّه سبحانه أن يعلم عباده التواضع والمروءة والوقار في كل سلوكهم وأعمالهم لا في المشي فقط؛ وإنما ضرب مثلاً في


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 486.

2) الكافي 2: 329.

3) سورة لقمان، الآية: 18.

4) سورة الاسراء، الآية: 37.

المشي لأنه من المصاديق البارزة التي يستدل بها على الإنسان المتكبر والمتواضع(1).

وإذا ظهر الكبر في أي عمل من أعمال الإنسان يكون مهلكاً، ومن هنا جاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في الغرر: «إياك والتجبر على عباد اللّه فإن كل متجبر يقصمه اللّه»(2).

وقال(عليه السلام): «الكبر خليقة مردية من تكثر بها قل»(3).

وعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «ما دخل قلب أحد شيء من الكبر إلّا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قل ذلك أو كثر»(4).

التواضع كرامة

من هنا يلزم أن يكون الإنسان ذا أخلاق رفيعة وسلوك لين وقلب عطوف وجوارح متواضعة، وقد ورد في بعض الأدعية الواردة عن الأئمة(عليهم السلام): «اللّهم ارزقني فيه رحمة الأيتام واطعام الطعام وافشاء السلام»(5).

لأنها جميعاً من صفات المتواضعين العطوفين الذين يحبون الخير للجميع.

إن من صفات المتواضعين السبق بالسلام، فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «للسلام سبعون حسنة، تسعة وستون للمبتدئ وواحدة للرادّ»(6).

وهذه من صفات النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فإنه كان يسبق الآخرين بالسلام، وكان


1) انظر تقريب القرآن 3: 309.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 170.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 109.

4) كشف الغمة 2: 132.

5) اقبال الأعمال 1: 134.

6) بحار الأنوار 75: 120.

يسلم حتى على الأطفال، مما يدل على شدة تواضعه، فقد قال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً(1)، وحلبي العنز بيدي، ولبُسُ الصوف، والتسليم على الصبيان؛ لتكون سنة من بعدي»(2).

وروي عن أنس بن مالك قال: إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مرّ على صبيان فسلم عليهم وهو مغذّ(3)(4).

وروي: أنه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يأكل كل الأصناف من الطعام، وكان يأكل ما أحلّ اللّه له مع أهله وخدمه إذا أكلوا، ومع من يدعوه من المسلمين على الأرض، وعلى ما أكلوا عليه وما أكلوا، إلّا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه(5).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً وأشدكم تواضعاً، وإن أبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون وهم المستكبرون»(6).

المصافحة عند أهل البيت(عليهم السلام)

وقال الإمام الصادق(عليه السلام) في أخلاقيات الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما صافح رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) رجلاً قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده منه»(7).

وروي في ثواب المصافحة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إن المؤمنين إذا التقيا


1) الحضيض: قرار الأرض وأسفل الجبل، والإكاف والوكاف: البرذعة، وهي كساء تلقى على ظهر الدابة.

2) الأمالي للشيخ الصدوق: 72.

3) مغذّ: أي مسرع في السير.

4) مكارم الأخلاق: 16.

5) وسائل الشيعة 24: 264.

6) قرب الإسناد: 46.

7) الكافي 2: 182.

وتصافحا أدخل اللّه يده بين أيديهما فصافح أشهدهما حباً لصاحبه»(1).

وهذا كناية عن كثرة ثواب اللّه ورحمته.

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه وليصافحه؛ فإن اللّه عزّ وجلّ أكرم بذلك الملائكة، فاصنعوا صنع الملائكة»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إذا التقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح وإذا تفارقتم فتفرقوا بالاستغفار»(3).

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لقي النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حذيفة فمد النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يده، فكف حذيفة يده! فقال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): يا حذيفة، بسطت يدي إليك فكففت يدك عني؟!

فقال حذيفة: يا رسول اللّه، بيدك الرغبة، ولكني كنت جنباً فلم أحب أن تمس يدي يدك وأنا جنب.

فقال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أما تعلم أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر»(4).

وقال أبو عبيدة: كنت زميل أبي جعفر(عليه السلام) وكنت أبدأ بالركوب ثم يركب هو، فإذا استوينا سلم وساءل مساءلة رجل لا عهد له بصاحبه وصافح.

قال: وكان إذا نزل نزل قبلي، فإذا استويت أنا وهو على الأرض سلم وساءل مساءلة من لا عهد له بصاحبه.

فقلت: يا ابن رسول اللّه، إنك لتفعل شيئاً ما يفعله أحد من قبلنا، وإن فعل مرة فكثير؟!


1) الكافي 2: 179.

2) الكافي 2: 181.

3) الكافي 2: 181.

4) الكافي 2: 183.

فقال(عليه السلام): «أما علمت ما في المصافحة، إن المؤمنين يلتقيان فيصافح أحدهما صاحبه فلا تزال الذنوب تتحات عنهما كما يتحات الورق عن الشجر، واللّه ينظر إليها حتى يفترقا»(1).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) أيضاً قال: «إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أدخل اللّه عزّ وجلّ يده بين أيديهما، وأقبل بوجهه على أشدهما حباً لصاحبه، فإذا أقبل اللّه عزّ وجلّ بوجهه عليهما تحاتت عنهما الذنوب كما يتحات الورق من الشجر»(2).

وعن أبي عبيدة الحذاء قال: زاملت أبا جعفر(عليه السلام) في شق محمل من المدينة إلى مكة فنزل في بعض الطريق، - إلى أن قال - عاد وقال(عليه السلام): «هات يدك يا أبا عبيدة».

فناولته يدي، فغمزها حتى وجدت الأذى في أصابعي، ثم قال: «يا أبا عبيدة، ما من مسلم لقي أخاه المسلم فصافحه وشبك أصابعه في أصابعه إلّا تناثرت عنهما ذنوبهما كما يتناثر الورق من الشجر في اليوم الشاتي»(3).

وفي رواية أخرى عن أبي حمزة قال: زاملت أبا جعفر(عليه السلام) فحططنا الرحل ثم مشى قليلاً، ثم جاء فأخذ بيدي فغمزها غمزةً شديدةً، فقلت: جعلت فداك، أو ما كنت معك في المحمل؟!

فقال: «أما علمت أن المؤمن إذا جال جولةً، ثم أخذ بيد أخيه نظر اللّه إليهما بوجهه، فلم يزل مقبلاً عليهما بوجهه، ويقول للذنوب: تحات عنهما، فتتحات يا أبا حمزة كما يتحات الورق عن الشجر، فيفترقان وما عليهما من ذنب»(4).


1) الكافي 2: 179.

2) الكافي 2: 179.

3) الكافي 2: 180.

4) الكافي 2: 180.

وسئل أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام) عن حد المصافحة؟فقال: «دَوْر نخلة»(1).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «ينبغي للمؤمنين إذا توارى أحدهما عن صاحبه بشجرة ثم التقيا أن يتصافحا»(2).

وكان المسلمون يحافظون على هذه الآداب والأخلاق حتى في حالة الحرب، فعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كان المسلمون إذا غزوا مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومروا بمكان كثير الشجر ثم خرجوا إلى الفضاء نظر بعضهم إلى بعض فتصافحوا»(3).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «تصافحوا فإنها تذهب بالسخيمة»(4).

بل كانوا ينهون عن كل ما يعارض الأخلاق الكريمة، فقد روي عن إسحاق بن عمار قال: دخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام) فنظر إلي بوجه قاطب، فقلت: ما الذي غيرك لي؟

قال: «الذي غيرك لإخوانك، بلغني يا إسحاق أنك أقعدت ببابك بواباً يرد عنك فقراء الشيعة».

فقلت: جعلت فداك، إني خفت الشهرة.

فقال: «أفلا خفت البلية، أو ما علمت أن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل اللّه عزّ وجلّ الرحمة عليهما، فكانت تسعة وتسعون لأشدهما حباً لصاحبه، فإذا تواقفا غمرتهما الرحمة، وإذا قعدا يتحدثان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا فلعل لهما سراً، وقد ستر اللّه عليهما».


1) وسائل الشيعة 12: 223.

2) الكافي 2: 181.

3) وسائل الشيعة 12: 225.

4) الكافي 2: 183.

فقلت: أليس اللّه عزّ وجلّ يقول: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(1).

فقال: «يا إسحاق، إن كانت الحفظة لا تسمع فإن عالم السر يسمع ويرى»(2).

هذا مضافاً إلى أن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يقدم كلتا يديه للمصافحة، بينما نجد أن المتكبرين يتثاقلون حتى من مد يد واحدة للمصافحة.

نعم، إن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) كانوا رحمة متجسدة للعالمين في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم (صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين). تطبيقاً لما قاله(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(3).

فهذه السيرة العظيمة التي أدت إلى أن يؤمن به وسيؤمن به ويلتزم بدينه ويلتف حوله الملايين بل المليارات من البشر مع مرور حوالي أكثر من (15) قرناً على بعثته المباركة، بل ويجعله موضع إعجاب واحترام وتقدير حتى من غير المسلمين.

أخلاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)

سأل رجل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يصف له أخلاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

فقال له الإمام(عليه السلام): «إن أحصيت لي نعم الدنيا سأعدد لك الأخلاق الحسنة لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)!».

فقال الرجل: كيف يمكن احصاء نعم اللّه في الدنيا وقد قال سبحانه وتعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}(4)؟


1) سورة ق، الآية: 18.

2) الكافي 2: 181.

3) مكارم الأخلاق: 8.

4) سورة إبراهيم، الآية: 34.

فقال له الإمام(عليه السلام): «أنت لا تستطيع احصاء نعم اللّه في الدنيا مع أنها قليلة عند اللّه، وقد قال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَتَٰعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}(1)فكيف تريد أن أحصي لك أخلاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الحسنة وقد قال عزّ وجلّ : {إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(2)؟!

وقد ورد في تفسير: {إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} أن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كلما آذاه الكفار من قومه قال: «اللّهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون»(3).

نعم، إنَّ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان مثالاً للأخلاق الحسنة وقد اجتمعت عنده كل خصال الخير والرحمة الإنسانية.

تواضع سيد الشهداء(عليه السلام)

وكما كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قمة وقدوة في كل الفضائل والكمالات كذلك كان أهل البيت(عليهم السلام) الأفضل في كل الكمالات والفضائل فقد كانوا جميعاً أفضل قدوة وأسوة في التواضع والخلق العظيم.

فقد روي عن مسعدة قال: مر الحسين بن علي(عليهما السلام) بمساكين قد بسطوا كساءاً لهم، فألقوا عليه كسراً، فقالوا: هلم يا ابن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فثنى وركه فأكل معهم ثم تلا: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}(4)ثم قال: «قد أجبتكم فأجيبوني».

قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه، فقاموا معه(عليه السلام) حتى أتوا منزله.

فقال للجارية: «أخرجي ما كنت تدخرين»(5).


1) سورة النساء، الآية: 77.

2) سورة القلم، الآية: 4.

3) نهج الحق: 308.

4) سورة النحل، الآية: 23.

5) بحار الأنوار 44: 189.

تواضع سلمان الفارسي

لما جُعل سلمان الفارسي والياً على المدائن، ركب حماره وعزم على السفر إليها لوحده. ولما وصل الخبر لأهل المدائن، هرعوا لاستقباله خارج المدينة، وبعد أن طوى المسافة وهو شيخ كبير وكان يمتطي حماراً له، أصبح وجهاً لوجه مع مستقبليه من أهل المدائن.

فسألوه: أيها الشيخ! أين وجدت أميرنا؟

قال: من هو أميركم؟

قالوا: سلمان الفارسي من أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

قال: أنا سلمان ولست بأمير.

فارتجل الناس إكراما وإجلالاً له، وقدموا له من الخيول الأصيلة لركوبه.

فقال: ركوب هذا الحمار افضل عندي ومناسب لشأني.

ولما وصل المدينة أرادوا أن يأخذوه إلى دار الإمارة.

فقال لهم: أنا لست بأمير حتى اذهب لدار الإمارة، فاستأجر دكانا في السوق، يدير أمور الدين والدنيا منه، وكان ما يملكه من الأثاث: وسادة، وإناء ماء، وعصا(1).

التواضع الاجتماعي

اشارة

ينبغي لجميع أفراد المجتمع أن يتصفوا بالتواضع أخذاً من الكاسب والفلاح والمهندس والدكتور والساسة والعلماء وجميع طبقات المجتمع. فإذا ارتسمت هذه الصفة بين أصناف المجتمع سيسمى ذلك المجتمع بالمجتمع الصالح.

وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إن في السماء


1) انظر كتاب: نفس الرحمن في فضائل سلمان: 551.

ملكين موكلين بالعباد، فمن تواضع للّه رفعاه، ومن تكبر وضعاه»(1).

والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «التواضع يرفع، التكبر يضع»(2).

وقال(عليه السلام): «أعظم الناس رفعة من وضع نفسه»(3).

التواضع في التعليم

من الآداب والأخلاق التي يؤكد عليها الدين الإسلامي الحنيف تواضع التلميذ المتعلم لأستاذه والأستاذ بالنسبة إلى تلميذه، فعن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: «اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم»(4).

وسبب ذلك واضح؛ إذ أن التلميذ يقتدي بأستاذه ويتلقى صفاته عادة، فإذا كان الأستاذ متواضعاً وحسن الخلق فإن التلميذ يحذو حذوه في تواضعه وستنعكس فيه خصاله وطبائعه.

روي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أيضاً قال: «قال عيسى بن مريم(عليه السلام): يا معشر الحواريين لي إليكم حاجة، اقضوها لي.

فقالوا: قضيت حاجتك يا روح اللّه. فقام فغسل أقدامهم.

فقالوا: كنا أحق بهذا يا روح اللّه؟

فقال: إن أحق الناس بالخدمة العالم؛ إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم، ثم قال عيسى(عليه السلام): بالتواضع تعمر الحكمة لا


1) الكافي 2: 122.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 17.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 204.

4) الكافي 1: 36.

بالتكبر، وكذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل»(1).

نماذج من المتواضعين

تواضع الإمام الرضا(عليه السلام)

روي عن البزنطي - في حديث - فقال: ثم قلت له: يا ابن رسول اللّه، أشتهي أن تدعوني إلى دارك في أوقات تعلم أنه لا مفسدة لنا من الدخول عليكم من أيدي الأعداء.

قال: ثم بعث(عليه السلام) إلي مركوباً في آخر يوم، فخرجت إليه وصليت معه العشاءين، وقعد يملي علي من العلوم ابتداءً، وأسأله فيجيبني، إلى أن مضى كثير من الليل، ثم قال للغلام: «هات الثياب التي أنام فيها لينام أحمد البزنطي فيها».

قال: فخطر ببالي أن ليس في الدنيا من هو أحسن حالاً مني، بعث الإمام(عليه السلام) مركوبه إلي، وقعد إليّ، ثم أمر لي بهذا الإكرام، وكان(عليه السلام) قد اتكأ على يديه لينهض فجلس وقال: «يا أحمد، لاتفخر على أصحابك بذلك، فإن صعصعة بن صوحان مرض فعاده أمير المؤمنين(عليه السلام) وأكرمه ووضع يده على جبهته، وجعل يلاطفه، فلما أراد النهوض قال: يا صعصعة، لا تفخر على إخوانك بما فعلت؛ فإني إنما فعلت جميع ذلك لأنّه كان تكليفاً لي»(2).

أي لا تقل لهم: إنّ الإمام(عليه السلام) هو بنفسه هيأ لي وسائل المنام؛ فإني قمت بهذا العمل لأخدم أخاً في الدين، وفي الوقت نفسه يحذره (صلوات اللّه وسلامه عليه) من التكبر والتفاخر على إخوانه.


1) الكافي 1: 37.

2) الخرائج والجرائح 2: 162.

الطبيب المتواضع

كان في النجف الأشرف طبيبان: أحدهما اسمه الميرزا محمد حسن شفائي، والآخر الحاج ميرزا علي، وكانا متدينين ومتواضعين جداً، وقنوعين أيضاً، لحد أنه لو كان المريض المراجع لهما لا يملك المال كانا لا يطالبانه به، ولو كان مريضهما مبتلى بمرض شديد كانا يصليان ركعتين للّه سبحانه، ويسألان اللّه سبحانه وتعالى أن يشفيه من مرضه، ثم يشرعان في التطبيب.

وإذا لم يشخّصا المرض كانا يخبران المريض بذلك؛ ولهذا كانا محبوبين جداً عند عامة الناس.

تواضع السيد عبد الحسين شرف الدين(رحمه اللّه)

نقل عن أحد أصدقائنا، أنه زار المرحوم المقدس السيد عبد الحسين شرف الدين(رحمه اللّه) صاحب كتاب (المراجعات) في لبنان، وقد لمس منه(رحمه اللّه) خلقاً رفيعاً وتواضعاً عجيباً، وقد كان السيد آنذاك طاعناً في السن ويشكو من آلام جسدية، ومع ذلك كان يقوم بخدمة الضيوف بنفسه، فقال - صديقنا - : إنه بات في إحدى الليالي في بيت المرحوم، وعند الصباح حينما قرب موعد صلاة الفجر أيقظنا السيد لإقامة صلاة الصبح، ولما جلسنا رأينا السجادة مفروشة على الأرض، وإناء الماء مهيأ للوضوء منه.

فقلت في نفسي: لعل خادم السيد هيأ لنا الماء وفرش السجادة، ولكني بعد ذلك عرفت أن السيد هو الذي قام بهذا العمل، وذلك على الرغم من مرضه وكبر سنّه.

وهذه الصفة الحسنة - التواضع - التي تجدها متجسدة أكثر الأحيان في العلماء والعظماء وإنهم قد اكتسبوها عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حيث كان خلقهم التواضع دائماً.

الناس يطلبون الإسلام

إذا تمكن المسلمون من نشر الإسلام الواقعي في جميع أنحاء العالم ذلك الإسلام الذي أتى به الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونشر تعاليمه للناس وظهرت حقائقه وبينها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، لأسلم أغلب الناس؛ لأن مفاهيم الإسلام من أعظم المفاهيم الانسانية التي تنسجم مع الفطرة البشرية وتلائم الميول الإنسانية، ولكن وللأسف نشر بعض المسلمين صورة سيئة للإسلام، تظهره دين شدة وعنف، وقتال واعتداء، وتزوير وكذب، وهذا ما سبب عند بعض الناس تقبلاً ضعيفاً للإسلام، بل محاولة المواجهة والمحاربة، ولكن مع كل ذلك فإن حقيقة القرآن والإسلام والرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام) هو الذي حفظ الإسلام وسبب انتشاره يوماً بعد يوم على رغم محاولات الأعداء.

نقل عن أحد الخطباء المرموقين أنه صعد المنبر الحسيني في أمريكا وقد حضر مجلسه آلاف المستمعين، وكانوا جميعهم مشدودين إلى ما يبيّنه من قضايا عن الإسلام، وقد اعجبوا بما ينقله لهم خلال الخطاب، حتى إنهم طلبوا منه أن يبث خطاباته عبر الإذاعة والتلفزيون في أميركا؛ لتحصل الفائدة لأكبر عدد ممكن من الناس، لما للإذاعة والتلفزيون من ميزة في النشر والتبليغ. نعم طلبوا ذلك لما وجدوا في هذه المحاضرات والمجالس من مفاهيم رفيعة وسامية يميل إليها كل إنسان سوي طيب الفطرة، فضلاً عن المسلم.

نعم، إن العالم متعطش لمعارف الإسلام وأحكامه ومناهجه، ولكن مع الأسف نحن لم نهتم كثيراً لإيصال صورته الناصعة الحقيقية التي نشرها الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتابعه عليها الأئمة من أهل بيته(عليهم السلام) إلى العالم وتنويرهم بمعارفه من أجل أن نعرِّف الإسلام الحقيقي للناس.

على أننا قبل هذا وذاك يجب علينا أن نتحلى بالاخلاص في أهدافنا وأعمالنا

أولاً، كي يطمئن الناس إلينا ولكي يوفقنا اللّه عزّ وجلّ ويسدد خطانا، فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «جماع الدين في اخلاص العمل، وتقصير الأمل، وبذل الإحسان، والكف عن القبيح»(1).

فلو لم يكن الإخلاص لم يثمر العمل، لأن الإنسان المخلص هو الذي يستهوي الآخرين ويتمكن من التأثير فيهم وهو الذي ينصره الباري تعالى، فإنه وكما قال(عليه السلام): «عند تحقق الاخلاص تستنير البصائر»(2).

إخلاص الإمام الحسين(عليه السلام)

من الذين ثاروا في وجه الطاغية يزيد نفران، أحدهما عبد اللّه بن الزبير، والآخر الإمام الحسين(عليه السلام)، وكلاهما قتلا على يد جلاوزة بني أمية، ولكنا نجد فرقاً شاسعاً بين قيام عبد اللّه بن الزبير، وبين نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) حيث إن ثورة ابن الزبير كانت من أجل الرئاسة والحكم ولم تتسم بالاخلاص إلى اللّه والإسلام والمسلمين لذا نجد أنّها لم تخلد وقد ضاعت بين طيات التأريخ.

ولكن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) لاتصافها بالاخلاص بقيت متأججة وستبقى هكذا طوال السنين، تتناقلها القلوب والألسن ويجدد ذكراها الناس في كل عام بلا أن يملوا أو يفتروا عن ذلك أبداً؛ لأنها كانت للّه وفي سبيل اللّه، والشيء الذي يبذل في سبيل اللّه يحييه اللّه تبارك وتعالى وينميه، فإن ما كان للّه ينمو وما كان للدنيا يخبو..

قال الإمام الحسين(عليه السلام): «لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 339.

2) عيون الحكم والمواعظ: 338.

المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب(عليهم السلام) فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق، ومن رد عليَّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين»(1).

هذا وفي الآية الشريفة: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}(2)والمضارع تدل على الثبات والدوام، و{سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} أي سيحيطهم بالمودة والحب، ففي الدنيا يحبهم الناس، وفي الآخرة يحاطون بودّ اللّه سبحانه لهم، وودّ الملائكة إياهم، وودّ الشفعاء والأنبياء والأئمة لهم، وهل يستوحش من يحاط بمثل هذا الودّ؟

وما ورد في أن المراد من {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ} هو الإمام المرتضى(3)

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب: يا علي، قل: اللّهم اجعل لي عندك عهداً وفي صدور المؤمنين وداً، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}».

فهو من باب بيان المصداق البارز، وإلّا فالرسول، والأئمة والصديقة الطاهرة(عليهم السلام) والمؤمنون كلهم داخلون في هذا العموم(4).

إخلاص المسلمين الأوائل

إن من أهم العوامل التي سببت انتشار الإسلام بسرعة في صدر الرسالة هو ما


1) بحار الأنوار 44: 329.

2) سورة مريم، الآية: 96.

3) فقد جاء في تفسير فرات الكوفي: 250 و 253 عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): «يا أبا الحسن، قل: اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك وداً، واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة» فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} قال: لا تلقى رجلاً إلّا وفي قلبه حب لعلي بن أبي طالب».

4) تفسير تقريب القرآن 3: 464.

كان يتمتع به المسلمون الأوائل من إخلاص وحب لدينهم وعقيدتهم؛ لأنهم وبما كانوا يتمتعون به من اخلاص، وتوجه إلى اللّه والدين، كانوا يؤثرون في قلوب الناس مباشرة ويدخلون في نفوسهم الإيمان.

حيث ينقل أنهم في الوقت الذي كانوا يتعاملون في الأسواق ويبيعون ويشترون فما أن يؤذن المؤذن للصلاة تراهم يتركون التعامل ويتراكضون نحو المسجد ليحضروا صلاة الجماعة، حباً للّه ولرسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

وفي إحدى حروب المسلمين حينما انتصروا على أعدائهم عادوا بالأسرى والغنائم إلى ديارهم بواسطة السفن فاستفسر أحد الأسرى من أحد المسلمين قائلاً: ما هو الإسلام وماذا يقول؟

فأجابه المسلم: إنّ الإسلام يقول: إنَّ هناك خالقاً للكون هو اللّه سبحانه وتعالى، الذي {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}(1)وهو يعلم كل شيء ثم تلا عليه هذه الآية: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ}(2)وفسرها له، فسكت الأسير.

وفي الليل شاهدوا الأسير راقداً ولم ينم فدنا منه أحد المسلمين وسأله: لمَ لا تنام؟

فقال الأسير: كيف أنام واللّه يقظ ويراني وينظر إلى أعمالي.

واستمر هذا الأسير ثلاثة أيام على تلك الحالة ولم ينم لحظة واحدة حتى مات من شدة خوفه من اللّه عزّ وجلّ بعد أن تلقى درس الإيمان والاخلاص، وقد أصبح بعمله هذا من مصاديق الآية الشريفة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ


1) سورة البقرة، الآية: 255.

2) سورة الحشر، الآية: 23.

وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(1).

وأخيراً نؤكد على ضرورة التحلي بمكارم الأخلاق والتأسي برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين في ذلك، وإذا جعلنا أعمالنا متصفة بالاخلاص وأصبحنا نخاف اللّه عزّ وجلّ، وعرفنا أنه تعالى ينظر إلى جميع ما يصدر عنا من عمل وقول وحتى نية، آنذاك سنتمكن من أن نعرض الإسلام للعالم بصورته الحقيقية اللامعة، ونتمكن من إخراج الملايين من الناس إلى عالم النور والهدى.

«اللّهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال. اللّهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني. اللّهم صل على محمد وآله،... وأعزني ولا تبتليني بالكبر، وعبّدني لك ولا تفسد عبادتي بالعجب، وأجر للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمن، وهب لي معالي الأخلاق، واعصمني من الفخر. اللّهم صل على محمد وآله، ولا ترفعني في الناس درجة إلّا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلّا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها»(2).

من هدي القرآن الحكيم

حسن الخلق

قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(3).

وقال سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَٰهِلِينَ}(4).


1) سورة الأنفال، الآية: 2.

2) الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

3) سورة القلم، الآية: 4.

4) سورة الأعراف، الآية: 199.

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(1).

وقال جلّ وعلا: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}(2).

ثمرة مكارم الأخلاق

قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٖ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(3).

وقال سبحانه: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٖ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٖ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}(4).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٖ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}(5).

وقال عزّ وجلّ: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٖ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٖ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٖ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا}(6).

وقال جلّ وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَٰئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}(7).

صفات الأخيار

قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَٰقَ * وَالَّذِينَ


1) سورة الحجرات، الآية: 10.

2) سورة الحجر، الآية: 85.

3) سورة البقرة، الآية: 110.

4) سورة البقرة، الآية: 272.

5) سورة الأنفال، الآية: 60.

6) سورة آل عمران، الآية: 30.

7) سورة فصلت، الآية: 30.

يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِۦ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَصَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّٰتُ عَدْنٖ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَالْمَلَٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٖ * سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}(1).

وقال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ الْأُمُورِ}(2).

وقال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَٰمًا}(3).

وقال جلّ وعلا: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(4).

مساوئ الأخلاق

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِۦ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}(5).

من هدي السنّة المطهّرة

ماذا يعني حسن الخلق؟

قال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ألا أنبئكم بخياركم»؟


1) سورة الرعد، الآية: 20-24.

2) سورة الحج، الآية: 41.

3) سورة الفرقان، الآية: 63-64.

4) سورة الإنسان، الآية: 7-8.

5) سورة الرعد، الآية: 25.

قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال: «أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً، وأشدكم تواضعاً، وان أبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون وهم المستكبرون»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً»(3).

وسئل الإمام الصادق(عليه السلام): ما حد حسن الخلق؟ قال(عليه السلام): «تلين جانبك وتطيب كلامك وتلقى أخاك ببشر حسن»(4).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى اللّه وحسن الخلق»(5).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «ما يقدم المؤمن على اللّه عزّ وجلّ بعمل بعد الفرائض أحب إلى اللّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه»(6).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق»(7).

ثمرة الأخلاق الحسنة

عن أمير المؤمنين(عليه السلام) عن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال له: «يا علي، أوصيك بوصيةٍ فاحفظها فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي» إلى أن قال: «ألا أخبركم بأشبهكم بي خلقاً؟


1) بحار الأنوار 68: 396.

2) قرب الإسناد: 46.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 195.

4) من لا يحضره الفقيه 4: 412.

5) الكافي 2: 100.

6) الكافي 2: 100.

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 346.

قال: بلى يا رسول اللّه.

قال: أحسنكم خلقاً وأعظمكم حلماً وأبرَّكم بقرابته وأشدكم من نفسه انصافاً»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أيضاً: «الأخلاق منائح من اللّه عزّ وجلّ، فإذا أحبّ عبداً منحه خلقاًحسناً، وإذا أبغض عبداً منحه خلقاً سيئاً»(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «روّضوا أنفسكم على الأخلاق الحسنة، فإن العبد المسلم يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»(3).

وقال(عليه السلام): «لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاح» فقال رجل: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين، سمعتَه من رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)؟ قال: «نعم وما هو خير منه، لما أتانا سبايا طيٍّ فإذا فيها جارية - إلى أن قال(عليه السلام): - فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب؛ فإني ابنة سيد قومي، كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف ويشبع الجائع ويكسي المعدوم ويفرّج عن المكروب، أنا ابنة حاتم طي.

فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.

فقام أبو بردة فقال: يا رسول اللّه، اللّه يحب مكارم الأخلاق؟

فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): يا أبا بردة، لا يدخل الجنة أحداً إلّا بحسن الخلق»(4).

وقال(عليه السلام): «اصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، واستشعروا الحمد يؤنس بكم


1) من لا يحضره الفقيه 4: 352-370.

2) الإختصاص: 225.

3) الخصال 2: 621.

4) مستدرك الوسائل 11: 193.

العقلاء، ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس تعمر ناديكم، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا الناس من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشريف وتهدم المجد»(1).

وقال(عليه السلام): «حسن الخلق خير قرين، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه»(2).

وقال(عليه السلام): «حسن الأخلاق يدر الأرزاق ويؤنس الرفاق»(3).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»(4).

وقال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «حسن الخلق يثبت المودة»(5).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من حسن خلقه كثر محبوه وآنست النفوس به»(6).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال لقمان(عليه السلام) لابنه: يا بني إياك والضجر وسوء الخلق... وحسّن مع جميع الناس خلقك، يا بني إن عدمك ما تصل به قرابتك، وتتفضل به على إخوتك فلا يعدمنك حسن الخلق وبسط البشر؛ فإنه من أحسن خلقه أحبّه الأخيار وجانبه الفجار...»(7).


1) تحف العقول: 215.

2) تحف العقول: 200.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 346.

4) الكافي 2: 100.

5) تحف العقول: 45.

6) غرر الحكم ودرر الكلم: 663.

7) قصص الأنبياء(عليهم السلام) للراوندي: 195.

نحو مكارم الأخلاق

قال الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «عليكم بمكارم الأخلاق؛ فإن اللّه عزّ وجلّ بعثني بها، وإنَّ من مكارم الأخلاق: أن يعفو الرجل عمَّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وأن يعود من لا يعوده»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «جعل اللّه سبحانه مكارم الأخلاق صلة بينه وبين عباده، فَحَسْبأحدكم أن يتمسك بخلق متصل باللّه»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يا كميل، مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم؛ فوالذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلباً سروراً إلّا وخلق اللّه من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه، كما تطرد غريبة الإبل»(3).

وقال(عليه السلام): «أحسن الأخلاق ما حملك على المكارم»(4).

مساوئ سوء الخلق

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل»(5).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أبى اللّه لصاحب الخلق السيئ بالتوبة».

فقيل: يا رسول اللّه، وكيف ذلك؟

قال: «... فإنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم من الذنب الذي تاب منه»(6).


1) الأمالي للشيخ الطوسي: 478.

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2: 122.

3) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 257.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 212.

5) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 37.

6) النوادر للراوندي: 18.

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «سوء الخلق نكد العيش وعذاب النفس»(1).

وقال(عليه السلام): «سوء الخلق يوحش النفس ويرفع الأنس»(2).

وقال(عليه السلام): «سوء الخلق يوحش القريب وينفر البعيد»(3).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «قال لقمان لابنه: يا بني إياك والضجر وسوء الخلق وقلة الصبر؛ فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب، والزم نفسك التؤدة في أمورك، وصبّر على مؤونات الإخوان نفسك، وحسّن مع جميع الناس خلقك»(4).

وسئل النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن الشؤم؟ فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «سوء الخلق»(5).

وسئل أمير المؤمنين(عليه السلام) عن أدون الناس غماً؟ قال(عليه السلام): «أسوؤهم خلقاً»(6).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الخلق السيئ أحد العذابين»(7).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خصلتان لا تجتمعان في مسلم: البخل وسوء الخلق»(8).

وقيل لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل، وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لا خير فيها، هي من أهل النار»(9).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 404.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 404.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 400.

4) قصص الأنبياء(عليهم السلام) للراوندي: 195.

5) إرشاد القلوب 1: 134.

6) مستدرك الوسائل 12: 76.

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 89.

8) الخصال 1: 75.

9) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 1: 90.

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من ساء خلقه عذّب نفسه»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من ساء خلقه ملَّه أهله»(2).

وقال(عليه السلام): «من ساء خلقه أعوزه الصديق والرفيق»(3).

وعنه(عليه السلام) أيضاً: «السيئ الخلق كثير الطيش منغص العيش»(4).

وقال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ألا أخبركم بأبعدكم مني شبهاً»؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال: «الفاحش المتفحش، البذيء البخيل، المختال الحقود، الحسود القاسي القلب، البعيد من كل خير يرجى، غير المأمون من كل شر يتقى»(5).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «... وسوء الخلق زمام من عذاب اللّه في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار»(6).


1) الكافي 2: 321.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 588.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 667.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 86.

5) الكافي 2: 291.

6) جامع الأخبار: 107.

من أسباب الفقر والحرمان في العالم

مصالح الأحكام والأسباب الغيبية

قال اللّه العظيم في كتابه الكريم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(1).

وقال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٖ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ}(2).

وخطب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «أما بعد أيها الناس، اتقوا خمساً من قبل أن يحللن بكم: ما نكث قوم العهد إلّا سلط اللّه عزّ وجلّ عليهم عدوهم، ولا بخس قوم الكيل والميزان إلّا أخذهم اللّه تعالى بالسنين ونقص من الثمرات، وما منع قوم الزكاة إلّا حبس اللّه عنهم قطر السماء، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلّا سلط اللّه تبارك وتعالى عليهم الظالمين، ولا فشا في قوم الربا إلّا وُلّي عليهم شرارهم»(3).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الذنوب تغير النعم: البغي يوجب الندم، القتل ينزل النقم، الظلم يهتك العصم، شرب الخمر يحبس الرزق، الزنا يعجل الفناء، قطيعة الرحم


1) سورة الأنفال، الآية: 53.

2) سورة الرعد، الآية: 11.

3) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 37.

تحجب الدعاء، عقوق الوالدين يبتر العمر، ترك الصلاة يورث الذل، ترك الأمربالمعروف والنهى عن المنكر يورث الخرس»(1).

وقال الإمام زين العابدين علي السجاد(عليه السلام): «الذنوب التي تغير النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، قال اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}(2).

والذنوب التي تورث الندم: قتل النفس التي حرم اللّه، قال اللّه تعالى في قصة قابيل حين قتل أخاه هابيل فعجز عن دفنه: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّٰدِمِينَ}(3)، وترك صلة القرابة حتى يستغنوا، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية وردّ المظالم ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان.

والذنوب التي تنزل النقم: عصيان العارف بالبغي، والتطاول على الناس، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم.

والذنوب التي تدفع القسم: إظهار الافتقار، والنوم عن العتمة وعن صلاة الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود عزّ وجلّ.

والذنوب التي تهتك العصم: شرب الخمر واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب.

والذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والذنوب التي تديل الأعداء: المجاهرة بالظلم، وإعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الأخيار، والانطياع للأشرار.


1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 37

2) سورة الرعد، الآية: 11.

3) سورة المائدة، الآية: 31.

والذنوب التي تعجل الفناء: قطيعة الرحم، واليمين الفاجرة، والأقوال الكاذبة،والزنا، وسد طريق المسلمين، وادعاء الإمامة بغير حق.

والذنوب التي تقطع الرجاء: اليأس من روح اللّه، والقنوط من رحمة اللّه، والثقة بغير اللّه، والتكذيب بوعد اللّه عزّ وجلّ.

والذنوب التي تظلم الهواء: السحر، والكهانة، والإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وعقوق الوالدين.

والذنوب التي تكشف الغطاء: الاستدانة بغير نية الأداء، والإسراف في النفقة على الباطل، والبخل على الأهل والولد وذوي الأرحام، وسوء الخلق، وقلة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة بأهل الدين.

والذنوب التي ترد الدعاء: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى اللّه عزّ وجلّ بالبر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول.

والذنوب التي تحبس غيث السماء: جور الحكام في القضاء، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة والقرض والماعون، وقساوة القلب على أهل الفقر والفاقة، وظلم اليتيم والأرملة، وانتهار السائل وردّه بالليل»(1).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «وجدنا في كتاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال والميزان أخذهم اللّه بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلط اللّه


1) وسائل الشيعة 16: 281.

عليهم عدوهم، وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لميأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلط اللّه عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم»(1).

نعم، هناك مصالح ومنافع لا تكون إلّا بأسبابها ومؤثراتها في هذا الكون الذي جعله اللّه سبحانه وتعالى تابعاً لنظام العلية وقانون الأسباب والمسببات؛ حيث قال الإمام الصادق(عليه السلام): «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلّا بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً...»(2).

وإن كان الصانع هو الموجد والمؤثر التام والأول لهذا الصنع، ولكنه بلطيف حكمته جعل الأسباب الناقصة في التأثير مؤثرة بفيضه القدسي، وقائمة به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي - إن صح التعبير -(3)وذلك مثل قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}(4)، وقد اتضح بالأبحاث العلمية الحديثة والأدلة القاطعة، ارتباط الحياة والموجودات ارتباطاً وثيقاً بالماء وعناصره فإن الماء يصبح سحاباً، فيسقي الأرض والزرع، وينبت به الثمر، ويستمد الحيوان بقاءه الحيوي منه، وما نحسّه - نحن البشر - من خلال احتياجنا إلى الماء غني عن التعريف.

السنن الكونية وتأثيراتها

اشارة

وعليه فهناك مصالح ومنافع تتدلى من وجود الأشياء، التي وضعها الحكيم


1) الكافي 2: 374.

2) الكافي 1: 183.

3) فكما أن المعنى الحرفي معنى غير مستقل يربط بين الكلمات فهو محتاج في وجوده إلى المعنى الاسمي الذي هو معنى استقلالي، فكذلك الحال عند الموجد فهو الصانع وباقي الأشياء محتاجة إلى وجوده وفيضه دواماً واستمراراً.

4) سورة الأنبياء، الآية: 30.

تعالى في مواضعها. فإذا فقدت مكانها المناسب، ولم تؤت من بابها، فلا تكونمنفعة واقعية للبشر. وقد تكون المنفعة منفعة وقتية غير حقيقية وسريعة الزوال. وهذه هي من أسباب الفقر والحرمان، فإذا قام الإنسان بما يخالف السنن الإلهية الكونية فهذا يعني معيشة ضنكا، وفقراً وحرماناً.

الغرب وإفقار البلاد

من جانب آخر فقد استغل الغرب اليوم طاقات الضعفاء، كما استغل مواردهم لأجل منافعه، فنتج عن ذلك الفقر والحرمان في أغلب بقاع الأرض، وفي مقابله الغنى الفاحش والترف الباذخ في بعض بقاع الأرض. هذا ما نحسّه بالوجدان وتشهد بذلك الأرقام.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن اللّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلّا بما مُتع به غني، واللّه تعالى سائلهم عن ذلك»(1).

الأسباب المعنوية

وهناك أسباب معنوية في موضوع الفقر الحرمان؛ لأن نظام الكون قائم على سلسلة من الأسباب المادية والمعنوية المؤثرة بعضها في بعض، ومن هنا جاء حديث النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام السجاد(عليه السلام) حيث أرجع سبب الفقر والحرمان في أوساط هذه الطبقة المحرومة إلى الابتعاد عن أحكام اللّه سبحانه والخروج على تعاليمه النيرة، وهو قول الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «وما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلّا فشا فيهم الفقر»(2).

وقول الإمام السجاد(عليه السلام): «إظهار الافتقار، والنوم عن العتمة وعن صلاة


1) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 328.

2) بحار الأنوار 70: 370.

الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود عزّ وجلّ»(1).

وقوله(عليه السلام): «الاستدانة بغير نية الأداء، والإسراف في النفقة على الباطل، والبخل على الأهل والولد وذوي الأرحام، وسوء الخلق، وقلة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة بأهل الدين»(2).

إذن، فهو قانون نتيجته محسومة، وإذا كان القانون الفيزيائي يقول: (إن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه)، فإن ذلك قد يصح في شؤون الحركة ونظائرها من الحوادث الطبيعية. أما دائرة شؤون الإنسان وحسناته وسيئاته، وطاعاته ومعاصيه، فلها قانون آخر أقوى وأكبر يحكمها {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(3)، ومثل المعصية قد تكون كمثل عود ثقاب يشعل في خزان مملوء بالوقود. إنها حركة لا تساوي شيئاً بالحساب الفيزيائي، لكنها قد تأتي على بلد بأكمله، فتجعله قاعاً صفصفاً خالياً من الشجر والحيوان والبشر.

ثم إن للفقر والحرمان أسباب فرعية عديدة، نابعة من الابتعاد عن حكم اللّه تعالى، سنأتي على ذكرها في ما بعد إن شاء اللّه تعالى.

المشاكل الاقتصادية

من عوامل انعدام التوازن في التوزيع الاقتصادي لهذا العالم، وسبب الحرمان كماً وكيفاً على أرض الواقع، هي نشوء النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي (الشيوعية)، حيث إن الشيوعية هي انحراف عن الرأسمالية. ففي النظام


1) معاني الأخبار: 271.

2) معاني الأخبار: 271.

3) سورة إبراهيم، الآية: 24.

الرأسمالي هناك آلاف التجار الذين يتحكمون في قطاع واسع من الناس، ويكونون سبباً لفقرهم.

أما في النظام الشيوعي فإن الحزب الحاكم هو الذي يتسلط على رقاب الناس وثرواتهم. وهكذا يشترك الاثنان في سلب الناس حقوقهم وجعلهم فقراء.

أما الإسلام وتبعاً للقوانين الإلهية، فإنه لم يقر حالة الإفراط والغلو في الاستثمار المالي واحتكار رؤوس الأموال، كما يسلكه الرأسماليون، ولا حالة التفريط في فرض نظام الحزب الواحد، المتسلط على رؤوس الأموال، بفكرته الباطلة التي غلفت بجانب دِعائي وسُمِّيت بتسميات براقة منها (الاشتراكية)، ويبقى العامل تحت رحمة المبادئ، فيصل إلى يده أقل مما يستحقه من ثمرة عمله، بحجة ضمان مستقبله وما شابه.

وإنما التزم الإسلام حداً وسطاً بين هذا وذاك. فجعل يشجع على رؤوس الأموال والاستزادة منها بشكل مشروع، مع فرض الحقوق الشرعية للفقراء وما أشبه، وذلك بفرض الزكاة والخمس بالتفاصيل الفقهية المعروفة، حيث يسد بذلك احتياجات المعوزين والفقراء. وقد حرم الربا في الأموال ونهى عن الاحتكار الذي يؤدي إلى الضرر بالآخرين. كما رسم طريقاً واضحاً لاستغلال الثروات والمساحات الشاسعة من الأراضي عبر قانون: (الأرض للّه ولمن عمرها). مضافاً إلى قانون (بيت المال) وما تصرف من العوائد في الصالح العام، كما يعرف اليوم بالضمان الاجتماعي.

يقول الإمام الباقر(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من أحيا مواتاً فهو له»(1).

ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): «أيما رجل أتى خربةً بائرةً فاستخرجها، وكرى


1) الكافي 5: 279.

أنهارها(1)وعمرها؛ فإن عليه فيها الصدقة. وإن كانت أرض لرجل قبله، فغابعنها وتركها فأخربها، ثم جاء بعد يطلبها؛ فإن الأرض للّه ولمن عمرها»(2).

وعنه(عليه السلام) «قال: قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من غرس شجراً، أو حفر وادياً، بدءاً لم يسبقه إليه أحد، وأحيا أرضاً ميتةً، فهي له قضاءً من اللّه ورسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)»(3).

والملاحظ أن الرأسماليين أخذوا من القانون الإسلامي جانب الأصالة في استغلال الأموال وتنميتها، وفرعوا عليها مسائل تتيح لهم السيطرة على العالم، دون ملاحظة الجانب المعنوي للنظرية الإسلامية، ورعاية قانون {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(4).

والشيوعيون أخذوا الجانب الآخر، وفرعوا عليه المبادئ الشيوعية، وغرضهم لا يتعدى غرض الرأسماليين حيث حكروا الأموال في السلطة دون الناس، وهذا أسوء من حكر الأموال في يد مجموعات متعددة من الأثرياء، فربما عليك أن تشكو في النظام الرأسمالي إلى الحكومة، أما في حكومة الشيوعيين فإلى من تشكو من الحكومة؟!

ولكن الإسلام يقول كما في الذكر الحكيم: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوٰاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٖ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(5).

فإن في قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} السر في


1) كرى النهر: استحدث حفرها.

2) الكافي 5: 279.

3) الكافي 5: 280.

4) سورة البقرة، الآية: 279.

5) سورة البقرة، الآية: 278- 279.

العدالة الاقتصادية للإسلام، وفيه دلالة على تقرير عدة أمور:

أولاً: أصل ملكية الفرد؛ فإنه مباح شرعاً.ثانياً: أخذ الربا حرام، وهو ظلم.

ثالثاً: إمضاء أصناف المعاملات، حيث عبر بقوله: {رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ}. والمال إنما يكون رأساً إذا صرف في وجوه المعاملات وأصناف الكسب.

رابعاً: رعاية قانون (لا تَظلِمون) لا كما يفعله المرابون (الرأسماليون)، وقانون (لا تُظلَمون) بأن يتعدى أحد على رؤوس أموالكم لا كما يفعله الاشتراكيون.

هذه صورة واحدة، من صور التدبير والإصلاح للمال في المجتمع الإسلامي، نستفيدها من قانون الإسلام في الملكية الفردية. نعم المالك الحقيقي للمال هو اللّه سبحانه، ولكنه جعله قياماً ومعاشاً للناس، وملّكه إياهم بالملك الاعتباري، من دون أن يوقفه على شخص دون شخص وقفاً لا يتبدل ولا يتغير، بل أذن في الاختصاص الفردية والملكية على طبق العناوين المعروفة؛ كالحيازة، والتجارة، والوراثة وما أشبه. وشرط في التصرف أموراً كالعقل والبلوغ والاختيار ونحو ذلك؛ لذلك يقول تعالى: {وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَٰلَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}(1).

فالأصل الأصيل في الإسلام أن اللّه عزّ وجلّ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}(2). ويتفرع على ذلك مسائل الإنفاق والزكاة وما شابه، مما يقوم به عضد المجتمع الإنساني، ولا يتيح مجالاً لانتشار الفقر والحرمان، أما لو بقيت القوانين الرأسمالية والاشتراكية هي الحاكمة دون حكم اللّه تعالى، فلا مجال إلى


1) سورة النساء، الآية: 5.

2) سورة البقرة، الآية: 29.

رفع الفقر والحرمان من هذا العالم(1)

وأفتى السيد الحكيم هناك بوجوب محاربة الاشتراكية، ومقاطعة البضائع التي وضعت الحكومة اليد عليها، وانتشر نبأ ذهاب الوفد، وفتوى السيد الحكيم في كل العراق كالبرق الخاطف،وبعد رجوعنا، وإعلان خطباء كربلاء عن ذلك، انهمرت عليَّ سيل من الأسئلة والاعتراضات، وحتى التهديد، كما تم اعتقل جماعة من أصدقائنا - منهم العلامة المجاهد السيد مرتضى القزويني - وأودعوا السجن، أو نفوا إلى خارج كربلاء.

جاءني في تلك الأثناء وفد من المثقفين، عرفوا أنفسهم أنهم من بلاد مختلفة، وأنهم شيوعيون اشتراكيون يريدون مناقشتي في الاشتراكية، فرحبت بهم.

فقالوا: لماذا تحارب الاشتراكية؟

قلت: لأن الإسلام حاربها.

قالوا: ليس في القرآن محاربة الاشتراكية.

قلت: وهل أنتم تقرؤون القرآن؟

قالوا: نعم.

قلت: رجاءً ليقرأ واحد منكم سورة من سور القرآن من غير الجزء الأخير ولا سورة الفاتحة. فلم يقدروا على ذلك.

قلت: هذا دليل على أنكم لا تقرؤون القرآن ولا تعرفونه، فكيف تقولون: ليس في القرآن محاربة الاشتراكية. فنكسوا رؤوسهم.

ثم قالوا: حسناً أنت الذي تعرف القرآن علمنا في أية آية محاربة الاشتراكية؟

قلت: في آيات متعددة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَٰطِلِ} سورة البقرة، الآية: 188، ومنها قوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٖ فِي الرِّزْقِ} سورة النحل، الآية: 71، ومنها قوله تعالى: {كُلُّ امْرِيِٕ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} سورة الطور، الآية: 21، إلى غيرها...

قالوا: وهل اللّه راض بأن يملك إنسان الملايين، ويموت أناس جوعاً؟

قلت: لا.

قالوا: إذا لم تكن اشتراكية كان معناه ذلك.

قلت: بالعكس إذا كانت الاشتراكية كان معناه ذلك.

قالوا: وكيف؟

قلت: في الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية يملك القادة الشيوعيون الاشتراكيون كل الحياة، بينما لا يملك الشعب حتى القوت.

قالوا: هذه دعاية.

قلت: هنا يوجد أناس رأوا بأعينهم ذلك، وثم تصريحات (خروتشوف) وتصريحات (ماو تسي تونغ) تدلان على ذلك.

قالوا: إذن فما هو العلاج؟

قلت: العمل بنظام الإسلام.

قالوا: وما هو نظام الإسلام؟

قلت: إباحة الملكية الفردية إلى حد عدم الفساد والإفساد، مع ضمان عيش الفقراء عيشاً متوسطاً بلا إسراف ولا تقتير.

قالوا: إذن أنت تحبذ النظام الرأسمالي؟

قلت: كلا؛ فالنظام الرأسمالي الغربي، والاشتراكي الشرقي كلاهما باطلان، وإنما النظام الإسلامي هو النظام الصحيح.

قالوا: إنا لم نسمع بهذا من قبل؟

قلت: لأن المدارس والإذاعات ومحطات التلفزيون والصحف خلت من أي ذكر لهذا النظام، وأنتم لا تطالعون الكتب الإسلامية، ولا تحضرون محضر العلماء الذين يتكلمون حول أمثال هذه الأمور، ولذا لا تعرفون الإسلام.

قالوا: الذي سمعناه من الخطباء أن الإسلام عبارة عن: صلاة وصيام وخمس حج وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومسائل شرعية وأمور أخلاقية، ونحو ذلك.

قلت: هناك خطباء يتكلمون حول الاقتصاد الإسلامي لكنهم قليلون، والكثير منهم يراعي مستويات المستمعين، فلا يتكلم إلّا عن أمور هم يطلبونها من جوانب الإسلام.

قال أحدهم: ولماذا لا تطلبون من السلطة تطبيق النظام الإسلامي؟

قلت: طلبنا، ولكنها لم تلب.

قال: من طلبها من السلطة؟

قلت: أنا شخصياً؛ فقد طلبت من عبد الكريم قاسم عند مقابلتي له، وكان معي جمع آخرون.

قال: الآن اطلبوا من عبد السلام عارف.

قلت: الواقع أن بناء السلطات على أن لا تسمع الكلام من العلماء، وقد جربنا ذلك من عهد الملكيين إلى هذا العهد.

قال أحدهم: وكيف يحدد الإسلام رأس المال لدى الأغنياء؟

قلت: أولاً: يأخذ منه الخمس والزكاة. وثانياً: لا يتركه يحتكر ويرابي ويمتص دماء الناس بالوسائل غير المشروعة.

قال: وأية فائدة، وبعد ذلك يبقى المال عنده كثيراً؟

قلت: وما المانع من أن يبقى عنده مال كثير؟

قال: المانع هو أن الفقير يعاني الجوع والحرمان؟

قلت: كلا؛ فإن الدولة كفيلة بعيش الفقير الذي لا يجد عملاً.

قال: ومن أين للدولة المال؟

قلت: من الخمس والزكاة ومن أرباح استثمارات الدولة، ومن المعادن ونحوها، التي تحصل عليها الدولة بالطرق المشروعة.

قال: إذا كان هناك أغنياء وفقراء تحكمت الطبقية في الناس؟

قلت: وما هو ضرر الطبقية؟

قال: إن طبقة يرون أنفسهم دون طبقة فتولد فيهم عقد نفسية.

قلت: والآن في البلاد الشيوعية هذه موجودة، فإن طبقة الحزب طبقة رفيعة، وطبقة الشعب طبقة دون ذلك، ودائماً هذا موجود في المجتمع، فإن طبقة الأذكياء والدارسين فوق طبقة الذين لا ذكاء ولم يدرسوا أو لم يتابعوا دراساتهم إلى المراحل العالية، والعقد النفسية عالجها الإسلام بالإيمان والفضيلة ورجاء ثواب اللّه في الآخرة لمن عمل صالحاً.

قالوا: وماذا تقول حول الرئيس عبد السلام عارف؟

قلت: إني أتحدث حول المبادئ لا حول الأشخاص.

.

1) ذكر الإمام الشيرازي(رحمه اللّه) في كتاب (مباحثات مع الشيوعيين): أنه في عهد عبد السلام عارف هيئنا وفداً كبيراً من علماء كربلاء المقدسة، وذهبنا إلى المرجع سماحة السيد محسن الحكيم(رحمه اللّه) في النجف الأشرف، لنرى رأيه في الاشتراكية التي نادى بها (عبد السلام عارف) وطبقها بالحديد والنار.

أسباب الفقر

اشارة

ثم إن من أهم أسباب الفقر في عالم اليوم ما يلي:

1- سرقة ثروات الشعوب

ربما أهم سبب للفقر والحرمان المتفشي في مجتمعاتنا هو سرقة الحكام للثروات التي وهبها اللّه لبني الإنسان كافة، حيث قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يَتَفَكَّرُونَ}(1).

وهذا ديدن الحكومات الديكتاتورية المتسلطة على رقاب الشعوب بالباطل،


1) سورة الجاثية، الآية: 13.

مضافاً إلى فرض قوانين تجمع بموجبها الضرائب الباهضة التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وإكثار موظفي الدولة من خلال زيادة تعقيد حياة الناس والمجتمع،كذلك السرقة عن طريق أخذ الرشوة لإنجاز أعمال المواطنين، وأساليب أخرى.

فالحكم الدكتاتوري من أهم أسباب الفقر والحرمان في هذا العالم؛ وذلك لأنه يصادر حقوق الآخرين في الانتخاب والتمثيل الحقيقي، ومن أجل إحكام سيطرته يقوم بسرقة ثروات الشعب ويعمل على فرض الضرائب التي تضعف من إرادة المجتمع، وتنصب في تقوية الحكم، بتفريق رؤوس الأموال العامة عبر الإكثار من الأجهزة الأمنية والوظائف غير الضرورية التي تضمن تسلط الطاغية على الحكم. وبهذا الحال يصبح التاجر أمام مطرقتين؛ مطرقة الحاكم ومطرقة الربح، فالأول يمثل حالة القوة والسيطرة، فيلتجئ إلى الطريق الثاني لتعويض ما فاته، وهكذا الموظف إذ يرى أسياده في نهب وسلب، فيتغلغل الشيطان إلى داخل البعض من أصحاب النفوس الضعيفة، ويستمرئ حياة التكفف والاختلاس والارتشاء، وبالتالي يفسد الجهاز الإداري للمجتمع، ويرتفع مؤشر الضغط على الطبقة المسحوقة من الشعب، بل حتى على أنصاف التجار.

يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة وعن حوائجه، وإن أخذ هدية كان غلولاً، وإن أخذ الرشوة فهو مشرك»(1).

وعن عمار قال: قال الإمام الصادق(عليه السلام): «كل شيء غل من الإمام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة منها: ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة... فأما الرشا يا عمار في الأحكام، فإن ذلك الكفر باللّه العظيم وبرسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)»(2).


1) ثواب الأعمال: 261.

2) وسائل الشيعة 17: 95.

هذا فضلاً عن إن الرشا والسرقة أكل للمال بالباطل، وسلب لحقوق الآخرينبلا مبرر، ومخالف لحكم اللّه تعالى، فلا شيء في هذا السلوك موافق للنظام الإسلامي؛ ولذا جاءت مفسدته واضحة في إيجاد الفقر.

التنزه عن السرقة

أما لو كان العمل وفق ما أراده الإسلام في الحكم، بعيداً عن سرقة الثروات، والمناصب التي لا تليق بمعتليها، مع احترام آراء المجتمع وتوفير الحريات (في غير المحرمات) التي تفسح المجال للناس أن يعملوا ويتاجروا برؤوس أموالهم بحرية وأمان، ولا تثقل كاهلهم بالضرائب والرشاوى وما أشبه. فإن الحال - حينئذٍ - سيختلف عمّا عليه العالم اليوم من فقر وحرمان... لأن التاجر والمزارع والصانع ومن يدور في حلقة الترابط الاجتماعي والاقتصادي، لا يجدون الداعي إلى فرض أرباح باهضة ينوء بها كاهل الآخر، بغياب الضريبة والرشوة، وإن وجدت فسيجدون الرادع من قبل المؤمنين وولاة العدل، وهذا الرادع ليس المراد منه السجن أو الإعدام أو مصادرة أمواله، وإنما اجتناب تجارته وعدم تعامل الناس معه، حتى يرعوي إلى طريق الصواب مضافاً إلى قانون التعددية الاقتصادية.

كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) للأشتر النخعي لما ولاه مصر: «... ثم استوصِ بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيراً، المقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه؛ فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق، وجُلّابها من المباعد والمطارح... وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك، أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار، فإن

رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) منع منه. وليكن البيع بيعاً سمحاً، بموازين عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائعوالمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف»(1).

وأما الإجحاف في الربح من غير موازين عقلائية فيضر بعامة الناس، وهو الداعي عند الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لفرض العقوبة تغليباً لمصلحة حفظ النظام العام، ورعاية لحال المجتمع لئلا تتولد الطبقات المسحوقة أو الفقيرة.

ومن أجل ذلك عمل الأئمة الأطهار(عليهم السلام) في الكسب أو التجارة أيضاً، ليعلموا الناس كيفية العمل والكسب وطرقه الصحيحة.

2- الربا

الثاني من عوامل الفقر والحرمان: تفشي الربا في المجتمع، فإن الربا يوجب سحق الطبقة الفقيرة وجعلها أفقر يوماً بعد يوم، وهكذا بالنسبة إلى الدول الفقيرة حيث يصل الأمر إلى حد لو أنفقت جميع وارداتها على أرباح القروض لم يمكنها ذلك من تسديد الأرباح، فكيف بأصل المبلغ. نعم الإسلام حرم الربا وأحل البيع والمضاربة، فإن المضاربة شكل من أشكال التجارة. وقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال في المتضاربين - وهما الرجلان يدفع أحدهما مالاً من ماله إلى الآخر يتجر به، على أنه ما كان فيه من فضل كان بينهما على ما تراضيا عليه - قال: «الربح بينهما على ما اتفقا عليه، والوضيعة على المال»(2).

وقال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «وكذلك لو كان لأحدهما من المال أكثر من مال صاحبه، فالربح على ما اشترطاه، والوضيعة على كل واحد منهما بقدر رأس


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53، من كتاب له(عليه السلام) كتبه لمالك الأشتر لما ولاه على مصر وأعمالها.

2) دعائم الإسلام 2: 86.

ماله»(1).

وروي أن الإمام الصادق(عليه السلام) عمل بالمضاربة، وبالتجارة، والبيع والشراء.

فقد جاء عن أبي جعفر الفزاري قال: دعا أبو عبد اللّه - الإمام الصادق - (عليه السلام) مولى له يقال له: مصادف، فأعطاه ألف دينار، وقال له: «تجهز حتى تخرج إلى مصر، فإن عيالي قد كثروا».

قال: فتجهز بمتاع وخرج مع التجار إلى مصر، فلما دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر، فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة، وكان متاع العامة(2)فأخبروهم أنه ليس بمصر منه شيء، فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدينار ديناراً. فلما قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة، فدخل مصادف على أبي عبد اللّه(عليه السلام)، ومعه كيسان في كل واحد ألف دينار، فقال: جعلت فداك، هذا رأس المال وهذا الآخر ربح. فقال(عليه السلام): «إن هذا الربح كثير، ولكن ما صنعتم بالمتاع؟!».

فحدثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا. فقال(عليه السلام): «سبحان اللّه، تحلفون على قوم مسلمين ألّا تبيعوهم إلّا ربح الدينار ديناراً!». ثم أخذ أحد الكيسين، فقال: «هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في هذا الربح - ثم قال - يا مصادف، مجادلة السيوف أهون من طلب الحلال»(3).

ومعنى ذلك: أن الإجحاف شرعاً حرام، وأن عملاً كهذا هو إجحاف بحق الناس. وإذا كان القياس هو هذا، فلننظر إلى ما يفعله أصحاب رؤوس الأموال في العالم، وكيف يحملون على البضائع الأرباح الفاحشة؟ وكيف يقتلون الناس


1) دعائم الإسلام 2: 86.

2) متاع العامة: أي الذي يحتاج إليه عامة الناس.

3) الكافي 5: 161.

بأموالهم، ويجعلون من الناس فقراء قهراً؟

3- منع الناس من العملالثالث من أسباب الفقر والحرمان: المنع من العمل، فإن الحكومات تضع شروطاً لممارسة التجارة وحيازة المباحات، ولا تدع للناس مجالاً حراً للاستفادة منها؛ فلو دخلنا أي بلد لوجدنا أن هناك حالتين هما الفقر والغنى.

فإذا أردت - مثلاً - أن تعمر قسماً من أرض اللّه وتعمل عليها، لوجدت أن الدولة تمنع من ذلك حيث وضعت قوانين وعراقيل عديدة لها أول وليس لها آخر. ولو أردت الذهاب من هذا البلد إلى البلد الثاني للتجارة ستجد أن الدولة تمنع من ذلك. ولو أردت الصيد في مياه فجرها اللّه لعباده، ستجد أن الدولة تمنع من ذلك. فإن هذه الظواهر هي التي تحول بين الناس وممارسة حرياتهم الاقتصادية مما يورث الفقر قهراً، علماً بأن إحياء الموات وإعمار الأرض هي من الموارد التي أباحها الإسلام، بشرط عدم الإحجاف بحق الآخرين، وقد وردت في ذلك روايات عديدة اتفقت عليها العامة والخاصة.

فعن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) قال: سُئل(عليه السلام) وأنا حاضر عن رجل أحيا أرضاً مواتاً، فكرى فيها نهراً، وبنى بيوتاً، وغرس نخلاً وشجراً؟ فقال: «هي له وله أجر بيوتها...»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من غرس شجراً، أو حفر وادياً بدءاً لم يسبقه إليه أحد، وأحيا أرضاً ميتة فهي له قضاءً من اللّه ورسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)»(2).


1) من لا يحضره الفقيه 3: 241.

2) الكافي 5: 280.

وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الشراء من أرض اليهود والنصارى؟

فقال: «ليس به بأس، قد ظهر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على أهل خيبر، فخارجهم على أنيترك الأرض بأيديهم يعملونها ويعمرونها، فلا أرى بها بأساً لو أنك اشتريت منها شيئاً، وأيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعملوها فهم أحق بها وهي لهم»(1).

فلاحظ هذه الروايات وغيرها التي تعطي الأرض لمن أحياها لا للدولة أو الحاكم المستبد، وكذلك كانت سيرة المسلمين في الزراعة، وبناء الدور، وحفر الآبار وشق الأنهار، وغيرها. إلّا أن القوانين الوضعية المراعى بها حال مصلحة واضعيها، هي التي سلبت الناس حقوقهم وحرياتهم، وأدت إلى نشوء حالة الحرمان والفقر بهذه الصورة المفجعة في الكم والكيف، وفي جميع بقاع العالم.

وإذا أردنا إزالة صور الفقر والحرمان من العالم فعلينا بتطبيق القوانين الإسلامية والتي منها توفير الحريات الاقتصادية التي أقرها الإسلام للشعوب في الاستفادة التامة المشروعة من المباحات والثروات ورؤوس الأموال.

4- شراء الأسلحة

السبب الرابع من أسباب تفشي الفقر والحرمان: هو هدر الأموال الطائلة للشعوب بشراء الأسلحة وصنعها.

لقد كان السيف والدرع والرمح هو السلاح التقليدي السائد في العصور السابقة، ولا يحتاج تصنيعها إلى مبالغ باهضة كما هو حال السلاح اليوم؛ فإن صاروخاً واحداً ربما يكلف الملايين؛ ولذا تذوب مجموعة ضخمة من أموال الشعب في المشاريع العسكرية، والتي تأتي أحياناً من مجرد احتمالات وهمية


1) تهذيب الأحكام 4: 146.

يفرضها المتاجرون بالرعب والدمار، حتى تتسابق الدول إلى اقتنائها. فتظهر نتيجة ذلك في صور من المآسي والحرمان والفقر تولدها هذه الأسلحة سواء باستخدامها أم باستنفاذها لثروات الأمة.

لذلك على عقلاء العالم أن يجتمعوا من أجل نزع السلاح الحديث بمختلف أشكاله حتى البندقية، والرجوع إلى ما كان عليه الحال سابقاً، حيث إن ذلك أقرب للعدالة ولحفظ الاقتصاد، وأيضاً لدفع ضرر تلك الأسلحة عن البشرية من القتل والدمار الواسع، ولذا جاء في رواية أن الإمام المهدي(عليه السلام) حينما يظهر، يظهر وسلاحه السيف، وربما يكون ذلك لأجل السبب الذي ذكرناه(1). وهذه الرواية ليست من باب الكناية، بل هي عين الحقيقة وعين العدالة؛ إذ أن إطلاق صاروخ واحد يقع على رؤوس الأبرياء هو من أبشع الظلم، والذي وقع العالم فيه اليوم.

ولو أن السلاح الحديث الذي يهدد البشرية يزول عن العالم لزال معه واحد من أهم أسباب الفقر، لأن مصاريف الأسلحة هي مما يسلبه الحكام من الشعوب بأشكال عدة، في حين أن من الواجب على أولئك الحكام أن يوظفوا هذه المبالغ لرفع المستوى المعيشي لشعوبهم ولبناء المدارس والمراكز الصحية والثقافية ولتطوير مختلف مرافق الحياة الاقتصادية وغيرها مما يلزم في حياة الإنسان الكريمة.

ولا عجب

ولا عجب إذن أن ينتشر الفقر والمرض والحرمان في هذا العالم، بعدما أخذت الحكومات في التسابق التسليحي والعسكري، مشفوعاً بالتقنين


1) انظر الكافي 8: 225؛ وبحار الأنوار 52: 311.

اللاشرعي والديكتاتوري، حتى أن بعض الإحصاءات أشارت إلى أن نصف سكان العالم هم من الفقراء، فضلاً عن انتشار الفساد الاجتماعي والإداري والتفسخ الملازم لبعض حالات الفقر. وقد ذكرت عدة تقارير أن مئات الملايين من الناس يعانون من الجوع والمرض والحرمان وسوء التغذية في العالم، وربمامات الملايين منهم بهذه الأسباب.

وكل هذه المؤشرات من مصاديق الحديث الشريف الوارد عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال: «خمس بخمس». قيل: ما خمس بخمس؟ قال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما نقض العهد قومٌ إلّا سلط اللّه عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلّا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر»(1).

فإذا أردنا الرجوع إلى عالم يحكمه العدل والخير والرفاه، ونخرج من عالم الفقر والحرمان إلى عالم الغنى والسعادة، فلا بد من دراسة هذه الظواهر التي مرت - من السرقة، ومنع الناس من العمل، وشراء الأسلحة، وغيرها - وإجراء الحلول الإسلامية المناسبة لها حتى يعيش العالم في سعادة ورفاه، وما ذلك على اللّه بعزيز.

«اللّهم صل على محمد وآله، ومتعني بالاقتصاد، واجعلني من أهل السداد، ومن أدلة الرشاد، ومن صالح العباد، وارزقني فوز المعاد، وسلامة المرصاد. اللّهم خذ لنفسك من نفسي ما يخلصها، وأبق لنفسي من نفسي ما يصلحها، فإن نفسي هالكة أو تعصمها»(2)بحق محمد وآله الطاهرين.


1) ذكرى الشيعة 4: 247 وانظر بحار الأنوار 70: 370.

2) الصحيفة السجادية: وكان ومن دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

من هدي القرآن الحكيم

اشارة

حتى لا تبتلى الأمة بالفقر عليها:

1- أن لا تحيد عن العبودية للّه تعالى

قال اللّه تعالى: {يَٰأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْتَتَّقُونَ}(1).

وقال سبحانه: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَئًْا}(2).

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(3).

وقال جلّ وعلا: {وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(4).

2- وتزكي أموالها

قال اللّه تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوٰةَ}(5).

وقال سبحانه: {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوٰةَ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٖ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوٰةَ}(7).

وقال جلّ وعلا: {وَأَوْصَٰنِي بِالصَّلَوٰةِ وَالزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}(8).


1) سورة البقرة، الآية: 21.

2) سورة النساء، الآية: 36.

3) سورة الأنبياء، الآية: 92.

4) سورة البينة، الآية: 5.

5) سورة البقرة، الآية، الآية: 43.

6) سورة المائدة، الآية: 12.

7) سورة الأعراف، الآية: 156.

8) سورة مريم، الآية: 31.

3- وتنفق في مرضاة اللّه

قال اللّه تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}(1).

وقال سبحانه: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَسَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖ وَاللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٖ فَلِأَنفُسِكُمْ}(3).

وقال جلّ وعلا: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٖ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّٰزِقِينَ}(4).

4- ترسيخ معالم الحرية الإسلامية

قال اللّه تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(5).

وقال سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}(7).

من هدي السنّة المطهّرة

اشارة

حتى لا تبتلي الأمة بالفقر عليها:

1- أن لا تحيد عن العبودية للّه تعالى

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «قال اللّه عزّ وجلّ: إن من أغبط أوليائي عندي رجلاً خفيف الحال، ذا حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب، وكان غامضاً


1) سورة البقرة، الآية: 195.

2) سورة البقرة، الآية: 261.

3) سورة البقرة، الآية: 272.

4) سورة سبأ، الآية: 39.

5) سورة البقرة، الآية: 256.

6) سورة الكهف، الآية: 29.

7) سورة الأعراف، الآية: 157.

في الناس، جعل رزقه كفافاً فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه، وقلت بواكيه»(1).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «دوام العبادة برهان الظفر بالسعادة»(2).

قال سبط رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام): «إن من طلب العبادة تزكىلها»(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أعبد الناس من أقام الفرائض»(4).

2- وتزكي أموالها

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها»(5).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «حصنوا أموالكم بالزكاة»(6).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «والزكاة تزيد في الرزق»(7).

وقال الإمام موسى الكاظم(عليه السلام): «إن اللّه عزّ وجلّ وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموالكم»(8).

3- وتنق في مرضاة اللّه

قال الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما نقص مال من صدقة قط فأعطوا ولا تجبنوا»(9).


1) الكافي 2: 140.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 819.

3) تحف العقول: 236.

4) من لا يحضره الفقيه 4: 394.

5) الكافي 2: 374.

6) ثواب الأعمال: 46.

7) الأمالي للشيخ الطوسي: 296.

8) الكافي 3: 498.

9) النوادر للراوندي: 3.

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنكم إلى إنفاق ما اكتسبتم أحوج منكم إلى اكتساب ما تجمعون»(1).

وقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «إن من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدرالإقتار»(2).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إن الصدقة تقضي الدين، وتخلف بالبركة»(3).

4- ترسيخ معالم الحرية الإسلامية

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حراً»(4).

وقال(عليه السلام): «لا يسترقنك الطمع وقد جعلك اللّه حراً»(5).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها فليس فيه كثير مستمتع:

أولها: الوفاء.

والثانية: التدبير.

والثالثة: الحياء.

والرابعة: حسن الخلق.

والخامسة: - وهي تجمع هذه الخصال - الحرية»(6).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 268.

2) تحف العقول: 282.

3) الكافي 4: 9.

4) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 31 من وصية له(عليه السلام) للإمام الحسن(عليه السلام) كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 753.

6) الخصال 1: 284.

مواصفات القيادة الإسلامية

الأسوة الحسنة

قال اللّه تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(1).

الأسوة: هي القدوة الصالحة للاقتداء والاتباع، يقال: لي في فلان أسوة، أي: لي به اقتداء. والأسو ة من الإتساء، كما أن القدوة من الاقتداء اسم وضع موضع المصدر(2).

فإن من شأن القيادة الصحيحة أن تهدي الناس إلى ما يوجب سعادتهم في الدنيا والآخرة، وتسوق الناس نحو التكامل الإنساني والأهداف الإنسانية المنشودة والتي تتلاءم مع الفطرة النقية، وهي مرحلة الكمال الروحي.

ومن هذا المنطلق أكد اللّه عزّ وجلّ على وجوب إتباع الرسل واتخاذهم قادة؛ فإنهم المهديون والهادون إلى سبيل الرشاد، والعاملون على بناء المجتمع الفاضل، فهم أفضل من يُقتدى به.

فالقيادة الصحيحة الشرعية التي توجب السعادة تتمثل برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) من بعده، أما إذا انقلب الناس على أعقابهم وتركوا التأسي


1) سورة الأحزاب، الآية: 21.

2) تفسير مجمع البيان 8: 144.

بالقيادة الصحيحة التي عينها اللّه، فتركوا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتركوا أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) فمصيرهم الضنك في الحياة والعذاب في الآخرة.

وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية حيث تركت القيادة الشرعية التي عينها اللّه سبحانه.

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ}(1).

الحاجة إلى القيادة

اشارة

ثم إن الحاجة إلى القيادة يكاد يكون أمراً مفروغاً منه، حيث ذلك واضح من خلال تأريخ الإنسانية وكيفية نشوء الأمم والحضارات، وهي حاجة ضرورية للمجتمع الإنساني، فالمجتمع لا بد له من قيادة تمتلك من الصفات الكمالية ما يؤهلها لإدارة العباد والبلاد وتطوير المجتمع الإنساني.

ولم يترك اللّه عزّ وجلّ أول أسرة كانت على وجه الأرض وهي عائلة آدم(عليه السلام) إلّا ونصب لهم قائداً، يتبعون خطواته وأقواله وهو النبي آدم(عليه السلام)، فكان خليفة من قبل اللّه تعالى في الأرض، وهكذا أخذ يشغل هذا المنصب الأنبياء(عليهم السلام) وأوصياؤهم المكرمون(عليهم السلام) تباعاً، إلى أن وصل الدور إلى نبينا الخاتم محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأوصيائه الأئمة الطاهرين المعصومين(عليهم السلام).

فكانت سلسلة الأنبياء والرسل تمثل قيادة الهدى، قال اللّه تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(2).


1) سورة طه، الآية: 124.

2) سورة البقرة، الآية: 38.

وقال سبحانه: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ}(1).

وقال تعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦ أَوْلِيَاءَ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {قَالَ يَٰقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ}(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «... ومن مات لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. واللّه، ما ترك اللّه الأرض منذ قبض آدم إلّا وفيها إمام يُهتدى به حجة على العباد، من تركه هلك ومن لزمه نجا»(4).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «قال اللّه تعالى في بعض كتبه(5):

لأعذبن كل رعية أطاعت إماماً جائراً وإن كانت برة تقية، ولأعفون عن كل رعية أطاعت إماماً هادياً وإن كانت ظالمة مسيئة، ومن أَمَّ قوماً وفيهم أعلم منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة، ومن صلى ولم يذكر الصلاة عليَّ وعلى آلي سلك به غير طريق الجنة، وكذلك من ذكرت عنده ولم يصل عليَّ، ومن ادعى الإمامة وليس بإمام فقد افترى على اللّه وعلى رسوله»(6).

وعن أبي اليسع قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): حدثني عن دعائم الإسلام التي بني عليها، ولا يسع أحداً من الناس تقصير عن شي‌ء منها، الذي من قصر عن معرفة شي‌ء منها كبت عليه دينه ولم يقبل منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح دينه وقبل منه عمله، ولم يضق به ما فيه بجهل شيء من الأمور جهله؟


1) سورة آل عمران، الآية: 68.

2) سورة الأعراف، الآية: 3.

3) سورة يس، الآية: 20.

4) أعلام الدين: 400.

5) أي الكتب السماوية التي أنزلها اللّه على الأنبياء(عليهم السلام).

6) أعلام الدين: 400.

قال: فقال: «شهادة أن لا إله إلّا اللّه، والإيمان برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، والإقرار بما جاء به من عند اللّه - ثم قال: - الزكاة والولاية شي‌ء دون شي‌ء، فضل يعرف لمن أخذ به، قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وقال اللّه عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(1)وكان علي(عليه السلام)، وقال الآخرون: لا، بل معاوية، وكان حسن(عليه السلام) ثم كان حسين(عليه السلام)، وقال الآخرون: هو يزيد بن معاوية لا سواه». ثم قال: «أزيدك؟».

قال بعض القوم: زده جعلت فداك، قال: «ثم كان علي بن الحسين(عليهما السلام) ثم كان أبو جعفر(عليه السلام)، وكانت الشيعة قبله لا يعرفون ما يحتاجون إليه من حلال ولا حرام إلّا ما تعلموا من الناس، حتى كان أبو جعفر(عليه السلام) فتح لهم وبيّن لهم وعلمهم، فصاروا يعلمون الناس بعد ما كانوا يتعلمون منهم، والأمر هكذا يكون، والأرض لا تصلح إلّا بإمام، ومن مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما تكون إلى هذا إذا بلغت نفسك هذا المكان - وأهوى بيده إلى حلقه - وانقطعت من الدنيا تقول: لقد كنت على رأي حسن...»(2).

وعن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه(عليهما السلام) قال: «إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال لأبي ذر وسلمان والمقداد: أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلّا اللّه - إلى أن قال - وأن علي بن أبي طالب وصي محمد وأمير المؤمنين، وأن طاعته طاعة اللّه ورسوله والأئمة من ولده، وأن مودة أهل بيته مفروضة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة...»(3).

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي تؤكد على ضرورة


1) سورة النساء، الآية: 59.

2) رجال الكشي: 424.

3) وسائل الشيعة 9: 553.

قيادة الأنبياء وأوصيائهم(عليهم السلام). وأن الناس لو تركوا لأهوائهم لاتبعوا خطوات الشيطان، لا سيما وأن القيادة هي التي تبين للناس سبيل الحق وطريق الباطل، وعلى ضوء ذلك تسير الأمم.

وفي عصرنا الحاضر حيث انقطع وحي السماء؛ لأن النبوة ختمت بالرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وبعده كانت قيادة الأئمة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام) للأمة الإسلامية، بالرغم من أن الخلافة الظاهرية قد اغتصبت من قبل الأمويين والعباسيين، ولكن الأئمة(عليهم السلام) كانوا حجج اللّه على الخلق، وكانوا يعملون على حفظ الأمة من الانحراف، وبيان الطريق الأمثل لهم، وبث المبادئ الإسلامية الحقة التي سعت بعض الاتجاهات لمحوها، فكانت قيادة الأئمة(عليهم السلام) بالمرصاد لكل انحراف وبدعة وشبهة وضلالة.

وفي عصرنا الحاضر (عصر الغيبة) حيث تعددت الحكومات وتنوعت، كان لا بد من السعي لإيجاد قيادة حكيمة ومخلصة وعادلة تتمثل بالفقهاء المراجع وهم نواب الإمام(عليه السلام) لكي تقود ركب الإنسانية نحو الأهداف السامية، وأن تتأسى بقيادة أهل البيت(عليهم السلام)، الذين مهما اختلفت أدوارهم وأزمانهم، إلّا أنهم ساروا على نهج واحد، وهو خط الرسالات الإلهية... خط الأنبياء وإسعاد الناس، فالقيادة التي تهدي بهذا الهدى تكون حقاً قيادة إسلامية نقية واعية، قادرة على الوصول إلى الأهداف السامية.

ثم إن للقيادة الإسلامية مواصفات ومقومات وشروط، بالإضافة إلى لزوم تحليها بالعلم والتقوى، نشير إلى بعضها:

الكفاءة

من أهم ما يلزم اتصاف القيادة به هي: الكفاءة. حيث يلزم أن يكون القائد في أي مجال من المجالات التي يقودها كفءً.

فإن الكفاءة سرّ كبير من أسرار النجاح في مختلف الميادين، السياسي وغيره؛ وعدمها من أسرار الفشل، ومن أجل ذلك نرى أن أعداء الإسلام من مستعمرين وغيرهم،حاولوا وما يزالوا يعملون على إبعاد الأشخاص الكفوئين عن التصدي للحكم في الدول الإسلامية، ويركزون على تجريد القيادات في منطقة الشرق الأوسط - بشكل خاص - عن كل مظهر من شأنه أن يحكي ويدلل على موضوع الكفاءة.

فتارة يحاول المستعمرون أن يجعلوا الحكم قبلياً، وأخرى ملكياً، وثالثة وراثياً، ليس على أساس الكفاءة، ومرة يأتون بالحكام عبر الانقلابات العسكرية بعد أن يختاروا الشخصيات التي تقوم بالدور المطلوب لهم، إلى غير ذلك من الصور المتعددة التي تلغي موضوع القائد الكفء الذي يستحق - فعلاً - أن يتصدى للحكم والحكومة، بل إنهم يجعلون القادة العملاء لتنفيذ مطامعهم وخدمة مصالحهم وتمرير مؤامراتهم في بلادنا الإسلامية.

لذا نحن اليوم نعاني من أزمة الكفاءات، ومن مشكلة عدم صلاحية الحكام، وذلك ليس في أصل وجود الكفاءات، بل في تمكنها من التواجد في مواقعها الحقيقية التي من المفروض أن تحتلها، وهذا يؤدي إلى ظهور الدكتاتوريات في أكثر البلدان الإسلامية.

إذن، الكفاءة واحدة من تلك الصفات المهمة التي يجب أن يتحلى بها القائد المسلم، حيث لا بد أن يكون في مستوى المنصب الذي يشغله، وفي مستوى القرار السياسي، لكي لا تتخبط سياسته، فيتمكن أن يقود الشعب والمجتمع نحو التقدم والرقي والتطور من خلال تهيئة أجواء الحرية والكرامة الإنسانية والتقدم العصري.

الإتقان في العمل

ولا يخفى، أن من أهم ثمار الكفاءة هي مسألة الإتقان، فإنه عندما يقال: إن فلاناً كفء، فهذا يعني أنه قادر على الرعاية والتخطيط والتنفيذ لما يقوم به بكل دقة.

والإتقان من الأمور التي تثمر النجاح في المستقبل، وتدل على الإخلاص في العمل، ولهذا نجد أن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عندما وارى ابنه إبراهيم(عليه السلام) في القبر رأى خللاً فسواه بيده، ثم قال: «إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن»(1).

وفي حديث عن أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) قال: «إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) نزل حتى لحد سعد بن معاذ وسوى اللبن عليه وجعل يقول: ناولني حجراً، ناولني تراباً رطباً، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إني لأعلم أنه سيبلى ويصل إليه البلاء، ولكن اللّه يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه»(2).

فإن الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يريد أن يعطي بذلك درساً للإنسانية عامة وللمسلمين خاصة، بأن الإتقان ضروري في كل عمل، حتى في صف لبن القبر وشد بعضها إلى بعض... وهو يريد أن يعلمنا الإتقان في كل صغيرة وكبيرة، فكيف الحال بالنسبة لمنصب القيادة وإدارة البلاد والعباد.

لذا يلزم أن تكون عملية اختيار القائد بإتقان وتمحيص ودقة، وكذلك عمل القائد نفسه يجب أن يكون متقناً ودقيقاً في الأمور،وعليه أن يعتني بكل ما تحت تصرفه فإنه مسئول أمام اللّه وأمام الشعب، وبهذا يكون أسوة تتأسى به الأجيال.

أما الإنسان الذي لا يرى في نفسه الكفاءة لإدارة الأمور، فالأفضل له وللأمة


1) الكافي 3: 262.

2) وسائل الشيعة 3: 230.

التي يقودها، أن ينسحب ويفسح المجال لمن هو أكفأ منه، فبهذا تتقدم الشعوب والأمم نحو الكمال والرقي.

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من أمَّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من صلى بقوم وفيهم من هو أعلم منه، لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة»(3).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنّ أبغض الخلائق إلى اللّه رجلان:

رجلٌ وكله اللّه إلى نفسه، فهو جائرٌ عن قصد السّبيل، مشغوفٌ بكلام بدعةٍ ودعاء ضلالةٍ، فهو فتنةٌ لمن افتتن به، ضالٌّ عن هدي من كان قبله، مضلٌّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّالٌ خطايا غيره، رهنٌ بخطيئته.

ورجلٌ قمش جهلاً(4)، موضعٌ في جهّال الأمّة، عادٍ في أغباش(5)الفتنة، عمٍ بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه النّاس عالماً وليس به، بكّر فاستكثر من جمعٍ، ما قلّ منه خيرٌ ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من ماءٍ آجنٍ، واكتثر من غير طائلٍ، جلس بين النّاس قاضياً، ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المبهمات، هيّأ لها حشواً رثّاً من رأيه ثمّ قطع به، فهو من لبس الشّبهات في مثل


1) الكافي 5: 27.

2) تهذيب الأحكام 3: 56.

3) من لا يحضره الفقيه 1: 378.

4) قمش جهلاً: أي جمعه، وأصل القمش جمع المتفرق.

5) أغباش: جمع غبش، وأغباش الليل: بقايا ظلمته.

نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهلٌ خبّاط جهالاتٍ، عاشٍ ركّاب عشواتٍ، لم يعضّ على العلم بضرسٍ قاطعٍ، يذرو الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم، لا مليٌّ واللّه بإصدار ما ورد عليه، ولا أهلٌ لما قرّظ به، لا يحسب العلم في شيءٍ ممّا أنكره، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً لغيره، وإن أظلم عليه أمرٌ اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدّماء، وتعجّ منه المواريث.

إلى اللّه أشكو من معشرٍ يعيشون جهّالاً، ويموتون ضلالاً، ليس فيهم سلعةٌ أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته، ولا سلعةٌ أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، ولا عندهم أنكر من المعروف، ولا أعرف من المُنكر»(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إمام القوم وافدهم، فقدموا أفضلكم»(2).

ما ضلَّ من استشار

اشارة

إن من أهم الصفات التي يلزم على القائد التمتع بها: هي صفة المشاورة والاستشارة وتقليب الآراء المختلفة.

إذ الاستشارة في الرأي وطلب آراء الآخرين والاستفادة من تجاربهم وعقولهم، دليل على حنكة القائد وذكائه واتساع أفقه الفكري، إذ أن المشورة وجمع وجوه الآراء والعمل بأصحها وأقومها يؤدي بالإنسان إلى التقدم نحو الأفضل، والتقليل من الأخطاء، وهي إشارة إلى صحة السياسة، عبر الابتعاد عن حالات الاستبداد والدكتاتورية التي يتبعها معظم الساسة المنحرفين. فعلى القائد الإسلامي أن لا يستبد بقراراته، لأنه غير معصوم من الخطأ.


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 17 من كلام له(عليه السلام) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل.

2) من لا يحضره الفقيه 1: 377.

هذا وقد أمر اللّه تعالى القادة المعصومين(عليهم السلام) بالاستشارة فكيف بغيرهم، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(1).

وهكذا ورد الحث الكبير عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) على الاستشارة، حيث ورد عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال: «الاستشارة عين الهداية»(2).

وعنه(عليه السلام) أيضا: «المستشير على طرف النجاح»(3).

مع المعارضة

بل ربما يكون على القائد أن يستشير الأعداء لاستكشاف ما في قلوبهم وما يراودهم من تفكير؛ فمن دلائل صلاح النظام والسياسة وعدالة القيادة، هو إعطاء الحرية للمعارضة، وإبداء رأيها، وعدم خنقها وتصفيتها.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «استشر أعداءك تعرف من رأيهم مقدار عداوتهم ومواضع مقاصدهم»(4).

ومن خلال سيرة النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) يتعلم القائد الإسلامي السير الصحيح والمنهج القويم في سياسته مع المعارضة، والاستفادة منهم، وعدم قهرهم، فقد كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يصلي صلاة الصبح، فقال ابن الكواء - وكان من المنافقين - من خلفه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَٰسِرِينَ}(5)، فأنصت علي(عليه السلام) تعظيماً للقرآن حتى فرغ من الآية، ثم عاد في قراءته...


1) سورة آل عمران، الآية: 159.

2) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 211.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 65.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 148.

5) سورة الزمر، الآية: 65.

ثم أعاد ابن الكواء الآية فأنصت علي(عليه السلام) أيضاً ثم قرأ.

فأعاد ابن الكواء، فأنصت علي(عليه السلام)، ثم قال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}(1)ثم أتم السورة وركع(2).

أما الابتعاد عن منهج الاستشارة وتعدد الآراء واحترام الرأي الآخر وتحمله، فإنه يعني الركون إلى الاستبداد بالرأي، ومصادرة آراء الآخرين، وقمع الحريات. وهذا ما لا ينسجم مع روح وتعاليم الإسلام الحنيف، الذي أرسى قواعده النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهار(عليهم السلام)، حيث إن النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام علي(عليه السلام) - كما يذكر التاريخ - كانا دائمي الاستشارة.

فاستشارة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أصحابه في حفر الخندق مشهورة وقد ذكرتها أغلب كتب التاريخ.

قال تعالى: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَٰرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا۠ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا...}(3).

هذه الآيات المباركات نزلت في قصة الأحزاب من قريش والعرب الذين تحزبوا على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وذلك أن قريشاً قد تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب، واستنفروهم لحرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فوافوا في عشرة آلاف، ومعهم كنانة وسليم وفزارة... فبلغ ذلك رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) واستشار أصحابه وكانوا سبعمائة رجل، فقال سلمان: يا رسول اللّه، إن القليل لا يقاوم الكثير في


1) سورة الروم، الآية: 60.

2) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 113.

3) سورة الأحزاب، الآية: 9-27.

المطاولة.

قال: «فما نصنع؟».

قال: نحفر خندقاً يكون بيننا وبينهم حجاباً، فيمكنك منعهم في المطاولة ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرئيل على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: أشار سلمان بصواب.

فأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بحفره من ناحية أحد إلى راتج، وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوماً من المهاجرين والأنصار يحفرونه، فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأخذ معولاً فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأمير المؤمنين(عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعيّ، وقال: «لا عيش إلّا عيش الآخرة، اللّهم اغفر للأنصار والمهاجرين».

فلما نظر الناس إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر...» القصة(1).

فإذا كان المعصوم(عليه السلام) الذي عصمه اللّه تعالى عن الوقوع في الخطأ يعمل بالاستشارة، فكيف حال من هو معرض للوقوع في الخطأ في كل عمل يعمله؟ أليس الأجدر والأصح له أن يجمع آراء الآخرين إلى رأيه، ويخرج بنتيجة، وإن لم تكن صحيحة فهي أقرب إلى الصحة؟

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من لزم المشاورة لم يعدم عند الصواب مادحاً وعند الخطاء عاذراً»(2).


1) تفسير القمي 2: 177.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 650.

التواضع

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة به: التواضع وعدم الغرور والتكبر.

قال تبارك وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْأخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إن من التواضع أن يجلس الرجل دون شرفه»(2).

فعلى القائد أن يترك كل أمر من شأنه أن يبعده عن الناس، ويجعله يعيش العزلة والجو الخاص، ويتنازل قليلاً عمّا بيده ليكون مع الناس، مع الفقراء، مع المؤمنين، لاسيما القائد الإسلامي، إذ يلزم عليه أن يربي نفسه وأفراده على التواضع للّه عزّ وجلّ ولعباد اللّه؛ لأن ذلك من أسباب التقدم والتفاف الجماهير حوله، والوقوف معه في الشدائد والتأسي به.

ويكون مثل القائد المتواضع كمثل البحر الذي يأتيه الماء من مئات الأنهار، لأن البحر تواضع وجعل نفسه دون مستوى الأنهار، والأنهار رفعت نفسها، بينما لو كان البحر أرفع مستوى وكان النهر أخفض لانصبت المياه من البحر في النهر.

وكم في التاريخ الإسلامي من شواهد عظيمة تبين مدى تواضع النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) للناس جميعاً، فعن جابر بن عبد اللّه قال: غزا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شاهدت منها تسع عشرة غزوة، وغبت عن اثنتين، فبينا أنا معه في بعض غزواته إذ أعيا ناضحي(3)تحت الليل فبرك، وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في أخريات الناس يزجي الضعيف ويردفه(4)ويدعو لهم، فانتهى إليَّ


1) سورة القصص، الآية: 83.

2) الكافي 2: 123.

3) الناضح: البعير أو الثور أو الحمار الذي يستقى عليه الماء، والأنثى بالهاء ناضحة.

4) الردف: ما تبع الشيء، والراكب خلفك، وردفته إذا ركبت خلفه.

وأنا أقول: يالهف أماه، ما زال لنا ناضح سوء.

فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من هذا؟».

فقلت: أنا جابر، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه.

قال: «وما شأنك؟».

قلت: أعيا ناضحي.

فقال: «أمعك عصا؟».

فقلت: نعم.

فضربه ثم بعثه، ثم أناخه ووطئ على ذراعه، وقال: «اركب» فركبت وسايرته، فجعل جملي يسبقه، فاستغفر لي تلك الليلة خمساً وعشرين مرة، فقال لي: «ما ترك عبد اللّه من الولد؟» يعني: أباه.

قلت: سبع نسوة.

قال: «أبوك عليه دَين؟».

قلت: نعم.

قال: «فإذا قدمت المدينة فقاطعهم، فإن أبوا فإذا حضر جداد نخلكم فآذني»(1).

فقال: «هل تزوجتَ؟».

قلت: نعم.

قال: «بمن؟».

قلت: بفلانة بنت فلان، بأَيِّم(2)كانت بالمدينة.


1) أجد النخل: حان وقت جداده أعني قطعه.

2) أَيِّم وزان كيِّس: المرأة التي لا زوج لها وهي مع ذلك لا يرغب أحد في تزويجها.

قال: «فهلا فتاة تلاعبها وتلاعبك؟».

قلت: يا رسول اللّه، كن عندي نسوة خرق - يعني: أخواته - فكرهت أن آتيهن بامرأة خرقاء، فقلت: هذه أجمع لأمري.

قال: «أصبت ورشدت».

فقال: «بكم اشتريت جملك؟».

فقلت: بخمس أواق من ذهب.

قال: «بعنيه ولك ظهره إلى المدينة».

فلما قدم المدينة أتيته بالجمل، فقال: «يا بلال، أعطه خمس أواق من ذهب يستعين بها في دَين عبد اللّه وزده ثلاثاً، ورد عليه جمله».

قال: «هل قاطعت غرماء عبد اللّه؟».

قلت: لا، يا رسول اللّه.

قال: «أ ترك وفاءً؟».

قلت: لا.

قال:«لا عليك فإذا حضر جداد نخلكم فآذني».

فآذنته، فجاء فدعا لنا فَجَدَدْنا، واستوفى كل غريم ما كان يطلب تمراً وفاءً، وبقي لنا ما كنا نَجُدّ وأكثر.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ارفعوا ولا تكيلوا، فرفعناه وأكلنا منه زماناً»(1).

هذه القصة تعطينا أكثر من درس، فهي بهيكلها العام تدل على التواضع العظيم الذي كان الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يتحلى به، حيث كان مع آخر مقاتل من جيشه، ليتفقد رعيته ويرعى القافلة بأكملها، فيعين ضعيفها ومحتاجها، ويأخذ


1) مكارم الأخلاق: 20.

بأطراف الحديث مع جابر، فيسأله عن وضعه الاجتماعي والاقتصادي، ويقوم بإعانته على قضاء حوائجه.

والدرس الآخر الذي نستلهمه من القصة هو أن القائد الإسلامي مع مسؤولياته الجسام وكثرة انشغاله بكبريات الأمور، أمثال: الحرب والسياسة، فإنه يلزم عليه أن لا يترك الأمور الجزئية تحت ذريعة الانشغال بالأمور الكبيرة.

فالرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يريد أن يعلّم كل واحد منا، فضلاً عن الذين يتصدون للقيادة، أنه لا بد من الاهتمام بالأمور الصغيرة أيضاً، كالسؤال عن حال الأخ المؤمن، وهل هو في ضائقة مالية أو معيشية أم لا، والاهتمام بالأخلاقيات والاجتماعيات فضلاً عن بعض العبادات المستحبة مع الفرائض والواجبات؛ إذ أن البعض يتصور أن قيامه بالأمور الكبيرة يغنيه عن الاهتمام ببعض التفاصيل ومراعاة الجزئيات.

ولكن ترك بعض الأمور الصغيرة وعدم الاهتمام بها ربما يوجب أن تصبح هذه الأمور الصغيرة أمراً كبيراً لا يمكن معالجته، فبعض القياديين وبحجة الانشغال بالعلاقات العامة مع أقرانه من السياسيين، أو انشغاله بأمور الدولة المهمة، فإنهم - وللأسف - تراهم يعرضون عن طلبات الجماهير، ويصفونها بالأمور الصغيرة، بل في بعض الأحيان ينصبون من لا يكون كفءً ليقوم مقامهم، وربما يكون سلوك الأخير غير سلوك القائد، وتأثيره غير تأثير القائد، مما يؤدي إلى اتساع الهوة بين القيادة والقاعدة.

ورد في ما كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) لمالك الأشتر حين ولاه مصر، وهو أطول عهد وأجمعه للمحاسن:

«... ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالد من ولده، ولا يعظمن في نفسك شيء أعطيتهم إياه، ولا تحقرن لهم لطفاً تلطفهم به؛ فإنه يرفق بهم كل ما كان

منك إليهم وإن قل، ولا تدعن تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على نظرك في جسيمها؛ فإن للطيف موضعاً ينتفع به، وللجسيم موضعاً لا يستغنى فيه عنه... واخصص أهل الشجاعة والنجدة بكل عارفةٍ، وامدد لهم أعينهم إلى صور عميقات ما عندهم، بالبذل في حسن الثناء وكثرة المسألة عنهم رجلاً رجلاً، وما أبلي في كل مشهدٍ، وإظهار ذلك منك عنه؛ فإن ذلك يهز الشجاع ويحرض غيره... ولا تفسدن أحداً منهم عندك علةٌ عرضت له أو نَبوَةٌ كانت منه قد كان له قبلها حسن بلاءٍ؛ فإن العز بيد اللّه يعطيه إذا شاء ويكفه إذا شاء، ولو كانت الشجاعة تفتعل لافتعلها أكثر الناس، ولكنها طبائع بيد اللّه ملكها وتقدير ما أحب منها، وإن أصيب أحدٌ من فرسانك وأهل النكاية المعروفة في أعدائك فاخلفه في أهله بأحسن ما يخلف به الوصي الموثوق به، في اللطف بهم وحسن الولاية لهم؛ حتى لا يرى عليهم أثر فقده ولا يجدوا لمصابه، فإن ذلك يعطف عليك قلوب فرسانك ويزدادون به تعظيماً لطاعتك، وتطيب النفوس بالركوب لمعاريض التلف في تسديد أمرك، ولا قوة إلّا باللّه»(1).

الجماهيرية

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة به: الجماهيرية.

الجماهير هم الذين يشكلون مجموع الأمة وسدها المنيع، ودرعها الحصين، والدولة تعتمد في أصل وجودها على الجماهير، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزهم وتجاهلهم وعدم الاهتمام بهم، فالقائد لا بد أن يكون جماهيرياً، وأن يلاحظ الجماهير على طول الخط، فإنهم هم الذين ينقذون بلاد الإسلام


1) مستدرك الوسائل 13: 150 وشبهه في نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

والمسلمين، وليس فقط الجماعة الخاصة المحيطة بالقائد أو الأقارب أو العشيرة أو النخب من المجتمع كالمثقفين أو أصحاب الكفاءات الخاصة فحسب، ولا يخفى أن لهؤلاء مهاماً وأهمية خاصة في حياة القائد ومسيرته ولكنهم ليسوا هم كل شيء.

إن مثل الجماهير كمثل الماء، إذا انعدم لم يبق شيء حي على الإطلاق، فالقائد والدولة مثلهم كمثل السمكة. فعلى القائد أن يكون في خدمة الجماهير، وأن لا يغيب عنهم فترات طويلة، وأن يلهمهم المعنويات، ويبث فيهم الأمل وروح التعاون.

أما أصحاب النفسيات السلبية الذين يتصورون أنهم الأفضل ويقولون: نحن أكثر فهماً، وأن الجماهير لا تفهم، وهي غير واعية، إلى غير ذلك من العبارات التي تصدر عن القادة المستبدة والتي تدل على ابتعادهم عن الجماهير والساحة، فإن النتيجة تكون انفضاض الجماهير من حولهم، وبالتالي لا يستطيع هكذا قائد أن يكون ناجحاً، وكثيراً ما تكون الجماهير سبباً لإسقاط حكمه، لأنه ليس لديه أي نقطة يشترك فيها مع الأمة، فلا يشاركهم آلامهم، ولا يعاني بمعاناتهم.

التحلي بوصايا أمير المؤمنين(عليه السلام)

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة الإسلامية به: التحلي بما أمر به أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في وصاياه لولاته وعماله.

لقد كان أمير المؤمنين(عليه السلام) كثيراً ما يوصي الولاة والأمراء بالتعاليم الإسلامية، إبان خلافته وحكومته، حيث كان يوجههم بالتوجيهات المحمدية والعلوية، مبيناً صفات الوالي والأمير الذي يرضاه اللّه ورسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فمما جاء في كتابه(عليه السلام) لمالك الأشتر النخعي لما ولاه مصر:

«... وإن الناس ينظرون من أمورك مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عمّا لا يحل لك؛ فإنَّ الشح بالنفس الإنصاف منها في ما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين وإما نظيرٌ لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه من عفوه وصفحه؛ فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، واللّه فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم...».

إلى أن قال(عليه السلام):

«وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية؛ فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحدٌ من الرعية أثقل على الوالي مئونةً في الرخاء، وأقل معونةً له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكراً عند الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صِغوك(1)لهم وميلك معهم... وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس؛ فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، ولا تكشفن عمّا غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، واللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر


1) صِغوك إليه: ميلك إليه.

اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك أطلق عن الناس عقدة كل حقدٍ واقطع عنك سبب كل وترٍ، وتغاب(1)عن كل ما لا يضح(2)لك...»(3).

وفيه أيضاً:

«.. وأما بعد، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبةٌ من الضيق وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشرٌ لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سماتٌ تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤٌ سَخَتْ نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مئونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة، ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثارٌ وتطاولٌ وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك، يحملون مئونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة، وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودةٌ، وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك


1) تغاب: تغافل.

2) يضح: يظهر.

3) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

ظنونهم بإصحارك؛ فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقاً برعيتك، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق»(1).

ومن كتاب له(عليه السلام) إلى قثم بن العباس وكان عامله على مكة:

«أما بعد، فأقم للناس الحج {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ اللَّهِ}(2)، واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم، ولا يكن لك إلى الناس سفيرٌ إلّا لسانك، ولا حاجبٌ إلّا وجهك، ولا تحجبن ذا حاجةٍ عن لقائك بها، فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها لم تحمد في ما بعد على قضائها، وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال اللّه فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة، مصيباً به مواضع الفاقة والخَلّات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه في من قبلنا، ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكنٍ أجراً؛ فإن اللّه سبحانه يقول: {سَوَاءً الْعَٰكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}(3)، فالعاكف المقيم به، والبادي الذي يحج إليه من غير أهله، وفقنا اللّه وإياكم لمحابه والسلام»(4).

وقال(عليه السلام): «واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية؛ حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك، والسلام»(5).

قائد ثورة العشرين

نقل لي أحد المراجع: إن قائد ثورة العشرين الإمام الشيخ محمد تقي


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

2) سورة إبراهيم، الآية: 5.

3) سورة الحج، الآية: 25.

4) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 67 من كتاب له(عليه السلام) إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة.

5) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 46 من كتاب له(عليه السلام) إلى بعض عماله.

الشيرازي(رحمه اللّه) التفت حوله الجماهير بصورة واسعة، من شيوخ وأفراد العشائر، كباراً وصغاراً، سنة وشيعة، ضد بريطانيا، وكان الازدحام كبيراً حول الميرزا، ورغم تصديه لأمور الثورة والمرحلة الحساسة في تاريخ العراق والأمة الإسلامية، لم يكن ينسى طلبته وروّاد درسه، ونظراً لضيق وقته نتيجة مسؤولياته الجسام حيث كان لا يجد الوقت الكافي لمداراتهم ومعرفة شؤونهم ومعالجة مشاكلهم التي كانت تعترضهم، قال لهم مرة: أيها الطلبة، إني قبل الثورة كنت أتمكن من قضاء حوائجكم وألتقي بكم على انفراد، ولكنكم الآن لا تتمكنون أن تصلوا إليَّ للزحام الذي حولي، فإذا كانت لأحدكم حاجة فإني أخرج في كل يوم بعد صلاة الصبح إلى الشارع الممتد بامتداد النهر(1)في أطراف كربلاء، فيتمكن كل طالب علم، أو أي شخص آخر يريد لقائي على انفراد أن يأتي في ذلك الوقت.

وأضاف هذا العالم - الراوي للقصة - فقال: إني شخصياً ذهبت إليه مراراً وتكراراً وعندي حاجة، فكنت أرى الإمام الشيرازي(رحمه اللّه) يمشي وحده على ضفاف ذلك النهر في الشارع الممتد بامتداده، فأعرض حاجتي وكنت أطلب من الإمام الشيرازي قضاءها.

نعم، هكذا يلزم أن يكون القائد الإسلامي، ذا روح جماهيرية، يحتوي قلبه كل الطبقات في الأمة. ويستوعب كل الآراء والتوجهات. هذا هو خط وسلوك ومنهج أهل البيت(عليهم السلام) فالرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو صاحب دولة عالمية كبيرة آنذاك، كان يمشي في الأسواق ويتفقد أحوال الناس، وكذلك الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث كانت دولته أكبر دولة في العالم، كان يوصي عماله بهذا الأمر، وعدم الظلم وعدم الاحتجاب عن الجماهير، كما مر.


1) نهر الحسينية المتفرع من نهر الفرات وهو النهر الذي يسقي كربلاء المقدسة.

الدراهم المباركة

قال الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث: «.. فنظر - رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) - إلى جارية قاعدة على الطريق تبكي، فقال لها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): وما شأنكِ؟

قالت: يا رسول اللّه، إن أهلي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم حاجة فضاعت، فلا أجسر أن أرجع إليهم.

فأعطاها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أربعة دراهم، وقال: ارجعي إلى أهلكِ.

ومضى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى السوق فاشترى قميصاً بأربعة دراهم ولبسه، وحمد اللّه عزّ وجلّ، فرأى رجلاً عرياناً يقول: من كساني كساه اللّه من ثياب الجنة، فخلع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قميصه الذي اشتراه وكساه السائل، ثم رجع(عليه السلام) إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصاً آخر فلبسه وحمد اللّه عزّ وجلّ، ورجع إلى منزله، فإذا الجارية قاعدة على الطريق تبكي، فقال لها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): ما لكِ لا تأتين أهلك؟! قالت: يا رسول اللّه، إني قد أبطأت عليهم أخاف أن يضربوني.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): مري بين يدي ودليني على أهلك، وجاء رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى وقف على باب دارهم، ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يجيبوه! فأعاد السلام فلم يجيبوه! فأعاد السلام، فقالوا: وعليك السلام يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته.

فقال(عليه السلام): ما لكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني؟!

فقالوا: يا رسول اللّه، سمعنا كلامك فأحببنا أن نستكثر منه.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إن هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤذوها. فقالوا: يا رسول اللّه، هي حرة لممشاك.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): الحمد للّه ما رأيت اثني عشر درهماً أعظم بركة من

هذه،كسا اللّه بها عاريين وأعتق نسمة»(1).

وفي وقت القيظ

عن الإمام الباقر(عليه السلام) في خبر: «أنه رجع علي(عليه السلام) إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول: إن زوجي ظلمني وأخافني وتعدى علي وحلف ليضربني. فقال(عليه السلام): يا أمة اللّه، اصبري حتى يبرد النهار، ثم أذهب معكِ إن شاء اللّه؟

فقالت: يشتد غضبه وحرده عليَّ. فطأطأ رأسه ثم رفعه، وهو يقول: لا واللّه، أو يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، أين منزلكِ؟

فمضى(عليه السلام) إلى بابه، فقال: السلام عليكم. فخرج شاب، فقال علي(عليه السلام): يا عبد اللّه اتق اللّه؛ فإنك قد أخفتها وأخرجتها.

فقال الفتى: وما أنت وذاك، واللّه لأحرقنها لكلامك.

فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر، تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف؟! قال: فأقبل الناس من الطرق، ويقولون: سلام عليكم يا أمير المؤمنين. فسقط الرجل في يديه، فقال: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي؛ فو اللّه لأكونن لها أرضاً تطؤني، فأغمد علي(عليه السلام) سيفه، وقال: يا أمة اللّه ادخلي منزلكِ، ولا تلجئي زوجكِ إلى مثل هذا»(2).

أصلح أمرك

روي: أن أمير المؤمنين(عليه السلام) مر بأصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي، فقال: «يا جارية، ما يبكيكِ؟».

فقالت: بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمراً، فأتيتهم به فلم يرضوه، فلما


1) الخصال 2: 490.

2) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 106.

أتيته به أبى أن يقبله.

قال(عليه السلام): «يا عبد اللّه، إنها خادم وليس لها أمر فاردد إليها درهمها، وخذ التمر».

فقام إليه الرجل فلكزه(1)، فقال الناس: هذا أمير المؤمنين، فربا الرجل واصفر وأخذ التمر وردّ إليها درهمها.

ثم قال: يا أمير المؤمنين، ارض عني.

فقال: «ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك»(2).

الإصلاح

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة به: روح الإصلاح الدائم.

مما لاشك فيه أن كل مظاهر الحياة معرضة للهدم والفساد والتلف، ما لم تراع بعناية وحرص من قبل الإنسان.

والأمة هي الأخرى معرضة لأن يصيبها الانحلال والانحراف والابتعاد عن القيم، والانقسام على نفسها إلى عدة انقسامات، وهنا يبرز دور القائد الإسلامي المحنك، والمعبأ بالثقافة الإسلامية الحقيقية المستلهمة من سيرة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل البيت(عليهم السلام)، والمتنور بنور الإيمان حيث يبدأ في سد الثغور، وردم المواقع التي تستقطب الفساد، وتسعى نحوه، فيعمل على إصلاح الوضع الاجتماعي، وأخذ الاحتياطات اللازمة والواقية للأمة، من أن يصيبها مرض اجتماعي ما.


1) اللكز: الضرب بالجمع على الصدر، يقال: ضربه بجمع كفه في صدره، ويقال أيضاً: اللكز الضرب بجميع الجسد.

2) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 112.

وللإصلاح صور وأشكال متعددة، كل حسب مجاله، فيعمل القائد أولاً على إصلاح جهاز الدولة من كل عطب، وتنظيف كافة فروع الدولة من المفاسدوالمحسوبيات والمرتشين، لكي تكون حكومته منتجة وإيجابية، ومن ثم يعمد إلى إصلاح أحوال الرعية، أي الجماهير الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الأرض والدين والعرض والتراث... ويسير معهم بسيرة الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته (صلوات اللّه عليهم) الذين كانوا يعملون على سد حاجات الرعية، وإيجاد فرص العمل لهم، وإلغاء حالة الطبقية التي تعشعش في الأمة، وتريد أن تفرض نفسها على الجماهير، لتمتص أتعابها، وتصادر جهودها.

كما يلزم على القائد الإسلامي أن لا يستمع إلى الوشاة، فإنهم أداة التخريب في المجتمع، وهم الذين يوسعون الهوة بين القائد والأمة، ويعملون على إيجاد الكتل والكيانات السلبية داخل جهاز الدولة، وهم أول من يتآمر على نظام الحكم مع الأعداء؛ لأن عادتهم التلون والميل مع المصالح والأهواء.

فقد كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: «... وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس؛ فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، ولا تكشفن عمّا غاب عنك منها؛ فإنما عليك تطهير ما ظهر لك واللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك، أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يَضِح(1)لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين، ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور،


1) تَغاب: تغافل، يَضِح: يظهر.

فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن باللّه»(1).

العلاقات الدولية

وهكذا يتوجه القائد إلى إصلاح بقية الأجهزة في الدولة وغيرها، ولعل من أهمها هي مسألة العلاقات الدولية، أي إعلان الرغبة بإصلاح العلاقات المتوترة مع جميع الدول، وإرساء السلم والسلام والود مع الدول الجارة والصديقة وغيرها، لاسيما المسلمة منها، وخلق جو إقليمي ودولي مفعم بالأمن والأمان، لكي تعيش الرعية في استقرار، وتأخذ حقها من الحريات، لكي تكون أمة منتجة ومتطورة ومحافظة على نفسها وحضارتها.

وقد كان الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) السبّاق لإشاعة المحبة والألفة بين القبائل التي كانت في مكة وما جاورها حتى قبل إعلان الرسالة الإسلامية، كما حدث في مسألة تجديد بناء الكعبة ونزاع القبائل على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، فعمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على حل النزاع، وإصلاح الأمر، والمحافظة على الحجر المقدس، وعلى دماء القبائل، فقد ورد في قصة تجديد بناء الكعبة المشرفة:

لما بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في وضعه، فقال كل قبيلة: نحن أولى به، نحن نضعه، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة، فطلع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقالوا: هذا الأمين قد جاء فحكموه، فبسط رداءه وقال بعضهم: كساء طاروني(2)كان له، ووضع الحجر فيه ثم قال: «يأتي من كل ربع من قريش رجل»، فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم، وقيس بن


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

2) الطُرن: الخز والطاروني ضرب منه.

عدي من بني سهم، فرفعوه ووضعه النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في موضعه»(1).

وكذا قام رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالإصلاح بين قبيلتي الأوس والخزرج في المدينة بعدما كان بينهم من شديد الحرب والعدواة والبغضاء وطولها، حيث زرع(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في كل واحدة من القبيلتين بذور الخير والسلام والصلاح.

محاسبة القائد نفسه

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة به: محاسبة النفس.

أحياناً يتصور بعض القادة أنهم أصبحوا مسئولين فوق الآخرين، ولا مسئول فوقهم، أي إنهم يحاسبون ويعاقبون الأفراد، بينما هم لا يُحاسَبون ولا يُعاتبون، فلا يقبلون حتى بنصائح الأصدقاء، فضلاً عن محاسبتهم.

وهذا في الواقع مرض عضال يصيب الإنسان الذي يشعر بالتفوق ويتصور أنه في كل الأحوال والأدوار أعلى من الآخرين ولا مسئول عليه، فيبدأ يتسرب إليه الكبر والتعالي، إلى أن تصبح حكومته دكتاتورية في كل معالمها، فهي توجه العقوبة إلى أي شخص تشاء دون أن تقبل من الآخرين رداً أو رأياً.

قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ}(2).

لذا فعلى القائد الإسلامي - ولكي لا يقع في هذا المرض النفسي الخطير - أن يراقب نفسه، ويحاسبها قبل أن يحاسب الآخرين، ويبدأ بمراقبة كل حركاته وأقواله، ويعنّف نفسه ويعاقبها في موضع التقصير، ويركن إلى إتمام ما قصر عنه أو قصر فيه.

وهذا مبدأ رسمه ووضع خطوطه أئمتنا الهداة (صلوات اللّه عليهم) فقد جاء


1) الكافي 4: 218.

2) سورة العلق، الآية: 6-7.

في الحديث المروي عن أبي الحسن(عليه السلام) الماضي - الإمام الكاظم(عليه السلام) - قال: «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد اللّه، وإن عمل سيئاًاستغفر اللّه منه وتاب إليه»(1).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام): «اجعل قلبك قريناً براً أو ولداً واصلاً، واجعل عملك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدواً تجاهدها، واجعل مالك عارية تردها»(2).

نعم، هكذا يريد أهل البيت(عليهم السلام) من كل واحد منا وإن لم يكن في موقع القيادة، فكيف بقائد المسلمين الذي يدير شؤون الآلاف أو الملايين من الجماهير التي تسلمه أمرها وتنقاد لأمره، فكيف لا يحاسب نفسه ويؤدبها ويحرص على تربيتها؟

كيف يتكلم نيابة عن الأمة ولا يكون معبراً عنها وعن أهدافها؟

فإن العقل - لاشك - يستقبح هذه الظاهرة، ظاهرة استغلال المنصب للتمرد والتعالي على الضعفاء والمساكين.

وقد أكد أهل البيت(عليهم السلام) على مبدأ المحاسبة والمراقبة للنفس، كي لا يطلق لها العنان، وبذلك يكون القائد الإسلامي المحاسب لنفسه أسوة حسنة للآخرين، فينتشر مبدأ الشعور بالمسؤولية ومحاسبة الأفراد أنفسهم، قبل أن تحاسبهم الدولة أو القيادة، وهذا المنهج القويم يقرب الفرد والأمة من اللّه عزّ وجلّ، ويهدم الحواجز التي تحول بين الفرد وبين التقرب من ربه أو مجتمعه.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلّا أعطاه،


1) الكافي 2: 453.

2) الكافي 2: 454.

فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلّا من عند اللّه عزّ وجلّ، فإذا علم اللّه ذلك من قلبه، لم يسأله شيئاً إلّا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً، كل موقف مقام ألف سنة - ثم تلا - : {فِي يَوْمٖ كَانَ مِقْدَارُهُخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٖ}»(1)(2).

ومما يلزم على القائد الإسلامي أن يراقب نفسه فيه أمران:

الأول: أن يراقب ما يقوله وما يعد به الجماهير، وأن لا تختلف أفعاله عن أقواله، حتى لا يصبح هناك تضاد بين الأمرين، فتتصور الجماهير أنه مخادع أو كذاب، أو أن أقواله مجرد وعود لتهدئة الوضع العام، فتصبح العلاقة بين القائد والأمة علاقة سيئة قائمة على الجدل والمغالطة وانعدام الثقة.

الثاني: أن يراقب نفسه ويوطنها على الحلم وسعة الصدر والتحلي باللاعنف، ويظل يتابعها ويحرص على هذه الأمور، لكي يستوعب الجماهير، ويتحمل المتاعب والصعوبات وما يجري على البلاد من بلاء أو حروب، أو ما شابه ذلك.

اللاعنف

ومن أهم ما يلزم اتصاف القيادة به التحلي باللاعنف في التعامل مع الشعب وسائر الحكومات، وفي جميع مجالات الحياة.

أما إذا اتخذ القائد سياسة خشنة بعيدة عن الرحمة الإسلامية فهذا معناه السقوط، كما نرى في حكام البلاد الإسلامية حيث الاعتقالات والسجون والتعذيب والنفي ومصادرة الأموال وقتل الأبرياء، والسب والشتائم، وإثارة الدول المجاورة وغير المجاورة وما أشبه من مصاديق العنف وعدم التعقل.


1) سورة المعارج، الآية: 4.

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2: 145.

قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا}(1).

وعن الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) في سؤال محمد بن أبي عمير حول هذه الآيةقال: «أما قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} أي كنّياه وقولا له: يا أبا مصعب، وكان اسم فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب»(2).

وقال عيسى بن مريم(عليه السلام) لبعض أصحابه: «ما لا تحب أن يفعل بك فلا تفعله بأحد، وإن لطم خدك الأيمن فأعط الأيسر»(3).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: «وإياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، واللّه سبحانه وتعالى مبتدئ بالحكم بين العباد في ما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوِّين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه ويزيله وينقله ولا عذر لك عند اللّه ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قَوَدَ(4)البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو يدك بالعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم»(5).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أول ما يحكم اللّه عزّ وجلّ فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف إبنا آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك حتى يأتي المقتول


1) سورة طه، الآية: 44.

2) علل الشرائع 1: 67.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 366.

4) القَوَد: القصاص.

5) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

بقاتله فيتشخب في دمه وجهه، فيقول: أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثاً»(1).

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لا يدخل الجنة سافك للدم، ولا شارب الخمر، ولامشاء بنميم»(2).

وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٖ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(3).

وكتب أمير المؤمنين الإمام(عليه السلام) إلى حذيفة بن اليمان بعد مقتل عثمان: «بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليك، فإني وليتك ما كنت تليه لمن كان قبل حرف المدائن - إلى أن قال - وإني آمرك بتقوى اللّه وطاعته في السر والعلانية فاحذر عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدم إليك بالإحسان إلى المحسن والشدة على المعاند، وآمرك بالرفق في أُمورك واللين والعدل في رعيتك فإنك مسئول عن ذلك، وإنصاف المظلوم والعفو عن الناس وحسن السيرة ما استطعت فاللّه يجزي المحسنين»(4).

وقال(عليه السلام) لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة: «لا واللّه ما تريدان العمرة وإنما تريدان البصرة»(5).

وفي بعض الروايات: «إنما تريدان الغدرة»(6).


1) من لا يحضره الفقيه 4: 96.

2) وسائل الشيعة 29: 13.

3) سورة المائدة، الآية: 32.

4) بحار الأنوار 28: 87.

5) الإرشاد 1: 315.

6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 232.

وقال(عليه السلام) لابن عباس وهو يخبره عن استئذانهما له في العمرة: «إنني أذنت لهما مع علمي بما قد انطويا عليه من الغدر واستظهرت باللّه عليهما، وإن اللّه تعالى سيرد كيدهما ويظفرني بهما»(1).

وقال(عليه السلام) في خطبة له في ذي قار: «وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر فيوجهيهما والنكث في عينيهما، ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معها أبناء الطلقاء فقدموا البصرة وقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر، ويا عجباً لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما عليَّ وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتما عني وخرجا يوهمان الطَّغام(2)

أنهما يطلبان بدم عثمان»(3).

وقالت صفية بنت الحارث زوجة عبد اللّه بن خلف الخزاعي للإمام علي(عليه السلام) بعد واقعة الجمل: يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجماعة. فقال الإمام(عليه السلام): «إني لا ألومك أن تبغضيني يا صفية، وقد قتلت جدك يوم بدر، وعمك يوم اُحد، وزوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه البيوت»، ففتش فكان فيها مروان وعبد اللّه بن الزبير(4).

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنه قال: «كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: سيروا بسم اللّه وباللّه، وفي سبيل اللّه، وعلى ملة رسول اللّه. لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا. ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا


1) الإرشاد 1: 315.

2) الطَّغام: أراذل الناس وأوغادهم.

3) الجمل والنصرة: 268.

4) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 262.

صبياً، ولا امرأة. ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطروا إليها. وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار(1)حتى يسمع كلام اللّه، فإنتبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا باللّه عليه»(2).

وفي وصية لأمير المؤمنين(عليه السلام) أوصى بها عسكره قبل لقاء العدو فقال: «لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد اللّه على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أُخرى لكم عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبراً، ولا تصيبوا مُعْوراً، ولا تَجْهِزوا(3)على جريح. ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن اُمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول. إن كنّا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن مشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفِهْر أو الهِراوَة(4)فيعير بها وعقبه من بعده»(5).

وعن الشعبي قال: أسر علي(عليه السلام) أسرى يوم صفين فخلى سبيلهم فأتوا معاوية، وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية: اقتلهم. فما شعروا إلّا بأسراهم قد خلى سبيلهم علي(عليه السلام)، فقال معاوية: يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر، ألّا تراه قد خلى سبيل أسرانا. فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي(عليه السلام)، وكان علي(عليه السلام) إذا أخذ أسيراً من أهل الشام خلى


1) «نظر إلى رجل من المشركين» أي: نظر إشفاق ومرحمة، والجِوار: أن تعطي الرجل ذمة فيكون بها جارك فتجيره أي تنقذه وتعيذه.

2) الكافي 5: 27.

3) المُعْوِر - كمجرم - : الذي أمكن من نفسه وعجز عن حمايتها وأصله أعور أبدى عورته، أجهز على الجريح: تمم أسباب موته.

4) الفِهْر: الحجر على مقدار ما يدق به الجوز أو يملأ الكف، الهِراوَة: العصا أو شبه المقمعة من الخشب.

5) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 14 من وصية له(عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بصفين.

سبيله إلّا أن يكون قد قتل أحداً من أصحابه(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لما وجهني رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى اليمن، قال: يا علي، لا تقاتل أحداً حتى تدعوه، وايم اللّه لئن يهدي اللّه عزّ وجلّ على يديك رجلاً خيرلك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي»(2).

وعن الزهري أنه قال: دخل رجال من قريش على علي بن الحسين(عليهما السلام) فسألوه كيف الدعوة إلى الدين؟ قال: «تقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أدعوكم إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى دينه، وجماعه أمران: أحدهما معرفة اللّه عزّ وجلّ، والآخر العمل برضوانه. وإن معرفة اللّه عزّ وجلّ أن يعرف: بالوحدانية والرأفة والرحمة، والعزة والعلم والقدرة، والعلو على كل شيء، وأنه النافع الضار، القاهر لكل شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير. وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به هو الحق من عند اللّه عزّ وجلّ وما سواه هو الباطل، فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»(3).

مدرسة الدعاء

«اللّهم صل على محمد وآله، ولا ترفعني في الناس درجة إلّا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلّا أحدثت لي ذلةً باطنة عند نفسي بقدرها، اللّهم صل على محمد وآل محمد، ومتعني بهدى صالح لا أستبدل به، وطريقة حق لا أزيغ عنها، ونية رشد لا أشك فيها»(4).


1) وقعة صفين: 518.

2) الكافي 5: 36.

3) الكافي 5: 36.

4) الصحيفة السجادية: وكان من دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

خاتمة: روايات في باب القيادة والحكومة

اشارة

أخذنا هذه المجموعة المباركة من روايات أمير المؤمنين(عليه السلام) من كتاب (تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم) للآمدي.

الباب الأول: في الشؤون السياسية والنظامية

في الرئاسة والسياسة

في الرئاسة والسياسة(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الجود رئاسة، الملك سياسة».

وقال(عليه السلام): «الرئاسة عطب».

وقال(عليه السلام): «الاحتمال زين السياسة».

وقال(عليه السلام): «حسن السياسة قوام الرعية».

وقال(عليه السلام): «حسن السياسة يستديم الرئاسة».

وقال(عليه السلام): «حسن التدبير وتجنب التبذير من حسن السياسة».

وقال(عليه السلام): «فضيلة الرئاسة حسن السياسة».

وقال(عليه السلام): «من حسنت سياسته وجبت طاعته».

وقال(عليه السلام): «من حسنت سياسته دامت رئاسته».

وقال(عليه السلام): «من ساس نفسه أدرك السياسة».

وقال(عليه السلام): «من بذل معروفه استحق الرئاسة».

وقال(عليه السلام): «من سما إلى الرئاسة صبر على مضض السياسة».

وقال(عليه السلام): «من قصر عن السياسة صغر عن الرئاسة».

وقال(عليه السلام): «من اتخذ الحق لجاماً اتخذه الناس إماماً».

وقال(عليه السلام): «ملاك السياسة العدل».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 331.

وقال(عليه السلام): «لا رئاسة كالعدل في السياسة».

وقال(عليه السلام): «نعم السياسة الرفق».

وقال(عليه السلام): «أصعب السياسات نقل العادات».

الباب الثاني: في الحكومة

الفصل الأول: في الحاكم والحكومة العادلة

اشارة

الفصل الأول: في الحاكم والحكومة العادلة(1)

الحكومة العادلة وفضيلتها

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «العدل فضيلة السلطان».

وقال(عليه السلام): «الملوك حماة الدين».

وقال(عليه السلام): «إمام عادل خير من مطر وابل».

وقال(عليه السلام): «العدل أفضل السياستين».

وقال(عليه السلام): «أفضل الملوك العادل».

وقال(عليه السلام): «أجل الملوك من ملك نفسه وبسط العدل».

وقال(عليه السلام): «إن الزهد في ولاية الظالم بقدر الرغبة في ولاية العادل».

وقال(عليه السلام): «تاج الملك عدله».

وقال(عليه السلام): «جمال السياسة العدل في الإمرة، والعفو مع القدرة».

وقال(عليه السلام): «خير السياسات العدل».

وقال(عليه السلام): «دولة العادل من الواجبات».

وقال(عليه السلام): «دولة الأكابر (الأكارم) من أفضل المغانم».

وقال(عليه السلام): «دولة العاقل كالنسيب يحن إلى الوصلة».

وقال(عليه السلام): «زين الملك العدل».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 339.

وقال(عليه السلام): «زمان العادل خير الأزمنة».

وقال(عليه السلام): «غريزة العقل تحدو على استعمال العدل».

وقال(عليه السلام): «ليس ثواب عند اللّه سبحانه أعظم من ثواب السلطان العادل والرجل المحسن».وقال(عليه السلام): «من أعود الغنائم دولة الأكارم (المكارم)».

وقال(عليه السلام): «سياسة العدل ثلاث: لين في حزم، واستقصاء في عدل، وإفضال في قصد».

آثارها وفوائدها

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «العدل يصلح البرية».

وقال(عليه السلام): «العدل نظام الإمرة».

وقال(عليه السلام): «العدل قوام الرعية».

وقال(عليه السلام): «العدل قوام البرية».

وقال(عليه السلام): «الإمامة نظام الأمة».

وقال(عليه السلام): «الطاعة تعظيم الإمامة».

وقال(عليه السلام): «الرعية لا يصلحها إلّا العدل».

وقال(عليه السلام): «العادل راع ينتظر أحد الجزاءين».

وقال(عليه السلام): «الطاعة جنة الرعية، والعدل جنة الدول».

وقال(عليه السلام): «العدل قوام الرعية، وجمال الولاة».

وقال(عليه السلام): «إذا بنى الملك على قواعد العدل ودعم بدعائم العقل، نصر اللّه مواليه وخذل معاديه».

وقال(عليه السلام): «بالعدل تصلح الرعية».

وقال(عليه السلام): «اعدل تدم لك القدرة».

وقال(عليه السلام): «ثبات الدول بإقامة سنن العدل».

وقال(عليه السلام): «سلطان العاقل ينشر مناقبه».

وقال(عليه السلام): «صلاح الرعية العدل».

وقال(عليه السلام): «عدل السلطان حياة الرعية وصلاح البرية».وقال(عليه السلام): «في العدل الإقتداء بسنة اللّه وثبات الدول».

وقال(عليه السلام): «كل مستسلم موقّى».

وقال(عليه السلام): «ليكن مركبك العدل فمن ركبه ملك».

وقال(عليه السلام): «لن تنقطع سلسلة الهذيان حتى يدرك الثأر من الزمان».

وقال(عليه السلام): «لن تحصن الدول بمثل استعمال العدل فيها».

وقال(عليه السلام): «من عدل تمكن».

وقال(عليه السلام): «من عدل نفذ حكمه».

وقال(عليه السلام): «من كثر عدله حمدت أيامه».

وقال(عليه السلام): «من عدل في البلاد نشر اللّه عليه الرحمة».

وقال(عليه السلام): «من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه».

وقال(عليه السلام): «من عمل بالعدل حصن اللّه ملكه».

وقال(عليه السلام): «من عدل في سلطانه، وبذل إحسانه، أعلى اللّه شأنه، وأعز أعوانه».

وقال(عليه السلام): «من أحسن إلى رعيته نشر اللّه عليه جناح رحمته وأدخله في مغفرته».

وقال(عليه السلام): «ما عمرت البلدان بمثل العدل».

وقال(عليه السلام): «ما حصن الدول بمثل العدل».

الفصل الثاني: شرائط الحاكم

الفصل الثاني: شرائط الحاكم(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يحتاج الإمام إلى قلب عقول، ولسان قئول، وجنان على إقامة الحق صئول».

وقال(عليه السلام): «أفضل الملوك سجيةً من عمَّ الناس بعدله».وقال(عليه السلام): «أجل الأمراء من لم يكن الهوى عليه أميراً».

وقال(عليه السلام): «أفضل الملوك من حسن فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيته».

وقال(عليه السلام): «أحسن الملوك حالاً من حسن عيش الناس في عيشه، وعمَّ رعيته بعدله».

وقال(عليه السلام): «أعقل الملوك من ساس نفسه للرعية بما يسقط عنه حجتها، وساس الرعية بما تثبت به حجته عليها».

وقال(عليه السلام): «حق على الملك أن يسوس نفسه قبل جنده».

وقال(عليه السلام): «خير الأمراء من كان على نفسه أميراً».

وقال(عليه السلام): «خور السلطان أشد على الرعية من جور السلطان».

وقال(عليه السلام): «فليصدق رائد أهله وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة فمنها قدم وإليها ينقلب».

وقال(عليه السلام): «من أحسن الكفاية استحق الولاية».

وقال(عليه السلام): «من أمارات الدولة اليقظة (التيقظ) لحراسة الأمور».

وقال(عليه السلام): «من دلائل الدولة قلة الغفلة».

وقال(عليه السلام): «السيد: من لا يصانع، ولا يخادع، ولا تغره المطامع».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 340.

الفصل الثالث: وظائف الحكام

الفصل الثالث: وظائف الحكام(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «استعن على العدل بحسن النية في الرعية، وقلة الطمع، وكثرة الورع».

وقال(عليه السلام): «أقم الناس على سنتهم ودينهم، وليأمنك بَرِئُهم، وليخفك مريبهم،وتعاهد ثغورهم وأطرافهم (أطراف بلادهم)».

وقال(عليه السلام): «إن السلطان لأمين اللّه في الأرض، ومقيم العدل في البلاد والعباد، ووزعته (و زرعته) في الأرض».

وقال(عليه السلام): «إن هذا المال ليس لي ولك، وإنما هو للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم شركتهم فيه، وإلّا فجنا أيديهم لا يكون لغير أفواههم».

وقال(عليه السلام): «إذا وليت فاعدل».

وقال(عليه السلام): «إذا أردت أن تطاع فاسأل ما يستطاع».

وقال(عليه السلام): «خير الملوك من أمات الجور وأحيا العدل».

وقال(عليه السلام): «ذد عن (ذر عن) شرائع الدين، وحط ثغور المسلمين، وأحرز دينك، وأمانتك بإنصافك من نفسك والعمل بالعدل في رعيتك».

وقال(عليه السلام): «زكاة السلطان إغاثة الملهوف».

وقال(عليه السلام): «من لم ينصف المظلوم من الظالم عظمت آثامه».

وقال(عليه السلام):«من لم ينصف المظلوم من الظالم سلبه اللّه قدرته».

وقال(عليه السلام): «لا تؤيس الضعفاء من عدلك».

وقال(عليه السلام): «عليكم بالإحسان إلى العباد، والعدل في البلاد، تأمنوا عند قيام


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 341.

الأشهاد».

وقال(عليه السلام): «على الإمام أن يعلم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان».

وقال(عليه السلام): «في حمل عباد اللّه على أحكام اللّه استيفاء الحقوق وكل الرفق».

وقال(عليه السلام): «فضيلة السلطان عمارة البلدان».

وقال(عليه السلام): «كما تُدين تُدان».

وقال(عليه السلام): «لو استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء».وقال(عليه السلام): «من النبل أن تتيقظ لإيجاب حق الرعية إليك، وتتغابى عن الجناية عليك».

الفصل الرابع: أخلاق الحاكم

الفصل الرابع: أخلاق الحاكم(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الحلم رأس الرئاسة».

وقال(عليه السلام): «العفو زين القدرة».

وقال(عليه السلام): «الإنصاف زين الإمرة».

وقال(عليه السلام): «اضرب خادمك إذا عصى اللّه، واعف عنه إذا عصاك».

وقال(عليه السلام): «تجاوز مع القدرة، وأحسن مع الدولة، تكمل لك السيادة».

وقال(عليه السلام): «ذو الشرف لا تبطره منزلة نالها وإن عظمت، كالجبل الذي لا تزعزعه الرياح، والدني تبطره أدنى منزلة (نزلة) كالكلأ الذي يحركه مر النسيم».

وقال(عليه السلام): «ذاك ينفع سلمه، ولا يخاف ظلمه، إذا قال فعل، وإذا ولي عدل».

وقال(عليه السلام): «زكاة القدرة الإنصاف».

وقال(عليه السلام): «العفو زكاة القدرة».

وقال(عليه السلام): «الظفر شافع المذنب».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 342.

وقال(عليه السلام): «الطمع يذل الأمير».

وقال(عليه السلام): «آلة الرئاسة سعة الصدر».

وقال(عليه السلام): «العفو مع القدرة جُنة من عذاب اللّه سبحانه».

وقال(عليه السلام): «أفضل الملوك أعفهم نفساً».

وقال(عليه السلام): «دولة اللئيم تكشف مساويه ومعايبه».

وقال(عليه السلام): «دولة الكريم تظهر مناقبه».وقال(عليه السلام): «رأس السياسة استعمال الرفق».

وقال(عليه السلام): «زين الرئاسة الإفضال».

وقال(عليه السلام): «عند كمال القدرة تظهر فضيلة العفو».

وقال(عليه السلام): «من تجبر على من دونه كسر».

وقال(عليه السلام): «من استطال على الناس بقدرته سلب القدرة».

الفصل الخامس: مواعظ للحكام

الفصل الخامس: مواعظ للحكام(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يستدل على إدبار الدول بأربع: تضييع الأصول، والتمسك بالغرور، وتقديم الأراذل، وتأخير الأفاضل».

وقال(عليه السلام): «ولئن أمهل اللّه تعالى الظالم فلن يفوته أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وموضع الشجا من مجاز ريقه».

وقال(عليه السلام): «القدرة تنسي الحفيظة».

وقال(عليه السلام): «الولايات مضامير الرجال».

وقال(عليه السلام): «الملك المنتقل الزائل حقير يسير».

وقال(عليه السلام): «القدرة تظهر محمود الخصال ومذمومها».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 342.

وقال(عليه السلام): «الدولة كما تقبل تدبر».

وقال(عليه السلام): «المحاسن في الإقبال هي المساوي في الإدبار».

وقال(عليه السلام): «الشركة في الملك تؤدي إلى الاضطراب».

وقال(عليه السلام): «الذل بعد العزل (العز) يوازي عزّ الولاية».

وقال(عليه السلام): «المرء يتغير في ثلاث: القرب من الملوك، والولايات، والغناء من (بعد) الفقر. فمن لم يتغير في هذه فهو ذو عقل قويم وخلق مستقيم».وقال(عليه السلام): «التسلط على الضعيف والمملوك من لزوم (لؤم) القدرة».

وقال(عليه السلام): «اجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذه به، فإن ذلك أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك».

وقال(عليه السلام): «إذا تغيرت نية السلطان تغير (فسد) الزمان».

وقال(عليه السلام): «إذا رأيت اللّه سبحانه يتابع عليك النعم مع المعاصي فهو استدراج لك».

وقال(عليه السلام): «إذا نفذ حكمك في نفسك تداعت أنفس الناس إلى عدلك».

وقال(عليه السلام): «تكبرك في الولاية ذل في العزل».

وقال(عليه السلام): «جود الولاة بفيء المسلمين جور وختر».

وقال(عليه السلام): «حسن الشهرة حصن القدرة».

وقال(عليه السلام): «داووا الجور بالعدل، وداووا الفقر بالصدقة والبذل».

وقال(عليه السلام): «رب عادل جائر».

وقال(عليه السلام): «رحمة من لا يرحم تمنع الرحمة، واستبقاء من لا يبقى يهلك (تهلك) الأمة».

وقال(عليه السلام): «زلة الرأي تأتي على الملك وتؤذن بالهلك».

وقال(عليه السلام): «زوال الدول باصطناع السفل».

وقال(عليه السلام): «سلطان الدنيا ذل، وعلوها سفل».

وقال(عليه السلام): «ستة تختبر بها عقول الرجال (الناس) المصاحبة والمعاملة والولاية والعزل والغنى والفقر».

وقال(عليه السلام): «ساهل الدهر ما ذل لك قعوده، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه».

وقال(عليه السلام): «صواب الرأي بالدول، ويذهب بذهابها».

وقال(عليه السلام): «صير الدين حصن دولتك، والشكر حرز نعمتك، فكل دولة يحوطهاالدين لا تُغلب، وكل نعمة يحرزها الشكر لا تُسلب».

وقال(عليه السلام): «ظلم المستسلم أعظم الجرم».

وقال(عليه السلام): «ظلم الضعيف أفحش الظلم».

وقال(عليه السلام): «قد يعذر المتحير المبهوت».

وقال(عليه السلام): «ظلامة المظلومين يمهلها اللّه سبحانه ولا يهملها».

وقال(عليه السلام): «قلما يعود الإدبار إقبالاً».

وقال(عليه السلام):«قوة سلطان الحجة أعظم من قوة سلطان القدرة».

وقال(عليه السلام): «كيف يهتدي الضليل مع غفلة الدليل».

وقال(عليه السلام): «لكل دولة برهة».

وقال(عليه السلام): «لكل كبد حرقة (حرمة)».

وقال(عليه السلام): «لئن آمر الباطل لقديماً فعل، لئن قل الحق لربما ولعل، لقلما أدبر شيء فأقبل».

وقال(عليه السلام): «لن يتمكن العدل حتى يزل البخس».

وقال(عليه السلام): «لن يهلك من اقتصد».

وقال(عليه السلام): «من بذل جاهه استحمد».

وقال(عليه السلام): «من أحسن الملكة أمن الهلكة».

وقال(عليه السلام): «من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه».

وقال(عليه السلام): «من وثق بإحسانك أشفق على سلطانك».

وقال(عليه السلام): «من خاف سوطك تمنى موتك».

وقال(عليه السلام): «من حمد على الظلم مكر به».

وقال(عليه السلام): «من شكر على الإساءة سخر به».

وقال(عليه السلام): «من أطاع أمرك أجل قدرك».وقال(عليه السلام): «من أساء إلى رعيته سر حساده».

وقال(عليه السلام): «من رفع بلا كفاية وضع بلا جناية».

وقال(عليه السلام): «من أشفق على سلطانه قصر عن عدوانه».

وقال(عليه السلام): «من لم يستظهر باليقظة لم ينتفع بالحفظة».

وقال(عليه السلام):«من جعل ملكه خادماً لدينه انقاد له كل سلطان».

وقال(عليه السلام): «من جعل دينه خادماً لملكه طمع فيه كل إنسان».

وقال(عليه السلام): «من رباه الهوان أبطرته الكرامة».

وقال(عليه السلام): «من لم يحسن في دولته خذل في نكبته».

وقال(عليه السلام): «من حق الراعي أن يختار لرعيته ما يختاره لنفسه».

وقال(عليه السلام): «لا تظلمن من لا يجد ناصراً إلّا اللّه».

وقال(عليه السلام): «لا تبسطن يدك على من لا يقدر على دفعها عنه».

وقال(عليه السلام): «لا تحارب من يعتصم بالدين فإن مغالب الدين محروب».

وقال(عليه السلام): «لا تنقضن سنة صالحة عمل بها، واجتمعت الألفة لها، وصلحت الرعية عليها».

وقال(عليه السلام): «لا ينجع تدبير من لا يطاع».

وقال(عليه السلام): «أين العمالقة وأبناء العمالقة».

وقال(عليه السلام): «أين الجبابرة وأبناء الجبابرة».

وقال(عليه السلام): «أين أهل مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفئوا نور المرسلين».

وقال(عليه السلام): «أين الذين كانوا أحسن آثاراً، وأعدل أفعالاً، وأكبر (أكثر) ملكاً».

وقال(عليه السلام): «أين الذين قالوا: من أشد منا قوة وأعظم جمعاً».

وقال(عليه السلام): «أين الذين عسكروا العساكر ومدنوا المدائن».

وقال(عليه السلام): «أين الذين هزموا الجيوش وساروا بالألوف».وقال(عليه السلام): «أين الذين شيدوا الممالك ومهدوا المسالك وأغاثوا الملهوف وقروا الضيوف».

وقال(عليه السلام): «أين من سعى واجتهد وأعد واحتشد».

وقال(عليه السلام): «أين من حصن وأكد وزخرف ونجد».

وقال(عليه السلام): «أين من جمع فأكثر، واحتقب واعتقد، ونظر بزعمه للولد».

وقال(عليه السلام): «أين من ادخر واعتقد، وجمع المال على المال فأكثر».

وقال(عليه السلام): «أين كسرى وقيصر، وتبع وحمير».

وقال(عليه السلام): «أين من بنى وشيد، وفرش ومهد، وجمع وعدّد».

وقال(عليه السلام): «أين من كان منكم أطول أعماراً أو أعظم آثاراً».

وقال(عليه السلام): «أين من كان أعد عديداً وأكنف جنوداً وأعظم آثاراً».

وقال(عليه السلام): «أين الملوك والأكاسرة».

وقال(عليه السلام): «أين بنو الأصفر (الأصغر) والفراعنة».

وقال(عليه السلام): «أين الذين استذلوا الأعداء وملكوا نواصيها».

وقال(عليه السلام): «أين الذين بلغوا من الدنيا أقاصي الهمم».

وقال(عليه السلام): «أين الذين دانت لهم الأمم».

وقال(عليه السلام): «أين الذين ملكوا من الدنيا أقاصيها».

الفصل السادس: عمال الدولة

الفصل السادس: عمال الدولة(1)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الأعمال تستقيم بالعمال».

وقال(عليه السلام): «احرس منزلتك عند سلطانك، واحذر أن يحطك عنها التهاون عن حفظ ما رقاك إليه».وقال(عليه السلام): «الق دواتك، وأطل جلفة قلمك، وفرق بين سطورك، وقرمط بين حروفك؛ فإن ذلك أجدر بصباحة الخط».

وقال(عليه السلام): «أطع من فوقك يطعك من دونك، وأصلح سريرتك يصلح اللّه علانيتك».

وقال(عليه السلام): «آفة الأعمال عجز العمال».

وقال(عليه السلام): «تولي الأراذل والأحداث الدول دليل انحلالها وإدبارها».

وقال(عليه السلام): «شر الولاة من يخافه البري‌ء».

وقال(عليه السلام): «شر الوزراء من كان للأشرار وزيراً».

وقال(عليه السلام): «كذب السفير يولد الفساد، ويفوت المراد، ويبطل الحزم، وينقض العزم».

وقال(عليه السلام): «من خانه وزيره فسد تدبيره».

وقال(عليه السلام): «وزراء السوء أعوان الظلمة وإخوان الأثمة».

وقال(عليه السلام): «طلب السلطان من خداع الشيطان».

الفصل السابع: آفات الحكومة

البغي

الفصل السابع: آفات الحكومة(2)

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «آفة الاقتدار البغي والعتو».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 345.

2) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 345.

وقال(عليه السلام): «ألأم البغي عند القدرة».

وقال(عليه السلام): «الأمل يخدع، البغي يصرع».

وقال(عليه السلام): «البغي يسلب النعمة».

وقال(عليه السلام): «البغي يوجب الدمار».

وقال(عليه السلام): «البغي يصرع الرجال ويدني الآجال».

وقال(عليه السلام): «إياكم وصرعات البغي، وفضحات الغدر، وإثارة كامن الشر المذمِّم».

وقال(عليه السلام): «إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان».

وقال(عليه السلام): «للباغي صرعة».

وقال(عليه السلام): «من نال استطال».

وقال(عليه السلام): «من بغى كسر».

وقال(عليه السلام): «من بغى عجلت هلكته».

وقال(عليه السلام): «من سل سيف البغي غمد في رأسه».

وقال(عليه السلام): «ما أعظم عقاب الباغي».

وقال(عليه السلام): «ما أسرع صرعة الطاغي».

وقال(عليه السلام): «ما أعظم وزر من ظلم واعتدى، وتجبر وطغى».

وقال(عليه السلام): «ما أقرب النقمة من أهل البغي والعدوان».

وقال(عليه السلام): «ويل للباغين من أحكم الحاكمين وعالم ضمائر المضمرين».

وقال(عليه السلام): «لا ظفر مع بغي».

الانتقام

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «دع الانتقام فإنه من أسوء أفعال المقتدر، ولقد أخذ بجوامع الفضل من رفع نفسه عن سوء المجازاة».

وقال(عليه السلام): «أقبح أفعال المقتدر الانتقام».

وقال(عليه السلام): «المبادرة إلى الانتقام من شيم اللئام».

وقال(عليه السلام): «سوء العقوبة من لؤم الظفر».

وقال(عليه السلام): «من انتقم من الجاني أبطل فضله في الدنيا وفاته ثواب الآخرة».

وقال(عليه السلام): «لا سؤدد مع انتقام».

التكبر

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «آفة الرئاسة الفخر».

وقال(عليه السلام): «الهيبة مقرونة بالخيبة».

وقال(عليه السلام): «قرنت الهيبة بالخيبة».

وقال(عليه السلام): «التكبر في الولاية ذل في العزل».

وقال(عليه السلام): «من تكبر في سلطانه صغره».

وقال(عليه السلام): «من تكبر في ولايته كثر عند عزله (غزله) ذلته».

وقال(عليه السلام): «من اختال في ولايته أبان عن حماقته».

الظلم والجور

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «آفة العمران جور السلطان».

وقال(عليه السلام): «بئس السياسة الجور».

وقال(عليه السلام): «القدرة يزيلها العدوان».

وقال(عليه السلام): «في احتقاب المظالم زوال القدرة».

وقال(عليه السلام): «من جارت أقضيته (قضيته) زالت قدرته».

وقال(عليه السلام): «من طال عدوانه زال سلطانه».

وقال(عليه السلام): «من جارت ولايته زالت دولته».

وقال(عليه السلام): «من عامل رعيته بالظلم أزال اللّه ملكه وعجل بواره وهلكه

(هلاكه)».

وقال(عليه السلام): «الظلم بوار الرعية».

وقال(عليه السلام): «في الجور هلاك الرعية».

وقال(عليه السلام): «راكب الظلم يدركه البوار».

وقال(عليه السلام): «ليس شيء أفسد للأمور ولا أبلغ في هلاك الجمهور من الشر».

وقال(عليه السلام): «من جار ملكه عظم هلكه».

وقال(عليه السلام): «من جار في سلطانه وأكثر عدوانه، هدم اللّه بنيانه وهدّ أركانه».

وقال(عليه السلام): «من جار في سلطانه عُدّ من عوادي زمانه».

وقال(عليه السلام): «للظالم انتقام».

وقال(عليه السلام): «السلطان الجائر يخيف البريء».

وقال(عليه السلام): «بئس الظلم ظلم المستسلم».

وقال(عليه السلام): «قلوب الرعية خزائن راعيها فما أودعها من عدل أو جور وجده».

وقال(عليه السلام): «من ظلم رعيته نصر أضداده».

وقال(عليه السلام): «ما جار شريف».

الاستبداد

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «بئس الاستعداد الاستبداد».

وقال(عليه السلام): «للّه سبحانه حكم بيّن في المستأثر والجازع».

وقال(عليه السلام): «من ملك استأثر».

وقال(عليه السلام): «من قنع برأيه فقد هلك».

وقال(عليه السلام): «من استغنى بعقله ضل».

وقال(عليه السلام): «من استبد برأيه زل».

وقال(عليه السلام): «من استبد برأيه خفت وطأته على أعدائه».

وقال(عليه السلام): «من استبد برأيه (فقد) خاطر وغرر».

آفات متفرقة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «آفة الملك سوء السيرة».

وقال(عليه السلام): «آفة الوزراء خبث السريرة».

وقال(عليه السلام): «آفة الزعماء ضعف السياسة».وقال(عليه السلام): «آفة الرعية مخالفة الطاعة».

وقال(عليه السلام): «آفة القوي استضعاف الخصم».

وقال(عليه السلام): «آفة العدول قلة الورع».

وقال(عليه السلام): «آفة المُلك ضعف الحماية».

وقال(عليه السلام): «آفة القدرة منع الإحسان».

وقال(عليه السلام): «الدولة ترد خطأ صاحبها صواباً، وصواب ضده خطاء».

وقال(عليه السلام): «إذا زادك السلطان تقريباً فزده إجلالاً».

وقال(عليه السلام): «ثلاثة مهلكة: الجرأة على السلطان، وائتمان الخوان، وشرب السم للتجربة».

الفصل الثامن: في الحاكم والحكومة الجائرة

اشارة

الفصل الثامن: في الحاكم والحكومة الجائرة(1)

ذم الحكومة الجائرة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أقبح شيء جور الولاة».

وقال(عليه السلام):«السلطان الجائر والعالم الفاجر أشد الناس نكاية».

وقال(عليه السلام): «الجائر ممقوت مذموم وإن لم يصل من جوره إلى ذامه شيء، والعادل ضد ذلك».


1) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 347.

وقال(عليه السلام): «أحق الناس أن يحذر السلطان الجائر، والعدو القادر، والصديق الغادر».

وقال(عليه السلام): «آفة العدل الظالم القادر».

وقال(عليه السلام): «إذا فسد الزمان ساد اللئام».

وقال(عليه السلام): «دولة الجاهل كالغريب المتحرك إلى النقلة».وقال(عليه السلام): «دولة الجائر من الممكنات».

وقال(عليه السلام): «دولة الأوغاد مبنية على الجور والفساد».

وقال(عليه السلام): «دول اللئام من نوائب الأيام».

وقال(عليه السلام): «زمان الجائر شر الأزمنة».

وقال(عليه السلام): «سبع أكول حطوم خير من وال ظلوم غشوم».

وقال(عليه السلام): «شر الملوك من خالف العدل».

وقال(عليه السلام): «شر الأمراء من كان الهوى عليه أميراً».

وقال(عليه السلام): «شر الأمراء من ظلم رعيته».

وقال(عليه السلام): «غضب الملوك رسول الموت».

وقال(عليه السلام): «فقدان الرؤساء أهون من رئاسة السفل».

وقال(عليه السلام): «ويل لمن ساءت سيرته، وجارت مَلَكَته، وتجبر واعتدى».

وقال(عليه السلام): «ولاة الجور شرار الأمة وأضداد الأئمة».

وقال(عليه السلام): «لا جور أفظع (أقطع) من جور حاكم».

وقال(عليه السلام): «لا خير في حكم جائر».

وقال(عليه السلام): «مجاملة أعداء اللّه في دولتهم تقية (تقاة) من عذاب اللّه وحذر من معارك البلاء في الدنيا».

وقال(عليه السلام): «مجاهدة الأعداء في دولتهم ومناضلتهم مع قدرتهم ترك لأمر اللّه

وتعرص لبلاء الدنيا».

وقال(عليه السلام): «لئن أمر الباطل لقديماً فعل، لئن قل الحق لربما ولعل، لقلما أدبر شيء فأقبل».

وقال(عليه السلام): «أمارات الدول إنشاء (إنساء) الحيل».

وقال(عليه السلام): «من آثر رضا رب قادر فليتكلم بكلمة عدل عند سلطان جائر».

آثار الحكومة الجائرة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «يأتي على الناس زمان لا يُقرّب فيه إلّا الماحل، ولا يستظرف فيه إلّا الفاجر، ولا يضعف فيه إلّا المنصف، يعدون الصدقة غرماً، وصلة الرحم مناً، والعبادة استطالة على الناس، ويظهر عليهم الهوى ويخفى بينهم الهدى».

وقال(عليه السلام): «الملوك (الملول) لا مودة له».

وقال(عليه السلام): «الأمير السوء يصطنع البذي».

وقال(عليه السلام): «المتجبر (المتجر) الظالم توبقه آثامه».

وقال(عليه السلام): «الظالم طاغ ينتظر (ينظر) إحدى النقمتين».

وقال(عليه السلام): «استكانة الرجل في العزل بقدر شره (أثره) في الولاية».

وقال(عليه السلام): «إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل».

وقال(عليه السلام): «إذا استولى اللئام اضطهد الكرام».

وقال(عليه السلام): «إذا ساد السفل خاب الأمل».

وقال(عليه السلام): «دولة اللئام مذلة الكرام».

وقال(عليه السلام): «دول الفجار مذلة الأبرار».

وقال(عليه السلام): «دول الأشرار محن الأخيار».

وقال(عليه السلام): «راكب الظلم يكبو به مركبه».

وقال(عليه السلام): «سلطان الجاهل يبدي معايبه».

وقال(عليه السلام): «طاعة الجور توجب الهلك وتأتي على الملك».

وقال(عليه السلام): «ظلم المرء يوبقه ويصرعه».

وقال(عليه السلام): «للظالم بكفه عضة».

وقال(عليه السلام): «من عمل بالجور عجل اللّه هلكه».وقال(عليه السلام): «من جار ملكه تمن الناس هلكه».

وقال(عليه السلام): «من سل سيف العدوان سلب عزّ السلطان».

وقال(عليه السلام): «لا يكون العمران حيث يجور السلطان».

انتهى ما رويناه من كتاب (تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم) عن مولانا أمير المؤمنين علي(عليه السلام).

من هدي القرآن الحكيم

على القائد أن يكون عادلاً قبل كل شيء

قال اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعَا بَصِيرًا}(1).

وقال سبحانه: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنََٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَٰنِ وَإِيتَايِٕ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}(3).


1) سورة النساء، الآية: 58.

2) سورة المائدة، الآية: 8.

3) سورة النحل، الآية: 90.

وقال جلّ وعلا: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}(1).

القائد من الناس وإليهم ومعهم

قال اللّه تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ}(2).

وقال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٖ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(4).

وقال جلّ وعلا: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(5).

وقال اللّه تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}(6).

مؤهلات القائد

1- الإيمان

قال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ}(7).


1) سورة الشورى، الآية: 15.

2) سورة آل عمران، الآية: 164.

3) سورة آل عمران، الآية: 159.

4) سورة التوبة، الآية: 61.

5) سورة الشعراء، الآية: 215.

6) سورة ق، الآية: 45.

7) سورة المائدة، الآية: 55.

2- الكمال في العلم والجسم

قال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}(1).

3- الأمانة

قال جلّ وعلا: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(2).

4- هداية الناس إلى النجاة

قال اللّه تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}(3).

5- الصبر الكبير

قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ}(4).

من صفات القيادة الباطلة

1- حب النفس

قال عزّ وجلّ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}(5).

2- إضلال الناس

قال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَٰتِ أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}(6).


1) سورة البقرة، الآية: 247.

2) سورة يوسف، الآية: 55.

3) سورة غافر، الآية: 38.

4) سورة السجدة، الآية: 24.

5) سورة البقرة، الآية: 206.

6) سورة البقرة، الآية: 257.

3- الإفساد وإذلال الناس وسفك دمائهم بغير حق

قال اللّه تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِۦ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}(1).

4- الاستبداد بالرأي

قال سبحانه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}(2).

5- اتخاذ عباد اللّه خولاً وما اللّه دولاً

قال اللّه سبحانه: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}(3).

من هدي السنّة المطهّرة

على القائد أن يكون عادلاً قبل كل شيء

قال النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند اللّه من معاصي ستين سنة»(4).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ستة أشياء حسن ولكن من ستة أحسن: العدل حسن وهو من الأمراء أحسن...»(5).

وقال الإمام الصادق(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «اتقوا اللّه واعدلوا؛ فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون»(6).


1) سورة القصص، الآية: 4.

2) سورة غافر، الآية: 29.

3) سورة الزخرف، الآية: 51.

4) جامع الأخبار: 154.

5) إرشاد القلوب 1: 193.

6) الكافي 2: 147.

القائد من الناس وإليهم ومعهم

عن أبي ذر قال: كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يجلس بين ظهراني أصحابه فيجئ الغريب فلا يدري أيهم هو، حتى يسأل، فطلبنا إلى النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكاناً من طين، فكان يجلس عليه، ونجلس بجانبيه(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «... ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة *** وحولك أكبادٌ تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش...»(2).

وقال(عليه السلام) في كتابه إلى الأشتر النخعي (رضوان اللّه عليه):

«.. واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك! وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك، وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع؛ فإني سمعت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع...»(3).


1) مكارم الأخلاق: 16.

2) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 45 من كتاب له(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة.

3) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

من صفات القائد

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في وصيته لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «... وأوصيك بتقوى اللّه، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ولين الكلام، وبذل السلام، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، وحسن العمل، وقصر الأمل، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، ولزوم الإيمان، والفقه في القرآن...»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في كتابه إلى أهل مصر، لما ولى عليهم الأشتر: «... أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد اللّه، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع...»(2).

وقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «... وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسننرسولك صلواتك اللّهم عليه وآله وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك.. وأمحق به بغاة قصدك عوجاً، وألن جانبه لأوليائك، وابسط يده على أعدائك...»(3).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «... يحقن اللّه عزّ وجلّ به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف...»(4).

ما يجب على القائد أن يتجنبه

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في كتابه للأشتر النخعي لما ولاه مصر: «إياك ومساماة


1) تحف العقول: 26.

2) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 38 من كتاب له(عليه السلام) إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر.

3) الصحيفة السجادية: وكان من دعائه(عليه السلام) في يوم عرفة.

4) الكافي 1: 314.

اللّه في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن اللّه يذل كل جبار، ويهين كل مختال»(1).

وقال(عليه السلام) أيضاً في الكتاب المذكور: «وإياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه»(2).

وقال أيضاً في الكتاب المذكور: «.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم... أنصف اللّه وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك ومن لك هوى من رعيتك... وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية... إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظملتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها...»(3).


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

2) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

3) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

نحن والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)

مقاييس تقييم العظماء

اشارة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

«إنما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة يستضيء به من ولجها»(1).

إن التاريخ يعرض لنا نماذج من مختلف الأفراد هم يمثلون مدارس ومناهل معطاءة في الحق أو الباطل، إذ تكون حركاتهم وسكناتهم وكلماتهم ووجودهم تعليماً وتربية للإنسان في البعدين، فنماذج الشر تكون أسوة سيئة كقابيل وفرعون ومن أشبه، ونماذج الخير أسوة حسنة... فهم يفيضون خيراً وفائدة في كل مجالات الحياة، ولكن أبرز المجالات التي يُمكن اعتبارها للاستفادة من أولئك العظماء هي:

1- الدين.

2- الدنيا.

3- العلم.

4- القيادة.

وقد أشار الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى صفة الإيمان أيضاً بقوله: «فلقد كنا مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات، فما


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 187 من خطبة له(عليه السلام) وهي في ذكر الملاحم.

نزداد على كل معصية وشدة إلّا إيماناً»(1).

وعلى رأس هؤلاء النماذج الطيبة هم الأنبياء والأولياء خاصة رسول الإسلام وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) كما قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(2).

وقال الإمام علي(عليه السلام): «ألّا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه»(3).

مولد النور

ولد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكعبة المشرفة، وروي أن فاطمة بنت أسد(عليها السلام) كانت تطوف بالبيت العتيق وهي حامل بعلي(عليه السلام) فضربها الطلق فلاذت ببعض جوانب البيت وتمسكت بأستار الكعبة وأنشأت تقول:

«رب إني مؤمنة بك، وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسّرت علي ولادتي».

يقول الراوي: فرأينا البيت وقد انفتح(4)عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا(5).

وكانت ولادته(عليه السلام) في أسعد يوم من أشرف شهر في اشرف بقعة وأقدسها، وذلك في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب المرجب (شهر اللّه) داخل


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 122 من كلام له(عليه السلام) قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم.

2) سورة الأحزاب، الآية: 21.

3) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 45 من كتاب له(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان واليه على البصرة.

4) وهذا الشق موجود آثاره إلى يومنا هذا، وهو من معجزاته التي ظهرت حين ولادته، ولكن الوهابيين أرادوا محو ذلك الأثر بحجة تعمير مبنى الكعبة.

5) الأمالي للشيخ الصدوق: 132.

البيت الحرام، علماً أن أحداً لم يولد في البيت الحرام لا قبله ولا بعده، فقد تفرد(عليه السلام) بهذه المنقبة الباهرة.

ولذا فإن أبا طالب(عليه السلام) حينما سمع بخبر ولادة علي(عليه السلام) في الكعبة ذهب مسرعاً مهرولاً نحو البيت وهو ينادي: أيها الناس ولد في الكعبة ولي اللّه عزّ وجلّ وكان مسروراً به؛ لمعرفته بعظمته ومحبّته ونصرته للّه ورسوله.

وتبعه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأخذ عليا(عليه السلام) فكبر وأقام في أذنيه وضمّه إلى صدره(1).

هذا وأمير المؤمنين علي(عليه السلام) كان ينتقل بين الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، فلم يكن في آبائه وأمهاته كافر أو مشرك من آدم(عليه السلام) فمن دونه، فعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: سألت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «آه آه لقد سألتني عن خير مولد ولد بعدي على سنة المسيح(عليه السلام) إن اللّه تبارك وتعالى خلقني وعلياً من نور واحد، ... ثم نقلنا من صلبه - آدم - في الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الطيبة، فلم نزل كذلك حتى أطلعني اللّه تعالى من ظهر طاهر وهو عبد اللّه بن عبد المطلب فاستودعني خير رحم وهي آمنة، ثم أطلع اللّه تبارك وتعالى علياً من ظهر طاهر وهو أبو طالب واستودعه خير رحم وهي فاطمة بنت أسد»(2).

ولقد كان ميلاده(عليه السلام) خيراً ورحمة للبشرية جمعاء، وقيل إن من بوادر هذه الرحمة أن اصبح الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يسمع الهتاف من الأحجار والأشجار وكشف عن بصره أكثر من ذي قبل، فإذا به يشاهد أنواراً وأشخاصاً ربما ما كان يسمع أو يرى مثل ذلك قبل هذا الميلاد السعيد وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يتيمن بتلك السنة


1) انظر مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 174.

2) روضة الواعظين 1: 77.

وبولادة علي(عليه السلام) فيها ويسميها سنة الخير والبركة(1).

ولعل الحكمة هي أن ولد للدين ناصر وولي، وللرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أخ ووصي، وللمسلمين كهف وإمام يضيء لهم السبيل ويهديهم الصراط المستقيم.

الاسم الشريف والكنية المباركة

الاسم الشريف والكنية المباركة(2)

أشهر أسمائه(عليه السلام): علي، وقد اختار اللّه له هذا الاسم، كما ورد: (علي اشتق من العلي)(3).

ورسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كناه ب- :أبي تراب في قصة معروفة(4).

ومن أشهر كناه: أبو الحسن وأبو الحسين، وأبو السبطين.

وهناك رواية تقول: بأن أمه سمّته(عليه السلام) عند ولادته (حيدرة)(5)

ويؤيده قوله(عليه السلام) يوم خيبر: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)(6)

أنا الذي سمتني أمي حيدرة *** ضرغام آجام ليث قسورة

على الأعادي مثل ريح صرصرة *** أكيلكم بالسيف كيل السندرة

اضرب بالسيف رقاب الكفرة

.

وقالوا في وجه تسميته بعلي(عليه السلام): إنه(عليه السلام) (علي) من العلو والرفعة والشرف، والظاهر لأنه(عليه السلام) كان علياً في جميع الكمالات والمجالات الدينية والدنيوية وغيرها سماه الباري عزّ وجلّ بهذا الاسم المبارك.

أما حيدرة فإنها اسمٌ من أسماء الأسد(7).. وكذلك كان أمير المؤمنين(عليه السلام) فهو


1) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 115.

2) المراد بالاسم هنا ما يعم اللقب حسب المصطلح العرفي.

3) انظر مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 174.

4) علل الشرائع 1: 156.

5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 12، والإحتجاج 1: 206.

6) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 3: 129 برز الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) إلى مرحب ارتجز وقال:

7) انظر لسان العرب 4: 174 مادة (جدر).

أسد اللّه الغالب(1).

ومن أسمائه وألقابه أيضاً: (البطين) لأنه كان بطيناً من العلم.

وسُمّي (بالأنزع) لأنه أنزع من الشرك(2).

ويسمى أيضاً (بأسد اللّه وأسد رسوله).

وسمي (بيعسوب الدين والمؤمنين)(3)، و(قائد الغر المحجلين)(4)كذلك.

وقد سبق أن علياً مشتق من اسم اللّه الأعلى سبحانه، قال أبوطالب(عليه السلام):

سميته بعلي كي يدوم له *** عز العلو وفخر العز أدومه(5)

وفي المناقب(6):

أنه لما ولد علي(عليه السلام) أخذ أبو طالب(عليه السلام) بيد فاطمة وعلي(عليه السلام) على صدره وخرج إلى الأبطح ونادى:

يا ربّ يا ذا الغسق الدجي *** والقمر المبتلج المضي

بين لنا من حكمك المقضي *** ماذا ترى في إسم ذا الصبي

قال:... وإذا بلوح أخضر كتب فيه:

خصصتما بالولد الزكي *** والطاهر المنتجب الرضي

فإسمه من شامخ علي *** علي اشتق من العليّ


1) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 3: 259.

2) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 47، وفيه قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام): (يا علي إن اللّه تعالى قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ومحبي شيعتك فأبشر فإنك الأنزع البطين منزوع من الشرك بطينٌ من العلم).

3) اليعسوب: أمير النحل وهو أحزمهم يقف على باب الكوارة كلما مرت به نحلة شم فاها، فإن وجد منها رائحة منكرة علم أنها رعت حشيشة خبيثة فيقطعها نصفين، وكذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) فهو يقف على باب الجنة فيشم أفواه الناس فمن وجد منه رائحة بغضة ألقاه في النار. (انظر تذكرة الخواص 1: 119. لابن الجوزي: ص4).

4) انظر بشارة المصطفى(صلی اللّه عليه وآله وسلم): 24.

5) كشف الغمة 1: 87.

6) انظر مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 174.

قال: فعلقوا اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى أخذه هشام ابن عبد الملك.

فيا له من مولود طاهر، من نسل طاهر، في موضع طاهر! فأني لغيره أن يحوز هذه الكرامة.

ولا عجب من تعدد الأسماء، في هذه الروايات، فإنه دليل على كمال المسمى.

من فضائله(عليه السلام)

وقد امتاز أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بصفات عديدة لا يسع المقام لبيانها ولو اجمالاً.

ونكتفي هنا بما أشار إليه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في قوله: «من أراد أن ينظر إلى آدم في خلقه، وإلى نوح في حكمته وإلى إبراهيم في حلمه فلينظر إلى علي بن أبي طالب»(1).

الإيمان بأمير المؤمنين(عليه السلام)

لماذا نؤمن بالإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ونعتقد بولايته؟

وما هي فوائد الإيمان بذلك؟

عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «حب علي إيمان وبغضه نفاق لا يحب علياً إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا كافر»(2).

فأول فائدة في معرفة الإمام(عليه السلام) والاعتقاد به يعود للإنسان نفسه، فإن أمير المؤمنين(عليه السلام) كلما تعرف عليه المجتمع البشري بشكل عام والمجتمع الإسلامي بشكل خاص كلما كان يعود بالنفع عليهم وإن لم يكتسب هو(عليه السلام) من ذلك أية


1) الأمالي للشيخ المفيد: 14.

2) الروضة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام): 94.

منفعة لنفسه، كما أنه(عليه السلام) لايضره شيء حتى لو أساءت كل الدنيا إليه وهجرته.

فمعاوية عندما اخذ يسب ويلعن علياً(عليه السلام) على المنابر وأمر بذلك جميع ولاته، لم يتضرر به الإمام(1)أي ضرر، حيث أنه(عليه السلام) مستغنٍ عن مدحنا له على المنابر أو في المحافل العامة وإنما تضرر معاوية وتضرر المسلمون وتضررت البشرية جمعاء وحتى الأجيال القادمة.

فالمسألة بالعكس تماماً، فنحن الذين ننتفع بمدحه(عليه السلام) ونستفيد من فضائله ومناقبه(عليه السلام)، ونتضرر إذا ابتعدنا عن نهجه وتكبّرنا عن الاقتداء به، ومن هنا قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ذكر علي عبادة»(2)، فإن العبادة توجب التقرب إلى اللّه وتكامل الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وهكذا يكون ذكر علي(عليه السلام) فإنه يوجب السعادة الدنيوية والاخروية.

علماً بأن الذكر يشمل الذكر العملي أيضاً كما لا يخفى.

وقد أشار الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى ذلك بقوله: «وان ههنا لعلماً جماً - وأشار إلى صدره - ولكن طلابه يسير، وعن قليل يندمون لو فقدوني»(3).

ويمكن تقريب الصورة إلى الذهن بمثالٍ: فلو أن الناس احترموا الطبيب الذي يعيش بينهم والتفوا حوله، سوف تقل مرضاهم ولصدّ نوعاً ما عن أمراضهم، وحافظوا على سلامتهم وصحتهم.

أما إذا تركوا الطبيب ولم يلتفوا حوله بل أهانوه و... فستزداد أمراضهم، وتسلب راحتهم وتصبح سلامتهم وحالتهم البدنية معرضة للآفات والأمراض، أما الطبيب نفسه فلا ينتفع بنفعهم ولايتضرّر بضررهم بشكل أساسي، بل هم


1) انظر كشف الغمة1: 109، والاحتجاج 2: 293.

2) الإختصاص: 224.

3) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 205.

المنتفعون إذا اهتموا بطبيبهم وأصغوا إلى نصائحه وتوجيهاته، وهم المتضررون إذا تخلوا عنه.

وأين الطبيب من أمير المؤمنين علي(عليه السلام) الذي لا يمكن الاستغناء عنه في جميع مرافق الحياة، وكل مراحل العمر، وما ذكرناه - آنفاً - ليس إلّا مثالاً لتقريب الصورة لا أكثر.

ومع كل هذا، رأينا كيف ظلم بعض الناس أنفسهم وانفضوا من حول الإمام علي(عليه السلام)، ففروا من نوره الشعشاع إلى ظلماتهم الدامسة.

لقد كان(عليه السلام) يناديهم بين الحين والآخر بقوله: «أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم... للّه انتم! أتتوقعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟»(1).

في حين أن على الناس أن يختاروا الأفضل دائماً وقد عين رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الأئمة من بعده حيث قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر»(2).

وقال: «أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم»(3)، ولكن الناس أخّروا علياً فأخروا حظهم بذلك.

ولذلك نرى المسلمين تخلفوا باتباعهم أمثال معاوية... .

وكذلك المسلمون اليوم إذا لم يرجعوا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) سيكون مصيرهم السقوط والتخلف، لأن أمير المؤمنين(عليه السلام) نور الهي يضيء الدرب لكل المجتمعات الإنسانية إذا ما علمت بقوله وآمنت به واقتدت بسيرته، فهو الذي يعطي العلماء علماً، وللمجاهدين قوةً، وللصابرين صبراً، وللمتقين روحاً وتقوى،


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 182، وكان من خطبة له(عليه السلام) بالكوفة... .

2) الخصال 2: 468.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 111.

وللمضحّين إخلاصاً، وللسياسيين درساً، وللاقتصاديين منهجاً، وللحكام برنامجاً، وللشعب تقدماً، وحتى لغير المسلمين رحمة وعطفاً... .

وهو الذي يعطي جميع ما يحتاجه الناس في الدنيا والآخرة وقد قال الشاعر(1):

من ذا بخاتمه تصدق راكعاً *** وأسره في نفسه إسراراً

من كان بات على فراش محمد *** ومحمد أسرى يؤم الغارا

من كان في القرآن سمي مؤمناً(2)*** في تسع آيات تلين غزارا(3)

في حين أننا نرى غيرنا يقتدون بأنبيائهم وأئمتهم - ولو بنسبة - رغم عقائدهم المنحرفة، فالمسيح(عليه السلام) نبي من أولي العزم، لكن المسيحيين عرفوه بشكل غير صحيح ودون مستواه الرفيع لا بواقعه الذي نعرفه نحن المسلمون، إنهم عرفوه باعتقادات منحرفة، ومع ذلك يعملون بتعاليمه التي أرادوها ويطبقونها ويسعون إلى التبشير بها، ويقولون: بأنه المنقذ لهم في الدنيا والآخرة.

قال القرآن الحكيم: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(4).

فلو عملنا - نحن المسلمون - أصحاب الاعتقاد الصحيح والرسالة المحمدية مثل ما يعمل المسيحيون أو غيرهم سنصل بأسرع وقت إلى قمة الحضارة من جديد وتأسيس حكومة المليار ونصف مليار مسلم(5)، التي دعا إليها الإسلام


1) حسان بن ثابت.

2) انظر تفسير القمي 1: 255.

3) تذكرة الخواص 1: 181، وذكر بعضهم: في تسع آيات جعلن كباراً.

4) سورة آل عمران، الآية: 78.

5) بلغ عدد المسلمين المليارين حسب آخر الإحصاءات.

وأئمة أهل البيت(عليه السلام) فقال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}(1).

وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(3).

وعن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «من قصر في العمل ابتلى بالهم»(4).

ميلاد المسيح(عليه السلام)

قبل عدة أيام مرت علينا مناسبة ذكرى ميلاد المسيح(عليه السلام)، وفي هذه المناسبة ترى أنه كيف يهتم المسيحيون بذلك كباراً وصغاراً، نساءاً ورجالاً، دولاً وشعباً، رجال دين وغيرهم، وفي مختلف أنحاء العالم، ويقومون بأشياء عجيبة حقاً، ولو أردنا مقايستها ببعض أعمالنا وأنشطتنا التي نقيمها في مناسباتنا الدينية فقد لا تقبل المقايسة، فإن إحدى البلدان المسيحية(5)، صرفت بهذه المناسبة عشرة مليارات دولار، وهذا في دولة واحدة.

علماً بأن هؤلاء المسيحيين ما عرفوا المسيح(عليه السلام) حق معرفته كما عرفه الإسلام، ولم يدركوا حقيقة المسيح(عليه السلام) في صورته الصحيحة، لكنهم يهتمون بذلك كثيراً، لأنهم عرفوا أن المسيح(عليه السلام) الذي بُعث لهم نبياً قبل حوالي ألفي سنة كان لهم منقذاً ومحرراً، ويعتقدون بأنه(عليه السلام) ينقذهم ويحررهم في الدنيا والآخرة.

هذا وعلينا أن نهتم بقادتنا وأئمتنا(عليهم السلام) وخاصة أمير المؤمنين(عليه السلام) وأقل الواجب الاهتمام بمناسباتهم من المواليد والوفيات وما أشبه.


1) سورة الأنبياء، الآية: 92.

2) سورة الحجرات، الآية: 10.

3) سورة التوبة، الآية: 105.

4) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 127.

5) وهي اسبانيا.

من بركاتهم(عليهم السلام)

اشارة

إن العالم قبل بعثة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان غارقاً في الجهل والظلمات وكان مشرفاً على الهلاك والفساد المطلق... فلما بعث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنجى البشرية من ذلك، ومن بعده أمير المؤمنين(عليه السلام) استمر في نفس النهج القويم وبيّن للعالم بأجمعه طرق العدالة والتقدم.

فما نراه اليوم من بعض الرفاه والتقدم العلمي وما أشبه فهو من بركات رجال اللّه وأوليائه ووجودهم، ومن نعم وجود الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي(عليه السلام) ومن قبلهم ومن بعدهم من السيد المسيح والأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام جميعاً.

هؤلاء هم الذين جاءوا للدنيا بالنهج المستقيم، وهم الذين علّموا الناس كيف يعملون وكيف يتخلقون وكيف يعاشرون وكيف يتزوجون وكيف يتحلون بالآداب وغير ذلك، لأنهم (عليهم الصلاة والسلام) كانوا مدارس ومصانع إنسانية ضخمة تصنع الإنسان القويم، كما تصنع المعامل الدواء واللباس والأواني وما شابه، قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعثة الرسل وفضل أهل البيت(عليهم السلام):

«بعث اللّه رسله بما خصّهم به من وحيه، وجعلهم حجّة له على خلقه: لئلا تجب الحجة لهم بترك الإعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق... أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا اللّه ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى...»(1).

لذا يجب أكبر الاهتمام بهم(عليهم السلام) والاحتفال بذكراهم والاقتداء بسيرتهم؛ لأنهم


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 144 من خطبة له(عليه السلام).

قناديل الحياة ومشاعل الدروب ومصابيح الهدى وسفن النجاة والقادة إلى سعادة الدين والدنيا، فإن الرسل(عليهم السلام) كانوا صادقين في أعمالهم وكلماتهم وملاحظين للواقع البشري وما يحتاجه، لأن الذي بعثهم هو اللّه تعالى العالم بكل شيء، ولأنه أرسلهم بعد الإختيار والتعليم، فلم يكن هناك تقصير أو مخالفة من الأنبياء والأئمة(عليهم السلام)، ولكن الاختلاف والتقصير كان من المسلمين أنفسهم.

وأول الواجبات التي يجب علينا أن نرجع إليهم(عليهم السلام) ونعمل بما بينوه في هذا السبيل ونحيي معالمهم وذكراهم فإنه إحياء معالم الدين.

وفي إحياء ذكرى ولادة الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) إحياء للاسلام وللقيم السامية التي جاء بها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فعلينا أن نقوم بأعمال كثيرة منها الأعمال التالية:

أولاً: دراسة نهج البلاغة

اشارة

يلزم علينا أن نتناول كتاب (نهج البلاغة) بالدرس والتحليل مثلما نولي اهتمامنا بشرح كتاب (المكاسب) و(الكفاية) وأمثالهما من كتبنا العلمية المهمة، ونجعل دراسته ضمن المنهج اليومي للحوزة العلمية المباركة، بل كل مدارسنا الأكاديمية والجامعية أيضاً.

فلا يمكن القول: - ولا أتصور من يزعم ذلك - بأن نهج البلاغة أقل من كتاب المكاسب أو كتب الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة التي تدرس في الجامعات العلمية.

فكما يجلس خمسمائة من الطلبة كل يوم ينهلون من كتاب المكاسب مثلاً عند أحد الأساتذة الأفاضل، يجب أن يجلس عدد أكبر بكثير لدراسة نهج البلاغة عند أستاذ عالم أيضاً، فإن نهج البلاغة أكبر وأهم في المحتوى والتأثير من أي كتاب

آخر سوى القرآن الحكيم، وقد وصفه السيد الرضي (قدس اللّه سره): ب(الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي)(1).

ووصفه الشيخ محمد عبده في مقدمته لشرح نهج البلاغة بقوله: (... وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلى...)(2).

فكلام أمير المؤمنين(عليه السلام) يمثل قمة البلاغة وقمة التقدم في مختلف مجالات الحياة، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد: «انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه سلسة سهلة تتدفق من غير تعسف ولا تكلّف...»(3).

ومن كلام للشيخ الكليني (قدس اللّه سره) في الكافي: (فلو اجتمع ألسنة الجن والإنس - ليس فيها لسان نبيّ - على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتى به (علي(عليه السلام)) بأبي وأمي ما قدروا عليه)(4).

وهناك أقوال كثيرة وعديدة لعلماء كبار من مختلف المذاهب والقوميات، مسلمين وغير مسلمين، في بيان موقع نهج البلاغة من حياتنا.

ولكن من المؤسف جداً: أن الأمّة الإسلامية لم تستفد منه تمام الاستفادة، فاقتصرت معرفته على طبقة معينة من المجتمع الاسلامي، في حين أن عامة الناس قد حرموا من هذا المنهل المبارك الذي هو أصل كل حركة فكرية وتقدمية


1) انظر مقدمة السيد شريف الرضي(رحمه اللّه) لنهج البلاغة تحقيق الدكتور صبحي صالح.

2) مقدمة نهج البلاغة لمحمد عبده.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 146.

4) الكافي 1: 136، قريناً منه.

ومصدر صاف لأفكار الإسلام واشعاعاته.

فلذلك يجب أن يدرّس نهج البلاغة في حوزاتنا العلمية وكذلك المدارس الأكاديمية، وتنشر مفاهيمه من خلال المنابر الحسينية، وفي مختلف الكتب وعبر الإذاعات والصحف والأقمار الصناعية وما أشبه كي يكون نهج البلاغة نهج الفلاح ونهج النجاح والتقدم للأمة الإسلامية بل البشرية جمعاء كما هو الواقع في ذلك.

كتاب الحقائق الكونية والإنسانية

حينما كنا في الكويت كان هناك شخص(1)على مستوى جيد من العلم وكان أستاذاً في جامعة كامبرج في إنجلترا، وقد تسنّم منصباً حكومياً جيداً في الدولة، وله عدة مؤلفات منها: (في بيت فاطمة(عليها السلام)).

وقد نقل لبعض أصدقائنا: أنه حينما كنا ندرس بجامعة كامبرج دار هناك حديث أستاذنا حول نهج البلاغة، فقال الأستاذ: كتاب نهج البلاغة هو كتاب لو أن الدنيا عملت به لساد السلام فيها.

يعني أن هذه الحروب التي نشهدها اليوم ستزول من الدنيا، ويعم الرفاه وتتحقق السعادة بما لها من معنى.

ثم أخذ يمدح ذلك الأستاذ نهج البلاغة كثيراً.

يقول الدكتور: فقلت لأستاذنا يا أستاذ، إذا كان الأمر هكذا فاللازم دعوة المسلمين للعمل بنهج البلاغة قبل غيرهم.

فقال بامتعاض: اتركهم!

قلت له: لماذا؟


1) وهو الدكتور عبد الصمد التركي.

قال: إنهم لو عملوا بنهج البلاغة فستنتهي سيادتنا، فنحن أسياد العالم ما لم يعمل المسلمون بنهج البلاغة، ولو عمل المسلمون يوماً بنهج البلاغة سيكون ذلك اليوم هو النهاية المحتومة لسيادتنا على العالم.

هذا هو الواقع لأن نهج البلاغة ليس كتاباً عادياً قام بتدوينه شخص عادي، فهو كتاب حقائق كونية تبدأ من معرفة الباري عزّ وجلّ وتنتهي بالجنة وما بينهما تشع مشاعل الحياة الحرة الكريمة.

فنهج البلاغة يحث الناس على العدالة والمساواة والصبر والحكمة والتقدم وعدم الخضوع تحت الظلم و...

ويصلح أن يكون كتاباً للحياة.

ونهج البلاغة يقول: لا يسبقكم إلى صناعة الطائرة والصعود إلى القمر غيركم. حيث أشار إلى ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله: «أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض...»(1).

والمراد بطرق السماء أعم من التي تنزل منها الملائكة، وتصعد فيها أعمال العبد، فتشملّ ما يمكن للإنسان أن يصعد منها إلى السماء، أو يسير فيها من مكان إلى مكان، كما اكتشف أخيراً أن هناك في طبقات الجو تيارات هوائية وفراغات ممتدة إذا سارت الطائرة في بعضها أصابها العطب.

إن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يعلم بطرق السماء جيداً فكيف بالأرض؟

فإن العالم بطرق السماء لا بد وأن يعلم بكل شيء في الأرض، وذلك لأن الذي أطلعه على غيوب السماوات وأسرارها أطلعه أيضاً على حقائق الأرض وأسرارها {عَٰلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُ


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 189 من كلام له(عليه السلام) في الإيمان ووجوب الهجرة.

يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا}(1).

فاللّه تعالى هو عالم بكل الغيوب وعلّمها إلى رسله وعلى رأسهم النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو الذي علّمها لأمير المؤمنين(عليه السلام) وأمير المؤمنين علمها للأئمة من بعده... .

فعلي(عليه السلام) بيّن الكثير من العلوم للناس بخطبه وأحاديثه ومواعظه التي جمعت في كتابه نهج البلاغة.

فنهج البلاغة لم يدع شيئاً في الأرض ولا في السماء إلّا وقد بيّنه لنا ولو بنسبة أو أخرى.

ثانياً: التبليغ ونشر التعاليم الإسلامية

اشارة

الواجب الثاني في احياء ذكرى أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الاهتمام بالتبليغ ونشر التعاليم الإسلامية، فإننا حينما كنا يوماً مرتبطين بالاسلام عملاً لا انتساباً فقط، قمنا بفتح الدنيا فضمها الإسلام بين ذراعيه، وكان ذلك على ضوء المنطق لا السيف، نعم كان السيف للدفاع فقط.

لأن الإسلام حينما جاء قام بعمل مهم وهو تحكيم المنطق في الأمور، وفرض العدل كقانون عملي يتحكم بين الناس، وما كان حكم السيف إلّا للمجرمين. وبهذا العمل انتشر الإسلام في الحجاز وإلى أقصى نقطة في العالم.

أما المسلمون اليوم فلم يبرحوا أماكنهم، ولم يعملوا شيئاً لنشر الإسلام، وذلك لابتعادهم عن اللّه سبحانه وتعالى ورسوله والأئمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام)، وانشغالهم بقضايا جانبية وبخلافات مفتعلة بينهم هنا وهناك.


1) سورة الجن، الآية: 26-27.

الشيعة والآخرون

اليوم هناك فئات دينية ودنيوية كثيرة تتسابق على الساحة العالمية نذكر منها:

1- المسيحيين.

2- الوهابيين.

3- الشيعة.

ولا بأس بالمقايسة الإجمالية بين ما نعمله وما يعمله الآخرون رغم انحراف آرائهم ومذاهبهم، لكي نعرف إلى أي حدٍّ سبقونا في هذا المجال ولنشعر بالمسؤولية أكثر فأكثر.

انتشار الوهابية

في السنة الماضية(1)

دعا الوهابيون إلى مؤتمر عقد في إحدى الدول الغربية(2)،

لمدة عشرة أيام، وكان الغرض منه هو معرفة الطرق الكفيلة بترويج مذهب الوهابية ونشره في العالم، وكان عدد الذين حضروا المؤتمر من كافة أقطار العالم مائة وخمسون ألف شخص.

وقد عقدوا مؤتمراً آخر في (اسلام آباد) في الباكستان، حضره مائتا ألف شخص.

انظر كيف يتحرك الوهابيون؟

ونحن ماذا فعلنا؟

فكم عقدنا من مؤتمرات للبحث عن الشيعة وسبل تقدمها، بل لحلّ مشاكلها؟

والوهابية الآن أخذت تلتهم الدنيا بمبادئ خرافية فاسدة تصطدم بالعقل


1) عام (1412ه) المصادف (1991م).

2) وهي بلجيكا.

والمنطق والدين، ولكن؛ لأنهم يعملون - وإن كان على باطلهم - يتقدمون، لأن اللّه تعالى وضع في الكون قوانين للتقدم والتأخر فمن سلك قوانين التقدم تقدم ومن تخلى عنها تأخّر، وأولها العمل والهمة والإصرار على تحقيق الهدف وما أشبه. نعم الموازين الإلهية في الآخرة لا ترجح فيها إلّا كفة الصالحين والمؤمنين {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ}(1). فإن اللّه سبحانه في عالم الدنيا يمد المؤمن والكافر معاً، اختباراً وامتحاناً لهما ولغيرهما، قال عزّ وجلّ: {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ}(2).

واللّه تعالى قادر على أن يجعل يد شمر اللعين حينما تجرأ على قتل الإمام الحسين(عليه السلام) كالخشبة اليابسة لكيلا يستطيع قطع رأس الحسين(عليه السلام) ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك لحكم ومصالح أولها الاختبار.

والقاعدة أن اللّه سبحانه يمتحن ويبتلي الإنسان ويضع أمامه أسباب عمل الخير وأسباب عمل الشر ولو لم يخلقه قادر على الشر، لأصبح الإنسان مجبراً وبطل فيه امتحان الدينا والحساب في الآخرة.

فيجب العمل بأحكام الإسلام بجد وهمة لنتقدم على الآخرين الذين يتمتعون بنفس المواهب الإلهية ولكنهم بعملهم يتقدمون علينا، هذا وقد وعدنا اللّه بالنصر حيث قال: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(3).

انتشار المسيحية

لقد قرأت قبل سنتين في جريدة عربية(4)، خبراً مفاده أن البابا في الفاتيكان


1) سورة النساء، الآية: 124.

2) سورة الإسراء، الآية: 20.

3) سورة محمد، الآية: 7.

4) جريدة القبس الكويتية.

استطاع في مدة سنة واحدة، طبقاً للتقارير اليومية، أن يدخل ستين ألفاً من الناس في المسيحية.

تصوروا كم يمتلك هؤلاء من القدرة والقوة.

وفي الهند حيث يعيش (800) مليون كافر استطاعت المسيحية أن تجعل من بينهم عشرين مليوناً نصارى. ولقد شاهدت بنفسي حينما كنت في الكويت، أن تعداد الشيعة كان (330) ألف نسمة، أي ما يقارب ثلث المليون، وما كانوا يمتلكون أكثر من (15) مسجداً في كل البلد(1)، أما المسيحيون فكان عددهم في ذلك البلد حوالي مائة نفر فقط في حين أن كنائسهم كانت (21) كنيسة، كما كانت لهم عدة مدارس، وقد ذهب بعض الأصدقاء إلى إحداها، وهي مدرسة (فجر الصباح) في منطقة الفحيحيل وشاهدها عن قرب(2)، واطلع على محتواها وبرامجها.

كما كتبت الجريدة أن ما جمع هذه السنة من التبرعات لغرض العمل التبشيري يصل إلى (140) مليار دولار، وإن البابا لديه من الكادر المخصص للتبشير أربعة ملايين مبشر، وقد وفرت لهم كل المستلزمات المطلوبة من وسائط النقل والتمويل والرواتب الكافية.

هذا ما يعمله الآخرون.

فما هو واجبنا وكيف ننشر الإسلام؟

كيف ننشر الإسلام؟

إذا أردنا أن ننشر الإسلام بالشكل المناسب يلزم وضع برنامج عالمي لغرض


1) وقد عمل سماحة الإمام السيد الشيرازي(رحمه اللّه) حينها جاداً حتى صار تعداد المساجد (24) مسجداً تقريباً كما تأسست الحسينيات هناك وازدادت أيضاً في ما بعده أيضاً.

2) مدرسة فجر الصباح مدرسة مسيحية في منطقة الفحيحيل في الكويت، وكان يدرس فيها ثلاثة آلاف طالب مسلم.

التبليغ ودعوة الناس إلى الإسلام؛ لأن العالم اليوم - وبشكل عام - صار يتقبل الحجة والدليل، والإسلام هو الحجة والدليل بكل معانيه المنطقية، إلّا أن قسماً من الحكومات المسلمة تحول دون وصول الإسلام إلى الشعوب.

علماً بأن تقبل الشعوب للإسلام كبير جداً فكما يلتف الناس هنا في بلادنا حول العلماء ويتأثرون بتوجيهاتهم وإرشاداتهم فكذلك الأمر في كندا وبلجيكا وإفريقيا واليابان و...، وهناك كثير من أصدقائنا في أماكن عديدة من العالم كلهم يؤيدون هذا الكلام ويؤكدونه، والناس يلتفون حولهم، لأن المذهب والدين والمبادئ التي يدعون إليها منسجم تماماً مع الفطرة. وكلما اقترب الناس من الدين الإسلامي والمذهب الشيعي واطلعوا على آرائه ونظرياته يجدونه يتلاءم وينسجم مع فطرتهم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(1).

وجاء في بعض التفاسير: أن فطرة اللّه التي فطر الناس عليها هي الإيمان بشهادة «لا اله إلّا اللّه محمد رسول اللّه علي أمير المؤمنين ولي اللّه»(2).

فلذلك تجد الإسلام والتشيع يلائم الفطرة لأنه دين اللّه الذي أراده للبشر.

وقد اعتاد البعض المهتمين بنشر الإسلام أن يرسل المبلغين إلى المدن القريبة فقط، في حين أن المسيحيين أخذوا يرسلون المبشرين حتى إلى المناطق البعيدة والنائية أيضاً. وكذلك الوهابيون فهم ذهبوا إلى نقاط مختلفة من فرنسا وأخذوا يديرون مائة مسجد للمسلمين هناك.

لماذا نهج البلاغة والتبليغ؟

وبعد الإشارة إلى هذين النقطتين عن أسباب دراسة نهج البلاغة، والعمل من


1) سورة الروم، الآية: 30.

2) تفسير القمي 2: 255.

أجل وصول المبلغين المسلمين إلى جميع أنحاء العالم، وبعد بيان الهمة والنشاط التي يبديها المسيحيون والوهابيون في مجال التبليغ، رغم انحراف عقائدهم ومذاهبهم، أقول:

لا شك أن هذا العمل التبليغي فيه كثير من التعب والمشقة ولكن يلزم علينا أن نتحملها برحابة صدر، وهذا أمر طبيعي، فإنه حتى النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لاقى أكثر التعب أثناء التبليغ الرسالة الإسلامية حتى قال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت»(1)، لأن كل هدف سام في الحياة بحاجة إلى طاقات وجهود وتحمل مشاق ومتاعب في سبيله، ولا تعتقدوا أن العمل التبليغي فقط هو العمل المتعب، بل إن الحياة بشكل عام متعبة حتى أن الحج فيه تعب، والذهاب إلى خراسان للزيارة فيه تعب ونصب لكن على الإنسان أن يتحمله.

والحقيقة أننا حينما نعتقد بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فإن ذلك معناه أن بأيدينا شمساً تضيء لكل العالم وتزيح كل ظلام الوجود لكن علينا أن لا نحرم العالم من معرفة هذا النور.

عهد أمير المؤمنين(عليه السلام)

لقد كان في عهد الدولة القاجارية رئيس للوزراء يدعى (عين الدولة) وقد حكم خمسين سنة، وفي عيد من أعياد النيروز بينما كان جالساً والناس يأتون إليه ويقدمون له الهدايا الثمينة، جاءه أحد طلاب العلوم الإسلامية وقدم لعين الدولة نسخة من (عهد أمير المؤمنين(عليه السلام) لمالك الأشتر)، وكان العهد مخطوطاً بخط جميل جداً فرحب به عين الدولة وشكره كثيراً متظاهراً باعتزازه بهذه الهدية وقال له: إنك جئت بأفضل الهدايا، فإن الهدايا الأخرى هي هدايا مادية، لكن هديتك


1) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 3: 247.

هذه هي هدية معنوية.

فقال الطالب لعين الدولة: لقد جئت لك بهذه الهدية لكي تتخذ منها اسلوباً للعمل في حكومتك.

فلما أراد الطالب أن ينصرف، قال له عين الدولة: اجلس، وأخّره حتى الظهر ليتناول معه طعام الغداء، ولما ذهب جميع من في المجلس قال عين الدولة لخادمه: أن يغلق الأبواب ولا يسمح لأحد بالدخول.

ولما ذهب خادمه نظر عين الدولة مغضباً للطالب وقال: ما هذه الهدية التي جئتني بها؟

فقال له الطالب: وماذا فيها؟ فإنك قد امتدحتها قبل قليل.

فقال عين الدولة مستهزءاً: إن علي بن أبي طالب في حياته لم يكن قادراً على فعل شيء مما فيها (يريد الانتقاص بالإمام(عليه السلام))، وأنت الآن بعد (1300سنة) جئتني بهذا (العهد) وتريد مني أن اعمل على ضوئه!!

فقال له الطالب: لقد كنت أتصور أنك تليق بمنصب رئيس الوزراء حقاً، لكني الآن عرفت أن فهمك أقل من فهم السُّذَّج من الناس وأنك غير لائق لهذه الهدية العظيمة، ولكن لتعرف أنه كيف حكم الإمام(عليه السلام) وسيطر على العالم يكفيك موقفك هذا فإنك الآن رئيس الوزراء وبينك وبين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ألف وثلاثمائة عام، إلّا أنك تخاف من الإمام(عليه السلام) ومن محبيه فتمدحه في مجلسك أمام الملأ، ثم تأتي في هذه الغرفة بعيداً عن الناس وتغلق الباب لتورد على الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) هذا الأشكال السخيف، لقد ظننت أنك تدرك الأمور لكن اتضح لي غير ذلك، ومن أين لنا برجل كعلي بن أبي طالب(عليه السلام)؟، صار سيد الدنيا قبل أن يكون سيد الآخرة هذا، بالإضافة إلى أن أمير المؤمنين(عليه السلام) جلب العزة لنفسه، وصار من أسياد الدنيا وسار على نهجه

الملايين، وبقي اسمه خالداً تذكرهبالعظمة المآذن والمنابر عبر العصور والأزمان، بل وجعل أعداءه وهؤلاء الذين لا ينتمون إليه بل ولا يؤمنون بدينه يمجدونه ويمدحونه بأعظم المدح.

كما أن علي بن أبي طالب(عليه السلام)خلف لذريته المكانة بين الناس، بحيث إنهم حينما يدخلون المجالس فإن الناس يرفعون أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد ترحيباً بهم.

كما أنهم وحباً لعلي بن طالب(عليه السلام)، يعمرون قبور كل من ذريته(عليه السلام). ويقيمون لهم الأضرحة والمراقد الشامخة المنيرة، ويجعلونها مزاراً ومحلاً للعبادة.

فخجل عين الدولة كثيراً واعتذر له وأعطاه الهدية.

وهذه قم المقدسة فإنها لم تكن بهذا الشكل الذي هي عليه الآن لولا وجود قبر السيدة المعصومة(عليها السلام) وهي من ذرية الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وتم دفنها بعد وفاتها بالسم وهي بعمر (18 عام) وقد نقل المرجع الديني المرحوم السيد المرعشي(رحمه اللّه) قائلاً:

إن قبر السيدة معصومة(عليها السلام) قد تهدم قبل خمسين عاماً، ولما أرادوا اعماره وحفروا قرب جسدها الشريف، رأيت جسدها لا يزال هو هو ولم يمسه شيء وإلى جانبه جسدان لاثنتين من النساء اللاتي كن يخدمن السيدة المعصومة وكأنهما نائمتان!

فاستدل هذا الطالب بآثار من عظمة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ليعيد الحاكم إلى صوابه ويفهمه أن الإمام(عليه السلام) كيف بقي حياً إلى اليوم وسيبقى إلى يوم القيامة.

قوة المنطق

نعم حجتنا نحن المسلمون والشيعة قوية جداً وليس علينا إلّا بيان ذلك للعالم فإنها توافق المنطق وتدعمها أدلة كثيرة نلمسها مادياً ومعنوياً في حياتنا

اليومية...

لو خطب علي(عليه السلام)

ثم إنه لا يقاس بالامام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أحد، فإنك حينما تصعد المنبر وتريد أن تتحدث عن أرسطو وأفلاطون وسقراط وابن سينا وعن الرازي وغيرهم من العظماء، تجد أن هؤلاء لا شيء أمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقد لا يرغب الكثير بالسماع عنهم ولكنك لو جئت بكلام عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) من نهج البلاغة تجد أن جميع الناس يستمعون إليك.

وهذه حادثة رواها أحد المتصرفين(1)في مدينة كربلاء، قال: عندما سافرت إلى دمشق دار حديث بيننا هناك، فقال البعض: لماذا تقدّس الشيعة علي بن أبي طالب إلى هذا الحد دون غيره من الصحابة؟

فقلت لذلك السائل: إني لست من الشيعة، وإني أعمل حاكماً في إحدى المدن ومن أصحاب الشهادات، وجواب هذا السؤال واضح وبأبسط دليل علمي ومنطقي، ففي دمشق - الآن - لو فرضنا أن هناك مسجدين، أحدهما مسجد كبير كالمسجد الأموي، والثاني مسجد صغير جداً، وقالوا: إن علي بن أبي طالب(عليه السلام) وغيره من الخلفاء، أو معاوية، أو هارون، أو المأمون عادوا أحياءً، وعلي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الآن يقف خطيباً في ذلك المسجد الصغير، ومعاوية مثلاً، يتحدث من على منبر المسجد الأموي الكبير، فأين سنذهب أنا وأنتم؟ إلى هذا المسجد الذي فيه علي(عليه السلام) أم الى ذلك المسجد الآخر؟

فقالوا: إننا سنذهب حتماً لنستمع إلى علي بن أبي طالب.

فقلت لهم: فإن تقديس الشيعة نابع من أفضلية علي(عليه السلام) على غيره، فمع إنك


1) وهو المتصرف (أحمد حامد الصراف).

لست بشيعي وربما تحمل في نفسك شيئاً عليهم،رجحت الحضور إلى علي(عليه السلام)وإن كان بعد مرور (1350) عام من شهادة الإمام(عليه السلام)، فكيف بالشيعة لا يقدسونه وهم يعرفونه تمام المعرفة ويرتبطون به ارتباطاً وثيقاً!!

وفي الحقيقة لم تكن كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة أمراً عادياً، ولم تكن بعيدة عن الواقع المعاصر، بل كانت منهجاً لكل المجتمعات. وواقع الحال يشير إلى ذلك، لأن الغرب عمل ببعضها وأبعدنا عنها فوصل إلى قمة تقدّمه الحضاري والتكنولوجي دوننا، فإن أمير المؤمنين علياً(عليه السلام) كالشمس بيننا يضيء للعالم أجمع، لكننا جئنا وحصرناه في مدينة واحدة واحتجبنا عنه وعن أنواره. فليس لنا بعد ذلك أن نتساءل بتعجب: لماذا صار العراق هكذا؟ أو أصبح أفغانستان كذا؟ ولماذا هدم مسجد بابري وقتل بسببه (23) ألف مسلم؟(1)

فإن الجواب هو: أن هذه المآسي كلها من تركنا للإسلام ولمنهج أمير المؤمنين(عليه السلام) وبتخطيط من الاستعمار فإنهم عملوا على استغلال أشعة الشمس كلها ووجهوا لنا أشعة كاذبة، أعدت كل ذلك بدراسة ودراية وأبعدتنا عن الشمس الحقيقة وأشعتها المضيئة أي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، والحقيقة أن الشمس ملك لكل العالم، ليست للعراق وحده ولا لأفغانستان أو إيران أو الباكستان، فعلينا أولاً أن نتمسك بهذا النور الطاهر ثم نبينه للعالم أجمع.

كتمان الحقيقة

أما كتمان الحقيقة فمن أشد المحرمات وهذه الخصوصية ذكرها اللّه تعالى حيث قال: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَٰقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ


1) مسجد بابري الواقع في مدينة آيوديا في ولاية أوتار براديش الهندية، أحد أكبر المساجد هناك، والذي هُدم من قبل الهندوس في سنة (1992م) بعد نزاع طال أكثر من. (140) عاماً وأسفر النزاع إلى قتل الكثير من المسلمين وفي النهاية إلى هدم المسجد.

فَنَبَذُوهُوَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}(1).

حيث إنه بعد ما كذبت اليهود والنصارى الرسل أخبرنا اللّه تعالى بنقضهم الميثاق والعهود المأخوذة منهم.

والآية تشمل أيضاً من لديهم علم بشي من الكتب السماوية والعهد الذي أخذ عليهم بتبيان الحق، وهو نبوة الرسول الأعظم محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، والدين الإسلامي، حيث ألزمهم أن لا يخفوه، ولكنهم ضيعوه وتركوه وراء ظهورهم فلم يعملوا به.

وإن ما نراه اليوم هو استمرار لذلك النقض والتكذيب بكتمان حقيقة أمير المؤمنين(عليه السلام)، فترى كثيراً منهم يعرفون الحقيقة في قلوبهم ولا يبينونها، فعلينا أن نبين هذه الحقائق وعلى رأسها حقيقة أمير المؤمنين(عليه السلام) للعالم بأسره حتى يستضيئوا بنوره.


1) سورة آل عمران، الآية: 187.

نحو إدارة ناجحة

الإدارة والمداراة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن في كل شيء موعظة وعبرة لذوي اللبّ والاعتبار»(1).

الإدارة تنقسم إلى قسمين: إدارة ناجحة، وإدارة فاشلة، ولكل منهما أسباب، فالإدارة الناجحة لا تكون إلّا بمقوماتها، من شروط ومقتضيات وعدم المانع إلى غير ذلك مما هو مذكور في محله. وإلّا ستكون فاشلة.

ومن أهم مقومات الإدارة الناجحة: هي المداراة.

وقد ورد في اللغة: مداراة الناس: المداجاة والملاينة، ومنه الحديث: «رأس العقل بعد الإيمان باللّه مداراة الناس»(2)أي ملاينتهم وحسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في حديث آخر: «رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر»(4). وهذا مصداق من مصاديق المداراة كما لا يخفى.


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 224.

2) تحف العقول: 42.

3) لسان العرب 14: 255.

4) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 35.

إن من أهم ما يلزم الاهتمام به من قبل الجميع: المداراة، التي هي من حُسن الإدارة، وكذلك معرفة الأسس التي سار عليها الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرون(عليهم السلام) في إدارة شؤون المجتمع والتعامل مع الناس مما يُعبّر عنه بفن التعايش، وكذلك معرفة أنه كيف استطاع الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)أن يجمع تحت راية الإسلام تلك الأقوام المتناحرة التي كانت تعاني من التفرق والتشتت والجهل والعداوة والبغضاء، وأن يضع لهم برنامجاً متكاملاً لتهذيب النفس، وأن يجعلهم رحماء بينهم، وأن يجنّد الطاقات في سبيل الخير والفضيلة، ويحقق بهؤلاء القوم النصر والغلبة على باقي الأمم المعاصرة لهم في ذلك الزمان وفي كل الميادين؟

وعلى رغم هذه الجهود العظيمة التي بذلها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وضرورة معرفتها والتأسي بها، فإننا لم نشاهد بالمقدار الكافي كتباً وبحوثاً قد تناولت سيرة وحياة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بشكل تحليلي متكامل، بحيث يستوفي تلك السيرة العظيمة العطرة المعطاء، ولا يخفى أن هذا العمل صعب للغاية، إلّا أنه لو تحقق ذلك لكان عملاً كبيراً نافعاً جداً.

ونحن لا نريد التنكر لما كتب عن سيرة وتاريخ الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الكتب المهمة الموجودة بأيدينا - وإن كانت قليلة - ، لكن ذلك لم يكن بشكل تفصيلي وتحليلي متكامل ولم يستوف الغرض.

لذا يلزم أن يسعى الجميع ولفائدة الأمة الإسلامية ولكل بني الإنسان، في أن تُكتب سيرة النبي وأهل بيته(عليهم السلام) بشكل مفصّل ومبوّب ووافٍ وبلسان العصر، وذلك بالشكل الذي يكتب فيه الفقهاء الروايات المختلفة التي تبوب في الأبواب المتعددة الفقهية، ويتناولونها بالدرس والتحليل والجمع بين المتعارضين، كما

هو المشاهد من باب الطهارة إلى باب الديات.

فمثلاً، عن كيفية الإدارة يستطيع الكاتب أن يتناول الأساليب التي اتبعها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أثناء إدارته لشؤون بلاد المسلمين، وكذلك في الجانب الاقتصادي والعمراني يكتب عن كيفية تعامل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع هذا الحقل المهم من حياة الناس، وكذلك عن تلك الأخلاقية التي تعامل بها النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وآله(عليهم السلام) في هذه الميادين، لأن المعصومين(عليهم السلام) كانوا في تعاملهم أسوة وقدوة ليس للمسلمين فحسب، بل لكل البشرية على الإطلاق، ولو تم تدوين تاريخهم وأساليبهم في الحياة لأصبح لدى الإنسانية منهجاً كاملاً متكاملاً وأسلوباً ناجحاً بلا شك ولا ريب، تسير عليه الأمم في الحياة الدنيا وتضمن السعادة في الحياة الأخرى.

والحقيقة أن ما يقارب (90%) من خصوصيات وسلوك النبي والأئمة(عليهم السلام) وسيرتهم الطاهرة في مجالات الحياة المختلفة غير مسجلة أو غير متوفرة بأيدينا اليوم، ولو راجعنا التاريخ واستخرجنا بعض ذلك منه متخذين من الدراسة والتحقيق العميق وسيلة إلى ذلك، لاستطعنا أن نفهم بعض تلك الحقائق الحيوية، ولاتخذناها منهجاً نموذجياً حياً نسير عليه في حياتنا.

الخطب اليومية للرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم)

ومما يدل على ما ذكرناه من أن الكثير من أساليب الإدارة الناجحة لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) لم تصلنا، وأنه قد ذكر في كتب التاريخ أن الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يخطب بعد كل صلاة من الصلوات اليومية الواجبة، فكل يوم خمسة خطب، فكم خطبة تكون في حياته الرسالية المباركة؟ هذا بالإضافة إلى سائر خطبه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مختلف المستجدات.

ولكن كم هي الخطب التي وصلتنا؟(1).

فن إدارة المعارضة

اشارة

وكذلك الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فله مناظرات عديدة مع الخوارج، وهي تبين بدورها أسلوب التعامل مع المعارضة وفن إدارة الأعداء الداخليين، وبعض هذه المناظرات والبحوث والنقاشات كان يطول أكثر من ثمان ساعات أحياناً، ولكنه لم يصلنا منها إلّا الشيء القليل.

روي أن رجلاً من أصحابه قام إليه فقال: إنك نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فما ندري أي الأمرين أرشد؟!

فصفَّق(عليه السلام) إحدى يديه على الأخرى، ثم قال: «هذا جزاء من ترك العقدة، أما واللّه، لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي جعل اللّه فيه خيراً كثيراً، فإن استقمتم هديتكم، وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى من أريد أن أداوي بكم، وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها. اللّهم قد ملَّت أطباء هذا الداء الدوي، وكلَّت النزعة بأشطان الركي».

فقال(عليه السلام) وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة بعد كلام طويل: «ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخديعة: إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم! فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوله


1) بذل بعض العلماء والمؤرخين جهودهم لجمع خطب النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، نذكر منهم: عبد العزيز بن يحيى الجلودي في كتاب الخطب، ذكره النجاشي في رجاله، ومنهم: أبو الحسن المدائني، والشيخ موسى الزنجاني في كتاب مدينة البلاغة في خطب النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وكتبه ووصاياه، في مجلدين، والسيد محمد سعيد بن السيد ناصر حسين الموسوي اللكهنوي في كتاب معراج البلاغة، وغيرها.

رحمة وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم والزموا طريقتكم وعضوا على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق إن أجيب أضل وإن ترك ذل، فلقد كنا مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإن القتل ليدور بين الآباء والأبناء والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلّا إيماناً ومضياً على الحق وتسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح، ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلم اللّه بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية في ما بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عمّا سواها».

وقال(عليه السلام) في التحكيم: «إنا لم نحكم الرجال؛ وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال، ولما أن دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب اللّه عزّ وجلّ وقد قال اللّه سبحانه: {فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِي شَيْءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ}(1)فرده إلى اللّه أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في كتاب اللّه فنحن أحق الناس به، وإذا حكم سنة رسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فنحن أولاهم به، وأما قولكم: لم جعلت بينك وبينهم أجلاً في التحكيم؛ فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم، ولعل اللّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا تؤخذ بأكظامها فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لأول الغي».

وروي: أن أمير المؤمنين(عليه السلام) أرسل عبد اللّه بن العباس إلى الخوارج، وكان بمرأى منهم ومسمع، قالوا له في الجواب: إنا نقمنا يا ابن عباس على صاحبك خصالاً كلها مكفرة موبقة؛ تدعو إلى النار!


1) سورة النساء، الآية: 59.

أما أولها: فإنه محا اسمه من إمرة المؤمنين ثم كتب بينه وبين معاوية، فإذا لم يكن أمير المؤمنين ونحن المؤمنون لسنا نرضى بأن يكون أميرنا.

وأما الثانية: فإنه شك في نفسه حين قال للحَكَمين: انظرا، فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه وإن كنت أولى بها فأثبتاني، فإذا هو شك في نفسه ولم يدر أهو المحق أم معاوية فنحن فيه أشد شكاً.

والثالثة: أنه جعل الحكم إلى غيره، وقد كان عندنا أحكم الناس.

والرابعة: أنه حَكم الرجال في دين اللّه ولم يكن ذلك إليه.

والخامسة: أنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة، ومنعنا النساء والذرية.

والسادسة: أنه كان وصياً فضيَّع الوصية.

قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، وأنت أحق بجوابهم؟

فقال(عليه السلام): «نعم»، ثم قال: «يا ابن عباس قل لهم: ألستم ترضون بحكم اللّه وحكم رسوله؟».

قالوا: نعم.

قال: «أبدأ على ما بدأتم به في بدء الأمر»، ثم قال: «كنت أكتب لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الوحي والقضايا والشروط والأمان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، فكتبت بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما اصطلح عليه محمد رسول اللّه وأبو سفيان صخر بن حرب وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نقرّ أنك رسول اللّه، ولكنا نحسب ذلك شرفاً لك أن تقدم اسمك على أسمائنا، وإن كنا أسن منك وأبي أسن من أبيك، فأمرني رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: اكتب مكان بسم اللّه الرحمن الرحيم، باسمك اللّهم، فمحوت ذلك وكتبت باسمك اللّهم، ومحوت رسول اللّه وكتبت محمد بن عبد اللّه، فقال لي: إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره، وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو

بن العاص: هذا مااصطلح عليه أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص، فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن اكتب: علي بن أبي طالب، فمحوت كما محا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم؟!»

فقالوا: هذه لك خرجت منها!

قال: «وأما قولكم: إني شككت في نفسي حيث قلت للحَكَمين: انظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه؛ فإن ذلك لم يكن شكاً مني ولكن أنصفت في القول، قال اللّه تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ}(1)ولم يكن ذلك شكاً، وقد علم اللّه أن نبيه على الحق».

قالوا: وهذه لك!

قال: «وأما قولكم: إني جعلت الحكم إلى غيري، وقد كنت عندكم أحكم الناس، فهذا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة، وقد كان من أحكم الناس، وقد قال اللّه تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(2)فتأسيت برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)».

قالوا: وهذه لك بحجتنا!

قال: «وأما قولكم: إني حكَّمت في دين اللّه الرجال، فما حكَّمت الرجال؛ وإنما حكمت كلام ربي الذي جعله اللّه حكماً بين أهله، وقد حكم اللّه الرجال في طائر، فقال: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٖ مِّنكُمْ}(3)فدماء المسلمين أعظم من دم طائر».


1) سورة سبأ، الآية: 24.

2) سورة الأحزاب، الآية: 21.

3) سورة المائدة، الآية: 95.

قالوا: وهذه لك بحجتنا!

قال: «وأما قولكم: إني قسمت يوم البصرة لما ظفرني اللّه بأصحاب الجمل الكراع والسلاح، ومنعتكم النساء والذرية؛ فإني مننت على أهل البصرة كما من رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على أهل مكة، فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيراً بكبير، فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟!».

قالوا: وهذه لك بحجتنا!

قال: «وأما قولكم: إني كنت وصياً فضيَّعت الوصية، فأنتم كفرتم وقدمتم علي وأزلتم الأمر عني، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، إنما يبعث اللّه الأنبياء(عليهم السلام) فيدعون إلى أنفسهم، وأما الوصي فمدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه، وذلك لمن آمن باللّه ورسوله، ولقد قال اللّه جلّ ذكره: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(1)فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم؛ لأن اللّه تعالى قد نصبه لهم عَلَماً، وكذلك نصبني علماً، حيث قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنت مني بمنزلة الكعبة تُؤتى ولا تأتي».

فقالوا: وهذه لك بحجتنا! فأذعنوا، فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه، فقاتلهم وقتلهم»(2).

علماً بأنهم هم الذين بدؤوا بالقتال ولم يبدأهم الإمام(عليه السلام).

ومن هذه المناظرة يعلم مدى تلك الحريات التي كانت تتمتع بها المعارضة، وأن الإمام(عليه السلام) أخذ يجيب على شبهاتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبشكل


1) سورة آل عمران، الآية: 97.

2) الاحتجاج 1: 185.

يوجب الإقناع.

وهذه كلها دروس في فن إدارة المعارضة. وهي بعيدة كل البعد عمّا نراه اليوم في حكوماتنا حيث لا يمكن للمعارضة أن تتنفس.

ومما يؤسف له أن السيرة العطرة لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمة الطاهرين من ذريته(عليهم السلام) لم يصلنا بالشكل الكامل، وإن كان في ما بأيدينا ما يكفي للتأسي بهم والاقتداء بهديهم.

إن التاريخ قد نقل لنا عن المتعلمين في مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام) وسائر الأئمة(عليهم السلام) أنهم تعلّموا ورروا عشرات الآلاف من الأحاديث، حتى قال بعضهم: تعلّمت من جعفر الصادق(عليه السلام) مائة وخمسين ألف حديث(1)

وعن جابر قال: (عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر محمد الباقر(عليه السلام) عن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم)) بحار الأنوار 53: 139.

وعن جابر الجعفي قال: (حدثني أبو جعفر(عليه السلام) تسعين ألف حديث) بحار الأنوار 2: 69.

وأبان بن تغلب (روى عن الصادق(عليه السلام) ثلاثين ألف حديث). انظر وسائل الشيعة 30: 200.

.

لكننا - وللأسف - لم يصلنا من كل تلك الأحاديث إلّا بعضها، كما أن ما جاء في كتاب (وسائل الشيعة) لا يبلغ ثلث هذا الرقم(2)،

فإن سيرته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسيرة أهل بيته(عليهم السلام) لم تصل إلينا كاملة، فسيرته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قبل البعثة لم يصلنا منها إلّا القليل، من قبيل لقائه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع بحيرا الراهب(3)، ووضع الحجر الأسود(4)، وبعض القصص والحوادث التاريخية الأخرى.


1) عن محمد بن مسلم قال: (ما شجر في قلبي شيء إلّا سألت عنه أبا جعفر(عليه السلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن ستة عشر ألف حديث) بحار الأنوار 46: 328.

2) إن الأحاديث التي وردت في كتاب (وسائل الشيعة) هي 35868 حديثاً.

3) انظر بحار الأنوار 15: 174.

4) انظر الكافي 4: 217.

قصة وضع الحجر

عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إن قريشاً في الجاهلية هدموا البيت، فلما أرادوا بناءه حيل بينهم وبينه وألقي في روعهم الرعب، حتى قال قائل منهم: ليأتي كل رجلٍ منكم بأطيب ماله، ولا تأتوا بمال اكتسبتموه من قطيعة رحمٍ أو حرامٍ، ففعلوا، فخلي بينهم وبين بنائه، فبنوه حتى انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، فتشاجروا فيه أيهم يضع الحجر الأسود في موضعه، حتى كاد أن يكون بينهم شرّ، فحكموا أول من يدخل من باب المسجد، فدخل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلما أتاهم أمر بثوبٍ فبسط، ثم وضع الحجر في وسطه، ثم أخذت القبائل بجوانب الثوب فرفعوه، ثم تناوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فوضعه في موضعه فخصه اللّه به»(1).

وقالوا: إنما هدمت قريش الكعبة لأن السيل كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها فانصدعت، وسرق من الكعبة غزال من ذهبٍ رجلاه من جوهرٍ، وكان حائطها قصيراً، وكان ذلك قبل مبعث النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بثلاثين سنة، فأرادت قريش أن يهدموا الكعبة ويبنوها ويزيدوا في عرصتها، ثم أشفقوا من ذلك وخافوا إن وضعوا فيها المعاول أن تنزل عليهم عقوبة.

فقال الوليد بن المغيرة: دعوني أبدأ فإن كان للّه رضًا لم يصبني شيء، وإن كان غير ذلك كففنا، فصعد على الكعبة وحرك منه حجراً فخرجت عليه حية وانكسفت الشمس.

فلما رأوا ذلك بكوا وتضرعوا، وقالوا: اللّهم إنا لا نريد إلّا الإصلاح، فغابت عنهم الحية، فهدموه ونحوا حجارته حوله، حتى بلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم(عليه السلام)، فلما أرادوا أن يزيدوا في عرصته وحركوا القواعد التي وضعها إبراهيم(عليه السلام) أصابتهم


1) الكافي 4: 217.

زلزلة شديدة وظلمة، فكفوا عنه، وكان بنيان إبراهيم(عليه السلام) الطول ثلاثون ذراعاً والعرض اثنان وعشرون ذراعاً والسمك تسعة أذرعٍ، فقالت قريش: نزيد في سمكها، فبنوها، فلما بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في وضعه، فقال كل قبيلةٍ: نحن أولى به، نحن نضعه، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة، فطلع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقالوا: هذا الأمين قد جاء، فحكّموه، فبسط رداءه، وقال بعضهم: كساء طاروني كان له، ووضع الحجر فيه، ثم قال: «يأتي من كل ربعٍ من قريشٍ رجل، فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمسٍ، والأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزومٍ، وقيس بن عدي من بني سهمٍ، فرفعوه، ووضعه النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في موضعه(1).

إلى بعض القصص الأخرى المختصرة جداً التي وردتنا عن الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قبل البعثة النبوية الشريفة، ولو دوّن التاريخ خلال الأربعين سنة التي سبقت البعثة كل سيرته العطرة لكانت عشرات المجلدات.

معنى الإدارة وتقسيماتها

الإدارة(2)هي فن ممارسة سلطة الإنسان على أفراد جنسه أو على الطبيعة، ولكن هذه السلطة تختلف من شخص إلى آخر، فبعض يستحقها وبعض تقمّصها، وعند البعض تكون الإدارة هي السلطة المطلقة، فالشخص الذي يمارس الإدارة حتى وإن لم يكن مؤهلاً لها شرعاً، لكنه يمتلك صلاحية كاملة في توجيه ما يريد وكيفما يريد وأينما يريد، وهذه الفكرة عادة تترسخ عند الاستبداديين ومن يدور في فلكهم.


1) الكافي 4: 217.

2) للتفصيل راجع مؤلفات الإمام الشيرازي(رحمه اللّه) في هذا المجال، وهي: (الفقه: الإدارة المجلد 1و2). و(تنمية القدرات الإدارية) و(كيف تدير الأمور؟).

أما الإسلاميون فلا يرون هذه الإدارة المطلقة للإنسان العادي، بل الإدارة المطلقة والولاية المطلقة تكون من خصائص الباري عزّ وجلّ وهو عادل لايظلم أحداً، وكذلك من خوّله اللّه تعالى لها، وهوالنبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم(عليه السلام)، أما الإنسان العادي فلا يحق أن يقوم بهذه السلطة المطلقة.

نعم هناك سلطة محدودة وولاية مشروطة يمارسها بعض الأشخاص الذين يخولهم النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أو الإمام المعصوم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أو من ينوب عنهم(عليهم السلام) في زمن الغيبة، من الفقهاء المراجع العدول، فهؤلاء سلطتهم الإدارية محدودة بالشرع المقدس وتكون خاضعة لولاية شورى الفقهاء المراجع في المسائل العامة.

السلطات وأقسامها

قسموا السلطة إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: السلطة التشريعية.

وثانياً: السلطة التنفيذية.

وثالثاً: السلطة القضائية(1)

أولاً: السلطة التشريعية: وهي التي تملك حق سنّ القوانين ومناقشتها ومراقبة تنفيذها وسلامتها. وتمثل السلطة التشريعية عادةً في مجلس نيابي يشترط في أعضائه المواطنة وخلو السجل العدلي من الجناية وسلامة العقل واكتمال الأهلية، ومن أهم واجباتها منع استبداد الهيئة التنفيذية.

ثانياً: السلطة التنفيذية: وهي أحدى السلطات الثلاث التي تشمل المؤسسات والوظائف المختصة بتنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، وعلى هذا الأساس تشمل رئيس الجمهورية والمجالس المحلية وموظفي الدولة كافة باستثناء القضاة. ولها أعمال تتصل بالاستقرار الداخلي والدفاع والعلاقات مع دول العالم وتنظيم مالية الدولة، وتنظيم القضاة، وتقديم الخدمات للمواطنين، وتنشيط الاقتصاد.

وثالثاً: السلطة القضائية: وهي المناط بها وظيفة تفسير القانون وتطبيقه على الوقائع المعنية التي تعرض على هيئاتها كالمحاكم، ولا بد من توافر حسن العدالة ومعرفة القانون والاستقلال والنزاهة في القضاة، ويعتبر استقلاليتها في الأنظمة الديمقرطية مبدأ لا يجوز المساس به.

.

1) لقد عرّفت هذه السلطات في الوقت الحاضر ووفق القوانين الوضعية حسب ما يلي:

وهذه السلطات جميعها كانت للنبي والإمام المعصوم (عليهما أفضل الصلاة والسلام). وذلك بنصوص من القرآن والسنة الشريفة دلت على ذلك، منها قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}(1). وقوله سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ}(2). وقوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(3). إلى غيرها من النصوص الدالة على ذلك.

أما السلطات المحدودة فليس لها الحق في التشريع، وإنما تقتصر مهمتها في السلطة التنفيذية والقضائية كما هو حال علمائنا اليوم، فمهمتهم استنباط وتنفيذ الأحكام التي أقرتها الشريعة، وكذلك القضاء بين الناس، وخصوصاً في الأمور المستحدثة حسب الرواية المشهورة: «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(4).

وهذه السلطات نوع من الإدارة بالمعنى الأعم كما لايخفى.

مراحل الإدارة في صدر الإسلام

اشارة

ربما يمكن تقسيم الإدارة في عصر الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى خمس مراحل، علماً بأن الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد واجه في تلك الإدارة وترسيخها الكثير من الصعوبات التي لم يواجهها أحد من القادة ولا شخص من الأنبياء(عليهم السلام) وذلك في سبيل نشر الإسلام، وتركيز دعائمه عبر الإدارة الناجحة في البلاد الإسلامية.

المرحلة الأولى

من المعلوم، أن الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بدأ بنشر رسالته الإلهية في مجتمع


1) سورة الأحزاب، الآية: 6.

2) سورة المائدة، الآية: 55.

3) سورة النساء، الآية: 59.

4) كمال الدين 2: 484.

مكة،وكان هذا المجتمع جاهلياً بتمام معنى الكلمة، حيث تكثر فيه الخرافات والعادات السلبية السيئة، ومن البديهي أن يصعب العمل الإصلاحي والتنظيمي لأي شخص في مثل هذا المجتمع، وكذلك من الصعب جداً إدارة مجتمع من هذا النوع بإدارة ناجحة في سبيل تغييرها والتركيز على المبادئ الإسلامية الفاضلة.

وقد عمل الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في سبيل إرساء قاعدته وخططه الإدارية الناجحة في ذلك المجتمع بحذر شديد، وبصورة محدودة، وبشكل تدريجي، وقد واجه من المشركين أكبر المشاكل، فاقتصر(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في باديء الأمر على إدارة من آمن من الناس، ونشر الرسالة الإسلامية بين من تقبله من المؤمنين، حيث لم يتقبل منه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في أول الأمر إلّا أفراد معدودون كما هو المشهور في التاريخ، وكان على رأسهم وأولهم إيماناً به(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ابن عمه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وكذلك أم المؤمنين خديجة بنت خويلد(عليها السلام)، قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنا عبد اللّه وأخو رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب مفتر، ولقد صلّيت قبل الناس سبع سنين»(1).

وعن ابن عباس قال: أول من آمن برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من الرجال علي(عليه السلام)، ومن النساء خديجة(عليها السلام)(2).

وتعد هذه الفترة هي المرحلة الأولى التي نشأت فيها الإدارة الإسلامية الناجحة، وكان النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في هذه الفترة يوزع الأعمال الإدارية في ما بين المؤمنين لنشر الرسالة الإسلامية وترسيخ دعائمها، واستمرت هذه الفترة من


1) إعلام الورى 1: 360.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 259.

البعثة النبويةالشريفة إلى دخول النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه شعب أبي طالب(عليه السلام)، ودخل في هذه الفترة مجموعة من الناس في الإسلام.

المرحلة الثانية

أما المرحلة الثانية، فقد بدأت عند ما أرسلت الأوس والخزرج وفودها إلى الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لتبايعه، فأمر(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من بين الوفود التي وفدت عليه من الأوس والخزرج اثني عشر نقيباً ليقوموا بتنظيم الأمور وإدارتها بين قومهم.

روي أن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم، فلقي رهطاً من الخزرج، فقال: «ألا تجلسون أحدثكم؟».

قالوا: بلى.

فجلسوا إليه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فدعاهم إلى اللّه وتلا عليهم القرآن.

فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون واللّه إنه النبي الذي كان يوعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، وعسى أن يجمع اللّه بينهم بك، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك، وكانوا ستة نفر.

قال - الراوي - : فلما قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر، فما دار حول إلّا وفيها حديث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فبايعوه على بيعة النساء أن لا يشركوا باللّه شيئاً ولا يسرقوا، إلى آخرها، ثم انصرفوا، وبعث معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم، وكان بينهم بالمدينة يُسمى المقرئ، فلم يبق دار في المدينة إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلّا دار أمية وحطيمة ووائل وهم من الأوس، ثم عاد مصعب إلى مكة.

وخرج من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم، فاجتمعوا في الشعب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيام التشريق بالليل، فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أبايعكم

على الإسلام؟».

فقال له بعضهم: نريد أن تعرفنا يا رسول اللّه، ما للّه علينا وما لك علينا وما لنا على اللّه؟

فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أما ما للّه عليكم فأن تعبدوه ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم، وأن تصبروا على عضّ السيف وإن يقتل خياركم».

قالوا: فإذا فعلنا ذلك ما لنا على اللّه؟

قال: «أما في الدنيا فالظهور على من عاداكم، وفي الآخرة رضوانه والجنة».

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك بما نمنع به أزرنا، فبايعنا يا رسول اللّه؛ فنحن واللّه أهل الحروب وأهل الحلفة ورثناها كباراً عن كبار.

فقال أبو الهيثم: إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم». ثم قال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً»، فاختاروا ثم قال: «أبايعكم كبيعة عيسى بن مريم(عليه السلام) للحواريين، كُفلاء على قومهم بما فيهم، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».

فبايعوه على ذلك، فصرخ الشيطان في العقبة: يا أهل الجباجب، هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم، ثم نفر الناس من منى وفشا الخبر فخرجوا في الطلب، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه وربطوه بنسع رحله، وأدخلوه مكة يضربونه فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية فأتياه وخلصاه.

وكان النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لم يؤمر إلّا بالدعاء والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلما كثر عتوهم أمر بالهجرة، فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن اللّه قد جعل لكم داراً وإخوانا تأمنون بها» فخرجوا أرسالاً حتى لم يبق مع النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلّا علي وأبو بكر فحذرت قريش خروجه، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب يتشاورون في أمره...(1).

المرحلة الثالثة

اشارة

ثم بدأت المرحلة الثالثة في إدارة الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي من بداية هجرة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى المدينة المنورة حتى السنة الرابعة من الهجرة، وتميزت هذه الفترة بأن الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مارس الإدارة بنفسه الشريفة، أي قاد الأمة قيادة مباشرة، وكانت أيضاً محدودة؛ وذلك لاقتصارها على المدينة المنورة فقط.

قام رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في هذه الفترة بمهمات إدارية كبيرة تكشفت فيها عن عبقريته الإدارية العظيمة، وحسن تخطيطه، كان منها: قيامه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين. وكانت هذه المؤاخاة هي الثانية من نوعها، فالأولى كانت في مكة بين أصحابه، أما هذه فكانت بين المسلمين الذين هاجروا من مكة وبين المسلمين من أهل المدينة (الأنصار)(2).

روي: أنه لما آخى النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بين عبد الرحمن وبين سعد بن الربيع قال سعد: قد علمت الأنصار أني أكثرهم مالاً، فأقاسمك مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها(3).

وروي: أن المهاجرين أتوا النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قالوا: ما رأينا قوماً قط أبذل لكثير ولا


1) بحار الأنوار 19: 25.

2) انظر الغدير 3: 112.

3) الآحاد والمثاني 3: 388.

أحسن مواساة من قليل من الأنصار، لقد قدمنا المدينة فكفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ(1).

وكانت لهذه المؤاخاة نتائج طيبة، منها: زيادة أواصر المحبة والأخوة بين المهاجرين والأنصار، ومنها: تهيئة أمور السكن والمعيشة للمهاجرين عبر الاشتراك مع الأنصار، إلى غير ذلك مما هو مذكور في التاريخ.

نعم هذه الفترة لم تخل من الصعوبات، حيث واجهت الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مشاكل إدارية كثيرة، مثل: إسكان المهاجرين الذين كان يزيد عددهم يوماً بعد آخر، وكذلك إطعامهم وتوفير العمل لهم، وغيرها من الصعوبات التي اجتازها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بنجاح، نتيجة حسن تخطيطه وإدارته الناجحة للأمور.

معاهدة المدينة المنورة

وقد قام رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في السنة الأولى من الهجرة بوضع (صحيفة) لتنظيم حياة المسلمين في كافة جوانبها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وهذا العمل هو من الأعمال الإدارية المهمة التي قام به الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتعتبر اللبنة الأولى لدستور الدولة الإسلامية، فبعدما آخى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بين المهاجرين والأنصار وضع هذه الصحيفة، التي توضحت فيها العلاقات في ما بين المسلمين أنفسهم، ووضّح(صلی اللّه عليه وآله وسلم) شكل العلاقة ومكانة اليهود وغير المسلمين في المدينة وما جاورها، فوادع اليهود في هذا الكتاب وأقرهم على دينهم وأموالهم، وفق الشروط والضوابط المبينة في الصحيفة والمتفق عليها بين الطرفين، وقد جاء فيها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذه كتاب من محمد النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب


1) الآحاد والمثاني 3: 389.

ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، والمهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وإن المؤمنين لايتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ولايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً لو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة اللّه واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من اتبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وأن سلم المؤمنين واحدة. ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلّا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً، وإن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل اللّه، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش، ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولايحل لهم إلّا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن باللّه واليوم الآخر أن ينصر محدثاً، ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة اللّه وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين: لليهود دينهم وللمسلمين

دينهم،مواليهم وأنفسهم، إلّا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلّا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحرث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلّا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلّا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلّا بإذن محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وإنه لاينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلّا من ظلم، وإن اللّه على من أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلّا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى محمد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وإن اللّه على من اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلّا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة. وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب على نفسه، وإن اللّه على من أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا

الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلّا من ظلم وأثم، وإن اللّه جار لمن بر واتقى ومحمد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).(1)

المرحلة الرابعة

ثم بدأت المرحلة الرابعة مع حلول السنة الرابعة للهجرة، واستمرت هذه المرحلة إلى السنة التي تم فيها فتح مكة. ومن المعلوم أن كل يوم كان يمر على المسلمين كانت تزداد فيه حاجتهم إلى تنظيم أمورهم وإدارة مجتمعهم؛ وذلك لزيادتهم العددية يوماً بعد يوم، وظهور أمة الإسلام بين الأمم كمنافس شديد المراس، مما سبب كثرة الحروب عليهم وانتصاراتهم، وزيادة الأموال التي كانت تجبى من الغنائم ومن الأخماس والزكوات، الأمر الذي استوجب كثرة المؤسسات والمشاريع.

المرحلة الخامسة

ثم بدأت المرحلة الخامسة وهي ما بعد فتح مكة إلى رحلة الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي من أهم المراحل وأوسعها، حيث فتحت مكة وبعض المناطق المجاورة لها، وأصبحت الأراضي التي تقع تحت الإدارة الإسلامية واسعة شاسعة مترامية الأطراف، مما يتطلب توسيع نطاق الإدارة الإسلامية، ففي المرحلة الثالثة والرابعة كانت الإدارة مباشرة، أي إن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يمارس ويباشر إدارة أمور المسلمين بنفسه؛ لأن الإسلام كان في بقعة جغرافية محدودة هي المدينة وحواليها فقط، أما في المرحلة الأخيرة فقد انتشر الإسلام وتوسعت البلاد الإسلامية مما تطلب من رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إرسال مبعوثين لإدارة كل البلاد


1) لقد وردت هذه الصحيفة في مصادر عديدة وبنصوص مختلفة اختلافاً يسيراً، وقد نقلنا هذا النص من كتاب النظام السياسي في الإسلام: 152.

الداخلة في الإسلام لكي يشرفواعلى إدارتها، فمثلاً أرسل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى اليمن، فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لما وجهني رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى اليمن، قال: يا علي لا تقاتل أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام ، وايم اللّه، لأن يهدي اللّه عزّ وجلّ على يديك رجلاً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه»(1). وأرسل آخرين إلى مناطق أخرى. حيث روي أنه: في السنة العاشرة بعث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمراءه على الصدقات، فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء فخرج عليه العبسي وهو بها، وبعث زياد بن أسد الأنصاري إلى حضرموت على صدقاتها، وبعث عدي بن حاتم الطائي على صدقة طي وأسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات حنظلة، وجعل الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات زيد بن مناة بن تميم، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وبعث علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ففعل وعاد(2).

إدارة الوفود

وأخذت تتقاطر على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مختلف الوفود، وكان الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يتعامل معهم بأفضل ما يمكن ويديرهم بإدارة ناجحة، على تفصيل مذكور في التاريخ(3)نشير إلى قسم منه.

روى العلامة المجلسي في البحار باب قدوم الوفود على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم):

عن إعلام الورى(4)قال بعد ذكر نزول براءة: ثم قدم على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)


1) الكافي 5: 36.

2) بحار الأنوار 21: 373.

3) انظر كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) المجلد 2 للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

4) إعلام الورى: 125.

عروة بن مسعود الثقفي مسلماً واستأذن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الرجوع إلى قومه! فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إنيأخاف أن يقتلوك» قال: إن وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فرجع إلى الطائف ودعاهم إلى الإسلام ونصح لهم، فعصوه وأسمعوه الأذى حتى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذّن وتشهد، فرماه رجل بسهم فقتله.

وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلاً هم أشراف ثقيف فأسلموا، فأكرمهم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وحيّاهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص بن بشر وقد كان تعلم سوراً من القرآن... .

فلما أسلمت ثقيف ضربت إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وفود العرب، فدخلوا في دين اللّه أفواجاً، كما قال اللّه سبحانه(1)فقدم عليه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعيينة بن حصن الفزاري وعمرو بن الأهتم، وكان الأقرع وعيينة شهدا مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فتح مكة وحنيناً والطائف، فلما قدم وفد تميم دخلا معهم، فأجارهم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأحسن جوارهم.

وممن قدم عليه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لأمه، وكان عامر قد قال لأربد: إني شاغل عنك وجهه فإذا فعلته فأعله بالسيف، فلما قدموا عليه قال عامر: يا محمد خالّني، فقال: لا حتى تؤمن باللّه وحده، قالها مرتين، فلما أبى عليه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: واللّه لأملأنها عليك خيلاً حمراً ورجالاً، فلما ولى قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «اللّهم اكفني عامر بن الطفيل»، فلما خرجوا قال عامر لأربد: أين ما كنت أمرتك به؟ قال: واللّه ما


1) سورة النصر، الآية: 1-3.

هممت بالذي أمرتني به إلّا دخلت بيني وبين الرجل أفأضربك بالسيف!

وبعث اللّه على عامر بن الطفيل في طريقه ذلك الطاعون في عنقه فقتله فيبيت امرأة من سلول، وخرج أصحابه حين واروه إلى بلادهم، وأرسل اللّه تعالى على أربد وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.

وفي كتاب أبان بن عثمان: أنهما قدما على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعد غزوة بني النضير قال: وجعل يقول عامر عند موته: أغدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية، قال: وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال في عامر وأربد: «اللّهم أبدلني بهما فارسي العرب»، فقدم عليه زيد بن مهلهل الطائي وهو زيد الخيل وعمرو بن معديكرب.

وممن قدم على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وفد طيٍ فيهم زيد الخيل وعدي بن حاتم، فعرض(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم وسماه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) زيد الخير وقطع له فيداً وأرضين معه وكتب له كتاباً، فلما خرج زيد من عند رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) راجعاً إلى قومه، قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن ينج زيد من حمى المدينة أو من أم ملدم»، فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها وعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب فأحرقتها.

وذكر محمد بن إسحاق أن عدي بن حاتم فرّ، وأن خيل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد أخذوا أخته فقدموا بها على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأنه منّ عليها وكساها وأعطاها نفقة، فخرجت مع ركب حتى قدمت الشام وأشارت على أخيها بالقدوم، فقدم وأسلم وأكرمه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأجلسه على وسادة رمى بها إليه بيده.

الإدارة النموذجية

اشارة

وخلاصة البحث: إن الإدارة في الإسلام كانت نموذجية وواضحة المعالم منذ

بزوغ فجر الإسلام على المعمورة، نعم ربما كانت تختلف في بعض الصيغ والأساليب الإدارية من عصر لآخر؛ وإلّا فالجوهر فيها واحد، وهي إدارة سماوية مبتنية على السلم والسلام، والمحبة والإخاء، والعطف والحنان، وحفظ كرامةالإنسان.

من هنا يلزم التأسي برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في إدارته الناجحة حتى في مثل هذا اليوم.

لا يقال: إن الإدارة في عصر ما قبل الإسلام، وفي بداية البعثة إلى زمن طويل، وفي حكومة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة والتي أدارها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مباشرة، وكذلك في عصر أمير المؤمنين(عليه السلام) وعصور الأئمة المعصومين(عليهم السلام) كانت إدارة ذات أشكال بسيطة وذات مؤسسات قليلة، مقارنة بأشكالها اليوم، بعد أن دخلت في الإكتشافات العلمية، من أجهزة وحواسيب وفضائيات وما أشبه، فأصبحت تتطلب آلاف المدراء والعمال وآلاف المؤسسات الإدارية الضخمة، فكيف يمكن التأسي مع اختلاف العصور والمتطلبات.

لأنه يقال: الأسس في الإدارة والقيم والمبادئ والخطوط العامة لم تتغير، نعم ربما تغير بعض الأساليب والأشكال والصور فقط.

أين الإدارة الإسلامية؟

إن المسلمين في هذا اليوم قد تركوا الإسلام وتمسكوا بالقوانين الوضعية من قبل الشرق والغرب، ومن أهم ما تركوه الإدارة الإسلامية والتي أثبتت نجاحها في الفترات السابقة.

فأين إدارتنا الإسلامية المميزة اليوم، ونحن نعيش عصر الحاسوب، والتحديات الكبيرة من غير المسلمين؟ هل موقعنا في القمة، كما كان أسلافنا؟ حيث كانوا يملكون إدارة تفوق كل من عاصرهم، رغم بساطة مواردهم في ذلك الزمن قياساً إلى معاصريهم من الدولتين الرومية والفارسية، أين نحن الآن؟

للأسف الشديد، نحن على عكس ما نتمنى ونطمح، وعلى عكس ما أرادهالإسلام لنا من التقدم والعلو حيث ورد: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»(1).

فنحن اليوم في آخر القائمة، بعد أن كنا في رأسها؛ والسبب في ذلك يرجع إلى غياب تلك العناصر الأساسية في النجاح ومنها الأسلوب الإداري الناجح الذي أمر به القرآن الكريم وأهل البيت(عليهم السلام).

عوامل نجاح الإدارة

اشارة

إن كل مؤسسة مهما كان مجالها وشكلها، ينبغي أن توفر شرطين أساسيين فيها إلى جانب توفير جملة من الشروط الأخرى؛ لكي تكون مؤسسة ناجحة، والشرطان الأساسيان هما:

العلم

أولاً: العلم، فإن الشخص المدير للمؤسسة يلزم أن يتمتع بخلفية علمية واسعة في ما يتعلق بشؤون مؤسسته وكيفية إدارتها، فمثلاً: المدرّس الذي لم يصل للمستوى العلمي المطلوب، لا يمكنه أن يدير حلقة الدرس، فتلاحظ أن تدريسه يفشل، ويدخل في إحراجات مختلفة، وكذلك السائق الذي يقود السيارة يجب أن يملك مهارة كافية في فن السياقة وعوامل الصيانة والإدامة فيها، وإلّا فإدارته للسيارة فاشلة، وهكذا في سائر الأمور.

فالشخص الذي يدير مؤسسة علمية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها، يجب أن تتوفر عنده الخبرة الكاملة في مجال عمله وبمؤسسته، قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «العلم رشد لمن عمل به»(2).


1) من لا يحضره الفقيه 4: 334.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 68.

وقال(عليه السلام): «وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل فقد شابهتجواهر أوائل عللها»(1).

الإخلاص

ثانياً: الإخلاص في العمل، حيث يلزم توفره في شخص المدير لضمان إتقان واستمرار العمل، فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «خير العمل ما صحبه الاخلاص»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «آفة العمل ترك الاخلاص فيه»(3).

وهذان الشرطان(4)

كل واحد منهما يكمل الآخر، ولا يمكن الإستغناء عن أحدهما؛ فالعلم بدون الإخلاص لا ينتج منه إدارة ناجحة، وكذلك الإخلاص بدون العلم. إذن، يلزم توفر هذين الشرطين في كل إدارة، إذا أريد لها النجاح.

سائر الشروط

وأما الشروط الأخرى المطلوبة في الإدارة الناجحة فهي كثيرة، أشرنا إلى بعضها في كتاب (كيف تدير الأمور).

منها: توفر التنظيم الجيد، واستقبال الكوادر الفاعلة، والتطور الذي يواكب العصر، والعمل المنسّق في ما بين أفراد المؤسسة، والنسيق مع سائر المؤسسات، كما يلزم أن يكون هنالك ترابط اجتماعي بين أفراد المؤسسة وذلك بالأخوة والمحبة القائمة في ما بينهم، وكذلك بين الأفراد ورب العمل. وأن يكون لأفراد هذه المؤسسة ما يؤمّن لهم مستوى عيش كريم وخاصة عند تعرضهم للأزمات.


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 423.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 355.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 280.

4) العلم والإخلاص.

كما يلزم أن تكون الإستشارية محكمة في الإدارة لا الاستبداد والفردية، وأن يكون الجميع حراً في إبداء الرأي، وكذلك في توجيه النقد البناء لما فيه مصلحةالعمل. وأن يكون هناك شورى منتخبة لإدارة العمل، إلى غير ذلك من مقومات نجاح الإدارة(1).

وهذا الكلام ينطبق على كل المؤسسات، صغيرة كانت أم كبيرة، بل كلما توسعت المؤسسة، احتجنا إلى هذه العوامل أكثر، كما ينطبق بشكل أولى على إدارة الدولة؛ لأن الدولة من أكثر المؤسسات احتياجاً للإدارة الناجحة، والدولة ما هي إلّا مجموعة مؤسسات تتعاضد في ما بينها لخدمة المجتمع.

رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإدارة

اشارة

لو طالعنا إدارة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) والبرامج التي رسموها للمجتمع، لكي تخطو الأمة إلى الأمام وتفوز بسعادة الدنيا والآخرة، لوجدنا أن هناك ترابطاً قوياً في القوانين المعنوية والمادية في الإدارة الشرعية، فليست الإدارة الناجحة تعتمد على الماديات فحسب ولا على المعنويات فقط.

فترى الحالة المعنوية العالية التي تولدت بين المسلمين في عصر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي شوقهم الشديد إلى اللّه عزّ وجلّ والخوف منه، وأداء الصلاة والصيام، والتزامهم بالصدق والوفاء، وغير ذلك من الفضائل الروحية، وما هذه الحالة إلّا نتيجة للجهود التي بذلها الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) في هذا الطريق.

وكذلك ما يرتبط بالماديات وإدارة الحياة المادية، فعندما جاء النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى المدينة رأى أن اليهود هم الذين يسيطرون على عصب الحياة في البلاد، من


1) للتفصيل انظر موسوعة الفقه: المجلد 103-104 كتاب الإدارة / وكذلك كتاب (كيف تدير الأمور؟) للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

اقتصاد وسلاح وغيرهما، وكانوا يستخدمونها في إثارة النزاعات والحروب والعداوات بين أهل المدينة؛ لذا شجّع الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) المسلمين في سبيل أنيكونوا هم أصحاب القرار، وهم الذين يتولون إدارة أمورهم بأنفسهم بدل أن يديرها غيرهم، فرسم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لهم الخطوط الكفيلة بذلك، فتمتع المسلمون بالاستقلال الاقتصادي والعسكري نتيجة الإدارة الناجحة الفذة للرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وحسن تخطيطه.

الإدارة ونشر الوعي

قام رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في إدارته الناجحة بتوعية الأمة، فبذل جهوداً كبيرة في سبيل نشر الوعي بكافة أقسامه بين أفراد المجتمع، فبث الوعي الديني والسياسي والإقتصادي والصحي والثقافي وغيرها، بين أوساط ذلك المجتمع الجاهلي، الذي كانت صفة الجهل والعادات الجاهلية المقيتة منتشرة ومستمكنة منه، ولكن عبقرية الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الإدارية أخرجت هذا المجتمع من مصاف الشعوب المتأخرة، إلى قيادة الشعوب المتطورة.

ولو راجعنا التاريخ ودققنا فيه وتأملنا في الأعمال التي قام بها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لنشر الوعي والثقافة بين أوساط المجتمع، وكيف تغلب على المعوقات الكثيرة، التي كانت في طريقه، لساعدنا ذلك كثيراً في سبيل النهوض بالأمة، بعد الكساد والخمول الفكري، الذي عمّ بلادنا اليوم.

رفع الحواجز الوهمية

قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَىٰةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَٰئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ

بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(1).

إن من أهم الأعمال والمنجزات المهمة التي قام بها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في إدارته الناجحة: رفع الحواجز التي وضعتها الجاهلية التي كانت تحد من حرية الناس الطبيعية، وتقيّدهم، حيث كان الإنسان قبل الإسلام، عندما يريد أن يذهب إلى بلد آخر للتجارة أو غيرها، يجد أمامه مجموعة من الصعوبات والعراقيل، منها: تعرضه للأخطار من سلب ونهب وقتل، من خلال ما كان بين القبائل من غزو وأسر وتجاوز.

ومنها: الضرائب اللاشرعية الكثيرة، من أخذ أموال على التجارة والقوافل حتى يؤذن للإنسان العمل بالمتاجرة، والذي يسمى بتعبير اليوم ب(الجمارك) وهو من أشد المحرمات في الشريعة الإسلامية.

ومنها: الحواجز الجغرافية، وهي شبه الحدود المصطنعة اليوم والموجودة في عصرنا هذا بين الدول الإسلامية، ومثل هذه الحواجز كانت موجودة في عصر ما قبل الإسلام بين القبائل، ولكن بشكل مبسط، كما هو مذكور في التاريخ.

إلى غير ذلك من الأمور المعرقلة والمعطلة لحرية الإنسان.

ولكن الإسلام رفض جميع هذه القيودات حيث قال تبارك وتعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(2).

بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك حواجز ومعرقلات نفسية مخيمة على طبيعة المجتمع الجاهلي، حيث كان التفاخر بالأنساب والألقاب والأموات هو السائد في ذلك الوقت بين الناس، فهذا من تميم، وذلك من طي، وثالث من بني عبس،


1) سورة الأعراف، الآية: 157.

2) سورة الأنبياء، الآية: 92.

وهكذا، وكان التزاوج والعلاقات الاجتماعية الأخرى مبنية على هذا الأساس،فالقبيلة التي ترى نفسها قوية وكبيرة تستهين بالقبائل الأخرى المجاورة لها، التي تقل عنها قوة وعدداً، ولا يمكن عادة أن تزوج إحدى بناتها أو بنيها إلى القبيلة الأقل قوة منها.

إضافة إلى الحواجز والمعرقلات النفسية الأخرى.

وقد ألغى الشرع الإسلامي جميع ذلك حيث قال تعالى: {يَٰأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(1).

وقال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لا حسب إلّا بالتواضع، ولا كرم إلّا بالتقوى، ولا عمل إلّا بالنية»(3).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «حسب المرء ماله، ومروته عقله، وحلمه شرفه، وكرمه تقواه»(4).

فعندما بزغ نور الإسلام، ونتيجة لجهود الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعبقريته الإدارية، تمكن من تحطيم جميع هذه الحواجز، سواء كانت جغرافية أم نفسية، وشيّد مكانها أواصر المحبة والتآلف والأخوة بين المسلمين جميعاً، بحيث زالت الملاكات المزيفة للتفوق والرجحان بسبب القوة والضعف، أو العُدّة والعدد، أو سواد البشرة وبياضها، أو اللغة والعرق، أو القومية والثروة، فأصبح المسلمون


1) سورة الحجرات، الآية: 13.

2) الإختصاص: 341.

3) الأمالي للشيخ الطوسي: 590.

4) الأمالي للشيخ الطوسي: 590.

أخوة في ما بينهم، ولا مائز بين الناس إلّا الإسلام والتقوى. وأصبح بلال الحبشي وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري (رضوان اللّه تعالى عليهم) سواء في ما بينهم،ولا فرق بينهم إلّا بالتقوى والإيمان والارتباط باللّه تعالى. كما جعل صفية اليهودية وسودة المشركة ومارية القبطية - بعد إسلامهن - أخوات في الإسلام.

نعم، هذه هي الإدارة الناجحة للإسلام، حيث بدّل العداوة إلى المحبة والمصالحة، وبدّل العادات التي تبعد الإنسان عن أفراد جنسه ومجتمعه بقوانين وأنظمة تقرّب بين الناس وتجعلهم يتعارفون في ما بينهم كما قال عزّ وجلّ: {لِتَعَارَفُواْ}(1).

فعندما قام النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بهذه الإدارة الناجحة استطاع أن يبدل حال الناس إلى أفضل حال، وأوصل المسلمين إلى الاعتماد على أنفسهم في كل شيء، بحيث أوصلهم إلى الاكتفاء الذاتي في أغلب جوانب الحياة الاقتصادية والعسكرية والسياسية وغيرها.

المسلمون اليوم

قال تبارك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}(2).

إن حال أغلب المسلمين اليوم غير ما كانوا عليه في الصدر الأول، فنتيجة لابتعادهم عن نهج رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) القويم أصبحوا فرقاً مشتتة ضعيفة متناحرة في ما بينها، وبدلاً من الاتحاد حلت التفرقة، وبدل المحبة والأخوة الإسلامية التي كانت سائدة في ذلك العصر، أصبحت العداوة والبغضاء هي السائدة بين


1) سورة الحجرات، الآية: 13.

2) سورة إبراهيم، الآية: 28-29.

كثير من أفراد المجتمع الإسلامي اليوم، وبدلاً من رفع الحواجز الجغرافية والحدود المصطنعة التي ألغاها الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) سنّت اليوم حواجز وعراقيل أكثر تعقيداً حتىمن أيام الجاهلية الأولى، فأصبح المسلم الذي يريد أن يسافر من بلد إسلامي إلى آخر مقيداً بشروط وعراقيل كثيرة، من الجواز والتأشيرة والضريبة والإجازة وغيرها، مما يجر عليه ضياع الكثير من الوقت والمال لكي يسافر فقط، هذا إذا سمح له بعد التحقيق والتدقيق المشدد، والذي يزيد عن حده المقرر.

وكذلك الحواجز النفسية التي رفعت في زمن الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أعيدت وبأشد مما كانت، فأصبح المسلم اليوم أجنبياً بالقياس إلى سائر المسلمين، فالمسلم العربي أصبح غريباً في البلاد الإسلامية الأخرى، والمسلم الهندي أجنبياً في البلاد الإسلامية العربية وهكذا، مما حدا بهم إلى التناحر والتصارع، فمكنوا الاستعمار من أنفسهم للسيطرة عليهم، وأصبح حالهم مثل حال الناس قبل البعثة، إن لم نقل أشد؛ حيث إن سياستهم واقتصادهم وثقافتهم ووسائلهم الحربية هي اليوم بيد غيرهم، وهذا الغير هو الذي يخطط لهم ويوجههم ويجرهم إلى الحروب الداخلية - أي في داخل الأمة الإسلامية - للقضاء عليهم وعلى ثرواتهم، وهم لا يفكرون بجدية في سبيل نيل استقلالهم الحقيقي، وفي الاستقلال الثقافي والاقتصادي والعسكري وما أشبه، واسترداد حقوقهم الضائعة والمغتصبة، ومكانتهم الحقيقية بين الأمم، بل ينتظرون أن تتبدل أحوالهم إلى أحسن من هذا وهم قاعدون دون أن يحركوا ساكناً، إلّا القليل منهم. فصاروا مصداقاً عملياً حقيقياً لقوله تعالى: {كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ}(1)، وكأن المطالب تُنال بالتمني والرغبات.


1) سورة الرعد، الآية: 14.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترتهنها المُنى،وتستعلقها الخدائع»(1).

وقال(عليه السلام): «الأماني تخدعك، وعند الحقائق تخذلك»(2).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «تجنبوا المُنى؛ فإنها تذهب بهجة ما خولتم، وتستصغرون بها مواهب اللّه تعالى عندكم، وتعقبكم الحسرات في ما وهمتم به أنفسكم».(3)إن بعض المسلمين اليوم يريدون - وبدون تقديم أي عمل - أن يغرفوا السعادة من بحر الحظ، وهذا لا يكون كما هو واضح.

المطلوب لإنجاح الإدارة

قال تبارك وتعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(4).

إن على المسلمين أن يغيروا مسيرهم الحالي، ويرجعوا إلى الطريق الذي يوصلهم نحو هدفهم، وهذا يتطلب دراسة شاملة لكل شؤون حياتهم، منذ البداية وحتى الآن، ثم إعادة تصرفاتهم وطراز تعاملهم ليتطابق مع سيرة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) في إدارتهم الناجحة، ليسترجعوا بذلك عزّهم الذي ضاع منهم قبل قرن تقريباً، ويعودوا مرة أخرى سادات الدنيا، حينذاك يتمكنون من هداية الناس نحو الحق والحقيقة ونحو خير الدنيا والآخرة، أما إذا بقيت الأمة الإسلامية على هذا الحال - لا سامح اللّه - فلا يمكن لها أن تحقق النصر،


1) الكافي 1: 23.

2) مستدرك الوسائل 13: 47.

3) الكافي 5: 85.

4) سورة الأنفال، الآية: 53.

وستظل تتحمل المصائب والويلات يوماً بعد يوم.

حكمة اللّه تعالى

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلّا بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذلك رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونحن»(1).

وفي الحديث: أن النبي موسى(عليه السلام) كان قد مرض، وامتنع عن مراجعة الطبيب فظل مريضاً مدة، ولم يحصل على الشفاء، ولما سأل اللّه تعالى في شفائه أمره بالمراجعة إلى الطبيب، فقال: يا إلهي أليس الداء منك؟ فقال له ربه: نعم.

فقال موسى(عليه السلام): يا إلهي أليس الدواء منك؟

قال له اللّه: نعم. حينذاك قال موسى(عليه السلام): يا رب، إذن لا حاجة للطبيب، وطلب من ربه أن يشفيه؟ لكن اللّه تعالى لم يفعل ذلك إلّا بعد مراجعته الطبيب(2).

وذلك لأن اللّه عزّ وجلّ خلق الدنيا دار الأسباب والمسببات وقوانين وسنن محكمة، ولا يمكن الفرار من هذا القانون الطبيعي، وعلى هذا الأساس لم يبق مجال لمن يقول: لماذا نرى المسلمين - اليوم - كلما دعوا اللّه ليغير حالهم لم يروا من اللّه استجابة. إذ لا بد للإنسان المسلم من توفير المقدمات لتلك الإجابة، ومن ثَم ينتظر الإستجابة، ومن تلك المقدمات: العمل، والجد، والمثابرة، والإخلاص، والنية الصادقة، وعدم ارتكاب الذنوب والمعاصي التي


1) الكافي 1: 183.

2) انظر الكافي 8: 88 وفيه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «قال موسى(عليه السلام): يا رب من أين الداء؟ قال: مني، قال: فالشفاء؟ قال: مني، قال: فما يصنع عبادك بالمعالج؟ قال: يطيب بأنفسهم، فيومئذ سمي المعالج الطبيب».

تحجب وتصد الدعاء، وغيرها، كما نقرأ في دعاء كميل بن زياد (رضوان اللّه عليه):

«اللّهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء»(1).

لذا، ومن خلال ما سبق نصل إلى هذه النتيجة وهي: أن المسلمين إذا لم يوفروا لأنفسهم - اليوم - إدارة صحيحة فإنهم لن يعثروا على طريق نجاتهم ونجاحهم، بل بقوا هكذا في دوامة التخلف والاستعمار.

مداراة الناس

قال النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض»(2).

إن مداراة الناس هي من الشروط الرئيسية للإدارة الناجحة، وقد أولاها الإسلام أهتماماً كبيراً، فالإدارة - كما سبق - تحتاج إلى مقدمات ومقومات يحب توفرها حتى تكون إدارة جيدة رصينة ناجحة، ومن هذه المقدمات: مداراة الناس. قال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «مداراة الناس نصف الإيمان»(3).

فالشخص الذي يتعين قائداً أو مسؤولاً على مجموعة من الناس، يجب عليه مداراة هذه المجموعة، والسهر على خدمتهم، حتى يعد قائداً ناجحاً، قال الإمام الصادق(عليه السلام): «جاء جبرئيل إلى النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد، ربك يقرؤك السلام ويقول لك: دارِ خلقي»(4).

ولا تختص المداراة بالجماعة التي بينك وبينهم مودة، أو نوع من العلاقة


1) مصباح المتهجد 2: 844.

2) الكافي 2: 117.

3) الكافي 2: 117.

4) الكافي 2: 116.

الطيبة، بل حتى الأعداء عليك بمداراتهم. قال الإمام أمير المؤمنين(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من استصلح الأضداد بلغ المراد»(1).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «مداراة الرجال من أفضل الأعمال»(2).

نسأل اللّه عزّ وجلّ أن يوفق الأمة وقياديها للتمسك بالإدارة الناجحة التي قام بها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرة(عليهم السلام).

«اللّهم يا من يملك التدبير، وهو على كل شيء قدير، يا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتُجن الضمير، وهو اللطيف الخبير، اللّهم اجعلنا ممن نوى فعمل، ولا تجعلنا ممن شقي فكسل، ولا ممن هو على غير عمل يتكل»(3).

من هدي القرآن الحكيم

أهمية الإدارة

قال تعالى: {كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}(4).

وقال سبحانه: {يَٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}(5).

وقال عزّ وجلّ: {ثُمَّ جَعَلْنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(6).

وقال جلّ وعلا: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٖ مِّن لِّقَائِهِۦ


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 593.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 706.

3) إقبال الأعمال 1: 22.

4) سورة هود، الآية: 1.

5) سورة ص، الآية: 26.

6) سورة الجاثية، الآية: 18.

وَجَعَلْنَٰهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَٰءِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ}(1).

التنظم سنة كونية

قال عزّ وجلّ: {وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ}(2).

وقال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}(3).

وقال جلّ وعلا: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٖ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}(4).

وقال سبحانه: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّٖ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٖ يَسْبَحُونَ}(5).

مداراة الناس وآثارها

قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا}(6).

وقال سبحانه: {وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(7).

وقال عزّ وجلّ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(8).


1) سورة السجدة، الآية: 23-24.

2) سورة الذاريات، الآية: 49.

3) سورة الرعد، الآية: 8.

4) سورة الفرقان، الآية: 2.

5) سورة يس، الآية: 38-40.

6) سورة الأنعام، الآية: 34.

7) سورة النحل، الآية: 125.

8) سورة آل عمران، الآية: 159.

وقال جلّ وعلا: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(1).

التدبير أساس في كل شيء

قال عزّ وجلّ: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٖ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْأيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}(2).

وقال سبحانه: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَٰوِرَٰتٌ وَجَنَّٰتٌ مِّنْ أَعْنَٰبٖ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٖ}(3).

وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٖ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ * ذَٰلِكَ عَٰلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَٰنِ مِن طِينٖ}(4).

قال جلّ وعلا: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}(5).

من هدي السنّة المطهّرة

الإدارة منهاج عمل

كتب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لمالك الأشتر(رحمه اللّه): «... ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة... وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم


1) سورة القلم، الآية: 4.

2) سورة الرعد، الآية: 2.

3) سورة الرعد، الآية: 4.

4) سورة السجدة، الآية: 5-7.

5) سورة يونس، الآية: 31.

أسبغ عليهم الأرزاق... ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم... وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله».

وفيه أيضاً: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة فأحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال».

وفيه أيضاً: «انصف اللّه وانصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى... وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل».

وفيه أيضاً: «واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه للّه الذي خلقك... ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك...»(1).

التنظيم سنة كونية

قال الإمام أمير المؤمنين(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج، أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «وجبل جلاميدها(3)ونشوز متونها وأطوادها(4)،


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 53 من كتاب له(عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاّه مصر وأعمالها.

2) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 186 من خطبة له(عليه السلام) في التوحيد.

3) جَبَلَ: خلق، الجَلاميد: الصخور الصلبة.

4) النُشوز - جمع نشز - : ما ارتفع من الأرض، المُتون - جمع متن - : ما صلب منها وارتفع، الأطواد: عطف على المتون وهي الجبال العظيمة.

فأرساها في مراسيها(1)وألزمها قراراتها، فمضت رؤوسها في الهواء، ورست أصولها في الماء، فأنهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها(2)في متون أقطارها... وجعلها للأرض عماداً، وأرّزها(3)فيها أوتاداً»(4).وقال(عليه السلام) في صفة القرآن: «ألّا إن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي...ونظم ما بينكم»(5).

وفي قول اللّه عزّ وجلّ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَٰشًا}(6)قال الامام السجاد(عليه السلام): «جعلها ملائمة لطبائعكم، موافقة لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرد فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم... ولكنه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم...»(7).

مداراة الناس وآثارها

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض»(8).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن الأنبياء إنما فضلهم اللّه على خلقه بشدة مداراتهم لأعداء


1) مراسيها: ما رَسَت أي: رَسَخت فيه.

2) أساخ قواعدها: أي جعلها غائصة.

3) أرّزها: ثبّتها.

4) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 211 من خطبة له(عليه السلام) في عجيب صنعة الكون.

5) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 158 من خطبة له(عليه السلام) ينبه فيها على فضل الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وفضل القرآن.

6) سورة البقرة، الآية: 22.

7) التوحيد: 404.

8) الكافي 2: 117.

دين اللّه، وحسن تقيتهم لأجل إخوانهم في اللّه»(1).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «دارِ الناس تستمتع بإخائهم، والقهم بالبشر تمت أضغانهم»(2).

وفي قوله عزّ وجلّ: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}(3)قال الإمام الصادق(عليه السلام): «أي: وقولوا للناس كلهم حُسنا مؤمنهم ومخالفهم، أما المؤمنون فيبسط لهم وجههوبشره، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان»(4).

سوء التدبير سبب التدمير

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «آفة المعاش سوء التدبير»(5).

وقال(عليه السلام): «من تأخر تدبيره تقدم تدميره»(6).

وقال(عليه السلام): «من ساء تدبيره كان هلاكه في تدبيره»(7).

وقال(عليه السلام): «يستدل على الأدبار بأربع: بسوء التدبير، وقبح التبذير، وقلة الاعتبار، وكثرة الاغترار»(8).


1) بحار الأنوار 72: 401.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 818.

3) سورة البقرة، الآية: 83.

4) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري: 353.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 280.

6) غرر الحكم ودرر الكلم: 593.

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 636.

8) غرر الحكم ودرر الكلم: 799.

نحو التغيير

أسس التغيير

اشارة

قال اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}(1).

وقال سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(2).

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إن أبي كان يقول: إن اللّه قضى قضاءً حتماً لا ينعم على عبده بنعمة فيسلبها إياه قبل أن يحدث العبد ذنباً يستوجب بذلك الذنب سلب تلك النعمة، وذلك قول اللّه {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}»(3)(4).

وعن أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما من سلطان آتاه اللّه قوةً ونعمةً فاستعان بها على ظلم عباده إلّا كان حقاً على اللّه أن ينزعها منه، ألم تر إلى قول اللّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}»(5)(6).


1) سورة الرعد، الآية: 11.

2) سورة الأنفال، الآية: 53.

3) سورة الرعد، الآية: 11.

4) تفسير العياشي 2: 206.

5) سورة الرعد، الآية: 11.

6) إرشاد القلوب 1: 68.

المجتمع وما فيه عادةً نحو التغيير، فربما كان من حسن إلى أحسن، وربمامن سيء إلى حسن، وربما من حسن إلى سيء، وربما من سيء إلى أسوء، وربما غير ذلك، كما لو تغير من أسوء إلى حسن أو أحسن، والعكس أيضاً. فالحالات الأربعة: الحسن والأحسن والسيء والأسوء تنتج اثنتي عشرة صورة.

ومن أهم أسس التغيير: هو التغيير في النفس، فإذا تغير الإنسان أو تغيرت الأمة، غيّر اللّه ما بهم.

والتغيير قد يكون فردياً، وقد يكون جمعياً، أي على مستوى الأمة. وربما كان تغيير الفرد سبباً أو مؤثراً في تغيير المجتمع، وربما كان العكس. على تفصيل مذكور في علم الاجتماع.

والأنبياء(عليهم السلام) بعثهم اللّه لتغيير الفرد والمجتمع نحو الخير والفضيلة والتقوى، ولإنقاذه من الشر والرذيلة والعصيان.

النذير العريان

في البحار: «أنا النذير العريان(1)، فالنجا النجا»، أي انجوا بأنفسكم(2).

فما معنى (العريان) هنا؟

للجواب على هذا السؤال لا بُدّ مِنَ الرجوع والاطلاع على تاريخ ما قبل الإسلام، لكي نستوعب جوانب الحديث.

فقبل مجيء الإسلام، كانت الحرب بين القبائل أمراً عاديّاً ومألوفاً، حتى أنها كانت القبائل ولأتفه الأسباب تقف ضد بعضها، ويحتدم بينها النزاع ويطول،


1) (أنا النذير العريان) مثل قديم في العرب، وقد نسبه العامة إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، كما في كنز العمال 1: 180.

2) بحار الأنوار 81: 129.

وربما يمتد عشرات السنين، كما حصل في حرب البسوس(1)، وحرب داحس والغبراء(2)

قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا *** فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا

وقال الربيع بن زياد العبسي:

أفبعد مقتل مالك بن زهير *** ترجو النساء عواقب الاطهار

فوقعت الحرب بين عبس وفزارة، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة، وجزع عليه:

كم فارس يدعى وليس بفارس *** وعلى الهباءة فارس ذو مصدق

فابكوا حذيفة لن ترثوا مثله *** حتى تبيد قبائل لم تخلق

حرب داحس: قيل أن الداحس اسم فرس مشهور لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي وهو الحرب بين عبس وذبيان والتي استمرت أربعين سنة.

، وما أشبه.

وكانت القبائل تُغير إحداها على الأخرى، فتقتل الرجال بكل قساوة، وتأسر النساء والأطفال، وتسلب الأموال.

وكان هناك شخص نذير، يخرج عرياناً لإنذار قومه، على ما سيأتي تفصيله.

فقوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كناية عن أهمية إنذاره.

قالوا: إن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يحدق بهم من الخطر، نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيداً منهم ليخبرهم بوقوع الخطر وليحذرهم بما دهمهم، وأكثر من يفعل هذا هو رئيس القوم ورقيبهم، وقالوا: وإنما يفعل ذلك


1) حرب البسوس: وهو حرب وقعت بين بكر وتغلب، ودامت أربعين سنة وجرت خطوب وصار شؤم البسوس مثلاً، ونسبت الحرب إليها - البسوس بنت مفقذ - ، وهي من أشهر حروب العرب.

2) إن داحسا فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدى بن فزارة بن ذبيان، يقال لها: الغبراء. فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقا، فجاء داحس سابقا فضربوا وجهه، وجاءت الغبراء. فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا. ثم إن أبا الجنيدب العبسي لقى عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقى رجل من بني فزارة مالكا فقتله، فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر:

لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظراً فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو.

وقيل: معناه أنا النذير الذي أدركني العدو فأخذ ثيابي فأنذركم عرياناً(1).

وقيل: إن العريان بمعنى فصيح اللسان، فهو مأخوذ من أعرب الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها.

التعصبات الباطلة

كما أن هناك أسباباً للتغيير، هناك موانع عن التغيير أيضاً، فالعديد من أفراد المجتمع الجاهلي لم يقبلوا التغيير نحو الحسن لوجود التعصبات فيهم، فالتعصب مانع من التغيير.

وقد كانت الروحية السائدة آنذاك تندفع وراء النزاعات المادية، وتقف مدافعة عن الاعتقادات الباطلة والعادات الساذجة، وكان الجهل والعصبية المحرك الرئيسي لها. وإنَّ الاختلافات كانت في أغلب الأحيان تصل إلى الإبادة والتدمير، دون أن تقيم وزناً للأخلاق والقيم الإنسانية.

وما نراه - اليوم - من حروب بين الناس، فإنه يرجع في كثير من الأحيان، إلى تلك النعرات القبلية الجاهلية، أو إلى النزعات القومية التي توارثها الناس، جيلاً عن جيل. وبدأوا يحكمونها على المنطق والعقل والقيم الصحيحة، فكانت مانعة عن التغيير نحو الحسن.

ولذا فإنّ العصبية المذمومة المتوارثة من العصر الجاهلي، هي التي توجب الإعانة على الظلم، وإثبات الباطل، والتفاخر بالأمور التافهة، التي توجب المنقصة، وبث الخلاف بين الناس.


1) قيل: الأصل فيه أن رجلاً لقي جيشاً فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عرياناً فتحققوا صدقه.

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من عصبية، بعثه اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة مع أعراب الجاهلية»(1).

وسُئل الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام) عن العصبية فقال: «العصبية التي يأثم عليها صاحبها: أنْ يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أنْ يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أنْ يُعين قومه على الظلم»(2).

وقال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): «وأما الأغنياء من مترفة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم ف- : {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}(3)فإن كان لا بد من العصبية، فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور، التي تفاضلت فيها المجداء(4)والنجداء(5)من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل(6)، بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة والآثار المحمودة، فتعصبوا لخلال الحمد: من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض.

واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال. فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم، فإذا تفكرتم في


1) الأمالي للشيخ الصدوق: 607.

2) الكافي 2: 308.

3) سورة سبأ، الآية: 35.

4) المجداء: الشرفاء والكرماء من القوم.

5) النجداء: أهل الإعانة والاستغاثة.

6) اليعاسيب - جمع يعسوب - : وهو أمير النحل، ويستعمل مجازاً في رئيس القوم.

تفاوت حاليهم، فالزموا كل أمرٍ لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الأعداء له عنهم، ومدت العافية به عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم، من الاجتناب للفرقة، واللزوم للألفة، والتحاض عليها، والتواصي بها، واجتنبوا كل أمرٍ كسر فقرتهم، وأوهن منتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الأيدي.

وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء؛ ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباءً وأجهد العباد بلاءً، وأضيق أهل الدنيا حالاً، اتخذتهم الفراعنة عبيداً، فساموهم سوء العذاب وجرعوهم المرار، فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة، لا يجدون حيلةً في امتناعٍ، ولا سبيلاً إلى دفاعٍ، حتى إذا رأى اللّه سبحانه جدّ الصبر منهم على الأذى في محبته، والاحتمال للمكروه من خوفه، جعل لهم من مضايق البلاء فرجاً، فأبدلهم العز مكان الذل، والأمن مكان الخوف، فصاروا ملوكاً حكاماً وأئمةً أعلاماً، وقد بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم.

فانظروا كيف كانوا، حيث كانت الأملاء مجتمعةً، والأهواء مؤتلفةً، والقلوب معتدلةً، والأيدي مترادفةً، والسيوف متناصرةً، والبصائر نافذةً، والعزائم واحدةً، ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين، فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم، حين وقعت الفرقة وتشتتت الألفة واختلفت الكلمة والأفئدة، وتشعبوا مختلفين وتفرقوا متحاربين، وقد خلع اللّه عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين.

فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال، تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم، يحتازونهم عن ريف الآفاق، وبحر العراق،

وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح(1)، ومهافي(2)الريح، ونكد المعاش، فتركوهم عالةً مساكين، إخوان دبرٍ(3)ووبرٍ(4)، أذل الأمم داراً، وأجدبهم قراراً، لا يأوون إلى جناح دعوةٍ يعتصمون بها، ولا إلى ظل ألفةٍ يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربةٌ والأيدي مختلفةٌ والكثرة متفرقةٌ، في بلاء أزلٍ وأطباق جهلٍ، من بناتٍ موؤودةٍ(5)وأصنامٍ معبودةٍ وأرحامٍ مقطوعةٍ وغاراتٍ مشنونةٍ.

فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم حين بعث إليهم رسولاً(6)فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعمتها غرقين، وفي خضرة عيشها فكهين، قد تربعت الأمور بهم في ظل سلطانٍ قاهرٍ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالبٍ، وتعطفت الأمور عليهم في ذرى ملكٍ ثابتٍ، فهم حكامٌ على العالمين، وملوكٌ في أطراف الأرضين، يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام في من كان يمضيها فيهم، لا تغمز لهم قناةٌ ولا تقرع لهم صفاةٌ.

ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم حصن اللّه المضروب عليكم بأحكام الجاهلية، فإن اللّه سبحانه قد امتن على جماعة هذه الأمة، في ما عقد بينهم من حبل هذه الألفة، التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها، بنعمةٍ لا يعرف أحدٌ من المخلوقين لها قيمةً؛ لأنها أرجح من كل ثمنٍ،وأجل من كل خطرٍ.


1) الشيح: نبات معروف ينبت في البادية.

2) المهافي: المواضع التي تهفو فيها الرياح أي تهب.

3) الدَبَر: القرحة في ظهر الدابة.

4) الوَبَر: شعر الجِمال والمراد أنهم رعاة.

5) من (وأد بنته) أي: دفنها وهي حية.

6) وهو سيد الكائنات المبعوث رحمة للعالمين الرسول الأعظم محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً، وبعد الموالاة أحزاباً، ما تتعلقون من الإسلام إلّا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلّا رسمه، تقولون: النار ولا العار، كأنكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه، انتهاكاً لحريمه، ونقضاً لميثاقه، الذي وضعه اللّه لكم حرماً في أرضه، وأمناً بين خلقه، وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر، ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصارٌ ينصرونكم، إلّا المقارعة بالسيف، حتى يحكم اللّه بينكم.

وإن عندكم الأمثال من بأس اللّه وقوارعه وأيامه ووقائعه، فلا تستبطئوا وعيده جهلاً بأخذه، وتهاوناً ببطشه، ويأساً من بأسه، فإن اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلّا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن اللّه السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي. ألّا وقد قطعتم قيد الإسلام وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه»(1).

وهذه الخطبة الشريفة تبين العديد من أسباب وموانع التغيير، سواء كان التغيير من السيء إلى الحسن، أو العكس.

الحروب القبلية

لقد كانت حروب العرب في الجاهلية - غالباً - تتخذ طابعين وأسلوبين في القتال:

الأول منهما: وهي الحروب القصيرة الأمد، التي لا تكاد تستمر ساعات أو أياماً قلائل على الأكثر، وتكون بشكل غارة تشنها قبيلة على أخرى، وتنتهي بعد أن يكون الطرفان، أو أحدهما قد تشتت شمله، وانتهب رحله، ولعبت السيوف في رقاب أهله، ثم اقتيد الباقون، أسارى وسبايا.


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 192 من خطبة له(عليه السلام) تسمى القاصعة.

وأمّا النوع الثاني من الحروب، فهي: الحرب الطويلة الأمد، والتي كانت تظل أحياناً مستعرة إلى عشرات السنين، من قبيل حرب الأوس والخزرج، التي بقيت مائة عام كما في بعض التواريخ.

روى علي بن إبراهيم القمي(رحمه اللّه): قدم أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهوراً طويلة، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم يوم بغاث(1)، وكانت الأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم. فقال عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لانتفرغ لشيء. قال: وما شغلتكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟

قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول اللّه، سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا!

فقال له أسعد: من هو منكم؟

قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم - النظير وقريظة وقينقاع - أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب.

فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود، قال: فأين هو؟


1) يوم بغاث أو بعاث، بضم الباء: يوم معروف، كان فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، هو من مشاهير أيام العرب، وبعاث: اسم حصن للأوس، انظر لسان العرب: ج2 ص117 مادة (بعث).

قال: جالس في الحِجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلّا في الموسم، فلا تسمع منه ولاتكلّمه؛ فإنه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب.

فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لا بد لي أن أطوف بالبيت؟

فقال: ضع في أذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه من القطن، فطاف بالبيت ورسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا نعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم؟ ثم أخذ القطن من أذنيه ورمى به وقال لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أنعم صباحاً.

فرفع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) رأسه إليه، وقال: «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم».

فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟

قال: «إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأني رسول اللّه، وأدعوكم {أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَئًْا وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(1).

فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، وأنك


1) سورة الأنعام، الآية: 151-152.

رسول اللّه، يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبينناوبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك فلا أجد أعزّ منك، ومعي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم اللّه لنا أمرنا فيك، واللّه يا رسول اللّه، لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد للّه الذي ساقني إليك، واللّه ما جئت إلّا لنطلب الحلف على قومنا، وقد أتانا اللّه بأفضل مما أتيت له.

ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول اللّه الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته، فهلمَّ وأسلم، فأسلم ذكوان، ثم قالا: يارسول اللّه، ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً.

فخرج هو مع أسعد إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير، وقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلاً على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم ويطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث.

وكان عبد اللّه بن أُبيّ شريفاً في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعت على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له إكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بغاث ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا أعين على الظلم، فرضيت به

الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد اللّه ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره.

فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا، فهلمَّ نأتي محلتهم.

فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني أن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فأته وانهه عن ذلك.

فجاء أسيد بن حضير، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب بن عمير: إن هذا الرجل شريف، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا، فأصدق اللّه فيه. فلما قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة، يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شباننا، واحذر الأوس على نفسك.

فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمراً، فإن أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ما تكرهه.

فجلس، فقرأ عليه سورة من القرآن.

فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟

قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه، ثم قال: أعرض عليّ، فعرض عليه شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الآن خالك وأحتال عليه في أن يجيئك.

فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: اقسم أن أسيداً قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، فأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب:

{حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}(1)فلما سمعها، قال مصعب: واللّه، لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين، ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحداً.

ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لايبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلّا أن يخرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب. فلما اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟

قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا، ولا نرد لك أمراً، فمرنا بما شئت.

فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، والحمد للّه الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلّا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه وقال له: أظهر أمرك وادع الناس علانية. وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعاً أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود.

وبلغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الإسلام من قريش ضربه قومه وعذبوه، فكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يأمرهم بالخروج إلى المدينة، وكانوا يتسللون رجلاً فرجلاً فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم...(2).

ويُذكر أنّه قبل اندلاع هذه الحرب، وقبل إعداد الجيوش لها، وقف شخص


1) سورة فصلت، الآية: 1-2.

2) إعلام الورى: 55.

يعود إلى إحدى القبيلتين، وصعد إلى مكان عال، وصاح بأعلى صوته: لا تبقوا لهم عامِرَ دار، ولا نافخ نار، ولا طالب ثأر!!

وهذا يعني تدمير بيت الخصم وعياله بالكامل، حتى الطفل الرضيع، فعمّار الدور هم الرجال، ونافخ النار هنَّ النساء، وطالب الثأر هو الطفل الرضيع، الذي يكبر فيقوم للطلب بثأر أبيه..

وكان من العرف الجاري حينذاك قبل شروع بعض الحروب، هو استكشاف رغبة الخصم فيها، لذا جرت العادة أنْ يرسلوا إليهم شخصاً عرياناً، يركب أحسن الجياد وينذرهم، فإمّا أنْ يظعنوا عن الديار إلى مكان آخر - ويكون نائياً بالطبع - أو يرضوا بالحرب حلاً. وكان هذا الشخص الذي يأتي بالإنذار عرياناً. ولذلك سُمّي بين العرب (بالنذير العريان) أي: إنّ إنذاره هو الإنذار الأخير. والرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد خاطب الناس في بداية الدعوة إلى الإسلام، بقدر عقولهم، والأعراف الخاصّة بهم. وفي الحديث الشريف عنه: ­«إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أنْ نُكَلِّمْ الناس على قَدرِ عقولهم»(1).

وعلى هذا فإطلاقه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لفظة (العريان) على شخصِه الكريم، لكون القبائل كلها يومئذٍ، ستفهم المراد من كلامه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)... لأنه يريد أنْ يوصل لهم هذا المعنى، وهو: يا أيها الناس، إني آخر نذير إليكم، فإن لم تستجيبوا لأمر اللّه فإن حياتكم وأموالكم سوف تكون هدفاً للمشاكل، ومحلاً لنزول العذاب من بعد ما صدر الإنذار والتهديد، وتكون الخسارة ما بعدها خسارة، وهو معنى ما جاء في الآية الكريمة: {إِنَّ الْخَٰسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ}(2)أي أنّ


1) الكافي 1: 23.

2) سورة الزمر، الآية: 15.

الخاسرين خسراناًحقيقياً هم الذين خسروا أنفسهم بحرمانها من النجاة، وخسروا أهليهم بعدم الانتفاع بهم يوم القيامة.

وبعبارة أخرى: خسران النفس هو إيرادها مورد الهلكة والشقاء، بحيث يبطل منها استعداد الكمال، ولا تحصل على السعادة، وخسران الأهل كذلك يكون بحملهم على الكفر والشرك. وذلك هو الخسران المبين.

لذا ولأجل أن نفوز بالآخرة - بعد العزم والتوجّه - علينا أنْ نهيأ الأسباب بالابتعاد عن الجاهلية، والنزعات الطائفية، والحروب القبلية، وأنْ نعرف الواجبات الملقاة على عاتقنا، بعد الإنذار الأخير، الذي وُجّه من قبل الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بترك التعصب، والتخلي عن العصبيات الجاهلية، والدخول تحت لواء المبادىء الحقة، مبادىء الإسلام الحنيف.

وبعبارة أخرى علينا أن نخطو نحو التغيير إلى الخير والفضيلة والتقوى.

ولا يكون التغيير إلّا بعد توفر أسبابه ورفع موانعه.

واجب المسلمين

اشارة

نعم قد تغير المجتمع الجاهلي ببركة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وبعد أن غيرّوا أنفسهم، فأصبح مجتمعاً مثالياً متطوراً، ولكن اليوم رجعت الأمة إلى الجاهلية، حيث غيّرت تلك الأسس الأخلاقية والقيم الإلهية التي أمر بها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

وإذا أردنا التغيير مرة ثانية علينا بالبدء بأنفسنا، ف- {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}(1).

ويلزم على المسلمين - فرداً فرداً - في عصرنا هذا، أن يضعوا هذه الرواية (أنا النذير العريان) نصب أعينهم، لماذا؟


1) سورة الرعد، الآية: 11.

لأن الأئمة(عليهم السلام) كل واحد منهم هو نذير، وإنّ الأرض لا تخلو منهم أبداً، ولو أراد أحد أنْ يتخلى عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام) فستشمله هذه الآية المباركة: {إِنَّ الْخَٰسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ}(1). ولأن الشرق والغرب هم دائماً في حالة رقابة تامة على كل تحركات المسلمين. ولو أنّ المسلمين ضعفوا مرة واحدة وتقاعسوا فجأةً، فسيأتي الشرق والغرب ليسلبوا منهم المال والجاه، وحتى الأرواح، كما نرى الآن في أكثر البلاد الإسلامية، كأفغانستان والعراق ولبنان وإندونيسيا، وغيرها.

فإذا أردنا النجاة والتحرر والوقوف بوجه الشرق والغرب، فعلينا أنْ نعتبر بكلام الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرة(عليهم السلام)، ولأن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) من بعده(صلی اللّه عليه وآله وسلم) هم أيضاً النذر، والإمام الحجة صاحب العصر والزمان(عليه السلام) هو النذير في وقتنا هذا،وقد أُشير إلى ذلك في الاحاديث الشريفة الواردة عنهم(عليهم السلام).

فعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «دعا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بطهور، فلما فرغ أخذ بيد علي(عليه السلام) فألزمها يده ثم قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ}(2)ثم ضم يده إلى صدره، وقال: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(3)ثم قال: يا علي أنت أصل الدين، ومنار الإيمان، وغاية الهدى، وقائد الغر المحجلين، أشهد لك بذلك»(4).

وفي رواية عن أبي برزة الأسلمي قال: دعا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالطهور وعنده علي بن أبي طالب(عليه السلام) فأخذ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بيد علي(عليه السلام) بعد ما تطهر فألزقها بصدره، ثم قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ}(5)ثم ردها إلى صدر علي(عليه السلام)، ثم قال: {وَلِكُلِّ


1) سورة الزمر، الآية: 15.

2) سورة الرعد، الآية: 7.

3) سورة الرعد، الآية: 7.

4) بصائر الدرجات 1: 30.

5) سورة الرعد، الآية: 7.

قَوْمٍ هَادٍ}(1)ثمقال: «إنك منارة الأنام، وغاية الهدى، وأمير القُراء، أشهد على ذلك، أنك كذلك».(2)

وعن أبي جعفر(عليه السلام) في قول اللّه تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(3)فقال(عليه السلام): «رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) المنذر، وعلي(عليه السلام) الهادي، واللّه ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة»(4).

وعن أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}؟ فقال(عليه السلام): «رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) المنذر وعلي(عليه السلام) الهادي. يا أبا محمد، فهل منا هاد اليوم؟» قلت: بلى جعلت فداك، ما زال فيكم هاد من بعد هاد، حتى رفعت إليك. فقال(عليه السلام): «رحمك اللّه يا أبا محمد، ولو كانت إذا نزلت آية على رجل، ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب، ولكنه حي جرى في من بقي كما جرى في من مضى»(5).

وعن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام) عن أبيه(عليه السلام) عن علي بن الحسين(عليهما السلام) قال: «نحن أئمة المسلمين، وحجج اللّه على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزلالغيث، وبنا يُنشر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا


1) سورة الرعد، الآية: 7.

2) شواهد التنزيل 1: 393.

3) سورة الرعد، الآية: 7.

4) بصائر الدرجات 1: 30.

5) بصائر الدرجات 1: 31.

لساخت بأهلها» ثم قال(عليه السلام): «ولم تخل الأرض منذ خلق اللّه آدم من حجة للّه فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة اللّه فيها، ولولا ذلك لم يعبد اللّه». قال سليمان: فقلت للصادق(عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟

قال(عليه السلام): «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(1).

وباتخاذنا الإمام الحجة عجل الله تعالی فرجه الشريف نذيراً وهادياً، عندها ستكون ظلمتنا نوراً، وضعفنا قوة، وتفرقنا اتحاداً، ونفوز برضا اللّه تعالى، ويتحقق نصرنا الأكيد. ونكون قد أدّينا الواجب الملقى على عاتقنا، تجاه الدين والأمّة، وأصبحنا من القوة بحيث لا يرعبنا اسم الشرق أو الغرب، بل سنكون في الموقع الأمامي، الذي أراده اللّه تعالى للأمة الإسلامية، حيث قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنّ هذا الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته، أذلّ الأديان بعزته، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداءه بكرامته، وخذل محادّيه بنصره...»(3).

المذابح والاستهانة بالإنسان

يذكر أن رئيس فيتنام قال في زمن الحرب التي شنتها أمريكا ضدهم: قد قُتل خمسمائة ألف إنسان واختلطت دماؤهم بالتراب(4). علماً بأن هذه الإحصائية لم


1) الأمالي للشيخ الصدوق: 186.

2) من لا يحضره الفقيه 4: 334.

3) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 198 من خطبة له(عليه السلام) ينبه على إحاطة علم اللّه بالجزئيات ثم يحث على التقوى... .

4) لقد ذكروا أن إجمالي الخسائر البشرية من الفيتناميين خلال سنوات الحرب الثمانية، بلغت مليونا قتيل، و3 ملايين جريح، وما يزيد على 12 مليون لاجئ. أما خسائر الأميركيين فقدرت ب- : 57 ألف قتيل، وما يزيد على مائة ألف جريح.

تكن النهائية. فإنه لما انتهت الحرب تجاوز القتلى المليونين.

وقال زعماء السوفيت: إنهم لا يحتاجون من شعب أفغانستان إلّا مليونين فقط من مجموع السكان! وهذا يعني أنهم لا يحسبون للباقي وهم (18) مليوناً أي حساب، ولو أرادوا لشردوهم أو قتلوهم.

وفي إحدى البلاد الإسلامية، قال رئيسها: إنّ من يفكر في استلام السلطة مكاني، فعليه أنْ يستلم أرضاً جرداء بلا شعب، بمعنى أنه مستعد لإبادة كل الشعب في سبيل البقاء على سلطته(1).

وكذلك فرنسا، فقد قامت بقتل أكثر من مليون جزائري وقيل مليونين، حينما أرادت الجزائر أنْ تحصل على استقلالها، علماً بأنّ نفوس الجزائر كانت آنذاك تسعة ملايين نسمة(2).

وأيضاً كَتَبَ نِهرو(3)في بعض كتبه: إنّ الإنكليز افتعلوا حرباً في الصين، راح ضحيتها عشرون مليوناً تحت اسم حرب الافيون(4)

تم تصدير أول شحنة كبيرة من الأفيون إلى الصين في عام (1781م) وقد لاقت تجارة الأفيون رواجاً كبيراً في الصين، وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين، وبدأت بشائر نجاح الخطة البريطانية في الظهور؛ إذ بدأ الشعب الصيني في إدمان الأفيون، وبدأ نزوح الفضة من الصين لدفع قيمة ذلك الافيون. وبدأت مشاكل الادمان تظهر على الشعب الصيني مما دفع بالإمبراطور يونغ تيكينج في عام (1729م) بإصدار أول مرسوم بتحريم استيراد المخدرات. غير أن شركة الهند الشرقية البريطانية لم تلتفت لهذا المنع واستمرت في تهريب الأفيون إلى الصين.

وتصاعدت حركة التهريب للأفيون إلى الصين بصورة تدريجية، حيث لم يُهرَّب إليها في عام (1729م) سوى (608 كغم) من الأفيون قدرت تكلفتها بخمسة عشر مليون دولار. ثم في عام (1792م) وصلت المهربات الى (272 طناً).

انزعجت الصين لهذه الظاهرة، وللخطر الذي يمثله تعاطي الأفيون الواسع على صحة المواطنين، والذي يسبب تدمير المجتمع الصيني، لذلك أصدر الإمبراطور الصيني قرارا آخر، عندما أجبر التجار البريطانيين والأمريكيين على تسليم مخدراتهم من الأفيون الذي بلغ ألف طن، وقام بإحراقه في احتفالية كبيرة شهدها المناوئون لهذا المخدر. عندها قررت بريطانيا وكانت في أوج قوتها في ذلك الوقت إعلان الحرب على الصين لفتح الأبواب من جديد أمام تجارة الأفيون للعودة من جديد، وبحث البريطانيون عن ذريعة بحجة (تطبيق مبدأ حرية التجارة) وكان النظام العالمي في ذلك الوقت يقوم على مبدأين هما حرية التجارة ودبلوماسية السفن المسلحة. فأرسلت بريطانيا في عام (1840‌م) سفنها وجنودها إلى الصين لإجبارها على فتح أبوابها للتجارة بالقوة. استمرت حرب الأفيون الأولى إلى عام (1842‌م) واستطاعت بريطانيا بعد مقاومة عنيفة من الصينيين، احتلال مدينة دينج هاي في مقاطعة شين جيانج، واقترب الأسطول البريطاني من البوابة البحرية لبكين، دفع ذلك الإمبراطور الصيني للتفاوض مع بريطانيا وتوقيع اتفاقية نان جنج في (1842م).

لم تحقق هذه المعاهدة ماكانت تصبوا إليه بريطانيا والقوى الغربية، فلم يرتفع حجم التجارة مع الصين كما كانوا يتوقعون؛ لذلك قررت بريطانيا وفرنسا استخدام القوة مرة أخرى ضد الصين، واتخذوا ذريعة جديدة هذه المرة.

فاستطاعت فيها القوات البريطانية والفرنسية احتلال بعض الأراضي والموانيء الصينية مما جعل الإمبراطور يقبل مراجعة الاتفاقات وتوقيع اتفاقية (تيان جين) في عام (1858‌م) بين الصين وكل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا والتي تعطي لهم مزيداً من الامتيازات. نصت اتفاقية (بتان جن)، على التصديق عليها خلال عام من توقيعها. وحين تأخرت الصين في التصديق استخدمت بريطانيا وفرنسا القوة مرة أخرى لتحقيق ذلك واستطاعت قواتهما دخول (تيان جن) في ربيع عام (1860‌م) ثم تقدمت نحو (بكين) ودخلوها في اكتوبر (1860‌م) وتوجهوا إلى القصر الصيفي للإمبراطور الذي يبعد بضعة أميال عن بكين، وهذا القصر يعتبر أعظم وأفخم قصور العالم، ويحتوي على آثار تاريخية وتحف وذهب لايقدر بثمن. وقام الضباط البريطانيون والفرنسيون بنهب محتوياته لمدة أربعة أيام، وأضرموا فيه النار بعد ذلك.

رضخ الإمبراطور لمطالبهم ووقع الاتفاقيات مع كل من فرنسا وبريطانيا، وكذلك روسيا والولايات المتحدة التي منحت امتيازات أكثر.

وارتفع عدد المدمنين في الصين من مليوني مدمن عام (1850م) ليصل إلى (120 مليوناً سنة 1878م)، ولكن حروب الأفيون لم تنته نهائياً إلّا باتفاقية (8 أيار 1911م). وتضل حربي الأفيون الشهيرتين بمثابة فضيحة لا مثيل لها في الحياة السياسية والاقتصادية في التاريخ، فضيحة تدل على استبداد القوى الغربية الاستعمارية وتقديمها لمصالحها المالية على حساب كل القيم والمبادئ والاخلاقيات.

.

1) يشير الإمام الشيرازي(رحمه اللّه) في هذا المقطع من الكتاب إلى صدام طاغوت العراق في العصر الحديث.

2) تعرف الثورة الجزائرية باسم: ثورة المليون شهيد، وهي حرب تحرير وطنية ثورية ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي قام بها الشعب الجزائري، وكانت نتيجتها انتزاع الجزائر لاستقلالها بعد استعمار شرس وطويل استمرّ أكثر من 130 عاماً. وقد انطلقت الرصاصة الأولى للثورة في تشرين الثاني عام (1954م).

3) جواهر لال نهرو زعيم هندي (1889م-1964م).

4) اهتمت بريطانيا في نهاية القرن (18 الميلادي)، بفتح أبواب الصين أمام تجارتها العالمية، فطلب الملك جورج الثالث من الإمبراطور الصيني شيان لونج توسيع العلاقات التجارية بين البلدين..إلا أن الإمبراطور رفض ذلك، وفي المقابل كان على التجار البريطانيين دفع قيمة مشترياتهم من الصين من الشاي والحرير والبورسلين نقدا بالفضة، مما تسبب في استنزاف مواردهم منها؛ لذلك لجأت بريطانيا إلى دفع إحدى شركاتها..وهي شركة الهند الشرقية البريطانية (East India Company) التي كانت تحتكر التجارة مع الصين إلى زرع الأفيون في المناطق الوسطى والشمالية من الهند وتصديره إلى الصين، كوسيلة لدفع قيمة وارداتها للصين.

ومن هنا يعلم مدى وحشية أعداءالإسلام، وأعداء الإنسانية، ولكن يمكن الوقوف أمامهم بقوة الإيمان، والاعتقاد الراسخ، وبتغيير واقعنا اليوم إلى ما أمر به رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والعترة الطاهرة(عليهم السلام).

وبذلك يكون الوقوف بوجه الكفار، والتحصن من مخططاتهم، المضادة للإنسان والإسلام، والكفر ملّة واحدة.

ومن أجل تحقيق التغيير نحو الأفضل، يلزم أن نبدأ بنشر العقيدة الإسلامية في قلوب الناس، ابتداءً من التوحيد والنبوة، وانتهاءً ببقية أصول ومعتقدات الإسلام، وبعد ذلك نعمل على ترويج الأعمال الصالحة التي ترضي اللّه ورسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، حتى يحصل النصر والفلاح إن شاء اللّه تعالى.

قال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(1)والفلاح هو الظفر بالسعادة، أي فازوا بخير الدنيا وسعادة الآخرة، فقد شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الآخرة في آخرتهم، والمؤمن هو المصدق برسالات اللّه، وإطلاقه في الشريعة منصرف الى المصدق بوحدانية اللّه، وبالرسالة، وبالمعاد، وبلوازمها. والظفر


1) سورة المؤمنون، الآية: 1.

الأخروي هو الفوز بالجنة وبما وعدنا به اللّه تعالى في الآخرة.

وإذا كنّا من المؤمنين باللّه تعالى ورسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهار (عليهم الصلاة والسلام)، وعملنا بقولهم، فلن نكون من الخاسرين، إن شاء اللّه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «كان قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم، فأكثروا عباد اللّه اجتهادكم فيها، بالتزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل؛ فإنها دار العمل والدار الآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها، فإن المغتر من اغتر بها، لن تعد الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها، المطمئنين إليها المغترين بها، أن تكون كما قال اللّه تعالى: {كَمَاءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَٰمُ}(1). ألّا إنه لم يصب امرؤ منكم من هذه الدنيا حبرة إلّا أعقبتها عبرة، ولا يصبح امرؤ في حياة إلّا وهو خائف منها أن تئول جائحة، أو تغير نعمه، أو زوال عافيته، والموت من وراء ذلكم وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل، {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ}(2)ويجزي {الَّذِينَ أَسَُٰٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى}»(3)(4).

محمد الفاتح وفتح تركيا

كانت (القسطنطينية) عاصمة الدولة الرومانية، ففي الزمن الذي قام فيهالمسلمون بالهجوم على إيران، وذلك لأن طغاة الفرس قد استعدوا لغزو المسلمين، فبادرهم المسلمون ودخلوا إيران دون مقاومة تذكر، وكانت السلطة


1) سورة يونس، الآية: 24.

2) سورة الجاثية، الآية: 22.

3) سورة النجم، الآية: 31.

4) بحار الأنوار 75: 19.

قبل ذلك لرؤساء تعاقبوا على الحكم منهم: قباذ وماني(1)، وكانوا قد جرّوا البلاد إلى الفساد.

وكان الشعب الإيراني آنذاك، متعباً من كثرة ظلم حكامه، وهو ينتظر دخول المسلمين، للخلاص من الجور والاستبداد وأوضاع التحلل والفساد، وجرائم الحكام بحق أبنائه.

فالناس آنذاك، عملوا كل ما في وسعهم لتذليل العقبات أمام انتصار المسلمين، ليتم إنقاذهم من عبث هذين الطاغيتين وفسادهما.

ومن هنا يمكن أن يقال: إن إيران لم تؤخذ بالحرب بالمعنى المصطلح لها، لأن التحكم السيء برقاب الناس والسلطة الظالمة والعنف الحاكم، قد مهّد الطريق لأنْ يتخلى الناس عن حكومتهم، ويرضوا بأيّ حكومة بديلة تخلّصهم من الاستبداد والقمع والجور، وخاصة إذا كان البديل هو الإسلام العادل، وكان الشعب قد سمع بقيم الإسلام واحترامه وتقديره للإنسان، ولهذه الأسباب دخل المسلمون إلى إيران بكل سهولة.

أما من جهة الشمال، أي الرومان، فالمسألة كانت أصعب بكثير، فحينما وصل المسلمون إلى حدود القسطنطينية خرج بعض الناس وقاوموهم مقاومة شديدة، وكانوا يصرون على عدم فسح المجال أمام تقدم المسلمين؛ إذ أنّ السلطة والكنيسة في الدولة الرومانية كانتا تشعران بخطر الإسلام عليهما وعلى مصالحهما، فاتجهتا إلى الناس وعملتا على كسب تأييدهم من ناحية، ومن ناحية أخرى عملتا على رفع القدرات العسكرية لبلادهم من توفير السلاح


1) قباذ بن فيروز بن يزدجرد ملك الفرس سنة (488م) ملك وهو ابن خمس عشرة سنة. أما ماني: فهو المولود حوالي (240 م) وادعى أنه النبي الموعود الذي جاء اسمه في الانجيل: ياراقليت، ودعا الناس إلى مذهب جديد بين المسيحية والزردشت، قتله الملك بهرام سنة (274م) ويطلق عليه اسم ماني النقاش.

وتجنيد الناس؛ فكانت للروم أساليب عسكرية، تعتبر في وقتها، منيعة ومتطورة، مثل الأسوار والمنجنيق وأمثالهما.

وقد دامت مقاومة العاصمة بالذات زمناً طويلاً، وبعد ذلك قام بنو أمية بهجوم آخر لاحتلال القسطنطينية، إلّا أنهم خسروا المعركة آنذاك. وكذلك قام بنو العباس بمحاولة احتلالها بمعركة مشابهة ولم يفلحوا أيضاً.

أمّا المرة الثالثة فكانت على يد السلطان محمد الفاتح(1)وذلك في أيام العثمانيين، وكان محمد الفاتح من علمائهم وبعد أن صار حاكماً، فكّر بفتح القسطنطينية على أيدي المسلمين، وحدّد مقومات النصر وقام بإعدادها من قوة الجيش وتقوية معنوياته، فوضع لذلك برنامجاً خاصاً، وما إنْ رتب وضع الجيش عسكرياً، حتى أمر العلماء أنْ يرفعوا من معنويات الناس إلى أعلى درجة ممكنة، وأن يذكّروا الناس بثواب الجهاد في سبيل اللّه، وثواب قتال الكفار الذين يخططون ضد المسلمين.

ثم أمر في يوم جمعة إلى الصلاة جماعة، ودعا إلى البكاء أثناء الصلاة، إيماناً منه بأنّ للبكاء تأثيراً على القلوب أكثر من تأثير أي عمل عاطفي آخر.

ومن جهة أخرى، فإن السلطان محمد الفاتح أمر عدداً من رجاله أن يتغلغلوا في بلاد الروم لتقصي أخبارهم، وبعد مدة قصيرة عادوا، وجاءوا بخبر مفادُه أنّ علماءهم منشغلون بالبحث حول أنّه لما أصيب عيسى(عليه السلام) هل أصيب في ناسوتيتهأم لاهوتيته؟!

وأما البقية فمنشغلون بالتجارة والبيع والشراء، وملذاتهم، ولم يوجد هناك أي


1) هو السلطان محمد الثاني (431ه-1481م)، هو السابع في سلسلة الحكام العثمانيين لقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً.

مؤشر يدل على أنّ الروم متأهبون للقتال.

كما أن الظلم قد تفشى في حكامهم، والشعب قد تعب من جور طغاتهم.

عند ما عرف محمد الفاتح ذلك، أمر الجيش بشنّ هجوم مفاجئ على دولة الروم، ومع أنّ جيش الروم كان يملك عدداً كافياً من المنجنيقات والأسلحة القوية، وكان قادراً في أية لحظة على أنْ يصب النار على رؤوس أفراد جيش محمد الفاتح ويفتك بهم، ولكن المفاجأة التي استعملها محمد الفاتح، حالت دون ذلك. مضافاً إلى أن الشعب لم يساند الحكومة لتصدي المسلمين.

وبالنتيجة وصل المسلمون إلى أبواب المدينة، ودخلوها وسقطت عاصمة الروم القسطنطينية على يد محمد الفاتح، الذي ما أن سجل نصره على الروم، حتى صلّى هناك ركعتين شكراً للّه.

وبالرغم من أنّ محمد الفاتح كأغلب الحكام لم يكن ملتزماً بمبادىء الإسلام، ولم يتبّع أصول الدين بحذافيرها، ولكنّ عزمه الراسخ على تحقيق الهدف، ورفع معنويات المسلمين آنذاك، كان له الدور الفاعل في فتح القسطنطينية.

لأنّ المعنوية العالية عادة تأتي بالنصر، من دون فرق في هذه القاعدة بين المسلمين وغيرهم، أي وإنْ كانت أهداف المحاربين من وراء الحرب غير نبيلة أو غير مخلصة لكنهم إذا تمتعوا بمعنويات عالية، فإنها تعد من مقومات النصر.

إذن، الشيء الذي حاز على أهمية عظيمة وكان مؤثراً في هذه المعركة هو الإيمان القوي الذي يحل في القلوب.

ومن هنا نرى التأكيد الكبير في الروايات الشريفة على ضرورة التحليبالإيمان القوي الذي لا يزعزعه شيء.

قال الإمام الرضا(عليه السلام): «الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل

بالجوارح»(1).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «المؤمن أصلب من الجبل، الجبل يُستقل منه، والمؤمن لا يستقلّ من دينه شيء»(2).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «إن المؤمن أشد من زبر الحديد، إن الحديد إذا دخل النار تغير، وإن المؤمن لو قُتل، ثم نُشر ثم قُتل، لم يتغير قلبه»(3).

والإيمان هو عزم راسخ، وتصديق بالشيء، والتزام به، وتهيئة أسبابه. والإيمان باللّه هو التصديق بوحدانيته، وبرسله، واليوم الآخر، وبما جاء به الأئمة الأطهار(عليهم السلام).

لذا ذكرنا في ما سبق: إنّ قوة الإيمان ترتكز على قوة المعرفة والعقيدة من توحيد اللّه والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، ويتبعه باقي الأعمال الصالحة.

قال اللّه تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً}(4)، إلى غير ذلك من الآيات التي تشير إلى العمل الصالح، فإنه السبب إلى الفوز الأخروي والنصر الدنيوي.

والعمل الصالح هو شرط في التغيير نحو الأفضل كما لا يخفى.

المسلمون في صقلية

كان المسلمون قد وصلوا إلى القسم الجنوبي من صقلية(5)، ولم يبدأ إخضاع الجزيرة بصورة نظامية تامة، إلّا في عهد المأمون العباسي بقيادة الأمير زيادة اللّه


1) معاني الأخبار: 186.

2) الكافي 2: 241.

3) صفات الشيعة: 32.

4) سورة النحل، الآية: 97.

5) صقلية: جزيرة وأقليم متمتع بالحكم الذاتي تتبع إيطاليا حالياً.

الأغلبي ففي سنة (212ه) أرسل إلى صقلية جيشاً كبيراً بقيادة أسد بن الفرات قاضي القيروان، وكان سبب إرسال الجيش، هو أنّ ملك الروم بالقسطنطينية، استعمل على جزيرة صقلية، بطريركاً اسمه (قسطنطين) عام (211ه). فلما وصل إليها عُيِّّن رومياً اسمه (فيمي) قائداً على الأسطول، وقد كان حازماً فغزا أفريقيا، وأعمل فيها يد النهب والتخريب، وشقّ عصا الطاعة عن أمير الجزيرة (قسطنطين) فالتقى الطرفان في معركة كبيرة حتى حلت الهزيمة بقسطنطين، وفرّ إلى مدينة قطانية، فزحف (فيمي) بجيشه على الجزيرة، وأمسك به فقتل (قسطنطين)، ثم أعلن نفسه ملكاً على تلك الجزيرة. وحدث أيضاً نفس الأمر، بأنْ شق عصا الطاعة اثنان من حكام مدنه، فتقاتلا مع (فيمي) وألحقا به هزيمة منكرة، فهنا طلب (فيمي) المساعدة والنجدة من (زيادة اللّه) ووعده بملك جزيرة صقلية، فسير معه جيشاً في ربيع الأول عام (212ه)، فوصلا إلى مدينة مازر، حيث تقابلا مع جيش حاشد من الروم، ودارت بين الفريقين معركة رهيبة، أسفرت عن هزيمة الروم، واستيلاء المسلمين على أموالهم ودوابّهم، وتمكّن المسلمون من أنْ يخضعوا سريعاً لسلطانهم عدداً كبيراً من قلاع الجزيرة، وحاصروا سرقوسة، واستمر زحف المسلمين، حتى تم فتح جزيرة صقلية بأكملها. وكان أول حاكم لها هو (أبو الأغلب إبراهيم بن عبد اللّه) ومنها أيضاً انتشر الإسلام إلى المدن المجاورة، حتى وصل إلى ساحل كلابريا في جنوبي إيطاليا(1).

وقد تم هذا النصر الإسلامي بفضل المعنويات العالية التي كان يتمتع بها المسلمون آنذاك.

ومن الواضح تأثير المعنويات العالية في تحقق الانتصارات في الحروب


1) للتفصيل انظر كتاب (موجز تاريخ الإسلام) للإمام الشيرازي(رحمه اللّه) وهو تلخيص لكتاب (حضارة العرب) للدكتور غوستاف لوبون.

والمعارك وسائر شؤون الحياة.

المسلمون اليوم

أما اليوم وبعد أن تغير واقع المسلمين وضعفت معنوياتهم، وتخلوا عن الإسلام وأحكامه العظيمة - في الأعم الأغلب - واتجهوا إلى القوانين الوضعية الشرقية والغربية، وأصبحوا في دويلات ومناطق متفرقة وصغيرة، يطلق عليها اسم العالم الثالث، حسب تصنيفهم. في حين أنّ الإسلام كان أساس الحضارات والتطور والتقدم لشعوب العالم أجمع، وما نراه في الوقت الحاضر من تكنولوجيا متطورة، فأصولها كانت بيد المسلمين ولكن استفاد منها الغرب، ونحن تركنا مقومات التقدم واتجهنا إلى مشاكل جانبية، ونزاعات طائفية وجاهلية، قد نهى عنها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: «أنا النذير العريان» لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم. لذا يلزم السعي والجد والاجتهاد، في تغيير المجتمع الإسلامي وتحويله من الجهل والظلم الحاصل في وقتنا الحاضر إلى العلم والنور، لننال رضى اللّه تعالى ورسوله والأئمة الأطهار(عليهم السلام) ونفوز بسعادة الدنيا والآخرة وما ذلك على اللّه بعزيز.

«اللّهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به من رضوانك، ومن اليقين ما يهون علينا به مصيبات الدنيا. اللّهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثارنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين»(1).


1) إقبال الأعمال 2: 699.

من هدي القرآن الحكيم

العزم والصبر

قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}(1).

وقال سبحانه: {رَّبُّ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوٰةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسَْٔلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}(3).

وقال سبحانه: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(4).

وقال عزّ وجلّ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}(5).

وقال سبحانه: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(6).

وقال جلّ وعلا: {يَٰبُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(7).

العصبية والجاهلية

قال جلّ اسمه: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنيَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم


1) سورة طه، الآية: 115.

2) سورة مريم، الآية: 65.

3) سورة طه، الآية: 132.

4) سورة الأعراف، الآية: 128.

5) سورة الأحقاف، الآية: 35.

6) سورة آل عمران، الآية: 159.

7) سورة لقمان، الآية: 17.

مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(1).

وقال تبارك وتعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَٰبٖ وَحَفَفْنَٰهُمَا بِنَخْلٖ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَئًْا وَفَجَّرْنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}(2).

وقال عزّ ذكره: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَْٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَٰلَمِينَ * فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}(3).

وقال سبحانه: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}(4).

وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَئًْا وَلَايَهْتَدُونَ}(5).

الإمام خليفة اللّه

قال عزّ وجلّ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بَِٔايَٰتِنَا


1) سورة الفتح، الآية: 25-26.

2) سورة الكهف، الآية: 32-34.

3) سورة الشعراء، الآية: 106- 111.

4) سورة الزخرف، الآية: 51-52.

5) سورة البقرة، الآية: 170.

يُوقِنُونَ}(1).

وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}(2).

وقال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(3).

وقال جلّ وعلا: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(4).

وقال تعالى: {يَٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ}(5).

وقال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}(6).

من هدي السنّة المطهّرة

العزم والحزم

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأحزم الناس أكظمهم للغيظ»(7).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا اقترن العزم بالحزم كملت السعادة»(8).


1) سورة السجدة، الآية: 24.

2) سورة البقرة، الآية: 247.

3) سورة الرعد، الآية: 7.

4) سورة النساء، الآية: 59.

5) سورة ص، الآية: 26.

6) سورة النمل، الآية: 62.

7) بحار الأنوار 68: 421.

8) غرر الحكم ودرر الكلم: 285.

وقال(عليه السلام): «أصل العزم الحزم، وثمرته الظفر»(1).

وقال(عليه السلام): «ثمرة الحزم السلامة»(2).

وقال(عليه السلام): «كذب السفير يولد الفساد ويفوت المراد ويبطل الحزم وينقض العزم»(3).

وقال(عليه السلام): «الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت»(4).

وقال(عليه السلام): «الحزم النظر في العواقب ومشاورة ذوي العقول»(5).

العصبية والجاهلية

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من كان في قبله حبة من خردل من عصبية، بعثه اللّه تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية»(6).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من تعصب أو تُعصب له، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه»(7).

وقال(عليه السلام): «إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم اللّه أنه ليس منهم، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب وقال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٖ}»(8)(9).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 199.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 326.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 539.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 79.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 105.

6) الكافي 2: 308.

7) الكافي 2: 307.

8) سورة الأعراف، الآية: 12.

9) الكافي 2: 308.

وقال(عليه السلام): «من تعصب عصّبه اللّه بعصابة من نار»(1).

وقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين...»(2).

أهمية التخطيط والحكمة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «أيها الناس، لا خير في دين لا تفقه فيه، ولا خير في دنيا لا تدبر فيها، ولا خير في نسك لا ورع فيه»(3).

وقال(عليه السلام): «قدّر ثم اقطع، وفكر ثم انطق، وتبيّن ثم اعمل»(4).

وقال النبي عيسى بن مريم(عليه السلام): «بحق أقول لكم: إن النفس نور كل شيء، وإن الحكمة نور كل قلب، والتقوى رأس كل حكمة، والحق باب كل خير، ورحمة اللّه باب كل حق، ومفاتيح ذلك الدعاء والتضرع والعمل، وكيف يفتح باب بغير مفتاح؟»(5).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «الهيبة خيبة، والفرصة خلسة، والحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحَقَّ بها وأهْلَها»(6).

الإمامة خلافة اللّه

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنما الأئمة قوام اللّه على خلقه، وعرفاؤه على عباده، ولا يدخل الجنة إلّا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرهم


1) الكافي 2: 308.

2) الكافي 2: 308.

3) المحاسن 1: 5.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 500.

5) بحار الأنوار 14: 316.

6) الأمالي للشيخ الطوسي: 625.

وأنكروه»(1).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام): «الأئمة خلفاء اللّه عزّ وجلّ في أرضه»(2).

وقال(عليه السلام): «الإمامة خلافة اللّه، وخلافة الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، ومقام أمير المؤمنين، وميراث الحسن والحسين(عليهم السلام)»(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه اللّه الأمر، فإنه نظام الإسلام»(4).


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 152، من خطبة له(عليه السلام) في صفات اللّه جل جلاله وصفات أئمة الدين.

2) الكافي 1: 193.

3) الكافي 1: 200.

4) الأمالي للشيخ المفيد: 14.

وإلى الشباب نقول...

المقدمة

اشارة

من وصية للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى ابنه الحسن(عليه السلام):

«وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «عليك بالأحداث؛ فإنهم أسرع إلى كل خير»(2).

ما هي مكانة الشباب في الشريعة الإسلامية؟

وهل اهتم الإسلام بالشباب؟

وهل هناك مكان للشباب في فكر أهل البيت(عليهم السلام)؟

إن أمثال هذه الأسئلة تزدحم - عادة - في أذهان بعض الشباب وهي جميعاً ذات محور واحد وهو: الشباب ومكانتهم ودورهم في هذه الحياة.

وقد يزعم البعض من الناس أن الإسلام لم يعط للشباب تلك الأهمية التي توليها لهم الدول الأوربية والغربية، بل إنه ضيّق الخناق على كثير من المظاهر الاجتماعية، فكيف الحال بالشباب؟ وما إلى غير ذلك من الشائعات غير الصحيحة، التي يشيعها أعداء الإسلام على الإسلام ورجالاته.

ومن أجل ما سبق سوف نشير إلى الإجابة على هذه الاعتراضات ونبين موارد


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 31، من وصية له(عليه السلام) لولده الحسن(عليه السلام) كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين.

2) الكافي 8: 93.

الشبهة فيها، ومن ثم نذكر برنامجاً مبسطاً للشباب المسلم.

الشباب ذخائر الأمم

ينظر الإسلام إلى الشباب على أنهم ذخائر الأمة، وخط الطاقة المتنامية فيها، وبناة الحضارة، وروّاد الفتح الإسلامي، ولقد اهتم الإسلام بدور الشباب كثيراً.

ويعود السبب إلى أمرين:

أولاً: يمتاز الشباب بفطرة سليمة نقية لم تتلوث بعد بالذنوب وباقي الانحرافات الأخرى، مما يساعد على تنظيم وتعميق علاقتهم مع اللّه عزّ وجلّ، وبالتالي سوف يكونون عناصر مخلصة وفعالة في الأمة.

ثانياً: إن مرحلة الشباب مرحلة جديدة مفعمة بطاقات هائلة، وهي بداية تنامي الآمال والأهداف، يرافقها حماس وفعاليات ونشاطات ذهنية وجسدية عظيمة، لا يمكن الاستهانة بها، فيأتي الإسلام لينظم الفعاليات والنشاطات، ويجعلها تصب في خدمة الأهداف، ومن ثم يقرر الإسلام الأهداف الجيدة والنافعة من غيرها، وهكذا يأخذ بيد الشباب إلى طريق نجاحه في الدنيا والآخرة.

ولقد شهد التاريخ الإسلامي مشاهد كثيرة التي تدل على الاهتمام البالغ من رجال الإسلام بالشباب، من قبل الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، والأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، والصحابة المنتجبين. نذكر في المقام ما فعله رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من تأمير الشاب (أسامة بن زيد) على جيش المسلمين، وهو في سن الثامنة عشر، مع وجود كبراء الصحابة آنذاك، وأمر أبا بكر وعمر بأن يكونا تحت إمرة أسامة، وأن لا يعصيا له أمراً، وروي أنه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعن من تخلّف عن جيش أسامة ثلاث مرات(1)

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن سيّار، عن سعيد بن كثير، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عبد الرحمن: أنّ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مرض موته أمّر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلّة المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مرضه يثقل ويخف ويؤكّد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتّى قال له أسامة: بأبي أنت وأمّي، أ تأذن لي أن أمكث أيّاما حتّى يشفيك اللّه تعالى؟

فقال: «اخرج وسر على بركة اللّه».

فقال: يارسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك. فقال: «سر على النصر والعافية».

فقال: يا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إنّي أكره أن أسأل عنك الركبان؟

فقال: «أنفذ لما أمرتك به».

ثم أغمي على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وقام أسامة فتجهز للخروج، فلمّا أفاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنّهم يتجهّزون، فجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه». وكرّر ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه، حتّى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار أسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أمّ أيمن يقول له ادخل فإنّ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يموت، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ورسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد مات في تلك الساعة، قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا إلّا بالأمير. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 52.

.

1) انظر بحار الأنوار 30: 427 وفيه: قال المجلسي(رحمه اللّه): قال أصحابنا رضوان اللّه عليهم: كان أبو بكر وعمر وعثمان من جيش أسامة، وقد كرّر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لمّا اشتدّ مرضه الأمر بتجهيز جيش أسامة ولعن المتخلّف عنه، فتأخّروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة. - إلى أن قال - روى البلاذري في تاريخه وهو معروف ثقة كثير الضبط بريء من ممالأة الشيعة: أنّ أبا بكر وعمر كانا معاً في جيش أسامة. وروى سعيد بن محمد بن مسعود الكازراني من متعصّبي الجمهور في تاريخه: أنّ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلمّا كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال له: «سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم مدّ الخيل، فقد وليتك هذا الجيش» فلمّا كان يوم الأربعاء بدأ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فحمّ وصدع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: «أغز بسم اللّه في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه». فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين؟!، فغضب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) غضباً شديداً، فخرج وقد عصّب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: «أمّا بعد، أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم اللّه، إنّه كان للإمارة لخليقاً، وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ فاستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم». ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبيّ(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مغمى عليه، وفي رواية: قد أصمت وهو لا يتكلّم، فطأطأ رأسه فقبّله رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة. قال: فعرفت أنّه يدعو لي، ورجع أسامة إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمّه أمّ أيمن قد جاءه يقول: إنّ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يموت... إلى آخر القصّة.

وكذلك ما كان يفعله في كافة حروبه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فقد كان يعطي الراية بيد علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وقد كان ما يزال شاباً(1)، ونصّبه وصيّاً له، وقد كان في عمر الشباب أيضاً، كما جاء في الحديث الدار.

روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}(2)دعاني رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا علي، إن اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين - إلى أن قال - فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عساً من لبن، واجمع لي بني عبد المطلب حتى أعلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجل أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم، فجئنا به، فلما وضعته تناول رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) جذبة لحم فشقها فنتفها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: كلوا بسم اللّه، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة ولا أرى إلّا


1) انظر الإرشاد 1: 78.

2) سورة الشعراء، الآية: 214.

مواضع أيديهم، مواضع أيديهم،وايم اللّه الذي نفس علي بيده، إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم.

ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً، وايم اللّه، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.

فلما أراد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن يكلمهم تذرب أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم.

فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي ففعلت، ثم جمعتهم له، ثم دعا بالطعام فقربه لهم، ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا حتى ما لهم بشيء من حاجة، ثم قال: اسقهم، فأتيتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا بني عبد المطلب، إني واللّه ما أعلم شباباً في العرب جاء قومه بأفضل - من - ما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تبارك وتعالى أن أدعوكم، فأيكم يوازرني على أمري على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

فأحجم القوم عنها جميعاً، قال: قلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً(1)، قلت: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه.

فأخذ برقبتي ثم قال: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع»(2).


1) الرمص في العين: كالغمص، وهو قذى تلفظ به، كناية عن صغر سنه، وحمش الساقين: رفيعهما.

2) تفسير فرات الكوفي: 301.

وهكذا تكرر التأكيد على خلافة علي أمير المؤمنين(عليه السلام) حتى كان يوم الغديرفخطب النبي في أصحابه وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله»(1).

مصعب بن عمير

اشارة

وكذلك نرى الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في موضع التبليغ للإسلام كان يعتمد على الشباب أيضاً، فقد أرسل إلى المدينة المنورة مصعب بن عمير ليعلّم الناس أصول الدين والقرآن.

وقد جاء في بعض الروايات أن أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس - وهما من الخزرج - عندما أسلما على يد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مكة قالا: يا رسول اللّه، ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن، ويدعو الناس إلى أمرك، فقال رسول اللّه لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الشِعب حتى تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول اللّه بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً، فخرج هو مع أسعد إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير وقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعباً نازلاً على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم ويطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث...(2).

واستطاع مصعب أن يتوغل بالإسلام إلى قلوب الأوس وبني عمرو بن عوف، حتى شاع الإسلام بالمدينة وكثر، ولما بلغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) دخول الأوس


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 47.

2) إعلام الورى: 57.

والخزرج في الإسلام ونشوء قاعدة أمينة لنشر الدعوة الإسلامية أمر أصحابه أن يخرجواإلى المدينة، ومن هناك انطلقت رايات الإسلام ومفاهيمه الوضّاءة لتخفق على أرجاء المعمورة، وكان للشباب دوراً فعالاً في تلك الأحداث.

إلى غيرها من الشواهد التاريخية الكثيرة التي تؤكد على الاهتمام بالشباب، وهذا الأمر ليس محصوراً بالذكور، بل إننا نرى الفقه الإسلامي يحرض على الاهتمام بكلا الجنسين، ويشجعهما على طلب العلم والاجتهاد فيه، والسعي لبناء مستقبل أفضل. ولا يمنعهم من ممارسة حاجاتهم المشروعة، أو ممارسة بعض الهوايات غير المحرمة، ولكن العنوان العام لكل ذلك هو أن لا تؤدي هذه الأمور إلى الفساد والانحلال الخلقي، وانعدام الحواجز الروحية، والتمرد على أحكام اللّه عزّ وجلّ، والاستهزاء بالشريعة المقدسة، والإخلال بالواجبات؛ فالإسلام يؤكد على الحفاظ على الفطرة والقلب والذهن وسلامة كل منها، لأن الذنوب تعيق الإنسان من الكمال وتؤخره؛ ولذلك فإنه لا تجوز ممارسة الأمور التي تكون سبباً للحرام أو مستلزمة له، حفاظاً على مسيرة الإنسان التكاملية.

سلوك الشباب

قال تبارك وتعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(1).

لا يخفى أن سلوك الشباب يختلف عادة عن سلوك الكبار، فلا بد أن ننظر لهذا الأمر من زاويتين:

الأولى: كيف نتعامل معهم، وأي طريق نسلك للدخول في عالمهم؟

الثانية: أن نلاحظ سلوك الشباب في ما بينهم، ثم نقوم بسد الثغرات عندهم


1) سورة النحل، الآية: 125.

على الصعيد الفكري وغيره، وتصحيح ما هو خطأ في حياتهم.

بالنسبة للزاوية الأولى: يقول مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام): «لاتقسِروا أولادكم على آدابكم؛ فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»(1).

حيث يؤكد إمامنا على نوع المعاملة مع أبنائنا الشباب؛ لأنهم يعيشون في فترة زمانية غير التي عاش فيها الآباء، حيث التغير طرأ على كل شيء بدءً من الزي والمأكل وشكل المسكن، مروراً بوسائل العلم والعمل، وانتهاءً بتغير الألفاظ وظهور العادات والتقاليد الجديدة، والتي لا تنافي - بالطبع - الخط الإسلامي العام. وعلى ضوء ذلك، فلا بد أن يتغير أسلوب الحوار معهم أيضاً، وإلّا فلا معنى أن تتغير كل مظاهر الحياة ثم لا نغيّر حوارنا مع الشباب.

وعليه فينبغي أن نفتح آفاقاً رحبة مع أبنائنا الشباب، ونكثر من بناء الجسور التي تربطنا بهم فنلتقي معهم عبرها في كل آن، ونبتعد عن كل حالة أو أسلوب من شأنه أن يشنّج العلاقات معهم، وينفرهم عنّا، لاسيما بعض الأساليب الديكتاتورية، حيث يمارس الأب أو غير الأب دور التسلط على الشباب، انطلاقاً من قاعدة احترام الكبير، فيسيء إلى الشباب من خلال ما يتمتع به من مقام الأبوة أو غيره، فنلاحظ في أجواء الديكتاتورية مظاهر الضرب، أو الصياح، أو كمّ الأفواه، أو التحجيم لشخصيات الشباب، وإلغاء دورهم في الحياة، وغير ذلك مما هو بعيد كل البعد عن الإسلام. وحينئذ سوف نتوقع أحد الأمرين من الشباب: إما أن يصبحوا ديكتاتوريين في حياتهم، فيمارسون ظاهرة التسلط متى ما سنحت لهم الفرصة، فينعكس ذلك حتى في علاقاتهم مع الناس، مما يجعلهم أفراداً غير مرغوب فيهم، ولا ينسجم معهم أحد.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 267.

أو يفلت الشباب من هذه القبضة الحديدية، فيكون له ردّ فعل معاكس، ممايؤدي بهم إلى ممارسة كل ما حرموا منه على جميع الأصعدة، فقد كانوا يعانون من سحق لشخصياتهم، فيبدؤون بإظهار شخصياتهم عبر مختلف الوسائل والطرق. وعندها تبدو عليهم ظاهرة (حب الظهور)، والرغبة في الشهرة، فتدب في نفوسهم أمراض الكبر والعجب والهوى.

إذن، نحن أمام هاتين الظاهرتين اللتين يقعان نتيجة للأسلوب اللاشعوري مع الشباب. فماذا نعمل؟ وكيف نتحرك معهم لكيلا نقع في هذه المحاذير؟

في رحاب الأنبياء(عليهم السلام)

اشارة

قال تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(2).

يجدر بنا أن ننقل ما ذكره القرآن الكريم عندما يتعرض لشخصية لقمان الحكيم وهو يحاور ولده الشاب، يقول اللّه تعالى - حكاية عن لقمان وهو يربي ويوجّه ابنه - : {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٖ فَخُورٖ}(3).

وكذلك عندما يتعرض القرآن إلى ذكر إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وهو يسأل ولده إسماعيل(عليه السلام) عن رأيه: {يَٰبُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}(4).


1) سورة يوسف، الآية: 111.

2) سورة الأعراف، الآية: 176.

3) سورة لقمان، الآية: 18.

4) سورة الصافات، الآية: 102.

نلاحظ من خلال هاتين الآيتين كيف كان الحكماء والأنبياء(عليهم السلام) يتعاملون معأولادهم، فلقد كانوا يختارون مضافاً إلى أسلوب الحوار والإقناع الفكري، أساليب العاطفة وتنمية هذا الجانب في روح الشاب للحفاظ على سلامة الفطرة، فلقمان الحكيم لم يطرح حكمه وتوصياته لابنه على نحو الإلزام والجبر، بل نلمس فيه إشعاراً بالمرونة، ويحاول أن يربط كلامه بجهة أخرى وهو اللّه عزّ وجلّ، لكيلا تتبادر إلى ذهن ولده فكرة التسلط، وأنه لو خالف توجيهات والده لحصل على نتائج غير مرضية، وقساوة من قبل لقمان، بل حاول لقمان بحواره مع ابنه، أن يفهمه أن هذه الصفات لا يحبها اللّه ولو تركتها ستكون من المقربين منه تعالى، ولكن لو خالفت فلا تحصل إلّا على البعد من اللّه عزّ وجلّ، والحرمان من الفيض الإلهي.

وكذا الأمر في حوار إبراهيم الخليل(عليه السلام) مع ولده، مع العلم أن رؤيا الأنبياء(عليهم السلام) حق، وهي أوامر لهم، ولكن مع ذلك يبين إبراهيم الخليل(عليه السلام) أوامر اللّه لولده على نحو الاستفهام؛ ليثير فيه جوانب حب الكمال؛ لأن طاعة اللّه على كل حال تزيد الإنسان إشراقاً وكمالاً وقرباً منه تعالى. وكم هو الفرق بين ما قاله إبراهيم(عليه السلام) لابنه، وبين ما لو قال له - مثلاً - : (يجب أن أذبحك، ويجب عليك أن تنصاع لهذا الأمر)، فالأسلوب الثاني غير ناجح دائماً، بل لعله يخلق حاجزاً في قلب الشاب فلا ينطلق مع أبيه إلّا وهو مكره على هذا الفعل، أما في الخطاب الأول فترى إسماعيل(عليه السلام) يتكلم مع أبيه بروحه وكمالاته وإيمانه، وقبل أن ينطق لسانه نطق إيمانه وحبه للّه عزّ وجلّ، وطاعته لأبيه: {قَالَ يَٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّٰبِرِينَ}(1).


1) سورة الصافات، الآية: 102.

فقد روي عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد اللّه(عليهما السلام)يذكران: «أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم(عليه السلام): تروه من الماء، فسميت التروية، ثم أتى منى فأباته بها، ثم غدا به إلى عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة، فبنى مسجداً بأحجار بيض، وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم(عليه السلام) حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الإمام يوم عرفة، فصلى بها الظهر والعصر، ثم عمد به إلى عرفات، فقال: هذه عرفات فاعرف بها مناسكك واعترف بذنبك، فسمي عرفات، ثم أفاض إلى المزدلفة فسميت المزدلفة؛ لأنه ازدلف إليها، ثم قام على المشعر الحرام فأمره اللّه أن يذبح ابنه، وقد رأى فيه شمائله وخلائقه وأنس ما كان إليه، فلما أصبح أفاض من المشعر إلى منى، فقال لأمه: زوري البيت أنت، وأحتبس الغلام، فقال: يا بني هات الحمار والسكين حتى أقرب القربان».

فقال أبان: فقلت لأبي بصير: ما أراد بالحمار والسكين؟

قال: أراد أن يذبحه، ثم يحمله فيجهزه ويدفنه، قال - الإمام(عليه السلام) - : «فجاء الغلام بالحمار والسكين، فقال: يا أبت أين القربان؟ قال: ربك يعلم أين هو يا بني، أنت واللّه هو، إن اللّه قد أمرني بذبحك، فانظر ما ذا ترى؟ {قَالَ يَٰأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّٰبِرِينَ}(1)قال: فلما عزم على الذبح قال: يا أبت خمر وجهي وشد وثاقي، قال: يا بني الوثاق مع الذبح! واللّه، لا أجمعهما عليك اليوم...»(2).

روح الشباب

إذن، هناك أساليب لطيفة وجذابة تتلاءم مع روح الشباب، وتنسجم مع


1) سورة الصافات، الآية: 102.

2) الكافي 4: 207.

منطقهم وعواطفهم، فهذه هي الأساليب التي يلزم أن نتعامل بها معهم... وعليناأن نخلق أجواءً للحوار تنفتح فيه قلوب الشباب معنا، وتنمو قدراتهم، ونعلّمهم على أسلوب الإصغاء، وإعطاء الجواب، والتفكير بتأمل، واحترام الآراء والأشخاص؛ لكي يصبح رصيدهم الروحي أكبر من كل رصيد آخر، فيتعاملوا مع الناس من منطلق المعنويات الإنسانية، فنحافظ بذلك على سيرهم الاجتماعي وتفكيرهم.

ثم علينا أن نوضح لهم معنى الأهداف، والآمال، وما هو دور المبادئ في حياة الإنسان، وكيف يجب أن تكون الأهداف والمبادئ شريفة ومقدسة؛ لكي تكون حركة الإنسان نحوها حركة لها معنى، وعندها يضحي الإنسان بروحه من أجل مبادئه فيكون لتضحيته رصيد عند اللّه، ولا تذهب سدى، إلى غير ذلك مما ينظم توازن الشباب بين أفكارهم وحركاتهم في الحياة على صعيد الأهداف ومقدماتها.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): رحم اللّه من أعان ولده على بره.

قال قلت: كيف يعينه على بره؟

قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به؛ فليس بينه وبين أن يصير في حد من حدود الكفر إلّا أن يدخل في عقوق أو قطيعة رحم - ثم قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) - الجنة طيبةٌ، طيّبها اللّه، وطيب ريحها يوجد ريحها من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم، ولا مرخي الإزار خيلاء»(1).


1) الكافي 6: 50.

مع الشباب في عالمهم

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من كان له ولدٌ صبا»(1).

الزاوية الثانية التي ينبغي النظر إليها في دراسة شخصية الشباب هي: أن نلاحظ سلوك الشباب في ما بينهم، ثم نرسم تلك البرامج المناسبة لشخصيتهم ونقوم بسد الثغرات عندهم، وهنا يجب علينا أن نتحرك على مستويين أيضاً:

الأول: التعايش مع الشباب وعدم الابتعاد عن عالمهم المرح.

والثاني: وضع الحلول العملية الميدانية والبرامج التي تطورهم وتوجب سعادتهم الدنيوية والأخروية.

فعندما يريد أحد الأشخاص باعتباره أباً روحياً أو أباً نسبياً أن ينظر للشباب، أو يثقفهم، وبعبارة ثانية: إن من يريد أن يربيهم تربية روحية وثقافية واعية، عليه أولاً أن لا يكون شخصاً غريباً عن عالمهم، ولا عن تفاصيله؛ فعالم الشباب عالم خاص ولهم نمط خاص في الحياة، ولون خاص، ومنطق خاص، وحركة خاصة، وآمال عجيبة، وتصرفات تحتاج إلى موازنة، وإلى غير ذلك. فعلينا أن لا نهمل هذه الجوانب، مع الالتفات إلى مختصات الذكور ومختصات الإناث.

كما يلزم الالتفات إلى مسألة هامة، وهي: عندما ننطلق مع الشباب علينا أن لا ننطلق من بعض التقاليد الاجتماعية غير الصحيحة، كالذي ينظر إلى الحرية باعتبارها حقاً من حقوق الشباب الذكور فقط، أما بالنسبة إلى الإناث فيعتبرها محرّمة عليهن، وكأن الفتيات لا يسمح لهن بمزاولة حقوقهن المشروعة من التعلم والزواج وما أشبه. فبعض الأعراف ينظر إلى المرأة لا سيما الشابات البواكر على أنهن متهمات في كل سلوك وكلام وفكر، فيحظر عليهن الخروج


1) الكافي 6: 50.

والدخول والكلام، بل حتى إبداء وجهات نظرهن، حتى في أمر زواجهن، إلى غير ذلك من التقييدات التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، نعم، لا يجوز الاختلاط المحرم، وكلما يوجب الفساد والإفساد.

إذن، من أراد أن يهدي الشباب إلى الطريق الصحيح عليه أن يدخل إلى عالمهم ويجالسهم ويشاركهم، ويأخذ برأيهم، ويعطيهم فرصة جديدة مع كل خطأ.

فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أ لا أخبركم بشراركم؟».

قالوا: بلى يا رسول اللّه؟

قال: «الذين لا يقيلون العثرة، ولا يقبلون المعذرة، ولا يغفرون الزلة»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا عاتبت الحدث فاترك له موضعاً من ذنبه؛ لئلا يحمله الإخراج على المكابرة»(2).

الفتيات المؤمنات نماذج وعبر

اشارة

في التاريخ الإسلامي هناك الكثير من الفتيات المؤمنات حيث قمن بأدوار مهمة، فإننا نلاحظ من خلال سيرة أئمتنا الهداة(عليهم السلام) أنهم كانوا يهتمون بإعداد النساء كما يهتمون بإعداد الرجال تماماً لا فرق بينهما.

العقيلة الحوراء زينب(عليها السلام)

اشارة

فمثلاً، كانت مولاتنا السيدة زينب(عليها السلام) شريكة الإمام الحسين(عليه السلام) في ثورته ونهضته المباركة، وقد كانت عالمة وفقيهة، وتصدت لبيان أحكام اللّه في الفترة التي كان إمامنا السجاد(عليه السلام) تحت المراقبة الشديدة حتى قال(عليه السلام) في حقها:


1) مستدرك الوسائل 9: 57.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20: 333.

«أنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة...»(1).

ومما روي في فضلها(عليها السلام) أن يحيى المازني قال: كنت في جوار أمير المؤمنين(عليه السلام) مدة مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا واللّه ما رأيت لهاشخصاً ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) تخرج ليلاً والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين(عليهم السلام) أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين(عليه السلام) فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرة عن ذلك؛ فقال: «أخشى أن ينظر أحدٌ إلى شخص أختك زينب». وهذا قمة العفاف والوقار.

وورد: أن الإمام الحسن(عليه السلام) لما وضع الطشت بين يديه وصار يقذف كبده سمع بأن أخته زينب تريد الدخول عليه، أمر - وهو في تلك الحال - برفع الطشت إشفاقاً عليها.

وورد: أن الإمام الحسين(عليه السلام) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها في مكانه(2).

وأشهر ما روي عنها(عليها السلام) من الأخبار روايتها لخطبة والدتها الزهراء(عليها السلام) التي احتجت بها في موضوع فدك وحق أمير المؤمنين(عليه السلام) في الخلافة. حيث روى ذلك عنها(عليها السلام) ابن أبي الحديد في شرح النهج(3)والمجلسي في البحار(4)والصدوق في علل الشرايع(5)، وأبي الفرج الأصفهاني(6)وغيرهم.


1) الإحتجاج 2: 305.

2) انظر عوالم العلوم 11: 955.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 211.

4) بحار الأنوار 29: 218.

5) علل الشرائع 1: 248.

6) مقاتل الطالبيين: 60.

وروى قدامة بن زائدة عن أبيه قال: قال علي بن الحسين(عليهما السلام): «بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد اللّه الحسين(عليه السلام) أحيانا؟».

فقلت: إن ذلك لكما بلغك.فقال لي: «فلماذا تفعل ذلك؛ ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟».

فقلت: واللّه، ما أريد بذلك إلّا اللّه ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.

فقال: «واللّه، إن ذلك لكذلك؟».

فقلت: واللّه، إن ذلك لكذلك، يقولها ثلاثاً وأقولها ثلاثاً.

فقال: «أبشر، ثم أبشر، ثم أبشر، فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب - البحر - المخزون، فإنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا وقتل أبي(عليه السلام) وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب، يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا، فعظم ذلك في صدري واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي(عليهما السلام) فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟

فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي، مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر؟!

فقالت: لا يجزعنك ما ترى؛ فواللّه إن ذلك لعهد من رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ اللّه ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر

أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلّا ظهوراً وأمره إلّا علواً.

فقلت: وما هذا العهد، وما هذا الخبر؟

فقالت: نعم، حدثتني أم أيمن أن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) زار منزل فاطمة(عليها السلام) في يوم من الأيام، فعملت له حريرة وأتاه علي(عليه السلام) بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) من تلك الحريرة، وشرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يده وعلي يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه، ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، نظراً عرفنا به السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً، ثم إنه وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا، ثم خر ساجداً وهو ينشج، فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين(عليهم السلام) وحزنت معهم؛ لما رأينا من رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهبناه أن نسأله، حتى إذا طال ذلك، قال له علي، وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول اللّه، لا أبكى اللّه عينيك؛ فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك؟

فقال: يا أخي سررت بكم سروراً ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد اللّه على نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمد، إن اللّه تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة وهنأك العطية، بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم، يحبون كما تحب، ويعطون كما

تعطي حتى ترضى وفوق الرضا، على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من اللّه ومنك، خبطاً خبطاً وقتلاً قتلاً شتى مصارعهم نائية، قبورهم خيرة من اللّه لهم ولك فيهم، فاحمد اللّه عزّ وجلّ على خيرته وارض بقضائه، فحمدت اللّه ورضيت بقضائه بما اختارهلكم.

ثم قال لي جبرئيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا، وأومأ بيده إلى الحسين(عليه السلام)، مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك، بضفة الفرات بأرض يقال لها: كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، يُقتل فيها سبطك وأهله، وأنها من بطحاء الجنة، فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها ومادت الجبال وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها وماجت السماوات بأهلها؛ غضباً لك يا محمد ولذريتك، واستعظاماً لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شيء من ذلك إلّا استأذن اللّه عزّ وجلّ في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين، الذين هم حجة اللّه على خلقه بعدك.

فيوحي اللّه إلى السماوات والأرض والجبال والبحار، ومن فيهن: إني أنا اللّه الملك القادر، الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي، وانتهك حرمته وقتل

عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته، عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فعند ذلك يضج كل شيء في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى اللّه عزّ وجلّ قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد،مملوة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفاً صفاً عليهم.

ثم يبعث اللّه قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسماً لقبر سيد الشهداء(عليه السلام) بتلك البطحاء، يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه ويطوفون عليه، ويسبحون اللّه عنده ويستغفرون اللّه لمن زاره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائراً من أمتك، متقرباً إلى اللّه تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش اللّه: هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء. فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدل عليهم ويعرفون به. وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة اللّه ما لا يحصى عددهم، ونحن نلتقط مَن ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق، حتى ينجيهم اللّه من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم اللّه وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد، أو قبر أخيك، أو قبر سبطيك، لا يريد به غير اللّه عزّ وجلّ. وسيجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من اللّه والسخط، أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل اللّه تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً.

ثم قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): فهذا أبكاني وأحزنني.

قالت زينب: فلما ضرب ابن ملجم (لعنه اللّه) أبي(عليه السلام) ورأيت عليه أثر الموت منه، قلت له: يا أبة، حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك.

فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وبنساء أهلك سبايابهذا البلد، أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبراً، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما للّه على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم، وغير محبيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس (لعنه اللّه) في ذلك اليوم يطير فرحاً، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: يا معاشر الشياطين، قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار، إلّا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم على عداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر».

قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين(عليهما السلام) بعد أن حدثني بهذا الحديث: «خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولاً لكان قليلاً»(1)(2).

خطبتها(عليها السلام) في أهل الكوفة

عن حذيم بن شريك الأسدي قال: لما أتى علي بن الحسين زين العابدين(عليهما السلام) بالنسوة من كربلاء وكان مريضاً، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب،


1) قال المجلسي(رحمه اللّه) في البحار 28: 61 ضرب آباط الإبل: كناية عن الركض والاستعجال.

2) كامل الزيارات: 260.

والرجال معهن يبكون، فقال زين العابدين(عليه السلام) بصوت ضئيل، وقد نهكته العلة: «إن هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا غيرهم؟!».

فأومأت زينب بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام) إلى الناس بالسكوت.قال حذيم الأسدي: لم أر واللّه خفرة(1)قط أنطق منها، كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي(عليه السلام) وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت بعد حمد اللّه تعالى والصلاة على رسوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم):

«أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل، ألّا فلا رقأت(2)

العبرة ولا هدأت الزفرة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، هل فيكم إلّا الصلف والعجب والشنف(3)والكذب وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة(4)، أو كفضة على ملحودة(5)، ألّا بئس ما قدمت لكم أنفسكم، أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون أخي؟ أجل واللّه، فابكوا، فإنكم أحرى بالبكاء، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد أبليتم بعارها ومنيتم بشنارها، ولن ترحضوها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم ومعاذ حزبكم، ومقر سلمكم، وآسي كلمكم(6)، ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم، ومدرة(7)حججكم، ومنار محجتكم، ألّا ساء ما قدمت لكم أنفسكم،


1) الخفر: شدة الحياء، وامرأة خفرة: حيية، متخفرة.

2) الختل: الخداع، رقأت: جفت.

3) الصلف: الذي يمتدح بما ليس عنده، والشنف: البغض بغير حق.

4) الغمز: الطعن والعيب، والدمنة: المزبلة.

5) الفضة: الجص، والملحودة: القبر.

6) آسى كلمكم: أي دواء جرحكم.

7) المدرة: زعيم القوم ولسانهم المتكلم عنهم.

وساء ما تزرون ليوم بعثكم. فتعساً تعساً، ونكساً نكساً، لقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من اللّه، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، أ تدرون ويلكم أي كبد لمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فرثتم، وأي عهد نكثتم، وأي كريمةله أبرزتم، وأي حرمة له هتكتم، وأي دم له سفكتم، لقد جئتم شيئا إدّا(1)تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا، لقد جئتم بها شوهاء صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء(2)، كطلاع الأرض أو ملء السماء، أفعجبتم أن تمطر السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، فلا يستخفنكم المهل؛ فإنه عزّ وجلّ لا يحفزه(3)البدار ولا يخشى عليه فوت النار، كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد.

ثم أنشأت تقول(عليها السلام):

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم *** ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم

بأهل بيتي وأولادي وتكرمتي *** منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم *** أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

إني لأخشى عليكم أن يحل بكم *** مثل العذاب الذي أودى على إرم

ثم ولت عنهم.

قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردوا أيديهم في أفواههم، فالتفت إلي شيخ في جانبي يبكي، وقد اخضلت لحيته بالبكاء ويده مرفوعة إلى السماء، وهو يقول: بأبي وأمي، كهولهم خير كهول، ونساؤهم خير نساء، وشبابهم خير شباب،


1) أي: أمراً فظيعاً.

2) الشوهاء: القبيحة، والفقماء: إذا كانت ثناياها العليا إلى الخارج فلا تقع على السفلى، والخرقاء: الحمقاء.

3) يحفزه: يدفعه.

ونسلهم نسل كريم، وفضلهم فضل عظيم، ثم أنشد:

كهولكم خير الكهول ونسلكم *** إذا عد نسل لا يبور ولا يخزى

فقال علي بن الحسين(عليهما السلام): «يا عمة اسكتي؛ ففي الباقي من الماضي اعتبار،وأنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة، إن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر».

فسكتت، ثم نزل(عليه السلام) وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط(1).

السيدة حميدة المصفاة(عليها السلام)

وكذلك السيدة حميدة زوجة إمامنا الصادق(عليه السلام)، هي من تلك النماذج الأسوة للشباب فقد كانت عالمة وفقيهة، حيث روي عن أحوالها(عليها السلام) أنها كانت من أشراف الأعاجم، وكان أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام) يأمر النساء بالرجوع إليها في أخذ الأحكام.

فقد روي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) - حينما سئل(عليه السلام) عن مولود ما يفعل به يوم التروية - فقيل: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟

قال(عليه السلام): «مر أمّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها».

فأتتها فسألتها كيف تصنع؟

فقالت: «إذا كان يوم التّروية فأحرموا عنه، وجرّدوه وغسّلوه، كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النّحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت ومري الجارية أن تطوف به بين الصّفا والمروة»(2).

وفي حديث قال الإمام الباقر(عليه السلام): «ما اسمك؟».


1) الاحتجاج 2: 303.

2) وسائل الشيعة 11: 286.

قالت: حميدة.

فقال: «حميدةٌ في الدنيا محمودةٌ في الآخرة» - إلى أن قال - فقال: «يا جعفر،خذها إليك» فولدت خير أهل الأرض موسى بن جعفر(عليهما السلام)(1).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) عنها: «حميدة مصفاة من الأدناس، كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أديت إلي، كرامة من اللّه لي، والحجة من بعدي»(2).

السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)

أما السيدة فاطمة المعصومة فهي أيضاً من تلك النماذج الأسوة للشباب في إيمانها وفضلها، فهي أخت الإمام الرضا(عليه السلام) بنت الإمام الكاظم(عليه السلام)، وفي فضلها وفضل زيارتها(عليها السلام) روى سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن زيارة فاطمة بنت موسى بن جعفر(عليها السلام) بقم؟

فقال: «من زارها فله الجنة»(3).

وعن الإمام محمد الجواد(عليه السلام) قال: «من زار قبر عمتي بقم فله الجنة»(4).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام) لسعد: «يا سعد، عندكم لنا قبر».

قلت: جعلت فداك، قبر فاطمة بنت موسى(عليهما السلام)؟

قال: «نعم من زارها عارفاً بحقها فله الجنة، فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبر أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين تحميدة» ثم ذكر(عليه السلام) زيارتها(5).


1) الكافي 1: 477.

2) الكافي 1: 477.

3) وسائل الشيعة 14: 576.

4) كامل الزيارات: 324.

5) بحار الأنوار 99: 266.

سكينة بنت الحسين(عليها السلام)

أما السيدة سكينة بنت الإمام الحسين(عليه السلام) وعزيزته، فقد كانت مشهورة بالعلموالمعرفة والميل الروحي العميق نحو الباري تعالى، كيف لا وهي تربت في بيت الطهر والعفة ومنبع الإيمان وبرعاية خامس أصحاب الكساء(عليهم السلام) وكان أبوها يوليها رعاية خاصة، ووصفها بقوله(عليه السلام): «وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع اللّه تعالى...»(1).

روي: إن اسمها الأصلي آمنة أو أمينة أو أُمامة، وأمها الرباب هي التي لقّبتها بلقب سكينة لسكونها، وهي شقيقة علي الأصغر(عليه السلام) وحضرت كربلاء وهي في سن العاشرة أو الثالثة عشر. وروي: أن الإمام الحسين(عليه السلام) لقبها يوم الطف بلقب خيرة النسوان؛ فحينما كان الإمام الحسين(عليه السلام) يودّع عياله وأطفاله يوم عاشوراء رآها قد اعتزلت النساء جانباً وهي تبكي، فقال لها:

سيطول بعدي يا سكينة فأعلمي *** منك البكاء إذا الحمام دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة *** مادام مني الروح في جثماني

وإذا قُتلتُ فأنت أولى بالذي *** تأتينه يا خيرة النسوان(2)

وأحبها الإمام الحسين(عليه السلام) وأمها الرباب حباً شديداً، وقال فيهما شعراً، جاء فيه:

لعمرك إنني لاُحب داراً *** تحل بها سكينة والرباب

أحبهما وأبذل جلّ مالي *** وليس لعاتب عندي عتاب(3)


1) الكنى والألقاب 2: 465.

2) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 4: 109.

3) بحار الأنوار 45: 47.

وهي الشريفة الطاهرة المطهرة، والزهرة الباسمة الناظرة، كانت من سيدات نساء عصرها، ومن أحسنهن أخلاقاً، ذات بيان وفصاحة، ولها السيرة الجميلة.

وروي عنها(عليها السلام): أنها رأت في منامها وهي بدمشق كأن خمسة نجب من نور قدأقبلت وعلى كل نجيب شيخ، والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشي، فمضى النجب وأقبل الوصيف إلي وقرب مني، وقال: يا سكينة إن جدك يسلم عليك.

فقلت: وعلى رسول اللّه السلام، يا رسول رسول اللّه من أنت؟

قال: وصيف من وصائف الجنة.

فقلت: من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب؟

قال: الأول آدم صفوة اللّه، والثاني إبراهيم خليل اللّه، والثالث موسى كليم اللّه، والرابع عيسى روح اللّه(عليهم السلام).

فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى؟

فقال: جدك رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

فقلت: وأين هم قاصدون؟

قال: إلى أبيك الحسين.

فأقبلت أسعى في طلبه؛ لأعرّفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور، في كل هودج امرأة، فقلت: من هذه النسوة المقبلات؟

قال: الأولى حواء أم البشر، والثانية آسية بنت مزاحم، والثالثة مريم بنت عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم مرة وتقوم أخرى.

فقلت: من؟

فقال: جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك.

فقلت: واللّه لأخبرنَّها ما صنع بنا.

فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي وأقول: يا أمتاه جحدوا واللّه حقنا، يا أمتاهبددوا واللّه شملنا، يا أمتاه استباحوا واللّه حريمنا، يا أمتاه قتلوا واللّه الحسين أبانا.

فقالت: «كفي صوتك يا سكينة، فقد أقرحت كبدي وقطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى اللّه به»، ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام، وحدثت به أهلي فشاع بين الناس(1).

وعاشت السيدة سكينة(عليها السلام) بعد عودتها من واقعة الطف في كنف الإمام السجاد(عليه السلام). وقد عاصرت ثلاثة من الأئمة وهم: الإمام الحسين والإمام السجاد والإمام الباقر(عليهم السلام).

توفيت(عليها السلام) عام (117ه) في المدينة المنورة.

السيدة نفيسة(عليها السلام)

اشارة

وكذلك السيدة نفيسة(عليها السلام) فهي نموذج للعلم والعمل الصالح ومثال التقوى، وأسوة صالحة للشباب، فإنها من تلك الشخصيات العظيمة التي نمت وترعرعت في بيوت آل الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وهي السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام). لقبت ب- : نفيسة العلم، ولدت بمكة سنة (154ه) ونشأت بالمدينة، زوّجها أبوها من إسحاق بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) وكان يقال له: إسحاق المؤتمن، وكان إسحاق من أهل الفضل والاجتهاد، والورع والصلاح، كيف لا، وهو ابن الإمام الصادق(عليه السلام)، وقد أخذ عن أبيه الكثير من علومه وآدابه وأخلاقه، حتى أصبح له شأن ومقام ووثاقة لا


1) مثير الأحزان: 104.

تخدش.

وهكذا كان في هذا الزواج المبارك انسجام يتوافق مع ما نشأت عليه السيدة نفيسة من حب اللّه والانصراف إلى طاعته جلّ جلاله. وقد ولدت له (أبا القاسم) و(أم كلثوم)، فاجتمع في هذا البيت نور الحسن ونور الحسين(عليهما السلام)، رويَ عنهالحديث، وكان الراوي إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان له عقب بمصر منهم بنو الرقي، وبحلب بنو زهرة.

وكانت(عليها السلام) وهي في المدينة لا تفارق حرم جدّها المصطفى(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قارئة ذاكرة باكية، راكعة ساجدة، ضارعة داعية، وقد حجت بيت اللّه الحرام ثلاثين حجّة، أكثرها مشياً على الأقدام تقرّباً إلى اللّه وزلفاً إليه.

شُغف حبّاً أهالي مصر بالسيدة نفيسة، وزاد شوقهم فيها ورغبتهم إليها عندما علموا أنها في الطريق إلى مصر. فخرج لاستقبالها أهالي القاهرة وأعيانها، وكانت بصحبة زوجها (إسحاق المؤتمن)، ونزلت في دار كبير التجار، وبعد فترة استقرت في الدار التي أعدت لها.

وراح الناس بمختلف فئاتهم يترددون عليها وعلى زوجها، يأخذون عنهما العلم والفقه والحديث، فحصلوا بذلك على الكثير من الثقافة الصحيحة. حتى أصبحت رمزاً للطهارة والقداسة في تلك الديار.

وكان لأخيها يحيى (المتوّج) بنت واحدة اسمها (زينب) انقطعت لخدمة عمتها، تقول: لقد خدمت عمتي نفيسة أربعين سنة، فما رأيتها نامت بليل، أو أفطرت بنهار، إلّا في العيد وأيام التشريق، وتقول: كانت عمتي تحفظ القرآن وتفسّره وتقرأه وتبكي... وهكذا عاشت في مصر معزّزة مكرّمة، ينتهل من نمير علومها أهالي مصر. وكانت مثال الحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «يا بَني، عاشروا الناس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم، وإن متّم بكوا

عليكم»(1).

وكانت السيدة تحسن وتنفق من مالها على المرضى والزمنى والجذماء،فكانت تجود بما عندها وتؤثر غيرها؛ فتداوي المرضى وتخدمهم، وكان يقصدها العلماء يبتغون عندها العلم النافع.

ورثت السيدة نفيسة عن جدها علي بن أبي طالب(عليه السلام) الجرأة والشجاعة وعدم الخوف إلّا من اللّه، مهما كان الجبروت والبطش والطغيان، مراعية أدب النصيحة وحسن القول وأدب مخاطبة السلاطين، فقد ذكر: أنه لما ظلم أحمد بن طولون استغاث الناس من ظلمه بالسيدة نفيسة يشكونه إليها، فقالت سائلة: متى يخرج موكب الأمير؟ ثم كتبت رسالة ووقفت بها في طريقه ونادته، فنزل عن فرسه لما عرفها، وأخذ الرسالة ثم قرأ فيها: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وحملتم أمانة الحكم فظلمتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبق الظالم. اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا باللّه مستجيرون، واظلموا فإنا إلى اللّه متظلمون، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ}(2)فعدل لوقته عن ظلمه(3).

أحبها أهل مصر الذين عايشوها ورأوا فيها مكارم الأخلاق فهي سليلة الطهر والعفاف ومحاسن الأخلاق التي تحلى بها أهل بيت النبوة(عليهم السلام) فكانوا يحبونها حباً شديداً، وقد تعاطفوا معها لما كان يصيب أهل البيت من ظلم وجور على أيدي الطغاة من حكام ذلك الزمان، وتحركت عواطفهم بالمواساة والاحترام لآل


1) بحار الأنوار 75: 77.

2) سورة الشعراء، الآية: 227.

3) انظر المستطرف 1: 192.

البيت(عليهم السلام).

من كراماتها

رويت للسيدة نفيسة(عليها السلام) كرامات لا تمحى من ذاكرة المصريين، منها قصة تلكالصبية المشلولة التي كانت من بيت يهودي، إذ أنها لا قدرة لها على الحراك، وكانت أمها تريد الذهاب خارج البيت لقضاء بعض شؤونها، ولم يكن أحد عندها يرعى طفلتها المشلولة، فحملتها إلى منزل السيدة نفيسة، وكان المنزل إلى جوارهم، وطلبت منها أن ترعاها لحين عودتها، فرحّبت بذلك. وأرادت السيدة الجليلة أن تتوضأ وبعد أن توضأت جعلت تبلّ يدها من ماء الوضوء وتمرّ به على أعضاء تلك الطفلة المشلولة، فزال عنها ما كان بها، بإذن اللّه وببركة السيدة نفيسة، وهبّت الطفلة تمشي على رجليها وكأن شيئاً لم يكن بها.

فجاءت أمها، فرأت ابنتها وقد خرجت إليها ماشية، فسألتها فأخبرتها الخبر، فعجبت لذلك وفرحت فرحاً عظيماً، وأسلمت وأسرتها على يد السيدة نفيسة، وأسلم كثير ممن سمع بالخبر.

وروي أن ابناً لامرأة ذمّية أسر في بلاد الروم، فأتت إلى السيدة نفيسة وسألتها الدعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها، فلما كان الليل لم تشعر الذمّية إلّا بابنها وقد هجم عليها دارها، فسألته عن خبره فقال: يا أمّاه لم أشعر إلّا ويد قد وقعت على القيد الذي كان في رجلي وقائل يقول: أطلقوه؛ قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن، فوالذي يُحلَفُ به يا أمّاه، لقد كُسر قيدي وما شعرت بنفسي إلّا وأنا واقف بباب هذه الدار.

فلما أصبحت الذمّية أتت إلى السيدة نفيسة وقصت عليها الخبر وأسلمت هي وابنها وحسن إسلامهما.

وفاتها

توفيت السيدة نفيسة(عليها السلام) في شهر رمضان سنة (208ه) ودفنت في منزلها وهو الموضع الذي به قبرها الآن، ويعرف بخط درب السباع. وكان الموت لا يغادر لحظة فكرها حتى أنها حفرت قبراً لها في بيتها وكانت تنزله وتقرأ فيه القرآن،وختمت القرآن مائة وتسعين مرة فيه، وتبكي بكاءً عظيماً. ولما أحست بدنو أجلها، كتبت إلى زوجها تطلب حضوره، فاشتدت بها العلة، حتى حلّت عليها أول جمعة من شهر رمضان، فزاد عليها الألم، وهي صائمة، فأشار الأطباء عليها بالإفطار لحفظ قوتها، ولتتغلب على مرضها فرفضت.

فانصرف الأطباء، معجبين بقوة يقينها وثبات دينها، فسألوها الدعاء، فقالت لهم خيراً ودعت لهم.

وشاءت السيدة نفيسة أن تختم حياتها بتلاوة القرآن الحكيم، وبينما كانت تتلو سورة الأنعام، حتى إذا بلغت قوله تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(1)غشي عليها. تقول زينب بنت أخيها: ضممتها إلى صدري، فتشهدت شهادة الحق، وصعدت روحها إلى باريها في السماء.

وما إن ذاع خبر وفاتها حتى عج الناس بالبكاء والنحيب، ودخل الحزن بيت كل محب وعارف لفضل هذا البيت الطاهر. ووصل زوجها (إسحاق المؤتمن) القاهرة بعد أن كانت قد فارقت روحها الطاهرة البدن المسجّى. ووصل زوجها إلى مصر وأراد نقلها، إلّا أنّ أهالي القرية استجاروا بالأمير عند إسحاق ليردّه عمّا أراد، فأبى، فجمعوا له مالاً جزيلاً حتى وسق بعيره(2)الذي أتى عليه، وسألوه أن يدفنها عندهم فأبى، فباتوا منه في ألم عظيم، فلمّا أصبحوا اجتمعوا إليه فوجدوا


1) سورة الأنعام، الآية: 127.

2) وسق: الوَسْقُ والوِسْقُ: مِكْيَلَة معلومة، وقيل: هو حمل بعير.

منه غير ما عهدوه بالأمس، فقالوا له: إن لك لشأناً عظيماً؟!

قال: نعم رأيتُ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو يقول لي: «رُدّ عليهم أموالهم، وادفنها عندهم. فدفنها في المنزل الذي كانت تسكنه في محلة كانت تعرف قديماً بدربالسباع، وقد بادت هذه المنطقة ولم يبق سوى قبرها. ولأهل مصر اعتقاد بها عظيم، فإنّ الدعاء يستجاب عند قبرها، وقد زار قبرها من العلماء والصالحين خلق لا يُحصى عددهم، وهكذا أصبح قبرها علماً ومزاراً يزوره المحبّون، ويتذاكرون بركات هذه السيدة الجليلة على أهالي مصر، وما منحتهم من علوم وآداب وما أتحفتهم به من فقه وحديث نبوي. ويتذاكرون تلك الكرامات التي بقيت ذكراها بينهم.

نعم، هكذا يجب أن تكون نساء المسلمين وفتياتهم، فضلاً عن رجالهم وشبابهم. فعلى المتصدين الذين يتابعون أمور الشباب أن يتأملوا في تأريخ أهل البيت(عليهم السلام)، ويبينوا للشباب تلك النماذج الطاهرة والأسوة الحسنة ويعملوا بتلك الخطوات التي رسمها أئمتنا العظام(عليهم السلام).

الشيخ البلاغي

كما برز من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) عدد كبير من العلماء الأعاظم والأجلاء، وقد كان من جهادهم وسيرتهم خلال أيام شبابهم ما يصلح أن يكون عبرة للشباب. ومن هؤلاء العلماء الذين بزغ نجمهم في القرن الرابع عشر الهجري، فأناروا ما حولهم بعلمهم وتأليفاتهم، الشيخ جواد البلاغي(رحمه اللّه)، فإنه كان من العلماء الأوتاد الذين خدموا الإنسانية بجهدهم العلمي، وتقواهم العملي، فقد نقل لي والدي(رحمه اللّه) قصة ذكر فيها هذا الشيخ الجليل، فقال: إن الشيخ البلاغي قبل انتقاله إلى حوزة النجف الأشرف كان يواصل دراسته الدينية في حوزة سامراء المقدسة، وكان الراتب الشهري للطلبة في حوزة سامراء قليلاً جداً، كما

هي العادة في قلة الراتب الشهري بالنسبة إلى طلاب العلوم الدينية في كل الحوزات العلمية حتى يومنا هذا، وكان الشيخ البلاغي يصبر على قلة راتبه، ويقتنع بالشيء القليل من المأكل والملبس، ويجعل لذلك نصف مرتّبه،ويدخر النصف الآخر ليقدمه إلى يهودي كان يتعلم منه اللغة العبرية، لغة التوراة القديمة؛ ليرى ما هي النسبة بين التوراة المترجمة بالعربية، وبين التوراة الموجودة عند اليهود باللغة العبرية، ويعرف مدى صحة الترجمة وأمانتها من زيفها وبطلانها.

نعم، هكذا قضى الشيخ خيرة عمره، وريعان شبابه في هذا السبيل، حتى تعلم تلك اللغة الصعبة، واكتشف بالفعل الفرق بين الترجمة والأصل، ونص على موارد الخيانة في الترجمة، وإني شاهدت بعض تلك الموارد في تأليفاته القيمة، حيث يقول - مثلاً - : إن في اللغة القديمة تزيد كلمة، أو تنقص كلمة، مما يغير المعنى بالكامل، وربما يقلب النفي إلى إثبات، والإثبات إلى نفي.

ثم إن الشيخ البلاغي بقي في بغداد مدة كان يتعلم فيها العلوم الرياضية الحديثة: من حساب وجبر وهندسة عند بعض المدرسين، الذين كانوا يدرّسون في المدارس الحكومية، وقد اشتغل بتعلم الرياضيات لملاحظة بعض الأمور الدينية والأهداف الإنسانية، وقد ظهرت آثار هذا العلم في بعض كتبه أيضاً، ولا أعلم هل كان الشيخ يقدم بعض راتبه الشهري إلى هذا المعلم أيضاً أم لا؟

وعلى كل حال: فقد ألّف الشيخ في النجف الأشرف تأليفات مفيدة للغاية، وجميلة جداً، رأيت جملة منها، كالرحلة المدرسية، والهدى إلى دين المصطفى(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، والتوحيد، والتثليث، وغير ذلك، وهو - حسب ما أعلم - كان فريداً في هذه العلوم، وحيداً بين أقرانه.

الجانب العملي

اشارة

هناك بعض الجوانب العملية التي لا بد منها للحفاظ على شبابنا وعلى مسيرتهم في الحياة، نذكر بعض هذه الجوانب:

1- يلزم الاهتمام بالتجمعات الجماهيرية الشبابية، فإنها وسيلة من الوسائل التي يميل إليها الشباب، وبنفس الوقت تكون وسيلة لنشر الثقافة، حيث تتداول فيها الأقوال والأخبار، وهذه التجمعات تارة تكون موجودة، وأخرى نحث على إيجادها؛ لكي نجمع أكبر قدر ممكن من الشباب المشتت الضائع، ولا بد أن نصنع برامج بواسطتها يتقدم الشباب خطوات إلى الأمام على الصعيد الاجتماعي والفكري، فعلينا أن نعمل على تشكيل مؤسسات أو مجمعات تحتضن وتحتوي الشباب، وتقدم لهم كل ما يحتاجون إليه.

أما إذا كان دورنا سلبياً تجاه الشباب، فمما لا شك فيه أن الأعداء يتحركون ويجعلون تلك الشريحة الكبيرة والمهمة من المجتمع تصب في صالحهم، فيبدؤون بنشر أفكارهم ومبادئهم المنحرفة كالشيوعية(1)التي جاءت واستوعبت كثيراً من الشباب، وجعلت منهم مبلغين للشيوعية، ثم جاءت الأفكار القومية وغيرها مما هو بعيد عن الإسلام. وجاءت الجهات المروجة للأفكار الغربية وثقافتها؛ لذا علينا أن نعمل في الواقع الخارجي عملاً يحافظ على إيمان الشباب ويصب هذا التجمع في خدمة الإسلام.

2- مما يلزم ملاحظته في أمر الشباب وحياتهم تهيئة وسائل الترفيه الجسدية والفكرية المشروعة والممدوحة كالسباحة والفروسية والرماية وما أشبه.


1) انظر كتاب: تلك الأيام، للإمام الشيرازي(رحمه اللّه) لمعرفة الشيوعية والقومية وما قام به(رحمه اللّه) وجمع من العلماء في العراق في مقابلة هذه الأفكار والحركات.

فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «علّموا أولادكم السباحة والرماية»(1).

وكذلك إنشاء مكتبات خاصة لقراءة الكتب والمجلات المفيدة و...

3- الاهتمام بنشر الفكر الإسلامي الأصيل في أوساطهم، لا سيما المحور العقائدي، لما يشكل أهمية في حياة الشباب، ونكون بذلك قد ضربنا الأسس الفكرية التي تعقد عليها الثقافة والفكر غير الإسلامي، وبنفس الوقت بينا المفاهيم الإسلامية لأبنائنا الشباب بكل وضوح.

أذكر عندما كنا في العراق كانت هناك عشيرة من العشائر العراقية(2)وبعض أفرادها يمتهن التجارة بين العراق والحجاز، فأحد العلماء كان يشتري كتاب المراجعات(3)بسعر (100 فلس)، ويعطي أجرة (250 فلساً) لهؤلاء التجار لكي ينقلوا الكتاب إلى الحجاز فيوزع على الشباب وعلى العلماء هناك، فكانت تعقد حلقات ومجاميع من الشباب المؤمن الواعي يتداول فيها مفردات ذلك الكتاب.

ولا يخفى أن الكتاب يؤثر تأثيراً كبيراً على حياة الأشخاص، ويغير مسيرة الإنسان على المستوى الفكري والقلبي العقائدي، ويترك الأثر الواضح في سلوك الإنسان.

ثم إن مسألة الاهتمام بأبنائنا الشباب من المسائل المهمة التي قد تعرض لها أئمتنا(عليهم السلام).

يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم اللّه به لا تغلب عليهم المرجئة برأيها»(4).


1) الكافي 6: 47.

2) عشيرة الخوالف.

3) للسيد شرف الدين الموسوي العاملي(رحمه اللّه).

4) وسائل الشيعة 21: 478.

ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة»(1).

فالإمام يطلب من القواعد الشيعية أن تبادر إلى تغذية الأبناء بالفكر الصحيح والعقائد الحقة قبل أن يسبق أصحاب العقائد والأفكار الفاسدة إليهم.

الكتاب يغيّر

لا ينحصر تأثير الكتاب والقلم على جيل الشباب فحسب، بل ويتعداه إلى الجميع بما فيهم حتى المحسوبين على الثقافة والإطلاع، يذكر أحد الأصدقاء عن شخص سوداني كان يعرفه بالولاء المفرط لجمال عبد الناصر ثم فوجئ بهذا الشخص قد تغير رأيه بحيث اخذ يتهجم عليه وينتقده، فاستحثه ذلك لمعرفة السبب، فسأله عن ذلك؟

فقال: حينما فتحت عيني على مجريات هذه الدنيا وجدت عبد الناصر حاكماً على مصر فأعجبني كثيراً؛ لما كان يبث عنه ويشاع ويمجد له، فاعتقدت بآرائه، بل كنت أقدسه واعتبره أفضل رجل على وجه البسيطة، حتى وقع في يدي كتاب لسيدة مصرية(2)، كانت معتقلة في بعض سجون عبد الناصر، وروت فيه المعاناة التي كانت تتعرض لها في السجن من تعذيب جسدي ومحاربات نفسية، ويقول - الشخص السوداني - : عندما اطلعت على هذه الجرائم تغيّر اعتقادي بجمال، وأخذت أنظر إليه على أنه من أسوأ الدكتاتوريين، إنه كان الداعية الكبير للقومية، وإذا كانت سجونه وما يجري فيها من تعذيب على المظلومين إحدى مقدمات هذه القومية التي يدعو لها فكيف الحال بالنتائج؟!


1) تهذيب الأحكام 8: 111.

2) هي زينب محمد الغزالي الجبيلي.

فكان كل من يخالف أفكاره السياسية يحكم عليه بالسجن، مضافاً إلى صور التعذيب الوحشي والأعمال الشاقة التي يندى لها جبين البشرية.

نعم، كذلك كان جمال ومن أشبه، أو أكثر، كما كان غيره من السابقين عليهواللاحقين، وما ذلك إلّا لأنهم انحرفوا عن الجادة والطريقة، ولكن مع ذلك كله نجد بعض الناس إلى اليوم تنادي باسم جمال، وتؤسس الأحزاب في سبيل ذلك، وترى أفواج الشباب تتناثر من هنا وهناك على تلك المحافل لتسمع شيئاً من بطولته وأفكاره. ولعل لهم بعض العذر في ذلك التوجه والاندفاع وراء هذه الشخصيات وأصحاب الشعارات؛ وهذا لأننا أخلينا الساحة لهم، فنزلها الناصريون والبعثيون والقوميون وكل يفلسف خطته، ويزين بضاعته، في ما نقبع نحن منعزلين، ثم نلوم هؤلاء الشباب على انخراطهم في الفئات الضالة!!

إذن، علينا أن نستوعب الشباب أولاً ونحتضنهم، ثم نحثهم ونثير فيهم ظاهرة التأليف والكتابة والتدوين ونشر الأفكار الواضحة للناس. ولا شك أن في كل أمة جيلاً يتحمل حضارة هذه الأمة وميراثها ومسؤولية تطويرها، وهذا الجيل هم الشباب عادة.

اللّهم صل على محمد وآل محمد، «وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة. وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة. وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة. وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة. وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة. وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة. وعلى الشباب بالإنابة والتوبة. بحق محمد وآل محمد»(1).

من هدي القرآن الحكيم

اشارة

ينبغي على كل شاب أن يربي نفسه على:


1) البلد الأمين: 349.

1- طاعة اللّه عزّ وجلّ

قال اللّه تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَٰرُخَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(1).

وقال سبحانه: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(2).

2- عبادته تعالى

قال عزّ وجلّ: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي}(3).

وقال جلّ وعلا: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّٰكِرِينَ}(4).

3- الاقتداء بالقرآن

قال اللّه تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَٰبِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٖ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُ سُبُلَ السَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٖ}(5).

وقال سبحانه: {وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(7).

وقال جلّ وعلا: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَيْءٖ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ


1) سورة النساء، الآية: 13.

2) سورة النور، الآية: 52.

3) سورة الزمر، الآية: 14.

4) سورة الزمر، الآية: 66.

5) سورة المائدة، الآية: 15-16.

6) سورة الأنعام، الآية: 155.

7) سورة الأعراف، الآية: 157.

لِلْمُسْلِمِينَ}(1).

4- التأسي والولاية لرسول اللّه وأهل بيته(عليهم السلام)

قال اللّه تعالى: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِمِنكُمْ}(2).

وقال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّٰدِقِينَ}(4).

5- تعلم العلم

قال جلّ وعلا: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(5).

وقال اللّه تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَٰبِ}(6).

6- العمل الصالح

قال سبحانه: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ}(7).

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَٰرُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}(8).


1) سورة النحل، الآية: 89.

2) سورة النساء، الآية: 59.

3) سورة المائدة، الآية: 55.

4) سورة التوبة، الآية: 119.

5) سورة طه، الآية: 114.

6) سورة الزمر، الآية: 9.

7) سورة النمل، الآية: 19.

8) سورة البروج، الآية: 11.

من هدي السنّة المطهّرة

أبلغ الوصايا

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) للإمام الحسن(عليه السلام) في وصية كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين:«من الوالد الفان، المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن عنها غداً، إلى المولود المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت وحليف الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الأموات.

أما بعد، فإن في ما تبينت من إدبار الدنيا عني، وجموح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلي، ما يزعني عن ذكر من سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي وصرح لي محض أمري، فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، ووجدتك بعضي، بل وجدتك كلي، حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي. فكتبت إليك كتابي مستظهراً به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني أوصيك بتقوى اللّه، أي بني، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه، إن أنت أخذت به. أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذللِّه بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر في

ما فعلوا، وعمّا انتقلوا، وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة، وحلوا ديار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول في ما لا تعرف، والخطاب في ما لم تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته؛ فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوبالأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في اللّه حق جهاده ولا تأخذك في اللّه لومة لائم، وخض الغمرات للحق حيث كان، وتفقه في الدين، وعود نفسك التصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر في الحق، وألجئ نفسك في أمورك كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي، ولا تذهبن عنك صفحاً؛ فإن خير القول ما نفع. واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه.

أي بني، إني لما رأيتني قد بلغت سناً ورأيتني أزداد وهناً، بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالاً منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مئونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه.

أي بني، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما

انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نيةسليمة، ونفس صافية. وأن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه عزّ وجلّ وتأويله وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم، مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة، ورجوت أن يوفقك اللّه فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيتي هذه.

واعلم يا بني، أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى اللّه، والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمّا لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات وعلق الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك، والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة، فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك هماً واحداً، فانظر في ما فسرت لك، وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء، وتتورط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط أو خلط، والإمساك عن ذلك أمثل.

فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلّا على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء مما لا تعلم. فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك، فإنكأول ما خلقت به جاهلاً، ثم علمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك.

واعلم يا بني، أن أحداً لم ينبئ عن اللّه سبحانه كما أنبأ عنه الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فارض به رائداً، وإلى النجاة قائدا، فإني لم آلك نصيحة، وإنك لن تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت مبلغ نظري لك.

واعلم يا بني، أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل، أول قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله، في صغر خطره وقلة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته والخشية من عقوبته والشفقة من سخطه؛ فإنه لم يأمرك إلّا بحسن، ولم ينهك إلّا عن قبيح.

يا بني، إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها، وضربت لك فيهما الأمثال؛ لتعتبر بها وتحذو عليها، إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر، نبا بهم منزل جديب، فأموا منزلاً خصيباً وجناباً مريعاً، فاحتملوا وعثاء الطريق، وفراق الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم؛ ليأتوا سعة دارهم، ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً،

ولا يرون نفقةً فيه مغرماً، ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم وأدناهم من محلتهم، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب، فنبا بهم إلى منزل جديب، فليس شيء أكره إليهم، ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه.

يا بني، اجعل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك. ولا تقل ما لا تعلم، وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك. واعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فاسع في كدحك، ولا تكن خازناً لغيرك، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك. واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة، ومشقة شديدة، وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك؛ فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة، فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه، وحمله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه، فلعلك تطلبه فلا تجده، واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك. واعلم أن أمامك عقبةً كئوداً، المخف فيها أحسن حالاً من المثقل، والمبطئ عليها أقبح حالاً من المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة، إما على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب ولا إلى الدنيا منصرف.

واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك

وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يعيرك بالإنابة، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنةً، وحسب سيئتك واحدةًوحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب، وباب الاستعتاب، فإذا ناديته سمع نداك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار، وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته، فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية، وربما أخرت عنك الإجابة؛ ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه، وأوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك في ما يبقى لك جماله، وينفي عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له.

واعلم يا بني، أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا يفوته طالبه، ولا بد أنه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.

يا بني، أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتةً فيبهرك.

وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك اللّه عنها، ونعت هي لك عن نفسها، وتكشفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهركبيرها صغيرها. نعم معقلة، وأخرى مهملة، قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث(1)، ليس لها راع يقيمها، ولا مسيم يسيمها، سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها رباً، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها. رويداً يسفر الظلام كأن قد وردت الأظعان، يوشك من أسرع أن يلحق.

واعلم يا بني، أن من كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يسار به وإن كان واقفاً، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً. واعلم يقيناً، أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك، فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب، وليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب؛ فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حراً، وما خيرُ خيرٍ لا ينال إلّا بشر، ويسر لا ينال إلّا بعسر. وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت ألّا يكون بينك وبين اللّه ذو نعمة فافعل؛ فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وإن اليسير من اللّه سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه. وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يدي غيرك، ومرارة اليأس خير من الطلب إلى


1) السروح - جمع سَرْح - : وهو المال السارح السائم من الإبل ونحوها، الوَعْث: الرخو يصعب السير فيه.

الناس، والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور، والمرء أحفظ لسره، ورب ساع في ما يضره، من أكثر أهجر، ومن تفكر أبصر، قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم،إذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً، ربما كان الدواء داءً والداء دواءً، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح.

وإياك والاتكال على المنى؛ فإنها بضائع النوكى، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك، بادر الفرصة قبل أن تكون غصةً، ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يئوب، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة، سوف يأتيك ما قدر لك، التاجر مخاطر، ورب يسير أنمى من كثير، لا خير في معين مهين ولا في صديق ظنين، ساهل الدهر ما ذل لك قعوده، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه، وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج. احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنةً كانت أو قبيحةً، وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعةً أحلى منها عاقبةً، ولا ألذ مغبة. ولن لمن غالظك؛ فإنه يوشك أن يلين لك، وخذ على عدوك بالفضل؛ فإنه أحلى الظفرين، وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيةً يرجع إليها، إن بدا له ذلك يوماً ما. ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه؛ فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبن في من زهد عنك، ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على الإساءة

أقوى منك على الإحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك؛ فإنه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه.

واعلم يا بني، أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن أنت لم تأتهأتاك، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، وإن كنت جازعاً على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك، استدل على ما لم يكن بما قد كان؛ فإن الأمور أشباه. ولا تكونن ممن لاتنفعه العظة إلّا إذا بالغت في إيلامه؛ فإن العاقل يتعظ بالآداب، والبهائم لا تتعظ إلّا بالضرب. اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد جار، والصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى. ورب بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب، من تعدى الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين اللّه سبحانه، ومن لم يبالك فهو عدوك، قد يكون اليأس إدراكاً إذا كان الطمع هلاكاً، ليس كل عورة تظهر، ولا كل فرصة تصاب، وربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده، أخّر الشر؛ فإنك إذا شئت تعجلته، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه، ليس كل من رمى أصاب، إذا تغير السلطان تغير الزمان، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكاً، وإن حكيت ذلك عن غيرك.

وإياك ومشاورة النساء؛ فإن رأيهن إلى أفن(1)، وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن؛ فإن شدة الحجاب أبقى عليهن، وليس


1) الأَفْن: النقص.

خروجهن بأشد من إدخالك من لايوثق به عليهن، وإن استطعت ألّا يعرفن غيرك فافعل.

ولا تُمَلِّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها؛ فإن المرأة ريحانة وليستبقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها.

وإياك والتغاير في غير موضع غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم، والبريئة إلى الريب.

واجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذه به؛ فإنه أحرى ألّا يتواكلوا في خدمتك، وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول.

استودع اللّه دينك ودنياك، واسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة، والدنيا والآخرة، والسلام»(1).

ما ينبغي للشباب

ينبغي لكل شاب أن يربي نفسه على:

1- طاعة اللّه عزّ وجلّ

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في وصيته لأبي ذر (رضوان اللّه عليه):

«ما من شاب ترك الدنيا وأفنى شبابه في طاعة اللّه إلّا أعطاه اللّه أجر اثنين وسبعين صديقاً»(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «باكر الطاعة تسعد»(3).


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 31 من وصية له(عليه السلام) للحسن بن علي(عليهما السلام) كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين.

2) مكارم الأخلاق: 466.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 312.

2- عبادته تعالى

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «سبعة يظلهم اللّه عزّ وجلّ في ظله يوم لا ظل إلّا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللّه عزّ وجلّ...»(1).وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «في التوراة مكتوب: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، ولا أكلك إلى طلبك، وعليَّ أن أسد فاقتك، وأملأ قلبك خوفاً مني...»(2).

3- الاقتداء بالقرآن

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «... وأصدق القول وأبلغ الموعظة وأحسن القصص كتاب اللّه...»(3).

وقال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله اللّه عزّ وجلّ مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة، يقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلّغ به أكرم عطاياك، قال: فيكسوه اللّه العزيز الجبار حلّتين من حلل الجنة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا رب، قد كنت أرغب له في ما هو أفضل من هذا؟ فيعطى الأمن بيمينه، والخلد بيساره ثم يدخل الجنة، فيقال له: اقرأ واصعد درجة؟ ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك فيقول: نعم - قال - ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه اللّه عزّ وجلّ أجر هذا مرتين»(4).


1) الخصال 2: 343.

2) الكافي 2: 83.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 488.

4) الكافي 2: 603.

4- التأسي والولاية لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)

قال المصطفى الأمين(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعندالحساب، وعند الميزان، وعند الصراط»(1).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «... فتأسّ بنبيك الأطهر(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فإن فيه أسوة لمن تأسّى وعزاء لمن تعزى، وأحب العباد إلى اللّه المتأسي بنبيه، والمقتصُّ لأثره...»(2).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ}(3)قال: «مودتنا أهل البيت»(4).

5- تعلم العلم

قال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لايعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة، ومؤنس في الوحدة، وصاحب في الغربة، ودليل على السراء، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع اللّه به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم؛ لأن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، وينزل اللّه حامله منازل الأحباء، ويمنحه مجالسة الأبرار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع اللّه ويعبد، وبالعلم يعرف اللّه ويوحد، وبه توصل


1) الأمالي للشيخ الصدوق: 10.

2) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 160 ومن خطبة له(عليه السلام).

3) سورة البقرة، الآية: 256.

4) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 4: 2.

الأرحام ويعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل يلهمه اللّه السعداء ويحرمه الأشقياء.

وصفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمنهو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبر، فإن كان خيراً تكلم فغنم، وإن كان شراً سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم باللّه وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل.

وصفة الجاهل: أن يظلم من خالطه، ويتعدى على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، كلامه بغير تدبر، إن تكلم أثم، وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع في ما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البر ويبطئ عنه، غير مكترث لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «لست أحب أن أرى الشاب منكم إلّا غادياً في حالين: إما عالماً أو متعلماً، فإن لم يفعل فرط، فإن فرط ضيع، وإن ضيع أثم، وإن أثم سكن النار والذي بعث محمداً(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالحق»(2).

6- العمل الصالح

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «عليك بصالح العمل فإنه الزاد إلى الجنة»(3).


1) تحف العقول: 28.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 303.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 443.

وقال(عليه السلام): «طوبى لمن بادر صالح العمل قبل أن تنقطع أسبابه»(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الإسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروءتهالعمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شيء أساس، وأساس الإسلام حبنا أهل البيت»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما من شيء أحب إلى اللّه من الإيمان والعمل الصالح وترك ما أمر أن يترك»(3).

وفي نهج البلاغة(عليه السلام): «إن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة»(4).

وقال(عليه السلام): «لا ذخر أنفع من صالح العمل»(5).


1) عيون الحكم والمواعظ: 314.

2) الكافي 2: 46.

3) بحار الأنوار 64: 71.

4) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 23، من خطبة له(عليه السلام) وتشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد و... .

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 774.

وصايا إلى الشباب المسلم

الدنيا والآخرة

قال اللّه سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْأخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(1).

أي أن من الناس من يسأل نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، ويتعوذ باللّه تعالى من النار، وقد روي عن أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) في معنى الآية الكريمة أنه قال: «رضوان اللّه والجنة في الآخرة، والسعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا»(2).

كلنا نقرأ هذه الآية مرات عديدة، نطلب بها من اللّه عزّ وجلّ الخير في الدنيا والآخرة، وأن يبعد عنا الأذى والسوء وعذاب جهنم في الآخرة - أعاذنا اللّه وإياكم منها - .

ولما كانت الدنيا هي دار العمل والآخرة دار الجزاء، كما يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل»(3)فإن حسنة الدنيا والآخرة هي حصيلة العمل في الدنيا.

ومن هنا لا بد لنا من أن نعمل في مسيرين: عمل يرتبط بالدنيا، وآخر يرتبط


1) سورة البقرة، الآية: 201.

2) معاني الأخبار: 175.

3) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 42، من كلام له(عليه السلام) وفيه يحذر من اتباع الهوى وطول الأمل في الدنيا.

بالآخرة، وليس المقصود فصل عمل الدنيا عن الآخرة، ليطغى حب الدنيا وزخارفها على حياتنا أو أن نبيع الآجلة بالعاجلة، بل علينا أن نعمل لما يصلح عيشنا في الدنيا في الوقت الذي لا يفسد آخرتنا أيضاً.

يروى عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنا لنحب الدنيا، فقال لي: «تصنع بها ماذا؟» قال: قلت: أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدق، قال لي: «ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة»(1).

وأنتم أيها الاخوة الأعزاء، تمثلون شريحة من الشباب المسلم الواعي في المجتمع؛ ولهذا نرى أن من الضروري أن نلفت انتباهكم ونذكركم ببعض الأمور والمجالات التي تهمكم وتهم مجتمعكم، والتي ينبغي لكم أن تضعوها نصب أعينكم؛ لأن فيها صلاح دينكم ودنياكم، يقول تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(2)، وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(3).

الشباب والثقافة الدينية

اشارة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لطالب العلم عزّ الدنيا وفوز الآخرة»(4).

وقال(عليه السلام): «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك إنما الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك»(5).

إن طلاب العلوم الذين يدرسون في المدارس الحديثة أو الجامعات أو


1) السرائر 3: 564.

2) سورة الذاريات، الآية: 55.

3) سورة ق، الآية: 37.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 546.

5) عيون الحكم والمواعظ: 411.

الدراسات العليا نراهم يبذلون جهودهم وطاقاتهم ويصرفون الوقت الكثير لمواصلة دراساتهم وأبحاثهم الأكاديمية، ومعلوم أن الذي يدفعهم إلى ذلك تحقيق مكانتهم وبناء مستقبلهم وخدمة مجتمعهم، وهذا الأمر جيد وينبغي تشجيعه، ولكن المطلوب منهم أن لا يغفلوا عن الجوانب الأخرى أيضاً من الحياة، فعليهم أن يخصصوا جزءاً من وقتهم لممارسة شعائرهم الدينية، ولا بد أن يفتشوا عن مجالاتها كالهيئات والمجالس التي تدرس فيها العلوم الدينية ويحضروا فيها، وأن يتناولوا الجوانب المختلفة التي تخص دينهم وشعائرهم كأن تكون لهم دروس في تفسير القرآن الحكيم أو في التأريخ، أو العقائد، أو ما شاكل ذلك.

الطموح

والذي نطمح إليه هو أن تكون هذه الدروس - الدروس الدينية - ضمن الدروس المنهجية في مختلف المستويات الدراسية، حتى يكون أبناؤنا وإخواننا على اتصال دائم بمعالم دينهم، وأن تكون مستوياتهم في ثقافتهم الدينية لا تقل شأناً عن مستواهم العلمي إن لم تكن أكثر، وبذلك سنضمن حصانتهم الروحية والفكرية وإشباع الجانب الفطري الذي يدفع الإنسان إلى الدين.

قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل»(1).

إن دافع الإنسان إلى الدين والعقيدة هو دافع فطري غريزي وقد سلم به حتى الذين لا يؤمنون بالدين. فإننا إذا لم نغذ إخواننا وأبنائنا من ثقافتنا الإسلامية الصحيحة فسوف نترك فراغاً كبيراً في حياتهم، يفسح المجال للمنحرفين للقيام بإشباعه بما يسوغ لهم من أفكار وأعمال منحرفة، وهكذا ترون أن الأنظمة


1) بصائر الدرجات 1: 511.

الشيوعية مثلاً حرصت على إدخال الثقافة المادية والنظريات الوجودية في المناهج الدراسية المقررة لكافة الفروع والمستويات العلمية، خاصة الجامعية ضمن ما أسموه (الثقافة الأممية).

وفي بعض الدول الإسلامية التي تحكمها أنظمة تدّعي القومية نراهم يدخلون مبادئهم المنحرفة عن الإسلام الحنيف في المناهج الدراسية بعنوان درس الثقافة القومية، وهكذا بقية الأنظمة.

فنحن - حتى نجابه هذه الأفكار ولأننا نقول: {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْأخِرَةِ حَسَنَةً}(1)لا بد لنا أن نعمل باتجاهين: اتجاه لصلاح دنيانا في كافة المجالات ولمواكبة تطور الأمم المتقدمة، واتجاه آخر للفوز برضوان اللّه تعالى، ولكن أن نعمل للدنيا فقط ثم نطلب من اللّه عزّ وجلّ الدار الآخرة الحسنة فهكذا تصرف ليس صحيحاً، بل الفوز بالآخرة يتأتى من خلال عملنا وما نقدمه في الدنيا، من أعمال الخير يقول الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام): «بالدنيا تحرز الآخرة»(2).

وقال(عليه السلام): «من رزق الدين فقد رزق خير الدنيا والآخرة»(3).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «حصنوا الدين بالدنيا ولا تحصنوا الدنيا بالدين»(4).

فالذي نريده هنا هو أن الدروس التي تقرر في المناهج الدراسية، يجب أن تبحث في دنيا المسلم وفي آخرته معاً، لتفي بمتطلبات الإنسان والمجتمع وتسد


1) سورة البقرة، الآية: 201.

2) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 156 من كلام له(عليه السلام) خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 620.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 350.

كلا حاجتيه المادية والمعنوية، وتبعده عن طريق الانحراف وحتى يأخذ الشاب المسلم الدور اللائق به في المجتمع.

التدريب على استخدام الأسلحة

قال اللّه تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}(1). مما ورد في تفسير الآية الكريمة أن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: «الرمي»(2)

وبعبارة أخرى: إنه يلزم تعلم استخدام الأسلحة وخصائصها، وقال الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إركبوا وارموا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا...»(3). وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الرمي سهم من سهام الإسلام»(4).

وعن أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «صهل فرسي وعندي جبرئيل فتبسم، فقلت له: لم تبسمت يا جبرئيل؟ قال: وما يمنعني أن أتبسم والكفار ترتاع قلوبهم وترعد كلاهم عند صهيل خيل المسلمين»(5).

وعنه(عليه السلام) قال: «إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: كل لهو في الدنيا فهو باطل إلّا ما كان من رميك عن قوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فإنه من السنة»(6).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن اللّه ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة: عامل الخشب والمقوي به في سبيل اللّه والرامي به في سبيل اللّه»(7).

من خلال الآية الكريمة والأحاديث الشريفة نستخلص الأمر الذي ينبغي أن


1) سورة الأنفال، الآية: 60.

2) الكافي 5: 50.

3) الكافي 5: 50.

4) الكافي 5: 49.

5) دعائم الإسلام 1: 345.

6) دعائم الإسلام 1: 345.

7) تهذيب الأحكام 6: 175.

يلتفت إليه الشباب المسلم وهو: أهمية تعلّم استخدام الأسلحة والتدرب علىطريقة استخدامها ومعرفة مواصفاتها وخصائصها، وأن يلموا بالمعلومات التي تتعلق بها مما يراه الاختصاصيون ضرورياً في هذا المجال، حتى يكون شبابنا على استعداد دائم للدفاع عن حرمة الأمة الإسلامية، ودفع الأعداء الذين يريدون سلب الدين والدنيا من المسلمين متى اقتضى الداعي إلى ذلك.

السلام أصل دائم

إن الدعوة التي نوجهها إلى الشباب المسلم بضرورة التدرب على السلاح لا تتنافى مطلقاً مع الطريق السلمي الذي أمر به الإسلام، فليس هناك أي اعتداء أو أطماع توسعية في الإسلام، وإنما الذي يقصد أن يبقى السلام كسياسة وأصل دائم نتعامل به مع الأصدقاء والأقرباء والخصوم في نفس الوقت الذي ننطلق فيه من مواقع القوة، وإذا اقتضت الضرورة لاستخدامه كما لو داهمنا عدو نكون جديرين به، لأن الحروب حالات استثنائية شاذة في الإسلام، والسلام هو الأصل.

من هنا، فالذي يتوجب علينا هو أن نكون على استعداد لمواجهة العدو، فأعداؤنا يتربصون بنا دائماً، وحتى نردعهم علينا أن نكون مهيئين لمواجهة الأخطار، وهذا التهيؤ تجري ترتيباته في وقت السلم حتى لا يفاجئنا الأعداء في عقر دارنا، ومن ضمن هذه الترتيبات التدريب على استخدام الأسلحة للذين تشملهم أحكام الجهاد، فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الجنة تحت ظلال السيوف»(1).

هذا يعني أن المجاهدين الذين يطلق عليهم مجازاً (إخوة السلاح) هم الأقرب إلى اللّه تعالى؛ لأنهم أعدوا العدة للدفاع عن الإسلام والجهاد في سبيل اللّه عزّ وجلّ، وبالنتيجة فهم الذين ينالون مرضاته تعالى وجنته.


1) جامع الأخبار: 83.

استغلال أوقات الفراغ

قال أبو جعفر الإمام الباقر(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): لا يزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي اللّه حتى يسأله عن أربع خصال: عمرك في ما أفنيته وجسدك في ما أبليته ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته وعن حبنا أهل البيت»(1).

الأمر الثالث الذي نود الإشارة إليه هو أن الطلاب بصورة عامة يمتلكون أوقات فراغ أكثر من غيرهم عادة، فمثلاً لديهم ثلاثة أشهر متواصلة من العطلة الصيفية إضافة إلى أيام التعطيل العديدة التي تتخلل الأيام الدراسية، إذن فلا بد للشباب أن يستغلّوا أوقات فراغهم هذه ويستثمروها، لما فيه الخير لهم وللآخرين.

فلا بد أن يسعى الشاب مثلاً في إعانة والده، سواء كان كاسباً أم مزارعاً أم تاجراً أم غير ذلك، وسواء في مجال عمله أم في الواجبات الأخرى التي كان بإمكانه تأديتها نيابة عن والده، وهكذا بالنسبة إلى إعانة أمهاتهم وعوائلهم في الأمور المنزلية، إذ أن الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو خير الخلق يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلّا كريم ولا أهانهن إلّا لئيم»(2). فكان ينقل العجين إلى خادمه ويشتغل أحياناً في البيت، ويطحن مع الخادم إذا أعيى ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير ويحلبها... ويخدم مهنة أهله ويقطع اللحم(3)، وهكذا كان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فقد كان يساعد فاطمة الزهراء(عليها السلام) في الطحن، فقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «كان أمير المؤمنين(عليه السلام)


1) تفسير القمي 2: 20.

2) نهج الفصاحة: 472.

3) انظر مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 1: 146.

يحطب ويستسقي ويكنس وكانت فاطمة(عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز»(1)

وغير هذا من الشواهد.

ثمار استغلال الفراغ

فممارسة هذه الأعمال في أوقات الفراغ تنطوي على مدلولات وفوائد كثيرة: فهي استغلال للوقت الذي لا يمكن أن تفرط به الأمة التي تريد لنفسها التقدم والازدهار، ثم إنه يعني رفع العبء الذي يثقل كاهل آبائكم وأمهاتكم وإخوانكم، وبالتالي تشعرون أنكم قدمتم شيئاً لخدمة عوائلكم وذويكم، خاصة لو كانت المساعدة في مجتمع زراعي كالقرى والأرياف. أما في المجتمع الصناعي فإنه يوفر وقتاً ثميناً للإنتاج كماً وكيفاً في المصانع والمعامل؛ لذا نرى أن حصيلته تظهر في رفع مستوى البلاد الإسلامية في الجوانب الزراعية والصناعية والحقول الأخرى، وبالتالي الاقتراب من تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة، وهذه المسألة مهمة جداً إذ تعني أننا نستطيع أن نقترب من مستوى الاستغناء عن واردات وخبرات الأجنبي الذي يكبلنا بمختلف القيود والشروط جراء استمراره في تأديتها لنا، رغم ما ندفعه من أموال وثروات مقابل ذلك. يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «احتج إلى من شئت تكن أسيره واستغن عمن شئت تكن نظيره وأفضل على من شئت تكن أميره»(2).

نحن نرى اليوم أكثر الوسائل والأدوات التي نستخدمها في مصانعنا أو في بيوتنا من صنع أجنبي، في حين أن عقولنا وطاقاتنا ليست أقل من عقول وطاقات الآخرين، والفرق أنهم استغلوا جهودهم ووقتهم ووظّفوه من أجل تطور بلدانهم


1) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 2: 104.

2) الإرشاد 1: 303.

في حين اعتاد بعضنا على الاستهلاك والتلقي من الغير دون مبادرة أو إبداع.

المحصلة

هذه الوصايا التي تكلمنا بها تخص حياتكم وحياة مجتمعكم والتي لها علاقةبتطور المجتمع والأفراد في الحياة الدنيا، وهي في النتيجة النهائية تصب في الآخرة لنلقى ثواب أعمالنا عندما تكون نابعة من إطاعة اللّه سبحانه وتعالى وهدفها مرضاته ورفعة وتقدم الأمة الإسلامية.

الارتباط المباشر بالآخرة

حتى تكون أعمالنا الدنيوية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالآخرة، يلزمنا أولاً وقبل كل شيء أن نضع الآخرة والموت نصب أعيننا، فلا بد لنا من أن نُحمل في يوم من الأيام إلى القبور ونقدم بين يدي الجبار.

فعلينا أن لا نغفل عن زيارة القبور لأنها تذكرنا وتجسد أمامنا النهاية والمصير المحتوم لكل البشر، فإذا ما ذهبنا إلى مقبرة البقيع في قم المقدسة مثلاً، فإننا نرى آلاف القبور تضم أناساً كانوا مثلنا في الحياة، فكان منهم البقال والفلاح والعامل والمعلم وطالب العلم والكاسب والنجار والغني والفقير والعالم والجاهل والرئيس والمرؤوس و... ولكن انتهى دورهم في هذه الدنيا وانتقلوا إلى دار الآخرة، وهذا ما سوف نصير إليه جميعاً شئنا أم أبينا، ولهذا السبب يدعونا اللّه سبحانه وتعالى إلى الاستعداد لهذا اليوم وما سيعقبه من يوم الحساب، حيث يقول اللّه عزّ وجلّ: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}(1)فربنا سوف يحاسبنا على جميع الأعمال التي قمنا بها في هذه الحياة إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

جاء في تفسير القمي عن أبي عبد اللّه الصادق(عليه السلام) قال: «خرج داود يمشي


1) سورة البقرة، الآية: 281.

على قدميه ويقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى حجر ولا شجر ولا جبل ولا طائر ولا سبع إلّا يجاوبه حتى انتهى إلى جبل - إلى قوله(عليه السلام) - فقال له داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط؟ قال: لا، قال: فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادةاللّه عزّ وجلّ؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهواتها ولذاتها؟ قال: بلى، ربما عرض ذلك بقلبي، قال: فما تصنع؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه، قال: فدخل داود(عليه السلام) الشعب فإذا بسرير من حديد عليه جمجمة بالية وعظام نخرة، وإذا لوح من حديد وفيه مكتوب، فقرأه داود(عليه السلام) فإذا فيه: أنا أروى بن سلمة ملكت ألف سنة وبنيت ألف مدينة وافتضضت ألف جارية، وكان آخر أمري أن صار التراب فراشي والحجار وسادي والحيات والديدان جيراني، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا...»(1).

جزاء الأعمال

اشارة

جاء في رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «أقعد رجلٌ من الأحبار في قبره، فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب اللّه، فقال: لا أطيقها، فلم يزالوا يقولون حتى انتهى إلى واحدة فقالوا: ليس منها بد، قال: فبم تجلدونني؟ قالوا: نجلدك لأنك صليت صلاة يوماً بغير وضوء، ومررت على ضعيف فلم تنصره، فجلدوه جلدة من عذاب اللّه فامتلأ قبره ناراً»(2).

فنحن أيضاً قد نواجه مثل هذا اليوم، فإذا لم نعتن بصلاتنا وصيامنا الواجب، ونحاول أن نتخلص منه بأعذار مختلفة أو نتغافل عن أداء الواجبات الأخرى ولا ننصر الضعيف والمظلوم فإننا سنلاقي الجزاء أيضاً فيجب أن نعلم سلفاً بأننا لا


1) تفسير القمي 2: 231.

2) المحاسن 1: 78.

بد أن نواجه يوماً عسيراً وشديداً نحاسب فيه على كل ذنب اقترفناه كما يقول تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٖ شَرًّا يَرَهُ}(1).

فقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: {فَمَن يَعْمَلْ} في الدنيا {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي بمقدار ثقل ذرة - وهي الهباءة التي ترى في الشمس إذا دخلت من الكوة في المحل المظلم - {خَيْرًا يَرَهُ} أي يرى جزاء ذلك الخير في ذلك اليوم. {وَمَن يَعْمَلْ} في الدنيا {مِثْقَالَ ذَرَّةٖ شَرًّا} من الكفر والعصيان {يَرَهُ} في ذلك اليوم، ولا يظلم أحد شيئاً، إلّا أن يدرك عامل الشر شفاعة، إن كان من أهلها، أو عامل الخير إحباطاً؛لأنه أتى بسيئة تحبط أعماله(2).

وسوف تعرض علينا أعمالنا كلها كشريط الفيلم في الآخرة ليرى الإنسان جميع أعماله، يقول تعالى: {أَحْصَىٰهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٖ شَهِيدٌ}(3).

أنواع العذاب

ولكم أن تتصوروا كيف ستكون العقوبة في الآخرة للمسيئين الذين يعصون اللّه جلّ وعلا، وهناك رواية تقول بأن الشاب الذي ينظر إلى أعراض الناس سوف يدق في عينيه مسماران كبيران من النار جزاء نظره المحرم هذا، وذلك في ما إذا لم يستغفر اللّه عزّ وجلّ ويتوب عن هذا العمل المحرم، والشخص الذي يسمع الغناء والموسيقى سوف تملأ أذناه من صهير الرصاص.

وأما الشخص الذي يغرس في قلبه النيات الفاسدة للآخرين، وينوي العدوان في قلبه، ويملؤه الحسد والحقد والأنانية فسوف تسلط النار على قلبه، يقول اللّه


1) سورة الزلزلة، الآية: 7-8.

2) تفسير تقريب القرآن 5: 717.

3) سورة المجادلة، الآية: 6.

تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفِْٔدَةِ}(1).

وهكذا المنافق الذي يمدحك في حضورك، وعند غيابك يتناولك بفاحشالكلام، فهذا الشخص سوف يخرج من فمه لسانان أحدهما إلى الأمام والآخر من قفاه، وهما لسانان من نار يحترق بهما ويعذب عذاباً شديداً على سوء عمله في الدنيا.

لهذا يجب على كل إنسان أن يسعى في أداء الصالحات ويجتنب المحرمات، وعليه أن يتذكر دائماً أن مصيره إلى القبر يوماً ما ويبدأ حسابه وعقابه منذ ذلك اليوم.

يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يطرح الحجاب»(2).

ويقول(عليه السلام): «يا ذوي الحيل والآراء والفقه والأنباء، اذكروا مصارع الآباء فكأنكم بالنفوس قد سلبت وبالأبدان قد عريت، وبالمواريث قد قسمت، فتصير ياذا الدَّلال(3)والهيبة والجمال، إلى منزلة شعثاء ومحلة غبراء، فتنوم على خدك في لحدك، في منزل قل زواره ومل عماله، حتى تشق عن القبور، وتبعث إلى النشور»(4).

ويقول(عليه السلام): «يا عباد اللّه، ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت: القبر، فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته، وغربته،إن القبر يقول كل يوم: أنا بيت الغربة أنا بيت التراب أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود والهوام... وإن المعيشة


1) سورة الهمزة، الآية: 6.

2) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 20 ومن كلام له(عليه السلام) وفيه ينفر من الغفلة وينبه إلى الفرار للّه.

3) الدَلال: الوقار والتغنج.

4) بحار الأنوار 74: 371.

الضنك التي حذر اللّه منها عدوه عذاب القبر»(1).

وحتى نتذكر دائماً ثواب وعقاب الأعمال ونتذكر يوم الجزاء، علينا أن نطيلالنظر والإمعان إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ فنقرأه ونفكر فيه بتدبر آياته، لنعرف أنفسنا بشكل أكثر، ونعد العدة لما بعد الحياة الدنيا لنفوز بمرضاة اللّه، ونتجنب عقوبته تعالى في ذلك اليوم الذي قال عنه تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَئًْا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(2).

خلاصة الكلام

إذن خلاصة الكلام أن هناك أمرين أمام الإنسان المسلم وهما: إصلاح دنياه بالعلم والعمل والجهاد والسعي المستمر لتحقيق مكانته المرموقة اللائقة، وخدمة مجتمعه بما يصبّ في تطور الأمة وازدهارها لتحتل مكانها المناسب لها بين الأمم.

والأمر الثاني: إصلاح آخرته بالعمل الصالح، وأداء الواجبات والطاعات التي فرضها اللّه تعالى على المؤمنين من صلاة وصيام، وذهاب إلى محافل القرآن الكريم، والتحلي بالصفات والأخلاق الحسنة من الصدق والأمانة وما إلى ذلك... .

فإذا ما أصلحنا دنيانا وأُخرانا فسوف يشملنا اللّه تعالى بواسع رحمته ومغفرته وتوفيقه، ويقبل أعمالنا بأحسن قبوله، فإنه تعالى قال: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ}(3).


1) الأمالي للشيخ الطوسي: 28.

2) سورة يس، الآية: 54.

3) سورة آل عمران، الآية: 195.

وأنتم أيها الأخوة الشباب المؤمنون قد خصكم اللّه عزّ وجلّ بعظيم الأجر والثواب كما جاء على لسان رسوله الكريم(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

حيث يقول(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «سبعة في ظل عرش اللّه عزّ وجلّ يوم لا ظل إلّا ظله: إمامعادل، وشاب نشأ في عبادة اللّه عزّ وجلّ...»(1).

ويقول(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما من شاب يدع للّه الدنيا ولهوها، وأهرم شبابه في طاعة اللّه إلّا أعطاه اللّه أجر اثنين وسبعين صديقاً»(2).

«اللّهم... أسألك أن تصلي على محمد عبدك ورسولك، وأن توزعني من شكر نعمائك ما تبلغ بي في غاية رضاك، وأن تعينني على طاعتك ولزوم عبادتك واستحقاق مثوبتك بلطف عنايتك، وترحمني بصدّي عن معاصيك ما أحييتني وتوفقني لما ينفعني ما أبقيتني، وأن تشرح بكتابك صدري، وتحطّ بتلاوته وزري، وتمنحني السلامة في ديني ونفسي، ولا توحش بي أهل أنسي وتمم إحسانك في ما بقي من عمري كما أحسنت في ما مضى منه يا أرحم الراحمين»(3).

من هدي القرآن الحكيم

حب الدنيا رأس كل خطيئة

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}(4).

وقال سبحانه: {وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَٰعُ الْغُرُورِ}(5).


1) الخصال 2: 343.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 535.

3) المصباح للكفعمي: 101.

4) سورة البقرة، الآية: 204.

5) سورة آل عمران، الآية: 185.

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْأخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(1).

وقال جلّ وعلا: {فَمَا مَتَٰعُ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا فِي الْأخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}(2).

عند اللّه ثواب الدنيا والآخرة

قال تعالى: {فََٔاتَىٰهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْأخِرَةِ}(3).

وقال سبحانه: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْأخِرَةِ}(4).

وقال عزّ وجلّ: {مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(5).

وقال جلّ وعلا: {وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْأخِرَةِ لَمِنَ الصَّٰلِحِينَ}(6).

القبر: المصير المحتوم

قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ}(7).

وقال سبحانه: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}(8).

وقال عزّ وجلّ: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}(9).

وقال جلّ وعلا: {قُتِلَ الْإِنسَٰنُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ


1) سورة الأنعام، الآية: 32.

2) سورة التوبة، الآية: 38.

3) سورة آل عمران، الآية: 148.

4) سورة النساء، الآية: 134.

5) سورة النحل، الآية: 97.

6) سورة العنكبوت، الآية: 27.

7) سورة الحج، الآية: 7.

8) سورة الانفطار، الآية: 4-5.

9) سورة العاديات، الآية: 9-10.

خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}(1).

من هدي السنّة المطهّرة

مزرعة الآخرة

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلّا ما ابتغي به وجه اللّه عزّ وجلّ»(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة»(3).

وقال(عليه السلام): «أزهد في الدنيا يبصرك اللّه عوراتها ولا تغفل فلست بمغفول عنك!»(4).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين، رجل يزداد كل يوم إحساناً ورجل يتدارك سيئته بالتوبة، وأنى له التوبة؟ واللّه، لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل اللّه منه إلّا بولايتنا أهل البيت»(5).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إن أول ما عصي اللّه عزّ وجلّ به ست: حب الدنيا، وحب الرئاسة، وحب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة، وحب النساء»(6).


1) سورة عبس، الآية: 17-21.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 531.

3) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 23 من خطبة له(عليه السلام) تشتمل على تهذيب الفقراء... .

4) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 391.

5) الأمالي للشيخ الصدوق: 668.

6) الكافي 2: 289.

العبرة لمن اعتبر

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ان القبر أول منازل الآخر، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقل منه»(1).

عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام): «كان ضحك النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) التبسم فاجتاز ذات يوم بفئة من الأنصار وإذا هم يتحدثون ويضحكون بملء أفواههم، فقال: يا هؤلاء، من غرّه منكم أمله وقصر به في الخير عمله فليطلع في القبور وليعتبر بالنشور واذكروا الموت فإنه هادم اللذات»(2).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إن للقبر كلاماً في كل يوم يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران»(3).

وقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «... كأن قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيداً فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان: ناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك.

ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه.

ثم عن عمرك في ما كنت أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفي ما أنت أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك، وأعد الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار...»(4).


1) جامع الأخبار: 169.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 522.

3) الكافي 3: 242.

4) الكافي 8: 73.

حجاب القلب

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن المرء إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع فاستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد فذلك الرَّين الذي ذكره اللّه تعالى فيكتابه {كَلَّا بَلْۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}»(1)(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «... ومن لج وتمادى فهو الراكس الذي ران اللّه على قلبه، وصارت دائرة السوء على رأسه»(3).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أربع خصال من الشقاء: جمود العين وقساوة القلب وبعد الأمل وحب البقاء»(4).

وقال الإمام الكاظم(عليه السلام): «أوحى اللّه تعالى إلى داود(عليه السلام): يا داود حذّر، وأنذر أصحابك عن كل الشهوات، فإن المتعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني»(5).

الشباب وعلو شأنه

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «سبعة يظلهم اللّه عزّ وجلّ في ظله يوم لا ظل إلّا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة اللّه عزّ وجلّ...»(6).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته»(7).


1) سورة المطففين، الآية: 14.

2) مشكاة الأنوار: 256.

3) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 58 كتبه(عليه السلام) إلى أهل الأمصار.

4) الخصال 1: 243.

5) تحف العقول: 397.

6) الخصال 2: 343.

7) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 31، من وصية له(عليه السلام) للحسن بن علي(عليهما السلام) كتبها اليه.

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «لست أحب أن أرى الشاب منكم إلّا غادياً في حالين: إما عالماً أو متعلماً فإن لم يفعل فرط، فإن فرط ضيع، وان ضيع أثم، وإنأثم سكن النار والذي بعث محمداً(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالحق»(1).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «أصبح إبراهيم(عليه السلام) فرأى في لحيته شيباً شعرة بيضاء فقال: الحمد للّه رب العالمين الذي بلغني هذا المبلغ ولم أعص اللّه طرفة عين»(2).


1) الأمالي للشيخ الطوسي: 303.

2) علل الشرائع 1: 104.

وصايا إلى الكوادر العراقية

جزاء الصابرين

قال اللّه تعالى: {كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّٰبِرِينَ}(1).

إن الأخوة والأخوات المؤمنين الصابرين الذين هجروا من ديارهم وأوطانهم فصبروا... وتشرفوا بزيارة مدينة قم المقدسة والسيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام) ثم نزلوا ضيوفاً كراماً أحبة علينا، فأهلاً وسهلاً بكم.

لقد جئتم إلى بيتكم الأول، وليس بيتكم الثاني، وهذا ما نعتز به ونفخر فيه، خصوصاً وأن هنالك علائق ودّ وقربى وصداقات تربطنا بمن ابتلى بطغاة العراق، الذين ذاقوا مرارة التهجير والحقد الطائفي والعنصري البغيض.

والأمل باللّه العظيم كبير جداً في العودة إلى الأوطان سالمين غانمين إن شاء اللّه تعالى، بعد أن تنجلي ظلمة حزب الطغاة الحاكم في العراق عن أرض المقدسات؛ فإن اللّه سبحانه وتعالى وعد بالنصر، واللّه لا يخلف الميعاد، فقد قال تبارك وتعالى: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(2).

وقال تبارك وتعالى في كتابه الكريم حاكياً كلام النبي موسى(عليه السلام) لقومه:


1) سورة البقرة، الآية: 249.

2) سورة محمد، الآية: 7.

{عَسَىٰرَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ}(1).

لكن نصرة اللّه تعالى لنا تتوقف على مقومات وشروط، من أهمها مقدار سيرنا في الطريق الذي رسمه اللّه تعالى، وهو طريق الإسلام الحنيف بقوانينه الحيوية.

ومن الواضح أن باتباعنا لهذا الطريق فإن اللّه تعالى سيمن علينا بالنصر والظفر، فقد قال سبحانه وتعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ}(2).

إن المشاكل والصعوبات التي واجهت الأمة بتسلط هكذا حكم طاغٍ على الشعب، وبالرغم مما فيها من المعاناة والآلام، إلّا أن اللّه عزّ وجلّ لا يضيع أجر العاملين ويمنحهم الثواب العظيم؛ وذلك لحسن صبرهم وجهادهم، ثم إن الأتعاب والمشاكل والابتلاءات، إضافة إلى ما تعود به على الإنسان من نتائج من الجزاء الأخروي للصابرين عليها، فإنها - أيضاً - تنضج تجربته وخبرته، بل وتقوي عزيمته في الجهاد والنصر.

كما قال أحد الشعراء:

جزى اللّه الشدائد كل خير *** وإن جرعتني غصصاً بريقي

وما مدحي لها حباً ولكن *** عرفت بها عدوي من صديقي

صحيح أن بعض المشاكل والصعوبات تسبب ردود فعل سلبية وإحباطات لذوي الإيمان الضعيف، ولكنها بالنسبة إلى أهل الفضل والمعرفة تبني الإنسان وتعزز قدراته أكثر وأكثر في مواجهة صعوبات وابتلاءات هذه الحياة، وقد جاء


1) سورة الأعراف، الآية: 129.

2) سورة طه، الآية: 123-124.

في القرآن الكريم: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}(1)يعني: أن ما تلاقونه من الأذى والصعوبات هو خير، وليس هو خيراً للآخرة فقط، وإنما هو خير للدنيا والآخرة معاً؛ فإن الأمة التي لم تواجه المشاكل والصعوبات، لا تتمكن من تحمل المسؤوليات الكبيرة عادة، أمّا الأمم التي تعيش حالة المعاناة والتناقضات فإنها تمر بمرحلة مخاض وستتجاوز الصعوبات، وتخرج أكثر عافية وتفاؤلاً، وقدرة على النهوض بأعباء المسؤولية بإذن اللّه تعالى.

المؤمن مبتلى

عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد اللّه الصادق(عليه السلام) يقول: «المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة، إلّا عرض له أمر يحزنه يُذكّر به»(2).

وقال(عليه السلام): «إن اللّه جعل المؤمنين في دار الدنيا غرضاً لعدوهم»(3).

وقال(عليه السلام) - في حديث آخر - : «لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر لتمنى أن يقرض بالمقاريض»(4).

إن الأخوة الذين تعرضوا للسجون والتهجير من العراق، أو من أي بلد كان، وهجّروا قسراً إلى بلاد أخرى، قد ابتلوا بالامتحان ونجح الكثير منهم في هذا الامتحان، فأصبحت مأساة التهجير خيراً لهم، وهنالك روايات كثيرة تشير إلى أن المؤمن مبتلى ومعرّض للمشاكل والامتحان دائماً، لكن اللّه عزّ وجلّ سيعطيه الأجر الجزيل والثواب الكثير، في مقابل صبره وجلده وجهاده.

عن الإمام الكاظم(عليه السلام) قال: «مثل المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في


1) سورة النور، الآية: 11.

2) الكافي 2: 254.

3) التمحيص: 32.

4) المؤمن: 15.

إيمانه زيد في بلائه؛ ليلقى اللّه عزّ وجلّ ولا خطيئة له»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «نِعم جرعة الغيظ لمن صبر عليها، فإن عظيم الأجر لمن عظيم البلاء، وما أحب اللّه قوماً إلّا ابتلاهم»(2).

إن العراق ومنذ دخول الاستعمار البريطاني أراضيه، بشكل الاحتلال غير المباشر أولاً، ثم الاحتلال المباشر ثانياً(3).

وبعد ذلك في أيام فيصل(4).

ثم غازي(5).

ثم فيصل الثاني(6).

وعبد الكريم قاسم(7).

وعبد السلام(8).

وعبد الرحمن(9).

والبكر(10).


1) الأمالي للشيخ الطوسي: 631.

2) الكافي 2: 109.

3) وذلك بدخول الجيوش البريطانية الأراضي العراقية في (7 /تشرين الثاني/1914م).

4) فيصل الأول (1883-1933م).

5) غازي الأول (1912-1939م) ملك العراق (1933م) خلفاً لوالده فيصل الأول، قتل بحادث سيارة مدبر.

6) فيصل الثاني (1935-1958م) ابن غازي الأول، ملك العراق (1953م)، كان تحت وصاية خاله عبد الإله، قتل مع أغلب أفراد العائلة المالكة عقب انقلاب (14 تموز 1958م).

7) عبد الكريم قاسم محمد بكر الزبيدي من مواليد بغداد عام (1914م) التحق بالكلية العسكرية في (1932م) وتدرَّج في الرتب العسكرية، انتمى لتنظيم الضباط الأحرار عام (1956م)، قام بانقلاب عسكري عام (1958م) وأطاح بالحكم الملكي.

8) عبد السلام محمد عارف (1921م-1966م).

9) عبد الرحمن محمد عارف (1916م-1968).

10) أحمد حسن البكر، (1914م-1982م).

وصدام التكريتي(1).

وإلى هذا اليوم يخرج من مأساةٍ، ويدخل في أخرى. وقبل ذلك العثمانيون، الذين حكموا العراق ما يقارب (500) سنة، وكانوا طغاة ظلمة واستعماريين بشكل أو بآخر، حيث اتبعوا سياسة التتريك في العراق وفي غيره من البلدان التي كانت تحت سيطرتهم، فقد كان من شروط الوالي أن يكون تركياً، أما أن يكون عربياً فلا، وكذلك القاضي.

وعلى أي حال، خرج العراق من الاحتلال التركي إلى الاحتلال البريطاني، وهكذا استمر الوضع أيام حكم الملكيين، فكان الوضع أكثر سوءاً، حيث ظل يتحكم الإنكليز بالشعب عن طريق تحريك الملك كيفما يشاءون، وإلى ذلك يشير أحد الشعراء وهو العالم الجليل السيد صالح الحلي(رحمه اللّه) مخاطباً فيصل الأول:

قل للمليك المفدى *** عش في رفاه ونعمى

فأنت للحكم أسمٌ *** والإنجليز المسمى

طريق الخلاص

إن الاستعمار، ومنذ خمسمائة سنة، قد عشعش في بلادنا، وتشعبت خطوطه في أكثر المجالات؛ لذا لا بد من التخلّص منه، والمؤمنون المجاهدون هم طلائع هذا الهدف، فإذا وفروا شرائط النصر فسيكون الخلاص على أيديهم إن شاء اللّه تعالى، وما ذلك على اللّه بعزيز.

إن مسألة إنقاذ الشعب العراقي من الاستبداد والظلم، والتحرك في الساحة السياسية، يحتاج إلى إعداد العدّة، ويحتاج إلى الكادر الواعي المثقف لقيادة


1) ابتلى العراق بأقسى نظام وأشرس طاغية ألّا وهو نظام العفالقة بقيادة صدام التكريتي، (1939م-2006م).

جماهير الأمة؛ لأن عملية بث الوعي والإرشاد الفكري للأمة، من الأسس الرئيسية الكفيلة بالنهوض بمستوى الأمة وتحقيق شخصيتها وإدراكها لمكانتها ومسؤوليتها، وكل منا مسؤول في هذا الباب، إن اللّه تعالى يصف النبي إبراهيم(عليه السلام) بأنه كان أمّة، فقال تبارك وتبارك: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٖ}(1)فقد كان(عليه السلام) معلماً للخير والسبب في ذلك هو رشده ووعيه، كما قال اللّه تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ}(2)وهذا يدل على أهمية الوعي والرشد.

الوعي والرشد

فاليوم نحن بحاجة إلى المستويات العالية من الوعي والرشد الفكري، لنواجه طواغيت العصر والمفسدين في الأرض وننهض بأمتنا نحو الحرية والاستقلال.

ولكي نبلغ مستوى الرشد هذا، علينا أن نعرف ما يجري في الساحة الدولية؟

وماذا يجري في العراق؟

وبمن يرتبط صدام وغيره؟

ولماذا تشريد الناس من بيوتهم؟

وهل حصل هذا من منطلق طائفي،أم هو من منطلق استعماري، أم هو من منطلق اقتصادي أو قومي؟

وعلى الإنسان أن يكون فطناً، لا يصفق لكل من جاء، فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «المؤمن كيّس فطن حذر»(3).


1) سورة النحل، الآية: 120-121.

2) سورة الأنبياء، الآية: 51.

3) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2: 297.

ففي الأيام الأولى لانقلاب البعثيين في العراق - كما نتذكر - كان قسم من الناس يصفقون لمجيء هؤلاء، وإن قسماً قليلاً من الذين يحملون وعياً سياسياً كانوا يقولون إن هؤلاء عملاء بريطانيا وإسرائيل، فلم يُخدعوا بأكاذيبهم.

وهذا هو الفرق بين الجهل والوعي، وبين الرشد والضياع.

وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): «لا يصلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة والصدق عز، والجهل ذل والفهم مجد، والجود نجح وحسن الخلق مجلبة للمودة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس - إلى أن قال(عليه السلام): - ومن خاف العاقبة تثبت في ما لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه، ومن لم يعلم لم يفهم، ومن لم يفهم لم يسلم، ومن لم يسلم لم يكرم»(1)فالإنسان الواعي غالباً ما يدرك جذور القضايا، ولا ينخدع بالمظاهر؛ ولذا فإنه يكتشف بدايات خيوط المؤامرة ثم يسعى لإسقاطها أو اجتنابها.

لا بديل عن الإسلام

اشارة

قال اللّه العظيم: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْأخِرَةِ مِنَ الْخَٰسِرِينَ}(2).

لقد بات واضحاً أن ذلك العلاج - علاج الأوضاع المنحرفة والمأساوية للأمة الإسلامية عامة وللعراق خاصة - لا يكمن في الأطروحات القومية، أو في الديمقراطية على الطريقة الغربية، أو في الشيوعية، أو ما أشبه، بل في الإسلام العظيم؛ قال سبحانه: {أَفَحُكْمَ الْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٖ


1) تحف العقول: 356.

2) سورة آل عمران، الآية: 85.

يُوقِنُونَ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(2)فاللازم التسليم لعبادة اللّه ودينه الذي ارتضاه لعباده، والحكم السياسي يتم تنفيذه بيد الأمة عن طريق شورى المرجعية والتعددية السياسية.

أما الأطروحات البديلة الأخرى غير الإسلام، فإن كلها مرتبطة بالاستعمار، أو تصب في مجراه. فكانت نتيجة هذه الأفكار المنحرفة التفرقة بين الناس والسيطرة عليهم، ثم سلب خيراتهم وثرواتهم، وهذا هو الانحراف عن سبيل اللّه الذي أمر به، ولا يمكن أن نقف بوجه هذه الأفكار والمبادئ غير الصحيحة إلّا إذا كنا نمتلك رشداً فكرياً ووعياً لما يدور حولنا. ومن هنا ورد التأكيد على أهمية الفكر.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس...»(3).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «الفكر يوجب الاعتبار ويؤمن العثار ويثمر الاستظهار»(4).

وقال(عليه السلام): «الفكر في العواقب ينجي من المعاطب»(5).

وحدة الصف

ويلزم على المسلمين الواعين أن يكونوا يقظين دائماً، ولايسمحوا للآخرين بأن يندسوا في ما بينهم فيشقّوا صفوفهم أو يفرقوهم، كما أن عليهم أن لاينجرّوا


1) سورة المائدة، الآية: 50.

2) سورة فصلت، الآية: 33.

3) الكافي 1: 27.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 121.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 78.

لقتال بعضهم البعض؛ لأنهم يدركون أنهم الضحية، وهم المستهدفون لتعميق خلافاتهم.

كما أن القتال الذي دار ويدور بين البلاد الإسلامية بعضها مع بعض كلها تصب في مصلحة الأعداء والاستعمار.

ثم إن اللازم على المتعاونين مع الطغاة أن يعرفوا عظيم ذنبهم، فإن رجال الأمن في نظام صدام ماذا فعلوا مع أبناء شعبهم؟ وهؤلاء في الحقيقة لا يعملون على تحقيق الأمن - كما قد يتوهمون أو يدعون - بل على العكس من ذلك، ولو كان لهم وعي، وكانوا راشدين، لما كانوا يضطهدون الشعب العراقي المسلم، فيعذبون الشباب الأبرياء في السجون؛ إذ لا معنى لسلب أمن الشعب مقابل أن يعيش الظالم آمناً بعيداً عن الناس.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من عامل رعيته بالظلم أزال اللّه دولته وعجل بواره وهلكه»(1).

وكذلك الذين يقومون بإعدام الناس على المشانق من أجل بقاء صدام وزمرته الظالمة، فهل هؤلاء رشيدون؟

كلا؛ فإنهم لو كانوا يملكون شيئاً من الرشد لما فعلوا هذا الإجرام بإخوانهم المؤمنين من أبناء بلدهم.

فقد قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوانهم، من لاق لهم دواة، وربط كيساً، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم»(2).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 634.

2) ثواب الأعمال: 260.

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ألا ومن علق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعل اللّه ذلك السوط يومالقيامة ثعباناً من نار طوله سبعون ذراعاً يسلطه اللّه عليه في نار جهنم وبئس المصير»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاث»(2).

قصة من القرآن الكريم

قصة قابيل وهابيل هي المثال الحي الآخر لموضوع الوعي والرشد الفكري. فقابيل الأخ المنحرف وهابيل أخوه المؤمن، قال قابيل لهابيل: (لأقتلنك) فكان جواب هابيل: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَٰلَمِينَ}(3)وذلك لأن هابيل كان رشيداً وواعياً. وقابيل لم يكن له رشد فلم يعرف عواقب الجريمة؛ لذلك قتل أخاه ودخل النار(4).

وقد أجاب الإمام أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام)، حينما سأله أحد أصحابه قائلاً: ما العقل؟

فقال(عليه السلام): «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان».

قال: فالذي كان في معاوية؟

قال: «تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بعقل»(5).

نعم، إن معاوية وقابيل وكل أعداء اللّه لا يملكون رشداً ولا وعياً، بل إنهم وضعوا


1) من لا يحضره الفقيه 4: 17.

2) الكافي 2: 333.

3) سورة المائدة، الآية: 28.

4) انظر تفسير القمي 1: 165.

5) الكافي 1: 11.

عقولهم تحت أرجلهم، وتصرفوا وفق ما تمليه عليهم رغباتهم الشيطانية وغرائزهمغير الشرعية؛ ولذلك لاقت الأمة منهم ومن أمثالهم، أنواع الظلم والهوان.

بث الوعي في الأمة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلّموا»(1).

إذن، من أولويات العمل للنهوض بحالة الأمة الضائعة إلى المستوى الذي يليق بها، هو أن تجعل عيونها مفتوحة لتبصر كل ما يجري حولها من الدسائس والمؤامرات التي تهدف إلى النيل منها وإبقائها تحت التبعية، ولكي نتمكن من ذلك لا بد من بث الوعي والرشد الثقافي والسياسي بين الناس. وعندها ستقوى حصانة الأمة ضد كل المؤامرات التي تحاك ضدها.

ومن الطبيعي أن الذي يقوم بهذا الدور المهم، هم الطليعة المثقفة الواعية.

فعلى المؤمنين المجاهدين تعميق الوعي في نفوسهم أولاً، ونشر الوعي بين صفوف جماهير الأمة ثانياً، وبكل الوسائل الإعلامية المتاحة في عصرنا من تبليغ ونشر في المجلات والصحف، والنشرات والإذاعات وغيرها، فعندما يتعمق الوعي في نفوس أبناء الأمة ويدركون جيداً ما يدور حولهم، فإنهم سينهضون للمطالبة بحقوقهم والإطاحة بهؤلاء اللصوص الذين تربعوا وجثموا على صدر العراق والعراقيين ناهبين ومضيعين ثرواته، بلا حساب ولارقيب.

أما إذا أصبحت الأمة فاقدة للوعي، فلا يستبعد أن يتحكم بمصيرها، أمثال قابيل، أو معاوية، أو صدام، أو غيرهم من الطغاة.

وفي الختام نسأل اللّه عزّ وجلّ أن يمن علينا بدولة كريمة، وأن يخلصنا من


1) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 478.

هؤلاء الطغاة.

«اللّهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة»(1).

من هدي القرآن الحكيم

كتاب يرشد إلى العقل

قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(2).

وقال سبحانه: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(4).

وقال جلّ وعلا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(5).

وقال سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(6).

الدنيا دار تمحيص وابتلاء للمؤمن

قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَٰفِرِينَ}(7).

وقال سبحانه: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٖ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي


1) الكافي 3: 424.

2) سورة يوسف، الآية: 2.

3) سورة البقرة، الآية: 219.

4) سورة الأنبياء، الآية: 10.

5) سورة النحل، الآية: 44.

6) سورة الزخرف، الآية: 3.

7) سورة آل عمران، الآية: 141.

أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْوَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(1).

وقال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(3).

كتاب الوعي والإرشاد

قال جلّ وعلا: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(4).

و قال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٖ يُؤْمِنُونَ}(5).

وقال سبحانه: {الم * ذَٰلِكَ الْكِتَٰبُ لَا رَيْبَۛ فِيهِۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}(7).

لا بديل عن الإسلام

قال جلّ وعلا: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا


1) سورة آل عمران، الآية: 154.

2) سورة الملك، الآية: 2.

3) سورة الأنبياء، الآية: 35.

4) سورة العلق، الآية: 3-5.

5) سورة النحل، الآية: 64.

6) سورة البقرة، الآية: 1-2.

7) سورة آل عمران، الآية: 138.

يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(1).

وقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُسُبُلَ السَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٖ}(2).

وقال سبحانه: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَٰئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(4).

وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٖ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(5).

بث الوعي في الأمة

قال سبحانه: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}(6).

وقال عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بَِٔايَٰتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ}(7).


1) سورة الأنفال، الآية: 24.

2) سورة المائدة، الآية: 15-16.

3) سورة الأعراف، الآية: 157.

4) سورة الأنعام، الآية: 153.

5) سورة آل عمران، الآية: 103.

6) سور النحل، الآية: 125.

7) سورة إبراهيم، الآية: 5.

قال جلّ وعلا: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٖ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(1).

وقال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَٰقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَاتَكْتُمُونَهُ}(2).

من هدي السنّة المطهّرة

القرآن كتاب يرشد إلى العقل

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن هذا القرآن هو النور المبين والحبل المتين والعروة الوثقى والدرجة العليا والشفاء الأشفى والفضيلة الكبرى، والسعادة العظمى، من استضاء به نوره اللّه، ومن اعتقد به في أموره عصمه اللّه، ومن تمسك به أنقذه اللّه، ومن لم يفارق أحكامه رفعه اللّه، ومن استشفى به شفاه اللّه، ومن آثره على ما سواه هداه اللّه، ومن طلب الهدى في غيره أضلّه اللّه، ومن جعله شعاره ودثاره أسعده اللّه، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوله الذي ينتهي إليه أداه اللّه إلى جنات النعيم والعيش السليم»(3).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ثم أنزل عليه الكتاب، نوراً لا تطفأ مصابيحه وسراجاً لا يخبو توقَّدُه وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوءه، وفرقاناً لا يخمد برهانه وتبياناً لا تهدم أركانه...»(4).

وقالت فاطمة الزهراء(عليها السلام): «كتاب اللّه، بينةٌ بصائره وآي منكشفة سرائره،


1) سورة التوبة، الآية: 122.

2) سورة آل عمران، الآية: 187.

3) تفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): 449.

4) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 198 من خطبة له(عليه السلام) يبين فضل الإسلام والقرآن.

وبرهان متجلية ظواهره، مديم للبرية استماعه، وقائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدياً إلى النجاة أشياعه، فيه تبيان حجج اللّه المنورة، ومحارمه المحدودة، وفضائله المندوبة، وجمله الكافية ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، وبيناتهالخالية..»(1).

وقال الإمام السجاد(عليه السلام) في دعائه عند ختم القرآن: «اللَّهم، إنك أعنتني على ختم كتابك الذي أنزلته نوراً، وجعلته مهيمناً على كل كتابٍ أنزلته، وفضلته على كل حديثٍ قصصته.

وفرقاناً فرقت به بين حلالك وحرامك، وقرآناً أعربت به عن شرائع أحكامك وكتاباً فصلته لعبادك تفصيلاً، ووحياً أنزلته على نبيك محمدٍ صلواتك عليه وآله تنزيلاً.

وجعلته نوراً نهتدي من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاءً لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أمَّ قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته.

اللّهم، فإذ أفدتنا المعونة على تلاوته، وسهلت جواسي ألسنتنا بحسن عبارته، فاجعلنا ممن يرعاه حق رعايته، ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته، ويفزع إلى الإقرار بمتشابهه، وموضحات بيناته.

اللّهم، إنك أنزلته على نبيك محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مجملاً، وألهمته علم عجائبه مكملاً، وورثتنا علمه مفسراً، وفضلتنا على من جهل علمه، وقويتنا عليه لترفعنا فوق من لم يطق حمله.


1) من لا يحضره الفقيه 3: 567.

اللّهم، فكما جعلت قلوبنا له حملة، وعرفتنا برحمتك شرفه وفضله، فصل على محمد الخطيب به، وعلى آله الخزان له، واجعلنا ممن يعترف بأنه من عندك حتى لا يعارضنا الشك في تصديقه، ولا يختلجنا الزيغ عن قصد طريقه.

اللّهم، صل على محمد وآله، واجعلنا ممن يعتصم بحبله، ويأوي من المتشابهات إلى حرز معقله، ويسكن في ظل جناحه، ويهتدي بضوء صباحه، ويقتدي بتبلج أسفاره، ويستصبح بمصباحه، ولا يلتمس الهدى في غيره.

اللّهم، وكما نصبت به محمداً علماً للدلالة عليك، وأنهجت بآله سبل الرضا إليك، فصل على محمد وآله، واجعل القرآن وسيلة لنا إلى أشرف منازل الكرامة، وسُلماً نعرج فيه إلى محل السلامة، وسبباً نجزى به النجاة في عرصة القيامة، وذريعة نقدم بها على نعيم دار المقامة.

اللّهم، صل على محمد وآله، واحطط بالقرآن عنا ثقل الأوزار، وهب لنا حسن شمائل الأبرار، واقف بنا آثار الذين قاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار، حتى تطهرنا من كل دنس بتطهيره، وتقفو بنا آثار الذين استضاءوا بنوره، ولم يلههم الأمل عن العمل فيقطعهم بخدع غروره.

اللّهم، صل على محمد وآله، واجعل القرآن لنا في ظلم الليالي مونساً، ومن نزغات الشيطان وخطرات الوساوس حارساً، ولأقدامنا عن نقلها إلى المعاصي حابساً، ولألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة مخرساً، ولجوارحنا عن اقتراف الآثام زاجراً، ولما طوت الغفلة عنا من تصفح الاعتبار ناشراً، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائبه، وزواجر أمثاله التي ضعفت الجبال الرواسي على صلابتها عن احتماله.

اللّهم، صل على محمد وآله، وأدم بالقرآن صلاح ظاهرنا، واحجب به خطرات الوساوس عن صحة ضمائرنا، واغسل به درن قلوبنا وعلائق أوزارنا،

واجمع به منتشر أمورنا، وأرو به في موقف العرض عليك ظمأ هواجرنا، واكسنا بهحلل الأمان يوم الفزع الأكبر في نشورنا...»(1).

الدنيا دار تمحيص وابتلاء للمؤمن

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) موصياً أصحابه: «اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار، ونور الليل المظلم، على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أن الهالك من هلك دينه والحريب من حرب دينه، ألّا وإنه لا فقر بعد الجنة، ألّا وإنه لا غنى بعد النار، لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها»(2).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لفاطمة الزهراء(عليها السلام) عندما رآها تطحن بيديها وترضع ولدها: «يا بنتاه، تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة»(3).

وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «الدنيا سجن المؤمن، والقبر حصنه والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر والقبر سجنه والنار مأواه»(4).

وقال(عليه السلام): «ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلّا وله جار يؤذيه، ولو أن مؤمناً في جزيرة من جزائر البحر لابتعث اللّه له من يؤذيه»(5).

الوعي والرشد الفكري

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أربعة تلزم كل ذي حجى وعقل من أمتي».

قيل: يا رسول اللّه وما هنَّ؟


1) الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) عند ختم القرآن.

2) الكافي 2: 216.

3) مكارم الأخلاق: 117.

4) الخصال 1: 108.

5) الكافي 2: 251.

قال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «استماع العلم وحفظه ونشره والعمل به»(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن معلم الخير يستغفر له دواب الأرض وحيتان البحر وكل ذي روح في الهواء وجميع أهل السماء والأرض، وإن العالم والمتعلم في الأجر سواء يأتيان يوم القيامة كفرسي رهان يزدحمان»(2).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «يا علي، ثلاث من حقائق الإيمان: الإنفاق من الاقتار وإنصافك الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلم»(3).

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «رحم اللّه عبداً أحيا العلم».

فقيل: وما إحياؤه؟

قال: «أن يذاكر به أهل الدين وأهل الورع»(4).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): إن اللّه عزّ وجلّ يقول: تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري»(5).

لا بديل عن الإسلام

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه...»(6).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع،


1) تحف العقول: 57.

2) بصائر الدرجات 1: 3.

3) من لا يحضره الفقيه 4: 360.

4) الكافي 1: 41.

5) الكافي 1: 41.

6) الهداية الكبرى: 47.

والأمر الصادع، إزاحة للشبهات، واحتجاجاً بالبينات، وتحذيراً بالآيات وتخويفاً بالمثلات(1)، والناس في فتن انجذم(2)فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري(3)اليقين، واختلف النجْر(4)، وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل والعمى شامل...»(5).

وقال(عليه السلام): «إن اللّه تعالى خصكم بالإسلام واستخلصكم له؛ وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة... فيه شفاء المستشفي وكفاية المكتفي»(6).

بث الوعي في الأمة

قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «جاء رجل من الأنصار إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه ما حق العلم؟

قال: الإنصات له.

قال: ثم مه؟

قال: الاستماع له.

قال: ثم مه؟

قال: ثم الحفظ.

قال: ثم مه يا نبي اللّه؟

قال: العمل به.


1) المَثُلات: العقوبات.

2) انجذم: انقطع.

3) السواري - جمع سارية - : العمود والدعامة.

4) النَجْر: الأصل.

5) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 2 من خطبة له(عليه السلام) بعد انصرافه من صفين... .

6) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 152 من خطبة له(عليه السلام) في صفات اللّه جل جلاله وصفات أئمة الدين.

قال: ثم مه؟

قال: ثم نشره»(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «رحم اللّه خلفائي»

فقيل: يا رسول اللّه ومن خلفاؤك؟

قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد اللّه»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «رحم اللّه خلفائي».

قيل: ومن خلفاؤك يا رسول اللّه؟

قال: «الذين يأتون بعدي ويروون سنتي ويحفظون حديثي على أمتي، أولئك رفقائي في الجنة»(3).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما أخذ اللّه ميثاقاً من أهل الجهل بطلب تبيان العلم حتى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم للجهال؛ لأن العلم كان قبل الجهل»(4).

وقال الإمام الكاظم(عليه السلام): «... من أوجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئاً ينفعه لا من دنياه ولا من آخرته»(5).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر»(6).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه»(7).


1) الأمالي للشيخ الطوسي: 603.

2) منية المريد: 101.

3) عوالي اللئالي 4: 64.

4) الأمالي للشيخ المفيد: 66.

5) بحار الأنوار 2: 75.

6) منية المريد: 105.

7) عدة الداعي: 72.

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أيضاً: «تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده»(1).

ملحق

الصورة المستقبلية للعراق

أدناه نص جواب الإمام الراحل(رحمه اللّه) على سؤال جماعة من المؤمنين عن آرائه حول الصورة المستقبلية للعراق:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

السلام على الأخوة المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته.

لقد سألتم عن العراق والصورة التي ينبغي أن يكون عليها في المستقبل بعد سقوط النظام الحالي بإذن اللّه تعالى، وسنشير ههنا إلى بعض البنود حسب ما يستفاد من الموازين الإسلامية المطابقة للموازين الإنسانية الفطرية، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(2).

1- يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة كما يجب إعطاء الأقلية حقوقها، فإن الأكثرية كان لها الدور الأكبر في إنقاذ العراق مراراً عديدة في هذا القرن: مرة في ثورة العشرين، ومرة أخرى في الحرب العالمية الثانية، حيث أفتى العلماء بوجوب إخراج المستعمرين من قاعدة (الحبانية) فتحرك الشعب العراقي بأسره حتى أخرجهم، ومرة ثالثة: إبان المد الأحمر- الشيوعي - وقد سجلت الكتب التاريخية تلك الحوادث بتفاصيلها.

وقد قال اللّه سبحانه وتعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}(3)وقال جلّ وعلا:


1) عدة الداعي: 72.

2) سورة الروم، الآية: 30.

3) سورة الشورى، الآية: 38.

{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(1)وورد في الحديث الشريف: «لئلا يتوى حق امرئ مسلم».

2- من الضروري استناد الدولة إلى المؤسسات الدستورية حيث يلزم منح الحرية لمختلف التجمعات والتكتلات والفئات والأحزاب غير المعادية للإسلام في إطار مصالح الأمة، كما يلزم أن تكون الانتخابات حرة بمعنى الكلمة، وأن توفر الحرية للنقابات والجمعيات ونحوها، كما يلزم أن تعطى الحرية للصحف وغيرها من وسائل الإعلام، ويلزم أن تمنح الحرية لمختلف أصناف المجتمع من المثقفين والعمال والفلاحين و... كما تعطى المرأة كرامتها وحريتها. كل ذلك في إطار الحدود الإسلامية الإنسانية، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(2)وقال تعالى: {يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَٰلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}(3)وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حراً»(4).

3- اللاعنف هو المنهج العام في الداخل والخارج، كما قال تعالى: {ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً}(5)فإنه هو الأصل ونقيضه استثناء.

4- يجب أن تراعى حقوق الإنسان بكل دقة حسب ما قرره الدين الإسلامي الذي يتفوق على قانون حقوق الإنسان المتداول في جملة من بلاد العالم اليوم، فلا إعدام مطلقاً إلّا إذا حكم - في كلية أو جزئية - مجلس (شورى الفقهاء المراجع) إذ في صورة الاختلاف بينهم يكون من الشبهة و(الحدود تدرأ


1) سورة آل عمران، الآية: 159.

2) سورة البقرة، الآية: 256.

3) سورة الأعراف، الآية: 157.

4) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 31، من وصية له(عليه السلام) للحسن بن علي(عليهما السلام)... .

5) سورة البقرة، الآية: 208.

بالشبهات)(1)، كما ينبغي تقليص عدد السجناء إلى أدنى حد، حتى من الحد المقرر في العالم اليوم، كما لا تعذيب مطلقاً، وكذلك لا مصادرة للأموال مطلقاً.

5- وبالنسبة إلى ما سبق يتمسك ب- : {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ}(2)، كما عفا الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن أهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»(3)، وعن غير أهل مكة، وكما صنع ذلك الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ويؤيده ما ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام)، إن حديث (الجب)(4)أولى بالجريان بالنسبة إلى المسلمين من جريانه في حق غيرهم.

6- للأكراد والتركمان وأمثالهم كامل الحق في المشاركة في الحكومة القادمة وفي كافة مجالات الدولة والأمة فقد قال اللّه سبحانه: {يَٰأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ}(5)وقال الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لا فضل للعربي على العجمي ولا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى...»(6).

7- ينبغي أن تتخذ الدولة القادمة سياسة (المعاهدة) أو (المصادقة) مع سائر الدول في إطار مصلحة الأمة، كما قام بذلك الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع مختلف الفئات غير الإسلامية حتى المشركين، ويستثنى من ذلك عدة صور، منها: صورة احتلال الكفار والمشركين لبلاد المسلمين، كما حدث في فلسطين وأفغانستان،


1) إشارة إلى حديث رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال: «ادرءوا الحدود بالشبهات...» من لا يحضره الفقيه 4: 74.

2) سورة المائدة، الآية: 95.

3) الكافي 3: 513.

4) إشارة إلى قاعدة (الجَب) المأخوذة من كلام رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله» تفسير القمي 2: 27.

5) سورة الحجرات، الآية: 13.

6) الإختصاص: 341.

حيث يجب على جميع المسلمين عندئذ الدفاع إذ «المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»(1).

8- المرجع الأخير في دستور الدولة الإسلامية القادمة في العراق، وفي رسم السياسة العامة والخطوط العريضة هو (شورى الفقهاء المراجع) حسب ما قرره الإسلام، قال الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «المتقون سادة والفقهاء قادة»(2).

ومن الواضح أن الفقهاء المراجع يتعاونون مع الحوزات العلمية ومع المثقفين والأخصائيين في كافة الحقول الاختصاصية؛ فإن ذلك هو مقتضى المشورة والشورى، كما قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(3)و{أَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}(4).

9- يجب على كافة المسلمين السعي لكي تتوحد بلاد الإسلام وتنصهر في دولة واحدة إسلامية ذلك لأن المسلمين أمة واحدة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(5)وقد أسس الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أساس الدولة العالمية الواحدة حيث توحدت في حياته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) تسع دول تحت راية الإسلام - على ما ذكره المؤرخون - وفي هذا القرن كانت الهند مثالاً لذلك، كما أن أوربا تحاول التوصل إلى ذلك. ومن الواضح أن تفكك الدول الإسلامية ووجود الحدود الجغرافية بينها من الأسباب الرئيسية في تخلف المسلمين من جهة وفي تناحرهم وتحاربهم من جهة أخرى، وفي تفوق المستعمرين عليهم واستعمارهم من جهة ثالثة.


1) انظر المؤمن: 38 و39.

2) الأمالي للشيخ الطوسي: 225.

3) سورة آل عمران، الآية: 159.

4) سورة الشورى، الآية: 38.

5) سورة المؤمنون، الآية: 52.

10- يلزم حث المجاميع الدولية كي تقوم بالضغوط الشديدة على كل حكومة تريد ظلم شعبها؛ ذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان لا يرى فرقاً بين ظلم أهل الدار بعضهم لبعض وبين ظلم الجيران بعضهم لبعض. وهذا هو ما يحكم به العقل أيضاً، ولا يجوز في حكم العقل والشرع أن ندع أمثال موسيليني وهتلر وستالين يفعلون ما يشاؤون بشعوبهم تشريداً ومطاردة ومصادرة للأموال وقتلا للأنفس، بحجة أنها شؤون داخلية... فإذا اشتكى أبناء بلد عند سائر الأمم كان عليهم أن يرسلوا المحامين والقضاة، فإذا رأوا صحة الشكوى أنقذوا المظلوم من براثن الظالم.

«اللّهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة»(1).

محمد الشيرازي

العراق ما بعد صدام

العراق ما بعد صدام(2)

العراق والتغيير المرتقب

قال اللّه تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(3).

إلى إخواننا العراقيين الأعزاء في شتى أنحاء العالم.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

لا يخفى عليكم أن العراق معروف بالتبدل، والأوضاع الأخيرة في عراقنا


1) الكافي 3: 424.

2) ألقيت هذه المحاضرة في ليلة (27/ شهر رمضان/ 1422ه).

3) سورة آل عمران، الآية: 178.

الجريح توعز إلى أن الغرب يريد تبديل النظام الحاكم في العراق إلى نظام آخر، فصدام كان عبداً لهم وهم الذين جاءوا به واليوم يريدون تبديله بعميل آخر؛ إذ أن هذه سنتهم ودأبهم في إدارة سياسة العراق - وغيره - .

فعندما كنا في العراق(1)وفي بداية مجيء البعثيين إلى الحكم قال وزير الداخلية (علي صالح السعدي) في خطاب له: جئنا إلى العراق بقطار أنكلوأمريكي، وإثر سماعي لكلامه قلت لمن كان حولي من الأصدقاء: إنه لم يذكر الحقيقة بكاملها، وأردفت معلقاً على كلامه فقلت: بل أنهم جاءوا بقطار انكلوا أمريكي إسرائيلي.

ففي الواقع إن صدام ليس إلّا عبداً للغرب جاءوا به لأمرين:

الأول: إذلال العراقيين لأنهم حاربوا بريطانيا في ثورة العشرين المعروفة.

الثاني: الاستيلاء على خيرات العراق.

فقد كان أحمد حسن البكر هو الحاكم سابقاً، ثم جاء صدام، وفي المستقبل غير معلوم من سيكون حاكماً على العراق.

وعلى كل حال، فالغرب - كما تدل القرائن الكثيرة - يريد تبديل النظام الحاكم في العراق إذ أن عمالة صدام أصبحت معروفة عند الجميع وهم يريدون وجوهاً غير معروفة.

فإذا حصل التغيير، فاللازم تطبيق خمسة أمور في العراق وإلّا سيبقى العراق كما كان عليه، يتحكم بمصيره الظلمة والطغاة من عملاء الغرب.

أمور خمسة

اشارة

أما الأمور الخمسة فهي:


1) هاجر الإمام الشيرازي(رحمه اللّه) من العراق عام (1391ه) مكرهاً. انظر كتاب كيف ولماذا أخرجنا من العراق.

حكم الإسلام

اشارة

الأول: حكم الإسلام، والمراد بذلك أن تكون القوانين الإسلامية هي الحاكمة والسائدة في العراق كما كان ذلك محققاً قبل نحو ستين عاماً تقريباً - ولو نسبياً - فقد شاهدت شخصياً بعض تلك القوانين الإسلامية كقانون إحياء الأرض المستفاد من قوله(عليه السلام): «الأرض للّه ولمن عمرها»(1).

وهذا القانون ليس من عند البشر بل هو قانون إلهي، وطلبة العلوم الدينية يقرؤونه في الكتب الفقهية كالشرائع، وشرح اللمعة، والحدائق، والجواهر، ومصباح الفقيه، وغيرها من كتب الفقه الأخرى التي تنص على هذا القانون.

وكما جاء في التاريخ الصحيح أن في عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان كل شيء مباحاً، الماء، المعادن، الأرض، وغيرها.

والملفت للانتباه إنه قبل مجيء الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لم يكن هذا القانون، بل كانت الأرض كما نحن عليه اليوم، ملكاً لأفراد معينين، ولكن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ارتقى المنبر ذات يوم وخطب في الناس قائلاً: «الأرض للّه ولمن عمرها» وأضاف إليه: «ثم إنها مني إليكم أيها المسلمون...»(2).

والناس عندما سمعوا ذلك غمرهم السرور بهذا القانون، فأخذوا يعمّرون أطراف المدينة المنورة، فكل منهم جعل يحيي قسماً من الأرض، فهذا صنع داراً، وذاك أحيى لنفسه بستاناً، والآخر أعدّ لنفسه رحىً، وغير ذلك، حتى عمرت أطراف المدينة المنورة.

نعم، يلزم أن يعود هذا القانون إلى العراق، وإنّني أتذكر جيداً التطبيق النسبي


1) الكافي 5: 279.

2) انظر عوالي اللئالي 1: 44.

لهذا القانون قبل نحو ستين عاماً في العراق(1).

فهذا القانون كان موجوداً في إيران والعراق، وقد ألغاه البهلوي الأول في إيران، ثم فعلوا نفس ذلك تماماً قبل نحو خمسين عاماً تقريباً في العراق.

بالإسلام تعمر البلاد

ومن آثار هذا القانون الإسلامي هو ما شاهدته شخصياً عبر القصة التالية:

فقد دعاني في تلك الأيام شيخ جليل أسمه (الشيخ فرج) إلى منزله للمشاركة في مجلس العزاء الذي عقده آنذاك، وقد كان منزله كبيراً ربما بلغت مساحته (800 متر)، وأتذكر أنّني سألته آنذاك قائلاً: كم كلفك بناء هذا المنزل.

فقال: 800 فلس: أي ما يعادل قيمته الشرائية آنذاك (800 رغيف) من الخبز، إذ أن رغيف الخبز كان حينذاك يباع بفلس واحد. ولما سألته كيف يمكن ذلك؟

أجاب: لأن الأرض أخذتها مجاناً، فقلت له: إذا كانت الأرض مجانية فلماذا الثمانمائة فلس؟

فأجاب: لقد أعددت شخصياً اللبن - بكسر اللام - وأعطيت للبنّاء حتى يرصف هذا اللبن.

هكذا كان عراقنا، فالمنزل الكامل البالغة مساحته (800 متر) قيمته ثمانمائة فلس، ولذا كان الجميع يمتلكون البيت.

وهناك قصة أخرى تدل على نفس المطلب، وهي: أن أحد أصدقائنا الفضلاء وهو الشيخ إبراهيم الحائري(رحمه اللّه)(2)صنع منزلاً كاملاً بنفسه ودون مساعدة أي شخص آخر، وقد دعاني شخصياً مع سماحة الأخ السيد صادق(3)إلى منزله،


1) انظر كتاب: (حياتنا قبل نصف قرن) لسماحته(رحمه اللّه) وكتاب (تلك الأيام).

2) الشيخ محمد إبراهيم بن حسن بن علي بن حسين الكشميري الحائري.

3) المرجع الديني آية اللّه العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي حفظه اللّه.

فذهبنا آنذاك فشاهدت جدار داره غير مستقيم وحينما سألته عن ذلك أجاب قائلاً: أنا لا أجيد البناء وإنما شيّدت هذا المنزل بنفسي...!!

هكذا كانت الأرض للّه ولمن عمّرها.

أما الآن فأكثر الشباب لما نسألهم: هل أنت متزوج؟

يجيبون: لا.

ولما نسألهم: لماذا؟

يجيبون: لأننا لا نملك بيتاً.

فعلى الأخوة الأعزاء إذا ذهبوا إلى العراق - إن شاء اللّه تعالى - أن يسعى كل واحد منهم لتطبيق هذا القانون الإلهي عبر اللسان والقلم.

قانون من سبق

وهناك قانون إسلامي آخر ضيّعه العملاء في العراق، فعلينا أن نسعى جاهدين من أجل إعادته، ألّا وهو قانون السبق، ففي الحديث الشريف عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له»(1).

فمثلاً الإنسان الذي يسبق الآخرين إلى حيازة السمك يكون له(2)، وكذا من يسبقهم إلى حيازة الملح أو المعدن أو النخيل وغيرها فهي كذلك تكون له. وهذا غير مقتصر على ذلك الزمان، بل يشمل زماننا الراهن أيضاً، فحلال محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة(3).

ولا يخفى أن كل تغيير في قانون اللّه فهو يسبب الضنك في المعيشة، كما


1) عوالي اللئالي 3: 480.

2) لا يخفى أن ذلك في المباحات العامة ولا يجري هذا القانون في الممتلكات الشخصية.

3) إشارة إلى حديث الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره»، الكافي 1: 58.

ينص على ذلك القرآن الكريم، حيث قال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}(1).

فمثلاً في العراق كانت هناك منطقتان يجلب منهما الملح، إحداهما: بحيرة الرزازة، والأخرى قريب حصن الأخيضر، وقد شاهدتها شخصياً، وقد كنا نشتري منها الملح الذي يجلب من تلك المناطق وبكميات كبيرة بعشرة أفلس، أي ما يعادل قوته الشرائية عشرة أرغفة من الخبز. وإثر مجيء عبد الكريم قاسم أصبحت نفس هذه الكمية بدينار! أي ازدادت القيمة عمّا كانت عليه مائة ضعف.

وكذلك الحال بالنسبة إلى اصطياد السمك فقد كان مباحاً، فعلى سبيل المثال كربلاء المقدسة كانت لها ثلاثة أطراف يصطاد فيها السمك، أحدها: في قضاء طويريج، والآخر في السدّة، والثالث في الرزازة.

وقد كان الناس يصطادون الأسماك ويبيعونه للآخرين، فكنا نشتري السمك في يوم الأربعاء لعائلتنا المكونة آنذاك من عشرة أفراد من خان المخضر بعشرة فلوس، وعند مجيء عبد الكريم قاسم - المدعي للوطنية - منع صيد الأسماك، وفي الأسبوع الثاني اشترينا نفس السمك ونفس المقدار بمائتين وخمسين فلساً، أي ما يعادل خمسة وعشرين ضعفاً، ومع مضي الأيام وبعد أن أصبح عبد الكريم لا يخدم مصالح الغرب بشكل كامل قتلوه، حيث أنهم جاءوا به أمام الملأ العام وأردوه صريعاً برصاصاتهم.

الإسلام هو الحل

ولكي لا تتكرر هكذا تجارب مرة أخرى في العراق ينبغي أن تحكم قوانين الإسلام، وإلّا فانه إذا سادت القوانين غير الإسلامية فإن مصيرنا في المستقبل ربما


1) سورة طه، الآية: 124.

سيكون أشد مما نحن عليه اليوم، الأمر الذي يعود علينا بالويل، وعلى نفس الحكام الذين لا يحكمون بهذه القوانين الإسلامية بالضياع كما حصل للماضين منهم.

فهذا عبد الكريم قاسم تضرّر وأضرّ ضرراً جسيماً حتى قتلوه، كل ذلك لأنه لم يحكم بالقوانين الإسلامية، وكذلك بالنسبة إلى (أحمد حسن البكر)، و(عبد السلام عارف) و(عبد الرحمن عارف).

وكذلك الحال في إيران، فقد نفي (البهلوي الأول) إلى (موريس) ولما أراد البريطانيون إبعاده عبر البحر رمى بنفسه على الشاطئ وأخذ يبكي ويتضرع إليهم إلّا أن ذلك لم يجده شيئاً، فأركبوه السفينة ونفوه عن إيران، وكذا الشاه الثاني فقد نفوه ومات بمرض السرطان.

الحكومة الشيعية

الأمر الثاني: فالذي يلزم تطبيقه في مستقبل العراق هو: الحكومة الشيعية، أي يلزم أن تحكم العراق حكومة شيعية، إذ أن غالبية الشعب العراقي من الشيعة. وكما هو معلوم لدينا أن شيعة العراق هم 80 % من تعداد السكان، والبقية 11% من العامة و9% من المسيحيين واليهود واليزيديين وغيرهم(1).

فإذا كانت أكثرية العراق من الشيعة، فلماذا لا تكون لهم حكومة شيعية؛ لذلك فاللازم السعي الجاد والتبليغ لقيام حكومة شيعية في العراق، فإن تبليغكم القوي سيكون مؤثراً.

الأحزاب الحرة

الأمر الثالث: اللازم مراعاته في العراق هو: الأحزاب الحرة، فماذا يعني أن


1) أجرى السيد محمد الصدر رئيس وزراء العراق إحصاءً في أواخر الأربعينات جاء فيه: إن نسبة الشيعة في العراق (80%) انظر كتاب (تلك الأيام) للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

العراق حتى عصرنا الراهن يحكمه حزب واحد وديكتاتور مستبد، فأغلب بلاد العالم اليوم تسودها الحرية والديمقراطية - ولو نسبياً - أما العراق فيحكمه مستبد اسمه صدام، ويا ترى من هو صدام حتى يستولي على البلاد ويتحكم في مصير العباد؟ إنه رجل ريفي من قرية في أطراف تكريت تدعى العوجة. وهو رجل جاهل، غير مثقف، ولا يعرف من الحياة سوى القوة والبطش اللذين يتحكم من خلالهما بمصير الناس في العراق.

وإنني أدركت - شخصياً - عهد تعدد الأحزاب في العراق، ورأيت بعض آثاره الإيجابية، ولعل القصة التالية هي خير شاهد على ذلك، فقد ذهبنا في بعض الأيام مع السيد محمد علي الطباطبائي(1)إلى رئيس الوزراء السيد محمد الصدر في منزله الواقع في بغداد، وقد كان المنزل متواضعاً جداً حيث لم يكن فيه سوى حصير قديم وسرير كان السيد ينام عليه، وكان السيد عندما زرناه مريضاً، وبعد أن جلسنا عنده وقد كان الجو بارداً في الشتاء، قال له السيد محمد علي الطباطبائي: لماذا تترك الباب مفتوحاً يا سيدنا؟ فأجاب: هناك هرّة قد أنجبت صغارها في هذه الدار وأنا أترك الباب مفتوحاً رأفة بها.

هكذا كانت حياة الحكّام بسيطة لما كانت الأحزاب الحرة هي الحاكمة في العراق، أما عراقنا اليوم، فصدام قد شيّد لنفسه العشرات من القصور كل واحد منها تقدّر تكاليف بنائه بالمليارات، كل ذلك من أجل إشباع نهمه وإرضاء شهواته.

أجل، فالغرب لا يروق له أن تحكم العراق الأحزاب الحرة، وخير دليل على ذلك هي القصة التي نقلها فؤاد عارف(2)وزير عبد الكريم قاسم حيث قال:


1) السيد محمد علي ابن السيد مهدي الطباطبائي الحائري (1302ه-1381ه).

2) كان متصرفاً للواء كربلاء عام (1958م).

ذهبت إلى لندن والتقيت بوزير الخارجية البريطاني وسألته: ماذا كانت مشكلة العراق حتى جعلتم عبد الكريم قاسم حاكماً عليه؟

فأجابني بكل صراحة: عندما كان الملكيون يحكمون العراق كنّا لأجل إصدار قانون بسيط ننتظر مدة طويلة، حيث كان النواب يتداولونه أولاً في المجلس، ثم يذهب بعد مدة طويلة إلى المجلس الأعلى، وبعد فترة ينشر في الإذاعة والصحف، فيبقى القانون ما يقارب ستة أشهر يتداول هنا وهناك، حتى يصل إلى الملك فيعدّله وتحصل فيه تغييرات كثيرة ثم يُقرر.

وبعد مجيء عبد الكريم قاسم أصبحنا في راحة من ذلك، فإننا بمجرد أن نتصل به ونخبره بالقانون الذي نريده، فإنه يمتثل مباشرة ويقرّ القانون دون أي تغيير أو تعديل.

ولا يخفى أنهم من أجل ذات القضية جاءوا بصدام.

ولكي يتخلص العراق من هكذا حكّام لا بد أن تكون الأحزاب الحرة كما كانت في عهد الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حيث أنه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) جعل المهاجرين والأنصار أحزاباً، وهذا موجود بالنص في كتاب (السبق والرماية) وقد تطرق إليه الفقهاء في كتبهم الفقهية كالجواهر، والمسالك، وجامع المقاصد، وغيرها.

حرية الحوزات العلمية

الأمر الرابع: حرية الحوزات العلمية واستقلاليتها، ولكي يسترجع العراق عزته الأولى لا بدّ أن تعود الحرية إلى الحوزات العلمية كما كانت عليه في السابق، حيث كان بوسع الجميع أن يأتي ويلتحق بالحوزات العلمية دون أية مضايقات وكان للعلماء والطلبة دورهم في إرشاد الناس وبيان الحكم الشرعي من دون مضايقة من الحكومات، ولا يخفى أن للحوزات العلمية فوائد جمة،

منها الفائدة العلمية، والدينية، والاقتصادية، وغيرها.

وقد كان في الحوزة العلمية في عهد السيد الحكيم(رحمه اللّه) إثنا عشر ألفاً من الطلبة، ولم يكن لأية حوزة أخرى آنذاك هذا العدد الهائل، ومع الأسف الشديد جاء صدام وشتّت هذه الحوزة وشرد طلبتها، وسجن وقتل منهم الكثير، كل ذلك حتى يستبد بالحكم في العراق دون أن يتساءل منه أحد لماذا هكذا؟ والجدير بالذكر أن الاستعمار البريطاني يحمل حقداً كبيراً على الحوزة العلمية، ويعمل ليل نهار من أجل تحطيمها؛ وذلك لأن رجالات الحوزة أخرجت الاستعمار البريطاني من العراق في ثورة العشرين وألحقت به الخسائر الفادحة.

وهنا ينبغي أن نذكر أن وجود الحوزات العلمية ليس نافعاً للمجتمع فقط، بل هو نافع حتى للسلطة أحياناً في قبال بعض الضغوطات الأجنبية.

فقد نقل لي أحد الأصدقاء: أن الشاه كان ينزعج كثيراً من السيد البروجردي، فشكى ذلك في أحد الأيام إلى بعض وزرائه، فقال له الوزير: حلّ هذه المشكلة سهل جداً.

فتساءل الشاه قائلاً: وكيف؟ فأجاب الوزير: إن السيد البروجردي يحب أن يذهب إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة، وأنت تمنعه، فافسح له المجال ليذهب إلى هناك، وإذا ذهب امنعه عن الرجوع إلى إيران.

فقال الشاه: إنك لا تعرف ماذا يفيدنا البروجردي: فأي قانون يطلبه منّي البريطانيون ولا أريد تنفيذه أتذرع بأن السيد البروجردي(رحمه اللّه) لا يقبل ذلك.

العتبات المقدسة

الأمر الخامس: والأمر الخامس اللازم مراعاته في مستقبل العراق: حرية العتبات المقدسة والاهتمام بها، فيلزم أن يفسح المجال للجميع لزيارة العتبات

المقدسة بكل سهولة واختيار، وحرية وأمان... ففي السابق كان بوسع كل واحد أن يزور العتبات المقدسة في العراق دون أية مزاحمة من السلطات.

«اللّهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، اللّهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه»(1).


1) مصباح المتهجد 2: 581.

وصايا لمجاوري المراقد المقدسة

أهمية المراقد المطهرة

قال الإمام الرضا(عليه السلام): (إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة)(1).

إن لتناثر قبور أهل البيت(عليهم السلام) فائدة دنيوية كبيرة للشيعة، كما لهم فائدة أُخروية وهي نيل الشفاعة، وقد مرت الشيعة بظروف سياسية مختلفة نتيجة تجمعها حول قبور أئمتها، وصعوبات عديدة فرضها الحاكمون وغيرهم من الدخلاء الأجانب، وكانت الهيئات الحسينية تتحمل مسؤوليات عديدة على عاتقها لتنظيم وإحياء المراسيم والشعائر ومنها هيئاتكم المباركة والتي تحمل تاريخاً مشرقاً لخدمة أهل البيت(عليهم السلام)، سواء في العراق أو في غيره، وها أنتم اليوم تتحملون عناء السفر من مشهد الإمام الرضا(عليه السلام) إلى قم المقدسة حيث قبر فاطمة المعصومة بنت الإمام الكاظم(عليهما السلام)، ومن جملة الفوائد التي ترتبت على انتشار قبور الأئمة(عليهم السلام) في مشارق الأرض ومغاربها هي توطيد وصل العلاقة والتآخي والتعارف بين أبناء الشيعة، وذلك عند تلاقيهم في المناسبات والزيارات الخاصة أو العامة لهذه القبور، وهذا الحشد كان يمثل ثقلاً سياسياً وعقائدياً في المجتمع العالمي، وهناك فوائد


1) الكافي 4: 567.

اجتماعية واقتصاديةوغيرها من هذا التناثر، فضلاً عن أن وجود قبور الأئمة(عليهم السلام) في هذه البلدان رحمةً لأهلها ونيلهم الأجر والثواب لخدمة الناس والزوار، كما أنّ المناطق التي توجد فيها القبور جذبت الشيعة والمؤمنين حولها وهذا الاجتماع مصدر قوة لا يستهان به، لا سيما أن الشيعة تمر أحياناً بحالات من الضعف نتيجة ضغط الحكام وتدخل الاستعمار وما أشبه سمحت للكثير من المنحرفين وأصاحب الشبهات والبدع من الجهلة بالتجاوز على هذه المناطق والمعتقدات، فالوهابيون(1)مثلاً قاموا بتخريب قبور أئمة البقيع سنة (1343ه) حين انتزعوا الحجاز من الشريف حسين واستولوا عليه.

وظلت هذه القبور على حالها إلى الآن، ومن المعلوم أنّ قبوراً أخرى كثيرة كانت هناك. فبالإضافة إلى القبور الأربعة للائمة المعصومين(عليهم السلام)، فهناك رواية تقول بأنّ الزهراء(عليها السلام) قد دفنت هي الأخرى في البقيع مع اختلاف بين المؤرخين حول مكان دفنها(عليها السلام)(2)وهناك في البقيع قبر أُم البنين وقبور أخرى لذرية آل الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم)(3).

ولئن جرت الأقدار بأن تكون هذه القبور تحت إشراف الوهابية فهذه هي المحصّلة، مزيد من الظلم والتعسف وعدم معرفة حقها وعدم الاهتمام بها كما


1) لمزيد من الاطلاع على جرائم الوهابيين واعتدائهم على القيم والعقائد الإسلامية راجع كتاب «هذه هي الوهابية» محمد جواد مغنية.

2) هناك ثلاث احتمالات في المقام كلها مبنية على الروايات وتوجد هذه الروايات في بحار الأنوار 43: 180. الاحتمال الأول أنها في البقيع، الاحتمال الثاني أنها في بيتها، الاحتمال الثالث أنها بين قبر الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومنبره.

3) منهم الإمام الحسن المجتبى والإمام علي بن الحسين والإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق(عليهم السلام) وكذلك دفن في البقيع العباس بن عبد المطلب عم النبي وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب وفاطمة بنت أسد وزينب وأم كلثوم ورقية ربائب الرسول وإبراهيم ابن الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعبد اللّه بن جعفر الطيار وعقيل بن أبي طالب وإسماعيل بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) إضافة إلى عدة من شهداء أحد وشهداء واقعة الحرة.

ينبغي. على عكس المراقد المقدسة التي هي تحت إشراف الشيعة، كما هو الحال بالنسبة إلى الضريح الشريف للإمام الرضا(عليه السلام) أو المرقد المقدس في مدينة قم للسيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) إذ يحف الشيعة بهذه القبور الطاهرة، ويتوسلون بها إلى اللّه، وقد جاء عن الإمام الرضا(عليه السلام) عندما سُئل عن زيارة فاطمة بنت موسى(عليهما السلام) قال: (من زارها فله الجنة)(1).

ولا بد من القول هنا أن مدينة قم ما صارت بهذا الشكل لولا وجود قبر السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)، إذ كانت قم قبل ذلك عبارة عن مجموعة من القرى تصل إلى سبع قرى ولا يصل تعداد سكانها إلى أكثر من ثلاثة آلاف نفر وكان بعض سكانها في السابق هم من اليهود والمجوس وعبدة النار(2).

أما اليوم فإنّ قم هي مدينة كبيرة مترامية الأطراف، وسكانها من الشيعة. وما ذلك إلّا بفضل فاطمة المعصومة(عليها السلام).

وصايا تخص الهيئات المقيمة في مدينة مشهد المقدسة

مدينة مشهد المقدسة

الموضوع الأول: لا بد من معرفة الإمام الرضا(عليه السلام) معرفة حقيقية والعمل بما أراد، من الدفاع عن الإسلام ونشر مفاهيمه، وكما هو واضح أن الأئمة جميعاً لا يمنعهم الموت من سماع الأحياء أو رؤيتهم كما نقرأ ذلك في الزيارات، قال الكفعمي(رحمه اللّه) في زيارة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أو أحد الأئمة(عليهم السلام): «... وأعلم أن رسولك وخلفائك(عليهم السلام) أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردّون


1) كامل الزيارات: 324.

2) انظر يوم الخلاص: 480.

سلامي...»(1). فهم يسمعون الأحياء ويردون جوابهم، وإن الإنسان حينما يرتفع عن الدنيا والمادياتسوف يسمع ردّ الإمام الرضا(عليه السلام). وعلى الإنسان هنا أن يشكر اللّه على هذه النعمة وهي مجاورته للإمام(عليه السلام)، لذا عليكم أن تقدّروا هذه النعمة وتذكروها دائماً، وإن الإنسان إذا لم يشكر نعمة اللّه عليه فلربما يأتي يوم يرفع اللّه هذه النعمة منه. كما قال تعالى في القرآن الكريم: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(2)، وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «نحن واللّه نعمة اللّه التي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز»(3).

ومن الأمور التي يتوجب عليكم الاهتمام بها، هي إيجاد حوزة واسعة وشاملة، إذ الحوزة اليوم في مشهد تضم حوالي ثمانية آلاف من الطلبة وأهل العلم في حين أن المطلوب أن تكون الحوزة أوسع من هذا، أي تضم على أقل تقدير من (20-30) ألفاً، وأن هذا ممكن وبأيديكم فإن كل عائلة قادرة على إرسال أحد أبنائها إلى الحوزة، ولو أن هذه الخطوة ستواجه بعض المشاكل، إلّا أنكم لا بد أن تتحملوا ذلك، وأن ترسلوا أحد أبنائكم والذي يتميز بالذكاء والفطنة والرغبة إلى الدرس، وهذا الابن لو وُفِّقَ وصار من طلاب العلوم الإسلامية، فأنه سوف يصبح أحد خدام وجنود الإمام صاحب الزمان(عليه السلام)، وسوف يصبح الحامي لحرم الإمام الرضا(عليه السلام) والمدافع عنه في كل حين. بل المدافع عن بيضة الإسلام كله، وفي الحقيقة أن عدد طلاب العلوم الدينية قليل جداً قياساً إلى تعداد الشيعة وحاجة الإسلام اليوم إلى أكبر قدر ممكن من الدعوة إليه، ففي قم يوجد هنا حوالي ثلاثون ألف طالب وفي مشهد حوالي ثمانية آلاف، في حين أن


1) المصباح للكفعمي: 473.

2) سورة إبراهيم: الآية 7.

3) تفسير القمي 1: 388.

السعوديين الوهابيين صار عدد طلاب مدارسهم في مكة لوحدها أضعافاًمضاعفة لهذا العدد(1)ولذا إنكم تسمعون أن الوهابيين يملكون منافذ كثيرة في العالم لترويج أفكارهم، وإن الوهابيين في السعودية لديهم مراكز كثيرة لاستقبال الطلبة، فهناك مركز في مكة وآخر في المدينة، وثالث في الرياض، وفي بعض المدن الأخرى. ومن الطبيعي حينما يكون عدد الطلبة والمبلّغين عند الوهابية أكثر منّا، فإن أولئك يسبقوننا لنشر أفكارهم ويصبح لهم النفوذ الأعظم. ألم تكن مكة في السابق مدينة من مدن المسلمين يزورها كل من يرغب إليها، نعم، كان المرء يسافر إلى مكة كما يسافر الإنسان اليوم من اصفهان إلى شيراز. أما ما نراه اليوم فهو من ألاعيب السعوديين حيث وضعوا هذه العراقيل أمام ذهاب المسلمين إلى مكة والمدينة.

المجالس الحسينية

الموضوع الثاني: هو أن يقيم كل واحد منكم مجلساً حسينياً في بيته في كل أسبوع مرة، أو كل أسبوعين مرة، أو كل شهر مرة، وإنّ لإقامة هذه المجالس فوائد كثيرة منها: ذكر أهل البيت(عليهم السلام)، وإقامة المجالس لذكرهم(عليهم السلام) يدفع البلاء والمشكلات، وتنزل الملائكة على ذلك المكان، وهذا الذكر المتواصل يؤكد حبّنا لهم ويشدنا نحوهم ويربطنا بهم، فقد جاء عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنه قال: «تجلسون وتتحدثون؟» قال: قلت جعلت فداك نعم، قال: «إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا أنه من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذبابة غفر اللّه له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(2). وهذه المجالس كم سوف


1) تشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد الطلاب الوهابيين في مكة المكرمة وحدها يبلغ (150) ألف طالب.

2) ثواب الأعمال: 187.

يذكر فيها الصلاة على محمد وآل محمد. وهذه الصلوات مثقلة للميزان فقد وردعن الإمام جعفر بن محمد عن آبائه(عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أنا عند الميزان يوم القيامة فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتى أثقل بها حسناته»(1).

والفائدة الأخرى: هي ما قاله أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إن حبّنا أهل البيت ليحط الذنوب عن العباد كما تحط الريح الشديدة الورق عن الشجر»(2)، ومازالت تلك المجالس تزيد من حبّنا لهم، إذن لا بد من المحافظة والحرص الشديد على إقامتها وإن هذه المجالس لو حضرها أهل الدار ومن يجاورهم وكان عدد الحاضرين خمسة أو عشرة وصعد الخطيب المنبر وتحدث لهم عن الأخلاق أو التفسير أو عن التاريخ الاسلامي أو عن الأحكام والواجبات والمحرمات فإنكم ستستفيدون ويستفيد أبناؤكم ذكوراً وإناثاً.

فالمرأة لها حقوق كثيرة في دين الإسلام، أ لم يكن النساء يأتين لمسجد الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأداء فريضة الصلاة وإن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حينما كان يخرج للحرب كان يأخذ معه النساء، فإذا لم يحضر النساء فمن أين يتعلمن الأحكام الشرعية.

إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يستثن النساء من التكليف، وإنما جعل التكليف على الرجال والنساء، وقد جاء في القرآن الكريم: {مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ...}(3).

وهنا لا بد لنا من توصية لنسائنا المؤمنات بالالتزام الكامل لأوامر الشريعة السمحاء واحترامها ومراعاة توصيات أهل البيت(عليه السلام) في مسألة غض البصر وترك


1) ثواب الأعمال: 155.

2) قرب الإسناد: 39.

3) سورة النحل، الآية: 97.

الزينة في الأماكن العامة، لاسيما زيارة الأئمة وأولادهم(عليهم السلام)، ومراعاة الحجابالاسلامي الكامل. وعدم التهاون في الصلاة، وبالأخص إذا أقيمت صلاة جماعة وعقد محافل القرآن ومجالس التعزية. وأن لا تكون مجالس النساء عبارة عن اجتماع للتحدث في الأمور الدنيوية والقضايا التي لا نفع من ورائها، بل يجب أن تكون نساؤنا متأسيات بالحوراء زينب(عليها السلام) كيف كانت في نفس الوقت إنسانة عالمة وفاضلة وشجاعة وعابدة ومجاهدة؟ هكذا يجب أن تكون المرأة الشيعية تنطلق من العفاف إلى العلم والعبادة وطاعة المولى وتعظيم الشعائر بشكل صحيح غير مناف للأحكام.

معرفة المعصوم(عليه السلام)

الموضوع الثالث: إن علينا معرفة الإمام المعصوم(عليه السلام) فالإمام له قدرة غير محدودة في المعرفة. جاء عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) يقول: «أني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون» قال: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: «علمت ذلك من كتاب اللّه عزّ وجلّ، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: {فيه تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَيْءٖ}»(1)(2).

فقدرة الإنسان العادي ما هي إلّا وعاء ماء مقابل قدرة الإمام التي هي أشبه بسعة البحر الهادر.

هؤلاء الأئمة(عليهم السلام) ليسوا خلقاً عادياً بل هم أوتاد الأرض وأركان الكون وعماد الدين. عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: «فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه


1) إشارة إلى سورة النحل، الآية: 89 {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَيْءٖ}.

2) الكافي 1: 261.

اختياره هيهات هيهات ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وخسأت العيونوتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء...»(1)ولذا فإن اللّه أبقاهم مناراً للبشر رغم مرور أكثر من (1400) عام على دعوتهم والرسالة التي حملوها، بل لو قدر اللّه أن تبقى الأرض ومن فيها أربعين مليار سنة لأبقاهم اللّه رغم طمع الأعداء في تهديم قبورهم وإزالتها لأنهم ملجأ المؤمنين وقبلة المخلصين كما في قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٖ}(2).

أي أن الذي عندكم في الحياة الدنيا من الماديات ينفذ لأنها قائمة على أساس التبدل والتحول. وما عند اللّه سبحانه مما يعد المتقين باقٍ لا يزول، ولما كانوا الأئمة يمثلون إرادة اللّه ولما كانوا أقرب الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ فهم يستمدون كل شيء من اللّه، واللّه جعل مصدر فيوضاته هم محمد وآل محمد، فلذلك لا ينفذ ما عندهم.

إلى الهيئات عامة

وعلى الهيئات كافة بالإضافة إلى ما تقدم من الوصايا الأربع أن تعمل على:

أولاً: أن تضع برامجاً تؤكد وتعمق من خلالها حب أهل البيت(عليهم السلام) في قلب كل فرد، وهذا الحب يجب أن يكون عن وعي وفهم فأنّ الحب الساذج (اللاوعي)، لعله يتصدع في المواقف الحرجة. إن صياغة الحب وترسيخه في القلوب يقع على عاتق الهيئات الحسينية بما تقيمه من مجالس، وإحياء المراسم الإسلامية ودعوة الخطباء وغيرها من الأمور التي تحيي القلوب وتقلل من انشداد الإنسان بالدنيا، بل تدعوه إلى العروج بالروح عالياً مع فكر أهل البيت(عليهم السلام).


1) الكافي 1: 201.

2) سورة النحل، الآية: 96.

ثانياً: لا بد من الاهتمام بالقرآن الكريم وإقامة المحافل لقراءة القرآن وتعليمهوحفظه وخاصة الأطفال لأنهم قوة الإسلام في المستقبل وكذلك الشباب والنساء، فعلى الجميع أن ينهل من هذا المنهل العذب وإنشاء أحكامه وتعاليمه في المجتمع.

ثالثاً: لا بد من إقامة مجالس تذكر بعض الأحكام الشرعية وتعليمها الناس وتدريس بعض الأمور العقائدية المهمة التي تجب على كل أحد معرفتها، من قبيل أصول الإسلام وفروعه، وأصول المذهب وفروعه، وتأريخ المذهب وحياة الأئمة وتصديهم الخالد للطواغيت والمسائل الفقهية المبتلى فيها معظم الناس.

رابعاً: لتكن مراكز الهيئات ملتقى للأخوة، ومكان للتآخي والتحابب والصدق وذكر اللّه، والإخلاص في جميع علاقاتنا مع الأصدقاء، مع الناس، مع الأسرة، مع الأولاد، وفي الدرجة الأولى علاقتنا مع اللّه عزّ وجلّ ثم علاقتنا مع الأئمة الأطهار(عليهم السلام) ثم مع شيعتهم ومحبيهم.

اللّهم صل على محمد وآل محمد، «اللّهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع»(1)، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من هدي القرآن الحكيم

اشارة

وصايا إلى الهيئات الحسينية، ينبغي القيام بها

1- تعريف الإسلام للناس أكثر وأكثر

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ...}(2).


1) المصباح للكفعمي: 299.

2) سورة فصلت، الآية: 33.

2- إقامة مجالس الوعظ والإرشاد

قال سبحانه: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ...}(1).

3- إقامة مجالس التفقّه في الدين

قال عزّ وجلّ: {... فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٖ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(2).

4­- الاهتمام بالأعمال الخيرية

قال جلّ شأنه: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ...}(3).

5- لزوم اتباع الأئمة المعصومين(عليهم السلام)

قال عزّ اسمه: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(4).

وقال جلّ وعلا: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ}(5).

وقال عزّ من قائل: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّٰدِقِينَ}(6).

ضرورة إقامة المجالس الحسينية دائماً

قال جلّ ثناؤه: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}(7).


1) سورة النحل، الآية: 125.

2) سورة التوبة، الآية: 122.

3) سورة المائدة، الآية: 2.

4) سورة النساء، الآية: 59.

5) سورة المائدة، الآية: 55.

6) سورة التوبة، الآية: 119.

7) سورة الحج، الآية: 32.

وقال تعالى: {... أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ...}(1).

الاهتمام كثيراً بتعليم القرآن الكريم

قال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ...}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(3).

وقال جلّ شأنه: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَاْ الْقُرْءَانَ ...}(4).

وقال عزّ اسمه: {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَٰبِ}(5).

من هدي السنّة المطهّرة

اشارة

وصايا إلى الهيئات الحسينية

1- ينبغي نشر حب أهل البيت(عليهم السلام)

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب وعند الميزان، وعند الصراط»(6).

2- ينبغي الاهتمام بالقرآن وتعليمه

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خياركم من تعلم القرآن وعلّمه»(7).


1) سورة الشورى، الآية: 13.

2) سورة النساء، الآية: 82.

3) سورة الأنعام، الآية: 155.

4) سورة النمل، الآية: 91-92.

5) سورة ص، الآية: 29.

6) الأمالي للشيخ الصدوق: 10.

7) الأمالي للشيخ الطوسي: 357.

3- ينبغي إقامة مجالس التفقه في الدين

قال الإمام الكاظم(عليه السلام): «تفقهوا في الدين فان الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادةوالسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقّه في دينه لم يرض اللّه له عملاً»(1).

لزوم معرفة الإمام المعصوم

قال الإمام الصادق(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}(2)فقال: «طاعة اللّه ومعرفة الإمام»(3).

وعن أحدهما(عليهما السلام) أنه قال:

«لا يكون العبد مؤمناً حتى يعرف اللّه ورسوله والأئمة كلّهم وإمام زمانه ويرد إليه ويسلم له» ثم قال: «كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأول؟»(4).

وقال الإمام الكاظم(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ}(5)قال: من أتخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمة الهدى(6).

وفي ما كتب الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون من شرائع الدين: «من مات ولم يعرفهم - الأئمة(عليهم السلام) - مات ميتة جاهلية»(7).


1) تحف العقول: 410.

2) سورة البقرة، الآية: 269.

3) الكافي 1: 185.

4) الكافي 1: 180.

5) سورة القصص، الآية: 50.

6) الكافي 1: 374.

7) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 122.

ضرورة إقامة المجالس دائماً

قال الإمام الصادق(عليه السلام) لأبي عمارة المنشد:«يا أبا عمارة أنشدني في الحسين بن علي(عليهما السلام)». قال: فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى. قال: فواللّه مازلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار(1).

أخبر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن؛ بكت فاطمة بكاءً شديداً... وقالت: «يا أبت فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟

فقال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): يا فاطمة إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل، في كل سنة...»(2).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام):

«من تذكر مصابنا وبكى لما ارتُكِب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكى العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب...»(3).

فضائل زيارة قبور المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام)

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من زارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي، وكنت له شهيداً وشافعاً يوم القيامة»(4).

وقال الإمام الحسن(عليه السلام) لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «يا أبت ما جزاء من زارك؟ فقال: من زارني أو زار أباك أو زارك أو زار أخاك كان حقاً عليّ أن أزوره يوم القيامة حتى


1) الأمالي للشيخ الصدوق: 141.

2) بحار الأنوار 44: 292.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 73.

4) كامل الزيارات: 13.

أخلّصه من ذنوبه»(1).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من أتى قبر الحسين(عليه السلام) عارفاً بحقه كتبه اللّه في أعلى علّييّن»(2).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام) في كتاب له إلى البزنطي - أحد أصحابه - : «أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند اللّه عزّ وجلّ ألف حجة» قال - البزنطي - : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألف حجة؟ قال(عليه السلام): «إي واللّه وألف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه»(3).


1) الأمالي للشيخ الصدوق: 59.

2) كامل الزيارات: 147.

3) الأمالي للشيخ الصدوق: 64.

وصولاً إلى حكومة إسلامية واحدة

الحكومة الإسلامية الواحدة

قال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(1).

يُستفاد من هذه الآية الكريمة ضرورة أن تكون الحكومة الإسلامية حكومةً واحدةً تعمّ جميع المسلمين وبلادهم، أما الدويلات الصغيرة فهو على خلاف القانون الإسلامي، فإن هذه الآية جعلت المسلمين بجميع أصنافهم أمةً واحدة.

وهكذا كانت الحكومة الإسلامية واحدة في عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

لكن الطغاة والمستعمرين فرّقوا الأمة الواحدة، وجعلوا الدولة الواحدة عدة دول ضعيفة، كما في الآية اللاحقة: {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}(2)، أي: فرقوا في ما بينهم.

وهل انتهى الأمر عند ذلك، فلا حساب ولا جزاء لما اقترفوه، من تقطيع الأمة الواحدة إلى ألوان وأشكال وأمم؟

كلا! {كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ} فنجازيهم بما فعلوا من التقطيع والتفرقة، ومعنى الرجوع إلى اللّه سبحانه الرجوع إلى حسابه وجزائه، تشبيه بمن يرجع إلى


1) سورة الأنبياء، الآية: 92.

2) سورة الأنبياء، الآية: 93.

المحكمة بعد الذهاب عنها(1).

وفي مجمع البيان: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}(2)أي: هذا دينكم دين واحد.. وأصل (الأمة) الجماعة التي على مقصد واحد، فجُعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماعهم بها على مقصد واحد، وقيل: معناه جماعة واحدة في أنها مخلوقة مملوكة للّه تعالى، أي: لا تكونوا إلّا على دين واحد، وقيل: معناه هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء(عليهم السلام) فريقكم الذي يلزمكم الاقتداء بهم في حال اجتماعهم على الحق، كما يقال: هؤلاء أمتنا، أي: فريقنا وموافقونا على مذهبنا {وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ} الذي خلقكم {فَاعْبُدُونِ} ولا تشركوا بي شيئاً(3).

وورد في تفسير وتأويل الآية الشريفة عن أهل البيت(عليهم السلام) معاني عديدة، فعن الإمام الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}(4)، قال: «آل محمد(عليهم السلام)»(5).

وقالت الصديقة الطاهرة(عليها السلام): «وإمامتنا أماناً للفرقة»(6).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «وليردعكم الإسلام ووقاره، عن التباغي والتهاوي، ولتجتمع كلمتكم، والزموا دين اللّه الذي لايقبل من أحد غيره»(7).

وقال(عليه السلام): «اجتنبوا الفرقة»(8).


1) تفسير تقريب القرآن 3: 569.

2) سورة الأنبياء، الآية: 92.

3) تفسير مجمع البيان 7: 111.

4) سورة الأنبياء، الآية: 92.

5) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 4: 130.

6) الاحتجاج 1: 99.

7) بحار الأنوار 34: 36.

8) غرر الحكم ودرر الكلم: 150.

ما هو الطريق للحكومة الواحدة؟

اشارة

يدور البحث في هذا الكتاب حول الطريق إلى تأسيس الحكومة الإسلامية الواحدة؛ إذ أن من الواجب علينا أن نعيد الحكومة الإسلامية الواحدة التي أسسها وأرسى دعائمها الرسولُ الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فقد ذكر المؤرخون أن النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) استطاع وفي فترة قصيرة أن يوحّد بين حكومات الجزيرة العربية وأطرافها، فجعل الدولة الإسلامية دولة واحدة تضم جميع المسلمين وبلادهم.

وهكذا سار عدد من الحكام بعد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على هذا المسير نفسه، فكانت الدولة الإسلامية في الصدر الأول، وبالخصوص في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) حكومة واحدة. وقد كان تحت نفوذ حكومة الإمام(عليه السلام) أكثر من خمسين دولة حسب خريطة دول اليوم.

أما هذه الحدود الجغرافية الموجودة بين الدول الإسلامية فهي مصطنعة أوجدها الاستعمار شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت اليوم سداً منيعاً تفصل بلاد المسلمين بعضها عن البعض الآخر، وجعلت الأمة الإسلامية متفرقة متشتّة؛ فترى الإنسان المسلم لا يستطيع الانتقال بين بلده الإسلامي وبلاد الإسلام الأخرى إلّا بشق الأنفس، وأحياناً قد يعرّض حياته للمخاطر والمهالك من أجل الوصول إلى دولة أخرى يرغب العيش فيها(1)، وإذا وصلها فإنه يعتبر أجنبياً!! وهذا خلاف لقوله تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(2).


1) وما أكثر مصاديق هذا الكلام في الواقع الذي يعيشه المسلمون في بلاد الإسلام، حتى صار البلد المسيحي، أو الكافر يستقبل المسلم المهاجر أو اللاجيء، ويكفل له بعض الحقوق الانسانية التي لايجدها المسلم حتى في وطنه الأصلي، في الوقت الذي يطارد ويعاقب ويسجن المسلم الذي ينتقل من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر؛ مما أدى إلى خيبة كبيرة لدى الشعوب المسلمة.

2) سورة الأنبياء، الآية: 92.

إذن، من الضروري أن تتظافر الجهود لأجل إسقاط هذه الحدود المصطنعة وهذه القوانين الجائرة التي تفرق المسلمين بعضهم عن البعض الآخر، في سبيل توحيد البلاد الإسلامية كما كانت بالأمس في عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فتكون دولة واحدة قوية تشمل الأمة الإسلامية بأجمعها من مختلف قومياتها وأعراقها وألسنتها ومذاهبها.

إنه ليس بمستحيل

وليست الحكومة الواحدة أمراً مستغرباً أو مستحيلاً، ولكن العجب والمستغرب أن البعض هكذا يفكر!

فاليوم كم من دولةٍ كبيرة كانت سابقاً عدة دول مبعثرة فاجتمعت واتحدت، وكم من دول تسعى اليوم للتتحد في دولة واحدة قوية، فتخطط وتبرمج حتى لتوحيد عُملتها، كما يُرى ذلك في دول أوروبا وغيرها.

أذكر قبل أكثر من ثلاثين سنة كان لنا بعض الدروس في المدرسة العلمية الهندية(1)بكربلاء المقدسة، وكان أحد الطلبة يريد الذهاب إلى الحج، فودعته وقلت له: أسألك الدعاء، وحينما تصل يدك إلى أستار الكعبة، ليكن دعاؤك أن ينصر اللّه المسلمين ويسهل عليهم قيام حكومة إسلامية واحدة، فضحك الطالب وباستغراب قال لي: سيدنا أنت إلى الآن تبقى تحمل أفكار قديمة وخيالية!

نعم، كان يتصور أن هذا العمل مستحيل، بينما نرى أن التجارب في سبيل توحيد الأمم تحت راية واحدة وحكومة واحدة غير نادرة ولا مستحيلة كما يزعم البعض، والشواهد على ذلك عديدة:


1) المدرسة الهندية: من المدارس المشهورة في كربلاء المقدسة.

فقد استطاع ماو(1)- وهو أحد الملحدين - أن يوحد الصين تحت راية الكفر ولو بنسبة، ونفوسها اليوم تزيد على المليار نسمة(2)وهي اليوم دولة واحدة، فأين وجه الغرابة في ذلك؟!

وكذلك استطاع غاندي(3)توحيد الهنود الذين بلغوا على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ونفوسهم في ذلك الوقت مئات الملايين، أما اليوم فهم قرابة المليار، وهي دولة واحدة(4).

فكيف لا يستطيع المسلمون توحيد كيانهم في دولة واحدة، وهم الذين يحملون كل عناصر الوحدة ومقومات الاتحاد من: العقيدة الواحدة والرب الواحد والنبي الواحد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والقرآن الواحد والقبلة الواحدة، وكلها تؤكد على الوحدة والإخاء.

كما يمتلكون أيضاً تجارب عملية سابقة في تأريخهم الحافل، حيث تمتعوا بدولة واحدة في عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وبعده.

دولة المسلمين والنصر الإلهي

إن اللّه سبحانه وتعالى وعد المسلمين بالنصر، فإذا وعت الشعوب وطالبت بالدولة الإسلامية العالمية الواحدة، وتوكلت على اللّه في أهدافها، تحقق ذلك.

يقول تعالى: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(5)قالها للمسلمين، ولم يقلها لغير المسلمين، فأين نحن من ذلك؟!


1) ماو تسي تونغ: رجل دولة صيني وأحد أبرز الوجوه السياسية التي عرفها الصينيون في القرن العشرين.

2) حسب بعض الإحصائيات الأخيرة فإن نفوس الصين تزيد على مليار و 400 مليون نسمة.

3) اسمه: موهانداس كرامشاند، زعيم وفيلسوف هندي.

4) بعض الإحصائيات الأخيرة تشير إلى أن نفوس الهند تجاوزت المليار و 300 مليون نسمة.

5) سورة محمد، الآية: 7.

إننا - وبعون اللّه تعالى - نريد ونطالب ونسعى لتوحيد البلاد الإسلامية، تحت ظل القوانين الإلهية العادلة، حتى تكون بلداً واحداً، فيسير المسلم من بلد إلى آخر دون أن يعترضه أحد، أو يطالب بتأشيرة أو جواز أو دفع رسوم أو ما أشبه، حتى يشعر بأن هذه الأخرى بلده أيضاً، وهو بين أهله وإخوانه، ولا توضع أمامه في جميع البلاد الإسلامية حدود استعمارية، وقوانين جاهلية وضعية أخذناها من الكفار، والكفار بأنفسهم حرروا أنفسهم منها.

وهناك في الشرع الإسلامي مصاديق عديدة تركز على الأمة الواحدة.

وقد خطب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف فقال: «رحم اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، وبلغها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقهٍ وليس بفقيهٍ، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه - إلى أن قال - ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلمٍ: إخلاص العمل للّه، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم؛ فإن دعوتهم محيطةٌ من ورائهم، والمسلمون إخوةٌ تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، فإذا أمن أحدٌ من المسلمين أحداً من المشركين لم يجب أن تخفر ذمته»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا أومأ أحدٌ من المسلمين، أو أشار بالأمان إلى أحدٍ من المشركين، فنزل على ذلك فهو في أمان»(2).

وعن السكوني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: ما معنى قول النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «يسعى بذمتهم أدناهم؟». قال: «لو أن جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين، فأشرف رجلٌ فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره، فأعطاه أدناهم الأمان، وجب على أفضلهم الوفاء به»(3).


1) مستدرك الوسائل 11: 45.

2) مستدرك الوسائل 11: 45.

3) الكافي 5: 30.

وعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «أن علياً(عليه السلام) أجاز أمان عبدٍ مملوكٍ لأهل حصنٍ من الحصون؛ وقال: هو من المؤمنين»(1).

فالمسلمون كلهم أمة واحدة في منطق القرآن والإسلام، حيث قال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة:

«يا أيها الناس، إن اللّه قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها، إن العربية ليست بأب ووالدة، وإنما هو لسان ناطق، فمن تكلم به فهو عربي، ألّا إنكم من آدم، وآدم من تراب، وأكرمكم عند اللّه أتقاكم»(2).

وفي حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «كان سلمان(رحمه اللّه) جالساً مع نفر من قريش في المسجد، فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت، ومن أبوك، وما أصلك؟

فقال: أنا سلمان بن عبد اللّه، كنت ضالاً فهداني اللّه عزّ وجلّ بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وكنت عائلاً فأغناني اللّه بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وكنت مملوكاً فاعتقني اللّه بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) هذا نسبي، وهذا حسبي.

قال: فخرج رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسلمان (رضي اللّه عنه) يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول اللّه، ما لقيت من هؤلاء؛ جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إليّ قال عمر بن الخطاب: من أنت، وما أصلك، وما حسبك؟

فقال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فما قلت له يا سلمان؟

قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد اللّه، كنت ضالاً فهداني اللّه عزّ ذكره بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وكنت عائلاً فأغناني اللّه عزّ ذكره بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وكنت مملوكاً


1) الكافي 5: 31.

2) تفسير القمي 2: 322.

فاعتقني اللّه عزّ ذكره بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) هذا نسبي، وهذا حسبي.

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): يا معشر قريش، إن حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، وقال اللّه عزّ وجلّ: {إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ}(1).

ثم قال النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لسلمان: ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلّا بتقوى اللّه عزّ وجلّ، وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل»(2).

فأين مكان القوميات والأعراق والألسن والقبليات والألوان في الإسلام؟

إن البلاد الإسلامية في نظر الإسلام كلها بلد واحد، وقانون واحد، وأمة واحدة، بلغاتهم المختلفة وقومياتهم المختلفة، وألوانهم المختلفة يعبدون إلهاً واحداً ويتبعون نبياً واحداً وقرآناً واحداً.

ولذا فإن التفريق بين المسلمين وجعل الدولة الإسلامية عدة دول متفرقة يعتبر من أشد المحرمات في الإسلام؛ إذ يكون تشتيتاً للأمة الواحدة، وتضعيفاً للشعب الإسلامي، وتسهيلاً لسيطرة الكفّار على بلاد الإسلام وعلى نفوس المسلمين وثرواتهم، سواء كان ذلك تفريقاً بالقوميات أو تفريقاً بالأراضي أم تفريقاً بالجنسيات، وكل ذلك مرفوض في الإسلام رفضاً شديداً.

مقومات الحكومة الواحدة

اشارة

قد ذكرنا في بعض كتبنا(3)العديد من مقومات توحيد المسلمين، وتشكيل حكومة عالمية واحدة، منها:


1) سورة الحجرات، الآية: 13.

2) الكافي 8: 181.

3) انظر: (الصياغة الجديدة لعالم الايمان والحرية) و(طريق النجاة) و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير) و(إلى حكومة إلف مليون مسلم) و(الفقه: الحكومة العالمية الواحدة) وغيرها.

1- العمل الجاد لتوحيد ما يمكن من البلاد الإسلامية، برفع الحدود بينها وإتاحة الفرصة للشعبين بالسفر والإقامة والعمل وسائر الحريات من دون حاجة إلى جواز أو تأشيرة أو ما أشبه.

لتكون هذه بمثابة القدوة والنموذج من أجل توحيد كل البلاد الإسلامية، فإذا توحدت بلدان المسلمين وتقدموا وتطوروا كان ذلك أفضل دعوة عملية للعالم كله لقبول الإسلام والانضمام تحت لوائه العادل واتخاذه نظاماً شاملاً للحياة.

2- كما يلزم لتشكيل الحكومة الواحدة اتخاذ الحذر التام لكي لا يوجه أي عدو ضربته للإسلام والمسلمين، ولا يعمل على إزالة الحكومة عن مسرح الحياة، وهذا لا يكون إلّا بعد قوة المسلمين في جميع المجالات، وبعد أن يقتنع الغرب وغيره بأن الإسلام لا يشكل خطراً على مصالحه، كما أن الدولة الإسلامية التي شكلها رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لم تشكل خطراً على مصالح المشركين، بل الإسلام بقي يحافظ على مصالح أهل مكة وسائر المشركين.

إن الإسلام ليس عدواً للغرب، بل الإسلام دين الحوار والتفاهم وحفظ المصالح ورعاية المعاهدات الدولية.

3- أما المقوم الثالث في إقامة حكومة إسلامية واحدة عالمية، فهو الاعتماد على النفس والاكتفاء الذاتي من خلال توظيف كل القدرات والإمكانات وتوحيدها لتسير باتجاه خدمة الإسلام.

ولا يصح أن يتصور البعض أنه غير قادر على ذلك، بل كلنا يقدر على اتخاذ خطوات في سبيل تشكيل الحكومة الواحدة.

كما لا يصح من قائل أن يقول: ليقم بهذا العمل فلان دون الآخرين، أو ليقم بهذه المهمة غيري... فإنها مسؤولية الجميع.

فهل تتصورون أن زعماء الكفر يديرون أمورهم في بلادهم وحتى مخططاتهم

في بلادنا، أوحاداً منفردين؟!

أبداً، فإن هذا التصور غير صحيح، فإن أغلب الأمريكيين - مثلاً - عملوا مع زعمائهم ورؤسائهم الذين جاءوا إلى دفة الحكم، وأوصلوا أمريكا إلى ما هي عليه اليوم من التطور والتقدم التقني والصناعي وما أشبه. وكذلك في سيطرتهم على العالم.

وإن أغلب اليهود أيضاً عملوا يداً واحدة وأوجدوا الصهيونية وتمكنوا من السيطرة على بلاد المسلمين وغصبها.

قال الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو المسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»(1).

إذن كلنا مسؤولون عن تشكيل الحكومة الواحدة العالمية الإسلامية، ولكل منا تأثيره في هذا المجال، ولا يجوز التخلي عن هذه المسؤولية.

رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقادة الدول

تحمل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أكبر المسؤولية في هذا الصدد، حتى وصفه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) طبيب دوار بطبه.

قال الإمام(عليه السلام): «طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه(2)، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متتبع


1) عوالي اللئالي 1: 129.

2) مَوَاسمه - جمع مِيسم - : وهو المكواة.

بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة»(1).

لذا على كل مسلم أن يتأسى برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وويعمل وفق قدرته من أجل تحقيق الهدف.

وعلينا أن ندور بفكرتنا هذه، ونذهب إلى كل مكان في البلدان الإسلامية وفي غيرها وننشرها وندعو لتحققها.

وليس من الضروري أن يرسلكم أحد، بل اذهبوا أنتم معتمدين على اللّه وعلى أنفسكم.

ثم إن تحقق الحكومة الواحدة الإسلامية لا يكون بوعي المسلمين فقط، بل يلزم أن يعرف العالَم بأجمعه ما نريده، وأنه هذه الحكومة الواحدة لا تضر أحداً، بل تخدم البشرية جمعاء، وتكون خير مثال لفكرة اتحاد جميع حكومات العالم في دولة عالمية موحدة(2).

لأن الاقتصار على تثقيف المسلمين المتواجدين في بلاد الإسلام فقط يؤدي إلى تحجيم الحركة الإسلامية وعدم توسعها، ومن هنا فإن من الضروري نشر الوعي الإسلامي الصحيح حتى في البلاد الأجنبية أيضاً، وهذا ما فعله سيد البشرية الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في دعوته رؤساء الدنيا والملوك إلى الإسلام لنشر معالم الإسلام في الأرض.

فمن رسائله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما كتبه إلى ملك الفرس وجاء فيها: «من محمد رسول اللّه إلى كسرى بن هرمز، أما بعد فأسلم تسلم، وإلّا فأذن بحرب من اللّه ورسوله، والسلام على من اتبع الهدى»(3).


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 108 من خطبة له(عليه السلام) وهي من خطب الملاحم.

2) انظر كتاب (الفقه: المستقبل) للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

3) مناقب آل أبي طالب(عليهم السلام) 1: 79.

ورسالته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى ملك الروم التي جاء فيها:

«بسمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول اللّه عبده ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، وسلام عَلى مَن اتَّبَعَ الهُدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، أسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسين {قُلْ يَٰأَهْلَ الْكِتَٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَاءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَئًْا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}»(1)(2).

ورسالته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى النجاشي الأول وجاء فيها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى النجاشي ملك الحبشة، إني أحمد إليك اللّه الملك القدوس السلام المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح اللّه {وكلمته ألقاها إلى مريم} البتول الطيبة، فحملت بعيسى، وإني أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، فإن تبعتني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول اللّه، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين {والسلام على من اتبع الهدى}»(3).

ورسالته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى ملك الإسكندرية وجاء فيها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد اللّه إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من أتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط و{قُلْ يَٰأَهْلَ الْكِتَٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَاءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَئًْا وَلَا يَتَّخِذَ


1) سورة آل عمران، الآية: 64.

2) بحار الأنوار 20: 386.

3) بحار الأنوار 20: 392.

بَعْضُنَا بَعْضًاأَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}»(1)(2).

ورسالته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى ملك البحرين المنذر بن ساوى، جاء فيها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو، وأشهد أن لا إله إلّا هو، أما بعد: فإني أدعوك إلى الإسلام، فأسم تسلم، وأسلم يجعل لك اللّه ما تحت يديك، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر»(3).

وكتب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى أهل عمان:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى أهل عمان، سلام عليكم، أما بعد، فأقروا بشهادة أن لا إله إلّا اللّه، وأني رسول اللّه، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد كذا وكذا»(4).

وكتب(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى هوذة بن علي ملك اليمامة:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه، إلى هوذة بن علي، سلام على من أتبع الهدى، وأعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك»(5).

ورسائله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى غير هؤلاء من الملوك ورؤساء القبائل آنذاك وقد أسلم جمع غفير منهم ومن شعوبهم.

فنحن أيضاً ينبغي لنا أن نعمل على نشر الثقافة الإسلامية في أوساط غير


1) سورة آل عمران، الآية: 64.

2) مكاتيب الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) 2: 416.

3) مكاتيب الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) 2: 354.

4) مكاتيب الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) 2: 339.

5) مكاتيب الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) 2: 343.

المسلمين فإنه يكون سبباً لدخولهم في الإسلام، كما علينا أن نعمل من أجل إرشاد المسلمين وتوعيتهم حتى تكون للإسلام والمسلمين دولة عالمية واحدة قوية.

نواة دولة الإسلام

اشارة

إن السعي لإعادة الدولة الإسلامية الواحدة التي أرسى دعائمها الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام) واستمر في نشر ثقافتها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يتطلب - بالإضافة إلى ما سبق - مقدمات عدة، نذكر أهمها:

أولاً: التنظيمات

يلزم إيجاد تنظيم في بلاد المسلمين وبلاد غيرهم حتى لو كان على شكل لجان وهيئات، تتكون من خمسة أفراد أو أكثر، ليجري العمل على تربيتهم وتعليمهم علوم الإسلام وأحكامه والمسائل المعاصرة الأخرى، حتى تصبح تلك النخبة هي نواة للحكومة الإسلامية الواحدة التي تنمو شيئاً فشيئاً بعون اللّه تعالى.

قبل أربعين سنة تقريباً(1)دخل العراق ضابط روسي متخفياً، واتصل بشخص مسيحي(2)فلقنه مبادئ الشيوعية، وكان الأخير يعمل خياطاً، وبعد أن صار شيوعياً قام بتنظيم شخص آخر من المسلمين(3)، وقد سعى نوري السعيد(4)

كثيراً للقبض عليه وإعدامه، لكنه لم يتمكن من ذلك إلّا أواخر أيام حكمه، وفي الوقت


1) حسب تأريخ التأليف.

2) يسمى: فهد.

3) يدعى سلام عادل.

4) نوري سعيد صالح السعيد، (1888م-1958م) أصبح رئيساً للوزراء بين عام (1930-1958م) لأربع عشرة دورة.

الذي وصل فيه عدد الشيوعيين في العراق إلى حوالي (500) شخص.

وهكذا بدأت الشيوعية في العراق، حتى كثر عددهم وقاموا بعد ذلك بالنزول إلى الشوارع، وأخذوا يكتبون الشعارات ويرفعون اللافتات الداعية للشيوعية الباطلة(1)وبعد عمل دام خمسة عشر عاماً استطاع الشيوعيون أن ينظموا الناس ويخرجوهم إلى الشوارع بتظاهرات منظمة، كما أنهم قاموا بحملة إعلامية كبيرة غرّروا من خلالها بالعديد من العراقيين وجروهم للشيوعية.

إذن، لماذا لا نتمكن نحن من القيام بعمل مشابه في سبيل الخير والحق والفضيلة، ومن أجل إيجاد نواة الدولة الإسلامية بين الشعوب التي تشهد اندفاعاً نحو الإسلام ومبادئه الحقة، سواء في البلاد الإسلامية أم غيرها، حيث إن أعداد المسلمين في البلاد الأجنبية هائلة، ففي الهند وحدها يوجد مائة وخمسون مليون مسلم.

وفي فرنسا ما يزيد على خمسة ملايين مسلم.

وفي ألمانيا أكثر من هذا الرقم.

وفي الصين أكثر من مائة مليون مسلم.

وفي ميانمار أو بورما يبلغ عدد المسلمين ثمانية ملايين، ويعيشون في ظروف سيئة جداً.

وفي اليابان عدد المسلمين خمسمائة ألف تقريباً.

وفي الاتحاد السوفيتي يزيد عددهم على سبعين مليون مسلم منهم عشرون مليون في روسيا وحدها، ونحو مليون مسلم يعيشون في العاصمة موسكو.


1) ومن تلك الشعارات التي رددوها: (وصّانه فهد للموت، دولتنا اشتراكية) ولا يخفى أن حملتهم الدعائية تلك كانت بتنسيق مع الاستعمار والشيوعية العالمية.

وفي بلغاريا يقدر عدد المسلمين بما يقرب من ثلاثة ملايين.

وفي أمريكا يقدر عددهم بعشرة ملايين مسلم، نصفهم من المسلمين السود.

وفي بريطانيا ما يقارب المليون وربما أكثر.

وفي السويد ما يقارب ثلاثمائة ألف مسلم.

وفي استراليا ما يقرب مليون مسلم.

وفي البرازيل ما يزيد على مليوني مسلم حسب دراسة أحد المراكز الإسلامية هناك.

وفي السنغال يقدر عدد المسلمين بما يزيد على عشرة ملايين مسلم(1).

إلى غيرها وغيرها.

ومن اللازم التواصل مع هؤلاء المسلمين عبر مختلف الوسائل الحديثة لإيصال صوت الإسلام إليهم وإعطائهم فكرة الحكومة الواحدة الإسلامية، فيمكن الاتصال بهم من خلال وسائل الإتصالات والمحطات الإذاعية والتلفازية، ومن خلال شبكة الإنترنت، بأن تكون هناك مواقع مخصصة لهذا الغرض بكل اللغات، وكذا عبر المجلات والجرائد والصحف والكتب والكراريس وبكثافة كبيرة، فإن نشر الكتب التي تبيّن لهم ماهية الإسلام وأهدافه الإنسانية من شأنها الوقوف أمام التيارات المعادية وهذا بدوره يكون نواة محركة لتلك الحكومة الإسلامية العالمية الموحدة.

الوعد الإلهي

وقد وعدنا اللّه سبحانه بالنصر، ولكن بشرط أن يكون عملنا خالصاً لوجهه الكريم ووفقا لموازين الحياة والتقدم، قال عزّ وجلّ: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ


1) هذه الإحصائيات بحسب مصادرها المختلفة، وربما تكون هناك أحصاءات أدق وحديثة فليراجع.

أَقْدَامَكُمْ}(1).

سؤال لا بد منه

فلماذا يصدّق التابعون للدول الأجنبية الوعود التي أعطيت لهم، ويقبلون كلام كبارهم(2)حينما وعدوهم بتوحيد عمال العالم، عن طريق توحيد سكان العالم، وإقامة دولة شيوعية حيث قال لهم: يا عمّال العالم اتحدوا؟!

أما نحن المسلمون، فقد نسينا وعود اللّه لنا، وأصبحنا لا نثق بقدرتنا على إيجاد الأمة الإسلامية الواحدة، مع أننا نؤمن باللّه ونصلي له ونصوم ونذهب إلى المساجد ونقرأ القرآن والكتب الإسلامية، وبالرغم من أن دعوة الناس إلى اللّه وإلى الالتزام بالإسلام هي من واجبات كل مسلم!

فهل أن اللّه سبحانه - والعياذ باللّه وحاشا للّه - يخلف الوعد والميعاد؟! أم لأن بعضنا أصيب بالفشل واليأس والابتعاد عن اللّه العظيم فأصبح لا يصدق بوعوده؟

نسأل اللّه أن يوفقنا جميعاً للعمل بتعاليم القرآن الكريم وتوجيهات النبي العظيم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)والأئمة الطاهرين(عليهم السلام) وأن يعيننا على المشاركة في إقامة الحكومة الإسلامية العالمية الواحدة،كما كانت في عهد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام)(3)وسيكون ذلك في المستقبل، وسوف لا يطول إن شاء اللّه، خصوصاً إذا عملنا بإخلاص، فإننا كلّما عملنا أكثر سنصل الهدف بمدة أقصر.

وعلينا أن نعمل بشكل جاد ومركّز في كل مكان مناسب في البلدان


1) سورة محمد، الآية: 7.

2) وهو كارل ماركس (1818- 1883م): فيلسوف اشتراكي ألماني.

3) للاستزادة في هذا المجال ينظر كتاب: (أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة)، و(حكومة الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام))، و(الحكومة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين(عليه السلام)) و... للامام الشيرازي(رحمه اللّه).

الإسلامية، بل حتى في غيرها من الدول الغربية، وننشئ فيها المنظمات السلمية البعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب، لنتمكن من الوصول إلى الحكومة العالمية الواحدة، وهذا العمل ليس بالأمر المستحيل.

وفي الحديث المروي عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) دلالة على ضرورة أن تكون الحكومة الإسلامية واحدة قوية تجمع كل المسلمين وجميع بلادهم. قال(عليه السلام): «... والزموا السواد الأعظم؛ فإن يد اللّه مع الجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب»(1).

واليوم عند ما تفرقنا وأصبحنا عشرات الدول الضعيفة أكلتنا الذئاب والمستعمرون.

مرحلة البناء

إن حوزاتنا العلمية المباركة التي تعتبر من أفضل منابر الإسلام ومنائره، تشكلت وبقيت أمد الدهر بفضل جهود المخلصين من أبناء الإسلام وبركات العلماء في بغداد، والنجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، والحلة، وأصفهان وغيرها...

وأخيراً في مدينة قم المشرفة، وقبل عدة عقود قام العلماء الصالحون بتأسيس هذه الحوزة المباركة، ولربما كان عدد طلابها لم يصل إلى ألف طالب، ولكن انضم إليها الآخرون شيئاً فشيئاً، حتى صارت كما نراها اليوم بهذه العظمة، وبهذا الصيت.

نقل لي العلامة الشيخ مرتضى نجل المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري(رحمه اللّه)(2)مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، أن والده لم يكن يمتلك


1) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 127 من كلام له(عليه السلام) يبين فيه بعض أحكام الدين...

2) هو الشيخ عبد الكريم اليزدي الحائري القمي مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة.

حتى الكتب التي كانت ضرورية له للتدريس والدراسة، مع أنه كان زعيم الحوزة، ومحور الدراسات فيها آنذاك، لكن مع هذا سارت الحوزة العلمية وتطورت يوماً بعد يوم، وذلك لإخلاص العاملين وجهودهم.

إذن، عندما تتوحد الإمكانات وتتظافر الجهود سوف تتحقق الحكومة الإسلامية الموحدة، أما بالنسبة إلى المذاهب، فكل مذهب حر في قوانينه بحسب سكان المنطقة، وقد ذكرت في بعض الكتب أن العمل في هذا المجال يقوم على رأي الأكثرية(1). فكل منطقة تكون الأكثرية فيها من أهل السنة يكون القانون هو رأي مذهب أهل السنة مع مراعاة حقوق الشيعة الذين يعيشون إلى جانبهم، وكل منطقة تكون فيها الأكثرية من الشيعة يكون القانون هناك على ضوء آراء المذهب الشيعي مع مراعاة حقوق السنة أيضاً.

وهذا حق مشروع من حقوق الأكثرية ولها المطالبة بذلك.

وهذه القاعدة، أي: العمل حسب رأي الأكثرية دلت عليها بعض الأدلة النقلية في بعض الروايات، فضلاً عن كونها أسلوباً عقلائيا يضمن حقوق الناس.

قانون الزواج والطلاق في الهند

ينقل السيد سعيد بن السيد مير حامد صاحب العبقات: إن حكومة الهند أرادت مرة أن تضع قانوناً للزواج والطلاق، فطلبوا حينها من شاه إيران أن يدوّنه لهم، فيقول السيد: إننا كنا من المخالفين لذلك القانون الذي كان يخالف شريعتنا، ونظمنا المظاهرات ضد ذلك الإجراء، فاستدعاني (نهرو)(2)نفسه، وقال لي: ماذا تريدون؟


1) انظر كتاب (الحكم في الإسلام) و(هكذا حكم الإسلام) و(حكم الإسلام، مبادئ قيامه، أهدافه، ماهيته) وغيرها للامام الشيرازي(رحمه اللّه).

2) جواهر لعل نهرو: زعيم سياسي ورئيس وزراء الهند سابقاً.

فقلت له: إن تعداد المسلمين هنا ما يقارب (120) مليون نسمة، ونحن الشيعة نزيد على أربعين مليوناً، وأهل السنة ثمانون مليوناً، ونحن لا نعتقد بالقانون المدني الذي أصدرتموه، فهو بعيد عن الإسلام، وقد كان لنا قانون خاص قبل هذا، فقال نهرو: وأي قانون؟ فوضحت له مفردات القانون الإسلامي حول الزواج والطلاق، وكان أحد كتّابه يجلس إلى جانبه، فأمره بتدوين ما قلت ووعدني حينها أنه سيدرس الموضوع، علماً أن (نهرو) لم يكن مؤمنا باللّه العظيم لأنه كان من الهندوس، وبعد شهر أصدرت الحكومة الهندية قراراً يقضي باستثناء الأربعين مليون شيعي من القانون الهندي الجديد، وثبت بذلك حقهم في العمل على ضوء أحكام مذهبهم.

وعلى هذا الأساس فإن الحكومة الإسلامية الواحدة سوف لاتواجه مشكلة كبيرة بالنسبة إلى اختلاف المذاهب لأنها تعطي الحرية لكل مذهب بحسبه وفي مجاله.

وهذه الحكومة سوف يكون لها رئيس جمهورية ووزراء، وما أشبه، وفق قرارات يكون الدين الإسلامي هو الحكم فيها، وعند التعارض نرجع إلى قانون الأكثرية مع مراعاة حقوق الأقلية أيضاً.

إذن، وكما قلنا: إن هذه المسألة قابلةٌ للحل، وما علينا إلّا أن نوجد نواة للحكومة الإسلامية العالمية في كل البلاد، حتى لو كانت تلك النواة تبدأ بشاب واحد، ولا ننسى أن هذا العمل يحتاج إلى الدعم الإعلامي والتبليغ الواسع.

ثانياً: الوعي الجماهيري

لأجل إقامة حكومة إسلامية واحدة يلزم الاهتمام الشديد بتوسيع المجال الإعلامي والتبليغي، فمثلاً، في كل أسبوع يمكن أن تصدر نشرة حول فكرة وهدف الحكومة الإسلامية الواحدة وضرورتها، فإذا انتشرت هذه الفكرة ونمى هذا الاعتقاد بين الناس فسيكون هناك وعي جماهيري لقبول هذا الطرح.

وما لم نفعل ذلك سوف تتكرر المأساة مرة أخرى، حيث تأتي فئة أو مجموعة وتستثمر هذا الشعار الذي يطمح إليه كل مسلم غيور، فينفذ مآربه الشخصية والمشبوهة رافعين شعار الإسلام زوراً وبهتاناً.

شاهد من التاريخ

إن لدراسة التأريخ والاطلاع عليه دوراً مهماً ينفع في أمور عدة، منها الاستفادة من تجارب الماضين عبر تجاوز أخطائهم واستثمار نجاحاتهم.

ومن تلك التجارب ما يرتبط بفترة ما بين الأمويين والعباسيين. فإن المسلمين تحركوا وثاروا وكانوا السبب في إسقاط الحكومة الأموية، فلماذا لم يقع الحكم في أيد أمينة تدير الشعب أفضل من سابقتها، بل استلم زمام الحكم ثلة من العباسيين الذين قاموا بنفس الجرائم التي كان يرتكبها الأمويون؟

للجواب على ذلك نقول:

إن السبب في ذلك قلة الوعي، فإن بعض المسلمين لم يكن لديهم وعي إسلامي كامل، فتصوروا أن أبا مسلم الخراساني وأبا سلمة الخلال والمنصور والسفاح وأشباههم لو تسلموا الحكم فستمطر السماء عليهم ذهباً، حيث انخدعوا بدعواتهم الكاذبة بحبهم لآل محمد(عليهم السلام) والمطالبة بحقوقهم، ولم يفكروا أن الخلافة من حق الإمام المعصوم(عليه السلام) دون غيره وهو(عليه السلام) أجدر الناس بها، بل لا تحق لغيره، فكيف يسلمونها لغيره؟(1)

واستولى أبو مسلم الخراساني على خراسان والعراق، ثم تمت البيعة لأبي عباس السفاح بعد معركة الزاب التي انتصر بها أبو مسلم الخراساني على جيوش الأمويين سنة (133ه)، وبعد النتصار الدعوة العباسية ذهبت الشعارات أدراج الرياح، ولم تكتف بهذا، بل قاموا بتصفية رجالات الثورة وقادتها، فبدأوا بأبي سلمة الخلال صاحب النفوذ السياسي في الكوفة فأغتالوه، وادعوا أن الخوارج قتلته، وكان يومذاك في عزه وقمة نفوذه، ثم قتلوا أبا مسلم الخراساني، قتله المنصور العباسي، وكان أبو مسلم يومئذ أقوى شخصية سياسية في خراسان. وأخذ العباسيون كذلك في ملاحقة الأمويين في كل مكان، فقتلوهم وصلبوهم ونبشوا قبورهم وشردوهم في البلدان جميعاً.

أما موقف الدعوة العباسية من الأئمة المعصومين(عليهم السلام) فيوجزه قول الشاعر:

تاللّه ما فعلت أمية فيهم *** معشار ما فعلت بني العباس

.

1) كان ابتداء أمر الدعوة العباسية النقباء والأشراف في خراسان، وكان أكثرهم من العرب الساخطين على الحكم الأموي، وكانوا من شيعة آل البيت(عليهم السلام) وقد نادى العباسيون وأشياعهم بالرضا من آل محمد(عليهم السلام) فتكاتفوا مع الشيعة في سبيل إسقاط الدولة الأموية، فكان محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس هو المتزعم لهذه الثورة، وقبل وفاته أوصى لأبنه إبراهيم الإمام بالقيام بمهمات الدعوة، وقام إبراهيم بالأمر فأسند مهمة الثورة في خراسان لأبي مسلم الخراساني، ونجح أبو مسلم الخراساني في إجتذاب جماهير غفيرة من الخراسانيين. ثم أنفد إلى أبي مسلم الخراساني لواء النصرة وظل السحاب، وكان أبو سلمة الخلال الكوفي الرجل الموثوق به الذي كان يدعو إلى آل محمد(عليهم السلام) في الكوفة. فكان هذان الرجلان صاحبي الدعوة لآل محمد في خراسان والكوفة، فلما بلغ أبا مسلم الخراساني خبر موت إبراهيم الإمام، بعث برسالة إلى الإمام الصادق(عليه السلام)، وعبد اللّه بن الحسن، ومحمد بن علي بن الحسين، يدعو كل واحد منهم بالخلافة، فبدأ بالإمام الصادق(عليه السلام) فلما قرأ الكتاب أحرقه وقال: هذا الجواب، فلما أقبلت الرايات كتب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) وأخبره أن سبعين ألف مقاتل وصل إلينا منتظر أمرك، فقال(عليه السلام): إن الجواب كما شافهتك، فكان الأمر كما ذكر.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لم يفكروا أن القدرات لو تجمعت بيد شخص واحد أو حزب واحد أو عائلة واحدة لاستأثروا بها ولأسكرتهم كما أسكرت الذين من قبلهم، وقد قال اللّه تعالى: {إِنَّ الْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ}(1).

وورد في الحديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال: «من ملك استأثر»(2).

هؤلاء نسوا الإمام المعصوم(عليه السلام)، ونسوا مبادئ الإسلام في الحكم من الاستشارة والتعددية ومنح الحريات وعدم الاستبداد، فاغتصب الحكم مجموعة


1) سورة العلق، الآية: 6-7.

2) نهج البلاغة، الحكم الرقم: 160.

فاسدة أضاعت مكاسب الثورة على الأمويين كلها.

ثم بعد ذلك عند ما تبين لديهم انحراف السلطة العباسية لم تقاومها الأكثرية خوفاً منها، أو رغبة وطمعاً فيها.

أليس ذلك نتيجة عدم الوعي؟!

وبدأت التصفيات والعنف الداخلي في أوساط العباسيين ومن أعانهم على الوصول إلى الحكم، نتيجة الاستفراد والدكتاتورية والاستبداد بالحكم، حتى أن أبا مسلم الخراساني قائد الثورة ضد الأمويين لم يسلم منها، ولقد عرف أبو مسلم ذلك فقال: إن مثلي والخليفة العباسي كمثل عابد رأى عظام أسد بالية فدعا اللّه أن يحييه مرة أخرى ولما استجاب اللّه دعاءه أعاده حياً قفز الأسد على العابد ليفترسه فقال له العابد: أتفترسني وأنا طلبت من اللّه إحياءك؟! فأجابه الأسد: إنك كما أحييتني تستطيع بدعاء واحد أن تميتني، ولذلك فضلت قتلك قبل أن تقتلني(1). إن ما يعرف بمقولة (الثورة تأكل أبنائها) شيء طبيعي في حال غياب الوعي الجماهيري، وفي حال عدم توزيع القدرة، وانحصارها بفئة واحدة.

إذن، يلزم علينا: معرفة الطريق الطبيعي المؤدي إلى إقامة حكومة إسلامية واحدة وفق الأسلوب الإلهي، وذلك يتم بتنمية الوعي لدى الجماهير، ورفض الحركات التي تؤدي إلى تكوين الأنظمة الجائرة الحاكمة في البلاد الإسلامية، والتي - غالباً - ما تستغل الدين ونصرة المظلومين كشعار تحصل فيه على مبتغاها، كما يلزم أن يكون أساس الحكم مبتنياً على نظام التعددية والاستشارة.

ثالثاً: إنشاء المؤسسات الخيرية

نشر الوعي بوحده لا يكفي، بل يلزم نشر الخدمات الإنسانية في أوساط


1) انظر المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 8: 7.

المجتمع، حتى يتمكن المجتمع من المطالبة بحكومة واحدة عالمية.

فيلزم إنشاء مؤسسات خيرية عامة المنفعة، مثل صناديق الإعانة المادية الخيرية، وإننا جربنا هذه الطريقة، فوجدنا أن هذه الخدمة لها أهمية بالغة بين الناس.

فمثلاً في مدينة كربلاء المقدسة حيث كان الناس يأتون بأمواتهم من أطراف وأكناف البلاد، لم يكن هناك العدد الكافي من (المغتسلات) فاجتمعنا يوماً في منزل أحد الأصدقاء، ودار الحديث بخصوص ضرورة بناء مغتسل كبير في المدينة، فقال بعض الحاضرون: إن هذا البناء يحتاج إلى أموال كثيرة، وإن ذلك ليس بالمقدور، فقلت لهم: بل هو مقدور فعليكم بجمع المال، وإن قدّم شخص عشرة فلوس مشاركة منه في هذا المشروع فاقبلوها منه.

وهكذا وبعد بذل الجهود وإبلاغ الخيرين بأهمية هذا العمل تم أخيراً إنشاء ذلك المغتسل في منطقة (باب الخان) علماً أن تكاليف المشروع والبناء بلغت في وقتها آلاف الدنانير، وهي كانت من تلك التبرعات القليلة. كما تم وبنفس الطريقة إنشاء مدرسة علمية سميت ب(السليمية) والتي لا تزال موجودة إلى الآن، ومشاريع أخرى على هذا الغرار.

وحدث مرة وبعد انتهاء صلاة الجماعة التي كانت تقام بإمامة المرحوم والدي(رحمه اللّه) في حرم الإمام الحسين(عليه السلام) قام الشيخ عبد الرحيم القمي(رحمه اللّه) وقال: أيها الناس المؤمنون، إننا نريد أن نبني مدرسة دينية، ونريد من كل واحد منكم أن يأتي لنا بطابوقة واحدة على الأقل، وبعد مضي شهور أنشئت المدرسة واكتملت ببركة مشاركات الناس حتى القليلة منها.

والآن لو ذهبنا إلى ألمانيا وأوجدنا هناك صندوقاً خيرياً إسلامياً، وإلى جانبه جريدة، ونشرة دورية، ومركز تثقيفي، ونعمل بشكل جاد من أجل غرس نواة

للحكومة الإسلامية الواحدة، فإن ذلك سيكون نواة أولى لتمهيد الطريق ولنشرالإسلام، وعلى هذا الشكل إذا أوجدت نواة أخرى في أمريكا، وأخرى في بريطانيا وفرنسا وغيرها، فإن هذه النواة ستكبر بلطف اللّه يوماً بعد يوم، حتى تقام الحكومة الإسلامية الموحدة في بلاد المسلمين. علماً بأن إقامة المؤسسات والمنظمات في مختلف دول العالم ليست في غاية الصعوبة، بل يمكن في خلال فترة وجيزة إنشاؤها، لو تضافرت الجهود وبذلنا في سبيلها الهمة(1).

من جدّ وجد

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنما سراة الناس أولو الأحلام الرغيبة والهمم الشريفة وذوو النبل»(2).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «أشرف الشيم رعاية الود، وأحسن الهمم إنجاز الوعد»(3).

وقال(عليه السلام): «الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية»(4).

وقال(عليه السلام): «من شرفت همته عظمت قيمته»(5).

ينقل أن كتب ومؤلفات أحد الأدباء والمؤلفين كان يدرس في (58) جامعة من أشهر جامعات العالم، هذا على الرغم من المعاناة والعوز الذي اتسمت به نشأته وبداية حياته، حتى أنه فقد بصره وهو في الثالثة من عمره، ولكنه بما أنه كان ذا همة عالية، وقرنها بالجد والاجتهاد، فكل ذلك أوصله إلى منصب وزير التربية


1) انظر كتاب (القطرات والذرات) للإمام الشيرازي(رحمه اللّه).

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 277.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 214.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 110.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 609.

والتعليم في مصر(1).

ولربما يقول القارئ وهل يمكن هذا؟!

نعم، إنه ممكن، والدليل هو وجود هذا الشخص وكثيرين من أمثاله وصلوا إلى مراتب عالية، فرغم كونه بصيراً لكنه ارتقى الدرجات السامية شيئاً فشيئاً.

وليس بعيداً أن يكون للأخرس والأصم والأعمى دور مهم في الحياة، فإنه قد قيل:

من جد وجد.

ومن لج ولج.

ومن أكثر الطرق يوشك أن يسمع الجواب(2).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من استدام قرع الباب ولجّ ولج»(3).

ولدينا تجربة طويلة في هذا الباب؛ لذا لو وظفنا شبابنا وقدراتهم، واستفدنا من قدرات الآخرين في هذا الطريق لوصلنا إلى النتيجة.

لماذا أنا مسلم؟

وردت القصة التالية في كتاب (لماذا أنا مسلم):

إن أبا سفيان جاء مرة بجيشه لمحاربة الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وفي تلك الأيام دخل بعض المسلمين على الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يخبرونه عن جيش الأعداء فقالوا: لقد انتصرنا عليهم، حيث إن المستطلعين لمعسكر العدو وافونا بأن أبا سفيان وجيشه باتوا البارحة جياعاً لا يملكون ما يأكلون، وهؤلاء الكفار حينما لا يجدون الأكل


1) هو الكاتب المصري المعروف طه حسين (1889-1973م) أديب وناقد مصري كبير، لقب بعميد الأدب العربي.

2) مثل مشهور.

3) غرر الحكم ودرر الكلم: 665.

فإنهم سيضعفون ولا يستطيعون محاربتنا.

فقال لهم رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) - بما معناه - : إن هذا العمل ليس صحيحاً حتى لو كنا معهم في حرب؛ فإن الحرب شيء والرحمة الإنسانية شيء آخر.

فأمر الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بإرسال الطعام إلى المشركين!!

فلما رأى الكفار أن الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أرسل لهم كل هذا، أصبحوا كما يقول القرآن: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}(1)وكانت النتيجة أن نصف جيش الكفار تركوا محاربة الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

كما أن الإمام الحسين(عليه السلام) اتبع نفس الأسلوب مع الحر الرياحي (رضوان اللّه عليه)، وسجل لنفسه العظمة والقدسية والعفو والسماحة على طول التاريخ، وإلى يومنا هذا يذكره آلاف الخطباء فوق المنابر بكل اعتزاز. روى الشيخ المفيد(رحمه اللّه) في الإرشاد:

وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحُر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين(عليه السلام) في حَرّ الظهيرة والحسين(عليه السلام) وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين(عليه السلام) لفتيانه: «أسقوا القوم وأرووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا».

ففعلوا، وأقبلوا يملئون القصاع والطساس من الماء، ثم يدنونها من الفرس، فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر، حتى سقوها كلها.

فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين(عليه السلام) ما بي وبفرسي من العطش، قال: «أنخ الراوية» والراوية عندي السقاء ثم قال: «يا ابن أخي أنخ الجمل» فأنخته، فقال:


1) سورة الأعراف، الآية: 149.

«اشرب» فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين(عليه السلام): «اخنثالسقاء» أي: اعطفه، فلم أدر كيف أفعل، فقام فخنثه، فشربت وسقيت فرسي(1).

ومن الواضح لو أن الإمام الحسين(عليه السلام) لم يعط لجيش الحر الماء لمات نصف جيشه عطشاً، وبالمقابل ربما كان يبقى الماء مع الحسين(عليه السلام) إلى ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء، لما اشتد بالنساء والأطفال وعسكر الحسين(عليه السلام) العطش الشديد الذي أخذ منهم كل مأخذ، لكن الإمام(عليه السلام) أثبت للعالم بعمله هذا إنسانيته وعظمته وسمو رسالته.

وهذه السجايا الممدوحة والأخلاق الحسنة نجدها أيضاً في أتباع أهل البيت(عليهم السلام) وعلى رأسهم المراجع العظام والفقهاء الكرام، فهم تلامذة مدرسة العترة الطاهرة(عليهم السلام).

إدارة السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه)

كان السيد محسن الأمين(رحمه اللّه) جاء من بلده سوريا إلى النجف الأشرف للزيارة قبل أربعين سنة تقريباً(2)، وكان بعد ذلك زار مرقد الإمام الرضا(عليه السلام) في مشهد، ثم عاد إلى سوريا.

لكن حينما رجع أخذ يدعو إلى تقليد السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه) فسأله أحد الأشخاص: لماذا أخذت تدعو لتقليد السيد الأصفهاني بعد ما عدت من العراق، في حين أن هناك (فلاناً) من العلماء ولربما كان أعلم من السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه)؟


1) الارشاد 2: 78.

2) هذا التاريخ بحسب توقيت التأليف، كما هو واضح.

فقال له السيد الأمين: إن الشخص الذي تعنيه ليس له القدرة على إدارة شؤون الشيعة.

فقال له: لماذا؟

فذكر له السيد الأمين هذه القصة، قال:

حينما وصلت إلى مدينة النجف الأشرف أرسل لي السيد أبو الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه) في عصر ذلك اليوم رسالة يذكر فيها أنه سيزورني، وفعلاً جاء لزيارتي في الليل، ودعاني لتناول الغداء في اليوم الثاني في منزله، وأبقاني ضيفه لمدة ثلاثة أيام بلياليها، وكان يحضر إلى تلك المائدة أصدقائه أيضاً، وبعد ثلاثة أيام سألني السيد أبو الحسن عن المكان الذي أقصده في سفري القادم؟

فقلت له: أريد السفر إلى مدينة مشهد المقدسة بعد زيارة العتبات العاليات في العراق.

فأعطاني مقداراً من المال، ثم قال لي: في أي وقت تعزم على السفر؟

فقلت له: يوم كذا.

فقال لي: أرجو منك إذا وصلت إلى كربلاء المقدسة أن تذهب إلى منزل وكيلي فلان.

فقلت له: إن شاء اللّه.

فلما وصلت إلى كربلاء المقدسة صار معلوماً لدي أن السيد قد أرسل خبراً إلى وكيله، الذي استقبلني في (كراج كربلاء) واصطحبني إلى منزله، وأخبر الطلبة بأن إحدى الشخصيات الإسلامية قد قدم من سوريا ودعاهم لزيارتي.

وهكذا عندما أردت الذهاب إلى الكاظمية المشرفة أرسلوا خبراً إلى هناك، وحينما وصلت لاقيت مثل ما لاقيت من استقبال واحترام في كربلاء، واستمر الحال هكذا، في كل مدينة أمر بها حتى وصلت مشهد الإمام الرضا(عليه السلام).

فانظر أيهما له القدرة والكفاءة على الإدارة والمرجعية، هل السيد الأصفهاني الذي يهتم بي وبغيري هذا الاهتمام البالغ، أم ذلك الشخص الذي هو بعيد عنكل هذه الاهتمامات؟

وفاء السيد الأصفهاني(رحمه اللّه)

ويذكر أيضاً في أحوال السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه) أنه كان شديد الوفاء حتى لأبسط الناس. حيث يروى في أحواله أنه سافر إلى الكاظمية المقدسة في أيام قيادته للمرجعية، ليزور الإمامين الكاظمين(عليهما السلام)، ثم سأل بعض أصدقائه قائلاً: كان هناك كاسب بسيط يجلس قرب باب الصحن الشريف قبل ثلاثين سنة، حيث كنت أشتري منه بعض الأشياء حين كنت طالباً في الحوزة، فهل هو موجود إلى الآن؟

فبادرت جماعة وتفقدته فوجدوه وقد شاخ وكبر وصار طاعناً في السن، فقيل له: إن السيد أبا الحسن الأصفهاني يريد أن يراك، فجاء الرجل ملبياً دعوة السيد، فقال السيد للرجل: هل تذكرني؟ أجاب الرجل: لا أتذكرك.

فقال السيد: أما أنا فأتذكر، وأيضاً أتذكر أنك كنت تقول لي: بأنك لا تملك داراً، وكنت في ضيق من الإيجار، وعائلتك كبيرة، فهل الحال كذلك الآن؟

قال الرجل: كلا يا سيدنا، إن عدة من بناتي قد تزوجن، وقد خفت مسئوليتي، أما داري فلا زالت مستأجرة.

فقال له السيد: اذهب واشتر داراً، وعليّ مساعدتك. وبالفعل ذهب الرجل واشترى داراً وساعده السيد من بيت المال.

فكان السيد(رحمه اللّه) من صفاته الوفاء حتى بعد ثلاثين سنة، وحتى مع الكاسب البسيط، الذي كان يشتري منه بعض الحاجات في وقت ما.

نعم، إن الحركة الإسلامية العالمية، إذا أرادت بحق وإخلاص جمع كلمة

المسلمين من مختلف أنحاء البلاد لإنقاذ الأمة من براثن الكفار والمستعمرين، ولتشكيل حكومة إسلامية واحدة، عليها أن تتخلق بأخلاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والأئمةالأطهار (صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين) ومن سار على نهجهم من مراجعنا الكرام (أعلى اللّه مقامهم).

نسأل اللّه أن يوفقنا لهذه الأعمال الصالحة، ولجمع الناس تحت لواء الإسلام والخير والمحبة.

الحمد للّه على الإيمان، والحمد للّه على الإسلام، والحمد للّه على الإحسان، والحمد للّه على الامتنان، والحمد للّه على القرآن، والحمد للّه الذي منّ علينا بمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه، والحمد للّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من هدي القرآن الحكيم

إقامة الحكومة الإسلامية

قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَىٰكَ اللَّهُ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}(2).

وقال سبحانه: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِۦ أَحَدًا}(3).


1) سورة النساء، الآية: 105.

2) سورة غافر، الآية: 12.

3) سورة الكهف، الآية: 26.

نشر الوعي الإسلامي

قال جلّ وعلا: {قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ اللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖلِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ مِنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ }(1).

وقال تعالى: {هَٰذَا بَصَٰئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٖ يُوقِنُونَ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {وَمَا أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(3).

التوكل على اللّه في كل الأعمال

قال سبحانه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(4).

وقال جلّ وعلا: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا}(5).

وقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا}(6).

كل مسلم مسؤول عن إقامة الدين

قال عزّ وجلّ: {فَلَنَسَْٔلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسَْٔلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}(7).

وقال سبحانه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسُْٔولُونَ}(8).

وقال جلّ وعلا: {فَوَرَبِّكَ لَنَسَْٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(9).


1) سورة الطلاق، الآية: 10-11.

2) سورة الجاثية، الآية: 20.

3) سورة سبأ، الآية: 28.

4) سورة الطلاق، الآية: 3.

5) سورة النساء، الآية: 45.

6) سورة النساء، الآية: 81.

7) سورة الأعراف، الآية: 6.

8) سورة الصافات، الآية: 24.

9) سورة الحجر، الآية: 92-93.

المسلمون أمة واحدة

قال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(2).

وقال تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِۦ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(3).

من هدي السنّة المطهّرة

اتباع الكتاب والعترة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إن اللّه بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق، وأمر قائم، لا يهلك عنه إلّا هالك، وإن المبتدعات المشبهات هن المهلكات إلّا ما حفظ اللّه منها، وإن في سلطان اللّه عصمة لأمركم، فأعطوه طاعتكم غير ملومة ولا مستكره بها»(4).

وقال(عليه السلام): «فبعث محمداً(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه»(5).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «لا واللّه، ما فوض اللّه إلى أحدٍ من خلقه إلّا إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإلى الأئمة، قال عزّ وجلّ: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَىٰكَ اللَّهُ}(6)وهي جارية في الأوصياء(عليهم السلام)»(7).


1) سورة الأنبياء، الآية: 92.

2) سورة الحجرات، الآية: 10.

3) سورة المؤمنون، الآية: 52.

4) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 169 من خطبة له(عليه السلام) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة.

5) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 147 من خطبة له(عليه السلام) يبين فيها الغاية من البعثة.

6) سورة النساء، الآية: 105.

7) الكافي 1: 268.

نشر العلم والوعي

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من نشر علماً فله مثل أجر من عمل به»(1).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أربعة تلزم كل ذي حجى وعقلٍ من أمتي».

قيل: يا رسول اللّه ما هنّ؟

قال: «استماع العلم، وحفظه، ونشره، والعمل به»(2).

وكان في ما أوصى به رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين(عليه السلام): «.. يا علي، ثلاث من حقائق الإيمان: الإنفاق في الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلم»(3).

المسلمون أمة واحدة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «يد اللّه مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة»(4).

وقال(عليه السلام): «ولتجتمع كلمتكم»(5).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدون ويقتتلون»(6).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنما المؤمنون إخوة بنو أب وأم، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون»(7).


1) مستدرك الوسائل 17: 301.

2) تحف العقول: 57.

3) الخصال 1: 125.

4) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 127 من كلام له(عليه السلام) وفيه يبين بعض أحكام الدين ويكشف للخوارج الشبهة.

5) بحار الأنوار 34: 36.

6) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 1: 127.

7) الكافي 2: 165.

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لا تزال أمتي بخير؛ ما تحابوا، وتهادوا، وأدّوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، وقروا الضيف، وأقاموا الصلاة»(1).وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لا تزال هذه الأمة تحت يد اللّه وفي كنفه، ما لم يداهن قراؤها أمراءها، ولم يزل علماؤها فجارها، وما لم يهن خيارها أشرارها، فإذا فعلوا ذلك رفع اللّه عنهم يده، ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم بالفاقة والفقر»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أيضاً: «لا تزال أمتي بخير ما لم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة وآتوا الزكاة، وإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين»(3).

الخلاف والفرقة

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الخلف مثار الحروب»(4).

وقال(عليه السلام): «الأمور المنتظمة يفسدها الخلاف»(5).

وقال(عليه السلام): «عرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة»(6).

وقال(عليه السلام): «الزموا الجماعة واجتنبوا الفرقة»(7).


1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 29.

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 1: 84.

3) ثواب الأعمال: 251.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 43.

5) غرر الحكم ودرر الكلم: 63.

6) نهج البلاغة، الخطب الرقم: 5 من كلام له(عليه السلام) لما قبض رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 150.

ولكم في رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أسوة

الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونزاهة الحرب

اشارة

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّٰلِمِينَ}(1).

وقال سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(2).

بعث اللّه عزّ وجلّ النبي محمداً(صلی اللّه عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، فجاء بشيراً ونذيراً إلى الناس أجمعين فاهتدى العديد منهم ببركته(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولكن البعض أخذ يحارب النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والمسلمين، فأخذ المشركون يخططون لقتل النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقتل أصحابه، وفرضوا على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عشرات الغزوات، وكلها كانت دفاعية من قبل الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وكانت سياسته في الحرب مبتنية على الأخلاق الطيبة، والعفو عن المجرمين، ومداراة الأسرى، والسعي في هدايتهم إلى الصراط المستقيم بعيداً عن الغدر والخيانة، والعنف والإرهاب.

فكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) خير أسوة للبشرية حتى في ميادين الحرب، كما قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(3)، فإن حذف المتعلق يفيد


1) سورة آل عمران، الآية: 140.

2) سورة الأحزاب، الآية: 21.

3) سورة الأحزاب، الآية: 21.

العموم، على ما ذكره العلماء في البلاغة والأصول.

قريش والحرب والانتقام

كانت بذور الانتقام والحقد والثأر من المسلمين، قد بُذرت في مكة من زمن بداية الدعوة الإسلامية، ثم أجج ذلك انهزام المشركين في معركة بدر وسرية محمّد بن مسلمة، واعتمد طواغيت قريش خطة التهييج العاطفي أيضاً وذلك بمنع ذوي القتلى من البكاء والنياحة على قتلى معركة بدر؛ وهذا مما ساعد على إذكاء روح الانتقام لدى قريش.

كما أن تعذر مرور قوافلها التجارية عبر طريق مكة - المدينة - الشام، واضطرارها إلى سلوك طرق أخرى كطريق العراق للسفر إلى الشام، أو طريق الساحل، زاد هو الآخر من سخطها وانزعاجها.

كما أجج مقتل (كعب بن الأشرف) أوار هذا الحقد وأوقد لهيبه في النفوس(1).

ومن هنا اقترح (صفوان بن أمية)..

و(عكرمة بن أبي جهل)..

على (أبي سفيان) بالحرب ضد الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والمسلمين والاستعداد لها.

فقد قيل: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم - أي منهزموهم - إلى مكة، مشى صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا، ففعلوا.


1) كعب بن الأشرف، من سادة يهود المدينة.

نعم، لقي هذا الاقتراح قبولاً من أبي سفيان، وتقرر الإعداد للحرب،فاجتمعت قريش لحرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى فعل أبو سفيان ذلك.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الموضوع، كما ذكر كيف أن قريشاً لم تحصد من هذا الإنفاق إلّا الخيبة والخسران، حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}(1).

وحيث إن زعماء قريش كانوا على علم بقوة المسلمين، وقد رأوا ولمسوا عن كثب شجاعتهم، واستقامتهم وثباتهم في معركة بدر؛ قرروا أن يتألف جيشهم هذه المرة من صناديد أكثر القبائل، وشجعانها البارزين وأبطالها المعروفين. كما أنهم أشركوا في هذا المعركة طائفة من العبيد والرقيق، أغروهم ووعدوهم في العتق إن نصروا أسيادهم وقاتلوا بين أيديهم، كما حصل مع (وحشي)، وكان يقذف بحربة له قذف الحبشة وقلّما يخطئ بها. فقد قيل له: اخرج مع الناس، فإن نلت محمداً أو علياً أو حمزة فأنت عتيق.

استقبل المشركون كلام أبي سفيان وأصحابه بقبول كامل وتصميم عالٍ، فقالوا: نحن لا نرجع حتى نحقق أحد الأمور الثلاثة، وهي:

أولاً: قتل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وبقتله(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ينتهي الدين الذي جاء به - على حد زعمهم - .

ثانياً: قتل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي يمثل بطولة الإسلام والمؤثر الكبير في نتائج الحروب، وهو الشخصية الثانية بعد رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

ثالثاً: دخول المدينة غيلة، وعلى حين غرة وغفلة من المسلمين، فيوقعوا القتل


1) سورة الأنفال، الآية: 36، وانظر تفسير مجمع البيان 4: 464.

والسبي والنهب بأهلها.

عندها نزل الوحي على النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وأخبره بما يضمر المشركون، وكان نزوله بشارة للمسلمين وبعثاً للاطمئنان في قلوبهم، وخصوصاً مع ما كان عليه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من الاستعداد والتأهب لمواجهة أخطار العدو.

استعداد المسلمين

كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في قمة الحذر من الأعداء رعاية وحفظاً لأنفس المسلمين، فكان ينشر العيون على الحدود وأطراف المدينة، ليترصدوا أيّ خطر أو غارة يمكن أن يداهمهم بها الكفار والمنافقون، وكانت هذه العيون على شكل دوريات - حسب اصطلاح اليوم - وهي تتكون عادة من شخصين أو ثلاثة أو خمسة، وأحياناً تتكون الدورية من عشرة أشخاص، ليكون النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على إطلاع كامل بتحركات العدو من خلال هذه الدوريات إضافة إلى التسديد الإلهي، فيكون(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد أعدّ العدة الكافية للمواجهة من الناحية المادية والظاهرية.

أما من الناحية المعنوية، فبالإضافة إلى الإخلاص والإيمان باللّه سبحانه، الذي كان الوازع والدافع الرئيسي للمسلمين على الثبات والمقاومة، عزّزه اللّه سبحانه بنزول جبرئيل(عليه السلام) بالبشارة، وتشديد العزم وتقوية الإرادة.

وهكذا كان الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يمتلك معرفة كبيرة بأوضاع العدو في جميع حروبه، حينما كان يرسل الدوريات وفرق الاستطلاع؛ ليعرف تحركات العدو، ومقدار القوة التي يمتلكها، ومواطن الضعف فيه، بالإضافة إلى إطلاعه الكامل على مجريات الأمور في الداخل.

معركة أحد

قال المفسر الكبير العلامة القمي في تفسيره: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ

إِلَّا بِحَبْلٖ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٖ مِّنَ النَّاسِ}(1)يعني: بعهد من اللّه وعقد من رسولاللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)(2).

وفي تفسير فرات الكوفي: عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «حبل من اللّه: كتابه، وحبل من الناس: علي بن أبي طالب(عليه السلام)»(3).

ثم ضرب للكفار من أنفق ماله في غير طاعة اللّه مثلاً، فقال: {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ} أي: برد، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٖ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} أي: زرعهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ} كانوا {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(4).

وقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(5).

فقد روي عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «سبب نزول هذه الآية أن قريشاً خرجت من مكة تريد حرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فخرج يبغي موضعاً للقتال». وقوله: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا}(6)نزلت في عبد اللّه بن أُبيّ، وقوم من أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج، والقعود عن نصرة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم).

قال: وكان سبب غزوة أحد أن قريشاً لما رجعت من بدر إلى مكة، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر؛ لأنه قتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون، فلما رجعوا إلى مكة، قال أبو سفيان: يا معشر قريش، لا تدعوا النساء تبكي على


1) سورة آل عمران، الآية: 112.

2) تفسير القمي 1: 110.

3) تفسير فرات الكوفي: 92.

4) سورة آل عمران، الآية: 117.

5) سورة آل عمران، الآية: 121.

6) سورة آل عمران، الآية: 122.

قتلاكم؛ فإن البكاء والدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد، ويشمت بنا محمد وأصحابه.

فلما غزوا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم أحد، أذنوا لنسائهم بعد ذلك في البكاء والنوح،فلما أرادوا أن يغزوا رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى أحد، ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها، فجمعوا الجموع والسلاح، وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وأخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثنهم على حرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وأخرج أبو سفيان هند بنت عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية.

فلما بلغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ذلك جمع أصحابه، وأخبرهم: إن اللّه قد أخبره، أن قريشاً قد تجمعت تريد المدينة، وحث أصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبد اللّه بن أبيّ [سلول] وقومه: يا رسول اللّه، لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا إلى أعدائنا قط إلّا كان الظفر لهم.

فقام سعد بن معاذ(رحمه اللّه) وغيره من الأوس، فقالوا: يا رسول اللّه، ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يمطعون فينا وأنت فينا! لا، حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيداً، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل اللّه.

فقبل رسول اللّه قوله، وخرج مع نفر من أصحابه يبتغون موضع القتال، كما قال اللّه: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} إلى قوله {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا}(1)يعني: عبد اللّه بن أبي وأصحابه. فضرب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) معسكره


1) سورة آل عمران، الآية: 121-122.

مما يلي من طريق العراق، وقعد عبد اللّه بن أبي وقومه من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى أحد.

وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) عدّ أصحابه وكانوا سبعمائة رجلاً، فوضع عبد اللّه بن جبيرفي خمسين من الرماة على باب الشعب، وأشفق أن يأتي كمينهم في ذلك المكان، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لعبد اللّه بن جبير وأصحابه: «إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تخرجوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم».

ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كميناً، وقال لهم: إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم.

مقام أمير المؤمنين(عليه السلام) في أحد

فلما أقبلت الخيل واصطفوا، وعبأ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أصحابه، ودفع الراية إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فحملت الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، ووقع أصحاب رسول اللّه في سوادهم(1)، وانحط خالد بن الوليد في مائتي فارس، فلقي عبد اللّه بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجعوا، ونظر أصحاب عبد اللّه بن جبير إلى أصحاب رسول اللّه ينهبون سواد القوم، قالوا لعبد اللّه بن جبير: تقيمنا هاهنا وقد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة؟ فقال لهم عبد اللّه: اتقوا اللّه، فإن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، وأقبل ينسل رجل فرجل حتى أخلوا من مركزهم، وبقي عبد اللّه بن جبير في اثني عشر رجلاً.


1) السواد: الشخص، وقيل: شخص كل شيء من متاع وغيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، ويقال: رأيت سواد القوم أي: معظمهم، وسواد العسكر: ما يشتمل عليه من المضارب والآلات والدوابِّ وغيرها. لسان العرب: ج3 ص224 مادة (سود).

وقد كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العدوي من بني عبد الدار، فبرز ونادى: يا محمد، تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنة، فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إليَّ، فبرز إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول:

«يا طلح إن كنت كما تقول *** لنا خيول ولكم نصول

فاثبت لننظر أينا المقتول *** وأينا أولى بما تقول

فقد أتاك الأسد الصؤول *** بصارم ليس به فلول

بنصرة القاهر والرسول»

فقال طلحة: من أنت يا غلام؟

قال: «أنا علي بن أبي طالب».

قال: قد علمت يا قضيم، أنه لا يجسر عليَّ أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه أمير المؤمنين(عليه السلام) بالجحفة(1)، ثم ضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) على فخذيه فقطعهما جميعاً فسقط على ظهره، وسقطت الراية. فذهب علي(عليه السلام) ليجهز عليه فحلفه بالرحم، فانصرف عنه فقال المسلمون: ألّا أجهزت عليه؟

قال: «قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبداً». وأخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي(عليه السلام) وسقطت الراية على الأرض، فأخذها شافع [مسافع] بن أبي طلحة فقتله علي(عليه السلام) فسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله علي(عليه السلام) فسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها الحارث بن أبي طلحة فقتله علي(عليه السلام)، فسقطت الراية إلى الأرض، وأخذها أبو عذير بن عثمان فقتله علي(عليه السلام)، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها عبد اللّه بن أبي جميلة بن زهير


1) الجحفة: التُرس.

فقتله علي(عليه السلام)، وسقطت الراية إلى الأرض، فقتل أمير المؤمنين(عليه السلام) التاسع من بني عبد الدار، وهو أرطاة بن شرحبيل مبارزة وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها مولاهم صواب فضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) على يمينه فقطعها، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذها بشماله فضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) على شماله فقطعها، وسقطت الراية إلىالأرض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين، ثم قال: يا بني عبد الدار، هل أعذرت في ما بيني وبينكم، فضربه أمير المؤمنين(عليه السلام) على رأسه فقتله، وسقطت الراية إلى الأرض، فأخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فقبضتها.

وانحط خالد بن الوليد على عبد اللّه بن جبير، وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل، فقتلوهم على باب شعب، واستعقبوا المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها، وأقبل خالد بن الوليد يقتل المسلمين، فانهزم أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) هزيمة قبيحة. وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الهزيمة كشف البيضة عن رأسه، وقال: «إني أنا رسول اللّه، إلى أين تفرون عن اللّه وعن رسوله؟».

وسُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي(عليه السلام): يا قضيم؟

قال: «إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان، وكانوا إذا خرج رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يرمونه بالحجارة والتراب، فشكا ذلك إلى علي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، إذا خرجت فأخرجني معك، فخرج رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومعه أمير المؤمنين(عليه السلام)، فتعرض الصبيان لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم، فكانوا يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي، فسمي لذلك القضيم».

وروي عن أبي واثلة شقيق بن سلمة قال: كنت أماشي فلاناً، إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه، ما ذا يا فلان؟

قال: ويحك، أما ترى الهزبر(1)القضم بن القضم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب، فقلت له: يا هذا، هو علي بن أبي طالب؟! فقال: ادن مني أحدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم أحد على أن لا نفر، ومن فر منا فهو ضال، ومن قتل منا فهو شهيد والنبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد، تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طحونتنا(2)، فرأيت علياً كالليث يتقي الذر [الدر] وإذ قد حمل كفاً من حصى فرمى به في وجوهنا، ثم قال: «شاهت الوجوه، وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون، إلى النار» فلم نرجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال: «بايعتم ثم نكثتم، فو اللّه لأنتم أولى بالقتل ممن قتل»، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً، أو كالقدحين المملوين دماً، فما ظننت إلّا ويأتي علينا كلنا، فبادرت أنا إليه من بين أصحابي، فقلت: يا أبا الحسن، اللّه اللّه، فإن العرب تكر وتفر، وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه(عليه السلام) استحيا فولى بوجهه عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فو اللّه ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة. ولم يبق مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلّا أبو دجانة الأنصاري، وسماك بن خرشة، وأمير المؤمنين(عليه السلام). فكلما حملت طائفة على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) استقبلهم أمير المؤمنين(عليه السلام) فيدفعهم عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ويقتلهم حتى انقطع سيفه.


1) الهِزْبَر: الأسد.

2) الطَّحون والطّحانة: الكتيبة العظيمة.

وبقيت مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) نسيبة بنت كعب المازنية، وكانت تخرج مع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها فأراد أن ينهزم ويتراجع،فحملت عليه فقالت: يا بني، إلى أين تفر عن اللّه وعن رسوله؟ فردته فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «بارك اللّه عليكِ يا نسيبة». وكانت تقي رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بصدرها وثدييها ويديها حتى أصابتها جراحات كثيرة.

وحمل ابن قميتة [قمية] على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: أروني محمداً لا نجوت إن نجا محمد. فضربه على حبل عاتقه، ونادى: قتلت محمداً واللات والعزى. ونظر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى رجل من المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه: «يا صاحب الترس، ألق ترسك ومر إلى النار» فرمى بترسه، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «يا نسيبة، خذي الترس» فأخذت الترس وكانت تقاتل المشركين، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان».

فلما انقطع سيف أمير المؤمنين(عليه السلام) جاء إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «يا رسول اللّه، إن الرجل يقاتل بالسلاح وقد انقطع سيفي». فدفع إليه رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) سيفه ذا الفقار، فقال: «قاتل بهذا»، ولم يكن يحمل على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أحد إلّا يستقبله أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإذا رأوه رجعوا، فانحاز رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى ناحية أحد، فوقف وكان القتال من وجه واحد وقد انهزم أصحابه، فلم يزل أمير المؤمنين(عليه السلام) يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه، وسمعوا منادياً ينادي من السماء: «لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي».

فنزل جبرئيل على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «هذه واللّه المواساة يا محمد»، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «لأني منه وهو مني»، وقال جبرئيل: «وأنا منكما».

مقتل حمزة(عليه السلام)

وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلما انهزم رجل من قريش رفعت إليه ميلاً ومكحلة، وقالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا. وكان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له واحد، وكانت هند بنت عتبة قد أعطت وحشياً عهداً: لئن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطيتك رضاك، وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشياً، فقال وحشي: أما محمد فلا أقدر عليه، وأما علي فرأيته رجلاً حذراً كثير الالتفات فلم أطمع فيه. قال: فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً، فمر بي فوطئ على جرف نهر فسقط، فأخذت حربتي فهززتها، ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته مغمسة بالدم فسقط. فأتيته فشققت بطنه وأخذت كبده، وأتيت بها إلى هند فقلت لها: هذه كبد حمزة، فأخذتها في فيها فلاكتها، فجعلها اللّه في فيها مثل الداغصة(1)، فلفظتها ورمت بها، فبعث اللّه ملكاً فحملها وردها إلى موضعها، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يأبى اللّه أن يدخل شيئاً من بدن حمزة النار، فجاءت إليه هند ... وقطعت أذنيه، وجعلتهما خرصين(2)وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه».

وتراجعت الناس فصارت قريش على الجبل، فقال أبو سفيان وهو على الجبل: أعلُ هُبَل، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين(عليه السلام) قل له: «اللّه أعلى وأجل». فقال: يا علي، إنه قد أنعم علينا، فقال علي(عليه السلام): «بل اللّه أنعم علينا». ثم قال أبو سفيان: يا علي، أسألك باللات والعزى، هل قُتل محمد؟

فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «لعنك اللّه ولعن اللّه اللات والعزى معك، واللّه


1) الداغِصةُ: عظم مدوَّر في الركبة.

2) الخُرصان - تثنية الخرص كفلس - حلقة الذهب أو الفضة، أو الخِرص ككفل: وهو الجِرَاب.

ما قُتل محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو يسمع كلامك». فقال: أنت أصدق، لعن اللّه ابن قميئة، زعم أنه قَتل محمداً(1).

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}(2)، «فإن المؤمنين لما أخبرهم اللّه بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة، رغبوا في ذلك فقالوا: اللّهم أرنا القتال نستشهد فيه، فأراهم اللّه إياه في يوم أحد، فلم يثبتوا إلّا من شاء اللّه منهم، فذلك قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ}».

وأما قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ}(3)، فإن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما خرج يوم أحد وعهد العاهد به على تلك الحال، فجعل الرجل يقول لمن لقيه: إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد قُتل، النجاء. فلما رجعوا إلى المدينة أنزل اللّه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قوله {انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ} يقول: إلى الكفر.

قال: وتراجع أصحاب رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) المجروحون وغيرهم، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، فأحب اللّه أن يعرف رسوله من الصادق منهم ومن الكاذب، فأنزل اللّه عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا يسقطون إلى الأرض، وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم، وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم. فأنزل اللّه {نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ} يعني: المؤمنين، {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٖ}


1) تفسير القمي 1: 110.

2) سورة آل عمران، الآية: 143.

3) سورة آل عمران، الآية: 144.

قال اللّه لمحمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم) {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا} يقولون: لو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال له: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِيصُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(1)فأخبر اللّه رسوله ما في قلوب القوم، ومن كان منهم مؤمناً، ومن كان منهم منافقاً كاذباً بالنعاس، فأنزل اللّه عليه {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(2)يعني: المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم. وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَٰنُ} أي: خدعهم حتى طلبوا الغنيمة {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} قال: بذنوبهم {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}(3)، ثم قال: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: عبد اللّه بن أبي وأصحابه الذين قعدوا عن الحرب، {وَقَالُواْ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِۦ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(4)، ثم قال لنبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} أي: انهزموا ولم يقيموا معك، ثم قال تأديباً لرسوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِۦ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(5).


1) سورة آل عمران، الآية: 154.

2) سورة آل عمران، الآية: 179.

3) سورة آل عمران، الآية: 155.

4) سورة آل عمران، الآية: 156.

5) سورة آل عمران، الآية: 159-160.

فلما سكن القتال قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من له علم بسعد بن الربيع؟».

فقال رجل: أنا أطلبه، فأشار رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى موضع فقال: «اطلبه هناك، فإني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحاً».

قال: فأتيت ذلك الموضع، فإذا هو صريع بين القتلى، فقلت: يا سعد، فلميجبني ثم قلت: يا سعد، فلم يجبني، فقلت: يا سعد إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد سأل عنك، فرفع رأسه، فانتعش كما ينتعش الفرخ، ثم قال: إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لحي؟ قلت: إي واللّه، إنه لحي، وقد أخبرني أنه رأى حولك اثني عشر رمحاً. فقال: الحمد للّه صدق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لقد طعنت اثنتي عشرة طعنة كلها قد جأفتني(1)، أبلغ قومي الأنصار السلام وقل لهم: واللّه، ما لكم عند اللّه عذر أن تشوك رسول اللّه شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس، فخرج منه مثل دم الجزور، وقد كان اختفى في جوفه، وقضى نحبه(رحمه اللّه).

ثم جئت إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأخبرته، فقال: «رحم اللّه سعداً، نصرنا حياً وأوصى بنا ميتاً».

ثم قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من له علم بعمي حمزة؟».

فقال الحرث بن سمية: أنا أعرف موضعه. فجاء حتى وقف على حمزة، فكره أن يرجع إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فيخبره، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين(عليه السلام): «يا علي، اطلب عمك». فجاء علي(عليه السلام) فوقف على حمزة، فكره أن يرجع إليه، فجاء رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) حتى وقف عليه، فلما رأى ما فُعل به بكى، ثم قال: «واللّه ما وقفت موقفاً قط أغيظ عليَّ من هذا المكان، لئن أمكنني اللّه من قريش لأمثلن بسبعين رجلاً منهم». فنزل عليه جبرئيل(عليه السلام) فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا


1) جأفه: أي صرعه.

عُوقِبْتُم بِهِۦ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّٰبِرِينَ}(1)، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «بل أصبر».

فألقى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) على حمزة بردة كانت عليه، فكانت إذا مدها على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه وألقى على رجليهالحشيش. وأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالقتلى فجمعوا، فصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم، وكبر على حمزة سبعين تكبيرة.

قال: وصاح إبليس لعنه اللّه بالمدينة: قُتل محمد، فلم يبق أحد من نساء المهاجرين والأنصار إلّا خرجن، وخرجت فاطمة بنت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) تعدو على قدميها، حتى وافت رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقعدت بين يديه، فكان إذا بكى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بكت لبكائه، وإذا انتحب انتحبت.

ونادى أبو سفيان: موعدنا وموعدكم في عام قابل، فتقبل؟

فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «قل: نعم».

قال: وتآمرت قريش على أن يرجعوا على المدينة، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من رجل يأتينا بخبر القوم؟». فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنا آتيك بخبرهم»، قال: «اذهب، فإن كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهم يريدون المدينة، واللّه، لئن أرادوا المدينة لا يأذن اللّه فيهم، وإن كانوا ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة».

فمضى أمير المؤمنين(عليه السلام) على ما به من الألم والجراحات حتى كان قريباً من القوم، فرآهم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، فرجع أمير المؤمنين إلى رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأخبره، فقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أرادوا مكة».

فلما دخل رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) المدينة نزل عليه جبرئيل(عليه السلام) فقال: «يا محمد، إن


1) سورة النحل، الآية: 126.

اللّه يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة، فأمر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) منادياً ينادي: يا معشر المهاجرين والأنصار، من كانت به جراحة فليخرج، ومن لم يكن به جراحة فليقم. فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها، فأنزل اللّه على نبيه: {وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَوَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}(1).

وقال عزّ وجلّ: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}(2)، فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح، فلما بلغ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بحمراء الأسد، وقريش قد نزلت الروحاء، قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن عاص وخالد بن الوليد: نرجع فنغير على المدينة؛ فقد قتلنا سراتهم وكبشهم، يعني: حمزة. فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر؟

فقال: تركت محمداً وأصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم جد الطلب.

فقال أبو سفيان: هذا النكد والبغي، قد ظفرنا بالقوم وبغينا، واللّه ما أفلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الأشجعي، فقال أبو سفيان: أين تريد؟ قال: المدينة لأمتار لأهلي طعاماً. قال: هل لك أن تمر بحمراء الأسد، وتلقى أصحاب محمد وتعلمهم: أن خلفاءنا وموالينا قد وافونا من الأحابيش، حتى يرجعوا عنا، ولك عندي عشرة قلائص أملؤها تمراً وزبيباً؟ قال: نعم. فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الأسد، فقال لأصحاب محمد(صلی اللّه عليه وآله وسلم): أين تريدون؟ قالوا: قريش. قال: ارجعوا؛ فإن قريشاً قد أجنحت إليهم خلفاؤهم، ومن كان تخلف عنهم، وما أظن


1) سورة النساء، الآية: 104.

2) سورة آل عمران، الآية: 140.

إلّا وأوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة. فقالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(1)، ونزل جبرئيل على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: «ارجع يا محمد؛ فإن اللّه قد أرهب قريشاً، ومروا لا يلوون على شي‌ء».

ورجع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى المدينة، وأنزل اللّه: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}(2)يعني: نعيم بن مسعود، فهذا اللفظ عام ومعناه خاص {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٖ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَٰنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}(3)(4).

روى عكرمة قال: سمعت علياً(عليه السلام) يقول: «لما انهزم الناس يوم أحد عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول اللّه ليفر، وما رأيته في القتلى، فأظنه رفع من بيننا، فكسرت جفن سيفي، وقلت في نفسي: لأقاتلن به عنه حتى أقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقد وقع على الأرض مغشياً عليه، فقمت على رأسه فنظر إليَّ، فقال: ما صنع الناس يا علي؟

فقلت: كفروا يا رسول اللّه، وولوا وأسلموك.

فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): رد يا علي عني هذه الكتيبة، فحملت عليها بسيفي أضربها يميناً وشمالاً حتى ولوا الأدبار. فقال لي النبي: أ ما تسمع مديحك في السماء إن ملكاً يقال له: رضوان، ينادي: لا سيف إلّا ذو الفقار ولا


1) سورة آل عمران، الآية: 173.

2) سورة آل عمران، الآية: 172.

3) سورة آل عمران، الآية: 173- 174.

4) تفسير القمي 1: 119.

فتى إلّا علي، فبكيت سروراً وحمدت اللّه على نعمه».

وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى المدينة، فاستقبلت فاطمة(عليها السلام) ومعها إناء فيه ماء فغسلت به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعه ذو الفقار، وقد خضب الدم يده إلى كتفه،فقال لفاطمة(عليها السلام): «خذي هذا السيف قد صدقني اليوم.

وقال:

أ فاطم هاك السيف غير ذميم *** فلست برعديد ولا بمليم

لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد *** وطاعة رب بالعباد عليم»

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خذيه يا فاطمة فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش»(1).

تراجع الكفار إلى مكة

نعم، إن جبرئيل(عليه السلام) - بعد معركة أحد - قد نزل يخبر رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بأن أبا سفيان وأصحابه يريدون القيام بهجوم على المسلمين مرة ثانية للقضاء عليهم، فقام الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بجمع المسلمين، وباغتهم بأن أظهر أنه يريد الهجوم عليهم وقتالهم؛ وقد سبب ذلك تراجع الكفار إلى مكة.

إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) اتبع في تاريخ الحروب أسلوباً وتكتيكاً فريداً؛ فعلى الرغم من أن المسلمين كانوا لا يمتلكون القوة والمئونة الكافية من الماء والغذاء للاستعداد لمواجهة العدو في معركة ثانية، وهذا مما يبطئ المقاتل ويقعده عن مواجهة أعدائه، نرى الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد أمر من بقي من المسلمين، وفيهم الجرحى بالذهاب نحو العدو الذي كان يستعد للهجوم عليهم مرة ثانية، وكان


1) إعلام الورى: 193.

هدف الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من هذا الإجراء إدخال الخوف والرعب في قلوب المشركين، والإشارة إليهم بأن لا تظنوا بأننا نخاف منكم بسبب الإصابات والجراحات التي نالت المسلمين، فنحن اليوم نرسل إليكم هؤلاء المجروحين، وهؤلاء سوف يوقعون بكم الهزيمة والانكسار وهم جرحى، فكيف بكم إن واجهكم الجيشالاحتياطي الذي لم ير تعباً ولا أذى؛ وهذه هي مسألة تكوين الخط الثاني للجيش، ومن فوائده إلقاء الرعب في قلوب المشركين والمنافقين.

ولما أمر الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الخط الأول وهم الجرحى بالذهاب إلى القتال، ترددوا قليلاً في بادئ الأمر، وأخذ يسأل بعضه بعضاً: هل نملك الاستعداد الكافي لذلك، جراحنا لا زالت تؤلمنا؟ ولا ريب أن وسائل التضميد والمداواة كانت آنذاك بسيطة وقليلة؛ إذ كانوا يحرقون جريد النخل ويضعون رماده على الجرح لأجل إبرائه(1).

فعندما ظهر التردد في المسلمين نزلت الآية الكريمة: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}(2)، فإن كان عذركم أيها المسلمون هو إصابتكم بالجروح والأذى، فقد مس أعداءكم القرح الكثير أيضاً، بالإضافة إلى أنهم قطعوا مسافات طويلة تقارب ال- (500) كيلومتر بحساب اليوم، لكون هذه المعركة - معركة أحد - كانت بالقرب من المدينة المنورة، والمسافة بين مكة والمدينة ما يقارب (500) كيلومتر.

هذا، بغض النظر عمّا يرافق ذلك الطريق الشاق من حرارة الشمس القوية والجوع والعطش، كل ذلك قد عاناه الكفار من أجل الوصول إلى ساحة المعركة؛


1) انظر بحار الأنوار 20: 144.

2) سورة آل عمران، الآية: 140.

ولذا نرى أن الخطاب كان موجهاً إلى تلك الفئة من المسلمين، حيث يقول اللّه تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ}(1)ولم يقل إن يصبكم، فهنا إشارة بلاغية رائعة؛ وهي أن المس لا يصيب إلّا الجسد، ومعناه: إن قلوبكم سالمة، وأن إيمانكم لا يزالفي قوته وصلابته، فليس من المهم جداً إصابة الجسد ببعض الجروح، بل المهم هو بقاء المحتوى الروحي والإيماني سالماً لم يمسه شيء(2).

فأنتم أيها المجاهدون، قلوبكم صالحة وما تزال الروح الإيمانية تعيش في داخلها، وشخصياتكم ما تزال شامخة وصلبة، والسنة الإلهية هي أن يجعل اللّه قدرات الدنيا عند من هو أكثر عملاً وسعياً، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في آيات كثيرة، حيث قال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}(3)، وقال سبحانه: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}(4)، وقال سبحانه: {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}(5).

من هنا يلزم أن لا يتوقع الإنسان أن تكون قدرات الدنيا بيده، وهو لم يقدم عملاً لذلك، فكل من يسعى ويبذل الجهود فإن النصر والفلاح سوف يكون من نصيبه، وإن تقاعس عن الذهاب إلى الحرب وتخاذل في صد العدو فإن الهزيمة والانكسار سوف تكون من نصيبه والنصر لأعدائه.

من أعان ظالماً سلطه اللّه عليه

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من أعان ظالماً سلطه اللّه عليه»(6).


1) سورة آل عمران، الآية: 140.

2) أما التعبير بالنسبة إلى المشركين فهو من باب المماثلة والتشاكل الذي عبر به بالنسبة على المسلمين.

3) سورة النجم، الآية: 39.

4) سورة آل عمران، الآية: 140.

5) سورة الإسراء، الآية: 20.

6) الخرائج والجرائح 3: 1058.

ذكر في الإذاعات العالمية: إن الشاه المخلوع(1)ذهب إلى أنور السادات حاكم مصر، ظاناً بأنه سيرجع إلى عرشه ومنصبه، ولكنه واهم في ذلك؛ فكما أنالإنكليز قد قتلوا أباه من قبل فإنهم سيقتلونه أيضاً(2).

وقصة قتل أبيه رضا خان(3)معروفة، حيث إن الإنكليز في بداية الأمر عزلوه من السلطة لكونهم هم الذين جاءوا به إلى الحكم. وإني أتذكر يوم عزله حيث كان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، فعزلوه عن منصبه وأرسلوه إلى جزيرة موريس(4)، وكان ذلك جزاءً منهم لخدماته الكثيرة لهم، والتي لا تعد ولا تحصى، ابتداءً من جعل ثروات إيران بين أيديهم، ومحاربة الإسلام وتخريب المساجد وتشجيعه النساء على خلع الحجاب، بل فرضه عليهن ذلك، وانتهاءً بمحاربة العلماء الأعلام وزجهم في السجون وممارسة أبشع أنواع التعذيب بحقهم، وإدخال الكثير من العملاء والجواسيس الأجانب وتوطينهم في البلاد، بالإضافة إلى الخدمات الأخرى غير ذلك، ولكن كانت نتيجتها أن يموت شر ميتة وفي أسوأ مكان! حقاً إن: «من أعان ظالماً سلطه اللّه عليه».

وهذه سنة الحياة، فإذا رأيت مثلاً عقرباً يتوجه نحو إنسان، فلا بد أن تسعى لقتل ذلك العقرب، فإذا لم تتحرك لإنقاذ ذلك الإنسان وقتل العقرب، فسوف يأتي عقرب آخر ويقتلك.

يذكر أنه بسبب رداءة الهواء وتلوث المياه، تمرض رضا خان مرضاً شديداً، وطلب من أسياده الإنكليز أن يهيئوا له طبيباً لمعالجته، لكنهم لم يوافقوا على


1) محمد رضا بهلوي إمبراطور إيران السابق.

2) وهكذا كان حيث قتلوه تحت غطاء عملية جراحية، ولم يقدروا له ما قدم لهم من خدمات طيلة حكمه.

3) رضا بهلوي (1878-1944م) شاه إيران.

4) جزيرة تقع في المحيط الهندي شرقي مدغشقر.

طلبه بل تركوه منبوذاً مطروداً، حتى جاء أمر من رئيس وزراء بريطانيا (تشرشل)(1)إلى ممثله في الجزيرة بأن يرسلوا إليه طبيباً ليزرقه إبرة الموت، وذلك بعدماترجى ولده من الحكومة البريطانية بأن يرفقوا به ويرسلوه إلى موسكو ليقضي آخر أيام حياته هناك، ولكن تشرشل لم يوافق على ذلك، بل أرسل له الطبيب لينهي حياته تلك الحياة التي جعلها في خدمة من قتله، وتناقلت الصحف العالمية ذلك الخبر.

وهذا العمل يفعلونه مع أي عميل لهم بعد أن تنفذ طاقته ويعد غير ذي فائدة لهم؛ لأن غايتهم النهب والاستغلال والتوسع.

ثم إن الحكومات الاستعمارية متشابهة في مكرها وفسادها، وظلمها وسلبها لحقوق الشعوب، مهما تبدلت الألوان والشخصيات والأسماء، بل هم حقيقة واحدة بشخصيات متعددة.

فلا تتصور أن كذب ومكر الأعداء يقل شيئاً بتبدّل الأشخاص والمناصب، فإن الكلام كثيراً ما يختلف عن واقع الأمر وحقيقته، والسياسة الاستعمارية الظالمة التي تنتهجها تلك الأنظمة الفاسدة هي المؤثرة في الواقع.

فترى من أعمالهم الإجرامية أنهم كانوا يقتلون مناوئيهم في (بنما) - مثلاً - وذلك بأن يقولوا لطبيب ما: اذهب إلى هذا الشخص وأعطه الدواء الفلاني، حيث يتصور فيه علاجه، وإذا فيه هلاكه، ثم ينشر خبراً بأنه أصيب بمرض السرطان وتوفي بسببه.

دروس وعبر

اليوم، أمامنا عدو شرس الطباع، وعلينا أن نكون واعين حذرين، وأن نعرف


1) ونستون تشرشل (1874- 1965م) السير ونستون ليونارد سبنسر، سياسي ورجل دولة.

الأفضل للمواجهة، وفي مثل زماننا تكون المواجهة عبر الطرق السلمية وتثقيف الشعب وما أشبه.

إن العدو الذي نواجهه اليوم، هو الاستعمار.إنها الدول الاستعمارية التي تريد أن تقضي على كل أثر للإسلام، بل تريد الوقوع بنا والنيل من كرامتنا وديننا، فعلينا أن نعرف عدونا بشكل كامل، وأن نقف أمام مؤامراته وحيله بكل قوة وصلابة بالطرق السلمية المشروعة؛ إذ أن لهؤلاء أياد خبيثة يرسلونها إلى كل المناطق لينشروا أفكارهم ومخططاتهم الخطيرة.

مما يلزم على جميع المسلمين أن يعرفوا ما يدور حولهم، وأن يكونوا عارفين بزمانهم، فإن الجاهل بزمانه تهجم عليه اللوابس على عكس العالم بزمانه كما في الحديث الشريف(1).

ومن الاستطراد: أن نقول: إنه يلزم على غير العرب من المسلمين تعلم اللغة العربية بإتقان، وعليهم أن يسعوا في ذلك عبر مناهج في المدارس وغيرها؛ لأن حولنا عشرات بل المئات من الإذاعات والصحف العربية وغيرها من وسائل الإعلام، فإن في هذه الصحف والإذاعات والمجلات الكثير من المطالب والمواضيع المهمة، التي يلزم على المسلم أن يعرفها ويطلع عليها، سواء عبر الإذاعة أو عن طريق الصحف والمجلات، فيلزم على غير العرب من المسلمين أن يهتموا بتعلم اللغة العربية، قراءةً وكتابةً وتلفظاً وبإتقان. وأن يجعلوا ذلك جزءاً من اهتماماتهم اليومية؛ فإنهم إذا تعلموا اللغة العربية فسوف يفهمون القرآن بسهولة، وهكذا (نهج البلاغة) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وسائر الروايات الشريفة.

وهكذا سوف يدركون ما يدور حولهم وهذا مما يوجب الوعي السياسي


1) انظر الكافي 1: 27. وفيه: «والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».

للإنسان.

بالإضافة إلى ذلك كله علينا أن نأخذ حذرنا من أعدائنا الذين يتسللونوينفذون إلى مجتمعاتنا في كل مجال من مجالات الحياة، فترى اليوم(1)في أفغانستان التي تخضع للقوات السوفيتية المحتلة، الكثير من الأفغانيين يُقتلون في المناطق المحررة من قبل أيادي الاحتلال، فيكف استطاع هؤلاء الروس أن يتسللوا أو يرسلوا عملاءهم إلى المناطق المحررة؟

وقبل مدة جاءني رجل من الاتحاد السوفيتي عبر الحدود مع إيران وبكل صعوبة، فقال: إن هناك الكثير من عملاء الروس يدخلون إيران عبر الحدود دون علم أحد، ويحملون معهم الأسلحة، ويأتون بالإعلانات والنشرات التبليغية أيضاً، ولكن في المقابل حدودهم مغلقة أمامنا، فلا نستطيع الذهاب إلى طرفهم؛ لكونهم قد وضعوا مراقبة مكثفة على الحدود مع إيران ومع كل من يجاورهم، عبر نصب الأسلاك الشائكة، وجدار حديدي وأبراج للمراقبة، وعدد كبير من رجال الحدود أيضاً. ولقد شيّد ستالين(2)هذا الجدار المذكور على طول الحدود السوفيتية مع البلدان الأخرى؛ لكي لا يدخل أحد في أراضيهم، ولا يستطيع آخر الهروب والفرار منهم، فإنه إذا دخل شخص في بلادهم وأراضيهم سوف لا يرى إلّا الجحيم والاختناق وهذا يوجب تشويه سمعتهم، وإذا خرج شخص منهم سوف يرى - ولو نسبياً - الحرية والنور والإنسانية والكرامة الموجودة للإنسان خارج بلاده، ويعلم بأنه في بلاده لم يمتلك حتى الرغيف ولا أبسط شيء من الحرية؛ ولذلك لو دخل شخص في بلادهم يجعلونه تحت المراقبة الأمنية


1) يعود تاريخ كتابة هذه الأسطر إلى ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتي.

2) جوزيف ستالين (1879- 1953م) سياسي روسي.

المشددة، حتى أن البعض عندما ينزل في فنادقهم فإنهم يراقبونه عبر الوسائل الخاصة لاستراق السمع وما أشبه في أموره كلها.

فنحن المسلمين يجب علينا أن نأخذ الحذر من أعدائنا، وأن نحفظ بلداننا الإسلامية من كيد الأعداء وتسللهم، ولا بد أن نضعهم تحت المراقبة كما هم يضعوننا تحت المراقبة الشديدة، إن الأعداء يحيطون بنا من كل جانب ومكان، فهذا الطاغية صدام وحزبه الكافر، وغيره من عملاء الإمبريالية العالمية قد سيطروا على الشعوب المسلمة بإسناد من الاستعمار.

وكما هو المعروف فإن عفلق، وبيغن رئيس الحكومة الإسرائيلية، كانا زميلين في صف دراسي واحد وذلك في فرنسا، وعفلق هو الذي أختار أحمد حسن البكر لرئاسة الحكومة، فأحمد حسن البكر وليد الإسرائيليين وأصله يهودي؛ اسم جده الحقيقي هو (ساسون حسقيل)، وأظهر الإسلام قبل سنين، ولما أسلم وضعوا له أسم (البكر). ولما جاءه ولد سماه حسن، وسمي ابن حسن (أحمد).

وبعده جاءوا بعميل آخر اسمه (صدام) الذي كان أبوه موظفاً في السفارة البريطانية ببغداد، وبعض البغداديين يعرفون ذلك، وربما لا يعرف عن نسبه وأصله شيء يذكر، ولكن المعروف ارتباط أبيه بالسفارة البريطانية.

لهذا اتفقت إنكلترا وإسرائيل على أن يأتوا بصدام على رأس الحكم، فالحكومة البعثية في العراق وليدة الغرب والصهيونية العالمية.

الاستعمار في بلاد الإسلام

اشارة

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}(1)، والنَجَس كما قال أهل اللغة: أشد من (النَّجِس) بالكسر، فإن (النَجِس) بالكسر هو: الخبثَ الذي قد يطرأ على


1) سورة التوبة، الآية: 28.

الإنسان، ويمكن إزالته بالماء أو غيره.

بينما (النَجَس) بالفتح لا يمكن تطهيره إلّا بقلبه إلى حالة أخرى.فإن النجاسة الموجودة في الكافر نجاسة ذاتية وليست عرضية، ولا يمكن تطهيرها إلّا بقلبه إلى الإيمان، وذلك كالغدة أو الميكروب السرطاني إذا دخل عضواً في جسد الإنسان، فإنه سوف يشل حركته كاملاً.

وكذلك هي الجراثيم الاستعمارية، فإنها تفسد جسداً كاملاً من المسلمين عندما تدخل فيهم، فنرى أن أحمد حسن البكر كيف ينشر الفساد والقتل في أمة كاملة، وهكذا صدام الطاغوت.

لقد جاؤوا بشعارات براقة مثل: (نحن حماة الفلاحين)، (نحن إلى جانب العمال والكادحين)، (جئنا لإنقاذ الفقراء)، وإلى غير ذلك من الشعارات الفارغة، ولكن الواقع العلمي هو تدمير الأمة بكاملها.

قصة من الواقع

وبالمناسبة نذكر قصة، تبيّن كذب تلك الشعارات والادعاءات التي يطلقها من يدّعون أنهم حماة الفلاحين والعمال:

كان أحد العلماء الفضلاء يأتي إلى كربلاء المقدسة من مدينة طهران، ويرتقي المنبر إذ كان خطيباً رائعاً إلى جانب تفوقه العلمي، وفي كربلاء كانت لقاءاتي به غير قليلة لما توطد بيننا من العلاقة المتينة والود المتبادل.

في أحد الأيام قال لي: كان ابن أخي شيوعياً يحب الماركسية والفكر الشرقي، فكان يأتي إلى بيتنا ويجلس معنا، فنتحاور طويلاً في الفكر الشيوعي، وكان يقول: الطريق الوحيد للنجاة من الاستعمار البريطاني الخبيث، هو التمسك بالفكر الشيوعي والسعي إلى تطبيقه.

فالعامل والفلاح والفقير هو كل شيء في الفكر الشيوعي، وكان ابن أخي طالباً

جامعياً، وكانت مباحثاتنا تدوم طويلاً، حتى أننا في أحد الأيام كنا جالسين على مائدة الطعام، وكان يصر على كلامه، وفجأة تأثر نفسياً وثارت أعصابه، فأخذيشتمنا ويقول: أنتم طلبة رجعيون، ولا تفهمون شيئاً أبداً، ثم خرج من البيت.

ومن قبل كان يقول: إن عدد المسئولين لدينا ثلاثة، وكان يكثر من مدحهم، ناعتاً إياهم بأنهم هم الذين يفهمون الحياة جيداً، وأنهم أصحاب العلم والمعرفة، وأنهم تقدميون ومتحضرون. وعلى كل حال، كان كلامه ككلام سائر المغرورين المخدوعين من الشيوعية الذين يتلقون أفكار الشرق.

وفي أحد الأيام وبعد الظهر بالضبط، كنا نائمين وإذا بالباب يُطرق بشدة، أسرعت إلى الباب وقلت في نفسي: لعله شخص جاء للكيد بنا، ولكن ولدي فتح الباب، فإذا بابن أخي لدى الباب، وقد كان مضطرباً ومرهقاً جداً، ودقات قلبه تدق بسرعة، والاحمرار بادٍ في وجهه، وقد انتفخت أوداجه!

دخل في البيت وجلس في الغرفة، وكلما كنا نريد التحدث معه لم يقو على ذلك، إذ لم يستطع الكلام أبداً.

قلنا له: ما الخبر؟ هل ضربك أحد؟ هل أصبت برصاصة في جسدك؟

ولكنه لم يرد جواباً على إحدى الأسئلة التي طرحناها.

وبعد استراحة دامت نصف ساعة، قال: يا عم، إني أعتذر إليك كثيراً، وأطلب منك أن تسامحني على الكلام السيئ الذي صدر مني؛ يا عم كلامك الذي كنت تقوله لي، والنصائح التي كنت تبديها كلها صحيحة.

فقلت له: وكيف!

قال: اليوم وعند الصباح كانت عندنا جلسة، وكان الحاضرون فيها هم النواة الأساسية للحزب الشيوعي في إيران، وكان الحديث في المصير النهائي لأفراد الحزب في إيران، بأنه إذا واجهتهم الحكومة بالقوة والسلاح، كيف يقفون أمامها،

وفرزت الآراء من المجتمعين وكانت الآراء ما بين 10- 12 رأياً.

وقد قررت الهيئة المركزية للحزب أن نخرج إلى الشوارع، ونقاتل حتى آخرنفس؛ لأننا أصحاب مبادئ، ولا نتنازل عن عقيدتنا حتى الموت. ثم صار الكلام الأخير للمسئولين الأساسيين (القيادة المركزية للحزب) وكانوا ثلاثة أشخاص، أحدهم كان سكرتير الحزب الشيوعي، والآخر أمين الصندوق، والثالث كان المسئول الرئيسي للتنظيم، هؤلاء الثلاثة قالوا: إذا وصلت المرحلة إلى الشدة والخطورة على أفراد حزبنا، فعلينا في ذلك الوقت أن نلجأ إلى السفارة البريطانية، ونطلب منها حق اللجوء السياسي!

فقلت لهم: إن السفارة البريطانية عدوة لنا. فقال المسئول الأول: أبداً، ليس هناك عداوة بيننا وبين السفارة الإنجليزية، بل إن سياستها في هذه الحالة تقتضي مهادنتنا واحتضاننا.

فخرجنا من البيت الذي كنا مجتمعين فيه لنذهب إلى السفارة الإنجليزية، وفي الطريق عرفت بأن رئيس الحزب له ارتباطات وثيقة بالسفارة الإنجليزية، لا كما كنت أظن في السابق بأن المسئولين حماة الفلاحين والعمال والكادحين، وأدركت بأن خلاص شعبنا ليس بيد هؤلاء المرتبطين بالاستعمار الغربي، بل أن خلاصنا هو في الرجوع إلى الإسلام والتمسك به كاملاً. فانفصلت عنهم وتركتهم لشأنهم، وجئت مسرعاً إليكم معترفاً بخطئي والاعتذار منكم.

التوعية والأسوة

اشارة

إن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أسوة للبشرية في جميع مجالات الحياة، لا في ما يرتبط بالحرب ومواجهة الأعداء، بل حتى في صغريات الحياة الشخصية والأسرية والاجتماعية وغيرها.

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «خمس لا أدعهن حتى الممات؛ الأكل على الحضيض معالعبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً(1)، وحلب العنز بيدي ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي»(2).

وكان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبيد، ويجلس على الأرض، ويركب الحمار ويردف، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها، ويسلم على من استقبله من كبير وصغير وغني وفقير، ولا يحقر ما دُعي إليه ولو إلى حشف التمرة، وكان خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بشاشاً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، ولم يتجشأ من شبع قط، ولم يمد يده إلى طمع، وكفاه مدحاً قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(3).

الشباب والتأسي

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، مهما ألقي فيها من كل شيء قبلته»(4)، يلزم على الشباب أن يدرسوا تاريخ رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بدقة فائقة ليتأسوا به، فإنه خير أسوة لهم، ولكن بعض الشباب المسلم اليوم على حالة من الغرور والانخداع، فهم لا يعرفون الحقيقة ولا يعلمون بالأسوة التي ينبغي التأسي بها أبداً، الأمر الذي يحملنا المسؤولية كاملة من أجل توضيح الحقائق


1) الأكاف والوكاف: البردعة، وهي كساء يلقى على ظهر الدابة.

2) الخصال 1: 271.

3) سورة القلم، الآية: 4.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 275.

لهم، وإزالة الشبهات التي أودت بحياة الكثيرين وحطمت شخصياتهم؛ فلذا علينا أنننشر المعارف الإسلامية الصحيحة، المستلهمة من القرآن والسنة المطهرة، المتمثلة بتعاليم ونهج أهل البيت(عليهم السلام)، لغرض توعية أبناء الأمة، ونشر سيرة الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وطريقة تعامله مع الناس، وكيف أرسى دعائم الإسلام، ونعرّفهم بمحاسن أخلاقه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، وتصرفاته السياسية والاجتماعية؛ ليكون هو أسوتنا وقائدنا الأول في مسيرة هذه الحياة، لا الاستعمار وعملاءهم، ولقد قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(1).

التأسي بالعترة الطاهرة

ومن بعد الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) علينا أن نتأسى بمشاعل الهداية، ومصابيح الدجى الأئمة المطهرين(عليهم السلام)؛ فقد ورد عن أبي جعفر(عليه السلام): «أما إنه ليس عند أحد علم، ولا حق، ولا فتيا، إلّا شيء أخذ عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) وعنا أهل البيت(عليهم السلام)، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلّا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي(عليه السلام) ومنا، فإذا اختلف عليهم أمرهم قاسوا وعملوا بالرأي، وكان الخطأ من قبلهم إذا قاسوا، وكان الصواب إذا اتبعوا الآثار من قبل علي(عليه السلام)»(2).

التنظيم

ويلزم علينا أن نوجد حالة التنظيم الواقعي والكامل في جميع شؤون الحياة، مستلهماً ذلك عن سيرة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسياسته الناجحة، ومتأسياً به في ذلك.


1) سورة الأحزاب، الآية: 21.

2) بحار الأنوار 2: 95.

وقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى اللّه ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم...»(1).

وهنا تقع المسؤولية على رجل الدين وطلبة العلم - بالدرجة الأولى - في أنيكون المحور الأساسي في إنارة الأفكار والرؤى للآخرين، وبعث الحياة في نفوس الشباب وتوجيههم نحو الوجهة الصحيحة، وأن تكون الحوزة العلمية مركز بعث النور والصلاح والإيمان والتأسي بالرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى كافة شعوب العالم.

وعلينا أن لا نغفل ولا نتكاسل، ولا نشعر بالتعب والأذى في طريق الحق؛ ونتجنب المنى والكسل، فقد ورد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «تجنبوا المنى؛ فإنها تذهب بهجة ما خولتم، وتستصغرون بها مواهب اللّه تعالى عندكم، وتعقبكم الحسرات في ما وهّمتم به أنفسكم»(2).

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إني لأبغض الرجل - أو أبغض للرجل - أن يكون كسلاناً عن أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل»(3).

كما أن على الإنسان أن يكون صبوراً متحملاً للمشاكل، وأن لا يتصور أنه هو الوحيد الذي يُبتلى، فإن غيره أيضاً يبتلى سواء كان الغير من أهل الحق أو الباطل، يقول اللّه سبحانه وتعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّٰلِمِينَ}(4).

«الحمد للّه الّذي يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، الحمد للّه كما يحبّ


1) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 47 من وصية له(عليه السلام) للحسن والحسين(عليهما السلام).

2) الكافي 5: 85.

3) الكافي 5: 85.

4) سورة آل عمران، الآية: 140.

اللّه أن يحمد، الحمد للّه كما هو أهله، اللّهمّ أدخلني في كلّ خيرٍ أدخلت فيه محمّداً وآل محمّدٍ، وأخرجني من كلّ سوءٍ أخرجت منه محمّداً وآل محمّدٍ، وصلّى اللّه على محمّدٍ وآل محمّدٍ»(1).

من هدي القرآن الحكيم

حسن الخلق

قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(2).

وقال سبحانه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسَْٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَٰلَمِينَ}(3).

وقال جلّ وعلا: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(4).

معاشرة الناس

قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِۦ شَئًْا وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَٰمَىٰ وَالْمَسَٰكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ}(5).

وقال سبحانه: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}(6).

وقال عزّ وجلّ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ


1) الكافي 2: 529.

2) سورة آل عمران، الآية: 159.

3) سورة الشعراء، الآية: 107- 109.

4) سورة القلم، الآية: 4.

5) سورة النساء، الآية: 36.

6) سورة البقرة، الآية: 83.

بَعْضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}(1).

وقال جلّ وعلا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوٰةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٖ كَالْمُهْلِ يَشْوِيالْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}(2).

العطف على المساكين

قال عزّ وجلّ: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَٰمَىٰ وَالْمَسَٰكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}(3).

وقال جلّ وعلا: {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}(4).

وقال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَٰمَىٰ وَالْمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}(5).

العدل بين الناس

قال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَٰنِ}(6).

وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَٰبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(7).


1) سورة الزخرف، الآية: 32.

2) سورة الكهف، الآية: 28-29.

3) سورة النساء، الآية: 8.

4) سورة الإسراء، الآية: 26.

5) سورة البقرة، الآية: 83.

6) سورة النحل، الآية: 90.

7) سورة الحديد، الآية: 25.

وقال سبحانه: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}(1).

وقال جلّ وعلا: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}(2).

من هدي السنّة المطهّرة

حسن الخلق

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(3).وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إنما أنا عبد آكل بالأرض، وأعقل البعير، وألعق أصابعي، وأجيب دعوة المملوك، فمن يرغب عن سنتي فليس مني»(4).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أنا أديب اللّه وعلي(عليه السلام) أديبي، أمرني ربي بالسخاء والبر، ونهاني عن البخل والجفاء، وما شيء أبغض إلى اللّه عزّ وجلّ من البخل وسوء الخلق»(5).

معاشرة الناس

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «رأس العقل بعد الإيمان باللّه التحبب إلى الناس»(6).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم):­ «أجيبوا الداعي، وعودوا المريض، وأقبلوا الهدية، ولا تظلموا المسلمين»(7).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ثلاث يصفين ود المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيه،


1) سورة الشورى، الآية: 15.

2) سورة الأنعام، الآية: 152.

3) بحار الأنوار 16: 210.

4) تنبية الخواطر ونزهة النواظر 1: 211.

5) مكارم الأخلاق: 17.

6) روضة الواعظين 1: 3.

7) الأمالي للشيخ الطوسي: 639.

ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه، ويدعوه بأحب الأسماء إليه»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أجود الناس كفاً، وأكرمهم عشرة، من خالطه فعرفه أحبه»(2).

العطف على المساكين والفقراء

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «نور الحكمة الجوع، والتباعد من اللّه الشبع، والقربة إلىاللّه حب المساكين والدنو منهم»(3).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ألا ومن استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق اللّه، واللّه يستخف به يوم القيامة إلّا أن يتوب»(4).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من أكرم فقيراً مسلماً لقي اللّه يوم القيامة وهو عنه راض»(5).

ومن وصية رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأبي ذر(رحمه اللّه): «عليك بحب المساكين ومجالستهم»(6).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «صل قرابتك وإن قطعوك، وأحب المساكين وأكثر مجالستهم»(7).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «من استذل مؤمناً أو حقره لفقره أو قلة ذات يده، شهره اللّه يوم القيامة ثم يفضحه»(8).


1) الكافي 2: 643.

2) مكارم الأخلاق: 17.

3) مكارم الأخلاق: 149.

4) الأمالي للشيخ الصدوق: 429.

5) الأمالي للشيخ الصدوق: 429.

6) معاني الأخبار: 335.

7) الأمالي للشيخ الطوسي: 541.

8) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 33.

العدل بين الناس

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «سيد الأعمال: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في اللّه، وذكر اللّه عزّ وجلّ على كل حال»(1).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ثلاث خصال من كن فيه استكمل الإيمان: إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له»(2).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها»(3).

وقال(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في وصية له لأمير المؤمنين(عليه السلام): «يا علي، ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك، تكن عادلاً في حكمك، مقسطاً في عدلك، محباً في أهل السماء، مودوداً في صدور أهل الأرض...»(4).


1) الكافي 2: 145.

2) الكافي 2: 239.

3) مشكاة الأنوار: 316.

4) تحف العقول: 14.

الاعتدال

الاعتدال لغة الكَون

اشارة

قال اللّه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ}(1).

جَرَت السنّة الإلهية على أن يُودَع في هذا العالم مختلف المخلوقات والأحياء، وكلّها خاضعة لنظام تكويني عادل، فلا نجد في أيّ مظهر من مظاهر الكون زيادة تؤدي إلى الاضطراب، ولا نجد نقصاً يؤدي إلى الاختلال، فالكواكب والأجرام منتظمة في حركتها، فلا تسرع في جريانها ولا تميل قيد أنملة عن مسارها، وترى الاعتدال في كميّات الغازات والأشعة المختلفة. وهكذا الحال في عالم الحيوان فالاعتدال والتوازن في أعدادها بما يلائم الصالح العام لهذه الحياة، أو منسوب المياه، أو حركة الأرض، والضغط الجوي، ودرجات الحرارة والبرودة، وإلى آخر ما أودع اللّه تعالى في هذا الكون، فالنظام والعدل والتوازن والاستقرار من المظاهر الضرورية التي لا تنفكّ عن أي مخلوق، وكأن الوجود يحكي بلسان حاله عن حالة الاعتدال التي تحيط به، ويرفض أي افراط أو تفريط في أيّ جانب من جوانبه. فالموجودات كلّها تتمتع بصفة الاعتدال في أصل وجودها، وتحمل في ذاتها هذه الصفة لتكون دليلاً على العادل المطلق، الذي


1) سورة الملك، الآية: 3.

ألْهَم الخلائق أن تتوجه إليه وتشير نحوه بصفاتها الكمالية؛ لأنه صاحب الكمالات المطلقة التي لا حدّ لها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فرض الخالق تعالى على الناس أن يتعاملوا باعتدال تام؛ كما في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَا بَصِيرًا}(1).

فلا إسراف في العطاء، بحيث يصيب الإنسان الفقر والحاجة، ولا أن يكبّل المرء يديه، فيصيبه البخل والطمع، بل أمر بين الأمرين، فلا يفقد الإنسان توازنه الاجتماعي بالإسراف والتبذير والبذخ، ولا أن يصيبه مرض روحي خطير مثل الحرص على المال، فيصبح طمّاعاً جشعاً، بل عليه أن يسلك طريقاً معتدلاً، لكي يحصل على التوازن في حياته، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}(2).

وقْفَة

قد يقال: إنّ الأئمة(عليهم السلام) كانوا يعيشون في حالة دون مستوى الاعتدال الطبيعي، في أكلهم وشربهم ولباسهم، فهم(عليهم السلام) لا يأكلون إلّا قليلاً ولا يلبسون إلّا الخشن، والقصص الكثيرة المنقولة عنهم تكشف عن هذا، فقد امتنع الإمام أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان(عليهم السلام) عن الأكل ثلاثة أيام وهم صائمون، ففي اليوم الأوّل عندما أرادوا الإفطار أتاهم مسكين، فأعطوه أقراص الخبز التي أعدّوها لإفطارهم، وأفطروا بالماء فقط، وفي اليوم الثاني جاءهم يتيم، ففعلوا كما فعلوا في اليوم الأول، فشربوا الماء فقط، وفي اليوم الثالث أتاهم أسير، فأعطوه أقراص الخبز كلّها، فبان عليهم


1) سورة الإسراء، الآية: 29-30.

2) سورة الفرقان، الآية: 67.

الضعف واصفرار الوجه من شدة الجوع، فلما جاء رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ورأى فيهم ذلك بكى لحالهم، فنزل فيهم قرآنٌ، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(1). فهذا الموقف وغيره من المواقف التي أشارت إلى أنّ الأئمة(عليهم السلام) يأخذون من الدنيا الشيء القليل فهذا أمر يلفت النظر، ويدعو إلى التساؤل، فهل من الاعتدال أن يبقى الإمام علي والزهراء والحسنان(عليهم السلام) جياعاً ثلاثة أيام؟ أم من الاعتدال أن يلبس الأئمة الخشن، ويأكلوا الخبز اليابس، واللبن الحامض وغيره، وهم في نفس الوقت قادرون على لبس اللباس الناعم وأكل ما طاب من الطعام؟ ألّا يدخل تصرفهم هذا تحت عنوان التفريط؟ فكيف يمكن إسناد ذلك إلى الاعتدال؟ وفي معرض الإجابة عن هذه التساؤلات نقول:

أولاً

إن الأئمة(عليهم السلام) كانوا عبارة عن الامتداد الطبيعي للنبوة، فهم القادة الحقيقيون للأمة، روحياً وسياسياً وسلوكياً...، وهم الذين يصحّحون الجانب العقائدي والفكري لها، وهم الأسوة الحسنة على امتداد التاريخ. فكان الواجب أن يقوموا بأمور تتناسب مع مقامهم العالي والرفيع، فالقيادة تقوم بهذا الدور، لكي تكون الأمة في مقام ومستوى الاعتدال، لأنّ طبيعة الناس لا تصل إلى ما تصل إليه القيادة الإلهية، فالناس دائماً أقل درجة، فإذا كانت القيادة في حدّ الاعتدال فإن الأُمّة ستكون بعيدة عن حدّ الاعتدال، فكان الأئمة دائماً يعيشون حالة الزهد، لكي تعيش الأمة على أقل تقدير حالة الاعتدال.

ثانياً

لأن القيادة الإلهية المتمثلة بالأئمة كانت ترى أن روح الكمال والوصول للّه


1) سورة الإنسان، الآية: 8.

عزّ وجلّ، في هذه الدرجة، أسرع من درجة الاعتدال، وكانت من خلال هذا النهج تتعبأ كمالاً، وتندك في اللّه تعالى، ومن الآثار الطبيعية لذلك أنها تستطيع أن تقود الأمة جسدياً وروحياً، وتحافظ على الرسالة المحمدية، وتفرض وجودها في قلب كلّ فرد، وهذا ما حصل بالفعل إلى يومنا هذا... فالإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشريف رغم أنّه غائب عن أنظارنا - بفعل أعمالنا - إلّا أنه حاضر في قلوبنا ومشاعرنا.

ثالثاً

الزمن الذي عاش فيه الأئمة(عليهم السلام) كان يسوده في أغلب الأحيان الفقر، فكانت الأمة وبالأخص الطبقة المؤمنة تعيش حالة الفقر، وهنا تظهر نقاوة القيادة، فتعيش دون مستوى الأمة، لكي تراعي أقل وأفقر فرد في الأمة، وهذا أمر يقف العقل والإنسانية له بكل إجلال وإكبار، ولم نجد قيادة إسلامية أو غيرها مثل الأئمة(عليهم السلام). لا سيّما الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) حين تمثّل قائلاً: «أ أقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش... .

ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القَزّ(1)

ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي(2)إلى تخيّر الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى(3)وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:

وحَسْبُك داءً أن تَبيْتَ ببطنة *** وحولك أكباد تحنّ إلى القدِّ(4)


1) القَزّ: الحرير.

2) الجَشَع: شدة الحرص.

3) بطون غرثى: جائعة.

4) نهج البلاغة، الكتب الرقم: 45 من كتاب له(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وكان عامله على البصرة.

الاعتدال في الفكر والمُعْتَقد

من الأمور الضرورية في حياة الإنسان: الأفكار العقائدية التي بنى عليها حاضره ومستقبله، وكيانه وثقافته، بل حتى سلوكه ومنطقه، فالفكر والعقائد من الأمور التي تتطلب من الإنسان أن يدقّق فيها ويمحّصها كثيراً، قبل أن يأخذها أخذ المسلمات؛ لأنها تشكّل كيان الفرد والجماعة. وعلى أساس ما يعتقد الإنسان يتحرك، فإذا كانت عقائده وأفكاره باطلة، كان تحركه وسلوكه ومنطقه باطلاً وزائفاً، والعكس صحيح، فالقرآن والتاريخ مليئان بالشواهد على هذا المنعطف الخطير في حياة الإنسان، لأنّ التفكير أيضاً يحتاج إلى الاعتدال والتوازن، وعدم الخروج عن المعتاد. فالنصارى عندما خرجوا عن حدّ الاعتدال في الإيمان والاعتقاد، انحرفوا عن الطريق القويم، الذي رسمه لهم نبى اللّه عيسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام)، حيث ألّهوا عيسى وقالوا: (عيسى هو الربّ). وهكذا الحال مع الغلاة عندما تصوروا أن أمير المؤمنين(عليه السلام) أو باقي الأئمة(عليهم السلام) آلهة يمشون على الأرض، وكذلك ظهرت مذاهب عقائدية منحرفة أودت بالناس إلى الجحيم، فمن قال بتناسخ الأرواح، ومن قال بالجبر، ومن قال بالتفويض، ومن قال بتعدّد الآلهة، إلى ما شابه ذلك من العقائد والأفكار، التي انحرفت - إما إفراطاً أو تفريطاً - عن الصراط المستقيم، وجانب الاعتدال، وانصاعت للهوى فانزلقت بمزالق الشيطان. ولقد وقف أهل البيت(عليهم السلام) بوجه هذه التيارات الملحدة التي تضل الناس. فوضعوا المناهج والخطوط البيانية للعقائد الصحيحة، التي تؤمّن للإنسان مستقبله، بالإضافة إلى حاضره. فمثلاً في مسألة الجبر والتفويض، التي ما زالت جذورها ممتدة إلى يومنا هذا، ولها أتباع ومدارس؛ وقف الأئمة(عليهم السلام) موقفاً تصحيحاً من هذه النظرية؛ إذ قالوا

مقولتهم فيذلك: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين...»(1). أي: إن اللّه تعالى لم يجبر الإنسان على أي فعل، كما لم يفوّض الأمور إليه ويتركه في هذه الحياة يفعل ما يشاء، بل جعل هناك مرتبة وسطاً، متمثلة بوجود نظام تشريعي، لو سلكه لوصل إلى مرضاة اللّه تعالى، وحصل على الجنان والنعيم الأبدي. وكذلك جعله مختاراً في قبول النظام، فالاختيار والنظام هي الحالة المعتدلة المتوسطة بين الجبر والتفويض. فلا اقتضاء أن ننكر اختيار الإنسان ونقول: نحن مجبرين، في حين أن كلّاً منا يتمتع باختياره وإرادته. كما لا يسوغ أن ننكر قدرة اللّه تعالى، ونحن نعلم أن اللّه تعالى هو خالق الإنسان وهو الهادي، ونقول: إنه فوّض إلينا الأمر، وتركنا في هذه الحياة، فهذا النمط من التفكير هو الإفراط أو التفريط بعينه. ولولا توجيهات أهل البيت(عليهم السلام) وجهودهم الجبارة؛ لعاش الناس في تخبطات فكرية عقائدية كبيرة تزعزع استقرارهم وتشوش أفكارهم.

ومشكلة عدم الاعتدال في الفكر قائمة إلى اليوم، في كثير من مجالات الحياة؛ كمثل الشعائر الحسينية التي يقول عنها البعض إنها مجرد قشور لا نفع فيها، والأجدر أن نزيلها من الوجود، وفي مقابلهم نرى آخرين يقولون: إن هذه الشعائر هي كل شيء، ويتجاهل الأهداف السامية للثورة الحسينية، بينما الأمر لا هذا ولا ذاك، فالشعائر الحسينية التي أباحها الفقهاء مطلوبة، لأنّ غالبية الناس تتفاعل مع أحداث الثورة الحسينية وتتعايش معها عن طريق هذه الشعائر، فتبقى الجماهير مرتبطة روحياً بدينها، الذي ضحّى من أجله سيد الشهداء(عليه السلام)، وفي الوقت نفسه يجب علينا أن نظهر ونبيّن أهداف ثورته العملاقة، وثمارها للعالم أجمع، حتى نعيش حالة الاعتدال، ونستفيد من الثورة، كما أراد لنا الحسين(عليه السلام) ذلك.


1) الكافي 1: 160.

والشعائر وسيلة لاحياء مسيرة الإمام الحسين(عليه السلام) ومعرفة غايته، والذي أرادوه منّا في: «... رحم اللّه من أحيا أمرنا»(1). هو ما ضحى الحسين(عليه السلام) بنفسه وأصحابه وأولاده من أجله.

الاعتدال في العبادة

العبادة من الأمور التي تدعو إليها فطرة الإنسان، وتتلائم وطبعه وتركيبته، لأنها كانت موجودة معه منذ وُجد أوّل مرة، وظلت ملازمة له، حتى أننا لن نعثر على مرحلة من المراحل خالية من مظاهر العبادة. نعم المقصود من العبادة مختلف فيه من قوم إلى قوم ومن فترة إلى أخرى؛ فتارة يكون المعبود هو اللّه عزّ وجلّ، ولا تصح عبادة غيره؛ وتارة يكون المعبود صنماً أو كوكباً أو الإنسان نفسه، أو غير ذلك أمّا سبب الاختلاف والانحراف عن عبادة اللّه تعالى فهو ميل الإنسان عن مبدأ الاعتدال العام، فيدخل إمّا في جانب الإفراط بعبادة (360) صنماً، أو أكثر من ذلك الرقم، بعنوان أنها آلهة مقربة إلى اللّه، كما كان الحال في مكّة قبل بعثة النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، أو كما هو اليوم حاصل في الهند. أو يدخل في التفريط؛ فيعبد البقر، أو الشمس، أو القمر... أو ينكر وجود خالق لهذا الكون، وليس الكلام يدور في حق الذين اشتبه عليهم المعبود فقط، بل كذلك في الذين يعبدون اللّه تعالى ويوحدّونه لكنهم اشتبهوا في بعض المفاهيم فمنهم: من يتصور أن حقيقة العبادة هي الخوف والخشية من اللّه عزّ وجلّ، فيسيطر عليه هذا الاتجاه، فتراه دائم الخوف والبكاء، إلى أن يقوده هذا إلى اليأس من روح اللّه عزّ وجلّ، ومنهم من يعتمد على الرجاء، وعلى الرحمة الواسعة للّه تعالى، ويتجاهل أو يتماهل في الكثير من الواجبات والفروض، التي أوجبها اللّه تعالى عليه بذريعة (أن رحمة اللّه واسعة)، إلى أن يصل إلى مرحلة الأمن من مكر


1) الإختصاص: 29.

اللّه، وقد قال عزّ وجلّ عنهم: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَٰسِرُونَ}(1)، وقسم آخر تصوروا أن حقيقة العبادة هي العزلة عن الناس، والانقطاع عن المجتمع، والاحتجاب في أماكن خاصة للتعبد والزهد، وهو ما يسمى (بالتصوف).

فهؤلاء يرون أن خدمة الناس، والجهاد في سبيل اللّه، وإعانة الفقراء وأمثالها مجرد أعمال صغيرة، لا تضاهي أيّ شيء مما يقومون به، من العبادة والصوم والزهد. وأول من وضع هذا الاتجاه السلبي للعبادة هو: الحسن البصري، الذي قال عنه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «أما إن لكلّ قوم سامرياً، وهذا سامريّ هذه الأمة....»(2). فالحسن البصري هذا تخلف عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في كافة حروبه، تحت ذريعة العبادة والعلم والزهد.

وهناك اتجاه آخر، أو طبقة أخرى من الناس، يعتمدون في عبادتهم على الدّعاء فقط، ويكثرون منه، ويواظبون عليه، ويجانبون العمل، ولا يسعون إلى أمر أبداً، بل يواجهونه بالدعاء والالتماس من اللّه، وآخرون عكسهم تماماً، يرون أن الدعاء أمرٌ اتكالي وسلبي، ولا يمكن الاعتماد عليه، بل لا بدّ من العمل والسعي، وعدم الركون إلى الدعاء.

وإلى ذلك هناك اتجاهات شتّى في العبادة، وكلها تعبيراً آخر عن حالات المرض النفسي، والانحراف العقائدي، والمغالطات الفكرية، التي لا أساس لها أبداً، بل تدخل كلّها في مورد الإفراط أو التفريط. الإفراط: المتمثل بالغلو والصوفية وترك السعي والعمل. والتفريط: المتمثل بترك الواجبات وعدم الدعاء وعدم التوكل على اللّه عزّ وجلّ.


1) سورة الأعراف، الآية: 99.

2) بحار الأنوار 42: 142.

بينما الاتجاه الصحيح هو ما كان معبّراً عن الاعتدال، فمثلاً على الإنسان أن يكون داخل دائرة اسمها الخوف والرجاء معاً؛ الخوف من اللّه تعالى، إلى جانب رجاء رحمته، وهذا ما أقرّه أهل البيت(عليهم السلام) بقولهم: «إنه ليس من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء لو وُزِن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا»(1).

وهكذا الحال: في العبادة فلا بد على الإنسان أن يقتصد فيها، ولا يتجاوز حد الاعتدال والاقتصاد، لأنّ تجاوز حدّ الاعتدال هو انحراف عن الصراط، فأولئك الذين انحرفوا لم يدخلوا إلى الدين برفق ووعي، بل تمسّكوا بأحد طرفي الاعتدال، وأوغلوا بعنف، فصاروا إلى ما صاروا إليه، بينما الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «لا تكرّهوا إلى أنفسكم العبادة»(2). وقال(عليه السلام) أيضاً: «إن اللّه عزّ وجلّ إذا أحبّ عبداً فعمل عملاً قليلاً جزاه بالقليل الكثير، ولم يتعاظمه أن يجزي بالقليل الكثير له»(3).

الاعتدال في سدّ الشهوات

مرادنا من الشهوات هو كلّ الملذّات التي أباحها اللّه تعالى للإنسان عن الطريق الشرعي، كالمأكل والمشرب... . فالاعتدال في استخدام هذه المباحات يولد الراحة والطمأنينة الروحية والجسدية، أما الإفراط أو التفريط فيها فنتيجته الحتمية هي مجموعة من الأمراض والأوجاع، فالإفراط في الأكل يولد التخمة والأوجاع في الجهاز الهظمي للإنسان، كما أنّ الجوع فوق الحدّ يضعف الإنسان عن سعيه وأداء واجباته، أما الاعتدال فيجعل الإنسان معافى سليماً على أنّ الإسراف في الأكل، مضافاً إلى ما ذكرنا من سلبيات، فإنه يفتح باب الهوى على


1) الكافي 2: 67.

2) الكافي 2: 86.

3) الكافي 2: 86.

مصراعيه. وقد روي عن هارون العباسي يوماً أنه دعا طبّاخه، فلما مثل بين يديه، قال له: أعندك من الطعام لحم جزور؟ قال: نعم، ألوان منه، قال هارون: أحضره مع الطعام، فأُحضرت المائدة، فأخذ هارون شيئاً من لحم الجزور، فضحك جعفر البرمكي، فقال له هارون: بحقي عليك لما أخبرتني به، قال جعفر: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها هارون من فيه، فقال له جعفر: بكم يتقوّم عليك هذا الطعام من لحم الجزور؟ قال هارون: بثلاثة دراهم. قال جعفر: لا واللّه يا أمير المؤمنين، بل بأربعمائة ألف درهم. قال هارون: كيف ذلك يا جعفر؟ قال جعفر: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت له: لا يخلونّ المطبخ من لحم الجزور، فصرنا ننحر كلّ يوم جزوراً، لأجل مطبخك، لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور، فصرف من لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلّا هذا اليوم، فضحكت لأن أمير المؤمنين لم ينله من كل ذلك غير هذه اللقمة فحسب، فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف درهم(1).

ولا نريد هنا أن نتكلم عن إسراف بني العباس وبذخهم، ولكن لتكون هذه القصص عبرةً للناس يستفيدون منها في حياتهم العملية الاجتماعية، فهي تعلّم المرء المؤمن الأمانة، لا سيّما في مسألة مال المسلمين، الذي كان هارون قد جعله تحت تصرف أهوائه الجنونية، وكذلك تعلّمنا عدم الانصياع للنفس؛ لأنّ الهوى يقود الإنسان نحو انحرافات خطيرة تبعد الإنسان عن دينه وإنسانيته، وتجرّه إلى شهوات حيوانية بهيمية.

فقد ذكر التاريخ أنه لما أفضت الخلافة إلى هارون، وقعت في نفسه جارية


1) انظر البداية والنهاية 10: 234.

من جواري المهدي، فراودها عن نفسها فقالت: لا أصلح لك، إن أباك قد طاف بي، فشُغف بها، وأرسل إلى أبي يوسف فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أو كلّما ادّعت أمةٌ شيئاً ينبغي أن نصدّق، لا تصدّقها، فإنها ليست بمأمونة، قال ابن المبارك: فلم أدر ممن أعجب؛ من هذا (ويعني هاروناً) الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه، أم من هذه الأَمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أم من هذا فقيه الأرض وقاضيها. قال: إهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك وصيّره في رقبتي(1).

فمثل هذه الشهوة التي تدعو الإنسان لأن يتمرد على الدين، ويخالف الأحكام، ويبتعد عن إنسانيته؛ أولى بأن يؤدّبها الإنسان ويهذبها، ويسيطر على نفسه تجاهها، من أن يقع في حبالها، فعلى الإنسان أن يكون حذراً، فلا يكون كهارون، ويتحول بسبب حبّ الجنس من إنسان إلى حيوان، ولا يكون كالرهبان الذين حرّموا على أنفسهم ملذات الحياة، فلا هذا ولا ذاك، ولكن يجب أن يعيش الإنسان حالة الاعتدال والتوازن، فإنّ الأكل بطبيعته يسدّ حاجة الإنسان من الجوع، والجنس يسدّ حاجته الغريزية في هذا الجانب، والثروة تساعده على النفقة، سواء كانت على نفسه أم على عياله، وهكذا باقي الملذات، فالمطلوب من الإنسان أن يوازن بين هذا كلّه، وهو ليس من الأمور المتعسرة المستحيلة، بل الأمر يحتاج إلى تفكير وتأنٍّ قبل كلّ عمل، وينظر إلى الاعتدال في كل مسألة ولا يقحم نفسه في الإفراط أو التفريط، ويحدّد مسار حياته حسب قانون العدل والاعتدال، ولا يحيد عن ذلك: «العدل حياة»(2)كما قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).


1) تاريخ الخلفاء: 316.

2) غرر الحكم ودرر الكلم: 26.

الاعتدال الاجتماعي

وإنّ للاعتدال قيمة حقيقية ووزناً خاصاً في الاجتماعيات؛ إذ أنّ المجتمع لا يتقوم ولا يتكون من شريحة واحدة، بل هو خليط من الطبقات وغالباً ما تتقوم المجتمعات من الطبقة الثالثة وهم متوسطوا الحال لأن الطبقة الأولى - أي طبقة الأغنياء - تعتبر أقلية في المجتمع، فلا يتقوم بها، وكذلك لا يتقوم بالطبقة الفقيرة، لأن هذه الطبقة تحتاج إلى من يقوّمها ويسدّ حاجتها؛ بل إنّ المجتمع هو الذي يقوّم هذه الطبقة، فلن يبقى سوى الطبقة المتوسطة، لتشكّل قوام المجتمعات، وبواسطتها تتقوم البنية التنمويّة للمجتمع، وعليهم يقع العبء الأكبر في تحديد مسار الحضارة، وتقدم المجتمعات، وما إلى ذلك، فالوسط الاجتماعي في أغلب المجتمعات هو المعيار الذي تقاس عليه الأشياء، في المأكل وفي الملبس وطريقة التعامل مع الآخرين...، فالإنسان الغريب لا ينظر إلى الطبقة المسحوقة في المجتمع، بل ينظر إلى الوسط العام الذي تظهر عليه، ومن خلاله، قيم المجتمع وآدابه، وأُسلوب عيشه، ولا تكمن ضرورة الاعتدال فقط في المجتمع بما هو مجتمع، بل حتى في الأُسرة الواحدة، والجماعة الصغيرة، والحزب والتكتّل، وكل مظاهر الاجتماعيات الإنسانية، فالأب لا بدّ أن يعدل بين أولاده في الحب والعاطفة والحنان... والأم كذلك، فلا يعمل الأب على إيجاد ثغرة أو طبقة بين أولاده، وكذلك الحال بالنسبة إلى رئيس الحزب أو الدائرة... فعليه أن يتعامل مع الآخرين بروح العدالة والتوازن العام.

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «إنّ العدل ميزان اللّه سبحانه الذي وضعه في الخلق ونصبه لإقامة الحق فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه»(1).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 224.

وفي حديث آخر قال الإمام(عليه السلام): «جعل اللّه سبحانه العدل قواماً الأنام، وتنزيهاً من المظالم والآثام، وتسنية للإسلام»(1).

فالاعتدال أفضل سلاح فعّال يقف بوجه هوى النفس أولاً، وأمام مظاهر الظلم الاجتماعي ثانياً. وإنّ أبرز سبب لإيجاد مظاهر الاعتدال في المجتمع هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالعمل بهذا المبدأ من داخل الأُسرة إلى الحزب إلى الجماعة إلى المجتمع كلّه يؤمّن لنا العدالة والتوازن الأخلاقي، ويحفظ لنا رصيداً ضخماً من الطاقات البشرية المؤمنة باللّه، والعاملة من أجل إشاعة المعروف وخدمة عباد اللّه تعالى.

«اللّهم صلّ على محمّد وآله، وامنعني من السَّرَف، وحصّن رزقي من التلف، ووفر مَلَكَتي بالبركة فيه، وأصب بي سبيل الهدايه للبرّ في ما أُنفق منه»(2)، بحق محمّد وآل محمّد.

من هدي القرآن الحكيم

دعوة إلى الاعتدال

1- في العبادة

قال تعالى: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ}(3).

2- في القضاء

قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}(4).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 341.

2) الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

3) سورة طه، الآية: 1-2.

4) سورة النساء، الآية: 58.

3- في أداء الصلاة

قال عزّ وجلّ:{وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا}(1).

4- في الأكل والشرب

قال جلّ وعلا: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(2).

5- في الإنفاق

قال عزّ اسمه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}(3).

من هدي السنّة المطهّرة

دعوة إلى الاعتدال

1- العبادة

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ان هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه، فتكونوا كالراكب المُنْبَتِّ(4)الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى»(5).

2- المأكل

قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «عليكم بالقصد في المطاعم فإنه أبعد من السرف وأصح للبدن وأعون على العبادة»(6).


1) سورة الإسراء، الآية: 110.

2) سورة الأعراف، الآية: 31.

3) سورة الإسراء، الآية: 29.

4) المُنْبَتّ: يقال للرجل إذا انقطع به في سفرة وعطبت راحلته: قد انبتّ من البتّ، بمعنى القطع.

5) الكافي 2: 86.

6) غرر الحكم ودرر الكلم: 448.

3- الإنفاق

قال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفاف ويقدم منه فضلاً لآخرته فإن ذلك أبقى للنعمة وأقرب إلى المزيد من اللّه عزّ وجلّ وأنفع فيالعافية»(1).

4- الخوف والرجاء

قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «...، ومن كان باللّه عارفاً كان من اللّه خائفاً، وإليه راجياً وهما جناحا الإيمان يطير بهما العبد المحقّق إلى رضوان اللّه...»(2).


1) الكافي 4: 52.

2) مصباح الشريعة: 180.

الإصلاح الثقافي

اشارة

اشارة

قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ}(1).

من الثابت في علم النفس الاجتماعي أن الناس يصابون بردّة فعل ومقاومة نفسية وروحية قوية مضادة ومعاكسة تجاه بعض الأحداث المهمة التي يتعرضون لها ويتحقق ذلك بشكل واضح وملموس عندما يواجهون نوعين من الأحداث:

الأول

عندما تقوم مجموعة - تحت أي عنوان كان - بإخراج الناس من حريتهم وحالتهم المستقرة والمطمئنة إلى مرحلة الفساد والفحشاء والاضطرابات فحينئذٍ تتولّد عند كثيرٍ منهم حالة شديدة من الرفض والثورة ضد ما يرمي إليه أولئك النفر.

الثاني

عندما تقوم مجموعة تحت أي عنوان كان بانتشال الناس من واقعهم المتردي من العبودية والانحلال الخلقي والعقيدي وتوجيهم نحو الاستقلال والحرية والنزاهة الخلقية والعقيدية فحينئذٍ تظهر من هؤلاء أيضاً حالة من الرفض والثورة ضد ما تهدف إليه هذه الجماعة.

وذلك لأن طبيعة الإنسان تجعله يعيش مع الأحداث والتغيرات ويحكم عليها


1) سورة آل عمران، الآية: 144.

بواسطة عواطفه ومشاعره وأفكاره الخاصة التي نشأ وترعرع وتطبّع عليها واستأنسبها سواء كانت هذه الأفكار التي يحملها صحيحة أو سقيمة حقة أو باطلة، بحيث إذا تعرض لها أحد بسوء أو طلب تغييرها أو تعديلها أو تفنيدها واستبدالها بالأحسن لم يلق إلّا الصدود أو الأعراض تارة أخرى.

هذه هي الطبيعة المتجذرة في نفوس الناس غالباً... مثلاً: الإنسان الذي ينمو ويترعرع في مجتمع يعبد الأصنام، الإنسان الذي منذ نعومة أظفاره ومنذ أن كان لا يميز بين الخير والشر لا يرى ولا يعرف من العبادة إلّا تأليه الأصنام وتقديسها، يرى آباءه وأجداده كذا يفعلون، أصدقاءه وأقرانه كذا يصنعون مجتمعه كله يسجد للصنم ويركع له، نرى هذا الإنسان يشب وهو يحبّ الصنم ويقدّسه ويتقرب إليه بالقرابين والنذورات لأنه شب في جو مشحون بذلك، فيتحول في مرحلة رشده وكمال عقله من حب الصنم إلى الاعتقاد والتصديق به، فهكذا إنسان طوى هذه المرحلة الطويلة من السنين وهو لا يأكل ولا يشرب إلّا على حب الصنم ولا ينام إلّا على حلم الصنم ولا يعيش إلّا لجلب رضا الصنم حتى يبلغ درجة الاعتقاد والتأليه له! فهل يستطيع أحد أن يغير عقيدته بسرعة وسهولة ويطلب منه أن يرفض عبادة الصنم ويتمسك بغير ذلك من دون أن يثور ضده أو يحاربه وهو الذي فنّد إلهه المقدس!

أبداً، فإنه لا بد وأن يثور ضده ويحاربه لأنه يعد ذلك أكبر اعتداء على مقدساته.

هذه الحقيقة التي تجعل الكثير من الناس محافظين على أفكارهم ومعتقداتهم القديمة عندما تحدث أفكار ومفاهيم ورسالات جديدة سواء كانت صالحة أو فاسدة، ويتمسكون بما آمنوا به من قبل حتى لو تيقنوا في وجدانهم وضمائرهم بصحة الأفكار الجديدة وسقم عقائدهم: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا

أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}(1). فإن العلو والرفعة والتكبر يدعو الإنسان في كثير من الأحيان لأن يتنكر للحق.

اختلاف الناس

اشارة

في الآية الشريفة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَٰتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٍ}(2). وذلك لأن بعض الناس وجدوا أن كلام النبيين حقّ وصحيح فاتبعوهم ولم يتعصبوا للباطل ولكن البعض الآخر بقوا على تقليدهم لآبائهم وأجدادهم في الشرك وعبادة الأصنام {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَٰرِهِم مُّقْتَدُونَ}(3).

وهذا دَيدَن الناس قديماً وحديثاً وهو التقليد الجامد للآباء والأجداد في الأفكار والعادات والتقاليد بلا ملاحظة جانب الحق والباطل والصحيح والسقيم فيها، وتخصيص المترفين بالذكر في الآية لأنهم هم الذين يتصدون لمعارضة الأنبياء ويصدون عن الحق وأما باقي الناس فإنما هم يتبعون ملوكهم ورؤساءهم في ذلك، ولذلك ومن أجل التمسك بآثار الآباء والأجداد والجمود على معتقداتهم الجامدة في مقابل الحق ومحاربة رسالات الأنبياء نجدهم يتوغلون في طغيانهم وإعراضهم ويعمدون إلى طرق وأساليب تحدد من انتشار دعوة


1) سورة النمل، الآية: 14.

2) سورة البقرة، الآية: 213.

3) سورة الزخرف، الآية: 22.

الأنبياء في ما بين الناس وأهم تلك الطرق وأسهلها هو كيل التهم والافتراءاتالتي ما أنزل اللّه بها من سلطان على الأنبياء.

والقرآن الكريم أشار إلى بعض هذه التهم التي وجهت ضد الأنبياء في آيات متعددة.

فمثلاً اتهموا الرسول الكريم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بأنه شاعر أو مجنون: {بَلْ قَالُواْ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمِ بَلِ افْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بَِٔايَةٖ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ}(1).

{إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُواْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجْنُونِ}(2).

واللّه تعالى ينفي عنه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) الشعر حيث يقول: {وَمَا عَلَّمْنَٰهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ}(3)، {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٖ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ}(4)، ولكن عندما رأى الكفار والمشركون أن تهمة الشعر أصبحت باطلة ولا أثر لها في إبعاد الناس وانفضاضهم من حوله(صلی اللّه عليه وآله وسلم)، اخترعوا تهمة جديدة، وقالوا إنه كاهن، في حين أن النبي لا ارتباط له بالكهانة أصلاً. وبعد ما أصبحت هذه التهمة أيضاً باطلة وغير مؤثرة، عمدوا إلى تهمة ثالثة، وقالوا إنه ساحر، وبعض آخر كانوا يتهمون النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والعياذ باللّه بأنه مسحور، أي فقد عقله فقالوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا}(5). وواضح أنهم إنما ينسبون له هذه التهم التي ليس لها أساس بسبب أنهم كانوا يجدون أن مصالحهم ومنافعهم في


1) سورة الأنبياء، الآية: 5.

2) سورة الصافات، الآية: 35-36.

3) سورة يس، الآية: 69.

4) سورة الحاقة، الآية: 40-41.

5) سورة الإسراء، الآية: 47.

معرض الضرر والفناء وأن وجود أبي سفيان وأبي جهل واعتبارهما ورئاستهما على الناس فيمعرض الخطر!(1).

الفساد قبل الإسلام

شُكلت في العصر الذي سبق الإسلام عصابة في مكة المكرمة ل- (اختطاف الفتيات) وكانت هذه العصابة تقوم باختطاف كل فتاة جميلة يشاهدونها في أزقة البلد، وبعد أن ظهر الإسلام وقف النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والمسلمون ضد هذه العصابة وهذا العمل الشنيع، وكان التابعون لهذه العصابة أو المؤيدين لأعمالها وأفعالها يقومون بإلقاء التهم ضد النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأصحابه في ما بين الناس كتهمة القتل والسرقة والعياذ باللّه، كل ذلك من أجل ضرب الإسلام والقضاء عليه واستئصاله حتى يستطيعوا هم من الاستمرار بعملهم الشنيع الذي وقف أمامه النبي الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وحاربه بشدة.

ولكن الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) استقام أمام ذلك وواصل جهاده في تربية الناس وتهذيبهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى قويت شوكة الدين، وصار لا يمضي يوم واحد إلّا ويزداد عدد المسلمين حتى غطى الإسلام الجزيرة العربية كلها وأوجد على أثر ذلك تحولاً كبيراً في المفاهيم والأخلاق والثقافة الإنسانية اجتاحت كل المناطق التي احتوتها الجزيرة وما يحيط بها واستمر هذا التغيير والإصلاح الشامل للبشرية مع الأجيال إلى يومنا هذا.

مسؤوليتنا

والآن حيث استطاع النبي الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) تغيير أفكار الناس، علينا نحن


1) هذه الحالة نجدها إلى اليوم حاكمة في العالم في مواجهة الحقائق والمبادئ الرفيعة السامية حيث أن أقوى سلاح يستخدم لضرب الحق والقيم الإسلامية هو سلاح الدعاية والإسقاط الإعلامي.

مسؤولية جذب الناس البعيدين عن الدين إلى الإسلام، وإلى اللّه تعالى، وذلك لأنالنبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعد ما قضى على الأصنام وعبادتها، وقام سنين طوالاً بالعمل على تربية الناس وخاصة الشباب وتهذيبهم، حتى جعل منهم أناساً مؤمنين أشداء في سبيل الإسلام، لهم قلوب لا تتزعزع أبداً كالجبال الراسية، فنحن أيضاً علينا مسؤولية تبليغ الإسلام إلى الناس في كل البقاع، لملأ قلوبهم بالإيمان والتقوى والفضيلة، ونقاوم التهم التي تكال ضد الإسلام ورسوله الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والعلماء. إنّ إسلامنا الحنيف هو الدين الذي يقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(1). فكل إنسان حرٌّ في اختيار أي دين وعقيدة يرغب فيها، ولكن يجب أن لا يغيب عن بال أحد أنّ الطريق الوحيد لتأمين الأمن والإستقرار والسعادة في الدنيا والنور بالآخرة هو الإسلام لا غير وكل ما سواه باطل ولا يزيد الإنسانية إلّا العذاب والشقاء الدنيوي والأخروي، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْأخِرَةِ مِنَ الْخَٰسِرِينَ}(2).

إن مبادئ الإسلام من أعظم المبادئ التي منحت للإنسان حريته وكرامته واحترمته وأكبرته، فهو دين الرحمة والعاطفة والسماحة، حتى بالحيوان فضلاً عن الإنسان، وهو لا يؤمن بالعنف وسفك الدماء، ولا يجيز قتل النفس المحترمة، بخلاف بعض المبادئ الوضعية، ولا يكون كالشيوعية التي تقول: كل من لايدين أو يعتقد بالشيوعية فاقتلوه حتى لو كان أمة بكاملها(3).

هذه هي السياسة التي تتبعها جميع الأنظمة والأحزاب الوضعية في العالم


1) سورة البقرة، الآية: 256.

2) سورة آل عمران، الآية: 85.

3) ستالين قتل (18) مليون إنسان قتلاً عاماً لرفضهم للمبادئ الشيوعية وماو تسي تونغ قتل أكثر من مليوني إنسان لنفس السبب.

اليوم، بينما الإسلام جاء لخدمة البشريه وصلاحها وإصلاحها، وليس ضدها،والذي جاء لتحطيم البشرية هم الشرق والغرب، الذين أجروا أنهار الدم في فيتنام وأفغانستان وغيرهما من بقاع العالم... .

وكما يقول لينين: إذا توقف نشر الشيوعية في العالم على قتل تسعة أعشار نفوس العالم، ليصبح العشر الباقي شيوعياً، فلكم الضوء الأخضر في قتلهم فداءً لذلك العشر الباقي.

الكتب السماوية

جاء في الكتاب المقدس المحرف للمسيحيين، الكتاب الذي يعتقد به الغربيون: (إن اللّه تعالى قال لموسى: إذا أعطيتك مدينة فاقتل كل من يخالفك سواء كان المخالف امرأة أو طفلاً أو شيخاً طاعناً في السن أو عجوزاً).

فالغربيون الذين يقرأون في كتابهم المقدس هذا المبدأ القاسي، من الواضح أنهم لا يتورعون عن قتل عشرات الملايين، في سبيل مصالحهم وأطماعهم وطغيانهم!

ولكن تعالوا إلى الإسلام، وانظروا أحكامه وقوانينه السامية، يقول الإسلام: في الحروب لا يقتل الشيخ الطاعن ولا المرأة ولا الصبي ولا المريض ولا تقطع الأشجار ولا تسحق الممتلكات وأمثال ذلك كما يقول: «الحدود تدرأ بالشبهات»(1)أي: لا يقام الحد في حال الشبهة، وغيرها من المبادئ الإنسانية الرحيمة، ومن هذا نعلم عمق رأفة الإسلام ورحمته بالبشرية وصلاحها، {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...}(2).


1) وهذه قاعدة فقهية مستندة إلى قول رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ادرءوا الحدود بالشبهات» من لا يحضره الفقيه 4: 74.

2) سورة آل عمران، الآية: 159.

التهم ضد الإمام علي(عليه السلام)

توجهت ضد الإسلام وأمير المؤمنين(عليه السلام) تهم كثيرة، كان وراءها معاوية، بواسطة الدعايات الكاذبة، ونشره للأفكار المنحرفة والمغرضة، وبعض البسطاء من الناس يتلاقفون هذه التهم، ويرتبون عليها الآثار والمواقف، في حين أن القرآن الكريم يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسُْٔولًا}(1).

وكانت هذه التهم تزداد يوماً بعد يوم، وتنتشر أكثر فاكثر، وذلك لأن معاوية كان قد استخدم مجموعة من الناس، يطوفون هنا وهناك، لأجل نشر الإشاعات المغرضة، والتهم الكاذبة على الإمام(عليه السلام)، فكان هؤلاء يركبون الحمير، ويطوفون المناطق، ويجوبون القرى والأرياف المختلفة، ويقرأون هناك أحاديث، يجعلونها بأنفسهم كذباً وزوراً، بأن عليناً(عليه السلام) أدخل الأصنام في الإسلام! فكان بعض الناس الضعاف البصيرة والوعي يقبلون ذلك ويصدقونه!

إصلاح الناس

اشارة

هذه التهم كانت - ولا زالت - تحاك ضد الإسلام والأئمة الأطهار(عليهم السلام)، أما وظيفتنا نحن في مقابل ذلك، فهي أن نعمل ما بوسعنا ومهما أمكن، من إصلاح الناس ووعظهم وإرشادهم، وإظهار الحقائق الواقعية وإيصالها إليهم، فإذا قام كل واحد منا بإصلاح خمسة أفراد، وأرشدهم وبصرهم بأن الإسلام هو الدين الصحيح، وهو المذهب الحق، وأنقذهم من الانخداع بأحابيل الشرق والغرب وجعلهم لا يبيعون الجنّة الإلهية الخالدة باللذة الدنيوية الخادعة، فحينئذٍ يسير المجتمع في الطريق المستقيم غير المنحرف، وسوف يصلون إلى السعادة


1) سورة الإسراء، الآية: 36.

الدنيوية والأخروية معاً، لأن السعادة الحقيقية للإنسان: في الإسلام دنياً وآخرةوالشقاء والتعاسة الحقيقية في ترك الإسلام وعدم الالتزام به قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ}(1)، فعلينا إذن أن نقوم بعملية إصلاحية شاملة وذلك بإعطاء الأفكار الصحيحة إلى الناس وتفنيد الباطلة منها بأدلة قاطعة ومفحمة حتى يتم إرساء العقائد الإلهية على أنقاض العقائد الشيطانية الزائفة.

الخنساء والتحول الكبير

كانت الخنساء شاعرة من شواعر العرب المبرَّزات وكان لها أخ اسمه صخر، عندما مات أخوها صخر ظلت تبكيه أربعين عاماً(2). ولكن عندما ظهر الإسلام وسمعت الخنساء خطب النبي الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وكلامه الذي لا ريب فيه... آمنت والتزمت وقد نقل أحد الرواة فقال: (اني كنت في حرب القادسية فرأيت الخنساء وقد ذرفت على الثمانين عاماً وقد تقوس ظهرها وهي ماسكة بلجام بعير وقد خرجت من ميدان المعركة فسألتها عن حمل البعير ما هو؟ فقالت: هو أربعة أولادي قد قتلوا في سبيل اللّه ورفعوا رأسي بذلك)(3).

فهذه المرأة التي كانت إلى فترة ليست بالبعيدة تبكي لمدة أربعين سنة على فقد أخيها نراها اليوم وقد طعنت في السن وتقوس ظهرها وضعف عودها


1) سورة طه، الآية: 124-126.

2) الخنساء لقب تماضر بنت عمرو الشاعرة التي لم تكن إمرأة أشعر منها وفدت على رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع قومها فأسلمت معهم، قيل كان رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يعجبه شعرها توفيت سنة (24 ه) سفينة البحار 2: 739 مادة (خنس).

3) انظر الوافي بالوفيات 10: 243 و 244.

وأصبحت بحالة هي بأشد الحاجة فيها إلى أولادها الفتيان، نراها لا تبكي ولا تحزن بل تقول: هم رفعوا رأسي بذلك عند اللّه وتفتخر بأنها مسلمة.

هكذا يفعل الإصلاح الثقافي والأخلاقي والروحي الذي قام به الرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) من تغيير القلوب وتقويتها وتقويم العقائد وتصحيحها.

بنو أمية لم يقبلوا الإصلاح

عندما أشرق نور الإسلام على

ربوع الجزيرة العربية آمن بالرسول الأكرم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أعداد غفيرة من الناس، غير أن بعض الناس بقوا على الكفر والشرك فأثر ذلك على ابنائهم وانتقل إلى ذراريهم أمثال بني أمية الذين ملأوا التاريخ بجناياتهم الفظيعة.

يقال: إن أحد الأشخاص(1)كان يفكر مع نفسه أنه لماذا عندما استولى بنو أمية على الحكم وصارت القدرة بأيديهم قتلوا الناس ونهبوا الأموال بل حتى الأسارى الذين منع الإسلام قتلهم، قتلوهم شر قتلة وقطعوا رؤوسهم ونقلوها من مكان إلى مكان وبلغت جناياتهم الفظيعة الآلاف على اختلاف أساليبها وأنواعها.

بينما ملك بنو هاشم فكانت سياستهم العفو والرحمة فعفوا عن الأعداء والمسيئين وحتى أنهم أباحوا الماء لأعدائهم، فذات يوم توسل أحدهم بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وطلب منه أن يبيّن له سبب هذا البون الشاسع والتفاوت الكبير بين هاتين الفئتين، وفي المساء رأى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في عالم المنام وقال له خذ جوابك من ابن الصيفي، وعندما استيقظ من النوم شرع يسأل ويبحث عن ابن الصيفي، ولكنه لم يقع له على أثر أو دليل، إلى أن حصل على من يدله عليه وقالوا إن ابن الصيفي رجل فقير يسكن في المحلة الفلانية، فذهب إليه حتى وجده وعندما استقر به المجلس عنده قص عليه ما رآه في المنام، فبكى


1) وهو نصر اللّه بن مجلي.

ابن الصيفي من سماع ذلك وقال إنني شاعر وقد أصابني في الليلة السابقة أرق لم استطع بسببه النوم فنظمت عدة أبيات شعرية ووضعتها تحت وسادتي وها هيأقول فيها:

ملكنا فكان العفو منا سجية *** ولما ملكتم سال بالدم أبطح

وحللتُم قتل الأسارى وطالما *** غدونا على الأسرى نعف ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا *** وكلّ إناء بالذي فيه ينضح(1)

إن واحدة من جرائم بني أمية هي أنهم قاموا بقتل الكثير من الشخصيات المهمة أمثال: حجر بن عدي(2). وأحد عشر شخصاً من أصحابه الزهاد وذلك بأن أخذوهم خارج دمشق وهم مصفدون بالأغلال وقتلوهم شرقتلة بجرم حب عليّ(عليه السلام) وقطعوا رؤوسهم، وأدى ذلك إلى اشمئزاز الناس وتألمهم لمدة طويلة بحيث تظاهر معاوية بعد ذلك بندمه واشتباهه بقتل أولئك النفر الصالحين(3).

يستفاد من هذه القصص وأشباهها بأن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يريد أن يثبت بأن بني هاشم طاهرون لهم أرضية واسعة للهدى والصلاح بينما بنو أمية قاطبة مجرمون سفاكون للدماء وكان يريد أيضاً أن يجعل من ابن الصيفي رجلاً مشهوراً بسبب أبياته الواقعية، رداً لإحسانه وخدمته لأهل البيت(عليهم السلام).

ما المطلوب؟

إذن فمسؤوليتنا هي القيام بتحول كبير وتغيير ثقافي واسع لنشر الوعي وإظهار الحقائق والواقعيات للناس حتى لا يبقى التاريخ غامضاً مشوهاً ولا تبقى


1) انظر وفيات الأعيان 2: 364.

2) سفينة البحار ج1 ص223 مادة (حجر).

3) انظر الإستيعاب 1: 330، والمصنف لابن أبي شيبة 3: 139.

الحقائق مندرسة وإذا نجحنا في ذلك ووفقنا إلى هذا الأمر فسيعمّ الخير للجميع ويتحقق الأمن والسلام ليس في بلاد المسلمين فقط بل في جميع بلاد العالموينقطع دابر الظالمين.

ومن المعلوم أن هذا العمل الكبير بحاجة إلى همة عالية وتصميم قوي ومواصلة مستمرة ونشاط متنامٍ من قبل جميع المسلمين.

«اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وأبدلني من بغضة أهل الشنّان المحبة، ومن حسد أهل البغي المودّه، ومن ظنة أهل الصلاح الثقة، ومن عداوة الأدنين الولاية»(1).

من هدي القرآن الحكيم

الإصلاح الثقافي والإصلاح بين الناس

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ}(2).

وقال سبحانه: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}(3).

وقال عزّ وجلّ: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحِ بَيْنَ النَّاسِ}(4).

وقال جلّ وعلا: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَٰحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ


1) الصحيفة السجادية، ومن دعائه(عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

2) سورة الجمعة، الآية: 2.

3) سورة الأعراف، الآية: 142.

4) سورة النساء، الآية: 114.

تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(1).

من هدي السنّة المطهّرة

الإصلاح بين الناس

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «صدقة يحبها اللّه إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا»(2).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»(3).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «لإن أصلح بين اثنين أحب إلي من أن أتصدق بدينارين»(4).

وقال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «ما عمل امرؤ عملاً بعد إقامة الفرائض خيراً من إصلاح بين الناس، يقول خيراً ويتمنى خيراً»(5).


1) سورة هود، الآية: 88.

2) الكافي 2: 209.

3) ثواب الأعمال: 148.

4) الكافي 2: 209.

5) الأمالي للشيخ الطوسي: 522.

التعايش السلمي

اشارة

اشارة

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...}(1). وطبيعة الأُخوة تنطوي على عدة أُمور، تُؤلّف بمجموعها رابطة الأُخوة المقدسة. فمن جملة هذه الأمور: التعاون والتضحية، والصفح، والعفو، والتماس العذر، والصدق، والوفاء، والإعانة... ، وكلها تكون مظهراً للحياة الطيبة السليمة والسلميّة، التي دعت إليها الشريعة المقدسة.

أراد الإسلام من المجتمع الإسلامي أن يعيش تحت ظلّ هذه العلاقات، وأن يعيش صورة السلم والطيبة والهدوء، وإلغاء مظاهر العنف والقوة، في التعامل في ما بين المؤمنين، ووضع من أجل ذلك خططاً تربوية رائعة، من خلالها يلغي معظم الأمور التي تغيظ الإنسان وتثيره، ويثبّت كل ما يسكن من روع الإنسان ويهدئه.

وهذا البرنامج الإلهي تارة يكون بين البشر أنفسهم، وتارة بين البشر وبين المخلوقات الأخرى، كالحيوان والنبات، فدعا الإسلام إلى عدم إيذاء الحيوان، وكراهة قتل بعض الحيوانات بلا سبب، بل دعا إلى تربية بعض الحيوانات النافعة وترويضها، فكيف الحال بالعلاقات الإنسانية المتبادلة؟ كل ذلك من أجل خلق حياة هادئة مريحة، يسعد فيها الإنسان، ويعيش فيها بالصورة التي تلائم ميوله وفطرته. إلّا أنّ بعض الأفراد المرجفين، الذين يحبون الشر والظلم، يخلقون


1) سورة الحجرات، الآية: 10.

العراقيل أمام مسيرة الإنسان المؤمن، ويعكرون صفو حياته ومزاجه، وصار الإنسان يقابل ذلك بالعنف تارة، وبالهدوء تارة أُخرى... فاحتاج الإنسان المصلح في طريق معالجته لهذا الأمر إلى بعض الصفات المميزة التي لا يتصف بها غالباً الكثير من الناس، بل إنّ بعضهم لا يتحملها، ومن هذه الصفات: صفة التعايش السلمي، يعني أن يعيش الإنسان بين أفراد المجتمع وإن كانوا يختلفون عنه في أعمّ الخصائص والمميزات.

وإن صفة القدرة على التعايش السلمي، ليست كالشجاعة والكرم، بل إن حاملها يحتاج إلى الصبر والعفو والمسامحة والاستقامة ومداراة الناس، وغيرها من الأمور والتي تكوّن رابطة الأخوة. وإنّ المصلح، لكونه على تماس دائم مع الناس، يحتاج إلى هذه الصفة، فالناس الذين حوله، يعيشون إما في إفراط أو في تفريط، والإنسان لا بدّ له من ترويض نفسه على التعامل مع الناس، بالصورة التي يستوعب بها الآخرين، برحابة الصدر وسعته، لكي يستطيع العيش في صفوف المجتمع بصورة مؤثرة.

تعامل الرّسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع المُنافقين

يعتبر عبد اللّه بن أُبيّ رأس النفاق والمنافقين في المدينة، وكان قبل ورود الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى المدينة تبددت أحلامه، وذهبت مخططاته التي كان يسعى من أجلها أدراج الرياح وهذا الأمر دفعه إلى أن يدخل في الإسلام على كراهية، من أجل ضرب وإضعاف الإسلام من الداخل؛ لأنه كان يرى أنّ الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد سلبه حقّه، ومنصبه القيادي، فأخذت نشاطاته ضد الإسلام والمسلمين - بمعونة مجموعة من المنافقين - تظهر في كلّ موقف وموقع، ففي الحصار الذي ضربه المسلمون على بني النضير، وكانوا على وشك إخراجهم من

المدينة، بعث ابن أُبي رسالة إلى زعماء تلك القبيلة، جاء فيها: (ألّا تخرجوا وتقيموا وتنابذوا محمداً الحرب، فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي، فإن خرجتم خرجت معكم، وإن قاتلتم قاتلت معكم...)(1).

ومن أخطر أعمالهم هو إقامتهم كياناً مقابل الكيان الإسلامي، فعمدوا إلى بناء مسجد وأرادوا بذلك شق عصا المسلمين إلى جبهتين، ومن ثم احتواء كل من في قلبه مرض من ضعفاء النفس عاملين على إلباس أعمالهم الخبيثة هذه ثوب الشرعية الإسلامية فطلبوا من النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن يصلي في مسجدهم (مسجد ضرار)، فجاء الأمر الإلهي بإحراق وهدم هذا المسجد، فأمر النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) بإحراقه(2).

لكن المنافقين لم يتوقفوا عند ذلك، بل كانوا يعملون كل ما من شأنه إضعاف الإسلام. مثل تخلفهم عن الحروب التي قام بها المسلمون ضد الكفار وتثبيط عزائم المسلمين وغيرها. ومع كل ذلك نرى أن النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يعفو عنهم، ويعاملهم بالتي هي أحسن، بل قيل إنه عندما توفي عبد اللّه بن أُبي وضع رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) قميصه في كفنه ودفنه(3).

كلّ ذلك يبرز لنا سياسة رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) في احتوائه لكل الحركات والمعرقلات والمسائل التي تصطدم بالإسلام والمسلمين، فكان النبي(صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحتويها بسعة صدره ويذوّبها ويبطل مفعولها بأخلاقه الحسنة وحكمته، وسلوكه الذي يكشف عن سياسته الرشيدة وسيرته الطيبة، فكان يحاول جهد إمكانه أن يصهر كل ما له دور في إثارة العنف والصراع والخلاف، بل كان يسعى إلى خلق


1) تفسير القمي 2: 359.

2) انظر تفسير القمي 1: 305.

3) انظر بحار الأنوار 21: 199.

أجواء روحية يرتبط المجتمع بها عبر الروح والمعنويات والأخلاق والحكمة.

كيفَ يتمّ التعايش السِلمي؟

ذكرت كتب الأخلاق الكثير من الخطوط العامة في تهذيب النفس وتربيتها، فإنّ النفس متى ما صلحت صلُح المجتمع، وصار العيش فيه في أجمل صورة.

وقد سأل الإمام الصادق(عليه السلام) أحدُ أصحابه قائلاً: كيف ينبغي لنا أن نضع في ما بيننا وبين قومنا، وفي ما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟ قال: فقال: «تؤدّون الأمانة إليهم، وتقيمون الشهادة لهم وعليهم، وتعودون مرضاهم، وتشهدون جنائزهم»(1).

في هذا الجواب، يؤكد الإمام(عليه السلام) على أن يكون المجتمع الإسلامي بمختلف طوائفه، عبارة عن مجموعة واحدة، بعضهم لبعض، فيؤكد على أداء الأمانة، لكي تشيع وتنتشر حالات حسن الظنّ والاطمئنان، ثم يؤكد على إقامة الشهادة لهم وعليهم، لازدياد حالات الثقة بين الأفراد، والحدّ من الكذب، ثم عيادة المرضى مما يشيع بين القلوب تآلفاً، ويعمل على تقاربها، وأخيراً يحث على تشييع الجنازة، وهي تسلية القلب الحزين، أياً كان، ومن أي طائفة كان. ففي هذه الوصايا والتوجيهات القيمة، يريد الإمام(عليه السلام) إيقاف الصراعات الداخلية، وصناعة كيان إسلامي واحد متكاتف، يعيش بسلام وأمان وتآلف. وعنه(عليه السلام) أيضاً: «عليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، واحضروا مع قومكم مساجدكم، وأحبّوا للناس ما تحبون لأنفسكم، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقّه ولا يعرف حق جاره»(2).

وهنا توصيات اجتماعية أخرى تعكس لنا صفة التعايش مع الآخرين. كيف لا


1) الكافي 2: 635.

2) الكافي 2: 635.

يعرف الرجل حق جاره، فالإمام يقول: «ألّا يستحي» دعوة منه(عليه السلام) إلى التعارفوالسؤال الدائم عن الجار، وما يحتاجه، وما ينقصه... وكذلك الحضور في المساجد فإنها البيوت التي يذكر فيها اسم اللّه، فيؤكد الإمام(عليه السلام) على الحضور في هذه الأماكن المقدّسة، والصلاة فيها لما في هذه المساجد من جوّ روحي إيماني يؤثر على مشاعر وعواطف المسلمين، فيزيد من حبّهم ورأفتهم وتآلفهم مع بعضهم ولعلنا سنلاحظ بوضوح في الرواية الثالثة التي سنذكرها خط التعايش السلمي الذي رسمه لنا أئمتنا(عليهم السلام).

فعن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم. يكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحُسن سيرتك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك»(1).

محوران أساسيان يشير إليهما الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، هما: أن يكون الإنسان في حالة من التواضع، بحيث يكون متجانساً مع الناس هذا أولاً، ومن جهة أخرى يجب أن لا يكون ذليلاً أو خاضعاً وهذا الأخير يجب أن يكون مجتمعاً ومنضماً إلى احترام تام للناس. فالافتقار إليهم في لين كلامك وحسن سيرتك؛ لأنّ حسن الكلام والسيرة الحسنة مع الناس عاملان من عوامل جذب القلوب، وحب الناس لهذا الشخص واحترامه، والتعامل معه بنفس طريقته، وبذلك سوف تسود في المجتمع حالات الاحترام والسلوك الحسن. وبعبارة أخرى أراد أئمتنا(عليهم السلام) أن يكون مواليهم عبارة عن جماعة كبيرة ضاغطة على كل مظاهر الفساد والتخلف والمرض والانحراف، ولكن هذا الضغط يجب أن يكون عبر السلوك الحسن والعطاء، وعبر الكلام الطيب اللّين، الذي تأوي إليه القلوب، وتتأثر به العواطف، وتشتاق إليه


1) وسائل الشيعة 12: 8.

الأسماع. هكذا أراد الأئمة(عليهم السلام) أن يكون شيعتهم جماعة ضاغطة بشكل إيجابي، لايؤذي مشاعر أحد، ولا يؤدّي إ‌لى صدام أو عنف، أو معارك.

ولقد وضعوا(عليهم السلام) الخطوط العريضة لهذا البرنامج عبر كلماتهم الشريفة التي كثيراً ما تدعو إلى التحبب إلى الناس واحترامهم، ومجاملتهم، والسير معهم بالسيرة الحسنة، التي ترتاح إليها القلوب وكما جاء عن رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «جُبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها»(1). وقد ورد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنه قال: «قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): التودّد إلى الناس نصف العقل»(2). وعنه(عليه السلام) أيضاً، أنه قال: «من كفّ يده عن الناس فإنما يكف عنهم يداً واحدة ويكفون عنه أيدياً كثيرة»(3).

أُدخلوا في السِّلم كافّة

السلم هي حالة الهدوء والعيش بأمان تام، وحالة الاستقرار للوضع العام وكأنّ التعايش السلمي مظهر من مظاهر السلم العام... واللّه عزّ وجلّ يريد دائماً للإنسان أن يعيش حالة السلم، لذلك دعى المؤمنين إلى الدخول في دائرة السلم المتمثل في الإسلام، الذي هو عبارة عن إطار واحد يمتاز مضمونه بحالة السلم واحترام الإنسان. فإن العيش داخل إطار واحد وفي ظل دائرة واحدة ينتج حياة اجتماعية خالية من مظاهر العنف والصراع؛ لذلك جاء في بعض التفاسير حول الآية الكريمة: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً...}(4). هو الدخول في ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)، وجاء عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: «هي ولايتنا»(5)،


1) من لا يحضره الفقيه 4: 381.

2) الكافي 2: 643.

3) الكافي 2: 643.

4) سورة البقرة، الآية: 208.

5) تفسير فرات الكوفي: 66.

باعتبارها مظهراً من مظاهر السلم، والجامع الأساسي لعواطف وأفكار الناس.فحالة السّلم لا تأتي عفوياً إلّا بعد الانصياع والدخول تحت ظل توجيهات الرسول الأعظم(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومن بعده الأئمة المطهرين(عليهم السلام). هذه الدائرة تؤمن الحياة الإيمانية التي دعى إليها القرآن، والعكس بالعكس؛ إذ إنّ عدم الدخول في هذه الولاية سوف يؤدي بلا شك إلى اتباع خطوات الشيطان التي هي عبارة عن اتجاهات خاطئة تؤكد حياة قلقة ومضطربة يشوبها العنف وعدم الأمن، ولذلك أردف اللّه تعالى هذا مباشرة في هذه الآية دون فاصلة فقال تعالى: {... ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ الشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(1). وهذا واضح من خلال الحوادث التاريخية التي وضحت لنا أنّ عدم الدخول في ولاية أهل البيت(عليهم السلام) قد ولّد انحرافات على مستوى الفكر والعقيدة وانعكس ذلك على الحياة العامة والصراعات الطائفية؛ لأن الأئمة(عليهم السلام) سلسلة متصلة يبدأ كل منهم من حيث انتهى الإمام الذي سبقه، وليس هناك أي اختلاف أو تناقض في مسيرتهم إذ هي واحدة رغم تعددهم واختلاف أزمانهم(عليهم السلام). بينما نلاحظ الاختلاف والتناقض واضحاً في غير عالم الولاية؛ إذ أن أول ما استلم الثاني الخلافة صرح قائلاً: (بأنّ خلافة الأول كانت فلتة)(2)ومن هنا ينشأ الشك والريبه والافتراق الذي يؤدي حتماً إلى الصراع والعنف.

مؤمن الطاق

محمد بن علي بن النعمان الجبلي الكوفي، أبو جعفر الأحول الملقّب بمؤمن الطاق، وهو من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) ومن أبرز الذين اعتمدوا منهج التعايش


1) سورة البقرة، الآية: 208.

2) انظر أنساب الأشراف 5: 500.

السلمي في الحياة عبر الحوار الهاديء والموصل إلى الحقيقة، حيث لم نسمع أنمناظراته ومحاججاته أدّت إلى عنف أو قتال بينه وبين من يناظره أو يحاججه، بل على العكس كان يمتلك أسلوباً متيناً في كسبهم وهدايتهم إلى الطريق الصحيح.

حكي أنه عندما خرج الضحّاك الشاري بالكوفة فحكم وتَسمَّى بإمرة المؤمنين ودعى الناس إلى نفسه، أتاه مؤمن الطاق فلما رأته الشُراة(1)وثبوا في وجهه فقال لهم: جانح(2)! قال: فأتي به صاحبهم فقال لهم مؤمن الطاق: أنا رجل على بصيرة من ديني وسمعتك تصف العدل فأحببت الدخول معكم. فقال الضحاك لأصحابه: إن دخل هذا معكم نفعكم، ثم أقبل مؤمن الطاق على الضحاك فقال: لِمَ تبرأتم من علي بن أبي طالب واستحللتم قتله وقتاله؟ قال الضحاك: لأنه حكَّم في دين اللّه. قال مؤمن الطاق: وكل من حكَّم في دين اللّه استحللتم دمه وقتاله والبراءة منه؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عن الدين الذي جئت أُناظرك عليه لأدخل معك فيه إن غلبت حجتي حجتك، أو حجتك حجتي، من يوقف المخطيء على خطائه ويحكم للمصيب بصوابه؟ فلا بد لنا من إنسان يحكم بيننا فأشار الضحاك إلى رجل من أصحابه وقال: هذا الحكم بيننا، فهو عالم بالدين. قال مؤمن الطاق: وقد حكّمت هذا في الدين الذي جئت أُناظرك فيه؟ قال: نعم. فأقبل مؤمن الطاق على أصحاب الضحاك فقال: إن صاحبكم قد حكّم في دين اللّه فشأنكم به، فأختلف أصحابه وأسكتوه وخرج مؤمن الطاق منتصراً(3).


1) الشُراة: الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الإمام، وإنما لزمهم هذا اللقب لأنهم زعموا أنهم شروا دنياهم بآخرتهم.

2) جانح: مائل إلى دينكم.

3) انظر رجال الكشي: 187.

فإن هذه القصة تعلّمنا كيف كان أصحاب الأئمة(عليهم السلام) يدخلون حلبات الصراعالفكري والسياسي دون أن يثيروا أحداً على أو ضدّهم، ودون أن يكون أسلوبهم مثيراً للأحقاد والكراهية اللذين يتولد منهما العنف والصراع والصدام، فكانوا يختارون الأسلوب الذي يحرّك العواطف والوجدان ويلائم العقل، وتقبل به العقلاء والفضلاء، لذا لم نجد يوماً في مناظراتهم أنها سببت عراكاً أو خصاماً أو نتجت عنها حرب داخلية. بل على العكس من ذلك كانت قدوة يتعلم منها الآخرون أسلوب الحوار الهاديء والناجح والقائم على الأُسس الإسلامية والأخلاقية الرفيعة.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، «اللّهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبُعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى الإستقامة وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف أيدينا عن الظلم»(1)، بحقّ محمد وآله الطاهرين.

من هدي القرآن الحكيم

من أُسس التَّعايش السلمي

1- الإيمان

قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(2).

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا الَّذِينَ


1) البلد الأمين: 349.

2) سورة الحشر، الآية: 9.

سَبَقُونَا بِالْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(1).

2- الصبر

قال عزّ وجلّ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}(2).

وقال جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}(3).

وقال عزّ اسمه: {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّٰبِرِينَ}(4).

3- الأخلاق الحسنة

قال جلّ شأنه: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ...}(5).

وقال عزّ من قائل: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(6).

وقال جلّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}(7).

وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(8).

4- التواضع

قال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمًا}(9).


1) سورة الحشر، الآية: 10.

2) سورة الروم، الآية: 60.

3) سورة الرعد، الآية: 22.

4) سورة البقرة، الآية: 153.

5) سورة آل عمران، الآية: 159.

6) سورة القلم، الآية: 4.

7) سورة مريم، الآية: 96.

8) سورة فصلت، الآية: 34

9) سورة الفرقان، الآية: 63.

وقال عزّ وجلّ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(1).

من هدي السنّة المطهّرة

من أُسس التعايش السلمي

1- الإيمان

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أفضل الإيمان أن تحب للّه وتبغض للّه وتعمل لسانك في ذكر اللّه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تقول خيراً...»(2).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «بالإيمان يرتقى إلى ذروة السعادة ونهاية الحُبُور»(3)(4).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من أوثق عُرى الإيمان أن تحب في اللّه وتبغض في اللّه، وتعطي في اللّه...»(5).

2- الصبر

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «أفضل الإيمان الصبر والسماحة»(6).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا ينعم بنعيم الآخرة إلّا من صبر على بلاء الدنيا»(7).


1) سورة الشعراء، الآية: 215.

2) نهج الفصاحة: 229.

3) الحُبُور: السرور.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 304.

5) الكافي 2: 125.

6) نهج الفصاحة: 229.

7) غرر الحكم ودرر الكلم: 782.

وقال أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام): «من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد»(1).

وقال(عليه السلام): «إن اللّه عزّ وجلّ أنعم على قوم، فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالاً، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة»(2).

3- الأخلاق الحسنة

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «حسنُ الخلقِ يثبت المودة»(3).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «من حسن خلقه كثر محبوه وأنست النفوس به»(4).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»(5).

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما استجلبت المحبة بمثل السخاء والرفق وحسن الخلق»(6).

4- التواضع

قال رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم): «تواضع للمحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حراً قرشياً»(7).


1) الكافي 2: 92.

2) الكافي 2: 92.

3) تحف العقول: 45.

4) غرر الحكم ودرر الكلم: 663.

5) الكافي 2: 100.

6) غرر الحكم ودرر الكلم: 689.

7) نهج الفصاحة: 391.

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «ثلاث يوجبن المحبة: ... والتواضع»(1).

وقال الإمام الرضا(عليه السلام): «... التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسهفينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحب أن يأتي إلى أحد إلّا مثل ما يؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها(2)بالحسنة، كاظم الغيظ عاف عن الناس...»(3).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «التواضع أصل كل خيرٍ نفيس ومرتبة رفيعة...»(4).


1) غرر الحكم ودرر الكلم: 332.

2) درأها: دفعها.

3) الكافي 2: 124.

4) بحار الأنوار 72: 121.

فهرس المحتويات

من خطى الأولياء

كدح الإنسان في الدنيا... 5

درجات اليقين... 6

الموقنون وخرق العادة... 7

ثمرات اليقين... 9

السعادة العظمى... 9

الرصيد الروحي... 10

الشخصية الطاهرة... 11

الوصول إلى الأهداف... 12

خليل الرحمن(عليه السلام)... 12

الاستغناء... 13

بُعد النظر... 14

كيف نحصل على اليقين؟... 15

الذكر المتواصل... 15

العناية التامة بالنوافل والمستحبات... 17

صلاة الليل... 17

العيش مع القرآن... 19

خطبة المتقين... 20

الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام)... 22

المرتابون... 23

من هدي القرآن الحكيم... 25

العمل مع الإيمان... 25

اليقين في الدين... 25

ثمرات اليقين... 26

الطاعة... 26

من هدي السنّة المطهّرة... 26

العمل والإيمان... 26

اليقين... 27

الطاعة... 28

الأولياء والمؤمنون... 28

من معاناة الإسلام والمسلمين

الإسلام وأزمة العاملين له... 31

خلفاء الجور... 32

ترك القوانين الإلهية... 36

العمل الإسلامي... 38

قصة الأحزاب... 40

مقارعة الطاغوت... 54

تهيئة أسباب النصر... 55

من واقع الطواغيت... 56

حكّام لا حكمة لهم... 57

طغيان الحجّاج... 58

الحجّاج على لسان إحدى زوجاته... 61

الأسباب والمسببات... 63

الفضائل ازدهار الحياة... 65

الرذائل وهلاك المجتمع... 66

الخروج من المأزق... 68

حكومة أمير المؤمنين(عليه السلام)... 70

من هدي القرآن الحكيم... 83

من صفات الحاكم الإسلامي... 83

الثبات على المبدأ... 84

لا للخوف، فإنه أحد أسباب تسلط الطغاة... 84

الإخلاص في العمل... 85

من هدي السنّة المطهّرة... 86

من صفات الحاكم الإسلامي... 86

الثبات والاستمرارية في العمل... 86

التحذير من مؤازرة الحكّام الظالمين... 87

الإخلاص في العمل... 87

من مكارم الأخلاق

حسن الخلق... 89

من أخلاق الأنبياء(عليهم السلام)... 91

التنزه عن سوء الظن... 93

لا تكن متكبراً... 95

التواضع كرامة... 97

المصافحة عند أهل البيت(عليهم السلام)... 98

أخلاق رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم)... 102

تواضع سيد الشهداء(عليه السلام)... 103

تواضع سلمان الفارسي... 104

التواضع الاجتماعي... 104

التواضع في التعليم... 105

نماذج من المتواضعين... 106

تواضع الإمام الرضا(عليه السلام)... 106

الطبيب المتواضع... 107

تواضع السيد عبد الحسين شرف الدين(رحمه اللّه)... 107

الناس يطلبون الإسلام... 108

إخلاص الإمام الحسين(عليه السلام)... 109

إخلاص المسلمين الأوائل... 110

من هدي القرآن الحكيم... 112

حسن الخلق... 112

ثمرة مكارم الأخلاق... 113

صفات الأخيار... 113

مساوئ الأخلاق... 114

من هدي السنّة المطهّرة... 114

ماذا يعني حسن الخلق؟... 114

ثمرة الأخلاق الحسنة... 115

نحو مكارم الأخلاق... 118

مساوئ سوء الخلق... 118

من أسباب الفقر والحرمان في العالم

مصالح الأحكام والأسباب الغيبية... 121

السنن الكونية وتأثيراتها... 124

الغرب وإفقار البلاد... 125

الأسباب المعنوية... 125

المشاكل الاقتصادية... 126

أسباب الفقر... 132

1- سرقة ثروات الشعوب... 132

التنزه عن السرقة... 134

2- الربا... 135

3- منع الناس من العمل... 137

4- شراء الأسلحة... 138

ولا عجب... 139

من هدي القرآن الحكيم... 141

1- أن لا تحيد عن العبودية للّه تعالى... 141

2- وتزكي أموالها... 141

3- وتنفق في مرضاة اللّه... 142

4- ترسيخ معالم الحرية الإسلامية... 142

من هدي السنّة المطهّرة... 142

1- أن لا تحيد عن العبودية للّه تعالى... 142

2- وتزكي أموالها... 143

3- وتنق في مرضاة اللّه... 143

4- ترسيخ معالم الحرية الإسلامية... 144

مواصفات القيادة الإسلامية

الأسوة الحسنة... 145

الحاجة إلى القيادة... 146

الكفاءة... 149

الإتقان في العمل... 151

ما ضلَّ من استشار... 153

مع المعارضة... 154

التواضع... 157

الجماهيرية... 161

التحلي بوصايا أمير المؤمنين(عليه السلام)... 162

قائد ثورة العشرين... 165

الدراهم المباركة... 167

وفي وقت القيظ... 168

أصلح أمرك... 168

الإصلاح... 169

العلاقات الدولية... 171

محاسبة القائد نفسه... 172

اللاعنف... 174

مدرسة الدعاء... 179

خاتمة: روايات في باب القيادة والحكومة... 180

الباب الأول: في الشؤون السياسية والنظامية... 180

في الرئاسة والسياسة... 180

الباب الثاني: في الحكومة... 181

الفصل الأول: في الحاكم والحكومة العادلة... 181

الحكومة العادلة وفضيلتها... 181

آثارها وفوائدها... 182

الفصل الثاني: شرائط الحاكم... 184

الفصل الثالث: وظائف الحكام... 185

الفصل الرابع: أخلاق الحاكم... 186

الفصل الخامس: مواعظ للحكام... 187

الفصل السادس: عمال الدولة... 192

الفصل السابع: آفات الحكومة... 192

البغي... 192

الانتقام... 193

التكبر... 194

الظلم والجور... 194

الاستبداد... 195

آفات متفرقة... 196

الفصل الثامن: في الحاكم والحكومة الجائرة... 196

ذم الحكومة الجائرة... 196

آثار الحكومة الجائرة... 198

من هدي القرآن الحكيم... 199

على القائد أن يكون عادلاً قبل كل شيء... 199

القائد من الناس وإليهم ومعهم... 200

مؤهلات القائد... 200

1- الإيمان... 200

2- الكمال في العلم والجسم... 201

3- الأمانة... 201

4- هداية الناس إلى النجاة... 201

5- الصبر الكبير... 201

من صفات القيادة الباطلة... 201

1- حب النفس... 201

2- إضلال الناس... 201

3- الإفساد وإذلال الناس وسفك دمائهم بغير حق... 202

4- الاستبداد بالرأي... 202

5- اتخاذ عباد اللّه خولاً وما اللّه دولاً... 202

من هدي السنّة المطهّرة... 202

على القائد أن يكون عادلاً قبل كل شيء... 202

القائد من الناس وإليهم ومعهم... 203

من صفات القائد... 204

ما يجب على القائد أن يتجنبه... 204

نحن والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)

مقاييس تقييم العظماء... 206

مولد النور... 207

الاسم الشريف والكنية المباركة... 209

من فضائله(عليه السلام)... 211

الإيمان بأمير المؤمنين(عليه السلام)... 211

ميلاد المسيح(عليه السلام)... 215

من بركاتهم(عليهم السلام)... 216

أولاً: دراسة نهج البلاغة... 217

كتاب الحقائق الكونية والإنسانية... 219

ثانياً: التبليغ ونشر التعاليم الإسلامية... 221

الشيعة والآخرون... 222

انتشار الوهابية... 222

انتشار المسيحية... 223

كيف ننشر الإسلام؟... 224

لماذا نهج البلاغة والتبليغ؟... 225

عهد أمير المؤمنين(عليه السلام)... 226

قوة المنطق... 228

لو خطب علي(عليه السلام)... 229

كتمان الحقيقة... 230

نحو إدارة ناجحة

الإدارة والمداراة... 232

الخطب اليومية للرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم)... 234

فن إدارة المعارضة... 235

قصة وضع الحجر... 241

معنى الإدارة وتقسيماتها... 242

السلطات وأقسامها... 243

مراحل الإدارة في صدر الإسلام... 244

المرحلة الأولى... 244

المرحلة الثانية... 246

المرحلة الثالثة... 248

معاهدة المدينة المنورة... 249

المرحلة الرابعة... 252

المرحلة الخامسة... 252

إدارة الوفود... 253

الإدارة النموذجية... 255

أين الإدارة الإسلامية؟... 256

عوامل نجاح الإدارة... 257

العلم... 257

الإخلاص... 258

سائر الشروط... 258

رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) والإدارة... 259

الإدارة ونشر الوعي... 260

رفع الحواجز الوهمية... 260

المسلمون اليوم... 263

المطلوب لإنجاح الإدارة... 265

حكمة اللّه تعالى... 266

مداراة الناس... 267

من هدي القرآن الحكيم... 268

أهمية الإدارة... 268

التنظم سنة كونية... 269

مداراة الناس وآثارها... 269

التدبير أساس في كل شيء... 270

من هدي السنّة المطهّرة... 270

الإدارة منهاج عمل... 270

التنظيم سنة كونية... 271

مداراة الناس وآثارها... 272

سوء التدبير سبب التدمير... 273

نحو التغيير

أسس التغيير... 274

النذير العريان... 275

التعصبات الباطلة... 277

الحروب القبلية... 281

واجب المسلمين... 288

المذابح والاستهانة بالإنسان... 291

محمد الفاتح وفتح تركيا... 295

المسلمون في صقلية... 299

المسلمون اليوم... 301

من هدي القرآن الحكيم... 302

العزم والصبر... 302

العصبية والجاهلية... 302

الإمام خليفة اللّه... 303

من هدي السنّة المطهّرة... 304

العزم والحزم... 304

العصبية والجاهلية... 305

أهمية التخطيط والحكمة... 306

الإمامة خلافة اللّه... 306

وإلى الشباب نقول...

المقدمة... 308

الشباب ذخائر الأمم... 309

مصعب بن عمير... 313

سلوك الشباب... 314

في رحاب الأنبياء(عليهم السلام)... 316

روح الشباب... 318

مع الشباب في عالمهم... 320

الفتيات المؤمنات نماذج وعبر... 321

العقيلة الحوراء زينب(عليها السلام)... 321

خطبتها(عليها السلام) في أهل الكوفة... 327

السيدة حميدة المصفاة(عليها السلام)... 330

السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)... 331

سكينة بنت الحسين(عليها السلام)... 332

السيدة نفيسة(عليها السلام)... 334

من كراماتها... 337

وفاتها... 338

الشيخ البلاغي... 339

الجانب العملي... 341

الكتاب يغيّر... 343

من هدي القرآن الحكيم... 344

1- طاعة اللّه عزّ وجلّ... 345

2- عبادته تعالى... 345

3- الاقتداء بالقرآن... 345

4- التأسي والولاية لرسول اللّه وأهل بيته(عليهم السلام)... 346

5- تعلم العلم... 346

6- العمل الصالح... 346

من هدي السنّة المطهّرة... 347

أبلغ الوصايا... 347

ما ينبغي للشباب... 356

1- طاعة اللّه عزّ وجلّ... 356

2- عبادته تعالى... 357

3- الاقتداء بالقرآن... 357

4- التأسي والولاية لرسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)... 358

5- تعلم العلم... 358

6- العمل الصالح... 359

وصايا إلى الشباب المسلم

الدنيا والآخرة... 361

الشباب والثقافة الدينية... 362

الطموح... 363

التدريب على استخدام الأسلحة... 365

السلام أصل دائم... 366

استغلال أوقات الفراغ... 367

ثمار استغلال الفراغ... 368

المحصلة... 369

الارتباط المباشر بالآخرة... 369

جزاء الأعمال... 370

أنواع العذاب... 371

خلاصة الكلام... 373

من هدي القرآن الحكيم... 374

حب الدنيا رأس كل خطيئة... 374

عند اللّه ثواب الدنيا والآخرة... 375

القبر: المصير المحتوم... 375

من هدي السنّة المطهّرة... 376

مزرعة الآخرة... 376

العبرة لمن اعتبر... 377

حجاب القلب... 378

الشباب وعلو شأنه... 378

وصايا إلى الكوادر العراقية

جزاء الصابرين... 380

المؤمن مبتلى... 382

طريق الخلاص... 384

الوعي والرشد... 385

لا بديل عن الإسلام... 386

وحدة الصف... 387

قصة من القرآن الكريم... 389

بث الوعي في الأمة... 390

من هدي القرآن الحكيم... 391

كتاب يرشد إلى العقل... 391

الدنيا دار تمحيص وابتلاء للمؤمن... 391

كتاب الوعي والإرشاد... 392

لا بديل عن الإسلام... 392

بث الوعي في الأمة... 393

من هدي السنّة المطهّرة... 394

القرآن كتاب يرشد إلى العقل... 394

الدنيا دار تمحيص وابتلاء للمؤمن... 397

الوعي والرشد الفكري... 397

لا بديل عن الإسلام... 398

بث الوعي في الأمة... 399

ملحق... 401

الصورة المستقبلية للعراق... 401

العراق ما بعد صدام... 405

العراق والتغيير المرتقب... 405

أمور خمسة... 406

حكم الإسلام... 407

بالإسلام تعمر البلاد... 408

قانون من سبق... 409

الإسلام هو الحل... 410

الحكومة الشيعية... 411

الأحزاب الحرة... 411

حرية الحوزات العلمية... 413

العتبات المقدسة... 414

وصايا لمجاوري المراقد المقدسة

أهمية المراقد المطهرة... 416

وصايا تخص الهيئات المقيمة في مدينة مشهد المقدسة... 418

مدينة مشهد المقدسة... 418

المجالس الحسينية... 420

معرفة المعصوم(عليه السلام)... 422

إلى الهيئات عامة... 423

من هدي القرآن الحكيم... 424

1- تعريف الإسلام للناس أكثر وأكثر... 424

2- إقامة مجالس الوعظ والإرشاد... 425

3- إقامة مجالس التفقّه في الدين... 425

4- الاهتمام بالأعمال الخيرية... 425

5- لزوم اتباع الأئمة المعصومين(عليهم السلام)... 425

ضرورة إقامة المجالس الحسينية دائماً... 425

الاهتمام كثيراً بتعليم القرآن الكريم... 426

من هدي السنّة المطهّرة... 426

1- ينبغي نشر حب أهل البيت(عليهم السلام)... 426

2- ينبغي الاهتمام بالقرآن وتعليمه... 426

3- ينبغي إقامة مجالس التفقه في الدين... 427

لزوم معرفة الإمام المعصوم... 427

ضرورة إقامة المجالس دائماً... 428

فضائل زيارة قبور المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام)... 428

وصولاً إلى حكومة إسلامية واحدة

الحكومة الإسلامية الواحدة... 430

ما هو الطريق للحكومة الواحدة؟... 432

إنه ليس بمستحيل... 433

دولة المسلمين والنصر الإلهي... 434

مقومات الحكومة الواحدة... 437

رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقادة الدول... 439

نواة دولة الإسلام... 443

أولاً: التنظيمات... 443

الوعد الإلهي... 445

سؤال لا بد منه... 446

مرحلة البناء... 447

قانون الزواج والطلاق في الهند... 448

ثانياً: الوعي الجماهيري... 449

شاهد من التاريخ... 450

ثالثاً: إنشاء المؤسسات الخيرية... 452

من جدّ وجد... 454

لماذا أنا مسلم؟... 455

إدارة السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه اللّه)... 457

وفاء السيد الأصفهاني(رحمه اللّه)... 459

من هدي القرآن الحكيم... 460

إقامة الحكومة الإسلامية... 460

نشر الوعي الإسلامي... 461

التوكل على اللّه في كل الأعمال... 461

كل مسلم مسؤول عن إقامة الدين... 461

المسلمون أمة واحدة... 462

من هدي السنّة المطهّرة... 462

اتباع الكتاب والعترة... 462

نشر العلم والوعي... 463

المسلمون أمة واحدة... 463

الخلاف والفرقة... 464

ولكم في رسول اللّه(صلی اللّه عليه وآله وسلم) أسوة

الرسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) ونزاهة الحرب... 465

قريش والحرب والانتقام... 466

استعداد المسلمين... 468

معركة أحد... 468

مقام أمير المؤمنين(عليه السلام) في أحد... 471

مقتل حمزة(عليه السلام)... 476

تراجع الكفار إلى مكة... 483

من أعان ظالماً سلطه اللّه عليه... 485

دروس وعبر... 487

الاستعمار في بلاد الإسلام... 490

قصة من الواقع... 491

التوعية والأسوة... 493

الشباب والتأسي... 494

التأسي بالعترة الطاهرة... 495

التنظيم... 495

من هدي القرآن الحكيم... 497

حسن الخلق... 497

معاشرة الناس... 497

العطف على المساكين... 498

العدل بين الناس... 498

من هدي السنّة المطهّرة... 499

حسن الخلق... 499

معاشرة الناس... 499

العطف على المساكين والفقراء... 500

العدل بين الناس... 501

الاعتدال

الاعتدال لغة الكَون... 502

وقْفَة... 503

أولاً... 504

ثانياً... 504

ثالثاً... 505

الاعتدال في الفكر والمُعْتَقد... 506

الاعتدال في العبادة... 508

الاعتدال في سدّ الشهوات... 510

الاعتدال الاجتماعي... 513

من هدي القرآن الحكيم... 514

دعوة إلى الاعتدال... 514

1- في العبادة... 514

2- في القضاء... 514

3- في أداء الصلاة... 515

4- في الأكل والشرب... 515

5- في الإنفاق... 515

من هدي السنّة المطهّرة... 515

دعوة إلى الاعتدال... 515

1- العبادة... 515

2- المأكل... 515

3- الإنفاق... 516

4- الخوف والرجاء... 516

الإصلاح الثقافي

الأول... 517

الثاني... 517

اختلاف الناس... 519

الفساد قبل الإسلام... 521

مسؤوليتنا... 521

الكتب السماوية... 523

التهم ضد الإمام علي(عليه السلام)... 524

إصلاح الناس... 524

الخنساء والتحول الكبير... 525

بنو أمية لم يقبلوا الإصلاح... 526

ما المطلوب؟... 527

من هدي القرآن الحكيم... 528

الإصلاح الثقافي والإصلاح بين الناس... 528

من هدي السنّة المطهّرة... 529

الإصلاح بين الناس... 529

التعايش السلمي

تعامل الرّسول(صلی اللّه عليه وآله وسلم) مع المُنافقين... 531

كيفَ يتمّ التعايش السِلمي؟... 533

أُدخلوا في السِّلم كافّة... 535

مؤمن الطاق... 536

من هدي القرآن الحكيم... 538

من أُسس التَّعايش السلمي... 538

1- الإيمان... 538

2- الصبر... 539

3- الأخلاق الحسنة... 539

4- التواضع... 539

من هدي السنّة المطهّرة... 540

من أُسس التعايش السلمي... 540

1- الإيمان... 540

2- الصبر... 540

3- الأخلاق الحسنة... 541

4- التواضع... 541

فهرس المحتويات... 543