ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 14 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ ـ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ ـ أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ ـ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ـ هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ ـ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ ـ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ ـ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ـ وَلاَ الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ـ وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ ـ وَنُظْهِرَ الاْءِصْلاحَ فِي بِلادِكَ ـ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ ـ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ ـ اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ ـ وَسَمِعَ وَأَجَابَ ـ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاّ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله بِالصَّلاةِ ـ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ ـ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ ـ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ ـ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ ـ وَلاَ الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ـ وَلاَ الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ ـ وَلاَ الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ ـ وَلاَ الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ ـ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ـ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ ـ وَلاَ الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ
131 ـ ومن كلام له عليهالسلام:
قال ابن الجوزي روى: خطب أمير المؤنين عليهالسلام يوما على منبر الكوفة «أيّتها النفوس... إلخ» مثله(1).
في الآراء.
في العقائد.
في المجالس.
في العمل لمصالحهم ومعايشهم.
أى اعطفكم.
سمعت وعوعة القوم أي: اختلاط أصواتهم، ويسمى ابن آوى الوعوع،
1) .تذكرة الخواص: 114/1.
والوعوعة صوت الديك إذا دارك، وكذلك الذئب في عدوه، قال امرؤالقيس:
كأنّ خضيعة بطن الجواد ***وعوعة الذئب في الفدفد(1)
وكلامه عليهالسلام «وأنتم... إلخ»، نظير قوله تعالى: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ»(2).
فالمعنى انّى عليكم عطوف شفيق والحال انتم تنفرون وتعرضون عن الحقّ كنفور المعزى عن وعوعة الاسد أى من صوت الاسد وبعبارة اخرى أنا أدلّكم على الحق وناصح بكم على الصّراط المستقيم وانتم لا تقبلونه بل تفرّون كما يفرّ المعزى عن صوت الأسد لئلاّ ياكله ويفترسه إن هذا لشئ عجيب كما قال اللّه تعالى حكاية عن المنافقين في كتابه: «وَإِذا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُون»(3)وقال تعالى حكاية عن صالح النبىّ عليهالسلام: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِين»(4)وقال تعالى حكاية عن نوح النبىّ عليهالسلام: «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُون»(5)وقال تعالى حكاية عنه أيضاً: «لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُم»(6)و: «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِح أَمِين»(7)وغيرها من الآيات.
أى بعيد.
أى اخرج بكم.
أي: مخفيّة من سرار الشهر ليلة أو ليلتين من آخر الشهر يستسّر فيهما القمر بطلوع الشمس
بكم.
وزيغه، لأنّهم منشأ سرار العدل، فكيف يطلع بهم، وموجب اعوجاج الحقّ فكيف يقام بهم.
من ترغيبكم إلى جهاد العدو وتأنيبكم على تقاعدكم عن حفظ الثغور.
أى رغبة.
الدنيا كالمتقدمين عليه عليهالسلام.
أى ولا لطلب.
الاصل في الحطام ما تكسر من اليبيس، شبّه به متاع الدنيا.
وفي قوله عليهالسلام هذا اشارة إلى ما إتفق عليه الكلّ من انّه عليهالسلام كان تاركاً للدّنيا وزخارفها كيف لا وهو الذى قال غير مرّة: يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا(1)ولنعم ما قيل فيه:
وكان يقول يا دنياي غري ***سواي فلست من أهل الغرور(2)
وَأُتِيَ إِلَيْهِ بِمَالٍ فَكَوَّمَ كُومَةً مِنْ ذَهَبٍ وَكُومَةً مِنْ فِضَّةٍ وَقَالَ يَا صَفْرَاءُ اصْفَرِّي يَا بَيْضَاءُ ابْيَضِّي وَغُرِّيَ غَيْرِي.
هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ***وَكُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ
وقيل ايضاً:
لم يشتمل قلبه الدنيا بزخرفها ***بل قال غري سواي قول محتقر(3)
وروى عن امير المؤنين على عليهالسلام، أنه كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه،
فقيل أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه ؟ فقال أما إنى لا أختمه بخلا به، ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه، وأكره أن يدخل بطنى غير طيب(1).
وقال الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: دَخَلْتُ بِلادَكُمْ بِأَشْمَالِي هَذِهِ وَرَحْلَتِي وَرَاحِلَتِي هَا هِيَ فَإِنْ أَنَا خَرَجْتُ مِنْ بِلادِكُمْ بِغَيْرِ مَا دَخَلْتُ فَإِنَّنِي مِنَ الْخَائِنِينَ وَفِي رِوَايَةٍ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ مَا تَنْقِمُونَ مِنِّي إِنَّ هَذَا لَمِنْ غَزْلِ أَهْلِي وَأَشَارَ إِلَى قَمِيصِهِ(2).
وقال الحميرى:
وكان طعامه خبزا وزيتا ***ويؤر باللحوم الطارقينا(3)
و لآخر:
صدوق عن الزاد الشهي فؤده***رغيب إلى زاد التقى والفضائل
جرى إلى قول الصواب لسانه ***إذا ما الفتاوي أفحمت بالمسائل
أعيدت له الشمس الأصيل جلاله ***وقد حال ثوب الصبح في أرض بابل(4)
معالم الدين آثاره المستدل بها عليه.
نقل نصر ابن مزاحم عن حبة العرني: أنّه لما نزل علي عليهالسلام في طريق صفّين بمكان يقال له بليخ، نزل راهب من صومعته فقال له عليهالسلام إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليهالسلام أعرضه عليك قال عليهالسلام نعم ـ إلى أن قال فيه ـ فإذا توفّى اللّه نبيّهم صلىاللهعليهوآله اختلفت امّته ثمّ اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء اللّه، ثمّ اختلفت فيمرّ رجل من أمّته بشاطئ هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحقّ، ولا يرتشي في الحكم، الدّنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ، يخاف اللّه في السرّ، وينصح له في العلانية، و لا يخاف في اللّه لومة لائم(1).
وعن ناجية القرشي عن عمّه يزيد بن عدي قال: رأيت عليّا عليهالسلام خارجا من همدان، فرأى فئتين يقتتلان ففرّق بينهما ـ ثم مضى فسمع صوتا «يا غوثا باللّه»، فخرج يحضر نحوه حتى سمع خفق نعله وهو يقول: أتاك الغوث، فإذا رجل يلازم رجلا فقال له عليهالسلام بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم وشرطت عليه أن لا يعطيني مغموزا ولا مقطوعا ـ وكان شرطهم يومئذ ـ فأتيته بهذه الدراهم ليبدلها لي فأبى فلزمته، فلطمني فقال له: أبدلها له (ففعل) ثمّ قال عليهالسلام بيّنتك على اللطمة فأتاه بالبيّنة فأقعده، ثم قال: دونك فاقتص فقال: إنّي قد عفوت، ثم ضرب الرجل تسع درّات وقال: هذا حقّ السلطان(2).
وفي إسناد آخر عنه عن أبيه، وفيه: اشترى منّي شاة وقد شرطت عليه ألاّ يعطيني مغموزا ولا محذقا فأعطاني درهما مغموزا، فرددته فلطمنى ـ إلى أن قال ـ أو أعفو. قال: ذاك إليك، فلمّا جاز الرجل قال عليهالسلام يا معشر المسلمين خذوه فأخذوه، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب ثم ضربه خمس عشرة درّة وقال: هذا نكال لما انتهكت من حرمته(1).
أى اقبل الى اللّه. قال المجلسى بعد ما أورد في هذا الباب كثيرا من الأخبار ما لفظه:
لا يخفى على من شمّ رائحة الانسانيّة وترقّى عن دركات البهيميّة والعصبيّة أنّ سبق إسلامه صلوات اللّه عليه مع ورود تلك الأخبار المتواترة من طرق الخاصّة والعامّة من أوضح الواضحات، والشاكّ فيه كالمنكر لأجلى البديهيّات، وأنّ من تمسّك بأنّ ايمانه كان في طفوليّته، ولم يكن معتبرا فقد نسب الجهل إلى سيّد المرسلين، حيث كلّفه ذلك ومدحه به في كلّ موطن، وبه أظهر فضله على العالمين، و إلى أشرف الوصيّين(2)حيث تمدّح وافتخرو احتج به في مجامع المسلمين وإلى الصّحابة والتّابعين حيث لم ينكروا عليه ذلك مع كون أكثرهم من المنافقين والمعاندين.
ثمّ اعلم أنّا قد تركنا كثيرا من الرّوايات وما يمكن ذكره من التأييدات في هذا
المطلب حذرا من التكرار والاسهاب(1)والاطالة والاطناب.
فقد روى ابن بطريق رحمه اللّه في كتاب العمدة(2)في سبق اسلامه وصلاته من مسند أحمد بن حنبل ثلاثة عشر حديثا، ومن تفسير الثعلبي أربعة، ومن مناقب ابن المغازلي سبعة، وروى في المستدرك أيضا أخبارا كثيرة في ذلك، ورواه صاحب الصّراط المستقيم بأسانيد من طرقهم، والعلاّمة في كشف الحقّ(3)وكشف اليقين(4)وغيرهما بأسانيد من كتبهم، وقد تركنا إيرادها مع كثير ممّا أورده المفيد في الارشاد(5)، والنيسابوري في روضة الواعظين(6)، والطّبرسي في اعلام الورى(7)، وابن الصّباغ في الفصول المهمّة(8)، وغيرها من الاصول والكتب الّتي عندنا(9)، انتهى كلامه رفع مقامه.
دعوة النبى صلىاللهعليهوآله.
استفاضت الرواية أن أول من أسلم علي ثم خديجة ثم جعفر ثم زيد ثم أبو ذر ثم عمرو بن عنبسة السلمي ثم خالد بن سعيد بن العاص ثم سمية أم عمار ثم عبيدة
بن الحارث ثم حمزة ثم خباب بن الأرت ثم سلمان ثم المقداد ثم عمار ثم عبداللّه بن مسعود في جماعة ثم أبو بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص و عبدالرحمن بن عوف ـ وسعد بن زيد وصهيب وبلال(1).
وقال الطبري أن عمر أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة(2).
أنساب الصحابة عن الطبري التاريخي والمعارف عن القتيبي أن أول من أسلم خديجة ثم علي ثم زيد ثم أبو بكر.
و روى أبو ذرعة الدمشقي وأبو إسحاق الثعلبي في كتابيهما أنه قال أبو بكر يا أسفى على ساعة تقدمني فيها علي بن أبي طالب فلو سبقته لكان لي سابقة الإسلام.
مَعَارِفِ الْقُتَيْبِيِّ وَفَضَائِلِ السَّمْعَانِيِّ وَمَعْرِفَةِ النَّسَوِيِّ قَالَتْ مُعَادَةُ الْعَدَوِيَّةُ(3)سَمِعْتُ عَلِيّاً عليهالسلام يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ: أَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ آمَنْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤمِنَ أَبُو بَكْرٍ وَأَسْلَمْتُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ(4).
تاريخ الطبري قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال قلت لأبي أ كان أبو بكر أولكم إسلاما فقال لا وقد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا ولكن كان أفضلنا إسلاما(5).
وَقَالَ عُثْمَانُ لِأَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام: إِنَّكَ إِنْ تَرَبَّصْتَ بِي فَقَدْ تَرَبَّصْتُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ
مِنِّي وَمِنْكَ قَالَ وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ كَذَبْتَ أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْهُمَا عَبَدْتُ اللّهَ قَبْلَكُمْ وَعَبَدْتُهُ بَعْدَكُمْ(1).
وأما الروايات في أن عليا أول الناس إسلاما فقد صنف فيه كتب منها:
مَا رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ»(2)فَقَالَ سَابِقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
النَّطَنْزِيُّ فِي الْخَصَائِصِ الْعَلَوِيَّةِ بِالاْءِسْنَادِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْمَأْمُونِ عَنِ الرَّشِيدِ عَنِ الْمَهْدِيِّ عَنِ الْمَنْصُورِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ إِسْلاماً وَأَوَّلُ الْمُؤمِنِينَ إِيمَاناً.
أَبُو يُوسُفَ النَّسَوِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّارِيخِ رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلِيٌّ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي.
فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنِ الْعُكْبَرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِاللّهِ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام أَسْلَمْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ.
كِتَابِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَالْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيِّ وَأَمَالِي سَهْلِ بْنِ عَبْدِاللّهِ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله إِنَّ الْمَلائِكَةَ صَلَّتْ عَلَيَّ وَعَلَى عَلِيٍّ سَبْعَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ بَشَرٌ.
تَارِيخِ بَغْدَادَ وَالرِّسَالَةِ الْقَوَامِيَّةِ وَمُسْنَدِ الْمَوْصِلِيِّ وَخَصَائِصِ النَّطَنْزِيِّ أَنَّهُ قَالَ
حَبَّةُ الْعُرَنِيُّ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام بُعِثَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله يَوْمَ الاْءِثْنَيْنِ وَأَسْلَمْتُ يَوْمَ الثَّلاثَاءِ(1).
قال عليهالسلام أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر، ولتنذروا به من اتعظ واعتبر، كأنّي بكم تقولون إنّ عليّا يكذب، كما قالت قريش لنبيّها وسيّدها نبي الرحمة، فيا ويلكم أفعلى من أكذب، أعلى اللّه، فأنا أوّل من عبده ووحده، أم على رسول اللّه فأنا أوّل من آمن به وصدقه ونصره ـ الخبر ـ (2).
ولما نزلت: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(3)جمع النبي صلىاللهعليهوآله بني عبدالمطلب وقال لهم: إنّي واللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤزرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم قال علي عليهالسلام فأحجم القوم عنها جميعا وقلت: ـ وإنّي لأحدثهم سنّا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا ـ أنا أكون وزيرك عليه، فأخذ النبي صلىاللهعليهوآله برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(4).
و كونه عليهالسلام اول من اسلم لا يكاد يخفى على العاقل المتدرب بل هو مما يضرب به المثل من صدر الاسلام الى زماننا هذا وقد نسب اليه عليهالسلام انّه قال:
صَدَّقْتُهُ وَجَمِيعُ النَّاسِ فِي بُهمٍ(1)***مِنَ الضَّلالَةِ وَالاْءِشْرَاكِ وَالنَّكَدِ(2)
وفي هذا قال الشاعر:
وعلي أول الناس اهتدى ***بهدى اللّه وصلى وادّكر
وحد (عبد) اللّه ولم يشرك به ***وقريش أهل عود وحجر(3)
و لآخر:
أَنْتَ الاْءِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ ***يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَاناً
أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً ***جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَاناً
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِخَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ***بَعْدَ النَّبِيِّ عَلِيِّ الْخَيْرِ مَوْلاَنَا
أَخِي النَّبِيِّ وَمَوْلَى الْمُؤمِنِينَ مَعاً ***وَأَوَّلِ النَّاسِ تَصْدِيقاً وَإِيمَانا(4)
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدِي: أَوَّلُهَا إِسْلاماً عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام (5).
وانٍّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله قَالَ لِفَاطِمَةَ عليهاالسلام: أَ لاَ تَرْضَيْنَ أَنِّي زَوَّجْتُكَ أَقْدَمُ أُمَّتِي سِلْماً وَأَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَأَعْظَمُهُمْ حِلْما(6).
1) . بهم ـ بضم الهاء وسكونهاـ: جمع البهيم، يقال: ليل بهيم أي لا ضوء فيه إلى الصباح. والكند:كفران النعمة.
2) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 7/2؛ بحار الأنوار: 232/38.
3) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 13/2.
4) . الفصول المختارة: 72؛ بحار الأنوار: 245/38.
5) . المسترشد: 271/ح82؛ بحار الأنوار: 247/38.
6) .كشف الغمة: 86/1؛ بحار الأنوار: 246/38.
وَمِنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ»(1)قَالَ الثَّعْلَبِيُّ قَدِ اتَّفَقَتِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بَعْدَ خَدِيجَةَ مِنَ الذُّكُورِ بِرَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِاللّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَرَبِيعَةِ الرَّأْيِ وَأَبِي الْجَارُودِ الْمَدَنِيِّ(2).
عن الصادق عليهالسلام أوّل جماعة كانت، أنّ النبي صلىاللهعليهوآله كان يصلّي وأمير المؤنين عليهالسلام معه، إذ مرّ أبو طالب به وجعفر معه قال: يا بني صل جناح ابن عمّك، فلمّا أحسّ النبي صلىاللهعليهوآله تقدّمهما وانصرف أبو طالب مسرورا وهو يقول:
إنّ عليّا وجعفرا ثقتي ***عند ملمّ الزمان والكرب(3)
وعن أَبى عَبْدِاللّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ وَأَبُى نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي عَلِيٍّ عليهالسلام وَالنَّطَنْزِيّ فِي الْخَصَائِصِ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى أَصْحَابُنَا عَنِ الْبَاقِرِ عليهالسلام فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ»(4)نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام وَهُمَا أَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَرَكَعَ(5).
وعَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(1)نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ خَاصَّةً وَهُوَ أَوَّلُ مُؤمِنٍ وَأَوَّلُ مُصَلٍّ بَعْدَ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله(2).
وعَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ(3)فَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام (4).
وعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(5)يَعْنِي مُحَمَّداً ادَّثَّرَ بِثِيَابِهِ «قُمْ فَأَنْذِرْ»(6)أَيْ فَصَلِّ وَادْعُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الصَّلاةِ مَعَكَ «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ»(7)مِمَّا تَقُولُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ(8).
وعن أَبى بَكْرٍ الْحَمِيدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي النَّجِيحِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خَبَرٍ يَذْكُرُ فِيهِ كَيْفِيَّةَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللّهِ قَائِمٌ يُصَلِّي مَعَ خَدِيجَةَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ قَالَ هَذَا دِينُ اللّهِ فَآمِنْ بِهِ وَصَدِّقْهُ ثُمَّ كَانَا يُصَلِّيَانِ وَيَرْكَعَانِ وَيَسْجُدَانِ فَأَبْصَرَهُمَا أَهْلُ مَكَّةَ فَفَشَا الْخَبَرُ فِيهِمْ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ جُنَّ فَنَزَلَ «ن وَالْقَلَمِ
وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ»(1)،(2).وعَنِ الْخَرْكُوشِيِّ قَالَ: وَجَاءَ جَبْرَئِيلُ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَعَلَّمَهُ الصَّلاةَ فَانْفَجَرَتْ مِنَ الْوَادِي عَيْنٌ حَتَّى تَوَضَّأَ جَبْرَئِيلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَتَعَلَّمَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مِنْهُ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَلِيّاً عليهالسلام (3).
وتاريخ [تَارِيخَا] الطَّبَرِيِّ وَالْبَلاذُرِيِّ وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ وَإِبَانَةُ الْعُكْبَرِيِّ وَفِرْدَوْسُ الدَّيْلَمِيِّ وَأَحَادِيثُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَمُسْنَدُ أَحْمَدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالا قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعِي عَلِيٌّ(4).
وعن تَارِيخ النَّسَوِيِّ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَلِيٌّ(5).
جَامِعُ التِّرْمِذِيِّ وَمُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَتَارِيخُ الطَّبَرِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالا بُعِثَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله يَوْمَ الاْءِثْنَيْنِ وَصَلَّى عَلِيٌّ عليهالسلام يَوْمَ الثَّلاثَاءِ(6).
أَبُو يُوسُفَ النَّسَوِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُالْعَزِيزِ بْنُ إِسْحَاقَ فِي أَخْبَارِ أَبِي رَافِعٍ مِنْ عِشْرِينَ طَرِيقاً عَنْ أَبِي رَافِعٍ صَلَّى النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله أَوَّلَ يَوْمِ الاْءِثْنَيْنِ وَصَلَّتْ
1) . ن: 1 ـ 2.
2) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 14/2؛ بحار الأنوار: 202/38.
3) . مناقب آل لبى طالب عليهالسلام: 14/2؛ بحار الأنوار: 202/38.
4) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 14/2؛ بحار الأنوار: 38/ 202 ـ 203.
5) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 14/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
6) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 14/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
خَدِيجَةُ آخِرَ يَوْمِ الاْءِثْنَيْنِ وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثَّلاثَاءِ مِنَ الْغَدِ(1).
أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ الْعَشَرَةِ وَفِي الْفَضَائِلِ أَيْضاً وَالنَّسَوِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ وَابْنُ بَطَّةَ فِي الاْءِبَانَةِ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله(2).
ابْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ الْعَشَرَةِ وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ أَيْضاً عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام اللَّهُمَّ لاَ أَعْتَرِفُ (لا اعرف) أَنَّ عَبْداً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبَدَكَ قَبْلِي غَيْرَ نَبِيِّكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ الْخَبَرَ(3).
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا عَبَدَاللّهَ غَيْرِي الْخَبَرَ(4).
الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليهالسلام فِي قَوْلِهِ: «تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً»(5)نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام (6).
وَرَوَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ نَزَلَ فِيهِ «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(7)،(8).
1) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
2) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
3) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
4) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
5) . الفتح: 29.
6) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 203/38.
7) . المائدة: 55.
8) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2؛ بحار الأنوار: 38/ 203.
تَفْسِيرُ الْقَطَّانِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَقُولُ فِي السُّجُودِ فِي الصَّلاةِ فَنَزَلَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)قَالَ فَمَا أَقُولُ فِي الرُّكُوعِ فَنَزَلَ: «فَسَبِّحْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ»(2)فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ النَّاسِ كُلِّهِمْ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُراً مَعَ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله وَصَلَّى مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبَعْدَ النَّبِيِّ ثَلاثِينَ سَنَةً(3).
وعن ابْن فَيَّاضٍ فِي شَرْحِ الْأَخْبَارِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ لَقَدْ صَلَّتِ الْمَلائِكَةُ عَلَيَّ وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَبْعَ سِنِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُؤمِنْ بِي ذَكَرٌ قَبْلَهُ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ»(4)«وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ»(5)،(6).
وَفِي رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام لَقَدْ مَكَثَتِ الْمَلائِكَةُ سِنِينَ لاَ تَسْتَغْفِرُ إِلاّ لِرَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَلِي وَفِينَا نَزَلَتْ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِلَى قَوْلِهِ الْحَكِيمُ(7)،(8).
1) . الاعلى: 1.
2) . الواقعة: 74.
3) .مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 15/2 ـ 16؛ بحار الأنوار: 203/38 ـ 204.
4) . غافر: 7.
5) . الشورى: 5.
6) . مناقب آل أبي طالب: 16/2؛ بحار الأنوار: 204/38.
7) . وقع الخلط في هذه الآيات، والظاهر أنّه من الناسخين، وما في المصحف الشريف كذلك: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» المؤن: 7 ـ 8. والأخرى «وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ» الشورى: 5.
8) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 16/2؛ بحار الأنوار: 204/38.
وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَرَوَى شِيرَوَيْهِ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ جَابِرٍ قَالُوا قَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله لَقَدْ صَلَّتِ الْمَلائِكَةُ عَلَيَّ وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَبْعَ سِنِينَ قَبْلَ النَّاسِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَلاَ يُصَلِّي مَعَنَا غَيْرُنَا.
وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يُصَلِّ فِيهَا غَيْرِي وَغَيْرُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يُصَلِّ مَعِي رَجُلٌ غَيْرُهُ(1).
سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ وَتَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيّاً صَلَّى مُسْتَخْفِياً مَعَ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُراً(2).
تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِاللّهِ سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ (قال) أَنَا عَبْدُاللّهِ وَأَخُو رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ لاَ يَقُولُهَا بَعْدِي إِلاّ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله سَبْعَ سِنِينَ(3).
مُسْنَدَيْ أَحْمَدَ وَأَبِي يَعْلَى قَالَ حَبَّةُ الْعُرَنِيُّ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ سَبْعاً(4).
الحميري:
أ لم يصل علي قبلهم حججا ***ووحد اللّه رب الشمس والقمر
وهؤاء ومن في حزب دينهم ***قوم صلاتهم للعود والحجر.
و له:
وكفاه بأنه سبق الناس ***بفضل الصلاة والتوحيد
حججا قبلهم كوامل سبعا ***بركوع لديه أو بسجود
و له:
أ ليس علي كان أول مؤن
وأول من صلى غلاما ووحدا
فما زال في سر يروح ويغتدي
فيرقى ثبيرا أو حراء مصعدا
يصلي ويدعو ربه فيهما مع المصطفى
مثنى وإن كان أوحدا(1)
سنين ثلاثا بعد خمس وأشهرا***كوامل صلى قبل أن يتمردا
وهو أول من صلى القبلتين صلى إلى بيت المقدس أربع عشرة سنة والمحراب الذي كان النبي يصلي ومعه علي وخديجة معروف وهو على باب مولد النبي صلىاللهعليهوآله في شعب بني هاشم، قد روينا عن الشيرازي ما رواه عن ابن عباس في قوله: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ»(2)نزلت في أمير المؤنين عليهالسلام سبق الناس كلهم بالإيمان وصلى القبلتين وبايع البيعتين.
الحميري:
وصلى القبلتين وآل تيم ***وإخوتها عدي جاحدونا
وصلى(3)إلى الكعبة تسعا وثلاثين سنة(4).
تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ بِثَلاثَةِ طُرُقٍ وَإِبَانَةُ الْعُكْبَرِيِّ مِنْ أَرْبَعَةِ طُرُقٍ وَكِتَابُ الْمَبْعَثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالتاريخ [تَارِيخُ] النَّسَوِيِّ وَتَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ وَكِتَابُ الْمَاوَرْدِيِّ وَمُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَكِتَابُ أَبِي عَبْدِاللّهِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ
النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ الْبَجَلِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَفِيفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ: رَأَى عَفِيفٌ أَخُو الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ شَابّاً يُصَلِّي ثُمَّ جَاءَ غُلامٌ فَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ خَلْفَهُمَا فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ قَالَ وَيْحَكَ هَذَا مُحَمَّدٌ وَهَذَا عَلِيٌّ وَهَذِهِ خَدِيجَةُ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا حَدَّثَنِي أَنَّ رَبَّهُ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَمَرَ بِهَذَا الدِّينِ وَاللّهِ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الدِّينِ غَيْرُ هَؤلاَءِ الثَّلاثَةِ.
وَفِي كِتَابِ النَّسَوِيِّ أَنَّهُ كَانَ (عفيف) يَقُولُ بَعْدَ إِسْلامِهِ لَوْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ كُنْتُ ثَانِياً مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَفِيفٍ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ إِذَا أَنَا بِشَابٍّ جَمِيلٍ عَلَى فَرَسٍ فَقَالَ يَا عَفِيفُ مَا رَأَيْتَ فِي سَفَرِكَ هَذَا فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَقَدْ صَدَقَكَ الْعَبَّاسُ وَاللّهِ إِنَّ دِينَهُ لَخَيْرُ الْأَدْيَانِ وَإِنَّ أُمَّتَهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ قُلْتُ فَلِمَنِ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ لاِبْنِ عَمِّهِ وَخَتَنِهِ عَلَى بِنْتِهِ يَا عَفِيفُ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ يَمْنَعُهُ حَقَّهُ(1).
ابْنُ فَيَّاضٍ فِي شَرْحِ الْأَخْبَارِ عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ فِي خَبَرٍ هَجَمَ(2)عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَعْنِي أَبَا طَالِبٍ وَنَحْنُ سَاجِدَانِ قَالَ أَ فَعَلْتُمَاهَا ؟(3)ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ انْظُرْ كَيْفَ تَنْصُرُهُ وَجَعَلَ يُرَغِّبُنِي فِي ذَلِكَ
وَيَحُضُّنِي عَلَيْهِ الْخَبَرَ(1).
وَفِي كِتَابِ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله لَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ أَتَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَقَامَ يُصَلِّي فِيهِ فَاجْتَازَ بِهِ عَلِيٌّ وَكَانَ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ فَنَادَاهُ يَا عَلِيُّ إِلَيَّ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ مُلَبِّياً قَالَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكَ خَاصَّةً وَإِلَى الْخَلْقِ عَامَّةً تَعَالَ يَا عَلِيٍّ فَقِفْ عَنْ يَمِينِي وَصَلِّ مَعِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ حَتَّى أَمْضِيَ وَأَسْتَأْذِنَ أَبَا طَالِبٍ وَالِدِي، قَالَ اذْهَبْ فَإِنَّهُ سَيَأْذَنُ لَكَ، فَانْطَلَقَ يَسْتَأْذِنُ فِي اتِّبَاعِهِ، فَقَالَ يَا وَلَدِي تَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّداً وَاللّهِ أَمِينٌ مُنْذُ كَانَ، امْضِ وَاتَّبِعْهُ تَرْشُدْ وَتُفْلِحْ وَتَشْهَدْ، فَأَتَى عَلِيٌّ وَرَسُولُ اللّهِ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ يُصَلِّي مَعَهُ فَاجْتَازَ بِهِمَا أَبُو طَالِبٍ وَهُمَا يُصَلِّيَانِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا تَصْنَعُ قَالَ أَعْبُدُ إِلَهَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَعِي أَخِي عَلِيٌّ يَعْبُدُ مَا أَعْبُدُ يَا عَمِّ وَأَنَا أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ اللّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فَضَحِكَ أَبُو طَالِبٍ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
وَاللّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ***حَتَّى أَغِيبَ فِي التُّرَابِ دَفِيناً
الْأَبْيَاتِ(2).
تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ وَكِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله كَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام مُسْتَخْفِياً مِنْ قَوْمِهِ فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا فَمَكَثَا كَذَلِكَ زَمَاناً(3).
ثُمَّ رَوَى الثَّعْلَبِيُّ مَعَهُمَا(1)أَنَّ أَبَا طَالِبٍ رَأَى النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله وَعَلِيّاً يُصَلِّيَانِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله أَنَّ هَذَا دِينُ اللّهِ وَدِينُ مَلائِكَتِهِ وَدِينُ رُسُلِهِ وَدِينُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ فِي كَلامٍ لَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا أَبَتِ آمَنْتُ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصَدَّقْتُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ وَصَلَّيْتُ مَعَهُ للّهِِ فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّهُ لاَ يَدْعُو إِلاّ إِلَى خَيْرٍ فَالْزَمْه(2).
وَقَدْ رَوَى الْمُفَضَّلُ بْنُ عَبْدِاللّهِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِاللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام أَرْبَعٌ مَا هُنَّ لِأَحَدٍ هُوَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَهُوَ صَاحِبُ لِوَائِهِ فِي كُلِّ زَحْفٍ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ الْمِهْرَاسِ(3)يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَفَرَّ النَّاس الحديث(4).
رواه ابن الجوزي وسمّاه الخطبة المنبريّة، وفي آخره: «و لا المعطّل للسّنن فيؤّي ذلك إلى الفجور، ولا الباغي فيدحض الحقّ، ولا الفاسق فيشين الشّرع»(5). وكلامه عليهالسلام هذا دالّ على اشتراط العصمة في الإمام كما عليه الإماميّة، قال المسعودي: قال أهل الإمامة: نعت الإمام في نفسه أن يكون معصوما من الذنوب، لأنّه إن لم يكن معصوما لم يؤن أن يدخل في ما يدخل فيه غيره من الذّنوب، فيحتاج إلى أن يقام عليه الحدّ كما يقيمه هو على غيره، فيحتاج الإمام
إلى إمام إلى غير نهاية، ولم يؤن عليه أيضا أن يكون في الباطن فاسقا فاجرا كافرا. وأن يكون أعلم الخليقة، لأنّه إن لم يكن عالما لم يؤن عليه أن يقلب شرائع اللّه وأحكامه، فيقطع من يجب عليه الحدّ ويحدّ من يجب عليه القطع، ويضع الأحكام في غير المواضع التي وضعها اللّه تعالى. وأن يكون أشجع الخلق، لأنّهم يرجعون إليه في الحرب، فإن جبن وهرب يكون قد باء بغضب من اللّه. وأن يكون أسخى الخلق، لأنّه خازن المسلمين وأمينهم، فان لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم وشرهت إلى ما في أيديهم، وفي ذلك الوعيد الشديد بالنار. وذكروا خصالا كثيرة ينال بها أعلى درجات الفضل لا يشاركه فيها أحد، وأنّ ذلك كلّه وجد في عليّ بن أبي طالب وولده، في السّبق إلى الايمان والهجرة والقرابة والحكم بالعدل والجهاد في سبيل اللّه والورع والزّهد، وأنّ اللّه قد أخبر عن بواطنهم وموافقتها لظواهرهم بقوله عزّ وجلّ: «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً»(1)ووصفه لهم في ما صنعوه من الإطعام للمسكين واليتيم والأسير، وإنّ ذلك لوجهه خالصا لا أنّهم أبدوه بألسنتهم فقط، وأخبر عن أمرهم في المنقلب وحسن الموئل في المحشر، ثمّ في إخباره عزّ وجلّ عمّا أذهب عنهم من الرّجس وفعل بهم من التطهير...(2).
وقال هشام بن الحكم لمحمّد بن أبي عمير لمّا سأله عن وجه اشتراط عصمة الإمام: إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب و الشهوة، فهذه منفيّة عنه لا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدّنيا وهي تحت خاتمه، لأنّه خازن المسلمين، فعلى ما ذا يحرص ولا يجوز أن يكون حسودا، لأنّ
الإنسان إنّما يحسد من فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه ولا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدّنيا إلاّ أن يكون غضبه للّه عزّ وجلّ، فإنّ اللّه تعالى قد فرض عليه إقامة الحدود وأن لا تأخذه في اللّه لومة لائم، ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه تعالى. ولا يجوز أن يتّبع الشهوات ويؤر الدّنيا على الآخرة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدّنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدّنيا، فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح، وطعاما طيّبا لطعام مرّ، وثوبا ليّنا لثوب خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية(1)
إنّما قال عليهالسلام: قد علمتم أنّه لا ينبغي ما ذكر مع كون أكثر أصحابه غير مستبصر، وغير متعبّد بطريقته وطريقة أهل بيته، من كون الإمام كالنّبيّ، إحالة لهم على الفطرة التي فطر الناس عليها، فقد كانوا قد يقرّون بمقتضى الفطرة اضطرارا، عن حبيب المهلّبي عن عمر بن شبّة عن خلاّد الأرقط قال: كان الشّراة والمسلمون يتوافقون ويتساءلون بينهم عن أمر الدين وغير ذلك على أمان وسكون، فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكري وأبو حزابة التّميمي وهما في الحرب، فقال عبيدة: يا أبا حزابة إنّي سائلك عن أشياء، أفتصدّقني في الجواب عنها قال: نعم، إن تضمّنت لي مثل ذلك.
قال: قد فعلت. قال: سل عمّا بدا لك. قال: ما تقول في أئمّتكم قال: يبيحون الدّم الحرام والفرج الحرام. قال: فكيف فعلهم في المال قال: يجبونه من غير حلّه
1) . الخصال: 215/1/ ح 36؛ بحار الأنوار:192/25/ ح 1.
وينفقونه في غير حقّه. قال: فكيف فعلهم في اليتيم قال: يظلمونه ماله وينيكون أمّه. قال: ويلك يا أبا حزابة، أ فمثل هؤاء تتّبع ؟ قال: قد أجبت، فاسمع سؤلي ودع عنك عتابي على رأيي. قال: قل. قال: أيّ الخمر أطيب، خمر السّهل أم الجبل قال: ويلك أ تسأل مثلي عن هذا قال: أوجبت على نفسك أن تجيب...(1).
وقال المبرّد بعد ذكر قتال المهلّب للخوارج من قبل ابن الزّبير وقتل عبدالملك لمصعب بن الزبير: ثمّ أتى الخوارج خبر قتله بمسكن، ولم يأتي المهلّب وأصحابه، فتوافقوا يوما على الخندق، فناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب قالوا: إمام هدى. قالوا: فما تقولون في عبدالملك قالوا: ضالّ مضلّ. فلمّا كان بعد يومين أتى المهلّب قتل مصعب، وأنّ أهل الشام اجتمعوا على عبدالملك، وورد عليه كتاب عبدالملك بولايته، فلمّا توافقوا ناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب قالوا: لا نخبركم. قالوا: فما تقولون في عبدالملك قالوا: إمام هدى. قالوا: يا أعداء اللّه، بالأمس ضالّ مضلّ واليوم امام هدى يا عبيد الدّنيا عليكم لعنة اللّه...(2).
فيقال للخوارج: إنّ ما فعله أصحاب المهلّب وإن كان خلاف الفطرة التي فطر النّاس عليها إلاّ أنّه لازم تولّيكم صدّيقكم وفاروقكم، فأنتم السفهاء حيث تجمعون بين ولايتهما وإنكار مثل ذلك.
و كتب نافع إلى عبداللّه بن الزّبير يدعوه إلى أمره: أمّا بعد، فإنّي أحذّرك من اللّه «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ...»(3)، ـ إلى أن قالـ: وقد حضرت عثمان
يوم قتل، فلعمري لئن كان قتل مظلوما فقد كفر قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين ـ وإنّهم لمهتدون ـ لقد كفر من يتولاّه وينصره ويعضده، ولقد علمت أنّ أباك وطلحة وعليّا كانوا أشدّ النّاس عليه، وكانوا في أمره من بين قاتل وخاذل، وأنت تتولّي أباك وطلحة وعثمان، وكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول في دين واحد و لقد ملك عليّ بعده فنفى الشّبهات وأقام الحدود وأجرى الأحكام مجاريها وأعطى الأمور حقائقها في ما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة ثمّ خلعاه ظالمين له، وإنّ القول فيك وفيهما لكما قال ابن عبّاس: إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤنا لقد كفرتم بقتال المؤنين وأئمّة العدل، ولئن كان كافرا كما زعمتم وفي الحكم جائرا لقد بؤم بغضب من اللّه لفراركم من الزّحف...(1).
فيقال لنافع: إنّ الجمع بين هذه الأضداد لازم تولّي صدّيقكم وفاروقكم ومن فروعه، فكيف تقول أنت بالملزوم والأصل، ولا تقول بالّلازم والفرع.
و ممّا يشهد لاشتراط العصمة في الإمامة أنّه لو لم يشترط لزم تعطّل حدود اللّه لاشتراك الامام مع المأموم في الارتكاب، ولمّا بعث الرّشيد هرثمة بن أعين واليا على خراسان، على أن يأخذ عليّ بن عيسى الذي كان واليا قبله بما ظلم الناس وردّ حقوقهم إليهم، قام رجل إلى هرثمة وقال له: إنّ هذا الفاجر أخذ منّي درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها، فاشتراها على كره منّي ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم، و لم آخذ لها ثمنا إلى هذه الغاية، فقذف أمّي، فخذ لي بحقّي من مالي وقذفه أمّي. فقال: لك بيّنة قال: نعم، جماعة حضروا كلامه. فأحضرهم فأشهدهم على دعواه، فقال هرثمة (لعليّ بن عيسى): وجب عليك الحدّ. قال: ولم قال: لقذفك أمّ هذا.
1) . الكامل للمبرد: 209/3 ـ 210.
قال: من هذا فقّهك قال: هذا دين المسلمين.
قال: فأشهد أنّ أمير المؤنين (أي الرشيد) قد قذفك غير مرّة، وأشهد أنّك قذفت بنيك ما لا أحصي مرّة، فمن يأخذ هؤاء منك ومن يأخذ لك من مولاك فالتفت هرثمة إلى صاحب الدّرقة. فقال: أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها، وتترك مطالبته بقذفه أمّك(1).
و أنّ هارون كتب بخطّ يده إلى عليّ بن عيسى: هذا يابن الزّانية رفعت من قدرك...(2).
و لو لم تكن الإمامة من قبل اللّه تعالى كالنبوّة ـ كما عليه الإمامية ـ لزم أن تكون ملعبة بيد النّاس، وتكون أئمّة النّاس مثل آلهة بني حنيفة الّذين كانوا يصنعون إلها من تمر وسمن، ويأكلونها عام المجاعة.
و لمّا قطع الرّاشد العبّاسي الخطبة في بغداد لمسعود السلطان الغزنوي وأراد محاربته، وسار مسعود إلى بغداد، وانهزم الرّاشد وفرّ إلى الموصل، جمع مسعود القضاة والفقهاء، وتقدّم إليهم لعمل محضر في خلع الرّاشد، فعملوا محضرا ذكروا ما ارتكبه من أخذ الأموال وأشياء أخر، فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما، فخلعوه وبايعوا المقتفي(3).
فهل الرّاشد حسب لم يكن أمره برشيد ؟ فكلّهم كانوا كذلك، لا سيّما ذو نوريهم حتّى اضطرّوا إلى قتله.
و ذكروا أنّ هشام بن عبدالملك قال لغيلان: أنت الذي تزعم أنّ اللّه لم يولّني ولم
يرض ما أنا فيه فقال له غيلان: وهل رأيت أمينا يولّي الخائنين أمانته، أم رأيت مصلحا يولّي المفسدين، أم رأيت كريما يدعو إلى أمر ثمّ يصدّ عنه، أم رأيت حكيما يقضي بما يعيب أم يعيب بما يقضي، أم رأيت حكيما يكلّف فوق الطاقة(1)
لما غدر خالد بن الوليد بمالك بن نويرة وقتله وزنى بامرأته، قال عمر لأبي بكر: إنّ سيف خالد فيه رهق ـ وأكثر عليه في ذلك ـ فقال: يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإنّي لا أشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين. وودّى مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل ودخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها، وقال له: قتلت امرأ مسلما ثمّ نزوت على امرأته، واللّه لأرجمنّك بأحجارك. وخالد لا يكلّمه، يظنّ أنّ رأي أبي بكر مثله ـ إلى أن قالـ: فخرج خالد وعمر جالس، فقال: هلمّ إليّ يابن أمّ سلمة، فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه، وكان خالد يعتذر في قتله لمالك: إنّ مالكا قال له: ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا. فقال له خالد: أو ما تعدّه لك صاحبا ثمّ
ضرب عنقه(2).
وفي قول عمر لأبي بكر: «إنّ سيف خالد فيه رهق» تعريض واستهزاء من عمر لأبي بكر في حديث وضعه لخالد، إنّه سيف اللّه، لذبّه عن سلطنته.
و لعمري إنّه لمضحك، كيف يقتل سيف اللّه عباد اللّه ظلما وقتل خالد رجلين آخرين مسلمين في وقعة مضيخ بني البرشاء، قال الجزري أيضا: كان مع الهذيل
عبدالعزّى بن أبي رهم أخو أوس مناة، ولبيد ابن جرير ـ وكانا أسلما ومعهما كتاب أبي بكر باسلامهما ـ فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر وقول عبدالعزّي (حين قتل):
أقول إذ طرق الصّباح بغارة ***سبحانك اللهمّ ربّ محمّد
سبحان ربّي لا إله غيره ***ربّ البلاد وربّ من يتورّد
فوداهما وأوصى بأولادهما، فكان عمر يعتدّ بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد، فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من نازل أهل الشرك(1).
وفي غزوة دبا(2)أيّام أبي بكر: «إنّ عكرمة بن أبي جهل قتل أكثر أعيانهم، وأسر بعضهم، واتّخذ نساءهم أرقّاء، وبعث بأربعمائة رقيقا، وثلاثمائة إبلا إلى المدينة، فسر الصّديق من هذا الفتح وأراد قتل الاسراء، فشفع لهم الفاروق، وقال له: إنّهم يتشهدون بالتّوحيد والرّسالة ويصلّون، فتركهم أولى. فأمر الصدّيق بحبسهم، وبقوا أيّامه في الحبس، فلما قام الفاروق بالأمر أمر بإطلاقهم، فرجع بعضهم إلى أوطانهم، وبعضهم سكن البصرة»(3).
قال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ...»(4).
وقال تعالى: «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيد»(1).
قال حميد بن ثور في ابن الزبير أيّام قيامه:
قدني من نصر الخبيبين قدى ***ليس الامام بالشّحيح الملحد(2)
وقال آخر فيه:
رأيت أبا بكر(3)وربّك غالب ***على أمره يبغي الخلافة بالتّمر(4)
وقال عمر للزّبير بعد أن ذكره في ستّة الشورى، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من الشعير(5)، والإمام كالنّبي يجمعهما عنوان الولاية.
ولمّا فرغ النّبيّ صلىاللهعليهوآله من ردّ سبايا حنين إلى أهلها ـ ركب واتّبعه النّاس يقولون: يا رسول اللّه أقسم علينا فيئنا الابل والغنم، حتّى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت الشجرة عنه رداءه، فقال: ردّوا عليّ ردائي أيّها الناس، فو اللّه لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمتها عليكم. ثمّ ما لقيتموني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذّابا(6).
عَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله قَالَ: خَصْلَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ(7).
وقال صلىاللهعليهوآله: يقول قائلكم الشّحيح أعذر من الظَّالم وأيّ ظلم أظلم عند اللّه من الشّحّ حلف اللّه تعالى بعزّته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنّة شحيح ولا بخيل(8).
أمر القاهر في سنة (321) بتحريم الغناء وببيع الجواري المغنّيات على أنّهن سواذج لا يعرفن الغناء، وكان مشتهرا بالسّماع، وكان أمره ذلك وسيلة ليأخذ مغنّيات النّاس بأرخص الأثمان، فوضع من يشتري له كلّ حاذقة في الغناء رخيصا(1).
وأمر القاهر في سّنة (322) بقتل أبي السّرايا بن حمدان وإسحاق النوبختي، مع كون إسحاق هو الذي أشار على الناس باستخلافه، وسبب قتلهما حقده عليهما، لأنّه كان قبل خلافته أراد شراء مغنيتين فزادا في الثمن عليه، فحقد فاستدعاهما للمنادمة فتزيّنا وتطيّبا، فلمّا حضرا أمر بإلقائهما إلى بئر في الدّار، فتضرّعا وبكيا،
فلم يلتفت إليهما، وألقاهما فيه وطمّها عليهما(2).
و أعطى عثمان عمّه الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه مائة ألف درهم من بيت مال المسلمين، وأقطع (مهزورا) ـ موضع سوق المدينة الّذي تصدّق به النّبي صلىاللهعليهوآله على المسلمين ـ الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك التي هي صدقة النّبي صلىاللهعليهوآله، وافتتح إفريقية ووهب جميع خمسها لمروان أيضا(3).
قال عليّ بن ميثم لأبي الهذيل: أ لست تعلم أنّ إبليس ينهى عن الخير كلّه، ويأمر بالشرّ كلّه فقال: نعم. فقال: أ فيجوز أن يأمر بالشّرّ كلّه وهو لا يعرفه، وينهى
عن الخير كلّه وهو لا يعرفه قال: لا. فقال له: قد ثبت أنّ إبليس يعلم الشّرّ كلّه والخير كلّه. قال: أجل. قال: فأخبرني عن إمامك الذي تأتمّ به بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله هل يعلم الخير كلّه، والشرّ كلّه قال: لا. قال: فإبليس أعلم من إمامك إذن. فانقطع أبو الهذيل(1).
و سئل أبو بكر عن قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا(2)، فقال: أي سماء تظلّني أم أي أرض تقلّني إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم، أمّا الفاكهة فنعرفها، وأمّا الأبّ فاللّه أعلم به. فبلغ ذلك أمير المؤنين عليهالسلام فقال: سبحان اللّه أما علم أنّ الأبّ هو الكلأ والمرعى، وأنّ قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا اعتداد من اللّه تعالى بإنعامه على خلقه بما غذّاهم، وخلقه لهم ولأنعامهم...(3).
أشار عليهالسلام إلى أنّ درجة جهله كانت بحيث لم يتفطّن لتفسير القرآن للأبّ في قوله تعالى بعد: «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ»(4).
و كذلك سئل أبو بكر عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن اللّه، وإن أخطأ فمن نفسي ومن الشيطان. فبلغ ذلك أمير المؤنين عليهالسلام فقال: ما أغناه عن الرّأي في هذا المكان، أما علم أنّ الكلالة هم الإخوة والأخوات من قبل الأب والامّ، ومن قبل الأب على انفراده، ومن قبل الامّ أيضا على حدّها قال تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها
نِصْفُ ما تَرَكَ...»(1)، وقال تعالى: «... وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ...»(2)،(3)أشار عليهالسلام إلى أنّ درجة جهله كانت بحيث لا تفرّق بين المنصوص وغير المنصوص.
فجر رجل بمجنونة فأمر عمر بجلدها، فقال أمير المؤنين عليهالسلام: أما علم أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق إنّها مغلوبة على عقلها ونفسها. فقال عمر: لقد كدت أن أهلك في جلدها(4).
و أمر عمر أيضا برجم حامل زنت، فقال عليهالسلام له: هب إنّ لك سبيلا عليها، أيّ سبيل لك على ما في بطنها، واللّه تعالى يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى...(5)فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا تكون لها. فما أصنع بها قال: احتط عليها حتّى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله، أقم عليها الحدّ(6).
و أتى عمر أيضا بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها، فقال له أمير المؤنين عليهالسلام: إنّ اللّه تعالى قال: «... وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً...»(7)وقال جلّ وعلا: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ
الرَّضاعَةَ...»(1)فإذا تمّمت المرأة الرّضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين، كان الحمل منها ستّة أشهر. فخلّى عمر سبيلها(2).
و أمر عمر أيضا برجم امرأة شهد عليها جمع أنّ رجلا يطؤا في بعض المياه، فقالت: «اللهمّ إنّك تعلم أنّي بريئة». فغضب عمر وقال: وتجرّحين الشهود أيضا. فقال أمير المؤنين عليهالسلام ـ وكان شاهدا ـ ردّوها واسألوها فلعلّ لها عذرا، فردّت وسئلت عن حالها، فقالت: كان لأهلي إبل، فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن، وخرج معي خليطنا وكان في إبله لبن، فنفد مائي فاستسقيته فأبي أن يسقيني حتّى أمكّنه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرها. فقال عليهالسلام: اللّه أكبر «... فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ...»(3).فخلى عمر سبيلها(4).
ونكح شيخ كبير امرأة فحملت فأنكره، وزعم أنّه لم يصل إليها، فسألها عثمان هل افتضّك قالت: لا. فقال: أقيموا عليها الحدّ. فقال أمير المؤنين عليهالسلام ـ و كان شاهدا ـ: إنّ للمرأة سمين: سم للمحيض، وسم البول. فلعلّ الشيخ سال ماؤ في سم المحيض فحملت. فسئل الشيخ، فقال: قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض. فقال عليهالسلام: الحمل له والولد ولده، وأرى عقوبته على الإنكار. فصار عثمان إلى قضائه بذلك وتعجّب منه(5).
و روى الخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر فقال: إنّي لعليّ أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وأنّ من آخر القرآن نزولا آية الربا، وأنّه قد مات النّبيّ صلىاللهعليهوآله ولم يبيّنها لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم...(1).
قال التسترى:(2)إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال في مرض موته: «ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي أبدا» فقلت أنت أيّها الفاروق: «إنّ الرجل ليهجر، يكفينا كتاب اللّه»(3)فكيف تقول في خطبتك: مات النبيّ ولم يبيّن لنا آية الرّبا وعلى قولك بقي دينه ناقصا، فكيف قال تعالى: «... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلامَ دِيناً...»(4)، وإذا لا تعرف الصلاح من الفساد،كيف تأمر وتنهى وروى في عثمان بن سعيد عن ابن مسعود أنّ عمر خطب بالجابية فقال: إنّ اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء. فقال: قسّ من تلك القسوس: ما يقول أميركم هذا قالوا: يقول: إنّ اللّه يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء. فقال القسّ:
«برقشت، اللّه أعدل أن يضلّ أحدا». فبلغ ذلك عمر فبعث إليه فقال: بل اللّه أضلّك، ولو لا عهدك لضربت عنقك(5).
و رواه الأعثم (6)، «أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ...»(7)، اتّخذوا إماما عارا على الاسلام يطعن به النصارى فيه، والقرآن وإن تضمّن هذا اللفظ لكن لم يقتصر عليه، بل بيّن المراد به. فقال بعده: «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ...»(1).
ذكروا أنّ عمر قال للزّبير ـ بعد جعله أحد ستّة الشورىـ: أنت مؤن الرّضا كافر الغضب، يوما إنسانا ويوما شيطان، فليت شعري من يكون للنّاس إماما يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب اماما، وما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الأمّة وأنت على هذه الصفة(2).
يقال لهذا الرّجل: العيب الذي ذكرت للزبير مشترك بينه وبين صاحبك، فقد قال صاحبك على المنبر حين ولّي الأمر: «إنّ لي شيطانا يعترينى»(3).
و كذلك هو مشترك بينه وبينك، قال الجزري: ارتدّ أبو شجرة ابن عبدالعزّى السلمي، وهو ابن الخنساء في من ارتدّ من سليم، وقال:
صحا القلب عن ميّ هواه وأقصرا
إلى أن قال:
فروّيت رمحي من كتيبة خالد ***وإنّي لأرجو بعده أن أعمّرا
ثمّ إنّه أسلم، فلمّا كان زمن عمر قدم المدينة فرأى عمر وهو يقسم في المساكين، فقال: أعطني فإنّي ذو حاجة. فقال: ومن أنت قال: أنا أبو شجرة. قال: أي عدوّ اللّه لا واللّه، أ لست الذي تقول: «فروّيت رمحي...» وجعل يعلوه بالدّرّة
في رأسه، فسبقه عدوا إلى ناقته، وقال:
ضنّ علينا أبو حفص بنائله ***وكلّ مختبط يوما له ورق(1)
وقد أجاب الزبير نفسه عمر بأنّه ليس أعيب منه، فقال له: ولّيتها أنت ولسنا دونك في قريش، ولا في السّابقة، ولا في القرابة(2).
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لما خلق اللّه الإيمان، قال اللهم قوني، فقواه بحسن الخلق والسخاء. ولما خلق اللّه الكفر، قال اللهم قوني، فقواه بالبخل وسوء الخلق(3).
وعنه صلىاللهعليهوآله: أبي اللّه لصاحب الخلق السئ بالتوبة، قيل: فكيف ذاك يا رسول اللّه ؟ قال: لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه(4)
روت العامّة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خلا عمر لبعض شأنه، وقال: امسك على الباب. فطلع الزّبير فكرهته حين رأيته، فأراد أن يدخل، قلت: هو على حاجة. فلم يلتفت إليّ وأهوى ليدخل، فوضعت يدي في صدره، فضرب أنفي فأدماه. ثمّ رجع. فدخلت على عمر، فقال: ما بك قلت: الزبير. فأرسل إلى الزّبير، فلمّا دخل جئت فقمت لأنظر ما يقول له، فقال: ما حملك على ما صنعت أدميتني للناس. فقال الزبير ـ يحكيه ويمطّط في كلامه ـ أدميتني، أ تحتجب عنّا يا بن الخطّاب فو اللّه ما احتجب منّي النّبي ولا أبو بكر. فقال عمر كالمعتذر: إنّي كنت في بعض شأني. قال أسلم فلمّا سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقّي منه. و
خرج الزبير، فقال عمر: إنّه الزبير، وآثاره ما تعلم(1).
و كان عمر منع طلحة والزّبير من الخروج من المدينة لجهاد فارس والروم، ولئلاّ يحدث لهما خيال قيام، مع كون استيلائه على الأمر بحيث أمر أن يضرب عنق أمير المؤنين عليهالسلام بعده لو أبي عن قبول دستوره في شوراه، ليصل الأمر إلى عثمان ثمّ إلى معاوية وباقي بني أميّة، لينتقموا من النّبيّ صلىاللهعليهوآله باستيصال أهل بيته، فقال يزيد في أبياته:
لست من خندف إن لم أنتقم ***من بني أحمد ما كان فعل(2)
بل كان تسلّطه واستيلاؤ قبل سلطنته وسلطنة صاحبه لتحالفه مع قريش أعداء النّبي صلىاللهعليهوآله، بحيث منع النّبي صلىاللهعليهوآله من الوصيّة، ولم يكترث هو كصاحبه بأمر النّبي صلىاللهعليهوآله مرّة بعد مرّة بتجهيز جيش أسامة مع لعنه المتخلّف عنه(3).
و أيّ شيء كان يحدث من طلحة والزبير وقت غاية اقتداره حتّى حظر عليهما هذه الفريضه العظيمة، لولا رعاية السياسة الملوكيّة والاهمال لجانب مقتضيات الشريعة، وأمير المؤنين ـ صلوات اللّه عليه ـ لمّا استأذنه الرجلان طلحة والزبير للخروج إلى مكّة باسم العمرة مع قطعه بإرادتهما الغدرة خلاّهما مع شدّة اضطراب أمره(4)، لأنّهما أرادا أن يتّخذهما واليا بلا استحقاق، وما كان عليهالسلام مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً(5)، وإن صار أمرهما سببا لأمر معاوية، وأمر معاوية لأمر الخوارج،
وصيرورة الأمر إلى ما صار إليه.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَّارِينَ أَنِ ائْتِ هَذَا الْجَبَّارَ فَقُلْ لَهُ إِنَّنِي لَمْ أَسْتَعْمِلْكَ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاتِّخَاذِ الْأَمْوَالِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَكُفَّ عَنِّي أَصْوَاتَ الْمَظْلُومِينَ فَإِنِّي لَمْ أَدَعْ ظُلامَتَهُمْ وَإِنْ كَانُوا كُفَّار(1)
و عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَجَبَلاً يُقَالُ لَهُ الصُّعَدَاءُ وَإِنَّ فِي الصُّعَدَاءِ لَوَادِياً يُقَالُ لَهُ سَقَرُ وَإِنَّ فِي سَقَرَ لَجُبّاً يُقَالُ لَهُ هَبْهَبُ كُلَّمَا كُشِفَ غِطَاءُ ذَلِكَ الْجُبِّ ضَجَّ أَهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ وَذَلِكَ مَنَازِلُ الْجَبَّارِينَ(2).
كان عمر يعطي عايشة وحفصة في كلّ سنة عشرة آلاف درهم، ويمنع أهل بيت النّبي صلىاللهعليهوآله خمسهم الذي عيّنه اللّه لهم في كتابه، وبيّنه الرسول صلىاللهعليهوآله في سنّته، وكان يفضّل الأشراف على غيرهم في العطاء تأليفا لهم على خلاف الكتاب والسّنّة(3).
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهالسلام أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَكْلِ السُّحْتِ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ وَإِنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ قَالَ وَإِنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ فَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ كُفْرٌ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلّ: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ»(4)،(5).
قد عطّل عمر حدّ اللّه تعالى في المغيرة بن شعبة المعلوم النفاق بالاتفاق لكونه من أعوانه، ولقّن الشاهد الرابع الامتناع من أداء الشهادة عليه، وقال: لذاك الشاهد بأنّه ينفس على مثله من المهاجرين الأوّلين، مع أنّ إمامهم الثالث عثمان لمّا نقموا عليه توليته المنافقين ـ كالوليد ابن عقبة الذي صلّى الصبح بالناس أربعا سكرانا(1)ـ اعتذر بأنّ عمر أيضا كان يولّي المغيرة(2)، وكان منافقا. وأمين أمّتهم عبدالرحمن بن عوف، قال للمغيرة ـ لما بويع عثمان وقال له المغيرة: لو بويع غيرك ما بايعناه(3)ـ أنت منافق، لو كان بويع غيره كنت تقول له أيضا ذلك. وصار إبقاء عمر للمغيرة سببا لهلاك الامّة بحمله معاوية على استخلاف ابنه يزيد، مع أنّ مثل مروان وزياد كانا أيضا منكرين لتولية يزيد، حمله المغيرة على ذلك لئلاّ يعزله عن حكومة الكوفة، فانجرّ الأمر إلى أنّ الخليفة يرتكب ما فيه الحدّ ويجرون الحدّ على الناس، فلمّا بلغ يزيد أنّ مسور بن مخرمة النوفلي كان يقول: يزيد يشرب الخمر. كتب إلى والي المدينة أن يجلده الحدّ، فجلده الوالي فقال مسور:
أ يشربها صرفا بفكّ ختامها ***أبو خالد ويجلد الحدّ مسور(4)
وبالجملة أين الإمام الذي خليفة النّبي صلىاللهعليهوآله الذي هو خليفة اللّه، وأين أولئك الجفاة الأجلاف من أوّلهم إلى آخرهم، أما قال تعالى:... لا يَنالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ(1)ومن الأمثال: متى كان حكم اللّه في كرب النّخل(2).وإنّما تصدّوا للسلطنة، وقد قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ...(3).
قال الشيخ المفيد قدس اللّه روحه: أجمعت الأمّة على أنّ أمير المؤنين عليهالسلام أوّل ذكر أجاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلاّ أنّ العثمانية طعنت في ايمان أمير المؤنين عليهالسلام بصغر سنّة في حال الاجابة، قالوا: إنّه عليهالسلام لم يك في تلك الحال بالغا فيقع ايمانه على وجه المعرفة، وإنّ ايمان أبي بكر حصل منه مع الكمال، فكان على اليقين والمعرفة، والاقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للاقرار بالمعلوم المعروف بالدّلالة، فلم يحصل خلاف من القوم في تقدّم الاقرار من أمير المؤنين للجماعة و الاجابة منه للرّسول عليه وآله السّلام، وانّما خالفوا فيما ذكرناه.
و أنا ابيّن غلطهم فيما ذهبوا إليه من توهين إقرار أمير المؤنين وحملهم إيّاه على وجه التلقين دون المعرفة واليقين بعد أن أذكر خلافا حدث بعد الاجماع من بعض المتكلّمين والناصبة من أصحاب الحديث، وذلك أنّ ههنا طائفة تنسب إلى العثمانيّة تزعم أنّ أبا بكر سبق أمير المؤنين إلى الاقرار وتعتلّ في ذلك بأحاديث مولّدة باضعاف.
منها أنّهم رووا عن أبي نضرة «نضيرة خ» قال: أبطأ عليّ والزّبير عن بيعة أبي بكر قال: فلقى أبو بكر عليا فقال له: أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك ولقى الزبير فقال له: أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك.
و منها حديث أبي امامة عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أوّل ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف فقلت: من أنت؟ فقال: أنا نبيّ، قلت: وما النبيّ؟ قال: رسول اللّه، قلت: اللّه أرسلك؟ قال: نعم، قلت: بما أرسلك؟ قال: بأن نعبد اللّه عزّ وجلّ ونكسر الأصنام ونوصل الأرحام، قلت: نعم ما أرسلك به، من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حرّ وعبد يعني أبا بكر وبلالا، وكان عمر يقول: لقد رأيتني وأنا رابع الاسلام، قال: فأسلمت وقلت: أبايعك يا رسول اللّه.
ومنها حديث الشّعبي قال: سألت ابن عبّاس عن أوّل من أسلم فقال: أبو بكر ثمّ قال: أما سمعت قول حسّان:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ***فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البريّة أعطاها وأعدلها ***بعد النّبيّ وأرقاها بما حملا
الثّاني التّالي المحمود مشهده ***وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا
ومنها حديث رووه عن منصور عن مجاهد أنّ أوّل من أظهر الاسلام سبعة، رسول اللّه وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسميّة.
و منها حديث رووه عن عمرو بن مرّة قال: ذكرت لإبراهيم النخعي حديثا فأنكره وقال أبو بكر أوّل من أسلم.
قال الشيخ قدس اللّه روحه فيقال لهم: أما الحديث الاول فانّه رواه أبو نضرة، وهذا أبو نضرة مشهور بعداوة أمير المؤنين عليهالسلام، وقد ضمنه ما ينقض اضلالهم في
الإمامة، ولو ثبت لكان أرجح من تقدّم اسلام أبي بكر وهو أنّ أمير المؤنين والزّبير أبطئا عن بيعة أبي بكر، وإذا ثبت أنّهما أبطئا عن بيعته وتأخّرا نقض ذلك قولهم أنّ الامّة اجتمعت عليه ولم يكن من أمير المؤنين عليهالسلام كراهيّة لأمره، وإذا ثبت أنّ أمير المؤنين عليهالسلام قد كان متأخّرا عن بيعته على وجه الكراهة لها بدلالة ما رووه من قول أبي بكر له: أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك على وجه الحجّة عليه في كونه أولى بالامامة منه، ثبت بطلان إمامة أبي بكر، لأنّ أمير المؤنين عليهالسلام لا يجوز أن يكره الحقّ ولا أن يتأخّر عن الهدى، وقد أجمعت الأمّة على أنه عليهالسلام لم يوقع خطأ بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله يعثر عليه طول مدّة أبي بكر وعمر وعثمان، وإنّما ادّعت الخوارج الخطاء منه في آخر أيّامه بالتحكيم وذهبت عن وجه الحقّ في ذلك وإذا لم يجز من الأمير المؤنين التّأخّر عن الهدى والكراهة للحقّ والجهل بموضع الأفضل، بطل هذا الحديث، وما زلنا نجتهد في اثبات الخلاف لأمره، والنّاصبة تحيد(1)عن قبول ذلك وتدفعه أشدّ دفع حتى صاروا يسلمونه طوعا واختيارا، وينظمونه في احتجاجهم بفضل صاحبهم، وهكذا يفعل اللّه تعالى بأهل الباطل يخيبهم (لحينهم) و يسلبهم التوفيق حتّى يدخلوا فيما يكرهون من حيث لا يشعرون.
على أنّ بازاء هذا الحديث عن أبي بكر حديثا منه ينقضه من طريق أوضح من طريق أبي نضرة، وهو ما رواه عليّ بن مسلم الطوسي عن زافر بن سليمان عن الصلت ابن بهرام عن الشّعبي قال: مرّ عليّ بن أبي طالب ومعه أصحابه على أبي بكر فسلّم ومضى، فقال أبو بكر: من سرّه أن ينظر إلى أوّل النّاس في الاسلام سبقا،
1) . حاد عنه: مال عنه وعدل.
و أقرب النّاس من نبيّنا رحما، وأعظمهم دلالة عليه وأفضلهم فداء عنه بنفسه فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب.
و هذا يبطل ما ادّعوه على أبي بكر وأضافه أبو نضرة إليه(1).
و أما حديث عمرو بن عنبسة فانّه من طريق أبي امامة ولا خلاف أنّ أبا امامة كان من المنحرفين عن أمير المؤنين عليهالسلام والمتجبرين عليه، وأنّه كان في جيش معاوية ثمّ فيه عن عمر بأنه شهد لنفسه أنّه كان رابع الاسلام، وشهادة المرء لنفسه غير مقبولة إلاّ أن يكون معصوما أو يدلّ دليل على صدقه، وإذا لم يثبت شهادته لنفسه بطل الحديث بأسره.
مع أنّ الرّواية قد اختلفت عن عمر من طريق أبي أمامة، فروى عنه في حديث آخر أنّه قال: أتيت النّبي صلىاللهعليهوآله بماء يقال له عكاظ، فقلت له: يا رسول اللّه من تابعك على هذا الأمر؟ فقال: من بين حرّ وعبد، فاقيمت الصّلاة فصلّيت خلفه أنا وأبو بكر وبلال، وأنا يومئذ رابع الاسلام.
فاختلف اللفظ والمعنى في هذين الحديثين والواسطة واحد فتارة يذكر مكة وتارة يذكر عكاظا، وتارة يذكر أنّه وجده مستخفيا بمكّة، وتارة يذكر أنّه كان ظاهرا يقيم الصّلاة ويصلّي بالنّاس معه، والحديث واحد من طريق واحد، وهذا أدلّ دليل على فساده.
و أما حديث الشعبى فقد قابله الحديث عنه من طريق الصّلت بن بهرام المتضمّن لضدّه وفي ذلك إسقاطه، مع أنّه قد عزاه إلى ابن عبّاس والمشهور عن ابن عبّاس ضدّ ذلك وخلافه، ألا ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عبّاس
1) .الفصول المختارة: 254 ـ 257؛ بحار الأنوار: 262/38.
و هذان أصدق على ابن عبّاس من الشّعبي، لأنّ أبا صالح معروف بعكرمة وعكرمة معروف بابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، قالوا: ولم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: لم يكن معى من الرّجال غيره، ومن طريق عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أوّل من
أسلم بعد خديجة بنت خويلد عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه(1).
و أما قول حسان فانّه ليس بحجّة من قبل أنّ حسّان كان شاعرا وقصد الدّولة والسّلطان، وقد كان منه بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله انحراف شديد عن أمير المؤنين عليهالسلام، وكان عثمانيّا وحرّض النّاس على عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وكان يدعو إلى نصرة معاوية وذلك مشهور عنه في نظمه، ألا ترى إلى قوله:
يا ليت شعري وليت الطّير يخبرني ***ما كان بين عليّ وابن عفّانا
ضحوا بأشمط عنوان السّجود به(2)***يقطع اللّيل تسبيحا وفرقانا
لتسمعنّ وشيكا في ديارهم(3)***اللّه أكبر يا ثارات عثمانا
فان جعلت النّاصبة شعر حسّان حجّة في تقديم ايمان أبي بكر فلتجعله حجّة في قتل أمير المؤنين عثمان والقطع على أنّه اخصّ النّاس بقتله، وأنّ ثاراته يجب أن يطلب منه، فان قالوا: إنّ حسّان غلط في ذلك، قلنا لهم وكذلك غلط في قوله في أبي بكر، وان قالوا لا يجوز غلطه في باب أبي بكر لأنّه شهد به بحضرة الصّحابة فلم يردّوا عليه، قيل لهم ليس عدم اظهارهم الرّد عليه دليلا على رضاهم به لأنّ الجمهور كانوا شيعة أبي بكر وكان المخالفون له في تقيّة من الجهر بالتنكير عليه في
ذلك مخافة الفرقة والفتنة مع أنّ قول حسان يحتمل أن يكون أبو بكر من المتقدّمين في الاسلام والأوّلين دون أن يكون أوّل الأوّلين، ولسنا ندفع أن أبا بكر ممّن يعدّ في المظهرين للاسلام أوّلا، وإنّما ننكر أن يكون أوّل الأوّلين فلمّا احتمل قول حسّان ما وصفناه لم ينكر المسلمون عليه ذلك.
مع أنّ حسّان قد حرض على أمير المؤنين ظاهرا ودعا إلى مطالبته بثارات عثمان جهرا فلم ينكر عليه في الحال منكر، فيجب أن يكون مصيبا في ذلك، فان قالوا: هذا شيء قاله في مكان دون مكان فلما ظهر عنه أنكره جماعة من الصّحابة، قيل لهم: فان قنعتم بذلك، واقترحتم في الدّعوى فاقنعوا منّا بمثله فيما اعتقدتموه في شعره في أبي بكر، وهذا ما لا فصل (لا فضل) فيه على أنّ حسان بن ثابت قد شهد في شعره بامامة أمير المؤنين عليهالسلام نصّا وذكر ذلك بحضرة النّبي صلىاللهعليهوآله فجزاهخيرا في قوله:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم ***بخمّ وأسمع بالرّسول مناديا
في أبيات وشهد أيضا لأمير المؤنين عليهالسلام بسبق قريش إلى الايمان حيث يقول:
جزى اللّه خيرا والجزاء بكفّه ***أبا حسن عنّا ومن كأبي حسن
سبقت قريشا بالّذي أنت أهله ***فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
فشهد بتقديم ايمان أمير المؤنين عليهالسلام الجماعة، وهذا مقابل لما تقدّم ومسقط له فان زعموا أنّ هذا محتمل، فكذلك ما ذكرتموه عنه أيضا محتمل(1).
و أما روايتهم عن مجاهد فانّها مقصورة على مذهبه ورأيه ومقاله، وبازاء مجاهد عالم من التّابعين ينكرون عليه ويذهبون إلى خلافه في ذلك وأنّ أمير
1) .الفصول المختارة: 258 ـ 260؛ بحار الأنوار: 38/ 266.
المؤنين عليهالسلام أوّل النّاس ايمانا، وهذا القدر كاف في ابطال قول مجاهد، على أنّ الثابت عن مجاهد خلاف ما ادّعاه هؤاء القوم وأضافوه إليه، وضدّه ونقيضه روى ذلك منهم من لا يتّهم عليه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد واثره عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله السبّاق أربعة: يوشع بن نون إلى موسى بن عمران، و صاحب يس إلى عيسى بن مريم، وسبق عليّ بن ابي طالب عليهالسلام إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ونسى النّاقل عن سابق الآخر، وقد ذكرت في حديث غير هذا أنّه مؤن آل فرعون وهذا يسقط تعلّقهم بما ادّعوه من مجاهد.
و أما حديث عمرو بن مرة عن إبراهيم فهو أيضا نظير قول مجاهد، وإنما اخبر عمروعن مذهب إبراهيم، والغلط جائز على إبراهيم ومن فوقه، وبازاء إبراهيم من هو فوقه وأجلّ قدرا منه يدفع قوله ويكذّبه في دعواه كأبي جعفر وأبي عبداللّه الصّادق عليهماالسلام ومن غير أهل البيت قتادة والحسن وغيرهما مما لا يحصى كثرة وفي هذا غني عن غيره(1).
قال الشيخ قدس اللّه روحه فهذه جملة ما اعتمد القوم فيما ادّعوه من خلافنا في تقديم إيمان أمير المؤنين عليهالسلام وتعلّقوا به، وقد بيّنت عوارها(2)وأوضحت حالها، وأنا أذكر طرفا من أسماء من روى أنّ أمير المؤنين كان أسبق الخلق إلى رسول اللّه وأوّل من الذكور إجابة له وايمانا به فمن ذلك الرّواية عن أمير المؤنين عليهالسلام نفسه من طريق سلمة بن كهيل عن حبّة العرني قال: سمعت عليا يقول: الّلهمّ لا أعرف عبدا لك عبدك من هذه الأمّة قبلي غير نبيّها عليه و آله
السّلام، قال ذلك ثلاث مرّات، ثمّ قال: لقد صلّيت قبل أن يصلّى أحد سبعا.
و من طريق المنهال عن عباية الأسدى عن أمير المؤنين عليهالسلام قال: لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين ومن طريق جابر عن عبداللّه بن يحيى الحضرمي عن عليّ عليهالسلام قال: صلّيت مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ثلاث سنين ولم يصلّ أحد غيري.
و من طريق نوح بن قيس الطّاخى عن سليمان أبي فاطمة عن معاذة العدوية قال: سمعت عليّا يخطب على منبر البصرة فسمعته يقول: أنا الصّديق الأكبر آمنت قبل أن يؤن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم.
و من طريق عمرو بن مرّة عن أبي البخترى عن أمير المؤنين عليهالسلام قال: صلّيت قبل النّاس سبع سنين.
و من طريق نوح بن دراج عن خالد الخفاف قال: أدركت النّاس وهم يقولون: وقع بين عليّ وعثمان كلام فقال عثمان واللّه أبو بكر وعمر خير منك، فقال عليّ عليهالسلام كذبت واللّه لأنا خير منك ومنهما، عبدت اللّه قبلهما وعبدت اللّه بعدهما ومن طريق الحارث الأعور قال: سمعت أمير المؤنين عليهالسلام يقول: اللّهمّ إنّي لا أعرف عبدا من عبادك عبدك قبلي.
وقال عليهالسلام قبل ليلة الهرير بيوم ويحرّض النّاس على أهل الشّام: أنا أوّل ذكر صلّى مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولقد رأيتني أضرب بسيفي قدامه وهو يقول لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علىّ حياتك حياتي وموتك موتي.
وقال عليهالسلام وقد بلغه أنّ قوما يطعنون عليه في الاخبار عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بعد كلام خطبه: بلغني أنكم تقولون إنّ عليا يكذب، فعلى من أكذب أعلى اللّه فأنا أوّل من آمن به وعبده ووحّده، أم على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فأنا أوّل من آمن به وصدّقه ونصره.
وقال عليهالسلام لمّا بلغه افتخار معاوية عند أهل الشّام: شعره المشهور الذي يقول فيه:
سبقتكم إلى الاسلام طرّا ***صغيرا ما بلغت أوان حلمى(1)
ومن ذلك ما رواه أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب رسول اللّه من طريق عبدالرحمن معمّر عن أبيه عن أبي أيّوب رحمه اللّه، قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ بن أبي طالب عليهالسلام سبع سنين، وذلك أنّه لم يصلّ معى رجل غيره.
و من ذلك ما رواه سلمان الفارسي رحمة اللّه عليه من طريق علثم (ميثم خ ل) الكندي عن سلمان قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: أوّلكم ورودا علىّ الحوض أوّلكم اسلاما عليّ بن أبي طالب.
و من ذلك ما رواه أبو ذر الغفاري رحمة اللّه عليه من طريق محمّد بن عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه عن أبي ذر قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول لعليّ بن أبي طالب: أنت أوّل من آمن بي، في حديث طويل.
و روى أبو سخيلة عن أبي ذر أيضا قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله هو آخذ بيد عليّ عليهالسلام يقول: أنت أوّل من آمن بي وأوّل من يصافحني يوم القيامة.
و قد رواه ابن أبي رافع عن أبيه أيضا عن أبي ذر قال: أتيته اودّعه فقال:
ستكون فتنة فعليك بالشيخ عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه وتسليمه فانى سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول أنت أوّل من آمن بي.
و من ذلك ما رواه حذيفة اليمان رحمة اللّه عليه عن طريق قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش قال: سألت حذيفة اليمان عن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه
1) . الفصول المختارة: 260 ـ 262؛ بحار الأنوار: 268/38.
فقال: ذاك أقدم النّاس سلما وأرجح النّاس حلما.
و من ذلك ما رواه جابر بن عبداللّه الأنصاري رحمة اللّه عليه من طريق شريك بن عبداللّه عن محمّد بن عقيل عن جابر قال: بعث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يوم الاثنين
وأسلم عليّ عليهالسلام يوم الثّلثاء.
و من ذلك ما رواه زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرّة عن أبي حمزة مولى الأنصار قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أوّل من صلّى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله علىّ بن أبي طالب ومن ذلك ما رواه زيد بن صوحان العبدي من طريق عبداللّه بن هشام عن أبيه عن طريف بن عيسى الغنوى أنّ زيد بن صوحان خطب في مسجد الكوفة فقال: سيروا إلى أمير المؤنين وسيّد المسلمين وأوّل المؤنين إيمانا.
و من ذلك ما روته أمّ سلمة زوج النّبيّ من طريق مساور الحميري عن امّه قالت: قالت امّ سلمة: واللّه لقد أسلم عليّ بن أبي طالب أوّل النّاس وما كان كافرا، في حديث طويل.
و من ذلك ما رواه عبداللّه بن عبّاس بن عبدالمطلب رحمة اللّه عليه من طريق أبي صالح عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، قالوا ولم ذاك يا رسول اللّه؟ قال: لم يكن معى من الرّجال غيره، ومن طريق عمرو بن ميمون عنه ما تقدّم ذكره، وروى مجاهد عنه أيضا مثل ذلك وقد سلف لنا فيما مضى(1).
و من ذلك ما رواه قثم بن العبّاس بن عبدالمطلّب عن طريق قيس بن أبي حازم عن أبي إسحاق قال: دخلت على قثم بن العبّاس فسألته عن عليّ فقال: كان أوّلنا
1) .الفصول المختارة: 262؛ بحار الأنوار: 269/38.
برسول اللّه صلىاللهعليهوآله لحوقا وأشدّنا به لصوقا.
و من ذلك ما رواه مالك الأشتر رحمة اللّه عليه من طريق الفضل بن أدهم المزني قال: سمعت مالك بن الحارث الاشتر يقول في خطبة خطبها بصفّين: معنا ابن عمّ نبيّنا صلىاللهعليهوآله وسيف من سيوف اللّه عليّ بن أبي طالب صلّى مع رسول اللّه صغيرا ولم يسبقه بالصّلاة ذكر، وجاهد حتّى صار شيخا كبيرا.
و من ذلك ما رواه سعيد بن قيس من طريق مالك بن قدّامة الارحبى أنّ سعيد ابن قيس خطب النّاس بصفّين فقال: معنا ابن عمّ نبيّنا صدق وصلّى صغيرا وجاهد مع نبيّكم كبيرا.
و من ذلك ما رواه عمرو بن الحمق الخزاعي من طريق عبداللّه بن شريك العامري قال: قام عمرو بن الحمق يوم صفين فقال: يا أمير المؤنين أنت ابن عمّ نبيّنا وأوّل المسلمين إيمانا باللّه عزّ وجلّ.
و من ذلك ما رواه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص من طريق جندب قال: قال هاشم يوم صفّين: نجاهد في طاعة اللّه مع ابن عمّ رسول اللّه وأوّل من آمن باللّه وأفقه النّاس في دين اللّه.
و من ذلك ما رواه محمّد بن كعب من طريق عمر مولا غفرة عن محمّد بن كعب قال: أوّل من أسلم عليّ بن أبي طالب عليهالسلام.
و من ذلك ما رواه مالك بن الحويرث من طريق مالك بن الحسن بن مالك قال: أخبرني أبي عن جدّي مالك بن الحويرث قال: أوّل من أسلم من الرّجال عليّ بن أبي طالب.
و من ذلك ما رواه أبو بكر عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وأنس ابن
مالك وعمر وبن العاص وأبو موسى الأشعري.
و الذي رواه أبو بكر من طريق زافر بن سليمان عن الصّلت بن بهرام عن الشّعبي قال: مرّ عليّ بن أبي طالب على أبي بكر ومعه أصحابه فسلّم عليهم ومضى فقال أبو بكر: من سرّه أن ينظر إلى أوّل النّاس في الاسلام سبقا وأقرب النّاس برسول اللّه قرابة، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب، الحديث وقدّمناه فيما مضي.
و أما عمر فانّ أبا حازم مولى ابن عباس قال: سمعت عبداللّه بن عباس يقول قال عمر بن الخطّاب: كفّوا عن عليّ بن أبي طالب فانّي سمعت من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فيه خصالا قال: إنّك أوّل المؤنين بعدي ايمانا، وساق الحديث.
و أما عمرو بن العاص فان تميم بن جذيم النّاحى قال: إنّا لمع أمير المؤنين عليهالسلام بصفّين إذ خرج إليه عمرو بن العاص فأراد أن يكلّمه فقال عمرو: تكلّم فانّك أوّل من اسلم فاهتدى ووحّد فصلّى.
و من ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري عن طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه سلمة عن أبي جعفر عن ابن عباس قال أبو موسى الأشعري: عليّ أوّل من أسلم.
و من ذلك ما رواه أنس بن مالك من طريق عباد بن عبدالصّمد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لقد صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، وذلك أنّه لم يرفع إلى السّماء شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه إلاّ منّي ومن عليّ صلوات اللّه عليه(1).
و من ذلك ما روى عن الحسن بن أبي الحسن البصري من طريق قتادة بن
1) . الفصول المختارة: 264؛ بحار الأنوار: 271/38.
دعامة السّدوسي قال: سمعت الحسن يقول: إنّ عليّا عليهالسلام صلّى مع النّبي أوّل النّاس فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ سبع سنين.
و من ذلك ما روى عن قتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة قال: سمعت قتادة يقول: أوّل من صلّى من الرّجال عليّ بن أبي طالب.
و من ذلك ما روى عن أبي إسحاق من طريق يونس بن بكير عن محمّد بن إسحاق قال: كان أوّل ذكر آمن وصدّق عليّ بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، ثمّ أسلم بعده زيد بن حارثة.
و من ذلك ما روى عن الحسن بن زيد من طريق إسماعيل بن عبداللّه بن أبي أويس قال: أخبرني أبي عن الحسن بن زيد أنّ عليا كان أوّل ذكر أسلم.
و امّا الرواية عن آل أبي طالب في ذلك فانّها أكثر من أن تحصى، وقد أجمع بنو هاشم وخاصّة آل عليّ لا تنازع بينهم على أنّ أوّل من أجاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله من الذّكور عليّ بن أبي طالب ونحن أغنياء بشهرة ذلك عن ذكر طرقه ووجوهه(1).
فأما الاشعار التي تؤر عن الصحابة في الشهادة له عليهالسلام بتقديم الايمان و أنّه أسبق الخلق إليه فقد وردت عن جماعة منهم وظهرت عنهم على وجه يوجب العلم ويزيل الارتياب ولم يختلف فيها من أهل العلم بالنقل والارتياب إثنان.
فمن ذلك قول خزيمة بن ثابت ذى الشهادتين رحمة اللّه عليه:
إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا ***أبو حسن ممّا نخاف من الفتن
وجدناه أولى النّاس بالنّاس أنّه ***أطبّ قريش بالكتاب وبالسّنن(2)
وإنّ قريشا لا يشقّ غباره***إذا ما جرى يوما على الضمر البدن(1)
ففيه الذي فيهم من الخير كلّه***وما فيهم مثل الذي فيه من حسن
وصىّ رسول اللّه من دون أهله***وفارسه قد كان في سالف الزمن
وأوّل من صلّى من النّاس كلّهم***سوى خيرة النسوان واللّه ذو المنن(2)
وصاحب كبش القوم في كلّ وقعة(3)***يكون لها نفس الشّجاع لدى الذقن
فذاك الذي تثني الخناصر باسمه***إمامهم حتّى اغيّب في الكفن
ومنه قول حسان بن ثابت:
جزى اللّه خيرا والجزاء بكفه ***أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشا بالذي أنت أهله ***فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
ومنه قول كعب بن زهير:
صهر النّبيّ وخير النّاس كلّهم ***فكلّ من رامه بالفخر مفخور
صلّى الصّلاة مع الامّي أوّلهم ***قبل العباد وربّ النّاس مكفور
ومنه قول ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب حيث يقول عند بيعة أبى بكر:
ما كنت أحسب أنّ الأمر منتقل ***عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أ ليس أوّل من صلّى لقبلتكم ***وأعلم النّاس بالآثار والسّنن
وآخر النّاس عهدا بالنّبي ومن ***جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به ***وليس في القوم ما فيه من الحسن
ما ذا الذى ردّكم عنه فنعلمه ***ها إنّ بيعتكم من أوّل الفتن
وفي هذا الشّعر قطع من قائله على إبطال إمامة أبي بكر وإثبات الإمامة لأمير المؤنين عليهالسلام.
و منه قول فضل بن عتبة بن أبي لهب فيما ردّ به على الوليد بن عقبة في مديحه لعثمان ومرثيته له وتحريضه على أمير المؤنين عليهالسلام في قصيدته التي يقول في أولها:
ألا إنّ خير النّاس بعد ثلاثة ***قتيل التجيبى الّذى جاء من مصر
فقال الفضل رحمة اللّه عليه:
ألا إنّ خير النّاس بعد محمّد ***مهيمنه التاليه في العرف والنكر
وخيرته في خيبر ورسوله ***بنبذ عهود الشرك فوق أبي بكر(1)
وأوّل من صلّى وصنو نبيّه***وأوّل من أردى الغواة لدى بدر
فذاك عليّ الخير من ذا يفوقه***أبو حسن حلف القرابة والصهر
وفي هذا الشعر دليل على تقدّم ايمان أمير المؤنين عليهالسلام وعلى أنّه كان الأمير في سنة تسع على الجماعة وكان في جملة رعيّته أبو بكر على خلاف ما ادّعته النّاصبة من قولهم إنّ أبا بكر كان الأمير على الجماعة وإنّ أمير المؤنين كان تابعا له.
و منه قول مالك بن عبادة الغافقى حليف حمزة بن عبدالمطلب رحمة اللّه عليه:
رأيت عليّا لا يلبّث قرنه ***إذا ما دعاه حاسرا أو مسر بلا
1) . إشارة إلى بعث أمير المؤنين بسورة براءة وعزل أبى بكر.
فهذا وفي الاسلام أوّل مسلم ***وأوّل من صلّى وصام وهلّلا
ومنه قول عبداللّه بن أبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب:
وكان وليّ الأمر بعد محمّد ***عليّ وفي كلّ المواطن صاحبه
وصيّ رسول اللّه حقا وجاره ***وأوّل من صلّى ومن لان جانبه
وفي هذا الشعر أيضا دليل على اعتقاد هذا الرّجل في أمير المؤنين عليهالسلام أنّه كان الخليفة لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله بلا فصل.
ومنه قول النجاشى بن الحارث بن كعب:
فقل للمضلّل من وائل ***ومن جعل الغثّ يوما سمينا
جعلت ابن هند وأشياعه ***نظير عليّ أما تستحونا
إلى أوّل النّاس بعد الرّسول ***أجاب النبىّ (الرّسول) من العالمينا
ومنه قول جرير بن عبداللّه البجلى:
فصلّى الإله على أحمد ***رسول المليك تمام النعم
وصلّى على الطّهر من بعده ***خليفتنا القائم المدّعم
عليّا عنيت وصىّ النّبيّ ***يجالد عنه غواة الامم
له الفضل والسبق والمكرمات ***وبيت النّبوّة لا المهتضم
وفي هذا الشّعر أيضا تصريح من قائله بامامة أمير المؤنين عليهالسلام بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأنّه كان الخليفة له دون من تقدّم.
ومنه قول عبداللّه بن حكيم التميمى:
دعانا الزبير إلى بيعة ***وطلحة بعد ما أثقلا
فقلنا صفقنا بأيماننا ***وإن شئتما فخذا الأشملا(1)
نكثتم عليّا على بيعته***وإسلامه فيكم أوّلا
ومنه قول عبداللّه بن جبل حليف بنى جمح:
لعمرى لئن بايعتم ذا حفيظة ***على الدّين معروف العفاف موفّقا
عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا ***صدوقا وللجبّار قدما مصدّقا
أبا حسن فارضوا به وتبايعوا ***فليس كمن فيه لذى العيب منطقا
عليّ وصىّ المصطفى ووزيره ***وأوّل من صلّى لذى العرش واتّقى
ومنه قول أبي الأسود الدئلي:
وانّ عليّا لكم مفخر ***يشبه بالأسد الأسود
أما إنّه ثانى العابدين ***بمكّة واللّه لم يعبد
ومنه قول زفر بن زيد بن حذيفة الاسدى:
فحوطوا عليّا واحفظوه فانّه *** وصيّ وفي الاسلام أوّل أوّل
ومنه قول قيس بن سعد بن عبادة بصفين:
هذا عليّ وابن عمّ المصطفى ***أوّل من أجابه ممّن دعا
هذا إمام لا نبالي من غوى
ومنه قول هاشم بن عتبة بن أبى وقاص بصفين:
أشلّهم بذى الكعوب شلاّ ***مع ابن عمّ أحمد يجلّى أوّل من صدّقه وصلّى(2)
قال الشيخ قدّس اللّه روحه: وأمّا قول النّاصبة إنّ ايمان أمير المؤنين صلوات اللّه عليه لم يقع على وجه المعرفة وإنّما كان على وجه التقليد والتلقين وما كان بهذه المنزلة لم يستحقّ صاحبه المدحة ولم يجب به الثّواب، وادّعائهم أنّ أمير المؤنين صلوات اللّه عليه كان في تلك الحال ابن سبع سنين ومن كان هذه سنّه لم يكن كامل العقل ولا مكلّفا، فانّه يقال لهم: إنّكم قد جهلتم في ادّعائكم أنّه كان وقت مبعث النّبي صلىاللهعليهوآله ابن سبع سنين وقلتم قولا لا برهان عليه يخالف المشهور ويضادّ المعروف، وذلك انّ جمهور الرّوايات جاءت بأنّه عليهالسلام قبض وله خمس وستّون سنة وجاء في بعضها أنّ سنه كانت عند وفاته ثلاثا وستّين فأمّا ما سوى هاتين الرّوايتين فشاذّ مطروح وقد يعرف في صحيح النّقل ولا يقبله أحد من أهل الرّواية والعقل.
و قد علمنا أنّ أمير المؤنين عليهالسلام صحب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ثلاثا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة قبل الهجرة، وعشر بعدها، وعاش بعده ثلاثين سنة، وكانت وفاته في أربعين من الهجرة، فاذا حكمنا في سنّه على خمس وستّين كما تواترت به الأخبار كانت سنّه عند مبعث النّبي صلىاللهعليهوآله اثنتى عشرة سنة، وإن حكمنا على ثلاث وستّين كانت سنّه عند المبعث عشر سنين، وكيف يخرج من هذا الحساب أن يكون سنّه عند المبعث سبع سنين.
اللّهمّ إلاّ أن يقول قائل إنّ سنّه كانت عند وفاته ستّين سنة فيصحّ ذلك له إلاّ أنه يكون دافعا للمتواتر من الأخبار، منكرا للمشهور من الآثار، معتمدا على الشّاذ من الرّوايات، ومن صار إلى ذلك كان الأولى في مناظرته البيان له على وجه الكلام في الأخبار، والتّوقيف على طرق الفاسد من الصّحيح فيها دون المجازفة
في المقالة، وكيف يمكن عاقلا سمع الأخبار أو نظر في شيء من الآثار أن يدّعى أنّ أمير المؤنين عليهالسلام توفّى وله ستّون سنة مع قوله عليهالسلام الشائع عنه الذايع في الخاص والعام عند ما بلغه من ارجاف أعدائه في التدبير والرّأى:
بلغني أنّ قوما يقولون إنّ عليّ بن أبي طالب شجاع لكن لا بصيرة له بالحرب للّه أبوهم وهل فيهم أحد أبصر بها منّي لقد قمت فيها وما بلغت العشرين وها أنا قد ذرفت على الستّين، ولكن لا رأى لمن لا يطاع.
فخبّر عليهالسلام بأنّه ذرف على الستّين في وقت عاش بعده دهرا طويلا، وذلك في أيّام صفين وهذا يكذب قول من زعم أنه صلوات اللّه عليه توفّى وله ستّون سنة مع أنّ الرّوايات قد جاءت مستفيضة ظاهرة بأنّ سنّه كانت عند وفاته بضعا وستّين سنة وفي مجيؤا بذلك على الانتشار دليل على بطلان مقال من أنكر ذلك(1).
فمن ذلك ما ذكره عليّ بن عمرو بن أبي سيرة عن عبداللّه بن محمّد بن عقيل قال: سمعت محمّد بن الحنفية يقول في سنة الجحاف(2)حين دخلت سنة إحدى وثمانين هذه لي خمس وستّون سنة وقد جاوزت من أبي قلت: وكم كان سنّه يوم قتل؟ قال: ثلاثا وستّين سنة.
و منهم أبو القاسم نعيم قال: حدّثنا شريك عن أبي إسحاق قال توفّى عليّ صلوات اللّه عليه وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
ومنهم يحيى بن أبي كثير عن سلمة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: وقد
سئل عن سنّ أمير المؤنين صلوات اللّه عليه يوم قبض قال: قد كان نيف على السّتين.
ومنهم ابن عايشة من طريق أحمد بن زكريّا قال: سمعته يقول: بعث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وعليّ ابن عشر سنين وقتل علىّ وله ثلاث وستّون سنة و منهم الوليد بن هاشم الفخذي «الفحدمى خ» من طريق أبي عبداللّه الكواسجى «شحى خ» قال: أخبرنا الوليد بأسانيد مختلفة أنّ عليّا صلوات اللّه عليه قتل بالكوفة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين وهو ابن خمس وستّين سنة(1).
فأما من روى أنّ سنه كانت عند البعثة أكثر من عشر سنين فغير واحد.
منهم عبداللّه بن مسعود من طريق عثمان بن المغيرة عن وهب عنه قال: إنّ أوّل شيء علمته من أمر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أنّى قدمت مكّة فأرشدونا إلى العباس ابن عبدالمطلّب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصّفا عليه ثوبان أبيضان على يمينه غلام مراهق أو محتلم تتبعه امرأة قد سترت محاسنها حتّى قصدوا الحجر، فاستلمه والغلام والمرأة ثمّ طاف بالبيت سبعا والغلام والمرأة يطوفان معه، ثمّ استقبل الكعبة فقام فرفع يديه وكبّر فقام الغلام عن يمينه وكبّر وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها فكبّرت، فأطال الرجل القنوت ثمّ ركع فركع الغلام والمرأة معه، ثمّ رفع رأسه فأطال القنوت، ثمّ سجد ويصنعان ما صنع فلمّا رأينا شيئا ننكره ولا نعرفه بمكّه أقبلنا على العباس فقلنا: يا
أبا الفضل إنّ هذا الدّين ما كنّا نعرفه، قال: أجل واللّه ما تعرفون هذا، قلنا: ما تعرفه قال: هذا ابن أخى محمّد بن عبداللّه، وهذا عليّ بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة
1) .الفصول المختارة: 273؛ بحار الأنوار: 279/38.
بنت خويلد، واللّه ما على وجه الأرض أحد يعبداللّه بهذا الدّين إلاّ هؤاء الثلاثة.
وروى قتادة عن الحسن وغيره قال: كان أوّل من آمن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو ابن خمس عشرة سنة أو ستّ عشرة سنة.
وروى شدّاد بن أوس قال: سألت خباب بن الأرتّ عن إسلام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال: أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، ولقد رأيته يصلّى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله
وهو يومئذ مستحكم البلوغ.
وروى عليّ بن زيد عن أبي نضرة قال: أسلم عليّ وهو ابن أربع عشرة سنة، وكان له يومئذ ذؤبة يختلف إلى الكتاف.
وروى عبداللّه بن زياد عن محمّد بن عليّ قال: أوّل من آمن باللّه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وروى الحسن بن زيد قال: أوّل من أسلم عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو ابن خمسة عشرة، وقد قال عبداللّه بن الحارث بن أبي سفيان بن عبدالمطلب.
وصلّى عليّ مخلصا بصلاته ***لخمس وعشر من سنيه كوامل
وخلّى اناسا بعده يتبعونه ***له عمل أفضل به صنع حامل
وروى سلمة بن كهيل عن أبيه عن حبة بن جوين العرني قال: أسلم علىّ صلوات اللّه عليه وآله وكان له ذؤبة يختلف إلى الاكتاف، على أنّا لو سلّمنا لخصومنا ما ادّعوه من أنه كان له عند المبعث سبع سنين لم يدلّ ذلك على صحّة ما ذهبوا إليه من أنّ ايمانه كان على وجه التّلقين دون المعرفة واليقين، وذلك أنّ صغر السنّ لا ينافي كمال العقل وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك هذا باتّفاق أهل النّظر والعقول، وإنّما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشّرعية دون
العقلية، فقد قال سبحانه في قصّة يحيى: وآتيناه الحكم صبيّا(1)، وقال في قصّة عيسى: فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا، قال إنّي عبداللّه آتاني الكتاب وجعلنى نبيّا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصّلوة والزّكاة ما دمت حيّا(2)، فلم ينف صغر سنّ هذين النّبيّين عليهماالسلام كمال عقلهما أو الحكمة الّتي آتاهما اللّه سبحانه، ولو كانت العقول تحيل ذلك لاحالته في كلّ أحد و على كلّ حال.
و قد أجمع أهل التفسير إلاّ من شذّ عنهم في قوله تعالى: وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصّادقين(3)، أنّه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه اللّه عزّ وجلّ حتّى برء يوسف من الفحشاء وأزال عنه التهمة(4).
و النّاصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت: إنّ هذا الذي ذكرتموه فيمن عددتموه كان معجزا لخرق العادة ودلالة لنبيّ من أنبياء اللّه، فلو كان أمير المؤنين مشاركا لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزا له أو للنبيّ وليس يجوز أن يكون معجزا له ولو كان معجزا للنّبيّ لجعله في معجزاته واحتجّ به في جملة بيّناته ولجعله المسلمون في آياته، فلمّا لم يجعله رسول اللّه لنفسه علما ولا عدّه المسلمون في معجزاته علمنا أنّه لم يجر فيه الأمر على ما ذكرتموه.
فيقال لهم: ليس كلّ ما خرق اللّه به العادة وجب أن يكون علما ولا لزم أن يكون
معجزا ولا شاع علمه في العام ولا عرف من جهة الاضطرار، وإنّما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو برائة مقذوف (معروف) ويجرى براءته مجرى التّصديق له في مقاله، بل هى تصديق في المعنى وإن لم يك تصديقا بنفس اللّفظ والقول، وكلام عيسى إنّما كان معجزا لتصديقه له في قوله: إنّي عبداللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيّا(1)، مع كونه خرقا للعادة وشاهدا لبرائة أمّه من الفاحشة ولصدقها فيما ادّعته من الطهارة، وكان حكمة يحيى في حال صغره تصديقا له في دعوته في الحال ولدعوة أبيه زكريّا فصارت مع كونها خرق العادة دليلا ومعجزا، و كلام الطّفل في برائة يوسف عليهالسلام إنّما كان معجزا لخرق العادة بشهادته ليوسف عليهالسلام بالصّدق في برائة ساحته ويوسف عليهالسلام نبيّ مرسل فثبت أنّ الأمر على ما ذكرناه ولم يكن كمال عقل أمير المؤنين شاهدا في شيء ممّن ادّعاه ولا استشهد هو عليهالسلام به فيكون مع كونه خرقا للعادة معجزا ولو استشهد عليهالسلام به أو شهد على حدّ ما شهد الطفل ليوسف وكلام عيسى له ولامّه وكلام يحيى لأبيه بما يكون في المستقبل والحال لكان لخصومنا وجه للمطالبة بأن يذكر ذلك في المعجزات لكن لا وجه له على ما بينّاه.
على أنّ كمال عقل أمير المؤنين عليهالسلام لم يكن ظاهرا للحواسّ، ولا معلوما بالاضطرار فيجرى مجرى كلام المسيح، وحكمة يحيى ع، وكلام شاهد يوسف ع، فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات، وإنّما كان طريق العلم به مقال الرّسول صلىاللهعليهوآله والاستدلال الشّاق بالنظر الثاقب والسبر(2)لحاله عليهالسلام وعلى مرور الأوقات بسماع كلامه والتأمل لاستدلالاته والنظر فيما تؤّي إلى معرفته وفطنته ثمّ لا
يحصل ذلك إلاّ لخاص من النّاس ومن عرف وجوه الاستنباطات وما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات وما كان لنبيّنا صلىاللهعليهوآله من الاعلام إذا تلك بظواهرها فقدح في القلوب أسباب اليقين وتشترك الجميع في علم الحال الظاهرة منها المنبئة عن خرق العادات دون أن تكون مقصورة على ما ذكرناه من البحث الطويل والاستقرار للأحوال على مرور الأوقات أو الرّجوع فيه إلى نفس قول الرّسول صلىاللهعليهوآله الذي يحتاج في العلم به إلى النّظر في معجز غيره والاعتماد على ما سواه من البيّنات فلا ينكر أن يكون الرسول صلىاللهعليهوآله إنّما عدل عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه.
وشيء آخر وهو أنّه لا ينكر أن يكون اللّه سبحانه علم من مصلحة خلقه الكفّ من رسول اللّه عن الاحتجاج بذلك والدّعاء إلى النظر فيه وأنّ اعتماده على ما ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدّين.
و شيء آخر وهو أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وإن لم يحتجّ به على التفصيل والتعيين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة واليقين، فابتدأ عليّا عليهالسلام بالدعوة قبل الذّكور كلّهم ممّن ظاهره البلوغ وافتتح بدعوته قبل أداء رسالته، واعتمد عليه في ايداعه سرّه وأودعه ما كان خائفا من ظهوره عنه، فدلّ باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله إنّه معجز له وإنّ بلوغ عقله علم على صدقه، ثمّ جعل ذلك من مفاخره وجليل مناقبه وعظيم فضايله، ونوّه بذكره وشهره بين أصحابه فاحتجّ له به في اختصاصه، وكذلك فعل أمير المؤنين صلوات اللّه عليه في ادّعائه له، فاحتجّ به على خصومه وتمدّح به بين أوليائه وفخربه على جميع أهل زمانه، وذلك هو معنى النطق بالشّهادة بالمعجز له بل هو الحجّة في كونه نائبا في القوم بما خصّه اللّه
تعالى منه ونفس الاحتجاج لعلمه ودليل اللّه وبرهانه وهذا يسقط ما اعتمدوه(1).
و ممّا يدلّ على أنّ أمير المؤنين صلوات اللّه عليه كان عند بعثة النّبيّ صلىاللهعليهوآله بالغامكلّفا وأنّ إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال وأنّه وقع على أفضل الوجوه وآكدها في استحقاق عظيم الثّواب أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله مدحه به وجعله من فضائله وذكره في مناقبه، ولم يك بالذي يفضل بما ليس يفضل ويجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها، ويمدح على ما لا يستحقّ عليه الثواب.
فلما مدح رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أمير المؤنين عليهالسلام بتقدّمه الايمان فيما ذكرناه آنفا:
من قوله صلىاللهعليهوآله لفاطمة عليهاالسلام: أما ترضين أنّي زوّجتك أقدمهم سلما: وقوله صلىاللهعليهوآله في رواية سلمان: أوّل هذه الأمّة ورودا على نبيّها الحوض أوّلها إسلاما عليّ بن أبي طالب وقوله صلىاللهعليهوآله: لقد صلّت الملائكة علىّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، وذلك إنّه لم يكن من الرّجال أحد يصلّى غيري وغيره.
و إذا كان الأمر على ما وصفناه فقد ثبت أنّ إيمانه وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين لا سيّما وقد سمّاه رسول اللّه إيمانا وإسلاما وما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمّى على الاطلاق الدّيني إيمانا وإسلاما(2).
و يدلّ على ذلك أيضا أنّ أمير المؤنين صلوات اللّه عليه قد تمدّح به وجعله من مفاخره واحتجّ به على أعدائه وكرّره في غير مقام من مقاماته حيث يقول:
اللّهمّ إنّي لا أعرف عبدا لك عبدك من هذه الامة قبلى، وقوله أنا الصّديق الأكبر آمنت قبل أن يؤن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم وقوله صلوات اللّه عليه لعثمان
أنا خير منك ومنهما عبدت اللّه قبلهما وعبدت اللّه بعدهما وقوله عليهالسلام أنا أوّل ذكر صلّى، وقوله عليهالسلام على من اكذب أعلى اللّه فأنا أوّل من آمن به وعبده.
فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه النّاصبة من جهة التّلقين ولم يكن له معرفة ولا علم بالتّوحيد لما جاز منه أن يتمدّح بذلك، ولا أن يسمّيه عبادة ولا أن يفخر به
على القوم، ولا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر وعمر، ولو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لردّه عليه مخالفوه واعترضه فيه مضادّوه وحاجّه في بطلانه مخاصموه، وفي عدول القوم عن الاعتراض عليه في ذلك وتسليم الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه وبرهان على فساد قول النّاصبة الذي حكيناه.
و ليس يمكن أن يدفع ما رويناه في هذا الباب من الأخبار لشهرتها واجماع الفريقين من النّاصبة والشّيعة على روايتها، ومن تعرّض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد على تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف، وفي ذلك ابطال جمهور الأخبار، وإفساد عامة الآثار وهب أنّ من لا يعرف الحديث ولا خالط أهل العلم يقدم على انكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين به ويغتنم الفرصة بكونه خاصّا في أهل العلم كيف يمكن دفع شعر أمير المؤنين في ذلك وقد شاع من شهرته على حدّ يرتفع فيه الخلاف وانتشر حتّى صار مسموعا من العامّة فضلا عن الخواص في قوله عليهالسلام:
محمّد النّبي أخى وصنوى ***وحمزة سيّد الشّهداء عمّي
وجعفر الذي يضحى ويمسى ***يطير مع الملائكة ابن امّى
وبنت محمّد سكنى وعرسى ***مساط لحمها بدمى ولحمي(1)
1) . ساط الشيء: خلطه. والمساط: المخلوط.
وسبطا أحمد ولداى منها***فمن فيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الاسلام طرّا***على ما كان من فهمى وعلمي
وأوجب لي الولاء معا عليكم***خليلي يوم دوح غدير خم
وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدّم ايمانه وأنّه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان، وفيه أيضا أنّه كان الامام بعد الرسول بدليل المقال الظّاهر في يوم الغدير
الموجب للاستخلاف(1).
و ممّا يؤد ما ذكرناه ما رواه عبداللّه بن الأسود الكندى عن عبيد اللّه (عبداللّه) بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله صلّى يوم الاثنين وصلّت خديجة معه ودعا عليّا إلى الصّلاة معه يوم الثلثاء فقال له: أنظرني حتّى ألقى أبا طالب فقال له النّبي صلىاللهعليهوآله: إنّها أمانة، فقال عليّ: فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك فصلّى معه وهو ثاني يوم المبعث.
و روى الكليني عن أبي صالح عن ابن عبّاس مثله، وقال في حديث إنّ هذا دين يخالف دين أبي حتّى أنظر فيه واشاور أبا طالب فقال له النّبيّ صلىاللهعليهوآله: انظرواكتم،
قال: فمكث هنيئة ثمّ قال بل أجبتك واصدّق بك فصدّقه وصلّى معه.
و روى هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير المؤنين على اختلاف في اللفظ و اتفاق في المعنى كثير من حملة الآثار، وهو يدلّ على أنّ أمير المؤنين كان مكلّفا عارفا في تلك الحال بتوقفه واستدلاله وتمييزه بين مشورة أبيه وبين الاقدام على القبول والطاعة للرّسول من غير فكرة ولا تأمل، ثمّ خوفه أن القى ذلك إلى أبيه أن يمنعه منه مع أنّه حقّ فيكون قد صدّ عن الحقّ فعدل عن ذلك إلى
1) . الفصول المختارة: 279؛ بحار الأنوار: 284/38.
القبول وعلم من النّبيّ مع أمانته وما كان يعرفه من صدقه من مقاله وما سمعه من القرآن الذي نزل عليه وأراد اللّه من برهانه أنه رسول محقّ فآمن به وصدّقه، وهذا بعد أن ميّز بين الامانة وغيرها وعرف حقّها وكره أن يفشى سرّ الرسول وقد ائتمنه عليه وهذا لا يقع باتفاق من صبىّ لا عقل له ولا يحصل ممّن لا تميز معه.
و يؤده أيضا ما ذكرناه أنّ النبىّ بدء به في الدّعوة قبل الذكور كلّهم وإنّما أرسله اللّه تعالى إلى المكلّفين فلو لم يعلم أنه عاقل مكلّف لما افتتح به أداء رسالته وقدّمه في الدعوة على جميع من بعث اللّه إليه، لأنه لو كان الأمر على ما ادّعته الناصبة لكان عليهالسلام قد عدل عن الأولى وتشاغل بما لم يكلّفه عن أداء ما كلّفه ووضع فعله في غير موضعه، ورسول اللّه صلىاللهعليهوآله يجلّ عن ذلك.
و شيء آخر وهو أنه صلىاللهعليهوآله دعا عليّا في حال كان مستترا فيها بدينه كاتما لأمره خائفا ان شاع من عدوّه فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤنين بكتم سرّه وحفظ وصيّته وامتثال أمره وحمله من الدّين ما حمله، أو لم يكن واثقا بذلك فان كان واثقا ولم يثق به عليهالسلام إلاّ وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التّدبير، لأنّ الثقة بما وصفناه دليل على جميع ما شرحناه على الحال الّتى قدّمنا وصفها، وإن كان غير واثق من أمير المؤنين بحفظ سرّه وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره فوضعه عنده من اعظم الجهل والتفريط وضدّ الحزم والحكمة والتدبير، حاشا الرّسول صلىاللهعليهوآله من ذلك ومن كلّ صفة نقص وقد أعلى اللّه عزّ وجلّ رتبته وأكذب مقال من ادّعا ذلك فيه.
و إذا كان الأمر على ما بيّناه فما نرى النّاصبة قصدت بالطّعن في ايمان أمير المؤنين إلاّ عيب الرّسول صلىاللهعليهوآله والذم لافعاله ووصفه بالعبث و التفريط ووضع
الأشياء غير موضعها والازراء عليه(1)في تدبيراته وما أراد مشايخ القوم ومن ألقى هذا المذهب اليهم إلاّ ما ذكرناه واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون(2).
و انما أوردت هذا الكلام بطوله مع كثرة فوائده ومزيد عوائده ووثاقة مبانيه ولطافة معانيه وإنبائه عن علوّ شأن قائله ورفعة مقامه وطول باعه في باب المناظرة والجدال وقوّة ذراعه في إبطال مقال أهل العصبيّة والضّلال، فحرىّ له أن يلقّب بالمفيد وهنيئا له أن يخرج باسمه التّوقيع الشريف من الامام الرّشيد، جزاه اللّه عن مذهب الحقّ وأهله خير الجزاء.
و أما الشارح المعتزلي فقد قال إنّ أكثر أهل الحديث وأكثر المحقّقين من أهل السّيرة رووا أنّه أوّل من أسلم، ثمّ روى من كتاب الاستيعاب(3)لأبي عمرو يوسف بن عبدالبرّ روايات كثيرة دالّة على سبق إسلامه عليهالسلام (4).
وقال بعدها: واعلم أنّ شيوخنا المتكلّمين لا يكادون يختلفون في أنّ أوّل النّاس إسلاما عليّ بن أبي طالب إلاّ من عساه خالف في ذلك من أوائل البصرييّن، فأمّا الذي تقرّرت المقالة عليه الآن فهو القول بأنّه سبق الناس إلى الايمان لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلّميهم والمحقّقين منهم خلافا في ذلك.
قال: واعلم أنّ أمير المؤنين ما زال يدّعى ذلك لنفسه ويفتخر به ويجعله في أفضليّته على غيره ويصرّح بذلك، وقد قال غير مرّة: أنا الصدّيق الأكبر، وأنا الفاروق الأوّل أسلمت قبل اسلام أبي بكر وصلّيت قبل صلانه.
و روى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمّد بن قتيبة في كتاب المعارف(1)وهو غير متّهم في أمره ومن الشّعر المروىّ عنه في هذا المعنى الأبيات التي أوّلها:
محمّد النبيّ أخى وصنوى ***وحمزة سيّد الشهداء عمّى
ومن جملتها:
سبقتكم إلى الاسلام طرّا ***غلاما ما بلغت أوان حلمي
والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا لا يتّسع هذا الكتاب لذكرها فليطلب من مظانّها، ومن تأمّل كتب السّير والتّواريخ عرف من ذلك ما قلناه(2).
قال: فأمّا الذّاهبون إلى أنّ أبا بكر أقدمها إسلاما فنفر قليلون، ونحن نذكر ما أورده ابن عبدالبرّ أيضا في كتاب الاستيعاب(3)في ترجمة أبي بكر وذكر الأخبار الواردة في سبق إسلامه(4).
ثمّ قال ومعلوم أنّه لا نسبة لهذه الرّوايات التي ذكرناها في ترجمة علىّ الدّالة على سبقه، ولا ريب أنّ الصّحيح ما ذكره أبو عمرو أنّ عليّا كان هو السابق وأنّ أبا بكر هو أوّل من أظهر الاسلام فظنّ أنّ السّبق له(5).
فدلّ مجموع ما ذكرناه أنّ عليّا هو أوّل النّاس إسلاما وأنّ المخالف في ذلك شاذّ، والشّاذّ لا يعتدّ به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ وَالْحَاضِرُ
لِكُلِّ سَرِيرَةٍ الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُّ الصُّدُورُ وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله نَجِيبُهُ وَبَعِيثُهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الاْءِعْلانَ وَالْقَلْبُ اللِّسَانَ.
منها:
فَإِنَّهُ وَاللّهِ الْجِدُّ لاَ اللَّعِبُ وَالْحَقُّ لاَ الْكَذِبُ وَمَا هُوَ إِلاّ الْمَوْتُ قَدْ أَسْمَعَ دَاعِيهِ وَأَعْجَلَ حَادِيهِ فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَحَذِرَ الاْءِقْلالَ وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ وَإِمْسَاكاً بالْأَنَامِلِ أَ مَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً وَيَبْنُونَ مَشِيداً وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً وَمَا جَمَعُوا بُوراً وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لاَ فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ وَلاَ مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ
بَرَّزَ مَهَلُهُ وَفَازَ عَمَلُهُ فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ ومن كلام له عليهالسلام:
أى على أخذه وإعطائه، والمراد بالاعطاء واضح، وأمّا الأخذ فيجوز أن يراد به أخذ الميثاق في عالم الذرّ بالتوحيد والنّبوة والولاية كما يشهد به قوله سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ»(1)الآية، أو أخذ عموم التكاليف أو خصوص الحقوق الماليّة كالخمس والزّكاة والصّدقات، أو أخذ ما أعطاه على بعض العباد وابتلائهم بالفقر والمسكنة بعد الغنى و الثّروة، فانّ أخذ ذلك كلّه من العباد لما كان فعلا جميلا منه سبحانه وتعالى عائدا منفعته إليهم ونعمة منه عزّ وجلّ عليهم استحقّ بذلك حمدا وشكرا وإن كان في بعضها ضرر دنيويّ إلاّ أنّ ثمرتها الاخروية أعظم وجزائها أدوم، ويحتمل أن يكون المراد به أخذ المجرمين، ومؤخذة العاصين، وإعطاء المحسنين، وإنعام الصّالحين.
أى على اختباره وامتحانه بالخير والشّر والنفع والضّرر، لأنّ البلاء للأولياء كرامة، والصّبر على المكاره والتحمل على المشاق من أفضل العبادات وأعظم
1) . الأعراف: 172.
القربات، وإنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب، وقد تقدّم تحقيقه في شرح الخطبة المأة والثّالثة عشر فتذكّر.
أى الخبير البصير بكلّ ما يبطن ويخفى.
أي العالم بكلّ ما يسرّ ويكتم، وإن تجهر بالقول فانّه يعلم السّرو أخفى.
و تستره.
و تسترقه من الرّمزات واللّحظات على وجه الخيانة والخلاف كما قال عزّ من قائل: واللّه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور(1).
لا كشهادة اليهود «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤنَ»(2).
لا كشهادة المنافقين قال تعالى: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ»(1).وقال تعالى: «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ...»(2).
وقال تعالى: «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم»(3).
منها :
فيه من التأكيد ما لا مزيد عليه لكون المخاطبين عملهم عمل المنكر أشدّ الإنكار و(الجدّ) هنا بالكسر لأنّه نقيض الهزل واللّعب، وامّا الجدّ بالفتح فهو الحطّ،
والجدّ بالضّمّ: البئر.
لم يخلق اللّه يقينا أقرب إلى الشّك من الموت عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: لَمْ يَخْلُقِ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقِيناً لاَ شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لاَ يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوْت(4).
1) . المنافقون: 1.
2) . الفتح: 11.
3) . آل عمران: 167.
4) .الخصال: 14/1/ ح 8؛ بحار الأنوار: 127/6/ ح 10.
5) . يوم الأحد كان يسمى في القديم بالأول وسمي أحدا لأنه أول الأيام أو اليوم الأول من خلق العالم بحار: 51/56.
6) . يوم الإثنين يسمى في اللغة القديمة بأهون قال الجوهري كانت العرب تسمي يوم الإثنين أهون في أسمائهم القديمة الصحاح: 2218/6؛ بحار الأنوار: 52/56.
7) . يوم الثلاثاء بفتح الثاء وقد يضم ثم لام ثم ألف وهو ممدود وفي اللغة القديمة يسمى الجبار كغراب بحار: 52/56.
أو التالي دبار(1)أو فيومي**بمونس(2)أوعروبة(3)أو شيار(4)،(5)
وهي أسماء الأسبوع من أحد إلى السبت في الجاهلية.
عن أبي جعفر عليهالسلام ينادي مناد في كلّ يوم (ابن آدم لد للموت واجمع للفناء وابن
للخراب)(6).
واصطبح نبيه المغنّي عند عبيد اللّه بن غسان فقال له: أيّ شيء تشتهي قال كبد غزال فأطعمه فلما استوفى أكله استلقى لينام فحرّكوه، فإذا هو ميّت فجزعوا،
1) . يوم الأربعاء مثلثة الباء ممدودة وفي اللغة القديمة اسمه دبار،» في القاموس دبار كغراب وكتاب يوم الأربعاء القاموس المحيط: 390/1 «(بحار: 53/56).
2) . يوم الخميس كانت العرب تسميه مؤسا ذكره الجوهري الصحاح: 905/3 وهو مناسب لما ورد في الخبر أنه يوم أنيس (علل الشرايع: 471/2/ ح 33)، (بحار: 53/56).
3) . يوم الجمعة بضم الجيم وسكون الميم وضمها اسم يوم من الأسبوع وكان يسمى في القديم عروبة بفتح العين وضم الراء المهملتين» قال الجوهري يوم العروبة يوم الجمعة وهو من أسمائهم القديمة الصحاح: 180/1 «، (بحار: 49/56).
4) . يوم السبت اسمه بالعربية القديمة شيار كتاب بحار: 56 / 51.
5) . الصحاح: 2218/6؛ بحار الأنوار: 52/56.
6) .الكافي: 131/2/ ح 14؛ بحار الأنوار: 64/70/ ح 32.
وبعث عبيد اللّه إلى أمّه فجاءت فأخبرها بخبره. فقالت: لا بأس عليكم هو رابع أربعة ولدتهم كانت هذه ميتتهم جميعا وميتة أبيهم من قبلهم(1)... وقيل بالفارسيّة (ناگهان بانگى برامد خواجه مرد).
وعن زيد بن السلمي: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان إذا أنس من اصحابه غفلة أو غرة نادى فيهم بصوت رفيع: أتتكم المنيّة راتبة لازمة امّا بشقاوة وامّا بسعادة(2).
(الحدو) سوق الإبل والغناء لها ويقال للشّمال حدواء لأنّها تحدوا السّحاب أي: تسوقه(3)، وعن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا»(4)المراد تعداد عدد الأنفاس لا الأيّام فالآباء والامّهات يحصون أيّام ولدهما(5).
عاش حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام هو وأباؤ كلّ منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد وعاش كلّ منهم مائة وعشرين سنة، وذكر عند عبدالرحمن بن حسّان عمر أبيه وأجداده فاستلقى على فراشه وضحك فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة(6).
وأنّ السجّاد والباقر عليهماالسلام كانا إذا رأيا جنازة قالا: (الحمد للّه الذي لم يجعلني من
السواد المخترم)(1).
وقال تعالى حاكيا عن المؤنين قولهم في القيامة للمنافقين: «وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ...»(2).
ولما احتضر المعتصم جعل يقول: انّي أخذت من بين هذا الخلق لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت وجعل يقول: ذهبت الحيل ليست حيلة، حتّى أصمت(3).
وسمع الحسن البصري جارية تبكي على قبر أبيها وهي تقول: يا أبه لم أر مثل يومك فقال: الذي لم يرو اللّه مثل يومه أبوك(4).
وسمع عمر بن عبدالعزيز خصيّا للوليد على قبره وهو يقول: يا مولاي ما ذا لقينا من بعدك فقال له عمر: أما واللّه لو اذن له في الكلام لأخبر أنّه لقي بعدكم أكثر ممّا لقيتم بعده(5)، هذا.
وقال ابن ميثم: يعني لا يغرّنك من نفسك الأمّارة بالسوء وسوستها واستغفالها لك عن ملاحظة الموت سواد الناس(6)، وقال ابن أبي الحديد: «من» في «من نفسك» بمعنى الباء، أي: لا يغرّنّك النّاس بنفسك وصحتك وشبابك، واما متعلّقة بمحذوف تقديره متمكنا من نفسك وراكنا إليها(7)، وكلّ منهما كما ترى بلا محصّل، وواضح أنّ المراد دفع الوهم، بأنّ الإنسان في كلّ وقت يرى عددا لا
يحصون فيقول، كما لم يمت هؤاء الجمع الكثير لا أموت أنا بأنّ ذلك لا يصير سببا لاغتراره لأنّ السواد يحصل من كثير من الناشئين الّذين نشأوا بعده وقليل من الّذين كانوا في سنّه أو أكثر منهم بقليل، ولو بدّل توجّه بصره إلى السّواد الكلّي بتوجّه بصيرته إلى أشخاص أهل بيته، وعشيرته، وأصدقائه، وأهل حرفته، وساير طبقات بلده لتوحّش وتبدّل اغتراره بالاعتبار.
مأخوذ من قوله تعالى: «الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ»(1).
أي: الافتقار.
قال أبو العتاهية:
كلّنا نأمل مدّا في الأجل
والمنايا هنّ آفات الأمل
لا يغرنّك أباطيل المنى
والزم القصد وضع عنك العلل
انّما الدّنيا كظلّ زائل
حلّ فيها راكب ثمّ رحل(2)
أزعجه: أقلقه وقلعه عن مكانه(3).
قال تعالى حاكيا عن قول صالح لقومه: «أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ»(1)قال المخبل السعدي:
ولئن بنيت لي المشقر في
عنقاء تقصر دونها العصم
لتنقّبن عنّي المنيّة انّ
اللّه ليس كحكمه حكم(2)
وقيل:
ننافس في الدنيا ونحن نعيبها ***فقد حذرتناها لعمري خطوبها
وما نحسب الساعات تقطع مدة ***على أنها فينا سريع دبيبهاكأني
برهطي يحملون جنازتي ***إلى حفرة يحثى علي كثيبها
وباكية حرى تنوح وإنني ***على غفلة عن صوتها لا أجيبها
أيا هادم اللذات ما منك مهرب ***تحاذر نفسي منك ما سيصيبها
رأيت المنايا قسمت بين أنفس ***ونفسي سيأتي بعد ذاك نصيبها(3)
كُلُّ ابنِ أُنْثَى، وإنْ طالَتْ سَلامَتُه***يَوْماً عَلى آلةٍ حَدْباءَ مَحْمُول(4)
وقيل:
فكم من صحيح بات للموت آمنا ***أتته المنايا رقدة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة ***فرارا ولا منه بحيلته انتفع
فأصبح تبكيه النساء مكفنا ***ولا يسمع الداعي إذا صوته ارتفع (رفع)
وقرب من لحد فصار مقيله ***وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع(1)
عن الكاظم عليهالسلام السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل السرير بشقّك الأيمن فتلزم الأيسر بكفّك الأيمن ثم تمرّ عليه إلى الجانب الآخر، وتدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الرابع ممّا يلي يسارك(2).
وعن الصادق عليهالسلام تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن ثمّ تمرّ عليه من خلفه إلى الجانب الآخر ثمّ تمرّ حتى ترجع إلى المتقدّم كذلك دوران الرّحى عليه(3).
المشيد: المعمول بالشيد، والشّيد بالكسر كلّ شيء طليت به الحائط من جصّ أو بلاط والمشيّد بالتشديد: المطوّل، وقال الكسائي المشيد للواحد من قوله تعالى: وَقَصْرٍ مَشِيدٍ(1)
الحج: 44.
والمشيّد للجمع من قوله تعالى: «فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»(2)،(3).قال تعالى: «كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعى»(4).وقال تعالى في قارون: «فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ»(5).
أي: هالكا قال الأسود بن يعفر:
ما ذا أؤّل بعد آل محرّق ***تركوا منازلهم وبعد اياد(6)
1) .
2) . النساء: 82.
3) .الصحاح: 495/2.
4) . المعارج: 15 ـ 18.
5) . القصص: 81.
6) . آل محرّق هنا: هم ملوك الحيرة من لخم. ومحرّق الَّذي أضيفوا إليه هو امرؤالقيس بن عمرو بن عدي أحد ملوكهم، ويقال له: المحرق الأكبر. ولقب به أيضا من اللخميين عمرو بن هند من ملوكهم، ويقال له: المحرّق الثاني. ومحرق أيضا: لقب الحارث بن عمرو أبي شمر ملك الشام من آل جفنة ؛ لأنه أوّل من حرّق العرب في ديارهم. ويقال لآل جفنة أيضا: آل محرق. ملخص عن اللسان «و» القاموس «و» شرحه «مادة حرق، و» المعارف «لابن قتيبة ص317). وإياد: حي من معد بن عدنان، وهم بنو إياد بن نزار، منهم قس بن ساعدة الَّذي يضرب به المثل في الجود والفصاحة. وكانت ديارهم مع العدنانية، وحين تكاثر بنو إسماعيل وتفردت مضر بالرياسة خرج بنو إياد إلى العراق، وكان لهم مع الأكاسرة أيام مشهودة إلى أن أغار عليهم سابور ذو الأكتاف من ملوك الأكاسرة فأبادهم وأفناهم. راجع كتاب («نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» للقلقشندي ص 82 طبع مطبعة الرياض ببغداد).
أهل الخورنق والسدير وبارق***والقصر ذي الشّرفات من سنداد(1)
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم***ماء الفرات يجيء من أطواد(2)
أرض تخيّرها لطيب مقيلها***كعب بن مامة وابن امّ دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم***فكأنّهم كانوا على ميعاد
1) . الخورنق كسفرجل: قصر من قصور الحيرة، والخورنق هو بالفارسية خورنكاه وهو بيت الضيافة، بناه شخص رومي اسمه سنمار للنعمان بن امرىء القيس اللخمي، وكمله في عشرين سنة، فلما وقف عليه النعمان استجاده وأثنى على سنمار فقال له سنمار: لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس لفعلت، فأمر به أن يطرح من أعلى شرفاته، فضرب به المثل فقيل: «جزاه جزاء سنمار». عن «مسالك الأبصار» ج 1 ص 230 طبع دار الكتب. والسدير: قصر كان ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب. وبارق: ماء بالعراق، أو هو نهر كما في معجم البلدان بين القادسية والبصرة، وهو من أعمال الكوفة. وسنداد: منزل لإياد، وهو أسفل سواد الكوفة. وقال ابن الكلبي في القصر ذي الشرفات: إن العرب كانت تحج إليه.
2) . أنقرة: مدينة بالأناضول على طريق القسطنطينية وهي عاصمة الدولة التركية اليوم، لها ذكر في رحلة امرىء القيس إلى الروم، وافتتحها المعتصم في طريقه إلى عمورية سنة 223، وكانت إياد قد نزلتها لما نفاها كسرى عن بلاده.
فأرى النعيم وكلّ ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاد(1)
قال تعالى في فرعون وقومه: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ»(2)، هذا
وسئل عبيد الجرهمي، وكان عاش ثلاثمائة سنة، عن أعجب شيء رآه فقال: انّي نزلت بحيّ من قضاعة فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له حريث بن جبلة فخرجت معهم حتّى إذا واروه انتدبت جانبا وعيناي تذرفان، ثمّ تمثّلت شعرا كنت رويته قبل:
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ***إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
حتّى كان لم يكن الاّ تذكّره ***والدهر أيّة ما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ***وذو قرابته في الحيّ مسرور
وذاك آخر عهدي من أخيك إذا ***ما المرء ضمّنه اللحد الخناسير
الخناسير: المشيّعون، فقال رجل: من قائلها قلت: لا أدري، قال: قائلها هذا الّذي دفنّاه وإنّ هذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته، وانّك الغريب لا تعرفه تبكي عليه(3).
كان المتوكّل وهب جارية من جواريه حسنة كاملة يقال لها: (صاحب) أحمد بن حمدون، فلمّا مات تزوجّت، قال أبو علي بن يحيى المنجّم: فرأيته في النّوم وهو يقول:
أبا عليّ ما ترى العجائبا ***أصبح جسمي في التّراب غائبا
واستبدلت (صاحب) بعدي صاحبا(1)
وتزوّج عبدالرحمن بن سهيل بن عمرو امّ هشام بنت عبداللّه بن عمر، ـ وكانت من أجمل نساء قريش وكان يجد بها وجدا شديدا ـ فمرض مرضته التي هلك فيها فجعل يديم النّظر إليها وهي عند رأسه فقالت له: انّك لتنظر نظر رجل له حاجة. قال: أي واللّه، إنّي لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه قالت: وما هي
قال: أخاف أن تزوّجي بعدي قالت: فما يرضيك قال: أن توثقي لي بالأيمان المغلّظة فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه ثمّ هلك فلّما قضت عدّتها خطبها عمر بن العزيز ـ وهو أمير المدينة ـ فأرسلت إليه ما أراك إلاّ وقد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد وأمة عبدان وأمتان، ومكان كلّ علق(2)علقان، ومكان كلّ شيء ضعفه فتزوجته(3).
قال تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(4).
وقال تعالى: «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ»(1).
وقال تعالى: «وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ»(2).
أي: يسترجعون قال تعالى: «وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ»(3).
وقال تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ»(4).
أي: جعل التقوى شعار قلبه، والشعار ما ولي الجسد من الثّياب.
قال ابن أبي الحديد: المهل: شوط الفرس(5)وإنّما قال الجوهري: (برّز الرجل:
فاق على أصحابه وكذلك الفرس إذا سبق)(6)وهو كما ترى لا يفهم منه أكثر من أنّ
(برّز الفرس) بمعنى سبق الفرس. والصّواب: أنّ المهل: التقدّم في الخير، ففي (المغرب): المهل بالتحريك: التقدّم، وبه كنّى أبو مهل عروة بن عبداللّه ابن قشير الجعفي(1)
المغرب في ترتيب المعرب: 449.
، وفي (النهاية): فلان ذو مهل، أي: تقدّم في الخير، ولا يقال في الشّرّ(2)، ثمّ لا وجه لنصب «مهله» بعد كون قوله بعد ذلك: «و فاز عمله» بالرّفع.قال تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ»(3).
أي: اغتنموا غنيمتها فيكون «هبلها» مفعولا به ويكون «اهتبلوا هبلها» مساوقا لقوله تعالى: «لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً»(4)
«وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(5)
وقال تعالى: «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ
يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(1).وقال تعالى: «فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ»(2).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام وَ[أَوْ] أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ الْجَنَّةَ فَلا يَدَعْ زِيَارَةَ الْمَظْلُوم(3).
بالضمّ أي: إقامة. قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِين(4).
جعل الأمر مجازا إلى حاجته، أي: طريقا ومسلكا(5).
قال تعالى: «وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرار»(6).
وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(7).
وقال تعالى: «إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَر»(8).
وقال تعالى: «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا»(1).
الوفز: العجلة، يقال: نحن على أو فاز، أي: على سفر(2).
في (المغرب): يستعار الظهر للدّابّة والرّاحلة، ومنه (و لا ظهرا أبقى)(3).والزّيال: مصدر زايل كالمزايلة وهو المفارقة(4).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُهَا كَمَثَلِ الرَّاكِبِ رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقَالَ(5)
فقال: من القيلولة.
تَحْتَهَا ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا(6).بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ مَقَالِيدَهَا وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالآْصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانُ الْمُضِيئَةُ وَآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ
منها
وَكِتَابُ اللّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لاَ يَعْيَى لِسَانُهُ وَبَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَعِزٌّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ
منها
أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ فَجَاهَدَ فِي اللّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ وَالْعَادِلِينَ بِهِ
منها
وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ
منها:
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ وَيَكَادُ صَاحِبُهُ أن يَشْبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُّهُ إِلاّ الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ وَسَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلامَةُ كِتَابُ اللّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ وَتَنْطِقُونَ بِهِ وَتَسْمَعُونَ بِهِ وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَلاَ يَخْتَلِفُ فِي اللّهِ وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللّهِ قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الآْمَالِ وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ
وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا كانقياد الخيول لراكبيها بأعنّتها، أما انقياد الدّنيا له تعالى بأزمّتها فلأنّه كما وصف نفسه: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»(1).
وأمّا انقياد الآخرة له تعالى فأوضح، فلا يملك غيره يومئذ شيئا:... «لِمَنِ الْمُلْكُ
1) .آل عمران: 26 ـ 27.
الْيَوْمَ للّهِِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ»(1)، «يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّهِِ)(2)، «... وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما»(3).قال تعالى: «لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالآْخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون»(4).
أى القت.
جمع مقلد المفتاح، والأصل فيه قوله تعالى: «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ...»(5). وقذف السماوات والأرض مقاليدها إليه تعالى كناية حسنة عن كمال سيطرته عليهما، كبيت مفتاحه بيد شخص يفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء، فمتى شاء تعالى جادت السّماء، ومتى شاء بخلت، ومتى شاء أخصبت الأرض، ومتى شاء أجدبت، وقال تعالى في قصة نوح في ابتدائها: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ»(6)، وفي انتهائها: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي...(7).
على فعول جمع الغدو على فعل، كما قاله الليث وجمعه الآخر الغدوات، وأمّا الغدايا في قولهم: «إنّي لآتيه بالغدايا والعشايا» فلا يأتي جمعا إلاّ ازدواجا مع العشايا(1).
جمع الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب(2).
وفي القرآن كلّما ذكر الأصيل ذكر مع بكرة، وكلّما ذكر الآصال ذكر مع الغدوّ، كما أنّه كلّما ذكر الأوّلان نكّرا فقال: بُكْرَةً وَأَصِيلاً(3)
الفرقان: 5 والاحزاب: 42 والفتح: 9 والدهر: 25.
وكلّما ذكر الأخيران عرّفا فقال: «بِالْغُدُوِّ وَالآْصالِ»(4).أي: ذات الحسن والرّونق، والأشجار الناضرة وإن تسجد له تعالى في كلّ حال حسب غيرها من الأشياء كما قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ...»(5)إلاّ أنّه عليهالسلام قيّد سجودها بالغدوّ والآصال، لأنّ المراد بالسجود لها هنا سجود خاص بظهور طراوتها وصفاتها وانتشار شميمها فيهما، دون السجود
العام المراد به الدخول تحت خضوع التّكوّن، كما أراد عزّ وجلّ فيها.
بلفظ المجهول من قدحت النّار، أي: أوقدتها.
أى: لأمره.
القضبان جمع القضيب، أي: الغصن.
جمع النّار.
قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤنَ * نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ»(1).وقال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ»(2).
أي: أعطت.
أي: ما يؤل منها، مفعول مقدّم.
و ينع الثمر: نضجه، قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا... انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ»(1).وقال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ... كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَر...»(2).
وقوله عليهالسلام: «بكلماته» إشارة الى قوله تعالى: «تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها...»(3).
ونظير فقراته عليهالسلام في العنوان كلام السجّاد عليهالسلام من عترته في مناجاته الإنجيلية: فسبّحت له السماوات وأكنافها، والأرض وأطرافها، والجبال وأعراقها، والشجر وأغصانها، والبحار وحيتانها، والنجوم في مطالعها، والأمطار في مواقعها، ووحوش الأرض وسباعها، ومدر الأنهار وأمواجها، وعذب المياه وأجاجها، وهبوب الرياح وعجاجها، وكلّ ما وقع عليه وصف وتسمية، أو يدركه حدّ يحويه ممّا يتصوّر في الفكر، أو يتمثّل بجسم أو قدر أو ينسب إلى عرض أو جوهر، من
صغير حقير أو خطير كبير، مقرّا له بالعبوديّة، خاشعا معترفا له بالوحدانيّة، طائعا مستجيبا لدعوته، خاضعا متضرّعا لمشيّته متواضعا(1).
منها
قال الجزري: (اقاموا بين أظهرهم) أي: اقاموا بينهم على سبيل الاظهار والاستظهار والاستناد إليهم، ثم كثر حتى استعمل في الاقامة بين القوم مطلقا(2).
أي: لا يعجز.
بخلاف باقي الناطقين فيعيا لسانهم، سمع الوليد بن المغيرة من النبيّ صلىاللهعليهوآله قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاْءِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ...»(3)فقال: واللّه ان له لحلاوة، وان عليه لطلاوة، وان اعلاه لمثمر، وان اسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر(4).
بخلاف باقي البيوت روى ابن بابويه ان رجلا سأل الصادق عليهالسلام ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس الا غضاضة فقال: ان اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون
زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة(1).
بالفتح أي: عزيز كما يفهم من المصباح.
بخلاف باقي الاعزة وعن الثعلبي في تفسير قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا...»(2)عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: ايها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين، ان اخذتم بهما لن تضلوا بعدي احدهما اكبر من الاخر كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض(3).
وعَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام لِأَصْحَابِهِ اعْلَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ هُدَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَنُورُ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جَهْدٍ وَفَاقَةٍ فَإِذَا حَضَرَتْ بَلِيَّةٌ فَاجْعَلُوا أَمْوَالَكُمْ دُونَ أَنْفُسِكُمْ وَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ دُونَ دِينِكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ دِينُهُ وَالْحَرِيبَ مَنْ حُرِبَ دِينُهُ أَلاَ وَإِنَّهُ لاَ فَقْرَ بَعْدَ الْجَنَّةِ ـ أَلاَ وَإِنَّهُ لاَ غِنَى بَعْدَ النَّارِ لاَ يُفَكُّ أَسِيرُهَا وَلاَ يَبْرَأُ
ضَرِيرُهَا(1).
هذا، وفي (القاموس): العزيز الملك لغلبته على أهل مملكته ولقب من ملك مصر مع الإسكندرية(2).
هذا، وعن بصري قال: نزلنا في ظل حصن من حصون الروم فإذا بقائل من فوق الحصن ينشد ابياتا بالعربية، ويبكي فناديته ايها المنشد فاشرف فقلت من أنت قال: من العرب نزلت مكانك هذا فأشرفت على جارية فعشقتها فقالت ان دخلت في ديني فغلب على الشيطان فقبلت، فقلت اكنت تقرأ القرآن قال: أي واللّه لقد حفظته قلت فما تحفظ اليوم منه قال: لا شيء الا قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ(3)قلت: فهل لك ان تعطيهم فداء وتخرج ففكر ساعة ثم قال انطلق صحبك اللّه(4).
منها
في الخبر: أنّ أهل السماوات لم يسمعوا وحيا في ما بين أن بعث عيسى إلى أن بعث محمّد صلىاللهعليهوآله فلمّا بعث اللّه جبرئيل إليه فسمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا علموا أنّ اللّه بعث نبيّا(5).
قال ابن أبي الحديد: معنى تنازع من الألسن: أنّ قوما في الجاهلية كانوا يعبدون الصنم، وقوما يعبدون الشمس، وقوما يعبدون الشيطان، وقوما يعبدون المسيح، فكلّ طائفة تجادل مخالفيها بألسنتها لتقودها إلى معتقدها(1).
الأظهر أنّ معناه: أنّ الناس كانوا قبل رسالته يتنازعون في ملل ونحل، لم يكن لها معنى في القلوب، بل مجرد ألفاظ على الألسن، فيكون قوله عليهالسلام: «و تنازع من الألسن» نظير قول يوسف عليهالسلام في ما حكى اللّه تعالى عنه: «ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ...»(2)، أو المراد أنّهم كانوا يتنازعون في أنواع الكلام من القصائد والخطب والأراجيز هل هذه أحسن أو تلك، فكانوا قبل بعثة النبيّ صلىاللهعليهوآله يباهون بذلك، وقصّة المعلّقات السبع معروفة، قال امرؤالقيس لمّا احتضر في «أنقرة»(3)في آخر شيء تكلّم به: ربّ خطبة محبّرة، وطعنة مسحنفرة، وجفنة مثعنجرة، تبقى غدا بأنقرة(4).
و من السبع المعلّقات قصيدة عمرو بن كلثوم التغلبي، التي كان قام بها خطيبا في ما كان بينه وبن عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان لقومه بها شغف كثير حتّى قالوا فيهم:
ألهى بني تغلب عن كلّ مكرمة***قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أوّلهم ***يا للرجال لفخر (لشعر) غير مسؤم(1)
ومن السبع قصيدة عبيد بن الأبرص الّتي أوّلها:
أقفر من أهلها ملحوب
ولمّا لقيه ملك الحيرة في يوم بؤه وأراد قتله، استنشده القصيدة إعجابا بها، فغيّر البيت وقال:
أقفر من أهلها عبيد ***فاليوم لا يبدي ولا يعيد(2)
والكلّ مجرد ألفاظ.
وأمّا ما قاله ابن أبي الحديد من مجادلتهم بألسنتهم، فبارد، فالمجادلة لا تكون بغير اللسان. وكيف كان، فقال الجوهري: قد يكنى بها عن الكلمة فتؤث حينئذ. قال أعشى باهلة:
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ***من علو لا عجب منها ولا سخر
فمن ذكّره قال في الجمع: ثلاثة ألسنة، مثل حمار وأحمرة، ومن أنّثه قال: ثلاث ألسن(3).
والظاهر أنّ اللسان إذا كان بمعنى اللغة يكون مذكّرا، لقوله تعالى: «وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا...»(4)وقوله تعالى: «وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ...»(5)، وإذا كان بمعنى التكلّم يكون مؤثا كقوله:
أتتني لسان بني عامر *** أحاديثها بعد قول نكر(1)
وكقول طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها ***إنّني لست بموهون فقر(2)
وكقوله عليهالسلام: «و تنازع من الألسن» لكن ينقضه قول ابن الزبعرى:
يا رسولَ الإِلهِ، إِنَّ لِساني ***رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ، إِذْ أَنا بُور(3)
قال الجوهري: قفّيت على أثره بفلان، أي: أتبعته إيّاه(4)، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا...(5).
فلا يوحى إلاّ إلى النبيّ، ولا نبيّ بعده، وأمّا الإمام فإنّما يلهم.
وأمّا قوله تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَياةَ الدُّنْيا»(6)فلا ينافيه.
أي: الجاعلين غير اللّه عديلا له تعالى، كما أمره عزّ وجلّ في قوله: «يا أَيُّهَا
النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»(1). ذكرت الآية في التحريم والتوبة، وأمّا عدم جهاده المنافقين، وإنّما جاهدهم أمير المؤنين بعده صلىاللهعليهوآله حيث إنّه كان نفس النبيّ صلىاللهعليهوآله بنصّ قوله تعالى:... «وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ...»(2).
ثم انّ الفرق بين المدبرين والعادلين هو انّ المدبرين عبارة عن المعرضين عن الحقّ المنكرين له وامّا العادلين فليسوا بمنكريه بل وصلوا الى الحقّ بزعمهم الفاسد مع انّهم عدلوا عنه واقعاً كالمشبّهة وعبدة الاصنام وغير هؤاء ممّن يقول بهذه المقالة وبعبارةٍ اُخرى المدبر من انكر الإله والعادل من شبّهه بمخلوقاته وكلاهما محكومان بالكفر والإلحاد والنّبىّ كان ماموراً بالجهاد معهم.
منها
أي: أعمى القلب عن رؤة الآخرة، قال تعالى: «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ...»(3).
قال ابن قتيبة: صار ابن عباس وأبوه وجدّه مكافيف في آخر عمرهم، فقال معاوية لابن عبّاس: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال ابن عبّاس: وأنتم يا بني أميّة تصابون في بصائركم(4).
قال تعالى: «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآْخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ»(1).
وقال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاّ الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ...»(2).
قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآَياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ * رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ * رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلاْءِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ * رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ * فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى...»(3).
شخص من مكان: إذا سار في ارتفاع، فإن سار في انحدار فهو هابط(4).
قال تعالى: «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا
رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(1).
قال تعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ»(2).
قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ»(3).
وقال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى * وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى(4)، مثله كمثل الأعمى الذي افتقد عصاه فتفقّدها بيده فوقعت على حيّة اسكنتها البرد فسرّ بها بدلا.
منها
وهو امر وجداني لا يحتاج إلى برهان، وقد قال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي
تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ...»(1)وحتى ان الانبياء كانوا محبين الحياة، فروى عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: لَمَّا عُرِضَ عَلَى آدَمَ وُلْدُهُ نَظَرَ إِلَى دَاوُدَ فَأَعْجَبَهُ فَزَادَهُ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ قَالَ وَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ صَكّاً بِالْخَمْسِينَ سَنَةً فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ آدَمُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي خَمْسُونَ سَنَةً قَالَ فَأَيْنَ الْخَمْسُونَ الَّتِي جَعَلْتَهَا لاِبْنِكَ دَاوُدَ قَالَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا أَوْ أَنْكَرَهَا فَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ عليهماالسلام فَشَهِدَا عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام كَانَ أَوَّلَ صَكٍّ كُتِبَ فِي الدُّنْيَا(2).
وعن الصَّادِقُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْضَ رُوحِ إِبْرَاهِيمَ عليهالسلام أَهْبَطَ إِلَيْهِ مَلَكَ الْمَوْتِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ أَ دَاعٍ أَمْ نَاعٍ قَالَ بَلْ دَاعٍ يَا إِبْرَاهِيمُ فَأَجِبْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليهالسلام فَهَلْ رَأَيْتَ خَلِيلاً يُمِيتُ خَلِيلَهُ قَالَ: فَرَجَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ جَلَّ جَلالُهُ فَقَالَ: إِلَهِي قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالَ خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ اللّهُ جَلَّ جَلالُهُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ هَلْ رَأَيْتَ حَبِيباً يَكْرَهُ لِقَاءَ حَبِيبِهِ إِنَّ الْحَبِيبَ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِهِ(3).
وعن الصادق عليهالسلام ان ملك الموت لمّا جاء إلى موسى عليهالسلام لقبض روحه قال من اين تقبض روحي قال: من فمك، قال: كيف وقد كلّمت ربّي جلّ جلاله، قال: فمن يديك، قال: كيف وقد حملت بهما التوراة قال: فمن رجليك، قال: كيف وقد وطات
بهما إلى طور سيناء قال: فمن عينيك قال: كيف ولم تزل إلى ربي بالرجاء ممدودة قال فمن اذنيك قال: كيف وقد سمعت بهما كلام ربي جلّ وعزّ فاوحى تعالى إليه لا تقبض روحه حتى يكون هو الذي يريد، فخرج ومكث موسى ما شاء اللّه ان يمكث ودعا يوشعا فاوصى إليه وامره بكتمان امره وبان يوصي بعده إلى من يقوم بالامر وغاب عن قومه فمر برجل وهو يحفر قبرا فقال له: ألا اعينك فقال: بلى فاعانه حتى حفر وسوّى اللحد ثم اضطجع فيه موسى لينظر كيف هو فكشف له عن الغطا فرأي مكانه من الجنة فقال يا رب اقبضني إليك فقبض وسوى عليه التراب وكان الذي يحفر القبر ملك في صورة آدمي وكان ذلك في التيه (فصاح صائح من السماء مات موسى كليم اللّه فاى نفس لا تموت)(1).
بل ورد ان المؤن أيضا لا يكره على قبض روحه(2)ولكن يرى درجته حتى يرغب هو(3).
واما قول لبيد وكان بلغ مائة واربعين سنة:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ***وسؤل هذا الناس كيف لبيد(4)
وقول اكثم بن صيفي وقالوا عاش مائة وتسعين سنة:
وان امرأ قد عاش تسعين حجة ***إلى مائة لم يسام العيش جاهل(5)
وقول المستوغر وكان بقي بقاء طويلا:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ***وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة اتت من بعدها مائتان لي ***وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي الا كما قد فاتنا ***يوم يكرّ وليلة تحدونا(1)
وقول زهير بن جناب حين مضت له مائتان من عمره.
لقد عمرت حتى لا أبالي ***احتفى في صباحي أم مسائي
وحق لمن اتت مائتان عاما ***عليه ان يمل من الثواء(2)
فمرادهم السئامة من شدائد الشيخوخة لا اصل الحياة، قال النابغة الجعدي وكان عمر:
لبست اناسا فافنيتهم ***وافنيت بعد اناس اناسا(3)
وقال هو:
المرء يهوى ان يعيش وطول عيش ما يضرّه ***تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العين مرة
وتتابع الأيام حتى لا يرى شيئا يسرّه ***كم شامت لي أن هلكت وقائل للّه دره(4)
وسمع زهير بن جناب بعض نسائه تتكلم بما لا ينبغي لامراة ان تتكلم عند زوجها فنهاها فقالت له: اسكت عني، والا ضربتك بهذا العمود فو اللّه ما كنت اراك
تسمع شيئا او تعقله فقال:
فللموت خير من حداج موطا *** مع الظعن لا يأتي المحلّ لحين(1)
قال الحطيئة حين موته: احملونيعلى حمار لعلى انجو، فانه لم يمت عليه كريم ثم قال:
لكل جديد لذة غير أنّني ***وجدت جديد الموت غير لذيد
له خبطة في الخلق ليس بسكرّ ***ولا طعم راح يشتهى ونبيذ
ومات مكانه(2).
الحكمة، هي العلم الذي يعمل عليه في ما يجتبى او يجتنب من امور الدين والدنيا(3).
قال تعالى: «اسْتَجِيبُوا للّهِِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ...»(4).
وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ...»(5).
فيجعلها ذات قيمة.
فيجعلها مفيدة.
فيبقى به حياته.
من بلاء الدنيا والاخرة.
وفي قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ...»(1)وقوله تعالى: «وَمَنْ يُؤتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً»(2)عن الصادق عليهالسلام كان لقمان رجلا قويا في امر اللّه، متورعا في اللّه ساكتا سكيتا عميق النظر، طويل الفكر، حديد النظر، مستغن بالعبر، لم ينم نهارا قط، ولم يره احد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره، ولم يضحك من شيء مخافة الاثم، ولم يغضب قط، ولم يمزح قط، ولم يفرح بشيء من الدنيا، ولا حزن منها على شيء، وقدم اكثر اولاده فرطا، فما بكى على موت احد، ولم يمر برجلين يختصمان او يقتتلان الا اصلح بينهما، ولم يسمع من احد قولا استحسنه الا سأله عن تفسيره وعمن اخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يغشى القضاة والملوك، فيرثي للقضاة بما ابتلوا
به، ويرحم للملوك لغرتهم باللّه، ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد هواه، ويحترز به من الشيطان، وكان لا يظعن الا في ما يعنيه، فبذلك اوتي الحكمة، ومنح العصمة، فان اللّه تعالى امر طوائف الملائكة حين انتصف النهار، وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم، فقالوا هل لك ان يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال: ان امرني ربي بذلك فالسمع والطاعة وان فعل بي ذلك اعانني عليه وعلمني، وان هو خيرني قبلت العافية، فقالت الملائكة: لم قال لان الحكم بين الناس باشد المنازل من الدين واكثر فتنا وبلاء يخذل ويغشاه الظلمة من كل مكان وصاحبه فيه بين امرين ان اصاب فيه الحق فبالحرى ان يسلم و ان اخطأ طريق الجنة فتعجبت الملائكة من حكمته فلمّا اخذ مضجعه من الليل انزل اللّه عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم فغطاه بالحكمة فاستيقظ وهو احكم الناس في زمانه فلمّا أوتي الحكمة ولم يقبل الخلافة امر اللّه الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها كشرط لقمان فاعطاه اللّه الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة ـ وكان داود يقول له: طوبى لك يا لقمان، أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية(1)وما أوتي لقمان الحكمة بحسب ومال ولا بسط جسم ولا جمال.
قال تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم»(2).
وقال تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ»(1).
عن الصادق عليهالسلام قال: خطب النبيّ صلىاللهعليهوآله بمنى فقال: ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فانا قلته وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم اقله(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللّهِ فَدَعُوهُ(3).
وقال الصادق عليهالسلام: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف(4).
قال تعالى: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ»(5).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليهالسلام: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللّهِ ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله نَهَى عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَفَسَادِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤالِ فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللّهِ قَالَ إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ(6)وَقَالَ: وَلا تُؤتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً(7)وَقَالَ: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤكُمْ(8)،(9).
قال تعالى: «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ...»(1).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى وَاللّهِ مَا تَرَكَ اللّهُ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ ـ حَتَّى لاَ يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ ـ إِلاّ وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللّهُ فِيهِ(2).
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هَارُونَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُول: ما خلق اللّه حلالا ولا حراما إلا وله حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق وما كان من الدار فهو من الدار حتى ارش الخدش فما سواه والجلدة أو نصف الجلدة(3).
هذا، وعن الاصبغ عن امير المؤنين عليهالسلام والذي بعث محمّدا صلىاللهعليهوآله بالحق واكرم أهل بيته ما من شيء يطلبونه من حرق او غرق او سرق او إفلات دابة من صاحبها(4)او ضالة او آبق الا هو في القرآن فمن اراد ان يسألني عنه فقام إليه رجل فقال: اخبرني عما يؤن من الحرق والغرق فقال اقرأ:... «اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»(5)«وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ... سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(6)فمن قرأها امن من الحرق والغرق فقرأها رجل واضطربت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطحها فلم يصبه شيء ثم قام رجل آخر وقال: استصعبت على دابتي وانا منها على وجل فقال: اقرأ في اذنها اليمني:... «أَ فَغَيْرَ
دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً»(1)فقرأها فذلت له دابته وقام إليه آخر، فقال: ان ارضي ارض مسبعة وان السباع تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال اقرأ: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤمِنِينَ رَؤفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»(2)فقرأها فاحتشمه السباع ثم قام آخر فقال: ان في بطني ماء اصفر فهل من شفاء بلا درهم ولا دينار فقال: نعم اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ باذن اللّه تعالى، ففعل الرجل فبرىء، ثم قام آخر فقال اخبرني عن الضالة قال: اقرأ (يس) في الركعتين وقل (يا هادي الضالة رد علي ضالتى) ففعل فردها اللّه عليه ثم قام آخر فقال: أخبرني عن الابق فقال أقرأ: «أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ... وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ»(3)فقالها الرجل فرجع إليه الا بق، ثم قام آخر فقال اخبرني عن السرق فانه لا يزال يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا فقال له: اقرأ إذا آويت إلى فراشك: «قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ... وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً»(4)ثم قال عليهالسلام من بات بارض قفر فقرأ «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ... تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ»(5)حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين، فمضى الرجل فإذا بقرية خراب فبات فيها ولم يذكر هذه الآية فتغشاه الشيطان فإذا هو آخذ بلحيته فقال له
صاحبه انظره فاستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه ارغم اللّه انفك احرسه الان حتى يصبح، فلمّا اصبح الرجل رجع إليه عليهالسلام فاخبره وقال: رايت في كلامك الشفاء والصدق، ومضي بعد طلوع الشمس فإذا هو باثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض(1).
مثال ذلك قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى...»(2)فإن المفهوم من هذه الآية ان النفس بالنفس حتى ولو كان القتل خطأ، ولكن الآية 92 من سورة النساء أخرجت قتل الخطأ من القصاص، وحصرته بقتل العمد «و من قتل مؤنا خطأ فتحرير رقبة ودية مسلّمة الى أهله».
وقال تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً»(3)وهو المعيار لسليم الاخبار من سقيمها فما خالفه زخرف يضرب به الجدار كما مر في خطبة النبيّ صلىاللهعليهوآله بمنى.
قال صاحب الكشاف: لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(4)لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حدّ الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني.
وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه(1).
قال تعالى: «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ»(2).وقال تعالى: «وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ»(3).
وقال تعالى: «وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(4).وقال تعالى: «ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ»(5).
أي: الغش.
ان ابن أبي الحديد حكم بان هذا الكلام فصل عما قبله(1)لكن يمكن وصله بان المراد صلحهم على الغش بينهم في ترك القرآن واكبابهم على ما افتعلوا من الاحاديث وصولا إلى اغراضهم وترويجا لمكاسدهم، عن الباقر عليهالسلام ان سلمان
كان يقول للناس هربتم من القرآن إلى الاحاديث وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل فضاق عليكم ذلك وهربتم إلى الاحاديث التي اتسعت عليكم(2).
قال المصنّف في (مجازاته) بعد قول النبيّ صلىاللهعليهوآله «اياكم وخضراء الدمن» في تأويله قولان الاول نهى صلىاللهعليهوآله عن نكاح المرأة على ظاهر الحسن في المنبت السوء والبيت السوء، شبه المرأة الحسناء بالروضة الخضرة لجمال ظاهرها، وشبه منبتها السوء بالدمنة لقباحة باطنها والدمنة هي الابعار المجتمعة تركبها السوافي(3)فإذا اصابها المطر انبتت نباتا خضرا يروق منظره ويسوء مخبره والثاني ان النبيّ صلىاللهعليهوآله نهى ان يتلقى اخاه بالظاهر الجميل وينطوي على الباطن الذميم قال الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ***وتبقى حزازات النفوس كماهيا
كأن الشاعر أراد إنّا وان لقيناكم بظاهر الطلاقة والبشر فانا نضمر لكم على باطن الغش والغمر(1).
قلت: بل يتعين في قول النبيّ صلىاللهعليهوآله التأويل الاول فان المعاني رواه وزاد قيل: يا رسول اللّه ما خضراء الدمن قال: (المرأة الحسناء في منبت السوء)(2)وانما كلامه عليهالسلام هنا كبيت الشاعر بقرينة قبله وبعده.
كما هو حال أهل الدنيا من اتفاقهم على حب آمال الدنيا حتى يبغضون من كان لا يراها ويختلفون ويتعاركون في تحصيل اموالها ولذا كان الناس في جميع الادوار من بعد نبيهم صلىاللهعليهوآله مع اختلاف مشاربها متفقين على عداوة أهل بيته صلىاللهعليهوآله.
أي: جعلكم هائمين ذاهبين في الارض.
صفة الشيطان.
أي: جعلكم تائهين متحيرين.
بفتح الغين وهو أيضا وصف الشيطان، قال تعالى: «... وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ»(1).
حتى يعيننا والاصل فيه قوله تعالى:... «وَاللّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ»(2).
قال تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً»(3).
وقال تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ـ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلا»(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم بنفسه: وَقَدْ تَوَكَّلَ اللّهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَنْتَصِرُونَ وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَمْتَنِعُونَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ لاَ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً وَاحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ وَالنَّصِيحَةِ فَإِنْ أَظْهَرَ اللّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِين ومن كلام له عليهالسلام وقد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم بنفسه قال ابن أبي الحديد: هذه الغزاة هي غزاة فلسطين التي فتح فيها بيت المقدس، و قد ذكرها الطبري في تاريخه(1)، وقال: ان عليا عليهالسلام وهو كان المستخلف على المدينة لما شخص عمر الى الشام، وان عليا قال له: لا تخرج بنفسك انك من تريد
1) . تاريخ الطبرى: 104/3 سنة 15.
يكون عدوا كلبا. فقال عمر: أنى أبادر بجهاد العدو موت العباس، انكم لو فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل، فمات العباس لست سنين من امارة عثمان وانتقض بالناس الشر(1).
قال التسترى: ما نقله عن الطبري من رواياته عن سيف وروايات سيف موضوعة في كلها أوفي جزئها لم يخل خبر منه من تحريف.
ثم أي وقت عرف عمر الملاحم حتى يخبر بها أمير المؤنين عليهالسلام، ولم لم يتعلم من النبي صلىاللهعليهوآله حكم الفرار من الطاعون حتى ذكره له عبد الرحمن ابن عوف كما رواه الطبري(2)، ولم لم يتعلم منه حكم الحبشة، ففي أغاني أبي الفرج قال أبو عمرو الشيباني: كان عمر بعث علقمة بن محرز الكناني الى الحبشة وكانوا لا يشربون قطرة من الماء إلا باذن الملك والا قوتلوا عليه، فنزل الجيش على ماء قد ألقت لهم فيه الحبشة سمّا، فوردوه مغترين، فشربوا منه، فماتوا عن آخرهم، فأراد عمر أن يجهز اليهم جيشا عظيما، فشهدوا عنده ان النبي صلىاللهعليهوآله قال: أتركوا الحبشة ما تركوكم. وقال: وددت ان بيني وبينهم جبلا من نار(3).
ثم موت العباس لم يكن في عصر عمر حتى يبادر بجهاد العدو موته، ثم انتقاض الشر بالناس انما كان من أحداث عثمان وأعمال عماله، كالوليد بن عقبة في صلاته الصبح بالناس أربعا سكران، ومن ابن أبي سرح في قتله الناس بغير حق، ونظرائهما، وكان عمر هو السبب في تولي عثمان، فدبر الأمر له ولبني امية بما دبر في الشورى وكيفية اجرائها، فعمر نقض الشر على الناس، فقوله هذا نظير
أن يضرم أحد نارا في دار ثم يقول: بادرت بالأمر الفلاني قبل أن تحرق النار الدار.
ثم انّه يدّعي انّه امام المسلمين ويسأل اليهود عن الدجّال، ولا يدري انّه يفتح ايليا حتى يخبره يهودي بذلك، كما روى جميع ذلك الطبري(1).
قال ابن أبي الحديد أيضا: قال الطبري: قد كان الروم عرفوا من كتبهم ان صاحب فتح مدينة ايليا ـ وهي بيت المقدس ـ رجل اسمه على ثلاثة أحرف، فكان من حضر من امراء المسلمين يسألون عن اسمه، فيعلمون انّه ليس بصاحبهم، فلما طال عليهم الأمر في حرب الروم استمدوا عمر وقالوا: ان لم تحضر بنفسك لم يفتح علينا، فكتب اليهم أن يلتقوه برأس الجابية ـ ليوم سمّاه لهم ـ فلقوه وهو راكب حمار، وكان أول من لقيه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد ابن الوليد على الخيول، وعليهم الديباج والحرير، فنزل عمر عن حماره وأخذ الحجارة رماهم بها وقال: سرعان ما لفتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي، وانما شبعتم منذ سنتين مسرع ما ندت بكم البطنة، واللّه لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: انما هي يلامقة وتحتها السلاح(2). فقال: فنعم اذن، فلما علم الروم مقدم عمر نفسه سألوه الصلح، فصالحهم وكتب لهم كتابا على أن يؤوا الجزية(3)ـ الى أن قال ـ شخص عمر من المدينة الى الشام أربع مرات، ودخلها مرة راكب فرس، ومرة راكب بعير، ومرة راكب بغل، ومرة راكب حمار(4).
لكن في (تاريخ الطبري): وأما الثالثة فقصّر عنها ان الطاعون مستعر ـ إلخ(1).
و كيف كان فالعنوان لا يدل على انّه عليهالسلام قال هذا الكلام في مشاورة عمر معه في الخروج الى غزو الروم، ولم أقف على من روى ذلك، حتى ان المفيد في الارشاد روى في العنوان السابق انّه عليهالسلام أشار على عمر في غزوة نهاوند في قضاياه في زمن عمر(2)، واقتصر على ذاك، فلعل العنوان أيضا كلامه عليهالسلام في القادسية أوفي نهاوند برواية اخرى غير ما مر، وان المصنف قال بكونه في غزو الروم حدسا، فلم يكن عليهالسلام يشير برأي لم يؤذ به.
و بالجملة المحقق رواية أصل العنوان دون سببه.
أى قد صار اللّه تعالى وكيلاً لاهل هذا الدّين اعنى الاسلام بشيئين احدهما إعزاز الحوزة والنّاحية، وثانيهما ستر العورة ممّا لا ينبغى اطلاع الكفّارو المخالفين عليه. امّا الاول فالوجه فيه انّ العزّة والذّلة بيده تعالى: «تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْر»(3)ولا شكّ انّ اللّه تعالى قد إرتضى الاسلام وأمر النّاس بمتابعته والتّدين به كما قال تعالى في كتابه: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الاْءِسْلامُ»(4)«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاْءِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ»(5)فاذا كان الدّين المرضى عنده الاسلام لا غيره والعزّة ايضاً بيده فلا محالة هو المتكفل لإعزاز الدّين لقوله تعالى: «وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للّهِِ جَمِيعاً
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم»(1). وامّا ستر العورة....
قال الجوهري: العورة كلّ خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب(2).
فكانوا يعذبونهم في مكة ومنهم عمار وأبوه وامه، وكان النبي صلىاللهعليهوآله يمر عليهم ويقول: صبرا آل ياسر، وحتى كانوا يكرهونهم على اظهار الكفر ومنهم عمار فنزل فيه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاْءِيمَانِ»(3)،(4).
قال تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(5).
أى هو اللّه تعالى، و«حىّ» خبر لقوله «والذى». وفيه اشارة الى قوله تعالى:
«وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت»(1)
أى تصير منكوباً.
أى من يكونون في كنفه وصيانته.
من العدو.
قال ابن أبي الحديد فان قلت: فلم كان النبي صلىاللهعليهوآله يشاهد الحروب بنفسه، ولم شاهد أمير المؤنين عليهالسلام الجمل وصفين والنهروان بنفسه.
وأجاب: بأن النبي صلىاللهعليهوآله كان موعودا بالنصر في قوله تعالى: «وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ»(2)وان امير المؤنين عليهالسلام كان عالما من جهة النبي انّه لا يقتل في هذه الحروب، لقوله له «انك تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين»(3).
الصواب في الجواب هو انهما عليهماالسلام لم يشاهدا حربا في الخارج سوى غزوة النبي صلىاللهعليهوآله لتبوك، فانه كان غزوا مع الروم، فخلف أمير المؤنين عليهالسلام الذي كان بمنزلة نفسه في أهله وقال له ما قال. قال ابن إسحاق: خلف النبي صلىاللهعليهوآله عليا على أهله
وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف المنافقون بعلي وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي سلاحه، ثم خرج حتى أتى النبي صلىاللهعليهوآله وهو بالجرف، فقال: زعم المنافقون انك انما خلفتني انك استثقلتني وتخففت مني. فقال، كذبوا ولكني خلفتك لما ورائي، فارجع، فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة(1).
ولا يخفى ان هذا الكلام لا ينافي رؤة الامام الحق لنفسه، اذ كان الأمر دائرا بين ذهاب الاسلام، او ذهاب حق الامام، فاختار الثاني، فانه اذا ذهب عمر وغلب، انكسر المسلمون هناك، وطمع فيهم الأعداء من كل مكان، والامام لم يعرف عند جميع المسلمين بكونه مرجعا حتى يكون الأخذ بالزمام.
من المجربين للحرب.
كان المهلب بن أبي صفرة، وهو الذي حمى البصرة من الخوارج حتى قيل بصرة المهلب، تمثل فيه الحجاج بقول لقيط الأيادي لقومه(2)
هو لقيط بن يعمر الإيادى؛ من قصيدة طويلة؛ ذكرها ابن الشجرى في مختاراته 1 ـ 6؛ أنذر فيها قومه من إياد بغز وكسرى؛ وكان كاتبا في ديوانه؛ وأولها:
يا دار عمرة من محتلها الجرعا*** هاجت لي الهمّ والأحزان والوجعا
تامت فؤدى بذات الجزع خرعبة***مرّت تريد بذات العذبة البيعا
لما بعث كسرى جيشا لقتالهم:
فقلدوا امركم للّه درّكم ***رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا(1)
لا مترفا أن ترجى العيش ساعده***ولا إذا حل مكروه به خشعا(2)
لا يطعم النوم الا حيث (ريث) يبعث***ههم يكاد حشاه يقطع الضلعا(3)
مسهر النوم تغيبه اموركم***يروم منها على الأعداء مطلعا
ما انفك للخلف (يحلب) هذا الدهر اشطره***يكون متبعا طورا ومتبعا(4)
فليس يشغله مال يثمره عنكم***ولا ولد يبغي له الرفعا
حتى استمر على شزر مريرته***مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا(5)،(6)
1) . رحب الذر عليهالسلام: يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين، كناية عن قوته وشدة مراسه، ومضطلعا: أى يحمل الأمر ويقوم عليه.
2) . المترف: المتنعم السادر في ملاذه.
3) . ريث يبعثه، أي مقدار ما يبعثه.
4) . يحلب أشطره؛ أى أنّه اختبر ضروب الدهر من خير وشر وحلو ومر.
5) . المريرة من الحبال: ما طال واشتد فتله؛ واستمرت استحكمت، والشزر: الفتل إلى فوق؛ خلاف اليسر؛ وهو الفتل إلى أيسر؛ والأول أحكم الفتلين؛ ضرب ذلك مثلا لاستجماع قوته. و الضرع: الرجل الضعيف، والقحم: آخر سن الشيخ.
6) . الأغاني: 510/22؛ شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد: 222/4.
أى ادفع معه اهل النجدة و....
أى الظفر.
أى الهزيمة.
أى عوناً.
أى مرجعاً.
هذا، وعن ابن عمر قال: جمع الناس عمر بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسية ودمشق، فقال: اني كنت امرأ تاجرا يغني اللّه عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فما ذا ترون انّه يحل لي من هذا المال فأكثر القوم وعلي عليهالسلام ساكت، فقال له: ما تقول أنت فقال: لك ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره. فقال القوم: القول قول علي بن أبي طالب(1).
وروى شريك وغيره ان عمر أراد بيع اهل السواد، فقال له علي عليهالسلام: هذا مال أصبتم ولن تصيبوا مثله، وان بعتم بقي من يدخل في الاسلام لا شيء له. قال: فما
1) .تاريخ الطبري: 111/3 سنة 15.
أصنع قال: دعهم شوكة للمسلمين، فتركهم على انهم عبيد، ثم قال علي عليهالسلام: فمن أسلم منهم فنصيبي منه حر(1).
وأرسل سعد في الخمس كلّ شيء أراد أن تعجب منه العرب وأراد اخراج خمس القطيف فلم يعتدل قسمته وهو بهار كسرى، فقال للمسلمين: هل تطيب أنفسكم عن تربعة أخماس القطيف فقالوا: نعم، فبعثه الى عمر ـ وهو بساط واحد طوله ستون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مقدار جريب كانت الأكاسرة تعده للشتاء إذا ذهبت الرياحين شربوا عليه فكأنهم في رياض، فيه طرق كالصور وفيه فصوص كالأنهار أرضها مذهبة وخلال ذلك فصوص كالدرر، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع والورق من الحرير على قضبان الذهب وزهره الذهب والفضة وثمره الجوهر. فقال عمر: أشيروا عليّ فيه، فمن مشير بقبضه وآخر مفوض إليه، فقال له علي عليهالسلام: لم تجعل علمك جهلا ويقينك شكا، انك ان تبقه على هذا اليوم لم تعدم في الغد من يستحق به ما ليس له ـ إلخ(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الأخنس لعثمان: أنا أكفيكه، فقال أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام للمغيرة: يَا ابْنَ اللَّعِينِ الْأَبْتَرِ وَالشَّجَرَةِ الَّتِي لاَ أَصْلَ لَهَا وَلاَ فَرْعَ أَنْتَ تَكْفِينِي فَوَ اللّهِ مَا أَعَزَّ اللّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ وَلاَ قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللّهُ نَوَاكَ ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَكَ فَلا أَبْقَى اللّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْت.
ومن كلام له عليهالسلام
قال ابن أبي الحديد: روى عوانة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ: أنّ عثمان لمّا كثرت شكايته من عليّ عليهالسلام، أقبل لا يدخل عليه أحد من أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله إلاّ شكاه إليه، فقال له زيد بن ثابت الأنصارى ـ وكان من شيعته وخاصّته ـ: أ فلا أمشي إليه فاخبره بموجدتك فيما يأتي إليك قال: بلى. فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفى ـ و عداده في بني زهرة، وامّه عمّة عثمان ـ في جماعة فدخلوا عليه.
ثمّ قال له زيد: إنّ اللّه قدّم لك سلفا صالحا في الإسلام، وجعلك من الرسول
بالمكان الذي أنت به، فأنت للخير كلّ الخير أهل، وعثمان ابن عمّك، ووالي هذه الامّة، فله عليك حقّان: حقّ الولاية وحقّ القرابة، وقد شكا إلينا أنّ عليّا يعرض لي، ويردّ عليّ أمري، وقد مشينا إليك نصيحة لك، وكراهية أن يقع بينك وبين ابن عمّك أمر نكرهه لكما.
فقال عليّ عليهالسلام: واللّه ما احبّ الاعتراض، ولا الردّ عليه، إلاّ أن يأبى حقّا للّه لا يسعني أن أقول فيه إلاّ بالحقّ، وو اللّه لأكفنّ عنه ما وسعني الكفّ.
فقال المغيرة بن الأخنس ـ وكان رجلا وقاحا، وكان من شيعة عثمان وخلصائهـ: إنّك واللّه لتكفّنّ عنه أو لتكفّنّ، فإنّه أقدر عليك منك عليه وإنّما أرسل هؤاء القوم من المسلمين إعذارا (إعزازا) إليك ليكون له الحجّة عندهم عليك.
فقال له علي عليهالسلام: يا بن اللعين الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، أنت تكفّني فو اللّه ما أعز اللّه امرأ أنت ناصره، اخرج أبعد اللّه نواك، ثمّ أجهد جهدك، فلا أبقى اللّه عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم.
فقال زيد: إنّا واللّه ما جئناك لنكون عليك شهودا، ولا ليكون مشينا (ممشانا) إليك حجّة، ولكن (مشينا فيما بينكما) التماس الأجر أن يصلح اللّه ذات بينكما، ثمّ قام فقاموا معه(1).
قال ابن أبي الحديد: وهذا الخبر يدلّ على أنّ اللفظة «تكفّنى» لا «تكفينى» كما ذكره الرضيّ، لكنّ الرضيّ طبّق هذه اللفظة على ما قبلها، وهو قوله: «أنا أكفيكه» ولا شبهة أنّه رواية اخرى(2).
و رواه أعثم الكوفي في (تاريخه) مثل (ابن أبي الحديد) وزاد: أنّ الأصل في وقوع المشاجرة بين عليّ عليهالسلام وعثمان، أنّ عثمان أراد إخراج عمّار بعد أبي ذرّ إلى الربذة أيضا، ومختصر روايته: أنّ عمّار لمّا سمع بوفاة أبي ذر في الربذة ترحّم عليه في حضور عثمان، فغضب وقال: ارسلوه إلى محل كان فيه أبو ذر. فقال له عمّار: مجاورة الكلاب والخنازير أحبّ إليّ من جوارك.
و خرج من عنده وعزم عثمان على إخراجه، فاجتمع بنو مخزوم حلفاء عمّار إلى عليّ عليهالسلام وقالوا له: ضربه مرّة وفتقه اخرى، والآن أراد إخراجه، فالق عثمان ينصرف عن هذا وإلاّ تكون فتنة. فدخل عليّ عليهالسلام على عثمان وقال له: أخرجت أبا ذر وهو من أجلّ الصحابة حتّى مات في الغربة، فانصرف وجوه المسلمين عنك، والآن أردت اخراج عمّار فاتّق اللّه. فغضب عثمان وقال: يجب إخراجك أوّلا حتّى لا تجترىء أمثال عمّار وفسادهم منك.
فقال له عليّ عليهالسلام: إنّك لا تقدر على ذلك، وفساد أمثال عمّار من أعمالك لا منّي، فأعمالك خلاف الدين فينكرون عليك. ثم خرج من عنده فاجتمع الناس إليه وقالوا: أراد عثمان أن يخرجنا جميعا حتّى نموت بعيدين من أهالينا.
فقال عليهالسلام: قولوا لعمّار: لا يخرج من بيته. فاطمأن بنو مخزوم باستظهاره عليهالسلام، وقالوا له: لو كنت معنا لم يقدر عثمان على إضرارنا. فبلغ ذلك إلى عثمان، فشكاه عليهالسلام إلى الناس فقال له زيد بن ثابت: لو تأذن القى عليّا.
فخرج هو والمغيرة بن الأخنس إليه عليهالسلام إلى آخر ما مرّ(1).
ثمّ من مشاجراته عليهالسلام مع عثمان غير ما في المتن ما في (مروج المسعودى): أنّ
1) .الفتوح لابن اعثم: 378/2 ـ 380.
عليّا عليهالسلام لمّا رجع من تشييع أبي ذرّ استقبله الناس وقالوا له: إنّ عثمان عليك غضبان لتشييعك لأبي ذرّ، فقال عليهالسلام: غضب الخيل على اللّجم ـ إلى أن قال ـ: فقال له عثمان: أو لم يبلغك أنّي نهيت الناس عن تشييع أبي ذرّ فقال له عليّ عليهالسلام: أو كلّ شيء أمرتنا به نرى طاعة اللّه والحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك لا واللّه. قال عثمان:
أقد مروان ـ إلى أن قالـ: قال عثمان له عليهالسلام: فو اللّه ما أنت عندي بأفضل من مروان. فغضب علي عليهالسلام وقال: ألي تقول هذا القول، وبمروان تعدلنى ـ إلى أن قال ـ: فلمّا كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليّا عليهالسلام وقال: إنّه يعيبني ويظاهر من يعيبنى ـ يريد بذلك أبا ذرّ وعمّارا وغيرهما ـ فدخل الناس بينهما، فقال عليهالسلام: ما أردت بتشيع أبي ذرّ إلاّ اللّه(1).
وعن عبدالرحمن بن معمّر عن أبيه قال: لمّا قدم بأبي ذرّ من الشام إلى عثمان كان ممّا أنّبه(2)عثمان به أن قال: أيّها النّاس، إنّه يقول: إنّه خير من أبي بكر وعمر. قال أبو ذرّ: أجل، أنا أقول، واللّه لقد رأيتني رابع أربعة من النّبي صلىاللهعليهوآله، ما أسلم غيرنا، وما أسلم أبو بكر ولا عمر، ولقد ولّيا وما ولّيت.
فقال عليّ عليهالسلام: واللّه لقد رأيته وإنّه لربع الإسلام. فردّ عثمان ذلك على علي عليهالسلام وكان بينهما كلام، فقال عثمان: واللّه لقد هممت بك. قال عليّ عليهالسلام: وأنا واللّه لأهمّ بك. فقام عثمان ودخل بيته(3).
وعن أبي كعب الحارثي، وهو ذو الاداوة(1)وانما سمّي ذا الاداوة لانه قال: خرجت في طلب إبل ضوال، فتزودت لبنا في اداوة، ثم قلت في نفسي: ما أنصفت ربّي فأين الوضوء فأرقت اللبن وملأتها ماء، فقلت: هذا وضوء وشراب، وطفقت أبغى ابلي، فلما أردت الوضوء اصطببت من الاداوة ماء فتوضأت، ثم أردت الشراب، فلما اصطببتها اذا لبن فشربت، فمكثت بذلك ثلاثا. فقالت له اسماء النحرانية، يا أبا كعب، أ حقينا كان أم حليبا، قال: انك لبطالة، كان يعصم من الجوع و يروي من الظمأ... قال أبو كعب:
ثم خرجت حتى أتيت المدينة، فأتيت عثمان بن عفان وهو الخليفة يومئذ فسألته عن شيء من أمر ديني، وقلت: يا أمير المؤنين، إني رجل من أهل اليمن من بني الحارث بن كعب، واني اريد أن اسألك فأمر حاجبك الا يحجبني، فقال: يا وتاب اذا جاءك هذا الحارثي فأذن له، قال: فكنت اذا جئت، فقرعت الباب قال: من ذا؟ فقلت: الحارثي فيقول: ادخل، فدخلت يوما فاذا عثمان جالس وحوله نفر سكوت لا يتكلمون، كأن على رؤسهم الطير، فسلمت ثم جلست، فلم اسأله عن شيء لما رأيت من حالهم وحاله، فبينما انا كذلك اذ جاء نفر فقالوا: أنه أبى أن يجيء قال: فغضب وقال: أبي أن يجيء، اذهبوا فجيئوا به، فان أبى فجروه جرّا.
قال: فمكثت قليلا فجاؤا ومعهم رجل آدم طوال أصلع، في مقدم رأسه شعرات، وفي قفاه شعرات، فقلت: من هذا، قالوا: عمار بن ياسر، فقال له عثمان: أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجيء، قال: فكلّمه بشيء لم أدر ما هو، ثم خرج، فما زالوا ينفضون من عنده حتى ما بقي غيري فقام، فقلت: واللّه لا أسأل عن هذا
1) . الاداوة: بالكسر اناء صغير من جلد.
الأمر احدا أقول حدثني فلان حتى أدري ما يصنع، فتبعته حتى دخل المسجد، فاذا عمّار جالس الى سارية وحوله نفر من أصحاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يبكون، فقال
عثمان: يا وتاب علي بالشرط، فجاؤا فقال: فرّقوا بين هؤاء، ففرقوا بينهم.
ثم اقيمت الصلاة، فتقدم عثمان فصلى بهم، فلما كبر قالت امرأة من حجرتها: يا أيها الناس، ثم تكلمت، وذكرت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وما بعثه اللّه به، ثم قالت: تركتم أمر اللّه. وخالفتم عهده ونحو هذا، ثم صمتت، وتكلمت امرأة اخرى بمثل ذلك، فاذا هما عائشة وحفصة.
قال: فسلّم عثمان، ثم أقبل على الناس وقال: إن هاتين لفتّانتان، يحلّ لي سبّهما، وأنا بأصلهما عالم.
فقال له سعد بن أبي وقاص: أ تقول هذا لحبائب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله؟ فقال: وفيم أنت، وما هاهنا ؟ ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه فانسل سعد. فخرج من المسجد فأتبعه عثمان، فلقي عليّا عليهالسلام بباب المسجد، فقال له عليهالسلام أين تريد قال: أريد هذا الذي كذا وكذا ـ يعني سعدا يشتمه ـ فقال له عليّ عليهالسلام أيها الرجل دع عنك هذا، قال: فلم يزل بينهما كلام حتى غضبا، فقال عثمان: ألست الذي خلفك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يوم تبوك، فقال عليّ: ألست الفار عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، يوم أحد. قال: ثم حجز الناس بينهما...(1)
ونقل (ابن أبي الحديد) أيضا مقدارا من مشاجراته(2).
هذا، وقالوا: كان اسم أبي المغيرة بن أخنس أبيّا، فلمّا خرجت قريش إلى بدر،
وأتاهم الخبر عن أبي سفيان بسلامة العير، قال ابيّ لبني زهرة ـ وكان حليفا لهمـ: ارجعوا. فرجعوا. فقيل: خنس بهم أبيّ، فسمّي الأخنس(1).
قوله عليهالسلام: «يا بن اللعين» قال ابن أبي الحديد: جعل عليهالسلام أباه لعينا، لأنّه كان من أكابر المنافقين، ذكره أصحاب الحديث كلّهم في المؤّفة الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم، وأعطاه النّبي صلىاللهعليهوآله من غنائم حنين مائة من الإبل لتأليفه(2).
وروى الواحدي: أنّ فيه نزل: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاْءِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ»(3)، قال السّدي: أقبل الأخنس بن شريق الثقفي إلى المدينة فأظهر الإسلام، فأعجب النّبي صلىاللهعليهوآله ذلك منه، وقال الأخنس: إنّما جئت اريد الاسلام، واللّه يعلم إنّي لصادق. ثمّ خرج من عند النّبي صلىاللهعليهوآله فمرّ بزرع
القوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر، فأنزل فيه تلك الآيات(4).
و منه يظهر قول ابن أبي الحديد: أسلم يوم الفتح(5).
قال ابن أبي الحديد: وأبو الحكم بن الأخنس أخو المغيرة، قتله أمير المؤنين عليهالسلام يوم احد كافرا في الحرب، والحقد الذي في قلب المغيرة عليه عليهالسلام من
جهة أخيه هذا(1).
وخرج ابنه عبداللّه بن المغيرة، وابن أخيه عبداللّه بن أبي عثمان يوم الجمل عليه عليهالسلام في الناكثين فقتلا(2).
ومرّ أمير المؤنين عليهالسلام يوم الجمل في القتلى على عبداللّه بن المغيرة، فقال عليهالسلام أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار، فخرج مغضبا لقتل أبيه وهو غلام حدث حيّن لقتله، ثمّ مرّ عليهالسلام بعبداللّه بن أبي عثمان بن الأخنس، فقال عليهالسلام: أمّا هذا فكأنّي أنظر إليه ـ وقد أخذ القوم السيوف ـ هاربا يعدو من الصفّ، فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت فقتله(3).
قال ابن أبي الحديد: جعل عليهالسلام أباه أبتر، لأنّ من كان عقبه ضالاّ خبيثا، فهو كمن لا عقب له، بل من لا عقب له خير منه(4).
الأصل في كلامه عليهالسلام قوله تعالى: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»(5)نزل في العاص بنوائل.
وتحدّث العاص مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله عند باب بني سهم، ثمّ دخل المسجد فقالت له قريش: من كنت تحدّث قال ذاك الأبتر ـ وقد كان ابنه صلىاللهعليهوآله من خديجة مات،
وكانوا يسمّون من ليس له ابن أبتر ـ فأنزل تعالى سورة الكوثر(1).
لفظ الشجرة الموصوفة بما ذكر إشارة إلى حقارته ودنائته، لأنّ الشّجرة الّتي ليس لها فرع ولا قرار ساقطة عن درجة الاعتبار حقيرة في الأنظار، ولذلك ضربت مثلا للكلمة الخبيثة في الآية الشّريفة: «ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار»(2).
قال ابن أبي الحديد: قال عليهالسلام ذلك لكون المغيرة من ثقيف، وفي نسب ثقيف طعن، فهم يزعمون أنّهم من هوازن من قيس عيلان، وقيل: إنّهم من إياد بن نزار، وقيل: إنّهم من بقايا ثمود(3).
وقال الحجّاج: يزعمون أنّا من بقايا ثمود، وقد قال تعالى: «وَثَمُودَ فَما أَبْقى»(4)،(5).
قال التسترى: ومع كونه بهذه المثابة من الخباثة افتعل له سيف الوضّاع خبرا في كون قاتله من أهل النّار لكونه قتل مع عثمان يوم الدار(6).
يعني عليهالسلام عثمان، قال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُم(7)وقال
تعالى: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهاد»(1).
أي: مقيمه، وناهضة الرجل بنو أبيه الذين يغضبون له(2)، هذا، ولمّا قتل عليّ عليهالسلام بعث معاوية في طلب شيعته، فكان في من طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته فحبسها في سجن دمشق سنتين، ثم إنّ عبدالرحمن بن الحكم ظفر بعمرو بن الحمق في بعض بلاد الجزيرة، فقتله وبعث برأسه إلى معاوية ـ وهو أول رأس حمل في الإسلام ـ فبعث معاوية بالرأس إلى امرأته في السجن ـ إلى أن قالـ: فسمعها الاسلع الهلالي، وكان رجلا أسود أصلع أصعل، تذكر معاوية فقال: من تعني هذه عليها لعنة اللّه.
فالتفتت إليه، فلمّا رأته قالت: خزيا لك وجدعا، أ تلعنني واللعن بين جنبيك، وما بين قرنك إلى قدميك، اخسأ يا هامة الصعل ووجه الجعل، فأذلل بك نصيرا واقلل بك نصيرا. فبهت الاسلع منها واعتذر إليها(3).
وقال أبو حيان: رأيت أبا حامد في مجلس ابن أمّ شيبان يناظر خصما له، فابتدر أبو جعفر الأبهري ليتكلّم مداخلا، فأنشد أبو حامد:
فإن تك قيس قدمتك لنصرها *** فقد خزيت قيس وذلّ نصيرها(4)
أى مقصدك أو خيرك أو طالعك، والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب
أو بعد، وهي مؤّثة(1).
قال الفرّاء: الجهد بالضمّ الطاقة، وبالفتح من قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلغ غايتك، والمراد فيما تستطيع من الإيذاء والإضرار(2).
شيئا ممّا يأتي من يديك. وقد قال عليهالسلام نظير هذا الكلام لحبيب بن مسلمة الفهريّ لمّا بعثه معاوية إليه عليهالسلام في صفّين، ففي (الطبري): أنّ حبيبا قال له عليهالسلام: كان عثمان خليفة مهديّا، يعمل بكتاب اللّه، وينيب إلى أمر اللّه، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان ـ إن زعمت أنّك لم تقتله ـ نقتلهم به، ثمّ اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولّي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.
فقال عليهالسلام له: وما أنت ـ لا أمّ لك ـ وهذا الأمر اسكت فإنّك لست هنالك ولا بأهل له فقام وقال: واللّه لترينّي بحيث تكره. فقال عليهالسلام: وما أنت، ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى اللّه عليك إن أبقيت عليّ، أحقرة وسوءا اذهب فصوّب واصعد (صعّد) ما بدا لك(3).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً ـ وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً ـ إِنِّي أُرِيدُكُمْ للّهِِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ ـ أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ ـ وَايْمُ اللّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ ـ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها
الأصل في هذا الكلام ما رواه المفيد عن الشعبي عنه عليهالسلام حين تخلّف ابن عمر وسعد وأسامة وحسان ومحمّد بن مسلمة عن بيعته، فقال الشعبي: لمّا توقف هؤاء عن بيعته، حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان من قبلي، وإنّما الخيار للناس(1)قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإنّ على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامّة من رغب
1) . قال العلاّمة المجلسى:» وانّما الخيار «أي بزعمكم وعلى ما تدعون من ابتناء الأمر على البيعة لم تكن بيعتكم إياي فلتة تعريض ببيعة أبي بكر.
عنها رغب عن دين الإسلام واتّبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحدا، وإنّي اريدكم للّه وأنتم تريدونني لأنفسكم، و ايم اللّه لأنصحن للخصم ولأنصفن للمظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة واسامة وعبداللّه وحسّان بن ثابت امور كرهتها، والحقّ بيني وبينهم(1).
وما رواه الدينوري مرفوعا قال: لمّا قتل عثمان بقي النّاس ثلاثة أيّام بلا إمام، وكان الذي يصلّي بالناس الغافقي، ثم بايع النّاس عليّا عليهالسلام فقال: أيّها النّاس بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنّما عليّ الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وإنّ هذه بيعة عامّة من ردّها رغب عن دين الإسلام وإنّها لم تكن فلتة(2)
وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤنين، ائذن لي آتي عبداللّه بن عمر فأكلمه، لعله يخف معنا في هذا الأمر، فقال علي: نعم، فأتاه، فقال له: يا أبا عبدالرحمن، إنه قد بايع عليا المهاجرون والأنصار، ومن إن فضلناه عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أن على القاتل القتل، وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا يقتل بالحجارة، وأن عليا لم يقتل أحدا من أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع أهل الشورى، الذين قبض رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهو عنهم راض، فكان أحقهم بها علي، غير أنه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه، قال: فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله، فقال علي عليهالسلام: لو: أتيت محمد بن مسلمة
الأنصاري، فأتاه عمار، فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني وبينك، واللّه لولا ما في يدي من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لبايعت عليا، ولو أن الناس كلهم
عليه لكنت معه، ولكنه يا عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي، فقال عمار. كيف؟ قال: رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة. فقال عمار: فإن كان قال لك: إذا رأيت المسلمين فواللّه لا ترى مسلمين يقتتلان بسيفيهما أبدا، وإن كان قال لك: أهل الصلاة، فمن سمع هذا معك، إنما أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول اللّه قولا بعد قوله يوم حجة الوداع: دماؤم وأموالكم عليكم حرام إلا بحدث، فتقول: يا محمد، لا نقاتل المحدثين. قال: حسبك يا أبا اليقظان. قال: ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه، فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى علي ع، فقال له علي عليهالسلام: دع هؤاء الرهط، أما ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود، وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر: مرحب اليهودي (1).
وفي هذه السنة بويع أمير المؤنين علي بن أبي طالب عليهالسلام (سنة خمس وثلاثين) وقد اختلفوا في كيفية بيعته فقيل إنه لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول اللّه صلىاللهعليهوآله من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا فقالوا له إنه لا بد للناس من إمام قال عليهالسلام: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به. فقالوا
ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك إننا لا نعلم أحدا أحق به منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله. فقال عليهالسلام: لا تفعلوا فإني
أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا. فقالوا واللّه ما نحن بفاعلين حتى نبايعك
1) . الإمامة والسياسة: 52/1 ـ 53.
قال عليهالسلام: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد وكان عليهالسلام : في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن مبذول فخرج وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا على قوس فبايعه الناس وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد اللّه فنظر إليه حبيب بن ذؤب فقال إنا للّه أول من بدأ بالبيعة يد له شلاء لا يتم هذا الأمر وبايعه الزبير وقال لهما علي عليهالسلام: إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما فقالا بل نبايعك وقالا بعد ذلك إنما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر. وبايعه الناس وجاؤا بسعد بن أبي وقاص فقال علي عليهالسلام: بايع فقال حتى يبايع الناس واللّه ما عليك مني بأس فقال خلوا سبيله. وجاؤا بابن عمر فقالوا بايع قال لا حتى يبايع الناس قال ائتني بكفيل قال لا أرى كفيلا قال الأشتر دعني أضرب عنقه قال علي عليهالسلام: دعوه أنا كفيله، وبايعت الأنصار إلا نفرا يسيرا منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية فأما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال فلما حصر عثمان قال يا معشر الأنصار كونوا أنصار اللّه مرتين فقال له أبو أيوب ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان. وأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك له ما أخذ منهم ولم يبايعه عبداللّه بن سلام وصهيب بن سنان وسلمة بن سلامة ابن وقش وأسامة بن زيد وقدامة بن مظعون والمغيرة بن شعبة ـ الى ان قال ـ فأما على قول من قال إن طلحة والزبير بايعا كرها فقال إن عثمان لما قتل بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب
يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعدا والزبير قد خرجا من المدينة ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب وهرب سعيد والوليد ومروان إلى مكة وتبعهم غيرهم. فأتي المصريون عليا فباعدهم وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم وأتى البصريون طلحة فباعدهم وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة فأرسلوا إلى سعد يطلبونه فقال إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها فأتوا ابن عمر فلم يجبهم فبقوا حيارى قال بعضهم لبعض لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة فجمعوا أهل المدينة فقالوا لهم يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وحكمكم جائز على الأمة فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع وقد أجلناكم يومكم فواللّه لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا فغشي الناس عليا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى. فقال علي عليهالسلام: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول فقالوا: ننشدك اللّه ألا تري ما نحن فيه ؟ ألا تري الإسلام ؟ ألا تري الفتنة ؟ ألا تخاف اللّه ؟ فقال قد أجبتكم وأعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه ثم افترقوا على ذلك، وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة وقالوا احذر لا تحابه ومعه نفر فجاؤا به يحدونه بالسيف فبايع وبعثوا إلى طلحة الأشتر ومعه نفر فأتي طلحة فقال دعني أنظر ما يصنع الناس فلم يدعه ـ إلى أن قال ـ ولما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر
الناس المسجد وجاء علي عليهالسلام فصعد المنبر وقال: إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم أميراً ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح مالكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا آخذ على أحد. فقالوا نحن على ما فارقناك عليه بالأمس فقال اللهم أشهد...(1)
كما كانت بيعة أبي بكر، كما صرّح به عمر.
ففي (تاريخ اليعقوبى): استأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد فقال: قد تقدّم لكم مع النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرّة، لا يخرجوا فيسللوا بالناس يمينا وشمالا. فقال له عبدالرحمن بن عوف: ولم تمنعنا من الجهاد فقال: لأن أسكت عنك فلا اجيبك خير لك من أن أجيبك، ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر، حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه(2).
وعن ابن عباس قال: حججنا مع عمر وإنّي لفي منزلي بمنى إذ جاءني عبدالرحمن بن عوف فقال: شهدت اليوم عمر ـ وقام إليه رجل فقال: إنّي سمعت فلانا يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا ـ فقال عمر: إنّي لقائم العشيّة في النّاس احذرهم هؤاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا النّاس أمرهم. فقلت له: إنّ الموسم يجمع رعاع النّاس وغوغاءهم، وهم الذين يقربون من مجلسك ويغلبون
عليه، وأخاف أن تقول مقالة لا يعونها ولا يحفظونها فيطيروا، ولكن امهل حتّى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله فتقول فيعوا مقالتك. فقال: واللّه لأقومن بها أوّل مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فلمّا قدمنا المدينة وجاء يوم الجمعة، هجرت للحديث الذي حدثنيه عبدالرحمن ـ إلى أن قال ـ فقال عمر على المنبر: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرنّ امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك، غير أن اللّه وقى شرّها، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر. وأنّه كان من خبره حين توفي النبيّ أنّ عليّا والزبير ومن معهما تخلفوا عنّا في بيت فاطمة، وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها...(1).
وقال الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: (لو مات عمر لبايعت فلانا) كان عمّار بن ياسر فإنّه قال: لو قد مات عمر لبايعت عليّا عليهالسلام (2).
و روى ابن الهيثم بن عدي عن عبداللّه بن عباس الهمداني، عن سعيد بن جبير عن أبن عمر ـ في خبر ـ قال: أشهد أنّي كنت عند أبي يوما وقد أمرني أن أحبس النّاس عنه، فاستأذن عليه عبدالرحمن بن أبي بكر فقال أبي: دويبة سوء ولهو خير من أبيه. فأوحشني ذلك منه فقلت: يا أبة عبدالرحمن خير من أبيه فقال: ومن ليس بخير من أبيه لا أمّ لك ايذن له. فدخل فكلّمه في الحطيئة ـ وقد كان عمر حبسه في شعر قاله ـ فقال له عمر إنّ في الحطيئة أودا فدعني اقوّمه بطول حبسه، فألحّ عبدالرحمن عليه وأبى هو، فخرج عبدالرحمن فأقبل عليّ أبي وقال: أ في غفلة أنت إلى يومك هذا عمّا كان من تقدم احيمق بني تيم عليّ وظلمه لي فقلت: لا علم
لي بذلك، قال: فما عسيت يا بنيّ أن تعلم فقلت له: واللّه أحب إلى النّاس من ضياء أبصارهم، قال: إنّ ذلك لكذلك على رغم أبيك، قلت: أ فلا تجلي عن فعله بموقف في النّاس تبيّن ذلك لهم قال: فكيف لي بذلك مع ما ذكرت إذا يرضخ رأس أبيك بالجندل. قال: ثمّ تجاسر واللّه فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا فقال: أيّها النّاس إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى اللّه شرّها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه(1).
وعن مجالد بن سعيد قال: غدوت يوما إلى الشعبيّ إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا، فأخذ الأزدي في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضبّ(2)على أبي بكر ـ إلى أن قال بعد ذكر استغراب الأزدي لذلك ـ فقال الشعبي له: فكيف تصنع بالفلتة التي وقى اللّه شرها، أ ترى عدوّا يقول في عدوّ يريد ان يهدم ما بنى لنفسه في النّاس، أكثر من قول عمر في أبي بكر فقال الأزدي: سبحان اللّه أنت تقول ذلك فقال: أنا أقوله قاله عمر على رؤ الأشهاد، فلم أدعه...(3).
و المفهوم من سوق الكلام ومقتضى المقام، أنّ عمر كان ينكر أن يعقد إمامة ببيعة النّاس، كما صنعت لأبي بكر واعتقاده أنّ الإمامة انّما يجب أن تكون إمّا بنص مفصل كما نصّ أبو بكر عليه، أو مجمل كما صنع هو لعثمان.
و امّا من دعا النّاس إلى بيعته ـ كما أرادت قريش طلحة والزبير وغيرهما في
أيّامه أن يخرجوا من المدينة باسم الجهاد، وكما خرج طلحة والزبير في أيّام أمير المؤنين عليهالسلام باسم العمرة إلى مكة، ويدعو النّاس إلى بيعتهم كأبي بكر، ويدل على ذلك قول ابن عوف له في رواية اليعقوبي(1): لم تمنعنا من الجهاد و جواب عمر له: لا اجيبك خير لك، وكما أراد عمّار في رواية الطبري(2)دعوة النّاس بعد موت عمر إلى أمير المؤنين، لعدم جرأته على ذلك في أيّام عمر ـ فهو عند عمر أمر منكر ذو مفاسد كثيرة، وإنّما كانت بيعة النّاس لأبي بكر كذلك فلتة وتصادفا واتفاقا سلموا من عواقبها بأمور: الأوّل: اجتماع الأنصار ـ لمّا رأوا طمع قريش في الإمارة عليهم بمنعهم نبيّهم صلىاللهعليهوآله عن الوصيّة، وتخلفهم عن جيش أكّد النبيّ صلىاللهعليهوآله بتجهيزه حتى لعن المتخلّف عنه ـ فقالوا: لمّا رأوا ذلك، إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لبث بضع عشرة سنة في قريش بمكّة فما آمن به أكثرهم، ومن آمن به منهم ما قدروا أن يمنعوه عن أعدائه، وانّما استقامت العرب له طوعا وكرها بنصر الأنصار له، فهم أولى بسلطانه من قريش الطامعين.
و الثاني: أنّ سعد بن عبادة رئيسهم كان مريضا، فقال لابنه قيس: إنّي لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلّهم كلامي، فكان يتكلّم سعد ويحفظ ابنه قوله ويسمعه النّاس(3).ولذا قال سعد لعمر ـ لمّا قال اقتلوا سعداـ: أما واللّه لو أن لي بكم قوّة أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يحجرك وأصحابك، وإذن لألحقنّك واللّه بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع(4).
و الثالث: أنّ بشير بن سعد الخزرجي ابن عمّ سعد بن عبادة حسده أن يصير أميرا، فبادر إلى بيعة أبي بكر قبل الجميع حتّى قبل عمر، فقال له الحبّاب بن المنذر:
عققت عقاق أنفست على ابن عمّك الإمارة(1).
و الرابع: أنّ الأوس كانوا منافسين للخزرج في الجاهليّة والإسلام، فاغتنموا الفرصة لمّا رأوا عمل بشير ابن عم سعد معه، فقال اسيد بن حضير رئيس الأوس لهم: واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد والخزرج ما كانوا أجمعوا من أمرهم(2).
و الخامس: أن أمير المؤنين عليهالسلام وبني هاشم كانوا مشتغلين بتجهيز النبيّ صلىاللهعليهوآله، ولم يحضر أحد منهم السقيفة، ولو حضروا كيف يعقل أن يحاجّ أبو بكر مع الأنصار ويقول لهم في مقابل نصرتهم له: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخصّ اللّه المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه، والمواساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومه وتكذيبهم له وكيف يمكن لعمر أن يقول لهم: واللّه لا ترضى العرب أن يؤروكم ونبيّها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، ومن ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤ وعشيرته إلاّ مدل بباطل(3).
فلمّا أخرجوا أمير المؤنين عليهالسلام بعد قهرا إلى بيعتهم قال عليهالسلام لهم: لا ابايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من
النبيّ صلىاللهعليهوآله، وتأخذوه منّا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم، لمّا كان محمّد صلىاللهعليهوآله منكم فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة، فإذن أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول اللّه صلىاللهعليهوآله حيّا وميّتا، فأنصفونا إن كنتم تؤنون، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. وحتّى إنّ بشير بن سعد الذي كان أوّل من بايع أبا بكر، حتّى قبل عمر، لمّا سمعه عليهالسلام قال لأبي بكر وعمر نحن أحقّ بهذا الأمر لأنّا أهل البيت ـ إلى آخر ما مر ـ قال له عليهالسلام: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلفت عليك، فقال عليهالسلام له: أ فكنت أدع الرسول صلىاللهعليهوآله في بيته لم أدفنه وأخرج انازع بسلطانه.
و كذلك لمّا كان عليهالسلام يخرج بفاطمة ليلا إتماما للحجّة لسؤل الأنصار النصرة، كانوا يقولون لها: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق قبل أبي بكر ما عدلنا عنه، فتقول عليهاالسلام لهم: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم(1).
و لمّا دعا عمر بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها، وقفت فاطمة عليهاالسلام على بابها وقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم النبيّ صلىاللهعليهوآله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم(2).
و السادس: أن أمير المؤنين عليهالسلام كان وتر قريش، فلم يرضوا أن ينتقل الأمر إليه عليهالسلام، ولم يكن فيهم أنفسهم من يتصديه بشخصه لكون أكثرهم من الطلقاء والمؤفة، وكون إسلام أبي بكر أقدم من إسلامهم حتّى من إسلام عمر، وكونه ذا
سياسة زائدة مع طبيعة لينة، وصيرورة مصاحبته للنبي صلىاللهعليهوآله في الغار سببا لاشتهاره ومستمسكا للتلبيس به على العامّة، وكون بنته عايشة ـ التي لم تكن في السياسة والجلارة دون أبيها ـ في بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله، وبواسطتها زيد على مصاحبة غاره أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله له بالصلاة في مرض موته، وبهما تمسّك عمر في تقديمه. وقد وصف عمر بغض قريش له عليهالسلام كبغض الثور لجازره، فقال يوما لابن عباس: أنتم أهل النبيّ وبنو عمّه فما تقول منع قومكم عنكم قال: لا أدري واللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا، قال: اللهمّ غفرا ان قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتذهبوا في السماء شمخا وبذخا، ولعلكم تقولون إنّ أبا بكر كان أوّل من أخّركم، أما إنّه لم يقصد ذلك ولكن حضر أمر لم يكن بحضرته أحزم مما فعل، ولو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا، ولو فعل ما هناكم مع قومكم أنّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره(1).
و السابع: أنّ قريشا كانوا أهل دنيا، وكانوا يريدون الإمارة والسلطنة، وكانوا علموا أنّه إن تصدّى أمير المؤنين عليهالسلام للأمر لم يجعله إلاّ في المعصومين من عترته، فجعلوه في أبي بكر وهو نظيرهم ليردّه إليهم، وليكون لهم به سبب يدعونه، فقال أمير المؤنين عليهالسلام في كتاب كتبه ليقرأ على النّاس لمّا سألوه عن الثلاثة ـ وقد رواه ابن قتيبة والثقفي وغيرهماـ: وجعلني عمر سادس ستّة فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنّهم كانوا يسمعونني وأنا احاج أبا بكر و أقول: يا معشر قريش أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن ويعرف السنّة، فخشوا إن وليت عليهم ألا يكون لهم في هذا الأمر نصيب، فتابعوا إجماع رجل واحد
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/12.
حتّى صرفوا الأمر منّي لعثمان، فأخرجوني منها رجاء أن يتداولوها حين يئسوا أن ينالوها، ثمّ قالوا لي: هلم فبايع وإلاّ جاهدناك. فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا...(1).
و رووا عن جندب خبرا طويلا وأنّه عليهالسلام قال لجندب ـ لمّا قال له عليهالسلام: ادع النّاس إلى نفسكـ: لا يجيبني من المائة واحد، سأخبرك أنّ النّاس إنّما ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمّد وقبيلته، وأما قريش في ما بينها فيقولون إنّ آل محمّد يرون لهم على النّاس بنبوّته فضلا، يرون أنّهم أولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من النّاس، وأنّهم إن ولّوه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا، ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها، لا واللّه لا يدفع النّاس هذا الأمر إلينا طائعين أبدا...(2).
و الثامن: أن معين أبي بكر كان مثل عمر تلك الحوزة الخشناء، التي يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ولولاه لمّا تم الأمر له، وقد صرّح النظام بأن عمر هو الذي جعل أبا بكر خليفة. فتارة كان عمر يخاصم الحباب بن المنذر بأنّه من ينازعنا سلطان محمّد ونحن عشيرته، واخرى يقول: اقتلوا سعدا قتله اللّه.
و يقوم على رأسه ويقول: لقد هممت أن أطأك حتى يندر عصوك، واخرى يقول في الزبير لمّا خرج بالسيف من عند بني هاشم: عليكم بالرجل فخذوه فوثبوا عليه و أخذوا السيف منه، وانطلقوا به فبايع. ويدعو بالحطب على باب أهل البيت ويقول: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها، فقيل له إنّ فيها فاطمة. فقال:
و إن، فخرج الهاشميون غيره عليهالسلام فبايعوا. واخرى يقول لأبي بكر مرة بعد مرة: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ـ يعني أمير المؤنين عليهالسلام ـ فيرسل أبو بكر قنفذا بأنّ خليفة النبيّ يدعوك فيقول عليهالسلام: سريعا كذب على النبيّ صلىاللهعليهوآله، فيجيء عمر بنفسه مع جماعة إلى الباب. ومع أنّ فاطمة عليهاالسلام تصيح: يا أبه يا رسول اللّه ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ـ فانصرف عدّة منهم لأنّ قلوبهم كادت تتصدّع وأكبادهم تتفطّر من بكاء فاطمة عليهاالسلام وكلامها ـ لم يكترث عمر بذلك وبقي مع عدّة حتّى أخرج أمير المؤنين عليهالسلام ومضى به إلى أبي بكر ويقول له عليهالسلام: إن لم تبايع واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك، وكان عليهالسلام يصيح مخاطبا للنبي صلىاللهعليهوآله: «يا... وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً...»(1)فلم يخلّه حتّى أخذ منه البيعة.
و اخرى يقول للعبّاس ـ لمّا قال هو وأبو بكر له بإشارة المغيرة عليهما، أن يجعلا له سهما في الأمر فيضعف عليّ لكون العباس عم النبىّ ـ إي واللّه، واخرى إنّا لم نأتكم حاجة منّا إليكم، ولكنّا كرهنا أن يكون الطعن منكم في ما اجتمع عليه العامّة، فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لأنفسكم.
و أيضا لمّا قدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله، وقد كان صلىاللهعليهوآله ولاّه المدينة لم يبايع أبا بكر أيّاما، ثم أتى بني هاشم وقال: أنتم الظهر والبطن، والشعار دون الدثار(2)والعصا دون اللحا(3)ـ إلى أن قال ـ فولاّه أبو بكر الجند الذي استنفرهم إلى الشام، فقال عمر لأبي بكر: أتولّي خالدا وقد حَبَسَ عليك بيعته
وقال لبني هاشم ما قال، ما أرى أن توليه وما آمن خلافه، فولّى أبو بكر أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وانصرف عن خالد(1).
ثم ما ذكرنا من ميل قريش إلى أبي بكر رغبة عن أمير المؤنين عليهالسلام، وقيام عمر بتلك الامور لإتمام بيعة أبي بكر، هو معنى قول عمر في خطبته في الفلتة: (و ليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، إلاّ أنّك عرفت الحقيقة، وأنّ قطع الأعناق إلى أبي بكر لبيعته، كان على أنحاء منها: تسابق عمر وأبي عبيدة للبيعة لتواطئهما معه بردّها اليهما، ومنها سبقة بشير بن سعد حسدا لابن عمّه سعد بن عبادة أن ينال الإمارة ثمّ جميع الأوس حسدا أن ينالها خزرجي، ثم بيعة باقي طوائف قريش من مخزوم وزهرة واميّة وغيرهم طمعا أن ينالوها بواسطته، وثمّ بيعة بني هاشم بإحراق البيت وضرب الأعناق لو لم يبايعوا وباقي النّاس بالإكراه.
فرووا عن البراء بن عازب ـ في خبر ـ قال: وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة، وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر. فلم ألبث وإذ أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالأزر الصنعائيّة لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أنكر...(2).
ثم بيعة أمير المؤنين لم تكن محتاجة إلى قطع الأعناق إليه، بل كانت الأعناق تتقطّع دونها، فتداكّوا عليه تداك الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، وأقبلوا إليه إقبال العوذ المطافيل على ولدها، حتّى كاد أن يقتل
بعضهم بعضا، وحتّى شق عطفاه وحتى وطىء الحسنان عليهماالسلام ـ وكان يقبض يده فيبسطوها، ويكفها فيجاذبوها بدون غرض نفساني، بل لكونه أقرب النّاس إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله حيّا وميّتا، وأعلم النّاس بكتابه وسنّته، و سوابقه التي لم يشاركه فيها أحد.
ثمّ إنّ عمر وإن قال في خطبته: «فمن عاد إلى مثل بيعة أبي بكر فاقتلوه»(1)، وأراد بذلك أن تبقى الخلافة فيهم ولا تنتقل إلى أمير المؤنين عليهالسلام، فيتداولونها بينهم من يد إلى يد ككرة اللعب ـ فقد عرفت أنّه خطب بما خطب لمّا سمع ان عمّارا قال أنه يبايع عليّا عليهالسلام إن مات عمر ـ إلاّ ان النّاس لمّا رأوا أن من عيّنه عمر في شوراه وهو عثمان، سار فيهم بما سار، خافوا أن يسير باقي أهل شوراه حقيقة (طلحة والزبير وسعد) بما عاملهم به عثمان، فبادروا إلى أمير المؤنين عليهالسلام بتلكالكيفيّة، وقد كان عمّار قال لهم: رأيتم سيرة عثمان بالأمس، فإن لم تنظروا لأنفسكم تقعون في مثله، فخاب أمل عمر وبطل ما دبّر في مدة، لكن آل الأمر إلى انقطاعه بقيام طلحة والزبير، لكونهما من شورى عمر، ثمّ قيام معاوية لكونه والي عمر ـ ولقد كان عمر يتأوّه شديدا حيث يفكّر ويدبّر ألا يدع يرجع الأمر إليه عليهالسلام يوما، فيحصل له بسط يد فيوضح الأمر للناس، ويحصل له شيعة فرأى أن ذلك لا يحصل له بتمامه، فكان يتمنّى تارة حياة أبي عبيدة الذي كان أبو بكر يقول للناس: «بايعوا عمر أو أبا عبيدة» وهما يقولان: «كيف نقدمك»، واخرى حياة سالم مولى أبي حذيفة، وهو من أعوانه وأعوان صاحبه يوم السقيفة.
ثم إنّ من المضحك أن سيف بن عمر ـ الذي طريق الطبري الغالبي إليه (السري
1) . الايضاح: 135 ـ 138؛ الشافى: 126/4 ـ 128.
عن شعيب عنه) وطريقه النادر (عبيد اللّه عن عمر عنه) ـ أنكر المتواتر من عدم بيعة سعد بن عبادة مع أبي بكر فقال ببيعته، وأنّ الفلتة تأمّل سعد أوّلا ـ فقال: لمّا قام الحبّاب وانتضى سيفه، حامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه، ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد وكانت فلتة كفلتات الجاهلية، قام أبو بكر دونها(1).
و كيف أراد سيف ستر كون بيعة أبي بكر فلتة وقد ضرب بها المثل ففي (أدباء الحموى): انفلت ليلة في مجلس الصاحب بن عباد صوت من بعض الحاضرين، والصاحب في الجدل فقال: كانت بيعة أبي بكر فخذوا في ما أنتم فيه(2).
قوله عليهالسلام: وإنّ هذه بيعة عامّة من ردّها ـ أو (من رغب عنها) ـ رغب عن دين الإسلام(3)، قال عليهالسلام ذلك لأنّها كانت بمنزلة بيعة الأنصار للنبيّ صلىاللهعليهوآله ليلة العقبة، وبيعة المؤنين له صلىاللهعليهوآله تحت الشجرة.
وقال اليعقوبي: لمّا بايعوا عليّا عليهالسلام قام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كبيعة الرضوان والإمام الهدى الذي لا يخاف جوره، والعالم الذي لا يخاف جهله(4).
هذا وفي (تذكرة) سبط ابن الجوزي: ذكر صاحب كتاب (عقلاء المجانين)، عن أبي هذيل العلاف قال: سافرت مع المأمون إلى الرقة فبينا أنا أسير في الفرات إذ مررنا بدير فيه مجنون يتكلّم بالحكمة ـ إلى أن قالـ: قال أبو الهذيل قال ذاك المجنون لي: أخبرني عن النبيّ صلىاللهعليهوآله هل أوصى قلت: لا. قال: فكيف ولّي أبو بكر
مجلسه من غير وصيّة فقلت: اختاره المهاجرون والأنصار ورضي به النّاس، فقال: كيف اختاره المهاجرون وقد قال الزبير لا ابايع الاّ عليّا وكذا العباس، وكيف اختاره الأنصار وقد قالوا: منّا أمير ومنكم أمير وولوا سعد بن عبادة ـ وقال عمر اقتلوا سعدا قتله اللّه ـ وكيف تقول رضي به النّاس وقد قال سلمان الفارسي (كرديد نكرديد)، فوجئت عنقه، وقال أبو سفيان لعليّ عليهالسلام: مد يدك ابايعك، وان شئت ملأتها خيلا ورجالا، ثم قعد بنو هاشم عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، فأين الإجماع ولمّا قتل عثمان جاء المسلمون والصحابة ارسالا إلى عليّ ليبايعوه، فلم يفعل حتى قالوا: واللّه لئن لم تفعل لنلحقنّك بعثمان، فأخبرني أيما آكد من ضرب سعدا ووجاء عنق سلمان كمن جاء النّاس إليه يكرهونه على البيعة معه قال أبو الهذيل فلم أحر جوابا وسقط في يدي، فحدثت المأمون حديثه فاستطرفه وبقي زمانا يستعيده منّي(1).
لمّا بويع عليّ عليهالسلام قام صعصعة بن صوحان فقال له عليهالسلام: واللّه لقد زينت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، ولهي إليك أحوج منك إليها.
وقام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال له عليهالسلام: ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلاّ إليك، ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم النّاس ايمانا، و أعلم النّاس باللّه وأولى المؤنين بالرسول صلىاللهعليهوآله، لك ما لهم و ليس لهم ما لك.
وقام ثابت بن قيس خطيب الأنصار فقال له عليهالسلام: واللّه لئن كانوا تقدموك في
1) . تذكرة الخواص: 63/1 ـ 64.
الولاية فما تقدموك في الدين، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع علمك.
وقام الأشتر فقال: أيّها النّاس هذا وصيّ الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن العناء، الذي شهد له كتاب اللّه بالإيمان، ورسوله بجنّة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر والأوائل(1).
قال عمّار للناس قبل بيعتهم له عليهالسلام: أيّها النّاس رأيتم سيرة عثمان بالأمس، فان لم تنظروا لأنفسكم تقعون في مثله(2).
الخزامة: حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد بها الزمام، قال الجوهري: ويقال لكل مثقوب مخزوم، والطير كلّها مخزومة لأن وترات انوفها مثقوبة(3).
المنهل: موضع الورود على الماء.
بايع النّاس عليّا عليهالسلام إلاّ ثلاثة من قريش، مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة ـ وكان لسانهم ـ فقال: يا هذا إنّك وترتنا جميعا، أما أنا فقتلت أبي
يوم بدر صبرا، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر حربا، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمّه إليه، فبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا، وتعفي لنا عمّا في أيدينا وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب عليّ عليهالسلام وقال: أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحقّ وتركم، وأما قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني اليوم قتلهم لزمني غدا قتالهم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حقّ اللّه، وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان للّه وللمسلمين فالعدل يسعكم(1).
1) . تاريخ اليعقوبى: 178/2 ـ 179.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَاللّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هم تَرَكُوهُ وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا وُلُّوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلاّ قِبَلَهُمْ وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَاءُ وَالْحُمَةُ وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ وَايْمُ اللّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ وَلاَ يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حِسْيٍ
منه
فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلاَدِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي وَنَكَثَا بَيْعَتِي وَأَلَبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلاَ تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلا وَعَمِلا وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ فَغَمِطَا النِّعْمَةَ وَرَدَّا الْعَافِيَةَ
قال ابن أبي الحديد: ذكر كثيرا من هذه الخطبة أبو مخنف فقال: قال مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس لمّا رجعت رسل علي عليهالسلام من عند طلحة والزبير وعايشة يؤنونه بالحرب قال: أيّها الناس اني قد راقبت هؤاء القوم كي يرعووا أو يرجعوا، ووبختهم بنكثهم وعرّفتهم بغيهم فلم يستحيوا، وقد بعثوا إليّ أن أبرز للطعان وأصبر للجلاد، إنّما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور. ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما اهدد بالحرب ولا اذهب بالضرب، ولقد أنصف القارة من راماها، فليرعدوا وليبرقوا فقد رأوني قديما وعرفوا نكايتي، فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حدّ المشركين وفرّقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم، واني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد، وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني، أيّها الناس ان الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، وليس عن الموت محيد ولا محيص، ومن لم يقتل مات. إنّ أفضل الموت القتل، والذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش، اللهمّ ان طلحة نكث بيعتي وألّب على عثمان حتى قتله، ثم عضهني به ورماني، اللهمّ فلا تمهله، اللهمّ ان الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر عليّ عدوي، فاكفنيه اليوم بما شئت(1).
و من كلامه عليهالسلام حين نهض من ذي قار متوجها إلى البصرة بَعْدَ حَمْدِ اللّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلاةِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّهَ فَرَضَ الْجِهَادَ وَعَظَّمَهُ وَجَعَلَهُ نُصْرَةً لَهُ وَاللّهِ مَا صَلَحَتْ دُنْيَا قَطُّ وَلاَ دِينٌ إِلاّ بِهِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 305/1 ـ 306.
وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَشَبَّهَ فِي ذَلِكَ وَخَدَعَ وَقَدْ بَانَتِ الْأُمُورُ وَتَمَخَّضَتْ وَاللّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصَفاً وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً تَرَكُوهُ وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ وَلَئِنْ كُنْتُ شَرِكْتُهُمْ فِيهِ إِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا تَبِعَتُهُ إِلاّ قِبَلَهُمْ وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِنِّي لَعَلَى بَصِيرَتِي مَا لُبِسَتْ عَلَيَّ وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحُمَّى(1)وَالْحُمَّةُ(2)قَدْ طَالَتْ هُلْبَتُهَا وَأَمْكَنَتْ دِرَّتُهَا يَرْضَعُونَ أُمّاً فَطَمَتْ وَيُحْيُونَ بَيْعَةً تُرِكَتْ لِيَعُودَ الضَّلالُ إِلَى نِصَابِهِ مَا أَعْتَذِرُ مِمَّا فَعَلْتُ وَلاَ أَتَبَرَّأُ مِمَّا صَنَعْتُ فَخَيْبَةً لِلدَّاعِي وَمَنْ دَعَا لَوْ قِيلَ لَهُ إِلَى مَنْ دَعْوَاكَ وَإِلَى مَنْ أَجَبْتَ وَمَنْ إِمَامُكَ وَمَا سُنَّتُهُ إِذاً لَزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقَامِهِ وَلَصَمَتَ لِسَانُهُ فَمَا نَطَقَ وَايْمُ اللّهِ لَأُفْرِطَنَّ(3)لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ(4)لا يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَلا يَلْقَوْنَ بَعْدَهُ رِيّاً أَبَداً وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَعُذْرِهِ فِيهِمْ إِذْ أَنَا دَاعِيهِمْ فَمُعَذِّرٌ إِلَيْهِمْ فَإِنْ تَابُوا وَأَقْبَلُوا فَالتَّوْبَةُ مَبْذُولَةٌ وَالْحَقُّ مَقْبُولٌ وَلَيْسَ عَلَى اللّهِ كُفْرَانٌ وَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنْ بَاطِلٍ وَنَاصِراً لِمُؤمِن(5).
حتى نقضوا بيعتي، بل أنكروا التزامه عليهالسلام بالمعروف حتى انّ المغيرة بن شعبة ـ الذي كان منافقا واعتزل أمير المؤنين عليهالسلام ولحق بالطائف أيامه، فلم ينصره عليهالسلام
لعرفانه بدهائه وأنّه لا يستقر أمره لعداوة قريش وبني أمّية، و لم يحاربه عليهالسلام لعرفانه بأسه وشجاعته ـ أنكر عليهم ذلك.
و لما أشرف المغيرة مع سعيد بن العاص على طلحة والزبير وعايشة ومن معهم أقبل المغيرة عليهم وقال: أيّها الناس إن كنتم إنّما خرجتم مع أمّكم فارجعوا خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤاؤم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على عليّ شيئا فبيّنوا ما نقمتم عليه، انشدكم اللّه فتنتين في عام واحد(1).
وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤنين ؟ قال علي: نعم، على السمع والطاعة، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان، فقالا: لا، ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر، قال علي: لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد ، قال: وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا، أظهرا الشكاة(2)، فتكلم الزبير في ملأ من قريش، فقال: هذا جزاؤا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفى الأمر. فلما نال بنا ما أراد، جعل دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا وبايعناه، وأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبداللّه بن عباس وكان استوزره، فقال له: بلغك قول هذين الرجلين ؟ قال نعم، بلغني قولهما. قال: فما ترى ؟ قال: أرى أنهما أحبا الولاية. فول البصرة
الزبير، وول طلحة الكوفة، فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال: ويحك، إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي. قال: ثم أتى طلحة والزبير إلى علي، فقالا: يا أمير المؤنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك، وإن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، وقال: نعم، واللّه ما العمرة تريدان، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا.
وقال في سبب خلاف عائشة على عليّ عليهالسلام ما هذا لفظه:
وذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي. وكانت خارجة عن المدينة: فقيل لها : قتل عثمان. وبايع الناس عليا. فقالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض، قتل واللّه مظلوما، وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد: إن أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لأنت، ولقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر، فقالت عائشة: قد واللّه قلت وقال الناس، وآخر قولي خير من أوله، فقال عبيد: عذر واللّه ضعيف يا أم المؤنين. ثم قال:
منك البداء ومنك الغير ***ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ***وقلت لنا إنه قد فجر
فهبنا أطعناك في قتله ***وقاتله عندنا من أمر
قال: فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي، وأبوا أن يبايعوه، أمرت فعمل لها هودج من حديد، وجعل فيه موضع عينيها، ثم خرجت ومعها
الزبير وطلحة وعبداللّه بن الزبير ومحمد بن طلحة(1).
وانت ترى ان ّ اصحاب الجمل وفى رأسهم عائشة والزبير وطلحة قد خرجوا عليه عليهالسلام بغياً وظلماً من غير أن رأوا فيه عملاً يوجب الخلاف عليه وهذا ممّا اتّفق المورّخون عليه.
قال ابن قتيبة بعد عزم اصحاب الجمل نحو البصرة ما هذا لفظه:
قال الزبير لعبداللّه بن عامر: من رجال البصرة ؟ قال ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور(2)في اليمن، والمنذر بن ربيعة في ربيعة، والأحنف بن قيس في مضر. فكتب طلحة والزبير إلى كعب بن سور: أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، وشيخ أهل البصرة، وسيد أهل اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى ، فاغضب له من القتل، والسلام. وكتب إلى الأحنف بن قيس: أما بعد، فإنك وافد عمر وسيد مضر، وحليم أهل العراق، وقد بلغك مصاب عثمان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر، والسلام، وكتب إلى المنذر: أما بعد، فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية، وسيدا في الإسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلى(3)من السابق، يقال: كاد أو لحق، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك، والسلام. فلما وصلت كتبهما إلى القوم، قام زياد بن مضر، والنعمان بن شوال، وغزوان، فقالوا: ما لنا ولهذا الحي من قريش ؟ أيريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه؟ ويدخلونا في الشرك بعدما خرجنا منه ؟ قتلوا عثمان،
وبايعوا عليا، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم.
وكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير: أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان من الأذى والغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما وله ؟ وإن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. وكتب الأحنف إليهما: أما بعد، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان، وأنتم قادمون علينا، فإن يكن في العيان فضل، نظرنا فيه ونظرتم، وإلا يكن فيه فضل فليس في أيدينا ولا في أيديكم ثقة، والسلام. وكتب المنذر: أما بعد، فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر، وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، وبدا لكم هذا الرأي ؟ فلما قرآ كتب القوم ساءهما ذلك وغضبا. ثم غدا مروان إلى طلحة والزبير، فقال لهما: عاودا ابن عمر، فلعله ينيب، فعاوداه، فتكلم طلحة، فقال: يا أبا عبدالرحمن، إنه واللّه لرب حق ضيعناه وتركناه، فلما حضر العذر قضينا بالحق، وأخذنا بالحظ، إن عليا يرى إنفاذ بيعته، وإن معاوية لا يرى أن يبايع له، وإنا نرى أن نردها شورى، فإن سرت معنا ومع أم المؤنين صلحت الأمور، وإلا فهي الهلكة. فقال ابن عمر: إن يكن قولكما حقا ففضلا ضيعت، وإن يكن باطلا فشر منه نجوت، واعلما أن بيت عائشة خير لها من هودجها، وأنتما المدينة خير لكما من البصرة، والذل خير لكما من السيف، ولن يقاتل عليا إلا من كان خيرا منه، وأما الشورى فقد واللّه كانت، فقدم وأخرتما، ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها، فاكفياني أنفسكما، فانصرفا. فقال مروان: استعينا عليه بحفصة، فأتيا حفصة، فقالت: لو أطاعني أطاع عائشة، دعاه، فاتركاه
وتوجها إلى البصرة. وأتاهما عبداللّه بن خلف، فقال لهما: إنه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شئ إلا وقد بلغ أهل العراق، وقد كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود، ولا ينفعكما فيه عذر، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل، وقد بايع الناس عليا بيعة عامة، والناس لاقوكما غدا، فما تقولان ؟ فقال طلحة: ننكر القتل، ونقر بالخذل، ولا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه، ولقد ندمنا على ما كان منا. وقال الزبير: بايعنا
عليا والسيف على أعناقنا، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، ولم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية، ولا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال عبداللّه بن خلف: عذركما أشد من ذنبكما، قال: فتهيأ القوم للمسير، ـ الى ان قال ـ ولما نزل طلحة والزبيروعائشة بأوطاس، من أرض خيبر، أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له، فأشرف على الناس، ومعه المغيرة بن شعبة، فنزل وتوكأ على قوس له سوداء، فأتى عائشة، فقال لها: أين تريدين يا أم المؤنين ؟ قالت: أريد البصرة، قال: وما تصنعين بالبصرة ؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤاء قتلة عثمان معك . ثم أقبل على مروان فقال له: وأنت أين تريد أيضا ؟ قال: البصرة. قال: وما تصنع بها ؟ قال: أطلب قتلة عثمان، قال: فهؤاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان "طلحة والزبير "، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، والحوبة(1)بالتوبة. ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم، فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان، فرؤاؤم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا، فبينوا ما نقمتم
1) . الحوية: الإثم والذنب.
عليه، أنشدكم اللّه فتنتين في عام واحد(1)ومن عجيب ما ذكره فيه هو انّه أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال: نعم. قال: فما ردك على ما كنت عليه ؟ وكنت أمس تكتب إلينا تؤبنا على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابته وسابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما ؟ قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل، ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل، فبايعناه كارهين. قال فما بدا لكما في عثمان ؟ قالا: ذكرنا ما كان من طعننا عليه، وخذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه. قال: ما تأمرانني به ؟ قالا: بايعنا على قتال علي، ونقض بيعته، قال: أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه، ما نصنع ؟ قالا: لا تبايعه. قال: ما أنصفتما، أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟(2)
إذ قتلوا عثمان ونسبوا قتله إليه عليهالسلام. النصف الإنصاف، قال الفرزدق:
ولكن نصفا لو سببت وسبني ***بنو عبدشمس من قريش وهاشم
وهو على حذف المضاف أي: ذا نصف ـ فما أنصفه(1)
قال ابن أبي الحديد: أي يظهرون أنهم يطلبون حقا بخروجهم إلى البصرة وقد تركوا الحق بالمدينة(2).
روى الطبريّ أنّ عليّا عليهالسلام كان في مال بخيبر لمّا أراد النّاس حصر عثمان فقدم المدينة والنّاس مجتمعون على طلحة في داره، فبعث عثمان إليه يشكو أمر طلحة، فقال: أنا أكفيكه، فانطلق إلى دار طلحة وهي مملوءة بالنّاس، فقال له: يا طلحة ما هذا الأمر الّذي صنعت بعثمان فقال طلحة: يا أبا الحسن أبعد أن مسّ الحزام الطّبيين فانصرف علىّ عليهالسلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح، فكسر الباب وفرّق ما فيه على النّاس، فانصرفوا من عند طلحة حتّى بقي وحده، فسّر عثمان بذلك، وجاء طلحة إلى عثمان فقال له يا أمير المؤنين إنّي أردت أمرا فحال اللّه بيني وبينه وقد جئتك تائبا فقال: واللّه ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا، اللّه حسيبك يا طلحة(3).
و روى الطبريّ أيضا أنّه كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا فقال له طلحة يوما: قد تهيّأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك معونة على مروّتك. فلمّا حصر عثمان، قال علىّ عليهالسلام لطلحة: أنشدك اللّه أن لا كففت عن عثمان، فقال: لا و اللّه حتّى تعطي بنو أميّة الحقّ من أنفسها. فكان علىّ بعد ذلك يقول: لحا اللّه ابن الصعبة، أعطاه
عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل(1).وروي أنّ الزبير لمّا برز لعلىّ عليهالسلام يوم الجمل قال له: ما حملك يا أبا عبداللّه على ما صنعت قال: أطلب بدم عثمان، فقال له: أنت وطلحة ولّيتماه، وإنّما توبتك من ذلك أن تقدّم نفسك وتسلّمها إلى ورثته. وبالجملة فدخولهم في قتل عثمان ظاهر(2).
أى لا غيرهم وأراد به دم عثمان، ويدلّ على سفكهم دمه وكونهم أشدّ النّاس تحريضا عليه ما رواه في شرح المعتزلي وغيره أنّ عثمان قال: ويلي على ابن الخضرميّة، يعني طلحة أعطينه كذا وكذا ذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي.
و روى النّاس الذين صنفوا في واقعة الدّار أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعا بثوب قد استتر به عن أعين النّاس يرمى الدّار(3)السّهام، وأنّه لمّا امتنع على الّذين حصروه الدّخول من باب الدّار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه.
و رووا أيضا أنّ الزّبير كان يقول: اقتلوه فقد بدّل دينكم، فقالوا: إنّ ابنك يحامي عنه بالباب، فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدء بابني إنّ عثمان لجيفة على الصّراط غدا، وقال مروان بن الحكم يوم الجمل: واللّه لا أترك ثارى وأنا أراه
وليس لأحد الشّريكين أن يطالب الشّريك الآخر بل اللاّزم له أن يبدء بنفسه ويسلّمها إلى أولياء المقتول ثمّ بالشريك الآخر.
وَإِنْ كَانُوا وُلُّوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلاّ قِبَلَهُمْ فاللاّزم عليهم أن يخصّوا أنفسهم بالمطالبة وحدهم.
الّذى جعلوه عذرا في نقض البيعة والخروج إلى البصرة حيث قالوا إنّما خرجنا للأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر وإقامة العدل وإماتة الباطل وإحياء الحقّ والانكار للمنكر الذي أتوا به واقتصاص الدّم الذي هجموا عليه قبل الانكار، والحكم على غيرهم لأنّ النّهى عن المنكر إنّما هو بعد التّناهى.
اللبس: مصدر لبست عليه الأمر خلطت، من قوله تعالى: «... وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ»(4)،(5).
كان ابن عمر وسعد ومحمّد بن مسلمة لبسوا على أنفسهم فاعتزلوه عليهالسلام،
فحاجّهم عمّار وأتمّ عليهم الحجّة.
ذكروا: أنّ عمّارا أتى ابن عمر بعد استيذانه عليّا عليهالسلام فقال له: إنّه بايع عليا عليهالسلام المهاجرون والأنصار، ومن إن فضّلناه عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أنّ على القاتل القتل وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف وهذا بالحجارة. فقال: إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّ عليهالسلام، غير أنّه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه، ولكن واللّه ما احبّ أنّ لي الدنيا، وأنّي أضمرت عداوة عليّ عليهالسلام.
فأتى بمحمد بن مسلمة فقال: يا عمّار لو لا ما في يدي من النّبي صلىاللهعليهوآله لبايعت عليّا، ولو أنّ الناس كلهم عليه لكنت معه. فقال له عمّار: أ فتريد من النبي صلىاللهعليهوآله قولا بعد قوله في حجّة الوداع «دماؤم وأموالكم حرام إلاّ بحدث»، أ فتقول: لا نقاتل المحدثين قال: حسبك.
ثم أتى سعدا فكلّمه، فأظهر الكلام القبيح فانصرف إلى علي عليهالسلام فقال عليهالسلام له: دع هؤاء الرهط، أمّا ابن عمر فضعيف، وأمّا سعد فحسود، وذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه(1).
قال ابن أبي الحديد: لام التعريف في الفئة يشعر بأنّ نصّا كان عنده: أنّه سيخرج عليه فئة باغية ولم يعيّن له وقتها ولا كلّ صفاتها، بل بعض علاماتها، فلمّا خرج
1) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 52/1 ـ 53.
أصحاب الجمل ورأى تلك العلامات فيهم قال ذلك(1).
بل الظاهر أنّ قوله عليهالسلام: «و إنّها للفئة الباغية» إشارة إلى قوله تعالى: «... وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى...»(2).
عن النّبىّ صلىاللهعليهوآله: وَاللّهِ لاَ تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَتَنَابَحَ كِلابُ مَاءٍ بِالْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ الْحَوْأَبُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِي فِي فِئَةٍ بَاغِيَة(3).
وعن النبي صلىاللهعليهوآله يقول: «يا علي ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحقّ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منّى»(4).
ثم إنّه عليهالسلام كان يعلم تفاصيل تلك الفئة، فروى نصر بن مزاحم مسندا عن زيد عن ابن عباس قال: أبطأ خبر أهل الكوفة علينا ونحن في فلاة، فأخبرت عليا عليهالسلام بذلك فقال لي: اسكت يا بن عباس، فو اللّه لتأتين في هذين اليومين من الكوفة ستة آلاف وستمائة رجل، ولتغلبنّ أهل البصرة وليقتلنّ طلحة و الزبير. قال ابن عباس: فو اللّه إنّي أستشرف الأخبار وأستقبلها، حتى إذا أتى ركب فاستقبلته واستخبرته فأخبرني بالعدة التي سمعتها منه عليهالسلام لم ينقص واحد(5).
وإنّما كان الزبير وعايشة أخبرهما النبي صلىاللهعليهوآله من أمر الجمل، وأنّهم من أهل البغي وأهل الفتنة، ومن الفئة الباغية، فلمّا اتّفق لهم ما اتّفق، و رأوا العلامات فيهم من
قول النبي صلىاللهعليهوآله لعايشة «تنبحك كلاب الحوأب» وقوله عليهالسلام للزبير: «تقاتل عليّا وأنت له ظالم» فهموا أنّهم المرادون.
ففي (الخلفاء): لمّا انتهوا إلى ماء الحوأب في الطريق ومعهم عايشة نبحتها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة: أيّ ماء هذا قال: ماء الحوأب، قالت: ما أراني إلاّ راجعة. قال: ولم ؟ قالت: قال النبي صلىاللهعليهوآله لنسائه: «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب». فقال لها محمّد: تقدمي ودعي هذا القول...(1).
وعن شريك عن الأسود بن قيس قال: حدّثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا، فنوّه به علي عليهالسلام: أ تذكر يوما أتانا النبي صلىاللهعليهوآله وأنا أناجيك، فقال: «أ تناجيه، واللّه ليقاتلنّك وهو ظالم لك» فصرف الزبير وجه دابته وانصرف(2).
الظاهر أنّ الحمة: إشارة بعايشة، والحمأ: بطلحة ابن عمّ أبيها ـ فأبو بكر ابن أبي قحافة بن عامر بن عمرو، وطلحة ابن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو ـ وبالزبير زوج اختها أسماء، قال ابن دريد: الحما: مصدر حامى عنه، يقال: أنا الحماء لك والفداء. وهما كانا حاميا عنها وبها نهضا(3).
قال ابن أبي الحديد: قد كان النبي صلىاللهعليهوآله أعلم عليا عليهالسلام بأنّ فئة من المسلمين تبغي عليه أيّام خلافته، فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه، فكنّى علي عليهالسلام عن الزوجة بالحمة، وهي اسم العقرب، والحما بالألف المقصورة كناية عن الزبير لأنّ كلّ ما
كان بسبب الرجل فهم الاحماء، واحدهم حما، مثل: قفا واقفاء، وما كان بسبب المرأة فهم الاحمات، فأمّا الأصهار فيجمع الجهتين، وكان الزبير ابن عمّة النبي صلىاللهعليهوآله، وظهر أنّ الحما الذي أخبر النبي صلىاللهعليهوآله هو الزبير ابن عمّته(1).
قال الجوهري: كلّ شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ فهم الاحماء، وكلّ شيء من قبل المرأة فهم الاختان، والصهر يجمع هذا كله(2).
و كيف كان، فروى ابن بابويه باسناده عن عبدالرزاق عن مينا مولى عبدالرحمن بن عوف عن ابن مسعود قال: قلت للنبي صلىاللهعليهوآله: من يغسلك إذا مت قال: يغسل كلّ نبي وصيّه. قلت: من وصيّك قال صلىاللهعليهوآله علي بن أبي طالب. قلت: كم يعيش بعدك قال: ثلاثين سنة، فإن يوشع وصيّ موسى عليهالسلام عاش بعده ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى فقالت: أنا أحقّ بالأمر منك. فقاتلها وقتل مقاتلتها وأسرها فأحسن أسرها، وإنّ بنت أبي بكر ستخرج على عليّ عليهالسلام في كذا وكذا ألفا من أمّتي فيقاتلها ويقتل مقاتلتها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى...»(3)يعني بالجاهلية الاولى: صفراء بنت شعيب(4).
وعن الحميدي في (الجمع بين الصحيحين): عن ابن عمر: قام النبي صلىاللهعليهوآله خطيبافأشار إلى نحو مسكن عايشة وقال: ها هنا الفتنة ـ ثلاثا ـ منه يطلع قرن الشيطان(5).
و الظاهر أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قال ثلاث مرات: ها هنا الفتنة. لأنّها كانت منشأ الفتنة قبل الجمل أيضا، يوم بعثت أباها يصلّي بالناس في مرض النبي صلىاللهعليهوآله، فجعله رفيقه الفاروق شبهه لاستخلافه، وبعد الجمل في منعها من دفن الحسن عليهالسلام عند جدّه(1).
و روى الواقدي: أنّ أبا بكرة أقبل يريد أن يدخل مع طلحة والزبير، فلمّا رأى تدبير عايشة لهما رجع عنهما وقال: سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول: ـ وقد ذكر ملكة سبأ ـ لا أفلح قوم تدبرهم امرأة(2).
أي: الوسيعة الغزيرة.
من زاح يزيح أي: بعد وذهب.
أي: أصله.
أي: تهييجه للشر. ولمّا سار عليهالسلام من ذي قار قدّم صعصعة بكتاب إلى طلحة والزبير وعايشة يعظّم عليهم حرمة الاسلام، ويخوفهم في ما صنعوا من قتل من قتلوا ويدعوهم إلى الطاعة، قال صعصعة: فبدأت بطلحة وأعطيته الكتاب، فقال:
الآن حين عض ابن أبي طالب الحرب ترقق لنا. ثم جئت إلى الزبير فوجدته ألين من طلحة، ثم جئت إلى عايشة فوجدتها أسرع الناس إلى الشّرّ، فقالت: نعم قد خرجت للطلب بدم عثمان واللّه لأفعلن وأفعلن. فعدت فلقيته عليهالسلام قبل أن يدخل البصرة فقال لي: ما وراءك قلت: رأيت قوما لا يريدون إلاّ قتالك. قال: اللّه المستعان.
ثم دعا ابن عباس وقال له: انطلق إليهم وذكّرهم العهد الذي في رقابهم.
قال: فبدأت بطلحة فقال: لقد بايعت واللج على رقبتي. قال: فقلت: أنا رأيتك بايعت طائعا، أو لم يقل لك قبل بيعتك إن أحببت أبايعك فقلت: لا بل نحن نبايعك. فقال: إنّما قال ذلك لي وقد بايعه قوم فلم أستطع خلافهم، أما علمت أنّي جئت إليه و الزبير ولنا من الصحبة ما لنا والقدم في الإسلام، وقد أحاط به الناس قياما على رأسه بالسيف فقال لنا ـ يهزلـ: إن أحببتما بايعت لكما. فلو قلنا: نعم، أ فتراه يفعل وقد بايع الناس له، يخلع نفسه ويبايعنا، لا واللّه ما كان يفعل وحتى ان يغرى بنا من لا يرى لنا حرمة فبايعناه كارهين، وقد جئنا نطلب بدم عثمان، فقل لابن عمّك: إن يريد حقن الدماء وإصلاح أمر الامّة فليمكّنّا من قتلة عثمان، فهم معه، ويخلع نفسه ويرد الأمر ليكون شورى، وإن أبى أعطيناه السيف. قال: فقلت له: لست تنصف، ألم تعلم أنّك حصرت عثمان حتّى مكث عشرة أيام يشرب ماء بئره، حتى كلّمك علي عليهالسلام في أن تخلّي الماء له وأنت تأبى ذلك، ولمّا رأى أهل مصر فعلك وأنت من الصحابة، دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه ثمّ بايع الناس رجلا له من السابقة والفضل والقرابة من النبي صلىاللهعليهوآله والبلاء العظيم ما لا يدفع، وجئت أنت وصاحبك طائعين غير مكرهين حتى بايعتما ثم نكثتما، فعجب واللّه إقرارك لأبي بكر وعمر وعثمان
بالبيعة، ووثبك على عليّ عليهالسلام، فو اللّه ما علي عليهالسلام دون أحد منكم، وأمّا قولك: يمكّنني من قتلة عثمان. فما يخفى عليك من قتل عثمان وأمّا قولك: إن أبى عليّ فالسيف. فو اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّا عليهالسلام لا يتخوّف. فقال طلحة: دعنا من جدالك. فخرجت إلى علي عليهالسلام وقد دخل البيوت، فقال: ما وراءك فأخبرته، فقال:... اللهمّ افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ(1)،(2).
من (أفرطت المزادة ملاتها).
قال العماني:
وابن السقاة إذا الحجيج تفارطوا ***حوضا بمكة واسع الأركان
أي: مستقيه، والماتح: الذي ينزع الدلو، وبئر متوح: قريبة المنزع كأنها تمتح بنفسها.
في (الصحاح): يقال: من أين ريتكم مفتوحة الراء أي: من أين ترتوون الماء
العب شرب الماء بغير مص.
«بعده في حسى» بالكسر، قال الجوهري: الحسي: ما تنشفه الأرض من الرمل فإذا صار إلى صلابة امسكته، فيحفر عنه الرمل فيستخرج(1).
كان عدي بن حاتم فقئت عينه يوم الجمل فقال له ابن الزبير: متى فقئت عينك قال: يوم قتل أبوك وهربت عن خالتك، وأنا للحق ناصر وأنت له خاذل(2).
و روى الجاحظ: أنّ الحسن عليهالسلام دخل على معاوية وعنده ابن الزبير، وكان معاوية يحب أن يغري بين قريش، فقال: يا أبا محمّد أيّهما أكبر سنّا عليّ عليهالسلام أم الزبير فقال عليهالسلام: ما أقرب بينهما وعلي عليهالسلام أسنّ من الزبير رحم اللّه عليا. فقال ابن الزبير: رحم اللّه الزبير ـ وهناك أبو سعيد بن عقيل ـ فقال: يا عبداللّه وما يهيجك من أن يترحّم الرجل على أبيه قال: وأنا أيضا ترحمت على أبي. قال: أ تظنّه ندا له وكفوا قال: وما يقعد به من ذلك، كلاهما من قريش، كلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له. قال: دع ذا يا عبداللّه إنّ عليّا عليهالسلام من قريش ومن الرسول صلىاللهعليهوآله حيث تعلم، ولمّا دعا إلى نفسه اتبع فيه وكان رأسا. ودعا الزبير إلى أمر كان الرأس فيه امرأة، ولما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وولى مدبرا قبل أن يظهر الحقّ فيأخذه الحق، أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه وأخذ سلبه وجاء برأسه، ومضى علي عليهالسلام قدما كعادته مع ابن عمه الرسول صلىاللهعليهوآله
رحم اللّه عليا. فقال ابن الزبير: أما لو غيرك يا أبا سعيد تكلّم بهذا لعلم، فقال: إنّ الذي تعرض به ـ يعني الحسن عليهالسلام ـ يرغب عنك.
و اخبرت عايشة بمقالتهم، ومر أبو سعيد بفنائها، فنادته: أنت القائل لابن اختي كذا فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا، فقال: إنّ الشيطان يراك ولا تراه. فضحكت وقالت: للّه أبوك ما أذلق لسانك(1).
و روى كتاب مصعب إلى عبدالملك وجواب عبدالملك له، وفي جوابه: ثم دعا الناس إلى علي وبايعه أبوك، فلما دانت له امور الامّة، وأجمعت له الكلمة أدركه الحسد القديم لبني عبدمناف، فنقض عهده ونكث بيعته بعد توكيدها، ففكّر وقدر وقتل كيف قدر، ومزّقت لحمه الضباع بوادي السباع(2).
وعن ابن عباس قال: خرج أصحاب الجمل في ستمائة معهم عبدالرحمن بن أبي بكرة وعبداللّه بن صفوان الجمحي، فلمّا جازوا بئر ميمون إذا هم بجزور قد نحرت، ونحرها ينثعب فتطيروا(3).
و انّ عليا عليهالسلام دعا طلحة والزبير وأتمّ عليهما الحجّة، ثم سئل عليهالسلام بم كلمتهما فقال عليهالسلام: إنّ شأنهما لمختلف، أمّا الزبير فزاده اللجاج ولن يقاتلكم، وأمّا طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، ولقيته باليقين فلقيني بالشك، فو اللّه ما نفعه حقي ولا ضرّني باطله، مقتول غدا في الرعيل الأوّل(4).
و روى أبو مخنف عن جندب بن عبداللّه قال: مررت بطلحة ومعه عصابة يقاتل بهم، وقد فشت فيهم الجراح وكثرهم الناس، فرأيته جريحا والسيف في يده و أصحابه يتصدعون(1)عنه رجلا فرجلا واثنين فاثنين، وهو يقول: الصبر الصبر فإن بعد الصبر النصر والأجر. فقلت له: النجا ثكلتك امّك، فو اللّه ما اجرت ولا نصرت، ولكنّك هزمت وخسرت. ثم صحت بأصحابه فانزعروا عنه ـ إلى أن قال ـ: قلت له: وإنّ دمك لحلال...(2).
و روى المدائني قال: لمّا أدبر طلحة وهو جريح يرتاد منزلا، وجعل يقول لمن يمرّ به من أصحاب علي عليهالسلام: أنا طلحة من يجيرنى ـ يكررها ـ ؟ فكان الحسن البصري إذا ذكر ذلك قال: لقد كان في جوار عريض(3).
و روى الكلبي: أنّ العرق الذي أصابه السهم من طلحة إذا أمسكه بيده استمسك، وإذا رفع يده عنه سال، فقال طلحة: هذا سهم أرسله اللّه، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا، ما رأيت كاليوم دم قرشي أضيع. وكان الحسن البصري إذا حكي له هذا يقول: ذق عقعق(4).
هذا ونهض النبي صلىاللهعليهوآله في بدر بإشارة الحباب بن منذر عليه بأن يأتي أدنى ماء من مياه القوم ينزله ويعوّر ما سواه من القلب، ثم يبني عليه حوضا فيملؤ ماء، ثم يقاتلهم فيشرب ولا يشربون ـ وفعل النبي صلىاللهعليهوآله ما قال ـ فأقبل نفر من قريش حتى
وردوا الحوض(1)ـ إلى أن قالـ: وخرج الأسود بن عبدالأسد المخزومي حين الحرب، فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبدالمطّلب فلمّا التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض(2).
نظير قوله عليهالسلام في سابقه: (فتداكوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها)(3)، شبّه ثمّة شوق الناس في بيعته بإبل عطاش مخلاة السرب، مطلقة العنان يوم سقيها، كيف ترد الماء، وشبّهه هنا بإبل معها أطفالها وهي قريبة العهد بالنتاج، كيف تقبل على ولدها.
أى ليس لنا همّ الاّ بيعتك ولا نرضى الاّ ببيعتك.
روى مقاتل أبو الفرج بأسانيد في جعل المأمون الرضا عليهالسلام وليّ عهده: أنّ المأمون أمر ابنه العبّاس فبايعه أول الناس، فرفع الرضا عليهالسلام يده فتلقى بظهرها وجه
نفسه وبطنها وجوههم، فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة. فقال عليهالسلام: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله هكذا كان يبايع. فبايعه الناس...(1).
قال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان، فكنت آخذ سلاحي وأضعه وعليّ عليهالسلام ينظر اليّ، لا يأمرني ولا ينهاني، فلمّا كانت البيعة له خرجت في أثره والناس حوله يبايعونه، فدخل حايطا من حيطان بني مازن فألجئوه إلى نخلة وحايلوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه يختلف أيديهم على يده...(2).
ثم قوله عليهالسلام هنا: «قبضت كفّي...» كقوله عليهالسلام في سابقه: «و بسطتم يدي فكففتها...»(3)دال على قول الامامية: إنّ الإمامة بالنص من النبيّ صلىاللهعليهوآله، لا ببيعة الناس «و إنّ الإمام كالكعبة يؤى ولا يأتى»(4)، فلم يكن هو عليهالسلام ولا المعصومون من عترته يكترثون ببيعة الناس لهم، وإنّما كانوا يدعون الناس أحيانا إلى أنفسهم إتماما للحجّة، فهو عليهالسلام بعد قتل عثمان يمدّ الناس يده لأن يبايعوه فيقبضها، ـ كما أنّه عليهالسلام يوم الشورى يعرض ابن عوف عليه البيعة بشرط العمل بسنّة الشيخين، فيطوي الكشح عنها، دلالة على بطلان أمرهم ـ وكان الحسين عليهالسلام يقول لمن تبعه: قد رفعت بيعتي عن أعناقكم. وكان الرضا عليهالسلام لم يقبل ولاية عهد المأمون حتى أكرهه.
وانّ المأمون قال للفضل بن سهل وأخيه: إنّي عاهدت اللّه إن ظفرت بالمخلوع
أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل، فأرسلهما إليه عليهالسلام في ذلك فأبى، فأحضره المأمون وقال له كالمتهدّد: إنّ عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك، وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك...(1).
وانّ الرضا عليهالسلام أخبر المأمون بخلع أهل بغداد له، وبيعتهم لعمّه ابن شكله ـ وإن كان الفضل ستر ذلك عنه ـ وقال عليهالسلام: لأنّ الناس ينقمون منك مكانه، ومكان أخيه منك، ومكان بيعتك لي من بعدك(2).
وانّ عليّا عليهالسلام كتب إلى معاوية: واعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا ولامتنوا به علينا، ولكنّه قضاء ممّن امتن به علينا على لسان نبيّه الصادق المصدّق، لا أفلح من شك بعد العرفان والبيّنة، اللهمّ احكم بيننا وبين عدوّنا(3).
أى طلحة والزبير.
أى حرضا.
أى احكما.
روى أبو مخنف أنّه لمّا رجعت رسل علي عليهالسلام من عند طلحة والزبير وعايشة يؤنونه بالحرب، قام فقال: اللهمّ إنّ طلحة نكث بيعتي، وألّب على عثمان حتّى قتله، ثم عضهني(1)ورماني، اللهمّ فلا تمهله. اللهمّ إنّ الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر عليّ عدوّي، فاكفنيه اليوم بما شئت(2).
و روى المدائني عن عبداللّه بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة علي عليهالسلام، فمررت بمكّة فاعتمرت، ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد النبيّ إذ نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وخرج علي عليهالسلام متقلّدا سيفه، فشخصت الأبصار نحوه، فحمد اللّه وصلّى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيه صلىاللهعليهوآله، قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤ دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا صلىاللهعليهوآله، فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزّز علينا الذليل، فبكت الأعين منّا لذلك، وخشنت الصدور وجزعت النفوس.
و ايم اللّه لولا مخافة فرقة المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنّا على غير ما كنّا لهم، فولي الأمر ولاة لم يألوا الناس خيرا، ثم استخرجتموني من بيتي فبايعتموني على شنآن منّي لأمركم، وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم، وبايعني هذان الرجلان في أوّل من بايع ـ تعلمون ذلك ـ وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعايشة، ليفرّقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم، اللّهمّ فخذهما بما عملا
أخذة رابية(1)، ولا تنعش لهما صرعة(2)ولا تقلّهما عثرة ولا تمهلهما فواقا(3)، فإنّهما يطلبان حقّا تركاه، ودما سفكاه، اللهمّ إنّي اقتضيك وعدك، فإنّك قلت و قولك الحق: «... ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللّهُ...»(4)، اللهمّ فأنجز لي موعدي، ولا تكلني إلى نفسي إنّك على كلّ شيء قدير(5).
و روى الكلبي قال لما أراد علي عليهالسلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال بعد أن حمد اللّه وصلى على رسوله صلىاللهعليهوآله إن اللّه لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثو عهد بالإسلام و الدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ويعكسه أقل خلف فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ثم انتقلوا إلى دار الجزاء واللّه ولي تمحيص سيئاتهم والعفو عن هفواتهم فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الأمر بسبيل لم يصبرا علي حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ونازعاني أمرا لم يجعل اللّه لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين يرتضعان أما قد فطمت ويحييان بدعة قد أميتت أ دم عثمان زعما واللّه ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وأنا
1) . أخذة رابية أي: أخذة تزيد على الأخذات، وقال الجوهريّ: أى زائدة، كقولك: أربيت، إذا أخذت أكثر ممّا أعطيت، قال تعالى: «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» الحاقة: 10.
2) . النعش: الرفع؛ نعشت فلانا، إذا جبرته بعد فقر، وأقلته بعد عثرة.
3) . الفواق، بفتح الفاء وضمها: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنّها تحلب ثمّ تترك سويعة يرتضعها الفصيل لتدر ثمّ تحلب؛ يقال: ما أقام عندنا إلاّ فواقا، أي قدر فواق.
4) . الحج: 60.
5) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 307/1 ـ 308.
راض بحجة اللّه عليهم وعمله فيهم فإن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بها غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفى به ناصرا لحق و شافيا لباطل ثم نزل.
و روى أبو مخنف عن زيد بن صوحان قال شهدت عليا عليهالسلام بذي قار(1)وهو معتم بعمامة سوداء ملتف بساج يخطب فقال في خطبة الحمد للّه على كل أمر وحال في الغدو والآصال وأشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ابتعثه رحمة للعباد وحياة للبلاد حين امتلأت الأرض فتنة واضطرب حبلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو اللّه إبليس على عقائد أهلها فكان محمد بن عبداللّه بن عبدالمطلب الذي أطفأ اللّه به نيرانها وأخمد به شرارها ونزع به أوتادها وأقام به ميلها إمام الهدى والنبي المصطفى صلىاللهعليهوآله فلقد صدع بما أمر به وبلغ رسالات ربه فأصلح اللّه به ذات البين وآمن به السبل وحقن به الدماء وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين ثم قبضه اللّه إليه حميدا ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني لا حاجة لي في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم(2)علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل وقد علم اللّه سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد صلىاللهعليهوآله ولقد سمعته يقول ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا
أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق ثم ينشر كتابه فإن كان عادلا نجا وإن كان جائرا هوى حتى اجتمع علي ملؤم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معهما أبناء الطلقاء(1)فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر ويا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان واللّه ما أنكرا علي منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا وإن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما يا خيبة الداعي إلام دعا وبما ذا أجيب واللّه إنهما لعلى ضلالة صماء وجهالة عمياء وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه ثم رفع يديه فقال اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني وألبا علي ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا وانكث ما أبرما ولا تغفر لهما أبدا وأرهما المساءة فيما عملا وأملا.
قال أبو مخنف فقام إليه الأشتر فقال الحمد للّه الذي من علينا فأفضل وأحسن إلينا فأجمل قد سمعنا كلامك يا أمير المؤنين ولقد أصبت ووفقت وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه شهدت مشاهده كلها فكان لك الفضل فيها على جميع الأمة فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه ومن عصاك
1) . الطلقاء: هم الذين خلى عنهم الرسول عليهالسلام يوم فتح مكّة، وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهم طليق، فعيل بمعنى مفعول، وهو الأسير إذا أطلق سبيله.
و رغب عنك فإلى أمه الهاوية لعمري يا أمير المؤنين ما أمر طلحة والزبير وعائشة علينا بمخيل ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه وأشهد اللّه لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان فإن سيوفنا في عواتقنا وقلوبنا في صدورنا ونحن اليوم كما كنا أمس ثم قعد(1).
قال ابن أبي الحديد: دعاؤ عليهالسلام على طلحة والزبير بإراءتهما المساءة، استجيب الاّ انّه مساءة الدّنيا لا الآخرة، فانّ اللّه وعدهما على لسان نبيّه بالجنّة بالتوبة التي نقلت عنهما، ولولاها لكانا من الهالكين(2).
روى الشّعبي عن أمير المؤنين عليهالسلام أنه قال: ألا إنّ أئمه الكفر في الاسلام خمسة: طلحة، والزّبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وقد روى مثل ذلك عن عبداللّه بن مسعود(3).
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 308/1 ـ 311.
2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 39/9.
3) . الشافي: 331/4؛ بحار الأنوار: 335/32/ ح 321.
4) . نوح بن دراج أخو جميل بن دراج قاضي الكوفة ولي القضاء بفتوى من أخيه جميل، وكان جميل وجها من وجوه الشيعة وثقاة رواتها ولنوح ولد اسمه أيوب شهد له الإمام الهادي عليهالسلامأنه من أهل الجنة سفينة البحار مادة أوب وجمل ونوح.
5) . هو محمد بن مسلم بن رباح الأوقص الطحان مولى ثقيف ووجه من وجوه الشيعة بالكوفة، وفقيه من فقهائهم، وثقة من ثقاتهم روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام انظر الفائدة الثانية عشرة من خاتمة الوسائل.
حبّة العرني(1)قال: سمعت عليّا عليهالسلام حين برز أهل الجمل يقول: واللّه لقد علمت صاحبة الهودج أنّ أهل الجمل ملعونون على لسان النّبي الامّي وقد خاب من افترى، وقد روى هذا المعنى بهذا اللّفظة أو بقريب منه من طرق مختلفة(2).
و روى البلادرى في تاريخه باسناده عن جويرية بن أسماء أنّه قال: بلغني أنّ الزبير حين ولي ولم يكن بسط يده بسيفه اعترضه عمّار بن ياسر بالرّمح وقال أين يا أبا عبداللّه وأنت ما كنت بجبان ولكني احسبك شككت؟ قال: وهو ذاك ومضى حتّى نزل بوادى السّباع(3)فقتله ابن جرموز، واعترافه بالشكّ يدلّ على خلاف التوبة لأنّه لو كان تائبا لقال له في الجواب ما شككت بل تحقّقت انّك وصاحبك إلى الحقّ وأنا على الباطل وقد ندمت على ما كان منّي وأىّ توبة لشاكّ غير متحقّق(4).
أمّا قوله (إنّ اللّه وعدهما على لسان نبيّه بالجنّة) فسبحانك هذا بهتان عظيم، إن كان خبرهم في العشرة المبشّرة حقّا، كان الإسلام باطلا، فمن العشرة طلحة
1) . حبة ـ بفتح الحاء وتشديد الباء ـ بن جوين ـ بجيم مصغرا ـ العرني ـ بضم العين المهملة وضم الراء ـ من بجيله من أصحاب علي عليهالسلام، وروى عنه وعن ابن مسعود توفي سنة 76 أو 79.
2) .الشافى: 332/4؛ بحار الأنوار: 335/32/ ح 322.
3) . وادي السباع: الموضع الذي قتل فيه الزبير، ومن لطيف ما يروى في تسميته أن أسماء بنت دريم مر بها رجل فنظر إليها نظرة مريبة فقالت لئن لم تنته لأستصرخن عليك أسبعي قال: أوتفهم السباع عنك ؟ قالت: نعم، ورفعت صوتها ونادت يا كلب يا ذئب، يا فهد، يا أسد يا سرحان، وكان أبناؤا بمنحاة عنها يرعون فأقبلوا يتعادون فقالت إياكم أحسنوا مثواه، فذبحوا له وأطعموه فذهب، وقد أخذه العجب مما رأى، وسمي ذلك الوادي بوادي السباع المرأة العربية: 81/1.
4) .الشافى: 332/4؛ بحار الأنوار: 335/32/ ح 323.
والزبير وابن عوف وعثمان، وكل من الأولين يشهد على الأخير بالنفاق والكفر، والأخير يشهد على كلّ من الأولين كذلك، كما إنّ طلحة والزبير قتلا آلافا من المسلمين بغير حق، وأفسدا في الأرض فسادا أثره باق إلى آخر الدّهر، وقاتلا من هو نفس النبيّ صلىاللهعليهوآله بصريح التنزيل، ولم يندما عن فعلهما حتّى قتلا وإنّما ترك الزبير قتاله عليهالسلام، ولو كان تاب للحق به عليهالسلام، كما تاب الحرّ الرياحي من قتاله مع الحسين عليهالسلام، كما إنّ طلحة إنّما نقل عنه أنّه لمّا أصابه السهم قال: «اللهمّ خذ منّي لعثمان»(1)
الطبقات لابن سعد: 222/3.
، فإن صح النقل فقد تاب عن قتله عثمان، لا عن قتاله أمير المؤنين.قال المجلسى: وليس لأحد أن يقول إنّه قال بعد ما أصابه السهم:
ندمت ندامة الكسعى لمّا ***رأت عيناه ما صنعت يداه(2)
لأنّ هذا بعيد عن الصّواب والبيت المروىّ بأن يدلّ على خلاف التّوبة أولى لأنّه جعل ندامته ندامة الكسعى وخبر الكسعى معروف لأنّه ندم بحيث لا ينفعه النّدم وحيث فاته الأمر وخرج عن يده، ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعى، بل كان شبيها لندامة من تلافي ما فرط فيه على وجه ينتفع به(3).
و روى حسين الأشفر عن يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال أمير المؤنين عليهالسلام لطلحة وهو صريع فقال: اقعدوه، فأقعد، فقال عليهالسلام: قد كان لك سابقة لكن دخل الشّيطان في منخريك فأدخلك النّار(4).
وقد ظهر بذلك بطلان توبتهما كما توهّمه الشّارح المعتزلي وفاقا لأصحابه المعتزلة وتبيّن أنّهما في النار خالدين ببغيهم على الامام المبين، هذا.
وندامة الكسعى يضرب بها المثل فيقال: أندم من الكسعى، وهو محارب بن قيس من بني كسع حىّ من اليمن كان يرعى إبلا بواد معشب فرأى نبقة على صخرة فأعجبته فقطعها واتّخذ منها قوسا، فمرّت به قطعان من حمر الوحش ليلا فرمى عشرا فأنفذها وأخرج السّهم فأصاب الجبل فارى نارا فظنّ أنّه أخطا، ثمّ مرّ قطيع آخر فرماه كالأوّل وفعل ذلك مرارا فعمد إلى قوسه فكسره من حنقه، فلما أصبح ورأى الحمر قتلن مضرّجة بالدّم فندم وعضّ إبهامه فقطعها(1).
من ثاب يثوب، أي: طلب منهما الرجوع، ويروى «ولقد استتبتهما»(2).
أي: ترفقت وانتظرت.
أي: الحرب.
بالكسر والفتح، أي: حقرا.
بعث علي عليهالسلام من يناشدهم اللّه في الدماء، فأبوا إلاّ الحرب، فبعث رجلا من أصحابه يقال له مسلم، معه مصحف يدعوهم إلى اللّه فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إليه عليهالسلام. وقالت امّ مسلم:
يا ربّ إنّ مسلما أتاهم ***يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
فخضّبوا من دمه لحاهم ***وامّه قائمة تراهم
وحمل عليهالسلام وحمل معه الناس، فما كان القوم إلاّ «... كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ...»(1)،(2).
وكما استثابهما في البصرة قبل القتال، استثابهما قبل الخروج من المدينة، فرووا ـ وقد نقله ابن أبي الحديد عند قوله عليهالسلام (يزعم انه قد بايع بيده)(3)ـ: أنّ معاوية كتب إلى الزبير: «إنّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، وقد بايعت لطلحة من بعدك، فادعوا الناس إلى الطلب بدم عثمان». فأقرأ الزبير الكتاب طلحة فأجمعا على نقض البيعة، فدخلا عليه عليهالسلام فاستأذناه في العمرة، فقال: ما العمرة تريدان فحلفا ما يريدان غيرها. فقال لهما: إنّما تريدان الغدرة ونكث البيعة، فحلفا لا يريدان النكث. فقال لهما: فأعيدا البيعة ثانية. فأعاداها بأشدّ ما يكون من الأيمان و المواثيق، فاذن لهما فلمّا خرجا قال عليهالسلام: واللّه لا ترونهما إلاّ في فئة يقتتلان فيها. فقالوا: فمر بردهما
عليك. فقال عليهالسلام: «... لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً...»(1)أما واللّه لقد علمت أنّهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم، ولقد أتياني بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين ناكثين، واللّه لا يلقياني بعد اليوم إلاّ في كتيبة خشناء، يقتلان فيها نفسهما، فبعدا لهما وسحقا(2).
وفي (المناقب) انَّهُ زَحَفَ عَلِيٌّ بِالنَّاسِ غَدَاةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الآْخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ الْأَشْتَرُ وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَمَّارٌ وَشُرَيْحُ بْنُ هَانِي وَعَلَى الْقَلْبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَعَلَى الْجَنَاحِ زِيَادُ بْنُ كَعْبٍ وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَلَى الْكَمِيْنِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ وَجُنْدَبُ بْنُ زُهَيْرٍ وَعَلَى الرَّجَّالَةِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَعْطَى رَايَتَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ أَوْقَفَهُمْ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ إِلَى صَلاةِ الظُّهْرِ يَدْعُوهُمْ وَيُنَاشِدُهُمْ وَيَقُولُ لِعَائِشَةَ إِنَّ اللّهَ أَمَرَكِ أَنْ تَقِرِّي فِي بَيْتِكِ فَاتَّقِي اللّهَ وَارْجِعِي وَيَقُولُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ خَبَأْتُمَا نِسَاءَكُمَا وَأَبْرَزْتُمَا زَوْجَةَ رَسُولِ اللّهِ وَاسْتَفْزَزْتُمَاه(3)فَيَقُولاَنِ إِنَّمَا جِئْنَا لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ وَأَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ شُورَى وَأُلْبِسَتْ عَائِشَةُ دِرْعاً وَضُرِبَتْ عَلَى هَوْدَجِهَا صَفَائِحُ الْحَدِيدِ وَأُلْبِسَ الْهَوْدَجُ دِرْعاً وَكَانَ الْهَوْدَجُ لِوَاءَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ يُدْعَى عَسْكَراً(4).
وفي (المناقب) ايضاً قال على عليهالسلام لاصحابه: َ أَيُّهَا النَّاسُ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ...
وَنَظَرَتْ عَائِشَةُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُولُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَالَتْ انْظُرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ رَسُولِ اللّهِ يَوْمَ بَدْرٍ أَمَا وَاللّهِ مَا يُنْتَظَرُ بِكَ إِلاّ زَوَالُ الشَّمْسِ فَقَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام يَا عَائِشَةُ عَمَّا
قَلِيلٍ لَتُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَجَدَّ النَّاسُ فِي الْقِتَالِ فَنَهَاهُمْ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْذَرْتُ وَأَنْذَرْتُ فَكُنْ لِي عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ثُمَّ أَخَذَ الْمُصْحَفَ وَطَلَبَ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما الآْيَةَ فَقَالَ مُسْلِمٌ الْمُجَاشِعِيُّ هَا أَنَا ذَا فَخَوَفَّهُ بِقَطْعِ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَقَتْلِهِ فَقَالَ لاَ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَهَذَا قَلِيلٌ فِي ذَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللّهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَقُطِعَتْ فَأَخَذَهُ بِأَسْنَانِهِ فَقُتِلَ فَقَالَتْ أُمُّهُ:
يَا رَبِّ إِنَّ مُسْلِماً أَتَاهُمْ***بِمُحْكَمِ التَّنْزِيلِ إِذْ دَعَاهُمْ
يَتْلُو كِتَابَ اللّهِ لاَ يَخْشَاهُمْ***فَزَمَّلُوهُ زُمِّلَتْ لِحَاهُمْ
فَقَالَ عليهالسلام: الآْنَ طَابَ الضِّرَاب(1)[أى حلّ القتال] ثمّ أمرهم فحملوا عليهم إلى أن جاء النّصر والفتح على ما هو مذكور في كتب القوم وبما ذكرناه قد ظهر لك انّه عليهالسلام لم يبدأهم بالقتال بل طلب منهم الرجوع عن غيّهم اوّلاً ثمّ قاتلهم ثانياَ ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بيّنة فانّ ربّك ليس بظلاّم للعبيد.
1) . منافب آل أبي طالب عليهالسلام: 155/3؛ بحار الأنوار: 174/32.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ
منها
حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوْءَةً أَخْلافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلاَ وَفِي غَدٍ ـ وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ ـ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ وَيُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
منها
كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَعَطَفَ اليها (عَلَيْهَا) عَطْفَ الضَّرُوسِ وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ الْجَوْلَةِ عَظِيمَ الصَّوْلَةِ وَاللّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ إِلاّ قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلامِهَا فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ وَالآْثَارَ الْبَيِّنَةَ وَالْعَهْدَ
الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ
الملاحم: جمع الملحمة، الوقعة العظيمة في الفتنة.
قال ابن أبي الحديد: أشار عليهالسلام إلى إمام يخلقه اللّه في آخر الزمان...(1)بل يظهره اللّه في آخر الزمان، وكون ذاك الإمام العاشر من ولده عليهالسلام والثاني عشر من الأئمّة الاثني عشر من ضروريات مذهب الإماميّة، كيف لا وقد تواتر عن أمير المؤنين عليهالسلام عند الخاصة والعامة أنّه قال لكميل ـ في كلام طويل ـ «اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته»(2)وهو لا ينطبق إلاّ على مذهبنا، وقد اعترف به ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليهالسلام ذاك(3).
وعن أبي جعفر عليهالسلام قال: إِذَا قَامَ قَائِمُ أَهْلِ الْبَيْتِ قَسَمَ بِالسَّوِيَّةِ وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْدِيُّ مَهْدِيّاً لِأَنَّهُ يُهْدَى إِلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ وَيَسْتَخْرِجُ التَّوْرَاةَ وَسَائِرَ كُتُبِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَارٍ بِأَنْطَاكِيَةَ وَيَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِالتَّوْرَاةِ وَبَيْنَ أَهْلِ الاْءِنْجِيلِ بِالاْءِنْجِيلِ وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ
بِالزَّبُورِ وَبَيْنِ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآن(1).
عن حبّة العرني قال: قال أمير المؤنين عليهالسلام كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلّمون الناس القرآن كما أنزل. أما إنّ قائمنا إذا قام كسره وسوّى قبلته(2).
وعن الأصبغ قال: سمعت عليّا عليهالسلام يقول: كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما انزل. قلت: يا أمير المؤنين أو ليس هو هذا كما انزل فقال: لا. محي منه من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلاّ ازراء على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لأنّه عمّه(3).
هذا، وعنون (معارف ابن قتيبة) أصحاب الرأي، وعدّ فيهم ابن أبي ليلى القاضي. قال: ولي القضاء لبني اميّة، وبني العباس، وكان فقيها مفتيا بالرأى ـ وعدّ فيهم الأوزاعي، وسفيان الثوري.
قال: وأوصى إلى عمارة بن يوسف في كتبه فمحاها وأحرقها، وزفر صاحب الرأي وربيعة الرأى ـ وعدّ مالك بن أنس قال: وحمل بمالك ثلاث سنين ـ وعدّ أبا حنيفة وقال: قيل فيه:
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ***وجاء ببدعة هنة سخيفة
أتيناهم بقول اللّه فيها ***وآثار مبرّزة شريفة
فكم من فرج محصنة عفيف ***أحلّ حرامه بأبي حنيفة
وعدّ فيهم أبا يوسف القاضي. قال: كان صاحب حديث ثمّ لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي، وعدّ فيهم محمّد بن الحسن الشيباني. قال: جالس أبا حنيفة وسمع منه، ونظر في الرأي. فغلب عليه، وعرف به(1).
و «ربيعة الرأي شيخ مالك، وهلال الرأي من أعيان الحنفية»(2).
منها
أي: تقيمكم الحرب على ساق والقيام على ساق كناية عن الجد. كما أنّ الكشف عن الساق كناية عن الشدّة.
جمع الناجذ. قال الجوهري «للإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد الأرحاء، ويسمّى ضرس الحلم لأنّه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل يقال: ضحك حتّى بدت نواجذه»(3).
وفي حديث عليّ عليهالسلام «إنّ الملكين قاعدان على ناجذي العبد يكتبان» يعني سنّيه الضاحكين بين الناس والأضراس(4).
وأبدى ناجذه إذا بالغ في ضحكه أو غضبه، ومن المجاز أبدلت الحرب ناجذيها. قال بشر:
إذا ما الحرب أبدت ناجذيها ***غداة الروع والتقت الجموع(1)
والنواجذ أقاصي الأضراس، وهي أربعة تنبت بعد أن يشب الإنسان، وتسمّيها العامة أضراس العقل، وكذلك تسمّيها الفرس «خرد دندان» وقال قوم: بل النواجذ الضواحك، واحتجّوا بحديث النبيّ صلىاللهعليهوآله «ضحك حتّى بدت نواجذه» وتلك النواجذ لا يبديها الضحك...(2)، والمفهوم منه خلط الجوهري، كما أنّ الظاهر وهم الزمخشري في كون «أبدى ناجذيه» للمبالغة في الغضب والشعر أعم كقوله عليهالسلام بل هو ظاهر في الأوّل بقرينة بعده.
هذا، ودخلت ليلى الأخيلية ـ وقد أسنّت ـ على عبدالملك فقال لها: ما رأى توبة فيك حين عشقك. قالت: ما رأى الناس فيك حين جعلوك خليفة، فضحك حتّى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها(3).
جمع الخلف بالكسر، وهو الضرع.
كحلو لبن الأمهات عند الأطفال.
أى مرّاً، والأصل في العلقم شجر مرّ. فقيل: لكلّ مرّ.
عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن يوسف بن كليب، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن عاصم بن حميد الحنّاط عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليهالسلام: لا يقوم القائم عليهالسلام إلاّ على خوف شديد، وزلازل وفتنة و بلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتّت في دينهم، وتغيّر من حالهم حتّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا، وخروجه إذا خرج عند الإياس، والقنوط، فيا طوبى لمن أدركه، وكان من أنصاره ـ إلى أن قالـ: يقوم بأمر جديد، وسنّة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد ليس شأنه إلاّ القتل(1).
هذا، وسأل عمر بن الخطاب عمرو بن معد يكرب عن الحرب. فقال: مرّة المذاق إذا كشفت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف فيها تلف، وهي كما قال الشاعر:
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ***تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا استعرت وشبّ ضرامها ***عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ***مكروهة للشم والتقبيل(2)
صدّر الخبر الّذي أراد عليهالسلام بيانه بكلمة «ألا» وعرّضه بجملة «و سيأتي...» دلالة على عظمه وأهميته.
عن جابر بن عبداللّه أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: سيكون بعدى خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الامراء ملوك جبابرة، ثمّ يخرج المهدي من أهل بيتي يملاها عدلا كما ملئت جورا(1).
وقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ بَعْضِ خُطَبِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عُثْمَانَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَزَادَ فِيهَا فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام أَلاَ إِنَّ أَبْرَارَ عِتْرَتِي وَأَطَايِبَ أَرُومَتِي أَحْلَمُ النَّاسِ صِغَاراً وَأَعْلَمُ النَّاسِ كِبَاراً أَلاَ وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ عِلْمِ اللّهِ عَلِمْنَا وَبِحُكْمِ اللّهِ حَكَمْنَا وَمِنْ قَوْلِ صَادِقٍ سَمِعْنَا فَإِنْ تَتَّبِعُوا آثَارَنَا تَهْتَدُوا بِبَصَائِرِنَا وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يُهْلِكُكُمُ اللّهُ بِأَيْدِينَا مَعَنَا رَايَةُ الْحَقِّ مَنْ تَبِعَهَا لَحِقَ وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا غَرِقَ أَلاَ وَبِنَا يُدْرَكُ تِرَةُ كُلِّ مُؤمِنٍ وَبِنَا تُخْلَعُ رِبْقَةُ الذُّلِّ عَنْ أَعْنَاقِكُمْ وَبِنَا فُتِحَ لاَ بِكُمْ وَبِنَا يُخْتَمُ لاَ بِكُمْ(2).
وفِي دِيوَانِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْه:
بُنَيَّ إِذَا مَا جَاشَتِ التُّرْكُ فَانْتَظِرْ ***وَلاَيَةَ مَهْدِيٍّ يَقُومُ وَيَعْدِلُ
وَذَلَّ مُلُوكُ الْأَرْضِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ***وَبُويِعَ مِنْهُمْ مَنْ يَلَذُّ وَيَهْزِلُ
صَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ لاَ رَأْيَ عِنْدَهُ ***وَلاَ عِنْدَهُ جِدٌّ وَلاَ هُوَ يَعْقِلُ
فَثَمَّ يَقُومُ الْقَائِمُ الْحَقُّ مِنْكُمُ ***وَبِالْحَقِّ يَأْتِيكُمْ وَبِالْحَقِّ يَعْمَلُ
سَمِيُّ نَبِيِّ اللّهِ نَفْسِي فِدَاؤهُ***فَلا تَخْذُلُوهُ يَا بَنِيَّ وَعَجِّلُوا(1)
وقال ابن أبي الحديد: هذا كلام منقطع عمّا قبله، وقد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس ذات ملك وإمرة فذكر عليهالسلام أنّ الوالى ـ يعني الإمام الذي يخلقه اللّه في آخر الزمان ـ يأخذ عمّال هذه الطائفة على سوء أعمالهم(2).
لم يعلم انقطاعه، ولو أراد الرضي عليهالسلام قطع الكلام لقال: «منها» كما قال هنا «منها: حتّى تقوم الحرب...» وكما قال بعد «منها»: «كأنّي به قد نعق بالشام...» لكن الظاهر كون الكلام مصحّفا وأنّ الأصل: «يأخذ الوالي غير عمّالها على مساوي أعمالها».
عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: وُلِدَ الصَّاحِبُ عليهالسلام لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ(3).
وعن مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَكِيمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام قَالَتْ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليهالسلام فَقَالَ: يَا عَمَّةِ اجْعَلِي إِفْطَارَكِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيُظْهِرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْحُجَّةَ وَهُوَ حُجَّتُهُ فِي أَرْضِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ وَمَنْ أُمُّهُ قَالَ لِي نَرْجِسُ قُلْتُ لَهُ جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاكَ مَا بِهَا أَثَرٌ فَقَالَ هُوَ مَا أَقُولُ لَكِ قَالَتْ فَجِئْتُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ
جَاءَتْ تَنْزِعُ خُفِّي وَقَالَتْ لِي يَا سَيِّدَتِي وَسَيِّدَةَ أَهْلِي كَيْفَ أَمْسَيْتِ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتِ سَيِّدَتِي وَسَيِّدَةُ أَهْلِي قَالَتْ فَأَنْكَرَتْ قَوْلِي وَقَالَتْ مَا هَذَا يَا عَمَّةِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهَا يَا بُنَيَّةُ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى سَيَهَبُ لَكِ فِي لَيْلَتِكِ هَذِهِ غُلاماً سَيِّداً فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ قَالَتْ فَخَجِلَتْ وَاسْتَحْيَتْ فَلَمَّا أَنْ فَرَغْتُ مِنْ صَلاةِ الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ أَفْطَرْتُ وَأَخَذْتُ مَضْجَعِي فَرَقَدْتُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُمْتُ إِلَى الصَّلاةِ فَفَرَغْتُ مِنْ صَلاتِي وَهِيَ نَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا حَادِثٌ ثُمَّ جَلَسْتُ مُعَقِّبَةً ثُمَّ اضْطَجَعْتُ ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَزِعَةً وَهِيَ رَاقِدَةٌ ثُمَّ قَامَتْ فَصَلَّتْ وَنَامَتْ.
قَالَتْ حَكِيمَةُ وَخَرَجْتُ أَتَفَقَّدُ الْفَجْرَ فَإِذَا أَنَا بِالْفَجْرِ الْأَوَّلِ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَدَخَلَنِي الشُّكُوكُ فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ عليهالسلام مِنَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ لاَ تَعْجَلِي يَا عَمَّةِ فَهَاكِ الْأَمْرُ قَدْ قَرُبَ قَالَتْ فَجَلَسْتُ وَقَرَأْتُ الم السَّجْدَةَ وَيس فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذِ انْتَبَهَتْ فَزِعَةً فَوَثَبْتُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ اسْمُ اللّهِ عَلَيْكِ ثُمَّ قُلْتُ لَهَا أَ تُحِسِّينَ شَيْئاً قَالَتْ نَعَمْ يَا عَمَّةِ فَقُلْتُ لَهَا اجْمَعِي نَفْسَكِ وَاجْمَعِي قَلْبَكِ فَهُوَ مَا قُلْتُ لَكِ قَالَتْ فَأَخَذَتْنِي فَتْرَةٌ وَأَخَذَتْهَا فَتْرَةٌ فَانْتَبَهْتُ بِحِسِّ سَيِّدِي فَكَشَفْتُ الثَّوْبَ عَنْهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ عليهالسلام سَاجِداً يَتَلَقَّى الْأَرْضَ بِمَسَاجِدِهِ فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَإِذَا أَنَا بِهِ نَظِيفٌ مُتَنَظِّفٌ فَصَاحَ بِي أَبُو مُحَمَّدٍ عليهالسلام هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي يَا عَمَّةِ فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ تَحْتَ أَلْيَتَيْهِ وَظَهْرِهِ وَوَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَسَمْعِهِ وَمَفَاصِلِهِ ثُمَّ قَالَ تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ عليهمالسلام إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ ثُمَّ أَحْجَمَ(1)ثُمَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عليهالسلام يَا عَمَّةِ اذْهَبِي بِهِ إِلَى أُمِّهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهَا
1) . أي سكت. أحجم عنه أي كف ونكص هيبة.
وَأْتِينِي بِهِ فَذَهَبْتُ بِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَرَدَدْتُهُ فَوَضَعْتُهُ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَالَ يَا عَمَّةِ إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ فَأْتِينَا قَالَتْ حَكِيمَةُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليهالسلام
وَكَشَفْتُ السِّتْرَ لِأَتَفَقَّدَ سَيِّدِي عليهالسلام فَلَمْ أَرَهُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا فَعَلَ سَيِّدِي فَقَالَ يَا عَمَّةِ اسْتَوْدَعْنَاهُ الَّذِي اسْتَوْدَعَتْهُ أُمُّ مُوسَى عليهالسلام قَالَتْ حَكِيمَةُ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ جِئْتُ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقَالَ هَلُمِّي إِلَيَّ ابْنِي فَجِئْتُ بِسَيِّدِي عليهالسلام وَهُوَ فِي الْخِرْقَةِ فَفَعَلَ بِهِ كَفَعْلَتِهِ الْأُولَى ثُمَّ أَدْلَى لِسَانَهُ فِي فِيهِ كَأَنَّهُ يُغَذِّيهِ لَبَناً أَوْ عَسَلاً ثُمَّ قَالَ تَكَلَّمْ يَا بُنَيَّ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ وَثَنَّى بِالصَّلاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ عليهالسلام ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآْيَةَ بسم اللّه الرحمن الرحيم «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ»(1)قَالَ الراوى: فَسَأَلْتُ عُقْبَةَ الْخَادِمَ عَنْ هَذِهِ فَقَالَتْ صَدَقَتْ حَكِيمَةُ(2).
وعن نَسِيم وَمَارِيَة قَالَتَا إِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ صَاحِبُ الزَّمَانِ عليهالسلام مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيْهِ رَافِعاً سَبَّابَتَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَصَلَّى اللّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ زَعَمَتِ الظَّلَمَةُ أَنَّ حُجَّةَ اللّهِ دَاحِضَةٌ لَوْ أُذِنَ لَنَا فِي الْكَلامِ لَزَالَ الشَّكُّ(3).
وعن نَسِيم خَادِمُ أَبِي مُحَمَّدٍ عليهالسلام قَالَتْ قَالَ لِي صَاحِبُ الزَّمَانِ عليهالسلام وَقَدْ دَخَلْتُ
عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْلِدِهِ بِلَيْلَةٍ فَعَطَسْتُ عِنْدَهُ فَقَالَ لِي يَرْحَمُكِ اللّهُ قَالَتْ نَسِيمُ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي عليهالسلام: أَ لاَ أُبَشِّرُكِ فِي الْعُطَاسِ فَقُلْتُ بَلَى يَا مَوْلاَيَ فَقَالَ هُوَ أَمَانٌ مِنَ الْمَوْتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ(1).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، وفي رواية لهما قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم(2).
و انّ أبا الصلت الهروي قال للرضا عليهالسلام ما تقول في حديث روي عن الصادق عليهالسلام أنّ القائم عليهالسلام إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين عليهالسلام بفعال آبائها فقال عليهالسلام: هو كذلك. قال: فقول اللّه تعالى «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(3)ما معناه فقال صدق اللّه في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين عليهالسلام يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلا قتل في المشرق. فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه تعالى شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. قال: بأيّ شيء يبدأ القائم إذا قام قال: يبدأ ببني شيبة ويقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه تعالى(4).
و هي جمع فلذة أي: قطعة.
وفي الخبر «إنّ من أشراط الساعة أن ترمي الأرض بأفلاذ كبدها»(1).
قال ابن أبي الحديد: قوله عليهالسلام «و تخرج له الأرض من أفاليذ كبدها» كناية عن الكنوز الّتي تظهر للقائم عليهالسلام بالأمر وقد جاء ذكر ذلك في خبر مرفوع، ولفظه: «و قاءت له الأرض أفلاذ كبدها» وقد فسّر قوله تعالى: «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها»(2)بذلك في بعض التفاسير(3).
وفي خبر عن الباقر عليهالسلام يجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها. فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرّم اللّه تعالى فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله ويملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا، كما ملئت ظلما وجورا وشرّا(4).
هذا، وانّ أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله أصابوا راوية لقريش فأتوا بهم إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله في بدر. فقال صلىاللهعليهوآله لهم: من فيهم من أشراف قريش قالوا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، و أبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي والنضر بن حارث، وزمعة بن الأسود، واميّة بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجّاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبدود. فأقبل
النبيّ صلىاللهعليهوآله على الناس. فقال: هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها(1).
أي: مفاتيحها، ومثله الأقلاد جمع الاقليد قال الشاعر:
واعطته بالأقلاد كلّ قبيلة ***ومدّت إليه بالركاب الجحاجح(2)
في خبر عليّ بن عقبة عن أبيه قال: إذا قام القائم عليهالسلام حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وآمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقّ إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالايمان اما سمعت اللّه سبحانه يقول: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً»(3)وحكم بين الناس بحكم داود، وحكم محمد صلىاللهعليهوآله فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته...(4).
و عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ عليهالسلام يَقُولُ: الْقَائِمُ مِنَّا مَنْصُورٌ بِالرُّعْبِ مُؤيَّدٌ بِالنَّصْرِ تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ وَتَظْهَرُ لَهُ الْكُنُوزُ يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَيُظْهِرُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ دَيْنَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فَلا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ خَرَابٌ إِلاّ قَدْ عُمِرَ وَيَنْزِلُ رُوحُ اللّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع فَيُصَلِّي خَلْفَهُ قَالَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ مَتَى يَخْرُجُ قَائِمُكُمْ قَالَ إِذَا تَشَبَّهَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ وَاكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَرَكِبَ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ وَقُبِلَتْ شَهَادَاتُ الزُّورِ وَرُدَّتْ شَهَادَاتُ الْعُدُولِ وَاسْتَخَفَّ النَّاسُ
بِالدِّمَاءِ وَارْتِكَابِ الزِّنَاءِ وَأُكِلَ الرِّبَا وَاتُّقِيَ الْأَشْرَارُ مَخَافَةَ أَلْسِنَتِهِمْ وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ مِنَ الشَّامِ وَالْيَمَانِيِّ مِنَ الْيَمَنِ وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ وَقَتْلُ غُلامٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ص بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ وَجَاءَتْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَفِي شِيعَتِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ قَائِمِنَا فَإِذَا خَرَجَ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلاثُمِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً وَأَوَّلُ مَا يَنْطِقُ بِهِ هَذِهِ الآْيَةُ: «بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ»(1)ثُمَّ يَقُولُ أَنَا بَقِيَّةُ اللّهِ فِي أَرْضِهِ وَخَلِيفَتُهُ وَحُجَّتُهُ عَلَيْكُمْ فَلا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسَلِّمٌ إِلاّ قَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللّهِ فِي أَرْضِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْعِقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ آلاَفِ رَجُلٍ خَرَجَ فَلا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مَعْبُودٌ دُونَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صَنَمٍ وَوَثَنٍ وَغَيْرِهِ إِلاّ وَقَعَتْ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَ وَذَلِكَ بَعْدَ غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يُطِيعُهُ بِالْغَيْبِ وَيُؤمِنُ بِهِ(2).
وعن أبي الجارود عن الباقر عليهالسلام إذا خرج القائم عليهالسلام من مكّة ينادي مناديه: ألا لا يحملنّ أحد طعاما ولا شرابا، وحمل معه حجر موسى بن عمران عليهالسلام وهو وقر
بعير. فلا ينزل منزلا إلاّ انفجرت منه عيون، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظمآنا روي ورويت دوابهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة(3).
عن عبداللّه بن عطا قال: سألت شيخا من الفقهاء ـ يعني أبا عبداللّه عليهالسلام ـ عن سيرة المهدي عليهالسلام فقال: يصنع كما صنع النبيّ صلىاللهعليهوآله يهدم ما كان قبله كما هدم
النبيّ صلىاللهعليهوآله أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديدا(1).
وَرَوَى أَبُو خَدِيجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِذَا قَامَ الْقَائِمُ عليهالسلام جَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ كَمَا دَعَا رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فِي بُدُوِّ الاْءِسْلامِ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ(2).
وأمّا سيرة القائم عليهالسلام عند قيامه: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِذَا قَامَ الْقَائِمُ عليهالسلام دَعَا النَّاسَ إِلَى الاْءِسْلامِ جَدِيداً وَهَدَاهُمْ إِلَى أَمْرٍ قَدْ دُثِرَ فَضَلَّ عَنْهُ الْجُمْهُورُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَائِمُ مَهْدِيّاً لِأَنَّهُ يَهْدِي إِلَى أَمْرٍ قَدْ ضَلُّوا عَنْهُ وَسُمِّيَ بِالْقَائِمِ لِقِيَامِهِ بِالْحَقِّ(3).
و روى المفضّل عن الصادق عليهالسلام إذا أذن اللّه تعالى للقائم عليهالسلام في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم باللّه، ودعاهم إلى حقّه، وأن يسير فيهم بسنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله ويعمل فيهم بعمله. فيبعث اللّه تعالى جبرئيل حتّى يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أيّ شيء تدعو فيخبره القائم عليهالسلام فيقول جبرئيل: أنا أوّل من يبايعك ابسط يدك. فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمئة، وبضعة عشر رجلا. فيبايعونه ويقيم بمكّة حتّى يتمّ أصحابه عشرة آلاف نفس. ثمّ يسير منها إلى المدينة(4).
وروى أبو بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إذا قام القائم عليهالسلام هدم المسجد الحرام حتّى يردّه إلى أساسه، وحوّل المقام إلى الموضع الّذي كان فيه(5).
وروى عليّ بن عقبة عن أبي عبداللّه عنه عليهالسلام قال: إنّ دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا بمثل
سيرة هؤاء، وهو قول اللّه: «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1)،(2).
روى النعماني عن أبي جعفر عليهالسلام قال: كأنّني بدينكم هذا لا يزال مولّيا يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤون الحكمة في زمانه، حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه(3).
وروى محمّد بن النعمان عن أبي جعفر عليهالسلام قال: إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلاّ هدمها، وجعلها جماء، ووسّع الطريق الأعظم، وكسر كلّ جناح خارج في الطريق، و أبطل الكنيف والميازيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلاّ أزالها، ولا سنّة إلاّ أقامها(4).
وعن أبي جعفر عليهالسلام إذا قام القائم عليهالسلام ضرب فساطيط، لمن يعلّم الناس القرآن على ما أنزل اللّه، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنّه يخالف فيه التأليف(5).
وممّا أخبر بالمهدي عليهالسلام ما عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عَلِيّاً عليهالسلام ذَاتَ يَوْمٍ فَوَجَدْتُهُ مُفَكِّراً يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ تَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ أَ رَغْبَةً مِنْكَ فِيهَا(1)فَقَالَ لاَ وَاللّهِ مَا رَغِبْتُ فِيهَا وَلاَ فِي الدُّنْيَا سَاعَةً قَطُّ وَلَكِنَّ فِكْرِي فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً تَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ(2)يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَكَمْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَيْرَةُ وَالْغَيْبَةُ فَقَالَ سَبْتٌ مِنَ الدَّهْرِ(3)قُلْتُ أُدْرِكُ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَقَالَ أَنَّى لَكَ يَا أَصْبَغُ بِهَذَا الْأَمْرِ أُولَئِكَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ أَبْرَارِ هَذِهِ الْعِتْرَةِ فَقُلْتُ ثُمَّ مَا ذَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ(4)قَالَ يَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ فَإِنَّ لَهُ
1) . في النهاية في الحديث «بينا هو ينكت اذ انتبه» أي يفكّر ويحدّث نفسه، وأصله من النكت بالحصى، ونكت الأرض بالقضيب، وهو أن يؤّر فيها بطرفه فعل المفكّر المهموم انتهى. وقوله «أ رغبة منك فيها» أي أ تنكت لرغبة في الأرض، والمراد اهتمامك وتفكرك في أن تملك الأرض وتصير واليا لاقطارها، وقيل: ضمير «فيها» راجع الى الخلافة، ولعل الكلام على سبيل المطايبة.
2) . يعني في المسكن، أو المراد تكون لاهل زمانه حيرة.
3) . وفي الكافي ج 1 ص 338 ح 7 «فقال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين» وقال العلاّمة المجلسىّ رحمهالله في بيانه: ان هذا مبنى على وقوع البداء في هذا الامر، ولذا تردد عليهالسلام بين أمور وأشار بعد ذلك الى احتمال التغيير بقوله «يَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ».
4) . «أولئك خيار هذه الأمة» أي انصار القائم عليهالسلام «ثم ما ذا يكون» أي بعد وقوع الغيبة، أو بعد الظهور، أو بعد دورانه عليهالسلام هل ترفع الإمامة أم لا.
إِرَادَاتٍ وَغَايَاتٍ وَنِهَايَاتٍ(1)،(2).
وروى أيضا: أنّه جاء رجل إلى أمير المؤنين عليهالسلام فقال: يا أمير المؤنين نبئنا بمهديكم هذا. فقال: «إذا درج الدارجون، وقلّ المؤنون، وذهب المجلبون(3)، فهناك» فقال: يا أمير المؤنين ممّن الرجل قال: من بني هاشم من ذروة طود العرب (4)، وبحر مغيضها إذا وردت ومجفو أهلها إذا أتت، ومعدن صفوتها إذا تكدّرت. لا يجبن إذا المنايا هلعت، ولا يجوز إذا المنون اكتنفت، ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت. مشمر مغلولب ظفر ضرغامة. حصد مخدش ذكر، سيف من سيوف اللّه، رأس قتم، بسق رأسه في باذخ السؤد، وغارز مجده في أكرم المحتد. فلا يصرفنّك عن تبعته صارف عارض، ينوص إلى الفتنة كلّ مناص، إن قال فشرّ قائل، وان سكت فذو دعائر.
ثمّ رجع إلى صفة المهدي عليهالسلام فقال: أوسعكم كهفا وأكثركم علما، وأوصلكم رحما. اللّهم فاجعل بعثه خروجا من الغمّة، واجمع به شمل الامّة فان خار اللّه لك
1) . في الكافي»فان له بداءات وارادات ـ الخ«أي يظهر من اللّه فيه أمور بدائية في امتداد غيبته وزمان ظهوره، وارادات في الاظهار والاخفاء والغيبة والظهور، وغايات اى علل ومنافع ومصالح في تلك الأمور، ونهايات مختلفة لغيبته وظهوره بحسب ما يظهر للخلق من ذلك البداء. مرآة العقول: 44/4.
2) . الغيبة للنعمانى: 60/ ح 4؛ بحار الأنوار: 118/51/ ح 18.
3) . أجلب القوم: تجمعوا من كل وجه للحرب. وضجوا وصاحوا، وفي بعض النسخ»ذهب المخبتون«وأخبت إلى اللّه: اطمأن إليه تعالى وتخشع أمامه.
4) . الذروة ـ بضم الذال المعجمة وكسرهاـ: المكان المرتفع وأعلى كل شيء، والطود ـ بفتح الطاء المهملهـ: الجبل العظيم. والمغيض ـ بالمعجمتينـ: مجتمع الماء، شبهه عليهالسلام ببحر في أطرافه مغائض.
فاعزم ـ إلى أن قالـ: هاه ـ وأومأ إلى صدره ـ شوقا إلى رؤته(1).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام يَقُولُ سَأَلَ عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام عَنِ الْمَهْدِيِّ فَقَال: يا ابن أبي طالب أخبرني عن المهدي ما اسمه قال: أمّا اسمه فلا. إنّ حبيبي وخليلي عهد إليّ لا احدّث باسمه حتّى يبعثه اللّه تعالى، وهو ممّا استودع اللّه تعالى في علمه(2).
منها
اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليهالسلام الظاهر أنّه اشارة إلى السّفياني كما استظهره المحدّث العلاّمة المجلسي طاب ثراه(3)، وقال أكثر الشّراح(4)إنّه إخبار عن عبدالملك بن مروان، وذلك لأنّه ظهر بالشّام حين جعله أبوه الخليفة من بعده وسار لقتال مصعب بن الزبير إلى الكوفة بعد قتل مصعب مختار بن أبي عبيدة الثقفي فالتقوا بأرض مسكن بكسر الكاف من نواحى الكوفة، ثمّ قتل مصعبا ودخل الكوفة فبايعه أهلها، وبعث الحجّاج بن يوسف إلى عبداللّه بن الزّبير بمكّة فقتله وهدم الكعبة وذلك سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقتل خلقا عظيما من العرب في وقايع عبدالرحمن بن الأشعث.
قوله: كأنّي به قد نعق بالشام، وفحص براياته في ضواحي كوفان» كقوله عليهالسلام في
سابقه: «لكأنّي أنظر إلى ضلّيل قد نقع بالشام، وفحص براياته في ضواحي كوفان(1)» في إرادة عبدالملك به كما عرفت بل الأصل فيهما واحد.
أي: ناقة سيّئة الخلق تعضّ حالبها. قال الجوهري: ومنه قولهم هي بجنّ ضراسها أي: بحدثان نتاجها، وإذا كانت كذلك حامت عن ولدها. قال بشر:
عطفنا لهم عطف الضروس من الملا ***بشهباء لا يمشي الضراء رقيبها(2).
في حربه مع مصعب، وفي حروب عامله الحجّاج مع ابن الأشعث وغيره، وفي من قتله الحجّاج صبرا. فقالوا: قتل في مجلسه مئة ألف غير من قتله في الحروب، وفعله فعل عبدالملك، ولمّا انهزم ابن الأشعث بمسكن جعل الحجّاج يقتل من وجد من جنده حتّى قتل أربعة آلاف. فيقال انّ في من قتل عبداللّه بن شداد، وبسطام بن مصقلة، وعمرو بن ضبيعة، وبشر بن المنذر بن الجارود، والحكم بن مخزمة، وبكير بن ربيعة فاتي الحجّاج برءوسهم على ترس فأمر أن يوضع الترس بين يدي مسمع بن مالك. فبكى فقال: أحزنت عليهم قال: بل جزعت عليهم من النار(3).
ولمّا كتب مالك بن أسماء بن خارجة ـ وكان الحجّاج حبسه وأمر بسقيه الماء المخلوط بالرماد والملح ـ إلى أبيه يستشفع فيه إلى الحجّاج قال أبوه:
أ بني فزارة لا تعنّوا شيخكم ***ما لي ولزيارة الحجّاج
شبّهته شبلا غداة لقيته ***يلقى الرءوس شواخب الأوداج
تجري الدماء على النطاع كأنّها ***راح شمول غير ذات مزاج(1)
وقتل الحجّاج يوم الزاوية من أيامه مع ابن الأشعث أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان أمر مناديا فنادى عند الهزيمة ألا لا أمان لفلان ولا فلان ـ فسمّى رجالا من اولئك الأشراف، ولم يقل الناس آمنون ـ فقالت العامة: قد آمن الناس كلّهم إلاّ هؤاء النفر، فأقبلوا إلى حجرته. فلمّا اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ثمّ أمر بقتلهم وقالوا: بلغ ما قتل الحجّاج صبرا مئة وعشرين ـ أو ثلاثين ـ ألفا(2).
«وقد فغرت فاغرته، وثقلت في الأرض وطأته، بعيد الجولة عظيم الصولة» هو كقوله عليهالسلام في سابقه: «فإذا فغرت فاغرته، واشتدت شكيمته، وثقلت في الأرض وطأته(3)
نهج البلاغة فيض الاسلام: 298/ خ 100.
» بل الأصل فيهما واحد وان لم ينبّه عليه الرضى ـ رضوان اللّه عليه ـ كما هو دأبه.أى يفرّقنّكم.
قدم عثمان بن حيان المرّي في سنة (94) المدينة فأخذ رياح بن عبيد اللّه
ومنقذ العراقي وفلانا. فبعث بهم في جوامع إلى الحجّاج، ولم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا، ولا غير تاجر وأمر بهم أن يخرجوا من كلّ بلد، وقال على المنبر: وجدناكم أهل غش وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا. أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق، واللّه لا اوتى بأحد منكم آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا إلاّ هدمت منزله، وأنزلت به ما هو أهله(1).
أى ترجع.
من إضافة الصفة أي: ما غاب من عقولها.
فيتفكرون أنّ بني اميّة الّذين اولو الجور والفجور لا يرضى بسلطنتهم ذو شعور فيجتهدون في اضمحلالهم، وكان بدء ذلك في سنة (101) أوّل خلافة يزيد بن عبدالملك.
وفي (أخبار الدينورى): أوّل من قدم سنة (101) على محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن العباس بالحميمة من أرض الشام، ميسرة العبدي، وأبو عكرمة السرّاج، ومحمّد بن خنيس، وحيان العطار. فقالوا له: ابسط يدك نبايعك على طلب هذا السلطان لعل اللّه أن يحيي بك العدل، ويميت بك الجور. فإنّ هذا وقت ذلك، وأوانه الّذي وجدناه مأثورا. فقال لهم محمّد: هذا أوان ما نؤّل ونرجو من ذلك لانقضاء مئة سنة من التاريخ. فانه لم تنقض مئة سنة على امّة قط إلاّ أظهر اللّه حقّ المحقين،
1) .تاريخ الطبري: 258/5 ـ 259، سنة 94.
و أبطل باطل المبطلين لقوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ»(1)فانطلقوا و ادعوا الناس في رفق وستر. ثمّ وجّه ميسرة وابن خنيس إلى العراق، ووجّه أبا عكرمة وحيّانا إلى خراسان. فجعلا يسيران من كورة إلى اخرى يدعوان إلى بيعة محمّد بن عليّ، ويزهّدانهم في سلطان بني اميّة بخبث سيرتهم، وعظيم جورهم. ثم قدما عليه وأخبراه أنّهما غرسا بخراسان غرسا يرجوان أن يثمر في أوانه(2)ـ إلى أن قال ـ وفي خلافة هشام، بعث محمّد بن عليّ: سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب، وخالد بن هيثم، وطلحة بن زريق. فكانوا يأتون كورة بعد كورة فيدعون الناس إلى أهل بيت نبيّهم، ويبغّضون إليهم بني اميّة لما يظهر من جورهم واعتدائهم حتّى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان...(3).
هذا وقال ابن أبي الحديد: المراد بالعرب هاهنا بنو العباس، ومن اتّبعهم من العرب أيام ظهور الدولة كقحطبة الطائي، وابنيه، وبني زريق وعدادهم في خزاعة، و غيرهم من العرب من شيعة بني العباس، وقيل: إنّ أبا مسلم أيضا عربي(4).
بل المراد بالعرب في كلامه عليهالسلام عرب اليمن وربيعة فإنّهم كانوا على بني اميّة، وإنّما كانت مضر مع بني اميّة.
وقال أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية لمحمّد بن عليّ بن عبداللّه بن العباس لمّا حضره الموت: انظر هذا الحي من ربيعة. فألحقهم بهم (يعني اليمانية) فإنّهم معهم
في كلّ أمر، وانظر هذا الحيّ من قيس، وتميم (و هما من مضر) فأقصهم إلاّ من عصم اللّه منهم وذلك قليل...(1).
هذا وعكس نصر بن سيار لكونه من عمّال بني اميّة كلامه عليهالسلام فجعل قيام العرب على خلاف بني اميّة ذهاب العقل. فقال مخاطبا لهم:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم ***فليغضبوا قبل ألاّ ينفع الغضب
ولينصبوا الحرب إنّ القوم قد نصبوا***حربا يحرّق في حافاتها الحطب
ما بالكم تلقحون الحرب بينكم ***كأنّ أهل الحجا عن رأيكم غرب(2)
هذا، واعترض الرشيد قينة فغنّت في قول الشاعر:
ما نقموا من بني اميّة إلاّ ***أنّهم يحملون إن غضبوا
وإنّهم سادة الملوك فما ***تصلح إلاّ عليهم العرب
فلمّا ابتدأت به تغيّر وجه الرشيد، وعلمت أنّها قد غلطت، وأنّها إن مرّت فيه قتلت فغنّت.
ما نقموا من بني اميّة إلاّ ***أنّهم يجهلون ان غضبوا
وأنّهم معدن النفاق فما ***تفسد إلاّ عليهم العرب
فقال الرشيد ليحيى بن خالد: أ سمعت قال: تبتاع وتثنى لها الجائزة وتعجل لها الإذن ليسكن قلبها قال: ذلك جزاؤا. فقال لها: قومي فأنت منّي بحيث تحبّين فاغمي على الجارية(3)هذا. وقال البحتري:
فهل لا بني عدي من رشيد ***يردّ شريد حلمهما العزيب(1)،(2)
ومعنى اعترض الرشيد جارية، في الأوّل، جعلها في معرض الابتياع.
ثمّ أمرهم عليهالسلام باتّباع السّنة النبويّة وسلوك جادّة الشّريعة بقوله فالزموا السّنن القائمة والآثار البيّنة أى الواضحة الرّشد والعهد القريب الذي عليه باقي النّبوة يعني عهده وأيّامه عليهالسلام.
قال ابن أبي الحديد: وكأنه عليهالسلام خاف من أن يكونوا باخباره لهم بأنّ دولة هذا الجبّار تنقضى إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها يتوهّمون وجوب اتّباع ولاة الدّولة الجديدة في كلّ ما تفعله، فوصّيهم بهذه الوصيّة، أنّه إذا تبدّلت تلك الدّولة فالزموا الكتاب والسنّة والعهد الّذي فارقتكم عليه(3).
ثمّ نبّه على خدع الشيطان وتسهيله طرق المعاصى ليتنبّهوا عليها ويحذروا منها فقال واعلموا أن الشّيطان يسنى ويسهل لكم طرقه لتتّبعوا عقبه أي لتسيروا على أثره، وتتبعوا خطواته: «وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ»(4)حتّى يوقعكم في العذاب الأليم والخزى العظيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ ـ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَعَائِدَةِ كَرَمٍ ـ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَعُوا مَنْطِقِى ـ عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ ـ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ ـ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلالَةِ ـ وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَة
رواه الطبري مع زيادة في صدره وذيله ففيه «ثم تكلّم علي عليهالسلام (يوم الشورى)
فقال: الحمد للّه الّذي بعث محمّدا منا نبيّا وبعثه إلينا رسولا فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السرى ـ إلى أن قال ـ لن يسرع أحد قبلى ـ إلى آخر العنوان ـ وزاد، ثم أنشأ يقول:
فإن تك جاسم هلكت فإنّي ***بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كلّ عيّ ***بصير بالنوى من كلّ نجم(1)
وقال الشعبي: فأمّا ما يذكره الناس من المناشدة، وقول علي عليهالسلام لأهل الشورى: «أ فيكم أحد قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كذا» فإنّه لم يكن يوم البيعة، وإنّما كان
بعد ذلك بقليل(2).
و روى أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت في البيت يوم الشورى فسمعت عليّا عليهالسلام وهو يقول: استخلف الناس أبا بكر وأنا واللّه أحقّ بالأمر، وأولى به منه، واستخلف أبو بكر عمر، وأنا واللّه أحقّ بالأمر، وأولى به منه. إلاّ أنّ عمر جعلني مع خمسة أنا سادسهم لا يعرف لهم فضل علي، ولو أشاء لا حتججت عليهم بما لا يستطيع عربيّهم، وعجميّهم، المعاهد منهم والمشرك تغيير ذلك.
ثم قال نشدتكم باللّه أيّها النفر هل فيكم أحد وحدّ اللّه قبلي قالوا: اللهم لا قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدى» غيري قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أتي النبي صلىاللهعليهوآله بطير يأكل منه فقال: «اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير» فجئته فقال «اللهم وإلى رسولك» غيري قالوا اللهم لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله حين رجع عمر يوم خيبر يجبّن أصحابه ويجبّنونه قد ردّ راية النبي صلىاللهعليهوآله منهزما فقال النبي صلىاللهعليهوآله «لأعطينّ الراية غدا رجلا ليس بفرّار يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه»
فلمّا أصبح قال: أدعوا لي عليّا، فقالوا: هو أرمد ما يطرف. فقال: جيئوني به. فلمّا
قمت بين يديه تفل في عيني وقال «اللهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد» فأذهب اللّه عنّي الحرّ و البرد إلى ساعتي هذه، وأخذت الراية فهزم اللّه المشركين وأظفرني بهم غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر المزيّن بالجناحين في الجنّة يحلّ فيها حيث يشاء، غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم اللّه هل فيكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة أسد اللّه وأسد رسوله وسيّد الشهداء، غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن والحسين ابني رسول اللّه وسيّدي شباب أهل الجنّة غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم احد له زوج مثل زوجي فاطمة بنت رسول اللّه، وبضعة منه، وسيّدة نساء الجنّة، غيري قالوا: اللهمّ لا(1).
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «من فارقك فارقني ومن فارقني فارق اللّه» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال فيه
النبي صلىاللهعليهوآله «لينتهين بنو وليعة(2)أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي، طاعته كطاعتي، ومعصيته كمعصيتي يغشاهم بالسيف» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله «كذب من زعم أنّه يحبّني، وهو يبغضك» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «أنت الخليفة في الأهل والمسلمين في كلّ غيبة وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ اللّه، ووليّك وليّي، ووليّي وليّ اللّه» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله
«من أحبّك ووالاك سبقت له الرحمة، ومن أبغضك سبقت له اللعنة» غيري قالوا:
اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله «أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة ومنزلك مواجه منزلي كما يتواجه الأخوان في الخلد» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «إنّ اللّه خصّك بالزهد في الدنيا فليس تنال منها شيئا، ولا تنال منك، وهي زينة الأبرار. فطوبى لمن أحبّك وصدق عليك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد بعثه النبي صلىاللهعليهوآله ليجيء بالماء كما بعثني فذهبت حتّى حملت القربة على ظهري، ومشيت بها فاستقبلتني ريح فردّتني حتّى أجلستني، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَتْنِي رِيحٌ فَرَدَّتْنِي حَتَّى أَجْلَسَتْنِي، ثم قمت إلى النبي صلىاللهعليهوآله فقال: ما حبسك فقصصت عليه القصّة. فقال: قد جاءني جبرئيل فقال: أمّا الريح الاولى فجبرئيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك، وأمّا الثانية فميكائيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال فيه جبرئيل «يا محمّد أ ترى هذه المواساة من على» فقال له النبي صلىاللهعليهوآله: إنّه منّي وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما، غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد يكتب للنبيّ صلىاللهعليهوآله كما جعلت اكتب. فأغفى النبي صلىاللهعليهوآله فأنا أرى أنه يملي علي. فلمّ انتبه قال لي: من أملى عليكم من هاهنا إلى ها هنا فقلت: أنت. فقال: لا. ولكن جبرئيل أملاه عليك» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قَالَ نَشَدْتُكُمْ بِاللّهِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ نَادَى لَهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ «لاَ سَيْفَ إِلاّ ذُو الْفَقَارِ وَلاَ فَتَى إِلاّ عَلِيٌّ» غَيْرِي ؟ قَالُوا اللَّهُمَّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله كما قال لي: «لو لا أن أخاف
أن لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة يطلب بها البركة لعقبه من بعده(1)لقلت فيك قولا لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة» غيرى ؟ فقالوا: اللهم لا(2).
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «احفظ الباب فإنّ زوّارا من الملائكة تزورني فلا تأذن لأحد منهم» فجاء عمر فرددته ثلاث مرأت، وأخبرته أنّ النبي صلىاللهعليهوآله محتجب، وعنده زوّار من الملائكة، وعدّتهم كذا وكذا. ثم أذنت له فدخل فقال النبي صلىاللهعليهوآله: إنّي جئت غير مرّة كلّ ذلك يردّني علي، ويقول: إنّ النبي محتجب، وعنده زوّار من الملائكة، وعدّتهم كذا وكذا، فكيف علم بالعدّة أعاينهم فقال: لا. يا علي كيف علمت بعدّتهم فقلت: اختلفت التحيات، وسمعت الأصوات. فأحصيت العدد قال: صدقت، غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله كما قال لي: «إنّ طوبى شجرة في الجنّة أصلها في دار علي، وليس من مؤن إلاّ وفي منزله غصن من أغصانها» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جاء إلى النبي صلىاللهعليهوآله ورأسه في حجر جبرئيل
1) . قال العلاّمة المجلسىّ رحمهالله: ظاهره عدم جواز الاستشفاء والتبرك بتراب قدم الامام عليهالسلاموهو بعيد، ولعله ذكر هذا وأراد لوازمه وهو الغلوّ والاعتقاد بالالوهية كما ورد في أخبار أخر «لو لا ان يقول فيك طوائف من امتى ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لم يمرّ بملاء الا اخذوا التراب من تحت قدميك يستشفعون به» أو هو مبنى على أن وضوح الامر بهذا الحدّ ينافى الابتلاء الذي لا بدّ منه في التكليف. والأول أظهر. انتهى.
2) .الخصال: 555/2/ ح 31؛ بحار الأنوار: 317/31.
فقال: «ادن إلى ابن عمك فأنت أولى به منّى» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وضع النبي صلىاللهعليهوآله رأسه في حجره حتّى غابت الشمس، ولم يصلّ العصر. فلمّا انتبه النبي صلىاللهعليهوآله قال: هل صليت العصر.
قلت: لا، فدعا النبي صلىاللهعليهوآله فردّت الشمس بيضاء نقية فصلّيت ثم انحدرت» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أمر اللّه تعالى رسوله أن يبعث ببراءة فبعث بها مع أبي بكر فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد إنّه لا يؤّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك. فبعثني النبي صلىاللهعليهوآله فأخذتها من أبي بكر، فمضيت بها، وأدّيتها عن رسوله وأثبت اللّه على لسان رسوله ـ أي جبرئيل ـ أنّي منه» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: «أنت إمام من أطاعني، ونور أوليائي، والكلمة الّتي ألزمتها المتّقين» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنتي الّتي وعدني ربى ـ إلى أن قال ـ فليوال عليّا وذريّته من بعده. فهم الأئمة وهم الأوصياء أعطاهم اللّه علمي و فهمي. لا يدخلونكم في باب ضلال، ولا يخرجونكم من باب هدى، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. يزول الحقّ معهم أينما زالوا» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «قضي فانقضى أنّه لا يحبّك إلاّ مؤن، ولا يبغضك إلاّ منافق» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله مثل ما قال لي: «أهل ولايتك يخرجون يوم القيامة من قبورهم على نوق بيض. شراك نعالهم نور حتّى ينطلق بهم إلى ظل عرش الرحمن.
يوضع بين أيديهم مائدة. يأكلون منها حتّى يفرغ الناس من الحساب. يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون» غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء أبو بكر يخطب فاطمة فأبى أن يزوّجه وَجَاءَ عُمَرُ يَخْطُبُهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ فَخَطَبْتُ إِلَيْهِ فَزَوَّجَنِي فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالا: أبيت أن تزوّجنا وزوّجته فقال النبي صلىاللهعليهوآله ما منعتكما وزوّجته، بل اللّه منعكما وزوّجه غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلىاللهعليهوآله: يقول «كل نسب و سبب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبى» فأيّ سبب أفضل من سببي، وأيّ نسب أفضل من نسبي إنّ أبي وأبا رسول اللّه لأخوان لأب وأم، وإنّ الحسن والحسين ابني رسول اللّه وسيّدي شباب أهل الجنّة إبناي، وفاطمة بنت رسول اللّه، وسيّدة نساء أهل الجنّة زوجتي، غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله «انّ اللّه تعالى خلق الخلق. ففرّقهم فرقتين. فجعلني من خير الفرقتين. ثم جعلهم شعوبا فجعلني في خير شعبة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت. ثم اختار من البيت أنا وعليّا وجعفرا. فجعلني خيرهم.
فكنت نائما بين ابني أبي طالب فجاء جبرئيل ومعه ملك. فقال: يا جبرئيل إلى أيّ هؤاء أرسلت. فقال: إلى هذا. ثم أخذ بيدي فأجلسنى» غيري قالوا: اللهمّ لا(1).
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد سدّ النبي صلىاللهعليهوآله أبواب المسلمين كلّهم من
1) .الخصال: 557/2/ ح 31؛ بحار الأنوار: 31/ 320.
المسجد، ولم يسدّ بابي فجاء العباس وحمزة، وقالا: أخرجتنا و أسكنته فقال: «ما أنا أخرجتكم وأسكنته بل اللّه أخرجكم وأسكنه إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى أخي موسى عليهالسلام أن اتّخذ مسجدا طهورا، واسكنه أنت وهارون وابنا هارون، وأوحى إليّ أن اتّخذ مسجدا طهورا، واسكنه أنت وعلي، وابنا على» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله: «انّه مع الحق والحقّ معه لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض» غيري قالوا: اللهمّ لا قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وقى النبي صلىاللهعليهوآله حيث جاء المشركون يريدون قتله فاضطجعت في مضجعه، وذهب النبي صلىاللهعليهوآله نحو الغار، وهم يرون أنّي هو. فقالوا أين ابن عمك فقلت: لا أدري. فضربوني حتّى كادوا يقتلونني، غيري قالوا: اللهم لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله كما قال لي: «إنّ اللّه أمرني بولاية علي، فولايته ولايتي وولاية ربي، عهد عهده إليّ ربّي، وأمرني أن ابلّغكموه فهل سمعتم» قالوا: نعم قد سمعناه قال: «أما إنّ فيكم من يقول سمعت وهو يحمل الناس على كتفيه ويعاديه» قالوا: اخبرنا بهم قال: أما إنّ ربّي قد أخبرني بهم وأمرني بالإعراض عنهم لأمر قد سبق، وإنّما يكتفي أحدكم بما يجد لعلي في قلبه» غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قتل من بني عبدالدار تسعة مبارزة كلهم يأخذ اللواء. ثم جاء صواب الحبشي مولاهم، وهو يقول: واللّه لا أقتل بسادتي غير محمّد، قد أزبد شدقاه، واحمرّت عيناه فاتقيتموه وحدتم عنه(1)فخرجت إليه. فلمّا أقبل كأنّه قبّة مبنية فاختلفت أنا وهو ضربتين فقطعته بنصفين، وبقيت رجلاه
1) . من حاد عنه يحيد: مال وعدل.
وعجزه وفخذه قائمة على الأرض ينظر إليه المسلمون ويضحكون منه، غيري قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جاء عمرو بن عبد ود ينادي هل من مبارز فكعتم(1)عنه كلّكم. فقمت أنا.
فقال لي النبي صلىاللهعليهوآله: إلى أين تذهب قلت: إلى هذا الفاسق. فقال: إنّه عمرو بن عبد ود فقلت فانا علي بن أبي طالب. فأعاد علي الكلام، وأعدت عليه. فقال: امض على اسم اللّه، فلمّا قربت منه قال: من الرجل قلت: علي بن أبي طالب.
قال: كفو كريم، ارجع يا ابن أخي فقد. كان لأبيك معي صحبة ومحادثة. فأنا أكره قتلك. فقلت له: يا عمرو إنّك قد عاهدت اللّه أنّه لا يخيّرك أحد ثلاث خصال إلاّ اخترت إحداهن. فقال: اعرض علي. قلت: تشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا رسوله، وتقرّ بما جاء من عنده. قال: هات غيرها. قلت: ترجع من حيث جئت.
قال: واللّه لا تحدّث نساء قريش بهذا أنّي رجعت عنك. فقلت: فانزل فاقاتلك.
قال: أمّا هذه فنعم. فنزل، فاختلفت أنا وهو ضربتين. فأصاب سيفه رأسي، وضربته ضربة. فقتله اللّه على يدي. ففيكم أحد فعل هذا غيري قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء مرحب وهو يقول:
أنا الّذي سمّتني امّي مرحب ***شاكي السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا وحينا أضرب
فخرجت إليه فضربني وضربته فقتلته. ففيكم أحد فعل هذا غيري قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أنزل اللّه فيه آية التطهير على رسوله «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فأخذ النبي صلىاللهعليهوآله كساء
1) . كعت عن الشيء: إذا هبته وجبنته.
خيبريا فضمنّي فيه، وفاطمة والحسن والحسين ثم قال: «يا رب هؤاء أهل بيتي. «فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا»(1)» قالوا: اللهم لا(2).
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله «أنا سيّد ولد آدم وأنت يا علي سيّد العرب» قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد كان النبي صلىاللهعليهوآله في المسجد إذ نظر إلى شيء فبادره و لحقه أصحابه. فانتهى إلى سودان أربعة يحملون سريرا. فقال لهم: ضعوه فوضعوه فقال: اكشفوا عنه فإذا أسود مطوّق بالحديد. فقال النبي صلىاللهعليهوآله: من هذا قالوا: غلام آل فلان كان قد أبق عنهم «فأخذوه فقيّدوه فمات» فأمرونا أن ندفنه في حديده كما هو فنظرت إليه. فقلت: ما رآني هذا قط إلاّ قال: أنا واللّه احبّك، واللّه ما أحبّك إلاّ مؤن وما أبغضك إلاّ كافر. فقال النبي صلىاللهعليهوآله: «يا علي لقد أثابه اللّه بهذا بسبعين قبيلا من الملائكة كل قبيل ألف نزلوا يصلّون عليه. ففكّ النبي صلىاللهعليهوآله حديدته، وصلّى عليه ودفنه» قالوا: اللهمّ لا.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله مثل ما قال لي قال «اذن لي البارحة في الدعاء. فما سألت ربّي شيئا إلاّ أعطانيه، وما سألت لنفسي شيئا إلاّ سألت لك مثله فقلت: الحمد للّه» قالوا: اللهمّ لا. قال: نشدتكم باللّه هل علمتم أنّ النبي صلىاللهعليهوآله بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة. ففعل ما فعل، فصعد النبي صلىاللهعليهوآله المنبر فقال: «اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد» ثلاث مرات ثم قال: «يا علي اذهب فأعطهم الدية». فذهبت فوفّرت ديتهم. ثم ناشدتهم باللّه هل بقي شيء فقالوا:
فميلغة كلابنا، وعقال بعيرنا(1)، فأعطيتهم لهما، وبقي معي ذهب كثير فأعطيتهم إيّاه، وقلت: هذا لذمة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ولما تعلمون ولما لا تعلمون، ولروعات النساء والصبيان. ثم جئت إلى النبي صلىاللهعليهوآله. فأخبرته فقال: واللّه ما يسرّني انّ لي بما صنعت حمر النعم» قالوا: اللهمّ نعم.
قال: نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلىاللهعليهوآله يقول لي: «لقد عرضت علي امتي البارحة فمرّ بي أصحاب الرايات. فاستغفرت لك ولشيعتك» قالوا: اللهمّ نعم قال: نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلىاللهعليهوآله قال لأبي بكر: «اذهب فاضرب عنق ذلك الرجل الّذي تجده في موضع كذا وكذا. فرجع فقال له: قتلته قال: لا، وجدته يصلّي، قال يا عمر: اذهب فاقتله. فرجع. فقال له: قتلته قال: لا، وجدته يصلّي فقال: أمرتكما بقتله فتقولان وجدناه يصلّي فقال لي: اذهب فاقتله. فلمّا مضيت قال: إن أدركه قتله. فرجعت فقلت: لم أجد أحدا. قال: صدقت أما إنّك لو وجدته لقتلته» قالوا: اللهمّ نعم.
قال: نشدتكم باللّه هل علمتم أنّ عائشة قالت للنبي صلىاللهعليهوآله: «إنّ إبراهيم ليس منك، وانّه ابن فلان القبطى» فقال: «يا علي فاذهب فاقتله» فقلت: «يا رسول اللّه إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمي في الوبر أو اتثبّت» قال: «لا. بل تثبّت» فذهبت فلما نظر اليّ استند إلى حائط. فطرح نفسه فيه. فطرحت نفسي على أثره. فصعد على نخلة، وصعدت خلفه. فلمّا رآني قد صعدت رمى بإزاره. فإذا ليس له شيء
1) . الميلغة والميلغ: الاناء من خشب يجعل لبلغ فيه الكلب. يكون عند أصحاب الغنم. يعنى أعطاهم قيمة كل مال ذهب لهم حتّى قيمة الميلغة والعقال.
ممّا يكون للرجال، فجئت فأخبرت النبي صلىاللهعليهوآله فقال: «الحمد للّه الّذي صرف عنّا السوء أهل البيت» قالوا: اللهمّ نعم.
قال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلىاللهعليهوآله كما قال لي: «انّ وليّك في الجنّة، وعدوّك في النار» قالوا: اللهمّ لا قال: اللهمّ اشهد(1).
قال تعالى: «لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماء»(2).
وقال تعالى: «يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُم»(3).
وقال تعالى: «وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْض»(4).
قال ابن عباس: فرض اللّه تعالى الاستغفار لعلي عليهالسلام في القرآن على كل مسلم بقوله تعالى: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلاِءِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالاْءِيمانِ»(5)فكلّ من أسلم بعد علي عليهالسلام فهو يستغفر لعليّ عليهالسلام وقال ابن عباس أيضا: السبّاق ثلاثة: سبق يوشع بن نون إلى موسى عليهالسلام وسبق صاحب يس إلى عيسى عليهالسلام وسبق علي بن أبي طالب عليهالسلام إلى محمّد صلىاللهعليهوآله(6).
قال: وقال عفيف بن قيس الكندي: كنت في الجاهلية عطّارا. فقدمت مكه. فنزلت على العباس بن عبدالمطلب، فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة وقد تحلّقت الشمس في السماء، أقبل شابّ كأنّ وجهه القمر حتّى رمى ببصره إلى
السماء. فنظر إلى الشمس ساعة. ثم أقبل حتّى دنا من الكعبة. فصفّ قدميه يصلّي. فخرج على أثره فتى كأنّ وجهه صفيحة يمانية. فقام عن يمينه فجاءت امرأة متلففة في ثيابها. فقامت خلفهما. فأهوى الشاب راكعا فركعا معه ثم أهوى إلى الأرض ساجدا فسجدا معه. فقلت للعباس: يا أبا الفضل أمر عظيم. فقال: أمر واللّه عظيم. أ تدري من هذا الشاب قلت: لا. قال: هذا ابن أخي محمّد ابن عبداللّه. أ تدري من هذا الفتى قلت: لا. قال: هذا ابن أخي علي بن أبي طالب. أ تدري من المرأة قلت: لا. قال هذه ابنة خويلد بن أسد بن عبدالعزّى، هذه خديجة زوج محمّد هذا. وإنّ محمّدا هذا يذكر أنّ إلهه إله السماء والأرض أمره بهذا الدين. فهو عليه كما ترى، ويزعم أنّه نبي، وقد صدّقه على قوله علي ابن عمّه، هذا الفتى، وزوجته خديجة، هذه المرأة، واللّه ما أعلم على وجه الأرض كلّها أحدا على هذا الدين غير هؤاء الثلاثة. فقلت له: فما تقولون أنتم قال: ننتظر الشيخ ما يصنع. يعني أبا طالب أخاه(1).
وقال السدّي: إنّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمة عليهالسلام فردّهما النبي صلىاللهعليهوآله وقال: لم اومر بذلك. فخطبها علي عليهالسلام فزوّجه إيّاها، وقال لها زوّجتك أقدم الامّة إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما، وما زوّجتك إلاّ بأمر من السماء أما علمت أنّه أخي في الدنيا والآخرة ورواه جابر بن عبداللّه، و ابن عباس، وام أيمن، وأسماء بنت عميس(2).
وقال عبّاد بن عبداللّه الأسدي: سمعت عليّا عليهالسلام يقول: أنا عبداللّه وأخو رسوله،
وأنا الصّديق الأكبر، لا يقولها غيري إلاّ كذّاب، وقد صلّيت قبل الناس سبع سنين(1).
و روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلىاللهعليهوآله قال: لقد صلّت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك انّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره(2).
وفي (الطبري) عن ابن عباس قال: قال عليّ عليهالسلام لما نزلت: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(3)على النبي صلىاللهعليهوآله دعاني فقال: انّ اللّه أمرني أن انذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره. فصمتّ عليه حتّى جاءني جبرئيل فقال: يا محمّد إن لا تفعل يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسّا من لبن. ثم اجمع لي بني عبدالمطلب حتّى أكلّمهم وأبلّغهم ما أمرت به.
ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب. فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم. فجئت به. فلمّا وضعته تناول النبي صلىاللهعليهوآله حذية من اللحم فشقّها بأسنانه. ثم ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال: خذوا بسم اللّه. فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء من حاجة، وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم اللّه الّذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم. ثم قال: اسق القوم. فجئتهم بذلك العسّ. فشربوا منه حتّى رووا منه جميعا، وأيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلمّا أراد
النبي صلىاللهعليهوآله أن يكلّمهم بدره أبو لهب فقال: لشدّ ما سحركم صاحبكم فتفرقوا ولم يكلّمهم. فقال: الغد يا علي انّ هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت. فتفرقوا قبل ان أكلّمهم. فعد لنا من الطعام بمثل ما فعلت، ثم اجمعهم إليّ ففعلت ثم دعا بالطعام، فقرّبته إليهم، ففعل كما فعل بالأمس. فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة. ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا. ثم تكلّم النبي صلىاللهعليهوآله فقال:يا بني عبدالمطلب إنّي واللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه. فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي، وخليفتي فيكم. فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت، وأنا لأحدثهم سنّا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثم قال: «إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا» فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
وروى قريبا عنه منه ربيعة بن ناجد عنه عليهالسلام(1).
ظفر عليهالسلام يوم الجمل بمروان وابن الزبير، وسعيد ابن العاص، وهم مبغضوه لا سيّما الأوّلان فعفا عنهم تكرّما.
ولما قال طلحة بن عثمان العبدري صاحب لواء المشركين يوم أحد: يا معشر أصحاب محمّد إنّكم تزعمون أنّ اللّه يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا
1) . تاريخ الطبري: 62/2 ـ 63.
إلى الجنّة، فهل منكم أحد يعجّله اللّه بسيفي إلى الجنّة، أو يعجّلني بسيفه إلى النار فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والّذي نفسي بيده لا افارقك حتّى اعجّلك بسيفي إلى النار. أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة. فضربه علي عليهالسلام فقطع رجله فسقط. فانكشفت عورته، فقال: انشدك اللّه والرحم يا ابن عم. فتركه. فكبّر النبي صلىاللهعليهوآله وقال لعليّ عليهالسلام أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه قال: إنّ ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه(1).
ولمّا كشف عمرو بن العاس ـ وبمعاونته تمكن معاوية من مقابلته معه عليهالسلام ـ يوم صفين عورته(2).وبعده بسر بن أرطاة ـ وهو الّذي قتل كثيرا من شيعته وكان يسبّه أيضا ـ عورته لئلاّ يقتلهما عليهالسلام تركهما تكرّما(3).
أي: اجعلوا آذانكم وعاء لمنطقي. كناية عن حفظه والعمل به.
أي: أمر الخلافة.
أي: يوم الشورى الّتي جعلها عمر.
أي: تسلّ.
فان جعله شورى لم يكن باقلّ فسادا من منعه النبي صلىاللهعليهوآله عن الوصية. كما اعترف به محمّد بن سليمان حاجب الحجاب، كما نقل عنه ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليهالسلام للمغيرة بن أخنس(1).
وفي (خلفاء ابن قتيبة): لمّا قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد، وامتنع الحسين عليهالسلام وامتنع ابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير، أخرجهم معه إلى مكّة، وأمر بنصب منبر قرب الكعبة، وأحضرهم فقال لهم: انّي أتقدّم اليكم، وقد أعذر من أنذر. إنّي قائل مقالة فاقسم باللّه لئن ردّ علي رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتّى يضرب رأسه. فلا ينظر امرؤمنكم إلاّ إلى نفسه، ولا يبقي إلاّ عليها ـ وأمر أن يقوم على رأس كلّ رجل منهم رجلان ـ بسيفيهما. فإن تكلّم بكلمة يردّ بها عليه قوله قتلاه، وخرج وأخرجهم معه حتّى رقى المنبر، وحفّ به أهل الشام، واجتمع الناس. فقال بعد حمد اللّه: «إنّا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار. قالوا: إنّ حسينا، وابن أبي بكر، وابن عمر وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، وهؤاء الرهط سادة المسلمين، وخيارهم. لا نبرم أمرا دونهم، ولا نقضي أمرا إلاّ عن مشورتهم، وإنّي دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين، فبايعوا وسلّموا وأطاعوا».
فقال أهل الشام: وما يعظم من أمر هؤاء ائذن لنا لنضرب أعناقهم فنحن لا
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 24/9.
نرضى حتّى يبايعوا علانية. فقال معاوية: «سبحان اللّه ما أسرع الناس إلى قريش بالشرّ وما أحلّ دماءهم عندهم أنصتوا فلا اسمع هذه المقالة من أحد. ثم قربت رواحله فركب ومضى، فقال الناس للحسين عليهالسلام وأصحابه: قلتم لا نبايع فلمّا دعيتم وارضيتم بايعتم، قالوا: لم نفعل، قالوا: بلى قد فعلتم وبايعتم. أفلا أنكرتم قالوا: خفنا القتل، وكادكم بنا، وكادنا بكم(1).
و لما رغّب معاوية ـ في الشام ـ الوافدين عليه في الخطبة ليزيد تكلّم الضحّاك بن قيس، وعمرو بن سعيد. ثم قام يزيد بن المقفع فقال: الخليفة هذا وأشار إلى معاوية فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد فمن أبى فهذا وأشار إلى سيفه. فقال له معاوية: اجلس فانّك سيّد الخطباء(2).
قال أبو إسحاق: قال معاوية بالنخيلة أي بعد أخذه البيعة من الحسن عليهالسلام بشرائط وعهود: ألاّ إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق وكان واللّه غدّارا(3).
وقال سعيد بن سويد: صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال: إنّي واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا، ولا لتزكّوا إنكم لتفعلون ذلك، وانّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون.
قال شريك في حديثه هذا هو التهتّك(1).
قول معاوية وإن كان تهتّكا إلاّ أنّه كان قولا صدقا في إخباره عن نفسه بعيدا من الرياء والنفاق، بخلاف قول من أسّس له ذلك في تخلّفه تارة عن جيش بعذر عدم قبول قلبه ترك النبي في تلك الحالة، وفي منعه للنبيّ صلىاللهعليهوآله عن الوصية اخرى بكفاية القرآن لهم، وثالثة بعد موت النبي صلىاللهعليهوآله بأنّه لا يمكن أن يموت لغرض وصول أبي بكر إليه، ورابعة لتقديم صاحبه بأن جعله الخليفة أولى من أمره بالصلاة لكون الصلاة أمرا دينيا والخلافة امرا دنيويا.
في (الطبري) ـ بعد ذكر وصول رسول عبيد اللّه بن زياد إلى الحر ـ أنّ أبا الشعثاء الكندي من أصحاب الحسين عليهالسلام نظر إلى الرسول فقال: أ مالك بن التسير البدي قال: نعم فقال له: ثكلتك أمّك ما ذا جئت فيه قال: وما جئت فيه أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي. فقال له أبو الشعثاء: عصيت ربّك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك كسبت العار والنار. قال اللّه عزّ وجلّ «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ»(2)فهو إمامك(3).
نبّههم عليهالسلام في قوله «لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ، وصلة رحم، وعائدة كرم» على ما فطر اللّه تعالى العقول عليه من وجوب تقديم الأفضل، وخبطهم في اختيار أبي بكر، وفي قوله: «عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه
السيوف، وتخان فيه العهود حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضّلالة، وشيعة لأهل الجهالة» على أنّهم إن اختاروا عثمان ـ كما دبّر عمر لقريش المنافقين ـ يترتب عليه تلك المفاسد من سلطنة بني اميّة المشتملة على تلك الامور من انتضاء السيوف في طلب الخلافة، وخيانة العهود، وغير ذلك. قال النّظام مخاطبا عبدالملك بعد نقل خطبته لمّا بويع: «إنّي واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف (يعني عثمان) ولا بالخليفة المداهن (يعني معاوية) ولا بالخليفة المأفون (يعني يزيد)» قال ابو اسحاق: «و اللّه لو لا نسبك من هذا المستضعف، وسببك من هذا المداهن لكنت منها أبعد من العيّوق»(1).
1) .البيان والتبيين: 334 والبيان والتبيين: 168/2 الناشر: دار ومكتبة الهلال.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في النهي عن غيبة الناس: وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ ـ وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخًا وَعَيَّرَهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ ـ فَقَدْ عَصَى اللّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَايْمُ اللّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجُرْأَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَاللّهِ لاَ تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَلاَ تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ
قال الجوهري: اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم الغيبة، وهو ان يتكلّم خلف
إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه، فإن كان صدقا فهو غيبة، وإن كذبا سمّي بهتانا(1).
وعن أبي الحسن عليهالسلام من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه(2).
وعن الصادق عليهالسلام الغيبة أن تقول في أخيك ممّا ستره اللّه عليه، أما الأمر الظاهر مثل الحدّة والعجلة فلا(3).
أي: من عصمه اللّه بلطفه من معصيته.
أي: المنعم عليهم من اللّه تعالى في السلامة من الذنوب والعيوب.
حيث أعدّوا لأنفسهم العقوبة ولمثلهم يحق الترحّم «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤنَ»(4).
حيث عصمهم اللّه تعالى ولم يتيسر لهم أسباب المعصية مثل أولئك قال تعالى:
«الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّهُ...»(1)، وقال تعالى: «لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا...»(2).
أي: المانع.
أي: عن أهل الذنوب بترك ذمّهم.
و مع ذلك فالغيبة من الكبائر، ويكفي في ذمّها قوله تعالى: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ...»(3).
وقال النبيّ صلىاللهعليهوآله في خطبته في حجّة الوداع: أيّها الناس إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إن اللّه حرم الغيبة كما حرم المال والدم(4).
و سمع علي بن الحسين عليهماالسلام رجلا يغتاب آخر فقال: لكلّ شيء إداما و إدام كلاب النار الغيبة(5).
وفي حديث ابن عباس: إنّ رجلين من أصحاب النبي صلىاللهعليهوآله اغتابا بحضرته رجلا ـ والنبيّ صلىاللهعليهوآله يمشي وهما معه ـ فمر على جيفة فقال لهما: انهشا منها. فقالا: أو
ننهش الجيفة. فقال صلىاللهعليهوآله لهما: ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه(1).
وفي حديث البراء بن عازب: خطبنا النبيّ صلىاللهعليهوآله حتى أسمع العواتق في بيوتهن: ألا لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّه من اتبع عورة أخيه يتتبع اللّه عورته، ومن يتتبع اللّه عورته يفضحه في جوف بيته(2).
وفي حديث أنس: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله في يوم صوم: إنّ فلانة وفلانة كانتا تأكلان اليوم شحم امرأة مسلمة ـ يعني بالغيبة ـ فلتقيئا. فقاءت كلّ واحدة منهما علقة دم(3).
و روى جابر وأبو سعيد عن النبي صلىاللهعليهوآله: إيّاكم والغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل يزني فيتوب اللّه عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر صاحبه...(4).
و روى (الكافى) عن نوف البكالي قال: أتيت أمير المؤنين عليهالسلام وهو في رحبة مسجد الكوفة ـ فقلت له: عظني. فقال: اجتنب الغيبة فإنّها إدام كلاب النار، يا نوف كذب من زعم أنّه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة(5).
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله: الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه(6).
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 61/9.
2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 60/9 وعوالى اللئالى 277/1/ ح 104.
3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 61/9.
4) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 60/9؛ بحار الأنوار: 222/72.
5) . الأمالي للصدوق: 209/ م 37/ ح 9؛ بحار الأنوار: 248/72/ ح 13.
6) .الكافي: 357/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 220/72/ ح 1.
وعن الصادق عليهالسلام من قال في مؤن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ»(1)،(2).
وقال ابن أبي الحديد: وروي أن أبا بكر وعمر ذكرا رجلا عند النبي صلىاللهعليهوآلهد فقال أحدهما: إنّه لنؤم، ثم اخرج النبيّ صلىاللهعليهوآله خبزا قفارا فطلبا منه أدما فقال: قد ائتد متما. قال: ما نعلمه قال: بلى أكلتما من لحم صاحبكما(3).
قال ابن أبي الحديد: كان أحدهما قائلا والآخر مستمعا، والمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلاّ بأن ينكر(4).
وبلغ الحسن أنّ رجلا اغتابه، فأهدى إليه طبقا من رطب، فجاء الرجل معتذرا وقال: اغتبتك وأهديت لي قال: إنّك أهديت إليّ حسناتك فأردت أن أكافئك(5).
يعني إذا كان العائب أخاه سالما مما عابه كان فعل قبيحا، فكيف إذا كان مثله.
كان رجل من المتزمتين(6)لا يزال يعيب النبيذ وشربه فإذا وجده سرّا شربه،
فقال فيه بعض جيرانه:
1) . النور: 19.
2) .الكافي: 357/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 240/72/ ح 2.
3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/ 68.
4) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 69/9.
5) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 69/9؛ بحار الأنوار: 243/72.
6) . من تزمّت إذا توقّر في مجلسه، ومنه الزّميت أي الوقور الساكن القليل الكلام، والزّمّيت: أو قر منه.
وعيابة للشرب لو أنّ امّه ***تبول نبيذا لم يزل يستبيلها(1)
أي: بابتلائه.
عن الصادق عليهالسلام من عيّر مؤنا بذنب لم يمت حتى يركبه(2)،(3).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام من لقي أخاه بما يؤبه أنّبه(4)اللّه تعالى في الدّنيا والآخرة(5).
أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ في الخبر لو لا منّ اللّه تعالى على عباده بالستر عليهم لما دفن الناس كثيرا منهم لشنائع أعمالهم(6).
وفي خبر في إقرار امرأة بالزنا عند أمير المؤنين عليهالسلام وأمره بجمع الناس لحدّها ـ: «أيّها النّاس إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحد، فعزم
1) . عيون الاخبار لابن قتيبة: 24/2.
2) . يدل على أنّه لا ينبغي تعيير مؤن بشيء وإن كان معصية سيما على رءوس الخلائق وهذا لا ينافى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لان المطلوب منهما النصح لا التأنيب آت.
3) .الكافي: 356/2/ ح 3؛ بحار الأنوار: 384/70/ ح 2.
4) . أنبه تأنيبا: عنفه ولامه. وتأنيبه تعالى إمّا حقيقة ففى الآخرة وإمّا افشاء عيوبه وابتلائه بمثله في الدنيا وعقابه على التأنيب في الآخرة.
5) . الكافي: 356/2/ ح 4؛ بحار الأنوار: 385/70/ ح 3.
6) . بهج الصباغة: 332/13.
عليكم لما خرجتم وأنتم متنكرون ومعكم أحجاركم لا يتعرّف أحد منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم» فلما أصبح أمير المؤنين عليهالسلام بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس متنكرين متلثمين بعمائمهم وبأرديتهم والحجارة في أيديهم وفي أكمامهم، حتى انتهى بها والناس معه إلى الظهر بالكوفة، فأمر لها أن يحفر حفيرة ثم دفنها فيها ثم ركب بغلته وأثبت رجليه في غزر الركاب ثم وضع إصبعيه السبابتين في اذنيه ثم نادى بأعلى صوته: أيّها الناس إنّ اللّه عز وجل عهد إلى نبيّه صلىاللهعليهوآله أنّه لا يقيم الحدّ من له عليه حد، فمن كان له عليه مثل ما له عليها فلا يقيم الحد.
فانصرف الناس يومئذ كلّهم ما خلا أمير المؤنين والحسن والحسين عليهمالسلام...(1).
عن أبي جعفر عليهالسلام كفى بالمرء عيبا أن يتعرّف من عيوب الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه، أو يعيب على الناس أمرا هو فيه لا يستطيع التحوّل عنه إلى غيره، أو يؤي جليسه بما لا يعنيه(2).
وقال الشاعر:
اسكت ولا تنطق فإنّك خياب ***كلك ذو عيب وأنت عياب(3)
وقال أيضا:
كل عياب له منظرَّ ***مشتمل الثوب على العيب(4)
وكان أبو الهندي غلب عليه الشراب على كرم منصبه، فجلس إليه رجل يعرف
ببرزين المناقير ـ وكان أبوه صلب في خرابة ـ والخرابة عندهم سرق الإبل خاصة ـ فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه(1).
عن الصادق عليهالسلام من روى على مؤن رواية يريد بها شينه وهدم مروته ليسقطه من أعين الناس أخرجه اللّه تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان(2).
عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: أنّ اللّه تعالى يحبّ العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم، ويبغض العبد أن يستخف بالجرم الصغير(3)، فلعلّ الأول استغفر من كبير ذنبه ولا ذنب مع الاستغفار، وهو أصرّ على صغير ذنبه ولا صغيرة مع الإصرار، ومما لا يغفر ذنب تستصغره.
في الخبر: التقى حكيمان فقال أحدهما لآلخر: وَاللّهِ يَا أَخِي إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللّهِ
قَالَ لَوْ عَلِمْتَ مِنِّي مَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي لَأَبْغَضْتَنِي فِي اللّهِ فَقَالَ وَاللّهِ يَا أَخِي لَوْ عَلِمْتُ مِنْكَ مَا تَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِكَ لَمَنَعَنِي مِنْ بُغْضِكَ مَا أَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِي(1).
وخطب أمير المؤنين عليهالسلام فقال: أيّها الناس إنّ الذّنوب ثلاثة ذنب مغفور وذنب غير مغفور وذنب يرجى لصاحبه ويخاف عليه: أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه اللّه تعالى على ذنبه في الدّنيا واللّه تعالى أكرم من أن يعاقب عبده مرتين، وأمّا الذنب الذي لا يغفره اللّه فظلم العباد بعضهم لبعض. إنّ اللّه تعالى إذا برز للخليقة أقسم قسما على نفسه فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوز في ظلم ظالم ولو كفا بكف ولو مسحة بكفّ لو نطحة ما بين القرناء والجماء فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة ثم يبعثهم اللّه للحساب، وأمّا الذنب الثالث فذنب ستره اللّه تعالى على خلقه ورزقه التوبة منه فأصبح خائفا من ذنبه راجيا لربّه(2).
في تحقيق معنى الغيبة والأدلّة الواردة في حرمتها وما يترتّب عليها من العقوبات ودواعيها ومستثنياتها وعلاجها وكفارتها.
و قد حقّق الكلام فيها علمائنا البارعون قدّس اللّه أرواحهم في كتب الأخلاق و
الفقه في مقدّمات أبواب المعايش بما لا مزيد عليه، بل قد أفرد بعضهم لتحقيقها رسالة مستقلّة فنورد بعض ما فيها حسب ما اقتضته الحال والمجال لكونها من أعظم عثرات الانسان وأوبق آفات اللّسان، فأقول وباللّه التّوفيق:
الكلام في المقام في امور:
في تحقيق معناها قال الفيومى اغتابه اغتيابا إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حقّ والاسم الغيبة فان كان باطلا فهو الغيبة في بهت(1)، وفي القاموس غابه عابه وذكره بما فيه من السوء، كاغتابه والغيبة بالكسر فعلة منه(2)، وعن الصّحاح الغيبة أن يتكلّم خلف انسان مستور بما يغمّه لو سمعه، فان كان صدقا سمّى غيبة فان كان كذبا سمّى بهتانا(3).
وعن النّبي صلىاللهعليهوآله وقد سأله أبو ذر عن الغيبة: أنّها ذكرك أخاك بما يكرهه(4).
وفي رواية اخرى عنه صلىاللهعليهوآله أ تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال صلىاللهعليهوآله: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتّه(5).
و الظاهر أن يكون المراد بالذكر في كلامه وكلام غيره كما فهمه الأصحاب الأعمّ من الذكر القولي وإن كان عبارة الصّحاح تفيد الاختصاص، فكلّ ما يوجب
التذكر للشّخص من القول والفعل والاشارة وغيرها فهو ذكر له، وممّن صرّح بالعموم ثاني الشهيدين وصاحب الجواهر وشيخنا العلاّمة الأنصاري في المكاسب.
قال الغزالي: إنّ الذكر باللّسان إنّما حرم لأنّ فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتّعريض به كالتّصريح، والفعل فيه كالقول، والاشارة والايماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكلّ ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، فمن ذلك قول عايشة دخلت علينا امرأة فلمّا ولّت أومأت بيدي أنّها قصيرة فقال عليهالسلام اغتبتها، ومن ذلك المحاكاة كأن يمشي متعارجا أو كما يمشي لأنّه أعظم في التّصوير والتّفهيم ولما رأى صلىاللهعليهوآله عايشة حاكت امرأة قال صلىاللهعليهوآله ما يسرّني انّى حاكيت انسانا ولي كذا وكذا، وكذلك الغيبة بالكتابة فانّ القلم أحد اللّسانين(1).
قال شيخنا العلاّمة الانصاري: ومن ذلك تهجين المطلب الذى ذكره بعض المصنّفين بحيث يفهم منه الازراء بحال ذلك المصنّف فانّ قولك: إنّ هذا المطلب بديهى البطلان تعريض لصاحبه بأنّه لا يعرف البديهيات، بخلاف ما إذا قيل إنّه مستلزم لما هو بديهى البطلان، لأنّ فيه تعريضا بأنّ صاحبه لم ينتقل إلى الملازمة بين المطلب وبين ما هو بديهيّ البطلان، ولعلّ الملازمة نظريّة(2)، هذا.
و المراد من الأخ في النبويّين كما صرّح به غير واحد من الأعلام هو المسلم فانّ غيبة الكافر وإن تسمّى غيبة في اللّغة إلاّ أنّها لا يترتّب عليها حكم الحرمة إذ لا اخوّة بينه وبين المسلم، بل لا خلاف في جواز غيبتهم وهجوهم وسبّهم ولعنهم
وشتمهم ما لم يكن قذفا وقد أمر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حسّانا بهجوهم، وقال: انّه أشدّ عليهم من رشق النّبال(1).
و بذلك يظهر اشتراك المخالفين للمشركين في جواز غيبتهم كما يجوز لعهنم لانتفاء الاخوّة بينهم وبين المؤنين، ولذلك قال ثاني الشّهيدين في حدّها: وهو القول وما في حكمه في المؤن بما يسوءه لو سمعه مع اتّصافه به(2)، وفي جامع المقاصد وحدّها على ما في الأخبار أن يقول المرء في أخيه ما يكرهه لو سمعه ممّا فيه(3)، ومن المعلوم أنّ اللّه تعالى عقد الاخوّة بين المؤنين بقوله: «إنّما المُؤِنُونَ إخْوَة»(4)، دون غيرهم وكيف يتصوّر الاخوّة بين المؤن والمخالف بعد تواتر الرّوايات وتظافر الآيات في وجوب معاداتهم والبراءة منهم.
فانقدح بذلك فساد ما عن الأردبيلي(5)والخراساني رحمهالله(6)من المنع عن غيبة المخالف نظرا إلى عموم أدلّة تحريمها من الكتاب والسنّة لأنّ قوله تعالى: ولا يغتب، خطاب للمكلّفين أو لخصوص المسلمين، وعلى التّقديرين فيعمّ المخالف والسّنة أكثرها بلفظ النّاس والمسلم وهما معا شاملان للجميع ولا استبعاد في ذلك اذ كما لا يجوز أخذ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عرضه.
و وجه ظهور الفساد أنّ ذيل الآية مفيد لاختصاص الخطاب بالمؤنين، لأنّ تعليل النّهى عنها بأنّها بمنزلة أكل لحم الأخ يدلّ على اختصاص الحرمة بمن كان
بينه وبين المغتاب اخوّة.
قال شيخنا العلامة: وتوهّم عموم الآية كبعض الرّوايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الاسلام عليهم إلاّ قليلا مما يتوقّف استقامة نظام معاش المؤنين عليه، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرّطوبة، وحلّ ذبايحهم ومناكحهم وحرمة دمائهم، لحكمة دفع الفتنة وفسادهم لأنّ لكلّ قوم نكاح أو نحو ذلك(1).
وقال صاحب الجواهر بعد نقل كلام الأردبيلي: ولعلّ صدور ذلك منه لشدّة تقدّسه وورعه، لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النّصوص بل تواترت من لعنهم وسبّهم وشتمهم وكفرهم وأنّهم مجوس هذه الامّة وأشرّ من النّصارى وأنجس من الكلاب أنّ مقتضى التّقدّس والورع خلاف ذلك، وصدر الآية: الّذين آمنوا، وآخرها التشبيه بأكل لحم الأخ «إلى أن قال» وعلى كلّ حال فقد ظهر اختصاص الحرمة بالمؤنين القائلين بامامة الأئمة الاثنى عشر دون غيرهم من الكافرين والمخالفين ولو بانكار واحد منهم(2).
ثمّ الظّاهر من المؤن المغتاب بالفتح أعمّ من أن يكون حيّا أو ميّتا ذكرا أو انثى بالغا أو غير بالغ مميّزا أو غير مميّز، وقد صرّح بالعموم شيخنا السيّد العلاّمة طاب رمسه في مجلس الدّرس، ومثله كاشف الرّيبة حيث صرّح بعدم الفرق بين الصّغير و الكبير وظاهره الشّمول لغير المميّز أيضا(3).
وقال شيخنا العلاّمة الأنصاري (قد): الظاهر دخول الصّبي المميّز المتأثّر بالغيبة
لو سمعها، لعموم بعض الرّوايات المتقدّمة وغيرها الدّالة على حرمة اغتياب النّاس وأكل لحومهم مع صدق الأخ عليه كما يشهد به قوله تعالى: «وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ»(1).مضافا إلى إمكان الاستدلال بالآية وإن كان الخطاب للمكلّفين بناء على عدّ أطفالهم منهم تغليبا وامكان دعوى صدق المؤن عليه مطلقا أوفي الجملة(2).
و على ما ذكرناه من التّعميم فلا بدّ أن يراد من السّماع في تعريفهم لها بأنّها ذكر المؤن بما يسوءه لو سمعه الأعمّ من السّماع الفعلي، والمراد بالموصول فيما يسوءه ما يكره ظهوره سواء كره وجوده كالجذام والبرص ونحوهما أم لا كالميل إلى القبائح.
والمستفاد من بعض الرّوايات كغير واحد من الأصحاب(3)عدم الفرق في ما يكره بين أن يكون نقصا في الدّين أو الدّنيا أو البدن أو النّسب أو الخلق أو الفعل أو القول أو ما يتعلّق به من ثوبه أو داره أو دابّته أو غير ذلك.
أمّا في الدّين فكقولك هو سارق أو كذّاب أو شارب الخمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصّلاة أو الزّكاة أو لا يحسن الرّكوع أو السّجود أو لا يحترز من النّجاسات أو ليس بارّا بوالديه.
وأمّا في الدّنيا فكقوله إنّه قليل الأدب متهاون بالنّاس أو لا يرى لأحد على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحقّ على النّاس أو أنّه كثير الكلام أو كثير الأكل أو كثير النّوم ينام في غير وقته.
وأما البدن فكما تقول إنّه طويل أو قصير أو أعمش أو أحول أو أقرع أو لونه أصفر أو أسود ونحو ذلك ممّا يسوئه.
وأمّا النسب فكقولك: أبوه فاسق أو خسيس أو حجام أو زبّال أو ليس بنجيب.
وأما الخلق فبأن تقول إنّه سيّء الخلق بخيل متكبّر مختال مراء شديد الغضب جبان عاجز ضعيف القلب متهوّر وما يجرى مجرى ذلك.
وأما الفعل فامّا أن يكون متعلّقا بالدّين أو الدّنيا وقد مرّ مثالهما.
وأمّا القول فكقولك إنّه كذّاب أو سبّاب أو أنّه تمتام أو أعجم أو ألكن أو ألثغ أو أليغ ونحو ذلك.
وأمّا في ثوبه فكقولك إنّه واسع الكم طويل الذّيل وسخ الثّياب ونحوها.
وأمّا في داره فكما تقول أنّه مفحص قطاة أى في الصّغر أو كدير النّصارى أو نحوهما.
وأمّا في دابّته فكقولك لحصانه إنّه برذون أو لبغلته إنّها بغلة أبي دلامة أى كثيرة العيوب ولأبى دلامة ذلك قصيدة في ذكر معايبها منها قوله:
أرى الشّهباء تعجن اذ غدونا ***برجليها وتخبزنا بيدين(1)
وما ترتّب عليها من الذّم والعقوبة: إنّها محرّمة بالأدلّة الأربعة أعنى الكتاب والسنّة والاجماع والعقل، فأمّا الاجماع فواضح، وأمّا العقل فلأنّها موجبة لفساد النظام وانفصام عروة الانتظام، وعليها تبنى القبائح ومنها يظهر العدوّ المكاشح
1) . الايضاح في علوم البلاغة: 285.
على ما مرّ توضيحه في شرح كلام الامام عليهالسلام.
وأما الكتاب فمنه قوله تعالى: «وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ»(1)، فجعل سبحانه المؤن أخا وعرضه كلحمه والتفكّه به أكلا وعدم شعوره بذلك بمنزلة حالة موته.
قال الفخر الرّازي: الحكمة في هذا التشبيه الاشارة إلى أنّ عرض الانسان كدمه ولحمه وهذا من باب القياس الظّاهر، وذلك لأنّ عرض المرء أشرف من لحمه، فاذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم النّاس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك ألم. وقوله: لحم أخيه آكدا في المنع لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ فقال تعالى أصدق الأصدقاء من ولدته امّك فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالى: ميتا، إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال: القول في الوجه يولم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤم، فقال: أكل لحم الأخ وهو ميّت أيضا لا يؤم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنّه لو اطلع عليه لتألّم كما أنّ الميّت لو أحسّ بأكل لحمه لآلمه ذلك هذا.
والضّمير في قوله: فكرهتموه، إمّا راجع إلى الأكل المستفاد من أن يأكل، أو إلى اللّحم، أى فكما كرهتم لحمه ميتا فاكرهوا غيبته حيّا، أو الميت في قوله ميّتا، والتّقدير أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميّتا متغيّرا فكرهتموه فكأنّه صفة لقوله ميتا ويكون فيه زيادة مبالغة في التّحذير يعني الميتة إن اكلت لسبب كان نادرا ولكن إذا أنتن وأروح وتغيّر لا يؤل أصلا فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة.
والفاء فيه يفيد التعلّق وترتّب ما بعدها على ما قبلها، وهو من تعلّق المسبّب
1) . الحجرات: 12.
بالسّبب وترتّبه عليه كما تقول جاء فلان ماشيا فتعب، لأنّ المشى يورث التّعب فكذا الموت يورث النفرة والكراهة إلى حدّ لا يشتهى الانسان أن يبيت في بيت فيه ميّت فكيف يقربه بحيث يأكل منه، ففيه إذا كراهة شديدة فكذلك ينبغي أن تكون حال الغيبة(1).
ومن الكتاب أيضا قوله سبحانه: «وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَة»(2)، قال اللّيث: الهمزة هو الّذي يعيبك بوجهك، واللّمزة الّذي يعيبك بالغيب، وقيل: الهمز ما يكون باللّسان والعين والاشارة، واللّمز لا يكون إلاّ باللّسان، وقيل: هما بمعنى واحد(3).
ومنه أيضا قوله: «لاَ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ»(4)، وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(5)
النور: 19.
عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال: من قال في مؤن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الّذين قال اللّه عزّ وجلّ «إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة»(6).وأما السنة فيدلّ عليها منها أخبار لا تحصى :
عن عليّ بن إبراهيم عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله الغيبة أسرع في دين الرّجل المسلم من الاكلة في جوفه. قال: وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: الجلوس في المسجد انتظار الصّلاة عبادة ما لم يحدث، قيل يا
رسول اللّه وما يحدث؟ قال: الاغتياب(1).
وعن أبي بصير عن النّبي صلىاللهعليهوآله في وصيّة له قال: يا أبا ذر إيّاك والغيبة فانّ الغيبة أشدّ من الزّنا، قلت: ولم ذاك يا رسول اللّه؟ قال لأنّ الرّجل يزني فيتوب إلى اللّه فيتوب اللّه عليه، والغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها يا أبا ذر سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه من معاصى اللّه وحرمة ماله كحرمة دمه، قلت: يا رسول اللّه وما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكرهه، قلت يا رسول اللّه فان كان فيه الذي يذكر به؟ قال: اعلم أنّك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه(2).
وعن زيد بن عليّ عن آبائه عليهمالسلام عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: تحرم الجنّة على ثلاثة: على المنّان، وعلى المغتاب، وعلى مدمن الخمر(3).
وعن أبي عبداللّه الشّامي عن نوف البكالي أنه قال: أتيت أمير المؤنين وهو في رحبة مسجد الكوفة فقلت: السّلام عليك يا أمير المؤنين ورحمة اللّه وبركاته فقال: وعليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته، فقلت: يا أمير المؤنين عظني، فقال: يا نوف أحسن يحسن إليك «إلى أن قال» قلت زدني قال: اجتنب الغيبة فانّها ادام كلاب النّار، ثمّ قال: يا نوف كذب من زعم أنّه ولد من حلال وهو يأكل لحوم النّاس بالغيبة(4).
وَقَالَ أَنَسٌ خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَذَكَرَ الرِّبَا وَعَظَّمَ شَأْنَهُ فَقَالَ إِنَّ الدِّرْهَمَ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللّهِ فِي الْخَطِيئَةِ مِنْ سِتٍّ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرَّجُلُ وَأَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِم(1)
وعن النبى صلىاللهعليهوآله من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه صلاته ولا صيامه أربعين صباحا إلاّ أن يغفر له صاحبه(2).
وعن النبى صلىاللهعليهوآله من اغتاب مؤنا بما فيه لم يجمع اللّه بينهما في الجنّة، ومن اغتاب مؤنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب خالدا في النّار وبئس المصير(3).
وعن النبى صلىاللهعليهوآله من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته كانت أوّل خطوة خطاها وضعها في جهنّم(4).
و روى أنّ المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنّة وإن لم يتب فهو أوّل من يدخل النّار(5).
وَقَالَ الصَّادِقُ عليهالسلام: الْغِيبَةُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهَا لَتَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ(6).
قال شيخنا (قد)(7): وأكل الحسنات إمّا أن يكون على وجه الاحباط
لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه، أو لأنها تنقل الحسنات إلى المغتاب كما في غير واحد من الأخبار ومن جملتها النبوى يؤى بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الرّب عزّ وجلّ ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته فيه، فيقول إلهي ليس هذا كتابي لا أرى فيه حسناتي، فيقال له: إنّ ربّك لا يضلّ ولا ينسى ذهب عملك باغتياب النّاس، ثمّ يؤى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة فيقول إلهى ما هذا كتابي فانّى ما عملت هذه الطاعات، فيقال له: إنّ فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك(1).
وعن حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أربعة تؤون أهل النّار على ما بهم من الأذى يسقون من الحميم والجحيم ينادون بالويل والثبور فيقول أهل النّار بعضهم لبعض: ما لهؤاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى: فرجل معلّق عليه تابوت من جمر، ورجل تجرى أمعاؤ صديدا ودما أسودنتنا، ورجل يسيل فوه قيحا ودما، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الاذى؟ فيقول: إنّ الأبعد مات وفي عنقه أموال النّاس لم يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء، ثمّ يقال للّذي يجرى امعاؤ: ما بال الأبعد قد آذانا على مابنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده، ثمّ يقال للّذي يسيل فوه قيحا ودما: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان يحاكي فينظر إلى كلّ كلمة خبيثة ويحاكي بها ثمّ يغتاب النّاس، ثمّ يقال للّذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما
1) .جامع الاخبار للشعيرى: 147؛ بحار الأنوار: 259/72.
بنا من الاذي؟ فيقول: إنّ الأبعد كان يأكل لحوم النّاس بالغيبة ويمشي بالنّميمة(1).
وعن النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال: مررت ليلة اسرى بي إلى السّماء على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرائيل من هؤاء؟ فقال: هؤاء الذين يغتابون النّاس ويقعون في أعراضهم(2).
و روى أنّه أمر بصوم يوم وقال: لا يفطرنّ أحد حتّى آذن له، فصام النّاس حتى إذا أمسوا جعل الرّجل يجيء فيقول: يا رسول اللّه ظللت صائما فأذن لي لأفطر فيأذن له، والرّجل والرّجل حتّى جاء رجل فقال: يا رسول اللّه فتاتان من أهلي ظللتا صائمتين فانّهما تستحيان أن يأتيانك فأذن لهما أن تفطرا فأعرض عنه، ثمّ عادوه فأعرض عنه، ثمّ عادوه فقال صلىاللهعليهوآله إنّهما لم تصوما وكيف صام من ظلّ هذا اليوم يأكل لحوم النّاس اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقائتا فقاءت كلّ واحدة منهما علقة من دم، فرجع إلى النّبيّ فأخبره، فقال صلىاللهعليهوآله: والّذي نفس محمّد بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النّار وفي رواية أنّه لما أعرض عنه جاءه بعد ذلك وقال: يا رسول اللّه إنّهما واللّه لقد قائتا وكادتا أن تموتا، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ائتوني بهما فجاءتا فدعى بقدح فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم صديد حتّى ملأت القدح، وقال للاخرى قيئي، فقاءت كذلك، فقال صلىاللهعليهوآله إنّ هاتين صامتا عمّا أحل اللّه وأفطرتا على ما حرّم اللّه عليهما، جلست إحداهما على الاخرى فجعلتا تأكلان لحوم النّاس(3).
قال شيخنا العلاّمة طاب رمسه(1): ثمّ إنّه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممّن يمدح المغتاب في حضوره، وهذا وإن كان في نفسه مباحا إلاّ أنّه إذا انضمّ مع ذمه في غيبته سمّى صاحبه ذا اللسانين يوم القيامة وتأكّد حرمته ولذا ورد في المستفيضة أنّه يجيء ذو اللسانين يوم القيامة وله لسانان من نار، فانّ لسان المدح في الحضور وإن لم يكن لسانا من نار إلاّ أنّه إذا انضمّ إلى لسان الذّم في الغياب صار كذلك.
عن حفص بن غياث عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام عن عليّ عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: من مدح أخاه المؤن في وجهه واغتابه من ورائه فقد انقطع مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعِصْمَةِ(2).
وعن الباقر عليهالسلام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطرى أخاه شاهدا ويأكله غائبا إن اعطى حسده وإن ابتلى خذله(3).
وهي كثيرة وقد أشار إليها الصّادق عليهالسلاماجمالا بقوله: الغيبة تتنوّع عشرة أنواع شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتصديق خبر بلا كشف، وتهمة، وسوء ظنّ، وحسد وسخرية، وتعجّب، وتبرّم، وتزيّن(4)و أمّا تفصيلها:
فالاول تشفى الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فانّه إذا هاج غضبه
يشتفى بذلك مساويه فيسبق اللّسان إليه بالطبع إن لم يكن ثمّ دين رادع، وقد يمتنع تشفّى الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب بالباطن فيصير حقدا ثابتا، فيكون سببا دائما لذكر المساوي فالحقد والحسد من البواعث العظيمة على الغيبة.
الثاني موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فانّهم إذا كانوا يتفكّهون بذكر الأعراض فيرى أنّه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظنّ أنّه مجاملة في الصّحبة، وقد يغضب رفقائه فيحتاج إلى أن يغضب بغضبهم إظهارا للمساهمة في السّراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوى.
الثالث أن يستشعر من انسان أنّه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبح هو حاله، ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته أو يبتدى بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصّدق الأوّل ويستشهد به ويقول ما من عادتى الكذب فانّى أخبرتكم بكذا وكذا عن أحواله فكان كما قلت.
الرابع أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرّء منه فيذكر الذى فعله وكان من حقّه أن يبرّى نفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.
الخامس إرادة التصنّع والمباهات وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول: فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف، وغرضه في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنّه أفضل منه أو يحذّر أن يعظّم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك.
السادس الحسد وهو أنّه ربما يحسد من يثنى الناس عليه ويحبّونه ويكرمونه
فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلاّ بالقدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند النّاس حتّى يكفّوا عن إكرامه والثناء عليه.
السابع: اللعب، والهزل، والمطايبة، وتزجية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤ التّعجب والتعجيب.
الثامن السّخرية والاستهزاء استحقارا له فانّ ذلك قد يجرى في الحضور ويجري أيضا في الغيبة ومنشاؤ التكبّر واستصغار المستهزء به.
التاسع الرّحمة وهو مأخذ دقيق ربما يقع فيه الخواص، وهو أن يغتمّ بسبب ما يبتلى به فيقول مسكين فلان قد غمّني أمره وما ابتلى به فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ويلهيه الغمّ عن الحذر من ذكر اسمه، فيصير بذكره مغتابا فيكون غمّه ورحمته خيرا لكنّه ساقه الشيطان إلى شرّ من حيث لا يدرى والترحّم والاغتمام ممكن من دون ذكر اسمه فهيّجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحّمه.
العاشر الغضب للّه تعالى وهو كسابقه في غموض ادراكه وخفائه على الخواص فضلا عن العوام فانّه قد يغضب على منكر قارفه انسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه وكان الواجب أن يذكر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، ولا يظهر على غيره أو يستره ولا يذكر اسمه بالسّوء(1).
يحرم استماع الغيبة بلا خلاف، فقد ورد أنّ السّامع للغيبة أحد المغتابين،
1) . إحياء العلوم: 56/9 ـ 58.
والأخبار في حرمته كثيرة إلاّ أنّ ما يدلّ على كونه من الكبائر كالرّواية المذكورة ونحوها ضعيفة السّند(1).
و من جملة الأخبار الدّالّة على حرمته ما رواه الصّدوق عن أبي الورد عن أبي جعفر عليهالسلام قال: مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُؤمِنُ فَنَصَرَهُ وَأَعَانَهُ نَصَرَهُ اللّهُ وَأَعَانَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَمَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُؤمِنُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَلَمْ يُعِنْهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نُصْرَتِهِ وَعَوْنِهِ إِلاّ حَقَّرَهُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ(2).
وفي حديث طويل عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: ومن ردّ عن أخيه غيبة سمعها في مجلس ردّ اللّه عزّ وجلّ عنه ألف باب من الشرّ في الدّنيا والآخرة وإن لم يرد عنه كان عليه كوزر من اغتاب(3).
وعن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصّادق عن آبائه عليهمالسلام في حديث المناهى إنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نهى عن الغيبة والاستماع إليها، ونهى عن النّميمة والاستماع إليها، وقال لا يدخل الجنّة قتات، يعني نمّاما، ونهى عن المحادثة التي يدعو إلى غير اللّه، ونهى عن الغيبة وقال: من اغتاب امرء مسلما بطل صومه ونقض وضوئه وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّي به أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلاّ لما حرّم اللّه عزّ وجلّ، ألا ومن تطوّل على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردّها عنه ردّ اللّه عنه ألف باب من الشرّ في الدّنيا والآخرة، فان لم يردّها وهو قادر على ردّها كان عليه كوزر من
اغتابه سبعين مرّة(1).
قال شيخنا: ولعلّ وجه زيادة عقابه أنّه إذا لم يردّه تجرّى المغتاب على الغيبة فيصّر على هذه الغيبة وغيرها، ثمّ قال: والظاهر أنّ الرّد غير النّهى عن الغيبة والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة، فان كان عيبا دنيويّا انتصر له بأنّ العيب ليس إلاّ ما عاب اللّه به من المعاصى التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبأ اللّه به، وإن كان عيبا دينيّا وجّهه بمحامل تخرجه عن المعصية فان لم يقبل التوجيه انتصر له بأنّ المؤن قد يبتلى بالمعصية فينبغى أن يستغفر له ويهتم له، لا أن يعيّر عليه، لأنّ تعييرك إيّاه لعله أعظم عند اللّه من معصيته ونحو ذلك(2).
ثمّ اعلم أنّ المحرم إنّما هو سماع الغيبة المحرّمة دون ما علم حلّيتها، ولو كان متجاهرا عند المغتاب مستورا عند المستمع وقلنا بجواز الغيبة حينئذ للمتكلّم فالأقوى جواز الاستماع لأنّه قول غير منكر، فلا يحرم الاصغاء إليه للأصل والرّواية الدّالة على كون السّامع أحد المغتابين تدلّ على أنّ السّامع لغيبة كقائل تلك الغيبة، فان كان القائل عاصيا كان المستمع كذلك، فيكون دليلا على الجواز فيما نحن فيه(3).
أى الموارد التي يجوز فيها الغيبة جوازا بالمعنى الأعمّ، فانّ المستفاد من الأخبار أنّ حرمتها إنّما هو لأجل ما فيها من هتك عرض المؤن وانتقاصه وتأذيه
فلو لم توجب هتكا لكونه مهتوكا بدونها ككونه متجاهرا بالفسق أو لم يقصد بها الانتقاص بالذات فلا.
قال في جامع المقاصد: وضابط الغيبة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤن والتفكّه به أو إضحاك النّاس منه، وأمّا ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصيحة المستشير والتظلّم آه(1).
قال شيخنا العلامة: حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤن وتأذّيه منه، فاذا فرض هناك مصلحة راجعة إلى المغتاب بالكسر أو الفتح أو ثالث دلّ العقل أو الشّرع على كونها أعظم من مصلحة احترام المؤن بترك ذلك القول فيه وجب كون الحكم على طبق أقوى المصلحتين كما هو الحال في كلّ معصية من حقوق اللّه وحقوق النّاس(2).
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مسوّغاتها امور:
أى تظلّم المظلوم بذكر ظلم الظّالم عند من يرجو رفعه الظلم منه قال سبحانه: لا يحبّ اللّه الجهر بالسّوء من القول إلاّ من ظلم(3)، فعن تفسير القمّى أى لا يحبّ أن يجهر الرّجل بالظلم والسّوئة ويظلم إلاّ من ظلم، فقد اطلق له أن يعارضه بالظلم(4).
قال شيخنا العلاّمة(1).ويؤد الحكم فيه إنّ في منع المظلوم من هذا الذي هو نوع من التّشفى حرجا عظيما، ولأنّ في تشريع الجواز مظنّة ردع للظّالم وهى مصلحة خالية عن مفسدة فيثبت الجواز، لأنّ الأحكام تابعة للمصالح، ويدلّ عليه ما روى عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله «مطل الواجد يحلّ عقوبته وعرضه» (2).
فانّ النّصيحة واجبة للمستشير فانّ خيانته قد تكون أقوى مفسدة من مفسدة الغيبة فقد قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله لفاطمة بنت قيس المشاورة في خطابها: معاوية صعلوك لا مال له وابو الجهم «لا يضع العصا عن عاتقه(3)»(4).قال شيخنا: وكذلك النّصح من غير استشارة، فانّ من أراد تزويج امرأة وأنت تعلم بقبائحها التي يوجب وقوع الرّجل في الغيبة والفساد لأجلها فلا ريب انّ التنبيه على بعضها وإن أوجب الوقيعة فيها أولى من ترك نصح المؤن، مع ظهور عدّة من الأخبار في وجوبه(5).
بأن يقول للمفتى: ظلمني فلان حقّى فكيف طريقي في الخلاص، والأسلم التّعريض، بأن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو زوجته، ولكن التّعيين مباح بهذا القدر(6)، وقيّده شيخنا العلاّمة بما إذا كان الاستفتاء موقوفا على ذكر
الظالم بالخصوص، وإلاّ فلا يجوز(1)، وظاهر الأخبار كظاهر كثير الأصحاب هو الاطلاق.
واستدلّوا عليه بما روى عن هند زوجة أبي سفيان أنّها قالت للنّبي صلىاللهعليهوآله: إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدى أ فآخذ من غير علمه؟ فقال صلىاللهعليهوآله: خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف، فذكرت الظلم والشحّ لها ولولدها ولم يزجرها إذ كان قصدها الاستفتاء(2).
وبصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقال: إنّ أمّي لا يدفع يد لامس(3)، فقال صلىاللهعليهوآله: احبسها، قال: قد فعلت، فقال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: فقيّدها فانّك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم اللّه(4)،(5)، واحتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل.
تحذير المسلم من الشرّ وعن الوقوع في الضّرر لدنيا أو دين، لأنّ مصلحة دفع فتنة الشّر والضّرر أولى من هتك شرّ المغتاب مثل من يريد أن يشترى مملوكا وأنت تعلم بكونه موصوفا بالسّرقة أو بعيب آخر، فسكوتك عن ذكر عيبه إضرار
1) . المكاسب: 176/1.
2) .عوالى اللئالى: 402/1/ ح 59؛ بحار الأنوار: 231/72.
3) . كناية عن أنّها زانية ولا تمنع أحدا من الدخول عليها.
4) . لما كان ظاهر قوله»قيدها«يوهم خلاف البرّ المأمور به في حقّ الوالدين قال عليهالسلام فانك لا تبرها بشيء أفضل من منعها عن المعصية دفعا لتوهم ذلك.
5) . من لا يحضره الفقيه: 72/4/ ح 5140؛ وسائل الشيعة: 150/28/ ح 34442 ـ 1.
بالمشترى، وكذلك المبتدع الذي يخاف من إضلاله النّاس، فاذا رأيت من يتردّد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن يتعدّى إليه بدعته أو فسقه فلك أن تكشف مساويه، ويدلّ عليه ما عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إذا رأيتم أهل الرّيب والبدع من بعدى فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم و القول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، وتحذرهم النّاس ولا تتعلّموا من بدعهم يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات ورفع لكم به الدّرجات(1)، هذا.
وربّما يجعل هذا المورد من باب نصح المستشير بعد تعميمه بالنّسبة إلى النصح المسبوق بالاستشارة وغيره.
قصد ردع المغتاب عن المنكر الذى يفعله إذا لم يمكن الرّدع إلاّ به فانّه أولى من ستر المنكر عليه فهو في الحقيقة إحسان في حقّه، مضافا إلى عموم أدلّة النّهى عن المنكر(2).
باب التّرجيح والتّعديل في الرّواية لأجل معرفة قبول الخبر وعدمه ومعرفة صلاحيّته للمعارضة وعدمها، وإلاّ لانسدّ باب التّعادل والتّراجيح الذي هو أعظم أبواب الاجتهاد وجرت السّيرة عليه من قديم الزّمان كجريانها على الجرح في
باب الشهادة وعلى ترجيح ما دلّ على وجوب اقامتها على ما دلّ على حرمة الغيبة على وجه الاشكال فيه، وإلاّ لضاعت الحقوق في الدّماء والأموال وغيرها ولغلب الباطل، ويلحق بذلك الشّهادة بالزّنا وغيره لاقامة الحدود(1).
دفع الضّرر عن المغتاب في دم أو عرض أو مال وعليه يحمل ما ورد في ذمّ زرارة من عدّة أحاديث وقد ورد التّعليل بذلك في بعض الأحاديث ويلحق بذلك الغيبة للتّقية على نفس المتكلّم أو ماله أو عرضه، فانّ الضّرورات تبيح المحظورات(2).
ذكر الشخص بعيبه الّذي صار بمنزلة الصّفة المميّزة الّتي لا يعرف إلاّ به كالأعمش والأعرج والأشتر والأحول ونحوها، فلا بأس به إذا صارت الصّفة في اشتهار يوصف بها الشّخص إلى حيث لا يكره ذلك صاحبها، وعليه يحمل ما صدر عن العلماء الأعلام(3).
إظهار العيوب الخفيّة للمريض عند الطبيب للمعالجة.
ردّ من ادّعى نسبا ليس له فانّ مصلحة حفظ الانساب أولى من مراعات حرمة المغتاب(1).
إذا علم اثنان عن رجل معصية وشاهداها فأجرى أحدهما ذكره في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنّه لا يؤر عند السّامع شيئا وإن كان الأولى تنزيه اللّسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض الصّحيحة خصوصا مع احتمال نسيان المخاطب لذلك أو خوف اشتهاره (2)
غيبة المتجاهر بالفسق في ما تجاهر به، فانّ من لا يبالي بظهور فسقه بين النّاس لا يكره ذكره بالفسق وقد قال الامام عليهالسلام إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة(3)، وفي رواية اخرى من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له(4)، و أمّا جواز غيبته في غير ما تجاهر به فقد منع منه الشّهيد الثّاني وحكى عن الشهيد الأوّل أيضا واستظهر الفاضل النراقي الجواز.
قال شيخنا العلامة الأنصاري (قد): ظاهر الرّوايات النّافية لاحترام المتجاهر وغير السّاتر هو الجواز، واستظهره في الحدائق من كلام جملة من الأعلام،
وصرّح به بعض الأساطين، قال شيخنا العلامة: وينبغي الحاق ما يتستّر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح، فمن تجاهر والعياذ باللّه باللّواط جاز اغتيابه
بالتّعرض للنّساء الأجانب، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسّرقة، ومن تجاهر بكونه جلاد السّلطان يقتل النّاس وينكلهم جاز اغتيابه بشرب الخمر، ومن تجاهر بالقبايح المعروفة جاز اغتيابه بكلّ قبيح، ولعلّ هذا هو المراد بمن ألقى جلباب الحياء لا من تجاهر بمعصية خاصّة وعدّ مستورا بالنّسبة إلى غيرها كبعض عمّال الظّلمة(1)، هذا.
و هذه الموارد المذكورة هو المعروف استثناؤا بين جمع من الأصحاب، وبعضهم قد زادوا عليها، وبعضهم قد نقصوا ولا حاجة إلى الاطناب بعد ما عرفت أنّ مدار الحرمة على قصد الانتقاص والأذى بالذات، واللّه العالم.
وعلاجها إنّما هو بالعلم بما يترتّب عليها من المفاسد الدنيوية والأخرويّة وبالتدبّر في المضار المترتّبة عليها عاجلا وآجلا.
اما المضار الدنيوية فهو أنّها تورث العداوة والشّحناء وتوجب غضب المغتاب فيكون في مقام المكافاة والمجازاة لشنيع قولك فيغضبك ويؤيك ويهينك ومن ذلك تنبعث الفساد وربّما يؤ الأمر إلى ما لا يمكن علاجه، بل قد يؤ إلى القتل والجرح والاستيصال وإتلاف الأموال وغيرها.
و اما المضار الاخروية فيحصل التنبّه عليها بالتفكّر والتدبّر في الآيات
1) . المكاسب: 171/1 ـ 173.
والأخبار الواردة في ذمّها وعقوبتها، وبالعلم بأنّها توجب دخول النّار وغضب الجبار ومقته تعالى وتحبط الحسنات وتنقلها إلى ميزان حسنات المغتاب، فان لم تكن له حسنة نقل اللّه من سيئات خصمه بقدر ما استباحه من عرضه قال صلىاللهعليهوآله: ما النّار في اليبس أسرع من الغيبة في حسنات العبد(1)وإن كانت الغيبة في العيب بالخلق فليعلم أنّه عيب على الخالق فانّ من ذمّ الصنعة فقد ذمّ الصّانع، قيل لحكيم:
يا قبيح الوجه، قال: ما كان خلق وجهى إلىّ فأحسنه(2).
و روى إنّ نوحا عليهالسلام مرّ على كلب أجرب فقال: ما هذا الكلب؟ فنطق الكلب وقال: يا نبيّ اللّه هكذا خلقنى ربّي فان قدرت أن تغيّر صورتي بأحسن من هذه الصورة فافعل، فندم نوح على ما قال وبكى أربعين سنة فسمّاه اللّه نوحا وكان اسمه عبدالملك أو عبدالجبّار(3).
و روى أنّ مرّ عيسى عليهالسلام ومعه الحواريّون بجيفة كلب فقال الحواريّون ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال عليهالسلام: ما أشدّ بياض أسنانه كأنّه نهاهم عن غيبة الكلب وتعييبه(4)، فانظر إلى عظم الخطر في تعييب النّاس فاذا لم يرض أولياء الدّين بعيب ميتة حيوان فكيف بعيب النفوس المحترمة قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب النّاس(5)، فاذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك قال الشّاعر:
وأجرء من رأيت بظهر غيب ***على عيب الرّجال ذوو العيوب(1)
فلربّما تبصر في عين أخيك القذى ولا تبصر الجذع في عينك
ومطروفة عيناه عن عيب نفسه ***فان لاح عيب من أخيه تبصّرا(2)
وقد قيل للرّبيع بن خثيم: ما نراك تعيب أحدا قال: لست راضيا عن نفسي فأتفرّغ لذكر عيوب النّاس ثمّ قال:
لنفسي أبكى لست أبكى لغيرها ***لنفسى في نفسى عن النّاس شاغل(3)
نعوذ باللّه من زلاّت البيان وهفوات اللّسان وسقطات الألفاظ ورمزات الألحاظ.
قال المحدّث الجزائري رحمهالله اعلم أنّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب
ويأسّف على ما فعل ليخرج من حقّ اللّه تعالى ثمّ يستحلّ المغتاب فيحلّه ليخرج عن مظلمته وينبغي أن يستحلّه وهو نادم حزين وإلاّ فالمرائي قد يطلب المحالة فيكون عليه ذنب آخر، وقد ورد في كفارته حديثان:
أحدهما قوله عليهالسلام: كفّارة من اغتبته أن تستغفر له، وفي حديث آخر كلّما ذكرته، ومعنى قوله: كلّما ذكرته على طريقة الغيبة أو كلّما عنّ في خاطرك أو جرى ذكره على لسانك بعد المحالة الاولى.
الثاني قوله صلىاللهعليهوآله: من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فيتحلّلها منه من
قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم يؤذ من حسناته فان لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فيزيد على سيئاته.
و جمع بين الحديثين شيخنا الشهيد الثّانى قدّس اللّه روحه بحمل الاستغفار له على من يبلغ غيبة المغتاب فينبغي الاقتصار على الدّعاء له والاستغفار لأنّ في محالته إثارة للفتنة وجلبا للضّغائن، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه لموت أو غيبة، وحمل المحالة على من يمكن الوصول إليه مع بلوغه الغيبة قال الجزائري ويمكن الجمع بينهما بوجهين:
أحدهما أنّ الاستغفار له كفّارة معجلة تكون مقارنة للغيبة والمحالة متأخّرة عنه غالبا فيجب عليه المبادرة بذلك لعدم توقّفه على التمكن وعدمه، والمحالة إذا تمكّن بعد هذا فيكون الواجب اثنين لا واحد كما هو مذكور في القول الأوّل.
الثاني حمل الاستغفار له على الاستحباب والواجب إنّما هو المحالة لا غير، وإذا جاء إلى المغتاب فينبغي أن لا يظهر له الكلام الذي اغتاب خوفا من إثارة الشحناء وتجديد العداوة، بل يقول له: يا أخي لك حقوق عرضيّة واريد أن تحالني منها، ونحو ذلك من العبارات المجملة، ويستحبّ للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحبابا مؤّدا، انتهى(1).
و الأظهر في وجه الجمع ما حكاه عن الشّهيد بل وهو الأقرب.
و التّحقيق ما حقّقه العلاّمة الأنصارى (قد) في المكاسب حيث قال: مقتضى كون الغيبة من حقوق النّاس توقّف رفعها على إسقاط صاحبها أمّا كونها من حقوق النّاس فلأنّه ظلم على المغتاب، وللأخبار في أنّ من حقّ المؤن على المؤن أن
1) . الانوار النعمانية: 12/3.
لا يغتابه وأنّ حرمة عرض المسلم كحرمة دمه وماله وأمّا توقّف رفعها على إبراء ذي الحقّ فللمستفيضة المعتضدة بالأصل، ثمّ ذكر جملة من المستفيضة.
ثمّ قال: ولا فرق في مقتضي الأصل والأخبار بين التمكّن من الوصول إلى صاحبه وتعذّره، لأنّ تعذّر البراءة لا يوجب سقوط الحقّ كما في غير هذا المقام، لكن روى السّكوني عن أبي عبداللّه عن النبيّ صلىاللهعليهوآله إنّ كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كلّما ذكرته(1)، ولو صحّ سنده أمكن تخصيص الاطلاقات المتقدّمة به، فيكون الاستغفار طريقا أيضا إلى البراءة مع احتمال العدم أيضا لأنّ كون الاستغفار كفّارة لا يدلّ على البراءة، فلعلّه كفّارة للذّنب من حيث كونه حقّا للّه تعالى نظير كفّارة قتل الخطاء الّتي لا توجب برائة القاتل إلاّ أن يدّعى ظهور السّياق في البراءة.
ثمّ ذكر كلام الشّهيد الثّاني رحمهالله وجمعه بين الخبرين المتقدّمين المتعارضين على ما تقدّم ذكره في كلام المحدّث الجزائري رحمهالله ثمّ أورد عليه بأنّه إن صحّ النّبوى أى ما رواه السّكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله مسندا، فلا مانع عن العمل به بجعله طريقا إلى البراءة مطلقا في مقابل الاستبراء، وإلاّ تعيّن طرحه والرّجوع إلى الأصل لاطلاق الأخبار المتقدّمة وتعذّر الاستبراء أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرء آخر.
نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الصّادق عليهالسلام أنّك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحلّ منه وإن لم يبلغه فاستغفر اللّه له(2).
وفي رواية السّكوني المرويّة في الكافي في باب الظلم عن أبي عبداللّه عليهالسلامقال:
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومن ظلم أحدا ففاته فليستغفر اللّه له فانّه كفّارة له(1).
و الانصاف أنّ الأخبار في هذا الباب كلّها غير نقيّة السّند وأصالة البراءة تقتضى عدم وجوب الاستحلال ولا الاستغفار، وأصالة بقاء الحقّ الثّابت للمغتاب بالفتح على المغتاب بالكسر تقتضي عدم الخروج منه إلاّ بالاستحلال خاصّة، لكن المثبت لكون الغيبة حقّا بمعني وجوب البراءة منه ليس إلاّ الأخبار الغير النّقية السّند، مع أنّ السند لو كان نقيّا كانت الدّلالة ضعيفة لذكر حقوق اخر في الرّوايات لا قائل بوجوب البراءة منها، فالقول بعدم كونه حقّا للنّاس بمعنى وجوب البراءة نظير الحقوق الماليّة لا يخلو عن قوّة، وان كان الاحتياط في خلافه بل لا يخلو عن قرب من جهة كثرة الأخبار الدالّة على وجوب الاستبراء منها بل اعتبار سند بعضها والأحوط الاستحلال إن تيسّر وإلاّ فالاستغفار، غفر اللّه لنا ولمن اغتبناه ولمن اغتابنا بحقّ محمّد وآله الطّاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيُّهَا النَّاسُ ـ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ ـ فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ ـ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِى ـ وَيُخْطِئُ السِّهَامُ وَيُحِيلُ الْكَلامُ ـ وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَاللّهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ ـ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاّ أَرْبَعُ أَصَابع قال الشريف: فسئل عن معنى قوله هذا ـ فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ ـ وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْت.
اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام النّهى عن التسّرع إلى التصديق بما يقال في حقّ الانسان الموصوف بحسن الظاهر المشهور بالوثوق والصّلاح والتدّين ممّا يعيبه ويقدحه، ويدلّ عليه الأدلّة الدّالة على حرمة الاصغاء إلى الغيبة على ما تقدّم في شرح الكلام السّابق.
أي: في الدين، فقد قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ(1).
أي: استحكامه في دينه
بالفتح أي: استقامة
أي: في عمله ومسلكه
الظاهر كونه جمعا ثانيا لأقوال
بأنّه كذا وكذا.
عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهماالسلام قال: قلت له: جعلت فداك الرّجل من اخواني بلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال عليهالسلام لي: يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك وإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدّقه وكذّبهم، و لا تذيعنّ عليه شيئا
1) .الحجرات: 10.
تشينه به وتهدم به مروّته فتكون من الذّين قال اللّه: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ»(1)،(2).وعن الفيض بن المختار قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: لمّا نزلت المائدة على عيسى قال للحواريّين: لا تأكلوا منها حتّى آذن لكم، فأكل منها رجل فقال بعض الحواريّين: يا روح اللّه أكل منها فلان، فقال له عيسى عليهالسلام: أكلت منها؟ فقال: لا، فقال الحواريّون: بلى واللّه يا روح اللّه لقد أكل منها، فقال عيسى عليهالسلام: صدّق أخاك وكذّب بصرك(3).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام فِي كَلامٍ لَه: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملا(4).
وعن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: إذا اتّهم المؤن أخاه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء(5).
هذا كلّه على رواية يحيل باللاّم وأمّا على الرّواية الاخرى «وهي يحيك بالكاف» فالمراد به التنبه على أنّ ضرر الكلام أقوى من ضرر السهام، وتأثيره أشدّ من تأثيرها، وذلك لأنّ الرّامى قد يرمي فتخطئ سهامه ولا تصيب الغرض، وأمّا
الكلام فيؤر لا محالة وإن كان باطلا لأنّه يلوث العرض في نظر من لا يعرفه ويسقط محلّ المقول فيه ومنزلته من القلوب.
هو كالمثل.
و من أمثالهم «قرينك سهمك يخطئ ويصيب»(1)ومنها أيضا «رماه بنبله الصائب» قال لبيد:
فرميت القوم نبلا صائبا ***ليس بالعضل ولا بالمفتعل(2)
و المراد أن أقاويل الرجال ليست دائما حقّا عن علم وعرفان، بل تصدر كثيرا عن حدس وتخمين وسماع أخبار أراجيف، والغالب فيها الخطأ والاشتباه، فلا يجوز أن يدع عرفانه لأقاويل هكذا.
وقال ابن أبي الحديد كلامه عليهالسلام خلاصة قوله تعالى: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ»(3)،(4).
و هو كما ترى، فالآية في مقام، وكلامه عليهالسلام في مقام آخر، فمفاد الآية عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق مطلقا ولو في حقّ من لا تعرفه، ومفاد كلامه عليهالسلام عدم جواز قبول خبر المجاهيل على الثقات.
في (الخطية) «و يحيك الكلام»(1)وكذا في (ابن ميثم) إلاّ أنّه قال: وروى «و يحيل»(2)وأشار إلى نقل ابن أبي الحديد فانه نقله «و يحيل» ولكن قال «و من الناس من يرويه ويحيك»(3).
مع أنّ «ويحيل» من أحال، ومعناه أتى بالمحال لا يناسب ما بعده من قوله «وباطل ذلك يبور» لأن المحال كلّه باطل، بخلاف «و يحيك» بالضم والفتح من «حاك السيف وأحاك» أي اثره، فان ما بعده معه في غاية المناسبة.
ومما يشهد لحيك الكلام وتأثيره، أن الربيع بن زياد العبسي كان نديما للنعمان بن المنذر، فدخل عليه لبيد بن ربيعة وكان الربيع ذم أعمام لبيد عند النعمان ومنعه من إكرامهم، فرأى الربيع يأكل مع النعمان، فأنشأ، انتصارا لأعمامه، يقول للنعمان مع صغره:
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه ***إنّ استه من برص ملمعه
وإنّه يدخل فيها إصبعه ***يدخلها حتى يوارى أشجعه
كأنّه يطلب شيئا ضيّعه
فرفع النعمان يده من الطعام وقال للربيع: اكذاك أنت قال: لا، واللات كذب ابن الفاعلة ابعث من يفتشني. فقال له النعمان:
شرد برحلك عني ولا ***تكثر علي ودع عنك الاباطيلا
فقد رميت بداء لست غاسله ***ما جاور النيل يوما أهل ايليلا
قد قيل ذلك، إن حقا وإن كذبا ***فما اعتذارك من قيل إذا قيلا
(من شي اذا قتلا)(1)
أي: يكسد ويفنى، وهو نظير قوله تعالى: «وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ»(2).
وقال ابن أبي الحديد: وهو من قوله تعالى: «قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً»(3)،(4)وهو كما ترى.
لأقوال عباده
على أعمالهم، فعليهم ألا يقولوا إلا الحقّ ولا يعملوا إلاّ الصالح.
أنّث الأصبع هنا، وقال الجوهري: يذكّر ويؤّث(5).
قال الشريف: فسئل عن معنى قوله هذا.
أي: ليس بين الحق والباطل إلاّ أربع أصابع
فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ.
لأن كثيرا من المسموعات لا حقيقة لها.
بعيني، بمعنى أنّه لا يجوز أن تخبر إلاّ بما تتيقن به، إمّا برؤتك وإمّا مثل رؤتك ممّا اشتمل على الشواهد القطعية.
و ممّا يشهد لاتفاق كون قول ما لم تره بعينك باطلا، أنّ مسلما الباهلي قال لو ألان العدوي: إنّ عندي مالا أحب أن استودعكه. قال: أ تريد أن يكون مكتوما أو لا ؟ قال: أريد أن يكون مكتوما قال: إبعث به مع رجل تثق به الى موضع كذا وكذا، و مره اذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف، قال: نعم، فجعل مسلم المال في خرج ثم حمله على بغل، وقال لمولى له: انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا، فاذا رأيت رجلا جالسا فخلّ عن البغل وانصرف فانطلق الرجل بالبغل، وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده، فأبطأ عليه رسول مسلم ومضى الوقت الذي وعده، فظن أنّه قد بدا له فانصرف، وجاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك الموضع، وجاء مولى مسلم فرأى الرجل جالسا فخلّى عن البغل ورجع، فقام التغلبي إلى البغل، فلمّا رأى المال ولم ير مع البغل أحدا قاد البغل إلى منزله، وأخذ المال، وظنّ مسلم أنّ المال قد صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه فلقيه، فقال، مالي فقال: ما قبضت شيئا ولا لك عندي مال فكان مسلم يشكوه و يتنقصه، فأتى يوما مجلس بني ضبيعة فشكاه، والتغلبي جالس، فقام إليه وخلا به، وسأله عن المال، فأخبره فانطلق به إلى منزله وأخرج الخرج فقال: أتعرفه قال: نعم، قال: والخاتم قال: نعم، قال: اقبض مالك وأخبره الخبر، فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التي كان يشكو إليهم من وألان، فيعذره ويخبرهم الخبر(1).
1) .تاريخ الطبري: 220/5.
و أنّ المقتدر قلّد في سنة (301 ه) علي بن عيسى وزارته بعد ابن الفرات والخاقاني، فعمد الى تخفيف المؤ وحذف الكلف ونقص الخرج والمضايقة في الجاري والرزق، وردّ كثيرا مما وقّع به الخاقاني من الزيادات، فأوحش بذلك خواص المقتدر، وكثرت به السعاية عليه، والوقيعة فيه، وشرعوا في إفساد أمره وتغيير رأي المقتدر فيه وردّ ابن الفرات، فعرف ذلك، فبدأ بالاستعفاء، وتحدّث في دار المقتدر أنّ ابن الفرات شديد العلة واتفق أن مات هارون الشاري الذي كان محبوسا في دار السلطان، وكان التدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤذ من أئمتهم لأنّهم لا يرون إقامة غيره وهو حي، فأظهر أنّه ابن الفرات وكفّن واخرجت جنازته على أنها جنازة ابن الفرات، فصلّى عليه علي بن عيسى وانصرف موجعا إلى داره وقال لخواصه: اليوم ماتت الكتابة ومضت أيام، ووقف علي بن عيسى على ان ابن الفرات حي، وقد تمّ السعي له مع المقتدر، فعجب وقال: ما ينبغي لأحد أن يحدّث بكلّ ما يسمع ويصدق بجميع ما يخبر(1).
سئل الْحَسَنُ عليهالسلام كَمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ؟ قَالَ عليهالسلام: بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ مَا رَأَيْتَهُ بِعَيْنِكَ فَهُوَ الْحَقُّ وَقَدْ تَسْمَعُ بِأُذُنَيْكَ بَاطِلاً كَثِيرا(2)
هذا، وسأل علي بن أبي طالب عليهالسلام ابنه الحسن عليهالسلام كم بين الإيمان واليقين قال أربع أصابع قال: وكيف ذلك قال: الإيمان كلّ ما سمعته اذناك و صدّقه قلبك، واليقين ما رأته عيناك فأيقن به قلبك، وليس بين العين والاذنين إلاّ أربع أصابع(3).
و هو معنى آخر غير ما في العنوان، لأن هذا في الفرق بين اليقين بشيء من مشاهدته، والايمان بشيء من سماعه واعتقاد القلب به.
ولعلّه إشارة إلى قوله تعالى: «كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ»(1)بأن يكون علم اليقين: هو إيمان يحصل من السماع من رسل اللّه، وعين اليقين: ما يشاهدونه في القيامة، فيقولون هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.
1) . التكاثر: 5 ـ 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ـ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ إِلاّ مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ ـ وَثَنَاءُ الْأَشْرَارِ وَمَقَالَةُ الْجُهَّالَ ـ مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ ـ وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللّهِ بَخِيْلٌ ـ فَمَنْ آتَاهُ اللّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ ـ وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ وَلْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَانِىَ ـ وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ ـ وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ ـ فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا ـ وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآْخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللّه
عن أبي مخنف قال: أتى أمير المؤنين عليهالسلام رهط من الشيعة فقالوا: لو أخرجت هذه الأموال، ففرّقتها في هؤاء الرؤاء والأشراف وفضّلتهم علينا، حتى إذا استوسقت الامور(1)عدت إلى أفضل ما عوّدك اللّه من القسم بالسوية والعدل في الرعية.
1) . أي استجمعت وانضمت وفي بعض النسخ [حتى إذا استقت ]يعنى استقامت وفي بعض النسخ [استوثقت ].
فقال عليهالسلام أ تأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام، لا واللّه لا يكون ذلك ما سمر السمير(1)، وما رأيت في السماء نجما، واللّه لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم فكيف وإنّما هي أموالهم.
ثم أزم ساكتا طويلا(2)ثم رفع رأسه فقال: من كان فيكم له مال، فإيّاه والفساد، فإنّ أعطاءه في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو يرفع ذكر صاحبه في النّاس ويضعه عند اللّه، ولم يضع امرؤماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ حرمه اللّه شكرهم، وكان لغيره ودّهم، فإن بقي معه منهم بقيّة ممّن يظهر الشكر له ويريه النّصح فإنّما ذلك ملق منه وكذب، فإن زلّت بصاحبهم النّعل ثمّ احتاج إلى معونتهم ومكافأتهم فآلم خليلٍ وشرّ خدينٍ(3)، ولم يضع امرؤماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ لم يكن له من الحظّ فيما أتى إلاّ محمدة اللئام وثناء الأشرار ما دام عليه منعما مفضلا، ومقالة الجاهل ما أجوده وهو عند اللّه بخيل، فأيّ حظ أبور وأخسر من هذا الحظ وأي فائدة معروف أقلّ من هذا المعروف فمن كان منكم له مال فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة وليفكّ به العاني والأسير وابن السبيل، فإنّ الفوز بهذه الخصال مكارم الدنيا وشرف الآخرة(4).
وعن ربيعة وعمارة وغيرهما: إنّ طائفة من أصحاب علي عليهالسلام مشوا إليه عند تفرّق النّاس عنه وفرار كثير منهم إلى معاوية طلبا لما في يديه من الدّنيا، فقالوا له:
اعط هذه الأموال، وفضّل هؤاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي
والعجم، ومن تخاف خلافه عليك من النّاس وفراره إلى معاوية.
فقال عليهالسلام لهم: أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور، لا واللّه لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، واللّه لو كانت أموالهم لي لواسيت بينهم فكيف و إنّما هي أموالهم ثم أرم عليهالسلام طويلا ساكتا ثم قال: من كان له مال فإيّاه والفساد، فإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو وإن كان ذكرا لصاحبه في الدنيا فهو يضعه عند اللّه عزّ وجلّ، ولم يضع رجل ماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ حرمه اللّه تعالى شكره، وكان لغيرهم ودّه، فإن بقي معه من يؤّه ويظهر له الشّكر فإنّما هو ملق وكذب يريد التقرّب به إليه لينال منه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل، فإن زلت بصاحبه النّعل واحتاج إلى معونته أو مكافأته، فشرّ خليل وألأم خدين، ومن صنع المعروف فيما آتاه اللّه فليصل به القرابة وليحسن فيه الضيافة وليفكّ به العاني وليعن به الغارم وابن السبيل والفقراء والمجاهدين في سبيل اللّه وليصبّر نفسه على النوائب والخطوب، فإن الفوز بهذه الخصال أشرف مكارم الدنيا و درك فضائل الآخرة(1).
وفي (تاريخ خلفاء ابن قتيبة) ـ بعد ذكر ترغيبه عليهالسلام النّاس للعود إلى صفين وتثبّطهم ـ قام رجال من أصحابه فقالوا: اعط هؤاء هذه الأموال، وفضّل هؤاء
الأشراف من العرب وقريش على الموالي ممّن يتخوّف خلافه على النّاس وفراقه، وإنّما قالوا له هذا للذي كان معاوية يصنعه لمن أتاه، وإنّما عامّة النّاس همّهم الدّنيا، ولها يسعون وفيها يكدحون، فاعط هؤاء الأشراف فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم. فقال عليهالسلام أ تأمروني أن أطلب النصر
1) .الأمالي للمفيد: 175 ـ 177 / م 22/ ح 6؛ بحار الأنوار: 108/41/ ح 15.
بالجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام، فو اللّه لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم، واللّه لو كان لهم لسوّيت بينهم فكيف وإنّما هي أموالهم(1)
الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 132/1.
أي: النصيب
أي: حمد
أي: قول
و لم يتخلّله قطع
مقول المقالة، أي: الجهال يقولون ما أجوده ما دام لم يقطع عنهم يده.
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَنْ طَلَبَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعَاصِي اللّهِ عَادَ حَامِدُهُ مِنْهُمْ ذَامّا(2).
وعَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: يَا مُفَضَّلُ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ إِلَى
خَيْرٍ يَصِيرُ الرَّجُلُ أَمْ إِلَى شَرٍّ انْظُرْ أَيْنَ يَضَعُ مَعْرُوفَهُ فَإِنْ كَانَ يَضَعُ مَعْرُوفَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى خَيْرٍ وَإِنْ كَانَ يَضَعُ مَعْرُوفَهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ خَلاق(1).
قد عرفت أنّ (الكافى) نقله «و هو عند اللّه بخيل»(2).
وأما على رواية المصنف فالمراد أنّه وإن كان في لسان الجهال والأرذال جوادا، إلاّ أنّه من قبل اللّه تعالى معدود في البخلاء لبخله بحقّ اللّه، فأجود النّاس
من أدّى حقوق اللّه وإن كان ممسكا في غيرها، وأبخل النّاس من منع حقوق اللّه وإن كان في غاية الإسراف والتبذير للدّنيا، كما أنّ أعبد النّاس من أقام الفرائض، وأورع النّاس من تنكب المحارم.
واعلم انّ المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق، ويمكن إمساكه عن الصّرف إلى ما خلق للصّرف إليه ويمكن بذله بالصّرف إلى ما لا يحسن الصّرف إليه، ويمكن التّصرّف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ، ويبذل حيث يجب البذل فالامساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الامساك تبذير وإسراف، والوسط بينهما وهو الجود والسّحاء محمود قال سبحانه: والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، فالوسط بين الاسراف والاقتار هو الجود، وهو أن يقدّر بذله وامساكه بقدر الواجب.
والواجب قسمان: واجب بالشّرع وواجب بالمروّة والعادة، فمن منع واحدا منهما فهو بخيل، ولكنّ المانع من واجب الشرع أبخل كالمانع من أداء الزّكاة ونفقة عياله الواجبي النفقة، وأما واجب المروّة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات، فانّ ذلك مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والأشخاص فيستقبح من الغنى ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة، وكذلك من الرّجل مع أهله وأقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب، وكذلك يستقبح المضايقة من الجار في حقّ الجار دون البعيد، وفى الضيافة دون المعاملة، وبالنسبة إلى العالم دون الجاهل وهكذا.
فمن أدّى واجب الشّرع وواجب المروّة اللاّئقة فقد تبرّء من البخل، نعم لا يتّصف بصفة الجود والسّخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدّرجات، فاذا اتّسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا يتوجّه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتّسع له نفسه من قليل أو كثير، ودرجات ذلك متفاوتة غير محصورة، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروّة هو الجود، ولكن يشترط فيه أمران:
أحدهما أن يكون عن طيب نفس والثّاني أن لا يكون عن طمع عوض ولو ثناء ومحمدة وشكرا، فانّ من طمع في الشّكر والثّناء ممّن يحسن إليه أو من غيره فانّه بيّاع ليس بجواد، فانّه يشترى المدح بماله، والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه وكذلك لو كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا أو من ملامة الخلق أو دفع شرّ، فكلّ ذلك ليس من الجود لأنّه مضطرّ إليه بهذه البواعث نعم لو لم يكن غرضه إلاّ الثّواب في الآخرة وتحصيل رضاء اللّه سبحانه واكتساب فضيلة الجود وتطهير
النّفس من رذالة الشّح فهو الجواد والموصوف بالسخاء(1).
إذا عرفت ذلك فقد ظهر لك أنّ وضع المعروف في غير حقّه وعند غير أهله أو لرجاء العوض والمنفعة فليس جوادا في الحقيقة وعند أهل المعرفة والبصيرة، كما نبّه به الامام عليهالسلام ونهى عنه.
ثمّ أرشد عليهالسلام إلى ما ينبغي القيام به لمن آتاه اللّه المال والثّروة بقوله:
أنّ أبا عبداللّه عليهالسلام لمّا حضرته الوفاة أغمي عليه فأفاق، فقال: أعطوا الحسن بن علي بن الحسين ـ وهو الأفطس ـ سبعين دينارا، فقيل له: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة (يريد أن يقتلك). فقال: تريدون ألاّ أكون من الذين قال تعالى: الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ(2)، إن اللّه تعالى خلق الجنّة وطيّبها، وطيّب ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاقّ ولا قاطع رحم(3).
و عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال النبي صلىاللهعليهوآله: الصدقة بعشر، والقرض بثمانية عشر، وصلة
الإخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين(1).
وعن النبى صلىاللهعليهوآله: لا صدقة وذو رحم محتاج(2).
وعن الصّادق عن آبائه عليهمالسلام عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله في حديث المناهي قال: ومن مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمه أعطاه اللّه عزّ وجلّ أجر مأئة شهيد وله بكلّ خطوة أربعون ألف حسنة ومحى عنه أربعون ألف سيّئة، ورفع له من الدّرجات مثل ذلك، وكان كأنّما عبداللّه عزّ وجلّ مأئة سنة صابرا محتسبا(3).
عن عبداللّه بن ميمون القداح عن أبي عبداللّه عليهالسلام من أطعم مسلما حتّى يشبعه لم يدر أحد من الخلق ماله من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ اللّه ربّ العالمين. ثم قال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان. ثمّ تلا قوله تعالى: «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ»(4)،(5).
وعن الصادق عليهالسلام من أطعم ثلاثة نفر من المؤنين أطعمه اللّه من ثلاث جنان ملكوت السماوات: الفردوس، وجنّة عدن، وطوبى، شجرة من جنّة عدن(6).
1) .الكافي: 10/4/ ح 3؛ بحار الأنوار: 104/71.
2) . الاختصاص: 219؛ بحار الأنوار: 147/93/ ح 24.
3) .من لا يحضره الفقيه: 16/4 والأمالي للصدوق: 431/ م 66؛ بحار الأنوار: 89/71/ ح 6.
4) . البلد: 14 ـ 16.
5) . ثواب الأعمال: 136؛ بحار الأنوار: 386/71/ ح 104.
6) .ثواب الأعمال: 136؛ بحار الأنوار: 385/71/ ح 101.
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام من أطعم أخا في اللّه كان له من الأجر مثل ما أطعم فئاما من النّاس ـ أي مائة ألف ـ(1).
وعن السجاد عليهالسلام من أطعم مؤنا من جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنّة، و من سقى مؤنا من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، ومن كسا مؤنا كساه اللّه من الثياب الخضر(2).
قال الصّادق عليهالسلام لحسين بن نعيم الصحّاف: أتحبّ إخوانك يا حسين؟ قلت: نعم، إلى أن قال أ تدعوهم إلى منزلك؟ قلت: نعم ما آكل إلاّ ومعى منهم الرّجلان والثلاثة والأقلّ والأكثر، فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: أما إنّ فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: جعلت فداك أطعمهم طعامى وأوطئهم رحلى و يكون فضلهم علىّ أعظم قال: نعم إنّهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك، وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك(3).
وعَنِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله: كُلُّ بَيْتٍ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ الضَّيْفُ لاَ يَدْخُلُهُ الْمَلائِكَةُ(4).
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: مَا مِنْ مُؤمِنٍ يُحِبُّ الضَّيْفَ إِلاّ وَيَقُومُ مِنْ قَبْرِهِ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَيَنْظُرُ أَهْلُ الْجَمْعِ فَيَقُولُونَ مَا هَذَا إِلاّ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَقُولُ مَلَكٌ هَذَا مُؤمِنٌ يُحِبُّ الضَّيْفَ وَيُكْرِمُ الضَّيْفَ وَلاَ سَبِيلَ لَهُ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ(5).
الضيافة مروءة يستحسنها العقل والدين وأول من سنّها إبراهيم النبي عليهالسلام ومن شرائط الضيافة أن لا يدعو المضيف إلا أهل الصلاح والورع، والفقراء لقول النبي صلىاللهعليهوآله: شر الولائم ما يكون فيها الفقير محروما(1).ولا ينوي في الضيافة التفاخر والصلف(2).
ومن آداب الضيف أن لا يترفع عن ضيافة الفقراء لقول النبي صلىاللهعليهوآله لو دعيت الى كراع لأجبت.
مر الحسن بن علي عليهماالسلام بفقراء يأكلون خبزا متكرجا فقالوا له يا بن رسول اللّه هل توافقنا فنزل الحسن عن دابته ووافقهم فلما فرغ الحسن قال لهم: أجيبوني غدا واحضروا داري، فأجابوا وحضروا داره فهيأ لهم أطعمة لذيذة وأحسن ضيافتهم(3).
أي: المحبوس. قال الجوهري: عناه حبسه، وعنى فيهم أسيرا أي أقام فيهم على إسارة واحتبس(4). وقال ابن دريد: العنو مصدر عنا يعنو إذا ذل، ومنه اشتقاق العنوة، وفسر قوله تعالى: «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ»(5)من هذا، ومن تسميتهم الأسير عانيا ـ إلخ ـ (6).
وقول ابن أبي الحديد: العاني الأسير بعينه وإنّما اختلف اللفظ(1)، غلط، فالعاني أعمّ والأصل فيه الذليل، فيراد منه المحبوس كما يراد منه الأسير، ويمكن أن يراد بفكّ العاني فكّ رقبة تحت الشدّة والذّلّة عند مولاه، وهو أحد مصارف الزكاة الثمانية، وعبر عنه الكتاب بلفظ وَفِي الرِّقابِ(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مَنْ سَقَى هَامَّةً ظَامِئَةً أَوْ أَشْبَعَ كَبِداً جَائِعَةً أَوْ كَسَا جِلْدَةً عَارِيَةً أَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَانِيَةً(3).
أي: المديون، وإعطاء الفقير والغارم أيضا من مصارف الزكاة الثمانية.
والظاهر أنّه عليهالسلام أراد الأعمّ من الزكاة الواجبة، كما روى عن أبي بصير، قال: كنّا عند أبي عبداللّه ومعنا بعض أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة فقال عليهالسلام إنّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، وإنّما هو شيء ظاهر، إنّما حقن بها دمه وسمّي بها مسلما، ولو لم يؤّها لم تقبل له صلاة، وإنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت: وما علينا غيرها فقال: سبحان اللّه، أما تسمع اللّه تعالى يقول: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(4). قلت: ما المعلوم الذي علينا قال: هو الشيء الذي يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم أوفي الجمعة أوفي الشهر قلّ أو كثر، غير أنّه يدوم عليه، وقوله تعالى: «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ»(5)هو القرض يقرضه والمعروف
يصطنعه ومتاع البيت يعيره ومنه الزكاة. قلت: فقوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(1)قال: ليس من الزكاة. قلت: قوله تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً»(2). قال: ليس من الزكاة، وصلتك قرابتك ليس من الزكاة(3).
وعن أَحْمَد بْن أَبِي الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ قَالَ: يُرْوَى أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ اكْتُبْهَا فِي الْأَرْضِ فَإِنِّي أَرَى الضُّرَّ فِيكَ بَيِّناً فَكَتَبَ فِي الْأَرْضِ أَنَا فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ فَقَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: يَا قَنْبَرُ اكْسُهُ حُلَّتَيْنِ فَأَنْشَأَ الرَّجُلُ يَقُولُ:
كَسَوْتَنِي حُلَّةً تَبْلَى مَحَاسِنُهَا ***فَسَوْفَ أَكْسُوكَ مِنْ حُسْنِ الثَّنَا حُلَلاً
إِنْ نِلْتَ حُسْنَ ثَنَائِي نِلْتَ مَكْرُمَةً ***وَلَسْتَ تبقي [تَبْغِي] بِمَا قَدْ نِلْتَهُ بَدَلاً
إِنَّ الثَّنَاءَ لَيُحْيِي ذِكْرَ صَاحِبِهِ ***كَالْغَيْثِ يُحْيِي نَدَاهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلا
لاَ تَزْهَدِ الدَّهْرَ فِي عُرْفٍ بَدَأْتَ بِهِ ***فَكُلُّ عَبْدٍ سَيَجْزِي بِالَّذِي فَعَلا
فَقَالَ عليهالسلام: أَعْطُوهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ لَقَدْ أَغْنَيْتَهُ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ انْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ عليهالسلام: إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يَشْتَرُونَ الْمَمَالِيكَ بِأَمْوَالِهِمْ وَلاَ يَشْتَرُونَ الْأَحْرَارَ بِمَعْرُوفِهِمْ(4).
المراد من الحقوق في المقام ما يشمل الحقوق الهية وحقوق الناس وذلك لان
صبر النفس على اداء الحق واجب سواء كان حقا للّه تعالى ام للناس بل والحقوق الغير الواجبة كعيادة المريض وتشييع الجنائز وامثالهما والحاصل ان للّه تعالى على العبد حقوقا وللناس من اخوانه المومنين ايضا عليه حقوق والحقان اعنى حق اللّه وحق الناس ينقسمان الى الواجب والمندوب فحق اللّه واجب ومستحب و ينبغى للانسان ان يواظب على اقسامها وحيث ان المواظبة عليها لا تخلو عن المشقة والصعوبة عبّر عليهالسلام عنها بصبر النفس عليها لكونها على خلاف ميل النفس فحق اللّه الواجب ان لا نشرك به شيئا وان تعبده مخلصا وبالجملة اتيان المامور به وترك المنهى عنه على ما ورد في الشريعة المقدسة من الواجبات والمستحبات.
وحق الرسول والائمة داخل في حق اللّه تعالى في الحقيقة لان اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون(1)فمن اطاع الرسول فقد اطاع اللّه ومن عصاه فقد عصاه كما قال تعالى في كتابه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّه(2)وغيرها من الآيات وحق الائمة ايضا كذلك كما هو ظاهر.
واما حق الناس فهو على اقسام شتّى من حق الابوين وحق الجار وحق المعلم على المتعلم وحق الفقير على الغنى وحق العالم على الجاهل وحق المظلوم على الظالم وامثال ذلك من الحقوق الواجبة والمستحبة وانّما قسّمناها الى الواجب والند ب لانّ حق المسلم على المسلم تارة يكون مستحبا كالسّلام واخرى واجبا كجوابه.
فمن الواجب حفظ مال المسلم وعرضه واداء حقه. ومن المستحب عيادته في
مرضه وتشييع جنازته. والامثلة كثيرة وانت تقدر على استخراجها ولا سيّما بعد المراجعة الى رسالة الحقوق لإمامنا السجّاد عليهالسلام فانّ الإمام عليهالسلام قد فصّل فيها الحقوق على اقسامها وانواعها بما لا مزيد عليه، إن شئت فراجعها.
أي: لطلب
عن أبي بصير قلت له عليهالسلام أيّ الصدقة أفضل قال: جهد المقل، أما سمعت قوله تعالى: «وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»(1)،(2).
وعن الصادق عليهالسلام أتى النبي صلىاللهعليهوآله وفد من اليمن و فيهم رجل كان أعظمهم كلاما وأشدّهم استقصاء في محاجّة النبي صلىاللهعليهوآله فغضب حتى التوى عرق الغضب بين عينيه وتربّد وجهه وأطرق إلى الأرض، فأتاه جبرئيل فقال: ربّك يقرؤ السلام ويقول لك: هذا رجل سخيّ يطعم الطعام، فسكن عن النبي صلىاللهعليهوآله الغضب ورفع رأسه وقال: لولا أن جبرئيل أخبرني عن اللّه تعالى أنّك سخيّ تطعم الطعام لشرّدت بك وجعلتك حديثا لمن خلفك، فقال له الرجل: وإنّ ربّك ليحبّ السخاء فقال: نعم. فقال: اني أشهد ألاّ إله إلا اللّه وأنّك رسول اللّه، والذي بعثك بالحقّ لا رددت عن مالي أحدا(3).
عن الصادق عليهالسلام إنّ إبراهيم عليهالسلام كان أبا أضياف، فكان إذا لم يكونوا عنده خرج يطلبهم، وأغلق بابه وأخذ المفاتيح يطلب الأضياف، وانّه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدار، فقال: يا عبداللّه بإذن من دخلت هذه الدار قال: دخلت بإذن ربّها ـ يردّد ذلك ثلاث مرات ـ فعرف إبراهيم عليهالسلام أنّه جبرئيل، فحمد اللّه، ثم قال لإبراهيم: أرسلني ربّك إلى عبد من عبيده يتخذه خليلا، قال إبراهيم عليهالسلام: فأعلمني من هو أخدمه حتى أموت. قال: فأنت هو. قال: وممّ ذلك قال: لأنّك لم تسأل أحدا شيئا قط، ولم تسأل شيئا قط فقلت: لا(1).
وعن الحارث الهمداني قال: سامرت أمير المؤنين عليهالسلام فقلت له: عرضت لي حاجة. قال: فرأيتني لها أهلا. قلت: نعم. قال: جزاك اللّه عنّي خيرا ثم قام إلى السراج فأغشاها وجلس، ثم قال: إنّما أغشيت السراج لئلا أرى ذلّ حاجتك في وجهك، فتكلّم فإنّي سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول: الحوائج أمانة من اللّه في صدور العباد، فمن كتمها كتبت له عبادة، ومن أفشاها كان حقّا على من سمعها أن يعينه(2).
وعن أبي جعفر عليهالسلام إنّ اللّه عزّ وجلّ جعل للمعروف أهلا من خلقه حبّب إليهم فعاله، ووجّه لطلاّب المعروف الطلب إليهم ويسّر لهم قضاءه كما يسّر الغيث للأرض المجدبة ليحييها ويحيى به أهلها، وإنّ اللّه تعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغّض إليهم المعروف وفعاله، وحظر على طلاّب المعروف الطلب إليهم وحظر عليهم قضاءه كما يحرم الغيث على الأرض المجدبة ليهلكها، ويهلك أهلها
وما يعفو اللّه أكثر(1).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال أصحاب النبي صلىاللهعليهوآله له: فداك آباؤا وأمهاتنا، إنّ أصحاب المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم فبم يعرفون في الآخرة فقال صلىاللهعليهوآله: إنّ اللّه تعالى إذا أدخل أهل الجنّة الجنّة، أمر ريحا عبقة طيبة فلزقت بأهل المعروف، فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنّة إلاّ وجدوا ريحه فقالوا: هذا من أهل المعروف(2).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام إنّ للجنّة بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلاّ أهل المعروف، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، يقال لهم: إنّ ذنوبكم قد غفرت لكم فهبوا حسناتكم لمن شئتم(3).
وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوف(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلاَ وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ ـ وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ وَمَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ وَلاَ زُلْفَةً إِلَيْكُمْ وَلاَ لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا وَأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَأَقَامَتَا إِنَّ اللّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ الاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ فَرَحِمَ اللّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَالْأَكْنَانِ وَبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ وَلاَ تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ وَلاَ تُؤاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا نَشْكُو إِلَيْكَ مَا
لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ
وَأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ وَتَلاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمَسْتَصْعَبَةُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلاّ تَرُدَّنَا خَائِبِينَ وَلاَ تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ وَلاَ تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا وَلاَ تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَبَرَكَتَكَ وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ وَاسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ نَافِعَةَ الْحَيَا كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِير.
أَلاَ وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ
قال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً...»(1).
وقال تعالى: «وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً»(2).
في (توحيد المفضل): أوّل العبر والدلائل على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنّك إذا تأملت العالم بفكرك وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالمملك ذلك البيت والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لآمربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ
العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءمة وأنّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضا إلى بعض، تعالى عما يقول الجاحدون وعظم عما ينتحله الملحدون(1).
قال تعالى: «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها»(2).
كغني يجود على مسكين توجعا له.
أي: قربة.
كمن يهدي إلى سلطان أو أمير تقربا إليه.
كمحترف يهدي إلى غني رجاء اكثر منه. والحاصل ما اصبحت الارض والسماء تجودان وتبذلان لكم ببركتهما وتوجّعا وتأثّرا لكم ولا تقرّبا اليكم ولا
انما لخير ترجوانه منكم، انّ كل ذلك لم يكن وانما قال عليهالسلام ذلك لان كل جواد انما يجود فى الدنيا لواحدة من هذه الامور او لجميعها فان المعطى إما ان يعطى لغيره ترحّما عليه كما اذا كان المعطى له فقيرا مسكينا مريضا فيتاثّر المعطى من حال المعطى له ويعطيه، وإما ان يعطيه زلفة وتقرّبا اليه كما في الهدايا فان الانسان كثيراًما يهدى الى غيره بهديّة مع علمه بعدم احتياجه ولكنّ المعطى يريد به التقرب الى المعطى له، والثالث ان يكون الإعطاء لما يرجو منه من الخير الذى يصل الى المعطى سواء كان الخير في الدنيا ام في الآخرة، فالاول كما اذا كان الإعطاء لاجل الدنيا فقط، والثانى كما اذا كان لأجل الآخرة وانت اذا فشت الامور لا تجد شقّاً رابعاً في جميع موارد الجود والعطاء.
قال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما...»(1).
نبّه بقوله عليهالسلام: الا وانّ الأرض، الى قوله: فَأَقَامَتَا: على انّهما ليستا مبدأين اوّلين للرزق، بل هما مطيعتان للّه في اخراجهما الرزق للحيوان، وهو الّذى جعل السماء كالأب بارسالها مدرارا، وجعل الارض كالأم في قبولها للماء واستعدادها به للنبات، واخرج منها رزق العباد كما قال تعالى: «فَلْيَنْظُرِ الاْءِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُم»(2)وطاعتهما: دخولهما تحت
تصرّف قدرته، وامرهما بمنافعهم، واقامتهما على حدود مصالحهم حكم العناية الألهية عليهما باخراج هذه المنافع، وجعلها وفق مصالح الحيوان وقيامهما وطاعتهما وجود ذلك منهما حسب مقتضى القدرة الألهية.
وعن السجاد عليهالسلام جعل تعالى الأرض ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم ولم يجعلها شديدة الحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم، ولكنّه عزّ وجلّ جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون عليه وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم، فذلك قوله تعالى: «... جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً...»(1)وقوله تعالى: «... وَالسَّماءَ بِناءً...»(2)يعني سقفا محفوظا من فوقكم يرى فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم. ثم قال: «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً»(3)يعني المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم، ثم فرّقه رذاذا ووابلا وهطلا لتنشفه أرضوكم، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أراضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم(4).
قال تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ»(1).
عن الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...»(2)هؤاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية و أموال ظاهرة، فكفروا نعم اللّه وغيّروا ما بأنفسهم من عافية اللّه فغيّر اللّه ما بهم من نعمة، وإنّ اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فأرسل اللّه عليهم
سيل العرم ففرق قراهم وخرّب ديارهم وذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جنّاتهم جنتين ذواتي، اكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. ثم قال: «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاّ الْكَفُورَ»(3)،(4).
قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ...»(5).وقال تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالاْءِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم...»(6).
وقال تعالى: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقا»(7).
وقال تعالى: «أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ * أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ...»(1).
وعن الرضا عليهالسلام أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء: إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الورى(2).
وعن الرضا عليهالسلام كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون(3).
وعن أبي الحسن عليهالسلام: إنّ للّه تعالى في كل يوم وليلة مناديا ينادي: مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه، فلولا بهائم رتّع وصبية رضّع وشيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا ترضون به رضّا(4).
وعن الصادق عليهالسلام من همّ بسيئة فلا يعملها(5)فإنّه ربما عمل العبد لسيئة فيراه الرب فيقول: وعزّتي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا(6).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام: إنّ العمل السييء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم(1).
وعن أبي الحسن عليهالسلام حقّ على اللّه ألاّ يعصى في دار إلاّ أضحاها للشمس حتى يطهرها(2).
هذا، وأصابت الناس في سنة (18) مجاعة شديدة وجدوب وقحوط وسمّي ذاك العام عام الرمادة، قال ابن إسحاق: وكان في ذاك العام أيضا طاعون عمواس فتفانى فيها اناس(3).
وعن وهب بن منبه قال: أوحى اللّه تعالى إلى نبي من بني اسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أنّ لهم قلوبا ولا يفقهون وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون، وإنّي تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، سلهم كيف وجدوا غب طاعتي وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي وهل شقى أحد ممن أطاعني بطاعتي إنّ الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها وإنّ هؤاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أمّا أحبارهم فأنكروا حقي وأمّا قراؤم فعبدوا غيري، واما نسّاكهم فلم ينتفعوا بما علموا من حكمتي، وأما ولاتهم فكذبوا عليّ وكذبوا رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم وعوّدوا الكذب ألسنتهم، وإنّي اقسم بجلالي وعزتي لأتيحنّ عليهم جنودا لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا
يرحمون بكاءهم ولأبتعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال العجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور وكأنّ حمل فرسانه كرّ العقبان، يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة، فيا ويل إيليا(1)وسكّانها كيف اذلّلهم للقتل واسلّط عليهم السباء واعيد بعد لجب الأعراس صراخ الهام، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب وبعد شرفات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج رهج العجاج، ولأبدّلن رجالهم بتلاوة الكتاب انتهار الأرباب وبالعزّ الذل وبالنعمة العبودية، ولأبدلن نساءهم بالطيب التراب وبالمشي على الزرابي الخبب(2)، ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهم ضاحية للشمس.
وفي رواية: ثم لآمرنّ السماء فلتكونن طبقا من حديد والأرض فلتكونن سبيكة من نحاس، فإن أمطرت السماء وأنبتت الأرض شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم، ثم أحبسه في زمن الزرع وارسله في زمن الحصاد، فإن زرعوا خلال ذلك شيئا سلّطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم اعطهم وإن بكوا لم أرحمهم وإن تضرّعوا صرفت وجهي عنهم(3).
وعن أبي جعفر عليهالسلام أما إنّه ليس من سنة أقلّ مطرا من سنة، ولكن اللّه يضعه حيث يشاء، إنّ اللّه تعالى إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر
في تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي والبحار(1)والجبال، وإنّ اللّه تعالى ليعذّب
الجعل في جحرها بحبس المطر من الأرض التي بمحلتها بخطايا من بحضرتها، وقد جعل اللّه لها السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي. ثم قال: «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ... فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصار»(2).
ثم قال عليهالسلام وجدنا في كتاب عليّ عليهالسلام أن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال أخذهم اللّه بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركاتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، و إذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهود سلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم(3).
قال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ»(4).
أي: يكف عن الجناية.
قال تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا...»(1).
وقال تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»(2).
أي يمتنع.
قال تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ»(3).
من: درّ الضرع باللبن درورا.
السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
فقال حكاية عن نوح عليهالسلام لقومه: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً»(4)أي: تدرّ بالمطر كثيرا ومرارا. ويجعل لكم جنّات
ويجعل لكم أنهارا.
قال الطّبرسي في تفسيره: أى اطلبوا منه المغفرة على كفركم ومعاصيكم إنّه كان غفارا لكلّ من طلب منه المغفرة، فمتى رجعتم عن كفركم ومعاصيكم وأطعتموه
يرسل السّماء عليكم مدرارا، أى كثيرة الدّرور بالغيث، وقيل: إنّهم كانوا قد قحطوا واسنتوا وهلكت أموالهم وأولادهم فلذلك رغّبهم في ردّ ذلك بالاستغفار مع الايمان والرّجوع إلى اللّه تعالى، ويمددكم بأموال وبنين، أي يكثر أموالكم وأولادكم الذّكور، ويجعل لكم جنّات، أي بساتين في الدّنيا ويجعل لكم أنهارا تسقون بها جنّاتكم، قال قتادة: علم نبيّ اللّه نوح عليهالسلام أنّهم كانوا أهل حرص على الدّنيا فقال: هلمّوا إلى طاعة اللّه فانّ فيها درك الدّنيا والآخرة(1).
وروى الرّبيع بن صبيح أنّ رجلا أتى إلى الحسن عليهالسلام فشكى إليه الجدوبة فقال له الحسن عليهالسلام: استغفر اللّه، وأتاه آخر فشكى إليه الفقر، فقال له: استغفر اللّه وأتاه آخر فقال: ادع اللّه أن يرزقني ابنا، فقال له: استغفر اللّه، فقلنا: أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار، فقال عليهالسلام: ما قلت ذلك من ذات نفسي إنّما اعتبرت فيه قول اللّه تعالى حكاية عن نبيّه نوح عليهالسلام أنّه قال لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً(2)إلى آخره(3).
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا جَعْفَرٍ عليهالسلام وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: إِنِّي كَثِيرُ الْمَالِ وَلَيْسَ يُولَدُ لِي وَلَدٌ فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ قَالَ اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ سَنَةً فِي آخِرِ اللَّيْلِ مِائَةَ مَرَّةٍ فَإِنْ ضَيَّعْتَ ذَلِكَ بِاللَّيْلَةِ فَاقْضِهِ بِالنَّهَارِ فَإِنَّ اللّهَ يَقُولُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ(4)الآْيَةَ.(5)
والآيات والأخبار في فضيلة الاستغفار وكونه سببا لدرور الرزق وسائر ما يترتّب عليه من الثمرات كثيرة.
فمن الآيات مضافة إلى ما مرّ، قوله تعالى في سورة هود عليهالسلام حكاية عنه انّه قال لقومه: «وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً»(1).
ومن الأخبار ما عن زرارة قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول إنّ العبد إذا أذنب ذنبا اجّل من غدوة إلى اللّيل فان استغفر اللّه لم يكتب عليه(2).
وعن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من عمل سيّئة اجلّ فيها سبع ساعات من النّهار، فان قال: أستغفر اللّه الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، ثلاث مرّات لم تكتب عليه(3).
وعن عبدالصّمد بن بشير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: العبد المؤن إذا أذنب ذنبا أجّله اللّه سبع ساعات فإن استغفر اللّه لم يكتب عليه شيء وإن مضت السّاعات ولم يستغفر كتب اللّه عليه سيّئة وإنّ المؤن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتّى يستغفر ربّه فيغفر اللّه له وإنّ الكافر لينساه من ساعته(4).
وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: ما من مؤن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم: أستغفر اللّه الذي لا إله إلاّ هو الحىّ القيوم بديع السّماوات والأرض ذو الجلال والاكرام وأسأله أن يصلّي على محمّد وآل محمّد وأن يتوب
علىّ، إلاّ غفرها اللّه له عزّ وجلّ ولا خير في من يقارف في يوم أكثر من أربعين كبيرة(1).
وعن السّكوني عن أبي عبداللّه عليهالسلام، عن أبيه عن آبائه عليهالسلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لكلّ داء دواء ودواء الذّنوب الاستغفار(2).
وعن سلام الخيّاط عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: من قال: أستغفر اللّه مأئة مرّة حين ينام بات وقد تحاطت الذنوب كلّها عنه كما تتحاط الورق من الشّجر ويصبح وليس عليه ذنب(3).
وعن مسعدة بن صدقة عن جعفر الصّادق عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: طوبى لمن وجد في صحيفته يوم القيامة تحت كلّ ذنب أستغفر اللّه(4).
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليهالسلام قال: من استغفر اللّه بعد صلاة الفجر سبعين مرّة غفر اللّه له ولو عمل ذلك اليوم سبعين ألف ذنب، ومن عمل أكثر من سبعين ألف ذنب فلا خير له(5).
وعن ياسر الخادم عن الرّضا عليهالسلام قال: مثل الاستغفار مثل ورق على شجرة تحرك فتناثر، والمستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزىء بربّه(6)
وعن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام: إذا كثر العبد من الاستغفار رفعت
1) . الكافي: 438/2/ ح 7؛ وسائل الشيعة: 333/15/ ح 20667 ـ 3.
2) .ثواب الأعمال: 164؛ بحار الأنوار: 279/90/ ح 11.
3) . ثواب الأعمال: 164؛ بحار الأنوار: 279/90/ ح 12.
4) .ثواب الأعمال: 165؛ بحار الأنوار: 280/90/ ح 15.
5) . ثواب الأعمال: 165؛ بحار الأنوار: 280/90/ ح 16.
6) . الكافي: 504/2/ ح 3؛ بحار الأنوار: 285/90/ ح 32.
صحيفته وهي تتلألأ(1).
وعن السّكوني عن أبي عبداللّه عن آبائه عليهمالسلام في حديث قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: من كثرت همومه فعليه بالاستغفار(2).
وقال صلىاللهعليهوآله: إنّ للقلوب صداء كصداء النّحاس فأجلوها بالاستغفار(3).
وقال صلىاللهعليهوآله: من أكثر من الاستغفار جعل اللّه له من كلّ همّ فرجا ومن كلّ ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب(4).
وعن أبي الحسن المنقري قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يقول: عجبا لمن يقنط ومعه الممحاة: قيل: وما الممحاة؟ قال: الاستغفار(5).
وقال عليهالسلام أكثروا الاستغفار إنّ اللّه لم يعلّمكم الاستغفار إلاّ وهو يريد أن يغفر لكم(6).
قال تعالى: «وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ»(7).
قال رجل لأبي عبداللّه عليهالسلام لا يولد لي. فقال: استغفر ربك في السحر مائة مرة
1) .الكافي: 504/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 284/90/ ح 32.
2) . الكافي: 93/8/ ح 65؛ بحار الأنوار: 296/92/ ح 10.
3) .نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 28/ح 82؛ عدّة الداعي: 265؛ بحار الأنوار: 284/90/ ح 32.
4) . عدّة الداعي: 265؛ بحار الأنوار: 284/90/ ح 32.
5) .الأمالي للطوسي: 88/ م 3/ ح 134 ـ 43؛ بحار الأنوار: 22/6/ ح 17.
6) . ارشاد القلوب: 184/1؛ وسائل الشيعة: 178/7/ ح 9057 ـ 12.
7) . نوح: 12.
فإن نسيته فاقضه(1).
وعن الأبرش الكلبي: شكا إلى أبي جعفر عليهالسلام أنه لا يولد له. قال: استغفر اللّه في كل يوم أو كل ليلة مائة مرة، فإنّه تعالى يقول «... اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ...»(2)وتتمة الآية الأخيرة «وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً»(3).
قال هود لقومه: «وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ»(4).
عن الصادق عليهالسلام أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله نزل بأرض قرعاء(5)، فقال لأصحابه: إيتونا بحطب. فقالوا: نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب. قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه. فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض فقال صلىاللهعليهوآله: هكذا تجتمع الذنوب ثم قال: إيّاكم والمحقّرات من الذنوب، فإنّ لكل شيء طالبا الا وإنّ طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين(6).
قال تعالى: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ...»(1).
والمراد بها البيوت.
أي: رفع صوت.
التي وسعت كل شيء.
المسبغة على عبادك ظاهرة وباطنة.
أى عقوبتك.
أى امطار الرحمة.
1) . هود: 56.
أى الآيسين من رحمتك.
أي: سني القحط والغلاء.
وقال ابن هشام حفر السيل عن قبر باليمن فيه امرأة في عنقها سبع مخانق من در وفي يديها ورجليها من الأسورة والخلاخيل والدماليج سبعة سبعة وفي كل إصبع خاتم فيه جوهرة مثمنة وعند رأسها تابوت مملوّ مالا ولوح فيه مكتوب «باسمك اللّهم الرحمن الرحيم، أنا تاجة بنت ذي شغر بعثت مائرنا الى يوسف فابطأ علينا، فبعثت لاذنى بمد من ورق لتأتيني بمد من طحين فلم تجده، فبعثت بمد من ذهب فلم تجده، فبعثت بمد من بحري فلم تجده، فأمرت به فطحن فلم انتفع به، فاقتلفت فمن سمع بي فليرحمني وأية امرأة لبست حليا من حليتي فلا ماتت إلاّ ميتتى»(1).
وعن الصادق عليهالسلام: إنّ قوما افرغت عليهم النعمة وهم أهل الثرثار(2)، فعمدوا إلى مخ الحنطة فجعلوها خبزا وجعلوا ينجون(3)به صبيانهم، حتى اجتمع من ذلك
1) . القاموس المحيط: 61/2، مادة «شغر».
2) . الثرثار: النهر الكبير.
3) . قوله: «فجعلوها خبزا هجاء» اطبق نسخ الكافي على ضبط هذه اللفظة هكذا، وقال المجلسيّ رحمهالله في شرح هذا الحديث: قوله «هجاء» أي صالحا لرفع الجوع او فعلوا ذلك محقا انتهى أقول لم اظفر في كتب اللغة ما يلائم هذا المعنى ثمّ قال: ولا يبعد أن يكون هجانا بالنون اي خيارا وتمثل بقول أمير المؤنين عليهالسلام «هذا جناى وهجانه فيه» انتهى وأورد الطريحى رحمهاللهفي مجمع البحرين هذا الحديث في ن ج ا وضبط هذه اللفظة منجا اسم الآلة من نجا وقال ره: قوله منجا بالميم المكسورة والنون والجيم بعدها الف آلة يستنجى بها وقوله ينجون به صبيانهم تفسير لذلك انتهى ولعله الأصحّ كما هو الظاهر والنجو الغائط يقال: انجى اي حدث وينجون بمعنى يستنجون واللّه اعلم.
جبل عظيم، فمرّ بهم رجل صالح وامرأة تفعل ذلك بصبي لها، فقال: ويحكم اتقوا اللّه ولا تغيّروا ما بكم من نعمة. فقالت له: كأنّك تخوّفنا بالجوع، أما ما دام ثرثارنا
يجري فإنّا لا نخاف الجوع. فأسف اللّه تعالى فأضعف لهم الثرثار(1)
الاضعاف جعل الشيء ضعيفا أو مضاعفا ولعلّ الأول أظهر الا ان الثاني أنسب بكلام المرأة وقوله عليهم السلام: «لهم» دون «عليهم» وذلك لانهم لما اعتمدوا على النهر ضاعف اللّه لهم النهر وحبس عنهم القطر والزرع ليعلموا أن النهر لا يغنيهم من اللّه وان الاعتماد على اللّه جل ذكره. فى
وحبس عنهم قطر السماء ونبات الأرض فاحتاجوا إلى ذلك الجبل وانه كان ليقسم بينهم بالميزان(2).وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله: كان نبي في من كان قبلكم يقال له دانيال، وإنّه أعطى صاحب معبر رغيفا لكي يعبر به، فرماه وقال: ما أصنع به الخبز عندنا يداس بالأرجل(3)
الدياس والدياسة: الوطى بالرجل.
. فلما رأى ذلك دانيال رفع يده إلى السماء ثم قال: اللهم أكرم الخبز فقد رأيت ما صنع هذا العبد وما قال. فأوحى اللّه تعالى إلى السماء أن تحبس الغيث وإلى الأرض أن كوني طبقا كالفخار(4)، فلم يمطروا حتى بلغ من أمرهم أنّ بعضهم أكل بعضا، فلما بلغ منهم ما أراد اللّه تعالى من ذلك قالت امرأة لاخرى ولهما ولدان: يافلانة تعالي حتى نأكل أنا وأنت اليوم ولدي، وإذا كان غدا أكلنا ولدك. قالت لها: نعم، فأكلتاه فلما أن جاعتا راودت الاخرى على أكل ولدها فامتنعت عليها. فقالت لها: بيني وبينك نبي اللّه. فاختصمتا إلى دانيال فقال لهما: بلغ الأمر إلى ذلك قالتا: وأشدّ. فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم عد علينا بفضلك ورحمتك ولا تعاقب الأطفال ومن فيه خير بذنب صاحب المعبر. فأمر اللّه تعالى إلى السماء أن امطري على الأرض وإلى الأرض أن أنبتي لخلقي ما فاتهم من خيرك، فإنّي لأرحمنهم بالطفل الصغير(1).
قال تعالى حكاية عن موسى عليهالسلام: «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا»(2).
يؤخذ اللّه تعالى الحلماء بفعل السفهاء لانهم لا يأخذون على أيديهم.
عن أبي جعفر عليهالسلام قال: أوحى اللّه تعالى إلى شعيب النبيّ أنّي معذّب من قومك مائة ألف، أربعين من شرارهم وستين من خيارهم. فقال عليهالسلام: يا رب هؤاء الأشرار فما بال الأخيار. فأوحى تعالى إليه: لأنّهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي(3).
و الشكاية إليه تعالى ليس فيها كراهة، قال تعالى حكاية عن يعقوب: «إنّما
اشكو بثّى وحزنى الى اللّه»(1)وإنّما المذموم الشكاية منه تعالى.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا يُرِيدُ الْعَبْدُ إِذَا دَعَاهُ وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُبَثَّ إِلَيْهِ الْحَوَائِجُ فَإِذَا دَعَوْتَ فَسَمِّ حَاجَتَكَ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ قَالَ: إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ حَاجَتَكَ وَمَا تُرِيدُ وَلَكِنْ يُحِبُّ أَنْ تُبَثَّ إِلَيْهِ الْحَوَائِجُ(2).
أي: اضطرتنا.
جمع المضيقة.
أي: الصعبة.
أي: جاءت بنا اضطرارا. قال زهير:
وجار سار معتمدا إليكم ***أجاءته المخافة والرجاء(1)
جمع المقحطة.
و الجدب: يبس الأرض وانقطاع المطر.
أي: أعجزتنا.
أي: صارت كالمتلاحمة الشجة التي أخذت في اللحم.
قال اعرابي: اللهم أنت الرب يستغاث، لك الحياة ولك الميراث، وقد دعاك الناس وعندك الغياث، لم يبق إلاّ عكرش انكاث(2)، وشيح اصولها مباث، وطاحت الألبان والأرماث(3)،(4).
خاب الرجل: إذا لم ينل ما طلب.
عن الصادق عليهالسلام: لما استسقى النبيّ صلىاللهعليهوآله وسقي الناس حتى قالوا إنّه الغرق. فقال بيده ـ وردّها ـ «اللهم حوالينا ولا علينا» فتفرق السحاب، فقالوا: يا رسول اللّه استسقيت لنا فلم نسق ثم استسقيت فسقينا. قال: إنّي دعوت وليس لي في ذلك نية ثم دعوت ولي في ذلك نية(1).
الواجم الذي اشتدّ حزنه حتى أمسك عن الكلام.
بأن تقول لنا: يا مذنبون. بل خاطبنا باسمك ووصفك يا مرحومين ويا معفوين.
ومصدره القياس كالمقايسة.
فنكون من المهلكين.
المطر عقيب المحل وعند الحاجة إليه.
1) . الكافي: 474/2/ ح 5؛ بحار الأنوار: 20/18/ ح 47.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ اللّه تعالى جعل السحاب غرابيل للمطر تذيب البرد حتى يصير ماء لكيلا يضرّ شيئا، والذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من اللّه تصيب بها من يشاء من عباده(1).
من (أرواه) من الماء.
جائية بالعشب، أي: الكلاء الرطب في أول الربيع.
عن أبي عبداللّه عليهالسلام: اتى قوم النبيّ صلىاللهعليهوآله فقالوا: إنّ بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع اللّه تعالى يرسل السماء علينا. فأمر بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعده ودعا وأمر الناس أن يؤّنوا، فلم يلبث أن هبط جبرئيل فقال: أخبر الناس أنّ ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم وتلك الساعة حتى إذا كانت أهاج اللّه تعالى ريحا فأثارت سحابا وجللت السماء وأرخت عزاليها، فجاء اولئك النفر بأعيانهم إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله فقالوا: ادع اللّه أن يكفّ السماء عنّا فإنّا كدنا أن نغرق. فاجتمع الناس ودعا النبيّ صلىاللهعليهوآله وأمر أن يؤّنوا على دعائه، فقال له رجل: اسمعنا فإنّ كل ما تقول
1) . الكافي: 240/8/ ح 326؛ بحار الأنوار: 381/56/ ح 25.
ليس يسمع. فقال: قولوا «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم صبها في بطون الأودية وفي نبات الشجر وحيث يروى أهل الوبر(1)
أي حيث يرعى سكان البادية إنعامهم فانهم يسكنون في خيام الوبر لا بيوت المدر ولا يضرهم كثرة المطر. آت
، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا»(2).إذا أحيى المطر الأرض بعد موتها فهو الحيا(3)، وقال الجوهرى: الحيا المطر والخصب(4).
من اجتنيت الثمرة.
هذا وقال إسحاق بن أيوب بن سلمة: اعتمرت في رجب سنة (105) فصادفني ابن ميادة بمكة قدمها معتمرا، فأصابنا مطر شديد تهدمت منه البيوت وتوالت فيه الصواعق، فجلس إليّ ابن ميادة الغد من ذلك اليوم، فجعل يأتيني من قومي وغيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون: صعق فلان وانهدم منزل فلان، فقال ابن ميادة: هذا العيث لا الغيث.
فقلت: فما الغيث عندك فقال:
سحائب لا من صيب ذي صواعق ***ولا محرقات ماؤن حميم
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها ***بكين بها حتى يعيش هشيم(1)
من أرواه من الماء.
جمع القاع: المستوي من الأرض.
من سال الماء وأساله غيره.
جمع البطن: الغامض من الأرض.
أي: يخرج ورقها.
فافعل بنا ما سألنا.
إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظر الأبصار إليها، فقيل له صلىاللهعليهوآله: لو قومت عليهم. فغضب حتى عرف
1) . الأغاني: 547/2.
الغضب في وجهه وقال: أنا أقوم عليهم، إنّما السعر إلى اللّه عزّ وجلّ يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء، وروى أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لما قيل له: لو أسعرت فإنّ الاسعار تزيد وتنقص، قال: ما كنت لألقى اللّه تعالى ببدعة لم يحدث لي فيها شيئا، فدعوا عباد اللّه يأكل بعضهم من بعض(1).
وعن السجاد عليهالسلام: ان اللّه تعالى وكل بالسعر ملكا يدبره بأمره(2).
قال بعض شرّاح الصحيفة الكاملة: اختلف في التّسعير فقيل هو من فعل اللّه سبحانه وهو ما ذهبت إليه الأشاعرة بناء على أصلهم من أنّه لا فاعل إلاّ اللّه تعالى،
و لما ورد في الحديث حين وقع غلاء بالمدينة فاجتمع أهلها إليه وقالوا: سعّر لنا يا رسول اللّه، فقال: المسعّر هو اللّه.
و اختلف المعتزلة في هذه المسألة فقال بعضهم هو فعل المباشر من العبد إذ ليس ذلك إلاّ مواضعة منهم على البيع والشّرى بثمن مخصوص، وقال آخرون هو متولّد من فعل اللّه تعالى وهو تقليل الأجناس وتكثير الرّغبات بأسباب هي من اللّه تعالى.
و الذي تذهب إليه معشر الامامية أن خروج السّعر عن مجري عادته ترقيّا أو نزولا إن استند إلى أسباب غير مستندة إلى العبد واختياره نسب إلى اللّه تعالى.
و إلاّ نسب إلى العبد كجبر السلطان الرّعية على سعر مخصوص، وما ورد في الحديث النبّوي المذكور محمول على أنّه لا ينبغي التّسعير، بل يفوّض إلى اللّه،
ليقرّره بمقتضى حكمته البالغة ورحمته الشاملة.
و ما ورد من الأخبار عن أهل البيت عليهمالسلام في هذا المعنى كما روى عن عليّ بن الحسين عليهماالسلام أنّه قال: إنّ اللّه وكلّ ملكا بالسّعر يدبّره بأمره، وعن أبي عبداللّه عليهالسلام إنّاللّه وكلّ بالأسعار ملكا يدبّرها بأمره، فالمراد بالسّعر ما لم يكن للعبد وأسبابه مدخل، واللّه أعلم(1).
1) .رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين عليهالسلام: 247/3.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَعَثَ اللّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ ـ وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلاّ تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الاْءِعْذَارِ إِلَيْهِمْ ـ فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ أَلاَ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً ـ لاَ أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ ـ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ ـ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ـ فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً وَالْعِقَابُ بَوَاء.
أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا ـ كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا وَوَضَعَهُمْ ـ وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ ـ بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى وَيُسْتَجْلَى الْعَمَى ـ إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ ـ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لاَ تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ ـ وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِم.
آثَرُوا عَاجِلاً وَأَخَّرُوا آجِلاً ـ وَتَرَكُوا صَافِياً وَشَرِبُوا آجِناً ـ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ ـ وَبَسِئَ بِهِ وَوَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ ـ وَصُبِغَتْ بِهِ خَلائِقُهُ ـ ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ ـ أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لاَ يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ ـ أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى ـ
وَالْأَبْصَارُ اللاّمِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى ـ أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ للّهِِ وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ـ ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَتَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ ـ وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ـ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ ـ وَأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ ـ وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَوَلَّوْا ـ وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا.
بَعَثَ اللّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ
من آدم إلى الخاتم، قال تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً»(1).
قال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤهُمْ بِالْبَيِّناتِ...»(2).
قال تعالى: «... وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ»(3)
وقال تعالى: «وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ...»(4).
أي: اللّه.
قال تعالى: «وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...»(1).
وقال تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...»(2).
ببعث الرّسل فيهم حتّى يظهر أمرهم للعالم.
تعالى.
جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ فعلمه ببعث رسله، قال تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى»(3).
بعث رسله.
أي: يمتحنهم. اقتباس من الآية الشّريفة في سورة هود قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(1).
قال الطّبرسيّ: معناه أنّه خلق الخلق ودبّر الامور ليظهر إحسان المحسن فانّه الغرض في ذلك أي ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر لئلا يتوهم أنّه سبحانه يجازى العباد على حسب ما في معلومه أنّه يكون منهم قبل أن يفعلوه(2).وفي سورة الملك: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(3).
قال الطّبرسيّ: أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر والنّهى فيجازى كلّ عامل بقدر عمله، وقيل: ليبلوكم أيّكم أكثر للموت ذكرا وأحسن له استعدادا وأحسن صبرا على موته وموت غيره، وأيّكم أكثر امتثالا للأوامر واجتنابا عن النّواهي في حال حياته(4).
قال أبو قتادة سألت النّبي صلىاللهعليهوآله عن قوله تعالى: «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» ما عنى به؟ فقال صلىاللهعليهوآله: يقول: أيّكم أحسن عقلا ثمّ قال: أتمّكم عقلا، وأشدّكم للّه خوفا، وأحسنكم فيما أمر اللّه به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلّكم تطوّعا(5).
وعن ابن عمر عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه تلى تبارك الذي بيده الملك إلى قوله: أيّكم أحسن عملا، ثمّ قال: أيّكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم اللّه، وأسرع في طاعة اللّه، وعن الحسن أيّكم أزهد في الدّنيا وأترك لها(1).
أي: الجزاء الحسن لمن آمن وأطاع.
قال تعالى: «هَلْ جَزاءُ الاْءِحْسانِ إِلاّ الاْءِحْسانُ»(2).
وهو ما يعقّب العمل السّوء.
أي: مطابقا مساويا لعمله، قالت ليلى الأخيلية في مقتل توبة:
فإن تكن القتلى بواء فإنّكم ***فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر(3)
قال تعالى: «... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى»(4).
ولكن من تفضلاته جلّ وعلا كما جاء في الحديث: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا
كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ... وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْه(1)
قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام كناية وإشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل فمنهم من كان يدعي له أنه أفرض ومنهم من كان يدعي له أنه أقرأ(2)ومنهم من كان يدعي له أنه أعلم بالحلال والحرام هذا مع تسليم هؤاء له أنه عليهالسلام أقضى الأمة وأن القضاء يحتاج إلى كل هذه الفضائل وكل واحدة منها لا تحتاج إلى غيرها فهو إذن أجمع للفقه وأكثرهم احتواء عليه إلا أنه عليهالسلام لم يرض بذلك ولم يصدق الخبر الذي قيل أفرضكم فلان إلى آخره فقال إنه كذب وافتراء حمل قوما على وضعه الحسد والبغي والمنافسة لهذا الحي من بني هاشم(3).
عن الصّادق عليهالسلام قال: كان للنّبيّ صلىاللهعليهوآله صديقان يهوديان فلمّا قبض أقبلا يسألان عن صاحب الأمر بعده، وقالا: لم يمت نبيّ قطّ إلاّ وله خليفة قريب القرابة إليه من أهل بيته، عظيم الخطر، جليل الشّأن. فقال أحدهما لصاحبه: هل تعرف ذلك قال الآخر: لا، إلاّ بالصّفة الّتي أجدها في التّوراة ـ إلى أن قالـ: قالا لأبي بكر: ما
قرابتك من النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: إنّي رجل من عشيرته وهو زوج ابتني. قالا: هل غير هذا قال: لا. قالا: دلّنا على من هو أعلم منك، فإنّك أنت لست بالرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة، إنّه وصيّ هذا النّبيّ وخليفته. فتغيظ من قولهما وهمّ بهما، ثمّ أرشدهما إلى عمر، وذلك أنّه عرف من عمر أنّهما إن استقبلاه بشيء بطش بهما ـ إلى أن قال ـ :
فلمّا جاءا إلى أمير المؤنين عليهالسلام قال أحدهما لصاحبه: إنّه الرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة، إنّه وصيّ هذا النّبيّ.
ثمّ قالا له: ما قرابتك من النّبيّ قال: هو أخي وأنا وارثه ووصيّه، وأوّل من آمن به، وزوج ابنته فاطمة. قالا: هذه القرابة الفاخرة والمنزلة القريبة، وهذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة، ثمّ قالا له: فأين ربّك قال: إن شئتما أنبأتكما بالّذي كان على عهد نبيّكما، وإن شئتما أنبأتكما بالّذي كان على عهد نبيّنا.
قالا: أنبئنا بالّذي كان على عهد نبيّنا. قال: أقبل أربعة أملاك: ملك من المشرق، و ملك من المغرب وملك من السّماء، وملك من الأرض، فقال صاحب المشرق لصاحب المغرب: من أين أقبلت قال: من عند ربّي. وقال صاحب المغرب لصاحب المشرق: من أين أقبلت قال: من عند ربّي. وقال ملك السّماء لملك الأرض: من أين أقبلت قال: من عند ربّي. وقال ملك الأرض لملك السّماء: من أين أقبلت قال: من عند ربّي. فهذا ما كان على عهد نبيّكما، وأمّا ما كان على عهد نبيّنا فقوله في محكم كتابه: «... ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا...»(1). قالا: فما منع صاحبيك أن يكونا جعلاك في موضعك الّذي أنت أهله فوالّذي أنزل التّوراة على موسى إنّك لأنت الخليفة حقّا، نجد صفتك في كتبنا ونقرأ في كنائسنا، وإنّك لأحقّ بهذا الأمر، وأولى به ممّن قد غلبك عليه. فقال عليهالسلام: قدّما وأخّرا وحسابهما على اللّه تعالى يوقفان ويسألان(2).
عن أبيبصير عن أبيعبداللّه عليهالسلام قال: نحن الرّاسخون في العلم ونحن نعلم تأويله(1).
وعن إبراهيم بن إسحاق عن عبداللّه بن حمّاد عن بريد البجلي «العجلى ظ» عن أحدهما عليهماالسلام في قوله تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(2)آل محمّد صلىاللهعليهوآله فرسول اللّه أفضل الرّاسخين في العلم قد علّمه اللّه جميع ما أنزله عليه من التنزيل والتأويل، وما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤ من بعده يعلمونه كلّه(3).
وعن أبي القاسم الكوفي قال: روى في قوله: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»(4)إنّ الراسخون في العلم من قرنهم الرّسول بالكتاب وأخبر أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض(5).
قال صاحب المناقب: وفي اللّغة الرّاسخ هو اللاّزم لا يزول عن حاله وليس يكون كذلك إلاّ من طبعه اللّه على العلم في ابتداء نشوه كعيسى عليهالسلام في وقت ولادته قال: «إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ»(6)الآية، فأما من يبقى السنين الكثيرة لا يعلم ثمّ يطلب العلم فينا له من جهة غيره على قدر ما يجوز أن يناله منه فليس ذلك من الراسخين يقال: رسخت عروق الشجر في الأرض ولا يرسخ إلاّ صغيرا(7).
1) . بصائر الدرجات: 204/1/ ح 5؛ بحار الأنوار: 199/23/ ح 31.
2) . آل عمران : 7 .
3) . بصائر الدرجات: 204/1/ ح 8؛ بحار الأنوار: 199/23/ ح 33؛ مستدرك الوسائل: 332/17/ ح 21506.
4) . آل عمران: 7.
5) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 285/1؛ بحار الأنوار: 204/23/ ح 54.
6) . مريم: 30.
7) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 285/1؛ بحار الأنوار: 204/23/ ذ ح 54.
هذا، وكان هارون بن محمّد بن عبدالملك ينشد من أشعار أبيه ويفضّلها. فقال له ابن برد الخيار: إن كان لأبيك مثل قول إبراهيم بن العبّاس:
أسد ضار إذا هيّجته ***وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد أن أثرى ولا ***يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
أو مثل قوله:
تلج السّنون بيتهم وترى لهم ***عن جار بيتهم ازورار مناكب
وتراهم بسيوفهم وشفارهم ***مستشرفين لراغب أو راهب
حامين أو قارين حيث لقيتهم ***نهب العفاة ونهزة للرّاغب
فاذكره وافتخر به، وإلاّ فأقلل من الافتخار والتّطاول بما لا طائل فيه. فخجل هارون(1).
روى زيد بن موسى عليهالسلام: أنّ فاطمة بنت الحسين عليهالسلام قالت في خطبتها في الكوفة: ويلكم أحسدتمونا على ما فضّلنا اللّه
فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا ***وبحرك ساج ما يواري الدّعامصا
«... ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(2)، «... وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ»(3)،(4).
أى رفع اللّه درجاتنا في الدّنيا والآخرة على الكافّة ووضعهم كما يدلّ عليه قوله سبحانه: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ»(1)فقد روى في غاية المرام من تفسير الثعلبي في تفسير هذه الآية برفع الاسناد إلى أنس بن مالك قال: قرء رسول اللّه صلىاللهعليهوآله هذه الآية فقام رجل فقال: يا رسول اللّه أىّ بيوت هذه؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللّه هذا البيت منها؟ يعني بيت عليّ وفاطمة، قال صلىاللهعليهوآله: نعم من أفاضلها(2)
وكانوا مقرّين بفضلهم، روى أحمد بن أبي طاهر البغدادي: أنّ أبا بكر قال لسيّدة النّساء ـ صلوات اللّه عليهاـ: لا يحبّكم إلاّ العظيم السّعادة، ولا يبغضكم إلاّ الرّديّ الولادة، وأنتم عترة اللّه الطّيّبون، وخيرته المنتجبون(3).
ومن رفع اللّه لهم عليهمالسلام ما رواه الطّبري وغيره: أنّ عمر قال لابن عبّاس: بلغني عنك كلام أكره أن اخبرك به فتزول منزلتك عندي. قال: وما هو أخبرني به، فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقّا فإنّ منزلتي عندك لا تزول به قال: بلغني أنّك لا تزال تقول: اخذ هذا الأمر منّا حسدا وظلما. قال: أمّا قولك: حسدا، فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة، فنحن بنو آدم المحسود، وأمّا قولك: ظلما فأمير المؤنين يعلم صاحب الحقّ من هو، ثمّ قال له: ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول
اللّه صلىاللهعليهوآله فنحن أحقّ برسول اللّه صلىاللهعليهوآله من سائر قريش: فقال عمر: قم الآن(1).
ومن وضع اللّه تعالى لقريش: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله أمّر عليهم عمرو بن العاص رأس المنافقين واسامة بن زيد وأباه مع كونهما موليين، وقد طعنوا في فعل النّبيّ صلىاللهعليهوآلهبهم ذلك كما صرّح بذلك النّبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا أمّر عليهم اسامة، فقال: طعنوا في إمارتك كما طعنوا في إمارة أبيك وأنتما أهل لذلك(2).
أي آتانا النبوّة والخلافة والإمامة وحرمهم هذه كما قال تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»(3)قال أبو جعفر عليهالسلام: فنحن الناس المحسودون على ما آتانا اللّه الإمامة دون خلق اللّه جميعا(4).
وعن أبي سعيد المؤب عن ابن عباس في قوله: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»(5)قال: نحن الناس وفضله النبوة(6).
و من إعطائهم عليهمالسلام وحرمان أولئك المدّعين: اختصاصهم بمقام الإمامة منه تعالى، وفي (عيون ابن بابويه) قال عبدالعزيز بن مسلم: كنّا في أيّام عليّ بن موسى الرّضا عليهالسلام بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة، فأدار الناس
أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف النّاس فيها، فدخلت عليه عليهالسلام فأعلمته ما خاض النّاس فيه فتبسّم ثمّ قال: جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إنّ اللّه تعالى لم يقبض
نبيّه صلىاللهعليهوآله حتّى أكمل له الدّين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه كما قال عزّ وجلّ: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ»(1)وأنزل في حجّة الوداع وهو آخر عمره: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلامَ دِيناً»(2)وأمر الإمامة من تمام الدّين، ولم يمض النّبيّ صلىاللهعليهوآله حتّى بيّن لامّته معالم دينه، وأوضح لهم سبيله، وتركهم على قصد الحقّ، وأقام لهم عليّا عليهالسلام علما وإماما، وما ترك شيئا يحتاج إليه الامّة إلاّ بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه، ومن ردّ كتاب اللّه فهو كافر. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الامّة فيجوز فيها اختيارهم إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا، وأعلى مكانا، وأمنع جانبا من أن يبلغها النّاس بعقولهم(3).
و لعلم قريش بأنّهم لم يكونوا على شيء، وأنّ أمير المؤنين عليهالسلام لو ولي الأمر لم يكن ليشركهم معه أو بعده كما فعل أبو بكر مع عمر، وعمر مع عثمان، سعوا بتمام قواهم أن لا يصل الأمر إليه، فقاموا عليه يوم السّقيفة، ويوم الدّار، وحين قيامه عليهالسلام، ولم يكادوا يستعملون أقاربه عليهالسلام في ولاياتهم.
وعن ابن عبّاس: إنّ عمر أرسل إلى ابن عبّاس فقال: إنّ عامل حمص هلك وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي
منك شيء لم أره منك وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل قال: لن أعمل حتّى تخبرني بالّذي في نفسك. قال: وما تريد إلى ذلك قال: اريده فإن كان شيء أخاف منه على نفسي، خشيت منه عليها الّذي خشيت، وإن كنت بريئا من مثله وعلمت أنّي لست من أهله فقبلت عملك هنالك، فإنّي قلّما رأيتك طلبت شيئا إلاّ عاجلته. فقال: يابن عبّاس إنّي خشيت أن يأتي عليّ الّذي هو آت وأنت في عملك، فتقول: هلمّ إلينا، ولا هلمّ إليكم دون غيركم. إنّي رأيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله استعمل النّاس وترككم. قال: واللّه قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك قال: واللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب و لا بد من عتاب فقد قرعت لك فما رأيك قال: قلت: أرى أن لا أعمل لك. قال: ولم ؟ قال: قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك. قال: فأشر عليّ. قال: قلت: إنّي أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك(1).
وقوله: «و اللّه ما أدري أضنّ بكم عن العمل...» فجور منه في الحلف، فإنّه علم أنّه صلىاللهعليهوآله ضنّ بهم. ثمّ إنّه لم يستعمل ابن عبّاس، لئلاّ يصير وسيلة لتولية أمير المؤنين عليهالسلام، لكونه ابن عمّه لو مات هو، مع كون ابن عبّاس من أهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله. واستعمل معاوية أعدى عدوّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله مع علمه بنفاقه ومعرفته بدرجة دهائه، ليصير سببا لغلبته على أهل البيت، وقد صار الأمر كما دبّر ولم يولّه بلدة، بل إقليما مثل الشّام حتّى يمكنه المقاومة في مقابل أمير المؤنين عليهالسلام، مع كون الحجاز والعراق تحت يده، و قد صرّح بذلك يوم الشّورى، فألقى الاختلاف بين الستّة، ودبّر حرمان أمير المؤنين عليهالسلام بحكميّة ابن عوف صهر عثمان وقال: إن اختلفتم
1) .مروج الذهب: 321/2.
يغلبكم معاوية. فهل غلبة معاوية إلاّ منه وهل بغي على أهل البيت عليهمالسلام أعظم ممّا فعل .
روى الخطيب في محمّد بن سليمان بن حبيب عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص قال: إنّ عليّا عليهالسلام أتىالنّبيّ صلىاللهعليهوآله وعنده ناس، فلمّا دخل عليّ خرجوا، ثمّ إنّهم قالوا: واللّه ما أخرجنا النّبيّ صلىاللهعليهوآله، فلم خرجنا؟ فرجعوا فدخلوا على النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّي واللّه ما اخرجتكم وأدخلته، ولكنّ اللّه هو أدخله وأخرجكم(1).
وروى أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصّحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ بن أبي طالب. فتكلّم النّاس في ذلك، فقام النّبيّ صلىاللهعليهوآله فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ما سدّدت شيئا ولا فتحته ولكنّي امرت بشيء فاتّبعته(2).
وعن بريدة الأسلمي، قال: أمر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بسدّ الأبواب، فشقّ ذلك على أصحابه، فلمّا بلغ ذلك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله دعا الصلاة جامعة، حتّى إذا اجتمعوا صعد المنبر، ولم نسمع لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله تحميدا وتعظيما في خطبة مثل يومئذ، فقال: أيّها الناس!... ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها بل اللّه فتحها وسدّها ثمّ قرأ: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ
يُوحى»(1)فقال رجل: دع لي كوّة تكون في المسجد، فأبى، وترك باب عليّ مفتوحا، فكان يدخل و يخرج منه وهو جنب(2)
وروى التّرمذي عن جابر قال: دعا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عليّا يوم الطّائف، فانتجاه طويلا فقال النّاس: لقد طالت نجواه مع ابن عمّه. فبلغ ذلك رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، فقال: ما انتجيته ولكنّ اللّه انتجاه(3).
لا بغيرنا.
إلى الحقّ لأنّهم عليهالسلام الأعلام والمنار ونور الأنوار وشموس الضّياء وكواكب الدّجى ونجوم الظّلماء، والهداة لمن اهتدى في الآخرة والاولى، وقد قال تعالى: «... أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(4).
عن الباطل، وقول عمر: «معضلة ليس لها أبو الحسن»(1)
انساب الاشراف: 99/2 ـ 100 / ح 29 و30.
صار كالمثل.حسبما استفاض عنه صلىاللهعليهوآله من طريق الخاصّة والعامّة.
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: قال لي جبريل: يا محمد قلّبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أجد ولد أب خيرا من بني هاشم(2).
أي: الطّالبيين منهم دون باقي بطون هاشم من العباسيّين وغيرهم، وفي الإثني عشر من بطن الطالبيّين دون غيرهم من الجعفريّين العقيليّين وغيرهما، روى محمّد بن بابويه عن الأسواري قال: كان ليحيى بن خالد مجلس بداره يحضره المتكلّمون من كل فرقة يوم الأحد، فيتناظرون في أديانهم فيحتجّ بعضهم على بعض، فبلغ ذلك الرّشيد فقال له: ما هذا المجلس الّذي بلغني عنك في منزلك يحضره المتكلّمون قال: ما شيء ممّا رفعني به أمير المؤنين عليهالسلام أحسن موقعا عندي من هذا المجلس الّذي يحضره كلّ قوم مع اختلاف مذاهبهم، فيحتجّ بعضهم على بعض، ويعرف المحق من بينهم، ويبيّن لنا فساد كلّ مذهب من مذاهبهم. فقال له الرّشيد: احبّ أن أحضر هذا المجلس، وأسمع كلامهم على أن لا يعلموا بحضوري، فيحتشموا ولا يظهروا مذاهبهم. قال: ذلك إلى أمير المؤنين إن شاء
ومتى شاء. قال: فضع يدك على رأسي على ألاّ تعلمهم بحضوري. ففعل ذلك وبلغ الخبر المعتزلة فتشاوروا بينهم وعزموا على ألاّ يكلّموا هشام بن الحكم إلاّ في الإمامة، لعلمهم بمذهب الرّشيد وإنكاره على من قال بالإمامة، فحضروا وحضر هشام وحضر عبداللّه بن يزيد الأباضى ـ وكان من أصدق النّاس(1)لهشام ـ فدخل هشام وسلّم على عبداللّه من بينهم، فقال يحيى لعبداللّه: كلّم هشاما في ما اختلفتم فيه من الإمامة. فقال هشام: أيّها الوزير ليس لهؤاء علينا جواب ولا مسألة، إنّ هؤاء قوم كانوا مجتمعين معنا على إمامة رجل، ثم فارقونا بلا علم ولا معرفة، فلا حين كانوا معنا عرفوا الحقّ، ولا حين فارقونا علموا علا م فارقونا. فقال بنان ـ وكان من الحروريّهـ: أخبرني عن أصحاب عليّ حين حكّموا الحكمين كانوا مؤنين أم كافرين قال هشام: كانوا ثلاثة أصناف: صنف مؤنون، وصنف مشركون، وصنف ضالّون، فأمّا المؤنون فمن قال مثل قولي: إنّ عليّا عليهالسلام إمام من عند اللّه عزّ وجلّ ومعاوية لا يصلح لها، فآمنوا بما قال اللّه تعالى في عليّ عليهالسلام وأقرّوا به.
و أمّا المشركون فقوم قالوا: عليّ إمام ومعاوية يصلح لها، فأشركوا وأدخلوا معاوية مع عليّ عليهالسلام. وأمّا الضّالّون فقوم خرجوا من الحميّة والعصبيّة للعشائر والقبائل، ولم يعرفوا شيئا من هذا وهم جهّال. قال: فأصحاب معاوية ما كانوا قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف كافرون، وصنف مشركون، وصنف ضالّون. أمّا الكافرون فالّذين قالوا: إنّ معاوية إمام وعليّ لا يصلح لها، فكفروا من جهتين إذ
1) . من الصداقة. والإباض ـ بكسر الهمزة ـ ومنه الاباضية فرقة من الخوارج أصحاب عبداللّه بن اباض التميمى. الصحاح.
جحدوا إماما من اللّه عزّ وجلّ ونصبوا إماما ليس من اللّه. وأمّا المشركون فقوم قالوا: معاوية إمام وعليّ يصلح لها، فأشركوا معاوية مع عليّ عليهالسلام. وأمّا الضّالّون فعلى سبيل اولئك خرجوا بالحميّة والعصبيّة للقبائل والعشائر. فانقطع بنان عند ذلك.
فقال ضرار: وأنا أسألك يا هشام في هذا. قال: أخطأت. قال: ولم ؟ قال: لأنّكم كلّكم مجتمعون على دفع إمامة صاحبي، وقد سألني هذا عن مسألة، وليس لكم أن تثنوا عليّ بالمسألة، حتّى أسألك يا ضرار عن مذهبك في هذا الباب. فقال: سل. فقال: أتقول إنّ اللّه عزّ وجلّ عدل لا يجور قال: نعم. قال: فلو كلّف اللّه المقعد المشي إلى المساجد والجهاد، وكلّف الأعمى قراءة المصاحف والكتب أ تراه كان عادلا أم جائرا قال: ما كان ليفعل ذلك. قال هشام: قد علمت أنّ اللّه لا يفعل ذلك، و لكن ذلك على سبيل الجدال والخصومة، ولو فعل ذلك أليس كان في فعله جائرا إذ كلّفه تكليفا لا يكون له السّبيل إلى إقامته وأدائه قال: لو فعل ذلك كان جائرا.
قال: فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كلّف العباد دينا واحدا لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلاّ أن يأتوا به كما كلّفهم قال: بلى. قال: فجعل لهم دليلا على وجود ذلك الدّين، أو كلّفهم ما لا دليل لهم على وجوده، فيكون بمنزلة من كلّف الأعمى قراءة الكتب، والمقعد المشي إلى المساجد والجهاد فسكت ضرار ساعة ثمّ قال: لا بدّ من دليل وليس بصاحبك. فتبسّم هشام وقال: تشيع شطرك(1)، وصرت إلى الحقّ ضرورة ولا خلاف بيني وبينك إلاّ في التّسمية.
قال ضرار: فإنّي ارجع عليك القول في هذا. قال: هات. قال ضرار: كيف تعقد
1) . أي بعضك، ولعلّ المراد به لسانه حيث أقر بوجود الدليل.
الإمامة قال هشام: كما عقد اللّه النّبوّة. قال: فهو إذن نبيّ قال: لا، لأنّ النّبوّة يعقدها أهل السّماء، والإمامة يعقدها أهل الأرض، فعقد النّبوّة بالملائكة، وعقد الإمامة بالنّبيّ، والعقدان جميعا بأمر اللّه جلّ جلاله. قال: فما الدّليل على ذلك قال هشام:
الاضطرار في هذا. قال ضرار: وكيف ذلك ؟ قال هشام: لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه، إمّا أن يكون اللّه عزّ وجلّ رفع التّكليف عن الخلق بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله فلم يكلّفهم ولم يأمرهم ولم ينههم، فصاروا بمنزلة السّباع والبهائم، الّتي لا تكليف عليها أ فتقول هذا يا ضرار: إنّ التّكليف عن النّاس مرفوع بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله قال: لا أقول هذا. قال هشام: فالوجه الثّاني ينبغي أن يكون النّاس المكلّفون(1)قد استحالوا بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله علماء في مثل حدّ الرّسول في العلم، حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد، فيكونوا كلّهم قد استغنوا بأنفسهم وأصابوا الحقّ الّذي لا اختلاف فيه، أ فتقول هذا: إنّ النّاس استحالوا علماء حتّى صاروا في مثل حدّ الرّسول في العلم بالدّين، حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد، مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحقّ قال: لا أقول هذا ولكنّهم يحتاجون إلى غيرهم. قال: فبقي الوجه الثّالث، وهو أنّه لا بدّ لهم من عالم يقيمه الرّسول لهم لا يسهو ولا يغلط ولا يحيف، معصوم من الذّنوب مبرّأ من الخطايا يحتاج النّاس إليه ولا يحتاج إلى أحد.
قال: فما الدّليل عليه ؟ قال هشام: ثمان دلالات: أربع في نعت نسبه، وأربع في نعت نفسه، فأمّا الأربع الّتي في نعت نسبه: فإنّه يكون معروف الجنس، معروف
1) . صفة للناس. و»استحالوا«أي تحولوا علماء لا يحتاجون الى علمه ص بعد أن يكون في زمان الرسول يحتاجون إليه في دينهم.
القبيلة، معروف البيت، وأن يكون من صاحب الملّة والدّعوة إليه إشارة، فلم ير جنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب، الّذين منهم صاحب الملّة والدّعوة، الّذي ينادى باسمه في كل يوم خمس مرّات على الصّوامع: «أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه» فتصل دعوته إلى كلّ برّ وفاجر، عالم وجاهل مقرّ ومنكر في شرق الأرض وغربها، ولو جاز أن تكون الحجّة من اللّه على هذا الخلق في غير هذا الجنس لأتى على الطّالب المرتاد دهر من عصره لا يجده، ولجاز أن يطلبه في أجناس من هذا الخلق من العجم وغيرهم، ولكان من حيث أراد اللّه عزّ و جلّ أن يكون صلاح يكون فساد، ولا يجوز هذا في حكمة اللّه تعالى وعدله، أن يفرض على النّاس فريضة لا توجد، فلمّا لم يجز ذلك لم يجز أن يكون إلاّ في هذا الجنس لاتّصاله بصاحب الملّة والدّعوة، فلم يجز أن يكون من هذا الجنس إلاّ في هذه القبيلة، لقرب نسبها من صاحب الملّة وهي قريش، ولمّا لم يجز أن يكون من هذا الجنس إلاّ في هذه القبيلة، لم يجز أن يكون من هذه القبيلة إلاّ في هذا البيت لقرب نسبه من صاحب الملّة والدّعوة، ولمّا كثر أهل هذا البيت، وتشاجروا في الإمامة، لعلوها وشرفها ادّعاها كلّ واحد منهم، فلم يجز إلاّ أن يكون من صاحب الملّة والدعوة إشارة إليه بعينه واسمه ونسبه، كيلا يطمع فيها غيره.
وأمّا الأربع الّتي في نعت نفسه: فأن يكون أعلم النّاس كلّهم بفرائض اللّه وسننه وأحكامه، حتّى لا يخفى عليه منها دقيق ولا جليل، وأن يكون معصوما من الذّنوب كلّها، وأن يكون أشجع النّاس، وأن يكون أسخى النّاس.
فقال عبداللّه بن يزيد الأباضي: من أين قلت: إنّه أعلم النّاس قال: لأنّه إن لم يكن عالما بجميع حدود اللّه وأحكامه وشرائعه وسننه، لم يؤن عليه أن يقلّب
الحدود، فمن وجب عليه القطع حدّه، ومن وجب عليه الحدّ قطعه، فلا يقيم للّه حدّا على ما أمر به، فيكون من حيث أراد اللّه صلاحا يقع فساد.
قال: فمن أين قلت: إنّه معصوم من الذّنوب قال: لأنّه إن لم يكن معصوما من الذّنوب دخل في الخطأ، فلا يؤن أن يكتم على نفسه، ويكتم على حميمه وقريبه، ولا يحتجّ اللّه بمثل هذا على خلقه.
قال: فمن أين قلت: إنّه أشجع النّاس قال: لأنّه فئة للمسلمين يرجعون إليه في الحروب، وقد قال عزّ وجلّ: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ...»(1)فإن لم يكن شجاعا فرّ فيبوأ بغضب من اللّه عزّ وجلّ حجّة اللّه على خلقه.
قال: فمن أين قلت: إنّه أسخى النّاس قال: لأنّه خازن المسلمين فإن لم يكن سخيّا، تاقت نفسه إلى أموالهم(2)فأخذها فكان خائنا، ولا يجوز أن يحتجّ اللّه على خلقه بخائن.
فعند ذلك قال ضرار: فمن هذا بهذه الصّفة في هذا الوقت ؟ فقال: صاحب القصر أمير المؤنين ـ وكان هارون قد سمع الكلام كلّه ـ فقال عند ذلك: أعطانا واللّه من جراب النّورة، ويحك يا جعفر ـ وكان جعفر بن يحيى جالسا معه في السّتر ـ من يعني بهذا فقال: يعني به موسى بن جعفر. قال: ما عنى به غيره. ثمّ عضّ على شفتيه وقال: مثل هذا حيّ ويبقى لي ملكي ساعة واحدة.
فو اللّه للسان هذا أبلغ في قلوب النّاس من مائة ألف سيف. وعلم يحيى أنّ
هشاما قد أتى(1)فدخل السّتر، فقال: يا عبّاسي ويحك من هذا الرّجل فقال: حسبك تكفى تكفى.
ثمّ خرج إلى هشام فغمزه، فعلم هشام أنّه قد اتي، فقام يريهم أنّه يبول أو يقضي حاجة، فلبس نعليه وانسلّ، ومرّ ببيته وأمرهم بالتّواري، وهرب ومرّ من فوره نحو الكوفة، ونزل على بشير النّبال ـ وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبداللّه عليهالسلام ـ فأخبره الخبر، ثمّ اعتل علّة شديدة، فقال له البشير: آتيك بطبيب قال: لا، أنا ميّت. فلمّا حضره الموت قال لبشير: إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف اللّيل، وضعني بالكناسة واكتب رقعة وقل: هذا هشام بن الحكم الّذي يطلبه الخليفة مات حتف أنفه. وكان هارون قد بعث إلى إخوانه وأصحابه فأخذ الخلق به، فلمّا أصبح أهل الكوفة رأوه، وحضر القاضي وصاحب المعونة والعامل والمعدّلون بالكوفة، وكتب إلى الرّشيد بذلك فقال: الحمد للّه الّذي كفانا أمره وخلّى عمّن كان أخذ به(2).
قال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليهالسلام: «إنّ الائمة من قريش» ما لفظه: قد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة. فقال قوم من قدماء أصحابنا إن النسب ليس بشرط فيها أصلا وإنها تصلح في القرشي وغير القرشي إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة واجتمعت الكلمة عليه وهو قول الخوارج. وقال أكثر
أصحابنا وأكثر الناس إن النسب شرط فيها وإنها لا تصلح إلا في العرب خاصة ومن العرب في قريش خاصة وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي صلىاللهعليهوآله الأئمة من
قريش أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطا فيها.
وقال بعض أصحابنا: معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا ممن يصلح للإمامة فأوجبوا بهذا الخبر وجود من يصلح من قريش لها في كل عصر وزمان.
وقال معظم الزيدية إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين لا تصلح في غير البطنين ولا تصح إلا بشرط أن يقوم بها ويدعو إليها فاضل زاهد عالم عادل شجاع سائس، وبعض الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي عليهالسلام وهو من أقوالهم الشاذة.
و أما الراوندية فإنهم خصصوها بالعباس وولده من بين بطون قريش كلها وهذا القول هو الذي ظهر في أيام المنصور والمهدي.00
و أما الإمامية فإنهم جعلوها سارية في ولد الحسين عليهالسلام في أشخاص مخصوصين ولا تصلح عندهم لغيرهم.
و جعلها الكيسانية في محمد بن الحنفية وولده ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره.
فإن قلت إنك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة وأصولهم فما قولك في هذا الكلام وهو تصريح بأن الإمامة لا تصلح من قريش إلا في بني هاشم خاصة وليس ذلك بمذهب للمعتزلة لا متقدميهم ولا متأخريهم.
قلت هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر وإن صح أن عليا عليهالسلام قاله قلت كما قال
لأنه ثبت عندي أن النبي صلىاللهعليهوآله قال إنه مع الحق وأن الحق يدور معه حيثما دار.
و يمكن أن يتأول ويطبق على مذهب المعتزلة فيحمل على أن المراد به كمال الإمامة كما حمل قوله صلىاللهعليهوآله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد على نفي الكمال لا على نفي الصحة(1).
قال الخوئي رحمهالله(2): محصّل ما حكاه الشّارح من الأقوال وأورده في هذا المقام عن أصحابه المعتزلة وغيرهم عشرة.
أمّا القول الأوّل فيبطله قوله صلىاللهعليهوآله: الأئمة من قريش لافادته القصر واشتراطه النّسب.
و أمّا القول الثاني فهو مسلّم لكن لا على اطلاقه بل بتقييد القرشي بالبطن المخصوص من هاشم أعنى عليا وولده للأدلّة الآتية الدالة عليه.
و أمّا القول الثّالث ففيه أنّ معنى النّبوى أنّه لا بدّ أن يكون الامام من قريش، وعليه فلا معنى لقولهم فان لم يكن فيها من يصلح فليست القرشيّة شرطا فيها، ضرورة أنه إذا لم تكن شرطا فيها على تقدير عدم وجود من يصلح لجاز أن يكون من غيرها لكنه باطل بمقتضى القصر ولازمه أنه إذا فرض عدم وجود من يصلح من قريش لها أن لا يكون هناك امام أصلا على ما هو قضية الشرطية المستفادة من القصر لا وجوده من غير قريش على ما زعموا.
و أما القول الرّابع ففيه أنّ مفاد الخبر أنّ الامام لا بدّ أن يكون من قريش وأما أنّ قريشا لا بدّ أن يكون منهم في كلّ عصر وزمان من يصلح للامامة فلا دلالة للخبر
عليه باحدى من الدلالات، نعم قد قامت الأدلّة العقلية والنقلية على أنّ الزّمان لا يخلو من حجّة، فيضمّ قوله: إنّ الأئمة من قريش إلى تلك الأدلّة يثبت أنّ قريشا لا تخلو من أن يكون منهم في كلّ عصر إمام، نظير دلالة قوله سبحانه: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ»(1)بضميمة قوله: «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً»(2)على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر إلاّ أنه دلالة تبعيّة غير مقصودة.
و أما القول الخامس فهو مسلّم لكن لا في مطلق الطالبى والفاطمي، بل في الأشخاص المخصوصة أعنى الأئمة الاثنى عشر، وما ذكروه من الشروط أعنى القيام والدّعوة والسياسة لم يدلّ عليها دليل من الكتاب والسنة، وعمدة شروطها العصمة والنص والأفضلية، ولها شرايط اخر مذكورة في الكتب الكلامية لأصحابنا و أما القول السادس والسابع فشاذّان ضعيفان لا يعبأ بهما مع قيام الأدلّة القاطعة على خلافهما.
و أما القول الثامن فهو المذهب الحقّ الذى أحقّ أن يدان ويتّبع، وعليه دلّت النصوص المعتبرة المتواترة.
و أما القول التاسع والعاشر فكالسادس والسابع ضعيفان أيضا، هذا.
و بقى الكلام مع الشارح فيما ذكره جوابا عن الاعتراض الذى أورده على نفسه أعني قوله قلت: هذا الموضع مشكل ولى فيه نظر إلى قوله: حيثما دار.
فأقول: هذا الجواب يستشمّ منه ميل الشارح إلى مذهب الشيّعة الاماميّة كما هو زعم بعض العامّة بل أكثرهم حيث ينسبونه إلى التشيّع ويتبرّون منه إلاّ أنّ أكثر كلماته صريحة في اختياره مذهب الاعتزال حسب ما عرفتها.
ثمّ أقول: إنّ هذا الموضع ليس محلّ اشكال ولا نظر لأنّ صحّة الرّواية لا غبار عليها فانّها وإن رواها السيّد رحمهالله على نحو الارسال إلاّ أنّ مضمونها معتضد وموافق للاخبار النبوية وغير النّبوية المعتبرة العاميّة والخاصيّة القطعيّة السّند حسب ما تعرف جملة منها عن قريب انشاء اللّه تعالى، وبالجملة فليس الدليل منحصرا في المقام في هذه الرّواية حتّى يستشكل في صحّتها، بل لنا على هذه الدّعوى أدلّة قاطعة متظافرة بل متواترة حسب ما تطلع عليها.
و أما قول الشارح ويمكن أن يتأوّل ويطبق على مذهب المعتزلة ففيه:
أولا إنّ الإمامة منصب إلهي وملك عظيم غير قابل للكمال والنّقصان والشدّة والضّعف، بل لها شروط وخصال بها يتأهّل لها، فحيث ما وجدت تلك الشّرائط وجدت، وحيث ما انتفت انتفت، فلا معنى لحمل قوله عليهالسلام: الأئمة من قريش، على الإمامة الكاملة إذ ليس لنا إمامة ناقصة.
اللهمّ إلاّ أن يجعل المراد بالامام معناه اللّغوى أعنى مطلق المقتدى فحينئذ يصحّ توصيفه بالكمال والنّقصان، فيراد بالكامل الأئمة الّذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون، و بالنّاقص الأئمة الذين يدعون إلى النّار وهم للحقّ جاحدون، وعلى ذلك فيكون معنى قوله: الأئمة من قريش آه، المقتدين الكاملين يعني أئمة الهدى من قريش غرسوا في البطن المخصوص من هاشم، فلا ينافي وجود المقتدين الناقصين أعني أئمة الضّلال من غير ذلك البطن.
لكن هذا المعنى مضافا إلى أنّه مجاز ممّا لا يلتزم به الشّارح، لأنّ غرضه من حمل الحديث على كمال الإمامة، ومن تمحّل ذلك التّأويل إنّما هو تصحيح مذهب المعتزلة ورفع تضادّ الحديث لذلك المذهب، فكيف يقرّ ويذعن بضلال أئمته وله
أن يجيب عن ذلك ويقول إنّ المراد بالإمام الكامل الأفضل والأجمع للخلال (للخصال) الحميدة، وبالنّاقص من دون ذلك كما يؤى إليه اعترافه وفاقا لأصحابه المعتزلي بأنّ عليّا أفضل من سائر الخلفاء.
إلاّ أنّه يتوجّه عليه من أنّه بعد القول والالتزام بأفضليّة أمير المؤنين عليهالسلام لا يبقى لغيره إمامة وخلافة أصلا، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح وغير الأفضل على الأفضل عقلا وشرعا فيبقى الايراد أعنى عدم كون الإمامة قابلة للنّقصان على حالها.
و ثانيا انّ قياس الحديث على نحو لا صلاة لجار المسجد والتمثيل به فاسد ضرورة أنّ لاء النّافية للجنس موضوعة لنفى الماهيّة وحقيقة فيه كما في لا رجل في الدّار، واستعماله في نفى صفة من صفات الجنس كالصّحة والكمال ونحوهما مجاز لا يصار إليه إلاّ بدليل، وقد قام الدّليل على إرادة المعنى المجازي نحو لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، ولا طلاق إلاّ بشهود، ولا نكاح إلاّ بوليّ، ولا عتق إلاّ في ملك، وما ضاهاها، لعلمنا بأنّ الماهيّة موجودة فيها جزما، وإنما المنفىّ صحّتها أو كمالها، وأما فيما نحن فيه فأصالة الحقيقة محكمة لم يقم دليل على خلافها، فلا وجه للتأويل بكمال الإمامة على ما زعمه.
إذا عرفت ذلك فلنتصدّ لذكر الأخبار الدّالة على أنّ الأئمة كلّهم من قريش وأنّ الإمامة مخصوصة بعليّ أمير المؤنين عليهالسلام وولده الأحد عشر، وهى كثيرة جدّا عاميّة وخاصيّة ونحن نورد طائفة منها من طريق العامّة لكونها أقلع لعذر الخصم وأبلغ حجّة، الاول أبو عبداللّه محمّد بن إسماعيل البخاري في صحيحه عن عبدالملك قال:
سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: يكون بعدي اثنا عشر أميرا فقال صلىاللهعليهوآله كلمة لم أسمعها فسألت أبي ما ذا قال؟ قال: إنّه قال: كلّهم من قريش(1).
الثاني عن ابن عيينة قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لا يزال أمر النّاس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثمّ تكلّم بكلمة خفيت علىّ فسألت أبي ما ذا قال رسول اللّه؟ فقال: قال: كلّهم من قريش(2).
الثالث مسلم في صحيحه مسندا عن حصين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبيّ صلىاللهعليهوآله فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيه اثنا عشر خليفة، قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ قال: فقلت لأبي ما قال؟ قال:
كلّهم من قريش(3).
الرابع مسلم في صحيحه قال: حدّثنا ابن أبي عمر وقال: حدّثنا سفيان عن عبدالملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: لا يزال أمر النّاس ماضيا ما وليّهم اثنى عشر رجلا ثمّ تكلّم النّبي بكلمة خفيت علىّ فسألت أبي ما ذا قال رسول اللّه؟ فقال: قال: كلّهم من قريش(4).
الخامس مسلم في صحيحه قال: حدّثنا هذاب بن خالد الأزدى قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفة ثمّ قال كلمة
لم أفهمها فقلت لأبي ما قال؟ فقال: قال: كلّهم من قريش(1).
السادس مسلم في صحيحه قال حدّثنا أحمد بن عثمان النّوفلي حدّثنا أزهر حدّثنا أحمد بن عون بن عثمان عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال: انطلقت إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ومعي أبي فسمعته يقول: لا يزال هذا الدّين عزيزا منيعا إلى اثنى عشر خليفة فقال صلىاللهعليهوآله كلمة صمنيها النّاس فقلت لأبي ما قال؟ قال: كلّهم من قريش(2)
السابع وفي رواية مسلم عن حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامى نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فكتب إلىّ: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يوم جمعة عشيّة رجم الأسلمي قال: لا يزال الدّين قائما حتّى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش(3)الحديث.
قال السيّد البحراني: بعد ايراد الأخبار السّبعة وعشر روايات كلّها من طريق المخالفين عن جابر بن سمرة ما لفظه: أقول: قد ذكر يحيى بن الحسن البطريق في كتاب المستدرك أنّه ذكر في كتاب العمدة(4)من طريق العامّة عشرين طريقا في أنّ الخلفاء بعده إثنا عشر خليفة كلّها من الصّحاح من صحيح البخاري ثلاثة طرق، و من مسلم تسعة، ومن صحيح أبي داود ثلاثة، وفي الجمع بين الصحاح الستة طريقان، ومنها من الجمع بين الصحيحين للحميدى ثلاثة كلّها ينطق بأنه لا يزال
الاسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة وماوليهم اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش(1)
الثامن أبو علي الطبرسى الفضل بن الحسن من طريق المخالفين وهو عدّة روايات منها ما رواه عن أبي سلمة القاضي قال: أخبرنا أبو القاسم القسوى «أبو العباس النسوى خ» حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا حاتم بن إسماعيل عن المهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فكتب إليّ أني سمعت رسول اللّه يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدّين قائما حتى تقوم الساعة ويكون عليكم اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش وسمعته يقول. أنا الفرط على الحوض(2).
التاسع ما رواه من طريق المخالفين الشيخ أبو عبداللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد عن محمّد بن عثمان الذهبي حدّثنا عبداللّه بن جعفر الرّقي قال: حدّثنا عيسى ابن يونس عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: كنّا عند عبداللّه بن مسعود فقال له رجل: أ حدّثكم نبيّكم كم يكون بعده من الخلفاء؟ فقال له: نعم يكون بعدى من الخلفاء عدّة نقباء موسى اثنى عشر خليفة كلّهم من قريش(3).
العاشر ما رواه حمّاد بن زيد عن مجالد عن الشّعبي عن مسروق عن عبداللّه ابن مسعود وزاد فيه قال: كنّا جلوسا إلى عبداللّه يقرينا القرآن، فقال له رجل: يا عبدالرحمن هل سألتم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كم يملك أمر هذه الأمّة خليفة بعده ؟ فقال له
عبداللّه: ما سألني بها أحد منذ قدمت العراق، نعم سألنا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال: اثنى عشر عدّة نقباء بني اسرائيل(1).
الحادى عشر ما رواه عبداللّه بن أبي اميّة مولى مجامع عن يزيد الرّفاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: لا يزال هذا الدّين قائما إلى اثنى عشر من قريش فاذا مضوا ساخت الأرض بأهلها(2).
الثاني عشر ما رواه سليمان بن أحمر قال: حدّثنا أبو عون عن الشّعبي عن جابر بن سمرة أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: لا يزال أهل هذا الدّين ينصرون على من ناواهم الى اثنى عشر خليفة فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلّم بكلمة لم أفهمها فقلت لأبي أو لأخي: أيّ شيء قال؟ قال: كلّهم من قريش(3).
الثالث عشر ما رواه قطر بن خليفة عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة عن النّبي صلىاللهعليهوآله مثله(4).
الرابع عشر ما رواه سهل بن حماد عن يونس بن أبي يعفور قال: حدّثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت عند رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وعمّي جالس بين يدي فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لا يزال أمر امّتي صالحا حتّى يمضى اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش اسم أبي جحيفة وهب بن عبداللّه(5).
الخامس عشر ما رواه الليث بن سعد عن خالد بن زيد عن سعيد بن أبي هلال
عن ربيعة بن سيف قال: كنّا عند شقيق الأصبحي فقال: سمعت عبداللّه بن عمر يقول: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: يكون خلفي اثنى عشر خليفة(1).
السادس عشر ما رواه الشيخ أبو عبداللّه جعفر بن محمّد بن أحمد الدورستي في كتابه في الرّد على الزّيدية قال: أخبر أبي قال: أخبرنا الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه عن عمّه عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه عن خلف بن حماد الأسدي عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن ابن عباس قال: سألت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حين حضرته وفاته فقلت إذا كان ما نعوذ باللّه منه فإلى من؟ فأشار إلى عليّ عليهالسلام فقال: هذا، فانّه مع الحقّ والحقّ معه ثمّ يكون بعده أحد عشر إماما مفترضة طاعتهم كطاعتى (كطاعته)(2).
السابع عشر الدورستي أيضا قال: أخبرنا أبو عبداللّه محمّد بن وهبان قال: حدّثنا أبو بشر أحمد بن إبراهيم بن أحمد قال: أخبرنا محمّد بن زكريّا بن دينار العلائي حدّثنا سليمان بن إسحاق عن سليمان بن عبداللّه بن العبّاس قال: حدّثني أبي قال: كنت يوما عند الرّشيد فذكر المهدي وما ذكر من عدله فأطنب من ذلك فقال للرّشيد: إنّي أحسبكم أنكم تحسبونه أبى المهدي حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاس عن أبيه العباس بن عبدالمطلب أنّ النّبي صلىاللهعليهوآله قال: يا عم تملك من ولدي اثنى عشر خليفة ثمّ يكون امور كريهة وشدّة عظيمة ثمّ يخرج المهدي من ولدي يصلح اللّه أمره في ليلة فيملاء الأرض عدلا كما ملئت جورا يمكث في
الأرض ما شاء اللّه ثمّ يخرج الدّجال(1).
قال أبو عليّ الطبرسي عقيب هذه الأخبار وما بمعناها ممّا لم نوردها: هذا بعض ما جاء من الأخبار من طريق المخالفين ورواياتهم في النّص على عدد الأئمة الاثني عشر عليهمالسلام وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت ذلك كما نقلته الشّيعة الاماميّة ولم ينكر ما تضمّنه الخبر فهو أدّل دليل على أنّ اللّه تعالى هو الذي سخّر لروايته اقامة لحجّته وإعلاء لكلمته وما هذا الأمر إلاّ كالخارق للعادة والخارج عن الامور المعتادة، ولا يقدر عليها إلاّ اللّه تعالى الذي يذلّل الصّعب ويقلّب القلب ويسهّل له العسير وهو على كلّ شيء قدير(2).
الثامن عشر صدر الأئمة أخطب خوارزم أبو المؤد موفق بن أحمد في كتاب فضائل أمير المؤنين قال: حدّثنا فخر القضاة نجم الدّين أبو منصور محمّد بن الحسين بن محمّد البغدادي فيما كتب إليّ من همدان، قال: أنبأنا الامام الشّريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمّد الزّيني قال: أخبرنا إمام الأئمة أحمد بن محمّد بن شاذان قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبداللّه الحافظ قال: حدّثنا عليّ بن سنان الموصلي عن أحمد بن محمّد بن صالح عن سلمان بن محمّد عن زيد بن مسلم عن زياد بن محمّد عن عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن سلامة عن أبي سليمان الرّاعي راعى رسول اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: ليلة اسرى بي إلى السّماء قال لي الجليل جلّ جلاله: آمن الرّسول بما انزل اليه من ربّه فقلت:
والمؤنون، فقال: صدقت يا محمّد. من خلّفت في امّتك؟ فقلت: خيرها. قال: عليّ
بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ قال: يا أحمد انيّ اطلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها فاشتققت لك اسما من اسمائي فلا اذكر في موضع إلاّ ذكرت معى فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطلعت الثانية فاخترت منها عليّا فشققت له اسما من أسمائي فأنا الأعلى وهو عليّ، يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت عليّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من نور من نورى، وعرضت ولايتكم على أهل السّماوات والأرضين، فمن قبلها كان عندي من المؤنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمّد لو أنّ عبدا من عبادي عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي، ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يلقاني بولايتكم، يا محمّد تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ، قال: فالتفت عن يمين العرش، فالتفتّ فاذا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ ابن محمّد والحسن بن عليّ والمهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون، وهو في وسطهم يعني المهدي كأنّه كوكب درّيّ، وقال: يا محمّد هولاء الحجج وهذا الثّائر (السائر) من عترتك، وعزّتي وجلالي انّه الحجّة الواجبة والمنتقم(1).
قال السيّد المحدّث البحراني: روى هذا الحديث جماعة من الخاصّة والعامّة: رواه الشّيخ الطوسي في الغيبة وأبو الحسن محمّد بن أحمد بن الحسن بن شاذان في المناقب المأة من طريق العامّة، ورواه صاحب المقتضب وصاحب الكنز
1) . مقتضب الاثر في النص على الائمة الاثنى عشر عليهالسلام: 11 ـ 12 ومائة منقبة من امير المؤنين والائمة عليهالسلام: 37 ـ 38 المنقبة السابعة عشر؛ بحار الأنوار: 216/31/ ح 18.
الخفي والحمويني من العامّة(1)
التاسع عشر إبراهيم بن محمّد الحمويني من أعيان علماء العامّة في كتاب فرائد السمطين في فضائل المرتضى وفاطمة والحسن والحسين بسنده عن سعيد بن جبير عن عبداللّه بن العبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنى عشر أوّلهم أخي وآخرهم ولدي، قيل: يا رسول اللّه ومن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملاءها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والّذي بعثني بالحقّ بشيرا لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدى المهدي فينزل فيه روح اللّه عيسى بن مريم فيصلّى خلفه وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(2).
العشرون الحمويني هذا بالاسناد إلى ابن بابويه قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطان قال حدّثنا بكر بن عبداللّه بن حبيب قال: حدّثنا الفضل بن الصّقر العبدي قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن عبداللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أنا سيّد المرسلين (سيّد النّبيين) وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين وإنّ أوصيائي بعدي اثنى عشر أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم(3).
الحادى والعشرون: عن سلمان المحمدي قال: دخلت على النّبيّ صلىاللهعليهوآله إذا
الحسين بن عليّ على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: أنت سيّد وابن سيّد وأبو السّادات أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة، أنت حجّة ابن حجّة أبو الحجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم(1).
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة لا تستقصى وفيما ذكرناه كفاية في هذا الباب ومن أراد الزيادة فعليه بكتاب غاية المرام، وقد عقد السيّد المحدّث البحراني فيه با بين على هذا المعنى قال: الباب الرابع والعشرون في أنّ الأئمة بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله اثنى عشر بنصّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إجمالا و تفصيلا: علىّ وبنوه الأحد عشر من طريق العامة وفيه ثمانية وخمسون حديثا، ثمّ أورد الرّوايات العاميّة فقال: الباب الخامس والعشرون في أنّ الأئمة بعد رسول اللّه اثنى عشر إجمالا وتفصيلا: هم عليّ بن أبي طالب وبنوه الأحد عشر من طريق الخاصّة وفيه خمسون حديثا ثمّ روى الأحاديث الخاصيّة واللّه الهادي إلى سواء السّبيل.
عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ أَبِي لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِاللّهِ الْأَنْصَارِىِّ ـ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَمَتَى يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ أَخْلُوَ بِكَ فَأَسْأَلَكَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ أَيَّ الْأَوْقَاتِ أَحْبَبْتَهُ فَخَلا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَقَالَ لَهُ يَا جَابِرُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي يَدِ أُمِّي فَاطِمَةَ عليهاالسلام بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَمَا أَخْبَرَتْكَ بِهِ أُمِّي أَنَّهُ فِي ذَلِكَ اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ فَقَالَ جَابِرٌ أَشْهَدُ بِاللّهِ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ عليهاالسلام فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله فَهَنَّيْتُهَا بِوِلاَدَةِ الْحُسَيْنِ وَرَأَيْتُ فِي يَدَيْهَا لَوْحاً أَخْضَرَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنْ زُمُرُّدٍ وَرَأَيْتُ فِيهِ كِتَاباً أَبْيَضَ شِبْهَ لَوْنِ الشَّمْسِ فَقُلْتُ لَهَا بِأَبِي وَأُمِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله مَا هَذَا اللَّوْحُ فَقَالَتْ هَذَا لَوْحٌ أَهْدَاهُ اللّهُ إِلَى
1) . الطرائف: 174/1/ ح 272؛ بحار الأنوار: 241/36/ ح 47.
رَسُولِهِ صلىاللهعليهوآله فِيهِ اسْمُ أَبِي وَاسْمُ بَعْلِي وَاسْمُ ابْنَيَّ وَاسْمُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي وَأَعْطَانِيهِ أَبِي لِيُبَشِّرَنِي بِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ فَأَعْطَتْنِيهِ أُمُّكَ فَاطِمَةُ عليهاالسلام فَقَرَأْتُهُ وَاسْتَنْسَخْتُهُ فَقَالَ لَهُ
أَبِي فَهَلْ لَكَ يَا جَابِرُ أَنْ تَعْرِضَهُ عَلَيَّ قَالَ نَعَمْ فَمَشَى مَعَهُ أَبِي إِلَى مَنْزِلِ جَابِرٍ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِنْ رَقٍّ فَقَالَ يَا جَابِرُ انْظُرْ فِي كِتَابِكَ لِأَقْرَأَ أَنَا عَلَيْكَ فَنَظَرَ جَابِرٌ فِي نُسْخَةٍ(1)
انما كانت ملاقاة جابر مع أبى جعفر عليهالسلام بعد زيارة الأربعين في المدينة قطعا وقد قيل انه في زيارة الأربعين مكفوف البصر فكيف يمكن معه قراءة النسخة؟ ويمكن أن نقول: انما يكون عماه في آخر أيّام حياته فاشتبه على بعض من ترجمه فتوهم عماه في الأربعين سنة 61 وهو خلاف ما نصوا عليه من أنّه كف بصره آخر عمره. وما في بشارة المصطفى في خبر زيارته في الأربعين من قول عطية»قال: فالمسنيه فألمسته فخر على القبر«لا يدل على العمى ولعلّ من شدة الحزن وكثرة البكاء ابيضت عيناه. أو غمرتهما العبرة في ذلك اليوم. ويؤده ما في هذا الخبر «ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم ـ الخ».
فَقَرَأَهُ أَبِي فَمَا خَالَفَ حَرْفٌ حَرْفاً فَقَالَ جَابِرٌ فَأَشْهَدُ بِاللّهِ أَنِّي هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوباً بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَنُورِهِ وَسَفِيرِهِ وَحِجَابِهِ وَدَلِيلِهِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي وَاشْكُرْ نَعْمَائِي وَلاَ تَجْحَدْ آلاَئِي إِنِّي أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ(2)وَمُدِيلُ الْمَظْلُومِينَ وَدَيَّانُ الدِّينِ إِنِّي أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيّاً فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلاّ جَعَلْتُ لَهُ وَصِيّاً وَإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ وَأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وَسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ وَجَعَلْتُحُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي وَأَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ وَخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ وَأَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَهُ وَحُجَّتِيَ الْبَالِغَةَ عِنْدَهُ بِعِتْرَتِهِ أُثِيبُ وَأُعَاقِبُ أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ وَزَيْنُ أَوْلِيَائِيَ الْمَاضِينَ وَابْنُهُ شِبْهُ جَدِّهِ الْمَحْمُودِ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ عِلْمِي وَالْمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي سَيَهْلِكُ الْمُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ وَلَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ أُتِيحَتْ بَعْدَهُ مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لاَ يَنْقَطِعُ وَحُجَّتِي لاَ تَخْفَى وَأَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي وَمَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الْجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وَحَبِيبِي وَخِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي وَمَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ وَأَمْتَحِنُهُ بِالاضْطِلاعِ بِهَا يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ يُدْفَنُ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ(1)إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَسُرَّنَّهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ وَخَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَوَارِثِ عِلْمِهِ فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي وَمَوْضِعُ سِرِّي وَحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي لاَ يُؤمِنُ عَبْدٌ بِهِ إِلاّ جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ وَشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ وَأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لاِبْنِهِ عَلِيٍّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي وَالشَّاهِدِ فِي خَلْقِي وَأَمِينِي عَلَى وَحْيِي أخْرِجُ مِنْهُ الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِي وَالْخَازِنَ لِعِلْمِيَ الْحَسَنَ وَأكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ محمد رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ عَلَيْهِ كَمَالُ مُوسَى وَبَهَاءُ عِيسَى وَصَبْرُ أَيُّوبَ فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ وَتُتَهَادَى رُءُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُءُوسُ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ تُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ وَيَفْشُو الْوَيْلُ وَالرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ وَبِهِمْ أَكْشِفُ
1) . هو ذو القرنين لان طوس من بنائه كما صرّح به في رواية النعمانيّ لهذا الخبر. آت
الزَّلاَزِلَ وَأَدْفَعُ الآْصَارَ وَالْأَغْلالَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ:" قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ لَوْ لَمْ تَسْمَعْ فِي دَهْرِكَ إِلاّ هَذَا الْحَدِيثَ لَكَفَاكَ فَصُنْهُ إِلاّ عَنْ أَهْلِهِ(1).
ظهر لك من البرهان الّذي ذكره هشام أنّ وجوب كون الإمام من بيت هاشم بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله أمر عقلي لا يجوز تخلّفه، ويعاضده الدّليل النّقلي القطعي، قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...»(2).
وقول رسوله صلىاللهعليهوآله في المتواتر: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»(3).
ومنه يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد هنا: «إن قلت: إنّك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة واصولهم فما قولك في هذا الكلام وهو تصريح بأنّ الإمامة لا تصلح من قريش إلاّ في بني هاشم خاصّة، وليس ذلك بمذهب المعتزلة لا متقدميهم ولا متأخريهم قلت: هذا الموضع مشكل ولي فيه نظر، وإن صحّ أن عليّا عليهالسلام قاله قلت: كما قال لأنّه ثبت عندي أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: (إنّه مع الحقّ وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار). ويمكن أن يتأوّل على مذهب المعتزلة، فيحمل على أنّ المراد به كمال الإمامة كما في قوله صلىاللهعليهوآله: (لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) على نفي الكمال لا على نفي الصّحة»(4)،(5)
هذا التّأويل منه كتأويل بعض المتكلّمين النّهي عن الخمر في القرآن على جهة التّأديب، كما في قوله تعالى: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ...»(1)
الإسراء: 29.
وفي قوله تعالى: «... وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ...»(2)وذهب إلى عدم حرمة الخمر وكتأويل بعضهم العدد في قوله تعالى:... فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ...(3)على الجمع فجوّز نكاح تسع من الحرائر، واستشهد على تأويله بأنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله مات عن تسع، وأنكر الخصوصيّة للنّبيّ صلىاللهعليهوآله وكتأويل حرمة لحم الخنزير في قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...» على حلّية شحمه وجلده(4)، مع كون ما قاله في ما مرّ خلاف ضرورة الإسلام.وكتأويل قوله تعالى في نبيّه صلىاللهعليهوآله:... «وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ...» على كون النّبيّ صلىاللهعليهوآله زينة لهم كالخاتم لصاحبه، فقال بعدم خاتميّة النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وكما نقل عن بعض الغلاة والإسماعيلية القول بنبوّة أنبياء بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله، مع أنّه تواتر عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال: «لا نبيّ بعدى» فكما أنّ الآيات المتقدمّة لا تجوّز التأويل كذلك قوله عليهالسلام: «أين الذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا اللّه ووضعهم، وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى» قبل هذا الكلام أي: قوله عليهالسلام «غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم».
و لو فتح باب مثل تأويله لصحّ تأويل تلك المتنبّية عدم منافاة قول خاتم الأنبياء لنبوّتها بأنّه إنّما قال: «لا نبيّ بعدى» ولم يقل: «لا نبيّة بعدى»(1).
و سأل هشام بن الحكم أيضا جماعة من المتكلّمين فقال: أخبروني حين بعث اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله بعثه بنعمة تامّة أو بنعمة ناقصة قالوا: بنعمة تامّة. قال: فأيّما أتمّ أن يكون في أهل بيت واحد نبوّة وخلافة أو تكون نبوّة بلا خلافة قالوا: بل تكون نبوّة وخلافة. قال: فلما ذا جعلتموها في غيرها فإذا صارت في بني هاشم ضربتم وجوههم بالسّيف فافحموا(2).
وعن المرزباني عن محمّد بن العبّاس عن محمّد بن يزيد النّحوي عن ابن عائشة: أنّ ذا الشّهادتين قال:
ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا ***عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أ ليس أوّل من صلّى بقبلتهم ***وأعرف النّاس بالآثار والسّنن
وآخر النّاس عهدا بالنّبيّ ومن ***جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه فيه ما فيه لا يمترون به ***وليس في القوم ما فيه من الحسن
ما ذا الّذي ردّكم عنه فنعلمه ***ها إنّ بيعتكم من أغبن الغبن(3)
وقال حسان:
وما زال في الإسلام من آل هاشم ***دعائم صدق لا ترام ومفخر
هم جبل الإسلام والنّاس حولهم ***رضام إلى طود يطول ويقهر(1)
وقال كعب الأنصاري:
قوم بهم عصم الإله عباده***وعليهم نزل الكتاب المنزل(2)
وروى الخطيب في هاشم بن مسرور المؤب عن أبي صالح في قوله تعالى: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ...»(3)قال: هم بنو هاشم. ثم قلت: من مضى منهم أم من بقي قال: من مضى منهم ومن بقي(4).
و روى ابن عبد ربّه في وفود قريش على سيف بن ذي يزنـ: أنّ سيفا قال لعبد المطّلب: إذا ولد مولود بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، إلى يوم القيامة(5)
وقال الكميت مشيرا إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله:
يقولون لم يورث ولو لا تراثه ***لما شاركت فيه بكيل وأرحب(6)
ولا انتشلت عضوين منها يحابر***وكان لعبد القيس عضو مورّب(7)
فإن هي لم تصلح لحيّ سواهم***إذن فذوو القربى أحقّ وأقرب
1) . شرح الاخبار في فضائل الائمة الاطهار عليهمالسلام: 209/3 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 63/15.
2) . شرح الاخبار: 211/3؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 64/15.
3) . الحج: 41.
4) . تاريخ بغداد: 14/ 69 ـ 70 / ش 7413.
5) . عقد الفريد: 292/1.
6) . بكيل وأرحب: قبيلتان.
7) . 4) يحابر، بضم الياء: قبيلة أيضا، وضبط في ل بفتحها، وهو خطأ. العضو: يجوز فيها ضم العين وكسرها. المؤب: من» الأربة «بضم الهمزة، وهى العقد التى لا تنحل حتى تحل حلا، يريد أنه يكون ثابتا لا فكاك منه إلا بعد جهد وعنت.
فيا لك أمر قد اشتت جمعه***ودنيا أرى أسبابها تتقضّب
تبدّلت الأشرار بعد خيارهاوجدّ بها من امّة هي تلعب(1)
وروى المسعودي: أنّه لمّا ورد صعصعة على معاوية من قبل أمير المؤنين عليهالسلام وسأله عن قومه، وأجابه، قال له معاوية: ويحك يابن صوحان فما تركت لهذا الحيّ من قريش مجدا ولا فخرا قال: بلى واللّه يابن أبي سفيان تركت لهم ما لا يصلح إلاّ بهم، ولهم تركت الأبيض، والأحمر والأصفر والأشقر، والسّرير، و المنبر، والملك إلى المحشر، وأنّى لا يكون ذلك كذلك وهم منار اللّه في الأرض و نجومه في السّماء. ففرح معاوية وظنّ أنّ كلامه يشتمل على قريش كلّها. فقال: صدقت يابن صوحان إنّ ذلك لكذلك. فعرف صعصعة ما أراد. فقال: ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد، بعدتم عن أنف المرعى، وعلوتم عن عذب الماء. قال: فلم ذلك ويلك يابن صوحان قال: الويل لأهل النّار ذلك لبني هاشم...(2).
و روى أبو هلال العسكري: أنّ أبا الهيثم بن التيهان قام خطيبا بين يدي أمير المؤنين عليهالسلام، فقال: إنّ حسد قريش إيّاك على وجهين: أمّا خيارهم فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة في البلاء، وارتفاع الدّرجة، وأمّا شرارهم فحسدوا حسدا أثقل القلوب، وأحبط الأعمال، وذلك أنّهم رأوا عليك نعمة قدّمها إليك الحظّ وأخّرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا أن يلحقوا حتّى طلبوا أن يسبقوك، فبعدت واللّه عليهم الغاية، وقطعت المضمار. فلمّا تقدّمتهم بالسّبق وعجزوا عن اللحاق، بلغوا منك ما رأيت، وكنت واللّه أحق قريش بشكر قريش، نصرت نبيّهم حيّا وقضيت
عنه الحقوق ميّتا، واللّه، ما بغيهم إلاّ على أنفسهم، ولا نكثوا إلاّ بيعة اللّه «يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...»(1)،(2).
و روى نصر بن مزاحم عنه عليهالسلام في كتابه إلى معاوية: وأعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا ولامتنّوا به علينا، ولكنّه قضاء ممّن امتنّ به علينا
على لسان نبيّه الصادق المصدّق، لا أفلح من شكّ بعد العرفان والبيّنة...(3).
و هو صريح في مذهب الإماميّة من كون الإمامة من قبله تعالى بوساطة نبيّه صلىاللهعليهوآله لا باختيار الامّة، كما عليه المتسمّون بالسّنّة.
وانّه بلغ عثمان أنّ أبا ذر وقف بباب المسجد، فقال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الرّبذي «إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(4)محمّد الصّفوة من نوح فالأوّل من إبراهيم، والسّلالة من إسماعيل والعترة الهادية من محمّد صلىاللهعليهوآله، إنّه شرف شريفهم، واستحقّوا الفضل في قوم هم فينا كالسّماء المرفوعة، أو كالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشّمس الضاحية، أو كالقمر السّاري، أو كالنّجوم الهادية، أو كالشّجرة الزّيتونة، أضاء زيتها، وبورك زبدها، ومحمّد صلىاللهعليهوآله وارث علم آدم، وما فضّل به النّبيّون، وعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلىاللهعليهوآله ووارث علمه. أيّتها الامّة المتحيّرة بعد نبيّها
أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، وأخّرتم من أخّر اللّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيّكم، لأكلتم من فوق رؤسكم، ومن تحت أقدامكم ولما عال ولي اللّه، ولما طاش سهم من فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه وسنّة نبيّه، فأمّا إذا فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم...
«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ...»(1)،(2).
ولمّا افتخر ابن المعتز بالعبّاسيّين على الطّالبيّين بقصيدته الّتي أوّلها:
أبى اللّه إلاّ ما ترون فما لكم ***غضابى على الأقدار يا آل طالب
أجابه أبو القاسم التنوخي:
من ابن رسول اللّه وابن وصيّه ***إلى مدغل في عقدة الدّين ناصب
نشا بين طنبور ودفّ ومزهر ***وفي حجر شاد أو على صدر ضارب
ومن ظهر سكران إلى بطن قينة ***على شبه في ملكها وشوائب
إلى أن قال:
ونحن الألى لا يسرح الذّم بيننا ***ولا تدّرى أعراضنا بالمعاتب
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهم ***وإن ركبوا كانوا بدور الرّكائب
وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الرّدى ***وإن ضحكوا بكّوا عيون النّوائب
وما للغواني والوغي فتعوّذوا ***بقرع المثاني من قراع الكتائب
ويوم حنين قلت حزنا فخاره ***ولو كان يدري عده في المثالب
أبوه مناد والوصيّ مضارب ***فقل في مناد صيّت ومضارب
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه ***فأبعد محجوب بحاجب حاجب
وقلتم نهضنا ثائرين شعارنا ***بثارات زيد الخير عند التّجارب
فهلاّ بإبراهيم كان شعاركم ***فترجع دعواكم بعلّة خائب(1)
ومعنى البيت الأخير أنّكم غلبتم على بني اميّة بادعائكم أخذ ثار أهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله ولو كنتم ادعيّتم أنّكم تطلبون ثار عمّكم إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن عبّاس ـ الّذي أمر بخنقه مروان بن محمّد المروانى ـ لما أعانكم أحد.
هذا، وأمّا خبر أنّ [الأئمّة من قريش] بلفظ العام فأصله أيضا متواتر، كتخصيصه بذاك البطن من هاشم، ولمّا ادّعت الأنصار الأمر يوم السّقيفة، قال عمرو بن العاص دفعا لهم: إن كان سمعوا قول النّبيّ: «الأئمّة من قريش» ثم ادّعوها لقد هلكوا وأهلكوا، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين(2).
وقال النّعمان بن عجلان الأنصاري دفاعا عن الأنصار: إن كان النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «الأئمّة من قريش» فقد قال: «لو سلك النّاس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار»، واللّه ما أخرجناكم من الأمر إذ قلنا: منّا أمير ومنكم أمير(3).
و مع تواتر الخبر به قال عمر ـ بعد أن طعن في معاذ بن جبل الأنصارىـ: لو كان معاذ حيّا لاستخلفته(4).وقال في سالم مولى أبي حذيفة: لو كان سالم حيّا لاستخلفته(5).
قال ابن عبدالبر في عنوان سالم ـ بعد النّقل عن عمر قوله: لو كان سالم حيّا ما
جعلتها شورىـ: وهذا عندي على أنّ عمر كان يصدر في الخلافة عن رأيه(1).
ردّه قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله في ما مرّ ليس بمستنكر بعد قوله في النّبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا قال:
«ايتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدى»: دعوا الرّجل إنّه ليهجر(2).
ثمّ كما تواتر أصله كذلك تواتر عنه صلىاللهعليهوآله تعيينه لأئمّة قريش في اثني عشر فروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النّبيّ صلىاللهعليهوآله، فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي: ما قال قال: كلّهم من قريش(3).
و روى أيضا مسندا: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال عشية جمعة رجم الأسلمي: لا يزال الدّين قائما حتّى تقوم السّاعة أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش(4).
و روى أبو داود والبزّار عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: لا يزال أمر امّتي قائما حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش. ـ وزاد الأوّل ـ فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثمّ يكون ما ذا قال: ثمّ يكون الهرج(5).
و رواه أحمد بن الحسن القطّان ـ شيخ من أصحاب حديثهم ـ بأربعة عشر طريقا(6)، وعبداللّه بن محمّد الصّائغ منهم بطريقين(7).
و روى أيضا أحمد بن حنبل أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: بعدي اثنا عشر خليفة عدد نقباء
بني إسرائيل ـ وزاد في خبر ـ وحواري عيسى عليهالسلام (1).
و لا تنطبق تلك الأخبار إلاّ على مذهب الإماميّة القائلين بالأئمّة الاثني عشر، و أمّا أهل السّنّة فإن اقتصروا على الأربعة، يقعوا في الكسر، وإن تعدّوا إلى جميع من تصدى للأمر، يقعوا في الكثرة، وإن انتخبوا كما فعل القاضي عياض وابن حجر، خالفوا العقل والنّقل الكتاب والسّنّة والبرهان والعيان.
قال السّيوطي: قال ابن حجر في (شرح البخارى): «كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه ـ أي حديث كون الأئمّة اثنى عشر من قريش ـ لتأييده بقول في بعض طرق الحديث الصّحيحة: «كلّهم يجتمع عليه النّاس» وإيضاح ذلك أنّ المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والّذي وقع أنّ النّاس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين، فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع النّاس على معاوية عند صلح الحسن، ثمّ اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثمّ لمّا مات يزيد وقع الاختلاف، إلى أن اجتمعوا على عبدالملك بن مروان بعد قتل ابن الزّبير، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وتخلّل بين سليمان ويزيد عمر بن عبدالعزيز، فهؤاء سبعة بعد الخلفاء الرّاشدين، و الثّاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك، اجتمع النّاس عليه لمّا مات عمّه هشام، فولّي نحو أربع سنين، ثمّ قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيّرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفّق أن يجتمع النّاس على خليفة بعد ذلك، لأنّ يزيد بن الوليد الّذي قام على ابن عمّه الوليد بن يزيد لم تطل مدّته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم
1) . مسند أحمد: 398/1 و406؛ كفاية الأثر: 139 ـ 140.
أبيه مروان بن محمّد بن مروان.
و لمّا مات يزيد ولّى أخوه إبراهيم فقتله مروان، ثمّ ثار على مروان بنو العبّاس إلى أن قتل، ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفّاح، ولم تطل مدّته مع كثرة من ثار
عليه، ثمّ ولّى أخوه المنصور فطالت مدّته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيّين على الأندلس، واستمرّت في أيديهم متغلّبين عليها، إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم في البلاد، بعد أن كان في أيّام بني عبدالملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض، شرقا وغربا ويمينا وشمالا ممّا غلب عليه المسلمون، ولا يتولّى أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلاّ بأمر الخليفة، ومن انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستّة أنفس كلّهم يتسمّى بالخلافة، ومنهم صاحب مصر العبيدي والعبّاسي ببغداد، خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلويّة والخوارج(1).
و فيه أوّلا: إنّه على ما أسّسه يكون أمير المؤنين عليهالسلام أيضا خارجا، لأنّه لم يجتمع عليه النّاس، فلم يبايعه سعد أحد عشرتهم وأحد ستّة شوراهم، ولم يبايعه ابن عمر ابن فاروقهم والنّاظر على شوراهم، ومحمّد بن مسلمة أحد أجلّة الصّحابة عندهم، وادّعى طلحة والزّبير أنّهما بايعاه جبرا فخرجا عليه، ولم يبايعه جلّ قريش بل كلّهم، وإنّما بايعه نفر منهم كانوا في عداد بني هاشم، كمحمّد بن أبي بكر التيميّ ربيبه عليهالسلام وجعدة بن هبيرة المخزومي ابن أخته، ولم يبايعه معاوية وأهل الشّام، وكانوا قريبا من نصف المسلمين.
1) . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 14 ـ 15.
و ثانيا: كيف يكون مثل معاوية خليفة النّبيّ صلىاللهعليهوآله وقد قاتل أمير المؤنين عليهالسلام الّذي بمنزلة نفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله بنصّ القرآن(1)و حربه حرب النّبيّ صلىاللهعليهوآله بنصّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله في المتواتر عنه(2)وأمر اللّعين بسبّه عليهالسلام، وسنّه وكانت باقية مدّة بقاء الشّجرة الملعونة في القرآن، وقتل سيّد شباب أهل الجنّة الحسن بن عليّ عليهماالسلام وقتل آلافا من عباد اللّه الصالحين، كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، ونظرائهما، وقد لعنه النّبيّ صلىاللهعليهوآله في غير موطن، وأظهر كفره للمغيرة، و تأسّف على عدم قدرته على محو اسم النّبيّ صلىاللهعليهوآله، ومثل ابنه يزيد الّذي ينكت بقضيبه على ثنايا سيّد شباب أهل الجنّة، ويقول:
لعبت هاشم بالملك فلا ***خبر جاء ولا وحي نزل(3)
وسبى بنات النّبيّ صلىاللهعليهوآله وفعل ما فعل بأهل المدينة، وبمسجد النّبيّ صلىاللهعليهوآله وبالكعبة ومثل الوليد بن يزيد الّذي رمى القرآن بالنّشاب لمّا استفتحه وجاء «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»(4)وقال:
أ توعدنى بجبّار عنيد ***فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر ***فقل يا رب مزّقني الوليد(5)
ومثل عبدالملك وبنيه الّذين شوّهت شنائعهم وجوه صفحات التّاريخ ومثل عثمان الّذي أحدث أحداثا ألجأ الصّحابة من المهاجرين ـ وفي رأسهم عمّار
المجمع على جلاله، والأنصار وصلحاء التّابعين ـ على قتله كما أنّ الوليد الّذي جعله خاتمة الإثني عشر فعل من الأفعال الشّنيعة حتّى وطىء محارمه، بل إخوته، ما ألجأ بني أميّة أنفسهم مع عتوهم إلى قتله.
ولهذه المفاسد التجأ بعضهم إلى انتخاب العدول من الخلفاء، وإن لم يكونوا على الولاء، قال فصيح الدين البياضي منهم: قد أشكل مضمون الحديث الصّحيح الّذي رواه مسلم، وهو قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش. وفي رواية: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش.
قال في (شرح المشارق): يريد بهذا الأمر الخلافة، وأمّا العدد، فقيل: ينبغي أن يحمل على العادلين منهم، فإنّهم إذا كانوا على منهاج الرّسول وطريقته يكونون خلفاءه، وإلاّ فلا، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء(1).
هذا ما قالوه ولكن لا مقنع فيه، وهو أيضا تأويل باطل لتنافيه مع قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله: «لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش»(2)
صحيح مسلم: 3/6.
، ولذا اعترف الفصيح بأنّه لا مقنع فيه.و ثالثا: إنّه لم اقتصر ممّا في الأخبار على خبر «كلّهم يجتمع النّاس عليه»، مع أنّ في (صحيح أبي داود) عنه صلىاللهعليهوآله: «لا يزال الدّين ظاهرا حتّى تقوم السّاعة، ويكون عليهم إثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش»(3).
وفي (صحيح مسلم) «لا يزال الدّين قائما حتّى تقوم السّاعة، أو يكون عليكم
اثني عشر خليفة كلّهم من قريش»(1). وفي (إبانة ابن بطة العكبرى) قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله: لا يزال هذا الدّين قائما إلى اثني عشر أميرا من قريش فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها»(2). وبقتل الوليد الّذي جعله خاتمة الاثني عشر لم تقم القيامة، ولم تسخ الأرض بأهلها، فهل تنطبق هذا الأخبار الّتي من صحاحهم عند من لم يكن مكابرا إلاّ على الأئمّة الاثني عشر، الّذين أوّلهم أمير المؤنين عليهالسلام وآخرهم المهدي الّذي تواتر عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله من الخاصّة والعامّة أنّه الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا(3)وبعده تقوم السّاعة وبالجملة، إنّ أمير المؤنين والحسن والحسين عليهمالسلام دلّ على مقامهم ـ غير نصوص النّبيّ صلىاللهعليهوآله وتصريحاته فيهم المتواترة ـ آيات الكتاب: آية المباهلة(4)، وآية التّطهير(5)، وآية القربى(6)، والتّسعة الباقية إلى المهدي عليهالسلام دلّ على مقامهم السّنّة المقطوعة من قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله: «إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتاب اللّه وعترتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(7).
وقوله صلىاللهعليهوآله: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(8). إلى غير ذلك ممّا فيهم عليهمالسلام عموما، وفي المهدي خصوصا «... فَمَنْ شاءَ
1) . صحيح مسلم: 4/6.
2) . مناقب آل أبي طالب عليهالسلام: 290/1.
3) . سنن أبي داود: 309/2/ ح 4282 ودلائل الامامة ط ـ الحديثة: 477/ ح 467 ـ 7. بحار: 81/51.
4) . آل عمران: 61.
5) . الاحزاب: 33.
6) . الشورى: 23.
7) .مسند احمد: 14/3 وخصائص امير المومنين ع للنسائى: 93 وبصائر الدرجات: 413/1/ ح 3؛ بحار الأنوار: 106/23/ ح 7.
8) . بصائر الدرجات: 297/1/ ح4 وجامع الاخبار للشعيرى: 182 واساس البلاغة 268 وبحار: 120/23/ ح 41.
فَلْيُؤمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ...»(1)، «... إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ، هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ...»(2).
و أيضا العلّة الّتي دلّت على الاحتياج بالأنبياء ـ خلافا لقول البراهمة(3)ـ تدلّ على الاحتياج بأئمّة بعد خاتم النّبيّين، بأئمّة يكونون مثله في العلم والعصمة، وليس ذلك إلاّ ما قالت به الإمامية.
قال تعالى: «كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآْخِرَةَ»(4). ومراده عليهالسلام بيانسبب اتباع الناس للمتقدمين عليه.
وقال عليّ عليهالسلام «إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها. فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم»(5).
وقال عليهالسلام لابن عوف لمّا بايع عثمان: «حبوته حبو دهر. ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا. فصبر جميل، واللّه المستعان على ما تصفون، واللّه ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك واللّه كلّ يوم هو في شأن»(6).
أي: غير الصافي، لمّا بايع ابن عوف عثمان قال له المقداد: يا عبدالرحمن أما
واللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون ـ إلى أن قال ـ ما رأيت مثل ما اتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إنّي لأعجب من قريش. إنّهم تركوا رجلا ما أقول أنّ أحدا أعلم، ولا أقضى منه بالعدل أما واللّه لو أجد عليه أعوانا(1).
و إنّ معاوية أمر الحسن عليهالسلام لمّا سلّم الأمر إليه أن يخطب، وظنّ أنه سيحصر. فقال الحسن عليهالسلام في خطبته: «إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه تعالى وسنة نبيّه صلىاللهعليهوآله وليس الخليفة من سار بالجور. ذلك ملك ملك ملكا يتمتّع فيه قليلا ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته، «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(2)،(3).
لا يبعد أن يكون إشارة إلى عبدالملك كقوله: «لكأنّي أنظر إلى ضلّيل قد نقع بالشام» و«كأنّي به قد نعق بالشام» وتأخّره عن قريش كانوا بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله وعادوه عليهالسلام لا ينافيه. فالكلّ واحد، وبواسطتهم وصل كباقي بني اميّة إلى ما وصل.
وقال النظام عند قول عبدالملك «ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا فلان ولا فلان»: «لو لا هم لما وصلت إلى ما وصلت»(4).
منع عبدالملك أهل الشام من الحج، وذلك أنّ ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجّوا بالبيعة فمنعهم عبدالملك من الخروج. فضجّ الناس، وقالوا: منعنا من حجّ بيت اللّه، و هو فرض من اللّه علينا. فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدّثكم أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله
قال: لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة الّتي يروي أنّ النبيّ وضع قدمه عليها لما اصعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة. فبنى على الصخرة قبة، وعلّق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كالكعبة(1).
بسأت به بالفتح والكسر إذا استأنست به(2).
«المفرق وسط الرأس كأنّهم جعلوا كلّ موضع منه مفرقا، وهو الّذي يفرق فيه الشعر(3). فقالوا مفارق وشيب المفارق على المنكر كناية عن طول صحابته عليه كقولهم: من شبّ إلى دبّ».
أي: طبائعه وهو أيضا كناية عن صيرورته كالطبيعة الثانية له كالثوب الّذي يصبغ. فيصير صبغه كلون طبيعي له. غضب عبدالملك غضبة. فكتب إلى هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة ـ عامله على المدينة ـ أن أقم آل عليّ يشتمون عليا فقيل له: إنّه أمر غير ممكن(4).
أي: كبحر يقذف بالزبد.
أي: الموج.
أي: النبات اليابس المتكسّر، والشجرة اليابسة يأخذها الحاطب كيف يشاء.
أي: لا يبالي:
أنّ عبدالملك لمّا قتل الأشدق غدرا به وأراد أن يخرج إلى الكوفة لقتال مصعب جعل يستفزّ أهل الشام. فيبطئون عليه. فقال له الحجّاج: سلّطني عليهم. ففعل، فكان لا يمرّ على بيت تخلّف إلاّ حرّقه. فلمّا رأى ذلك أهل الشام أسرعوا إليه فخرج إلى مصعب فقتله(1).
أي: سرج.
1) . العقد الفريد: 158/5.
حتّى تتبع أهل بيت نبيّه الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرا، وتمتنع من اولئك الأجلاف الفجرة.
هذا وقام أعرابي ليسأل فقال: «أين الوجوه الصباح، والعقول الصحاح والألسن الفصاح، والأنساب الصراح، والمكارم الرباح، والصدور الفساح تعيذني من مقامي هذا»(1).
لأرينك لمحا باصرا، أي: أمرا واضحا(2).
أي وهبها أهلها للّه سبحانه والمراد بهبتها له جعلها مستغرقة في مطالعة أنوار كبريائه والتوجّه إلى كعبة وجوب وجوده وهي القلوب الّتي صارت عرش الرّحمن واشير اليها في الحديث القدسي لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدى المؤن(3).
أنّ عمّار بن ياسر نادى يوم صفّين: «أين من يبغي رضوان ربّه، ولا يئوب إلى مال ولا ولد» فأتته عصابة من الناس فقال: «أيّها الناس اقصدوا بنا نحو هؤاء
القوم الّذين يبغون دم عثمان، ويزعمون أنه قتل مظلوما، واللّه إن كان إلاّ ظالما لنفسه، الحاكم بغير ما أنزل اللّه(1).وقال: أللّهم إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثمّ أنحني عليها حتّى يخرج من ظهري لفعلت. اللّهم إنك تعلم أنّي لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت. اللّهم وإنّي أعلم ممّا أعلمتني أنّي لا أعمل اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤاء الفاسقين»(2).
اليابس المتكسّر.
ألشّحّ: البخل مع حرص.
قام عمّار بصفّين. فقال: امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه، إنّما قتله الصالحون
المنكرون للعدوان، الآمرون بالاحسان.
فقال: هؤاء الّذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه فقلنا: لإحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئا، وذلك لأنّه مكنّهم من الدنيا فهم
يأكلونها ويرعونها، ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال، واللّه ما أظنّهم يطلبون دمه، إنّهم ليعلمون أنّه لظالم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمرءوها وعلموا لو
أنّ الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيه منها، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية. فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ـ إلى أن قال ـ وقال لعمرو بن العاص بعت دينك بمصر تبّا لك وطالما بغيت الإسلام عوجا ـ إلى أن قال ـ وقال لعبيد اللّه بن عمر «صرعك اللّه بعت دينك بالدنيا من عدوّ اللّه وعدوّ الإسلام قال: كلاّ. ولكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم، قال: كلاّ أشهد على علمي فيك أنّك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه اللّه، وأنك إن لم تقتل اليوم فستموت غدا. فانظر إذا أعطى اللّه على نياتهم ما نيتك(1).
لكون النار محفوفة بالشهوات كالجنّة بالمكاره. وفي (كامل الجزرى): قال ابن سيرين: قال عليّ عليهالسلام لعمر بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاما تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار(2)فخيّره عبيد اللّه بين ردّه عهد الري أو خروجه لقتال الحسين عليهالسلام وقتله فاختار الثاني وقال:
أ أترك ملك الريّ والريّ رغبتي ***أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار الّتي ليس دونها ***حجاب وملك الري قرّة عيني(1)
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُم»(2).
وقال تعالى: «وَاللّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلام»(3).
وقال تعالى: «وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ»(4).
وقال تعالى: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ»(5).
«وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ»(6).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيُّهَا النَّاسُ ـ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا ـ مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ ـ لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاّ بِفِرَاقِ أُخْرَى ـ وَلاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ ـ إِلاّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ـ وَلاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاّ بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ ـ وَلاَ يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلاّ مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ـ وَلاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ ـ وَلاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاّ وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ ـ وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا ـ فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِه.
منها: وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلاّ تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ ـ فَاتَّقُوا الْبِدَعَ وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ ـ إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا ـ إِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا
انتضلوا: رموا للسبق(1)، والغرض: الهدف، قال زهير بن جناب الذي عدّوه في المعمّرين، لبنيه في وصيّته: إنّما الإنسان غرض تعاوره الرّماة فمقصّر دونه،
1) . الصحاح: 1831/5.
ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثمّ لابدّ أن يصيبه(1).
قالوا: إنّ يزيد بن عبدالملك خلا مع محبوبته حبابة، فأكلت رمانة (عنبا) فشرقت فماتت، فجزع عليها، ومنع من دفنها حتى أنتنت(2).
بالفتح ـ قالوا: كان الحصين بن يزيد الحارثي الذي رأس بني الحارث بن كعب مائة سنة، يقال له ذو الغصّة، لأنّه كان بحلقه غصّة لا يبيّن بها الكلام(3).
وعن أبي تراب النخشبي، قال: ما تمنّت عليّ نفسي قطّ إلاّ مرّة، تمنّت عليّ خبزا وبيضا وأنا في سفر، فعدلت من الطريق إلى قرية فلمّا دخلتها وثب إليّ رجل، فتعلّق بي وقال: إنّ هذا كان مع اللصوص فبطحوني وضربوني سبعين جلدة، فوقف علينا رجل فصرخ: هذا أبو تراب، فأقاموني واعتذروا إلى وأدخلني الرّجل منزله، و قدّم إلى خبزا وبيضا، فقلت: كلهما بعد سبعين جلدة(4).
ففي الأغلب، النّاس لا ينالون نعمة الثروة إلاّ بعد سلب نعمة الشّباب، وصحّة المزاج منهم.
قال الشّارح البحراني: إنّ كلّ نوع من نعمة فانما يتجدّد شخص منها ويلتذّبه بعد مفارقة مثله، كلذّة اللّقمة مثلا، فانّها تستدعى فوت اللّذة باختها السّابقة، وكذلك لذّة ملبوس شخصى أو مركوب شخصى وسائر ما يعدّ نعما دنيويّة ملتذّا بها، فانّها إنّما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها، بل وأعمّ من ذلك فانّ الانسان لا يتهيّأ له الجمع بين الملاذّ الجسمانيّة في وقت واحد، بل ولا اثنين منها، فانه حال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا وحال ما هو في لذّة الأكل لا يكون يلتذّ بمشروب، و لا حال ما يكون جالسا على فراشه الوثير يكون راكبا للنزهة ونحو ذلك(1).
فكلّ نفس ينتفسّه الإنسان خطوة منه إلى قبره.
حتى الغنيّ وإن تمكّن من أكل ما شاء، لا يمكنه أن يأكل أكثر من متعارفه من الأكل، ثلاث مرّات في يوم وليلة فما دام لم يهضم طعامه الذي أكله قبلا لا يشتهي طعاما، وان كان لذيذا.
كأصحاب السيف والقلم لا يحيا لهم أثر من هزيمة عسكر أو تصنيف إلاّ بعد أن يموت أثرهم السابق في ذلك.
1) . شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 192/3.
قالوا: كان عمرو بن عامر من ملوك اليمن، يقال له مزيقيا، لأنّه كان يلبس كلّ يوم حلّتين فيمزّقهما بالعشيّ يكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما غيره(1).
كما أنّ الأرض لا يمكن إنباتها نباتا جديدا إلاّ بعد أن يحصد نباتها القديم.
قال ابن أبي الحديد: قال الشاعر:
فعددت آبائي إلى عرق الثرى * فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا
لابد من تلف مصيب فانتظر * أبأرض قومك أم بأخرى تصرع(2)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 93/9.
وقال أبو العتاهية:
كلّ حياة إلى ممات ***وكلّ ذي جدّة يحول
كيف بقاء الفرع يوما ***وقد ذوت قبلها الاصول(3)
وقال أبو نؤس:
ألا يابن الذين فنوا وبادوا ***أما واللّه ما ذهبوا لتبقى
أخي ما بال قلبك ليس يتقى ***كأنّك لا تظنّ الموت حقّا(4)
وعن الصادق عليهالسلام «عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم ثمّ نودي فيهم بالرّحيل وهم يلعبون»(1).
قال ابن أبي الحديد: البدعة كلّ ما لم يكن في عهد النبيّ صلىاللهعليهوآله، فمنها الحسن كصلاة التراويح ومنها القبيح كالمنكرات التي ظهرت أواخر الخلافة العثمانية وإن كانت قد تكلّفت الأعذار عنها(2).
بل صلاة التراويح أيضا من بدع، قال عليهالسلام ترك بها سنة، وكيف تكون حسنة وكانت تشريعا في قبال الدين، وإنما التشريع للّه تعالى «ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ»(3).
ما كان للنبي صلىاللهعليهوآله أن يشرّع شيئا من قبل نفسه إلاّ بوحي منه تعالى إليه، فكيف كان لعمر الذي أفحمته مرأة في أنفها فطس في حظره جعل الصداق أكثر من خمسمائة درهم بأنّه تعالى قال: «... وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً...»(4)فقال: كل الناس أفقه من عمر(5).وروى سليم بن قيس الهلالي في كتابه أنّ أمير المؤنين عليهالسلام خطب فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه صلىاللهعليهوآله متعمّدين لخلافه ناقضين
لعهده مغيّرين لسنّته، ولو حملت الناس على تركها تفرّق عني جندي حتى أبقى وحدي وقليل من شيعتي، واللّه لقد أمرت أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي يا أهل الاسلام لقد غيرت سنّة عمر نهينا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا، وقد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري(1).
وعن الباقر والصادق عليهماالسلام: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: إِنَّ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ النَّافِلَةِ فِي جَمَاعَةٍ بِدْعَةٌ وَصَلاةَ الضُّحَى بِدْعَةٌ... أَلاَ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلَّ ضَلالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّار(2)
وروى محمد بن يعقوب الكليني: إنّ أمير المؤنين عليهالسلام مر برجل يصلّي الضحى في مسجد الكوفة، فغمز جنبه بالدرة وقال: نحرت صلاة الأوابين نحرك اللّه(3).
و أما أعمال عثمان كالمنكرات التي ظهرت أواخر الخلافة العثمانية كنفيه أباذر وضربه عمارا ونهبه بيت المال لأقاربه وتوليته لهم حتى يصلّوا بالناس سكارى ويصلّوا الصبح أربعا ويغنوا في الصلاة وغيرها من نظائرها فشنائع ينكرها الموحد والملحد والمسلم والكافر.
وأما ما قاله من تكلّف الأعذار لذي نوريهم، فالتكلّف لعدم منكرية عداوة أبي جهل مع النبيّ صلىاللهعليهوآله أقرب إلى العقول منه. ثم جعلها في عداد البدع كصلاة التراويح في غير محله.
عن الصادق عليهالسلام: من مشى إلى صاحب بدعة فوقرها فقد مشى في هدم الإسلام(1).
أي الطريق الواسع وهو طريق الاسلام، قال تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...»(2).
أراد بها الامور القديمة التي كانت على عهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وعلى التفسير الآخر الامور المقطوع بصحتّها والخالية عن الشكوك والشبهات والمصداق واحد.
لكونها خارجة عن قانون الشريعة مستلزمة للهرج والمرج والمفاسد العظيمة، ألا ترى إلى البدعة التّي أحدثها عمر من التفضيل في العطاء فضلا عن سائر بدعاته أيّ مفاسد ترتّبت عليها، واللّه الموفق والمعين.
إلى هنا انتهى الجزء الرابع عشر وأسأل اللّه ان يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشّرح انّه سميع الدّعاء قريب مجيب.
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى،
2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
2 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
3 ـ الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، القاهرة، الأولى 1960م.
4 ـ الاختصاص: محمد بن محمد المفيد، (المتوفى 413ق)، مصحح: على اكبر غفارى ومحمود حرمى زرندى، المؤتمر العالمى للالفية الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
5 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
6 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.
7 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
8 ـ اسباب نزول الآيات: الواحدي النيسابوري، (المتوفّى 468ق)، مؤسّسة الحلبي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1388ق 1968م.
9 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
10 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
11 ـ الاصابة: أحمد بن علي بن حجر العسقلانى، (المتوفى 852ق): تحقيق: عادل أحمد، 8 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، الأولى 1415ق 1995م.
12 ـ اعلام الدين فى صفات المؤمنين: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 1 مجلد، الناشر والمصحح: مؤسسة آل البيت:، قم، الأولى 1408ق.
13 ـ اعلام الورى باعلام الهدى (ط القديمة): فضل بن حسن طبرسى، (المتوفى 548ق)، 1 مجلد، اسلامية، تهران، الثالثة 1390ق.
14 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
15 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
16 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
17 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.
18 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح:
حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
19 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
20 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق:
سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
21 ـ الأنوار النعمانيّة: السيّد نعمة اللّه بن عبداللّه الجزائرى، (المتوفى 1112ق)، 4 مجلد، دار القارى، بيروت، الأولى 1429ق.
22 ـ الأوائل: أبو هلال العسكري.
23 ـ الايضاح فى علوم البلاغة، المعانى والبيان والبديع: الخطيب القزوينى (المتوفى 739ق)، 1 مجلد، دارالكتب العلمية ، بيروت، لبنان، الثانية.
24 ـ الايضاح: الفضل بن شاذان الأزدى، (المتوفى 260ق)، تحقيق: السيد جلالالدين الحسينى الارموى المحدث، مؤسسة النشر والطبع جامعة طهران، 1363ش.
25 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
26 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد عليهمالسلام: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
27 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
28 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى
1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
29 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها
مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.
30 ـ تاريخ الإسلام: الذهبي، (المتوفى 748ق)، 52 مجلد، دار الكتاب العربي، بيروت، الأولى 1407ق 1987م.
31 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
32 ـ تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، مطابع معتوق اخوان،بيروت.
33 ـ تاريخ خليفة: خليفة بن خيّاط العصفرى (شباب)، (المتوفى 240)، تحقيق: فواز، دار الكتب العلميّة، بيروت، الأولى 1415ق 1995م.
34 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
35 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
36 ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، (المتوفى 571ق)، 70 مجلد، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، چاپ 1415ق.
37 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
38 ـ تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينورى، (المتوفى 276ق)، دار الكتاب العلميّة، بيروت.
39 ـ تحرير الوسيلة: الموسوي الخميني، 2 مجلّد.
40 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح:علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.
41 ـ تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء: هلال الصابي.
42 ـ تذكرة الخواص: سبط ابن جوزى، (المتوفى 654ق)، 1 مجلد، منشورات الشريف الرضى، قم، 1418ق 1376ش.
43 ـ تفسير الآلوسي: الآلوسي، 1270ق، 30 مجلد.
44 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
45 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
46 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح:السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
47 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
48 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.
49 ـ تقريب المعارف: تقى بن نجم، ابو الصلاح الحلبى، (المتوفى 447ق)، مصحح:تبريزيان (الحسون)، 1 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1404ق.
50 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
51 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
52 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بىتا.
53 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.
54 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.
55 ـ جامع السعادات: ملا محمد مهدي النراقي، (المتوفى 1209ق)، 3 مجلد، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف.
56 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد: علي بن الحسين، محقق الكركي، (14 مجلد)، مؤسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، قم، ايران، 1414 ق.
57 ـ الجمل والنصرة لسيّد العترة في حرب البصرة: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفى 413ق)، تحقيق: على مير شريفى، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
58 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
59 ـ جواهر التاريخ (السيرة النبويّة): الشيخ على الكورانى العاملى، معاصر، 3 مجلد، باقيات، الأولى 1430.
60 ـ جواهر الكلام: محمد حسن بن باقر النجفي، 43 مجلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
61 ـ جواهر الكلام: الشيخ الجواهرى، (المتوفى 1266)، دار الكتب الاسلامية، تهران، 1368 ش.
62 ـ الخرائج والجرائح: سعيد بن هبة اللّه، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)،المصحح والناشر: مؤسسة الامام المهدي عليهالسلام، 3 مجلد، قم، الأولى 1409ق.
63 ـ خصائص الأئمّة: (خصائص أميرالمؤمنين عليهالسلام): محمد بن حسين، الشريف الرضي، (المتوفى 406ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد هادي الأميني، منشورات العتبة الرضويّة، مشهد، الأولى 1406ق.
64 ـ خصائص أميرالمؤمنين عليهالسلام: النسائى (المتوفى 303ق)، تحقيق: محمد هادى الأمينى، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
65 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
66 ـ الدرر النجفيّة: المحقق البحراني، (المتوفى 1186)، 4 مجلد، لبنان، بيروت، الاولى 1423هـ / 2002م.
67 ـ دعائم الاسلام وذكر الحلال والحرام: نعمان بن محمد مغربى، ابن حيون، (المتوفى 363ق)، 2 مجلد، مصحح: الفيضي، آصف، مؤسسة آل البيت:، قم، الثانية 1385ق.
68 ـ الدعوات للراوندي، سلوة الحزين: سعيد بن هبة اللّه، قطب الدين الراوندي،
(المتوفى 573ق)، 1 مجلد، انتشارات مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1407ق.
69 ـ دلائل الامامة (ط ـ الحديثة): الطبري الآملي، محمد بن جرير بن رستم، (المتوفى قرن 5)، 1 مجلد، بعثت، ايران، قم 1413ق.
70 ـ دلائل الصدق لنهج الحق: مظفر نجفي، محمّد حسن (المتوفى 1334ش)، 6 مجلّد، مؤسّسة آل البيت، قم، 1422ق.
71 ـ ديوان ابو نواس: حسن بن هاني حكمي المشتهر بـ أبو نواس، (المتوفى 196ق).
72 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
73 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.
74 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
75 ـ رجال المعلقات العشر: الغلاييني، مصطفى، (المتوفى 1364ق).
76 ـ رسالة الغفران: أبي العلاء المعري، (المتوفى 449)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
77 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: (ط. الحديثة)، زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني، (المتوفى 966ق)، 10 مجلد، مصحّح: سيّد محمّد الكلانتر، مكتبة الداوري، قم، الأولى 1410ق.
78 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليهالسلام: سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
79 ـ الزهد: حسين بن سعيد، كوفى اهوازى، (المتوفى القرن الثالث)، مصحّح: غلامرضا عرفانيان يزدى، 1 مجلد، المطبعة العلميّة، قم، الثانية 1402ق.
80 ـ زهر الآداب وثمر الألباب: ابراهيم بن على الحصرى القيروانى، (المتوفى 453)، 4 مجلد، دار الجيل، بيروت، لبنان، الرابعة 1972 م.
81 ـ السقيفة وفدك: الجوهرى، (المتوفى 323ق)، شركة الكتبى للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الثانية 1413ق 1993م.
82 ـ سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، (المتوفى 275ق)، 2 مجلد، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأولى 1410ق ـ 1990م.
83 ـ سنن الترمذى: الترمذي، (المتوفى 279)، تحقيق: عبدالرحمان محمد، 5 مجلد، دار الفكر للطباعة والتوزيع، بيروت، الثانية 1403ق 1983م.
84 ـ الشافي في الامامة: الشريف المرتضى، (المتوفى 436ق)، 4 مجلد، مؤسسة إسماعيليان، قم، الثانتية 1410ق.
85 ـ شرح احقاق الحق: السيّد المرعشي، 33 مجلد، تعليق: السيّد شهابالدين المرعشي النجفي، تصحيح: السيّد إبراهيم الميانجي، منشورات مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي، قم.
86 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار عليهمالسلام: ابن حيون، نعمان بن محمّد مغربي،
(المتوفى، 363ق)، 3 مجلد، جامعة المدرّسين، قم، 1409ق.
87 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
88 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
89 ـ الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، دار الحديث، القاهرة، 2 مجلد، 1427ق ـ 2006م.
90 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
91 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.
92 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
93 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
94 ـ الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: الشهيد نور اللّه التسترى، (المتوفى 1019).
95 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
96 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد، (المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.
97 ـ طرف من الأنباء والمناقب: على بن موسى، ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، مصحّح: قيس عطار، 1 مجلد، تاسوعا، مشهد، الأولى 1420ق.
98 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
99 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
100 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
101 ـ عمدة عيون صحاح الأخبار فى مناقب امام الأبرار: ابن البطريق، (المتوفى 600ق)، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، جمادي الأولى 1407ق.
102 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.
103 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
104 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
105 ـ غاية المرام: السيّد هاشم البحرانى، (المتوفى 1107ق)، تحقيق: السيّد على عاشور، 7 مجلد.
106 ـ الغيبة (للطوسي): الطوسي، محمّد بن الحسن (المتوفى 460ق)، دار المعارف الإسلاميّة، إيران، قم، 1411ق.
107 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح:على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.
108 ـ الفتوح: ابو محمد احمد بن الأعثم الكوفي، (المتوفى 1314، تحقيق: على الشيري، چاپ بيروت، دار الأضواء، الأولى 1411ق ـ 1991م.
109 ـ فرائد السمطين: الجويني، ابراهيم بن محمّد، (المتوفى 730ق)، مؤسسة المحمودي.
110 ـ الفصول المختارة: محمّد بن محمّد، المفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح:علي الميرشريفي، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
111 ـ فضائل الصحابة: احمد بن محمد بن حنبل الشيبانى، (المتوفى 241ق)، 2 مجلد،مؤسسة الرسالة، بيروت، الاولى 1403ق 1983م.
112 ـ فقه اللغة وسر العربية: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، دار الكتاب العربي، بيروت، ل بنان، الثانية 1416ق / 1996م.
113 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
114 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
115 ـ كامل الزيارات: جعفر بن محمد، ابن قولويه، (المتوفى 367ق)، 1 مجلد، مصحح: عبدالحسين الأميني، دار المرتضويه، نجف الأشرف، الأولى 1356ش.
116 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
117 ـ الكامل فى اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، (المتوفى 285ق)، محقق: محمد ابوالفضل ابراهيم، 4 مجلد، دار الفكر العربى، قاهرة، الثالثة 1417ق.
118 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.
119 ـ الكشاف: الزمخشري، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1385ق ـ 1966م.
120 ـ كشف الريبة: زين الدين بن على، الشهيد الثانى، (المتوفى 966ق)، 1 مجلد، دار المرتضوى للنشر، بىجا، الثالثة 1390ق.
121 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
122 ـ كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثنى عشر: علي بن محمد، الخزاز الرازي، (المتوفى قرن 4، 1 مجلد، مصحح: عبداللطيف الحسيني الكوهكمري، بيدار، قم، 1401ق.
123 ـ كفاية الاحكام: المحقّق السبزواري، (2 مجلد)، موسسة النشر الاسلامي
124 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح:علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
125 ـ الكنايات: الجرجاني، مطبعة السعادة، مصر.
126 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.
127 ـ اللباب في تهذيب الأنساب: ابن الأثير، (المتوفى 630ق)، دار صادر، بيروت.
128 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح:جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
129 ـ اللهوف على قتلى الطفوف: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، (ترجمه فهرى) 1 مجلد، نشر جهان، طهران.
130 ـ مائة منقبة من مناقب اميرالمؤمنين والائمة عليهمالسلام: ابن شاذان، محمد بن احمد (المتوفى 460ق)ف 1 مجلد، مدرسة الامام المهدى(عج)، ايران، قم ، الاول 1407ق.
131 ـ المجازات النبويّة: محمد بن حسين شريف الرضي، (المتوفى 406ق)، 1 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1422ق ـ 1380ش.
132 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
133 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
134 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
135 ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان: المقدّس الأردبيلي، 14 مجلد، موسسة النشر الاسلامى.
136 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
137 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء: الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 8 مجلد، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثالثة.
138 ـ مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفى): النسفى، (المتوفى 537)، 4 مجلد.
139 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.
140 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
141 ـ المستدرك: الحاكم النيسابوري، (المتوفى 405ق)، 4 مجلد.
142 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمد تقي، النوري، (المتوفى 1320ق)، 28 مجلد، مصحح و مؤسسة آل البيت عليهمالسلام، قم، الأولى 1408ق.
143 ـ المسترشد في إمامة علي بن أبى طالب عليهالسلام: محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، (المتوفى 326ق)، 1 مجلد، مصحح: احمد المحمودي، كوشانپور، قم، الأولى 1415ق.
144 ـ مسند أحمد: أحمد بن حنبل، (المتوفى 241ق)، 6 مجلد، دار صادر، بيروت.
145 ـ مصباح الشريعة: منسوب به امام صادق عليهالسلامد (م 148ق)، الأعلمى، بيروت، الأولى 1400ق.
146 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
147 ـ معارج نهج البلاغة: علي بن زيد البيهقي، (قرن 6)، 1 مجلد، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الاولى 1367ش ـ 1409ق.
148 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
149 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
150 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
151 ـ المعجم الكبير: الطبراني، (المتوفى 360ق)، 25 مجلد، دار إحياء التراث العربي، القاهرة.
152 ـ المعمرون والوصايا: السجستاني، ابو حاتم.
153 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
154 ـ مقتضب الأثر في النصّ على الأئمّة الاثنى عشر عليهمالسلام: جوهري بصري، احمد بن عبدالعزيز، (المتوفى 401ق)، انتشارات طباطبايى، قم.
155 ـ المكاسب: مرتضى الأنصاري، (3 مجلد)، دارالذخائر، قم، ايران 1411 ق.
156 ـ الملل والنحل: الشهرستانى، (المتوفى 548)، تحقيق: محمد سيد كيلانى، 2 مجلد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
157 ـ مناقب آل أبي طالب:: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
158 ـ مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام: ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، النشر سبط النبى صلىاللهعليهوآله، مطبعة سبحان، الأولى 1426ق ـ 1384 ش.
159 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
160 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)،22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
161 ـ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: حسين بن محمد بن حسن بن نصر الحلواني، (المتوفى قرن 5)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الامام المهدي عليهالسلام، مدرسة الامام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1408ق.
162 ـ نسب قريش: مصعب الزبيري، (المتوفى 236ق)، 1 مجلد، دار المعارف، القاهرة، الثالثة.
163 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.
164 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
165 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهمالسلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
166 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
167 ـ وقعة الطفّ: لوط بن يحيى أبو مخنف الكوفي، (المتوفى 158ق)، 1 مجلد، جامعة المدرسين ايران، قم، الثالثة 1417ق.
168 ـ ينابيع المودة لذوي القربى: القندوزي، (المتوفى 1294ق)، 3 مجلد، تحقيق: سيد على جمال اشرف الحسينى، دار الاسوة للطباعة والنشر، الأولى 1416ق.
الخطبة (131): ومن كلام له عليهالسلام:
(5 ـ 75)
أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ··· 6
وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ··· 6
وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ··· 6
هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ··· 8
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً··· 8
فِي سُلْطَانٍ وَلاَ الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ··· 9
وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ··· 10
وَنُظْهِرَ الاْءِصْلاحَ فِي بِلادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ··· 11
اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ··· 12
وَسَمِعَ وَأَجَابَ··· 13
لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاّ رَسُولُ اللّهِ صلّى اللّه عليه وآله بِالصَّلاةِ··· 18
وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ··· 27
وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي··· 29
عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ··· 33
وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ··· 34
فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ وَلاَ الْجَاهِلُ··· 36
فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ··· 38
وَلاَ الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ··· 41
وَلاَ الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ··· 42
وَلاَ الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ··· 44
وَلاَ الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ··· 45
تنبيه··· 46
الخطبة 132: ومن كلام له عليهالسلام
(76 ـ 93)
نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى··· 77
الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ وَالْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُّ الصُّدُورُ وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ··· 78
وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله نَجِيبُهُ وَبَعِيثُهُ شَهَادَةً··· 78
يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الاْءِعْلانَ··· 78
وَالْقَلْبُ اللِّسَانَ فَإِنَّهُ وَاللّهِ الْجِدُّ لاَ اللَّعِبُ، وَالْحَقُّ لاَ الْكَذِبُ··· 79
وَمَا هُوَ إِلاّ الْمَوْتُ قَدْ أَسْمَعَ دَاعِيهِ··· 80
وَأَعْجَلَ حَادِيهِ، فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ··· 81
فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ، وَحَذِرَ الاْءِقْلالَ··· 83
وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ··· 83
وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا··· 84
يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ حَمْلاً عَلَى الْمَنَاكِبِ وَإِمْسَاكاً بالْأَنَامِلِ··· 85
أَ مَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً وَيَبْنُونَ مَشِيداً··· 85
وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً، كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً وَمَا جَمَعُوا بُوراً··· 86
وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ··· 88
لاَ فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ··· 89
وَلاَ مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ، فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ، بَرَّزَ مَهَلُهُ··· 90
وَفَازَ عَمَلُهُ، فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا، وَاعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا··· 91
فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً··· 92
لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ··· 92
فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ، وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ··· 93
الخطبة 133: ومن كلام له عليهالسلام
(94 ـ 122)
ومن خطبة له عليهالسلام··· 95
وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا··· 95
وَقَذَفَتْ، إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ مَقَالِيدَهَا··· 96
وَسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ، وَالآْصَالِ، الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ··· 97
وَقَدَحَتْ، لَهُ، مِنْ قُضْبَانِهَا، النِّيرَانُ، الْمُضِيئَةُ··· 98
وَآتَتْ، أُكُلَهَا، بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ··· 99
وَكِتَابُ اللّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، نَاطِقٌ لاَ يَعْيَى، لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ··· 100
وَعِزٌّ، لاَ تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ··· 101
أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ··· 102
وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ··· 103
فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ··· 105
فَجَاهَدَ فِي اللّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ··· 105
وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى··· 106
لاَ يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً··· 107
وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا، فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ··· 107
وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ، وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ··· 108
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ وَيَكَادُ صَاحِبُهُ أن يَشْبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُّهُ إِلاّ الْحَيَاةَ··· 108
فَإِنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ··· 112
الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ··· 112
وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ··· 113
وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلامَةُ··· 113
كِتَابُ اللّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ··· 114
وَتَنْطِقُونَ بِهِ··· 115
وَتَسْمَعُونَ بِهِ··· 116
وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ··· 118
وَلاَ يَخْتَلِفُ فِي اللّهِ وَلاَ يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللّهِ، قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ··· 119
فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ··· 120
وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الآْمَالِ وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ··· 121
لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ، الْخَبِيثُ، وَتَاهَ بِكُمُ··· 121
الْغُرُورُ، وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ··· 122
الخطبة 134: ومن كلام له عليهالسلام
(123 ـ 132)
ومن كلام له عليهالسلام وقد شاوره عمر في الخروج إلى غزو الروم بنفسه··· 123
وَقَدْ تَوَكَّلَ اللّهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ··· 126
وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَنْتَصِرُونَ··· 127
وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لاَ يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لاَ يَمُوت··· 127
إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ، لاَ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ··· 128
دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ، لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ··· 128
فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً··· 129
وَاحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ وَالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ··· 131
وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ، وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِين··· 131
الخطبة 135: ومن كلام له عليهالسلام
(133 ـ 143)
ومن كلام له عليهالسلام··· 133
يَا ابْنَ اللَّعِينِ··· 139
الْأَبْتَرِ··· 140
وَالشَّجَرَةِ الَّتِي لاَ أَصْلَ لَهَا وَلاَ فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي فَوَ اللّهِ مَا أَعَزَّ اللّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ··· 141
وَلاَ قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ، اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللّهُ نَوَاكَ··· 142
ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَكَ، فَلا أَبْقَى اللّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْت··· 143
الخطبة 136: ومن كلام له عليهالسلام
(144 ـ 244)
ومن كلام له عليهالسلام··· 144
لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً··· 149
وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً إِنِّي أُرِيدُكُمْ للّهِِ··· 161
وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ··· 162
أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَايْمُ اللّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ··· 162
وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ··· 162
الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِها··· 163
الخطبة 137: ومن كلام له عليهالسلام في معنى طلحة والزبير
(245 ـ 199)
ومن كلام له عليهالسلام في معنى طلحة والزبير··· 165
وَاللّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً··· 166
وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً··· 172
وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هم تَرَكُوهُ··· 173
وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ··· 174
فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ··· 175
وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ··· 175
وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ··· 176
فِيهَا الْحَمَاءُ وَالْحُمَةُ··· 178
وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ، وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ··· 180
عَنْ نِصَابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ··· 180
وَايْمُ اللّهِ لَأُفْرِطَنَّ، لَهُمْ حَوْضاً، أَنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ··· 182
وَلاَ يَعُبُّونَ، بَعْدَهُ فِي حِسْيٍ··· 183
منه··· 186
فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلاَدِهَا··· 186
تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا··· 186
وَنَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَذَبْتُمُوهَا··· 187
اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا، قَطَعَانِي وَظَلَمَانِي وَنَكَثَا بَيْعَتِي وَأَلَبَا··· 188
النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَلاَ تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا··· 188
وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلا وَعَمِلا··· 189
وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا، قَبْلَ الْقِتَالِ وَاسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا··· 196
أَمَامَ الْوِقَاعِ، فَغَمِطَا··· 196
النِّعْمَةَ وَرَدَّا الْعَافِيَةَ··· 197
(138) ومن خطبة له عليهالسلام يومئ فيها إلى ذكر الملاحم
(201 ـ 224)
يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى··· 201
وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ··· 202
حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا··· 203
مَمْلُوْءَةً أَخْلافُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً··· 204
عَاقِبَتُهَا، أَلاَ وَفِي غَدٍ ـ وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ ـ··· 205
يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا··· 206
وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ، كَبِدِهَا··· 211
وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا··· 212
فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ··· 213
وَيُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ··· 215
كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ··· 218
فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ، وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ··· 219
قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ الْجَوْلَةِ عَظِيمَ الصَّوْلَةِ··· 220
وَاللّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ··· 220
فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ إِلاّ قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ··· 220
فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَئُوبَ، إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلامِهَا··· 221
خطبة (139) ومن كلام له عليهالسلامفي وقت الشورى
(225 ـ 243)
ومن كلام له عليهالسلام في وقت الشورى··· 225
لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ··· 236
وَصِلَةِ رَحِمٍ وَعَائِدَةِ كَرَمٍ··· 239
فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَعُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ، مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ··· 240
تُنْتَضَى، فِيهِ السُّيُوفُ··· 241
وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ··· 242
حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلالَةِ وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَة··· 243
الخطبة 140: ومن كلام له عليهالسلام
(245 ـ 282)
ومن كلام له عليهالسلام في النهي عن غيبة الناس··· 245
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ، وَالْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ··· 246
أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ··· 246
وَالْحَاجِزَ، لَهُمْ عَنْهُمْ··· 247
فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخًا··· 249
وَعَيَّرَهُ··· 250
أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ··· 250
وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ··· 250
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ··· 251
وَايْمُ اللّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجُرْأَتُهُ عَلَى··· 252
عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ··· 252
يَا عَبْدَاللّهِ لاَ تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَلاَ تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ··· 252
صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ··· 252
فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ··· 253
شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ··· 253
تنبيه··· 253
الاول··· 254
الثاني في الأدلة الدالّة على حرمة الغيبة··· 259
الثالث في دواعى الغيبة··· 266
الرابع في عدم جواز استماع الغيبة··· 268
الخامس في مستثنيات الغيبة··· 270
مسوّغاتها··· 271
الاول التظلّم··· 271
الثاني نصح المستشير··· 272
الثالث الاستفتاء··· 272
الرابع··· 273
الخامس··· 274
السادس··· 274
السابع··· 275
الثامن··· 275
التاسع··· 275
العاشر··· 276
الحادى عشر··· 276
الثاني عشر··· 276
السادس في معالجة الغيبة··· 277
السابع في كفارة الغيبة··· 279
الخطبة 141: ومن كلام له عليهالسلام
(283 ـ 291)
ومن كلام له عليهالسلام··· 283
أَيُّهَا النَّاسُ ـ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ، وَثِيقَةَ دِينٍ··· 284
وَسَدَادَ، طَرِيقٍ، فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ، الرِّجَالِ··· 284
أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَيُخْطِئُ السِّهَامُ··· 286
وَيُحِيلُ الْكَلامُ··· 287
وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ، وَاللّهُ سَمِيعٌ، وَشَهِيدٌ··· 288
أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاّ أَرْبَعُ أَصَابع··· 288
وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْت··· 289
الخطبة 142: ومن كلام له عليهالسلام
(292 ـ 307)
ومن كلام له عليهالسلام··· 292
وَلَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ··· 295
فيما أتى إِلاّ مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ، وَثَنَاءُ الْأَشْرَارِ وَمَقَالَةُ··· 295
الْجُهَّالَ مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ، مَا أَجْوَدَ يَدَهُ··· 295
وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللّهِ بَخِيْلٌ··· 296
فَمَنْ آتَاهُ اللّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ··· 298
وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ··· 299
وَلْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَالْعَانِيَ··· 301
وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ··· 302
وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوَائِبِ··· 303
ابْتِغَاءَ، الثَّوَابِ··· 305
فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآْخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللّه··· 306
الخطبة 143: ومن كلام له عليهالسلام في الاستسقاء
(308 ـ 335)
ومن خطبة له عليهالسلام في الاستسقاء··· 309
أَلاَ وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ··· 309
مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَمَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ··· 310
وَلاَ زُلْفَةً، إِلَيْكُمْ، وَلاَ لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ··· 310
وَلَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا وَأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَأَقَامَتَا··· 311
إِنَّ اللّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ··· 313
وَإِغْلاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ··· 313
لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ··· 317
مُقْلِعٌ وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ، مُزْدَجِرٌ··· 318
وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ الاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ··· 318
الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ··· 318
السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً··· 318
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ··· 322
فَرَحِمَ اللّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ··· 323
وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَالْأَكْنَانِ··· 324
وَبَعْدَ عَجِيجِ، الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ··· 324
وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ، اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ··· 324
وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ··· 325
وَلاَ تُؤاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ··· 327
اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا نَشْكُو إِلَيْكَ··· 327
مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا، الْمَضَايِقُ··· 328
الْوَعْرَةُ، وَأَجَاءَتْنَا··· 328
الْمَقَاحِطُ، الْمُجْدِبَةُ، وَأَعْيَتْنَا··· 329
الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ وَتَلاحَمَتْ عَلَيْنَا، الْفِتَنُ الْمَسْتَصْعَبَةُ··· 329
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلاّ تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلاَ تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ··· 330
وَلاَ تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا، وَلاَ تُقَايِسَنَا··· 330
بِأَعْمَالِنَا، اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ··· 330
وَبَرَكَتَكَ وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ، وَاسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً··· 331
مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ··· 331
نَافِعَةَ الْحَيَا، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى··· 332
تُرْوِي، بِهَا الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ، الْبُطْنَانَ··· 333
وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِير··· 333
الخطبة 144: ومن كلام له عليهالسلام
(336 ـ 395)
ومن كلام له عليهالسلام··· 337
بَعَثَ اللّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ··· 337
وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ··· 337
لِئَلاّ تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الاْءِعْذَارِ إِلَيْهِمْ··· 337
فَدَعَاهُمْ، بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ··· 338
أَلاَ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لاَ أَنَّهُ··· 338
جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ··· 338
وَلَكِنْ، لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً··· 339
فَيَكُونَ الثَّوَابُ، جَزَاءً، وَالْعِقَابُ، بَوَاء··· 340
أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا··· 341
كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا··· 344
أَنْ رَفَعَنَا اللّهُ وَوَضَعَهُمْ··· 345
وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ··· 346
وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ··· 349
بِنَا، يُسْتَعْطَى الْهُدَى··· 350
وَيُسْتَجْلَى الْعَمَى، إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ··· 351
تنبيه··· 357
لاَ تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِم··· 374
آثَرُوا عَاجِلاً وَأَخَّرُوا آجِلاً، وَتَرَكُوا صَافِياً وَشَرِبُوا آجِناً··· 388
كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ، وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ··· 389
وَبَسِئَ بِهِ، وَوَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وَصُبِغَتْ بِهِ خَلائِقُهُ··· 390
ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً، كَالتَّيَّارِ··· 391
لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ··· 391
لاَ يَحْفِلُ، مَا حَرَّقَ، أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ··· 391
الْهُدَى، وَالْأَبْصَارُ اللاّمِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى··· 392
أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ للّهِِ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ··· 392
ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَتَشَاحُّوا··· 393
عَلَى الْحَرَامِ··· 393
وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ وَأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ، بِأَعْمَالِهِمْ··· 394
وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَوَلَّوْا، وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا··· 395
الخطبة 145: ومن كلام له عليهالسلام
(396 ـ 402)
ومن خطبة له عليهالسلام··· 396
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا··· 396
مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ··· 397
لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاّ بِفِرَاقِ أُخْرَى··· 397
وَلاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ··· 398
وَلاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاّ بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِه··· 398
وَلاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ··· 399
وَلاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاّ وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ··· 399
وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِه··· 399
منها: وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ، إِلاّ تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ··· 400
فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ··· 402
إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا··· 402
المصادر··· 403
المحتويات··· 421