دروس تمهیدیة فی الفقه الاستدلالی علی مذهب اهل البیت علیهم السلام جلد 3

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ایروانی، باقر، 1328 -

عنوان و نام پديدآور:دروس تمهیدیة فی‌الفقه‌الاستدلالی علی مذهب أهل‌البیت علیهم‌السلام/ باقر الایروانی.

وضعيت ويراست:[ویراست ؟].

مشخصات نشر:قم : مرکزالمصطفی(ص) العالمی للترجمه والنشر، 1434 ق.= 1392.

مشخصات ظاهری:3 ج.

فروست:مرکزالمصطفی صلی‌الله علیه و آله‌العالمی للدراسات والتحقیق؛ 16.

شابک:دوره‌978-964-195-706-5 : ؛ 100000 ریال: ج.1‌978-964-195-707-2 : ؛ ج.2‌978-964-195-708-9 : ؛ 55000 ریال (ج. 2، چاپ هشتم) ؛ ج.3‌978-964-195-709-6 : ؛ 700000 ریال (ج. 3، چاپ هشتم) ؛ ج.4‌978-964-195-710-2 : ؛ 85000 ریال (ج. 4، چاپ هشتم)

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه.

موضوع:فقه جعفری -- قرن 14

رده بندی کنگره:BP183/5/الف86د4 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3202203

اشارة

الجزء الثالث

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين

و بعد

فهذا هو الجزء الثالث و الأخير من دورتنا الفقهية الاستدلالية الموسومة ب «دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري»، و بإكمال الطالب لها يكون قد تمّ له الاطلاع على دورة فقهية في امهات المسائل مع الاستدلال عليها باحدث طرق الاستدلال التي تداولها فقهاؤنا الكرام. و من خلال فهمها و استيعابها يشعر الطالب في أعماقه بتقدمه خطوة الى الإمام نحو ملكة الاستنباط.

و إذا كان الكتاب يشتمل على مواضع تأمل كثيرة فهو في ظني جيد بشكل عام و يحقق بعض الأهداف المنشودة. و باصلاح بقية الاخوة الفضلاء لما زاغ عنا يتم كامل الهدف ان شاء اللّه تعالى.

أسأله عزّ و جلّ بحق محمّد و آل محمّد ان ينفع به من كتب لأجلهم و يجعله خالصا لوجهه الكريم انه سميع مجيب.

باقر الايرواني 28 /رجب/ 1419 ه قم المشرّفة

الأحكام

اشارة

1 - القضاء

2 - الشهادات

3 - الاقرار

4 - اللقطة

5 - الأطعمة و الأشربة

6 - الصيد و الذباحة

7 - الأنفال و المشتركات

8 - الارث

9 - الحدود

10 - القصاص

11 - الديات

كتاب القضاء

اشارة

1 - القضاء في الشريعة

2 - الشروط اللازمة في القاضي

3 - كيفية القضاء

4 - شروط سماع الدعوى

5 - وسائل الاثبات

6 - قسمة المال المشترك

7 - احكام عامة في القضاء

1 - القضاء في الشريعة

اشارة

القضاء واجب كفائي. و هو منصب جليل و خطير.

و حكم القاضي نافذ على الجميع و لا يجوز نقضه من قبل قاض آخر الا مع فرض فقدان الاول للشروط المعتبرة في القاضي أو فرض مخالفة حكمه لما ثبت بنحو القطع من الكتاب و السنة الشريفين.

و القاضي على نحوين: القاضي المنصوب و قاضي التحكيم. و حكم كليهما نافذ.

و في جواز اخذ الاجرة على القضاء كلام بخلاف الرشوة فانها محرمة على الآخذ و الدافع بلا خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - المعروف لدى المتقدمين تحديد القضاء بالولاية على الحكم

شرعا بين المتخاصمين لفصل الخصومة

، و لدى المتأخرين بالحكم بين المتخاصمين لرفع الخصومة دون مجرد الولاية.

و لعل الانسب الجمع بين الامرين و تحديده بالحكم لفصل

الخصومة ممن له الولاية على ذلك شرعا، فان المفهوم لدى المتشرعة من القضاء ذلك دون مجرد الحكم و لو ممن لا ولاية له عليه و لا مجرد الولاية من دون الحكم.

و قد يستفاد ذلك أيضا من قوله تعالى: يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ (1).

و المطلب لا يستحق الاطالة بعد عدم ترتب ثمرة عليه.

ثم ان حكم القاضي يختلف عن فتوى المفتي في ان الثاني بيان للأحكام الكلية بحسب ما يؤدي إليه نظر المجتهد، بخلاف الاول فانه تطبيق لتلك الاحكام الكلية على الوقائع الخاصة، فالقضاء على هذا يكون في طول الفتوى و متفرعا عليها.

و يضاف إلى ذلك ان الفتوى لا تكون حجة الا في حق مقلدي المفتي بخلاف القضاء فانه نافذ في حق الجميع كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و فرق ثالث هو ان نظر المجتهد في الفتوى يكون محكّما في بيان الحكم الكلي دون تطبيقه على مصاديقه فان ذلك وظيفة المقلد دون المجتهد، و هذا بخلافه في القضاء فان التطبيق راجع إلى القاضي بل ذلك هو وظيفته.

2 - و اما انه واجب فلتوقف حفظ النظام عليه.

مضافا الى انه مقدمة لتحقيق المعروف و الانتهاء عن المنكر.

و اما انه كفائي فلان الغرض - و هو حفظ النظام - يتحقق بتصدي


1) ص: 26.

من به الكفاية له.

3 - و اما ان القضاء منصب جليل

فلانه منصب الانبياء: يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ (1)، بل هو منصب اشرف الخلق نبينا صلّى اللّه عليه و آله: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ (2)و الائمة الطاهرين صلوات اللّه عليهم اجمعين، ففي الحديث ان امير المؤمنين عليه السّلام قال لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصي نبي أو شقي»(3)، و منهم صلوات اللّه عليهم منح للمجتهدين، ففي صحيحة ابي خديجة: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:... انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه...»(4).

و اما انه منصب خطير فلما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس فاما إلى الجنة و اما إلى النار»(5).

و في حديث آخر: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين»(6).

و في حديث ثالث: «ان النواويس(7)شكت الى اللّه عز و جل شدّة


1) ص: 26.

2) النساء: 105.

3) وسائل الشيعة 7:18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 4:18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

5) وسائل الشيعة 167:18 الباب 12 من أبواب آداب القاضي الحديث 2.

6) وسائل الشيعة 8:18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث 8.

7) النواويس: موضع في جهنم على ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين في مادة: «نوس».

حرها فقال لها عز و جل: اسكتي فان مواضع القضاة أشد حرا منك»(1).

4 - و اما نفوذ حكم القاضي و عدم جواز نقضه حتى من حاكم

آخر

فلوجهين:

أ - التمسك بمقبولة عمر بن حنظلة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان و الى القضاة أ يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم الى الطاغوت... قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه...»(2)، فان الذيل يدل بوضوح على ان الحكم اذا كان على طبق القواعد فعدم قبوله استخفاف بحكم اللّه سبحانه.

و ليس في السند من يتأمل فيه سوى ابن حنظلة نفسه حيث لم يوثق، بيد انه قد يتساهل في امره لرواية صفوان - الذي هو أحد الثلاثة - عنه، بناء على كفاية ذلك في اثبات الوثاقة. مضافا الى ان يزيد بن خليفة قد روى: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ان عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: اذن لا يكذب علينا»(3). و يزيد و ان لم يوثق و لكن روى عنه يونس الذي هو من اصحاب الاجماع بناء على كفاية ذلك في قبول الرواية.


1) وسائل الشيعة 160:18 الباب 6 من أبواب آداب القاضي الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 99:18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

3) الكافي 275:3.

يضاف الى ذلك ان تلقي الاصحاب للرواية بالقبول قد يورث للفقيه الوثوق بصدورها.

ب - ان القضاء شرّع لفصل الخصومة فلا بدّ من نفوذه و الا يلزم نقض الغرض.

هذا كله اذا لم يفترض حلّ الخصومة بيمين المدعى عليه و الا امكن ان يضاف الى ذلك التمسك بصحيحة عبد اللّه بن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ان لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له. قلت له:

و ان كانت عليه بينة عادلة؟ قال: نعم و ان اقام بعد ما استحلفه باللّه خمسين قسامة ما كان له و كانت اليمين قد ابطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه»(1).

5 - و اما وجه الاستثناء

فلان الشروط اذا لم تكن متوفرة في القاضي فلا يكون منصوبا من قبلهم عليهم السّلام. كما ان الحكم اذا كان على خلاف الموازين الشرعية - كالحكم بلا بينة و من دون علم الحاكم - فلا يصدق ان الحاكم قد حكم بحكمهم ليكون عدم قبوله استخفافا بحكم اللّه سبحانه.

و بالجملة: الحكم على خلاف الموازين الشرعية هو كلا حكم و لا يتم فيه شيء ممّا سبق.

و اما اعتبار ان تكون المخالفة مخالفة لما ثبت اعتباره بنحو القطع فلانه بدون ذلك يعود الحكم مشمولا لقوله عليه السّلام: «فاذا حكم


1) وسائل الشيعة 179:18 الباب 9 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

بحكمنا...» اذا المراد فاذا حكم على طبق الموازين الشرعية التي يؤدي اليها نظره.

6 - و اما القاضي المنصوب و قاضي التراضي

فيقصد من الاول من كان منصوبا للقضاء من قبل الشرع قبل ان يتراضى عليه المتخاصمان، و من الثاني من كان منصوبا من قبل الشرع بعد تراضي المتخاصمين عليه.

و تدل على الاول مقبولة ابن حنظلة المتقدمة حيث قال عليه السّلام: «فانى قد جعلته عليكم حاكما»(1)و صحيحة ابي خديجة المتقدمة أيضا:

«انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه»(2).

و قد يستدل على ذلك أيضا بفكرة حفظ النظام بتقريب ان مقتضى حفظ النظام لزوم نصب القاضي، و ذلك القاضي المنصوب هو المجتهد لان مقتضى الاصل عدم نفوذ حكم احد على غيره، و القدر المتيقن الخارج من الاصل المذكور هو المجتهد.

و عليه فحتى لو قطعنا النظر عن الروايتين السابقتين فبالإمكان التمسك بالتقريب المذكور لإثبات المطلوب.

و اما الثاني فقد يستدل عليه بالبيانين التاليين:

أ - التمسك بقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (3)، فانه باطلاقه


1) وسائل الشيعة 99:18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 4:18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

3) النساء: 58.

يشمل قاضي التراضي و يدل على نفوذ الحكم بالعدل حتى لو كان صادرا من غير المجتهد المنصوب شرعا.

ب - التمسك بصحيحة الحلبي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ربما كان بين الرجلين من اصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا فقال عليه السّلام: ليس هو ذاك انما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط»(1). و دلالته واضحة.

7 - و اما اخذ الاجرة على القضاء

فقد قيل بعدم جوازه اما لان القضاء واجب، و حيثية الوجوب نفسها تمنع من اخذ الاجرة، او لان حيثية القضاء بخصوصها تمنع من ذلك.

اما المنع من الحيثية الاولى فقد ذكرت له عدّة تقريبات اشرنا الى بعضها في كتاب الاجارة عند البحث عن جواز الاجارة على الواجبات.

و قد اتضح عدم المنع من الحيثية المذكورة.

و اما المنع من الحيثية الثانية فيمكن اثباته من خلال صحيحة عمار بن مروان: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: كل شيء غل من الامام فهو سحت. و السحت انواع كثيرة منها: ما اصيب من اعمال الولاة الظلمة، و منها اجور القضاة و اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر...»(2).

و قد يقال: انها ناظرة الى القضاة المنصوبين من قبل الظلمة بقرينة التعبير بكلمة «منها» أي و من جملة ما اصيب من اعمال ولاة الظلمة اجور القضاة. و القرينة على رجوع ضمير «منها» الى ما ذكر و ليس الى كلمة «أنواع كثيرة» عدم تكرار كلمة «منها» مع البقية.


1) وسائل الشيعة 5:18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 8.

2) وسائل الشيعة 64:12 الباب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث 12.

و فيه: ان المناسب لو كان ذلك هو المراد التعبير بكلمة «منه» بدل «و منها».

على ان اعمال مثل هذه التدقيقات و تحميلها على الروايات امر زائد على طاقة الراوي الذي ينقل بالمعنى و لا يلتفت الى مثل هذه الدقائق.

و عليه فالتمسك بالصحيحة تام.

و قد يضاف الى ذلك انه قد علم من مذاق الشارع ارادته لصدور القضاء و الافتاء بنحو المجانية لأنهما من شئون تبليغ الرسالة و قد قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً... (1).

ثم ان المنع من اخذ الاجرة على القضاء لا يمنع من جواز ارتزاق القاضي من بيت المال لأنه معدّ لمصالح المسلمين.

و مما يؤكد جواز الارتزاق تأكيد امير المؤمنين عليه السّلام في عهده الى مالك الاشتر عند تعرضه للقضاء و القاضي: «... و اكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيح علته و تقل معه حاجته الى الناس..»(2).

8 - و اما حرمة الرشوة

فهي من الضروريات. و قد دلّ عليها قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3).

و في الروايات ان: «الرشا في الحكم هو الكفر باللّه»(4).


1) الشورى: 23.

2) وسائل الشيعة 163:18 الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث 9.

3) البقرة: 188.

4) وسائل الشيعة 162:18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 3.

2 - الشروط اللازمة في القاضي

اشارة

يلزم في القاضي: البلوغ، و العقل، و الذكورة، و طهارة المولد، و العدالة، و الايمان، و الاجتهاد بل الاعلمية في قول.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى اعتبار البلوغ

فلان الوارد في صحيحة ابي خديجة المتقدمة عنوان الرجل: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:... انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا...»(1)، فان اللقب و ان كان لا مفهوم له الا انه لوروده مورد التحديد لمن نصب شرعا للقضاء يثبت له المفهوم، بل بقطع النظر عن ذلك يكفي التمسك بالاصل، فانه يقتضي عدم نفوذ حكم أي شخص على غيره و خرج من ذلك الرجل، و مع الشك في خروج غيره منه يتمسك به.

اجل التمسك بالاصل ينفع لو لم يكن لمقبولة ابن حنظلة اطلاق و الا تعين البيان الاول.

2 - و اما اعتبار العقل

فللمقيّد المتصل اللبي.

3 - و اما اعتبار الذكورة

فلما تقدم في وجه اعتبار البلوغ.

و لا ينبغي ان يفهم من هذا تفضيل الإسلام للرجل على المرأة، فان الجميع من حيث الكرامة بدرجة واحدة: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ


1) وسائل الشيعة 4:18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

أَتْقاكُمْ (1)، فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى (2)، بل ذلك تمييز في الوظائف على اساس ما يملكه كل واحد من الصنفين من تركيبة فسلجية خاصة به.

و يبقى اضافة الى ذلك نظام الاسرة بحاجة الى حنان الام و نشاطها البيتي اكثر من حاجة وظائف الدولة لها بعد امكان تصدي الرجل لها بشكل اتم.

و لا يعني هذا عدم وجود شواذ في الرجال أو في النساء، فلربّ امرأة أفقه من رجل - كما ورد في الحديث(3)- و أسمى في نشاطها و عقلها و تدبيرها و لا يكون نظام الاسرة بحاجة اليها الا ان التشريع ينظر الى الاعم الاغلب من الافراد.

4 - و اما اعتبار طهارة المولد

فلم ينقل فيه خلاف.

و قد يستدل له اما بانصراف صحيحة ابي خديجة الى غير ولد الزنا او بان عدم قبول شهادته و امامته في الصلاة يفهم منه عدم قبول قضائه بالاولوية العرفية او على الاقل يفهم منه ان ذوق الشارع على عدم منح الوظائف بشكل عام لولد الزنا.

و لا ينبغي ان يفهم من هذا تحميل الإسلام الوزر على الولد البريء، فان عدم منحه الوظائف اما وليد عدم تفاعل المجتمع مع ولد الزنا الذي هو اثر وضعي للجريمة التي ارتكبها الزاني و هو الذي يتحمل وزرها، او وليد بعض السلبيات الكامنة في ولد الزنا التي تسبب


1) الحجرات: 13.

2) آل عمران: 195.

3) الكافي 306:4.

الزاني اليها.

5 - و اما اعتبار العدالة

فهو اما لما ذكره السيد اليزدي قدّس سرّه و غيره من ان الفاسق ظالم لنفسه، و الترافع اليه نحو ركون اليه، و قد قال تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1)، او لان القضاء منصب رفيع و خطير فكيف يمنح لغير العادل الذي لا يؤمن انحرافه، او لان غير العادل اذا لم تقبل شهادته فبالاولى لا يقبل قضاؤه.

6 - و اما اعتبار الايمان

فلصحيحة ابي خديجة و مقبولة ابن حنظلة المتقدمتين.

7 - و اما اعتبار الاجتهاد

فلأن المدرك لنصب القاضي من قبل الشارع اما توقف حفظ النظام على ذلك او مثل مقبولة ابن حنظلة.

فعلى الاول يكون الوجه في اعتبار الاجتهاد هو ان مقتضى الاصل عدم ثبوت الولاية لأي شخص على غيره، و القدر المتيقن الخارج من الاصل المذكور هو المجتهد.

و على الثاني يكون الوجه في اعتبار الاجتهاد هو ان عنوان «روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا» الوارد في مقبولة ابن حنظلة لا يصدق الا على المجتهد.

و اذا كان عنوان «رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا» الوارد في صحيحة ابي خديجة مطلقا و قابلا للانطباق على غير المجتهد أيضا فلا بدّ من تقييده بالاجتهاد المستفاد اعتباره من المقبولة.

و من هذا يتضح التأمل فيما اختاره صاحب الجواهر من عدم


1) العروة الوثقى 5:3. و الآية 113 من سورة هود.

اعتبار الاجتهاد في القاضي لوجهين:

أ - التمسك باطلاق قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1)الدال على طلب الحكم بالعدل و لو من خلال التقليد.

ب - ان المستفاد من الروايات جعل الولاية المطلقة للمجتهد، و لازم ولايته المطلقة ثبوت الحق له في نصب من يقضي بين الناس على طبق فتاواه. ثم اخذ قدّس سرّه بذكر بعض ما يستفاد منه ثبوت الولاية المطلقة للمجتهد(2).

و وجه التأمل: انه بعد دلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد لا يبقى مجال للتمسك باطلاق الآية الكريمة و تكون دائرة الولاية الثابتة للمجتهد ضيقة و غير شاملة لنصب غير المجتهد فان المجتهد يثبت له ما هو الثابت للإمام عليه السّلام، فاذا كان الثابت للإمام عليه السّلام نصب خصوص المجتهد فتكون حدود ولاية الفقيه خاصة بذلك أيضا.

اجل لا يبعد في حالة اتساع دائرة الحكومة الاسلامية و عدم كفاية عدد المجتهدين لإدارة القضاء ثبوت الحق للحاكم الشرعي في نصب غير المجتهد للقضاء حفظا للنظام من الاختلال.

و ليس ذلك من باب توكيل المجتهد غيره في القضاء عنه - فان صحة التوكيل تختص بالامور الاعتبارية و بعض الامور التكوينية كالقبض مثلا، و ليس القضاء منها - بل ذلك من باب ثبوت الحق للمجتهد في جعل منصب القضاء لغيره لأجل المحافظة على النظام.0.


1) النساء: 58.

2) جواهر الكلام 15:40.

8 - و اما الاعلمية

فقد يستدل على اعتبارها بأحد البيانات التالية:

أ - انه بناء على استكشاف نصب القاضي من خلال فكرة حفظ النظام يقال ان الاصل عدم نفوذ قضاء اي شخص في حق غيره، و القدر المتيقن في الخارج عن الاصل المذكور من باب حفظ النظام هو قضاء المجتهد الاعلم. اجل لا يحتمل ارادة الاعلم بلحاظ جميع العالم لأنه شخص واحد و لا يمكن تصديه للقضاء بين جميع الناس و انما المحتمل هو الاعلم ممن في البلد او ما يقربه.

ب - التمسك بما ورد في عهد الامام عليه السّلام للأشتر: «اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك»(1).

ج - ان الروايات الدالة على النصب و ان كانت مطلقة الا ان حكم العقل القطعي بترجيح الاعلم اشبه بالقرينة المتصلة. و لا يبعد اعتماد اطلاق النص على الوضوح المذكور.

3 - كيفية القضاء

اشارة

اذا طرحت دعوى في مال على الحاكم يلزمه للقضاء فيها تشخيص المدعي و تمييزه عن المدعى عليه ثم ملاحظة جواب الثاني، و هو لا يخلو من:

أ - اما ان يعترف بكون الحق مع المدعي فيلزمه الحاكم بذلك.


1) وسائل الشيعة 163:18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث 9.

ب - او ينكر فيطالب الحاكم المدعي بالبينة فان لم يقمها حلف المدعى عليه و تسقط بذلك الدعوى. و ان لم يحلف و ردّ اليمين على المدعي و فرض حلفه تثبت بذلك الدعوى.

و ان نكل عن كلا الامرين - الحلف و الرد - ففي القضاء عليه بمجرد ذلك أو بشرط ردّ الحاكم اليمين على المدعي و حلفه خلاف.

ج - أو يسكت - أي لا يعترف و لا ينكر - فالحكم كما في حالة الانكار، بيد انه اذا كان يدعي الجهل بالحال امكن للمدعي طلب احلافه على نفي العلم ان لم يصدّقه في دعواه الجهل.

و في الحالتين الاخيرتين اذا حلف المدعى عليه فلا تسمع البينة بعد ذلك من المدعي حتى لدى حاكم آخر كما لا تحق له المقاصة أيضا.

و الحاكم لا يحق له طلب الحلف من المدعى عليه الا بعد طلب المدعي احلافه.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم تشخيص الحاكم المدعي و تمييزه عن المدعى عليه

فلكي يطالب المدعي بالبينة مع فرض انكار المدعى عليه، فان اقامها ثبت ما ادعاه و الا ألزم المدعى عليه بالحلف و سقطت الدعوى لصحيحة جميل و هشام عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(1)و غيرها.

2 - و اما ان الحاكم يلزم المدعى عليه مع اعترافه

فلحجية الاقرار.

3 - و اما ان الحاكم يطالب المدعي بالبينة عند انكار المدعى عليه


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

فلقاعدة البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه الثابتة بالصحيحة المتقدمة و غيرها.

4 - و اما ان المدعى عليه بالخيار بين الحلف فتسقط الدعوى

الموجهة اليه و بين ردّ اليمين على المدعي و الزام المدعى عليه عند حلفه

فلصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يدعي و لا بينة له، قال: يستحلفه، فان ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له»(1)و غيرها.

5 - و اما الخلاف في القضاء بمجرد النكول عن الامرين أو بشرط‌

ردّ الحاكم اليمين على المدعي و حلفه

فسببه عدم وجود رواية تدل بوضوح على أحد الاحتمالين.

و قد استدل السيد اليزدي و جماعة آخرون على عدم القضاء بمجرد نكول المدعى عليه عن الحلف و الرد بالبيانين التاليين:

أ - التمسك بالأصل المقتضي لعدم نفوذ قضاء أي شخص في حق غيره، و القدر المتيقن في الخارج عن الاصل المذكور حالة ردّ المدعى عليه اليمين على المدعي او ردّ الحاكم عليه ذلك، و اما حالة عدم تحقق الرد من أحد الطرفين فهي للشك في خروجها عن الاصل يحكم ببقائها تحته.

ب - التمسك بما دلّ على ان القضاء بين الناس انما هو بالبينات و الايمان - كما دلت على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: انما اقضي بينكم بالبينات و الايمان.


1) وسائل الشيعة 176:18 الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

و بعضكم الحن بحجته من بعض، فايما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار»(1)- بتقريب ان المدعي اذا لم تكن له بينة و المدعى عليه لم يحلف فالقضاء آنذاك على المدعى عليه قضاء من دون بينة و لا يمين فلا يكون نافذا(2).

و اذا اشكل بان هناك رواية تدل على القضاء بمجرد النكول عن الامرين، و هي رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يدّعى عليه الحق و لا بينة للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق فان لم يفعل فلا حق له»(3)، حيث تدل بوضوح على ان المدعى عليه مخير بين امرين: الحلف او رد اليمن على المدعي فان لم يفعلهما فلا حق له و يقضى عليه من دون حاجة الى ردّ اليمين على المدعي.

امكن الجواب بان سند الرواية لو تمّ - و لم يناقش فيه من ناحية القاسم بن سليمان الذي تبتني وثاقته على قبول كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد كامل الزيارات أو تفسير القمي - فهي معارضة بالعموم من وجه بصحيحة هشام عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ترد اليمين على المدعي»(4)، فان مقتضى اطلاق الرواية الاولى ان المدعى عليه اذا لم يفعل الامرين فلا حق له و يقضى عليه سواء ردّ الحاكم اليمين على المدعي أم لا، في حين ان مقتضى اطلاق الرواية الثانية ان اليمين يلزم ردها على المدعي سواء كان الراد هو المدعى عليه او الحاكم.3.


1) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) العروة الوثقى 67:3.

3) وسائل الشيعة 176:18 الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 176:18 الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 3.

و بعد التعارض و التساقط في مادة الاجتماع يبقى الوجهان السابقان بلا مانع يمنع من الرجوع اليهما و التمسك بهما.

6 - و اما ان حكم حالة السكوت نفس حكم حالة الانكار

فلإطلاق صحيحة جميل و هشام المتقدمة الدالة على ان البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه. غايته انه في حالة الانكار يلزم حلف المدعى عليه على نفي الحق واقعا، و اما في حالة السكوت و دعوى المدعى عليه الجهل بالحال فبامكان المدعي طلب احلافه على الجهل و عدم العلم بالحال و ليس على نفي الحق واقعا لفرض عدم انكاره.

7 - و اما ان حلف المدعى عليه يمنع من قبول البينة بعد ذلك

و المقاصة

فلصحيحة ابن ابي يعفور المتقدمة عند البحث عن عدم جواز نقض حكم القاضي.

و لا ينبغي ان يفهم من هذا صيرورة المال حلالا واقعا للحالف، كلا بل هو حرام واقعا لو كان كاذبا في حلفه. و دلالة صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة على ذلك واضحة.

8 - و اما ان الحاكم لا يجوز له احلاف المدعى عليه قبل طلب

المدعي

فلان عدم طلب المدعي لذلك يعني غلقه للدعوى و لو مؤقتا و ذلك حق ثابت له.

4 - شروط سماع الدعوى

اشارة

يلزم لسماع الدعوى من المدعي - لدى المشهور - تحقق:

أ - البلوغ و العقل.

ب - ان يكون جازما في دعواه لا ظانا أو محتملا. و يستثنى من ذلك ما اذا دفع الانسان ماله الى شخص كوديعة و نحوها و ادعى تلفه فانه مع اتهامه يضمن الا ان يقيم البينة على نفي اتهامه.

ج - ان تكون دعواه لنفسه او لمن له الولاية او الوكالة عنه.

د - ان يكون متعلق الدعوى امرا سائغا فلا تسمع الدعوى من المسلم على غيره باشتغال ذمته بالخمر او ما شاكله.

ه - ان يكون المتعلق ذا اثر شرعي فلا تسمع دعوى الهبة او الوقف من دون اقباض.

و - ان يكون المدعى به معلوما في الجملة.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار البلوغ فعلّل بانه لو لم تكن للصبي بينة

فليس له طلب احلاف المدعى عليه كما لا يتمكن من الحلف لو ردّ المدعى عليه ذلك.

بل اذا كان للصبي ولي - يمكنه اقامة البينة و التصدي للحلف او طلبه - فلا دليل على وجوب سماع دعوى الصبي، و ذلك يكفي في رفضها بعد عدم لزوم الاخلال بالنظام و اقرار الظلم حيث فرض وجود ولي بامكانه التصدي.

و في مقابل هذا قد يقال بلزوم قبول دعوى الصبي لو كانت له بينة لعدم احتمال الخصوصية لبلوغ المدعي بعد فرض وجود البينة و بلزوم رفضها مؤقتا الى ان يبلغ لو لم تكن له.

هذا بالنسبة الى شرطية البلوغ.

و اما بالنسبة الى شرطية العقل فوجه اعتبارها واضح.

2 - و اما اعتبار الجزم في الدعوى

فهو المشهور. و علل ذلك:

تارة بانتفاء عنوان المدعي مع عدم الجزم، و بانتفائه لا يمكن تطبيق قاعدة البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه.

و تارة اخرى بان في سماع الدعوى من دون جزم ضررا على المدعى عليه من حيث الزامه اما بالاقرار او الانكار. و قد نسب هذان الوجهان الى صاحب الرياض(1).

و ثالثة بان من لوازم الدعوى الصحيحة امكان ردّ اليمين على المدعي، و هو هنا منتف لعدم تمكن المدعي من الحلف بعد عدم جزمه.

و رابعة بان المدعي اذا ادعى سرقة مثلا على شخص فالاصل يقتضي عدم ذلك و براءة ذمة المدعى عليه، و هذا الاصل كما هو حجة للمدعى عليه هو حجة على المدعي، و معه فلا يحق له الزام المدعى عليه بشيء. و هذا بخلافه عند فرض الجزم فان الاصل لا يكون حجّة على المدعي لفرض جزمه، و شرط حجية الاصل الشك و عدم العلم(2).

3 - و اما وجه الاستثناء

فاستدل عليه بصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن قصّار دفعت اليه ثوبا فزعم انه سرق من بين متاعه، قال: فعليه ان يقيم البينة انه سرق من بين متاعه و ليس عليه شيء، فان سرق متاعه كله فليس عليه شيء»(3)و غيرها.

و هي و ان كانت ضعيفة بطريق الشيخ الكليني بالارسال الا انها بطريق الشيخ الصدوق و الطوسي صحيحة.


1) جواهر الكلام 156:40.

2) مباني التكملة 12:1.

3) وسائل الشيعة 272:13 الباب 29 من أحكام الاجارة الحديث 5.

4 - و اما اعتبار ان تكون دعوى المدعي لنفسه او لمن له

الولاية عليه او الوكالة عنه

فلانصراف قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(1)عن المدعي الذي هو اجنبي عن الدعوى و لا ارتباط له بها.

و أضاف السيد اليزدي قدّس سرّه التمسك باصالة عدم وجوب السماع و عدم وجوب الجواب على المدعى عليه(2).

5 - و اما اعتبار كون متعلق الدعوى امرا سائغا

فواضح بعد عدم اشتغال الذمة شرعا بغيره.

6 - و اما اعتبار كون المتعلق ذا اثر شرعي

فلعدم الفائدة في قبول الدعوى في غير ذلك.

7 - و اما اعتبار المعلومية في الجملة

فلأن المجهول بشكل كلي - كما لو قال المدعي: لي عليه شيء - لا يمكن الالزام به لتردده بين ما تسمع فيه الدعوى و ما لا تسمع.

اجل اذا فسره بما يمكن الالزام به قبل ذلك منه و تحصل آنذاك دعوى ثانية.

و اذا قال: لي عليه فرس مثلا طلب منه تحديده باعتبار ان للفرس أنواعا متعددة، فان لم يمكنه تحديده لعدم علمه التفصيلي بما يستحقه فلا يبعد المصير الى القرعة لتعيينه اذا فرض قيام البينة على استحقاق الفرس في الجملة.


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) العروة الوثقى 36:3.

5 - وسائل الاثبات

اشارة

الوسائل التي يعتمد عليها الحاكم للإثبات و حل الخصومة هي: البينة، و اليمين، و الاقرار، و القرعة، و علم الحاكم نفسه.

و اما قاعدة العدل و الانصاف فهي على تقدير تماميتها ليست وسيلة لحل الخصومة.

و المستند في ذلك:

1 - اما البينة فهي حجة لإثبات دعوى المدعي بخلاف اليمين

فانها حجة لإسقاط المدعى عليه الدعوى عن نفسه. و هكذا هي حجة للمدعي لإثبات دعواه لو ردت عليه من قبل المدعى عليه أو الحاكم.

و المستند لحجيتهما قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «انما اقضي بينكم بالبينات و الأيمان...»(1)و غيره على ما تقدم.

ثم ان هناك كلاما في حجية البينة من المدعى عليه و انه هل تختص الحجة من ناحيته باليمين او تعم البينة أيضا؟

و لا يبعد ان يقال بحجيتها من ناحيته أيضا، فان ما ورد من ان:

«البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(2)لا يدل على نفي الحجية عن بينة المدعى عليه بل غاية ما يدل عليه هو مطلوبية اليمين منه، و معه فتكون البينة من المدعى عليه حجّة أيضا تمسكا باطلاق دليل حجية البينة، غايته لا يكتفى منه بها بل لا بدّ من ضم اليمين اليها


1) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 170:18 الباب 3 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

تمسكا باطلاق «و اليمين على من ادعي عليه».

و الثمرة تظهر فيما لو أقام كل من المدعي و المدعى عليه البينة، فانه تتعارض البينتان و تتساقطان و تبقى يمين المدعى عليه هي المحكم.

2 - و اما الاقرار فلا اشكال في حجيته

. و ليس ذلك للحديث المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «اقرار العقلاء على انفسهم جائز»(1)فانه كما قال صاحب الوسائل في ذيل الحديث المذكور: «رواه جملة من علمائنا في كتبهم الاستدلالية من دون ان يعرف له مستند غير ذلك» بل ذلك للسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع.

و اذا قلت: كيف يجعل الاقرار وسيلة للإثبات في باب القضاء و الحال ان مدارك القضاء قد حصرت بالبينات و الايمان حيث قال صلّى اللّه عليه و آله:

«انما اقضي بينكم بالبينات و الايمان. و بعضكم ألحن بحجته من بعض فايّما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانّما قطعت له به قطعة من النار»(2)؟

قلت: ان الحديث ناظر الى حالة الخصومة، و مع فرض الاقرار لا خصومة.

هذا مضافا الى ان دلالته على الحصر قابلة للتأمل، فانه في صدد بيان اني استند في باب القضاء الى البينة و اليمين، و لربما لا يكونان مصيبين و يأخذ أحد الطرفين ما ليس حقا له و هو فرح بذلك و لا يلتفت الى اني قد قلت: «قطعت له به قطعة من النار»، انه في صدد بيان هذا،


1) وسائل الشيعة 133:16 الباب 3 من ابواب الاقرار الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

و ليس في صدد بيان ان المستندات في باب القضاء منحصرة بالبينة و اليمين.

3 - و اما القرعة

فتدل على حجيتها سيرة العقلاء و السنة الشريفة.

اما السيرة فانعقادها على العمل بالقرعة واضح. و حيث لا ردع عنها شرعا فيستكشف امضاؤها.

و اما السنة فالدال منها في الموارد الخاصة المتفرقة كثير الا ان ما يدل على حجيتها بشكل عام روايتان:

أ - رواية محمد بن حكيم بل صحيحته: «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن شيء فقال لي: كل مجهول ففيه القرعة. قلت: ان القرعة تخطئ و تصيب. قال: كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ»(1)، فانه و ان لم يحدد فيها المقصود من كلمة «شيء»، و من المحتمل اختصاصه بمورد معين الا ان ذلك لا يمنع من استفادة العموم منها فان العبرة بعموم الجواب، و لا يضر بذلك اختصاص السؤال بمورد معين.

ب - صحيحة ابراهيم بن عمر عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل قال: اول مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة. قال: يقرع بينهم فمن اصابه القرعة اعتق. قال: و القرعة سنة»(2)، فان موردها و ان كان خاصا الا انه بواسطة الذيل يمكن استفادة التعميم.

هذا و قد يستدل من الكتاب الكريم أيضا بالآيتين الكريمتين التاليتين:

أ - وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ


1) وسائل الشيعة 189:18 الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث 11.

2) وسائل الشيعة 187:18 الباب 13 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (1)، فان المساهمة عبارة اخرى عن الاقتراع، و حيث قد شارك فيه النبي يونس عليه السّلام فيدل ذلك على حجية الاقتراع.

ب - وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (2)، فان إلقاء الاقلام في الماء لتعيين الكفيل لمريم عبارة اخرى عن الاقتراع، و حيث قد شارك فيه النبي زكريا عليه السّلام فيدل ذلك على حجيته.

بيد ان دلالة الآيتين الكريمتين لو تمت فهي خاصة بموردهما و لا تنفعان في غيره.

ثم انه قد يشكل على حجية القرعة في باب القضاء بما تقدم عند البحث عن حجية الاقرار و ان قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «انما اقضي بينكم بالبينات و الايمان» قد حصر مدارك القضاء بالبينة و اليمين، و ذلك يدل على عدم حجية القرعة.

و الجواب عن ذلك ما تقدم و ان الدلالة على الحصر قابلة للتأمل.

4 - و اما حكم القاضي استنادا الى علمه

فقد ذكر صاحب الجواهر: ان المشهور بل المتفق عليه جواز حكم القاضي بعلمه في حقوق الناس و حقوق اللّه سبحانه و لم ينسب الخلاف الا الى ابن الجنيد حيث منع مطلقا.

و أنكر عليه بان الامامية مطبقة على جواز ذلك، و لذا ينكرون على ابي بكر مطالبته الصديقة الطاهرة سلام اللّه عليها بالبينة على ان أباها


1) الصافات: 139-141.

2) آل عمران: 44.

قد أنحلها فدكا و قالوا: انه ما دام يعلم بعصمتها و انها لا تدعي الا حقا فلا وجه لمطالبتها بالبينة لان البينة لا وجه لها مع العلم بالصدق(1).

و قد استدل على اعتبار علم القاضي بوجوه نذكر منها:

أ - ان البينة جعلت حجة لكاشفيتها، و من المعلوم ان العلم اقوى منها كاشفية فيلزم ان يكون حجة بالاولوية.

ب - التمسك بما دلّ على وجوب الحكم بالعدل و الحق، كقوله تعالى: يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ (2)، وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (3)، بتقريب ان الحاكم لو علم ان هذا زان مثلا فاذا حكم بزناه و ثبوت الحدّ عليه كان ذلك حكما بالحق و العدل فيكون جائزا بل واجبا.

ج - انه في باب السرقة و الزنا علق الحكم بالحدّ على عنوان فرض العلم بتحققه حيث قال تعالى: اَلسّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (4)، اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ... (5)، فان الخطاب موجّه للحكام و المراد: ايها الحكام متى ما فرض انكم علمتم بتحقق عنوان الزنا و السرقة فعليكم اجراء الحد، اذ السارق و الزاني هو من تلبس بالوصف دون من قامت عليه البينة او اقر بذلك.

و اذا ثبتت حجية علم الحاكم في حدود اللّه سبحانه ثبت ذلك في2.


1) جواهر الكلام 88:40.

2) ص: 26.

3) النساء: 58.

4) المائدة: 38.

5) النور: 2.

حقوق الناس بالاولوية.

د - التمسك بصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «في كتاب علي عليه السّلام: ان نبيا من الانبياء شكا الى ربه فقال: يا رب كيف اقضي فيما لم أر و لم اشهد؟ قال: فأوحى اللّه اليه: احكم بينهم بكتابي و اضفهم الى اسمي فحلفهم به، و قال: هذا لمن لم تقم له بينة»(1)، فانه يدل على جواز قضاء الحاكم فيما اذا رأى الواقعة و شهدها. و الظاهر من نقل القصة في الحديث امضاء ما نقل فيها من حكم.

هذه وجوه اربعة. و اذا امكنت المناقشة في بعضها ففي الباقي كفاية.

و لا موجب للتوقف في المسألة الا حصر مستندات القضاء في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «انما اقضي بينكم بالبينات و الايمان»(2)في خصوص البينة و اليمين او ان قضاء الحاكم بعلمه يورث له التهمة التي يلزم ان ينزّه نفسه عنها.

و الاول مدفوع بان الحديث لو كان دالا على الحصر فهو ناظر الى الحالة الغالبة الفاقدة للعلم.

و الثاني يدفع بان افتراض عدالة الحاكم و اخباره برؤية الواقعة يدفع عنه التهمة. على انه قد يشكك في مانعية التهمة ما دامت في سبيل اقامة حدّ من حدود اللّه سبحانه.

5 - و اما قاعدة العدل و الانصاف

فقد وقع الخلاف في حجيتها.

و يمكن الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ


1) وسائل الشيعة 167:18 الباب 1 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1).

و اذا سلّم بتمامية القاعدة المذكورة و الحكم بلزوم تنصيف المال المتنازع فيه عند تساوي المتنازعين فيه من حيث وجدان البينة او اليد او فقدانهما فهي - كما هو واضح - ليست وسيلة لإثبات كون الحق في هذا الجانب او ذاك بل هي بمنزلة الأصل العملي الذي يرجع اليه الفقيه عند فقدان الوسيلة المثبتة للحكم.

6 - قسمة المال المشترك

اشارة

قسمة الشركاء ما اشترك بينهم صحيحة. و يجبر الممتنع عليها فيما اذا لم يلزم منها ضرر - اما اذا لزم منها ذلك على الكل او البعض فتصح مع التراضي و لا يجوز الاجبار - سواء كانت قسمة افراز أم قسمة تعديل أم قسمه رد. غايته في الاخيرة ان تمّ الاتفاق على تعيين الراد فلا مشكلة و الا عيّن بالقرعة.

و اذا كان المال المشترك غير قابل للقسمة حتى مع الرد فمع التراضي على تقبّل البعض له و دفع حصة الآخر من القيمة فلا مشكلة و الا أجبرا على بيعه و تقسيم الثمن بينهما.

و القسمة عقد مستقل لازم لا يحق فسخها الا مع التراضي.

و المدعي لوقوع الغلط فيها بعد تحققها لا يقبل ذلك منه الا بالبينة. و ليس له احلاف صاحبه الا اذا ادعى علمه بذلك فله احلافه على عدم العلم.


1) النساء: 58.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان القسمة - التي هي تعيين حصة أحد الشريكين او

الشركاء و فرزها عن حصة الآخر - صحيحة

فهي من الامور الواضحة.

و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (1)، و السيرة العقلائية المنعقدة على ذلك الممضاة بعدم الردع.

بل مع فرض التراضي يمكن التمسك بقاعدة سلطنة الناس على اموالهم.

2 - و اما جواز الاجبار

فلا يمكن التمسك لإثباته بقاعدة السلطنة لكونها معارضة بالمثل في حق الطرف الثاني، بل ذلك للسيرة المتقدمة المنعقدة على جواز الاجبار أيضا.

و اما التخصيص بحالة عدم لزوم الضرر فلان ذلك هو القدر المتيقن من السيرة.

3 - و اما انها تصح حالة الضرر مع التراضي

فللسيرة و قاعدة السلطنة.

4 - و اما عدم الفرق بين افراد القسمة في الصحة و جواز الاجبار

فلعموم السيرة المتقدمة، فانها لا تفرّق بين ان تكون القسمة قسمة افراز - و هي قسمة العين المشتركة ذات الاجزاء المتساوية من جهة القيمة - أو قسمة تعديل - و هي قسمة العين المشتركة ذات الاجزاء غير المتساوية من حيث القيمة التي لا بدّ فيها من تعديل السهام - او قسمة


1) النساء: 8.

رد، و هي القسمة التي لا تمكن الا برد احد الشركاء الى الآخر شيئا من الخارج.

5 - و اما اللجوء الى القرعة لتعيين الراد اذا لم يتم الاتفاق عليه

فلأنها لكل امر مجهول.

6 - و اما ان غير القابل للقسمة حتى مع الرد - كما في العبد

المشترك مثلا - يباع و يقسم ثمنه

فلقضاء السيرة بذلك.

7 - و اما انها عقد مستقل فلأنها في روحها معاملة يراد بها تعيين

الحصص

، و هي بهذا المعنى لا ترجع الى البيع و لا إلى غيره من المعاملات.

8 - و اما انها عقد لازم

فلان ذلك هو مقتضى الاصل في كل معاملة استنادا الى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)- الدال على لزوم الوفاء بكل عقد، و لازم ذلك عدم صحة الفسخ من دون تراض - و غيره من الوجوه التي تقدّمت الاشارة إليها في أوائل كتاب البيع.

9 - و اما ان المدعي لوقوع الغلط في القسمة تلزمه اقامة البينة

فلان الاصل في كل عقد يشك في فساده هو الصحة طبقا لأصالة الصحة، و المدعي للفساد لا يصدّق الا اذا اثبت مدعاه بالبينة لقاعدة «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه».

10 - و اما ان مدعي الغلط له احلاف صاحبه اذا ادعى علمه به

فلانه مدعى عليه آنذاك و وظيفته اليمين، بخلاف ذلك فيما لو لم يدع عليه العلم بالغلط فانه ليس له احلافه آنذاك لعدم كونه مدعى عليه.


1) المائدة: 1.

7 - احكام عامة في باب القضاء

اشارة

المدعي هو من خالف قوله الحجة. و قيل غير ذلك.

و هو مطالب بالبينة بلا حاجة الى ضم يمينه الا في الدعوى على الميت بدين.

و المدعى عليه يطالب باليمين دون البينة الا في موردين، أحدهما: قد تقدم عند البحث عن شروط سماع الدعوى. و ثانيهما: باب القتل، فان المدعي يمكنه اثبات دعوى القتل بالبينة، و مع عدمها لا تسقط دعواه بيمين المدعى عليه بل لا بدّ من اقامته البينة على نفي القتل عنه.

و الحلف لا يصح الا باللّه سبحانه و بأسمائه الخاصة و لو مع الترجمة.

و لا يتوجه اليمين على المنكر في باب الحدود بل الاثبات ينحصر بالبينة او الاقرار.

و الدعوى على الغائب مسموعة اذا أقام المدعي البينة على ما يدعيه و يأخذ الحاكم بحقه من اموال المدعى عليه بعد طلب كفيل منه على المال، و يبقى الغائب على حجته اذا رجع. و لو اثبت عدم استحقاق شيء عليه يسترجع الحاكم ما دفعه الى المدعي.

و اذا كان لشخص مال في يد غيره جاز له اخذه منه من دون استئذانه ان لم يستلزم ذلك تصرفا في ملكه.

هذا اذا كان المال عينا.

و اما اذا كان دينا في ذمته فمع اعترافه و بذله لا يجوز اخذه منه من دون استئذانه. و هكذا لو كان غير باذل له و كان امتناعه بحق.

اجل اذا كان امتناعه بظلم جازت المقاصة بلا حاجة الى استئذان من الحاكم الشرعي.

و من ادعى مالا لا يد لأحد عليه حكم له به بلا مطالبة بالبينة.

و من ادعى مالا في يد غيره و فرض انكاره:

فتارة يفرض عدم البينة لأحدهما فيحلف ذو اليد و يحكم له به. و مع عدم حلفه و رده اليمين على المدعي و فرض حلفه يحكم له به. و مع عدم حلفه هو أيضا يحكم به لذي اليد.

و اخرى يفترض وجود البينة للمدعي فيحكم له به.

و ثالثة يفترض وجودها لذي اليد فيحكم له به أيضا مع يمينه.

و رابعة يفترض وجود البينة لكليهما فيحكم به لذي اليد مع حلفه.

و المستند في ذلك:

1 - اما الضابط في تحديد المدعي

فقد وقع فيه الاختلاف بين الاعلام بعد اتفاقهم على كونه المطالب بالبينة. و منشأ الاختلاف عدم ورود تحديد شرعي له ليكون عليه المعول. و من هنا قيل:

أ - ان المدعي هو من اذا ترك ترك.

و فيه: ان هذا يتم فيما لو ادعى شخص على آخر دينا او عينا او غيرهما، و لا يتم فيما اذا اعترف الآخر بالدين و ادعى ايفاءه او اعترف بأخذ العين عارية او وديعة و ادعى ارجاعها فانه مدع جزما مع انه اذا ترك لا يترك.

ب - ان المدعي هو كل من يدعي شيئا و يرى العقلاء كونه ملزما

بالاثبات(1).

و فيه: ان تحديد المدعي بمن يدعي شيئا هو تفسير للشيء بنفسه و اشبه بتفسير الماء بالماء.

و اما تحديده بمن يكون ملزما لدى العقلاء بالاثبات فهو تحديد للمدعي من خلال حكمه - فان العقلاء يرون أيضا ان على المدعي الاثبات، و ليس ذلك حكما خاصا بالشرع - و هو غير ممكن لان اثبات الحكم لموضوع فرع كون ذلك الموضوع محددا في نفسه و بقطع النظر عن حكمه.

ج - ما يظهر من الجواهر و صرّح باختياره الآشتياني و غيره من ان المرجع في تحديد المدعي هو العرف، فكل من صدق عليه عرفا عنوان المدعي ثبت كونه كذلك و كان ملزما بالبينة(2).

و هذا التحديد و ان كان من جهة جيدا لان الشرع ما دام لم يتصدّ لتحديد مفهوم المدعي فالمرجع يكون هو العرف، كما هو الحال في كل مفهوم لم يرد فيه تحديد شرعي، ان هذا امر مسلّم به الا ان الكلام هو في تحديد نظر العرف و انه من هو المدعي في نظر العرف ليكون ملزما بالبينة.

و لعل المناسب ان يقال: ان المدعي في نظر العرف هو من خالف قوله الحجة، فاليد حجة كاشفة عن الملكية، و استصحاب الحالة السابقة حجة على بقائها، و من خالف في دعواه احدى هاتين الحجتين و ما شاكلهما فهو المدعي و يكون ملزما بالاثبات لأنه يدعي شيئا يخالف6.


1) مباني التكملة 42:1.

2) جواهر الكلام 371:40، و كتاب القضاء للآشتياني: 336.

ما عليه الحجة بخلاف المدعى عليه فان قوله موافق للحجة.

و لعل هذا هو مقصود من فسّر المدعي بمن خالف قوله الأصل او الظاهر بعد اخذ الأصل او الظاهر كمثال لمطلق الحجة.

2 - و اما ان المدعي لا يطالب باليمين اضافة الى البينة

فلدلالة قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(1)على ذلك بعد الالتفات الى ان التفصيل قاطع للشركة.

3 - و اما وجه استثناء الدعوى على الميت

فيأتي في كتاب الشهادات ان شاء اللّه تعالى.

4 - و اما ان المدعى عليه يطالب بالبينة في باب القتل لدفع دعوى

القتل عن نفسه

فلصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم ان البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه، و حكم في دمائكم ان البينة على من ادعي عليه و اليمين على من ادعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم»(2)و غيرها.

و هي و ان كانت مطلقة من حيث اعتبار اللوث(3)و عدمه الا انه لا بدّ من تخصيصها بذلك، فان ذلك مضافا الى كونه متسالما عليه بين الاصحاب يمكن استفادته من بعض الروايات التي تأتي الاشارة اليها في كتاب القصاص إن شاء اللّه تعالى. و يأتي أيضا ان المدعى عليه اذا لم تكن له بينة فبامكان المدعي اثبات دعواه بقسامة خمسين رجلا.


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 3 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 171:18 الباب 3 من أبواب كيفية الحكم الحديث 3.

3) اللوث: كل امارة تورث الظن بصدق المدعي في دعواه نسبة القتل الى شخص، كوجود شخص بيده سلاح متلطخ بالدم عند قتيل. مجمع البحرين: مادة «لوث».

5 - و اما ان الحلف لا يصح الا باللّه سبحانه

فلصحيحة سليمان بن خالد المتقدمة: «في كتاب على عليه السّلام ان نبيا من الأنبياء شكا الى ربه فقال: يا رب كيف اقضي فيما لم أر و لم اشهد؟ قال:

فأوحى اللّه اليه: احكم بينهم بكتابي و اضفهم الى اسمي فحلّفهم به. و قال: هذا لمن لم تقم له بينة»(1).

و هي تدل على صحة الحلف بجميع اسمائه عز و جل لإطلاق كلمة «اسمي» في جملة «و اضفهم الى اسمي». كما يدل ذلك أيضا على اجزاء الترجمة.

ثم انه قد يستدل على عدم صحة الحلف الا باللّه سبحانه و اسمائه بالروايات المطلقة الناهية عن القسم بغيره سبحانه حتى في غير باب القضاء، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: قول اللّه عز و جل: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى (2)، وَ النَّجْمِ إِذا هَوى (3)و ما أشبه ذلك، فقال: ان للّه عز و جل ان يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه ان يقسموا الا به»(4)فانها تدل باطلاقها على حرمة القسم بغير اللّه سبحانه حتى في باب القضاء، و لازم ذلك عدم كفاية القسم بغيره سبحانه.

الا انه لا بد من حمل مثل الرواية المذكورة على الكراهة بقرينة ما دلّ على جواز القسم بغير اللّه سبحانه، من قبيل صحيحة علي بن مهزيار: «قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السّلام الى داود بن القاسم: اني قد


1) وسائل الشيعة 167:18 الباب 1 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) الليل: 1.

3) النجم: 1.

4) وسائل الشيعة 191:16 الباب 30 من أبواب الايمان الحديث 3.

جئت و حياتك»(1)و غيرها.

6 - و اما عدم توجه اليمين الى المنكر في باب الحدود

فلموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر بن محمد عن ابيه عليه السّلام: «ان رجلا استعدى عليا عليه السّلام على رجل فقال انه افترى عليّ، فقال علي عليه السّلام للرجل: أفعلت ما فعلت؟ فقال: لا. ثم قال علي عليه السّلام للمستعدي: أ لك بينة؟ فقال: ما لي بينة فاحلفه لي قال علي: ما عليه يمين»(2).

و اذا لم يكن للموثقة المذكورة اطلاق لغير موردها فيمكن التمسك بموثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن امير المؤمنين عليهم السّلام: «لا يستحلف صاحب الحد»(3).

و عليه فلو ادعى شخص ان فلانا قذفني مثلا فلا بد من اقامته البينة و الا تسقط دعواه بلا حاجة الى يمين المدعى عليه.

7 - و اما ان الدعوى على الغائب مسموعة

فلصحيحة جميل عن جماعة من اصحابنا عنهما عليهما السّلام: «الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البينة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب، و يكون الغائب على حجته اذا قدم. قال: و لا يدفع المال الى الذي اقام البينة الا بكفلاء»(4).

و هي اذا كانت ضعيفة في بعض طرقها فيمكن التعويض ببقية طرقها التي أشار اليها صاحب الوسائل.

و لا يشكل عليها بالارسال حيث عبّر «عن جماعة من أصحابنا»


1) وسائل الشيعة 195:16 الباب 30 من أبواب الايمان الحديث 14.

2) وسائل الشيعة 336:18 الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 336:18 الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 216:18 الباب 26 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

بدون تشخيصهم.

فانه يجاب بان الجماعة - التي أقلها ثلاثة - لا يحتمل اجتماعها على الكذب و عدم وجود ثقة من بينهم خصوصا و هم مشايخ لجميل بن دراج الذي هو من أعاظم الرواة.

على انه في بعض الطرق الاخرى قد صرح هكذا: عن جميل عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام فراجع(1).

و اذا قيل: ان الرواية المذكورة معارضة برواية الحميري في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السّلام: «لا يقضى على غائب»(2).

قلنا: هي مطلقة فيمكن حملها بقرينة الرواية السابقة على ان المقصود: لا يقضى عليه بنحو كامل بل يبقى على حجته او انه لا يقضى عليه من دون كفلاء.

هذا مضافا الى ضعف سندها بأبي البختري وهب بن وهب الذي قيل عنه: انه اكذب اهل البرية(3).

8 - و اما جواز اخذ الشخص ماله اذا كان في يد غيره بدون

استئذانه ما دام لا يستلزم ذلك تصرفا في ملكه

فلقاعدة الناس مسلطون على اموالهم الثابتة بسيرة العقلاء.

و التقييد بعدم استلزام ذلك التصرف في ملك الغير باعتبار ان ذلك هو القدر المتيقن من معقد السيرة.


1) ذيل الحديث في وسائل الشيعة.

2) وسائل الشيعة 217:18 الباب 26 من أبواب كيفية الحكم الحديث 4.

3) اختيار معرفة الرجال الرقم 558.

9 - و اما ان المال اذا كان دينا فلا يجوز اخذه بدون استئذان

مع فرض الاعتراف و البذل

فلان الكلي في الذمة لا يتشخص في الفرد الخارجي الا بتشخيص صاحب الذمة المشغولة.

و نفس النكتة المذكورة تأتي لو كان الامتناع عن البذل بحق.

10 - و اما جواز المقاصة مع الامتناع بغير حق

فلصحيحة داود بن زربي: «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: اني اخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها و الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي ان آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك و لا تزد عليه»(1)و غيرها.

و مقتضى اطلاقها عدم الحاجة الى الاستئذان من الحاكم الشرعي، بل بعد ثبوت الاذن من الشرع لا تعود حاجة الى الاستئذان المذكور.

و اذا قيل: من المحتمل ان ما صدر من الامام عليه السّلام كان اذنا خاصا، و معه لا يمكن التمسك بالاطلاق او بصدور الاذن من الشرع.

قلنا: ان الراوي سوف ينقل الاذن الى غيره و يفهم الجميع من ذلك الاذن العام فلو كان مقصوده عليه السّلام الاذن الخاص احتاج ذلك الى تقييد بعد ما كان - الاذن الخاص - مجرد احتمال يبرز في خصوص الاوساط العلمية و ليس في نطاق اوسع.

11 - و اما ان من ادعى مالا لا يد لأحد عليه حكم له به بلا مطالبة

بالبينة

فلقاعدة قبول دعوى المدعي بلا منازع الثابتة بسيرة العقلاء الممضاة بعدم الردع.


1) وسائل الشيعة 202:12 الباب 83 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1.

و تدل على ذلك أيضا صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه الف درهم فسأل بعضهم بعضا أ لكم هذا الكيس فقالوا كلهم: لا، و قال واحد منهم: هو لي فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه»(1).

12 - و اما ان المدعي لما في يد غيره يحكم بكونه لذي اليد مع

يمينه اذا لم تكن بينة لأحدهما

فلان صاحب اليد مدعى عليه فيقبل قوله بيمينه ما دام لا بينة.

أجل مع عدم حلفه و ردّه اليمين على المدعي يحكم له به على تقدير حلفه، و مع عدم حلفه يحكم به لذي اليد لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يدعي و لا بينة له، قال: يستحلفه فان ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له»(2)و غيرها.

بل يمكن التمسك بقاعدة اليد التي هي امارة على الملك لإثبات كونه لذي اليد اذا ردّ اليمين على المدعي و لم يحلف.

13 - و اما الحكم بالمال للمدعي مع وجود البينة له

فواضح.

14 - و اما الحكم به لذي اليد مع يمينه اذا كانت له بينة

فلما تقدمت الاشارة اليه - عند البحث عن وسائل الاثبات - من ان مقتضى اطلاق قوله صلّى اللّه عليه و آله: «و اليمين على من ادعي عليه» ان اليمين ثابتة على المدعى عليه حتى مع اقامته البينة.

و اذا قيل: ان صحيحة حماد بن عثمان: «بينما موسى بن عيسى في داره التي في المسعى يشرف على المسعى اذ رأى ابا الحسن


1) وسائل الشيعة 200:18 الباب 17 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 176:18 الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

موسى عليه السّلام مقبلا من المروة على بغلة فامر ابن هياج - رجلا من همدان منقطعا اليه - ان يتعلق بلجامه و يدعي البغلة فاتاه فتعلق باللجام و ادعى البغلة فثنى ابو الحسن عليه السّلام رجله و نزل عنها و قال لغلمانه: خذوا سرجها و ادفعوا اليه فقال: و السرج أيضا لي فقال: كذبت، عندنا البينة بانه سرج محمد بن علي، و اما البغلة فانّا اشتريناها منذ قريب و انت اعلم و ما قلت»(1)تدل على ان صاحب اليد اذا كانت له بينة فلا يحتاج الى اليمين.

قلنا: انه عليه السّلام لم يقل: اني لا احتاج الى يمين بل قال انت كاذب لان عندي بينة على كذبك، فالبينة قد اكتفى بها عليه السّلام في الحكم بكذب المدعي و ليس للاكتفاء بها في مقام اسقاط الدعوى.

15 - و اما تقديم قول ذي اليد مع حلفه على تقدير وجود البينة له

و للمدعي

فلموثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رجلين اختصما الى امير المؤمنين عليه السّلام في دابة في ايديهما و اقام كل واحد منهما البينة انها نتجت عنده فاحلفهما علي عليه السّلام فحلف احدهما و أبى الآخر ان يحلف فقضى بها للحالف. فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و اقاما البينة، فقال: احلفهما فايهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين. قيل: فان كانت في يد احدهما و اقاما جميعا البينة؟ قال: اقضي بها للحالف الذي هي في يده»(2)حيث يدل ذيلها على ما ذكرنا.

بل ان القاعدة تقتضي ذلك أيضا، فانه بعد تعارض البينتين


1) وسائل الشيعة 214:18 الباب 24 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 182:18 الباب 12 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

و تساقطهما يعود صاحب اليد بلا مزاحم فيقدم قوله مع يمينه.

و اذا قيل: ان الحجة من المدعى عليه هي اليمين دون البينة، و معه فلا تقع بينته معارضة لبينة المدعي لتسقط الاخيرة عن الاعتبار.

قلنا: ان قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه»(1)لا يدل على عدم اعتبار البينة من المدعى عليه، بل يدل بمقتضى اطلاقه على ان المطلوب منه اليمين و ان البينة و حدها لا يكتفى بها منه ما لم تنضم اليها اليمين. و عليه تعود البينة من المدعى عليه حجة بمقتضى اطلاق دليل حجية البينة و تقع طرفا للمعارضة لبينة المدعي.1.


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 3 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

كتاب الشّهادات

اشارة

1 - شرائط الشاهد

2 - اختلاف الحقوق في الاثبات

3 - احكام عامة في باب الشهادات

1 - شرائط الشاهد

اشارة

يلزم لقبول شهادة الشاهد في مطلق موارد الشهادة ما يلي:

1 - البلوغ فلا تقبل شهادة غير البالغ الا في القتل فانه يؤخذ باول كلامه.

و في التعدي الى الجرح خلاف. هذا في الصبي. و اما الصبية فينبغي الجزم بعدم قبول شهادتها.

2 - العقل.

3 - العدالة.

4 - الإسلام بل الايمان فلا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم - الا الذمي في الوصية بالمال اذا لم يوجد شاهدان عادلان من المسلمين - و لا شهادة غير المؤمن.

5 - طهارة المولد الا في الشيء اليسير.

6 - ان لا تجر الشهادة نفعا و لا تدفع ضررا، كشهادة الشريك لشريكه بانه اشترى من ثالث عينا لهما او شهادة بعض افراد العاقلة بجرح شهود الجناية.

7 - ان لا يكون الشاهد ذا عداوة دنيوية مع المشهود عليه و لو لم توجب فسقا.

8 - ان لا يكون سائلا بكفه.

و المستند في ذلك:

1 - اما الصبي غير المميز

فلا يمكن تحقق الشهادة منه. و اما المميز فقد يمكن تحصيل بعض المطلقات الشاملة لشهادته، كقوله تعالى: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ (1)، وَ اللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (2).

الا انه على تقدير تمامية الاطلاق المذكور - و عدم المناقشة بكون الخطابات المذكورة في مقام بيان الحث على الشهادة و طلبها لا أكثر - لا بدّ من تقييده بصحيحة محمد بن حمران: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن شهادة الصبي فقال: لا، الا في القتل يؤخذ بأول كلامه و لا يؤخذ بالثاني»(3)و غيرها.

و قد تعارض الصحيحة المذكورة و غيرها اما بموثقة طلحة بن زيد عن الامام الصادق عن ابيه عن آبائه عن علي عليهم السّلام: «شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا او يرجعوا الى اهلهم»(4)، أو بموثقة عبيد بن زرارة: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن شهادة الصبي و المملوك، فقال: على قدرها يوم اشهد تجوز في الامر الدون و لا تجوز


1) النساء: 6.

2) النساء: 15.

3) وسائل الشيعة 252:18 الباب 22 من أبواب الشهادات الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 253:18 الباب 22 من أبواب الشهادات الحديث 6.

في الامر الكبير»(1).

الا انه يمكن الجواب عن الاولى بانها و ان كانت تامة سندا - لان طلحة و ان لم يوثق الا ان تعبير الشيخ عن كتابه بانه معتمد(2)يسهّل الامر في رواياته - الا انها خاصة بشهادة الاطفال بعضهم على بعض و ليس على البالغين. على ان بالامكان تقييدها بمورد القتل.

و عن الثانية بهجرانها لدى الاصحاب و عدم قائل بمضمونها، و ذلك يوجب سقوطها عن الحجية.

ثم انه مما يؤكد عدم حجية شهادة غير البالغ قوله تعالى:

وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (3)، فان اعتبار بلوغ الشاهد في باب الدين يدل على اعتباره في غيره اما بالاولوية او بتنقيح المناط و الغاء الخصوصية.

2 - و اما انه يؤخذ بأول كلام الصبي

فللصحيحة المتقدمة.

و اعتبر البعض في القبول عدم التفرق مستندا الى موثقة طلحة المتقدمة. و لكنك قد عرفت نظرها الى شهادة الصبيان فيما بينهم و ليس على البالغين.

3 - و اما الجرح

فقد قيل بقبول شهادة الصبي فيه أيضا بالاولوية، بل خصّ المحقق في الشرائع قبول شهادة الصبي بذلك(4)، و هو غريب.

و في مقابل هذا يمكن ان يقال باختصاص القبول بمورد القتل


1) وسائل الشيعة 253:18 الباب 22 من أبواب الشهادات الحديث 5.

2) فهرست الشيخ الطوسي: 86 الرقم 362.

3) البقرة: 282.

4) شرائع الإسلام 910:4، انتشارات استقلال.

لاحتمال وجود خصوصية في نظر الشارع، و هي المحافظة على الدماء.

بل ان لازم القول بالاولوية التعدي الى جميع الموارد الاخرى لأنها دون القتل.

4 - و وجه الجزم في رفض شهادة الصبية

ان مثل صحيحة محمد بن حمران المتقدمة جاءت استثناء من شرطية البلوغ و ليس من شرطية الذكورة.

5 - و اما العقل

فاعتباره واضح. اجل في الادواري لا محذور في قبول شهادته حالة افاقته لإطلاق الادلة. و المناسب ان يكون ذلك - كما قال المحقق -: «بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته»(1).

6 - و اما العدالة

فلا اشكال في اعتبارها في الشاهد في الجملة.

و قد قال تعالى في شاهدي الطلاق: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (2). و قال في شاهدي الوصية: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (3). و قال في شاهدي كفارة الصيد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (4)، بناء على ارادة الشاهدين لتشخيص قيمة الصيد المقتول دون الرسول و الامام عليهما السّلام اللذين


1) شرائع الإسلام 911:4، انتشارات استقلال.

2) الطلاق: 2.

3) المائدة: 106.

4) المائدة: 95.

يقومان بتشخيص الكفارة في كل صيد و ان في النعامة بدنة و في الظبي شاة و نحو ذلك - كما دلت عليه بعض الروايات(1)- و الا كانت خارجة عن محل الكلام.

و في موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: ان تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا.... و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته...»(2).

و فيها دلالة واضحة على شرطية العدالة لا بمعناها الدقيق بل بمعنى حسن الظاهر.

و الرواية قد رويت بطريقين، ورد في احدهما احمد بن محمد بن يحيى العطار الذي تبتني وثاقته على كبرى وثاقة مشايخ الاجازة و لا أقلّ المعروفين منهم، و في ثانيهما محمد بن موسى الهمداني الذي قد استثناه ابن الوليد من رجال نوادر الحكمة(3).

و يمكن التعويض عنها - بناء على عدم تمامية سندها - بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: لاي.


1) التهذيب 314:6 الحديث 867.

2) وسائل الشيعة 288:18 الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 1.

3) لا حظ ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري في رجال النجاشي: 245، من منشورات مكتبة الداوري.

بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»(1)، بناء على تنقيح المناط و الغاء خصوصية المملوك.

و اما بقية الروايات فهي بين ما دلّ على مانعية الفسق او الاكتفاء بالخير او الصلاح او العفة و الصون فراجع.

و قد يفهم الفقيه من كل هذا ان العدالة بمعناها الدقيق المتداول بين الفقهاء ليست شرطا بل هي شرط بمعنى حسن الظاهر و العفة و المعروفية بالخير.

7 - و اما اشتراط الإسلام

فهو من واضحات الفقه. و قد دلت على ذلك موثقة سماعة: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن شهادة اهل الملة فقال: لا تجوز الا على اهل ملتهم»(2)و غيرها.

و اما الاستثناء المذكور فمما لا خلاف فيه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ... (3)و الروايات الكثيرة(4).

و اما الايمان فلا اشكال في اشتراطه اذا كان غير المؤمن معاندا لأنه فاسق، و الحديث الشريف يقول: «كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول:...

لا اقبل شهادة الفاسق الا على نفسه» كما في صحيح محمد بن قيس(5).


1) وسائل الشيعة 253:18 الباب 23 من أبواب الشهادات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 284:18 الباب 38 من أبواب الشهادات الحديث 2.

3) المائدة: 106.

4) و هي مذكورة في وسائل الشيعة 287:18 الباب 40 من ابواب الشهادات، و 390:13 الباب 20 من أحكام الوصايا.

5) وسائل الشيعة 278:18 الباب 32 من أبواب الشهادات الحديث 4.

و اما اذا كان مستضعفا فالمشهور عدم قبول شهادته أيضا - حيث لم يفصلوا في رفض شهادة غير المؤمن بين القسمين - الا ان الشهيد الثاني قدّس سرّه شكّك في ذلك و ابرز احتمال قبول شهادته بل اختار ذلك لوجود المقتضي و فقدان المانع.

اما وجود المقتضي فلا طلاق مثل قوله عليه السّلام - في صحيحة محمد بن مسلم -: «لو كان الامر إلينا لأجزنا شهادة الرجل اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس»(1).

و اما فقدان المانع فلان ما يتصور كونه مانعا ليس الا صدق عنوان الفاسق عليه، و هو مدفوع، باعتبار ان صدقه يختص بالمعاند، اي الذي يفعل المعصية و هو يعلم انها معصية دون من يرتكبها و هو يعتقد انها طاعة. ثم اضاف قائلا: ان تحقق العدالة لا يختص بالامامي بل تتحقق في جميع اهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم(2).

8 - و اما اعتبار طهارة المولد

فقد دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: لا تجوز شهادة ولد الزنا»(3)و غيرها.

و يستثنى من ذلك الشيء اليسير لصحيحة عيسى بن عبد اللّه:

«سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز الا في الشيء اليسير اذا رأيت منه صلاحا»(4).


1) وسائل الشيعة 291:18 الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 8.

2) مسالك الافهام 401:2.

3) وسائل الشيعة 276:18 الباب 31 من أبواب الشهادات الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 276:18 الباب 31 من أبواب الشهادات الحديث 5.

9 - و اما اعتبار ان لا تجر الشهادة نفعا

، كشهادة الشريك فقد يستدل عليه بموثقة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن ثلاثة شركاء شهد اثنان على [عن] واحد، قال: لا تجوز شهادتهما»(1).

و دلالتها واضحة - بعد حمل حرف الجر على ارادة معنى اللام منه - الا انها معارضة بموثقته الاخرى: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن ثلاثة شركاء ادعى واحد و شهد الاثنان، قال: يجوز»(2). و وجه المعارضة:

اما لأنهما رواية واحدة لاستبعاد صدور النقلين المذكورين بعد كون القضية المسؤول عنها واحدة و الراوي لها واحدا، و هو عبد الرحمن، بل الراوي عن الراوي واحد أيضا، و مع وحدة الرواية و عدم تشخيص ما هو الصادر تسقط كلتاهما عن الاعتبار.

او لان الصادر و ان كان متعددا واقعا الا انه لأجل التنافي لا يمكن الاخذ بشيء منهما.

و قد يستدل أيضا بموثقة ابان التي رواها الشيخ الصدوق باسناده عن فضالة عن ابان: «سئل ابو عبد اللّه عليه السّلام عن شريكين شهد احدهما لصاحبه، قال: تجوز شهادته الا في شيء له فيه نصيب»(3).

و هي و ان كانت تامة دلالة الا انها معارضة سندا برواية الشيخ الطوسي لها باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان عمن


1) وسائل الشيعة 272:18 الباب 27 من أبواب الشهادات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 272:18 الباب 27 من أبواب الشهادات الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 272:18 الباب 27 من أبواب الشهادات الحديث 3.

اخبره عن ابي عبد اللّه عليه السّلام(1)، فانه لاستبعاد سماع ابان الرواية من الامام عليه السّلام مرتين: مرة بلا واسطة و اخرى مع الواسطة تسقط عن الاعتبار لان وجود الواسطة المجهولة يبقى ثابتا و لا نافي له.

و الاولى الاستدلال على ذلك بالوجهين التاليين:

أ - التمسك بموثقة سماعة: «سألته عما يرد من الشهود، قال:

المريب، و الخصم و الشريك و دافع مغرم و الاجير و العبد و التابع و المتهم، كل هؤلاء ترد شهادتهم»(2)

و المريب هو كالفاسق أو جالب النفع او الاعم منهما.

و دافع مغرم هو من يدفع الغرامة بشهادته، كشهادة العاقلة بجرح شهود الجناية.

و التابع هو من لا رأي له و يتبع غيره في جميع اموره. و قد يفسر بمن يخدم غيره او يأكل من طعامه.

، فان المنصرف من شهادة الشريك المردودة هو شهادته لشريكه فيما هو مشترك بينهما.

ب - ان الحكم ثابت بمقتضى القاعدة، فان الشريك اذا شهد بشراء عين مشتركة لهما يصير الشاهد مدعيا و المدعي شاهدا، و عدم جواز مثل ذلك لا يحتاج إلى دليل.

10 - و اما عدم قبول شهادة من يدفع عن نفسه بشهادته ضررا

فلانه بمنزلة المدعى عليه فلا وجه لقبول شهادته و يصدق عليه عنوان الخصم المذكور في موثقة سماعة المتقدمة.

11 - و اما اعتبار عدم العداوة الدنيوية

فلموثقة اسماعيل بن مسلم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام: «لا تقبل


1) كما اشار الى ذلك صاحب الوسائل في ذيل الحديث السابق.

2) وسائل الشيعة 278:18 الباب 32 من أبواب الشهادات الحديث 3.

شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين»(1)

و ذو المخزية هو من وقع في بلية يشار اليه بها كالمحدود قبل توبته و ولد الزنا.

.

و اطلاقها يقتضي عدم الفرق بين استلزام العداوة للفسق و عدمه هذا في العداوة الدنيوية.

و اما العداوة الاخروية فلا تمنع جزما فانها تؤكد العدالة، و الموثقة منصرفة عن مثلها. و قد ورد في صحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام «تجوز شهادة المسلمين على جميع اهل الملل و لا تجوز شهادة اهل الذمة على المسلمين»(2).

12 - و اما منع السؤال بالكف عن قبول الشهادة

فلصحيحة علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن موسى عليهما السّلام: «سألته عن السائل الذي يسأل بكفه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان ابي لا يقبل شهادته اذا سأل في كفه»(3)و غيرها.

و المقصود ما اذا اتخذ ذلك حرفة دون ما لو تحقق مرة أو مرتين لعارض، للانصراف عن مثل ذلك.

2 - اختلاف الحقوق في الاثبات

اشارة

تثبت الدعوى بمقتضى الاصل الاولي بالبينة، اي بشهادة رجلين عدلين.

و خرج عن ذلك:


1) وسائل الشيعة 278:18 الباب 32 من أبواب الشهادات الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 284:18 الباب 38 من أبواب الشهادات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 281:18 الباب 35 من أبواب الشهادات الحديث 1.

1 - دعوى الدين(1)على الميت، فانها لا تثبت بالبينة و حدها بل مع ضم يمين المدعي.

2 - دعوى الدين على الحي، فانها كما تثبت بشهادة رجلين كذلك تثبت بشهادة رجل و يمين المدعي، و برجل و امرأتين، و بامرأتين و يمين المدعي.

3 - دعوى عين من الاموال على الحي، فانها تثبت بما سبق ما عدا الرجل و المرأتين.

4 - اللواط و المساحقة، فانهما لا يثبتان الا بشهادة اربعة رجال عدول.

5 - الزنا، فانه لا يثبت الا بشهادة اربعة رجال عدول او ثلاثة و امرأتين بل برجلين و اربع نساء، غايته يثبت الجلد بذلك دون الرجم.

6 - النكاح و الدية، فانهما كما يثبتان بشهادة عدلين كذلك يثبتان برجل و امرأتين.

7 - العذرة، و العيوب الباطنية للنساء، و الرضاع، و كل ما لا يجوز للرجال النظر اليه فانه يثبت باربع نساء.

8 - الوصية لشخص بمال، فانه يثبت ربعه بشهادة امرأة واحدة، و نصفه بشهادة ثنتين، و على هذا المنوال.

و هكذا لو شهدت القابلة بل مطلق المرأة باستهلال الطفل عند فرض موت أبيه، فانه يرث ربع التركة بذلك. و لو شهدت ثنتان بذلك ورث النصف، و على هذا المنوال.

و هكذا لو شهدت المرأة بالقتل، فانه يثبت ربع الدية. و اذا شهدت ثنتانك.


1) يراد بالدين مطلق المال الذي اشتغلت به الذمة اعم من كونه بالقرض او الغصب او الاتلاف او البيع و ما شاكل ذلك.

بذلك يثبت نصفها، و على هذا المنوال.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاصل الاولي في الاثبات هو البينة

، بمعنى شهادة رجلين عدلين فلان ذلك هو المنصرف من كلمة «البينة» المعتبرة في الاثبات في مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله: «البينة على من ادعى»(1)أو «انما اقضي بينكم بالبينات و الايمان»(2).

و على تقدير التشكيك في ذلك يمكن التمسك بالاطلاق المقامي، فان الوسيلة المعروفة في الاثبات هي شهادة عدلين، و السكوت عن تحديد البينة لا بدّ ان يكون اعتمادا على ذلك.

2 - و اما اعتبار ضم يمين المدعي الى البينة في دعوى الدين على

الميت

فلم ينقل فيه خلاف.

و استدل على ذلك بصحيحة محمد بن يحيى: «كتب محمد بن الحسن يعني الصفار الى ابي محمد عليه السّلام: هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع: اذا شهد معه آخر عدل فعلى المدعي يمين... و كتب أو تقبل شهادة الوصي على الميت [بدين] مع شاهد آخر عدل؟ فوقع: نعم من بعد يمين»(3)، بتقريب ان قوله عليه السّلام في الذيل: «نعم من بعد يمين» يراد به: بعد يمين المدعي لا يمين الوصي الذي هو أحد الشاهدين بقرينة التعبير في الصدر: «فعلى المدعي يمين»، فاطلاق كلمة «اليمين» في الذيل جاء اعتمادا على


1) وسائل الشيعة 170:18 الباب 3 من أبواب الشهادات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من أبواب الشهادات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 273:18 الباب 28 من أبواب الشهادات الحديث 1.

تقييدها بالمدعي في الصدر.

و اذا قيل: ان صدر الحديث يدل على لزوم اليمين مع البينة حتى اذا كانت الدعوى للميت لا عليه، و ذلك مما لا يلتزم به فيتعين الحمل على الاستحباب، الامر الذي يوجب التشكيك في لزوم اليمين في الفقرة الاخيرة.

قلنا: الفقرتان مستقلتان، و عدم امكان الالتزام بالوجوب في الاولى لا يستلزم عدمه في الثانية.

و مما يؤيد الحاجة الى اليمين في الدعوى على الميت رواية عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه: «قلت للشيخ عليه السّلام... و ان كان المطلوب بالحق قد مات فاقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين باللّه الذي لا إله الا هو لقد مات فلان و ان حقه لعليه، فان حلف و الا فلا حق له لأنا لا ندري لعله قد اوفاه ببينة لا نعلم موضعها او غير بينة قبل الموت فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البينة...»(1)الضعيفة ب «ياسين الضرير» الذي لا توثيق له.

3 - و اما ثبوت الدين على الحي برجل و يمين المدعي

فمما لا اشكال فيه. و قد دلت عليه روايات كثيرة كادت تبلغ حدّ التواتر، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمين صاحب الدين و لم يجز في الهلال الا شاهدي عدل»(2).

و يظهر من بعض النصوص ان ابا حنيفة كان منكرا لذلك، فقد


1) وسائل الشيعة 173:18 الباب 4 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 193:18 الباب 14 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

ورد في صحيحة البزنطي: «سمعت الرضا عليه السّلام يقول: قال ابو حنيفة لأبي عبد اللّه عليه السّلام: تجيزون شهادة واحد و يمين؟ قال: نعم، قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قضى به علي عليه السّلام بين أظهركم بشاهد و يمين، فتعجب ابو حنيفة، فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: أتعجب من هكذا؟ انكم تقضون بشاهد واحد في مائة شاهد، فقال له: لا نفعل، فقال: بلى تبعثون رجلا واحدا فيسأل عن مائة شاهد فتجيزون شهادتهم بقوله و انما هو رجل واحد»(1).

4 - و اما ثبوت ذلك برجل و امرأتين

فلقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (2)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «....

تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين؟ قال: نعم...»(3)و غيرها.

5 - و اما ثبوت ذلك بامرأتين و يمين المدعي

فلصحيحة الحلبي الاخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف باللّه ان حقه لحق»(4)و غيرها.

و المراد من شهادة النساء شهادة امرأتين لان الديون حيث يكفي لا ثباتها رجل و يمين فيلزم ان يكون القائم مقام الرجل هو المرأتين.

6 - و اما ان الاعيان تثبت بشاهد و يمين

فلإطلاق بعض النصوص، من قبيل صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:


1) وسائل الشيعة 196:18 الباب 14 من أبواب كيفية الحكم الحديث 17.

2) البقرة: 282.

3) وسائل الشيعة 258:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 198:18 الباب 15 من أبواب كيفية الحكم الحديث 3.

«كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق»(1).

و اما ثبوتها بامرأتين مع اليمين فلصحيحة منصور بن حازم الاخرى: «ان ابا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام قال: «اذا شهد لطالب الحق امرأتان و يمينه فهو جائز»(2).

و الطريق و ان اشتمل على محمد بن علي ماجيلويه - الذي يروي بواسطته الشيخ الصدوق الرواية المذكورة - الذي لم يذكر بتوثيق في كتب الرجال الا ان الامر فيه سهل بناء على كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

و اما انها لا تثبت برجل و امرأتين فلاختصاص دليل اعتبار ذلك - و هو الآية الكريمة و صحيحة الحلبي المتقدمتان في الرقم 4 - بالدين فيتمسك بالاصل في غيره.

الا ان المنسوب الى المشهور هو التعدي اما لإلغاء خصوصية المورد او لان الاعيان اذا كانت تثبت برجل و يمين المدعي فيلزم ان تثبت برجل و امرأتين أيضا لقيام المرأتين مقام اليمين. و كلاهما كما ترى.

7 - و اما ان اللواط و المساحقة لا يثبتان الا باربعة رجال

فقد ذكر صاحب الجواهر عدم عثوره في النصوص على ما يدل على ذلك و ان كان ذلك امرا متسالما عليه بين الأصحاب(3).

بيد ان بالامكان التمسك في المساحقة بقوله تعالى: وَ اللاّتِي


1) وسائل الشيعة 193:18 الباب 14 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 197:18 الباب 15 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

3) جواهر الكلام 154:41.

يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (1)، فان الفاحشة لا تختص بالزنا.

و اما بالنسبة الى اللواط فقد يتمسك لاعتبار الاربعة بمقدمتين:

احداهما: ان اللواط يثبت بالاقرار اربع مرات كما تدل عليه بعض النصوص الآتية.

ثانيتهما: ان كل اقرار واحد منزل منزلة شهادة واحدة، كما تدل عليه بعض النصوص الآتية أيضا.

و لازم المقدمتين المذكورتين عدم ثبوت اللواط الا باربع شهادات.

اما الدال على المقدمة الاولى فهو صحيحة مالك بن عطية عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «بينما امير المؤمنين عليه السّلام في ملاء(2)من أصحابه اذ اتاه رجل فقال: يا امير المؤمنين عليه السّلام اني اوقبت(3)على غلام فطهرني فقال له: يا هذا امض الى منزلك لعل مرارا(4)هاج بك. فلما كان من غد عاد اليه فقال له: يا امير المؤمنين اني اوقبت على غلام فطهرني فقال له:

اذهب الى منزلك لعل مرارا هاج بك حتى فعل ذلك ثلاثا بعد مرته الاولى، فلما كان في الرابعة قال له: يا هذا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حكم في مثلك بثلاثة احكام فاختر ايهن شئت. قال: و ما هنّ يا امير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت او اهداب - اهداء(5)- منء.


1) النساء: 15.

2) في الوافي 335:15: ملأ.

3) الايقاب: الادخال.

4) جاء في مجمع البحرين في مادة مرر: «المرّة: خلط من اخلاط البدن غير الدم. و الجمع مرار بالكسر».

5) و في الوافي 335:15: او دهداء.

جبل مشدود اليدين و الرجلين او احراق بالنار. قال: يا امير المؤمنين ايهنّ أشدّ عليّ؟ قال: الاحراق بالنار، قال: فاني قد اخترتها يا امير المؤمنين، فقال: خذ لذلك اهبتك فقال: نعم. قال: فصلّى ركعتين ثم جلس في تشهده فقال: اللهمّ اني قد أتيت من الذنب ما قد علمته و اني تخوفت من ذلك فأتيت الى وصي رسولك و ابن عم نبيك فسألته ان يطهّرني فخيرني ثلاثة أصناف من العذاب، اللهمّ فاني اخترت اشدهن، اللهم فاني اسألك ان تجعل ذلك كفارة لذنوبي و ان لا تحرقني بنارك في آخرتي، ثم قام و هو باك حتى دخل الحفيرة التي حفرها له امير المؤمنين عليه السّلام و هو يرى النار تتأجج حوله. قال: فبكى امير المؤمنين عليه السّلام و بكى اصحابه جميعا فقال له امير المؤمنين عليه السّلام: قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء و ملائكة الأرض، فان اللّه قد تاب عليك(1)فقم و لا تعاودن شيئا مما فعلت»(2).

و اما الدال على المقدمة الثانية فهو ما رواه سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة: «ان امرأة أتت امير المؤمنين عليه السّلام فقالت: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهرني طهرك اللّه فان عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع فقال: ممّ اطهرك؟ قالت: من الزنا، فقال لها: فذات بعل انت أم غير ذات بعل فقالت: ذات بعل فقال لها: فحاضرا كان بعلك أم غائبا؟ قالت: حاضرا، فقال: انتظري حتى تضعي ما في بطنك ثم ائتيني فلما ولت عنه من حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه شهادة فلم تلبث ان أتته فقالت: اني وضعت فطهرني... قال: اذهبي حتى ترضعيه1.


1) و من هنا يقول الاصحاب بان من اقرّ بحدّ ثم تاب كان الامام مخيرا في اقامته.

2) وسائل الشيعة 423:18 الباب 5 من ابواب حد اللواط الحديث 1.

فلما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم انهما شهادتان فلما أرضعته عادت اليه فقالت: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهرني... قال: اذهبي فاكفليه حتى يعقل ان يأكل و يشرب و لا يتردى من سطح و لا يتهور في بئر فانصرفت و هي تبكي فلما ولت حيث لا تسمع كلامه قال: اللهم هذه ثلاث شهادات... و في الرابعة رفع امير المؤمنين عليه السّلام رأسه الى السماء و قال: اللهم اني قد اثبت ذلك عليها اربع شهادات و انك قد قلت لنبيك صلوات اللّه عليه و آله فيما اخبرته من دينك: يا محمد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاداني...»(1).

8 - و اما ان الزنا لا يثبت بأقل من اربعة

فمما لا اشكال فيه. و قد دلّ على ذلك قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (2)، إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... لَوْ لا جاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ.. (3)، وَ اللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (4).

و الروايات في ذلك كادت تبلغ حدّ التواتر، من قبيل موثقة ابي بصير: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: لا يرجم الرجل و المرأة حتى يشهد عليهما


1) الفقيه 22:4، و قد نقل الحر الرواية المذكورة بعدة طرق بعضها صحيح، كطريق الشيخ الكليني عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد عن خلف بن حماد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام فراجع وسائل الشيعة 377:18 الباب 16 من أبواب حد الزنا الحديث 1.

2) النور: 4.

3) النور: 11-13.

4) النساء: 15.

اربعة شهداء على الجماع و الايلاج و الادخال كالميل في المكحلة»(1).

و اما انه يثبت بثلاثة رجال و امرأتين، و برجلين و اربع نساء بالنسبة الى الجلد فلصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم. و ان شهد عليه رجلان و اربع نسوة فلا تجوز شهادتهم و لا يرجم و لكن يضرب حدّ الزاني»(2).

9 - و اما ثبوت النكاح برجل و امرأتين

فلصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال: تجوز اذا كان معهن رجل...»(3).

و بالصحيحة المذكورة يمكن الجمع بين بعض النصوص المجوزة مطلقا(4)و بعضها الآخر المانع مطلقا(5).

و اما ثبوت الدية بذلك فلصحيحة جميل بن دراج و محمد بن حمران عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلنا: أ تجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده، ان عليا عليه السّلام كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم»(6)، فانه بعد ضمها الى موثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عليهم السّلام: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود و لا في


1) وسائل الشيعة 371:18 الباب 12 من أبواب حد الزنا الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 401:18 الباب 30 من أبواب حد الزنا الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 258:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 260:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 11.

5) وسائل الشيعة 267:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 42.

6) وسائل الشيعة 258:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 1.

القود»(1)يفهم ان الذي لا يثبت بشهادة النساء في باب القتل هو القود دون الدية، اذ بعدم ثبوت الدية يلزم بطلان دم المسلم بخلاف نفي القود مع ثبوت الدية فانه لا يلزم منه ذلك.

10 - و اما ثبوت العذرة و ما تلاها بأربع نساء

فلموثقة عبد اللّه بن بكير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «تجوز شهادة النساء في العذرة و كل عيب لا يراه الرجل»(2)، و صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول:... تجوز شهادة النساء و حدهن بلا رجال في كل ما لا يجوز للرجال النظر اليه...»(3)و غيرهما.

و بذلك يتضح الحال في الرضاع فانه مما لا يراه الرجال.

و اما اعتبار ان تكون النساء اربعا مع اطلاق النصوص فلأن القائم مقام رجلين هو اربع نساء.

11 - و اما ان الوصية تثبت بالنحو المتقدم

فلصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام عن امير المؤمنين عليه السّلام: «قضى في وصية لم تشهدها الا امرأة فأجاز شهادة المرأة في ربع الوصية»(4)و غيرها.

هذا و قد ورد في بعض الروايات عدم نفوذ شهادة النساء في الوصية مطلقا، من قبيل صحيحة عبد الرحمن: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة يحضرها الموت و ليس عندها الا امرأة، تجوز شهادتها؟ قال:


1) وسائل الشيعة 264:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 29.

2) وسائل الشيعة 260:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 9.

3) وسائل الشيعة 260:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 10.

4) وسائل الشيعة 396:13 الباب 22 من أحكام الوصايا الحديث 4.

تجوز شهادة النساء في العذرة و المنفوس...»(1).

و قد تحمل على الوصية العهدية بقرينة الاولى الواردة في الوصية التمليكية. و نتيجة ذلك التفصيل بين الوصية اليه و الوصية له، فالاولى لا تثبت بشهادة النساء مطلقا في حين ان الثانية تثبت بالنحو المتقدم.

12 - و اما ان القابلة تمضى شهادتها بلحاظ الربع

فلصحيحة عمر بن يزيد: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل فوضعت بعد موته غلاما ثم مات الغلام بعد ما وقع الى الارض فشهدت المرأة التي قبّلتها انه استهل و صاح حين وقع الى الارض ثم مات، قال:

على الامام ان يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام»(2)و غيرها.

و اذا كان بعض النصوص دالا باطلاقه على ثبوت تمام التركة بشهادة القابلة - من قبيل صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول:... تجوز شهادة القابلة و حدها في المنفوس(3)- فلا بدّ من رفع اليد عن اطلاقه بالصحيحة المتقدمة.

و اما تعميم الحكم لمطلق المرأة فلما يستفاد من بعض النصوص، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم: «سألته تجوز شهادة النساء و حدهن؟ قال: نعم في العذرة و النفساء»(4)و غيرها.

على ان ما دلّ على ثبوت ربع التركة بشهادة القابلة ليس له دلالة


1) وسائل الشيعة 262:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 21.

2) وسائل الشيعة 259:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 6.

3) وسائل الشيعة 260:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 10.

4) وسائل الشيعة 262:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 19.

على تقييد الحكم بها بل كان ذلك مورد السؤال، و معه يتعدى الى غيره لعدم فهم الخصوصية بلا حاجة الى البحث عن اطلاق يعم مطلق المرأة.

و اما ان الدية يثبت ربعها بشهادة المرأة الواحدة و نصفها بشهادة ثنتين و هكذا فلصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام:

«قضى امير المؤمنين عليه السّلام في غلام شهدت عليه امرأة انه دفع غلاما في بئر فقتله فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة»(1)، فان جملة «بحساب شهادة المرأة» تدل على ثبوت النصف بشهادة المرأتين، و هكذا.

و اذا قيل: ان الجملة المذكورة غير ثابتة في طريق الشيخ الصدوق(2).

قلنا: هذا لا يستلزم عدم ثبوتها بعد ورودها بطريق الشيخ الطوسي الذي هو طريق معتبر.

على ان حذف الجملة المذكورة في طريق الشيخ الصدوق لعله من باب وضوح الامر لبعد ثبوت تمام الدية بشهادة المرأة الواحدة.

3 - احكام عامة في باب الشهادات

اشارة

لا تجوز الشهادة الا مع العلم بالمشهود به عن حس او ما يقرب منه، كالحاصل من التواتر.


1) وسائل الشيعة 263:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 26.

2) لا حظ ذيل الحديث في وسائل الشيعة.

و تحمّل الشهادة مع الدعوة الى ذلك واجب خلافا لصاحب الجواهر. و كذا اداؤها بعد التحمل فيما اذا تحققت الدعوة الى التحمل و الا ثبت التخيير بين الاداء و عدمه الا اذا كان احد الطرفين ظالما فيجب اداؤها مطلقا.

و قد تسالم الاصحاب على اعتبار شرط آخر في وجوب الاداء، و هو طلبه و الا فالتبرع بالشهادة يوجب رفضها.

و تقبل الشهادة على الشهادة في حقوق الناس - كالطلاق و النسب - دون حقوق اللّه سبحانه سواء كانت خاصة أم مشتركة.

و لا يعتبر الاشهاد الا في الطلاق و الظهار. اجل يستحب في النكاح و البيع و الدين.

و تصدّق المرأة في دعواها انها خلية و ان عدتها قد انقضت الا اذا ادعت ذلك بشكل مخالف للعادة الجارية بين النساء، كما اذا ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث مرات. فانها لا تصدق الا اذا شهدت النساء من بطانتها ان عادتها سابقا كانت كذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار العلم في جواز الشهادة

فلأنها قسم من الاخبار الجازم و هو لا يجوز بدون العلم و الا يلزم الكذب.

هذا مضافا الى صحيحة معاوية بن وهب: «قلت له: ان ابن ابي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثا و انه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما هو علمك. قلت: ان ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس، فقال: احلف انما هو على علمك»(1).


1) وسائل الشيعة 245:18 الباب 17 من أبواب الشهادات الحديث 1.

ان قلت: ان رواية حفص بن غياث عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال له رجل: اذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان اشهد انه له؟ قال: نعم.

قال الرجل: اشهد انه في يده و لا اشهد انه له فلعله لغيره فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم فقال ابو عبد اللّه عليه السّلام: فلعله لغيره فمن اين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»(1)دلت على جواز الشهادة عند عدم العلم بالمشهود به استنادا الى اليد.

قلت: هي لو تمت سندا - و لم يناقش في طريق الشيخ و الكليني من ناحية القاسم بن يحيى الذي لم تثبت و ثقاته الا بناء على كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد كامل الزيارة و لا في طريق الصدوق من ناحية القاسم بن محمد الاصفهاني - لا بدّ من حملها على الشهادة بالملكية الظاهرية التي تولدها اليد دون الملكية الواقعية، اذ بعد عدم العلم بها كيف يجوز الاخبار الجازم عنها و الشهادة عليها، و لو جاز ذلك جاز ان يشهد الحاكم بها و جميع الناس الذين يعرفون بان هذا صاحب يد و لم تبق بعد ذلك حاجة الى المطالبة بالبينة.

و ان قلت: ان موثقة معاوية بن وهب دلت على جواز الاستناد في الشهادة الى الاستصحاب، حيث ورد فيها: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

الرجل يكون له العبد و الامة قد عرف ذلك فيقول: أبق غلامي أو امتي فيكلفونه(2)القضاة شاهدين بان هذا غلامه او امته لم يبع و لم يهبه.


1) وسائل الشيعة 215:18 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

2) المناسب: فيكلفه.

أ نشهد على هذا اذا كلفناه؟ قال: نعم»(1).

قلت: لا بدّ من فرض ان العبد كان يدعي انه حر او لا أقلّ لم يكن رقا للمدعي من البداية لا انه يعترف بكونه رقا له من البداية و لكنه بيع او وهب او تحرر و الا لكان هو المكلف بالبينة. و بناء على هذا يكفي لدحض دعوى العبد شهادة معاوية ان هذا كان عبدا لهذا سابقا و لا اعلم انه بيع او وهب، اي يشهد على الملكية السابقة و عدم العلم بزوالها دون ان يشهد على عدم ذلك واقعا.

هذا مضافا الى معارضة الرواية المذكورة برواية معاوية بن وهب الاخرى(2)الواردة في القضية نفسها حيث دلت على عدم جواز الشهادة الا انها ضعيفة باسماعيل بن مرار.

2 - و اما ان مستند العلم لا بدّ من كونه الحس او ما يقرب منه

فذلك:

اما لان سكوت الروايات عن بيان مستند الشهادة يفهم منه ايكال القضية الى العرف، و هو يعتبر ما ذكر.

او لان الشهادة عن حدس لا دليل على اعتبارها فلا تكون حجة بخلاف ما كانت عن حس، فانها القدر المتيقن من دليل جواز الشهادة، و هكذا اذا كان مستندها يقرب من الحس، حيث لا يحتمل الفرق بينها و بين ما اذا كانت مستندة الى الحس مباشرة.

ثم انه مما يؤيد اعتبار الحس او ما يقرب منه في مستند الشهادة رواية علي بن غراب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تشهدن بشهادة حتى


1) وسائل الشيعة 246:18 الباب 17 من أبواب الشهادات الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 246:18 الباب 17 من أبواب الشهادات الحديث 2.

تعرفها كما تعرف كفك»(1)، فان ضعفها بابن غراب و غيره لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.

و مثلها ما رواه المحقق في الشرائع عن النبي صلّى اللّه عليه و آله مرسلا حينما سئل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع»(2).

3 - و اما وجوب تحمل الشهادة مع الدعوة اليه فهو المعروف بين

الاصحاب

لقوله تعالى: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا (3)بعد الغاء خصوصية المورد بفهم العرف، و صحيحة ابي الصباح عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قوله تعالى: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا قال: لا ينبغي لأحد اذا دعي الى شهادة ليشهد عليها ان يقول لا اشهد لكم عليها»(4)و غيرها.

هذا و قد نقل صاحب الجواهر عن ابن ادريس ان الآية الكريمة ناظرة الى اداء الشهادة دون تحملها بقرينة التعبير بكلمة «الشهداء» الظاهرة في تمامية الشهادة و تحققها.

و أضاف صاحب الجواهر قائلا: ان ملاحظة ما قبل الآية المذكورة و ما بعدها يعطي انها في صدد بيان بعض الآداب الشرعية، فانظر الى قوله تعالى: وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ ... وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً (5)، و معه يكون المناسب حمل


1) وسائل الشيعة 250:18 الباب 20 من أبواب الشهادات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 250:18 الباب 20 من أبواب الشهادات الحديث 3.

3) البقرة: 282.

4) وسائل الشيعة 225:18 الباب 1 من أبواب الشهادات الحديث 2.

5) البقرة: 282.

فقرة الاستشهاد على بيان الكراهة.

ثم أضاف: و اما الروايات فقد ورد فيها التعبير ب «لا ينبغي» المشعر بالكراهة. و عليه فالانصاف عدم خلو القول بعدم الوجوب و انه مستحب بل تركه مكروه من قوة(1).

و فيه: ان بعض الروايات ظاهر في الالزام، من قبيل ما رواه داود بن سرحان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يأب الشاهد ان يجيب حين يدعى قبل الكتاب»(2).

و السند صحيح بناء على ان امر سهل الوارد فيه سهل.

و تؤيد ذلك رواية جراح المدائني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا دعيت الى الشهادة فأجب»(3)، فان جراح و القاسم بن سليمان و ان لم يوثقا الا من خلال كامل الزيارة لكن ذلك لا يمنع من عدّها مؤيدة.

و اما التعبير ب «لا ينبغي» الوارد في الروايات التي أشار اليها فهو ليس ظاهرا في الكراهة ليمنع من الاخذ بظهور ما ذكر بل دال على الجامع الاعم خلافا لبعض حيث اختار دلالته على الالزام.

و اما التشكيك في دلالة الآية الكريمة فهو مبني على الرأي المشهور في الدلالة على الوجوب و التحريم، و اما بناء على مسلك حكم العقل فلا موجب له. و مع التنزل يكون السياق موجبا لتزلزل الظهور في الالزام دون ان يوجب الظهور في الكراهة ليمتنع الاخذ بظهور الروايتين المتقدمتين في الالزام.3.


1) جواهر الكلام 182:41.

2) وسائل الشيعة 226:18 الباب 1 من أبواب الشهادات الحديث 6.

3) وسائل الشيعة 225:18 الباب 1 من أبواب الشهادات الحديث 3.

4 - و اما وجوب الاداء

فلم ينقل فيه خلاف. و يدل عليه قوله تعالى: وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (1)، بعد الغاء خصوصية المورد بفهم العرف، و قوله تعالى: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا (2)لا طلاقه الشامل للأداء.

و مجرد ذكر ذلك بعد طلب الاستشهاد بشهيدين لا يدل على الاختصاص بالتحمل.

و مما يؤيد الوجوب الروايات الدالة على ذلك، فان ضعف سندها لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.

5 - و اما اشتراط وجوب الاداء بالدعوة الى التحمل

فلصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «اذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت الا اذا علم من الظالم فيشهد و لا يحل له ان لا يشهد»(3)و غيرها. و لولاها كان المناسب الوجوب مطلقا لإطلاق الآيتين الكريمتين.

6 - و اما استثناء حالة ظلم احد الطرفين

فلوجوب ازالة الظلم و الصحيحة المتقدمة.

7 - و اما التبرع باداء الشهادة

فلا اشكال بين الاصحاب في عدم وجوبه بالرغم من ان مقتضى المطلقات عكس ذلك. قال تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللّهِ (4)، وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ


1) البقرة: 283.

2) البقرة: 282.

3) وسائل الشيعة 232:18 الباب 5 من أبواب الشهادات الحديث 4.

4) البقرة: 140.

يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (1)، وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ (2).

و انما الاشكال في رفض الشهادة التبرعية و عدمه. و قد فصّل في هذا المجال بين ما اذا كان مورد الشهادة التبرعية حقوق الناس فترفض و ما اذا كان حقوق اللّه سبحانه فتقبل.

اما الرفض في الاول فلان التبرع في الشهادة موجب لتطرق التهمة، و للحديث النبوي: «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل ان يستشهد»(3)، «ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها»(4)و غيرهما.

و اما القبول في الثاني فعلّله المحقق في الشرائع بعدم وجود المدعي فيه لاختصاص الحق باللّه سبحانه او لاشتراك الكل في ذلك، كما في الشهادة للمصالح العامة كالقناطر و المدارس(5).

و التفصيل المذكور بما اشتمل عليه من الاستدلال كما ترى.

و المناسب قبول الشهادة التبرعية لان ما ذكر بعد عدم صلاحيته للمانعية تعود المطلقات - من قبيل: وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ (6)و غيره - سالمة عن المقيد من الناحية المذكورة فيتمسك باطلاقها.

هذا مضافا الى امكان التمسك بموثقة سماعة المتقدمة: «سألته2.


1) البقرة: 282.

2) الطلاق: 2.

3) سنن ابن ماجه 64:2.

4) مسند احمد 426:4.

5) شرايع الإسلام 917:4، انتشارات استقلال.

6) الطلاق: 2.

عما يرد من الشهود، قال: المريب، و الخصم...»(1)، حيث لم يذكر المتبرع من جملة الاقسام.

8 - و اما الشهادة على الشهادة

فهي مقبولة عندنا من دون خلاف.

و لا تثبت شهادة الاصل الا بشهادة رجلين.

و يظهر من بعض الاخبار الاكتفاء بشهادة الواحد، كما دلت عليه صحيحة البزنطي المتقدمة، حيث قال الامام الصادق عليه السّلام لأبي حنيفة «... بلى تبعثون رجلا واحدا فيسأل عن مائة شاهد فتجيزون شهادتهم بقوله و انما هو رجل واحد»(2). و من هنا جاءت نصوصنا تؤكد اعتبار شهادة اثنين.

و المستند لثبوت الشهادة بالشهادة امران:

أ - اقتضاء القاعدة لذلك، فان شهادة الاصل كسائر الأشياء مشمولة لإطلاق أدلة حجية الشهادة.

ب - النصوص الخاصة، كموثقة طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام عن ابيه عن علي عليه السّلام: «كان لا يجيز شهادة رجل على رجل الا شهادة رجلين على رجل»(3)و غيرها.

ثم انه ورد في موثقة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه: «ان عليا عليه السّلام قال: لا اقبل شهادة رجل على رجل حي و ان كان باليمين»(4).

و يمكن حمل ذلك على كون المقصود: لا اجيز شهادة شخص


1) وسائل الشيعة 278:18 الباب 32 من أبواب الشهادات الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 196:18 الباب 14 من أبواب كيفية الحكم الحديث 17.

3) وسائل الشيعة 298:18 الباب 44 من أبواب الشهادات الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 298:18 الباب 44 من أبواب الشهادات الحديث 3.

واحد من دون انضمام ثان اليه لإثبات شهادة الاصل.

و مما يؤكد ذلك موثقته الاخرى، حيث ورد فيها: «ان عليا عليه السّلام كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل الا شهادة رجلين على شهادة رجل»(1).

9 - و اما استثناء حدود اللّه سبحانه

فلموثقة طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام عن ابيه عن علي عليه السّلام: «كان لا يجيز شهادة على شهادة في حدّ»(2)و غيرها.

و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون الحد خاصا باللّه سبحانه او مشتركا كما هو واضح.

10 - و اما عدم اعتبار الاشهاد في غير الطلاق و الظهار

فللأصل بعد عدم الدليل على الاعتبار.

و اما اعتباره في الطلاق فمما لا خلاف فيه عندنا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ ... فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (3).

و اذا لم تكن في ذلك دلالة واضحة على اعتبار الاشهاد في الطلاق فيمكن الاستعانة بصحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن رجل طلق امرأته بعد ما غشيها بشهادة عدلين، قال:

ليس هذا طلاقا. قلت: فكيف طلاق السنّة؟ فقال: يطلقها إذا طهرت من


1) وسائل الشيعة 298:18 الباب 44 من أبواب الشهادات الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 299:18 الباب 45 من أبواب الشهادات الحديث 1.

3) الطلاق: 1-2.

حيضها قبل أن يغشيها بشاهدين عدلين كما قال اللّه عز و جل في كتابه، فان خالف ذلك ردّ الى كتاب اللّه»(1)و غيرها.

و اما اعتباره في الظهار فمما لا خلاف فيه أيضا لصحيحة حمران: «قال ابو جعفر عليه السّلام... لا يكون ظهار الا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين»(2)و غيرها.

11 - و اما استحباب الاشهاد في النكاح

فهو المشهور بيننا - على العكس عند غيرنا حيث اعتبروا لزومه فيه و عدم لزومه في الطلاق - لصحيحة داود بن الحصين عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن اذا كانت المرأة منكرة، فقال: لا بأس به. ثم قال: ما يقول في ذلك فقهاؤكم؟ قلت: يقولون لا تجوز الا شهادة رجلين عدلين فقال: كذبوا لعنهم اللّه، هوّنوا و استخفوا بعزائم اللّه و فرائضه و شددوا و عظموا ما هوّن اللّه، ان اللّه أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد، و النكاح لم يجئ عن اللّه في تحريمه [عزيمة] فسنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذلك الشاهدين تأديبا...»(3)و غيرها.

و هي كما تدل على نفي وجوب الاشهاد في النكاح تدل على استحبابه فيه.

هذا و المنسوب الى ابن ابي عقيل لزوم الاشهاد في الدائم(4).


1) وسائل الشيعة 282:15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 509:15 الباب 2 من كتاب الظهار الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 265:18 الباب 24 من أبواب الشهادات الحديث 35.

4) جواهر الكلام 40:29.

و تدل على ذلك رواية مهلب الدلال: «كتبت الى ابي الحسن عليه السّلام: ان امرأة كانت معي في الدار ثم انها زوجتني نفسها و اشهدت اللّه و ملائكته على ذلك، ثم ان أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب عليه السّلام: التزويج الدائم لا يكون الا بولي و شاهدين، و لا يكون تزويج متعة ببكر. استر على نفسك و اكتم رحمك اللّه»(1).

الا انها مضافا الى ضعف سندها بالمهلب و الفضل بن كثير المدائني مخالفة للروايات الكثيرة الدالة على عدم اعتبار ذلك، بل كاد يكون ذلك من شعار الامامية. على ان رائحة صدورها تقية تفوح منها.

12 - و اما استحباب الاشهاد في الدين و البيع

فلقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ... وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ... (2)بعد وضوح لزوم رفع اليد عن ظهوره في الوجوب و الحمل على الاستحباب للضرورة و السيرة القطعية.

و قد يقال: ان الآية الكريمة لا تدل على استحباب الاشهاد شرعا بل على طلبه ارشادا لا أكثر.

13 - و اما تصديق المرأة في دعوى كونها خلية

فلموافقة ذلك للأصل فلا تحتاج الى بينة، كما لا تحتاج الى يمين لعدم كونها مدعى عليها.

و اما تصديقها في انقضاء العدة بالرغم من مخالفة ذلك للأصل


1) وسائل الشيعة 459:14 الباب 11 من ابواب المتعة الحديث 11.

2) البقرة: 282.

فلصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «العدة و الحيض للنساء، اذا ادعت صدقت»(1).

و اما انها لا تصدق اذا ادعت ما يخالف عادة النساء فلعدم وجود المثبت لذلك.

و اما كفاية شهادة النساء من بطانتها بان عادتها سابقا كانت كذلك فلموثقة اسماعيل بن ابي زياد عن جعفر عن ابيه عليهما السّلام: «ان امير المؤمنين قال في امرأة ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال: كلفوا نسوة من بطانتها ان حيضها كان فيما مضى على ما ادعت فان شهدن صدقت و الا فهي كاذبة»(2).3.


1) وسائل الشيعة 596:2 الباب 47 من أبواب الحيض الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 596:2 الباب 47 من ابواب الحيض الحديث 3.

كتاب اللّقطة

اشارة

1 - اللقطة و اقسامها 2 - من احكام اللقطة بالمعنى الاخص 3 - من احكام اللقيط 4 - من احكام الضالة 5 - من احكام مجهول المالك

1 - اللقطة و أقسامها

اشارة

اللقطة(1)كل مال ضائع اذا اخذ و كان مالكه مجهولا.

و المستند في اعتبار القيود الثلاثة هو:

اما بالنسبة الى القيد الاول

فلتقوّم عنوان اللقطة بالضياع، فمن تبدل حذاؤه مثلا بحذاء الغير من دون معرفة صاحبه فلا يصدق على ذلك عنوان اللقطة و ان صدق عنوان مجهول المالك.

و منه يتضح ان النسبة بين عنوان اللقطة و عنوان مجهول المالك هو العموم و الخصوص المطلق، فكل لقطة هي مجهول المالك من دون عكس.

و يأتي فيما بعد - إن شاء اللّه تعالى - الفرق بين العنوانين من حيث الحكم.

و اما بالنسبة الى القيد الثاني

فلانه بمجرد رؤية الشيء من دون


1) بضم اللام و فتح القاف او تسكينها.

أخذه لا يصدق عنوان اللقطة. و هكذا لو فرض امر شخص غيره بالاخذ فانه لا يصدق العنوان المذكور بالنسبة اليه ما دام لم يتصد بنفسه للأخذ.

و اما القيد الثالث

فاعتباره واضح.

ثم ان المال الضائع تارة يكون طفلا و اخرى حيوانا و ثالثة غير ذلك.

و يصطلح على الاول باللقيط، و على الثاني بالضالة، و على الثالث باللقطة او باللقطة بالمعنى الاخص.

و لكل واحد من الاقسام الثلاثة احكامه الخاصة به. و المهم منها هو الثالث.

2 - من احكام اللقطة بالمعنى الاخص

اشارة

يجوز اخذ اللقطة - و ان كان ذلك مكروها - بما في ذلك لقطة حرم مكة زادها اللّه شرفا.

و يلزم فيها تعريفها و الفحص عن مالكها لمدة سنة فان لم يعثر عليه كان الملتقط بالخيار بين تملكها مع الضمان او التصدق بها مع الضمان او ابقائها امانة في يده بلا ضمان.

هذا اذا لم تكن دون الدرهم الشرعي(1)و إلاّ جاز اخذها بلا تعريف.

كما ان هذا يختص بغير لقطة حرم مكة زادها اللّه شرفا، و اما هي فحكمها


1) المقصود من الدرهم الشرعي هو الفضة التي تعادل قيمتها ثلاثة غرامات الا ربع عشر الغرام تقريبا.

بعد التعريف سنة التصدق بها لا غير.

و المعروف ان التصدق لا بدّ ان يكون بقصد كونه عن صاحبها.

و اللقطة التي لا يمكن تعريفها - اما لفقدانها العلامة الخاصة المميزة لها عن غيرها او لان مالكها سافر الى مكان بعيد لا يمكن الوصول اليه او لان الملتقط يخاف الخطر او التهمة لو عرّف و ما شاكل ذلك - يسقط وجوب تعريفها. و المناسب وجوب التصدق بها و عدم جواز تملكها.

و في جواز دفع الملتقط اللقطة الى الحاكم الشرعي و سقوط وجوب التعريف عنه بذلك خلاف.

و المناسب دفع اللقطة - اذا اريد التصدق بها - الى خصوص الفقراء دون الاغنياء.

كما ان المناسب دفعها الى الغير و لا يكفي احتساب الملتقط لها على نفسه اذا كان فقيرا.

و المستند في ذلك:

1 - اما جواز اخذ اللقطة
• بالرغم من اقتضاء القاعدة الاولية عدم ذلك - فللروايات الخاصة التي يأتي بعضها. على انه يكفي لإثبات ذلك تسالم الاصحاب.

و اما ان ذلك مكروه فلصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام:

«سألته عن اللقطة قال: لا ترفعوها فان ابتليت فعرّفها سنة فان جاء طالبها و الا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك الى أن يجيء لها طالب»(1)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 350:17 الباب 2 من أبواب اللقطة الحديث 3.

و انما حمل النهي على الكراهة - بالرغم من ظهوره في التحريم - لدلالة موثقة زرارة: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن اللقطة فأراني خاتما في يده من فضة قال: ان هذا مما جاء به السيل و انا اريد ان أتصدق به»(1)على جواز الالتقاط.

على ان الجواز قضية واضحة في اذهان المتشرعة، و ذلك بنفسه صالح للقرينية على حمل النهي على الكراهة.

2 - و اما لقطة الحرم المكي

ففي جواز اخذها خلاف. و قد يستدل على عدم الجواز:

أ - بقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً (2)بتقريب ان جعل الحرم المكي آمنا يلازم تحريم اخذ اللقطة منه.

ب - و بصحيحة الفضيل بن يسار: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن لقطة الحرم فقال: لا تمس ابدا حتى يجيء صاحبها فيأخذها. قلت: فان كان مالا كثيرا قال: فان لم يأخذها الا مثلك فليعرفها»(3).

ج - و بصحيحة يعقوب بن شعيب: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن اللقطة و نحن يومئذ بمنى فقال: اما بأرضنا هذه فلا يصلح، و اما عندكم فان صاحبها الذي يجدها يعرفها سنة في كل مجمع ثم هي كسبيل ماله»(4).

و الكل كما ترى.


1) وسائل الشيعة 358:17 الباب 7 من أبواب اللقطة الحديث 3.

2) العنكبوت: 67.

3) وسائل الشيعة 361:9 الباب 28 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 361:9 الباب 28 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 1.

اما الاول فلان جواز اخذ لقطة الحرم لغرض تعريفها و ايصالها الى صاحبها لا ينافي جعله آمنا، فان المراد من جعله آمنا كون الانسان فيه آمنا على نفسه و ماله من القتل و النهب و لو بحق.

و اما الثاني فلان الصحيحة بلحاظ ذيلها ادلّ على الجواز.

و اما الثالث فلان تعبير «لا يصلح» بعد ملاحظة صحيحة فضيل السابقة يراد به الكراهة.

و عليه فالمناسب هو القول بالجواز مع الكراهة.

و قد يؤكد الجواز - مضافا الى ما تقدم - بصحيحة ابراهيم بن عمر عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اللقطة لقطتان: لقطة الحرم و تعرّف سنة، فان وجدت صاحبها و الا تصدقت بها، و لقطة غيرها تعرف سنة فان لم تجد صاحبها فهي كسبيل مالك»(1).

3 - و اما انه يلزم في اللقطة التعريف لمدة سنة و بعدها يثبت

التخيير بين الامور الثلاثة المتقدمة

فهو المعروف بين الاصحاب.

و يمكن الاستدلال على ذلك:

اما بالنسبة الى جواز التصدق مع الضمان فقد يتمسك له برواية حفص بن غياث: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم او متاعا و اللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يرده فان امكنه ان يرده على اصحابه فعل و الا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا فان اصاب صاحبها ردها عليه و الا


1) وسائل الشيعة 361:9 الباب 28 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 4.

تصدق بها، فان جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الاجر(1)و الغرم، فان اختار الاجر فله الاجر، و ان اختار الغرم غرم له و كان الاجر له»(2). و قد رواها المشايخ الثلاثة.

و تمكن المناقشة في سندها لا من ناحية حفص - فان امره سهل بالرغم من كونه عامي المذهب لتعبير الشيخ عنه: «له كتاب معتمد»(3)و ان الطائفة قد عملت باخباره(4)- بل من ناحية اخرى.

اما طريق الشيخ فبلحاظ علي بن محمد القاساني - الذي لم يوثق بل غمز عليه احمد بن محمد بن عيسى على ما نقل النجاشي(5)- و بالقاسم بن محمد المعروف ب «كاسولا» الذي قال عنه النجاشي: «لم يكن بالمرضي»(6).

و اما طريق الشيخ الكليني فهو ضعيف بذلك و بالارسال.

و اما طريق الشيخ الصدوق فهو ضعيف بالقاسم بن محمد حيث ان طريقه الى المنقري في مشيخة الفقيه يمر به(7).

و المناسب - بعد ضعف سند رواية حفص - الاستدلال بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «و سألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرّفها سنة ثم يتصدق بها فيأتي صاحبها ما حال الذي تصدّق بها؟ و لمن5.


1) اي الثواب.

2) وسائل الشيعة 368:17 الباب 18 من أبواب اللقطة الحديث 1.

3) الفهرست: 61 الرقم 232.

4) العدة في الاصول: 61.

5) رجال النجاشي: 180، منشورات الداوري.

6) رجال النجاشي: 222.

7) لاحظ مشيخة الفقيه المذكورة في آخر الجزء الرابع من الفقيه: 65.

الاجر؟ هل عليه ان يرد على صاحبها او(1)قيمتها؟ قال: هو ضامن لها و الاجر له الا ان يرضى صاحبها فيدعها و الاجر له»(2).

و سندها تام لأنها بطريق قرب الاسناد و ان كانت ضعيفة ب «عبد اللّه بن الحسن» حيث انه مجهول الحال الا ان صاحب الوسائل رواها من كتاب علي بن جعفر و طريقه اليه صحيح على ما أوضحنا في أبحاث سابقة.

و اما بالنسبة الى جواز التملك مع الضمان فقد يستدل عليه بصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اللقطة يجدها الرجل و يأخذها قال: يعرفها سنة فان جاء لها طالب و الا فهي كسبيل ماله»(3)الا انها لا تدل على الضمان، و من هنا نحتاج الى ما يدل على ذلك. و قد يستدل عليه برواية حنان: «سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام و انا اسمع عن اللقطة فقال: تعرّفها سنة فان وجدت صاحبها و الا فانت احق بها. و قال: هي كسبيل مالك.

و قال: خيّره اذا جاءك بعد سنة بين اجرها و بين ان تغرمها له اذا كنت اكلتها»(4)، و لكنها ضعيفة ب «ابي القاسم» فانه مجهول الحال.

و الاولى ان يستدل على ذلك:

اما بالاولوية، بتقريب ان الضمان اذا كان ثابتا في حالة التصدق فبالأولى يكون ثابتا في حالة التملك.

او بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السّلام:7.


1) الظاهر ان كلمة «او» زائدة.

2) وسائل الشيعة 352:17 الباب 2 من أبواب اللقطة الحديث 14.

3) وسائل الشيعة 349:17 الباب 2 من أبواب اللقطة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 350:17 الباب 13 من أبواب اللقطة الحديث 7.

«سألته عن رجل اصاب شاة في الصحراء هل تحلّ له؟ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هي لك او لأخيك او للذئب فخذها و عرّفها حيث اصبتها، فان عرفت فردّها الى صاحبها، و ان لم تعرف فكلها و انت ضامن لها ان جاء صاحبها يطلب ثمنها ان تردها عليه»(1)، بناء على التعدي من الضالة الى اللقطة و عدم فهم الخصوصية لذلك.

ثم ان جملة: «و الا فهي كسبيل ماله» الواردة في صحيحة الحلبي قد يستفاد منها ان اللقطة تصير بعد التعريف و عدم العثور على المالك ملكا للملتقط بلا حاجة الى قصده. و في المقابل قد لا يستفاد منها الا جواز التصرف و الانتفاع بها كما ينتفع بالملك. و تبقى القضية بعد هذا مرهونة باستظهار الفقيه.

و اما بالنسبة الى الاحتفاظ باللقطة بلا ضمان فيمكن استفادة جوازه من صحيحة الحلبي المتقدمة، فان جعل اللقطة كسبيل اموال الملتقط يدل بوضوح على جواز الاحتفاظ بها من دون ضمان.

و اذا قلت: ان صحيحة علي بن جعفر الاخرى: «و سألته عن الرجل يصيب اللقطة دراهم او ثوبا او دابة كيف يصنع؟ قال: يعرفها سنة، فان لم يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها اياه، و ان مات اوصى بها، فان اصابها شيء فهو ضامن»(2)قد دلت على الضمان.

قلت: لا بدّ من حملها على حالة التعدي او التفريط و الا كانت ساقطة عن الاعتبار لهجران مضمونها لدى الاصحاب.3.


1) وسائل الشيعة 365:17 الباب 13 من أبواب اللقطة الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 352:17 الباب 2 من أبواب اللقطة الحديث 13.

4 - و اما ان اللقطة دون الدرهم الشرعي يجوز اخذها بلا حاجة

الى تعريف

فلم يعرف فيه خلاف بين الاصحاب. و يمكن الاستدلال عليه بأحد امرين:

أ - رواية الشيخ الصدوق: «قال الصادق عليه السّلام:... و ان كانت اللقطة دون درهم فهي لك فلا تعرّفها...»(1).

ب - مرسلة محمد بن ابي حمزة عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن اللقطة قال: تعرف سنة قليلا كان أو كثيرا. قال:

و ما كان دون الدرهم فلا يعرّف»(2).

و كلتا الروايتين ضعيفة السند بالارسال الا ان يقال بكبرى الانجبار بفتوى المشهور او يقال - بالنسبة الى خصوص الرواية الاولى - بحجية جميع روايات كتاب من لا يحضره الفقيه او بحجية كل ما ارسله الشيخ الصدوق بلسان قال.

و عليه فان قلنا باحد هذه المباني او قلنا بتحقق الا جماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام فلا مشكلة و يلزم التفصيل بين ما دون الدرهم و غيره، اما اذا رفضنا كل ذلك فالمناسب عدم التفصيل و الحكم بلزوم التعريف في كليهما.

ثم انه بناء على عدم وجوب التعريف هل يكون الحكم هو وجوب التصدق او جواز التملك؟ المعروف بين الاصحاب جواز قصد التملك، و لكنا اذا لا حظنا الرواية الثانية نراها ساكتة عن ذلك، و لو لاحظنا الرواية الاولى رأيناها تدل على تحقق الملك القهري بمجرد الاخذ من


1) وسائل الشيعة 351:17 الباب 2 من أبواب اللقطة الحديث 9.

2) وسائل الشيعة 354:17 الباب 4 من أبواب اللقطة الحديث 1.

دون حاجة الى قصده على خلاف ما عليه المشهور بين الاصحاب من الحاجة الى ذلك.

5 - و اما ان لقطة الحرم المكي تعرّف سنة ثم يتصدق بها و لا

يجوز تملكها

فهو المشهور بين الاصحاب بل ادعي في الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه(1). و تدل عليه صحيحة ابراهيم بن عمر المتقدمة في الرقم 2، فانها تدل على عدم جواز التملك لقاعدة التفصيل قاطع للشركة.

و هل وجوب التعريف و التصدق يعمّ اللقطة التي لا تبلغ الدرهم أيضا؟ المعروف بين الاصحاب عدم ذلك، فاللقطة الاقل من ذلك لا يلزم تعريفها و التصدق بها حتى اذا كانت في الحرم.

و لعل الوجه في ذلك ان صحيحة ابراهيم بن عمر لا اطلاق لها للّقطة الاقل من الدرهم حيث انها تتحدث عن اللقطة التي يجب تعريفها سنة سواء كانت في الحرم أم في غيره، و ليست هي الا ما كانت درهما فما زاد، و معه تعود مرسلة محمد بن ابي حمزة - الشاملة باطلاقها للقطة الحرم - بلا معارض فيتمسك باطلاقها.

6 - و اما ان التصدق لا بدّ ان يكون عن صاحبها

فهو المعروف في كلمات الاصحاب الا ان الروايات خالية منه. و لعل ذلك للانصراف اليه و الا فالمناسب كفاية التصدق المطلق لو لا كونه اولى من جهة موافقته للاحتياط.

7 - و اما ان المناسب في اللقطة التي لا يمكن تعريفها هو التصدق بها لا غير


1) جواهر الكلام 290:38.

فباعتبار ان جواز تملك مال الغير و التصرف فيه من دون احراز رضاه امر على خلاف قاعدة «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله الا بطيبة نفس منه»(1)و لا بدّ من الاقتصار على المورد الذي دل الدليل فيه على جوازه، و هو بعد التعريف سنة، و في غير ذلك يلزم تطبيق حكم مجهول المالك - بعد تعذر تطبيق حكم اللقطة التي هي مصداق من مصاديق مجهول المالك - و هو التصدق.

8 - و اما جواز دفع اللقطة الى الحاكم الشرعي و سقوط وجوب

التعريف عن الملتقط بذلك

فقد ذكر صاحب الجواهر في توجيهه بانه ولي الغائب في الحفظ بل قد يقال بوجوب القبول عليه لأنه معدّ لمصالح المسلمين(2).

و فيه: ان ولاية الحاكم مختصة بالمورد الذي لم يجعل الشارع فيه الولاية للغير فانه ولي من لا ولي له، و في المقام قد جعلها للملتقط حيث جعل له الحق في التصدق. اجل لا بأس بدفع اللقطة اليه على ان تبقى امانة بيده و يستمر الملتقط بالتعريف طول السنة، و اذا انتهت و لم يجد المالك تخير بين الامور الثلاثة المتقدمة أو يوكل الامر في ذلك الى الحاكم.

9 - و اما ان المناسب دفع اللقطة - اذا اريد التصدق بها - الى

خصوص الفقراء

فباعتبار ان المتبادر من مفهوم التصدق لزوم الفقر في المتصدق عليه و لا أقلّ من الشك في صدقه بدون ذلك فيلزم الاحتياط بعد عدم امكان التمسك بالاطلاق لأنه تمسك به في الشبهة


1) وسائل الشيعة 424:3 الباب 3 من ابواب مكان المصلي الحديث 1.

2) جواهر الكلام 368:38.

المصداقية، و هو غير جائز.

10 - و اما اعتبار الدفع الى الغير و عدم الاكتفاء باحتساب الملتقط‌

اللقطة صدقة على نفسه

فلان ظاهر طلب التصدق في مثل صحيحة ابراهيم بن عمر المتقدمة في الرقم 2 هو المغايرة و انه تصدق على الغير.

3 - من احكام اللقيط‌

اشارة

يجب اخذ الطفل الضائع اذا خيف عليه التلف و رعايته و الانفاق عليه سواء علم بتعمد اهله لنبذه عجزا عن تربيته او خوفا من الفضيحة او لغير ذلك أم علم بضياعه من اهله أم علم بهلاك اهله و بقائه وحده أم جهل حاله.

و لا فرق في ذلك بين كونه طفلا رضيعا او اكبر من ذلك ما دام هو بحاجة ماسة الى من يتكفل شئونه.

و الملتقط احق باللقيط من غيره الى ان يبلغ فان له الحق آنذاك في ان يوالي من شاء بعد ان يرد على الملتقط كل ما انفق عليه.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم اخذ الطفل الضائع اذا خيف عليه التلف

فلانه بعد كونه نفسا محترمة فالحفاظ عليه يكون واجبا بالضرورة.

و اما عدم الفرق بين كون الطفل رضيعا او اكبر من ذلك فلعموم النكتة المتقدمة.

2 - و اما ان الملتقط احق من غيره ما دام اللقيط لم يبلغ

فلان الاسبقية نفسها تمنح صاحبها حقا بالسيرة العقلائية الممضاة من

خلال عدم ثبوت الردع عنها.

هذا مضافا الى امكان استفادة ذلك من صحيحة عبد الرحمن العرزمي عن ابي عبد اللّه عن ابيه عليهما السّلام: «المنبوذ حر، فاذا كبر فان شاء توالى الى الذي التقطه و الا فليرد عليه النفقة و ليذهب فليوال من شاء»(1)الدالة على لزوم رد النفقة بعد البلوغ اذا اراد ان يوالي الغير.

4 - من احكام الضالة

اشارة

الحيوان المملوك للغير اذا عثر عليه في الصحراء و نحوها من الامكنة التي لا يؤمن فيها من السباع و نحوها و كان قادرا على حفظ نفسه - اما لكبر جثته او سرعة عدوه كالبعير و نحوه - فلا يجوز اخذه، و من فعل ذلك كان ضامنا له و لا تبرأ ذمته من ضمانه الا بدفعه الى مالكه، و لا يزول الضمان عنه بارساله في الموضع الذي اخذ فيه، و يلزم تعريفه، و مع اليأس من الوصول الى مالكه و معرفته يتصدق به.

و اذا كان لا يقدر على حفظ نفسه - كما في الشاة و نحوها - فلا يجب اخذه و ان جاز و يلزم تعريفه في موضع الالتقاط، و مع عدم معرفة صاحبه يجوز التصرف فيه بالاكل و نحوه مع ضمان قيمته بعد ذلك لو عاد صاحبه و لم يرض بما حصل.

و اذا عثر على الحيوان في الامكنة العامرة التي يؤمن فيها من السباع عادة فلا يجوز اخذه، و مع الاخذ يضمن، و يلزم تعريفه و يبقى الى ان يؤدى الى


1) وسائل الشيعة 371:17 الباب 22 من أبواب اللقطة الحديث 3.

مالكه، و مع اليأس عنه يتصدق به.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز اخذ الحيوان في الصحراء و نحوها ما دام قادرا

على حفظ نفسه

فهو مقتضى قاعدة عدم حلية التصرف في مال الغير ما دام لا يحرز طيب نفسه، المستندة الى قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله الا بطيبة نفس منه»(1).

هذا مضافا الى دلالة صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن الشاة الضالة بالفلاة فقال للسائل: هي لك او لأخيك او للذئب. قال: و ما احب ان امسها. و سئل عن البعير الضال فقال للسائل: ما لك و له، خفه حذاؤه، و كرشه سقاؤه، خل عنه»(2)و غيرها على ذلك. و السؤال في ذيلها و ان كان خاصا بالبعير الا ان الجواب يستفاد منه العموم لكل حيوان قادر على حفظ نفسه.

2 - و اما ضمان من اخذ الحيوان القادر على حفظ نفسه

فهو مقتضى قاعدة على اليد الثابتة بالسيرة العقلائية الممضاة من خلال عدم الردع عنها.

3 - و اما بقاء الضمان بعد الاخذ الى ان يتم تسليمه الى مالكه و لا

يكفي ارساله

فلقضاء قاعدة على اليد بذلك و ان الضمان يستمر الى ان يتمّ التسليم بشكل كامل الى المالك.

4 - و اما لزوم تعريف الحيوان

فلانه مقدمة للإيصال الى المالك المفروض وجوبه.


1) وسائل الشيعة 424:3 الباب 3 من ابواب مكان المصلي الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 364:17 الباب 13 من أبواب اللقطة الحديث 5.

و اما انه مع اليأس عنه يتصدق به فلان ذلك حكم مجهول المالك على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

5 - و اما ان الحيوان اذا كان لا يقدر على حفظ نفسه فلا يجب

اخذه

فلان الحفاظ على مال الغير لا دليل على وجوبه.

و اما جواز اخذه - بالرغم من اقتضاء القاعدة عدم جوازه - فلصحيحة معاوية المتقدمة. و موردها و ان كان خاصا بالشاة الا ان المستفاد من الجواب التعميم لغيرها.

و اما لزوم تعريفه فلانه مقدمة للإيصال الى المالك المفروض وجوبه. هذا مضافا الى دلالة صحيحة علي بن جعفر - المتقدمة في احكام اللقطة الرقم 3 - على ذلك. و هي كما تدل على لزوم التعريف تدل أيضا على جواز الانتفاع مع الضمان.

6 - و اما انه لا يجوز اخذ الحيوان الضائع في الامكنة العامرة

فهو مقتضى قاعدة عدم جواز التصرف في مال الغير من دون احراز طيب نفسه.

و اما انه يضمن مع الاخذ و يلزم تعريفه و يبقى الضمان الى ان يؤدى الى المالك و مع اليأس عنه يتصدق به فقد اتضح مما تقدم.

5 - من احكام مجهول المالك

اشارة

عنوان اللقطة لا يرادف عنوان مجهول المالك.

و حكم اللقطة ما تقدم، في حين ان حكم المال المجهول مالكه هو الفحص عنه الى حدّ اليأس - من دون تقيد بمدّة سنة - فان تحقق تصدق به.

و اذا كان المالك معلوما و تعذر الوصول اليه و كسب الاجازة منه في تحديد كيفية التصرف فحكمه حكم المال المجهول مالكه.

و عليه فمن أخذ قلما او مسبحة او غير ذلك من الغير لقضاء حاجة فعلية له و لم يعرف ممن اخذ ذلك او كان يعرفه و لكن لا يعرف خبره فحكمه حكم مجهول المالك دون اللقطة.

و هكذا الحال في من اودع بعض اثاث بيته في دار شخص و سافر من دون ان يعرف خبره فانه يلزم تطبيق حكم مجهول المالك عليه دون اللقطة.

و هكذا الحال في سائر الأمثلة التي لا يكون فيها عنوان الضياع متحققا.

و من خلال هذا يتضح الحال في من تبدل حذاؤه او عباءته اشتباها فانه يجري في مثل ذلك حكم مجهول المالك و لا يجوز التصرف الا مع احراز رضا المالك. و في جواز المقاصة اشكال خصوصا اذا كان الاشتباه منه لا من الغير.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان عنوان اللقطة عنوان آخر يغاير عنوان مجهول المالك

فواضح، اذ اللقطة فرد من افراد مجهول المالك و لا تصدق عرفا الا مع الضياع. و قد رتب عليها شرعا حكم خاص، و هو وجوب الفحص عن المالك لمدة سنة ثم مع عدم العثور عليه يتخير بين امور ثلاثة حسبما تقدم حتى مع فرض عدم اليأس من العثور عليه، و هذا بخلاف عنوان مجهول المالك غير اللقطة فان الفحص عن مالكه لازم من دون تقيد بمدة سنة بل المدار - حسبما هو المختار لجملة من الاصحاب و تدل عليه بعض الروايات الآتية - على اليأس منه، و مع تحققه لا يتخير بين الامور الثلاثة بل يتعين التصدق.

2 - و اما الفرق بين اللقطة و مجهول المالك في الحكم

فمستنده:

اما بالنسبة الى اللقطة فهو ما تقدم من الروايات.

و اما بالنسبة الى مجهول المالك فهو ما يظهر من بعض الروايات، كصحيحة يونس بن عبد الرحمن: «سئل ابو الحسن الرضا عليه السّلام و انا حاضر... رفيق كان لنا بمكة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا فاي شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة. قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع. قال: اذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه. قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على اهل الولاية»(1)، و صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل كان له على رجل حق ففقده و لا يدري أين يطلبه و لا يدري أحي هو أم ميت و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و لا ولدا. قال: اطلب. قال: فان ذلك قد طال فاتصدق به؟ قال: اطلبه»(2)

و سند الصحيحة الذي سجله الحر في الوسائل ضعيف - لعدم ثبوت وثاقة ابن عون و ابي ثابت - الا ان هناك سندا آخر صحيحا أشار اليه الشيخ في تهذيبه 188:6.

.

بل يمكن التمسك لا ثبات وجوب الفحص في مجهول المالك الى حد اليأس بقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (3).

3 - و اما تعميم حكم مجهول المالك للمال المعلوم مالكه مع تعذر

الوصول اليه

فباعتبار ان مورد الروايات السابقة هو معلوم المالك


1) وسائل الشيعة 357:17 الباب 7 من أبواب اللقطة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 583:17 الباب 6 من ابواب ميراث الخنثى الحديث 2.

3) النساء: 58.

و انما تعدينا الى مجهول المالك لأجل الغاء الخصوصية عرفا.

4 - و اما اعتبار تعذر كسب الاجازة من المالك المعلوم

فباعتبار انه لا يجوز التصرف في مال الغير بدون طيب نفسه فاذا امكن كسب الاجازة في تحديد كيفية التصرف فلا يجوز من دونه.

5 - و اما الحكم المذكور لتبدل العباءة او الحذاء

فواضح اذ مع احراز رضا المالك بالتصرف بنحو خاص فلا تعود مشكلة، و مع عدم احراز ذلك يلزم تطبيق حكم مجهول المالك.

و اما وجه الاشكال في جواز المقاصة فباعتبار ان مستندها خاص بمورد التعمد و المفروض في محل كلامنا هو الاشتباه فلاحظ صحيحة داود بن رزين: «قلت لأبي الحسن موسى عليه السّلام: اني اخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها و الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك و لا تزد عليه»(1).

و اما اوضحية الاشكال في جواز المقاصة في حالة كون الاشتباه من الشخص نفسه دون الغير فباعتبار ان مستند جواز المقاصة على تقدير عمومه لحالة الاشتباه خاص بما اذا كان الاشتباه من الغير لا من الشخص نفسه.


1) وسائل الشيعة 201:12 الباب 83 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1.

كتاب الاقرار

اشارة

1 - حقيقة الاقرار و مدرك حجيته

2 - من أحكام الاقرار

1 - حقيقة الاقرار و مدرك حجيته

اشارة

الاقرار اخبار الشخص عن حق ثابت عليه او نفي حق له على غيره.

و هو حجة و نافذ على المقر بلا اشكال.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حقيقة الاقرار ما ذكر

فمما لا تأمل فيه، فان لفظ الاقرار - بناء على كون مدرك حجية الاقرار لفظيا - ظاهر عرفا فيما ذكرناه.

و اذا كان مدرك الحجية هو السيرة العقلائية فهي تقتضي ثبوت الحجية للإقرار بالمعنى المذكور.

ثم ان لازم كون الاقرار اخبارا خروجه عن العقود و الايقاعات و كونه شيئا ثالثا في مقابلهما كما هو واضح.

و ينبغي التفرقة بين قاعدة حجية الاقرار و قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، فان معنى الاولى: ان من أقرّ على نفسه بشيء كان ملزما به، في حين ان معنى الثانية: ان من كان له الحق في تصرف معين فاخباره عن تحققه نافذ، فالزوج ما دام له الحق في طلاق زوجته

فاخباره عن تحققه نافذ، و الوكيل في بيع دار و نحوها بما ان له الحق في ايقاع ذلك فاخباره عن تحققه نافذ.

2 - و اما ان الاقرار حجة على المقر و ملزم به

فلا ينبغي التأمل فيه للسيرة العقلائية على ذلك. و هي حجة بسبب عدم الردع عنها الكاشف عن امضائها.

هذا هو مدرك حجية اقرار العاقل على نفسه.

و اما الحديث المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(1)فلا وجود له في كتب الحديث و انما هو مذكور في الكتب الاستدلالية لفقهائنا - من دون سند - كما اشار الى ذلك الحر العاملي(2).

و دعوى صاحب الجواهر انه حديث نبوي مستفيض او متواتر لا نعرف وجهها(3)، فانه لم يثبت كونه حديثا ليكون مستفيضا او متواترا.

و اما شهرة العمل به - على تقدير كونه حديثا - فهي لو تمت صغرى و كبرى فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام لاحتمال ان استنادهم اليه ليس لكونه حديثا صادرا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله حقا بل لان مضمونه مضمون عقلائي لا يحتاج الى رواية.

و عليه فالمدرك منحصر بالسيرة العقلائية.

و اما الاستدلال على حجية الاقرار بمثل قوله تعالى: أَ أَقْرَرْتُمْ


1) وسائل الشيعة 133:16 الباب 3 من ابواب الاقرار الحديث 2، مستدرك الوسائل (نقلا عن عوالي اللآلي) 369:13.

2) وسائل الشيعة 133:16.

3) جواهر الكلام 3:35.

وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا (1)، وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ (2)، أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (3)فهو كالاستدلال بحكم العقل - بتقريب ان العاقل حيث انه لا يكذب على نفسه بما يضره فاذا اقرّ على نفسه بشيء حصل القطع بصدق المضمون المقر به - لا يخفى ما فيه.

2 - من احكام الاقرار

اشارة

لا يلزم الشخص باقراره الا اذا كان اخباره - بثبوت الحق عليه او انتفائه عنه - بنحو الجزم دون الاحتمال او الظن.

و لا يكون الاقرار حجة الا بلحاظ الآثار التي هي في ضرر المقر دون الآثار التي هي في صالحه او التي هي مرتبطة بالغير و هو أجنبي عنها.

و لا تختص حجية الاقرار بما اذا كان بلفظ معين بل يكفي كل ما يدل عليه و لو بالاشارة او الدلالة الالتزامية.

و لو عقّب المقر اقراره بما يضاده فان كان ذلك تراجعا منه عن اقراره فلا ينفذ بخلاف ما اذا كان تفسيرا و توضيحا.

و لو قال المقر هذا الشيء لفلان ثم قال بل لفلان فالمشهور ذهب الى لزوم دفعه الى الاول و غرامة قيمته للثاني.

و لو قال لفلان عليّ مال ألزم بتوضيحه.

و من ادعى زوجية امرأة و صدّقته قبل ذلك منه. و لو انكرت ذلك و لم تكن


1) آل عمران: 81.

2) التوبة: 102.

3) الاعراف: 172.

له بينة ألزم بترتيب ما عليه من الآثار.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاقرار لا يكون ملزما للمقر الا اذا كان بنحو الاخبار

الجازم

فلقصور السيرة عن الشمول الا لمثل ذلك. و لا أقلّ من الشك في الشمول، و هو كاف في اثبات المطلوب.

2 - و اما ان الاقرار لا يكون حجة الا بلحاظ الآثار التي هي في

ضرر المقر

فباعتبار ان الاقرار على النفس لا يصدق الا بلحاظ ذلك.

و منه يتضح لزوم التفكيك في كل اقرار بلحاظ آثاره فيلزم المقر بالآثار التي هي في ضرره دون غيرها، فلو أقر بابوة شخص له ألزم بالانفاق عليه دون العكس.

3 - و اما عدم اختصاص حجية الاقرار بما اذا كان بلفظ معين

و كفاية الاشارة و الدلالة الالتزامية

فلإطلاق السيرة العقلائية من هذه الناحية.

4 - و اما التفصيل - فيما لو عقّب المقر اقراره بما يضاده - بين ما

كان تراجعا فلا يقبل و بين ما اذا كان تفسيرا فيقبل

فلاقتضاء السيرة - التي هي المستند لحجية الاقرار - لذلك.

5 - و اما انه لو قال المقر هذا الشيء لفلان ثم قال بل لفلان دفع

الى الاول و غرم قيمته للثاني

فقد علله المشهور بان دفع العين للأول هو باعتبار حجية الاقرار الاول، و دفع القيمة الى الثاني هو باعتبار ان المقر باقراره الاول قد حال بينه و بينها فهو كالمتلف.

6 - و اما ان المقر يلزم بالتوضيح لو قال لفلان عليّ مال

فباعتبار ان ذمة المقر لما ثبت اشتغالها بالمال بمقتضى الاقرار فمن اللازم

تفريغها - على تقدير المطالبة - و هو لا يتحقق الا بذلك.

7 - و اما ان من ادعى زوجية امرأة و صدّقته قبل ذلك منهما و حكم

بالزوجية

فلقاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» الثابتة بالسيرة العقلائية.

و اما ان المرأة لو أنكرت ألزم بترتيب الآثار التي هي عليه - كحرمة التزويج بأمّها أو أختها - فباعتبار حجية الاقرار على النفس.

و اما بقية الآثار - كجواز النظر و نحوه - فحيث انه لا تدخل تحت القاعدة المذكورة فتعود بلا مثبت.

اجل بالنسبة الى الانفاق بالخصوص يمكن ان يقال بعدم وجوبه لأنه مقابل التمكين - اذ مع عدمه تكون ناشزا، و هي لا نفقة لها - المفروض عدمه.

كتاب الأطعمة و الأشربة

اشارة

1 - حيوان البحر 2 - حيوان البر 3 - الطيور 4 - ما يحرم من الحيوان المذبوح 5 - التحريم الطارئ

افراد ما يحرم تناوله ما يحرم تناوله تارة يكون من الحيوان و اخرى من غيره. و نقصر الحديث - خوف الاطالة - على الاول.

و الحديث يقع تاره عن حيوان البحر، و اخرى عن حيوان البر، و ثالثة عن الطيور، و رابعة عما يحرم من الحيوان المذبوح، و خامسة عن التحريم الطارئ على الحيوان في حالات معينة.

1 - حيوان البحر

اشارة

كل حيوان يعيش في الماء محرم ما عدا قسمين: السمك الذي له فلس(1)، و الطيور المائية.

و اذا شك في وجود الفلس بني على الحرمة. اما اذا شك في فلسية الموجود بني على الحلية.


1) و قد عبّر عن الفلس في الروايات بالقشر.

و المستند في ذلك:

1 - اما انحصار الحلية في الحيوانات التي تعيش في الماء

بما تقدم فمرجعه الى دعويين:

الاولى: حلية السمك الذي له فلس، و الطيور المائية.

الثانية: حرمة ما عدا ذلك.

اما بالنسبة الى الدعوى الاولى فيدل عليها امران:

أ - التمسك بأصل الحل - الذي هو الاصل الاولي في الاشياء - المستند الى مثل قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ... (1)، و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «رفع عن امتي... ما لا يعلمون»(2)، و غير ذلك.

ب - الروايات الخاصة، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «قلت له: رحمك اللّه انا نؤتى بسمك ليس له قشر فقال: كل ما له قشر من السمك، و ما ليس له قشر فلا تأكله»(3)و غيرها.

هذا بالنسبة الى السمك.

و اما الطيور فيأتي التحدث عنها تحت عنوان الطيور إن شاء اللّه تعالى.

و اما بالنسبة الى الدعوى الثانية فهي متسالم عليها بين الاصحاب و ان نسب صاحب الجواهر الى بعض متأخري المتأخرين الوسوسة في ذلك بل الميل الى الحلّ في الجملة. و ربما ينسب ذلك الى الشيخ


1) الانعام: 145.

2) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 397:16 الباب 8 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

الصدوق أيضا و لكنه لم يثبت(1).

و على اي حال يمكن التمسك لذلك بموثقة عمار بن موسى الساباطي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الربيثا فقال: لا تأكلها فانا لا نعرفها في السمك يا عمار»(2).

ان قلت: ان الربيثا التي هي مورد الموثقة قد وردت روايات تدل على حليتها من قبيل صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: «كتبت الى ابي الحسن الرضا عليه السّلام: اختلف الناس عليّ في الربيثا فما تأمرني به فيها؟ فكتب عليه السّلام: لا بأس بها»(3). و لازم ذلك حمل النهي عن أكلها على الكراهة، و معه فكيف يتمسك بالتعليل؟

قلت: ان ذلك لا ينافي حجية التعليل و جواز التمسك به، فانه على اي حال يستفاد منه عدم حلية غير السمك، غايته بالنسبة الى خصوص الربيثا يلتزم بحليتها و ان لم تكن من السمك(4)للروايات الصريحة في جوازها.

2 - و اما تقييد حلية السمك بما اذا كان ذا فلس

فهو المعروف بين الاصحاب بل كاد يكون ذلك متسالما عليه بينهم. و تدل عليه الروايات الكثيرة التي من جملتها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.

الا ان في مقابل ذلك روايات تستفاد منها حلية ما ليس له فلس، كصحيحة محمد بن مسلم الاخرى: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الجري


1) جواهر الكلام 243:36.

2) وسائل الشيعة 408:16 الباب 12 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 407:16 الباب 12 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

4) بيد ان الفيض الكاشاني في الوافي 42:19 ذكر ان الربيثا نوع من السمك.

و المارماهي و الزمّير و ما ليس له قشر من السمك حرام هو؟ قال لي: يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الانعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى... (1)قال: فقرأتها حتى فرغت منها فقال: انما الحرام ما حرّم اللّه و رسوله في كتابه و لكنهم قد كانوا يعافون اشياء فنحن نعافها»(2)و غيرها.

و قد يجاب عنها اما بانه لا اعتبار بها بعد كثرة الروايات الدالة على تقيّد الحل بالفلس او بلزوم حملها على التقية.

و كلاهما كما ترى، فان الجمع العرفي - بالحمل على الكراهة - ما دام ممكنا فلا تصل النوبة الى ما ذكر، فان ذلك فرع التعارض المستقر المفروض عدمه.

و عليه فلا مناص لأجل ردها الا دعوى تسالم الاصحاب على خلافها و هجرانهم لمضمونها حتى قال صاحب الجواهر: «لا تنبغي الوسوسة في الحكم المذكور خصوصا في مثل هذا الزمان الذي كاد يكون من ضروري المذهب»(3).

3 - و اما انه اذا شك في وجود الفلس يبنى على الحرمة

فلاستصحاب عدمه.

و اما انه اذا شك في فلسية الموجود يبنى على الحلية فلان مرجع الشك المذكور الى الشك في سعة الحرمة و شمولها لمثل الحيوان المذكور فيبنى على البراءة.


1) الانعام: 145.

2) وسائل الشيعة 404:16 الباب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 20.

3) جواهر الكلام 250:36.

2 - حيوان البر

اشارة

الحيوان الذي يعيش في البر تارة يكون اهليا و اخرى وحشيا.

اما الاهلي فتحل منه الانعام الثلاث و الخيل و البغال و الحمير و ان كانت الثلاثة الاخيرة مكروهة.

و اما الوحشي فيحل منه البقر و كبش الجبل(1)و الحمر الوحشية و الغزلان و اليحامير(2).

و هل ينحصر الحل - في حيوان البر - بما ذكر؟ يشكل ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما حلية الانعام الثلاث

فهي من ضروريات الدين. و يدل عليها مضافا الى ذلك:

أ - قوله تعالى: وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‌ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (3)، وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ


1) كبش الجبل - على ما قيل - هو الضأن و المعز الجبليان.

2) اليحمور حيوان شبيه بالابل. و قيل هو دابة وحشية لها قرنان طويلان كأنهما منشاران ينشر بهما الشجر يلقيهما كل سنة.

3) النحل: 5.

حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ.. (1).

ب - و بقطع النظر عن ذلك يكفينا اصل الحل.

2 - و اما حلية لحم الخيل و البغال و الحمير

فهي المشهور بين الاصحاب. و نسب الخلاف الى الشيخ المفيد و الحلبي حيث حرّم الاول البغال و الحمير و الهجين من الخيل(2)، و الثاني خصوص البغال(3).

و تدل على الحلية - مضافا الى الاصل - صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «انهما سألاه عن اكل لحوم الحمر الاهلية فقال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن اكلها يوم خيبر و انما نهى عن اكلها في ذلك الوقت لأنها كانت حمولة الناس و انما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن»(4)، و صحيحة محمد بن مسلم الاخرى عن ابي جعفر عليه السّلام:

«سألته عن لحوم الخيل و البغال و الحمير فقال: حلال و لكن الناس يعافونها»(5)و غيرهما.

و في مقابل ذلك نصوص دلت على النهي عن اكلها، من قبيل صحيح ابن مسكان: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام... عن اكل الخيل و البغال فقال: نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنها و لا تأكلها الا ان تضطر اليها»(6)، و صحيح سعد بن سعد عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن لحوم البراذين(7)


1) الانعام: 142-144.

2) الهجين هو ما كان احد ابويه غير عربي.

3) جواهر الكلام 268:36.

4) وسائل الشيعة 390:16 الباب 4 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

5) وسائل الشيعة 393:16 الباب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

6) وسائل الشيعة 393:16 الباب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

7) البرذون هو التركي من الخيل في مقابل العراب.

و الخيل و البغال فقال: لا تأكلها»(1).

و ذكر في الجواهر ان بالامكان ترجيح الطائفة الاولى باعتبار موافقتها للكتاب الكريم و مخالفتها للعامة(2).

هذا و لكن المناسب الجمع بحمل الثانية على الكراهة فان الاولى صريحة في الجواز و الثانية ظاهرة في التحريم، و العرف يجمع بتأويل الظاهر بحمله على الكراهة بقرينة الصريح.

و عليه فالتعارض غير مستقر لا مكان الجمع العرفي بينهما، و معه لا تصل النوبة الى اعمال المرجحين السابقين فان اعمال المرجحات فرع التعارض المستقر، و المفروض عدمه.

و من خلال الجمع العرفي المتقدم اتضح وجه الحكم بكراهة اكل لحم الثلاثة.

3 - و اما ان الخمسة من الحيوان الوحشي يحل اكل لحمها

فلم يعرف فيه خلاف. و يدل عليه:

أ - أصل الحل بالبيان المتقدم في بداية البحث.

ب - النصوص الخاصة، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام:

«سألته عن ظبي او حمار وحش او طير صرعه رجل ثم رماه بعد ما صرعه غيره فمتى يؤكل؟ قال: كله ما لم يتغير اذا سمى و رمى»(3)، و صحيحة سعد بن سعد: «سألت الرضا عليه السّلام عن اللامص فقال: و ما هو؟ فذهبت أصفه فقال: أ ليس اليحامير؟ قلت: بلى، قال: أ ليس تأكلونه


1) وسائل الشيعة 394:16 الباب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5.

2) جواهر الكلام 269:36.

3) وسائل الشيعة 34:17 الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 5.

بالخل و الخردل و الابزار؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به»(1)، و صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال في إيل يصطاده رجل فيقطعه الناس و الرجل يتبعه أ فتراه نهبة(2)؟ قال: ليس بنهبة و ليس به بأس»(3)، فان الأيل هو بقر الجبل.

و يبقى كبش الجبل لا رواية خاصة فيه الا انه يمكن التمسك لا ثبات حليته بقوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ (4)، بناء على تفسير الأنثيين بالاهلي و الوحشي، بل حتى لو فسر بالذكر و الانثى فبالامكان التمسك بالاطلاق.

4 - و اما وجه الاشكال في حصر حلّ حيوان البر بما ذكر

فباعتبار ان ادلة حلية ما تقدم لا يستفاد منها حصر الحل بذلك، و معه يبقى غيره على اصل الحل الا ما دل الدليل على تحريمه بعنوانه الخاص، و هو ما يلي:

أ - نجس العين، كالكلب و الخنزير، فان حرمة لحمه هي من لوازم نجاسته العينية، كما هو واضح.

ب - السباع(5)، كالأسد و النمر و الفهد و الثعلب و الضبع و...

و لا خلاف في تحريمها. و يدل على ذلك صحيح داود بن فرقد عن ابي


1) وسائل الشيعة 34:17 الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 2.

2) أي هل يعدّ أخذ الناس له نهبا و غصبا محرما بعد فرض ان الرجل قد جرحه.

3) وسائل الشيعة 275:16 الباب 17 من أبواب الصيد الحديث 2.

4) الانعام: 143.

5) السبع: كل حيوان مفترس. و قيل: هو كل حيوان له ظفر و ناب. و الناب هو السن الذي يتم به الافتراس.

عبد اللّه عليه السّلام: «كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير حرام»(1)، و صحيح الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يصلح اكل شيء من السباع، اني لا كرهه و اقذره»(2).

و مقتضى الصحيح الاول اعتبار وجود الناب بخلاف الصحيح الثاني فان مقتضاه عدم اعتبار ذلك على تقدير وجود سبع لا ناب له.

و قد يجمع بحمل المطلق على المقيد بناء على ثبوت المفهوم للمقيد.

و هو وجيه لو لا موثقة سماعة: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المأكول من الطير و الوحش فقال: حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كل ذي مخلب من الطير و كل ذي ناب من الوحش فقلت: ان الناس يقولون: من السبع فقال لي:

يا سماعة السبع كله حرام و ان كان سبعا لا ناب له و انما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هذا تفضلا الى ان قال: و كل ما صف و هو ذو مخلب فهو حرام»(3)الدالة على حرمة مطلق السبع.

ثم انه ورد في بعض الروايات ما يدل على عدم حرمة السبع، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «سئل عن سباع الطير و الوحش... فقال: ليس الحرام الا ما حرم اللّه في كتابه...»(4)و غيرها، الا انها ساقطة عن الحجية لهجران مضمونها بين الاصحاب.

ج - المسوخ، كالقردة و الخنازير و... و لا خلاف في تحريمها. و تدل6.


1) وسائل الشيعة 387:16 الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 388:16 الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة 388:16 الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 394:16 الباب 5 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 6.

على ذلك صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن اكل الضب فقال: ان الضب و الفأرة و القردة و الخنازير مسوخ»(1)، و موثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «حرّم اللّه و رسوله المسوخ جميعها»(2)و غيرهما.

د - الحشرات. و هي كل حيوان يأوي ثقوب الارض، كالحية و العقرب و الجرذ و الفأرة و... و لم يعرف خلاف في حرمتها، الا انه لا دليل على ذلك سوى رواية دعائم الإسلام عن امير المؤمنين عليه السّلام: «انه نهى عن الضب و القنفذ و غيره من حشرات الارض»(3).

و تمامية الحكم المذكور تتوقف على احد الامور التالية:

الاول: ان الرواية و ان كانت ضعيفة السند - باعتبار انها مرسلة بل هذا هو الطابع العام على روايات دعائم الإسلام - الا انها تعود حجة بناء على تمامية كبرى انجبار الرواية الضعيفة بفتوى المشهور على و فقها.

الثاني: البناء على حجية الشهرة الفتوائية كمدرك لإثبات الحكم الشرعي كما هو رأي المشهور بعد الالتفات الى ان حرمة الحشرات امر مشهور لو لم تكن مجمعا عليها.

الثالث: ان الحكم بحرمة الحشرات اجماعي - على ما قيل - و الاجماع حجة بالرغم من كونه محتمل المدرك، بتقريب ان المجمعين اما ان يكونوا قد استندوا الى رواية الدعائم، و هذا يدل على حقانية مضمونها، او لم يستندوا اليها، و هذا يعني ان الاجماع تعبدي و قد6.


1) وسائل الشيعة 379:16 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 380:16 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

3) مستدرك وسائل الشيعة 170:16.

وصل الحكم المجمع عليه يدا بيد من المعصوم عليه السّلام.

و ينبغي الالتفات الى ان من مصاديق الحشرات الديدان فهي محرمة على هذا، الا انه ينبغي ان يستثنى من ذلك الديدان المتكونة في الفاكهة.

و الوجه في ذلك اما القصور في المقتضي، باعتبار ان الشهرة او الاجماع دليل لبي ينبغي الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو غير ذلك، او لوجود المانع و هو انعقاد سيرة المتشرعة على التسامح مع ديدان الفاكهة.

هذه عناوين اربعة قد ثبت التحريم فيها.

و ربما يضاف اليها خامس، و هو عنوان الخبائث و يحكم بحرمة مثل الخنافس و الخفاش و القمل و غيرها من جهته - حتى مع فرض عدم دخولها تحت احد العناوين السابقة - استنادا الى مثل قوله تعالى:

يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ (1).

و هو وجيه لو كان المراد من الخبائث ما تشمئز منه النفوس و لم يحتمل كون المراد منها الاعمال السيئة.

هذا و قد ادعي الاجماع على حرمة مثل الزنابير و الذباب و البق و الفراش و الديدان و ما شاكل ذلك.

و لعل النكتة كونها من الخبائث، بل ان بعضها هو من المسوخ - على ما قيل - كالزنابير.7.


1) الاعراف: 157.

3 - الطيور

اشارة

يحل كل حيوان طائر الا اذا:

أ - كان سبعا، أي ذا مخلب.

ب - أو كان صفيفه اكثر من دفيفه(1).

ج - أو لم تكن له قانصة و لا حوصلة و لا صيصية(2)

و الحوصلة للطير كالمعدة لغيره، و تكون في آخر العنق عادة.

و هذان العضوان يختص بهما الطائر الذي يأكل الحبوب ليسهل عليه من خلالهما هضم ما يعسر هضمه. و هما مفقودان في جوارح الطيور التي تأكل اللحوم لان اللحم سريع الهضم.

و الحبّ متى ما اجتمع في الحوصلة يلين من خلال افرازاتها الخاصة و يستعد للهضم في القانصة.

و قد قيل: ان افرازات القانصة تحلل ما كان في غاية الصلابة، بل ان قانصة النعامة قابلة لتحليل الحديد.

هذا كله في القانصة و الحوصلة.

و اما الصيصة فهي شوكة خلف رجل الطائر خارجة عن قدمه، و هي له بمنزلة الابهام للإنسان.

.

و الطير متى ما احرز حال صفيفه حكم بمقتضاه من دون ان تصل النوبة الى ملاحظة القانصة و نحوها و انما يلحظ ذلك في الطير الذي لا يعرف حال صفيفه.

و عليه فعند التعارض بين العلامة الثانية و الثالثة تقدم الثانية.


1) صفيف الطائر بسطه لجناحيه حالة طيرانه، كما هو الحال في جوارح الطير. و دفيفه تحريكه لجناحيه.

2) القانصة هي للطير بمنزلة المصارين في غيره، و تجتمع فيها الاجسام الصلبة، و يعبر عنها في الفارسية ب «سنك دان».

و يكفي عند فقدان العلامة الثانية وجود احد الامور الثلاثة و لا يلزم وجود جميعها.

و لا فرق في الاحكام المذكورة للطائر بين كونه طير بر او طير ماء.

و قد وقعت بعض الطيور الخاصة محلا للخلاف، كالغراب و اللقلق مثلا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان كل طائر هو محكوم بالحلية الا اذا انطبق عليه احد

العناوين المذكورة

فلأن ذلك مقتضى اصل الحل.

2 - و اما حرمة السبع من الطائر

فهي مما لا يعرف فيها خلاف.

و تدل عليها صحيحة داود بن فرقد و موثقة سماعة المتقدمتان في الرقم 4 من حيوان البر - و غيرهما.

3 - و اما حرمة ما يصفّ‌

فلم يعرف فيها خلاف. و تدل عليها صحيحة زرارة: «سأل ابا جعفر عليه السّلام عما يؤكل من الطير فقال: كل ما دفّ و لا تأكل ما صفّ»(1)، و موثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كل ما صفّ و هو ذو مخلب فهو حرام...»(2)و غيرهما. و المراد كل ما دفّ اكثر و لا تأكل ما صفّ اكثر - كما فهم الفقهاء - و ليس المراد ما كان كذلك دائما، اذ كل ما يصف يدف أيضا و العكس بالعكس كما هو واضح.

4 - و اما حرمة الطائر الفاقد للقانصة و الحوصلة و الصيصة

فلم يعرف فيها خلاف. و تدل عليها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: الطير ما يؤكل منه؟ فقال: لا تأكل ما لم تكن له


1) وسائل الشيعة 420:16 الباب 19 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 421:16 الباب 19 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 2.

قانصة»(1)، و موثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كل من طير البر ما كانت له حوصلة و من طير الماء ما كانت له قانصة... و القانصة و الحوصلة يمتحن بهما الطير ما لا يعرف طيرانه و كل طير مجهول»(2)، و رواية ابن بكير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصية أو حوصلة»(3).

و قد ورد في سند الاخيرة سهل. و الامر فيه ان كان سهلا فلا مشكلة و الا فحجيتها - من حيث علامية الصيصة التي لم ترد الا فيها - تبتني على القول بكبرى الانجبار.

5 - و اما ان العلامة الثالثة هي في طول فقدان العلامة الثانية

فيمكن استفادته من موثقة سماعة المتقدمة.

هذا و يمكن ان يقال: ان العلامتين المذكورتين متلازمتان في الوجود الخارجي عادة بل ان العلامة الثانية ملازمة للأولى أيضا، فان اكثرية الصفيف هي من لوازم الطيور الجوارح ذات المخلب باعتبار قوتها بخلاف الدفيف فانه من لوازم الطير الضعيف الذي لا يكون من الجوارح.

و ربما يقال اكثر من ذلك: و هو ان الميزان الاساسي في تحريم الطيور كونها من السباع - اي ذات مخلب - و اما كثرة الصفيف فهي علامة على ذلك، و فقدان الامور الثلاثة المتقدمة هو علامة على العلامة المذكورة.


1) وسائل الشيعة 418:16 الباب 18 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 419:16 الباب 18 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 419:16 الباب 18 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5.

و الوجه فيه:

اما بلحاظ ان فقدان الامور الثلاثة علامة على العلامة المذكورة فقد اتضح مما سبق.

و اما ان اكثرية الصفيف لو حظت علامة على اثبات السبعية و ان الملاك هو السبعية فيتضح بملاحظة موثقة سماعة المتقدمة في الرقم 4 من حيوان البر حيث قالت في بدايتها: «حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كل ذي مخلب من الطير...»(1)، و هذا يدل على كون الميزان في التحريم كون الطير ذا مخلب، ثم قالت في ذيلها: «و كل ما صف و هو ذو مخلب فهو حرام»، و هذا يدل على اخذ الصفيف علامة على كون الطائر ذا مخلب و الا فمن المعلوم عدم اعتبار الاجتماع، بل قيل ان الوارد في بعض النسخ: «فهو ذو مخلب»(2)و هو واضح فيما ذكرناه.

و يترتب على هذا انا لو علمنا بكون الحيوان ليس ذا مخلب فمجرد اكثرية الصفيف لا تكون موجبة لتحريمه.

6 - و اما الاكتفاء بأحد الثلاثة في ثبوت الحل للحيوان

فباعتبار ان ذكرها في الروايات متفرقة دليل على عدم اعتبار اجتماعها. هذا مضافا الى دلالة موثقة سماعة و رواية ابي بكير - المتقدمتين في الرقم 4 - على ذلك بوضوح.

7 - و اما عدم الفرق بين طير البر و طير الماء في الاحكام المتقدمة

فباعتبار اطلاق النصوص المتقدمة، بل ان رواية مسعدة بن صدقة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كل من الطير ما كانت له قانصة و لا مخلب له. قال:


1) وسائل الشيعة 388:16 الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

2) جواهر الكلام 307:36.

و سئل عن طير الماء فقال: مثل ذلك»(1)صريحة في التعميم.

8 - و اما الغراب

فمنشأ الخلاف في تحريمه اختلاف الروايات فيه، فان صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «ان اكل الغراب ليس بحرام انما الحرام ما حرّم اللّه في كتابه...»(2)دلت على حليته، في حين ان صحيحة علي بن جعفر عن اخيه ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن الغراب الابقع و الاسود أ يحل اكلهما؟ فقال: لا يحل اكل شيء من الغربان زاغ و لا غيره»(3)

و الابقع: هو ما خالط بياضه لون آخر.

و الزاغ نوع من الغربان اسود صغير و قد يكون احمر المنقار و الرجلين.

هذا و قد قيل بان الغراب على اربعة اقسام، و الزاغ و الابقع هما من جملتها.

دلت على حرمته.

و التعارض مستقر. و المناسب ترجيح الاولى لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ... (4).

اجل لو لا المرجح المذكور كان المناسب التساقط و الحكم بالحرمة تمسكا باطلاق الروايات الدالة على حرمة كل ما كان له مخلب، حيث نقل وجود المخلب في جميع اقسام الغراب(5).

هذا كله لو فرض حجية صحيحة زرارة في نفسها. اما اذا قلنا بعدم حجيتها - من باب هجران الاصحاب لمضمونها، فانهم لم يلتزموا


1) وسائل الشيعة 419:16 الباب 18 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 396:16 الباب 7 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 396:16 الباب 7 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 3.

4) الانعام: 145.

5) جواهر الكلام 303:36.

بقاعدة ليس الحرام الا ما حرّم اللّه في كتابه، كما تقدمت الاشارة الى ذلك عند البحث عن حرمة السباع - فتبقى صحيحة علي بن جعفر بلا معارض و يلزم الاخذ بمضمونها و الحكم بالحرمة.

و بهذا اتضح ان الحكم بالحرمة هو المناسب على تقديرين، و الحكم بالحلية هو المناسب على تقدير واحد.

9 - و اما الخلاف في اللقلق

فليس لاختلاف النصوص فيه - فانه لا نص فيه بالخصوص - بل للاختلاف في تحقق ضوابط التحريم السابقة فيه و عدمه.

و قد قيل بوجود احدى العلامات الثلاث السابقة فيه فيلزم الحكم بحليته. و هذا وجيه اذا لم يثبت ان صفيفه اكثر، اما اذا ثبت ذلك - كما ادعي - فالمناسب الحكم بالحرمة و لا ينفع وجود احدى الثلاث السابقة فيه لما تقدم.

4 - ما يحرم من الحيوان المذبوح

اشارة

اذا ذبح الحيوان الذي يحل اكله لم يجز تناول جملة من الاشياء منه هي:

الدم، الخصيتان، القضيب، المثانة، الغدد(1)، الطحال، المرارة.

و زاد المشهور اشياء اخرى، كالفرج، و المشيمة(2)، و خرزة الدماغ(3)،


1) هي اجسام مدورة تشبه البندق.

2) و هي موضع الولد.

3) هي حبة بقدر الحمصة موجودة في وسط الدماغ.

و النخاع(1)، و العلباءين(2)، و حدقة العين(3)، و الفرث.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة السبعة الاولى

فهي ما عليه المشهور، بل قد يدعى الاتفاق على حرمة الدم و الخصيتين و القضيب و الطحال. و تدل على ذلك صحيحة ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن عليه السّلام: «حرم من الشاة سبعة أشياء: الدم، و الخصيتان، و القضيب، و المثانة، و الغدد، و الطحال، و المرارة»(4)

و السند بطريق الكليني اذا كان قابلا للمناقشة من ناحية عبيد اللّه الدهقان فهو بنقل البرقي في محاسنه لا اشكال فيه.

و غيرها. بل ان حرمة الدم هي من ضروريات الإسلام. و قد دلّ على ذلك قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ... (5)و غيره مما ورد في الكتاب الكريم.

و مقتضى الاطلاق حرمة الدم بجميع اقسامه بما في ذلك دم ما لا نفس له كالسمك.

اجل ينبغي ان يعفى من ذلك ما كان تابعا للّحم من دون ان يكون له وجود عرفي متميز، بل قد يتأمل في حرمة دم السمك من هذه الناحية.

2 - و اما حرمة البقية

فقد دلت عليها روايات(6)لا تخلو من ضعف


1) هو خيط ابيض في وسط فقار الظهر.

2) هما عصبان ممتدان على الظهر من الرقبة الى الذنب.

3) و هي الحبة الناظرة منها لا جسم العين كله.

4) وسائل الشيعة 437:16 الباب 37 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

5) المائدة: 3.

6) وسائل الشيعة 437:16 الباب 31 من أبواب الأطعمة المحرمة.

سندي. و بناء على تمامية كبرى الانجبار يمكن الافتاء بمضمونها. بل ان المحقق مال الى التحريم في المثانة و المرارة و المشيمة من جهة كونها من الخبائث(1).

5 - التحريم الطارئ

اشارة

قد تعرض الحرمة على الحيوان المحلل بامور نذكر منها:

أ - الجلل، بان يتغذى الحيوان على عذرة الانسان الى حدّ يصدق انها غذاؤه.

و تزول الحرمة بمنعه من التغذي بذلك الى ان يزول عنه اسم الجلل.

ب - وط‌ء الانسان لحيوان، فانه بذلك يحرم لحمه و لبنه و نسله. و قد قيل باختصاص التحريم بذوات الاربع.

ج - الموت، بمعنى زهاق روح الحيوان من دون تذكية، فانه بذلك يحرم بجميع أجزائه الا ما لا تحله الحياة، كاللبن و البيضة اذا اكتست قشرها الاعلى و الانفحة(2).

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الجلال

فهي المشهور بين الاصحاب. و تدل عليها صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تأكل لحوم الجلالات


1) شرايع الإسلام 752:4، انتشارات استقلال.

2) الانفحة بكسر الهمزة و فتح الفاء - و قد تكسر - و تشديد الحاء و تخفيفها: شيء اصفر يستخرج من بطن الجدي الراضع قبل ان يأكل فيعصر في صوف فيغلظ و يستعمل كخمرة للجبن. و يعبر عنه في الفارسية ب «پنيرمايه».

و ان اصابك من عرقها فاغسله»(1)و غيرها.

و نسب الى الاسكافي و الشيخ الحكم بالكراهة دون التحريم. و لا وجه له - على ما ذكر في الجواهر(2)- سوى الاصل الذي لا بدّ من رفع اليد عنه بالصحيحة.

و عن السبزواري الميل الى الكراهة أيضا بتقريب ان مستند التحريم اخبار لا تدل الا على الرجحان، و هي معارضة في الوقت نفسه بالعمومات الدالة على الحل(3).

و فيه: ان النهي ظاهر في التحريم، و معه لا مجال للعمل بالعمومات للزوم رفع اليد عن العموم بعد وجود المخصص له.

2 - و اما قصر الجلال على ما تغذى بعذرة الانسان و عدم التعميم

لما تغذى بغيرها من النجاسات

فلانه اذا لم يجزم بكون ذلك هو معنى الجلاّل لغة فلا أقل من كونه القدر المتيقن، و يبقى الزائد مشمولا لأصل البراءة بعد عدم امكان التمسك بالعموم لكونه تمسكا به في الشبهة المصداقية، و هو لا يجوز، لان الحكم لا يتكفل اثبات موضوعه.

و بكلمة اخرى: ان المورد داخل تحت الشبهة المفهومية الناشئة من تردد المفهوم بين السعة و الضيق، و في مثله ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن و يجري في الزائد المشكوك اصل البراءة.

3 - و اما التقييد بما اذا كان التغذي الى حدّ يصدق ان ذلك غذاؤه

فلانه من دون ذلك ان لم يجزم بعدم صدق عنوان الجلال فلا أقل من


1) وسائل الشيعة 431:16 الباب 27 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 1.

2) جواهر الكلام 272:36.

3) جواهر الكلام 273:36.

الشك، و هو كاف في عدم تطبيق حكم الجلال لدخول المورد تحت الشبهة المصداقية التي لا يجوز فيها التمسك بالعموم.

4 - و اما زوال التحريم بمنع الحيوان من التغذي بذلك الى

ان يزول عنه اسم الجلل

فلان النهي كان متعلقا بعنوان الجلل فاذا زال زال.

و اما تحديد الفترة بمقدار معين - كأربعين يوما في الناقة و عشرين في البقرة و... - فمستنده اخبار ضعيفة فلاحظ‌(1).

5 - و اما حرمة موطوء الانسان

فلم يعرف فيه خلاف. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام، و عن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام، و عن اسحاق بن عمار عن ابي ابراهيم موسى عليه السّلام: «الرجل يأتي البهيمة فقالوا جميعا: ان كانت البهيمة للفاعل ذبحت فاذا ماتت احرقت بالنار و لم ينتفع بها و ضرب هو خمسة و عشرين سوطا ربع حد الزاني...»(2)، و موثقة سماعة: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يأتي بهيمة: شاة أو ناقة أو بقرة فقال: عليه ان يجلد حدا غير الحد(3)ثم ينفى من بلاده الى غيرها. و ذكروا(4)ان لحم تلك البهيمة محرم و لبنها»(5)و غيرهما.

و يمكن ان يستفاد من الصحيحة حرمة النسل، حيث قالت: «و لم


1) وسائل الشيعة 433:16 الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة.

2) وسائل الشيعة 570:18 الباب 1 من ابواب نكاح البهائم الحديث 1.

3) أي يحد أقل من حدّ الزنا، فان الزاني يحدّ بمائة في حين ان هذا يحد بخمسة و عشرين سوطا ربع حد الزاني.

4) قال المجلسي: اي الائمة عليهم السّلام. ثم قال: و لعله من كلام يونس او سماعة.

5) وسائل الشيعة 571:18 الباب 1 من ابواب نكاح البهائم الحديث 2.

ينتفع بها».

6 - و اما اختصاص التحريم بذوات الاربع

فقد صار اليه جماعة باعتبار ان ذلك هو المنصرف عرفا من كلمة البهيمة، و معه يتمسك في غير ذلك بأصل البراءة.

7 - و اما حرمة الميتة فامر

متسالم عليه بل هو من ضروريات الدين. قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ ... وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ (1). و في الذيل دلالة واضحة على حصر الحل بالمذكى و كون المراد من الميتة غير المذكى لا خصوص ما مات حتف انفه.

ثم ان حرمة الميتة لا تختص بما كان له نفس سائلة بل تعم غيره كالسمك مثلا لإطلاق دليل التحريم، اجل تختص النجاسة بميتة ذي النفس الا ان ذلك مطلب آخر.

8 - و اما استثناء ما ذكر من حرمة الميتة

فلصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت قال: لا بأس به. قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة و قد ماتت، قال: لا بأس به.

قلت: و الصوف و الشعر و عظام الفيل و الجلد و البيض يخرج من الدجاجة فقال: كل هذا لا بأس به»(2)و غيرها.

و انما قيدنا البيضة بما اذا اكتست القشر الاعلى فلموثقة غياث بن ابراهيم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «بيضة خرجت من است دجاجة ميتة قال:


1) المائدة: 3.

2) وسائل الشيعة 449:16 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 10.

ان كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها»(1)

و من جملة روايات المسألة ما رواه الشيخ الكليني في الكافي 256:6 بسنده الى ابي حمزة الثمالي قال: «كنت جالسا في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله اذ اقبل رجل فسلّم فقال: من أنت يا عبد اللّه؟ قلت: رجل من اهل الكوفة. فقلت: ما حاجتك فقال لي: أ تعرف ابا جعفر محمد بن علي عليهما السّلام فقلت: نعم فما حاجتك إليه؟ قال: هيّأت له اربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته و ما كان من باطل تركته، قال ابو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحق و الباطل؟ قال: نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه اذا كنت تعرف ما بين الحق و الباطل؟! فقال لي: يا اهل الكوفة انتم قوم لا تطاقون اذا رأيت ابا جعفر عليه السّلام فاخبرني فما انقطع كلامي معه حتى اقبل ابو جعفر عليه السّلام و حوله اهل خراسان و غيرهم يسألونه عن مناسك الحج فمضى حتى جلس مجلسه و جلس الرجل قريبا منه. قال ابو حمزة: فجلست حيث اسمع الكلام و حوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم و انصرفوا التفت الى الرجل فقال له: من انت؟ قال: انا قتادة بن دعامة البصري فقال له ابو جعفر عليه السّلام: أنت فقيه اهل البصرة؟ قال: نعم، فقال له ابو جعفر عليه السّلام: ويحك يا قتادة ان اللّه عز و جل خلق خلقا من خلقه فجعلهم حججا على خلقه فهم اوتاد في ارضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلا ثم قال: اصلحك اللّه و اللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدامك قال له ابو جعفر عليه السّلام: و يحك أ تدري أين أنت؟ أنت بين يدي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ [النور: 36-37] فانت ثمّ و نحن اولئك. فقال له قتادة: صدقت و اللّه جعلني اللّه فداك و اللّه ما هي بيوت حجارة و لا طين. قال قتادة: فاخبرني عن الجبن، قال: فتبسم ابو جعفر عليه السّلام ثم قال: رجعت مسائلك الى هذا؟ قال: ضلت عليّ فقال: لا بأس به فقال: انه ربما جعلت فيه انفحة الميت قال: ليس بها بأس ان الانفحة ليس لها عروق و لا فيها دم و لا لها عظم انما تخرج من بين فرث و دم. ثم قال: و انما الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة اخرجت منها بيضة فهل تؤكل تلك البيضة فقال قتادة: لا و لا آمر بأكلها فقال له ابو جعفر عليه السّلام: و لم؟ فقال: لأنها من الميتة، قال له: فان حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أ تأكلها؟ قال: نعم، قال: فما حرّم عليك البيضة و حلّل لك الدجاجة...»

..»

1) وسائل الشيعة 448:16 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 6.

كتاب الصّيد و الذّباحة

اشارة

(وسائل التذكية) 1 - وسائل تحقق التذكية

أ - الذبح

ب - النحر

ج - الاصطياد

2 - ما يقبل التذكية و أثرها

1 - وسائل تحقق التذكية

اشارة

لا يجوز اكل لحم الحيوان المحلل شرعا الا اذا كان مذكى. و تتحقق التذكية بالذبح و النحر و الاصطياد.

أ - الذبح
اشارة

لا تتحقق تذكية الحيوان شرعا بالذبح الا اذا توفر ما يلي:

1 - قطع الاعضاء الاربعة: المريء و الحلقوم و الودجين(1)

و الودجان: عرقان غليظان يجري فيهما الدم محيطان بالحلقوم، و قيل بالمريء.

.

2 - اسلام الذابح، فلا تحل ذبيحة الكافر بما في ذلك الكتابي و ان تحققت منه التسمية على المشهور.

3 - الذبح بالحديد، فلا يحل الحيوان اذا كان الذبح بغيره الا في حالة عدم وجوده فيجوز بغيره مما يتحقق به قطع الاعضاء الاربعة المتقدمة.

4 - ذكر اسم اللّه سبحانه حالة الذبح.

5 - استقبال القبلة بالحيوان حالة ذبحه.


1) المريء: مجرى الطعام. و الحلقوم: مجرى النفس، و محله فوق المريء.

6 - قصد الذبح بقطع الاعضاء، فلا يكفي الذبح من السكران و الصبي و النائم، بل لا يكفي لو وقعت السكين على الاعضاء و قطعتها او حرك الذابح السكين على الاعضاء لا بقصد الذبح فتحقق حصوله مع التسمية.

7 - خروج الدم بالمقدار المتعارف مع تحريك الحيوان بعض اطرافه - كالرجل او الذنب او الاذن و ما شاكل ذلك - بعد الذبح. بل يلزم في الدم الخارج ان لا يكون متثاقلا في خروجه.

و قد يقال باختصاص اعتبار حركة بعض الاطراف في حلية الذبيحة فيما اذا شك في حياتها قبل الذبح، اما مع احرازها فلا يعتبر ذلك.

هذه شروط تحقق التذكية.

و لا تجوز ابانة رأس الحيوان عمدا او انخاعه(1)قبل خروج روحه و لكنه لا يحرم بذلك.

و الذبح بواسطة المكائن الحديثة جائز و لا اشكال فيه ما دامت الشروط المتقدمة متوفرة.

و المستند في ذلك:

1 - اما اشتراط حلية الحيوان بالتذكية

فينبغي ان يكون من الواضحات لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ ... وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ (2).

و يمكن ان يقال: ان ذلك شرط فيما كانت روحه زاهقة، اما ما كان على قيد الحياة فيجوز اكله بالرغم من عدم تحقق تذكيته - كما في


1) النخاع هو الخيط الابيض الممتد وسط الفقار من الرقبة الى الذنب. و الانخاع اصابة النخاع بالسكين لقطعه.

2) المائدة: 3.

ابتلاع السمك داخل الماء و هو حي او اكل بقية الحيوانات التي هي على قيد الحياة ان امكن ذلك فيها - لان الآية الكريمة و ان حصرت الحل بالمذكى الا انها منصرفة الى الحيوان الذي ليس على قيد الحياة، و معه يبقى الحي مشمولا لأصل البراءة.

2 - و اما حصر الوسائل التي تتحقق بها التذكية بالامور الثلاثة

المتقدمة

فلدلالة الروايات على ذلك كما سيتضح.

3 - و اما اعتبار قطع الاعضاء الاربعة

فهو المشهور. و لا مستند له من الروايات سوى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت ابا ابراهيم عليه السّلام عن المروة و القصبة و العود يذبح بهنّ الانسان اذا لم يجد سكينا؟ فقال: اذا فري الاوداج فلا بأس بذلك»(1)

و المروة: الحجر الحاد. و القصب: نبات مائي يكثر عند المستنقعات.

. و المقصود من الاوداج هي الاعضاء الاربعة المتقدمة لعدم احتمال ارادة شيء آخر غيرها.

و سندها معتبر بطريق الشيخ الطوسي و بكلا طريقي الشيخ الكليني فلاحظ.

الا ان في مقابل ذلك صحيحة زيد الشحام: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل لم يكن بحضرته سكين أ يذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر و بالعظم و بالقصبة و العود اذا لم تصب الحديدة اذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس به»(2)الدالة على كفاية قطع الحلقوم.

و المناسب الاخذ بمضمون الصحيحة المذكورة، فان صحيحة ابن الحجاج هي في صدد بيان ان وسيلة الذبح لا بدّ ان تكون لها القابلية


1) وسائل الشيعة 308:16 الباب 2 من ابواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 308:16 الباب 2 من ابواب الذبائح الحديث 3.

على قطع الاوداج، اما انه يلزم قطع جميعها او بعضها فليست بصدده، و معه تبقى صحيحة الشحام بلا معارض.

هذا و لكن تحفّظ الفقيه عن مخالفة المشهور باحتياطه في الفتوى امر مناسب.

و هل يلزم عند قطع الاعضاء بقاء الخرزة - المعبر عنها بالجوزة - في العنق او يجوز بقاؤها في الجسد؟

و الجواب: المهم تحقق قطع الاوداج كلا او خصوص الحلقوم، و اما بقاء الجوزة في هذا المحل او ذاك فغير مهم بعد فرض تحقق ما ذكر.

اجل قيل بان تلك الاعضاء الاربعة متصلة بالجوزة بحيث اذا لم تبق في العنق بتمامها و لم يقع الذبح من تحتها فلا يمكن تحقق قطعها، الا ان هذا مطلب آخر فان صحّ لزم ابقاء الجوزة في العنق للجهة المذكورة لا لأنه مطلوب في نفسه.

4 - و اما اعتبار الإسلام في الذابح

فهو المشهور بين الاصحاب، بل في الجواهر انه كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا(1).

و اذا رجعنا الى الروايات وجدناها على طوائف مختلفة، نذكر من بينها:

أ - ما دل على النهي عن ذبيحة غير المسلم بشكل مطلق، كصحيحة حميد بن المثنى عن العبد الصالح عليه السّلام: «سأله عن ذبيحة اليهودي و النصراني فقال: لا تقربوها»(2)و غيرها. و بالاولوية يتعدى الى بقية اصناف الكفار من غير اهل الكتاب.


1) جواهر الكلام 80:36.

2) وسائل الشيعة 352:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 30.

ب - ما دل على الجواز بشكل مطلق، كصحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن ذبيحة اهل الكتاب و نسائهم فقال: لا بأس به»(1)و غيرها.

ج - ما دلّ على التفصيل بين سماع التسمية منهم فتحل الذبيحة و بين عدمه فلا تحل، كصحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام و عن زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام انهما قالا في ذبائح اهل الكتاب: «فاذا شهدتموهم و قد سموا اسم اللّه فكلوا ذبائحهم، و ان لم تشهدوهم فلا تأكلوا، و ان اتاك رجل مسلم فأخبرك انهم سموا فكل»(2)و غيرها.

د - ما دلّ على عدم الحلية حتى مع التسمية، كرواية زيد الشحام:

«سئل ابو عبد اللّه عليه السّلام عن ذبيحة الذمي فقال: لا تأكله ان سمى و ان لم يسم»(3)، و موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام: «ان عليا عليه السّلام كان يقول: كلوا من طعام المجوس كله ما خلا ذبائحهم فانها لا تحل و ان ذكر اسم اللّه عليها»(4).

الا ان هذه الطائفة لا بدّ من حذفها من الحساب لضعف سند الاولى بالمفضل بن صالح الذي لم يوثق بل ضعف، و اختصاص الثانية بالمجوسي الذي يحتمل ان يكون النهي عن ذبيحته من باب انه ليس من اهل الكتاب.

و عليه نبقى نحن و الطوائف الثلاث الاولى.

و قد يقال بترجيح الطائفة المانعة و حمل غيرها على التقية - كما2.


1) وسائل الشيعة 352:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 34.

2) وسائل الشيعة 352:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 38.

3) وسائل الشيعة 346:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 5.

4) وسائل الشيعة 348:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 12.

اختار ذلك صاحب الجواهر(1)- باعتبار ان من يلقي نظرة على اخبار المسألة يحصل له القطع بذلك، فلاحظ مثل صحيحة شعيب العقرقوفي حيث يقول: «كنت عند ابي عبد اللّه عليه السّلام و معنا ابو بصير و اناس من اهل الجبل يسألونه عن ذبائح اهل الكتاب فقال لهم ابو عبد اللّه عليه السّلام: قد سمعتم ما قال اللّه عز و جل في كتابه فقالوا له: نحب أن تخبرنا فقال لهم: لا تأكلوها. فلما خرجنا قال ابو بصير: كلها في عنقي ما فيها فقد سمعته و اباه جميعا يأمران بأكلها، فرجعنا اليه فقال لي ابو بصير:

سله فقلت له: جعلت فداك ما تقول في ذبائح اهل الكتاب فقال: أ ليس قد شهدتنا بالغداة و سمعت؟ قلت: بلى فقال: لا تأكلها»(2).

الا ان ما ذكر قابل للتأمل فان الحمل على التقية فرع التعارض المستقر و عدم امكان الجمع العرفي، و هو في المقام ممكن، فانه بواسطة الطائفة الثالثة يمكن الجمع بين الطوائف بحمل الاولى على حالة عدم تحقق التسمية و الثانية على حالة تحققها.

بل يمكن تعميم التفصيل المذكور لغير الكتابي أيضا، فلاحظ صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «كل ذبيحة المشرك اذا ذكر اسم اللّه عليها و انت تسمع و لا تأكل ذبيحة نصارى العرب»(3).

اجل هي معارضة بموثقة الحسين بن علوان المتقدمة، الا ان التعارض ليس مستقرا لإمكان حملها على الكراهة بقرينة الصحيحة بعد ضعف احتمال كونها مخصصة للصحيحة - باستثناء المجوسي2.


1) جواهر الكلام 85:36.

2) وسائل الشيعة 350:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 25.

3) وسائل الشيعة 352:16 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 32.

من بين اقسام الكافر - و لو لأجل عدم القائل بذلك.

و النتيجة: ان مقتضى الصناعة هو التفصيل بين التأكد من تحقق التسمية فيحكم بالحل و بين عدمه فلا يحكم به، الا ان الشهرة بين الاصحاب على عدم الحل مطلقا يحول دون جزم الفقيه بالتفصيل المذكور و من ثمّ تفرض عليه التنزل الى الاحتياط في الفتوى.

5 - و اما عدم جواز الذبح الا بالحديد

فلم يعرف فيه خلاف. و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن الذبيحة بالليطة و بالمروة فقال: لا ذكاة الا بحديدة»(1)

و الليطة بفتح اللام: القشر الظاهر من القصبة. و المروة: الحجر الحاد.

، و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في الرقم 3 و غيرهما.

و اذا قيل: لم لا تفسر الحديد بكل فلز حاد بقرينة جعل المقابلة بين الليطة و المروة و بين الحديد.

قلنا: هذا مجرد احتمال، و هو ليس حجة ما دام لم يرتق الى مستوى الظهور، فان الحجة هي الظهور دون مجرد الاحتمال.

و ينبغي الالتفات الى انه قد تداول في زماننا صنع السكاكين من الاستيل، و قد وقع الكلام في كونه مصداقا للحديد كي يجوز الذبح به او لا.

و المنقول عن بعض اهل الخبرة انه حديد مصفى مشتمل على خليط من مواد اخرى كالحديد نفسه فانه مشتمل على مواد اخرى أيضا. و على هذا لا بدّ من ملاحظة نسبة الخليط في الاستيل، فاذا كانت مقاربة لنسبته في الحديد المتعارف - و لعل الغالب هو ذلك -


1) وسائل الشيعة 307:16 الباب 1 من أبواب الذبائح الحديث 1.

جاز الذبح به.

6 - و اما عدم حلية الحيوان مع ذبحه بغير الحديد عمدا

فلأن ذلك لازم نفي الذكاة الا مع الحديد.

7 - و اما جواز الذبح بغير الحديد اذا لم يمكن الذبح به

فمما لا اشكال فيه. و تدل عليه صحيحة ابن الحجاج المتقدمة في الرقم 3 و غيرها.

ثم ان المراد من عدم وجود الحديد مطلق عدم الوجود و لو من دون ضرورة الى الذبح تمسكا بعدم استفصال الامام عليه السّلام في مقام الجواب.

و اما رواية محمد بن مسلم: «قال ابو جعفر عليه السّلام في الذبيحة بغير حديدة قال: اذا اضطررت اليها فان لم تجد حديدة فاذبحها بحجر»(1)الدالة على اعتبار الاضطرار فقد اجاب عنها في الجواهر(2)باحتمال كون المراد من الاضطرار مطلق الحاجة الى الذبح فلا تنافي غيرها.

و هذا ان تمّ فهو و الا انحصرت المناقشة بالسند، فانه ورد فيه عبد اللّه بن محمد، و هو مجهول الحال.

و من خلال هذا يتضح ان ما افاده بعض الاعلام من تقييد جواز الذبح بغير الحديد بحالة خوف تلف الحيوان بتأخير ذبحه او الاضطرار الى ذلك لا يخلو من تأمل.

8 - و اما اعتبار ذكر اسم اللّه سبحانه حين الذبح

فهو مما لا خلاف


1) وسائل الشيعة 309:16 الباب 2 من أبواب الذبائح الحديث 4.

2) جواهر الكلام 102:36.

فيه. و يدل عليه قوله تعالى: فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ (1)، و قوله:

وَ لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ (2)، و صحيحة محمد بن مسلم:

«سألت ابا جعفر عليه السّلام عن الرجل يذبح و لا يسمي قال: ان كان ناسيا فلا بأس اذا كان مسلما و كان يحسن ان يذبح و لا ينخع و لا يقطع الرقبة بعد ما يذبح»(3)و غيرها.

اجل مع تركها نسيانا لا تحرم للصحيحة المذكورة و غيرها، و هذا بخلاف تركها جهلا، فانها تحرم لا طلاق دليل الشرطية، و لاستفادة ذلك من تقييد نفي البأس في الصحيحة بالنسيان.

ان قلت: لما ذا لا نتمسك بحديث الرفع عن الناسي(4)مضافا الى الصحيحة.

قلت: ان حديث الرفع اما ان نتمسك به لرفع جزئية الذكر في حالة النسيان من دون اثبات تحقق التذكية بالباقي او نتمسك به لإثبات كلا المطلبين.

و الاول غير نافع، لأنه اذا لم يثبت تحقق التذكية بالباقي فلا يمكن الحكم بحلية الحيوان، فان الحلية فرع ثبوت التذكية، و المفروض عدم احرازها.

و الثاني غير ممكن لان حديث الرفع يتكفل النفي دون الاثبات.

اذن لا يمكن التمسك بحديث الرفع في المقام.1.


1) الانعام: 118.

2) الانعام: 121.

3) وسائل الشيعة 326:16 الباب 15 من أبواب الذبائح الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

و هل تلزم العربية في الذكر؟ مقتضى اطلاق ادلة اعتبار الذكر عدمه و ان كان ذلك هو المناسب للاحتياط.

9 - و اما اعتبار استقبال القبلة بالذبيحة

فهو مورد لتسالم الاصحاب. و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام:

«سألته عن الذبيحة فقال: استقبل بذبيحتك القبلة»(1)و غيرها.

اجل ان الشرطية تختص بحالة الالتفات و لا تعم حالة النسيان و الجهل و الاضطرار لصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة فقال: لا بأس اذا لم يتعمد»(2)و غيرها، فان التعمد لا يصدق في الحالات المتقدمة.

10 - و اما اعتبار قصد الذبح

فهو معروف في كلمات الاصحاب.

و علّله الشيخ النراقي ب «ان المتبادر من الذبح المحلل هو الصادر من القاصد»(3).

و لعل الانسب من ذلك ان يقال: ان التذكية المحللة للأكل قد نسبت الى الفاعل في قوله تعالى: إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ (4)، و المفهوم عرفا من نسبة المادة الى الفاعل صدورها منه بالاختيار و القصد، فلو قيل: اكل فلان الطعام فالمفهوم انه اكله عن قصد و اختيار، و هذا الانصراف ان لم يجزم به في كلمة «ذكيتم» فلا أقلّ من كونه محتملا، و معه يشك في تحقق التذكية المعتبرة شرعا مع عدم ذلك و الأصل عدمه.


1) وسائل الشيعة 324:16 الباب 14 من أبواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 325:16 الباب 14 من أبواب الذبائح الحديث 3.

3) مستند الشيعة 389:15.

4) المائدة: 3.

11 - و اما اعتبار خروج الدم

فيمكن استفادته من صحيحة زيد الشحام المتقدمة، حيث ورد فيها: «اذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس» و غيرها.

و اما اعتبار كونه بالمقدار المتعارف فلان ذلك هو المنصرف من جملة: «و خرج الدم».

و اما اعتبار الحركة فلصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن الذبيحة فقال: اذا تحرك الذنب او الطرف او الاذن فهو ذكي»(1)و غيرها.

ثم ان مقتضى الصحيحة الاولى الاكتفاء بخروج الدم و عدم اعتبار الحركة في حين ان مقتضى الصحيحة الثانية اعتبار الحركة و عدم اعتبار خروج الدم. و المقام من صغريات مسألة «اذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء» المعروفة في علم الاصول و التي يقع فيها التعارض بين اطلاق المفهوم في كل جملة مع المنطوق في الجملة الاخرى. و قد ذكرت هناك عدة وجوه للجمع، اهمها اثنان: تقييد اطلاق المفهوم في كل واحدة بمنطوق الاخرى، و نتيجة ذلك الاكتفاء باحد الشرطين في تحقق الجزاء، و تقييد اطلاق المنطوق في كل واحدة بمنطوق الاخرى، و نتيجة ذلك كون مجموع الشرطين شرطا واحدا، فالجزاء لا يتحقق الا اذا تحقق مجموع الشرطين، بخلافه على الاول فانه يكفي في تحقق الجزاء تحقق احد الشرطين.

و قد اختار جمع من الاعلام الاول و افتوا في ضوء ذلك بكفاية


1) وسائل الشيعة 320:16 الباب 11 من أبواب الذبائح الحديث 3.

الحركة او خروج الدم.

هذا و لكن المناسب هو الثاني حتى لو اخترنا في تلك المسألة الاول.

و الوجه في ذلك: صحيحة ابي بصير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الشاة تذبح فلا تتحرك و يهراق منها دم كثير عبيط فقال: لا تأكل، ان عليا عليه السّلام كان يقول: اذا ركضت الرجل او طرفت العين فكل»(1)، فانها تدل على ان خروج الدم لا يكفي وحده بل لا بدّ من الحركة، و هذا واضح في ان تحقق احد الامرين لا يكفي في ثبوت التذكية فيتعين المصير الى الثاني، و هو اعتبار الاجتماع.

ثم ان اللازم في تحرك بعض الاطراف ان يكون بعد الذبح و لا يكفي كونه قبله لدلالة صحيحة ابي بصير عليه بوضوح.

12 - و اما اعتبار عدم تثاقل الدم في خروجه

فتدل عليه صحيحة بكر بن محمد: «كنت عند ابي عبد اللّه عليه السّلام اذا جاءه محمد بن عبد السلام فقال له: جعلت فداك يقول لك جدي: ان رجلا ضرب بقرة بفأس فسقطت ثم ذبحها... فقال:... فان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا و اطعموا، و ان كان خرج خروجا متثاقلا فلا تقربوه»(2).

و الدلالة واضحة، و انما الكلام في السند.

و توضيح الحال فيه: ان الصحيحة رويت بثلاث طرق هي:

أ - الشيخ باسناده عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن


1) وسائل الشيعة 321:16 الباب 12 من أبواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 321:16 الباب 12 من أبواب الذبائح الحديث 2.

سليم الفراء عن الحسين بن مسلم(1).

ب - الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سليم الفراء عن الحسين بن مسلم(2).

ج - الحميري في قرب الاسناد عن احمد بن اسحاق عن بكر بن محمد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام(3).

و الطريقان الاولان لا يخلوان من الاشكال من ناحية الحسين بن مسلم، فانه مجهول الحال و الا فبقية افراد السند لا مشكلة من ناحيتهم.

و اما الطريق الثالث فهو صحيح، فان صاحب الوسائل له طريق معتبر الى الحميري، حيث ان الشيخ الطوسي له طريق معتبر الى قرب الاسناد ذكره في الفهرست(1)، و صاحب الوسائل يروي الكتاب المذكور بطرق معتبرة تنتهي الى الشيخ الطوسي كما اشار الى ذلك في خاتمة الوسائل(2).

و اما الحميري فهو عبد اللّه بن جعفر الثقة الجليل(3).

و اما احمد بن اسحاق الاشعري فهو الثقة الجليل الذي تشرف نظره برؤية حجة اللّه في ارضه أرواحنا له الفداء(4).

و اما بكر بن محمد فهو الازدي الثقة(5).8.


1) الفهرست 102 الرقم 429.

2) قد ذكر ان قرب الاسناد من جملة مصادره في الوسائل في 40:20 في الفائدة الرابعة. و ذكر طريقه الى المصدر المذكور و غيره في 50:20-54 في الفائدة الخامسة.

3) رجال النجاشي: 152، منشورات مكتبة الداوري، الفهرست 102 الرقم 429.

4) الفهرست: 26 الرقم 68، رجال النجاشي: 66.

5) رجال النجاشي: 78.

و عليه فلا مشكلة من حيث سند الرواية، اذ يكفي في صحتها صحة بعض طرقها.

13 - و اما القول باختصاص اعتبار حركة الاطراف بحالة الشك

في حياة الذبيحة دون حالة احرازها

فمستنده أحد امرين:

أ - رواية ابان بن تغلب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا شككت في حياة شاة فرأيتها تطرف عينها أو تحرك اذنيها أو تمصع بذنبها فاذبحها فانها لك حلال»(1).

الا انها قابلة للمناقشة دلالة و سندا.

اما دلالة فلأنها تدل على اعتبار الحركة قبل الذبح لا بعد الذبح، و الحال ان القائل باعتبار الحركة يخصص ذلك بما بعد الذبح.

و اما سندا فباعتبار ورود سهل فيه، بناء على ان امره ليس سهلا.

ب - ان المفهوم من الروايات الدالة على اعتبار حركة الذبيحة بعد الذبح الطريقية الى احراز الحياة الذي لازمه عدم اعتبار ذلك عند احراز الحياة.

و فيه: ان احتمال ذلك و ان كان وجيها الا ان الجزم به مشكل.

14 - و اما عدم جواز قطع رأس الذبيحة قبل ان تخرج روحها

فقد صار اليه جمع من الاصحاب لصحيحة محمد بن مسلم - المتقدمة في الرقم 8 عند البحث عن التسمية - و غيرها.

هذا و لكن المنسوب الى كثير من الاصحاب الكراهة بل عن الشيخ في خلافه دعوى الاجماع على ذلك(2)، و من هنا يكون المناسب التنزل


1) وسائل الشيعة 320:16 الباب 11 من أبواب الذبائح الحديث 5.

2) جواهر الكلام 121:36.

من الفتوى بالتحريم الى الاحتياط.

و اما نخع الذبيحة فتدل على النهي عنه الصحيحة المتقدمة، بيد ان المشهور بين الاصحاب على ما قيل هو الكراهة(1)، بل عن الشيخ في مبسوطه نفي الخلاف عن ذلك(2)، و معه يكون المناسب التنزل الى الاحتياط أيضا.

ثم انه بناء على تحريم ابانة الرأس و الانخاع هل تحرم الذبيحة بذلك؟ اختار جمع من الاصحاب ذلك بدعوى ان الذبح الشرعي هو عبارة عن قطع الاوداج الاربعة فقط، فاذا اضيف شيء على ذلك خرج الذبح عن كونه ذبحا شرعيا فلا يكون مبيحا و يجري ذلك مجرى ما لو قطع عضو من اعضاء الحيوان فمات بسبب انضمام ذلك(3).

و فيه: ان مقتضى ما دلّ على جواز الاكل عند فري الاوداج او خصوص الحلقوم عدم اشتراط حلية الاكل بما زاد على ذلك. اجل بالنسبة الى الذكر و الاستقبال و غير ذلك خرج بالدليل المقيد. و اما بالنسبة الى الابانة و الانخاع فحيث لا يدل دليل تحريمهما على تحريم الاكل فيعود ذلك مشمولا للإطلاق المتقدم.

هذا كله في حالة تعمد الابانة و الانخاع و الا فلا اشكال في عدم التحريم التكليفي و الوضعي لموثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السّلام: «اذا اسرعت السكين في الذبيحة فقطعت الرأس فلا6.


1) لاحظ مجمع الفائدة و البرهان 130:11.

2) جواهر الكلام 135:36.

3) لاحظ جواهر الكلام 123:36.

بأس بأكلها»(1)و غيرها.

هذا بناء على كون كلمة «السكين» فاعلا، و اما بناء على كونها مفعولا فيستفاد نفي الحرمة الوضعية حتى في حالة التعمد.

15 - و اما ان الذبح بالمكائن الحديثة جائز مع اجتماع الشروط‌

المتقدمة

فللتمسك باطلاق ما دل على حلية الحيوان بالتذكية أو بفري الاوداج. و لا يتصور وجود مانع من حلية الحيوان الا:

أ - عدم وضعه على الارض حالة ذبحه.

ب - عدم استقرار الحياة الطبيعية فيه بسبب توجيه الشحنة الكهربائية اليه ليخمد عن الاضطراب و التحرك.

ج - عدم تحقق الذبح بالسكين.

د - عدم مقارنة ذكر اللّه سبحانه عند ذبح كل حيوان بل قد يتخلل فاصل في البين.

ه - عدم تحقق ذكر اللّه سبحانه من الذابح باعتبار عدم وجود ذابح في البين.

و الكل لا يصلح للمانعية.

اما الاول فلعدم اعتبار وضع الحيوان على الارض حالة تذكيته لعدم الدليل على ذلك بل هو منفي باطلاق ما دلّ على الحلية عند تحقق فري الاوداج.

و اما الثاني فلعدم الدليل على اعتبار استقرار الحياة بشكلها الطبيعي بل ذلك منفي بالاطلاق المتقدم.


1) وسائل الشيعة 316:16 الباب 9 من أبواب الذبائح الحديث 6.

و اما الثالث فلعدم اعتبار السكين بعنوانه بل يكفي مطلق الحديد.

و اما الرابع فلان الفاصل الزمني اذا كان قليلا و لم يكن مانعا عرفا من صدق مقارنة ذكر اسم اللّه عند ذبح الحيوان فلا مشكلة.

و اما الخامس فباعتبار ان من يضغط على الزر الكهربائي يصدق عليه عرفا عنوان الذابح فاذا ذكر اسم اللّه ذلك الحين و كان مسلما حسب الفرض فلا تبقى مشكلة.

ب - النحر
اشارة

تختص الابل من بين بقية الحيوانات بان تذكيتها لا تتحقق الا بالنحر، و ذلك بطعن الآلة الحديدية في لبتها(1)سواء كان ذلك حالة قيامها أم في غيرها من الحالات.

و لا بدّ من تحقق جميع الشرائط المتقدمة غير الاول منها.

و النحر خاص بالابل و لا تتحقق التذكية به في بقية الحيوانات.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان التذكية في الابل تتحقق بالنحر

فهو مما لا اشكال فيه.

و تدل عليه الروايات المذكورة في باب الحج و ان صاحب البدنة ينحرها، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «سألته عن البدنة تنتج أ يحلبها؟ قال: احلبها حلبا غير مضر بالولد ثم انحرهما جميعا...»(2)و غيرها.

و كذلك لا اشكال في ان تذكية غير الابل لا تتحقق بالنحر،


1) اللبة: الموضع المنخفض في أعلى الصدر متصلا بالعنق.

2) وسائل الشيعة 134:10 الباب 34 من ابواب الذبح الحديث 7.

و ذلك لأمرين:

أ - الاصل، حيث يشك في تحقق التذكية بالنحر، و الاصل عدمها.

ب - صحيحة صفوان: «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن ذبح البقر من المنحر فقال: للبقر الذبح، و ما نحر فليس بذكي»(1)و غيرها.

و انما الاشكال في وجه عدم جواز تذكية الابل بالذبح بعد شمول اطلاق ادلة تحقق التذكية بفري الاوداج لها. و لا دليل يمكن التمسك به لتقييد الاطلاق المذكور سوى:

أ - التمسك بمثل صحيحة معاوية بن عمار: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:

النحر في اللبة، و الذبح في الحلق»(2).

و فيه: انها تدل على ان بعض الحيوانات تتحقق فيه التذكية بالنحر و لا تدل على ان هذا البعض لا تتحقق فيه التذكية بغير النحر.

ب - التمسك بقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (3)، فانه ظاهر في وجوب النحر و تعينه، و حيث لا يجب نحر غير الابل فيثبت وجوب النحر فيها و تعينه.

و فيه: ان من المحتمل ان يكون المقصود من الامر في كلمة «و انحر» رفع اليدين بالتكبير حالة الصلاة، كما دلت على ذلك بعض الاخبار(4).

ج - التمسك برواية الشيخ الصدوق: «قال الصادق عليه السّلام: كلّ‌م.


1) وسائل الشيعة 312:16 الباب 5 من أبواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 309:16 الباب 3 من أبواب الذبائح الحديث 1.

3) الكوثر: 2.

4) وسائل الشيعة 725:4 الباب 9 من ابواب تكبيرة الاحرام.

منحور مذبوح حرام، و كلّ مذبوح منحور حرام»(1)، فانها تدل على ان ما ينحر يحرم اذا ذبح، و حيث ان الذي ينحر هو الابل فيلزم ان تكون حراما لو ذبحت.

و فيه: ان السند ضعيف بالارسال الا ان يبنى على حجية مراسيل الشيخ الصدوق التي هي بلسان قال، أو يبنى على حجية جميع روايات الفقيه اما لأنها مستخرجة من كتب مشهورة عليها المعول و اليها المرجع او لأنه لم يقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصد الى ايراد ما يفتي به و يحكم بصحته و يعتقد انه حجة فيما بينه و بين ربه تقدس ذكره و تعالت قدرته حسبما اشار اليه في مقدمة كتابه المذكور(2).

اما من لم يبن على هذا و لا على حجية الشهرة الفتوائية - التي هي منعقدة في مقامنا على تعيّن النحر في الابل - فالحكم عنده بذلك مشكل.

و من هنا مال الشيخ الأردبيلي الى جواز ذبح الابل بمقتضى الصناعة و ان احتاط باعتبار انه طريق السلامة(3).

2 - و اما ان النحر يتحقق بطعن السكين و نحوها في اللبة

فهو مما لا اشكال فيه. و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة.

و اما جواز النحر في حال القيام و غيره فلإطلاق الصحيحة المتقدمة و غيرها.

3 - و اما انه لا بدّ من توفر جميع شرائط التذكية المتقدمة ما عدا الاول منها


1) وسائل الشيعة 313:16 الباب 5 من أبواب الذبائح الحديث 3.

2) من لا يحضره الفقيه 3:1.

3) مجمع الفائدة و البرهان 99:11.

فباعتبار اطلاق ادلة اعتبارها و عدم اختصاصها بما اذا كانت التذكية بالذبح فلاحظ.

ج - الاصطياد
اشارة

تتحقق التذكية بالاصطياد في ثلاثة من الحيوانات: الحيوان الوحشي طير أو غيره، و السمك، و الجراد.

- الحيوان الوحشي
اشارة

لا تتحقق التذكية في الحيوان الوحشي بالاصطياد الا اذا كانت وسيلة ذلك احد امرين: كلب الصيد او السلاح.

الاصطياد بالكلب
اشارة

اما كلب الصيد فعضه للحيوان و جرحه له هو بمنزلة ذبحه. و لا تتحقق به الذكاة الا اذا توفرت الامور التالية:

1 - ان يكون الكلب معلّما للاصطياد. و يتحقق ذلك فيما اذا كان ينبعث اذا بعثه صاحبه و ينزجر اذا زجره.

2 - ان لا يأكل ما يمسكه الا نادرا.

3 - ذكر اللّه سبحانه عند ارساله.

4 - ارساله للاصطياد، فلا تتحقق الذكاة لو استرسل بنفسه.

5 - ان يكون المرسل مسلما.

6 - استناد موت الحيوان الى جرح الكلب، اما اذا استند الى سبب آخر من تعب او اصطدام و نحو ذلك فلا يحل.

7 - عدم ادراك صاحب الكلب الحيوان حيا مع تمكنه من ذبحه، بان يدركه ميتا او حيا في زمان لا يسع لذبحه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاصطياد لا تتحقق به التذكية الا في الثلاثة المتقدمة

فلوجهين:

أ - ان النصوص الشرعية قد دلت على تحقق تذكية الثلاثة بالاصطياد، و يبقى غيرها مشمولا لأصالة عدم تحقق التذكية لو اصطيد و شك في تحقق التذكية بذلك.

ب - ان عنوان الاصطياد لا يصدق الا بلحاظ الحيوان الوحشي و لا يصدق بلحاظ الاهلي كالبقر و الدجاج و ما شاكل ذلك. و هذا المعنى واضح، و قد أشير اليه في رواية الافلح عن علي بن الحسين عليه السّلام: «... لو ان رجلا رمى صيدا في و كره فأصاب الطير و الفراخ جميعا فانه يأكل الطير و لا يأكل الفراخ، و ذلك ان الفراخ ليست بصيد ما لم تطر و انما تؤخذ باليد و انما يكون صيدا اذا طار»(1).

و الفارق بين الوجهين انه على الثاني يجزم بعدم تحقق التذكية فلا تصل النوبة الى اصالة عدم التذكية، بخلافه على الاول، فانه يفترض الشك في تحقق التذكية فتصل النوبة الى ذلك.

2 - و اما ان التذكية بالاصطياد لا تتحقق الا اذا كانت الوسيلة هي

كلب الصيد دون بقية الجوارح

فلوجهين أيضا:

أ - ان الدليل قد دلّ على تحقق التذكية بما ذكر و يشك في تحققها بغير ذلك فيتمسك باصالة عدم التذكية.

ب - ان الروايات قد دلّت على انحصار وسيلة التذكية بكلب


1) وسائل الشيعة 291:16 الباب 31 من أبواب الصيد الحديث 1.

الصيد، كما في صحيحة ابي عبيدة الحذاء عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... قلت:

فالفهد قال: ان أدركت ذكاته فكل. قلت: أ ليس الفهد بمنزلة الكلب؟ قال:

لا، ليس شيء يؤكل منه مكلب(1)الا الكلب»(2)و غيرها.

بل قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ (3)، فان تقييد الجوارح بقيد «مكلبين»(4)قد يفهم منه ان مطلق الجوارح لا يجوز الاصطياد بها بل بخصوص الكلاب التي قد دربت على الاصطياد.

الا ان في مقابل ذلك روايات دلت على تحقق التذكية بغير الكلب أيضا، كصحيحة زكريا بن آدم: «سألت ابا الحسن الرضا عليه السّلام عن الكلب و الفهد يرسلان فيقتل فقال: هما مما قال اللّه مُكَلِّبِينَ فلا بأس بأكله»(5)و غيرها.

و حيث ان التعارض بين الطائفتين مستقر فيلزم اعمال المرجحات، و بما ان الاولى هي الموافقة للكتاب الكريم بناء على تمامية دلالته فيلزم ترجيحها. و مع التنزل يلزم ترجيحها أيضا للزوم حمل الثانية على التقية بقرينة صحيحة الحلبي: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: كان ابي عليه السّلام يفتي و كان يتقي و نحن نخاف في صيد البزاة و الصقورة، و اما4.


1) أي مدرب على الاصطياد.

2) وسائل الشيعة 259:16 الباب 6 من أبواب الصيد الحديث 1.

3) المائدة: 4.

4) أي مدربين للكلب على الاصطياد.

5) وسائل الشيعة 260:16 الباب 6 من أبواب الصيد الحديث 4.

الآن فانّا لا نخاف و لا يحل صيدها الا ان تدرك ذكاته...»(1)و غيرها.

و مع التنزل و التسليم بالتساوي تتساقطان و يلزم الرجوع إلى الأصل، و النتيجة واحدة على جميع التقادير.

و من خلال هذا يتضح التأمل فيما ينسب الى ابن ابي عقيل من جواز الاصطياد بغير الكلاب من السباع المعلمة كالفهد و النمر و غيرهما(2).

هذا كله بالنسبة الى الاصطياد بالكلب.

و اما الاصطياد بالسلاح فيأتي البحث عنه مستقلا إن شاء اللّه تعالى.

3 - و اما اعتبار ان يكون الكلب معلّما

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه الوجهان التاليان:

أ - التمسك بالآية الكريمة المتقدمة، حيث قيدت الجوارح بما اذا كانت مكلّبة و قد علّمت. و التكليب هو تدريب الكلب على الاصطياد.

ب - التمسك بصحيحة ابي عبيدة الحذاء: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يسرح كلبه المعلم و يسمي اذا سرحه قال: يأكل مما أمسك عليه، فان ادركه قبل قتله ذكاه، و ان وجد معه كلبا غير معلم فلا يأكل منه»(3)و غيرها.

4 - و اما ان كون الكلب معلّما

يتحقق بما ذكر فليس ذلك لتحديد شرعي بل لان المفهوم عرفا من كون الكلب معلّما هو ذلك.


1) وسائل الشيعة 264:16 الباب 9 من أبواب الصيد الحديث 3.

2) جواهر الكلام 9:36.

3) وسائل الشيعة 250:16 الباب 1 من أبواب الصيد الحديث 2.

5 - و اما اعتبار ان لا يأكل ما يمسكه الا نادرا

فهو المشهور بين الاصحاب. و استدل عليه بما يلي:

أ - التمسك باصالة عدم تحقق التذكية فيما اذا كان الكلب معتادا على أكل ما يمسكه.

و فيه: ان الاصل لا مجال له بعد اطلاق مثل قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ... (1).

ب - ان عنوان المعلم لا يصدق مع الاكل بنحو معتاد.

و فيه: ان ذلك وجيه لو كان اكله المعتاد لمجموع الحيوان او لغالبه، اما اذا كان لجزء يسير منه فلا يضر ذلك بصدق العنوان المذكور.

ج - التمسك بقوله تعالى: فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (2)، فان الامساك علينا لا يصدق مع اعتياد الاكل.

و فيه: ان ذلك لا يصدق لو فرض اكل الكلب لجميع الحيوان دون ما لو ابقى بعضه او غالبه.

د - التمسك بالروايات الدالة على ذلك، كموثقة سماعة: «سألته عما امسك عليه الكلب المعلم للصيد... قال: لا بأس ان تأكلوا مما امسك الكلب مما لم يأكل الكلب منه، فاذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكل منه»(3)و غيرها.

و لا يضر اضمار الموثقة اما لان المضمر من اجلاء الاصحاب


1) المائدة: 4.

2) المصدر نفسه.

3) وسائل الشيعة 255:16 الباب 2 من أبواب الصيد الحديث 16.

الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام او للبيان العام في جميع المضمرات الذي تقدمت الاشارة اليه في ابحاث سابقة.

و فيه: ان الروايات المذكورة معارضة بغيرها، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «و اما ما قتله الكلب و قد ذكرت اسم اللّه عليه فكل منه و ان اكل منه»(1)و غيرها. و التعارض غير مستقر لإمكان الجمع عرفا بحمل الاولى على الكراهة بقرينة الثانية.

و النتيجة انه لا دليل على الشرط المذكور غير ان ما صار اليه مشهور الاصحاب هو مقتضى الاحتياط.

6 - و اما اعتبار ذكر اللّه سبحانه عند ارسال الكلب

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ (2)، وَ لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ (3)، و صحيحة الحلبي: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: من ارسل كلبه و لم يسم فلا يأكله»(4)و غيرها.

و هل يعتبر تحقق الذكر عند الارسال او يكفي كونه بعده و قبل الاصابة؟ في ذلك خلاف بين الاصحاب. و لا يبعد استفادة الاول من الصحيحة المتقدمة.

7 - و اما اعتبار ارسال الكلب للاصطياد و لا يكفي استرساله من

قبل نفسه

فلم يعرف فيه خلاف. و قد يستدل عليه بما يلي:


1) وسائل الشيعة 253:16 الباب 2 من أبواب الصيد الحديث 9.

2) المائدة: 4.

3) الانعام: 121.

4) وسائل الشيعة 271:16 الباب 12 من أبواب الصيد الحديث 5.

أ - التمسك باصالة عدم التذكية - كما صنع في الجواهر(1)- المقتصر في الخروج عنها بالمتيقن، و هو الارسال للصيد.

و فيه: ان ذلك لا وجه له بعد ثبوت الاطلاق في الآية الكريمة و غيرها.

ب - التمسك برواية ابي بكر الحضرمي - برواية علي بن ابراهيم في تفسيره - عن ابي عبد اللّه عليه السّلام حيث ورد في ذيلها: «اذا ارسلت الكلب المعلّم فاذكر اسم اللّه عليه فهو ذكاته»(2).

و فيه: انها ضعيفة دلالة و سندا.

اما دلالة فلأنها مسوقة لبيان وجوب التسمية عند الارسال لا لبيان وجوب الارسال و وجوب التسمية عنده.

و اما سندا فلان الحضرمي - عبد اللّه بن محمد الحضرمي - لم يوثق الا بناء على وثاقة كل من ورد في اسانيد كامل الزيارة.

ج - التمسك برواية القاسم بن سليمان: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن كلب أفلت و لم يرسله صاحبه فصاد فأدركه صاحبه و قد قتله أ يأكل منه؟ فقال: لا»(3).

و فيه: انها قابلة للمناقشة دلالة و سندا.

اما دلالة فلاحتمال ان يكون عدم جواز الاكل من جهة عدم التسمية و ليس من جهة عدم الارسال.

و اما سندا فلعدم ثبوت وثاقة القاسم بن سليمان.1.


1) جواهر الكلام 27:36.

2) وسائل الشيعة 251:16 الباب 1 من أبواب الصيد الحديث 4.

3) وسائل الشيعة 269:16 الباب 11 من أبواب الصيد الحديث 1.

د - ان ذكر اللّه سبحانه حيث انه معتبر حين الارسال فيلزم لتحقيق المقارنة الارسال للاصطياد و لا يكفي استرسال الكلب من قبل نفسه.

و هذا وجيه بناء على اعتبار المقارنة دون ما اذا لم نعتبرها او اعتبرناها في حالة الارسال دون الاسترسال.

و من خلال هذا كله يتضح ان الحكم باعتبار الشرط المذكور لا بدّ ان يكون مبنيا على الاحتياط دون الفتوى.

8 - و اما اعتبار اسلام المرسل

فهو المعروف بين الاصحاب. و قد يستدل عليه بما يلي:

أ - انه من دون اسلام المرسل يشك في تحقق التذكية، و مقتضى الاصل عدمها.

و فيه: ان ذلك وجيه لو لم يكن لدينا مثل اطلاق الآية الكريمة المتقدمة.

ب - ان الاصطياد فرد من التذكية، و حيث يعتبر فيها الإسلام فيعتبر فيه أيضا.

و فيه: ان الكبرى لم تثبت بنحو الموجبة الكلية، بل قد تقدم في التذكية بالذبح وجاهة القول بتحقق التذكية بالذبح من غير المسلم اذا تحقق معه ذكر اللّه سبحانه.

ج - التمسك برواية السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كلب المجوسي لا تأكل صيده الا ان يأخذه المسلم فيعلّمه و يرسله...»(1).


1) وسائل الشيعة 273:16 الباب 15 من أبواب الصيد الحديث 3.

و فيه: ان الرواية لو تمت سندا و لم يناقش من ناحية النوفلي - الذي لم تثبت وثاقته الا من خلال كامل الزيارة - فبالامكان المناقشة في دلالتها لاحتمال ان يكون الوجه في اعتبار ارسال المسلم هو عدم تحقق ذكر اللّه سبحانه من المجوسي او لعدم الاكتفاء بتدريبه و ليس لاعتبار الارسال من المسلم بعنوانه.

د - التمسك بالشهرة الفتوائية على اعتبار اسلام المرسل.

و هذا وجيه بناء على حجية الشهرة الفتوائية في اثبات الحكم.

و من خلال هذا يتضح ان الحكم باعتبار اسلام المرسل - عند من لا يقول بحجية الشهرة الفتوائيه - لا بدّ ان يكون مبنيا على الاحتياط تحفظا من مخالفة المشهور بل دعوى عدم الخلاف في المسألة.

9 - و اما اعتبار استناد موت الحيوان الى جرح الكلب فقط دون

المجموع منه و من الضميمة

فينبغي ان يكون واضحا باعتبار ان الادلة قد دلت على تحقق التذكية بجرح الكلب و لم تدل على تحققه بالمجموع المركب منه و من الضميمة، و اذا شك في تحقق التذكية بذلك فبالامكان التمسك باصالة عدم التذكية.

10 - و اما اعتبار عدم ادراك الحيوان في وقت يسع لتذكيته

فيمكن تقريبه بوجهين:

أ - التمسك بأصالة عدم التذكية، فان الخارج منها هو الحالتان المتقدمتان دون ما زاد.

و هذا وجيه بناء على عدم تحقق الاطلاق في أدلة تحقق التذكية بالاصطياد.

ب - التمسك بصحيحة محمد بن مسلم و غير واحد عنهما عليهما السّلام:

«قالا في الكلب يرسله الرجل و يسمي قالا: ان اخذته فادركت ذكاته فذكه»(1)و غيرها.

الاصطياد بالسلاح
اشارة

لا تتحقق تذكية الحيوان الوحشي بالسلاح الا اذا توفرت الامور التالية:

1 - ان تكون الآلة مما يصدق عليها عنوان السلاح، كالسيف و السكين و السهم و طلقات البندقية.

2 - ان يكون الصائد مسلما.

3 - ذكر اللّه سبحانه عند استعمال السلاح للاصطياد.

4 - ان يكون الرمي بقصد الاصطياد، فلو رمى هدفا معينا لا بقصد الاصطياد فأصاب غزالا مثلا فقتله لم يحل.

5 - ادراك الحيوان ميتا او حيا في وقت لا يتسع لتذكيته.

6 - ان يكون السلاح مستقلا في قتله.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان التذكية بالاصطياد بالسلاح لا تثبت الا في الحيوان

الوحشي

فلان عنوان الاصطياد لا يتحقق بلحاظ غيره كما تقدم.

2 - و اما اعتبار صدق عنوان السلاح على آلة الاصطياد

فلصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «من جرح صيدا بسلاح و ذكر اسم اللّه عليه ثم بقي ليلة او ليلتين لم يأكل منه سبع و قد علم ان سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه ان شاء»(2)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 257:16 الباب 4 من أبواب الصيد الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 273:16 الباب 16 من أبواب الصيد الحديث 1. و التقييد بعدم اكل السبع هو لاحتمال عدم تحقق القتل بالسلاح فقط بل به و بجرح السبع غير الكلب الذي لا تتحقق التذكية بواسطته.

و منه يتضح الوجه في جواز الاصطياد بالبندقية، فانها مصداق للسلاح.

اجل يلزم في الطلقات ان تكون بنحو صالح للنفوذ في بدن الحيوان و خرقه، اما اذا لم تكن كذلك بل كانت تقتل الحيوان بسبب ضغطها او ما فيها من الحرارة المحرقة فلا يمكن الحكم بحلية الحيوان لصحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا رميت بالمعراض(1)فخرق فكل، و ان لم يخرق و اعترض فلا تأكل»(2)و غيرها.

و هل يلزم في السلاح ان يكون من جنس الحديد؟ كلا تمسكا بالاطلاق.

3 - و اما اعتبار اسلام الصائد بالسلاح

فهو المعروف بين الاصحاب، و ليس فيه كلام آخر يغاير ما تقدم عند البحث عن اعتبار اسلام الصائد بالكلب.

4 - و اما اعتبار ذكر اللّه سبحانه

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ (3)، و الروايات الخاصة، كصحيحة محمد بن قيس المتقدمة و غيرها.

5 - و اما اعتبار ان يكون الرمي بقصد الاصطياد

فيمكن التمسك له بالبيان المتقدم في الذبح.


1) المعراض: سهم لا يشتمل على حديدة في طرفه و يكون دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حدّه.

2) و التقييد بعدم اكل السبع هو لاحتمال عدم تحقق القتل بالسلاح فقط بل به و بجرح السبع غير الكلب الذي لا تتحقق التذكية بواسطته.

3) الانعام: 121.

6 - و اما اعتبار ادراك الحيوان ميتا او في وقت لا يتسع لتذكيته

فلا وجه له سوى تعميم ما ذكر في الاصطياد بالكلب للمقام لعدم فهم الخصوصية.

على ان الحكم مشهور و بناء على حجية الشهرة الفتوائية يصلح ذلك بنفسه للمدركية.

اما من رفض هذا و ذاك فالحكم عنده يكون مبنيا على الاحتياط تحفظا من مخالفة المشهور.

7 - و اما اعتبار استقلال السلاح في قتل الحيوان

فللبيان المتقدم في الاصطياد بالكلب.

السمك و الجراد
اشارة

لا بدّ لحلية السمك من تذكيته المتحققة باصطياده بأخذه حيا اما من الماء او من خارجه لو و ثب اليه بنفسه او نضب الماء.

و تتحقق أيضا فيما اذا نصب الصائد شبكة أو صنع حظيرة فدخلها السمك ثم نضب الماء و هو حي.

و لو أخرج السمك من الماء و هو حي ثم ربط بخيط و نحوه و ارجع اليه و مات فيه حرم.

و لو القي السم في الماء و طفا السمك بسببه فلا يحل الا اذا اخذ حيا.

و لا يلزم في صائد السمك الإسلام و لا ذكره للّه سبحانه. و على هذا تتحقق تذكية السمك من الكافر و لكن لا يكون اخباره عن تحققها حجة الا مع الاطمئنان بصدقه.

و تذكية الجراد تتحقق بأخذه من الهواء و لو من الكافر و من دون ذكر اللّه سبحانه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان السمك لا يحل الا بالتذكية

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه النصوص الآتية ان شاء اللّه تعالى.

و اما قوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا (1)، و قوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ (2)بناء على تفسير الصيد بالمصيد فلا يدلان على نفي الحاجة الى التذكية كما هو واضح.

2 - و اما ان تذكية السمك تتحقق باصطياده و اخذه

فهو مما لا خلاف فيه أيضا. و تدل عليه موثقة ابي بصير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن صيد المجوس للسمك حين يضربون للشبك و لا يسمون او يهودي قال: لا بأس انما صيد الحيتان(3)اخذها»(4)و غيرها.

3 - و اما ان السمك الذي يكون خارج الماء
• اما لأنه وثب اليه او نضب عنه الماء - لا يحل الا بأخذه حيا و لا يكفي مجرد موته خارج الماء فباعتبار ان التذكية تدور مدار عنوان الاخذ فلا بدّ من تحققه.

هذا مضافا الى صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عليه السّلام: «سألته عن سمكة و ثبت من نهر فوقعت على الجد(5)من النهر فماتت هل يصلح


1) النحل: 14.

2) المائدة: 96.

3) الحيتان جمع حوت و هي السمكة.

4) وسائل الشيعة 363:16 الباب 32 من أبواب الذبائح الحديث 5.

5) الجدّ بالضم و التشديد: شاطئ النهر.

اكلها؟ قال: ان اخذتها قبل ان تموت ثم ماتت فكلها و ان ماتت قبل ان تأخذها فلا تأكلها»(1).

و اما مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا تأكل ما نبذه الماء من الحيتان و ما نضب الماء عنه»(2)فلا بدّ من تقييده بما اذا لم يؤخذ حيا.

هذا و لكن ورد في بعض الروايات حل السمك بخروجه من الماء و اضطرابه و ان لم يؤخذ، كما في صحيحة زرارة: «قلت له: سمكة ارتفعت فوقعت على الجدد فاضطربت حتى ماتت، آكلها؟ فقال: نعم»(3)و غيرها.

و الاضمار لا يضرها بعد كون المضمر من اجلاء الاصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام.

الا ان مثل الصحيحة المذكورة ان ثبت هجران الاصحاب لمضمونها كان ساقطا عن الحجية و الا فالحكم بعدم الاكتفاء بمثل ذلك لا بدّ ان يكون مبنيا على الاحتياط تحفظا من مخالفة المشهور.

4 - و اما تحقق التذكية بنصب الشبكة او الحظيرة و موت السمك

فيها بعد نضوب الماء

فهو مما لا خلاف فيه. و يمكن توجيهه ببيانين:

أ - ان عنوان اخذ السمك من الماء صادق عرفا بنصب الشبكة و غيرها للاصطياد.

ب - التمسك بصحيحة الحلبي: «سألته عن الحظيرة من القصب


1) وسائل الشيعة 366:16 الباب 34 من أبواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 367:16 الباب 34 من أبواب الذبائح الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 367:16 الباب 34 من أبواب الذبائح الحديث 5.

تجعل في الماء للحيتان فتدخل فيها الحيتان فيموت بعضها فيها فقال:

لا بأس، ان تلك الحظيرة انما جعلت ليصاد بها»(1)و غيرها. و بقرينة التعليل يتعدى الى غير الحظيرة من الاجهزة التي تعدّ للاصطياد.

هذا لو مات السمك في الحظيرة و نحوها بعد نضوب الماء.

و يمكن ان تستفاد من اطلاق الصحيحة الحلية و تحقق التذكية حتى على تقدير الموت قبل نضوب الماء.

الا ان في مقابل ذلك رواية عبد المؤمن: «امرت رجلا ان يسأل لي ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صاد سمكا و هنّ احياء ثم اخرجهن بعد ما مات بعضهن فقال: ما مات فلا تأكله، فانه مات فيما كان فيه حياته»(2).

و هي اذا لم يناقش في سندها - من ناحية عبد المؤمن نفسه باعتبار تردده بين عبد المؤمن بن القاسم الانصاري الثقة و بين غيره، و من ناحية ذلك الرجل الوسيط، حيث انه مجهول الحال - فبالامكان حملها على الكراهة بقرينة صحيحة الحلبي، فان ذلك قد يكون اقرب عرفا من تقييد الصحيحة بحالة الموت بعد نضوب الماء.

و عليه فالحكم بحلية السمك لو مات في الحظيرة حتى قبل نضوب الماء وجيه تمسكا باطلاق الصحيحة بعد ردّ المعارض بما تقدم.

5 - و اما حرمة السمك لو اخرج من الماء ثم ارجع اليه و مات فيه

فلوجهين:

أ - ان عنوان الاخذ لا يفهم العرف منه الموضوعية التامة بحيث


1) وسائل الشيعة 368:16 الباب 35 من أبواب الذبائح الحديث 3.

2) وسائل الشيعة 368:16 الباب 35 من أبواب الذبائح الحديث 1.

يكفي حتى مع ارجاع السمك الى الماء بل يفهم منه الاخذ المقيد بعدم الارجاع.

ب - التمسك بصحيحة ابي ايوب حيث: «سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اصطاد سمكة فربطها بخيط و ارسلها في الماء فماتت أ تؤكل؟ فقال: لا»(1).

6 - و اما عدم حلية السمك لو طفا بالقاء السم

فباعتبار ان التذكية لا تتحقق الا بالاخذ او الاصطياد بتوسط الحظيرة، و المفروض عدمهما، و معه فلا يحل الا اذا اخذ من الماء و هو بعد حي.

7 - و اما انه لا يعتبر في صائد السمك الإسلام

فهو مما لا كلام فيه. و تدل عليه موثقة ابي بصير المتقدمة في الرقم 2 و غيرها.

و اما انه لا يعتبر ذكر اللّه سبحانه فلصحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن صيد الحيتان و ان لم يسمّ فقال: لا بأس به»(2)و غيرها.

8 - و اما عدم حجية إخبار الكافر عن تحقق تذكية السمك

فباعتبار ان الاصل عدم التذكية، و لا يمكن رفع اليد عنه الا بالاطمئنان - الذي هو حجة بالسيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها شرعا - او يد المسلم او سوق المسلمين او البينة الشرعية بل و إخبار الثقة على قول.

9 - و اما ان تذكية الجراد تتحقق بما ذكر

فلا خلاف فيه بين الاصحاب، فكما ان تذكية السمك تتحقق بأخذه فكذلك تذكية الجراد.

و تدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عليه السّلام: «سألته عما اصاب


1) وسائل الشيعة 365:16 الباب 33 من أبواب الذبائح الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 360:16 الباب 31 من أبواب الذبائح الحديث 1. و المناسب: إن لم يسمّ... بدون الواو، الا ان العبارة جاء كذلك في وسائل الشيعة و المصادر الأصلية.

المجوس من الجراد و السمك أ يحل أكله؟ قال: صيده ذكاته، لا بأس»(1)و غيرها.

و اما عدم اعتبار الإسلام في الصائد فتدل عليه الصحيحة المتقدمة و غيرها.

و اما عدم اعتبار ذكر اللّه سبحانه فيمكن استفادته من الصحيحة المتقدمة أيضا.

اجل هو مستفاد من اطلاقها، و معه فيمكن ان يقال ان الاطلاق المذكور معارض باطلاق قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ (2)بنحو العموم من وجه، و الاطلاق الثاني ان لم يكن مقدما باعتبار كونه قرآنيا فلا أقلّ من التساقط و الرجوع الى اصالة عدم التذكية، و من ثمّ يكون ذكر اللّه سبحانه واجبا، و ينحصر المدرك لنفي الاعتبار - بعد اقتضاء الصناعة للاعتبار - بالتسالم.

2 - ما يقبل التذكية و اثرها

اشارة

التذكية تتحقق بالذبح و بالاصطياد على ما تقدم. و كل حيوان - حتى محرم الاكل الا نجس العين بل الحشرات على قول - يقبل التذكية بأحد الطريقين المذكورين.

نعم اذا كان الحيوان اهليا فتذكيته لا تكون الا بالذبح، و اذا كان وحشيا فتتحقق بالذبح و بالاصطياد.


1) وسائل الشيعة 364:16 الباب 32 من أبواب الذبائح الحديث 8.

2) الانعام: 121.

و اثر التذكية في محلل الاكل حلية لحمه و طهارته و طهارة الجلد و جواز البيع بناء على عدم جواز بيع الميتة النجسة.

و اثرها في محرم الاكل طهارة لحمه و جلده و حلية الانتفاع به فيما تعتبر فيه الطهارة، كجعل الجلد وعاء للدهن و نحوه.

هذا كله فيما اذا كان للحيوان نفس سائلة.

و اما اذا لم يكن له ذلك، فان كان محلل الاكل - كالسمك و الجراد - فاثر تذكيته حلية اللحم، و ان كان محرم الاكل - كالحية - فلا اثر لتذكيته.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان كل حيوان يقبل التذكية

فهو محل للخلاف بين الاعلام، فقيل بان الاصل الاولي في كل حيوان عدم قبوله للتذكية الا ما خرج بالدليل، باعتبار ان التذكية ليست مجرد فري الاوداج مع سائر الشرائط، بل هي المجموع المذكور مع ضميمة اخرى، و هي قابلية المحل للتذكية، فاذا شك فيها - كما في المسوخ و الحشرات - فمقتضى استصحاب عدم التذكية هو عدم تحققها.

و قيل - و هو الاوجه - بان الاصل الاولي يقتضي قبول كل حيوان للتذكية الا ما خرج بالدليل، كنجس العين لان القابلية حتى لو سلمنا باعتبارها فبالامكان ان نقول: ان مقتضى بعض الروايات وجود القابلية المذكورة في كل حيوان و قبوله للتذكية، كصحيحة علي بن يقطين:

«سألت ابا الحسن عليه السّلام عن لباس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود قال: لا بأس بذلك»(1)، فان نفي البأس عن جميع الجلود


1) وسائل الشيعة 255:3 الباب 5 من ابواب لباس المصلي الحديث 1.

يدل بالاطلاق على جواز لبسها في الصلاة، و من ثمّ على قبولها للتذكية.

و كموثقة سماعة: «سألته عن جلود السباع أ ينتفع بها؟ فقال: اذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و اما الميتة فلا»(1)و غيرهما.

اجل بالنسبة الى الحشرات - كالفار و ابن عرس - قد يدعى انصراف العمومات المذكورة عنها.

2 - و اما ان اثر التذكية في محلل الاكل ما تقدم

فباعتبار ان غير المذكى هو ميتة شرعا، و هي نجسة و محرمة الاكل و لا يجوز بيعها فاذا فرض تحقق التذكية ارتفعت الآثار المذكورة.

3 - و اما ان مثل السمك لا اثر لتذكيته الا حلية اللحم

فباعتبار ان ميتته طاهرة فيجوز آنذاك استعمالها فيما تعتبر فيه الطهارة بل يجوز بيعها بناء على جواز بيع الميتة الطاهرة.

4 - و اما انه لا اثر لتذكية محرم الاكل مما لا نفس له

فلانه طاهر و محرم الاكل على كل حال.


1) وسائل الشيعة 453:16 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4.

كتاب الأنفال و المشتركات

اشارة

1 - الأنفال (ملكية الامام عليه السّلام أو الدولة)

2 - انحاء الملكية و وسائل تحصيلها

3 - من أحكام المشتركات

1 - الانفال (ملكية الامام عليه السّلام أو الدولة)

اشارة

للأنفال - التي هي ملك النبي صلّى اللّه عليه و آله و الامام من بعده او ملك الدولة - مصاديق متعددة اختلف الفقهاء في ضبطها، نذكر منها:

1 - الاراضي الميتة(1)التي لا رب لها.

2 - الاراضي التي يأخذها المسلمون من الكفار بغير قتال.

3 - المعادن اما مطلقا او على تفصيل.

4 - أسياف(2)البحار.

5 - بطون الأودية.

6، 7 - رءوس الجبال و الآجام(3).


1) و هي الارض التي لا يمكن الانتفاع بها الا بعد اصلاحها و اعمارها، كالصحارى.

2) مفردها سيف - بكسر السين - هو بمعنى الساحل.

3) الآجام: جمع أجمة - بالتحريك - و هي الأرض المملوءة بالقصب أو بالشجر الملتف بعضه ببعض.

8 - قطائع الملوك و صفاياهم(1)

و صفاياهم هي الاموال المنقولة النفيسة للملوك غير الأرض.

.

9 - غنائم الحرب الواقعة من دون اذن الامام عليه السّلام.

10 - ميراث من لا وارث له.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الانفال للنبي صلّى اللّه عليه و آله و الامام عليه السّلام من بعده

فهو من ضروريات الدين. و يدل عليه الكتاب الكريم: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَ الرَّسُولِ... (2)، بعد الالتفات الى ان كل ما كان للنبي صلّى اللّه عليه و آله فهو للإمام عليه السّلام بالضرورة.

و المراد من الانفال(3)

و الاموال الخاصة بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و بالامام عليه السّلام حيث انها زيادة على مالهما من سهم الخمس فهي نفل.

الاموال المملوكة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و للإمام عليه السّلام من بعده زيادة على ما لهما من سهم الخمس.

و قد تداول في كلمات الفقهاء الحكم على الانفال بكونها ملك النبي صلّى اللّه عليه و آله و الامام عليه السّلام، و قد يستظهر من ذلك كونها ملكا شخصيا لهما، و ربما يستدل له بظهور كلمة الرسول و الامام في ملك الشخص، الا ان في مقابل ذلك قولا بكونها ملك المنصب و الدولة بدليل عدم انتقالها بالارث.

و بناء على هذا القول يكون البحث عن الانفال ضروريا لأنه بحث عن


1) قطائع الملوك هي الأراضي التي اقتطعها الملوك لا نفسهم.

2) الانفال: 1.

3) الانفال: جمع نفل - بسكون الفاء و فتحها - بمعنى الزيادة. و منه صلاة النافلة، حيث انها زيادة على الفريضة. و منه قوله تعالى: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ الاسراء: 79، اي زيادة لك، و منه أيضا قوله تعالى: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً الانبياء: 72، أي زيادة على ما سأل.

ممتلكات الدولة التي تستعين بها على ادارة شئونها.

و في الحديث الشريف: «الانفال هو النفل. و في سورة الانفال جدع الانف(1)»(2).

2 - و اما ان الاراضي الميتة هي للإمام عليه السّلام

فهو مما لا خلاف فيه سواء لم يجر عليها ملك مالك - كما في الصحارى - او جرى و لكنه لم يبق له وجود.

و قد دلت على ذلك مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن العبد الصالح عليه السّلام: «... و الانفال... كل ارض ميتة لا رب لها...»(3)، و الروايات المعبّرة بالارض الخربة، كصحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الانفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب او قوم صالحوا او قوم اعطوا بأيديهم و كل ارض خربة و بطون الاودية فهو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»(4)و غيرها.

و قد فهم الفقهاء من الأرض الخربة الأرض الميتة(5).

و المعروف في كلمات الفقهاء تقييد الارض بالميتة. و يمكن ان يقال بكون المدار على عدم وجود مالك للأرض حتى لو كانت عامرة، كالغابات و الجزر المشتملة على الاشجار و الفواكه لموثقة اسحاق بن عمار: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الانفال فقال: هي القرى التي قد


1) اي قطع أنف الخصوم. قال في الوافي 302:10: «يعني في هذه السورة قطع أنف الجاحدين لحقوقنا و ارغامهم».

2) وسائل الشيعة 373:6 الباب 2 من أبواب الأنفال الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 365:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 364:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 1.

5) الخرب لغة: ما يقابل العامر.

خربت... و كل ارض لا رب لها...»(1).

و مرسلة حماد المتقدمة و ان ورد فيها التقييد بالميتة الا انه لا مفهوم له لوروده مورد الغالب. هذا لو قطعنا النظر عن السند و الا فلا تعود صالحة للمعارضة.

و من خلال هذا يتضح ان الارض اذا لم يكن لها مالك فهي للإمام عليه السّلام او للدولة سواء كانت ميتة او عامرة، و اذا كان لها مالك فليست كذلك سواء كانت ميتة او عامرة، فان الارض ما دام لها مالك فمجرد موتها و خرابها لا يستوجب خروجها عن ملكه.

و بعض النصوص و ان كانت مطلقة و تعدّ كل ارض خربة جزءا من الانفال من دون تقييد بعدم وجود رب لها - كما في صحيحة حفص بن البختري المتقدمة و غيرها - الا انه بقرينة الروايات الاخرى و تسالم الفقهاء لا بدّ من تقييدها بذلك، فلاحظ موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة، حيث ورد فيها: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الانفال فقال: هي القرى التي قد خربت و انجلى اهلها... و كل ارض لا رب لها...»، فلو كان الخراب وحده كافيا لصيرورة الشيء من الانفال فلا داعي الى التقييد بالانجلاء او عدم وجود رب لها.

اجل هناك كلام في الارض المملوكة بالاحياء(2)هل تزول ملكية المحيي لها بطرو الخراب عليها او لا، و قد دلت صحيحة الكابلي الآتية ان شاء اللّه تعالى و غيرها على زوالها، الا ان ذلك خاص بما اذا كانة.


1) وسائل الشيعة 371:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 20.

2) يأتي فيما بعد ان شاء اللّه تعالى ان الارض الميتة و ان كانت ملكا للإمام عليه السّلام و لكنه يجوز لأي فرد من الناس احياؤها و يثبت بذلك تملكها او الحق فيها على احتمالين في المسألة.

سبب الملك هو الاحياء دون ما لو كان مثل الارث و الشراء.

3 - و اما الارض التي يأخذها المسلمون من الكفار بغير قتال - اما

بانجلاء اهلها عنها او بتمكينهم المسلمين منها طوعا

• فلا خلاف في كونها من الانفال لقوله تعالى: وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ (1)

و الإيجاف هو السير السريع.

و الركاب هي الابل.

و المعنى: الذي ارجعه اللّه على رسوله من اموال بني النضير و خصّه به هو لم تسيروا عليه بفرس و لا ابل حتى يكون لكم فيه حق.

، و لصحيحة حفص بن البختري المتقدمة، و صحيحة معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع امير امّره الامام عليهم اخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسّم بينهم اربعة اخماس(2)، و ان لم يكن قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ»(3)و غيرهما.

و ينبغي تعميم الارض المذكورة للمحياة أيضا، اذ الميتة هي للإمام عليه السّلام بقطع النظر عن الاستيلاء عليها من دون قتال، و حفظا للمقابلة بين هذا القسم و سابقه لا بدّ من التعميم المذكور.

ثم انه قد وقع الخلاف في اختصاص القسم المذكور بالارض


1) الحشر: 6.

و الفيء لغة بمعنى الرجوع. و المراد منه في الآية الكريمة الغنيمة التي يتم الحصول عليها بدون قتال.

2) الموجود في الطبع القديم لوسائل الشيعة «ثلاثة أخماس» و الصواب ما ذكرناه.

3) وسائل الشيعة 365:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 3.

و عمومه لكل ما يغنمه المسلمون من الكفار بغير قتال، و لعل المشهور هو الاول، حيث قيدوا القسم المذكور بالارض، الا ان المستفاد من الصحيحتين السابقتين العموم.

ان قلت: انه قد ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان الانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم...»(1)و غيرها التقييد بالارض، و حيث ان ذلك وارد مورد التحديد فيدل على المفهوم، و من ثمّ يلزم تقييد الصحيحتين السابقتين به.

قلنا: انه لا بدّ من رفع اليد عن المفهوم و حمل الصحيحة على بيان بعض افراد الانفال دون افادة الحصر لصراحة صحيحة معاوية المتقدمة في الاستيعاب و الشمول و عدم الفرق بين الارض و غيرها.

4 - و اما المعادن

فقد اختار جمع من اعلام المتقدمين - كالشيخ و الكليني و المفيد و الطوسي و...(2)- كونها من الانفال بما في ذلك الموجودة في الملك الشخصي للأفراد، غايته قد اباحها الائمة عليهم السّلام لكل من اخرجها بعد اداء خمسها. و تشهد لذلك موثقة اسحاق المتقدمة:

«سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الانفال فقال: هي القرى التي خربت و انجلى أهلها... و كل أرض لا ربّ لها و المعادن منها...»(3)و غيرها.

و في مقابل هذا القول قولان آخران:

أحدهما: انها من المباحات العامة و الناس فيها شرع.

و قد وجّه ذلك بالاصل و السيرة بل و بدلالة اخبار وجوب الخمس


1) وسائل الشيعة 367:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 10.

2) نقل ذلك في جواهر الكلام 129:16.

3) وسائل الشيعة 371:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 20.

فيها، ضرورة انه لا معنى لوجوب الخمس على غير الامام عليه السّلام ما دامت هي ملكا له. مضافا الى ان ظاهرها كون الباقي بعد الخمس هو للمخرج باصل الشرع لا بتمليك الامام عليه السّلام.

ثانيهما: التفصيل بين المعادن المستخرجة من ارض الانفال و بين المستخرجة من غيرها فالاولى هي من الانفال بخلاف الثانية. و يساعد على التفصيل المذكور ان بعض النسخ في موثقة اسحاق المتقدمة قد اشتملت على كلمة «فيها» بدل «منها» اي و المعادن في الارض التي لا رب لها، بل ان من الوجيه كون ذلك هو المقصود حتى بناء على كون النسخة «منها» فالضمير لا يرجع الى الانفال بل الى ما ذكرناه.

و لعل البحث المذكور علمي بحت و لا اثر عملي له لان التخميس واجب على كل حال و انما الكلام في أربعة الأخماس الباقية هل هي ملك للمخرج بتحليل من اللّه ابتداء او بتمليك من الامام عليه السّلام.

5 - و اما أسياف البحار

فقد اشير الى كونها من الانفال في الشرائع(1). و لا يوجد نص شرعي يدل على كونها كذلك، الا انه لا حاجة اليه بعد كونها من قبيل الارض التي لا ربّ لها التي تقدم كونها من الانفال.

6 - و اما بطون الاودية

فقد اشير اليها في صحيحة حفص - المتقدمة في الرقم 2 - و غيرها.

و مقتضى ذكرها في مقابل الارض الخربة كونها من الانفال بعنوانها. و لازم ذلك ان لا تكون للمسلمين فيما اذا كانت جزءا من


1) شرائع الإسلام 137:1، انتشارات استقلال.

الارض المفتوحة عنوة و محياة حين الفتح بل تكون للإمام عليه السّلام.

كما ان لازم ذلك أيضا ان تكون للإمام عليه السّلام لو فرض وجودها في ملك خاص بالغير.

7 - و اما رءوس الجبال و الآجام

فقد ادعي عدم الخلاف في كونهما من الانفال. و قد ورد ذكرهما في اخبار ضعيفة السند، كمرسلة حماد المتقدمة «... و له رءوس الجبال و بطون الاودية و الآجام...»(1)و غيرها.

و الحكم بعدّهما من الانفال يبتني اما على تمامية كبرى الانجبار او على ضم عدم القول بالفصل، بتقريب ان مستند عدّ بطون الاودية من جملة الانفال حيث انه صحيح السند فيلزم من ذلك عدّ رءوس الجبال و الآجام من جملة الانفال أيضا لعدم القول بالفصل بين الثلاثة.

هذا لو قبلنا احد المبنيين المذكورين و الا فينحصر الوجه في عدّهما من جملة الانفال بكونهما مصداقين للأرض التي لا ربّ لها.

و هل الحكم بعدّهما من الانفال يعمّ حالة كونهما جزءا من ملك الغير؟ و الجواب: انه على المبنيين المتقدمين يلزم الحكم بالعموم بخلافه بناء على المبنى الاخير.

8 - و اما ان قطائع الملوك و صفاياهم من الانفال

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل على ذلك صحيحة داود بن فرقد: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: قطائع الملوك كلها للإمام و ليس للناس فيها شيء»(2)، و موثقة سماعة: «سألته عن الانفال فقال: كل ارض خربة او شيء يكون للملوك فهو خالص


1) وسائل الشيعة 365:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 366:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 6.

للإمام و ليس للناس فيها سهم...»(1)و غيرهما.

9 - و اما ان غنيمة الحرب الواقعة من دون اذن الامام عليه السّلام هي له

بأجمعها

فقد ادعي في الجواهر انه المشهور بين الاصحاب(2). و تدل عليه:

أ - مرسلة الوراق عن رجل سماه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام، و اذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للإمام الخمس»(3).

و ضعفها السندي لا يضر بناء على تمامية كبرى الانجبار.

ب - صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في الرقم 3، فان القيد المذكور فيها «امره الامام» يدل بالمفهوم على المطلوب.

هذا و لكن اختار العلامة في المنتهى مساواة ذلك لما يغنم باذن الامام عليه السّلام في انه ليس فيه الا الخمس(4).

و علّق في المدارك(5)على ذلك بانه جيد لإطلاق الآية الكريمة:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ... (6)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم و يكون معهم فيصيب غنيمة، قال: يؤدي خمسا و يطيب له»(7).


1) وسائل الشيعة 367:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 8.

2) جواهر الكلام 126:16.

3) وسائل الشيعة 369:6 الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 16.

4) منتهى المطلب 554:1.

5) مدارك الاحكام 418:5.

6) الأنفال: 41.

7) وسائل الشيعة 340:6 الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 8.

و لعل الجواب واضح، فان اطلاق الآية الكريمة قابل للتقييد. و ما تضمنته الصحيحة يمكن تخريجه اما على التحليل منه عليه السّلام لذلك الشخص او على الاذن له في تلك الغزوة.

10 - و اما ان ميراث من لا وارث له هو من الانفال

فقد ادعي عليه الاجماع. و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «من مات و ليس له وارث من قرابته... فماله من الانفال»(1)و غيرها.

2 - انحاء الملكية و وسائل تحصيلها

اشارة

لملكية الثروة الطبيعية(2)ثلاثة أنحاء:

1 - ملكية جميع المسلمين بالنسبة الى الارض الخراجية، اي الارض المفتوحة باذن الامام عليه السّلام عنوة(3)المحياة حالة الفتح.

2 - ملكية الامام عليه السّلام أو الدولة بالنسبة الى الانفال.

3 - الملكية الشأنية بالنسبة الى المباحات العامة.

اما ما كان من النحو الاول فامره بيد ولي الامر فله دفع الارض الخراجية الى من شاء مقابل الخراج(4)بما يراه صلاحا، و لا يجوز بيعها و لا وقفها و لا هبتها و لا تملكها بنحو الملك الشخصي.

و يصرف ولي الامر الخراج في المصالح العامة للمسلمين.


1) وسائل الشيعة 547:17 الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة و الامامة الحديث 1.

2) المقصود من الثروة الطبيعية الارض و ما فيها و ما عليها.

3) بفتح العين و سكون النون، بمعنى القهر و القوة.

4) الخراج: اجرة الارض.

و اما النحو الثاني فتنتقل الارض فيه بالاحياء الى المحيي ملكا او حقا، و المعدن باستخراجه الى المخرج، و الآجام بحيازتها الى الحائز.

و اما ما كان من النحو الثالث - كالماء و الطيور و الاسماك و ما شاكل ذلك - فيملك بالحيازة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الارض المفتوحة عنوة هي لجميع المسلمين
•

الحاضرين و الغائبين و المتجددين بعد ذلك

•

و لا تختص بالمقاتلين فلم يعرف فيه خلاف بيننا و ان نسب الى بعض العامة اختصاص الغانمين بها كغيرها من الغنائم(1). و يدل على ذلك صحيح الحلبي: «سئل ابو عبد اللّه عليه السّلام عن السواد(2)ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد. فقلت:

الشراء من الدهاقين(3)، قال: لا يصلح الا ان تشرى منهم على ان يصيرها للمسلمين، فاذا شاء ولي الامر ان يأخذها أخذها...»(4)و غيره.

و قد يشكل بان السواد لم يفتح باذن الامام عليه السّلام فهو من الانفال لا للمسلمين، و الحكم المذكور في الصحيحة بانه للمسلمين لا بدّ من حمله على الصدور للتقية.

و قد يجاب بصدور الاذن منه عليه السّلام، فان الخليفة الثاني كان


1) جواهر الكلام 157:21.

2) اي ارض العراق المفتوحة عنوة في عصر الخليفة الثاني.

3) الدهقان بكسر الدال و ضمها يطلق على رئيس القرية و التاجر و من له مال و عقار. و هو اسم اعجمي مركب من (ده) و (قان).

4) وسائل الشيعة 274:12 الباب 21 من ابواب عقد البيع الحديث 4.

يستشير امير المؤمنين عليه السّلام في ذلك. و في مشاركة عمار في تلك المعارك و تولي سلمان ولاية المدائن بل قبول الامام الحسن عليه السّلام التوجه الى محاربة يزدجرد دلالة واضحة على ذلك.

و هذا الجواب ان صحّ و ثبت تحقق الاذن فهو و الا فبالامكان ان يجاب بان الحكم في الصحيحة المتقدمة بكون ارض السواد للمسلمين بعد معلومية اعتبار الاذن يدل بالالتزام على صدورها منه عليه السّلام. و الحمل على التقية بعد امكان الافتراض المذكور لا وجه له.

2 - و اما تقييد الفتح بما اذا كان باذن الامام عليه السّلام

فلما تقدم من كون المفتوح بغير اذنه عليه السّلام هو من الانفال.

و اما تقييد الفتح بكونه عنوة فلما تقدم من كون المفتوح بلا قتال هو من الانفال.

و اما تقييد الارض بما اذا كانت محياة حين الفتح فلأن الارض الميتة هي من الانفال على ما تقدم.

3 - و اما الترديد في ملكية الانفال بين كونها للإمام عليه السّلام او للدولة

فقد تقدمت الاشارة الى وجهه سابقا.

كما تقدمت الاشارة الى الوجه في ملكية الامام عليه السّلام للأنفال فراجع.

4 - و اما كون الملكية في النحو الثالث شأنية

فلان كل فرد من الناس له شأنية تملك المباحات العامة بالحيازة.

اما كيف يمكن اثبات الاباحة العامة للأشياء ما سوى الارض الخراجية و الانفال؟ يمكن اثباته بوجهين:

أ - ان ثبوت الملكية لخصوص الامام عليه السّلام او لجميع المسلمين هو

الذي يحتاج الى دليل، بخلاف كون الشيء ليس مملوكا لأحد بل لكل شخص الحق في تملكه بالحيازة فانه لا يحتاج الى دليل، بل هو مقتضى الاصل المستفاد من مثل قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (1).

ب - التمسك بسيرة المتشرعة، فانها منعقدة على تملك الماء و الطيور و الاسماك و الحيوانات و الاعشاب و ما شاكل ذلك بالحيازة، و لا يحتمل نشوء مثل السيرة المذكورة عن تهاون و تسامح، فانها منعقدة في حق جميع المتشرعة، و ذلك يكشف عن وصولها يدا بيد من معدن العصمة و الطهارة.

و مما يؤيد ذلك في الجملة رواية محمد بن سنان عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عن ماء الوادي فقال: ان المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء»(2)و غيرها.

5 - و اما ان امر الارض الخراجية بيد ولي المسلمين

فلان ذلك مقتضى ملكيتها لجميع المسلمين. على ان صحيحة الحلبي السابقة واضحة في ذلك.

و اما انحصار التصرف الجائز فيها بدفعها مقابل الخراج فهو لازم ابقاء عينها لجميع المسلمين مع التصرف فيها وفق مصلحتهم.

اجل لا بأس ببيع الحق الثابت فيها لفقدان المانع و وجود المقتضي، بل قيل بجواز بيعها تبعا للآثار.

و اما صرف ولي الامر الخراج في صالح المسلمين فلان ذلك لازم


1) البقرة: 29.

2) وسائل الشيعة 331:17 الباب 5 من ابواب احياء الموات الحديث 1.

ملكية جميع المسلمين لها. بل قد يقال بانه لا معنى لملكية جميع المسلمين لها الا استحقاقهم لصرف واردها في مصالحهم، و لا يتصور معنى صحيح لملكية الجميع لها الا ذلك.

6 - و اما ان الارض الميتة - التي هي من مصاديق النحو الثاني -

يجوز احياؤها و تنتقل الى المحيي

فلم يعرف فيه خلاف بين الاصحاب.

و يدل على ذلك أمران:

أ - السيرة المستمرة للمتشرعة على التصرف في الارض الموات و احيائها من دون احتمال نشوء ذلك عن التساهل و التسامح.

ب - صدور الاذن من اصحاب تلك الارض بذلك، كما دلت عليه صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أحيا أرضا مواتا فهي له»(1)و غيرها. اجل دلت بعض النصوص الاخرى على ان الاذن المذكور ليس بنحو المجانية بل مشروط بدفع الاجرة الا اذا كان المحيي من الشيعة فانه لا يجب عليه ذلك، فلاحظ صحيحة ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر عليه السّلام: «وجدنا في كتاب علي عليه السّلام ان الارض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، انا و اهل بيتي الذين أورثنا الارض و نحن المتقون و الارض كلها لنا فمن أحيا ارضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي و له ما اكل منها، فان تركها و اخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها فهو احق بها من الذي تركها فليؤدّ خراجها الى الامام من اهل بيتي و له ما اكل منها حتى يظهر القائم عليه السّلام من اهل بيتي بالسيف فيحويها


1) وسائل الشيعة 327:17 الباب 1 من ابواب احياء الموات الحديث 6.

و يمنعها و يخرجهم منها كما حواها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و منعها الا ما كان في ايدي شيعتنا فانه يقاطعهم على ما في ايديهم و يترك الارض في ايديهم»(1)التي يستفاد منها جملة من الامور، و هي:

أ - ان الارض بأجمعها ملك للّه سبحانه.

ب - ان الارض ما دامت ملكا له سبحانه فمن حقه ان يملّكها لمن اراد من عباده.

ج - انه سبحانه قد ملّك الارض عباده المتقين، و هم اهل البيت عليهم السّلام، فجميع الكرة الارضية - على هذا - هي لأهل البيت عليهم السّلام(2)

و قد يقال: ان هذا المعنى - ملكية الامام عليه السّلام لجميع الكرة الارضية - مخالف للضرورة القاضية بانّا نملك هذه القطعة من الارض او تلك بالبيع او الشراء و ما شاكل ذلك و لا يحتمل احد ان تلك القطعة لا حق لنا في بيعها و شرائها باعتبار انها ملك لغيرنا.

و الجواب: ان الارض بأجمعها هي لأهل البيت عليهم السّلام و لكنهم تنازلوا عن ملكهم لمن احياها - اما بنحو التمليك او بنحو احقية التصرف - مع المقابل او بدونه. و الالتزام بذلك ليس فيه اي مخالفة للضرورة.

و لعل هذا هو مقصود الشيخ الهمداني في كتابه مصباح الفقيه 8:14 و السيد الشهيد الصدر في اقتصادنا 482:2 حينما تعرضا للجواب عن الاشكال.

.ل.

1) وسائل الشيعة 329:17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 2.

2) و هذا المعنى قد اشارت اليه روايات متعددة، و قد كان قديما محلا للتساؤل بين اصحاب الائمة عليهم السّلام أنفسهم فقد ورد في الكافي 409:1 «لم يكن ابن ابي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا و كان لا يغبّ [يقال زر غبّا تزدد حبا، اي زر يوما و اترك يوما] اتيانه ثم انقطع عنه و خالفه و كان سبب ذلك ان ابا مالك الحضرمي كان احد رجال هشام و وقع بينه و بين ابن ابي عمير ملاحاة [اي منازعة] في شيء من الامامة، قال ابن ابي عمير: الدنيا كلها للإمام عليه السّلام على جهة الملك و انه اولى بها من الذين هي في ايديهم و قال ابو مالك: ليس كذلك املاك الناس لهم الا ما حكم اللّه به للإمام من الفيء و الخمس و المغنم فذلك له و ذلك أيضا قد بيّن اللّه للإمام اين يضعه و كيف يصنع به فتراضيا بهشام بن الحكم و صارا اليه فحكم هشام لأبي مالك على ابن ابي عمير فغضب ابن ابي عمير و هجر هشاما بعد ذلك».

د - انهم عليهم السّلام قد تنازلوا عن الارض لكل من احياها مقابل اداء الخراج.

ه - ان كل من لم يواصل احياء الارض حتى خربت فلبقية المسلمين الحق في احيائها و يكون المحيي الجديد احق بها.

و - ان الشيعة - أعزّهم اللّه تعالى - لهم الحق في احياء الارض بدون مقابل تفضلا منهم عليهم السّلام عليهم.

و الفترة الزمنية التي لوحظ فيها هذا الحكم الاخير و ان كانت هي فترة ظهور القائم - ارواحنا له الفداء - الا انه يمكن ان يفهم من ذلك التعميم.

و في المقام تساؤل علمي محصله: ان الارض اذا كانت لأهل البيت عليهم السّلام فصدور الاذن في الاحياء من احدهم يبقى ساري المفعول طيلة فترة حياة صاحب الاذن فقط و لا يمكن استفادة العمومية لمثل زماننا.

و هذا و ان كان مجرد احتمال و لكنه كاف في الحكم بلزوم الاقتصار على الفترة المتيقنة.

و الجواب: ان الاحتمال المذكور و ان كانت بعض النصوص لا تأباه الا انه بملاحظة بعضها الآخر ضعيف بل منتف، ففي صحيحة الكابلي نلاحظ ان امير المؤمنين عليه السّلام يأمر بدفع الخراج الى الائمة الطيبين الطاهرين الذين يأتون من بعده حتى يظهر القائم - ارواحنا له الفداء - و هذا لا يلتئم مع الاحتمال المذكور.

7 - و اما الترديد في امر الاحياء بين كونه مولّدا للملك او للحق

فهو باعتبار وجود احتمالين في المسألة فيحتمل انتقال ملكية الارض

من الامام عليه السّلام او الدولة الى المحيي و صيرورتها ملكا شخصيا له، و يحتمل بقاء ملكيتها السابقة على ما هي عليه و لا يتولد للمحيي سوى أولويته من غيره في التصرف فيها.

و قد صار مشهور الفقهاء الى الاحتمال الاول تمسكا بظهور اللام في قولهم عليهم السّلام: «من أحيا ارضا مواتا فهي له» في افادة الملكية.

في حين صار الشيخ الطوسي الى الاحتمال الثاني، حيث يقول:

«فاما الموات فانها لا تغنم و هي للإمام خاصة، فان احياها احد من المسلمين كان اولى بالتصرف فيها و يكون للإمام طسقها(1)»(2).

و قد صار الى ذلك أيضا الفقيه السيد محمد بحر العلوم قدّس سرّه في بلغته(3).

و يمكن توجيه ذلك بان فرض الاجرة - المعبر عنها بالطسق - لا يتناسب مع انتقال العين الى المحيي بل يتناسب مع انتقال المنفعة فقط.

و اما اللام فلا ظهور لها في الملك فانها جارية مجرى قول مالك الأرض للفلاحين عند تحريضهم على عمارة الارض: من عمرها و حفر انهارها فهي له، فانه ليس المقصود انتقال العين الى الفلاح بل أحقيته من غيره و تقدمه على من سواه.

8 - و اما المعادن

فقد تقدم الخلاف في كونها من الانفال او لا، و لكن على تقدير جميع الاقوال الثلاثة في المسألة يجوز استخراجها


1) الطسق: الاجرة.

2) المبسوط 29:2.

3) بلغة الفقيه: 98.

و تملكها بعد اخراج خمسها.

و الوجه في ذلك امران:

أ - انعقاد السيرة القطعية بين المتشرعة على ذلك.

ب - التمسك بصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «سألته عن معادن الذهب و الفضة و الصفر و الحديد و الرصاص فقال: عليها الخمس جميعا»(1)و غيرها، فانها تدل بوضوح على ملكية المخرج لما اخرجه من المعدن بعد التخميس.

ثم ان المعادن على قسمين: ظاهرة و باطنة(2)

الاول: ان المعدن الظاهر هو ما كان موجودا على سطح الارض و لا يحتاج الوصول اليه الى بذل مئونة عمل، كالملح و القير و ما شاكل ذلك، و الباطن هو ما توقف استخراجه على الحفر و العمل، كما في الذهب و الفضة.

ثانيهما: ان المعدن الظاهر هو المعدن الذي لا يحتاج في ابراز طبيعته و خصائصه المعدنية الى بذل جهود من دون فرق بين كونه على سطح الارض او في اعماقها، بخلاف الباطن فانه ما احتاج الى ذلك حتى و لو لم يوجد في اعماق الارض، كما هو الحال في الحديد و الذهب و الفضة و نحوها.

.

و قد قال كثير من الفقهاء عن المعادن الظاهرة بانها تملك بمقدار ما يحوزه الشخص منها حتى لو كان ذلك المقدار زائدا عن حاجته، و عن المعادن الباطنة بانها تملك للمنقّب فيما اذا وصل الى المعدن نفسه، و اما اذا حفر و لم يصل اليه كان ذلك تحجيرا يفيد الأحقية و الاولوية دون الملكية.

و في مقابل هذا قول آخر يرى ان الشخص لو نقّب و وصل الىا.


1) وسائل الشيعة 342:6 الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1.

2) يوجد تفسيران للمعدن الباطن و المعدن الظاهر:

المعدن فلا يملك الا مقدار حاجته دون ما زاد عليها بأضعاف مضاعفة و يبقى الاستثمار بمجموع المعدن حقا للدولة او للإمام عليه السّلام بوصفه الولي الشرعي.

و وجه القول المذكور: اننا لا نملك نصا شرعيا يدل على ان الحيازة سبب للملك ليتمسك باطلاقه لإثبات تحقق الملكية حتى للمقدار الزائد عن حاجة الشخص، بل المدرك هو السيرة الممتدة الى عصر التشريع حيث كان الفرد يحوز المعدن من دون صدور ردع شرعي عن ذلك، و من الواضح ان ما انعقدت عليه السيرة ذلك الحين هو الحيازة في حدود حاجة الفرد نفسه و لم توجد في تلك الفترة الاجهزة الحديثة التي يتمكن الفرد من خلالها من حيازة ما يزيد على حاجته بأضعاف مضاعفة.

و عليه يبقى المقدار الزائد على الحاجة بلا دليل يدل على تملك الحائز له، و من ثم يبقى على حالته السابقة، و هي كونه من المشتركات العامة.

هذا كله بالنسبة الى المعادن الظاهرة.

و اما المعادن الباطنة فحيث ان فيها حفرا يصل الشخص من خلاله الى المعدن فقد يقال ان الحفر نفسه نحو من الإحياء و الحيازة للمعدن، و بما ان إحياء الشيء و حيازته سبب لتملكه فيلزم ان يكون الحفر مع الوصول الى المعدن سببا لتملكه، و مع عدم الوصول اليه سببا للتحجير و الاولوية.

و في الجواب عن ذلك يمكن ان يقال: انّا لو سلمنا بكون ذلك نحوا من الإحياء و الحيازة لمجموع المعدن الا انه لا نملك دليلا يدل على

تحقق ملك مجموع المعدن بهذا النحو من الإحياء و الحيازة على ما تقدم توضيحه.

و اذا قلت: ان الدليل موجود، و هو مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على تعلق الخمس بالمعدن عند استخراجه، فانها تدل بالالتزام على تملك المخرج للباقي مهما بلغ مقداره بعد اخراج الخمس.

قلنا: ان مثل الصحيحة المذكورة ناظرة الى المورد الذي يفترض فيه تملك الشخص للمعدن باستخراجه له، اما ما هو ذلك المورد فليست ناظرة اليه.

9 - و اما جواز حيازة الآجام بل الغابات - بناء على ملكية

الامام عليه السّلام او الدولة لها

• فينبغي ان لا يقع موردا للتأمل لانعقاد السيرة القطعية على الحيازة فيها.

اجل المناسب تحديد ذلك بالمقدار الذي لا يزيد على حاجة الفرد الحائز بأضعاف مضاعفة لما تقدمت الاشارة اليه.

10 - و اما تحقق الانتقال في النحو الثالث بالحيازة

فهو مما لا اشكال فيه للسيرة القطعية المنعقدة على ذلك، فمن اصطاد الاسماك او الطيور او اي ثروة طبيعية اخرى ملكها، و من قام بالحفر و وصل الى عين ماء كان مجرد ذلك كافيا في تحقق حيازته لها.

هذا و لكن لا يبعد ان يقال في مثل عين الماء بلزوم فسح المجال للآخرين متى ما اشبع الحافر حاجته منها لعدم الجزم بانعقاد السيرة - التي هي المدرك في باب الحيازة - الا بالمقدار المذكور.

و دعوى صاحب الجواهر عدم وجوب بذل الزائد اما لأصل البراءة

او لقاعدة الناس مسلطون على اموالهم(1)مدفوعة بان الاصل المذكور معارض باصل البراءة من حرمة الاستيلاء و الاخذ من دون رضا الحافر.

و تطبيق قاعدة السلطنة فرع كون تمام ماء العين مالا للحافر، و ذلك عين المتنازع فيه.

3 - من احكام المشتركات

اشارة

من كان مالكا لأرض كان مالكا لما تشتمل عليه من معدن او كنز على المشهور.

و من كان مالكا لأرض كان مالكا لعين الماء التي يتم كشفها فيها على المشهور أيضا.

و من حاز لآخر تبرعا او وكالة عنه فالمال للحائز دون الآخر. و اما لو كان ذلك باجارة فقيل بكونه للمستأجر دون الحائز الاجير.

و التحجير - بوضع سياج و نحوه للأرض الميتة - و ان لم يكن كالإحياء في افادة الملك و لكنه يفيد الاولوية.

و الناس و ان كان لهم حق الاحياء او التحجير في اراضي الموات الا ان لولي المسلمين المنع منهما فيما اذا كان ذلك موجبا للإخلال بالنظام.

و من سبق الى مكان في المسجد او المشاهد المشرفة فهو احق به ما دام شاغلا له بما لا يتنافى مع ذلك المكان المقدس. و اذا فارقه بنية العود


1) جواهر الكلام 123:38.

و كان تاركا لبعض رحله فيه فهو احق به من غيره.

و وضع الرحل قبل دخول وقت الصلاة بقصد الاستفادة من المحل عند دخوله لا يولّد حقا لصاحب الرحل مع افتراض الفاصل الزمني المعتد به.

و المستند في ذلك:

1 - اما تبعية ما في أعماق الارض من المعدن و الكنز لها في

الملكية

فقد يوجّه بانه نماء لها، و نماء المال يتبع اصله في الملكية.

و فيه: ان المقام ليس مصداقا للنماء و الثمرة بل مصداق للظرف و المظروف، و واضح ان ملكية الظرف لا تلازم ملكية المظروف.

اذن ما عليه المشهور لا يتم الا اذا انعقد اجماع تعبدي او سيرة عقلائية عليه و الا فتخريجه على طبق القاعدة مشكل.

2 - و اما تبعية عين الماء لصاحب الارض في الملكية

فقد يوجّه بما يلي:

أ - التمسك بفكرة النماء المتقدمة.

و الجواب: ما تقدم.

ب - ان كشف العين نحو حيازة لها، و الحيازة سبب للملكية.

و فيه: ان ما ذكر يتم لو فرض وجود نص شرعي يدل على ذلك ليتمسك باطلاقه، و لكنه مفقود، و المستند لذلك ليس الا السيرة العقلائية، و هي لا يمكن التمسك بها في المقام لعدم الجزم بانعقاد مثلها في عصر الائمة عليهم السّلام.

و مع التنزل و افتراض انعقادها فتارة يفترض انعقادها من المتشرعة بما هم متشرعة، و اخرى يفترض انعقادها منهم بما هم عقلاء.

و الاول لا يمكن الجزم به.

و الثاني لا ينفع لان سيرة العقلاء لا تكون حجة الا في فرض الجزم بعدم الردع عنها ليتحقق العلم بالامضاء، و الجزم المذكور لا يمكن حصوله بعد مثل رواية عقبة بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين... اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء»(1)

و المقصود: لا يمنع الماء الفاضل عن الحاجة الذي يترتب عليه عدم نزول اصحاب المواشي تلك المنطقة و يترتب على امتناعهم من نزولها المنع من فاضل الكلأ.

.

و اذا قيل: ان الرواية المذكورة ضعيفة السند بعقبة نفسه و بعبد اللّه بن محمد بن هلال فانهما مجهولا الحال.

قلنا: ان احتمال صدور الرواية موجود جزما، و معه فكيف يحصل الجزم بعدم صدور الردع؟

و بكلمة اخرى: ان احتمال صدور الردع و لو بسبب وجود رواية ضعيفة يكفي لعدم حجية السيرة.

و هذه نكتة مهمة في باب السيرة العقلائية تنبغي مراعاتها.

هذا كله مضافا الى امكان ان يقال باشتمال المقام على رواية تامة السند تردع عن السيرة، و هي موثقة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن النطاف و الاربعاء. قال: و الاربعاء ان يسنى مسناة فيحمل الماء فيسقي به الأرض ثم يستغني عنه فقال: فلا تبعه و لكن اعره جارك. و النطاف ان يكون له الشرب فيستغني عنه فيقول:أ.


1) وسائل الشيعة 333:17 الباب 7 من ابواب احياء الموات الحديث 2.

لا تبعه، اعره اخاك او جارك»(1).

و النتيجة من كل هذا: انه لا دليل على تبعية عين الماء و المعادن و نحوهما للأرض في الملكية بل ذلك باق على الاباحة العامة الا اذا فرض تصدي مالك الارض نفسه للحفر و التنقيب فان ذلك يولّد له اولوية على غيره و لكن في حدود حاجته على ما تقدم توضيحه سابقا.

ثم انه لا ينبغي ان يفهم من الحكم بعدم تبعية العين او المعدن لصاحب الارض في الملكية جواز دخول الآخرين في تلك الارض لمحاولة التوصل الى ذلك، كلا انه تصرف في مال الغير من دون اذنه، و هو لا يجوز، و لكنه لو فرض عصيان شخص لذلك و تعديه على الحق المذكور و دخوله ارض الغير و استخراجه المعدن و نحوه كان ذلك له و احق به من غيره بالرغم من عصيانه في المقدمة.

بل يمكن تصوير ذلك من دون عصيان في المقدمة، كما لو حاول الشخص المذكور الوصول الى المعدن من خلال حفر طريق في اعماق الارض من ارضه الى ارض الغير المشتملة على المعدن، انه في مثل ذلك لا يلزم التصرف في ملك الغير لان المالك لأرض لا يملكها الى منتهى تخومها و لا الى عنان السماء - بل الى ما يمكن ان يصل في تصرفه اليه - لعدم قيام دليل على ذلك بل الدليل قائم على عكسه، و لذا لا يعدّ سير الطائرات في أجواء السماء و سير الحفارات في الاعماق الساحقة للأرض تصرفا في املاك الآخرين.

3 - و اما ان من حاز لآخر تبرعا فالمال للحائز دون الآخر

فلان


1) وسائل الشيعة 333:17 الباب 7 من ابواب احياء الموات الحديث 1.

مدرك تحقق الملكية بالحيازة ليس الا السيرة، و هي تقتضي ملكية الحائز نفسه دون غيره. و مجرد قصد الحيازة عن الغير لا يجعل الغير حائزا حقيقة.

4 - و اما ان الامر كذلك في من حاز عن الغير وكالة

فللنكتة المتقدمة نفسها، فان الحيازة سبب لملكية الحائز نفسه دون غيره.

و اذا قيل: انه بعد افتراض تحقق عقد الوكالة فسوف يصدق على الموكل نفسه عنوان الحائز لان فعل الوكيل ينتسب الى الموكل بسبب عقد الوكالة.

قلنا: ان ما ذكر وجيه في الامور الاعتبارية - كالبيع و الاجارة و نحوهما - فانه بالتوكيل فيها ينتسب فعل الوكيل الى الموكل فيقال:

فلان باع داره، و الحال ان وكيله باعها؛ و اما الامور التكوينية الخارجة عن دائرة الاعتبار فلا يتحقق الانتساب المذكور فيها و لا معنى للوكالة فيها فلا يصح ان يقال لمن وكّل غيره في الاكل او الشرب عنه: انه اكل او شرب. و حيث ان الحيازة هي من الامور التكوينية دون الاعتبارية فلا تقبل الوكالة و لا تنتسب حيازة الوكيل الى الموكل.

5 - و اما حيازة الاجير - التي هي محل ابتلاء في زماننا

حيث يستأجر الشخص او الدولة عمالا للحفر و التنقيب - فقد يقال باقتضائها لملكية المستاجر لأحد الوجوه التالية:

أ - ان عمل الاجير - و هو الحيازة - ملك للمستأجر بسبب عقد الاجارة، و حيث ان المحاز يعدّ ثمرة و نتيجة للحيازة فيلزم تملك المستأجر له فان من يملك الأصل يملك نتائجه.

و فيه: ان البيضة تعدّ عرفا نماء للدجاجة فالمالك للدجاجة يكون

مالكا للبيضة، و هذا بخلافه في المعدن فانه لا يعدّ عرفا نماء للحيازة الا بنحو المجاز.

ب - انه بعقد الاجارة يصدق عنوان الحائز حقيقة على المستأجر، فالحيازة حيازته، و لازم ذلك تملكه للمعدن باعتبار انه حائز حقيقة.

و فيه: ان اقصى ما يترتب على عقد الاجارة صيرورة المستأجر مالكا لحيازة الاجير لا انه حائز حقيقة.

و مع التنزل فيمكن القول بان دليل التملك بالحيازة حيث انه السيرة التي هي دليل لبي فينبغي الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو ما لو تحققت الحيازة و تمّ صدقها حقيقة بتصدي الشخص نفسه دون اجيره.

ج - ان مقتضى اطلاق ادلة صحة الاجارة صحة كل اجارة بما في ذلك الاجارة على الحيازة، و لازم ذلك تملك المستأجر لما يحوزه الاجير و الا كانت بلا منفعة عائدة الى المستأجر فتكون سفهية و باطلة.

اذن الاجارة على الحيازة ما دامت صحيحة بمقتضى اطلاق ادلة صحة الاجارة فيلزم تملك المستأجر لما يحوزه الاجير.

و فيه: ان ادلة صحة الاجارة تدل على صحتها في كل مورد لا تكون فيه سفهية، اي انها مشروطة بعدم كونها سفهية، و في المقام اذا لم يملك المستأجر ما يحوزه الاجير يلزم كون الاجارة سفهية و غير مشمولة لأدلة صحة الاجارة، و اذا كان يملك ذلك فلا تكون سفهية و من ثمّ تكون مشمولة لأدلة صحة الاجارة. و يترتب على هذا انّا لو شككنا في المقام في تملك المستأجر لما يحوزه الاجير فسوف نشك في سفهية الاجارة و عدمها، و مع الشك المذكور لا يصح التمسك باطلاق

ادلة صحة الاجارة لإثبات صحتها لأنه تمسك بالاطلاق في الشبهة المصداقية، و هو غير جائز لان الحكم لا يثبت موضوعه.

د - ان السيرة العقلائية في زماننا قائمة على تملك المستاجر لما يحوزه الاجير، فلاحظ عمليات التنقيب عن المعادن التي تتم على ايدي مجموعة من العمال من خلال تعاقد بعض الشركات معهم، و هل يحتمل أحد ان المالك لتلك المعادن المستخرجة هم العمال دون الشركة؟

و فيه: ان الاستشهاد بمثال الشركة المذكور قابل للمناقشة، فان السيرة و ان كانت منعقدة في زماننا على ما ذكر الا ان ذلك غير نافع ما لم يثبت امتدادها الى عصر المعصوم عليه السّلام ليكون سكوته و عدم ردعه عنها كاشفا عن امضائها، و من الواضح ان الامتداد المذكور ان لم يجزم بعدمه فلا أقل من الشك فيه، و معه فلا يمكن الحكم بحجيتها.

الا انه بالرغم من هذا يمكن التمسك بالسيرة، بتقريب انه اذا قيل لشخص اذهب الى تلك الشجرة و اقتطف ثمارها مقابل كذا اجرة او بدونها حكم بكونها للمستأجر او الموكل. ان هذا امر قريب في السيرة العقلائية، و من البعيد جدا عدم امتداد مثل السيرة المذكورة الى عصر المعصوم عليه السّلام، و حيث انه لم يردع عنها فيثبت امضاؤها.

و اذا ثبتت السيرة في المثال المذكور فلا بدّ لأجل التعدي الى مثال الشركات و ما شاكله من ضم مقدمة لا بدّ من بحثها في مسألة السيرة من علم اصول الفقه، و هي ان المقدار الذي يراد استكشاف امضائه من قبل الشارع بواسطة السيرة هل ينبغي الاقتصار فيه على مقدار ما انعقدت عليه السيرة في عصر المعصوم عليه السّلام على مستوى العمل بالفعل، او يتعدى الى ما تقتضيه النكتة العقلائية للسيرة بدائرتها

الوسيعة بالرغم من بروز بعضها لا جميعها على مستوى العمل؟

و قد اختار كل واحد من الاحتمالين بعض الاعلام(1)

127 و في الحلقة الثالثة 189:1-190.

.

و نحن اذا اخترنا الاحتمال الاول لم يمكنّا التعدي الى مثال الشركات و لكن اذا اخترنا الاحتمال الثاني امكن ذلك كما هو واضح.

6 - و اما التحجير فالمعروف بين الفقهاء كونه سببا لتولد حق

الاولوية.

و يمكن توجيه ذلك بأحد الامور التالية:

أ - دعوى انعقاد الاجماع على ذلك.

و فيه: ان الاجماع لو صحّ تحققه فهو ليس كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام لاحتمال استناد المجمعين الى ما يأتي من الوجوه.

ب - ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من احاط حائطا على أرض فهي له»(2).

و فيه: انه ضعيف السند، اذ روي في عوالي اللآلي عن سمرة بن جندب عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و السند الى سمرة غير معلوم، و على تقدير العلم به فهو غير نافع لان حال سمرة غير خاف على أحد.

ج - ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من سبق الى ما لا يسبقه اليه المسلم فهو احق به»(3).

و فيه: ان السند ضعيف بالارسال.


1) فقد جاء اختيار الاحتمال الاول في المستمسك 215:1 المسألة 9 من فصل احكام البئر عند البحث عن ثبوت الكرية بقول صاحب اليد. في حين جاء اختيار الاحتمال الثاني في فقه الشيعة 75:2 و التنقيح 329:1، و قد تعرض السيد الشهيد الى ذلك في بحوثه الفقهية 2:

2) عوالي اللآلي 480:3 الحديث 3.

3) عوالي اللآلي 480:3 الحديث 4.

د - ما هو المنقول عن ابن نما شيخ المحقق الحلي من ان التحجير حيث انه يعدّ شروعا في الاحياء فيكون مفيدا للملك كالإحياء لإطلاق قوله صلّى اللّه عليه و آله: «من أحيا ارضا مواتا فهي له»(1).

و لعل هذا هو أوجه ما يمكن التمسك به في المقام و لكنه بناء عليه يكون التحجير مفيدا للملك دون حق الاولوية.

7 - و اما ان لولي الأمر المنع من الاحياء و التحجير حفاظا على

النظام

فواضح لأنهما و ان جازا بالعنوان الاولي الا ان فسح المجال من هذه الناحية بدون تحديد قد يسبّب الاخلال بالنظام فلولي الامر المنع منهما بالعنوان الثانوي لأنه المسؤول عن حفظ النظام.

8 - و اما ان الشاغل للمكان المقدس احق به من غيره ما دام

شاغلا له

فهو من المسلمات لقضاء السيرة بأحقية السابق الى المكان المشترك من غيره ما دام شاغلا له و ان طالت الفترة.

و اما التقييد بما اذا لم يكن اشغال المحل منافيا لذلك المكان المقدس فالوجه فيه واضح.

9 - و اما ان من فارق المكان الذي كان شاغلا له مع ترك بعض

رحله فيه

فهو احق به فقد ادعي عدم الخلاف فيه.

و قد يستدل عليه بما يلي:

أ - التمسك بالحديث الوارد: «اذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد اليه فهو احق به»(2).

و فيه: انه لم يرد من طرقنا فلا يمكن الاعتماد عليه.


1) جواهر الكلام 74:38.

2) سنن البيهقي 151:6.

ب - التمسك برواية محمد بن اسماعيل عن بعض اصحابه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: نكون بمكة او بالمدينة او الحيرة او المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه فقال: من سبق الى موضع فهو احق به يومه و ليلته»(1).

و فيه: انه ضعيف سندا بالارسال و دلالة باعتبار ان مضمونه مهجور لدى الاصحاب حيث يلتزمون بدوران الاحقية مدار شغل المحل و ليس مدار اليوم و الليلة.

ج - التمسك بموثقة طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو احق به الى الليل...»(2).

و فيه: انه من حيث السند و ان امكن الحكم باعتباره - اذ لا مشكلة فيه الا من حيث طلحة، و هو و ان لم يوثّق بالخصوص و لكن يكفي لاعتباره تعبير الشيخ عنه في الفهرست بان له كتابا معتمدا(3)- الا ان دلالته قابلة للتأمل، فان تحديد الفترة ب «الى الليل» ان كان راجعا الى السوق و المسجد معا فيرده ما تقدم من عدم التزام الاصحاب بتحديد الفترة الى الليل. و ان كان راجعا الى السوق فقط - باعتبار ان فترة الحاجة الى السوق تتحدد بذلك و يبقى المسجد يدور الامر فيه مدار الحاجة من دون تحديد بالليل - فهذا و ان كان وجيها، و لكنه غير نافع لان لازمه زوال الحق بانتفاء الحاجة و مفارقة المحل سواء نوي العود2.


1) وسائل الشيعة 542:3 الباب 56 من أبواب أحكام المساجد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 542:3 الباب 56 من أبواب أحكام المساجد الحديث 2.

3) الفهرست: 86 الرقم 362.

أم لا، و سواء أ بقي شيء من الرحل أم لا.

د - التمسك بمرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سوق المسلمين كمسجدهم»(1).

و فيه: انه لو قيل باعتبار السند - من جهة ان ابن ابي عمير لا يروي و لا يرسل الا عن ثقة حسبما ذكر الشيخ في العدة(2)- فالدلالة ضعيفة لان المراد منها مردد بين احتمالين، فاما ان يكون المقصود ان سوق المسلمين كمسجدهم في ان من سبق يكون احق من غيره، او يكون المقصود هو احق من غيره ما دام شاغلا للمحل، و كلاهما لا ينفعان.

اما الاول فلعدم تحديد مقدار الاحقية فيه.

و اما الثاني فلان لازمه ارتفاع الاحقية بمفارقة المحل كما تقدم.

و من خلال هذا يتضح ان الاستناد الى الروايات لإثبات الحكم المذكور مشكل.

و لعل الاولى التمسك بسيرة العقلاء، فانها منعقدة في الاماكن العامة المشتركة على عدم سقوط الحق بمفارقة المحل بعد ابقاء شيء من الرحل فيه. و حيث ان السيرة المذكورة لم يردع عنها فتكون ممضاة و حجة.

اجل لا بدّ ان تكون فترة المفارقة قصيرة فان ذلك هو القدر المتيقن من السيرة.

10 - و اما ان وضع الرحل في المسجد و نحوه قبل دخول الوقت بقصد اشغاله بعد دخول الوقت لا يولّد حقا لصاحبه


1) وسائل الشيعة 300:12 الباب 17 من أبواب آداب التجارة الحديث 2.

2) العدة في الاصول: 63.

فلعدم دلالة دليل عليه.

اجل قد يقال بان عنوان السبق المذكور في مرسل محمد بن اسماعيل و موثقة طلحة صادق بمجرد وضع الرحل فتثبت الاحقية بذلك.

و لكن قد تقدمت المناقشة في السند و الدلالة معا فلاحظ.

هذا اذا كان الفاصل الزمني طويلا.

و اما اذا كان قصيرا فقد يدعى انعقاد سيرة العقلاء في الاماكن العامة المشتركة على ثبوت الحق بذلك.

كتاب الارث

اشارة

1 - ما يوجب الارث

2 - فروض الارث

3 - الارث بالفرض و بالقرابة

4 - الحجب

5 - العول و التعصيب

6 - من تفاصيل ارث الطبقات

7 - من تفاصيل الارث بالزوجية

1 - ما يوجب الارث

اشارة

يوجب الارث امران: النسب و السبب.

اما النسب فترث به ثلاث طوائف هي:

1 - الاب و الام المباشران، و الاولاد ذكورا و اناثا و ان نزلوا.

2 - الاجداد و الجدات و ان علوا كأب الجد و جده، و الاخوة و الاخوات و أولادهم و ان نزلوا.

3 - الاعمام و العمات و الاخوال و الخالات و ان علوا - كعم او خال الاب او الام او الجد او الجدة - و اولادهم و ان نزلوا.

و كل طائفة من هذه لا ترث مع وجود الطائفة السابقة عليها و لو واحدا الا اذا فرض وجود احد موانع الارث الآتية.

و اما السبب فهو عبارة عن الزوجية و الولاء(1).


1) الولاء نحو ولاية يترتب عليها الارث. و هو ينشأ اما بسبب العتق او التعاقد على ضمان الجريرة او الامامة.

و الولاء على ثلاثة انحاء مترتبة: ولاء العتق ثم و ولاء ضامن الجريرة(1)ثم ولاء الامامة.

و مع تحقق المصداق للولاء السابق لا تصل النوبة الى الولاء اللاحق.

و الارث بالولاء لا تصل النوبة اليه الا بعد فقدان جميع طوائف النسب بخلاف الارث بالزوجية فانه يجتمع مع الارث بالنسب.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الموجب للإرث هو النسب تارة و السبب اخرى و ان

طوائف النسب ثلاث بخلاف السبب

فانه على نحوين فيمكن عدّه من واضحات الفقه و لم يقع فيه خلاف و ان كان لا يوجد نص يدل على ذلك بالترتيب المذكور، و لكن ذلك غير مهم بعد تسالم الاصحاب عليه. اجل قد يستفاد ذلك من ضم النصوص بعضها الى البعض الآخر.

2 - و اما ان كل طائفة من طوائف النسب لا ترث مع وجود

سابقتها

فهو متسالم عليه و يمكن استفادته من بعض الروايات التي تأتي الاشارة اليها عند البحث عن تفاصيل ارث الطبقات.

و هكذا الحال في اجتماع الارث بالزوجية مع جميع طبقات النسب فانه متسالم عليه و تأتي الاشارة الى بعض الروايات الدالة عليه عند البحث عن تفاصيل الارث بالزوجية.


1) المراد به تعاقد شخصين على ان احدهما اذا تحققت منه جناية يقوم الآخر بدفع الدية عنه في مقابل ان يرثه اذا مات و لم يكن له وارث فيقول له: عاقدتك على ان تعقل عني و ترثني فيقول الآخر: قبلت. و المراد من العقل الدية. و تعقل عني: تدفع عني دية جنايتي. و هذا التعاقد قد يكون من كلا الطرفين و قد يكون من احدهما.

2 - فروض الارث

اشارة

الارث بالنسب أو بالسبب تارة يكون بالفرض(1)و اخرى بالقرابة.

و الفروض هي: النصف، الربع، الثمن، الثلثان، الثلث، السدس.

و تفصيل ذلك:

1 - اما النصف فهو لثلاثة:

أ - البنت الواحدة.

ب - الاخت للأبوين او للأب فقط اذا لم يكن معها اخ.

ج - الزوج مع عدم الولد للزوجة و ان نزل.

2 - و اما الربع فهو لاثنين:

أ - الزوج مع الولد للزوجة و ان نزل.

ب - الزوجة مع عدم الولد للزوج و ان نزل.

و الزوجة ان كانت واحدة اختصت به و الا قسّم بينهن بالسوية.

3 - و اما الثمن فهو للزوجة مع الولد للزوج و ان نزل.

و هي ان كانت واحدة اختصت به و الا قسّم بينهن بالسوية.

4 - و اما الثلثان فهو لاثنين:

أ - البنتين فصاعدا اذا لم يكن معهن ابن مساو.

ب - الاختين فصاعدا للأبوين او للأب فقط مع عدم الاخ.

5 - و اما الثلث فهو لاثنين:


1) يراد بالفرض السهم المذكور في القرآن الكريم.

أ - الام مع عدم الولد للميت و ان نزل و عدم الاخوة على تفصيل يذكر في باب الحجب.

ب - الاخ و الاخت من الام مع التعدد.

6 - و اما السدس فهو لثلاثة:

أ - لكل واحد من الابوين مع فرض وجود الولد للميت و ان نزل.

ب - الام مع وجود الاخوة للأبوين او للأب على تفصيل يذكر في باب الحجب.

ج - الاخ الواحد من الام او الاخت الواحدة منها.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الارث يكون بالفرض تارة و بالقرابة اخرى

فباعتبار ان الوارث اما ان يفرض له سهم محدد مذكور في القرآن الكريم او لا يكون له ذلك بل يرث من باب قاعدة وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ (1). و الاول ارث بالفرض و الثاني ارث بالقرابة.

2 - و اما ان الفروض محصورة في الستة المتقدمة

فيتضح ذلك من خلال مراجعة كتاب اللّه العزيز كما سنشير الى ذلك.

3 - و اما ان النصف للأصناف الثلاثة المتقدمة

فلقوله تعالى:

وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (2)، يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ‌(3)إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ (4)،


1) الانفال: 75، الاحزاب: 6.

2) النساء: 11.

3) سيأتي معنى الكلالة في الرقم 9.

4) النساء: 176.

وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ (1).

و تقييد البنت بما اذا كانت واحدة باعتبار ان فرض الاكثر الثلثان.

و تقييد الاخت بكونها للأبوين او للأب لما سيأتي من ان الاخت من الام فقط ترث الثلث مع التعدد و السدس مع وحدتها.

و التقييد بما اذا لم يكن معها اخ باعتبار انه مع وجوده يكون الارث بالقرابة.

4 - و اما تعميم ولد الزوجة - الذي عدمه شرط في ارث الزوج

للنصف - للنازل

فهو للتمسك باطلاق كلمة الولد في قوله تعالى:

إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ .

5 - و اما ان الربع لمن تقدم

فلقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ ... وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ (2)

و تعميم الولد للنازل هو للتمسك بالاطلاق كما تقدم.

و اما ان الربع يقسّم بالتساوي على الزوجات مع تعددهن فلان ذلك لازم اثبات الربع لهن، اذ ثبوته لخصوص واحدة بلا مرجح، و ثبوته للجميع مع التفاضل ترجيح بلا مرجح فيتعين ثبوته للجميع بنحو التساوي.

و تؤيد ذلك رواية العبدي(3)فلاحظ.

6 - و اما ان الثمن لمن تقدم

فلقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ


1) النساء: 12.

2) المصدر نفسه.

3) وسائل الشيعة 511:17 الباب 2 من ابواب ميراث الازواج الحديث 1.

اَلثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ (1).

و قد اتضح الوجه في تعميم الولد للنازل مما تقدم. كما اتضح الوجه في اشتراك الزوجات في الثمن بالسوية مع التعدد.

7 - و اما ان الثلثين لمن تقدم

فلقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ (2). و المراد اثنتان فما فوق بضرورة الفقه. و لقوله تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ (3).

و التقييد بعدم الابن باعتبار انه معه يكون الارث بالقرابة للذكر مثل حظ الأنثيين.

و اما تقييد الابن بالمساوي فباعتبار ان غير المساوي - كابن الابن - لا اثر لوجوده.

و اما تقييد الاختين بكونهما للأبوين او للأب فقط و بعدم الاخ فقد اتضح وجهه من خلال ما تقدم في الرقم 3.

8 - و اما ان الثلث لمن ذكر

فلقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (4)، وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ (5).


1) النساء: 12.

2) النساء: 11.

3) النساء: 176.

4) النساء: 11.

5) النساء: 12.

9 - و اما ان السدس لمن تقدم

فلقوله تعالى: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ... فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1)، وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً‌(2)

و الكلالة في الاصل مصدر بمعنى الاحاطة. و منه الاكليل لإحاطته بالرأس. و قد قال الراغب:

«الكلالة اسم لما عدا الولد و الوالد من الورثة». و ظاهر كلامه بل صريحه انها اسم للوارث الذي لا يكون ولدا و لا والدا. و قد قيل: انها تطلق أيضا على الميت الذي ليس له والد و لا ولد.

ثم ان كلمة «كان» في الآية الكريمة يحتمل كونها ناقصة و ان «رجل» اسمها و «يورث» و صف لرجل و «كلالة» خبرها، و يحتمل ان تكون - اي كان - تامة، و ان «رجل يورث» فاعلها، و كلالة مصدر وضع موضع الحال.

أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (3).

3 - الارث بالفرض و بالقرابة

اشارة

ثم ان الوارث بالفرض او بالقرابة ينقسم الى:

1 - من يرث بالفرض دائما من دون ان يرد عليه شيء، و هو الزوجة، فان لها الربع مع عدم الولد للميت، و الثمن معه، و لا يرد عليها شيء.

2 - من يرث بالفرض دائما مع الرد عليه احيانا، كالأم، فانه مع انفرادها يرد عليها الفاضل عن الثلث. و كالزوج فانه مع عدم وجود وارث سوى


1) النساء: 11.

2) المراد من الكلالة في هذه الآية الكريمة و التي سبقتها في رقم 3 الاخوة و الاخوات، غايته ان المراد منها في هذه الآية الاخوة و الاخوات من الام و في الآية الاخرى الاخوة و الاخوات من الابوين او الاب، كما دلت على ذلك صحيحة بكير بن اعين الواردة في الباب 3 من ابواب ميراث الاخوة و الاجداد الحديث 2.

3) النساء: 12.

الامام عليه السّلام يرد عليه الفاضل عن النصف.

3 - من يرث بالفرض تارة و بالقرابة اخرى، كالأب، فانه يرث السدس بالفرض مع وجود الولد و بالقرابة مع عدمه. و كالبنت و البنات فانهن يرثن مع الابن بالقرابة و بدونه بالفرض، الى غير ذلك من الموارد.

4 - من لا يرث الا بالقرابة، كالابن، و الاخوة للأبوين او للأب، و الجد، و الاعمام و الاخوال.

5 - من لا يرث بالفرض و لا بالقرابة بل بالولاء، و هو المعتق و ضامن الجريرة و الامام عليه السّلام.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الزوجة ترث بالفرض دائما

فلانه اما ان يكون للميت ولد او لا، و على كلا التقديرين قد ذكر سهمها في القرآن الكريم.

و اما انه لا يرد عليها شيء زائد على فرضها حتى لو لم يكن وارث غيرها من الطوائف الثلاث النسبية بل يكون الباقي للإمام عليه السّلام - بعد فرض عدم تحقق ولاء العتق و ضمان الجريرة - فهو المشهور.

و المسألة ذات أقوال ثلاثة: ردّ الباقي عليها، و عدمه فيكون الفاضل للإمام عليه السّلام، و التفصيل بين زمان الحضور فلا يرد عليها بل عليه عليه السّلام و بين زمان الغيبة فيرد عليها.

و منشأ الاختلاف هو الاخبار، ففي مجموعة منها حكم بعدم الرد عليها، كصحيحة ابي بصير عن ابي جعفر عليه السّلام: «رجل توفي و ترك امرأته قال: للمرأة الربع، و ما بقي فللإمام»(1)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 515:17 الباب 4 من أبواب ميراث الازواج الحديث 4.

و في مقابل ذلك صحيحة اخرى لأبي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«رجل مات و ترك امرأته قال: المال لها»(1).

و قد يجمع اما بحمل الثانية على تبرعه عليه السّلام بحصته او بحمل الزوجة على كونها من الاقارب فانها ترث جميع المال، كما دلّ عليه صحيح محمد بن القاسم بن الفضيل: «سألت ابا الحسن الرضا عليه السّلام عن رجل مات و ترك امرأة قرابة ليس له قرابة غيرها قال: يدفع المال كله اليها»(2).

2 - و اما ان الام ترث بالفرض دائما

فأمر واضح لأنه اما ان يكون للميت ولد او لا، و سهمها على كلا التقديرين قد اشير اليه في القرآن الكريم كما تقدم.

و اما انها اذا انفردت يرد عليها الباقي فلا خلاف فيه بيننا خلافا لغيرنا حيث قالوا بكونه للعصبة(3).

3 - و اما ان الزوج مع انفراده يرد عليه الباقي

فهو المشهور، و قد دلت عليه روايات كثيرة، كصحيحة ابي بصير: «قرأ عليّ ابو عبد اللّه عليه السّلام فرائض علي عليه السّلام فاذا فيها: الزوج يحوز المال كله اذا لم يكن غيره»(4)و غيرها.

و اما ما ورد في موثق جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:


1) وسائل الشيعة 516:17 الباب 4 من أبواب ميراث الازواج الحديث 9.

2) وسائل الشيعة 517:17 الباب 5 من أبواب ميراث الازواج الحديث 1.

3) يأتي معنى العصبة ان شاء اللّه تعالى عند البحث عن العول و التعصيب.

4) وسائل الشيعة 512:17 الباب 3 من أبواب ميراث الازواج الحديث 2.

«لا يكون الردّ على زوج و لا زوجة»(1)فلا بدّ من تأويله او رد علمه الى اهله لعدم مقاومته للروايات الكثيرة التي كادت تصل الى حدّ السنة القطعية.

و منه يتضح ان ما ينسب الى الديلمي من الميل الى كون الباقي للإمام عليه السّلام(2)لا يمكن المصير اليه.

4 - و اما ان الاب يرث بالفرض تارة و بالقرابة اخرى

فواضح، اذ مع وجود الولد يرث السدس كما دلت عليه الآية الكريمة المذكورة في الرقم 9 من البحث السابق، و مع عدمه يرث بآية اولي الارحام: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ (3).

5 - و اما البنت و البنات فمع عدم وجود الابن المساوي لهن يرثن

النصف او الثلثين

كما تقدم في الرقمين 2، 5 من البحث السابق، و مع وجود الابن يرثن بالقرابة للذكر مثل حظ الأنثيين.

6 - و اما ان الابن و من بعده لا يرثون الا بالقرابة

فواضح لعدم ذكر سهم خاص بهم في الكتاب الكريم فيرثون بالقرابة بمقتضى آية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ .

7 - و اما ان المولى المعتق و ضامن الجريرة و الامام عليه السّلام لا يرثون

بالفرض و لا بالقرابة

فواضح اذ لم يذكر سهم خاص بهم في الكتاب الكريم ليرثوا بالفرض و ليسوا من الارحام ليرثوا بالقرابة بمقتضى آية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ .


1) وسائل الشيعة 513:17 الباب 3 من أبواب ميراث الازواج الحديث 8.

2) جواهر الكلام 80:39.

3) الانفال: 75، الاحزاب: 6.

4 - الحجب

اشارة

قد يتحقق حجب الوارث عن الارث كلا او بعضا بسبب وارث آخر او مانع من الموانع.

و هو على نحوين: حجب حرمان و حجب نقصان.

و الاول له مصاديق متعددة هي:

1 - حجب كل طبقة لاحقة بالطبقة السابقة.

2 - حجب الاقرب للأبعد في افراد الطبقة الواحدة.

3 - الحجب بالكفر.

4 - الحجب بالقتل عمدا ظلما.

5 - الحجب بالرقية و بالزنا و باللعان.

و الثاني له موردان: حجب الولد، و حجب الاخوة للأم عما زاد على السدس.

و شرط حجب الاخوة ما يلي:

1 - ان يكونوا رجلين فصاعدا او رجلا و امرأتين او اربع نساء.

2 - ان يكونوا للأبوين او للأب فقط و لا يكفي كونهم للأم.

3 - ان يكونوا منفصلين بالولادة فلا يكفي كونهم حملا.

4 - ان يكونوا مسلمين و احرارا.

5 - ان يكون الاب حيا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الحجب على نحوين

فواضح، فان الحاجب تارة يمنع المحجوب من الارث رأسا فيكون حجبه حجب حرمان، و اخرى يمنعه

من بعض الارث فيكون حجبه حجب نقصان. و مصاديق كل واحد من القسمين قد اشير اليها في المتن.

2 - و اما ان كل طبقة لاحقة تحجب بالطبقة السابقة

فهو من واضحات الفقه و مما لا خلاف فيه بين المسلمين و تأتي ان شاء اللّه تعالى في مطاوي الابحاث الآتية بعض الروايات التي يستفاد منها ذلك.

و اما حجب افراد الطبقة الواحدة بعضها لبعض فواضح، فان الاقرب منهم يمنع الا بعد لقاعدة اولي الارحام، فالولد يمنع ولد الولد، و الاخ يمنع ولد الاخ، و الجد يمنع اباه، و الاعمام و الاخوال و أولادهم و ان نزلوا يمنعون اعمام الاب و اخواله.

3 - و اما الحجب بالكفر

فهو مما لا خلاف فيه، فالكافر لا يرث المسلم، بخلاف المسلم فانه يرث الكافر. و النصوص في ذلك مستفيضة، كصحيحة جميل و هشام عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «روى الناس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله انه قال: لا يتوارث اهل ملتين قال: نرثهم و لا يرثونا، ان الإسلام لم يزده في حقه الا شدة»(1)و غيرها. و قد دلت الصحيحة على ان المراد من الحديث النبوي المشهور الدال على نفي التوارث بين اهل ملتين هو نفي التوارث من الطرفين لا نفيه حتى من طرف واحد.

4 - و اما تحقق الحجب بالقتل عمدا ظلما

فهو مما لا خلاف فيه، فالقاتل لا يرث المقتول. و الروايات في ذلك متواترة، كصحيحة ابي عبيدة: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن امرأة شربت دواء و هي حامل و لم يعلم بذلك زوجها فالقت ولدها فقال: ان كان له عظم و قد نبت عليه اللحم


1) وسائل الشيعة 376:17 الباب 1 من ابواب موانع الارث الحديث 14.

عليها الدية تسلّمها الى ابيه، و ان كان حين طرحته علقة او مضغة فان عليها اربعين دينارا او غرّة(1)تؤديها الى ابيه. قلت له: فهي لا ترث ولدها من ديته مع ابيه؟ قال: لا، لأنها قتلته فلا ترثه»(2)و غيرها.

5 - و اما التقييد بكون القتل عمدا

فهو المشهور. و يدل عليه صحيح عبد اللّه بن سنان: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل قتل امه أ يرثها؟ قال: ان كان خطأ ورثها، و ان كان عمدا لم يرثها»(3)و غيره.

و اما ما ورد في رواية العلاء بن فضيل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... و لا يرث الرجل الرجل اذا قتله و ان كان خطأ»(4)و مثله في رواية الفضيل بن يسار(5)فهو ضعيف السند بمحمد بن سنان في الاول و بالارسال و غيره في الثاني فلاحظ.

6 - و اما التقييد بكون القتل ظلما

فلا خلاف في اعتباره. و قد يوجّه بانصراف دليل المنع الى القتل العمدي فيبقى القاتل خطأ مشمولا لمطلقات الارث.

و يؤيد التقييد بالظلم رواية حفص بن غياث التي رواها الشيخ و الصدوق بسندهما عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث:

«سألت جعفر بن محمد عليهما السّلام عن طائفتين من المؤمنين احداهما باغية و الاخرى عادلة اقتتلوا فقتل رجل من اهل العراق اباه او ابنه او اخاه او


1) الغرّة - بالضم - عبد او أمة. و في بعض الأحاديث تحديد قيمتها بأربعين دينارا.

2) وسائل الشيعة 390:17 الباب 8 من ابواب موانع الارث الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 392:17 الباب 9 من ابواب موانع الارث الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 392:17 الباب 9 من ابواب موانع الارث الحديث 4.

5) وسائل الشيعة 392:17 الباب 9 من ابواب موانع الارث الحديث 3.

حميمه و هو من اهل البغي و هو وارثه أ يرثه؟ قال: نعم لأنه قتله بحق»(1).

و المنقري المعروف بابن الشاذكوني و ان كان ثقة، و هكذا الحال بالنسبة الى حفص، فانه ثقة، الا ان طريق العلمين الى المنقري ضعيف بالقاسم بن محمد الاصفهاني الذي لم تثبت وثاقته فلاحظ‌(2)، الا ان ذلك لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.

7 - و اما الحجب بالرقية

فلا خلاف فيه، فالرق في الوارث او الموروث مانع من الارث لصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السّلام:

«لا يتوارث الحر و المملوك»(3)و غيرها.

8 - و اما الحجب بالزنا

فلا خلاف فيه أيضا، فلا توارث بين الولد و الزاني و لا بينه و المزني بها. و الروايات في ذلك متعددة، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ايّما رجل وقع على وليدة قوم حراما ثم اشتراها فادعى ولدها فانه لا يورث منه شيء فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

الولد للفراش و للعاهر الحجر»(4)و غيرها.

و قيل بوقوع التوارث بينه و بين المزني بها و من يتقرب بها لموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه عليهما السّلام: «ان عليا عليه السّلام كان يقول: ولد الزنا و ابن الملاعنة ترثه امه و اخواله و اخوته لأمه


1) وسائل الشيعة 397:17 الباب 13 من ابواب موانع الارث الحديث 1.

2) مشيخة الفقيه: 65، فهرست الشيخ: 77.

3) وسائل الشيعة 399:17 الباب 16 من ابواب موانع الارث الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 566:17 الباب 8 من ابواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه الحديث 1.

او عصبتها»(1).

و يمكن الجواب بأن مقتضى التعليل في صحيحة الحلبي نفي التوارث مطلقا. و الموثقة المذكورة يمكن حملها على حالة كون الوط‌ء من طرف المرأة بالشبهة كما ذكره صاحب الوسائل في ذيل الموثقة فلاحظ.

9 - و اما الحجب باللعان

فلا اشكال فيه، فعلاقة الارث تنقطع بين الوالد و من يتقرب به و بين ولده و تبقى بينه و بين امه و من يتقرب بها.

و قد تقدمت الاشارة الى ذلك عند البحث عن اللعان.

10 - و اما ان الولد قد يحجب غيره حجب نقصان

فواضح فهو:

أ - يحجب الابوين عما زاد على السدس الا اذا فرض كونه بنتا واحدة قد اجتمعت معهما - فانه يبقى سدس يرد عليهم اخماسا - او اجتمعت مع احدهما، فانه يبقى ثلث يرد عليهما ارباعا.

و الا اذا فرض اجتماع احدهما مع البنتين فصاعدا فانه يبقى سدس يرد عليهما اخماسا.

ب - و يحجب الزوج او الزوجة عن نصيبهما الاعلى الى الادنى.

11 - و اما حجب الاخوة للأم عما زاد على السدس
• بالرغم من انهم لا يرثون معها - فهو مما لا تأمل فيه لقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (2).
12 - و اما انه يعتبر في حجب الاخوة للأم عما زاد على السدس الشرط الاول


1) وسائل الشيعة 569:17 الباب 8 من ابواب ميراث ولد الملاعنة الحديث 9.

2) النساء: 11.

فامر متسالم عليه. و يدل عليه صحيح ابي العباس(1)عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا ترك الميت اخوين فهم اخوة مع الميت حجبا الام عن الثلث، و ان كان واحدا لم يحجب الام. و قال: اذا كنّ اربع اخوات حجبن الام عن الثلث لأنهن بمنزلة الاخوين. و ان كنّ ثلاثا لم يحجبن»(2). و يمكن ان يستفاد من التعليل المذكور فيه حاجبية الاخ الواحد اذا اجتمع مع الاختين.

13 - و اما انه يعتبر في حجب الاخوة ان يكونوا للأبوين او للأب

فقط

فلا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة زرارة: «... فان كان له اخوة يعني الميت يعني اخوة لأب و أم او اخوة لأب فلأمه السدس و للأب خمسة أسداس. و انما وفّر للأب من اجل عياله. و الاخوة لام ليسوا لأب فانهم لا يحجبون الام عن الثلث و لا يرثون...»(3)و غيرها.

14 - و اما اعتبار الانفصال بالولادة

فهو المشهور. و يدل عليه انصراف عنوان «الاخوة» المذكور في الآية الكريمة عن الحمل، بل قد يمنع صدق عنوان الاخوة مع عدم الانفصال.

15 - و اما اعتبار الإسلام و الحرية

فهو متسالم عليه. و يدل عليه صحيح محمد بن مسلم: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المملوك و المشرك يحجبان اذا لم يرثا؟ قال: لا»(4)و غيره.

و قد يناقش بظهوره في ارادة حجب الحرمان دون النقصان.


1) اي البقباق.

2) وسائل الشيعة 456:17 الباب 11 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 455:17 الباب 10 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 4.

4) وسائل الشيعة 459:17 الباب 14 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 1.

و فيه: انه ان لم يكن ظاهرا في الثاني فلا أقلّ من شموله له فيتمسك بالاطلاق او احتمال شموله فيتمسك بعدم الاستفصال.

16 - و اما اعتبار حياة الاب

فهو المشهور. و يدل على ذلك ظاهر الآية الكريمة وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ . و هي ان دلت على اعتبار حياة الاب و الا فلا ريب في اختصاصها بها فتبقى حالة عدم الحياة مشمولة لإطلاق ما دلّ على ان لها الثلث.

هذا مضافا الى دلالة صحيحة زرارة المتقدمة في الرقم 13 على ذلك، حيث ورد في ذيلها: «... ان مات رجل و ترك امه و اخوة و اخوات لأب و ام، و اخوة و اخوات لام و ليس الاب حيا فانهم لا يرثون و لا يحجبونها لأنه لم يورث كلالة»(1)

ثم انه يحتمل ان يكون المقصود من التعليل «لأنه لم يورث كلالة» انه لا ترثه الكلالة - اي الاخوة - لوجود الاقرب، و انما يورث كلالة اذا لم يوجد الاقرب.

.

بل ان حكمة الحجب المذكورة في الصحيحة تدل على المطلوب أيضا فلاحظ.

5 - العول و التعصيب

اشارة

اذا كان جميع الورثة ذوي فروض فتارة تفترض فروضهم مساوية لستة أسداس، و اخرى يفترض كونها اكثر من ذلك، و ثالثة يفترض كونها أقل.

مثال الاولى ما لو فرض ان الوارث ابوان و بنتان.

و مثال الثانية ما لو فرض ان الوارث زوج و اخت للأب و اختان للأم.


1) وسائل الشيعة 458:17 الباب 12 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 3.

و مثال الثالثة لو فرض ان الوارث بنت واحدة لا غير.

و الاولى لا اشكال فيها.

و الثانية هي مورد العول(1)

و سميت الزيادة في المقام عولا لارتفاع مجموع السهام على التركة التي هي ستة أسداس.

الذي ذهب اليه غيرنا و قالوا بورود النقص على جميع ذوي الفروض على نسبة فرضه كما يرد النقص على الديّان بنسبة دينهم.

و ذهبت الامامية الى استحالة العول و ان النقص يدخل على بعض منهم دون بعض، ففي المثال السابق يدخل النقص على الاخت من الابوين.

و الثالثة هي مورد التعصيب الذي ذهب اليه غيرنا، بمعنى اعطاء الزائد للعصبة(2)- و هم الذكور من اقارب الميت ممن ينتسب اليه من دون واسطة كالأخ او بواسطة ذكر كالعم(3)و ابنه و ابن الاخ(4)- فلو ترك الميت بنتا يدفع اليها نصف المال و يدفع النصف الآخر للأخ او ابنه ان كان او للعم او ابنه.

و قالت الامامية ببطلان ذلك و لزوم ردّ النصف الثاني الى البنت نفسها.

هذا اذا كان جميع الورثة ذوي فروض. و في ذلك ينحصر مورد العول و التعصيب.

اما اذا كان بعضهم ذا فرض دون بعض دفع الى ذي الفرض فرضه و أعطي الباقي لغيره.ى.


1) المراد من العول زيادة مجموع السهام على ستة أسداس. يقال: عالت الناقة ذنبها اذا رفعته.

2) في الصحاح: عصبة الرجل: بنوه و قرابته لأبيه. و انما سمو عصبة لأنهم عصبوا، اي احاطوا به، فالاب طرف و الابن طرف و العم جانب و الاخ جانب.

3) فان العم هو اخ الاب فيكون منتسبا بواسطة الاب.

4) و ربما تعمم للأنثى او للمنتسب بواسطة الانثى.

و اما اذا لم يكن في الورثة ذو فرض - كما في الاعمام و الاخوال - قسمت بينهم التركة على بيان يأتي فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الصورة الاولى لا اشكال فيها

فواضح.

2 - و اما ان الصورة الثانية هي مورد العول

فباعتبار ان للزوج نصفا و للأخت من الابوين النصف و للأختين من الام الثلث، و المجموع يزيد على ستة أسداس بمقدار ثلث.

و اول من قال بالعول و لزوم ادخال النقص على الجميع بالنسبة هو الخليفة الثاني كما طفحت بذلك كتب القوم. قال ابن قدامى المتوفى سنة 630 ه: «اول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر رضي اللّه عنه فجمع الصحابة للمشهورة فيها فقال العباس: ارى ان تقسم المال بينهم على قدر سهامهم فأخذ به عمر رضي اللّه عنه و اتبعه الناس على ذلك»(1)

و قد جاء نقل ذلك في احكام القرآن للجصاص 114:2 و المستدرك للحاكم النيسابوري 4:

340 و السنن الكبرى للبيهقي 253:6 و كنز العمال للمتقي الهندي 7:6.

. و خالف في ذلك ابن عباس متحديا بالمباهلة، و من هنا سميت المسألة المذكورة بمسألة المباهلة. يقول ابن قدامى: «روي عن ابن عباس انه قال في زوج و اخت و أم: من شاء باهلته ان المسائل لا تعول.

ان الذي أحصى رمل عالج(2)عددا أعدل من ان يجعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا. هذان نصفان ذهبا بالمال فأين الثلث فسميت هذه


1) المغني لا بن قدامة 26:7.

2) عالج اسم موضع كثير الرمل.

المسألة مسألة المباهلة لذلك»(1).

و قد تبع ابن عباس في خلافه هذا مولاه امير المؤمنين عليه السّلام كما سيتضح.

3 - و اما استحالة العول في مذهب الامامية

فباعتبار انه يستحيل على الحكيم العالم ان يفرض في مال ما لا يقوم به، ان ذلك لا يصدر من جاهل فضلا عن رب العزة الحكيم العالم، فان النصفين اذا ذهبا بالمال فأين موضع الثلث. و من هنا جاءت روايات اهل البيت عليهم السّلام تردّ بلهجة شديدة على فكرة العول. يقول محمد بن مسلم: «اقرأني ابو جعفر عليه السّلام صحيفة كتاب الفرائض التي هي املاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خط علي عليه السّلام بيده فاذا فيها: ان السهام لا تعول»(2).

و في موثقة ابي بصير: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ربما اعيل السهام حتى يكون على المائة او أقلّ او اكثر فقال: ليس تجوز ستة ثم قال: كان امير المؤمنين عليه السّلام يقول: ان الذي أحصى رمل عالج ليعلم ان السهام لا تعول على ستة لو يبصرون وجهها لم تجز ستة»(3)

ثم ان في المراد من قوله عليه السّلام: «لم تجز ستة» احتمالين:

1 - ان السهام المذكورة في القرآن الكريم ستة فلو دخل النقص على من له فرض اعلى و ادنى يلزم صيرورة السهام أكثر من ستة، و هذا بخلاف ما لو دخل على من له حدّ اعلى فقط فانه لا يلزم ذلك، حيث انه لو لم يرث الحدّ الاعلى ورث الباقي بالقرابة.

2 - ان التركة ستة اسداس و لا يمكن ان يشرّع الحكيم تعالى الارث بما يزيد على ذلك.

.

و ورد في صحيحة الحضرمي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كان ابن


1) المغني 26:7. يبقى الاشكال في انه كيف ترث الاخت مع وجود الام؟

2) وسائل الشيعة 423:17 الباب 6 من أبواب موجبات الارث الحديث 11.

3) وسائل الشيعة 423:17 الباب 6 من أبواب موجبات الارث الحديث 9.

عباس يقول: ان الذي يحصي رمل عالج ليعلم ان السهام لا تعول من ستة فمن شاء لاعنته عند الحجر ان السهام لا تعول من ستة»(1).

4 - و اما ما ذهبت اليه الامامية من دخول النقص على بعض دون

بعض

فقد تبعوا في ذلك أئمتهم عليهم السّلام.

و ضابط ذلك البعض الذي يدخل عليه النقص هو ان يكون ذا فرض واحد بحيث لو تغير عنه ورث الباقي بالقرابة الذي قد يكون زائدا او ناقصا. ان مثل هذا يدخل عليه النقص بخلاف من قرّر له القرآن الكريم فرضين اعلى و ادنى فان مثله لا يدخل عليه النقص لفرض تشريع سهم معين له لا يتجاوزه.

ففي مثال الزوج و الاخت من الابوين و الاختين من الام يدخل النقص على الاخت للأبوين لان فرضها النصف و اذا تغير بسبب انضمام الاخ لها ورثت الباقي مع اخيها بالقرابة للذكر مثل حظ الأنثيين، و لا يدخل على الزوج لان فرضه النصف عند عدم الولد و ينتقل عنه - بسبب وجود الولد - الى الربع. و هكذا لا يدخل النقص على الاختين من الام لان فرضهما الثلث و لا يتغير الى ارث الباقي بانضمام اخ او اخت ثالثة بل يبقى هو الثلث.

هذا هو الضابط.

و الدليل عليه صحيحة عمر بن اذينة: «قال زرارة: اذا اردت ان تلقي العول فانما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد و الاخوة من الاب، و اما الزوج و الاخوة من الام فانهم لا ينقصون مما


1) وسائل الشيعة 423:17 الباب 6 من أبواب موجبات الارث الحديث 12.

سمي لهم شيئا»(1).

و النقل في الصحيحة و ان كان عن زرارة دون الامام عليه السّلام الا انه لا يحتمل كونه اجتهادا من زرارة بعد صحبته الاكيدة للإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام - و التي اطلع خلالها على صحيفة الفرائض المكتوبة بخط امير المؤمنين و املاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله(2)- التي لا تبقى معها حاجة الى إعمال الاجتهاد، خصوصا في مثل الحكم المذكور الذي هو توقيفي محض و لا يقبل الاجتهاد.

و مما يؤيد الضابط المتقدم حديث ابن عباس: «... سبحان اللّه العظيم أ ترون ان الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: فمن اول من اعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لما التفت الفرائض عنده و دفع بعضها بعضا فقال: و اللّه ما أدري أيكم قدّم اللّه و أيكم أخّر و ما أجد شيئا هو أوسع من ان اقسّم عليكم هذا المال بالحصص فادخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض و ايم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة فقال له زفر: و ايها قدّم اللّه و ايّها أخّر؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة الا الى فريضة فهذا ما قدّم اللّه و اما ما أخّر فلكل7.


1) وسائل الشيعة 425:17 الباب 7 من أبواب موجبات الارث الحديث 1.

2) اطلع جملة من اصحاب الائمة عليهم السّلام على الصحيفة المذكورة كزرارة و محمد بن مسلم و ابي بصير و عبد الملك بن أعين فلاحظ الأحاديث 4، 6، 11 من الباب 6 من ابواب موجبات الارث و الحديث 5 من الباب 17 من ابواب ميراث الابوين و الاولاد. و في بعض الروايات تشبيه تلك الصحيفة بأنها كفخذ الرجل مطويا فلاحظ الباب 6 من ابواب ميراث الازواج الحديث 17.

فريضة اذا زالت عن فرضها لم يبق لها الا ما بقي فتلك التي أخّر، فاما الذي قدّم فالزوج له النصف فاذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع الى الربع لا يزيله عنه شيء، و الزوجة لها الربع فاذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت الى الثمن لا يزيلها عنه شيء، و الام لها الثلث فاذا زالت عنه صارت الى السدس و لا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه.

و اما التي أخّر ففريضة البنات و الاخوات لها النصف و الثلثان فاذا ازالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن الا ما بقي فتلك التي أخّر، فاذا اجتمع ما قدّم اللّه و ما أخّر بدئ بما قدّم اللّه فأعطي حقه كاملا فان بقي شيء كان لمن أخّر، و ان لم يبق شيء فلا شيء له»(1).

و الرواية و ان لم تسند الى معدن العصمة و الطهارة بل الطريق الى ابن عباس لا يخلو من مناقشة الا ان كل ذلك لا يمنع من الاستناد اليها على مستوى التأييد.

5 - و اما ان التعصيب باطل

فينبغي أن يكون من الواضحات بل هو من ضروريات مذهبنا لكونه على خلاف القاعدة القرآنية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ (2). و قد جاء في الحديث:

«المال للأقرب و العصبة في فيه التراب»(3).

و لقد اجاد صاحب الجواهر في تعليقه على القول بالتعصيب و العول و انه «غصن من شجرة انكار الامامة و الضلال الذي أشار اليه


1) وسائل الشيعة 426:17 الباب 7 من أبواب موجبات الارث الحديث 6.

2) الانفال: 75، الاحزاب: 6.

3) وسائل الشيعة 431:17 الباب 8 من أبواب موجبات الارث الحديث 1.

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بمفهوم قوله: ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا ابدا»(1). و قد تابع قدّس سرّه في ذلك مولاه و مولى كل مؤمن و مؤمنة حيث قال عليه أفضل الصلاة و السلام: «يا ايتها الامة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدّمتم من قدّم اللّه و أخّرتم من أخّر اللّه و جعلتم الولاية و الوراثة لمن جعلها اللّه ما عال ولي اللّه(2)و لا طاش سهم من فرائض اللّه(3)و لا اختلف اثنان في حكم اللّه و لا تنازعت الامة في شيء من أمر اللّه. ألا و عند علي علمه من كتاب اللّه فذوقوا و بال امركم و ما فرطتم فيما قدمت أيديكم و ما اللّه بظلام للعبيد»(4).

6 - من تفاصيل ارث الطبقات

- ارث الطبقة الاولى
اشارة

اذا انفرد الاب او الام ورث جميع المال. و اذا انفردا معا بالتركة كان للأم الثلث مع عدم الحاجب و الباقي للأب، و مع الحاجب لها السدس و الباقي للأب.

و اذا اجتمع الزوج او الزوجة مع احد الابوين كان للزوج - لو فرض - النصف و للزوجة - لو فرضت - الربع و الباقي للأب بالقرابة او للأم فرضا وردا.


1) جواهر الكلام 110:39.

2) اي ما مال عن الحق الى الباطل.

3) طاش السهم عن الهدف بمعنى عدل عنه.

4) وسائل الشيعة 426:17 الباب 7 من أبواب موجبات الارث الحديث 5.

و اذا اجتمع الزوج او الزوجة مع الابوين معا كان للزوج النصف - لو فرض - و للزوجة الربع - لو فرضت - و للأم الثلث و الباقي للأب.

و اذا انفرد الابن كان له تمام المال بالقرابة.

و اذا انفردت البنت كان لها التمام أيضا.

و اذا اجتمعا كان للذكر مثل حظ الأنثيين.

و اذا انفرد الابنان او الابناء كان لهما او لهم تمام المال بالسوية.

و اذا انفردت البنتان او البنات كان لهما اولهنّ التمام بالسوية أيضا.

و اذا اجتمعا كان للذكر مثل حظ الأنثيين.

و يقوم اولاد الاولاد و ان نزلوا مقام الاولاد في مقاسمة الابوين و حجبهما عن اعلى السهمين الى أدناهما.

و لا يرث ولد الولد مع وجود الولد و ان كان انثى.

و يرث - ولد الولد - نصيب من يتقرب به، فولد البنت يرث نصيب امه ذكرا كان او انثى، و يرث ولد الابن نصيب ابيه ذكرا كان او انثى.

و لو كان للميت اولاد بنت و اولاد ابن كان لأولاد البنت الثلث نصيب امهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين و لأولاد الابن الثلثان نصيب ابيهم يقسم بينهم كذلك.

و يحبى الولد الاكبر الذكر للميت بأربعة اشياء من تركة ابيه: ثياب بدنه، و خاتمه، و سيفه، و مصحفه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاب يرث جميع المال مع انفراده

فلعدم كونه ذا فرض، و معه فيرث بقاعدة وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... ، و حيث لا مشارك له حسب الفرض فيلزم استحقاقه للجميع.

و اما ان الام ترث جميع المال مع انفرادها فلان لها الثلث بالفرض و الباقي بالقرابة.

2 - و اما حالة انفراد الابوين و ما بعدها

فامرها واضح.

3 - و اما ان للابن المنفرد تمام التركة بالقرابة

فلانه لا فرض له فيرث جميع المال بقاعدة وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... .

و اما ان للبنت المنفردة تمام التركة أيضا فلان لها النصف بالفرض و الباقي بقاعدة وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... .

و اما انه عند اجتماع الابن و البنت يقسم المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فلعدم الفرض لهما فيرثان بالقرابة و يقسم بينهما طبقا للقاعدة المذكورة.

4 - و اما ان للإبنين المنفردين تمام التركة بالسوية

فلانه لا فرض لهما فيرثان ذلك بقاعدة وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... بالسوية.

و اما ان للبنتين او البنات المنفردات تمام المال بالسوية أيضا فباعتبار ان للبنتين فصاعدا الثلثين بالفرض و الباقي بالقرابة و يقسم الجميع بالسوية.

و اما انه مع اجتماع البنين و البنات يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين فلانه لا فرض لهما بل يرثان بالقرابة و يلزم تقسيمه طبقا للقاعدة المذكورة.

5 - و اما قيام اولاد الاولاد و ان نزلوا ذكورا و اناثا مقام آبائهم في

مقاسمة الابوين و حجبهم من اعلى السهمين الى أدناهما

فهو المعروف بين الاصحاب. و خالف في ذلك الشيخ الصدوق و حكم باختصاص الابوين بالارث. قال قدّس سرّه: «اربعة لا يرث معهم أحد الا زوج او زوجة:

الابوان، و الابن، و البنت. هذا هو الاصل لنا في المواريث، فاذا ترك الرجل ابوين و ابن ابن او بنت بنت فالمال للأبوين، للأم الثلث و للأب الثلثان، لان ولد الولد انما يقومون مقام الولد اذا لم يكن هناك ولد و لا وارث غيره و الوارث هو الاب و الام. و قال الفضل بن شاذان رحمه اللّه خلاف قولنا في هذه المسألة و اخطأ قال: ان ترك ابن ابنة و ابنة ابن و ابوين فللأبوين السدسان و ما بقي فلبنت الابن من ذلك الثلثان و لابن البنت من ذلك الثلث تقوم ابنة الابن مقام ابيها و ابن البنت مقام امه. و هذا مما زلّ به قدمه عن الطريقة المستقيمة، و هذا سبيل من يقيس»(1).

و علّق المحقق على رأي الصدوق بقوله: «و هو متروك»(2). و زاد صاحب الجواهر ان بالامكان تحصيل الاجماع على خلافه(3).

و يمكن الاستدلال للمشهور بوجهين:

1 - التمسك بقوله تعالى: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (4)، فان مقتضى كلمة «ولد» فيها الشمول لولد الولد و ان نزل، و اذا كان ولد الولد حاجبا للأبوين الى السدسين فلازم ذلك ان لا يكون لهما معه جميع المال و الا فلمن يكون الباقي؟

2 - التمسك بالنصوص الخاصة، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «بنات الابنة يرثن اذا لم يكن بنات كنّ مكان1.


1) من لا يحضره الفقيه 196:4.

2) شرائع الإسلام 825:4، انتشارات استقلال.

3) جواهر الكلام 118:39.

4) النساء: 11.

البنات»(1)، و موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ابن الابن يقوم مقام ابيه»(2).

و في مقابل هذا قد يستدل الشيخ الصدوق بوجهين أيضا:

1 - التمسك بقاعدة الاقرب يمنع الابعد.

2 - التمسك بصحيحة سعد بن ابي خلف عن ابي الحسن عليه السّلام:

«بنات الابنة يقمن مقام البنات اذا لم يكن للميت بنات و لا وارث غيرهن، و بنات الابن يقمن مقام الابن اذا لم يكن للميت اولاد و لا وارث غيرهن»(3)، و نحوها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(4)، بتقريب انهما دلا على ان شرط القيام مقام الابن و الابنة فقدان الوارث، و مع وجود الابوين يصدق وجود الوارث.

و الجواب:

اما بالنسبة الى الوجه الاول فلا معنى للتمسك به بعد وجود النص الدال على القيام.

و اما بالنسبة الى الوجه الثاني فيمكن القول بتحقق معارضة بنحو العموم من وجه بين الصحيحتين الاوليتين من جانب و الصحيحتين الاخيرتين من جانب آخر، فان الاوليتين تدلان باطلاقهما على قيام الابناء مقام آبائهم حتى مع وجود الابوين للميت، و الاخيرتين تدلان باطلاقهما على اشتراط القيام بعدم وجود وارث بما في ذلك4.


1) وسائل الشيعة 449:17 الباب 7 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 449:17 الباب 7 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 449:17 الباب 7 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 450:17 الباب 7 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 4.

الابوان. و مع التعارض نرجع الى اطلاق الآية الكريمة: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (1)الدال على ارث ولد الولد مع الابوين بالبيان المتقدم، و نأخذ به اما كمرجح أو كمرجع بعد التساقط، و النتيجة واحدة على كلا التقديرين.

6 - و اما ان ولد الولد لا يرث مع وجود الولد و لو كان انثى

فهو مما لا خلاف فيه، فان الاقرب يمنع الابعد. على ان صحيحة سعد بن ابي خلف المتقدمة واضحة في المدعى فلاحظ.

7 - و اما ان اولاد الاولاد يرثون نصيب من يتقربون به

فهو المشهور. و يدل عليه:

1 - النصوص المتقدمة الدالة على قيام الاولاد مقام الآباء، فان ظاهرها ارادة التنزيل لا في اصل الارث فقط بل فيه و في كيفيته و الا لاكتفي بذكر اولاد الاولاد من دون تفصيل في الذكر بين اولاد البنين و اولاد البنات فانه مجرد تطويل يمكن الاستغناء عنه.

2 - صحيحة ابي ايوب الخزاز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان في كتاب علي عليه السّلام ان كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به الا ان يكون وارث اقرب الى الميت منه فيحجبه»(2).

هذا و قد خالف في المسألة السيد المرتضى حيث اختار لزوم قسمة الميراث بينهم كأولاد الصلب من غير ملاحظة لمن يتقربون به لأنهم اولاد حقيقة فتشملهم الآية الكريمة: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ


1) النساء: 11.

2) وسائل الشيعة 418:17 الباب 2 من أبواب موجبات الارث الحديث 1.

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ... (1). و لو لا قاعدة الاقرب لشاركوا آباءهم في الارث(2).

و التأمل في ذلك واضح بعد ملاحظة الوجهين السابقين.

8 - و اما انه لو اجتمع اولاد البنت و اولاد الابن دفع الى اولاد البنت

الثلث يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين - و ليس بالسوية

كما هو الحال في كلالة الام - فهو المشهور لصدق الاولاد عليهم حقيقة فيدخلون في عموم يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ... .

و نسب الى القاضي و الشيخ لزوم اقتسامهم للثلث بالسوية بدعوى ان التقرب بالانثى يقتضي ذلك كما هو الحال في كلالة الام(3).

و التأمل فيه واضح، فان ذلك لا يعدو القياس، اذ كون حكم كلالة الام ذلك لا يقتضي تعميم الحكم لكل من ينتسب بواسطة الانثى و لو لم تكن اما.

9 - و اما اختصاص الولد الذكر الاكبر بالاربعة المتقدمة

فهو على ما ذكر صاحب الجواهر مما انفردت به الامامية و معلومات مذهبهم، و بذلك تظافرت نصوصهم عن ائمتهم عليهم السّلام(4).

و من جملة النصوص صحيحة ربعي بن عبد اللّه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا مات الرجل فسيفه و مصحفه و خاتمه و كتبه و رحله و راحلته و كسوته لأكبر ولده. فان كان الاكبر ابنة فللأكبر


1) النساء: 11.

2) جواهر الكلام 124:39.

3) جواهر الكلام 126:39.

4) جواهر الكلام 127:39.

من الذكور»(1).

و صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا هلك الرجل و ترك ابنين فللأكبر السيف و الدرع و الخاتم و المصحف، فان حدث به حدث فللأكبر منهم»(2).

و صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الميت اذا مات فان لابنه الاكبر السيف و الرحل و الثياب ثياب جلده»(3).

و المعروف بين الاصحاب تحديد المحبو بالاربعة المتقدمة الا انه لا يوجد نص يجمعها بل هي كما تراها. و من هنا صار البعض الى الاستحباب مستندا في ذلك الى اختلاف الاخبار في بيان العدد كما و كيفا.

و قد علّق على ذلك صاحب الجواهر بان الاختلاف المذكور لا يصلح قرينة على الاستحباب ضرورة عدم كون مطلق الاختلاف دالا على ذلك و الا فاغلب الاخبار في غالب الاحكام مختلفة. نعم لو بلغ الاختلاف الى حدّ اوجب القطع بارادة الاستحباب كما في اخبار البئر اتجه الحكم به، و ليس المقام من ذلك قطعا.

ثم اضاف قائلا: على ان من المحتمل ارادة القميص من الدرع لا الحديد و يلحق به غيره من ثياب البدن بالإجماع. و اشتمال الخبر على ما لا يقول به احد من الطائفة لا يخرجه عن الحجية و الا كان ذلك نقضا على القائلين بالاستحباب أيضا لأنه لم يحك عن احد منهم استحباب5.


1) وسائل الشيعة 439:17 الباب 3 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 440:17 الباب 3 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 440:17 الباب 3 من أبواب ميراث الابوين و الاولاد الحديث 5.

غير الاربعة.

هذا حصيلة ما افاده صاحب الجواهر(1).

و التعارض بين ظاهر الاصحاب و ظاهر الاخبار واضح. و الا نسب تحفظا من مخالفة الظاهرين المذكورين المصير الى التصالح بنحو من الانحاء.

ثم انه بناء على ما صار اليه الاصحاب هل يحكم باختصاص الذكر الاكبر بالاربعة مجانا او بالقيمة؟ المنسوب الى المرتضى قدّس سرّه كونه بالقيمة. و ثمرة خصوصية الاكبر هي الاختصاص بالعين من بين الورثة(2).

و فيه: ان ظاهر الاخبار المتقدمة هو المجانية فلاحظ.

ارث الطبقة الثانية
اشارة

اذا لم يخلّف الميت قريبا من الطبقة الثانية غير اخيه لأبويه ورث المال كله بالقرابة، و مع التعدد يقسّم بينهم بالسوية.

و للأخت الواحدة من الابوين بانفرادها جميع المال أيضا نصف بالفرض و نصف يردّ بالقرابة.

و للأختين او الاخوات من الابوين المال كله، يرثن ثلثيه بالفرض و الباقي بالقرابة.

و اذا خلّف الميت اخوة و اخوات لأبويه اقتسموا جميع المال بالقرابة للذكر مثل حظ الأنثيين.


1) جواهر الكلام 130:39.

2) جواهر الكلام 132:39.

و للأخ المنفرد من الام و الاخت المنفردة منها المال كله السدس بالفرض و الباقي يرد بالقرابة.

و للاثنين فصاعدا من الاخوة من الام ذكورا او اناثا او ذكورا و اناثا المال كله ثلثه بالفرض و الباقي بالقرابة يقسم بينهم بالسوية و ليس بالتفاضل.

و كلالة الاب فقط تقوم مقام كلالة الابوين عند فقدها و لا ترث معها.

و الجد اذا انفرد له المال كله لأب كان او لام. و كذا الحال في الجدة اذا انفردت.

و لو اجتمع جد او جدة او هما لام مع جد او جدة او هما لأب كان لمن يتقرب بالام الثلث بالسوية و لمن يتقرب بالاب الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاخ يرث المال كله بالقرابة مع انفراده

فمما لا اشكال فيه. و يدل عليه:

أ - قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ (1)، فان الذيل يدل باطلاقه على ان الاخ يرث جميع التركة مع عدم شريك له في طبقته و عدم وارث من الطبقة الاولى.

ب - صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل مات و ترك اخاه و لم يترك وارثا غيره قال: المال له...»(2).

2 - و اما انه مع تعدد الاخوة تقسم التركة بينهم بالسوية

فذلك مقتضى الاشتراك في المال الواحد و بطلان الترجيح بلا مرجح.


1) النساء: 176.

2) وسائل الشيعة 479:17 الباب 2 من ابواب ميراث الاخوة و الاجداد الحديث 1.

3 - و اما ان الاخت الواحدة من الابوين لها المال كله

فهو من المسلمات حيث ترث نصفا بالفرض لقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ ...

وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ (1)و نصفا بالقرابة لقوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... (2).

4 - و اما ان الاختين او الاخوات من الابوين يرثن المال كله فلا

كلام فيه فلهن الثلثان بالفرض

لقوله تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ (3)و الثلث الآخر بالقرابة لآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ... .

5 - و اما ان الميت اذا خلّف اخوة و اخوات لأبويه قسّم المال بينهم

للذكر مثل حظ الأنثيين

فلا خلاف فيه. و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (4)و الروايات الخاصة(5).

6 - و اما ان الواحد اخا او اختا من الام له السدس بالفرض

فمما لا تأمل فيه لقوله تعالى: وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (6). و المراد من الكلالة في الآية الكريمة كلالة الام بخلافه في آخر سورة النساء فان المقصود كلالة الابوين او الاب لصحيحة بكير بن أعين عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... و الذي عنى اللّه تبارك و تعالى في قوله: وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ


1) النساء: 176.

2) الانفال: 75، الاحزاب: 6.

3) النساء: 176.

4) المصدر نفسه.

5) وسائل الشيعة الباب 2 من ابواب ميراث الاخوة و الاجداد.

6) النساء: 12.

أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ (1)انما عنى بذلك الاخوة و الاخوات من الام خاصة. و قال في آخر سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ يعني اختا لأب و أم او اختا لأب...»(2).

و اما ان الباقي يرد عليهما بالقرابة فواضح لآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ .

و اما ان الاثنين فصاعدا من الاخوة للأم يرثون جميع المال فواضح، اذ الثلث يرثونه بالفرض لقوله تعالى في الآية السابقة: فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ، و الباقي يرثونه بالقرابة لآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ .

اما كيف نثبت لزوم تقسيم الباقي - المردود بالقرابة - بالسوية أيضا بعد الالتفات الى اختصاص الآية الكريمة الدالة على التسوية في التقسيم بخصوص الثلث المدفوع بالفرض؟ يمكن اثبات ذلك اما ببيان ان الثلث اذا كان يقسّم بينهم بالسوية بنص الآية الكريمة فيلزم ذلك في غير الثلث أيضا لعدم احتمال الفرق او ببيان ان التفاضل في التقسيم هو الذي يحتاج الى دليل - و الا فوحدة سبب الاستحقاق تقتضي التساوي في كيفيته - و قد ثبت ذلك في حق الاخوة من الابوين او الاب لقوله تعالى في آخر سورة النساء: وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَ نِساءًء.


1) النساء: 12.

2) وسائل الشيعة 481:17 الباب 3 من ابواب ميراث الاخوة و الاجداد الحديث 2 و الآية 176 من سورة النساء.

فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)، و في حق الاولاد لقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (2)، و لم يثبت في حق الاخوة من الام فيلزم الحكم بالتساوي.

7 - و اما ان كلالة الاب تقوم مقام كلالة الابوين عند فقدها و لا

ترث معها

فلم يعرف فيه خلاف. و قد وجّه ذلك بأن اصل ارثها هو مقتضى آية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ ، و اما انها لا ترث الا بعد فقد كلالة الابوين فباعتبار ان ما كان واجدا لسببين هو اقرب ممن كان واجدا لسبب واحد، و الاقرب مقدّم بمقتضى آية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ .

و يؤيد ذلك خبر يزيد الكناسي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... و اخوك لأبيك و امك اولى بك من اخيك لا بيك...»(3)و غيره.

8 - و اما ان الجد او الجدة اذا انفردا كان لهما جميع المال

فينبغي ان يكون واضحا لفرض عدم وجود مشارك لهما ليدفع له بعضه.

9 - و اما انه اذا اجتمع الجد او الجدة او هما للأم مع المماثل كان

لمن يتقرب بالام الثلث و لمن يتقرب بالاب الباقي

فهو المشهور. و يدل عليه:

أ - عموم ما دل على ارث كل قريب نصيب من يتقرب به كصحيحة ابي ايوب الخزاز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان في كتاب علي عليه السّلام ان كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به الا ان يكون وارث اقرب الى


1) النساء: 176.

2) النساء: 11.

3) وسائل الشيعة 502:17 الباب 13 من ابواب ميراث الاعمام و الاخوال الحديث 1.

الميت منه فيحجبه»(1).

ب - موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «اذا لم يترك الميت الا جدّه من قبل ابيه و جدّ ابيه و جدته من قبل امه و جدة امه كان للجدة من قبل الام الثلث و سقط جدة الام و الباقي للجد من قبل الاب و سقط جد الاب»(2).

و سند الشيخ الى ابن فضال و ان اشتمل على الزبيري الذي لم يوثّق الا ان الامر فيه سهل بناء على كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

10 - و اما ان المدفوع لجدودة الام يقسّم بينهم بالسوية بخلاف

المدفوع الى جدودة الاب

فانه يقسم بالتفاوت فقد ذكر صاحب الجواهر اني لم أجد فيه خلافا و ان وسوس فيه بعض متأخري المتأخرين(3).

و يمكن التمسك لإثبات التقسيم بالتفاضل في جدودة الاب بصحيحة زرارة و بكير و محمد و الفضيل و بريد عن أحدهما عليهما السّلام: «ان الجد مع الاخوة من الاب يصير مثل واحد من الاخوة ما بلغوا... و ان ترك اخوة و اخوات لأب و أم أو لأب و جدا فالجد احد الاخوة و المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. و قال زرارة: هذا مما لا يؤخذ عليّ فيه قد سمعته من أبيه و منه قبل ذلك و ليس عندنا في ذلك شك و لا اختلاف»(4)، فانها دلت على ان الجد للأب بمنزلة الاخ للأب، و من ثمّ


1) وسائل الشيعة 418:17 الباب 2 من أبواب موجبات الارث الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 498:17 الباب 9 من أبواب موجبات الارث الحديث 2.

3) جواهر الكلام 154:39.

4) وسائل الشيعة 490:17 الباب 6 من ابواب ميراث الاخوة و الاجداد الحديث 9.

يفهم ان الجدة للأب هي بمنزلة الاخت للأب، و حيث يلزم التفاضل بين الاخ و الاخت للأب اذا اجتمعا فيلزم ذلك في الجد و الجدة للأب أيضا.

و اما لزوم التساوي في جدودة الام فيمكن الاستدلال لا ثباته بأن التفاضل هو المحتاج الى اثبات و الا فالمناسب هو التساوي كما تقدم بيانه.

ارث الطبقة الثالثة
اشارة

يرث الاعمام او العمات و الاخوال او الخالات الميت مع عدم وجود وارث من الطبقة السابقة.

و اذا انفرد العم او العمة او الخال او الخالة كان له جميع المال.

و عند اجتماع الخئولة و العمومة يكون للأولى الثلث و للثانية الباقي.

و اذا اجتمع الاخوال و الخالات اقتسموا حصتهم بالسوية.

و اذا اجتمع الاعمام و العمات اقتسموا حصتهم بالتفاضل للذكر مثل حظ الأنثيين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الاعمام او العمات و الاخوال او الخالات يرثون الميت

فأمر مسلم. و تدل عليه الروايات الآتية.

و اما انهم يرثون مع عدم وجود وارث من الطبقة السابقة فهو المعروف. و استدل عليه بقاعدة الاقرب يمنع الابعد، و بصحيحة ابي بصير: «الخال و الخالة يرثان اذا لم يكن معهما احد يرث غيرهم ان اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ

اللّهِ »(1). و بضم عدم القول بالفصل و ملاحظة التعليل يتعدى الى العم و العمة.

هذا و لكن المنسوب الى الفضل بن شاذان قسمة المال نصفين اذا اجتمع الخال و الجدة للأم(2).

2 - و اما انه اذا انفرد العم او العمة او الخال او الخالة كان له

جميع المال

فأمر واضح، اذ مع عدم وارث آخر يلزم ارثه للجميع و الا يلزم خلف الفرض.

3 - و اما انه عند اجتماع الخئولة مع العمومة يكون للأولى الثلث

و للثانية الباقي

فهو المشهور. و تدل عليه صحيحة الخزاز المتقدمة في الرقم 9، و صحيحة ابي بصير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن شيء من الفرائض فقال لي: ألا اخرج لك كتاب علي عليه السّلام؟ فقلت: كتاب علي عليه السّلام لم يدرس؟ فقال: ان كتاب علي عليه السّلام لا يدرس فأخرجه فاذا كتاب جليل و اذن فيه: رجل مات و ترك عمه و خاله فقال: للعم الثلثان و للخال الثلث»(3)و غيرهما.

4 - و اما ان الاخوال و الخالات اذا اجتمعوا اقتسموا حصتهم

بالسوية

فلم يعرف خلاف فيه. و وجهه ان التفاضل هو الذي يحتاج الى اثبات كما تقدم بيانه.

و اما ان الاعمام و العمات اذا اجتمعوا اقتسموا حصتهم بالتفاضل


1) انفال آیه 75

2) جواهر الكلام 172:39.

3) وسائل الشيعة 504:17 الباب 2 من ابواب ميراث الاعمام و الاخوال الحديث 1.

فهو المشهور. و يدل عليه خبر سلمة بن محرز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال في عم و عمة: للعم الثلثان و للعمة الثلث»(1). و لكنه ضعيف بسلمة لعدم ثبوت و ثقاته الا ان يبنى على كبرى الانجبار بعمل المشهور او بوثاقة كل من روى عنه احد الثلاثة.

و صحيحة الخزاز المتقدمة لا يمكن التمسك بها في المقام فلاحظ.

و الاولى كما قيل الرجوع الى الصلح.

7 - من تفاصيل الارث بالزوجية

اشارة

يختص الزوجان من بين سائر الورثة في مشاركتهما لجميع طبقات الارث و لا يختص ارثهما بحالة فقدان الغير.

و يرث الزوج مع عدم الولد للزوجة النصف، و معه و ان نزل الربع.

و ترث الزوجة مع عدم الولد للزوج الربع، و معه و ان نزل الثمن.

و اذا انفرد الزوج بالارث و لم يشاركه غيره سوى الامام عليه السّلام ورث النصف بالفرض و الباقي بالرد بخلاف ما اذا انفردت الزوجة فانها ترث الربع و الباقي يدفع للإمام عليه السّلام.

و اذا تعددت الزوجات اشتركن بالسوية في الربع او الثمن.

و الزوج يرث النصف او الربع من جميع التركة بخلاف الزوجة فانها ترث الربع او الثمن من المنقولات، و اما غيرها فتحرم من الارض عينا و قيمة و ترث من الثابت على الارض - كالبناء و الاشجار و الابواب و نحوها -


1) وسائل الشيعة 506:17 الباب 2 من ابواب ميراث الاعمام و الاخوال الحديث 9.

قيمة لا عينا.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الزوجين يشاركان بقية الورثة

فهو من واضحات الفقه.

و تدل عليه جملة من الروايات، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا يرث مع الام و لا مع الاب و لا مع الابن و لا مع الابنة الا الزوج و الزوجة. و ان الزوج لا ينقص من النصف شيئا اذا لم يكن ولد، و الزوجة لا تنقص من الربع شيئا اذا لم يكن ولد، فاذا كان معهما ولد فللزوج الربع و للمرأة الثمن»(1)و غيرها.

2 - و اما ان الزوج يرث النصف او الربع و الزوجة الربع او الثمن

بالتفصيل المتقدم

فهو مما لا كلام فيه، و قد تقدمت الاشارة اليه عند بيان فروض الارث.

3 - و اما ان الزوج لو انفرد ورث جميع المال النصف فرضا

و الباقي ردا في حين ان الزوجة لو انفردت ورثت الربع فقط و الباقي يرد

على الامام عليه السّلام

فقد تقدم وجهه عند بيان الارث بالفرض و بالقرابة.

4 - و اما ان الزوجات مع تعددهن يرثن الثمن او الربع بالسوية

فقد تقدم وجهه عند بيان فروض الارث.

5 - و اما ان الزوج يرث من جميع التركة

فامر مسلم. و يكفي لإثباته اطلاق ما دلّ على ان له النصف او الربع.

6 - و اما ان الزوجة ترث بالتفصيل المتقدم

فهو المشهور بين اصحابنا بل ان حرمانها من بعض التركة مما لا خلاف فيه. و تدل على


1) وسائل الشيعة 510:17 الباب 1 من ابواب ميراث الازواج الحديث 1.

ذلك عدة روايات، كصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «ان المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدواب شيئا، و ترث من المال و الفراش و الثياب و متاع البيت مما ترك. و تقوّم النقض(1)

781 هو بكسر النون - بمعنى المنقوض، اي ما انتقض من البنيان. و قد ذكر الشهيد الثاني في المسالك 333:2 أن ما اشتمل عليه الخبر من السلاح و الدواب منفي بالإجماع.

و الابواب و الجذوع و القصب فتعطى حقها منه»(2)و غيرها، فانها تدل في صدرها على نفي ارث الزوجة من الارض عينا و قيمة، و في ذيلها على ثبوت ارثها من قيمة ما على الارض، و في الوسط على ثبوت ارثها من المنقولات، بل لا حاجة في هذا الاخير إلى دلالة رواية كما هو واضح.

و يبقى السلاح و الدواب - المذكوران في الصدر - لا بدّ من الحاقهما ببقية المنقولات و رفع اليد عن ظهور الصحيحة لاتفاق الاصحاب على ذلك.

ثم انه في مقابل هذه الصحيحة و غيرها صحيحة الفضل بن عبد الملك و ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته او ارضها من التربة شيئا او يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال: يرثها و ترثه من كل شيء ترك و تركت»(3)، فانها تدل على ان الزوجة كالزوج ترث من جميع التركة.

و قد ينسب العمل بمضمون الصحيحة المذكورة الى الاسكافي(4).9.


1) النقض - بالضم على وزن قفل. و قيل بالفتح أيضا على وزن حمل. بل قال في الوافي 25:

2) وسائل الشيعة 517:17 الباب 6 من ابواب ميراث الازواج الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 522:17 الباب 7 من ابواب ميراث الازواج الحديث 1.

4) جواهر الكلام 207:39.

و اجيب عنها بانها محمولة على التقية(1). و ربما يؤيد ذلك ان ظاهر كلام السائل المفروغية في الاوساط التي كان يعيشها عن عدم ارث الزوجة من جميع التركة فلاحظ.

و في المسألة قول بارث الزوجة من عين الارض على تقدير كونها ذات ولد. و ربما يظهر اختيار ذلك من المحقق(2).

و قد يستدل عليه بصحيحة عمر بن اذينة: «النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع»(3)، فان الرباع جمع ربع بمعنى المنزل.

و يردها: انها مقطوعة. و لا قطع بنقلها عن الامام عليه السّلام، و الظن لا يغني من الحق شيئا.2.


1) جواهر الكلام 210:39.

2) شرائع الإسلام 835:4، انتشارات استقلال.

3) وسائل الشيعة 523:17 الباب 7 من ابواب ميراث الازواج الحديث 2.

كتاب الحدود

اشارة

1 - موجبات الحد

2 - التعزير

3 - اقامة الحدود في عصر الغيبة

1 - موجبات الحدّ

اشارة

العقوبة الشرعية تارة تكون حدا و اخرى تعزيرا.

و يجب الحدّ عند ارتكاب محرمات معينة نذكر من بينها:

الاول: الزنا
اشارة

يتحقق الزنا بايلاج مقدار الحشفة في فرج امرأة من دون عقد و لا شبهة و لا ملك. و لا فرق في ذلك بين القبل و الدبر.

و حدّه هو:

1 - القتل تارة. و ذلك في:

أ - الزنا باحدى المحارم النسبية كالأم و البنت. و في تعميم الحكم للزنا بالمحرمات السببية او بالرضاع خلاف.

ب - زنا الذمي بالمسلمة.

ج - الزنا بالاجنبية عن اكراه لها.

د - الزاني ثلاثا، فانه اذا جلد ثلاث مرات قتل في الرابعة.

2 - و الجلد اخرى. و ذلك في:

أ - الزاني او الزانية اذا لم يكونا محصنين.

ب - المرأة الزانية و لو كانت محصنة اذا زنى بها غير البالغ.

3 - و الرجم ثالثة. و ذلك في الزاني المحصن و الزانية المحصنة اذا كان الزاني بها بالغا.

4 - و الجلد و الرجم معا رابعة. و ذلك في الشيخ الزاني او الشيخة المزني بها اذا كانا محصنين.

5 - و خامسة يلزم الجلد و جزّ(1)شعر الرأس و النفي من البلد لفترة سنة.

و ذلك في الرجل البكر(2)اذا زنى.

و الاحصان في الرجل لا يتحقق الا مع حريته و كونه ذا زوجة دائمة قد دخل بها و هو متمكن من وطئها متى شاء و لا يمتنع عليه ذلك لغيبة او حبس او ما شاكل ذلك.

و الاحصان في المرأة لا يتحقق الا مع حريتها و كونها ذات زوج دائم قد دخل بها.

و لا يثبت الحدّ بالزنا الا مع البلوغ و العقل و الاختيار و العلم بالحكم و الموضوع.

و لا يثبت الزنا في حق شخص الا بامرين: اقراره اربع مرات او قيام البينة عليه التي هي عبارة عن شهادة اربعة رجال عدول او ثلاثة و امرأتين بل يثبت بشهادة رجلين و اربع نساء غايته يثبت بذلك الجلد دون الرجم.

و يعتبر في شهادة الشهود ان تكون عن حس و رؤية مع وحدة المشهود بهل.


1) الجزّ: القطع.

2) البكر هو من تزوج و لم يدخل. و يأتي تفسيره في صحيحة الحلبي بمن املك - اي تزوج - و لم يدخل.

زمانا و مكانا، و لو شهدوا من دون ذلك حدّوا هم دون المشهود عليه.

و يلزم اداء الشهود للشهادة سوية فلو شهد بعضهم حدّوا حدّ القذف و لم ينتظر اتمام العدد.

و يلزم الاسراع في اقامة الحدود بعد اداء الشهادة و لا يجوز تأجيلها.

و يدفن الرجل اذا اريد رجمه الى حقويه(1)و المرأة الى موضع الثديين.

و يبدأ الامام بالرجم ان كان الزنا قد ثبت بالاقرار و يبدأ الشهود بذلك ان كان قد ثبت بواسطة البينة.

و يستحب اعلام الناس به ليحضروه بل يجب حضور طائفة عند اقامته.

و ينبغي ان تكون الا حجار صغارا.

و يجلد الزاني و هو قائم على الحالة التي و جد عليها ان عاريا فعاريا و ان كاسيا فكاسيا و يتقى الوجه و المذاكير.

و تجلد الزانية و هي جالسة مرتدية ثيابها.

و يؤمر من يراد رجمه باغتسال غسل الميت و يكفن و يحنط ثم يرجم الى ان يموت و يصلى عليه بعد ذلك و يدفن في مقابر المسلمين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان العقوبة الشرعية تكون تارة حدا و اخرى تعزيرا

فواضح لان الشرع اما ان يكون قد حدّد مقدار العقوبة على مخالفة التكليف الشرعي او يكون قد اوكل امر ذلك الى نظر الحاكم الشرعي.

و الاول هو الحدّ و الثاني هو التعزير.

2 - و اما ان الزنا موجب للحدّ

فهو من ضروريات الدين، و صريح


1) الحقو بفتح الحاء: معقد الازار.

الكتاب الكريم: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (1)ناطق بذلك.

3 - و اما ان الزنا يتحقق بايلاج مقدار الحشفة

فهو المعروف بين الاصحاب. و قد دلت عليه صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «جمع عمر بن الخطاب اصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل؟ فقالت الانصار: الماء من الماء. و قال المهاجرون:

اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي عليه السّلام: ما تقول يا ابا الحسن؟ فقال علي عليه السّلام: أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من الماء؟ اذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار»(2)، و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: اذا ادخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم»(3)، و غيرهما فانها دلت على ان موضوع وجوب الغسل و المهر و الحد شيء واحد و هو التقاء الختانين. و يتحقق ذلك - التقاء الختانين - بادخال مقدار الحشفة، كما هو واضح(4)

و الحشفة اذا غابت حاذى ختانها ختانه. لا حظ تفسير الرازي 168:6 عند تفسير آية الوضوء من سورة المائدة.

، و قد دلت عليه صحيحة محمد بن اسماعيل

1) النور: 2.

2) وسائل الشيعة 470:1 الباب 6 من ابواب الجنابة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة 469:1 الباب 6 من ابواب الجنابة الحديث 1.

4) ذكر الرازي عند تفسير قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا المائدة 6: ان ختان الرجل هو الموضع الذي تقطع فيه جلدة الغلفة. و اما ختان المرأة فيتضح بعد الالتفات الى ان شفريها محيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في اسفل الفرج هي مدخل الذكر و مخرج الحيض و الولد، و ثقبة اخرى فوق ذلك مثل احليل الذكر هي مخرج البول، و هناك شيء ثالث فوق ثقبة البول هو موضع ختانها و فيه جلدة رقيقة تشبه عرف الديك، و ختانها يتحقق بقطع تلك الجلدة.

بن بزيع: «سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: اذا التقى الختانان فقد وجب الغسل.

فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال نعم»(1).

4 - و اما عدم الفرق بين القبل و الدبر

فهو المشهور. و نقل ابن حمزة قولا لقائل غير معروف كون الادخال في دبر المرأة لواطا(2).

و قد يستدل على التعميم المذكور اما بان الوارد في خطابات الحدّ عنوان الزنا و الفجور و الاتيان، و اطلاق ذلك صادق على اتيان المرأة في دبرها، او بالتمسك باطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: «اذا ادخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم» بعد وضوح انصرافها عن الادخال في غير الموضعين.

و لا ينافي ذلك التحديد بالتقاء الختانين في بعض الروايات المتقدمة - كما في صحيحة ابن بزيع المتقدمة - لأنها ناظرة الى الحالة الغالبة، و هي الوط‌ء في القبل.

اما كيف نثبت اعتبار دخول مقدار الحشفة بلحاظ الدبر أيضا؟ لا بدّ ان يدعى ان المفهوم مما دلّ على اعتبار غيبوبة الحشفة اعتبار ذلك في مطلق الدخول و عدم الخصوصية للقبل من هذه الناحية.


1) وسائل الشيعة 469:1 الباب 6 من ابواب الجنابة الحديث 2.

2) جواهر الكلام 261:41.

حدّ الزنا
5 - و اما ثبوت القتل في الزنا بالمحارم النسبية

فلم يعرف فيه خلاف. و تدل عليه صحيحة ابي ايوب: «سمعت ابن بكير بن أعين يروي عن احدهما عليهما السّلام: من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف اخذت منه ما اخذت. و ان كانت تابعة ضربت ضربة بالسيف اخذت منها ما اخذت...»(1)، و صحيحة جميل بن دراج: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اين يضرب الذي يأتي ذات محرم بالسيف؟ اين هذه الضربة؟ قال: تضرب عنقه او قال: تضرب رقبته»(2)و غيرهما.

و قد يشكل بعدم دلالتهما على لزوم تحقق القتل بالضربة بل هما تدلان على اعتبار الضرب بالسيف بأي مقدار اثر.

و قد يجاب بان المراد عرفا من مثل تعبير «تضرب عنقه» الكناية عن القتل دون المدلول المطابقي. و التعبير بجملة «اخذت منه ما اخذت» لا يراد به الاشارة الى عدم لزوم تحقق القتل بل الى عدم لزوم التحفظ في مقام ايقاع الضربة. هذا مضافا الى ان المسألة لم يعرف فيها خلاف.

اجل ورد في رواية عامر بن السمط عن علي بن الحسين عليه السّلام:

«الرجل يقع على اخته قال: يضرب ضربة بالسيف بلغت منه ما بلغت فان عاش خلّد في السجن حتى يموت»(3). و نحوها رواية محمد بن


1) وسائل الشيعة 385:18 الباب 19 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 385:18 الباب 19 من أبواب حدّ الزنا الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 387:18 الباب 19 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

عبد اللّه بن مهران عمن ذكره عن ابي عبد اللّه عليه السّلام(1). و لكنهما لضعف سندهما - الاولى بعامر لعدم ثبوت وثاقته، و الثانية بالارسال و بمحمد بن عبد اللّه الذي لم تثبت وثاقته أيضا - لا تصلحان للمعارضة.

و اذا قلت: ان موثقة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا زنى الرجل بذات محرم حد حدّ الزاني الا انه اعظم ذنبا»(2)دلت على عدم الخصوصية للزنا بذات محرم.

قلت: ان مضمونها مهجور بين الاصحاب فلا تصلح للمعارضة.

ثم ان المستفاد من الروايات اعتبار تحقق القتل بأمرين: ضرب الرقبة و كونه بالسيف. و الحكم بالتعدي الى القتل بغير ذلك - كالقتل برصاص المسدس و نحوه في الصدر او الرأس و نحوهما - يتوقف على عدم فهم الخصوصية.

6 - و اما الخلاف في تعميم الحكم للزنا بالمحرمات السببيات
• كالزنا بام الزوجة او بنتها - و المحرمات من الرضاع

فينشأ من دعوى اطلاق النصوص فيحكم بالتعميم، و من دعوى الاجماع او انصرافها عن مثل ذلك فيحكم بالاختصاص.

7 - و اما ثبوت القتل في زنا الذمي بالمسلمة

فلم يعرف فيه خلاف. و تدل عليه صحيحة حنان بن سدير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن يهودي فجر بمسلمة قال: يقتل»(3).

و المعروف في كلمات الاصحاب تخصيص الحكم بالذمي الا انه


1) وسائل الشيعة 385:18 الباب 19 من أبواب حدّ الزنا الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 386:18 الباب 19 من أبواب حدّ الزنا الحديث 8.

3) وسائل الشيعة 407:18 الباب 36 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

ينبغي التعدي الى غيره لإطلاق الصحيحة بل قد يدعى الجزم بعدم الخصوصية.

8 - و اما ثبوت القتل في الزنا بالمرأة عن اكراه لها

فلم يعرف فيه خلاف أيضا. و تدل عليه صحيحة بريد العجلي: «سئل ابو جعفر عليه السّلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها قال: يقتل محصنا كان او غير محصن»(1)و غيرها.

و اما صحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا كابر الرجل المرأة على نفسها ضرب ضربة بالسيف مات منها او عاش»(2)فلا تصلح للمعارضة لهجران الاصحاب لمضمونها بل لم يفرض فيها تحقق الزنا.

9 - و اما القتل في المرة الرابعة اذا فرض تكرر الزنا و الجلد ثلاث

مرات

فهو المشهور بين الاصحاب. و تدل عليه موثقة ابي بصير: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: الزاني اذا زنى يجلد ثلاثا و يقتل في الرابعة، يعني جلد ثلاث مرات»(3)و غيرها.

و قيل يقتل في المرة الثالثة كسائر اصحاب الكبائر استنادا الى صحيحة يونس بن عبد الرحمن عن ابي الحسن الماضي عليه السّلام: «اصحاب الكبائر كلها اذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة»(4)، و لكنها - كما


1) وسائل الشيعة 381:18 الباب 17 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 382:18 الباب 17 من أبواب حدّ الزنا الحديث 6.

3) وسائل الشيعة 387:18 الباب 20 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 388:18 الباب 20 من أبواب حدّ الزنا الحديث 3.

نقل الحر عن شيخ الطائفة(1)- مطلقة فتقيد بغير الزاني لأجل الموثقة.

10 - و اما ان الجلد ثابت في حق الزاني او الزانية اذا لم يكونا

محصنين

فهو مما لا خلاف فيه للآية الكريمة: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (2)، و الروايات الشريفة، كموثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الحر و الحرة اذا زنيا جلد كل واحد منهما مائة جلدة، فاما المحصن و المحصنة فعليهما الرجم»(3)و غيرها.

11 - و اما ان المرأة اذا زنى بها صبي تجلد و لا ترجم حتى و لو

كانت محصنة

فلصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة قال: يجلد الغلام دون الحد و تجلد المرأة الحدّ كاملا. قيل: فان كانت محصنة، قال: لا ترجم لان الذي نكحها ليس بمدرك و لو كان مدركا رجمت»(4).

12 - و اما ثبوت الرجم في حق الزاني و الزانية المحصنين

فهو مما لا خلاف فيه للروايات المتعددة، كموثقة سماعة المتقدمة في الرقم 10 و غيرها.

هذا في غير الشيخ و الشيخة. و اما هما فاللازم في حقهما الجمع بين الجلد و الرجم كما سيأتي. بل قيل بلزوم ذلك في حق الشابين أيضا و اختاره المحقق الحلي(5).


1) راجع ذيل الحديث في الوسائل.

2) النور: 2.

3) وسائل الشيعة 347:18 الباب 1 من أبواب حدّ الزنا الحديث 3.

4) وسائل الشيعة 362:18 الباب 9 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

5) شرائع الإسلام 937:4، انتشارات استقلال.

و اما تقييد ثبوت الرجم في حق الزانية المحصنة بما اذا كان الزاني بها بالغا فلما تقدم.

و قيل بأن الحكم في حق الزاني ذلك أيضا فلا يثبت في حقه الرجم اذا كانت المزني بها مجنونة أو صبية بل يثبت الجلد و اختاره المحقق قدّس سرّه أيضا(1).

13 - و اما ثبوت الجلد و الرجم معا في حق الشيخ و الشيخة

المحصنين

فلم يعرف فيه خلاف. و تدل عليه صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «في الشيخ و الشيخة جلد مائة و الرجم. و البكر و البكرة جلد مائة و نفي سنة»(2)

و البكر و البكرة هما من تزوج و لم يدخل. و قد عبّر عنهما في بعض الروايات بمن املك و لم يدخل.

.

و اطلاقها و ان اقتضى ثبوت الجمع في حق غير المحصن أيضا الا انه قد يقال بلزوم تقييده بالاحصان لصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في الشيخ و الشيخة ان يجلدا مائة. و قضى للمحصن الرجم و قضى في البكر و البكرة اذا زنيا جلد مائة و نفي سنة في غير مصرهما و هما اللذان قد املكا و لم يدخل بها»(3)، فان فقرة: «و قضى للمحصن الرجم» تدل على ان الرجم خاص بالمحصن و لا يثبت في حق غيره.

و هل تدل الفقرة المذكورة على ثبوت الرجم وحده و من دون جلد


1) شرائع الإسلام 937:4، انتشارات استقلال.

2) وسائل الشيعة 348:18 الباب 1 من أبواب حدّ الزنا الحديث 9.

3) وسائل الشيعة 347:18 الباب 1 من أبواب حدّ الزنا الحديث 2.

في حق المحصن - لتعارض صحيحة الحلبي - أو هي ساكتة من هذه الناحية؟ لا يبعد الثاني. و معه فلا تعارض صحيحة الحلبي الدالة على اضافة الجلد الى الرجم.

14 - و اما ثبوت الجلد و الجز و النفي من البلد في حق البكر

فتدل عليه صحيحة حنان: «سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام و أنا اسمع عن البكر يفجر و قد تزوج ففجر قبل ان يدخل بأهله، فقال: يضرب مائة و يجز شعره و ينفى من المصر حولا و يفرّق بينه و بين أهله»(1).

هذا و قد ورد في صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام: «سألته عن رجل تزوج امرأة و لم يدخل بها فزنى ما عليه؟ قال: يجلد الحد و يحلق رأسه و يفرّق بينه و بين أهله و ينفى سنة»(2)التعبير بالحلق بدل الجز، و الجمع يقتضي الحمل على التخيير بينهما.

هذا و قد قيل بأن الجلد و الجز و النفي لا يختص بالبكر بل يعم كل زان غير محصن. و ممن اختار ذلك المحقق قدّس سرّه(3).

و اما الحكم بالتفريق فلا بدّ من حمله على الاولوية دون الكناية عن الانفساخ و تحقق الحرمة المؤبدة لعدم احتمال ذلك فقهيا.

ثم ان الحكم بجز الشعر او حلقه يختص بالرجل و لا يعمّ المرأة من دون نقل خلاف في ذلك، و يكفي لإثباته القصور في المقتضي فلاحظ.

اجل الحكم بالتغريب عن البلاد يعمها - و ان استشكل فيه جمع


1) وسائل الشيعة 359:18 الباب 7 من أبواب حدّ الزنا الحديث 7.

2) وسائل الشيعة 359:18 الباب 7 من أبواب حدّ الزنا الحديث 8.

3) شرائع الإسلام 937:4، انتشارات استقلال.

من الفقهاء - لدلالة صحيحتي محمد بن قيس و الحلبي المتقدمتين في الرقم 13 - على ذلك.

الاحصان
15 - و اما ان الاحصان في الرجل لا يتحقق الا مع حريته

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام:

«قضى امير المؤمنين عليه السّلام في العبيد اذا زنى احدهم ان يجلد خمسين جلدة و ان كان مسلما او كافرا او نصرانيا و لا يرجم و لا ينفى»(1)و غيرها.

و اما انه يعتبر في احصان الرجل أيضا كونه ذا زوجة دائمة قد دخل بها و هو يتمكن من وطئها متى شاء فتدل عليه صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «لا يرجم الغائب عن اهله و لا المملك الذي لم يبن بأهله و لا صاحب المتعة»(2)، فان الفقرة الثالثة تدل على اعتبار دوام الزوجية و الثانية على اعتبار الدخول بها و الاولى على اعتبار التمكن من وطئها متى ما شاء، إذ الغيبة تلحظ عرفا بنحو الطريقية الى عدم التمكن من الوط‌ء.

و بقطع النظر عن ذلك يمكن استفادة المطلوب بوضوح من صحيحة إسماعيل بن جابر عن ابي جعفر عليه السّلام: «قلت: ما المحصن رحمك اللّه؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه و يروح فهو محصن»(3)


1) وسائل الشيعة 402:18 الباب 32 من أبواب حدّ الزنا الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 355:18 الباب 3 من أبواب حدّ الزنا الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 351:18 الباب 2 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

و صحيحة حريز: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحصن، قال: الذي يزني و عنده ما يغنيه»(1)و غيرهما.

ثم انه ورد في صحيحة عمر بن يزيد السابقة ذيل بالشكل التالي:

«قلت: ففي أي حدّ سفره لا يكون محصنا؟ قال: اذا قصر و افطر فليس بمحصن»(2)، و هو يدل على ان الاحصان ينتفي بالسفر الموجب لقصر الصلاة و الافطار في الصوم و ليس بكل غياب. و لكن ذلك يلزم تأويله أو طرحه لعدم قائل به من الاصحاب، و لذا قال المحقق: «و في رواية مهجورة دون مسافة التقصير»(3).

16 - و اما ان المرأة لا يتحقق احصانها الا مع حريتها

فأمر لا خلاف فيه. و يمكن استفادته من صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، فان كلمة «العبيد» يفهم منها العموم و عدم الخصوصية للذكورة.

و اما اعتبار ان يكون لها زوج فتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: المغيب و المغيبة ليس عليهما رجم الا ان يكون الرجل مع المرأة و المرأة مع الرجل»(4)و غيرها.

و اما اعتبار ان يكون الزوج قد دخل بها فيمكن استفادته من صحيحة محمد بن مسلم الاخرى عن احدهما عليهما السّلام: «سألته عن قول اللّه عز و جل: فَإِذا أُحْصِنَّ (5)قال: احصانهن ان يدخل بهن. قلت: ان لم


1) وسائل الشيعة 352:18 الباب 2 من أبواب حدّ الزنا الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 356:18 الباب 4 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

3) شرائع الإسلام 933:4، انتشارات استقلال.

4) وسائل الشيعة 355:18 الباب 3 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

5) النساء: 25.

يدخل بهن أما عليهن حدّ؟ قال: بلى»(1).

و اما اعتبار دوام الزوجية فأمر متسالم عليه بين الاصحاب. و قد يستدل عليه بموثقة اسحاق بن عمار: «... قلت: فان كانت عنده امرأة متعة أ تحصنه؟ فقال: لا، انما هو على الشيء الدائم عنده»(2)، بتقريب ان المراد من قوله: «انما هو...» ان الاحصان لا يكون الا في الشيء الدائم من دون فرق بين احصان الرجل و احصان المرأة.

شرائط ثبوت حدّ الزنا
17 - و اما اعتبار البلوغ و العقل في ثبوت حدّ الزنا

فأمر متسالم عليه. و يكفي لا ثباته ما تقدم في أوائل الكتاب من اشتراط كل تكليف بالبلوغ و العقل و ان فاقدهما قد رفع عنه القلم.

أجل قد يقال بلزوم تأديب الصبي من باب التعزير حسب ما يراه الحاكم مصلحة لدلالة بعض النصوص على ذلك، ففي رواية بريد الكناسي عن ابي جعفر عليه السّلام: «... قلت: الغلام اذا زوّجه أبوه و دخل بأهله و هو غير مدرك أ تقام عليه الحدود على تلك الحال؟ قال: اما الحدود الكاملة التي يؤخذ بها الرجال فلا، و لكن يجلد في الحدود كلها على مبلغ سنه...»(3).

و اما اعتبار الاختيار فأمر متسالم عليه أيضا، و يكفي لا ثباته


1) وسائل الشيعة 358:18 الباب 7 من أبواب حدّ الزنا الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 352:18 الباب 2 من أبواب حدّ الزنا الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 314:18 الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1.

حديث الرفع(1).

18 - و اما اعتبار العلم بالحكم و الموضوع

فلانه بدونه يكون الوط‌ء بالشبهة و لا يصدق عنوان الزنا ليثبت حكمه. هذا مضافا الى دلالة جملة من النصوص عليه، كصحيحة عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رجلا أعجميا دخل المسجد يلبي و عليه قميصه فقال لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اني كنت رجلا أعمل و اجتمعت لي نفقة فحيث احج لم اسأل أحدا عن شيء و افتوني هؤلاء ان اشق قميصي و أنزعه من قبل رجلي و ان حجي فاسد و ان عليّ بدنة فقال له... اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شيء عليه...»(2)، فانها باطلاقها تشمل المقام. و مجرد ورودها في باب الحج لا يمنع من انعقاد الاطلاق فيها.

و اما حديث «ادرءوا الحدود بالشبهات»(3)فقد رواه الشيخ الصدوق بشكل مرسل و لا يمكن الاستناد اليه الا بناء على حجية مراسيل الشيخ الصدوق بشكل مطلق او خصوص ما كان الارسال فيها بلسان قال او بناء على تمامية كبرى الانجبار.

و دعوى صاحب الرياض ان النص الدال على قاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات» متواتر(4)لا نعرف وجهها.


1) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من ابواب جهاد النفس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 125:9 الباب 45 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 337:18 الباب 24 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 4.

4) رياض المسائل 495:2.

الوسائل المثبتة للزنا
19 - و اما ان الزنا لا يثبت الا بالاقرار اربع مرات

فهو المشهور.

و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «رجل قال لامرأته: يا زانية انا زنيت بك قال: عليه حدّ واحد لقذفه اياها، و اما قوله:

انا زنيت بك فلا حدّ فيه الا ان يشهد على نفسه اربع شهادات بالزنا عند الامام»(1)و غيرها. و هي باطلاقها تشمل الجلد أيضا و لا تختص بالرجم و ان كانت بعض الروايات الاخرى خاصة به فلاحظ.

و اما صحيحة الفضيل: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من اقرّ على نفسه عند الامام بحق من حدود اللّه مرة واحدة حرا كان او عبدا او حرة او امة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه... الا الزاني المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء... فقال له بعض اصحابنا: يا ابا عبد اللّه فما هذه الحدود التي اذا اقرّ بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: اذا اقرّ على نفسه عند الامام بسرقة قطعه فهذا من حقوق اللّه، و اذا اقرّ على نفسه انه شرب خمرا حدّه فهذا من حقوق اللّه، و اذا اقرّ على نفسه بالزنا و هو غير محصن فهذا من حقوق اللّه...»(2)التي يستفاد منها كفاية الاقرار مرة واحدة في ثبوت الجلد فلا بدّ من حملها على التقية لاشتمالها على ما يخالف مذهب اصحابنا من ناحيتين: دلالتها على عدم ثبوت الرجم بالاقرار اربع مرات بل بخصوص شهادة اربعة، و دلالتها على نفوذ اقرار العبد و الامة،


1) وسائل الشيعة 446:18 الباب 13 من أبواب حدّ القذف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 343:18 الباب 32 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1.

و كلاهما لا يلتزم به اصحابنا.

ثم انه هل يلزم في الاقرار اربع مرات - بعد كونه هو المعتبر - وقوعه في اربعة مجالس او يكفي وقوعه في مجلس واحد؟ قيل بالاول.

و المناسب الثاني لإطلاق ما تقدم فلاحظ.

20 - و اما ان البينة التي يثبت بها الزنا هي ما تقدم

فقد اتضح وجهه في باب الشهادات تحت عنوان «اختلاف الحقوق في الاثبات».

21 - و اما انه يعتبر في الشهادة ان تكون عن حس و رؤية

فهو مما تسالم عليه الاصحاب. و تدل عليه صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «حدّ الرجم ان يشهد اربعة انهم رأوه يدخل و يخرج»(1)و غيرها.

و هل يلزم رؤية نفس الادخال و الاخراج و الشهادة بانهم رأوا ذلك كالميل في المكحلة؟ يظهر من الاصحاب ذلك. و لعلهم استندوا الى موثقة ابي بصير: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: لا يرجم الرجل و المرأة حتى يشهد عليهما اربعة شهداء على الجماع و الايلاج و الادخال كالميل في المكحلة»(2).

و لكن احتمال اعتبار ذلك بعيد جدا، فان لازمه سدّ باب الشهادة على الزنا الا نادرا لعدم امكان تحقق ذلك في الخارج عادة، و الحال ان الشهادة على الزنا قد تحققت مرارا في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و من بعده.

و المناسب الاكتفاء برؤية المقدمات و الافعال الملازمة لتحقق الدخول كالميل في المكحلة، و الموثقة لا تدل على اعتبار رؤية الايلاج


1) وسائل الشيعة 371:18 الباب 12 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 371:18 الباب 12 من أبواب حدّ الزنا الحديث 4.

نفسه بل تدل على ان الشهادة على الزنا بشكل مطلق لا تكفي بل لا بدّ من الشهادة على تحقق الايلاج كالميل في المكحلة و ليس على رؤية ذلك.

22 - و اما انه يعتبر وحدة المشهود به زمانا و مكانا

فلانه بدونه لا يتحقق قيام البينة على الزنا الواحد.

و اما ان الشهود يحدون مع عدم وحدة المشهود به فلأنه اذا لم يثبت الزنا بشهادتهم تكون شهادتهم مصداقا للقذف بالزنا فيلزم حدهم حدّ القذف.

و اما انه اذا لم يؤدّ الشهود شهادتهم سوية يحدّ من سبق بشهادته حدّ القذف فلموثقة السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السّلام:

«في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا فقال علي عليه السّلام: أين الرابع؟ قالوا: الآن يجيء فقال علي عليه السّلام: حدّوهم فليس في الحدود نظرة ساعة»(1)و غيرها.

23 - و اما لزوم التعجيل في اقامة الحدود من دون تأجيل

فهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب. و تدل عليه موثقة السكوني السابقة.

كيفية اقامة الحدّ
24 - و اما ان الرجل يدفن الى حقويه و المرأة الى صدرها

فهو المشهور. و تدل عليه موثقة سماعة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «تدفن المرأة الى وسطها ثم يرمي الامام و يرمي الناس بأحجار صغار. و لا يدفن الرجل اذا رجم الا الى حقويه»(2)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 372:18 الباب 12 من أبواب حدّ الزنا الحديث 8.

2) وسائل الشيعة 374:18 الباب 14 من أبواب حدّ الزنا الحديث 3.

و لا يبعد كون المقصود من الوسط موضع الثديين بقرينة صحيحة ابي مريم عن ابي جعفر عليه السّلام: «اتت امرأة امير المؤمنين عليه السّلام فقالت: اني قد فجرت فأعرض بوجهه عنها فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت: اني قد فجرت فاعرض عنها ثم استقبلته فقالت: اني قد فجرت فأعرض عنها ثم استقبلته فقالت: اني فجرت فأمر بها فحبست و كانت حاملا فتربص بها حتى وضعت، ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة... و أدخلها الحفيرة الى الحقو و موضع الثديين...»(1).

25 - و اما ان الامام يبدأ بالرجم ان كان الزنا قد ثبت بالاقرار و الا

فالبينة تبدأ بذلك

فهو ما عليه المشهور. و تدل عليه رواية صفوان عمّن رواه عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا اقرّ الزاني المحصن كان اول من يرجمه الامام ثم الناس فاذا قامت عليه البينة كان اول من يرجمه البينة ثم الامام ثم الناس»(2). و لأجل انها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها الا بناء على احد امور ثلاثة: تمامية كبرى الانجبار بعمل المشهور او البناء على وثاقة كل من روى عنه احد الثلاثة او البناء على حجية الرواية اذا ورد في سندها احد بني فضّال و ان اشتمل على الضعف من بعض النواحي. و اما اذا لم نبن على الامور المذكورة فيلزم على الامام البدأة مطلقا تمسكا باطلاق موثقة سماعة المتقدمة.

بل يلزم البناء على النتيجة المذكورة حتى لو قبلنا بكبرى الامر الثاني، فان رواية احد الثلاثة عن شخص و ان كانت من دلائل وثاقته الا انه حيث لم يذكر باسمه في الرواية فنحتمل وجود جارح له و لذلك


1) وسائل الشيعة 380:18 الباب 16 من أبواب حدّ الزنا الحديث 5.

2) وسائل الشيعة 374:18 الباب 14 من أبواب حدّ الزنا الحديث 2.

يدخل المقام في مورد تعارض الجرح و التعديل و يسقط توثيقه عن الاعتبار.

26 - و اما استحباب اعلام المؤمنين

فتدل عليه عدة روايات، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام ان امير المؤمنين عليه السّلام: «أتاه رجل بالكوفة فقال: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهّرني و ذكر انه أقرّ اربع مرات الى ان قال: ثم نادى في الناس: يا معشر المسلمين اخرجوا ليقام على هذا الرجل الحد...»(1)و غيرها.

و الصحيحة و ان كانت ضعيفة السند بطريق الشيخ الكليني الا انه لا غبار عليها في طريقها الآخر، حيث ان لصاحب الوسائل طريقا صحيحا الى تفسير القمي اشار اليه في آخر الوسائل(2)، و القمي بدوره له طريق صحيح الى ابي بصير و قد نقله الحرّ في ذيل الصحيحة فلاحظ.

و اما وجوب حضور طائفة من المؤمنين فيدل عليه قوله تعالى:

وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (3).

27 - و اما انه ينبغي ان تكون الحجار صغارا

فلموثقة سماعة المتقدمة في الرقم 24 و غيرها.

28 - و اما ان الزاني يجلد قائما اذا كان رجلا و قاعدا اذا كان امرأة

و يتقى الوجه و المذاكير

فتدل عليه صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام:


1) وسائل الشيعة 342:18 الباب 31 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 3.

2) فقد نقل في الفائدة الرابعة 43:20 ان تفسير القمي هو من جملة الكتب التي ينقل منها ثم ذكر في الفائدة الخامسة 49:20 طرقه الصحيحة الى تفسير القمي و غيره.

3) النور: 2.

«يضرب الرجل الحد قائما و المرأة قاعدة، و يضرب على كل عضو و يترك الرأس و المذاكير»(1).

و اما ان الرجل يجلد على الحالة التي وجد عليها ان كاسيا فكاسيا و ان عاريا فعاريا فهو المشهور بين الاصحاب. و تدل عليه موثقة طلحة بن زيد عن جعفر عن ابيه عليهما السّلام: «... و يضرب الزاني على الحال التي وجد عليها، ان وجد عريانا ضرب عريانا، و ان وجد و عليه ثيابه ضرب و عليه ثيابه»(2).

و طلحة و ان لم يوثق في كتب الرجال الا ان شهادة الشيخ بالاعتماد على كتابه - حيث قال: «طلحة بن زيد. له كتاب. و هو عامي المذهب الا ان كتابه معتمد»(3)يسهّل الامر فيه.

و عليه فلا مشكلة من ناحية طلحة الا انه في مقابل موثقته موثقة اسحاق بن عمار: «سألت ابا ابراهيم عليه السّلام عن الزاني كيف يجلد؟ قال:

أشد الجلد. قلت: فمن فوق ثيابه؟ قال: بل تخلع ثيابه...»(4). و هي ان امكن حملها على حالة وجدانه عاريا ثم اكتسى بعد ذلك فلا مشكلة و الا فالمناسب تحقق التعارض فيما اذا وجد و هو مكتس. و مع التساقط يكون المرجع اطلاق مثل قوله تعالى: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (5)و تكون النتيجة جواز جلده و هو مكتس2.


1) وسائل الشيعة 369:18 الباب 11 من أبواب حدّ الزنا الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 370:18 الباب 11 من أبواب حدّ الزنا الحديث 7.

3) فهرست الشيخ الطوسي: 86 الرقم 362.

4) وسائل الشيعة 369:18 الباب 11 من أبواب حدّ الزنا الحديث 2.

5) النور: 2.

ان وجد كذلك.

29 - و اما ان المرأة تجلد و هي مرتدية لثيابها

فيكفي لإثباته القصور في المقتضي، فان ما دلّ على الجلد عاريا يختص بالرجل. على انه لا يحتمل وجوب او جواز ابراز بدنها.

30 - و اما ان من يراد رجمه يؤمر باغتسال غسل الميت اولا ثم

يكفن و يحنط

فهو المشهور بين الاصحاب، بل قد يدعى عدم الخلاف فيه. و تدل عليه رواية مسمع كردين عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «المرجوم و المرجومة يغسلان و يحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان و يصلّى عليهما...»(1). و هي واضحة الدلالة على المطلوب الا انها ضعيفة السند بطرقها الأربع من عدة جهات فلاحظ. و لا يمكن الاعتماد عليها الا بناء على تمامية كبرى الجابرية.

31 - و اما انه يصلى على الزاني بعد رجمه و يدفن في مقابر

المسلمين

فهو واضح لاقتضاء القاعدة له، فان المرجوم لا يخرج عن الإسلام بارتكابه الذنب و رجمه. هذا مضافا الى دلالة بعض الروايات على ذلك، كصحيحة ابي مريم المتقدمة في الرقم 24 حيث ورد في آخرها ان المرأة المرجومة لما ماتت قيل للإمام عليه السّلام: «فكيف نصنع بها؟ قال: فادفعوها الى أوليائها و مروهم ان يصنعوا بها كما يصنعون بموتاهم»(2).


1) وسائل الشيعة 703:2 الباب 17 من أبواب غسل الميت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 380:18 الباب 16 من أبواب حدّ الزنا الحديث 5.

الثاني: اللواط‌
اشارة

حدّ اللائط و الملوط به - اذا كانا مكلفين - القتل بأحد الاساليب التالية:

1 - الاحراق بالنار.

2 - الدحرجة من شاهق مشدود اليدين و الرجلين.

3 - الضرب بالسيف ثم الاحراق بالنار.

4 - الرجم.

و حدّ اللواط مع الايقاب(1)ما تقدم، و مع عدمه - و ذلك بالتفخيذ - مائة جلدة، الا اذا تكرر مرتين مع الحد فانه يقتل في الثالثة.

و يثبت اللواط بالاقرار اربع مرات و بشهادة اربعة رجال عدول.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حدّ اللواط احد الامور المتقدمة

فهو المشهور بين الاصحاب، بل لعل الحكم في الملوط به كاد يبلغ حدّ التسالم. و تدل عليه صحيحة مالك عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان امير المؤمنين عليه السّلام قال لرجل اقرّ عنده باللواط اربعا: يا هذا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر ايهن شئت، قال: و ما هن يا امير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة منك ما بلغت او اهداب [اهداء](2)من جبل مشدود اليدين و الرجلين او احراق بالنار»(3)، و صحيحة عبد الرحمن العرزمي: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: وجد رجل مع رجل في امارة


1) لاط به: لصق به. و الايقاب: الادخال.

2) و في الوافي 335:15: او دهداء.

3) وسائل الشيعة 419:18 الباب 3 من ابواب حد اللواط الحديث 1.

عمر فهرب احدهما و اخذ الآخر فجيء به الى عمر فقال للناس: ما ترون في هذا؟ فقال هذا: اصنع كذا، و قال هذا: اصنع كذا. قال: فما تقول يا ابا الحسن؟ قال: اضرب عنقه فضرب عنقه. قال: ثم اراد ان يحمله فقال: مه انه بقي من حدوده شيء قال: أي شيء بقي؟ قال: ادع بحطب فدعا عمر بحطب فأمر به امير المؤمنين عليه السّلام فأحرق به»(1)، و موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: لو كان ينبغي لأحد ان يرجم مرتين لرجم اللوطي»(2).

و مورد بعض هذه الروايات و ان كان هو اللائط الا انه يمكن التعميم للملوط به اما بضم عدم القول بالفصل او لان المستفاد من الروايات ان عقوبة الملوط به اشد من عقوبة اللائط - فلاحظ صحيحة حماد بن عثمان: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل اتى رجلا، قال: عليه ان كان محصنا القتل، و ان لم يكن محصنا فعليه الجلد. قلت: فما على المؤتى به؟ قال: عليه القتل على كل حال محصنا كان او غير محصن»(3)- فاذا ثبت ما سبق في حق اللائط فيلزم ثبوته في حق الملوط به بالاولوية.

ثم ان المشهور ان حكم اللائط القتل حتى اذا لم يكن محصنا، و لكن بعض الروايات - كصحيحة حماد المتقدمة و غيرها - دلت على ان اللائط يجلد و لا يقتل فيما اذا لم يكن محصنا. و المناسب العمل على طبقها لمن لا يرى سقوط الرواية عن الحجية باعراض المشهور عن4.


1) وسائل الشيعة 420:18 الباب 3 من ابواب حد اللواط الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 420:18 الباب 3 من ابواب حد اللواط الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 417:18 الباب 1 من ابواب حد اللواط الحديث 4.

العمل بها.

ثم ان بعض الفقهاء ذكر في جملة أساليب القتل في اللواط القاء جدار على اللائط او الملوط به. و لا مستند لذلك سوى الفقه الرضوي(1)الذي لم يثبت كونه رواية. و مع التنزل فهو من قسم المراسيل.

2 - و اما تقييد ثبوت الحد على اللواط بحالة فرض التكليف

فباعتبار رفع القلم عن الصبي و المجنون. اجل يؤدب الصبي على ذلك لصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سمعته يقول: ان في كتاب علي عليه السّلام اذا أخذ الرجل مع غلام في لحاف مجردين ضرب الرجل و ادب الغلام. و ان كان ثقب و كان محصنا رجم»(2). و المراد من قوله: «ضرب الرجل» ضرب الحد و الا فهما في اصل الضرب مشتركان.

و يؤيد ذلك رواية ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «أتي امير المؤمنين عليه السّلام بامرأة و زوجها، قد لاط زوجها بابنها من غيره و ثقبه و شهد عليه بذلك الشهود فأمر به عليه السّلام فضرب بالسيف حتى قتل و ضرب الغلام دون الحد و قال: أما لو كنت مدركا لقتلتك لإمكانك اياه من نفسك بثقبك»(3)، فان سندها و ان كان ضعيفا من ناحية بكر بن صالح بل و من ناحية سهل و محمد بن سنان على قول الا ان ذلك لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.


1) مستدرك الوسائل 80:18.

2) وسائل الشيعة 421:18 الباب 3 من ابواب حد اللواط الحديث 7.

3) وسائل الشيعة 418:18 الباب 2 من ابواب حد اللواط الحديث 1.

الثالث: حدّ التفخيذ
3 - و اما ان حدّ التفخيذ من دون ايقاب مائة جلدة

فهو المشهور. و قد يستفاد من صحيحة ابي بصير المتقدمة، فان التعبير بقوله عليه السّلام: «و ان كان ثقب...» يدل على وقوع شيء من الرجل دون الثقب في مفروض الفقرة السابقة، و ليس هو الا التفخيذ. و مع فرض الاطلاق يلزم التقييد بالتفخيذ للاتفاق على عدم ثبوت مائة جلدة في النوم المجرد.

اجل ورد في صحيحة الحسين بن سعيد: «قرأت بخط رجل أعرفه الى ابي الحسن عليه السّلام و قرأت جواب ابي الحسن عليه السّلام بخطه: هل على رجل لعب بغلام بين فخذيه حد، فان بعض الصحابة روى انه لا بأس بلعب الرجل بالغلام بين فخذيه؟ فكتب: لعنة اللّه على من فعل ذلك. و كتب أيضا هذا الرجل و لم أر الجواب: ما حدّ رجلين نكح احدهما الآخر طوعا بين فخذيه ما توبته؟ فكتب القتل»(1)ان حدّ التفخيذ هو القتل. و لكنه لا يمكن الاعتماد عليها لان الرجل الكاتب مجهول. و تعبير ابن سعيد بقوله: «اعرفه» لا يدل على توثيقه، و لو دلّ فهو لا ينفي وجود الجارح المعارض بعد ما لم يذكر اسمه، و المفروض ان جواب الامام عليه السّلام لم يره ابن سعيد.

4 - و اما ان من تكرر منه التفخيذ مرتين و حدّ يقتل في الثالثة

فلإطلاق صحيحة يونس عن ابي الحسن الماضي عليه السّلام: «اصحاب


1) وسائل الشيعة 417:18 الباب 1 من ابواب حد اللواط الحديث 5.

الكبائر كلها اذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة»(1).

و قيل: بل يقتل في الرابعة. و كأن ذلك من باب القياس على الزاني، حيث تقدم ان من جلد ثلاث مرات قتل في الرابعة. الا ان القياس المذكور لا وجه له بعد دلالة الصحيحة المتقدمة على القتل في مطلق الكبائر في المرة الثالثة، و الخارج منها هو الزنا لا غير.

5 - و اما ان اللواط يثبت بالاقرار اربع مرات دون الاقل من ذلك

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة مالك بن عطية المتقدمة في الرقم 1، حيث ورد فيها: «فلما كان في الرابعة قال له: يا هذا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر...»(2)، فان اللواط لو كان يثبت بالاقرار ثلاثا او بمرة واحدة لم يكن وجه لتأخير العقوبة الى الاقرار الرابع.

و اما انه يثبت بشهادة اربعة رجال فباعتبار انه تقدم في بحث الشهادات تحت عنوان: «اختلاف الحقوق في الاثبات» ان كل اقرار واحد هو بمنزلة شهادة واحدة، فاذا كان اللواط لا يثبت بأقل من اربعة اقرارات فيلزم ان لا يثبت بأقل من اربع شهادات.

الرابع: السحق
اشارة

*الرابع: السحق(3)

حدّ السحق مائة جلدة. و مع التكرر مرتين مع الحد يلزم القتل في الثالثة.


1) وسائل الشيعة 313:18 الباب 5 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 422:18 الباب 5 من ابواب حد اللواط الحديث 1.

3) السّحق: دلك المرأة فرجها بفرج أخرى. و قد كني عنه في بعض الروايات باللواتي مع اللواتي، فلاحظ وسائل الشيعة الباب 24 من ابواب النكاح المحرم الحديث 4.

و يثبت - السحق - بأربعة رجال عدول.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حدّ السحق مائة جلدة

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة محمد بن ابي حمزة و هشام و حفص كلهم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال: حدها حد الزاني فقالت المرأة: ما ذكر اللّه ذلك في القرآن فقال: بلى. قالت: و أين هنّ؟ قال:

هن اصحاب الرّس»(1)

ثم انه لا بدّ ان يكون المقصود من ذكر السحق في القرآن الكريم هو ذكر اصله و ذاته لا حدّه و الا فحدّه لم يذكر في آية اصحاب الرس و لا في غيرها. و المنقول ان فعل قوم لوط هو اللواط و فعل اصحاب الرس هو المساحقة.

و غيرها. و المقصود من قوله عليه السّلام: «حدّها حدّ الزاني» الاشارة الى الجلد و لو بقرينة صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام: «السّحاقة تجلد»(2).

و المشهور ان ذلك حدّ للمحصنة أيضا. و قيل: بل ذلك حدّ غير المحصنة و اما هي فحدّها الرجم.

2 - و اما انه مع التكرر و اقامة الحد مرتين يلزم القتل في الثالثة

فقد تقدم وجهه عند بيان حدّ التفخيذ.

3 - و اما ان السحق يثبت بأربعة رجال

فقد تقدم وجهه في باب الشهادات.


1) وسائل الشيعة 424:18 الباب 1 من ابواب حد السحق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 425:18 الباب 1 من ابواب حد السحق الحديث 2.

الخامس: القذف
اشارة

حدّ القذف - و هو رمي الغير بالزنا او اللواط - ثمانون جلدة. و لا يثبت الا مع احصان المقذوف.

و لو قذف الوالد ولده لم يحد لأجله.

و اذا تقاذف شخصان درئ الحدّ عنهما و لكن يعزران.

و مع تكرر القذف من القاذف و حدّه مرتين يقتل في الثالثة.

و سابّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أو بضعته الطاهرة سلام اللّه عليها أو احد الائمة من ابنائها صلوات اللّه عليهم اجمعين يجب على سامعه قتله بلا حاجة الى الاستئذان من الحاكم الشرعي الا ان يخاف على نفسه الضرر.

و يثبت القذف بشهادة رجلين عادلين و بالاقرار مرة واحدة.

المستند في ذلك:

1 - اما ان حدّ القذف ثمانون جلدة

فيدل عليه صريح الكتاب العزيز: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (1). و مورده و ان كان خاصا برمي المحصنة الا انه يتعدى الى رمي المحصن اما بتنقيح المناط او بضم عدم القول بالفصل.

و بقطع النظر عن ذلك تكفينا صحيحة ابي بصير عن ابي جعفر عليه السّلام:

«امرأة قذفت رجلا قال: تجلد ثمانين جلدة»(2)و غيرها.

2 - و اما اعتبار احصان المقذوف في ثبوت الحدّ على القاذف

فهو


1) النور: 4.

2) وسائل الشيعة 432:18 الباب 2 من ابواب حد القذف الحديث 1.

مما لا خلاف فيه، اذ الآية الكريمة ان لم يكن لها مفهوم تنفي به الحدّ عن رمي غير المحصن فلا أقل من القصور في المقتضي فيتمسك بالبراءة.

و المراد من الاحصان العفة عن الزنا بنحو لا يكون الشخص متظاهرا به، فالمتظاهر لا حدّ في قذفه بل قد يحكم بعدم التعزير أيضا لعدم احترامه.

ثم انه يعتبر في ثبوت الحدّ مضافا الى احصان المقذوف امور اخرى، كإسلامه و بلوغه و عقله و حريته لدلالة الروايات على ذلك(1).

3 - و اما ان الاب لا يحدّ لو قذف ولده

فلصحيحة محمد بن مسلم:

«سألت ابا جعفر عليه السّلام عن رجل قذف ابنه بالزنا قال: لو قتله ما قتل به و ان قذفه لم يجلد له...»(2).

و السند تام، فان الشيخ الكليني رواها عن شيخه علي بن ابراهيم بسند صحيح عن محمد بن مسلم، و الشيخ قد رواها بدوره أيضا عن علي بن ابراهيم بالسند السابق الصحيح عن محمد بن مسلم. و الشيخ و ان لم يكن معاصرا لعلي بن ابراهيم و لا يمكن ان يروي عنه مباشرة الا انه قد ذكر طريقه اليه في المشيخة و الفهرست، و هو في كليهما صحيح فلاحظ‌(3).

4 - و اما ان المتقاذفين يعزران من دون حدّ

فهو مما لا خلاف فيه.

و تدل عليه صحيحة ابي ولاد الحناط: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: أتي


1) وسائل الشيعة الباب 1، 4، 5 من أبواب حد القذف.

2) وسائل الشيعة 447:18 الباب 14 من أبواب حد القذف الحديث 1.

3) مشيخة تهذيب الاحكام: 29 و الفهرست: 89 الرقم 370.

امير المؤمنين عليه السّلام برجلين قذف كل واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه قال: فدرأ عنهما الحد و عزرهما»(1)

ثم ان الوارد في الفقيه 39:4 «قذف كل واحد منهما صاحبه في بدنه...» من دون كلمة «بالزنا». و الظاهر ان احدى الكلمتين: «بالزنا»، «في بدنه» زائدة.

و غيرها.
5 - و اما ان القاذف يقتل في الثالثة لو حدّ مرتين حدّ القذف

فقد تقدم وجهه في حدّ التفخيذ.

6 - و اما ان ساب النبي صلّى اللّه عليه و آله يقتله السامع

فهو مما لا خلاف فيه.

و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «ان رجلا من هذيل كان يسبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الانصار فقالا: نحن يا رسول اللّه فانطلقا حتى أتيا عربة(2)فسألا عنه فاذا هو يتلقى غنمه فقال: من أنتما و ما اسمكما؟ فقالا له:

أنت فلان بن فلان؟ قال: نعم، فنزلا فضربا عنقه. قال محمد بن مسلم فقلت لأبي جعفر عليه السّلام: أ رأيت لو ان رجلا الآن سبّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أ يقتل؟ قال: ان لم تخف على نفسك فاقتله»(3).

و اما الحاق البضعة الطاهرة و أولادها الائمة الطيبين الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين بالنبي صلّى اللّه عليه و آله فهو لا يحتاج الى دليل خاص بعد الضرورة الثابتة من الخارج على كون حكم الجميع واحدا.

و قد يستفاد المطلوب من صحيحة هشام بن سالم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل سبابة لعلي عليه السّلام؟ فقال لي: حلال الدم


1) وسائل الشيعة 451:18 الباب 18 من أبواب حد القذف الحديث 2.

2) عربة اسم موضع كان بالقرب من المدينة. و في بعض النسخ: عرنة - كهمزة - الذي هو الموضع المعروف في عرفات.

3) وسائل الشيعة 460:18 الباب 25 من أبواب حد القذف الحديث 3.

و اللّه لو لا ان تعمّ به بريئا»(1)

ثم انه ورد في هامش الكافي 270:7 نقلا عن العلاّمة المجلسي في مقام التعليق على جملة «لو لا ان تعم به بريئا» ما نصه: «اي انت او البلية بسبب القتل من هو بريء منه».

.
7 - و اما عدم الحاجة الى استئذان الحاكم الشرعي

فقد يستفاد من اطلاق الروايات المتقدمة.

و اذا نوقش بان ما صدر من الامام عليه السّلام هو اذن خاص منه و لا يمكن استفادة عدم اعتبارها من الاطلاق امكن التمسك بصحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عمن شتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال عليه السّلام:

يقتله الادنى فالادنى قبل ان يرفع الى الامام»(2).

و اما اعتبار عدم خوف الضرر فهو مقتضى قاعدة نفي الضرر، مضافا الى التصريح بذلك في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في الرقم 6.

8 - و اما ان القذف يثبت بالبينة و الاقرار مرة واحدة

فلإطلاق دليل حجيتهما، و الخروج عنه يحتاج الى دليل و هو مفقود. و قد تقدم في كتاب الشهادات تحت عنوان «اختلاف الحقوق في الاثبات» ما ينفع في المقام فراجع.

السادس: شرب المسكر
اشارة

الحدّ في شرب الخمر و بقية المسكرات ثمانون جلدة يضرب الشارب مجردا من الثياب بين الكتفين ان كان رجلا و من فوق الثياب ان كان امرأة.


1) وسائل الشيعة 461:18 الباب 27 من أبواب حد القذف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 554:18 الباب 7 من أبواب حد المرتد الحديث 1.

و من حدّ مرتين لشرب الخمر قتل في الثالثة.

و يثبت الشرب بشهادة عدلين او الاقرار مرة واحدة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حدّ شرب الخمر ثمانون جلدة

فهو مما لا خلاف فيه.

و تدل عليه روايات كثيرة، كصحيحة بريد بن معاوية: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: ان في كتاب علي عليه السّلام يضرب شارب الخمر ثمانين، و شارب النبيذ ثمانين»(1).

و اما ان ذلك حدّ شرب بقية المسكرات أيضا فلصحيحة الكناني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كل مسكر من الاشربة يجب فيه كما يجب في الخمر من الحد»(2)و غيرها.

2 - و اما ان الشارب يضرب مجردا من الثياب بين الكتفين ان كان

رجلا

فتدل عليه صحيحة ابي بصير: «سألته عن السكران و الزاني، قال:

يجلدان بالسياط مجردين بين الكتفين»(3). و اضمارها لا يضر بحجيتها بعد ما كان المضمر من اجلاء الاصحاب الذين لا يحتمل في حقهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام.

و اما ان المرأة تضرب من وراء الثياب فيكفي لا ثباته القصور في المقتضي. هذا مضافا الى ان المرأة عورة و لا يحتمل اعتبار تجريدها من الثياب.

3 - و اما ان من حدّ على شرب الخمر مرتين قتل في المرة الثالثة


1) وسائل الشيعة 468:18 الباب 4 من ابواب حد المسكر الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 473:18 الباب 7 من ابواب حد المسكر الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 474:18 الباب 8 من ابواب حد المسكر الحديث 1.

فقد تقدم وجهه في حدّ التفخيذ.

4 - و اما ان شرب المسكر يثبت بشهادة عدلين او بالاقرار مرة

واحدة

فقد تقدم وجهه في حدّ القذف.

السابع: السرقة
اشارة

الحدّ في السرقة قطع الاصابع الاربع للسارق من اليد اليمنى مع ترك الراحة و الابهام، فان تكررت منه قطعت رجله اليسرى من وسطها، فان تكررت منه ثالثة خلّد في الحبس الى ان يموت، و ان تكررت منه رابعة في الحبس قتل.

و لا يحدّ السارق الا اذا كانت قيمة المسروق بمقدار ربع مثقال ذهب بوزن 18 حبة. هذا هو المشهور. و قيل بكفاية كونه بمقدار خمس المثقال المتقدم.

كما لا يحدّ الا اذا كان المال في مكان محرز لم يؤذن بالدخول فيه.

و المشهور ان السرقة لا تثبت الا بشهادة عدلين او الاقرار مرتين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الحدّ في السرقة ما ذكر

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه موثقة سماعة بن مهران: «اذا اخذ السارق قطعت يده من وسط الكف، فان عاد قطعت رجله من وسط القدم، فان عاد استودع السجن، فان سرق في السجن قتل»(1)و غيرها.

و الموثقة اذا كانت مقطوعة(2)بطريق الشيخ الكليني فهي مسندة


1) وسائل الشيعة 493:18 الباب 5 من أبواب حد السرقة الحديث 4.

2) الرواية المقطوعة هي الرواية التي ينقل الراوي فيها الحكم من دون اسناد الى الامام عليه السّلام و لا ذكر ضمير يحتمل رجوعه اليه، بخلاف المضمرة، فانه يفترض فيها ذكر ضمير يحتمل رجوعه الى الامام عليه السّلام من قبيل: «قلت له:...».

الى الامام عليه السّلام في طريق الشيخ الطوسي(1).

و اذا كانت - الموثقة - مجملة من حيث المقدار المقطوع فبملاحظة موثقة اسحاق بن عمار عن ابي ابراهيم عليه السّلام: «تقطع يد السارق و يترك ابهامه و صدر راحته و تقطع رجله و يترك له عقبه يمشي عليها»(2)يرتفع ذلك.

و اما صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: من اين يجب القطع؟ فبسط اصابعه و قال من هاهنا، يعني من مفصل الكف»(3)فهي ساقطة عن الاعتبار بعد هجران الاصحاب لمضمونها.

2 - و اما اعتبار كون المسروق بمقدار ربع مثقال ذهب

فهو المشهور. و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

في كم يقطع السارق؟ قال: في ربع دينار. قلت له: في درهمين؟ قال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ. قلت له: أ رأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ و هل هو عند اللّه سارق؟ فقال:

كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه و احرزه فهو يقع عليه اسم السارق و هو عند اللّه سارق و لكن لا يقطع الا في ربع دينار او اكثر، و لو قطعت ايدي السراق فيما أقلّ هو من ربع دينار لألفيت عامة الناس مقطعين»(4).


1) لاحظ ذيل الحديث في وسائل الشيعة.

2) و لا ذكر ضمير يحتمل رجوعه اليه، بخلاف المضمرة، فانه يفترض فيها ذكر ضمير يحتمل رجوعه الى الامام عليه السّلام من قبيل: «قلت له:...».

3) وسائل الشيعة 489:18 الباب 4 من أبواب حد السرقة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 482:18 الباب 2 من أبواب حد السرقة الحديث 1.

و هناك روايات تدل على التحديد بغير ذلك من قبيل صحيحة محمد بن مسلم الاخرى عن ابي جعفر عليه السّلام: «أدنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار»(1)و غيرها. و المعارضة بينهما مستقرة.

و قد يقال: ان المناسب تقديم الثانية لموافقتها لإطلاق الكتاب، فان مقتضى اطلاق الآية الكريمة وجوب القطع في السرقة مطلقا و لكن علم من الخارج عدم ثبوت القطع في الاقل من الخمس فترفع اليد عن الاطلاق بهذا المقدار، و اما التقييد بمقدار ازيد فحيث انه غير معلوم فيلزم الاخذ بالاطلاق بلحاظه و يكون حجة و مرجحا للطائفة الثانية على الاولى.

3 - و اما اعتبار ان يكون المال في مكان محرز لا اذن بالدخول

فيه

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه موثقة السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قال امير المؤمنين عليه السّلام: كل مدخل يدخل فيه بغير اذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه، يعني الحمامات و الخانات و الارحية(2)»(3)، و هكذا موثقته الاخرى: «لا يقطع الا من نقب بيتا او كسر قفلا»(4).

4 - و اما ثبوت السرقة بشهادة عدلين

فهو لإطلاق دليل حجية البينة.

و اما اعتبار الاقرار مرتين فلرواية جميل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «لا


1) وسائل الشيعة 483:18 الباب 2 من أبواب حد السرقة الحديث 3.

2) الارحية جمع رحى.

3) وسائل الشيعة 509:18 الباب 18 من أبواب حد السرقة الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 509:18 الباب 18 من أبواب حد السرقة الحديث 3.

يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين...»(1)و غيرها.

و دلالة الرواية و ان كانت واضحة الا ان في سندها علي بن السندي الذي قد يتأمل في وثاقته باعتبار عدم النص عليها في كتب الرجال، و هكذا بقية الروايات فان سندها ضعيف كما يتضح من خلال المراجعة. و مع التنزل فهي معارضة بصحيحة الفضيل عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان اقرّ الرجل الحر على نفسه مرة واحدة عند الامام قطع»(2). و بعد التعارض يعود التمسك بقاعدة «اقرار العقلاء على انفسهم جائز» لإثبات حجية الاقرار مرة واحدة بلا مانع.

ثم ان هذا كله بالنسبة الى الحدّ. و اما الغرم فلا خلاف في لزومه بالاقرار مرة واحدة لإطلاق قاعدة الاقرار و عدم المقيد لها من هذه الناحية.

الثامن: المحاربة و الافساد
اشارة

المحارب - و هو من شهر السلاح لإخافة الناس و الافساد في الارض - يقتل او يصلب او يقطع مخالفا(3)أو ينفى من الارض.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حدّ المحارب ما ذكر

فواضح بعد دلالة صريح الآية الكريمة عليه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ


1) وسائل الشيعة 488:18 الباب 3 من أبواب حد السرقة الحديث 6.

2) وسائل الشيعة 488:18 الباب 3 من أبواب حد السرقة الحديث 3.

3) بان تقطع يده اليمنى مع رجله اليسرى.

أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (1).

و قد وقع الكلام في ان الانحاء الاربعة المذكورة هل هي ثابتة بنحو التخيير لولي الامر أو هي بنحو الترتيب حسب اختلاف الجناية.

و لو خلينا نحن و الآية الكريمة لاستفدنا منها التخيير خصوصا بعد ملاحظة صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... كل شيء في القران أو فصاحبه بالخيار يختار ما شاء»(2)، الا ان في المقابل روايات قد يستفاد منها الترتيب. و كلمات الفقهاء في المقام مضطربة تبعا لاضطراب الروايات.

2 - التعزير

اشارة

كل من خالف الشريعة بفعل محرم او ترك واجب من دون عذر و لم يرد تحديد شرعي لمقدار عقوبته عاقبه الحاكم الشرعي بما يراه صلاحا. و في بعض الروايات تحديد ذلك بما دون اربعين ضربة.

و المستند في ذلك أمران:

1 - ان المحافظة على النظام قضية لا بدّ منها

، و قد اهتم بها الإسلام، و هي لا تتحقق الا بتشريع التعزير على مخالفة اي مقرر شرعي. و حيث ان منح هذا الحق لجميع الناس امر غير محتمل لأنه بدوره يوجب اختلال النظام فلا بدّ من ثبوته لطائفة معينة، و بما ان القدر


1) المائدة: 33.

2) وسائل الشيعة 295:9 الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1.

المتيقن من ذلك هو الحاكم الشرعي فيتعين اختصاص الحق به.

و مما يؤكد ذلك فعل امير المؤمنين عليه السّلام - حيث كان يراقب الاسواق و يعزر كل من خالف المقررات الشرعية - و الروايات الخاصة الواردة في الموارد المتفرقة، كصحيحة ابي العباس عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«قلت له: ما للرجل يعاقب به مملوكه؟ فقال: على قدر ذنبه»(1)الواردة في تأديب المملوك، و موثقة اسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

«ربما ضربت الغلام في بعض ما يجرم قال: و كم تضربه؟ قلت: ربما ضربته مائة فقال: مائة؟! مائة؟! فأعاد ذلك مرتين. ثم قال: حدّ الزنا؟! اتق اللّه. فقلت: جعلت فداك فكم ينبغي لي أن اضربه؟ فقال: واحدا. فقلت:

و اللّه لو علم اني لا اضربه الا واحدا ما ترك لي شيئا الا افسده قال:

فاثنين فقلت: هذا هو هلاكي قال: فلم ازل أماكسه حتى بلغ خمسة ثم غضب فقال: يا اسحاق ان كنت تدري حدّ ما اجرم فاقم الحدّ فيه و لا تعدّ حدود اللّه»(2)الواردة في تأديب الغلام.

2 - صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحدّ. قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، و لكن دون اربعين فانها حدّ المملوك. قلت: و كم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوة بدنه»(3)و ما كان بمضمونها.

و سند الصحيحة بطريق الشيخ الكليني و ان كان قد يتأمل فيه من ناحية المعلى بن محمد - حيث انه لم يوثق بل ضعّف - الا انه بطريق


1) وسائل الشيعة 339:18 الباب 30 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 339:18 الباب 30 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 2.

3) وسائل الشيعة 584:18 الباب 10 من ابواب بقية الحدود الحديث 3.

الشيخ الصدوق لا خدشة فيه فلاحظ.

3 - اقامة الحدود في عصر الغيبة

اشارة

يجوز للحاكم الشرعي اقامة الحدود في عصر الغيبة.

و المستند في ذلك أمران:

1 - ان الحكمة المقتضية لتشريع الحدود
• و هي الوقوف امام الفساد و الفجور - لا يحتمل اختصاصها بعصر الحضور.
2 - التمسك باطلاق ادلة وجوب اقامة الحدود،

كقوله تعالى:

اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (1)، وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (2)، فانه يقتضي وجوب اقامة الحدود في كل زمان، و حيث لا يحتمل جواز تصدي اي شخص لذلك - للزوم محذور اختلال النظام - فيلزم تصدي طائفة خاصة لذلك، و القدر المتيقن منها هو المجتهدون العدول.

و تؤيد ذلك رواية اسحاق بن يعقوب: «سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السّلام: اما ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبتك الى ان قال: و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه...»(3)، فان اسحاق و ان لم يذكر


1) النور: 2.

2) المائدة: 38.

3) وسائل الشيعة 101:18 الباب 11 من ابواب صفات القاضي الحديث 9.

بتوثيق في كتب الرجال الا ان ذلك لا يمنع من التمسك بها على مستوى التأييد.

و اذا قيل: ان التمسك بالوجهين المذكورين تام لو لم يقم دليل على حصر وظيفة اقامة الحدود بالامام عليه السّلام، و ذلك الدليل موجود، و هو رواية دعائم الإسلام عن الامام الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام: «لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة الا بامام عدل»(1). و قريب منها رواية الجعفريات(2).

قلنا: يلزم حمل الرواية المذكورة على كون المقصود ان ذلك لا يصلح لغير الامام عليه السّلام مع افتراض حضوره و عدم غيبته، اي يلزم حملها على زمن الحضور و الا فهل يحتمل عدم جواز الحكم لغير الامام عليه السّلام في زمان الغيبة؟! ان لازم ذلك الفوضى و عدم استقرار النظام.

هذا لو قطعنا النظر عن سند الدعائم و الا فالمناقشة أوضح باعتبار ان رواياته مراسيل لم يذكر اسنادها.2.


1) مستدرك الوسائل 13:6 الباب 5 من ابواب صلاة الجمعة الحديث 4.

2) مستدرك الوسائل 13:6 الباب 5 من ابواب صلاة الجمعة الحديث 2.

كتاب القصاص

اشارة

1 - القصاص و أقسامه

2 - قصاص النفس

3 - وسائل اثبات القتل عمدا

4 - من احكام قصاص النفس

5 - قصاص ما دون النفس

1 - القصاص و اقسامه

اشارة

القصاص - بكسر القاف و هو الجزاء على الجناية بمثلها - مشروع بل حياة للبشرية.

و هو يتعلق بالنفس تارة و بما دونها اخرى.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان القصاص ما ذكر

فهو من واضحات اللغة و الفقه.

2 - و اما انه مشروع

فهو من ضروريات الإسلام.

و الاشكال على تشريعه بانه مخالف للإنسانية و العاطفة ناشئ عن الجهل او التجاهل بفلسفته.

و قد اشار الكتاب الكريم في كثير من آياته الى تشريع القصاص، و في بعضها الاشارة الى فلسفته، كقوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ (1)، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ


1) البقرة: 179.

قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً (1)، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى... (2)، وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ (3)، وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (4)، وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ... (5).

و يدل على ذلك بالعموم قوله تعالى: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (6)، وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (7)، وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ (8)، وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ (9).

ثم ان الآيات الكريمة المذكورة كما دلت على شرعية القصاص دلت أيضا على حرمة قتل المؤمن ظلما بل ان ذلك من ضروريات الإسلام، و النصوص الدالة على ذلك كثيرة(10).

و كما يحرم قتل الانسان الآخر يحرم أيضا قتل الانسان نفسه، و ذلك مما لا ينبغي التأمل فيه. و قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: وَ لاس.


1) المائدة: 32.

2) البقرة: 178.

3) الانعام: 151.

4) الاسراء: 33.

5) المائدة: 45.

6) الشورى: 41.

7) الشورى: 40.

8) النحل: 126.

9) البقرة: 194.

10) راجع وسائل الشيعة 2:19 الباب الاول و ما بعده من ابواب القصاص في النفس.

تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً (1). و قد روى ابو ولاد الحناط في صحيحة:

«سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها»(2).

ثم ان حرمة قتل الانسان الآخر لا تختص بما اذا كان واجدا للروح بل تعمّ الحمل الذي هو نطفة أو علقة. و تدل على ذلك موثقة اسحاق بن عمار: «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها، قال: لا، فقلت: انما هو نطفة فقال: ان اول ما يخلق نطفة»(3).

و بهذا اتضح ان الحرمة تعم ما اذا كان الحمل من الزنا لإطلاق الموثقة. و يأتي في باب الديات ان شاء اللّه تعالى ثبوت الدية في اسقاط الحمل و بيان مقدارها.

2 - قصاص النفس

اشارة

لا يثبت الحق لأولياء المقتول في الاقتصاص من القاتل الا اذا تمت الشروط التالية:

الاول: ان يكون القتل بنحو العمد.

الثاني: التساوي في الحرية و العبودية، فيقتل الحر بالحر و العبد بالعبد و لا


1) النساء: 29-30.

2) وسائل الشيعة 13:19 الباب 5 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 15:19 الباب 7 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

يقتل الحر بالعبد بل يغرم قيمته يوم قتله مع تعزيره بالضرب الشديد.

الثالث: التساوي في الدين، فلا يقتل المسلم بالكافر - و ان لزم تعزيره فيما اذا لم يكن القتل جائزا - بل يغرم ديته لو كان ذميا.

الرابع: ان لا يكون القاتل ابا للمقتول فلا يقتل الاب بقتله لابنه بل يعزر و يلزم بالدية.

الخامس: ان يكون القاتل بالغا عاقلا و الا فلا يقتل و تلزم العاقلة بالدية.

السادس: ان يكون المقتول محقون الدم فلا قصاص في القتل السائغ، كقتل سابّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أو أحد الائمة عليهم السّلام أو قتل المهاجم دفاعا و ما شاكل ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان حق القصاص لا يثبت الا اذا كان القتل بنحو العمد
اشارة

فهو مما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه الا ان يرضى اولياء المقتول ان يقبلوا الدية، فان رضوا بالدية و احبّ ذلك القاتل فالدية»(1)و غيرها.

و لا اشكال في ظهور الصحيحة في ثبوت حق القصاص في موارد القتل العمدي، و اما ظهورها في نفيه في غير ذلك فلو شكك فيه فبالامكان الاستعانة بالنصوص الدالة على ثبوت الدية و نفي القصاص في موارد القتل خطأ و الشبيه بالعمد، كقوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ (2)فانه باطلاقه يدل


1) وسائل الشيعة 37:19 الباب 19 من ابواب قصاص النفس الحديث 3.

2) النساء: 92.

على ان الخطأ بكلا قسميه تثبت فيه الدية دون القصاص.

و الحكم متسالم عليه بيننا و ان نسب الى مالك القول بلزوم القود في الشبيه بالعمد. و علّق صاحب الجواهر على ذلك بقوله: «لكن الاجماع و السنة بل و الكتاب على خلافه ضرورة عدم صدق قتل المؤمن متعمدا عليه»(1).

متى يصدق القتل متعمدا؟

ثم انه لا اشكال عرفا في صدق القتل متعمدا فيما اذا قصد القاتل القتل بآلة يتحقق بها القتل غالبا. و اما اذا قصده بآلة لا يتحقق بها القتل الا نادرا او لم يقصده و لكن كانت الآلة يتحقق بها القتل غالبا فلا يبعد صدقه أيضا.

اما في الحالة الاولى فلفرض القصد الى القتل فيها و هو كاف عرفا لصدق القتل متعمدا. و قد يستدل عليه أيضا بصحيحة الحلبي:

«قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: العمد كل ما اعتمد شيئا(2)فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة(3)فهذا كله عمد، و الخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره»(4)و غيرها، فان الوكزة و نحوها ليست من الوسائل القاتلة غالبا و بالرغم من ذلك عدت الاستعانة بها من مصاديق القتل العمدي، و ما ذاك الا لتحقق القصد الى القتل.


1) جواهر الكلام 4:43.

2) اي قصد شيئا.

3) الوكز: الضرب بجميع الكف.

4) وسائل الشيعة 24:19 الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3.

و اما في الحالة الثانية فلان الاستعانة بالآلة التي يعلم بترتب القتل عليها عادة لا تنفك عن قصده بالتبع. و تؤكد ذلك صحيحة ابي العباس الفضل بن عبد الملك عن عبد الملك عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد. قال: سألته عن...»(1)، فان مقتضى اطلاقها ان الضرب بالحديدة - الذي هو مما يترتب عليه القتل عادة - هو من مصاديق القتل العمدي و ان لم يقصد الضارب القتل.

و سند الرواية و ان كان ضعيفا بطريق الكليني و الشيخ الا انه صحيح بطريق الشيخ الصدوق، و هو كاف لاعتبار الرواية. و صدر الرواية «اذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» و ان لم يكن مذكورا في طريق الكليني و الشيخ الا ان ذلك ليس بمهم بعد كونه مذكورا في الطريق الصحيح و هو طريق الشيخ الصدوق.

اقسام القتل

ثم ان القتل على اقسام ثلاثة: القتل عمدا، و القتل الشبيه بالعمد، و القتل بنحو الخطأ المحض المعبر عنه في بعض الروايات بالقتل الذي لا شك فيه(2).

و الفارق بينها ان القاتل اذا كان قاصدا للقتل او كانت الآلة التي استعان بها قاتلة غالبا فالقتل عمدي.

و اذا كان قاصدا لفعل معين من دون قصد القتل و لا ترتب القتل


1) وسائل الشيعة 26:19 الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الحديث 9.

2) لاحظ الباب 11 من ابواب القصاص في النفس من الوسائل الأحاديث 7، 9، 13، 17، 19.

عليه غالبا فالقتل شبيه بالعمد، كالضرب تأديبا بالعصا فيتفق القتل و كإجراء الطبيب عملية جراحية لا يترتب عليها الموت عادة فيتفق حصوله من دون قصده.

و اذا كان غير قاصد للفعل المعين فضلا عن فرض قصد القتل أو كون الآلة قاتلة غالبا فالقتل بنحو الخطأ المحض، كمن وجّه طلقة مسدسه الى حيوان فأصابت انسانا او كان يصلحه فانطلقت منه رصاصة فقتلت انسانا.

و حكم القتل العمدي القصاص الا مع التراضي على الدية في حين ان حكم القتل في النحوين الاخيرين هو الدية، غايته في القتل الشبيه بالعمد يتحملها القاتل لكنها في القتل خطأ تتحملها عاقلة الجاني.

2 - و اما ان الحر يقتل بالحر و العبد بالعبد

فمما لا اشكال فيه، و هو القدر المتيقن من مورد تشريع القصاص و قد قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ (1).

و اما ان الحرّ لا يقتل بالعبد فلم يعرف فيه خلاف للروايات الكثيرة، كصحيحة ابي بصير عن أحدهما عليهما السّلام: «قلت له: قول اللّه عز و جل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فقال: لا يقتل حر بعبد و لكن يضرب ضربا شديدا و يغرم ثمنه دية العبد»(2)و غيرها.

اجل ورد في بعض الروايات ما يدل على الخلاف، كموثقة


1) البقرة: 178.

2) وسائل الشيعة 70:19 الباب 40 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

اسماعيل بن ابي زياد(1)عن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السّلام: «انه قتل حرا بعبد قتله عمدا»(2)، و موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السّلام: «ليس بين الرجال و النساء قصاص الا في النفس و ليس بين الأحرار و المماليك قصاص الا في النفس...»(3)، و موثقة السكوني الاخرى عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السّلام: «ليس بين العبيد و الاحرار قصاص فيما دون النفس»(4).

الا ان الروايات الثلاث المذكورة و ان كانت دلالة بعضها واضحة غير انها ساقطة عن الاعتبار اما لهجران الاصحاب لمضمونها او لمخالفتها للكتاب الكريم حيث يستفاد من الآية المتقدمة ان الحر لا يقتل بالعبد فلاحظ.

3 - و اما ان المدار على قيمة العبد يوم قتله

فلانه اليوم الذي تشتغل فيه ذمة القاتل بالقيمة.

4 - و اما اعتبار التساوي في الدين

فلم يعرف فيه خلاف للنصوص المتعددة، كصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام: «لا يقاد مسلم بذمي في القتل و لا في الجراحات و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم»(5)و غيرها.

و مورد النصوص و ان كان هو الذمي الا انه يتعدى الى غيره -


1) و هو المعروف بالسكوني.

2) وسائل الشيعة 72:19 الباب 40 من ابواب القصاص في النفس الحديث 9.

3) وسائل الشيعة 139:19 الباب 22 من ابواب قصاص الطرف الحديث 2.

4) وسائل الشيعة 139:19 الباب 22 من ابواب قصاص الطرف الحديث 3.

5) وسائل الشيعة 80:19 الباب 47 من ابواب القصاص في النفس الحديث 5.

كالحربي و المستأمن - بالاولوية القطعية التي هي واضحة بلحاظ المستأمن أيضا لان الذمي مستأمن و زيادة فاذا ثبت الحكم له ثبت لمن دونه بالاولوية القطعية.

5 - و اما لزوم التعزير

فلما تقدم في البحث عن الحدود من ثبوته على ارتكاب اي محرم من المحرمات.

6 - و اما لزوم دفع الدية لو كان المقتول ذميا

فلصحيحة محمد بن قيس المتقدمة.

7 - و اما اعتبار ان لا يكون القاتل ابا للمقتول

فهو مما لا خلاف فيه لصحيحة حمران عن أحدهما عليهما السّلام: «لا يقاد والد بولده و يقتل الولد اذا قتل والده عمدا»(1)و غيرها.

و اما انه يعزر فلما تقدم من ثبوته على ارتكاب اي محرم.

و اما لزوم دفع الدية فلقاعدة «ان دم المسلم لا يذهب هدرا» المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان و عبد اللّه بن بكير جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في رجل وجد مقتولا لا يدرى من قتله، قال: ان كان له اولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين و لا يبطل دم امرئ مسلم لان ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الامام...»(2)و غيرها.

على ان صحيحة ظريف قد دلت في ذيلها على ذلك حيث ورد فيها: «و يكون له الدية و لا يقاد»(3).


1) وسائل الشيعة 56:19 الباب 32 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 109:19 الباب 6 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 58:19 الباب 32 من ابواب القصاص في النفس الحديث 10.

8 - و اما اعتبار ان يكون القاتل بالغا عاقلا

فأمر لا خلاف فيه لحديث رفع القلم(1)المشتهر بين الاصحاب. اجل هو لا يدل على لزوم تحمل العاقلة للدية، و لا بدّ من الاستناد في ذلك الى الروايات الخاصة، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «كان امير المؤمنين عليه السّلام يجعل جناية المعتوه على عاقلته خطأ كان أو عمدا»(2)، و موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه: «ان عليا عليه السّلام كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة»(3)و غيرهما.

9 - و اما اعتبار ان يكون المقتول محقون الدم

فواضح اذ بعد جواز القتل لا معنى للاقتصاص من القاتل بل لا مجال أيضا لاحتمال ثبوت الدية.

3 - وسائل اثبات القتل عمدا

اشارة

يثبت القتل عمدا بوسائل ثلاث: الاقرار و لو مرة واحدة، و بالبينة بمعنى شهادة رجلين عدلين، و بالقسامة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت القتل عمدا باقرار القاتل

فلإطلاق دليل حجية الاقرار المتمثل في السيرة العقلائية على نفوذ اقرار كل عاقل عليه. و تؤكد ذلك صحيحة الفضيل: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: و من أقرّ على نفسه عند الامام


1) وسائل الشيعة 30:1 الباب 4 من ابواب مقدمة العبادات.

2) وسائل الشيعة 307:19 الباب 11 من ابواب العاقلة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 307:19 الباب 11 من ابواب العاقلة الحديث 3.

بحق حد من حدود اللّه في حقوق المسلمين فليس على الامام ان يقيم عليه الحد الذي أقرّ به عنده حتى يحضر صاحب الحق او وليه فيطالبه بحقه، قال: فقال له بعض اصحابنا: يا ابا عبد اللّه فما هذه الحدود التي اذا اقرّ بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال:

اذا اقرّ على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق اللّه، و اذا اقرّ على نفسه انه شرب خمرا حدّه فهذا من حقوق اللّه، و اذا اقرّ على نفسه بالزنا و هو غير محصن فهذا من حقوق اللّه. قال: و اما حقوق المسلمين فاذا اقرّ على نفسه عند الامام بفرية لم يحدّه حتى يحضر صاحب الفرية او وليه. و اذا اقرّ بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر اولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم»(1).

هذا و المنسوب الى جماعة - كالشيخ و ابن ادريس و غيرهما - اعتبار الاقرار مرتين. و علّق صاحب الجواهر على ذلك بقوله: «و لا نعرف له وجها الا الاحتياط في الدماء الذي لا يعارض الادلة. مع انه معارض بمثله و عدم بطلان دم المسلم»(2).

و ما ذكره وجيه. و يمكن ان يضاف اليه بان ذلك لو تمّ فلازمه اعتبار الاقرار اربع مرات فان ذلك معتبر في الزنا، و القتل ليس بأدون منه.

2 - و اما ثبوت ذلك بالبينة

فلانصراف كلمة البينة في قوله صلّى اللّه عليه و آله:

«البينة على من ادعى»(3)، و قوله: «انما اقضي بينكم بالبينات


1) وسائل الشيعة 344:18 الباب 32 من ابواب مقدمات الحدود الحديث 1.

2) جواهر الكلام 204:42.

3) وسائل الشيعة 170:18 الباب 3 من ابواب الشهادات الحديث 1.

و الايمان»(1)الى شهادة رجلين عدلين. و على تقدير التشكيك في الانصراف المذكور يمكن التمسك بالاطلاق المقامي، فان الوسيلة المعروفة للإثبات هي شهادة رجلين عدلين، و السكوت عن تحديد البينة لا بدّ ان يكون اعتمادا على ذلك.

3 - و اما القسامة
اشارة

(2)فالاتكال عليها كوسيلة للإثبات مخالف للقاعدة الاولية، اذ مقتضى قاعدة «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه» ان كل من ادعى شيئا فلا تثبت دعواه الا اذا اقام البينة عليها، و لكن شذّ من ذلك مورد الدم فان ولي المقتول اذا ادعى ان القاتل فلان فان كانت له بينة على ذلك حكم بصدق دعواه و ان لم تكن له بينة فالمناسب للقاعدة المتقدمة وصول النوبة الى يمين المدعى عليه، و لكن لأجل النصوص الخاصة انعكست القاعدة في ذلك فالمدعى عليه لا يمكنه دفع الدعوى عن نفسه باليمين بل ينحصر دفعها بالبينة التي تشهد بنفي نسبة القتل اليه، و اذا لم تكن له بينة فبامكان المدعي اثبات دعواه من خلال حلف خمسين رجلا من أقاربه أو غيرهم على صدق دعواه. و قد دلت على ذلك عدة نصوص، كصحيحة بريد بن معاوية عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن القسامة فقال: الحقوق كلها البينة على


1) وسائل الشيعة 169:18 الباب 2 من ابواب الشهادات الحديث 1.

2) القسامة - بفتح القاف - هي الايمان التي يؤديها جماعة او هي الجماعة التي تؤدي الايمان. و يحتمل صدقها عليهما معا. و قد قيل بان القسامة كانت جاهلية و قد اقرها الإسلام. و يظهر من بعض الاخبار انها سنّة شرّعها الرسول صلّى اللّه عليه و آله، فلاحظ رواية ابي بصير: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن القسامة اين كان بدوها؟ فقال: كانت من قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما كان بعد فتح خيبر تخلّف رجل من الانصار...» وسائل الشيعة 118:19 الباب 10 من ابواب دعوى القتل الحديث 5. بناء على قراءة «قبل» بكسر الاول و فتح الثاني.

المدعي و اليمين على المدعى عليه الا في الدم خاصة فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بينما هو بخيبر اذ فقدت الانصار رجلا منهم فوجدوه قتيلا فقالت الانصار: ان فلان اليهودي قتل صاحبنا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للطالبين: اقيموا رجلين عدلين من غيركم اقده برمته(1)

و الرمة - بضم الراء - قطعة حبل يشدّ بها القاتل عند اخذه الى محل القصاص لئلا يهرب. هذا في الاصل، و لكنه قد تستعمل - لمناسبة أو بدونها - بمعنى جميع، يقال أخذت الشيء برمته، اي أخذته كله و جميعه. و المراد في الرواية ذلك.

، فان لم تجدوا شاهدين فاقيموا قسامة خمسين رجلا أقده برمته فقالوا يا رسول اللّه:

ما عندنا شاهدان من غيرنا و انا لنكره ان نقسم على ما لم نره فوداه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: انما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي اذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوه حجزه مخافة القسامة...»(2). و موثقة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في اموالكم ان البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه، و حكم في دمائكم ان البينة على المدعى عليه و اليمين على من ادعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم»(3)و غيرهما.

ثم انه توجد عدة اسئلة ترتبط بالمقام نذكر من بينها:
الاول: هل يشترط في قبول القسامة اللوث ؟

*الاول: هل يشترط في قبول القسامة اللوث(4)؟

مقتضى اطلاق


1) اقدت القاتل بالمقتول: قتلته قصاصا.

2) وسائل الشيعة 114:19 الباب 9 من أبواب دعوى القتل الحديث 3.

3) وسائل الشيعة 115:19 الباب 9 من ابواب دعوى القتل الحديث 4.

4) اللوث: كل امارة توجب الظن بصدق المدعي، كما اذا وجد عند المقتول شخص قد شهر السلاح الملوث بالدم او اخبر صبي باني رأيت فلانا يزاول عملية القتل و ما شاكل ذلك من الامارات الموجبة للظن.

النصوص عدم اعتبار ذلك الا انه لا بدّ من رفع اليد عنه لتسالم الاصحاب على اعتبار ذلك، فانه على ما قيل لم يعرف الخلاف الا من المحقق الأردبيلي القائل: «كأن لهم على ذلك اجماعا او نصا ما اطلعت عليه»(1).

و قد يستدل - مضافا الى التسالم - بجملة «انما جعلت القسامة احتياطا لدماء الناس» الواردة في بعض روايات المسألة(2)بتقريب ان الاحتياط للدماء لا يتم الا مع فرض اللوث، و بدونه يلزم هدرها، فان الفاسق قد ينسب القتل الى بعض و يقيم عليه القسامة فيقتص من المدعى عليه و يذهب بذلك دمه هدرا.

الثاني: هل يجوز ان يكون المدعي احد الخمسين او يلزم ان يكون

خارجا عنهم؟

يجوز ان يكون احدهم كما هو مقتضى ظاهر صحيحة بريد المتقدمة فلاحظ.

الثالث: هل يلزم في الايمان الخمسين ان تكون من خمسين رجلا

او يجوز تكرارها من الرجل الواحد اذا كان العدد أقلّ من ذلك؟

مقتضى صحيحة بريد المتقدمة هو الاول، الا ان المنسوب الى المشهور هو الثاني بل ادعي تسالم الاصحاب عليه. و يدعم ذلك ان النصوص قد دلت على ان العلة في تشريع القسامة هي الاحتياط للدماء فاذا كان يعتبر ان يكون عدد الحالفين خمسين رجلا يلزم عدم امكان تحقق الاحتياط لندرة تحصيل خمسين رجلا.


1) جواهر الكلام 230:42.

2) فلاحظ صحيحة عبد اللّه بن سنان الواردة في وسائل الشيعة 116:18 الباب 9 من ابواب دعوى القتل الحديث 9.

و لك ان تقول بصيغة اخرى: ان لازم اعتبار خمسين رجلا لغوية تشريع القسامة لندرة حصول ذلك.

ثم ان المدعي اذا كان وحده و لم يكن له قوم او امتنعوا عن ذلك فهل يجوز له تكرار اليمين خمسين مرة؟ نقل صاحب الجواهر الجواز عن غير واحد من الاصحاب بل نقل عن صاحب الرياض نفي الخلاف في ذلك(1).

الرابع: ان العدد اذا كان أقلّ من خمسين و قلنا بجواز تكرار اليمين

من الرجل الواحد فهل يلزم تقسيمها على العدد بالسوية او لا؟

قد يقال بعدم لزوم ذلك لان اليمين بمقدار خمسين متحققة على كلا التقديرين.

و الانسب ان يقال بلزوم التقسيم بالسوية لان مقتضى النصوص اعتبار خمسين رجلا، و انما خرجنا عنها للتسالم و محذور اللغوية، و من الواضح ان ذلك لا يقتضي جواز التكرار كيفما اتفق بل يلزم اعتبار التساوي لأنه في غير ذلك لا دليل على نفوذ القسامة فينبغي الاقتصار على القدر المتيقن.

4 - من احكام قصاص النفس

اشارة

اذا قتل الرجل المرأة عمدا اقتص منه بعد ردّ نصف ديته الى اوليائه.

و اذا اكره شخص غيره على قتل ثالث و توعده على المخالفة فلا يجوز له قتله سواء كان ما توعد به ما دون القتل او هو.


1) جواهر الكلام 246:42.

و الحكم في القتل العمدي هو القصاص دون التخيير بينه و بين المطالبة بالدية الا اذا فرض تراضي الطرفين على ذلك.

و المشهور ان جواز المبادرة الى القصاص مشروط بالاستئذان من ولي المسلمين.

و في تحديد من له حق القصاص خلاف.

و مع تعدد الاولياء فلا يبعد القول بجواز اقتصاص كل واحد منهم مستقلا و من دون اذن البقية.

و اذا اقتص بعض الاولياء مع رضا البقية فلا اشكال و الا ضمن المقتص حصتهم من الدية ان طالبوا بها، و يضمنها لورثة الجاني على تقدير العفو عن القصاص و الدية.

و المشهور لزوم كون الاقتصاص بالسيف دون غيره.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الرجل لو قتل المرأة متعمدا اقتص منه بعد ردّ نصف

ديته الى اوليائه

فلم يعرف فيه خلاف لما يأتي في باب الديات - ان شاء اللّه تعالى - من ان دية المرأة نصف دية الرجل فاذا جاز الاقتصاص منه لزم ردّ نصف الدية الى اوليائه، كما دلت على ذلك صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يقتل المرأة متعمدا فاراد اهل المرأة ان يقتلوه، قال: ذاك لهم اذا ادّوا الى اهله نصف الدية. و ان قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل...»(1)و غيرها.

هذا و في مقابل ذلك رواية السكوني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ان امير


1) وسائل الشيعة 59:19 الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3.

المؤمنين عليه السّلام قتل رجلا بامرأة قتلها عمدا...»(1)، و موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عليه السّلام: «ان رجلا قتل امرأة فلم يجعل علي عليه السّلام بينهما قصاصا و الزمه الدية»(2).

و يمكن الجواب:

اما عن الرواية الاولى فانها - لو تمت سندا و لم يناقش من ناحية النوفلي الذي لم يرد في حقه توثيق - مطلقة قابلة للتقييد بصحيحة الحلبي و غيرها الدالة على لزوم دفع نصف الدية.

و اما عن الرواية الثانية فانها لو امكن حملها على كون المراد عدم جعل القصاص مجردا عن ردّ نصف الدية فلا مشكلة و الا فهي ساقطة عن الاعتبار لهجران الاصحاب لمضمونها.

2 - و اما ان من اكره على قتل ثالث فلا يجوز له قتله ان كان ما

توعد به دون القتل

فالامر فيه واضح اذ يحرم قتل المؤمن ظلما و من دون حق، و لا ترتفع الحرمة بالاكراه على ما دون القتل.

و بكلمة اخرى: المورد داخل تحت باب التزاحم فيلزم تقديم الاهم جزما او احتمالا، و هو حرمة قتل المؤمن.

و اذا قيل: لم لا ترتفع الحرمة بحديث رفع التسعة(3)؟

قلنا: حيث ان الحديث مسوق مساق الامتنان على النوع فيلزم عدم شموله للموارد التي يلزم فيها خلاف ذلك كما هو المفروض في المقام لو قيل بالشمول.


1) وسائل الشيعة 61:19 الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الحديث 14.

2) وسائل الشيعة 62:19 الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الحديث 16.

3) وسائل الشيعة 295:11 الباب 56 من ابواب جهاد النفس الحديث 1.

3 - و اما انه لا يجوز القتل حتى اذا كان المتوعد به هو القتل أيضا

فلما دلّ على انه لا تقية في الدماء، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام: «انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فاذا بلغت الدم فليس تقية»(1)و غيرها.

و لو لا ذلك لكان المناسب جواز القتل لان المورد داخل تحت باب التزاحم، اذ الامر يدور بين واجب - حفظ النفس - و حرام - قتل النفس المحترمة - و حيث لا ترجيح فلا بدّ من الحكم بالتخيير.

و اذا قيل: ان المقام أشبه بقتل شخص لأكله في المخمصة الذي لا يعدّ به كونه مضطرا بل هو قاتل ظلما و عدوانا فيلزم الاقتصاص منه.

قلنا: انه مع فرض دخول المورد تحت باب التزاحم و الحكم بالتخيير لا يصدق كون القتل ظلما و عدوانا فيجوز القتل، غايته يلزم دفع الدية لقاعدة «ان دم المسلم لا يذهب هدرا» التي تقدمت الاشارة الى مستندها فيما سبق.

و بالجملة: ان القاعدة تقتضي جواز القتل لو لا قاعدة لا تقية في الدماء بناء على شمولها لموارد الاكراه كما يظهر من الشيخ الاعظم في المكاسب(2).

4 - و اما ان الحكم في القتل العمدي هو القصاص

فهو المشهور.

و يدل عليه ظاهر الكتاب الكريم: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ... (3)و غيره، و النصوص الخاصة، كصحيحة عبد اللّه بن سنان:


1) وسائل الشيعة 483:11 الباب 31 من ابواب الامر و النهي الحديث 1.

2) المكاسب 399:1، منشورات دار الحكمة.

3) البقرة: 178.

«سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه الا ان يرضى اولياء المقتول ان يقبلوا الدية، فان رضوا بالدية و احب ذلك القاتل فالدية»(1).

هذا و لكن المنسوب الى الاسكافي و العماني الحكم بتخيير اولياء المقتول بين القصاص و المطالبة بالدية(2). و يمكن الاستدلال على ذلك بصحيحة عبد اللّه بن سنان و ابن بكير جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمدا هل له توبة؟ فقال: ان كان قتله لإيمانه فلا توبة له، و ان كان قتله لغضب او لسبب من امر الدنيا فان توبته ان يقاد منه، و ان لم يكن علم به انطلق الى اولياء المقتول فاقرّ عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه اعطاهم الدية و اعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و اطعم ستين مسكينا توبة الى اللّه عز و جل»(3).

و قد يدعم ذلك ان ولي الدم اذا رضي بالدية و تمكن القاتل من دفعها لزمه ذلك من باب وجوب الحفاظ على النفس من الهلاك.

و المناسب ما ذهب اليه المشهور اذ الصحيحة معارضة بالصحيحة السابقة تعارضا مستقرا و يلزم تقديم السابقة لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم الدال على ان ولي المقتول له الولاية على القصاص فقط.

و اما ما ذكر ثانيا فهو لا يدل على تخير ولي المقتول بل يدل على انه لو رضي بالدية لزم القاتل قبول ذلك حفاظا على نفسه.1.


1) وسائل الشيعة 37:19 الباب 19 من ابواب قصاص النفس الحديث 3.

2) جواهر الكلام 278:42.

3) وسائل الشيعة 19:19 الباب 9 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

5 - و اما انه مع تراضي الطرفين على الدية يسقط القصاص

فباعتبار ان الحق لا يعدو الطرفين فاذا تراضيا على الدية بمقدارها الشرعي او غيره جاز لهما ذلك. على ان صحيحة عبد اللّه بن سنان السابقة واضحة في ذلك.

6 - و اما ان جواز المبادرة الى القصاص مشروط بالاستئذان من

ولي المسلمين

فقد ادعي عدم الخلاف فيه. و الاستناد اليه وجيه لو فرض تحقق تسالم بين الكل بنحو يكون كاشفا عن وصول الحكم من الامام عليه السّلام يدا بيد و الا فالمناسب التمسك باطلاق ادلة جواز القصاص.

7 - و اما من له حق القصاص فقيل هو كل من يرث المال عدا

الزوج و الزوجة.

اما انه هو كل من يرث المال فلعموم ادلة الارث من آية اولي الارحام(1)و غيرها. و اطلاق قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (2)بناء على كون المقصود من الولي مطلق الوارث لا حصة خاصة منه.

و اما استثناء الزوج و الزوجة فللتسالم على ذلك. و يمكن استفادته من موثقة البقباق عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «هل للنساء قود او عفو؟ قال: لا، و ذلك للعصبة»(3).

و قيل: ان من له حق القصاص هو كل وارث للمال غير النساء و الزوج و الزوجة و من يتقرب بالام.

و الوجه في ذلك هو الموثقة المتقدمة فانها حصرت حق القصاص


1) الانفال: 75.

2) الاسراء: 33.

3) وسائل الشيعة 432:17 الباب 8 من ابواب موجبات الارث الحديث 6.

بالعصبة، و هم بنوه و قرابته لأبيه(1).

و قد تناقش الموثقة بمناقشتين:

الاولى: ان الشيخ قال بعد ذكره للموثقة: «قال: علي بن الحسن: هذا خلاف ما عليه اصحابنا»(2). و علّق في الوسائل بعد نقل ما ذكر عن الشيخ بما نصه: «اقول: هذا محمول على التقية»(3).

و عليه فالموثقة لا يمكن العمل بها اما لكونها محمولة على التقية او لكونها على خلاف ما عليه اصحابنا.

و الجواب:

اما عن الاول فان الحمل على التقية فرع تعارض الروايتين، و المفروض عدم وجود المعارض.

و اما عن الثاني فان نقل الشيخ عن ابن فضال مرسل لا يمكن الاعتماد عليه. على ان عبارته قد لا يظهر منها الا ان مضمون الموثقة مخالف لما عليه مشهور الاصحاب، و معه يدخل المورد تحت كبرى سقوط الرواية عن الحجية باعراض المشهور عنها، و لربما يبنى على عدم تماميتها فلا تعود لدينا مشكلة بناء على ذلك.

الثانية: ان شيخ الطائفة روى الموثقة عن علي بن الحسن بن فضال، و طريقه اليه في المشيخة و الفهرست(4)يمرّ بعلي بن محمد بن1.


1) في الصحاح: عصبة الرجل: بنوه و قرابته لأبيه. و انما سموا عصبة لأنهم عصبوا، اي أحاطوا به، فالاب طرف، و الابن طرف، و العم جانب، و الاخ جانب.

2) التهذيب 397:9.

3) وسائل الشيعة 433:17.

4) راجع المشيخة: 55 نهاية الجزء العاشر من تهذيب الاحكام، الفهرست: 92 الرقم 381.

الزبير، و هو لم يوثق بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

و قد يجاب عن ذلك بان المخبر بكتب ابن فضال للشيخ و النجاشي واحد، و هو احمد بن عبدون، فالكتب التي كانت عند الشيخ هي بعينها الكتب التي كانت عند النجاشي، و بما ان للنجاشي الى تلك الكتب طريقا آخر معتبرا(1)فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضا معتبرة.

8 - و اما جواز الاقتصاص لكل واحد من الاولياء بلا حاجة الى

كسب الاذن من البقية

فهو رأي معروف. و يدل عليه ظاهر الآية الكريمة:

وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (2)، فان الحكم ما دام مجعولا لطبيعي الولي فيلزم انحلاله بعدد افراده كما في سائر الموارد التي ينحل فيها الحكم بانحلال موضوعه.

و احتمال كون الحق قائما بالمجموع او بالجامع بنحو صرف الوجود بعيد بل ظاهر الآية تعلقه بالجامع بنحو الانحلال.

9 - و اما انه على تقدير اقتصاص بعض الاولياء من دون اذن

البقية

فعليه دفع مقدار حصته من الدية ان طالب بذلك، و يدفع ذلك الى ورثة الجاني على تقدير العفو عن القصاص و الدية فهو المشهور بين الاصحاب. و تدل عليه صحيحة ابي ولاد الحناط: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل قتل و له أمّ و اب و ابن، فقال الابن: انا اريد ان اقتل قاتل ابي، و قال الاب: انا اريد ان اعفو، و قالت الام: انا اريد ان آخذ الدية فقال:

فليعط الابن أم المقتول السدس من الدية، و يعطي ورثة القاتل السدس


1) رجال النجاشي: 183، منشورات مكتبة الداوري.

2) الاسراء: 33.

من الدية حق الاب الذي عفا و ليقتله»(1).

10 - و اما لزوم كون الاقتصاص بالسيف

فتدل عليه صحيحة الحلبي و ابي الصباح الكناني عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قالا: «سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات أ يدفع الى ولي المقتول فيقتله؟ قال: نعم و لكن لا يترك يعبث به و لكن يجيز عليه بالسيف»(2).

الا انه قد يقال بان ذكر السيف هو من باب كونه آلة القتل المتداولة تلك الفترة، و معه فلا تدل على الحصر و الاختصاص.

5 - قصاص ما دون النفس

اشارة

يجوز القصاص في الاطراف اذا جني عليها عمدا متى ما تمت الشروط السابقة في قصاص النفس.

و لا يشترط التساوي في الذكورة و الانوثة، فلو جنت المرأة على الرجل اقتص منها. اجل لو جنى هو عليها اقتصت منه بعد ردّ التفاوت اليه اذا بلغت دية الجناية الثلث و الا فلا ردّ، فلو قطع الرجل اصبع امرأة جاز لها قطع اصبعه بدون ردّ شيء اليه و لكن لو قطع يدها جاز لها قطع يده بعد ردّ نصف دية يده اليه.

و يجوز القصاص أيضا في الجروح فيما اذا امكن ضبطها، بان كان يمكن القصاص، بمقدار الجرح و الا تعينت الدية.


1) وسائل الشيعة 83:19 الباب 52 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 95:19 الباب 62 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

و المستند في ذلك:

1 - اما جواز القصاص في الاطراف اذا جني عليها عمدا

فهو من ضروريات الإسلام. و يدل عليه قوله تعالى: وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ (1)، و العمومات المذكورة عند البحث عن قصاص النفس. و الروايات في ذلك كثيرة. و ستأتي الاشارة الى بعضها ان شاء اللّه تعالى.

2 - و اما اعتبار شروط قصاص النفس في المقام أيضا

فهو مما تسالم عليه الاصحاب. و تدل على ذلك الادلة المتقدمة لشروط القصاص في النفس فانها عامة. و اذا كان في بعضها قصور عن اثبات التعميم فالتسالم القطعي كاف لإثبات ذلك.

3 - و اما ان جواز القصاص ليس مشروطا بالتساوي في الذكورة

و الانوثة

فيدل عليه اطلاق الآية المتقدمة، مضافا الى قضاء الروايات الخاصة - التي ستأتي الاشارة الى بعضها - بذلك.

هذا و في المقابل دلت موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السّلام:

«ليس بين الرجال و النساء قصاص الا في النفس...»(2)على ان المرأة لا تقتص من الرجل.

و يردها:

اولا: ان مضمونها مهجور بين الاصحاب فتكون ساقطة عن الاعتبار.


1) المائدة: 45.

2) وسائل الشيعة 139:19 الباب 22 من ابواب قصاص الطرف الحديث 2.

و ثانيا: انها معارضة للروايات الآتية الدالة على ان للمرأة حق القصاص من الرجل، و حيث ان المعارضة مستقرة فتقدم الروايات الدالة على جواز القصاص لموافقتها لإطلاق الكتاب الكريم.

4 - و اما ان المرأة يجوز لها الاقتصاص من الرجل لو جنى عليها

بشرط ردّ التفاوت فيما اذا بلغت دية الجناية الثلث

فهو يتضمن مطلبين:

احدهما: ان المرأة تساوي الرجل في دية الاعضاء ما دام لم يحصل تجاوز عن الثلث.

ثانيهما: ان المرأة يجوز لها القصاص من الرجل بشرط رد التفاوت ان حصل تجاوز عن الثلث و الا جاز لها القصاص من دون ردّ.

اما بالنسبة الى المطلب الاول فيأتي ما يدل عليه في باب الديات ان شاء اللّه تعالى.

و اما بالنسبة الى المطلب الثاني فتدل عليه صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل فقأ عين امرأة فقال: ان شاءوا ان يفقئوا عينه و يؤدوا اليه ربع الدية، و ان شاءت ان تأخذ ربع الدية. و قال في امرأة فقأت عين رجل: انه إن شاء فقأ عينها و الا اخذ دية عينه»(1).

5 - و اما جواز القصاص في الجروح

فيدل عليه قوله تعالى:

وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ (2)، و اطلاق قوله: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ (3)و نحوه.


1) وسائل الشيعة 124:19 الباب 2 من ابواب قصاص الطرف الحديث 1.

2) المائدة: 45.

3) النحل: 126.

و اما اعتبار امكان ضبط الجرح فواضح لعدم جواز القصاص من دون مماثلة: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (1)، بل مع عدم المماثلة لا يصدق عنوان القصاص.4.


1) البقرة: 194.

كتاب الدّيات

اشارة

1 - الدية و أقسامها

2 - مقادير الديات

3 - من أحكام القتل و الديات

1 - الدية و اقسامها

اشارة

الدية - بكسر الدال و تخفيف الياء - غرامة مالية شرعت كجزاء على ارتكاب الجناية.

و هي مشروعة بالكتاب و السنة القطعية.

و تنقسم الى المقدّرة شرعا و غيرها.

و هي ثابتة في موارد خاصة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان تحديد الدية ما تقدم

فهو من واضحات اللغة و الفقه.

و اما انها مشروعة فهو من ضروريات الإسلام. و يدل عليه قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ (1)، و الروايات الكثيرة التي تأتي الاشارة الى بعضها.

2 - و اما انقسامها الى المقدّرة شرعا و غيرها

فباعتبار ان الجناية


1) النساء: 92.

تارة يكون لها تقدير شرعي و اخرى لا يكون لها ذلك. و يصطلح على الاول بالدية، و على الثاني بالارش او الحكومة.

و يتم تعيين الارش وفق طريقة يأتي بيانها فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

و الدية بكلا قسميها تؤخذ من الجاني ان كانت الجناية عمدية أو شبه ذلك و من العاقلة ان لم تكن كذلك.

3 - و اما موارد ثبوتها

فهي:

أ - الخطأ المحض و الشبيه بالعمد. و ثبوت الدية فيهما دون القود امر متسالم عليه بيننا. و يدل عليه قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ (1)، فانه باطلاقه يشمل الخطأ بكلا قسميه. و يمكن استفادة ذلك من الروايات أيضا - و لكن الطابع العام عليها ضعف السند - كرواية الفضل بن عبد الملك عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفارة، هو الرجل يضرب الرجل و لا يتعمد؟ قال: نعم...»(2)و غيرها.

هذا و قد تقدمت في بداية البحث عن القصاص الاشارة الى خلاف مالك فلاحظ.

ب - الموارد التي لا يثبت فيها القصاص بالرغم من كون القتل عمدا، كقتل الاب ولده او المسلم الذمي. و قد تقدمت الاشارة الى وجه ثبوت الدية في مثل ذلك في بداية البحث عن القصاص.

ج - الموارد التي لا يمكن فيها القصاص، كبعض الجروح التي لا


1) النساء: 92.

2) وسائل الشيعة 28:19 الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الحديث 19.

يمكن ضبطها. و قد تقدمت الاشارة الى ذلك في نهاية البحث عن القصاص.

د - موارد القصاص فيما اذا تراضى الطرفان على الدية. و قد تقدمت الاشارة الى ذلك في مبحث القصاص تحت عنوان «من أحكام قصاص النفس».

2 - مقادير الديات

اشارة

الديات المقدرة شرعا هي على انحاء مختلفة نشير الى بعضها(1):

دية القتل عمدا.
اشارة

دية قتل المسلم عمدا - اذا تمّ التراضي عليها - احد امور ستة:

مائة من الابل الفحولة المسنّة(2).

او مائتا بقرة.

او الف دينار ذهب(3).

او عشرة آلاف درهم فضة(4).


1) حيث ان الديات المقدّرة شرعا كثيرة جدا، و استيعابها يوجب التطويل و يورث الملل اقتصرنا على البعض المهم منها.

2) المسنّة من الابل - على ما قيل - هي ما دخلت في السنة السادسة.

3) المقصود الدينار الشرعي الذي مقداره مثقال ذهب بوزن 18 حمصة. و قيل بان الدينار الشرعي يعادل اربعة غرامات من الذهب و ربع الغرام تقريبا، فالدية على هذا اربعة كيلوات من الذهب و ربع الكيلو تقريبا.

4) المقصود الدرهم الشرعي الذي هو من الفضة و يعادل 12/6 حمصة. و قيل بان الدرهم الشرعي يعادل ثلاثة غرامات الا ربع عشر الغرام تقريبا، فالدية على هذا ثلاثون كيلوغراما الا ربع الكيلو من الفضة تقريبا.

او الف شاة.

او مائتا حلّة(1)

«الحلة بالضم لا يكون الا ثوبين من جنس واحد»، و نحو ذلك ذكر في غير المصباح.

. و كل حلة ثوبان: ازار و رداء.

و استيفاؤها يكون ضمن فترة سنة.

و يجوز الاستيفاء بالاوراق النقدية المتداولة في زماننا مع تعذر الستة أو تراضي الطرفين على ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان دية القتل عمدا ما تقدم

فمما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سمعت ابن ابي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الابل فأقرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثم انه فرض على اهل البقر مائتي بقرة، و فرض على اهل الشاة ألف شاة ثنية(2)، و على اهل الذهب الف دينار، و على اهل الورق عشرة آلاف درهم، و على اهل اليمن الحلل مائتي حلة. قال عبد الرحمن بن الحجاج: فسألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عما روى ابن ابي ليلى فقال: كان علي عليه السّلام يقول: الدية الف دينار - و قيمة الدينار عشرة دراهم - و عشرة آلاف لأهل الامصار، و على اهل البوادي مائة من الابل و لأهل السواد مائتا(3)بقرة او الف


1) الحلّة - بضم الاول، و الجمع حلل و حلال - مطلق الثوب او خصوص الثوب الساتر لجميع البدن. و الفقهاء فسروها بالثوبين، بل قد يقال: ان ذلك هو معناها لغة، ففي المصباح المنير:

2) الثنية من الغنم: ما دخل في السنة الثالثة.

3) الوارد في الطبع القديم من وسائل الشيعة: مائة بقرة. و هو اشتباه، فان الموجود في المصادر الاصلية للصحيحة و هي الكتب الاربعة: مائتا - مائتي - بقرة.

شاة»(1)و غيرها.

و موضع الاستشهاد نقل ابن الحجاج عن الامام عليه السّلام و الا فما نقله - في صدر الصحيحة - عن ابن ابي ليلى ليس حجة كما هو واضح.

و منه يتضح ان مستند عدّ مائتي حلّة من جملة افراد الدية ينحصر بالتسالم الفقهي على ذلك و الا فكلام ابن ابي ليلى - الذي ذكر فيه ذلك - ليس حجة.

ثم ان المذكور في الصحيحة: ان على اهل السواد مائتي بقرة و على... و هذا لا ينبغي أن يفهم منه التعيين بل هو وارد مورد الارفاق و التسهيل كما هو واضح.

و ينبغي الالتفات الى ان المعروف بين الفقهاء بل ادعي عدم الخلاف فيه ان التخيير بين الافراد الستة ثابت للجاني دون اولياء المجني عليه. و هو ان لم يستفد من الصحيحة المتقدمة فيكفي لإثباته كونه مقتضى الاصل.

و ينبغي الالتفات أيضا الى ان المسألة تشتمل على روايات اخرى قد تدل على مضامين اخرى تغاير مضمون الصحيحة المتقدمة من بعض الجهات، و لكن لأجل عدم القائل بها و هجران الاصحاب لها تكون ساقطة عن الحجية.

2 - و اما انه يعتبر في الابل ان تكون فحولة مسنّة

فهو رأي معروف. و تدل عليه صحيحة معاوية بن وهب: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن دية العمد فقال: مائة من فحولة الابل المسان...»(2)و غيرها.


1) وسائل الشيعة 141:19 الباب 1 من ابواب ديات النفس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 146:19 الباب 2 من ابواب ديات النفس الحديث 2.

3 - و اما ان استيفاء دية العمد يكون ضمن فترة سنة

فمما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة ابي ولاد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «كان علي عليه السّلام يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، و تستأدى دية العمد في سنة»(1).

4 - و اما جواز الاستيفاء بالاوراق النقدية مع التعذر او التراضي

فواضح لأنه مع التعذر حيث لا يحتمل سقوط الدية رأسا فيتعين الرجوع الى البدل الاقرب و هو الاوراق النقدية.

و اما انه مع التراضي يجوز ذلك فاوضح لان الحق لا يعدو الطرفين.

ثم انه لو فرض وجود بعض الافراد الستة فهل يحق للجاني الزام اولياء المجني عليه بقبول الاوراق النقدية؟ المناسب هو العدم لان ظاهر الصحيحة الالزام بالاعيان نفسها فمع التمكن منها لا وجه للإلزام بالبدل.

دية الشبيه بالعمد
اشارة

دية القتل الشبيه بالعمد هي احد الامور الستة المتقدمة غير انه يعتبر في الابل ان تكون اربعون منها خلفة من بين ثنية الى بازل عامها، و ثلاثون حقة و ثلاثون بنت لبون(2)

و الثنية من الابل: ما دخل في السنة السادسة. و البازل من الابل هو ما دخل في التاسعة. يقال: هو بازل، اي طلع نابه. و اذا دخل في العاشرة قيل هو بازل عام.

و على هذا يكون المقصود انه تجب اربعون من الابل الحامل التي عمرها بين ست الى عشر سنوات.

و الحقة هي الناقة الداخلة في الرابعة. سميت بذلك لأنها استحقت ان يحمل عليها.

و بنت اللبون هي الناقة الداخلة في الثالثة. سميت بذلك لان امها قد وضعت و صار لها لبن.

.

1) وسائل الشيعة 150:19 الباب 4 من ابواب ديات النفس الحديث 1.

2) الخلفة - بفتح الحاء و كسر اللام - هي الحامل من النوق.

و تستوفى من الجاني خلال سنوات ثلاث.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان دية القتل الشبيه بالعمد هي احد الافراد الستة أيضا

فباعتبار اطلاق صحيحة عبد الرحمن المتقدمة.

2 - و اما انه يعتبر في الابل ما ذكر من الاوصاف

فهو رأي معروف. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول: قال امير المؤمنين عليه السّلام في الخطأ شبه العمد ان يقتل بالسوط او بالعصا او بالحجر ان دية ذلك تغلظ و هي مائة من الابل: منها اربعون خلفة من بين ثنية الى بازل عامها، و ثلاثون حقة، و ثلاثون بنت لبون»(1).

و هي اذا كانت ضعيفة السند ببعض طرقها ففي بعضها الآخر كفاية فلاحظ.

3 - و اما انها تستوفى من الجاني دون العاقلة

فهو المشهور بين الاصحاب. و يدل عليه اطلاق الآية الكريمة: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ (2)

و على هذا يكون المقصود انه تجب اربعون من الابل الحامل التي عمرها بين ست الى عشر سنوات.

و الحقة هي الناقة الداخلة في الرابعة. سميت بذلك لأنها استحقت ان يحمل عليها.

و بنت اللبون هي الناقة الداخلة في الثالثة. سميت بذلك لان امها قد وضعت و صار لها لبن.

، فانها ظاهرة في ان

1) وسائل الشيعة 146:19 الباب 2 من ابواب ديات النفس الحديث 1.

2) و البازل من الابل هو ما دخل في التاسعة. يقال: هو بازل، اي طلع نابه. و اذا دخل في العاشرة قيل هو بازل عام.

الدية ثابتة على الجاني، و باطلاقها تشمل كلا قسمي الخطأ، غايته خرج الخطأ المحض - الذي تجب فيه الدية على العاقلة - بالدليل الخاص.

4 - و اما انها تستوفى في سنين ثلاث

فلصحيحة ابي ولاد المتقدمة.

هذا و لكن المشهور انها تستوفى في سنتين لا ثلاث، الا انه لا دليل على ذلك سوى الاجماع المدعى من بعض. و عليه فالمناسب العمل بالصحيحة بناء على ان اعراض المشهور عن رواية لا يوجب سقوطها عن الاعتبار.

دية الخطأ المحض
اشارة

دية الخطأ المحض احد الامور الستة المتقدمة - غايته يلزم في الابل ان تكون ثلاثون منها حقة و ثلاثون بنت لبون و عشرون بنت مخاض(1)و عشرون ابن لبون - و تستوفى من العاقلة خلال سنين ثلاث.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان دية الخطأ المحض احد الامور الستة السابقة أيضا

فلنفس ما تقدم في القتل الشبيه بالعمد.

2 - و اما انه تلزم في الابل الاوصاف السابقة

فهو المشهور بين الاصحاب. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول:... و الخطأ يكون فيه ثلاثون حقة و ثلاثون ابنة لبون و عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكر»(2).


1) بنت المخاض هي الناقة التي دخلت في الثانية. و سميت بذلك لان امها قد حملت.

2) وسائل الشيعة 146:19 الباب 2 من ابواب ديات النفس الحديث 1.

3 - و اما انها تستوفى من العاقلة

فأمر لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة الحلبي: «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام... و الاعمى جنايته خطأ تلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كل سنة نجما...»(1).

و اما انها تستوفى في سنوات ثلاث فللصحيحة المذكورة و صحيحة ابي ولاد المتقدمة.

دية الجوارح

في الجناية على العين الواحدة نصف الدية و على كلتيهما الدية كاملة.

و هكذا الحال في الجناية على الاذن الواحدة و الأذنين و الشفة الواحدة و الشفتين و اليد الواحدة و اليدين و الرجل الواحدة و الرجلين. و في استئصال اللسان الدية كاملة.

و المستند في ذلك:

ان ما ذكر لا خلاف فيه. و تقتضيه قاعدة «ان كل ما كان منه في الجسد واحد ففيه الدية كاملة و ما كان فيه اثنان ففي كل واحد منهما نصف الدية و فيهما معا الدية كاملة» المستفادة من صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية، مثل اليدين و العينين. قلت: رجل فقئت عينه، قال: نصف الدية.

قلت: فرجل قطعت يده، قال: فيه نصف الدية...»(2)و غيرها.

و من ذلك يتضح الوجه في حكم البقية.


1) وسائل الشيعة 306:19 الباب 10 من ابواب العاقلة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 214:19 الباب 1 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 1.

دية الاصابع

في قطع كل واحد من اصابع اليد عشر دية اليد، و في قطع كل اصبع من اصابع الرجل عشر دية الرجل.

و المستند في ذلك:

ان ما ذكر هو المشهور. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اصابع اليدين و الرجلين سواء في الدية في كل اصبع عشر من الابل»(1)و غيرها.

و في مقابل ذلك صحيحة ظريف عن امير المؤمنين عليه السّلام: «... ففي الابهام اذا قطع ثلث دية اليد... و في الاصابع في كل اصبع سدس دية اليد...»(2).

الا ان الصحيحة المذكورة لاعراض المشهور عنها ساقطة عن الاعتبار بناء على تمامية كبرى سقوط الرواية عن الحجية باعراض المشهور عنها و تعود الصحيحة الاولى بناء على ذلك سالمة من المعارض و يتم رأي المشهور.

دية الضرب

دية اللطمة على الوجه اذا احمرّ دينار و نصف، و اذا اخضرّ فثلاثة دنانير، و اذا اسودّ ستة دنانير(3). و اذا كان ذلك في البدن فالدية نصف ما


1) وسائل الشيعة 294:19 الباب 39 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 4.

2) وسائل الشيعة 229:19 الباب 12 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 1.

3) مرّ المقصود من الدينار تحت عنوان «دية القتل عمدا».

في الوجه.

و المستند في ذلك:

ان ما ذكر هو المشهور. و تدل عليه موثقة اسحاق بن عمار - برواية الشيخ الصدوق - عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قضى امير المؤمنين عليه السّلام في اللطمة يسود اثرها في الوجه ان ارشها ستة دنانير، فان لم تسود و اخضرّت فان ارشها ثلاثة دنانير، فان احمارّت و لم تخضارّ فان ارشها دينار و نصف. و في البدن نصف ذلك»(1)و غيرها.

و الوارد في الموثقة و ان كان هو كلمة «اللطمة» الظاهرة في الضرب باليد الا ان المناسب هو التعدي الى غير الضرب و الى غير ما كان باليد للقطع بعدم الخصوصية لذلك.

دية الحمل
اشارة

في اسقاط الحمل اذا كان نطفة عشرون دينارا، و اذا كان علقة أربعون دينارا، و اذا كان مضغة ستون دينارا، و اذا كان فيه عظم ثمانون دينارا، و اذا كسي لحما مائة دينار، و اذا و لجته الروح ألف دينار ان كان ذكرا و خمسمائة ان كان أنثى.

و الحكم المذكور يعم ما اذا زاولت الام نفسها عملية الاسقاط و لو بشرب دواء و نحوه.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان دية الحمل ما ذكر

فهو المعروف بين الاصحاب. و تدل


1) وسائل الشيعة 295:19 الباب 4 من ابواب ديات الشجاج و الجراح الحديث 1.

عليه صحيحة ظريف عن امير المؤمنين عليه السّلام: «جعل دية الجنين مائة دينار، و جعل مني الرجل الى ان يكون جنينا خمسة أجزاء، فاذا كان جنينا قبل أن تلجه الروح مائة دينار، و ذلك ان اللّه عز و جل خلق الانسان من سلالة(1)و هي النطفة فهذا جزء ثم علقة فهو جزءان ثم مضغة فهو ثلاثة أجزاء ثم عظما فهو اربعة أجزاء ثم يكسى لحما فحينئذ تمّ جنينا فكملت لخمسة أجزاء مائة دينار، و المائة دينار خمسة أجزاء فجعل للنطفة خمس المائة عشرين دينارا، و للعلقة خمسي المائة أربعين دينارا، و للمضغة ثلاثة أخماس المائة ستين دينارا، و للعظم أربعة أخماس المائة ثمانين دينارا، فاذا كسي اللحم كانت له مائة كاملة فاذا نشأ فيه خلق آخر و هو الروح فهو حينئذ نفس بألف دينار كاملة ان كان ذكرا، و ان كان انثى فخمسمائة دينار...»(2)و غيرها.

2 - و اما ان الحكم المذكور يعمّ ما اذا زاولت الام نفسها عملية

الاسقاط

فباعتبار اطلاق الصحيحة المتقدمة. و تدفع الدية - كما هو واضح - الى الاب.

3 - من احكام القتل و الديات

اشارة

تجب على القاتل عمدا - مضافا الى الدية لو تمّ التراضي عليها - كفارة الجمع.


1) السلالة: ما استل من الشيء. و تطلق على النسل و الولد، يقال: هو سلالة طيبة و من سلالة طيبة، اي من نسل طيب.

2) وسائل الشيعة 237:19 الباب 19 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 1.

و تجب أيضا في القتل الشبيه بالعمد و الخطأ المحض و لكنها مرتبة، فيجب العتق، فان لم يمكن فصيام شهرين متتابعين، فان لم يمكن فاطعام ستين مسكينا.

و الجناية تارة يكون لديتها مقدّر شرعي و اخرى لا يكون. و يصطلح على الاول بالدية و على الثاني بالارش او الحكومة. و يتمّ تعيين الارش بواسطة الحاكم الشرعي بعد استعانته بذوي عدل.

و دية المرأة نصف دية الرجل في القتل. و اما في غيره فديتها تساوي دية الرجل - فيما اذا كان لها مقدّر شرعي - ما لم تبلغ الثلث و الا رجعت الى نصف دية الرجل.

و من حفر حفيرة فوقع فيها شخص او وضع حجرا فعثر به شخص فجرح او مات فان كان ذلك في ملكه فلا ضمان، و ان كان في الطريق العام ضمن الا اذا كان ذلك لمصلحة العابرين. و الكلام نفسه يأتي في من القى قشر موز او بطيخ و نحو ذلك فزلق بسببه شخص فجرح او مات.

و العاقلة التي يلزمها تحمّل دية الجناية في الخطأ المحض هي عصبة الجاني، اي الرجال المتقربون اليه بالاب، كالاخوة و الاعمام و أولادهم و ان نزلوا. و ليس من العاقلة الصبي و المجنون و المرأة.

و التقسيم على افراد العاقلة يتم بالتساوي و من دون فرق بين الغني و الفقير و القريب و البعيد.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه تجب على القاتل عمدا - مضافا الى الدية اذا تمّ‌

التراضي عليها - كفارة الجمع

فهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب.

و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: كفارة الدم

اذا قتل الرجل المؤمن متعمدا فعليه ان يمكّن نفسه من اوليائه، فان قتلوه فقد ادّى ما عليه اذا كان نادما على ما كان منه عازما على ترك العود. و ان عفا عنه فعليه ان يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا و ان يندم على ما كان منه و يعزم على ترك العود...»(1)و غيرها.

2 - و اما ان الكفارة مرتبة في قتل الخطأ بكلا قسميه

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان أيضا: «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام:... و اذا قتل خطأ ادى ديته الى اوليائه ثم اعتق رقبة فان لم يجد صام شهرين متتابعين فان لم يستطع اطعم ستين مسكينا مدا مدا. و كذلك اذا و هبت له دية المقتول فالكفارة عليه فيما بينه و بين ربه لازمة»(2).

الارش او الحكومة
3 - و اما ان الدية قد لا يكون لها مقدّر شرعي

فيجب دفع ما يصطلح عليه بالارش او الحكومة فهو من المسلمات فانه لا يحتمل عدم ثبوت دية في الموارد التي ليس فيها مقدّر شرعي و الا يلزم اما ذهاب دم المسلم هدرا أو نقصان الإسلام في تشريعه، و كلاهما غير محتمل.

و يمكن استفادة ذلك من النصوص، كصحيحة ابي بصير عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «... ان عندنا الجامعة. قلت: و ما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كل حلال و حرام و كل شيء يحتاج اليه الناس حتى الارش في الخدش، و ضرب بيده إليّ فقال: أ تأذن يا أبا محمد؟ قلت: جعلت فداك انما انا لك


1) وسائل الشيعة 579:15 الباب 28 من ابواب الكفارات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة 559:15 الباب 10 من ابواب الكفارات الحديث 1.

فاصنع ما شئت فغمزني بيده و قال: حتى ارش هذا»(1)، فان ارش الخدش لم يرد فيه مقدّر شرعي فلا بدّ و ان يكون المقصود الاشارة الى الارش.

و من ذلك صحيحة ابي عبيدة: «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن أعمى فقأ عين صحيح فقال: ان عمد الاعمى مثل الخطأ هذا فيه الدية في ماله فان لم يكن له مال فالدية على الامام و لا يبطل حق امرئ مسلم»(2)، فان التعليل يدل على ان حق المسلم لا يذهب هدرا حتى فيما لا يكون هناك مقدر شرعي، فلو لم يحكم بالارش يلزم ذهابه هدرا.

و أوضح من ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام:

«دية اليد اذا قطعت خمسون من الابل. و ما كان جروحا دون الاصطلام(3)فيحكم به ذوا عدل منكم»(4).

4 - و اما انه يتم تعيين الارش بواسطة الحاكم الشرعي بعد

الاستعانة بذوي عدل

فيمكن استفادته من صحيحة ابن سنان المتقدمة فانها و ان لم تصرح بان المتصدي لتعيين الارش هو الحاكم الا ان ذلك هو المقصود جزما، «فانه لا بدّ من وجود شخص يتصدى هو لتعيين العدول و اتخاذ القرار بعد ذلك. بل من دون افتراض مثل الشخص المذكور يلزم ازدياد المشاكل تعقيدا، و القدر المتيقن من ذلك الشخص هو الحاكم الشرعي. و لا اطلاق في الصحيحة من هذه الناحية ليمكن


1) وسائل الشيعة 271:19 الباب 48 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 1.

2) وسائل الشيعة 65:19 الباب 35 من ابواب القصاص في النفس الحديث 1.

3) الاصطلام: الاستئصال.

4) وسائل الشيعة 299:19 الباب 9 من ابواب ديات الشجاج و الجراح الحديث 1.

التمسك به لا ثبات الاكتفاء بتصدي اي شخص عادل لذلك.

يبقى شيء، و هو ان اي طريق يسلكه العدلان لتعيين الارش؟ ان ذلك لم تتعرض له الروايات. و المعروف في كلمات الاصحاب - كما في الشرائع(1)و غيرها - ان المجروح يفترض مملوكا ثم يقوّم صحيحا تارة و معيبا بالجرح اخرى و يؤخذ من دية النفس بحساب التفاوت بين القيمتين.

و لعل الاولى من ذلك ان يقال: ان الحكمين يلحظان اولا الديات المقدّرة شرعا للنفس و الاطراف و غيرهما ثم ينسب غير المنصوص الى المنصوص و يعيّن مقدار الارش في ضوء ذلك حسبما يتوصل اليه اجتهادهما.

دية المرأة
5 - و اما ان دية المرأة نصف دية الرجل في القتل

فلا خلاف فيه بين الاصحاب. و تدل عليه صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «اذا قتلت المرأة رجلا قتلت به. و اذا قتل الرجل المرأة فان أرادوا القود ادّوا فضل دية الرجل على دية المرأة و أقادوه بها، و ان لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة. و دية المرأة نصف دية الرجل»(2)و غيرها.

و اما ان دية المرأة في غير القتل تساوي دية الرجل ما لم تبلغ الثلث و الا رجعت الى نصف دية الرجل فتدل عليه صحيحة ابان بن


1) شرائع الإسلام 1045:4، انتشارات استقلال.

2) وسائل الشيعة 59:19 الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الحديث 2.

تغلب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل قطع اصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الابل. قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون.

قلت: قطع ثلاثا، قال: ثلاثون. قلت: قطع اربعا، قال: عشرون. قلت:

سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون! ان هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممن قاله و نقول: الذي جاء به شيطان فقال: مهلا يا ابان هذا حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ان المرأة تعاقل(1)الرجل الى ثلث الدية فاذا بلغت الثلث رجعت الى النصف. يا ابان انك اخذتني بالقياس، و السنة اذا قيست محق الدين»(2)و غيرها من الروايات الكثيرة.

حكم الحفيرة و نحوها
6 - و اما ان من حفر حفيرة او وضع حجرا و وقع او عثر بذلك

شخص فجرح او مات ضمن ان كان ذلك في غير ملكه

فلصحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمرّ عليها رجل فوقع فيها فقال: عليه الضمان لان كل من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان»(3)، و صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره


1) كلمة «تعاقل» مشتقة من العقل بمعنى الدية - سميت بذلك اما لان من معاني العقل المنع، و الدية تمنع صاحبها من الجرأة على الجناية او باعتبار ان الدية كانت ابلا تعقل عند ولي المقتول - و المقصود ان المرأة تستحق العقل و هو الدية بمقدار دية الرجل و تساويه في ذلك الى حدّ الثلث.

2) وسائل الشيعة 268:19 الباب 44 من ابواب ديات الاعضاء الحديث 1.

3) وسائل الشيعة 179:19 الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الحديث 1.

فقال: كل شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه»(1)و غيرهما.

و اما تقييد الضمان بما اذا لم يكن ذلك لمصلحة العابرين فيمكن استفادته من صحيحة الحلبي حيث اخذت قيد الاضرار. و موردها و ان كان وضع شيء لكنه لا مدخلية له جزما فتعم حفر الحفيرة أيضا.

7 - و اما تعميم التفصيل المتقدم لقشر البطيخ و الموز و نحوهما

فلصحيحة الحلبي المتقدمة حيث ان الوارد فيها كلمة «شيء»، و هي مطلقة تشمل ما ذكر. بل ان قوله عليه السّلام: «كل شيء يضر بطريق...» يمكن ان يستفاد منه ذلك أيضا حتى لو قطعنا النظر عن اطلاق كلمة «شيء».

العاقلة
8 - و اما تفسير العاقلة بالعصبة

فهو المعروف في كلمات الفقهاء.

و يمكن استفادته من صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السّلام:

«قضى امير المؤمنين عليه السّلام على امرأة اعتقت رجلا و اشترطت ولاءه و لها ابن فالحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه(2)دون ولدها»(3). و قريب من ذلك ما جاء في صحيحة الآخر عن ابي جعفر عليه السّلام: «... فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه إذا احدث حدثا يكون فيه عقل»(4).

9 - و اما ان العصبة تختص بالمتقربين بالاب

و لا تشمل


1) وسائل الشيعة 181:19 الباب 9 من ابواب موجبات الضمان الحديث 1.

2) المناسب: عنها، كما جاء ذلك عند ذكر الحديث في جواهر الكلام 415:43.

3) وسائل الشيعة 52:16 الباب 39 من ابواب العتق الحديث 1.

4) وسائل الشيعة 53:16 الباب 40 من ابواب العتق الحديث 1.

المتقربين بالام فهو المشهور بين الاصحاب. و وجهه: ان ذلك هو معنى العصبة لغة كما تقدمت الاشارة الى ذلك سابقا(1).

10 - و اما ان الصبي و المجنون ليس من العاقلة

فهو مما لا خلاف فيه. و يدل عليه حديث رفع القلم حتى بناء على اختصاصه بقلم التكليف، فان ثبوت الدية على العاقلة تكليف محض و من البعيد ان يكون حكما وضعيا.

و اما ان المرأة ليست من العاقلة فباعتبار اختصاص العاقلة لغة بالذكور.

11 - و اما ان التقسيم يتم بالتساوي

فباعتبار ان ما دلّ على كون الدية على العاقلة يدل بنفسه على ذلك، فان التقسيط بشكل آخر يحتاج الى دليل، و هو مفقود.

و قيل: ان امر التقسيم بيد الامام عليه السّلام أو نائبه.

و قيل: ان على الغني نصف دينار و على الفقير ربعه.

و كلاهما لا دليل عليه. و المناسب ما تقدم.

12 - و اما عدم الفرق بين الغني و الفقير

فلعدم الدليل على الاختصاص بالغني. اجل اذا كان الفقير عاجزا عن الدفع اختص العقل بغيره لان ثبوت الدية على العاقلة - كما تقدم - تكليف محض، و هو لا يعم العاجز.

13 - و اما عدم اختصاص العقل بالقريب

فلأن لفظ العاقلة يشمل البعيد أيضا، و لا دليل على التقييد.


1) لاحظ مبحث العول و التعصيب من كتاب الارث.

تمّ بتوفيق اللّه سبحانه و رعاية حجّته في ارضه - روحي و ارواح العالمين له الفداء - كتابي هذا الموسوم ب «دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي» في مدينة قم المشرّفة جوار كريمة اهل البيت عليهم السّلام السيدة فاطمة المعصومة عليها و على آبائها الكرام افضل التحية و السلام في صباح يوم الاثنين 27 /صفر المظفر/ 1419 ه. و كان آخر ما كتبته كتاب الانفال و المشتركات.

اللهم اني اشكرك على هذه النعمة و على جميع نعمك عليّ و أسألك بحق محمد و آل محمد صلّى اللّه عليه و آله ان تجعله موردا لاستفادة اخوتي الاعزاء طلبة الحوزات العلمية انك كريم جواد سميع الدعاء.

باقر الايرواني