مصباح السعادة فی شرح النهج البلاغة جلد 13

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-

عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف

Nhjol-Balaghah. Commantries

عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 13 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.

تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.

مواصفات المظهر:8ج

ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :

حالة القائمة: الفيفا

ملاحظة: عربي.

ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation

المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف

المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah

ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397

تصنيف ديوي: 297/9515

رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

شناسنامه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (113): ومن خطبة له عليه السلام:

اشارة

الْحَمْدُ للّه‏ِِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ ـ وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ ـ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ ـ وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ ـ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ ـ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ ـ وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ ـ وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ ـ وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ ـ وَنُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ ـ وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ ـ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ وَيَقِينُهُ الشَّكَّ ـ وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ـ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ـ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ ـ لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ ـ وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه‏ِ بِتَقْوَى اللّه‏ِ ـ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَادُ ـ زَادٌ مُبْلِغٌ وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ ـ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ ـ وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ ـ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَفَازَ وَاعِيهَا ـ عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّ تَقْوَى اللّه‏ِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللّه‏ِ مَحَارِمَهُ ـ وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ ـ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ ـ فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ ـ وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ـ وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلاَحَظُوا الْأَجَلَ ـ ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ ـ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ ـ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ ـ وَلاَ تُؤسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ ـ وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ ـ وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ ـ آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ ـ وَمِنَ

الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ ـ وَيَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ـ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللّه‏ِ تَعَالَى ـ لاَ مَالاً حَمَلَ وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ ـ وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً ـ وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً ـ لَيْسَ ذَلِكَ إِلاّ نَعِيماً زَلَّ وَبُؤساً نَزَلَ ـ وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ ـ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ ـ فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ ـ وَلاَ مُؤمَّلٌ يُتْرَكُ ـ فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا ـ وَأَظْمَأَ رِيَّهَا وَأَضْحَى فَيْئَهَا ـ لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَلاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ ـ فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ ـ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ ـ وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ ـ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلاّ عِقَابُهُ ـ وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلاّ ثَوَابُهُ ـ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ ـ وَكُلُ شَيْءٍ مِنَ الآْخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ ـ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ ـ وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا ـ وَزَادَ فِي الآْخِرَةِ ـ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآْخِرَةِ ـ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا ـ فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ ـ إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ ـ وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ـ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ ـ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ ـ وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ ـ فَلاَ يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ ـ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ ـ مَعَ أَنَّهُ وَاللّه‏ِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ ـ وَدَخَلَ الْيَقِينُ ـ حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ ـ وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ ـ فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ ـ فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ ـ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ ـ مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ ـ وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ ـ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ ـ الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي ـ فَاتَّقُوا اللّه‏َ حَقَّ تُقاتِهِ ـ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون

الْحَمْدُ للّه‏ِِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ

قال تعالى: «وَقالُوا الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّه‏ُ...»(1).

وقال تعالى: «وَقالُوا الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ»(2).

وقال تعالى: «وَقالُوا الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ»(3).

وقال تعالى: «الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللّه‏ُ وَلَداً»(4).

وقال تعالى: «الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ...»(5).

قَالَ النَّبِيُّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللّه‏َ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ(6).


1) .الأعراف: 43.

2) .الزمر: 74.

3) .فاطر: 34 35.

4) .الكهف: 1 4.

5) .الأنعام: 1.

6) . مكارم الأخلاق: 307؛ بحار الأنوار: 215/90/ ح 18.

وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ

قال تعالى: «وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللّه‏ِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ»(1).

قال تعالى: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ...»(2).

قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ»(3).

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: فِيمَا أَوْحَى اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى عليه‏السلام يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي فَقَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ وَلَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلاّ وَأَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ قَالَ يَا مُوسَى الآْنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي(4).

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ دَاوُدَ عليه‏السلام أَيْضاً حَيْثُ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَأَنَا لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْكُرَكَ إِلاّ بِنِعْمَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْ نِعَمِكَ فَأَوْحَى اللّه‏ُ تَعَالَى إِلَيْهِ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَدْ شَكَرْتَنِي(5).

وعن امير المؤنين عليه‏السلام: من شكر اللّه‏ تعالى وجب عليه شكر ثان إذ وفّقه لشكره وهو شكر شكر(6).

نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ

لأنّ بلاءه إنّما هو عن حكمة، فيستحقّ الحمد عليه كما عليها. وفي الخبر أنّ


1) .النحل: 114.

2) .النمل: 19.

3) .ابراهيم: 7.

4) . الكافي: 98/2/ ح 27؛ بحار الأنوار: 36/68/ ح 22.

5) .بحار: 36/68/ ذ ح 22.

6) . غرر الحكم: 662/ ش 1463.

النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذا كانت نعمة قال: الحمد للّه‏ على هذه النّعمة، وإذا كانت بليّة، قال: الحمد للّه‏ على كلّ حال(1).

وما قاله عليه‏السلام من الحمد على آلائه وبلائه درجة العارفين وأنّهم يريدون ما يريد اللّه‏ تعالى بهم. قال الباقر عليه‏السلاملجابر الأنصارى: نحن أهل البيت لو أحبّ تعالى لنا المرض والفقر والموت، تكون هي أحبّ إلينا من أضدادها وبالعكس بالعكس(2).

وعَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام أَنَّ فِيمَا أَوْحَى اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عليه‏السلام يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤمِنِ فَإِنِّي إِنَّمَا أَبْتَلِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأُعَافِيهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَزْوِي عَنْهُ مَا هُوَ شَرٌّ لَهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ عَبْدِي فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلاَئِي وَلْيَشْكُرْ نَعْمَائِي وَلْيَرْضَ بِقَضَائِي أَكْتُبْهُ فِي الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي إِذَا عَمِلَ بِرِضَائِي وَأَطَاعَ أَمْرِي(3).

وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه‏السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَنْ تَكُونُوا مُؤمِنِينَ حَتَّى تَكُونُوا مُؤتَمَنِينَ وَحَتَّى تَعُدُّوا الْبَلاَءَ نِعْمَةً وَالرَّخَاءَ مُصِيبَةً وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلاَءِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ عِنْدَ الرَّخَاءِ(4).

وَقَالَ النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يُكَفِّرُهَا ابْتَلاَهُ اللّه‏ُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا(5).


1) .الكافي: 97/2/ ح 19؛ بحار الأنوار: 33/68/ ح 14.

2) . مسكن الفؤد: 87.

3) .الكافي: 62/2/ ح 7؛ بحار الأنوار: 331/69/ ح 14.

4) . مشكاة الأنوار: 276.

5) .روضة الواعظين: 423/2.

وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ

الأصل فيه قوله تعالى حكاية عن الصدّيق: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).

وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ

قال تعالى: «اللّه‏ُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه‏َ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللّه‏َ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً»(2).

وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ

قال تعالى: «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً»(3).

وقال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا»(4).

عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ

قال تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(5).

وقال تعالى: «عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(6).

وقال تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما


1) .يوسف: 53.

2) . الطلاق: 12.

3) .النباء: 29.

4) . الكهف: 49.

5) .يونس: 61.

6) .سبأ: 3.

تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(1).

وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ

قال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»(2).

وَنُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ

قال ابن أبي الحديد: إشارة إلى إيمان العارفين الذين هو عليه الصلاة والسلام سيّدهم ورئيسهم، ولذلك قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا(3).

عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَخْفِقُ وَيَهْوِي(4)بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلاَنُ قَالَ أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ مُوقِناً فَعَجِبَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مِنْ قَوْلِهِ(5)وَقَالَ إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ فَقَالَ إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللّه‏ِ هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا(6)حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ


1) . الأنعام: 59.

2) . الكهف: 49.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 253/7.

4) . يقال خفق برأسه إذا أخذته سنة من النعاس فمال رأسه دون سائر جسده.

5) . لانه أخبر بشيء نادر الوقوع موجب لحمده واستحسانه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

6) . الهاجرة: نصف النهار عند زوال الشمس. وعزفت نفسى عنه أي زهدت فيه.

إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلاَئِقُ لِذَلِكَ وَأَنَا فِيهِمْ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَعَارَفُونَ وَعَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ وَكَأَنِّي الآْنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي فَقَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لِأَصْحَابِهِ هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللّه‏ُ قَلْبَهُ بِالاْءِيمَانِ ثُمَّ قَالَ لَهُ الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّابُّ ادْعُ اللّه‏َ لِي يَا رَسُولَ اللّه‏ِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ(1).

إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ

عن الصادق عليه‏السلام قال «من قال لا إله إلاّ اللّه‏ مخلصا دخل الجنّة، وإخلاصه بها أن يحجزه لا إله إلاّ اللّه‏ عمّا حرّم اللّه‏»(2).

وَيَقِينُهُ الشَّكَّ

عطف على «إخلاصه الشّرك» روي عن حذيفة قال: «لا إله إلاّ اللّه‏» تردّ غضب الرّبّ عن العباد، ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم، فإذا كانوا

لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم، ثمّ قالوها ردّت عليهم، وقيل كذبتم ولستم بها صادقين(3).


1) .الكافي: 53/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 159/67/ ح 17.

2) .ثواب الاعمال: 5؛ بحار الأنوار: 197/90/ ح 21.

3) .ثواب الاعمال: 5؛ بحار الأنوار: 197/90/ ح 23.

وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ

قال تعالى: «شَهِدَ اللّه‏ُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»(1).

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قَالَ قَالَ اللّه‏ُ جَلَّ جَلاَلُهُ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ

يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَعَامِرِيهِنَّ عِنْدِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَلاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ(2).

وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

قال تعالى: «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ...»(3).وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللّه‏ِ شَهِيداً مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه‏ِ...»(4).

شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ

ورواه الكلينى مسندا جزء خطبة الوسيلة، هكذا: (شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خفّ ميزان ترفعان عنه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار، والجواز على الصّراط، وبالشّهادة تدخلون الجنّة،


1) .آل عمران: 18.

2) .ثواب الأعمال: 2؛ وسائل الشيعة: 219/7/ ح 9132 ـ 3.

3) . الحديد: 9.

4) . الفتح: 28 ـ 29.

وبالصلاة تنالون الرّحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيّكم)(1)«إِنَّ اللّه‏َ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(2).

قال ابن أبي الحديد: «قوله عليه‏السلام إشارة إلى قوله تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ...»(3)ويروي (يسعدان) بالسين(4).

قلت: إنّ الآية وقوله عليه‏السلام بعد (و ترفعان) يؤّدان (تصعدان) بالصّاد، وروى عن أبي الطفيل عن امير المؤنين عليه‏السلام قَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ إِلاّ صَعِدَتْ وَتَخْرِقُ كُلَّ سَقْفٍ لاَ تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ سَيِّئَاتِهِ إِلاّ طَمَسَتْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ فَيَقِفَ(5).

وعن إسحاق بن راهويه أنّ الرضا عليه‏السلام لمّا وافى نيسابور وأراد أن يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن رسول اللّه‏ ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث نستفيده منك، وكان قد قعد في عمارية ـ فأطلع رأسه وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر، يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد، يقول: سمعت أبي محمّد بن عليّ، يقول: سمعت أبي عليّ بن الحسين، يقول: سمعت أبي الحسين بن عليّ، يقول: سمعت أبي عليّ بن أبي طالب، يقول: سمعت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، يقول: سمعت جبرئيل، يقول: سمعت اللّه‏ عزّ وجلّ، يقول: (لا إله إلاّ اللّه‏ حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابى) قال إسحاق فلما مرّت الرّاحلة نادى: بشروطها، وأنا من شروطها(6).


1) . الكافي: 18/8/ ح 4.

2) . الأحزاب: 56.

3) . فاطر: 10.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 253/7.

5) . مكارم الأخلاق: 310.

6) . عيون أخبار الرضا عليه‏السلام: 135/2/ ح 4؛ بحار الأنوار: 7/3/16.

وروى عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ذات يوم جالسا في نفر من أصحابه فيهم عليّ عليه‏السلام إذ قال: من قال (لا إله إلاّ اللّه‏ دخل الجنّة) فقال: رجلان من أصحابه، فنحن نقول لا إله إلاّ اللّه‏ فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: انّما تقبل شهادة لا إله إلاّ اللّه‏ من هذا، ووضع يده على رأس عليّ عليه‏السلام، وشيعته الذين أخذ ربّنا ميثاقهم، ثمّ قال: علامة ذلك ألاّ تحلاّ عقده، ولا تجلسا مجلسه، ولا تكذّبا حديثه(1).

لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ ثَقُلَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ جِئْتُ بِالصَّلاَةِ عَلَيَّ حَتَّى أُثَقِّلَ بِهَا حَسَنَاتِهِ(2).

وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ

قال تعالى: «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً»(3).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه‏ِ بِتَقْوَى اللّه‏ِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ

الإتيان بالجملة الإسميّة مع تعريف الخبر للدلالة على حصر زاد الآخرة فيها.

قال تعالى: تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى(4)


1) .ثواب الاعمال: 7؛ بحار الأنوار: 202/90/ ح 40.

2) .ثواب الاعمال: 155؛ بحار الأنوار: 304/7/ ح 72.

3) . الفرقان: 23.

4) . البقرة: 197.

وَبِهَا الْمَعَادُ

من العائدة يقال: (هذا الشيء أعود عليك من كذا) أى: أنفع

زَادٌ مُبْلِغٌ

بخلاف زاد الدّنيا فانّها لا تبلّغ المقصد في الأغلب.

وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ

من (أنجح): صار ذا نجح وهو الظّفر بالحوائج، وعوائد الدّنيا غير منجحة في الأكثر.

دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ

الظاهر أنّه من الثّلاثي وأنّ السّمع إذا جاء مع الدّاعي يكون بمعنى الإسماع سواء كان بلفظ التفضيل كما في كلامه عليه‏السلام أو بلفظ آخر، كما في قول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الدّاعي السميع(1)أى: المسمع.

وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ

أى: مستمع، يجعل أذنه كالوعاء لدعوته تعالى، قال تعالى... وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ(2).

فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللّه‏ِ عليه‏السلام فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ


1) . رياض السالكين: 273/6.

2) . الحاقة: 12.

وَاللّه‏ِ مَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلاّ وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَمَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلاّ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْه(1).

وَفَازَ وَاعِيهَا

قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللّه‏َ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً»(2)، قال ابن أبي الحديد: قيل أراد عليه‏السلام به نفسه، لأنّه نزل فيه عليه‏السلام(3)«لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَة»(4).

عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّ تَقْوَى اللّه‏ِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللّه‏ِ مَحَارِمَهُ

قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(5).

عَنِ الْبَاقِرِ عليه‏السلام قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللّه‏ِ وَالاِجْتِهَادِ فِي دِينِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يُغْنِي عَنْكَ اجْتِهَادٌ لَيْسَ مَعَهُ وَرَعٌ(6).

وعَنْ حَدِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام يَقُولُ: اتَّقُوا اللّه‏َ وَصُونُوا دِينَكُمْ بِالْوَرَعِ(7).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: فِيمَا نَاجَى اللّه‏ُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللّه‏ِ عَلَيْهِ يَا مُوسَى مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِي فَإِنِّي أَمْنَحُهُمْ جِنَانَ


1) .الكافي: 74/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 96/67/ ح 3.

2) . الأحزاب: 71.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 254/7.

4) . الحاقة: 12.

5) .النازعات: 40 ـ 41.

6) .مشكاة الأنوار: 45؛ بحار الأنوار: 308/67.

7) . الكافي: 76/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 297/67/ ح 2.

عَدْنِي لاَ أُشْرِكُ مَعَهُمْ أَحَداً(1).

وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ

قال تعالى: «وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»(2).

حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ

والسهر عدم مجيء النّوم، ونسبته إلى الليالي مجاز، وانما المراد سهر المتّقين في لياليهم قال تعالى: «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(3).

قَالَ الصَّادِقُ عليه‏السلام: تَبِعَ قَوْمٌ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ قَالَ مَا لِي لاَ أَرَى عَلَيْكُمْ سِيمَاءَ الشِّيعَةِ فَقَالُوا وَمَا سِيمَاءُ الشِّيعَةِ قَالَ صُفْرُ الْوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ(4).

وَقَالَ الصَّادِقُ عليه‏السلام: إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ وَاشْتَدَّ جِهَادُهُ وَعَمِلَ لِخَالِقِهِ وَرَجَا ثَوَابَهُ وَخَافَ عِقَابَهُ فَإِذَا رَأَيْتَ أُولَئِكَ فَأُولَئِكَ شِيعَةُ جَعْفَرٍ(5).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: مَنْ عَرَفَ اللّه‏َ وَعَظَّمَهُ مَنَعَ فَاهُ مِنَ


1) . مشكاة الأنوار: 45.

2) .الأنعام: 51.

3) .السجدة: 16 ـ 17.

4) .مشكاة الأنوار: 58.

5) . مشكاة الأنوار: 58.

الْكَلاَمِ وَبَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَعَفَا نَفْسَهُ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ قَالُوا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللّه‏ِ هَؤلاَءِ أَوْلِيَاءُ اللّه‏ِ قَالَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّه‏ِ سَكَتُوا فَكَانَ سُكُوتُهُمْ ذِكْراً وَنَظَرُوا فَكَانَ

نَظَرُهُمْ عِبْرَةً وَنَطَقُوا فَكَانَ نُطْقُهُمْ حِكْمَةً وَمَشَوْا فَكَانَ مَشْيُهُمْ بَيْنَ النَّاسِ بَرَكَةً لَوْ لاَ الآْجَالُ الَّتِي قَدْ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَقِرَّ (لم تستقرّ خ ل) أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ خَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ وَشَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ(1).

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام قَالَ: صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام الْفَجْرَ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى قِيدِ رُمْحٍ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ وَاللّه‏ِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً يُخَالِفُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَرُكَبِهِمْ كَانَ زَفِيرُ النَّارِ فِي آذَانِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اللّه‏ُ عِنْدَهُمْ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ(2)كَأَنَّمَا الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ(3)قَالَ ثُمَّ قَامَ فَمَا رُئِيَ ضَاحِكاً حَتَّى قُبِضَ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(4).

وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ

جمع الهاجرة: نصف النّهار عند اشتداد الحرّ، والمراد صومهم في الأيام الحارّة، و تحمّلهم الظّمأ لريّ آخرتهم، قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ، وَالْمُؤمِنِينَ

وَالْمُؤمِناتِ، وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ، وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ، وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ، وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ، وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ، وَالذَّاكِرِينَ اللّه‏َ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ،


1) . الكافي: 237/2/ ح 25؛ وسائل الشيعة: 87/1/ ح 207 ـ 10.

2) . مادوا اي اضطربوا.

3) . في بعض النسخ [ماتوا غافلين] كانهم بسبب غفلتهم أموات غير أحياء.

4) . الكافي: 236/2/ ح 22؛ بحار الأنوار: 24/41/ ح 17.

أَعَدَّ اللّه‏ُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَارِثَةَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ مُؤمِنٌ حَقّاً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأَسْهَرَتْ لَيْلِي وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرِي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي ـ [وَ] قَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِي الْجَنَّةِ وَكَأَنِّي أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عَبْدٌ نَوَّرَ اللّه‏ُ قَلْبَهُ أَبْصَرْتَ فَاثْبُتْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ ادْعُ اللّه‏َ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ مَعَكَ فَقَالَ ـ اللَّهُمَّ ارْزُقْ حَارِثَةَ الشَّهَادَةَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاّ أَيَّاماً حَتَّى بَعَثَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سَرِيَّةً ـ فَبَعَثَهُ فِيهَا فَقَاتَلَ فَقَتَلَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً ثُمَّ قُتِلَ(2).

فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ

أى راحة الآخرة.

بِالنَّصَبِ

أى: بتعب الدّنيا، قالت الحكماء لا يواظب أحد على باب السّلطان فيلقي عن نفسه الأنفة ويحتمل الأذى ويكظم الغيظ، إلاّ وصل إلى حاجته. ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشّمس، فقيل له في ذلك فقال: ليطول وقوفي في الظلّ، ونظر آخر إلى الحسن بن عبد الحميد يزاحم النّاس على باب محمد بن سليمان


1) . الأحزاب: 35.

2) .الكافي: 54/2/ ح 3؛ بحار الأنوار: 126/22/ ح 98.

فقال له: مثلك يرضى بهذا فقال:

اهين لهم نفسي لأكرمها بهم *** ولا يكرم النّفس الذي لا يهينها(1)

وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ

من (روى من الماء) فأصل الرّىّ: الرّوي، وفي الخبر، قال تعالى: الصوم لي، وأنا أجزي به(2).

وفي آخر: للصّائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربّه(3).

وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلاَحَظُوا الْأَجَلَ

قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ»(4).

وفي الدعاء: وأعنّي على استغفارك واستقالتك قبل أن يفنى الأجل، وينقطع العمل، وأعنّي على الموت وكربته، وعلى القبر ووحشته، وعلى الميزان وخفّته، وعلى الصّراط وزلّته، وعلى يوم القيامة وروعته، وأسألك نجاح العمل قبل انقطاع الأجل(5).

قال ابو الحسن عليه‏السلام في حديث الى ان قال ـ إِنَّ لِلْحَقِّ أَهْلاً وَلِلْبَاطِلِ أَهْلاً فَأَهْلُ الْحَقِّ فِي شُغُلٍ عَنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ يَنْتَظِرُونَ أَمْرَنَا وَيَرْغَبُونَ إِلَى اللّه‏ِ إِنْ يَرَوْا دَوْلَتَنَا


1) . العقد الفريد: 65/1 66.

2) .الكافي: 63/4/ ح 6.

3) . الكافي: 65/4/ ح 15.

4) .المؤنون: 57 61.

5) .مصباح المتهجد: 230/1؛ بحار الأنوار: 176/83.

لَيْسُوا بِالْبُذُرِ الْمُذِيعِينَ وَلاَ بِالْجُفَاةِ الْمُرَاءِينَ وَلاَ بِنَا مُسْتَأْكِلِينَ وَلاَ بِالطَّمِعِينَ خِيَارُ الْأُمَّةِ نُورٌ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَنُورٌ فِي ظُلُمَاتِ الْفِتَنِ وَنُورُ هُدًى يُسْتَضَاءُ بِهِمْ لاَ يَمْنَعُونَ الْخَيْرَ أَوْلِيَاءَهُمْ وَلاَ يَطْمَعُ فِيهِمْ أَعْدَاؤهُمْ إِنْ ذُكِرْنَا بِالْخَيْرِ اسْتَبْشَرُوا وَابْتَهَجُوا وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ وَأَضَاءَتْ وُجُوهُهُمْ وَإِنْ ذُكِرْنَا بِالْقُبْحِ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُهُمْ وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ وَكَلَحَتْ وُجُوهُهُم الحديث(1).

وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ لاَ تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا دَامَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ وَمَا كَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ وَمَا كَانَ الْخَوْفُ لَكَ شِعَاراً وَالْحَزَنُ دِثَاراً يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللّه‏ِ وَمَسْئُولٌ فَأَعِدَّ جَوَاباً(2).

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ

رواه الشيخ(3)إلى آخر الخطبة مع اختلاف يسير.

عن الامام الصادق عليه‏السلام: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ لاَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْسَاهُنَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَنَاءُ الدُّنْيَا وَتَصَرُّفُ الْأَحْوَالِ وَالآْفَاتُ الَّتِي لاَ أَمَانَ لَهَا(4).

فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ

وزاد (الأمالى) «مفوّق نبله».


1) .مشكاة الأنوار: 64.

2) . مشكاة الأنوار: 70؛ بحار الأنوار: 64/67/ ح 5.

3) . الأمالي للطوسي: 443/ م 15/ ح 992 49.

4) .تحف العقول: 324؛ بحار الأنوار: 238/75.

لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ

وقع الطاعون في الكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة، فلمّا ارتفع الطاعون، قيل له: لو رجعت إلى الكوفة فقدمها فطعن فمات(1).

وَلاَ تُؤسَى جِرَاحُهُ

من (أسوت الجرح): داويته. قدم رجل من عبس، ضرير محطوم الوجه(2).

على الوليد ؛ فسأله عن سبب ضرّه، فقال: بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعبا، فندّ(3)البعير والصبيّ معي فوضعته واتّبعت البعير لأحبسه، فما جاوزت إلاّ ورأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وأتبعت البعير، فاستدار فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه ؛ وكان عروة بن الزّبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها، ليعلم أنّ في النّاس من هو أعظم بلاء منه(4).

يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ

عن سَيْفُ بْنُ اللَّيْثِ هَذَا قَالَ خَلَّفْتُ ابْناً لِي عَلِيلاً بِمِصْرَ عِنْدَ خُرُوجِي عَنْهَا وَابْناً لِي آخَرَ أَسَنَّ مِنْهُ كَانَ وَصِيِّي وَقَيِّمِي عَلَى عِيَالِي وَفِي ضِيَاعِي فَكَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه‏السلام أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ لاِبْنِيَ الْعَلِيلِ فَكَتَبَ إِلَيَّ قَدْ عُوفِيَ ابْنُكَ الْمُعْتَلُّ وَمَاتَ الْكَبِيرُ


1) .تاريخ الطبري: 174/4.

2) .محطوم الوجه: أي في وجهه آثار لطم.

3) . ندّ البعير: شرد.

4) .عيون الأخبار لابن قتيبة: 74/3.

وَصِيُّكَ وَقَيِّمُكَ فَاحْمَدِ اللّه‏َ وَلاَ تَجْزَعْ فَيَحْبَطَ أَجْرُكَ فَوَرَدَ عَلَيَّ الْخَبَرُ أَنَّ ابْنِي قَدْ عُوفِيَ مِنْ عِلَّتِهِ وَمَاتَ الْكَبِيرُ يَوْمَ وَرَدَ عَلَيَّ جَوَابُ أَبِي مُحَمَّدٍ عليه‏السلام(1).

ودخل سلمة بن زيد الفهمي على عبد الملك فقال له عبد الملك: أى: الزّمان أدركت أفضل، وأيّ الملوك أكمل قال: أمّا الملوك فلم أر إلاّ ذامّا وحامدا وأمّا الزّمان فيرفع أقواما ويضع أقواما وكلّهم يذمّ زمانه، لأنّه يبلي جديدهم، ويهرم صغيرهم، وكلّ ما فيه منقطع إلاّ الأمل. قال: فاخبرني عن (فهم) قال: هم كما قال من قال:

درج الليل والنهار على *** فهم بن عمرو فأصبحوا كالرّميم

دخلت دارهم فأضحت يبابا *** بعد عزّ وثروة ونعيم

وكذلك الزّمان يذهب بالنّاس *** وتبقى ديارهم كالرّسوم(2)

وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ

أى: الهلاك.

آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ

لا يشبع من لحومهم، ولا يشفى غليله من دمائهم.

وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذْ لَقِيَهُ رَكْبٌ فَقَالُوا


1) . الكافي: 511/1/ ح 18؛ بحار الأنوار: 292/50.

2) . ***تاريخ الطبري: 212/5.

السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فَقَالُوا نَحْنُ مُؤمِنُونَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ قَالَ فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الرِّضَا بِقَضَاءِ اللّه‏ِ وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللّه‏ِ وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللّه‏ِ فَقَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَلاَ تَبْنُوا مَا لاَ تَسْكُنُونَ وَلاَ تَجْمَعُوا مَا لاَ تَأْكُلُونَ وَاتَّقُوا اللّه‏َ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(1)هذا، والبيضاء، دار عمّرها عبيد اللّه‏ بن زياد بالبصرة، ولمّا تمّ بناؤا أمر وكلاءه ألاّ يمنعوا أحدا من دخولها، وان يتحفّظوا كلامهم، فدخل فيها أعرابيّ وكان فيها تصاوير، فقال: لا ينتفع بها صاحبها، ولا يلبث فيها إلاّ قليلا، فاتي به ابن زياد، واخبر بمقالته، فقال له: لم قلت هذا قال: فلأنّي رأيت فيها أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا، فكان الأمر كما قال ولم يسكنها إلاّ قليلا حتّى أخرجه أهل البصرة إلى الشام ولم يعد إليها(2).

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللّه‏ِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ

أشرف أحمد بن يوسف ـ وهو من أفاضل كتّاب المأمون ـ وهو بالموت على بستان له على شاطئ دجلة، فجعل يتأمّله ويتأمّل دجلة ثم تنفّس فقال متمثّلا:

ما أطيب العيش لولا موت صاحبه *** ففيه ما شئت من عيب لعائبه

فما انزلناه حتّى مات(3).

وفي هذا المعنى قال الشّاعر:

هبك بلّغت كلّما تشتهيه *** وملكت الزّمان تحكم فيه


1) . كافى : 53/2/ ح 1 و بحار : 286/64/ ح 8 .

2) .معجم البلدان: 530/1.

3) . تاريخ بغداد: 426/5.

هل قصارى الحياة إلاّ الممات *** يسلب المرء كلّ ما يقتنيه(1)

عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم‏السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام: كَمْ مِنْ غَافِلٍ يَنْسِجُ ثَوْباً لِيَلْبَسَهُ وَإِنَّمَا هُوَ كَفَنُهُ وَيَبْنِي بَيْتاً لِيَسْكُنَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ(2).

وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً

عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ عليهماالسلام قَالَ: كُنَّا حَوْلَ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‏السلاموَنَحْنُ

شُبَّانٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِذْ مَرَّ عَلَيْنَا جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ الْعَلَوِيُّ وَهُوَ رَثُّ(3)الْهَيْئَةِ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَضَحِكْنَا مِنْ هَيْئَةِ جَعْفَرِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ الرِّضَا عليه‏السلام لَتَرَوْنَهُ عَنْ قَرِيبٍ كَثِيرَ الْمَالِ كَثِيرَ التَّبَعِ فَمَا مَضَى إِلاّ شَهْرٌ أَوْ نَحْوُهُ حَتَّى وَلِيَ الْمَدِينَةَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ فَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَمَعَهُ الْخِصْيَانُ وَالْحَشَم(4).

وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاّ نَعِيماً زَلَّ وَبُؤساً نَزَلَ

لما مات الحجّاج خرجت عجوز من داره، وهي تقول:

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا *** واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا(5)

و كان قتال بين مراد وهمدان، فظفرت همدان، وأكثروا القتل في مراد، فقال فروة بن مسيك المرادى:

فان نغلب فغلاّبون قدما *** وان نهزم فغير مهزّمينا


1) . الكشكول الشيخ البهايى: 204/2.

2) . الأمالي للصدوق: 110/ م 23/ ح 8؛ بحار الأنوار: 88/70/ ح 56.

3) . رث الثوب: بلى. الرث: البالى وضعفاء الناس.

4) .عيون أخبار الرضا عليه‏السلام: 208/2/ ح 11؛ بحار الأنوار: 33/49/ ح 11.

5) . البيان والبيين الجاحظ: 475.

وما ان طبّنا جبن ولكن *** منايانا ودولة آخرينا

كذاك الدّهر دولته سجال *** تكرّ صروفه حينا وحينا

فبينا ما يسرّ به ويرضى *** ولو لبست غضارته سنينا

إذا انقلبت به كرّات دهر *** فألقى للأولى غبطوا طحينا

ومن يغبط بريب الدهر منهم *** يجد ريب الزّمان لهم خؤا

فلو خلد الملوك اذن خلدنا *** ولو بقي الكرام إذن بقينا

فأفنى ذلكم سروات قوم *** كما أفنى القرون الأولينا(1)

و في السير: في سنة (381) سأل بهاء الدولة (الطائع) أن يجدّد عهده فلما دخل عليه جاء بعض الديلم ليقبّل يده، فأمسكها وأنزله عن سريره وهو يسترجع فخلع، و كانت خلافته (17) سنة، وكان من جملة الحاضرين الشريف الرّضيّ فأنشد:

أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه *** لقد تقارب بين العزّ والهون

وبعد ما كان بالسرّاء يضحكني *** يا قرب ما عاد بالضّرّاء يبكيني(2)

و في سنة (550) ملك الغزّ نيسابور وقتلوا نحوا من ثلاثين ألفا وكان السّلطان سنجر له اسم السلطنة، وهو معتقل لا يلتفت إليه، حتّى أنّه أراد كثيرا من الأيام أن يركب، فلم يكن له من يحمل سلاحه فيشدّه على وسطه ويركب، وكان إذا قدّم إليه طعام، يدّخر منه ما يأكله وقتا آخر خوفا من انقطاعه عنه، لتقصيرهم في واجبه(3).


1) . الكامل لابن الاثير: 295/2 296.

2) . الكامل لابن الأثير: 79/9 80 والشعر مذكور في ديوان الرضي: 447/2.

3) . الكامل لابن الاثير: 201/11.

وكان عثمان بن حيّان المرّي على المدينة من قبل سليمان بن عبد الملك، وكان ابو بكر بن حزم استأذنه أن ينام في غدوّ تسع بقين من شهر رمضان، ليقوم ليلة إحدى وعشرين فأذن له، وكان عنده أيّوب بن سلمة المخزومي وكان بينه وبين ابن حزم شيء، فقال لعثمان: هذا منه رياء، فقال عثمان: لست لأبي إن أرسلت إليه غدوة، ولم أجده جالسا لأجلدنّه مائة ولأحلقنّ رأسه ولحيته، فقال أيّوب: فجاءني أمر أحبّه، فعجّلت من السحر فإذا شمعة في الدار، فقلت: عجّل المرّي، فاذا رسول سليمان قد قدم على ابن حزم بتأميره وعزل عثمان وحدّه، قال: فدخلت دار الإمارة، فإذا عثمان جالس وإذا بابن حزم على كرسيّ يقول للحدّاد: اضرب في رجل هذا الحديد، ونظر إلى عثمان فقال:

آبوا على أدبارهم كشفا *** والأمر يحدث بعده الأمر(1)

و قيل لابنة النّعمان بن المنذر: صفي ما كنتم فيه قالت: أصبحنا والنّاس يغبطوننا، فلم نمس حتى رحمنا عدوّنا(2).

وبينا حذيفة وسلمان يتذاكران أعاجيب الزمان وتغيّر الأيّام، وهما في عرصة إيوان كسرى، وأن أعرابيّ من غامد يرعى شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيّرهن إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام كان كسرى ربّما جلس عليه، إذ صعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى، وكانت ملوك الزّمان إذا وصلوا إلى قرب سريره طرحوا أنفسهم على التراب(3).


1) . تاريخ الطبري: 272/5.

2) . بلاغات النساء: 186.

3) .البيان والتبيين: 460.

وعن صالح المورياني قال: دخلت دار أبي أيّوب المورياني بعد نكبة المنصور له، فتذكّرت ثلاث آيات من الكتاب فيها «فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً...»(1). «وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»(2). «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا...»(3). فخرج إليّ أسود من ناحية الدار، فقال: هذا سخط المخلوق فكيف سخط الخالق(4).

وطلب المنصور يوما الربيع فلم يجده، فلما دخل عليه سأله عن خبره، فقال: كنت عند سليمان الكاتب ـ يعني أبا أيّوب ـ فقال: ومن رأيت عنده قال: عبد اللّه‏ بن مروان بن محمّد، وقد طلب منه حاجة فقضاها، وقام عبد اللّه‏ فقبّل رأس سليمان، وكان المنصور متّكئا فاستوى جالسا، وقال: يا ربيع قبّل عبد اللّه‏ رأس سليمان فقال: نعم، فقال: الحمد للّه‏ وخرّ ساجدا، فأطال، ثمّ قال: يا ربيع أ تدري، أيّ نعمة جدّد اللّه‏ عندي في هذا الوقت قال: لا. فكشف المنصور عن ساقه، فإذا فيها أثر بيّن، ثم قال: كنت بدمشق في أيّام مروان، إذ رأيت للنّاس حرك، فقلت: ما هذا فقيل لى: عبد اللّه‏ بن الخليفة يركب ـ وما ركب قبل ذلك ـ وقد أمر الجند بالزّينة، وانجفل الناس للنظر، فخرجت فيمن خرج، فازدحم النّاس على بعض الطرق زحمة شديدة وكانت دابّتي صعبة فسقطت عنها، وانكسرت ساقي وغشينا النّاس ومكثت دهرا عليلا، وهاهو اليوم يقبّل رأس كاتبي(5).

وقال الصولى: لا يعرف خليفة قبّل يد خليفة، ثم قبّل ذلك الخليفة بعينه يده، إلاّ


1) .القصص: 58.

2) .القمر: 15.

3) .النمل: 52.

4) .الاعتبار ابن أبي الدنيا: 77 / ش 62.

5) . التذكرة الحمدونية: 219/9/ ش 628.

ما كان من فعل المعتصم بإبراهيم بن المهدي ثمّ فعل إبراهيم بالمعتصم مثله(1)، وقال الصولى: ومن عجائب الزّمان التي رأيتها وشاهدتها أنّي بكّرت يوم الأربعاء إلى دار الوزير القاسم بن عبيد اللّه‏، وهو لمّا به، فرأيت ابنيه أبا علي الحسين، وأبا جعفر محمّدا، قد خرجا فقام النّاس إليهما، ودنا العبّاس بن الحسن فقبّل أيديهما، ومات القاسم في ذلك اليوم، واستوزر العباس فرأيت العبّاس قد ركب إلى دار القاسم معزّيا، وخرج ابنا القاسم اللّذان قبّل العباس أيديهما ذلك اليوم، فقبّلا يد العبّاس في عشيّته، أى: في مسائه(2).

وقال أبو علي التنوخى: كنت في سنة (352) ببغداد فحضر أوّل يوم من شهر رمضان فاصطبحت أنا وأبو الفتح الكاتب في دار أبي الغنائم ابن الوزير أبي محمّد المهلّبي لنهنئه بالشهر عند توجّه أبيه إلى عمّان، وبلغ أبوه إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعليا باذ(3)، ففترت نيّته عن الخروج واستوحش معزّ الدولة منه، وفسد رأيه فيه، واعتلّ المهلبي هناك ثمّ أمره معزّ الدّولة بالرّجوع وقد اشتدّت علّته، والنّاس بين مرجف بأنّه يقبض عليه إذا حصل بواسط، أو عند دخوله بغداد، ومرجف بوفاته، وخليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد، أبو الفضل وأبو الفرج، فدخلنا على ابن الوزير وهو جالس في عرضيّ داره التي كانت لأبيه على دجلة على الصّراط عند شبّاك على دجلة، وهو في دست كبير عال وبين يديه النّاس على طبقاتهم، فهنّأناه بالشّهر، وجلسنا وهو إذ ذاك صبيّ غير بالغ إلاّ أنّه محصّل،


1) . المنتظم في تاريخ الامم والملوك: 27/11 ونثر الدر في المحاضرات: 220/7.

2) .المنتظم في تاريخ الامم والملوك: 28/13/ ش 1983.

3) . علياباز: معناه عمارة على عدّة قرى بنواحي الري معجم البلدان: 148/4.

فلم يلبث أن جاءه أبو الفضل وأبو الفرج فدخلا إليه وهنّاه بالشهّر، فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره على طرف دسته في الموضع الذي فيه فضلة المخادّ إلى الدّست وما تحرّك لأحدهما ولا شاركاه في الدّست، وأخذا معه في الحديث وأبو الفضل يستدعي خادم الحرم فيسارّه فيمضي ويعود، ويخاطبه سرّا، إلى أن جاءه بعد ساعة، فسارّه فنهض ـ وكان زوج بنت بنت الوزير ـ فحين دخل و اطمأنّ قليلا وقع الصّراخ وتبادر الخدم والغلمان، ودعي الصبي ـ وكان يتوقّع أن يرد عليه خبر موت أبيه، لأنّه كان عالما بشدّة علّته ـ فقام فأمسكه أبو الفرج، وقال: اجلس، وقبض عليه، وخرج أبو الفضل وقد قبض على امّ الصّبيّ، ووكّل بها خدما وختم الأبواب، ثمّ قال للصّبىّ: قم إلى مولانا ـ يعني معزّ الدولة ـ فقد طلبك، وقد مات أبوك، فبكى الصّبي وسعى إلى أبي الفضل وعلق بدرّاعته وقال: يا عمّ اللّه‏ اللّه‏ ـ يكرّرها ـ فضمّه أبو الفضل إليه واستعبر وقال: ليس عليك بأس، و انحدروا إلى زبازبهم، فجلس أبو الفرج في زبزبه، وجلس أبو الفضل في زبزبه، وأجلس الغلام بين يديه، وأصعدت الزّبازب تريد معزّ الدّولة بباب الشماسيّة، فقال أبو الفتح: ما رأيت مثل هذا قطّ ولا سمعت لعن اللّه‏ الدّنيا، أليس الساعة كان هذا الغلام في الصّدر معظّما وكان خليفتا أبيه بين يديه وما افترقا حتّى صار بين أيديهما ذليلا حقيرا ثمّ جرى من المصادرات على أهله وحاشيته ما لم يجر على أحد(1).

ولمّا قبض محمّد بن محمود الغزنوي على أخيه مسعود الملك أرسل إليه يطلب منه مالا ينفقه فأنفذ له خمسمائة درهم فبكى مسعود، وقال: كان بالأمس عليّ


1) . نشوار المحاضرة القاضي التنوخي: 49/4 51 ومعجم الأدباء: 146/9 ـ 150.

ثلاثة آلاف جمل من الخزائن، واليوم لا أملك الدرهم الفرد فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار(1).

هذا وقال عديّ بن الرّقاع في تشبيه قرن ولد الظّبي بالقلم:

تزجى أغنّ كأنّ أبرة روقه *** قلم أصاب من الدّواة مدادها

ويروى أن جريرا كان حاضرا عند عديّ، وهو ينشد قصيدته، قال: فلّما أنشد صدر البيت «تزجى أغنّ كأنّ ابرة روقه» رحمته، وقلت: هلك. فلّما قال: «قلم أصاب من الدواة مدادها» حالت الرحمة حسدا(2).

ودعا أبو العيناء ضريرا ليعشّيه فلم يدع شيئا إلاّ أكله فقال: يا هذا دعوتك رحمة، فتركتني رحمة(3).

وقال البحتري في أبي الصّقر:

جزتك جوازي الخير عن متهضّم *** تكفا عليه جائر الحكم قاسطه

ولمّا أتاه الغوث من عدلك انثنى *** وراحمه من ذلك الجور غابطه(4)

وقال عبيد بن شبرمة الجهني ـ وقد عاش ثلاثمائة سنة ـ لمعاوية: مررت يوما بقوم يدفنون ميّتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي، فتمثّلت بقول الشاعر:

و بينما المرء في الأحياء مغتبط *** إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه *** وذو قرابته في الحيّ مسرور

فقال لي رجل: أتعرف قائل الشعر قلت: لا، قال: قائله هذا المدفون وأنت


1) . الكامل لابن الاثير: 486/9 ـ 485 سنة 432.

2) . ادب الكتاب للصولى: 78 ـ 79.

3) .معجم الأدباء: 296/18؛ شذرات الذهب: 339/3.

4) . ديوان البحتري: 174/1.

غريب تبكي عليه ولا تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أقرب النّاس إليه وهو أسرّهم بموته(1).

وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ

غلب الدّين على يحيى الحنفي من يمامه فهرب، وكان غاية أمله أن يؤّي دينه و أن يرجع إلى وطنه، فقال في ذلك أشعارا غنّى بها عند الرشيد، فأمر بردّه وقضاء دينه، لكنّه كان مات قبل أمر الرشيد بشهر(2). وفي الخبر: أنّ علي بن اسماعيل بن جعفر، وأخوه محمّد سعى إلى الرشيد في عمّه موسى بن جعفر عليه‏السلام، طمعا في جائزة عظيمة منه، أمر له الرشيد بشيء فوصل إليه حين نزعه(3).

وانّ مروان بن محمد نقف بعد قتله برأسه، ونفض مخّه، وقطع لسانه، وألقي مع لحم عنقه، فجاء كلب فأخذ اللسان، فقال قائل: إنّ من عبر الدّنيا أن رأينا لسان مروان في فم كلب(4).

ولكن عن الصولي عن محمد بن صالح: لمّا قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجّه به إلى عبد اللّه‏ بن عليّ، فنظر إليه وغفل، فجاءت هرّة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد اللّه‏ بن على: لو لم يرنا الدّهر من عجابه إلاّ لسان مروان في فم هرّة لكفانا(5).


1) . عيون الأخبار لابن قتيبة: 328/2.

2) . معجم البلدان: 326/4 327.

3) .الغيبة للطوسي: 28؛ بحار الأنوار: 232/48/ ح 38.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/ 160 ـ 161.

5) .تاريخ الخلفاء السيوطي: 279.

فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَلاَ مُؤمَّلٌ يُتْرَكُ

في (الكامل): حادثة يعتبر بها، بيع في سنة (493) رحل ابن جهير ودورهم بباب العامّة، ووصل ثمن ذلك إلى مؤّد الملك ثمّ قتل مؤّد الملك في سنة (494) وبيع ماله وتركته، وأخذ الجميع وحمل إلى الوزير الأغر وقتل الوزير الأغرّ هذه السنّة، وبيع رحله واقتسمت أمواله وأخذ السلطان ومن ولّي بعده أكثرها وتفرّقت أيدي سبا(1).

ونعي عبد اللّه‏ بن موسى بن عبد اللّه‏ بن الحسن المثنّى إلى المتوكّل ثم نعي بعده أحمد بن عيسى، فاغتبط بوفاتهما، وسرّ وكان يخافهما خوفا شديدا، ويحذر حركتهما لما يعلمه من فضلهما، واستنصار الشيعة الزيدية بهما، وطاعتها لهما لو أراد الخروج عليه، فلما ماتا أمن واطمأنّ، فما لبث بعدهما إلاّ اسبوعا حتى قتل(2).

فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا

(عزّ الشيء: إذا قلّ لا يكاد يوجد). عن المدائنى: دخلت امرأة من بني مروان على عبد اللّه‏ بن عليّ بالشّام، فبكت فقال، ممّ تبكين أجزعا لأهلك على ما أصابهم قالت: لا واللّه‏ ولكنّه ما كان يوم سرور إلاّ وهو رهن بيوم مكروه(3).

وَأَظْمَأَ رِيَّهَا

فالدّنيا كماء البحر، كلّما ازداد إنسان من شربه، إزداد عطشه وظمأه.


1) .الكامل لابن الاثير: 337/10.

2) . مقاتل الطالبيين: 417 ـ 418.

3) . بلاغات النساء: 187.

وَأَضْحَى فَيْئَهَا

من (ضحى ـ بالكسر والفتح ـ للشمس): برز لها، و(الفيء): الظلّ الحادث.

لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَلاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ

قال ابن أبي الحديد: أخذه أبو العتاهية فقال:

فلا أنا راجع ما قد مضى لي *** ولا أنا دافع ما سوف يأتي(1)

فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ

عن النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا طَرَفْتُ عَيْنَايَ إِلاّ ظَنَنْتُ أَنَّ شُفْرَيَّ لاَ يَلْتَقِيَانِ حَتَّى يَقْبِضَ اللّه‏ُ رُوحِي وَلاَ رَفَعْتُ طَرْفِي وَظَنَنْتُ أَنِّي خَافِضَةٌ حَتَّى أُقْبَضَ وَلاَ تَلَقَّمْتُ لُقْمَةً إِلاّ ظَنَنْتُ أَنِّي لاَ أُسِيغُهَا حَتَّى أَغُصَّ بِهَا مِنَ الْمَوْت(2)

كلّ شيء كان قريبا من شيء آخر كان الآخر مثله، وكذلك كلّ شيء كان بعيدا، لكن تخلّف هذا الأصل في الحيّ والميت فالحي في غاية القرب من الميّت للحاقه به تقول في زيارة القبور «وإنّا إنشاء اللّه‏ بكم لاحقون(3)» والميّت في غاية البعد لاستحالة رجوعه.

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلاّ عِقَابُهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلاّ ثَوَابُهُ

قال ابن أبي الحديد: وقال الشّاعر:


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 256/7.

2) . .روضة الواعظين ط القديمة: 437/2؛ بحار الأنوار: 166/70/ ح 27.

3) . الكافي: 229/3/ ح 8؛ بحار الأنوار: 297/99/ ح 15.

فالخير خير وخير منه فاعله *** والشرّ شرّ وشرّ منه صانعه(1)

وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَكُلُ شَيْءٍ مِنَ الآْخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ

ولذا عبّر تعالى في وصف شدائد الآخرة في مواضع بلفظ (و لو ترى) فقال سبحانه: «وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ»(2).

وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ»(3).

وقال تعالى: «وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ»(4).

وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤمِنِينَ»(5).

وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ»(6).

وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا...»(7).

وقال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّه‏ِ غَيْرَ


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 257/7.

2) .السجدة: 12.

3) .سبأ: 51.

4) .سبأ: 53.

5) .سبأ: 31.

6) .الأنعام: 27.

7) .الأنعام: 30.

الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ»(1).

وقال عليه‏السلام في موضع آخر في وصف المحتضرين: «فغير موصوف ما نزل بهم اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت»(2).ولذلك قال عزّ من قائل في طرف الثواب: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي طرف العقاب: «كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ»(3).

حيث جعل الرّؤة بالعين أعلى المراتب لأنّه يحصل بها ما لا يحصل بغيرها، وأمّا الصّدّيقون فلا تفاوت لهم بين السّماع والعيان، فقد قال سيّدهم ورئيسهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ

أى: من رؤة تلك الامور بالعيان

السَّمَاعُ

السّماع من الرسل.

وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَر

فالخبر إذا كان من صادق بالبرهان، يحكم العقل بوجوب تصديقه والعمل بمقتضى خبره.


1) . الأنعام: 93.

2) . نهج البلاغة فيض الإسلام: 331/ خ 108.

3) . التكاثر: 3 ـ 7.

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآْخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآْخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا

لأنّ الحياة الدّنيا متاع وإنّ الآخرة هي دار القرار.

فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ

فمن يزرع بذره ينقص في العاجل ماله، ويربح في الآجل أضعاف ما نقص إذا قام بسقيه وقمع دغله

قال تعالى: «إِنَّ اللّه‏َ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالاْءِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّه‏ِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(1).

وقال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللّه‏ُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللّه‏ُ واسِعٌ عَلِيم»(2).

وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ

كما أنّ من زاد زرعه بالنّباتات الدّغلية يخسر ولا يحصل له كثير حاصل.

قال تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»(3).


1) .التوبة: 111.

2) .البقرة: 261.

3) .التوبة: 34 ـ 35.

وقال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّه‏ُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»(1)

آل عمران: 180

الآية.

وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّه‏ِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآْخِرَة»(2).

إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ

قال تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّه‏ُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللّه‏ِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّه‏ِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللّه‏َ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(3).

وقال تعالى: «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ...»(4).

وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ

قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»(5).

وقال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ...»(6).

وقال تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه‏ِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآْياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالاْءِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ


1) .

2) . آل عمران: 77.

3) .النحل: 114 ـ 115.

4) .البقرة: 57.

5) .البقرة: 168.

6) .المائدة: 4.

وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّه‏ِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّه‏ِ ما لا تَعْلَمُونَ»(1).

فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ

مثلا أحلّ لنا استعمال الأواني من كلّ فلزّ ومعدن وجنس سوى الذّهب والفضّة، و أحلّ للرّجال منّا الزّينة بكلّ لبس وحلية سوى الحرير والذّهب، فالواجب علينا أن نشكره تعالى حيث وسّع علينا في التمتّع ولم يجعل علينا حرجا فيما أوجب علينا منه التمنّع، مع أنّه منع ما منع لمفاسد ومضارّ، وقال ابن أبي الحديد: دخل إنسان على عليّ بن موسى الرضا عليه‏السلام وعليه ثياب مرتفعة القيمة، فقال: يا ابن رسول اللّه‏ أتلبس مثل هذا فقال عليه‏السلام له: «... مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه‏ِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ...(2)»،(3).

وروى أنّ أمير المؤنين عليه‏السلام لمّا بعث ابن عباس إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه وتطيّب بأفضل طيبه، وركب أفضل مراكبه، فلمّا واقفهم قالوا: يا ابن عبّاس بينا أنت أفضل النّاس، إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم، فتلا عليهم هذه الآية قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه‏ِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ(4)،(5).

وروي أنّ سفيان الثوري رأى الصادق عليه‏السلام في المسجد الحرام وعليه ثياب كثيرة القيمة حسان، فقال: يا ابن رسول اللّه‏ ما لبس النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهولا عليّ عليه‏السلام مثل هذا اللباس فقال عليه‏السلام: كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في زمان قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره وإقتاره، وإنّ


1) . الأعراف: 32 ـ 33.

2) . الأعراف: 32.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 259/7.

4) . الأعراف: 32.

5) .الكافي: 442/6/ ح 7؛ وسائل الشيعة: 16/5/ ح 5770 ـ 5.

الدّنيا بعد أرخت عزاليها فأحقّ أهلها بها أبرارها ثم تلا الآية(1).

كما أنّه روي عن أبى عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام إِنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كَسَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حُلَّةَ حَرِيرٍ فَخَرَجَ(2)

كأنّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كساه في وقت الحرب ويدلّ على عدم جواز لبس الحرير للرجال مطلقا وعليه علماء الإسلام واتفق علماؤا على بطلان الصلاة فيه للرجال وقطعوا على جوازه في حال الضرورة والحرب مرآة العقول: 333/22.

فِيهَا فَقَالَ مَهْلاً يَا أُسَامَةُ إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فَاقْسِمْهَا بَيْنَ نِسَائِكَ(3).

قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ

قال تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّه‏ِ رِزْقُها»(4).

وقال تعالى «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ...»(5).

قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللّه‏ِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً(6)وَتَرُوحُ بِطَانا(7).

قال عيسى عليه‏السلام: انظروا إلى طير السماء تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها لا تحرث ولا تحصد واللّه‏ يرزقها فإن زعمتم أنكم أوسع بطونا من الطير فهذه الوحوش من البقر والحمر لا تحرث ولا تحصد واللّه‏ يرزقها(8).


1) . الكافي: 442/6/ ح 8؛ وسائل الشيعة: 20/5/ ح 5778 ـ 1.

2) .

3) . الكافي: 453/6/ ح 2؛ بحار الأنوار: 129/22/ ح 105.

4) .هود: 6.

5) .الإسراء: 31.

6) . خماصا: خاليات البطون، بطانا: ممتلئات البطون والأول كناية عن الجوع والثاني عن الشبع.

7) .جامع الأخبار للشعيرى: 117؛ بحار الأنوار: 151/68/ ح 51.

8) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 158/3.

وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ

قال تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ

أَحَداً(1).

فَلاَ يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ

وهو الرّزق.

طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ

عن امير المؤنين عليه‏السلام: «إنّ الاهتمام بالرزق غير زائد في الموظوف وفيه يضيع الزّاد، والإقبال على الآخرة غير ناقص من المقدور وفيه إحراز المعاد» و أنشد عليه‏السلام:

لو كان في صخرة في البحر راسية *** صمّاء ملمومة ملس نواصيها

رزق لنفس براها اللّه‏ لانفلقت *** عنه فادّت إليه كلّ ما فيها

أو كان بين أطباق السبع مجتمعة *** لسهّل اللّه‏ في المرقى مراقيها

حتّى يوافي الذي في اللّوح خط له *** ان هي أتته وإلاّ فهو آتيها(2)

وعن امير المؤنين عليه‏السلام أيضا: أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم، والعمل به، ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم، وضمنه، وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه(3).


1) . الكهف: 110.

2) . التوحيد للصدوق: 372/ ح 17.

3) . الكافي: 30/1/ ح 4؛ بحار الأنوار: 175/1/ ح 41.

ولكن لا دلالة فيها على ترك الطّلب بالكليّة، بل المستفاد من الرّوايات الكثيرة كراهة ذلك فمنها:

عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام رَجُلٌ قَالَ لَأَقْعُدَنَّ فِي بَيْتِي وَلَأُصَلِّيَنَّ وَلَأَصُومَنَّ وَلَأَعْبُدَنَّ رَبِّي فَأَمَّا رِزْقِي فَسَيَأْتِينِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: هَذَا أَحَدُ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ لاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ(1).

وعَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَأَلَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام عَنْ رَجُلٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقِيلَ لَهُ أَصَابَتْهُ الْحَاجَةُ قَالَ فَمَا يَصْنَعُ الْيَوْمَ؟ قِيلَ فِي الْبَيْتِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، قَالَ فَمِنْ أَيْنَ قُوتُهُ؟ قِيلَ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ إِخْوَانِهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: وَاللّه‏ِ لَلَّذِي يَقُوتُهُ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْهُ(2).

مَعَ أَنَّهُ وَاللّه‏ِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ

أى: عرض وحال دون العمل.

وَدَخَلَ الْيَقِينُ

أى: صار دخيلا ومعيوبا.

حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام: كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ أَنْ قَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ لِيَعْتَبِرْ مَنْ قَصُرَ يَقِينُهُ وَضَعُفَتْ نِيَّتُهُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنَّ اللّه‏َ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ أَمْرِهِ وَآتَاهُ رِزْقَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا


1) . الكافي: 77/5/ ح 1؛ بحار الأنوار: 357/90/ ح 15.

2) .الكافي: 78/5/ ح 4؛ وسائل الشيعة: 25/17/ ح 21890 ـ 3.

كَسْبٌ وَلاَ حِيلَةٌ إِنَّ اللّه‏َ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَرْزُقُهُ فِي الْحَالِ الرَّابِعَةِ أَمَّا أَوَّلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي رَحِمِ أُمِّهِ يَرْزُقُهُ هُنَاكَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ حَيْثُ لاَ يُؤذِيهِ حَرٌّ وَلاَ بَرْدٌ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجْرَى لَهُ رِزْقاً مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ يَكْفِيهِ بِهِ وَيُرَبِّيهِ وَيَنْعَشُهُ(1)مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ بِهِ وَلاَ قُوَّةٍ ثُمَّ فُطِمَ مِنْ ذَلِكَ(2)فَأَجْرَى لَهُ رِزْقاً مِنْ كَسْبِ أَبَوَيْهِ بِرَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ لَهُ مِنْ قُلُوبِهِمَا لاَ يَمْلِكَانِ غَيْرَ ذَلِكَ(3)حَتَّى إِنَّهُمَا يُؤثِرَانِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إِذَا كَبِرَ وَعَقَلَ وَاكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ ضَاقَ بِهِ أَمْرُهُ وَظَنَّ الظُّنُونَ بِرَبِّهِ وَجَحَدَ الْحُقُوقَ فِي مَالِهِ وَقَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مَخَافَةَ إِقْتَارِ رِزْقٍ وَسُوءِ ظنّ ويَقِينٍ بِالْخَلَفِ مِنَ اللّه‏ِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْعَاجِلِ وَالآْجِلِ فَبِئْسَ الْعَبْدُ هَذَا يَا بُنَيَّ(4).

وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ

فتوانيتم فيه ولم تبالوا به.

فَبَادِرُوا الْعَمَلَ

عن الصادق عليه‏السلام: إذا همّ أحدكم بخير أو صلة فإنّ عن يمينه وشماله شيطانين فليبادر لا يكفّاه عن ذلك(5).

وعن أبى عبد اللّه‏ عليه‏السلام: إذا هممت بشيء من الخير فلا تؤّره فإنّه تعالى ربّما اطّلع على العبد، وهو على شيء من الطاعة فيقول: وعزّتي وجلالي لا اعذّبك


1) . نعشه تداركه من هلكة، جبره بعد فقره.

2) . فطم الولد: فصله عن الرضاع.

3) . أي لا يستطيعان ترك ذلك لما جبلهما اللّه‏ عليه من حبّه أو ينفقان عليه كسبهما وإن لم يكونا يملكان غيره قاله العلاّمة المجلسيّ.

4) .الخصال: 122/1/ ح 114؛ بحار الأنوار: 414/13/ ح 5.

5) . الكافي: 143/2/ ح 8؛ بحار الأنوار: 224/68/ ح 37.

بعدها أبدا، وإذا هممت بسيئة فلا تعملها فانّه ربّما اطّلع اللّه‏ على العبد وهو على شيء من المعصية، فيقول وعزّتي وجلالي لا أغفر لك بعدها أبدا(1).

ويمكن تفسير الخبر بأنّ بعض الأعمال الحسنة يؤّي إلى ما فوقه كما في تأدّب الحرّ مع الحسين عليه‏السلام، وبالعكس كما في كتابة عمر بن سعد إلى يزيد يخبره بورود مسلم الكوفة، وعدم كفاية النعمان وإفشائه سرّ مسلم لمّا وصّى إليه فأدّياه إلى تصدّيه لقتل الحسين عليه‏السلام الموجب لهلاكه الابد مع أنّه كان ساعيا في التنكّب عنه.

وعن الصادق عليه‏السلام أيضا: لا تستقل ما تتقرّب به إليه تعالى ولو بشقّ تمرة(2)،(3).

وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ

قال تعالى: «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»(4).

فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ

قال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤخِّرَ اللّه‏ُ نَفْساً إِذا


1) . الكافي: 143/2/ ح 7؛ بحار الأنوار: 223/68/ ح 36.

2) . النهى عن الاستقلال انما هو قبل الفعل لئلا يمنعه عن الإتيان به وأمّا بعد ما يأتي به فلا ينبغي أن يستكثر عمله فيصير معجبا به. وقوله: «و لو شق تمرة» يعنى التصدق به فى.

3) . الكافي: 142/2/ ح 5؛ وسائل الشيعة: 114/1/ ح 286 ـ 1.

4) . الأعراف: 94 ـ 95.

جاءَ أَجَلُها وَاللّه‏ُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(1).

وإليه اشير في قوله عليه‏السلام:

ما فات مضى وما سيأتيك فأين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين(2)

و قال آخر:

إنّما هذه الحياة متاع *** والسّفيه الغوىّ من يصطفيها

ما مضى فات والمؤّل غيب *** ذلك السّاعة الّتي أنت فيها(3)

مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ

لأنّ العمر عبارة عن زمان الحياة ومدّته والزّمان كمّ متّصل غير قارّ الذات، والجزء الثّاني منه عادم للجزء الأوّل، والجزء الثّالث عادم للجزء الثاني وهكذا فلا يمكن رجوع الجزء الأوّل بعد مضيّه أبدا، وهذا بخلاف الرّزق كالمآكل والمشارب والأموال، فانّ الانسان إذا فاته شيء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كان عينه باقية، وما لا يبقى عينه يقدر على اكتساب مثله، نعم يشكل ذلك لو عممنا الرزق بالنّسبة إلى التّنفس في الهواء، فانه كالعمل أيضا من الزّمانيات لا يمكن استدراكه، اللّهم إلاّ أن يقال إنّه فرد نادر، ونظر الامام عليه‏السلام في كلامه إلى الأفراد الشائعة والأعمّ الأغلب، فانّ ساير أفراد الرّزق عموما قابل للاستدراك.

فيجب أن يغتنم الفرصة.


1) .المنافقون: 10 ـ 11.

2) . غرر الحكم: 222/ ش 55.

3) . المنتظم في تالريخ الامم والملوك: 258/17.

قال الشّاعر:

فلست بمدرك ما فات عنّي *** بلهف ولا بليت ولا لو انّي(1)

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام يَشْكُو إِلَيْهِ حَالَهُ فَقَالَ مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلاَثُ مَصَائِبَ لاَ يَعْتَبِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلَوِ اعْتَبَرَ لَهَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَأَمْرُ الدُّنْيَا فَأَمَّا الْمُصِيبَةُ الْأُولَى فَالْيَوْمُ الَّذِي يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ قَالَ وَإِنْ نَالَهُ نُقْصَانٌ فِي مَالِهِ اغْتَمَّ بِهِ وَالدِّرْهَمُ يَخْلُفُ عَنْهُ وَالْعُمُرُ لاَ يَرُدُّهُ وَالثَّانِيَةُ إِنَّهُ يَسْتَوْفِي رِزْقَهُ فَإِنْ كَانَ حَلاَلاً حُوسِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ حَرَاماً عُوقِبَ عَلَيْهِ قَالَ وَالثَّالِثَةُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ وَمَا هِيَ قَالَ مَا مِنْ يَوْمٍ يُمْسِي إِلاّ وَقَدْ دَنَا مِنَ الآْخِرَةِ رَحْلَةً لاَ يَدْرِي عَلَى الْجَنَّةِ أَمْ عَلَى النَّارِ(2).

الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي

هو كالتعليل لقوله قبل «لا يرجى...» و«ما فات...».

أى الرّجاء مع الرّزق، فانّه يأتيك لا محالة واليأس مع الماضى وهو العمر فانّه مضى ولا يأتيك ابداً.

فَاتَّقُوا اللّه‏َ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون

الأصل فيه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه‏َ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»(3).


1) . روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن: 273/10.

2) . الاختصاص: 342؛ بحار الأنوار: 160/75/ ح 21.

3) .آل عمران: 102.

قال في مجمع البيان معناه واتّقوا عذاب اللّه‏ أي احترسوا وامتنعوا بالطاعة من عذاب اللّه‏ كما يحقّ، فكما يجب أن يتّقى ينبغي أن يحترس منه، وذكر في قوله حقّ تقاته وجوه أحدها أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى، وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام وثانيها أنه اتّقاء جميع معاصيه وثالثها أنّه المجاهدة في اللّه‏ وأن لا تأخذه فيه لومة لائم وأن يقام له بالقسط في الخوف والأمن وقوله: «وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» معناه لا تتركوا الإسلام وكونوا عليه حتّى إذا ورد عليكم الموت صادفكم عليه، وانما قال بلفظة النّهى عن الموت من حيث إنّ الموت لا بدّ منه وإنما النّهي في الحقيقة عن ترك الإسلام لأن لا يهلكوا بالانقطاع عن التّمكّن منه بالموت إلاّ أنه وضع كلام موضع كلام على جهة التّصرّف والابدال بحسن الاستعارة وزوال اللّبس وروى عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام: وأنتم مسلّمون، بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهمنقادون له، واللّه‏ الموفّق(1).


1) .مجمع البيان: 804/2 805.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (114) ومن خطبة له عليه السلام في الاستسقاء:

اشارة

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَهَامَتْ دَوَابُّنَا وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وَعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآْنَّةِ وَحَنِينَ الْحَانَّةِ اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجُودِ فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ وَالْبَلاَغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ وَمُنِعَ الْغَمَامُ وَهَلَكَ السَّوَامُ أَلاّ تُؤاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا وَلاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ سَحّاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَرِيعَةً زَاكِياً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا وَتُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً

مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ وَيَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا وَلاَ جَهَامٍ عَارِضُهَا وَلاَ قَزَعٍ رَبَابُهَا وَلاَ شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لاِءِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد

قوله عليه‏السلام «انصاحت جبالنا» أى: تشققت من المحول، يقال: انصاح الثوب إذا انشق، ويقال أيضا انصاح انبت وصاح وصوح إذا جف ويبس.

وقوله عليه‏السلام «و هامت دوابنا» أى: عطشت، والهيام العطش.

وقوله «و حدابير السنين» جمع حدبار، وهي الناقة التي أنضاها السير، فشبّه بها السنة التي فشا فيها الجدب، قال ذو الرمة:

حدابير ما تنفكّ إلاّ مناخة *** على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا(1)

وقوله «و لا قزع ربابها» القزع: الصغار المتفرقة من السحاب.

وقوله «و لا شفان ذهابها» تقديره: ولا ذات شفان ذهابها، والشفان الريح الباردة، والذهاب: الأمطار اللينة، فحذف (ذات) لعلم السامع به.

ورواها الشيخ في تهذيبه أبسط، فقال: روي أنّه عليه‏السلام خطب في الاستسقاء فقال: «الحمد للّه‏ سابغ النعم ومفرّج الهم وبارى‏ء النسم، الذي جعل السماوات لكرسيه عمادا والجبال للأرض أوتادا والأرض للعباد مهادا، وملائكته على أرجائها وعرشه على أمطائها(2).

وأقام بعزّته أركان العرش وأشرق بضوئه شعاع الشمس


1) . مجمع البحرين: 261/3.

2) .الأمطاء جمع مطا وزان عصا وهو الظهر، والضمير هنا عائد للأرض والسماوات.

وأطفأ بشعاعه ظلمة الغطش(1)وفجّر الأرض عيونا والقمر نورا والنجوم بهورا(2)ثم علا فتمكن وخلق فأتقن وأقام فتهيمن فخضعت له نخوة المستكبر وطلبت إليه خلّة المتمسكين».

«اللّهم فبدرجتك الرفيعة ومحلتك المنيعة وفضلك السابغ وسبيلك الواسع، أسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد كما دان لك ودعا إلى عبادتك ووفى بعهدك وأنفذ أحكامك واتبع أعلامك، عبدك ونبيّك وأمينك على عهدك إلى عبادك القائم بأحكامك ومؤد من أطاعك وقاطع عذر من عصاك».

«اللّهم فاجعل محمّدا أجزل من جعلت له نصيبا من رحمتك، وانضر من أشرق وجهه بسجال(3)عطاياك، وأقرب الأنبياء زلفة يوم القيامة عندك، وأوفرهم حظّا من رضوانك، وأكثرهم صفوف امة في جنانك، كما لم يسجد للأحجار، ولم يعتكف للأشجار ولم يستحلّ السبا(4)ولم يشرب الدماء».

«اللّهم خرجنا إليك حين فاجأتنا المضايق الوعرة وألجأتنا المحابس العسرة و عضتنا علائق الشين وتأثلت(5)علينا لواحق المين واعتكرت علينا حدابير(6)


1) . الغطش: الظلام.

2) . البهور: مأخوذ من البهر بمعنى الغلبة فيقال بهر القمر الكواكب إذا أضاء وغلب ضوؤ ضوءها.

3) . السجال: جمع سجل كفلس الدلو العظيمة إذا كان فيها ماء قل أو كثر وهو مأخوذ هنا على نحو الاستعارة.

4) . السباء: بالكسر والمد الخمر.

5) . التأثل: مأخوذ من تأثل الشيء إذا تأصل وتعظم واجتمع.

6) . الحدابير: جمع حدبار بالكسر و هي الناقة الضامرة التي بدا عظم ظهرها من الهزال و في المقام تشبيه السنين المجدبة المقحطة بها.

السنين، وأخلفتنا مخايل الجود واستظمأنا لصوارخ القود(1)(العود)، فكنت رجاء المبتئس والثقة للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام ومنع الغمام وهلك السوام، يا حي يا قيوم عدد الشجر والنجوم، والملائكة الصفوف والعنان المكفوف(2).

ألاّ تردنا خائبين ولا تؤخذنا بأعمالنا ولا تحاصّنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنساق والنبات المونق، وامنن على عبادك بتنويع الثمرة وأحي بلادك ببلوغ الزهرة، وأشهد ملائكتك الكرام السفرة سقيا منك نافعة دائمة غزرها واسعا درّها سحابا وابلا سريعا عاجلا، تحيي به ما قد مات وتردّ به ما قد فات وتخرج به ما هو آت».

«اللّهم اسقنا غيثا مغيثا ممرعا طبقا مجلجلا(3)متتابعا خوفقة(4)منبجسة بروقة مرتجسة هموعة(5). وسيبه مستدر وصوبه مستبطر(6).لا تجعل ظلّه علينا سموما و برده علينا حسوما وضوءه علينا رجوما وماءه اجاجا ونباته رمادا رمددا»(7).

«اللّهم إنّا نعوذ بك من الشرك وهواديه(8)والظلم ودواهيه والفقر ودواعيه، يا معطي الخيرات من أماكنها ومرسل البركات من معادنها، منك الغيث المغيث وأنت الغياث المستغاث ونحن الخاطئون أهل الذنوب وأنت المستغفر الغفار، نستغفرك للجهالات من ذنوبنا ونتوب إليك من عوام خطايانا».


1) . القود: بالفتح فالسكون الخيل.

2) .المكفوف: أي السحاب الممنوع من المطر.

3) . المجلجل: من الجلجلة وهي شدة الصوت واسم لصوت الرعد.

4) . الخفوق: هو الاضطراب.

5) .الهموع: بالضم السيلان.

6) .المستبطر: أي الممتد.

7) .الرمدد: بالكسر المتناهي في الاحتراق.

8) . الهوادى: الأوائل والبوادي.

«اللّهم فأرسل علينا ديمة(1)مدرارا واسقنا الغيث واكفا(2)مغزارا غيثا واسعا، و بركة من الوابل نافعة تدافع الودق بالودق(3)دفاعا ويتلو القطر منه القطر، غير خلب(4)برقه ولا مكذّب رعده ولا عاصفة جنائبه(5)، ريّا يقص بالري ربابه(6)وفاض فانصاع به سحابه، جرى آثار هيدبه(7)جنابه سقيا منك، محيية مروية محفلة مفضلة، زاكيا نبتها ناميا زرعها ناضرا عودها، ممرعة آثارها، جارية بالخصب والخير على أهلها، تنعش بها الضعيف من عبادك وتحيي بها الميت من بلادك وتنعم بها المبسوط من رزقك وتخرج بها المخزون من رحمتك وتعمّ بها من ناء من خلقك، حتى يخصب لإمراعها المجدبون ويحييا ببركتها المسنتون(8)وتترع بالقيعان غدرانها وتورق ذرى الآكام زهراتها، ويدهام(9)بذرى الآجام شجرها وتستحق علينا بعد اليأس شكرا منة من مننك مجللة ونعمة من نعمك مفضلة على بريتك المرملة وبلادك المغرية وبهائمك المعملة ووحشك المهملة».


1) . الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق.

2) . الواكف: المطر المنهل.

3) . الودق: بسكون الدال المطر.

4) . الخلب: بالفتح والتشديد البرق الذي لا غيث فيه.

5) . الجنائب: جمع واحدها جنوب وهي ريح تخالف الشمال مهبها من مطلع سهيل الى مطلع الثريا.

6) . الرباب: السحاب الأبيض وقيل هو السحاب الذي ركب بعضه بعضا.

7) . الهيدب: من السحاب المتدلي الذي يدنو من الأرض إذا أراد الودق كأنّه خيوط والجناب: الفناء والناحية. وفي الفقيه حبابه والحباب بالفتح معظم الماء والفقاقيع التي تعلو الماء.

8) . المسنتون: من أصابهم الجدب والقحط.

9) . يدهامنقگا يسود، وروضة مدهام أي شديدة الخضرة المتناهية فيها كالسوداء لشدة خضرتها.

«اللّهم منك ارتجاؤا وإليك مآبنا، فلا تحبسه علينا لتبطنك سرائرنا ولا تؤخذنا بما فعل السفهاء منّا، فإنّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد».

ثم بكى عليه‏السلام، فقال: سيدي صاخت جبالنا واغبرت أرضنا وهامت دوابنا وقنط اناس منّا وتاهت البهائم وتحيّرت في مراتعها، وعجّت عجيج الثكالى على أولادها وملّت الدوران في مراتعها حين حبست عنها قطر السماء فدقّ لذلك عظمها وذهب لحمها وذاب شحمها وانقطع درّها، اللّهم ارحم أنين الآنّة وحنين الحانّة ارحم تحيّرها في مراتعها وأنينها في مرابضها(1).

اعلم أنّ هذه الخطبة كما ذكره السّيده رحمه‏الله خطب عليه‏السلام بها في الاستسقاء أي في مقام طلب السّقيا وتوفير المياه، قال شيخنا الشهيد طاب ثراه، والاستسقاء أنواع أدناه الدّعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة، وأوسطه الدّعاء خلف الصّلاة، وأفضله الاستسقاء بركعتين(2).

وكيفيّته على ما وردت في الأخبار ونبّه عليها علمائنا الأخيار أن يخرج النّاس بعد التوبة وردّ المظالم وتهذيب الأخلاق وصوم ثلاثة أيّام يكون ثالثها يوم الاثنين، ويبرزوا في الثالث إلى الصّحراء وإن كانوا بمكّة فالى المسجد الحرام حفاة مشاة ونعالهم في أيديهم بسكينة ووقار متخشّعين مخبتين مستغفرين، ويخرجون الشّيوخ والصّبيان والبهايم وأهل الزّهد والصّلاح، فاذا حضروا في المصلّي ينادى المؤّنون بدل الأذان، الصّلاة ثلاثا، فيصلّى الامام بالنّاس ركعتين:


1) .تهذيب الاحكام: 151/3 154 / ح 11؛ بحار الأنوار: 293/88/ ح 2.

2) . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 1 /690.

يقرأ في الاولى بعد الحمد سورة بالجهر ثمّ يكبّر خمسا ويقنت عقيب كلّ تكبيرة ويدعو في القنوت بالاستغفار وطلب الغيث وإنزال الرحمة، ومن المأثور فيه: اللّهمّ اسق عبادك وامائك وبهائمك وانشر رحمتك وأحى بلادك الميّتة، ثمّ يكبّر السادسة ويركع ويسجد السجدتين ثمّ يقوم إلى الركعة الثانية فيفعل مثل ما فعل في الاولى إلاّ أنّ التكبيرات فيها أربع ويقنت أربعا أيضا عقيب التكبيرات، ثمّ يكبّر الخامسة ويركع ويسجد ويشهد ويسلّم.

فلما فرغ من الصلاة يصعد المنبر ويحوّل ردائه فيجعل الذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه تأسّيا برسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، و سئل الصّادق عليه‏السلام عن تحويل النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رداه إذ استسقى قال عليه‏السلام: علامة بينه صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهوبين أصحابه يحول الجدب خصبا، ويخطب بخطبتين ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر اللّه‏ مأئة تكبيرة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى يمينه فيسبّح اللّه‏ مأئة مرّة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى يساره فيهلّل اللّه‏ مأئة تهليلة رافعا بها صوته، ثمّ يستقبل الناس بوجهه فيحمد اللّه‏

مأئة رافعا بها صوته والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات، فان سقوا، وإلاّ عادوا ثانيا وثالثا من غير قنوط بانين على الصوم الأوّل ان لم يفطروا وإلاّ فبصوم مستأنف(1).

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ

من: انصاح الثوب وانصاحت العصا أي تشققا، قال أبو عبيدة: إذا انشق الثوب من قبل نفسه قيل قد انصاح.


1) .رياض السالكين: 231/3.

جِبَالُنَا

من يبسها وعدم نزول المطر عليها. هذا ولكن في (اللسان)(1): وفي حديث الاستسقاء: «اللّهم ضاحت بلادنا واغبرت أرضنا» أى: برزت للشمس وظهرت بعدم النبات فيها.

وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا

من عدم جريان ماء عليها.

وَهَامَتْ

هام يهيم وهياما: خرج على وجهه لا يدري أين يتوجّه، فهو هائم ان سلك طريقا مسلوكا، فإن سلك طريقا غير مسلوك فهو راكب التعاسيف(2).

دَوَابُّنَا

قال ابن الأعرابي في قول النمر بن تولب:

أقود خيلا رجعا فيها صرر *** أطعمها اللحم إذا عزّ الشجر

كانت العرب إذا لم تجد العلف دقّت اللحم اليابس فأطعمته الخيل(3).

وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا

قال الجوهرى: المرابض للغنم كالمعاطن للإبل...(4).

والأصح قول ابن دريد: ربضت الشاة وغيرها من الدواب، وقد يقال للحافر


1) . لسان العرب: 478/14 مادة ضحا.

2) .مصباح المنير: 645.

3) . الأغاني: 458/22.

4) . الصحاح: 1076/2 مادة ربض.

أيضا: ربضت...(1).

والظاهر أنّ الجوهري رأى في كلامهم «مرابض الغنم» فتوهّم الاختصاص.

وَعَجَّتْ

أى: رفعت صوتها.

عَجِيجَ الثَّكَالَى

جمع الثكلى مرأة فقدت ولدها(2).

وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا

ولا تجد علفا. قال سلام الكلابى: وجدنا أرضا ماحلة مثل جلد الأجرب تضيء ولا يسكت ذيبها ولا يقيد راكبها(3).

وَالْحَنِينَ

الصوت اشتياقا.

إِلَى مَوَارِدِهَا

من الماء.

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآْنَّةِ وَحَنِينَ الْحَانَّةِ

قال الجوهرى: ما له حانّة ولا آنّة، أى: ناقة ولا شاة(4).


1) . جمهرة اللغة: 314/1 مادة ربض.

2) .الصحاح للجوهرى: 327/1 مادة عجج.

3) .البيان والتبيين: 293.

4) .الصحاح: 2105/4 مادة حنن.

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا

إلى تحصيل القوت.

وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا

دخولها في محل إقامتها.

قال ابن أبي الحديد: ابتدأ بذكر الأنعام وما أصابها من الجدب اقتداء بسنّة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال: لولا البهائم الرتّع والصبيان الرضّع والشيوخ الركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا(1).

وقال مجاهد في قوله تعالى... «وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ»(2)دوابّ الأرض تلعنهم يقولون: منعنا القطر بخطاياهم(3).

وقال الخوئي ابتدأ عليه‏السلام بذكر الدواب لأنّها أقرب إلى مظنة الرحمة(4).

وفي (منتخب التوراة): يا بني آدم كيف لا تجتنبون الحرام واكتساب الآثام ولا تخافون النيران ولا تتقون غضب الرحمن، فلولا مشايخ ركع وبهائم رتع وشبّان خشعّ لجعلت السماء فوقكم حديدا والأرض صفصفا والتراب رمادا، ولا أنزلت عليكم قطرة ولا أنبت لكم من الأرض حبّة ولصبّ عليكم العذاب صبّا(5).

وعن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام: إنّ سليمان خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقي، فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللّهم انّا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم. فقال سليمان عليه‏السلاملأصحابه: ارجعوا


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 264/7.

2) . البقرة: 159.

3) . مجمع البيان: 441/1.

4) .منهاج البراعة للخوئى: 78/8.

5) . منهاج البراعة للخوئى: 78/8.

فقد سقيتم بغيركم(1).

وكان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذا استسقى قال: «اللّهم اسق عبادك وبهائمك و انشر رحمتك واحي بلادك الميتة» يرددها ثلاث مرات(2).

اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ

أى: كرت وغلظت قال: تطاول الليل علينا واعتك(3).

عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ

أى: سنين كجمال بدا عظمها من الهزال.

وكتب ابن الاشعث إلى الحجاج: سأحملك على صعب حدباء حدبار(4).

وقال الأخطل:

و لولا يزيد ابن الملوك وسيبه *** تجللت حدبارا من الشر أنكدا(5)

وَأَخْلَفَتْنَا

من: خلف الوعد، استعارة. يقال: أخلفت النجوم إذا أمحلت فلم يكن فيها مطر.

مَخَايِلُ

جمع مخيلة: سحاب تخال فيها المطر.


1) . من لا يحضره الفقيه: 524/1/ ح 1490؛ بحار الأنوار: 94/14/ ح 3.

2) .من لا يحضره الفقيه: 527/1/ ح 1500.

3) .اساس البلاغة: 431.

4) . الفائق: 234/1.

5) . اساس البلاغة: 115.

الْجُودِ

بالفتح، أى: المطر الغزير الذي يروي كل شيء.

وقف أعرابي بقوم فقال: تتابعت علينا سنون جماد(1)شداد، لم يكن للسماء فيها رجع(2)ولا للأرض فيها صدع(3)، فنضب العد(4)ونشف الوشل وأمحل الخصب وكلح الجدب وشفّ(5)المال وكسف البال وشظف المعاش وذهب الرياش(6).

ودخلت ليلي الأخيلية على الحجاج فقالت: أتيت لإخلاف النجوم وقلة الغيوم و كلب البرد وشدة الجهد(7)

فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ

أى: الحزين. قال:

ما يقسم اللّه‏ اقبل غير مبتئس *** منه واقعد كريما ناعم البال(8)


1) . الجماد: السنة التي لا مطر فيها.

2) . الرجع: المطر، لعوده كل حين.

3) . أي انشقاق عن النبات، اقتبسه من الآية الكريمة: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ».

4) . العد: الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع كماء العين، ونضب الماء: غار، والوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة، ولا يتصل قطره، نشف الماء في الأرض: ذهب «ونشف الحوض الماء شربه» وأمحل: أجدب.

5) . شف: رق، والشطف بالتحريك: يبص العيش وشدته، والرياش: المال والخصب والمعاش.

6) . جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة: 269/3. سه جلد مى باشد

7) . الأغاني: 160/11.

8) . لسان العرب: 21/6.

وَالْبَلاَغَ

أى: الكفاية قال الراجز: تزج من دنياك بالبلاغ(1).

لِلْمُلْتَمِسِ

أي الطالب مرة بعد اخرى.

نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ

كأنه عليه‏السلام أشار إلى قوله تعالى... «يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ»(2)أى: وعدت تنزيلك الغيث بعد يأس الناس فندعوك أن تجود علينا كما وعدت.

وَمُنِعَ

معلوما لكون قبله وبعده كذلك.

الْغَمَامُ

أي السحاب قطره.

وَهَلَكَ السَّوَامُ

بفتح السين وتخفيف الميم: بمعنى السائم، من: سامت الماشية: رعت(3).


1) .لسان العرب: 419/8.

2) . الشورى: 28.

3) . اساس البلاغة: 315 مادة سوم.

أَلاّ تُؤاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا

فقال تعالى: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ»(1).

قال ابن أبي الحديد: روي عن ابن مسعود إذا بخس المكيال حبس القطر(2).

وعن الصادق عليه‏السلام إذا فشت أربعة ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية، وإذا جار الحاكم في القضاء أمسك القطر من السماء، وإذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين(3).

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خَمْسٌ إِنْ أَدْرَكْتُمُوهُنَّ فَتَعَوَّذُوا بِاللّه‏ِ مِنْهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوهَا إِلاّ ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ(4)وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ وَلَمْ يَمْنَعُوا الزَّكَاةَ إِلاّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْ لاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللّه‏ِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاّ سَلَّطَ اللّه‏ُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ وَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَحْكُمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلاّ جَعَلَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ(5).

وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: وَجَدْنَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا مِنْ بَعْدِي كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ وَإِذَا طُفِّفَ الْمِكْيَالُ وَالْمِيزَانُ أَخَذَهُمُ اللّه‏ُ بِالسِّنِينَ وَالنَّقْصِ وَإِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ كُلَّهَا


1) . الشورى: 30.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 268/7.

3) . من لا يحضره الفقيه: 524/1/ ح 1488؛ بحار الأنوار: 21/76/ ح 13.

4) . أي القحط.

5) . الكافي: 373/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 367/70/ ح 2.

وَإِذَا جَارُوا فِي الْأَحْكَامِ تَعَاوَنُوا عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ سَلَّطَ اللّه‏ُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ وَإِذَا قَطَّعُوا الْأَرْحَامَ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ وَإِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ اللّه‏ُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ فَيَدْعُوا خِيَارُهُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ(1).

وعن امير المؤنين عليه‏السلام قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إذا غضب اللّه‏ تعالى على امّة ثم لم ينزل بها العذاب غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارها، ولم تزك اثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها أشرارها(2).

وفي الخبر: إنّ بني اسرائيل أصابهم قحط سبع سنين، فخرج موسى يستسقي لهم في سبعين ألفا، فأوحى إليه: كيف أستجيب لهم وقد أظلت عليهم ذنوبهم، وسرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له (برخ) حتى أستجيب له(3).

وفي خبر آخر: استسقى موسى عليه‏السلام لبني إسرائيل حين أصابهم قحط، فأوحى تعالى إليه لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد أصرّ على النميمة. فقال: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا؟ فقال: يا موسى أنهاكم عن النميمة واكون نماما؟ فتابوا بأجمعهم فسقوا(4).


1) . الكافي: 374/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 46/97/ ح 3.

2) .الكافي: 317/5/ ح 53؛ بحار الأنوار: 350/70/ ح 46.

3) . مسكن الفؤد: 69؛ الجواهر السنية: 158.

4) .كشف الريبة: 42؛ بحار الأنوار: 268/72.

وَلاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا

قال ابن أبي الحديد: الفرق بين (تأخذنا) هنا و(تؤخذنا) في سابقه أنّ المؤخذة دون الأخذ، لأنّ الأخذ الاستئصال والمؤخذة عقوبة(1).

بل المؤخذة مقدّمة الأخذ، قال تعالى وَلَوْ يُؤخِذُ اللّه‏ُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ...(2).

وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ

وعنه عليه‏السلام: السحاب غربال المطر، لو لا ذلك لافسد كل شيء (3).

الْمُنْبَعِقِ

أي المتصبب بشدة.

وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ

أى: الكثير الماء، قال تعالى... لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً(4).

وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ

أى: المعجب.

وعن الصادق عليه‏السلام: إنّ اللّه‏ تعالى إذا أراد أن ينفع بالمطر أمر السحاب فأخذ الماء


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 266/7.

2) .فاطر: 45.

3) .من لا يحضره الفقيه: 525/1/ ح 1495؛ بحار الأنوار: 373/56/ ح5.

4) . الجن: 16.

من تحت العرش، وإذا لم يرد النبات أمر السحاب فأخذ الماء من البحر. قيل: إنّ ماء البحر مالح قال: إنّ السحاب يعذبه(1).

سَحّاً

من: سحّ الماء إذا سال من فوق، وسححت الماء صببته، قال دريد:

فربة غارة أسرعت فيها *** كسحّ الخزرجي جريم تمر(2)

وَابِلاً

أى: مطرا شديدا.

تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ

فاتني بكذا: سبقني به وذهب به عني، قال الأخطل:

صحا القلب إلا من ظغائن فاتني *** بهنّ أمير مستبدّ فأصعدا(3)

وأعوذ باللّه‏ من موت الفوات، وهو الفجأة.

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً

لما مات من النباتات.

مُرْوِيَةً

لما ظمأ منها.


1) . من لا يحضره الفقيه: 524/1 525 / ح 1491.

2) . الصحاح: 373/1 مادة سحح.

3) . اساس البلاغة: 483.

تَامَّةً عَامَّةً

لجميع الأمكنة.

طَيِّبَةً مُبَارَكَةً

فيها النماء والزيادة.

هَنِيئَةً

قال الجوهرى: كل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنيء(1).

مَرِيعَةً

من (مرع) بالفتح والضم، قال: مكان مريع وممرع مكليء(2).

زَاكِياً

نامياً.

نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا

اعلاها.

نَاضِراً

حسناً.


1) . الصحاح: 84/1.

2) . اساس البلاغة: 590 مادة مرع.

وَرَقُهَا تُنْعِشُ

أى: ترفع، قال النابغة:

وإنّك غيث ينعش الناس سيبه *** وسيف اعيرته المنية قاطع(1)

وقال لبيد:

ومني على السباق فضل ونعمة *** كما نعش الدكداك صوب البوارق(2)

بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ

بالفتح فالسكون يستوي فيه المذكر والمؤث، قال تعالى لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً...(3).

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ

أى: تأتي بالكلاء الرطب.

بِهَا نِجَادُنَا

مرتفعات أرضنا.

وَتَجْرِي بِهَا

من جرى النهر.


1) . اساس البلاغة: 642.

2) . اساس البلاغة: 642.

3) .الفرقان: 49.

وِهَادُنَا

منخفضات أرضنا.

وَتُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَتُقْبِلُ

بالضم، قال ابن دريد: أقبل الشيء إذا ابتدأ بخير أو صلاح(1).

بِهَا ثِمَارُنَا وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا

من الابل والغنم والبقر.

روي أنّ الحجاج سأل أعرابيا فقال: كيف كانت سنتكم هذه قال: تفرقت الغنم ومات الكلب وطفئت النار. فقال لأصحابه: أترون ذكر خصبا أم جدبا. قالوا: جدبا. قال: ما أقلّ بصركم إنّما ذكر خصبا، ذكر أنّ الغنم تفرقت وصرفت وجوهها إلى المرعى، ومات الكلب حين لم يمت من الغنم شيء فيأكل من لحمه، وطفئت النار لاكتفاء الناس باللبن عن اللحم (2).

وقال الجوهري في قول الشاعر:

إذا القوس وترها أيد *** رمى فأصاب الكلي والذرى

يعني أنّ اللّه‏ تعالى إذا وتر القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل واسنمتها بالشحم، يعني من النبات الذي يكون من المطر(3).


1) . جمهرة اللغة: 372/1.

2) .منتخب الكنايات للجرجانى: 70 وبهج الصباغة: 94/14.

3) .الصحاح: 443/2 مادة أيد.

وَتَنْدَى

أى: تصير مبتلة ذات ندى.

بِهَا أَقَاصِينَا

أى: أباعد أرضنا من الزرع.

وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا

الظاهر أنّ المراد: ارزقنا سقيا تستعين بها في الشرب والري نخيلنا التي في البر مما تشرب بعروقها ولا يسقيها أحد.

قال الجوهري: كتب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لحارثة بن قطن ومن بدومة الجندل من كلب: «إنّ لنا الضاحية من البعل ولكم الضامنة من النخل» الضاحية هي الظاهرة التي في البر من النخل، والبعل الذي يشرب بعروقه من غير سقي، والضامنة ما تضمنه أمصارهم وقراهم من النخل(1).

ويمكن أن يكون المراد «اسقنا سقيا تستعين بها قرانا» قال الجوهرى: ضاحية كل شيء ناحيته البارزة، يقال: هم ينزلون الضواحي(2).

مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ

قال ابن دريد: البركة في الشيء النماء بعد النقصان(3).


1) .الصحاح: 6 /2156 مادة ضمن.

2) . الصحاح: 2406/6 مادة ضحا.

3) . جمهرة اللغة: 1/ 325.

وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ

أى: الكثيرة العظيمة. وأنشد ثعلب:

فويها لقدرك ويها لها

إذا اختير في المحل جزل الحطب(1)

اساس البلاغة: 92.

وأنشد سيبويه:

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا *** تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا(2)

عَلَى بَرِيَّتِكَ

أى: خلقك.

الْمُرْمِلَةِ

أى: النافد زادهم.

وَوَحْشِكَ

أى: حيوان البر.

الْمُهْمَلَةِ

بلا راع لها.

وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً

أى: ماء السماء، كقول الشاعر:


1) .

2) . كتاب سيبويه: 86/3؛ أساس البلاغة: 92.

إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وان كانوا غضابا(1)

مُخْضِلَةً

قال ابن دريد: أخضل المطر الأرض إذا بلّها بالماء.

مِدْرَاراً

أى: تدر بالمطر، قال النمر بن تولب:

سلام الإله وريحانه *** ورحمته وسماء درر

غمام ينزل رزق العباد *** فأحيى البلاد وطاب الشجر(2)

هَاطِلَةً

متتابعة المطر.

يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ

بالسكون. قال الشاعر:

فلا مزنة ودقت ودقها *** ولا أرض أبقل منها ابقالها(3)

قال ابن دريد: الودق: القطر الذي يخرج من خلل السحاب قبل احتفال المطر(4).


1) . لسان العرب: 399/14.

2) . الفائق: 162/1.

3) . لسان العرب: 373/10.

4) .جمهرة اللغة: 677/2.

وَيَحْفِزُ

أى: يدفع من خلف.

الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا

قال الجوهرى: البرق الخلب: الذي لا غيث فيه كأنه خادع، ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز: انما انت كبرق خلب. ويقال: برق خلب بالإضافة(1).

وَلاَ جَهَامٍ

بالفتح: السحاب بلا ماء.

عَارِضُهَا

أى: الذي يعترض في الافق(2).

هذا وفي (المعجم) لمحسن التنوخى:

خرجنا لنستسقي بيمن دعائه *** وقد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا

فلما ابتدا يدعو تقشّعت السما *** فما تمّ إلاّ والغمام قد انقضا(3)

وَلاَ قَزَعٍ

الأصل في القزع التفرق، قال الاعشى:

قوم بيوتهم امن لجارهم *** يوما إذا ضمت المحذورة القزعا(4)

أى: فرقا مختلفة.


1) .الصحاح: 122/1 مادة خلب.

2) . سبل الهدى والرشاد: 60/7.

3) . معجم الأدباء: 94/17

4) . جمهرة اللغة: 507/1.

رَبَابُهَا

بالفتح أى: سحابها.

وَلاَ شَفَّانٍ

قال ابن السكيت: الشفان والشفيف البرد(1).

وتقول عند هبوب الشفان تقلص الشفتان، قال يصف ثورا:

الجاه شفان لها شفيف *** في دف‏ء ارطاة لها دفوف(2)

ذِهَابُهَا

قال الجوهرى: الذهبة بالكسر المطرة، والجمع الذهاب. قال البعيث:

و ذي اشر كالاقحوان تشوفه *** ذهاب الصبا والمعصراة الدوالح(3)

حَتَّى يُخْصِبَ

بالضم من (اخصبوا): صاروا إلى الخصب بالكسر نقيض الجدب(4).

لاِءِمْرَاعِهَا

أمرع الوادي أى: أكلأ، وفي المثل: أمرعت فانزل(5).


1) .مصباح المنير: 317/2 مادة شفف.

2) . اساس البلاغة: 333 مادة شفف.

3) . الصحاح: 130/1.

4) . الصحاح: 120/1 مادة خصب.

5) . الصحاح: 1283/3.

الْمُجْدِبُونَ

أهل القحط.

وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ

الواقعون في سنة القحط، قال ابن الزبعرى في هاشم:

عمرو العلى هشم الثريد لقومه

ورجال مكة مسنتون عجاف(1)

ويقال: «تسنت اللئيم الشريفة» إذا تزوجها في سنة قحط لغناه وفقرها(2).

فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ

المطر في شدة الحاجة إليه.

مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا

أي يأسوا.

قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا»(3).وقال تعالى: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم»(4).

وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد

قَالَ الصَّادِقُ عليه‏السلام جَاءَ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالُوا لَهُ غَارَ مَاءُ النِّيلِ وَفِيهِ هَلاَكُنَا فَقَالَ انْصَرِفُوا الْيَوْمَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ تَوَسَّطَ النِّيلَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ


1) . لسان العرب: 47/2.

2) .اساس البلاغة: 309.

3) . الشورى: 28.

4) . لقمان: 10.

وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ بِالْمَاءِ إِلاّ أَنْتَ فَجِئْنَا بِهِ فَأَصْبَحَ النِّيلُ يَتَدَفَّقُ(1).

وقال الصادق عليه‏السلام لمفضل بن عمر: اتخذ اناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء واليرقان والبرد والجراد ذريعة إلى جحود الخالق والتدبير والخلق، فيقال في جواب ذلك: إنّه إن لم يكن خالق ومدبر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا وأفضع، فمن ذلك أن تسقط السماء على الأرض وتهوى الأرض فتذهب سفلا وتتخلف الشمس عن الطلوع أصلا وتجفّ الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفه وتركد الريح حتى تخم الأشياء وتفسد ويفيض ماء البحر على الأرض حتى يغرقها ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتدّ حتى يجتاح كل ما في العالم، بل تحدث في الأحايين ثم لا تلبث أن ترفع، أفلا ترى أنّ العالم يصان ويحفظ من تلك الأحداث الجليلة التي لو حدث عليه شيء منها كان فيه بواره، ويلذع أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لا تدوم بل تكشف عنهم عند القنوط منهم، فيكون وقوعها لهم موعظه وكشفها عنهم رحمة(2).

وعن أبي جري الهجيمى: انتهيت إلى رجل والناس حوله يصدرون عن رأيه وما قال لهم من شيء رضوا به، فقلت: من هو قالوا: رسول اللّه‏. قلت: عليك السّلام يا رسول اللّه‏. قال عليك السّلام تحية الميت، ولكن قل: السّلام عليك. قلت: السّلام عليك أنت رسول اللّه‏. قال: نعم أنا رسول اللّه‏ الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته استجاب


1) .من لا يحضره الفقيه: 526/1/ ح 1499.

2) . توحيد المفضل: 167؛ بحار الأنوار: 137/3.

لك، وإذا كنت في سفر فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك، وإذا أصابك عام سنة فدعوته استجاب لك. قلت: اعهد إلي عهدا. قال: لا تسبنّ أحدا ولا تزهدنّ في معروف(1).

قال ابن أبي الحديد: قال أبو حنيفة لا صلاة للاستسقاء، وقال باقي الفقهاء بخلاف ذلك، وقالوا: روي أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله صلّى بالناس جماعة في الاستسقاء فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحوّل رداءه ورفع يديه واستسقى(2).

ولكن ليس مخالفة أبي حنيفة للاجماع منحصرا بهذا، فأنكر تكبيرات أيّام التشريق في غير الأمصار(3)وأنكر العقيقة وقال: هي من عمل لجاهلية(4).قال ابن أبي الحديد: قالوا: يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيّام قبل الخروج ثم يخرج في اليوم الرابع وهم صيام(5).

بل يخرج عندنا في اليوم الثالث ويستحب أن يكون يوم الاثنين.

عن مرة مولى محمّد بن خالد قال: صاح أهل المدينة إلى محمّد ابن خالد في الاستسقاء فقال لى: انطلق إلى أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام فاسأله: ما رأيك فأتيته فقال: قل له يخرج يوم الاثنين ويخرج المنبر ثم يخرج يمشي كما يمشي يوم العيدين وبين يديه المؤنون في أيديهم عنزهم(6)حتى إذا انتهى إلى المصلى يصلي ركعتين بالناس بغير أذان ولا إقامة ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه


1) . تاريخ الامم والملوك الطبري: 568/11.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 267/7.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 120/19.

4) . المغنى: 120/11.

5) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 268/7.

6) . العنز ـ بفتح المهملة والنون والزاى ـ : رميح بين العصا والرمح فيه زج.

على يساره وبالعكس، ثم يستقبل القبلة فيكبر اللّه‏ مائة تكبيرة رافعا بها صوته، ثم يلتفت إلى الناس عن يمينه فيسبح اللّه‏ مائة تسبيحة رافعا بها صوته، ثم يلتفت إلى الناس عن يساره فيهلل اللّه‏ مائة تهليلة رافعا بها صوته، ثم يستقبل الناس فيحمد اللّه‏ مائة تحميدة، ثم يرفع يديه فيدعو ثم يدعون فإنّي أرجو ألاّ يخيبوا. قال: ففعل فما رجعنا إلاّ أهمّتنا أنفسنا(1)فلما رجعنا قالوا: هذا من تعليم جعفر(2).

وفي رواية ابن المغيرة: قَالَ: يُكَبِّرُ فِي صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعاً وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْساً وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَة(3).

وزاد (المقنعة) الاستغفار وتكرار قلب الرداء ودعاء فقال: فإذا سلم رقي المنبر فحمد اللّه‏ وأثنى عليه وصلّى على نبيه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ووعظ وزجر وأنذر وحذر، فإذا فرغ من خطبته قلب رداءه عن يمينه إلى يساره وعن يساره إلى يمينه ثلاث مرات ثم استقبل القبلة فرفع رأسه نحوها وكبر اللّه‏ مائة تكبيرة رافعا بها صوته وكبر الناس معه، ثم التفت عن يمينه يسبح اللّه‏ تعالى مائة تسبيحة رافعا بها صوته ويسبح الناس معه، ثم التفت عن يساره فحمد اللّه‏ مائة تحميدة رافعا بها صوته وحمد الناس معه، ثم أقبل على الناس بوجهه فاستغفر اللّه‏ مائة مرة رافعا صوته واستغفر الناس معه، ثم حول وجهه إلى القبلة فدعا ودعا الناس معه فقال: اللهم رب الأرباب ومعتق الرقاب ومنشى‏ء السحاب ومنزل القطر من السماء ومحيي


1) . لعل المراد به أنّه ما كان لنا هم إلاّ هم انفسنا أن تبتل ثيابنا بالمطر ويكون كناية عن سرعة الامطار. فى

2) . الكافي: 462/3/ ح 1؛ بحار الأنوار: 231/47/ ح 20.

3) . الكافي: 463/3/ ح 4؛ بحار الأنوار: 329/88/ ح 14.

الأرض بعد موتها، يا فالق الحب والنوى، يا مخرج الزرع والنبات ومحيي الأموات وجامع الشتات، اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا تنبت به الزرع وتدرّ به الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وتسقي به مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا(1).

وأفضل القنوت فيه ما روي عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: استغفر اللّه‏ الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم الرحمن الرحيم ذو الجلال والاكرام واسأله أن يتوب علي توبة عبد ذليل خاضع فقير بائس مسكين مستكين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، اللهم معتق الرقاب ورب الارباب ومنشى‏ء السحاب ومنزل القطر من السماء إلى الأرض بعد موتها فالق الحب والنوى ومخرج النبات وجامع الشتات صل على محمّد وآل محمّد واسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدودقاً هنيئا مريئا تنبت به الزرع وتدرّ به الضرع وتحيي به مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا، اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلادك الميتة(2).

والأصل فيه وفي دعاء المقنعة واحد لكن ذاك جعله بعد الاذكار.

ومن دعائه عليه‏السلام رافعا يديه: يا مغيثنا ومغنينا ومعيننا على ديننا ودنيانا بالذي تنشر علينا من الرزق نزل بنا عظيم لا يقدر على تفريجه غير منزله، عجّل على العباد فرجك فقد أشرفت الأبدان على الهلاك، فإذا هلكت الأبدان هلك الدين، يا ديان العباد ومقدّر امورهم بمقادير أرزاقهم لا تحل بيننا وبين رزقنا وما أضعنا فيه من كرامتك معترفين قد اصيب من لا ذنب له من خلقك بذنوبنا، ارحمنا بمن جعلته أهلا لاستجابة دعائه حين سألك يا رحيم لا تحبس عنا ماء السماء وانشر علينا


1) . المقنعة: 207 ـ 208.

2) .المصباح للكفعمي: 416 417.

نعمك وعد علينا برحمتك وابسط علينا كنفك وعد علينا بقبولك واسقنا الغيث ولا تجعلنا فيه من القانطين ولا تهلكنا بالسنين ولا تؤخذنا بما فعل المبطلون وعافنا يا رب من النقمة في الدين وشماتة القوم الكافرين، يا ذا النفع والضر إنّك إن أجبتنا فبجودك وكرمك ولإتمام ما بنا من نعمائك وإن تردّنا فبجنايتنا على أنفسنا فاعف عنا قبل أن تصرفنا وأقلنا وأقلبنا بإنجاح الحاجة يا اللّه‏(1).

قال ابن أبي الحديد: مذهب الشيعة أن يستقبل الإمام بعد الركعتين يكبر اللّه‏ مائة، ثم يسبح مائة عن يمينه ثم يهلل مائة عن يساره، ثم يستقبل الناس ويحمد مائة ثم يخطب بهذه الخطبة(2).

بل اختلفوا في تقديم الخطبة وتأخيرها، فابن بابويه والمفيد على الأول والنعماني والشيخ على الثاني.

وكيف كان عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن جده قال: اجتمع عند علي عليه‏السلام قوم فشكوا إليه قلّة المطر وقالوا: يا أبا الحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء. فقال: يا حسن ادع. فقال: «اللهم هيج لنا السحاب بفتح الأبواب بماء عباب ورباب بانصباب وانسكاب يا وهاب بصوب الماء يا وهاب يا فعال اسقنا مطرا قطرا طلاّ مطلا طبقا مطبقا عامّا معمّا مدهما بهما رشا مرشا واسعا كافيا عاجلا طيبا مباركا سلاطح بلاطح يناطح الاباطح مغدودقا مطبوبقا مغرورقا، اسق سهلنا وجبلنا بدونا وحضرنا حتى ترخص به أسعارنا وتبارك به في ضياعنا ومدننا، وارنا الرزق موجودا والغلاء مفقودا آمين رب العالمين».


1) . الفقه المنسوب الى الامام الرضا عليه‏السلام: 154؛ بحار الأنوار: 334/88/ ح 18.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 269/7 270.

ثم قال للحسين عليه‏السلام: ادع. فقال «اللهم معطى الخيرات من مظانّها ومنزل الرحمات من معادنها ومجري البركات على أهلها، منك الغيث المغيث وأنت الغياث والمستغاث ونحن الخاطئون وأهل الذنوب وأنت المستغفر الغفار لا إله إلاّ أنت، اللهم أرسل السماء علينا ديمة مدرارا واسقنا الغيث واكفا مغزارا غيثا مغيثا واسعا مسبعا مهطلا مربعا غدقا مغدقا عبابا مجلجلا صحا صحصاحا بسا بساسا مسبلا عاما ودقا مطفاحا، تدفع الودق بالودق دفاعا ويطلع القطر منه القطر غير خيب البرق ولا مكذب الرعد، تنعش بها الضعيف من عبادك وتحيى به الميت من بلادك وتستحق علينا مننك. آمين رب العالمين».

فما تم كلامه حتى صب الماء صبا. فسأل سلمان: أ هذا شيء علماه فقال: ويحكم ألم تسمعوا قول النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اجريت الحكمة على لسان أهل بيتي(1).

ورواه (الفقيه): وفيه جاء قوم من أهل الكوفة فقالوا يا امير المؤنين(2).

قال ابن أبي الحديد: ومن دعاء النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الاستسقاء: «اللهم اسقنا وأغثنا، اللّهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ربيعا وحدا طبقا غدقا مغدقا مونقا عاما هنيئا مريئا وابلا سابلا مسملا دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث تحيي به العباد وتغيث به البلاد وتجعله بلاغا منا للحاضر والباد، اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها وأنزل علينا في أرضنا سكنها، اللهم أنزل علينا ماء طهورا وأحي به بلدة ميتا واسعة مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا»(3).


1) . قرب الاسناد: 157/ ح 576؛ بحار الأنوار: 321/88/ ح 9.

2) .من لا يحضره الفقيه: 535/1/ ح 1504.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 273/7.

ومن دعاء السجاد عليه‏السلام: «اللهم اسقنا الغيث وانشر علينا رحمتك بغيثك المغدق من السحاب المنساق لنبات أرضك المونق في جميع الآفاق، وامنن على عبادك بإيناع الثمرة وأحي بلادك ببلوغ الزهرة، وأشهد ملائكتك الكرام السفرة بسقي منك نافع دائم غزره واسع درره وابل سريع عاجل تحيي به ما قد مات وترد به ما قد فات وتخرج به ما هو آت وتوسع به في الأقوات سحابا متراكما هنيئا مريئا طبقا مجلجلا غير ملث ودقه ولا خلب برقه، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا ممرعا عريضا واسعا غزيرا تردّ به النهيض وتجبر به المهيض، اللهم اسقنا سقيا تسيل منه الظراب وتملأ منه الجباب وتفجر به الأنهار وتنبت به الأشجار وترخص به الأسعار في جميع الأمصار وتنعش به البهائم والخلق وتكمل لنا به طيبات الرزق وتنبت لنا به الزرع وتدر به الضرع وتزيدنا به قوة إلى قوتنا، اللهم لا تجعل ظله علينا سموما ولا تجعل برده علينا حسوما ولا تجعل صوبه علينا رجوما ولا تجعل ماءه علينا اجاجا، اللهم صل على محمّد وآل محمّد و ارزقنا من بركات السماوات والأرض إنك على كل شيء قدير»(1).

قال ابن أبي الحديد: جاء في الأخبار الصحيحة عن رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم ابن عبد مناف قالت: تتابعت سنون أقحلت الضرع وأرقت العظم، فبينا أنا راقدة ـ اللهم أو مهومة ـ إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل: يا معشر قريش إنّ هذا النبيّ المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيامه وهذا ابن نجومه فحي هذا بالخصب والحبا، ألا فانظروا رجلا منكم عظاما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشمّ العرنين له سنة يهدى إليه، ألا فليخلص هو ولده وليدلف إليه من كل


1) .الصحيفة السجادية: 90/ د 19.

بطن رجل، ألا فليسنوا عليهم من الماء وليمسوا من الطيب وليطوفوا بالبيت سبعا وليكن فيهم الطيب الطاهر فليستق الرجل وليؤّن القوم، ألا فغثتم إذا ما شئتم. فأصبحت ـ علم اللّه‏ ـ مذعورة قد قف جلدي ووله عقلي، فاقتصصت رؤاي على الناس، فذهبت في شعاب مكة فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلاّ وقال: هذا شيبة الحمد. فتتامت رجال قريش وانفضّ إليه من كل بطن رجل فسنّوا عليهم ماء ومسّوا طيبا واستلموا واطوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس وطفق القوم يدفون حول عبد المطلب ما إن يدرك سعيهم مهله حتى استقروا بذروة الجبل واستكفوا جانبيه، فقام، فاعتضد ابن ابنه محمّدا فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب، ثم قال: «اللهم سادّ الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ومسئول غير مبخل وهذه عبداؤ واماؤ بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف فاسمعن، اللهم وامطرن علينا غيثا مغدقا مريعا سحا طبقا دراكا».

فو ربّ الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها واكتظّ الوادي بثجثجه وانصرف الناس يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك سيد البطحاء.

وفي رواية أبي عبيدة: فسمعت شيخان قريش وجلتها عبد اللّه‏ بن جدعان وحرب بن امية وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك باب البطحاء، وفي ذلك قال شاعر قريش ـ وقد روى هذا الشعر لرقيقة:

بشيبة الحمد أسقى اللّه‏ بلدتنا *** وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر

فجاد بالماء وسمى له سبل *** فعاشت به الأنعام والشجر(1)

قلت: ورواه (الطبقات) وزاد في الأبيات:


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 270/7 272.

منّا من اللّه‏ بالميمون طائره *** وخير من بشرت يوما به مضر

مبارك الأمر يستسقى الغمام به *** ما في الأنام له عدل ولا خطر(1)

ورواه اليعقوبي إلاّ أنّه قال: توالت على قريش سنون مجدبة حتى ذهب الزرع و قحل الضرع، ففزعوا إلى عبد المطلب وقالوا: قد سقانا اللّه‏ بك مرة بعد اخرى فادع اللّه‏ أن يسقينا، وسمعوا صوتا ينادي من بعض جبال مكة: معشر قريش إنّ النبيّ الامي منكم وهذا أوان توكفه، ألا فانظروا منكم رجلا عظاما جساما له سنّ يدعو إليه...(2).

قال ابن أبي الحديد: عن أنس بن مالك: أصاب أهل المدينة قحط على عهد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فقام إليه رجل وهو يخطب يوم جمعة فقال: هلك الشاء هلك الزرع ادع اللّه‏ أن يسقينا، فمدّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يده ودعا واستسقى وإنّ السماء كمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأ سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت عزاليها(3)، فخرجنا نخوض الماء حتى اتينا منازلنا ودام القطر، فقام إليه الرجل في اليوم الثالث فقال: يا رسول اللّه‏ تهدمت البيوت ادع اللّه‏ أن يحبسه عنا، فتبسم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم رفع يده وقال: اللهم حوالينا ولا علينا ـ فو الذي بعث محمّدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالحق لقد نظرت إلى السماء ولقد انجاب حول المدينة كالإكليل(4).

وفي حديث عائشة أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله استسقى حين بدأ قرن الشمس فقعد على المنبر وحمد اللّه‏ وكبّر ثم قال: إنّكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم اللّه‏ أن تدعوه


1) . الطبقات الكبرى ابن سعد: 90/1.

2) .تاريخ اليعقوبي: 12/2.

3) . العزالى في الأصل: جمع عزلاء، وهو مصب الماء من الراوية، ويريد شدة وقع المطر. على التشبيه.

4) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 272/7.

ووعدكم أن يستجيب لكم فادعوه، ثم رفع صوته فقال: «اللهم أنت الغنيّ ونحن الفقراء فأنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعل ما تنزله علينا قوة لنا وبلاغا إلى حين برحمتك يا أرحم الراحمين» فأنشأ اللّه‏ سحابا فرعدت وبرقت فلم يأت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منزله حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه وقال: أشهد أنّي عبد اللّه‏ ورسوله وأنّ اللّه‏ على كل شيء قدير(1).

وعن أبي وجزة السعدي أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما رجع من غزوة تبوك ـ وكانت سنة تسع ـ قدم عليه وفد بني فزارة فسألهم عن بلادهم فقال أحدهم: أسنت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا فادع لنا ربك، فصعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المنبر ودعا فقال: «اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء».

فمطرت فما رأوا السماء ستا، فصعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المنبر فدعا فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب(2).

وروى أيضا: إنّ وفد بني مرة قدموا على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مرجعه من تبوك، فقال لهم كيف البلاد قالوا: واللّه‏ إنّا لمسنتون فادع اللّه‏ لنا فقال: «اللهم اسقهم الغيث» فرجعوا


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 273/7.

2) .كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب الخصائص الكبرى للسيوطي: 26/2.

فوجدوا قد مطروا في اليوم الذي دعا لهم(1).

هذا، ولما اغمي على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أكبّت فاطمة عليها السّلام تندبه و تبكي وتقول:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عينيه وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب ولكن قولي: «وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ...»(2)،(3).

وقال ابن أبي الحديد روى ابن مسعود: إنّ عمر خرج يستسقي بالعباس فقال: اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبر رجاله فإنّك قلت وقولك الحق: «وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ...»(4)، فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين. ثم أقبل على الناس فقال: استغفروا ربكم إنّه كان غفارا. قال ابن مسعود: ورأيت العباس يومئذ وقد طال عمره وعيناه تنضحان وسبابته تجول على صدره وهو يقول: «اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالّة ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا إنّه لا ييأس الا القوم الكافرين» فنشأت طريرة(5)من سحاب وقال الناس: ترون ترون، ثم تلاءمت واستقلت ومشت فيها ريح، ثم هدرت


1) .كفاية الطالب: 27/2.

2) . آل عمران: 144.

3) . الارشاد: 186/1؛ بحار الأنوار: 470/22.

4) . الكهف: 82.

5) . الطريرة: تصغير طرة، وهي القطعة المستطيلة من السحاب؛ شبهت بطرة الثوب.

ودرّت، فو اللّه‏ ما برحوا حتى اعتلقوا الأحذية وقلصوا الآمزر وطفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيئا ساقي الحرمين(1).

ونقله (الفقيه) بطريق آخر فقال: روي عن ابن عباس أنّ عمر خرج يستسقي فقال للعباس: قم وادع ربك واستسق وقال: اللهم إنّا نتوسل إليك بعم نبيك. فقام العباس فحمد اللّه‏ وأثنى عليه وقال:

«اللهم إنّ عندك سحابا وإنّ عندك مطرا فانشر السحاب وأنزل فيه الماء ثم انزله علينا واشدد به الأصل وأطلع به الفرع وأحي به الزرع، اللهم إنّا شفعاء إليك عمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا شفعنا في أنفسنا وأهالينا، اللهم إنّا لا ندعو إلاّ إيّاك ولا نرغب إلاّ إليك، اللهم اسقنا سقيا وارعا(2)نافعا طبقا مجللا، اللهم إنّا نشكو إليك جوع كل جائع وعري كل عار وخوف كل خائف وسغب كل ساغب»(3).

ولكن: لم لم يستسق عمر بنفس النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله امير المؤنين عليه‏السلاملم لم يستسق بريحانتي النبيّ وابنيه وسيدي شباب أهل الجنة وقد باهل بهم النبيّ بأمر اللّه‏ تعالى

في نصّ القرآن.

والعمية للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من حيث هي لا أثر لها، فقد كان أبو لهب أيضا عمّا للنبيّ. ثم إن كان معتقدا بعم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لم لم يجعله في الشورى إلاّ أنّه استسقى به لحطّ قدر أمير المؤنين عليه‏السلام كما أنّه لما أراد استحكام أمر صاحبه توسل إلى العباس هو مع صاحبه بإشارة المغيرة بأن يجعلا له نصيبا في أمر الخلافة تضعيفا لجانب امير المؤنين، فيقولان له: إن كنت ابن عمه فهو عمه.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 274/7.

2) . وارعا أي ساكنا مستقرا.

3) .من لا يحضره الفقيه: 538/1/ ح 1505.

وأراد أيضا في الاستسقاء بالعباس أنّه إن لم ينزل لهم المطر يقول توسلت بعم النبيّ فلم يكن أهلا للإجابة، وإن جاءهم المطر يقول: أنا الأصل في ذلك، إلاّ أنّ اللّه‏

تعالى نقض غرضه فرأى الناس نزول المطر من دعاء العباس، فقد عرفت لفظ الخبر (طفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين).

وأشار إلى ذلك لقيط المحاربي في أبياته في المهدي،

أمر المهدي في سنة (160) الناس بصوم ثلاثة أيام لبط‏ء المطر ليستسقى، فلما كان في اليوم الثالث من الليل طرق الناس ليلتهم كلها ثلج ملأ الارض، فقال لقيط في ذلك مخاطبا للمهدى:

لما استغاث بك العباد بجهدهم *** متوسلين إلى إله الناس

أسقاهم بك مثل ما أسقاهم *** صوب الغمام بجدك العباس(1)

هذا، وقد دعا اللّه‏ تعالى قس بن ساعدة في الجاهلية لكونه قرأ الكتب بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهوالأئمة الاثني عشر الذين مثله في العصمة في استسقائه، روى الكلبي عن شرقي بن قطامي عن تميم بن وعلة المرى عن الجارود بن المنذر العبدي ـ وكان نصرانيا فأسلم عام الحديبية ـ وأنشأ يقول:

يا بني المهدي أتتك رجال *** قطعت فدفدا وأفرت جبالا

جابت البيد والمهامه حتى *** غالها من طوى السرى ما غالا

أنبأ الأوّلون باسمك فينا *** وبأسماء بعده تتتالى

فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أ فيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي فقال الجارود: كلنا


1) . معجم الأدباء: 37/17.

نعرفه غير أنّي من بينهم بخبره واقف على أثره. فقال سلمان: أخبرنا. فقال: لقد شهدته وقد خرج من ناد من أنديته إلى ضحضاح ذي قتاد وسمر وغياد و هو مشتمل بنجاد فوقف في اضحيان ليل كالشمس رافعا إلى السماء وجهه واصبعه، فدنوت منه فسمعته يقول: «اللهم ربّ السماوات الأرفعة والأرضين الممرعة بحق محمّد والثلاثة المحاميد معه والعليين الأربعة وفاطمة والحسنين الأبرعة وجعفر وموسى التبعة سميّ الكليم الضرعة اولئك النقباء الشفعة والطريق المهيعة راشة الاناجيل ومحاة الأضاليل ونفاة الأباطيل الصادقو القيل عدد نقباء بني إسرائيل فهم أوّل البداية وعليهم تقوم الساعة وبهم تنال الشفاعة ولهم من اللّه‏ فرض الطاعة اسقنا غيثا مغيثا».

ثم قال: ليتني مدركهم ولو بعد لأي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول:

أقسم قسّ قسما *** ليس به مكتتما

لو عاش ألفى سنة *** لم يلق منها سأما

حتى يلاقي أحمدا *** والنجباء الحكما

هم أوصياء أحمد *** أفضل من تحت السما

يعمى الأنام عنهم *** وهم ضياء للعمى

لست بناس ذكرهم *** حتى أحلّ الرجما

قال الجارود: فقلت: يا رسول اللّه‏ أنبأني بخبر هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها كما أنبأك اللّه‏. فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء اوحى إليّ عزّ وجلّ أن سل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا. قلت: على ما بعثوا قال: على نبوتك وولاية علي والأئمة منكما. ثم عرّفني عزّ وجلّ بهم

وبأسمائهم. ثم ذكر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أسماءهم للجارود واحدا واحدا إلى المهدى عليه‏السلام، ثم قال: قال تعالى هؤاء أوليائى، وهذا ـ يعني المهدي ـ المنتقم من أعدائي...(1).

و(الحسنين) في دعاء قس بلفظ الجمع لأنّ المراد الحسنان والعسكري عليهم السّلام.

هذا، ويناسب قوله عليه‏السلام «بالسحاب المنبعق...»، ما رواه القتيبي: أنّ واليا من قريش على المدينة كان عنده ابن مطير ـ وكان مطر جود ـ فقال له: صف لي هذا المطر. قال: دعني اشرف عليه، فأشرف ثم نزل فقال:

كثرت ـ لكثرة قطره ـ أطباؤ***

فإذا تحلب فاضت الأطباء(2)

وله رباب هيدب لرفيفه***قبل التبعق ديمة وطفاء(3)

وكأن ريقه ولما يحتفل***ودق السماء عجاجة كدراء(4)

وكأن بارقه حريق تلتقي***ريح عليه عرفج والاء(5)

مستضحك بلوامع مستعبر****بمدامع لم تمرها الاقذاء(6)

فله بلا حزن ولا بمسرة***ضحك يؤف بينه وبكاء


1) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 287/1.

2) . الأطباء: جمع «طبى» بضم الطاء وكسرها مع سكون الباء، وهو لذوات الحافر والسباع كالثدى للمرأة والضرع لغيرها. وقد استعار الكلمة هنا للمطر على التشبيه.

3) . الرباب: السحاب المتعلق الذى تراه كأنه دون السحاب. الهيدب: السحاب الذى يتدلى ويدنو مثل هدب القطيفة. الرفيف: التلألؤوالبريق. التبعق: مفاجأة المطر واندفاعه. الديمة: المطر الدائم في سكون. الوطفاء: الديمة السح الحثيثة.

4) . ريق المطر: أفضله، أو أول شؤوبه. الودق: المطر.

5) . العرفج: ضرب من النبات سهلى سريع الانقياد. الألاء: شجر حسن المنظر مر الطعم.

6) . لم تمرها: لم تسيلها، من قولهم «مريت الناقة» إذا مسحت ضرعها لتدر.

حيران متبع صباه يقوده***وجنوبه كنف له ووعاء(1)

غدق ينتج في الأباطح فرقا***تلد السيول وما لها اسلاء(2)

غرّ محجلة دوالح ضمّنت**حمل اللقاح وكلّهن عذراء(3)

سحم فهنّ إذا كظمن سواجم***سود وهن إذا ضحكن وضاء(4)

لو كان من لجج السواحل ماؤه ***لم يبق في لجج السواحل ماء(5)


1) . الكنف، بكسر الكاف وسكون النون: وعاء يكون فيه أداة الراعي ومتاعه، أو الوعاء الذي يكنف ما جعل فيه، أي يحفظه.

2) . الغدق: المطر الكثير. فرق: جمع فارق، وهى السحابة المنفردة لا تخلف، سميت بذلك تشبيها بالفارق من الإبل وهى التى تفارق إلفها فتنتج وحدها. الأسلاء: جمع سلى، وهو الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه.

3) . الدوالح: المثقلات بالماء.

4) . سحم: سود.

5) . الشعر والشعراء: 91/1/ ش 106.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (115): ومن خطبة له عليه السلام:

اشارة

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَلاَ مُقَصِّرٍ وَجَاهَدَ فِي اللّه‏ِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَلاَ مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى مِنْهَا وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ لَهَا وَلاَ خَالِفَ عَلَيْهَا وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَأَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللّه‏َ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ قَوْمٌ وَاللّه‏ِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ وَأَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ أَمَا وَاللّه‏ِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ أقول الوذحة الخنفساء وهذا القول يومئ به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره.

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ

قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلَى اللّه‏ِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً»(1).

وقال تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللّه‏َ حَدِيثاً»(2).

وقال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُم»(3).

فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ

من: ونى يني، أى: ضعف.

وَلاَ مُقَصِّرٍ

في التبليغ، حتّى إنّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حضر يوم وفاته مع شدّة مرضه ـ كما روي ـ المسجد وقال: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّه‏ِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ»(4)أَيُّهَا النَّاسُ لاَ يَدَّعِي مُدَّعٍ وَلاَ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لاَ يُنْجِي إِلاّ عَمَلٌ مَعَ رَحْمَةٍ وَلَوْ عَصَيْتُ لَهَوَيْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ(5).

وقالوا: خطب صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمنى في حجّة الوداع، وقال في جملة ما قال: أَلاَ وَكُلُّ مَأْثُرَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، لَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ


1) . الأحزاب: 45 ـ 46.

2) . النساء: 41 ـ 42.

3) .المزمل: 15.

4) . البقرة: 281.

5) . الارشاد: 282/1؛ بحار الأنوار: 467/22.

مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِالتَّقْوَى، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ قَالَ أَلاَ وَكُلُّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَوْضُوعٍ مِنْهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،أَلاَ وَكُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَوْضُوعٍ دَمُ رَبِيعَةَ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ قَالَ أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ ـ وَلَكِنَّهُ رَاضٍ بِمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ وَإِنَّهُ إِذَا أُطِيعَ فَقَدْ عُبِدَ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ حَقّاً، لاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ مُسْلِمٍ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَمَالُهُ ـ إِلاّ مَا أَعْطَاهُ بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ، وَإِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ـ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ ـ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّه‏ِ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ أَيُّهَا النَّاسُ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ احْفَظُوا قَوْلِي تَنْتَفِعُوا بِهِ بَعْدِي ـ وَافْهَمُوهُ تَنْعَشُوا ـ أَلاَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً ـ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ عَلَى الدُّنْيَا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَلَتَفْعَلُنَّ ـ لَتَجِدُونِي فِي كَتِيبَةٍ بَيْنَ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَضْرِبُ وُجُوهَكُمْ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ ـ إِنْ شَاءَ اللّه‏ُ أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(1)

وَجَاهَدَ فِي اللّه‏ِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ

أى ضعيف.

وَلاَ مُعَذِّرٍ

والمعذّر بالتشديد: من يأتي بالعذر باطلا. قالوا: وصف أحد أحبار أهل الكتاب لكعب بن أسد اليهودي النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأنّه يضع سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى،


1) . تفسير القمي: 171/1؛ بحار الأنوار 113/37/ ح 6.

ولمّا أراد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قتل كعب في أسراء بني النضير ذكّره قول ذاك الحبر، فأقرّ به، ولكن قال: لا أسلم لئلاّ يقول الناس: إنّه جزع عند الموت(1).

إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى

مرّت الجملتان في طيّ الخطبة (92) لكن ثمة: «و بصيرة من اهتدى».

مِنْهَا وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ

من استيلاء الجبابرة عليكم عقوبة من اللّه‏ تعالى في وهنكم في أمر اللّه‏ تعالى في حقّه عليه‏السلام يوم السقيفة، ويوم الشورى، ويوم رفع المصاحف، وأيام غارات معاوية إلى أن ينجرّ إلى تسلّط الحجّاج عليهم، وقد أفصح عليه‏السلام عنه في ذيل كلامه بعد العنوان.

مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ

وخفى عليكم خبره.

إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ

أى: الطرق، وتركتم البيوت.

تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ

قال تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(2).


1) . كمال الدين وتمام النعمة: 198/1/ ح 42؛ بحار الأنوار: 15/ 206/ ح 24.

2) .التوبة: 82.

وَتَلْتَدِمُونَ

أى: تضربون صدوركم كالنساء في النياحة.

عَلَى أَنْفُسِكُمْ

أى: على مأتم أنفسكم.

وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ

أى: حافظ.

لَهَا وَلاَ خَالِفَ عَلَيْهَا

فإنّ الناس إذا غابوا عن أموالهم يخلفون عليها من يحفظها.

وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ

قال ابن أبي الحديد: ويروى «و لأهمّت» وهو أصح(1)ويشهد لأصحيته لفظ القرآن قال تعالى: «وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ»(2)

آل عمران: 154.

أى: يكون يومئذ همّ كلّ امرئ نجاة نفسه.

لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا

كيوم القيامة.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 278/7.

2) .

وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَأَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ

من أن من أعان ظالما ـ بل لو عذره ـ سلّط اللّه‏ تعالى عليه قال تعالى: «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(1).

وقال عليه‏السلام في طي خطبته لما دعاهم إلى حرب معاوية بعد انقضاء أمر الخوارج، وتركهم له عليه‏السلام في نفر ـ «و اللّه‏ يا أهل العراق ما أظن هؤاء القوم من أهل الشام إلاّ ظاهرين عليكم» ـ فقالوا: أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤنين ـ فقال: نعم، والّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة إنّي أرى امورهم قد علت، وأرى اموركم قد خبت، وأراهم جادّين في باطلهم، وأراكم وانين في حقكم، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرّقين، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين، أما واللّه‏ لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنّهم أرباب سوء كأنّهم واللّه‏ عن قريب قد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم منكم وكأنّي انظر إليكم تكشّون كشيش الضباب لا تأخذون للّه‏ حقّا، ولا تمنعون له حرمة وكأنّي أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم وكأنّي أنظر اليكم يحرمونكم، ويحجبونكم، ويدينون الناس دونكم. فلو قد رأيتم الحرمان، ولقيتم الذل والهوان، و وقع السيف، ونزل الخوف لندمتم، وتحسّرتم على تفريطكم في جهاد عدوّكم، وتذكّرتم ما أنتم فيه من الخفض، والعافية حين لا ينفعكم التذكار. فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤنين أنّ قولك كلّه وجميع لفظك يكون حقّا أ ترى معاوية يكون علينا أميرا فقال عليه‏السلام: لا تكرهون إمرة معاوية. فإنّ إمرته سلم وعافية. فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنّها الحنظل. وعدا


1) .الأنعام: 129.

كان مفعولا. فأمّا إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرّها، وما بعدها أدهى وأمرّ(1).

فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ

أى: وقع في الحيرة.

وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ

أى: تفرّق.

وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللّه‏َ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ

قال ابن أبي الحديد: أى: النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والصالحين من أصحابه كحمزة، وجعفر، وأمثالهما ممّن كان عليه‏السلام يثني عليه(2).

وكذلك شيعته العارفون بحقّه كسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، ونظراؤم.

قَوْمٌ وَاللّه‏ِ مَيَامِينُ

جمع ميمون.

الرَّأْيِ مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ

بالكسر الاناة، وفعله حلم بالضم.

مَقَاوِيلُ

جمع مقوال مبالغة قائل.


1) .الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 131/1.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 278/7.

بِالْحَقِّ

كان أبو ذر يصرخ كلّ يوم على باب قصر معاوية: «أتاكم القطار يحمل النار. اللّهمّ اللعن الآمرين بالمعروف التاركين له. اللّهمّ العن الناهين عن المنكر المرتكبين له»(1).

وقيل لأبى ذر: ألم ينهك عثمان عن الفتيا. فقال أبو ذر: واللّه‏ لو وضعتم الصمصامة على هذا ـ وأشار إلى حلقه ـ على أن أترك كلمة سمعتها من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لأنفذتها قبل أن يكون ذلك(2).

مَتَارِيكُ

جمع متراك مبالغة تارك.

لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً

بضمتين أى: أقداما يأتي للواحد، والتثنية، الجمع، والمذكر، والمؤث. قال الشاعر:

«تمضي إذا زجرت عن سوأة قدما»(3)

وَأَوْجَفُوا

أى: أسرعوا في السير قال تعالى: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ(4).


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 257/8؛ بحار الأنوار: 415/22.

2) . الطبقات الكبرى: 354/2.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 267/6.

4) .الحشر: 6.

عَلَى الْمَحَجَّةِ

جادّة الطريق، والمراد سبيل الشريعة.

فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ

أى: الثابتة وفي الديوان:

فقد أعرف أقواما *** وإن كانوا صعاليكا

مساريع إلى النجدة *** للبغي متاريكا(1)

أَمَا وَاللّه‏ِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ........

أَمَا وَاللّه‏ِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ أقول الوذحة الخنفساء وهذا القول يومئ به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره

عن المنقري عن عبد العزيز بن الخطاب عن فضيل بن مرزوق قال: لمّا غلب بسر بن أرطاة على اليمن، وكان من قتله لابني عبيد اللّه‏ بن العباس ولأهل مكّة والمدينة واليمن ما كان، قام عليّ عليه‏السلام خطيبا فحمد اللّه‏ وأثنى عليه، وصلّى على نبيه محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم قال: إنّ بسرا قد غلب على اليمن، واللّه‏ ما أرى هؤاء القوم إلاّ سيغلبون على ما في أيديكم وما ذلك بحق في أيديهم، ولكن بطاعتهم، واستقامتهم لصاحبهم، ومعصيتكم لي، تناصرهم وتخاذلكم، وإصلاح بلادهم وإفساد بلادكم ـ إلى أن قال ـ اللّهمّ عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيّال الميّال يأكل خضرتها، ويلبس

فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنها، ولا يتجاوز عن مسيئها ـ وما كان ولد الحجّاج يومئذ ـ (2).


1) . ديوان امير المؤنين عليه‏السلام: 308.

2) .مروج الذهب: 142/3.

وعن إسماعيل بن موسى من بيت السدي، عن عليّ بن مسهر، عن الأحلج، عن موسى بن أبي النعمان قال: جاء الأشعث إلى أمير المؤنين عليه‏السلاميستأذن عليه فردّه قنبر. فأدمى الأشعث أنفه، فخرج عليّ عليه‏السلام وهو يقول: مالي ولك يا أشعث أما واللّه‏ لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرّت شعيراتك. قيل يا أمير المؤنين ومن غلام ثقيف قال: غلام يليهم لا يبقي أهل بيت من العرب إلاّ أدخلهم ذلاّ. قيل: يا أمير المؤنين كم يلي، وكم يمكث قال عشرين إن بلغها(1).

وروى عثمان بن سعيد عن يحيى التيمي عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء قال: قام أعشى باهلة ـ وهو يومئذ غلام حدث ـ إلى عليّ عليه‏السلام وهو يخطب ويذكر الملاحم. فقال: يا أمير المؤنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة. فقال عليّ عليه‏السلام: إن كنت آثما في ما قلت يا غلام فرماك اللّه‏ بغلام ثقيف ـ ثم سكت ـ فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤنين قال: غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك للّه‏ حرمة إلاّ انتهكها يضرب عنق هذا الغلام بسيفه. فقالوا: كم يملك يا أمير المؤنين قال: عشرين إن بلغها. قالوا: فيقتل قتلا ام يموت موتا قال عليه‏السلام: «بل يموت حتف أنفه بداء البطن يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه».

قال إسماعيل بن رجاء: فو اللّه‏ لقد رأيت بعيني أعشى باهلة، وقد أحضر في جملة الأسرى الذين اسروا من جيش ابن الأشعث بين يدي الحجّاج فقرعه ووبّخه، واستنشده شعره الّذي يحرّض فيه ابن الأشعث على الحرب، ثمّ ضرب عنقه في ذاك المجلس(2).

وروى أنّ عباد بن قيس ـ من بكر بن وائل ـ قام إلى عليّ عليه‏السلام بعد فتح البصرة،


1) . مقاتل الطالبيين: 20.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 289/2.

وقال له: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات. فقال له أمير المؤنين عليه‏السلام: إن كنت كاذبا فلا اماتك اللّه‏ حتّى يدركك غلام ثقيف.

قالوا: ومن غلام ثقيف قال: رجل لا يدع للّه‏ حرمة إلاّ انتهكها: قالوا: أ فيموت أو يقتل فقال عليه‏السلام: يقتله قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه(1).

ونقل العلاّمة الحلى عن العماني قال: إنّ رجلا من عبد القيس قام يوم الجمل. فقال: يا أمير المؤنين ما عدلت حين تقسم بيننا أموالهم، ولا تقسم بيننا نساءهم، و لا أبناءهم. فقال له: إن كنت كاذبا فلا أماتك اللّه‏ حتى تدرك غلام ثقيف، وذلك أنّ دار الهجرة حرّمت ما فيها، ودار الشرك أحلّت ما فيها. فأيّكم يأخذ امّه من سهمه. فقام رجل فقال: وما غلام ثقيف يا أمير المؤنين قال: عبد لا يدع للّه‏، حرمة إلاّ هتكها. قال: يقتل أو يموت قال: بل يقصمه اللّه‏ قاصم الجبارين(2).

وقال الحسن البصرى: سمعت عليّا عليه‏السلام على المنبر يقول: اللّهمّ ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشّوني. اللّهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية. فوصفه وهو يقول: الزيال مفجّر الأنهار. يأكل خضرتها، ويلبس فروتها. قال الحسن: هذه واللّه‏ صفة الحجّاج. قال حبيب بن أبي ثابت قال عليّ عليه‏السلام لرجل: لا تموت حتّى تدرك فتى ثقيف. قيل له: يا أمير المؤنين ما فتى ثقيف قال: ليقالنّ له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنّم. رجل يملك عشرين أو بعضا وعشرين سنة لا يدع للّه‏ معصية إلاّ ارتكبها حتّى لو لم تبق إلاّ معصية واحدة


1) . الإحتجاج: 168/1؛ بحار الأنوار: 222/32/ ح 173.

2) .مختلف الشيعة: 451/4.

بينه وبينه باب مغلق لكسره حتّى يرتكبها(1).

أما واللّه‏ ليسلّطن عليكم غلام ثقيف

مراده عليه‏السلام بغلام ثقيف الحجّاج، وأخبر عليه‏السلام في موضع آخر بغلام ثقيف آخر ابن عم الحجّاج باسمه ونسبه يوسف بن عمر.

ففي (إرشاد المفيد): قال عليه‏السلام أيّها الناس إنّي دعوتكم إلى الحقّ فتوليتم عني، وضربتكم بالدرّة فأعييتموني. أما إنّه سيليكم من بعدي ولاة لا يرضون منكم بهذا حتّى يعذّبوكم بالسياط والحديد إنّه من عذّب الناس في الدنيا عذّبه اللّه‏ في الآخرة، وآية ذلك أن يأتيكم صاحب اليمن حتّى يحلّ بين أظهركم. فيأخذ العمال وعمّال العمال رجل يقال له يوسف بن عمر(2).

وصار الأمر كما ذكر عليه‏السلام فغضب هشام على خالد القسري عمله على العراق،

فكتب إلى يوسف باليمن بعهده على العراق فقدم وأخذ خالدا وعمّاله. فعذّبهم وصادرهم ومات خالد وعامله بلال بن أبي بردة في عذابه(3).

ونقله ابن أبي الحديد بلفظ آخر. أخبر عليه‏السلام بالحجاج ويوسف معا بوصفهما فقال: قال عليه‏السلام: «لقد دعوتكم إلى الحق فتولّيتم، وضربتكم بالدرّة. فما استقمتم وستليكم ولاة يعذّبونكم بالسياط والحديد، وسيأتيكم غلاما ثقيف أخفش وجعبوب يقتلان ويظلمان، وقليل ما يمكّنان» ـ وقال: الأخفش ضعيف البصر خلقة. وكان الحجّاج


1) .الكامل لابن الاثير: 587/4 سنة 95.

2) . الارشاد: 322/1؛ بحار الأنوار: 285/41/ ح 4.

3) .تاريخ اليعقوبي: 323/2.

كذلك، والجعبوب القصير الدميم، وكان يوسف كذلك(1).

ثمّ كما أنّه عليه‏السلام أخبر بتسلّط غلام ثقيف ـ وهو الحجّاج ـ في مواضع كثيرة عموما

وخصوصا خبرا ودعاء، وبتسلّطه مع ابن عمّه كما عرفت في موضع كذلك دعا الحسين عليه‏السلام على قتلته من أهل الكوفه بتسلّط غلام ثقيف ـ أي المختار ـ عليهم

لينتقم منهم. فروى أنّه عليه‏السلام قال لهم في جملة ما قال لهم: «ألا ثمّ لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يركب الفرس حتّى تدرو بكم الرحى، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ(2)جميعا، وَلا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّه‏ِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(3)اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبّرة، ولا يدع فيهم أحدا إلاّ قتلة بقتلة وضربة بضربة ينتقم لي ولأوليائي، وأهل بيتي وأشياعي منهم. فإنّهم غرّونا وكذبونا وخذلونا...(4).

هذا، وقال عبد الملك لا بن الزبير الشاعر الأسدى: انشدني أبياتك فيّ وفي الحجّاج وابن الزبير ـ بعد قتل الحجّاج لابن الزبير وبعثه برأسه إليه ـ فانشده.

كأنّي بعبد اللّه‏ يركب ردعه *** وفيه سنان زاعبيّ محرّب(5)

وقد فرّ عنه الملحدون وحلّقت***به وبمن آساه عنقاء مغرب(6)


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 382/6 383.

2) . يونس: 71.

3) . هود: 56.

4) . اللهوف ترجمة فهرى: 99؛ بحار الأنوار: 9/45.

5) . يقال للقتيل: ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه. وزاعب بلد أو رجل ومنه الرماح الزاعبية أو هي الَّتي إذا هزت كأن كعوبها يجري بعضها في بعض. وحرب السنان: حدّده.

6) . يقال: عنقاء مغرب ومغربة على الوصف وعنقاء مغرب بالإضافة، وهي الَّتي أغربت في البلاد فنأت ولم تحس ولم تر.

تولّوا فخلّوه فشال بشلوه***طويل من الاجذاع عار مشذّب(1)

بكفّي غلام من ثقيف نمت به***قريش وذو المجد التليد معتب

فقال له عبد الملك: لا تقل غلام، ولكن قل: همام(2).

وقدمت ليلى الأخيلية على الحجّاج فأنشدته:

إذا ورد الحجّاج أرضا مريضة *** تتبّع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العقام الذي فيها *** غلام إذا هزّ القناة ثناها

فقال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي همام(3).

وأما ثقيف فاختلف فيها هل هي من بقايا ثمود أو أياد أو هوازن. وفي (كامل المبرد): قال الحجّاج على المنبر: تزعمون أنّا من بقايا ثمود. واللّه‏ تعالى يقول: «وثمود فما أبقى»(4)،(5).

وقال الحجّاج لأبي العسوس الطائى: أيّ أقدم أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيئ الجبلين فقال له: إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن فنزول طيئ قبلها، وإن كانت ثقيف من ثمود فهي أقدم. فقال له الحجّاج: إتّقني فإنّي سريع الخطفة(6).

وقال الشاعر:


1) . الشلو: الجسد. شال به: رفعه، أي أنه صلب على جذع طويل. والتشذيب: إصلاح الجذع.

2) . الأغاني: 419/14.

3) . ربيع الابرار: 378/4.

4) . النجم: 51.

5) . التذكرة الحمدونية: 184/7/ ش 852.

6) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 305/8 306.

فلو لا بنو مروان كان ابن يوسف(1)*** كما كان عبدا من عبيد أياد(2)

ثمّ تسلط الحجّاج على أهل العراق كما أخبر عليه‏السلام كان في سنة (75) وسبب توليته أنّ المهلب بن أبي صفرة لمّا كان يقاتل الخوارج بالعراق. وكان الناس بطاء عنه، كتب إلى عبد الملك: إمّا بعثت إليّ بالرجال وإمّا خلّيت بينهم وبين البصرة. فخرج إلى أصحابه. فقال: ويلكم من للعراق فصمتوا وقام الحجّاج فقال: أنا، وقال الثانية والثالثة ويقول الحجّاج: أنا. فقال له في الثالثة: أنت زنبورها. فكتب له عهده

فشخص. فلمّا بلغ القادسيّة أمر الجيش أن يقيلوا، ويروّحوا، ودعا بجمل عليه قتب. فجلس عليه بغير حشية ولا وطاء وأخذ الكتاب بيده، ولبس ثياب السفر، وتعمم بعمامة حتّى دخل الكوفة وحده. فجعل ينادى: الصلاة جامعة، و ما منهم رجل جلس في مجلسه إلاّ ومعه العشرون والثلاثون وأكثر من أهله ومواليه. فصعد المنبر متلثما متنكّبا قوسه. فجلس واضعا إبهامه على فيه. فقال بعضهم لبعض: قوموا حتّى نحصبه. فقال بعض: حتّى نسمع ما يقول. فمن قائل يقول: حصر الرجل، ومن قائل يقول: أعرابي ما أبصر حجّته. فلمّا غصّ المجلس بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام ونحىّ العمامة عن رأسه. فو اللّه‏ ما حمد اللّه‏ ولا أثنى

عليه، ولا صلّى على نبيّه، وكان أوّل ما بدأهم به أن قال:

أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا *** متى أضع العمامة تعرفوني(3)


1) . ابن يوسف هو الحجاج بن يوسف ؛ والمعروف أن الحجاج ـ قبل أن يتولى شرطة عبد الملك ويصبح واليا على العراق ـ كان يعلَّم الصبيان بالطائف كما كان أبوه يوسف معلما أيضا .

2) . عيون الأخبار لابن قتيبة: 341/1.

3) . قوله أنا ابن جلا فابن جلا الصبح لأنه يجلو الظلمة والثنايا ما صغر من الجبال.

ـ إلى أن قال ـ واعلموا أنّه ليس منّي الإكثار والإهذار، ولا منكم الفرار والنفار. إنّما هو انتضاء السيف ثم لا اغمده في شتاء ولا صيف حتّى يقيم اللّه‏ للخليفة أودكم

ـ إلى أن قال ـ يا غلام اقرأ عليهم كتاب الخليفة. فقرأ القاري «أما بعد. سلام عليكم

فإنّي أحمد إليكم اللّه‏» فقال له: اقطع. يا عبيد العصا يسلم عليكم الخليفة فلا يردّ

رادّ منكم السلام هذا أدب ابن نهية ـ وهو صاحب شرطة كان بالعراق ـ أما واللّه‏ لأؤّبنّكم غير هذا الأدب. يا غلام ابدأ بالكتاب. فلمّا بلغ إلى قوله «سلام عليكم» لم يبق منهم أحد إلاّ قال: وعلى الخليفة السلام(1).

و: ولاّه عبد الملك على العراق بعد أخيه بشر. فدخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة. فصعد المنبر وقال: أما واللّه‏ إنّي لأحمل الشرّ محمله وأخذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإنّي لأرى رؤوسا قد أينعت، وحان قطافها وإنّي لأري الدماء بين العمائم واللحى قد شمّرت عن ساقها تشميرا.

هذا أو ان الشدّ فاشتدّي زيم *** قد لفّها الليل بسوّاق حطم

ليس براعي إبل ولا غنم *** ولا بجزّار على ظهر وضم

قد لفّها الليل بعصلبيّ *** اورع خراج من الدّويّ

مهاجر ليس بأعرابي *** ليس أو ان يكره الخلاط

جاءت به والقلّص الأعلاط *** ههوي هوى سابق الغطاط(2)


1) . مروج الذهب: 126/3 129.

2) . قوله فاشتدي زيم فهي اسم للحرب والحطم الذي يحطم كل شيء يمر به والوضم ما وقى به اللحم من الأرض والعصلبي الشديد والدوية الأرض الفضاء التي يسمع فيها دوى أخفاف الإبل وإلاعلاط الإبل التي لا أرسان عليها.

و إنّي واللّه‏ يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشن‏آن، ولقد فررت عن ذكاء وجرّبت إلى الغابة القصوى. إنّ الخليفة عبد الملك نثر كنانته ثمّ عجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها مكسرا فوجّهني إليكم أنّكم طالما أوضعتم في الفتن، وسننتم سنن البغي. أما واللّه‏ لألحونّكم لحو العود، ولأعصبنّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. إنّي واللّه‏ لا أعد إلاّ وفيت، ولا أخلق إلاّ فريت، وإيّاي وهذه الجماعات وقيلا وقالا، واللّه‏ لتستقيمنّ على سبل الحقّ أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده، ومن وجدته بعد ثالثه من بعث المهلّب سفكت دمه وأنهبت ماله ـ إلى أن قال ـ اقسم باللّه‏ لتقلبنّ على الانصاف ولتدعنّ الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان أو لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وحتّى تمشوا السّمهي، وتقلعوا عن ها وها. إيّاي، وهذه الزرافات لا يركبنّ الرجل منكم إلاّ وحده ألا إنّه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبي فيء، ولا قوتل عدوّ، ولعطّلت الثغور، ولو لا أنّهم يغزّون كرها ما غزوا طوعا، وقد بلغني رفضكم المهلّب، وإنّي اقسم باللّه‏ لا أجد أحدا بعد ثالثه إلاّ ضربت عنقه ـ إلى أن قال ـ ولا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتّى تنقضي هذه المدّة ـ إلى أن قال ـ فلمّا كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق. فخرج حتّى جلس على المنبر. فقال: يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، ومساوى الأخلاق إنّي سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الّذي يراد اللّه‏ به في الترغيب، و لكنّه التكبير الّذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنّها عجاجة تحتها قصف. يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلعه، ويحسن حقن دمه ويبصر موضع قدمه. فاقسم باللّه‏ لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا

لما قبلها وأدبا لما بعدها ـ إلى أن قال ـ فازدحموا على الجسر(1).

حتّى سقط بعض الناس في الفرات. فأتاه صاحب الجسر. فقال له: اعقد لهم جسرين. وخرج الناس هربا إلى السواد وأرسلوا إلى أهاليهم أن زوّدونا ونحن بمكاننا(2).

الذيّال

من «ذالت المرأة» أى: جرّت ذيلها على الأرض، وتبخترت، ومنه قوله طرفة:

فذالت كما ذالت وليدة مجلس *** تري ربّها أذيال سحل ممدد(3)

الميّال

من «تميّلت المرأة في مشيتها» أى: تدللّت.

قال الحجّاج لعبد الملك يوما: لو كان رجل من ذهب لكنته. قال: وكيف ذلك قال: لم تلدني أمة بيني وبين آدم ما خلا هاجر. فقال: لو لا هاجر لكنت كلبا من الكلاب(4).

وقال عليّ بن عبد اللّه‏ بن عباس: سايرت يوما عبد الملك فما جاوزنا إلاّ يسيرا حتّى لقيه الحجّاج قادما عليه. فلمّا رآه ترجّل ومشى بين يديه فخبّ عبد الملك. فأسرع الحجّاج فزاد عبد الملك. فهرول الحجّاج. فقلت لعبد الملك: إبك موجدة على هذا. فقال: لا ولكنّه رفع من نفسه فأحببت أن أغضّ منه(5).

وقال عبد الملك للحجاج: ليس من أحد إلاّ وهو يعرف عيب نفسه. فصف لي


1) .تاريخ الطبري: 40/5 44 سنة 75.

2) . مروج الذهب: 130/3 ـ 131.

3) . اساس البلاغة: 211.

4) .البيان والتبيين: 253.

5) . الكامل للمبرد: 163/2.

عيوبك. قال: اعفني، قال: لا بدّ أن تقول. قال: أنا لجوج حسود حقود. قال: ما في إبليس شرّ من هذا(1).

وقال العتبي قال أبى: ما رأيت مثل الحجّاج، كان زيّه زي شاطر، وكلامه كلام خارجي، وصولته صولة جبار. فسألته عن زيّه فقال: كان يرجّل شعره، ويخضب أطرافه(2).

وأوّل ولاية وليها الحجّاج تبالة: فلما رآها احتقرها وانصرف. فقيل في المثل «أهون من تبالة على الحجّاج»(3).

وقال سليمان بن عبد الملك: كتب إليّ الحجّاج: إن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلاّ فأنا الحجّاج وأنت نقطة من مداد. فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبتّك. فقام ابن أبي بردة فقال: كان عدوّ اللّه‏ يتزيّن تزيّن المومسة، ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار. فإذا نزل عمل الفراعنة، وكان أكذب في حديثه من الدجّال(4).

وقال الحسن البصري لمّا خرج من عند الحجّاج: خرجت من عند احيول قصير يطبطب شعيرات له. أخرج إليّ بنانا له قصيرة قلّما عرفت فيها الأعنّة في سبيل اللّه‏. أما واللّه‏ إنّهم وإن ركبوا البراذين، وصعدوا المنابر. إنّ المعاصي لفي أعناقهم. أبى اللّه‏ إلاّ أن يذل من عصاه. ما زال اللّه‏ يريهم في أنفسهم العبر، ويري المؤنين فيهم المعتبر. اللّهم أمته كما أمات سنّتك(5).


1) . العقد الفريد: 308/5.

2) .العقد الفريد: 307/5.

3) . المعارف لابن قتيبة: 396.

4) .البيان والتبيين: 206.

5) . المنتخب من ذيل المذيل الطبري: 126

وخطب الحجّاج فقال: لا يصبحنّ من جند المهلّب بعد ثالثة أحد. فلمّا كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمي. فقال: من فعل بك قال: عمير بن ضابي البرجمي أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني وكذب عليه.

فأرسل الحجّاج إلى عمير فأتى به شيخا كبيرا. فقال له: ما خلّفك عن معسكرك. قال: أنا شيخ كبير لا حراك بي. فأرسلت ابني بديلا فهو أجلد منّي.

فقال عنبسة بن سعيد للحجاج: هذا الّذي أتى عثمان قتيلا. فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه. فأمر به الحجّاج فضربت عنقه.

قال عمرو بن سعيد: فو اللّه‏ إنّي لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزا مضريا فعدلت إليهم فقلت: ما الخبر قالوا: قدم علينا رجل من شرّ أحياء العرب من هذا الحي من ثمود أسقف الساقين ممسوح الجاعرتين أخفش العينين فقدم سيد الحي عمير بن ضابي فضرب عنقه. فقال في ذلك ابن الزبير الأسدى:

تخيّر فإمّا أن تزرو ابن ضابئ *** عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا

وخرج من الكوفة بعد قتل ابن ضابئ من فوره حتّى قدم البصرة، وتوعّدهم مثل أهل الكوفة فأتى برجل من بني يشكر. فقيل: هذا عاص. فقال: إنّ بي فتقا وقد رآه بشر. فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال. فلم يقبل منه وقتله ففزع لذلك أهل البصرة. فخرجوا حتّى تداكّوا على العارض بقنطرة رامهرمز فقال المهلّب: جاء الناس رجل ذكر(1).

قوله عليه‏السلام في رواية (المروج): «ويحكم فيها بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنها ولا يتجاوز عن مسيئها» فيه: لمّا خرج ابن الأشعث على الحجّاج، ودخل الكوفة


1) .تاريخ الطبري: 44/5 46 سنة 75.

كتب الحجّاج إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث، ويسأله الإمداد، وقال في كتابه: واغوثاه يا اللّه‏، وا غوثاه يا اللّه‏، واغوثاه يا اللّه‏» فأمدّه بالجيوش، وكتب إليه «يا لبيك يا لبيك يا لبيك» فالتقى الحجّاج مع ابن الأشعث بدير الجماجم، وكانت بينهم نيّف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق، وكانت على ابن الأشعث فمضى حتّى انتهى إلى ملوك الهند، ولم يزل الحجّاج يحتال في قتله حتّى قتل، واتي برأسه(1).

قال التسترى: أهل الجاهلية كانوا يجعلون مع اللّه‏ إلها آخر، ولا يجعلون اللّه‏ آخر كالحجاج(2).

وقال الحجّاج قال اللّه‏: «فَاتَّقُوا اللّه‏َ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(3)فهذه للّه‏ وفيها مثواه وقال اللّه‏: «وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا»(4)وهذه لعبد اللّه‏ وخليفته، ونجيبه عبد الملك، أما واللّه‏ لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤم لي حلالا عذيري من أهل هذه الحميراء يلقي أحدهم الحجر إلى الأرض ويقول: إلى أن يبلغها فرّج اللّه‏ لأجعلنهم كالرمس الداثر، والأمس الغابر. عذيري من عبد هذيل ـ يعني ابن مسعود ـ يقرأ القرآن كأنّه رجز الأعراب أما واللّه‏ لو أدركته لضربت عنقه،

عذيري من سليمان بن داود يقول لربه: «وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي»(5)كان واللّه‏ في ما علمته عبدا حسودا بخيلا(6).

وقال الربيع بن خالد: سمعت الحجّاج يقول في خطبته: «أ خليفة أحدكم في


1) .مروج الذهب: 132/3.

2) . بهج الصباغة: 23/6.

3) . التغابن: 16.

4) . التغابن: 16.

5) . ص: 35.

6) .مروج الذهب: 143/3.

أهله أكرم عليه أم رسوله في حاجته» فقلت: للّه‏ عليّ ألاّ اصلّي خلفك أبدا، ولئن رأيت قوما يجاهدونك لاقاتلنّك معهم. فقاتله في دير الجماجم حتّى قتل(1).

وقال أبو جعفر الإسكافى: أخذ الحجّاج الناس بقراءة عثمان، وترك قراءة ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، فما مات حتّى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان ونشأ أبناؤم، ولا يعرفون غيرها لإمساك الآباء عنها، وكفّ المعلمين عن تعليمها، حتّى لو قرئت عليهم قراءة عبد اللّه‏ وأبيّ ما عرفوها، ولظنّوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان لإلف العادة(2).

وقال الجزرى: قال الحجّاج: لا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أمّ عبد ـ يعني ابن مسعود ـ إلاّ ضربت عنقه، ولأحكّنّها من المصحف، ولو بضلع خنزير. قد ذكر ذلك عند الأعمش فقال «و أنا سمعته يقول، فقلت في نفسي لأقرأنّها على رغم أنفك»(3).

وقال العتبى: قال أبى: أراد الحجّاج الحج فخطب وقال: «يا أهل العراق إنّي قد استعملت عليكم محمّدا، وبه الرغبة عنكم. أما إنّكم لا تستأهلونه وقد أوصيته فيكم خلاف وصية النبيّ بالأنصار. فأوصى أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أوصيته ألاّ يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. أما إنّي إذا ولّيت عنكم علمت أنكم تقولون: لا أحسن اللّه‏ له الصحابة ـ وما منعكم من تعجيله إلاّ الفراق ـ وأنا اعجّل لكم الجواب لا أحسن اللّه‏ عليكم الخلافة» ثمّ نزل فلمّا كان


1) . مروج الذهب: 147/3.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 223/13.

3) . الكامل لابن الاثير: 586/4 سنة 95.

غداة الجمعة مات محمّد بن الحجّاج. فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمّد أخيه ففرح أهل العراق، وقالوا: انقطع ظهر الحجّاج وهيض جناحه ـ إلى أن قال ـ فدخل الناس يعزّونه، وفيهم الفرزدق. فقال له: أما رثيت محمّدا ومحمّدا. قال: نعم وأنشده خمسة أبيات ثمّ خرج وهو يقول: لو كلّفني الحجّاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به ـ وذلك أنّه دخل ولم يهيّئ شيئا(1).

ولمّا هلك بشر بن مروان، وولّي الحجّاج العراق بلغهم ذلك فقام الغضبان القبعثري الشيباني في الجامع خطيبا. فقال: يا أهل الكوفة إنّ عبد الملك قد ولّى عليكم من لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم الظلوم الغشوم الحجّاج. ألا وإنّ لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مصعب وقتله، فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق. فاقتلوه، فإنّ ذلك لا يعدّ منكم خلعا، فإنّه متى يعلو على متن منبركم وصدر سريركم وقاعة قصركم ثمّ قتلتموه عدّ خلعا، فأطيعوني وتغدّوا به قبل أن يتعشّى بكم. فقالوا له: جننت يا غضبان هل ننتظر الا سيرته فإن رأينا منكرا غيّرناه. قال: ستعلمون.

فلمّا قدم بلغه مقالته وأمر بحبسه. فأقام في حبسه ثلاث سنين فاحضر فقال له أنت القائل لأهل الكوفة: يتغدون بي قبل أن أتعشّى بهم قال: ما نفعت من قيلت له ولا ضرّت من قيلت فيه(2).

وكتب عبد الملك إلى الحجّاج في اسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف.

فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله، ومن زعم أنه مؤن فاضرب عنقه.

فأتي الحجّاج برجل. فقال: على دين من أنت؟ قال: على دين إبراهيم حنيفا، وما


1) . العقد الفريد: 305/5 ـ 307.

2) . مروج الذهب: 149/3.

كان من المشركين. فقال: اضربوا عنقه ثمّ قدّم آخر. فقال له: على دين من أنت قال: على دين أبيك الشيخ يوسف. فقال: أما واللّه‏ لقد كان صوّاما قوّاما خلّ عنه يا

غلام. فلمّا خلّى عنه انصرف إليه، فقال له: سألت صاحبي على دين من أنت فقال: على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين فأمرت به فقتل، وسألتني على دين من أنت. فقلت: على دين أبيك الشيخ يوسف. فقلت: أما واللّه‏ لقد كان صوّاما قوّاما. فأمرت بتخلية سبيلي، واللّه‏ لو لم يكن لابيك من السيئات إلاّ أنّه ولد مثلك لكفاه.

فأمر به فقتل(1).

وعن عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ امّة بمنافقيها وجئنا بالحجّاج لفضلناهم، وحلف رجل بطلاق امرأته انّ الحجّاج في النار فأتى امرأته فمنعته نفسها. فسأل الرجل الحسن البصري. فقال: لا عليك فإن لم يكن الحجّاج في النار فما يضرّك أن تكون مع امرأتك على زنا(2).

ومما كفّرت به العلماء الحجّاج قوله ـ ورأى الناس يطوفون بقبر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله

ومنبره ـ إنّما يطوفون بأعواد ورمّة(3)،(4).

وعن ابن عياش قال: كنّا عند عبد الملك إذ أتاه كتاب الحجّاج، يعظّم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السموات والأرض إلاّ بها، وأنّ الخليفة عند اللّه‏ أفضل من الملائكة المقرّبين، والأنبياء، والمرسلين، وذلك أنّ اللّه‏ خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة وأسكنه جنّته ثمّ أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة


1) . العقد الفريد: 312/5 ـ 313.

2) .العقد الفريد: 307/5.

3) . الرمة: القطعة من الحبل البالية، والعظام البالية.

4) . العقد الفريد: 310/5.

رسلا إليه، فأعجب عبد الملك بذلك وقال: لوددت أن عندي بعض الخوارج فاخاصمه بهذا الكتاب ـ إلى أن قال ـ فجاءه حوار بن زيد الضبي. فقال له: اقرأ الكتاب. فقرأه حتّى أتى على آخره. فقال حوار. أراه قد جعلك في موضع ملكا، وفي موضع. نبيّا، وفي موضع خليفة. فإن كنت ملكا فمن أنزلك وإن كنت نبيّا فمن أرسلك وإن كنت خليفة فمن استخلفك أعن مشورة من المسلمين أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف فقال له عبد الملك: قد آمنّاك، ولا سبيل عليك. لا تجاورني في بلد(1).

قال التسترى: إنّ الحجّاج سمع ما كتب من قيام السموات والأرض بالخليفة وكونه أفضل من الملائكة والانبياء ممّا ورد في الأئمة المعصومين ـ صلوات اللّه‏ عليهم أجمعين ـ فأراد تطبيقه على عبد الملك.

ويقال لحوار في ردّه على عبد الملك في قوله: «إن كنت خليفة فعن مشورة من المسلمين أم ابتززت امور الناس بالسيف» بأن صدّيقك، وفاروقك أيضا ابتزّا امور الناس بإحراق اهل بيت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وبالسيف والعصا(2).

يأكل خضرتكم

وكلامه عليه‏السلام وإن كان استعارة، وكناية عن كونه كسقر لا تبقي ولا تذر للناس شيئا كما ستعرف من تشديده في الخراج حتّى خرب أكثر القرى إلاّ أنّ الرجل أيضا كان من الأكولين كمعاوية يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد.

قال سلم بن قتيبة: عددت للحجّاج أربعا وثمانين لقمة في كلّ لقمة رغيف من


1) .العقد الفريد: 310/5 ـ 311.

2) .بهج الصباغة: 27/6.

خبز فيه مل‏ء كفّه سمك طري(1).

ويشهد لقوله عليه‏السلام من أكله خضرة أهل العراق قول الفرزدق لسليمان بعد الحجّاج.

ما قلت إلاّ الحق تعرفه *** في القول مرتجلا وفي الشعر

ما أصبحت أرض العراق بها *** ورق لمختبط ولا قشر(2)

وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ

يروي عن ابن ميرة أنّه قال: إنّا لنتغدّى مع الحجّاج يوما إذ جاء رجل من سليم برجل يقوده. فقال: أصلح اللّه‏ الامير إنّ هذا الرجل عاص. فقال الرجل: انشدك اللّه‏

أيّها الأمير في دمي فو اللّه‏ ما قبضت ديوانا قط، ولا شهدت عسكرا، وإنّي لحائك اخذت من تحت الجف. فقال: اضربوا عنقه. فلمّا أحسّ بالسيف سجد فلحقه السيف وهو ساجد. فأمسكنا عن الطعام. فأقبل علينا الحجّاج فقال: ما لي أراكم صفرت أيديكم وأصفرّت وجوهكم وحدّ نظركم من قتل رجل واحد(3).

وأتى الحجّاج البصرة. فكان عليهم أشدّ إلحاحا وقد كان أتاهم خبره لما كان بالكوفة. فتحمّل الناس قبل قدومه. فأتاه رجل من بني يشكر وكان شيخا كبيرا أعور وكان يجعل على عينه العوراء صوفة فكان يلقّب ذا الكرسفة. فقال: أصلح اللّه‏ الأمير، إنّ بي فتقا، وقد عذرني بشر، وقد رددت العطاء. فقال: إنّك عندي لصادق، ثمّ أمر به فضربت عنقه. ففي ذلك يقول كعب الأشقري أو الفرزدق:


1) .محاضرات الأدباء: 731/1.

2) . الديوان.

3) . الكامل للمبرد: 261/3.

لقد ضرب الحجّاج بالمصر ضربة *** تقرقر منها بطن كلّ عريف(1)

وحبس الحجّاج إبراهيم التيمي ومات في الحبس، وإنّما كان الحجّاج طلب إبراهيم النخعي فنجا ووقع إبراهيم التيمي. فقال الأعمش لابراهيم النخعى: أين كنت حيث طلبك الحجّاج فقال: بحيث يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى *** وصوّت إنسان فكدت أطير(2)

ومات الحجّاج بواسط سنة (95) وهو ابن (54) سنة وكان تأمّره على الناس عشرين سنة، واحصي من قتله صبرا سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مئة و عشرين ألفا ومات، وفي حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهنّ ستّة عشر ألفا مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للمحبس ستر يستر الناس من الشمس في صيف، ومن المطر والبرد في الشتاء، وركب يوما يريد الجمعة فسمع ضجّة. فقال: ما هذا فقيل له: المحبوسون يضجّون و يشكون ما هم فيه من البلاء. فالتفت إلى ناحيتهم وقال: اخسئوا فيها ولا تكلمون،(3).

ووجد بعده في سجونه ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب وفيهم أعرابي اخذ ببول في أصل مدينة واسط. فكان في من اطلق فأنشأ يقول:

إذا ما خرجنا من مدينة واسط *** خرينا وبلنا لا نخاف عقابا(4)

و كان محبوسوه يسقون الماء مشوبا بالرماد، وفيه: مات الحجّاج قبل الوليد


1) . الكامل للمبرد: 261/3.

2) . مروج الذهب: 171/3 ـ 172.

3) .مروج الذهب: 166/3 ـ 167.

4) . العقد الفريد: 304/5.

بتسعة أشهر وكانت ولايته على العراق عشرين سنة، وترك في بيت المال مئة ألف الف دينار وبضعة عشر ألف ألف درهم، وتولّى العراق وخراجها مئة ألف ألف درهم. فلم يزل بعنته وسوء سياسته حتّى صار خراجها خمسة وعشرين ألف ألف درهم(1).

وإنّ رجلا كان يطلبه الحجّاج فمر بساباط(2)فيه كلب بين حبّين(3)يقطر عليه ماؤما. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب فما لبث ساعة إن مرّ بالكلب في عنقه حبل فسأل عنه. فقالوا: جاء كتاب الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب(4).

ومنع الحجّاج من لحوم البقر خوفا من قلّة العمارة في السواد فقيل فيه:

شكونا إليه خراب السواد *** فحرّم فينا لحوم البقر

فكنّا كمن قال من قبلنا *** اريها السها وتريني القمر(5)

وفي أخبار أعشى همدان ومدحه سليم بن صالح العنبري وكان منزله بساباط المدائن بعد ذكر قصة عن هشام في قرية سليم ـ وذكر غير هشام أنّ الحجّاج طالب سليما العنبري بمال فلم يخرج منه حتّى باع كلّ ما يملكه وخربت قريته، وتفرّق أهلها ثمّ باعه الحجّاج عبدا. فاشتراه بعض أشراف الكوفة أسماء بن خارجة أو بعض نظرائه فاعتقه(6).

وقال الحجّاج: سوطي سيفي فنجاده(7)في عنقي، وقائمه في يدي وذبابه


1) . التنبيه والاشراف: 274 275.

2) . الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق.

3) . مثنى حبّ والحبّ جرّة أو الضخمة من الجرار أو الخابية، وهي فارسية معرّبة، والجمع أحباب وحببة.

4) .عيون الأخبار لابن قتيبة: 373/1 ـ 374.

5) . الأغاني: 16/ 521 ـ 522.

6) .الأغاني: 337/6.

7) . نجاد السيف: حمائله. وقائمه: مقبضه. وذبابه: طرفه الذي يضرب به.

قلادة لمن اغترّبي. فقال الحسن البصرى: بؤا له ما أغرّه باللّه‏(1).

وقالوا: سوط عمر كان أهيب من سيف الحجّاج.

ومات إبراهيم بن يزيد التيمي، وكان عابدا صابرا على الجوع في حبس الحجّاج أرسلت عليه الكلاب في السجن تنهشه حتّى مات(2).

والظاهر أنّه الّذي مرّ أخذه بدلا عن إبراهيم النخعي.

وكان الحجّاج إذا صعد المنبر تلفّع بمطرفه(3)ثمّ تكلّم رويدا فلا يكاد يسمع حتّى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه ثمّ يزجر الزجرة، فيفزع أقصى من في المسجد(4).

وعن أبي وائل: بعث الحجّاج إليه يستدعيه لعمله فاعتذر وقال في ما قال: «و اخرى أنّي ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك، واللّه‏ إنّي لأتعارّ من الليل فأذكرك، فما يأتيني النوم حتّى أصبح، هذا ولست لك على عمل» فأعجبه ذلك وقال: هيه كيف قلت. فأعدت عليه الحديث. فقال «إنّي واللّه‏ ما أعلم اليوم رجلا على وجه الأرض هو أجرأ على ربّه منّى» فقمت فعدلت عن الطريق كأنّي لا أبصر. فقال: اهدوا الشيخ. أرشدوا الشيخ(5).

وقال المدائنى: أخبرني من دخل المسجد والحجّاج على المنبر، وقد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:

ربّ من انضجت غيظا صدره *** قد تمنّى لي موتا لم يطع


1) .عيون الأخبار لابن قتيبة: 267/2.

2) .الانساب السمعانى: 499/1.

3) . المطرف: رداء من خزّ مربع ذو أعلام.

4) . العقد الفريد: 289/5.

5) .الطبقات الكبرى ابن سعد: 96/6 97؛ تاريخ الإسلام (الذهبي): 86/6.

ساء ما ظنّوا وقد أبليتهم *** عند غايات المدى كيف أقع

كيف يرجون سقوطي بعد ما *** شمل الرأس مشيب وصلع(1)

وقال الحجّاج: واللّه‏ لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلّت لي دماؤم(2).

ولمّا انهزم ابن الأشعث بدير الجماجم حلف الحجّاج ألاّ يؤى بأسير إلاّ ضرب عنقه. فأتي باسرى كثيرة، وكان أوّل من أتي به أعشى همدان، وهو، أوّل من خلع عبد الملك والحجّاج بين يدي ابن الأشعث بسجستان. فقال له الحجّاج: إيه أنت القائل:

من مبلغ الحجّاج أنّي *** قد جنيت عليه حربا

ـ إلى أن قال ـ قال له: أخبرني عن قولك في ابن الأشعث:

بين الأشج وبين قيس باذخ *** بخ بخ الوالد والمولود

فأنشده فقال: واللّه‏ لا تبخبخ لأحد بعدها وأمر به فضربت عنقه(3).

وبعث الحجّاج أيوب بن القرية إلى ابن الأشعث ـ إلى أن قال ـ واسر في من اسر فلمّا ادخل عليه قال: بعثتك رسولا فصرت وزيرا ومشيرا تصدر له الكتب، وتسجّع له الكلام. فقال: كان شيطانا في مسك إنسان، استمالني بسحره، وخلبني بلفظه. فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب. فقال له الحجّاج: كذبت يا ابن اللخناء(4).بل كان قلبك منافقا، ولسانك مدامجا، فكتمت أمرا أظهره اللّه‏، وأطعت فاسقا خذله اللّه‏ ـ إلى أن قال ـ فقال الحجّاج: يا غلام ناولني الحربة. فتناولها وقد


1) . عقد الفريد: 294/5 295.

2) .الكامل لابن الاثير: 586/4.

3) . مروج الذهب: 154/3 ـ 155.

4) .اللخن محرك: قبح ريح الفرج، المرأة اللخناء التي لم تختن.

أمسك ابن القريّة أربعة رجال. فلا يستطيع تحرّكا وهزّ الحجّاج الحربة ثلاثا: فقال ابن القريّة: اسمع منّي ثلاث كلمات تكون بعدي مثلا. قال: هات. قال: «لكلّ جواد كبوة ولكلّ حليم هفوة ولكلّ شجاع نبوة» فوضع الحجّاج الحربة في ثندوة ابن القريّة ودفعها حتّى خالطت جوفه ثمّ خضخضها(1)وأخرجها فاتبعها دم اسود.

فقال الحجّاج هكذا تشخب أوداج الإبل، وفحص ابن القريّة برجليه وشخص بصره، وجعل الحجّاج ينظر إليه حتّى قبض فحمل في النطع. فقال الحجّاج: للّه‏ درّك يا ابن القرّية أيّ أدب فقدنا منك. وأيّ كلام رصين سمعنا منك(2).

وكان العديل بن فرخ العجلي هاربا من الحجّاج فجعل لا يحلّ ببلدة إلاّ ريع لأثر يراه من آثار الحجّاج، فيهرب حتّى أبعد ففي ذلك يقول العديل:

يخشّونني الحجّاج حتّى كأنّما *** يحرّك عظم في الفؤد ميهض

فلم ينشب أن اتي به فقال:

فلو كنت في سلمى أجا وشعابها *** لكان لحجّاج عليّ دليل(3)

وبعث الحجّاج مولى له في جيش إلى بني العجل يطلب منهم العديل الشاعر، فهرب فلم يقدر عليه فاستاق إبله، وأحرق بيته، وسلب امرأته وبناته وأخذ حليّهن فهرب العديل إلى قيصر وقال:

ودون يد الحجّاج من أن تنالني *** بساط(4)لأيدي الناعجات(5)عريض


1) . الخضخضة: تحريك الماء.

2) . الأخبار الطوال: 320 ـ 323.

3) . الكامل للمبرد: 75/2.

4) . بساط: أرض منبسطة مستوية.

5) . الناعجات: السريعات.

مهامه أشباه كأنّ سرابها***ملأ بأيدي الراحضات رحيض(1)

فبلغ شعره الحجّاج فكتب إلى قيصر: لتبعثنّ به أو لأغزينّك جيشا يكون أوّله عندك وآخره عندي. فبعث به قيصر إلى الحجّاج. فلمّا ادخل عليه قال: أ أنت القائل «و دون يد الحجّاج من أن تنالنى» فكيف فقال بل أنا القائل:

فلو كنت في سلمى أجا وشعابها *** لكان لحجّاج عليّ سبيل

و قلت:

إذا ذكر الحجّاج أضمرت خيفة *** لها بين أحناء الضلوع نفيض(2)

وقال الحسن البصرى: وا عجبا من اخيفش(3)اعيمش جاءنا ففتلنا عن ديننا، و صعد على منبرنا يخطب والناس يلتفتون إلى الشمس فيقول ما بالكم إنّا لا نصلّي للشمس بل لربّها، أفلا يقولون له: يا عدوّ اللّه‏ إنّ للّه‏ حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقّا بالنهار لا يقبله بالليل، وكيف يقولون ذلك وعلى رأس كلّ واحد منهم علج(4)قائم بالسيف(5).

وكان الوليد بن عبد الملك ـ وكان جبارا كأبيه، وكان الحجّاج واليا من قبلهما ـ يقول: كان أبي يقول الحجّاج جلدة ما بين عيني وأنفي وأنا أقول: إنه جلدة وجهي كله.


1) . الراحضات: الغاسلات، والرحيض: المغسول.

2) . الأغاني: 491/22 ـ 493.

3) . الخفش بالتحريك: ضيق في البصر وضعف في العين.

4) . العلج: الرجل القوى الضخم.

5) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 241/15.

وكان عمر بن عبد العزيز ـ ولم يكن جبّارا ـ يدعو اللّه‏ أن يكون موت الحجّاج على فراشه ليكون أشدّ لعذابه في الآخرة، وسمع صياحه في قبره فأخبر كاتبه فركب في أهل الشام فسمع(1).

وقيل للحسن البصرى: ما تقول في قتال الحجّاج قال: إنّ الحجّاج عقوبة من اللّه‏ تعالى فلا تستقبلوا عقوبة اللّه‏ بالسيف(2).

صدق الحسن، كان هو وأمثاله عقوبة للناس لتركهم أهل بيت نبيّهم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله. وقد صرّح أمير المؤنين عليه‏السلام بذلك في خطبه مرارا، وكان يذكر الحجّاج لمّا آذوه كرارا كما عرفت.

وفي (ديوان الفرزدق) في شكايته إلى سليمان ما فعل بهم الحجّاج من حبس الجيوش في المغازي بغير عطاء، وأخذه صدقات إبلهم على الحول الماضي مع موتها في السنة بحيث تمنى الناس الموت:

ويجمّرون بغير أعطية *** في البرّ من بعثوا وفي البحر

ويكلّفون أبا عرا ذهبت *** جيفا بلين تقادم العصر

حتّى غبطنا كلّ محتمل *** يمشي بأعظمه إلى القبر

وتمّنت الأحياء أنّهم *** تحت التراب وجيء بالحشر(3)

إِيهٍ

«أيه: اسم سمّي به الفعل لأنّ معناه الأمر. تقول للرجل إذا استزدته من حديث


1) .العقد الفريد: 314/5 ـ 315.

2) . العقد الفريد: 309/5.

3) . ديوان الفرزدق: 263/1.

أو عمل(1)(إيه) بكسر الهاء. قال ابن السكّيت:

فإن وصلت نوّنت قلت: إيهٍ حدّثنا، وقال ابن سيدة إذا قلت: إيه يا رجل، فإنّما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما، وإن قلت إيهٍ بالتنوين قلت: إيتنا حديثاً ما لأنّ التنوين تنكير. قال: فإذا سكّته وكففته قلت: ايهاً عنّا، وإذا أردت التبعيد قلت أيها عنا بفتح الهمزة بمعنى هيهات(2).

وايه حديثا استزادة وأيها لا تحدّث كفّ. قال ذو الرّمة:

وقفنا فقلنا إيه عن ام سالم *** وكيف بتكليم الديار البلاقع(3)

وفي الحديث أنه أنشد شعر اميّة بن أبي الصلت. فقال عند كلّ بيت إيه هذه الكلمة يراد بها الاستزادة، وإذا قلت أيها بالنصب فإنّما تأمره بالسكوت، ومنه حديث أصيل الخزاعي حين قدم عليه المدينة قال له «كيف تركت مكّة» قال «تركتها وقد أحجن ثمامها، وأعذق إذخرها وأمشر سلمها» فقال «إيها، أصيل. دع القلوب تقرّ» وقد ترد المنصوبة بمعنى التصديق والرضا بالشيء، ومنه حديث ابن الزبير لمّا قيل له: «يا ابن ذات النطاقين» فقال أيها...(4).

وقد تقدّم أنّ الحجّاج قال لأعشى همدان لمّا أراد قتله: إيه أنت القائل:

من مبلغ الحجّاج أني *** قد جنيت عليه حربا

أَبَا وَذَحَةَ

قال ثعلب: الوذح ما يتعلّق من القذر بإلية الكبش. قال جرير:


1) . الصحاح: 2226/6 مادة أيه.

2) . لسان العرب: 474/13 ـ 475.

3) . اساس البلاغة: 26.

4) . النهاية: 87/1.

والتغلبية في أفواه عورتها *** وذح كثير وفي أكتافها الوضر

و قال أبو عبيدة: الوذح ما يتعلّق بالأصواف من أبعار الغنم فيجفّ عليه.

قال الاعشى:

فترى الأعداء حولي شزّرا *** خاضع الأعناق أمثال الوذح(1)

الوذحة: الخنفساء.

قال ابن أبي الحديد: ما قاله من أنّ الوذحة الخنفساء لم أسمعه من شيخ من أهل الأدب، ولا وجدته في كتاب لغة.

ثمّ قال: إنّ المفسّرين بعد الرضي قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوها.

منها: أنّ الحجّاج رأى خنفساء تدبّ الى مصلاّه فطردها فعادت ثمّ طردها فعادت، فأخذها بيده فقرصته قرصا، وورمت يده منه ورما كان فيه حتفه. قالوا: وذلك أنّ اللّه‏ تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرودا بالبقّة الّتي دخلت في أنفه.

ومنها: أنّ الحجّاج كان إذا رأى خنفساء تدبّ قريبة منه يأمر غلمانه ويقول: هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها له بالبعرة ـ وكان مغرى بهذا القول ـ والوذح: ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف.

ومنها: أنّ الحجّاج رأى خنفساوات مجتمعات. فقال: وا عجبا لمن يقول إنّ اللّه‏ خلق هذه. قيل: فمن خلقها قال: «الشيطان. إنّ ربكم لأعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح» فنقل قوله إلى الفقهاء فاكفروه.

ومنها: أنّ الحجّاج كان مثفارا، وكان يمسك الخنفساء حيّة ليشفي بحركتها في


1) . لسان العرب: 632/2 مادة وذح.

موضع حكاكه. قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلاّ شانيا مبغضا لأهل البيت عليه‏السلام.

قالوا: ولسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الداء، وإنّما قلنا كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض. قالوا: وقد روى أبو عمرو الزاهد ـ ولم يكن من رجال الشيعة ـ في (أماليه): في أحاديثه عن السياري عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلاّ وجدناه ناصبيا.

وعن القطامي عن رجاله قالوا: سئل جعفر بن محمّد عليه‏السلام عن هذا الصنف من الناس. فقال: رحم منكوسة يؤى ولا يأتي، وما كانت هذا الخصلة في وليّ للّه‏ قط، ولا تكون أبدا، وإنّما تكون في الكفّار والفسّاق والناصب للطاهرين وكان أبو جهل عمرو بن هشام من القوم، وكان أشدّ الناس عداوة للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مصفّر استه قال: فهذا مجموع ما ذكره المفسّرون، وما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع، ويغلب على ظنّي أنّه أراد معنى آخر، وذلك أنّ عادة العرب أن تكنّي الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم كقولهم، أبو الهول، وأبو المقدام، وأبو المغوار، فإذا أرادت تحقيره والغضّ منه كنّته بما يستحقر، ويستهان به كقولهم في كنية يزيد: أبو زنّة ـ يعنون القرد ـ وفي سعيد بن حفص البخاري المحدّث: أبو الفار، وفي الطفيلى: أبو لقمة، وفي عبد الملك أبو الذبان لبخره، وكقول ابن بسام لبعض الرؤاء:

فأنت لعمري أبو جعفر *** ولكن بحذف الفاء منه

و قال أيضا:

لئيم درن الثوب *** نظيف القعب والقدر

أبو النتن أبو الدقر *** أبو البعر أبو الجعر

فلمّا كانّ عليه‏السلام يعلم من حال الحجّاج نجاسته بالمعاصي والذنوب الّتي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاة كنّاه أبا وذحة.

ويمكن أيضا أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه، وحقارة منظره وتشويه خلقته. فإنّه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه. أصلع الرأس. فكنّاه بأحقر الأشياء وهو البعرة.

وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة اخرى فقالوا «إيه أبا ودجة» واحدة الأوداج كنّاه بذلك لأنه كان قتّالا يقطع الأوداج بالسيف. ورواه قوم «أبا وحرة» وهي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبّهه بها(1).

قال التسترى(2).

أمّا اعتراضه على المصنّف بأنّه لم يذكر أحد أنّ الوذحة الخنفساء فساقط فلم يقل الرضي إنّ الخنفساء مفهوم الوذحة اللغوي بل أراد أنّها المراد، والتفسير بالمراد شائع. (فالصحاح) قال يقال للجلدة الّتي بين العين والأنف سالم. قال ابن عمر في ابنه سالم:

يديرونني عن سالم وأريغه *** وجلدة بين العين والأنف سالم

وهذا المعنى أراد عبد الملك في جوابه عن كتاب الحجّاج أنت عندي كسالم(3)وقول (القاموس): إنّه غلط(4)غلط فتوهّم أنّ (الصحاح) أراد المفهوم، ولم يتفطّن أنّ مراده المراد، والحجّاج لم يفهم مراد عبد الملك حتّى فسّره بعض الأدباء له، وهذا كأن يقال: فلان كثير الرماد، أى: جواد، مع أنه قال في النهاية بعد نقل


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 279/7 ـ 281.

2) .بهج الصباغة: 38/6.

3) . 1952/5 مادة سلم .

4) . القاموس المحيط: 131/4 مادة سلم.

كلامه عليه‏السلام: الوذحة بالتحريك الخنفساء من الوذح، وهو ما يتعلّق بإلية الشاة من البعر فيجفّ، وبعضهم يقول: بالخاء وفي حديث الحجّاج أنّه رأى خنفساة فقال: قاتل اللّه‏ أقواما يزعمون أنّ هذه من خلق اللّه‏. فقيل مم هي قال: من وذح ابليس(1).

وحينئذ نقول: إن صحّ الأوّل والأخير من الوجوه الأربعة الّتي نقلها، في قصته مع الخنفساء فلا يصحّ أن يخاطب عليه‏السلام الحجّاج بأبي وذحة إلاّ بأن نقول أنّه شبّه الخنفساء بالوذحة بكونه أمرا عرفيا. فلمّا كان الحجّاج مات من ورم يده بقرص خنفساء أو كان يمسك الخنفساء في موضع حكاكه كان أبا وذحة أي أبا خنفساء. وإن صحّ الأوسطان منها فخاطبه بأبي وذحة لأنّه كان يسمّي الخنفساء وذحة الشيطان. ثمّ كأنّ الأصل فيهما واحد بكون الثالث تفصيل الثاني، وكيف كان فلا تنافي بين الوجوه بأن يصحّ الجميع إن ثبت النقل سوى الأخير منها. فإنّه بظاهره ينافي الاولى لا سيّما الوسطين أو الوسط.

وأما قوله: فيغلب على ظنّي أنّه أراد معنى آخر...، فبلا معنى فإنّ عبد الملك كان يقال له أبو الذبّان لأنّ الذبّان كانت تجتنبه لبخره، وأبو زنّة كنية القرد وكان ـ كما في (المروج) ـ ليزيد قرد خبيث مكّنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متّكأ وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذلّلت لذلك بسرج ولجام، ويسابق بها الخيل يوم الحلبة فجاء في بعض الأيّام ـ وعليه قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشهر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان ـ سابقا فتناول القصبة، ودخل الحجرة قبل الخيل(2)، وحينئذ فلا يصحّ أن يقال للحجاج أبا وذحة


1) . النهاية: 170/5 مادة وذح.

2) . مروج الذهب: 67/3.

إلاّ بواحدة من تلك الوجوه على ما عرفت حتّى تحصل مناسبة، وحينئذ فليس هو معنى آخر.

كما أنّ قوله: ويمكن أيضا أن يكنّيه بذلك لدمامته...، أيضا بلا معنى فإنّه لو كان عليه‏السلام خاطبه لدمامته وعيوب خلقته لقال له يا وذحة لا أبا وذحة كما قال بعض الأعراب في عدوّ له شديد السواد:

عاديتنا يا خنفسا أم الجعل *** عداوة الأوعال حيات الجبل(1)

و لو كانت تكنيته بأبي وذحة بدمامته صحيحة لكانت للجاجته أنسب.

فقد عرفت أنّ عبد الملك لما سأله عن عيوبه عدّ منها لجاجه، ويشهد له سيره، و منها عدم اكتراثه بنصح المهلّب له حتّى انهزم يوم تستر ثمّ ندم، والخنفساء يضرب المثل بها في اللجاجة، ومنهم من كنّاها امّ اللجاج كما قال الدميري(2)، وقال الجاحظ: وفي لجاج الخنفساء يقول خلف الأحمر:

لنا صاحب مولع بالخلاف *** كثير الخطاء قليل الصواب

ألجّ لجاجا من الخنفساء *** وأزهى إذا ما مشي من غراب(3)

هذا، وكان أبو علقمة الثقفي عند جعفر البرمكي في بعض لياليه الّتي يسمر فيها. فأقبلت خنفساء إلى أبي علقمة. فقال: أليس يقال إنّ الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا قالوا: بلى. قال جعفر: يا غلام اعطه ألف دينار. فنحّوها عنه. فعادت إليه. فقال: يا غلام أعطه ألفا آخر فأعطاه ألفي دينار(4).

وفي (بلدان الحموى) ـ في عنوان دير الخنافس ـ : هو في غربي دجلة على


1) . نهاية الارب: 152/10.

2) . حياة الحيوان: 429/1.

3) . الحيوان للجاحظ: 243/3.

4) . تاريخ بغداد: 165/7.

قلّة جبل شامخ، وهو دير صغير لا يسكنه أكثر من راهبين، وهو نزه لعلّوه على ضياع وإشرافه على أنهار نينوى، والمرج، وله عيد يقصده أهل الضياع في كلّ عام مرّة، وفيه طلسم ظريف، وهو أنّ في كلّ سنة ثلاثة أيام تسوّد حيطانه، وسقوفه من الخنافس الصغار اللواتي كالنمل. فإذا انقضت تلك الأيّام لا يوجد في تلك الأرض من تلك الخنافس واحدة ألبتّة فاذا علم الرهبان بمجيء تلك الأيام الثلاثة أخرجوا جميع ما لهم فيه من فرش وطعام، واثاث وغير ذلك هربا من الخنافس، فإذا انقضت الأيام عادوا(1).

وقال أبو حيان التوحيدي في (بصائره): قال أبو معشر في (كتاب أسراره) ـ بعد ذكر منجم ادّعى النبوة في زمان المأمون ـ وكان له خاتم من لبسه لا يتمالك من الضحك، وقلم لا ينطلق اصبع غيره على الكتابة به، وهو الّذي عمل طلاسم الخنافس في ديور كثيرة(2).

وكانت امّ أبان بن عثمان حمقاء تجعل الخنفساء في فمها وتقول: «حاجيتك(3)ما في فمى»(4).

ورأى رجل خنفساء. فقال: ما ذا يريد اللّه‏ من خلق هذه الحسن شكلها أو لطيب ريحها فابتلاه اللّه‏ بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك العلاج، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال: هاتوه حتّى ينظر في أمري. فقالوا:

وما تصنع بطرقي وقد عجز عنك حذّاق الأطباء، فقال: لا بدّ لي منه.


1) .معجم البلدان: 508/2.

2) . فرج المهموم تاريخ علماء النجوم: 163 ـ 165.

3) . حاجيتك ـ فاطنتك.

4) . المعارف لابن قتيبة: 201.

فأحضروه، فلمّا رأى القرحة استدعى بخنفساء. فضحك الحاضرون منه. فقال الرجل: أحضروا له ما طلب. فإنّ الرجل على بصيرة من أمره، فاحضروها له فأحرقها وذرّ رمادها على قرحته. فبرئ بإذن اللّه‏. فقال: ان اللّه‏ تعالى أراد أن يعرّفني أنّ أخسّ المخلوقات أعزّ الأدوية وقال الدميرى: كنية الخنفساء ام الفسو، و ام الأسود، وام مخرج وام اللجاج وام الفتن، وبينها وبين العقرب صداقة، وهي أنواع: منها الجعل، وحمار قبان، وبنات وردان، والحنطب، وهو ذكر الخنافس(1).

وزعم الأعراب أنّ بين ذكورة الخنافس، وذكورة الجعلان تسافد، وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا(2).

وقال الفضل العنبرى: يقولون: الضب أطول شيء ذماء، والخنافس أطول منه ذماء، وذلك أنّه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة، وفيها ذبالة تستوقد، وتصبح لأهل الدار وهي تدبّ بها وتجول. قال: وربما كانت الخنفساء في تضاعيف حبل قت أو في بعض الحشيش، والعشب، والحلأ. فتصير في فم الجمل. فيتبلعها من غير أن يضغم الخنفساء. فإذا وصلت إلى جوفه وهي حيّة حالت فيه فلا تموت حتّى تقتله. فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الإداري والعلوفات خوفا من الخنافس(3).

وخدم يوحنّا بن ماسويه المأمون إلى المتوكّل، وعبث به ابن حمدون النديم بحضرة المتوكّل. فقال له يوحنا: لو أنّ مكان ما فعلت من الجهل عقل ثمّ قسّم على مئة خنفساء لكانت كلّ واحدة منها أعقل من أرسطا طاليس(4)، وهذا القول يومئ به إلى الحجّاج.


1) .حياة الحيوان: 429/1.

2) . الحيوان للجاحظ: 241/3/ ش 903.

3) .الحيوان للجاحظ: 247/3/ ش 914.

4) . فهرست ابن النديم ابن النديم البغدادى: 354.

وكما أخبر عليه‏السلام أهل العراق بتسلّط الحجّاج عليهم لمّا رأى تخاذلهم له عموما، وتراذل بعضهم وسوء أدبه معه خصوصا كما عرفت، أخبر أهل الشام بغلبة أبي مسلم عليهم لما رأى جدّهم في حربه.

عن الأعمش عن رجل من همدان قال: كنا مع عليّ عليه‏السلام بصفين. فهزم أهل الشام ميمنة العراق. فهتف بهم الأشتر ليتراجعوا. فجعل أمير المؤنين عليه‏السلاميقول لأهل

الشام: «يا أبا مسلم خذهم» ثلاث مرات. فقال الأشتر: أو ليس أبو مسلم معهم قال: لست اريد الخولاني، وإنّما اريد رجلا يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك اللّه‏ به أهل الشام، ويسلب عن بني اميّة ملكهم(1).

هذا، وروي أنّ حجّاجا كتب إلى عبد الملك إن أردت أن يثبت ملكك فاقتل عليّ بن الحسين. فكتب عبد الملك إلى الحجّاج أما بعد فجنّبني دماء بني هاشم واحقنها فإنّي رأيت آل أبي سفيان لما أولغوا فيها لم يلبثوا ان أزال اللّه‏ الملك عنهم ـ وبعث بالكتاب سرّا ـ فكتب عليّ بن الحسين عليه‏السلام سرّا إلى عبد الملك في الساعة الّتي أنفذ فيها الكتاب إلى الحجّاج: «علمت ما كتبت في حقن دماء بني هاشم، وقد شكر اللّه‏ لك ذلك، وثبّت ملكك، و زاد في عمرك» وبعث به مع غلام له فنظر عبد الملك فوجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه. ففرح بذلك، وفي كتابه عليه‏السلام إليه أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أتاني في النوم فعرّفني ما كتبت به (إليك) الى الحجّاج(2).

هذا، نسبه: هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود


1) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 262/2؛ بحار الأنوار: 310/41.

2) . الخرائج والجرائح: 256/1/ ح 2؛ بحار الأنوار: 28/46/ ح 19.

بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف أبو محمد الثقفي(1).

سبب ولوع الحجاج بسفك الدماء

كانت أم الحجاج عند الحارث بن كَلَدة، فدخل عليها في السحر فوجدها تتخلل، فبعث إليها بطلاقها، فقالت: لم بعثت إلي بطلاقي؟ ألشيء رابك مني؟ قال: نعم، دخلت عليك عند السحر وأنت تتخللين، فان كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين اسنانك فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السِّوَاك، فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي أبو الحجاج، وولدت الحجّاج مشوّها لا دبر له. فثقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي امّه وغيرها. فأعياهم أمره. فيقال: إنّ الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة. فقال: ما خبركم قالوا: ولد ليوسف ابن من الفارعة وقد أبى أن يقبل ثدي أمّه. فقال: اذبحوا جديا أسود، وأو لغوه دمه فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك. فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا أسود، وأولغوه دمه. ثمّ اذبحوا له أسود سالخا ـ أي الأسود من الحيات ـ فأولغوه دمه، واطلوا به وجهه، فإنّه يقبل الثدي في اليوم الرابع، ففعلوا به ذلك. فكان بعد لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أن أكثر لذّاته سفك الدماء وارتكاب امور لا يقدم عليها غيره(2).

وعن زرارة عن أبي جعفر عليه‏السلام قال: سمعته يقول: كان الحجّاج ابن شيطان


1) . الكامل لابن الاثير: 584/4.

2) . مروج الذهب: 125/3.

يباضع ذي الردهة(1)(454) ثمّ قال: إنّ يوسف دخل على أمّ الحجّاج فأراد أن يصيبها فقالت: أليس إنّما عهدك بذلك الساعة فأمسك عنها فَوَلَدت الحجّاج (455)(2).

وعن زرارة عن الباقر عليه‏السلام: كان الحجّاج ابن شيطان، إنّ يوسف دخل على أمّ الحجّاج فأراد أن يصيبها. فقالت: أليس إنّما عهدك بذلك الساعة فأمسك عنها فولدت الحجّاج(3).

وفي السير: أن عروة بن الزبير كان يكنّي الحجّاج بابن المتمنية. لان امّه الفريعة هي الّتي قالت:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها *** أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج(4)

و شتم الحجّاج أنس بن مالك. فكتب إلى عبد الملك يشكوه فكتب عبد الملك إلى الحجّاج إنّك عبد طمّت(5)بك الامور. فطغيت وعلوت فيها حتّى جزت قدرك، وعدوت طورك، وأيم اللّه‏ يا ابن المستفرمة(6)بعجم زبيب الطائف لأغمزنّك(7)كبعض غمزة الليوث للثعالب، ولاركضنك ركضة تدخل منها في


1) . الرّدهة: النّقرة في الجبل يستنقع فيها الماء وقيل: قلّة الرابية. «النهاية 2: 216» وقيل: إنّ شيطان الرّدهة أحد الأبالسة المردة من أعوان عدو اللّه‏ إبليس، وقيل: هو عفريت مارد يتصوّر في صورة حيّة ويكون على الرّدهة. «شرح ابن أبي الحديد 13: 184».

2) .تفسير العياشي: 301/2/ ح 110؛ بحار الأنوار: 256/60/ ح124.

3) . تفسير العياشي: 301/2/ ح 110؛ بحار الأنوار: 256/60/ ح 124.

4) . أنساب الأشراف: 375/7.

5) . طمى: طغى، أو ارتفع، أو اشتدّ.

6) . المستفرمة: التي تجعل الدوراء في متاعها ليضيق.

7) . الغمزات: جمع غمزة: وهي الشدة والزحمة، أو الضلالة التي تغمر صاحبها.

وجارك. اذكر مكاسب آبائك إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، ويحفرون الآبار في المناهل بأيديهم. فقد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤ من الدناءة واللوم و الضراعة، فعليك لعنة اللّه‏ من عبد أخفش العينين، أصل الرجلين، ممسوح الجاعرتين ـ إلى أن قال ـ فقال الحجّاج لأنس: عجّلت باللائمة، وأغضبت علينا الخليفة ثمّ أخذ بيده فأجلسه معه على السرير فقال أنس: إنّك كنت تزعم أنّا الأشرار، واللّه‏ سمّانا الأنصار وقلت: إنّا من أبخل الناس واللّه‏ يقول فينا: «وَيُؤثِرُونَ

عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»(1)وزعمت أنّا أهل نفاق، واللّه‏ تعالى يقول فينا: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤا الدَّارَ وَالاْءِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ

فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا»(2)،(3).

ومعنى اصل الرجلين كون رجليه دقيقتين وأصل بالتحريك جمع أصلة حيّة خبيثة.

واستعمل الحجّاج خالد بن عتاب الرياحي على الريّ ـ وقد كان حلف ألاّ يسبّ أحد امّه إلاّ أجابه كائنا من كان ـ فكتب إليه الحجّاج يا ابن اللخناء أنت الّذي هربت عن أبيك حتّى قتل، فكتب خالد إلى الحجّاج: «كتبت إلىّ تلخّنني وتزعم أنّي فررت عن أبي حتّى قتل، ولعمري لقد فررت عنه، ولكن بعد أن قتل، وحين لم أجد لي مقاتلا، ولكن أخبرني عنك يا ابن اللخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائف حين فررت أنت وأبوك يوم الحرّة على جمل ثفال» ثمّ هرب إلى الشام واستجار بزفر بن الحرث الكلابي(4).


1) . الحشر: 9.

2) . الحشر: 9.

3) .العقد الفريد: 295/5 ـ 297.

4) .الأغاني: 149/17.

وكان الحجاج اسمه كليب، وكان معلم الصبيان بالطائف وفيه قال الشاعر:

أينسى كليب زمان الهزال *** وتعليمه سورة الكوثر

رغيف له فلكة ما ترى *** وآخر كالقمر الأزهر

قال ذلك لأنّ خبز المعلّمين من بيوت مختلفة(1)ونقل مثله (العقد): وزاد ثمّ لحق بروح بن زنباع وزير عبد الملك، فكان في عديد شرطه إلى أن شكا عبد الملك ما رأى من انحلال العسكر، وأنّ الناس لا يرحلون برحيله، ولا ينزلون بنزوله. فقال له روح: إنّ في شرطتي رجلا لو قلّدته أمر عسكرك لأرحلهم برحيله و انزلهم بنزوله يقال له الحجّاج بن يوسف. قال: فانا قلّدناه ذلك. فكان لا يقدر أحد أن يتخلّف عن الرحيل والنزول الاّ أعوان روح. فوقف عليهم يوما، وقد رحل الناس وهم على طعام يأكلون. فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل الخليفة: فقالوا له: انزل يا ابن اللخناء فكل معنا. فقال لهم: هيهات ذهب ما هنا لك ثمّ أمر بهم. فجلّدوا بالسياط، وطوّفهم في العسكر، وأمر بفساطيط روح فاحرقت، فدخل روح على عبد الملك باكيا. فقال له: ما لك فقال له: الحجّاج الّذي كان في عديد شرطتي ضرب عبيدي، وأحرق فساطيطي. قال: عليّ به. فلمّا دخل عليه قال له: ما حملك على ما فعلت قال: ما أنا فعلته. قال: ومن فعله قال: أنت واللّه‏ فعلت إنّما يدي يدك وسوطي سوطك، وما على الخليفة أن يخلف على روح لفسطاط فسطاطين، ولغلام غلامين، ولا يكسرني في ما قدّمني له، فأخلف لروح ما ذهب منه، وتقدّم الحجّاج في منزلته، وكان ذلك أوّل ما عرف من كفايته(2).


1) . المعارف لابن قتيبة: 548.

2) . العقد الفريد: 275/5 ـ 276.

وهلك الحجّاج بواسط فدفن بها، وعفّي قبره، وأجري عليه الماء(1).

وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره

لا بد أنّ المصنّف أراد بحديثه أحد الوجوه المتقدّمة المنقولة في كلام ابن أبي الحديد.


1) .المعارف لابن قتيبة: 398.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (116) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا ـ وَلاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا ـ تَكْرُمُونَ بِاللّه‏ِ عَلَى عِبَادِهِ ـ وَلاَ تُكْرِمُونَ اللّه‏َ فِي عِبَادِهِ ـ فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ـ وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ

فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا

قال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ»(1).

وعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه‏السلام يَقُولُ إِنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(2)مَا هَذَا الْحَقُّ الْمَعْلُومُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام: الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الشَّيْءُ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ وَلاَ مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ قَالَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الزَّكَاةِ وَلاَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَمَا هُوَ فَقَالَ


1) . المنافقون: 10.

2) . المعارج: 24 ـ 25.

هُوَ الشَّيْءُ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ إِنْ شَاءَ أَكْثَرَ وَإِنْ شَاءَ أَقَلَّ عَلَى قَدْرِ مَا يَمْلِكُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَمَا يَصْنَعُ بِهِ قَالَ يَصِلُ بِهِ رَحِماً وَيَقْرِي بِهِ ضَيْفاً وَيَحْمِلُ بِهِ كَلاًّ أَوْ يَصِلُ بِهِ أَخاً لَهُ فِي اللّه‏ِ أَوْ لِنَائِبَةٍ تَنُوبُهُ فَقَالَ الرَّجُلُ اللّه‏ُ أعلم (يَعْلَمُ خ ل) حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِهِ(1).وعن البزنطي قال: قال الرضا عليه‏السلام: إِنَّ صَاحِبَ النِّعْمَةِ عَلَى خَطَرٍ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حُقُوقُ اللّه‏ِ فِيهَا وَاللّه‏ِ إِنَّهُ لَتَكُونُ عَلَيَّ النِّعَمُ مِنَ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا أَزَالُ مِنْهَا عَلَى وَجَلٍ وَحَرَّكَ يَدَهُ حَتَّى أَخْرُجَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ للّه‏ِِ عَلَيَّ فِيهَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتَ فِي قَدْرِكَ تَخَافُ هَذَا قَالَ نَعَمْ فَأَحْمَدُ رَبِّي عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيَّ(2).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: إِنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ فَرِيضَةً لاَ يُحْمَدُونَ إِلاّ بِأَدَائِهَا وَهِيَ الزَّكَاةُ بِهَا حَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وَبِهَا سُمُّوا مُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ حُقُوقاً غَيْرَ الزَّكَاةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * للسّائل والمَحْرُوم»(3)فَالْحَقُّ الْمَعْلُومُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ وَهُوَ شَيْءٌ يَفْرِضُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْرِضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وَسَعَةِ مَالِهِ فَيُؤدِّي الَّذِي فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ وَإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَقَدْ قَالَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضاً: «أَقْرَضُوا اللّه‏َ قَرْضاً حَسَناً»(4)وَهَذَا غَيْرُ الزَّكَاةِ وَقَدْ قَالَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضاً: «يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا


1) . الكافي: 500/3/ ح 11؛ بحار الأنوار: 204/96/ ح 17.

2) . الكافي: 502/3/ ح 19؛ بحار الأنوار: 105/49/ ح 32.

3) . المعارج: 24 ـ 25.

4) . المزّمّل: 20.

وَعَلانِيَةً»(1)وَالْمَاعُونَ أَيْضاً وَهُوَ الْقَرْضُ يُقْرِضُهُ وَالْمَتَاعُ يُعِيرُهُ وَالْمَعْرُوفُ يَصْنَعُهُ وَمِمَّا فَرَضَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضاً فِي الْمَالِ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّه‏ُ بِهِ أَنْ يُوصَل(2)،(3).وعَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ(4).

وفي الخبر: يا ابن آدم، ما من يوم جديد إلاّ ويأتي فيه رزقك من عندي، وما من ليلة إلاّ وتأتي الملائكة من عندك بعمل قبيح، خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد(5).

وعن وهب بن منبه أن سائحا وردنا ـ أى: تبيعا ـ له كان يأتي طعامهما في كل ثلاثة أيام مرة، فإذا هما لم يأتهما طعام إلاّ لأحدهما فقال الكبير لردنه لقد أحدث أحدنا حدثا منع به برزقه فتذكر ما صنعت. قال الردن: ما صنعت شيئا، ثم تذكر فقال: بلى قد جاءنا مسكين إلى الباب فأجفت الباب في وجهه. فقال الكبير: من ثم أتينا فاستغفرا فجاءهما رزقهما بعد كما كان يأتيهما(6).

وَلاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا

والناس يخاطرون بأنفسهم للملوك والامراء فكيف لا يخاطرون بها لخالقها وهي ملكه، وهو أمر قبيح كعدم بذل المال لرازقه، فيكون حاله حال من ينكر


1) . الرعد: 22.

2) . الرعد: 21.

3) . الكافي: 498/3/ ح 8؛ وسائل الشيعة: 46/9/ ح 11487 ـ 2.

4) . الكافي: 316/2/ ح 6؛ بحار الأنوار: 23/70/ ح 12.

5) .الجواهر السنية: 161.

6) . حلية الاولياء: 57/4.

خالقيّته ورازقيّته.

وفي (الحلية) عن وهب: قال تعالى لموسى عليه‏السلام: وعزّتي يا ابن عمران لو أن هذه النفس التي وكزتها فقتلتها اعترفت لي ساعة من ليل أو نهار بأنّي لها خالق أو رازق لأذقتك فيها طعم العذاب، ولكنّي عفوت عنك أنها لم تعترف لي ساعة أني لها خالق أو رازق(1)، وقد قال تعالى: «إِنَّ اللّه‏َ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالاْءِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّه‏ِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2)وبعد كونه تعالى هو المشتري والثمن الجنة وكتاب البيع التوراة والانجيل والقرآن في كون المعاملة بتلك المثابة التي هي الفوز العظيم

الذي ينبغي الاستبشار بها يكون الراغب عن تلك المعاملة بالبخل بالمال والنفس اللذين هما عارية عندك على مالكهما موردا للملامة وفي غاية الآلمة، ولذا قال عليه‏السلام ما قال توبيخا.

تَكْرُمُونَ بِاللّه‏ِ عَلَى عِبَادِهِ وَلاَ تُكْرِمُونَ اللّه‏َ فِي عِبَادِهِ

وهو أيضا قبيح عقلا كعدم بذل المال والنفس للرازق والخالق، بل من يكرم على العباد للّه‏ يكون إكرامه للّه‏ في عباده ألزم عليه ممن لا يكرم باللّه‏، ووجه خطابه عليه‏السلام للذين كانوا يدّعون منزلة لأنفسهم بكونهم صحابة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كطلحة والزبير وسعد ونظرائهم، ويطّرد في جميع طبقات الاشراف.

وقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‏السلام: إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وَجَبَ حَقُّنَا بِرَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَمَنْ أَخَذَ


1) . حلية الاولياء: 60/4.

2) . التوبة: 111.

بِرَسُولِ اللّه‏ِ حَقّاً وَلَمْ يُعْطِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَهُ فَلاَ حَقَّ لَهُ(1).

وعن الصادق عليه‏السلام: كان عليّ بن الحسين لا يسافر إلاّ مع رفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أن يكون من مساعدي الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم، فرآه رجل، فعرفه، فقال لهم، أ تدرون من هذا قالوا: لا. قال: هذا علي بن الحسين عليهماالسلام، فوثبوا إليه وقبّلوا يده ورجله وقالوا: يا ابن رسول اللّه‏، أردت أن تصلينا نار جهنّم، لو بدرت منّا إليك يد أو لسان أما كنّا هلكنا إلى آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا فقال: إنّي سافرت مرّة مع قوم يعرفونني، فأعطوني بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما لا أستحق، فإنّي أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحبّ إلي(2).

فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ

لما سار أمير المؤنين عليه‏السلام إلى صفين قالوا: ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة (بهر سير) وإذا رجل من أصحابه يقال له جرير بن سهم بن طريف من بني مالك بن ربيعة ينظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل بقول ابن يعقوب التميمى:

جرت الرياح على مكان ديارهم *** فكأنّهم كانوا على ميعاد

فقال عليه‏السلام: أ فلا قلت: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ»(3)ان هؤاء كانوا وارثين فأصبحوا


1) .عيون أخبار الرضا عليه‏السلام: 236/2/ ح 9؛ بحار الأنوار: 177/46/ ح 32.

2) . عيون أخبار الرضا عليه‏السلام: 145/2/ ح 13؛ بحار الأنوار: 69/46/ ح 41.

3) . الدخان: 25 ـ 29.

موروثين، إن هؤاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية، إيّاكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم(1).

وقال ابن أبي الحديد: أنّ الأصل في قوله عليه‏السلام قوله تعالى وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ(2)،(3).

وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ

والظاهر أن المراد اعتبروا بانقطاعكم عن إخوانكم الذين كانوا في كمال الوصل معكم ليلا ونهارا كما تعتبرون بمساكن من كان قبلكم، والحاصل: اعتبروا بآثار المتقدمين عليكم وبأشخاص المعاشرين معكم، وإنكم لا بدّ أن تسلكوا مسلكهم وتهلكون كمهلكهم.


1) . وقعة صفين: 142؛ بحار الأنوار: 467/33.

2) . ابراهيم: 45.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 283/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (117) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ ـ وَالاْءِخْوَانُ فِي الدِّينِ ـ وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ ـ وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ ـ بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ ـ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ ـ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ ـ فَوَاللّه‏ِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاس.

ومن كلام له عليه‏السلام:

قال ابن أبي الحديد: ذكر المدائني والواقدي في كتابيهما أنّ هذا الكلام قاله عليه‏السلام

للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل(1).

أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ

لمّا أحسّ عليه‏السلام من قريش وأتباع معاوية اتّباع الباطل قال عليه‏السلام ذلك لأنصاره، كما حكى تعالى عن عيسى عليه‏السلام في قوله: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 284/7.

أَنْصارِي إِلَى اللّه‏ِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللّه‏ِ...»(1).

وَالاْءِخْوَانُ فِي الدِّينِ

فكانوا مؤنين وقد قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ...»(2).

وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ

أى: كما أنّ الترس يحفظ صاحبه في الحرب كذلك أنتم.

وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ

كناية عن كونهم خواصه عليه‏السلام.

بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ

أهل صفين كما ضرب بهم أهل الجمل.

وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ

فلحق به عليه‏السلام جمع كثير لما كان له أولئك الأنصار وأطاعوه ولولاهم لما كان ذلك.

فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ

عن أبي مخنف: أنّ أمير المؤنين عليه‏السلام لمّا قدم من البصرة إلى الكوفة قال قعد عن

نصري رجال منكم وأنا عليهم عاتب فاهجروهم وأ سمعوهم ما يكرهون حتّى


1) . آل عمران: 52.

2) . الحجرات: 10.

يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى. فقام إليه أبو بردة الأزدي ـ وكان عثمانيا تخلف عنه يوم الجمل وحضر معه يوم صفين نيّة في نصرته ـ فقال له عليه‏السلام: أرأيت القتلى حول عايشه وطلحة والزبير بم قتلوا فقال عليه‏السلام بما قتلوا شيعتي وعمّالي وبقتلهم أخا ربيعة العبدي رضى اللّه‏ عنه في عصابة من المسلمين قالوا لا ننكث البيعة ولا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلما وعدوانا فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة اخواني لنقتلهم بهم، ثم كتاب اللّه‏ بيني وبينهم فأبوا عليّ وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك. أفي شك أنت من ذلك قال: كنت في شكّ، وأمّا الآن فقد عرفت واستبان خطأ القوم وإنّك المهتدي المصيب ـ وكان مع حضوره صفين ينافق ويكاتب معاوية سرا، فلما ظهر معاوية اقطعه قطيعة بالفلوجة(1).

وعن محمّد بن مخنف قال: دخلت مع أبي على عليّ عليه‏السلام حين قدم من البصرة فإذا بين يديه رجال يؤّبهم ويقول لهم: ما بطّا بكم عني وأنتم أشراف قومكم واللّه‏ لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة إنّكم لبور واللّه‏ لئن كان من شك في فضلي ومظاهرة عليّ إنّكم لعدو قالوا: حاش للّه‏ نحن سلمك وحرب عدوّك. ثم اعتذر القوم. فنظرت إليهم فعرفتهم فإذا عبد اللّه‏ بن معتمر العبسي وإذا حنظلة التميمي وأبو بردة الأزدي وغريب الهمداني. ونظر عليّ إلى أبي فقال: لكن مخنف بن سليم وقومه لم يتخلّفوا ولم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال تعالى فيهم: «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّه‏ُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّه‏ِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ


1) . الأمالي للمفيد: 127/ م 15/ ح 5؛ بحار الأنوار: 352/32/ ح 335.

فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً»(1)،(2).

فَوَاللّه‏ِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاس

روى ابراهيم الثقفي: أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤنين عليه‏السلام فقال: إنّي سائلك لآخذ عنك وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدّثنا عن أمرك أ كان بعهد من رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو شيء رأيته، فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل وأوثقه عندنا ما سمعناه من فيك إنّا كنا نقول لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لم ينازعكم فيها أحد، واللّه‏ ما أدري إذا سئلت ما أقول: أزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه فعلام نصبك النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد حجة الوداع: فقال «أيّها النّاس

من كنت مولاه فعلي مولاه» وإن كنت أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم فقال يا عبد الرحمن إنّ اللّه‏ تعالى قبض نبيه يوم قبضه وأنا يوم قبضه أولى النّاس مني بقميصي هذا، وقد كان من النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا وطاعة وإنّ أوّل ما انتقصناه بعد إبطال حقّنا في الخمس فلما رقّ امرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا. فقال عبد الرحمن: أنت يا أمير المؤنين لعمرك كما قال الأوّل:

لقد أيقظت من كان نائما *** وأسمعت من كانت له اذنان(3)

عَنْ عَلِيٍّ عليه‏السلام، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: مَنْ تَوَلَّى عَلِيّاً فَقَدْ تَوَلاّنِي، وَمَنْ تَوَلاّنِي فَقَدْ تَوَلَّى اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ(4).


1) . النساء: 72 ـ 73.

2) .وقعة صفين: 7 ـ 8.

3) . الأمالي للمفيد: 223 224 / م 26/ ح2؛ بحار الأنوار: 430/29 431 / ح 16.

4) . الأمالي للطوسي: 336/ م 12/ ح 679 19؛ بحار الأنوار: 31/38/ ح 6.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لِعَلِيٍّ عليه‏السلام حِينَ خَلَّفَهُ: أَ مَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَدُوُّكَ عَدُوِّي وَأَنَّ عَدُوِّي عَدُوُّ اللّه‏ِ، وَوَلِيَّكَ وَلِيِّي وَوَلِيِّي وَلِيُّ اللّه‏ِ(1).

وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يَقُولُ: أَوْصِ مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي بِالْوَلاَيَةِ لِعَلِيٍّ عليه‏السلام فَإِنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَقَدْ تَوَلاّنِي وَمَنْ تَوَلاّنِي فَقَدْ تَوَلَّى اللّه‏َ وَمَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللّه‏َ وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ(2).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَلاَيَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلاَيَةُ اللّه‏ِ وَحُبُّهُ عِبَادَةُ اللّه‏ِ وَاتِّبَاعُهُ فَرِيضَةُ اللّه‏ِ وَأَوْلِيَاؤهُ أَوْلِيَاءُ اللّه‏ِ وَأَعْدَاؤهُ أَعْدَاءُ اللّه‏ِ وَحَرْبُهُ حَرْبُ اللّه‏ِ وَسِلْمُهُ سِلْمُ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ(3).

عن سليم بن قيس الهلالى قال رأيت علياً في مسجد المدينة في خلافة عثمان انّ جماعة المهاجرين والأنصار يتذاكرون فضائلهم وعلى ساكت فقالوا يا ابا الحسن تكلّم بكلام فقال: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ! بِمَنْ أَعْطَاكُمُ اللّه‏ُ هَذَا الْفَضْلَ؟ أَ بِأَنْفُسِكُمْ أَمْ بِغَيْرِكُمْ؟. قَالُوا: بَلْ أَعْطَانَا اللّه‏ُ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

قَالَ: أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قَالَ: إِنِّي وَأَهْلَ بَيْتِي كُنَّا نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللّه‏ِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللّه‏ُ آدَمَ عليه‏السلام بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللّه‏ُ آدَمَ وَضَعَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ وَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ حَمَلَهُ فِي السَّفِينَةِ فِي صُلْبِ نُوحٍ عليه‏السلاملسَّلاَمُ، ثُمَّ قَذَفَ بِهِ فِي النَّارِ فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ عليه‏السلام، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ


1) .الأمالي للطوسي: 486/ م 17/ ح 1064 33؛ بحار الأنوار: 31/38/ ح 7.

2) . بشارة المصطفى: 120؛ بحار الأنوار: 31/38/ ح 8.

3) .الأمالي للصدوق: 32/ م 9 / ح 3؛ بحار الأنوار: 4/40/ ح 9.

يَنْقُلُنَا مِنَ الْأَصْلاَبِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، وَمِنَ الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ إِلَى الْأَصْلاَبِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الآْبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَمْ يَلْتَقِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ.

فَقَالَ أَهْلُ السَّابِقَةِ وَأَهْلُ بَدْرٍ وَأَهْلُ أُحُدٍ: نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

قَالَ: نَشَدْتُكُمْ بِاللّه‏ِ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ فِي كِتَابِهِ السَّابِقَ عَلَى الْمَسْبُوقِ فِي غَيْرِ آيَةٍ، وَإِنِّي لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَى اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رَسُولِهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللّه‏ِ، أَ تَعْلَمُونَ حَيْثُ نَزَلَتْ: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» (1)«وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ»(2)سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فَقَالَ: أَنْزَلَهَا اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَفِي أَوْصِيَائِهِمْ، فَأَنَا أَفْضَلُ أَنْبِيَاءِ اللّه‏ِ وَرُسُلِهِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‏السلام وَصِيِّي أَفْضَلُ الْأَوْصِيَاءِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللّه‏ِ، أَ تَعْلَمُونَ حَيْثُ نَزَلَتْ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه‏َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(3).

وَحَيْثُ نَزَلَتْ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّه‏ُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(4)، وَحَيْثُ نَزَلْتَ: «وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّه‏ِ وَلا رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤمِنِينَ وَلِيجَةً»(5).

قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللّه‏ِ! أَ خَاصَّةٌ فِي بَعْضِ الْمُؤمِنِينَ أَمْ عَامَّةٌ بِجَمِيعِهِمْ؟ فَأَمَرَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ وُلاَةَ أَمْرِهِمْ وَأَنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ مِنَ الْوَلاَيَةِ مَا فَسَّرَ لَهُمْ مِنْ صَلاَتِهِمْ وَزَكَاتِهِمْ

وَصَوْمِهِمْ وَحَجِّهِمْ، فَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ بِغَدِيرِ خُمٍّ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللّه‏َ


1) . التوبة: 100.

2) . الواقعة: 10 ـ 11.

3) .النساء: 59.

4) . المائدة: 55.

5) .التوبة: 16.

أَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ ضَاقَ بِهَا صَدْرِي فَظَنَنْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبُونِي فَأَوْعَدَنِي ربّى ثمّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ مَوْلاَيَ وَأَنَا مَوْلَى الْمُؤمِنِينَ، وَأَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللّه‏ِ. قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، فَقَامَ سَلْمَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله! وَلاَءٌ كَمَا ذَا؟. قَالَ: وَلاَءٌ كَوَلاَئِي، مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلامَ دِيناً»(1).

فَكَبَّرَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وَقَالَ: اللّه‏ُ أَكْبَرُ تَمَامُ نُبُوَّتِي وَتَمَامُ دِينِ اللّه‏ِ وَلاَيَةُ عَلِيٍّ بَعْدِي، قَالوا: يَا رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله! هَذِهِ الآْيَاتُ خَاصَّةٌ فِي عَلِيٍّ؟!. قَالَ: بَلَى، فِيهِ وَفِي أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الحديث(2).


1) .المائدة: 3.

2) .كتاب سليم بن قيس الهلالى: 636/2/ ح 11؛ بحار الأنوار: 407/31/ ح 1.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (118) ومن كلام له عليه السلام: وقد جمع الناس وحضّهم على الجهاد فسكتوا مليّا، فقال عليه‏السلام:

اشارة

أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ ـ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ـ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ ـ فَقَالَ عليه‏السلام ـ مَا بَالُكُمْ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَلاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ ـ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ ـ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ ـ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ ـ وَذَوِي بَأْسِكُمْ ـ وَلاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْمِصْرَ ـ وَالْجُنْدَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ ـ وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ـ وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ ـ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى ـ أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغِ ـ وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى ـ تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي ـ فَإِذَا فَارَقْتُهَا اسْتَحَارَ مَدَارُهَا ـ وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا ـ هَذَا لَعَمْرُ اللّه‏ِ الرَّأْيُ السُّوءُ ـ وَاللّه‏ِ لَوْ لاَ رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ ـ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤهُ ـ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ـ ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلاَ أَطْلُبُكُمْ ـ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ ـ إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ ـ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ ـ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ ـ الَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاّ هَالِكٌ ـ مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّار.

من حديث الكوفيين عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال: قدم زرارة بن قيس فخبر عليا عليه‏السلام بالعدّة التي خرج فيها بسر، فصعد المنبر ـ إلى أن قال ـ «إنّ بسر بن أرطاة وجّه إلى الحجاز، وما بسر؟ لينتدب إليه منكم عصابة حتى تردوه عن شننه، فإنّما خرج في ستمائة أو يزيدون.

فسكت الناس مليّا لا ينطقون، فقال عليه‏السلام: «ما لكم أ مخرسون أنتم لا تتكلمون» فذكر عن الحرث بن حضيرة عن مسافر بن عفيف قال: قام أبو بردة بن عوف الأزدي فقال له: إن سرت سرنا معك. فقال: «ما لكم؟ لا سدّدتم لمقال الرشد أ في مثل هذا ينبغي لي أن أخرج إنّما يخرج في مثل ذلك رجل ممّن ترضون من فرسانكم وشجعانكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال و جباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق الناس، ثم أخرج في كتيبة أتبع اخرى في الفلوات وشعف الجبال، هذا واللّه‏ الرأي السوء، واللّه‏ لو لا رجائي (الشهادة ـ ظ) عند لقائهم ـ لو قد حمّ لقاؤم ـ لضربت ركابي ثم لشخصت عنكم، فلا أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال، واللّه‏ إنّ فراقكم لراحة للنفس والبدن». فقام إليه جارية بن قدامة السعدي فقال له عليه‏السلام: لا أعدمنا اللّه‏ نفسك ولا أرانا فراقك، أنا لهؤاء القوم فسرحني إليهم. قال: فتجهّز فإنّك ما علمت: ميمون النقيبة. وقام إليه وهب بن مسعود الخثعمي فقال له عليه‏السلام: أنا انتدب إليهم. فقال عليه‏السلام: فانتدب بارك اللّه‏ فيك. فنزل ودعا جارية فأمره أن يسير إلى البصرة ويخرج منها في الفين، وندب مع الخثعمي من الكوفة ألفين وقال لهما: أخرجا في طلب بسر حتى تلحقاه، وأينما لحقتماه فناجزاه، فإذا التقيتما فجارية على الناس(1).


1) . الغارات ط ـ الحديثة: 624/1 ـ 627.

وعن الكلبي وأبي مخنف بلفظ أخصر: أنّه عليه‏السلام ندب الناس فتثاقلوا عنه فقال: «ا تريدون أن أخرج بنفسي في كتيبة تتبع كتيبة في الفيافي والجبال ذهب واللّه‏ اولو النهى والفضل الذين كانوا يدعون فيجيبون ويؤرون فيطيعون، لقد هممت أن أخرج عنكم فلا أطلب بنصركم ما اختلف الجديدان»(1).

ومن كلام له عليه السلام وقد جمع الناس وحضّهم

أى رغبهم.

على الجهاد

مع سرايا معاوية في سرية بسر.

فسكتوا مليّا

أى زمناً طويلا، قال تعالى: واهجرنى مليا ً(2).

فقال عليه‏السلام:

توكيد بعد قوله (ومن كلام له عليه‏السلام).

أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ

أى صرتم أخرسين حيث لم يجيبوه بشيء.

فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ

قد عرفت من رواية الثقفي أنّ القائل له عليه‏السلام: «ان سرت سرنا معك» إنّما هو أبو


1) .الغارات للثقفي: 2/ 622 ـ 623.

2) . مريم: 46.

بردة بن عوف الأزدي، وكان منافقا يكاتب باخباره عليه‏السلام إلى معاوية(1)

وقعة صفين: 4 ـ 5.

فَقَالَ عليه السلام: مَا بَالُكُمْ؟ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَلاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ

حيث تشيرون على هكذا.

أَ فِي مِثْلِ هَذَا

خروج بسر من قبل معاوية.

يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ

كما خرج عليه‏السلام في قبال طلحة والزبير وفى قبال معاوية.

وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ

كجارية السعدى ووهب الخثعمى الذين اجاباه الى الخروج ونظراءهما.

وَلاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْمِصْرَ ومصرَ الْجُنْدَ

المراد بالمصر الكوفة.

وَبَيْتَ الْمَالِ

فيكون في معرض النهب.

وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ

فتكون في معرض التعطيل.


1) .

وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ

فتصير امور الناس مختلة، ادع جميع ذلك.

ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ

الكتيبة: الجيش، أو الجماعة المستحيزة من الخيل، أو جماعة الخيل إذا أغارت من المئة إلى الألف(1).

أَتْبَعُ أُخْرَى

أى كتيبة اخرى من العدو.

أَتَقَلْقَلُ

أى اضطرب.

تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ

بالكسر السهم قبل ان يراش ويركب عليه نصله.

فِي الْجَفِيرِ

الجفير: جعبة من جلود لا خشب فيها، أو من خشب لا جلود فيها(2)

الْفَارِغِ

أى الخالى.


1) . القاموس المحيط: 121/1.

2) . القاموس المحيط: 392/1.

وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى

استعارة عن كون مدار أمور الناس عليه.

تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي

فمادام الولى في المركز تكون امور المملكة منظمة.

فَإِذَا فَارَقْتُهَ

أى فارقت الرحى القطب.

اسْتَحَارَ

أى صار حائراَ.

مَدَارُهَا وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا

بالكسر أي الحجر الأسفل من الرحى الذى يصبّ عليه الدقيق.

هَذَا لَعَمْرُ اللّه‏ِ الرَّأْيُ السُّوءُ

رأيتموه لى.

وَاللّه‏ِ لَوْ لاَ رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ

وكان عدوه يومئذ معاوية.

لَوْ قَدْ حُمَّ

أى قدر.

لِي لِقَاؤهُ

لكن لم يكن مقدراً فاراد عليه‏السلام الشخوص اليه وخرج عسكره الى ظاهر البلد فضربه اللعين ابن ملجم.

لَقَرَّبْتُ رِكَابِي

الركاب الابل التى يسار عليها.

ثُمَّ شَخَصْتُ

أى ارتحلت.

عَنْكُمْ

الى غيركم.

فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ

أى ابد الآبدين.

إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ

ليس العبرة بالكثرة وضخامة الرقم إنما العبرة باجتماع القلوب وتوحدها قال تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّه‏»(1)فرجلان متفقان قلباً اكثر غناءً من الف مختلفين.


1) . البقرة: 249.

لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا

أى على مخالفتها ومجاوزتها.

إِلاّ هَالِكٌ

لكونه عليه‏السلام كذلك لا يحتاج الى بيان وقد اقرّ به عمريوم شوراء.

عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليا . وقالت: سمعت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة(1).

مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّار

قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(2)


1) .تاريخ بغداد: 322/14/ ش 7643.

2) . النازعات: 37 ـ 41.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (119) ومن كلام له عليه‏السلام:

اشارة

تَاللّه‏ِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَضِيَاءُ الْأَمْرِ أَلاَ وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَنِمَ وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِم اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَمَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ أَلاَ وَإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللّه‏ُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُه.

تَاللّه‏ِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ

قال ابن أبي الحديد: تبليغ الرسالات تبليغ الشرائع بعد وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى المكلّفين، وفيها إشارة إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّه‏ِ وَيَخْشَوْنَهُ

وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّه‏َ(1)وإلى قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في قصّة «لا يؤّي عنّي إلاّ


1) . الأحزاب: 39.

أنا أو رجل منّى»(1).

عن الصّادق عليه‏السلام في قوله تعالى: وأوحى إلىّ هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ الآية(2).

قال: ومن بلغ أن يكون اماما من آل محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(3).

وبريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي جعفر عليه‏السلام: انّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد، فقال: المنذر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعليّ الهادي، و في كلّ وقت وزمان امام منّا يهديهم إلى ما جاء به رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(4).

وعن أبي هريرة قال: دخلت على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقد نزلت هذه الآية: إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد(5)، فقرأها علينا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: أنا المنذر، أ تعرفون الهادى؟ قلنا: لا يا رسول اللّه‏، قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو خاصف النعل، فطولت الأعناق اذ خرج علينا عليّ عليه‏السلاممن بعض الحجر وبيده نعل رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثمّ التفت إلينا وقال: ألا إنّه المبلّغ عنّى والامام بعدي وزوج ابنتي وأبو سبطى، ففخرا نحن أهل بيت أذهب اللّه‏ عنّا الرجس وطهّرنا تطهيرا من الدّنس الحديث(6).

وعن انس بن مالك خادم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يا على أنت تعلّم النّاس تأويل القرآن بما لا يعلمون، فقال عليّ عليه‏السلام: ما ابلغ رسالتك بعدك يا


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 288/7.

2) .الأنعام: 19.

3) . الكافي: 416/1/ ح21؛ بحار الأنوار: 190/23/ ح 8.

4) .كمال الدين: 667/2/ ح 10؛ بحار الأنوار: 190/18/ ح 26.

5) . الرعد: 7.

6) .كفاية الاثر: 88؛ بحار الأنوار: 315/36/ ح 162.

رسول اللّه‏، قال: تخبر النّاس بما اشكل عليهم من تأويل القرآن(1).

وعن أنس قال: كنت أخدم النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال لي يا أنس بن مالك: يدخل علىّ رجل امام المؤنين، وسيّد المسلمين وخير الوصيّين، فضرب الباب فاذا عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام فدخل بعرق فجعل النبيّ صلّى اللّه‏ عليه و آله وسلّم يمسح العرق عن وجهه ويقول: أنت تؤّى عنّى أو تبلغ عني، فقال: يا رسول اللّه‏ أو لم تبلغ رسالات ربّك؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: بلى ولكن أنت تعلّم النّاس(2).

وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهنُبُوَّتَهُ وَاسْتُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ أَوْحَى اللّه‏ُ إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قَدْ قَضَيْتَ نُبُوَّتَكَ وَاسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ فَاجْعَلِ الْعِلْمَ الَّذِي عِنْدَكَ وَالآْثَارَ وَالاِسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ النُّبُوَّةِ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‏السلام فَإِنِّي لَمْ أَقْطَعْ عِلْمَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْعَقِبِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ كَمَا لَمْ أَقْطَعْهَا مِنْ بُيُوتَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِيكَ آدَمَ صَلَوَاتُ اللّه‏ِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ(3).

وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: أَوْصَى مُوسَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَأَوْصَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى وَلَدِ هَارُونَ وَلَمْ يُوصِ إِلَى وَلَدِ مُوسَى لِأَنَّ اللّه‏َ لَهُ الْخِيَرَةُ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ يَشَاءُ وَبَشَّرَ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ بِالْمَسِيحِ فَلَمَّا أَنْ بَعَثَ اللّه‏ُ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ سَيَأْتِي رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ يُصَدِّقُنِي وَيُصَدِّقُكُمْ وَجَرَتْ بَيْنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي الْمُسْتَحْفَظِينَ وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللّه‏ُ الْمُسْتَحْفَظِينَ لِأَنَّهُمُ


1) .بصائر الدرجات: 195/ ح 3؛ بحار الأنوار: 195/23/ ح 23.

2) . اليقين: 478؛ بحار الأنوار: 17/38/ ح 29.

3) . بصائر الدرجات: 468/ ح 2؛ بحار الأنوار: 217/40/ ح 12.

اسْتُحْفِظُوا الاِسْمَ الْأَكْبَرَ وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ الَّذِي كَانَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ يَقُولُ اللّه‏ُ تَعَالَى: «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ»(1)الْكِتَابُ الاِسْمُ الْأَكْبَرُ وَإِنَّمَا عُرِفَ مِمَّا يُدْعَى الْعِلْمَ التَّوْرَاةُ وَالاْءِنْجِيلُ وَالْفُرْقَانُ فَمَا كَانَ كُتُبُ نُوحٍ وَمَا كِتَابُ صَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللّه‏ُ: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى»(2)فَأَيْنَ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فَالاسْمُ الْأَكْبَرُ وَصُحُفُ مُوسَى الاِسْمُ الْأَكْبَرُ فَلَمْ تَزَلِ الْوَصِيَّةُ يُوصِيهَا عَالِمٌ بَعْدَ عَالِمٍ حَتَّى دَفَعُوهَا إِلَى مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثُمَّ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ نُبُوَّتَكَ وَاسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ فَاجْعَلِ الاِسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ النُّبُوَّةِ عِنْدَ عَلِيٍّ عليه‏السلام فَإِنِّي لاَ أَتْرُكُ الْأَرْضَ إِلاّ وَلِي فِيهَا عَالِمٌ يُعْرَفُ بِهِ طَاعَتِي وَيُعْرَفُ بِهِ وَلاَيَتِي فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ وُلِدَ بَيْنَ قَبْضِ نَبِيٍّ إِلَى خُرُوجِ نبى آخَرَ فَأَوْحَى بِالاسْمِ الْأَكْبَرِ وَمِيرَاثِ الْعِلْمِ وَآثَارِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‏السلام(3).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاْءِيمانَ»(4)قَالَ قَدْ يَكُونُ مُؤمِناً وَلاَ يَكُونُ عَالِماً فَوَ اللّه‏ِ لَقَدْ جُمِعَ لِعَلِيٍّ كِلاَهُمَا الْعِلْمُ وَالاْءِيمَانُ(5).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (حم) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللّه‏ِ، (عسق) عِلْمُ عَلِيٍّ سَبَقَ كُلَّ جَمَاعَةٍ وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ فِرْقَةٍ(6).

قال الشاعر:


1) . الحديد : 25 .

2) . الأعلى: 18 19.

3) .بصائر الدرجات: 469/ ح 4؛ بحار الأنوار: 217/40/ ح 13.

4) . الروم: 56.

5) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 28/2؛ بحار الأنوار: 145/40/ ح 53.

6) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 28/2؛ بحار الأنوار: 145/40/ ذ ح 53.

وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ وعلم ما *** يكون وما قد كان علما مكتما

ولآخر:

و إن عندك علم الكون أجمعه *** ما كان من سالف منه ومؤنف

و لآخر:

ومن حوى علم الكتاب كله *** علم الذي يأتي وعلم ما مضى(1)

و كانوا يسألونه ولم يسأل هو أحدا وَقَالَ النَّبِيُّ عليه‏السلام إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ فَكُونُوا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(2).

وقال النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلِيٌّ عُلِّمَ عِلْماً عَلَّمَهُ رَسُولُ اللّه‏ِ

وَرَسُولُ اللّه‏ِ عَلَّمَهُ اللّه‏ُ فَعِلْمُ النَّبِيِّ مِنْ عِلْمِ اللّه‏ِ وَعِلْمُ عَلِيٍّ مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ وَعِلْمِي مِنْ عِلْمِ عَلِيٍّ وَمَا عِلْمِي وَعِلْمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ إِلاّ كَقَطْرَةٍ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ(3).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُعْطِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ لَأَعْلَمُهُمْ بِالْعُشْرِ الْبَاقِي(4).

وَقِيلَ لِعَطَاء ابن ابى رياح: أَ كَانَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَلِيٍّ؟ قَالَ: لاَ وَاللّه‏ِ مَا أَعْلَمُهُ(5).

وقَالَ عُمَرُ: الْعِلْمُ سِتَّةُ أَسْدَاسٍ لِعَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَلِلنَّاسِ سُدُسٌ


1) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 29/2.

2) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 30/2؛ بحار الأنوار: 147/40.

3) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 30/2؛ بحار الأنوار: 105/89.

4) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 30/2؛ بحار الأنوار: 179/40.

5) . كشف الغمة ط القديمة: 117/1؛ بحار الأنوار: 179/40.

وَلَقَدْ شَارَكَنَا فِي السُّدُسِ حَتَّى لَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا(1).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّكَ لَتَعْجَلُ فِي الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ لِلشَّيْءِ إِذَا سُئِلْتَ عَنْهُ قَالَ فَأَبْرَزَ عَلِيٌّ كَفَّهُ وَقَالَ لَهُ كَمْ هَذَا؟ فَقَالَ عُمَرُ خَمْسَةٌ فَقَالَ عَجِلْتَ يَا أَبَا حَفْصٍ قَالَ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ فَقَالَ عَلِيٌّ وَأَنَا أُسْرِعُ فِيمَا لاَ يَخْفَى عَلَيَّ(2).

وعَنْ عَبْدِ اللّه‏ِ بن مسعود قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَسُئِلَ عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ: قُسِّمَتِ الْحِكْمَةُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ فَأُعْطِيَ عَلِيٌّ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ ـ وَأُعْطِيَ النَّاسُ جُزْءاً وَاحِداً(3).

وقَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(4).

قَالَ الصَّادِقُ عليه‏السلام لاِبْنِ أَبِي لَيْلَى أَ تَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّه‏ِ قَالَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَقْضِي قَالَ بِكِتَابِ اللّه‏ِ قَالَ فَمَا لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللّه‏ِ قَالَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَمَا لَمْ أَجِدْهُ فِيهِمَا أَخَذْتُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ بِمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالَ فَإِذَا اخْتَلَفُوا فَبِقَوْل مَنْ تَأْخُذُ مِنْهُمْ قَالَ بِقَوْلِ مَنْ أَرَدْتُ وَأُخَالِفُ الْبَاقِينَ قَالَ فَهَلْ تُخَالِفُ عَلِيّاً فِيمَا بَلَغَكَ أَنَّهُ قَضَى بِهِ قَالَ رُبَّمَا خَالَفْتُهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام مَا تَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا رَسُولُ اللّه‏ِ قَالَ أَيْ رَبِّ إِنَّ هَذَا بَلَغَهُ عَنِّي قَوْلٌ فَخَالَفَهُ قَالَ وَأَيْنَ خَالَفْتُ قَوْلَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّه‏ِ قَالَ فَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ قَالَ


1) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 31/2؛ بحار الأنوار: 147/40.

2) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 31/2؛ بحار الأنوار: 147/40.

3) . شواهد التنزيل: 135/1؛ بحار الأنوار: 149/40.

4) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 33/2؛ بحار الأنوار: 150/40.

أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِذَا خَالَفْتَ قَوْلَهُ أَ لَمْ تُخَالِفْ قَوْلَ رَسُولِ اللّه‏ِ فَاصْفَرَّ وَجْهُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَكَتَ(1).

ولنعم ما قيل فيه:

عليم بما قد كان أو هو كائن *** وما هو دق في الشرائع أو جل

مسمى مجلى في الصحائف كلها*** فسل أهلها واسمع تلاوة من يتلو

ولو لا قضاياه التي شاع ذكرها *** لعطلت الأحكام والفرض والنفل(2)

وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ

أى انجازها يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده اللّه‏ سبحانه في حقّه، فقد علّمه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأن اللّه‏ سيفي به بما انزل عليه في القرآن حيث قال: أ فمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه(3).

وَيُؤيِّدُهُ مَا روى عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام في هذه الآية قال: الموعود عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، وعده اللّه‏ أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا، ووعده الجنّة له ولأوليائه في الآخرة(4).ولكنّ الأظهر أن يراد بها العدات والعهود التي عاهد عليها اللّه‏ سبحانه، ويشهد به قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّه‏َ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»(5). فقد روت الخاصّة والعامّة أنّها نزلت


1) .مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 33/2؛ بحار الأنوار: 269/101/ ح 3.

2) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 34/2.

3) .القصص: 61.

4) . تاويل الآيات: 414؛ بحار الأنوار: 76/53/ ح 79.

5) . الأحزاب: 23.

في عليّ عليه‏السلام وجعفر وحمزة.

روى عن عليّ بن يونس قال: روى المفسّرون أنها نزلت في عليّ وحمزة، ولا ريب أنه لمّا قتل حمزة اختصّت بعليّ فامن منه التبديل بحكم التنزيل وروى اختصاصها بعليّ عليه‏السلام ابن عبّاس والصّادق عليه‏السلام وأبو نعيم(1).

وعن جابر عن أبي جعفر وأبي عبداللّه‏ عليهماالسلام عن محمّد بن الحنفية رضى اللّه‏ عنه قال: قال عليّ عليه‏السلام: كنت عاهدت اللّه‏ ورسوله أنا وعمّي حمزة وأخي جعفر وابن عمّي عبيدة بن الحارث على أمر وفينا به للّه‏ ورسوله، فتقدمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد اللّه‏ عزّ وجلّ، فأنزل اللّه‏ سبحانه فينا: «مِنَ الْمُؤمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّه‏َ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ حمزة وجعفر وعبيدة «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً». أنا المنتظر وما بدّلت تبديلا(2).

أو يراد بها مواعيد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله التي وعدها للنّاس فقد قال له رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أنت وصيّي ووارثي وقاضي ديني ومنجز عدتي(3).

وعلّمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كيفيّة أدائها ومن أين يؤّيها.

وقد روى عن محمّد بن عليّ الحكيم الترمذي من أعيان علماء العامة في كتابه المسمّى بفتح المبين من كتاب الأوصال قال: وروى أنّ أمير المؤنين كرم اللّه‏ وجهه قد أدّى سبعين ألفا من دينه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وكان أكثره من الموعود(4).


1) .الصراط المستقيم: 256/1.

2) . تاويل الآيات: 442/ح1؛ بحار الأنوار: 410/35/ ح5.

3) .تاريخ دمشق: 50/42؛ اثبات الهداة: 255/3/ ح 210.

4) .غاية المرام: 331/6.

وقدم أبو الصمصام العبسى إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأناخ ناقته على باب المسجد ودخل وسلّم وأحسن التسليم ثمّ قال: أيكم الفتى الغوى الذي يزعم أنه نبىّ؟

فوثب إليه سلمان الفارسي رضى‏الله‏عنه فقال: يا أخا العرب أما ترى صاحب الوجه الأقمر، والجبين الأزهر، والحوض والشفاعة، والتواضع والسكينة، والمسكنة (المسألة) والاجابة، والسّيف والقضيب، والتكبير والتهليل، والأقسام والقضية، والأحكام الحنفيّة، والنّور والشرف، والعلوّ والرّفعة، والسخاء والشجاعة والنجدة، و الصّلاة المفروضة والزكاة المكتوبة، والحجّ والاحرام، وزمزم والمقام، والمشعر الحرام، واليوم المشهود، والمقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة الكبرى، و ذلك مولانا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

فقال الأعرابىّ: إن كنت نبيّا فقل متى تقوم الساعة؟ ومتى يجيء المطر؟ وأىّ شيء في بطن ناقتي هذه؟ وأىّ شيء اكتسب غدا؟ ومتى أموت؟

فبقى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ساكتا لا ينطق بشى‏ء فهبط الأمين جبرئيل فقال: يا محمّد اقرء:

«إِنَّ اللّه‏َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللّه‏َ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(1).

قال الأعرابى: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه‏، واقرّ أنّك رسول اللّه‏، فأىّ شيء لي عندك إن آتيك بأهلي وبني عمّي مسلمين؟ فقال له النّبي صلّى اللّه‏ عليه و آله وسلّم: لك عندي ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرايف اليمن ونقط (نمط)(2)الحجاز.


1) .لقمان: 34.

2) . الظاهر انه تحريف من النساخ والصحيح نمط الحجاز وهو ثوب من صوف ذو ألوان ويقال أيضا لما يفرش من مفارش الصوف الملوّنة.

ثمّ التفت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اكتب يا أبا الحسن بسم اللّه‏ الرّحمن الرّحيم أقرّ محمّد بن عبد اللّه‏ بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف وأشهد على نفسه في صحّة عقله وبدنه وجواز أمره أنّ لأبي الصّمصام عليه وعنده وفي ذمّته ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرايف اليمن ونقط الحجاز، وأشهد عليه جميع أصحابه.

وخرج أبو الصّمصام إلى أهله، فقبض النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فقدم أبو الصّمصام وقد أسلم بنو العبس كلّها، فقال أبو الصّمصام: ما فعل رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله؟ قالوا: قبض، قال: فمن الوصىّ بعده؟ قالوا ما خلف فينا أحدا، قال: فمن الخليفة بعده؟ قالوا: أبو بكر فدخل أبو الصمصام المسجد فقال: يا خليفة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إنّ لي على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دينا ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، فقال أبو بكر يا أخا العرب سألت ما فوق العقل، واللّه‏ ما خلف فينا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاصفراء ولا بيضاء، خلف فينا بغلته الدلدل، ودرعه الفاضلة فأخذها عليّ بن أبي طالب، وخلف فينا فدكا فأخذناها بحقّ، ونبينا محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لا يورث.

فصاح سلمان: كردى ونكردى وحق أمير بردى، ردّ العمل إلى أهله ثمّ مدّ يده إلى أبي الصّمصام فأقامه إلى منزل عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام وهو يتوضّأ وضوء الصّلاة، فقرع سلمان الباب، فنادى عليّ عليه‏السلام: ادخل أنت وأبو الصّمصام العبسى.

فقال أبو الصّمصام: اعجوبة وربّ الكعبة، من هذا الذي سمّاني ولم يعرفني؟

فقال سلمان الفارسى رضى‏الله‏عنه: هذا وصيّ رسول اللّه‏، هذا الذى قال له رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد العلم فليأت الباب، هذا الذي قال له رسول

اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: عليّ خير البشر فمن رضى فقد شكر ومن أبى فقد كفر، هذا الذي قال اللّه‏ تعالى فيه: «وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا»(1).

هذا الّذي قال اللّه‏ تعالى فيه: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ»(2)عند اللّه‏.

وهذا الّذي قال اللّه‏ تعالى فيه: «أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّه‏ِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ لا يَسْتَوُونَ عند اللّه‏»(3)هذا الّذي

قال اللّه‏ تعالى فيه: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإن...»(4).

هذا الّذي قال اللّه‏ تعالى فيه: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» الآية(5).هذا الّذي قال اللّه‏ تعالى فيه: «إِنَّما يُرِيدُ اللّه‏ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(6).

هذا الذي قال اللّه‏ عزّ وجلّ فيه: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّه‏ُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ»(7).

ادخل يا أبا الصمصام وسلّم عليه، فدخل وسلّم عليه، ثمّ قال: إن لى على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، فقال عليه‏السلام أمعك حجّة؟ قال: نعم، ودفع الوثيقة.


1) .مريم: 50.

2) . السجدة : 18 .

3) . التوبة: 19.

4) .المائدة: 67.

5) . آل عمران: 61.

6) . الأحزاب: 23.

7) . المائدة: 55.

فقال عليه‏السلام: ناد يا سلمان في الناس: ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دين رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فليخرج إلى خارج المدينة.

فلمّا كان بالغد خرج النّاس، وقال المنافقون: كيف يقضى الدين وليس معه شيء؟ غدا يفتضح، من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز فلما كان الغد اجتمع الناس وخرج عليّ عليه‏السلام في أهل بيته ومحبّيه وفي الجماعة من أصحاب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وأسر ابنه الحسن عليه‏السلام سرّا لم يدر أحد ما هو.

ثمّ قال: يا أبا الصمصام امض مع ابني الحسن إلى كثيب الرّمل، فمضى ومعه أبو الصّمصام، وصلّى ركعتين عند الكثيب، وكلّم الأرض بكلمات لا يدرى ماهى، وضرب على الكثيب بقضيب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة مكتوب عليها سطران، على الأوّل لا إله إلاّ اللّه‏ محمّد رسول اللّه‏، وعلى الآخر لا

إله إلاّ اللّه‏ وعليّ وليّ اللّه‏، وضرب الحسن عليه‏السلام تلك الصّخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقال الحسن عليه‏السلام: قد يا أبا الصّمصام، فقاد، فخرج منها ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، ورجع إلى عليّ عليه‏السلام فقال عليه‏السلام: استوفيت حقك يا أبا الصّمصام؟ فقال: نعم، فقال عليه‏السلام: سلّم الوثيقة، فسلّمها إليه فخرقها فقال: هكذا أخبرني ابن عمّي رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهإنّ اللّه‏ عزّ وجلّ خلق هذه النّوق في هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفى عام، ثمّ قال المنافقون: هذا من سحر علىّ قليل(1).

ويروى هذا الخبر على وجه آخر وهو ما روى أبو محمّد الادريسى عن حمزة


1) .الثاقب في المناقب: 127 ـ 132/ ش 127؛ بحار الأنوار: 36/42.

بن داود الديلمي عن يعقوب بن يزيد الانبارى عن أحمد ابن محمّد بن أبي نصر عن حبيب الأحول عن أبي حمزة الثّمالي عن شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: لمّا قبض النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وجلس أبو بكر نادى في النّاس: ألا من كان له على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عدة أو دين فليأت أبا بكر وليأت معه شاهدين، ونادى عليّ عليه‏السلام بذلك على الاطلاق من غير طلب شاهدين، فجاء أعرابيّ متلثما متقلدا سيفه متنكنا كنانته وفرسه لا يرى منه إلاّ حافره، وساق الحديث ولم يذكر الاسم ولا القبيلة، وكان ما وعده مأئة ناقة حمراء بأزمتها وأثقالها موقّرة ذهبا وفضّة بعبيدها.

فلما ذهب سلمان بالأعرابي إلى أمير المؤنين عليه‏السلام قال له حين بصر به: مرحبا بطالب عدة والده من رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فقال: ما وعد أبي يا أبا الحسن؟

قال: إنّ أباك قدم على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: أنا رجل مطاع في قومي إن دعوتهم إلى الإسلام أجابونى، وإنّي ضعيف الحال فما تجعل لي إن دعوتهم إلى الإسلام فأسلموا؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: من أمر الدّنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: وما عليك أن تجمعهما لي يا رسول اللّه‏ وقد جمعهما اللّه‏ لا ناس كثيرة، فتبسّم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهوقال: اجمع لك خير الدّنيا والآخرة، أما في الآخرة فأنت رفيقى في الجنة، وأمّا في الدّنيا فما تريد؟

قال: مأئة ناقة حمر بأزمتها وعبيدها موقرة ذهبا وفضّة، ثمّ قال: وإن دعوتهم فأجابوني وقضى علىّ الموت ولم ألقك فتدفع ذلك إلى ولدى قال: نعم على أني لا أراك ولا تراني في دار الدّنيا بعد يومي هذا، وسيجيبك قومك، فاذا حضرتك الوفاة فليصر ولدك إلى وليّي من بعدي ووصيّي، وقد مضى أبوك ودعا قومه فأجابوه وأمرك بالمصير إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إو إلى وصيّه، وها أنا وصيّه ومنجز وعده.

فقال الأعرابى: صدقت يا أبا الحسن، ثمّ كتب عليه‏السلام له على خرقة بيضاء و ناولها الحسن عليه‏السلام، وقال: يا أبا محمّد سر بهذا الرجل إلى وادي العقيق وسلّم على أهله واقذف الخرقة وانتظر ساعة حتّى ترى ما يفعل، فان دفع إليك شيء فادفعه إلى الرجل، ومضيا بالكتاب.

قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد، فلما أشرف الحسن عليه‏السلامعلى الوادي نادى بأعلى صوته السّلام عليكم أيّها السكان البررة الأتقياء أنا ابن وصىّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنا الحسن بن عليّ سبط رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وابن وصيه ورسوله إليكم، وقد قذف الخرقة في الوادي فسمعت من الوادي صوتا لبّيك لبّيك يا سبط رسول اللّه‏ وابن البتول وابن سيد الاوصياء سمعنا وأطعنا انتظر ليدفع إليك، فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام لم ادر من اين ظهر وبيده زمام ناقة حمراء تتبعها ستة فلم يزل يخرج غلام بعد غلام في يد كلّ غلام قطار حتّى عددت مأئة ناقة حمراء بأزمتها وأحمالها، فقال الحسن عليه‏السلام خذ بزمام نوقك وعبيدك ومالك وامض بها يرحمك اللّه‏(1)هذا.

قال ابن أبي الحديد: إتمام العدّات: إنجازها، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّه‏َ عَلَيْهِ»(2)وإلى قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في حقّه: «و قاضي ديني ومنجز موعدى»(3).

وانّ الفقهاء رووا للمأمون انّ عليّا عليه‏السلامأقام مناديا بعد وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ينادى: «من كان له على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دين أو عدة فليحضر» فحضر جماعة فأعطاهم بغير بيّنة، وأنّ


1) . الثاقب في المناقب: 133 134/ ش 128.

2) . الأحزاب: 23.

3) .شرح نهج البلاغة لابن الحديد: 289/7.

أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك. فحضر جرير بن عبد اللّه‏، وجابر بن عبد اللّه‏، فأعطاهم بغير بيّنة» فقال لهم المأمون: أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير وجابر فلم منعها فدك فأمر المأمون بردّ فدك ـ في خبر طويل(1).

وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ

قال ابن أبي الحديد: «تمام الكلمات» تأويل القرآن، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً(2)وإلى قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: في حقّه عليه‏السلام«اللهمّ اهد قلبه، وثبّت لسانه»(3).

وقال أيضا: «و خلاصة كلامه عليه‏السلام إنّه أقسم باللّه‏ انّه قد علّم أو علم على اختلاف الروايتين أداء الشرائع إلى المكلّفين، والحكم بينهم بما أنزله اللّه‏ تعالى وعلم مواعيد النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الّتي وعد بها. فمنها ما هو وعد لواحد من الناس بأمر نحو أن يقول له سأعطيك كذا، ومنها ما هو وعد بأمر يحدث كأخبار الملاحم والامور المتجدّدة، وانّه عليه‏السلام قد علم تمام كلمات اللّه‏ تعالى، أى: تأويلها وبيانها الّذي تتمّ به لأنّ في كلامه تعالى المجمل الّذي لا يستغني عن متمّم ومبيّن يوضحه»(4).

قال الخوئى: إذا كان متمّم القرآن ومبيّنه هو أمير المؤنين عليه‏السلام ولم يمكن الاستغناء فيه عنه عليه‏السلام، فكيف يمكن معذلك تقديم أحلاف العرب الذين لا يعرفون من القرآن إلا اسمه عليه وترجيحهم عليه، فانّ القرآن هو إعجاز النبوّة وأساس الملّة وعماد الشريعة، فلا بد أن يكون القيّم به والعارف له والحافظ لأسراره، هو


1) .الطرائف: 250/1.

2) . الأنعام: 115.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 289/7.

4) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 289/7.

الحجّة لا غير كما هو غير خفيّ على الذكي ذى الفطنة.

ثمّ أقول: الذي عندي أنه يجوز أن يراد بالكلمات الكلمات القرآنية خصوصا أعنى الآيات وما تضمّنته من التأويل والتنزيل والمفهوم والمنطوق والظهر والبطن و النكات والأسرار، وما فيها من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن والأمر والنهى والوعد والوعيد والجدل والمثل والقصص والترغيب والترهيب إلى غير ذلك، فانّ تمام ذلك وكلّه عند أمير المؤنين عليه‏السلام والعلم بجميع ذلك مخصوص به وبالطاهرين من أولاده سلام اللّه‏ عليهم اجمعين.

وأن يراد بها مطلق كلمات اللّه‏ النازلة على الأنبياء والرّسل في الكتب السماوية والصّحف الالهيّة، وقد مضى ما يدلّ على معرفتهم بتمام هذه في شرح الخطبة الثانية عند قوله عليه‏السلام: وكهف كتبه.

وأن يراد بها الأعمّ من هذه أيضا، وهو الأنسب باقتضاء عموم وظيفتهم عليهم السّلام، فيكون المراد بها ما ورد في غير واحد من الأخبار من أنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله علّم عليا كلمة تفتح ألف كلمة وألف كلمة يفتح كلّ كلمة ألف كلمة، وعبّر عنها في أخبار اخر بلفظ الباب وفي بعضها بلفظ الحديث وفي طايفة بلفظ الحرف.

مثل ما عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام قَالَ: عَلَّمَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عَلِيّاً عليه‏السلام أَلْفَ كَلِمَةٍ يَفْتَحُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهَا أَلْفَ كَلِمَةٍ وَالْأَلْفُ الْكَلِمَةِ يَفْتَحُ كُلُّ كَلِمَةٍ أَلْفَ كَلِمَةٍ(1).

وَقَالَ عَلِيٌّ عليه‏السلام: حَدَّثَنِي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أَلْفَ حَدِيثٍ كُلُّ حَدِيثٍ يَفْتَحُ أَلْفَ بَابٍ حَتَّى عَرِقَ


1) .الخصال: 651/2/ ح 50.

رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَسَالَ عَرَقُهُ عَلَيَّ وَسَالَ عَرَقِي عَلَيْهِ(1).

وعن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه‏ عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام قال: علّم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عليّا حرفا يفتح ألف حرف كلّ حرف منها يفتح ألف حرف(2).

وعن أبي حمزة الثّمالى عن أبي إسحاق السّبيعى قال: سمعت بعض أصحاب أمير المؤنين عليه‏السلام ممّن يثق به يقول: سمعت عليّا عليه‏السلام يقول: إنّ في صدري هذا لَعِلْماً جمّا علّمنيه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لو أجد له حفظة يرعونه حقّ رعايته ويروونه عنّي كما يسمعونه منّي إذا لأودعتهم بعضه، يعلم به كثيرا من العلم ان العلم مفتاح كلّ باب وكلّ باب يفتح ألف باب(3).

وعن صاحب الينابيع قال: سأل قوم من اليهود عمر في زمن خلافته عن مسائل بشرط إن أجابهم أو غيره من أصحاب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله آمنوا به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقالوا: ما قفل السماء وما مفتاح ذلك القفل؟ وما القبر الجاري؟ ومن الرّسول الذي وعظ قومه ولم يكن من الجنّ ولا من الانس؟ ومن الخمسة الذين يسيرون في الأرض ولم يخلقوا في أرحام الامهات؟ و ما يقول الدّيك في صوته؟ والدّراج في هديده؟ والقمري في هديره؟ والفرس في صهيله؟ والحمار في نهيقه؟ والضفدع في نقيقه؟ فأطرق عمر زمانا ثمّ رفع رأسه و قال لا أدرى، فقالوا: علمنا أنّ دينكم باطل، فغدا سلمان «ض» جدّا وأخبر عليا بالقصّة فأتي فلما رآه استقبله وعانقه وأخبره بالقصّة فقال كرّم اللّه‏ وجهه لا تبال فانّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله علّمني ألف باب من العلم


1) .بصائر الدرجات: 314/ح 2؛ بحار الأنوار: 215/40/ ح 9.

2) . بصائر الدرجات: 308/ ح 3؛ بحار الأنوار: 140/40/ ح 36.

3) .الاختصاص: 283؛ بحار الأنوار: 129/40/ ح 3.

كان يتشعّب منه ألف باب آخر، قال عمر فاسألوه عنها، فقال في جوابهم:

أمّا قفل السّماء فهو الشرك، وأمّا مفتاح ذلك القفل فقول لا إله إلاّ اللّه‏ محمّد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، قالوا: صدق الفتى، ثمّ قال: وأمّا القبر الجارى فهو الحوت الذي كان يونس في بطنه حيث دار به في سبعة أبحر، وأمّا الرّسول الذي لم يكن من الجنّ والانس فنملة سليمان كما قال اللّه‏ تعالى: «قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»(1).

وأمّا الخمسة الذين لم يخلقوا في أرحام الامّهات فآدم، وحوّا، وناقة صالح، و كبش إبراهيم، وثعبان موسى، وأمّا الديك فيقول: اذكروا اللّه‏ أيّها الغافلون، وأمّا

الدرّاج فيقول: الرّحمن على العرش استوى، وأمّا القمرى فيقول: الّلهمّ العن مبغضي محمّد وآل محمّد، وأمّا الفرس فيقول عند الغزو: اللهمّ انصر عبادك المؤنين على عبادك الكافرين، وأمّا الحمار فيلعن العشّار ولا ينهق إلاّ في وجه الشيطان، وأمّا الضفدع فيقول: سبحان ربّى المعبود في لجج البحار.

وروى أنّهم كانوا ثلاثة فآمن منهم اثنان، وقام ثالثهم فسأل عن أصحاب الكهف وعن أسمائهم وأسماء كهفهم واسم كلبهم، فأخبر بكلّها عليّ رضى اللّه‏ عنه كما رواه عنه صاحب الكشاف في تفسير سورة الكهف، وقصّ قصّتهم، فآمن اليهودي(2).

وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ

يجوز أن يراد بالحكم على رواية ضمّ الحاء وسكون الكاف القضاء والفصل


1) .النمل: 18.

2) .غاية المرام: 216/5.

بين الناس في الخصومات والدعاوى، وأن يراد به الحكم الشرعي الفرعي أعني خطاب اللّه‏ المتعلّق بأفعال المكلّفين.

فعلى الاول فالظاهر أنّ المراد بأبوابه هو طرقه ووجوهه، فانهم عليهم السّلام كانوا عالمين بها عارفين بتمامها يحكمون في القضايا الشخصية على ما يقتضيه المصلحة الكامنة الظاهرية أو الواقعيّة.

ففى بعضها كانوا يحكمون بظاهر الشريعة على ما يقتضيه اليمين والبيّنة، وهو المراد بما روى عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال: انّما أنا بشر مثلكم وإنما تختصمون إلىّ ولعلّ بعضكم يكون ألحن (أعرف) بحجّته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه فانما اقطع له قطعة من النار(1).

وفي بعضها بمرّ الحقّ على وجه التّدبير واستخراج وجه الحيلة والاحتيال في اعمال الحقّ واستخراج الافراد بالحقوق الباطنة بلطايف الفكر كما كان يفعله أمير المؤنين عليه‏السلام في أيام خلافة عمر وغيرها كثيرا، مثل قضائه في المرأة التي استودعها رجلان وديعة(2).

وفي المرأة التي توفّي عنها زوجها وادّعى بنوها أنّها فجرت(3)وفي الجارية التي افتضتها سيّدتها اتهاما ورميا لها بالفاحشة(4)حسبما تقدّم تفصيل ذلك كلّه في شرح الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.

ومثل ما قال أبو جعفر عليه‏السلام: توفّى رجل على عهد أمير المؤنين وخلّف ابنا


1) . مجموعة ورام: 10/1 11؛ بحار الأنوار: 343/73.

2) .الكافي: 428/7/ ح 12؛ بحار الأنوار: 317/40/ ح 76.

3) . الكافي: 424/7/ ح 7 ومن لا يحضره الفقيه: 24/3/ ح 3254؛ بحار الأنوار: 307/40/ ح 63 .

4) . الكافي: 426/7/ ح 9؛ بحار الأنوار: 309/40/ ح 65.

وعبدا فادّعى كلّ واحد منهما انه الابن وأنّ الآخر عبد له فأتيا أمير المؤنين عليه‏السلام فتحا كما إليه، فأمر أمير المؤنين أن يثقب في حايط المسجد ثقبتان، ثمّ أمر كلّ واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب، ففعلا، ثمّ قال: يا قنبر جرّد السيف وأشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثمّ قال عليه‏السلام اضرب عنق العبد قال: فنحّى العبد رأسه فأخذه أمير المؤنين عليه‏السلام وقال للآخر أنت الابن وقد اعتقته وجعلته مولى لك(1).

وفي بعضها بالحكم الواقعى المحض وبه يحكم القائم من آل محمّد سلام اللّه‏ عليه وعليهم بعد ظهوره، وهو المعبّر عنه بحكم داود وآل داود في الأخبار، فانّ داود عليه‏السلام كان يعمل زمانا على مقتضى علمه بالوحى من دون أن يسأل عن البيّنة، ثمّ إنّ بني إسرائيل اتّهموه لبعده عن طور العقل، فرجع إلى العمل بالبينات، وقد رويناه في شرح الخطبة الشقشقية عن الساباطي قال: قلت لأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلامبما تحكمون إذا حكمتم؟ فقال: بحكم اللّه‏ وحكم داود الحديث(2).

وكان أمير المؤنين عليه‏السلام يحكم بهذا الحكم احيانا، مثل ما روى عنه في محاكمة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مع الاعرابي.

عن محمّد بن بحر الشّيباني عن أحمد بن الحارث قال: حدّثنا أبو أيوب الكوفي قال: حدّثنا إسحاق بن وهب العلاّف قال: حدّثنا أبو عاصم النبال عن ابن جريح عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: خرج رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من منزل عايشة فاستقبله أعرابيّ ومعه ناقة فقال: يا محمّد تشري هذه النّاقة؟ فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: نعم بكم تبيعها يا أعرابي، فقال: بمأتي درهم، فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: بل ناقتك خير من هذا،


1) . من لا يحضره الفقيه: 24/3/ ح 3253؛ وسائل الشيعة: 287/27/ ح 33773 ـ 9.

2) .الكافي: 398/1/ ح 3؛ بحار الأنوار: 56/25/ ح 18.

قال: فما زال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم، قال: فلمّا دفع النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى أعرابي الدّراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة فقال: الناقة ناقتي والدّراهم دراهمى فان كان لمحمّد شيء فليقم البيّنة، قال: فأقبل رجل فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أترضى بالشّيخ المقبل؟ قال: نعم يا محمّد، فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: تقضي فيما بيني وبين هذا الاعرابي فقال: تكلّم يا رسول اللّه‏، فقال النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: الناقة ناقتي والدّراهم دراهم الاعرابي فقال الاعرابى: بل الناقة ناقتي والدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شيء فليقم البيّنة، فقال الرّجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول اللّه‏، وذلك أنّ الاعرابي طلب البيّنة، فقال له النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اجلس فجلس، ثمّ أقبل رجل آخر فقال النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أترضى يا أعرابى بالشيخ المقبل؟ فقال: نعم يا محمّد، فلمّا دنى قال النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اقض فيما بيني وبين هذا الأعرابي، فقال تكلّم يا رسول اللّه‏ فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: الناقة ناقتي والدّراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابى: بل الناقة ناقتي والدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شيء فليقم البيّنة، فقال الرّجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول اللّه‏ لأنّ الأعرابي طلب البيّنة، فقال النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اجلس حتّى يأتي اللّه‏ عزّ وجلّ بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحقّ، فاقبل عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام، فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أترضى بالشّاب المقبل؟ فقال: نعم، فلمّا دنى قال النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا أبا الحسن اقض فيما بيني وبين الأعرابي، فقال: تكلّم يا رسول اللّه‏، فقال النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله:

الناقة ناقتي والدّراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابي، بل الناقة ناقتي و الدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شيء فليقم البيّنة، فقال عليّ عليه‏السلام: خلّ بين النّاقة وبين رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فقال الأعرابى: ما كنت بالّذي أفعل أو يقيم البيّنة، قال فدخل عليّ عليه‏السلام منزله فاشتمل على قائم سيفه ثمّ أتا فقال خلّ بين النّاقة وبين رسول اللّه‏

قال ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البيّنة، قال: فضربه علىّ ضربة فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه وقال بعض أهل العراق: بل قطع عضوا منه قال فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: ما حملك على هذا يا عليّ؟ فقال: يا رسول اللّه‏ نصدّقك على الوحى من السماء ولا نصدّقك على أربعمائة درهم(1).

وجاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فادّعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد أوفيتك، فقال: اجعل بيننا وبينك رجلا يحكم بيننا فأقبل رجل من قريش فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: احكم بيننا، فقال للأعرابى: ما تدّعى على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه‏؟ قال: قد أوفيته، فقال للأعرابى: ما تقول؟ قال: لم يوفني، فقال لرسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: ألك بيّنة على أنك قد أوفيته؟ قال: لا، قال للأعرابى: أ تحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لأتحاكمنّ مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه‏ عزّ وجلّ، فأتي رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عليّ بن أبي طالب عليه‏السلامومعه الأعرابي فقال عليّ عليه‏السلام: مالك يا رسول اللّه‏؟ فقال: يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي، فقال عليّ عليه‏السلام: يا أعرابي ما تدّعى على رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه‏؟ فقال: قد أوفيته ثمنها، فقال: يا أعرابي اصدق رسول اللّه‏ فيما قال؟ قال: لا، ما أوفاني شيئا، فأخرج عليّ عليه‏السلام سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول اللّه‏ نحن نصدّقك على أمر اللّه‏ ونهيه وعلى أمر الجنّة والنار والثواب والعقاب ووحى اللّه‏ عزّ وجلّ، ولا نصدّقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي، وإنّي قتلته لأنّه كذّبك لمّا قلت له اصدق


1) .من لا يحضره الفقيه: 106/3/ ح 3426؛ مستدرك الوسائل: 382/17/ ح1641 ـ 2.

رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيما قال فقال لا ما أوفاني شيئا، فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: أصبت يا عليّ فلا تعد إلى مثلها، ثمّ التفت صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى القرشي وكان قد تبعه فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: هذا حكم اللّه‏ لا ما حكمت به(1).

وعلى الثاني أي على كون المراد بالحكم الأحكام الشرعية فالمراد بأبوابه هو طرق الافتاء ووجوه بيان المسائل على ما تقتضيه المصلحة فيفتون بعض الناس بالحكم الواقعي وبعضهم بالتقيّة حقنا لدمائهم أو لدماء السائلين حسبما تقدّم تفصيل ذلك أيضا في شرح الكلام الثامن والخمسين في بيان وجوه التفويض فتذكر(2).

قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون»(3)

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه‏السلام أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ عِنْدَنَا يَقُولُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»(4)إِنَّ الذِّكْرَ هُوَ التَّوْرَاةُ وَأَهْلَ الذِّكْرِ هُمْ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، فَقَالَ عليه‏السلام وَاللّه‏ِ إِذاً يَدْعُونَنَا إِلَى دِينِهِمْ بَلْ نَحْنُ وَاللّه‏ِ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللّه‏ُ تَعَالَى بِرَدِّ الْمَسْأَلَةِ إِلَيْنَا.

قَالَ وَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عليه‏السلام أَنَّهُ قَالَ: نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ(5).

وكيف كان فقد وضح وظهر ممّا قرّرنا أنّ الأئمة عليهم السّلام عندهم أبواب الحكم بأىّ معنى اخذ الحكم وأنهم عارفون بها محيطون بأقطارها، وهذا الوصف


1) .من لا يحضره الفقيه: 105/3/ ح 3425؛ وسائل الشيعة: 274/27/ ح 33759 ـ 1.

2) . مصباح السعادة: 168/6.

3) . النحل: 43.

4) . النحل: 43.

5) .تفسير الشهرستاني المسمى بـ مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار: 48/1؛ بحار الأنوار: 172/23.

مخصوص بهم لا يوجد في غيرهم، لأنّ معرفة المصالح الكامنة لا يحصل إلاّ بتأييد الهى وقوّة ربّانية مخصوصة بأهل العصمة والطهارة.

ولذلك أي لقصد الاختصاص والتخصيص قدّم عليه‏السلام المسند وقال: وعندنا أبواب الحكم.

وقال ابن أبي الحديد: «ابواب الحكم» يعني الشرعيات والفتاوى(1).

وَضِيَاءُ الْأَمْرِ

والمراد بالأمر إمّا الولاية كما كنّى به عنها كثيرا في أخبار أهل البيت عليهم‏السلام، وفي قوله تعالى واولى الأمر منكم، والضياء حينئذ بمعناه الحقيقي أي عندنا نور الامامة والولاية،

وإمّا الأوامر الشرعيّة فالضياء استعارة للحقّ لأنّ الحقّ يشبه بالنور كما أنّ الباطل يشبه بالظلمة قال سبحانه: «اللّه‏ُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ»(2)فالمقصود أنّ الأئمة عليهم السّلام عندهم حقّ الأوامر الشرعية والتّكاليف الالهية، و إليه اشير في قوله سبحانه: «أَطِيعُوا اللّه‏َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(3).

وإمّا مطلق الامور المقدّرة في الكون كما قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)أي تنزّل إلى وليّ الأمر بتفسير الامور على ما تقدّم تحقيقه بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الثانية.


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 289/7.

2) . البقرة : 257 .

3) .النساء: 59.

4) . القدر: 4.

وقال ابن أبي الحديد: «وضياء الأمر» يعني العقليات والعقائد، وهذا مقام عظيم لا يجسر أحد من المخلوقين سواه عليه‏السلام أن يدعيه، ولو أقدم أحد على ادعائه غيره لكذب، وكذّبه الناس(1).

أَلاَ وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ

لأنّها من عند واحد عليم حكيم قال تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ»(2).

وقال الصادق عليه‏السلام انّ اللّه‏ تعالى ما بعث نبيّا إلاّ وفي علمه تعالى أنّه إذا أكمل له الدين كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراما، وإنما ينقلون من خصلة إلى اخرى، ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين(3).

وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ

الأصل فيه قوله تعالى: «وَعَلَى اللّه‏ِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ»(4)

قال تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»(5).

وقال جلّ وعلا: «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(6).


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 289/7.

2) . النساء: 163.

3) . الكافي: 396/6/ ح 3.

4) . النحل: 9.

5) .الحج: 178.

6) .الأنعام: 161.

مَنْ أَخَذَ بِهَا

وسلك فيها.

لَحِقَ

ووصل المقصد.

وَغَنِمَ

في متجره قال عزّ اسمه: «وَمَنْ يُطِعِ اللّه‏َ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه‏ُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(1).

وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ

عن المقصد.

وَنَدِم

على ترك سلوكه. قال جلّ وعلا: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّه‏ِ إِنَّ اللّه‏َ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»(2).

ومن سبل الدين هو عليه‏السلام ثم المعصومون من عترته. روى (توحيد الصدوق) عن الصادق عليه‏السلام قال: قال أمير المؤنين عليه‏السلام في خطبته: «أنا الهادي، وأنا المهتدي، وأنا أبو اليتامى، والمساكين، وزوج الأرامل، وأنا ملجأ كلّ ضعيف، ومأمن كلّ خائف، وأنا قائد المؤنين إلى الجنّة، وأنا حبل اللّه‏ المتين، و أنا عروة اللّه‏ الوثقى، وكلمة


1) .النساء: 69.

2) . القصص: 50.

التقوى، وأنا عين اللّه‏، ولسانه الصادق، ويده، وأنا جنب اللّه‏ الّذي يقول: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّه‏ِ»(1)وأنا يد اللّه‏ المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة، وأنا باب حطّة من عرفني وعرف حقّي فقد عرف ربّه لأنّي وصيّ نبيّه في أرضه، وحجّته على خلقه لا ينكر هذا إلاّ رادّ على اللّه‏ ورسوله(2).

اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ

قال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللّه‏ِ باقٍ...»(3).

وقال تعالى: «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّه‏ِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً...»(4).

وقال تعالى: «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ»(5).

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‏السلام انّه قَال يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا أَعْظَمَ وَأَفْظَعَ وَأَوْجَعَ لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ـ «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»(6)يَجْمَعُ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ الى ان قال ـ ذَلِكَ يَوْمٌ لاَ تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ وَلاَ يُؤخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ وَلاَ تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ وَلاَ لِأَحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ لَيْسَ إِلاّ الْجَزَاءَ بِالْحَسَنَاتِ وَالْجَزَاءَ بِالسَّيِّئَاتِ فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ وَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ عَمِلَ فِي هَذِهِ


1) . الزمر: 56.

2) . التوحيد للصدوق: 164/ ح 2؛ بحار الأنوار: 8/4/ ح 18.

3) .النحل: 96.

4) .المزمل: 20.

5) .الحشر: 18.

6) . هود: 103.

الدُّنْيَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَه(1)

وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ

أى: تكشف ضمائر القلوب، قال تعالى إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.

فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ(2).

عن معاذ بن جبل قال سألت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وما هذه السرائر التي تبلى بها العباد في الآخرة فقال سرائركم هي أعمالكم من الصلاة والصيام والزكاة والوضوء و الغسل من الجنابة وكل مفروض لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء قال الرجل صليت ولم يصل وإن شاء قال توضأت ولم يتوضأ فذلك قوله «يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ»(3)،(4).

وَمَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّه

اللّبّ: العقل وهو مجاز، وأصله لبّ الجوز واللّوز ومثلهما(5).

قوله عليه‏السلام «و من لا ينفعه» فيه وجوه:

الأول أنّ من لم يعتبر في حياته بلبّه فأولى بأن لا ينتفع بعد الموت.

الثاني أنّ المراد من لم يعمل بما فهم وحكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلاّ ندامة وحسرة.


1) . الكافي 73/8/ ح 29؛ بحار الأنوار: 61/7/ ح 10.

2) . الطارق: 8 10.

3) . الطارق: 9.

4) . مجمع البيان: 715/10 وتفسير الصافى: 314/5.

5) .المصباح المنير: 547/2.

الثالث أنّ المراد من لم يكن له من نفسه واعظ وزاجر ولم يعمل بما فهم وعقل، فأحرى بأن لا يرتدع من القبيح بعقل غيره وموعظته له(1).

فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ

والعازب البعيد والخفيّ.

وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ

عوز الشيء: إذا لم يوجد، قيل وفي معنى كلامه عليه‏السلام (و زاجر من النّفس خير من عتاب العواذل(2)).

وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ

قال تعالى: «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ...»(3).

وقال تعالى: «عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤصَدَةٌ»(4).

وقال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ * وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ * نارٌ حامِيَةٌ»(5).

وقال تعالى: «وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الاْءِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى»(6).


1) . بحار: 222/34.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 290/7.

3) . البقرة: 24.

4) . البلد: 20.

5) . القارعة: 8 11.

6) . الفجر: 23.

وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ

قال تعالى: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»(1).

قال تعالى: «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ»(2).

وقال تعالى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد»(3).

وفى الخبر: أنّ أهل النار إذا دخلوا جهنّم هووا فيها مسيرة سبعين عاما ـ إلى أن قال ـ فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع من حديد، واعيدوا في دركها، هذه حالهم(4).

وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ

قال تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ»(5).

وقال تعالى: «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ»(6).

وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ

قال تعالى: «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ»(7).


1) .النساء: 145.

2) .الحج: 22.

3) .ق: 30.

4) . تفسير القمي: 81/2؛ بحار الأنوار: 292/8/ ح 33.

5) .الحاقّة: 30 ـ 32.

6) .الحج: 19 ـ 21.

7) . ابراهيم: 15 ـ 16.

وقال تعالى: «يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ»(1).

عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليهم‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله:

أَرْبَعَةٌ يُؤذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْأَذَى يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ يُنَادُونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا بَالُ هَؤلاَءِ الْأَرْبَعَةِ قَدْ آذَوْنَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ فِي تَابُوتٍ مِنْ جَمْرٍ وَرَجُلٌ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ وَرَجُلٌ يَسِيلُ فُوهُ قَيْحاً وَدَماً وَرَجُلٌ يَأْكُلُ لَحْمَهُ فَقِيلَ لِصَاحِبِ التَّابُوتِ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ(2)قَدْ مَاتَ وَفِي عُنُقِهِ أَمْوَالُ النَّاسِ لَمْ يَجِدْ لَهَا فِي نَفْسِهِ أَدَاءً وَلاَ وَفَاءً ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ(3)قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ لاَ يُبَالِي أَيْنَ أَصَابَ الْبَوْلُ مِنْ جَسَدِهِ ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَسِيلُ فُوهُ قَيْحاً وَدَماً مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يُحَاكِي فَيَنْظُرُ إِلَى كُلِّ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ فَيُسْنِدُهَا وَيُحَاكِي بِهَا ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي يَأْكُلُ لَحْمَهُ مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى فَيَقُولُ إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ بِالْغِيبَةِ وَيَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ(4).

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليه‏السلام قَالَ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا كَمَا يَتَعَاوَى الْكِلاَبُ وَالذِّئَابُ مِمَّا يَلْقَوْنَ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ فَمَا ظَنُّكَ يَا عَمْرُو بِقَوْمٍ لا


1) . ابراهيم: 17.

2) . أي المتباعد عن الخير وهو مسبة مشهورة ويطلق على الخائن.

3) . أي الملعون البعيد من رحمة اللّه‏ تعالى.

4) .الأمالي للصدوق: 581/ م 85/ ح 20؛ بحار الأنوار: 294/101/ ح 7.

يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها عِطَاشٍ فِيهَا جِيَاعٍ كَلِيلَةٍ أَبْصَارُهُمْ صُمٍّ بُكْمٍ عُمْيٍ مُسْوَدَّةٍ وُجُوهُهُمْ خَاسِئِينَ فِيهَا نَادِمِينَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ فَلاَ يُرْحَمُونَ مِنَ الْعَذَابِ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَفِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وَمِنَ الْحَمِيمِ يَشْرَبُونَ وَمِنَ الزَّقُّومِ يَأْكُلُونَ وَبِكَلاَلِيبِ(1)النَّارِ يُحْطَمُونَ وَبِالْمَقَامِعِ يُضْرَبُونَ وَالْمَلاَئِكَةُ الْغِلاَظُ الشِّدَادُ لاَ يَرْحَمُونَ فَهُمْ فِي النَّارِ يُسْحَبُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ مَعَ الشَّيَاطِينِ يُقَرَّنُونَ وَفِي الْأَنْكَالِ وَالْأَغْلاَلِ يُصَفَّدُونَ إِنْ دَعَوْا لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ وَإِنْ سَأَلُوا حَاجَةً لَمْ تُقْضَ لَهُمْ هَذِهِ حَالُ مَنْ دَخَلَ النَّارَ(2).

أَلاَ وَإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللّه‏ُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُه المراد أنّ تحصيل مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال من البذل والانفاق ونحوهما مما يوجب الثناء الجميل في الدّنيا والثواب الجزيل في العقبا خير من تحصيل المال وجمعه وتوريثه من لا يشكره عليه أي وارثه الذي لا يعد ذلك الايراث فضلا ونعمة لايجابه العذاب الأليم والندم الطويل وهو شاهد بالعيان معلوم بالوجدان.

قال ابن أبي الحديد في الخبر: جاء رجل إلى أمير المؤنين عليه‏السلامفأخبره أنّ مالا له قد انفجرت فيه عين خّرارة فقال عليه‏السلام مكرّرا بشّر الوارث، وكتب في تلك الساعة كتاب وقفه(3).


1) . الكلاليب جمع الكلاب والكلوب: حديدة معطوفة الرأس يجر بها الجمر.

2) . الأمالي للصدوق: 587/ م 82/ ح 14؛ بحار الأنوار: 281/8/ ح 3.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 290/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (120) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

وقد قام إليه رجل من أصحابه، فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها، فلم ندر أيّ الأمرين أرشد فصفّق عليه‏السلام إحدى يديه على الأخرى، ثم قال:

هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ ـ أَمَا وَاللّه‏ِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ ـ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ ـ الَّذِي يَجْعَلُ اللّه‏ُ فِيهِ خَيْراً ـ فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ ـ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ ـ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى ـ وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ ـ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي ـ كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ ـ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا ـ اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ ـ وَكَلَّتِ النَّزَعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيِّ ـ أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاْءِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ ـ وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ ـ وَهِيجُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا ـ وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا ـ وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا ـ وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً ـ وَصَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وَبَعْضٌ نَجَا ـ لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ ـ وَلاَ يُعَزَّوْنَ بِالْمَوْتَى ـ مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ ـ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ـ ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ ـ صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ ـ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ ـ أُولَئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ ـ

فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ ـ وَنَعَضَّ الْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ ـ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ ـ وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً ـ وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ ـ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ ـ وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ ـ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُم.

قد تقدّم في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين عند ذكر كيفية التحكيم بدء أمر الخوارج، وعرفت هناك أنّ أول خروجهم كان بصفّين بعد عقد الصّلح، وذلك أنّ أهل الشّام لما رأوا عقيب ليلة الهرير أنّ أمارات الفتح والظفر وعلامات القهر والغلبة قد ظهرت ولاحت لأهل العراق، فعدلوا عند ذلك عن القراع إلى الخداع، وبدّلوا القتال بالاحتيال، ورفعوا المصاحف على الرّماح بخديعة ابن النابغة، ونادوا اللّه‏ اللّه‏ يا معشر العرب في البنات والأبناء، والذّراري والنساء، هذا كتاب اللّه‏ بينكم وبيننا، فلما رأى ذلك أهل العراق وسمعوه، رفعوا أيديهم عن السيوف، و تركوا الجهاد، وأصرّوا على التحكيم، وكلّما منعهم أمير المؤنين عليه‏السلامونهاهم عن ذلك وحثّهم على الجهاد، لم يزددهم منعه إلاّ تقاعدا وتخاذلا، ولما رأى تخاذلهم وقعودهم عن الحرب واصرارهم على الصلح والمحاكمة وقولهم له: يا على أجب القوم إلى كتاب اللّه‏ وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان، أجابهم إليه كرها لا رغبة، وجبرا لا اختيارا.

ثمّ لما كتب صحيفة الصلح على ما تقدّم تفصيلها، وقرءها أشعث بن قيس على صفوف أهل العراق، فنادى القوم لا حكم إلاّ اللّه‏ لا لك يا علي ولا لمعاوية، وقد كنا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين، قد بان لنا خطائنا فرجعنا إلى اللّه‏ وتبنا فارجع أنت وتب إلى اللّه‏ كما تبنا، فقال عليّ عليه‏السلام ويحكم أبعد الرّضا والميثاق

والعهد نرجع؟ أ ليس اللّه‏ قد قال: أوفوا بالعقود، فأبى عليّ عليه‏السلام أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه(1).

فمن ذلك نشأت الشبهة لهم، واعترضوا عليه عليه‏السلام.

قال نافع بن كليب: دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤنين علي رضي اللّه‏ عنه، فإني لجالس تحت منبره، وعليه عمامة سوداء، وهو يقول: انظروا هذه الحكومة، فمن دعا إليها فاقتلوه وإن كان تحت عمامتي هذه! فقال له عدي بن حاتم: قلت لنا أمس: من أبى عنها فاقتلوه. وتقول لنا اليوم: من دعا إليها فاقتلوه!و اللّه‏ ما ندري ما نصع بك؟و قام إليه رجل أحدب من أهل العراق فقال: أمرت بها أمس وتنهى عنها اليوم، فأنت كما قال الأول: آكلك وأنا أعلم ما أنت. فقال على: إلي يقال هذا.

أصبحت أذكر أرحاما وآصرة بدلت منها هويّ الرّيح بالقصب(2)

أما واللّه‏ لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به، ونهيتكم عما نهيتكم عنه، حملتكم على المكروه الذي جعل اللّه‏ عاقبته خيرا إذا كان فيه، لكانت الوثقى التي لا تقلع، و لكن بمن؟و إلى من؟ [أريد أن ] أداوي بكم [و أنتم دائي إني واللّه‏ بكم كناقش(3)الشّوكة بالشوكة، يا ليت لي بعض قومي وليت لي من بعد خير قومي، اللهم إن دجلة والفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك، وانزع منهما بصرك؛ ويل للترعة(4)يا أشطان الرّكيّ(5).[أين الذين] دعوا إلى الإسلام


1) .وقعة صفين: 514؛ بحار الأنوار: 545/32.

2) . هويّ الريح: هبوبها.

3) . نقش الشوكة: أخرجها.

4) . الترعة: الذين يترعون الدلاء.

5) .الأشطان: حبال الدلاء. والركىّ: البئر.

فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحسنوه، ونطقوا بالشعر فأحكموه وهيجوا إلى الجهاد فولهوا [و له] اللقاح [إلى] أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها ضربا ضربا، [وأخذوا

بأطراف الأرض] زحفا زحفا، لا يتباشرون بالأحياء، ولا يعزّون على القتلى ولا يغيرون على العلي.

أولئك إخواني الذاهبون *** فحقّ البكاء لهم أن يطيبا

رزقت حبيبا على فاقة *** وفارقت بعد حبيب حبيبا!

ثم نزل تدمع عيناه؛ فقلت إنا للّه‏ وإنا إليه راجعون على ما صرت إليه! فقال: نعم، إنا للّه‏ وإنا إليه راجعون!أقوّمهم واللّه‏ غدوة ويرجعون إلى عشية مثل ظهر الحية، حتى متى؟ وإلى متى؟ حسبي اللّه‏ ونعم الوكيل!(1)

وقد قام إليه رجل من أصحابه

قد عرفت من رواية العقد انه كان رجلا احدب.

فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها، فلم ندر أيّ الأمرين (الحكومة

وتركها) أرشد

أى اقرب الى الصواب.

فصفّق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى

أى ضرب.


1) . العقد الفريد: 162/4.

ثم قال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ

أى استحكام الامر كمن يشدّ الشيء بحبل.

قال ابن أبي الحديد: في هذا الكلام اعتراف بأنّه ظهر له ـ في ما بعد ـ أنّ الرأي الأصلح كان الاصرار والثبات على الحرب، وأنّ للإمام أن يعمل بموجب ما يغلب على ظنّه، فلما نهاهم كان نهيه مصلحة، ولما أمرهم كانت المصلحة في ظنّه قد تغيّرت، كالطبيب الذي ينهى المريض اليوم عن أمر ويأمره بمثله غدا(1).

لكن هو تفسير غلط، كغلط اعتراض المعترضين، فنهاهم أوّلا عن الحكومة لكونها مفسدة محضة، ولما أجبروه عليها وعقد عهدا، نهاهم عن نقض العهد، لا أنّه أمرهم بالحكومة، فلمّا كتبوا كتاب الصلح وندموا قام محرز بن حريش ـ كما في (صفّين نصر) ـ وقال له عليه‏السلام: ما إلى الرجوع من هذا الكتاب سبيل؟ فو اللّه‏ إنّي لأخاف أن يورث ذلاّ، فقال عليه‏السلام: أمّا بعد أن كتبناه ننقضه، إنّ هذا لا يحلّ(2).

ولا غرو أن يعترضوا عليه عليه‏السلام، فقد اعترض فاروقهم على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهيوم الحديبية، ففي (الطبري) ـ بعد ذكر كتابة الصلح بين النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهوقريش في الحديبية ـ: أتى عمر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقال له: أ لست برسول اللّه‏ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال له النبي صلّى اللّه‏ عليه و آله: أنا عبد اللّه‏ ورسوله، لن اخالف أمره ولن يضيعني(3).

وكان علي عليه‏السلام ذات يوم في خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد،


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 292/7.

2) . وقعة صفين: 519.

3) .تاريخ الطبري: 280/2.

فقال علي عليه‏السلام: اللّه‏ أكبر، كلمة حق يراد بها باطل، إن سكتوا عممناهم، وإن تكلّموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: اللّهم إنّا نعوذ بك من اعطاء الدنية في ديننا، فإنّ إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر اللّه‏، وذلّ راجع بأهله إلى سخط اللّه‏....(1)

وفي (ملل الشهرستانى): شبهات امّة كل نبي في آخر زمانه ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه، فإن خفي علينا ذلك في الامم السالفة، فلم يخف في هذه الامة أنّ شبهاتها نشأت من شبهات منافقي زمان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، إذ لم يرضوا بحكمه في ما كان يأمر وينهى...(2).

ومن العجب أنّ الناس لم يريدوا أمير المؤنين الذي كان نفس النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله علما وعملا، وأرادوا عمر الذي منع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الوصية قائلا: إنّه يهجر(3)وصار سببا لحصول هذه الفرق الباطلة، مع أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: «أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدى»(4).

فلما خطبهم قيس بن سعد بن عبادة بعد غدر الحكمين، وقال لهم: عودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم. قال عبد اللّه‏ بن شجرة السلمي له: إنّ الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر(5).

قاتلهم اللّه‏، يكفّرون أمير المؤنين عليه‏السلام بحكمية القرآن، ولا يكفّرون عمر بحكمية عبد الرحمن بن عوف، حتى يختار لإمامتهم رئيس بني امية، حتى


1) . تاريخ الطبري: 53/4.

2) . الملل والنحل: 1/ 21.

3) . الطرائف: 432/2.

4) . الطرائف: 432/2.

5) .تاريخ الطبري: 62/4.

يتخذوا دين اللّه‏ دغلا وعباده خولا.

ويقول أبو سفيان يوم بويع عثمان بتدبير عمر: تداولوا الخلافة بينكم تداول الكرة فلا جنّة ولا نار(1)ويصلّى الوليد بن عقبة ـ أخا عثمان لامّه أيام ولايته على الكوفة من قبله ـ بالناس سكران، ويصلّي الصبح بهم أربعا، ويقول: لو شئتم أزيدكم على الأربع(2).

وإذا اسس الأمر على ولاية صدّيقهم وفاروقهم يصير المرجع هكذا.

ومن العجب أنّهم كانوا يرجّحون سنّتهما على سنّة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فلمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتاه عليه‏السلام أصحابه وقالوا له: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت. فشرط لهم سنّة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فجاءه ربيعة بن أبى شداد الخثعمي ـ وكان شهد معه الجمل وصفّين، ومعه راية خثعم ـ فقال عليه‏السلامله: بايع على كتاب اللّه‏ وسنّة رسوله. فقال له ربيعة: على سنّة أبي بكر وعمر. فقال عليه‏السلام له: ويلك لو أنّ أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب اللّه‏ وسنّة رسوله لم يكونا على شيء من الحق، أما واللّه‏ لكأنّي بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأنّي بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة، ووطئته الخيل وشدخوا وجهه ورأسه(3).

كما أنّ أبا موسى يقول لعمرو بن العاص: نخلع عليّا ونحيي سنّة عمر(4).

لكن لا غرو هذه سنّة فطرية: كلّ يميل إلى سنخه، وكلّ يعمل على شاكلته، فأبو


1) . الإحتجاج: 275/1؛ بحار الأنوار: 78/44.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 230/17؛ بحار الأنوار: 159/31.

3) .تاريخ الطبري: 56/4.

4) . تاريخ الطبري: 51/4.

موسى الذي شهد حذيفة صاحب سر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بنفاقه، وسعد والمغيرة بن شعبة ونظراؤم ـ من الذين اتفق على نفاقهم ـ لم يريدوا غير عمر، كما أنّ سلمان وأبا ذر والمقداد وعمّار وحذيفة ونظراءهم ـ ممّن اتفق على إيمانه ـ لم يريدوا غير أمير المؤنين عليه‏السلام.

وخطب الحجاج فقال: يا أهل العراق بلغني أنّكم تروون أنّ من ملك على عشرة رقاب من المسلمين جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يفكّه العدل أو يوبقه الجور، وايم اللّه‏ إنّي لأحب إليّ أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولا، من أحشر معكم مطلقا(1).

ونظير عدم تمييزهم بين نهيه عن الحكومة، وأمره بالوفاء بالعهد بعد الكتابة: أنّ شيعته عليه‏السلام لما بايعوه ثانية وقالوا له: «نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت» قالوا لهم: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع معاوية أهل الشام على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليّا على أنّكم أولياء من والى وأعداء من عادى. ـ ومعلوم أنّه عليه‏السلام لم يحب إلاّ كتاب اللّه‏ وسنّة نبيّه، ولم يكره إلاّ تركهما، كما أنّ معاوية بالعكس ـ وأجابهم زياد بن النضر من شيعته فقال لهم: واللّه‏ ما بسط عليّ عليه‏السلاميده فبايعناه إلاّ على كتاب اللّه‏ وسنّة نبيّه، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل(2).

ولكونه عليه‏السلام كذلك ترك يوم الشورى حقّه لمّا أراد ابن عوف ـ حكم عمر منه ـ قبول سنّة أبي بكر وعمر(3)، كما أنّ معاوية قال لهم عام الجماعة: ما بايعتكم على أن


1) .العقد الفريد: 304/5 ـ 305.

2) .تاريخ الطبري: 46/4 ـ 47.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 188/1؛ بحار الأنوار: 399/31.

تصلّوا وتصوموا، بل لأتأمّر عليكم(1).

وقال: كلّ ما شرطت في بيعة الحسن فهو تحت قدمي(2).

ومن العجب أنّهم رووا من صدّيقهم وفاروقهم، وكذا ذي نوريهم في الست الاولى من خلافته الذين تولوه فيها، تلك الخزايا المذكورة في محلّها، والمطوقة عليهم طوق الحمام ولم يقولوا شيئا. وامّا طعنهم عليه في السني الأخيرة حتى قتلوه فلم يكن غضبا للّه‏ بل لأنفسهم، حيث خصّ الدنيا ببني امية، حتى إنّه عزل عمرو بن العاص(3).

وبخس عايشة زيادة يعطيها أبوها وعمر(4).وأمّا بالنسبة إليه عليه‏السلام فأجبروه على التحكيم، وقالوا له: إنّ قتال معاوية الغدّار ولعين(5)النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمّا قال لهم مكرا وخديعة: «بيننا كتاب اللّه‏»(6)كفر. ثم قالوا له بعد الإجبار: إنّ قبوله عليه‏السلام الحكم بالقرآن كفر، وبيعة الناس له على الكتاب والسنّة كفر. ولا غرو فإنّ فرعون الذي استخف قومه فقال لهم:... «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى»(7)لم يقولوا له: أنت بشر مثلنا. ويقول فرعون لموسى ـ لمّا قال له: أنا رسول من ربكم إليكم ـ إيت بآية إن كنت من الصادقين. فأتاه بآيتين عظيمتين، فقالوا له: أنت ساحر عليم(8). ومن العجب أنّهم لم يقبلوا من أمير المؤنين عليه‏السلام أن يحكّم ابن عباس، و يقولون


1) .الصراط المستقيم: 48/3.

2) . الإرشاد: 14/2؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15/16؛ بحار الأنوار: 49/44.

3) .الاستيعاب: 919/3.

4) .تاريخ اليعقوبي: 175/2.

5) . وقعة صفين: 220؛ بحار الأنوار: 190/33/ ح 473 .

6) . وقعة صفين: 478؛ بحار الأنوار: 530/32/ ح 447.

7) . النازعات: 24.

8) . معنى الآيات 104 ـ 109 من سورة الأعراف.

له: إنّه مثلك. مع أنّ بينه عليه‏السلام وبين ابن عباس ما بين السماء والأرض، ولم يقولوا لمعاوية: لا نقبل حكمية عمرو بن العاص ـ مع أنّهما كانا كنفس واحدة، من طفولتيهما إلى موتهما ـ ونقاتلك حتى تحكّم حكما عدلا.

أَمَا وَاللّه‏ِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللّه‏ُ فِيهِ خَيْراً

قال تعالى: «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُم»(1).

فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى

قوله عليه‏السلام «لكانت الوثقى» جواب لو الشرطية أي لو كان كذلك لكان خيراً موثوقاً به والمعنى انّى لو الزمتكم عليه واجبرتكم على الجهاد لا يخلو حالكم عن ثلاث، اِمّا الإستقامة على الدين والجرى على ما امرتكم به، واِمّا الاعوجاج عن طريق الهدى، والثالث الإباء والإمتناع عن قبول الحق ففى الصورة الاولى هديتكم فإنّ من استقام على طريق الحق يستعدّ للهداية والارشاد وفى الثانية قوّمتكم بالسيف وغيره وفى الثالثة تداركتكم ثانياً وثالثاً حتى رجعتم الى الرّشد والصّلاح فلو فعلت بكم هذا لكانت الوثقى لكن بمن كنت استعين والى من كنت اَعتمد.

وحاصل المعنى انّه عليه‏السلام كان عالماً بما هو الأصلح والأنفع بحالهم ألاّ انّ قلّة الأعوان والأنصارو كثرة المنافقين في اصحابه كانت مانعة عن بلوغه عليه‏السلام الى


1) . البقرة: 216.

مقصده كما يشير به قوله عليه‏السلام «لكن بمن والى من».

قال ابن أبي الحديد معنى قوله: «اما واللّه‏...» أى: لو كنت أحملكم على الحرب فإن استقمتم اهتديتم، وإن اعوججتم بفتور وقلّة جد قوّمتكم بالتحريض، وإن امتنعتم تداركت الأمر، إمّا بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب، كانت هي العقدة الوثقى. أى: الرأي الأصوب(1).

لكن هذا غلط منه، فإنّ المراد إنّما هو أنّه عليه‏السلام لو كان فعل ذلك كان العقدة الوثقى، أى: الاستحكام الكامل للأمر حتى لا يؤ إلى ما آل، إذا كان متمكّنا من ذلك، ولكن لم يتمكن كما قال بعد: «و لكن بمن وإلى من...».

ومن الغريب أنّ ابن أبي الحديد مع ادعائه المعرفة قال ـ تفريعا على تفسيره الغلط ـ : إنّ عليّا عليه‏السلام ما أخطأ، بمعنى: ارتكاب الإثم، ولكنّه ترك الرأي الأصوب، كما قال الحسن البصرى: «هلا مضيت قدما لا أبا لك» وقد قيل: إنّ قول عليّ عليه‏السلام

لقد عثرت عثرة لا انجبر *** سوف اكيس بعدها واستمر

واجمع الرأي الشتيت المنتشر

إشارة إلى هذا المعنى. وقيل فيه غير ذلك، وقال الجاحظ: من عرفه عرف أنّه غير ملوم في الانقياد معهم إلى التحكيم، فإنّه ملّ من القتل وتجريد السيف ليلا ونهارا، وملّت الخيل من تقحّم الأهوال بها، وضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة والارزاء العظيمة، واستلاب الأنفس وتطاير الأيدي والأرجل بين يديه، وأكلت الحرب أصحابه وأعداءه وعطلت السواعد، وخدرت التي سلمت من وقايع السيوف بها، ولو أنّ أهل الشام لم يستعفوا من الحرب ويستقيلوا من المقارعة


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 292/7 ـ 293.

والمصادمة، لأدت الحال إلى قعود الفيلقين معا، ولزومهم الأرض والقائهم السلاح...(1).

قلت: الحسن البصري والجاحظ أيضا غلطا. أمّا قول الحسن: «هلا مضيت قدما» أين يمضي قدما فكانوا يقتلونه لو كان مضى، وقد أراد الأشتر المضي فما خلوه، وأجبروه عليه‏السلام على منعه، فقال إبراهيم بن الاشتر لمصعب: كنت عند علي عليه‏السلام حين أكرهه الناس على الحكومة، وقالوا له: ابعث إلى الأشتر فليأتك. فأرسل، فقال لرسوله: قل له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إنّي قد رجوت أن يفتح لي، فلا تعجلني. فرجع الرسول إليه، وقال له، قالوا له عليه‏السلام: لترسلنّ إلى الأشتر فليأتينّك، أو لنقتلنّك كما قتلنا ابن عفان. فرجع الأشتر وقال لهم: أمهلوني عدو فرس. قالوا: اذن ندخل في خطيئتك(2).

وأنّ الخوارج اعترضوا عليه اعتراضات، فأجابهم عنها، ومنها: وأمّا قولكم: إنّي لم أضربكم بسيفي يوم صفّين حتى تفيئوا إلى أمر اللّه‏، فإنّ اللّه‏ عز وجل يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»(3).وكنتم عددا، وأنا وأهل بيتي في عدّة يسيرة(4).

وأمّا قول الجاحظ، فكيف كان عليه‏السلام يملّ من الحرب وقد كان كتب إلى معاوية: جاءني كتابك تذكر أنّك لو علمت وعلمنا أنّ الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت، لم يجنها بعضنا على بعض. فإنّا وإيّاك منها في غاية لم تبلغها بعد، وإنّي لو قتلت في ذات اللّه‏ وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرّة، لم أرجع عن الشدّة في ذات اللّه‏،


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 293/7 ـ 294.

2) .وقعة صفين: 490 491؛ بحار الأنوار: 32/ 533 ـ 534.

3) .البقرة: 195.

4) . بهج الصباغة: 388/10 عن العقد الفريد.

والجهاد لأعداء اللّه‏(1).

وفيه: انّ رجلا من أهل الشام خرج بين الصفّين، ودعاه عليه‏السلام فخرج إليه فقال له عليه‏السلام: إنّ لك قدما في الإسلام وهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخير هذه الحروب ترجع ونرجع. فقال عليه‏السلام له: لقد عرفت أنّك إنّما عرضت هذا نصيحة وإشفاقا، ولقد أهمّني هذا الأمر و أسهرني، وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلاّ القتال، أو الكفر بما أنزل على محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، إنّ اللّه‏ تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجات الأغلال في جهنم. فرجع الشامي وهو يسترجع(2).

نعم ما ذكره من ملل أصحابه صحيح، وهو السبب في إجبارهم له على القبول.

وفيه: في رجوعه عليه‏السلام عن صفين: لقي عليه‏السلام عبد اللّه‏ بن وديعة الأنصاري، قال: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا قال: يقولون: إنّ عليّا كان له جمع عظيم ففرّقه، وحصن حصين فهدمه، فحتى متى يبني مثل ما قد هدّم، ويجمع مثل ما قد فرّق فلو أنّه كان مضى بمن أطاعه ـ إذ عصاه من عصاه ـ فقاتل حتى يظهره اللّه‏ أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم. فقال علي عليه‏السلام: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرّقت أم هم تفرّقوا؟ وأمّا قولهم: لو أنّه مضى بمن أطاعه ـ إذ عصاه من عصاه ـ يقاتل حتى يظفر أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم، فو اللّه‏ ما غبى عن رأيي ذلك، وإن كنت سخي النفس عن الدنيا، طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام فنظرت إلى


1) .وقعة صفين: 471؛ بحار الأنوار: 104/33.

2) . وقعة صفين: 474؛ بحار الأنوار: 526/32.

هذين قد استقدماني، فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من هذه الامّة. فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا، ولقد علمت أنّ لولا مكاني لم يستقدما ـ يعني ابنيه الحسنين عليهماالسلام ـ وايم اللّه‏ لئن لقيتهم بعد يومي هذا، لقيتهم وليسا معي في عسكر....(1)

وكيف يمكنه عليه‏السلام المضي ولم يقنعوا بجبره على ترك الحرب، فأجبروه على جعل أبي موسى ـ مع عداوته معه ومبغضيته له عليه‏السلام ـ حكما له عليه‏السلام.

وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي

فجمع من أصحابه صاروا خوارج كفّروه بقبوله حكمية القرآن، وجمع أغلقوا أبوابهم على أنفسهم، كلّما حرّضهم لم يتحرّكوا.

كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ

نقشت عن الشوكة: إذا كشفت عنها اللحم والجلد حتى تستخرجها بالمنقاش، وأصل النقش: استقصاؤ الكشف عن الشيء، ومنه الحديث: من نوقش الحساب عذب(2).

وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا

أى: ميل المنقوش بها مع المنقوش عنها وفي المثل: «لا تنقش الشوكة بالشوكة، فإنّ ضلعها معها»: يضرب للرجل يخاصم الآخر، فيقول: اجعل بيني وبينك فلانا.


1) . وقعة صفين: 529 530؛ بحار الأنوار: 552/32.

2) .جمهرة اللغة: 876/2.

لرجل يهوى هواه(1).

اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ

هو كقوله عليه‏السلام ـ في موضع آخر ـ : ما داؤم وما دواؤم.

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عليه‏السلام قَالَ: دَاوَيْتُ الْمَرْضَى فَشَفَيْتُهُمْ بِإِذْنِ اللّه‏ِ وَأَبْرَأْتُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللّه‏ِ وَعَالَجْتُ الْمَوْتَى فَأَحْيَيْتُهُمْ بِإِذْنِ اللّه‏ِ وَعَالَجْتُ الْأَحْمَقَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى إِصْلاَحِه(2).

وَكَلَّتِ

أى: أعيت.

النَّزَعَةُ

جمع النازع: من نزع الدلو من البئر.

بِأَشْطَانِ

جمع الشطن: الحبل الطويل.

الرَّكِيِّ

أى: البئر.


1) . الصحاح: 1251/3.

2) .الاختصاص: 221؛ بحار الأنوار: 323/14/ ح 35.

أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاْءِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ

عن عمر بن سعد، عن مسلم الملاي، عن حبة العرني، قال: لما نزل علي عليه‏السلام

الرقة بمكان يقال له: بليخ، على جانب الفرات، نزل راهب من صومعته، وقال له عليه‏السلام: إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا، كتبه عيسى بن مريم عليه‏السلام، أعرضه عليك قال علي عليه‏السلام: نعم، فما هو قال الراهب: بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم الذي قضى ما قضى وسطر ما سطر: أنّه باعث في الاميين رسولا منهم، يعلّمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل اللّه‏، لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، امّته الحمادون الذين يحمدون اللّه‏ على كلّ نشز، وفي كلّ صعود وهبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير، وينصره اللّه‏ على كلّ من ناواه، فاذا توفّاه اللّه‏ اختلفت امّته ثم اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء اللّه‏ ثم اختلفت، فيمرّ رجل بشاطى‏ء هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي بالحق، ولا يرتشي في الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ، يخاف اللّه‏ في السرّ وينصح له في العلانية، ولا يخاف في اللّه‏ لومة لائم، من أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فآمن به، كان ثوابه رضواني والجنّة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره، فإنّ القتل معه شهادة. فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك. فبكى علي عليه‏السلام ثم قال: الحمد للّه‏ الذي لم يجعلني عنده منسيّا، الحمد للّه‏ الذي ذكرني في كتب الأبرار.

ومضى الراهب معه، وكان في ما ذكروا يتغدى مع عليّ عليه‏السلامويتعشى، حتى اصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم، قال عليّ عليه‏السلام: اطلبوه. فلما

وجدوه صلّى عليه ودفنه، وقال: هذا منّا أهل البيت. واستغفر له مرارا(1).

وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَهِيجُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا

جمع اللقحة واللقوح، أى: الناقة الدرور والحلوب، قال ابو عمرو: إذا نتجت الناقة فهي لقوح، شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون(2).

وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا

كناية عن مقاتلتهم واستماتتهم. وكان الأشتر يقاتل وفي يده صفحية يمانية، إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا، وإذا رفعها كان يغشي البصر شعاعها، يضرب بسيفه قدما وهو يقول: «غمرات ثم ينجلين» فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي، فدنا منه وقال له: جزاك اللّه‏ عن أمير المؤنين، وجماعة المسلمين خيرا. وقال منقذ الناعطي لأخيه حمير: ما في العرب رجل مثل هذا(3).

وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَصَفّاً صَفّاً

أى: يجرّون أنفسهم إلى العدو، كالصبي الذي يزحف على الأرض قبل أن يمشي.

خرج عمّار إلى القتال وصفّت الخيول وزحف الناس، وعلى عمّار درع وهو يقول: أيّها الناس الرواح إلى الجنة. فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله، وكثرت القتلى حتى أن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد رجل أو رجله(4).


1) . وقعة صفين: 147؛ بحار الأنوار: 58/38.

2) . الصحاح: 401/1.

3) . وقعة صفين: 254 ـ 255.

4) . وقعة صفين: 339؛ بحار الأنوار: 30/33.

وقال الأحنف: كنت إلى جانب عمّار، حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة فقال له عمّار: احمل فداك أبي وامي. فقال له هاشم: رحمك اللّه‏ إنّك رجل تأخذك خفة في الحرب، وإنّي إنّما أزحف باللواء زحفا وأرجو أن أنال بذلك حاجتي، وإنّي إن خففت لم آمن الهلكة. وقد كان معاوية قال لعمرو: ويحك إنّ اللواء اليوم مع هاشم، وقد كان من قبل يرقل به إرقالا، وإنّه إن زحف به اليوم أنّه لليوم الأطول لأهل الشام(1).

بَعْضٌ هَلَكَ

كزيد بن صوحان في الجمل، وعمّار والمرقال وابن بديل من المعروفين في صفين.

وَبَعْضٌ نَجَا

قال تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر»(2).

كالأشتر ومحمّد بن أبي بكر من معروفيهم، نجيا من القتل في الجمل وصفين، ولكن استشهدا بعد.

قال الاشتر لمذحج: عليكم بهذا السواد الأعظم، فإنّ اللّه‏ لو قد فضه تبعه من بجانبيه، كما يتبع (مؤر) السيل مقدمه. قالوا: خذ بنا حيث أحببت. واستقبله سنام من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل، وكانوا صبروا في ميمنة عليّ عليه‏السلامحتى اصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسا، كلّما قتل منهم رجل أخذ


1) .وقعة صفين: 340؛ بحار الأنوار: 31/33.

2) .الأحزاب: 23.

الراية آخر(1)ـ إلى أن قال ـ اذ مرّ الأشتر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر، فقال: من هذا قيل: زياد بن النظر، استلحم(2)هو وأصحابه في الميمنة، فتقدّم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا وقاتل حتى صرع. ثم لم يمكثوا إلاّ كلا شيء حتى مرّوا بيزيد بن قيس محمولا إلى العسكر، فقال: من هذا قالوا: يزيد بن قيس، لما صرع زياد بن النضر رفع لأهل الميمنة رايته، فقاتل حتى صرع، فقال الأشتر: هكذا واللّه‏ الصبر الجميل، والفعل الكريم(3).

لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَلاَ يُعَزَّوْنَ بِالْمَوْتَى

المراد بمن لا يبشر ولا يعزى: من كان من غير الأشراف من المؤنين، عن الباقر عليه‏السلام لجابر الجعفى: شيعة عليّ عليه‏السلام من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس وان مات جوعا، اولئك الخفيفة عيشتهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، وان مرضوا لم يعادوا، في قبورهم يتزاورون. فقال له جابر: أين أطلبهم قال: في أطراف الأرض، وبين الأسواق(4).

مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ

قال أبو عبيدة: المرهة: البياض الذي لا يخالطه غيره وإنّما قيل للعين التي ليس


1) . وقعة صفين: 252؛ بحار الأنوار: 471/32.

2) . استلحم، بالبناء للمفعول: احتوشه العدو في القتال.

3) . وقعة صفين: 253 ـ 254.

4) . صفات الشيعة: 13 14 / ح 25؛ بحار الأنوار: 168/65/ ح 28.

فيها كحل: مرهاء، لهذا المعنى(1).

قَالَ الْحُسَيْنُ عليه‏السلام: مَا دَخَلْتُ عَلَى أَبِي قَطُّ إِلاّ وَجَدْتُهُ بَاكِيا وَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بَكَى حِينَ وَصَلَ فِي قِرَاءَتِهِ ـ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهِيداً

وَقَالَ عليه‏السلام مَا مِنْ قَطْرَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللّه‏ِ مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ خَرَجَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللّه‏ِ وَمِنْ قَطْرَةِ دَمٍ سُفِكَتْ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ وَمَا مِنْ عَبْدٍ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللّه‏ِ إِلاّ سَقَاهُ اللّه‏ُ مِنْ رَحِيقِ رَحْمَتِهِ وَأَبْدَلَهُ ضَحِكاً وَسُرُوراً فِي جَنَّتِهِ وَرَحِمَ اللّه‏ُ مَنْ حَوْلَهُ وَلَوْ كَانَ عِشْرِينَ أَلْفاً وَمَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ فِي خَشْيَةِ اللّه‏ِ إِلاّ حَرَّمَ اللّه‏ُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ وَإِنْ أَصَابَتْ وَجْهَهُ وَلَمْ يَرْهَقْهُ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ وَلَوْ بَكَى عَبْدٌ فِي أُمَّةٍ لَنَجَّى اللّه‏ُ تِلْكَ الْأُمَّةَ بِبُكَائِهِ.

وَقَالَ عليه‏السلام مَنْ بَكَى مِنْ ذَنْبٍ غَفَرَ اللّه‏ُ لَهُ وَمَنْ بَكَى خَوْفَ النَّارِ أَعَاذَهُ اللّه‏ُ مِنْهَا وَمَنْ بَكَى شَوْقاً إِلَى الْجَنَّةِ أَسْكَنَهُ اللّه‏ُ فِيهَا وَكَتَبَ لَهُ أَمَاناً مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَمَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللّه‏ِ حَشَرَهُ اللّه‏ُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.(2)

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلاّ وَلَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ إِلاّ الدُّمُوعَ فَإِنَّ الْقَطْرَةَ مِنْهَا تُطْفِئُ بِحَاراً مِنْ نَارٍ وَإِذَا اغْرَوْرَقَتِ الْعَيْنُ بِمَائِهَا لَمْ يَرْهَقْ وَجْهَهُ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ فَإِذَا فَاضَتْ حَرَّمَهُ اللّه‏ُ عَلَى النَّارِ وَلَوْ أَنَّ بَاكِياً بَكَى فِي أُمَّةٍ لَرُحِمُوا(3).


1) .الصحاح: 2249/6.

2) . ارشاد القلوب: 97/1.

3) .جامع الأخبار للشعيرى: 97؛ بحار الأنوار: 331/90/ ح 14.

وعن أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُكَ وَدَمَعَتْ عَيْنَاكَ وَوَجِلَ قَلْبُكَ فَدُونَكَ(1)دُونَكَ فَقَدْ قُصِدَ قَصْدُكَ(2)،(3).

خُمْصُ الْبُطُونِ

أى: ضامرة.

مِنَ الصِّيَامِ

عن لؤؤة مولاة امّ الحكم بنت عمّار: لمّا كان اليوم الذي قتل فيه عمّار، كان معه ضيح من لبن، ينتظر وجوب الشمس أن يفطر، فحين وجبت شرب الضيح وقال: سمعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن» ثم اقترب فقاتل حتى قتل(4).

وزاد (الارشاد) في وصف شيعته عليه‏السلام: حدب الظهور من القيام(5).

قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإنّ الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه‏ وإنّه ليس من عمل أحبّ إلى اللّه‏ من جوع وعطش»


1) . أي خذه فهو دونك وقريب منك يقال: هذا دونه أي قريب منه فهو اغراء والتكرير للمبالغة.

2) . القصد اتيان الشيء، تقول: قصدته وقصدت إليه بمعنى وقصدت قصده أي نحوت نحوه. والظاهر «قصد» على البناء للمفعول وقصدك مفعول مطلق نائب مناب الفاعل مضافا الى المفعول يعنى إذا ظهر هذه العلامات فعليك بالدعاء وطلب الحاجات والاستغفار لان اللّه‏ سبحانه قد أقبل عليك بالرحمة وتوجه إليك بالاجابة والمغفرة.

3) .الخصال: 82/1/ ح 6؛ بحار الأنوار: 334/90/ ح 5.

4) .المنتخب من ذيل المذيل الطبري: 15.

5) . الارشاد: 237/1.

وقيل يا رسول اللّه‏: أي الناس أفضل؟ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: من قلّ مطعمه وضحكه ورضى بما يستر به عورته وقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: سيّد الأعمال الجوع وذلّ النّفس لباس الصّوف وقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: كلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنّه جزء من النّبوّة، وقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: قلَّة الطَّعام هي العبادة وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إنّ اللّه‏ تعالى يباهي الملائكة بمن قلّ مطعمه ومشربه في الدّنيا يقول اللّه‏ تعالى انظروا إلى عبدي ابتليته بالطَّعام والشّراب

في الدّنيا فصبر وتركهما اشهدوا يا ملائكتي ما من أكلة يدعها إلاّ أبدلته بها درجات في الجنّة وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إنّ أقرب النّاس من اللّه‏ عزّ وجلّ يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدّنيا.

وروى جاءت فاطمة عليها السلام بكسرة خبز إلى رسول اللّه‏ صلى اللّه‏ عليه وسلم، فقال «ما هذه الكسرة؟» قالت قرص خبزته، ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فقال رسول اللّه‏ صلى اللّه‏ عليه وسلم «أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام»

وكانت بعض زوجاته تقول: إن رسول اللّه‏ صلى اللّه‏ عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا(1).

ذُبُلُ

«ذبل» من: ذبل البقل، أى: زوى.

الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ

قتل عبداللّه‏ بن كعب المرادي في صفّين، فمرّ به الأسود المرادي بآخر رمق،


1) .احياء العلوم: 147/8 ـ 150.

فقال له: أما واللّه‏ أن كان جارك ليأمن بوائقك، وأن كنت من الذاكرين اللّه‏ كثيرا، أوصني رحمك اللّه‏. فقال: اوصيك بتقوى اللّه‏، وأن تناصح أمير المؤنين عليه‏السلام، وقاتل معه المحلين(1).

قال في المصباح: دعوت: اللّه‏ (أدعوه) (دعاء) ابتهلت إليه بالسؤل، ورغبت فيما عنده من الخير(2)، وقد يطلق الدعاء على الذكر أيضا كما روي عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله:

أفضل الدعاء الحمد للّه‏(3).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ الدُّعَاءُ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ قَالَ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام رَجُلاً دَعَّاءً(4).

وعَنْ سَيْفٍ التَّمَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّكُمْ لاَ تَقَرَّبُونَ بِمِثْلِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا صَغِيرَةً لِصِغَرِهَا أَنْ تَدْعُوا بِهَا إِنَّ صَاحِبَ الصِّغَارِ هُوَ صَاحِبُ الْكِبَارِ(5).

وعَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فَقَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يُسْئَلَ وَيُطْلَبَ مِمَّا عِنْدَهُ وَمَا أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَى اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْأَلُ مَا عِنْدَهُ(6).

وعَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: إِنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ـ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ


1) .تاريخ الطبري: 32/4.

2) . مصباح المنير: 194/2.

3) .مرآة العقول: 1/12.

4) . الكافي: 467/2/ ح 8؛ بحار الأنوار: 297/90/ ح 24؛ بحار الأنوار: 304/90.

5) .الكافي: 467/2/ ح 6؛ بحار الأنوار: 303/90.

6) . الكافي: 466/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 294/90.

عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ قَالَ هُوَ الدُّعَاءُ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ قُلْتُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ قَالَ الْأَوَّاهُ هُوَ الدَّعَّاءُ(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: الدُّعَاءُ سِلاَحُ الْمُؤمِنِ وَعَمُودُ الدِّينِ وَنُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ(2).

وعَنِ الرِّضَا عليه‏السلام أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ عَلَيْكُمْ بِسِلاَحِ الْأَنْبِيَاءِ فَقِيلَ وَمَا سِلاَحُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الدُّعَاءُ(3).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: الدُّعَاءُ أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ الْحَدِيدِ(4).

صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ

أى: الأرق وعدم النوم.

عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ

قال ذو الكلاع الحميري ـ وهو من أصحاب معاوية لأبي نوح الحميري، وهو من أصحاب علي عليه‏السلام ـ : حدّثنا عمرو بن العاص في إمارة عمر بن الخطاب أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: «يلتقي أهل الشام وأهل العراق، وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى، ومعه عمّار». فقال له أبو نوح: إنّ عمّارا لفينا ـ إلى أن قال ـ بعد مسير أبي نوح مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص بالأمان ـ فقال له عمرو إنّي لأرى عليك


1) . الكافي: 466/2/ ح 1 وعدة الداعى: 39.

2) .الكافي: 468/2/ ح1؛ بحار الأنوار: 294/90.

3) . الكافي: 468/2/ ح 5؛ بحار الأنوار: 300/90.

4) .الكافي: 469/2/ ح 7؛ وسائل الشيعة: 38/7/ ح 8652 ـ 1.

سيماء أبي تراب قال له أبو نوح: نعم عليّ سيماء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهوأصحابه، وعليك سيماء أبي جهل وسيماء فرعون. فقام أبو الأعور فسلّ سيفه، فقال: لا أرى هذا يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب. فقال له ذو الكلاع: لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف، عقدت له بذمتي وجئت به إليكما، ليخبر كما عمّا تماريتم فيه من أمر عمّار(1).

أُولَئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ

عن محمّد بن الحنفية: لما قدم أبي البصرة ـ بعد قتال أهل الجمل ـ دعاه الأحنف واتخذ له طعاما، فقال عليه‏السلام له: ادع لي أصحابي. فدخل عليه قوم متخشّعون كأنّهم شنان بوال، فقال الأحنف له عليه‏السلام: ما هذا الذي نزل بهم أمن قلّة الطعام، أم من هول الحرب فقال عليه‏السلام له: يا أحنف إنّ للّه‏ سبحانه عبادا تنسّكوا إليه في دار الدنيا، تنسّك من هجم على ما علم، من قربهم من يوم القيامة من قبل ان يشاهدوها، فحملوا أنفسهم على مجهودها، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه‏ تعالى، توهموا خروج عنق تخرج من النار تحشر الخلائق إلى ربهم، وكتاب يبدو على رؤوس الأشهاد فيه فضائح لهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا، أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا، فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم، فمضوا ذبل الأجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خامصة بطونهم(2).

وعن الأصبغ قال: خرج علي عليه‏السلام ذات يوم ونحن مجتمعون، فقال: من أنتم؟


1) .وقعة صفين: 333 ـ 334؛ بحار الأنوار: 27/33 ـ 28.

2) .صفات الشيعة: 39/ ح 63؛ بحار الأنوار: 219/7/ ح 133.

وما اجتماعكم؟ قلنا: قوم من شيعتك. فقال: مالي لا أرى سيماء شيعتي عليكم؟ فقلنا: وما سيماهم؟ فقال: صفر الوجوه من صلاة الليل، عمش العيون من مخافة اللّه‏، ذبل الشفاه من الصيام، عليهم غبرة الخاشعين(1).

فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ

عن السجاد عليه‏السلام: كان جالسا في البيت إذ قرع عليهم قوم الباب، فقال: للجارية انظري من بالباب فقالوا: قوم من شيعتك.

فوثب عجلان حتى كاد أن يقع، ولما فتح الباب ونظر إليهم رجع، وقال: كذبوا، فأين السمت في الوجوه وأين أثر العبادة....(2)

وَنَعَضَّ الْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ

حزن علي عليه‏السلام على محمّد بن أبي بكر لمّا بلغه قتله، حتى رئي ذلك في وجهه وتبيّن فيه، فقام خطيبا وقال: وإنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه‏، فعند اللّه‏

نحتسبه، أما واللّه‏ أن كان ما علمت: لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤن(3).

وقام الحسين عليه‏السلام بذي حسم بعد التقائه بالحرّ وأصحابه، وقال: إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمريت جدّا، فلم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون


1) .صفات الشيعة: 17/ ح 33؛ بحار الأنوار: 151/65/ ح 5.

2) . صفات الشيعة: 28/ ح 40؛ بحار الأنوار: 169/65/ ح 30.

3) . تاريخ الطبري:82/4.

أنّ الحقّ لا يعمل به، وانّ الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤن في لقاء اللّه‏ محقا، فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برما. فقام زهير بن القين فقال لأصحابه: تكلّمون أم أتكلّم قالوا: بل تكلّم. فقال: سمعنا مقالتك: لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلدين، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها(1).

إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ

أى يسهل.

وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً

أى يفتح.

قال تعالى: «وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطان»(2).

وقال تعالى: «وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»(3).

وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ

أى يبدل اجتماعكم بالافتراق وإتفاقكم بالنفاق.

قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر(4)

فَاصْدِفُوا

أى اعرضوا.


1) . تاريخ الطبري: 305/4.

2) .البقرة: 208؛ النور: 21.

3) .النور: 21.

4) . المائدة: 91.

عَنْ نَزَغَاتِهِ

أى اغرائاته.

وَنَفَثَاتِهِ

أى نفحاته.

وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُم

أى احبسوها.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (121) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

قاله للخوارج ـ وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة، فقال عليه‏السلام:

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ ـ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ ـ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ ـ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ ـ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً ـ وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً ـ حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ بِكَلاَمِهِ ـ وَنَادَى النَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلاَمِ ـ وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي ـ وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ ـ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ـ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عليه‏السلام بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ مِنْهُ ـ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً ـ وَمَكْراً وَخَدِيعَةً ـ إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا ـ اسْتَقَالُونَا وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللّه‏ِ سُبْحَانَهُ ـ فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ ـ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ ـ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ ـ وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ ـ وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ ـ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ ـ وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ ـ وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ ـ وَلاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ ـ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ ـ وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا ـ وَاللّه‏ِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ـ وَلاَ حَمَّلَنِي اللّه‏ُ ذَنْبَهَا وَوَ اللّه‏ِ إِنْ

جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ ـ وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآْباءِ وَالْأَبْنَاءِ ـ وَالاْءِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ ـ فَلاَ نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ ـ إِلاّ إِيمَاناً وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ ـ وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ ـ وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ ـ وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الاْءِسْلاَمِ ـ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالاِعْوِجَاجِ ـ وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ ـ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللّه‏ُ بِهِ شَعَثَنَا ـ وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا ـ رَغِبْنَا فِيهَا وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا.

ومن كلام له عليه السلام قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم

أى محل عسكرهم.

وهم مقيمون على إنكار الحكومة

صارت الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء، وبينها وبين الكوفة نصف فرسخ، وبها سمّوا الحرورية، ورئيسهم عبد اللّه‏ بن وهب الراسبي وابن الكواء وشبث بن ربعي، فجعلوا يقولون: لا حكم إلاّ للّه‏.

فلمّا بلغ عليّا عليه‏السلام ذلك قال: كلمة حقّ اريد بها باطل. ثم خرجوا في ثمانية آلاف ـ وقيل في اثني عشر ألفا ـ فوجّه عليه‏السلام إليهم ابن عباس، فكلّمهم واحتجّوا عليه، فخرج إليهم عليّ عليه‏السلام فقال: أ فتشهدون عليّ بجهل ؟ قالوا: لا. قال: فتنفذون أحكامي؟ قالوا: نعم. قال: ارجعوا إلى كوفتكم حتى نتناظر. فرجعوا من عند آخرهم، ثمّ جعلوا يقومون فيقولون: لا حكم إلاّ للّه‏. فيقول عليه‏السلام: حكم اللّه‏ أنتظر فيكم(1).


1) . تاريخ اليعقوبي: 191/2.

فقال عليه‏السلام:

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ فَقَالُوا:......

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ ـ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ بِكَلاَمِهِ وَنَادَى النَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلاَمِ وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي

أى اسكتوا.

وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ7 بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ

وخرجت الحرورية من الكوفة، فوثبوا على ابن خباب فقتلوه، فخرج عليّ عليه‏السلام إليهم، وقال لابن عباس: قل لهم: ما نقمتم على أمير المؤنين ألم يحكم فيكم بالحق؟ ويقم فيكم العدل؟ ولم يبخسكم شيئا من حقوقكم؟ فناداهم ابن عباس بذلك، فقالت طائفة منهم: واللّه‏ لا نجيبه. وقالت الأخرى: واللّه‏ لنجيبنّه ثم لنخصمنّه، نعم يا بن عباس، نقمنا عليه خصالا كلّها موبقة، ولو لم نخصمه إلاّ بخصلة خصمناه: محا اسمه من إمرة المؤنين يوم كتب إلى معاوية، ورجعنا عنه يوم صفين فلم يضربنا بسيفه حتى نفيء إلى أمر اللّه‏، وحكّم الحكمين، وزعم أنّه وصيّ فضيع الوصية، وجئتنا يابن عباس في حلّة حسنة جميلة تدعونا إلى مثل ما يدعونا إليه. فقال بن عباس له عليه‏السلام: قد سمعت مقالة القوم وأنت أحقّ بالجواب. فقال عليه‏السلام:

حججتهم والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة، قل لهم: ألستم راضين بما في كتاب اللّه‏ وبما فيه من اسوة رسول اللّه‏ قالوا: بلى. فقال عليه‏السلام: كتب كاتب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله

يوم الحديبية ـ إذ كتب إلى سهيل بن عمرو وصخر بن حرب ومن قبلهما من

المشركين ـ : «من محمّد رسول اللّه‏» فكتبوا إليه: «لو علمنا انّك رسول اللّه‏ ما قاتلناك، فاكتب إلينا: من محمّد بن عبد اللّه‏ لنجيبك». فمحا النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اسمه بيده وقال: إنّ اسمي واسم أبي لا يذهبان بنبوّتي. فكتب: «من محمّد بن عبد اللّه‏». ففيّ برسول اللّه‏ اسوة حسنة. وأمّا قولكم: إنّي لم أضربكم بسيفي حتى تفيئوا إلى أمر اللّه‏، فإنّ اللّه‏ عزّ وجل يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»(1).

كنتم عددا جمّا وأهل بيتي في عدة يسيرة. وأمّا قولكم: إنّي حكمت الحكمين، فإنّ اللّه‏ عزّ وجل حكم في أرنب يباع بربع درهم فقال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ(2)ولو حكم الحكمان بما في كتاب اللّه‏ لما وسعني الخروج من حكمهما. وأمّا قولكم: إنّي كنت وصيا فضيعت الوصيّة، فإنّ اللّه‏ عز وجل يقول: «وَللّه‏ِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّه‏َ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»(3).

أ فرأيتم هذا البيت لو لم يحجّ إليه أحد كان البيت يكفر، أم لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر وأنتم كفرتم بترككم إياي، لا أنا كفرت بتركي لكم. فرجع منهم ألفان(4).

مِنْهُ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً

من (ارضعته غيلة) أي على حبل وهو مفسد للصبى يقال الارضاع غيلة كالقتل غيلة.

وَمَكْراً وَخَدِيعَةً

كلها مفعول له لقوله (رفعهم).


1) .البقرة: 195.

2) . المائدة: 95.

3) .آل عمران: 97.

4) .تاريخ اليعقوبي: 191/2 ـ 193.

إِخْوَانُنَا

مقول قولهم.

وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا

من القتال.

وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللّه‏ِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ

أى الترفية.

فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ

فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ

في حرب يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك أيام يزيد بن عبد الملك ـ : دعا ابن المهلب رؤوس أصحابه، فقال لهم: قد رأيت أن أجمع اثني عشر ألف رجل، فأبعثهم مع محمّد أخي حتى يبيّتوا مسلمة، ويحملوا معهم البراذع والأكف والزبل، لدفن خنادقهم فنقاتلهم على خندقهم بقية ليلتهم، فاذا أصبحت نهضت إليهم بالناس فنناجزهم. قال السميدع: إنّا قد دعوناهم إلى كتاب اللّه‏ وسنّة نبيه، وقد زعموا أنّهم قابلوا هذا منّا، فليس لنا ان نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء، حتى يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه، فقال لهم يزيد بن المهلب: ويحكم أ تصدقون بني اميّة أنّهم يعملون بالكتاب والسنّة، وقد منعوا ذلك منذ كانوا أنّهم أرادوا أن يكفوكم عنهم حتى يعملوا في المكر إنّي قد لقيت بني مروان، وما لقيت رجلا هو أمكر من هذه الجرادة الصفراء ـ يعنى: مسيلمة ـ. فقالوا: لا نرى أن نفعل ذلك حتى

يردّوا علينا ما زعموا أنّهم قابلوه منّا...(1).

وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ

النواجذ أربعة في أقصى الأسنان بعد الأرحاء.

وَلاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ

أى: لا تكونوا كالأغنام، يقال: نعق الراعي بغنمه. ـ بالكسر ـ أى: صاح بها.

قال الأخطل لجرير:

أنعق بضأنك يا جرير فإنّما *** منّتك نفسك في الخلاء ضلالا(2)

إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ

فنعق أهل الشام صار سببا لضلال الخوارج.

وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ

فلو كانوا لم يمشوا بنعقهم، لصاروا ذليلين واسراء مقهورين.

وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا .........

وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَاللّه‏ِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَلاَ حَمَّلَنِي اللّه‏ُ ذَنْبَهَا وَوَ اللّه‏ِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ

وفي كلامه عليه‏السلام ما يناسبه، قال عليه‏السلام للناس بعد التحكيم: قد فعلتم فعلة ضعضعت قوّة، واسقطت منّة، وأورثت وهنا وذلّة، ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم


1) .تاريخ الطبري: 340/5.

2) . الأمالي للمرتضى: 218/1.

الاجتياح، واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتئوكم عنهم، ويقطعوا الحرب في ما بينكم وبينهم، ويتربصون ريب المنون خديعة ومكرا، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلاّ أن تدهنوا وتجوزوا، وايم اللّه‏ ما أظنّكم بعدها توافقون رشدا، ولا تصيبون باب حزم(1).

ولَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآْباءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالاْءِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ فَلاَ نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلاّ إِيمَاناً وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ وَتَسْلِيماً لِلْأْمْرِ وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ

أى الم.

الْجِرَاحِ

نظير هذا الكلام من قوله: «و لقد»: «و من كلام له عليه‏السلام: ولقد كنّا مع رسول اللّه‏ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم، وصبرا على مضض الألم، وجدا على جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما: أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرّة لنا من عدوّنا ومرة لعدوّنا، فلمّا رأى اللّه‏ صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه ومتبوّءا أو طانه، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا أخضرّ للإيمان عود»(2).


1) . تاريخ الطبري: 40/4.

2) .نهج البلاغة فيض الإسلام: 144/ خ 55.

وأنّ نصر بن مزاحم روى(1): أنّه عليه‏السلام قال ذلك الكلام يوم صفّين، حين أقرّ الناس بالصلح، فالظاهر أنّ الأصل فيهما واحد.

وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الاْءِسْلاَمِ ...........

وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الاْءِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالاِعْوِجَاجِ وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللّه‏ُ بِهِ شَعَثَنَا وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا

قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام من قوله: «و لكننا» مخالف في الظاهر للفصل الأول، لأنّ الأول فيه إنكار الإجابة للتحكيم وهذا يتضمن تصويبها، وظاهر الحال أنّه بعد كلام طويل ـ وقد قال المصنف في أوّل الفصل: إنّه من جملة كلام طويل ـ وأنّه لما ذكر التحكيم قال ما كان يقوله دائما، وهو: إنّي إنّما حكمت على أن نعمل في هذه الوقعة بحكم الكتاب، وإنّي كنت احارب قوما ادخلوا في الإسلام زيفا، وأحدثوا به اعوجاجا، فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم وأبقيت عليهم، لأنّي طمعت في أمر يلم اللّه‏ به شعث المسلمين(2).

قال التسترى: بل الظاهر أنّه حرّف عن موضعه، وأنّه كان مقول قول الخوارج في أوّل الأمر، لما حملوه عليه‏السلام على التحكيم بعد قولهم في أوّل الفصل: «اخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب اللّه‏ سبحانه، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم» كما لا يخفى، وإلاّ فكيف يقول عليه‏السلام: أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام» وكيف يقول عليه‏السلام في أول كلامه: «إنّ رفعهم المصاحف إنّما كان حيلة وغيلة ومكرا وخديعة»، ويقول في آخر كلامه: «فاذا طمعنا في خصلة يلمّ اللّه‏ به


1) . وقعة صفين: 520.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 299/7.

شعثنا...» وإنّما كان عليه‏السلام يقول للخوارج: إنّي وان كنت كارها للتحكيم، إلاّ أنّه لما أكرهتموني، عليه صرفته إلى المشروع بقبول حكم الحكم إذا كان من كتاب اللّه‏، وعقد بذلك عهد يجب الجري عليه، حتى نرى ما يحكم الحكمان.

وكيف يقول عليه‏السلام: معاوية وعمرو بن العاص وأهل الشام اخواننا في الإسلام، وطمعنا منهم في خصلة يلم اللّه‏ به شعثنا ويقول صاحبه عمّار ـ حين نظر إلى راية عمرو بن العاص ـ : واللّه‏ انّ هذه الراية قد قاتلتها ثلاث مرات، وما هذه بأرشدهنّ.

ثم قال:

نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله *** أو يرجع الحقّ إلى سبيله(1)

قوله عليه‏السلام:

والتأويل

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبِي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عَنْ حُرُوبِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام وَكَانَ السَّائِلُ مِنْ مُحِبِّينَا فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه‏السلام بَعَثَ اللّه‏ُ مُحَمَّداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بِخَمْسَةِ أَسْيَافٍ ثَلاَثَةٌ مِنْهَا شَاهِرَةٌ... وَسَيْفٌ مِنْهَا مَكْفُوفٌ وَسَيْفٌ مِنْهَا مَغْمُودٌ سَلُّهُ إِلَى غَيْرِنَا وَحُكْمُهُ إِلَيْنَا ـ الى ان قال عليه‏السلام ـ وَأَمَّا السَّيْفُ الْمَكْفُوفُ فَسَيْفٌ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ وَالتَّأْوِيلِ قَالَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه‏ِ(2)فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ قَالَ


1) . بهج الصباغة: 379/10.

2) . الحجرات: 9. وهذه الآية أصل في قتال أهل البغى من المسلمين ودليل على وجوب قتالهم وعليها بنى أمير المؤنين قتال الناكثين والقاسطين والمارقين واياها عنى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهحين قال لعمار بن ياسر: يا عمّار تقتلك الفئة الباغية.

رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ بَعْدِي عَلَى التَّأْوِيلِ(1)كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى التَّنْزِيلِ فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ خَاصِفُ النَّعْلِ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قَاتَلْتُ بِهَذِهِ الرَّايَةِ مَعَ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثَلاَثاً وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ وَاللّه‏ِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا السَّعَفَاتِ مِنْ هَجَرَ(2)لَعَلِمْنَا أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِل الخبر(3).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَقَدِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ، فَدَفَعَهَا إِلَى عَلِيٍّ عليه‏السلام يُصْلِحُهَا، ثُمَّ جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، كَمَا قَاتَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَنْزِيلِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا هُوَ؟ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ قَالَ: لاَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا هُوَ؟ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ(4).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِذا جاءَ نَصْرُ اللّه‏ِ وَالْفَتْحُ قَالَ لِي يَا عَلِيُّ لَقَدْ جَاءَ نَصْرُ اللّه‏ِ وَالْفَتْحُ فَإِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ


1) . لعل كون القتال بالتأويل لكون الآية غير نص في خصوص طائفة، إذا الباغي يدعي انه على الحق وخصمه باغ أو المراد به ان آيات قتال المشركين والكافرين يشملهم في تأويل القرآن.

2) . السعفات جمع سعفة وهي اغصان النخل. والهجر ـ بالتحريك ـ : بلدة باليمن واسم لجميع أرض البحرين. القاموس وقال البكري في المعجم: هجر ـ بفتح أوّله وثانيه ـ: مدينة البحرين معروفة وهي معرفة لا تدخلها الالف واللام. انتهى. وإنّما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها.

3) .الكافي: 10/5/ ح 2؛ بحار الأنوار: 292/32 293 / 248.

4) .الأمالي للطوسي: 254/ م 9 / ح 458 50؛ بحار الأنوار: 296/32/ ح 256.

يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّه‏ِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً يَا عَلِيُّ إِنَّ اللّه‏َ قَدْ كَتَبَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ الْجِهَادَ فِي الْفِتْنَةِ مِنْ بَعْدِي كَمَا كَتَبَ عَلَيْهِمْ جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ مَعِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ وَمَا الْفِتْنَةُ الَّتِي كُتِبَ عَلَيْنَا فِيهَا الْجِهَادُ قَالَ فِتْنَةُ قَوْمٍ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنِّي رَسُولُ اللّه‏ِ وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِسُنَّتِي وَطَاعِنُونَ فِي دِينِي فَقُلْتُ فَعَلاَمَ نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللّه‏ِ فَقَالَ عَلَى إِحْدَاثِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَفِرَاقِهِمْ لِأَمْرِي وَاسْتِحْلاَلِهِمْ دِمَاءَ عِتْرَتِي الى أن قَالَ ـ فَأَعِدَّ لِلْخُصُومَةِ فَإِنَّكَ مُخَاصِمٌ أُمَّتِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ أَرْشِدْنِي إِلَى الْفَلْجِ قَالَ إِذَا رَأَيْتَ قَوْمَكَ قَدْ عَدَلُوا عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلاَلِ فَخَاصِمْهُمْ فَإِنَّ الْهُدَى مِنَ اللّه‏ِ وَالضَّلاَلَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْهُدَى هُوَ اتِّبَاعُ أَمْرِ اللّه‏ِ دُونَ الْهَوَى وَالرَّأْيِ وَكَأَنَّكَ بِقَوْمٍ قَدْ تَأَوَّلُوا الْقُرْآنَ وَأَخَذُوا بِالشُّبُهَاتِ وَاسْتَحَلُّوا الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالْبَخْسَ بِالزَّكَاةِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ فَمَا هُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَ هُمْ أَهْلُ فِتْنَةٍ أَمْ أَهْلُ رِدَّةٍ فَقَالَ هُمْ أَهْلُ فِتْنَةٍ يَعْمَهُونَ فِيهَا إِلَى أَنْ يُدْرِكَهُمُ الْعَدْلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ الْعَدْلُ مِنَّا أَمْ مِنْ غَيْرِنَا فَقَالَ بَلْ مِنَّا بِنَا فَتَحَ اللّه‏ُ وَبِنَا يَخْتِمُ اللّه‏ُ وَبِنَا أَلَّفَ اللّه‏ُ بَيْنَ الْقُلُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ وَبِنَا يُؤلِّفُ اللّه‏ُ بَيْنَ الْقُلُوبِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ فَقُلْتُ الْحَمْدُ للّه‏ِِ عَلَى مَا وَهَبَ لَنَا مِنْ فَضْلِهِ(1).


1) .الأمالي للمفيد: 288/ م 34/ ح 7؛ بحار الأنوار: 297/32/ ح 257.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (122) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

قاله لأصحابه في ساعة الحرب:

وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ ـ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ ـ وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً ـ فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ ـ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ ـ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ ـ فَلَوْ شَاءَ اللّه‏ُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ ـ إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لاَ يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ ـ وَلاَ يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ ـ إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ ـ وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ ـ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ ـ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه‏.

رواه الواقدي مع تأخير وتقديم وزيادات: روى الواقدي عن عبد اللّه‏ بن عمر بن علي عليه‏السلام عن أبيه قال: لمّا سمع أبي أصوات الناس يوم الجمل ـ وقد ارتفعت ـ قال لابنه محمد: ما يقولون؟ قال: يقولون يا ثارات عثمان. فشدّ عليه، و أصحابه يقولون له: ارتفعت الشمس. وهو يقول لهم: الصبر أبلغ حجّة. ثم قام خطيبا يتوكأ على قوس عربية وقال بعد الحمد والصلاة: أما بعد، فان الموت طالب حثيث(1)لا


1) . «الحثيث: السريع، الجادّ في أمره» المعجم الوسيط ج1 ص155 حثث.

يفوته الهارب ولا يعجزه فأقدموا ولا تنكلوا(1).

وهذه الأصوات التي تسمعونها من عدوّكم فشل واختلاف، إنّا كنّا نؤر في الحرب بالصمت، فعضّوا على النواجذ واصبروا لوقع السيوف، فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من موتة على فراشي، فقاتلوهم صابرين محتسبين، فان الكتاب معكم و السنّة معكم ومن كانا معه فهو القوي أصدقوهم(2)، فأي امرئ أحسّ من نفسه شجاعة واقداما وصبرا عند اللقاء فلا يبطرنه(3)ولا يرى ان له فضلا على من دونه، وان رأى من أخيه فشلا وضعفا فليذبّ عنه كما يذبّ عن نفسه، فان اللّه‏ لو شاء لجعله مثله...(4).

وروى صدره (إرشاد المفيد) مع زيادات فقال: لمّا دخل عليه‏السلام البصرة حرّض أصحابه على الجهاد وقال في جملة كلامه: انهدّوا إليهم وكونوا أشدّاء عليهم والقوهم صابرين تعلمون أنّكم منازلوهم ومقاتلوهم ولقد وطّنتم أنفسكم على الطعن الدعسي(5)والضرب الطلخفي(6)ومبارزة الأقران وأي امرئ منكم ـ إلى قوله «فلو شاء اللّه‏ لجعله مثله» مع اختلاف يسير(7).

وروى ذيله (الكافى) مع زيادات فقال: علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن


1) .«نكل عن العدوّ ينكل: أي جبن» لسان العرب 11 صلى‏الله‏عليه‏و‏آله 677 نكل.

2) . «صدق فلان في القتال ونحوه: أقبل عليه في قوّة» المعجم الوسيط ج1 ص 510 صدق.

3) . «البطر: النشاط، وقيل: التبختر. وقيل: البطر في الأصل: الطغيان بالنعمة واستعمل بمعنى الكبر» تاج العروس ج10 ص 212 بطر.

4) . الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة: 357 ـ 358.

5) . الدعس: الطعن الشديد. «لسان العرب ـ دعس ـ 6: 83».

6) . الطلخف: الشديد من الطعن والضرب. «لسان العرب ـ طلخف ـ 9: 223».

7) .الارشاد: 253/1؛ بحار الأنوار: 171/32/ح 131.

محبوب رفعه انّه عليه‏السلام خطب يوم الجمل ـ إلى أن قال ـ أيّها الناس ان الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص ومن لم يقتل يمت ان أكرم الموت القتل(1).

قاله لأصحابه في ساعة الحرب

لو كان قال «قبل الحرب» أو «لمّا أراد الحرب» حيث ان في رواية الواقدي بعد ذكر الخطبة «ثم دعا عليه‏السلام بدرعه فلبسه» كان أحسن(2).

وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ

أى: وجد. والأصل فيه سمع حسّه.

رَبَاطَةَ جَأْشٍ

يقال «فلان رابط الجأش» والجأش الرواع إذا اضطرب عند الفزع، أي يربط نفسه عن الفرار لشجاعته(3).

عِنْدَ اللِّقَاءِ

أى: لقاء العدو في الحرب.

وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً

أى: جبنا.


1) .الكافي: 54/5/ ح 4.

2) . الجمل: 359 وهي رواية الواقدي.

3) .الصحاح: 997/3 مادة جأش.

فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ

أى: يدفع العدو.

بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْه

أى: زيادة شجاعته.

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: الْمُؤمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ يُمِيطُ(1)عَنْهُ الْأَذَى(2).

وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: مَنْ سَأَلَهُ أَخُوهُ الْمُؤمِنُ حَاجَةً مِنْ ضَرِّهِ فَمَنَعَهُ مِنْ سَعَةٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ حَشَرَهُ اللّه‏ُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقْرُونَةً يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ حَتَّى يَفْرُغَ اللّه‏ُ مِنْ حِسَابِ الْخَلْقِ(3).

كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ

العدوّ، لأن مقصد الكلّ واحد إقامة الدين وتقويته.

وفي وقعة الطف: قاتل عمرو بن خالد الصيداوي وجابر بن الحارث السلماني و سعد مولى عمر بن خالد ومجمع بن عبد اللّه‏ العائذي في أوّل القتال، فشدّوا مقدمين بأسيافهم على عسكر ابن سعد، فلما وغلوا عطفوا عليهم فأخذوا يحوزونهم وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد، فحمل عليهم العباس بن علي فاستنقذهم، فجاؤوا قد جرحوا، فلما دنا منهم عدوّهم شدّوا بأسيافهم فقتلوا في


1) . أي يبعد الاذى ويزيله ويذهبه ـ وينحيه عنه.

2) .مصادقة الاخوان: 42/ ح 1 ومشكاة الأنوار: 106؛ وسائل الشيعة: 210/12/ ح 16109 ـ 19.

3) . مشكاة الأنوار: 101.

أوّل الأمر في مكان واحد(1).

فَلَوْ شَاءَ اللّه‏ُ لَجَعَلَهُ

أى: المحس من نفسه رباطة جأش.

مِثْلَهُ

أى: مثل أخيه الذي رأى منه فشلا، فيجب عليه الذبّ عنه شكرا.

إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ

أى: سريع.

لاَ يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ

قال تعالى: «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ...»(2).

وَلاَ يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ

قال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ...»(3).

وقال تعالى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْل...»(4).

يا واقفين بنا، ألم تتَيقَّنُوا *** أَنَّ الحِمامَ بكم علينا قادمُ؟

لا تستغرُّوا بالحياة، فإِنَّكم *** تبنونَ، والموتُ المفرِّقُ هادمُ

لو تَنزِلونَ بشِعبنا، لَعَرَفْتُمُ *** أَنَّ المفرِّطَ في التَّزَوُّد نادمُ


1) . تاريخ الطبري: 340/4.

2) . النساء: 78.

3) . الجمعة: 8.

4) .الأحزاب: 16.

ساوَى الرَّدَى ما بينَنا، فأحَلَّنا *** حيثُ المُخَدَّمُ واحدٌ والخادمُ(1)

إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ

فلم لا يذبّ عن أخيه خوف القتل. وزاد في (ابن ميثم) «بالسيف»(2).

رَأَى النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رَجُلاً يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا تُسْأَلُ فَأَعْطِنِي أَفْضَلَ مَا تُعْطِي فَقَالَ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إِنِ اسْتُجِيبَ لَكَ أُهَرِيقَ دَمُكَ فِي سَبِيلِ اللّه‏(3).

وَقَالَ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إِلاّ الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ مِمَّا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللّه‏ِ(4).

والى هذا المعنى اشار الامام الحسين عليه‏السلام بقوله:

إن كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي يا سيوف خذيني(5).

وبقوله عليه‏السلام:

وَإِنْ تَكُنِ الْأَبْدَانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ *** فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ فِي اللّه‏ِ أَفْضَل(6)

وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه‏

فان قيل: حلفه ذلك هل هو على الحقيقة أو من باب المجاز والمبالغة ترغيبا


1) . المستطرف في كل فن مستظرف: 869/2 870.

2) . شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 55/3.

3) .مستدرك الوسائل: 13/11/ ح 12295 ـ 21.

4) . مستدرك الوسائل: 13/11/ ح 12294 ـ 20.

5) . المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: 95.

6) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 95/4؛ بحار الأنوار: 374/44.

لأصحابه في الجهاد؟

يقال: بل هو على حقيقته، لأنّه لفرط محبّته في اللّه‏ ومنتهى شوقه إلى اللّه‏ وغاية رغبته في ابتغاء مرضات اللّه‏ سبحانه كان في أعلى مراتب الفناء في اللّه‏ والبقاء باللّه‏، فارغا عن نفسه في جنب مولاه، ومع ذلك الحال لا تأثير فيه لضربات السيوف وطعنات الرّماح البتّة ويشهد بذلك ما رواه غير واحد من أنه عليه‏السلام قد أصابت رجله الشريف نشابة في غزوة صفّين ولم يطق الجرّاحون إخراجها من رجله لاستحكامها فيه، فلما قام إلى الصّلاة أخرجوها حين كونه في السجدة، فلما فرغ من الصّلاة علم باخراجه وحلف أنه لم يحس ذلك أصلا(1)ويؤد ذلك ما عن أبي جعفر عليه‏السلام قال الحسين عليه‏السلام قبل أن يقتل إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: يا بنىّ انّك ستساق إلى العراق وهى أرض قد التقى بها النّبيون وأوصياء النّبيين، وهى أرض تدعى غمور أو أنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم، يكون الحرب عليك وعليهم بردا وسلاما، الحديث(2)وجه التأييد أنّ أصحاب الحسين عليه‏السلام مع كونهم من أدنى عبيد أمير المؤنين إذا لم يجدوا ألم الحديد بما فيهم من المحبّة والشوق إلى لقاء الحقّ فكيف به عليه‏السلاممع خوضه في بحار المعرفة وكماله في مقام المحبّة.

والظاهر زيادة قوله «في غير طاعة اللّه‏» لأنّ المقام لا يقتضيه ولعدم وجوده في


1) . نفس المهموم الشيخ عباس القمي: 227/ تعليقة 1؛ ارشاد القلوب: 217/2؛ حلية الأبرار: 180/2.

2) . الخرائج والجرائح: 848/2/ ح 63؛ بحار الأنوار: 80/45/ ح 6.

رواية الواقدي ورواية الكليني المتقدّمتين وقد عرفت أن رواية الواقدي «و الذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من موتة على فراشى».

في (العقد): كانوا يتمادحون بالموت قتلا ويتهاجون بالموت على الفراش ويقولون فيه: مات حتف أنفه، وأوّل من قاله النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

وخطب ابن الزبير لمّا بلغه قتل أخيه مصعب فقال: ان يقتل فقد قتل أبوه وأخوه و عمّه، إنّا واللّه‏ لا نموت حتفا ولكن تحت ظلال السيوف(1).

وقال ابن أبي الحديد روي أنّه قيل لأبي مسلم الخراسانى: ان في بعض الكتب المنزلة: «من قتل بالسيف فبالسيف يقتل» فقال: القتل أحبّ إليّ من اختلاف الأطباء والنظر في الماء ومقاساة الدواء فذكر ذلك للمنصور فقال: قد أبلغناه محبته(2).

وقال المنصور له وقت قتله:

زعمت أن الدين لا يقتضى *** فاستوف بالكيل أبا مجرم

سقيت كأسا كنت تسقي بها *** أمرّ في الحلق من العلقم

كان أبو مسلم قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف صبرا(3)


1) . العقد الفريد: 93/1.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 303/7.

3) . تاريخ الطبري: 137/6.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (123) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ ـ تَكِشُّونَ كَشِيشَ الضِّبَابِ ـ لاَ تَأْخُذُونَ حَقّاً وَلاَ تَمْنَعُونَ ضَيْماً ـ قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ ـ فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ.

ومن كلام له عليه‏السلام:

روى المفيد: ومن كلامه عليه‏السلام في استبطاء من قعد عن نصرته: «ما اظن هؤاء القوم ـ يعني أهل الشام ـ إلاّ ظاهرين عليكم». فقالوا له عليه‏السلام بماذا يا أمير المؤنين فقال «أرى امورهم قد علت، ونيرانكم قد خبت، وأراهم جادّين، و أراكم وانين، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرّقين، وأراهم لصاحبهم مطيعين، وأراكم لي عاصين.

أم واللّه‏ لئن ظهروا عليكم لتجدنّهم أرباب سوء من بعدي لكم. كأنّي أنظر إليهم، و قد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم فيأكم، وكأنّي أنظر إليكم تكشّون كشيش(1)الضباب(2). لا تأخذون حقّا ولا تمنعون للّه‏ حرمة، وكأنّي أنظر إليهم يقتلون صالحيكم، ويخيفون قرّاءكم، ويحرمونكم ويحجبونكم، ويدنون الناس


1) . الكشيش: صوت جلد الافعى وغيرها من الحيوان. انظر «الصحاح ـ كشش ـ 3: 1018».

2) .الضباب: جمع ضب، وهو دابة برية. «مجمع البحرين ـ ضبب ـ 2: 104».

دونكم فلو قد رأيتم الحرمان والأثرة، ووقع السيوف ونزول الخوف لقد ندمتم وحسرتم على تفريطكم في جهادكم، وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الخفض والعافية حين لا ينفعكم التذكار»(1).

ومثله في خلفاء ابن قتيبة ـ وزاد ـ فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤنين إنّ قولك كلّه وجميع لفظك يكون حقّا أ ترى معاوية يكون علينا أميرا فقال: «لا تكرهوا إمرة معاوية فإنّ إمرته سلم وعافيه. فلو مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنّها الحنظل(2)

أي لرأيتم الرؤس تطير عن أجسامها فتصير كالحنظل وهو نبات مر يشبه الرمان في شكله المستدير.

وعداً كان مفعولا»(3)

وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُّونَ كَشِيشَ الضِّبَابِ

كشيش الأفعى: صوت جلدها إذا تحركت، وليس صوت فمها فإنّ ذلك فحيحها، ومنه حديث عليّ عليه‏السلام «كأنّي أنظر إليكم تكشّون كشيش الضباب»(4).

وكشّ البكر يكشّ كشّا وكشيشا وهو دون الهدر، والكشّ لاقبال الإبل. قال الراجز رؤة «هدرت هدرا ليس بالكشيش»، وكشّت الأفعى كشّا وكشيشا إذا حكّت بعض جلدها ببعض قال الراجز:

كأنّ بين خلفها والخلف *** كشّة أفعى في يبيس قفّ أى: يابس، ومن زعم أنّ الكشيش صوتها من فيها. فهو خطأ: فإنّ ذلك الفحيح من كلّ حيّة، والكشيش للأفعى خاصة ـ إلخ ـ (5)وقوله «و الكشيش للأفعى


1) . الإرشاد: 274/1؛ بحار الأنوار: 151/34/ ح 963.

2) .

3) . الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 131/1.

4) . النهاية: 176/4.

5) . جمهرة اللغة: 139/1.

خاصة» أى: ليس لكلّ حيّة، لا أنّه ليس لغير الأفعى كشيش مع أنّ الضباب شبيهة به.

والضباب: جمع الضب، وهو معروف، وعن بعضهم الضب على حدّ فرخ التمساح الصغير، وذنبه كذنبه، وهو يتلوّن ألوانا بحرّ الشمس كالحرباء. قيل لذكر الضب ذكران، ولانثاه فرجان، وإنّه لا يخرج من جحره في الشتاء.

قال اميّة بن أبي الصلت «إذا ما الضب أجحره الشتاء» ويوصف بالعقوق قال الشاعر:

أكلت بنيك أكل الضب حتّى *** تركت بنيك ليس لهم عديد

وأنّه يرجع في قيئه كالكلب، ويأكل رجيعه، وهو طويل الدم بعد الذبح ويقال: إنّه يمكث بعد الذبح ليلة، ويلقى في النار، فيتحرك ويخرج من جحره كليل البصر. فيجلو بالتحدق للشمس، ويغتذي بالنسيم، وبرد الهواء عند الهرم ويؤي العقرب في جحره لتلسع المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه قال:

وأخدع من ضبّ إذا جاء حارش *** أعدّ له عند الذبابة عقربا

وعن (كتاب ليس) لابن خالويه: الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا ويقال إنّه يبول في كلّ أربعين يوما قطرة، ولا تسقط له سنّ، ويقال إنّ أسنانه قطعة واحدة ولا يتخذ جحره إلاّ في كدية حجر، ولذا تكون براثنه كليلة من حفره في الصلبة. وفي الحديث أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لامّته: والّذي نفسي بيده لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه(1).


1) .حياة الحيوان للدميري: 107/2 ـ 110؛ تاج العروس: 86/11.

والمراد من قوله عليه‏السلام «تكشّون كشيش الضباب» أنّكم لا تقدرون على التكلّم بما يفهم في قبال بني اميّة بل يكون تكلّمكم في شفاهكم بما لا يفهم ككشيش الضباب. ولمّا خطب زياد بالبصرة خطبته البتراء، وقال فيها: «و إنّي اقسم باللّه‏ لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم حتّى يلقى الرجل منكم الرجل فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد» قام أبو بلال يهمس وهو يقول: أنبأ اللّه‏ بغير ما قلت قال تعالى: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلاْءِنْسانِ إِلاّ ما سَعى»(1)فأوعدنا اللّه‏ يا زياد خيرا ممّا أو عدت(2).

لاَ تَأْخُذُونَ حَقّاً وَلاَ تَمْنَعُونَ ضَيْماً

أى: ذلّة، ولقد خرجوا مع ابن الاشعث على الحجّاج لأخذ حقّهم والمنع عن ظلمه. فعجزوا، ولمّا ادخل الشعبي عليه ـ وكان في من خرج وأسر ـ قال للحجّاج: إنّ الناس قد أمروني أن اعتذر إليك بغير ما يعلم اللّه‏ أنّه الحقّ، وأيم اللّه‏ لا أقول في هذا المقام إلاّ حقّا. قد واللّه‏ جهدنا عليك كلّ الجهد. فما ألونا فما كنّا بالأقوياء

الفجرة، ولا الأتقياء البررة(3).

قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ

الأصل فيه قوله تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»(4).


1) . النجم: 37 ـ 39.

2) .تاريخ الطبري: 166/4 ـ 167.

3) . تاريخ الطبري: 177/5 ـ 178.

4) .الانسان: 3.

فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ

يقال: «اقحم أهل البادية» إذا أجدبوا. فدخلوا بلاد الريف(1).

وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ

قال الجوهرى: «التلوّم الانتظار والتمكّث»(2)قال تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ»(3).

قوله عليه‏السلام في رواية (الإرشاد) و(الخلفاء): «كأنّي أنظر اليهم وقد شاركوكم في بلادكم وحملوا إلى بلادهم فيأكم».

لمّا همّ أهل العراق بالغدر بمصعب قال لهم قيس ابن الهيثم: ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم، فو اللّه‏ لئن تطعموا بعيشكم ليصفين عليكم منازلكم. واللّه‏ لقد رأيت سيّد أهل الشام على باب الخليفة يفرح ان أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف واحدنا على ألف بعير، وأنّ الرجل من وجوههم ليغزو على فرسه وزاده خلفه(4).

وأنزل الحجّاج بعد هزيمة أهل العراق بدير الجماجم أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها، وهو أوّل من أنزل الجند في بيوت غيرهم(5).

قوله عليه‏السلام أيضا: «وكأنّي أنظر إليهم يقتلون صالحيكم» فقتل معاوية من صالحيهم حجر بن عدي، وقتل الحجّاج منهم سعيد بن جبير.

قالت عائشة لمعاوية: أما خشيت اللّه‏ في قتل حجر وأصحابه قال: لست أنا


1) . الصحاح: 2006/5.

2) . الصحاح: 2034/5.

3) . الأنعام: 153.

4) .تاريخ الطبري: 7/5.

5) . الكامل لابن الاثير: 482/4.

قتلتهم. إنّما قتلهم من شهد عليهم، قالت عائشة: أما واللّه‏ أن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا(1).

وفيه: لمّا كتب زياد شهادة شريح بن هاني بإباحة دم حجر كتب شريح إلى معاوية أنّ زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأنّ شهادتي على حجر أنه ممّن يقيم الصلاة، ويؤي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال. فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه(2).

وفيه: قال الحسن البصرى: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة ـ وعدّ منها قتله حجرا ـ وقال: ويلا له من حجر وأصحاب حجر مرّتين(3).

وفيه: قال حجر لمن حضره من أهله لمّا قتله معاوية بمرج عذراء: لا تطلقوا عنّي حديدا ولا تغسلوا عنّي دما فإنّي الاقي معاوية غدا على الجادة، وكان ابن سيرين إذا سئل عن الشهيد يغسّل حدّثهم حديث حجر، ويقول بلغنا أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول: يومي منك يا حجر طويل(4).

وفيه: لمّا اتي الحجّاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز أو الركاب. فقال: واللّه‏ لا أركب حتّى تبوّأ مقعدك من النار اضربوا عنقه. فالتبس الحجّاج عقله مكانه فجعل يقول «قيودنا قيودنا» فظنوا أنّه قال القيود الّتي على سعيد بن جبير. فقطعوا رجليه من انصاف ساقيه، وأخذوا القيود، وقالوا لم يلبث الحجّاج بعد سعيد إلاّ نحوا من أربعين، فكان إذا نام يراه في منامه


1) .تاريخ الطبري: 208/4 سنة 51.

2) . تاريخ الطبري: 203/4.

3) .تاريخ الطبري: 208/4.

4) . تاريخ الطبري: 190/4 ـ 191.

يأخذ بمجامع ثوبه. فيقول يا عدوّ اللّه‏ فيم قتلتني؟ فيقول الحجّاج: «ما لي ولسعيد»، وقالوا: لمّا قتل سعيدا فندر رأسه هلّل ثلاثا(1).

قوله عليه‏السلام أيضا «و يخيفون قرّاءكم» لمّا قتل جبلة بن زجر من رؤاء القرّاء في جيش ابن الأشعث نادى أهل الشام: يا أعداء اللّه‏ قد هلكتم وقتل طاغوتكم ولمّا جيء برأسه إلى الحجّاج حمله على رمحين، وقال: يا أهل الشام أبشروا فهذا أوّل الفتح(2).

وفيه: عن كثير بن عبد اللّه‏ الشعبي قال: لمّا زحفنا قبل الحسين عليه‏السلام خرج الينا زهير بن القين على فرس له ذنوب شاك في السلاح. فقال: يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب اللّه‏ نذار، انّ حقّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة وعلى دين واحد، وملّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل. فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا امّة وأنتم امّة. إنّ اللّه‏ قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لينظر ما نحن وأنتم عاملون. إنّا ندعوكم إلى نصرهم، وخذلان الطاغية عبيد اللّه‏ بن زياد. فإنكم لا تدركون منهما عمر سلطانهما إلاّ سوء، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم، وقرّاءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه، قال: فسبوه، وأثنوا على عبيد اللّه‏ ودعوا له وقالوا: واللّه‏ لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد اللّه‏ سلما...(3).


1) . تاريخ الطبري: 262/5/ سنة 94.

2) .تاريخ الطبري: 5/ 165 ـ 164.

3) . تاريخ الطبري: 323/4 ـ 324 / سنة 61.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (124) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

في حثّ أصحابه على القتال:

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأْسِنَّةِ وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ وَرَايَتَكُمْ فَلاَ تُمِيلُوهَا وَلاَ تُخِلُّوهَا وَلاَ تَجْعَلُوهَا إِلاّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ وَالْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ وَيَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا لاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا وَلاَ يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا أَجْزَأَ امْرُؤ قِرْنَهُ وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ وَايْمُ اللّه‏ِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآْخِرَةِ وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللّه‏ِ وَالذُّلَّ اللاّزِمَ وَالْعَارَ الْبَاقِيَ وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ وَلاَ مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ الرَّائِحُ إِلَى اللّه‏ِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ وَاللّه‏ِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ اللَّهُمَّ فَإِنْ

رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ وَأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَيُطِيحُ الْعِظَامَ وَيُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَالْأَقْدَامَ وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلاَئِبُ وَحَتَّى يُجَرَّ بِبِلاَدِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ وَبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَمَسَارِحِهِمْ.

أقول: الدعق الدق أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم ونواحر أرضهم متقابلاتها ويقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل.

العنوان جمع بين روايات، فصدره إلى قوله: «لا تسلموا من سيف الآخرة» رواية مع زيادة ونقيصة، قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه ومولى له ان عليا عليه‏السلام حرّض الناس يوم صفين فقال: ان اللّه‏ عز وجل قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تشفي بكم على الخير والإيمان باللّه‏ عز وجل وبرسوله والجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنّات عدن، ثم أخبركم أنّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص، فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدّموا الدارع وأخّروا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فانّه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فانّه أصون للأسنة، وغضوا الأبصار فانّه أربط للجأش واسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فانّه أطرد للفشل وأولى بالوقار، راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم، فان المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها يضربون حفافيها خلفها و أمامها

ولا يضيعونها. أجزأ أمرء قد قرنه وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة، وانى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه، من يفعل هذا يمقته اللّه‏ عز وجل، فلا تعرضوا لمقت اللّه‏ سبحانه فانّما مردّكم إلى اللّه‏، قال اللّه‏ عز من قائل لقوم... «لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً»(1)وايم اللّه‏ لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، استعينوا بالصدق والصبر، فان بعد الصبر ينزل اللّه‏ النصر(2).

واما قوله «فإن ردّوا الحق فافضض جماعتهم وشتّت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم» فجزء رواية اخرى، عن زيد بن وهب: أنّ عليّا عليه‏السلام مرّ على جماعة من أهل الشام فيها الوليد بن عقبة وهم يشتمونه، فخبر بذلك فوقف فيمن يليهم من أصحابه وقال: «انهدّوا إليهم وعليكم السكينة والوقار ـ وقار الإسلام ـ و سيماء الصالحين، فو اللّه‏ لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤبهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حدّا في الإسلام، و هم أولى يقومون فينقصونني ويشتمونني وأنا إذا ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد للّه‏، قديما عاداني الفاسقون فعبدهم اللّه‏، ألم تعجبوا أن هذا لهو الخطب الجليل، ان فسّاقا كانوا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متخوّفين خدعوا شطر هذه الامة وأشربوا قلوبهم حبّ الفتنة واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور اللّه‏ عز وجل. اللّهم فافضض خدمتهم


1) . الأحزاب: 16.

2) .تاريخ الطبري: 11/4 ـ 12.

وشتّت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم، فإنّه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت(1).

وأمّا قوله «إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم ـ إلى ـ ويندر السواعد والأقدام» فجزء رواية أخرى رواها (الكافى): وَقَالَ عليه‏السلام حِينَ مَرَّ بِرَايَةٍ لِأَهْلِ الشَّامِ أَصْحَابُهَا لاَ يَزُولُونَ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ فَقَالَ عليه‏السلام إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَيُطِيحُ الْعِظَامَ وَيَسْقُطُ مِنْهُ الْمَعَاصِمُ(2)وَالْأَكُفُّ حَتَّى تَصَدَّعَ جِبَاهُهُمْ بِعُمُدِ الْحَدِيدِ وَتَنَثَّرَ حَوَاجِبُهُمْ عَلَى الصُّدُورِ وَالْأَذْقَانِ أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ وَطُلاّبُ الْأَجْر(3).

ومثله (الإرشاد)، وكذا (المروج) و(الطبري)، وفيهما مر عليه‏السلام بغسّان لا يزولون.

وأما قوله «و حتى يرموا بالمناسر ـ إلى ـ ومسارحهم» فرواية اخرى روى المفيد: إنّ هؤاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر(4)

المنسر: قطعة من الجيش تمرّ أمام الجيش الكبير. «الصحاح ـ نسر ـ 2: 827».

تتبعها العساكر، وحتى يرجموا (يزحموا خ ل) بالكتائب تقفوها الجلائب(5)، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأعنان مساربهم ومسارحهم وحتى تشنّ الغارات عليهم في كلّ فج وتخفق عليهم الرايات ويلقاهم قوم صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من

1) .تاريخ الطبري: 31/4 ـ 32.

2) . طعن دراك اي متتابع يتلو بعضها بعضا. «يخرج منه النسيم» أي لسعته: والنسيم: الريح اللينة. والفلق: الشق. يطيح أي يسقط. والمعاصم: مواضع السوار من اليد. فى

3) .الكافي: 40/5/ ح 4.

4) .

5) . الجلائب: الخيل التي تجلب ليقاتل عليها بعد تعب الأولى، أو كتائب اخرى تدخل.

قتلاهم وموتاهم في سبيل اللّه‏ إلاّ جدّا في طاعة اللّه‏ وحرصا على لقاء اللّه‏(1).

ومن كلام له عليه السلام في حثّ أصحابه على القتال

قد عرفت من اسانيده ان ذاك كان في صفين.

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ

أى لابس الدرع.

وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ

أى الذى لا درع عليه ولا مغفر، ووجه تقديم الدارع وتأخير الحاسر أن سورة حملة الخصم تصل المتقدم.

وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ

هو نظير قوله عليه‏السلام «عضّ على ناجذك» و«و عضّوا على النواجذ فانّه أنبا للسيوف عن الهام» ولا تنافي، فإنّ النواجذ آخر الأضراس، والأسنان كلّها إناث إلاّ الأضراس والأنياب(2).

وكان الأشتر يقول في صفين: إذا عضّتكم السيوف فليعضّ الرجل على ناجذه فإنّه أشدّ لشئون الرأس(3).


1) . الارشاد: 267/1 268.

2) . الصحاح: 942/3.

3) .وقعة صفين: 174؛ بحار الأنوار: 443/32.

وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ

من لويت الحبل فتلته في أطراف الرماح.

فَإِنَّهُ أَمْوَرُ

أى: أكثر تحرّكا واضطرابا.

لِلْأْسِنَّةِ

أى: أسنّة الخصم كالسيوف في قوله قبله «أنبا للسيوف عن الهام». ويوضّحه قول الأشتر في أول الأمر لما غلب الخصم على الماء: فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها(1).

وقال ابن ميثم أمرهم عليه‏السلام بالالتواء عند طعنهم الخصم، بأن يميل صدره ويده، فان ذلك أنفذ. وهو كما ترى، وإنّما المراد أن يلتووا لئلا تؤر طعنة الخصم(2).

وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ

أى: أكثر شدّا.

لِلْجَأْشِ

أى: القلب، والأصل في معناه: الاضطراب، سمّي جأشا لاضطرابه كما سمّي قلبا لتقلبه كثيرا.


1) . وقعة صفين: 174؛ بحار الأنوار: 443/32.

2) .شرح نهج البلاغة ابن ميثم: 124/3.

وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ

من تزلزله.

وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ

أى: أدفع.

لِلْفَشَلِ

أى: الخوف.

قال عتبة يوم بدر لأصحابه: ألا ترون أصحاب محمّد جثيا على الركب كأنّهم خرس يتلمظون تلمظ الحيّات(1)

وقال عمير بن وهب الجمحى: أما ترونهم خرسا لا يتكلّمون؟ يتلمّظون تلمّظ الأفاعي. ما لهم ملجأ إلاّ سيوفهم. وما أراهم يولّون حتّى يقتلوا، ولا يقتلون حتّى يقتلوا بعددهم. فارتئوا رأيكم(2).

وكان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم: لا تكلّموا الناس إلاّ رمزا ولا تلحظوهم إلاّ شرزا(3)لتمتلئ صدورهم من هيبتكم(4).

وَرَايَتَكُمْ فَلاَ تُمِيلُوهَا

بل اجعلوها مستقيمة.


1) . عيون الأخبار لابن قتيبة: 187/1.

2) .تفسير الصافى: 278/2.

3) . شزرا: استهانة أو غضبا أو إعراضا.

4) . العقد الفريد: 224/5.

وَلاَ تُخِلُّوهَا

لأنّها كالقائمة للمحاربين.

وَلاَ تَجْعَلُوهَا إِلاّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ

فليس كلّ الناس أهلا لحمل الراية بل الشجاع منهم.

وَالْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ

في (الصحاح): فلان حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمى، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، لأنّهم قالوا «حامي الذمار» كما قالوا «حامي الحقيقة»، وسمّي ذمارا لأنّه يجب على أهله التذمّر له، وتذامر القوم حثّ بعضهم بعضا في الحرب، وسميت حقيقة لأنّه يحق على أهلها الدفع عنها(1).

قال أبو زبيد الطائي فيه عليه‏السلام: إنّ عليا سار بالتكرّم ـ إلى أن قال ـ حامي الذمار وهو لما يكدم(2).

ودعا الأشتر الحارث بن همام النخعي ثم الصهباني(3)فأعطاه لواءه ثم قال: يا حارث لولا أعلم أنّك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك ولم أجبك بكرامتي. قال: واللّه‏ يا مالك لأسرّنك اليوم أو لأموتن فاتبعني، فتقدّم وهو يقول:

يا أشتر الخير ويا خير النخع *** وصاحب النصر إذا عمّ الفزع


1) .الصحاح: 665/2.

2) . وقعة صفين: 389 ـ 390.

3) . الصهبانى، نسبة إلى صهبان بالضم، وهم قبيلة من النخع، منهم كميل بن زياد صاحب على بن أبي طالب. انظر الاشتقاق 242.

وكاشف الأمر إذا الأمر وقع *** ما أنت في الحرب العوان بالجذع(1)

قد جزع القوم وعمّوا بالجزع***وجرّعوا الغيظ وغصّوا بالجرع

إلى أن قال: فقال الأشتر: ادن مني يا حارث. فدنا منه فقبّل رأسه(2).

وقال عمر للحطيئة: كيف كنتم في حربكم قال: كنّا ألف حازم. قال: وكيف ذلك قال: كان منّا قيس بن زهير وكان حازما لا نعصيه فكأنّا ألف حازم، وكنّا نأتمّ بشعر عروة ونقدم بإقدام عنترة(3).

فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ

أى: الشدائد، قال أبو حبة الأنصارى:

ان يصدقوك يخبروك بأنّنا *** نحمي الحقيقة عند كلّ مصاع(4)

هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ

أى: يحيطون.

بِرَايَاتِهِمْ

واثب عائذ بن قيس الحرمزي في صفين على عدي بن حاتم في الراية ـ وكانت حرمز أكثر من بني عدي رهط حاتم ـ فوثب عبد اللّه‏ بن خليفة الطائي البولاني على حرمز وقال: على عدي تتوثبون هل فيكم مثل عدي أو في آبائكم


1) . الحرب العوان: التي حورب فيها مرة بعد مرة. والجذع: الصغير السن. قال الليث: «الجذع من الدوابّ والأنعام قبل أن يثنى بسنة». وفي الأصل: «بالخدع»، والخدع بفتح فكسر: الكثير الخداع. ولا وجه له هنا.

2) . وقعة صفين: 172 ـ 173.

3) .الأغاني: 53/3.

4) . وقعة صفين: 379.

مثل أبيه أليس عدي بحامي القرية ومانع الماء يوم روية أليس بابن ذي المرباع وابن جواد العرب أليس بابن المنهب ماله ومانع جاره أليس من لم يغدر ولم يفجر و لم يجهل ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن هاتوا في آبائكم مثل أبيه أو هاتوا فيكم مثله، أوَلَيْسَ أفضلكم في الإسلام أو ليس وافدكم إلى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر فمالكم وله واللّه‏ ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون. فقال له علي عليه‏السلام: حسبك يابن خليفة، هلمّ أيّها القوم إليّ وعليّ بجماعة طي.

فأتوه جميعا فقال عليه‏السلام لهم: من كان رأسكم في هذه المواطن قالوا: عدي.

فقال ابن خليفة له عليه‏السلام سلهم أليسوا راضين مسلمين لعدي الرئاسة ففعل فقالوا: نعم. فقال لهم: عديٌ أحقّكم بالراية. فسلّموها له فضجّت بنو حرمز، فقال لهم علي عليه‏السلام: اني أراه رأسكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلّهم إلاّ مسلمين له غيركم. فأخذها عدي(1).

وأخذ مسروق بن الهيثم راية بني نهد العراق فقتل، ثم أخذها صخر بن سمي فارتث، ثم أخذها علي بن عمير فقاتل حتى ارتث، ثم أخذها عبد اللّه‏ بن كعب فقتل، ثم أخذها سلمة بن خذيم فارتث وصرع، ثم أخذها عبد اللّه‏ بن عمرو بن كبشة فارتث، ثم أخذها أبو مسيح بن عمرو فقتل، ثم أخذها عبد اللّه‏ بن النوال فقتل، ثم أخذها مولاه مخارق فقتل حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي(2).

وصبرت همدان في ميمنة علي عليه‏السلام حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل


1) .تاريخ الطبري: 5/4.

2) . وقعة صفين: 261.

منهم أحد عشر رئيسا، كلّما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر، فكان الأول كريب بن شريح ثم مرثد بن شريح ثم هبيرة بن شريح ثم يريم بن شريح ثم سمير بن شريح، فقتل هؤاء الإخوة جميعا. ثم أخذ الراية عمير بن بشير، ثم الحارث بن بشير فقتلا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب فأراد أن يستقتل فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية فقد قتل أشراف قومك حولها فلا تقتل نفسك و لا من بقي من قومك. فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر.

فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إليّ أنا أحالفكم وأعاقدكم على ألاّ نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك. فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا قال كعب بن جعيل شاعر الشام: «و همدان زرق تبتغي من تحالف». وزحف الأشتر نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلاّ كشفها إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر، فقال: من هذا فقيل: زياد، استلحم عبد اللّه‏ بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدّم فرفع لأهل الميمنة رايته وقاتل حتى صرع، ثم لم يمكث إلاّ كلا شيء حتى مر بيزيد ابن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر، فقال: من هذا قالوا: يزيد، لما صرع زياد دفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع. فقال الأشتر: هذا واللّه‏ الصبر الجميل والفعل الكريم، ألا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل أو يشفى به على القتل(1).

وفيه أيضا: قالت بجيلة لأبي شداد قيس بن المكشوح: خذ رايتنا. قال: غيري خير لكم مني. قالوا: ما نريد غيرك. قال: واللّه‏ لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون


1) .تاريخ الطبري: 14/4 ـ 15.

صاحب الترس المذهب ـ أي الذي كان على رأس معاوية ـ قالوا: اصنع ما شئت. فأخذها ثم زحف حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس ـ وأشرعت إليه الأسنة فقتل ـ فأخذ الراية عبد اللّه‏ بن قلع الأحمسي وهو يقول:

لا يبعد اللّه‏ أبا شداد

حيث أجاب دعوة المنادي ***و شدّ بالسيف على الأعادي

فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس(1).

ولما وصل علي عليه‏السلام إلى ربيعة نادى بصوت عال ـ كغير المكترث لما فيه الناس ـ لمن هذه الرايات قالوا: رايات ربيعة. قال عليه‏السلام: بل رايات عصم اللّه‏ أهلها فصبرهم وثبّت أقدامهم. وقال للحضين بن المنذر: يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا. قال: بلى واللّه‏ وعشرة أذرع. فأدناها، قال: حسبك مكانك(2).

وفي (صفين نصر): انتهى علي عليه‏السلام إلى رايات ربيعة فقال: لمن هذه فقيل: رايات ربيعة. فقال: بل هي رايات اللّه‏. وأقبل الحضين بن المنذر ـ وهو يومئذ غلام ـ يزحف برايته ـ وكانت حمراء ـ فأعجب عليّا عليه‏السلام زحفه وثباته فقال:

لمن راية حمراء (سوداء) يخفق ظلّها *** إذا قيل قدمها حضين تقدما

ويقدمها في الموت حتى يزيرها *** حياض الموت تقطر الموت والدما

أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا *** بأسيافنا حتى تولى واحجما

جزى اللّه‏ قوما صابروا في لقائهم *** لدى الموت قوما ما أعف وأكرما

و أطيب أحبارا وأكرم شيمة *** إذا كان أصوات الرجال تغمغما


1) . تاريخ الطبري: 17/4 ـ 18.

2) .الكامل لابن الاثير: 299/3.

ربيعة أعني انّهم أهل نجدة *** وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما(1)

وَيَكْتَنِفُونَهَا

أى يحيطوها.

حِفَافَيْهَا

بدل بعض من (ها) أي جانبيها، قال طرفة:

كان جناحي مضر حي تكنفا *** حفافيه شكا في العسيب بمسرد(2)،(3)

وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا

عطفان على (حفافيها).

لاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا وَلاَ يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا

دفع علي عليه‏السلام الراية إلى هاشم المر قال ـ وكان عليه درعان ـ فقال عليه‏السلامكهيئة المازح: أبا هاشم أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا. قال: ستعلم يا أمير المؤنين واللّه‏ لألفن بين جماجم القوم لفّ رجل ينوي الآخرة.

فأخذ رمحا فهزّه فانكسر، ثم أخذ آخر فوجده جاسيا فألقاه، ثم دعا برمح لين فشدّ به لواه، ثم قال لأصحابه: شدّوا شساع نعالكم وشدّوا أزركم، فإذا رأيتموني


1) . وقعة صفين: 288؛ الكامل لابن الاثير: 299/3 300؛ تاريخ الطبري: 26/4.

2) . المضرحى: العتيق من النسور؛ يضرب إلى البياض. وحفافاه: جانباه. والعسيب: عظم الذنب. والمسرد: المخصف.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4/8.

قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا ان أحدا منكم لا يسبقني اليها.

إلى أن قال: وجعل عمّار يتناول هاشما بالرمح ويقول: أقدم يا أعور، لا خير في أعور لا يأتي الفزع. فجعل عمرو بن العاص يقول: اني لأرى لصاحب الراية السوداء عملا لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم ـ إلى أن قال ـ ولم يزل عمّار بهاشم ينخسه حتى شبّ القتال وزحف هاشم بالراية يرقل بها إرقالا وزحف الناس بعضهم إلى بعض، والتقى الزحفان فاقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله ـ إلى أن قال ـ فلما أصبح أهل الشام لم يجدوا حول لوائهم إلاّ ألف رجل، فاقتلعوه وركزوه من وراء موضعه الأول وأحاطوا به، ووجد أهل العراق لواءهم مركوزا وليس حوله إلاّ ربيعة، وعلي عليه‏السلام بينهم، وهم يحيطون به وهو لا يعلم من هم ويظنّهم غيرهم، فلما صلّى علي عليه‏السلام الفجر أبصر وجوها ليس بوجوه أصحابه بالأمس، فقال: من القوم قالوا: ربيعة وقد بتّ فيهم تلك الليلة. فقال: فخر طويل لك يا ربيعة(1).

وأقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية الأعظم، ومن بعده عمرو بن العاص في خيل، وقال له: اقحم يابن سيف اللّه‏ فانّه الظفر. فأقبل الناس على الأشتر فقالوا: يوم من أيامك الأول وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى. فأخذ الأشتر لوائه ثم حمل وهو يقول:

اني أنا الأشتر معروف الشتر *** اني أنا الأفعي العراقي الذكر

لست من الحي ربيعة ومضر *** لكنني من مذحج الغر الغرر

فضارب القوم حتى ردّهم على أعقابهم ورجعت خيل عمرو(2).


1) .وقعة صفين: 326 ـ 330.

2) .وقعة صفين: 395 ـ 396.

أَجْزَأَ امْرُؤ قِرْنَهُ

بالكسر: من جاء لحربه، قال الشاعر:

أ لست أردّ القرن يركب روعه *** وفيه سنان ذو غرانين(1)يابس(2)

وقال عمرو بن معديكرب:

يسامى القرن ان *** قرن تيمه فيعتضده(3)

فيأخذه فيرفعه ***فيخفضه فيقتصده(4)

فيدمغه فيحطمه ***فيخمضه(5)فيزدرده(6)

وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ

أى: واساه وعاضده.

وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ

ان لم يؤسيه.

فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ

أى: قرن نفسه.

وَقِرْنُ أَخِيهِ


1) . الغرار: الحد.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 51/5.

3) . ويعتضده: يأخذ تحت عضده ليصرعه.

4) . يقتصده: يقتله.

5) . يدمغه أي يصيب دماغه، ويخضمه: يأكله

6) . تاريخ الطبري: 390/2 ـ 391.

وذلك خلاف الانصاف والمروة.

وَايْمُ اللّه‏ِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآْخِرَةِ

و هو أشدّ بمراتب.

وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ

في (الصحاح): الهموم: الجواد من الناس والخيل، قال:

لا تحسبن بياضا في منقصة *** ان اللهاميم في أقرابها بلق(1)

و لكن: وهم الجوهري، وانما قال ابن دريد: فرس لهم ولهيم ولهموم إذا كان جوادا غزير الجري(2). ومعنى جواد غزير الجري جيد أصيل كثير العدو لا جود الإنسان كما توهم، وحينئذ فقوله عليه‏السلام «لهاميم العرب» استعارة من ذاك الفرس وإلا فالجود لا يناسب الحرب، وحينئذ فالمراد أنّكم مقدّمون في الحروب كالأفراس اللهاميم لا ما قاله ابن أبي الحديد: انّهم السادات الأجواد(3).

وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ

هو ايضاً استعارة من سنام الابل لانه اعلى اعضائه.

إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللّه‏ِ

فقد قال تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ


1) . الصحاح: 2037/5.

2) . جمهرة اللغة: 987/2.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6/8.

باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه‏ِ...»(1).

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‏السلام كَتَبَ إِلَيْهِ فِيمَا كَتَبَ مِنْ جَوَابِ مَسَائِلِهِ: حَرَّمَ اللّه‏ُ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ فِي الدِّينِ وَالاِسْتِخْفَافِ بِالرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ وَتَرْكِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالْعُقُوبَةِ لَهُمْ عَلَى تَرْكِ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الاْءِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِظْهَارِ الْعَدْلِ وَتَرْكِ الْجَوْرِ وَإِمَاتَةِ الْفَسَادِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ جُرْأَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ السَّبْيِ وَالْقَتْلِ وَإِبْطَالِ دِينِ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَسَادِ(2).

وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فِي يَوْمِ أُحُدٍ جَاءَ عَلِيٌّ مُتَقَلِّداً سَيْفَهُ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَا لَكَ لَمْ تَفِرَّ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ أَ أَرْجِعُ كَافِراً بَعْدَ إِسْلاَمِي(3)

وَالذُّلَّ اللاّزِمَ وَالْعَارَ الْبَاقِيَ

حض الأشتر الناس بصفين فقال: ان الفرار من الزحف فيه سلب العزّ وذلّ المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة.

وقال قيس بن سعد بن عبادة:

ليس فراري في الوغى بعادة *** ان الفرار للفتى قلادة(4)

و في التقاء جعدة بن هبيرة ابن أخت أمير المؤنين عليه‏السلام وعتبة بن أبي سفيان


1) . الأنفال: 16.

2) .من لا يحضره الفقيه: 565/3/ ح 4934؛ وسائل الشيعة: 87/15/ ح 20043 ـ 2.

3) . الارشاد: 85/1؛ بحار الأنوار: 85/20.

4) . وقعة صفين: 428.

أخي معاوية: باشر جعدة القتال بنفسه وجزع عتبة فأسلم خيله وأسرع هاربا إلى معاوية، فقال له: هزمك جعدة وفضحك فضيحة لا تغسل رأسك منها أبدا(1).

وفيه ـ في خبر ـ فغاداهم علي عليه‏السلام القتال، فانهزمت صفوف أهل الشام من بين يديه ذلك اليوم حتى فرّ عتبة بن أبي سفيان عشرين فرسخا عن موضع المعركة، فقال النجاشي فيه:

لقد أمعنت يا عتب الفرارا *** وأورثك الوغى خزيا وعارا

فلا يحمد خصاك سوى طمر *** إذا أجريته انهمر انهمارا(2)

ولا غرو أن يفرّ عتبة عشرين فرسخا من صفين، فقد اقتدى بابن عمه عثمان ففرّ في غزوة احد وغاب ثلاثة أيام حتى قال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله له: لقد ذهبت فيها عريضة طويلة. ومع كون كعب بن جعيل من شيعة معاوية وشاعره هجا عتبة بالفرار تحريضا له، فأجابه عتبة:

سميت كعبا بشر العظام *** وكان أبوك سمي الجعل

وان مكانك من وائل *** مكان القراد من است الجمل(3)

هذا، وروى محمد بن إسحاق غزوة موتة وقال ـ بعد ذكر هلاك جعفر وزيد ابن رواحة وأخذ خالد بن الوليد الراية وانكشف خالد بالناس حتى عيّروا بالفرار و تشأم الناس به. وروى عن أبي سعيد الخدري قال: أقبل خالد بالناس منهزمين، فلما سمع أهل المدينة بهم تلقوهم بالجرف، فجعلوا يحثّون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار(4).


1) .وقعة صفين: 464 ـ 465.

2) . وقعة صفين: 360.

3) . وقعة صفين: 362.

4) . المغازى للواقدي: 764/2 ـ 765.

وقال الواقدي: قال عبيداللّه‏ بن عبداللّه‏ بن عتبة: ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب موتة من أهل المدينة من الشرّ، حتى أن الرجل ينصرف إلى بيته وأهله فيدقّ عليهم فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت. وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس، حتى أرسل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهرجلا يقول لهم: أنتم الكرار في سبيل اللّه‏ فخرجوا(1).

ولا بد ان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أراد بما قال: انّكم تكرّون إلى الجهاد الذي هو سبيل اللّه‏. وإلاّ فالنبي لا يقول للفرار: أنتم الكرار. وكيف كان فمن المضحك أنّهم قالوا ان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لقّب ذاك اليوم خالد بن الوليد سيف اللّه‏، فكيف يحثي أهل المدينة التراب في وجهه ووجه أصحابه ويقولون له ولهم: يا فرار ثم يلقبه النبي سيف اللّه‏، فلو كان لقب سيف اللات كان أقرب إلى الواقع.

وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ وَلاَ مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ

قال حصين بن الحمام:

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد *** لنفسي حياة مثل أن أتقدّما(2)

و أنشد جرير قصيدة في مدح الحجاج إلى أن بلغ إلى هذا البيت:

قل للجبان إذا تأخّر سرجه *** هل أنت من شرك المنية ناج(3)

قال له الحجاج: يابن اللخناء جرّأت عليّ الناس. قال: أيّها الأمير ما ألفيت لها بالا إلاّ وقتي هذا. وقال عنترة:


1) .المغازي للواقدي: 765/2.

2) . خزانة الادب البغدادى: 465/7.

3) . نهاية الارب: 227/3.

بكرت تخوفني الحتوف فإنّني *** أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

فأجبتها ان المنيّة منهل *** لا بد أن أسقى بكأس المنهل

فاقنى حياء لا أبا لك واعلمي *** أنّي امرؤسأموت ان لم أقتل(1)

والأصل في كلامه عليه‏السلام قوله تعالى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ...»(2).

وقال تعالى: «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِم»(3).

الرَّائِحُ إِلَى اللّه‏ِ كَالظَّمْآنِ

أى: فيكون كالظمآن.

يَرِدُ الْمَاءَ

ولا شيء فوقه لأن به يحيا.

الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي

جمع العالية، والمراد بها السنان وان كان الأصل فيها الأعلى منه، وهو ما دخل في السنان إلى ثلثه.

وقال ابن أبي الحديد كلامه عليه‏السلام من قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «الجنّة تحت ظلال السيوف» وسمعه بعض الأنصار منه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم احد وفي يده تمرات يلوكها، فقال: بخ بخ ليس


1) . الشعر والشعراء: 247/1.

2) .الأحزاب: 16.

3) . آل عمران: 154.

بيني وبين الجنّة إلاّ هذه التميرات فقذفها وحمل حتى قتل(1).

فإن أراد أنّه نظير قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فصحيح، وإن أراد أنّ المراد بالعوالي السيوف فلا.

ونظير قوله عليه‏السلام قول عمّار «الجنّة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الأسل»، جاء عمّار إلى هاشم المرقال صاحب رأية علي عليه‏السلام وهاشم يقول:

أعور يبغي أهله محلاّ *** قد عالج الحياة حتى ملاّ

لا بد أن يفلّ أو يفلاّ

وعمار يقول: يا هاشم الجنّة تحت ظلال السيوف والموت في أطراف الأسل وقد فتحت أبواب السماء وتزيّنت الحور العين ـ «اليوم ألقى الأحبة محمّدا وحزبه». فلم يرجعا عن القتال حتى قتلا(2).

الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ

أى: تمتحن أحوال الناس. والظاهر أنّه عليه‏السلام قال ذلك قرب وقوع التحكيم كما يشهد له السياق.

أنّ عليّا عليه‏السلام أرسل إلى الناس أن احملوا، فحمل الناس على راياتهم كلّ قوم بحيالهم، فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد لا يسمع ألاّ صوت الحديد، ومرّت الصلوات كلّها ولم يصلّوا إلاّ تكبيرا عند مواقيت الصلوات حتى تفانوا ورق الناس. فخرج رجل بين الناس لا يعلم من هو فقال: أخرج فيكم المحلقون؟ قالوا:


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6/8.

2) .تاريخ الطبري: 28/4.

لا. قال: أما إنّهم سيخرجون ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر، لهم حمة كحمة الحيات. ثم غاب الرجل ولم يعلم من هو(1)

وقعة صفين: 393؛ بحار الأنوار: 507/32/ ح 436.

وَاللّه‏ِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ

قال أبو عبد الرحمن السلمى: كنّا مع عليّ عليه‏السلام بصفين فكنّا قد وكّلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلة يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وانّه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم وقال: لو لا أنّه انثنى ما رجعت...(2)

اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ

قال عمار يومئذ: أين من يبتغي رضوان اللّه‏ عنه ولا يئوب إلى مال ولا ولد فأتته عصابة، فقال لهم: اقصدوا بنا نحو هؤاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انّه قتل مظلوما، واللّه‏ ما طلبتهم بدمه ولكن القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبوها واستمرؤوها وعلموا أنّ الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم، ولم تكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون. ولو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان، اللّهم ان تنصرنا فطالما نصرت وان تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له: تبا لك بعت دينك


1) .

2) . تاريخ الطبري: 28/4.

بمصر تبا لك تبا، طالما بغيت الإسلام عوجا. وقال لعبيد اللّه‏ بن عمر: بعت دينك من عدو الإسلام وابن عدوّه. قال: لا ولكن أطلب بدم عثمان.

قال له: أشهد على علمي فيك أنّك لا تطلب بشيء من فعلك وجه اللّه‏ عز وجل، وأنّك إن لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا اعطي الناس على قدر نيّاتهم ما نيّتك(1).

وَأَبْسِلْهُمْ

بفتح الهمزة، أى: أسلمهم للهلكة. هذا، وكان عوف بن الأحوص حمل عن غنى لبني قشير دم ابني السحيفة فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلبا للصلح وقال:

و إبسالي بني بغير جرم *** بغوناه ولا بدم مراق(2)

بِخَطَايَاهُمْ

قال سبحانه: «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّه‏ِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُون»(3).

إِنَّهُمْ

قد عرفت أن المراد بهم غسان.


1) .تاريخ الطبري: 27/4 ـ 28.

2) . الصحاح: 1634/4.

3) . الأنعام: 70.

لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ

أى: متتابع يتلو بعضه بعضا ويدرك الآخر الأول.

يَخْرُجُ مِنْهُ

أى: من محل الطعن.

النَّسِيمُ

أى: الهواء. قال الشاعر:

طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر *** لها نفد لو لا الشعاع أضاها

ملكت بها كفّى فانهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما وراءها(1)

وَضَرْبٍ يَفْلِقُ

أى: يشقق.

الْهَامَ

أى: الرأس.

وَيُطِيحُ الْعِظَامَ

أى: يهلك ويسقط.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 8/8.

وَيُنْدِرُ

بالضم أى: يسقط.

السَّوَاعِدَ وَالْأَقْدَامَ

أى: الأعضاد.

وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ

جمع المنسر بالكسر وجوز الفتح، والمنسر ما بين الأربعين إلى الخمسين من الخيل(1).

وَيُرْجَمُوا

أى: يرموا.

بِالْكَتَائِبِ

أى: الجيوش.

تَقْفُوهَا

أى: تتبعها.

الْحَلاَئِبُ

حلائب الرجل: أنصاره من بني عمه خاصة، هكذا يقول الأصمعي، فإذا كانوا


1) . جمهرة اللغة: 722/2.

من غير بني عمّه فليسوا بحلائب، قال ابن حلزة اليشكرى:

ونحن عداة العين لما دعوتنا *** منعناك اذ ثابت عليك الحلائب(1)

وَحَتَّى يُجَرَّ بِبِلاَدِهِمُ الْخَمِيسُ

أى: الجيش.

يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ

سمّي الجيش خميسا لأنّهم خمس فرق: القلب والميمنة والميسرة والمقدّمة والساق.

وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ

قال ابن أبي الحديد: يجوز أن يفسر الدعق بغير الدق الذي قال الرضي، أي الهيج والتنفير(2).

ولكن لا مناسبة للهيج والتنفير، فيتعيّن المعنى الذي قال المصنف أو ما هو بمعناه، ففي (الجمهرة): الدعق الوطوء الشديد، قال بعضهم في كلام له:

حوب حوب إنّه يوم دعق وشوب *** لا لعا لبني الصوب(3)

و قال الجوهرى: خيل مداعيق تدوس القوم في الغارات(4).

فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ

قد عرفت أنّ (نصر بن مزاحم) و(الإرشاد) و(سليما) زوّده «فيى نواحي


1) . جمهرة اللغة: 284/1.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/8.

3) . جمهرة اللغة: 286/1.

4) . الصحاح: 1474/4.

أرضهم» وهو الصحيح وتوهّم المصنف فقرأ «في نواحر» بالراء لتشابهها خطا، وأيضا المناسب وطئوا الخيل نواحي أرضهم لا مقابلها.

وَبِأَعْنَانِ

أى: أطراف.

مَسَارِبِهِمْ

المسرب المرعى والجمع المسارب، وخل سرب فلان أى: وجهته. وكان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته: اذهبي فلا أنده سربك، فتطلق بهذه الكلمة(1).

وَمَسَارِحِهِمْ

جمع المسرح، وسرحت الماشية إذا غدوت بها إلى المرعى، وربما قيل: «سرحت الماشية» فيجعل الفعل لها، وقالوا: المال سارح ومراح. لا يقال إلاّ كذلك قال الأعشى:

أم على العهد فعلمي انه *** خير من روح مالا وسرح(2)

ولمّا أراد عبد اللّه‏ بن بديل الشخوص إلى صفين التفت إلى الناس وقال: كيف يبايع معاوية عليّا عليه‏السلام وقد قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجدّه عتبة في موقف واحد، واللّه‏ ما أظن أن يفعلوا ولن يستقيموا دون أن تقصد فيهم المران وتقطع على هامهم السيوف وتنثر حواجبهم بعمد الحديد وتكون أمور جمّة بين الفريقين(3).


1) .جمهرة اللغة: 309/1 ـ 310.

2) . جمهرة اللغة: 512/1.

3) . وقعة صفين: 102.

أقول: الدعق الدق أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم

قد عرفت تحقيقه.

ونواحر أرضهم متقابلاتها.

قد عرفت وهم المصنف في قراءة «نواحر» بالراء وانّه «نواحى»، ولو فرضت صحته فقد عرفت عدم مناسبة معناه. ويمكن أن يفسّر بأن المراد في عروق أرضهم. ففي (الجمهرة): النواحر عروق تقطع من نحر الدابة كالفصد، الواحد ناحر، و قالوا ناحرة ونواحر(1).

ويقال منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل.

والأصل فيه نحر البعير، كأن كلاّ منهما تنحر الاخرى، ففي (الجمهرة): كانت دار بني فلان تنحر الطريق أي تقابله(2).

هذا وقال الجوهرى: النحيرة آخر يوم من الشهر، قال الكميت يصف فعل الأمطار بالديار:

والغيث بالمتالقات *** من الأهلّة والنواحر

وقال أبو الغوث: النحيرة آخر ليلة من الشهر مع يومها، لأنّها تنحر الشهر الذي بعدها، أي تصير في نحره أو تصيب نحره، فهي ناحرة والجمع النواحر، واحتجّ بقول ابن أحمر الباهلى:

ثم استمر عليها واكف همع*** في ليلة نحرت شعبان أو رجبا(3)

وقال ابن دريد: أقبل فلان في نحر الجيش، أي في أوّله، والليلة تنحر شهر كذا


1) . جمهرة اللغة: 525/1.

2) . جمهرة اللغة: 525/1.

3) . الصحاح: 824/2.

وكذا أي هي أوّله. ثم ذكر البيت الأخير(1)، فترى الأوّل جعله الآخر بلا خلاف لكن تردّد في أنّه آخر يوم فقط أو مع ليلة، والثاني جعله أول ليلة بلا خلاف ثم قال: والنحيرة والمنحورة واحد، وقال: قيل في قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(2)أي استقبل نحر النهار أي أوّله، وقيل يعني ضع يدك على نحرك(3).

والصواب قول ابن دريد لأخذه عن الخليل ولكثرة أوهام الجوهري ولأن (الأساس) وافقه فقال: قال الكميت:

والغيث بالمتالقات *** من الأهلّة في النواحر إذا وقع الغيث في أوّل الشهر كان غزيرا...(4)


1) . جمهرة اللغة: 525/1.

2) . الكوثر : 2 .

3) .جمهرة اللغة: 525/1.

4) . اساس البلاغة: 622.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (125) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

في الخوارج لمّا أنكروا تحكيم الرجال ويذمّ فيه أصحابه في التحكيم فقال عليه‏السلام: إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ وَهَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللّه‏ِ تَعَالَى وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه‏ِ وَالرَّسُولِ فَرَدُّهُ إِلَى اللّه‏ِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللّه‏ِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهفَنَحْنُ أَوْلاَهُمْ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ وَيَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ وَلَعَلَّ اللّه‏َ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلاَ تُؤخَذَ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللّه‏ِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ أَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَمِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ نُكُبٍ عَنِ الطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا وَلاَ زَوَافِرَ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاء.

أقول: العنوان مأخوذ من كلامه عليه‏السلام في ثلاثة مواضع، فمن أوله إلى قوله: «و تنقاد لأول الغى» كلامه عليه‏السلام مع الخوارج، رواه الطبري(1)و(إرشاد المفيد)(2)إلى قوله: «و لعل اللّه‏ أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الامة»، و من قوله: «إنّ أفضل الناس عند اللّه‏ ـ إلى ـ وإن جرّ إليه فائدة وزاده» نصحه لعمرو بن العاص في حكميته، رواه الطبري مع زيادات، ففيه: قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح العبسى: كنت مع شريح بن هاني في غزوة سجستان، فحدّثني أنّ عليّا عليه‏السلام أو صاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، قال: قل له: إنّ عليّا يقول لك «إنّ أفضل الناس عند اللّه‏ عز وجل: من كان العمل بالحق أحبّ إليه ـ وان نقصه وكرثه ـ من الباطل وان حن إليه وزاده. واللّه‏ يا عمرو انّك لتعلم أين موضع الحق، فلم تجاهل إن اوتيت طمعا يسيرا كنت به للّه‏ وأوليائه عدوّا، فكان واللّه‏ ما اوتيت قد زال عنك ويحك فلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ولا للظالمين ظهيرا أما إنّي أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وفاتك، تمنّى انّك لم تظهر للمسلم عداوة، ولم تأخذ على حكم رشوة» قال شريح: فبلغته ذلك فتمعر وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة عليّ، أو أنتهي إلى أمره، أو أعتد برأيه فقلت له: وما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين ـ بعد نبيّهم ـ مشورته، فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه فقال: إنّ مثلي لا يكلّم مثلك. فقلت له: وبأي أبويك ترغب عني، أ بأبيك الوشيظ، أم بامّك النابغة(3)ومن قوله: «استعدوا للمسير...» حث لأصحابه لقتال معاوية بعد قتل أهل النهروان، رواه الطبري أيضا، ففيه: قال


1) . تاريخ الطبري: 48/4.

2) . الارشاد: 1/ 271 ـ 270.

3) . تاريخ الطبري: 50/4 ـ 51.

زيد بن وهب: إنّ عليّا عليه‏السلام قال للناس ـ وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النهر ـ: «أيّها الناس استعدوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القربة إلى اللّه‏، ودرك الوسيلة عنده، حيارى في الحق، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان ويكبون في غمرة الضلال فـ «أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ»، وتوكلوا على اللّه‏ وَكَفى بِاللّه‏ِ وَكِيلاً وَكَفى بِاللّه‏ِ نَصِيراً قال زيد: فلا نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤاءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم، فمنهم المعتل ومنهم المكره وأقلّهم من نشط، فقام فيهم خطيبا فقال: عباد اللّه‏ ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآْخِرَةِ»(1).

وبالذل والهوان من العزّ أو كلّما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنّكم من الموت في سكرة، وكأنّ قلوبكم مالوسة فأنتم لا تعقلون، وكأنّ أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون للّه‏ أنتم ما أنتم الاّ اسود الشّرى في الدّعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، ما أنتم بركب يصال بكم، ولا ذي عز يعتصم إليه، لعمر اللّه‏ لبئس حشّاش الحرب أنتم تكادون ولا تكيدون، وينتقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إنّ أخا الحرب اليقظان، وبات لذل من وادع، وغلب المتخاذلون، والمغلوب مقهور ومسلوب(2).

كما أنّ الصدر رواه الطبري أيضا مع زيادة ونقصان، ففيه: خرج عليّ عليه‏السلام إلى الخوارج وقال: اللّهم إنّ هذا مقام من أفلح فيه كان أولى بالفلح يوم القيامة، ومن نطف فيه أو عسف فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. ثم قال عليه‏السلام لهم: من زعيمكم


1) .التوبة: 38.

2) .تاريخ الطبري: 67/4 ـ 68.

قالوا: ابن الكواء. فقال: فما أخرجكم علينا قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم باللّه‏ أ تعلمون انّهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب اللّه‏، قلت لكم: «إنّي أعلم بالقوم منكم إنّهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال، امضوا على حقّكم وصدقكم، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا ومكيدة» فرددتم عليّ رأيي وقلتم: لا بل نقبل منهم. فقلت لكم: «اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياى» فلمّا أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين: أنّ يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. قالوا له: فخبّرنا أ تراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء فقال: إنّا لسنا حكّمنا الرجال، إنّما حكّمنا القرآن، وهذا القرآن إنّما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق، إنّما يتكلم به الرجال. قالوا: فخبّرنا عن الأجل، لم جعلته في ما بينك وبينهم قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعلّ اللّه‏ عزوجل يصلح في هذه الهدنة هذه الامة. ادخلوا مصركم رحمكم اللّه‏. فدخلوا من عند آخرهم(1).

وحيث إنّ الكلام كلّه خطاب وعتاب للخوارج، ولأحد الحكمين وللناس بعد قتلهم، جمع المصنف بينها وجعلها تحت عنوان واحد، كما هو دأبه.

واعلم أنّ هذا الكلام قاله عليه‏السلام في مقام الإحتجاج على الخوارج حيث أنكروا عليه التحكيم، وقد مضى في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين كيفية التحكيم وبدء خروج الخوارج، وفي شرح الخطبة السادسة والثلاثين احتجاجاته عليه‏السلام معهم من


1) .تاريخ الطبري: 47/4 ـ 48.

كتابى المناقب لابن شهر آشوب وكشف الغمة لعليّ بن عيسى الإربلى، ونقول هنا قد روى الطبرسي في الإحتجاج احتجاجه معهم نحو ما قدّمناه من المناقب ولا بأس بايراده هنا لاختلاف الروايتين وتوضيحا للمقام وتأكيدا لما تقدّم قال رحمه‏الله: وروى أنّ أمير المؤنين عليه‏السلام أرسل عبد اللّه‏ بن العباس إلى الخوارج وكان بمرئى منهم ومسمع قالوا له في الجواب: إنّا نقمنا يابن عباس على صاحبك خصالا كلّها مكفرة موبقة تدعوا إلى النار أمّا أولها فانّه محا اسمه من امرة المؤنين(1)ثمّ كتب ذلك بينه وبين معاوية فاذا لم يكن أمير المؤنين ونحن المؤنون فلسنا نرضى بأن يكون أميرنا وأمّا الثانية فانه شكّ في نفسه حيث قال للحكمين انظرا فان كان معاوية أحقّ بها فاثبتاه وإن كنت أولى بها فاثبتانى فاذا هو شكّ في نفسه ولم يدر أهو المحقّ أم معاوية فنحن فيه أشدّ شكا والثالثة أنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس والرابعة أنه حكم الرّجال في دين اللّه‏ ولم يكن ذلك إليه.

والخامسة أنه قسم بيننا الكراع والسّلاح يوم البصرة ومنعنا النساء والذريّة.

والسادسة أنه كان وصيّا فضيّع الوصيّة قال ابن عبّاس قد سمعت يا أمير المؤنين مقالة القوم وأنت أحقّ بجوابهم، فقال عليه‏السلام: نعم، ثمّ قال: يابن عبّاس قل لهم ألستم ترضون بحكم اللّه‏ وحكم رسوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله؟ قالوا: نعم، قال: ابدء بما بدءتم


1) . حين أمر أمير المؤنين عليه‏السلام كاتبه أن يكتب: (إنّ هذا ما تقاضى عليه أمير المؤنين عليه‏السلام عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان) قال عمرو بن العاص: (أكتب اسمه واسم أبيه ولا تسميه بإمرة المؤنين فإنّما هو أمير هؤاء وليس هو بأميرنا) ولما أصرّوا على ذلك قال أمير المؤنين: اللّه‏ أكبر سنة بسنة ومثل بمثل وذكر قول النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله له يوم الحديبية: لك مثلها ثمّ أمر فكتبوا. (هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب...).

به(1)في بدء الأمر ثمّ قال عليه‏السلام: كنت أكتب لرسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهالوحى والقضايا والشروط والأمان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو فكتبت: بسم اللّه‏ الرّحمن الرّحيم هذا ما اصطلح عليه محمّد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أبا سفيان بن صخر بن حرب وسهيل بن عمرو فقال سهيل إنا لا نعرف الرّحمن الرّحيم، ولا نقرّ أنّك رسول اللّه‏، و لكن نحسب ذلك شرفا لك أن تقدّم اسمك قبل أسمائنا وان كنا أسنّ منك وأبي أسنّ من أبيك، فأمرني رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال اكتب مكان بسم اللّه‏ الرّحمن الرّحيم: باسمك اللهمّ، فمحوت ذلك وكتبت باسمك اللهمّ ومحوت رسول اللّه‏ وكتبت محمّد بن عبد اللّه‏، فقال لى: إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره(2)وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: هذا ما اصطلح عليه أمير المؤنين ومعاوية وعمرو بن العاص فقالا: لقد ظلمناك إن أقررنا أنك أمير المؤنين وقاتلناك، ولكن اكتب عليّ بن أبي طالب، فمحوت كما محى رسول اللّه‏، فان أبيتم ذلك فقد جحدتم، فقالوا: هذه لك خرجت منها قال:

وأمّا قولكم انى شككت في نفسي حيث قلت للحكمين انظرا فان كان معاوية أحق بها منّي فأثبتاه، فانّ ذلك لم يكن شكا منّى، ولكنى أنصفت في القول قال اللّه‏ تعالى: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(3)ولم يكن ذلك شكا وقد علم اللّه‏ أنّ نبيّه على الحقّ قالوا: وهذه لك قال عليه‏السلام:


1) . أي: أبدا في الرد على إشكالاتكم ممّا بدأتم به في عرضها حسب التسلسل، أو أبدأ معكم بتحكيم القرآن كما بدأتم في أول الأمر.

2) . جاء في قصة الحديبية أنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: (يا علي إنك أبيت أن تمحو اسمي من النبوّة والذي بعثني بالحق نبيّا لتجيبن أبناءهم إلى مثلها وأنت مضيض مضطهد).

3) . سبأ: 24

وأمّا قولكم إني جعلت الحكم إلى غيرى وقد كنت عندكم أحكم النّاس، فهذا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد كان من أحكم الناس فقد قال اللّه‏ تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه‏ِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(1)فتأسّيت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قالوا: وهذه لك بحجّتنا قال:

وأمّا قولكم إنّي حكمت في دين اللّه‏ الرّجال، فما حكمت الرّجال وإنما حكمت كلام الربّ الذي جعله اللّه‏ حكما بين أهله، وقد حكم اللّه‏ الرّجال في طائر فقال: «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ»(2). فدماء المسلمين أعظم من دم طائر قالوا، وهذه لك بحجّتنا قال:

وأمّا قولكم إنّي قسّمت يوم البصرة لما ظفّرنى اللّه‏ بأصحاب الجمل الكراع(3)و السلاح ومنعتكم النساء والذريّة فاني مننت على أهل البصرة كما منّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على أهل مكّة وان كان عدوّا علينا أخذناهم بذنوبهم ولم نأخذ صغيرا بكبير، وبعد فايّكم كان يأخذ عايشة في سهمه؟ قالوا: وهذه لك بحجّتنا قال:.

وأمّا قولكم إني كنت وصيّا وضيّعت الوصيّة فأنتم كفرتم وقدمتم علىّ وأزلتم الأمر عنّى، وليس على الأوصياء الدّعا إلى أنفسهم إنما يبعث الأنبياء عليهم السّلام فيدعون إلى أنفسهم، وأمّا الوصىّ فمدلول عليه مستغن عن الدّعاء إلى نفسه و ذلك لمن آمن باللّه‏ ورسوله ولقد قال اللّه‏ تعالى:

«وَللّه‏ِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»(4)فلو ترك الناس الحجّ لم


1) . الأحزاب: 21.

2) .المائدة: 95.

3) . الكراع: جمعه أكرع و أكارع، اسم يطلق على الخيل و البغال و الحمير.

4) . آل عمران: 97.

يكن البيت ليكفر بتركهم إيّاه ولكن كانوا يكفرون بتركهم لأنّ اللّه‏ قد نصبه لهم علما و كذلك نصبنى علما حيث قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا على أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، أنت منّي بمنزلة الكعبة تؤى ولا تأتي، فقالوا هذه لك بحجّتنا فادعونا، فرجع بعضهم وبقى منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممّن كانوا قعدوا عنه، فقاتلهم وقتلهم(1)إذا عرفت ذلك فأقول: إنّه قد ظهر لك من هذه الرّواية ومن رواية، المناقب المتقدّمة أنّ من جملة ما نقم الخوارج عليه عليه‏السلامتحكيمه للرّجال، ومن جملته أنه عليه‏السلام ضرب للتحكيم أجلا معيّنا، فساق هذا الكلام دفعا لشبهتهم.

ومن كلام له عليه السلام في التّحكيم: إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ

قال تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّه‏ِ»(2).

وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ

كلام اللّه‏ وكتابه.

وَهَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ

قال ابن أبي الحديد: دفتا المصحف: جانباه اللذان يكتنفانه، وكان الناس يعملانها قديما من خشب، ويعملونها الآن من جلد(3).

والدف: صفحة الجنب(4).


1) . الإحتجاج: 187/1 189؛ بحار الأنوار: 377/33 380/ ح 608.

2) . الأنعام: 57.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 104/8.

4) .جمهرة اللغة: 113/1.

لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ

الترجمان كعنفوان وزعفران المفسر للسان(1).

وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ

فالحاكم في الحقيقة هو لا الرجال كالمترجم عن القاضى.

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ

وإن كانت دعوتهم مجرد لفظ.

لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللّه‏ِ تَعَالَى

لانه عليه‏السلام اول من آمن باللّه‏ فكيف يعقل توليه عن كتابه.

وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه‏ِ وَالرَّسُولِ

والآية في سورة النساء، وقبلها: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه‏َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». وبعدها: «إِنْ كُنْتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللّه‏ِ وَالْيَوْمِ الآْخِر...»(2).

فَرَدُّهُ إِلَى اللّه‏ِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ

بيان للمراد من الآية.

فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللّه‏ِ

لا كما حكم الحكمان.


1) .القاموس المحيط الفيروز آبادى: 83/4.

2) .النساء: 59.

فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ

أى باللّه‏ أو بكتاب اللّه‏ أو بالحكم الصّدق المستنبط من الكتاب ولوجب بمقتضاه الحكم بخلافتنا ووجوب المتابعة لنا لأنّ اللّه‏ سبحانه قد قال فيه: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1)وقال: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ»(2).

وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه‏ِ صلّى اللّه‏ عليه وآله

بالحقّ لا بتأويله عن هوى النفس.

فَنَحْنُ أَوْلاَهُمْ بِهِ

أى بالسنّة وفي بعض النسخ به أي بالحكم الحقّ المستفاد من السنّة أو أولاهم بالرّسول لقوله فيه أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدى، وغيره مما قال فيه من الأخبار الدالة على أولويته عليه‏السلام إلاّ انّهم أرادوا المكيدة، لا الكتاب أرادوا ولا السنّة.

وانّما قال عليه‏السلام في الاول اعنى الكتاب (فنحن احقّ النّاس به) وفى الثانى اعنى الاخذ بالسّنة (فنحن اولاهم به) لنكتة دقيقة لا بأس بالاشارة اليها وهى انّ متابعة الكتاب واجبة على جميع الافراد إلاّ انّ اميرالمؤنين عليه‏السلام لكونه ملازماً له وعدلاً فهو كان احقّ النّاس باتّباعه قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: انّى تارك فيكم الثّقلين كتاب اللّه‏ وعترتى اهل بيتى ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا ابداً ولن يفترقا حتى يردا على


1) . يونس : 35 .

2) . الزمر: 9.

الحوض، وهو حديث متفق عليه(1).

ومعلوم انّ من لا يفارق القرآن فهو احقّ باتّباعه من غيره. وامّا متابعة السّنة فمعناها متابعة قوله وفعله وتقريره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وقوله عليه‏السلام قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وفعله عليه‏السلام فعله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتقريره عليه‏السلام تقريره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فالسّنة في الحقيقة ليست الاّ طريق على عليه‏السلام واولاده فينبغى ان يقال نحن اولاهم به فانّ اهل البيت ادرى بما فى البيت، هذا.

وقالوا: إنّ عليّا عليه‏السلام لما اختلف عليه أهل النهروان وأصحاب البرانس، و نزلوا قرية يقال لها حرورا، رجع إليهم فقال: يا هؤاء من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. قال: فليبرز اليّ. فخرج إليه ابن الكواء، فقال عليه‏السلام له: ما الذي أخرجكم بعد رضاكم بالحكمين قال: قاتلت بنا عدوا لا نشكّ في جهاده، فزعمت أنّ قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقا وحكّمت كافرا، وكان من شكك في أمر اللّه‏ أن قلت للقوم ـ حين دعوتهم ـ: «كتاب اللّه‏ بيني وبينكم، فإن قضى عليّ بايعتكم، وإن قضى عليكم بايعتمونى» فلولا شكك لم تفعل هذا والحق في يدك. فقال عليه‏السلام: يا ابن الكواء إنّما الجواب بعد الفراغ، أفرغت؟ قال: نعم. قال: أمّا قتالك معي عدوا لا نشكّ في جهاده فصدقت، و لو شككت فيهم لم اقاتلهم، وأمّا قتلاهم وقتلانا، فقد قال اللّه‏ في ذلك ما يستغنى به عن قولي، وأمّا إرسالي


1) .المسترشد: 559/ ح 237 ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهر آشوب 57 (اجتمعت الإماميّة والزيديّة على صحّة ذلك، ورواه أبو ذر الغفاري وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وأبو سعيد الخدري وعائشة وأم سلمة وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة وجابر الأنصاري وابن عباس و جبير بن مطعم وأبو رافع وعبد اللّه‏ بن عمر وبشير بن معبد وحذيفة بن أسيد وعلي بن أبي طالب عليه‏السلام ذكره الخركوشي والسمعاني والعكبري وشيرويه والموصلي وأحمد والترمذي وأبو يوسف النسوي والثعلبي وأبو السعادات ومسلم وصاحب الصحيح).

المنافق وتحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا ومعاوية حكّم عمرا، أتيت بأبي موسى مبرنسا فقلت: «لا نرضى إلاّ أبا موسى» فهلا قام اليّ رجل منكم، فقال: لا نعطي هذه الدنية فإنّها ضلالة؟ وأمّا قولي لمعاوية: إن جرني إليك كتاب اللّه‏

تبعتك وإن جرّك اليّ تبعتني، زعمت أنّي لم أعط ذلك إلاّ من شك، فحدّثني ويحك عن اليهود والنصارى ومشركي العرب. أهم أقرب إلى كتاب اللّه‏ أم معاوية وأهل الشام؟ قال: بل معاوية وأهل الشام. قال: ا فالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان أوثق بما في يده من كتاب اللّه‏ أو أنا؟ قال: بل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.

قال: أ فرأيت اللّه‏ تعالى حين يقول: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللّه‏ِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(1)اما كان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يعلم أنّه لا يؤى بكتاب هو أهدى فيما في يديه؟ قال: بلى. قال: فلم أعطى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله القوم ما أعطاهم؟ قال: انصافا وحجّة. قال: فإنّي أعطيت القوم ما أعطاهم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله. قال ابن الكواء: هذه واحدة، زدني. قال: فما أعظم ما نقمتم عليّ؟ قال: تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكا.

قال عليّ عليه‏السلام: فمتى سمّي أبو موسى حكما، حين ارسل أو حين حكم؟ قال: حين ارسل. قال: أ ليس قد سار وهو مسلم، وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل اللّه‏؟ قال: نعم. قال: فلا أرى الضلال في إرساله. فقال ابن الكواء: سمّي حكما حين حكم. قال: نعم، إذن فارساله كان عدلا، أرأيت يابن الكواء لو أنّ النبي بعث مؤنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب اللّه‏، فارتد على عقبه كافرا كان يضرّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله شيئا؟ قال: لا. قال عليه‏السلام: فما كان ذنبي أن كان أبو موسى ضلّ هل رضيت حكومته


1) . القصص: 49.

حين حكم أو قوله إذا قال؟ قال: لا، ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب اللّه‏. قال عليه‏السلام: ويلك يابن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية وكيف احكمه وحكمه على ضرب عنقي إنّما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤن والكافر يحكمان في أمر اللّه‏، أ رأيت لو أنّ رجلا مؤنا تزوج يهودية أو نصرانية، فخافا شقاق بينهما، فضرع الناس إلى كتاب اللّه‏ وفي كتابه: «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها»(1).

فجاء رجل من اليهود أو النصارى ورجل من المسلمين، أ ليسا اللذين لهما أن يحكما كما في كتاب اللّه‏ فحكما قال ابن الكواء: وهذه أيضا، أمهلنا حتى ننظر...(2)

العقد الفريد: 99/5 ـ 101.

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ وَيَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ وَلَعَلَّ اللّه‏َ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ

أى المصالحة والمتاركة. وهذه صورة المعاهدة: هَذَا مَا تَقَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَاضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَقَاضَى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ إِنَّا نَنْزِلُ عِنْدَ حُكْمِ اللّه‏ِ وَكِتَابِهِ وَلاَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا إِلاّ إِيَّاهُ وَأَنَّ كِتَابَ اللّه‏ِ سُبْحَانَهُ بَيْنَنَا مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ نُحْيِي مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَنُمِيتُ مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ فَإِنْ وَجَدَ الْحَكَمَانِ أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللّه‏ِ اتَّبَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدَاهُ أَخَذَا بِالسُّنَّةِ الْعَادِلَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ وَالْحَكَمَانِ عَبْدُ اللّه‏ِ بْنُ


1) .النساء: 35.

2) .

قَيْسٍ(1)وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَقَدْ أَخَذَ الْحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَمِنَ الْجُنْدَيْنِ أَنَّهُمَا آمِنَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَمْوَالِهِمَا وَأَهْلِهِمَا وَالْأُمَّةُ لَهُمَا أَنْصَارٌ وَعَلَى الَّذِي يَقْضِيَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُؤمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَهْدُ اللّه‏ِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا يَقْضِيَانِ عَلَيْهِ مِمَّا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَنَّ الْأَمْنَ وَالْمُوَادَعَةَ وَوَضْعَ السِّلاَحِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ عَهْدُ اللّه‏ِ لِيَحْكُمَنَّ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِالْحَقِّ لاَ بِالْهَوَى وَأَجَلُ الْمُوَادَعَةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ...(2).

أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ

كما في صلح الحديبية.

وَلاَ تُؤخَذَ بِأَكْظَامِهَا

جمع الكظم أي مخرج النفس يقال: اخذت بكظمه.

فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ

إن لم يكن اجل في البين، يعني أنى لو أعجلت في الأمر وتركت ضرب الأجل بيني وبينهم والتنفيس عنهم لا لجأهم الارهاق وضيق الخناق إلى البقاء على الجهل والعمى والانقياد إلى الغىّ والغوى وعدم ظهور وجه الحقّ والهدى وهو مناف للغرض المطلوب للشارع ومخالف للمقصود.


1) . عبد اللّه‏ بن قيس، هو أبو موسى الأشعري.

2) .وقعة صفين: 504؛ بحار الأنوار: 543/33/ ش 454.

إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللّه‏ِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ

كرثنى هذا الامر كرثا إذا ثقل عليك(1).

مِنَ الْبَاطِلِ

متعلق بقوله (احبّ).

وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ

قد عرفت أنّ قوله عليه‏السلام: «إنّ أفضل الناس...» كلامه عليه‏السلام لعمرو بن العاص، قال عليه‏السلام ذلك لأنّه لازم الايمان، فالحق ـ وان نقص وكرث في الدنيا ـ يزيد في الآخرة ويسر، والباطل وإن جرّ فائدة في الدنيا إلاّ أنّه خسران في الآخرة.

أَيْنَ (فاين)

من هنا عتاب لاصحابه في تركهم معاودة قتال معاوية.

يُتَاهُ بِكُمْ

أى في أي مكان تذهبون متحيرين؟

وَمِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ

أتاكم الشيطان أو أتاكم الخصم حتى صرتم هكذا بلا حمية.


1) .جمهرة اللغة: 422/1.

اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ

أى معاوية واهل الشام.

وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ

أى مغرون به (اوزعته بالشيء) أي اغريته.

جُفَاةٍ

مرتفعين.

عَنِ الْكِتَابِ

الذى انزله تعالى.

نُكُبٍ

أى عادلين.

عَنِ الطَّرِيقِ

الى اللّه‏ تعالى.

مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ

أى عروة محكمة

يُعْلَقُ بِهَا

فيحصل فيكم الانفصام.

وَلاَ زَوَافِرَ

أى: أعمدة وأسباب التقوّي، قال الحطيئة:

فان تك ذا عز حديث فإنّهم *** ذوو إرث مجد لم تخنه زوافره(1)

عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا

فيقدح فيكم الانهدام

لَبِئْسَ حُشَّاشُ

أى: موقد، والحشّاش بضم الحاء وتشديد الشّين جمع حاش وهو الموقد للنار و روى بكسر الحاء والتخفيف ايضاً وهو ما يحشّ به النار أي يوقد.

نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ

والافّ: إظهار تضجر، وقال أبو زيد في قولهم: اف وتف: الافّ الأظفار، والتفّ: وسخ الأظفار(2).

لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً

أى: شدّة شديدة، قال جران العود:

الاقي الخنا والبرح من امّ جابر *** وما كنت ألقى من رزينة أبرح(3)

وللعرب كلمتان عند الرمى، إذا أصاب الرامي قالوا: مرحى. وإذا أخطأ قالوا: برحى(4).


1) . اساس البلاغة: 271.

2) . جمهرة اللغة: 58/1.

3) . اساس البلاغة: 34.

4) .جمهرة اللغة: 275/1.

يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ

للحرب.

وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاء

مصدر ناجى كالمناجاة أي لكشف المعضلات ودفع المحذورات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (126) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

لما عوتب على التسوية في العطاء:

أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَاللّه‏ِ مَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه‏ِ أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآْخِرَةِ وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللّه‏ِ وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلاَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللّه‏ُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ وَأَلْأَمُ خَلِيل.

اعلم أنّ سنّة رسول اللّه‏ قد كانت جارية في تقسيم بيت المال والفى‏ء والصّدقات على العدل والتسوية من غير ترجيح وتفضيل لاولى الشّرف والسّابقات على غيرهم ولما ولى أبو بكر حذا حذوه، ولمّا ولىّ عمر ترك السنّة وبنى في العطية على الترجيح والتفضيل حسب ما تطلع عليه بتفصيل، ولمّا ولىّ عثمان بلغ في ذلك الغاية وأعطى الناس على ما يراه وسلك في الاعطاء اليهم بمقتضى هواه حسب ما عرفته في شرح الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.

فلمّا قام أمير المؤنين عليه‏السلام بالأمر وقد كان النّاس اعتادوا التّفضيل والترجيح أزمنة متطاولة ومدّة متمادية وأراد التسوية في العطيّة والعمل بسنّة الرّسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله شقّ ذلك على الناس وصعب عليهم تغيير العادة وكان ذلك سببا لنقض البيعة من زبير وطلحة وآكد أسباب تقاعد الناس عنه عليه‏السلامولحوقهم بمعاوية حيث رأوا منه الصّنيعة حسب ما عرفته في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين.

فعند ذلك مشى إليه طائفة من أصحابه وسألوه تفضيل اولى السّابقات والشرف في العطاء أي تفضيل ذوى الخصال الحميدة من السّبق في الإسلام والهجرة وشهود الحروب من البدر والأحزاب وسائر الخطوب وذوى المجد والشرف والمتّصفين بعلوّ الحسب والنّسب.

فلمّا سألوه ذلك أجابهم بقوله عليه السلام: أتأمرونى...

عن أبي مخنف قال: أتى أمير المؤنين عليه‏السلام رهط من الشيعة فقالوا: لو أخرجت هذه الأموال، ففرّقتها في هؤاء الرؤاء والأشراف وفضّلتهم علينا، حتى إذا استوسقت الامور(1)

أي استجمعت وانضمت وفي بعض النسخ [حتى إذا استقت] يعنى استقامت وفي بعض النسخ [استوثقت].

عدت إلى أفضل ما عوّدك اللّه‏ من القسم بالسوية والعدل في الرعية.

فقال عليه‏السلام أ تأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام، لا واللّه‏ لا يكون ذلك ما سمر السمير(2).

وما رأيت في السماء نجما، واللّه‏ لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم فكيف وإنّما هي أموالهم.


1) .

2) .قول العرب: «لا افعله ما سمر السمير» أي ما اختلف الليل والنهار. القاموس

ثم أرم ساكتا طويلا(1)ثم رفع رأسه فقال: من كان فيكم له مال، فإيّاه والفساد، فإنّ أعطاءه في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو يرفع ذكر صاحبه في النّاس ويضعه عند اللّه‏، ولم يضع امرؤماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ حرمه اللّه‏ شكرهم، وكان لغيره ودّهم، فإن بقي معه منهم بقيّة ممّن يظهر الشكر له ويريه النّصح فإنّما ذلك ملق منه وكذب، فإن زلّت بصاحبهم النّعل ثمّ احتاج إلى معونتهم ومكافأتهم فآلم خليل وشرّ خدين، ولم يضع امرؤماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ لم يكن له من الحظّ فيما أتى إلاّ محمدة اللئام وثناء الأشرار ما دام عليه منعما مفضلا...(2).

وعن ربيعة وعمارة وغيرهما: إنّ طائفة من أصحاب علي عليه‏السلام مشوا إليه عند تفرّق النّاس عنه وفرار كثير منهم إلى معاوية طلبا لما في يديه من الدّنيا، فقالوا له:

اعط هذه الأموال، وفضّل هؤاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن تخاف خلافه عليك من النّاس وفراره إلى معاوية.

فقال عليه‏السلام لهم: أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور، لا واللّه‏ لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، واللّه‏ لو كانت أموالهم لي لواسيت بينهم فكيف و إنّما هي أموالهم ثم أرم عليه‏السلام طويلا ساكتا ثم قال: من كان له مال فإيّاه والفساد، فإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو وإن كان ذكرا لصاحبه في الدنيا فهو يضعه عند اللّه‏ عزّ وجلّ، ولم يضع رجل ماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ حرمه اللّه‏ تعالى شكره، وكان لغيرهم ودّه، فإن بقي معه من يؤّه ويظهر له الشّكر فإنّما هو


1) . أي أمسك عن الكلام طويلا.

2) .الكافي: 31/4 32/ ح 3؛ بحار الأنوار: 122/41/ ح 29.

ملق وكذب يريد التقرّب به إليه لينال منه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل، فإن زلت بصاحبه النّعل واحتاج إلى معونته أو مكافأته، فشرّ خليل وألأم خدين، ومن صنع المعروف فيما آتاه اللّه‏ فليصل به القرابة وليحسن فيه الضيافة وليفكّ به العاني وليعن به الغارم وابن السبيل والفقراء والمجاهدين في سبيل اللّه‏ وليصبّر نفسه على النوائب والخطوب، فإن الفوز بهذه الخصال أشرف مكارم الدنيا و درك فضائل الآخرة(1).

وفي (تاريخ خلفاء ابن قتيبة) ـ بعد ذكر ترغيبه عليه‏السلام النّاس للعود إلى صفين وتثبّطهم ـ قام رجال من أصحابه فقالوا: اعط هؤاء هذه الأموال، وفضّل هؤاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي ممّن يتخوّف خلافه على النّاس و فراقه، وإنّما قالوا له هذا الذي كان معاوية يصنعه لمن أتاه، وإنّما عامّة النّاس همّهم الدّنيا، ولها يسعون وفيها يكدحون، فاعط هؤاء الأشراف فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم. فقال عليه‏السلام أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه من أهل الإسلام، فو اللّه‏ لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم، واللّه‏ لو كان لهم لسوّيت بينهم فكيف وإنّما هي أموالهم(2).

ومن كلام له عليه‏السلام لما عوتب على التسوية في العطاء

كان عدله عليه‏السلام في القسمة بالسويّة وعدم إعطائه من ليس بذي حقّ سبب نفرة النّاس عنه عليه‏السلام روى الطبري عن عطاء، قال: قال رجل لأبي عبد الرحمن السّلمى: أنشدك اللّه‏ متى أبغضت عليّا عليه‏السلام أليس حين قسّم قسما بالكوفة فلم يعطك ولا أهل


1) . الأمالي للمفيد: 175 ـ 177/ م 22/ ح 6؛ بحار الأنوار: 108/41/ ح 15.

2) .الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 132/1.

بيتك قال: أمّا إذا نشدتني اللّه‏، فنعم(1).

كما إنّ سبب تقدّم معاوية والمتقدّمين عليه‏السلام مصانعة النّاس على خلاف الدين، فقد ذكر نصر بن مزاحم أنّه: أتى ابن مسروق العكي إلى معاوية في صفّين فقال له: اجعل لنا فريضة ألفي رجل في ألفين ومن هلك فابن عمّه مكانه لنقرّ اليوم عينك قال: ذلك لك(2).

ولما اشترطت عك والأشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء، فأعطاهم، لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض، إلاّ طمع في معاوية وشخص بصره إليه، حتى فشا ذلك، وبلغ ذلك عليّا عليه‏السلام فساءه(3)ـ إلى أن قال ـ قال معاوية: واللّه‏ لأستميلنّ بالأموال أهل ثقات علي، ولأقسمنّ فيهم المال حتّى تغلب دنياي على آخرته(4).

وروى المدائني عن فضيل بن الجعد قال: آكد الأسباب في تقاعد العرب عنه عليه‏السلام أمر المال، فإنّه لم يكن يفضّل شريفا على مشروف ولا عربيا على عجمي، ولا يصانع الرؤاء، وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحدا إلى نفسه، وكان معاوية بخلاف ذلك، فترك النّاس عليّا عليه‏السلام والتحقوا بمعاوية، فشكا علي عليه‏السلام ذلك إلى الأشتر فقال له الأشتر: إنّا قاتلنا أهل البصرة ورأي النّاس واحد، وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النيّة وقلّ العدد، وأنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحقّ، وتنصف الوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فضل منزلة على


1) . المنتخب من ذيل المذيل الطبري: 147.

2) .وقعة صفين: 433.

3) . وقعة صفين: 435.

4) .وقعة صفين: 436.

الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك من الحقّ إذ عموا به واغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه، ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف فتاقت أنفس النّاس إلى الدنيا وقلّ من ليس للدنيا بصاحب، وأكثرهم يجتوي الحقّ ويشتري الباطل ويؤر الدّنيا، فإن تبذل المال تمل إليك أعناق الرجال وتصف نصيحتهم لك.

فقال عليه‏السلام أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل، فإن اللّه‏ تعالى يقول: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ»(1)وأنا من أن أكون مقصّرا فيما ذكرت أخوف.

وأما ما ذكرت من أن الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم اللّه‏ أنّهم لم يفارقونا من جور ولا لجئوا إذ فارقونا إلى عدل، ولم يلتمسوا إلاّ دنيا زائلة عنهم كانوا فارقوها، وليسئلنّ يوم القيامة آلدّنيا أرادوا أم للّه‏ عملوا.

وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنّه لا يسعنا أن نؤي أمرا من الفيء أكثر من حقّه وقد قال سبحانه ـ وقوله الحقّ ـ : «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّه‏ِ، وَاللّه‏ُ مَعَ الصَّابِرِينَ»(2).وقد بعث اللّه‏ محمّدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وحده فكثّره بعد القلّة وأعزّ فئته بعد الذلّة، وإن يرد اللّه‏ أن يولّينا هذا الأمر يذلّل لنا صعبه ويسهّل لنا حزنه، وأنا قابل من رأيك ما كان للّه‏ عزّ وجلّ رضا، وأنت من آمن النّاس عندي وأنصحهم وأوثقهم في نفسي إن شاء اللّه‏(3).

وروى الإسكافي ـ وقد نقله ابن أبي الحديد ـ إنّه عليه‏السلام قال بعد بيعة النّاس له وخطبته: ألا، لا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدّنيا فاتخذوا العقار و فجّروا


1) . فصلت: 46.

2) . البقرة: 249.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 197/2 ـ 198.

الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي كانوا يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا. ألا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإنّ الفضل النير غدا عند اللّه‏ و ثوابه وأجره على اللّه‏. وأيّما رجل استجاب للّه‏ فصدّق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد اللّه‏، والمال يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل اللّه‏ الدنيا للمتقين أجرا وثوابا وما عند اللّه‏ خير للأبرار. و إذا كان غدا فاغدوا علينا، فإنّ عندنا مالا نقسّمه فيكم ولا يتخلفنّ منكم أحد عربي ولا عجمي، كان من أهل العطاء أو لم يكن إذا كان مسلما حرّا(1).

قال: وكان هذا أوّل ما أنكروه من كلامه، وأورثهم الضغن عليه، وكرهوه من القسم بالسويّة، فلمّا كان من الغد غدا وغدا النّاس لقبض المال.

فقال لعبيد اللّه‏ ابن أبي رافع (كاتبه) ابدأ بالمهاجرين، فنادهم وأعط كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير، ثمّ ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن يحضر من النّاس كلّهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك. فقال سهل بن حنيف: هذا غلامي بالأمس وقد اعتقته اليوم. فقال عليه‏السلام نعطيه كما نعطيك فأعطى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير ولم يفضّل أحدا على أحد.

وتخلّف عن هذا القسم يومئذ طلحة والزبير وابن عمر وسعيد بن العاص


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 37/7.

ومروان ورجال من قريش وغيرها، وسمع عبيد اللّه‏ بن أبي رافع ابن الزبير يقول لأبيه ولطلحة ومروان وسعيد: ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد. فقال سعيد ـ والتفت إلى زيد بن ثابت ـ إيّاك أعني واسمعي يا جارة فقال ابن أبي رافع لسعيد وابن الزبير: إنّ اللّه‏ تعالى يقول في كتابه: «وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ»(1)ثم أخبر عليّا عليه‏السلام بذلك فقال: واللّه‏ إن بقيت وسلمت لهم لاقيمنهم على المحجّة البيضاء والطريق الواضح(2)إلى أن قال ـ فقال عمار وأبو الهيثم وأبو أيوب وسهل بن حنيف له عليه‏السلام أنظر في أمرك وعاتب قومك هذا الحي من قريش، فانّهم قد نقضوا عهدك واخلفوا وعدك، وقد دعونا في السير إلى رفضك، وذلك لأنّهم كرهوا الاسوة وفقدوا الأثرة، ولما آسيت بينهم وبين الأعاجم أنكروا واستشاروا عدوّك وعظّموه وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألّفا لأهل الضلالة. فخرج علي عليه‏السلام فدخل المسجد وصعد المنبر مرتديا بطاق مؤزرا ببرد قطري، متقلّدا سيفا متوكّيا على قوس، فقال: «هذا كتاب اللّه‏ بين أظهرنا وعهد رسول اللّه‏ وسيرته فينا، لا يجهل ذلك إلاّ جاهل، عامد عن الحقّ، منكر، قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه‏ِ أَتْقاكُمْ»(3)ثم صاح بأعلى صوته، أطيعوا اللّه‏ وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنّ اللّه‏ لا يحبّ الكافرين.

ثم قال: يا معشر المهاجرين والأنصار، أتمنّون على اللّه‏ ورسوله بإسلامكم بل


1) . الزخرف: 78.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 37/7 ـ 38.

3) . الحجرات: 13.

اللّه‏ يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. ثم قال: أنا أبو الحسن ـ وكان يقولها إذا غضب ـ إلى أن قال: فأمّا هذا الفى‏ء فليس لأحد على أحد فيه أثرة وقد فرغ اللّه‏ من قسمته فهو مال اللّه‏، وأنتم عباد اللّه‏ المسلمون وهذا كتاب اللّه‏ به أقررنا وله أسلمنا وعهد نبينا بين أظهرنا، فمن لم يرض به فليتولّ كيف شاء، فانّ العامل بطاعة اللّه‏ والحاكم بحكم اللّه‏ لا وحشة عليه ـ إلى أن قال ـ: قال عليه‏السلام لطلحة والزبير في جملة كلام طويل ـ فما الذي كرهتما من أمري حتّى رأيتما خلافي قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم، إنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا وسوّيت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاءه اللّه‏ تعالى بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا، وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسرا عمّن لا يرى الإسلام إلاّ كرها. فقال عليه‏السلام لهما: أما القسم والاسوة، فان ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء، وقد وجدت أنا وأنتما النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يحكم بذلك وكتاب اللّه‏ ناطق به، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأمّا قولكما جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا سواء بيننا وبين غيرنا، فقديما سبق إلى الإسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم، فلا يفضّلهم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في القسم ولا آثرهم بالسّبق، واللّه‏ سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم، وليس لكما واللّه‏ عندي ولا لغير كما إلاّ هذا(1).

أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ

على الاعداء.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/ 39 ـ 42.

فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ

بأن أعطي مال الضعفاء للأقوياء. كلامه هذا دالّ على أن عدم التسوية جور وظلم، وأنّ إحداث عمر لذلك أحد بدعه في الدين، خلافا لكتاب اللّه‏ تعالى وسنّة نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما عرفت تفصيله، وإنّ طلحة والزبير قالا له خالفت في ذلك عمر، فقال عليه‏السلام بأنّه لم يكن أوّل من خالف عمر، بل خالفه قبله كتاب اللّه‏ تعالى وسنّة رسوله، إلاّ أنّه أين من ألقى السمع وهو شهيد ومن العجب هنا قول ابن أبي الحديد إنّ رأي علي وأبي بكر في المسألة واحد وإليه ذهب الشافعي، وأمّا عمر ففضّل السابقين على غيرهم، ومهاجري قريش على غيرهم، والمهاجرين على الأنصار، والعرب على العجم، والصريح على المولى، وقد كان عمر أشار على أبي بكر أيام خلافته بذلك، فلم يقبل أبو بكر، فعمل عمر بها في أيّامه. وذهب كثير من الفقهاء إلى قول عمر، وللإمام أن يعمل بما يؤي إليه اجتهاده، وإن كان اتّباع علي عندنا ـ لا سيما إذا عضدته موافقة أبي بكر ـ أولى، وإن صحّ أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سوّى فقد صارت المسألة منصوصا عليها لأنّ فعل النبي كقوله(1).

فإن كان فعل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في التسوية ممّا لا ريب فيه، وقد كان أمير المؤنين عليه‏السلام يستدل به من يوم قام بالأمر إلى يوم وفاته، فكيف فكانوا يطلبون ذلك منه مرّة بعد اخرى، يوم بايعوه، وفي الجمل وصفين، وبعدهما والأخبار في طلبهم المتكرّر منه بذلك متواترة، وقد عرفت رواية الإسكافي أنّه عليه‏السلام لما قال لطلحة والزبير ما الذي نقمتما علي فقالا له: خلافك عمر في القسم، قال عليه‏السلام لهما: قد وجدت أنا وأنتما رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يحكم بذلك.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 111/8.

ولكون حكم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وفعله بالتسوية واضحين لم يجترئ أبو بكر على المخالفة مع إشارة عمر عليه بذلك وخاف طعن النّاس عليه، كما أن حكم الكتاب بذلك أيضا واضح.

وذكر اليعقوبي أنّه عليه‏السلام بعد فتحه يوم الجمل ما نصّه: وأعطى علي عليه‏السلام النّاس بالسوية لم يفضّل أحدا على أحد، وأعطى الموالي كما أعطى الصليبة، وقال قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لولد اسماعيل على ولد إسحق فضل ـ هذا وأشار إلى عود أخذه من الأرض فوضعه بين أصبعيه(1).

ولم ينحصر اجتهاد فاروقهم في مقابل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في مسألة التسوية، بل اجتهد في مقابل قوله حين وفاته «إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم ما لا تضلّوا بعده أبدا» بأن طلبه لدواة وصحيفة هجر وهذيان(2).كما اجتهد هو وصدّيقهم في قبال قول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله «جهّزوا جيش أسامة لعن اللّه‏ من تخلّف عنه»(3)بأنّا لا تطيب أنفسنا أن نفارقه ونسأل عنه الركبان ولعمر اللّه‏ إنّ دين إخواننا، دين أبي بكر وعمر، لا دين اللّه‏ ودين رسوله، لأنهم دائرون مدارهما، فما قبلاه من الكتاب والسنّة يقبلوه وما خالفاه منهما يخالفوه أ ليس الثاني قال لهم «متعتان كانتا على عهد النبي وأنا احرّمهما»(4)فحرّموهما ولأنّهم على دينهما دون دين اللّه‏ وكتابه وسنّة نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لم يكترثوا بأقواله عليه‏السلام وان خالفا الكتاب والسّنّة على وجه العموم أو الخصوص، فلقد طوى عليه‏السلام كشحه عن حقّه الثابت بصريح العقل وصحيح النقل يوم الشورى لمّا


1) . تاريخ اليعقوبي: 183/2.

2) .الارشاد: 184/1؛ بحار الأنوار: 468/22 والملل والنحل الشهرستانى: 22/1.

3) . الملل والنحل الشهرستانى: 23/1.

4) . كنز العمال: 521/16/ ح 45722.

اشترطوا عليه سنّة الرجلين لينبّههم على حقيقة الأمر، وكذلك أفصح عليه‏السلام عن الأمر في بيعة أصحابه الثانية معه بعد انفصال الخوارج عنهم، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ـ وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم ـ فقال له: بايع على كتاب اللّه‏ وسنّة رسوله، فقال له ربيعة : على سنّة أبي بكر وعمر.

فقال عليه‏السلام له: ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب اللّه‏ وسنّة رسوله لم يكونا على شيء. ثم قال له: أما واللّه‏ لكأنّي بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأنّي بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها. فقتل يوم النهر وقد وطأته الخيل وسوّته بالأرض(1)، إلاّ أنّه عليه‏السلام وإن بيّن في أكثر من موضع، و لكنّ اللّه‏ تعالى قال لنبيّه: «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ»(2).

هذا، وروى الصولي تفصيل تفضيله عن عوانة، وتسميته أزواج النبي آله، وتفضيل عائشة على البواقي لكونها المؤسة لأمرهم وإمارتهم، وجعل أمير المؤنين عليه‏السلام الذي هو كنفس النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كبني اميّة أعداء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وجعل بني امية أقارب النبي كبني هاشم. ففي خبره ثم كثر المال على عمر فقالوا: بمن تبدأ قال: أشيروا علي. فقالوا: ابدأ بنفسك. فقال: بل بآل رسول اللّه‏. فكتب عائشة في اثني عشر ألفا في كلّ سنة وكتب سائر أزواج النبي في عشرة آلاف لكلّ واحدة، وكتب بعد ازواج النبي عليّا في خمسة آلاف ومن شهد بدرا من بني هاشم ومن مواليهم، ثم كتب عثمان بن عفّان في خمسة آلاف ومن شهد بدرا من بني امية ومواليهم على حدّ سواء.


1) . تاريخ الطبري: 56/4؛ الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 125/1.

2) .فاطر: 22.

ثم قال: قد بدأت بآل النبي وأقاربه، فبمن ترون أن نبدأ بعدهم قالوا: بنفسك. قال: بل بآل أبي بكر. فكتب طلحة في خمسة آلاف وبلالا في مثلها.

ثم قال للناس: بمن أبدأ قالوا: بنفسك. قال: صدقتم فكتب لنفسه ولمن شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم كتب لمن شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، فقالوا: قد قصّرت بنا عن إخواننا المهاجرين. قال: لا أجعل الذين قال تعالى:

«لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّه‏ِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّه‏َ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ»(1)كمن كانت الهجرة في داره، فرضوا.

ثم كتب لمن شهد أحدا بثلاثة آلاف لكلّ واحد منهم، ثم فرض لمن شهد فتح مكة في ألفين ألفين(2).

ويظهر من التدبّر فيه امور أشرنا إلى بعضها: منها أنّ قوله «ابدأ بآل الرسول» كان إنكارا لآل الرسول وحطّا لمرتبتهم وسترا لفضائلهم، فهل عائشة وكذا ابنته اللتان قال تعالى فيهما: «وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّه‏َ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ»(3)وقال جلّ وعلا فيهما: «ضَرَبَ اللّه‏ُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ»(4)هما آل الرسول، دون أمير المؤنين عليه‏السلام الذي هو نفس الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بنصّ القرآن(5)وتصريح الرسول، ودون الحسنين عليهماالسلام اللذين


1) . الحشر: 8.

2) .ادب الكتّاب الصولى: 190.

3) . التحريم: 4.

4) . التحريم: 10.

5) . آل عمران: 61.

هما ابنا النبي بنصّ القرآن، وأقرب الخلق إلى اللّه‏ منذ طفولتيهما حيث باهل بهما، وسيدا شباب أهل الجنّة في متواتر قول النبي(1)فأعطى عائشة اثنى عشر وابنته عشرا وأمير المؤنين عليه‏السلام خمسا، فعل ذلك بعائشة شكرا لها على فعلها لتمهيدها الأمر له ولصاحبه يوم وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، كما مهّد هو لها برفع درجتها وكونها من آل رسول اللّه‏ ممّا جرّأها على أن تقوم يوم الجمل في مقابل أمير المؤنين عليه‏السلامكما انّه جعل بني اميّة كبني هاشم في كونهما من أقارب النبي تمهيدا لانتقال الأمر إلى عثمان إلى السفيانية ثم إلى المروانية، كما انّه جمع يوم الشورى بينه عليه‏السلام ـ و هو أوّل مجاهد عن اللّه‏ تعالى ورسوله ـ وبين عثمان وهو أوّل محام عن بني اميّة أعداء اللّه‏

وأعداء رسوله وأعداء دينه ـ لكونهما من بني عبد مناف.

ثمّ لم حط الأنصار عن المهاجرين وكانا كفرسي رهان، قال تعالى فيهما: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ»(2)«لَقَدْ تابَ اللّه‏ُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ»(3).

فإن فضّل المهاجرين لما تلاه، فقد قال تعالى في الأنصار: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤا الدَّارَ وَالاْءِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(4).

ألم يقل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم حنين لما بذل غنائم حنين في المؤفة من قريش وغيرهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فوجدوا في أنفسهم حتى قال بعضهم: لقي رسول

اللّه‏ قومه، فأمر سعد بن عبادة فجمعهم وقال لهم: مقالة بلغتني عنكم وموجدة


1) . تاريخ الطبري: 196/6.

2) . التوبة: 100.

3) .التوبة: 117.

4) . الحشر: 9.

وجدتموها في أنفسكم ألم آتكم ضلاّلا فهداكم اللّه‏ وعالة فأغناكم اللّه‏ وأعداء فألّف اللّه‏ بين قلوبكم قالوا: بلى. فقال: ألا تجيبوني قالوا: وبماذا نجيبك ـ وللّه‏ ولرسوله المنّ والفضل ـ قال: أما واللّه‏ لو شئتم لقلتم فصدقتم ولصدّقتم، أتيتنا مكذّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى اسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس بالشاء والبعير وترجعون برسول اللّه‏ إلى رحالكم، فوالذي نفس محمّد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى

اخضلّت لحاهم وقالوا: رضينا برسول اللّه‏ قسما وحظا ـ إلخ(1).

وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الأنصار ما لم يقله في المهاجرين، فلو اريد الترجيح كان الترجيح لهم، وقد كان أبو بكر مقرّا لهم بذلك ـ ففي صدر خبر عوانة الذي رواه الصولي «إنّ مالا من البحرين جاء إلى أبي بكر فساوى فيه بين النّاس، فغضبت الأنصار وقالوا له: فضّلنا. فقال لهم: صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم فقد صار ما عملتم للدنيا. واللّه‏ يا معشر الأنصار لو شئتم أن تقولوا: إنّا آويناكم وشاركناكم في أموالنا ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإنّ لكم من الفضل ما لا نحصيه عددا ـ الخبر ـ(2). مع إنّ قول عمر «لا أجعل من قال اللّه‏ فيه ما قال، كمن كانت الهجرة في داره» مغالطة، فهل كانت هجرة المهاجرين إلاّ فرارا من شدّة كانوا فيها وهو أمر يفعله جميع النّاس، إلاّ أنّ ما فعله الأنصار من إشراك المهاجرين في أموالهم وديارهم لا


1) .تاريخ الطبري: 361/2.

2) . ادب الكتّاب الصولى: 189.

يفعله إلاّ الأوحدي من النّاس، مع أنّ الآية التي تلاها إنّما هى: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ»(1). وهو أراد تفضيل الأغنياء ابن عوف وطلحة والزبير وعثمان ونظرائهم، إلاّ إنّه حرّف الآية إثباتا لهواه فقال «للفقراء والمهاجرين».

لكن عمل معهم ذاك العمل لأن رئيسهم، سعد بن عبادة، لم يبايعهم وكان هواهم مع أمير المؤنين عليه‏السلام حتى أراد هو وصاحبه ألا يوليا أحدا منهم لذلك. ففي تاريخ اليعقوبي ـ بعد ذكر مشورة أبي بكر مع عمرو بن العاص في خروج طليحة عليه، ووصف عمرو له رجالا من قريش للإمارة لدفعه، ولا سيما، خالد بن الوليد وتركه ذكر الأنصار ـ فقام ثابت بن قيس الأنصاري وقال: يا معشر قريش، أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له، أما واللّه‏ ما نحن عميا عمّا نرى ولا صمّا عمّا نسمع، ولكن أمرنا النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالصبر، فنحن نصبر. وقام حسّان فقال:

يا للرجال لخلفة الأطوار ** ولما أراد القوم بالأنصار

لم يدخلوا منّا رئيسا واحدا *** يا صاح في نقض ولا امرار(2)

وَاللّه‏ِ مَا أَطُورُ بِهِ

أى: لا أحوم حوله ولا أدنو منه

مَا سَمَرَ سَمِيرٌ

قال الجوهرى: السمر: اسم الحديث بالليل «و لا أفعله السمر والقمر» أى: ما دام النّاس يسمرون في ليلة قمراء(3).


1) .الحشر: 9.

2) . تاريخ اليعقوبي: 129/2.

3) .الصحاح: 688/2 مادة سمر.

وقال ابن دريد: «لا اكلّمه السمر والقمر» أى: ما أظلم الليل وطلع القمر، ثمّ كثر في كلامهم حتى سموا الليل والنّهار ابني سمير، ومن أمثالهم «لا أكلّمه ما سمر ابنا سمير» أى: ما اختلف الليل والنّهار(1).

وَمَا أَمَّ

أى قصد.

نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً

وقال بعض المتأخرين «لا أفعله ما طلع النجم في الخضراء ونجم طلع في الغبراء»(2).

وقال زهير:

و لو لا ظلمة ما زلت أبكي *** سجيس الدهر ما طلع النجوم(3)

والجملتان في كلامه عليه‏السلام «ما سمر سمير وما أمّ نجم نجما» كنايتان عن الدّوام، ونظيرهما في الكناية عنه قولهم «سجيس عجيس» وقولهم «ما غبا غبيس»، قال:

فاقسمت لا آتي ابن ضمرة طائعا *** سجيس عجيس ما أبان لساني(4)

أيضا:

وفي بني أمّ زبير كيس *** على الطعام ما غبا غبيس(5)


1) . جمهرة اللغة: 721/2.

2) .بهج الصباغة: 502/6.

3) . اساس البلاغة: 286.

4) . لسان العرب: 104/6 و131.

5) . لسان العرب: 153/6 مادة غبس.

وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه‏ِ

يعني إنّه عليه‏السلام لا يرتكب ما يكون خلاف المروة ومكارم الأخلاق مع إباحته، فكيف يمكن ارتكابه محظورا من اللّه‏ تعالى في شريعته.

أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ

والأصل فيه بذر الحبّ في الأرض، وقال تعالى: «وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً»(1).

وَإِسْرَافٌ

قال تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»(2)قيل الأصل فيه «سرف» إذا أكلته السرفة، يقال: يفعل السرف بالنشب، ما يفعل الشرف بالخشب(3).

وَهُوَ

أى: إعطاء المال في غير حقّه.

يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا

عند أهلها كما فعل عمر.

وَيَضَعُهُ فِي الآْخِرَةِ

لمسؤليته، ثمّة.


1) .الإسراء: 26 ـ 27.

2) . الأنعام: 141.

3) .اساس البلاغة: 294.

وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللّه‏ِ

فعثمان تبع عمر في التفضيل وزاد عليه بما لا حساب له، فلذا كانت قريش تحبّه حبّ العاشق للمعشوق. قال الشاعر:

أحبك والرحمن *** حبّ قريش عثمان(1)

وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلاَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللّه‏ُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ

كما أنّ من لم يضع ماله في حقّه وعند أهله اضطره اللّه‏ أن يضع أضعافه في غير محلّه، فمن لم ينفق درهما في حقّ ينفق درهمين في باطل.

فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ

أى: صديق

وَأَلْأَمُ خَلِيل

كما في أعطية عثمان لطلحة وغيره، ففي (تأريخ الطبري): لمّا حصر النّاس عثمان كان أشدّ النّاس عليه طلحة، وقد كان وهب له خمسين ألفا»(2).

قال العلاّمة المحدث المجلسى:

اعلم أنّ أكثر الفتن الحادثة في الإسلام من فروع هذه البدعة، فإنّه لو استمرّ الناس على ما عوّدهم الرسول من العدل وجرى عليه الأمر في أيّام أبي بكر لما نكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤنين عليه‏السلام ولم تقم فتنة الجمل، ولم يستقرّ الأمر


1) . أنساب الأشراف: 495/5.

2) .تاريخ الطبري: 411/3 سنة 35.

لمعاوية، ولا تطرّق الفتور إلى اتّباع أمير المؤنين عليه‏السلام وأنصاره، ولو كان المنازع له في أوّل خلافته معاوية لدفعه بسهولة ولم ينتقل الأمر إلى بني أميّة، و لم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة، وقتل الحسين عليه‏السلاموشيوع سبّ أمير المؤنين عليه‏السلام على المنابر، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس وما جرى من الظلم والجور على أهل البيت عليهم السلام وعلى سائر أهل الإسلام.

وقد كان من الدواعي على الفتن والشرور بدعته الأخرى وهي الشورى، إذ جعل طلحة والزبير مرشّحين للخلافة نظيرين لأمير المؤنين عليه‏السلام فشقّ عليهما طاعته والصبر على الأسوة والعدل، وهذا في غاية الوضوح وقد روى ابن عبد ربّه إنّ معاوية قال لابن الحصين: أخبرنى: ما الذي شتّت أمر المسلمين وجماعتهم ومزّق ملأهم، وخالف بينهم؟!. فقال: قتل الناس عثمان. قال: ما صنعت شيئا؟. قال: فمسير عليّ إليك. قال: ما صنعت شيئا؟. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤنين. قال: فأنا أخبرك، إنّه لم يشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر في ستّة.. ثم فسّر معاوية ذلك، فقال: لم يكن من الستّة رجل إلاّ رجاها لنفسه، ورجاها لقومه، وتطلّعت إلى ذلك نفوسهم، ولو أنّ عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف(1).

وقد حكى ابن أبي الحديد أيضا ذلك عن معاوية وقد تمّم إثارة الفتنة بإغواء معاوية وعمرو بن العاص وإطماعهما في الخلافة، وكان معاوية عامله على الشام و عمرو بن العاص أميره وعامله على مصر، فخاف أن يصير الأمر إلى عليّ عليه‏السلام فقال لما طعن وعلم بأنّه سيموت: يا أصحاب محمّد! تناصحوا فإن لم تفعلوا


1) .العقد الفريد: 33/5 ـ 34.

غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان(1).

ثم حكى عن شيخنا المفيد رحمه اللّه‏، أنّه قال: كان غرض عمر بإلقاء هذه الكلمة إلى الناس أن تصل إلى عمرو بن العاص ومعاوية فيتغلّبا على مصر والشام لو أفضي الأمر إلى عليّ عليه‏السلام(2).

وبالجملة، جميع ما كان وما يكون في الإسلام من الشرور إلى يوم النشور إنّما أثمرته شجر فتنته، فغرس أصل الفتن يوم السقيفة، وربّاها ببدعه من التفضيل في العطاء ووضع الشورى وغير ذلك، فهو السهيم في جميع المعاصي والأجرام، والحامل لجملة الأوزار والآثام(3).


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 99/3.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 99/3.

3) .بحار: 52/31.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ومن الخطبة (127) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَزْعُمُوا إِلاّ أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ ـ فَلِمَ تُضَلُّونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بِضَلاَلِي ـ وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَائِي ـ وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي ـ سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ ـ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ ـ وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ ـ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رَجَمَ الزَّانِيَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ ـ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ ـ وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ـ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ـ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بِذُنُوبِهِمْ ـ وَأَقَامَ حَقَّ اللّه‏ِ فِيهِمْ ـ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاْءِسْلاَمِ ـ وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ـ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ ـ وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ ـ وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ ـ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ـ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ ـ وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ ـ وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ ـ فَإِنَّ يَدَ اللّه‏ِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ـ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ـ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ ـ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ ـ أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ ـ وَلَوْ كَانَ

تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ ـ فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ ـ وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ ـ وَإِحْيَاؤهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ ـ وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ ـ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ ـ وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا ـ فَلَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً ـ وَلاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ ـ وَلاَ لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ ـ إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ ـ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاّ يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ ـ وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ ـ وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ ـ وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ ـ وَالصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا.

عن أبي مخنف، عن أبي سلمة الزهري ابن بنت أنس بن مالك: أنّ عليّا عليه‏السلام قال لأهل النهر: «يا هؤاء إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة، التي ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره، وأنبأتكم أنّ القوم سألكموها مكيدة ودهنا، فأبيتم عليّ إباء المخالفين، وعدلتم عنّي عدول النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم واللّه‏ معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام، فلم آت ـ لا أبا لكم ـ حراما، واللّه‏ ما اختلتكم عن اموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم، ولا أو طأتكم عشوة، ولا دنيت لكم الضرّاء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا، فأجمع ملؤم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها وتركا الحقّ وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما، وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصمد للحقّ سوء رأيهما وجور حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا والخروج عن جماعتنا ان اختار الناس رجلين، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم،

انّ هذا لهو الخسران المبين. واللّه‏ لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند اللّه‏ قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند اللّه‏ حرام قال أبو سلمة: فتنادوا لا تخاطبوهم و تهيئوا للقاء الرّبّ، الرواح الرواح إلى الجنّة. وخرج عليّ فعبّأ الناس...(1)

ومن كلام له عليه السلام: فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَزْعُمُوا إِلاّ أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ

قال المبرد: يروى أنّ عليّا عليه‏السلام في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي ـ وقد كان وجهه إليهم ـ وزياد بن النضر الحارثي مع عبد اللّه‏ بن العباس، فقال: بأيّ القوم رأيتهم أشدّ إطاقة فقال: بيزيد ابن قيس الأرحبي. فركب علي عليه‏السلام إليهم إلى حروراء، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد، فصلّى فيه ركعتين ثم خرج، فاتكأ على قوسه وأقبل على الناس، ثم قال: هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة، أنشدكم اللّه‏ أعلمتم أحدا منكم كان أكره للحكومة مني؟ قالوا:

اللّهمّ لا. قال: أفعلمتم أنّكم أكرهتموني حتى قبلتها؟ قالوا: اللّهمّ نعم. قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنّا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى اللّه‏، فتب إلى اللّه‏ منه واستغفره، نعد لك. فقال عليّ عليه‏السلام: إنّي استغفر اللّه‏ من كلّ ذنب. فرجعوا معه وهم ستة آلاف، فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا: أنّ عليّا عليه‏السلام رجع عن التحكيم ورآه ضلالا، وقالوا: إنّما ينتظر أمير المؤنين أن يسمّن الكراع، ويجبي المال، فينهض إلى الشام. فأتى الأشعث بن قيس عليّا عليه‏السلام وقال له: إنّ الناس قد تحدّثوا انّك رأيت الحكومة ضلالا، والاقامة عليها كفرا. فخطب عليه‏السلام الناس فقال: من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالا فهو أضلّ.


1) . تاريخ الطبري: 63/4.

فخرجت الخوارج من المسجد، فحكمت، فقيل لعلي عليه‏السلام: إنّهم خارجون عليك.

فقال: لا اقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون(1).

فَلِمَ تُضَلُّونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بِضَلاَلِي وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَائِي وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي

أصاب الخوارج مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصراني، فقالوا: احفظوا ذمّة نبيّكم. ولقيهم عبد اللّه‏ بن خباب وفي عنقه مصحف، ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا: إنّ الذي في عنقك يأمرنا أن نقتلك. قال: ما أحيا القرآن فأحيوه، وما أماته فأميتوه. فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه، فصاحوا به فلفظها تورعا. وعرض لرجل منهم خنزير، فضربه الرجل فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض. فقال عبد اللّه‏ بن خباب: ما عليّ منكم بأس انّي لمسلم. قالوا له: حدّثنا عن أبيك. قال: سمعت أبي يقول: سمعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤنا ويصبح كافرا، فكن عبد اللّه‏ المقتول ولا تكن القاتل» قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى خيرا، فقالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم، وفي عثمان ست سنين فأثنى خيرا، قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم قال: أقول إنّ عليّا عليه‏السلام أعلم بكتاب اللّه‏ منكم، وأشدّ توقّيا على دينه، وأنفذ بصيرة. قالوا: إنّك لست تتبع الهدى، إنّما تتبع الرجال على اسمائها. ثم قربوه إلى شاطى‏ء النهر فذبحوه، فامذقر دمه. أى: جرى مستطيلا على دقة. وساموا رجلا نصرانيا بنخلة له، فقال: هي لكم. قالوا: ما كنّا لنأخذها إلاّ بثمن. قال:


1) . الكامل للمبرد: 155/3.

ما أعجب هذا أ تقتلون مثل عبد اللّه‏ بن خباب، ولا تقبلون منّا جنى نخلة(1).

وقتلوا عبد اللّه‏ بن خباب وذبحوه وسال دمه في الماء، وقتلوا امرأته بقروا بطنها، وقتلوا ثلاثة نسوة من طي، وقتلوا امّ سنان الصيداوية(2).

سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ

قال تعالى: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»(3).

وقال تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا»(4).

خرج قريب بن مرّة الأزدي وزحاف الطائي ـ وكانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد ـ فاعترضا الناس، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه، وتنادى الناس، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد وفي يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت: الحرورية، انج بنفسك. فنادوه: لسنا حرورية نحن الشرط. فوقف فقتلوه، ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلاّ قتلا من وجدا(5).

ومورد خطابه عليه‏السلام: «سيوفكم على عواتقكم، تضعونها مواضع البراءة و السقم» خوارج البصرة، فانّهم كانوا هكذا دون خوارج الكوفة، ففي محاجة عمر بن عبد العزيز مع شوذب الخارجي، في اعتراضه عليه بعدم لعن عمر لأهل بيته، وعدم


1) .الكامل للمبرد: 156/3؛ الكامل للمبرد: 176/2 ـ 177.

2) . تاريخ الطبري: 61/4.

3) .الأنعام: 164.

4) .الكهف: 103 ـ 104.

5) . الكامل للمبرد: 179/3 والكامل للمبرد: 198/2.

براءته منهم ـ: أخبرني عن أهل النهروان، أليسوا من صالحي أسلافكم وممن تشهد لهم بالنجاة قال: نعم.

قال: فهل تعلمون أنّ أهل الكوفة حين خرجوا كفّوا أيديهم، فلم يسفكوا دما، ولم يخيفوا آمنا، ولم يأخذوا مالا قال: نعم. قال: فهل علمتم أنّ أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا يقتلونهم، ولقوا عبد اللّه‏ بن خباب صاحب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم قتلوا النساء والأطفال، حتى جعلوا يلقونهم في قدور الأقط(1)

الأقط: طعام يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل.

وهي تفور قال: قد كان ذلك(2).ومثله في (المروج)(3).

وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلّى اللّه‏ عليه وآله رَجَمَ الزَّانِيَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ

وأمّا ما عن محمّد بن حكيم عن الصادق عليه‏السلام: «لو أنّ رجلا مات صائما في السفر ما صلّيت عليه»(4)فمحمول على ما ذا اعتقد مشروعيّته، فيكون غير عارف، فلا تكون الصلاة عليه واجبة.

وروى معاوية بن وهب قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: إِنَّهُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ مَاتَ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ دَيْناً فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ حَتَّى ضَمِنَهُمَا [عَنْهُ] بَعْضُ قَرَابَتِهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام ذَلِكَ الْحَقُّ(5)ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَّعِظُوا وَلِيَرُدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلِئَلاّ يَسْتَخِفُّوا


1) .

2) .العقد الفريد: 243/2.

3) . مروج الذهب: 191/3.

4) . الكافي: 128/4/ ح 7.

5) . لعله كان مستخفا بالدين ولا ينوى قضائه أو لم يكن له وجه الدين ومن يؤى عنه كما يدل عليه آخر الخبر وغيره من الأخبار مرآة العقول: 43/19

بِالدَّيْنِ وَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَاتَ الْحَسَنُ عليه‏السلام وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ عليه‏السلام وَعَلَيْهِ دَيْنٌ(1).

ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ

وممّن رجمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ماعز بن مالك، أنّه أقرّ عند النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهبالزّنا، فأمر به أن يرجم فهرب من الحفيرة، فرماه الزبير بساق بعير فعقله فسقط، فلحقه الناس فقتلوه، ثم أخبروا النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بذلك، فقال لهم: فهلاّ تركتموه إذا هرب يذهب فإنّما هو الذي أقرّ على نفسه، أما لو كان عليّ حاضرا معكم لما ضللتم، قَالَ وَوَدَاهُ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ(2).

وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَقَطَعَ السَّارِقَ........

وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللّه‏ِ صلّى اللّه‏ عليه وآله بِذُنُوبِهِمْ وَأَقَامَ حَقَّ اللّه‏ِ فِيهِمْ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاْءِسْلاَمِ وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ

أى: الإسلام، بل ورد انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نهى عن لعنهم، كان رجل اسمه عبد اللّه‏ يلقّب حمارا يضحك النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وكان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جلده في الشراب، فاتى به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللّهم العنه، ما أكثر ما يؤى به النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لا تلعنه، فو اللّه‏ ما علمت إلاّ أنّه يحب اللّه‏ ورسوله(3).


1) .الكافي: 93/5/ ح 2.

2) .الكافي: 185/7/ ح 5؛ بحار الأنوار: 44/76/ ح 30.

3) .اسد الغابة: 45/2.

رد عليه‏السلام على مذهبهم الباطل في تكفير مرتكب الكبائر، استنادا إلى آيات مجملات بالسنّة المبيّنة، قال ابن أبي الحديد: استندوا إلى قوله تعالى في الحج: «... وَمَنْ كَفَرَ...»(1)وقوله تعالى: «... إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّه‏ِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ...»(2)، «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّه‏ُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ»(3). وذكر آيات اخر لا ربط لها أصلا، كقوله تعالى: «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى * لا يَصْلاها إِلاّ الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى»(4)، «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ...»(5)، «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ...(6)»(7).

وثبت عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه حكم بقتل من قتل مؤنا متعمدا، وقسم ميراثه بين أقربائه المسلمين، والقتل من أكبر الكبائر، ولو كان مستوجبا للكفر لما ورث المسلم شيئا من تركة القاتل، لأن المسلم لا يرث الكافر عند المذاهب الأربعة، ولا عند الخوارج ـ كما يظهر من رد الإمام ونقضه عليهم ـ وإن كان المسلم يرث من الكافر «عند سعيد بن المسيب ومسروق وعبد اللّه‏ بن معقل والشعبي والنخعي ومعمر، وروي ذلك عن عمر ومعاذ»(8).

ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ

قالت عايشة لمسروق: إنّك من ولدي ومن أحبهم إليّ، فهل عندك علم من


1) . آل عمران: 97.

2) . يوسف: 87.

3) . المائدة: 44.

4) . الليل: 14 ـ 16.

5) . التوبة: 49.

6) . آل عمران: 106.

7) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 114/8.

8) . المغنى لابن قدامة: 165/7 ـ 166.

المخدج قال: قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامر(1).ولأسفله النهروان، بين لخافيق وطرفاء(2). قالت: أبغي على ذلك بيّنة. فأقام رجالا شهدوا، ثم قال لها: سألتك بصاحب القبر، ما الذي سمعت فيهم قالت: سمعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، و أقربهم عند اللّه‏ وسيلة(3).

وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ

جمع المرمى أي مقاصده. يشير الى ان الخوارج من الذين يصدق عليهم قوله تعالى: «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللّه‏ِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ»(4).

وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ

التيه: المفازة يتاه فيها.

وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ

قال ابن أبي الحديد: روى المحدّثون أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال له عليه‏السلام: «فيك يا علي مثل


1) .تامرا؛ ضبطه ياقوت: «بفتح الميم وتشديد الراء والقصر»، وقال «نهر واسع يخرج من جبال شهرزور والجبال المجاورة لها».

2) . لخاقيق: جمع لخقوق؛ وهو ضيق في الأرض، والطرفاء: شجر من الحمض، واحدته طرفاء.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 267/2.

4) . المجادلة: 19.

من عيسى بن مريم، أبغضته اليهود فبهتت امّه، وأحبّته النصارى فرفعته فوق قدره». وقد كان عليه‏السلام عثر على قوم من أصحابه، خرجوا من حد محبّته باستحواذ الشيطان عليهم، إلى أن كفروا بربهم وجحدوا ما جاء به نبيّهم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فاتخذوه ربا وقالوا له: أنت خالقنا ورازقنا، فاستتابهم وتوعّدهم، فأقاموا على قولهم، فحفر لهم حفرا دخن عليهم طمعا في رجوعهم، فأبوا فحرقهم وقال:

أ لا تروني قد حفرت حفرا *** إنّي إذا رأيت أمرا نكرا

أو قدت ناري ودعوت قنبرا(1)

وروى أبو العباس الثقفي، عن المصيصي المعروف بنوين، وعن النوفلي عن مشيخته: أنّ عليّا عليه‏السلام مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان، فقال: أسفر أم مرضى قالوا: ولا واحدة. قال: فمن أهل الكتاب فتعصمكم الذمة والجزية قالوا: لا. قال: فما بال الأكل في نهار شهر رمضان قالوا: أنت أنت ـ يؤون إلى ربوبيته ـ. فنزل عليه‏السلام عن فرسه وألصق خدّه بالأرض وقال: ويلكم أنا عبد من عبيد اللّه‏، فاتقوا اللّه‏ وارجعوا إلى الإسلام. فأبوا فدعاهم مرارا، فأقاموا على كفرهم، فنهض إليهم وقال: شدّوهم وثاقا، وعليّ بالفعلة والنار والحطب. ثمّ أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا والاخرى مكشوفة، وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحا، وألقى النار في الحطب فدخن عليهم، وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام فأبوا، فأمر بالحطب والنار فالقي عليهم فاحرقوا ـ فقال الشاعر:

لترم بي المنية حيث شاءت *** إذا لم ترم بي في الحفرتين

إذا ما حشّتا حطبا بنار *** فذاك الموت نقدا غير دين


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 119/8.

فلم يبرح حتى صاروا حُمَماً(1).

وروى أنّه عليه‏السلام أحرقهم لأنّهم أنكروا نبوّة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دون توحيد اللّه‏(2). قال ابن أبي الحديد: ثم استترت هذه المقالة سنة أو نحوها، ثم ظهر عبد اللّه‏ بن سبأ ـ وكان يهوديا يستتر بالإسلام ـ بعده عليه‏السلام فأظهرها، و اتبعه قوم فسموا السبئية(3)، وقالوا: إنّ عليّا لم يمت، وإنّه في السماء، والرعد صوته والبرق ضوؤ. وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤنين. وقالوا في النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهأغلظ قول، وافتروا عليه أعظم فرية فقالوا: كتم تسعة أعشار الوحي. فنعى عليهم قولهم الحسن بن علي بن محمّد بن الحنفية، في رسالته التي يذكر فيها الارجاء، روى سليمان بن أبي شيخ، عن الهيثم بن معاوية، عن عبد العزيز بن ابان، عن عبد الواحد بن أيمن المكي، قال: شهدت الحسن يملي هذه الرسالة، وفيها: ومن قول هذه السبئية اهدينا لوحي ضلّ عنه الناس، وعلم خفي عنهم، وزعموا أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهكتم تسعة أعشار الوحي ولو كتم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله شيئا مما أنزل اللّه‏ عليه، لكتم شأن امرأة زيد، وقوله تعالى: «تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ»(4). ثم ظهر المغيرة بن سعيد(5)مولى


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 119/8 ـ 120.

2) .الكافي: 181/4/ ح 7.

3) . السبئية هم أول فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الإلهى بعد على رضى اللّه‏ عنه. وانظر الملل والنحل للشهرستانى: 205/1.

4) . التحريم: 1.

5) . هو المغيرة بن سعيد العجليّ، مولى خالد بن عبد اللّه‏ القسرى، ادعى الإمامة لنفسه بعد الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين، وبعد ذلك ادعى النبوّة لنفسه، واستحل المحارم، وغلا في على غلوا لا يعتقده عاقل، وزاد على ذلك قوله بالتشبيه. الشهرستانى: 208/1.

بجيلة، فأراد أن يحدث لنفسه مقالة، فغلا في عليّ عليه‏السلاموقال: لو شاء عليّ لأحيا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا. ـ إلى أن قال ـ ثم تفاقم الغلاة وأمعنوا في الغلوّ،

فادّعوا حلول الذات الإلهية في قوم من سلالة أمير المؤنين عليه‏السلامـ إلى أن قال ـ وكان اسحاق بن زيد بن الحرث ـ وكان من أصحاب عبد اللّه‏ بن معاوية بن عبد اللّه‏ بن جعفر ـ يقول بالإباحة وإسقاط التكاليف، ويثبت لعلي عليه‏السلامشركة مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في النبوّة، على وجه غير هذا الظاهر الذي يعرفه الناس....(1)

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 120/8 ـ 122.

وذكر الكشي جمعا من الغلاة منهم: محمّد بن الفرات، وأنّ الرضا عليه‏السلام قال:

«آذاني أذى ما آذى أبو الخطاب جعفر بن محمّد عليه‏السلام»(2)ومنهم: أبو الغمر، وجعفر بن واقد، وهاشم بن أبي هاشم، وأنّ الجواد عليه‏السلام قال: «إنّهم يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطاب لعنه اللّه‏»(3)ومنهم: القسم اليقطيني، وعلي بن حسكة(4).والحسن بن محمّد المعروف بابن بابا، ومحمّد بن نصير، وفارس بن حاتم، وأنّ الهادي عليه‏السلام لعنهم(5).وأمر بقتل فارس، فقتل(6).

والغلاة فرق كثيرة اتّفق كلّهم لعنهم اللّه‏ على إبطال الشرائع منهم السّبائية وهم أصحاب عبد اللّه‏ بن سبا وهو أوّل من غل وكان يهوديّا يتستّر بالاسلام وينتحله ومذهبه أنّ اللّه‏ لا يظهر إلاّ في أمير المؤنين وحده، وأنّ الرسل كانوا يدعون إلى


1) .

2) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال: 555/ ش 1408.

3) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال: 529/ ش 1012.

4) .رجال الكشى اختيار معرفة الرجال: 555/ ش 1048.

5) .رجال الكشى اختيار معرفة الرجال: 520/ ش 999.

6) .رجال الكشى اختيار معرفة الرجال: 524/ ش 1006.

عليّ عليه‏السلام وأنّ الأئمة أبوابه فمن عرف أنّ عليّا خالقه ورازقه سقط عنه التكليف، ومنهم الخصيّية أصحاب يزيد بن الخصيب وعنده أنّ اللّه‏ لا يظهر إلاّ في أمير المؤنين والأئمة من بعده، وأنّ الرّسل هو أرسلهم يحثّون عباده على طاعته وأنّ عمر هو ابليس الا بألسة وأنّ ظلمة زريق قديمة مع نور علىّ لأنّ الظّلمة عكس النّور ومنهم المفوّضة وهم قالوا إنّ اللّه‏ فوّض الخلق والأمر والموت والحياة والرّزق إلى عليّ والأئمة عليهم السّلام، وإنّ الذي يمرّ بهم من الموت فهو على الحقيقة وانّ الملائكة يأتيهم بالأخبار ومنهم من يقول: إنّ اللّه‏ يحلّ في هذه الصّورة ويدعو بنفسه إلى نفسه إلى غير ذلك من مزخرفاتهم التي لا يجوز تضييع الأوقات في نقلها وحكايتها، وفرقهم تزيد على عشرين(1).

وإنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لعلىّ عليه‏السلام: لا يحبّك إلا مؤن، ولا يبغضك إلاّ منافق.

وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يهلك فيك رجلان: محبّ مفرط، وكذاب مفتر.

وقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله له عليه‏السلام: تفترق فيك أمتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى(2).

وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ

وهم الذين لم يرفعوه عليه‏السلام عن درجته، حتى يجعلوه إلها كالغلاة، ولم يحطّوه عن رتبته التي هي خلافة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمقتضى أدلّة العقول، فضلا عن تواتر النقول، قال تعالى: «... أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(3)والآيات القرآنية من قوله تعالى: «... وَأَنْفُسَنا


1) . مشارق انوار اليقين: 335 ـ 336.

2) .الاستيعاب: 1100/3 ـ 1101.

3) . يونس: 35.

وَأَنْفُسَكُمْ...»(1).وقوله تعالى:... «إِنَّما يُرِيدُ اللّه‏ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(2)وقوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّه‏ُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّه‏َ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّه‏ِ هُمُ الْغالِبُونَ»(3).وقول النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيه ـ بعد تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم ـ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»(4)وقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»(5)وإجماع الامّة على كونه عليه‏السلام أعلم الناس بالكتاب والسنّة، وكيف وقد اعترف فاروقهم: بأنّه لو وليها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء(6).

وادّعاء أهل السنّة: كونهم النمط الأوسط لم يأتوا لها ببيّنة، بل البرهان على خلافهم، وقد قال النّظام ـ استاذ الجاحظ وأحد شيوخ معتزلتهم ـ: عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم، إن وفّاه حقّه غلا، وإن بخسه حقّه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حادة الشاف، صعب الترقي إلاّ على الحاذق الدين(7).

وروى عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابلي، عن الأصبغ، قال: دخل الحارث الهمداني على علي عليه‏السلام في نفر من الشيعة ـ وكنت فيهم ـ فجعل الحارث يتأود في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه ـ وكان مريضا ـ فأقبل عليه علي عليه‏السلام،


1) .آل عمران: 61.

2) . الأحزاب: 33.

3) .المائدة: 55 ـ 56.

4) . الارشاد: 351/1 و352/1؛ بحار الأنوار: 205/41/ ح 26 و206/41.

5) . الارشاد: 8/1؛ بحار الأنوار: 341/38/ ح 17.

6) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 327/6.

7) . مناقب آل أبي طالب عليه‏السلام: 214/3 ـ 215.

وكانت له منه منزلة، فقال له: كيف تجدك يا حارث فقال: نال الدهر مني، وزادني اوارا وغليلا اختصام أصحابك. قال: وفيمَ اختصامهم قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مفرّط منهم غال، ومفرّط قال، ومن متردد مرتاب لا يدري أ يقدم أم يحجم فقال عليه‏السلام: حسبك يا أخا همدان، ألا انّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي. فقال له الحارث: لو كشفت ـ فداك أبي وامي ـ الرين عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا. فقال عليه‏السلام: إنّ دين اللّه‏ لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله، يا حارث إنّ الحق أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحق اخبرك فأرعني سمعك ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك. ألا إنّي عبد اللّه‏ وأخو رسوله وصدّيقه الأكبر، صدّقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إنّي صدّيقه الأوّل في امتكم حقا، فنحن الأوّلون ونحن الآخرون، ونحن خاصّته وخالصته، وأنا صنوه ووصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه، اوتيت فهم الكتاب، وفصل الخطاب، وعلم القرون والأسباب، واستودعت الف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب، يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد، وايّدت وامددت بليلة القدر نفلا، وأنّ ذلك يجري لي ولمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار، حتى يرث اللّه‏ الأرض و من عليها، وابشّرك يا حارث: لتعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، وعند المقاسمة، قال الحارث: وما المقاسمة قال عليه‏السلام: مقاسمة النار اقاسمها قسمة صحيحة أقول: هذا وليّي فاتركيه، وهذا عدوّي فخذيه. ثم أخذ عليه‏السلام بيد الحارث، وقال: أخذت بيدك كما أخذ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بيدي، فقال لي ـ وقد شكوت إليه حسد قريش والمنافقين لي ـ: «إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه‏ وحجزته ـ يعني عصمته من ذي العرش ـ

وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذت ذريّتك بحجزتك، وأخذ شيعتكم بحجزتكم، فما ذا يصنع اللّه‏ بنبيّه، وما يصنع نبيّه بوصيّه» خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة. أنت مع من أحببت ولك ما كسبت. ـ يقولها ثلاثا ـ فقام الحارث وهو يقول: ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني.

قال جميل: وأنشدني السيد الحميري في ما تضمنه هذا الخبر:

قول عليّ لحارث عجب *** كم ثم اعجوبة له حملا

يا حار همدان من يمت يرني *** من مؤن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه *** بنعته واسمه وما عملا

وأنت عند الصراط تعرفني *** فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيك من بارد على ظمأ *** تخاله في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين نوقف *** للعرض دعيه لا تقربي الرجلا

دعيه لا تقربيه إن له *** حبلا بحبل الوصي متّصلا(1)

وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللّه‏ِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ

أى: المنفرد منهم، قال:

يضمّ شذاذ إلى شذاذ *** من الرباب دائم التلواذ(2)


1) . الأمالي للمفيد: 7 ـ 3/ م 1 / ح 3؛ بحار الأنوار: 178/6/ ح 7.

2) . جمهرة اللغة: 117/1.

كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ

ولذا جوّز التقاطها، فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمن سأله عنها: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»(1).

وسأل رجل عليّا عليه‏السلام عن السنّة والبدعة والفرقة والجماعة، فقال: أمّا السنة فسنّة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وأمّا البدعة فمن خالفها، و أمّا الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأمّا الجماعة فأهل الحقّ وان قلّوا(2).

وقال ابن أبي الحديد: قال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لا تجتمع امّتي على خطأ، سألت اللّه‏ ألاّ تجتمع امّتي على خطأ فأعطانيها، وسألت اللّه‏ ألاّ تجتمع امّتي على ضلالة فأعطانيها(3).

صدق النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، لم تجتمع امّته يوما على الخطأ وعلى الضلالة، فاجتمع أجلاّء أصحابه المتفق على جلالتهم ـ كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار وحذيفة ونظرائهم ـ على إمامته، وكذلك كانوا شيعته عليه‏السلام في كلّ عصر. وأمّا اغترارهم بالإجماع على بيعة أبي بكر، فإنّما كان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة تواطئوا، فقال أبو بكر: بايعوا عمرا وأبا عبيدة. وقالا: لا نتقدّمك.

وأمّا باقي الناس فأخذوا البيعة منهم بالضرب بالعصا، ومن أهل بيته بإحراقهم لو لم يبايعوا، فهم موضع قوله تعالى: «... وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ»(4)


1) .قرب الاسناد: 273/ ح 1086؛ بحار الأنوار: 101/ 249/ ح 8.

2) . تحف العقول: 211؛ بحار الأنوار: 49/75/ ح 69.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 123/8.

4) . آل عمران: 24.

أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ

ورواه المسعودى: «من دعا إلى هذه الخصومة (الحكومة) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه»(1).

قال ابن أبي الحديد: كان شعار الخوارج أنّهم يحلقون وسط رؤسهم، ويبقى الشعر مستديرا حوله كالاكليل(2).

وروى نصر عن شيخ من حضر موت شهد صفين معه عليه‏السلام قال: أرسل عليّ عليه‏السلام إلى الناس: ان احملوا. فحملوا على راياتهم كلّ قوم بحيالهم، فتجالدوا بالسيوف، و عمل الحديد، لا يسمع إلاّ صوت الحديد ومرّت الصلاة كلّها لم يصلّوا إلاّ تكبيرا، حتى تفانوا ورق الناس فخرج رجل بين الصفين، فقال: أخرج فيكم المحلقون قلنا: لا. قال: انّهم سيخرجون، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر، لهم حمة كحمة الحيات. ثم غاب الرجل ولم يعلم من هو(3).

وعن أبي قتادة، قال: كنّا مع علي عليه‏السلام في قتال أهل النهروان، وكنّا ستين أو سبعين من الأنصار، وكنت على الرجالة، فلمّا رجعنا إلى المدينة دخلنا على عايشة، فسألتنا عن مقدمنا فأخبرناها بقتل الخوارج، فقالت: ما كانوا يقولون قلت: يسبّون أمير المؤنين وعثمان وأنت ويكفرونكم فلم نزل نقاتلهم وعلي عليه‏السلام بين أيدينا وتحته بغلة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، للّه‏ أبوه وقف على بعض القتلى، فقال: اقلبوهم فقلبناهم، فاذا رجل أسود على كتفيه مثل حلمة الثدي، فقال علىّ: اللّه‏ أكبر واللّه‏ ما كذبت ولا كذبت، كنّا مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو يقسّم غنائم حنين فجاء هذا، فقال: يا محمّد اعدل فو اللّه‏ ما عدلت منذ اليوم. فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: ومن يعدل إذا لم أعدل فقام


1) .مروج الذهب: 402/2.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 123/8.

3) .وقعة صفين: 393 ـ 394.

عمر فقال: دعني اضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: دعه فإنّ له من يقتله، سيخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما(1)يمرق السهم من الرمية. فقالت عايشة لأبي قتادة: أنت رأيت هذا قال: نعم، فقالت: فما يمنعني ما كان بيني وبين عليّ أن أقول الحق: صدق عليّ، أنا سمعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «تفترق امتي فرقتين، يمرق بينهما فرقة محلقة رؤسهم،

محفوفة شواربهم أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبّ الخلق إلى اللّه‏ ورسوله». قال أبو قتادة، فقلت لعايشة: فقد علمت هذا فلم كان إليه منك ما كان فقالت: «وَكانَ أَمْرُ اللّه‏ِ قَدَراً مَقْدُوراً»(2)،(3).

وفي قصة خروج المستورد أيام ولاية المغيرة على الكوفة من قبل معاوية، وتهديد المغيرة الناس على ايوائهم ومساعدتهم ـ: فقام صعصعة بن صوحان رئيس الشيعة في قومه عبد القيس فخطبهم فقال: معشر عباد اللّه‏، إنّ اللّه‏ ـ وله الحمد كثيرا ـ لما قسّم الفضل بين المسلمين خصّكم منه بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين اللّه‏ الذي اختاره لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم عليه حتى قبض اللّه‏ رسوله، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدّت طائفة وادهنت طائفة وتربّصت طائفة، فلزمتم دين اللّه‏ ايمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك اللّه‏ الظالمين، فلم يزل اللّه‏ يزيدكم بذلك خيرا في كلّ شيء وعلى كلّ حال، حتى اختلفت الامّة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعايشة، وقالت


1) . و مرق السهم من الرمية مروقا: خرج من الجانب الآخر. و الخوارج: مارقة، لخروجهم عن الدين.

2) . الأحزاب: 38.

3) .تذكرة الخواص: 99 ـ 100.

طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة نريد عبد اللّه‏ بن وهب الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلاّ أهل البيت الذين ابتدأنا اللّه‏ من قبلهم بالكرامة تسديدا من اللّه‏ لكم

وتوفيقا، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به، حتى أهلك اللّه‏ بكم و بمن كان على مثل هداكم ورأيكم، الناكثين يوم الجمل والمارقين يوم النهر ـ وسكت عن أهل الشام لأنّ السلطان كان حينئذ سلطانهم ـ ولا قوم أعدى للّه‏ ولكم ولأهل بيت نبيّكم ولجماعة المسلمين، من هذه المارقة الخاطئة، الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر فايّاكم أن تؤهم في دوركم أو تكتموا عليهم، فانّه ليس ينبغي لحيّ من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد واللّه‏ ذكر لي أنّ بعضهم في جانب من الحي وأنا باحث عن ذلك، فان كان حكي لي ذلك حقّا تقربت إلى اللّه‏ تعالى بدمائهم، يا معشر عبد القيس، إنّ ولاتنا هؤاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا...(1)

تاريخ الطبري: 141/4 ـ 142.

ومراده بقوله لقومه: ان ولاتكم ـ كالمغيرة ـ أعرف الناس بكونهم شيعة ينتهزون الفرصة لقتلهم، فلا يجعلوا لهم وسيلة بعدم جديتهم في المارقة مع انّهم أحق الناس بقتلهم لقولهم: بكفر إمامهم

فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ وَإِحْيَاؤهُ.....

فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ وَإِحْيَاؤهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا

كتب كاتب التحكيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي عليه‏السلام على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤنين


1) .

والمسلمين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤنين و المسلمين: انا ننزل عند حكم اللّه‏ عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإنّ كتاب اللّه‏ عز وجل بيننا من فاتحه إلى خاتمه نحي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان ـ وهما أبو موسى عبد اللّه‏ بن قيس الأشعري وعمرو بن العاص القرشي ـ في كتاب اللّه‏ عزّ وجلّ عملا به وما لم يجدا في كتاب اللّه‏ عز وجل، فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة(1).

فَلَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً

البجر بالضم الشر والامر العظيم.

وَلاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ

أى خدعتكم.

وَلاَ لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ

بالتخفيف والتشديد أي عميته.

إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاّ يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ

فَتَاهَا عَنْهُ

أى تحيرا.


1) . تاريخ الطبري: 38/4.

وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا

قال عمرو بن العاص لأبي موسى: أ أنت على أن نسمّي رجلا يلي أمر هذه الامّة فسمّ لي، فإن أقدر على أن اتابعك فلك عليّ أن اتابعك وإلاّ فلي عليك أن تتابعني. قال أبو موسى: اسمّي لك عبد اللّه‏ بن عمر ـ وكان في من اعتزل ـ وقال: انّي اسمّي لك معاوية. فلم يبرحا حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى: إنّي وجدت مثل عمرو مثل الذي قال تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها»(1)، فلمّا سكت أبو موسى تكلّم عمرو، فقال: أيها الناس إنّي وجدت مثل أبي موسى كمثل الذين قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً»(2)وكتب كلّ منهما مثله الذي ضربه لصاحبه إلى الأمصار(3).

وصدق كلّ منهما في مثله لصاحبه، كما صدقت اليهود والنصارى في قول كلّ منهما للآخر: «وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ»(4).

وفي (تاريخ اليعقوبي) ـ بعد ذكر تسابهما ـ: فتنادى الناس حكم ـ واللّه‏ ـ الحكمان بغير ما في كتاب اللّه‏، والشرط عليهما غير هذا(5).

هذا، وقالوا: شكا أبو العيناء إلى عبيد اللّه‏ بن سليمان من ابن المدبر تأخيره لأرزاقه، فقال له: أنت اخترته. فقال: وما عليّ وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً(6)فما كان منهم رجل رشيد، فأخذتهم الرجفة، واختار النبي صلّى اللّه‏ عليه


1) . الأعراف: 175.

2) . الجمعة: 5.

3) .تاريخ الطبري: 42/4.

4) .البقرة: 113.

5) .تاريخ اليعقوبي: 190/2.

6) . الأعراف : 155 .

و آله ابن أبي سرح كاتبا، فلحق بالمشركين، واختار علي بن أبي طالب عليه‏السلام أبا موسى الأشعري حكما، فحكم عليه(1).

وأنّ أهل البصرة اجتمعوا ـ أى: بعد موت يزيد ـ فقلّدوا أمرهم النعمان بن صهيان الأزدي، ثم الراسبي ورجلا من مضر، ليختاروا لهم رجلا يولونه عليهم، فقالوا: من رضيتماه لنا فقد رضينا به. وكان رأي المضري في بني اميّة، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان للمضرى: ما أرى أحدا أولى بهذا الأمر من فلان ـ يعنى: رجلا من بني امية ـ قال: أو ذاك رأيك قال: نعم. قال: فقد قلدتك أمري ورضيت بمن رضيت به. ثم خرجا إلى الناس، وقالوا لهما: ما صنعتما فقال المضرى: رضيت بمن رضي به النعمان، فمن سمّى فأنا راض به. فقال الناس للنعمان: ما تقول فقال: ما أرى أحدا غير عبد اللّه‏ بن الحارث ـ يعني ببّه ـ فقال المضرى: ما هذا الذي سمّيت. فقال: إنّه لهو. فرضى الناس به فبايعوه(2).

فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤنَا عَلَيْهِمَا

هكذا قال المصنف والصواب (استيثاقنا) كما عرفته من الطبري.

فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَالصَّمْدِ لِلْحَقِّ

بالتسكين أي القصد.

سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا

السوء والجور مفعولان لسبق والفاعل (استيثاقنا).


1) .معجم الأدباء: 287/18.

2) . أنساب الأشراف: 423/5.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (128) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة:

يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ ـ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلاَ لَجَبٌ ـ وَلاَ قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَلاَ حَمْحَمَةُ خَيْلٍ ـ يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ ـ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ (يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ثُمَّ قَالَ ع): وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ ـ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ ـ وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ ـ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لاَ يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ ـ وَلاَ يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ ـ أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا ـ وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا.

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً ـ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ ـ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ ـ وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ ـ وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ ـ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ ـ وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ ـ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ـ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ ـ فَضَحِكَ عليه‏السلام وَقَالَ لِلرَّجُلِ وَكَانَ كَلْبِيّاً ـ يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ ـ وَإِنَّمَا هُوَ

تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ ـ وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ ـ وَمَا عَدَّدَهُ اللّه‏ُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ ـ إِنَّ اللّه‏َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ـ الآْيَةَ ـ فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ـ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ ـ وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ ـ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ ـ وَمَنْ يَكُون فِي النَّارِ حَطَباً ـ أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً ـ فَهَذَا

عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلاّ اللّه‏ُ ـ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ ـ عَلَّمَهُ اللّه‏ُ نَبِيَّهُ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَعَلَّمَنِيهِ ـ وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي ـ وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي.

ومن كلام له عليه السلام فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة

جمع الملحمة لوقعة العظيمة في الفتنة.

يَا أَحْنَفُ

قال الخوئى: قيل كان اسمه صخر وقيل الضّحاك بن قيس بن معاوية من بني تميم وكنيته أبو بحر شهد مع أمير المؤنين عليه‏السلام الجمل ولم يشهد صفّين مع أحد الفريقين(1).

وقال التسترى: بل شهد صفين ولم يشهد الجمل(2).

كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلاَ لَجَبٌ

أى صوت.

وَلاَ قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَلاَ حَمْحَمَةُ خَيْلٍ

هذا الفصل كما نبّه عليه السيّد رحمه‏الله إشارة إلى خروج صاحب الزنج وهو رجل اسمه علىّ زعم أنّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب، قال ابن ابى الحديد: وأكثر النّاس يقدحون في نسبه خصوصا الطّالبيّون وجمهور النسابين اتّفقوا على أنّه من عبد القيس وأنّه علىّ بن محمّد بن عبد الرّحيم، وامه أسديّة من أسد بن خزيمة جدّه محمّد بن حكيم


1) . منهاج البراعة للخوئى: 205/8.

2) .بهج الصباغة: 532/5.

الأسدي من أهل الكوفة أحد الخارجين مع زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك(1).

وذكر المسعودى أنّ أفعال عليّ بن محمّد صاحب الزنج تدلّ على أنّه لم يكن طالبيّا وتصدّق ما رمى به من دعوته في النّسب، لأنّ ظاهر حاله كان ذهابه إلى مذهب الأزارقة في قتل النّساء والأطفال والشيخ الفاني والمريض(2)وكيف كان فقد كان ظهوره في البصرة في سنة خمس وخمسين ومأتين، فتبعه الزّنج الّذين كانوا يسبخون السّباخ في البصرة وكان أكثر اتباعه في أوّل أمره عبيد الدّهاقين بالبصرة، واستمالهم إلى الفتنة بالمواعد واستنقاذهم من أيدي ساداتهم واستخلاصهم من سوء الحال وما يلقونه من شدّة العبوديّة والخدمة ومنّا هم أن يجعلهم قوّاد جيشه، ويملّكهم الضّياع والأموال، وحلف لهم بالايمان المغلّظة أن لا يخدع بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئا من الاحسان إلاّ أتى إليهم، واجتمع اليه السّودان من كلّ جهة، وتبعه جمع كثير من غيرهم، وفعل بأهل البصرة وغيرهم ما هو مشهور وفي كتب السّير مسطور مأثور من اراد الاطلاع فليراجع.

قال الطبري: وفي النصف من شوال من سنة (255) ظهر في فرات البصرة رجل زعم انّه (علي بن محمّد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين) وجمع إليه الزنج الّذين كانوا يكسبون السباخ(3)ـ إلى أن قال ـ كان رجوعه إلى البصرة في شهر رمضان سنة (255)(4)ـ إلى أن قال ـ فذكر عن ريحان بن صالح ـ أحد غلمان الشورجييّن، وهو أوّل من صحبه منهم: ـ قال: كنت


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 126/8 ـ 127.

2) . مروج الذهب: 108/4.

3) . تاريخ الطبري: 543/7.

4) . تاريخ الطبري: 545/7.

موكّلا بغلمان مولاي أنقل الدقيق اليهم من البصرة، وأفرّقه فيهم. فحملت ذلك اليهم كما كنت أفعل. فمررت به، وهو مقيم ببرنخل في قصر القرشي. فأخذني أصحابه فصاروا بي إليه وأمروني بالتسليم عليه بالإمرة ففعلت فسألني عن الموضع الّذي جئت منه. فأخبرته أنّي أقبلت من البصرة(1)ـ إلى أن قال ـ فسألني عن أخبار غلمان الشورجيّين، وما يجري لكلّ غلام منهم من الدقيق، والسويق، والتمر، وعمّن يعمل في الشورج، من الأحرار والعبيد. فأعلمته ذلك. فدعاني إلى ما هو عليه. فأجبته فقال لى: احتل في من قدرت عليه من الغلمان. فأقبل بهم إليّ، و وعدني أن يقوّدني على من آتيه به منهم، وأن يحسن إلي ثمّ رجعت إليه، وقد قدم عليه رفيق بشبل بن سالم من غلمان الدباسيين، وبحريرة كان أمره بابتياعها ليتّخذها لواء. فكتب فيها بحمرة وخضرة: إِنَّ اللّه‏َ اشْتَرى مِنَ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ... وكتب اسمه واسم أبيه وعلّقها في رأس مردي، وخرج في السحر لليلتين بقيتا من شهر رمضان. فلمّا صار إلى مؤر القصر الّذي كان فيه، لقيه غلمان رجل من الشورجييّن يعرف بالعطّار متوجّهين إلى أعمالهم.

فأمر بأخذهم. فأخذوا وكتف وكيلهم. إلى أن قال: واخذ معهم مكتوفا وكانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر ثمّ مضى إلى موضع السيرافي. فأخذ منه خمسين ومئة غلام فيهم زريق، وأبو الخنجر ثمّ صار إلى موضع ابن عطاء. فأخذ طريقا وصبيحا الاعسر، وراشد المغربي، وراشدا القرماطي، وأخذ معهم ثمانين غلاما، ثم أتى موضع إسماعيل المعروف بغلام سهل الطحان، ثمّ لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه حتّى اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين. ثمّ جمعهم، وقام فيهم خطيبا


1) . تاريخ الطبري: 545/7.

فمنّاهم، ووعدهم أن يقوّدهم ويرئّسهم، ويملّكهم الأموال إلى أن قال: ثمّ دعا مواليهم، فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إلى هؤاء الغلمان الّذين استضعفتموهم(1)ـ إلى أن قال ـ: ثمّ سار حتى وافي دجيلا. فوجد سفن سماد تدخل في المد فركبوها، وصاروا إلى نهر ميمون، وأقام هناك يجتمع إليه السودان إلى يوم الفطر فصلّى بهم وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأنّ اللّه‏ قد استنقذهم به إلى أن قال: فلمّا كثر من اجتمع إليه من الزنج قوّد قوّاده، فانتهى إليه أن الحميري وعقيلا مع خليفة ابن أبي عون قد أقبلوا نحوه وليس في عسكره يومئذ إلاّ ثلاثة أسياف: سيفه، وسيف عليّ بن أبان، وسيف محمّد بن سلم ـ إلى أن قال ـ: فقال له علي بن أبان قد كنّا نرى من ورائنا بارقة، ونسمع حسّ قوم يتّبعونا فلم يستتم كلامه حتّى لحق القوم، وتنادى الزنج: السلاح، وكان فتح الحجّام يأكل فلمّا نهض تناول طبقا كان بين يديه وتقدّم فلقيه رجل يقال له: بلبل فحمل عليه وحذفه بالطبق الّذي كان في يده.

فرمى بلبل بسلاحه، وولّى هاربا وانهزم أصحابه ـ وكانوا أربعة آلاف ـ فذهبوا على وجوههم وقتل من قتل منهم، ومات بعضهم عطشا، واسر منهم قوم. فأتى بهم صاحب الزنج فأمر بضرب أعناقهم فضربت، وحملت الرؤوس على بغال كان أخذها من الشورجيّين، وأتى قرية تعرف بحبّى فأهدى له رجل فرسا كميتا. فلم يجد سرجا ولا لجاما. فركبه بحبل وسنفه بليف ـ إلى أن قال ـ: أتاه يحيى بن يحيى المعروف بالزبيري رئيس وكلاء الهاشميين في سيب بمائتين وخمسين دينارا، وألف درهم فكان هذا أوّل مال صار إليه ثمّ سأله عن دوابّ وكلاء الهاشميين. فدلّه


1) . تاريخ الطبري: 546/7.

على ثلاثة براذين: كميت، وأشقر، وأشهب فدفع أحدها إلى ابن سلم، والآخر الى يحيى بن محمّد، وأعطى مشرقا الثالث ووجد بعض السودان لبعض بني هاشم دارا فيها سلاح، فانتهبوه.

فصار في أيدي الزنوج سيوف وبالات وزقايات وتراس(1)ـ إلى أن قال ـ: و أمر بانتهاب القادسية والشيفيا، فانتهب منهما مالا عظيما عينا وورقا، وجوهرا، وحليّا، وأواني ذهب، وفضة، وسبي منهما يومئذ غلمانا ونسوة، وذلك أوّل سبي سبي(2)ـ إلى أن قال ـ: أعلمه أحدهم أنّ أصحابه قد شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسية فصار اليهم، وأعلمهم أنّ ذلك ممّا لا يجوز لهم، وحرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم، وقال لهم: إنّكم تلاقون جيوشا تقاتلونهم فدعوا شرب النبيذ، والتشاغل به، فأجابوه إلى ذلك(3).

وروى أنّه لاقاه أبو هلال الترك مع زهاء أربعة آلاف، وفي مقدمته قوم عليهم ثياب مشهرة، وأعلام وطبول. فحملوا عليهم، وألقى صاحب علمهم بخشبتين كانتا معه عليه. فصرعه. فانهزموا، وأفلت أبو هلال على دابة اخرى، وقتل من أصحابه زهاء ألف وخمسمائة ثمّ حال بينهم الليل. فأمر في الصبح بتتبّعهم. فجاؤوا برؤوس و أسرى فقتلهم(4).

وقال المسعودى: تكلّم الناس في مقدار ما قتل صاحب الزنج في أيّامه والمقلل يقول: أفنى من الناس خمسمائة ألف نفر(5)


1) . تاريخ الطبري: 7 / 547 ـ 549.

2) . تاريخ الطبري: 553/7.

3) . تاريخ الطبري: 554/7.

4) .تاريخ الطبري: 555/7.

5) . مروج الذهب: 120/4.

يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ ـ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ

لم يذكر أحد أنّ الزنوج كانوا يثيرون الأرض بأقدامهم، والظاهر أنّه لمّا كان الإخبار بهم، وبالتتار في خطبة واحدة ـ كما يأتي ـ حصل الخلط، وأنّ الأصل كان «تثير خيولهم الأرض بأقدام كأنّها أقدام النعام» فقال الجزري في التتار: «و أما دوابّهم الّتي يركبونها. فإنّها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير»(1).

(يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ثُمَّ قَالَ عليه السلام)

قول المصنّف: «يومئ بذلك إلى صاحب الزنج» لا ريب أنّ العنوان إلى قوله «و لا حمحمة خيل» إشارة إلى صاحب الزنج، وأما قوله «يثيرون الأرض، بأقدام كأنّها أقدام النعام» فقد عرفت الاشكال فيه، واستظهار كونه من كلامه عليه‏السلامفي التتار، وحصل الخلط.

هذا وفي رسالة ابن القارح إلى المعرّي في كلام علي عليه‏السلام «تهلك البصرة بالزنج» فصحفّوه وقالوا: قال «تهلك البصرة بالريح»(2)

وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ

جمع جناح.

كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ

جمع خرطوم. قال الطبري: لمّا أخرب صاحب الزنج البصرة، وانتهى اليه عظيم


1) .الكامل لابن الاثير: 360/12.

2) . رسالة ابن القارح: 199.

ما فعله أصحابه فيها، كان الخبيث يقول: دعوت على أهل البصرة، وقال: تولّت الملائكة إخرابها دون أصحابي، ولو كان أصحابي تولّوا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الّذي يحكى عنها(1)

وروى المسعودى: كانت مدّة أيام صاحب الزنج أربع عشرة سنة، وأربعة أشهر يقتل الصغير والكبير، والذكر والانثى، ويحرّق ويخرّب(2)

واحرقت البصرة في عدّة مواضع: منها المربد، وزهران، وغيرهما، واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل، وعظم الخطب، وعمّها القتل والنهب والإحراق(3)

مِنْ أُولَئِكَ

«من أولئك» متعلّق بقوله عليه‏السلام «ويل»، وفي رسالة ابن القارح، قال صاحب الزنج لأصحابه: إنّكم قد اعنتم بقبح مظهر. فاشفعوه بقبح مخبر. اجعلوا كلّ عامر قفرا، وكلّ بيت قبرا(4)

الَّذِينَ لاَ يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ وَلاَ يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ

في الكامل أوقع سعيد الحاجب في رجب (257) بجماعة من الزنج. فهزمهم واستنقذ ما معهم من النساء والنهب، وبلغه الخبر بجمع آخر منهم. فسار إليهم فهزمهم فكانت المرأة من تلك الناحية تأخذ الزنج فتأتي به عسكر سعيد فلا يمتنع عليها(5).

وفيه ـ بعد ذكر أمر صاحب الزنج المهلبي لكبس عسكر الموفق وانهزام الزنج و


1) . تاريخ الطبري: 607/7.

2) . مروج الذهب: 119/4.

3) . الكامل لابن الاثير: 245/7.

4) . رسالة ابن القارح: 199.

5) . الكامل لابن الاثير: 241/7 ـ 242 سنة 257.

قتل بعضهم وغرقهم وأسر أكثرهم ـ «فأمر المعتضد أن يحمل الأسرى ورؤوس القتلى ويعبر بهم على مدينة صاحبهم، وبلغ الموفق أنّ الخبيث قال لهم: إنّ الأسرى من المستأمنة إليهم وإنّ الرؤوس تمويه عليكم. فأمر بإلقاء الرؤوس، في منجنيق إليهم. فلمّا رأوها عرفوها. فأظهروا الجزع والبكاء، وظهر لهم كذب الخبيث»(1)فترى تضمن الكلام أنّ جمعا منهم قتلوا ولم يتفقدهم أحد ولا ندب عليهم، وذلك لعدم كونهم أقارب وإنّما تجمعهم الزنجية وبكاؤم بعد مشاهدة رؤوس جمع منهم إنّما كان خوفا على نفوسهم.

هذا، قال الطبري: انصرف الموفق لليلتين خلتا من صفر من سنة (270) من نهر أبي الخصيب ورأس الناجم ـ أي صاحب الزنج ـ منصوب بين يديه على قناة في شذاة، والناس من جانبي النهر ينظرون اليه حتّى وافي قصره بالموفقية(2).

وذكر المسعودى: «أنّ الناجم ارتثّ وحمل إلى أبي أحمد وهو حيّ. فسلّمه إلى أبنه المعتضد، وأمر بتعذيبه. فجعله كردناجا على النار وجلده يتقرقع حتّى هلك»(3).

والصحيح رواية الطبري، وإنّما الذي جعل كردناجا هو قرطاس الّذي رمى الموفق بسهم(4).

قال التنوخي في (نشوار المحاضرة): كان الزنج يصيحون لما رمى الموفق


1) . الكامل لابن الاثير : 354/7 سنة 267 .

2) . تاريخ الطبري: 8 /241 ـ 242.

3) .مروج الذهب: 108/4 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 211/8.

4) . تاريخ الطبري: 142/8.

بالسهم، وتأخّر لعلاج جراحته عن الحرب ملّحوه ملّحوه أي قد مات، وأنتم تكتمون موته، فاجعلوه كاللحم المكسود وكان قرطاس الرامي للموفق يصيح بالمعتضد في الحرب إذا أخذتني فاجعلني كردناجا ـ يهزأ به ـ فلمّا ظفر به أدخل في دبره سيخا من حديد فأخرجه من فيه وجعله على النار كردناجا(1).

قال التسترى: لم يذكر المسعودي أنّ المعتضد جعل صاحب الزنج كردناجا على النار حتّى ينافي قول الطبري بقتله في الحرب، وانّما قال المسعودي انّ المعتضد جعل محمّد بن الحسن بن سهل ـ أوّل من كتب أخبار صاحب الزنج ـ كردناجا على النار لكن ابن أبي الحديد خلط.

هذا، وخرج الزنج بالبصرة مرتين قبل تلك المرّة المعروفة أولاهما في آخر أيام مصعب بن الزبير. فأفسدوا، وتناولوا الثمار. فشكا الناس ذلك إلى واليهم فأرسل إليهم جيشا. فتفرّقوا، وأخذ بعضهم فقتل وصلب.

والثانية في أيام الحجاج لمّا وثب ابن الجارود مع جمع على الحجّاج لمّا أراد نقص عطائهم. فاجتمع منهم خلق كثير بالفرات وأمرّوا عليهم رجلا ملقبا شير زنج، فلمّا فرغ الحجّاج من أمر ابن الجارود أمر شرطة البصرة أن يرسل إليهم جيشا فهزمهم وقتلهم. ومراده عليه‏السلام تلك المعروفة(2).

أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا

مِنْ مُكَاشَفَاتِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام مَا رَوَاهُ الصَّادِقُ عَنْ آبَائِهِ عليهم‏السلام أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 212/8.

2) .بهج الصباغة: 539/5.

كُنْتُ بِفَدَكَ فِي بَعْضِ حِيطَانِهَا وَقَدْ صَارَتْ لِفَاطِمَةَ عليه‏السلام إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ هَجَمَتْ عَلَيَّ وَفِي يَدِي مِسْحَاةٌ وَأَنَا أَعْمَلُ بِهَا فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَارَ قَلْبِي مِمَّا تَدَاخَلَنِي مِنْ جَمَالِهَا فَشَبَّهْتُهَا بِبُثَيْنَةَ(1)بِنْتِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ لِي يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ هَلْ لَكَ أَنْ تَزَوَّجَنِي وَأُغْنِيَكَ عَنْ هَذِهِ الْمِسْحَاةِ وَأَدُلَّكَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَيَكُونَ لَكَ الْمُلْكُ مَا بَقِيتَ فَقُلْتُ لَهَا مَنْ أَنْتِ حَتَّى أَخْطُبَكِ مِنْ أَهْلِكِ فَقَالَتْ أَنَا الدُّنْيَا فَقُلْتُ لَهَا ارْجِعِي فَاطْلُبِي زَوْجاً غَيْرِي فَلَسْتِ مِنْ شَأْنِي وَأَقْبَلْتُ عَلَى مِسْحَاتِي وَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:

لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيَا دَنِيَّةٌ *** وَمَا هِيَ إِنْ غَرَّتْ قُرُوناً بِطَائِلٍ

أَتَتْنَا عَلَى زِيِّ الْعَزِيزِ بُثَيْنَةَ*** وَزِينَتُهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ

فَقُلْتُ لَهَا غُرِّي سِوَايَ فَإِنَّنِي*** عَزُوفٌ عَنِ الدُّنْيَا وَلَسْتُ بِجَاهِلٍ

وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا فَإِنَّ مُحَمَّداً*** رَهِينٌ بِقَفْرٍ بَيْنَ تِلْكَ الْجَنَادِلِ

وَهَبْهَا أَتَتْنَا بِالْكُنُوزِ وَدُرِّهَا*** وَأَمْوَالِ قَارُونَ وَمُلْكِ الْقَبَائِلِ

أَ لَيْسَ جَمِيعاً لِلْفَنَاءِ مَصِيرُهَا*** وَيُطْلَبُ مِنْ خُزَّانِهَا بِالطَّوَائِلِ

فَغُرِّي سِوَايَ إِنَّنِي غَيْرُ رَاغِبٍ ـ *** لِمَا فِيكِ مِنْ عِزٍّ وَمُلْكٍ وَنَائِلٍ

وَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ رُزِقْتُهُ *** فَشَأْنَكِ يَا دُنْيَا وَأَهْلَ الْغَوَائِلِ

فَإِنِّي أَخَافُ اللّه‏َ يَوْمَ لِقَائِهِ*** وَأَخْشَى عِتَاباً دَائِماً غَيْرَ زَائِلٍ(2)

قال ابن أبي الحديد: هو مثل الكلمات المحكية عن عيسى عليه‏السلام: أنا الّذي كببت


1) . مصغرة على وزن جهينة، كأنها كانت مشهورة بالحسن والجمال عند نساء العرب وعامر الجمحى لعله ابن مسعود بن أميّة بن خلف القرشيّ الجمحى.

2) . كشف الريبة: 90؛ بحار الأنوار: 84/70.

الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت، ولا بيت يخرّب، وسادي الحجر، وفراشي المدر، وسراجي القمر(1).

كونه مثله غير معلوم. فهو عليه‏السلام قال «كابّ الدنيا لوجهها» وكلام عيسى عليه‏السلام«كابّ

الدنيا على وجهها» فالظاهر أنّه عليه‏السلام لمّا قال ذلك بعد إخباره عن المغيبات قال إنّه محيط بظاهر الدنيا وباطنها كمن يقلّب الشيء ويكبّه لوجهه. فينظر بعينه إلى جميعه. فالظاهر أنّه نظير ما ورد عن عترته عليه‏السلام في إحاطة الإمام بما في الدنيا. فروى الصفار عن حمزة الجعفي قال: دخلت على الرضا عليه‏السلام ومعي صحيفة أو قرطاس فيه عن جعفر عليه‏السلام أنّ الدنيا مثّلت لصاحب هذا الأمر في مثل فلقة الجوز. فقال: يا حمزة ذا واللّه‏ حقّ(2).

منها

أى من خطبة الملاحم.

في وصف الأتراك (ومنه ويؤى بذلك إلى وصف التتار خ ل)

قال الجزرى: كان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من بلادهم حدود الصين قديما، ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا عداوة وحروب. فلمّا سمعوا بما فعله خوارزمشاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان(3)ـ إلى أن قال ـ بعد ذكر الاختلاف بين كشليخان وخوارزمشاه وإرادته حربه ـ ثمّ اتّفق خروج


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 126/8.

2) . بصائر الدرجات: 408/ح2؛ بحار الأنوار: 145/2/ ح 11.

3) . الكامل لابن الاثير: 269/12 ـ 270.

هؤاء التتر الآخر الّذين خربوا الدنيا وملكهم جنگيزخان النهرجي على كشليخان التتري الأوّل. فاشتغل بهم كشليخان عن خوارزم شاه...(1)

وللجاحظ رسالة في الترك قال فيها نقلا عن حميد بن عبد الحميد قال: التركي يرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوّق الخارجي سهما واحدا، وتركض دابته منحدرا من جبل أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر ممّا يمكن الخارجي على بسيط الأرض.

وللتركي أربعة أعين عينان في وجهه، وعينان في قفاه، وإذا أدبر فهو السم الناقع لأنّه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل(2).

ولو حصّلت مدّة عمر التركي، وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض، وليس في الأرض أحد إلاّ وبدنه ينتقص على اقيتات اللحم وحده غيره، وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر لا يظلّها من شمس، ولا يكنّها من برد.

والتركي هو الراعي، وهو السائس، وهو الرائض، وهو النخّاس، وهو البيطار، و هو الفارس.

فالتركي الواحد امّة على حدة، وإذا سار في غير عساكره وساروا عشرة أميال سار عشرين، لأنّه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويصعد في ذرى الجبال ويستبطن قعور الأودية في طلب الصيد، وهو في ذلك يرمي كلّ ما دبّ، ودرج، وطار ووقع، وإنّ بلغوا واديا. فازدحموا على مسلكه أو قنطرته بطن التركي برذونه فأقحمه. ثمّ طلع من الجانب الآخر كأنّه كوكب، وإن انتهوا إلى عقبه صعبة ترك


1) . الكامل لابن الاثير: 271/12.

2) .رسالة الجاحظ: 496/1.

السنن، وذهب في الحبل صعدا ثمّ تدلّى من موضع يعجز عنه الوعل(1).

وليس في الأرض قوم إلاّ والتساند في الحروب والاشتراك في الرياسة ضار لهم إلاّ الأتراك. فإنّهم إذا صادفوا جيشا فإن كان في القوم موضع عنوة فكلّهم قد أبصرها وعرفها، وإن لم يكن هناك عورة، ولم يكن فيهم مطمع وكان الرأي الانصراف فكلّهم قد رأى ذلك الرأي، وعرف الصواب فيه، وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية باقبالهم، وليس لبدن التركي على ظهر الدابة ثقل، ولا لمشيه على الأرض وقع، وإنّه ليرى وهو مدبر ما لا يرى الفارس منّا، وهو مقبل، وهو يرى الفارس منّا صيدا، ويعدّ نفسه فهدا، ويعدّ غيره ظبيا، وانّه لو رمي به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة.

والتركي ينال الكفاف غصبا، أحبّ إليه من أن ينال الملك عفوا، ولم يتهنّ تركي بطعام قط إلاّ أن يكون صيدا أو مغنما.

وقال ثمامة بن أشرس: «التركي لا يخاف إلاّ مخوفا، ولا يطمع في غير مطمع، و لا يكفّه عن الطلب إلاّ اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتّى يصيب أكثر منه، وإن قدر أن يجمعهما لم يفرط في واحد منهما، والباب الّذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا، والباب الّذي يحسنه قد أحكمه بأسره، وخفيّه عنده كظاهره، ولا يتشاغل بشيء ليس فيه شيء، ونومه مشوب باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة(2).

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ

جمع المجنّ وهو الترس.


1) .رسالة الجاحظ: 131/2 ـ 132.

2) . رسالة الجاحظ: 23/1 ـ 26.

الْمُطَرَّقَةُ

هذا صفة مطلق الترك قال المبرد ـ في خبر ـ رأيت عليّا (يعني ابن عبد اللّه‏ بن عباس) مضروبا بالسوط يدار به على بعير ووجهه ممّا يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه هذا عليّ بن عبد اللّه‏ الكذّاب. فأتيته فقلت: ما هذا الّذي نسبوك فيه إلى الكذب قال: بلغهم قوله «إنّ هذا الأمر سيكون في ولدي. واللّه‏ ليكوننّ فيهم حتّى يملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه الذين كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة...(1)كان يقول ذلك عن اخباره عليه‏السلام.

فروى المبرد: أنّه لمّا ولد على ذاك أتى به أبوه ابن عباس إليه. فأخذه وردّه إلى أبيه، وقال له: خذه إليك أبا الأملاك(2).

وروى المسعودى: من كان من الترك واغلا في الشمال فلبعدهم من مدار الشمس في حال طلوعها وغروبها كثرت الثلوج فيهم، وغلبت البرودة والرطوبة على مساكنهم. فاسترخت أجسامهم، وغلظت ولانت فقارات ظهورهم، وخرز أعناقهم حتّى تأتّى لهم الرمي بالنشاب في كرّهم وفرّهم، وغارت مفاصلهم لكثرة لحومهم. فاستدارت وجوههم وصغرت أعينهم لاجتماع الحرارة في الوجه حين تمكّنت البرودة من أجسادهم(3).

ومراده عليه‏السلام هنا ترك التتار، وما صدر منهم مع الناس الّذي أثبته التاريخ. قال الجزري في عنوان سنة (617) وخروج التتار إلى بلاد الإسلام: لقد بقيت عدّة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها. فأنا اقدّم إليه


1) . الكامل للمبرد: 162/2.

2) .الكامل للمبرد: 161/2.

3) . التنبيه والاشراف: 22.

رجلا، وأؤّر اخرى. فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الّذي يهون عليه ذكر ذلك. فيا ليت امّي لم تلدني، ويا ليتني متّ قبل هذا، وكنت نسيا منسيّا إلاّ أنني حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف ثم رأيت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعا. فنقول: هذا الفصل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيّام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين. فلو قال قائل إنّ العالم مذ خلق اللّه‏ تعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا. فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها، ولا ما يدانيها.

ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني اسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس، وما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرّب هؤاء من البلاد الّتي كلّ مدينة منها أضعاف بيت المقدس، وما بنو بني إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا. فإنّ أهل مدينة واحدة ممّن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعلّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا إلاّ يأجوج ومأجوج(1).

وأما الدجّال فإنّه يبقي على من اتّبعه، ويهلك من خالفه، وهؤاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال، والأطفال وشقّوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنّة فإنّا للّه‏ وإنّا إليه راجعون لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعمّ ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح. فإنّ قوما خرجوا من أطراف الصين. فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر، وبلاساغون ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند، و بخارا، وغيرهما فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا ثمّ يتجاوزونها إلى الري،


1) .الكامل لابن الاثير: 358/12.

وهمدان، وبلد الجبل، وما فيه من البلاد إلى حدّ العراق. ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية، ويخربونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقلّ من سنة. هذا ما لم يسمع بمثله، ثمّ لما فرغوا من آذربيجان وأرانية ساروا إلى دربند شروان. فملكوا مدنه، ولم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم، وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز، ومن في ذلك الصقع من الامم المختلفة فأوسعوهم قتلا ونهبا و تخريبا، ثمّ قصدوا إلى بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددا. فقتلوا كلّ من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض، ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى هؤاء التتر عليها. فعلوا هذا في أسرع زمان لم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير، ومضى طائفة اخرى غير هذا الطائفة إلى غزنة وأعمالها، وما يجاورها من بلاد الهند، وسجستان، وكرمان. ففعلوا فيها مثل فعل هؤاء وأشدّ(1).

هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤّخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنّما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا إنّما رضي من الناس بالطاعة، وهؤاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض، وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ولم يبت أحد في البلاد الّتي لم يطرقوها إلاّ وهو خائف يتوقعهم، ويترقب وصولهم. ثمّ إنّهم لم يحتاجوا إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنّهم معهم الأغنام، والبقر والخيل، وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير. وأما دوابهم الّتي يركبونها فإنّها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير. فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج.


1) .الكامل لابن الاثير: 359/12.

وأمّا ديانتهم فإنّهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرّمون شيئا، فإنّهم يأكلون جميع الدواب حتّى الخنازير والكلاب، ولا يعروفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال. فإذا جاء الولد لا يعرف أباه(1)ـ إلى أن قال ـ واستقام لهم هذا الأمر لعدم المانع لأنّ خوارزمشاه محمّدا كان قد استولى على البلاد، وقتل ملوكها، وأفناهم، وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها. فلمّا انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم(2).

وكان مدّة ملك خوارزمشاه (21) سنة، وشهورا واتّسع ملكه، وأطاعه العالم بأسره، ولم يملك بعد السلجوقية أحد مثل ملكه ملك من حدّ العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة، وبعض الهند، وملك سجستان، وكرمان وطبرستان، وجرجان، وبلاد الجبال، وخراسان، وبعض فارس، وفعل بالخطا الأفاعيل العظيمة، وملك بلادهم(3). ولمّا ملك التتار خوارزم وقتلوا كلّ من فيه ونهبوا كلّ ما فيه فتحو السكر الّذي يمنع ماء جيحون عن البلد. فدخله الماء. فغرق البلد جميعه، وتهدمت الأبنية، وبقي موضعه ماء، ولم يسلم من أهله أحد. فمن اختفى أغرقه الماء أو قتله الهدم(4).

وقال ابن أبي الحديد: إنّ جنگيز خان سيّر عشرين ألفا في طلب خوارزمشاه، و قال لهم اطلبوه ولو تعلّق بالسماء. ففرّ منهم فوصل إلى بحر طبرستان. فنزل هو وأصحابه في سفن، ووصل التتار. فلمّا عرفوا نزوله البحر آيسوا.

واختلف في أمره فقوم يحكون أنّه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة. فتوفّي بها، وقوم يحكون أنّه غرق في البحر. فهلك، وقوم يحكون أنّه غرق ونجا عريانا.


1) . الكامل لابن الاثير: 360/12.

2) .الكامل لابن الاثير: 361/12.

3) . الكامل لابن الاثير: 371/12.

4) .الكامل لابن الاثير: 394/12.

فصعد إلى قرية من طبرستان فعرفوه. فقال: احملوني في مركب إلى الهند إلى شمس الدين الملك نسيبه من جهة زوجته. فيقال: وصل إليه وقد تغير عقله ممّا اعتراه من خوف التتار. فكان يقول: هاهم قد خرجوا من هذا الباب... قد هجموا من هذه الدرجة، ويرعد وتحوّل لونه.

وحكي انّه لمّا تغيّر عقله لهج بأن يقول: «قراتتر كلدى» أى: جاء التتر السود(1).

وفي التتر صنف سود يشبهون الزنوج لهم سيوف عريضة جدّا على غير صورة هذه السيوف يأكلون لحوم الناس ـ ورقى به شمس الدين إلى قلعة من قلاع الهند شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا، وإنّما يمطر السحاب من تحتها، وقال له كن آمنا. قال: لا أقدر على المقام لأنّ التتر يطلبونني ويقدمون إلى هاهنا، ولو شاءوا لوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت القلعة، فبلغت إلى ذروتها، وصعدوا عليها فأخذوني قبضا باليد، فعلم الملك أنّ عقله قد تغيّر.

فقال: فما الّذي تريد قال: تحملني في البحر الى كرمان فحمله ثمّ خرج إلى أطراف بلاد فارس. فمات هناك، واخفي موته لئلاّ يقصده التتر(2)

يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ

في (الكامل) في وقايع سنة (628) ـ وهي آخر تاريخه ـ أنّ في تلك السنة أطاع جميع أهل بلاد آذربيجان للتتر وحملوا إليهم الأموال والثياب الخطائي،


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 226/8 ـ 228.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 228/8.

والخوئي، والعتابي، وأرسل الملك إلى تبريز ـ وهو أصل بلاد آذربيجان ـ يهدّدهم إن امتنعوا عليه. فأرسلوا إليه المال الكثير والتحف من أنواع الثياب الإبريسمي، وغيرها.

ثمّ طلب أن يحضروا عنده من صنّاع الثياب الخطائي، وغيرها ليستعمل لملكهم الأعظم. فأحضروا الصناع فاستعملوهم في ما أرادوا، وطلب أيضا خركاه لملكهم فعملوا له خركاه لم يعمل مثلها، وعملوا غشاءها من الأطلس الجيد الزركش، وعملوا من داخلها السمور، والقندر فجاءت عليهم بجملة كثيرة(1).

هذا وفي (الكامل) أيضا: لم يبقوا على مدينة إلاّ خرّبوا كلّ ما مرّوا عليه وأحرقوه ونهبوه، وما لا يصلح لهم أحرقوه. فكانوا يجمعون الإبريسم تلالا، ويلقون فيه النار(2).

وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ

قد عرفت في ما تقدّم قول الجزري «معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك...» ولعله محرّف «يعتقبون الخول العتاق».

أي يجيئون معهم باسارى يجعلونها خولا لهم. فقال الجزرى: وكانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدّموا من معهم من اسارى المسملين بين أيديهم يزحفون ويقاتلون فإن عادوا قتلوهم فكانوا يقاتلون كرها وهم المساكين كما قيل كالأشقر إن تقدّم ينحر، وإن تأخّر يعقر، وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين، فيكون القتل


1) .الكامل لابن الاثير: 12/ 502 ـ 503.

2) . الكامل لابن الاثير: 376/12 ـ 377.

في المسلمين الاسارى وهم بنجوة منه(1).

وقال ـ بعد ذكر فتح بخارى ـ استصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى اسارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة فكلّ من أعيا وعجز قتلوه.

فلمّا قاربوا سمرقند قدّموا الخيّالة وتركوا الرجّالة، والاسارى والأثقال وراءهم حتّى تقدّموا شيئا فشيئا فيكون أرعب لقلوب المسلمين. فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه فلما كان اليوم الثاني وصل الاسارى والرجالة والأثقال ومع كلّ عشرة من الاسارى علم. فظنّ أهل البلد أنّ الجميع عساكر(2).

وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْل

كان استحرار القتل أوّلا في الطرفين لما ذهب خوارزمشاه إليهم قبل أن يعلم حقيقة الأمر. فوصل إلى بيوتهم، ولم يكن فيها غير نسائهم وأطفالهم وكانوا ساروا إلى محاربة كشلوخان فسبى النساء والأطفال فأدركوهم قبل أن يخرج من بيوتهم، وتصافّوا وبقوا في الحرب ثلاثة أيّام بلياليها. فقتل من الطائفتين ما لا يعدّ،

و اشتدّ بهم الأمر حتّى أن أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه راجلا، ويتضاربون بالسكاكين، وجرى الدم على الأرض حتى صارت الخيل تزلق من كثرة الدم، وأحصى من قتل من المسلمين فكانوا عشرين ألفا(3)هذا.

وقال ابن أبي الحديد: قد لاح لي من فحوى كلامه عليه‏السلام أنّه لا بأس على بغداد والعراق منهم، وأنّ اللّه‏ تعالى يكفي هذه المملكة شرّهم ويرّد عنها كيدهم، وذلك


1) . الكامل لابن الاثير: 377/12.

2) . الكامل لابن الاثير: 367/12.

3) . الكامل لابن الاثير: 364/12.

من قوله عليه‏السلام «و يكون هناك استحرار قتل» فأتى بالكاف، ولو كان لهم استحرار قتل في العراق لما قال «هناك» بل كان يقول «هنا» لأنّه عليه‏السلام خطب بهذه الخطبة في البصرة ومعلوم أنّ البصرة وبغداد شيء واحد، وكانوا جاؤوا إلى بغداد، ورجعوا، وكان ما جرى من دلائل النبوّة لأنّه عليه‏السلام وعد هذه الملة بالظهور إلى يوم القيامة، ولو حدث على بغداد منهم حادثة كما جرى على غيرها لانقرضت ملّة الإسلام(1).

ما ذكره خطأ فإنّ «هناك» في قوله عليه‏السلام نحو «هنا لك» في قوله تعالى: «هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ»(2)الإسلام ليس بسلطنة بل ديانة وقد وعد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله امتّه ببقاء دينه لا سلطنة المسلمين، وكيف، وقد تسلّط هولاكو حفيد جنگيز خان على بغداد، وقتل خليفتهم وختم بسلطنتهم.

ونظيره في الخطأ قول الجزري المتقدّم «و من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين»(3)فعلى قوله لم يكن إسلام أيام كون النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في مكّة قبل هجرته بل صار دخول اولئك التتار الّذين وصفهم في بلاد الإسلام سببا إلى دخولهم في الإسلام كمحمّد خدابنده منهم، وجمع آخر منهم، وإنّما كان فعلهم ما فعل عقوبة من اللّه‏ تعالى للناس بتركهم حقيقة الإسلام واكتفائهم باسمه، بل إتيانهم بكلّ منكر باسم الإسلام، وكونهم خلفاء الإسلام مع انّهم لم يكونوا إلاّ جبابرة لئاما.

وقد وصف عليه‏السلام صاحب الزنج، وما عمل أصحابه بكونهم جيشا من نقم اللّه‏ تعالى، وقد قال تعالى لبني إسرائيل: «وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 241/8.

2) . يونس: 30.

3) . الكامل لابن الاثير: 358/12.

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ـ إلى أن قال ـ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآْخِرَةِ لِيَسُوؤا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً»(1).

ومن الغريب أنّ هذا الرجل ذكر في تاريخه ما فعل بنو اميّة أعداء النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم الطفّ بأهل بيت نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قتلا لرجالهم وسبيا لنسائهم وإرادتهم استيصالهم، ولا يقول: يا ليت امّي لم تلدني، ويقوله هنا(2).

لكن لم يقل ثمّة لأنّه أسس لهم ذلك صدّيقهم وفاروقهم.

حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ

أى الناجى.

أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ

ذكر الجزري في ملك التتار مراغة من آذربيجان: قتل منهم ما يخرج عن الحد و الإحصاء، واختفى بعض الناس منهم فكانوا يأخذون الاسارى، ويقولون لهم: نادوا في الدروب أنّ التتر قد رحلوا. فإذا نادى اولئك خرج من اختفى فيؤذ

ويقتل. وسمعت أنّ رجلا من التتر دخل دربا فيه مئة رجل فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتّى أفناهم، ولم يمدّ أحد يده إليه بسوء(3).

وذكر في دخولهم كرخ: فأخذهم السيف، فلم يسلم منهم إلاّ الشريد(4).

وقال في دربند شروان: صعدوا سورا بالسلاليم وقيل: بل جمعوا كثيرا من


1) . الإسراء: 4 ـ 7.

2) .الكامل لابن الاثير: 358/12.

3) . الكامل لابن الاثير: 377/12 ـ 378.

4) .الكامل لابن الاثير: 383/12.

الجمال، والبقر، والغنم، وغير ذلك، ومن قتلى الناس منهم، ومن غيرهم، وألقوا بعضه فوق بعض. فصار مثل التل وصعدوا عليه. فأشرفوا على المدينة، وقاتلوا أهلها(1).

وقال في أهل مرو: وأمر باحصاء القتلى. فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل وقيل لهم: إنّ قتلاهم سلم منهم كثير، ونجوا إلى بلاد الإسلام، فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رؤسهم لئلاّ يسلم من القتل أحد، وفعلوا بطوس كذلك، وخربوا المشهد الذي فيه عليّ بن موسى الرضا عليه‏السلام(2).

وقال في خوارزم: لمّا ملكوا البلد قتلوا كلّ من فيه، ونهبوا كلّ ما فيه وفتحوا السكر الّذي يمنع ماء جيحون عن البلد. فغرق البلد جميعه، وتهدمت الأبنية، وبقي موضعه ماء وغير خوارزم قد كان سلم بعض أهله. فمنهم من يختفي ومنهم من يهرب، ومنهم من يخرج ثمّ يسلم، ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو، وأما أهل خوارزم. فمن اختفى أغرقه الماء أو قتله الهدم(3).

وقال في دخول التتر ديار بكر: بلغني أنّ إنسانا منهم أخذ رجلا، ولم يكن مع التتري ما يقتله به. فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح. فوضع رأسه على الأرض ومضى التتري فأحضر سيفا. فقتله به.

قال: وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق فجاءنا فارس من التتر، وقال لنا حتّى يكتّف بعضنا بعضا. فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم. فقلت لهم: هذا واحد. فلم لا نقتله ونهرب فقالوا: نخاف.


1) .الكامل لابن الاثير: 384/12.

2) . الكامل لابن الاثير: 393/12.

3) .الكامل: 394/12 ـ 395.

فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعلّ اللّه‏ يخلّصنا. فو اللّه‏ ما جسر أحد يفعل. فأخذت سكّينا وقتلته وهربنا فنجونا(1).

فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَضَحِكَ عليه السلام

قال ابن أبي الحديد: النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو الولي إن تجدّدت عنده نعمة للّه‏ سبحانه وعرف الناس وجاهته يضحك. وروى أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ضحك في مناسب هذا الحال لما استسقى فسقى وأسرف درور المطر. فسألوه أن يحبسه عنهم. فأشار بيده إلى السحاب. فأنجاب حول المدينة كالإكليل فضحك صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهحتّى بدت نواجذه، وقال: أشهد أنّي رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(2).

وَقَالَ لِلرَّجُلِ وَكَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ

قال شيخنا المفيد في (مقالاته) في عنوان القول في علم الأئمة عليه‏السلام بالضمائر والكائنات وإطلاق القول عليهم بعلم الغيب: «إنّ الأئمة من آل محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد، ويعرفون ما يكون قبل كونه، وليس ذلك بواجب في صفاتهم، ولا شرطا في إمامتهم وإنّما أكرمهم اللّه‏ تعالى به، وأعلمهم إيّاه للطف في طاعتهم، والتمسك بإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلا لكنّه واجب لهم من جهة السماع، فأمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكر بيّن الفساد، لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقّه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون


1) .الكامل لابن الاثير: 501/12.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 217/8.

إلاّ للّه‏ عزّ وجلّ وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلاّ من شذّ منهم من المفوّضة، ومن انتمى اليهم من الغلاة(1).

وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا عَدَّدَهُ اللّه‏ُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللّه‏َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ـ الآْيَةَ ـ

قال تعالى: «إِنَّ اللّه‏َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ»(2).

فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ

وهو معنى الخبر «السعيد سعيد في بطن امّه، والشقي شقيّ في بطن امّه»(3).

بمعنى أنّه تعالى يعلم أنّه يكون سعيدا أو يكون شقيّا.

وَمَنْ يَكُون فِي النَّارِ حَطَباً

إشارة إلى قوله تعالى: وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً(4).

أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً

إشارة إلى قوله تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللّه‏َ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه‏ُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(5).


1) . اوائل المقالات للمفيد: 67/ ش 41.

2) . لقمان: 34.

3) .تفسير القمي : 227/1؛ تفسير نور الثقلين : 18/2/ ح 58 .

4) .الجن: 15.

5) . النساء: 69.

فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلاّ اللّه‏ُ

ولكن ورد في أخبار إخبارهم عليهم‏السلام بكون الحمل ذكرا أو انثى، وغير ذلك(1).

وَمَا سِوَى ذَلِكَ

من علم الساعة وغيرها الّذي ذكر معها.

فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللّه‏ُ نَبِيَّهُ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَعَلَّمَنِيهِ وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ

أى: يجعل له وعاء.

صَدْرِي

عن بريدة الأسلمي قال: قال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لعليّ عليه‏السلام: انّ اللّه‏ تعالى أمرني أن ادنيك، ولا اقصيك، وأن اعلّمك، وأن تعي، وحقّ على اللّه‏ أن تعي. فنزل قوله تعالى: «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»(2)،(3).

وَتَضْطَمَّ

افتعال من الضم.

عَلَيْهِ جَوَانِحِي

الجوانح الأضلاع الّتي تحت الترائب، وهي ممّا يلي الصدر كالضلوع ممّا يلي


1) . بحار: 18/26 226.

2) . الحاقة: 12.

3) .كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه‏السلام: 110.

الظهر، الواحدة: جانحة(1).

ومن مغيباته عليه‏السلام إخباره بعمارة بغداد وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم. قال العلامة الحلى: رواه والدي ـ رحمه اللّه‏ تعالى ـ. وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل. لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد وقبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل. فكان من جملة القليل والدي ـ رحمه اللّه‏ والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العز. فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الأيلية (الأمنية خ ل). وأنفذوا به شخصا أعجميا. فانفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين: أحدهما يقال له: تكلم. والآخر يقال له: علاء الدين. وقال لهما إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا. فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه.

فقال والدي ـ رحمه اللّه‏ ـ: إن جئت وحدي كفى؟ فقالا: نعم. فاصعد معهما. فلما حضر بين يديه وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة قال له: كيف أقدمتم مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم وكيف تأمنون أن صالحني ورحلت عنه (نقمته خ ل).

فقال له والدي ـ إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن إمامنا (امير المؤنين) علي بن أبي طالب ـ عليه‏السلام ـ أنه قال في بعض خطبه: الزوراء وما أدراك ما الزوراء أرض ذات أثل يشتد فيها البنيان ويكثر فيها السكان ويكون فيها قهازم(2)وخزان


1) .الصحاح: 360/1 مادة جنح.

2) . كذا في النسخ. والظاهر قهارم، مأخوذة من (القهرمان). وهو أمين الملك ووكيله الخاص بتدبير دخله وخرجه، فارسية.

يتخذها ولد العباس موطنا ولزخرفهم مسكنا تكون لهم دار لهو ولعب يكون بها الجور الجائر والخوف المخيف والأئمة الفجرة والقراء الفسقة والوزراء الخونة يخدمهم أبناء فارس والروم لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه ولا يتناهون عن منكر إذا أنكروه يكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء فعند ذلك الغم الغميم والبكاء الطويل والويل والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك وما هم الترك قوم صغار الحدق وجوههم كالمجان المطرقة لباسهم الحديد جرد مرد يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم جهوري الصوت قوي الصولة عالي الهمة لا يمر بمدينة إلا فتحها ولا ترفع له راية إلا نكسها الويل الويل لمن ناوأه فلا يزال كذلك حتى يظفر. فلما وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك.

فطيب قلوبهم وكتب لهم فرمانا باسم والدي ـ رحمه اللّه‏ يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها(1).


1) . كشف اليقين العلامة الحلى: 80.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (129) ومن خطبة له عليه السّلام:

اشارة

في ذكر المكاييل: عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمُلُونَ ـ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤجَّلُونَ ـ وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ ـ وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ ـ فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ وَرُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ ـ وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لاَ يَزْدَادُ فِيْهِ الْخَيْرُ إِلاّ إِدْبَاراً ـ وَالشَّرُّ إِلاّ إِقْبَالاً ـ وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاسِ إِلاّ طَمَعاً ـ فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ ـ وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ ـ اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ ـ فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً ـ أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه‏ِ كُفْراً ـ أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللّه‏ِ وَفْراً ـ أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً ـ أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَصُلَحَاؤكُمْ ـ وَأَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤكُمْ ـ وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ ـ وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ ـ أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً ـ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ ـ وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ ـ وَهَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاّ فِي حُثَالَةٍ ـ لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ ـ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ ـ فَإِنَّا للّه‏ِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ـ ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ ـ وَلاَ زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ ـ أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللّه‏َ فِي دَارِ قُدْسِهِ ـ وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ ـ هَيْهَاتَ لاَ يُخْدَعُ اللّه‏ُ عَنْ جَنَّتِهِ ـ وَلاَ تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلاّ بِطَاعَتِهِ ـ لَعَنَ اللّه‏ُ الآْمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ ـ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه.

ومن خطبة له عليه السلام في ذكر المكاييل

قول المصنّف: (و من خطبته عليه‏السلام في ذكر المكاييل) ولكن في شرح ابن أبي الحديد «و من خطبة له في ذكر المكاييل والموازين»(1)ثم قال ابن أبي الحديد: ولست أرى في هذه الخطبة ذكرا للمكاييل والموازين، اللهم إلاّ أن يكون قوله: «و أين المتورّعون في مكاسبهم»، أو قوله: «ظهر الفساد» ودلالتهما على الموازين والمكاييل بعيدة(2).

وقال الخوئى: وقد يقال: إنّ ذلك ابتناء على ما هو دأب السيد وعادته في الكتاب من التقطيع والالتقاط، فلعله أسقط ما اشتمل على ذكر المكاييل والموازين، ولا يبعد أن يكون ذكر عنده تطفيف الناس في المكاييل والموازين، فخطب بهذه الخطبة نهيا لهم عن ذلك المنكر(3).

قال التسترى: وهو أيضا بعيد كحمل ابن أبي الحديد، لأنه لو كان كما قال لقال: «و من جملة خطبة كانت في ذكر المكاييل والموازين» ولم يكن يعبّر بما هو ظاهر في الاشتمال عليهما فعلا(4).

عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا

أى: إنكم مع ما تأملون من الخلود في هذه الدنيا وبقاء الأموال.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 244/8.

2) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 246/8.

3) . منهاج البراعة للخوئى: 230/8.

4) .بهج الصباغة: 167/8.

أَثْوِيَاءُ مُؤجَّلُونَ

أى: مقيمون بآجال معيّنة شابا وكهلا وشيخا، فليس الأمر كما تأملون من الخلود قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً...»(1).

وقال تعالى: «يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاع»(2).

وقال تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ»(3).

وقال تعالى: «فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا»(4)أى: أنفاسهم.

وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ

أى: مقرضون مطالبون بردّ الديون، فليس الأمر كما تأملون من بقاء الأموال في أيديكم، قال تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ»(5)وقال الأفوه الأودي في المعنيين:

إنّما نعمة قوم متعة *** وحياة المرء ثوب مستعار(6)

وقال البحترى:

أصاب الدهر دولة آل وهب *** ونال الليل منها والنهار


1) . الحج: 5.

2) . غافر: 39.

3) . الأعراف: 34.

4) . مريم: 84.

5) . الأنعام: 94.

6) . الشعر والشعراء: 217/1.

أعارهم رداء العزّ حتى*** تقاضاهم فردّوا ما استعاروا(1)

لما قتل عبد الملك مصعبا ودخل الكوفة أمر بطعام كثير فصنع، وأمر به إلى الخورنق وأذن إذنا عاما، فدخل الناس، فأخذوا مجالسهم، فدخل عمرو بن حريث المخزومي، فقال له عبد الملك: إليّ وعلى سريري، فأجلسه معه، ثم جاءت الموائد، فأكلوا، فقال عبد الملك: ما ألذّ عيشنا لو أن شيئا يدوم ولكنّا كما قال الأول:

و كل جديد يا أميم إلى بلى *** وكل امرى‏ء يوما يصير إلى كان

فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر... ثم أتى مجلسه فاستلقى وقال:

اعمل على مهل فإنّك ميت

واكدح لنفسك أيّها الانسان

فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى

وكأنّ ما هو كائن قد كان(2)

وشهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق قد دفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسن هذه التربة ما أطيبها، فما أتى عليه جمعة ـ أو كما قال ـ حتى دفن إلى جنب ذلك القبر(3).

ولبس سليمان بن عبد الملك ثيابا خضرا من خزّ ونظر في المرآة فقال: أنا واللّه‏ الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة فصلّى بالناس الجمعة، فلم يرجع حتى وعك فلما ثقل عهد(4).


1) . ديوان البحترى: 199/2 وتاريخ مدينة دمشق: 406/13.

2) . تاريخ الطبري: 14/5 ـ 15.

3) .تاريخ الطبري: 306/5.

4) . تاريخ الطبري: 306/5.

أَجَلٌ مَنْقُوصٌ

فكلّما تنفس نفسا خطا خطوة إلى قبره.

وعن الحسن: يا ابن آدم إنّما أنت عدد، فإذا مضى يوم فقد قضى بعضك(1).

وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ

قال تعالى: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ»(2).

وقال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(3).

وقال تعالى: «وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً»(4).

فَرُبَّ دَائِبٍ

من الدأب، والدائبان الليل والنهار.

مُضَيَّعٌ

يعني إذا كان الاجل ينقص دائما والعمل يحفظ كلّه فربّ ساع جاد يكون مضيعا لعمره وأيام مهلته، لأنه يجعل سعيه وجده في أمر دنياه الفانية، قال تعالى: «بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ * حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ * قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ»(5).


1) . مجموعة ورام: 78/1.

2) .القمر: 53.

3) .ق: 18.

4) .كهف: 49.

5) . المؤنون: 63 ـ 66.

وَرُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ

قال تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا»(1).

الكادح: الساعي الجاد، فإذا كان كدحه لغير عقباه يكون خاسرا قال تعالى: «يا

أَيُّهَا الاْءِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً * وَيَصْلى سَعِيراً * إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً(2).

قال ابن أبي الحديد: ومثل قوله عليه‏السلام: «فربّ دائب مضيع، وربّ كادح خاسر»

قول الشاعر:

إذا لم يكن عون من اللّه‏ للفتى *** فأكثر ما يجني عليه اجتهاده

و مثله:

إذا لم يكن عون من اللّه‏ للفتى *** أتته الرزايا من وجوه الفوائد(3)

و لكن لا ربط لهما بقوله عليه‏السلام هذا مطلقا، وإنّما هما نظير قوله: تذل الامور

للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير(4).

وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لاَ يَزْدَادُ فِيْهِ الْخَيْرُ إِلاّ إِدْبَاراً وَالشَّرُّ إِلاّ إِقْبَالاً

لأنّ من تقدم عليه من الثلاثة كانوا أهل دنيا، وربّوا الناس ـ لا سيما الأخير ـ


1) . الكهف: 103 ـ 104.

2) . الانشقاق: 6 ـ 15.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 245/8.

4) . نهج البلاغة فيض الإسلام: الحكمة 16.

بطريقة لم يتمكن هو عليه‏السلام من اصلاحهم لعدم بسط يده، وقيام طلحة والزبير وعائشة عليه في البصرة ومعاوية وباقي بني أميّة في الشام في قباله، فكان الخير يزداد ادبارا والشرّ إقبالا.

روى محمد بن يعقوب مسندا عن الأصبغ قال: أتى أمير المؤنين عليه‏السلامابن عمر وولد أبي بكر وسعد بن أبي وقّاص يطلبون منه التفضيل لهم، فصعد المنبر و قال: أيّها الناس لا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار وفجّروا الأنهار وركبوا أفره الدواب ولبسوا ألين الثياب فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إن لم يغفر لهم الغفار، إذا ما منعتهم ما كانوا فيه يخوضون وصيرتهم إلى ما يستوجبون فيفقدون ذلك فيسألون ويقولون: ظلمنا ابن أبي طالب وحرمنا ـ إلى أن قال ـ يسلط اللّه‏ عليكم قوما فينتقم لي منكم، فلا دنيا استمتعتم بها ولا آخرة صرتم إليها، فبعدا وسحقا لأصحاب السعير(1).

سنّ التفضيل لهم ـ على خلاف كتاب اللّه‏ تعالى وسنة رسوله ـ عمر ثم عثمان و عوّدهم عثمان الترف أيضا، فلم يرضوا بخلافته عليه‏السلام وتخلفوا عن نصرته، فعاقبهم اللّه‏ بالخلافة السفيانية ثم المروانية.

وفي (الطبري): قام الحسين عليه‏السلام بذي حسم ـ إلى أن قال ـ «ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤن في لقاء اللّه‏ محقا، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برما». فقام زهير وقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلّم قالوا: بل تكلّم. فقال: قد سمعنا يا ابن رسول اللّه‏ مقالتك، واللّه‏ لو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلدين الا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا


1) . الكافي: 360/8/ ح 551؛ بحار الأنوار: 203/34/ ح 984.

الخروج معك على الإقامة فيها. قال فدعا عليه‏السلام له خيرا(1).

وعن الباقر عليه‏السلام: إن الشمس لتطلع ومعها أربعة أملاك: ملك ينادي يا صاحب الخير أتم وأبشر، وملك ينادي يا صاحب الشر انزع وأقصر، وملك ينادي أعط منفقا خلفا وآت ممسكا تلفا، وملك ينضحها بالماء ولو لا ذلك اشتعلت الأرض(2).

هذا، وللخالدي في بغداد:

بغداد قد صار خيرها شرّا *** صيّرها اللّه‏ مثل سامرّا(3)

وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاسِ إِلاّ طَمَعاً

فكان من يوم رجمه طامعا في اهلاكهم حيث قال للّه‏ تعالى: «لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ

صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ»(4)وقال له أيضا:... «لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»(5)وقد قال تعالى: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤمِنِينَ»(6).

فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ

لمساعدة شياطين الانس له.


1) .تاريخ الطبري: 305/4.

2) . الكافي: 42/4/ ح 1؛ وسائل الشيعة: 547/21/ ح 27829 ـ 1.

3) . معجم الأدباء: 210/11 / ش 62.

4) . الأعراف: 16 ـ 17.

5) . الحجر: 39 ـ 40.

6) .سبأ: 20.

وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ

للعالم والجاهل والعام والخاص.

وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ

ولا سيّما بالنساء فإنهنّ فخّه، والنظر سهم مسموم من سهامه.

قال أبو الفرج الرستمي البغدادى: سمعت المحترق البصري يقول: رأيت إبليس في النوم فقلت: كيف رأيتنا عزفنا عن الدنيا ولذّاتها وأموالها فليس لك إلينا طريق فقال: كيف رأيت ما استملت فيه قلوبكم باستماع السماع ومن شره الاحداث(1).

وعن وهب بن منبه ان رجلا من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعا يفطر في كل سبعة أيام يوما وهو يسأل اللّه‏ تعالى أن يريه كيف يغوي الشيطان الناس، فلما أن طال ذلك عليه ولم يجب قال: لو أقبلت على خطيئتي وما بيني وبين ربي لكان خيرا لي، فأرسل تعالى إليه ملكا وقال: أرسلني تعالى إليك وهو يقول: ان كلامك هذا الذي تكلمت به أعجب إليّ ممّا مضى من عبادتك وقد فتح بصرك فانظر، فإذا أحبولة لإبليس قد أحاطت بالأرض وإذا ليس أحد من بني آدم إلاّ وحوله شياطين مثل الذباب، فقال: أي رب من ينجو من هذا قال: الورع اللين(2).

اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ

الطرف: العين، أى: استعمل عينك بقدر ما ترى من أطراف الأرض، قال شاعر:

أقلّب الطرف تصعيدا ومنحدرا *** فما أقابل إنساني بإنسان(3)


1) . تاريخ بغداد: 429/14.

2) .حلية الاولياء: 32/4.

3) . زهر الآداب وثمر الالباب: 492/2.

فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً

كأبي دلامة وامرأته أم دلامة، دخل الرجل على المهدي وقال له: ماتت امرأته و خلّفت صغارا، ودخلت المرأة على الخيزران وقالت لها: مات زوجها وخلّف صغارا، فأخذ كل منهما بهذا الكيد قدرا(1).

قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا معشر الفقراء اعطوا اللّه‏ الرّضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم(2).

وعن أمير المؤنين عليه‏السلام: «إنّ للّه‏ عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربّه ولا يشكو حاله ويشكر اللّه‏ على فقره، ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسيء عليه خلقه ويعصي به ربّه ويكثر الشكاية ويتسخّط بالقضاء»(3)

وفي الخبر: من فتح على نفسه باب مسألة، فتح اللّه‏ عليه باب فقر(4). وانه لو علم الناس ما في السؤل لما سأل أحد أحدا(5)، وإن من سأل وعنده قوت ثلاثة أيام لقي اللّه‏ يوم القيامة ولا لحم لوجهه(6). وان المؤن والشيعة لا يمكن أن يكونا من أهل السؤل. وقال المعرى:

قالوا فلان جيد فأجبتهم *** لا تكذبوا ما في البرية جيد

فغنيهم نال الغناء ببخله *** وفقيرهم بصلاته يتصيّد(7)


1) . الأغاني: 10/ 420 ـ 421.

2) .كنز العمال: 485/6/ ح 16655.

3) . المحجة البيضاء: 331/7.

4) .الكافي: 19/4/ ح 2.

5) . الكافي: 20/4/ ح 2.

6) .ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: 276.

7) . معجم الأدباء: 141/3.

أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه‏ِ كُفْراً

قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّه‏ِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرار»(1).

وقال تعالى: «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»(2).

وقال تعالى: «ولَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ»(3).

وقال تعالى: «فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّه‏ِ فَأَذاقَهَا اللّه‏ُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ»(4).

وقال تعالى: «... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ»(5).

قال عيسى عليه‏السلام: في المال ثلاث آفات: أن يأخذه من غير حلّه، فقيل: إن أخذه من حلّه، فقال: يضعه في غير حقّه، فقيل: إن وضعه في حقّه، فقال: يشغله إصلاحه عن اللّه‏ تعالى(6)

وعن النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطائب الدّنيا وألوانها، ويركبون فره الخيل وألوانها، وينكحون أجمل النّساء وألوانها ويلبسون أجمل الثّياب وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، وأنفس بالكثير لا تقنع، عاكفون على الدّنيا، يغدون ويروحون اليها، اتخذوها آلهة من دون إلههم، وربّا دون ربّهم، إلى أمرها ينتهون، ولهواهم يتّبعون، فعزيمة من محمّد بن عبد اللّه‏ لمن أدرك ذلك الزّمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أن لا يسلّم عليهم ولا يعود مرضاهم، ولا يتّبع


1) . ابراهيم: 28 ـ 29.

2) . الواقعة: 82.

3) . الرعد: 11.

4) . النحل: 112.

5) . ابراهيم: 7.

6) . مجموعة ورام: 162/1.

جنائزهم، ولا يوقّر كبيرهم، فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام(1)

أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللّه‏ِ وَفْراً

قال اللّه‏ سبحانه: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّه‏ُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَة»(2).

عن الصادق عليه‏السلام: من منع حقّا للّه‏ عزّ وجلّ أنفق في باطل مثليه(3).

وعن الباقر عليه‏السلام: ان اللّه‏ تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم، مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيد أنملة، معهم ملائكة يعيّرونهم تعييرا شديدا، يقولون: هؤاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤاء الذين أعطاهم اللّه‏ فمنعوا حق اللّه‏ في أموالهم(4).

وعن الصادق عليه‏السلام في قوله تعالى سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ(5)ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلاّ جعل اللّه‏ عزّ وجلّ ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار، مطوقا في عنقه، ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب(6).

وعنه عليه‏السلام: ما أدّى أحد الزكاة فنقصت من ماله، ولا منعها أحد فزادت في ماله(7).


1) . احياء العلوم: 6/10.

2) . آل عمران: 180.

3) .الكافي: 506/3/ ح21؛ وسائل الشيعة: 43/9/ ح 11480 ـ 2.

4) . الكافي: 506/3 / ح 22؛ بحار الأنوار: 197/7/ ح 68.

5) . آل عمران : 180 .

6) . الكافي: 502/3/ ح 1؛ بحار الأنوار: 196/7/ ح 66.

7) .الكافي: 504/3/ ح 6؛ وسائل الشيعة: 23/9/ ح 11425 ـ 6.

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَالٌ لاَ يُزَكَّى(1).

وعن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: ما محق الإسلام محق الشح شيء. ثم قال: إنّ لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل، وشعبا كشعب الشوك(2).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام: إِذَا لَمْ يَكُنْ للّه‏ِِ فِي عَبْدٍ حَاجَةٌ ابْتَلاَهُ بِالْبُخْلِ(3).

وعَنْ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم‏السلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّه‏ِ عَلَيْهِ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ إِنَّ الشَّحِيحَ أَغْدَرُ مِنَ الظَّالِمِ فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ إِنَّ الظَّالِمَ قَدْ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَرُدُّ الظُّلاَمَةَ عَلَى أَهْلِهَا وَالشَّحِيحُ إِذَا شَحَّ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالنَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ وَأَبْوَابَ الْبِرِّ وَحَرَامٌ عَلَى الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَهَا شَحِيحٌ(4).

أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً

أى: ثقلا، قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤمِنُوا»(5).

وقال أبو ذر: بشّر المتكبّرين بكيّ في الصدور، وسحب على الظهور(6).

أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَصُلَحَاؤكُمْ

لبعضهم:


1) . الكافي: 504/3/ ح 8؛ وسائل الشيعة 23/9/ ح 11423 ـ 4.

2) .الكافي: 45/4/ ح 5.

3) . الكافي: 44/4/ ح 2؛ وسائل الشيعة 37/9/ ح 11464 ـ 7.

4) .الكافي: 44/4/ ح 1؛ وسائل الشيعة: 35/9/ ح 11458 ـ 1.

5) . الأنعام: 111.

6) . تفسير القمي: 141/2 ـ 142.

ذهب الرجال فما أحسّ رجالا *** وأرى الإقامة بالعراق ضلالا(1)

وَأَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤكُمْ

أى: أجوادكم.

وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه‏السلام إِنَّ اللّه‏َ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلاً مِنْ خَلْقِهِ حَبَّبَ إِلَيْهِمْ فَعَالَهُ وَوَجَّهَ لِطُلاّبِ الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِمْ وَيَسَّرَ لَهُمْ قَضَاءَهُ كَمَا يَسَّرَ الْغَيْثَ لِلْأْرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُحْيِيَهَا وَيُحْيِيَ بِهِ أَهْلَهَا وَإِنَّ اللّه‏َ جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَعْدَاءً مِنْ خَلْقِهِ بَغَّضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ وَبَغَّضَ إِلَيْهِمْ فَعَالَهُ وَحَظَرَ عَلَى طُلاّبِ الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِمْ وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ كَمَا يُحَرِّمُ الْغَيْثَ عَلَى الْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُهْلِكَهَا وَيُهْلِكَ أَهْلَهَا(2).

وقال الأصمعى: مرّ أسماء بن خارجة الفزاري على الفرزدق ـ وهو يهنا(3)بعيرا له لنفسه ـ فقال له: يا فرزدق كسد شعرك واطرحتك الملوك فصرت إلى مهنة إبلك فقد أمرت لك بمائة بعير. فقال الفرزدق يمدحه: الأبيات(4).

وقال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن أبي موسى فأنشده قصيدة. فقال له بلال: هلكت واللّه‏ أين مثل شعرك في سعيد والعباس بن الوليد ـ وسمّى قوما آخرين ـ فقال: جئني بحسب مثل أحسابهم حتى أقول فيك كقولي فيهم، فغضب بلال حتى دعى له بطشت فيه ماء بارد فوضع يده فيه حتى سكن(5).


1) . تاريخ بغداد: 328/6.

2) .الكافي: 25/4/ ح 2؛ بحار الأنوار: 419/71/ ح 45.

3) . يهنأ بعيرا : يطليه بالهناءة ، وهي القار .

4) .الأغاني: 237/21.

5) . الأغاني: 238/21.

وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي هَذِهِ الْمَكَاسِبُ الْحَرَام وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ وَالرِّبَا.(1)

وقال الصادق عليه‏السلام: إذا اكتسب الرجل مالا من غير حلّه ثم حجّ فلبّى، نودي «لا لبيك ولا سعديك»، وإن كان من حله فلبّى، نودي «لبيك وسعديك»(2).

وقال الصادق عليه‏السلام: كسب الحرام يبين في الذرية(3)،(4).

وقال عليه‏السلام في قوله تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً(5)فقال: ان كانت أعمالهم لأشد بياضا من القباطي(6).

فيقول تعالى لها: كوني هباء، وذلك انهم إذا شرع لهم الحرام أخذوه(7).

وقالت أخت بشر الحافي لأحمد بن حنبل: إنّا نغزل بالليل ومعاشنا منه، وربما يمرّ بنا مشاعل بني طاهر ـ ولاة بغداد ـ ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين أ فتحله لنا أم تحرمه فقال: لا عدمتكم يا آل بشر، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم(8).


1) . الكافي: 124/5/ ح 1؛ وسائل الشيعة: 81/17/ ح 22041 ـ 1.

2) .الكافي: 124/5/ ح 3؛ وسائل الشيعة: 89/17/ ح 22052 ـ 3.

3) . أي أثره من الفقر وسوء الحال. آت

4) . الكافي: 125/5/ ح 4؛ وسائل الشيعة: 82/17/ ح 22043 ـ 3.

5) . الفرقان: 23.

6) .القبطية: ثياب رقاق شديد البياض من كتان يعمل بمصر. وشرع الباب: فتحه.

7) . الكافي: 126/5/ ح 10؛ بحار الأنوار: 205/7/ ح 92.

8) .حلية الاولياء: 353/8.

وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ

قيل للصادق عليه‏السلام: فلان وفلان وفلان يسألونك الدعاء. فقال: وما لهم. قيل: حبسهم المنصور. فقال: وما لهم وما له قيل: استعملهم فحبسهم. فقال: وما لهم و له، أ لم أنههم أ لم أنههم أ لم أنههم هم النار. هم النار. هم النار. ثم قال: اللّهم اجدع عنهم سلطانه. قال ابن مهاجر: فانصرفنا عن مكة فسألنا عنهم فإذا هم قد أخرجوا بعد ذلك الكلام بثلاثة أيام(1).

وقال الصادق عليه‏السلام ـ بعد ذكر سؤل زرارة عن الدخول في أعمال الظلمة ـ: متى كانت الشيعة تسأل عن أعمالهم إنما كانت الشيعة تقول: نأكل من طعامهم ونشرب من شرابهم ونستظل بظلهم، متى كانت الشيعة تسأل عن هذا(2).

وحكى بعض أصحابنا أنّ صفوان بن يحيى كلفه رجل حمل دينارين إلى أهله بالكوفة، فقال: إن جمالي مكرية وأنا أستأذن الاجراء(3).

أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ

الظعن في مقابل الإقامة، قال تعالى: «وَاللّه‏ُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُم»(4).

وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ

أى: المكدّرة العيش.


1) . الكافي: 107/5/ ح 8؛ بحار الأنوار: 158/47/ ح 225.

2) .الكافي: 105/2/ ح 2؛ بحار الأنوار: 383/72/ ح 4.

3) . رجال النجاشى: 197.

4) .النحل: 80.

وَهَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاّ فِي حُثَالَةٍ

الحثالة: كأنه الرديء من كل شيء(1)، ولأبي الأسود:

ذهب الرّجال المقتدى بفعالهم *** والمنكرون لكل أمر منكر

وبقيت في خلف يزكّي بعضهم *** بعضا ليدفع معور عن معور(2)

وللببغاء:

وشاع البخل في الأشياء حتى *** يكاد يشح بالريح الهبوب

فكيف نخص باسم العيب شيئا *** وأكثر ما نشاهده معيب(3)

ولعبد الحميد الكاتب:

ترحّل ما ليس بالقافل *** وأعقب ما ليس بالزائل

فلهفي على الخلف النازل *** ولهفي على السلف الراحل

أبكي على ذا وأبكي لذا *** بكاء مولّهة ثاكل

تبكي من ابن لها قاطع *** وتبكي على ابن لها واصل

فليست تفتر عن عبرة *** لها في الضمير ومن هائل(4)

وللبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

يتأكّلون مغالة(5)وخيانة *** ويعاب قائلهم وان لم يشغب(6)

وقال البحترى:


1) . الصحاح: 1669/4.

2) . معجم الأدباء: 38/12.

3) . تاريخ بغداد: 12/11.

4) . تاريخ الطبرى: 26/5.

5) . مغالة، أي اغتيالا.

6) . الأغاني: 47/17.

وخلّفني الزمان على أناس *** وجوههم وأيديهم حديد

لهم حلل حسنّ فهنّ بيض *** وأخلاق سمجن فهن سود

وأخلاق البغال فكل يوم *** يعنّ لبعضهم خلق جديد

وأكثر ما لسائلهم لديهم *** إذا ما جاء قولهم تعود

ووعد ليس يعرف من عبوس *** انقباضهم أوعد أو وعيد

أناس لو تأمّلهم لبيد *** بكى الخلف الذي يشكو لبيد(1)

ولبعضهم في قتل ابن حازم:

فقد بقيت كلاب نابحات *** وما في الأرض بعدك من زئير(2)

ولبعضهم:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وهم الكرام السادة الأشراف

وبقيت في خلف كأن وجوههم *** خبز الشعير إذا علاه جفاف(3)

أيضا:

زماني كله ضيم وضير *** وناس كلهم ديم ودام

وما فيهم سوى نحر لئيم *** شحاح الزند ما فيه ضرام

وأعراض لها جيها حلال *** وأموال لراجيها حرام(4)

أيضا:

فسد الزمان فما ترى *** إلاّ ذبابا أو دبابا

هذا يصول وان يصب *** لم يأل عقرا وانتهابا


1) . ديوان البحترى: 12/2 ـ 13.

2) . تاريخ الطبري: 23/5.

3) . يتيمة الدهر: 283/5/ ش 172.

4) . يتيمة الدهر: 246/5.

ويحوم ذاك على أذاك *** فلا تزال به مصابا(1)

وقال أبو ذر: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه(2).

عن الشافعي قال: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء، فولد لبعضهم ولد. قال: فجئت إليه فقلت: ولد لي مولود وليس معي شيء. فقام معي ودخل على جماعة فلم يفتح عليه بشيء، فجاء إلى قبر رجل كان يعرفه وجلس عنده، وقال: رحمك اللّه‏ كنت تفعل وتصنع، واني درت اليوم وطلبت جماعة في شيء لمولود فلم يتفق لي شيء. ثم قام وأخرج دينارا فكسره نصفين وناولني نصفه، وقال: هذا دين عليك إلى أن يفتح اللّه‏ لك بشيء، فأخذته وانصرفت وأصلحت ما اتفق لي به، فرأى تلك الليلة ذلك الشخص صاحب القبر في منامه، وهو يقول: قد سمعت جميع ما قلت وليس لنا إذن في الجواب، ولكن احضر منزلي وقل لأولادي يحفرون مكان الكانون ويخرجون قربة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل، فلما كان من الغد تقدّم إلى منزل الميت وقصّ القصة فقالوا له: اجلس، وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاؤوا بها فوضعوها بين يديه. فقال: هذا ما لكم. فقالوا: هو يتسخّى ميتا ونحن لا نتسخّى أحياء واللّه‏ لا تمسّكنا منها بشيء، فلما ألحّوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة، فأخذ منها دينارا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه، وحمل النصف الآخر وقال: هذا يكفيني. وتصدق بالباقي على الفقراء(3).


1) . يتيمة الدهر: 279/5.

2) . البيان والتبيين: 311.

3) .المستجاد من فعلات الاجواد التنوخى، المحسن بن على: 51.

لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ

للبحتري في ابن الجرجانى:

وأثقل من أهجو علي مغمر *** أظل باسفا في هجوه أهجى(1)

قيل لأبي العيناء: (هل) بقي من يلقى قال: نعم في البئر(2).

قلت: حمل (يلقى) المجهول من اللقاء على الالقاء، ولبعضهم:

أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه *** والمدح عنك ـ كما علمت ـ جليل

فاذهب فأنت عتيق عرضك إنه *** عرض عززت به وأنت ذليل(3)

و لآخر:

اللؤ أكرم من وبر ووالده *** واللؤ اكرم من وبر وما ولدا

قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا *** من لؤ أحسابهم أن يقتلوا قودا(4)

أيضا:

لو كان يخفى على الرحمن خافية *** من خلقه خفيت عنه بنو اسد(5)

وفي (كنايات الجرجانى): تعرّض رجل لموسى بن عبد اللّه‏ الحسني وسبّه، فقال موسى متمثلا:

تمنت ـ وذاكم من سفاهة رأيها *** لا هجوها لما هجتني ـ محارب

معاذ الإله إنّني بعشيرتي *** ونفسي عن ذاك المقام لراغب(6)


1) . ديوان البحترى: 84/2

2) . الاذكياء لابن الجوزى: 112.

3) . الأمالي الشريف المرتضى: 488/1.

4) . نهاية الارب: 276/3.

5) . الأغاني: 295/12.

6) . الأغاني: 552/2 وتاريخ دمشق لابن عساكر: 452/60.

هذا، وحيث إنّ الانسان قد لا يذم الخصم المذموم لرذالته واقعا، قد يترك ذم الخصم الشريف بادّعاء أنّه رذل، فقالوا: كان مالك بن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي والورد بن عبد اللّه‏ السعدي ممّن خرجا مع يزيد بن المهلّب على يزيد بن عبد الملك، وكان الورد خرج مع ابن الأشعث أيضا، فطلبا الأمان من مسلمة بن عبد الملك أمير جيش أخيه، فاستشفع للورد ابن اخي مسلمة وختنه وأوقفه عنده للعفو، فشتمه مسلمة، فقال: صاحب خلاف وشقاق، ونفاق ونفار في كل فتنة، مرّة مع حائك كندة، ومرّة مع ملاح الأزد، ما كنت بأهل أن تؤن. ثم قال له: انطلق. واستشفع ابن رستم الحضرمي لابن الاشتر، فأوقفه بين يديه وقال له: هذا مالك بن إبراهيم بن مالك الأشتر. فقال له مسلمة: انطلق. فقال له ابن رستم: لم لا تشتمه كما شتمت صاحبه. قال: أجللتكم عن ذلك وكنتم أكرم عليّ من أصحاب الآخر وأحسن طاعة. قال ابن رستم لمسلمة: فإنّه أحبّ إلينا أن تشتمه، فهو واللّه‏ أشرف أبا وجدّا من الورد وأسوأ أثرا في أهل الشام منه. فكان ابن رستم يقول بعد أشهر: ما تركه إلاّ حسدا. من أن يعرف صاحبنا فأراد ان يرينا أنه قد حقره(1).

فَإِنَّا للّه‏ِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ

هذا الاسترجاع في غاية الارتفاع هنا، لأنّه دالّ بالالتزام على أن صيرورة الناس الأحياء إلى كذا وكذا مصيبة معنوية عظيمة جدا، وينبغي الاسترجاع منها.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ

قال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إنّ قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا فصار لكل رجل منهم


1) .تاريخ الامم والملوك الطبري: 601/6.

موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع فقال: هو مكاني، أصنع فيه ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا(1).

وقام الحسين عليه‏السلام بذي حسم فقال: أ لا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤن في لقاء اللّه‏ محقا فإنّي لا أرى الموت إلاّ شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برما»(2).

وخطب الحسين عليه‏السلام أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة فقال: أيها الناس إنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه‏، ناكثا لعهد اللّه‏، مخالفا لسنّة رسوله، يعمل في عباده بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّا على اللّه‏ أن يدخله مدخله. ألا وإنّ هؤاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام اللّه‏ وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيّر، وقد أتتني كتبكم ورسلكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن عليّ وبن فاطمة بنت رسول اللّه‏، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنّما ينكث على نفسه...(3).

وروى بعض المقاتل: أنه عليه‏السلام كتب بهذا إلى سليمان بن صرد وجماعة معه كانوا كتبوا إليه دعوة(4).


1) .البيان والتبيين: 225.

2) . تاريخ الطبري: 305/4.

3) .تاريخ الطبري: 304/4.

4) . بحار: 381/44 ـ 382.

وَلاَ زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ

ازدجر: يأتي لازما ومتعديا، وهنا لازم ففي (الصحاح) الزجر المنع والنهي، يقال زجره وازدجره فانزجر وازدجر(1).

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‏السلام يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يَقُولُ إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللّه‏ِ تَعَالَى(2).

وعَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهِ وَآلِهِ قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَ نِسَاؤكُمْ وَفَسَقَ شُبَّانُكُمْ، وَلَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟!» فَقِيلَ لَهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ، يَا رَسُولَ اللّه‏ِ؟! قَالَ: «نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّه‏ِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ؟! قَالَ: «نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟!»(3)

أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللّه‏َ فِي دَارِ قُدْسِهِ وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ كاليهود الذين كانوا يقولون: نحن أولياء اللّه‏ وأحباؤ.

قال يحيى بن معاذ: عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات، أنت سكران بغير شراب(4).


1) .الصحاح: 668/2.

2) . الكافي: 59/5/ ح 13؛ بحار الأنوار: 92/97/ ح 84.

3) . قرب الاسناد ط الحديثة: 54/ ح 178؛ بحار الأنوار: 181/52/ ح 2.

4) . تاريخ بغداد: 213/14.

هَيْهَاتَ لاَ يُخْدَعُ اللّه‏ُ عَنْ جَنَّتِهِ

قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّه‏ُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ»(1)

وقال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّه‏ِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّه‏ِ قَرِيبٌ»(2).

وَلاَ تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلاّ بِطَاعَتِهِ

قال تعالى: «وَإِنْ تُطِيعُوا اللّه‏َ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً»(3).

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لَيْسَ الاْءِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلاَ بِالتَّمَنِّي وَلَكِنَّ الاْءِيمَانَ مَا خَلُصَ فِي الْقُلُوبِ وَصَدَّقَهُ الْأَعْمَالُ(4).

لَعَنَ اللّه‏ُ الآْمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ

لأنّ الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر إنّما هو بعد الاتيان بالأوّل والانتهاء عن الثاني، قال اللّه‏ تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّه‏ِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ»(5).

وقال تعالى: «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ»(6).


1) . آل عمران: 142.

2) . البقرة: 214.

3) . الحجرات: 14.

4) . معانى الأخبار: 187/ ح 3؛ بحار الأنوار: 72/66/ ح 26.

5) .الصف: 2 3.

6) .البقرة: 44.

وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه

قال تعالى: «قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً»(1).

عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يجاء بالأمير يوم القيامة فيلقى في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار بطاحونته، فيقال له: أ لم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر قال: بلى، ولكن لم اكن (لا) أفعله(2).

نبذ من أقوال الحكماء والصالحين

قال بعض الصالحين: ما أدري كيف أعجب من الدنيا أ من حسن منظرها وقبح مخبرها أم من ذم الناس لها وتناحرهم عليها.

قيل لبعضهم: كيف أصبحت قال آسفا على أمسي كارها ليومي متهما لغدي.

قيل لأعرابي: كيف ترى الدهر؟ قال خدوعا خلوبا وثوبا غلوبا.

قيل لآخر: لم تركت الدنيا؟ قال لأني منعت صفوها وامتنعت من كدرها.

قرير العين لا ولد يموت *** ولا حذر يبادر ما يفوت

رخي البال ليس له عيال *** خلي من حربت ومن دهيت

قضى وطر الصبا وأفاد علما *** فعاتبه التفرد والسكوت

وأكبر همه مما عليه *** تذابح من ترى خلق وقوت.

قصر الجديد إلى بلى *** والوصل في الدنيا انقطاعه

أي اجتماع لم يعد *** بتفرق منها اجتماعه

أم أي شعب ذي التئام *** لم يبدده انصداعه


1) . هود: 88.

2) .حلية الاولياء: 112/4.

أم أي منتفع بشيء *** ثم تم له انتفاعه

يا بؤ للدهر الذي *** ما زال مختلفا طباعه

قد قيل في مثل خلا *** يكفيك من شر سماعه

ومن كلام بعض الحكماء الفصحاء كن لنفسك نصيحا واستقبل توبة نصوحا وازهد في دار سمها ناقع وطائرها واقع وارغب في دار طالبها منجح وصاحبها مفلح ومتى حققت وآثرت الصدق بان لك أنهما لا يجتمعان وأنهما كالضدين لا يصطلحان فجرد همك في تحصيل الباقية فإن الأخرى أنت فان عنها وهي فانية عنك وقد عرفت آثارها في أصحابها ورفقائها وصنعها بطلابها وعشقائها معرفة عيان فأي حجة تبقى لك وأي حجة لا تثبت عليك.

ومن كلام هذا الحكيم فإنا قد أصبحنا في دار رابحها خاسر ونائلها قاصر وعزيزها ذليل وصحيحها عليل والداخل إليها مخرج والمطمئن فيها مزعج والذائق من شرابها سكران والواثق بسرابها ظمآن ظاهرها غرور وباطنها شرور وطالبها مكدود وعاشقها مجهود وتاركها محمود العاقل من قلاها وسلا عنها والظريف من عافها وأنف منها والسعيد من غمض بصره عن زهرتها وصرفه عن نضرتها وليس لها فضيلة إلا دلالتها على نفسها وإشارتها إلى نقصها ولعمري إنها لفضيلة لو صادفت قلبا عقولا لا لسانا قئولا وعملا مقبولا لا لفظا منقولا فإلى اللّه‏

الشكوى من هوى مطاع.

وقيل: مثل الرجل في الدنيا مثل رجل له ثلاثة خلان قال له أحدهم أنا خازنك خذ مني ما شئت فاعمل به ما شئت وقال الآخر أنا معك أحملك وأضعك فإذا مت تركتك وقال الآخر أنا أصحبك أبدا حياتك وموتك فأما الأول فماله وأما الثاني

فعشيرته وأما الثالث فعمله.

وقال آخر: لا يكون الرجل عاقلا حتى تكون فيه عشر خصال يكون الكبر منه مأمونا والخير منه مأمولا يقتدي بمن قبله ويكون إماما لمن بعده وحتى يكون الذل في طاعة اللّه‏ أحب إليه من العز في معصية اللّه‏ وحتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام وحتى يكون عيشه القوت وحتى يستقل الكثير من عمله ويستكثر القليل من عمل غيره وحتى لا يتبرم بطلب الحوائج قبله والعاشرة و ما العاشرة بها شاد مجده وعلا ذكره أن يخرج من بيته فلا يستقبله أحد من الناس إلا رأى أنه دونه.

وقال آخر: كان عندنا بالبصرة جندي عابد فأحب الغزو فلما خرج شيعته فقلت أوصني فقال أوصيك بتقوى اللّه‏ وأوصيك بالقرآن فإنه نور الليل المظلم وهدى النهار المشرق فاعمل به على ما كان من جهد وفاقة فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك فإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك واعلم أن المحروب من حرب دينه والمسلوب من سلب يقينه إنه لا غنى مع النار ولا فقر مع الجنة وإن جهنم لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها.

ابن المبارك: كان فيما مضى جبار يقتل الناس على أكل لحوم الخنازير فلم يزل الأمر يترقى حتى بلغ إلى عابد مشهور فأراده على أكلها وهدده بالقتل فشق ذلك على الناس فقال له صاحب شرطته إني ذابح لك غدا جديا فإذا دعاك هذا الجبار لتأكل فكل فإنما هو جدي فلما دعاه ليأكل أبى أن يأكل فقال أخرجوه واضربوا عنقه فقال له الشرطي ما منعك أن تأكل من لحم جدي قال إني رجل منظور إلي

وإني كرهت أن يتأسى بي الناس في معاصي اللّه‏ فقدمه فقتله(1).

وقال الرضي رحمه اللّه‏ تعالى:

متوسدين على الخدود كأنما *** كرعوا على ظمإ من الصهباء

صور ضننت على العيون بحسنها *** أمسيت أوقرها من البوغاء(2)

ونواظر كحل التراب جفونها***قد كنت أحرسها من الأقذاء

قربت ضرائحهم(3)على زوارها***ونأوا عن الطلاب أي تناء(4)


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 247/8 250.

2) . البوغاء: التربة الرخوة.

3) . الضرائح: جمع ضريح؛ وهو القبر.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 234/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (130) ومن كلام له عليه السلام:

اشارة

لأبي ذرّ رحمه اللّه‏ لما اخرج إلى الرّبذة: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ للّه‏ِِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ ـ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ ـ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ ـ وَاهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ ـ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ـ وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ـ وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً ـ وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ـ ثُمَّ اتَّقَى اللّه‏َ لَجَعَلَ اللّه‏ُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً ـ لاَ يُؤنِسَنَّكَ إِلاّ الْحَقُّ ـ وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاّ الْبَاطِلُ ـ فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ ـ وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوك.

قال ابن أبي الحديد: روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في (سقيفته) عن عبد الرزّاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: لمّا أخرج أبو ذرّ إلى الربذة أمر عثمان، فنودي في الناس أن لا يكلّم أحد أبا ذرّ، ولا يشيّعه.

وأمر مروان أن يخرج به فخرج به، وتحاماه الناس إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام وعقيلا أخاه، والحسن والحسين عليهماالسلام وعمّارا، فإنّهم خرجوا معه يشيّعونه، فجعل الحسن عليه‏السلام يكلّم أبا ذرّ، فقال له مروان: ألا تعلم أنّ الخليفة قد نهى عن كلام هذا الرجل فإن كنت لا تعلم ذلك فاعلم. فحمل عليّ عليه‏السلام على مروان بالسوط بين اذني

راحلته، وقال له: تنحّ نحّاك (لحاك) اللّه‏ إلى النّار فرجع مروان مغضبا إلى عثمان، فأخبره الخبر، فتلظّى على عليّ عليه‏السلام. و وقف أبو ذرّ فودّعه القوم، ومعه ذكوان مولى امّ هاني بنت أبي طالب.

قال ذكوان: فحفظت كلام القوم ـ وكان حافظا ـ فقال له علىّ: يا أبا ذرّ، إنّك غضبت للّه‏. أنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى، ونفوك إلى الغلى (الفلا)، لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا، ثمّ اتّقى اللّه‏ لجعل اللّه‏ له منها مخارجا. يا أبا ذرّ لا يؤسنّك إلاّ الحقّ، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل.

ثمّ قال لأصحابه: ودّعوا عمّكم. وقال لعقيل: ودّع أخاك. فتكلّم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذرّ وأنت تعلم أنّا نحبّك، وأنت تحبّنا، واتّق اللّه‏ فإنّ التقوى نجاة، واصبر فإنّ الصبر كرم، واعلم أنّ استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.

ثمّ تكلّم الحسن عليه‏السلام فقال: يا عمّاه لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت و (لا بدّ ـ ظ) للمشيّع أن ينصرف، لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك (همّ ـ ظ) الدنيا بتذكّر فراقها، وشدّه ما اشتدّ منها برخاء (برجاء) ما بعدها، واصبر حتّى تلقى نبيّك وهو عنك راض.

ثمّ تكلّم الحسين عليه‏السلام فقال: يا عمّاه، إنّ اللّه‏ تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى، واللّه‏ كلّ يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل اللّه‏ تعالى الصبر والنصر، واستعذ به من الجشع والجزع، فإنّ الصبر من الدين والكرم، وإنّ الجشع لا يقدّم رزقا، والجزع لا يؤّر أجلا.

ثمّ تكلّم عمّار رضي اللّه‏ عنه مغضبا فقال: لا آنس اللّه‏ من أوحشك، ولا آمن من أخافك. أما واللّه‏ لو أردت دنياهم لأمّنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدّنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

فبكى أبو ذرّ وكان شيخا كبيرا، وقال: رحمكم اللّه‏ يا أهل بيت الرحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين، فافسد الناس عليهما، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ اللّه‏، واللّه‏ ما اريد إلاّ اللّه‏ صاحبا، وما أخشى مع اللّه‏ وحشة.

ثمّ رجعوا إلى المدينة، فقال عثمان لعليّ عليه‏السلام: ما حملك على ردّ رسولي، وتصغير أمري فقال: أمّا رسولك، فأراد أن يردّ وجهي فرددته. قال: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذرّ قال: أو كلّما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه قال: أقد مروان. قال: ممّ قال: من شتمه وجذب راحلته. قال: أمّا راحلته فراحلتي بها، وأما شتمه إيّاي، فو اللّه‏ لا شتمني شتمة إلاّ شتمتك مثلها، ولا أكذب عليك.

فغضب عثمان، وقال: لم لا يشتمك، كأنّك خير منه قال عليّ عليه‏السلام: أي و اللّه‏ ومنك. ثمّ قام فخرج ـ إلى أن قال ـ: فقالت قريش وبنو اميّة لمروان: أ أنت رجل جبهك علي، وضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان وعبس في فرس، والأوس والخزرج في نسعة أ فتحمل لعليّ ما أتاه إليك فقال مروان: واللّه‏ لو

أردت ذلك لما قدرت عليه(1).

ورواه محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابه، عن سهل الآدميّ، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن حفص التميمي، عن أبي جعفر الخثعميّ قال: لمّا سيّر عثمان أبا ذرّ إلى الربذة شيّعه أمير المؤنين عليه‏السلام وعقيل والحسنان عليهماالسلام و عمّار، فلمّا كان عند الوداع قال عليه‏السلام له: يا أبا ذرّ، إنّما غضبت للّه‏ عزّ وجلّ، فارج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فأرحلوك عن الفناء(2)

فناء الدار: ما امتد من جوانبها والمراد إمّا فناء دارهم أو دارك أو دار رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله. آت

وامتحنوك بالبلاء وو اللّه‏ لو كان السماوات والأرض على عبد رتقا ثمّ اتّقى اللّه‏ جعل اللّه‏ له منها مخرجا، فلا يؤسنّك (يونسك) إلاّ الحقّ، ولا يوحشنّك (يوحشك) إلاّ الباطل.

ثمّ تكلّم عقيل فقال: يا أبا ذرّ، أنت تعلم أنّا نحبّك، ونحن نعلم أنّك تحبّنا، فإنّك قد حفظت منّا (فينا) ما ضيّع الناس إلاّ القليل، فثوابك على اللّه‏ عزّ وجلّ، ولذلك

أخرجك المخرجون وسيّرك المسيّرون، فاتّق اللّه‏، واعلم أنّ استثقالك (استعفاءك) البلاء من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع و قل: حسبي اللّه‏ ونعم الوكيل.

ثمّ تكلّم الحسن عليه‏السلام فقال: يا عمّاه، إنّ القوم قد أتوا إليك ما ترى، وإنّ اللّه‏ عزّ وجلّ بالمنظر الأعلى(3)، فدع عنك ذكر الدّنيا بذكر فراقها، وشدّة ما يرد عليك


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 252/8 255.

2) .

3) . أي مشرف على جميع الخلق وهو كناية عن علمه بما يصدر عنهم وأنّه لا يعزب عن علمه شيء من أمورهم. آت

لرخاء ما بعدها، واصبر حتّى تلقى نبيّك صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو عنك راض.

ثمّ تكلّم الحسين عليه‏السلام فقال: يا عمّاه، إنّ اللّه‏ تعالى قادر على أن يغيّر ما ترى وهو كلّ يوم في شأن(1)، إنّ القوم منعوك دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمّا منعوك، وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك بالصبر وإنّ الخير في الصبر، والصبر من الكرم، ودع الجزع فإنّ الجزع لا يغنيك.

ثمّ تكلّم عمّار رضي اللّه‏ عنه فقال: يا أبا ذرّ، أوحش اللّه‏ من أوحشك، وأخاف من أخافك، إنّه واللّه‏ ما منع الناس أن يقولوا الحقّ إلاّ الركون إلى الدّنيا والحبّ لها، ألا إنّما الطاعة مع الجماعة(2)، والملك لمن غلب عليه، وإنّ هؤاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدّنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

ثمّ تكلّم أبو ذرّ فقال: عليكم منّي السلام ورحمة اللّه‏ وبركاته، بأبي وامّي هذه الوجوه، فإنّي إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، ومالي بالمدينة شجن(3)ولا سكن غيركم، وإنّه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى(4)أن يسيّرني إلى بلدة، فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنّه يخاف أن افسد على أخيه(5)الناس بالكوفة، وآلى باللّه‏ أن يسيّرني إلى بلدة لا


1) . أي في خلق وتقدير وتغيير وقضاء حاجة ودفع كربة ورفع قوم ووضع آخرين ورزق وتربية و سائر ما يتعلق بقدرته وحكمته تعالى والغرض تسلية أبى ذر بأنّه يمكن أن يتغير الحال. آت

2) . أكثر الناس يتبعون الجماعات وإن كانوا على الباطل؛ على وفق الفقرة التالية. آت

3) . الشجن ـ بالتحريك ـ: الحاجة.

4) . «فآلى» أي حلف.

5) . يعني الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه وكان عثمان ولاه الكوفة وذكر الزمخشريّ وغيره أنه صلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعا وقال: هل أزيدكم. آت

أرى بها أنيسا ولا أسمع لها حسيسا(1).وإنّي واللّه‏ ما اريد إلاّ اللّه‏ عزّ وجلّ صاحبا ومالي مع اللّه‏ وحشة حَسْبِيَ اللّه‏ُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(2).

ومن كلام له عليه السلام لأبي ذرّ رحمه اللّه‏ لما اخرج إلى الرّبذة

الربذة من قرى المدينة على ثلاثة إيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت في فيد تريد مكة، وبها قبر ابي ذر(3).

قال ابن أبي الحديد: اعلم أنّ الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل، أنّ عثمان نفى أبا ذرّ أوّلا إلى الشام، ثمّ استقدمه إلى المدينة لمّا شكا منه معاوية، ثمّ نفاه من المدينة إلى الربذة لمّا عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام.

وأصل هذه الواقعة أنّ عثمان لمّا أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، و اختصّ زيد بن ثابت بشيء منها، جعل أبو ذرّ يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشّر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى:... «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ»(4).

فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت.

ثمّ إنّه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عمّا بلغني عنك. فقال أبوذرّ: أ ينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه‏ فو اللّه‏ لأن أرضي اللّه‏ بسخط عثمان أحبّ إليّ من أن اسخط اللّه‏ برضا عثمان.


1) .الحسيس: الصوت الخفى.

2) . الكافي: 206/8 208 / ح 251.

3) . معجم البلدان: 24/3.

4) .التوبة: 34.

فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر وتمالك (تماسك) ـ إلى أن قال عثمان يوما، والناس حوله: أ يجوز للإمام أن يأخذ من بيت المال شيئا قرضا، فإذا أيسر قضى فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذرّ: يا بن اليهوديّين، أ تعلّمنا ديننا فقال عثمان: قد كثر أذاك لي، وتولّعك بأصحابي، الحق بالشام. فأخرجه إليها.

فكان أبو ذرّ ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوما ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذرّ لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا أقبلها، و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردّها عليه.

ثمّ بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذرّ: يا معاوية، إن كانت هذه من مال اللّه‏ فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف. وكان أبو ذرّ يقول بالشام: واللّه‏

لقد حدثت أعمال ما أعرفها، واللّه‏ ما هي في كتاب اللّه‏ ولا سنّة نبيّه، واللّه‏ إنّي لأرى حقّا يطفأ وباطلا يحيا، وصادقا مكذّبا، وإمرة (أثرة) بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.

فقال حبيب بن مسلمة الفهريّ لمعاوية: إنّ أبا ذرّ لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة(1).

وقال ابن أبي الحديد أيضا: روى شيخنا الجاحظ في (سفيانيّته) عن جلاّم بن جندل الغفاريّ، قال: كنت عاملا (غلاما) لمعاوية على قنّسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار تحمل (بحمل) النار، اللهمّ العن الآمرين بالمعروف، التاركين له، اللهمّ العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 255/8 ـ 257.

فازبأرّ معاوية وتغيّر لونه وقال: يا جلاّم، أ تعرف الصارخ قلت: لا.

قال: من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كلّ يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثمّ قال: أدخلوه. فجيء بأبي ذرّ بين قوم يقودونه، حتّى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدوّ اللّه‏ وعدوّ رسوله تأتينا كلّ يوم فتصنع ما تصنع، أما إنّي لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمّد من غير إذن عثمان لقتلتك، ولكنّي أستأذن فيك.

قال جلاّم: وكنت احبّ أن أرى أبا ذرّ، لأنّه رجل من قومي، فالتفتّ إليه فإذا رجل أسمر ضرب(1)من الرجال، خفيف العارضين، في ظهره حنى (جنأ)(2).

فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدوّ للّه‏ ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوّان للّه‏ ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، ودعا عليك مرّات أن لا تشبع، وسمعته يقول: «إذا ولي الامة الأعين الواسع البلعوم، الذي يأكل ولا يشبع، فلتأخذ الامّة حذرها منه».

فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل. قال أبو ذرّ: بل أنت ذلك، أخبرني بذلك النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، وسمعته يقول ـ وقد مررت به ـ: «اللهمّ العنه ولا تشبعه إلاّ بالتراب»، وسمعته يقول: «است معاوية في النار». فضحك معاوية وأمر بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه. فكتب عثمان إليه: «أن احمل جندبا على أغلظ مركب وأوعره». فوجّه به من سار به الليل والنّهار، وحمله على شارف(3)ليس عليها إلاّ قتب، حتّى قدم


1) . الضرب: الخفيف اللحم.

2) .يقال جنئ جنأ؛ إذا أشرف كاهله على ظهره حدبا.

3) . الشارف: الناقة المسنة.

به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد. فلمّا قدم بعث إليه عثمان أن الحق بأيّ أرض شئت. قال: بمكّة قال: لا. قال: بيت المقدس قال: لا. قال: بأحد المصرين قال: لا، ولكنّي مسيّرك إلى الربذة، فسيّره إليها، فلم يزل بها حتّى مات(1).

قال: وفي رواية الواقدىّ: أنّ أبا ذرّ لمّا دخل على عثمان قال له:

لا أنعم اللّه‏ بقين عينا *** نعم ولا لقّاه يوما زينا

تحيّة السّخط إذا التقينا

فقال أبو ذرّ: ما عرفت اسمي «قينا». وفي رواية اخرى، قال: لا أنعم اللّه‏ بك عينا يا جنيدب فقال: أنا جندب، وسمّاني النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عبد اللّه‏، فاخترت اسمه الذي سمّاني به على اسمي. فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنّا نقول: «يَدُ اللّه‏ِ مَغْلُولَةٌ»(2)و«إِنَّ اللّه‏َ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ»(3)فقال أبو ذرّ: لو كنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال اللّه‏ على عباده، ولكنّي أشهد أنّي سمعت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال اللّه‏ دولا وعباده خولا».

فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من النبيّ قالوا: لا. قال عثمان: ويلك يا أبا ذرّ أ تكذب على النّبيّ فقال أبو ذرّ لمن حضر: أما تدرون أنّي صدقت قالوا: لا واللّه‏

ما ندري. فقال عثمان: ادعوا لي عليّا. فلمّا جاء فقال عثمان لأبي ذرّ: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص. فأعاده، فقال عثمان لعليّ عليه‏السلام: أ سمعت هذا من

النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: لا، وقد صدق أبو ذرّ. قال عثمان: كيف عرفت صدقه قال: لأنّي سمعت النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: «ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 257/8 ـ 258.

2) . المائدة: 64.

3) . آل عمران: 181.

من أبي ذرّ». فقال من حضر: أمّا هذا، فسمعناه كلّنا من النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله. فقال أبو ذرّ: احدّثكم أنّي سمعت هذا من النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فتتّهموني ما كنت أظنّ أنّي أعيش حتّى أسمع هذا من أصحاب محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(1).

وقال ابن أبي الحديد: وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صبهان، مولى الأسلميّين، قال: رأيت أبا ذرّ يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت فقال أبو ذرّ: نصحتك فغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشّني قال عثمان: كذبت، ولكنّك تريد الفتنة وتحبّها، قد أنغلت(2)الشام علينا. فقال له أبو ذرّ: اتّبع سنّة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام.

فقال له عثمان: مالك وذلك لا امّ لك قال أبو ذرّ: ما وجدت عذرا لي إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فغضب عثمان وقال: أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب، اضربه، أو أحبسه، أو اقتله، فإنّه فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام.

فتكلّم عليّ عليه‏السلام ـ وكان حاضرا ـ فقال: اشير عليك بما قال مؤن آل فرعون:... «وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّه‏َ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ»(3)فأجابه عثمان بجواب غليظ، وأجابه عليّ عليه‏السلام بمثله، ولم يذكر الجوابين تذمّما منهما(4).

ذكر إبراهيم الثقفي الجوابين وهما: أنّ عثمان قال له عليه‏السلام: بفيك التراب فقال عليه‏السلام


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 258/8.

2) . النغل: الإفساد بين القوم.

3) . غافر: 28.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 259/8.

له: بل بفيك(1).

وقال ابن أبي الحديد: قال الواقدي: ثمّ إنّ عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذرّ، أو يكلّموه. فمكث كذلك أيّاما ثمّ أتى به فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، ورأيت أبا بكر وعمر هل هديك كهديهم أما إنّك لتبطش بي بطش جبّار (عنيد).

فقال عثمان: اخرج عنّا. قال أبو ذرّ: فما أبغض إليّ جوارك فإلى أين أخرج قال: حيث شئت. قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد قال: إنّما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أ فأردّك إليها قال: فأخرج إلى العراق. قال: لا، إنّك إن تخرج إليها تقدم على قوم اولى شبه وطعن على الأئمّة والولاة، اخرج إلى البادية. قال: أصير أعرابيّا بعد الهجرة قال: نعم. قال أبو ذرّ: فاخرج إلى بادية نجد. قال: لا تعدونّ الربذة(2).

وقال: وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال، عن موسى بن ميسرة: أنّ أبا الأسود الدؤي قال: كنت احبّ لقاء أبي ذرّ لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة، فجئته فقلت له: ألا تخبرني، أخرجت من المدينة طائعا، أم أخرجت كرها فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم، فاخرجت إلى المدينة، فقلت: دار هجرتي وأصحابي. فأخرجت من المدينة إلى ما ترى.

ثمّ قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في مسجد النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، إذ مرّ بي النّبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فضربني برجله وقال: لا أراك نائما في المسجد. فقلت: بأبي أنت وأمّي غلبتني عيني، فنمت فيه. قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه قلت: آخذ سيفي فأضربهم به. فقال: ألا


1) . بحار الأنوار: 271/31.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 259/8.

أدلّك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك، وتسمع وتطيع. فسمعت وأطعت، واللّه‏ ليلقينّ اللّه‏ عثمان وهو آثم في جنبي(1).

روى الثقفيّ في (تاريخه) ـ كما في (تقريب الحلبىّ)(2)ـ كثيرا ممّا رواه الواقدي(3).

وروى أيضا: أنّ أبا الدرداء وصاحبا له لقيا رجلا شهدا الجمعة عند معاوية بالجابية، فقال الرجل: خبر كرهت أن اخبركما به. فقال أبو الدرداء: لعلّ أبا ذرّ قد نفي قال: نعم واللّه‏. فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرّات، ثمّ قال أبو الدرداء:... فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ كما قيل لأصحاب الناقة، اللهمّ إن كانوا كذّبوا أبا ذرّ فإنّي لا أكذّبه، وإن اتّهموه فإنّي لا أتّهمه، وإن استغشّوه فإنّي لا أستغشه، إنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا، ويسرّ إليه حتّى لا يسرّ إلى أحد. أما والذي نفسي بيده لو أنّ أبا ذرّ قطع يميني ما أبغضته بعد ما سمعت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ(4).

وروى عن الأحنف بن قيس: بينا نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذرّ، فقال: يا أبا هريرة، هل افتقر اللّه‏ منذ استغنى فقال أبو هريرة: سبحان اللّه‏ بل اللّه‏ الغنيّ الحميد ونحن الفقراء إليه. قال أبو ذرّ: فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض. فقال: مال اللّه‏ قد منعوه أهله من الناس والمساكين.

ثمّ انطلق أبو ذرّ، فقلت لأبي هريرة: ما لكم لا تأبون مثل هذا قال: هذا رجل


1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 260/8.

2) . تقريب المعارف: 263.

3) .بحار: 271/31 ـ 273.

4) . بحار: 273/31.

(قد) وطّن نفسه على أن يذبح في اللّه‏، أما إنّي أشهد أنّي سمعت النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهيقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برّا وزهدا ونسكا فعليكم به(1).

وروى أنّ معاوية قام بالشام خطيبا فقال: أيّها الناس، إنّما أنا خازن، فمن أعطيته فاللّه‏ يعطيه، ومن حرمته فاللّه‏ يحرمه.

فقام إليه أبو ذرّ فقال: كذبت واللّه‏ يا معاوية إنّك لتعطي من حرم اللّه‏، وتمنع من أعطى اللّه‏(2).

وروى عن المغرور بن سويد قال: كان عثمان يخطب، فأخذ أبو ذرّ بحلقة الباب فقال: أنا أبو ذرّ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب، سمعت النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح في قومه، من تخلّف عنها هلك، ومن ركبها نجا.

فقال له عثمان: كذبت. فقال له علي عليه‏السلام: إنّما كان عليك أن تقول كما قال العبد الصالح: «إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»(3)،(4).

وروى المفيد عن الثقفي أيضا عن محمّد بن علي، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن أبي جهضم الأزدي، عن أبيه قال: لمّا أخرج عثمان أبا ذرّ من المدينة إلى


1) .تقريب المعارف: 268؛ بحار الأنوار: 277/31.

2) .تقريب المعارف: 266؛ بحار الأنوار: 274/31.

3) . غافر: 28.

4) . تقريب المعارف: 269؛ بحار الأنوار: 277/31.

الشام كان يقوم في كلّ يوم فيعظ الناس، ويأمرهم بالتمسّك بطاعة اللّه‏، ويحذّرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما سمعه في فضائل أهل بيته، ويحضّهم على التمسّك بعترته.

فكتب معاوية إلى عثمان: أمّا بعد، فإنّ أبا ذرّ يصبح إذا أصبح، ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده فيقول كيت وكيت، فإن كان لك في الناس قبلي حاجة فأقدم أبا ذرّ إليك، فإنّي أخاف أن يفسد الناس عليك.

فكتب عثمان إليه: أشخص أبا ذرّ إليّ حين تنظر في كتابي هذا.

فبعث معاوية إلى أبي ذرّ ودعاه، وأقرأه كتاب عثمان، فقال: النجا(1)الساعة. فخرج أبو ذرّ إلى راحلته، فشدّها بكورها، وأنساعها(2).

فاجتمع إليه الناس فقالوا له: رحمك اللّه‏ أين تريد قال: أخرجوني إليكم غضبا عليّ، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثا بي، ولا يزال هذا الأمر فيما أرى فيما بيني وبينهم حتّى يستريح برّ، أو يستراح من فاجر. ومضى.

وسمع الناس بخروجه حين خرج من دمشق، فساروا معه حتّى انتهى إلى دير مرّان(3)ـ إلى أن قال ـ: فلمّا دخل على عثمان قال له: لا قرّب اللّه‏ بعمرو عينا. فقال أبو ذرّ: واللّه‏ ما سمّاني أبواي عمرا ولكن لا قرّب اللّه‏ من عصاه وخالف أمره، فارتكب هواه. فقام إليه كعب الأحبار فقال: ألا تتّقي اللّه‏ يا شيخ وتجيب أمير


1) . النجا ـ بالمد والقصر ـ: مصدر، ومنصوب على الاغراء أي اسرع.

2) .الكور ـ بالضم ـ: الرحل. والانساع جمع النسع ـ بالكسر ـ وهو سير ينسج عريضا على هيئة أعنة البغال، تشد به الرحال.

3) . بضم أوله تثنية مر، بالقرب من دمشق، على تل مشرف على مزارع الزعفران ـ المراصد.

المؤنين بهذا الكلام فرفع أبو ذرّ عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثمّ قال له: يا بن اليهوديّين ما كلامك مع المسلمين فو اللّه‏ ما خرجت اليهوديّة من قلبك بعد. فقال عثمان: واللّه‏ لا جمعتني وإيّاك دار، قد خرفت، وذهب عقلك، أخرجوه من بين يديّ حتّى تركبوه قتب ناقة بغير وطاء، ثمّ انخسوا(1)

في الاساس: «نخسوا بفلان: نخسوا دابته وطردوه»، وفي البحار: «ثم انجوا» وقال المجلسيّ رحمه‏الله: «قوله: ثم انجوا، أي أسرعوا، وقال: تعتعه: أقلقه وأزعجه».

به الناقة، وتعتعوه حتّى توصلوه الربذة، فنزّلوه بها من غير أنيس حتّى يقضي اللّه‏ فيه ما هو قاض. فأخرجوه متعتعا موهونا (ملهوزا(2)) بالعصيّ. وتقدّم عثمان أن لا يشيّعه أحد من الناس، فبلغ ذلك عليّا عليه‏السلام، فبكى حتّى بلّ لحيته بدموعه، ثمّ قال: أ هكذا يصنع بصاحب رسول اللّه‏ إنّا للّه‏ وإنّا إليه راجعون، ثمّ نهض ومعه الحسنان عليهماالسلام، وعبداللّه‏ بن العبّاس، والفضل، وقثم، وعبيد اللّه‏ حتّى لحقوا أبا ذرّ فشيّعوه ـ إلى أن قال ـ:

فرجعوا وهم يبكون على فراقه(3).

وقال المسعودي: ممّا أنكر الناس على عثمان فعله بأبي ذرّ، وهو أنّه حضر أبو ذرّ يوما مجلس عثمان، فقال عثمان: أ رأيتم من زكّى ماله هل فيه حقّ لغيره فقال كعب: لا، فدفع أبو ذرّ في صدره، وقال له: كذبت يا بن اليهوديّ، ثمّ تلا: لَيْسَ الْبِرَّ


1) .

2) . لهزه بالرمح: طعنه في صدره، واللهز: الضرب بجميع اليد في الصدر ـ والعصى ـ بالكسر ـ العظام التي في الجناح، وفي نسخة: «موهونا بالعصا». قال قاضى القضاة في مغنيه: «أن أبا ذر خرج الى الربذة مختارا كما رواه بعض». ونحن لا ننكر ذلك النقل لكن التمسك بهذا النقل الشاذ، وترك القول المستفيض الذي جاء بخلافه ـ مع العلم بأن نقل الشاذ النادر والإحتجاج به في مقابل المتواتر المستفيض فعل الجاهل الغبى ـ ليس الا عمل من باع دينه بدنيا غيره. نستجير باللّه‏ ونعوذ به من الخذلان.

3) .الأمالي للمفيد: 161 165 / م 20/ ح 4؛ بحار الأنوار: 395/22 397 / ح 3.

ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب الآية(1).

فقال عثمان: أ ترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من امورنا ونعطيكموه فقال كعب: لا بأس بذلك. فرفع أبو ذرّ العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا بن اليهوديّ، ما أجرأك على القول في ديننا فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني.

فخرج أبو ذرّ إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان: أنّ أبا ذرّ تجتمع إليه الجموع، و لا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك.

فكتب عثمان إليه بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتّى أتوا به المدينة قد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنّك تموت من ذلك. فقال: هيهات لن أموت حتّى انفى. وذكر جوامع ما نزل به بعد، ومن يتولّى دفنه، فاحتبس في داره أيّاما، ثمّ دخل على عثمان فجلس على ركبتيه، وتكلّم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتّخذوا عباد اللّه‏ خولا(2)، ومرّ في الخبر بطوله، وتكلّم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف، فنضّت (فنثرت) البدر حتّى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيرا، لأنّه كان يتصدّق، ويقري الضيف، وترك ما ترون.

فقال كعب الأحبار: صدقت. فشال أبو ذرّ العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يا بن اليهوديّ، أتقول لرجل مات وترك هذا


1) .البقرة: 177.

2) . خول الرجل: حشمه، الواحد خائل.الصحاح: 1690/4 مادة خول.

المال: إنّ اللّه‏ أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على اللّه‏ بذلك وإنّي سمعت النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: ما يسرّني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا.

فقال له عثمان: وار عنّي وجهك. فقال: أسير إلى مكّة. قال: لا واللّه‏. قال: فتمنعني من بيت ربّي أعبده فيه حتّى أموت قال: أي واللّه‏. قال: فإلى الشام قال: لا و اللّه‏. قال: فالبصرة قال: لا واللّه‏، اختر غير هذه البلدان. قال: لا واللّه‏ ما اختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيّرني حيث شئت. قال: فإنّي مسيّرك إلى الربذة. قال: اللّه‏ أكبر، صدق رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهقد أخبرني بكلّ ما أنا لاق.

قال عثمان: وما قال لك قال: أخبرني أنّي أمنع عن مكّة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولّى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو الحجاز.

وبعث أبو ذرّ إلى جمل له فحمل عليه امرأته ـ وقيل: ابنته ـ وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتّى يسير إلى الربذة، فلمّا طلع عن المدينة ومروان يسيّره إذ طلع عليه عليّ عليه‏السلام ومعه ابناه، وأخوه، وعبد اللّه‏ بن جعفر، وعمّار، فاعترض مروان وقال: يا عليّ، إنّ الخليفة قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذرّ في مسيره وأن يشيّعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك. فحمل عليه عليّ عليه‏السلام بالسوط بين اذني راحلته، وقال له: تنحّ نحّاك اللّه‏ إلى النّار.

ومضى مع أبي ذرّ فشيّعه ثمّ ودّعه وانصرف، فلمّا أراد الانصراف بكى أبو ذرّ وقال: رحمكم اللّه‏ أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولديك ذكرت بكم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ إلى أن قال ـ: فلمّا رجع عليّ عليه‏السلام قالوا له: إنّ عثمان عليك غضبان

لتشييعك أبا ذرّ. فقال عليه‏السلام: غضب الخيل على اللّجم(1)ـ إلى أن قال ـ: فقال عثمان له عليه‏السلام: أو لم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن أبي ذرّ وعن تشييعه فقال عليّ عليه‏السلام: أو كلّ ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة اللّه‏ والحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك لا، باللّه‏ لا نفعل. قال عثمان: أقد مروان، فو اللّه‏ ما أنت عندي بأفضل منه. فغضب عليّ عليه‏السلام وقال: ألي تقول هذا وبمروان تعدلني...(2).

قال ابن أبي الحديد: إخراج أبي ذرّ إلى الربذة أحد الأحداث التي نقمت على عثمان(3).

بل هو أعظم أحداثه مع كون أبي ذرّ في تلك المرتبة من الجلالة، ومعاملة عثمان معه تلك المعاملة توجب نفاقه الذي في حدّ الكفر، ولذا أعرض عنه رأسا كثير من مؤّخيهم كابن قتيبة في (خلفائه)(4)وابن عبد ربّه في (عقده)(5).

فذكرا كثيرا من أحداثه وسكتا عن هذا، وتمجمج بعضهم كابن عبد البرّ في (استيعابه)، فأنكر إخراجه أوّلا إلى الشام، بل قال: خرج بنفسه.

وأتى في إخراجه إلى الربذة بلفظ مجمل فقال: خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتّى ولي عثمان، ثمّ استقدمه عثمان بشكوى معاوية، وأسكنه الربذة فمات بها(6).

كما أنّه نقل بعض أخباره كذلك، فروى عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت عند


1) . غضب الخيل على اللجم يضرب لمن يغضب غضبا لا ينتفع به ولا موضع له ونصب غضب على المصدر أي غضب غضب الخيل مجمع الامثال للميدانى: 2/2.

2) .مروج الذهب: 339/2 ـ 342.

3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 252/8.

4) . الامامة والسياسة: 32/1.

5) .العقد الفريد: 55/5 ـ 60.

6) . الاستيعاب: 252/1 ـ 253.

أبي الدرداء إذ دخل رجل من أهل المدينة فسأله، فقال: أين تركت أبا ذرّ قال: بالربذة. فقال أبو الدرداء: إنّا للّه‏ وإنّا إليه راجعون، لو أنّ أبا ذرّ قطع منّي عضوا لما هجته، لمّا سمعت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول فيه وروى حديث «ما أظلّت الخضراء» عن أبي هريرة، وعن أبي الدرداء (1).

قال ابن أبي الحديد: حكى قاضي القضاة في (المغنى) عن شيخنا أبي علىّ: أنّ الناس اختلفوا في أمر أبي ذرّ، وأنّ الرواية وردت أنّه قيل له: أ عثمان أنزلك الربذة

قال: لا، بل أنا اخترت ذلك.

قال: وروى أبو علي أيضا عن زيد بن وهب، قال: قلت لأبي ذرّ وهو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل قال: اخبرك أنّي كنت بالشام، فذكرت قوله تعالى: «... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها...»(2)فقال لي معاوية: هذه نزلت في أهل الكتاب. فقلت: فيهم وفينا. فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك، فكتب إليّ أن أقدم، فقدمت، فانثال الناس إليّ كأنّهم لم يعرفوني، فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرني وقال: انزل حيث شئت. فنزلت الربذة.

قال: وروى أبو علي أيضا: أنّ معاوية كتب يشكوه وهو بالشام، فكتب إليه عثمان: أن صر بالمدينة. فلمّا صار إليها، قال له: ما أخرجك إلى الشام قال: إنّي سمعت النّبيّ يقول: «إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج منها»، فلذلك خرجت. فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك بعد الشام قال: الربذة. فقال: صر إليها(3).

ثم قال ابن أبي الحديد: وهذه الأخبار وإن كانت قد رويت، لكنّها ليست في


1) .الاستيعاب: 256/1.

2) . التوبة: 34.

3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 261/8.

الاشتهار والكثرة كتلك الأخبار، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظن بفعله: إنّه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين، فيغلب على ظنّه أنّ إخراج أبي ذرّ إلى الربذة أحسم للشّغب، وأقطع لأطماع من يشرئب إلى شقّ العصا، فأخرجه مراعاة للمصلحة، ومثل ذلك يجوز للإمام. وهكذا يقول أصحابنا المعتزلة، وهو الأليق بمكارم الأخلاق، فقد قال الشاعر:

إذا ما أتت من صاحب لك زلّة *** فكن أنت محتالا لزلّته عذرا

وإنّما يتأوّل أصحابنا حال من يحتمل التأويل كعثمان، فأمّا من لا يحتمل حاله التأويل، وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه، فإنّهم لا يتأوّلون لهم، إذا كانت أعمالهم وأفعالهم لا وجه لتأويلها، ولا تقبل العلاج(1).

وشيخ تاريخهم الطبري تأوّل لمعاوية أيضا، فقال: وفي سنة (30) كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إيّاه من الشام، وقد ذكر في سبب إشخاصه إيّاه من الشام امور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها.

فأمّا العاذرون معاوية في ذلك، فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب بها إليّ السريّ، يذكر أنّ شعيبا حدّثه عن سيف، بسند أنّه لمّا ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذرّ، فقال له: ألا تعجب إلى معاوية، يقول: «المال مال اللّه‏ ألا إنّ كلّ شيء للّه‏» كأنّه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذرّ فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّي مال المسلمين مال اللّه‏ ـ إلى أن قال ـ: وجعل أبو ذرّ يقول بالشام: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء. فما زال حتّى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتّى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.


1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 261/8 ـ 262.

فكتب معاوية إلى عثمان: انّ أبا ذرّ قد أعضل بي(1)، وقد كان من أمره كيت وكيت. فكتب إليه عثمان: جهّز أبا ذرّ إليّ، وابعث معه دليلا وزوّده، ورافق به ـ إلى أن قال ـ: ودخل على عثمان، فقال له عثمان: ما لأهل الشام يشكون ذربك فأخبره أنّه لا ينبغي أن يقال: مال اللّه‏، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا.

فقال: يا أبا ذرّ، عليّ أن أقضي ما عليّ، وآخذ ما على الرعيّة، ولا أجبرهم على الزهد. قال: فتأذن لي بالخروج، فإنّ المدينة ليست لي بدار فقال: لا تستبدل بها إلاّ شرّا منها.

قال: أمرني النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا. قال: فانفذ لما أمرك به. فخرج حتّى نزل الربذة، فخطّ بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة(2)من الإبل وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه: أن تعاهد المدينة حتّى لا ترتدّ أعرابيا. ففعل(3).

وعنه بإسناد قال: كان أبو ذرّ يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابيّة، وكان يحبّ الوحدة والخلوة. فدخل على عثمان، وعنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتّى يبذلوا المعروف، وقد كان ينبغي للمؤّي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتّى يحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل القرابات. فقال كعب: من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه.

فرفع أبو ذرّ محجنه فضربه فشجّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال له: يا أبا


1) . أعضل بى الأمر وأعضل بى وأعضلنى: اشتدّ وغلظ واستغلق، قال الأُموي في قوله أَعْضَلَ بى: هو من العُضَال وهو الأَمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبُه، أَي ضاقت عَلَيَّ الحِيَلُ في أَمرهم وصَعُبَتْ عَلَيَّ مداراتُهم لسان العرب: 452/11.

2) . الصِّرْمَةُ بِالْكَسْرِ الْقِطْعَةُ مِنَ الاْءِبِلِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِين (مصباح المنير: 339/2).

3) . تاريخ الطبري: 335/3 سنة 30.

ذرّ، اتّق اللّه‏ وكفّ يدك ولسانك، وقد كان قال له: يا بن اليهوديّة، ما أنت وما ها هنا ـ إلى أن قال (الطبري) ـ: وأمّا الآخرون، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وامورا شنيعة، كرهت ذكرها(1).

فتراه لم يذكر اسما من عثمان، واقتصر على إشخاص معاوية له من الشام، وقال: إنّ عاذري معاوية ذكروا في ذلك قصّة(2).

ولو اريد الدفاع فالعلاج ما فعل الطبري من طهارة ساحة معاوية، دون ما قاله ابن أبي الحديد من معذوريّة عثمان، وعدم معذوريّة معاوية. فإنّ قصّة أبي ذرّ لم تكن أيّام معاوية بل أيّام عثمان، فما فعل معاوية إنّما كان فعل عثمان. فكيف يعذر هو دونه اللهمّ إلاّ أن يقول ابن أبي الحديد ـ كعثمان في أمر كتابه إلى مصر بخطّ كاتبه على يد غلامه على جمله بقتل الجماعة، بأنّه ما كان عن اطّلاعه(3)ـ: بأنّ معاوية فعل بأبي ذرّ ما فعل، من دون اطّلاع عثمان، وحينئذ فيقال في جواب ابن أبي الحديد: ما أجاب الناس عثمان من عدم معذوريّته على صدقه وكذبه.

ثمّ العجب من الطبري كيف ترك روايات الواقدي والمدائني والثقفي وغيرهم من أهل النقل الموثوق بهم، واقتصر على روايات السريّ عن شعيب، عن سيف التي كلّها كذب قطعيّ مخالف لجميع السير، فإذا كان عثمان بتلك الدرجة من العدالة حتّى يعظ أبا ذرّ بأن لا يتعرّب بعد الهجرة، ولا يؤي الناس بغير حقّ، لم قال الطبري نفسه في عنوان دفن عثمان ـ ودفن كلّ مسلم واجب ـ: نبذ عثمان ثلاثة أيّام لم يدفن، ولم يشهد جنازته إلاّ مروان وثلاثة من مواليه، وأخذ الناس


1) .تاريخ الطبري: 336/3 ـ 337.

2) . تاريخ الطبري: 335/3.

3) . الجمل للمفيد: 140 ـ 141.

الحجارة، وقالوا: نعثل نعثل(1)ومن الغريب أنّ ياقوتا قال في عنوان الربذة: كان أبو ذرّ خرج إليها مغاضبا لعثمان، فأقام بها إلى أن مات في سنة 32،(2).

فالطبري وإن اقتصر في نقل الروايات على رواية السري، إلاّ أنّه قال: وأمّا الآخرون، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وامورا شنيعة، كرهت ذكرها(3). فأشار إلى الحقيقة، وأقرّ بأنّه أخذ جانب العصبيّة، لكنّ ياقوتا أرسل المطلب إرسالا مسلّما.

فهل الرجل أنصب من الجاحظ، الذي يصحّ من درجة نصبه أن يعدّ في عداد بني أميّة فقد عرفت أنّه قال في (سفيانيّته): إنّ عثمان كتب إلى معاوية أن يحمل أبا ذرّ على أغلظ مركب وأوعره، ففعل ما أمره به، حتّى سقط لحم فخذيه في الطريق، ولم يخلّه عثمان يذهب إلى البصرة والكوفة، وسيّره إلى الربذة(4).

وأما قول ابن أبي الحديد: إنّ أخبار خروج أبي ذرّ بنفسه إلى الربذة كانت شواذّا، وأخبار إخراجه إليها مشتهرة، والوجه في الاعتذار عنه أن يقال: إنّه أخرجه لأنّه خاف الفتنة ـ إلى آخر ما مرّ ـ (5)فيقال له: نعم، إنّه خاف فتنة لبني اميّة بأن يقطع طمعهم في الخلافة لو عزل عثمان عن الخلافة، فيوم بويع عثمان علم بنو أميّة أنفسهم ورّاث الخلافة.

قال المسعودى: وقد كان عمّار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه ودخل داره مع بني أميّة: أ فيكم أحد من غيركم


1) . تاريخ الطبري: 438/3 ـ 439.

2) .معجم البلدان: 24/3.

3) . تاريخ الطبري: 337/3.

4) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 258/8.

5) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 261/8 ـ 262.

و قد كان عمي. قالوا: لا. قال: يا بني اميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة(1).

ورووا أنّ أبا سفيان مرّ في أيّام عثمان بقبر حمزة، فضربه برجله وقال: يا أبا عمارة، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس (أمسى) في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به(2)

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 136/16.

ورضي عثمان بقتله دون عزله لذلك، فإنّه إن كان عزل، لصاروا أذلّ الناس بل كان الناس يستأصلونهم بجناياتهم في كفرهم وإسلامهم، فرأى عثمان أنّ عمره قد فنى حيث كان بلغ ثمانين، وأنّه إن قتل يصير وسيلة لبني أميّة بأن يقولوا: قتل مظلوما، وإنّهم يطلبون ثأره حتّى أنّه ـ أي عثمان ـ جعل طلب دمه إلى معاوية، وصار الأمر كما دبّر، وآل إلى ما أمّل لبني اميّة.

روى نصر بن مزاحم: قام عمّار بصفّين فقال: امضوا عباد اللّه‏ إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد اللّه‏ بغير ما في كتاب اللّه‏، إنّما قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه فقلنا: لأحداثه، وذلك لأنّه مكّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال. واللّه‏ ما أظنّهم يطلبون دمه. إنّهم ليعلمون إنّه لظالم، ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها واستمروها، وعلموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيه منها، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن


1) . مروج الذهب: 342/2 ـ 343.

2) .

قالوا: قتل إمامنا مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا...(1).

كما أنّ أعمال أبي ذرّ وعمّار وأمثالهما كانت موجبة ليأس أعداء اللّه‏ من نيل خلافة اللّه‏، فمنعهم عثمان بالضرب والكسر والحبس والنفي لاستحكام طمعهم.

وأمّا ما أنشده ابن أبي الحديد لحمل أفعال إمامه على الصحّة، والإغماض عمّا فيها من قول الشاعر(2)، فلم يقله الشاعر لبناء الدين وتصنّع إمام له، بل في المصاحبات الدّنيوية، فلا مناسبة لما أنشده من الشعر، وإنّما المناسب للمقام تلاوة قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه‏ِ...»(3)بالتمثيل.

وقول ابن أبي الحديد نظير قول زيد بن ثابت ـ وكان مع عثمان يوم الدار، ولم ينصره من الأنصار غيره ـ للأنصار مرغّبا لهم في نصرة عثمان: يا معشر الأنصار، انصروا اللّه‏ مرّتين(4).

وجواب ابن أبي الحديد جواب الأنصار لزيد: يا زيد، إنّا نكره أن نلقى اللّه‏ تعالى، فنقول له كما قال القوم: «رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ»(5)،(6).

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ للّه‏ِِ

بإنكار ما أنكره، ومن لم يغضب له جلّ وعلا فليس منه في شيء،


1) . وقعة صفين: 319؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 252/5.

2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 262/8.

3) . التوبة: 31.

4) . تاريخ الطبري: 452/3 كونوا انصار اللّه‏ والامامة والسياسة (تحقيق الزيني): 77/1.

5) . الأحزاب: 67.

6) . الامامة والسياسة تحقيق الزيني: 77/1.

عن الصادق عليه‏السلام: بعث اللّه‏ تعالى ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلمّا انتهيا إلى المدينة وجدا رجلا يدعو اللّه‏ ويتضرّع، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الداعي فقال: قد رأيته ولكن أمضي لما أمر به ربّي. فقال: ولكنّي لا احدث شيئا حتّى اراجع ـ إلى أن قال ـ: فقال اللّه‏ تعالى له: امض لما أمرتك به، فإنّ ذا رجل لم يتمعّر(1)

تمعر لونه عند الغضب: تغير الصحاح: 818/2 مادة معر.

وجهه غيظا لي قطّ(2).

وعن الباقر عليه‏السلام: أوحى اللّه‏ تعالى إلى شعيب: أنّي معذّب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم، وستّين ألفا من خيارهم. فقال: يا ربّ، فما بال الأخيار قال عزّ وجلّ: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي(3).

وروي أيضا: أنّ اللّه‏ عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه‏السلام: أنّي قد غفرت ذنبك، وجعلت عار ذنبك على بني إسرائيل. فقال: يا ربّ، كيف وأنت لا تظلم قال: إنّهم لم يعاجلوك بالنكرة(4).

وعن النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إنّ اللّه‏ عزّ وجلّ ليبغض المؤن الضعيف الذي لا دين له. فقيل له: وما المؤن الذي لا دين له قال: الذي لا ينهى عن المنكر(5).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام: أَمَرَنَا رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ(6)،(7)


1) .

2) .الكافي: 58/5/ ح 8؛ بحار الأنوار: 509/14/ ح 37.

3) .الكافي: 56/5/ ح 1؛ بحار الأنوار: 386/12/ ح 12.

4) . الكافي: 58/5/ ح 7؛ بحار الأنوار: 27/14/ ح 8.

5) .الكافي: 59/5/ ح 15؛ وسائل الشيعة: 122/16/ ح 21139 ـ 13.

6) . المكفهر: العبوس، قال الجوهرىّ: اكفهر الرجل إذا عبس.

7) . الكافي: 60/5/ ح 10؛ وسائل الشيعة: 143/16/ ح 21194 ـ 1.

وروي انّ أبا ذرّ لمّا ودّع جمعا كانوا اتّبعوه في الشام لمّا أخرج منها، قال لهم: اجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا للّه‏ تعالى إذا عصي في الأرض، ولا ترضوا أئمّتكم بسخط اللّه‏، وإذا أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم، وأزروا عليهم، وإن عذّبتم

وحرمتم وسيّرتم حتّى يرضى اللّه‏ تعالى، فإنّ اللّه‏ أعلى وأجلّ ولا ينبغي أن يسخط برضا المخلوقين، غفر اللّه‏ لي ولكم(1).

فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ

وهو اللّه‏ تعالى حتّى يثيبك على عملك، قال جلّ وعلا: «... وَلَيَنْصُرَنَّ اللّه‏ُ مَنْ يَنْصُرُهُ...»(2).

إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ

فعاملوك بما عاملوك، من الإخراج تارة إلى الشام، واخرى إلى الربذة، لئلاّ تفسد عليهم دنياهم، فمن حال بين أهل الدنيا وبين دنياهم جهدوا في دفعه بأيّ قيمة كانت، فلمّا خرج محمّد بن عبد اللّه‏ بن الحسن على المنصور بالمدينة قال المنصور: لو حاول صاحب القبر ـ يعني قبر النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ إزالة سلطاني لم يكن لي بدّ من قتله فكيف هذا الرجل(3).

وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ

حيث خالفتهم ليسلم لك.


1) . الأمالي للمفيد: 163/ م 20/ ح 4؛ بحار الأنوار: 396/22/ ح 3.

2) .الحج: 40.

3) . بهج الصباغة: 295/9.

وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه‏السلام عَنْ أَعْمَالِهِمْ فَقَالَ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لاَ وَلاَ مَدَّةَ قَلَمٍ(1)إِنَّ أَحَدَهُمْ لاَ يُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئاً إِلاّ أَصَابُوا مِنْ دِينِهِ مِثْلَهُ أَوْ قَالَ حَتَّى يُصِيبُوا مِنْ دِينِهِ مِثْلَهُ(2).

وعن الصادق عليه‏السلام: ما احبّ أنّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء، و إنّ لي ما

بين لابتيها لا ولا مدّة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار (نار)

حتّى يحكم اللّه‏ تعالى بين العباد(3).

وعن الصادق عليه‏السلام: من خضع لصاحب سلطان ولمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه أخمله(4)

خمل ذكره وصوته: خفى وأخمله اللّه‏ فهو خامل اي ساقط لا نباهة له. القاموس وقوله: «و كله» أي الى السلطان أو إلى نفسه. (آت)

اللّه‏ تعالى، ومقته عليه، ووكله إليه، فإن غلب على شيء من دنياه نزع اللّه‏ تعالى البركة منه، ولم يأجره على شيء ينفقه منه في حجّ ولا عتق ولا برّ(5).

وعن مالك بن أنس قال: بعث المنصور إليّ وإلى ابن طاوس، فأتيناه فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت، وبين يديه نطاع قد بسطت، وبين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا، فجلسنا. فأطرق عنّا، ثمّ رفع رأسه إلى ابن طاوس فقال: حدّثني عن أبيك. فقال: نعم، حدّثني أبي أنّ النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال:


1) . المدة ـ بفتح الميم ـ المرة من المد وغمس القلم في الدواة مرة للكتابة. و ـ بالضم ـ: اسم ما استمدت به من المداد على القلم.

2) .الكافي: 106/5 107 / ح 5؛ وسائل الشيعة: 179/17/ ح 22293 ـ 5.

3) . الكافي: 107/5/ ح 7؛ وسائل الشيعة: 179/17/ ح 22294 ـ 6.

4) .

5) . الكافي: 105/5/ ح 3؛ وسائل الشيعة: 178/17/ ح 22292 ـ 4.

«أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه‏ في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله»، فأمسك ساعة، ثمّ ضممت ثيابي من ثياب ابن طاوس مخافة أن يملأني من دمه. ثمّ التفت إليه، فقال له: عظني. قال: نعم، يقول اللّه‏ تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ... إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ»(1).

فأمسك ساعة، ثمّ قال: يا بن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، ثمّ قال: ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلمّا سمع ذلك قال: قوما عنّي. فقال ابن طاوس له: ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله(2).

فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ

من دنياهم ولا تشاركهم فيها فتكون مثلهم، عن الصادق عليه‏السلام: أنّ قوما ممّن آمن بموسى قالوا: «لو أتينا عسكر فرعون وكنّا فيه، ونلنا من دنياه فإذا كان الذي نرجو من ظهور موسى عليه‏السلام صرنا إليه» ففعلوا. فلمّا توجّه موسى عليه‏السلام ومن معه الى البحر هاربين من فرعون، ركبوا دوابّهم، وأسرعوا في السير ليلحقوا موسى عليه‏السلاموعسكره ليكونوا معهم، فبعث اللّه‏ عزّ وجلّ ملكا، فضرب وجوه دوابّهم فردّهم إلى عسكر فرعون فكانوا في من غرق مع فرعون. وقال لهم: حقّ على اللّه‏ تعالى أن تصيروا مع من عشتم معه في دنياه(3).


1) .الفجر: 6 ـ 14.

2) .العقد الفريد: 52/1 ـ 53.

3) .الكافي: 109/5/ ح 13؛ بحار الأنوار: 378/72/ ح 42.

وَاهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ

من دينك ليسلم، قال الصادق عليه‏السلام لجهم بن حميد: أما تغشى(1)سلطان هؤاء؟

قال: لا. قال: ولم؟ قال: فرارا بديني. قال: وعزمت على ذلك؟ قال: نعم. قال: الآن سلم لك دينك(2).

وطلب أبو قلابة للقضاء فلحق بالشام هربا، فأقام حينا ثمّ قدم البصرة، فقال له أيّوب: لو أنّك وليت القضاء، وعدلت بين الناس رجوت لك في ذلك أجرا، فقال له: إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح(3).

وقال زياد: أي الناس أنعم قالوا: معاوية. قال: فأين ما يلقى من الناس قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور والخراج قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، وامرأة قد رضيها ورضيته، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفنا وعرفناه، أفسدنا عليه دينه ودنياه(4).

ومرّ طارق صاحب شرطة خالد القسري بابن شبرمة في موكبه، فقال ابن شبرمة:

أراها وإن كانت تحبّ كأنّها *** سحابة صيف عن قريب تقشّع

اللهمّ لهم دنياهم، ولي ديني. ثمّ استعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أ تذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه وقلت ما قلت فقال: يا بنيّ، إنّهم يجدون مثل أبيك ولا يجد أبوك مثلهم. يا بنيّ، إنّ أباك أكل من حلوائهم، وحطّ في أهوائهم(5).


1) . غَشِيَةُ يَغْشَاهُ غِشْياناً إِذا جاءَه لسان العرب : 15 /127 مادة غشى .

2) .الكافي: 108/5/ ح 10؛ وسائل الشيعة: 180/17/ ح 22295 ـ 7.

3) . عيون الأخبار لابن قتيبة: 402/2.

4) .عيون الأخبار لابن قتيبة: 375/1

5) .عيون الأخبار لابن قتيبة: 120/1 والعقد الفريد: 75/1.

وقال أبو العتاهية:

فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس *** تغنى الملوك بدنياهم عن الدين(1)

فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ

من الدين، وفي الخبر عن أَبى هَاشِمٍ دَاوُد بْن الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيُّ رَحِمَهُ اللّه‏ُ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى عليه‏السلام يَقُولُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قَالَ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ

فِيمَا قَالَ: يَا كُمَيْلُ أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك(2)

وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ

من الدّنيا، لأنّها فانية تمنع عن الباقية.

ذكر عند أعرابيّ أهل السلطان فقال: أما واللّه‏ لئن عزّوا في الدّنيا بالجور لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فان عوضا عن كثير باق(3).

هذا، وقال العبّاس بن الأحنف في جارية مسمّاة بفوز:

يا فوز ما ضرّ من يمسي وأنت له *** ألا يفوز بدنيا آل عبّاس(4)

وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ

أنت أو هم.


1) . عيون الأخبار لابن قتيبة: 403/2.

2) . الأمالي للمفيد: 283/ م 33/ ح 9؛ بحار الأنوار: 258/2/ ح 4.

3) .العقد الفريد: 27/4 والتذكرة الحمدونية: 176/3/ ش 543.

4) . الأغاني: 52/17.

غَداً

يوم القيامة، فيهم: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ(1).وفيه: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّه‏ُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ»(2).

وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً

كان الصادق عليه‏السلام يقول لشيعته: ما بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرّة العين إلاّ أن تبلغ نفسه ها هنا ـ وأومأ بيده إلى حلقه(3).

وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللّه‏َ لَجَعَلَ اللّه‏ُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً

قال تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللّه‏َ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»(4).

عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام: أوحى اللّه‏ تعالى إلى داود عليه‏السلام: ما اعتصم بي أحد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمّ تكيده السماوات و الأرض ومن فيهنّ إلاّ جعلت له المخرج ممّا (من) بينهنّ. وما اعتصم أحد من عبادي بأحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته إلاّ قطعت أسباب السماوات والأرض من يديه، وأسخت الأرض من تحته، ولم ابال بأيّ واد هلك(5).


1) . الرعد: 42.

2) . فصلت: 30 ـ 31.

3) . الكافي: 131/3/ ح 4؛ بحار الأنوار: 198/6/ ح 51.

4) .الطلاق: 2.

5) .الكافي: 63/2/ ح 1؛ بحار الأنوار: 126/68/ ح 2.

وورد: أنّ أصحاب الرقيم كانوا ثلاثة رجال، لجؤا إلى كهف من المطر فخرّت قطعة من الجبل و. طبقت عليهم، ثمّ ذكر كلّ منهم ما فعله للّه‏ اتّقاء منه، من ترك أحدهم امرأة علقها، وأعطاها ما طلبت، وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، وقيام آخر منهم على أبويه لإطعامهما ـ وكانا غلبهما النّوم ـ وخلّى امرأته وولده جائعين لئلاّ يستيقظ أبواه، ويبقيا جائعين، ولم ينبهّما لئلاّ يتأذّيا، وردّ ثالثهم ما حصل بيده من زرع أرزّ عيّنه لأجيره إليه، ففرّج اللّه‏ عنهم، وكشف تلك القطعة لتقواهم حتّى نجوا(1).

لاَ يُؤنِسَنَّكَ إِلاّ الْحَقُّ وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاّ الْبَاطِلُ

قال المنتصر: واللّه‏ ما عزّ ذو باطل ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذلّ ذو حقّ ولو أطبق العالم عليه(2).

فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ

لأنّ محبّ الحبيب محبوب وإن كانت بينهم مخاصمات، ومبغض الحبيب مبغوض وإن لم يكن بينهم مزاحمات. ولذا كانت طوائف قريش على اختلاف مشاربهم لاتّفاقهم على حبّ الدّنيا يتآلفون كمعاوية مع طلحة والزبير وعائشة، مع كونهم من قتلة عثمان، ومن أهل البيت عليهم السلام لكونهم ملتزمين بالحقّ متنافرون، لعلمهم بأنّهم لو ولّوا لحالوا بينهم وبين دنياهم.


1) . الأمالي للطوسي: 396/ م 14/ ح 878 ـ 26؛ قصص الأنبياء: 262 ـ 263؛ بحار الأنوار: 421/14/ ح 3.

2) . تاريخ بغداد: 119/2.

وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا

أى: قطعت من دنياهم لنفسك قطعة.

لَأَمَّنُوك

في (الكشّى) عن الصادق عليه‏السلام: أرسل عثمان إلى أبي ذرّ موليين ومعهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلى أبي ذر وقولا له: إنّ عثمان يقرؤ السلام ويقول لك: هذه مائتا دينار فاستعن بهما على ما نابك(1). فقال أبو ذرّ: هل اعطي أحد من المسلمين مثل ما أعطاني قالا: لا. قال: فإنّما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم. قالا له: إنّه يقول: هذا من صلب مالي، وباللّه‏ الذي لا إله إلاّ هو ما خالطها حرام، ولا بعثت بها إليك إلاّ من حلال. فقال: لا حاجة لي فيها، وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغني الناس. فقالا له: ما نرى في بيتك قليلا ولا كثيرا. فقال: بلى تحت هذا الإكاف(2)الذي (التى) ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيّام فما أصنع بهذه الدّنانير، لا واللّه‏ حتّى يعلم اللّه‏ أنّي لا أقدر على قليل ولا كثير، وقد أ صبحت غنيّا بولاية عليّ بن أبي طالب وعترته الهادين عليهم السّلام الذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون.

وكذلك سمعت النّبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: فإنّه لقبيح بالشيخ أن يكذب. فردّاها عليه، وأعلماه أنّه لا حاجة لي فيها ولا فيما عنده، حتّى ألقى اللّه‏ ربّي فيكون هو الحاكم

فيما بيني وبينه(3).


1) . نابه امر: اصابه.

2) . الاكاف بالضم: كساء يلقى على ظهر الدابّة.

3) .رجال الكشى اختيار معرفة الرجال ـ: 27 28 / ح 53؛ بحار الأنوار: 398/22/ ح 5.

اكمال

في ذكر نبذ من أحوال أبى ذر وفضائله وكيفية اسلامه واخراجه الى الربذة

فأقول: أبو ذر اسمه جندب(1)ابن السّكن كما قاله الطريحى(2).أو جندب ابن جنادة كما قاله المجلسيّ وهو الأشهر فسمّاه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عبد اللّه‏، وهو من بني غفار وزان كتاب أمّا كيفيّة اسلامه عن أبي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَبْدِ اللّه‏ِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَمَةَ اللُّؤلُؤيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: أَ لاَ أُخْبِرُكُمْ كَيْفَ كَانَ إِسْلاَمُ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ فَقَالَ الرَّجُلُ وَأَخْطَأَ: أَمَّا إِسْلاَمُ سَلْمَانَ فَقَدْ عَرَفْتُهُ فَأَخْبِرْنِي بِإِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ فِي بَطْنِ مَرٍّ(3)يَرْعَى غَنَماً لَهُ فَأَتَى ذِئْبٌ عَنْ يَمِينِ غَنَمِهِ فَهَشَّ بِعَصَاهُ عَلَى الذِّئْبِ فَجَاءَ الذِّئْبُ عَنْ شِمَالِهِ فَهَشَّ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: مَا رَأَيْتُ ذِئْباً أَخْبَثَ مِنْكَ وَلاَ شَرّاً فَقَالَ لَهُ: الذِّئْبُ شَرٌّ وَاللّه‏ِ مِنِّي أَهْلُ مَكَّةَ بَعَثَ اللّه‏ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ نَبِيّاً فَكَذَّبُوهُ وَشَتَمُوهُ فَوَقَعَ فِي أُذُنِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: هَلُمِّي مِزْوَدِي(4)وَإِدَاوَتِي وَعَصَايَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى رِجْلَيْهِ يُرِيدُ مَكَّةَ لِيَعْلَمَ خَبَرَ الذِّئْبِ وَمَا أَتَاهُ بِهِ حَتَّى بَلَغَ مَكَّةَ فَدَخَلَهَا فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ وَقَدْ تَعِبَ وَنَصِبَ فَأَتَى زَمْزَمَ وَقَدْ عَطِشَ فَاغْتَرَفَ دَلْواً فَخَرَجَ لَبَنٌ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: هَذَا وَاللّه‏ِ يَدُلُّنِي عَلَى أَنَّ مَا خَبَّرَنِي الذِّئْبُ وَمَا جِئْتُ لَهُ حَقٌّ فَشَرِبَ وَجَاءَ إِلَى جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا حَلْقَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَرَآهُمْ يَشْتِمُونَ النَّبِيَّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كَمَا


1) . جندب وزان درهم كما في القاموس

2) .مجمع البحرين: 22/2.

3) . «بطن مر» هو- بفتح الميم وتشديد الراء- موضع على مرحلة من مكّة. آت.

4) . هلم بمعنى تعال ويستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤث وأهل نجد يصرفونها فتقولون: هلما وهلموا وهلمى. والمزود: ما يجعل فيه الزاد. القاموس

قَالَ الذِّئْبُ: فَمَا زَالُوا فِي ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَالشَّتْمِ لَهُ حَتَّى جَاءَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كُفُّوا فَقَدْ جَاءَ عَمُّهُ قَالَ: فَكَفُّوا فَمَا زَالَ يُحَدِّثُهُمْ وَيُكَلِّمُهُمْ حَتَّى كَانَ آخِرُ النَّهَارِ ثُمَّ قَامَ وَقُمْتُ عَلَى أَثَرِهِ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: اذْكُرْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ: هَذَا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ قُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسِي وَلاَ يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ فَقَالَ: وَتَفْعَلُ فَقُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَتَعَالَ غَداً فِي هَذَا الْوَقْتِ إِلَيَّ حَتَّى أَدْفَعَكَ إِلَيْهِ قَالَ: بِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ جَلَسْتُ مَعَهُمْ فَمَا زَالُوا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَشَتْمِهِ حَتَّى إِذَا طَلَعَ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمْسِكُوا فَقَدْ جَاءَ عَمُّهُ فَأَمْسَكُوا فَمَا زَالَ يُحَدِّثُهُمْ حَتَّى قَامَ فَتَبِعْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: اذْكُرْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ: النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ فَقُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسِي وَلاَ يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ قَالَ: وَتَفْعَلُ قُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ: قُمْ مَعِي فَتَبِعْتُهُ فَدَفَعَنِي إِلَى بَيْتٍ فِيهِ حَمْزَةُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ فَقَالَ لِي: مَا حَاجَتُكَ فَقُلْتُ: هَذَا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ فَقَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ قُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسِي وَلاَ يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّه‏ِ قَالَ: فَشَهِدْتُ قَالَ: فَدَفَعَنِي حَمْزَةُ إِلَى بَيْتٍ فِيهِ جَعْفَرٌ عليه‏السلام فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ عليه‏السلام: مَا حَاجَتُكَ فَقُلْتُ: هَذَا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسِي وَلاَ يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَشَهِدْتُ فَدَفَعَنِي إِلَى بَيْتٍ فِيهِ عَلِيٌّ عليه‏السلامفَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ فَقُلْتُ: هَذَا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ قُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسِي وَلاَ

يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّه‏ِ قَالَ: فَشَهِدْتُ فَدَفَعَنِي إِلَى بَيْتٍ فِيهِ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: مَا حَاجَتُكَ قُلْتُ: النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِيكُمْ قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ قُلْتُ: أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَلاَ يَأْمُرُنِي بِشَيْءٍ إِلاّ أَطَعْتُهُ فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّه‏ِ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّه‏ِ فَقَالَ: لِي رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يَا أَبَا ذَرٍّ انْطَلِقْ إِلَى بِلاَدِكَ فَإِنَّكَ تَجِدُ ابْنَ عَمٍّ لَكَ قَدْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُكَ فَخُذْ مَالَهُ وَأَقِمْ عِنْدَ أَهْلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُنَا قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو ذَرٍّ فَأَخَذَ الْمَالَ وَأَقَامَ عِنْدَ أَهْلِهِ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام: هَذَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَإِسْلاَمِهِ

رَضِيَ اللّه‏ُ عَنْه(1).

وأما مناقبه الجميلة وخصاله الحميدة وكراماته البديعة

فأكثر من أن تحصى، وكفى في فضله اختصاصه برسول اللّه‏ وكونه من خيار صحابته وتالي مرتبة سلمان وأنّه ارتدّ النّاس بعد رسول اللّه‏ إلى أعقابهم القهقرى ولم يبق غيرهما وغير عمّار والمقداد وقد قال فيه رسول اللّه‏ ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذر، قيل بماذا فضّله اللّه‏ بهذا وشرّفه؟

قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لأنّه كان بفضل علىّ أخى رسول اللّه‏ قوّالا، وله في كلّ الأحوال مدّاحا، ولشانئه وأعدائه شانئا، ولأوليائه وأحبّائه مواليا، سوف يجعله اللّه‏ في الجنان من أفضل سكانها، يخدمه ما لا يعرف عدده إلاّ اللّه‏ من وصايفها وغلمانها وولدانها(2).


1) .الكافي: 8 /297/ ح 457.

2) . تفسير الامام العسكرى عليه‏السلام 121 ـ 122؛ بحار الأنوار: 224/30 ـ 225.

وعن عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه‏السلام قال: نزل قوله تعالى: إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنّات الفردوس نزلا(1).

في أبي ذر والمقداد و سلمان الفارسى وعمّار(2).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: دَخَلَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَمَعَهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللّه‏ِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ أَعْرَفُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ وَسَلْهُ عَنْ كَلِمَاتٍ يَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ كَلِمَاتٌ تَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتَ فَمَا هُنَّ قَالَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الاْءِيمَانَ بِكَ وَالتَّصْدِيقَ بِنَبِيِّكَ وَالْعَافِيَةَ مِنْ جَمِيعِ الْبَلاَءِ وَالشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى عَنِ (شرار خ ل) النَّاسِ(3)

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام قَالَ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ الرَّدَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِلاّ ثَلاَثَةً. فَقُلْتُ وَمَنِ الثَّلاَثَةُ فَقَالَ: الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ثُمَّ عَرَفَ النَّاسَ بَعْدَ يَسِيرٍ، وَقَالَ: هَؤلاَءِ الَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الرَّحَى وَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا لِأَبِي بَكْرٍ حَتَّى جَاءُوا بِأَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليه‏السلام مُكْرَهاً فَبَايَعَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللّه‏ِ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ـ الآْيَةَ(4)،(5).

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‏السلام عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)،


1) .الكهف: 107.

2) . تفسير القمي: 46/2؛ بحار الأنوار: 151/4/ ح 2.

3) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال 25/ ح 49؛ بحار الأنوار: 407/22/ ح 23.

4) . آل عمران: 144.

5) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال ـ: 6/ ح 12؛ بحار الأنوار: 351/22/ ح 76.

قَالَ: ضَاقَتِ الْأَرْضُ بِسَبْعَةٍ بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ، مِنْهُمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَالْمِقْدَادُ وَأَبُو ذَرٍّ وَعَمَّارٌ وَحُذَيْفَةُ (رَحْمَةُ اللّه‏ِ عَلَيْهِمْ) وَكَانَ عَلِيٌّ عليه‏السلام يَقُولُ وَأَنَا إِمَامُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَى فَاطِمَةَ عليهاالسلام(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‏ِ عليه‏السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إِنَّ اللّه‏َ تَعَالَى أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ، قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللّه‏َ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ قَالُوا وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّه‏ِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‏السلام وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ(2).

سئل عليّ عليه‏السلام عن أبي ذرّ فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثم أوكأ عليه، ولم يخرج شيئا منه. وروى عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال: أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده(3).

وروى عن أبي ذرّ أنّه قال: أنا ربع الإسلام(4).

وكان (ابوذر) يعبد اللّه‏ تعالى قبل مبعث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بثلاث سنين وبايع النبي على أن لا تأخذه في اللّه‏ لومة لائم وعلى أن يقول الحق وان كان مرّا(5)

وقَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءَ وَلاَ أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءَ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، يَعِيشُ وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَه ...(6)

وعن سهل عن محمّد بن عبد الحميد عن يونس عن شعيب العقر قوفي قال:


1) .رجال الكشى اختيار معرفة الرجال ـ: 7/ ح 13؛ بحار الأنوار: 351/22/ ح 77.

2) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال ـ: 10/ ح 21؛ بحار الأنوار: 353/22/ ح 82.

3) .الاستيعاب: 255/1.

4) . الاستيعاب: 252/1.

5) . اسد الغابة: 301/1.

6) . رجال الكشى اختيار معرفة الرجال 24/ ح 48؛ بحار الأنوار: 398/22/ ح 4.

قلت لأبي عبد اللّه‏ عليه‏السلام شيء يروى عن أبي ذر رضي اللّه‏ عنه أنّه كان يقول ثلاث يبغضها النّاس وأنا احبّها: احبّ الموت، واحبّ الفقر، واحبّ البلاء، فقال: إنّ هذا ليس على ما تروون إنّما عنى الموت في طاعة اللّه‏ أحبّ إلىّ من الحياة في معصية اللّه‏ والبلاء في طاعة اللّه‏ أحبّ إلىّ من الصحّة في معصية اللّه‏، والفقر في طاعة اللّه‏ أحبّ إلىّ من الغني في معصية اللّه‏(1)

وفي تفسير الامام عند تفسير قوله: «الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ»(2)، قال: وحدّثني أبي عن أبيه أنّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان من خيار أصحابه أبو ذر الغفاري فجاء ذات يوم فقال: يا رسول اللّه‏ إنّ لي غنيمات قدر ستّين شاة أكره أن ابدئه فيها وافارق حضرتك وخدمتك، وأكره أن أكلها إلى راع فيظلمها ويسى‏ء رعيها، فكيف أصنع؟ فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهابدء فيها فبدء فيها، فلمّا كان في اليوم السّابع جاء إلى رسول اللّه‏ فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يا أبا ذرّ، فقال لبيّك يا رسول اللّه‏، قال: ما فعلت غنيماتك؟ فقال: يا رسول اللّه‏ إنّ لها قصّة عجيبة، قال: وما هى؟

قال يا رسول اللّه‏ بينا أنا في صلاتي إذ عدا الذّئب على غنمي فقلت: يا ربّ صلاتي يا ربّ غنمي فآثرت صلاتي فأحضر الشيطان ببالى يا أبا ذر أين أنت إن عدت الذّئاب على غنمك وأنت تصلّى فأكلها كلّها وما بقى لك في الدّنيا ما تتعيّش به؟ فقلت للشيطان: يبقى لي توحيد اللّه‏ والايمان بمحمّد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وموالاة أخيه سيّد الخلق بعده عليّ ابن أبي طالب عليه‏السلام وموالاة الأئمة الهادين الطّاهرين من ولده عليهم السّلام ومعاداة أعدائهم وكلّما فات من الدّنيا بعد ذلك سهل وأقبلت على


1) . الكافي: 222/8/ ح 279؛ بحار الأنوار: 39/69/ ح 36.

2) . البقرة 3.

صلاتي، فجاء ذئب فأخذ حملا وذهب به وأنا أحسّ به إذ أقبل على الذّئب أسد قطعه نصفين واستنقذ الحمل وردّه إلى القطيع ثمّ نادى يا أبا ذر اقبل على صلاتك فانّ اللّه‏ قد وكلنى بغنمك إلى أن تصلّى، فأقبلت على صلاتي وقد غشينى التّعجب ما لا يعلمه إلاّ اللّه‏ تعالى حتّى فرغت منها، فجاءني الأسد وقال لى امض إلى محمّد فأخبره إنّ اللّه‏ تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ شريعتك وو كل أسدا بغنمه يحفظها، فتعجّب من كان حول رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله صدقت يا أبا ذر ولقد آمنت به أنا وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال بعض المنافقين: هذا بمواطاة بين محمّد وأبي ذر يريد أن يخدعنا بغروره واتّفق منهم عشرون رجلا وقالوا نذهب إلى غنمه فنظر إليها وننظر إلى أبي ذر إذا صلّى هل يأتي الأسد ويحفظ غنمه فنبيّن بذلك كذبه، فذهبوا ونظروا وأبو ذر قائم يصلّى والأسد يطوف حول غنمه ويرعيها ويردّ إلى القطيع ما يشذّ عنه منها حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الأسد هات قطيعك مسلّما وافر لعدو سالما، ثمّ ناداهم الأسد معاشر المنافقين أنكرتم تولّى محمّد وعليّ والطّيبين من آلهما والمتوسّل إلى اللّه‏ تعالى بهما أن يسخّرني ربّي لحفظ غنمه، والّذي أكرم محمّدا وآله الطيّبين، لقد جعلنى اللّه‏ طوع يدي أبي ذر حتّى لو أمرني بافتراسكم وإهلاككم لأهلككم، والّذى لا يحلف بأعظم منه لو سئل اللّه‏ بمحمّد وآله الطّيبين أن يحول البحار دهن زنبق وبان والجبل مسكا وعنبرا وكافورا وقضبان الأشجار قضب الزّمرد والزّبرجد لما منعه اللّه‏ ذلك، فلمّا جاء أبو ذر إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال: يا أبا ذر إنّك أحسنت طاعة اللّه‏ فسخّر اللّه‏ لك من يطيعك في كفّ العواري عنك، فأنت من أفضل من مدحه اللّه‏ عزّ وجلّ بأنّهم

يقيمون الصّلاة(1).

وعن الثّقفي في تاريخه عن عبد الملك ابن أخى أبي ذر قال: كتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذر قد حرّف قلوب أهل الشّام وبغّضك إليهم فما يستفتون غيره ولا يقضى بينهم إلاّ هو، فكتب عثمان إلى معاوية أن احمل أبا ذر على ناب صعب وقتب ثمّ ابعث معه من يبخش به بخشا(2)عنيفا حتّى يقدم به علىّ، قال: فحمله معاوية على ناقة صعبة عليها قتب ما على القتب إلاّ مسح ثمّ بعث معه من يسيره سيرا عنيفا وخرجت معه فما لبث الشّيخ إلاّ قليلا حتّى سقط مايلى القتب من لحم فخذيه وقرح، فكنت إذا كان اللّيل أخذت ملائى فالقيتهما تحته فاذا كان السّحر نزعتهما مخافة أن يروني فيمنعوني من ذلك حتّى قدمنا المدينة، وبلغ عثمان ما لقى أبو ذر من الوجع والجهد فحجبه جمعة وجمعة حتّى مضت عشرون ليلة أو نحوها وأفاق أبو ذر ثمّ أرسل اليه وهو معتمد على يدي فدخلنا عليه وهو متّكى، فاستوى قاعدا فلمّا دنى أبو ذر منه قال عثمان:

لا أنعم اللّه‏ بعمرو عينا *** تحيّة السّخط إذا التقينا

فقال له أبو ذر: لم؟ فو اللّه‏ ما سمّاني اللّه‏ عمرا ولا سمّاني أبواى عمرا وإنّى على العهد الذي فارقت عليه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما غيّرت ولا بدّلت، فقال له عثمان: كذبت لقد كذبت على نبينّا وطعنت في ديننا وفارقت رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا، ثمّ قال لبعض غلمانه: ادع لي قريشا، فانطلق رسوله فما لبثنا أن امتلاء البيت من رجال قريش، فقال لهم عثمان إنّا أرسلنا إليكم في هذا الشّيخ الكذّاب الذي


1) . تفسير الامام العسكرى عليه‏السلام 73/ ح 37؛ بحار الأنوار: 231/81/ ح 5.

2) . البخش بالجيم الاسراع وبالخاء المعجمة الحثّ والسوق الشديد والتحريك للايذاء.

كذب على نبيّنا وطعن في ديننا وضغن قلوب المسلمين علينا، وإنّى قد رأيت أن أقتله أو أصلبه أو أنفيه من الأرض، فقال بعضهم: رأينا لرأيك تبع، وقال بعضهم: لا تفعل فانّه صاحب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وله حقّ فما منهم أحد أدّى الذي عليه فبيناهم كذلك إذا جاء عليّ بن أبي طالب يتوكّأ على عصا سرّا، فسلّم عليه ونظر ولم يجد مقعدا فاعتمد على عصاه فما أدرى أتخلّف عهد أمّ يظنّ به غير ذلك، ثمّ قال عليّ فيما أرسلتم إلينا؟ قال عثمان: أرسلنا إليكم في أمر قد فرّق لنا فيه الرّأى فأجمع رأينا ورأى المسلمين فيه على أمر، قال عليّ عليه‏السلام: وللّه‏ الحمد أما أنّكم لو أشرتمونا لم نألكم نصيحة، فقال عثمان: إنّا أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الذي قد كذب على نبيّنا و طعن في ديننا وخالف رأينا وضغن قلوب المسلمين علينا، وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض، قال عليّ عليه‏السلام أفلا أدلّكم على خير من ذلكم وأقرب رشدا تتركونه بمنزلة آل فرعون «إن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إنّ اللّه‏ لا يهدى من هو مسرف كذّاب»(1)فقال عثمان لعنه اللّه‏: بفيك التّراب، فقال له عليّ عليه‏السلام بل بفيك التراب، وسيكون به فأمر بالنّاس فاخرجوا(2).وعن عليّ بن إبراهيم القمّي في قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم الآية(3)، أنّها نزلت في أبي ذر رحمه اللّه‏ وعثمان بن عفّان، وكان سبب ذلك لمّا أمر عثمان بن عفّان بنفى أبا ذر إلى الرّبذة، دخل عليه أبو ذر وكان عليلا


1) . غافر: 28.

2) .تقريب المعارف: 266 268؛ بحار الأنوار: 274/31 ـ 276.

3) . البقرة: 84.

متوكّئا على عصاه وبين يدي عثمان مأئة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النّواحى وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يقسّمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان: ما هذا المال؟ فقال له عثمان: مأئة ألف درهم حملت إلىّ من بعض النواحي اريد أن أضمّ إليها مثله وأرى فيه رأيى، فقال أبو ذر: يا عثمان أيّما أكثر مأئة ألف درهم أو أربعة دنانير؟ فقال: بل مأئة ألف درهم، فقال: أما تذكر أنا وأنت و قد دخلنا على رسول اللّه‏ عشيّا فرأيناه كئيبا حزينا فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السّلام، فلمّا أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا فقلنا له: بآبائنا وامّهاتنا دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا، ثمّ عدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكا مستبشرا، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: نعم كان قد بقى عندى من فيء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسّمتها وخفت أن يدركني الموت وهى عندي وقد قسّمتها اليوم واسترحت منها، فنظر عثمان إلى كعب الأخبار فقال له: يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء؟ فقال: لا ولو اتّخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ما وجب عليه شيء، فرفع أبو ذر عصاه وضرب به رأس كعب ثمّ قال له: يابن اليهوديّة الكافرة ما أنت والنّظر في أحكام المسلمين قول اللّه‏ أصدق من قولك حيث قال: «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّه‏ِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»(1).

فقال عثمان: يا أبا ذر إنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ولو لا صحبتك لرسول اللّه‏ لقتلتك، فقال: كذبت يا عثمان أخبرنى حبيبى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال: إنّهم لا


1) .التوبة: 34 ـ 35.

يفتنونك ولا يقتلونك وأمّا عقلى فقد بقى منه ما أحفظ حديثا سمعته من رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيك وفي قومك، فقال: ما سمعت فيّ وفي قومى؟ قال: سمعته يقول: إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا صيّروا مال اللّه‏ دولا، وكتاب اللّه‏ دغلا، وعباده خولا والفاسقين حزبا والصّالحين حربا، فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمّد هل سمع أحد منكم هذا من رسول اللّه‏؟ قالوا: لا ما سمعنا هذا من رسول اللّه‏، فقال عثمان:

ادع لي عليّا فجاء أمير المؤنين عليه‏السلام فقال له عثمان: يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشّيخ الكذّاب، فقال عليه‏السلام: مه يا عثمان لا تقل كذّاب فانّى سمعت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذرّ فقال أصحاب رسول اللّه‏: صدق أبو ذر فقد سمعنا هذا من رسول اللّه‏، فبكى أبو ذر عند ذلك فقال: ويلكم كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال ظننتم أنّى أكذب على رسول اللّه‏، ثمّ نظر إليهم فقال: من خيركم؟ فقالوا أنت تقول إنّك خيرنا قال: نعم خلفت حبيبي رسول اللّه‏ على هذه الجبّة وهو علىّ بعد وأنتم قد أحدثتم أحداثا كثيرة واللّه‏ سائلكم عن ذلك ولا يسألني، فقال عثمان: يا أبا ذر أسألك بحقّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه، فقال أبو ذر: واللّه‏ لو لم تسألني بحقّ رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أيضا لأخبرتك فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها؟ قال: مكّة حرم اللّه‏ وحرم رسوله أعبد اللّه‏ فيها حتّى يأتيني الموت، فقال: لا ولا كرامة، قال: المدينة حرم رسول اللّه‏ قال: لا ولا كرامة لك، قال: فسكت أبو ذر، فقال عثمان: أىّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ قال: الرّبذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فقال عثمان:

سر إليها، قال أبو ذر: قد سألتني فصدقتك وأنا أسألك فاصدقنى، قال: نعم فقال:

أخبرني لو بعثتني فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسروني فقالوا لا نفديه إلاّ بثلث ما تملك، قال: كنت أفديك، قال: فان قالوا لا نفديه إلاّ بنصف ما تملك، قال: كنت أفديك، قال فان قالوا لا نفديه إلاّ بكلّ ما تملك قال كنت أفديك، قال أبو ذر رحمه اللّه‏: اللّه‏ أكبر قال لي حبيبي رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوما: يا أبا ذر كيف أنت إذا قيل لك: أىّ البلاد أحبّ اليك فتقول: مكّة حرم اللّه‏ وحرم رسوله أعبد اللّه‏ فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك لا ولا كرامة لك، فتقول: فالمدينة حرم رسول اللّه‏، فيقال لك لا ولا كرامة لك ثمّ يقال لك أىّ البلاد أبغض اليك أن تكون فيها، فتقول: الرّبذة الّتي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيقال لك سر اليها، فقلت: إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه‏؟ فقال: إى والذي نفسى بيده إنّه لكائن فقلت: يا رسول اللّه‏ أفلا أضع سيفي هذا على عاتقى فأضرب به قدما قدما؟ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: لا، اسمع واسكت ولو لعبد حبشيّ وقد أنزل اللّه‏ تعالى فيك وفي عثمان آية، فقلت: وما هي يا رسول اللّه‏ فقال:

قوله تبارك وتعالى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالاْءِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللّه‏ُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون»(1)،(2).

وقَالَ رَسُولُ اللّه‏ِ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أرحمك [رَحِمَكَ] اللّه‏ُ ـ تَعِيشُ وَحْدَكَ وَتَمُوتُ


1) . البقرة: 84 ـ 85.

2) .تفسير القمي: 51/1 ـ 54؛ بحار الأنوار: 426/22/ ح 36.

وَحْدَكَ ـ وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، وَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَحْدَك(1)

وقَالَتِ ابْنَة ابى ذر: لَمَّا مَاتَ (ابى) مَدَدْتُ الْكِسَاءَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِ فَجَاءَ نَفَرٌ فَقُلْتُ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قَدْ تُوُفِّيَ فَنَزَلُوا وَمَشَوْا يَبْكُونَ فَجَاءُوا فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ وَكَانَ فِيهِمُ الْأَشْتَرُ فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ كَفَّنْتُهُ فِي حُلَّةٍ كَانَتْ مَعِي قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَم(2)

وكانت وفاته بالرّبذة سنة ثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود(3).

إلى هنا إنتهى الجزء الثالث عشر وأسأل اللّه‏ أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشرح إنّه سميع الدّعاء قريب مجيب.

اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ

وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ

وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ


1) . تفسير القمي: 295/1؛ بحار الأنوار: 429/22/ ح 37.

2) . تفسير القمي: 296/1؛ بحار الأنوار: 430/22/ ح 37.

3) . الاستيعاب: 253/1.

المصادر الکتاب

1 ـ إثباة الهداة بالنصوص والمعجزات: محمّد بن حسن، الشيخ حرّ العاملى، (المتوفى 1104 ق)، 5 مجلد، الأعلمي، بيروت، الأولى 1425.

2 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.

3 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.

4 ـ الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، القاهرة، الأولى 1960م.

5 ـ الاختصاص: محمد بن محمد المفيد، (المتوفى 413ق)، مصحح: على اكبر غفارى ومحمود حرمى زرندى، المؤتمر العالمى للالفية الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

6 ـ أدب الكاتب: أبوبكر محمّد بن يحيى الصولي، (المتوفّى 335 ه)، مصحّح: محمّد بهجة الأثرى، 1 مجلّد، المكتبة العربيّة، بغداد، 1341.

7 ـ الأذكياء: ابن الجوزي.

8 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه‏ على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)،

المصحّح: مؤسّسة آل البيت عليهم‏السلام، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

9 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.

10 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.

11 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.

12 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.

13 ـ الاعتبار واعقاب السرور والأحزان: أبو بكر عبد اللّه‏ القرشي البغدادي، (208 ـ 281 ق)، دار البشير، عمان، الأولى 1413 ق.

14 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.

15 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.

16 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.

17 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.

18 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

19 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.

20 ـ الأنساب: السمعانى، (المتوفى 562)، 5 مجلد، دار الجنان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الأولى 1408ق 1988 م.

21 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.

22 ـ اوائل المقالات فى المذاهب والمختارات: محمد بن محمد مفيد (المتوفى 413ق) 1مجلد.

23 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.

24 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبرى الآملي، (المتوفى 553ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدرية، نجف الأشرف، الثانية 1383ق.

25 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد عليهم‏السلام: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچه‏باغي، مكتبة آية اللّه‏ المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.

26 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.

27 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.

28 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.

29 ـ تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد مرتضى حسينى زبيدى، (المتوى 1205ق)، تحقيق: على هلالى وسيرى على، 20 مجلد، دار الفكر، بيروت، الأولى 1414ق.

30 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.

31 ـ تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، مطابع معتوق اخوان، بيروت.

32 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

33 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.

34 ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، (المتوفى 571ق)، 70 مجلد، تحقيق: علي شيري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، چاپ 1415ق.

35 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بى‏تا.

36 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: علي الاسترآبادي، (المتوفى 940ق)، مصحح: حسين استاد ولي، مؤسسة النشر الاسلامى، قم، الأولى 1409ق.

37 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.

38 ـ التذكرة الحمدونيّة: ابن حمدون، (المتوفى 562ق) 10 مجلد، تحقيق: احسان عبّاس، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، الأولى 1996م.

39 ـ تذكرة الخواص: سبط ابن جوزى، (المتوفى 654ق)، 1 مجلد، منشورات الشريف الرضى، قم، 1418ق 1376ش.

40 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.

41 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.

42 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.

43 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري عليه‏السلام: الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي عليه‏السلام، قم، الأولى 1409ق.

44 ـ تفسير نور الثقلين عبد علي بن جمعة الحويزي، (المتوفى 1112ق)، 5 مجلدات، اسماعيليان، قم، الرابعة 1415ق.

45 ـ تقريب المعارف: تقى بن نجم، ابو الصلاح الحلبى، (المتوفى 447ق)، مصحح: تبريزيان (الحسون)، 1 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1404ق.

46 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.

47 ـ التنبيه والاشراف: المسعودي، (المتوفى 346ق)، دار صعب، بيروت، لبنان.

48 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.

49 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بى‏تا.

50 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح: حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.

51 ـ الثاقب في المناقب: ابن حمزة الطوسي، محمّد بن عليّ (المتوفى 566ق)، انصاريان، ايران، قم، 1419ق.

52 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.

53 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.

54 ـ الجمل والنصرة لسيّد العترة في حرب البصرة: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفى 413ق)، تحقيق: على مير شريفى، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

55 ـ جمهرة خطب العرب في عصور العربيّة الزاهرة: 3 مجلد.

56 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.

57 ـ الجواهر السنية فى الأحاديث القدسيّة: محمّد بن حسن شيخ حرّ العاملي، (المتوفى 1104ق)، 1 مجلد، انتشارات دهقان، طهران، الثالثة 1380ش.

58 ـ حلية الأبرار: سيّد هاشم بن سليمان، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم، 1411ق.

59 ـ حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبداللّه‏ الاصبهاني، (المتوفى 430ق)، 10 مجلد، السعادة، بجوار محافظة مصر، 1394ق 1974م.

60 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبداللّه‏ الاصبهاني، (المتوفى 430ق)، السعادة، بجوار محافظة مصر، 1394ق 1974م.

61 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.

62 ـ الحيوان: عمرو بن بحر الشهير بالجاحظ، (المتوفى 255ق)، 7 مجلّد، دار الكتب العلميّة، بيروت، الثانية 1424ق.

63 ـ الخرائج والجرائح: سعيد بن هبة اللّه‏، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، المصحح والناشر: مؤسسة الامام المهدي عليه‏السلام، 3 مجلد، قم، الأولى 1409ق.

64 ـ خزانة الأدب: البغدادي، (المتوفى 1093ق)، 11 مجلد، تحقيق: محمّد نبيل طريفى، دار الكتب العلميّة، بيروت، الأولى 1998م.

65 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.

66 ـ ديوان البحتري: وليد بن عبيد، (206 ـ 284ق)، بيروت، دار صادر، 1381.

67 ـ ديوان الشريف الرضي: 2 مجلد، وزارة الارشاد الإسلامي.

68 ـ ديوان الفرزدق: همام بن غالب، دار الكتاب العربي، 2 مجلد، بيروت، 1414ق.

69 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليه‏السلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.

70 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.

71 ـ رجال النجاشي: النجاشي، أحمد بن علي (المتوفى 450ق)، 1 مجلد، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرّسين بقم المشرّفة، قم، 1365 ش.

72 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.

73 ـ الرسائل: عمرو بن بحر الشهير بالجاحظ، (المتوفى 255ق)، 4 مجلد، مكتبة الخانجي، القاهرة 1384ق / 1964م.

74 ـ رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري: مؤسّسة هنداوي.

75 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: (ط. الحديثة)، زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني، (المتوفى 966ق)، 10 مجلد، مصحّح: سيّد محمّد الكلانتر، مكتبة الداوري، قم، الأولى 1410ق.

76 ـ روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن: أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، (المتوفى 556ق)، 20 مجلد، آستان قدس رضوي، ايران، مشهد مقدس، الأولى 1408ق.

77 ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: محمّد بن أحمد، فتال النيشابوري، (المتوفى 508ق)، 2 مجلد، النشر الرضي، قم، الأولى 1375ش.

78 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليه‏السلام: سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.

79 ـ زهر الآداب وثمر الألباب: إبراهيم بن عليّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1417ق.

80 ـ سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد: محمّد بن يوسف الصالحى الشامى (942م)، تحقيق: عادل احمد عبدالموجود، 12 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، الأولى 1414ق 1993م.

81 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي، (المتوفى 1089ق)، 11 مجلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

82 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.

83 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه‏، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه‏ المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.

84 ـ الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، دار الحديث، القاهرة، 2 مجلد، 1427ق ـ 2006م.

85 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.

86 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين عليه‏السلام، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر

الهادي، قم، الأولى 1376ق.

87 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.

88 ـ صفات الشيعة: محمد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، اعلمى، تهران، الأولى 1362ش.

89 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.

90 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد، (المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.

91 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.

92 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.

93 ـ عيون أخبار الرضا عليه‏السلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.

94 ـ الغارات (ط ـ القديمة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، 2 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الأوّل 1410ق.

95 ـ الغارات (ط ـ الحديثة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، تحقيق: جلال الدين حسينى ارموى، طهران، انجمن آثار ملى، 1353ش.

96 ـ غاية المرام: السيّد هاشم البحرانى، (المتوفى 1107ق)، تحقيق: السيّد على عاشور، 7 مجلد.

97 ـ غرر الحكم: آقاى جمال خوانسارى، محمد بن حسين (المتوفى 1122ق)، 7 مجلد، دانشگاه تهران، تهران، چهارم 1366ش.

98 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: عبدالواحد بن محمد تميمي آمدي، (المتوفى 550ق)، 1 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الثانية 1410ق.

99 ـ الغيبة (للطوسي): الطوسي، محمّد بن الحسن (المتوفى 460ق)، دار المعارف الإسلاميّة، إيران، قم، 1411ق.

100 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.

101 ـ فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الذخائر، قم 1368ق.

102 ـ فقه الرضا عليه‏السلام: علي بن بابويه القمي، (المتوفى 329ق)، المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه‏السلام، مشهد المقدسة، الأولى 1406ق.

103 ـ فهرست ابن النديم: ابن النديم البغدادى، (المتفوى 438ق)، تحقيق: رضا تجدد.

104 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.

105 ـ قرب الاسناد (طبعة الحديثة): عبداللّه‏ بن جعفر الحميري، نيمه دوم قرن 3ق)، المصحح والناشر: مؤسسه آل البيت عليهم‏السلام، قم، الأولى 1413ق.

106 ـ قصص الأنبياء (للراوندي): سعيد بن هبة اللّه‏، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، مصحح: غلامرضا العرفانيان اليزدي، مركز پژوهش‏هاى اسلامى، مشهد، الأولى 1409.

107 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.

108 ـ الكافى: (ط. الحديثة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، 15 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1429ق.

109 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.

110 ـ الكامل فى اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، (المتوفى 285ق)، محقق: محمد ابوالفضل ابراهيم، 4 مجلد، دار الفكر العربى، قاهرة، الثالثة 1417ق.

111 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.

112 ـ كتاب سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر، (المتوفى 180 ق)، 4 مجلد، دار الجيل، بيروت، لبنان، الاولى.

113 ـ كشف الريبة: زين الدين بن على، الشهيد الثانى، (المتوفى 966ق)، 1 مجلد، دار المرتضوى للنشر، بى‏جا، الثالثة 1390ق.

114 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.

115 ـ كشف اليقين: الحلّي، حسن بن يوسف بن مطهّر، (المتوفى 726ق)، وزارت ارشاد، تهران، الأولى 1411ق.

116 ـ كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثنى عشر: علي بن محمد، الخزاز الرازي،

(المتوفى قرن 4، 1 مجلد، مصحح: عبداللطيف الحسيني الكوهكمري، بيدار، قم، 1401ق.

117 ـ كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه‏السلام: الگنجي الشافعي، محمد بن يوسف، 1 مجلد، دار احياء تراث اهل البيت عليهم‏السلام.

118 ـ كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب (الخصائص الكبرى): جلال‏الدين

السيوطي، (المتوفى 911ق)، 2 مجلد، دار الكتاب العربي، هند، 1320ق.

119 ـ الكشكول للبهائي: محمّد بن حسين العاملي، (المتوفى 1031ش)، المترجم، كريم فيضي، نشر العلم، 1387ش.

120 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.

121 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.

122 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.

123 ـ اللهوف على قتلى الطفوف: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، (ترجمه فهرى) 1 مجلد، نشر جهان، طهران.

124 ـ متشابه القرآن و مختلفه: ابن شهر آشوب مازندرانى، محمد بن على (المتوفى 588 ق)، 7 مجلد، دانشگاه تهران، تهران، 1366ش.

125 ـ المجالس الفاخرة فى مآتم العترة الطاهرة: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوى، مؤسة المعارف الاسلامية، الأولى 1421 ق.

126 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.

127 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.

128 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء: الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 8 مجلد، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثالثة.

129 ـ مختلف الشيعة: العلاّمة الحلّي، (المتوفى 726)، 9 مجلد، مؤسة النشر الاسلامى التابعة التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الاولى 1413.

130 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.

131 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.

132 ـ المستجاد من فعلات الاجواد: التنوخي، المحسن بن علي .

133 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمد تقي، النوري، (المتوفى 1320ق)، 28 مجلد، مصحح و مؤسسة آل البيت عليهم‏السلام، قم، الأولى 1408ق.

134 ـ المسترشد في إمامة علي بن أبى طالب عليه‏السلام: محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، (المتوفى 326ق)، 1 مجلد، مصحح: احمد المحمودي، كوشانپور، قم، الأولى 1415ق.

135 ـ المستطرف في كلّ فن مستظرف: الابشيهي، (المتوفى 850ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.

136 ـ مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد: زين الدين على شهيد الثاني (المتوفى 966ق)، 1 مجلد، قم، بصيرتى، بى‏تا، الأولى.

137 ـ مشارق أنوار اليقين في أسرار أميرالمؤمنين عليه‏السلام: رجب بن محمّد، حافط البرسي، (المتوفى 813 ق)، تحقيق: على عاشور، 1 مجلد، أعلمى، بيروت، الأولى 1422ق.

138 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.

139 ـ مصباح الكفعمي (جنة الأمان الواقية): الكفعمي، ابراهيم بن علي العاملي، (المتوفى 905ق)، 1 مجلد، دار الرضي (زاهدي)، قم 1405ق.

140 ـ مصباح المتهجّد: محمّد بن الحسن الطوسي، (المتوفى 460ق)، 2 مجلد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الأولى 1411ق.

141 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.

142 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.

143 ـ معانى الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.

144 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.

145 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.

146 ـ المغازي: الواقدي، (المتوفى 207ق)، 2 مجلد، نشر دانش اسلامى، رمضان 1405ق.

147 ـ المغني: عبداللّه‏ بن قدامة، (المتوفى 620ق)، 12 مجلد، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

148 ـ تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار: الشهرستاني، محمّد بن عبدالكريم، (المتوفى 548 ق)، 2 مجلد، مركز البحوث والدراسات للتراث المخطوط، ايران، تهران، الأولى 1387 ش.

149 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بى‏تا.

150 ـ المقنعة: المفيد، محمّد بن محمّد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، قم، الأوّل 1413ق.

151 ـ مكارم الأخلاق: حسن بن فضل، الطبرسي، (المتوفى قرن 6)، الشريف الرضي، قم، الرابعة 1412ق ـ 1370ش.

152 ـ الملل والنحل: الشهرستانى، (المتوفى 548)، تحقيق: محمد سيد كيلانى، 2 مجلد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

153 ـ مناقب آل أبي طالب:: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.

154 ـ المنتخب في كنايات الأدباء: أحمد بن محمّد الجرجاني، (المتوفى 482ق)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان.

155 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

156 ـ المنتظم في تاريخ الاُمم والملوك: ابن الجوزى، (المتوفى 597ق)، 2 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1412ق 1992م.

157 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.

158 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه‏ الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.

159 ـ نثر الدر في المحاضرات: أبو سعد الآبي، منصور بن حسين، 7 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1424ق.

160 ـ نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة: القاضى التنوخى، (المتوفى 384)، 8 مجلد، 1393ق 1973م.

161 ـ نفس المهموم: الشيخ عبّاس القمي.

162 ـ نهاية الأرب في فنون الأدب: النويري، (المتوفى 733)، 33 مجلد، وزارة الثقافة والارشاد القومي، القاهرة.

163 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.

164 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.

165 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهم‏السلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.

166 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه‏ المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.

167 ـ يتيمة الدهر: عبدالملك الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، 5 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.

168 ـ اليقين: علي بن موسى، ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، مصحح: الأنصاري الزنجاني الخوئيني، اسماعيل، دار الكتاب، قم، الأولى 1413.

المحتويات

الخطبة (113): ومن خطبة له عليه‏السلام

(5 ـ 48)

الْحَمْدُ للّه‏ِِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ··· 7

وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ··· 8

وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ··· 10

وَنَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ، وَأَحْصَاهُ كِتَابُهُ، عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ··· 10

وَكِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ، وَنُؤمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ وَوَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ··· 11

إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ الشِّرْكَ، وَيَقِينُهُ الشَّكَّ··· 12

وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ··· 13

شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ··· 13

لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ··· 15

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّه‏ِ بِتَقْوَى اللّه‏ِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ··· 15

وَبِهَا الْمَعَادُ، زَادٌ مُبْلِغٌ، وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ··· 16

دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ، فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا··· 16

وَفَازَ وَاعِيهَا، عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّ تَقْوَى اللّه‏ِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللّه‏ِ مَحَارِمَهُ··· 17

وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ، حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ··· 18

وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ··· 19

فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ، بِالنَّصَبِ··· 20

وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ، وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلاَحَظُوا الْأَجَلَ··· 21

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ، فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ··· 22

لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ، وَلاَ تُؤسَى جِرَاحُهُ، يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ··· 23

وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ، آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ··· 24

وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ··· 24

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللّه‏ِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ··· 25

وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً··· 26

وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاّ نَعِيماً زَلَّ وَبُؤساً نَزَلَ··· 26

وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْطَعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ··· 33

فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَلاَ مُؤمَّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا، وَأَظْمَأَ رِيَّهَا··· 34

وَأَضْحَى فَيْئَهَا، لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَلاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ··· 35

فَسُبْحَانَ اللّه‏ِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ··· 35

لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ··· 35

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلاّ عِقَابُهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلاّ ثَوَابُهُ··· 35

وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَكُلُ شَيْءٍ مِنَ الآْخِرَةِ عِيَانُهُ··· 36

أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ··· 36

فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ، السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَر··· 37

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِي الآْخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآْخِرَةِ وَزَادَ··· 38

فِي الدُّنْيَا، فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ، وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ··· 38

إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ··· 39

فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ··· 40

قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ··· 41

وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ، فَلاَ يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ··· 42

طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ··· 42

مَعَ أَنَّهُ وَاللّه‏ِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ، وَدَخَلَ الْيَقِينُ··· 43

حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ··· 43

وَكَأَنَّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ، فَبَادِرُوا الْعَمَلَ··· 44

وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ··· 45

فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ··· 45

مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ··· 46

الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ··· 46

الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي··· 47

فَاتَّقُوا اللّه‏َ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون··· 47

الخطبة (114) ومن خطبة له عليه‏السلام في الاستسقاء

(49 ـ 90)

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ··· 55

جِبَالُنَا، وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ، دَوَابُّنَا، وَتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا··· 56

وَعَجَّتْ، عَجِيجَ الثَّكَالَى، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا، وَالْحَنِينَ··· 57

إِلَى مَوَارِدِهَا، اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الآْنَّةِ وَحَنِينَ الْحَانَّةِ··· 57

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا··· 59

وَأَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا، اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ··· 59

عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنَا، مَخَايِلُ··· 59

الْجُودِ، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ··· 60

وَالْبَلاَغَ، لِلْمُلْتَمِسِ، نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ، وَمُنِعَ، الْغَمَامُ، وَهَلَكَ السَّوَامُ··· 61

أَلاّ تُؤاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا··· 62

وَلاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا، وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ··· 64

الْمُنْبَعِقِ، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ··· 64

سَحّاً، وَابِلاً، تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ··· 65

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً، مُرْوِيَةً··· 65

تَامَّةً عَامَّةً، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، هَنِيئَةً، مَرِيعَةً··· 66

زَاكِياً، نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا، نَاضِراً··· 66

وَرَقُهَا تُنْعِشُ، بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ··· 67

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ، بِهَا نِجَادُنَا، وَتَجْرِي بِهَا··· 67

وِهَادُنَا، وَتُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَتُقْبِلُ، بِهَا ثِمَارُنَا وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا··· 68

وَتَنْدَى، بِهَا أَقَاصِينَا، وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا، مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ··· 69

وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ، عَلَى بَرِيَّتِكَ، الْمُرْمِلَةِ، وَوَحْشِكَ، الْمُهْمَلَةِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً··· 70

مُخْضِلَةً، مِدْرَاراً، هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ··· 71

وَيَحْفِزُ، الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا، وَلاَ جَهَامٍ، عَارِضُهَا، وَلاَ قَزَعٍ··· 72

رَبَابُهَا، وَلاَ شَفَّانٍ، ذِهَابُهَا، حَتَّى يُخْصِبَ، لاِءِمْرَاعِهَا··· 73

الْمُجْدِبُونَ، وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ··· 74

مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد··· 74

الخطبة (115): ومن خطبة له عليه‏السلام

(91 ـ 137)

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ··· 92

فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ، وَلاَ مُقَصِّرٍ··· 92

وَجَاهَدَ فِي اللّه‏ِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ، وَلاَ مُعَذِّرٍ، إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى··· 94

مِنْهَا وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ··· 94

إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ، تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ··· 94

وَتَلْتَدِمُونَ، عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ··· 95

لَهَا وَلاَ خَالِفَ عَلَيْهَا، وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ، لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا··· 95

وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَأَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ··· 96

فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ··· 97

وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللّه‏َ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ··· 97

قَوْمٌ وَاللّه‏ِ مَيَامِينُ، الرَّأْيِ مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ، مَقَاوِيلُ··· 97

بِالْحَقِّ، مَتَارِيكُ، لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً، وَأَوْجَفُوا··· 98

عَلَى الْمَحَجَّةِ، فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ وَالْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ··· 99

أَمَا وَاللّه‏ِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ··· 99

شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ أقول الوذحة الخنفساء وهذا القول يومئ به إلى··· 99

الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره··· 99

أما واللّه‏ ليسلّطن عليكم غلام ثقيف··· 102

الذيّال، الميّال··· 108

يأكل خضرتكم··· 115

وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ··· 116

إِيهٍ··· 123

أَبَا وَذَحَةَ··· 124

سبب ولوع الحجاج بسفك الدماء··· 133

وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره··· 137

الخطبة (116) ومن كلام له عليه‏السلام

(138 ـ 143)

فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا··· 138

وَلاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا··· 140

تَكْرُمُونَ بِاللّه‏ِ عَلَى عِبَادِهِ وَلاَ تُكْرِمُونَ اللّه‏َ فِي عِبَادِهِ··· 141

فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ··· 142

وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ··· 143

الخطبة (117) ومن كلام له عليه‏السلام

(144 ـ 150)

أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ··· 144

وَالاْءِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ··· 145

وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ··· 145

فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ··· 145

فَوَاللّه‏ِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاس··· 147

الخطبة (118) ومن كلام له عليه‏السلام:

وقد جمع الناس وحضّه على الجهاد فسكتوا مليّا، فقال عليه‏السلام

(151 ـ 158)

ومن كلام له عليه السلام وقد جمع الناس وحضّهم، على الجهاد، فسكتوا مليّا··· 153

أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ··· 153

فَقَالَ عليه السلام: مَا بَالُكُمْ؟ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَلاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ··· 154

أَ فِي مِثْلِ هَذَا، يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ··· 154

وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ··· 154

وَلاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْمِصْرَ ومصرَ الْجُنْدَ، وَبَيْتَ الْمَالِ، وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ··· 154

وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ··· 155

أَتْبَعُ أُخْرَى، أَتَقَلْقَلُ، تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ، فِي الْجَفِيرِ، الْفَارِغِ··· 155

وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهَ، اسْتَحَارَ··· 156

مَدَارُهَا وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا، هَذَا لَعَمْرُ اللّه‏ِ الرَّأْيُ السُّوءُ··· 156

وَاللّه‏ِ لَوْ لاَ رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ، لَوْ قَدْ حُمَّ··· 156

لِي لِقَاؤهُ، لَقَرَّبْتُ رِكَابِي، ثُمَّ شَخَصْتُ، عَنْكُمْ··· 157

فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ··· 157

إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ··· 157

لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا··· 158

إِلاّ هَالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّار··· 158

الخطبة (119) ومن كلام له عليه‏السلام

(159 ـ 190)

تَاللّه‏ِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ··· 159

وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ··· 165

وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ··· 173

وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ··· 176

وَضِيَاءُ الْأَمْرِ··· 182

أَلاَ وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ··· 183

مَنْ أَخَذَ بِهَا، لَحِقَ، وَغَنِمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ، وَنَدِم··· 184

اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ فِيهِ الذَّخَائِرُ··· 185

وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَمَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّه··· 186

فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ، وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ، وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ··· 187

وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ··· 188

الخطبة (120) ومن كلام له عليه‏السلام

(191 ـ 218)

وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها، فلم ندر أيّ الأمرين (الحكومة وتركها) أرشد··· 194

فصفّق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى··· 194

ثم قال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ··· 195

أَمَا وَاللّه‏ِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي··· 200

يَجْعَلُ اللّه‏ُ فِيهِ خَيْراً··· 200

فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ، الْوُثْقَى··· 200

وَلَكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي··· 204

كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا··· 204

اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ، وَكَلَّتِ، النَّزَعَةُ، بِأَشْطَانِ، الرَّكِيِّ··· 205

أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاْءِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ··· 206

وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَهِيجُوا إِلَى الْقِتَالِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا··· 207

وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَصَفّاً صَفّاً··· 207

بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا··· 208

لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَلاَ يُعَزَّوْنَ بِالْمَوْتَى، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ··· 209

خُمْصُ الْبُطُونِ، مِنَ الصِّيَامِ··· 211

ذُبُلُ، الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ، صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ··· 214

عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ··· 214

أُولَئِكَ إِخْوَانِي الذَّاهِبُونَ··· 215

فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ، وَنَعَضَّ الْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ··· 216

إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً··· 217

وَيُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ، فَاصْدِفُوا··· 217

عَنْ نَزَغَاتِهِ، وَنَفَثَاتِهِ··· 218

وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُم··· 218

الخطبة (121) ومن كلام له عليه السلام

(219 ـ 229)

ومن كلام له عليه السلام قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة··· 220

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا··· 221

فِرْقَتَيْنِ ـ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ··· 221

بِكَلاَمِهِ وَنَادَى النَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلاَمِ وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي··· 221

وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عليه‏السلام··· 221

بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ··· 221

مِنْهُ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً··· 222

إِخْوَانُنَا، وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا··· 223

وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللّه‏ِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ··· 223

فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ··· 223

فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ··· 223

وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ، وَلاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ··· 224

إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ، وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ··· 224

وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَاللّه‏ِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ··· 224

فَرِيضَتُهَا وَلاَ حَمَّلَنِي اللّه‏ُ ذَنْبَهَا وَوَ اللّه‏ِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ وَإِنَّ··· 224

الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ··· 224

ولَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآْباءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالاْءِخْوَانِ··· 225

وَالْقَرَابَاتِ فَلاَ نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلاّ إِيمَاناً وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ··· 225

وَتَسْلِيماً لِلْأْمْرِ وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ، الْجِرَاحِ··· 225

وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الاْءِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ··· 226

وَالاِعْوِجَاجِ وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللّه‏ُ بِهِ شَعَثَنَا··· 226

وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا··· 226

والتأويل··· 227

الخطبة (122) ومن كلام له عليه‏السلام

(230 ـ 237)

قاله لأصحابه في ساعة الحرب، وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ··· 232

رَبَاطَةَ جَأْشٍ، عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً··· 232

فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ، بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْه، كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ··· 233

فَلَوْ شَاءَ اللّه‏ُ لَجَعَلَهُ، مِثْلَهُ··· 234

إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، لاَ يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلاَ يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ··· 234

إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ··· 235

وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ··· 235

عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه‏··· 235

الخطبة (123) ومن كلام له عليه‏السلام

(238 ـ 244)

وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُّونَ كَشِيشَ الضِّبَابِ··· 239

لاَ تَأْخُذُونَ حَقّاً وَلاَ تَمْنَعُونَ ضَيْماً، قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ··· 241

فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ، وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ··· 242

الخطبة (124) ومن كلام له عليه‏السلام

(245 ـ 273)

ومن كلام له عليه السلام في حثّ أصحابه على القتال، فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ··· 249

وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ··· 249

وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ··· 250

لِلْأْسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ، لِلْجَأْشِ··· 250

وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ، لِلْفَشَلِ، وَرَايَتَكُمْ فَلاَ تُمِيلُوهَا··· 251

وَلاَ تُخِلُّوهَا، وَلاَ تَجْعَلُوهَا إِلاّ بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ··· 252

فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ، هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ، بِرَايَاتِهِمْ··· 253

وَيَكْتَنِفُونَهَا، حِفَافَيْهَا، وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا··· 257

لاَ يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا وَلاَ يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا··· 257

أَجْزَأَ امْرُؤ قِرْنَهُ، وَآسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ··· 259

فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ، وَقِرْنُ أَخِيهِ··· 259

وَايْمُ اللّه‏ِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآْخِرَةِ··· 260

وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ، إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللّه‏ِ··· 260

وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ وَلاَ مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ··· 263

الرَّائِحُ إِلَى اللّه‏ِ كَالظَّمْآنِ، يَرِدُ الْمَاءَ، الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي··· 264

الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ··· 265

وَاللّه‏ِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ··· 266

اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ··· 266

وَأَبْسِلْهُمْ، بِخَطَايَاهُمْ، إِنَّهُمْ··· 267

لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ، يَخْرُجُ مِنْهُ، النَّسِيمُ··· 268

وَضَرْبٍ يَفْلِقُ، الْهَامَ، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ··· 268

وَيُنْدِرُ، السَّوَاعِدَ وَالْأَقْدَامَ··· 269

وَحَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ··· 269

وَيُرْجَمُوا، بِالْكَتَائِبِ، تَقْفُوهَا، الْحَلاَئِبُ··· 269

وَحَتَّى يُجَرَّ بِبِلاَدِهِمُ الْخَمِيسُ، يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ··· 270

وَحَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ، فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ··· 270

وَبِأَعْنَانِ، مَسَارِبِهِمْ، وَمَسَارِحِهِمْ··· 271

الخطبة (125) ومن كلام له عليه‏السلام

(274 ـ 291)

ومن كلام له عليه السلام في التّحكيم: إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ··· 281

وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ، وَهَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ··· 281

لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ··· 282

وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ··· 282

لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللّه‏ِ تَعَالَى··· 282

وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه‏ِ وَالرَّسُولِ··· 282

فَرَدُّهُ إِلَى اللّه‏ِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ··· 282

فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللّه‏ِ··· 282

فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه‏ِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فَنَحْنُ أَوْلاَهُمْ بِهِ··· 283

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ أَجَلاً فِي التَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ··· 286

لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ وَيَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ وَلَعَلَّ اللّه‏َ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ··· 286

أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلاَ تُؤخَذَ بِأَكْظَامِهَا··· 287

فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ··· 287

إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللّه‏ِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ··· 288

مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ··· 288

أَيْنَ (فاين)، يُتَاهُ بِكُمْ، وَمِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ··· 288

اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لاَ يُبْصِرُونَهُ··· 289

وَمُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لاَ يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ··· 289

عَنِ الْكِتَابِ، نُكُبٍ، عَنِ الطَّرِيقِ، مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ، يُعْلَقُ بِهَا··· 289

وَلاَ زَوَافِرَ، عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا، لَبِئْسَ حُشَّاشُ··· 290

نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ، لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً··· 290

يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ··· 291

وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاء··· 291

الخطبة (126) ومن كلام له عليه‏السلام

(292 ـ 312)

فلمّا سألوه ذلك أجابهم بقوله عليه السلام: أتأمرونى...··· 293

أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ··· 300

فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ··· 301

وَاللّه‏ِ مَا أَطُورُ بِهِ، مَا سَمَرَ سَمِيرٌ··· 307

وَمَا أَمَّ، نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً··· 308

وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللّه‏ِ··· 309

أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ··· 309

وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ، يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الآْخِرَةِ··· 309

وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللّه‏ِ··· 310

وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلاَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلاّ حَرَمَهُ اللّه‏ُ شُكْرَهُمْ··· 310

وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ··· 310

فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ، وَأَلْأَمُ خَلِيل··· 310

الخطبة (127) ومن كلام له عليه‏السلام

(313 ـ 335)

ومن كلام له عليه السلام: فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَزْعُمُوا إِلاّ أَنِّي أَخْطَأْتُ وَضَلَلْتُ··· 315

فَلِمَ تُضَلُّونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بِضَلاَلِي وَتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَائِي وَتُكَفِّرُونَهُمْ، بِذُنُوبِي··· 316

سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَالسُّقْمِ وَتَخْلِطُونَ مَنْ··· 317

أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ··· 317

وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّه‏ِ صلّى اللّه‏ عليه وآله رَجَمَ الزَّانِيَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ··· 318

ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ··· 319

وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ··· 319

ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللّه‏ِ صلّى اللّه‏··· 319

عليه وآله بِذُنُوبِهِمْ وَأَقَامَ حَقَّ اللّه‏ِ فِيهِمْ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاْءِسْلاَمِ وَلَمْ··· 319

يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ··· 319

ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ··· 320

وَمَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ··· 321

وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَمُبْغِضٌ··· 321

مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ··· 321

وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالاً النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ··· 325

وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللّه‏ِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ··· 328

مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ··· 328

كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ··· 329

أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ··· 330

فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ وَإِحْيَاؤهُ··· 332

الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ وَإِنْ··· 332

جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا··· 332

فَلَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً، وَلاَ خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلاَ لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ··· 333

إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلاّ يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ··· 333

فَتَاهَا عَنْهُ··· 333

وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا··· 334

فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤنَا عَلَيْهِمَا··· 335

فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَالصَّمْدِ لِلْحَقِّ، سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا··· 335

الخطبة (128) ومن كلام له عليه‏السلام

(336 ـ 364)

ومن كلام له عليه السلام فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة··· 337

يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلاَ لَجَبٌ··· 337

وَلاَ قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَلاَ حَمْحَمَةُ خَيْلٍ··· 337

يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ ـ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ··· 342

(يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ثُمَّ قَالَ عليه السلام)··· 342

وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ··· 342

كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ··· 342

أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا··· 345

منها··· 347

في وصف الأتراك (ومنه ويؤى بذلك إلى وصف التتار خ ل)··· 347

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ··· 349

الْمُطَرَّقَةُ··· 350

يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ··· 354

وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ··· 355

وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْل··· 356

حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ، أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ··· 358

فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَضَحِكَ عليه السلام··· 360

وَقَالَ لِلرَّجُلِ وَكَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ··· 360

وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا عَدَّدَهُ اللّه‏ُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللّه‏َ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ

ـ الآْيَةَ ـ··· 361

فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَشَقِيٍّ أَوْ

سَعِيدٍ··· 361

وَمَنْ يَكُون فِي النَّارِ حَطَباً، أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً··· 361

فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلاّ اللّه‏ُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ··· 362

فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللّه‏ُ نَبِيَّهُ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فَعَلَّمَنِيهِ وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ··· 362

صَدْرِي، وَتَضْطَمَّ، عَلَيْهِ جَوَانِحِي··· 362

الخطبة (129) ومن خطبة له عليه‏السلام

(365 ـ 392)

ومن خطبة له عليه السلام في ذكر المكاييل··· 366

عِبَادَ اللّه‏ِ إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا··· 366

أَثْوِيَاءُ مُؤجَّلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ··· 367

أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ، فَرُبَّ دَائِبٍ، مُضَيَّعٌ··· 369

وَرُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ··· 370

وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لاَ يَزْدَادُ فِيْهِ الْخَيْرُ إِلاّ إِدْبَاراً وَالشَّرُّ إِلاّ إِقْبَالاً··· 370

وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاسِ إِلاّ طَمَعاً، فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ··· 372

وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ··· 373

فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً··· 374

أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللّه‏ِ كُفْراً··· 375

أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللّه‏ِ وَفْراً··· 376

أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً··· 377

أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَصُلَحَاؤكُمْ··· 377

وَأَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤكُمْ··· 378

وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ··· 379

وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ··· 380

أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ··· 380

وَهَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاّ فِي حُثَالَةٍ··· 381

لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ··· 384

فَإِنَّا للّه‏ِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ··· 385

وَلاَ زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ··· 387

هَيْهَاتَ لاَ يُخْدَعُ اللّه‏ُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلاَ تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلاّ بِطَاعَتِهِ··· 388

لَعَنَ اللّه‏ُ الآْمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ··· 388

وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه··· 389

الخطبة (130) ومن كلام له عليه‏السلام

(393 ـ 439)

ومن كلام له عليه السلام لأبي ذرّ رحمه اللّه‏ لما اخرج إلى الرّبذة··· 398

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ للّه‏ِِ··· 417

فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ··· 419

فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ··· 421

وَاهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ··· 422

فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ، وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ··· 423

غَداً، وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً··· 424

وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللّه‏َ لَجَعَلَ اللّه‏ُ لَهُ··· 424

مِنْهُمَا مَخْرَجاً··· 424

لاَ يُؤنِسَنَّكَ إِلاّ الْحَقُّ وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاّ الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ··· 425

وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا، لَأَمَّنُوك··· 426

اكمال··· 427

في ذكر نبذ من أحوال أبى ذر وفضائله وكيفية اسلامه واخراجه الى الربذة··· 427

وأما مناقبه الجميلة وخصاله الحميدة وكراماته البديعة··· 429

المصادر··· 440

المحتويات··· 458