دروس تمهیدیة فی الفقه الاستدلالی علی مذهب اهل البیت علیهم السلام جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:ایروانی، باقر، 1328 -

عنوان و نام پديدآور:دروس تمهیدیة فی‌الفقه‌الاستدلالی علی مذهب أهل‌البیت علیهم‌السلام/ باقر الایروانی.

وضعيت ويراست:[ویراست ؟].

مشخصات نشر:قم : مرکزالمصطفی(ص) العالمی للترجمه والنشر، 1434 ق.= 1392.

مشخصات ظاهری:3 ج.

فروست:مرکزالمصطفی صلی‌الله علیه و آله‌العالمی للدراسات والتحقیق؛ 16.

شابک:دوره‌978-964-195-706-5 : ؛ 100000 ریال: ج.1‌978-964-195-707-2 : ؛ ج.2‌978-964-195-708-9 : ؛ 55000 ریال (ج. 2، چاپ هشتم) ؛ ج.3‌978-964-195-709-6 : ؛ 700000 ریال (ج. 3، چاپ هشتم) ؛ ج.4‌978-964-195-710-2 : ؛ 85000 ریال (ج. 4، چاپ هشتم)

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه.

موضوع:فقه جعفری -- قرن 14

رده بندی کنگره:BP183/5/الف86د4 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3202203

اشارة

الجزء الأول

المدخل

بِسْمِ‌ اللّهِ‌ الرَّحْمنِ‌ الرَّحِيمِ‌

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين لا اعتقد ان فكرة الحاجة إلى تجديد النظر في كتبنا الدراسية ممّا يختلف فيها اثنان من طلاّب حوزاتنا و بالأخص في المجال الفقهي.

فالطالب ينهي مرحلة السطوح و لا يشعر من نفسه اجتياز نصف الشوط‍‌ أو ربعه إلى مرحلة الاجتهاد. و السبب واضح لان ما يدرسه من كتب لم يشيد لزرع روح الاجتهاد في نفس الطالب. فهو يبقى مهما كرّرها و أمثالها سنوات بعيدا عن المقصود الأساسي، بل ان تلك الكتب لم يوضع الحجر الأساس فيها لتكون محورا للدراسة. و تبقى ألفاظها المطلسمة عائقا عن تلقي الفكرة بوضوح ليعود الذهن قادرا على هضمها و التأمّل في صحّتها و سقمها فهو بعد ان يصطادها و يحل الطلاسم يعود منهكا عاجزا عن التأمّلات التي تنبغي لطالب العلم و التي بها يأخذ بالتطوّر و التقدّم خطوات إلى الإمام.

و لا أظن ان الأفكار الدقيقة التي توصّل إليها علماؤنا الأبرار بحاجة إلى تعقيد أكثر من خلال الألفاظ‍‌ و الرموز.

و إلى جانب ذلك يدخل طالب الحوزة مرحلة السطوح و يخرج و لا يجد أمامه ما يمثّل ذلك القسم الهائل من الروايات الذي يواجهه في مرحلة الخارج. فهو لا يعرف صورة واضحة عنها و لا يعرف كيف العلاج حالة التعارض بالرغم من ان المجتهد لا يكون مجتهدا إلاّ بذلك.

و هو لا يعرف لاستصحاب العدم الأزلي و كيفية تطبيقه رسما و لا اثرا بل الاصول العملية بشكل عام لا يعرف كيفية تطبيقها.

و بتعبير شامل لا يعرف ربط‍‌ ما قرأه في علم الاصول بما يحتاج إلى استنباطه من أحكام في الفقه. و يبقى التلاقح بين الفقه و الاصول خفيّا عليه إلى ان يجتاز فترة طويلة في بحوث الخارج.

لهذه الأسباب و غيرها عادت فكرة النظر في مناهج الدراسة قضية ضرورية، و لكن الفكرة بقدر ما هي ضرورية صعبة المنال و الطريق إليها ذو أشواك، فمن الذي يتصدّى و كيف يتصدّى و كيف يقبل منه و كيف و كيف و كيف....

ان قوّة الاخلاص التي تسلّح بها أمثال الشهيد الثاني و الشيخ الأعظم ليس لها نظير، و هي كما نعلم ذات دور فعّال في فوزهما و نجاحهما. فالكاتب مهما أوتي من قوى علمية و جودة في الكتابة يبقى بحاجة ماسة إلى التوفيق الإلهي لقبول عمله و انجازه و سدّه الفراغ بشكل جيّد، و ذلك لا يتمّ‌ إلاّ بالإخلاص و العمل للّه سبحانه لا غير.

و انطلاقا من قاعدة الميسور لا يسقط‍‌ بالمعسور اخذت تلك الفكرة التي عاشت معنا فترة من الزمن قوّة تنبثق إلى عالم الفعلية من خلال

هذا الكتاب الذي كتب ليكون بمنزلة دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي يدرسها الطالب بعد اجتيازه دراسة بعض المتون الفقهية.

و بعد ان تمّت كتابة بعض فصول الكتاب عرضتها على بعض الاخوة فلاحظ‍‌ عليها وجود دقّة في بعض المواضع التي قد لا تتناسب و افتراض الطالب في مراحله الاولى. و من هنا حاولنا تجريده من تلك المواضع الدقيقة فنشأ من ذلك القسم الأوّل و كان هذا هو القسم الثاني.

و حاول الكتاب تأكيد نقاط‍‌ اشير من بينها إلى:

1 - عرض مقدار غير قليل من الروايات في كلّ‌ مسألة ليكون الطالب على أهبة الاستعداد لمواجهة ذلك الكم العظيم من الروايات في مرحلة الخارج.

2 - عرض الروايات المتعارضة و توضيح طريقة علاجها.

3 - تأكيد ربط‍‌ أحكام الفقه بقواعد الاصول لتتضح بذلك فائدة علم الاصول و مقدار الحاجة إليه.

4 - الإشارة الى بعض النكات الرجالية ليستعد الطالب لمواجهة التفاصيل في مرحلة الخارج و ليتفاعل معها في وقت أقرب.

5 - حاول الكتاب ان لا يجود بالألفاظ‍‌ و لا يشح بها و يضغط‍‌ بعض الأفكار العميقة في عبارات صغيرة حفاظا على العلاقة بين التلميذ و استاذه.

6 - عملية عرض الأحكام الفقهية و الاستدلال عليها لم تتم إلاّ في بعض قليل ممّا أشار إليه فقهاؤنا الأبرار لأنّ‌ مقصودنا تدريب الطالب على عملية الاجتهاد و تقديم رأس الخيط‍‌ له، و ذلك لا يتوقّف على استعراض جميع الأحكام و الاستدلال عليها بل ان ذلك التوسّع يوجب

التشويش على الطالب و عدم الوصول إلى المقصود.

7 - طريقة الاستدلال لم تقم على أساس رأي فقيه معين بل نلاحظ‍‌ ما هو الأنسب لتدريب الطالب.

و نرجو من الأساتذة الكرام في المواضع الميسرة التي لا تكلف التلاميذ شيئا توجيههم إلى بعض التمرينات؛ فنحن نشير في كل مسألة إلى رواية واحدة من بين مجموع روايات ان كانت، و بإمكان الأساتذة مطالبة التلاميذ بالفحص عن رواية اخرى صحيحة السند و عرضها عليهم.

كما اننا التزمنا الإشارة إلى كون الرواية صحيحة أو موثّقة و المناسب للأساتذة الكرام توضيح ذلك من خلال بيان حال كل راو واقع في السند ليتم تعرّف الطالب على حال رجال أحاديثنا الأمر الذي سوف يسهّل عليه كثيرا ممّا يواجهه في مرحلة الخارج.

و يبقى الكتاب كمحاولة لا أكثر تحتاج في سدّ فجواتها و اصلاح ما فيها من خلل إلى بذل محاولات اخرى من قبل أساتذة أكثر كفاءة، و اليد الواحدة إذا لم تتمكن من حمل الثقيل فبتعاون الأيدي يتيسر كل عسير.

و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ‌ العالمين و نسأل جميع اخواننا الدعاء بالقبول و التوفيق الالهي.

باقر الايرواني 3 /صفر المظفر/ 1417 ه‍‌ قم المشرّفة

التكليف و شروطه

اشارة

1 - شرائط‍‌ التكليف 2 - علامات البلوغ

1 - شرائط‍‌ التكليف

اشارة

لا يثبت التكليف إلاّ بشروط‍‌: العقل و القدرة و البلوغ. و في شرطية الإسلام خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما شرطية العقل

فلحكم العقل القطعي و صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «لما خلق اللّه العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ‌ إليّ‌ منك و لا أكملتك إلاّ في من أحب. اما اني اياك آمر و اياك أنهى و اياك اعاقب و إيّاك اثيب»(1)و غيره.

2 - و اما شرطية القدرة

فلحكم العقل القطعي و قوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ‌ اللّهُ‌ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها (2).

3 - و اما شرطية البلوغ

على تقدير التمييز فيمكن التمسك لها


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.

2) البقرة: 286.

بحديث رفع القلم الوارد في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة‌؟ قال: إذا أتي عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم. و الجارية مثل ذلك إن اتي لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم»(1)، و في رواية ابن ظبيان المتقدّمة(2).

و الموثقة و إن كانت تامّة سندا إلاّ انها تدل على ما لا يلتزم به، و هو بلوغ الذكر بثلاث عشرة سنة، و هو موهن لها.

و دعوى انها تدل على مطلبين: أصل شرطية البلوغ و تحققه بثلاث عشرة سنة، و سقوطها عن الحجّية بلحاظ‍‌ الثاني لا يستلزم سقوطها عنها بلحاظ‍‌ الأوّل مدفوعة بانه تفكيك بين مدلولي الفقرة الواحدة و هو ليس عرفيا و ليس تفكيكا بين فقرة و اخرى.

و رواية ابن ظبيان ضعيفة سندا لاشتمالها على عدّة مجاهيل، و لا يمكن الحكم بحجّيتها إلاّ بناء على كبرى الجابرية بفتوى المشهور.

و على تقدير انكار الكبرى المذكورة فبالامكان الاستعانة لإثبات الشرطية باستصحاب عدم توجه التكاليف - الثابت حالة فقدان التمييز - بناء على ترجيح الاستصحاب على التمسّك بعموم العام عند الدوران بينهما فيما إذا خرج فرد من العام في زمان معيّن و شك في حاله بعد ذلك، و إلاّ كان المناسب التمسّك بإطلاق أدلّة التكاليف.

4 - و اما بالنسبة إلى شرطية الإسلام

فقد ذهب المشهور إلى


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 12.

2) القسم الأول من الكتاب 41:1.

عدمها تمسكا بإطلاق الأدلّة من قبيل قوله تعالى: وَ لِلّهِ‌ عَلَى النّاسِ‌ حِجُّ‌ الْبَيْتِ‌... (1)، بل و خصوص بعضها من قبيل قوله تعالى: وَ وَيْلٌ‌ لِلْمُشْرِكِينَ‌ * اَلَّذِينَ‌ لا يُؤْتُونَ‌ الزَّكاةَ‌ وَ هُمْ‌ بِالْآخِرَةِ‌ هُمْ‌ كافِرُونَ‌ (2).

أجل إذا أسلم الكافر لا يجب عليه القضاء لقاعدة «الإسلام يجبّ‌ ما قبله» الثابتة بالسيرة القطعية في زمان النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله على العفو عمّا سلف، و بمثل قوله تعالى: قُلْ‌ لِلَّذِينَ‌ كَفَرُوا إِنْ‌ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ‌ ما قَدْ سَلَفَ‌ (3).

بل لا يمكن توجه الأمر بالقضاء إليه في العبادات لما أشار إليه صاحب المدارك من ان التكليف بالقضاء بشرط‍‌ الإسلام خلف قاعدة الإسلام يجبّ‌ ما قبله، و التكليف لا بشرطه خلف اشتراط‍‌ قصد القربة(4).

2 - علامات البلوغ

اشارة

يثبت البلوغ لدى المشهور بما يلي: خروج المني، و نبات الشعر الخشن على العانة، و اكمال خمس عشرة سنة قمرية في الذكر و تسع في الانثى، و الشاك في بلوغه يبني على عدمه.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحقّق البلوغ بما ذكر

فلم ينسب فيه الخلاف إلاّ الى الشيخ


1) آل عمران: 97.

2) فصلت: 6-7.

3) الأنفال: 38.

4) مدارك الأحكام 289:4.

و ابن حمزة حيث ذهبا إلى تحقّقه في الانثى بعشر و إلى ابن الجنيد حيث نسب له تحقّقه في الذكر بأربع عشرة سنة(1).

و تدلّ‌ عليه رواية حمران: «سألت أبا جعفر عليه السّلام قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامّة و يقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: إذا خرج عنه اليتم و أدرك. قلت: فلذلك حدّ يعرف به‌؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك اقيمت عليه الحدود التامّة و اخذ بها و اخذت له. قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: ان الجارية ليست مثل الغلام، ان الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع اليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع...»(2).

بيد انها ضعيفة السند بحمزة و عبد العزيز لعدم ورود توثيق في حقهما، و لئن أمكن توثيق حمزة باعتبار رواية صفوان و ابن أبي عمير عنه إلاّ ان المشكلة تبقى من ناحية عبد العزيز على حالها.

و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السّلام: «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم...»(3)ضعيفة بالكناسي أيضا.

و ليس في المقام رواية تامّة الدلالة و السند تدل على مختار المشهور بكامله إلاّ بناء على كبرى الجابرية لمن يراها.

أجل لإثبات تحقّق بلوغ الذكر بإكمال خمس عشرة سنة يمكن التمسّك باستصحاب عدم توجه الأحكام إليه قبل ذلك - بناء على المبنى1.


1) الحدائق الناضرة 349:20.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود و أحكامها العامة الحديث 1.

المتقدّم - بعد فرض عدم احتمال توقف توجهها على أزيد من ذلك.

و هكذا الحال في الانثى لو فرض عدم احتمال توقف توجهها على أكثر من بلوغ التسع.

و تبقى علامية الاحتلام قد يستدل عليها بقوله تعالى: وَ إِذا بَلَغَ‌ الْأَطْفالُ‌ مِنْكُمُ‌ الْحُلُمَ‌ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ‌ الَّذِينَ‌ مِنْ‌ قَبْلِهِمْ‌ (1).

إلاّ انه قابل للتأمّل باعتبار احتمال الخصوصية للاستئذان من بين بقية الأحكام.

و الاولى الاستدلال لها بما رواه الصدوق بسنده إلى صفوان عن إسحاق بن عمّار: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن ابن عشر سنين يحجّ‌، قال:

عليه حجّة الإسلام إذا احتلم و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت»(2)فان ايجاب حج الإسلام عند الاحتلام يدل على تحقق البلوغ عند ذلك.

و المقصود من صفوان هو ابن يحيى دون ابن مهران الجمال لان الراوي كثيرا عن إسحاق هو ابن يحيى بخلاف ابن مهران فانه لم تعهد روايته عنه.

و سند الصدوق إلى الجمال و ان أمكن التأمّل فيه من ناحية موسى بن عمر إلاّ انه إلى ابن يحيى صحيح لا خدشة فيه.

و اما نبات الشعر على العانة فيبقى بلا دليل إلاّ الرواية السابقة بناء على كبرى الجابرية.

ثمّ‌ ان في المقام روايات تدل على تحقق البلوغ في الذكر بأربع عشرة سنة أو بثمان سنين، و في الانثى بثلاث عشرة سنة - و قد تقدّمت1.


1) النور: 59.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

الإشارة إلى بعضها - أو بسبع، فان تحقّق هجران الأصحاب لها سقطت عن الحجيّة بذلك و إلاّ كان المرجع هو الاستصحاب لو فرضت حجيّة كلّ‌ واحد من المتعارضين في نفسه و تساقطهما بالمعارضة.

2 - و اما ان الشاك في بلوغه يبني على العدم

فلاستصحاب عدم تحقّق البلوغ الذي هو استصحاب موضوعي. و بقطع النظر عنه يجري استصحاب عدم توجه الأحكام، و بقطع النظر عنه تجري البراءة.

هذا لو كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية.

و اما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري استصحاب عدم تحقّق البلوغ ككل شبهة مفهومية - لانتفاء الشك و تردد الأمر بين اليقين بالبقاء و اليقين بالارتفاع - و يتعيّن المصير الى استصحاب عدم توجه الأحكام، و بقطع النظر عنه فإلى البراءة.

العبادات

اشارة

1 - الطهارة 2 - الصلاة 3 - الصوم 4 - الزكاة 5 - الخمس 6 - الحجّ‌

كتاب الطّهارة

اشارة

1 - أقسام المياه و أحكامها 2 - أحكام التخلي 3 - الوضوء 4 - الغسل 5 - التيمم 6 - النجاسات 7 - المطهّرات

1 - أقسام المياه و أحكامها

تقسيم الماء
اشارة

ينقسم الماء إلى مطلق و مضاف.

و المضاف طاهر في نفسه و ليس بمطهر من الحدث و لا من الخبث.

و إذا لاقى نجاسة تنجس جميعه مهما كان مقداره.

و المطلق إذا كان كثيرا - كرا - لا يتنجّس إلاّ بتغيّر أحد أوصافه، و بحكم الكثير ذو المادة.

و إذا كان قليلا يتنجّس بمجرّد ملاقاة النجس أو المتنجس إلاّ إذا كان متدافعا.

و إذا شك في كرية الملاقى فمع احراز حالته السابقة يحكم بما تقتضيه، و مع عدمه يحكم بطهارته.

و في تحديد مقدار الكر أقوال.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة المضاف في نفسه

فلقاعدة الطهارة المستفادة من

موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كل شيء نظيف حتى تعلم انّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك»(1)، و استصحابها.

2 - و اما انه ليس بمطهر من الحدث

فيكفي لإثباته استصحاب بقاء الحدث بعد عدم الدليل على ارتفاعه به، بل و يمكن إقامة الدليل على العدم بمثل قوله تعالى: فَلَمْ‌ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (2)، فانه بالإطلاق يدل على المطلوب.

3 - و اما انه ليس بمطهر من الخبث

فتدلّ‌ عليه رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السّلام: «يجزئ من الغائط‍‌ المسح بالأحجار، و لا يجزئ من البول إلاّ الماء»(3)، فانه بضمّ‌ عدم الفصل بين البول و غيره يثبت المطلوب.

و على تقدير ضعف الرواية بالقاسم بن محمّد الجوهري الوارد في سندها - حيث لم تثبت وثاقته إلاّ من خلال كامل الزيارات بناء على وثاقة كل من يرد فيه - فيكفي لإثبات المطلوب استصحاب بقاء الخبث.

4 - و اما تنجسه بمجرّد الملاقاة

فأمر متسالم عليه، و يمكن استفادته من موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام: «ان عليّا عليه السّلام سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة. قال: يهرق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل»(4)، فانه بضمّ‌ عدم الفصل يثبت العموم.

و السكوني و ان لم يكن من أصحابنا إلاّ ان ذلك لا يضرّ بعد ثبوت


1) وسائل الشيعة الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 4.

2) النساء: 43.

3) وسائل الشيعة الباب 30 من أحكام الخلوة الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الماء المضاف الحديث 3.

وثاقته بعبارة الشيخ المنقولة في العدة(1).

5 - و امّا عدم تنجّس المطلق - إذا كان كرّا - بالملاقاة

فلصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء»(2)و غيره.

6 - و امّا تنجّسه عند تغير أحد أوصافه الثلاثة

فلصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب»(3)، فانها باطلاقها تشمل الكرّ.

7 - و امّا تنجس القليل بملاقاة عين النجاسة

فلمفهوم صحيح معاوية المتقدّم.

و امّا تنجسه بالمتنجّس أيضا فهو المعروف بين الأصحاب خلافا لجماعة منهم الشيخ الآخوند بدعوى انه لا إجماع على ذلك، إضافة إلى انّه لا خبر يدل عليه لا بالخصوص و هو واضح، و لا بالعموم لأنّ‌ المنسبق من لفظ‍‌ «شيء» في صحيح معاوية المتقدّم عين النجاسة، و معه يكون المرجع استصحاب الطهارة. و بقطع النظر عنه قاعدة الطهارة.

و فيه: ان جملة من النصوص تشمل ملاقاة المتنجس أيضا. ففي صحيح شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل ان يغسلها، انّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده


1) العدة في أصول الفقه 149:1.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

شيء»(1)، فانّه يمكن التمسّك بإطلاق المفهوم لإثبات المطلوب.

8 - و اما استثناء حالة التدافع

فلانه لو كان المائع يتدافع من العالي مثلا و لاقت النجاسة السافل فلا يتنجس العالي بل السافل فقط‍‌، اما لأنه مع التدافع يتحول المائع إلى مائعين بالنظر العرفي، و لا موجب مع تنجّس أحدهما لتنجّس الثاني، أو لأنّ‌ العرف لا يرى تأثر العالي بالنجاسة، و مسألة كيفية السراية حيث لم يرد فيها نص خاص فلا بدّ من تنزيلها على ما يراه العرف.

9 - و اما انّه مع الشك في كرية الملاقى و احراز حالته السابقة
اشارة

يحكم بما تقتضيه

فللاستصحاب.

و اما انه مع عدم احرازها يحكم بالطهارة لاستصحاب الطهارة و بقطع النظر فلقاعدة الطهارة المستفادة من موثقة الساباطي المتقدّمة.

وجوه في مقابل قاعدة الطهارة
اشارة

و قد يتمسك في مقابل قاعدة الطهارة و استصحابها بجملة من الوجوه من قبيل:

الأوّل: التمسك بعموم ما دلّ‌ على تنجس كل ماء لاقى نجاسة،

كموثقة سماعة: «و لا تشرب من سؤر الكلب إلاّ ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه»(2).

و فيه: انه تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية - لخروج الكرّ منه و يشك في فردية المشكوك للعام أو للمخصص - و هو غير جائز،


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 3.

لوجود حجتين، و ادخال المشكوك تحت احداهما بلا مرجح.

الثاني: التمسك بالقاعدة الميرزائية

القائلة بأن الاستثناء من الحكم الالزامي أو ما يلازمه إذا تعلّق بعنوان وجودي فلا بدّ عرفا من إحراز ذلك العنوان في ارتفاع الحكم الالزامي أو ما يلازمه. و عليه فالحكم بالانفعال لا ترفع اليد عنه مع عدم احراز الكرية(1).

و فيه: ان القاعدة المذكورة و ان تمسك بها الشيخ النائيني في موارد متعدّدة الا انها غير ثابتة.

الثالث: التمسك بقاعدة المقتضي و المانع

، بتقريب: ان الملاقاة مقتضية للتنجيس و الكرية مانعة، و مع إحراز المقتضي و الشك في المانع يبنى على تحقّق المقتضى.

و فيه: ان القاعدة المذكورة لم يحرز ثبوتها لدى العقلاء و لا تستفاد من النصوص.

الرابع: التمسك باستصحاب العدم الأزلي للكرية

بتقريب: ان موضوع الانفعال مركّب من القلّة و الملاقاة، و الجزء الأوّل محرز بالاستصحاب، و الثاني بالوجدان فيثبت الحكم.

و فيه: ان ما ذكر وجيه بناء على حجيّة الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

الخامس: التمسّك باستصحاب العدم النعتي للكرية

بتقريب: ان أصل الماء هو المطر، و هو ينزل قطرة قطرة، و معه يكون كلّ‌ ماء مسبوقا بالقلّة حين نزوله مطرا فتستصحب قلّته. و بضم الاستصحاب


1) أجود التقريرات 195:2، و فوائد الأصول 384:3.

الى الوجدان يثبت تمام الموضوع للانفعال.

و فيه: ان القلّة المحرزة في بدء الخلقة لا تجدي في الفروض العادية التي يؤخذ فيها ماء من البحر دفعة في ظرف كبير يشك في كونه كرّا.

و عليه فالرجوع إلى استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة يبقى بلا مانع بعد البناء على بطلان الوجوه الخمسة المذكورة.

مقدار الكر

10 - و اما تحديد الكر بالمساحة

ففيه أقوال، و المعروف منها قولان:

أحدهما: ما كان كل من أبعاده الثلاثة يساوي ثلاثة أشبار، و نتيجته ان الكر - 27 شبرا.

ثانيهما: ما كان كل من أبعاده الثلاثة يساوي ثلاثة أشبار و نصفا، و نتيجته ان الكر شبرا.

اما القول الأوّل فتدل عليه صحيحة إسماعيل بن جابر: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الماء الذي لا ينجسه شيء، قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته»(1)، بتقريب: ان الذراع عبارة عن شبرين، و السعة لا يراد بها الطول أو العرض بل ما يسعه السطح.

و ظاهر تحديدها بذراع و شبر كونها كذلك من جميع الجهات، و ذلك لا يتمّ‌ إلاّ في الشكل الدائري.

و في تحصيل حجم الدائرة يضرب نصف القطر(2)* نصف


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

2) و القطر بعد كونه نفس السعة يساوي حسب الفرض ثلاثة أشبار.

المحيط‍‌ * العمق.

و حيث ان نسبة المحيط‍‌ إلى القطر ثلاثة إلى واحد تقريبا - و ان كانت بالدقّة - فنصف المحيط‍‌ - شبرا.

و من ثم تصبح النتيجة شبرا.

و قد يناقش في السند بأن ظاهر الوسائل ان الشيخ ينقلها من كتاب محمّد بن أحمد بن يحيى الذي له طرق صحيحة إليه في المشيخة و الفهرست إلاّ ان الأمر ليس كذلك فانه يرويها بطريق خاص في الاستبصار(1)يشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى، و في التهذيب(2)على أحمد بن محمد بن الحسن، و كلاهما لم يوثقا إلاّ بناء على كفاية شيخوخة الإجازة.

و اما القول الثاني فيدل عليه صحيح أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الكر من الماء كم يكون قدره‌؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكر من الماء»(3).

و بعد التعارض نقول: على تقدير عدم صحّة سند القول الأوّل يتعيّن المصير إلى الثاني.

و اما بناء على صحته و لو بالاستعانة بصحيحة إسماعيل بن جابر الاخرى(4)فحيث لا يمكن الجمع العرفي بينهما و لا الترجيح7.


1) الاستبصار 10:1.

2) التهذيب 41:1.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الماء المطلق الحديث 6.

4) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 7.

بالموافقة للكتاب و المخالفة للعامة يتساقطان و يلزم الرجوع إلى القاعدة، و هي تقتضي نتيجة القول الثاني لان الأقل من متى ما شك في تنجسه بالملاقاة فمقتضى عموم انفعال كلّ‌ ماء بالملاقاة تنجّسه، و لا يضرّ إجمال المخصص مفهوما بعد كونه منفصلا.

و متى ما شك في كفاية المرة عند الغسل به فاستصحاب النجاسة - بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية - يقتضي بقاءها.

هذا كلّه لو لم ندخل في الحساب روايات و فرضيات أخرى و إلاّ فالنتيجة قد تتغيّر، و ذلك ما يحتاج إلى مستوى أعلى من البحث.

الأسآر
اشارة

الأسآر كلّها طاهرة و يحل تناولها إلاّ سؤر الكلب و الخنزير و الكافر. نعم يكره سؤر ما لا يحل أكل لحمه شرعا عدا الهر. و امّا سؤر المؤمن فهو شفاء.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة السؤر

فلانه بعد عدم الدليل على نجاسته يجري استصحاب طهارته. و بقطع النظر عنه أو لعدم جريانه في الشبهات الحكمية بما في ذلك الترخيصية يمكن التمسّك بقاعدة الطهارة.

2 - و اما جواز التناول

فللاستصحاب، و بقطع النظر عنه فلأصل البراءة بعد عدم الدليل على الحرمة.

3 - و اما نجاسة سؤر الثلاثة

فلملاقاته للنجس.

4 - و اما كراهة سؤر ما لا يحل لحمه

فلكونها مقتضى الجمع بين

ما دلّ‌ على الجواز كصحيحة العباس(1): «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن فضل الهرة... و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلاّ سألته عنه فقال عليه السّلام:

لا بأس به»(2)و بين ما دلّ‌ على المنع كمفهوم موثقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... كلّ‌ ما أكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب»(3)، فان الوصف لوروده مورد التحديد يدل على المفهوم.

5 - و اما عدم كراهة سؤر الهر

فلما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في كتاب علي عليه السّلام: ان الهر سبع و لا بأس بسؤره و اني لأستحيي من اللّه ان ادع طعاما لان الهر أكل منه»(4)، فانه لا وجه للاستحياء مع الكراهة.

6 - و اما الشفاء في سؤر المؤمن

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء»(5)و غيرها.

2 - أحكام التخلي

اشارة

المشهور حرمة استقبال القبلة و استدبارها حالة التخلي.

و يطهر موضع البول بغسله بالماء فقط‍‌ مرّة واحدة، و قيل مرّتين.


1) ورد في الطبع القديم للوسائل:... عن الفضل عن العباس، و الصواب: عن الفضل ابي العباس، و هو المعروف بالبقباق الذي هو من ثقات أصحابنا. و قد نقلها الحرّ بشكل صحيح في الباب 11 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأسآر الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الأسآر الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الأسآر الحديث 2.

5) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة الحديث 1.

و اما موضع الغائط‍‌ فيطهر أيضا بكل جسم قالع للنجاسة.

و البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء محكوم بالبولية إلاّ مع طول المدّة بنحو يطمئن بعدم بقاء بول في المجرى.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الاستقبال و الاستدبار

فمتسالم عليها إلاّ من بعض المتأخّرين كصاحب المدارك حيث اختار الكراهة(1).

و قد يستدل بمرفوعة محمّد بن يحيى: «سئل أبو الحسن عليه السّلام: ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها»(2).

لكنها ضعيفة سندا بالرفع، و دلالة باعتبار ان السياق قرينة على إرادة الأدب الإسلامي إلاّ بناء على استفادة الوجوب و التحريم من حكم العقل دون الوضع.

و عليه فيشكل الحكم بالحرمة لان المستند ان كان هو الإجماع فهو محتمل المدرك على تقدير تحققه، و إن كان هو الروايات فهي ضعيفة.

و إذا قيل: ان الروايات و ان كانت ضعيفة السند و الدلالة إلاّ ان استناد الأصحاب إليها يجبر ذلك حيث يتولّد اطمئنان بصدقها.

و بكلمة اخرى: ان التسالم - على تقدير تحقّقه - ان كان مستندا الى الروايات فذلك موجب للاطمئنان بحقانيتها، و ان لم يكن مستندا إليها فيلزم ان يكون حجّة لكاشفيته التعبّدية عن وصول الحكم إلى


1) مدارك الاحكام 158:1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 2.

المجمعين من الامام عليه السّلام يدا بيد.

و بهذه الطريقة يمكن ان تثبت للإجماعات المدركية أو محتملة المدرك قيمة في مقام الاستدلال.

قلنا: هذا وجيه لو انحصر المدرك المحتمل برواية واحدة و لم نحتمل وجود مدرك آخر للمجمعين غيرها، اما اذا كانت الروايات متعدّدة - كما هو الحال في المقام حيث توجد أكثر من رواية صالحة للدلالة - فلا يتم ما ذكر لاحتمال استناد نصف المجمعين إلى هذه الرواية و نصفهم الآخر إلى الرواية الاخرى، و بذلك لا يتولّد اطمئنان بحقانيّة الرواية.

2 - و اما طهارة موضع البول بغسله بالماء فقط‍‌

فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا صلاة إلاّ بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. بذلك جرت السنّة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و اما البول فانه لا بدّ من غسله»(1).

و الرواية صحيحة لان سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح.

و الحسين نفسه و بقية الرجال هم من أجلاّء أصحابنا.

3 - و اما كونه مرّة واحدة

فلعدّة روايات كصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا انقطعت درة البول فصبّ‌ الماء»(2)، فإن إطلاق الصبّ‌ يصدق بالمرة الواحدة.

و القول بالتعدّد مبني على المناقشة في الرواية السابقة و أمثالها بعدم كونها في مقام البيان من الناحية المذكورة، و هو يقتضي التعدّد


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 1.

يقتضي التعدّد لاستصحاب النجاسة بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية.

و تؤكّد اعتبار التعدّد رواية البزنطي: «سألته عن البول يصيب الجسد. قال: صبّ‌ عليه الماء مرّتين، انّما هو ماء»(1)، بناء على صدق الاصابة على الواصل من الجسد إليه.

أجل مع إنكار الاستصحاب و دلالة الرواية المذكورة يتعيّن الرجوع إلى قاعدة الطهارة عند الغسل مرّة واحدة.

ثمّ‌ ان في رواية البزنطي مشكلتين ينبغي الالتفات إليهما:

الاولى: ان الرواية المذكورة رواها ابن إدريس في مستطرفاته(2).

و طريقه إليها حيث لم يذكره فهو مجهول و ساقط‍‌ عن الاعتبار إلاّ ما ينقله عن أصل محمّد بن علي بن محبوب الأشعري فانه صرّح بانه رآه بخط‍‌ الشيخ الطوسي، و الشيخ له طريق معتبر إلى ابن محبوب على ما في الفهرست(3).

الثانية: ان الرواية مضمرة، و هي ساقطة عن الاعتبار من الناحية المذكورة أيضا.

و يمكن الجواب: اما ببيان ان البزنطي من أجلاّء الأصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الإمام عليه السّلام أو ببيان ان ذكر الضمير بدون مرجع قضية غير مألوفة في اللغة العربية، فلا يليق بالعارف بأساليب الكلام إذا دخل على جماعة من الناس ان يقول: سألته من دون ذكر5.


1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب احكام الخلوة الحديث 9.

2) السرائر: 473.

3) الفهرست: 145.

مرجع الضمير.

و معه يلزم في موارد ذكر الضمير بدون مرجع وجود عهد خاص بين الطرفين لمرجع الضمير اعتمدا عليه في تشخيص المرجع، و بسبب ذلك ذكر الضمير.

و حيث لا يوجد شخص يليق ان يكون معهودا في الأوساط‍‌ الشيعيّة إلاّ الإمام عليه السّلام فيتعيّن ان يكون هو المرجع.

و إذا قيل: لعل هناك شخصا غير الإمام عليه السّلام كان معهودا بين الطرفين اعتمدا على عهده في ذكر الضمير و لا يتعيّن كون المعهود هو الإمام عليه السّلام.

قلنا: ان المضمر كالبزنطي مثلا حيث انه لم يحتكر الرواية على نفسه بل حدّث بها غيره أو سجّلها في أصله فذلك يدل على انه أراد نقلها لجميع الأجيال. و حيث لا يوجد شخص تعهده الأجيال جميعا إلاّ الإمام عليه السّلام فيثبت بذلك رجوع الضمير إليه عليه السّلام.

و الفارق بين البيانين اختصاص الأوّل بما إذا كان المضمر من أجلاّء الأصحاب بخلاف الثاني فانه عام للجميع.

4 - و اما الحكم بالبولية على الخارج قبل الاستبراء بالرغم من

اقتضاء قاعدة الطهارة الحكم بعدم ذلك

فللروايات الحاكمة بانتقاض الطهارة أو ببولية المشتبه، كمفهوم صحيحة محمّد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: رجل بال و لم يكن معه ماء. قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من

البول و لكنه من الحبائل»(1).

5 - و اما الاكتفاء بطول المدّة

فلان المطلوب بالاستبراء نقاء المحل فمع الاطمئنان به تترتّب فائدته.

هذا مضافا إلى التمسّك باستصحاب عدم خروج البول، و بقطع النظر عنه فبقاعدة الطهارة فان الحاكم عليهما - و هو الصحيحة المتقدّمة - يختص بغير هذه الحالة.

3 - الوضوء

كيفية الوضوء
اشارة

يجب في الوضوء غسل الوجه ما بين قصاص الشعر و الذقن طولا و ما بين الابهام و الوسطى عرضا. و المشهور عدم جواز النكس.

ثم غسل اليدين بتقديم اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع بدون نكس.

ثم مسح مقدّم الرأس بمقدار المسمّى.

ثم مسح الرجلين إلى الكعبين كذلك، بمسح اليمنى باليمنى اولا و اليسرى باليسرى، و يجوز فيه النكس، و يلزم كونه بنداوة الوضوء.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الوضوء مركّب من غسلين و مسحين

فيكفي لإثباته كتاب اللّه العزيز: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاةِ‌ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‌ وَ أَيْدِيَكُمْ‌ إِلَى الْمَرافِقِ‌ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‌ وَ أَرْجُلَكُمْ‌ إِلَى


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 2.

اَلْكَعْبَيْنِ‌ (1)فان الأرجل عطف على محل المجرور كما يقتضيه الظهور و صحيحة زرارة الآتية في الرقم 3.

2 - و اما تحديد الوجه

بما ذكر فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي ان يوضأ الذي قال اللّه عزّ و جلّ‌، فقال: الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عزّ و جلّ‌ بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر و ان نقص منه أثم ما دارت عليه الوسطى و الابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه.

و ما سوى ذلك فليس من الوجه. فقال له الصدغ من الوجه‌؟ فقال: لا»(2).

و طريق الصدوق إلى زرارة صحيح في المشيخة. و بقطع النظر عنه يكفي طريق الكليني.

ثمّ‌ ان الظاهر ان التحديد بما ذكر ملحوظ‍‌ بنحو الطريقيّة دون الموضوعية، و معه يلزم رجوع الانزع و الاغم و طويل الأصابع و قصيرها الى المتعارف.

3 - و اما عدم جواز النكس

فقد يستدل له:

تارة بالأخبار البيانية كصحيحة زرارة: «حكى لنا أبو جعفر عليه السّلام وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثمّ‌ مسح بيده الجانبين جميعا ثم أعاد اليسرى في الإناء فأسدلها على اليمنى ثمّ‌ مسح جوانبها ثمّ‌ أعاد اليمنى في الإناء ثمّ‌ صبّها على اليسرى فصنع بها كما صنع


1) المائدة: 6.

2) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الوضوء الحديث 1.

باليمنى ثمّ‌ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء»(1)حيث أسدل عليه السّلام الماء من أعلى الوجه.

و اخرى بأصالة الاشتغال حيث لا يقطع بالفراغ مع النكس.

و يرد الأوّل ان الفعل أعمّ‌ من الوجوب.

و الثاني انه بعد ثبوت إطلاق الآية الكريمة - الذي هو دليل اجتهادي - لا معنى للرجوع إلى الأصل.

و لو قطعنا النظر عن الإطلاق فالأصل الجاري هو البراءة على ما هو الصحيح في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين إلاّ بناء على ان الواجب هو الطهارة المسببة - دون نفس الغسل و المسح - الذي لازمه صيرورة المقام من قبيل الشك في المحصل. و لكنه مرفوض فان مقتضى ظاهر آية الوضوء وجوب نفس الغسل و المسح.

و مع التنزل فوجوب الاحتياط‍‌ في موارد الشك في المحصل الشرعي بعد كون وظيفة الشارع بيانه أوّل الكلام بل مقتضى عموم أدلّة البراءة الشرعية عدمه.

و من خلال هذا كلّه اتّضح جواز النكس لإطلاق الأمر بالغسل، و بقطع النظر عنه يمكن التمسك بأصل البراءة.

هذا و لكن الاحتياط‍‌ بالعدم - حذرا من مخالفة المشهور - لا ينبغي تركه.

4 - و اما وجوب غسل اليدين بالمقدار المذكور فهو مقتضى آية

الوضوء.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوضوء الحديث 10.

و هل المرفق يجب غسله أيضا؟ ان الآية الكريمة لا دلالة لها من هذه الناحية. أجل ورد في بعض الأخبار البيانية: «... ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ‌ وضعه على مرفقه اليمنى... ثمّ‌ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى...»(1)و ظاهر كل ما يذكر فيها الوجوب إلاّ إذا دلّ‌ من الخارج دليل على العدم. و إذا لم نقبل هذا و قلنا ان الفعل أعم من الوجوب فليس لنا إلاّ التسالم على ذلك و عدم نقل الخلاف إلاّ عن زفر من العامة(2).

5 - و اما عدم جواز النكس في غسل اليدين و لزوم تقديم اليمنى

و المسح على مقدّم الرأس و كفاية مسمّى المسح و اعتبار المسح على

الرجلين دون الغسل

فقد تقدّمت الإشارة إليه في القسم الأوّل من الكتاب(3).

6 - و اما لزوم الاستيعاب الطولي ما بين رءوس الأصابع إلى

الكعبين

فقد وقع محلاّ للخلاف فاكتفى جماعة منهم صاحب الحدائق بمسح البعض(4).

و الآية الكريمة شاهد على قول المشهور بناء على قراءة النصب التي لا تقدّر معها الباء - المستفاد منها التبعيض - في الأرجل و وضوح كون الغاية راجعة إلى تحديد الممسوح دون المسح بقرينة جواز النكس جزما. و معه فلا يقال بأن انتهاء المسح إلى الكعبين


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2.

2) جواهر الكلام 160:2.

3) القسم الأول من الكتاب: 79.

4) الحدائق الناضرة 294:2.

لا يستلزم ابتداءه من رءوس الأصابع.

و لا يمكن التمسّك لكفاية مسح البعض بصحيحة زرارة و بكير:

«تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك»(1)بدعوى دلالتها على كفاية مسح شيء من المحدود.

و الوجه فيه: ان ما ذكر يتم بناء على كون الموصول تفسيرا للقدمين لا لشيء، و حيث انّها مجملة من هذه الناحية فيعود ظهور الآية بلا مزاحم.

7 - و اما الكعبان

فالمعروف إلى زمان العلاّمة انّهما قبتا القدمين و هو فسّرهما بالمفصل بين الساق و القدم(2).

و الروايات ان لم تكن مؤيّدة للمشهور فلا أقل من تضاربها، و هكذا كلمات اللغويين متضاربة من هذه الناحية.

و المناسب ان يقال: ان شدّة الابتلاء بالمسألة كلّ‌ يوم تؤكد ان المعنى المعروف قبل العلاّمة هو الصحيح لأنه اما توارثوه جيلا بعد جيل عن المعصوم عليه السّلام أو انّهم استندوا إلى فهمهم ذلك من الروايات، و خطأ الجميع بعيد.

هذا مضافا إلى ان الكعب بمعنى الارتفاع و الارتفاع البارز ليس إلاّ القبة.

هذا كله بالقياس إلى الامامية.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الوضوء الحديث 4.

2) جامع المقاصد 220:1.

و اما غيرهم فقد فسّروا الكعب بالعظمين الناتئين عن يمين الساق و شمالها(1).

و استدلوا بان الكعب في كل رجل لو كان واحدا فالمناسب التعبير ب‍‌ «إلى الكعاب»، كما قال تعالى: إِنْ‌ تَتُوبا إِلَى اللّهِ‌ فَقَدْ صَغَتْ‌ قُلُوبُكُما (2)لمّا كان لكل واحدة قلب واحد.

و فيه: ان الاستعمال بنحو الجمع في بعض الموارد لا يدل على انحصار الصحة به.

8 - و امّا كفاية المسمّى عرضا في مسح الرجلين

فهو المشهور و خالف الشيخ الصدوق حيث اختار لزوم مسحهما بتمام الكفّ‌(3).

و قد يستدل له بصحيحة البزنطي عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال باصبعين من أصابعه هكذا فقال لا إلاّ بكفيه (بكفه) كلّها»(4).

و المناسب ان يقال: مقتضى آية الوضوء بناء على قراءة الجر كفاية المسح بقدر المسمّى عرضا لتقدير الباء.

و اما على قراءة النصب فلا يلزم الاستيعاب لجميع القدم و لا المسح بمقدار الكفّ‌ لمنافاة ذلك و كون المسح إلى الكعب بمعنى القبة، فان المسح إلى ذلك لا يمكن تحقّقه إلاّ بمقدار اصبع أو اصبعين اللهم إلاّ إذا فسّر


1) التفسير الكبير 165:6، و احكام القرآن للجصاص 436:2، و تفسير القرطبي 96:6.

2) التحريم: 4.

3) من لا يحضره الفقيه 28:1.

4) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الوضوء الحديث 4.

الكعبان بحدهما لا بنفسهما لكنه تحميل على الآية الكريمة.

و إذا كان هذا المقدار يكفي في ردّ الصحيحة السابقة لصدق عنوان كونها مخالفة للكتاب فالأمر واضح، و ان رفضنا ذلك - كأن يدعى ان المورد من قبيل المطلق و المقيّد - فيمكن ان يقال ان المسح بتمام الكفّ‌ لو كان لازما لذاع و اشتهر لشدّة الابتلاء و الحال ان ذلك لم يعرف إلاّ من الصدوق.

شرائط‍‌ الوضوء
اشارة

يلزم في الوضوء: النية، بمعنى قصد الفعل بداعي امتثال أمر اللّه سبحانه، و طهارة الماء، و إباحته، و إطلاقه، و الترتيب، و الموالاة، و المباشرة.

و المشهور اعتبار طهارة الأعضاء، و عدم المانع من استعمال الماء شرعا.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم النية بالمعنى المتقدّم

فلانه لازم العبادية.

اما كيف نثبت العبادية و النصوص خالية منها؟

قد يربط‍‌ ذلك بمسألة ان الأصل في مشكوك العبادية هو العبادية أو التوصليّة فإذا بني على اقتضائه العبادية - لما افيد في الكفاية من عدم احراز تحقّق غرض المولى إلاّ بقصد القربة - تثبت بذلك العبادية في المقام.

بيد ان المبنى قابل للتأمّل لأنه مبني على استحالة أخذ قصد التقرّب في متعلّق الامر، امّا بعد امكانه - كما هو الصحيح - فيستكشف من اطلاقه كونه توصليا.

و مع التنزل يمكن التمسك بالبراءة لنفي احتمال المدخلية في

الغرض بعد إمكان بيانها بجملة خبرية.

و الاولى التمسك بالارتكاز الواضح لدى كل متشرّع على عبادية الوضوء و ذلك يكشف عن وصوله يدا بيد من المعصوم عليه السّلام.

و ممّا يؤكّد ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود»(1)، فان الصلاة ما دامت قربية فأركانها الأساسية التي منها الطهور يلزم ان تكون كذلك أيضا.

و من خلال هذا تتّضح مبطلية الرياء للوضوء و لكل عمل عبادي بل هو محرّم و من الكبائر لكونه شركا باللّه سبحانه.

و في الحديث: «لو ان عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا»(2)، و الشرك حرام و لازم الحرمة البطلان.

و في الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «يؤمر برجال إلى النار...

فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء ما كان حالكم‌؟ قالوا: كنّا نعمل لغير اللّه، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممّن عملتم له»(3).

و في حديث صحيح آخر عنه صلّى اللّه عليه و آله: «سئل فيما النجاة غدا؟ فقال: إنّما النجاة في ان لا تخادع اللّه فيخدعكم فانه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الايمان، و نفسه يخدع لو يشعر. قيل له: فكيف يخادع اللّه‌؟ قال:

يعمل بما أمره اللّه ثم يريد به غيره. فاتقوا اللّه في الرياء فانه الشرك1.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الركوع الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 11.

3) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.

باللّه. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر، حبط‍‌ عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له»(1).

2 - و اما انه لا تلزم النية بأكثر من ذلك
• كإحضار صورة العمل أو نيّة القضاء و الاداء أو نيّة الوجوب و الندب - فلعدم الدليل إلاّ إذا توقف تمييز العمل على ذلك، كمن عليه صلاة الصبح قضاء و اداء.
3 - و اما اعتبار طهارة الماء

فللنصوص المتواترة كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري ايهما هو و ليس يقدر على ماء غيره. قال:

يهريقهما جميعا و يتيمم»(2)و غيرها. و الحكم من واضحات الفقه.

4 - و اما اعتبار إباحته

فلانه بدونها يكون التوضؤ تصرفا غصبيا محرّما فيستحيل اتّصافه بالعبادية.

5 - و اما اعتبار اطلاقه

فيدل عليه إطلاق قوله تعالى:... فَلَمْ‌ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا... (3).

و لم ينقل الخلاف في ذلك إلاّ عن الشيخ الصدوق فجوّز الوضوء بماء الورد(4)لرواية يونس عن أبي الحسن عليه السّلام: «قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضّأ به للصلاة‌؟ قال: لا بأس بذلك»(5). و لا بدّ من


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 16.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 2.

3) المائدة: 6.

4) مدارك الاحكام 110:1-111.

5) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الماء المضاف الحديث 1.

توجيهها بشكل و آخر بعد هجران الأصحاب لمضمونها. على ان في سندها سهلا.

6 - و اما اعتبار الترتيب

فهو أمر متسالم عليه. و يقتضيه صحيح زرارة: «سئل أحدهما عليهما السّلام عن رجل بدأ بيده قبل وجهه، و برجليه قبل يديه، قال: يبدأ بما بدأ اللّه به و ليعد ما كان»(1)و غيره.

و اما الآية الكريمة فلا يمكن استفادة الترتيب منها لا من حيث الواو لعدم دلالتها على الترتيب و لا من حيث الفاء لكونها تفريعية غير دالة على ذلك، كقولك: إذا رأيت العالم فقبّل وجهه و يده.

7 - و اما اعتبار الموالاة

فمقتضى اطلاق أدلّة الوضوء عدمه إلاّ أنّ‌ صحيحة معاوية بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ربّما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ‌ بالماء فيجف وضوئي، فقال:

أعد»(2)دلّت على اعتبار الموالاة بمعنى عدم الجفاف.

و موردها يختص بحالة الجفاف للتأخير، أما الجفاف لا لذلك - كما لو كان الجوّ حارّا - فلا تشمله و يمكن التمسّك لتصحيحه بالاطلاقات.

8 - و اما اعتبار المباشرة

فهو متسالم عليه. و يمكن ان يستفاد من آية الوضوء إذ بدونها لا يتحقق اسناد الفعل إلى الفاعل الذي يدل على اعتباره ظاهر الآية.

9 - و اما اعتبار طهارة الأعضاء

فقد ذهب إليه المشهور إلاّ انه


1) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب الوضوء الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الوضوء الحديث 3.

لا دليل عليه سوى التعدي من غسل الجنابة الذي دلّت صحيحة زرارة(1)و غيرها على لزوم غسل المواضع المتنجسة قبله أو لأنّ‌ تنجّس الأعضاء يستلزم تنجس الماء، و قد مرّ اعتبار طهارته.

و يندفع الأوّل باحتمال الفارق.

و الثاني بعدم تنجس الماء مع الارتماس في الكثير أو فرض طهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل.

و عليه فلا وجه لاعتبار طهارة الأعضاء إذا لم يلزم من نجاستها تنجس الماء.

10 - و اما اعتبار عدم المانع

فالمناسب ان يقال: ان المانع تارة هو المزاحمة بالأهم و اخرى هو الحرج أو الضرر و ثالثة خوف العطش.

و في الأوّل يمكن تصحيح الوضوء بفكرة الترتّب.

و في الثاني يبطل لعدم الأمر به بعد وجود الحاكم عليه و هو دليل لا ضرر أو لا حرج، و بارتفاع الأمر لا يبقى ما يدلّ‌ على الملاك ليمكن تصحيحه به فان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجّية.

إلاّ ان يقال ان الورود مورد الامتنان قرينة على ارتفاع الوجوب فقط‍‌ دون الملاك و إلاّ يلزم بطلانه في حق من تحمّل الضرر و الحرج و هو خلف الامتنان.

و في الثالث يحكم بالبطلان لان صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش. أ يغتسل به أو يتيمم‌؟ فقال: بل يتيمم و كذلك إذا أراد


1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5.

الوضوء»(1)دلّت على ارتفاع الأمر بالوضوء، و معه لا يمكن تصحيحه لا به لعدمه و لا بالملاك لعدم الكاشف عنه.

نواقض الوضوء
اشارة

ينتقض الوضوء: بالبول، و الغائط‍‌، و خروج الريح، و النوم، و كل ما يزيل العقل، و الاستحاضة القليلة و المتوسطة، و الجنابة.

و في حكم البول البلل المشتبه قبل الاستبراء.

و المستند في ذلك:

1 - اما الانتقاض بالأربعة الأولى أي البول، و الغائط‍‌، و خروج الريح، و النوم

فهو متسالم عليه. و تدل عليه صحيحة زرارة: «قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر من الغائط‍‌ و البول أو مني أو ريح و النوم حتى يذهب العقل...»(2)و غيرها من الأخبار الكثيرة.

و سند الشيخ إذا كان ضعيفا بابن الوليد لعدم الاكتفاء بشيخوخة الإجازة فيمكن الاستعانة بطريق الكليني أو الصدوق.

2 - و اما الانتقاض بما يزيل العقل

فأمر متسالم عليه. و يمكن ان يستأنس له بذيل الصحيحة المتقدّمة: «و النوم حتى يذهب العقل».

و التسالم ان لم يكن مستندا الى مثل هذه الرواية فهو كاشف عن وصول الحكم يدا بيد من المعصوم عليه السّلام، و ان كان مستندا إليها ارتفعت دلالتها الى مستوى الاطمئنان.


1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب التيمم الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 2.

3 - و اما الانتقاض بالاستحاضة القليلة

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء»(1).

و لم ينسب الخلاف في المسألة إلاّ إلى ابن أبي عقيل حيث لم يوجب عليها شيئا و ابن الجنيد حيث أوجب عليها الغسل لكل يوم مرّة(2).

4 - و اما الانتقاض بالاستحاضة المتوسطة

فلموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة...»(3).

و هي تدل على ان المستحاضة الكبيرة لا تنتقض طهارتها بل عليها الغسل ثلاث مرّات.

و بقطع النظر عن ذلك يكفينا استصحاب بقاء الطهارة بلا حاجة إلى دليل ينفي انتقاضها. أجل هو يتم بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

5 - و اما الانتقاض بالمني

فلصحيحة زرارة السابقة.

6 - و اما الانتقاض بالجماع

فلصحيحة أبي مريم: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ما تقول في الرجل يتوضأ ثمّ‌ يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي الى المسجد فان من عندنا يزعمون انها الملامسة فقال:


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 1.

2) الحدائق الناضرة 277:3.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 6.

لا و اللّه، ما بذلك بأس، و ربما فعلته، و ما يعنى بهذا إلاّ المواقعة في الفرج»(1).

و أبو مريم هو عبد الغفار بن القاسم قد وثّقه النجاشي(2).

7 - و اما ان البلل المشتبه قبل الاستبراء بحكم البول

فلما تقدّم في أحكام التخلي.

متى يجب الوضوء؟
اشارة

يجب الوضوء للصلاة الواجبة - ما عدا الصلاة على الميت - و للاجزاء المنسية، و لصلاة الاحتياط‍‌، و للطواف الواجب، و بالنذر و اخويه.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوبه للصلاة الواجبة

فهو من الضروريات، و تدلّ‌ عليه آية الوضوء(3)و النصوص المتواترة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا صلاة إلاّ بطهور»(4)و غيرها.

2 - و اما عدم وجوبه في المستثنى

فلما يأتي عند البحث عنه.

3 - و اما وجوبه للأجزاء المنسية و لصلاة الاحتياط‍‌

فلأنهما جزء من الصلاة، بل الثانية صلاة حقيقة فتكون مشمولة لإطلاق النصوص.

4 - و اما وجوبه للطواف الواجب

فلصحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «... و سألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 4.

2) رجال النجاشي: 173، منشورات مكتبة الداوري.

3) المائدة: 6.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الوضوء الحديث 1.

قال: يقطع طوافه و لا يعتدّ به»(1). و هي صحيحة في ثلاث من طرقها الأربع.

5 - و اما وجوبه في المورد الأخير

فلوجوب الوفاء بالنذر و أخويه.

أحكام خاصة بالوضوء
اشارة

من تيقن الحدث و شك في الطهارة أو بالعكس بنى على الحالة السابقة.

و من شك في الطهارة بعد الصلاة بنى على صحتها و توضأ لما يأتي.

و من شك فيها أثناءها قطعها و استأنفها بعد الوضوء.

و من شك في حاجبية الموجود أو وجود الحاجب قبل الوضوء أو أثناءه فلا بدّ له من تحصيل اليقين أو الاطمئنان بعدمه، و لو كان بعده بنى على صحته اما مطلقا أو مع احتمال الالتفات على الخلاف.

و كذا يبنى على الصحة مع العلم بوجود الحاجب و الشكّ‌ في ان الوضوء قبله أو بعده.

و من كان بعض أعضاء وضوئه متنجسا و توضأ و شك في تطهيرها بنى على الصحة و بقاء النجاسة فيجب غسلها لما يأتي من أعمال.

و المستند في ذلك:

1 - اما البناء على الحالة السابقة المتيقنة

فللاستصحاب.

2 - و اما البناء على الصحة لمن شك في الطهارة بعدها

فلقاعدة الفراغ المستندة إلى موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(2)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الواجب الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

3 - و اما وجوب الوضوء لما يأتي

فللزوم احراز شرط‍‌ العمل قبل الاشتغال به بعد فرض عدم جريان قاعدة الفراغ بلحاظه. و هي و ان جرت بلحاظ‍‌ العمل السابق إلاّ انها ليست حجّة في اثبات لوازمها غير الشرعية.

4 - و اما وجوب الوضوء لمن شك في الأثناء

فللزوم احراز الشرط‍‌ بلحاظ‍‌ ما يأتي، و قاعدة الفراغ و ان جرت بلحاظ‍‌ الأجزاء السابقة إلاّ انها ليست حجّة في اثبات لوازمها غير الشرعيّة.

5 - و اما ان الشاك في حاجبية الموجود يلزمه تحصيل اليقين أو

الاطمئنان

فلان اللازم غسل الوجه و اليدين و الذمة مشتغلة بذلك فيلزم تحصيل اليقين بالفراغ. و استصحاب عدم تحقّق الحجب لا يجدي لأنه أصل مثبت.

و إذا قيل: ان هذا مقتضى القاعدة إلاّ ان صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت‌؟ قال: تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. و عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف تصنع‌؟ قال:

ان علم ان الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ»(1)دلّت في ذيلها على عدم لزوم تحصيل العلم بوصول الماء و كفاية الشك.

كان الجواب: ان صدرها يدل على لزوم تحصيل العلم، و مع التهافت بين الصدر و الذيل لا يبقى ما يمنع من التمسّك بمقتضى القاعدة.


1) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب الوضوء الحديث 1.

6 - و اما الوجه في كفاية الاطمئنان

فلانعقاد السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عن التمسّك به.

7 - و اما لزوم ذلك حالة الشك في وجود المانع

فلما تقدّم نفسه.

و المشهور ذهب إلى العدم، و لعلّه لاستصحاب عدم وجود الحاجب، و لكنه مثبت إذا الواجب تحصيل غسل الوجه و اليدين و هو ليس لازما شرعيّا لعدم وجود الحاجب.

و إذا قيل: ان سيرة المتشرّعة جارية على عدم الفحص كما ادّعى ذلك صاحب الجواهر(1)و الشيخ الانصاري(2).

كان الجواب: ان ذلك اما من جهة الغفلة أو الاطمئنان بالعدم، و اما عند الشك فانعقاد سيرتهم على ما ذكر مشكوك، و يكفي الشك في ذلك بعد لزوم الاقتصار في الدليل اللبّي على القدر المتيقّن.

8 - و اما البناء على الصحة إذا كان الشك بعد الفراغ

فلقاعدة الفراغ.

هذا و قد ذهب جمع من الأعلام إلى اشتراط‍‌ احتمال الالتفات في جريانها لنكتتين:

أ - ان القاعدة لم تشرع لتأسيس مطلب تعبّدي على خلاف المرتكزات العقلائية، و واضح ان العقلاء انّما يلغون الشك عند عدم القطع بالغفلة حين العمل.

ب - التمسّك بنكتة الاذكرية و الأقربية المشار إليها في موثقة


1) جواهر الكلام 288:2.

2) فرائد الأصول 327:2، طبعة دار الاعتصام.

بكير بن أعين: «... هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك»(1)و رواية محمد بن مسلم الواردة في من شك بعد الفراغ من الصلاة في انّه صلّى ثلاثا أو أربعا: «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك»(2)فان مقتضاها الاقتصار على الموارد التي يحتمل فيها الالتفات.

و تحقيق الحال يحتاج الى مستوى أعلى من البحث.

9 - و اما البناء على الصحّة عند الشك في تقدّم الوضوء و تأخّره

عن وجود الحاجب

فلقاعدة الفراغ.

10 - و اما الحكم بالصحة في الفرع الأخير

فلقاعدة الفراغ. و الوجه في الحكم ببقاء النجاسة هو الاستصحاب بعد عدم حجية القاعدة في إثبات لوازمها غير الشرعية.

وضوء الجبيرة
اشارة

إذا كان على بعض أعضاء الوضوء جبيرة - لجرح أو قرح أو كسر - فمع امكان إيصال الماء تحتها بلا ضرر و لو بغمسها أو نزعها يجب ذلك و إلاّ لزم المسح عليها.

و مع عدم وضع الجبيرة و انكشاف الموضع يكفي في الجرح و القرح غسل ما حولهما و في الكسر التيمم.

و اللاصق الحاجب كالقير تجب إزالته، و مع عدم الإمكان يجب التيمم إن لم يكن في موضعه و إلاّ فاللاّزم الجمع بين التيمم و الوضوء.


1) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب الوضوء الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب نزع الجبيرة أو غمسها مع الامكان

فلانه مقتضى ما دل على وجوب الوضوء على المتمكن منه.

2 - و اما وجوب المسح عليها مع التعذر

فللروايات الخاصة - و ان كانت القاعدة تقتضي التيمم لعدم القدرة على الوضوء التام - كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك في مواضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ و يمسح عليها إذا توضأ؟ فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة»(1).

و إذا كان مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء؟ و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة‌؟ فقال:

يغسل ما وصل إليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته»(2)مطلقا و غير دال على مسح موضع الجبيرة إلاّ انه قابل للتقييد بما ذكر.

و الروايتان و ان كانتا ناظرتين إلى المسح في موضع الغسل إلاّ انه بالأولوية يثبت ذلك في موضع المسح أيضا.

ثم ان المذكور في صحيحة الحلبي و ان كان هو القرحة إلاّ ان الجواب يفهم منه عدم الاختصاص بها.

3 - و اما وجوب غسل ما حول الجرح و القرح المكشوفين


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 1.

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه‌؟ قال: يغسل ما حوله»(1)اما لان عدم افتراض التعصيب يولّد نفسه ظهورا في المكشوف أو لأنّ‌ ضمّها الى صحيحة الحلبي يولد ذلك.

ثمّ‌ ان الصحيحة و ان كانت واردة في الجرح دون القرح إلاّ انه لا يحتمل الاختصاص به بل القرح جرح في حقيقته.

4 - و اما وجوب التيمم في الكسر

فلانه مقتضى القاعدة إذ مع عدم وجود نص على الخلاف يجب التيمم عملا بقوله تعالى: فَلَمْ‌ تَجِدُوا... (2)بعد بطلان قاعدة الميسور سندا أو دلالة. و النص المتقدّم وارد في الكسير المجبور.

5 - و أما وجوب إزالة الحاجب

فلتوقف صدق الغسل و المسح على ذلك.

6 - و اما وجوب التيمم مع عدم إمكان الإزالة

فلانه مقتضى القاعدة، لوجوب التيمم على كل من لا يمكنه استعمال الماء.

7 - و اما وجوب الجمع في الفرض الأخير

فللعلم الإجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم بعد ضمّ‌ قاعدة عدم سقوط‍‌ الصلاة بحال.


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 3.

2) المائدة: 6.

4 - الغسل

أسباب الغسل
اشارة

الأسباب الموجبة للغسل ستة: الجنابة، و الحيض، و النفاس، و الاستحاضة، و مسّ‌ الميّت، و الموت.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الغسل لأحد الستّة

فللروايات الكثيرة كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «غسل الجنابة واجب و غسل الحائض إذا طهرت واجب و غسل المستحاضة (الاستحاضة) واجب إذا احتشت بالكرسف و جاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كلّ‌ يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة، و غسل النفساء واجب، و غسل الميّت واجب»(1).

هكذا روى الكليني. و زاد الشيخ و الصدوق: «و غسل من مسّ‌ ميّتا واجب».

2 - و اما الحصر في الستة

فهو المشهور. و توجد بعض الروايات الدالّة على وجوب غيرها كالغسل للإحرام و للجمعة.

و لكن يردها: ان ذلك لو كان واجبا لذاع و اشتهر خصوصا مع كثرة الابتلاء ببعضها.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الجنابة الحديث 3.

الجنابة
بم تتحقّق الجنابة‌؟
اشارة

تتحقّق الجنابة بأحد سببين: خروج المني، و الجماع في قبل المرأة أو الدبر.

و يلحق بالأوّل خروج الرطوبة المشتبهة بعد الغسل و قبل الاستبراء بالبول.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحقّقها بخروج المني

فللروايات المتضافرة كصحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المفخّذ عليه غسل‌؟ قال: نعم إذا أنزل»(1)و غيرها.

2 - و اما تحققها بالجماع في قبل المرأة

فللضرورة و التسالم و إطلاق الآية الكريمة: أَوْ لامَسْتُمُ‌ النِّساءَ... (2)، و الروايات المتواترة، كصحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع: «سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل‌؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة‌؟ قال: نعم»(3).

3 - و اما تحققها بالجماع في دبرها

فهو المشهور، لإطلاق الآية:

أَوْ لامَسْتُمُ‌ النِّساءَ... و اطلاق بعض الأخبار، كصحيحة محمّد بن


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الجنابة الحديث 1.

2) النساء: 43.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 2.

مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة‌؟ فقال: إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم»(1).

نعم ورد في بعض الروايات ما يدلّ‌ على عدم تحقّقها بذلك، كمرسلة البرقي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، و ان أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها»(2).

إلاّ انها ضعيفة بالارسال. و غيرها و ان كان صحيح السند لكنّه ضعيف الدلالة.

4 - و هل يوجب الوط‍‌ء في دبر الذكر الجنابة أيضا؟

المشهور ذلك اما للإجماع المدعى من قبل السيّد المرتضى، أو لإطلاق صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة أو لرواية أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من جامع غلاما جاء يوم القيامة جنبا لا ينقيه ماء الدنيا، و غضب اللّه عليه و لعنه و أعدّ له جهنّم و ساءت مصيرا. ثم قال: ان الذكر يركب الذكر فيهتز العرش لذلك»(3).

و الكل قابل للتأمّل.

أما الأوّل فلان الاجماع لم يثبت تحقّقه. و على فرض تحقّقه فهو محتمل المدرك.

و اما الثاني فلان الصحيحة منصرفة إلى دخول الرجل بالمرأة بالدخول المتعارف، أي في قبلها أو في دبرها أيضا، و انّما أطلق عليه السّلام


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب الجنابة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب النكاح المحرّم الحديث 1.

اتّكالا على العهد الذهني الثابت بين الناس، و ليس في مقام بيان ان عنوان الادخال متى ما صدق كفى في تحقّق الجنابة. و هل يحتمل ان الادخال لو كان في فم المرأة أو في فرج حيوان من الحيوانات يكفي في تحقّق الجنابة‌؟!

و نحن إذا لم نجزم باتكال الامام عليه السّلام على العهد المذكور عند ما أطلق لفظ‍‌ الادخال فلا أقل من احتماله، و هو يكفي في سقوطه عن صلاحية الاستدلال به.

و اما الثالث فلان الرواية ناظرة الى جنابة معنوية اخرى غير الجنابة الدنيوية التي هي محل حديثنا التي تزول بالغسل.

و مع قطع النظر عن ذلك يمكن ان يقال ان الرواية ناظرة الى الجنابة المتحقّقة بإنزال المني في دبر الذكر و ليس إلى مطلق الجماع و لو بلا انزال لان الرواية كأنها تريد ان تقول: من جامع غلاما جماعا أوجب جنابته فسوف يجيء... ان من المحتمل ان يكون مقصودها ذلك، و معه فلا تكون دالة على تحقّق الجنابة بمجرّد الجماع و لو من دون انزال.

هذا كلّه بقطع النظر عن سندها و إلاّ فالحضرمي لم تثبت وثاقته إلاّ بناء على كبرى وثاقة جميع رجال أسانيد كامل الزيارات.

و يبقى الاحتياط‍‌ أمرا مناسبا. و هو يتحقّق بالجمع بين الوضوء و الغسل للعلم الإجمالي بثبوت أحدهما على المكلّف إلاّ إذا كان على وضوء قبلا فيكفيه الغسل.

5 - و اما لحوق الرطوبة المشتبهة بالمني حكما

فللأخبار الكثيرة كصحيحة ابن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يخرج من احليله

بعد ما اغتسل شيء، قال: يغتسل و يعيد الصلاة إلاّ ان يكون بال قبل ان يغتسل فانه لا يعيد غسله»(1).

متى يجب الغسل‌؟
اشارة

يجب غسل الجنابة لما تقدّم نفسه في موارد وجوب الوضوء بإضافة الصوم على تفصيل.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب غسل الجنابة للصلاة

فلقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاةِ‌ ... وَ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا... (2). مضافا إلى نصوص كثيرة واردة في أبواب شتّى.

2 - و اما وجوبه للاجزاء المنسية و صلاة الاحتياط‍‌

فلأنهما جزء من الصلاة.

3 - و اما اشتراطه في الطواف

فلصحيحة علي بن جعفر عليه السّلام عن أخيه أبي الحسن عليه السّلام: «قال: سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف قال: يقطع الطواف و لا يعتدّ بشيء ممّا طاف...»(3).

على ان ما دلّ‌ على اشتراط‍‌ الوضوء في الطواف يدلّ‌ على اشتراط‍‌ الغسل فيه بالأولوية.

4 - و اما اشتراطه في صحّة الصوم في الجملة

فهو مشهور بل متسالم عليه. و تدلّ‌ عليه صحيحة ابن أبي نصر عن أبي الحسن عليه السّلام:


1) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب الجنابة الحديث 6.

2) المائدة: 6.

3) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 4.

«سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ‌ ينام حتّى يصبح متعمّدا قال: يتمّ‌ ذلك اليوم و عليه قضاؤه»(1).

نعم ذهب البعض إلى عدم الشرطية - في من تعمّد البقاء - استنادا إلى بعض النصوص الضعيفة سندا أو دلالة(2).

ثمّ‌ ان غسل الجنابة لا يجب في نفسه بل يجب لما ذكر من المشروط‍‌ بالطهارة إذا وجب لأصالة البراءة عن الوجوب النفسي بعد عدم الدليل عليه.

أجل يجب للنافلة بمعنى الوجوب الشرطي دون التكليفي.

المحرّمات على الجنب
اشارة

يحرم على الجنب مسّ‌ لفظ‍‌ الجلالة، و مس كتابة القرآن الكريم، و دخول المساجد لا للاجتياز الا المسجدين فانه لا يجوز فيهما الاجتياز أيضا، و وضع شيء فيها، و قراءة آيات العزائم.

و يجدر الحاق المشاهد المشرفة بالمساجد.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة مس لفظ‍‌ الجلالة

فهي المشهور. و تدل عليها موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يمسّ‌ الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه...»(3).

و في السند أحمد بن محمد بن يحيى و يمكن التغلب على مشكلته من خلال شيخوخة الاجازة - بناء على كفايتها - أو الطرق الاخرى


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب الجنابة الحديث 1.

المذكورة في القواعد الرجاليّة.

نعم بازائها جملة من الأخبار دلّت على جوازه عمدتها موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي إبراهيم عليه السّلام: «سألته عن الجنب و الطامث يمسّان أيديهما الدراهم البيض‌؟ قال: لا بأس»(1).

إلاّ ان مقتضى الجمع حمل الأخيرة على مسّ‌ غير الموضع المشتمل على اسم الجلالة، و معه فلا وجه لحمل الاولى على الكراهة لعدم تعارضهما.

2 - و اما حرمة مسّ‌ كتابة القرآن الكريم

فلإطلاق موثقة أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء؟ قال: لا بأس و لا يمسّ‌ الكتاب»(2)، بتقريب ان الجنب من مصاديق من لا وضوء له، بل قد يتمسّك بالأولوية.

و اما قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ‌ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ‌ (3)فلا دلالة له على إنشاء حرمة المس بل هو اخبار عن عدم ادراك دقائقه لغير المعصومين عليهم السّلام.

و اما حرمة وضع شيء في المساجد و الدخول فيها إلاّ بنحو

الاجتياز

فللنصوص الكثيرة كصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلاّ مجتازين...

و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا...»(4).


1) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب الجنابة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب الوضوء الحديث 1.

3) الواقعة: 79.

4) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الجنابة الحديث 2.

و يدلّ‌ على حرمة الدخول لا بنحو الاجتياز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ‌ وَ أَنْتُمْ‌ سُكارى‌ ... وَ لا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ‌ (1).

ثم ان المستثنى في غير المسجدين عنوان الاجتياز الذي لا يتحقّق الا بالدخول من باب و الخروج من آخر، و لكن الوارد في رواية جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «للجنب ان يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله»(2)، و عنوان المشي لا يتوقّف على افتراض بابين و الدخول من واحد و الخروج من آخر.

الا ان السند يشتمل على سهل بن زياد الذي فيه كلام.

و على فرض صحة السند و التعارض بينها و بين صحيحة زرارة و محمد بن مسلم فالترجيح مع الصحيحة لموافقتها للكتاب الكريم الدال على ان المدار على عنوان العبور الذي هو عبارة اخرى عن الاجتياز.

4 - و اما حرمة دخول المسجدين و لو اجتيازا

فلصحيح جميل بن دراج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال:

لا، و لكن يمر فيها كلّها إلاّ المسجد الحرام و مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله»(3).

5 - و اما حرمة قراءة آيات العزائم

فلصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قلت له: «الحائض و الجنب هل يقرآن من القرآن شيئا؟ قال:

نعم ما شاءا إلاّ السجدة...»(4). و السجدة ان لم تكن ظاهرة في الآية


1) النساء: 43.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الجنابة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الجنابة الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الجنابة الحديث 4.

• دون السورة - فهي مجملة يؤخذ بالقدر المتيقّن منها و يرجع في الزائد إلى إطلاق ما دل على جواز قراءة الجنب للقرآن أو إلى الأصل.
6 - و اما المشاهد المشرفة

فقد قيل بإلحاقها بالمساجد اما:

لان روح المسجدية - و هي شرافة المكان و كونه محلا للعبادة - متحقّقة فيها بنحو أتمّ‌.

أو لان ترك مكث الجنب و دخوله فيها نحو من تعظيم لشعائر اللّه سبحانه التي هي من تقوى القلوب.

أو لصحيحة بكر بن محمد: «خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد اللّه عليه السّلام فلحقنا ابو بصير خارجا من زقاق و هو جنب و نحن لا نعلم حتى دخلنا على ابي عبد اللّه عليه السّلام قال: فرفع رأسه إلى ابي بصير فقال:

يا ابا محمد أما تعلم انه لا ينبغي لجنب ان يدخل بيوت الأنبياء؟! قال:

فرجع ابو بصير و دخلنا»(1).

و الكل كما ترى.

اما الاول فلاحتمال الخصوصية لعنوان المسجدية.

و اما الثاني فلان تعظيم شعائر اللّه سبحانه بجميع مراتبه ليس واجبا.

و اما الثالث فلعدم ظهور جملة: «لا ينبغي» في الحرمة.

و عليه فالالحاق لا بدّ و ان يكون مبنيا على الاحتياط‍‌ دون الفتوى.

كيفية الغسل
اشارة

الغسل على نحوين: ارتماسي يغمس فيه جميع البدن في الماء دفعة


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الجنابة الحديث 1.

عرفية، و ترتيبي يغسل فيه الرأس و الرقبة أوّلا ثم الطرف الأيمن ثم الأيسر.

و المستند في ذلك:

1 - اما جواز الارتماس

فلصحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«و لو ان رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده»(1)و غيرها.

2 - و اما كفاية الدفعة العرفية و عدم لزوم الدفعة الدقية

فلان ذلك هو المفهوم عرفا من قوله عليه السّلام: «ارتماسة واحدة».

3 - و اما جواز الترتيبي

فلصحيحة زرارة الاخرى «قلت: كيف يغتسل الجنب‌؟ فقال: ان لم يكن أصاب كفّه شيء غمسهما في الماء ثمّ‌ صب على رأسه ثلاث أكف ثمّ‌ صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرّتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه»(2).

و بها يقيد اطلاق قوله عليه السّلام الوارد في بيان الغسل الترتيبي في صحيحة زرارة الاولى: «ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك».

و لا يضرّها الاضمار بعد كون المضمر زرارة بل قد يقال لا يضرّ الاضمار مطلقا لبيان تقدّمت الإشارة إليه سابقا.

و الصحيحة واضحة في اعتبار الترتيب بالشكل المتقدّم إلاّ انّه قد يقال بعدم اعتباره بين الجانبين لموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«المرأة تغتسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها كم يجزيها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها و هو ثلاث حفنات على رأسها.


1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 2.

و حفنتان على اليمين و حفنتان على اليسار ثم تمرّ يدها على جسدها كلّه»(1)بتقريب ان حفنتين من الماء لا تكفيان لغسل تمام الأيمن من دون امرار اليد و المفروض انّه عليه السّلام ذكر الامرار بعد الصبّ‌ على الأيسر.

و عليه يلزم حمل الصحيحة على الاستحباب.

أحكام خاصّة بغسل الجنابة
اشارة

لا تعتبر الموالاة و لا عدم النكس في غسل الجنابة بل في كل غسل. كما و انه يجزئ عن الوضوء.

و إذا كان على المكلف أسباب متعدّدة للغسل جاز له الإتيان بغسل واحد بنيّة الجميع أو الإتيان بخصوص غسل الجنابة فانه مجزئ عن الغير.

و المحدث اثناء غسل الجنابة يعيده على قول.

و إذا شكّ‌ المكلف في صدور غسل الجنابة منه أعاده.

و إذا شكّ‌ في صحّته بعد الفراغ منه بنى على صحّته.

و إذا شكّ‌ في صدوره بعد الصلاة حكم بصحّتها و لزمه فعله لما يأتي ان لم يصدر منه حدث أصغر بعد الصلاة و إلاّ جمع بين الغسل و الوضوء بل يلزم إعادة الصلاة إذا كان الشكّ‌ في الوقت.

و إذا علم إجمالا اما بنقصان ركن في صلاته أو ببطلان غسله وجبت عليه إعادة الصلاة دون الغسل.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم اعتبار الموالاة بين الأجزاء في الترتيبي

فلإطلاق ما ورد في بيان كيفية الغسل كقوله عليه السّلام في صحيحة زرارة: «ثم تغسل


1) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الجنابة الحديث 6.

جسدك من لدن قرنك إلى قدميك»(1).

بل ورد ما يدلّ‌ على عدم اعتبارها كصحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان عليّا عليه السّلام لم ير بأسا ان يغسل الجنب رأسه غدوة و يغسل سائر جسده عند الصلاة»(2).

2 - و اما عدم وجوب البدأة بالأعلى

فهو المعروف. و يمكن استفادة ذلك من موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ثمّ‌ ليصبّ‌ على رأسه ثلاث مرّات ملء كفّيه، ثم يضرب بكفّ‌ من ماء على صدره، و كفّ‌ بين كتفيه»(3)، بتقريب ان إطلاق الصبّ‌ على الصدر يصدق و لو من دون صبّ‌ من أعلى نقطة فيه.

3 - و اما عدم اعتبار الموالاة و لا عدم النكس في كلّ‌ غسل

فيكفي في إثباته عدم ورود كيفية خاصة في غير غسل الجنابة، فانه يدل على وحدة الكيفية في الجميع.

و لأنه لو كانا معتبرين شرعا لذاع ذلك و اشتهر بعد كثرة الابتلاء بغير غسل الجنابة أيضا.

4 - و اما اجزاؤه عن الوضوء

فلقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ‌ ... وَ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4)الدال على ان وظيفة الجنب هي الغسل و وظيفة غيره الوضوء و التفصيل قاطع للشركة.

و لموثقة عمّار: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل إذا اغتسل من


1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب الجنابة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 8.

4) المائدة: 6.

جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده‌؟ فقال: لا، ليس عليه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل...»(1).

5 - و اما كفاية الاتيان بغسل واحد بنيّة الجميع

فلصحيحة زرارة:

«إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الحجامة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة فاذا اجتمعت عليك حقوق (اللّه) أجزأها غسل واحد. قال: ثم قال: و كذلك المرأة...»(2).

6 - و اما اجزاء غسل الجنابة لو قصده عن غيره

فللصحيحة المذكورة أيضا لأنه المتيقن، بل قد يستفاد منها اجزاء أي غسل قصد عن غيره.

7 - و اما القول بوجوب إعادته لو أحدث في أثنائه

فاستدل له بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاةِ‌ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‌ وَ أَيْدِيَكُمْ‌ ... وَ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا... (3). حيث دل على ان المحدث القائم الى الصلاة على قسمين اما جنب وظيفته الغسل، أو غيره و وظيفته الوضوء، و حيث ان المحدث بالأصغر أثناء الغسل يصدق عليه انه محدث قام إلى الصلاة و المفروض انه جنب لعدم اتمامه الغسل فوظيفته الغسل، أي مخاطب ب‍‌ فَاطَّهَّرُوا ، و الخطاب المذكور ظاهر في إيجاد - الغسل - بتمامه لا اتمامه فيلزم اعادة الغسل من رأس. و بضم قاعدة «التفصيل قاطع للشركة» ينتفي احتمال وجوب ضم الوضوء.


1) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الجنابة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 43 من أبواب الجنابة الحديث 1.

3) المائدة: 6.

ثم ان الأقوال في المسألة ثلاثة. و ما تقدم احدها.

و القول الثاني هو اتمام الغسل مع الوضوء.

اما اتمامه فلسكوت الاخبار المبيّنة لكيفية الغسل عن اشتراط‍‌ عدم الحدث في أثنائه.

و اما وجوب الوضوء فلإطلاق ما دلّ‌ على ان الحدث موجب للوضوء كما في موثقة بكير: «قال لي ابو عبد اللّه عليه السّلام: إذا استيقنت انك قد أحدثت فتوضأ»(1)و غيرها.

و القول الثالث هو اتمام الغسل لما تقدم مع عدم الحاجة إلى الوضوء لان اطلاق ما دلّ‌ على وجوب الوضوء عند الحدث مقيّد بموثقة عمار المتقدمة الدالة على ان غسل الجنابة ليس بعده و لا قبله وضوء.

8 - و اما وجوب الإعادة لو شك في صدور الغسل

فلاستصحاب عدمه.

9 - و اما البناء على صحّة الغسل لو شك فيه بعد الفراغ منه

فلقاعدة الفراغ المستفادة من موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام:

«كلّ‌ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(2).

10 - و اما صحّة الصلاة لو شك بعدها في صدور الغسل

فلقاعدة الفراغ بالنسبة للصلاة، و هي مانعة من جريان استصحاب عدم الغسل و إلاّ يلزم لغوية تشريع القاعدة، إذ ما من مورد تجري فيه الا و الاستصحاب واقف إلى جنبها.

11 - و اما لزوم إعادته لما يأتي

فلاستصحاب عدم الغسل.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل الحديث 3.

و صحّة الصلاة بقاعدة الفراغ لا تستلزم ثبوت لوازمها التي منها كونه مغتسلا.

12 - و اما وجوب الجمع بين الغسل و الوضوء على تقدير صدور

الحدث الأصغر

فللعلم الإجمالي بوجوب اما الغسل أو الوضوء.

13 - و اما اعادة الصلاة أيضا إذا كان الشكّ‌ في الوقت

فلعدم جريان قاعدة الفراغ لتشكل علم إجمالي بعد صدور الحدث الأصغر بوجوب إعادة الصلاة السابقة بعد الغسل - على تقدير عدم الاغتسال - أو الوضوء للصلاة اللاحقة - على تقدير الاغتسال - فيجب الجمع بين الأطراف.

14 - و اما عدم وجوب إعادة الصلاة إذا كان الشكّ‌ خارج الوقت

فللشكّ‌ في صدق فوت الصلاة - لاحتمال الاغتسال قبلها - الذي هو موضوع وجوب القضاء فتجري البراءة عن وجوبه.

15 - و اما وجوب إعادة الصلاة دون الغسل في الفرض الأخير

فللعلم ببطلان الصلاة على كل حال فتجري قاعدة الفراغ بلحاظ‍‌ الغسل بلا معارض.

الحيض
ما هو الحيض‌؟
اشارة

هو الدم الخارج من المرأة في كل شهر غالبا. و هو أسود أو أحمر حار عبيط‍‌ يخرج بدفق و حرقة في الغالب.

و أقلّه ثلاثة و أكثره عشرة. و يعتبر فيه الاستمرار العرفي في الثلاثة الأولى و ان يكون بعد البلوغ و قبل اليأس.

و المستند في ذلك:

1 - اما تفسيره

بما ذكر فلقضاء الواقع الخارجي بذلك.

2 - و التقييد ب‍‌ «غالبا» احتراز عن بعض الحالات

، كما في المضطربة و نحوها.

3 - و اما انه بالصفات المذكورة

فلعدّة روايات كصحيحة حفص بن البختري: «دخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره. قال: فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط‍‌ أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة. قال: فخرجت و هي تقول: و اللّه ان لو كان امرأة ما زاد على هذا»(1). و المراد بالسواد الحمرة الشديدة و إلاّ فلم ير دم بلون الفحم.

4 - و امّا التقييد ب‍‌ «الغالب»

فللاحتراز عن الحالات التي يحكم فيها بالحيض من دون وجود الصفات، كالصفرة في أيّام العادة أو قبلها بيوم أو يومين.

5 - و اما تحديده قلّة و كثرة بما ذكر

فلعدّة روايات كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أقلّ‌ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام و أكثره ما يكون عشرة أيّام»(2).

و أما مثل موثقة سماعة: «سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين و في الشهر ثلاثة أيّام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيّام سواء. قال: فلها ان تجلس و تدع الصلاة ما


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الحيض الحديث 1.

دامت ترى الدم»(1)فمحمول على بيان الحكم الظاهري و انها تعمل ظاهرا بوظيفة الحائض فان انقطع قبل الثلاثة انكشف كونه استحاضة و إلاّ انكشف كونه حيضا واقعا.

و إذا لم يتم هذا و نحوه طرحناها لمخالفتها السنّة القطعيّة باعتبار ان تلك متواترة إجمالا.

6 - و اما اعتبار الاستمرار في الثلاثة

فلاقتضاء الحكم بكون أقلّه ثلاثة لذلك، فان ظاهره ان الدم الواحد لا يقلّ‌ عن ذلك، و مع تقطّعه لا يكون واحدا فان الوحدة مساوقة للاتصال عرفا أيضا.

و مع غضّ‌ النظر عن ذلك فمقتضى إطلاق أدلة الأحكام كوجوب الصلاة و... ترتّبها ما لم يثبت المقيّد، و القدر المتيقن منه حالة الاتصال في الثلاثة، فإن الاطلاق كما يتمسّك به عند الشك في أصل التقييد كذلك يتمسّك به عند الشك في زيادته.

7 - و اما ان المدار على الاستمرار العرفي
• الذي يتحقق مع الانقطاع اليسير أيضا - دون الدقي فلأنه مقتضى لزوم حمل الألفاظ‍‌ على مفاهيمها العرفية.
8 - و اما اعتبار كونه بعد البلوغ فمتسالم عليه.

و تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: ثلاث يتزوجن على كل حال - إلى ان قال - و التي لم تحض و مثلها لا تحيض.

قلت: و متى يكون ذلك‌؟ قال: ما لم تبلغ تسع سنين...»(2).

9 - و اما اعتبار كونه قبل اليأس فمتسالم عليه أيضا

، و تدلّ‌ عليه


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الحيض الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب العدد الحديث 5.

جملة من الروايات عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «حدّ التي يئست من المحيض خمسون سنة»(1).

متى يحكم بالتحيض‌؟
اشارة

و تتحيض المرأة بمجرّد رؤية الدم إذا كان بالصفات أو في العادة أو قبلها بيوم أو يومين.

و المبتدأة التي تراه أوّل مرّة و المضطربة التي لم تستقرّ لها عادة تحكم عليه بذلك بشرط‍‌ الصفات.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحيض ذات العادة إذا رأته بالصفات

فلإطلاق ما دل على «ان دم الحيض حار أسود...» للمرئي في العادة و غيرها. و مع الشك في استمراره ثلاثا يحكم بذلك للاستصحاب الاستقبالي.

2 - و اما التحيض برؤيته في العادة و ان لم يكن بالصفات

فلصحيحة محمّد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة ترى الصفرة في أيّامها؟ فقال: لا تصلّي حتى تقضي أيّامها»(2)، و غيرها.

3 - و اما الحاق التقدّم بيوم أو يومين

فلموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في المرأة ترى الصفرة فقال: «ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض»(3).

4 - و اما تحيض المبتدأة و المضطربة بالقيد المذكور

فلإطلاق ما


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب الحيض الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الحيض الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الحيض الحديث 2.

دل على ان دم الحيض حار أسود... منضما الى الاستصحاب الاستقبالي.

تجاوز العادة
اشارة

إذا تجاوز الدم العادة فمع تجاوزه العشرة يحكم بالتحيض بمقدار العادة و إلاّ حكم على الجميع بذلك و ان لم يكن الزائد بصفة الحيض. و قيل باشتراط‍‌ ذلك.

و كلّ‌ دم حكم عليه بالحيض فالدم الثاني لا يمكن الحكم عليه بذلك إلاّ مع تخلّل أقل الطهر.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه مع التجاوز عن العشرة يحكم بالتحيض بمقدار العادة

فلصحيحة يونس عن غير واحد سألوا أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحيض و السنة في وقته فقال: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سنّ‌ في الحيض ثلاث سنن...

اما إحدى السنن فالحائض التي لها أيّام معلومة قد أحضتها بلا اختلاط‍‌ عليها ثم استحاضت فاستمر بها الدم و هي في ذلك تعرف أيّامها و مبلغ عددها... تدع الصلاة قدر اقرائها أو قدر حيضها...»(1).

و لا تضرّ رواية يونس عن غير واحد اما لأنه من أصحاب الاجماع أو ان أقل ذلك ثلاثة و لا يحتمل اجتماعهم على الكذب خصوصا مع افتراضهم من مشايخ يونس.

2 - و اما انه مع عدم التجاوز يحكم على جميعه بذلك و ان لم يكن

بالصفات

فلقاعدة الامكان - المدعى عليها الاجماع و التصيّد من


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الحيض الحديث 1.

الروايات - القائلة ب‍‌ «ان كل دم يمكن ان يكون حيضا فهو حيض»، و حيث فرض عدم التجاوز فبالامكان ذلك فيحكم عليه بالحيض.

3 - و اما وجه القول الآخر فهو ان الدم ما بعد العادة ما دام لم يكن

بالصفات

فهو مشمول لما ورد من ان الصفرة في غير أيّامها ليست بحيض، كما في صحيحة محمّد بن مسلم(1)و لإطلاق ما دلّ‌ على ان دم الاستحاضة أصفر كما في صحيحة حفص بن البختري(2).

4 - و اما اعتبار فصل أقل الطهر

فلصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا يكون القرء في أقل من عشرة أيّام فما زاد. أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى ان ترى الدم»(3)و غيرها.

أحكام الحيض
اشارة

لا تصح الصلاة و الصوم و الطواف و الاعتكاف من الحائض إلاّ بعد الانقطاع و الاغتسال. و تقضي الصوم دون الصلاة.

و يحرم عليها ما يحرم على الجنب، و يحرم وطؤها قبل انقطاع الدم. و قيل باختصاصه بالقبل. و كيفية غسلها كغسل الجنابة.

و لا يصحّ‌ طلاقها على تفصيل مذكور في باب الطلاق.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم صحّة الثلاثة منها

فأمر متسالم عليه بل هو في بعضها ضروري و يستفاد من الروايات، كصحيحة زرارة عن أبي


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الحيض الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الحيض الحديث 1.

جعفر عليه السّلام: «إذا كانت المرأة طامثا فلا تحلّ‌ لها الصلاة...»(1). و موثقة سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المستحاضة قال: تصوم شهر رمضان إلاّ الأيام التي كانت تحيض فيها ثم تقضيها بعد»(2)و موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المستحاضة أ يطؤها زوجها و هل تطوف بالبيت‌؟ قال: تقعد قرأها الذي كانت تحيض فيه - الى ان قال - و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت»(3)فانها ظاهرة في انه متى ما حلّت لها الصلاة جاز لزوجها إتيانها و طوافها بالبيت.

و اما عدم صحّة الاعتكاف منها فباعتبار اشتراطه بالصوم.

2 - و اما اعتبار الانقطاع و الاغتسال

فلأنها قبل الانقطاع حائض و قبل الاغتسال محدثة فلا تصح تلك منها لاشتراطها بالطهارة.

3 - و اما انها تقضي الصوم دون الصلاة

فلصحيحة زرارة:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصيام، قال: ليس عليها ان تقضي الصلاة و عليها ان تقضي صوم شهر رمضان»(4)و غيرها.

4 - و اما انه يحرم عليها ما يحرم على الجنب

فلان معظم الروايات الواردة في محرّمات الجنابة ذكر عنوان الحائض أيضا أو ذكرها بما انها أحكام لمطلق المحدث كحرمة المسّ‌.


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الحيض الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الحيض الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 8.

4) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب الحيض الحديث 2.

5 - و اما حرمة وطئها

فأمر مسلم و تدل عليه الآية الكريمة:

وَ يَسْئَلُونَكَ‌ عَنِ‌ الْمَحِيضِ‌ قُلْ‌ هُوَ أَذىً‌ فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‌ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ‌ حَتّى يَطْهُرْنَ‌ (1).

6 - و اما كفاية انقطاع الدم في جواز الوط‍‌ء

فلصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيّامها قال إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسّها ان شاء قبل ان تغتسل»(2)و غيرها.

و اما ما دل على المنع و انه «لا، حتى تغتسل»(3)فمحمول على الكراهة بقرينة ما دل على الجواز طبقا لقاعدة الجمع العرفي بين الظاهر و الصريح.

و لو لا الروايات المجوّزة كان المناسب الحكم ببقاء الحرمة للاستصحاب بناء على جريانه في الشبهات الحكمية و عدم معارضته باصالة عدم الجعل الزائد.

7 - و اما وجه القول باختصاص التحريم بالقبل

فلموثقة عبد الملك بن عمرو: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام ما لصاحب المرأة الحائض منها فقال: كل شيء ما عدا القبل منها بعينه»(4)و غيرها فانها بإطلاقها تشمل الدبر.

و إذا عورض الاطلاق المذكور بإطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان


1) البقرة: 222.

2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الحيض الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الحيض الحديث 7.

4) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب الحيض الحديث 1.

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و لا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء إلاّ أيّام حيضها فيعتزلها زوجها»(1)حيث يدل على المنع حتى من الدبر.

كان الجواب: ان دلالة الأوّل بالعموم و الثاني بالاطلاق و عند التعارض يقدم العموم.

و مع تسليم التساوي يتساقطان و يرجع إلى أصل البراءة أو مطلقات جواز الوط‍‌ء في الدبر إن كانت.

و كل هذا - كما تعلم - مبني على جواز الوط‍‌ء في الدبر في غير حالة الحيض.

8 - و اما وجه وحدة الغسل

فيكفي لإثباته عدم الدليل على كيفية اخرى مغايرة لغسل الجنابة إذ مع عدم الوحدة، لا بدّ من البيان خصوصا بعد كثرة الابتلاء.

على أنه قد ورد في موثقة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «غسل الجنابة و الحيض واحد»(2).

الاستحاضة
ما هى الاستحاضة‌؟
اشارة

الاستحاضة دم يخرج في غير وقت العادة الشهرية و الولادة، و ليس من جرح أو بكارة.

و يكون في الغالب أصفر باردا رقيقا، لا حرقة فيه، عكس دم الحيض، و لا حدّ لقليله و لا لكثيره، و لا يلزم فصل أقل الطهر بين أفراده.


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الحيض الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الحيض الحديث 1.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحديد دم الاستحاضة

بما ذكر: فهو من القضايا الواضحة الوجدانية.

2 - و اما كونه بما ذكر من الصفات

فلصحيحة حفص بن البختري - التي أشرنا إليها في صفات الحيض - و غيرها.

3 - و اما انه لا حدّ لقليله و لا لكثيره

فلإطلاق الأخبار و التسالم على ذلك.

4 - و اما عدم اعتبار فصل أقل الطهر بين أفراده

فلإطلاق الأخبار أيضا.

أقسام الاستحاضة
اشارة

دم الاستحاضة على ثلاثة أقسام: قليل لا يغمس القطنة، و كثير يغمسها و لا يسيل، و أكثر يغمسها و يسيل.

و المشهور ان حكم الأوّل وجوب الوضوء لكل صلاة مع تبديل القطنة.

و حكم الثاني مضافا إلى ما ذكر الاغتسال مرّة واحدة. و المعروف كونه قبل صلاة الصبح.

و حكم الثالث مضافا الى ما ذكر الاغتسال ثلاث مرّات لصلاة الصبح و الظهرين و العشاءين. و قيل بعدم وجوب الوضوء في القسم المذكور.

و المستند في ذلك:

1 - اما انقسامها إلى الأقسام الثلاثة بالشكل المتقدم

فهو المشهور. و يمكن استفادته من صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المستحاضة تنظر أيامها... و ان كان الدم لا يثقب الكرسف

توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كلّ‌ صلاة بوضوء»(1)بضميمة صحيحة زرارة: «... فان جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلّت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل و ان لم يجز الدم الكرسف، صلّت بغسل واحد»(2).

و يمكن استفادة الأقسام الثلاثة أيضا من صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف المطولة المعقدة(3).

هذا و لكن عن الآخوند الخراساني تقسيم دم الاستحاضة على أساس اللون و الكمية، فان كان أحمر فمع ثقبه الكرسف - مع التجاوز أو بدونه - تجب أغسال ثلاثة، و مع عدم ثقبه يجب غسل واحد.

و ان كان أصفر فمع كثرته العرفية - دون الاصطلاحية التي هي بمعنى تجاوز الدم عن الكرسف - تجب أغسال ثلاثة، و مع قلّته العرفية يجب الوضوء لكل صلاة. و استند في ذلك إلى الجمع بين الروايات(4).

2 - و أما وجوب الوضوء لكل صلاة على المستحاضة القليلة

فلصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة: «و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء»(5).

3 - و اما لزوم تبديلها القطنة

فمشهور و قد يمكن استفادته ممّا ورد في المتوسطة في موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: «سألت أبا


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 5.

3) الكافي 95:3 باب الحبلى ترى الدم الحديث 1.

4) مستمسك العروة الوثقى 386:3.

5) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 1.

عبد اللّه عليه السّلام عن المستحاضة... فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر»(1)، بضميمة عدم الفصل أو استفادته ممّا ورد في منع حمل النجس في الصلاة خصوصا أحد الدماء الثلاثة.

4 - و اما وجوب الغسل قبل صلاة الصبح على المستحاضة

المتوسطة

فلصحيحة زرارة: «و ان لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد»(2)فانها و ان لم تصرّح بكون الغسل لصلاة الصبح إلاّ ان ذلك - على ما قيل - ممّا انعقد عليه الإجماع بل الضرورة، كما عن طهارة الشيخ.

هذا مضافا إلى ان الغسل حيث لا يحتمل كون وجوبه نفسيّا بل للصلاة فمن المناسب كونه قبل صلاة الصبح لأنها أوّل صلاة في اليوم.

5 - و اما وجوب الوضوء عليها لكل صلاة

فلموثقة سماعة:

«المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف، اغتسلت لكل صلاتين، و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة...»(3).

6 - و اما تبديل القطنة أو تطهيرها

فلموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه المتقدّمة.

ثم ان التبديل حيث انه ملحوظ‍‌ بنحو الطريقية للطهارة فمن المناسب قيام الغسل مقامه.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 6.

7 - و اما وجوب اغسال ثلاثة على المستحاضة الكثيرة

فلصحيحة زرارة المتقدّمة: «فان جاز الدم الكرسف تعصبت، و اغتسلت ثمّ‌ صلّت الغداة بغسل و الظهر و العصر بغسل و المغرب و العشاء بغسل...»(1).

8 - و اما وجوب تبديلها القطنة

فلفحوى ما دل على وجوبه في المتوسطة لأنها تزيد على المتوسطة دما.

9 - و امّا توجيه القول بعدم وجوب الوضوء عليها

فلصحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة حيث قالت: «المستحاضة تنظر أيامها... فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر...

و للمغرب و العشاء غسلا... و تغتسل للصبح... و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء...»(2)فانه بضم قاعدة «التفصيل قاطع للشركة» تدل على المطلوب.

و لعل أوضح منها موثقة سماعة المتقدّمة.

كما و يمكن التمسّك بموثقة عمّار الساباطي: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال: لا، ليس عليه قبل و لا بعد، قد أجزأه الغسل. و المرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل»(3). فانها تدلّ‌ على إجزاء كلّ‌ غسل عن الوضوء، و قد خرجنا عن ذلك في


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الجنابة الحديث 3.

المستحاضة المتوسطة للنص.

ان قلت: ان وجوب الوضوء لكل صلاة في المتوسطة يدل بالأولوية على ذلك في الكثيرة.

قلت: الأولوية ممنوعة لاحتمال قيام تكرّر الغسل مقام تكرّر الوضوء.

ثم انّه بقطع النظر عن كل ذلك يكفينا أصل البراءة بعد عدم الدليل و بطلان الأولوية.

النفاس
اشارة

ما هو النفاس‌؟ النفاس هو الدم الخارج حين الولادة. و أكثره عشرة و لا حدّ لأقلّه.

و إذا لم يتجاوز العشرة فكلّه نفاس، و إذا تجاوزها فمقدار العادة في الحيض نفاس و الزائد استحاضة.

و تترك النفساء الصلاة و الصوم مع قضاء الثاني. و يحرم وطؤها و لا يصحّ‌ طلاقها.

و يجب عليها الاغتسال عند انقطاع الدم بكيفية غسل الجنابة.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان النفاس ما ذكر و ليس الولادة نفسها و لا الدم الخارج

قبلها و لا خصوص ما يخرج بعدها

فلموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«المرأة يصيبها الطلق أيّاما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما،

قال تصلّي ما لم تلد...»(1)و غيرها.

2 - و اما ان أكثره عشرة و ليس ثمانية عشر أو أكثر

فهو المشهور. و قد يستدلّ‌ له:

تارة: بروايات الاستظهار. كرواية يونس «قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر ممّا كانت ترى‌؟ قال: فلتقعد أيّام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيّام...»(2)بناء على ان الباء «بعشرة» بمعنى إلى.

و ثانية: - بعد المناقشة في تلك الرواية سندا بأحمد أو دلالة بضعف تفسير حرف بآخر - بالشهرة الفتوائية، فانها و ان لم تكن حجّة في نفسها إلاّ ان كون المسألة عامّة البلوى يدل على ان أكثر النفاس عشرة و إلاّ لبان الأكثر.

و ثالثة: بأن المقام من صغريات دوران أمر المخصص بين الأقل و الأكثر و في مثله يتمسّك بعموم العام - و هو ما دل على وجوب الصلاة و الصوم و نحو ذلك على المكلف - في الزائد على المتيقن.

و رابعة: بأصالة عدم النفاس أو اصالة عدم احكامه. و لا يعارض باستصحاب النفاس بناء على عدم جريان الاستصحاب في التدريجيات، و لا باستصحاب أحكامه لعدم احراز بقاء الموضوع.

و هذه الوجوه و ان أمكنت المناقشة في أغلبها إلاّ ان بعضها - كالثالث - وجيه.

هذا و نسب الى المرتضى و جماعة ان أكثر النفاس ثمانية عشر


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب النفاس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب النفاس الحديث 3.

يوما لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «ان أسماء بنت عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة ان تحتشي بالكرسف و الخرق و تهل بالحجّ‌ فلما قدموا مكة و قد نسكوا المناسك، و قد أتى لها ثمانية عشر يوما فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و أ له ان تطوف بالبيت و تصلّي و لم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك»(1).

و فيه انها تدل على ان النفاس لا يزيد على ثمانية عشر يوما لا ان أكثره ثمانية عشر فلعلّها لو سألت قبل ذلك لأجيبت بذلك أيضا.

3 - و اما انه لا حدّ لأقلّه

فلإطلاق الأخبار حيث لم تقيّد النفاس من حيث القلّة بوقت.

4 - و اما كون الدم كلّه نفاسا مع عدم تجاوز العشرة، و مع

التجاوز فبمقدار العادة

فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «قلت له:

النفساء متى تصلّي‌؟ قال: تقعد قدر حيضها و تستظهر بيومين فان انقطع الدم و إلاّ اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت»(2).

فان الاستظهار بيومين هو لطلب ظهور حال الدم و تجاوزه العشرة لترجع إلى عادتها و عدمه ليكون مجموعه نفاسا.

5 - و اما حرمة وطئها

فلموثقة مالك بن أعين: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن النفساء يغشاها زوجها و هي في نفاسها من الدم‌؟ قال: نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيّام عدّة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد ان يغشاها زوجها يأمرها فلتغتسل


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب النفاس الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب النفاس الحديث 2.

ثم يغشاها ان أحب»(1).

6 - و اما بطلان طلاقها

فلصحيحة زرارة عنهما عليهما السّلام: «انهما قالا إذا طلّق الرجل في دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه إيّاها بطلاق»(2).

7 - و امّا وجوب الاغتسال عند انقطاع الدم بكيفية غسل الجنابة

فلان عدم بيان كيفية خاصة لهذا الغسل حتى في رواية واحدة مع ابتلاء عامّة النساء به يستكشف منه ان كيفيته كغسل الجنابة.

8 - و اما وجوب تركها الصلاة و الصوم مع قضائه

فلصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن النفساء تضع في شهر رمضان بعد صلاة العصر أ تتم ذلك اليوم أم تفطر؟ فقال:

تفطر ثم لتقض ذلك اليوم»(3)و صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام:

«النفساء تكفّ‌ عن الصلاة أيّامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة»(4).

مس الميت
اشارة

مس الميت قبل تغسيله سبب لأمرين: نجاسة العضو الماس بشرط‍‌ الرطوبة، و وجوب الغسل إذا كان المس لميت الإنسان بعد برده.

و هكذا يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي أو الميت إذا كانت


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب النفاس الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب النفاس الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب النفاس الحديث 1.

مشتملة على عظم.

و لا يجوز قبل الغسل مسّ‌ كتابة القرآن، و الصلاة، و كل عمل مشروط‍‌ بالطهارة.

و كيفية الغسل كغسل الجنابة.

و المستند في ذلك:

1 - اما تنجّس العضو

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب»(1)و هي و ان دلّت بإطلاقها على النجاسة حال الجفاف أيضا إلاّ انها تقيد بحال الرطوبة بالارتكاز.

2 - و اما وجوب الغسل

فلصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يغمض الميت أ عليه غسل‌؟ قال: إذا مسّه بحرارته فلا، و لكن إذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل...»(2).

3 - و اما اشتراط‍‌ وجوبه بمسّ‌ ميت الإنسان

فلصحيح الحلبي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يمسّ‌ الميتة أ ينبغي ان يغتسل منها؟ فقال: لا، انما ذلك من الإنسان»(3).

بل لا نحتاج إلى ذلك بعد قصور المقتضي و جريان البراءة.

4 - و اما اعتبار كونه بعد برده

فلصحيحة ابن مسلم المتقدّمة.

5 - و اما اعتبار كونه قبل تغسيله

فلصحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: مس الميت عند موته و بعد غسله و القبلة


1) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب النجاسات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب غسل المس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب غسل المس الحديث 2.

ليس بها بأس»(1).

6 - و اما القول بوجوب الغسل في مس القطعة المبانة من الحي

فهو المشهور و لعلّه لمرسلة أيوب بن نوح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسّه إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل»(2)أو غيرها. إلاّ ان السند ضعيف.

و جابرية الشهرة لم تثبت كبرى و لا صغرى بل عن المحقّق ان العامل بالرواية قليل(3).

7 - و اما القول بوجوب الغسل في مس القطعة المبانة من الميت

فقد يستدل له بالمرسلة المتقدمة بعد ضمّ‌ الأولوية و باستصحاب وجوب الغسل بالمس الثابت قبل الانفصال و بان الحكم الثابت للمركب ثابت لأجزائه.

و يرد الأوّل: ضعف المرسلة.

و الثاني: بانه تعليقي.

و الثالث: بأن موضوع الحكم مس الميت، و هو لا يصدق بمس الجزء المنفصل.

8 - و اما اشتراط‍‌ الاشتمال على العظم

فهو المعروف و لعلّه للمرسلة، و يكفي في إثباته أصل البراءة بعد عدم الدليل.

9 - و اما حرمة مس كتابة القرآن الكريم قبل الغسل

فلان المستفاد من أدلّة وجوب الغسل - على من مس ميتا - ان المس حدث


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب غسل المس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب غسل المس الحديث 1.

3) المعتبر في شرح المختصر 352:1.

فينتقض معه الوضوء، و معه يحرم المس لقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ‌ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ‌ (1)فان المراد من المس لا يختص بالمس المعنوي بمعنى درك الحقائق بل يعمّ‌ المس الظاهري للكتابة لموثقة إبراهيم بن عبد الحميد حيث روى عن أبي الحسن عليه السّلام: «المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنبا و لا تمسّ‌ خطّه و لا تعلقه ان اللّه تعالى يقول: لا يَمَسُّهُ‌ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ‌ »(2).

10 - و اما حرمة الصلاة قبل الغسل فلتحقق الحدث و انتقاض

الوضوء بالمس و عدم ارتفاعه إلاّ بالغسل

كما يستفاد من صحيحة ابن مسلم المتقدّمة: «... و لكن إذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل».

11 - و اما لزوم الغسل لكل عمل مشروط‍‌ بالطهارة

فلما تقدّم.

12 - و اما ان كيفية غسل المس كغسل الجنابة

فلعدم ورود كيفية خاصّة له عنهم عليهم السّلام مع انّه عام البلوى فيدل ذلك بالاطلاق المقامي على وحدة الكيفية. على ان الغسل طبيعة واحدة بالارتكاز و الاختلاف انّما هو في الأسباب بل يدل على ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: من غسل ميتا و كفّنه اغتسل غسل الجنابة»(3)الظاهر - بعد ضرورة عدم كون الغسل موجبا للجنابة - في ارادة التشبيه و انه يغتسل كغسل الجنابة.


1) الواقعة: 79.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب الوضوء الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب غسل المس الحديث 1.

غسل الجبيرة
اشارة

و في الغسل مع فرض الكسر المجبور يجب المسح على الجبيرة و مع انكشافه يجب التيمم و في حالة الجرح أو القرح المعصب يجب المسح عليه و مع كونهما مكشوفين يكفي غسل ما حولهما أو التيمم.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الاغتسال على الكسير المجبور مع المسح على

الجبيرة و عدم انتقال وظيفته الى التيمم

فلصحيحة كليب الأسدي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة‌؟ قال: ان كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل»(1)و هي باطلاقها تشمل الغسل.

و قد يناقش سندها بعدم توثيق كليب الأسدي إلاّ من خلال كامل الزيارة.

و يمكن الجواب: ان رواية صفوان لكتابه و تلويح الامام الصادق عليه السّلام بانه من مصاديق قوله تعالى: اَلَّذِينَ‌ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ‌ وَ أَخْبَتُوا إِلى‌ رَبِّهِمْ‌ (2)يمكن ان يدل على وثاقته.

و إذا قيل: ان ابن أبي عمير روى عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يؤمم المجدور و الكسير إذا أصابتهما الجنابة»(3)و هو يدل على ان وظيفة الكسير التيمم.


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 8.

2) هود: 23.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب التيمم الحديث 10.

كان الجواب: انها مرسلة، و مراسيل ابن أبي عمير حتّى لو قبلناها لشهادة الشيخ بانه لا يروي إلاّ عن ثقة(1)إلاّ ان ذلك يختص بصورة التصريح باسم الراوي لئلاّ يكون المورد من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية بعد الالتفات الى روايته عن عدد قليل من الضعاف.

2 - و اما وجوب التيمم مع انكشاف الكسر

فهو مقتضى القاعدة الأولية مع عدم نص خاص في المقام.

3 - و أما وجوب المسح على الجرح أو القرح المعصبين

فلصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في وضوء الجبيرة بعد تقييد اطلاقها بمسح موضع الجبيرة. بل قد يتمسك بصحيحة كليب الأسدي بناء على عدم فهم الخصوصية للكسر في جوابها.

4 - و اما التخيير بين التيمم و غسل ما حول الجرح و القرح

المكشوفين:

فلصحيحة محمّد بن مسلم: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل يكون به القرح و الجراحة يجنب، قال: لا بأس بأن لا يغتسل و يتيمم»(2)فان ظهورها في التخيير قريب.

الموت
الاحتضار
اشارة

إذا حضرت الإنسان الوفاة فالمشهور وجوب توجيهه إلى القبلة كفاية بنحو لو جلس كان وجهه إلى القبلة.


1) العدة في الاصول 154:1.

2) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب التيمم الحديث 5.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب التوجيه إلى القبلة

فهو المشهور. و لعلّه لرواية الصدوق في العلل عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على رجل من ولد عبد المطلب و هو في السوق (النزع) و قد وجّه بغير (إلى غير) القبلة، فقال: وجهوه الى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة...»(1)أو للسيرة المستمرة على التوجيه.

و فيه: ان الرواية لا تدل على الوجوب بقرينة التعليل بل ضعيفة سندا كما يظهر بالمراجعة. و كبرى الانجبار لو سلمت فهي غير ثابتة صغرى.

و اما السيرة فهي لا تدل على الوجوب.

2 - و اما كونه كفاية

فلتحقق الغرض بقيام واحد به.

3 - و اما كونه بالكيفية المذكورة

فهو المعروف و يمكن استفادته من رواية الصدوق المتقدّمة.

تغسيل الميّت
اشارة

يجب تغسيل الميت كفاية بثلاثة أغسال: بماء السدر أوّلا و بماء الكافور ثانيا، و بالماء القراح ثالثا بكيفية غسل الجنابة.

و يجب في الأوّلين خلط‍‌ الماء بالسدر و الكافور بمقدار يوجب صدق عنوان المخلوط‍‌ بهما عليه من دون خروجه إلى الاضافة.

و يجب في المغسّل ان يكون مماثلا إلاّ بالنسبة الى الزوج و الزوجة أو بالنسبة إلى الطفل الذي لم يتجاوز ثلاث سنين أو المحارم.


1) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب الاحتضار الحديث 6.

و يستثنى من وجوب التغسيل الشهيد في معركة مع الإمام أو نائبه الخاص أو في حفظ‍‌ بيضة الإسلام. و من وجب قتله برجم أو قصاص يغتسل قبل ذلك و يحنّط‍‌ و يكفّن ثم يقتل.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب تغسيل الميت

فهو ممّا لا خلاف فيه، و قد دلّت عليه النصوص، كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «غسل الجنابة واجب - إلى ان قال - و غسل الميت واجب»(1).

2 - و اما كونه كفاية

فلما تقدّم في الاحتضار.

3 - و اما كونه بثلاثة أغسال

فللنصوص كصحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن غسل الميت فقال: اغسله بماء و سدر ثم اغسله على أثر ذلك غسلة اخرى بماء و كافور و ذريرة ان كانت، و اغسله الثالثة بماء قراح، قلت ثلاث غسلات لجسده كلّه‌؟ قال:

نعم...»(2).

4 - و اما كونه بكيفية غسل الجنابة

فيكفي فيه عدم الدليل على كيفية اخرى كما تقدّم في غسل النفاس بل الدليل موجود كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: إذا أردت غسل الميت - إلى ان قال - ثم تبدأ بكفّيه و رأسه ثلاث مرّات بالسدر، ثمّ‌ سائر جسده، و ابدأ بشقّه الأيمن...»(3)و غيرها.

5 - و اما اعتبار القيدين في ماء السدر و الكافور

فهو المشهور


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب غسل الميت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب غسل الميت الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب غسل الميت الحديث 2.

لصحيحة ابن مسكان المتقدّمة و صحيحة يعقوب بن يقطين حيث ورد فيها: «و يجعل في الماء شيء من السدر و شيء من كافور»(1).

6 - و اما اعتبار المماثلة فلجملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على

دفن الميّت بدون تغسيل مع فقد المماثل أو المحارم

كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله عن المرأة تموت في السفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء، قال: تدفن كما هي بثيابها، و عن الرجل يموت و ليس معه إلاّ النساء ليس معهنّ‌ رجال، قال: يدفن كما هو بثيابه»(2).

7 - و اما وجه استثناء الزوجين

فهو المشهور لمعتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسله إلاّ النساء قال: تغسله امرأته أو ذو قرابته ان كان له... و في المرأة إذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها»(3).

كما و يمكن التمسّك في الجملة بصحيحة الحلبي السابقة بعد ضمّ‌ دلالة التقرير.

و هل يجوز نظر أحد الزوجين إلى عورة الآخر عند التغسيل‌؟

نعم يجوز ذلك، اما لان العلقة الزوجية باقية و لا تزول بالموت لأنّ‌ الروايات تدلّ‌ على جواز النظر إلى الشعر و لمس الأعضاء، و ذلك يفهم منه بقاء الزوجية أو لاستصحاب بقاء الزوجية و جواز النظر بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام و عدم معارضته بأصالة عدم الجعل الزائد، بل الاستصحاب المذكور جار حتى على المبنى المذكور


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب غسل الميت الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب غسل الميت الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب غسل الميت الحديث 3.

لاختصاصه بالأحكام الإلزامية دون الترخيصية التي لا تحتاج إلى جعل، فانه فيها لا يعارض استصحاب بقائها بأصالة عدم الجعل الزائد.

و مع التنزل و التسليم بعدم جريان الاستصحاب يكفينا أصل البراءة.

8 - و اما وجه استثناء الطفل

فهو المشهور و يكفي لإثباته ان الأخبار الدالّة على اعتبار المماثلة غير شاملة للطفل لاختصاصها بالرجل و المرأة.

مضافا إلى ما ورد في تغسيل الصبي كموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الصبي تغسله امرأة قال: إنّما يغسل الصبيان النساء، و عن الصبية تموت و لا تصاب امرأة تغسلها قال: يغسلها رجل أولى الناس بها»(1).

9 - و اما التقييد بثلاث سنين - بالرغم من ان عنوان الرجل

و المرأة لا يصدق ما دام لم يتحقّق البلوغ

• فهو مشهور، و تدلّ‌ عليه رواية أبي نمير: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: حدّثني عن الصبي الى كم تغسله النساء؟ فقال: إلى ثلاث سنين»(2). و بضم الأولوية يتعدّى الى الصبية.

بيد انها ضعيفة بأبي نمير لكونه مجهولا إلاّ بناء على كبرى الانجبار بفتوى المشهور.

و الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور بناء على انكار الكبرى المذكورة أمر في محله.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب غسل الميت الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب غسل الميّت الحديث 1.

10 - و اما استثناء المحارم

فلموثقة سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل مات و ليس عنده إلاّ نساء قال: تغسله امرأة ذات محرم منه، و ان كانت امرأة ماتت معها رجال و ليس معها امرأة و لا محرم لها فلتدفن كما هي في ثيابها و ان كان معها ذو محرم لها غسلها من فوق ثيابها»(1)و غيرها.

11 - و اما استثناء الشهيد بأحد القيود الثلاثة

فلإطلاق صحيحة أبان بن تغلب قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الذي يقتل في سبيل اللّه أ يغسل و يكفن و يحنط؟ قال: يدفن كما هو في ثيابه إلاّ ان يكون به رمق (فان كان به رمق) ثم مات فانه يغسل و يكفّن و يحنّط‍‌ و يصلّى عليه...»(2)، فان قوله: «يقتل في سبيل اللّه» يشمل الثلاثة و لا يختص اطلاقه بأحدها.

12 - و اما الكيفية الخاصّة في من يقتل برجم أو قصاص فهي مما

لا خلاف فيها.

و قد دلّت عليها رواية مسمع كردين عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «المرجوم و المرجومة يغسلان و يحنطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان و يصلّى عليهما، و المقتص منه بمنزلة ذلك...»(3).

إلاّ انها ضعيفة بابن شمون و غيره و لا تنهض إلاّ بناء على كبرى الجابرية.

أجل يمكن الاستدلال على عدم وجوب الغسل بعد القصاص أو الرجم بكون المسألة ابتلائيّة في عصرهم عليهم السّلام فلو كان الغسل واجبا لاشتهر و ذاع.


1) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب غسل الميت الحديث 9.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب غسل الميت الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب غسل الميت الحديث 1.

التحنيط‍‌
اشارة

يجب كفاية بعد تغسيل الميت مسح مساجده السبعة بالكافور الطاهر المسحوق.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى وجوب التحنيط‍‌ بالنحو المتقدم

فلصحيحة زرارة عنهما عليهما السّلام: «إذا جففت الميت عمدت الى الكافور فمسحت به آثار السجود و مفاصله كلّها و اجعل في فيه و مسامعه و رأسه و لحيته من الحنوط‍‌ و على صدره و فرجه. و قال: حنوط‍‌ الرجل و المرأة سواء»(1)و غيرها.

2 - و اما كونه كفاية

فلما تقدّم في تغسيل الميت.

3 - و اما اختصاص وجوب التحنيط‍‌ بالمساجد السبعة

مع ان المذكور في الصحيحة السابقة و غيرها أكثر من ذلك فلموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحنوط‍‌ للميت فقال: اجعله في مساجده»(2)الدالة على الاختصاص المذكور الموجب لحمل تحنيط‍‌ غيرها المذكور في بقية الروايات على الاستحباب.

4 - و اما اعتبار كونه طاهرا

فلانه المرتكز في أذهان المتشرعة إذ الشارع اعتبر الطهارة في الكفن و بدن الميت بل أمر بقرض الكفن و غسل البدن لو تنجسا فيطمأن بعدم رضاه بوجود النجاسة مع الميت.

5 - و اما اعتبار كونه مسحوقا

فلمعتبرة يونس حيث نقل


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب التكفين الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب التكفين الحديث 1.

عنهم عليهم السّلام فيها: «ثم اعمد الى كافور مسحوق...»(1). مضافا الى انه ممّا يقتضيه تعبيره عليه السّلام بالمسح.

تكفين الميت
اشارة

يجب تكفين الميّت كفاية بثلاث قطع بعد تغسيله، احداها ساترة ما بين سرته و ركبته تسمّى بالمئزر، و الاخرى ما بين المنكبين إلى نصف الساق تسمّى بالقميص، و الثالثة تغطي جميع البدن و هي الازار.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى أصل وجوب التكفين فهو ممّا لا خلاف فيه.

و تدلّ‌ عليه النصوص الكثيرة كصحيحة زرارة حيث نقل فيها عن الباقر عليه السّلام: «انما الكفن المفروض ثلاثة أثواب...»(2).

2 - و اما كونه كفاية

فلما تقدّم في تغسيل الميت.

3 - و اما كونه بثلاث قطع

فلم ينسب الخلاف فيه إلاّ إلى سلار.

و يدل عليه صحيح زرارة المتقدّم و غيره.

4 - و اما كون القطع بالكيفية المذكورة

فهو المعروف. و قد يستدل له بأن الكيفية المذكورة هي التي جرت عليها السيرة المستمرة فلو كان اللاّزم غيرها لذاع بعد كون المسألة عامة البلوى.

و قد يقال باستفادة ذلك من صحيحة يونس عنهم عليهم السّلام الواردة في تحنيط‍‌ الميت و تكفينه: «ابسط‍‌ الحبرة بسطا ثم ابسط‍‌ عليها الازار ثم ابسط‍‌ القميص عليه...»(3)، فان الحبرة لا تطلق إلاّ على ما يكون ساترا


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب التكفين الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب التكفين الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب التكفين الحديث 3.

لجميع البدن. و الازار لغة هو المئزر - و ان كان يطلق في تعبير الفقهاء أحيانا على غيره - المعبر عنه بالوزرة التي تكون عادة ساترة بين السرّة و الركبة. و القميص كان يستر قديما المنكبين إلى نصف الساق.

و إذا قيل: ان في سند الرواية مشكلتين: اشتماله على إبراهيم بن هاشم و هو لم يوثق و رواية إبراهيم لها عن رجاله و هم مجهولون.

كان الجواب عن الاولى ان الوارد في حق إبراهيم انه أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم. و تمكنه من نشره في أوساط‍‌ تلك المدرسة المعروفة بالتشدّد يدل على كونه في أعلى درجات الوثاقة.

هذا مضافا إلى اكثار ولده الرواية عنه و وقوعه في اسناد كامل الزيارات بناء على كفاية مثل ذلك.

و نلفت النظر إلى ان طرح رواياته يستلزم طرح ربع روايات الكافي أو أكثر.

و عن الثانية بأن اجتماع ثلاثة - التي هي أقل الجمع - على الكذب بعيد و يحصل الاطمئنان بعدمه.

الصلاة على الميت
اشارة

تجب الصلاة على الميّت المسلم كفاية بعد تغسيله و تكفينه إذا كان عمره ست سنين بالتكبير خمسا يؤتى بالشهادتين بعد الاولى، و الصلاة على النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله بعد الثانية، و الدعاء للمؤمنين بعد الثالثة، و الدعاء للميّت بعد الرابعة ثم يكبّر للخامسة و ينصرف.

و لا تعتبر الطهارة بقسميها، و لا الستر و لا إباحة اللباس.

أجل يلزم استقبال القبلة، و كون رأس الميت إلى يمين المصلي.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الصلاة على الميت

فأمر متسالم عليه بل كاد يكون من ضروريات الإسلام، و تدلّ‌ عليه موثقة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهما السّلام: «صلّ‌ على من مات من أهل القبلة و حسابه على اللّه»(1).

و ليس في سند الرواية - بعد صحّة طريق الشيخ إلى سعد - من يتأمّل فيه سوى طلحة إلاّ انه يكفي في صحّة الأخذ برواياته تعبير الشيخ بأن كتابه معتمد(2).

2 - و اما الاختصاص بالمسلم

فللسيرة و عموم التعليل في قوله تعالى: وَ لا تُصَلِّ‌ عَلى‌ أَحَدٍ مِنْهُمْ‌ ماتَ‌ أَبَداً وَ لا تَقُمْ‌ عَلى‌ قَبْرِهِ‌ إِنَّهُمْ‌ كَفَرُوا بِاللّهِ‌ وَ رَسُولِهِ‌ (3)، و موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن النصراني يكون في السفر و هو مع المسلمين فيموت، قال: لا يغسله مسلم و لا كرامة و لا يدفنه و لا يقوم على قبره و ان كان أباه»(4)، فانها تعمّ‌ غير النصراني من أقسام الكافر بالأولوية. و الصلاة و ان لم تذكر في الرواية إلاّ ان المفهوم منها شمول النهي لها.

3 - و اما كونه بنحو الكفاية

فلما تقدّم في تغسيل الميّت. مضافا الى موثقة إسحاق بن عمّار: «ان الجنازة لا يصلّى عليها مرّتين»(5)الواردة في من فاتته الصلاة.

4 - و اما كونها بعد تغسيله و تكفينه

فلعدم الخلاف في ذلك - كما


1) وسائل الشيعة الباب 37 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2.

2) الفهرست: 86.

3) التوبة: 84.

4) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1.

5) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 23.

ادّعي - فان تمّ‌ و إلاّ فلا دليل ظاهر عليه بل أصالة البراءة تقتضي عدم الاشتراط‍‌. و قد يستفاد ذلك من عطف الصلاة على التكفين و الغسل في عدّة نصوص بالواو(1)بعد كونه عليه السّلام في مقام البيان.

5 - و اما اشتراط‍‌ الوجوب بست

فهو مشهور و يمكن استفادته من صحيحة زرارة: «مات ابن لأبي جعفر عليه السّلام فأخبر بموته فأمر به فغسل و كفن و مشى معه و صلّى عليه... فقال: اما انه لم يكن يصلّى على مثل هذا - و كان ابن ثلاث سنين - كان علي عليه السّلام يأمر به فيدفن و لا يصلّى عليه. و لكن الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله. قلت:

فمتى تجب عليه الصلاة‌؟ فقال: إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين»(2).

و احتمال ان المقصود متى تجب الصلاة اليومية عليه مدفوع بذكر فاء التفريع و السياق.

أجل يرد عليها انّها أخصّ‌ من المدعى لاعتبارها قيدا آخر و هو عقله للصلاة.

و من الغريب ما ينسب إلى ابن أبي عقيل من عدم وجوب الصلاة على من لم يبلغ لأنها استغفار و دعاء للميّت و هو غني عن ذلك(3). و هو كما ترى.

6 - و اما وجوب خمس تكبيرات

فللأخبار الكثيرة كصحيحة


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب غسل الميت الحديث 1، و الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1، 5.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3.

3) جواهر الكلام 6:12.

عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... التكبير على الميت خمس تكبيرات»(1).

7 - و اما تعين الكيفية المذكورة

فهو المشهور، و لا دليل تام عليه، نعم تجب الصلاة على النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله و الدعاء للميت للرواية الصحيحة عن أبي جعفر عليه السّلام: «ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء مؤقت، تدعو بما بدا لك، و أحقّ‌ الموتى ان يدعى له المؤمن و ان يبدأ بالصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله»(2). و قد يتأمّل في دلالتها على وجوب الصلاة على النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله.

و اما الكيفية المتداولة اليوم فقد دلّت على مشروعيتها بعض الروايات بدون تعين.

8 - و امّا عدم اشتراط‍‌ الطهارة بقسميها

فيكفي فيه عدم الدليل بعد اختصاص أدلّة الاشتراط‍‌ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ‌ إِلَى الصَّلاةِ‌ فَاغْسِلُوا... (3)- بالصلاة الحقيقية، و هي دعاء.

بل موثقة يونس بن يعقوب تنفي اشتراط‍‌ الطهارة الحدثية صراحة. و التعليل فيها ينفي الخبثية أيضا. قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجنازة اصلّي عليها على غير وضوء؟ فقال: نعم إنّما هي تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل...»(4).

9 - و اما عدم اعتبار الستر و إباحة اللباس

فلعدم الدليل أيضا،


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1.

3) المائدة: 6.

4) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3.

و معه يتمسك بالبراءة.

10 - و اما لزوم استقبال المصلّي القبلة

فهو المعروف. و يمكن استفادته من معتبرة الحلبي: «سألته عن الرجل و المرأة يصلّى عليهما، قال: يكون الرجل بين يدي المرأة ممّا يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل ممّا يلي يساره، و يكون رأسها أيضا ممّا يلي يسار الإمام، و رأس الرجل ممّا يلي يمين الامام»(1)و غيرها.

11 - و اما لزوم كون رأس الميت إلى يمين المصلي

فمتسالم عليه، و يمكن استفادته من المعتبرة السابقة.

دفن الميت
اشارة

يجب كفاية دفن الميّت المسلم بعد تكفينه بمواراته في الأرض بحيث يؤمن على جسده من السباع و إيذاء رائحته الناس.

و يلزم وضعه على جانبه الأيمن موجّها بوجهه إلى القبلة.

و لا يجوز دفن المسلم في مقبرة الكفّار و بالعكس، كما لا يجوز دفن المسلم في مكان يوجب هتكه، و لا يجوز الدفن في قبر ميّت قبل اندراسه.

و نبش قبر المؤمن محرّم إلاّ في موارد خاصّة، كما لو كان لمصلحة الميت أو لدفع مفسدة عنه، أو لكونه لم يغسل أو يكفّن أو تبين بطلان ذلك أو لان في ترك نبشه ضررا ماليّا.

و التوديع المتعارف عند البعض غير جائز.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الدفن

فمما لا خلاف فيه و يقتضيه ارتكاز


1) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 7.

المتشرعة و النصوص المتفرّقة الخاصّة.

2 - و اما كونه بنحو الكفاية

فلما تقدّم في تغسيل الميت.

3 - و اما الاختصاص بالمسلم

فلما تقدّم في الصلاة عليه.

4 - و اما كونه بعد تكفينه

فواضح.

5 - و اما كونه بالمواراة في الأرض

فيقتضيه التسالم و ظاهر لفظ‍‌ الدفن المذكور في الروايات.

6 - و اما اعتبار الوصفين في المواراة

فلان ظاهر الروايات ان الدفن احترام للميت، و هو لا يتحقّق إلاّ بما ذكر.

7 - و اما اعتبار وضعه بالكيفية المذكورة

فلم تدل عليه رواية إلاّ ان يقال بأن صحيحة يعقوب بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن الميت كيف يوضع على المغتسل موجّها وجهه نحو القبلة أو يوضع على يمينه و وجهه نحو القبلة‌؟ قال: يوضع كيف تيسّر، فإذا طهر وضع كما يوضع في قبره»(1). دلّت على ان للوضع في القبر كيفيّة خاصّة، و حيث ان السيرة الخارجية جرت على وضعه على جانبه الأيمن و لم يرد ردع عنها علم ان الكيفية المعتبرة شرعا هي تلك الكيفية.

8 - و اما عدم جواز دفن المسلم في مقبرة الكفّار و بالعكس

فلا دليل عليه سوى لزوم اهانة المسلم في كلتا الحالتين.

9 - و اما عدم جواز دفن المسلم في مكان يوجب هتكه

فلحرمة إهانة المؤمن و هتكه بالضرورة.

10 - و اما عدم جواز الدفن قبل الاندراس

فلاستلزامه النبش المحرّم.


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب غسل الميت الحديث 2.

أجل إذا لم يكن بحاجة لذلك فلا دليل على التحريم، و مجرّد سبق الأوّل لا يولّد له حقّا في المنع من دفن الثاني.

11 - و اما حرمة نبش قبر المؤمن فلمحذور الهتك.

و إلاّ فلا دليل خاص على ذلك. و الإجماع ان كان ثابتا فلعلّه من هذه الجهة فيكون مدركيا.

12 - و اما جوازه للمصلحة أو دفع المفسدة

فلعدم لزوم الهتك آنذاك.

13 - و اما جوازه إذا لم يغسل أو يكفن أو تبيّن بطلان ذلك

فلعدم تحقّق الدفن الصحيح و لا يلزم الهتك لتحصيل ذلك.

14 - و اما جوازه إذا كان في تركه ضرر مالي

فلتزاحم حق الميت في عدم هتكه و حق مالك المال في عدم الاضرار به فلو لم يرجّح حق الحي و لم يناقش في عدم صدق الهتك فالحقّان متساويان. و يبقى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» الثابت بالسيرة العقلائية مقتضيا جواز النبش.

أجل يلزم ان يكون المال معتدا به عند العقلاء و لم يكن القبر لعظيم.

15 - و اما عدم جواز التوديع

فلظهور أدلّة وجوب الدفن في الدفن المتعارف فبقاؤه مدّة من دون دفن غير جائز.

أجل إذا دفن حقيقة و قصد نقله بعد فترة فلا مانع لتحقّق الدفن حقيقة. و لجواز النبش فيما إذا كان لمصلحة أهم، كنقله إلى المشاهد المشرّفة.

5 - التيمم

كيفية التيمم
اشارة

يتحقّق التيمم بضرب باطن اليدين على الأرض ثمّ‌ مسحهما بالجبهة و الجبينين من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى و الحاجبين، ثم مسح باطن اليد اليسرى بتمام ظاهر اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع ثم مسح ظاهر اليسرى بباطن اليمنى كذلك.

و تكفي الضربة الواحدة لذلك. و يصحّ‌ التيمم على مطلق وجه الأرض.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم الضرب و عدم الاكتفاء بالوضع

فهو المعروف بتقريب ان الروايات في ذلك مختلفة، ففي صحيحة زرارة: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن التيمم، فضرب بيده على الأرض...»(1)و في صحيحته الاخرى: «... فوضع أبو جعفر عليه السّلام كفّيه على الأرض...»(2)، و حيث ان المورد من باب الاطلاق و التقييد فيلزم تقييد الوضع بالضرب.

و فيه: ان ذلك ليس بأولى من القول بكون ذكر الضرب من باب كونه أحد فردي التخيير، و بناء عليه يكفي مطلق الوضع و ان كان الاحتياط‍‌ بالضرب في محله.

2 - و اما انه بالباطن بالرغم من ان ضرب اليد يصدق بضرب

الظاهر أيضا

فباعتبار كونه الفرد المتعارف فلو كانت الأخبار البيانية


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب التيمم الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب التيمم الحديث 5.

تقصد الأعمّ‌ لنبهت على ذلك.

و هذا البيان لتوجيه رأي المشهور ان تم و إلاّ فمقتضى اطلاق قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ‌ وَ أَيْدِيكُمْ‌ مِنْهُ‌... (1)كفاية الضرب و المسح و لو بالظاهر إلاّ انه لا ينبغي الحياد عن جادة الاحتياط‍‌.

3 - و اما انه يلزم الضرب بكلتا اليدين دون الواحدة

فللتعبير بالكفين في صحيحة زرارة الثانية. و التعبير باليد في الاولى لا ينافي ذلك بعد كونها - اليد - من قبيل الجنس.

و هل يلزم كون الضرب دفعة‌؟ قد يقال: مقتضى صحيحة زرارة الثانية الواردة في مقام تعليم التيمم ذلك، إذ لو كان الامام عليه السّلام قد وضعهما على التدريج لنبّه زرارة على ذلك، لأنها حالة لافتة للنظر.

و فيه: ان فعل الامام عليه السّلام لعلّه من باب اختيار الفرد الأفضل و لا يدل على التعيين.

4 - و اما المسح بالكيفية المذكورة فقد وقع محل اختلاف بين

الفقهاء

فالمنسوب إلى المشهور وجوب مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف. و عن بعض وجوب مسح الوجه الذي ظاهره الاستيعاب.

و سبب ذلك اختلاف الروايات، فان بعضها عبّر بمسح الوجه، و بعضها بمسح الجبين. و لم ترد رواية صحيحة تعبر بمسح الجبهة.

فمن الأول صحيحة الكاهلي: «سألته عن التيمم، قال: فضرب بيده على البساط‍‌ فمسح بهما وجهه. ثم مسح كفّيه احداهما على ظهر الاخرى»(2).


1) المائدة: 6.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب التيمم الحديث 1.

و من الثاني صحيحة زرارة: «... ثمّ‌ مسح جبينه (جبينيه) بأصابعه و كفّيه احداهما بالاخرى...»(1).

و يمكن ان يقال في مقام الجمع: لا اشكال في ان مسح تمام الوجه ليس بلازم لمكان الباء في الآية الكريمة. و لكن أي قسم منه يجب مسحه‌؟ انه الجبينان.

و به يرتفع التعارض بين الطائفتين، إذ من مسح جبينيه يصدق انه مسح وجهه.

و تبقى الجبهة لا دليل على وجوب مسحها سوى التسالم الفقهي على ذلك.

5 - و اما التحديد بكون المسح من قصاص الشعر إلى طرف

الأنف و الحاجبين

فلتوقف صدق مسح الجبهة و الجبينين على ذلك. و اما الحاجبان أنفسهما فلا يجب مسحهما إلاّ من باب المقدّمة العلمية.

6 - و اما مسح اليدين بالشكل المذكور

فلصحيحتي زرارة و الكاهلي المتقدّمتين.

7 - و اما كفاية الضربة الواحدة

ففيه خلاف. فقيل بذلك. و قيل باعتبار التعدد. و قيل بالواحدة فيما كان بدلا من الوضوء، و باعتبار التعدّد فيما كان بدلا من الغسل.

و المناسب كفاية الواحدة مطلقا فان الامام عليه السّلام في مقام الارشاد الى كيفية التيمم في الصحيحتين السابقتين ضرب مرّة للوجه و اليدين لا أكثر.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب التيمم الحديث 8.

و إذا قيل ان الوارد في صحيحة إسماعيل بن همام عن الرضا عليه السّلام: «التيمم ضربة للوجه و ضربة للكفين»(1).

كان الجواب: انها محمولة على الاستحباب بقرينة ما تقدّم.

8 - و اما صحّة التيمم بمطلق وجه الأرض

ففيه خلاف. فقيل بذلك، و قيل بعدم صحته إلاّ على التراب كما عن السيّد المرتضى.

و الصحيح الأوّل لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (2)، فانه و ان نسب الى بعض اللّغويين تفسير الصعيد بالتراب، إلاّ ان المناسب تفسيره بمطلق وجه الأرض - كما عليه أكثر اللغويين - لقوله تعالى:

فَتُصْبِحَ‌ صَعِيداً زَلَقاً (3). و لقول النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد»(4)أي أرض واحدة.

و تدل على كفاية مطلق الأرض الروايات الشريفة كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يمر بالركية و ليس معه دلو؟ قال:

ليس عليه ان يدخل الركية لان ربّ‌ الماء هو ربّ‌ الأرض فليتيمم»(5).

و طريق الصدوق إلى الحلبي صحيح في المشيخة، و بغض النظر عنه يكفي طريق البرقي.

و إذا قيل هي معارضة بمثل صحيحة محمّد بن حمران و جميل انهما سألا أبا عبد اللّه عليه السّلام «عن امام قوم أصابته جنابة في السفر و ليس


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب التيمم الحديث 3.

2) المائدة: 6.

3) الكهف: 40.

4) معالم الزلفى الباب 23.

5) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب التيمم الحديث 1.

معه من الماء ما يكفيه للغسل أ يتوضأ بعضهم و يصلّي بهم‌؟ فقال: لا، و لكن يتيمم الجنب و يصلّي بهم فان اللّه عزّ و جلّ‌ جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا»(1).

و طريق الصدوق في المشيخة صحيح. و بغض النظر عنه يكفي أحد الطريقين الآخرين.

قلنا: انها لا تدلّ‌ على الحصر، و مع فرض المعارضة يتساقطان.

و نرجع الى الأصل و هو يقتضي البراءة من التقييد.

و لا يعارض بالبراءة من الإطلاق لأنها تقتضي التقييد و هو خلف المنة.

و بذلك يتّضح ان آية الصعيد لو كانت مجملة أمكن الرجوع للأصل أيضا و هو يقتضي النتيجة نفسها.

مسوّغات التيمم
اشارة

يجب التيمم عند عدم وجدان الماء بعد الفحص عنه بمقدار غلوة سهم في الأرض الحزنة و سهمين في السهلة، و عند الخوف من الوصول إليه أو خوف المكلف على نفسه أو غيره من استعماله، و عند وجود الحرج في تحصيله، و عند ضيق الوقت، و عند المزاحمة بواجب يتعيّن صرف الماء فيه.

و من توضأ في مورد وجوب التيمم - لضرر أو حرج أو مزاحمة - غفلة أو جهلا فقد قيل بصحته منه إذا لم يكن محرما واقعا. بل قد يقال في مورد


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب التيمم الحديث 2.

ضيق الوقت بصحته حتى مع العمد ما دام قاصدا امتثال أمر الوضوء المتوجّه إليه فعلا.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب التيمم عند عدم الماء

فلقوله تعالى:... فَلَمْ‌ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1)، و الروايات(2).

2 - و اما وجوب الفحص

فلا تدل عليه الآية الكريمة بل الروايات كصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب...»(3)، و غيرها، و لقاعدة الاشتغال فان المكلّف يعلم بوجوب الصلاة عليه مع الطهارة اما المائية أو الترابية فيلزمه بحكم العقل تحصيلهما معا إذ لو تيمم بلا فحص كان امتثاله احتماليا.

3 - و اما كون الفحص بالمقدار المذكور

فلموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السّلام: «يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة، و ان كانت سهولة فغلوتين»(4).

و السكوني و ان كان ثقة لدعوى الشيخ في بحث حجيّة الخبر من العدة عمل الطائفة برواياته(5)، إلاّ ان المشكلة تبقى في النوفلي إلاّ بناء على وثاقة رجال كامل الزيارة، أو ان عمل الطائفة بروايات السكوني يلازم عملها بروايات النوفلي - و لا أقل التي يرويها عن السكوني - و إلاّ


1) المائدة: 6.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التيمم.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التيمم الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التيمم الحديث 2.

5) العدة في اصول الفقه 149:1.

يلزم عدم امكان عملها بروايات السكوني بعد كون النوفلي الراوي الغالب عنه.

4 - و اما وجوب التيمم في حالات الخوف

فيمكن استفادته من الآية الكريمة فان المراد من عدم الوجدان عدم التمكّن بقرينة ذكر المرض، و حيث ان حفظ‍‌ النفس و العرض واجب فيصدق عدم التمكن من الماء عند الخوف على النفس أو العرض.

و اما حالة الخوف على المال فان لم يصدق معها عدم التمكّن من الماء فيمكن اثبات جواز التيمم فيها بصحيحة يعقوب بن سالم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك، قال: لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع»(1)بناء على وثاقة معلى بن محمد من خلال كامل الزيارة، بل يمكن التمسّك بقاعدة لا ضرر.

5 - و اما وجوبه في حالة الحرج

فلقاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى: ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ (2).

6 - و اما وجوبه عند ضيق الوقت

فهو المشهور. و تدل عليه آية التيمم بناء على عمومية عدم الوجدان لعدم التمكّن من ناحية ضيق الوقت، و صحيحة زرارة: «... فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصل»(3).

و منه يتضح ان ما ذهب إليه صاحب المدارك و جماعة من عدم


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب التيمم الحديث 2.

2) الحج: 78.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التيمم الحديث 1.

مشروعية التيمم عند ضيق الوقت قابل للمناقشة.

قال في المدارك: «لو كان الماء موجودا عنده فأخل باستعماله حتى ضاق الوقت عن الطهارة المائية و الاداء فهل يتطهر و يقضي أو يتيمم و يؤدي‌؟ فيه قولان، أظهرهما الأوّل... لان الصلاة واجب مشروط‍‌ بالطهارة، و التيمم انما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء، و الحال ان المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الأمر ان الوقت لا يتسع لذلك، و لم يثبت كون ذلك مسوّغا للتيمم»(1).

و محل كلامه و ان كان خاصا بغير المقام الا ان تعليله يدل على مخالفته في المقام أيضا.

7 - و اما وجوب التيمم عند المزاحمة

فلأن الأمر بالأهم معجّز مولوي عن المهم فيصدق معه عدم الوجدان بمعنى عدم التمكّن.

8 - و اما القول بصحة الوضوء في حق من يجب عليه التيمم - لضرر

أو حرج أو مزاحمة - إذا صدر منه غفلة أو جهلا

فلان المانع من فعلية الأمر بالوضوء ليس إلاّ فعلية التكليف المقابل و المفروض سقوطه بالجهل و الغفلة.

و دليل نفي الحرج و الضرر حيث انه امتناني فيلزم ان لا يشمل المقام - لأنّه يؤدي إلى بطلان الوضوء و هو خلاف المنة - و مع عدم شموله فلا موجب للبطلان.

9 - و امّا اعتبار عدم الحرمة واقعا - كالأرمد الذي يضره الماء ضررا بالغا


1) مدارك الاحكام 185:2.

فلان المحرم لا يقع مصداقا للواجب، و إلاّ يلزم اجتماع الضدّين.

10 - و اما القول بالصحة في الفرع الأخير

فللأمر النفسي الاستحبابي - بناء على ثبوته - بعد وضوح عدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه.

أحكام خاصّة بالتيمم
اشارة

لا يجوز التيمم لصلاة قبل دخول وقتها، و يجوز بعده حتى مع سعته بشرط‍‌ اليأس من التمكّن.

و من تيمم لصلاة لعذر و دخل وقت اخرى جازت المبادرة إليها و لكنه يعيدها مع ارتفاعه في أثنائه.

و لا يجوز إراقة ماء الوضوء أو الغسل و لا إبطالهما بعد دخول الوقت. و من فعل ذلك انتقلت وظيفته الى التيمم و يجوز ذلك قبل دخوله.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم الصحة قبل الوقت

فللقصور في دليل المشروعية فان آية التيمم دلّت على مشروعيته عند القيام للصلاة الذي هو عبارة اخرى عن دخول الوقت. و انما جاز الوضوء و الغسل قبل الوقت باعتبار طلبهما النفسي. و إذا أنكر الاستحباب النفسي للوضوء و قيل باختصاصه بالغسل فبالامكان تصحيحه من باب التهيؤ لانعقاد سيرة المتشرّعة على الوضوء قبل الوقت تهيّؤا لإقامة الجماعة أوّل الوقت، و السيرة المذكورة مفقودة في التيمم.

2 - و اما الجواز بعد الوقت مع اليأس

فلان عدم جواز البدار - بناء

على استفادته من الروايات - ليس إلاّ من جهة احتمال الحصول على الماء المفقود مع اليأس.

3 - و اما جواز المبادرة للصلاة مع التيمم لسابقة

فلفرض وقوعه صحيحا. و احتمال الوجدان بعد ذلك منفي بالاستصحاب الاستقبالي.

4 - و اما وجوب الإعادة مع الارتفاع في أثنائه

فلعدم اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء عن الأمر الواقعي.

5 - و اما حرمة الإراقة و الإبطال بعد الوقت

فلكون ذلك تعجيزا بسوء الاختيار عن امتثال الواجب الفعلي.

6 - و اما وجوب التيمم مع العصيان

فلتحقق موضوعه.

7 - و اما جواز ذلك قبل الوقت

فلان الصلاة بالنسبة للوقت واجب مشروط‍‌ لا معلّق.

6 - النجاسات

النجاسات عشر:
البول و الغائط‍‌
اشارة

و هما نجسان من كل حيوان محرم الأكل ذي نفس سائلة إلاّ بول الطائر و ذرقه.

و مع الشك في القيدين يحكم بطهارتهما.

و المستند في ذلك:

1 - اما الحصر في العشر

فللاستقراء.

2 - و اما نجاستهما في الجملة

فهي من الامور التي لم يقع فيها خلاف.

و تدل عليها روايات متعدّدة كصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام:

«سألته عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرّتين»(1)، و مفهوم موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه»(2).

3 - و اما اعتبار حرمة الأكل في الحكم بالنجاسة

فللمفهوم المتقدّم. و اما اعتبار النفس السائلة فلموثقة الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه قال: كل ما ليس له دم فلا بأس»(3)بتقريب ان الموت قد يستلزم التفسخ و خروج ما في الجوف من بول و خرء و بالرغم من ذلك حكم عليه السّلام بطهارة المائع بدون تقييد.

4 - و اما استثناء الطائر

فلصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«كلّ‌ شيء يطير فلا بأس ببوله و خرئه»(4).

و إذا قلت: انه لا بدّ من تقييد الصحيحة بما إذا كان الطائر مأكول اللحم لصحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(5)فانهما متعارضان بالعموم من وجه، و لا وجه لتقديم إطلاق الاولى على إطلاق الثانية. بل يلزم تساقطهما في


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب النجاسات الحديث 12.

3) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب النجاسات الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب النجاسات الحديث 1.

5) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب النجاسات الحديث 2.

مادة المعارضة و هي الطائر غير مأكول اللحم. و يرجع آنذاك الى اطلاقات نجاسة البول كصحيح ابن مسلم المتقدّم.

قلت: ان لازم ما ذكر الغاء خصوصية الطائر من الاعتبار، و كلّما دار الأمر بين إطلاقين يلزم من تقديم أحدهما إلغاء خصوصية العنوان المأخوذ في الآخر عن الاعتبار بخلاف تقديم الآخر قدم الآخر.

5 - و اما الحكم بالطهارة عند الشك في كون الحيوان ذا نفس

فلاستصحاب العدم الأزلي لكون الحيوان ذا نفس. و بقطع النظر عنه يجري استصحاب العدم الأزلي للنجاسة الثابت قبل صيرورة الشيء المشكوك فضلة. و على تقدير عدم التسليم بجريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية يمكن التمسّك بقاعدة الطهارة بناء على جريانها عند الشك في النجاسة الذاتية.

6 - و اما الحكم بالطهارة عند الشك في حرمة أكل الحيوان

فللوجوه المتقدّمة نفسها.

المني و الميتة
اشارة

و هما نجسان من ذي النفس. و المقطوع من الحي بمنزلة الميتة - إلاّ مثل البثور و نحوها - و هكذا المقطوع من الميتة إلاّ ما لا تحله الحياة من ميتة طاهر العين. و المراد بالميتة غير المذكى شرعا. و المأخوذ من سوق أو يد المسلمين مع الشك في التذكية محكوم بالحل و الطهارة بخلاف المأخوذ من الكافر، فانه مع عدم احتمالها محكوم بالنجاسة و الحرمة، و مع احتمالها حكم المشهور بذلك أيضا. و قيل بطهارته دون حل الأكل و الصلاة.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى نجاسة المني إذا كان من الإنسان

فللتسالم، و قضاء الضرورة، و دلالة الأخبار الكثيرة، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «المني يصيب الثوب، قال: ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك فاغسله كلّه»(1).

و ما دل على الطهارة كصحيحة زرارة: «سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفّف فيه من غسله، فقال: نعم لا بأس به إلاّ ان تكون النطفة فيه رطبة فان كانت جافة فلا بأس»(2). لا بدّ من تأويله على وجه لا ينافي النجاسة أو يحمل على التقية أو يطرح لمخالفته للضرورة.

و اما إذا كان من غير الإنسان فلصحيحة محمّد بن مسلم عنه عليه السّلام:

«ذكر المني و شدده و جعله أشدّ من البول»(3). فان اللام في المني و البول للجنس، و حيث ان البول من المحرم ذي النفس نجس فالمني كذلك.

و لا يصحّ‌ التمسّك بصحيحة ابن مسلم الاولى لمكان التعبير بالاصابة المنصرف إلى مني الإنسان.

2 - و امّا نجاسة مني ذي النفس إذ كان محللا

فللإجماع و إلاّ فمقتضى عموم موثقة ابن بكير: «... فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائز...»(4)طهارته للعموم.


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب النجاسات الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب النجاسات الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب النجاسات الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3 - و اما طهارة مني ما لا نفس له

فلقصور أدلّة النجاسة عن شموله بل و للدليل على طهارته، و هو موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام: «لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة»(1)فان اطلاقه يشمل المني، بل حتى بناء على اختصاصه بالميتة يمكن الاستدلال به بعد اطلاقه لحالة التفسّخ و اختلاط‍‌ المني بالماء. و هي من حيث السند موثقة، بناء على وثاقة مشايخ الإجازة الذين منهم أحمد.

4 - و اما نجاسة الميتة بالقيد المذكور

فذلك متسالم عليه و قد دلّت عليه روايات كثيرة - يمكن دعوى تواترها الإجمالي بل لم يرد في الأعيان النجسة ما ورد في الميتة - كصحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها و ما يليها، و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به»(2).

و اما ما دل على الطهارة من قبيل ما رواه الصدوق مرسلا، عن الصادق عليه السّلام: «سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه‌؟ فقال: لا بأس...»(3)، فيكفي في ردّه الإرسال.

و من الغريب ان صاحب المدارك نسب القول بالطهارة الى الصدوق باعتبار انه روى في كتابه بعض الأخبار الدالّة على الطهارة، و قد التزم في المقدّمة ان لا يورد إلاّ ما يفتي به و يحكم بصحته(4).


1) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب النجاسات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب النجاسات الحديث 5.

4) مدارك الاحكام 268:2-269.

إذ فيه: انه روى أخبار النجاسة أيضا و هل يمكن فتواه بالمتناقضين.

5 - و اما طهارة ميتة ما لا نفس له

فلأصالة الطهارة بعد القصور في مقتضى النجاسة مضافا الى موثقة الساباطي المتقدّمة في البول و الغائط‍‌ الدالّة على الطهارة في المقام.

6 - و اما ان المقطوع من الحي بمنزلة الميتة

فلموثقة عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت»(1).

7 - و اما استثناء البثور و نحوها

فللقصور في المقتضي، حيث لا يصدق عليها عنوان الميتة أو ما أخذت الحبالة.

8 - و اما ان المقطوع من الميت نجس

فلان الحكم بنجاسة شيء يفهم منه عرفا نجاسة أجزائه لعدم دخالة الهيئة التركيبية في ذلك.

9 - و اما استثناء ما لا تحلّه الحياة

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، ان الصوف ليس فيه روح»(2)فانها بمقتضى عموم التعليل تشمل غير الصوف أيضا.

10 - و اما تفسير الميتة بما ذكر و عدم اختصاصها بما مات حتف

أنفه

فلموثقة سماعة: «إذا رميت و سميت فانتفع بجلده. و اما الميتة فلا»(3)، فانها تدل على ذلك بالمقابلة.


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الصيد الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 68 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 49 من أبواب النجاسات الحديث 2.

11 - و اما الحكم بالحل و الطهارة على المأخوذ من سوق

المسلمين

فلكونه امارة - و هي مقدّمة على الأصل - بمقتضى صحيحة فضيل و زرارة و محمّد بن مسلم انهم «سألوا أبا جعفر عليه السّلام عن شراء اللحوم من الأسواق و لا يدرى ما يصنع القصّابون، فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه»(1). هذا مضافا الى السيرة القطعية للمتشرعة على عدم الفحص عند الشراء من سوق المسلمين.

12 - و اما الحكم بذلك على المأخوذ من يد المسلم أيضا

فلان سوق المسلمين بعنوانه و بما هو محلات متعددة لا مدخلية له في الحكم بالحل بل هو حجّة من باب كاشفيته عن يد المسلم فالمدار - على هذا - على يد المسلم دون السوق.

13 - و اما عدم الحكم بذلك عند الأخذ من الكافر مع عدم احتمالها

فواضح للجزم بكونه ميتة. و اما مع احتمالها فلأصالة عدم التذكية المنقح لموضوع النجاسة و الحرمة و الحاكمة على أصالة الحل و الطهارة لكونها أصلا سببيّا.

14 - و اما وجه الرأي الآخر فهو ان موضوع النجاسة عنوان

الميتة الذي هو وجودي

• لأنها عبارة عمّا زهقت روحه بسبب غير شرعي - بخلاف حرمة الأكل و الصلاة، فان موضوعها عدم التذكية، فبأصالة عدم التذكية تثبت الحرمة دون النجاسة إذ باستصحاب الأمر العدمي لا يثبت الأمر الوجودي إلاّ بناء على حجيّة الأصل المثبت.

اما ان موضوع حرمة الأكل عدم التذكية فلقوله تعالى: حُرِّمَتْ‌


1) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب الذبائح الحديث 1.

عَلَيْكُمُ‌ الْمَيْتَةُ‌ وَ الدَّمُ‌ ... وَ ما أَكَلَ‌ السَّبُعُ‌ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ‌ (1).

و اما ان موضوع حرمة الصلاة ذلك أيضا فلقوله عليه السّلام في موثقة ابن بكير: «فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله... إذا علمت انه ذكي»(2).

و اما ان موضوع النجاسة هو الميتة فلعدم الدليل على ترتبها على غير المذكى و يكفي ذلك لإجراء أصالة الطهارة عند الشك في التذكية.

و تحقيق الحال أكثر يحتاج إلى مستوى أعلى من البحث.

الدم
اشارة

و هو نجس من ذي النفس. و مع الشك في القيد يحكم بطهارته. و الدم في البيضة و المتخلّف في الذبيحة طاهر. و الخارج بالحك مع الشك في دميته كذلك. و هكذا المشكوك من جهة الظلمة. و لا يجب الاستعلام و ان أمكن بسهولة.

و المستند في ذلك:

1 - اما نجاسة الدم

في الجملة فللتسالم بين المسلمين بل هو من ضروريات الإسلام، و للروايات الكثيرة الواردة في موارد خاصة كقلع السن، و دم الرعاف، و دم الجروح.

و من هنا يشكل الحصول على عموم يقضي بنجاسة طبيعي الدم.

اللهم إلاّ ان يتمسّك بالارتكاز القاضي بالموجبة الكليّة أو بإطلاق موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عمّا تشرب منه الحمامة فقال: كلّ‌ ما


1) المائدة: 3.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

أكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب... إلاّ ان ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب»(1).

2 - و اما طهارته من غير ذي النفس

فيكفي لإثباتها القصور في مقتضى النجاسة بناء على عدم تمامية العموم و إلاّ أمكن التمسّك بموثقة حفص بن غياث بالتقريب المتقدّم عند البحث عن طهارة مني غير ذي النفس.

3 - و اما الحكم بالطهارة مع الشك في القيد

فلأصالة عدم كون الحيوان ذا نفس - لو كان الشك في ان له نفسا أو لا - أو لأصالة عدم كونه من الشاة مثلا - لو كان الشك في حاله و انه من الشاة أو السمك - بناء على جريان الأصل في الاعدام الأزلية، و بناء على عدمه يتمسك بأصالة الطهارة بناء على جريانها عند الشك في النجاسة الذاتية كما هو المعروف.

بل المناسب التمسك باصالة الطهارة حتى على تقدير التسليم بجريان الاستصحاب في الاعدام الازلية لان جريانه لا يثبت الطهارة - بناء على ان طهارة دم ما لا نفس له هو من باب القصور في المقتضي - من دون التمسك باصالة الطهارة، و مع التمسك بها تكون هي المستند للحكم بالطهارة بلا حاجة إلى ضم غيرها إليها.

4 - و اما الحكم بطهارة دم البيضة

فلأصالة الطهارة بعد قصور الارتكاز و اطلاق موثقة عمار عن الشمول لذلك. هكذا يمكن ان يقال.

و المسألة محل خلاف.


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الأسآر الحديث 4.

5 - و اما الحكم بطهارة المتخلّف

فهو متسالم عليه و تقتضيه اصالة الطهارة بناء على عدم العموم في دليل نجاسة الدم. و مع التسليم بوجوده يمكن التمسك بسيرة المتشرعة المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام على عدم تطهير الملابس و نحوها الملاقية للدم المتخلّف.

و الحكم على الدم بالطهارة في هذين الموردين لا ينافي حرمة تناوله لإطلاق قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ‌ عَلَيْكُمُ‌ الْمَيْتَةَ‌ وَ الدَّمَ‌... (1).

6 - و اما الحكم بالطهارة على الخارج بالحك مع الشك

فلأصالة عدم كونه دما بنحو العدم الأزلي. و مع عدم التسليم به يمكن التمسّك بأصالة الطهارة بناء على جريانها عند الشك في النجاسة الذاتية.

7 - و اما الحكم بالطهارة على المشكوك لظلمة

فلذلك أيضا.

8 - و اما عدم وجوب الاستعلام

فلكون الشبهة موضوعية. و قد اتفق على عدم لزوم الفحص فيها.

و في صحيحة زرارة الثانية: «... فهل عليّ‌ إن شككت في انه اصابه شيء ان أنظر فيه‌؟ فقال: لا و لكنّك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك...»(2)، و لا خصوصية للمورد.

الخمر و النبيذ المسكر و الفقاع
اشارة

الثلاثة المذكورة محكومة بالنجاسة لدى المشهور. و قيل بنجاسة كلّ‌ مسكر مائع.

و العصير العنبي يحرم بالغليان قبل ذهاب ثلثيه و لكنه لا ينجس.


1) البقرة: 173.

2) وسائل الشيعة الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 1.

و اما العصير الزبيبي و التمري فلا يحرم بذلك فضلا عن تنجسه.

و المستند في ذلك:

1 - اما الخمر فقد اختلف في طهارته و نجاسته

تبعا لاختلاف دلالة الروايات الكثيرة على الطهارة و النجاسة.

مثال الأوّل: صحيحة الحناط‍‌: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال: لا بأس»(1).

و مثال الثاني: موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون‌؟ قال: إذا غسل فلا بأس... و قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال:

تغسله ثلاث مرّات...»(2).

و في مقام الجمع يقال: بما ان الاولى صريحة في الطهارة بخلاف الثانية فلا بدّ من تأويل الثانية اما بحملها على الاستحباب أو على ان الغسل ليس من جهة النجاسة أو على غير ذلك.

و اذا انكرت عرفية الجمع المذكور فلربّما يقال بلزوم تقديم أخبار النجاسة لصحيحة علي بن مهزيار: «قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمّد إلى أبي الحسن عليه السّلام: جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام في الخمر يصيب ثوب الرجل انهما قالا لا بأس بأن تصلّي فيه انّما حرّم شربها، و روي عن غير زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انه قال:

إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه، و ان لم تعرف موضعه فاغسله كلّه و ان صلّيت فيه فأعد صلاتك


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب النجاسات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب النجاسات الحديث 1.

فاعلمني ما آخذ به فوقع عليه السّلام بخطه و قرأته: خذ بقول أبي عبد اللّه عليه السّلام»(1)بدعوى ان الامام عليه السّلام قدم اخبار النجاسة بعد نظره إلى كلتا الطائفتين المتعارضتين.

و فيه: لعل تقديم قول أبي عبد اللّه عليه السّلام من باب أرجحية التنزه عن الثوب الذي أصابه خمر و ليس من باب تنجس الثوب.

و إذا قيل: لم لا نقدّم أخبار النجاسة لموافقتها للكتاب الكريم:

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ‌ وَ الْأَزْلامُ‌ رِجْسٌ‌ مِنْ‌ عَمَلِ‌ الشَّيْطانِ‌ (2)أو مخالفتها للعامة على مستوى عمل سلاطينهم.

كان الجواب: لم يثبت كون الرجس بمعنى النجس. و تبرير عمل السلاطين بعد فتوى علمائهم بالنجاسة لا معنى له.

و باستحكام التعارض و التساقط‍‌ يرجع إلى قاعدة الطهارة. و بذلك نصل إلى نتيجة الجمع العرفي نفسها و ان كان الاحتياط‍‌ مناسبا.

2 - و اما النبيذ و المسكر المائع

فلا إشكال في حرمته لصحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي عليه السّلام: «ان اللّه عزّ و جلّ‌ لم يحرم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(3). و انما الاشكال في نجاسته. و بعد ان عرفنا عدم ثبوتها للخمر فأولى ان لا تكون ثابتة لغيره.

3 - و اما الفقاع

فهو اما خمر حقيقة ذو اسكار ضعيف أو خمر تنزيلا لمكاتبة ابن فضال: «كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام أسأله عن الفقاع


1) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 2.

2) المائدة: 90.

3) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الأشربة المحرّمة الحديث 1.

فقال: هو الخمر و فيه حدّ شارب الخمر»(1). و لا أقل لا نحتمل ان حكمه أشدّ من الخمر.

4 - و اما العصير العنبي

فلا إشكال في حرمته بالغليان قبل ذهاب ثلثيه و لا خلاف في ذلك لصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه»(2).

و انما الاشكال في نجاسته فان الحرمة لا تلازمها، كما ان صيرورته مسكرا - على تقدير تسليمها - لا يلازمها لما تقدّم.

و قد يستدلّ‌ على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار بنقل التهذيب:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و انا أعرفه انّه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف‌؟ فقال: خمر لا تشربه. قلت:

فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه قال: نعم»(3)فان البختج هو العصير المطبوخ على ما ذكر في الوافي(4). و إطلاق تنزيله منزلة الخمر يقتضي ترتيب جميع آثاره - التي منها النجاسة - عليه.

و يرده: انه بناء على نجاسة الخمر لم يثبت ان البختج مطلق العصير المطبوخ، و لعلّه حصة خاصة منه، و هو ما استمر به الغليان


1) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة الحديث 1.

3) تهذيب الاحكام 122:9 رقم 526.

4) الوافي 654:20.

حتى صار ثخينا المعبر عنه في الفارسية ب‍‌ «رب»، و معلوم ان تنزيل هذه الحصة منزلة الخمر - من جهة احتمال اسكارها قبل ذهاب الثلثين - لا يستلزم تطبيق أحكام الخمر على مطلق العصير المطبوخ.

على ان الاطلاق في التنزيل غير ثابت، و لعلّه بلحاظ‍‌ خصوص حرمة التناول بقرينة التعقيب بجملة «لا تشربه».

و مع التنزل لم يثبت وجود لفظة «الخمر» في الحديث فان الكليني(1)لم يذكرها بل ان صاحب الوسائل(2)و الوافي(3)نقلاها عن الشيخ بدونها.

و اصالة عدم الزيادة في جانب الشيخ لا تتقدّم على أصالة عدم النقيصة في جانب الكليني بعد أضبطية الثاني و اختلاف النقل عن الشيخ.

و عليه فلا دليل على النجاسة بل الدليل على الطهارة ثابت و هو الاستصحاب، فانه جار حتى بناء على عدم جريانه في الشبهات الحكمية الكلية - للمعارضة باصالة عدم الجعل الزائد - لاختصاص ذلك بالاحكام الالزامية دون الترخيصية لعدم حاجتها إلى جعل.

و بقطع النظر عن الاستصحاب تجري أصالة الطهارة بناء على ما هو المعروف من جريانها في موارد الشك في النجاسة الذاتية.

5 - و اما العصير الزبيبي

فلا إشكال في طهارته لعدم ما يوجب احتمال العدم و انما الاشكال في حرمته. و أخبار حرمة العصير


1) الكافي 421:6.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 4.

3) الوافي 655:20.

بالغليان لا يمكن التمسّك بها لعدم صدق العصير عليه كما هو واضح.

و الرواية المنقولة عن أصل زيد النرسي: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الزبيب يدق و يلقى في القدر ثم يصب عليه الماء و يوقد تحته فقال لا تأكله حتى يذهب الثلثان...»(1)لا يمكن الاعتماد عليها لعدم توثيق زيد، و لم تثبت صحّة نسبة الأصل المتداول إليه لعدم الطريق المعتبر.

و اما استصحاب الحرمة الثابتة قبل الجفاف فلا يجري لاختلاف الموضوع، فان موضوع الحرمة السابقة هو العصير و هو غير صادق على الزبيب.

هذا مضافا الى انه تعليقي و هو لا يجري اما لمعارضته باستصحاب الحكم التنجيزي، أو لان استصحاب الحكم المشروط‍‌ لا يثبت فعليته إلاّ بنحو الأصل المثبت، أو لان الجعل لا شك في بقائه فلا معنى لاستصحابه و المجعول لا يقين بحدوثه و الحكم بنحو القضية الشرطية أمر انتزاعي.

و عليه فالمناسب الحكم بحليته اما للاستصحاب أو لقاعدة الحلية.

6 - و اما العصير التمري

فلا موجب لاحتمال حرمته إلاّ روايات العصير، و هي غير صادقة عليه كما هو واضح.

الكافر
اشارة

الحكم بنجاسة الكتابي هو المشهور. و بالأولى بالنسبة لغيره.


1) مستدرك وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة.

و المستند في ذلك:

1 - اما نجاسة الكتابي

فقد ذهب إليها المشهور بل كاد يكون ذلك إجماعا. و الروايات في ذلك مختلفة و هي في كلا الجانبين كثيرة.

مثال روايات النجاسة: صحيحة سعيد الأعرج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن سؤر اليهودي و النصراني فقال: لا»(1).

و مثال روايات الطهارة: صحيحة العيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مؤاكلة اليهودي و النصراني و المجوسي، فقال: إذا كان من طعامك و توضأ فلا بأس»(2).

و يمكن الجمع بان روايات النجاسة لا تدل على اثبات النجاسة الذاتية بل على النجاسة العرضية الحاصلة بملاقاة النجاسات كالخنزير و نحوه. أو بتعبير آخر كأنها تريد ان تقول: ان أصالة الطهارة لا تجري في حق الكتابي بل المسلم فقط‍‌، و من هنا قالت الصحيحة الثانية: «إذا كان من طعامك و توضأ فلا بأس».

و هذا أولى من حمل الأخبار الاولى على الكراهة. كما انه أولى من دعوى ترجيحها لموافقتها الكتاب الكريم: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ‌ نَجَسٌ‌... (3)

بدعوى ان أهل الكتاب مشركون لأنهم يقولون بالتثليث. و هو أولى أيضا من حمل الأخبار الثانية على التقية.

اما أولويته من الأوّل فلانه لا تصل النوبة إليه بعد الجمع الذي ذكرناه.


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 54 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3) التوبة: 28.

و اما أولويته من الثاني و الثالث فلان الترجيح بما ذكر فرع المعارضة و المفروض عدمها.

2 - و اما غير الكتابي فنجاسته كادت تكون متسالما عليها.

و قد يستدل عليه بالآية المتقدّمة. بيد ان الاشكال واضح حيث لم يثبت ان نجس - بفتح الجيم - بمعنى نجس بكسرها، و لا يبعد كون المقصود النجاسة المعنوية خصوصا ان التفريع يناسب ذلك.

أجل يستثنى من ذلك الناصبي لموثقة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و إيّاك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم فان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه»(1).

و يبقى الاحتياط‍‌ تحفظا من التسالم المدعى في المسألة أمرا لازما.

بقيّة النجاسات
اشارة

و من النجاسات الكلب و الخنزير البريّان.

و اما عرق الجنب من حرام فقيل بنجاسته أو بحرمة الصلاة فيه.

و المستند في ذلك:

1 - اما نجاسة الكلب و الخنزير البريّين

فمتسالم عليها. و دلّت على ذلك مجموعة من الروايات.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 5.

مثالها في الكلب: الموثقة المتقدّمة في الناصبي.

و مثالها في الخنزير: صحيحة علي بن جعفر: «... و سألته عن خنزير يشرب من اناء كيف يصنع به‌؟ قال: يغسل سبع مرّات»(1).

و الروايات التي ظاهرها المعارضة لا بدّ من توجيهها بشكل و آخر.

2 - و اما التخصيص بالبريين

فلان لفظ‍‌ «الكلب» و «الخنزير» حقيقة في البريين، و اطلاقهما على البحريين مجاز للمشابهة. و مع التسليم بالوضع للأعم فيمكن دعوى الانصراف، بل ورد في صحيحة ابن الحجّاج: «سأل أبا عبد اللّه رجل و أنا عنده عن جلود الخز فقال: ليس بها بأس. فقال الرجل: جعلت فداك انها علاجي في بلادي و انما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا، قال: ليس به بأس»(2)، و بعموم التعليل يتعدّى الى الخنزير.

3 - و اما عرق الجنب من حرام

فقد دلّت بعض الروايات على نجاسته أو عدم جواز الصلاة فيه لكنها جميعا ضعيفة، ففي حديث علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن عليه السّلام: «لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم»(3). لكنها ضعيفة سندا بالإرسال و دلالة لعدم فرض العرق فانها ناظرة الى بدن الزاني و تقتضي نجاسته.


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 3.

و في رواية الفقه الرضوي: «ان عرقت في ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه و ان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل»(1)لكن الكتاب المذكور لم تثبت نسبته الى الامام الرضا عليه السّلام.

و عليه فمقتضى أصالة الطهارة و البراءة من تقيد الصلاة بعدمه طهارته و جواز الصلاة معه.

بعض أحكام النجاسة
اشارة

يشترط‍‌ في حصول التنجس الرطوبة المسرية، و إذا لاقت النجاسة الجسم الغليظ‍‌ اختصت بالموضع.

و في تنجيس المتنجس كلام طويل.

و تناول النجس محرم دون غيره مما لا يشترط‍‌ فيه الطهارة.

و المستند في ذلك:

1 - اما اشتراط‍‌ الرطوبة في حصول التنجس بالرغم من اطلاق

بعض الأدلّة

كصحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل. قال: تغسل المكان الذي أصابه»(2)- فللارتكاز العرفي الذي يعد بمنزلة القرينة المتصلة، و لموثق ابن بكير: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط‍‌. قال: كل شيء يابس زكي»(3)و غيره. على


1) الفقه الرضوي: 4 السطر 18.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب النجاسات الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 5.

ان التعبير بالغسل نفسه يرشد إلى ذلك لأنه عبارة عن إزالة الأثر.

2 - و اما اعتبار السراية في الرطوبة فللارتكاز نفسه

، على انه يلزم في المكان الكبير الرطب ان النجاسة إذا أصابت نقطة في شماله تنجس جنوبه و جميع بقاعه و هو بعيد.

3 - و اما اختصاص التنجس بموضع الملاقاة في الجسم الغليظ‍‌

فللارتكاز المتقدّم و روايات عديدة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام:

«إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فالقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به. و الزيت مثل ذلك»(1)و غيرها.

4 - و اما مسألة تنجيس المتنجس
اشارة

فقد وقع الكلام فيها في ان المنجسية هل هي من اللوازم الخاصّة بأعيان النجاسة أو تعمّ‌ المتنجسات‌؟ و على الثاني هل هي ثابتة للمتنجس و لو بالوسائط‍‌ أو لخصوص المتنجس بلا واسطة بعد الالتفات الى انحصار محل الكلام بالمتنجس غير المشتمل على عين النجاسة و إلاّ فهو منجّس بلا إشكال.

و قد استدل لكل من القولين بأدلّة متعددة نشير إلى بعضها:

أدلّة تنجيس المتنجس
اشارة

القول بالتنجيس بشكل مطلق هو المشهور بل ادعي عليه الإجماع، و يمكن الاستدلال له بما يلي:


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب المضاف الحديث 1.

الأوّل: التمسّك بما دلّ‌ على لزوم غسل الإناء الذي شرب منه الكلب

(1)بتقريب ان الماء المتنجس بولوغ الكلب لو لم ينجس فلما ذا يلزم غسل الاناء؟ بعد الالتفات الى ان الكلب لا يصيب بفمه أو لسانه الإناء عادة.

الثاني: التمسّك بما دلّ‌ على وجوب التعدّد في غسل الإناء

المتنجس

(2)بتقريب انه لا حاجة الى غير الغسلة الاولى بعد زوال عين النجاسة بها سوى كونه منجسا لما يوضع فيه.

الثالث: التمسّك بما دلّ‌ على عدم جواز الشرب أو الوضوء من

الماء القليل الذي لاقته يد قذرة

(3)- بعد وضوح صدق عنوان اليد القذرة على المتنجسة - فانه لا وجه لذلك سوى تنجس الماء باليد المتنجسة.

الرابع: ما دلّ‌ على عدم جواز جعل الخل في الدن المتنجس بالخمر

إلاّ إذا غسل(4)فانه لا وجه للزوم غسل الدن إلاّ تنجيسه لما يوضع فيه.

أدلّة عدم تنجيس المتنجس
الأوّل: التمسّك بصحيحة حكم بن حكيم

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أبول فلا اصيب الماء و قد أصاب يدي شيء من البول فامسحه بالحائط‍‌ و بالتراب ثم تعرق يدي فأمس بها وجهي أو بعض جسدي أو يصيب


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب النجاسات الحديث 3.

2) و تأتي الأدلّة على ذلك عند البحث عن كيفية تطهير الإناء.

3) كصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر. وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 7.

4) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب النجاسات الحديث 1.

ثوبي قال: لا بأس به»(1)فانه لا وجه لنفي البأس إلاّ عدم تنجيس المتنجس.

و قد يناقش باحتمال ان يكون ذلك من جهة عدم الجزم باصابة الجسد أو الثوب للموضع النجس المتعرق فتجري أصالة الطهارة.

الثاني: التمسّك بصحيحة حفص الأعور

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل‌؟ قال: نعم»(2).

و فيه: انها إذا كانت قابلة للتقييد بما دلّ‌ على وجوب الغسل فبها و إلاّ كانت معارضة فلا يصح التمسّك بها.

الثالث: ما ذكره الشيخ الهمداني

من ان لازم تنجيس المتنجس تنجس جميع البلد الواحد فان الحليب المجلوب من القرى يعلم عادة بتنجس بعضه نتيجة عدم المبالاة بمسائل الطهارة و النجاسة، و بصنع الاجبان منه و غيرها و أكل البعض منه سوف يتنجس الفم و اليد و الثياب، و بالاختلاط‍‌ بآخرين سوف تنتقل النجاسة اليهم أيضا و يلزم و من ثمّ‌ تنجس كل البلد و افراده.

و الشيء نفسه يأتي في ماء السبيل الذي يشرب منه بعض الأطفال غير المبالين فانهم سوف ينقلون النجاسة بالشكل المذكور.

و الأمثلة لذلك كثيرة. و هذا يعني لغوية تشريع الحكم بوجوب اجتناب المتنجس لعدم امكان امتثاله.

بل بقطع النظر عن هذا يلزم وجوب اجتناب جميع الأبنية لان أدوات البناء قد تنجّست يوما و لو بسبب استعمالها في بناء كنيف و لم


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب النجاسات الحديث 2.

تجر العادة على تطهيرها لدى كل بناء، و من اجتنبها عدّ موسوسا(1).

و ما افيد وجيه بناء على تنجيس المتنجس و لو بالوسائط‍‌، اما بناء على اشتراط‍‌ التنجيس بعدم الواسطة أو بواسطة واحدة فلا يتم ما ذكر.

ثم انه من خلال هذا العرض الموجز لبعض أدلّة الطرفين اتضح ان المناسب الأخذ بأدلّة التنجيس. و بمراجعتها نلاحظ‍‌ ان موردها ما إذا كان المتنجس مائعا أو جامدا و لكن الملاقي له مائع، و معه فالثوب المتنجس مثلا لا ينجّس اليد أو الثوب الآخر.

كما ان موردها المتنجس بواسطة أو واسطتين و لا تعمّ‌ غيره.

و أيضا موردها ما إذا كان المتنجس ماء و التعدّي إلى سائر المائعات يحتاج إلى ضم الإجماع على عدم الفصل لو تم.

5 - و اما عدم جواز تناول النجس

فهو متسالم عليه بل من الضروريات، و تدلّ‌ عليه صحيحة البزنطي: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة. قال: يكفئ الإناء»(2)و غيرها من الروايات الكثيرة.

6 - و اما عدم جواز بقيّة التصرّفات ممّا هو مشروط‍‌ بالطهارة

فلفرض اشتراطها بالطهارة.

و إذا قيل: ان رواية تحف العقول: «أو شيء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام و محرّم لأنّ‌ ذلك كلّه منهيّ‌ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و امساكه و التقلّب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام»(3)دلّت


1) مصباح الفقيه، كتاب الطهارة: 579.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

على حرمة جميع التصرّفات.

كان الجواب: هي ضعيفة السند و ذات متن ركيك. مضافا الى دلالة الروايات الكثيرة على جواز الانتفاع بالنجس في بعض المجالات كرواية أليات الغنم المقطوعة منها و هي أحياء لإذابتها و الاسراج بها(1).

أحكام أخرى للنجاسة
اشارة

و ما يجلب من الأدوية و الأدهان و نحوهما ممّا لا يعتبر في حلّيته التذكية محكوم بالطهارة.

و المشتبه بالنجس يجب اجتنابه.

و الملاقي لطرف الشبهة محكوم بالطهارة لدى المشهور.

و المستند في ذلك:

1 - اما الحكم بالطهارة في الأدوية و نحوها

فلأصالة الطهارة.

و يمكن استفادة ذلك أيضا من روايات متعددة كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «سأل أبي أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر اني اعير الذميّ‌ ثوبي و أنا أعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليّ‌ فأغسله قبل ان أصلّي فيه‌؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: صلّ‌ و لا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجّسه فلا بأس ان تصلّي فيه حتى تستيقن انه نجّسه»(2)و غيرها.

2 - و اما عدم الحكم بالطهارة فيما يشترط‍‌ في حليته التذكية

فلأصالة عدم التذكية الحاكمة على أصالة الطهارة. أجل ذلك يتم على


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث 1.

مسلك المشهور و اما على المسلك الآخر فيحكم بالطهارة دون الحل.

3 - و اما ان المشتبه يجب اجتنابه

فلتعارض أصليّ‌ الطهارة الموجب لمنجزية العلم الإجمالي أو للعلم الإجمالي نفسه على الخلاف بين المسلكين في منجزية العلم الإجمالي.

و تدل على ذلك أيضا موثقة سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو و ليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما جميعا و يتيمم»(1).

4 - و اما حكم المشهور بطهارة الملاقي فلجريان أصالة الطهارة
اشارة

فيه بلا معارض.

اما كيف ذلك و الحال انه يتشكل بعد الملاقاة علم إجمالي جديد اما بنجاسته أو نجاسة طرف الملاقى‌؟

أجيب عن ذلك
اشارة

بعدّة أجوبة:

الأوّل: ما أفاده الشيخ الأعظم

من ان تنجيز العلم الإجمالي فرع تعارض الاصول في أطرافه، و هي ليست متعارضة في العلم الثاني لان أصل الطهارة في الملاقى حاكم على أصل الطهارة في الملاقي فتقع المعارضة بين الأصل في الملاقى و الأصل في طرفه، و بعد التساقط‍‌ تصل النوبة الى الأصل في الملاقي بلا معارض.

و انما اختصت المعارضة بالأصلين الأوّلين لأنهما في رتبة واحدة، و المعارضة لا تدخل فيها إلاّ الاصول ذوات الرتبة الواحدة(2).

اما لما ذا تختص المعارضة بذلك‌؟ يحتاج ذلك الى مستوى أعلى من البحث.


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 2.

2) فرائد الاصول 33:2، طبعة دار الاعتصام.

الثاني: ما أفاده الشيخ العراقي

من ان العلم الثاني ليس بمنجز لتنجز أحد طرفيه بمنجز سابق - و ما تنجز لا يقبل التنجز ثانية - و شرط‍‌ منجزية العلم الإجمالي قابليته لتنجيز معلومه على كل تقدير(1).

الثالث: ما ذكره جماعة

من ان الأصل في طرف الملاقى بعد ما سقط‍‌ بالمعارضة الاولى فلا يدخل في معارضة جديدة مع الأصل في الملاقي لأنّ‌ الساقط‍‌ لا يعود.

مناقشة الأجوبة الثلاثة
اشارة

و كل ما ذكر قابل للمناقشة.

اما الجواب الأوّل

فلان لازم حصر المعارضة بالأصول ذوات الرتبة الواحدة ورود الشبهة الحيدرية. و حاصلها لزوم جواز شرب الملاقي دون الوضوء به لان أصلي الطهارة إذا سقطا في المعارضة الاولى تصل النوبة الى الأصلين في المرتبة الثانية ممّا يكون في رتبة واحدة، و هما أصل الطهارة في الملاقي و أصل الحل في طرف الملاقى، و بعد تعارضهما و تساقطهما تصل النوبة الى أصل الحل في الملاقي، و بذلك تثبت حلّيّة شربه دون طهارته، و مع عدم طهارته لا يجوز الوضوء به.

و هذه نتيجة غريبة لا قائل بها فان كل من قال بجواز الشرب قال بصحّة الوضوء(2).

و اما الجواب الثاني

فلان التنجز حيث انه قضية اعتبارية فلا مانع


1) نهاية الافكار 358:3.

2) من جملة المتعرضين إلى نقل الشبهة الحيدرية الشيخ العراقي في نهاية الافكار 362:3.

من تنجز المتنجز. و لا يلزم بذلك اجتماع المثلين المستحيل لاختصاصه بالامور التكوينية.

و اما الجواب الثالث

فلان قضية الساقط‍‌ لا يعود تختص بالسقوط‍‌ التكويني دون الاعتباري الذي هو عبارة اخرى عن عدم شمول دليل الأصل للساقط‍‌.

و بهذا كلّه اتضح ان الاصول الثلاثة تدخل في معارضة واحدة و تتساقط‍‌، و من ثمّ‌ لا يمكن الحكم بطهارة الملاقي.

وسائل اثبات النجاسة
اشارة

تثبت نجاسة الشيء بالعلم و اخبار ذي اليد و شهادة عدلين بل و بخبر الثقة.

و اما الطهارة فلا تحتاج إلى وسائل احراز.

و المستند في ذلك:

1 - اما ثبوت النجاسة بالعلم

فلحجيّته عقلا بل إليه تنتهي حجيّة كلّ‌ حجّة، و لو لا حجّيّته استحال اثبات أي حقيقة.

2 - و اما ثبوتها بالثاني

فلحجّيّة اخبار ذي اليد بشكل عام اما للسيرة العقلائيّة أو لعموم التعليل الوارد في رواية حفص بن غياث لإثبات حجيّة اليد و انه «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»(1)أو للروايات الخاصة، كصحيحة معاوية الواردة في الزيت الذي مات فيه جرذ و انه يبيعه و يبين ذلك للمشتري ليستصبح به(2)، فانه لا فائدة في البيان لو لا حجيّة اخبار ذي اليد، و كموثقة ابن بكير الواردة في من أعار


1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب كيفية الحكم الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

رجلا ثوبا فصلّى فيه و هو لا يصلّي فيه و انه لا يعلمه و لو أعلمه أعاد(1)، فانه لا وجه للإعادة لو لا حجيّة اخبار ذي اليد.

3 - و اما شهادة العدلين

و خبر الثقة فيأتي البحث عنهما في وسائل اثبات دخول الوقت تحت عنوان «أحكام خاصة بالوقت» من كتاب الصلاة.

4 - و اما عدم حاجة الطهارة إلى وسائل احراز

فلان احتمالها يكفي بعد تشريع قاعدة الطهارة.

و من الغريب ما نسب الى بعض من عدم ثبوت النجاسة إلاّ بالعلم الوجداني تمسّكا بقاعدة الطهارة المغياة بالعلم بالنجاسة(2)غفلة منه عن أخذ العلم في الغاية بنحو الطريقية - الذي لازمه قيام الامارات مقامه - دون الموضوعية.

و أغرب من ذلك ما نسب إلى بعض آخر من كفاية مطلق الظن في إثبات النجاسة(3)غفلة منه انه لا يغني من الحق شيئا.

الطهارة و الصلاة
اشارة

يشترط‍‌ في صحّة الصلاة طهارة ثياب المصلّي و بدنه إلاّ فيما يأتي استثناؤه.

و الجاهل بوجود النجاسة تصحّ‌ صلاته بخلاف الناسي فان المشهور وجوب الإعادة عليه.


1) وسائل الشيعة الباب 47 من أبواب النجاسات الحديث 3.

2) الحدائق الناضرة 244:5.

3) جواهر الكلام 168:6، و الحدائق الناضرة 244:5.

و اذا عرضت أثناء الصلاة فان أمكن إزالتها مع الحفاظ‍‌ على صورة الصلاة وجب ذلك و إلاّ استؤنفت مع السعة و لزم الاستمرار مع الضيق.

و المشهور حرمة تنجيس المساجد و وجوب المبادرة إلى تطهيرها. و هكذا المصحف الشريف و المشاهد المشرفة و التربة الحسينية.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الطهارة في ثياب المصلي

فمما لا كلام فيه. و تدل عليه الروايات الكثيرة في النجاسات المتفرّقة كصحيحة زرارة: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني فعلّمت أثره إلى ان اصيب له الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صلّيت ثم اني ذكرت بعد ذلك. قال: تعيد الصلاة و تغسله...»(1).

و اضمارها لا يضرّ بعد كون المضمر زرارة. و هي تدل على ان الشرطية كانت من المرتكزات الواضحة لدى زرارة.

و يمكن استفادة شرطية الطهارة بعنوانها - و ان ادعي عدم وجود مثل ذلك - من صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سأل أبي أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر اني اعير الذميّ‌ ثوبي و أنا أعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليّ‌ فأغسله قبل ان اصلّي فيه فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: صلّ‌ فيه و لا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انه نجسه...»(2)و صحيحة العلاء الآتية.

2 - و اما اعتبارها في البدن

فهي ثابت بالأولوية، و يمكن استفادته من بعض الروايات الخاصة أيضا.


1) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب النجاسات الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3 - و اما الصحة في حقّ‌ الجاهل

فهي مقتضى قاعدة لا تعاد بناء على ان المقصود من الطهور خصوص الطهارة من الحدث. و تدل على ذلك أيضا صحيحة زرارة المتقدّمة في فقرة اخرى منها: «قلت: فان ظننت انه قد أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئا ثم صلّيت فرأيت فيه‌؟ قال: تغسله و لا تعيد...»(1)و غيرها.

4 - و اما عدم الصحة في حق الناسي

فهو المشهور. و قد دلّت عليه روايات كثيرة كصحيحة زرارة المتقدّمة و غيرها. إلاّ ان بازائها صحيحة العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء ينجسه فينسى ان يغسله فيصلّي فيه ثم يذكر انه لم يكن غسله أ يعيد الصلاة‌؟ قال: لا يعيد قد مضت الصلاة و كتبت له»(2).

و قد يقال: ان الاولى لكثرتها تشكل سنّة قطعية فتطرح الثانية لمخالفتها لذلك فان المخالف للكتاب انما يلزم طرحه لأنه يمثّل حكم اللّه سبحانه القطعي فيلزم التعدّي الى مخالف السنّة القطعيّة أيضا.

و قد يقال أيضا: بلزوم طرح الثانية لموافقتها للعامة.

و يردهما: ان ذلك فرع صدق عنوان الخبرين المختلفين، و مع امكان الجمع العرفي لا يصدق ذلك. و الجمع يتحقق بحمل الاولى على الاستحباب و الثانية على نفي الوجوب.

و دعوى ان ذلك وجيه في الأحكام المولوية دون الإرشادية كما في المقام إذ لا معنى لاستحباب الفساد مدفوعة بأن من الوجيه تعدّد مراتب الفساد شرعا - لان مثل ذلك معقول في الأمر الاعتباري -


1) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب النجاسات الحديث 41.

و يستحب في بعضها الإعادة.

و استهجان جملة «يستحب الفساد» ليس إلاّ استهجانا على مستوى الألفاظ‍‌ و إلاّ فلو أبدلنا كلمة «الفساد» ب‍‌ «الإعادة» ارتفع ذلك.

و عليه فمقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة و إن كان الاحتياط‍‌ - حذرا من مخالفة المشهور - أمرا لا ينبغي تركه.

5 - و اما الحكم حالة عروض النجاسة في الاثناء مع امكان الإزالة

بدون زوال صورة الصلاة

فلاقتضاء القاعدة له إذ لم تثبت شرطية الطهارة في أكوان الصلاة التي ليست أجزاء لها فاذا فرض الشك جرت البراءة من ذلك. هذا مضافا إلى دلالة صحيحة زرارة: «... و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت و غسلته ثمّ‌ بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك...»(1)و غيرها.

6 - و اما وجوب الاستئناف مع السعة في حالة عدم امكان الحفاظ‍‌

على صورة الصلاة على تقدير الازالة

فللتمكن من الاتيان بالمأمور به.

هذا مضافا إلى دلالة صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يصيبه الرعاف و هو في الصلاة فقال: ان قدر على ماء عنده يمينا و شمالا أو بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصلّ‌ ما بقي من صلاته، و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته»(2)و غيرها على ذلك.

7 - و اما انه مع عدم السعة يستمر في صلاته

فلانه بعد عدم سقوطها بحال يلزم سقوط‍‌ شرطية الطهارة و الاتيان بالميسور. هذا


1) وسائل الشيعة الباب 44 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 6.

مضافا إلى امكان المناقشة في شمول إطلاق دليل شرطية الطهارة في الصلاة لمثل هذه الحالة.

8 - و اما حرمة تنجيس المساجد

فلم يتأمل فيها إلاّ صاحب المدارك(1)و الحدائق(2). و قد يستدل لها بقوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ‌ لِلطّائِفِينَ‌ وَ الْقائِمِينَ‌ وَ الرُّكَّعِ‌ السُّجُودِ (3)أو: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ‌ نَجَسٌ‌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‌ (4)أو بالحديث النبوي: «جنّبوا مساجدكم النجاسة»(5)أو بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا ان ينظف و يتّخذ مسجدا؟ فقال: نعم إذا القي عليه من التراب ما يواريه فإن ذلك ينظّفه و يطهّره»(6)، أو بموثقة الحلبي:

«نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال: أين نزلتم‌؟ فقلت: نزلنا في دار فلان فقال: ان بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له: إن بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس ان الأرض تطهّر بعضها بعضا»(7).

و الكل كما ترى.

أما الأوّل و الثاني: فلاحتمال إرادة الطهارة و النجاسة المعنويتين.

و اما الثالث فلضعفه سندا بالارسال، و دلالة لاحتمال إرادة


1) مدارك الاحكام 305:2-306.

2) الحدائق الناضرة 294:5.

3) الحج: 26.

4) التوبة: 28.

5) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب أحكام المساجد الحديث 2.

6) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب أحكام المساجد الحديث 1.

7) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب النجاسات الحديث 4.

المساجد على الأرض بمعنى المساجد السبعة.

و اما الرابع فلان عدم جواز اتخاذ الحش مسجدا لعدم التناسب بل كمال المنافاة بينهما لا يلازم عدم جواز تنجيس المسجد بقطرة من البول أو المتنجس به.

و اما الخامس فلاحتمال نظر الرواية إلى تقذّر الرجل الذي يتنافى و شرطية الطهارة في بدن المصلّي.

و عليه فلا دليل واضح من النصوص على حرمة تنجيس المسجد إلاّ التسالم الذي ان تمّ‌ صلح ان يكون مدركا للتنزل إلى الاحتياط‍‌ الوجوبي.

و إذا قيل: لما ذا لا نقرّب دليلة التسالم بانه إن لم يكن مستندا إلى الوجوه المتقدّمة فهو كاشف عن وصول مضمونه من المعصوم عليه السّلام يدا بيد، و ان استند إليها كان داعما لدلالتها لعدم احتمال خطأ جميع الاعلام.

كان الجواب: هذا يتم مع عدم تعدّد المستند و إلاّ احتمل استناد كلّ‌ مجموعة إلى مستند معيّن.

و من الغريب استدلال صاحب الحدائق على الجواز بموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر و هو في الصلاة قال: يمسحه و يمسح يده بالحائط‍‌ أو بالأرض و لا يقطع الصلاة»(1)بدعوى ان اطلاقها يشمل ما إذا كان المكان مسجدا(2).

و وجه الغرابة: ان الموثقة ليست في مقام البيان من هذه الناحية5.


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب النجاسات الحديث 8.

2) الحدائق الناضرة 294:5.

و إلاّ فهل يحتمل شمولها لحالة غصبية الأرض‌؟

9 - و اما وجوب التطهير

فلعدم احتمال كون المحرم خصوص احداث التنجيس بل مدلول التسالم و النصوص - على تقدير تماميتها - أعمّ‌ من ذلك.

10 - و اما حرمة تنجيس المصحف الشريف

فهي واضحة على تقدير استلزامه هتك حرمته، و اما إذا لم يستلزم ذلك فيمكن التمسّك بدليل حرمة مسّ‌ المحدث له بعد ضم الأولوية العرفية.

11 - و اما حرمة تنجيس المشاهد المشرّفة

فلان حرمة تنجيس المساجد ليست تعبّدية بل لحرمتها قطعا، و حيث ان المشاهد لا تقلّ‌ حرمة عن المساجد - لما يستفاد من أدلّة ثواب زيارتها و الصلاة عندها - فيلزم اشتراكها معها في الحكم. هذا ان لم يستوجب التنجيس الهتك و إلاّ فالأمر أوضح.

12 - و اما حرمة تنجيس التربة الحسينية

فلاستلزامه الهتك، و هي تدور مداره.

النجاسة المستثناة في الصلاة
اشارة

يستثنى من عدم جواز الصلاة مع النجاسة دم القروح و الجروح ما دامت لم تبرأ مع فرض المشقة النوعية في إزالته، و الدم الأقلّ‌ من الدرهم سعة إذا لم يكن من نجس العين أو الميتة أو غير المأكول، و ما لا تتمّ‌ الصلاة به وحده، وثوب المربية للصبي الذكر بشرط‍‌ غسله في اليوم مرّة.

و كما يعفى عن دم الجروح فكذا عن القيح و الدواء المصاحب.

و الدم المشكوك في كونه من الجروح معفو عنه. و كذا المشكوك كونه بقدر الدرهم.

و المستند في ذلك:

1 - اما العفو عن دم القروح و الجروح في الصلاة في الجملة

فلم يقع فيه تأمّل من أحد، و انما الاشكال في اعتبار استمرار السيلان في العفو و في اعتبار المشقة النوعية أو الشخصية في التبديل أو التطهير.

و قد ورد في موثقة أبي بصير: «دخلت على ابي جعفر عليه السّلام و هو يصلّي فقال لي قائدي ان في ثوبه دما فلما انصرفت قلت له: ان قائدي أخبرني ان بثوبك دما، فقال لي: ان بي دماميل و لست أغسل ثوبي حتى تبرأ»(1).

و هي تدل على عدم اعتبار دوام السيلان بل البرء. و استفاد البعض من اطلاقها عدم اعتبار المشقة الشخصية. و إذا شكك في الاطلاق المذكور باعتبار ان الرواية تحكي عن قضية شخصية فبالامكان استفادة ذلك من موثقة سماعة: «سألته عن الرجل به الجرح و القرح فلا يستطيع ان يربطه و لا يغسل دمه. قال: يصلّي و لا يغسل ثوبه كل يوم إلاّ مرّة فانه لا يستطيع ان يغسل ثوبه كل ساعة»(2)فانها تدلّ‌ على كفاية المشقّة النوعية و عدم اعتبار المشقّة الشخصية.

و هل يمكن القول بعدم اعتبار المشقة النوعية أيضا؟ كلا لعدم اطلاق في الأخبار يمكن التمسّك به لنفيها، و معه يلزم الرجوع إلى اطلاق دليل مانعية الدم.

2 - و اما العفو عمّا دون الدرهم

فلصحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور:


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب النجاسات الحديث 2.

«قلت لأبي عبد اللّه: الرجل يكون في ثوبه نقط‍‌ الدم لا يعلم به ثمّ‌ يعلم فينسى ان يغسله فيصلّي ثم يذكر بعد ما صلّى أ يعيد صلاته‌؟ قال:

يغسله و لا يعيد صلاته إلاّ ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلاة»(1)و غيرها.

3 - و اما اعتبار ان لا يكون من نجس العين

فلان دليل العفو ناظر الى العفو من جهة النجاسة الدموية لا أكثر، و معه يلزم الرجوع في دم نجس العين إلى إطلاق مانعية الدم.

4 - و اما اعتبار ان لا يكون من الميتة

فللنكتة نفسها في نجس العين.

5 - و اما اعتبار ان لا يكون من غير المأكول

فلان كون الشيء من أجزاء مالا يؤكل لحمه مانع مستقل بنفسه - لموثقة ابن بكير: «و ان كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرّم عليك أكله فالصلاة في كلّ‌ شيء منه فاسد ذكاه الذابح أو لم يذكه»(2)- في مقابل النجاسة الدموية، و قد ذكرنا ان دليل العفو عمّا دون الدرهم ناظر الى نفي المانعية من جهة النجاسة الدموية لا أكثر.

ثم انه مع التنزل و تسليم الإطلاق في دليل العفو عمّا دون الدرهم فسوف تقع المعارضة بينه و بين إطلاق دليل مانعية اجزاء ما لا يؤكل لحمه بنحو العموم من وجه، و مادة الاجتماع التي تقع فيها المعارضة هي دم ما لا يؤكل لحمه دون الدرهم، و معه اما ان يقدم الثاني لأنّ‌ دلالته أقوى باعتبار انها بالعموم بواسطة أداة «كل» بخلاف الثاني فإنّ‌


1) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

دلالته بالإطلاق أو لأنهما يتساقطان و يرجع إلى إطلاق دليل مانعية الدم.

6 - و اما العفو عمّا لا تتمّ‌ الصلاة به

فللقصور في دليل المانعية لكون موضوعه الثوب. و على تقدير تماميته يمكن التمسّك بموثق زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «كلّ‌ ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء مثل القلنسوة و التكة و الجورب»(1).

7 - و اما العفو عن ثوب المربية للصبي

فهو المشهور بل كاد يكون إجماعا. و تدل عليه رواية أبي حفص عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن امرأة ليس لها إلاّ قميص واحد و لها مولود فيبول عليها كيف تصنع‌؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرّة»(2)لكنها ضعيفة سندا من جهات متعدّدة.

إلاّ ان يقال: ان تسالم الأصحاب على الحكم المذكور ان لم يكن مستندا الى الرواية المذكورة فهو كاشف عن وصوله يدا بيد من المعصوم عليه السّلام و ان كان مستندا إليها فهو ممّا يوجب الوثوق بصدورها.

بيد ان هذا يتم لو لم نحتمل التعدّد في جهة عملهم بالرواية و إلاّ لم يحصل الوثوق من عملهم، و في المقام نحتمل ان بعضا عمل بها لكونه بانيا على حجية كل ما في الكتب الأربعة، و بعضا آخر عمل بها لكونه بانيا على وثاقة رجال سندها، و بعضا ثالثا عمل بها لكون مضمونها موافقا للشهرة، و هكذا.

8 - و اما التقييد بالذكر

فلانه مركز الرواية و لو احتمالا. و القطع


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب النجاسات الحديث 1.

بعدم الخصوصية عهدته على مدّعيه.

9 - و اما العفو عن القيح و الدواء

فلأنهما مصاحبان غالبا لموضع الجرح فالعفو عن دمه يدل بالالتزام على العفو عنه و إلاّ يلزم التخصيص بالنادر و هو مستهجن.

10 - و اما المشكوك في كونه من الجروح

فحيث لا يمكن التمسّك باستصحاب العدم النعتي لعدم الحالة السابقة المتيقنة و لا بإطلاق دليل مانعية الدم لأنه تمسّك به في الشبهة المصداقية فيتعين الرجوع إلى البراءة عن تقيد الصلاة بعدمه لأنّ‌ المانعية انحلالية بعدد أفراد الدم الذي يكون من غير الجروح، و الشك في فردية فرد شك في ثبوت مانعية جديدة فتجري البراءة منها.

أجل بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية يمكن استصحاب عدم كونه من الجروح الثابت قبل وجوده و يتنقح بذلك موضوع دليل مانعية الدم و يتمسّك بإطلاقه.

11 - و اما العفو عن المشكوك في كونه بقدر الدرهم

فلاستصحاب العدم النعتي لأنّ‌ الدم حينما يخرج من البدن يخرج تدريجا. و بقطع النظر عن ذلك يمكن استصحاب العدم الأزلي لوصف كونه بقدر الدرهم - بناء على جريانه - و بقطع النظر عنه حيث لا يمكن التمسك بعموم مانعية الدم لكونه تمسّكا به في الشبهة المصداقية فيتعيّن التمسّك بالبراءة من المانعية بالبيان المتقدّم.

7 - المطهّرات

اشارة

يطهر المتنجس بأحد الامور التالية:

1 - الماء
اشارة

و هو مطهّر لكل متنجس بما في ذلك الماء المتنجس. أجل لا يطهر به المضاف ما دام مضافا.

و اعتبر المشهور في حصول الطهارة به انفصال ماء الغسالة بالمقدار المتعارف بعصر و نحوه.

و يلزم في تطهير الأواني إذا تنجست بولوغ الكلب الغسل بالقليل ثلاثا أولاهن بالتراب، و بالكثير مرّة واحدة بعد الغسل بالتراب.

و إذا تنجّست بشرب الخنزير أو بموت الجرذ فيها طهرت بالغسل سبعا بلا فرق بين القليل و الكثير.

و في غير ذلك تطهر بالغسل ثلاثا بالقليل و مرّة بالكثير إلاّ في أواني الخمر فتحتاج إلى الثلاث حتى في الكثير.

هذا في الأواني.

و اما غيرها فالبدن إذا تنجس بالبول يطهر بغسله في القليل مرّتين و في الكثير مرّة، و الثياب إذا تنجّست بالبول تطهر بغسلها مرّتين في غير الجاري و فيه مرّة.

و اما بقيّة الأجسام إذا تنجست بالبول فالمشهور لزوم غسلها مرّتين في القليل أيضا.

هذا في التنجس بالبول و في غيره تكفي المرّة مطلقا.

و المشهور في ماء المطر ان مجرّد اصابته للمتنجس توجب طهارته بلا حاجة إلى عصر أو تعدّد.

و في طهارة ماء الغسالة و نجاسته أقوال.

و المستند في ذلك:

1 - اما مطهرية الماء في الجملة

فمن الامور البديهية التي يقتضيها ارتكاز المتشرّعة المتوارث يدا بيد عن المعصوم عليه السّلام.

و يمكن الاستدلال أيضا بقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ‌ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (1)بناء على إرادة المطهرية الاعتبارية الشرعية - لا كونه طاهرا في نفسه أو كونه مطهّرا طهارة عرفية من الاقذار العرفية - و ضم إحدى مقدّمتين: عدم القول بالفصل أو نشوء جميع المياه من المطر.

و بصحيح داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون»(2).

كما يمكن التمسّك بأوامر الغسل الواردة في مثل الثوب و البدن و نحوهما.

2 - و اما مطهريّته لكل متنجس

فمتسالم عليها إلاّ في مثل المضاف.

و يمكن التمسّك لها: اما بما دلّ‌ على مطهريّته في بعض الموارد


1) الفرقان: 48.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 4.

الخاصّة كالثوب و البدن بعد إلغاء خصوصية المورد أو بموثقة عمار الواردة في من رأى فأرة متسلخة في إنائه الذي توضأ أو غسل ثيابه به و انه: «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء»(1)، فان مقتضى العموم فيها مطهرية الماء لكل متنجس من غير السوائل بذلك.

3 - و اما مطهريته للماء المتنجس

فلعموم التعليل في صحيحة ابن بزيغ عن الرضا عليه السّلام: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ ان يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ‌ له مادة»(2)، فإذا اتصل القليل المتنجس بالكر كفى في حصول الطهارة له.

4 - و اما عدم تطهيره للمضاف

فلم يخالفه - إلاّ العلامة - للقصور في المقتضي فان التعدي لا وجه له بعد احتمال الخصوصية. و موثقة عمّار لا يمكن التمسّك بها لعدم صدق الغسل.

أجل تطهيره له من باب الاستهلاك و السالبة بانتفاء الموضوع أمر على مقتضى القاعدة.

5 - و اما اعتبار انفصال الغسالة

فقد يستدل له بعدم صدق الغسل إلاّ بذلك فمن صبّ‌ الماء على يده المتنجسة و بقي متجمّعا وسطها لا يصدق انه غسلها.

و مع التنزل و الشك في اعتباره عرفا في مفهومه فالاستصحاب يقتضي بقاء النجاسة و عدم ارتفاعها إلاّ به بناء على جريانه في الأحكام الكلية.

و ينبغي الالتفات الى انه على تقدير اعتبار العصر فهو معتبر


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 12.

كمقدّمة لانفصال الغسالة لا بما هو هو، فلو أمكن تحقّق الانفصال بغيره كفى.

6 - و اما ان حكم الاناء الذي ولغ فيه الكلب ما تقدم

فلصحيحة البقباق عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث سأله فيه عن الكلب فقال: «رجس نجس لا يتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثم بالماء (مرّتين)»(1). بناء على وجود كلمة «مرّتين» حسب نقل المحقّق في المعتبر(2). و اما بناء على عدم وجودها فإطلاقها و ان اقتضى كفاية المرّة إلاّ ان موثقة عمّار الآتية دلّت على ان الاناء المتنجس بأي نجاسة يجب غسله ثلاث مرّات، و لا يحتمل ان الولوغ أضعف نجاسة من غيره.

و بذلك تصبح الموثقة مقيّدة للصحيحة، و في الوقت نفسه تصير الصحيحة مقيّدة للموثقة من ناحية لزوم التعفير في خصوص ولوغ الكلب. و هذا يعني ان كل واحدة تصبح مقيّدة للأخرى من جهة.

7 - و اما اختصاص ما ذكر بالقليل

فلان الموثقة - المقيّدة للصحيحة - الدالّة على اعتبار التعدّد مختصة بالقليل كما يظهر بأدنى تأمّل، فيبقى إطلاق الصحيحة على حاله في غير القليل.

8 - و اما وجوب الغسل سبعا في شرب الخنزير

فلصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به‌؟ قال: يغسل سبع مرّات»(3). و اطلاقها يعمّ‌ الغسل بالكثير.

9 - و اما وجوب الغسل سبعا بموت الجرذ

فلموثّق عمار


1) وسائل الشيعة الباب 70 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) المعتبر في شرح المختصر 458:1.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأسآر الحديث 2.

الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرّات»(1)و اطلاقها يعمّ‌ الغسل بالكثير أيضا.

10 - و اما وجوب التطهير ثلاثا بالقليل في غير ذلك

فلموثق عمّار الساباطي المتقدّم، فقد ورد فيه: «سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل‌؟ و كم مرّة يغسل‌؟ قال: يغسل ثلاث مرّات يصبّ‌ فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ثم يصبّ‌ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ثمّ‌ يصبّ‌ فيه ماء آخر فيحرك فيه ثمّ‌ يفرغ منه و قد طهر...»(2).

11 - و اما الاكتفاء بالمرّة في الغسل بالكثير

فلإطلاق دليل مطهرية الغسل - المتمثل في مثل موثق عمّار نفسه حيث ورد في بعض فقراته السؤال عمّن رأى فأرة متسلخة في انائه فأجاب عليه السّلام: «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء»(3)- الذي يقتصر في تقييده على مورد الموثقة و هو الغسل بالقليل.

12 - و اما استثناء أواني الخمر

فلإطلاق موثقة عمّار المتقدّمة:

«و قال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرّات»(4).

13 - و اما وجوب غسل البدن عند تنجّسه بالبول مرّتين في القليل

و واحدة في الكثير

فلصحيحة أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ‌ عليه الماء مرّتين»(5)


1) وسائل الشيعة الباب 53 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 53 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب النجاسات الحديث 1.

5) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب النجاسات الحديث 3.

و غيرها، فان التعبير بالصبّ‌ يختص بالقليل، و يبقى الغسل بالكثير و حالة التنجس بغير البول مشمولين لإطلاق دليل مطهرية الغسل فتكفي المرّة.

14 - و اما حكم الثياب

فيدل عليه صحيح محمّد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله في المركن مرّتين فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة»(1)، فانه يدلّ‌ على الاكتفاء بالمرّة في خصوص الجاري و لزوم التعدّد في غيره. كما انه يختص بحالة تنجّس الثياب بالبول و تبقى حالة التنجّس بغيره مشمولة لإطلاق دليل مطهرية الغسل.

هذا و قد قيل بان تخصيص المرّتين بالمركن يدل على كفاية المرّة في غيره من أقسام الكثير من دون خصوصية للجاري و انما خصص بالذكر من باب المثال. و بناء عليه تثبت كفاية المرّة في مطلق الكثير.

15 - و اما لزوم المرّتين

لدى المشهور في القليل في بقيّة الأجسام إذا تنجست بالبول فللتعدي من البدن و الثوب إلى غيرهما و عدم فهم الخصوصية، إلاّ ان عهدة التعدي و فهم عدم الخصوصيّة على مدعيها.

16 - و اما كفاية المرّة في التنجس بغير البول

فلإطلاق دليل مطهرية الغسل بعد عدم المقيد.

17 - و اما الحكم بكفاية اصابة ماء المطر بلا حاجة إلى عصر أو

تعدّد

فمشهور لم تعرف فيه نسبة الخلاف للمتقدّمين. و تدلّ‌ عليه


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب النجاسات الحديث 1.

مرسلة الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... كلّ‌ شيء يراه ماء المطر فقد طهر»(1). بناء على تمامية كبرى الانجبار.

و إذا قيل: ان النسبة بينها و بين ما دل على اعتبار التعدّد هي العموم من وجه - لأنّ‌ المرسلة تدلّ‌ على كفاية الرؤية حتى فيما يحتاج تطهيره إلى تعدّد و الآخر يدل على اعتبار التعدّد حتى إذا كان الغسل بالمطر - فلما ذا تقديم المرسلة.

كان الجواب: ان تقديم الآخر يلزم منه إلغاء خصوصية ماء المطر، و كلّما دار الأمر بين دليلين يلزم من تقديم أحدهما إلغاء خصوصية الآخر بخلاف تقديم الآخر قدم الآخر.

18 - و اما ماء الغسالة

ففيه مشكلة صارت منشأ لتعدّد الأقوال فيه.

و حاصل المشكلة: ان الماء القليل حينما يغسل به الثوب المتنجّس اما ان يلتزم ببقائه على الطهارة مع ملاقاته للنجاسة، و هذا خلف قاعدة تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة، أو يلتزم بنجاسته من حين إصابته للثوب، و هو بعيد إذ النجس كيف يطهّر و هل فاقد الشيء يعطيه، أو يلتزم ببقائه على الطهارة و بعد انفصاله عن الثوب يتنجّس و هو بعيد أيضا إذ مع طهارته كيف يتنجّس بالانفصال و هل الانفصال من أسباب التنجّس.

و لأجل هذا قيل بطهارته مطلقا، و قيل بنجاسته كذلك، و قيل بالتفصيل بين الغسلة المزيلة و غيرها، فيكون في الاولى نجسا بخلافه


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الماء المطلق الحديث 5.

في الثانية، و قيل بطهارته في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل و نجاسته في غيرها.

و قد يستدل على طهارته المطلقة: بأنّ‌ مدرك تنجس القليل بالملاقاة إذا كان مفهوم قوله عليه السّلام: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء»(1). فهو لا يدلّ‌ على التنجس بكل ملاقاة بما في ذلك الحاصلة بالغسل فان المنطوق في القضية المذكورة ما دام سالبة كلية فبالمفهوم يثبت ارتفاع ذلك السلب الكلي لأنّ‌ نقيض السلب الكلّي هو الإيجاب الجزئي دون الايجاب الكلّي.

و تحقيق الحال أوسع من ذلك يحتاج إلى مستوى أعلى من البحث.

2 - الأرض
اشارة

الأرض تطهر باطن القدم و مثل الحذاء و أطرافهما بالمقدار المتعارف بالمشي عليها أو بالمسح بها بشرط‍‌ زوال عين النجاسة بهما.

و إذا تحقّق المشي عند ظلمة الجو و شك في كون الممشي عليه أرضا أو لا لم يحكم بالطهارة.

و المستند في ذلك:

1 - اما كون الأرض مطهرة لباطن القدم و مثل الحذاء

فلم ينقل فيه الخلاف إلاّ عن الخلاف(2)

الخلاف 66:1 المسألة 185.

. و يدل عليه صحيح الحلبي: «نزلنا في مكان

1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

2) فان فيه عبارة قد توحي بذلك حيث ورد فيه: «إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا... دليلنا: ان بيّنا فيما تقدّم ان ما لا تتمّ‌ الصلاة فيه بانفراده جازت الصلاة فيه و ان كانت فيه نجاسة، و الخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده».

بيننا و بين المسجد زقاق قذر فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام، فقال أين نزلتم‌؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: ان بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له: ان بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس ان الأرض تطهّر بعضها بعضا...»(1)و غيره.

و بعموم التعليل يمكن التعدي الى مثل الحذاء.

و السند صحيح فان محمّد بن إسماعيل يمكن توثيقه.

2 - و اما طهارة الأطراف بالمقدار المتعارف

فلإطلاق الصحيح بعد ندرة اصابة الباطن فقط‍‌.

على ان بعض الأحاديث فرضت ان القدم ساخت في العذرة(2)

الخلاف 66:1 المسألة 185.

و لا فصل بين القدم و غيرها.
3 - و اما كفاية المسح بها

فلعموم التعليل المتقدّم.

4 - و اما اشتراط‍‌ زوال عين النجاسة بهما فواضح.

أجل لا يلزم زوالها بهما، بل يكفي زوالها بخرقة ثم المشي أو المسح ما دامت الرطوبة باقية لعدم احتمال الفرق و عموم التعليل، بل قد يقال بعدم اعتبار الرطوبة لعموم التعليل.

5 - و اما عدم الحكم بالطهارة إذا شك في كون الممشي عليه

أرضا

فلعدم إحراز الشرط‍‌، و هو المشي على الأرض أو المسح بها، و قاعدة الطهارة لا تجري للاستصحاب.


1) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب النجاسات الحديث 4.

2) بانفراده جازت الصلاة فيه و ان كانت فيه نجاسة، و الخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده».

3 - الشمس
اشارة

الشمس تطهّر الأرض و كلّ‌ غير منقول كالأشجار و الأبواب بشرط‍‌ ان ييبس المحل استنادا الى الاشراق، و لو بمشاركة الريح في الجملة.

و المستند في ذلك:

1 - اما كون الشمس مطهّرة للأرض

فهو المشهور - و قيل انها توجب جواز السجود و التيمم دون الطهارة - و يدل عليه صحيح زرارة:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلّى فيه، فقال: إذا جففته الشمس فصلّ‌ عليه فهو طاهر»(1)و غيره.

و احتمال إرادة النظافة من الطهارة في زمان الامام الباقر عليه السّلام دون المعنى المصطلح بعيد. و سند ابن بابويه إلى زرارة صحيح في المشيخة.

2 - و اما كونها مطهرة لكل غير منقول

فهو المشهور. و يدل عليه:

أ - إطلاق صحيحة زرارة لغير الأرض من الألواح و الأخشاب المفروشة عليها. و يتعدّى إلى غير المفروشة كالمثبتة في البناء - كالأبواب و غيرها - بعدم القول بالفصل.

ب - رواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السّلام: «يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر»(2). لكنها ضعيفة بالحضرمي و عثمان الا بناء على تمامية كبرى جابرية الشهرة أو الاكتفاء برواية القميين - كأحمد بن محمّد بن عيسى - للرواية. و كلاهما محل تأمّل.


1) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب النجاسات الحديث 5.

ثم ان إطلاق الرواية لما ينقل لا بد من تقييده بالإجماع على عدم تطهيرها لذلك.

3 - و اما اشتراط‍‌ اليبوسة بواسطة الاشراق

فلظاهر صحيحة زرارة.

4 - و اما ان مشاركة الريح غير مضرّة

فلإطلاق ما دل على مطهرية الشمس فانه ناظر الى المتعارف و هو اشتراك الريح مع الاشراق في عملية التجفيف في الجملة.

4 - الاستحالة
اشارة

النجس أو المتنجس إذا استحال إلى جسم آخر يطهر، كالخشب إذا صار رمادا دون مثل الطين إذا تحوّل خزفا.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة ما استحال كالخشب

فلتبدل الموضوع المحكوم عليه بالنجاسة الى موضوع جديد فيشمله دليل طهارته اجتهاديا كان - كما لو استحالت النطفة انسانا حيث قام الدليل على طهارة الانسان - أم فقاهتيا كقاعدة الطهارة، و لا مجال لاستصحاب النجاسة لتبدّل الموضوع عرفا. و منه تعرف المسامحة في عدّ الاستحالة من المطهرات.

2 - و اما عدم طهارة مثل الطين إذا تحوّل خزفا

فلعدم الاستحالة بعد كونهما بنظر العرف موضوعا واحدا و كون الاختلاف في أوصافه.

5 - الانقلاب
اشارة

إذا انقلب الخمر خلاّ طهر، و يطهر بالتبع اناؤه و اشترط‍‌ المشهور عدم ملاقاته نجاسة خارجية.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة الخمر - بناء على نجاسته - بانقلابه خلاّ

فللنصوص المستفيضة، كموثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، فقال: إذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس»(1).

2 - و اما طهارة الاناء تبعا

فلما تقدم نفسه بالدلالة الالتزامية، لعدم امكان تحقق الطهارة و الحلية الفعليتين مع بقاء الاناء على نجاسته.

3 - و اما بقاء النجاسة مع ملاقاته نجاسة خارجية - كالدم أو يد

الكافر و نحو ذلك - قبل الانقلاب

فقد يعلل بان ما دل على الطهارة بالانقلاب ناظر الى النجاسة الخمرية دون النجاسة العارضة.

و قد يجاب بان الخمر إذا لم يقبل التنجس ثانيا، و بقيت نجاسته خمرية فقط‍‌، فلا مانع من شمول الاخبار له - لانحصار النجاسة بالخمرية - و إلا أمكن شمولها له أيضا بإطلاقها فان صنّاع الخمر لا يتحفظون عليه عادة من اصابة النجاسة له.


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 3.

6 - الانتقال
اشارة

إذا صار النجس جزءا من حيوان طاهر طهر، كدم الانسان إذا صار جزءا من البق و نحوه.

و المستند في ذلك:

السيرة و اطلاق ما دل على طهارة أجزاء المنتقل إليه

كموثقة غياث عن جعفر عن أبيه: «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف»(1).

هذا مضافا الى امكان التمسّك بقاعدة الطهارة بناء على عدم وجود عموم يدل على نجاسة كلّ‌ دم.

7 - الإسلام
اشارة

الإسلام مطهر للكافر بجميع أجزائه بل و لثيابه.

و المستند في ذلك:

1 - اما مطهرية الإسلام للكافر

فلزوال موضوع النجاسة، و شمول ما دل على طهارة المسلم له.

2 - و اما كونه مطهرا لجميع أجزائه كالعرق و البصاق

فلان نجاستها كانت تبعا لنجاسة بدنه و قد زالت، و للسيرة و عدم أمرهم عليهم السّلام بتطهير بدنهم مع عدم خلوّه منها غالبا.

3 - و اما مطهريته للثياب أيضا

فللسيرة و عدم أمرهم عليهم السّلام بتطهيرها، لكن القدر المتيقن منها حالة عدم التنجس بنجاسة خارجية.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب النجاسات الحديث 5.

8 - التبعية
اشارة

إذا أسلم الكافر تبعه ولده في الطهارة. و إذا سبى المسلم طفلا تبعه في الطهارة إذا لم يكن معه أحد آبائه. و أواني الخمر - بناء على نجاسته - تطهر بالتبع إذا انقلبت خلاّ. و أواني العصير العنبي - بناء على نجاسته - تطهر بالتبع إذا ذهب ثلثاه. و يد المغسل للميت و السدة التي يغسل عليها و الثياب التي يغسل فيها تتبع الميت في الطهارة.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة الولد باسلام أحد أبويه

فلقاعدة الطهارة بعد قصور دليل نجاسته و هو الاجماع الذي هو دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو ما إذا لم يسلم أحد أبويه.

و اما قاعدة التبعية لأشرف الأبوين فلا يمكن التمسّك بها لأنّ‌ مستندها رواية حفص: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك، فقال: اسلامه اسلام لنفسه و لولده الصغار....»(1)و هي ضعيفة بالقاساني و القاسم بن محمد.

2 - و اما تبعية الأسير غير البالغ للمسلم

فلما تقدم نفسه.

3 - و اما اختصاص التبعية بغير البالغ

فلكون البالغ موضوعا مستقلاّ للنجاسة بعد صدق عنوان اليهودي و نحوه عليه.

4 - و اما اختصاص الحكم بمن لم يكن معه أحد آبائه

فللإجماع


1) وسائل الشيعة الباب 43 من أبواب الجهاد الحديث 1.

على تبعيته له في النجاسة إذا كان معه.

5 - و اما طهارة أواني الخمر إذا انقلبت خلاّ

فلما تقدّم في مطهرية الانقلاب.

6 - و اما طهارة أواني العصير العنبي إذا ذهب ثلثاه

فللسيرة، و ما دلّ‌ على طهارته بذهاب ثلثيه، إذ طهارته مع بقاء الاناء نجسا لغو ظاهر.

7 - و اما طهارة يد المغسل و غيرها

فللسيرة القطعية على عدم تطهيرها بعد التغسيل. أو للإطلاق المقامي، فان سكوت النصوص عن التعرّض لوجوب تطهيرها يدل على طهارتها تبعا لطهارة الميت.

9 - زوال عين النجاسة
اشارة

تطهر بواطن الإنسان و جسد الحيوان بزوال عين النجاسة عنهما بل في تنجسها تأمل.

و هكذا التأمّل في سراية النجاسة إلى الطاهر إذا كانت الملاقاة في الباطن سواء كانا متكونين في الباطن أو كان النجس في الباطن و الطاهر خارجيّا أو بالعكس.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة البواطن

بما ذكر فلانعقاد السيرة القطعية للمتشرّعة على ذلك، فمن تنجس باطن اذنه بخروج الدم لا يغسله بالماء و هكذا من تنجس باطن أنفه أو ما بين أسنانه. و في موثقة عمّار: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يسيل من أنفه الدم هل عليه ان يغسل باطنه

يعني جوف الأنف‌؟ فقال: إنّما عليه ان يغسل ما ظهر منه»(1).

بل في تنجس البواطن تأمّل على ما سيأتي.

2 - و اما طهارة جسد الحيوان

بما ذكر فللسيرة أيضا، حيث لا يتحرز من الهرة و الدجاج و نحوهما مع العلم باصابة الدم و سائر النجاسات لفمها و سائر أعضائها اما حين الولادة أو حين السفاد أو بقية الحالات مع الشك في ورود المطهر بل العلم بعدمه. و إذا فرض وقوع الفأرة في سمن و خروجها حيّة فلا يلزم التحرز منه بالرغم من تنجس موضع بعرها و بولها و هو يدل على ما ذكرناه. و قد ورد في موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... كلّ‌ شيء من الطير يتوضأ ممّا يشرب منه إلاّ ان ترى في منقاره دما...»(2). و هو يدل بوضوح على ما ذكرناه. بل ان روايات طهارة سؤر الفأرة و الهرة و نحوهما تدل على ذلك أيضا.

بل ان في تنجس جسد الحيوان بالملاقاة تأمّلا.

3 - و الوجه في التأمّل قصور مقتضي التنجس عن الشمول لمثل

البواطن و جسد الحيوان.

اما البواطن فالداخلية منها كالمعدة و الأمعاء فواضح إذ الدليل اما الروايات الخاصّة من قبيل «دم أصاب الماء أو الثوب..» فعدم شمولها بيّن لنظرها إلى الملاقاة الخارجيّة، أو موثقة عمّار الواردة في الفأرة المتسلخة في إناء الماء و انه «يغسل كل ما أصابه ذلك الماء»(3)و هي


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب النجاسات الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الأسآر الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

لا تشمل مثل ذلك أيضا.

و اما غير الداخلية - كباطن الأنف و الاذن و الفم - فلان تلك الأدلّة اما منصرفة عنها أو مخصصة بالسيرة المتقدّمة، و إذا سقط‍‌ الدليل عن الحجيّة في مدلوله المطابقي فلا يعود حجّة في مدلوله الالتزامي، و معه يتمسّك بأصالة الطهارة.

و إذا قيل: كيف تكون السيرة مخصصة للعمومات و الحال ان حجّيّتها متوقفة على عدم الردع و هي صالحة لذلك‌؟

كان الجواب: ان عدم الردع نحتاج إليه في سيرة العقلاء دون سيرة المتشرّعة الواصل مضمونها يدا بيد من المعصوم عليه السّلام.

و اما جسد الحيوان فلعدم شمول أوامر الغسل له اما لأنه ليس من شأنه ان يغسل أو للانصراف، و بعد سقوط‍‌ المدلول المطابقي عن الحجّيّة لا يعود المدلول الالتزامي حجّة، و معه يتمسّك بأصالة الطهارة.

4 - و اما التأمّل في السراية في بقية الفروض
اشارة

فقد اتضح ممّا سبق:

اما حالة كون النجس و الطاهر باطنيين معا
• كباطن الأنف الملاقي للدم - فلعدم الدليل على نجاسة الدم في الباطن - إذ الأدلّة ناظرة إلى الدم الخارجي و احتمال الخصوصيّة موجود - أو لعدم الدليل على كون الملاقاة في الباطن مقتضية لذلك.
و اما حالة كون النجس خارجيّا و الطاهر باطنيّا
• كالدم الخارجي إذا أصاب باطن الأنف أو الاذن - فلعدم الدليل على كون الملاقاة في الباطن مقتضية لذلك إذ الأدلّة واردة في الملاقاة الخارجية، و احتمال الخصوصية موجود.
و اما إذا كانت النجاسة باطنية و الملاقي خارجيا
• كالسن الصناعي الملاقي لدم الفم - فلعدم الدليل على نجاسة ما في الباطن أو لعدم الدليل على كون الملاقاة الباطنية موجبة لذلك.
و اما إذا كانا خارجيين و تحققت الملاقاة في الباطن
• كما لو تحققت الملاقاة في الباطن بين اصبع نجسة و اخرى طاهرة - فالظاهر عدم قصور الأدلّة عن شمول مثله.
10 - الغيبة
اشارة

إذا تنجّست ثياب الإنسان أو بعض توابعه حكم عليها بالطهارة إذا غاب و احتمل تطهيره لها فيما إذا لم يكن ممّن لا يبالي بالنجاسة و كان يستعملها فيما يعتبر فيه الطهارة.

و المستند في ذلك:

1 - اما مطهرية الغيبة

لما ذكر فلسيرة المتشرّعة المانعة من جريان الاستصحاب.

2 - و اما اعتبار احتمال التطهير

فواضح للجزم أو الاطمئنان ببقاء النجاسة بدون ذلك.

3 - و اما اعتبار القيدين الأخيرين

فلان السيرة دليل لبّي يقتصر فيه على المتيقن، و هو مورد تواجد القيدين.

بل بالإمكان دعوى الجزم بعدم انعقادها، إذ مستندها ظهور حال المسلم في تجنبه استعمال النجس فيما يشترط‍‌ فيه الطهارة، و هو يختص بحالة تواجد القيدين.

11 - استبراء الجلال
اشارة

يطهر عرق الجلال و لبنه و خرؤه و بوله باستبرائه.

و للشك في حدوث الجلل أو بقائه صور يختلف حكمها.

و المستند في ذلك:

1 - اما طهارة العرق بالاستبراء

فلان صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تأكل اللحوم الجلالة و ان أصابك من عرقها شيء فاغسله»(1)علّق وجوب الغسل على عنوان الجلل فبزواله بالاستبراء يزول أيضا.

2 - و اما طهارة لبنه بما ذكر

فلان صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة»(2)قد علّق الحكم على ذلك فيزول بزواله.

و هذا مبني على استفادة النجاسة من حرمة الشرب كما هو واضح.

3 - و اما طهارة البول و الخرء بذلك

فلان صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(3)قد علّق وجوب الغسل على عنوان «ما لا يؤكل لحمه» فإذا زال بالاستبراء زال هو أيضا، و بعد ضم عدم الفصل بين البول و الخرء يثبت الحكم في الخرء أيضا.

أجل هذا كلّه مبني على ان يكون المقصود من عنوان «ما لا يؤكل


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب النجاسات الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب النجاسات الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب النجاسات الحديث 2.

لحمه» ما كان كذلك و لو بالعارض و عدم اختصاصه بما كان كذلك بالذات، فان استظهر ذلك و إلاّ تمسكنا بأصل الطهارة.

4 - و المراد من الاستبراء منعه من التغذي بالعذرة حتى يزول

عنه الاسم.

و قد حددت بعض الروايات الفترة في الدجاج بثلاثة أيّام و في البط‍‌ بخمسة و في الشاة بعشرة و...(1)إلاّ انها لضعفها السندي لا يمكن الاعتماد عليها و يعود المدار على زوال اسم الجلل عرفا.

5 - و اما حالات الشك في الجلل
اشارة

فهي كالآتي:

الاولى: ان يشك في حدوث الجلل بنحو الشبهة المفهومية.

الثانية: ان يشك في حدوثه بنحو الشبهة الموضوعية.

الثالثة: ان يشك في بقائه بنحو الشبهة المفهومية.

الرابعة: ان يشك في بقائه بنحو الشبهة الموضوعية.

اما الحالة الاولى ان يشك في حدوث الجلل بنحو الشبهة المفهومية

فلا يجري فيها الاستصحاب الموضوعي - لعدم الشك بل الأمر يدور بين اليقين بالبقاء و اليقين بالارتفاع - و لا الاستصحاب الحكمي لعدم الجزم ببقاء الموضوع بل لا بدّ من الرجوع إلى عموم ما دل على حليّة الدجاج مثلا و طهارة بوله و خرئه لان ما دل على نجاستهما من الجلال حيث انه منفصل فيكون المقام من موارد دوران مفهوم المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر فيتمسّك بالعموم لانعقاد ظهور العام فيه و هو حجّة ما لم يزاحم بحجّة أقوى و هي لم تتحقّق إلاّ في الأقلّ‌.

و اما الحالة الثانية أن يشك في حدوثه بنحو الشبهة الموضوعية.

فيتمسّك فيها باستصحاب عدم حدوث الجلل


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرمة.

و لا يجوز فيها التمسّك بالعموم السابق لكونه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية و هو لا يجوز لوجود حجّتين و ادخال المشكوك تحت احداهما بلا مرجّح.

و اما الحالة الثالثة أن يشك في بقائه بنحو الشبهة المفهومية.

فلا يجري فيها الاستصحاب الموضوعي و لا الحكمي لما تقدّم في الحالة الاولى و يتعيّن الرجوع إلى العموم المتقدّم.

و اما الحالة الرابعة أن يشك في بقائه بنحو الشبهة الموضوعية.

فلا يجوز فيها التمسّك بالعموم المتقدّم لكونه تمسّكا به في الشبهة المصداقية و يتعيّن الرجوع الى الاستصحاب، و بذلك يحكم بالنجاسة بخلافه في الحالات الثلاث السابقة فانه يحكم فيها بالطهارة.

12 - خروج الدم من الذبيحة
اشارة

إذا خرج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف حكم على المتخلّف بالطهارة.

و المستند في ذلك:

اما اصالة الطهارة

بناء على عدم وجود عموم يقتضي نجاسة كل دم.

أو سيرة المتشرّعة

على عدم اجتناب ما يتخلّف في الذبيحة من الدم، و إلاّ يلزم عدم جواز أكل اللحم لاتصال بعض قطع الدم به غالبا بنحو لا يمكن إزالتها مهما بالغ الشخص في الغسل.

كتاب الصّلاة

اشارة

1 - الصلاة اليومية 2 - صلاة المسافر 3 - صلاة الجماعة 4 - صلاة الجمعة

الصلاة الواجبة

الواجب من الصلاة: اليومية بما في ذلك الجمعة، و صلاة الطواف، و الصلاة على الميّت، و الآيات، و ما التزم بنذر و نحوه، و قضاء الولد الأكبر ما فات عن والده.

و المستند في ذلك:

اما الضرورة و الروايات الكثيرة كما في اليومية، أو اقتضاء القاعدة كما في الملتزم بنذر و نحوه، أو الروايات الخاصّة المذكورة في محلّها كما في غير ذلك.

1 - الصلاة اليومية

الصلاة اليومية خمس: الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث، و البقية أربع.
اشارة

و في السفر و الخوف تقصر الرباعية الى ركعتين.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان اليومية خمس و عدد ركعاتها ما ذكر

فبالضرورة من الدين. و تدل عليه الروايات أيضا.

2 - و اما قصر الرباعية في السفر

فذلك من ضروريات المذهب الجعفري و تدلّ‌ عليه الروايات أيضا.

3 - و اما قصرها عند الخوف

فمحل اختلاف. و قد نقل في الحدائق(1)أقوالا ثلاثة: قصرها بشرط‍‌ السفر، و قصرها مطلقا، و قصرها في الحضر بشرط‍‌ ادائها جماعة.

و الصحيح وجوب قصرها مطلقا لقوله تعالى: وَ إِذا ضَرَبْتُمْ‌ فِي الْأَرْضِ‌ فَلَيْسَ‌ عَلَيْكُمْ‌ جُناحٌ‌ أَنْ‌ تَقْصُرُوا مِنَ‌ الصَّلاةِ‌ إِنْ‌ خِفْتُمْ‌ أَنْ‌ يَفْتِنَكُمُ‌ الَّذِينَ‌ كَفَرُوا... (2)، فان حمل الضرب على خصوص ما كان بمقدار المسافة بلا وجه. و التقييد به محمول على الغالب من طرو الخوف عند الضرب حيث يجابه العدو.

و يدل على ذلك أيضا ما رواه الصدوق عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «قلت له: صلاة الخوف و صلاة السفر تقصران جميعا؟ قال:

نعم، و صلاة الخوف أحقّ‌ ان تقصر من صلاة السفر، لأنّ‌ فيها خوفا»(3).

و هل عند السفر تقصر ثانية فتصير الثنتان واحدة‌؟ دلّت بعض الروايات على ذلك(4)، إلاّ انه لا قائل بها، و من هنا حملها


1) الحدائق الناضرة 265:11.

2) النساء: 101.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة الحديث 2، 3، 4.

الحرّ على التقيّة(1).

شرائط‍‌ الصلاة
أوقات اليومية
اشارة

وقت الظهرين من الزوال إلى الغروب. و المشهور اختصاص الظهر بأوّله و العصر بآخره. و العشاءين من المغرب إلى نصف الليل. و المشهور اختصاص المغرب و العشاء كذلك. و يمتدّ وقتهما للمضطرّ إلى الفجر الصادق. و وقت الصبح من الفجر إلى طلوع الشمس.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان بداية وقت الظهرين هو الزوال

فقد اتّفق عليه المسلمون، و لم ينسب الخلاف فيه إلاّ إلى ابن عباس و الحسن و الشعبي فجوزوا للمسافر الصلاة قبل الزوال(2). و قد يستشهد له من أحاديثنا بمعتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا صلّيت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرّك»(3)و لكنها لمخالفتها لضرورة الدين لا بد من حملها على بعض المحامل كالنافلة مثلا.

و يدلّ‌ من القرآن الكريم على كون البداية الزوال قوله تعالى: أَقِمِ‌ الصَّلاةَ‌ لِدُلُوكِ‌ الشَّمْسِ‌... (4). و الدلوك هو الزوال.

و من السنّة الشريفة روايات ربّما تتجاوز الثلاثين فيها الصحاح


1) وسائل الشيعة نهاية الباب 1 من أبواب صلاة الخوف و المطاردة.

2) جواهر الكلام 75:7.

3) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب المواقيت الحديث 9.

4) الإسراء: 78.

المتعدّدة كرواية ابن بابويه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان:

المغرب و العشاء الآخرة»(1). و السند في المشيخة صحيح.

و في مقابل ذلك روايات كثيرة تدل على ان الوقت بعد مضي فترة من الزوال اما بمقدار صيرورة الظل الحادث بعد الزوال بمقدار ذراع أو بمقدار قدم أو بغير ذلك.

مثال الأوّل الذي تتجاوز رواياته العشر: رواية الصدوق عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس و وقت العصر ذراعان من وقت الظهر فذاك أربعة أقدام من زوال الشمس. ثم قال: ان حائط‍‌ مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان قامة و كان إذا مضى منه ذراع صلّى الظهر و إذا مضى منه ذراعان صلّى العصر.

ثم قال: أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان‌؟ قلت: لم جعل ذلك‌؟ قال:

لمكان النافلة. لك ان تتنفل من زوال الشمس إلى ان يمضي ذراع، فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت الفريضة و تركت النافلة و إذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة»(2).

و مثال الثاني الذي يبلغ روايتين أو أكثر: صحيحة الأعرج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس‌؟ فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلاّ في السفر أو يوم الجمعة فإن وقتها إذا زالت»(3).7.


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب المواقيت الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب المواقيت الحديث 17.

و يمكن الجواب عن هذه الروايات و غيرها اما بأن الناظر إليها يفهم منها ان الغرض من جعل التأخير أداء النافلة - فمن لم تكن ثابتة في حقّه كالمسافر أو لم يرد اداءها فمن حقّه اداؤها بداية الزوال - أو لوجود الحاكم القاضي بتقدم الاولى و هو ما رواه الشيخ بسنده الى سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن أحمد بن يحيى قال: «كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن عليه السّلام: روي عن آبائك القدم و القدمين(1)و الأربع و القامة و القامتين و ظل مثلك و الذراع و الذراعين فكتب عليه السّلام: لا القدم و لا القدمين إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و بين يديها سبحة(2)و هي ثمان ركعات فان شئت طولت و ان شئت قصرت ثمّ‌ صلّ‌ الظهر فإذا فرغت كان بين الظهر و العصر سبحة و هي ثمان ركعات ان شئت طولت و إن شئت قصرت ثمّ‌ صلّ‌ العصر»(3)فانها ناظرة الى الطائفتين و تقدّم الاولى.

و مع التنزل عن الجوابين المذكورين لا بدّ من طرح الثانية لمخالفتها لصريح القرآن الكريم و ما هو الثابت بين الأصحاب بالضرورة.

2 - و اما ان وقت الظهرين يمتد إلى الغروب

فهو المشهور بين أصحابنا. و تدلّ‌ عليه جملة من الروايات كصحيحة معمر بن يحيى:


1) الظاهر ان المناسب: القدمان بالرفع. و هكذا في القامتين و الذراعين.

2) في مجمع البحرين 369:2: «السّبحة بالضم خرزات يسبّح بها. و السبحة أيضا: التطوع من الذكر و الصلاة و منه قضيت سبحتي».

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب المواقيت الحديث 13.

«سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: وقت العصر إلى غروب الشمس»(1)، و غيرها.

و اختار جماعة منهم صاحب الحدائق(2)ان الامتداد المذكور خاص بذوي الاعذار دون المختار استنادا إلى بعض الروايات كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لكل صلاة وقتان، و أوّل الوقت أفضله، و ليس لأحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلاّ في عذر من غير علّة»(3).

و فيه: ان جملة «أوّل الوقت أفضله» تدل على جواز التأخير و إلاّ لم يكن وجه للتعبير بقوله «أفضله».

و تؤكّد ما ذكرناه روايات الموتور كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: الموتور أهله و ماله من ضيّع صلاة العصر، قلت: و ما الموتور أهله و ماله‌؟ قال: لا يكون له في الجنّة أهل و لا مال يضيّعها فيدعها متعمّدا حتّى تصفرّ الشمس و تغيب»(4)فان كون الجنّة مقرّا لمن يتعمّد في التأخير يدل على جواز التأخير اختيارا.

و لو ضمّت هذه إلى صحيحة ابن سنان لكانت جملة «و ليس لأحد ان يجعل...» واضحة في انه ليس له ذلك و إلاّ كان موتورا.

و من الغريب ما في الحدائق(5)في وجه الجمع بأن الاولى مطلقة6.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب المواقيت الحديث 13.

2) الحدائق الناضرة 89:6.

3) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب المواقيت الحديث 13.

4) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب المواقيت الحديث 10.

5) الحدائق الناضرة 92:6.

فتقيد بالثانية، إذ فيه ان حالة العذر ليست طبيعية، و حمل الإطلاق على مثله بعيد.

3 - و اما اختصاص الظهر بأوّل الوقت و العصر بآخره

فهو المشهور. و ينسب الى الشيخ الصدوق و غيره اختيار عدم الاختصاص، غايته يجب تقديم الظهر لشرطية الترتيب.

و الثمرة تظهر في من صلّى العصر غفلة في أوّله فانه على الأوّل تقع باطلة في حين على الثاني تقع صحيحة لأنها لم تفقد سوى شرط‍‌ الترتيب المختص بحالة الالتفات لقاعدة لا تعاد.

و تظهر أيضا في من صلّى الظهر في الآخر غفلة.

و يمكن الاستدلال للثاني بعدّة روايات منها الروايات الكثيرة الواردة بمضمون: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(1).

و استدل للأوّل بعدّة روايات منها رواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس»(2).

و هي و ان كانت واضحة الدلالة إلاّ انها ضعيفة بالإرسال.

و قد يدفع الضعف بالانجبار بعمل الأصحاب تارة و بان في السند الحسن بن علي بن فضال، و قد ورد في حقّ‌ بني فضال: «خذوا


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب المواقيت.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب المواقيت الحديث 7.

ما رووا و ذروا ما رأوا»(1).

و يرد الاولى ان الاستناد إليها غير ثابت بعد وجود روايات اخرى في الباب. على انه لو ثبت فهو غير نافع ما لم يحصل الاطمئنان بسببه بصدق الرواية.

و يرد الثانية ان مستندها رواية الشيخ في الغيبة بسنده المنتهي الى عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ الجليل الحسين بن روح رحمه اللّه. قال: «سئل الشيخ عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذم و خرجت فيه اللعنة فقيل له:

فكيف نعمل بكتبه و بيوتنا منه ملاء؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات اللّه عليهما و قد سئل عن كتب بني فضال فقالوا كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منه ملاء؟ فقال صلوات اللّه عليه: خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا»(2)إلاّ انها ضعيفة سندا بالكوفي لجهالته و دلالة حيث يراد ان فساد العقيدة لا يحول دون الأخذ بالرواية و ليس المقصود الشهادة بصحّة جميع رواياتهم كما شهد الإمام العسكري عليه السّلام بصحّة جميع ما في كتاب يوم و ليلة ليونس حينما أدخله أبو هاشم الجعفري عليه و أخذ بتصفّحه بقوله: «هذا ديني و دين آبائي و هو الحقّ‌ كلّه»(3).

و عليه فلا وجه لإصرار الشيخ الأعظم في صلاته(4)و غيره على صحّة السند من جهة بني فضال.5.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 13.

2) الغيبة: 239.

3) رجال الكشي رقم: 915.

4) الغيبة للشيخ الطوسي: 25.

و بعد ضعف مستند الأوّل يتعيّن الأخذ بالثاني.

4 - و اما ان بداية صلاة المغرب هو الغروب

فأمر متّفق عليه و انما الاختلاف فيما يتحقّق به الغروب، فالمشهور اعتبر ذهاب الحمرة المشرقية، و غيره اكتفى بالاستتار.

و الأخبار الدالّة على القولين كثيرة و ان كان الدال على الثاني أكثر حيث تبلغ عشرين أو أكثر، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سمعته يقول: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها»(1).

و ما يمكن دعوى دلالته على الأوّل يتجاوز العشر الا انه بين ما هو ضعيف الدلالة أو السند أو ضعيف من كلتا الناحيتين كرواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السّلام: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني من المشرق فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها»(2).

ان الرواية المذكورة ضعيفة سندا بالقاسم و دلالة حيث تدل على ان انعدام الحمرة طريق لاكتشاف تحقق الاستتار من دون دلالة على الحصر. و المنبّه على ذلك الوجدان حيث يقتضي بأن الاستتار يتحقّق قبل انعدام الحمرة، أجل متى ما كانت الحمرة منعدمة فالاستتار متحقّق جزما. و كأن الرواية في صدد بيان طريق ميسّر لتعرّف الاستتار و هو انعدام الحمرة إذ كثيرا ما تحجب الأبنية عن الرؤية.

ثم انه مع التنزل و التسليم بتمامية السند و الدلالة يمكن القول بانها لا تقاوم الروايات السابقة لأنها صريحة في كفاية الاستتار بخلاف هذه


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب المواقيت الحديث 16.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب المواقيت الحديث 1.

فانها ظاهرة في اعتبار زوال الحمرة، و معلوم انه عند تعارض النص و الظاهر يلزم تأويل الظاهر بقرينة النص، و ذلك بالحمل على ارادة الطريقية التكوينية لا حراز تحقق الاستتار أو غير ذلك.

و من الغريب ان يعكس الامر جماعة - كصاحب الوسائل مثلا(1)- و يقولوا بان روايات اعتبار ذهاب الحمرة أوضح دلالة و أبعد عن التأويل.

و إذا قيل: ان غياب القرص لا يراد به معناه العرفي بل الشارع ضمّن المغرب و الغيبوبة معنى شرعيّا لا يتحقّق إلاّ بزوال الحمرة.

كان الجواب: ان الألفاظ‍‌ لا بدّ من حملها على معانيها العرفية و لا ينبغي تحميل المصطلحات الفقهية على الروايات.

و ذكر الشيخ النائيني في المقام ان المورد من موارد المطلق و المقيّد، فان روايات الاستتار تدلّ‌ بإطلاقها على تحقّق المغرب بالاستتار سواء انعدمت الحمرة أم لا في حين ان روايات الحمرة تحدّد المغرب بالاستتار و زيادة، و هي انعدام الحمرة، فيكون ذلك على وزان جاءني الأمير فانه لا يمتنع تقييده بما دلّ‌ على مجيء الأمير مع أتباعه(2).

و فيه: ان كلتا الطائفتين بما انهما واردتان في مقام التحديد فينعقد لكلّ‌ واحدة مفهوم يتحقّق بسببه التباين بينهما فاحداهما تقول:

يتحقّق وقت المغرب بالاستتار سواء انعدمت الحمرة أم لا، و الاخرى تقول: يتحقّق المغرب بالانعدام و لا يكفي الاستتار. و المثال المناسب ما1.


1) وسائل الشيعة 130:3.

2) كتاب الصلاة تقرير بحث الشيخ النائيني للشيخ الآملي 28:1.

لو قيل: متى وقت الدرس فاجيب تارة انه الساعة الاولى و اخرى انه الساعة الثانية فهل يمكن ان يقال بعدم التعارض بينهما و انهما من باب المطلق و المقيّد لأنّ‌ الأوّل يدل على ان الوقت الساعة الاولى سواء انضمّت ساعة ثانية أم لا في حين ان الثاني يدل على اعتبار الانضمام.

و اجيب عن التعارض أيضا بأن روايات الاستتار لموافقتها للعامّة محمولة على التقيّة.

و فيه: ان الحمل على التقية لا معنى له بعد إمكان الجمع الدلالي.

مضافا إلى ان المناسب للتقيّة صدور رواية واحدة أو ثنتين لا عشرين.

و اجيب أيضا بترجيح روايات الحمرة من جهة ان اعتبار انعدام الحمرة كاد يكون من شعارات الشيعة.

و فيه: ان مجرّد الشعارية لا يثبت المطلوب فان الشهادة الثالثة شعار للشيعة و ليست واجبة.

و من هذا كلّه يتّضح أرجحيّة روايات الاستتار و ان كان الاحتياط‍‌ أمرا لا ينبغي تركه.

5 - و قد وقع الاختلاف في نهاية المغرب

فالمشهور انها إلى نصف الليل. و قيل إلى غيبوبة الشفق. و الأوّل هو الوجيه لقوله تعالى:

أَقِمِ‌ الصَّلاةَ‌ لِدُلُوكِ‌ الشَّمْسِ‌ إِلى‌ غَسَقِ‌ اللَّيْلِ‌ (1)الدال على جواز إيقاع الظهرين و المغربين إلى غسق الليل و هو انتصافه على ما في صحيحة زرارة(2)، نعم خرج الظهران بالدليل الخاص حيث يلزم ايقاعهما قبل المغرب و يبقى الباقي مشمولا للإطلاق.


1) الاسراء: 78.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 1.

و تؤيّد ذلك رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلاّ ان هذه قبل هذه»(1).

و اما الروايات المعارضة كموثقة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن وقت المغرب قال: ما بين غروب الشمس الى سقوط‍‌ الشفق»(2)فلمخالفتها لإطلاق الكتاب الكريم لا بدّ من طرحها.

على ان الفترة ما بين الغروب و زوال الشفق قصيرة فلو فرض انحصار الوقت بها لانتشر ذلك و ذاع.

و عليه فالوقت يمتدّ إلى نصف الليل بل للمضطر يمتد إلى الفجر لصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان نام رجل و لم يصل صلاة المغرب و العشاء أو نسي فان استيقظ‍‌ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما...»(3). و لا يبعد كون النوم و النسيان مثالا لمطلق المعذور.

6 - المعروف ان بداية صلاة العشاء ما بعد صلاة المغرب

. و قيل عند سقوط‍‌ الشفق. و الأوّل هو الوجيه لإطلاق آية الغسق و لعدّة روايات كصحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالناس المغرب و العشاء الآخرة قبل الشفق من غير علّة في جماعة و انما فعل ذلك ليتسع الوقت على امّته»(4).


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب المواقيت الحديث 24.

2) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب المواقيت الحديث 14.

3) وسائل الشيعة الباب 62 من أبواب المواقيت الحديث 3.

4) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب المواقيت الحديث 2.

و اما مثل صحيحة الحلبي: «قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام متى تجب العتمة‌؟ قال: إذا غاب الشفق، و الشفق الحمرة...»(1)فمحمولة على الأفضلية فان لم تقبل ذلك تطرح لموافقة الأولى للكتاب الكريم.

7 - المشهور امتداد وقت العشاء إلى نصف الليل

. و عن الشيخ المفيد و الطوسي امتداده إلى ثلثه(2).

و الصحيح الأوّل لإطلاق آية الغسق و لعدّة روايات كصحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لو لا اني أخاف ان أشقّ‌ على أمّتي لأخّرت العتمة إلى ثلث الليل. و أنت في رخصة إلى نصف الليل و هو غسق الليل...»(3). و المعارض مدفوع بما سبق.

8 - و اما اختصاص المغرب بأوّل الوقت و العشاء بآخره

فلمرسلة داود بن فرقد المتقدّمة عند البحث عن الظهرين. و قد عرفت التأمّل فيها.

9 - و اما امتداد العشاءين إلى طلوع الفجر للمضطر

فلصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان نام رجل و لم يصل صلاة المغرب و العشاء أو نسي فان استيقظ‍‌ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما و ان خشي ان تفوته احداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة...»(4)و غيرها.

10 - و اما ان بداية صلاة الصبح طلوع الفجر

فلا خلاف فيه. و يدل عليه قوله تعالى: أَقِمِ‌ الصَّلاةَ‌ لِدُلُوكِ‌ الشَّمْسِ‌ إِلى‌ غَسَقِ‌ اللَّيْلِ‌ وَ قُرْآنَ‌


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) الحدائق الناضرة 193:6.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب المواقيت الحديث 7.

4) وسائل الشيعة الباب 62 من أبواب المواقيت الحديث 3.

اَلْفَجْرِ (1)فان المراد من قرآن الفجر هو صلاة الصبح، و لا وجه لنسبتها إلى الفجر إلاّ كون بدايتها ذلك.

و دلّت عليه الروايات الكثيرة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث: «إذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة»(2).

11 - و اما ان نهايتها طلوع الشمس

فهو المشهور. و قيل إلى طلوع الحمرة المشرقية للمختار و إلى طلوع الشمس لغيره.

و المناسب الأوّل لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس»(3)

و لا تأمّل في سند الرواية إلاّ من ناحية موسى بن بكر، و يمكن إثبات وثاقته من خلال ما رواه الكليني من دفع صفوان كتاب موسى الى ابن سماعة قائلا: «هذا مما ليس فيه اختلاف عند أصحابنا». كتاب الميراث من الكافي 97:7، باب ميراث الولد مع الزوج الحديث 3.

.

و اما مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا و لكنه وقت من شغل أو نسي أو سها أو نام...»(4)فمحمول بقرينة الاولى على بيان الأفضل.

علامات الأوقات
اشارة

و علامة الفجر - أي الصادق - التبين التقديري.

و علامة الزوال زيادة الظلّ‌ أو حدوثه.


1) الاسراء: 78.

2) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب المواقيت الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب المواقيت الحديث 6.

4) وسائل الشيعة باب 26 من أبواب المواقيت الحديث 5.

و منتصف الليل نصف ما بين الغروب إلى طلوع الفجر. و قيل إلى طلوع الشمس.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان المراد من الفجر هو الصادق دون الكاذب

فموضع وفاق بين المسلمين. و تدل عليه روايات متعدّدة شبه فيها الفجر الصادق بالقبطية البيضاء و بنهر سوراء بخلاف الكاذب فانه شبّه بذنب السرحان، ففي صحيحة أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: متى يحرم الطعام و الشراب على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء»(1). و في صحيحة علي بن عطية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الفجر هو الذي إذا رأيته كان معترضا كأنه بياض نهر سوراء»(2)

الفجر الكاذب نور يظهر في السماء صاعدا كالعمود منفصلا عن الافق و سرعان ما ينعدم و تتعقبه ظلمة. و يشبّه بذنب السرحان - الذئب - لان باطن ذنبه ابيض و بجانبيه سوادا.

و الفجر الصادق نور يظهر بعد ذلك منبسطا في عرض الافق كنصف دائرة. و يشبّه بالقبطية البيضاء و بنهر سوراء، فان القبطية - بضم القاف - ثياب رقاق بيض تنسب إلى القبط‍‌ و هم أهل مصر. و سورى موضع ببابل من العراق فيه نهر.

.
2 - و اما ان علامة الفجر هي التبين

فلقوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ‌ لَكُمُ‌ الْخَيْطُ‍‌ الْأَبْيَضُ‌ مِنَ‌ الْخَيْطِ‍‌ الْأَسْوَدِ مِنَ‌ الْفَجْرِ (3).

3 - و اما ان المراد به التقديري دون الفعلي

فلان التبين يؤخذ عرفا


1) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب المواقيت الحديث 2.

3) البقرة: 187.

بنحو الطريقيّة دون الموضوعية فهو طريق لإثبات تحقّق ذلك الوقت الواقعي. و لو كان مأخوذا بنحو الموضوعيّة بحيث يلزم تحققه بالفعل لزم الحكم بعدم تحقق الفجر في حالة وجود الغيم أو غيره من الموانع إلاّ بعد فترة طويلة. كما يلزم ان يكون الفجر في الليلة الواحدة متحققا على تقدير تحقق الخسوف فيها و غير متحقق على تقدير عدمه، و هو بعيد جدا.

و بهذا يتّضح ان ما اختاره الشيخ الهمداني(1)

أقول: في الفرق خفاء، فان نور القمر كنور المصابيح الكهربائية في زماننا، فكما ان الثاني لا يمنع من تحقق البياض فكذا الاول، و مجرد ان احدهما تحت اختيارنا دون الآخر لا يصلح فارقا.

و ان شئت قلت: ان تحقق البياض ناشئ من الموقعية الخاصة للشمس لا من عدم ضوء القمر ليكون - ضوء القمر - مانعا من تحققه و انما دوره المانعية من رؤية البياض كما يمنع نور المصابيح الكهربائية من ذلك.

و بعض الأعلام المتأخّرين من اختلاف الفجر باختلاف كون الليلة مقمرة أو لا موضع تأمّل.

و إذا قيل: إذن كيف يحكم الفقهاء في باب تنجس الماء الكثير بالتغيّر بكون المدار على التغيّر الفعلي.

كان الجواب: ان ظاهر كل عنوان اعتباره بنحو الفعليّة إلاّ إذا دلّت القرائن على الخلاف، و هي ثابتة كما أشرنا إليه.

4 - و اما الزوال فله عدّة علامات منها ما اشير إليه

، فانه كلّما


1) قال في مصباح الفقيه: 25 «مقتضى ظاهر الكتاب و السنّة و كذا فتاوى الأصحاب اعتبار اعتراض الفجر و تبيّنه في الافق بالفعل فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثّر في تأخّر تبين البياض المعترض في الافق. و لا يقاس ذلك بالغيم و نحوه فان ضوء القمر مانع عن تحقّق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر، و الغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقّق».

وضع شاخص عمودي على الأرض يحدث له ظل طويل إلى جانب المغرب بشروق الشمس و يأخذ تدريجا بالنقصان إلى ان تصل الشمس إلى خط‍‌ نصف النهار فينتهي و يأخذ بالزيادة بعد ذلك. و تلك الزيادة دليل على عبور الشمس خط‍‌ نصف النهار الذي به يتحقق الزوال.

هذا إذا لم تصر الشمس مسامتة للشاخص و الا - كما في مكة المكرّمة في بعض أيّام السنة - انعدم.

و هذه العلامة مضافا إلى كونها وجدانية اشير إليها في رواية سماعة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك متى وقت الصلاة فأقبل يلتفت يمينا و شمالا كأنه يطلب شيئا فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت هذا تطلب‌؟ قال: نعم، فأخذ العود فنصبه بحيال الشمس ثمّ‌ قال: ان الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول فإذا زالت زاد فإذا استبنت الزيادة فصلّ‌ الظهر...»(1).

و من العلائم صيرورة الشمس على الحاجب الأيمن لمن واجه نقطة الجنوب حيث يصير خط‍‌ نصف النهار ما بين الحاجبين فإذا مالت إلى الحاجب الأيمن كان ذلك دليلا على انحرافها عن خط‍‌ نصف النهار.

و هي مضافا إلى كونها وجدانية قد اشير إليها في رواية المجالس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن»(2).

5 - و اما ان المدار في منتصف الليل إلى طلوع الفجر و ليس إلى

طلوع الشمس

فللوجدان العرفي - كما لو قيل لشخص جئني في الليل


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب المواقيت الحديث 5.

و جاء قبل طلوع الشمس بربع ساعة فانه لا يعدّ ممتثلا - و صحيحة مرازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «متى اصلّي صلاة الليل‌؟ فقال: صلها آخر الليل»(1)و غيرها ممّا هو بهذا المضمون أو ما يقرب منه.

6 - و اما القول الآخر

فاستدل له بقوله تعالى: أَقِمِ‌ الصَّلاةَ‌ لِدُلُوكِ‌ الشَّمْسِ‌ إِلى‌ غَسَقِ‌ اللَّيْلِ‌ (2). فان الغسق عبارة عن شدّة الظلمة و فسّر في الروايات بمنتصف الليل، و واضح ان شدّة الظلمة تتحقّق في المنتصف بمعنى ما بين الغروب إلى طلوع الشمس و ليس بمعنى المنتصف بين الغروب و الفجر فانه ببزوغ الشمس تتنوّر الأشياء و تبلغ شدّة ذلك حينما تصل الى خط‍‌ نصف النهار ثم يأخذ بالضعف و تظلّم الأشياء بالتدريج إلى ان تصل الشمس خط‍‌ نصف الليل من الجانب الثاني فتبلغ الظلمة أوجها. و بذلك يثبت ان المنتصف عبارة عن النصف من الغروب إلى طلوع الشمس.

و فيه: ان المفروض تفسير الغسق بشدّة الظلمة لا بأشدّها، و معه فلا يتوقّف تطبيق الغسق على نصف الليل على إرادة المنتصف إلى طلوع الشمس.

أحكام خاصة بالوقت
اشارة

لا تجزئ الصلاة إلاّ مع احراز دخول الوقت بعلم أو بيّنة أو اذان الثقة العارف أو اخبار الثقة.

و من أحرز دخوله فصلّى و لم يقع شيء منها فيه وقعت باطلة، و مع وقوع شيء منها فيه فالمشهور صحّتها.


1) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب المواقيت الحديث 6.

2) الاسراء: 78.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة إلى عدم الاجزاء مع عدم الاحراز

فلقاعدة الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني و استصحاب عدم دخول الوقت.

و من الغريب ما اختاره صاحب الحدائق(1)من الاكتفاء بالظن بدخول الوقت استنادا إلى طائفتين من الروايات القابلة للمناقشة فراجع.

2 - و اما كفاية البيّنة في الاحراز

فهي تتمّ‌ بناء على عموم دليل حجيّة البيّنة لمثل المقام.

و المدرك لحجّيّتها أحد أمرين:

الأوّل: التمسّك بما دل على حجّيتها في باب القضاء كقوله صلّى اللّه عليه و آله في صحيحة هشام بن الحكم: «انما أقضي بينكم بالبيّنات و الايمان»(2)فان ذلك و ان كان خاصّا بباب القضاء إلاّ انه يمكن تعدية ذلك إلى المقام بالأولوية فان جعل الحجيّة لبيّنة المدّعي المعارضة دائما للقواعد الموافقة لقول المنكر من قبيل قاعدة اليد و نحوها من الامارات العقلائية يستلزم جعلها للبيّنة في المقام الذي ليس فيه معارض سوى استصحاب عدم دخول الوقت بالأولى.

و نوقش ذلك بعدم القطع بالأولوية بعد احتمال ان تكون حجية البيّنة في باب القضاء لأجل فصل الخصومة الذي لولاه لاختل النظام و ليس لأجل كشفها عن الواقع ليقال بان حجيتها في غير المقام تستلزم


1) الحدائق الناضرة 295:6.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب كيفية الحكم و الدعوى الحديث 1.

حجيتها في المقام لعدم الفرق لو لم يكن المقام أولى بالحجية.

الثاني: رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كلّ‌ شيء هو لك حلال حتّى تعلم انّه حرام بعينه فتدعه... و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(1).

و نوقش الاستدلال بالرواية المذكورة بانها خاصّة بموارد الشكّ‌ في الحل و الحرمة دون مثل المقام. مضافا الى احتمال كون المقصود من البيّنة معناها اللغوي و هو ما يتبين به الأمر لا شهادة العدلين فانه معنى اصطلاحي حادث. على ان مسعدة لم تثبت وثاقته إلاّ بناء على كبرى وثاقة كل من ورد في كامل الزيارة.

و سواء تمّ‌ هذان الوجهان للتعميم أم لا فالبحث المذكور غير مهم بناء على حجيّة خبر الثقة بشكل مطلق.

3 - و اما اذان الثقة

فالمعروف حجيّته لأنه من مصاديق خبر الثقة و لبعض النصوص الخاصّة من قبيل صحيحة ذريح المحاربي: «قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: صلّ‌ الجمعة باذان هؤلاء فانهم أشدّ شيء مواظبة على الوقت»(2).

و ذهب البعض إلى عدم حجّيته لنصوص اخرى من قبيل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام: «في الرجل يسمع الاذان فيصلّي الفجر و لا يدري طلع أم لا غير انه يظن لمكان الاذان انه طلع، قال:

لا يجزيه حتى يعلم انه قد طلع»(3).


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الاذان الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 58 من أبواب المواقيت الحديث 4.

و فيه: ان الرواية المذكورة و ان كانت صحيحة باعتبار ان الحرّ ينقلها من كتاب علي بن جعفر و طريقه إليه صحيح حيث يمر بالشيخ الطوسي الذي له طريق صحيح إليه في الفهرست(1)إلاّ انها مطلقة من حيث كون المؤذن ثقة أو لا فيمكن حملها على غيره خصوصا ان السائل فرض حصول الشك له في دخول الوقت و العادة قاضية بعدمه مع فرض الوثاقة.

4 - و اما خبر الثقة

فحجّيّته في المقام بل في مطلق الموضوعات محل خلاف. و قد ذكر الشيخ النائيني ان آية النبأ قاصرة الدلالة على حجيّة خبر العادل، و المهم هو السنّة و هي خاصة بباب الأحكام، و لو كانت مطلقة يلزم تقييدها برواية مسعدة التي ورد فيها: «و الامور كلّها على هذا حتى يستبين غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(2).

و فيه: ان السيرة العقلائية قد انعقدت على التمسّك بخبر الثقة و لم يثبت الردع الشرعي فتكون ممضاة. و رواية مسعدة لا تصلح للردع لا لعدم ثبوت وثاقة مسعدة - فان احتمال صدق الرواية يستلزم احتمال الردع و هو يكفي لعدم احراز الامضاء - بل لان هذا المقدار من الردع لا يكفي بعد استحكام السيرة و قوّتها فان قوّة الردع لا بدّ و ان تتناسب و قوّة المردوع.

و ممّا يؤكّد حجيّة خبر الثقة في الموضوعات الروايات الخاصّة في الموارد المتفرّقة و التي منها الرواية السابقة و غيرها ممّا دل على حجيّة اذان الثقة.


1) الفهرست: 88.

2) كتاب الصلاة للشيخ الآملي 62:1.

و منها: موثقة سماعة: «سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: ان هذه امرأتي و ليست لي بيّنة. فقال:

ان كان ثقة فلا يقربها و ان كان غير ثقة فلا يقبل منه»(1).

هذا و يمكن أيضا استفادة حجيّة خبر الثقة بشكل مطلق من صحيحة أحمد بن إسحاق حيث ورد فيها عن أبي الحسن عليه السّلام: «العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعني يؤدّيان و ما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما و أطعهما فانهما الثقتان المأمونان»(2).

5 - و اما ان من وقعت تمام صلاته قبل الوقت يعيد

فلعدم تحقّق المأمور به و قاعدة لا تعاد بعد كون الوقت من المستثنى.

6 - و اما ما ذهب إليه المشهور

فيمكن الاستدلال له برواية إسماعيل بن رياح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا صليت و أنت ترى انك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك»(3)إلاّ ان إسماعيل مجهول، و القاعدة تقتضي الإعادة.

القبلة
اشارة

يجب استقبال القبلة في جميع الصلوات الواجبة، و هي المكان الذي فيه الكعبة المشرّفة. و من صلّى إلى غير القبلة خطأ فإن كان انحرافه ما بين المشرق و المغرب صحّت صلاته، و ان كان أكثر أعاد في الوقت دون خارجه.

و المستند في ذلك:


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب المواقيت الحديث 1.

1 - اما وجوب الاستقبال في الصلاة الواجبة

فلتسالم جميع المسلمين عليه بل و قضاء الضرورة. و تدل عليه جملة من النصوص، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا صلاة إلاّ إلى القبلة...»(1)و حديث: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود»(2)، و سند ابن بابويه إلى زرارة في كلا الحديثين صحيح في المشيخة.

2 - و اما النافلة

فمقتضى إطلاق صحيحة زرارة اعتبار القبلة فيها، و لكن دلّت جملة من الروايات على جواز المشي فيها كصحيحة يعقوب بن شعيب: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام... قلت: يصلّي و هو يمشي‌؟ قال: نعم يومي إيماء و ليجعل السجود أخفض من الركوع»(3)فان لازم جواز المشي عرفا سقوط‍‌ شرطية القبلة. و الصحيحة محمولة على النافلة لعدم احتمال إرادة الفريضة منها.

3 - و اما ان القبلة هي المكان المذكور

فهو القول الصحيح في تحديد المقصود من القبلة. و قيل: هي البنية نفسها إلاّ ان ذلك باطل للزوم انعدام القبلة بانهدام البنية و لا تعود بإعادة بنائها. و أيضا يلزم منه بطلان صلاة البلدان الواقعة أعلى أو أخفض من مكة.

بل و في بعض الأخبار إشارة إلى ردّ القول المذكور، ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله رجل قال: صلّيت فوق أبي قبيس العصر فهل يجزي ذلك و الكعبة تحتي‌؟ قال: نعم انها


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب القبلة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب القبلة الحديث 4.

قبلة من موضعها إلى السماء»(1).

و سند الشيخ إلى الطاطري و إن كان ضعيفا في المشيخة(2)بابن كيسبة - و اما ابن عبدون فهو من مشايخ النجاشي المحكوم بوثاقتهم، و ابن الزبير من مشايخ الإجازة - لكنّه صحيح في الفهرست(3).

و لكن يبقى على القول الصحيح و انها المكان الذي فيه البنية بطلان صلاة بعض الصف الطويل فان كل جدار للكعبة المشرّفة إذا كان يساوي 24 ذراعا فلازمه بطلان صلاة الصف بالمقدار الزائد على ما ذكر و تنحصر صحّة الصلاة بمن يخرج من موقفه خط‍‌ مستقيم إلى الكعبة.

و يرده: ان المدار على المواجهة العرفية دون الدقية، و هي تتسع بزيادة البعد، فقبر الامام الحسين عليه السّلام قد لا تصدق مواجهته من قرب إلاّ في حقّ‌ خمسة أشخاص بينما من بعد يمكن ان يواجهه أهل بلد كامل.

و هذا معنى العبارة التي تقول: «جهة المحاذاة مع البعد متسعة» أو «ان الجرم الصغير كلّما ازداد بعدا ازداد محاذاة».

4 - و اما صحة الصلاة لمن لم يزد انحرافه عمّا بين المشرق

و المغرب

• أي كان انحرافه عن القبلة أقل من 90 درجة - فلجملة من النصوص كصحيحة معاوية بن عمّار انه سأل الصادق عليه السّلام: «عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال له: قد مضت صلاته، و ما بين المشرق

1) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب القبلة الحديث 1.

2) مشيخة تهذيب الاحكام: 76.

3) الفهرست: 92.

و المغرب قبلة»(1). و طريق الصدوق إلى معاوية صحيح في المشيخة.

و إذا قلت: كيف لا تجب الإعادة و القبلة من أحد الخمسة المستثناة في حديث لا تعاد.

قلت: من صلّى ما بين المشرق و المغرب فقد صلّى الى القبلة و لم يختل في حقّه شرط‍‌ القبلة و انما هو مختل في من زاد انحرافه عن ذلك و لذا تجب عليه الإعادة.

5 - و اما ان من زاد انحرافه عن ذلك تجب عليه الإعادة دون

القضاء

فلجملة من النصوص كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا صلّيت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنك صليت و أنت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد»(2).

الطهارة

يعتبر في صحّة الصلاة الطهارة من الحدث و الخبث.

و البحث عن ذلك تقدّم في كتاب الطهارة.

ستر العورة
اشارة

لا تصح الصلاة إلاّ مع ستر العورة. و هي في الرجل القضيب و الانثيان و الدبر و في المرأة جميع بدنها إلاّ الوجه - بمقدار ما يبرز عند الخمار - و الكفين إلى الزندين و القدمين إلى الساقين.

و يعتبر في الساتر مضافا إلى طهارته إباحته - على المشهور - و عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه و لا من أجزاء غير المذكى التي تحلّها الحياة.


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب القبلة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب القبلة الحديث 1.

كما يعتبر في حقّ‌ الرجال ان لا يكون من الذهب و الحرير الخالص.

و المشكوك من غير جهة الإباحة تجوز الصلاة فيه.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم الستر في الصلاة

فهو متسالم عليه. و قد جاء في المستمسك(1)ان استفادة الشرطية من النصوص حتى لحالة عدم الناظر غير ممكنة و العمدة هو الإجماع.

هذا و الظاهر امكان ذلك، ففي صحيحة صفوان انه كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأله «عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول و لم يدر أيّهما هو و حضرت الصلاة و خاف فوتها و ليس عنده ماء كيف يصنع‌؟ قال: يصلّي فيهما جميعا»(2)فانه بترك الاستفصال يفهم وجوب الستر و إلاّ كان المناسب الاكتفاء بالصلاة عاريا حالة الأمن من الناظر.

و سند الصدوق و الشيخ إلى صفوان صحيح.

2 - و اما ان العورة في حق الرجل ما ذكر دون ما زاد كالعجان

فيكفي لنفي الزيادة عدم الدليل عليها، و لإثبات المقدار المذكور بعض الروايات كصحيحة زرارة الواردة في الرجل و المرأة اللذين سلبت ثيابهما و أرادا الصلاة: «... و ان كان رجلا وضع يده على سوأته ثمّ‌ يجلسان فيوميان ايماء و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما...»(3).

3 - و اما تحديد عورة المرأة في الصلاة بما ذكر

فهو المعروف


1) مستمسك العروة الوثقى 251:5.

2) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب النجاسات الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 50 من أبواب لباس المصلي الحديث 6.

و ان كان ينسب الى ابن الجنيد ان مقدارها كما في الرجل و الى ابن زهرة و ابي الصلاح و الشيخ انها جميع البدن ما عدا موضع السجود(1).

و المناسب ان يقال: يمكن استفادة وجوب ستر المرأة بدنها في الجملة من روايات الملحفة كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام: «المرأة ليس لها إلاّ ملحفة واحدة كيف تصلّي‌؟ قال: تلتف فيها و تغطي رأسها و تصلي فإن خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك فلا بأس»(2).

و انما الإشكال بلحاظ‍‌ بعض مواضع البدن كالرأس و الشعر و العنق.

اما الرأس فقد ذكرت الصحيحة وجوب تغطيته بيد انه ورد في موثقة ابن بكير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بالمرأة المسلمة الحرّة ان تصلّي و هي مكشوفة الرأس»(3).

الا انه لا بدّ من تأويلها بشكل و آخر لهجران الأصحاب لمضمونها.

و اما الشعر فتدلّ‌ على وجوب ستره الصحيحة المتقدّمة فيما إذا لم يكن طويلا لأنّ‌ تغطية الرأس لا تتحقّق إلاّ بتغطيته، و اما الطويل فلا دليل على وجوب ستره.

و لا يمكن الاستدلال على ذلك بصحيح الفضيل عن أبي جعفر عليه السّلام:5.


1) الحدائق الناضرة 7:7.

2) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب لباس المصلي الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب لباس المصلي الحديث 5.

«صلّت فاطمة عليها السّلام في درع و خمارها على رأسها ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و اذنيها»(1)فان الفعل لا يدل على الوجوب.

و دعوى ان الامام عليه السّلام ليس في صدد نقل قصّة بل بيان حكم شرعي مدفوعة باحتمال ان الحكم الذي يريد عليه السّلام بيانه هو الاستحباب.

و اما العنق فمقتضى صحيحة فضيل المتقدّمة عدم وجوب ستره.

أجل يمكن الاستدلال على ذلك بروايات الخمار و ان المرأة لا بدّ و ان تتخمّر، ففي موثقة ابن أبي يعفور: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: تصلّي المرأة في ثلاثة أثواب: ازار و درع و خمار...»(2)و الخمار - كما هو واضح - يستر العنق بل الصدر كما قال تعالى: وَ لْيَضْرِبْنَ‌ بِخُمُرِهِنَّ‌ عَلى‌ جُيُوبِهِنَّ‌ (3).

و صحيحة فضيل لا تعارض ذلك لا مكان حملها على حالة التعذّر.

4 - و اما استثناء الوجه

فيكفي فيه القصور في المقتضي. و على تقدير تماميته تكفي روايات الخمار لإثبات ذلك.

و اما الكفّان و القدمان فيكفي لا ثبات استثنائهما القصور في المقتضي.

أجل قد يقال بالنسبة الى القدمين بأن المفهوم من ذيل صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة وجوب سترهما حالة التمكن.

و يرده: ان مفهوم ذلك هو الايجاب الجزئي دون الايجاب الكلّي.

5 - و اما المقدار الذي يجوز كشفه من الوجه

فهو ما يبرز عند


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب لباس المصلي الحديث 8.

3) النور: 31.

التخمّر تمسّكا بروايات الخمار.

نعم مقتضى صحيحة فضيل الحاكية لخمار الصديقة الطاهرة عليها السّلام جواز كشف أكثر من ذلك إلاّ ان تحمل على حالة التعذر.

و اما التحديد في القدمين و الكفّين بمقدار الساقين و الزندين فللاتفاق على عدم جواز الكشف أكثر من ذلك.

6 - و اما الاباحة في لباس المصلّي

فلم تدل على اعتبارها رواية.

و اختلف الأعلام في ذلك فقيل بالاعتبار حتى في المحمول و قيل بالتفصيل بين الساتر الفعلي و غيره و قيل بالعدم مطلقا. و في الكافي نسبة ذلك الى الفضل بن شاذان و انه كان يقول: «لو ان رجلا غصب ثوبا أو أخذه و لبسه بغير اذنه فصلّى فيه لكانت صلاته جائزة و كان عاصيا في لبسه ذلك الثوب لأنّ‌ ذلك ليس من شرائط‍‌ الصلاة لأنه منهيّ‌ عن ذلك صلّى أو لم يصل...»(1).

و استدل على الاشتراط‍‌ بما يلي:

أ - ما ذكره جماعة منهم الشيخ النائيني من ان الهوي الى الركوع جزء من الصلاة و حيث انه حركة غصبية للثوب فيكون محرما و من ثمّ‌ باطلا، و بطلان الجزء يستلزم بطلان الكل.

و توجيه جزئية الهوي: ان الركوع يبتدأ من حين الهوي و هو جزء منه و لا يبتدأ من بعد الهوي لان القيام المتعقّب بالركوع - أي الحاصل بعده الركوع - ركن. و عنوان القيام المتعقّب بالركوع لا يتحقّق إذا لم يكن الهوي جزءا من الركوع للزوم حصول فاصل بين القيام و الركوع


1) فروع الكافي 94:6.

باجنبي و المفروض ان الركن الواجب هو القيام المتصل به الركوع، و هكذا الكلام بالنسبة للهوي إلى السجود(1).

و فيه: ان الحركة إلى الركوع و السجود تغاير حركة الثوب فالاولى قائمة ببدن المصلّي و الثانية بالثوب، و مع اختلاف المحل لا تكون واحدة ليقال ان الحركة إلى الركوع و السجود مع افتراض كونها غصبية محرمة تقع باطلة و لا تكون مصداقا للواجب. أجل الحركتان متقارنتان و ليستا متّحدتين.

ب - ان الركوع و السجود علّتان لتحريك الثوب، و حيث ان علّة المحرم محرمة فيلزم حرمتهما و من ثمّ‌ بطلانهما لأنهما عبادة.

و فيه: ان علة الحرام لا تكون محرمة إلاّ إذا كانت علّة تامّة، و الركوع و السجود ليسا كذلك إذ عدم نزع الثوب مقارنا للركوع جزء أيضا لعلّة التحرّك.

و إذا قيل: المفروض عدم تحقّق النزع فيلزم تمامية العلّة.

كان الجواب: إذا كانت العلّة مركبة فالمحرم هو المجموع أو الجزء الأخير. هذا مضافا إلى ان الحرمة على تقدير التسليم بها غيرية و هي لا تمنع من التقرّب.

ج‍‌ - ان التستر حيث انه واجب في الصلاة فلا يجوز ان يكون بالمغصوب لاستحالة ان يكون الحرام مصداقا للواجب.

و فيه: ان التستر ليس واجبا بل الواجب نتيجته و هو الانستار، و لا محذور في كونه واجبا و مقدّمته محرّمة.1.


1) تقريرات الكاظمي لبحث استاذه النائيني في الصلاة 366:1.

على ان التستر ليس واجبا مولويّا بل شرطيّا، و لا محذور في كون المحرم مصداقا للواجب الشرطي.

7 - و اما اعتبار عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه

فلموثقة ابن بكير: «سأل زرارة أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر فأخرج كتابا زعم انه املاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ان الصلاة في وبر كلّ‌ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ‌ شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّى في غيره...»(1).

و دعوى صاحب المدارك ان «الروايات لا تخلو من ضعف في السند أو الدلالة و المسألة محل إشكال»(2)مدفوعة بالموثقة المذكورة. و لعل ما ذكره مبني على رأيه في اشتراط‍‌ العدالة في رواة الرواية.

8 - و اما اعتبار ان لا يكون من أجزاء الميتة

فلموثقة ابن بكير المتقدّمة حيث ورد في ذيلها: «فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره... و كلّ‌ شيء منه جائز إذا علمت انه ذكي» و غيرها.

9 - و اما استثناء ما لا تحلّه الحياة

فلصحيحة الحلبي: «لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، ان الصوف ليس فيه روح»(3)و غيرها. و بعموم التعليل يتعدى إلى غير الصوف.

10 - و اما عدم جواز لبس الذهب للرجال

فلموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلّي فيه لأنه من لباس أهل


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

2) مدارك الأحكام 162:3-163.

3) وسائل الشيعة الباب 68 من أبواب النجاسات الحديث 1.

الجنّة»(1). و بضمّ‌ قاعدة النهي عن العبادة مفسد لها يثبت فساد الصلاة.

و اما وجه اختصاص الحكم بالرجال فمن جهة تخصيص النهي في الموثقة بالرجل.

11 - و اما انه لا يكون من الحرير الخالص

فلمكاتبة محمّد بن عبد الجبّار: «كتبت إلى ابي محمد عليه السّلام أسأله هل يصلّى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج‌؟ فكتب عليه السّلام: لا تحلّ‌ الصلاة في حرير محض»(2).

و اما التخصيص بالرجال فلموثقة سماعة: «لا ينبغي للمرأة ان تلبس الحرير المحض و هي محرمة...»(3)بناء على ان تخصيص المنع بالمرأة حالة احرامها يفهم منه عدم المحذور فيه في غير حالة الاحرام، و لو لا ذلك كان مقتضى اطلاق المكاتبة شمول الحكم للمرأة.

12 - و اما عدم جواز الصلاة في المشكوك إباحته

فلأصالة عدم طيب نفس المالك.

و اما جواز الصلاة في المشكوك من غير جهة الإباحة فلأصالة البراءة من وجوب الصلاة المقيّدة بعدم لبس المشكوك بعد وضوح كون المانعية انحلالية بعدد افراد المانع في الخارج.

مكان المصلّي
اشارة

لا تصح الصلاة في المكان المغصوب إلاّ إذا اذن المالك. و لا في المكان


1) وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب لباس المصلي الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب لباس المصلي الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب لباس المصلي الحديث 4.

المشترك لأحد الشركاء بدون إذن البقيّة.

و يعتبر في مسجد الجبهة زيادة على ما ذكر كونه أرضا أو ممّا انبتته من غير المأكول و الملبوس أو من القرطاس.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار إباحة المكان

فهو المشهور. و نسب الخلاف إلى الفضل بن شاذان.

و على تقدير اعتبارها فهل هي لازمة في جميع أجزاء الصلاة أو في خصوص محل السجود؟ المعروف هو الأوّل. و المناسب هو الثاني.

اما انه لا يعتبر ذلك في غير السجود فلان مثل الركوع هيئة خاصّة بين أجزاء الإنسان و لا يحصل بها تصرّف زائد على أصل الكون في المغصوب، فالشخص يقال له: لا تتواجد في المغصوب و لا يقال له: إذا تواجدت فلا تنحن، و معه فلا يكون محرّما بحرمة زائدة على أصل الكون.

و اما انه يعتبر ذلك في محل السجود فلان السجود نحو من القاء الثقل على الأرض و هو نحو من التصرّف الزائد فيها.

2 - و اما الصحّة مع الاذن

فلتحقّق الإباحة للمأذون.

3 - و اما انه يعتبر إذن جميع الشركاء في المشترك

فلان المالك لما كان هو المجموع - لفرض الاشاعة - فيعتبر إذنه.

4 - و اما انه يعتبر في مسجد الجبهة ما ذكر

فيأتي بيان مستنده عند البحث عن السجود.

مقدّمات الصلاة
اشارة

الاذان و الإقامة

يستحبّ‌ الاذان و الاقامة قبل الصلاة اليومية خصوصا المغرب و الغداة.

و يسقط‍‌ الاذان عزيمة للعصر يوم عرفة إذا جمعت مع الظهر و للعشاء ليلة المزدلفة إذا جمعت مع المغرب.

و يسقطان معا عمّن دخل في الجماعة التي اذن لها و اقيم و عمّن دخل المسجد قبل تفرّق الجماعة و عمّن سمع شخصا آخر يؤذن و يقيم للصلاة.

و فصول الاذان: التكبير أربع ثم الشهادة بالتوحيد ثم الشهادة برسالة النبي صلّى اللّه عليه و آله ثم حيّ‌ على الصلاة ثم حي على الفلاح ثمّ‌ حي على خير العمل ثم اللّه أكبر ثمّ‌ جملة لا إله إلاّ اللّه. كل ذلك مرّتان.

و بالكيفية نفسها الاقامة و جميع فصولها مرّتان إلاّ التهليل آخرها فانه مرّة.

و يزاد فيها بعد الحيعلات قبل التكبير جملة «قد قامت الصلاة» مرّتين.

و تستحب بعد الشهادتين الشهادة الثالثة لعليّ‌ عليه السّلام بالولاية و إمرة المؤمنين من دون ان تكون جزءا منهما.

و المستند في ذلك:

1 - اما استحباب الاذان و الاقامة

فمن المسلّمات. و تدلّ‌ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أذنت و أقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة و إذا أقمت صلّى خلفك صف من الملائكة»(1)و غيرها. و مقتضى إطلاقها الشمول للمرأة و السفر و الفرادى


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الاذان و الإقامة الحديث 3.

و المرض و القضاء أيضا.

هذا و قد قيل بوجوبهما في الجماعة و في الصبح و المغرب استنادا إلى ظهور بعض الروايات الذي لا بدّ من رفع اليد عنها بصراحة صحيحة صفوان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و الاذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل»(1).

هذا مضافا إلى انهما لو كانا واجبين لاشتهر ذلك و شاع لشدّة الابتلاء و لما اختص القول بالوجوب بنادر.

2 - و اما الخصوصيّة للمغرب و الغداة

فلصحيحة صفوان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «و لا بد في الفجر و المغرب من اذان و إقامة في الحضر و السفر لأنه لا يقصّر فيهما في حضر و لا سفر»(2).

3 - و اما سقوط‍‌ الاذان في الموردين

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «السنّة في الاذان يوم عرفة ان يؤذن و يقيم للظهر ثمّ‌ يصلّي ثمّ‌ يقوم فيقيم للعصر بغير اذان. و كذلك المغرب و العشاء بمزدلفة»(3)، و الحكم يختص بحالة الجمع بقرينة التعبير ب‍‌ «ثمّ‌» الدال على الاتصال، كما انه يختص بالموجود في عرفة للتعبير بضمير الغائب دون المخاطب. مضافا الى امكان استفادة ذلك من الذيل.

4 - و اما سقوطهما عن الداخل في جماعة

فللسيرة القطعيّة و صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يدخل المسجد و قد صلّى القوم أ يؤذن و يقيم‌؟ قال: ان كان دخل و لم يتفرّق الصف صلّى


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 1.

باذانهم و إقامتهم»(1)فانها تدل على حكم المقام بالأولوية.

و التخصيص بما إذا اذنت و أقامت لكون ذلك هو القدر المتيقن فيتمسّك في غيره بالإطلاقات.

5 - و اما سقوطهما عن الداخل في المسجد قبل تفرّق الجماعة

فلصحيحة أبي بصير السابقة.

6 - و اما سقوطهما عمّن سمعهما من الغير

فلموثقة عمرو بن خالد عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: كنّا معه فسمع اقامة جار له بالصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلّينا معه بغير اذان و إقامة. قال: و يجزيكم اذان جاركم»(2). و عمرو بن خالد قد وثّقه ابن فضال حسب نقل الكشي(3).

و صدرها و ان دلّ‌ على كفاية سماع الإقامة لسقوطهما إلاّ ان ذيلها قد يفهم منه ان اذان الجار يجزي عن اذانكم إذا سمعتموه.

7 - و اما كيفية الاذان و الاقامة

بما تقدّم فيكفي في إثباتها توارثها خلفا عن سلف على المآذن كل يوم من دون نقل خلاف بين أرباب المذهب في ذلك. أجل يظهر من بعض الروايات(4)اختلاف في ذلك كجعل التكبير في بداية الاذان مرّتين و نحو ذلك. و هي ان لم تقبل التوجيه لا بدّ من طرحها لما ذكر.

و اما التغيير - بتبديل و نحوه - الموجود عند غيرنا فهو طارئ بعد النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله باعترافهم فلا يعتدّ به.


1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 3.

3) اختيار معرفة الرجال 498:3، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

4) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الاذان و الاقامة.

8 - و اما ان الشهادة الثالثة ليست جزءا

فلاتفاق أرباب المذهب على ذلك. قال الشيخ الصدوق: «و المفوضة لعنهم اللّه قد وضعوا أخبارا زادوا بها في الاذان... و في بعض رواياتهم... أشهد ان عليّا ولي اللّه مرّتين... و لا شكّ‌ في ان عليّا ولي اللّه و أمير المؤمنين حقّا و ان محمّدا و آله صلّى عليهم خير البرية لكن ليس ذلك في أصل الأذان... و انما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتنا»(1).

أجل هي لا بقصد الجزئية راجحة و شعار للشيعة، و يكفي لإثبات رجحانها و لو من باب التسامح في أدلّة السنن حديث الاحتجاج عن الامام الصادق عليه السّلام: «... فاذا قال أحدكم لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه فليقل علي أمير المؤمنين»(2).

أجزاء الصلاة
النية
اشارة

و المراد منها قصد عنوان الصلاة مع كون الباعث أمر اللّه سبحانه.

و يعتبر تعيين الصلاة إذا كانت صالحة لوجهين.

و لا تلزم نيّة القضاء و الاداء عند عدم اشتغال الذمّة بالقضاء أو عند تردّد ما اشتغلت به بينهما.

و عند شك المكلف و هو في الصلاة في نيّتها ظهرا أو عصرا ينويها ظهرا ان لم يأت بها - الظهر - قبلا و إلاّ بطلت.


1) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الاذان و الاقامة الحديث 25.

2) الاحتجاج 158:1.

و لا يجوز العدول من صلاة لأخرى إلاّ في الادائيتين المترتبتين مع الدخول في الثانية قبل الاولى فانه يعدل الى الاولى مع التذكر في الاثناء أو بعدها و الا في القضائيتين مع الدخول في اللاحقة و تذكر ان عليه سابقة فانه يعدل لزوما إليها في المرتبتين و جوازا في غيرهما و الا مع الدخول في الحاضرة و تذكر ان عليه فائتة فانه يجوز له العدول إليها.

و المستند في ذلك:

1 - اما انه يعتبر قصد عنوان الصلاة

فلان المركب الاعتباري لا يتحقّق إلاّ بقصده.

2 - و اما انه يلزم كون الباعث أمر اللّه سبحانه

فلان ذلك لازم العبادية المسلمة بالضرورة.

و بذلك يتّضح بطلان العبادة حالة الرياء لفقد النيّة اللازمة، بل هو محرم و مبطل بقطع النظر عن ذلك، ففي صحيحة زرارة و حمران عن أبي جعفر عليه السّلام: «لو ان عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّه و الدار الآخرة و ادخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا»(1)، فان التعبير بالشرك يدل على الحرمة التي لازمها البطلان في العبادات.

3 - و اما اعتبار التعيين في حالة امكان وقوعها على وجهين -

كصلاة الفجر و نافلتها

• فلعدم تحقّق العنوان بدون قصده.

و اما عدم اعتباره في حالة العدم - كنذر نافلتين - فلعدم التعين لهما حتى في علم اللّه سبحانه، بل قصد المعينة غير ممكن.

4 - و اما لزوم قصد الاداء أو القضاء عند الاشتغال بالقضاء


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 11.

فلعدم حصول التعيين بدون ذلك بخلافه لو لم تكن مشتغلة به فلا يلزم ذلك لعدم الموجب له.

و اما عدم لزومه في حالة اشتغالها بصلاة و ترددها بين القضاء و الاداء فلحصول الامتثال بقصد امتثال الأمر المتوجه فعلا.

5 - و اما نيّتها ظهرا للمتردّد و هو في الصلاة إذا لم يأت بها قبلا

فباعتبار ان الواقع لا يخلو من أحد احتمالين فان كان نواها واقعا عصرا فمن اللازم العدول بها إلى الظهر للزوم العدول من اللاحقة الى السابقة لمن لم يأت بها كما سيأتي. و ان كان قد نواها واقعا ظهرا فالأمر أوضح.

و اما الحكم بالبطلان في حالة اداء الظهر فلاحتمال نيّتها ظهرا واقعا، و العدول من السابقة الى اللاحقة غير جائز كما سيأتي.

6 - و اما العدول في الموارد المذكورة

فمقتضى القاعدة عدم جوازه فان الاجزاء السابقة ما دام قد اتي بها بنيّة العصر فوقوعها لغيرها يحتاج إلى دليل، و قد تمّ‌ في الادائيتين المترتبتين عند عدم الاتيان بالسابقة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «... إذا نسيت الظهر حتى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صلّ‌ العصر فانما هي أربع مكان أربع...»(1). و قد رواها الكليني عن حماد بطريقين، و إذا شكك في احدهما بمحمّد بن إسماعيل فيكفي الآخر.

7 - و اما العدول إلى السابقة من القضائيتين

فلكونه مقتضى


1) وسائل الشيعة الباب 63 من أبواب المواقيت الحديث 1.

عموم التعليل في الصحيحة السابقة. و اما كونه لزوما في المرتبتين فلان المستفاد من أدلّة وجوب القضاء ثبوت أحكام الاداء للقضاء. و اما عدم لزومه في غيرهما فلعدم الموجب لذلك.

8 - و اما جوازه في المورد الأخير

فلكونه مقتضى عموم التعليل بل يستفاد ذلك من بعض الفقرات الاخرى للصحيحة المتقدّمة.

و اما عدم وجوب العدول فذلك مبنيّ‌ على عدم وجوب تقديم القضاء.

9 - و اما تخصيص جواز العدول بالموارد المذكورة و عدم جوازه

في غيرها - كالعدول من السابقة إلى اللاحقة لمن تذكر الاتيان بالسابقة

• فللتمسك بمقتضى القاعدة بالبيان المتقدم.
تكبير الاحرام
اشارة

التكبير (اللّه أكبر) ركن تبطل بتركه العمدي و السهوي الصلاة. كما تبطل بزيادته العمدية دون السهوية. و يجب فيه القيام التام. و الأخرس يأتي به على قدر ما يمكنه.

و يستحب حالته رفع اليدين إلى الاذنين أو مقابل الوجه أو الى النحر مستقبلا بباطنهما القبلة.

و يستحب التكبير سبعا عند الشروع.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب التكبير للصلاة

فيكفي لإثباته الضرورة في الإسلام. و تدلّ‌ عليه طوائف مختلفة من الروايات، منها الوارد في ناسي التكبير، كصحيحة زرارة: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل ينسى

تكبيرة الافتتاح، قال: يعيد»(1).

2 - و اما كون الصيغة «اللّه أكبر» و لا تجزي ترجمتها أو مرادفها

أو تغيير هيئتها - بالرغم

من ان الوارد في الروايات اعتبار أصل التكبير دون صيغته الخاصة و مع الشك في تعينها تنتهي النوبة الى أصل البراءة منه - فهو لارتكاز ذلك في أذهان المتشرّعة الذي لا منشأ له سوى وصوله يدا بيد من الشارع المقدّس.

3 - و اما بطلان الصلاة بتركه العمدي

فلكونه مقتضى جزئيته.

4 - و اما بطلانها بتركه السهوي

فلكونه مقتضى القاعدة إذ المركب ينعدم بانعدام جزئه و لو سهوا. و حديث لا تعاد(2)لا يمكن التمسّك به لنفي البطلان لكونه ناظرا إلى من دخل في الصلاة، و التارك للتكبير و لو سهوا لا يكون داخلا في الصلاة.

هذا مضافا إلى دلالة جملة من الروايات على ذلك كالصحيحة المتقدّمة و غيرها.

و إذا قيل: ان صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل نسي ان يكبّر حتى دخل في الصلاة فقال: أ ليس كان من نيّته ان يكبر؟ قلت: نعم، قال: فليمض في صلاته»(3)دلّت على عدم البطلان.

كان الجواب: بعد هجران الأصحاب لمضمونها لا بدّ من توجيهها و لو بحملها على ناسي بقيّة التكبيرات السبع غير الافتتاح، و لو لا ذلك


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 1.

2) و هو قوله عليه السّلام: «لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود...» وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب القراءة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 9.

كان المناسب حمل الاولى على الاستحباب.

5 - و اما البطلان بالزيادة العمدية

فللعموم في صحيحة أبي بصير: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1).

و حديث لا تعاد لا يمكن التمسّك به كحاكم على الصحيحة لعدم كونه ناظرا إلى حالة العمد.

و دعوى ان الصحيحة لا تشمل الزيادة العمدية لندرتها في حياة المؤمن مدفوعة بان الاختصاص بالنادر قبيح دون التعميم له.

6 - و اما عدم البطلان بالزيادة السهوية

فلعموم حديث لا تعاد بناء على شموله لحالة الزيادة أيضا و هو حاكم على صحيحة أبي بصير المتقدّمة.

و دعوى اختصاصه بالنقيصة لعدم تصوّر الزيادة في الطهور و القبلة و الوقت مدفوعة بأن ذلك لا يمنع من عمومه بعد تصورها في الباقي.

7 - و اما اعتبار القيام التام حالته

بمعنى عدم الجلوس حالته فيدل عليه جميع ما دلّ‌ على اعتبار القيام حالة الصلاة للقادر بعد وضوح جزئية التكبير لها. هذا مضافا الى موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«... و كذلك ان وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة و هو قاعد فعليه ان يقطع صلاته...»(2).

و اما اعتباره بمعنى استقامة الصلب و عدم الانحناء فيدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من لم يقم صلبه


1) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب القيام الحديث 1.

فلا صلاة له»(1)و صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل إذا أدرك الإمام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة»(2).

8 - و اما ان الأخرس يأتي بما أمكنه

فلانه بعد عدم احتمال سقوط‍‌ الصلاة عنه يتعيّن عليه الإتيان بالميسور.

أجل في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «تلبية الأخرس و تشهّده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته باصبعه»(3)، و القراءة في الصلاة تشمل التكبير بل ثبوت الحكم فيه أولى منه فيها. و لكن الاشكال في النوفلي حيث لم يوثق إلاّ بناء على أحد طريقين تقدّمت الإشارة إليهما في أبحاث سابقة.

9 - و اما رفع اليدين حالة التكبير بالشكل المتقدّم

فلصحيحة صفوان: «رأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام إذا كبّر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ اذنيه»(4)و صحيحة منصور بن حازم: «رأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفّيه»(5).

و صحيحة معاوية بن عمار: «رأيت أبا عبد اللّه عليه السّلام حين افتتح الصلاة يرفع يديه اسفل من وجهه قليلا»(6). و الجمع بينها يقتضي حملها على


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب القيام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 4.

4) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 1.

5) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 6.

6) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 2.

تأتي الاستحباب بأي واحد من الأشكال الثلاثة.

10 - و اما استحباب التكبير سبعا

فلصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «أدنى ما يجزي من التكبير في التوجه إلى الصلاة تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات و خمس و سبع أفضل»(1).

القيام
اشارة

المعروف بين المتأخّرين ركنية القيام حالة تكبير الاحرام و قبيل الركوع.

و في غير ذلك يكون واجبا غير ركني.

و من لا يتمكّن من القيام يصلّي جالسا، فان لم يتمكّن فمضطجعا على الجانب الأيمن مستقبل القبلة و إلاّ فبما أمكن.

و من قدر على القيام في بعض الصلاة بعّض.

و إذا دار الأمر بين القيام للجزء السابق و اللاحق رجح السابق.

و المستند في ذلك:

1 - اما مقدار ركنية القيام

فقد وقع محلا للاختلاف. و المختار لدى جمع من المتأخرين ركنيته في الحالتين المتقدّمتين لأنه لو نظرنا الى مقتضى القاعدة الأوّلية فالمناسب ركنيته في جميع الحالات لأنّ‌ ذلك مقتضى جزئية كل جزء. و لو ضممنا النظر الى حديث لا تعاد فالمناسب عدم ركنيته مطلقا لعدم كونه أحد الخمسة المستثناة. و الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل و هو مفقود إلاّ في حالة تكبيرة الاحرام لما ورد في موثقة عمّار المتقدّمة: «ان وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتى افتتح الصلاة و هو قاعد فعليه أن يقطع صلاته»(2)و حالة قبيل الركوع


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 9.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب القيام الحديث 1.

لتقوم مفهوم الركوع بالقيام القبلي حيث انه عبارة عن الانحناء الخاص عن قيام و الاخلال به اخلال به.

و دعوى عدم تقوّمه بذلك بدليل تحقّقه من الجالس مدفوعة بأن الجالس حيث ان وظيفته اداء الركوع عن جلوس فلا يكون ركوعه متقوّما بذلك بل بالاستقامة الجلوسية بخلافه في من وظيفته القيام.

2 - و اما الانتقال الى الجلوس عند عدم القدرة على القيام

فينبغي أن يكون من الواضحات بعد عدم سقوط‍‌ الصلاة بحال. و قد دلّت عليه صحيحة جميل: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: ما حدّ المرض الذي يصلّي صاحبه قاعدا؟ فقال: ان الرجل ليوعك و يحرج و لكنه أعلم بنفسه إذا قوي فليقم»(1)و غيرها.

3 - و اما الاضطجاع على الأيمن لمن لا يمكنه الجلوس

فلموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المريض إذا لم يقدر أن يصلّي قاعدا كيف قدر صلّى اما أن يوجه فيومي إيماء. و قال: يوجه كما يوجه الرجل في لحده و ينام على جانبه الأيمن ثم يومي بالصلاة فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فانه له جائز و ليستقبل بوجهه القبلة ثم يومي بالصلاة إيماء»(2). و العدل لكلمة «اما» في الصدر غير مذكور، و من هنا قيل ان روايات عمّار لا تخلو من اضطراب.

ثمّ‌ ان في كلمات الفقهاء ان من لم يتمكن من الاضطجاع على الأيمن يضطجع على الأيسر. و قد يوجّه ذلك بأن موثقة سماعة قالت:


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب القيام الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب القيام الحديث 10.

«سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال: فليصل و هو مضطجع»(1)و هي تدل على لزوم الاضطجاع اما على الأيمن أو الأيسر، و قد خرجنا عن إطلاقها في المتمكن بلزوم الأيمن لأجل موثقة عمار.

و فيه: انه و ان كان وجيها بمقتضى الصناعة إلاّ أن التصريح في موثقة عمّار «فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر» يأباه.

أجل لا بأس بالمصير الى مقالة المشهور من باب الاحتياط‍‌.

4 - و اما الحكم بالتبعيض للقادر على القيام في بعض الصلاة

فينبغي أن يكون من الواضحات. و يمكن استفادته من صحيحة جميل المتقدّمة: «إذا قوي فليقم».

5 - و اما ترجيح الجزء السابق عند الدوران

فلانه بعد قدرته على القيام في الجزء السابق يشمله قوله عليه السّلام في صحيحة جميل: «إذا قوي فليقم». و هذا من دون فرق بين كون القيام الركني هو الأوّل أو الثاني.

و لا نعرف وجها لترجيح القيام الركني - كما اختاره بعض الفقهاء - أو التخيير كما اختاره بعض آخر.

القراءة
تلزم في الأوليتين من الصلاة قراءة الحمد
اشارة

. و في الفريضة - على قول معروف - قراءة سورة كاملة.

و المشهوران البسملة جزء من كل سورة فتجب قراءتها معها إلاّ براءة.

و يجب عند البسملة تعيين السورة.

و المستند في ذلك:


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب القيام الحديث 5.

1 - اما وجوب الفاتحة في الأوليتين

فلارتكاز المتشرعة و التسالم و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته، قال: لا صلاة له إلاّ أن يقرأ بها في جهر أو إخفات»(1)و غيرها.

و اما سيرة المتشرّعة المنعقدة على التزام قراءة الفاتحة فهي لا تدلّ‌ على الوجوب إلاّ إذا رجعت إلى الارتكاز.

ثم ان الصحيحة لا تدل على وجوب ذلك في كلتا الركعتين فلا بد من ضمّ‌ الارتكاز.

2 - و اما وجوبها في النافلة أيضا

فللإطلاق.

3 - و اما قراءة سورة كاملة بعد الحمد

فقد وقع الاختلاف في وجوبها بسبب اختلاف الروايات فقد روى الكليني عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الحميد عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر»(2).

و يمكن أن يقال: هي لا تدل على وجوب قراءة السورة بل ان من أراد قراءتها فليقرأ واحدة بلا زيادة و لا نقيصة. على ان سندها اشتمل على محمّد بن عبد الحميد، و قد قال النجاشي: «محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر. روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى، و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين. له كتاب النوادر...»(3). و من المحتمل رجوع


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2.

3) رجال النجاشي: 239، منشورات مكتبة الداوري.

الضمير في «و كان» الى عبد الحميد لا إلى محمّد، و يكفي الاجمال في عدم ثبوت وثاقته إلاّ أن يستظهر بقرائن رجوعه إليه.

على أن أحمد بن محمد بن يحيى مشترك لم يوثق سوى من هو شيخ للصدوق بناء على كفاية شيخوخة الإجازة.

ثمّ‌ انه مع تمامية الرواية دلالة و سندا تعارضها صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة»(1).

و يتحقّق الجمع بحمل الاولى على الاستحباب. و لا معنى بعد امكانه لحمل الثانية على التقيّة.

و احتمال حمل الثانية على حالة الضرورة و الاستعجال بقرينة صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا»(2)حمل للإطلاق على الفرد النادر و هو مستهجن.

4 - و اما جزئية البسملة

فينبغي أن تكون من المسلّمات بالنسبة إلى الفاتحة. و تدل عليه صحيحة محمّد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم أ هي الفاتحة‌؟ قال: نعم. قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع‌؟ قال: نعم، هي أفضلهن»(3).

و اما جزئيتها من بقيّة السور - عدا براءة - فقد ادعي عليها الاجماع بل ربما عدّ ذلك من المسلّمات، و قد يستدلّ‌ له بصحيحة


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2.

معاوية بن عمّار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إذا قمت للصلاة اقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب‌؟ قال: نعم. قلت: فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم مع السورة‌؟ قال: نعم»(1)، بتقريب ان السؤال عن الاستحباب بعد عدم المعنى له لوضوحه فلا بدّ و ان يكون عن الوجوب، و هو ملازم للجزئية لعدم احتمال إرادة الوجوب النفسي.

و فيه: ان الثابت أصل الوجوب و هو الذي يمكن دعوى الاجماع عليه و كونه من المسلّمات دون الجزئية. و دعوى عدم احتمال إرادة الوجوب النفسي في الصحيحة عهدتها على مدّعيها.

و عليه فالحكم بالجزئية بحيث تترتّب آثارها - التي منها عدّها آية في صلاة الآيات أو لزوم تعيين السورة عند قراءتها - مشكل.

5 - و اما وجوب تعيين السورة عند قراءتها

فهو محل للخلاف.

و قد استدل الشيخ الأعظم - و وافقه جمع من المتأخّرين - على ذلك بأنّ‌ البسملة بعد ما كانت جزءا من كلّ‌ سورة فلا تتحقّق قراءة سورة التوحيد مثلا إلاّ بقراءة جميع آياتها - التي منها البسملة - بعنوان كونها سورة التوحيد و بقصدها(2).

و الاستدلال المذكور مبني - كما ترى - على جزئية البسملة من كل سورة، و قد تقدّم التأمّل فيه.

أحكام القراءة
اشارة

قيل يجب حذف همزة الوصل في الدرج و إثبات همزة القطع. و ترك


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5.

2) مستمسك العروة الوثقى 181:6.

الوقوف بالحركة و الوصل بالسكون. و يجب المد في الواو المضموم ما قبلها و الياء المكسور ما قبلها و الألف المفتوح ما قبلها إذا كان بعدها سكون لازم أو همزة و ان لم تكن ساكنة. و الادغام إذا كان بعد النون الساكنة أو التنوين أحد حروف يرملون. و ادغام لام التعريف إذا دخلت على الشين أو احدى أخواتها و اظهارها مع بقيّة الحروف.

و يجب الجهر بالقراءة على الرجال في الصبح و الأوّليتين من المغرب و العشاء و الاخفات في غير ذلك إلاّ البسملة و صلاة الجمعة بل الظهر يومها فيستحب في الاولى و الأخيرة و يجب في الثانية. و المكلّف بالخيار في غير القراءة.

و مناط‍‌ الجهر و الاخفات الصدق العرفي.

و من جهر في موضع الاخفات أو عكس ناسيا أو جاهلا لم يعد.

و من نسي القراءة حتى ركع مضى.

و المصلّي بالخيار في ثالثة المغرب و أخيرتي الرباعية بين الفاتحة و التسبيح.

و تجب الموالاة العرفية بين حروف الكلمة و كلمات الآية الواحدة و آي السورة الواحدة.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة إلى همزة الوصل و القطع

فيتّضح الحال فيهما بعد الالتفات إلى ان خصوصيّات القراءة على نحوين: خصوصيات للمقروء و خصوصيّات للقراءة. و الاولى يرجع بعضها إلى المادة - كزيادة حرف و نقصانه و تبديله - و بعضها الآخر إلى الصورة كالحركة الخاصة للحرف و تقدّمه و تأخّره.

و الثانية ترتبط‍‌ بالقراءة نفسها كمدّ الحرف و ادغامه.

و الذي يجب مراعاته خصوصيّات المقروء بنحويها لا خصوصيات القراءة إذ الواجب على المكلف قراءة القرآن النازل منه سبحانه و ذلك يتوقّف على ملاحظة خصوصيّات المقروء دون القراءة إذ هي غالبا تجويدية لا دليل على اعتبارها في صحّة القراءة و انّما هي من محسناتها.

أجل إذا فرض أن فقدان بعضها يوجب استهجانها بحيث تنصرف عنها أوامر القراءة كانت مراعاتها لازمة.

و بذلك يتّضح أن حذف همزة الوصل عند الدرج أمر غير لازم إذا أمكن الاتيان بها بدون استهجان.

و دعوى ان الاتيان يعدّ من الغلط‍‌ من غير خلاف بين علماء الأدب مدفوعة بعدم الدليل على حجّيّة اتفاقهم بعد فرض عدم الاستهجان.

نعم بالنسبة إلى همزة القطع يلزم اثباتها لأنها جزء من الكلمة و اسقاطها كإسقاط‍‌ بقيّة الحروف أمر غير جائز.

2 - و اما الوقوف بالسكون و الوصل بالحركة

فقد اتّضح عدم الدليل على لزومه بعد رجوع الخصوصيّة الى القراءة و عدم الاستهجان في المخالفة. أجل لا بأس بالتنزل إلى الاحتياط‍‌ الاستحبابي مراعاة لجانب المشهور.

3 - و اما المد في الموارد المذكورة

فحيث انه من خصوصيات القراءة و لا استهجان في تركه بل انه في نفسه قضيّة غير مألوفة في الكلام العادي فلا تجب مراعاته إلاّ إذا توقف إظهار الحرف عليه، كما في

كلمة «ضالين» حيث لا تظهر الألف أو اللام بدونه.

و اما حديث الخطاف المروي في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن أبي عبد اللّه جميعا عن الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن محمّد بن يوسف التميمي عن محمّد بن جعفر عن أبيه قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: استوصوا بالصنينات خيرا - يعني الخطاف - فانّهنّ‌ آنس طير الناس بالناس. ثم قال: و تدرون ما تقول الصنينية إذا هي مرّت و ترنّمت تقول بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ‌ العالمين حتى قرأ أمّ‌ الكتاب فإذا كان في آخر ترنّمها قالت و لا الضالين مدّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا الضالين»(1)فضعيف سندا من جهات و دلالة لاختصاصه بالضالين و عدم دلالة الفعل على الوجوب.

4 - و اما الادغام في المورد الأوّل

فقد نقل عن ابن الحاجب و الرضي لزومه(2)إلاّ أنّ‌ ذلك لا يصلح للحجيّة بعد عدم لزوم الاستهجان من تركه. أجل ادغام اللام إذا دخلت على الشين و اخواتها لازم لا لتصريح علماء الأدب بذلك بل للاستهجان بدونه.

5 - و اما وجوب الجهر بالقراءة على الرجال فيما ذكر و الاخفات

في غيره

فهو المشهور. و نسب الخلاف الى السيّد المرتضى و ابن الجنيد و صاحب المدارك و الذخيرة فاختاروا الاستحباب(3). و يقع الكلام تارة في أصل الوجوب و اخرى في تعيين موضعه.

أما أصل الوجوب فقد يستدل له تارة بالسيرة المتصلة بزمن


1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الصيد الحديث 4.

2) مستمسك العروة الوثقى 241:6.

3) مستمسك العروة الوثقى 200:6.

المعصوم عليه السّلام على مراعاة الجهر فيما ذكر. و لكن الفعل - كما نعرف - أعم من الوجوب.

و اخرى برواية الفضل بن شاذان عن الامام الرضا عليه السّلام الواردة في بيان علل بعض الأحكام: «ان الصلوات التي يجهر فيها انما هي في أوقات مظلمة فوجب ان يجهر فيها ليعلم المار ان هناك جماعة فان أراد أن يصلّي صلّى... و الصلاتان اللّتان لا يجهر فيهما إنّما هما بالنهار في أوقات مضيئة فهي من جهة الرؤية لا يحتاج فيها الى السماع»(1). لكنها تختص بالجماعة و لا تدل على لزوم الاخفات في صلوات النهار. على ان سند الصدوق الى الفضل محل للتأمّل كما يظهر من مراجعة المشيخة.

و المناسب الاستدلال بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال:

أي ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة. فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه و قد تمّت صلاته»(2).

و سند الصدوق و الشيخ إلى زرارة صحيح. و يكفي صحّة أحدهما.

و الدلالة واضحة.

إلاّ انها قد تعارض بصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام:

«سألته عن الرجل يصلّي من الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر و إن شاء لم يفعل»(3). و لأجلها رفع صاحب المدارك اليد عن ظهور الاولى في الوجوب و حملها على الاستحباب.6.


1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 6.

و ما افيد وجيه لو لم تكن الثانية مضطربة المتن اما بعد اضطرابها - حيث فرض أن الفريضة يجهر فيها و لا معنى لان يسأل بعد ذلك هل عليه أن لا يجهر - فلا بدّ من طرحها أو حملها على غير القراءة كالتشهّد و الاذكار و يكون السؤال عن وجوب أن لا يجهر فيها.

و اما بالنسبة الى تعيين مورد الجهر و الاخفات فلم ترد رواية تامّة الدلالة و السند فيه.

و بالإمكان الاستدلال له بالتلفيق بين صحيح زرارة المتقدّم و سيرة المتشرّعة فان الصحيح يدلّ‌ على لزوم الجهر في بعض أفراد الصلاة و لزوم الاخفات في بعض آخر، و هو و ان كان مجملا من حيث المصداق إلاّ انه بضمّ‌ السيرة القطعيّة يتشخّص ذلك.

6 - و اما عدم وجوب الجهر على المرأة

فلأصل البراءة بعد قصور المقتضي عن اثبات الوجوب لاختصاص صحيح زرارة المتقدّم بالرجل. و قاعدة الاشتراك المستندة إلى الاجماع لا يمكن تطبيقها في مورد عدم تحقّقه. على ان الجهر لو كان واجبا لاشتهر و ذاع لشدّة الابتلاء.

و يؤيّد ذلك خبر علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «و سألته عن النساء هل عليهنّ‌ الجهر بالقراءة في الفريضة‌؟ قال: لا...»(1).

و اما الاستدلال على ذلك بكون صوت المرأة عورة فضعيف لعدم الدليل على ذلك بل الدليل على عدمه لتحدّث الأئمة عليهم السّلام مع النساء على ما يظهر من روايات كثيرة مع عدم الضرورة(2). بل قد يستفاد ذلك من


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 3.

2) ورد في موثّقة أبي بصير: «كنت جالسا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ دخلت عليه أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أ يسرك ان تسمع كلامها؟ فقلت: نعم، قال فاذن لها قال: و اجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فاذا هي امرأة بليغة...». وسائل الشيعة الباب 106 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه الحديث 1.

قوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ‌ لَسْتُنَّ‌ كَأَحَدٍ مِنَ‌ النِّساءِ إِنِ‌ اتَّقَيْتُنَّ‌ فَلا تَخْضَعْنَ‌ بِالْقَوْلِ‌ فَيَطْمَعَ‌ الَّذِي فِي قَلْبِهِ‌ مَرَضٌ‌ وَ قُلْنَ‌ قَوْلاً مَعْرُوفاً (1)و مع التنزّل فلازم ذلك الاختصاص بحالة سماع الرجال. كما ان لازمه الحرمة دون عدم الوجوب.

7 - و اما الجهر بالبسملة

فهو في الجهرية واجب لكونها جزءا من القراءة، و اما في الإخفاتية فالمشهور استحبابه - و قيل بوجوبه - و يدل عليه صحيح صفوان: «صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه السّلام أيّاما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم و أخفى ما سوى ذلك»(2)فان الاحتمالات في جهر الإمام عليه السّلام ثلاثة، و المتعيّن هو الاستحباب إذ الإباحة منفية بالمواظبة أيّاما و الوجوب منفي لكون الفعل أعمّ‌ منه.

و قد يستدلّ‌ على الوجوب برواية سليم بن قيس الهلالي: «خطب أمير المؤمنين فقال:... و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم...»(3)لكنّه ضعيف دلالة لاحتمال النظر الى الصلاة الجهرية في مقابل العامة الذين يخفتون بها، و سندا لا من جهة سليم لإمكان توثيقه بل من جهة الإرسال فيها لبعد رواية إبراهيم بن عثمان الذي


1) الاحزاب: 32.

2) كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أ يسرك ان تسمع كلامها؟ فقلت: نعم، قال فاذن لها قال: و اجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فاذا هي امرأة بليغة...». وسائل الشيعة الباب 106 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الوضوء الحديث 3.

هو من أصحاب الصادق عليه السّلام عنه.

و بهذا يتّضح عدم إمكان الاستدلال للاستحباب بما رواه الشيخ عن الامام العسكري عليه السّلام: «علامات المؤمن خمس... و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم»(1)لضعفه سندا بالإرسال و دلالة لاحتمال النظر الى الصلاة الجهرية.

8 - و اما لزوم الجهر في صلاة الجمعة

فلروايات متعدّدة كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة»(2)و غيره.

9 - و اما الظهر يوم الجمعة

فيظهر من عدّة روايات لزوم الجهر فيها كصحيح الحلبي: «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يصلّي الجمعة أربع ركعات أ يجهر فيها بالقراءة‌؟ قال: نعم»(3)و غيره إلاّ أنّ‌ في مقابلها صحيح جميل: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر فقال: يصنعون كما يصنعون في غير الجمعة في الظهر و لا يجهر الامام فيها بالقراءة انّما يجهر إذا كانت خطبة»(4)و غيره.

و الجمع بينهما يقتضي حمل الاولى على الاستحباب و الثانية على نفي الوجوب لأنها واردة مورد توهّم الوجوب فلا تفيد التحريم.

10 - و اما كون المكلّف بالخيار في غير القراءة

فيكفي لإثباته أصل البراءة بعد عدم الدليل على الإلزام بشيء إلاّ ان النوبة لا تصل إليه


1) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب المزار الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 73 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 8.

بعد وجود الدليل الاجتهادي على التخيير و هو صحيح علي بن يقطين:

«سألت أبا الحسن الماضي عليه السّلام عن الرجل هل يصلح له أن يجهر بالتشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت‌؟ فقال: إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر»(1)و غيره.

11 - و اما ان المناط‍‌ في الجهر و الاخفات على العرف

فلعدم تحديد الشارع لهما المستلزم لإيكالهما إليه. و به يتّضح بطلان تحديد الجهر باسماع الغير أو ظهور جوهر الصوت و الاخفات باسماع النفس أو عدم ظهور جوهر الصوت فان ذلك لا وجه له إلاّ أن يقصد تحديدهما العرفي بذلك.

12 - و اما عدم الاعادة في من جهر موضع الاخفات أو عكس

فلاقتضاء قاعدة لا تعاد لذلك في الناسي بل الجاهل أيضا بناء على عموميّتها له - خلافا للشيخ النائيني - لإطلاق لسان دليلها و هو صحيح زرارة(2). هذا مضافا إلى التصريح بذلك في صحيح زرارة المتقدّم في الرقم 5.

13 - و اما ان نسيان القراءة لا يضرّ بالصلاة

فلإطلاق حديث لا تعاد لذلك بل صريحه، و اما التحديد بالركوع فلان التذكر قبله تذكر في المحل فيلزم الاتيان بها. و الحكم المذكور منصوص عليه في أحاديث اخرى فراجع(3).

14 - و اما التخيير في غير الأوليتين

فلموثق علي بن حنظلة عن


1) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب القنوت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 27، 28، 29، من أبواب القراءة في الصلاة.

أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال:

ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و ان شئت فاذكر اللّه فهو سواء. قال: قلت فأي ذلك أفضل‌؟ فقال: هما و اللّه سواء إن شئت سبحت و إن شئت قرأت»(1)و غيره. و لا إشكال في السند الا من ناحية ابن حنظلة لعدم توثيقه.

و قد يدفع ذلك تارة بورود ابن فضال في السند الذي قيل عن روايات عائلته: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا»(2)أو بورود ابن بكير الذي هو من أصحاب الاجماع.

إلاّ ان كلا الطريقين قابل للمناقشة.

اما الأوّل فلما تقدّم عند البحث عن وقت الظهرين.

و اما الثاني فلاحتمال كون المراد من الاجماع صحّة الرواية من ناحية أصحاب الإجماع أنفسهم لا أكثر.

هذا و يمكن التغلب على المشكلة بتوثيق ابن حنظلة نفسه استنادا الى ما رواه الصفار بسند صحيح عن عبد الأعلى بن أعين من ان الامام الصادق عليه السّلام خاطبه بقوله: «لا تقل هكذا يا أبا الحسن فانك رجل ورع»(3).

و عليه فالموثق حجّة و يدل على التخيير. إلاّ انه توجد في المقام طائفتان متعارضتان من الروايات.

احداهما صحيحة معاوية بن عمّار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن8.


1) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 13.

3) بصائر الدرجات: 328.

القراءة خلف الامام في الاخيرتين فقال: الامام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبّح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبّح»(1).

و ثانيتهما: صحيحة سالم بن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين و على الذين خلفك أن يقولوا سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر و هم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرءوا فاتحة الكتاب و على الامام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين»(2).

و قد يجمع بينهما بحمل الأمر في الاولى على الاستحباب بقرينة الثانية أو يحمل الأمر في كلّ‌ منهما على التخيير بقرينة الاخرى و لكنهما كما ترى.

و المناسب الحكم باستقرار التعارض بينهما و التساقط‍‌ و الرجوع الى موثق ابن حنظلة لأنه بمنزلة المطلق الفوقاني. و على تقدير ضعف سنده يرجع إلى البراءة من خصوصيّة التعيين و النتيجة واحدة.

15 - و اما اعتبار الموالاة العرفية

فلتوقف صدق عنوان السورة أو الآية أو الكلمة على ذلك عرفا.

الركوع
و هو واجب في كل ركعة مرّة عدا صلاة الآيات. كما انه ركن تبطل الصلاة
اشارة

بزيادته و نقيصته عمدا و سهوا عدا صلاة الجماعة.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب الركوع في الصلاة

فهو من ضروريات الدين


1) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 13.

و مورد تسالم المسلمين. و تدل عليه روايات كثيرة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود»(1)و غيرها.

2 - و اما انه مرّة في كل ركعة

فهو من ضروريات الدين أيضا.

و يمكن استفادته من الروايات المبيّنة لكيفية الصلاة(2)و غيرها.

3 - و اما استثناء صلاة الآيات

فللروايات الكثيرة الواردة في بيان كيفيتها(3).

4 - و اما انه ركن تبطل الصلاة بزيادته العمدية و السهوية

فلقاعدة لا تعاد المستفادة من حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود. ثم قال:

القراءة سنّة و التشهّد سنّة و لا تنقض السنّة الفريضة»(4)، فإنّه باطلاقه يشمل الزيادة. و مجرّد عدم تصوّرها في بعض افراد المستثنى لا يمنع من انعقاد الاطلاق بلحاظ‍‌ ما أمكن.

5 - و اما استثناء الجماعة

فلصحيحة علي بن يقطين: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الامام، قال: يعيد بركوعه معه»(5)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الركوع الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 1، 10.

3) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب صلاة الكسوف و الآيات.

4) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5.

5) وسائل الشيعة الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 3.

واجبات الركوع
اشارة

و يلزم فيه الانحناء بقصد الخضوع قدر ما تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين، و الطمأنينة بقدر الذكر الواجب، و رفع الرأس منه حتى الانتصاب التام.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم الانحناء بقصد الخضوع

فلتقوّم مفهوم الركوع لغة بذلك.

2 - و اما التحديد بذلك

فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك...»(1).

و للكليني إلى حماد ثلاث طرق يكفي صحّة بعضها لمن تأمّل في محمّد بن إسماعيل.

و إذا قيل بأن بعض الروايات دلّ‌ على لزوم الانحناء بمقدار وصول الراحة(2).

كان الجواب: يلزم حملها على الاستحباب بقرينة الاولى.

3 - و اما لزوم الطمأنينة في الركوع

فلصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... فإذا ركع فليتمكن...»(3)بناء على تفسير التمكن بالطمأنينة.

و اما صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلّي فلم يتم ركوعه و لا


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب الركوع الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 14.

سجوده فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ‌ على غير ديني»(1)فيدل على عدم جواز النقر دون اعتبار الطمأنينة.

4 - و اما لزومه بقدر الذكر الواجب

فلأن الذكر الواجب يلزم الاتيان به حين الركوع الواجب دون مطلق الركوع، و حيث ان الواجب من الركوع هو ما كان مع الطمأنينة فيثبت لزوم الاتيان بالذكر اثناء الركوع مع الطمأنينة.

5 - و اما وجوب رفع الرأس منه مع الانتصاب التام

فلما ورد في تعليم الامام الصادق عليه السّلام الصلاة لحماد: «... ثم ركع... ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده... ثم قال: يا حمّاد هكذا صلّ‌»(2). و بالذيل لا يبقى مجال للإشكال بأن الفعل لا يدلّ‌ على الوجوب.

و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع مفاصلك...»(3).

و الاشتمال على بعض الآداب لا يمنع من استفادة الوجوب بناء على مسلك حكم العقل في باب الدلالة على الوجوب.

أحكام الركوع
اشارة

و من نسي الركوع و ذكره قبل السجود رجع إلى القيام و ركع. و كذلك إذا ذكره قبل الدخول في السجدة الثانية.

و الذكر الواجب فيه: «سبحان ربي العظيم و بحمده» أو «سبحان اللّه» ثلاثا


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الركوع الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب افعال الصلاة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 9.

بل مطلق الذكر إذا كان بقدر الثلاث الصغريات.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم تدارك الركوع

لمن تذكره قبل السجود فلاقتضاء القاعدة ذلك حيث لا يلزم سوى زيادة الهوي و القيام و هما غير مضرين بصحة الصلاة لحديث لا تعاد. هذا مضافا إلى دلالة صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة»(1)بالمفهوم على ذلك.

و المراد بالركعة الركوع كما هو واضح.

2 - و اما اعتبار الرجوع الى القيام

فلأنه بدونه لا يتحقّق الركوع إذ هو الانحناء بعد القيام.

3 - و اما لزوم التدارك قبل الدخول في السجدة الثانية

فلاقتضاء القاعدة ذلك فان زيادة سجدة واحدة غير مضرة بصحة الصلاة لعدم كونها ركنا، مضافا إلى استفادة ذلك من صحيحة أبي بصير المتقدّمة.

ثمّ‌ ان الوجه في عدم ركنية السجدة الواحدة صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل صلّى فذكر انه زاد سجدة.

قال: لا يعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة»(2)و غيرها.

4 - و اما بالنسبة إلى ذكر الركوع

فقد ورد فيه أربع طوائف من الأخبار، ففي بعضها: «سبحان ربي العظيم و بحمده» ثلاثا - كما في صحيحة حمّاد(3)- و في ثان الاكتفاء بواحدة - كما في صحيحة هشام


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الركوع الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الركوع الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 1.

بن سالم(1)- و في ثالث الاكتفاء بجملة: «سبحان اللّه» ثلاثا - كما في صحيحة معاوية(2)- و في رابع الاكتفاء بقدر ذلك، كما في صحيح مسمع(3).

و الجمع العرفي يقتضي الحمل على التخيير، غايته قد يكون البعض أفضل من الآخر كالأوّل بالنسبة الى الثاني.

السجود
تجب في كل ركعة سجدتان، و هما ركن تبطل الصلاة بنقصانهما أو
اشارة

زيادتهما العمدية و السهوية، و لا تبطل بزيادة أو نقص واحدة سهوا.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب سجدتين في كل ركعة

فللضرورة مضافا إلى طوائف من النصوص يستفاد منها ذلك، منها ما ورد في من نسي الثانية و تذكرها قبل أو بعد الركوع، كصحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر و هو قائم انه لم يسجد، قال: فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض في صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء»(4).

2 - و اما بطلان الصلاة بنقصانها عمدا

فهو متسالم عليه، و يقتضيه افتراض الجزئية فانه من مقتضياتها، و اما عدمه في فوات


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الركوع الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الركوع الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الركوع الحديث 4.

4) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب السجود الحديث 1.

السجدة الواحدة و غيرها من الأجزاء غير الركنية فهو يختصّ‌ بالنسيان للدليل الخاصّ‌، كالصحيحة السابقة.

3 - و اما بطلانها بنقصانهما سهوا

فلكونهما أحد أفراد المستثنى في صحيحة لا تعاد المتقدّمة في الركوع. و يقتضيه أيضا صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود»(1)حيث عد السجود من مقوّمات الصلاة المقتضي لانتفائها بانتفاء أحدها.

4 - و اما بطلانها بزيادتهما عمدا أو سهوا

فلإطلاق صحيحة أبي بصير: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(2)و لقاعدة لا تعاد بناء على شمولها للزيادة كما يقتضيه اطلاق الحديث.

و مجرّد عدم تصوّرها في بعضها لا يقتضي الاختصاص بلحاظ‍‌ الباقي الممكن فيه ذلك.

5 - و اما عدم بطلانها بزيادة سجدة واحدة

فلصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل صلّى فذكر انه زاد سجدة، قال: لا يعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة»(3)المقيّدة لإطلاق صحيحة أبي بصير المتقدمة.

6 - و اما عدم بطلانها بنقصانها

فلصحيحة إسماعيل بن جابر المتقدّمة و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب السجود الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الخلل الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الركوع الحديث 2.

واجبات السجود
اشارة

و يلزم ان يكون السجود على الأرض أو ما أنبتته - من غير المأكول أو الملبوس - أو القرطاس. و الأفضل أن يكون على التربة الحسينية على مشرّفها آلاف التحية و السلام.

و يعتبر - إضافة إلى وضع الجبهة على الأرض و نحوها - السجود على ستة أعضاء: الكفّين و الركبتين و ابهامي القدمين.

و لا يلزم في غير الجبهة مماسة ما يصح السجود عليه.

و يلزم فيه الذكر، بالنحو المتقدّم في الركوع، و الطمأنينة و رفع الرأس من السجدة الاولى منتصبا، و تساوي موضع الجبهة و الموقف إلاّ إذا كان الاختلاف بمقدار أربع أصابع مضمومة.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم كون السجود على ما ذكر

فلصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عمّا لا يجوز، قال: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اكل أو لبس»(1). و السند إلى هشام صحيح في المشيخة.

و هكذا كانت سيرة النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله كما حدث البخاري عن ميمونة:

«كان النبي صلّى اللّه عليه و آله يصلّي على الخمرة»(2)، و مسلم عن عائشة ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لها: «ناوليني الخمرة من المسجد، قالت فقلت: اني حائض، فقال: ان حيضتك ليست في يدك»(3).


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1.

2) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، الباب 21 في الصلاة على الخمرة، الحديث 381.

3) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، الحديث 11. و الخمرة كما في هامش الصحيح المذكور هي السجادة التي يضع عليها الرجل جزء وجهه حالة سجوده من حصير أو نسيجة من خوص.

نعم ورد في رواية داود الصير في جواز السجود على القطن و الكتان، فقد سئل أبو الحسن الثالث عليه السّلام: «هل يجوز السجود على القطن و الكتّان من غير تقية‌؟ فقال: جائز»(1). و الجمع بالتقييد غير ممكن بعد انحصار الملبوس النباتي عادة بالقطن و الكتان، كما لا يمكن الجمع بالحمل على الكراهة لتساويهما في درجة الظهور.

و المناسب أن يقال ان رواية داود معارضة في نفس موردها برواية أبي العباس الفضل بن عبد الملك: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا يسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبت الأرض إلاّ القطن و الكتّان»(2). و بعد التساقط‍‌ نرجع الى عموم صحيحة هشام المقتضي للمنع.

هذا كلّه بناء على غض النظر عن ضعف رواية داود به - لعدم ثبوت و ثقاته إلاّ من خلال كامل الزيارة - و رواية أبي العباس بالقاسم و إلاّ فلا حاجة إلى ملاحظتهما رأسا.

2 - و اما جواز السجود على القرطاس

فلصحيحة علي بن مهزيار قال: «سأل داود بن فرقد أبا الحسن عليه السّلام عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب: يجوز»(3)و غيرها.

و هل يجوز السجود عليه مطلقا أو بشرط‍‌ عدم اتخاذه من غير النبات كالحرير و الصوف أو بشرط‍‌ اتخاذه من النبات غير المأكول


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 6.

3) و الخمرة كما في هامش الصحيح المذكور هي السجادة التي يضع عليها الرجل جزء وجهه حالة سجوده من حصير أو نسيجة من خوص.

و الملبوس‌؟ أقوال ثلاثة. و ما يمكن التمسّك بإطلاقه هو الصحيحة المذكورة و لكن قد يشكك فيه بأن نظر الصحيحة إلى عدم مانعية الكتابة من جواز السجود على القرطاس و ليست بصدد إثبات جواز السجود عليه لينعقد لها إطلاق.

3 - و اما اعتبار السجود على الأعضاء الستّة

مضافا للجبهة فلصحيح زرارة: «قال أبو جعفر عليه السّلام: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الابهامين من الرجلين»(1).

4 - و اما وجه الأفضليّة على ما ذكر

فلما رواه معاوية بن عمار:

«كان لأبي عبد اللّه عليه السّلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد اللّه عليه السّلام فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجادته و سجد عليه، ثم قال عليه السّلام:

ان السجود على تربة أبي عبد اللّه عليه السّلام يخرق الحجب السبع»(2).

و روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه عن الامام الصادق عليه السّلام: «السجود على طين قبر الحسين عليه السّلام ينوّر إلى الأرضين السبعة، و من كانت معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السّلام كتب مسبحا، و ان لم يسبح بها»(3).

على اننا في غنى عمّا ذكر و يكفينا كونها التربة التي انسال عليها - في سبيل إرجاع الحياة إلى خط‍‌ الإسلام - دم فلذة كبد الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و من فاز بنصرته من أهل بيته و أصحابه الكرام: «طبتم و طابت الأرض التي فيها دفنتم».

5 - و اما عدم اعتبار المماسة بلحاظ‍‌ بقية الأعضاء

فلصحيحة


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب السجود الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 1.

الفضيل و بريد عن أحدهما عليهما السّلام: «لا بأس بالقيام على المصلّى من الشعر و الصوف إذا كان يسجد على الأرض، و ان كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه و السجود عليه»(1). هذا مضافا الى القصور في المقتضي لاعتبار مماستها فان الأمر بالسجود على الأرض و نباتها منصرف الى وضع الجبهة بخصوصها و معه يتمسّك بالبراءة من اعتبارها بلحاظ‍‌ الباقي.

6 - و اما لزوم الذكر فيه بالنحو المتقدّم في الركوع

فلوحدة النصوص فيهما، ففي صحيحة هشام: «... و في السجود: سبحان ربي الأعلى...»(2)و في صحيح مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يجزيك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا و ليس له و لا كرامة ان يقول: سبح، سبح سبح»(3)، و الجمع يقتضي التخيير.

7 - و اما لزوم الطمأنينة فيه

فلصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله أبو بصير و أنا جالس عنده - إلى أن قال - و إذا سجد فلينفرج و ليتمكّن»(4)، بتقريب ان الأمر فيها للإرشاد الى شرطية التمكن و الاستقرار في تحقق السجود الشرعي، و بالالتزام تدل على اشتراطه اثناء الذكر الواجب للزوم ايقاع الذكر المأمور به أثناء السجود الشرعي، بل قد تدلّ‌ على اشتراطه في الذكر المستحب أيضا للتقريب بعينه.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الركوع الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الركوع الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب اعداد الفرائض و نوافلها الحديث 14.

8 - و أمّا لزوم رفع الرأس من السجدة الاولى و الجلوس منتصبا

فلصحيحة أبي بصير قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «... و إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع مفاصلك، و إذا سجدت فاقعد مثل ذلك»(1).

9 - و اما اعتبار التساوي فيما ذكر:

فلحسنة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن السجود على الأرض المرتفع فقال: إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس»(2)، و مقدار اللبنة ذاك الزمان على ما قيل أربع أصابع مضمومة.

و لموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن المريض أ يحل له أن يقوم على فراشه و يسجد على الأرض‌؟ قال: فقال: إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو أقل استقام له أن يقوم عليه و يسجد على الأرض، و ان كان أكثر من ذلك فلا»(3)، و الاولى تدل على اغتفار الارتفاع و الثانية على اغتفار الانخفاض.

بعض أحكام السجود
اشارة

و من نسي السجدتين و تذكرهما قبل الركوع عاد إليهما، و إذا تذكرهما بعده بطلت.

و من نسي سجدة واحدة و تذكرها قبل الركوع رجع إليها، و إذا كان بعده مضى و قضاها بعد السلام.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة الحديث 9.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب السجود الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب السجود الحديث 2.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم الاتيان بالسجدتين لو نسيهما و تذكر قبل الركوع

فلمقتضى القاعدة، لبقاء محل التدارك بعد عدم الدخول في ركن آخر.

هذا مضافا إلى انه لو جاز العود لتدارك السجدة الواحدة - كما سيأتي - مع انها ليست ركنا فجوازه في السجدتين أولى.

2 - و اما بطلان الصلاة مع التذكر بعد الركوع

فلمقتضى القاعدة أيضا لنقص الركن لو استمر و زيادته - بزيادة الركوع - لو تداركهما.

3 - و اما الحكم في نسيان السجدة الواحدة

فلصحيحة إسماعيل بن جابر المتقدّمة أول بحث السجود.

التشهد
اشارة

و هو واجب في الثنائية مرّة بعد رفع الرأس من السجدة الثانية في الركعة الثانية. و في الثلاثية و الرباعية مرّتين ثانيتهما بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة في الركعة الأخيرة.

و تركه السهوي لا يبطل الصلاة. و من ذكره قبل الركوع أتى به و إلاّ مضى في صلاته و سجد سجدتي السهو بعد تمامها و الأولى قضاؤه أيضا.

و كيفيته «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد ان محمّدا عبده و رسوله اللّهم صلّ‌ على محمّد و آل محمّد».

و المستند في ذلك:

1 - أما وجوبه في المواضع المذكورة

فهو متسالم عليه بل كاد يكون ضروريا، أجل قد يعسر استفادة محله الواجب من النصوص إلاّ في الثانية من الظهر و غيرها، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«إذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك

في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس فتشهد و قم فأتم صلاتك...»(1).

و قد يتوهّم أن صحيحة عبيد بن زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير؟ فقال: تمّت صلاته و انما التشهّد سنّة في الصلاة فيتوضّأ و يجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهّد»(2). تدل على استحبابه.

و الجواب: ان السنّة في مصطلح النصوص بمعنى ما سنّه الرسول صلّى اللّه عليه و آله في مقابل الفرض بمعنى ما أوجبه اللّه تعالى.

2 - و اما عدم بطلان الصلاة بتركه سهوا

فلقاعدة لا تعاد المستفادة من صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود، ثم قال: القراءة سنّة و التشهّد سنّة و لا تنقض السنّة الفريضة»(3)، فإنّه يدل في موضعين منه على ذلك.

3 - و اما وجوب تداركه لمن ذكره قبل الركوع

فلصحيحة الحلبي المتقدّمة آنفا.

4 - و اما لزوم سجود السهو على الناسي

فلصحيحة أبي بصير:

«سألته عن الرجل ينسى أن يتشهّد قال: يسجد سجدتين يتشهّد فيهما»(4)و غيرها.

5 - و اما عدم وجوب قضائه

فلان بعض النصوص و ان كان


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب التشهد الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب التشهد الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب التشهد الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب التشهد الحديث 6.

ظاهرها وجوبه كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهد حتى ينصرف فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد و إلاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه، و قال:

انما التشهّد سنّة في الصلاة»(1). إلاّ أنّه لأجل صحيحة أبي بصير السابقة و غيرها يحمل ذلك على الرجحان أو التشهد الأخير.

6 - و أمّا كيفيّته بما تقدّم

فهو المشهور - و نسب إلى بعض الاكتفاء بالشهادة الاولى في التشهّد الأوّل، و الى الصدوق رحمه اللّه الاكتفاء بجملة «بسم اللّه و باللّه» بدل الشهادتين - و لا توجد رواية تدل عليها بكاملها بل هي ثابتة بالجمع بين الروايات كصحيحة محمّد بن مسلم:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام التشهّد في الصلوات‌؟ قال: مرّتين. قلت: كيف مرّتين‌؟ قال: إذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد ان محمّدا عبده و رسوله. ثم تنصرف...»(2)، و صحيحة أبي بصير و زرارة: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ان الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله من تمام الصلاة إذا تركها متعمّدا فلا صلاة له»(3).

و هي و ان لم تدل على تعيين الموضع إلاّ أنه تكفي لذلك السيرة القطعية، أجل لا يستفاد من الصحيحة تعيين الكيفية الخاصّة للصلاة بل قد يستفاد من اطلاقها جواز غيرها. و الاعتماد على السيرة ان تمّ‌ و إلاّ فيجري أصل البراءة من خصوصيّة التعيين، بل قد يجتزأ بمطلق الشهادتين تمسّكا بإطلاق بعض النصوص، كصحيح سورة بن كليب:


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب التشهد الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التشهد الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب التشهد الحديث 1.

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن أدنى ما يجزي من التشهد قال: الشهادتان»(1)إلاّ أنّه مقيّد بما تقدّم.

التسليم
اشارة

و هو آخر أجزاء الصلاة. و به يتحقّق الخروج منها و تحلّ‌ منافياتها.

و له صيغتان: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. و بأيّهما بدأ كان الثاني مستحبّا.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب التسليم

فهو المشهور - و نسب إلى بعض الاستحباب - و يدل عليه موثق أبي بصير: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول في رجل صلّى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف.

قال: فليخرج فليغسل أنفه ثم ليرجع فليتمّ‌ صلاته فان آخر الصلاة التسليم»(2)و غيره.

و اما ما رواه الصدوق بقوله: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام: افتتاح الصلاة الوضوء و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم»(3)فهو ضعيف بالإرسال إلاّ بناء على حجيّة مراسيله التي هي بلسان قال. و هكذا الروايات الاخرى التي هي بهذا المضمون ضعيفة السند.

ثم انه قيل باستحباب التسليم استنادا الى بعض النصوص من قبيل صحيح ابن مسلم المتقدّم في كيفية التشهد حيث ورد في ذيله:

«ثم تنصرف».


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التشهد الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التسليم الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التسليم الحديث 8.

و فيه: ان طريق الانصراف ما دام قد عيّن شرعا بالتسليم فينحصر به و لا يحمل على الانصراف العادي.

2 - و أمّا التخيير في صيغة التسليم

فهو المشهور بين المتأخرين، و يقتضيه الجمع بين صحيحة الحلبي: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: كل ما ذكرت اللّه عزّ و جلّ‌ به و النبي صلّى اللّه عليه و آله فهو من الصلاة. و ان قلت: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين فقد انصرفت»(1). و موثقة الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له إني اصلّي بقوم. فقال: تسلّم واحدة و لا تلتفت. قل: السلام عليك أيّها النبي و رحمة اللّه و بركاته، السلام عليكم...»(2)كما ان مقتضى ذلك اتّصاف الأوّل بالوجوب و الثاني بالاستحباب لدى الجمع بينهما.

منافيات الصلاة
اشارة

للصلاة منافيات تبطل بها، و هي: الحدث بكلا قسميه و لو سهوا، و الالتفات الفاحش عن القبلة، و ما كان ماحيا لصورتها لدى المتشرّعة، و التكلّم العادي عمدا، و القهقهة، و تعمّد البكاء إذا كان لأمور الدّنيا أو لذكر ميّت، و التكفير بقصد الجزئيّة، و قول آمين بعد الفاتحة بقصد الجزئية.

و المستند في ذلك:

1 - اما مبطلية الحدث

فللتسالم عليها و ضرورة الفقه. و امّا شرطية الطهارة فهي و ان كانت مسلمة إلاّ أن الصلاة اسم للاجزاء دون الاكوان المتخللة فلا يمكن التمسّك بها لإثبات بطلانها إذا أحدث المصلي


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التسليم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التسليم الحديث 3.

في كون منها و تطهر بسرعة بحيث لم يقع جزء منها مع الحدث. و كذلك لا يمكن التمسّك بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «و سألته عن رجل وجد ريحا في بطنه فوضع يده على أنفه و خرج من المسجد حتى أخرج الريح من بطنه ثم عاد الى المسجد فصلّى فلم يتوضّأ هل يجزيه ذلك‌؟ قال: لا يجزيه حتى يتوضّأ و لا يعتدّ بشيء ممّا صلّى»(1)إذ لعل عدم الاعتداد بما مضى من جهة كثرة الفعل الماحية لصورة الصلاة.

أجل لا بأس بالتمسّك بصحيحة الاخرى: «سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيعلم ان ريحا قد خرجت فلا يجد ريحها و لا يسمع صوتها، قال:

يعيد الوضوء و الصلاة و لا يعتدّ بشيء ممّا صلّى إذا علم ذلك يقينا»(2).

ثم ان في بعض النصوص(3)ما يدل بظاهره على عدم مبطلية الحدث أثناء الصلاة و ان بالامكان الوضوء و البناء على ما مضى، و لكنه لمخالفته لما سبق لا بدّ من حمله على بعض المحامل أو طرحه.

2 - و اما التعميم

لحالة السهو فلإطلاق معقد الضرورة و التسالم و الصحيحة المتقدّمة.

3 - و اما مبطلية الالتفات الفاحش

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، و ان كنت قد تشهدت فلا تعد»(4)، و اما صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 9، 11.

4) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2.

قال: لا»(1)فلا بدّ من حملها على الفاحش لما تقدّم.

و هل يلزم أن يكون الالتفات بكل البدن‌؟ لا يبعد ذلك لصحيحة زرارة: «سمع أبا جعفر عليه السّلام يقول: الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله»(2)فان الظاهر كون المقصود: بكل البدن و ليس بكل الالتفات كما قيل.

4 - و اما ما كان ماحيا للصورة

فهو مبطل من باب ان المطلوب هو الصلاة، و مع الفعل الماحي تنعدم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

اما ما لم يكن ماحيا فلا دليل على مبطليته كابتلاع بقايا الطعام الموجودة في الفم أو السكر الذائب تدريجا.

و بهذا يتّضح ان ما ورد في صحيحة سعيد الاعرج: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك اني أكون في الوتر و أكون قد نويت الصوم فأكون في الدعاء و أخاف الفجر فأكره أن أقطع على نفسي الدعاء و أشرب الماء و تكون القلّة امامي قال: فقال لي: فاخط‍‌ اليها الخطوة و الخطوتين و الثلاث و اشرب و ارجع الى مكانك و لا تقطع على نفسك الدعاء»(3). يمكن توجيهه على مقتضى القاعدة. و طريق ابن بابويه إلى الأعرج صحيح في المشيخة إذ ليس فيه إلاّ عبد الكريم بن عمرو الذي قال عنه النجاشي: «ثقة ثقة»(4)، و لا ينافي ذلك قول الشيخ في حقّه:


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2.

4) رجال النجاشي: 172، منشورات مكتبة الداوري.

«واقفي خبيث»(1)، لقرب كون المقصود خبيث العقيدة من جهة الوقف.

5 - و اما مبطلية التكلّم عمدا

فقد تمّ‌ التسالم عليها. و تدلّ‌ عليها صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السّلام: «ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّدا. و ان تكلّمت ناسيا فلا شيء عليك»(2)و غيرها.

6 - و اما التقييد بالعادي

فللانصراف عن غيره كالذكر و الدعاء، و مع عدم الدليل على البطلان به يتمسّك بالبراءة من مانعيته، بل في جملة من النصوص التصريح بعدم مانعيته كصحيحة علي بن مهزيار:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكل شيء يناجي به ربه، قال: نعم»(3)و غيرها.

7 - و اما التقييد بالعمد

فللتصريح بالعفو عن السهوي في الصحيحة المتقدّمة. بل لا حاجة إلى ذلك بعد وجود قاعدة لا تعاد.

8 - و اما مبطلية القهقهة

فلصحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة»(4)و غيرها. و لا بدّ من التقييد بحالة العمد لقاعدة لا تعاد.

9 - و اما مبطلية البكاء

فيمكن الاستدلال له برواية أبي حنيفة:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البكاء في الصلاة أ يقطع الصلاة‌؟ فقال: إن بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة، و إن كان ذكر


1) رجال الشيخ الطوسي: 354.

2) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

ميّتا له فصلاته فاسدة»(1)لكنها ضعيفة بأبي حنيفة و النعمان بن عبد السلام إلاّ بناء على تمامية كبرى الانجبار بعمل المشهور. و لا بدّ من حمل ذكر الميت على المثال لمطلق امور الدنيا بقرينة المقابلة.

و بالجملة ان تمّت الرواية و إلاّ فالحكم محل إشكال فيما إذا لم يكن - البكاء - ماحيا للصورة لعدم الدليل و المرجع البراءة.

10 - و اما تقييده بالتعمّد

فلقاعدة لا تعاد.

11 - و اما مبطلية التكفير

فقد يستدل لها بصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يضع يده في الصلاة و حكى اليمنى على اليسرى فقال: ذلك التكفير لا يفعل»(2)أو بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «... و لا تكفّر فانّما يصنع ذلك المجوس»(3)إلاّ انهما لا تدلاّن على الحكم الوضعي بل التكليفي خصوصا لو ضممنا إليهما ما رواه علي بن جعفر في كتابه: «سألته عن الرجل يكون في صلاته أ يضع إحدى يديه على الاخرى بكفه أو ذراعه‌؟ قال: لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له»(4)فان عدم الأمر بالإعادة يدل على ما ذكرناه.

و عليه فلا موجب للبطلان بالتكفير إلاّ إذا قصد به الجزئية فيكون زيادة عمدية و قد دلّت صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(5)على بطلان الصلاة بها.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 5.

5) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب الخلل الحديث 2.

12 - و اما التأمين

فان كان بقصد الجزئية فبمطليته على القاعدة لما تقدّم. و ان لم يكن بالقصد المذكور و لا بقصد الدعاء فمبطليته على القاعدة أيضا لأنه تكلّم عمدي. و اما إذا كان بقصد الدعاء فلا وجه لمبطليته لأنه كسائر الأدعية. إلاّ أنّه قد يقال بمبطليته في الحالة المذكورة أيضا لإطلاق صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا كنت خلف امام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها فقل أنت الحمد للّه ربّ‌ العالمين و لا تقل آمين»(1)و غيرها إلاّ انه لا يبعد انصرافها إلى الحالة الاولى.

و على تقدير التنزل لا تدلّ‌ على الحكم الوضعي بل على الحكم التكليفي و هو لا يلازم فساد مجموع القراءة أو الصلاة.

في الشكوك
أحكام الشكوك
اشارة

من شك في ادائه الصلاة لزمه فعلها في الوقت دون خارجه.

و الشاك في جزء أو شرط‍‌ بعد الفراغ لا يلتفت.

و كثير الشك لا يعتني و يبني على وقوع المشكوك فيما إذا لم يكن مفسدا و إلاّ بنى على عدمه.

و المرجع في صدق عنوان كثير الشك العرف. و مع الشك في حدوثه أو بقائه يبني على الحالة السابقة.

و الامام يرجع عند شكّه إلى المأموم و بالعكس.

و من شك في فعل بعد الدخول في غيره يبني على تحقّقه، و إذا كان قبله يأتي به.


1) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1.

و من شك في صحّة المأتي به يبني على ذلك و ان لم يدخل في غيره.

و الظن في عدد الركعات كاليقين بخلاف الظن في الأفعال فان حكمه حكم الشك.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان الشاك في اداء الصلاة يلزمه فعلها في الوقت

فلاستصحاب عدم الاداء. و بقطع النظر عن ذلك تكفي قاعدة «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» للزوم الاحراز. على إنّا في غنى عن ذلك بعد صحيحة زرارة و فضيل عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صلّيتها. و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فان استيقنت فعليك أن تصلّيها في أي حالة كنت»(1).

2 - و اما عدم وجوب القضاء على الشاك خارج الوقت

فلسقوط‍‌ الأمر بالاداء بخروج الوقت اما بالامتثال أو بالعصيان، و الأمر بالقضاء تكليف جديد موضوعه الفوت - لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام:

«أربع صلوات يصليها الرجل في كلّ‌ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أديتها، و صلاة ركعتي طواف الفريضة...»(2)و غيرها(3)- و اذا شك في صدقه و من ثم في وجوب القضاء امكن التمسك بالبراءة لنفي ذلك.


1) وسائل الشيعة الباب 60 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب مواقيت الصلاة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب قضاء الصلاة.

و لا يمكن التمسّك باستصحاب عدم الاتيان في الوقت لإثباته إلاّ بنحو الأصل المثبت، و معه يتمسّك بالبراءة لنفيه.

هذا كلّه بقطع النظر عن ذيل صحيحة زرارة و فضيل المتقدّمة و إلاّ فهو كالصريح في المدعى، و يدل على تأسيس قاعدة الحيلولة.

3 - و اما ان الشاك في جزء أو شرط‍‌ لا يلتفت بعد الفراغ

فلقاعدة الفراغ المستفادة من موثقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(1)، و موثقة بكير بن أعين:

«قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضّأ. قال: هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ‌»(2)و غيرهما. و التعليل يعمّ‌ جميع موارد الشكّ‌ بعد الفراغ.

4 - و اما عدم اعتناء كثير الشكّ‌

فلصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان»(3).

و المراد من السهو في استعمال كثير من الروايات الشك، و في موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا، و يشك في السجود فلا يدري أسجد أم لا، فقال عليه السّلام: لا يسجد و لا يركع و يمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا»(4)و غير ذلك.

و مقتضى الأمر بالمضي و التعليل ان ذلك من الشيطان لزوم


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب الوضوء الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الخلل الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الخلل الحديث 5.

البناء على ما تصحّ‌ معه الصلاة فقد يكون ذلك بالبناء على فعل المشكوك و قد يكون بالبناء على عدمه كما إذا احتمل زيادة ركن.

5 - و اما الرجوع الى العرف

فلكونه المرجع في تحديد مفاهيم الألفاظ‍‌ - فإنّ‌ اللفظ‍‌ أمر عرفي من إنسان عرفي إلى إنسان عرفي فلا بدّ من حمله على مفهومه العرفي - إلاّ مع ورود تحديد شرعي على الخلاف، و هو لم يرد، فإنّ‌ صحيحة محمّد بن أبي حمزة عن الامام الصادق عليه السّلام: «إذا كان الرجل ممّن يسهو في كل ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو»(1)لا تدلّ‌ على الحصر في ذلك بقرينة كلمة «من» الظاهرة في التبعيض.

6 - و اما ان الشاكّ‌ في الحدوث أو البقاء يرجع إلى الحالة السابقة

فللاستصحاب.

7 - و اما رجوع كل من الامام و المأموم إلى الآخر

فلصحيحة حفص بن البختري عن الامام الصادق عليه السّلام: «ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو»(2)و غيرها فإنّه لا معنى للنفي إلاّ إرادة رجوع كلّ‌ إلى الآخر مع حفظه.

8 - و اما البناء على تحقّق المشكوك بعد الدخول في غيره

فلقاعدة التجاوز المستفادة من صحيحة زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل شك في الاذان و قد دخل في الإقامة، قال: يمضي. قلت: رجل شك في الاذان و الإقامة و قد كبّر، قال: يمضي. قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ، قال: يمضي. قلت: شكّ‌ في القراءة و قد ركع، قال: يمضي. قلت: شك


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

في الركوع و قد سجد، قال: يمضي على صلاته. ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(1)و غيرها.

9 - و اما لزوم الاتيان بالمشكوك قبل ذلك

فلمفهوم الشرط‍‌ في ذيل الصحيحة المتقدّمة. مضافا إلى اقتضاء الاستصحاب و قاعدة لزوم الفراغ اليقيني بعد الاشتغال اليقيني لذلك.

10 - و اما ان الشاك في صحّة المأتي به يبني عليها و ان لم يدخل

في غيره

فلموثقة محمّد بن مسلم المتقدّمة في رقم (3) و غيرها.

11 - و اما ان الظنّ‌ في عدد الركعات كاليقين

فلصحيحة أبي العباس عن الصادق عليه السّلام: «إذا لم تدر ثلاثا صلّيت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، و ان وقع رأيك على الأربع فابن على الأربع فسلّم و انصرف، و ان اعتدل و همك فانصرف و صل ركعتين و أنت جالس»(2)و غيرها، فإنّ‌ موردها و ان كان هو الشك بين الثلاث و الأربع إلاّ أن الفقيه يمكن أن يفهم - بعد ملاحظة بقيّة الروايات - عدم الخصوصيّة له.

12 - و اما ان حكم الظن في الأفعال حكم الشك

فلاختصاص ما سبق بالركعات و لا موجب للتعدّي إلى غيره، و معه يلزم التمسّك بمقتضى قاعدة التجاوز فإنّ‌ عنوان الشك الوارد فيها يراد به لغة خلاف اليقين لا خصوص حالة تساوي الطرفين فإنّ‌ ذلك مصطلح منطقي حادث متأخّرا لا ينبغي تحميله على الروايات.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 1.

الشكّ‌ في عدد الركعات
اشارة

الشك في عدد الركعات من الثنائية و الثلاثية و الأوّليتين من الرباعية مبطل لها.

و الشاك بين الاثنتين و الثلاث بعد إتمام الذكر الواجب للسجدة الأخيرة يبني على الثلاث و يحتاط‍‌ بركعة قائما أو بركعتين جالسا.

و الشاك بين الثلاث و الأربع يبني على الأربع و يحتاط‍‌ على المشهور كذلك.

و الشاك بين الثنتين و الأربع بعد إتمام الذكر الواجب للسجدة الأخيرة يبني على الأربع و يحتاط‍‌ بركعتين من قيام.

و الشاك بين الثنتين و الثلاث و الأربع بعد إتمام الذكر الواجب للسجدة الأخيرة يبني على الأربع و يحتاط‍‌ بركعتين من قيام و ركعتين من جلوس.

و الشاك بين الأربع و الخمس بعد ذكر السجدة الأخيرة يبني على الأربع و يسجد سجدتي السهو.

و الشاك بين الأربع و الخمس حال القيام يهدمه و يكون كالشاك بين الثلاث و الأربع.

و المستند في ذلك:

1 - ان الأصل الأوّلي بمقتضى اطلاق دليل الاستصحاب و ان

اقتضى لزوم البناء على الأقلّ‌ عند الشك في عدد الركعات و لكنّه قد طرأ

عليه التقييد في المقام

بما دل على لزوم البناء على الأكثر و الاتيان بما يحتمل نقصانه بعد التسليم. ففي موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«يا عمّار اجمع لك السهو كلّه في كلمتين. متى ما شككت فخذ بالأكثر

فإذا سلّمت فأتم ما ظننت أنّك نقصت»(1). و طريق ابن بابويه إلى عمّار صحيح.

و عليه فلا بدّ بمقتضى الأصل الثانوي المذكور من الحكم بصحّة كل صلاة يحتمل فيها النقصان مع البناء على الأكثر عند الشك إلاّ إذا دلّ‌ الدليل الخاصّ‌ على العكس فيلتزم بتخصيصه كما سوف نرى ذلك في الثنائية و غيرها.

2 - اما البطلان بالشكّ‌ في الأوّليتين

فلم ينسب فيه الخلاف إلاّ إلى الصدوق حيث حكم بالتخيير بين الإعادة و البناء على الاقل(2). و قد دلّ‌ على رأي المشهور ما يتجاوز عن خمس عشرة رواية كصحيحة زرارة:

«قال أبو جعفر عليه السّلام: كان الذي فرض اللّه على العباد عشر ركعات و فيهنّ‌ القراءة و ليس فيهن و هم - يعني سهوا - فزاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سبعا و فيهنّ‌ الوهم و ليس فيهنّ‌ قراءة. فمن شك في الأوّليتين أعاد حتى يحفظ‍‌ و يكون على يقين، و من شكّ‌ في الأخيرتين عمل بالوهم»(3)و غيرها.

و في مقابل ذلك أربع روايات دلّت على البناء على الأقلّ‌ كصحيحة ابي يعفور: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل لا يدري أ ركعتين صلّى أم واحدة‌؟ قال: يتمّ‌ بركعة»(4).

و لا يمكن الجمع بالحمل على التخيير لإباء مثل صحيحة زرارة عن ذلك.


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1.

2) جواهر الكلام 329:12.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الخلل الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 22.

و المناسب طرحها من باب مخالفتها للسنّة القطعيّة - الثابتة بالروايات المتكثرة - فإنّ‌ المخالف للكتاب ما دام يطرح لكونه (الكتاب الكريم) يمثّل الحكم الإلهي القطعي فكذلك يلزم في المخالف لها.

3 - و اما بطلان الثنائية بالشك

فلعدّة روايات كموثقة سماعة:

«سألته عن السهو في صلاة الغداة فقال: إذا لم تدر واحدة صلّيت أم اثنتين فأعد الصلاة من أوّلها. و الجمعة أيضا إذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة لأنها ركعتان»(1)و غيرها.

و لا يضر اضمار الموثقة بعد كون المضمر من الأجلّة الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الامام عليه السّلام أو لان ذكر الضمير بلا مرجع معهود أمر غير مألوف، و حيث لا يوجد من هو معهود لدى الجميع سوى الامام عليه السّلام فيتعيّن رجوع الضمير إليه.

ثمّ‌ انه يمكن التمسّك للبطلان أيضا بالروايات السابقة الدالة على البطلان بالشك في الأوّليتين كما هو واضح.

هذا و في مقابل ما ذكر موثقة عمّار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل لم يدر صلّى الفجر ركعتين أو ركعة‌؟ قال: يتشهّد و ينصرف ثم يقوم فيصلّي فإن كان قد صلّى ركعتين كانت هذه تطوّعا و ان كان قد صلّى ركعة كانت هذه تمام الصلاة...»(2).

بيد انه يلزم طرحها لمخالفتها للسنّة القطعية على ما تقدّم. هذا مضافا إلى هجران مضمونها لدى الأصحاب فان الصدوق قد نسب إليه في المسألة التخيير بين الإعادة و البناء على الأقل دون البناء على الأكثر.


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الخلل الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الخلل الحديث 12.

هذا كلّه في الفجر: و اما تعميم الحكم لكل ثنائية فيمكن إثباته بعموم التعليل الوارد في موثقة سماعة المتقدّمة.

4 - و اما بطلان المغرب بالشكّ‌

فللروايات الكثيرة كصحيحة حفص و غيره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا شككت في المغرب فأعد...»(1)و غيرها. هذا و لكن ورد في موثقة عمّار المتقدّمة: «... قلت: فصلّى المغرب فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا قال: يتشهّد و ينصرف ثم يقوم فيصلّي ركعة فإن كان صلّى ثلاثا كانت هذه تطوّعا و إن كان صلّى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة. و هذا و اللّه ممّا لا يقضى أبدا»(2)إلاّ ان المضمون المذكور مهجور لدى الأصحاب لعدم قائل به فإنّ‌ المنسوب الى الصدوق التخيير بين الإعادة و البناء على الأقل دون الأكثر. و لعل الذيل يشير به الامام عليه السّلام إلى ان ذلك - أي المضمون المذكور - ممّا لا يحكم به أحد.

5 - و اما ان حكم الشك بين الثنتين و الثلاث ما تقدّم

فهو المشهور و إن كان المنقول عن الصدوق في الفقيه البناء على الأقلّ‌ و في المقنع الحكم بالبطلان و عن والده التخيير بين البناء على الأقل - مع التشهد في كلّ‌ ركعة - و البناء على الأكثر(3).

و يدل على حكم المشهور - بالرغم من عدم ورود رواية خاصّة - عموم موثقة عمّار المتقدّمة. بيد أن الموثقة المذكورة تعين القيام في ركعة الاحتياط‍‌ دون التخيير بينه و بين الجلوس إلاّ أن يقطع بعدم الفرق


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الخلل الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الخلل الحديث 12.

3) الحدائق الناضرة 210:9.

بين هذه الصورة و الصورة الآتية التي قيل فيها بالتخيير كما نسب التعليل بذلك إلى المشهور.

ثمّ‌ انه توجد في هذه الصورة ثلاث روايات ثنتان تدلاّن على لزوم البناء على الأقل و هما صحيح زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «... رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا؟ قال: ان دخل الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثمّ‌ صلّى الاخرى و لا شيء عليه و يسلّم»(1)بتقريب ان المقصود من الدخول في الثالثة الدخول فيما يحتمل كونه ثالثة ثمّ‌ يصلّي الثالثة و الرابعة و يسلّم.

و يردها: ان ما في اليد يحتمل كونه ثانية أيضا، و قد تقدّم وجود ما يتجاوز عن خمس عشرة رواية تدل على البطلان بالشك قبل إحراز الثنتين فيكون ما ذكر مخالفا للسنّة القطعيّة فيطرح.

و صحيح العلاء: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل صلّى ركعتين و شك في الثالثة قال: يبني على اليقين فإذا فرغ تشهد و قام قائما فصلّى ركعة بفاتحة الكتاب»(2).

و يرده: ان المقصود من البناء على اليقين هو البناء على الأكثر و الاحتياط‍‌ بعد السلام بركعة إذ لو كان المقصود البناء على الأقل فلا وجه للاحتياط‍‌ بركعة.

و الرواية الثالثة صحيحة عبيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثا؟ قال: يعيد، قلت: أ ليس يقال لا يعيد2.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الخلل الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الخلل الحديث 2.

الصلاة فقيه‌؟ قال: إنّما ذلك بين الثلاث و الأربع»(1). و لكنّها مخالفة للروايات الكثيرة الدالّة على دخول السهو في الأخيرتين - و التي تشكّل عنوان السنّة القطعيّة - فإنّه بناء على الصحيحة المذكورة يلزم دخول السهو في خصوص الرابعة.

6 - و اما التقييد باتمام مقدار الذكر الواجب

فلانه به يتحقّق إكمال الركعتين الأوّليتين اللتين لا يدخل فيهما السهو، ففي صحيح محمّد بن مسلم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يصلّي و لا يدري أ واحدة صلّى أم ثنتين‌؟ قال: يستقبل حتى يستيقن أنّه قد أتمّ‌. و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر»(2)و غيره دلالة واضحة على ذلك.

7 - و اما ان حكم الشكّ‌ بين الثلاث و الأربع ما تقدّم

فيقتضيه عموم موثقة عمّار المتقدّمة و بعض الروايات الخاصة كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... ان كنت لا تدري ثلاثا صلّيت أم أربعا و لم يذهب و همك إلى شيء فسلم ثمّ‌ صلّ‌ ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأمّ‌ الكتاب...»(3).

و إذا قيل: إن صحيحة محمّد بن مسلم: «... و من سها فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا و اعتدل شكّه قال: يقوم فيتمّ‌ ثمّ‌ يجلس فيتشهّد و يسلّم و يصلّي ركعتين و أربع سجدات و هو جالس...»(4)تدل على لزوم البناء على الأقل لأنّ‌ المقصود يقوم فيتمّ‌ ركعة رابعة.


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الخلل الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الخلل الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الخلل الحديث 5.

4) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الخلل الحديث 4.

كان الجواب: لو كان ذلك هو المقصود فلا معنى لصلاة الاحتياط‍‌ بعد ذلك.

8 - و اما التخيير في ركعة الاحتياط‍‌

فقد قيل هو مقتضى الجمع بين الأخبار لكننا لم نعثر على رواية معتبرة تدل على جواز القيام إلاّ ان يستفاد ذلك من صحيحة زرارة عن أحدهما عليهما السّلام: «... إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع قام فأضاف إليها أخرى و لا شيء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا...»(1)فإنّه بضم قوله «قام فأضاف...» الى النهي عن الخلط‍‌ قد يستفاد اعتبار الاتيان بركعة منفصلة من قيام.

و يبقى على هذا الاحتياط‍‌ بتعيّن الجلوس مناسبا.

9 - و اما حكم الشك بين الثنتين و الأربع

بما تقدّم فهو المشهور - و قيل بالتخيير بينه و بين الاستئناف و بالتخيير بينه و بين البناء على الأقل - لعموم موثقة عمّار المتقدّمة و لصحيح زرارة عن أحدهما عليهما السّلام:

«... من لم يدر في اثنيين هو أو في أربع قال: يسلّم و يقوم فيصلّي ركعتين ثمّ‌ يسلّم و لا شيء عليه»(2)و غيره.

و إذا قيل: كيف الموقف مع مضمرة محمّد بن مسلم: «سألته عن الرجل لا يدري صلّى ركعتين أم أربعا قال: يعيد الصلاة»(3).

كان الجواب: إذا قلنا بعدم إمكان التخيير في الأوامر الإرشادية يتمّ‌ التساقط‍‌ و نرجع إلى عموم موثقة عمّار المتقدّمة. و إذا قلنا بإمكانه


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الخلل الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الخلل الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الخلل الحديث 7.

فيمكن أن يجاب بأن محمّد بن مسلم نفسه روى: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل صلّى ركعتين فلا يدري ركعتين هي أو أربع‌؟ قال: يسلّم ثمّ‌ يقوم فيصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب و يتشهّد و ينصرف و ليس عليه شيء»(1). و من البعيد سؤاله عن قضية واحدة مرّتين فتسقط‍‌ لعدم العلم بالصادر.

و ممّا يؤكّد ذلك انه لو كان - لنكتة - قد سأل مرّتين فمن المناسب سؤاله الامام عليه السّلام عن نكتة اختلاف الجواب.

10 - و اما اعتبار اتمام الذكر الواجب

فلانه بدونه لا يحرز اتمام الأوليتين.

11 - و اما ان حكم الشاك بين الثنتين و الثلاث و الأربع ما ذكر

فيقتضيه عموم موثقة عمّار المتقدّمة فإن أحد الطرق التي يحصل بها إتمام ما يحتمل نقصانه هو ذلك. هذا مضافا الى دلالة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السّلام: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا، فقال: يصلّي ركعتين من قيام ثمّ‌ يسلّم ثمّ‌ يصلّي ركعتين و هو جالس»(2)على ذلك. و السند صحيح بناء على وثاقة العطار من خلال شيخوخة الإجازة.

و إذا كانت نسخ الفقيه مختلفة حيث ورد في بعضها «ركعة» فبالإمكان تقوية احتمال نسخة «ركعتين» إلى درجة الاطمئنان ببعض القرائن التي منها مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل صلّى فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا، قال:


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الخلل الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب الخلل الحديث 1.

يقوم فيصلّي ركعتين من قيام و يسلّم ثمّ‌ يصلّي ركعتين من جلوس و يسلّم...»(1).

و انما لم نعدها دليلا بنفسها من جهة انا حتى لو قبلنا كبرى عدم رواية ابن أبي عمير و صاحبيه إلاّ عن ثقة فذلك ينفع فيما لو صرّح باسم من يروي عنه ليحرز بذلك عدم الجارح له دون ما لو سكت لصيرورة المقام من قبيل الشبهة المصداقية بعد ثبوت جرح خمسة من مشايخه كعلي بن حديد و يونس بن ظبيان.

12 - و اما التقييد باتمام الذكر

فلما تقدّم.

13 - و اما حكم الشاك بين الأربع و الخمس بعد ذكر السجدة

الأخيرة

فلا يمكن استفادته من عموم موثقة عمّار بل من صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا لم تدر خمسا صلّيت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثم سلّم بعدهما»(2)و غيرها.

و التقييد بما بعد ذكر السجدة الأخيرة لاستظهاره من التعبير بالفعل الماضي «صلّيت».

14 - و اما الحكم على الشاك بين الأربع و الخمس حالة القيام

بما تقدم فلانه مصداق حقيقة للصورة الثانية التي وردت فيها صحيحة الحلبي: «... ان كنت لا تدري ثلاثا صلّيت أم أربعا...»(3)، إذ ما دام الشك حالة القيام فلا يصدق: خمسا صليت أم أربعا بل يصدق: ثلاثا صلّيت أم أربعا.


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب الخلل الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الخلل الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الخلل الحديث 5.

و انما يهدم القيام - و لا تكمل الركعة كما هو الحال في من شك بين الثلاث و الأربع حقيقة - من جهة جزم المكلف بإكمال الرابعة لفرض بنائه على ذلك.

أجل لا بدّ من افتراض عدم الدخول في الركوع و إلاّ كان زيادة ركنية لأنه قد بنى على كون الركعة السابقة رابعة.

و بهذا يتّضح ان المقصود من التعبير ب‍‌ «حال القيام» حال ما قبل الركوع.

كما يتضح انه لا محذور في الحكم بصحة الصلاة سوى الزيادة الحاصلة بعد الركعة المبني على انها رابعة و لا ضير في ذلك لحديث لا تعاد بعد عدم كونها زيادة ركنية.

2 - صلاة المسافر

أحكام المسافر
اشارة

تقصر الصلاة الرباعية بالسفر إلى ثنتين بشرط‍‌:

القصد المستمر لقطع المسافة (ثمانية فراسخ) امتدادية أو ملفقة و لو لمن لم يرد الرجوع في اليوم نفسه.

و عدم قصد المرور بالوطن أو إقامة عشرة قبل بلوغ المسافة.

و أن يكون السفر مباحا.

و عدم اتخاذ السفر عملا.

و ان لا يكون ممّن بيته معه.

و الوصول الى حد الترخّص، و هو المكان الذي لا يرى فيه أهل البلد أو لا يسمع فيه صوت اذانه.

و المستند في ذلك:

1 - اما لزوم القصر في السفر و عدم التخيير بينه و بين الاتمام
• كما هو لدى العامة - فمما لم يقع فيه خلاف بيننا بل هو من الضروريات.

و في الحديث: ان التقصير صدقة منّ‌ اللّه سبحانه بها على المسافرين. و هل يسر أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه(1).

و في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قوما صاموا حين أفطر و قصر عصاة و قال هم العصاة إلى يوم القيامة و انا لنعرف أبناءهم و أبناء أبناءهم إلى يومنا هذا»(2).

2 - و اما ان القصر يختص بالرباعية و بحذف ركعتين

فهو من الضروريات أيضا. و يمكن استفادته من بعض النصوص(3).

3 - و اما اشتراط‍‌ القصر بقصد قطع مسافة معينة

فهو ممّا لا خلاف فيه بيننا. و نسب إلى داود بن علي الظاهري و محمّد بن الحسن الاكتفاء بصدق عنوان المسافر(4).

4 - و اما ان مقدار المسافة المعيّنة ثمانية فراسخ

فلم ينقل الخلاف فيه إلاّ عن الكليني فقيل باكتفائه بأربعة(5). و لعلّ‌ ذلك لاقتصاره على ذكر روايات البريد تحت الباب الذي عنونه ب‍‌ «حد المسير


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب صلاة المسافر الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب صلاة المسافر الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب صلاة المسافر.

4) الحدائق الناضرة 300:11، و جواهر الكلام 193:14.

5) الحدائق الناضرة 316:11.

الذي تقصر فيه الصلاة».

و على أي حال دلّت الروايات الكثيرة التي تتراوح بين 20-30 رواية على تحديد المسافة بما ذكر، فقد ورد التعبير بالثمان، و بياض يوم، و بريدين، و 24 ميلا، و مسيرة يوم، و بريد في بريد. و الكل واحد.

و بعض الروايات عبّر ببريد ذاهبا و بريد جائيا، و بريد، و مسيرة 12 ميلا، و أربعة فراسخ. و ذلك محمول على من يقصد الرجوع(1).

و في مقابل هذا المجموع دلّت روايات ثلاث على غير ذلك، ففي صحيحة زكريا بن آدم انها مسيرة يوم و ليلة(2)و في رواية أبي بصير انها مسيرة يومين(3)و في صحيحة ابن أبي نصر انها ثلاثة برد(4).

و قد قيل بلزوم حملها على التقيّة لوجود أقوال لبعض العامّة توافق مضمون كلّ‌ واحدة منها.

و فيه: ان مجرّد وجود قول لبعض العامّة لا يصحح الحمل على التقيّة بعد عدم كون الطابع العام كذلك. اللّهمّ‌ إلاّ إذا بنينا على ما اختاره صاحب الحدائق من عدم اشتراط‍‌ الحمل على التقية باختبار العامة لمضمون الرواية بل يكفي كون الغرض القاء الخلاف في الأوساط‍‌ الشيعية تحفّظا عليها من وحدة الكلمة المستلزمة لمعروفية رأيهم(5).

إلاّ ان هذا الرأي ضعيف لأنّ‌ الأمر بالأخذ بالمخالف و طرح1.


1) يمكن مراجعة مجموع الروايات المذكورة في الأبواب الاولى من صلاة المسافر من وسائل الشيعة.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 9.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 10.

5) الحدائق الناضرة، المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب 4:1.

الموافق يدل على اختصاص الحمل على التقية بحالة الموافقة فقط‍‌.

و لعلّ‌ الأنسب أن يقال: ان روايات تقدير المسافة بثمان لكثرتها الكاثرة يمكن أن تشكّل عنوان السنّة القطعية و يلزم طرح الروايات الثلاث لمخالفتها لها لأنّ‌ الأمر بطرح مخالف الكتاب الكريم ليس إلاّ من جهة انه (الكتاب الكريم) يمثّل حكم اللّه سبحانه القطعي و ذلك ثابت في السنّة القطعية أيضا فيلزم طرح مخالفها.

5 - و اما اعتبار القصد

فلموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستّة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك، ثمّ‌ ينزل في ذلك الموضع. قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة»(1)أي لا يصير مسافرا شرعا إلاّ إذا سار بقصد الثمانية.

و يمكن الاستدلال على المدعى أيضا بأنّ‌ تحقّق قطع المسافة خارجا لما لم يكن معتبرا في وجوب القصر فيلزم كون المعتبر هو القصد.

و بكلمة اخرى: لما جاز التقصير عند حدّ الترخص مع عدم تحقّق قطع المسافة خارجا فلازم ذلك كون المدار على قصد القطع.

6 - و اما انه لا يلزم في المسافة أن تكون امتدادية بل تكفي

التلفيقية

فلان الروايات في المقام على ثلاثة أصناف:

بعضها، كموثقة سماعة: «سألته عن المسافر في كم يقصر


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث 3.

الصلاة‌؟ فقال: في مسيرة يوم و هي ثمانية فراسخ»(1)جعل المدار على الثمانية.

و بعضها الآخر كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ»(2)جعل المدار على أربعة.

و ثالث، كصحيح معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة‌؟ قال: بريد ذاهبا و بريد جائيا»(3)جعل المدار على البريد ذاهبا إذا انضم إليه البريد جائيا.

و بالثالث يحصل الجمع بين الأولين، بل في صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن التقصير، قال: في بريد. قلت:

بريد؟ قال: انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه»(4)تصريح بذلك.

7 - و اما عدم اعتبار الرجوع في اليوم نفسه في المسافة الملفقة

فقد وقع محلا للاختلاف فالمنسوب إلى المشهور أن قاصد الرجوع ليومه ملزم بالتقصير و غيره بالخيار بينه و بين الاتمام. و عن ثان الالزام بالاتمام لمن لم يقصد الرجوع ليومه. و عن ثالث الالزام بالقصر مطلقا. و هو الصحيح لوجهين:

الأوّل: التمسّك بإطلاق صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة: «قال:

بريد ذاهبا و بريد جائيا». و دعوى انصرافه إلى العود في نفس اليوم أو الليلة لا نعرف لها وجها خصوصا في مثل ذلك الزمان.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 13.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 9.

الثاني: التمسّك بما دلّ‌ على ان أهل مكّة إذا قصدوا الحجّ‌ و خرجوا إلى عرفات قصروا كصحيح معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان أهل مكة يتمّون الصلاة بعرفات‌؟ فقال: ويلهم أو ويحهم و أي سفر أشد منه.

لا تتمّ‌»(1)و غيره بعد الالتفات إلى ان المسافة إلى عرفات أربعة فراسخ و العود ليس في اليوم نفسه.

و إذا لم يلزم العود في اليوم نفسه فبأي مقدار يجوز أن تكون الفترة المتخللة‌؟ مقتضى اطلاق صحيح معاوية عدم تحديدها بشيء.

غايته يلزم تقييد الإطلاق بأمرين: صدق عنوان المسافر و عدم تحقّق أحد قواطع السفر من قبيل قصد إقامة عشرة أو البقاء ثلاثين يوما و نحو ذلك.

و وجه الأوّل: ان ظاهر بعض الروايات - كموثق عمّار المتقدّم في الرقم 5 - اناطة وجوب القصر بصدق عنوان المسافر.

و وجه الثاني واضح.

هذا و قد يستدلّ‌ على وجوب التمام لمن لا يريد الرجوع في يومه بصحيح محمّد بن مسلم المتقدّم: «سألته عن التقصير، قال: في بريد.

قلت: في بريد؟ قال: انه ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» فان السفر الشاغل لليوم لا يتحقّق إلاّ بالعودة في اليوم نفسه.

و فيه: ان ذيل الصحيح ليس له ظهور قوي يصلح لمعارضة روايات عرفات و لا بدّ من حمله على بعض المحامل من قبيل ان ضم الاياب الى الذهاب يساوي من حيث المقدار شغل اليوم. و لو كان المدار1.


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

على ذلك بنحو الدقة يلزم عدم ثبوت التقصير على من كان ذهابه و عوده في ليلة واحدة أو كان ذهابه في اليوم و إيابه في الليل متّصلا به.

8 - و اما اعتبار استمرار القصد

فلانه مع عدمه اما ان يفرض الرجوع و عدم الاستمرار في قطع المسافة، و لزوم الاتمام فيه واضح لعدم تحقّق المسافة التي هي شرط‍‌ القصر، أو يفرض الاستمرار في قطع المسافة، و في مثله يجب الاتمام أيضا لأنّ‌ ظاهر موثقة عمّار المتقدّمة الدالة على اعتبار القصد اعتباره في جميع المسافة.

9 - و اما اعتبار عدم قصد المرور بالوطن

فلم ينقل فيه خلاف.

و تحقيق حاله يحتاج إلى البحث عن نقطتين:

احداهما: لما ذا كان المرور بالوطن و لو بدون قصد مسبق قاطعا لحكم السفر بحيث يحتاج الى قصد مسافة جديدة بعده و لا ينضم ما سبق إلى ما يأتي‌؟

ثانيتهما: لما ذا كان قصد المرور بالوطن مانعا من الحكم بالقصر و ان لم يتحقّق المرور به فعلا؟

اما بالنسبة الى النقطة الأولى فلان الخارج من وطنه ثانيا كالخارج منه أوّلا في ان دليل وجوب القصر يحكم عليه بعدم ثبوت القصر إلاّ بعد ثمانية فراسخ من بعد الوطن.

و اما بالنسبة إلى النقطة الثانية فلان ظاهر دليل اعتبار القصد - و هو موثق عمّار المتقدّم في الرقم 5 - اعتبار صدق المسافر طيلة المسافة و ان يكون القصد منذ البداية متعلّقا بالمسافة التي يصدق طيلتها عنوان المسافر.

10 - و اما اعتبار عدم قصد الاقامة قبل بلوغ المسافة

فهو ممّا لا خلاف فيه أيضا. و يحتاج توضيح الحال فيه إلى بيان نقطتين:

الأولى: لما ذا كانت الإقامة في مكان قبل بلوغ المسافة و لو بدون قصد مسبق قاطعة للسفر بحيث يحتاج القصر إلى قصد مسافة جديدة و لا ينضم ما يأتي إلى ما سبق‌؟

الثانية: لما ذا كان قصد الإقامة قبل بلوغ المسافة قاطعا للسفر و لو لم تتحقّق الإقامة فعلا؟

اما بالنسبة الى النقطة الاولى فالحال فيها واضح بناء على ان الاقامة عشرة قاطعة للسفر موضوعا و حكما - لا حكما فقط‍‌ - حيث يصير محل الإقامة بمنزلة الوطن.

و اما بناء على قاطعيتها للحكم فقط‍‌ فيشكل الأمر لصدق عنوان المسافر طيلة المسافة المقصودة.

و قد يستدل لذلك بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير فإذا زار البيت أتمّ‌ الصلاة، و عليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر»(1)، فإنّه دلّ‌ على ان الخروج الأول إلى منى يوجب القصر لفرض قصد الذهاب إلى عرفات التي يبلغ الذهاب إليها و العود منها مقدار المسافة، و هذا بخلافه في الخروج الثاني فإنّه لا يوجب القصر لعدم قصد المسافة، و هذا لا يتمّ‌ إلاّ بناء على ان الاقامة عشرة في مكان قاطعة للسفر السابق و يحتاج العود إلى


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب صلاة المسافر الحديث 3.

القصر الى قصد مسافة جديدة و إلاّ كان المناسب الحكم بالقصر في الخروج الثاني إلى منى أيضا.

و لربّما يمكن التمسّك لذلك أيضا بصدر الرواية: «و هو بمنزلة أهل مكة».

بل قد يتمسّك لذلك أيضا باستصحاب وجوب التمام الثابت في محل الإقامة و قبل بلوغ حدّ الترخص.

و في الكلّ‌ نظر.

أما الأوّل فلان الإقامة عشرة انما تمنع من القصر لو لم ينتف مفعولها بالسفر الشرعي، و المفروض تحقّقه بالسفر الى عرفات، و معه فالحكم بالاتمام في الخروج الثاني الى منى قضية لا ينفع الاستدلال بها في المقام.

و اما الثاني فلاحتمال كون المقصود من جملة: «و هو بمنزلة أهل مكّة» انه بمنزلتهم في الحكم بوجوب التمام لا أكثر.

و اما الثالث فلان الأصل لا تصل النوبة إليه بعد المطلقات الدالة على ثبوت القصر في حق المسافر ثمانية فراسخ. هذا مضافا الى كونه تعليقيّا، إذ المستصحب هو وجوب اداء الصلاة الجديدة تماما ان حلّ‌ وقتها في المكان السابق.

هذا و قد يستدل على المطلوب بوجهين آخرين:

أحدهما: تطبيق القاعدة الكليّة التي استفادها بعض الأعلام من النصوص، و هي ان كلّ‌ من وجب عليه اداء الصلاة تماما لا تنتقل وظيفته إلى القصر إلاّ بقصد ثمانية فراسخ لموثق سماعة: «سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة‌؟ فقال: في مسيرة يوم، و ذلك بريدان،

و هما ثمانية فراسخ»(1)، فانه يستفاد منه ان المكلف لا تنتقل وظيفته من التمام الى القصر إلاّ بعد قصد ثمانية فراسخ. و في محل الاقامة حيث ان الوظيفة هي التمام فلا بد للانتقال الى القصر من قصد مسافة جديدة.

ثانيهما: ان يستظهر ممّا دلّ‌ على وجوب القصر من حين الوصول إلى حدّ الترخص و حتى نهاية السفر ان وظيفة المكلف لا تصير قصرا إلاّ إذا كان يجب عليه القصر من حين بلوغ حدّ الترخص و حتى آخر المسافة، و معه فإذا كانت الوظيفة هي التمام وسط‍‌ المسافة - كما هو المفروض في المقام لفرض تحقّق الإقامة في الاثناء - فلا تنتقل الى القصر بعد بلوغها.

و هذان الوجهان ان تمّ‌ أحدهما أو كلاهما أخذنا به و إلاّ ينحصر المدرك بعدم الخلاف في حكم المسألة الذي يصلح الاستناد إليه في مقام الاحتياط‍‌ دون الفتوى.

و امّا النقطة الثانية فالوجه فيها واضح بناء على زوال عنوان المسافر بالإقامة موضوعا، فانه يضم إلى مقدّمة اخرى و هي انه يلزم في الحكم بالقصر قصد المسافة التي يصدق طيلتها عنوان المسافر، فان تمّ‌ ذلك و إلاّ فالحكم باعتبار عدم قصد الإقامة مشكل.

11 - و اما اعتبار إباحة السفر

فلم ينقل فيه خلاف. و تدلّ‌ عليه صحيحة عبيد بن زرارة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يخرج الى الصيد أ يقصر أو يتمّ‌؟ قال: يتمّ‌، لأنه ليس بمسير حقّ‌»(2)و غيرها. و مقتضى التعليل عدم الفرق بين كون المسير بنفسه معصية


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب صلاة المسافر الحديث 4.

أو كون الغاية منه ذلك.

12 - و اما اعتبار عدم اتخاذ السفر عملا

فهو مورد للاتفاق في الجملة. و مهم الروايات ثلاث:

الأولى: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام يتم الصلاة و يصوم شهر رمضان»(1).

الثانية: صحيحة زرارة: «قال أبو جعفر عليه السّلام: أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكري(2)و الراعي و الاشتقان لأنه عملهم»(3).

الثالثة: موثقة إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه: «سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته و الأمير الذي يدور في امارته و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدّنيا و المحارب الذي يقطع السبيل»(4).

و لا اشكال في وجوب التمام على من كان السفر بنفسه عملا له، و انما الكلام في من كان السفر مقدّمة لعمله فان مثله لم يقع التعرّض له في كلمات المتقدّمين بل المتأخرين أيضا فلم يتعرّض له مثلا في كلام


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

2) كري كغنيّ‌: كثير المشي. و كأنّ‌ المراد به من يكري نفسه للمشي. و الاشتقان أمين البيدر أو البريد. هكذا في الوافي 165:7.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صلاة المسافر الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صلاة المسافر الحديث 9.

الشيخ الهمداني أو السيّد الطباطبائي.

و قد يقال بوجوب التمام عليه لوجهين:

الأوّل: التمسّك بالتعليل: «لأنه عملهم» في صحيح زرارة فإنه يشمل من كان السفر مقدّمة لعمله بقرينة بعض الأمثلة كالراعي.

الثاني: التمسّك بجملة «و ليس له مقام» في الرواية الاولى، فإنّه يدل على ان المدار على عدم الاستقرار في مكان خاصّ‌ و لو لم يكن السفر بنفسه عملا.

و بهذا يتّضح الحال في حكم مثل الطبيب الذي يسافر إلى محل عمله كل يوم أو يومين فإنّه يتم لصدق عنوان «لأنه عملهم» عليه من دون فرق بين محل عمله و الطريق.

كما يتّضح وجوب التمام على من يهاجر الى مدينة للبقاء فيها فترة طويلة لطلب العلم أو غيره لأنه لا يصدق عليه عنوان المسافر و هو فيها، و قد تقدم ان المستفاد من موثق عمار - المتقدم في الرقم 5 - اناطة وجوب القصر بصدق عنوان المسافر. أجل في الطريق اليها لا يتمّ‌ لأنه لا يصدق عليه ان السفر عمله، كما ان عنوان المسافر ليس مسلوبا منه و هو فيه.

و يبقى تحديد الفترة التي يزول فيها عنوان المسافر قضية راجعة إلى العرف، و هي تتأثر بالعوارض الخارجيّة كشراء دار و اتخاذ عمل و ما شاكل ذلك.

13 - و اما اعتبار أن لا يكون ممّن بيته معه

فلموثق إسحاق بن عمّار: «سألته عن الملاحين و الاعراب هل عليهم تقصير؟ قال: لا،

بيوتهم معهم»(1). على ان القاعدة تقتضي ذلك أيضا فإنّه لعدم الاستقرار في مكان معيّن لا يصدق عنوان المسافر عليه حتّى يجب القصر فيتمسّك بالمطلقات الدالة على وجوب الاتمام على طبيعي المكلف.

14 - و اما اعتبار بلوغ حدّ الترخّص

فهو المشهور. و نسب إلى علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق جواز التقصير من حين الخروج من المنزل(2).

و اختلف المشهور في ان المعتبر كلا الخفاءين أو احدهما على البدل أو خصوص خفاء الاذان أو خصوص خفاء الجدران. و منشأ ذلك اختلاف الروايات و كيفية الجمع بينها.

اما ما دل على اعتبار خفاء الجدران فصحيح محمّد بن مسلم:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت»(3).

و اما ما دل على اعتبار خفاء الاذان فصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن التقصير، قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاذان فأتم، و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاذان فقصر. و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك»(4).

و في مقام الجمع قد يطبق ما قرأناه في علم الاصول في مبحث


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صلاة المسافر الحديث 5.

2) الحدائق الناضرة 405:11.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب صلاة المسافر الحديث 3.

تعدّد الشرطيتين المختلفتين شرطا المتحدتين جزاء. و لكنّه غير صحيح لأنّ‌ خفاء الاذان أو الجدران ليس هو الشرط‍‌ الحقيقي لوجوب التقصير بل امارة على الشرط‍‌ الحقيقي و هو سلوك مقدار معيّن.

و المناسب حمل كل واحد من الخفاءين على العلامية على الشرط‍‌ الحقيقي.

و إذا قيل: ان تعدّد العلامة على الشيء الواحد إنّما يحسن في حالة عدم اختلافهما البين، و في المقام يوجد الاختلاف المذكور فان خفاء الاذان يحصل قبل خفاء الجدران. و جعل علامتين من هذا القبيل قبيح لكونه أشبه بالأقلّ‌ و الأكثر الذي لا يعقل جعل التخيير فيه.

كان الجواب: ما دام الشارع يقصد التسهيل على العباد بالاكتفاء الممكن لأي واحدة من العلامتين فلا قبح.

قواطع السفر
اشارة

ينقطع السفر بالمرور بالوطن، أو العزم على الإقامة عشرة متوالية في مكان واحد، أو البقاء في مكان واحد ثلاثين يوما مع التردّد.

و المستند في ذلك:

1 - اما قاطعية الوطن

فلعدم صدق عنوان المسافر ما دام الشخص في وطنه، و المستفاد من موثق عمّار - المتقدّم في رقم 5 - و غيره ان القصر حكم خاص بالمسافر.

هذا مضافا الى اقتضاء صحيح حماد بن عثمان: «في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر

إنّما المنزل الذي توطنه»(1)و غيره لذلك.

هذا لو كان المقصود من قاطعية الوطن وجوب التمام فيه. و اما لو كان المقصود عدم ضمّ‌ ما يأتي إلى ما سبق و لزوم ملاحظة المسافة من جديد فقد تقدّم وجهه سابقا.

و هل المقصود من الوطن خصوص الأصلي أو يعمّ‌ المستجد؟ تحقيق ذلك غير مهم بعد الاكتفاء بعدم صدق عنوان المسافر على ما تقدم.

2 - و اما قاطعية الإقامة عشرة

فهي من المسلّمات. و تدلّ‌ على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «قلت له: أ رأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصّرا و متى ينبغي أن يتمّ‌؟ فقال: إذا دخلت أرضا فأيقنت ان لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ‌ الصلاة و ان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا اخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين ان يمضي شهر، فان تمّ‌ لك شهر فأتم الصلاة و ان أردت أن تخرج من ساعتك»(2)و غيرها.

3 - و اما اعتبار العزم و عدم كفاية البقاء المجرّد

فللتقييد في الصحيحة المتقدّمة بالايقان.

4 - و اما اعتبار التوالي

فلظهور كلمة «العشرة» في ذلك.

5 - و اما اعتبار وحدة المكان

فلأن الوارد في الروايات التعبير بالمكان و الأرض و البلد و الضيعة. و كل ذلك ظاهر في الوحدة.

أجل لا يضرّ قصد الخروج إلى بساتين البلد و أحيائه و أطرافه لأنها تعدّ جزءا منه عرفا.


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب صلاة المسافر الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب صلاة المسافر الحديث 9.

6 - و اما وجوب التمام على المتردّد ما بعد الثلاثين

فلصحيحة زرارة المتقدّمة و غيرها.

3 - صلاة الجماعة

أحكام الجماعة
اشارة

تستحب الجماعة في جميع الفرائض عدا صلاة الطواف. و لا تشرع في النوافل الأصليّة.

و أقل ما تنعقد به اثنان أحدهما الإمام.

و لا تشترط‍‌ في انعقادها نيّة الامام الامامة إلاّ في الجمعة و العيدين الواجبة.

و تدرك بالتكبير ما دام الامام لم يرفع رأسه من الركوع، و إذا كبّر المأموم و شك في بقاء الامام راكعا جرى الاستصحاب.

و المستند في ذلك:

1 - اما استحباب الجماعة في الجملة فممّا لا إشكال فيه

بل ينبغي عدّ ذلك في الصلاة اليومية من الضروريات. و انما الاشكال وقع في وجود عموم يمكن به اثبات مشروعيتها في جميع الصلوات بحيث يحتاج الخروج عنه إلى مخصص.

و أحسن ما يمكن التمسّك به رواية الشيخ بسنده الى حمّاد عن حريز عن زرارة و فضيل: «قلنا له الصلاة في جماعة فريضة هي‌؟ فقال:

الصلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها و لكنّه سنّة.

من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له»(1).


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2.

و هي من حيث السند تامّة فان الشيخ و ان لم يذكر لها سندا الى حمّاد في المشيخة و ما ذكره من الطرق الثلاث في الفهرست(1)قابل للتأمّل إلاّ ان سند الكليني صحيح.

و تقريب الدلالة: ان جملة «و لكنّها سنّة» عطف على «بمفروض».

و التقدير: و ليس الاجتماع بمفروض و لكنّه سنّة في الصلوات كلّها. و هذا يدلّ‌ على ثبوت العموم الافرادي لها.

و دعوى الانصراف إلى خصوص اليومية لا يتناسب و جملة «في الصلوات كلّها».

و دعوى انها واردة لبيان حكم الجماعة و انها مستحبة و ليست فريضة و لم ترد لبيان أصل المشروعية ليتمسّك بإطلاقها في مورد الشكّ‌. مدفوعة بأن ورودها لذلك لا يتنافى و بيانها لهذا الحكم أيضا بالتبع بقرينة جملة «في الصلوات كلّها».

و دعوى انها ناظرة الى اثبات الاستحباب لخصوص الصلاة التي ثبت فيها مشروعية الجماعة، و معه فلا يمكن التمسّك بها لإثبات المشروعية في مورد الشك.

مدفوعة بأنّ‌ التعبير بجملة «في الصلوات كلّها» يتنافى و إرادة العهد المذكور.

2 - و اما استثناء صلاة الطواف

فلوجهين:

الأوّل: ما ذكره الشيخ النائيني و آخرون من عدم معهودية الاتيان بصلاة الطواف جماعة. بل لم ينقل ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في حجّة الوداع


1) الفهرست: 61.

بالرغم من نقل كثير من خصوصيّات تلك الحجّة، و ذلك يدل على عدم مشروعيتها فيها و يكون بمنزلة المخصص المتصل(1).

الثاني: قصور عموم الصحيحة في نفسه لأنه ناظر إلى الصلوات التي لها وقت محدّد بقرينة «و ليس الاجتماع بمفروض...» بحيث يكون التارك لذلك الاجتماع خارجا عن طريق المسلمين، و واضح عدم مثل ذلك لصلاة الطواف.

3 - و اما عدم مشروعيتها في النافلة

فللقصور في المقتضي بقرينة التعبير بجملة «الصلاة فريضة». مضافا الى عدم معهودية ذلك زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله رغم شدّة اهتمامه بالجماعة. أجل في خصوص نوافل شهر رمضان جوّز الخليفة الثاني الجماعة فيها و استمر ذلك الى يومنا، و قد جاءت صحيحة الفضلاء عن الامامين الباقر و الصادق عليهما السّلام: «ان الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة»(2)ناظرة الى ذلك. و قد ورد في الحديث ان أمير المؤمنين عليه السّلام فترة خلافته حاول الردع عن ذلك فضجّ‌ الناس بنداء «وا عمراه و عمراه» فتنازل عليه السّلام و قال:

«صلّوا» كما ورد ذلك في موثقة الساباطي(3)أو نادى بعض عسكر الامام عليه السّلام: «يا أهل الإسلام غيّرت سنّة عمر» كما في رواية سليم بن قيس الهلالي(4).

4 - و اما التقييد بالأصلية

فلان ما كان فريضة بالأصل مشمول


1) كتاب الصلاة للشيخ الكاظمي 360:2.

2) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 4.

لجملة «الصلاة فريضة» إذ المنصرف منها ما كان فريضة بالأصل.

5 - و اما انعقادها باثنين

فلصحيح زرارة الوارد في الرجلين: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجلان يكونان جماعة‌؟ فقال: نعم، و يقوم الرجل عن يمين الرجل»(1)و لصحيح الفضيل بن يسار الوارد في الرجل و المرأة:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أصلّي المكتوبة بأمّ‌ علي فقال: نعم تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك»(2).

6 - و اما عدم اعتبار نية الامام للإمامة

فلم ينقل فيه خلاف. و قيل بأنّه لا يوجد إطلاق يمكن التمسّك به لإثبات ذلك إذ صحيح زرارة و فضيل المتقدّم ناظر الى العموم الافرادي دون الاحوالي.

و قيل بإمكان التمسّك بإطلاق قولهم عليهم السّلام: «صل خلف من تثق به». و لكن هو على تقدير وجوده لا إطلاق له من هذه الناحية.

و لعلّ‌ الأولى الاستدلال بما دل على جواز ائتمام المأموم المسافر بالامام المقيم و انه بعد انهائه الأوّليتين يجوز له الائتمام به في الأخيرتين(3)بالرغم من غفلة الامام عادة عن مثل ذلك. هذا مضافا الى ان مثل ذلك لو كان معتبرا لنبّه عليه لكثرة الابتلاء به.

7 - و اما استثناء الجمعة و العيدين الواجبة

فلان صحّة الصلاة فيهما متقوّمة بالجماعة فلا بد من قصد كل واحد من المأمومين و الامام لذلك.

8 - و اما ان ادراك الركعة يتحقّق بذلك

فتدلّ‌ عليه الروايات الكثيرة كصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الرجل إذا أدرك


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب أحكام الجماعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب أحكام الجماعة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب صلاة الجماعة.

الامام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثمّ‌ ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة»(1).

كما تدل عليه الروايات الدالة على ان الداخل للمسجد إذا خاف رفع الامام رأسه من الركوع كبّر و مشى(2).

و هكذا الروايات الدالّة على استحباب إطالة الامام ركوعه ليلتحق المأموم به(3).

إلاّ أن في مقابل ذلك أربع روايات كلّها تنتهي إلى محمّد بن مسلم - و هي على هذا بحكم رواية واحدة أو ثنتين - عن أبي جعفر عليه السّلام: «إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الامام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة»(4)تدل على النهي عن الدخول في الجماعة بعد تكبير الامام للركوع.

إلاّ ان صراحة تلك تقتضي حمل النهي في هذه على الكراهة. و مع التنزّل و تسليم استحكام التعارض تتقدّم تلك لأنها لكثرتها بمنزلة السنّة القطعية.

9 - و اما مسألة شك المأموم بعد تكبيره في بقاء الامام راكعا

فقد ذكر بعض الأعلام ان بالإمكان اجراء استصحاب بقاء الامام راكعا إلى حين تحقّق ركوع المأموم فيما إذا كان تاريخ ركوع المأموم معلوما و تاريخ رفع الامام رأسه مجهولا. و لا بدّ أيضا من فرض ان موضوع الحكم ليس هو الاقتران و إلاّ لم يثبت بالاستصحاب المتقدّم


1) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

3) وسائل الشيعة الباب 50 من أبواب صلاة الجماعة.

4) وسائل الشيعة الباب 44 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2.

لأنه لازم عقلي.

و ذكر آخرون: ان موضوع الحكم في صحيحة سليمان حيث انه القبلية - لا ذوات الأجزاء - فلا يثبت بالاستصحاب لعدم الحالة السابقة للقبلية لتستصحب بل مقتضى الاستصحاب عدم تحقّقها.

و بهذا يتّضح ان الأعلام قد ربطوا المسألة بكون الموضوع ذوات الأجزاء أو القبلية.

و يمكن أن يقال: ان مثل هذه الملاحظة الدقيقة لألفاظ‍‌ الرواية و ان الوارد فيها لفظ‍‌ قبل أو غيره - كما نجده في كلمات الأعلام في مسائل متعدّدة - قضية قابلة للتأمّل لأنّ‌ الراوي كثيرا ما ينقل الرواية بمعناها - ففي صحيح ابن مسلم قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «أسمع الحديث منك فأزيد و أنقص. قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس»(1)- و هو لا يلاحظ‍‌ مثل هذه التدقيقات التي تحتاج إلى دراسة اصوليّة ذات سنوات متوالية.

بل حتى لو كان التعبير بنفسه للإمام عليه السّلام فليس بالإمكان ذلك أيضا لأنه عليه السّلام يخاطب اناسا عرفيين لا اصوليين فلو كان يقصد من كلمة «قبل» الإشارة إلى العنوان الانتزاعي لكان من المناسب إيضاح ذلك بشكل أوسع.

و المفهوم من الصحيحة بعد رفع اليد عن مثل هذه التدقيقات اعتبار تحقّق ركوع المأموم عند ما يكون الإمام راكعا، و معه فلدى الشك في بقاء الإمام راكعا لدى ركوع المأموم يجري استصحاب بقائه.9.


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث 9.

شرائط‍‌ الإمام
اشارة

يلزم أن يكون الإمام رجلا إذا كان المأموم كذلك و عادلا صحيح القراءة.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز إمامة المرأة للرجال

فهو من المسلّمات. و يكفي لإثباته اصالة عدم المشروعية بعد فقدان الدليل على الجواز، فان صحيحة زرارة و فضيل المتقدّمة في صدر البحث عن الجماعة ليس لها عموم احوالي. هذا مضافا إلى ان السؤال في بعض الروايات عن جواز إمامة المرأة لمثلها ظاهر في المفروغية عن عدم جواز إمامتها لغيرها، ففي موثق سماعة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة تؤم النساء، فقال:

لا بأس به»(1).

2 - و اما اعتبار العدالة

فقد قيل إنّه من متفرّدات الإمامية. و استدل له:

تارة بموثقة سماعة: «سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة. قال: إن كان إماما عدلا فليصلّ‌ اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوّعا و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو. و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلّ‌ ركعة اخرى و يجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد ان محمّدا عبده و رسوله، ثمّ‌ ليتمّ‌ صلاته على ما استطاع فإن التقيّة واسعة...»(2).


1) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 11.

2) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 2.

و اخرى بصحيحة عمر بن يزيد: «سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن إمام لا بأس به في جميع اموره عارف غير انه يسمع أبويه الكلام الغليظ‍‌ الذي يغيظهما أقرأ خلفه‌؟ قال: لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّا قاطعا»(1)فإنّه جعل المدار على العقوق لأنه ملازم للفسق دون الغلظة التي لا تلازمه كما إذا كانت لأجل الأمر بالمعروف.

و ثالثة بصحيح عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السّلام عن علي عليه السّلام: «الأغلف لا يؤم القوم و ان كان أقرأهم لأنه ضيّع من السنّة أعظمها...»(2).

و رابعة برواية سعد بن إسماعيل عن أبيه: «قلت للرضا عليه السّلام: رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر اصلّي خلفه‌؟ قال: لا»(3).

و الكل كما ترى.

اما الأوّل فلاحتمال ان يراد من العدل ما يقابل المخالف لا ما يقابل الفاسق بقرينة التعليل في الذيل.

و اما الثاني فلاحتمال خصوصية للعقوق لأنه من أعظم الكبائر.

و اما الثالث فلان تضييع أعظم السنّة لا يستلزم ان كل من ضيّع السنّة لا يجوز الاقتداء به.

و اما الرابع فلضعف الرواية سندا بسعد و أبيه لإهمالهما، و دلالة لأنها لا تدلّ‌ على ان من ارتكب ذنبا أو ذنبين - بدون أن يصدق عليه عنوان المقارف للذنوب - لا تجوز الصلاة خلفه.0.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أحكام صلاة الجماعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أحكام صلاة الجماعة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أحكام صلاة الجماعة الحديث 10.

و لا يبقى إلاّ الاجماع، و هو لاحتمال مدركيته لا يصلح للاستناد.

و اما اصالة عدم المشروعية في مثل هذه المسألة ذات الابتلاء الشديد - و مع التأكيد على حضور الجماعات - لا تصلح للمدركية إذ لو كانت العدالة شرطا لأشير إليها لما ذكر.

و عليه فبمقتضى القواعد لا دليل على الشرطية إلاّ ان الاتفاق على اعتبارها يحول دون جزم الفقيه بالفتوى بعدم الاعتبار و يحتم عليه الانتقال إلى الاحتياط‍‌ في اعتبارها.

3 - و اما اعتبار صحّة القراءة

فهو متسالم عليه. و يمكن توجيهه بأن القراءة ليست ساقطة عن المأموم رأسا و انما الامام وكيل و ضامن لها، و لا معنى لضمانه و وكالته إذا لم يأت بها صحيحة، ففي صحيحة سليمان بن خالد: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أ يقرأ الرجل في الاولى و العصر خلف الامام و هو لا يعلم انه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الامام»(1)، و في موثق سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله رجل عن القراءة خلف الامام، فقال: لا، ان الامام ضامن للقراءة...»(2).

و بقطع النظر عن ذلك تكفي اصالة عدم المشروعية لأنّ‌ مقتضى إطلاق أدلّة القراءة لزومها على كلّ‌ مصلّ‌، و الخارج بنحو القدر المتيقن الجماعة عند صحّة قراءة الامام.


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أحكام صلاة الجماعة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 30 من أحكام صلاة الجماعة الحديث 3.

4 - صلاة الجمعة

اشارة

في وجوب صلاة الجمعة عصر الغيبة اختلاف كبير. و هي كالصبح ركعتان إلاّ انها مسبوقة بخطبتين يقوم الامام في الاولى و يحمد اللّه و يثني عليه و يوصي بتقوى اللّه و يقرأ سورة ثم يجلس قليلا و يقوم في الثانية و يحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أئمة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى أصل الحكم
اشارة

فمحل خلاف. و المشهور ثلاثة أقوال: الوجوب التعييني و التخييري و عدم المشروعية. و المهم ملاحظة الأدلّة.

اما الآية الكريمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا نُودِيَ‌ لِلصَّلاةِ‌ مِنْ‌ يَوْمِ‌ الْجُمُعَةِ‌ فَاسْعَوْا إِلى‌ ذِكْرِ اللّهِ‌ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‌ ذلِكُمْ‌ خَيْرٌ لَكُمْ‌ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ تَعْلَمُونَ‌ (1)فلا تدلّ‌ على وجوب عقدها ابتداء بل متى ما عقدت و نودي لها لزم الحضور. و مقتضى الإطلاق عدم شرطية ظهور الامام عليه السّلام، و يقتصر في تقييده على بقيّة الشروط‍‌ التي دلّ‌ الدليل على اعتبارها و ليس منها الحضور.

و اما الروايات فهي:

الاولى: صحيحة زرارة عن الباقر عليه السّلام: «إنّما فرض اللّه عزّ و جلّ‌


1) الجمعة: 9.

على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ‌ في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين»(1). و بمقتضى إطلاق كلمة الناس تشمل الجميع إلى يوم القيامة بما في ذلك عصر الغيبة.

و ممّا يدعم ذلك استثناؤها لعناوين ليس أحدها المكلّف في عصر الغيبة.

إلاّ أنّها ليست ظاهرة في وجوب اقامتها ابتداء بل أعمّ‌ منه و من وجوبها عند النداء لها.

الثانية: صحيحة زرارة الاخرى عن الامام الباقر عليه السّلام: «صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام. فان ترك رجل من غير علّة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض...»(2). و التعبير بجملة «و الاجتماع إليها فريضة» يدل على ان الاجتماع لصلاة الجمعة أمر واجب ابتداء.

و يردها: ان التعبير بكلمة «مع الامام» يدل على افتراض وجود إمام و مأمومين و جماعة منعقدة و انه بعد انعقادها يجب الحضور و التجاوب معها.

الثالثة: صحيحة أبي بصير و محمّد بن مسلم قالا: «سمعنا أبا جعفر محمّد بن علي يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير علّة1.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 1.

طبع اللّه على قلبه»(1).

و يردّها: ان المقصود من ترك حضور الجمعة، و هذا يعني وجود صلاة جمعة و انعقادها و لا يدلّ‌ على لزوم عقدها ابتداء. على ان دلالة «طبع اللّه على قلبه» على الالزام غير واضحة.

الرابعة: صحيحة منصور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلاّ خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبي»(2).

و يردّها: ان من المحتمل كون المقصود انه بعد انعقادها لا يعذر من الحضور فيها أحد و إلاّ كان المناسب استثناء فرد سادس و هو من لا يتمكن من إقامتها نتيجة عدم اجتماع العدد و التصدي لإقامتها.

الخامسة: موثقة الفضل بن عبد الملك: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات فإذا كان لهم من يخطب لهم جمّعوا إذا كانوا خمس نفر، و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين»(3). و قريب منها صحيحة زرارة(4).

و يردها: ان المقصود جاز لهم أن يجمعوا لا أنّهم ملزمون بذلك بقرينة روايات الفرسخين كصحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين»(5)فلو5.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 11.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 16.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 6.

4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 4.

5) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 5.

كانت إقامتها ابتداء لازمة وجب على من بعد فرسخين أن يقيمها في بلده لا أنه يعذر من الحضور فقط‍‌.

هذا مضافا إلى ان إقامتها ابتداء لو كانت واجبة تعيينا لاشتهر ذلك و شاع لشدّة الابتلاء في حين نرى ان ذلك لم يكن معهودا لدى أصحاب الأئمّة عليهم السّلام ففي صحيحة زرارة: «حثّنا أبو عبد اللّه عليه السّلام على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه فقلت نغدوا عليك فقال: لا انما عنيت عندكم»(1). و في صحيحة عبد الملك عن أبي جعفر عليه السّلام:

«مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّه قال: قلت كيف أصنع‌؟ قال:

صلّوا جماعة يعني صلاة الجمعة»(2).

و من خلال هذا ننتهي الى ان صلاة الجمعة واجبة تعيينا في مرحلة البقاء دون الحدوث.

أدلة عدم المشروعية
اشارة

استدل لعدم المشروعية بعدّة وجوه(3):

الأوّل: ما نسب إلى ابن إدريس من ان وجوب الظهر ثابت بيقين

و لا يعدل عنه إلاّ بيقين مثله

لأنّ‌ اليقين لا ينقضه الشك أبدا للإجماع و للرواية الصحيحة: «ليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبدا»(4).

و فيه: ان وجوب الظهر يوم الجمعة مشكوك و لم يثبت بيقين.


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 2.

3) ذكرت في الحدائق الناضرة 436:9 و غيره.

4) وسائل الشيعة الباب 41، 44 من أبواب النجاسات.

و التفسير الذي ذكره للرواية باطل.

الثاني: ان شرط‍‌ انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه، و هو منتف

زمن الغيبة.

و فيه: ان الشرط‍‌ المذكور أوّل الكلام بل هو منفي بعدم إشارة النصوص إليه.

الثالث: دعاء الامام السجّاد في الصحيفة ليوم الجمعة:

«اللّهمّ‌ ان هذا المقام مقام لخلفائك و أصفيائك... قد ابتزوها و أنت المقدّر لذلك...

حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين...»(1).

و فيه: انه لا إشكال في كون الامام عليه السّلام أحقّ‌ باداء الجمعة مع وجوده و ذلك من مناصبه الخاصّة كالقضاوة و الولاية و انما الكلام في غيبته.

2 - و اما انها ركعتان كالصبح

فهو مضافا إلى كونه من المسلّمات يستفاد من موثق سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «صلاة الجمعة مع الامام ركعتان، فمن صلّى وحده فهي أربع ركعات»(2)و غيره.

3 - و اما انه تتقدّمها خطبتان يقرأ فيهما ما ذكر

فلموثق سماعة الآخر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يخطب يعني امام الجمعة و هو قائم يحمد اللّه و يثني عليه ثم يوصي بتقوى اللّه ثمّ‌ يقرأ سورة من القرآن صغيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و على أئمة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات فإذا فرغ من هذا أقام المؤذن فصلّى بالناس ركعتين...»(3)و غيره.


1) الصحيفة السجّادية دعاء رقم 48.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب صلاة الجمعة الحديث 2.

كتاب الصّوم

اشارة

1 - مفطرات الصوم 2 - شرائط‍‌ صحّة الصوم 3 - أحكام عامّة للصوم

1 - مفطرات الصوم

اشارة

الصوم هو الامساك قربة عن المفطرات. و هي:

1 - الأكل و الشرب بلا فرق بين المعتاد و غيره و لا بين الطريق المعتاد و غيره، و لا بين القليل و الكثير.

و لا يجوز ابتلاع ما يخرج من الصدر أو ينزل من الرأس إذا وصل فضاء الفم.

و لا بأس باستعمال الابرة أو القطرة في الاذن و نحوهما و كذا تناول ما تجمع من البصاق في الفم.

و لا يجب تخليل الأسنان إلاّ مع العلم بوصول الطعام إلى الجوف بتركه.

2 - الجماع قبلا أو دبرا فاعلا أو مفعولا.

و لو قصد الجماع و شك في الدخول أو بلوغ مقدار الحشفة وجب القضاء دون الكفارة.

و إذا قصد التفخيذ فدخل في أحد الفرجين بلا قصد لم يجب القضاء.

3 - إنزال المني بعد تهيئة الأسباب المؤدية إليه، اما إذا نزل بلا قصد فلا شيء.

4 - تعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر.

5 - الكذب على اللّه سبحانه أو رسوله صلّى اللّه عليه و آله أو أحد المعصومين عليهم السّلام في رأي كثير.

6 - ايصال الغبار الى الحلق في رأي.

7 - رمس الرأس في الماء.

8 - الاحتقان بالمائع. و مع الشكّ‌ يجوز.

9 - تعمّد القيء.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار القربة في الصوم شرعا بالرغم من عدم اعتبارها

فيه لغة

فلارتكاز المتشرّعة الذي لا يحتمل وصوله من غير الشرع.

و يمكن استفادته أيضا من الأحاديث الدالّة على بناء الإسلام على خمسة: الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية(1)، فانه لا يحتمل بناء الإسلام على الإمساك غير القربي. على ان الانضمام الى الصلاة و نحوها التي هي قربية جزما قد يؤكد الدلالة على المطلوب.

2 - و اما اعتبار كونه عن المفطرات الخاصة

فمضافا إلى قضاء ارتكاز المتشرّعة بذلك تدل عليه الأدلّة الدالّة على مفطرية ما ذكر بعد ضمّ‌ البراءة عن مفطرية غيرها إليها.

3 - و اما مفطرية الأكل و الشرب

فمضافا إلى وضوحها بين جميع المسلمين يدل عليها قوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ‌ لَكُمُ‌ الْخَيْطُ‍‌ الْأَبْيَضُ‌ مِنَ‌ الْخَيْطِ‍‌ الْأَسْوَدِ مِنَ‌ الْفَجْرِ ثُمَّ‌ أَتِمُّوا الصِّيامَ‌ إِلَى اللَّيْلِ‌ (2)،


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات.

2) البقرة: 187.

و صحيحة محمّد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء»(1)و غيرها. و لا يضرّ عدم صحّة طريق الصدوق الى ابن مسلم بعد صحّة بعض طرق الشيخ في الرواية المذكورة.

4 - و اما التعميم للمعتاد و غيره

فلان حذف المتعلّق يدل على العموم. و احتمال الاختصاص بالمعتاد - كما ينسب إلى السيّد المرتضى و ابن الجنيد منّا و الحسن بن صالح و أبي طلحة الأنصاري من غيرنا(2)- لم يعرف له وجه سوى ان الطعام و الشراب الواردين في الصحيحة المتقدّمة لا يصدق على غير المعتاد لكنه مندفع باحتمال كون المراد منهما المعنى المصدري لا الذوات الخارجية ليستفاد الاختصاص، و مع الاحتمال تصير مجملة لا تصلح للوقوف امام المطلقات كالآية الكريمة.

5 - و اما التعميم من الناحيتين الأخيرتين

فللإطلاق.

6 - و اما عدم جواز ابتلاع ما وصل إلى الفم من الرأس أو الصدر

فلصدق الأكل أو الشرب عليه. أجل مع عدم وصوله إليه لا يصدق عليه ذلك و لا أقل من الشك فيتمسّك بالبراءة.

7 - و اما جواز الابرة و القطرة

فلعدم صدق الأكل و الشرب عليهما فتجري البراءة.

8 - و اما جواز ابتلاع البصاق

فلانصراف اطلاقات النهي عن الأكل و الشرب عن مثل ذلك. و يؤكّد ذلك سيرة المتشرّعة الجارية عليه.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) مصباح الفقيه 364:14.

9 - و اما جواز ترك التخليل

فلان ما يصل الى الجوف - على تقدير تركه - حالة النوم أو غيرها لا يكون عن عمد - بعد ما كان مقتضى الاستصحاب عدم وصوله الى الجوف - حتى يكون مفطرا بل تركه كوضع الطعام الى جنب الصائم إذا احتمل تناوله له حالة نومه. أجل مع العلم بالوصول يكون مصداقا للتعمّد.

10 - و اما مفطرية الجماع

فهي من الضروريات، و يدل عليها قوله تعالى: أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ لَيْلَةَ‌ الصِّيامِ‌ الرَّفَثُ‌ إِلى‌ نِسائِكُمْ‌ ... حَتّى يَتَبَيَّنَ‌ لَكُمُ‌ الْخَيْطُ‍‌ الْأَبْيَضُ‌ مِنَ‌ الْخَيْطِ‍‌ الْأَسْوَدِ مِنَ‌ الْفَجْرِ (1)و صحيحة ابن مسلم المتقدّمة و غيرها.

11 - و اما التعميم من الجهتين

فلإطلاق ما سبق.

12 - و اما ان الشاك في الدخول أو بلوغ مقدار الحشفة يجب عليه

القضاء

فلقصده ارتكاب المفطر. و اما عدم وجوب الكفارة فلأصالة عدم تحقّق موجبها.

ثم انه لا اشكال في ان الجماع الموجب للغسل ليس الا ما كان بمقدار الحشفة لصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: «سألت الرضا عليه السّلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل‌؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة‌؟ قال: نعم»(2)و غيرها. و اما الجماع المحرم على الصائم و الموجب لبطلان صومه فلا دليل على تقيده بذلك الا اذا استفدنا من الروايات ان المحرّم في باب الصوم هو الجماع


1) البقرة: 187.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 2.

الموجب للجنابة و الغسل.

13 - و اما عدم وجوب القضاء على من تحقّق الدخول منه مع

قصده التفخيذ

فلعدم تعمّده.

14 - و اما مفطرية انزال المني

فهي متسالم عليها. و يدل عليها صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني. قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع»(1)فان وجوب الكفارة يدل بالالتزام على المفطرية و وجوب القضاء. و هو ان اختص بالعبث بالأهل إلاّ أنّه يمكن التعدّي منه إلى سائر الأسباب بالأولوية.

و يؤكد التعميم صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن رجل يمسّ‌ من المرأة شيئا أ يفسد ذلك صومه أو ينقضه‌؟ فقال: ان ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني»(2)فانه يمكن أن يستفاد منه ان نزول المني بما هو و بقطع النظر عن السبب مفطر.

15 - و اما انه لا شيء إذا نزل بلا قصد

فلان المفطر هو الفعل الاختياري إذ بعد قصور المقتضي يتمسّك في غيره بالبراءة.

و منه يتّضح عدم مفطرية الاحتلام. على انه ورد في صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة...»(3).

كما يتّضح ان المحتلم يجوز له في النهار الاستبراء و ان علم


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

بوجود بقايا من المني في المجرى فان نزوله من نتائج الاحتلام السابق الذي حكم بأنّه لا يفطر الصائم.

أجل خصوص قضاء شهر رمضان يضر فيه الاصباح جنبا و ان لم يكن عن تعمّد لصحيحة عبد اللّه بن سنان: «سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل و لا يغتسل حتى يجيء آخر الليل و هو يرى ان الفجر قد طلع. قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره»(1)و غيرها.

16 - و اما مفطرية تعمّد البقاء على الجنابة

فهي المشهور - و نسب الخلاف الى الصدوق و الداماد و الأردبيلي(2)- لموثق أبي بصير عن عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ‌ ترك الغسل متعمّدا حتى أصبح. قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا...»(3)و غيره. و وجوب الكفارة يدل بالالتزام على المفطرية و وجوب القضاء.

نعم في مقابل ذلك صحيح حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ‌ يجنب ثم يؤخر الغسل متعمّدا حتى يطلع الفجر»(4)و صحيح العيص بن القاسم:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل


1) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) الحدائق الناضرة 113:13-114.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5.

فأخّر الغسل حتى طلع الفجر، فقال: يتم صومه و لا قضاء عليه»(1).

و يرد الأوّل عدم إمكان تصديق مضمونه، خصوصا مع ملاحظة التعبير ب‍‌ «كان» الدالة على الشأنية فلا بدّ من حمله على بعض المحامل.

و الثاني مطلق لا بدّ من حمله على غير حال العمد لصراحة الموثق في النظر إلى العمد.

و إذا تمّ‌ الجمع العرفي بما ذكر و إلاّ يستقر التعارض و يتعيّن الأخذ بالموثق لموافقة الثاني للتقيّة.

17 - و اما مفطرية الكذب على من ذكر

فقد ذهب إليها كثير. و تدلّ‌ عليها موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمة عليهم السّلام يفطر الصائم»(2)و غيرها.

هذا و لكن المناسب حمل ذلك على الاخلال بمرتبة القبول و الكمال لا على الفساد حقيقة بقرينة حصر المفطر في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في ثلاث.

و إذا قيل: ان دلالة الصحيحة على نفي وجود مفطر آخر بالإطلاق فيقيّد.

كان الجواب: ان لسانها يأبى قبول التقييد كما هو واضح.

و ممّا يؤكّد عدم كون الناقضية حقيقية موثّقة أبي بصير: «سمعت أبا عبد اللّه يقول: الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم. قال: قلت له:

هلكنا. قال: ليس حيث تذهب، انما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4.

و على الأئمّة عليهم السّلام»(1)فان ناقضية الكذب للوضوء ما دامت ليست حقيقية فبقرينة وحدة السياق يثبت كون المقصود ذلك في مفطريته للصوم أيضا.

و عليه فالحكم بمفطرية الكذب لا ينبغي أن يكون إلاّ على مستوى الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور.

18 - و اما الغبار

فقيل بإيجابه للقضاء و الكفارة. و قيل بإيجابه القضاء فقط‍‌. كما اختلف في تقييده بالغليظ‍‌ و عدمه. و المستند في المسألة رواية سليمان بن حفص المروزي: «سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمّدا أو شمّ‌ رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فان ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح»(2).

هذا و المناسب حملها على الرجحان و الاستحباب - ان كانت قابلة لذلك - بقرينة وحدة السياق مع المضمضة و الاستنشاق و شمّ‌ الرائحة التي هي ليست من المفطرات جزما.

و التفكيك في السياق الواحد لو قبلناه بناء على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب فإنّما نقبله لو اشتمل على أمرين مثلا - حيث يقال ان مدلولهما الطلب فقط‍‌ فلا يلزم من إرادة الوجوب من أحدهما و الاستحباب من الآخر تفكيك في المدلول الوضعي - دون مثل جملة «فان ذلك مفطّر» التي مدلولها الوضعي ثبوت المفطرية.

هذا مضافا الى ان الرواية المذكورة معارضة بموثقة عمرو بن


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

سعيد عن الرضا عليه السّلام: «سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه فقال: جائز لا بأس. قال: و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال: لا بأس»(1)و بصحيحة ابن مسلم المتقدّمة الحاصرة للمفطرات في ثلاثة و التي لسانها آب عن التقييد كما تقدّم.

و عليه يتعيّن حمل رواية المروزي على الاستحباب ان كانت قابلة لذلك و الا يتم التعارض و التساقط‍‌ و الرجوع الى البراءة.

هذا بقطع النظر عن السند و إلاّ فبالامكان المناقشة تارة من ناحية المروزي حيث لم يثبت توثيقه إلاّ من خلال كامل الزيارات لمن يرى ذلك و اخرى من ناحية الاضمار بعد عدم كون المضمر من أجلة الرواة.

و اثبات الشيخ و الصفار لها في كتابيهما(2)غير نافع فإنّه تبجح باجتهادهما. و الأنسب التمسّك بالبيان المتقدّم في أبحاث سالفة لإثبات حجّيّة كلّ‌ رواية مضمرة.

و من كل هذا يتّضح عدم الوجه في الحكم بمفطرية الغبار.

19 - و اما رمس الرأس

فالمشهور مفطريته - و قيل بحرمته التكليفيّة فقط‍‌ - لصحيحة ابن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء»(3). إلاّ أن في مقابلها موثقة إسحاق بن عمّار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمّدا عليه


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2.

2) تهذيب الاحكام 214:4.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

قضاء ذلك اليوم‌؟ قال: ليس عليه قضاؤه و لا يعودن»(1).

و قد يجمع بحمل الاولى على الحرمة التكليفيّة بقرينة نفي وجوب القضاء في الثانية.

و فيه: ان لازم هذا حمل الاضرار على الاضرار بالصائم بما هو مكلّف و ليس على الاضرار بحيثية الصوم. و هو بعيد جدّا.

و قد يجمع بحمل الاولى على الكراهة الوضعية و المرتبة الضعيفة من البطلان و يكون المقصود من النهي عن العود النهي الكراهتي.

و فيه: ان لازم ذلك التفكيك في السياق الواحد للصحيحة. و هو بعيد جدّا أيضا.

و قد يقال: ان التعارض بينهما مستقر و تحمل الثانية على التقية.

و فيه: انه وجيه لو لم يمكن تفسير الثانية بما يرتفع به التعارض بأن يقال: ليس المقصود من الارتماس عمدا ارتماس المكلف و هو عالم بحرمة الارتماس و بكونه صائما و انما المقصود انه بالرغم من التفاته الى كونه صائما ارتمس لجهله بحرمة الارتماس و أجاب عليه السّلام بنفي القضاء تطبيقا لقانون: «أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»(2).

و النتيجة من كل هذا الحكم بمفطرية الارتماس لا من جهة ترجيح الصحيحة لمخالفتها للتقية بعد استقرار التعارض بل لما ذكر.

20 - و اما الاحتقان بالمائع

فلا إشكال في حرمته التكليفيّة - و لم ينسب الخلاف إلاّ إلى ابن الجنيد(3)- لصحيحة ابن أبي نصر عن أبي


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

3) الحدائق الناضرة 144:13.

الحسن عليه السّلام: «الرجل يحتقن تكون به العلّة في شهر رمضان، فقال:

الصائم لا يجوز له أن يحتقن»(1)، و هي و إن كانت ضعيفة بسهل في طريق الكليني لكنّها صحيحة بأحد الطريقين الآخرين.

و الاحتقان إذا لم يحكم بانصرافه الى المائع فلا بدّ من تقييده بذلك لموثقة الحسن بن فضال: «كتبت الى أبي الحسن عليه السّلام ما تقول في التلطف بالاشياف(2)يستدخله الإنسان و هو صائم‌؟ فكتب: لا بأس بالجامد»(3).

و هي إذا كانت ضعيفة بطريق الكليني فليست كذلك بطريق الشيخ.

و هل يحكم بالمفطرية أيضا؟ لا يبعد ذلك، لقرب ظهور النهي في باب المركبات عرفا في الارشاد الى المانعية و الفساد على تقدير المخالفة.

و ممّا يؤكّد ذلك ان السائل قد فرض الحاجة الى الاحتقان و معه لا معنى للجواب بالحرمة التكليفيّة بل لا بدّ ان يكون ناظرا للإرشاد إلى الفساد.

21 - و اما جواز الاحتقان مع الشك في كونه بالمائع أو الجامد

فلانه مع كون الشبهة مفهومية يشك في سعة النهي عن الاحتقان للمشكوك و يكون المورد من الشبهة الحكمية التحريمية و الأصل فيها البراءة. و مع كونها موضوعية فحيث لا يمكن التمسّك بالعام - لكون الشبهة مصداقية - فيتمسّك بالبراءة.

أجل هذا يتم بناء على انصراف الاحتقان الى المائع. و اما بناء


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4.

2) التلطف: ادخال الشيء في الفرج. و الاشياف: جمع شيف نوع من الدواء.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2.

على عمومه و التقييد بالموثقة فاللازم الاجتناب.

اما على تقدير كون الشبهة مفهومية فللزوم التمسّك بالعام في مورد المخصص المنفصل المجمل مفهوما.

و اما على تقدير كونها موضوعية فلان الموضوع للنهي هو الاحتقان و ان لا يكون بالجامد، و الجزء الأوّل محرز بالوجدان و الثاني ان لم يمكن احرازه بالاستصحاب النعتي - لعدم احراز حالته السابقة - فبالامكان احرازه باستصحاب العدم الأزلي بناء على جريانه.

نعم بناء على عدم جريانه يكون المورد مجرى للبراءة لعدم إمكان التمسّك بالعموم لكون الشبهة مصداقية.

هذا إذا كنّا نرفض القاعدة الميرزائية القائلة: ان «الترخيص المعلّق على عنوان وجودي متى ما استثني من حكم لزومي فلا يثبت الترخيص إلاّ مع إحراز العنوان الوجودي»(1)و إلاّ فالمناسب لزوم الاجتناب أيضا.

22 - و اما تعمّد القيء

فالمشهور مفطريّته - خلافا لابن إدريس فاختار حرمته التكليفيّة فقط‍‌(2)- لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر، و إن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتم صومه»(3)و غيرها.

و اما صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهما السّلام:


1) اجود التقريرات 195:2. فوائد الاصول 384:3.

2) السرائر 378:1.

3) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

«ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة»(1)فلا بدّ من حملها على من ذرعه لما سبق.

2 - شرائط‍‌ صحّة الصوم

اشارة

يشترط‍‌ في صحّة الصوم: الإسلام و العقل و الخلو من الحيض و النفاس و السفر الموجب للقصر - إلاّ السفر مع الجهل أو من الوطن و ما بحكمه بعد الزوال أو إليه أو إلى المحل الذي يعزم فيه على الإقامة قبل الزوال - و المرض المضر. و يكفي الخوف لإحرازه. و لا تعتبر فعليّته. و يكفي خوف مطلق الضرر. و قول الطبيب الحاذق حجّة.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار الإسلام

فمتسالم عليه. و هو واضح بناء على عدم شمول الخطاب بالتكاليف للكفّار فإنّ‌ صحّة العمل فرع شمول الخطاب.

و اما بناء على شموله فقد استدلّ‌ بجملة من الآيات الكريمة كقوله تعالى: وَ ما مَنَعَهُمْ‌ أَنْ‌ تُقْبَلَ‌ مِنْهُمْ‌ نَفَقاتُهُمْ‌ إِلاّ أَنَّهُمْ‌ كَفَرُوا بِاللّهِ‌ وَ بِرَسُولِهِ‌ (2)فانه بضم الاولوية تعمّ‌ سائر الموارد، و بالنصوص الدالة على اعتبار شرطية الولاية المفقودة لدى الكافر، كصحيحة عبد الحميد بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و كذلك هذه الامة العاصية المفتونة بعد نبيّها صلّى اللّه عليه و آله و بعد تركهم الامام الذي نصبه نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله لهم فلن يقبل اللّه لهم عملا و لن يرفع لهم حسنة حتّى يأتوا اللّه من حيث


1) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 8.

2) التوبة: 54.

أمرهم و يتولوا الامام الذي أمروا بولايته و يدخلوا من الباب الذي فتحه اللّه و رسوله لهم»(1)و غيرها.

و منه يتضح اعتبار شرطية الايمان أيضا.

هذا و بالإمكان مناقشة النصوص المذكورة بكونها ناظرة الى القبول الذي يعني ارتفاع العمل إلى ساحة القدس و هو مغاير للصحّة بمعنى تحقّق الامتثال و فراغ الذمّة. قال تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ‌ اللّهُ‌ مِنَ‌ الْمُتَّقِينَ‌ (2)و في حديث الصلاة: «... فإن قبلت قبل سائر عمله، و إذا ردّت رد عليه سائر عمله»(3). و في صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من قبل اللّه عزّ و جلّ‌ منه صلاة واحدة لم يعذبه، و من قبل منه حسنة لم يعذبه»(4)و في صحيحة العيص بن القاسم: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «و اللّه انه ليأتي على الرجل خمسون سنة ما قبل اللّه منه صلاة واحدة فأي شيء أشدّ من هذا. و اللّه انكم لتعرفون من جيرانكم و أصحابكم من لو كان يصلّي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها. ان اللّه لا يقبل إلاّ الحسن فكيف يقبل ما استخف به»(5). و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «ان العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها فما يرفع له إلاّ ما أقبل عليه منها بقلبه. و انما أمرنا بالنافلة ليتمّ‌ لهم بها ما نقصوا من الفريضة»(6).3.


1) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 5.

2) المائدة: 27.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 10.

4) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 7.

5) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 2.

6) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 3.

و عليه فمهم المستند هو التسالم.

2 - و اما شرطية العقل

فلعدم تأتي النيّة بدونه. على ان الخطاب بالتكليف إذا لم يكن شاملا للمجنون فلا يبقى دليل على الصحة بعد ذلك.

3 - و اما الخلو من الحيض و النفاس

فلصحيحة العيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة تطمث في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس. قال: تفطر حين تطمث»(1)و غيرها. و هي صحيحة بطرقها الثلاث. و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المرأة تلد بعد العصر أ تتم ذلك اليوم أم تفطر؟ قال:

تفطر و تقضي ذلك اليوم»(2)و هي صحيحة بطريقيها بناء على كفاية شيخوخة الاجازة.

هذا و لكن في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل و تشرب، و ان عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل و لتعتدّ بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل و تشرب»(3). و ليس في السند من يتوقف من ناحيته إلاّ الأحمر و لكن الشيخ المفيد قد عدّه في رسالته العددية من الأمناء على الحلال و الحرام عند تعرضه لشهر رمضان و انه قد ينقص أو يزيد(4). إلاّ أن الرواية مهجورة لدى الأصحاب و لم يعرف عامل بها


1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 4.

4) الدر المنثور للشيخ علي حفيد صاحب المعالم 131:1.

فتسقط‍‌ بذلك عن الاعتبار.

4 - و اما شرطية عدم السفر

فهي من المسلّمات - و لم ينسب الخلاف إلاّ الى المفيد في غير شهر رمضان(1)- و يدل عليها قوله تعالى:

وَ مَنْ‌ كانَ‌ مَرِيضاً أَوْ عَلى‌ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ‌ مِنْ‌ أَيّامٍ‌ أُخَرَ (2)و موثقة سماعة:

«سألته عن الصيام في السفر قال: لا صيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فسمّاهم العصاة، فلا صيام في السفر إلاّ الثلاثة أيّام التي قال اللّه عزّ و جلّ‌ في الحجّ‌»(3)و غيرها.

5 - و اما اعتبار إيجاب السفر للقصر

فلصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت»(4)و غيرها.

6 - و اما استثناء المسافر الجاهل بلزوم الافطار

فلصحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه»(5)و غيرها.

و اطلاقها يشمل الجاهل بأصل الحكم أو ببعض الخصوصيّات، كلزوم الافطار على من سافر قبل الزوال و عاد بعده.

و إذا قيل: هي معارضة بصحيحة معاوية بن عمّار: «... إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزه، و عليه الإعادة»(6)، فإنّها بإطلاقها


1) الحدائق الناضرة 185:13.

2) البقرة: 185.

3) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

5) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5.

6) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

تشمل الجاهل أيضا.

قلنا: ان تلك صالحة لتقييد هذه فتقيدها بالعالم بمقتضى قانون الإطلاق و التقييد.

أجل يلزم أن لا يحصل العلم بالحكم أثناء النهار و إلاّ لم يصح الصوم لأنه يصدق آنذاك انه صام بعلم لا بجهالة.

كما يختص الحكم بالجاهل دون الناسي، إذ صحيحة العيص اخرجت الجاهل فقط‍‌ فيبقى الناسي مشمولا لإطلاق صحيحة معاوية.

7 - و اما استثناء السفر بعد الزوال

فهو رأي مشهور حيث قيل بإيجاب السفر قبل الزوال للإفطار بخلاف ما كان بعده. و قيل ان المدار على النية فمن بيّتها ليلا أفطر و إلاّ أتمّ‌. و قيل بايجاب مطلق السفر للإفطار بلا تقييد. و قيل بأن المدار في الافطار على التبييت و الخروج قبل الزوال و بانتفاء أحدهما يجب الصوم. و قيل غير ذلك. و منشأ ذلك اختلاف النصوص. و المهم منها طائفتان:

الاولى: ما دلّ‌ على ان الخروج قبل الزوال موجب للإفطار بخلاف ما كان بعده. و تتمثل هذه في ثلاث أو أربع روايات منها صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: ان خرج قبل الزوال فليفطر، و ان خرج بعد الزوال فليصم...»(1).

الثانية: ما دل على ان من بيّت النيّة يفطر دون من لم يبيت.

و تتمثّل هذه في خمس روايات تقريبا. و المعتبر منها موثقة علي بن


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السّلام: «الرجل يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله‌؟ قال: إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، و ان لم يحدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، و ان لم يحدّث نفسه من الليلة ثم بدا له في السفر من يومه أتمّ‌ صومه»(1).

و التعارض ثابت بينهما في موردين: السفر قبل الزوال بدون نيّة مسبقة، و السفر بعده مع النية.

و بعد استقرار التعارض يمكن ترجيح الاولى من جهة مخالفتها للتقيّة على ما قيل، و بذلك يثبت الرأي الأوّل المشهور.

و إذا تمّ‌ هذا و إلاّ فالمناسب التساقط‍‌ في مادتي المعارضة و الرجوع إلى إطلاق الكتاب الكريم الدالّ‌ على لزوم الافطار فيهما. و يبقى احتياط‍‌ الفقيه في فتواه أمرا مناسبا.

8 - و اما المسافر العائد إلى وطنه

فالمشهور التفصيل فيه بين قدومه قبل الزوال فعليه الصوم ان لم يكن قد أفطر و ما بعده فليس له ذلك لموثق أبي بصير: «سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به»(2)و غيره. أجل هو قبل الوصول الى وطنه بالخيار لصحيح محمّد بن مسلم: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله فهو بالخيار ان شاء صام و إن شاء أفطر»(3)و غيره.


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 10.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

9 - و اما الداخل بلدا يعزم فيه على الإقامة فعليه صومه ان وصله

قبل الفجر و له ذلك ان وصله قبل الزوال

لصحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، و ان دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه و ان شاء صام»(1). هذا و لكن المعروف وجوب الصوم عليه متى ما وصل قبل الزوال بدون تفرقة بين ما قبل الفجر و ما بعده.

10 - و اما اعتبار عدم المرض المضرّ

فيدل عليه كتاب اللّه العزيز وَ مَنْ‌ كانَ‌ مَرِيضاً أَوْ عَلى‌ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ‌ مِنْ‌ أَيّامٍ‌ أُخَرَ (2)و النصوص الشريفة.

و اما اعتبار استلزامه للضرر فللانصراف إليه و التصريح به في صحيح محمّد بن مسلم: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما حدّ المريض إذا نقه في الصيام‌؟ فقال: ذلك إليه هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم»(3)و غيره.

11 - و اما كفاية الخوف

فلأن ذلك طريق عقلائي في باب تشخيص الضرر، و حيث لم يرد ردع عنه فيكون حجّة. هذا مضافا الى التصريح به في صحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر»(4)، و لا تحتمل الخصوصيّة للمورد.

12 - و اما عدم اعتبار فعلية المرض بل يكفي خوف حدوثه

بالرغم من اقتضاء ظاهر الآية الكريمة اعتبار فعليته

فلعدم احتمال


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

2) البقرة: 185.

3) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 3.

4) وسائل الشيعة الباب 19 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

اعتبار ذلك بل النكتة هي الخوف من المرض المستقبلي بلا خصوصيّة لوجوده الفعلي. على أن في صحيحة حريز السابقة دلالة كافية.

13 - و اما التعدّي إلى مطلق الضرر - كمن به جرح يخاف طول

برئه

• فلفهم العرف المثالية من ذكر المرض في الآية الكريمة.
14 - و اما حجّيّة قول الطبيب الحاذق

فلانه طريق عقلائي لا ردع عنه فيلزم الأخذ به و ان لم يحصل خوف. أجل مع حصول العلم بخطئه أو الاطمئنان فلا حجيّة له لأنه كسائر الحجج التي يختص جعلها بحالة الشكّ‌. و بهذا يتّضح ان الحجّة في باب المرض اما الخوف الوجداني من الضرر أو قول الطبيب.

3 - أحكام عامّة للصوم

اشارة

لا يتحقّق الافطار و وجوب القضاء بما سبق إلاّ مع العمد و الاختيار - فيما عدا البقاء على الجنابة - بلا فرق بين رمضان و غيره. و الجاهل بالمفطرية كالعالم عامد لدى المشهور.

و كفارة الإفطار مخيّرة بين الخصال الثلاث. و العاجز يكفيه الاستغفار. و إذا تمكّن بعد ذلك وجبت عليه.

و الشاك في طلوع الفجر يجوز له البقاء على ارتكاب المفطر. و لو انكشف طلوعه فعليه القضاء فقط‍‌ مع عدم المراعاة. و لو بقي على حالة الشكّ‌ فلا شيء عليه. و الشاك في الغروب لا يجوز له ارتكاب المفطر، و لو فعل فعليه القضاء و الكفارة إلاّ إذا اتّضح دخوله.

و الناوي لارتكاب المفطر بدون تحقّقه الفعلي يجب عليه القضاء فقط‍‌.

و لا يصح الصوم الندبي ممّن عليه القضاء.

و الشيخ و الشيخة إذا شق عليهما الصوم فلهما الإفطار بل لا يحق لهما الصوم و يتعيّن عليهما الفداء و هو مدّ من طعام. و الحكم نفسه يجري على من به داء العطش و المرضعة ذات اللبن القليل و الحامل المقرب التي يضرّ بها أو بحملها الصوم إلاّ ان عليهما القضاء.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار العمد في تحقّق الافطار

فللقصور في المقتضي و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل نسي فأكل و شرب ثمّ‌ ذكر.

قال: لا يفطر، انما هو شيء رزقه اللّه فليتم صومه»(1)و غيرها. و بالتعليل يمكن التعدي الى غير الأكل و الشرب.

بل يمكن استفادة ذلك من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة:

«لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء»(2)فان الاجتناب صادق مع الارتكاب لا عن عمد.

و لربّما يستفاد ذلك من قاعدة: «كل ما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء» المنصوص عليها في أكثر من حديث(3)، و من حديث رفع النسيان(4)بناء على عدم اختصاصه برفع العقوبة الاخروية.

2 - و اما استثناء البقاء على الجنابة

فلوجوب القضاء في النومة


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب من يصح منه الصوم.

4) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

الثانية لصحيح معاوية بن عمّار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل يجنب في أوّل الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان. قال: ليس عليه شيء. قلت: فإنّه استيقظ‍‌ ثم نام حتى أصبح، قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة»(1).

3 - و اما عدم الفرق بين رمضان و غيره

فلإطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة و غيرها، و لا يضر اختصاص بعض النصوص برمضان.

4 - و اما ان الجاهل بالمفطرية كالعالم فعلّل بأنّه عامد و قاصد

غايته لا يعلم بالمفطرية

فتشمله اطلاقات أدلّة المفطرية.

و فيه: ان في المقام روايتين تدلاّن على نفي القضاء فضلا عن الكفارة:

احداهما: موثقة زرارة و أبي بصير: «سألنا أبا جعفر عليه السّلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلاّ ان ذلك حلال له. قال: ليس عليه شيء»(2).

و طريق الشيخ الى ابن فضال و ان كان مشتملا على الزبيري الذي لم يوثق إلاّ أنّه لكونه من مشايخ الإجازة يسهل الأمر فيه.

و على تقدير عدم الاكتفاء بشيخوخة الاجازة فقد يقال في التغلّب على الإشكال من ناحيته بأنّ‌ طريق النجاشي و الشيخ الى ابن فضال يبتدئ بابن عبدون، غايته ان ابن عبدون في طريق الشيخ يحدّث عن الزبيري عن ابن فضال بينما في طريق النجاشي لا يحدّث عن الزبيري بل طريقه الى ابن فضال صحيح، و بما انه لا يحتمل ان ما حدّث به ابن


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 12.

عبدون الشيخ مغاير لما حدّث به النجاشي فيثبت ان كل ما حدّث به الشيخ عن شيخه ابن عبدون قد وصل بالطريق الآخر الصحيح للنجاشي(1).

و الاخرى: صحيح عبد الصمد بن بشير: «... أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»(2)فان مورده و ان كان هو المحرم الذي لبس قميصا حالة الاحرام إلاّ ان المورد لا يخصص الوارد.

و بهذا يتّضح ان ما اختاره ابن إدريس و صاحب الحدائق(3)من نفي وجوب القضاء عن الجاهل فضلا عن الكفارة وجيه، و لكن يبقى من المناسب للفقيه الاحتياط‍‌ في فتواه تحرزا من مخالفة المشهور.

5 - و اما التخيير في خصال الكفارة

فهو المشهور و نسب الى العماني اعتبار الترتيب(4). و الاخبار على طوائف. و المهم منها اثنتان:

احداهما: ما دل على التخيير، كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أفطر في شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر. قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق»(5)و غيرها.

ثانيتهما: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام: «سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما


1) معجم رجال الحديث 82:1.

2) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

3) الحدائق الناضرة 60:13-66.

4) الحدائق الناضرة 218:13.

5) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

عليه‌؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينا، فان لم يجد فليستغفر اللّه»(1)و غيرها. و الرواية صحيحة لأنّ‌ الحر له طريق معتبر إلى جميع الكتب التي ينقل عنها الشيخ و التي من جملتها كتاب علي بن جعفر، و الشيخ له طريق صحيح إليه.

و يمكن الجمع بحمل الثانية على الاستحباب بقرينة الاولى. و مع التنزل و التسليم بالمعارضة يلزم ترجيح الاولى لمخالفتها للتقيّة. و مع التنزل أيضا يتمّ‌ التعارض و التساقط‍‌ و الرجوع الى الأصل و هو يقتضي البراءة من الترتيب لأنه كلفة زائدة مجهولة. و النتيجة واحدة على جميع التقادير.

6 - و اما كفاية الاستغفار للعاجز

فلذيل الصحيحة المتقدّمة.

7 - و اما وجوبها مع التمكّن المتأخّر

فلان الكفارة ليس لها وقت محدّد ليكون وجوبها الجديد بعد الانتقال الى الاستغفار بحاجة الى دليل، بل يبقى دليل وجوبها ملاحقا للمكلف عند تمكّنه.

8 - و اما ان الشاكّ‌ في طلوع الفجر يجوز له تناول المفطر

فللاستصحاب الموضوعي، و بقطع النظر عنه يجري الاستصحاب الحكمي، و بقطع النظر عنه يجوز التمسّك بالبراءة. و بعد هذا لا يبقى وجه للحاجة الى وجوب الامساك من باب المقدّمة العلمية.

9 - و اما ان عليه القضاء لو انكشف الطلوع

فلانه لم يأت بالواجب و هو الامساك ما بين الحدّين. و ما تقدّم من الاصول ينفعه في رفع الحكم


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 9.

التكليفي دون الوضعي. هذا ما تقتضيه القاعدة، إلاّ ان موثقة سماعة:

«سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان.

قال: ان كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ‌ عاد فرأى الفجر فليتم صومه و لا إعادة عليه. و ان كان قام فأكل و شرب ثم نظر الى الفجر فرأى انه قد طلع الفجر فليتم صومه و يقض يوما آخر لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة»(1)فصلت بين المراعاة و عدمها.

10 - و اما انه لا شيء عليه مع بقاء حالة الشكّ‌

فلأصل البراءة بعد عدم المحرز لموضوع وجوب القضاء و الكفارة.

11 - و اما ان الشاك في الغروب لا يجوز له ارتكاب المفطر

فللاستصحاب و قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

12 - و اما ان عليه القضاء و الكفارة

فلانه بالاستصحاب الموضوعي يتنقح موضوعهما بعد ضم الوجدان الى الأصل.

13 - و اما مع اتضاح دخوله

فلعدم تحقّق موضوعهما، غايته تثبت العقوبة من باب التجري.

14 - و اما ان فاقد النية المتواصلة عليه القضاء

فلانه لم يأت بالواجب و هو الامساك عن قصد قربي. و اما عدم وجوب الكفارة فلعدم ارتكابه المفطر الذي هو موضوعها.

15 - و اما عدم صحّة التطوّع ممّن عليه القضاء

فلصحيحة الحلبي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوّع‌؟


1) وسائل الشيعة الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3.

فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان»(1)و غيرها.

16 - و اما الشيخ و الشيخة فمع عدم الحرج يجب عليهما الصوم

لعدم المقيد لإطلاقات الوجوب. و مع الحرج ينتفي عنهما الوجوب لقاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى: ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ (2)و لقوله تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ‌ يُطِيقُونَهُ‌ فِدْيَةٌ‌ طَعامُ‌ مِسْكِينٍ‌ فَمَنْ‌ تَطَوَّعَ‌ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ‌ وَ أَنْ‌ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‌ (3)فان الإطاقة تعني تحمّل الشيء مع المشقّة و ذلك غير الطاقة بمعنى القدرة.

و ليس الحكم منسوخا بقوله تعالى: فَمَنْ‌ شَهِدَ مِنْكُمُ‌ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‌ (4)بدعوى ان الآية الكريمة تدلّ‌ على ان حكم المتمكّن من الصوم في صدر الشريعة هو التخيير بين الفداء و الصوم - وَ أَنْ‌ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‌ - ثم نسخ بالآية الاخرى.

فان ما ذكر مبني على تفسير الاطاقة بالقدرة و لكنه ليس كذلك كما أسلفنا. و جملة وَ أَنْ‌ تَصُومُوا... لا ترجع الى من يطيق الصوم ليثبت التخيير بل الى صدر الآية و هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا كُتِبَ‌ عَلَيْكُمُ‌ الصِّيامُ‌ كَما كُتِبَ‌ عَلَى الَّذِينَ‌ مِنْ‌ قَبْلِكُمْ‌ لَعَلَّكُمْ‌ تَتَّقُونَ‌ * أَيّاماً مَعْدُوداتٍ‌ فَمَنْ‌ كانَ‌ مِنْكُمْ‌ مَرِيضاً أَوْ عَلى‌ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ‌ مِنْ‌ أَيّامٍ‌ أُخَرَ... (5).

فكأنّه يراد بذلك تحريض الأصحاء على الصوم و انه خير لكم. و اما


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5.

2) الحج: 78.

3) البقرة: 184.

4) البقرة: 185.

5) البقرة: 183-184.

قوله: فَمَنْ‌ تَطَوَّعَ‌ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ‌ فهو تحريض على الصوم الندبي.

و بهذا يتّضح أن حكم المطيق هو الفداء فقط‍‌ دون التخيير بينه و بين الصوم كما اختاره جملة من الأعلام بتصوّر دلالة الآية الكريمة على التخيير.

و إذا كان في الآية الكريمة إجمال ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان:

«سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، قال: يتصدّق كل يوم بما يجزئ من طعام مسكين»(1)و غيرها دلالة واضحة.

17 - و اما ان الفداء مدّ من طعام

فلصحيحة محمّد بن مسلم:

«سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان و يتصدّق كلّ‌ واحد منهما في كلّ‌ يوم بمدّ من طعام و لا قضاء عليهما، و ان لم يقدرا فلا شيء عليهما»(2)إلاّ ان في صحيحته الاخرى: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام... و يتصدّق كلّ‌ واحد منهما في كل يوم بمدّين من طعام»(3).

و يمكن الجمع اما بدعوى الاطمئنان بوحدة الرواية - و حمل اختلاف الامامين المسموع عنهما الحديث على الاشتباه - و مع عدم الدليل على صحّة أحد النقلين يتمسّك بالأصل المقتضي للبراءة عن المدّ الزائد، أو بحمل الرواية الثانية على الاستحباب.

18 - و اما من به داء العطش

فحكمه يتّضح من صحيحة محمّد بن مسلم السابقة.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2.

19 - و اما المرضعة و الحامل

فيدل على حكمهما صحيح محمّد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما ان تفطرا في شهر رمضان لأنهما لا تطيقان الصوم و عليهما ان تتصدّق كلّ‌ واحد منهما في كل يوم تفطر فيه بمدّ من طعام و عليهما قضاء كلّ‌ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد»(1).

20 - و اما التقييد بالاضرار

فللتعليل المذكور في الصحيح المتقدّم.


1) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1.

كتاب الزّكاة

اشارة

1 - بم تتعلّق الزكاة 2 - شرائط‍‌ عامة 3 - شرائط‍‌ الوجوب في الانعام 4 - شرائط‍‌ الوجوب في النقدين 5 - شرائط‍‌ الوجوب في الغلات 6 - المستحقّون للزكاة 7 - أوصاف المستحقين 8 - أحكام عامة 9 - زكاة الفطرة و شرائط‍‌ وجوبها

1 - بم تتعلّق الزكاة‌؟

تتعلّق الزكاة بتسعة أشياء: الأنعام الثلاثة، و النقدين، و الغلاّت الأربع.

و المستند في ذلك: الروايات المستفيضة، ففي صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «فرض اللّه عزّ و جلّ‌ الزكاة مع الصلاة في الأموال. و سنّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في تسعة أشياء و عفا عمّا سواهن:

في الذهب و الفضة، و الإبل و البقر و الغنم، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و عفا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمّا سوى ذلك»(1).

و في صحيحة ابن مهزيار زيادة هي: «... فقال له القائل: عندنا شيء كثير يكون أضعاف ذلك، فقال: و ما هو فقال له: الارز فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: أقول لك ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وضع الزكاة على تسعة أشياء و عفا عمّا سوى ذلك و تقول عندنا ارز و عندنا ذرة...»(2).

إلاّ ان بإزاء ذلك روايات اخرى متعدّدة دلّت على ثبوتها في غير


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 6.

ذلك أيضا، ففي صحيحة محمد بن مسلم: «سألته عن الحبوب ما يزكى منها؟ قال عليه السّلام: البرّ و الشعير و الذرة و الدخن و الارز و السلت و العدس و السمسم، كل هذا يزكى و أشباهه»(1).

و يمكن الجمع بحمل الثانية على الاستحباب. و إذا شكك في عرفية الجمع المذكور أمكن الرجوع في مادة المعارضة الى أصل البراءة، و النتيجة واحدة على كلا التقديرين، و هي نفي الوجوب و إن أمكن على الأوّل إثبات الاستحباب بخلافه على الثاني.

2 - شرائط‍‌ عامّة

اشارة

لا تجب الزكاة إلاّ مع البلوغ، و العقل، و الحرية، و الملكية، و التمكّن من التصرّف، و النصاب.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار البلوغ في النقدين

فمتسالم عليه و في غيرهما مختلف فيه.

و يمكن التمسّك للاعتبار المطلق بحديث رفع القلم(2)- بناء على تمامية سنده و لو للانجبار بشهرة العمل - فان دعوى اختصاصه برفع خصوص الأحكام التكليفيّة دون الوضعيّة - كشركة الفقير في أموال الصبي مع تكليف الولي بالدفع - لا وجه لها بعد إطلاق القلم المرفوع.

كما يمكن التمسّك بما دلّ‌ على نفي الزكاة في مال اليتيم


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات.

كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «ليس في مال اليتيم زكاة»(1)، فان الخصوصية لليتم - الذي يختص صدقه بما قبل البلوغ - غير محتملة.

و قد يقال ورد في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام انهما قالا: «ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء، فامّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة»(2). و مقتضاها الوجوب في الغلاّت، و تبقى المواشي مسكوتا عنها فيرجع في نفيها الى إطلاق حديث رفع القلم أو نفيها في مال اليتيم، و بقطع النظر عن ذلك يكفينا أصل البراءة.

و هذا وجيه لو لم تكن الصحيحة المذكورة معارضة بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس في مال اليتيم زكاة و ليس عليه صلاة و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة...»(3)و إلاّ فالمرجع بعد التعارض إطلاق حديث رفع القلم، و بقطع النظر عنه فأصل البراءة.

2 - و اما اعتبار العقل

فيكفي لإثباته حديث رفع القلم. و بغض النظر عن ذلك يكفينا القصور في المقتضي، فإنّ‌ أدلّة وجوب الزكاة حيث انها تدل على الحكم التكليفي فلا يحتمل شمولها للمجنون. و توجيه التكليف بالاخراج الى الولي حيث انه مشكوك فينفى بأصل البراءة.

3 - و اما اعتبار الحرية

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سأله رجل و انا حاضر عن مال المملوك أ عليه زكاة‌؟ فقال:


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 11.

لا و لو كان له ألف ألف درهم...»(1)و غيرها.

هذا بناء على ان العبد يملك - كما هو ظاهر الصحيحة - و إلاّ فالأمر أوضح.

ثم انه لا فرق بين القن و المدبر و أمّ‌ الولد و المكاتب المشروط‍‌ و المطلق الذي لم يؤد شيئا و إلاّ فالمشهور ذهب الى الوجوب إذا كان ما يقع مقابل القسم المتحرّر بعد التوزيع بالغا مقدار النصاب.

4 - و اما اعتبار الملكية

فهو من المسلّمات فلا تجب الزكاة على الموهوب قبل قبضه و لا على الموصى به قبل قبول الموصى له و لا على المباحات العامّة و لا على ما كان ملكا للجهة، كالبستان الموقوف على العلماء.

و الوجه: اقتضاء الأصل لذلك بعد الشكّ‌ في اعتبار الملكيّة. مضافا الى ظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ‌ أَمْوالِهِمْ‌ صَدَقَةً‌ تُطَهِّرُهُمْ‌ (2)، فان عنوان «أموالهم» لا يصدق إلاّ مع الملكية الشخصية.

5 - و اما اعتبار التمكّن من التصرّف

فهو متسالم عليه أيضا فلا تجب الزكاة في المسروق و المجحود و نحوهما.

و تدل عليه موثقة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه. قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فان كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مرّ به من السنين»(3)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 3.

2) التوبة: 103.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 7.

و سند الشيخ الى ابن فضال يمكن تصحيحه بعد كون الزبيري من مشايخ الاجازة.

و اما النصاب فهو و ان كان من الشرائط‍‌ العامة إلاّ انه لاختلاف كمّه باختلاف ما تجب فيه الزكاة نتعرّض له في الشرائط‍‌ الخاصّة.

3 - شرائط‍‌ الوجوب في الانعام

اشارة

يلزم لوجوب الزكاة في الأنعام - بعد الشرائط‍‌ العامة - توفر:

أ - النصاب. و هو في الابل اثنا عشر: 5: شاة، 10: شاتان، 15: ثلاث شياه، 20: أربع شياه، 25: خمس شياه، 26: بنت مخاض، 36: بنت لبون، 46، حقة، 61: جذعة، 76: بنتا لبون، 91: حقتان، 121: في كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون.

و في البقر نصابان: 30: تبيع، 40: مسنة. و الزائد عفو الى ان يمكن حسابه بالثلاثين أو بالأربعين أو بهما.

و في الغنم خمسة نصب: 40: شاة، 121: شاتان، 201: ثلاث شياه، 301:

أربع شياه، 400 فما زاد: في كل 100 شاة.

و الزائد عن كل نصاب عفو حتى يبلغ النصاب الآخر.

ب - السوم فترة الحول. و لا يضر بوجوب الزكاة علفها في أوقات قليلة إذا لم ينتف معه عنوان كونها سائمة.

ج‍‌ - عدم كونها عوامل.

د - مرور حول عليها عند مالكها جامعة للشرائط‍‌.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان نصاب الابل ما ذكر

فلعدّة روايات كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «ليس فيما دون الخمس من الابل شيء، فإذا كانت خمسا ففيها شاة الى عشرة، فاذا بلغت عشرا ففيها شاتان، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث من الغنم، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم، فإذا بلغت خمسا و عشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض الى خمس و ثلاثين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فان زادت على خمس و ثلاثين بواحدة ففيها بنت لبون الى خمس و أربعين، فان زادت واحدة ففيها حقة، و انما سمّيت حقّة لأنها استحقت أن يركب ظهرها الى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة الى خمس و سبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون الى تسعين، فان زادت واحدة فحقتان الى عشرين و مائة، فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كل خمسين حقّة و في كل أربعين ابنة لبون»(1)و غيرها.

و طريق الصدوق الى عمر بن اذينة صحيح على ما في المشيخة.

هذا و لكن ورد في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «في صدقة الابل في كل خمس شاة الى أن تبلغ خمسا و عشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا و ثلاثين، فإذا بلغت خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون ثم...»(2).

و من المظنون وقوع الاشتباه بالحذف. و التقدير: فاذا بلغت ذلك و زادت واحدة ففيها ابنة مخاض... فإذا بلغت خمسا و ثلاثين و زادت


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب زكاة الانعام الحديث 6.

واحدة ففيها ابنة لبون...

2 - و اما نصاب البقر

فتدلّ‌ عليه صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي، و ليس في أقل من ذلك شيء، و في أربعين بقرة مسنة، و ليس فيما بين الثلاثين الى الأربعين شيء حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة، و ليس فيما بين الأربعين الى الستين شيء، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان الى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنة الى الثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففي كلّ‌ أربعين مسنة الى تسعين...»(1).

3 - و اما نصاب الغنم

فتدل عليه صحيحة الفضلاء أيضا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «في كل أربعين شاة شاة، و ليس فيما دون الأربعين شيء، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ عشرين و مائة، فإذا بلغت عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زادت على مائة و عشرين ففيها شاتان، و ليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه ثم ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإذا تمّت أربعمائة كان على كل مائة شاة...»(2).

هذا و لكن في صحيحة محمّد بن قيس: انها إذا بلغت ثلاثمائ‌ة


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب زكاة الأنعام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب زكاة الانعام الحديث 1.

و كثرت الغنم ففي كلّ‌ مائة شاة(1).

و لازم ذلك كون النصب أربعة و انكار النصاب الخامس. و الى ذلك ذهب جماعة من الأصحاب.

و التعارض ان استقر و لم يمكن الجمع بينهما فالمناسب طرح الصحيحة الثانية لموافقتها للجمهور.

و هناك اشكال مشهور و هو انه ما الفائدة من النصاب الخامس بعد ان كانت الفريضة عليه و على النصاب الرابع واحدة.

و أجاب المحقّق في شرائع الإسلام بقوله: «و تظهر الفائدة في الوجوب و في الضمان»(2).

و المقصود: ان الأربعمائة بناء على كونها نصابا مستقلاّ فمحل الوجوب هو الاربعمائة، و لازم ذلك عدم جواز ذبح بعضها قبل اخراج الفريضة، و هذا بخلاف ما لو كان عنده ثلاثمائة و تسعون مثلا فإنّه يجوز ذبح بعضها ما دام قد بقي ثلاثمائة و واحدة.

و أيضا إذا تلفت واحدة من الأربعمائة بلا تفريط‍‌، فإنّه يسقط‍‌ من الفريضة جزء من مائة جزء من شاة واحدة من الشياه الأربع، و هذا بخلاف ما لو كان عنده ثلاثمائة و تسعون مثلا فإنه لا يسقط‍‌ من الفريضة شيء.

4 - و اما اعتبار السوم

فعليه اتفاق المسلمين. و تدلّ‌ عليه صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «ليس على العوامل من الابل


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب زكاة الانعام الحديث 2.

2) شرائع الإسلام 108:1، انتشارات استقلال.

و البقر شيء و انما الصدقات على السائمة المرعية...»(1)و غيرها.

و طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد صحيح. و بقية أفراد السند ثقات.

5 - و اما علفها وقتا قليلا كيوم خلال السنة

فقيل ينتفي معه الوجوب. و قيل ان المدار على ملاحظة أكثر أيام السنة، فإذا كانت في خمسة أشهر معلوفة و في سبعة سائمة وجبت الزكاة و إذا انعكس الأمر لم تجب.

و المناسب كون العبرة بالصدق العرفي كما هو الحال في بقيّة المفاهيم، فإذا كان علفها خمسة أيّام لا يضرّ عرفا بصدق عنوان كونها سائمة وجبت، و إذا فرض عدم صدقه لم تجب.

و في مورد الشكّ‌ في الصدق العرفي تجب تمسّكا بإطلاق وجوب الزكاة على الأنعام لأن المخصص المنفصل إذا كان مجملا مفهوما و دار أمره بين الأقل و الأكثر يلزم الرجوع في مورد الشك الى الاطلاق.

أجل إذا كان إجمال المخصص مصداقيا فلا يجوز التمسك بالإطلاق لعدم جوازه في الشبهة المصداقية. بل يجب الرجوع الى استصحاب الحالة السابقة ان كانت، و مع عدمها فإلى استصحاب العدم الأزلي لعنوان السائمة بناء على حجيّته و إلاّ فإلى أصل البراءة.

6 - و اما انه يلزم أن لا تكون عوامل

فللصحيحة المتقدّمة و غيرها.

إلاّ انه هنا يوجد معارض و هو موثق إسحاق بن عمّار: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن الإبل العوامل عليها زكاة‌؟ فقال: نعم عليها زكاة»(2).


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب زكاة الانعام الحديث 8.

و الجمع بالحمل على الاستحباب ان لم يكن عرفيا فلا بدّ من طرح المعارض اما لهجرانه بين الأصحاب و عدم قائل به أو لحمله على التقيّة.

و الكلام فيما إذا كانت عوامل في بعض الحول هو الكلام المتقدم في السوم.

7 - و اما اعتبار مرور الحول

فللصحيحة المتقدّمة حيث ورد في ذيلها: «و كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه»(1)و غيرها.

4 - شرائط‍‌ الوجوب في النقدين

اشارة

يلزم لوجوب الزكاة في النقدين - مضافا الى الشرائط‍‌ العامّة - توفر:

أ - النصاب. و هو في الذهب عشرون مثقالا، و من ثمّ‌ أربعة أربعة.

و الفريضة ربع عشر. و في الفضة مائتا درهم، و من ثمّ‌ أربعون أربعون.

و الفريضة كذلك.

ب - الضرب بسكة المعاملة.

ج‍‌ - مضي حول.

و المشهور وجوب الزكاة في المغشوش إذا كان الخالص يبلغ النصاب.

و مع الشك لا يجب الاختبار.

و المستند في ذلك:

1 - اما ان نصاب الذهب ما ذكر

فلروايات كثيرة تتجاوز العشر


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب زكاة الانعام الحديث 1.

كموثق علي بن عقبة و عدّة من أصحابنا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شيء فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال الى أربعة و عشرين، فإذا أكملت أربعة و عشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار الى ثمانية و عشرين فعلى هذا الحساب كلّما زاد أربعة»(1)و غيرها.

و الدينار الشرعي يعادل مثقالا واحدا بوزن 18 حمصة. و ربع عشر العشرين نصف دينار، و بضم الأربعة تكون الفريضة ثلاثة أخماس دينار.

و بإزاء الروايات المذكورة صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال... و ليس في أقل من أربعين مثقالا شيء»(2). و مثلها صحيحة زرارة(3).

و الجمع بالحمل على الاستحباب ان لم يكن عرفيا فالمناسب الأخذ بالطائفة الاولى لأنها لكثرتها تشكّل عنوان السنّة القطعية، و بذلك يصدق على الطائفة الثانية عنوان المخالف للسنّة القطعية فيلزم طرحها، فان المخالف للكتاب الكريم انما يطرح لكونه مخالفا للدليل القطعي - و ذلك صادق على المخالف للسنّة القطعية - و لا خصوصية لعنوان الكتاب الكريم و مخالفته.

2 - و اما ان نصاب الفضة ما ذكر

فلم ينقل فيه خلاف. و يدل عليه موثق زرارة و بكير ابني اعين حيث سمعا أبا جعفر عليه السّلام يقول: «في


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 13.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 14.

الزكاة... ليس في أقل من مائتي درهم شيء، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك. و ليس في مائتي درهم و أربعين درهما غير درهم إلاّ خمسة الدراهم، فإذا بلغت أربعين و مائتي درهم ففيها ستّة دراهم، فإذا بلغت ثمانين و مائتي درهم ففيها سبعة دراهم، و ما زاد فعلى هذا الحساب...»(1)و غيره.

و محمّد بن إسماعيل المذكور في السند هو الزعفراني - الذي هو ثقة عين - حيث يروي ابن فضال عنه.

3 - و اما اعتبار الضرب بسكّة المعاملة

فممّا لا خلاف فيه. و تدلّ‌ عليه صحيحة علي بن يقطين عن أبي ابراهيم عليه السّلام: «يجتمع عندي الشيء الكثير قيمته فيبقى نحوا من سنة أ نزكيه‌؟ فقال: لا، كل ما لم يحل عليه الحول فليس عليك فيه زكاة. و كل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شيء. قلت: و ما الركاز؟ قال: الصامت المنقوش. ثم قال: إذا أردت ذلك فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضة شيء من الزكاة»(2)و غيرها.

و المراد بالمنقوش ما كان كذلك بسكة المعاملة و إلاّ فالسبيكة قد يكون فيها نقش أيضا.

و يمكن التمسّك أيضا بما دلّ‌ على نفيها في الحلي كصحيحة هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... ليس على الحلي زكاة»(3)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 10.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب زكات الذهب و الفضة الحديث 2.

و بذلك يتّضح عدم تعلّق الزكاة بالذهب و الفضة في مثل زماننا.

و إذا هجرت السكة لم ينتف الوجوب للاستصحاب التعليقي بناء على حجّيته فيستصحب الوجوب على تقدير مرور الحول الثابت قبل الهجران و إلاّ فالمرجع البراءة.

4 - و اما اعتبار مضي حول

فلصحيحة ابن يقطين المتقدّمة.

5 - و اما وجه ما ذهب اليه المشهور

فلانه بعد بلوغ الخالص مقدار النصاب يكون موضوع الوجوب ثابتا.

و المناسب دوران الأمر مدار صدق عنوان الذهب و الفضة، فمتى ما كان مقدار الغش كبيرا بحيث لا يصدق العنوان فلا وجوب حتى مع بلوغ الخالص مقدار النصاب، و مع صدقه تجب حتى مع عدم بلوغ الخالص ذلك ما دام المجموع بمقدار النصاب لأنّ‌ ذلك لازم كون مصب الحكم عنوان الذهب و الفضة.

6 - و اما انه لا يجب الاختبار
• بناء على كون المدار على بلوغ الخالص مقدار النصاب - فلان الشبهة موضوعية، و المشهور عدم وجوب الفحص فيها لإطلاق أدلّة البراءة. و إنّما لم يتمسّك به في الشبهة الحكمية للمقيد، و هو أدلّة وجوب التفقه و غيرها.

5 - شرائط‍‌ الوجوب في الغلات

اشارة

يلزم لوجوب الزكاة في الغلات الأربع - مضافا الى الشرائط‍‌ العامّة - توفّر:

أ - النصاب. و هو خمسة أوسق - 60 صاعا - التي تساوي 847 كيلوغراما تقريبا.

و الفريضة نصف العشر فيما يستقي بالوسائل المعدّة من المالك كالماكنة و نحوها، و العشر فيما يستقي لا كذلك.

و وقت تعلّق الوجوب - لدعوى المشهور - اشتداد الحب في الحنطة و الشعير و الاحمرار و الاصفرار في ثمر النخل و الانعقاد حصرما في العنب.

و الأوجه جعل المدار على صدق العنوان.

و يلزم الدفع حين التصفية و الاقتطاف.

ب - ثبوت الملكية عند تعلّق الوجوب و لو بغير الزراعة.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى مقدار النصاب

فقد دلّت عليه روايات كثيرة قد تتجاوز العشر، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق، و الوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع ففيه العشر. و ما كان منه يسقى بالرشا و الدوالي و النواضح ففيه نصف العشر. و ما سقت السماء أو السيح أو كان بعلا ففيه العشر تامّا. و ليس فيما دون الثلاثمائة صاع شيء. و ليس فيما أنبتت الأرض شيء إلاّ في هذه الأربعة أشياء»(1).

هذا و في مقابل ذلك موثق الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته في كم تجب الزكاة من الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر؟ قال: في ستّين صاعا»(2). و مثله حديثان آخران يدلاّن على مقدار أقلّ‌ ممّا دلّت عليه صحيحة زرارة.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الغلات الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الغلات الحديث 10.

و إذا أمكن الجمع العرفي بحمل الثانية على الاستحباب تعيّن المصير إليه و إلاّ استقر التعارض و تعيّن طرح الثانية لأنّ‌ الاولى لكثرتها تكوّن سنّة قطعية، و المخالف لها مطروح لنفس نكتة طرح المخالف للكتاب الكريم.

و إذا لم يتم ما ذكر أيضا تعيّن كذلك الأخذ بمضمون الاولى لأنه عند بلوغ المقدار النصاب الذي دلّت عليه الاولى يقطع بتعلّق الوجوب بخلاف ما إذا بلغ ما دلّت عليه الثانية فإنّه حيث لا يقطع بالوجوب يجري أصل البراءة لنفيه.

2 - و اما ان مقدار الفريضة ما ذكر

فللصحيحة السابقة و غيرها.

3 - و اما ان وقت تعلق الوجوب لدى المشهور ما ذكر

فقد استدل له بعدّة وجوه ضعيفة كالإجماع، و ان الحنطة و الشعير يصدقان عند اشتداد الحب و التمر عند الاحمرار أو الاصفرار، و بان الزكاة لو كانت مقصورة على التمر و الزبيب لأدّى ذلك الى ضياع الزكاة لأنه يحتال بجعل العنب و الرطب دبسا و خلاّ.

و المناسب أن يقال: إن المدار على صدق العنوان تمسّكا بظاهر قوله عليه السّلام: «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب...».

على ان ذلك مقتضى أصل البراءة في بعض الحالات لا جميعها، إذ من اشترى كميّة من الرطب و جفّفه و كان بمقدار النصاب فعلى القول الثاني تجب الزكاة على المشتري، و ذلك مخالف لأصل البراءة.

و تظهر الثمرة بين القولين أيضا في الفترة ما بين الاشتداد مثلا و صدق العنوان فإنّه على المشهور لا يجوز التصرّف إلاّ بعد الخرص و ضمان الزكاة بخلافه على الثاني.

4 - و اما ان الدفع لا يجب إلاّ فيما ذكر

فلأن سكوت النصوص عن تحديد وقت الدفع كاشف عن لزومه في الوقت الذي يتعارف فيه الاقتطاف. مضافا الى قضاء السيرة القطعية المستمرة على ذلك.

5 - و اما اشتراط‍‌ التملّك وقت الوجوب فهو بديهي

لأنّ‌ الوجوب يتعلّق بالمالك دون غيره.

و اما عدم اشتراط‍‌ التملك بالزراعة فلان النصوص و ان كانت قاصرة عن إثبات التعميم لعدم كونها في مقام البيان من الجهة المذكورة إلاّ ان اتّفاق المسلمين على ذلك كاف في إثبات المطلوب.

6 - المستحقّون للزكاة

اشارة

مصرف الزكاة كما يلي:

1، 2 - الفقير و المسكين. و الثاني أسوأ حالا من الأوّل.

و المراد منه من لا يملك مئونة السنة له و لعياله فعلا و قوّة.

و يعطى حتى يغنى بحسب شأنه في الحاجة.

و مدّعي الفقر يصدّق مع الوثوق أو عدم العلم بكون حالته السابقة هي الغنى.

3 - العاملون عليها. و هم المنصوبون لأخذ الزكاة و ضبطها و ايصالها و سائر شئونها. و لا يلزم فيهم الفقر.

4 - المؤلفة قلوبهم. و هم ضعيفو الإسلام يدفع لهم من الزكاة ليحسن إسلامهم. و قيل بعموم ذلك للكفّار فيدفع لهم من الزكاة لاستمالتهم الى الإسلام أو الدفاع عن المسلمين أو جهاد الكفّار.

5 - الرقاب. و هم العبيد يدفع لهم من الزكاة ليعتقوا اما لأنهم مكاتبون مكاتبة مطلقة أو مشروطة و بحاجة الى اداء مال الكتابة أو لأنهم تحت الشدّة أو لأجل عتقهم و لو لم يكونوا كذلك.

6 - الغارمون. و هم من أثقلتهم الديون و عجزوا عن ادائها بشرط‍‌ عدم صرفها في المعصية. و لا يلزم عدم ملكهم لمئونة السنة.

و من عليه الزكاة إذا كان له دين على غارم يجوز له احتسابه من الزكاة. كما يجوز وفاؤه إذا كان لغيره و لو بدون اطلاع الغارم.

7 - سبيل اللّه. و هو جميع سبل الخير لا خصوص الجهاد.

8 - ابن السبيل. و هو المسافر الذي نفدت نفقته. و لربما اشترط‍‌ عدم تمكّنه من الاستدانة و بيع بعض أمواله في بلده و عدم كون السفر للمعصية.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحديد المصرف بمن ذكر

فلم ينسب فيه خلاف لأحد - أجل وقع الكلام في ان عدده سبعة بجعل الفقير و المسكين صنفا واحدا كما فعل في الشرائع(1)أو ثمانية - و يكفي لإثبات ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ‌ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‌ وَ الْعامِلِينَ‌ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ‌ قُلُوبُهُمْ‌ وَ فِي الرِّقابِ‌ وَ الْغارِمِينَ‌ وَ فِي سَبِيلِ‌ اللّهِ‌ وَ ابْنِ‌ السَّبِيلِ‌ فَرِيضَةً‌ مِنَ‌ اللّهِ‌ وَ اللّهُ‌ عَلِيمٌ‌ حَكِيمٌ‌ (2).

2 - و اما ان الثاني أسوأ حالا

فلصحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام انه سأله عن الفقير و المسكين فقال: «الفقير الذي لا يسأل


1) شرايع الإسلام 120:1 انتشارات استقلال.

2) التوبة: 60.

و المسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل»(1)و غيره.

و قيل بافتراقهما عند الاجتماع و باجتماعهما عند الافتراق.

و تحقيق الحال في ذلك غير مثمر بعد عدم وجوب البسط‍‌. نعم تظهر الثمرة في غير المقام، كما إذا نذر شخص أو وقف أو أوصى للفقراء و المساكين مع قصده لمعنى اللفظ‍‌ إجمالا.

3 - و اما ان المراد من الفقير ما ذكر

فهو المشهور. و يدل عليه صحيح أبي بصير: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره. قلت: فان صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة‌؟ قال: زكاته صدقة على عياله و لا يأخذها إلاّ أن يكون اذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقل من سنة فهذا يأخذها...»(2)و غيره.

و اما ما ورد في صحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: فإن كان بالمصر غير واحد؟ قال: فاعطهم ان قدرت جميعا. ثم قال: لا تحل لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها الحول عنده أن يأخذها»(3)فهو على تقدير وروده في الزكاة يمكن حمله على من لم يكن بحاجة الى ما زاد عن الأربعين.

4 - و اما ملاحظة مئونة العيال أيضا

فلاستفادة ذلك من صحيح أبي بصير المتقدّم، بل ان نفقة العيال جزء من نفقة الشخص فلا تحتاج ملاحظتها الى ورود دليل خاص.

5 - و اما كفاية ملك مقدار النفقة بالقوّة

فلانه مضافا الى وضوح


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة الحديث 1.

3) تهذيب الأحكام 51:4 الحديث 131.

الأمر - و الا يلزم استحقاق أكثر الناس للزكاة - يدل على ذلك صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرة سويّ‌ و لا لمحترف و لا لقوي. قلنا: ما معنى هذا؟ قال: لا يحل له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ‌ نفسه عنها»(1)و غيره.

و منه يتّضح الحال في طالب العلم، فإنّه لا يجوز له الأخذ من سهم الفقراء ما دام يمكنه العمل بما لا يتنافى و طلبه العلم و يليق بشأنه. و قيل بأن ذلك خاص بحالة عدم الوجوب و إلاّ استحق مطلقا لأنّ‌ الوجوب مانع من تحقّق القدرة على التكسب. و لعل الأوّل أنسب.

6 - و اما ان الفقير يعطى من الزكاة حتى يغنى

فهو ممّا تقتضيه القاعدة مضافا الى موثق عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كم يعطى الرجل من الزكاة‌؟ قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: إذا أعطيت فاغنه»(2)و غيره.

و منه يتّضح الوجه في مراعاة الشأنية فإنّه بدون ملاحظتها لا يصدق الاغناء.

هذا مضافا إلى إمكان استفادة ذلك من روايات اخرى(3).

7 - و اما ان مدّعي الفقر يصدّق مع الوثوق

فلحجّية الاطمئنان بالسيرة العقلائيّة الممضاة بعدم الردع.

و اما العمل بالحالة السابقة مع عدم الوثوق فلاستصحابها.

و اما مع الجهل بالحالة السابقة و عدم الوثوق فيمكن الحكم بجواز تصديقه لاستصحاب عدم غناه اما بنحو استصحاب العدم النعتي لو


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة الحديث 2، 3،...

أمكن - لأنّ‌ الحالة السابقة لكل إنسان عادة هي الفقر - أو بنحو استصحاب العدم الأزلي بناء على جريانه و عدم جريان الأوّل.

8 - و اما تفسير العاملين بما ذكر

فهو من باب الأخذ بظاهر اللفظ‍‌ في الاطلاق. و به يتّضح الوجه في عدم اشتراط‍‌ الفقر، مضافا الى التمسّك بقرينة المقابلة.

9 - و اما تفسير المؤلفة قلوبهم بخصوص المسلمين المذكورين

فيستند الى دلالة بعض الروايات على ذلك، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ‌: و المؤلفة قلوبهم. قال: هم قوم وحدوا اللّه عزّ و جلّ‌ و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه و شهدوا ان لا إله إلاّ اللّه و ان محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه و آله فأمر اللّه عزّ و جلّ‌ نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أن يتألفهم بالمال و العطاء لكي يحسن إسلامهم...»(1).

و استظهار الاختصاص لو تم تكون الصحيحة بسببه مقيّدة لإطلاق الآية الكريمة إلاّ أن ذلك قد يتأمّل فيه فيكون الإطلاق محكّما.

10 - و اما تفسير الرقاب بالسعة المذكورة

فيكفي لإثباته التمسّك بإطلاق الآية الكريمة.

11 - و اما اعتبار العجز عن اداء الدين في الغارمين بالرغم من

إطلاق الآية الكريمة

فللجزم بالقيد المذكور من الخارج.

12 - و اما اعتبار عدم الصرف في المعصية

فلم ينسب فيه الخلاف إلى أحد. و قد دلّت عليه روايتان كلتاهما ضعيفة السند:


1) اصول الكافي 411:2 الحديث 2.

احداهما: ما رواه القمي في تفسيره بشكل مرسل: «فسّر العالم عليه السّلام فقال:... و الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه...»(1).

ثانيتهما: ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمّد قال:

«سأل الرضا عليه السّلام رجل و أنا أسمع - الى أن قال عليه السّلام - فيقضى عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّ و جلّ‌، فإن كان أنفقه في معصية اللّه عزّ و جلّ‌ فلا شيء له...»(2).

و لئن كان هناك إجماع فلا يمكن الاعتماد عليه لأنه محتمل المدرك. و كبرى انجبار ضعف السند باعتماد المشهور ان سلمت فالصغرى لا يجزم بتحقّقها.

و دعوى ان مستند الاجماع ان كان هو الروايتين تثبت حجّيتهما بالانجبار و الا كان تعبّديا و حجّة مدفوعة باحتمال استناد بعض المجمعين الى احداهما و البعض الآخر الى الاخرى.

و المناسب أن يقال في توجيه الاشتراط‍‌ المذكور: اننا لا نحتمل جواز الدفع من سهم الغارمين لمن استدان للمعصية، إذ لازم ذلك التشجيع على صدورها. أجل هذا يتم في غير من تاب، و اما التائب فالحكم بعدم جواز اعطائه مبني على الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة الاجماع المحتمل.

13 - و اما عدم اعتبار العجز عن مئونة السنة

فلإطلاق الآية


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الدين الحديث 3.

الكريمة. و اما ما ورد من انه «لا تحلّ‌ الصدقة لغني»(1)فلا ينافي ما ذكرناه لأنّ‌ المالك لمئونة السنة مع عجزه عن وفاء دينه ليس غنيا.

14 - و اما جواز احتساب الدين من الزكاة

فلصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن الأوّل عليه السّلام عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة هل لي أن أدعه فاحتسب به عليهم من الزكاة‌؟ قال: نعم»(2)و صحيحه الآخر:

«سألت أبا الحسن عليه السّلام عن رجل عارف فاضل توفي و ترك عليه دينا قد ابتلي به لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان‌؟ قال: نعم»(3). و مورده و ان كان هو الميّت و لكن لا خصوصيّة له.

15 - و اما تفسير سبيل اللّه بما ذكر فهو للإطلاق

. و تفسيره بخصوص الجهاد - كما عن بعض - اما للانصراف أو لبعض الأخبار الضعيفة(4)غير سديد.

16 - و اما تفسير ابن السبيل بما ذكر

فهو لكونه المعنى اللغوي له.

و اما اشتراط‍‌ عدم التمكن من الاستدانة و بيع بعض الأموال فهو مختار المشهور.

و قد يناقش بإطلاق الآية الكريمة.

و يمكن أن يقال انه مع التمكّن ممّا ذكر بسهولة فلا يصدق عنوان


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 46 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الوصايا الحديث 4.

ابن السبيل أو هو منصرف عنه على الأقل.

أجل اشتراط‍‌ عدم المعصية قابل للتأمّل بعد إطلاق الآية الكريمة.

و الاحتياط‍‌ أمر مناسب تحفّظا من مخالفة دعوى عدم الخلاف على الاشتراط‍‌.

7 - أوصاف المستحقّين

اشارة

يلزم في المستحقّ‌ للزكاة توفر:

1 - الايمان، فلا يعطى الكافر و لا المخالف إلاّ من سهم المؤلفة قلوبهم و سبيل اللّه في الجملة. و إذا استبصر المخالف أعاد الزكاة فقط‍‌ إذا لم يضعها في محلّها.

2 - أن لا يكون من أهل المعاصي بحيث يوجب الدفع إليه التشجيع على ذلك.

3 - ان لا يكون واجب النفقة على المزكي فإنّه لا يجوز الدفع إليه إلاّ في المجال الذي لا يجب فيه الإنفاق. أجل يجوز له أخذها من غير من تجب عليه نفقته إذا لم يكن قادرا عليها أو ممتنعا منها مع عدم إمكان اجباره.

و يجوز لمن تجب نفقته على غيره دفع زكاته إليه مع فقره.

4 - ان لا يكون هاشميّا إذا كانت الزكاة من غيره إلاّ مع الاضطرار.

و المحرّم من الصدقة خصوص الزكاة الواجبة دون غيرها.

و الهاشمي هو المنتسب الى هاشم بالأب دونه بالامّ‌.

و لا يثبت الانتساب بمجرّد الدعوى بل لا بد من البينة أو الاطمئنان.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز دفع الزكاة إلى الكافر

فهو متسالم عليه. و يمكن التمسّك له بالروايات الدالّة على عدم جواز دفعها إلى المخالف بعد ضمّ‌ الأولويّة، ففي صحيح بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... كل عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمّ‌ منّ‌ اللّه عليه و عرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلاّ الزكاة لأنه يضعها في غير مواضعها لأنها لأهل الولاية، و اما الصلاة و الحج و الصيام فليس عليه قضاء»(1).

و اما جواز دفعها من سهم المؤلفة قلوبهم فلما تقدّم عند البحث عن المؤلفة قلوبهم.

و اما جواز دفعها من سهم سبيل اللّه في الجملة، فكما لو كان الصرف على المخالف أو الكافر لمصلحة المؤمن فان ذلك يرجع في حقيقته الى الصرف على المؤمن، و في غير ذلك لا يجوز الصرف حتى من السهم المذكور لإطلاق النص المانع للصرف من سهم سبيل اللّه أيضا.

و اما عدم وجوب الإعادة مع الصرف في المحل المناسب فلعدم الموجب لذلك بل النص السابق لبريد يدل بوضوح على ذلك.

2 - و اما اعتبار ان لا يكون من أهل المعاصي فقد يقال بأن الوجه

فيه شرطية العدالة.

و فيه ان شرطية العدالة و ان نسبت الى جماعة - اما لدعوى الإجماع أو للنهي عن الركون الى الظالمين أو لقاعدة الاشتغال أو لأنّ‌ الفاسق ليس بمؤمن - إلاّ انها غير ثابتة لعدم تمامية ما استدل به


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

عليها كما هو واضح.

و قد يقال بأن العدالة و ان لم تكن شرطا إلاّ انه يلزم تجنب الكبائر كشرب الخمر و الزنا لما رواه أبو خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تعط‍‌ من الزكاة أحدا ممّن تعول...، و ان لم يكن له عيال و كان وحده فليقسمها في قوم ليس بهم بأس اعفاء عن المسألة...»(1)، بتقريب ان المراد من «ليس بهم بأس» عدم صدور الكبائر لو لم تستفد شرطية العدالة.

أو لما رواه داود الصّرمي مضمرا: «سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: لا»(2).

و فيه: ان حديث أبي خديجة و ان أمكن تصحيح سنده - باعتبار ان طريق الشيخ الى ابن فضال و ان كان فيه الزبيري إلاّ انه يمكن توثيقه من خلال شيخوخة الإجازة. و سالم بن مكرم و ان تعارض فيه توثيق النجاشي بتضعيف الشيخ إلاّ ان توثيق النجاشي مقدّم اما لما قيل من أضبطيته أو لأنّ‌ كلام الشيخ متعارض في نفسه لما نقله العلاّمة من توثيقه له في موضع آخر - إلاّ أنّه قابل للتأمّل دلالة لاحتمال إرادة معنى آخر من نفي البأس ككونه غير مخالف للحقّ‌.

و حديث الصّرمي و ان أمكن التغلّب على اضماره بالبيان العام في جميع المضمرات إلاّ ان الصّرمي نفسه لم يثبت توثيقه إلاّ بناء على تمامية كبرى وثاقة جميع من ورد في أسانيد كامل الزيارات.

و بهذا يتّضح عدم تمامية دليل على الشرط‍‌ المذكور إلاّ إذا فرض ان الدفع له موجب لتشجيعه على المعصية فلا يجوز، لا لكون ذلك1.


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

مستلزما للإعانة على الإثم - ليقال بعدم الدليل على حرمة ذلك، فإن الثابت حرمته بقوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ‌ وَ الْعُدْوانِ‌ (1)حرمة التعاون - بل لأنّ‌ ذلك خلف وجوب النهي عن المنكر أو لأنّ‌ التشجيع على المعصية تعلم مبغوضيّته بعنوانه شرعا.

3 - و اما اعتبار الشرط‍‌ الثالث

فمتسالم عليه. و يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب و الامّ‌ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك أنّهم عياله و لازمون له»(2)و غيره.

و قد يعارض ذلك بمكاتبة عمران بن إسماعيل القمّي: «كتبت الى أبي الحسن الثالث عليه السّلام: «ان لي ولدا رجالا و نساء أ فيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئا؟ فكتب عليه السّلام: ان ذلك جائز لك»(3)و نحوه مرسل محمد بن جزك(4).

إلاّ انهما ضعيفان بالقمّي في الأوّل حيث لم يوثق و بالإرسال في الثاني. مضافا الى هجرانهما لدى الأصحاب المسقط‍‌ عن الحجّية.

4 - و اما وجه الاستثناء - كالإنفاق لقضاء دين من تجب نفقته

فللتمسّك بالمطلقات بعد اختصاص المانع بالنفقة اللازمة.

5 - و اما جواز أخذها من غير من تجب عليه النفقة

فلانه فقير و لا يشمله الدليل المانع ما دام لا قدرة على الانفاق أو مع الامتناع و عدم


1) المائدة: 2.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 3.

4) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 4.

امكان الاجبار على البذل.

و من ذلك يتّضح الوجه في جواز دفعها الى من تجب عليه النفقة فإنّه مع فرض فقره لا يعود مانع من دفعها إليه.

6 - و اما اشتراط‍‌ ان لا يكون هاشميّا إذا كانت الزكاة من غير

هاشمي

فمتسالم عليه. و يدلّ‌ عليه موثق زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«قلت له: صدقات بني هاشم بعضهم على بعض تحل لهم‌؟ فقال: نعم، ان صدقة الرسول صلّى اللّه عليه و آله تحلّ‌ لجميع الناس من بني هاشم و غيرهم، و صدقات بعضهم على بعض تحلّ‌ لهم، و لا تحلّ‌ لهم صدقات انسان غريب»(1)و غيره من الروايات الكثيرة.

7 - و اما جوازها مع الاضطرار

فيكفي لإثباته حديث الرفع عمّا اضطروا إليه(2)، مضافا الى دلالة بعض النصوص الخاصّة عليه(3).

8 - و اما ان المحرم خصوص الزكاة دون الصدقة المندوبة بل

و الواجبة كالكفارات و ردّ المظالم و اللقطة

فلموثق إسماعيل بن الفضل الهاشمي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ما هي‌؟ فقال: هي الزكاة»(4)و غيره.

و سند الحديث بطريق الشيخ و ان كان قابلا للتأمّل باعتبار القاسم بن محمّد - أي الجوهري، فإنّه لم تثبت وثاقته إلاّ بناء على تمامية كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد كامل الزيارات - إلاّ انه بطريق الشيخ


1) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 5.

الكليني معتبر فإنّه رواه عن حميد بن زياد عن ابن سماعة عن غير واحد عن ابان بن عثمان عن إسماعيل، و لا مشكلة إلاّ من ناحية تخيّل الإرسال عن غير واحد، لكنّه غير مهم بعد عدم اطلاق التعبير المذكور عرفا على الأقلّ‌ من ثلاثة، و استبعاد اجتماع ثلاثة على الكذب بنحو يحصل الاطمئنان بالعدم. بل قد يقال ان التعبير المذكور ظاهر عرفا في أن المنقول عنهم الحديث مشهورون لا حاجة الى التصريح بأسمائهم.

9 - و اما ان المدار في الانتساب على الأب

فقد نسب فيه الخلاف الى السيّد المرتضى و صاحب الحدائق فقالا بكفاية الانتساب بالام استنادا الى ان ولد البنت ولد أيضا(1).

و فيه: ان ذلك و ان كان صادقا - و لذا كان أولاد فاطمة صلوات اللّه عليها أولادا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و عيسى من ذريّة إبراهيم عليهما السّلام - إلاّ ان المدار ليس على ذلك بل على صدق عنوان بني هاشم، و هو كعنوان قبيلة بني تميم الذي لا يكفي فيه الانتساب بالامّ‌.

على ان لازم ذلك استحقاق أكثر الناس للخمس و حرمة الزكاة عليهم لقلّة وجود شخص لا تكون إحدى جدّاته هاشميّة، و هو بعيد.

10 - و اما عدم كفاية الدعوى في ثبوت الانتساب

فقد نسب الخلاف في ذلك الى الشيخ كاشف الغطاء قدّس سرّه قياسا على الفقر حيث تقبل دعواه(2).

لكنه قياس مع الفارق لأن استصحاب عدم الغنى بنحو العدم النعتي أو الأزلي جار في صالح دعوى الفقر بخلافه في دعوى


1) الحدائق الناضرة 390:12.

2) مستمسك العروة الوثقى 311:9.

الانتساب، فان استصحاب العدم الأزلي للانتساب الى هاشم ينفي صحّة دعوى الانتساب.

و لا يعارض ذلك باصالة عدم الانتساب الى غير هاشم لعدم الأثر لها، فان الموضوع لاستحقاق الزكاة عدم الانتساب الى هاشم دون الانتساب الى غيره.

و عليه فلا بدّ من طريق شرعي لإثبات الانتساب اما بالبينة - لما تقدّم في ابحاث سابقة من ان دليل حجّيّتها و ان كان خاصّا بباب القضاء إلاّ انه يمكن التعدّي الى سائر الأبواب ببعض التقريبات - أو بالاطمئنان لانعقاد السيرة العقلائيّة على العمل به، و هي حيث لم يردع عنها فيستكشف امضاؤها.

و دعوى ان السيرة قد انعقدت أيضا على الحكم بانتساب من هو مشهور بين أهل البلد بذلك و ان لم يحصل اطمئنان، و حيث انه لم يردع عنها فهي ممضاة مدفوعة بأن انعقاد مثل هذه السيرة زمن المعصوم عليه السّلام غير معلوم لانعقادها تلك الفترة - جزما أو احتمالا - على دفع الخمس و الزكاة الى المعصوم عليه السّلام أو حاكم البلاد.

8 - أحكام عامة

اشارة

يجوز للمالك عزل الزكاة و التصرّف في الباقي و يصير المعزول ملكا للمستحقين و يكون أمانة بيده لا يضمنه إلاّ مع التفريط‍‌. و لا يجوز تبديله بعد العزل.

و يجوز اخراج الزكاة من غير العين بالنقود. و في جوازه من غيرها تأمّل.

و مع دفع الزكاة باعتقاد الفقر و اتضاح العدم يلزم استرجاعها مع تعينها بالعزل، و مع تلفها لا يكون ضمان مع عدم التفريط‍‌ بل يضمنها المدفوع إليه إذا كان يعلم بواقع الحال.

و كل ما ذكر يأتي مع اتضاح عدم استحقاق المدفوع إليه من جهة اخرى غير عدم الفقر.

و من دفع باعتقاد وجوب الزكاة عليه و بان العدم لم يجزه ذلك و جاز له الاسترجاع مع بقاء العين و المطالبة ببدلها مع علم المدفوع إليه بواقع الحال.

و لا يجب البسط‍‌ على الأصناف الثمانية بل يجوز دفعها لصنف واحد بل لفرد واحد منه.

و لا يجب دفعها الى الفقيه إلاّ إذا طلبها.

و يجوز نقلها الى بلد آخر حتّى مع وجود المستحق.

و هي من العبادات التي تحتاج الى قصد القربة.

و المستند في ذلك:

1 - اما جواز العزل

فهو و ان كان على خلاف القاعدة إلاّ انه بعد ثبوت الدليل على ولاية المالك يؤخذ به، و هو مثل صحيح يونس بن يعقوب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: زكاتي تحلّ‌ عليّ‌ في شهر أ يصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيء من يسألني‌؟ فقال: إذا حال الحول فاخرجها من مالك لا تخلطها بشيء ثمّ‌ اعطها كيف شئت...»(1)و غيره.

و مع ثبوت الولاية على العزل و تحقّقه تترتّب عليه ثمراته


1) وسائل الشيعة الباب 52 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2.

المذكورة في المتن و غيرها بخلاف ما إذا لم تثبت فإنّه لا يجوز التصرّف و يوزع التالف لكونه لازم الإشاعة.

و هذه الولاية ثبتت في باب الزكاة فقط‍‌ و لم تثبت في باب الخمس فبالعزل فيه لا يتعيّن الحق.

2 - و اما جواز الاخراج من غير العين بالنقود

فلم ينسب فيه الخلاف لأحد في الغلات و النقدين. و يدلّ‌ عليه صحيح محمّد بن خالد البرقي: «كتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السّلام: هل يجوز ان أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة أو الشعير و ما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى أم لا يجوز إلاّ أن يخرج من كلّ‌ شيء ما فيه‌؟ فأجاب: ايّما تيسر يخرج»(1)و غيره.

و هو و ان كان خاصّا ببعض ما يجب فيه الزكاة و بالاخراج بخصوص الدراهم إلاّ انه بعد عدم احتمال الخصوصية يمكن الحكم بالتعميم - و ان نسب الى المقنعة عدم جواز ذلك في الأنعام - خصوصا بعد الالتفات الى قوله: «الا أن يخرج من كل شيء ما فيه» الظاهر في السؤال عن مطلق الاعيان الزكوية دون خصوص ما ذكر في صدر السؤال.

3 - و اما وجه التأمّل في جواز الاخراج من غير النقود

فباعتبار عدم الدليل على ذلك سوى أحد أمرين:

أحدهما: التمسّك بما دلّ‌ على جواز احتساب الدين من الزكاة بعد الالتفات الى ان الدين قد لا يكون من النقود.


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 1.

ثانيهما: صحيحة يونس بن يعقوب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا و طعاما و أرى ان ذلك خير لهم فقال: لا بأس»(1).

و يمكن المناقشة باحتمال لزوم ملاحظة حال الفقير، و هو يستفيد من النقود أكثر.

و الأمر الأوّل لا ينافي ما ذكرناه لأنه بالاحتساب يحصل تفريغ ذمّة الفقير، و ذلك أمر هو في صالحه، و لا يمكن استفادة التعدّي منه.

و الأمر الثاني خاص بفرض عملية هي خير للفقير و لا يمكن استفادة جواز الاخراج من غير النقود إذا لم يكن ذلك خيرا للفقير، على ان من المحتمل كون المقصود اشتري لهم ذلك بعد دفع الزكاة لهم لا قبل ذلك.

4 - و اما وجوب استرجاعها مع تعيّنها بالعزل و اتضاح عدم الفقر

فواضح بعد تعيّنها للزكاة و اشتغال الذمّة بدفعها بالخصوص. أجل مع عدم تعيّنها بالعزل لا يلزم استرجاعها بل يجوز دفع البديل عنها فيما إذا أمكن و إلاّ لزم استرجاعها أيضا مقدّمة لأداء الواجب.

5 - و اما انه لا ضمان مع تلفها لو لم يكن تفريط‍‌

فلانه بعد عزلها تتعيّن حقّا للجهة و تبقى أمانة بيد المالك لا يضمنها إلاّ مع التفريط‍‌، كما لو دفعها من دون حجّة معتبرة.

و اما ان المدفوع إليه يضمنها مع اطلاعه على واقع الحال فلقاعدة على اليد.

ثم ان المناسب مع عدم تفريط‍‌ المالك و عدم اطلاع المدفوع إليه


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة الحديث 4.

عدم ضمانها و تحقّق التلف من الجهة.

و إذا قيل: ان المناسب ضمان المالك مطلقا لأنّ‌ المال المعزول ملك للجهة فدفع غير المالك المال الى شخص بدون اذن المالك لا يسقط‍‌ الضمان بل يكون صاحب المال و المدفوع إليه ضامنين، غايته إذا دفع صاحب المال الى الجهة البديل أمكنه الرجوع على المدفوع إليه ان لم يكن مغررا من قبله.

قلنا: ان ولي الجهة بعد ان اذن في العزل و بقاء المعزول امانة و دفعه على طبق حجّة معتبرة فما معنى الضمان‌؟!

هذا كلّه مع افتراض العزل و إلاّ فضمان صاحب المال واضح حتى مع سلوكه الحجّة المعتبرة.

6 - و اما عدم الإجزاء مع اعتقاد الوجوب و اتّضاح العدم

فلعدم الموجب له.

و اما جواز الاسترجاع فواضح لعدم تحقّق الانتقال.

و اما جواز المطالبة بالبدل مع العلم بواقع الحال فلقاعدة على اليد.

7 - و اما انه لا يجب البسط‍‌

فلعدم احتمال ذلك بل عدم امكانه إذ الفقراء و المساكين و... جمع محلى باللام الدالة على الاستغراق، و الدفع بنحو الاستغراق لجميع الأصناف لو أمكن فهو غير محتمل في نفسه.

و الدفع الى واحد من كل صنف لا شاهد عليه.

على ان وجوب البسط‍‌ لا شاهد له سوى دعوى ظهور اللام في الملك، و هذا الظهور لو سلم فهو يتم لو كانت داخلة على جميع الأصناف و لو تقديرا و الأمر ليس كذلك لإباء ثلاثة أو أربعة منها عن ذلك.

على ان البسط‍‌ لو كان لازما لاشتهر و ذاع لشدّة الابتلاء بالمسألة و الحال انه لم ينسب الخلاف في ذلك إلاّ الى بعض العامّة.

هذا كلّه لو قطعنا النظر عن الروايات و إلاّ فالأمر أوضح، ففي صحيحة أحمد بن حمزة: «قلت لأبي الحسن عليه السّلام: رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك و له زكاة أ يجوز له أن يعطيهم جميع زكاته‌؟ قال:

نعم»(1).

8 - و اما عدم وجوب دفعها الى الفقيه

فلعدم الدليل على ذلك خلافا للشيخ المفيد حيث نسب إليه ذلك تمسّكا بظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ‌ أَمْوالِهِمْ‌ صَدَقَةً‌ تُطَهِّرُهُمْ‌... (2)الدال على وجوب الدفع الى النبي صلّى اللّه عليه و آله بالملازمة، و حيث ان الفقيه نائب الامام عليه السّلام و بمنزلته و هو بمنزلة النبي صلّى اللّه عليه و آله فيثبت الحكم له أيضا(3).

و فيه: ان الأمر بالأخذ لا يقصد منه معناه المطابقي ليدل بالالتزام على وجوب الدفع، فإنّه كناية عن تشريع وجوب الزكاة، و إلاّ فلا يحتمل وجوب أخذه صلّى اللّه عليه و آله بما هو أخذ، و هل يحتمل ان توزيع المالك ضريبة ماله لا يجوز و لو كان باستئذان منه صلّى اللّه عليه و آله‌؟!

هذا لو قطعنا النظر عن الروايات و إلاّ فمراجعتها في الأبواب المختلفة يوجب قطع الفقيه بعدم اشتراط‍‌ ذلك.

ثم ان هذا كلّه لو لم يطالب بها الفقيه، و اما لو طالب بها لمصلحة خاصّة فمن اللازم دفعها إليه لوجوب إطاعته.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1.

2) التوبة: 103.

3) مستمسك العروة الوثقى 313:9.

و الفارق بين سهم الامام عليه السّلام حيث يجب دفعه الى الفقيه و بين الزكاة حيث لا يجب دفعها إليه ان الخمس ملك منصب الإمامة أو شخص الامام عليه السّلام فيلزم انتقاله الى الفقيه الذي هو نائب الامام عليه السّلام بخلاف الزكاة فانها ليست كذلك.

9 - و اما جواز نقلها

فيدلّ‌ عليه مضافا الى الأصل عدّة روايات كصحيح أحمد بن حمزة: «سألت أبا الحسن الثالث عليه السّلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد الى بلد آخر و يصرفها في اخوانه فهل يجوز ذلك‌؟ قال: نعم»(1)و غيره.

10 - و اما انها من العبادات

فلقضاء ارتكاز المتشرّعة بذلك. على ان كونها من الأركان المبني عليها الإسلام قد يستفاد منه ذلك.

9 - زكاة الفطرة و شرائط‍‌ وجوبها

تجب زكاة الفطرة على البالغ العاقل الغني الحرّ غير المغمى عليه طيلة
اشارة

وقت الوجوب.

و اعتبر المشهور اجتماع الشرائط‍‌ قبل الغروب من ليلة العيد آنا ما حتى تحقّقه.

و المستند في ذلك:

1 - الزكاة على نحوين: زكاة مال - و هي ما تقدّم - و زكاة فطرة.

و لا إشكال في وجوبها. و النصوص بذلك كثيرة. و قد فسّرت الزكاة في


1) وسائل الشيعة الباب 37 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 4.

قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ‌ مَنْ‌ تَزَكّى * وَ ذَكَرَ اسْمَ‌ رَبِّهِ‌ فَصَلّى (1)بذلك، كما في بعض الأخبار(2).

و الفطرة اما بمعنى الافطار حيث تجب يوم الفطر، أو بمعنى الدين فتكون زكاة الإسلام، أو بمعنى الخلقة، حيث تحفظ‍‌ صاحبها من الموت، ففي الحديث عن الامام الصادق عليه السّلام: «اذهب فاعط‍‌ عن عيالنا الفطرة و عن الرقيق أجمعهم و لا تدع منهم أحدا فإنّك ان تركت منهم إنسانا تخوّفت عليه الفوت. قلت: و ما الفوت‌؟ قال: الموت»(3).

2 - و اما اشتراط‍‌ وجوبها بالبلوغ و العقل

فيكفي لإثباته القصور في المقتضي، مضافا الى حكومة حديث رفع القلم(4)بالبيان المتقدّم في زكاة المال.

و يمتاز المقام ببعض الأخبار الخاصّة، ففي صحيح محمد بن القاسم بن الفضيل: «انه كتب الى أبي الحسن الرضا عليه السّلام يسأله عن الوصي يزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال فكتب عليه السّلام:

لا زكاة على يتيم»(5). و حيث لا تحتمل الخصوصيّة لليتيم - المختص بغير البالغ - فيتعدّى الى غيره.

هذا فيما إذا لم يعل بهما أحد و إلاّ وجبت على المعيل.

3 - و اما اعتبار الغنى - ملك قوت السنة

فلم ينسب فيه الخلاف


1) الأعلى: 14-15.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 5.

4) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات.

5) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2.

إلى أحد. و يدل عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة‌؟ قال: لا»(1)و غيره.

و في مقابل ذلك صحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الفقير الذي يتصدّق عليه هل عليه صدقة الفطرة‌؟ فقال: نعم يعطى ممّا يتصدّق به عليه»(2).

و قد يجمع بحمل الثاني على الاستحباب، و هو ان تمّ‌ عرفا و إلاّ استقرت المعارضة و لزم طرح الثاني لهجران الأصحاب له.

4 - و اما اشتراط‍‌ الحرية

فلا مستند له سوى التسالم. أجل بناء على انه لا يملك يكون الحكم على طبق القاعدة لكونه فقيرا.

هذا في غير المكاتب، و اما فيه فالمنسوب الى الشيخ الصدوق(3)الحكم بالوجوب استنادا الى صحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام:

«المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه‌؟ و تجوز شهادته‌؟ قال: الفطرة عليه و لا تجوز شهادته»(4).

و لأجل اشتمال الحديث على الحكم بعدم جواز شهادة المكاتب الذي لا يقول به الأصحاب و حذرا من مخالفة مشهور الأصحاب يكون المناسب التنزل من الفتوى بالوجوب الى الاحتياط‍‌.

5 - و اما اعتبار عدم الاغماء

فهو المشهور و لكن لا دليل عليه فتشمله اطلاقات الأدلّة. أجل مع استيعابه لتمام وقت الوجوب يكون


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2.

3) مستمسك العروة الوثقى 389:9.

4) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 3.

السقوط‍‌ وجيها لأنه ما دام كذلك لا يكون مكلّفا بالاداء، و الخطاب بالقضاء بعد ذلك يحتاج الى دليل و هو لفقدانه تجري البراءة عنه.

و إذا قيل: أو ليس يلزم اجتماع الشرائط‍‌ قبيل الغروب.

قيل: المفروض عدم ثبوت شرطية عدم الاغماء بعد.

6 - و اما اعتبار اجتماع الشرائط‍‌ قبل الغروب

فيدل عليه ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن أبي حمزة(1)عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المولود يولد ليلة الفطر، و اليهودي و النصراني يسلم ليلة الفطر، قال: ليس عليهم فطرة، و ليست الفطرة إلاّ على من أدرك الشهر»(2)فإنّه يدل بوضوح على لزوم ادراك شهر رمضان من دون خصوصية للمورد. و من هنا اعتبر المشهور لزوم تحقّق الشروط‍‌ قبل الغروب بآن و استمرارها إليه ليصدق إدراك الشهر و لا يكفي تحققها بعده.

أجل إذا حصل إدراك الشروط‍‌ مقارنا للغروب فالاحتياط‍‌ يقتضي لزوم الفطرة لاحتمال صدق الادراك عرفا بذلك.

هذا بناء على عدم المناقشة في سند الرواية من ناحية محمّد بن علي ما جيلويه و البطائني باعتبار شيخوخة الاجازة في الأوّل و رواية الأعاظم و وكالة الامام عليه السّلام في الثاني و إلاّ فلا بدّ من الرجوع الى القاعدة و هي تقتضي كفاية تحقّق الشروط‍‌ و لو بعد الغروب ما دام لم ينته وقت الوجوب. أجل يستثنى من ذلك المولود أو من أسلم بعد الغروب فإنّه


1) في وسائل الشيعة: علي بن حمزة. و هو اشتباه. و الصواب كما في المصدر الأصلي: علي بن أبي حمزة.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1.

لا تجب الفطرة عليه أو اخراجها عنه لصحيح معاوية بن عمّار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة‌؟ قال: لا، قد خرج الشهر. و سألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة‌؟ قال: لا»(1).

وقت الوجوب
اشارة

المشهور ابتداء وقت الوجوب بغروب ليلة العيد و انتهاؤه بزوال يومه لمن لم يصلّ‌ صلاة العيد.

و قيل بأن الابتداء طلوع الفجر.

و مع عزلها في الوقت المذكور يجوز تأخير دفعها لغرض عقلائي.

و مع عدم الدفع و العزل الى الزوال تدفع بعد ذلك بنيّة القربة المطلقة.

و يجوز تقديم دفعها من بداية الشهر.

و مع عزلها تتعيّن.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى وقت الوجوب

فهناك امور ثلاثة ينبغي التفرقة بينها إذ:

تارة يبحث متى يلزم اجتماع شرائط‍‌ الوجوب‌؟ هل عند الغروب أو عند طلوع الفجر؟

و اخرى يبحث متى يبتدئ الوجوب‌؟ هل يبتدئ عند الغروب أو عند الطلوع‌؟ و تظهر الثمرة في من مات ما بين الفترتين، فعلى الغروب يلزم اخراجها عنه بخلافه على الطلوع.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2.

و ثالثة يبحث متى يلزم دفعها الى مصرفها؟ هل يجوز ذلك ليلا أو يلزم أن يكون في النهار أو يجوز التأخير طيلة شوال‌؟

اما بالنسبة الى البحث الأوّل فالمدار على الغروب كما تقدّم.

و اما بالنسبة الى البحث الثالث فيأتي التعرّض له إن شاء اللّه تعالى.

و عليه فالكلام هو في البحث الثاني.

و المشهور كون البداية الغروب.

و يمكن الاستدلال له بحديثي معاوية المتقدّمين، فان اعتبار اجتماع الشرائط‍‌ قبيل الغروب و ان كان لا يلازم كون وقت الوجوب ذلك بل يحتمل كونه طلوع الفجر، بأن يتعلّق الوجوب عند الطلوع لمن جمع الشرائط‍‌ قبيل الغروب إلاّ أن ذلك لا ينفي الظهور العرفي في كون وقت الوجوب هو الغروب عند السكوت عن تحديد وقت آخر له و إلاّ لما جعل المدار عليه في اجتماع الشرائط‍‌.

2 - و اما القول الثاني فوجهه صحيحة العيص بن القاسم:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الفطرة متى هي‌؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر. قلت:

فان بقي منه شيء بعد الصلاة‌؟ قال: لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه»(1)فان اليوم بما انه يبدأ من طلوع الفجر فيلزم تحقّق الوجوب من بدايته إذ ذلك مصداق ما قبل الصلاة من يوم الفطر.

و فيه: ان من المحتمل نظرها الى تحديد وقت الدفع دون وقت الوجوب. و معه يبقى وجه القول السابق بلا معارض فيتعيّن الأخذ بمقتضاه.


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 5.

3 - و اما استمرار وقتها الى الزوال

فلا دليل واضح عليه من الروايات بيد انه هو المعروف بين الفقهاء. و تحقيق ذلك غير مهم بعد لزوم اخراجها بعد الزوال أيضا، ففي صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«رجل اخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا، فقال: إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ و إلاّ فهو ضامن لها حتى يؤديها الى أربابها»(1).

و انما كان الاحتياط‍‌ يقتضي دفعها بنيّة القربة المطلقة بعد الزوال لما دلّت عليه بعض الروايات من ان زكاة الفطرة تصدق على المدفوع قبل صلاة العيد بخلاف المدفوع بعده فهو صدقة، ففي صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «و اعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل و بعد الصلاة صدقة»(2).

و اما ان من يصلّي صلاة العيد يخرجها قبل الصلاة فيمكن استفادته من بعض الروايات كصحيحة العيص السابقة على احتمال و موثقة إسحاق بن عمّار الآتية.

4 - و اما ان من عزلها في وقتها يجوز له التأخير لغرض عقلائي

فقد دلّت عليه موثقة إسحاق بن عمّار: «سألته عن الفطرة، فقال: إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها قبل الصلاة أو بعد الصلاة»(3)و غيرها.

و الموثقة و ان كانت بطريق الشيخ مضمرة إلاّ انها بطريق الصدوق ليست كذلك.

و اما اعتبار الغرض العقلائي في التأخير فلأجل أن لا يتحقّق


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 4.

التهاون في أداء الواجب.

و الاحتياط‍‌ يقتضي الاسراع في دفعها لاحتمال كون المقصود من بعدية الصلاة هو البعدية العرفية.

5 - و اما جواز تقديمها من بداية الشهر

فلصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام: «... و هو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان الى آخره»(1).

6 - و اما عدم جواز تبديلها بعد العزل

فلان ظاهر ما دل على العزل تعيّنها به، و لا دليل على الولاية على التبديل بعد ذلك.

أحكام عامّة
اشارة

يجب اخراج زكاة الفطرة على كلّ‌ مكلّف عن نفسه و عن كل من يعول به و عن الضيف مع صدق العيلولة دون من دعي الى الافطار.

و الواجب صاع من القوت الغالب و هو ثلاثة كيلوات تقريبا. و يجزئ دفع القيمة.

و لا يلزم اتحاد المخرج عن نفسه و عياله بل يجوز الاختلاف بلحاظ‍‌ افراد العيال أيضا.

و لا يجوز نقلها الى بلد آخر إلاّ مع عدم المستحق أو سفر من عليه الزكاة إليه.

و مصرفها مصرف زكاة المال.

و لا يلزم المؤسسات و الشركات دفع الفطرة عن العاملين فيها.


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 4.

و المستند في ذلك:

1 - اما دوران الوجوب مدار العيلولة

فمما لا خلاف فيه. و تدل عليه صحيحة عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطرة. فقال: نعم الفطرة واجبة على كلّ‌ من يعول من ذكر أو انثى صغير أو كبير حرّ أو مملوك»(1)و غيرها.

2 - و منه يتّضح الحال في الضيف و ان وجوب دفع الفطرة عنه

منوط‍‌ بصدق كونه يعوله

، فإذا كان شخص ضيفا على غيره قبل حضور يوم الفطرة ثم حضر يوم الفطرة لزمت فطرته على المضيف فيما إذا صدق انه يعوله. فصدق عنوان الضيف وحده لا يكفي، كما لا يلزم بقاؤه طيلة شهر رمضان أو في النصف الأخير منه و غير ذلك من الأقوال في المسألة.

و هل يلزم نزول الضيف قبل دخول ليلة العيد أو يكفي نزوله بعد ذلك‌؟ انه بناء على كون وقت الوجوب هو الغروب يلزم ان يكون نزوله قبل ذلك، و اما بناء على استمرار وقت الوجوب الى الزوال فيكفي دخوله بعد ذلك ما دام يصدق عليه كونه من العيال في الفترة المذكورة.

3 - كما يتّضح من خلال هذا ان من دعا غيره الى الافطار ليلة

العيد

فلا تلزمه فطرته لعدم صدق انه يعوله عرفا.

4 - و اما ان الفطرة صاع

فلا خلاف فيه. و تدلّ‌ عليه صحيحة معاوية بن وهب: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول في الفطرة: جرت السنّة


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2.

بصاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير، فلما كان زمن عثمان و كثرت الحنطة قوّمه الناس فقال: نصف صاع من بر بصاع من شعير»(1)و غيرها.

و هناك روايات دلّت على ان الفطرة نصف صاع، من قبيل صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «صدقة الفطرة... عن كلّ‌ إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين»(2)و غيرها.

و لا يمكن حملها على التقيّة - خلافا للشيخ - لأنّ‌ ذلك ممكن في الحنطة دون غيرها إذ فيها جعل عثمان الفريضة نصف صاع دون غيرها.

و المناسب سقوطها عن الحجيّة لهجرانها لدى الأصحاب.

5 - و اما المدار على القوت الغالب
• بالرغم من ان الوارد في بعض الروايات الغلات الأربع أو بإضافة غيرها كالأقط‍‌ - فلصحيحة زرارة و ابن مسكان جميعا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الفطرة على كل قوم ممّا يغذون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره»(3)و غيرها، فإنّه لأجلها يلزم حمل ما ورد فيه عنوان الغلاّت الأربع و نحوها على المثالية. و يؤكّد ذلك اختلاف الروايات في عدد المذكور فيها.

ثم انه مع التنزل و التسلم بالمعارضة تكون النتيجة هي هي حيث يلزم الرجوع الى اصالة البراءة عن الخصوصية بناء على ما هو


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 11.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1.

الصحيح من جريانها في موارد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

6 - و اما ان مقدار الصاع ما ذكر

فلأن الصاع يساوي أربعة أمداد، و المدّ ثلاثة أرباع الكيلو تقريبا على ما قيل.

7 - و اما اجزاء القيمة فممّا لا خلاف فيه

لموثقة إسحاق بن عمّار الصيرفي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سمّيتها؟ قال: نعم، إن ذلك أنفع له يشتري ما يريد»(1)و غيرها.

و هل يلزم أن تكون القيمة بالنقود أو يجزئ غيرها؟ قد يقال بالاجزاء لموثقة إسحاق بن عمّار الاخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس بالقيمة في الفطرة»(2).

و يمكن الجواب بانصراف كلمة القيمة الى النقود. و مع التنزل يكون التعليل في الموثقة السابقة مقيّدا.

هذا على تقدير احتمال تعدّد الرواية و إلاّ فحيث لا يعلم الصادر فينبغي الاقتصار على المتيقن و هو ما تقتضيه الموثقة الاولى و النتيجة هي هي.

8 - و اما جواز اختلاف المخرج

فلإطلاق الروايات، و مع التنزل و عدم كونها في مقام البيان من هذه الناحية فيكفي الأصل.

9 - و اما نقل الفطرة

فالمشهور جوازه كما في زكاة المال إلاّ أن مقتضى موثقة الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و لا تنقل من أرض الى


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 9.

أرض...»(1)و غيرها عدم الجواز.

و اما جواز نقلها مع عدم المستحق فلعدم احتمال سقوط‍‌ وجوب ايصالها إلى مصرفها.

و اما جواز دفعها في البلد الآخر مع السفر فلعدم صدق نقلها.

10 - و اما ان مصرفها مصرف زكاة المال

فلأنّها مصداق للزكاة و الصدقة فيشملها اطلاق آية الزكاة الواردة لبيان مصرفها.

و لا معارض سوى صحيحة الحلبي السابقة حيث ورد فيها انها لفقراء المسلمين و صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: لمن تحل الفطرة‌؟ قال: لمن لا يجد»(2).

بيد انهما ليستا واضحتين في الحصر ليصلحا للتقيد. هذا مضافا الى هجران الأصحاب لمضمون الصحيحة الاولى على ما تقدّم و ورود سهل في سند الثانية. و يبقى الاحتياط‍‌ أمرا مناسبا.

11 - و اما عدم لزوم دفع الفطرة عن العاملين في الشركات

فلعدم صدق العيلولة عرفا و انصراف نصوص العيلولة الى الشخص دون الجهة حتى بناء على كونها مالكة.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 4.

كتاب الخمس

اشارة

1 - ما يجب فيه الخمس 2 - أحكام خاصة بفاضل المؤونة 3 - كيف يقسم الخمس‌؟

1 - ما يجب فيه الخمس

اشارة

يجب الخمس في سبعة أشياء: غنائم الحرب إذا كانت بإذن الامام عليه السّلام، و إلاّ كانت بأجمعها له لو كانت الحرب في عصر الظهور. هذا في غير الأرض و اما هي فمحل للخلاف.

و المعادن إذا بلغت عشرين دينارا. و مع الشك في بلوغها ذلك لا يجب التخميس و لا الاختبار. و من أخرج معدنا من أرض غيره بدون إذنه ملكه و لزمه الخمس إذا لم يكن من توابعها عرفا. و الخمس لا يتعلّق إلاّ بالباقي بعد استثناء مئونة التحصيل إذا كان المجموع بقطع النظر عن الاستثناء بالغا حدّ النصاب.

و الكنز إذا بلغ عشرين دينارا و كان من الذهب أو الفضة المسكوكين دون مطلق الجواهر فضلا عمّا يعمّ‌ غيرها و إن قيل بذلك. و الكلام في استثناء المؤونة هو الكلام في المعدن.

و ما اخرج من الماء بالغوص إذا بلغ دينارا بعد استثناء المؤونة.

و المال المختلط‍‌ بالحرام إذا لم يتميّز و لم يعرف صاحبه و لا مقداره.

و مصرفه كغيره.

و الأرض التي اشتراها الذمّي من مسلم.

و ما يفضل من مئونة السنة.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب الخمس

فهو من ضروريات الدين. و قد دلّ‌ عليه قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ‌ مِنْ‌ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ‌ لِلّهِ‌ خُمُسَهُ‌ وَ لِلرَّسُولِ‌ وَ لِذِي الْقُرْبى‌ وَ الْيَتامى‌ وَ الْمَساكِينِ‌ وَ ابْنِ‌ السَّبِيلِ‌... (1).

نعم وقع الخلاف بيننا و بين غيرنا في عموم الحكم لغير غنائم الحرب، فقال غيرنا بالاختصاص و بذلك لا يبقى مورد للخمس في زماننا أو يقل في حين ان المعروف بيننا العموم لوجهين:

الأوّل: ان الغنيمة لغة تعمّ‌ مطلق الفائدة دون خصوص غنائم الحرب(2)

«الغنم: الفوز بالشيء من غير مشقّة». و في كتاب العين 426:4: «الغنم: الفوز بالشيء في غير مشقّة».

كما ورد ذلك في قوله تعالى: تَبْتَغُونَ‌ عَرَضَ‌ الْحَياةِ‌ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ‌ مَغانِمُ‌ كَثِيرَةٌ‌ (3).

و السياق لا يدلّ‌ على الاختصاص لا مكان أن يكون ذلك من باب تطبيق الكلّي على بعض مصاديقه.

الثاني: الروايات الخاصّة الآتية فيما بعد ان شاء اللّه الدالة على ثبوت الخمس في موارد اخرى غير غنائم الحرب.


1) الأنفال: 41.

2) ففي القاموس في مادة غنم: «غنم بالكسر... الفوز بالشيء بلا مشقّة». و في لسان العرب:

3) النساء: 94.

2 - و اما ثبوته في غنائم الحرب

فهو القدر المتيقن من الآية الكريمة بل ذلك موردها.

3 - و اما اعتبار اذن الامام عليه السّلام

فلانه بدونه تكون بأجمعها له عليه السّلام.

و تدلّ‌ عليه صحيحة معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم‌؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسّم بينهم أربعة أخماس، و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ‌»(1)، فان الشرطيّة الاولى تدلّ‌ بمفهومها على المطلوب.

4 - و اما التقييد بعصر الظهور

فلان القدر المتيقن من صحيحة معاوية السابقة عصر الظهور و لا إطلاق لها لغيره و معه فيتمسّك بإطلاق آية الغنيمة في عصر الغيبة.

5 - و اما الأرض

فالمشهور ان حكمها حكم غيرها. و يمكن مناقشة ذلك باعتبار قصور إطلاق الآية الكريمة عن شمولها بتقريب ان الأرض المفتوحة عنوة ملك لجميع المسلمين الى يوم القيامة و ليست ملكا شخصيّا لكل فرد ليصدق انها غنيمة له و من ثمّ‌ يجب عليه تخميسها.

6 - و اما المعادن

فلا إشكال في وجوب الخمس فيها لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: كل ما كان ركازا ففيه الخمس»(2)و غيرها ممّا هو كثير. على ان إطلاق آية الغنيمة كاف. أجل بناء على التمسّك بالإطلاق المذكور لا يعتبر النصاب الخاص


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأنفال الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 3.

بخلافه بناء على التمسّك بالروايات الخاصّة.

7 - و اما اعتبار بلوغها عشرين دينارا

فلصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا»(1).

إلاّ انها معارضة بروايته الاخرى عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه عن ابي الحسن عليه السّلام: «سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معادن الذهب و الفضة هل فيها زكاة‌؟ فقال:

إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس»(2).

و قد ترد بضعفها بجهالة الراوي لها فإنّه لم يوثق بل لم يرد اسمه في الروايات إلاّ هنا و في مورد ثان.

و يمكن دفع ذلك برواية البزنطي عنه الذي هو أحد الثلاثة بل من أصحاب الإجماع بناء على كفاية مثل ذلك.

و بعد تمامية الروايتين سندا و تمامية المعارضة بينهما قد يجاب بحمل الثانية على الاستحباب و الاولى على الوجوب، فان تمّ‌ مثل ذلك و لم يناقش فيه باختصاصه بالأحكام التكليفية أخذنا به و إلاّ طرحنا الثانية لشذوذها و عدم نسبة العمل بها إلاّ الى أبي الصلاح الحلبي.

8 - و اما عدم الوجوب مع الشك

فلاستصحاب عدم بلوغ النصاب بنحو العدم النعتي إذا كان الاخراج تدريجيا أو بنحو العدم الأزلي - بناء


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5.

على حجيّته - إذا لم يكن كذلك أو للبراءة إذا تعذّر الرجوع الى الاستصحاب.

9 - و أمّا عدم وجوب الاختبار

فلعدم الدليل عليه بعد اطلاق أدلّة البراءة. و العلم الإجمالي بوقوع كثير من الناس في المخالفة على تقدير عدم الاختبار غير منجز بعد رجوعه إلى الشك البدوي في وقوع المكلف - إذا التفت إلى نفسه فقط‍‌ - في المخالفة و عدمها. و اهتمام الشارع بإدراك الواقع في مثل هذه الموارد لا يمكن الجزم به.

10 - و اما المخرج للمعدن من أرض غيره بدون اذنه

فتارة يفترض انه من توابعها - كما لو كان المعدن على بعد مترين أو ثلاثة في عمق الأرض - و اخرى لا يكون كذلك، كما لو كان على بعد عشرة كيلومترات أو عشرين.

فعلى الأوّل يكون المعدن لمالك الأرض لأنّ‌ السيرة جرت على عدّ مالك الأرض مالكا لتوابعها من الأعلى و الأسفل.

و على الثاني يكون للمخرج لأنّ‌ كونه لمالك الأرض اما لنكتة الاحياء و الحيازة أو للسيرة. و كلتاهما غير تامتين إذ الاحياء و الحيازة صادقان على الأرض نفسها دون ما كان في أعماقها، و السيرة دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن دون الابعاد العليا و السفلى البعيدة، و لذا لا يحتمل أحد ان مرور الطائرات في فضاء الأرض المملوكة للغير يتوقّف جوازه على اجازته.

و عليه فمن أدخل مكائنه أرض الغير و استنبط‍‌ من أعماقها البعيدة النفط‍‌ أو غيره من المعادن كان آثما لا أكثر.

11 - و اما ان الذي يجب تخميسه هو الباقي بعد استثناء مئونة التحصيل

فلما ورد بنحو القانون العام عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام:

«الخمس بعد المؤونة»(1). على ان موضوع وجوب الخمس ليس إلاّ الغنيمة و الفائدة - كما دلّت عليه آية الغنيمة - و انما وجب في المعدن و نحوه من باب كونه مصداقا للغنيمة، و من الواضح ان العنوان المذكور لا يصدق إلاّ على الباقي بعد استثناء المؤونة.

12 - و اما ان المدار على بلوغ المجموع مقدار النصاب دون

خصوص الباقي بعد استثناء المؤونة

فلإطلاق البلوغ في صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر المتقدّمة، و معه فلا مجال لما اختاره صاحب الجواهر من لزوم كون المتبقى بمقدار النصاب تمسّكا بأصل البراءة بتقريب ان وجوب الخمس يقطع به إذا كان المتبقى بمقدار النصاب و اما إذا كان المجموع قبل الاستثناء بالغا ذلك فحيث يشكّ‌ في تعلّق الخمس به فينفى بالأصل(2).

13 - و اما تعلّق الخمس بالكنز فمما لا إشكال فيه

لصحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة و نسي ابن أبي عمير الخامس»(3)و غيرها.

و لا إشكال في السند من ناحية أحمد و لا من ناحية الإرسال.

اما عدم الإشكال من ناحية أحمد فليس ذلك لترحم أو ترضي


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1.

2) جواهر الكلام 83:16.

3) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 7.

الصدوق عليه بل لتعبيره عنه بكونه ثقة ديّنا(1)

ثم ان الوارد في وسائل الشيعة: «و عن أحمد بن زياد عن جعفر الهمداني». و الصواب: «و عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني».

.

و اما عدم الإشكال من ناحية الارسال فلان عدد مشايخ ابن أبي عمير 400 تقريبا و الذين لم تثبت وثاقتهم 5، و حيث ان التعبير ب‍‌ «غير واحد» يراد به عادة ثلاثة فما فوق فاحتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة الذين لم تثبت وثاقتهم ضعيف جدّا إذ

14 - و اما اعتبار بلوغ عشرين دينارا

فلصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: «سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس»(2). بعد الالتفات الى ان الزكاة لا تجب إلاّ في عشرين دينارا.

15 - و اما اعتبار كونه من الذهب و الفضة المسكوكين

فلأن ذلك مقتضى التعبير بالمثلية في الصحيحة السابقة، إذ الزكاة - فيما عدا الغلات و الأنعام - لا تجب إلاّ في الذهب و الفضة المسكوكين.

16 - و اما وجه القول بالتعميم

فلاستظهار إرادة التماثل من حيث الكم فقط‍‌ من الصحيحة السابقة دونه من حيث الكم و الجنس.

17 - و اما ان المدار في ملاحظة المؤونة هو المدار في المعدن

فلوحدة النكتة.

18 - و اما وجوب الخمس فيما اخرج بالغوص

فلصحيحة ابن أبي


1) كمال الدين، باب ما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام في النص على القائم عليه السّلام.

2) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 2.

عمير المتقدّمة و صحيحة عمّار بن مروان: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط‍‌ بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس»(1)و غيرهما.

و المناقشة في سندها من ناحية عمّار بن مروان لتردّده بين اليشكري الثقة و الكلبي الذي لم تثبت وثاقته مدفوعة بانصراف الاسم المذكور عند إطلاقه الى الأوّل لأنه صاحب الكتاب المعروف.

ثم ان النسبة بين ما تدلّ‌ عليه الصحيحة الثانية - و هو الاخراج من البحر و ان لم يكن بالغوص - و بين ما تدل عليه الصحيحة الاولى - و هو الاخراج بالغوص و ان لم يكن من البحر - هي العموم من وجه.

و من هنا وقع الكلام في ان المدار هل على اجتماعهما باعتبار وجود الصلاحية في كل منهما لتقييد الآخر، أو ان المدار على كفاية أحدهما باعتبار عدم الموجب للتقييد بعد كونهما مثبتين و عدم التنافي بينهما، أو ان المدار على صدق عنوان الغوص باعتبار ان التعبير بما يخرج من البحر ناظر الى الحالة الغالبة و هي كون الاخراج من البحر بالغوص، أو ان المدار على الاخراج من البحر و ان لم يكن بالغوص باعتبار ان التعبير بالغوص ناظر الى الحالة الغالبة و هي كون الغوص في البحر، أو ان المدار على اخراج الجواهر النفيسة و لو لم يكن ذلك من البحر و لا بالغوص باعتبار عدم فهم العرف الخصوصية للعنوانين‌؟ و لعل الأوجه كون المدار على الغوص لاحتمال الخصوصية له دون البحر لعدم احتمال الخصوصية له.6.


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6.

19 - و اما اعتبار البلوغ دينارا

فلصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه المتقدّمة في المعادن.

20 - و اما ان المدار على ذلك بعد استثناء المؤونة

فلما تقدّم في المعادن.

21 - و اما المختلط‍‌ بالحرام

فقد دلّت على وجوب تخميسه صحيحة عمّار المتقدّمة و غيرها.

22 - و اما اعتبار عدم التميز

فلانه مع فرضه يكون لكل من المالين حكمه الخاص.

23 - و اما اعتبار الجهالة بصاحبه

فللصحيحة المتقدّمة. و مع معرفته تصل النوبة الى التصالح لتعيين المقدار المجهول.

24 - و اما اعتبار الجهالة بمقداره

فقد وقع محلاّ للاختلاف فقيل بعموم الحكم لحالة العلم التفصيلي بالمقدار. و قيل باشتراط‍‌ عدمه.

و قيل باعتبار الجهل المطلق بحيث لا يعلم حتّى بنحو الاجمال و انه أقل من مقدار الخمس مثلا.

و الأوجه الأخير لعدم احتمال وجوب اخراج الخمس على من علم بأن الحرام أكثر من الخمس بكثير أو أقلّ‌ منه بكثير بل المفهوم من الصحيحة تقدير الحرام بالخمس تعبّدا عند الجهل المطلق.

و مع قصور الصحيحة يلزم في حالة المعرفة بالمقدار و جهالة صاحبه التعامل معه معاملة مجهول المالك و ذلك بالتصدّق به عن صاحبه لصحيحة يونس بن عبد الرحمن: «سئل أبو الحسن الرضا عليه السّلام و أنا حاضر - الى أن قال - فقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه

معنا فأي شيء نصنع به‌؟ قال: تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة. قال:

لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع‌؟ قال: إذا كان كذا فبعه و تصدّق بثمنه...»(1)و غيرها.

و دعوى صاحب الحدائق(2)اختصاصها بخصوص المتميز و لا تعمّ‌ المجهول مالكه المختلط‍‌ كما في المقام مدفوعة بعدم احتمال الفرق.

25 - و اما بالنسبة الى مصرفه فقيل هو الفقراء كسائر الصدقات

لموثقة السكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أتى رجل أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: اني كسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا و حراما و قد أردت التوبة و لا أدري الحلال منه و الحرام و قد اختلط‍‌ عليّ‌ فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: تصدّق بخمس مالك فان اللّه رضي من الأشياء بالخمس، و سائر المال لك حلال»(3).

و هي تدل بوضوح على التصدّق به على خلاف صحيحة عمّار السابقة الظاهرة في ان مصرف الخمس مصرف بقيّة الموارد.

و السند لا بأس به لإمكان توثيق السكوني و النوفلي و ابراهيم بن هاشم ببيان أو بيانات تقدّمت في أبحاث سابقة.

و يمكن أن يقال في وجه الجمع بحمل لفظ‍‌ الصدقة على المعنى اللغوي العام، و هو كل ما يتقرّب به إلى اللّه سبحانه بما في ذلك الخمس، فان هذا المعنى ان لم يكن هو الظاهر من لفظ‍‌ الصدقة في نفسه فلا بدّ


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب اللقطة الحديث 2.

2) الحدائق الناضرة 365:12.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 4.

من الحمل عليه بقرينة صحيحة عمّار.

26 - و اما وجوب الخمس في الأرض التي اشتراها الذمّي من

المسلم

فلصحيحة أبي عبيدة الحذاء: «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: ايّما ذمّي اشترى من مسلم أرضا فان عليه الخمس»(1)، فإنّه لا غبار على سندها بطريق الشيخ و ان كانت ضعيفة بطريق الصدوق لجهالته و بطريق المحقّق الى الحسن بن محبوب لجهالته أيضا.

27 - و اما فاضل المؤونة
اشارة

فلم ينسب الخلاف في وجوب الخمس فيه إلاّ لابن الجنيد و ابن أبي عقيل لعبارة غير واضحة في ذلك(2).

و تدل على ذلك مضافا الى إطلاق آية الغنيمة النصوص الخاصّة التي كادت تبلغ حدّ التواتر، كموثقة سماعة: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الخمس فقال: في كلّ‌ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(3). و إطلاقها مقيّد بما دلّ‌ على كونه بعد المؤونة، كما في صحيحة علي بن مهزيار: «كتب إليه إبراهيم بن محمّد الهمداني... فكتب و قرأه علي بن مهزيار: عليه الخمس بعد مئونته و مئونة عياله و بعد خراج السلطان»(4).

و عدم وثاقة الهمداني لا تضرّ بعد قراءة ابن مهزيار بنفسه لجواب الإمام عليه السّلام.

و يدلّ‌ على ذلك أيضا: ان المسألة عامّة البلوى، و لازم ذلك شدّة وضوح حكم المسألة في عصر الأئمّة عليهم السّلام، و حيث لا يحتمل أن يكون


1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1.

2) جواهر الكلام 46:16.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6.

4) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 4.

ذلك الحكم الواضح هو العدم - و إلاّ لما اتّفق الفقهاء إلاّ من شذّ على الوجوب - فيلزم أن يكون هو الوجوب.

و بهذه الطريقة يمكن التعويض عن التمسّك بالإجماع ان أشكل عليه بأنّه محتمل المدرك.

اشكالان في المقام
اشارة

هناك اشكالان يرتبطان بوجوب الخمس في فاضل المؤونة:

أحدهما: انه لم يرد في كتب الحديث و التاريخ ان النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله و الامام

أمير المؤمنين عليه السّلام قد أخذا الخمس من فاضل المؤونة

، بل لم يعهد هذا القسم من الخمس إلاّ من زمن الصادقين عليهما السّلام حيث صدرت منهما الروايات الدالّة على وجوبه.

و هذا قد يجعل منطلقا للتشكيك في ثبوت وجوب هذا القسم أو على الأقل يجعل قرينة على ان وجوبه لم يكن بتشريع الهي بل من باب الولاية الحكومتية الذي لازمه الاختصاص بفترة الولاية.

ثانيهما: ورد في روايات كثيرة تحليل الأئمة عليهم السّلام الخمس للشيعة

و اسقاطه عنهم

، و لازم ذلك عدم وجوب دفعه في عصرنا، فقد روى أبو خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال رجل و أنا حاضر: حلل لي الفروج ففزع أبو عبد اللّه عليه السّلام فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق انما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوّجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا اعطيه. فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم و الغائب و الميّت

منهم و الحي و ما يولد منهم الى يوم القيامة فهو لهم حلال...»(1).

و يمكن الجواب عن الأول

بأن بيان الاحكام مبني على التدريج و إلاّ يأتي الاشكال أيضا في الوضوء و الصلاة و الصوم و غيرها حيث ان بيان كثير من أحكامها تمّ‌ على يد عدل القرآن الكريم.

هذا مضافا الى ورود مؤشرات كثيرة تدلّل على ثبوته في عصر النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله أو بآية الغنيمة(2).

بل في بعض الروايات إشارة واضحة إلى وجود بعض الأيادي التي قد لعبت دورها في الوقوف امام هذه الفريضة الالهية، فقد روى الشيخ الكليني بسند ينتهي إلى سليم بن قيس الهلالي: «خطب أمير المؤمنين عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه... ثم قال: ألا ان أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى و طول الأمل... ثم أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصته و شيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي اعمالا خالفوا فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته و لو حملت الناس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها و إلى ما كانت في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لتفرّق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي... أ رأيتم لو امرت بمقام إبراهيم عليه السّلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و رددت فدك إلى ورثة فاطمة عليها السّلام و رددت صاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما كان... و انفذت خمس


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الأنفال الحديث 4.

2) راجع وسائل الشيعة الباب 4 من الأنفال الحديث 8، 21. و الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5. و في رسائل النبي صلّى اللّه عليه و آله الى القبائل و غيرها اشارة الى هذا القسم من الخمس فراجع معالم المدرستين 111:2.

الرسول كما انزل اللّه عز و جل و فرضه... و حرّمت المسح على الخفين...

اذن لتفرقوا عني. و اللّه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان الا في فريضة و أعلمتهم ان اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غيّرت سنّة عمر... و اللّه المستعان على من ظلمنا و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلي العظيم»(1).

و رجال السند ثقات بل ذلك غير مهم بعد احتمال صدق الرواية كما هو واضح.

كما يمكن الجواب عن الثاني

بأن فكرة التحليل تعبير آخر عن تعطيل فريضة الخمس في زمن الغيبة بل و في زمن الحضور أيضا، و هذا واضح البطلان لأنه يتنافى و أدلّة تشريع وجوب الخمس من الكتاب و السنّة في أشياء خاصّة، و لاستلزامه تعجيز منصب الامامة عن ادارة شئونه لفقدان ما يستعين به و هو الخمس كما أشار الأئمّة: أنفسهم الى ذلك في بعض الروايات(2).

و التأمّل في نصوص التحليل يعطي ان المقصود ان الشيعي إذا وصله شيء قد تعلّق به الخمس من غيره فلا يلزمه تخميسه لا انه إذا تعلّق به الخمس عنده فلا يلزمه دفعه فتأمّل صحيحة أبي خديجة السابقة و غيرها تجد صدق ما نقول.


1) الكافي 58:8 باب خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام.

2) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الأنفال الحديث 2، 3، 5، 6، 7.

2 - أحكام خاصة بفاضل المؤونة

اشارة

يجب الخمس في مطلق الفائدة و ان لم تكن بالاكتساب خلافا للمشهور - إلاّ الميراث المحتسب، و الهدية التي ليس لها خطر، و المهر، و عوض الخلع - بعد استثناء مئونة السنة.

و الوجوب يتعلّق من بداية حصول الفائدة و ان جاز التأخير الى نهاية السنة ارفاقا.

و مبدأ السنة بداية حصول الربح. و لكل ربح سنة تخصّه.

و لا خمس في مال الصبي و المجنون.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوبها في مطلق الفائدة

فلإطلاق آية الغنيمة و بعض النصوص كموثق سماعة المتقدّم.

و احتمال الاختصاص بما كان من طريق الاكتساب اما لدعوى الاجماع، أو لدعوى ان المسألة ابتلائية فلو كان يجب في مطلق الفائدة لاشتهر، أو لدعوى سقوط‍‌ مثل موثق سماعة عن الاعتبار لاعراض المشهور عنه، أو لغير ذلك واضح التأمّل.

2 - و اما استثناء الميراث المحتسب و الهدية المذكورة

فلصحيحة علي بن مهزيار حيث ورد فيها: «... فالغنائم و الفوائد يرحمك اللّه هي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها، و الجائزة من الإنسان للإنسان التي لها

خطر، و الميراث الذي لا يحتسب...»(1).

5 - و اما استثناء المهر و عوض الخلع

فلعدم صدق الفائدة عليهما بعد كون الأوّل في مقابل منح الزوجة زمام أمرها بيد الزوج، و الثاني في مقابل تنازل الزوج.

و منه يتضح وجاهة الحكم بعدم ثبوت الخمس في الدية المأخوذة مقابل الجناية، حيث لا يصدق عنوان الفائدة بعد فرض الجناية.

6 - و اما استثناء المؤونة

فلمكاتبة الهمداني المتقدّمة و غيرها. هذا في غير مئونة تحصيل الربح، و اما هي فلا يحتاج استثناؤها الى دليل لعدم صدق الفائدة إلاّ بلحاظ‍‌ ما زاد عليها.

7 - و اما تقدير المؤونة بالسّنة

فللإطلاق المقامي، فإن مئونة الشخص تقدّر عادة بالسنة دون الشهور أو الأيام، و حيث إنّ‌ النصوص اطلقت كلمة المؤونة فلا بدّ ان يكون ذلك من باب الحوالة على العادة المذكورة.

8 - و اما ان التعلّق من بداية حصول الفائدة

فلامكان استفادة ذلك من آية الغنيمة و موثقة سماعة المتقدّمة، فإن ظاهر فَأَنَّ‌ لِلّهِ‌ خُمُسَهُ‌ و «ففيه الخمس» ان ذلك من حين صدق الغنيمة و الفائدة.

9 - و اما جواز التأخير

فمضافا الى انعقاد السيرة القطعية عليه يمكن التمسّك له بأن الخمس لما كان بعد استثناء المؤونة المقدرة بسنة و هي تدريجية الحصول فيلزم من ذلك جواز التأخير.

10 - و اما تحديد بداية السنة

فقيل بكونه بداية الشروع في


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5.

التكسب في من عمله ذلك و بداية حصول الفائدة في من ليس عمله ذلك.

و لعل ذلك هو الرأي المشهور.

و الوجه فيه: ان مصداق سنة الربح عرفا في المتكسب هو بداية التكسب و في غيره بداية حصول الفائدة.

و لعل الأنسب جعل المدار على بداية حصول الفائدة مطلقا لأنّ‌ عنوان سنة الربح لم يرد في النصوص بل الوارد «الخمس بعد مئونته و مئونة عياله»، و ظاهر لفظ‍‌ المؤونة ما كان مئونة بالفعل دون ما كان مئونة سابقا، فإذا اريد استثناء المؤونة من الفائدة التي تتحقّق فيما بعد لم يصدق حين تحقّق الفائدة انه استثني منها ما كان مئونة بالفعل بل ما كان مئونة سابقا.

هذا مضافا الى ان استثناء المؤونة من الفوائد حصل بمخصص منفصل، و كلّما دار أمر المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر يلزم الاقتصار على الأقل، و هو المؤونة المصروفة بعد تحقّق الربح.

11 - و اما ان لكل ربح سنة تخصه أو للمجموع سنة واحدة

فقد وقع محلاّ للاختلاف.

و تظهر الثمرة فيما لو حصلت فائدة بداية محرم مثلا بمقدار مائة، و في بداية صفر فائدة ثانية بمقدار خمسين، و صرف المكلف في الفترة المتخلّلة بينهما مقدار مائة و عشرين، فإنّه على الثاني لا يجب تخميس العشرين بخلافه على الأوّل لأنّ‌ المؤونة لا تستثنى قبل بداية سنة الفائدة.

و هكذا تظهر الثمرة في ملاحظة نهاية السنة، فإنّه على الثاني تنتهي بنهاية ذي الحجة بخلافه على الأوّل فإنّها نهاية محرّم، و لازم

ذلك ان المؤونة قبل نهاية محرم و بعد نهاية ذي الحجة تستثنى على الأوّل بخلافه على الثاني.

و عليه فكل من الرأيين له فائدة للمكلف من جهة.

و لعلّ‌ المشهور هو الثاني و ان كان المناسب هو الأوّل باعتبار ان كلّ‌ فرد من الفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس، و ملاحظة مجموع الأرباح ربحا واحدا يحتاج الى دليل، و هو مفقود.

و دعوى ان ملاحظة سنة لكل فائدة لا يخلو من عسر على المكلّفين لصعوبة ملاحظة كل فائدة فائدة بشكل مستقل و ذات سنة مستقلة مدفوعة بأن ذلك يلزم لو كان ما ذكر أمرا متعيّنا و لكنه ليس كذلك فان بإمكان المكلف جعل سنة واحدة للمجموع بشرط‍‌ عدم استثناء العشرين و أمثالها من الفائدة الحاصلة بداية صفر.

12 - و اما انه لا خمس على الصبي و المجنون

فلإطلاق القلم المرفوع لقلم الوضع أيضا و لا وجه لتخصيصه بقلم التكليف فيكون حاكما على الأدلّة الأوّلية.

و بعد هذا لا وجه لاحتمال توجه التكليف الى الولي، و على تقدير فرضه فهو منفي بالبراءة.

أجل في خصوص المال المختلط‍‌ بالحرام ينحصر طريق التحليل بالتخميس في حق الصبي أيضا.

3 - كيف يقسم الخمس‌؟

اشارة

المشهور تقسيم الخمس الى ستّة أسهم ثلاثة منها للإمام عليه السّلام و ثلاثة

لبني هاشم لا على نحو البسط‍‌.

و في كيفية صرف السهم المبارك للإمام عليه السّلام خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما التقسيم الى الستة
• خلافا للشافعي و أبي حنيفة حيث نسب اليهما التقسيم الى خمسة بحذف سهم اللّه سبحانه(1)- فتدلّ‌ عليه آية الغنيمة، فإنّه بناء على إرادة مطلق الفائدة من الغنيمة فالأمر واضح، و اما بناء على اختصاصها بغنيمة الحرب فالدليل الدال على وجوب الخمس في بقيّة الأقسام من دون بيان المصرف يدل على لزوم كون التقسيم بالنحو المذكور في آية الغنيمة و إلاّ لأشير إلى غيره.

و بعد دلالة آية الغنيمة على المطلوب لا حاجة الى ملاحظة الروايات و ان كانت كثيرة(2).

2 - و اما ان الثلاثة الاولى منها للإمام عليه السّلام

فلصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الامام الرضا عليه السّلام: «سئل عن قول اللّه عز و جل:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ‌ مِنْ‌ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ‌ لِلّهِ‌ خُمُسَهُ‌ وَ لِلرَّسُولِ‌ وَ لِذِي الْقُرْبى‌ ، فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟ فقال: لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهو للإمام. فقيل له: أ فرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر و صنف أقلّ‌ ما يصنع به‌؟ قال: ذاك الى الامام، أ رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كيف يصنع أ ليس إنّما كان يعطي على ما يرى كذلك الامام»(3).


1) جواهر الكلام 89:16.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب قسمة الخمس.

3) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب قسمة الخمس الحديث 1.

و على هذا فهي في مثل زماننا ترجع الى امامنا المنتظر أرواحنا له الفداء.

بيد ان هذا مبني على ما فهمه المشهور من كون ملكية الامام عليه السّلام لها هي ملكية شخصية، و اما بناء على كون ملكيته لها بما هو صاحب المنصب - و ان كونه الامام حيثية تقييدية لا تعليلية، كما قد يدعم ذلك التعبير في الصحيحة بالامام دون ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - فتكون في مثل زماننا راجعة الى منصب الامامة و الولاية و يتصرّف فيه الفقيه من باب انتقال ذلك المنصب إليه.

3 - و اما بالنسبة الى الأسهم الثلاثة الأخيرة

فالمشهور انها لخصوص بني هاشم و ان البسط‍‌ غير لازم بل هي ملك للجامع بين الأصناف الثلاثة.

اما انها لخصوص بني هاشم - خلافا للعامة، و لربّما ينسب إلى ابن الجنيد أيضا(1)- فقد ادعي انه من الضروريات التي لا تحتاج الى دليل و ان كانت بعض النصوص(2)ذات السند الضعيف قد دلّت عليه إلاّ ان ضعفها غير مهم بعد الضرورة.

و اما ان البسط‍‌ غير لازم فلان الوارد كلمة «اليتامى» و «المساكين» بنحو الجمع المحلى باللام، و لازم ذلك بناء على إرادة ظاهر الآية استيعاب جميع أفراد اليتامى و المساكين، و هو لو كان ممكنا غير محتمل في نفسه.


1) جواهر الكلام 88:16.

2) من قبيل رواية ابن بكير عن بعض أصحابه. وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب قسمة الخمس الحديث 2.

كما انه يلزم حفظ‍‌ حصّة ابن السبيل لو لم يكن موجودا في البلد، و هو غير محتمل أيضا.

و بهذا يظهر أيضا ضعف احتمال لزوم البسط‍‌ على الجامع في كل صنف و يتعيّن كون المقصود بيان المصرفية و ان الجامع بين الأصناف الثلاثة مصرف لنصف الخمس.

و في مقابل هذا الرأي المشهور رأي يقول بأن جميع الخمس ملك لمنصب الامامة لتدار به شئون المنصب و ليس نصفه ملكا للأصناف الثلاثة الأخيرة و لا للجامع بينها، غايته ان الامام عليه السّلام يصرف عليها بما يراه صلاحا، فهي على هذا مصرف و ليس هناك ملكية حتى للجامع.

و يمكن أن يستشف ذلك من حذف اللام - الدالة على الملكية - من الأصناف الأخيرة و من التأمّل في ذيل صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر المتقدّمة.

و يظهر من صاحب الجواهر الميل الى ذلك حيث قال: «... بل لو لا وحشة الانفراد عن ظاهر اتفاق الأصحاب لأمكن دعوى ظهور الأخبار في ان الخمس جميعه للإمام عليه السّلام و ان كان يجب عليه الانفاق منه على الأصناف الثلاثة الذين هم عياله...»(1).

و تحقيق الحال في ذلك يحتاج الى مستوى أعلى من البحث.

4 - و اما كيفية صرف السهم المبارك للإمام عليه السّلام زمن الغيبة
اشارة

فقد نقل صاحب الحدائق(2)في ذلك أربعة عشر قولا لا يجدي التعرّض لها.

و المناسب الالتفات الى الأقوال الثلاثة للمتأخّرين:
اشارة


1) جواهر الكلام 155:16.

2) الحدائق الناضرة 437:12.

أ - ما اختاره صاحب الجواهر و مصباح الفقيه(1) من التعامل معه

أ - ما اختاره صاحب الجواهر و مصباح الفقيه(1)من التعامل معه

معاملة مجهول المالك

باعتبار ان المستفاد ممّا دلّ‌ على لزوم التصدّق في مجهول المالك كون العبرة بعدم امكان الوصول الى المالك لا بجهالته و ان كان المفروض فيها ذلك.

ب - ان الأمر في السهم المبارك يدور بين دفنه أو إيداعه مع

الوصيّة به يدا بيد

أو غير ذلك من الاحتمالات التي يعرّض فيها السهم المبارك للإتلاف بلا مبرّر عقلائي فلا بدّ أن نتصرّف بما نحرز معه رضا الامام عليه السّلام، و ليس ذلك إلاّ صرفه في تشييد الدين و دعائمه، و من أوضح مصاديق ذلك صرفه في مجال الحوزات العلمية التي يحفظ‍‌ الدين ببقائها.

و يضاف الى ذلك ان الفقيه حيث انه أعرف بموارد الصرف الصحيحة أو يحتمل إناطة رضا الامام عليه السّلام بكون الصرف تحت إشراف الفقيه فيلزم استئذانه أو دفعه إليه.

قال الشيخ النائيني: «ثم ان وجوب اداء سهم الامام عليه السّلام الى الفقيه ليس إلاّ من باب انه أبصر بموارد صرفه بعد العلم بأنّه عليه السّلام لو كان حاضرا لصرفه»(2).

ج - ان الخمس بتمامه ملك لمنصب الامامة و ليس لشخص

الإمام عليه السّلام

، فإن التعبير بكلمة «الامام» في صحيحة ابن أبي نصر المتقدّمة يوحي بأنّ‌ الإمامة حيثية تقييدية لا تعليلية. مضافا الى إمكان استفادة ذلك من روايات اخرى.


1) جواهر الكلام 177:16 كتاب الخمس من مصباح الفقيه 158.

2) منية الطالب 327:1.

و مع فرض كونه ملك المنصب و انتقال المنصب الى الفقيه يلزم تسليمه إليه لإدارة شئون المنصب و التي منها دعم الحوزات العلمية.

و من هذا يتّضح ان كلا القولين الأخيرين متفقان على لزوم صرف السهم المبارك في دعم الحوزات العلمية و ما شاكل ذلك إلاّ ان الطريق الى ذلك مختلف. و لربما تترتّب على ذلك بعض الثمرات.

كتاب الحجّ‌

اشارة

1 - الحجّ‌ و أحكام وجوبه 2 - الصورة الاجمالية للحجّ‌ 3 - مواقيت الاحرام 4 - تفاصيل أفعال الحجّ‌ و العمرة 5 - محرّمات الاحرام

1 - الحج و أحكام وجوبه

اشارة

وجوب الحج فوري مرّة واحدة مع اجتماع الشرائط‍‌ - و يصطلح عليها بحجّة الإسلام - و هي: البلوغ، و العقل، و الحرية، و الاستطاعة المتحقّقة بوجدان النفقات اللاّزمة ذهابا و إيابا - لمن قصد العودة أو ذهابا فقط‍‌ لمن لم يقصدها - وسعة الوقت، و السلامة على النفس و المال و العرض، و التمكن من استئناف الوضع المعيشي بعد العودة بدون حرج، و عدم المزاحمة بواجب أهم.

و الحج مع اختلال هذا الأخير يقع مصداقا لحجّ‌ الإسلام و ان كان الفاعل آثما بخلاف اختلال غيره فانه لا يقع كذلك.

و إذا تلفت النفقات أثناء الذهاب أو قبل اتمام أعمال الحج لم يجزئ ما أتي به عن حجّ‌ الإسلام.

و لا يلزم تحقّق الاستطاعة في بلد المكلف بل يكفي تحقّقها في المكان الذي هو فيه.

و السعي لتحصيل الاستطاعة غير لازم و لو بقبول الهبة فيما إذا لم تكن

مقيّدة بالحج.

أجل مع البذل يجب الحج.

و تكفي إباحة النفقات و لا تلزم ملكيتها.

و من كان بحاجة الى دار أو زواج أو ما شاكل ذلك من ضروريات الحياة يلزمه تقديم الحج الا مع لزوم الحرج.

و هكذا المرأة التي يمكنها الحج بمهرها أو هدايا الزواج أو ببيع بعض حليّها التي استغنت عنها لكبر.

و هكذا من كانت له دار واسعة بإمكانه تبديلها أو بيع بعضها فانه يجب ذلك ما دام لا يلزم الحرج.

و من عليه دين في ذمّة الناس يمكنه الحج به يلزمه استحصاله إذا لم يكن فيه حرج. بل قد يقال بأن من استقرض ما يمكّنه من الحج بدون حرج في قضائه يجب عليه.

و من تمكّن من نفقات الحج قبل موسمه استقرّ عليه الوجوب و لزمه التحفّظ‍‌ على الاستطاعة.

و من استقر عليه الحج و سوّف حتى عجز عن المباشرة أو تيسّرت له النفقات و لم يتمكن من البداية تجب عليه الاستنابة ما دام هناك يأس من امكانية المباشرة.

و من استقر عليه الوجوب يلزمه تهيئة المقدّمات و الخروج في وقت يثق بإدراكه الحج.

و كما يجب الحج مرّة تجب العمرة كذلك لدى اجتماع الشرائط‍‌ السابقة أو عند إرادة دخول مكّة في غير حالات الاستثناء.

و من استطاع و سوّف استقرّ في ذمّته و لزمه الاتيان به و لو تسكعا

الا مع فرض الحرج.

و المستند في ذلك:

1 - الحج من الفرائض الضرورية في الإسلام و التي بني عليها.

قال تعالى: وَ لِلّهِ‌ عَلَى النّاسِ‌ حِجُّ‌ الْبَيْتِ‌ مَنِ‌ اسْتَطاعَ‌ إِلَيْهِ‌ سَبِيلاً وَ مَنْ‌ كَفَرَ فَإِنَّ‌ اللّهَ‌ غَنِيٌّ‌ عَنِ‌ الْعالَمِينَ‌ (1). و في الحديث الصحيح: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية»(2).

و في صحيحة ذريح المحاربي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من مات و لم يحجّ‌ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّا أو نصرانيا»(3).

و هل يحكم بكفر تارك الحج لا عن عذر كما هو ظاهر الآية الكريمة‌؟ كلا، إذ من المحتمل إرادة كفران النعمة - من الكفر - مقابل شكرها لا إرادة ما يقابل الإسلام، و المعنى من لم يشكر نعمة الهداية إلى الإسلام بالعمل بالوظائف فان اللّه غنيّ‌ عنه، و هذا ما قد يعبّر عنه بالكفر العملي.

أجل من تركه لإنكار وجوبه من دون شبهة حكم عليه بالكفر لاستلزام ذلك انكار الرسالة.

2 - و اما انه فوري فهو من ضروريات الإسلام أيضا.

و يدلّ‌ عليه حكم العقل فإنّ‌ الأمر و ان لم يوضع للفورية الا ان كل واجب يلزم عقلا الاتيان به فورا الا إذا حصل وثوق بعدم فواته بالتأخير، و حيث ان الإنسان


1) آل عمران: 97.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

لا وثوق له عادة بالبقاء الى السنة الثانية فيلزمه الاسراع الى الاتيان به.

على ان بالإمكان استفادة ذلك من النصوص أيضا كصحيح المحاربي المتقدّم، فان الفورية إذا لم تكن واجبة فلما ذا يموت التارك للحج من دون عذر يهوديّا أو نصرانيا، ان العقوبة مع جواز التراخي لا وجه لها.

3 - و اما انه مرّة واحدة

فهو من الواضحات أيضا إذ لو كان يجب أكثر من ذلك لاشتهر لشدّة الابتلاء بالمسألة و الحال لم ينسب الخلاف الا الى الشيخ الصدوق حيث أفتى بوجوبه في كلّ‌ عام على أهل الثروة و الجدّ استنادا الى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام: «ان اللّه عزّ و جلّ‌ فرض الحج على أهل الجدة في كلّ‌ عام...»(1).

قال في العلل: «و الذي اعتمده و أفتي به ان الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة»(2).

و لأجل وضوح حكم المسألة شكّك في العروة الوثقى(3)في صحّة النسبة. و لا وجه للتشكيك الا ما أفاده بعض الأعلام من ان: «المقام العلمي الرفيع للصدوق يأبى صدور ذلك منه لما عرفت من انه من الواضحات. نسأله تعالى العصمة، انه أرحم الراحمين»(4).

هذا مضافا الى إمكان استفادة الحكم من بعض الروايات(5)الآبي


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

2) علل الشرائع: 405، و وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

3) العروة الوثقى بداية الفصل الأوّل من كتاب الحج.

4) مستمسك العروة الوثقى 5:10.

5) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب وجوب الحج.

لسانها عن التخصيص.

4 - و اما اشتراط‍‌ البلوغ و العقل

فلما تقدم من شرطيتهما العامة لكل تكليف. هذا مضافا الى موثقة إسحاق بن عمّار: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن ابن عشر سنين يحج، قال: عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت»(1)و غيرها.

5 - و اما اشتراط‍‌ الحرية

فمما لا خلاف فيه. و يدلّ‌ عليه صحيح الفضل بن يونس عن أبي الحسن عليه السّلام: «... ليس على المملوك حجّ‌ و لا عمرة حتى يعتق»(2)و غيره.

6 - و اما اعتبار نفقات الحج في تحقق الاستطاعة

فلصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قوله عزّ و جلّ‌: وَ لِلّهِ‌ عَلَى النّاسِ‌ حِجُّ‌ الْبَيْتِ‌ مَنِ‌ اسْتَطاعَ‌ إِلَيْهِ‌ سَبِيلاً ما يعني بذلك‌؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة»(3)و غيرها. و حيث لا يحتمل إرادة خصوص عين الزاد و الراحلة فلا بدّ من إرادة ما يعمّ‌ ملك ثمنها.

و هل تعتبر امكانية الراحلة في تحقّق الاستطاعة في حق القادر على المشي بدون حرج أيضا؟ نعم ذلك هو المعروف بين الفقهاء. و يدل عليه إطلاق الصحيحة السابقة و غيرها.

هذا و لكن وردت روايات توحي بعدم اعتبار ذلك، ففي صحيحة معاوية بن وهب: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل عليه دين أ عليه ان


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب وجوب الحج الحديث 7.

يحجّ‌؟ قال: نعم، ان حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين. و لقد كان أكثر من حجّ‌ مع النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله مشاة. و لقد مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد و العناء فقال: شدّوا أزركم و استبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم»(1).

و يظهر من صاحب الوسائل اختياره لمضمونها حيث عنون الباب بباب وجوب الحج على من أطاق المشي.

الا انه لهجران مضمونها لدى الأصحاب - خصوصا و قد افترضت الجهد الذي قد يساوق الحرج - يلزم حملها على بعض المحامل.

و يؤيّده ان المسألة عامة البلوى فلو كان ما ذكر تامّا لاشتهر و ذاع بين الفقهاء.

و لو لا ذلك كان المناسب تقييد الأولى بالحاجة بقرينة الثانية كسائر موارد الإطلاق و التقييد.

7 - و تقييد النفقات بقيد «اللازمة» يقصد به اخراج مثل نفقات

هدايا الحج

، فإن القدرة عليها لم تؤخذ في صحيحة هشام فلا تكون معتبرة.

8 - و اما عدم اعتبار نفقة العود لمن لا يريد ذلك

فواضح لعدم الموجب لذلك. بل يمكن ان يقال ان من يمكنه البقاء في مكة بلا حرج فلا موجب لأخذ نفقة الاياب بعين الاعتبار في حقه بل يلزمه السكن هناك لتحقق الاستطاعة في حقّه فيشمله إطلاق الآية الكريمة.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

9 - و اما اعتبار سعة الوقت

فلصيرورة التكليف بما لا يطاق بدون فرض ذلك. أجل يلزم التحفّظ‍‌ على الاستطاعة الى السنة الثانية لما سيأتي من ان الاستطاعة يلزم التحفّظ‍‌ عليها متى ما تحقّقت و ليس لها وقت مخصوص بعد إطلاق الآية الكريمة.

10 - و اما اعتبار السلامة على ما ذكر

فيمكن استفادته من الآية الكريمة - لعدم صدق الاستطاعة بدون ذلك - مضافا الى الروايات الخاصّة كصحيحة هشام المتقدّمة.

كما يمكن التمسّك بقاعدة لا ضرر.

و إذا قيل: ان الحج بنفسه مبني على الضرر لذهاب جملة كبيرة من المال بسببه.

قلنا: ان ذلك وجيه في المقدار الذي يستدعيه طبع الحج دون ما زاد.

و هل يلزم لسقوط‍‌ الوجوب اليقين بعدم السلامة أو يكفي مجرّد الخوف‌؟

المناسب الثاني لان الخوف طريق عقلائي في باب الضرر، و قد جرت عليه سيرة العقلاء الممضية بعدم الردع.

11 - و اما اعتبار التمكن من المواصلة عند الاياب

فمهم الدليل عليه قاعدة نفي الحرج المستندة إلى قوله تعالى: ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ (1).

12 - و اما اعتبار عدم المزاحم الأهم
• كما إذا استلزم الحج فوات

1) الحج: 78.

علاج لازم لمريض أو التأخير في قضاء لازم لدين - فلدخول المورد تحت باب التزاحم القاضي بتقديم الأهم، فانّ‌ دليل الحج و دليل الواجب الآخر مطلقان فيقع التزاحم بينهما في مقام الامتثال.

و هكذا الحال إذا توقّف الحج على ارتكاب محرم كركوب الطائرة المغصوبة، فان المورد يدخل تحت باب التزاحم فيقدم الأهم.

13 - و اما انه يقع مصداقا لحج الإسلام عند ترك الأهم

فلان ذلك لازم باب التزاحم بناء على امكان فكرة الترتّب حيث يكون الأمر بالمهم مشروطا بترك الاشتغال بالأهم، فعند عدم الاشتغال به يقع المهم صحيحا بواسطة الأمر الترتبي.

و اما انه لا يقع مصداقا عند تخلف غير ذلك فلأخذه في موضوع حجّ‌ الإسلام اللازم منه عدم تحققه عند تخلّفه، بخلاف عدم المزاحمة بالأهم فإنّه لم يؤخذ كذلك و انما كان معتبرا من باب المزاحمة.

14 - و اما ان النفقات إذا تلفت - لسرقة و نحوها - قبل اتمام الحج

لم يقع ما أتى به مصداقا لحج الإسلام

فلان الاستطاعة شرط‍‌ في حج الإسلام حدوثا و بقاء فإذا تلفت النفقات قبل الاتمام كشف ذلك عن عدم الاستطاعة بقاء، و هذا بخلاف التلف بعد الاتمام، فان اعتبار الاستطاعة بلحاظ‍‌ العود هو لقاعدة نفي الحرج و هي لأجل كونها امتنانية لا تدلّ‌ على الشرطية في الحالة المذكورة لأنه يلزم خلف الامتنان.

هذا و مسألة عدم اجزاء حج المتسكع حدوثا أو بقاء عن حج الإسلام أمر متسالم عليه بين الفقهاء. و لو لا التسالم المذكور تمكن المناقشة باعتبار ان المستفاد من الأدلة ان الحج الواجب هو مرّة واحدة تسمّى بحجّة الإسلام، و الاستطاعة شرط‍‌ لوجوبها لا لوقوعها حج

الإسلام، فقوله تعالى: وَ لِلّهِ‌ عَلَى النّاسِ‌ حِجُّ‌ الْبَيْتِ‌ مَنِ‌ اسْتَطاعَ‌... (1)

ناظر الى اثبات الوجوب و انه لا يستقر الا على المستطيع و لا يدل على ان من حجّ‌ بدون استطاعة ثم استطاع يتوجّه اليه الوجوب من جديد.

15 - و اما عدم اعتبار الاستطاعة من البلد

فلعدم الدليل على ذلك، فإذا تحققت من مكان آخر أمكن التمسّك بإطلاق الآية الكريمة لصدق الاستطاعة. و عليه فلو وصل شخص بشكل و آخر الى مكّة من دون استطاعة، و قبل ان يحرم لعمرة التمتّع أهدى له شخص كامل النفقات من الميقات و حتى العودة الى وطنه كفاه ذلك في تحقق الاستطاعة.

16 - و اما ان تحصيل الاستطاعة غير لازم

فلان مقدمة الوجوب لا يجب تحصيلها كما هو واضح.

و إذا قيل: مع القدرة على الاكتساب - خصوصا إذا كان بسهولة - تصدق الاستطاعة للحج عرفا و من ثمّ‌ يكون إطلاق الآية الكريمة شاملا.

قلنا: ان ظاهر صحيحة هشام المتقدّمة المفسّرة للاستطاعة بوجدان الزاد و الراحلة وجدانهما الفعلي و لو بثمنهما لا مجرّد القدرة على ذلك.

17 - و اما عدم لزوم قبول الهبة غير المقيّدة بالحج

فلان ذلك نحو من الاكتساب الذي تقدّم عدم وجوبه.

و اما إذا كانت مقيّدة به فالمناسب و ان كان عدم لزوم قبولها لما سبق نفسه الا ان روايات متعدّدة دلّت على ان من عرض عليه الحج يجب عليه، ففي صحيحة محمّد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: فان


1) آل عمران: 97.

عرض عليه الحج فاستحيى، قال: هو ممّن يستطيع الحج. و لم يستحيي و لو على حمار أجدع أبتر...»(1)، و من وهب له بشرط‍‌ الحج يصدق عليه:

عرض عليه الحج.

و من ذلك يتّضح الحال في من بذل له و دعي إليه فان الوجوب يستقر عليه لصدق عرض الحج عليه.

18 - و اما كفاية الاباحة

فلصدق الاستطاعة المأخوذة في الآية الكريمة معها.

و دعوى انه لا مجال للتمسّك بهذا بعد تفسير الاستطاعة في صحيحة هشام المتقدّمة بمن له زاد و راحلة الظاهر في اعتبار الملكية مدفوعة بأنّ‌ ظاهر اللام الاختصاص - دون الملك - و ذلك صادق مع الإباحة.

و دعوى ان الإباحة المالكية إذا كانت كافية فيلزم كفاية الاباحة الشرعية الثابتة في المباحات العامّة أيضا، و هو بعيد مدفوعة بأنّا نلتزم تحقّق الاستطاعة بعد الاستيلاء لصدق عنوان «له زاد و راحلة» بخلافه قبل ذلك فانه لا يصدق.

19 - و اما وجوب الحج على من كان بحاجة الى دار و نحو ذلك

فلصدق الاستطاعة المفسّرة في صحيحة هشام السابقة بالزاد و الراحلة. أجل مع الحرج - المشقّة الشديدة - لا يثبت الوجوب لحكومة قاعدة نفي الحرج على الأدلّة الأوّلية التي منها دليل وجوب الحج على المستطيع.


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

و من ذلك يتّضح الحال في بقيّة الفروع بما في ذلك حالة القرض، فإنّه و ان لم يكن لازما - لكونه نحوا من التكسب غير اللازم - الا أنّه بعد تحقّقه بمقدار نفقات الحج يكون المكلف مالكا للنفقات فيستقرّ عليه الوجوب الا مع الحرج في الوفاء.

20 - و اما الوقت اللازم تحقّق الاستطاعة فيه بحيث لا يجوز

تفويتها بعد ذلك

ففيه خلاف.

و المعروف انه خروج القافلة الاولى.

و اختار في العروة الوثقى كونه التمكّن من المسير و ان لم تخرج القافلة بعد(1).

و اختار جماعة منهم الشيخ النائيني كونه أشهر الحج(2).

و المناسب عدم التقيّد بوقت خاص لان ظاهر الآية الكريمة وجوب الحج كلّما صدقت الاستطاعة من دون اشتراط‍‌ وقت خاص، فلو حصلت في محرم وجب الحج آنذاك غايته بنحو الواجب المعلّق. و الثمرة تظهر في لزوم التحفّظ‍‌ على الاستطاعة و لزوم تهيئة المقدّمات بنحو الواجب الموسع.

أجل يلزم لتحقّق الاستطاعة مضافا الى توفّر النفقات حصول الصحة و تخلية السرب لان الثلاثة اخذت عناصر للاستطاعة في صحيحة هشام المتقدّمة.

و على هذا: من تمكّن من نفقات الحج و لكنه لم يكن ذا صحّة أو لم يكن مخلى السرب فليس ذا استطاعة و من ثمّ‌ لا يلزمه التحفّظ‍‌ على


1) العروة الوثقى، كتاب الحج، فصل شرائط‍‌ وجوب حجة الإسلام، الشرط‍‌ 3، المسألة 23.

2) دليل الناسك: 36، طبعة مؤسسة المنار.

الاستطاعة من حيث النفقات. اما اذا اجتمعت في زمان فمن اللازم التحفّظ‍‌ عليها حتى و لو كان ذلك في محرّم.

21 - و اما وجوب الاستنابة في الموردين

فقد دلّ‌ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «و ان كان موسرا و حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه فان عليه ان يحجّ‌ عنه من ماله صرورة لا مال له»(1)و غيره.

و هو باطلاقه يشمل الموردين.

و هل يكفي في المورد الثاني العذر في سنة الاستطاعة أو لا بد من استمراره‌؟ قد يقال: بأنّ‌ مقتضى إطلاق الصحيح هو الأوّل.

بيد أنّه يلزم حمله على إرادة الثاني بحيث يكون المقصود حال بينه و بين أصل الحج مرض أو... لا حال بينه و بين الحج في سنة الاستطاعة، إذ لو كان المقصود هو الثاني لاشتهر ذاك و شاع لشدّة الابتلاء بالمسألة و الحال ان المشهور هو العدم بل ادعي عليه الاجماع.

و هل يلزم في النائب ان يكون صرورة‌؟ المشهور عدم اعتبار ذلك، و المناسب اعتباره لظاهر الصحيح. أجل يتنزل الى الاحتياط‍‌ الوجوبي تحفّظا من مخالفة المشهور.

و يختص ذلك بما إذا كان المنوب عنه حيّا لأنه مورد الصحيح و لا يعمّ‌ الميّت لأصل البراءة بعد عدم الدليل على الاعتبار.

هذا لو لم يكن إطلاق في أدلة الاستنابة عن الميت الذي استقر عليه الحج و الا كان هو المرجع دون أصل البراءة.


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب وجوب الحج الحديث 2.

ثم انه قد يناقش في أصل وجوب الاستنابة لرواية سلمة أبي حفص عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رجلا أتى عليّا و لم يحجّ‌ قط‍‌ فقال: اني كنت كثير المال و فرطت في الحج حتى كبرت سنّي، فقال: فتستطيع الحج‌؟ فقال: لا، فقال له علي عليه السّلام: إن شئت فجهّز رجلا ثم ابعثه يحجّ‌ عنك»(1)، فان التعليق على المشيئة يدل على عدم الوجوب.

و يمكن ردّ ذلك بضعف السند بسلمة حيث لم تثبت وثاقته، و بأن المقصود: ان كنت خائفا و تحب تفريغ ذمتك فاستنب، و هذا لا يتنافى و وجوب الاستنابة.

22 - و اما وجوب تهيئة المقدّمات

فلحكم العقل بوجوب ما لا يتم الواجب الا به، بمعنى ان المكلف لا يكون معذورا عقلا بتركه للواجب بسبب تركها. أجل ان وجوبها موسع ما دام يوثق بعدم فوات الواجب بعدم الاسراع في تهيئتها.

23 - و اما الوقت الذي يجب فيه الخروج فيما إذا فرض تفاوت

القوافل في وقت الخروج

فقيل بلزومه مع الاولى و ان وثق بإدراك الحج مع الثانية، و قيل بجواز الخروج مع الاخرى ما دام يحتمل الإدراك معها.

و المناسب عدم جواز التأخير الا مع الوثوق بالإدراك مع التأخّر لان التحفظ‍‌ على أداء الواجب لازم عقلا، و الوثوق طريق عقلائي في مثل ذلك.

ثم انه لو كان واثقا و لكن لم يتحقق منه الادراك لعارض فهل يستقر الحج في ذمّته بحيث يلزمه اداؤه في السنة الثانية و لو تسكعا؟ كلا لأنه لم يتوان حتى يستقر عليه.


1) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب وجوب الحج الحديث 3.

أجل يلزمه التحفظ‍‌ على الاستطاعة الى السنة الثانية لما تقدّم من ان العناصر الثلاثة للاستطاعة اذا تحققت في أي وقت يستقر الوجوب في الذمة و لا يجوز تفويتها. و لكن لو فاتت لعذر فلا يلزم التسكع لعدم كونه ممّن سوّف بعد استقرار الوجوب عليه.

24 - و اما العمرة

فلا إشكال في وجوبها على من استطاع للحج اما لأنّها جزء المركب الواحد - كما في حجّ‌ التمتع - أو لأنّها واجب مستقل.

و ليس مستند الوجوب قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ‌ وَ الْعُمْرَةَ‌ لِلّهِ‌ (1)أو فَمَنْ‌ حَجَّ‌ الْبَيْتَ‌ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِ‌ (2)لقصورهما عن إثبات ذلك كما هو واضح، بل لان ذلك مضافا الى كونه من المسلّمات تدلّ‌ عليه جملة من الروايات، كصحيح معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع إليه سبيلا لان اللّه عزّ و جلّ‌ يقول: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ‌ وَ الْعُمْرَةَ‌ لِلّهِ‌ »(3)و غيره.

كما لا إشكال في ان الآتي بعمرة التمتّع تسقط‍‌ عنه فريضة العمرة لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة»(4)و غيره.

و ينحصر البحث بعد هذا في من استطاع للعمرة المفردة و لم يستطع للحج.


1) البقرة: 196.

2) البقرة: 158.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العمرة الحديث 8.

4) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب العمرة الحديث 1.

و الكلام تارة يقع في القريب الذي وظيفته غير حجّ‌ التمتّع و اخرى في البعيد الذي وظيفته ذلك.

اما القريب فيمكن التمسّك بصحيح معاوية المتقدّم لإثبات وجوبها و فوريتها عليه.

و اما البعيد فلا يبعد دلالة الصحيح على الوجوب في حقه أيضا الا انه لا بدّ من حمله على غيره لان المسألة ابتلائية، فلو كان الوجوب ثابتا في حقّه لاشتهر و ذاع و الحال ان المعروف بين الفقهاء عدم الوجوب، بل قال في العروة الوثقى: «أرسله بعضهم إرسال المسلّمات»(1).

25 - و اما اعتبار الاحرام لدخول مكّة

فلصحيح محمّد بن مسلم:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام: هل يدخل الرجل مكّة بغير احرام‌؟ قال: لا، الا مريضا أو من به بطن»(2)و غيره.

و حيث ان الاحرام لا يكون الا بحج أو عمرة فتتعيّن العمرة إذا لم يكن الوقت وقتا للحج.

و يستثنى من ذلك من يتكرّر منه الدخول جلبا لحوائج الناس، ففي صحيح رفاعة بن موسى: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ان الحطابة و المجتلبة أتوا النبي صلّى اللّه عليه و آله فسألوه فأذن لهم ان يدخلوا حلالا»(3).

و نسب الى المشهور التعدي الى كل من تكرّر منه الدخول و لو لم ينطبق عليه عنوان المجتلب فهما منهم عدم الخصوصية لعنوان الاجتلاب.


1) العروة الوثقى، كتاب الحج، فصل أقسام العمرة، المسألة 2.

2) وسائل الشيعة الباب 50 من أبواب الاحرام الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب الاحرام الحديث 2.

و هذا الاحتمال و ان كان وجيها في من تكرر منه الدخول لحاجة عقلائيّة - كمن يتكرّر منه ذلك لمراجعة طبيب - الا ان التعدي لغير ذلك مشكل فينبغي الاقتصار على موضع النصّ‌ و الرجوع في غيره الى عموم صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم.

و يستثنى من ذلك أيضا الداخل قبل مضي الشهر القمري الذي تحقّق فيه الاحرام السابق للعمرة المفردة أو لحجّ‌ التمتّع لموثق إسحاق بن عمّار: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المتمتع يجيء فيقضي متعة ثم تبدو له الحاجة فيخرج الى المدينة و الى ذات عرق أو الى بعض المعادن، قال: يرجع الى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتّع فيه لان لكلّ‌ شهر عمرة...»(1).

و تقييد الشهر بالقمري لأنه المتبادر من النص.

كما ان المتبادر ما بين الهلالين دون ثلاثين يوما الا مع القرينة، كما في أشهر العدة لبعد موت الأزواج بداية الشهر الهلالي.

26 - و اما ان من استطاع و سوّف استقر في ذمّته و لزمه التسكع

فمتسالم عليه. و لا يبعد استفادته من الآية الكريمة لان ظاهرها ان من استطاع في زمان كفى ذلك في استقرار الوجوب عليه و ان زالت ما دام ذلك بسوء الاختيار، و خرجت من ذلك حالة الزوال لا بذلك للعلم من الخارج بانتفاء الوجوب فيها.

و مع التنزل يمكن استفادة ما ذكر من صحيحة المحاربي المتقدّمة الدالّة على ان من مات و لم يحجّ‌ من دون حاجة تجحف به


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب أقسام الحج الحديث 8.

فليمت يهوديّا أو نصرانيّا، فإن المقصود فليمت كذلك لو استطاع و لم يحج، و بإطلاقها تشمل حالة زوال الاستطاعة أيضا، و بذلك يثبت الوجوب و لو تسكعا و الا فلا وجه للموت يهوديا أو نصرانيّا.

و اما التقييد بعدم الحرج فلقاعدة نفي الحرج الحاكمة على الأدلّة الأوّلية. مضافا الى امكان استفادة ذلك من صحيحة المحاربي المتقدّمة أيضا.

2 - الصورة الإجمالية للحج

اشارة

الحج على ثلاثة أقسام: تمتع و إفراد و قران.

و التمتع مركب من عمرة و حج متأخّر عنها.

و العمرة تبتدأ بالاحرام من أحد المواقيت الآتية ثم الطواف حول الكعبة ثم صلاته ثم السعي بين الصفا و المروة ثم التقصير.

و الحج يبتدأ بالاحرام من مكة ثم الوقوف في عرفات من ظهر تاسع ذي الحجّة و حتى المغرب ثم الوقوف في المزدلفة من الفجر الى طلوع الشمس ثم رمي جمرة العقبة في منى يوم العاشر ثم الذبح أو النحر فيها في اليوم المذكور ثم الحلق أو التقصير فيها أيضا ثم طواف الحج و صلاته ثم السعي ثم طواف النساء و صلاته. و يلزم المبيت في منى ليلة الحادي و الثاني عشر و رمي الجمار صبيحة اليومين، و النفر من منى بعد زوال اليوم الثاني عشر.

و الافراد يشترك مع التمتّع فيما ذكر الا انه في الافراد لا تكون العمرة المحرم لها من مكّة متقدّمة، كما لا يعتبر الاتصال بينهما، و لا يلزم فيه

الذبح و النحر، و يجوز فيه تقديم الطواف و السعي على الوقوفين اختيارا، و الاحرام له يكون من أحد المواقيت الآتية لإحرام عمرة التمتع، و يجوز فيه بعد الاحرام للحج الطواف المندوب.

و القران يشترك مع الافراد في جميع ما ذكر الا انه فيه يصطحب الحاج معه الهدي حال الاحرام. و في عقد احرامه يكون مخيّرا بين التلبية و الاشعار أو التقليد.

و حج الإسلام من حاضري المسجد الحرام يلزم كونه قرانا أو إفرادا و من غيرهم تمتّعا.

و المكلّف بالخيار في غير حج الإسلام و ان كان التمتع أفضل.

و المستند في ذلك:

1 - اما انقسام الحج الى الثلاثة

فمما لا خلاف فيه بين المسلمين.

و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمّار: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد و قران و تمتع بالعمرة الى الحج، و بها أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الفضل فيها و لا نأمر الناس الا بها»(1)و غيرها.

و اما تركب حج التمتع ممّا ذكر فكذلك. و يدلّ‌ عليه قوله تعالى:

فَمَنْ‌ تَمَتَّعَ‌ بِالْعُمْرَةِ‌ إِلَى الْحَجِّ‌ (2)و الروايات الكثيرة.

و يظهر من بعض النصوص ان تشريع الحج ابتداء كان بنحو الافراد و القران، و في حجّة الوداع شرع التمتّع، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين حجّ‌ حجّة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلّى بها ثم قاد راحلته


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

2) البقرة: 196.

حتى أتى البيداء فأحرم منها و أهلّ‌ بالحج و ساق مائة بدنة و أحرم الناس كلّهم بالحج لا ينوون عمرة و لا يدرون ما المتعة حتى إذا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكّة طاف بالبيت و طاف الناس معه ثم صلّى ركعتين عند المقام و استلم الحجر، ثم قال: ابدأ بما بدأ اللّه عزّ و جلّ‌ به فأتى الصفا فبدأ بها ثم طاف بين الصفا و المروة سبعا، فلمّا قضى طوافه عند المروة قام خطيبا فأمرهم ان يحلوا و يجعلوها عمرة و هو شيء أمر اللّه عزّ و جلّ‌ به فأحلّ‌ الناس... و قال سراقة بن مالك بن جعشم الكناني:

يا رسول اللّه علّمنا كأنّا خلقنا اليوم، أ رأيت هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لكلّ‌ عام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا، بل للأبد. و ان رجلا قام فقال:

يا رسول اللّه نخرج حجّاجا و رءوسنا تقطر؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: انك لن تؤمن بهذا أبدا...»(1).

2 - و اما كيفية العمرة

فتستفاد من الصحيحة المتقدّمة و غيرها.

و اما كيفية الحج فقد لا نعثر على نص يجمعها كاملة الا أنّا في غنى عن ذلك بعد اتفاق جميع المسلمين على اصولها الأساسية عدا طواف النساء. اضافة الى انها محل ابتلاء جميع المسلمين على طول الزمان فعدم اختلافهم فيها يدل على تلقيها من النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله يدا بيد جزما بل إذا جاءنا نص مخالف لها طرحناه ان لم يقبل التأويل.

و هل يجب في عمرة التمتع طواف النساء؟ المعروف هو العدم، الا ان الشهيد نقل عن بعض الأصحاب من دون تعيينه وجوبه(2).

و النصوص تدلّ‌ على العدم، ففي صحيحة صفوان بن يحيى: «سأله أبو


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 14.

2) الدروس: 91.

حارث عن رجل تمتّع بالعمرة الى الحج فطاف و سعى و قصر هل عليه طواف النساء؟ قال: لا، انما طواف النساء بعد الرجوع من منى»(1).

و في مقابل ذلك رواية سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه عليه السّلام:

«إذا حجّ‌ الرجل فدخل مكّة متمتعا فطاف بالبيت و صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السّلام و سعى بين الصفا و المروة و قصّر فقد حلّ‌ له كل شيء ما خلا النساء لان عليه لتحلة النساء طوافا و صلاة»(2).

الا انها لا تصلح للمعارضة لاحتمال نظرها - كما ذكر الشيخ(3)- الى الحج. و لا قرينة على نظرها الى العمرة الا من جهة كلمة «قصّر» لكون التقصير في الحج قبل دخول مكة الا انّها مدفوعة بأن نقل الشيخ متعارض، ففي التهذيب(4)و ان كانت الكلمة المذكورة ثابتة و لكنها في الاستبصار(5)غير ثابتة، و معه يبقى احتمال نظر الصحيحة الى الحج بلا معارض.

هذا بقطع النظر عن هجرانها لدى الأصحاب و عدم نسبة العمل بها الا الى بعض غير معروف و الا فهي ساقطة عن الحجيّة.

ثم انه مع التنزل و التسليم بالمعارضة و التساقط‍‌ يكون المرجع هو البراءة، و النتيجة واحدة.2.


1) وسائل الشيعة الباب 82 من أبواب الطواف الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 82 من أبواب الطواف الحديث 7. و الوارد في الوسائل بدل كلمة «طوافا»: «طوافان». و هو اشتباه في اشتباه. و الصواب كما في المصدر الأصلي: «طوافا».

3) تهذيب الاحكام 163:5.

4) التهذيب 162:5.

5) الاستبصار 244:2.

هذا كلّه على تقدير وثاقة المروزي لكبرى وثاقة رجال كامل الزيارة و الا فلا تصل النوبة الى كلّ‌ ما ذكرناه.

3 - و اما بالنسبة الى الفارق الأوّل بين حجّ‌ التمتّع و الافراد

فينبغي ان يكون من الواضحات تركب حجّ‌ التمتع من فعلين: العمرة و الحج، كما ينبغي ان يكون من الواضحات تقدّم العمرة بنحو اللزوم.

و يستفاد ذلك من صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أهلّ‌ بالحج و العمرة جميعا ثم قدم مكّة و الناس بعرفات فخشي ان هو طاف و سعى بين الصفا و المروة ان يفوته الموقف، قال: يدع العمرة، فإذا أتمّ‌ حجّه صنع كما صنعت عائشة و لا هدي عليه»(1)و غيره ممّا دلّ‌ على انقلاب الوظيفة الى الافراد عند تضيق الوقت عن ادراك العمرة قبل الحج، فلو كان يجوز الإتيان بها بعده لم يكن وجه لانقلاب الوظيفة.

و اما حج الافراد - و هكذا القران - فليس مركبا، فان العمرة ليست جزءا منه، و الترك العمدي لها لا يؤثر على الحج بل يكون عصيانا للأمر الاستقلالي المتعلّق بها، فان الحج كما يجب في العمر مرّة بسبب الاستطاعة كذلك العمرة على ما تقدّم فلو فرض امتثال أمرها قبلا بسبب الاستطاعة لها فلا يلزم عند الاتيان بحج الافراد الاتيان بها.

و هذا لم يقع فيه بحث و انما وقع في ان المكلف لو استطاع لهما في وقت واحد فهل يلزمه تقديم امتثال الأمر بالحج‌؟ المشهور ذلك و لكن لا دليل عليه.

4 - و اما انه لا يعتبر الاتصال بين حج الافراد و العمرة المفردة

فلما


1) وسائل الشيعة الباب 21 من أقسام الحج الحديث 6.

تقدّم من استقلالية الأمر بكل منهما، و من هنا يصح الاتيان بأحدهما في عام و بالآخر في آخر. و هذا بخلافه في حجّ‌ التمتّع و عمرته فانهما بمنزلة العمل الواحد و الآتي بالعمرة محتبس حتى يأتي بالحج كما ورد في صحيحة زرارة: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: كيف أتمتع‌؟ فقال: تأتي الوقت فتلبي بالحج، فإذا أتى مكة طاف و سعى أحل من كل شيء و هو محتبس ليس له ان يخرج من مكة حتّى يحجّ‌»(1)و غيرها.

و ورد في صحيح معاوية بن عمّار انّه صلّى اللّه عليه و آله: «شبك أصابعه بعضها الى بعض و قال: دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة»(2).

5 - و اما ان المتمتع يلزمه الهدي

فذلك من ضروريات الفقه.

و يكفي لإثبات قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ‌ فَمَنْ‌ تَمَتَّعَ‌ بِالْعُمْرَةِ‌ إِلَى الْحَجِّ‌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ‌ الْهَدْيِ‌ (3). و الروايات كثيرة.

و اما ان المفرد لا يلزمه ذلك فمن المسلّمات أيضا. و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن المفرد قال: ليس عليه هدي و لا أضحية»(4)و غيرها.

و الشيخ و ان لم يذكر في المشيخة طريقه الى معاوية الا ان الطريق الأوّل إليه في الفهرست(5)صحيح، و هو كاف.

6 - و اما جواز تقديم طواف الحج و سعيه

فهو المشهور. و قد دلّت


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أقسام الحج الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أقسام الحج الحديث 4.

3) البقرة: 196.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الذبح الحديث 4.

5) الفهرست: 166.

عليه صحيحة زرارة: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن المفرد للحج يدخل مكة يقدم طوافه أو يؤخره‌؟ فقال: سواء»(1)و غيرها، و هي و ان اختصت بطواف الحج الا ان موثقة إسحاق بن عمّار: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المفرد للحج إذا طاف بالبيت و بالصفا و المروة أ يعجل طواف النساء؟ قال: لا، انّما طواف النساء بعد ما يأتي من منى»(2)دلّت على جواز تقديم السعي أيضا دون طواف النساء.

و اما عدم جواز ذلك في حجّ‌ التمتّع فهو المعروف بدون نقل خلاف. و لو رجعنا الى الروايات وجدنا روايتين أو ثلاثا تدلّ‌ على الجواز، ففي صحيحة علي بن يقطين: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل المتمتع يهل بالحج ثم يطوف و يسعى بين الصفا و المروة قبل خروجه الى منى قال: لا بأس به»(3).

و بإزائها رواية أبي بصير: «رجل كان متمتعا و أهلّ‌ بالحج، قال:

لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات، فان هو طاف قبل ان يأتي منى من غير علّة فلا يعتدّ بذلك الطواف»(4).

و هي لو كانت صحيحة السند أمكن ان تقيد الأولى بحالة العلّة لكنها ضعيفة بإسماعيل بن مرار - الا بناء على تمامية كبرى وثاقة جميع رجال كامل الزيارة - و بالبطائني.

و عليه فالمناسب العمل بمقتضى الأولى لو لا اتفاق الأصحاب على5.


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أقسام الحج الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أقسام الحج الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 13 من أقسام الحج الحديث 3.

4) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب أقسام الحج الحديث 5.

التفصيل، اما بعده فالوجيه التنزل الى الاحتياط‍‌ تحفظا من مخالفتهم.

أجل بناء على تمامية فكرة انجبار ضعف السند بفتوى المشهور كبرى و صغرى تعود رواية أبي بصير حجّة و تقيد الأولى و تتجه الفتوى على طبق ما عليه المشهور.

7 - و اما ان الاحرام للأفراد من أحد المواقيت

فلأن من مرّ على ميقات يلزمه الاحرام منه و لا يجوز له تجاوزه بلا احرام كما تأتي الإشارة إليه في المواقيت.

هذا إذا لم يكن المفرد داخل مكّة أو دون الميقات و الا كفاه الاحرام من مكانه لما يأتي من ان من كان منزله دون الميقات فميقاته منزله.

و هذا كلّه بخلافه في المتمتع فانه يحرم لحجه من مكة بلا خلاف.

و تدل عليه صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

من أين أهلّ‌ بالحج‌؟ فقال: ان شئت من رحلك و ان شئت من المسجد و ان شئت من الطريق»(1). و السؤال عن حج التمتع كما هو واضح.

8 - و اما عدم جواز الطواف المندوب بعد الاحرام لحج التمتّع

فهو قول الأكثر. و تدل عليه صحيحة الحلبي: «سألته عن رجل أتى المسجد الحرام و قد أزمع بالحج أ يطوف بالبيت‌؟ قال: نعم ما لم يحرم»(2).

و إذا خالف المحرم فطاف فهل عليه شيء؟ المذكور في كلمات جمع من الفقهاء تجديد التلبية بعد الطواف. بيد ان الروايات لم تذكر ذلك، بل ربّما يستفاد من بعضها العدم، ففي موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عليه السّلام: «... و سألته عن الرجل يحرم بالحج من مكة ثم


1) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب المواقيت الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 83 من أبواب الطواف الحديث 4.

يرى البيت خاليا فيطوف به قبل ان يخرج، عليه شيء؟ فقال: لا»(1).

أجل ورد ذلك في المفرد و القارن، ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: «اني اريد الجوار بمكة فكيف أصنع‌؟ قال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فاحرم منها بالحجّ‌. فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكّة أقيم الى التروية لا أطوف بالبيت‌؟ قال: تقيم عشرا لا تأتي الكعبة، ان عشرا لكثير، ان البيت ليس بمهجور، و لكن إذا دخلت مكة فطف بالبيت واسع بين الصفا و المروة.

قلت له: أ ليس كل من طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحلّ‌؟ فقال:

انك تعقد بالتلبية. ثم قال: كلّما طفت طوافا و صلّيت ركعتين فاعقد طوافا بالتلبية»(2). و نحوه صحيح معاوية بن عمّار(3).

و عليه فالمناسب عدم وجوب تجديد التلبية الا ان الاحتياط‍‌ - تحفظا من مخالفة الفقهاء و لاحتمال وحدة الحكم بين أقسام الحج من هذه الناحية - أمر مناسب.

هذا كلّه في الطواف المندوب بعد الاحرام لحج التمتع.

9 - و اما الطواف المندوب بعد الاحرام لحج الافراد

فحيث لا دليل على المنع منه فيتمسك بأصل البراءة. بل ان المستفاد من صحيحة ابن الحجاج المتقدّمة جواز ذلك مع تجديد التلبية.

10 - و اما ان القارن كالمفرد الا في اصطحاب الهدي

فمضافا الى كونه من المسلّمات تدل عليه صحيحة منصور بن حازم عن أبي


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب أقسام الحج الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب أقسام الحج الحديث 2.

عبد اللّه عليه السّلام: «لا يكون القارن الا بسياق الهدي، و عليه طوافان بالبيت، و سعي بين الصفا و المروة، كما يفعل المفرد فليس بأفضل من المفرد الا بسياق الهدي»(1)و غيرها.

و اما التخيير في عقد الاحرام بين الامور الثلاثة فتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية، و الاشعار، و التقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم»(2)و غيرها، فان التخيير بين الثلاثة المذكورة لا يتصوّر الا في حقّ‌ القارن لأنه الذي يسوق الهدي القابل للإشعار و التقليد.

11 - و اما التفصيل بين حاضري المسجد الحرام

إذ يجب عليهم القران أو الافراد و بين غيرهم حيث يلزمهم التمتّع فلقوله تعالى: فَمَنْ‌ تَمَتَّعَ‌ بِالْعُمْرَةِ‌ إِلَى الْحَجِّ‌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ‌ الْهَدْيِ‌ فَمَنْ‌ لَمْ‌ يَجِدْ فَصِيامُ‌ ثَلاثَةِ‌ أَيّامٍ‌ فِي الْحَجِّ‌ وَ سَبْعَةٍ‌ إِذا رَجَعْتُمْ‌ تِلْكَ‌ عَشَرَةٌ‌ كامِلَةٌ‌ ذلِكَ‌ لِمَنْ‌ لَمْ‌ يَكُنْ‌ أَهْلُهُ‌ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‌ (3).

و المشهور تفسير حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‌ بمن كان بينه و بين المسجد الحرام دون ثمانية و اربعين ميلا - المساوية لستّة عشر فرسخا أو لما يقرب من تسعين كيلومترا - لصحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: قول اللّه عزّ و جلّ‌ في كتابه: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ‌ من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة فهو


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 10.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب أقسام الحج الحديث 20.

3) البقرة: 196.

ممّن دخل في هذه الآية، و كل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة»(1).

و هي واضحة في ملاحظة المسافة من المسجد الحرام و ليس من مكة لأنّها واردة لتفسير الآية الكريمة التي اخذت المسجد الحرام بعين الاعتبار.

و تبقى الروايات الاخرى التي تحدّد المسافة بشكل آخر ساقطة عن الاعتبار لهجران الأصحاب لها.

ثم ان الآية الكريمة و الصحيحة إذا لم تكونا ظاهرتين في عدم جواز التمتع لحاضري المسجد الحرام فصحيحة الفضلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس لأهل مكة... متعة...»(2)و غيرها واضحة في ذلك.

12 - و اما ان المكلف بالخيار في غير حجّ‌ الإسلام مع أفضلية

التمتع

فلصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: «سألت أبا جعفر عليه السّلام في السنة التي حجّ‌ فيها و ذلك في سنة اثنتي عشرة و مائتين، فقلت: بأي شيء دخلت مكة مفردا أو متمتعا؟ فقال: متمتعا، فقلت له: ايما أفضل:

المتمتع بالعمرة الى الحج أو من أفرد و ساق الهدي‌؟ فقال: كان أبو جعفر عليه السّلام يقول: المتمتع بالعمرة الى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي، و كان يقول: ليس يدخل الحاج بشيء أفضل من المتعة»(3)و غيرها.

و إذا قيل: ان اطلاق الصحيحة المذكورة لا يمكن التمسّك به لمعارضته بإطلاق صحيحة الفضلاء المتقدّمة الدالّة على ان أهل مكّة


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب أقسام الحج الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

ليس لهم متعة حتى في الحج الاستحبابي.

قلنا: ان المعارضة خاصة بأهل مكة، و غيرهم باق تحت إطلاق صحيحة ابن أبي نصر بلا معارض. و معه فالإشكال في الحكم بالتخيير يختص بأهل مكة دون البعيد.

هذا و بالإمكان استفادة التخيير لأهل مكة في الحج الاستحبابي من روايات اخرى من قبيل صحيحة البجلي: «قلت لأبي جعفر عليه السّلام: ربّما حججت عن أبيك، و ربما حججت عن أبي، و ربما حججت عن الرجل من اخواني، و ربما حججت عن نفسي فكيف أصنع‌؟ فقال: تمتع. فقلت: اني مقيم بمكة منذ عشر سنين، فقال: تمتع»(1).

3 - مواقيت الاحرام

اشارة

لا يصح الاحرام الا من المواقيت العشرة و هي: مسجد الشجرة، و وادي العقيق، و الجحفة، و يلملم، و قرن المنازل - و هذه وقتها صلّى اللّه عليه و آله لأهلها و لمن يمرّ عليها - و مكة لإحرام حج التمتع، و المنزل الذي يكون دون الميقات الى مكة فان لصاحبه الاحرام منه، و الجعرانة لأهل مكة في حج القران أو الافراد أو من كان بحكم أهلها، و هو المجاور لها بعد سنتين، و محاذاة مسجد الشجرة لمن يمرّ من طريق المدينة، و أدنى الحلّ‌ لإحرام العمرة المفردة لمن هو بمكة و أراد الاتيان بها.

و لا يجوز الاحرام قبل المواقيت المذكورة و لا بعدها الا لناذر الاحرام قبلها


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب أقسام الحج الحديث 3.

أو للخائف من عدم ادراك العمرة المفردة في رجب على تقدير تأخير الاحرام الى الميقات.

و لا يجوز الاحرام عند الشك في الوصول الى الميقات بل لا بدّ من اليقين أو الاطمئنان أو حجّة شرعية.

و المستند في ذلك:

1 - اما الخمسة الأولى

فهي ميقات لكل من يمرّ عليها - كقاصد عمرة التمتع، أو النائي عن مكة إذا أراد العمرة المفردة أو حج الافراد أو القران - لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من تمام الحج و العمرة ان تحرم من المواقيت التي وقّتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تجاوزها الا و أنت محرم، فإنّه وقّت لأهل العراق و لم يكن يومئذ عراق بطن العقيق من قبل أهل العراق، و وقّت لأهل اليمن يلملم، و وقّت لأهل الطائف قرن المنازل، و وقّت لأهل المغرب الجحفة، و هي مهيعة، و وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة. و من كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله»(1)و غيرها من الروايات الكثيرة.

و إذا كان محمّد بن إسماعيل الوارد في طريق الكليني لم تثبت وثاقته فبالامكان التعويض بطريق الصدوق بل بالطريق الثاني للكليني.

ثم ان هناك كلاما في ان ذا الحليفة بتمامه ميقات أو خصوص مسجد الشجرة منه أو هما مترادفان بحيث يكون مسجد الشجرة اسما لمجموع ذي الحليفة و ليس لجزء منه. و لكل واحد من الاحتمالات الثلاثة شواهده من الروايات.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب المواقيت الحديث 2.

و الاحتياط‍‌ يقتضي الاحرام من مسجد الشجرة بخصوصه كما هو واضح.

و يجدر الالتفات الى ما لمحت له الصحيحة من ان توقيت المواقيت المذكورة لأهل الآفاق من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله حين لم يكن للإسلام أثر فيها هو من دلائل النبوّة.

2 - و اما انها لا تختص بأهلها بل لكل من يمرّ عليها

فلصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام: «... ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقّت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها...»(1).

3 - و اما ان مكّة ميقات احرام حج التمتع

فقد تقدّمت الإشارة إليه.

و اما ان من كان منزله دون الميقات فهو ميقاته فقد دلّت عليه صحيحة معاوية السابقة.

و اما ان الجعرانة ميقات لمن ذكرناه فتدلّ‌ عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة حيث ورد فيها: «اني اريد الجوار بمكة فكيف أصنع‌؟ قال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجّة فاخرج الى الجعرانة فاحرم منها بالحج...»(2)، فانها تدلّ‌ على ان ذلك وظيفة أهل مكة و تسري الى غيرهم بالمجاورة.

هذا و لكن المنسوب الى المشهور ان احرام من ذكر هو من مكة أو المنزل دون الجعرانة تمسكا بإطلاق صحيحة معاوية السابقة الدالّة على ان «من كان منزله خلف هذه المواقيت ممّا يلي مكة فوقته منزله».

و التأمّل في ذلك واضح لانصراف ما ذكر الى من كان منزله


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب المواقيت الحديث 1.

واقعا بين مكة و الميقات و لا يشمل من كان من أهل مكّة.

4 - و اما محاذاة مسجد الشجرة

فقد دلّت عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من أقام بالمدينة شهرا و هو يريد الحج ثم بدا له ان يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن احرامه من مسيرة ستّة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء»(1)و غيرها.

و هل تكفي المحاذاة في غير مسجد الشجرة أيضا؟ قيل بذلك.

و المناسب الاختصاص لاحتمال الخصوصية لمسجد الشجرة و لا يمكن الجزم بعدمها.

و ما هو المقصود من المحاذاة‌؟ ذكر في العروة تفسيران لذلك(2)، كلاهما لا يخلو من إشكال.

و المناسب تفسيرها بكون الميقات على اليمين أو اليسار حين مواجهة الشخص لمكّة المكرّمة. و لا يلزم ان يكون الميقات و موقف الشخص واقعين على خط‍‌ مستقيم بحيث يحدث حين مواجهته لمكة مثلث قائم الزاوية، زاويته القائمة نقطة المحاذاة، و وترها الخط‍‌ المستقيم الواصل بين مكّة و الميقات، بل تكفي المحاذاة العرفية بلا حاجة إلى التدقيقات المذكورة كما هو واضح.

5 - و اما ان أدنى الحل ميقات لما ذكر

فتدلّ‌ عليه صحيحة جميل بن دراج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة. قال ابن


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب المواقيت الحديث 1.

2) العروة الوثقى، كتاب الحج، فصل المواقيت، الميقات التاسع.

أبي عمير: كما صنعت عائشة»(1).

و موردها و ان كان هو العمرة المفردة بعد حج الافراد الا أنّه يمكن اثبات التعميم من هذه الناحية و من ناحية الخروج إلى غير التنعيم من نقاط‍‌ أدنى الحل بصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من أراد ان يخرج من مكّة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبههما»(2).

و سند الصدوق الى عمر بن يزيد صحيح على ما في مشيخة الفقيه.

6 - و اما انه لا يجوز الاحرام بعد المواقيت

فهو صريح صحيحة معاوية المتقدّمة.

و اما انه لا يجوز قبلها فلصحيحة عمر بن اذينة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «و من أحرم دون الوقت فلا احرام له»(3)و غيرها.

و قد شبّه في بعض النصوص(4)من يحرم قبل الميقات طلبا لفضيلة زيادة الاحرام بمن يصلّي ستّا بدل أربع طلبا لزيادة الفضيلة.

7 - و اما جواز الاحرام قبل الميقات بالنذر

فلصحيحة الحلبي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل جعل للّه عليه شكرا ان يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من الكوفة و ليف للّه بما قال»(5)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب أقسام الحج الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب المواقيت الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب المواقيت الحديث 3.

4) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب المواقيت الحديث 6.

5) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب المواقيت الحديث 1.

و انكار ابن ادريس لصحّة مثل النذر المذكور لاستلزامه لغوية تشريع المواقيت(1)قابل للتأمّل بعد ظهور الفائدة لذلك في غير حالة النذر.

كما ان الاشكال في صحّة مثل النذر المذكور باعتبار ان شرط‍‌ انعقاد النذر رجحان متعلقه في نفسه قابل للتأمّل من جهة ان اشتراط‍‌ رجحان متعلّق النذر ليس حكما عقليّا كي لا يقبل التخصيص. هذا مضافا الى الوجوه الاخرى المذكورة في كفاية الاصول(2).

8 - و اما جواز ذلك للخائف من عدم إدراك رجب

فلموثقة إسحاق بن عمار: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن الرجل يجيء معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه هلال شعبان قبل ان يبلغ العقيق فيحرم قبل الوقت و يجعلها لرجب أم يؤخّر الاحرام الى العقيق و يجعلها لشعبان‌؟ قال:

يحرم قبل الوقت لرجب فان لرجب فضلا و هو الذي نوي»(3).

9 - و اما عدم جواز الاحرام للشاكّ‌ في الوصول الى الميقات

فلاستصحاب عدم الوصول إليه.

4 - تفاصيل أفعال الحج و العمرة

كيفية الاحرام
اشارة

يلزم لتحقيق الاحرام:


1) السرائر 526:1.

2) كفاية الاصول 225:1، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السّلام.

3) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب المواقيت الحديث 2.

قصد الفعل الخاص بداعي امتثال أمر اللّه سبحانه.

و التلفّظ‍‌ بالتلبيات الأربع: «لبيك اللّهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك».

و بها يتحقّق الاحرام.

و لبس الرجال ثوبين - بعد التجرّد عما يحرم لبسه على المحرم - باتزار أحدهما و ارتداء الآخر.

و ليس ذلك شرطا في صحة الاحرام بل هو واجب تعبّدا. و يكفي تحقّقه حين عقد الاحرام و لا تلزم الاستدامة.

و لا يلزم الاقتصار على الثوبين بل تجوز الزيادة.

و يلزم فيهما الشروط‍‌ المعتبرة نفسها في لباس المصلّي من الطهارة و غيرها. كما يلزم المرأة ان لا تلبس الحرير.

و لا يشترط‍‌ في صحة الاحرام الطهارة من الحدث و ان كان يلزم في ثوبي الاحرام الطهارة من الخبث.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار قصد الاحرام

فلأنّه من الأفعال القصدية التي لا تتحقّق الا بذلك.

و المقصود من الاحرام تحريم المكلف على نفسه الأشياء الآتي ذكرها، فقصد الاحرام عبارة اخرى عن قصد التحريم المذكور.

و اما اعتبار قصد الخصوصيّة - و كونه احرام حج أو عمرة، و كون الحج تمتّعا أو قرانا أو افرادا، و كونه عن نفسه أو عن غيره، و ما شاكل ذلك - فلما تقدّم نفسه.

و اما لزوم كون الداعي امتثال أمر اللّه سبحانه فلان العبادية لا تتحقّق الا بذلك.

و بذلك اتضح عدم اعتبار التلفّظ‍‌ بالنيّة و لا الاخطار و لا نيّة الوجه للبراءة من كلّ‌ ذلك بعد عدم الدليل على الاعتبار.

أجل قد يستفاد من بعض النصوص استحباب التلفظ‍‌ في خصوص المقام دون بقيّة العبادات، ففي صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: اني اريد ان أتمتّع بالعمرة الى الحج فكيف أقول‌؟ قال: تقول: اللهم اني اريد ان اتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنّة نبيّك، و إن شئت أضمرت الذي تريد»(1).

و السند إلى ابن أبي عمير صحيح بطرقه الثلاث، و هو و حماد من أجلّة أصحابنا.

2 - و اما اعتبار التلبيات الأربع

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... التلبية ان تقول: لبيك اللّهمّ‌ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك... و اعلم انه لا بد من التلبيات الأربع التي كنّ‌ في أوّل الكلام، و هي الفريضة، و هي التوحيد، و بها لبى المرسلون...»(2)و غيرها.

و هي واضحة في ان الأربع الاول واجبة دون الباقي. و هي واضحة أيضا في اعتبار ادائها بشكلها الصحيح و عدم الاجتزاء بالملحون لأنه عليه السّلام لم يقل: ينعقد الاحرام بالتلبيات الأربع ليقال بأنّها تصدق على الملحون أيضا، بل قال: ان تقول هكذا، و من الواضح انه عليه السّلام لا يتلفّظ‍‌ بالملحون، و معه فالاجتزاء بغير ذلك يحتاج إلى دليل، و هو مفقود.


1) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 40 من أبواب الاحرام الحديث 2.

ثم ان انعقاد الاحرام بخصوص التلبية ينحصر بغير حج القران و الا ففيه يتحقّق الانعقاد بالاشعار و التقليد أيضا كما تقدّم الوجه في ذلك سابقا.

ثم انه قيل في صورة التلبية: «لبيك اللّهم لبيك، لبيك ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك» غير انه لم يعرف نص يتضمن ذلك.

3 - و اما انه لا ينعقد الاحرام بمجرد لبس الثوبين من دون نيّة أو

معها بل لا بد من التلبية

، كتكبيرة الاحرام بالنسبة للصلاة فلصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل إذا تهيّأ للإحرام فله ان يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب»(1)و غيرها.

4 - و اما بالنسبة الى اعتبار لبس الثوبين

فلم ينقل فيه خلاف بين المسلمين الا ان الروايات قاصرة عن اثبات وجوب ذلك، فان ما يمكن التمسّك به:

اما الروايات الواردة لبيان كيفية الاحرام من قبيل صحيحة معاوية بن وهب: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التهيؤ للإحرام، فقال: اطل بالمدينة فإنّه طهور و تجهز بكل ما تريد، و إن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك الماء و تلبس ثوبيك إن شاء اللّه»(2).

أو روايات تجريد الصبيان من فخ، كصحيحة أيوب أخي أديم:

«سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام من أين يجرّد الصبيان‌؟ فقال: كان أبي يجرّدهم


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب الاحرام الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الاحرام الحديث 3.

من فخ»(1)، بتقريب انه لو لا لزوم لبس ثوبي الاحرام لا موجب لتجريدهم.

أو ما ورد في الاحرام من المسلخ من وادي العقيق، من قبيل مكاتبة الحميري إلى صاحب الزمان أرواحنا له الفداء: «الرجل يكون مع بعض هؤلاء و يكون متّصلا بهم يحجّ‌ و يأخذ عن الجادة و لا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل ان يؤخّر إحرامه الى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز الا ان يحرم من المسلخ فكتب إليه في الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب و يلبّي في نفسه فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره»(2)، بتقريب انه عليه السّلام قال: «ثم يلبس الثياب» أي ثياب الاحرام، و ذلك يدل على وجوب ذلك.

و الكل قابل للتأمّل:

أما الأول فلان الأمر بلبس الثوبين اقترن بالأمر بآداب شرعية مستحبة، و ذلك يزعزع من ظهور الأمر في الوجوب الا بناء على مسلك استفادة الوجوب من حكم العقل دون الوضع، و هو قابل للتأمّل.

و اما الثاني فلان فعل الامام عليه السّلام لا يدل على الوجوب بل أقصى ما يدل عليه هو الرجحان الأعمّ‌ من الوجوب.

و اما الثالث فلاحتمال ان يكون المقصود من الثياب هي الثياب العادية، أي يحرم من المسلخ و يلبس ثيابه العادية و تكون تلبيته في نفسه فإذا بلغ ميقاتهم أظهر انه يحرم منه. هذا مضافا إلى امكان المناقشة في سند الرواية، فانها بطريق الطبرسي ضعيفة لجهالة0.


1) وسائل الشيعة الباب 47 من أبواب الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب المواقيت الحديث 10.

الطريق بينه و بين الحميري، و بطريق الشيخ في الغيبة ضعيفة أيضا لان الشيخ و ان ذكر طريقه في كتاب الغيبة بقوله: «أخبرنا جماعة عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمي، قال: وجدت بخط‍‌ أحمد بن إبراهيم النوبختي و املاء أبي القاسم الحسين بن روح...»(1)الا ان النوبختي مجهول لم يذكر في كتب الرجال.

و المناسب في توجيه الوجوب ان يقال: ان وجوب لبس الثوبين من القضايا التي توارثها المسلمون خلفا عن سلف، و هو من بديهيات الحج لديهم، و لا بدّ ان يكون ذلك قد وصل اليهم من المعصوم عليه السّلام.

و الروايات جاءت مشيرة الى الارتكاز المذكور و معتمدة عليه بعد اتفاق جميع المسلمين عليه. و هو أقوى من الحاجة إلى إثباته من خلال الروايات.

5 - و امّا وجه عدم وجوب لبس الثوبين على المرأة

فلان الوجه في الوجوب امّا قاعدة الاشتراك أو روايات الحائض، من قبيل موثقة يونس بن يعقوب: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحائض تريد الاحرام، قال:

تغتسل و تستثفر و تحتشي بالكرسف و تلبس ثوبا دون ثياب احرامها، و تستقبل القبلة و لا تدخل المسجد و تهلّ‌ بالحج بغير الصلاة»(2)، فإن قوله عليه السّلام: «دون ثياب احرامها» يدل على وجوب لبسها ثوبي الاحرام.

و كلاهما قابل للتأمّل.

امّا الأوّل فلان مستند قاعدة الاشتراك ليس الا الضرورة، و القدر المتيقّن منها حالة الاتفاق في جميع الخصائص، و المفروض في المقام


1) الغيبة: 228 و نقل الطريق المذكور صاحب الوسائل في الفائدة الثانية من الخاتمة.

2) وسائل الشيعة الباب 48 من أبواب الاحرام الحديث 2.

احتمال الخصوصية للرجال.

و اما الثاني فلان التعبير بجملة «دون ثياب احرامها» يدل على مشروعية لبس ثوبي الاحرام للمرأة دون الوجوب. مضافا الى اشتمال السياق على جملة من المستحبّات، و هو يزعزع الظهور في الوجوب الا على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب.

و التقريب السابق في الرجال لا يتمّ‌ هنا إذ القدر المتيقّن من البداهة و التوارث خلفا عن سلف هو لزوم الثوبين للرجال لا أكثر. و معه فالمرجع هو البراءة الا ان الاحتياط‍‌ تحفّظا عن مخالفة المشهور أمر في محله.

6 - و اما لزوم التجرّد ممّا يحرم لبسه

فلان ذلك من لوازم الاحرام الذي يراد تحقيقه. أجل لو كان اللباس السابق ليس من المخيط‍‌ و لا من الامور الاخرى التي تحرم على المحرم فلا محذور في اشتمال بدن المحرم عليه تحت الثوبين أو فوقهما.

بل حتى لو فرض ان اللباس السابق كان من المحرمات على المحرم فإنّه لا يمنع من تحقّق الاحرام، غايته يكون المكلّف آثما أو عليه الكفارة أيضا لا ان احرامه لا ينعقد.

7 - و اما ان لبس الثوبين يلزم ان يكون بنحو الاتزار و الارتداء

فمضافا الى انعقاد السيرة المتوارثة عليه قد يستفاد من صحيحة عبد اللّه بن سنان: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الحج فكتب الى من بلغه كتابه فمن دخل في الإسلام... فلما نزل الشجرة أمر الناس

بنتف الابط‍‌ و حلق العانة و الغسل و التجرّد في ازار و رداء...»(1).

و هل يلزم ان يكونا بمقدار خاص‌؟ كلا، و انّما المدار على الصدق العرفي، و هو يتحقّق بما إذا كان الازار ساترا من السرة الى الركبة، و الرداء ساترا المنكبين و شيئا من الظهر.

8 - و اما ان ذلك واجب تعبّدا

فلما تقدّم من قوله عليه السّلام في صحيح معاوية بن عمّار: «يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية، و الاشعار، و التقليد...»(2)، حيث يدل على ان الاحرام يتحقّق بما ذكر لا بها مع لبس الثوبين.

و إذا كان الصحيح قاصر الدلالة أمكن التمسّك بالصحيح الآخر لمعاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أحرم و عليه قميصه، فقال: ينزعه و لا يشقّه، و ان كان لبسه بعد ما أحرم شقه و أخرجه مما يلي رجليه»(3)و غيره، بتقريب ان المقصود احرامه في القميص من دون لبس الثوبين لا معهما.

9 - و اما عدم اعتبار الاستدامة

فللبراءة بعد عدم الدليل على اعتبارها.

10 - و اما جواز الزيادة

فللبراءة أيضا بعد عدم الدليل على اعتبار العدم، بل ان الدليل على الجواز موجود و هو صحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يتردى بالثوبين‌؟ قال: نعم و الثلاثة إن شاء


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 15.

2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب أقسام الحج الحديث 20.

3) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2.

يتقي بها البرد و الحر»(1).

و إذا كان طريق الشيخ قابلا للتأمّل بابن سنان فطريق الكليني لا غبار عليه.

11 - و اما انه يلزم فيهما ما يشترط‍‌ في لباس المصلّي

فلصحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كلّ‌ ثوب تصلّي فيه فلا بأس ان تحرم فيه»(2).

و الصحيح قد رواه المشايخ الثلاثة بطريق صحيح في الجميع.

12 - و اما ان المرأة لا يجوز لها لبس الحرير حالة احرامها

فلصحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين»(3)و غيره.

13 - و اما عدم اشتراط‍‌ الطهارة من الحدث

فللبراءة بعد عدم الدليل. بل الدليل على عدم الاعتبار موجود كموثقة يونس بن يعقوب المتقدّمة الواردة في الحائض.

و اما اعتبارها من الخبث في ثوبي الاحرام فلما تقدّم من صحيح حريز الدال بإطلاقه على اعتبارها فيهما.

و اما البدن فتعتبر طهارته من الخبث في خصوص حالة الطواف و صلاته كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و الزائد عن ذلك تجري البراءة من شرطية الطهارة فيه بعد عدم الدليل على اعتبارها فيه.


1) وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الاحرام الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الاحرام الحديث 9.

الطواف
اشارة

يعتبر في الطواف مضافا الى النيّة: الطهارة من الحدث بقسميه و من الخبث، و الختان للذكور، و ستر العورة.

و الشاكّ‌ في الطهارة من الحدث يلزمه تحصيلها الا إذا كانت حالته السابقة الطهارة أو فرض طرو الشك بعد الفراغ من الطواف، غايته يلزمه تحصيلها للصلاة.

و الشاكّ‌ في الطهارة من الخبث يبني على تحقّقها مطلقا الا إذا كانت الحالة السابقة هي النجاسة.

و يلزم في الطواف مضافا الى الشروط‍‌ الأربعة المتقدّمة كون الأشواط‍‌ سبعة متوالية، يبتدئ كل واحد منها بالحجر الأسود و ينتهي به، مع جعل الكعبة على اليسار في كل حالاته، و ادخال حجر إسماعيل في المطاف، و الخروج عن الكعبة و شاذروانها، و السير بخطوات مختارة، و ضبط‍‌ عدد الأشواط‍‌، و عدم القران بين طوافين، و عدم الخروج في الأثناء عن المطاف على تفصيل، و عدم الزيادة على سبعة أشواط‍‌.

و اعتبر المشهور في الطواف ان يكون بين الكعبة و مقام إبراهيم و بمقدار ذلك من الجوانب الاخرى.

و المستند في ذلك:

1 - اما اعتبار النيّة بمعنى قصد الطواف

فلأنّه من الامور القصدية التي لا تتحقّق الا به.

و اما اعتبارها بمعنى قصد القربة فلأن ذلك لازم عباديته.

أما كيف نثبت عباديته‌؟ ذلك اما بارتكاز المتشرّعة المتوارث يدا

بيد عن المعصوم عليه السّلام، أو لان الحج ليس الا عبارة عن مجموع الأجزاء التي أحدها الطواف، و حيث انّه عبادي - لأنه ممّا بني عليه الإسلام كما في الحديث الشريف(1)، و لا يحتمل بناء الإسلام على أمر غير عبادي - فيلزم كونه عباديا أيضا.

2 - و اما اشتراطه بالطهارة من الحدث بكلا قسميه

فلم ينقل فيه خلاف. و يدلّ‌ عليه صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السّلام:

«سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف، قال:

يقطع الطواف و لا يعتدّ بشيء ممّا طاف. و سألته عن رجل طاف ثم ذكر انّه على غير وضوء، قال: يقطع طوافه و لا يعتدّ به»(2)و غيره.

لكنّه معارض برواية زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل طاف بالبيت على غير وضوء: قال: لا بأس»(3).

و النسبة بينهما هي التباين لشمول كلّ‌ منهما للواجب و المندوب.

و المناسب بمقتضى القاعدة لو لم يكن مرجح لأحدهما التساقط‍‌ و الرجوع إلى البراءة، الا انّه توجد روايات مفصلة بين الطواف الواجب فتلزم فيه الطهارة و المندوب فلا تلزم فيه، كموثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: رجل طاف على غير وضوء، فقال: ان كان تطوّعا فليتوضّأ و ليصل»(4)، فإنّه دال على شرطية الطهارة في الطواف الواجب و عدمها في المندوب. و يصلح مثل ذلك وجها للجمع بين


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات.

2) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 10.

4) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 8.

الحديثين السابقين بحمل الأوّل على الواجب و الثاني على المندوب.

هذا كلّه على تقدير صحّة سند الثاني و غض النظر عن ضعف سند الشيخ الى الشحام بأبي جميلة و الا فالنوبة لا تصل إلى ما ذكر.

3 - و اما اعتبار الطهارة من الخبث

فقد يستدل له بحديث يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رأيت في ثوبي شيئا من دم و أنا أطوف، قال: فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله، ثم عد فابن على طوفك»(1).

و لكنه ضعيف بطريق الصدوق بالحكم بن مسكين - الا بناء على كبرى وثاقة كل من ورد في أسانيد كامل الزيارات - و بطريق الشيخ بمحسن بن أحمد فإنّه لم يوثق.

و قد يستدل على ذلك بالنبوي المشهور: «الطواف بالبيت صلاة»(2)، و لكنه واضح الوهن لعدم وروده من طرقنا.

و لأجل ذلك مال صاحب المدارك الى الكراهة(3).

ثم انه على تقدير صحّة سند الحديث قد يعارض بما رواه البزنطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: رجل في ثوبه دم ممّا لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه، فقال: اجزأه الطواف ثم ينزعه و يصلّي في ثوب طاهر»(4)بدعوى انه يدل على عدم شرطية الطهارة.


1) وسائل الشيعة الباب 52 من أبواب الطواف الحديث 1.

2) سنن النسائي 222:5 و سنن الدارمي 44:2.

3) مدارك الاحكام 117:8.

4) وسائل الشيعة الباب 52 من أبواب الطواف الحديث 3.

و يمكن الجواب بكونه ناظرا الى من التفت الى النجاسة بعد الفراغ من الطواف فلا يعارض ما تقدّم.

هذا مضافا الى ضعف سنده بالارسال حتى بناء على تمامية كبرى ان الثلاثة لا يروون الا عن ثقة، فان مثل ذلك نافع فيما لو صرّح باسم الراوي، اما مع عدم التصريح باسمه فحيث نعلم من الخارج برواية البزنطي عن بعض الضعاف فلا يمكن الأخذ بروايته في المقام لاحتمال ان المرسل عنه من اولئك الضعاف و يكون التمسّك بالكبرى السابقة تمسّكا بالعام في الشبهة المصداقية لفرض ان المقام يشتمل على كبرى عامّة قد طرأ عليها المخصص و لا يعلم ان الفرد المشكوك داخل في أي واحد منهما.

و النتيجة ان الفتوى بشرطية طهارة اللباس أثناء الطواف غير ممكنة لضعف مستندها، و الأصل يقتضي البراءة الا ان التنزل إلى الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور أمر لازم.

هذا كلّه في اللباس.

و اما البدن فلم ترد رواية تدلّ‌ على اعتبار الطهارة فيه الا ان ما دل على اعتبارها في اللباس يمكن ان يدل على اعتبارها فيه لعدم الفرق بل و للأولوية العرفية.

و عليه فالمناسب التنزّل الى الاحتياط‍‌ بلحاظ‍‌ البدن أيضا.

4 - و اما اعتبار الختان للذكور

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الا غلف لا يطوف بالبيت، و لا بأس ان تطوف المرأة»(1)و غيرها.


1) وسائل الشيعة باب 33 من أبواب مقدمات الطواف ح 1.

و هي كما نرى مطلقة تشمل غير البالغين أيضا و الطواف المستحب.

و على هذا فلو حجّ‌ الصبي و هو غير مختون فلا يحق له بعد البلوغ الزواج الا بعد تدارك طواف النساء.

و هل الحكم يعمّ‌ الصبي غير المميّز أيضا؟ يمكن ان يقال بقصور النص عن شموله لأنه ناظر الى من يصدق عليه انّه يطوف بالبيت، و الصبي غير المميّز لا يطوف بل يطاف به، و معه يتمسّك بالبراءة من الشرطية في حقه.

5 - و اما اعتبار ستر العورة

فهو المشهور. و قد يستدلّ‌ له تارة بإطلاق التنزيل في الحديث المشهور المتقدّم: «الطواف بالبيت صلاة»، و اخرى بالروايات المتعدّدة الواردة بلسان: «لا يطوفنّ‌ بالبيت عريان»(1).

و الأوّل تقدّم ما فيه.

و الثاني ضعيف السند في جميع الروايات التي ورد فيها فراجع.

و مع التنزّل و غضّ‌ النظر عن ذلك باعتبار ان تعدّدها يورث للفقيه الاطمئنان بصدور المضمون المذكور فيمكن ان يقال انّها لا تدلّ‌ على المطلوب لان النسبة بين الطواف عاريا المنهي عنه و بين عدم ستر العورة العموم من وجه، فقد يتحقّق الأوّل دون الثاني، كمن يطوف بغير ثوب و قد ستر عورته بالطين، و قد يفرض العكس، كمن يطوف في ثوب مثقوب ترى العورة من خلاله.


1) وسائل الشيعة الباب 53 من أبواب الطواف.

و عليه فما عليه الفتوى لا تدلّ‌ عليه الروايات، و ما تدلّ‌ عليه غير ملتزم لدى الأصحاب.

و من ثمّ‌ لا يمكن الفتوى بشرطية الستر في الطواف و يلزم التنزّل الى الاحتياط‍‌.

6 - و اما ان الشاكّ‌ في الطهارة من الحدث يلزمه تحصيلها

فللزوم احراز الشرط‍‌ و الا لم يتحقّق الفراغ اليقيني بعد الاشتغال اليقيني.

أجل لو كانت الحالة السابقة هي الطهارة تصير محرزة بالاستصحاب، و هكذا لو كان الشكّ‌ بعد الفراغ من الطواف لصيرورتها محرزة بقاعدة الفراغ المستندة الى موثق محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(1)و غيره.

و اما لزوم تحصيلها بلحاظ‍‌ صلاة الطواف فلعدم تحقّق الفراغ بلحاظها.

و جريانها بلحاظ‍‌ الطواف لا يستلزم تحقّق الطهارة واقعا كي لا تبقى حاجة لإحرازها من جديد بلحاظ‍‌ الصلاة، و انما الشارع قد حكم بعدم الاعتناء بالشك ما دام ذلك بعد الفراغ، و هذا الحكم يختص بما فرغ منه و هو الطواف دون ما لم يفرغ منه كالصلاة.

أجل إذا فرض طرو الشكّ‌ بعد الفراغ من الطواف و الصلاة معا حكم بصحتهما، غايته يلزم تحصيل الطهارة بلحاظ‍‌ الأعمال الجديدة الاخرى المشروطة بالطهارة لو كانت.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

7 - و اما ان الشاكّ‌ في الطهارة من الخبث يبني على تحقّقها

فلقاعدة الطهارة.

و اما استثناء المسبوق بالنجاسة فلاستصحابها الحاكم على قاعدة الطهارة.

8 - و اما ان عدد الأشواط‍‌ سبعة

فمما لا خلاف فيه بين المسلمين.

و يمكن ان يستفاد من الروايات الدالّة على ان الشاكّ‌ بين ستّة أشواط‍‌ و سبعة يعيد، كصحيحة معاوية بن عمّار: «سألته عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستّة طاف أم سبعة، قال: يستقبل. قلت:

ففاته ذلك، قال: ليس عليه شيء»(1)و غيرها.

و هكذا الروايات الدالّة على ان من طاف ثمانية يضيف إليها ستّة، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «قلت له: رجل طاف بالبيت فاستيقن انه طاف ثمانية أشواط‍‌، قال: يضيف إليها ستّة. و كذلك إذا استيقن انه طاف بين الصفا و المروة ثمانية فليضف إليها ستّة»(2)و غيرها.

9 - و اما اعتبار التوالي

فلأنّه عمل واحد مركّب من سبعة أشواط‍‌، و هو لا يصدق عرفا الا مع التوالي عرفا، كعنوان الاذان و الصلاة فانّهما لا يصدقان عرفا بدون توال بين أجزائهما.

10 - و اما ان البدء و الختم بالحجر الأسود

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه


1) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الطواف الحديث 10.

2) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب الطواف الحديث 12.

من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود»(1).

و كلا طريقي الكليني و الصدوق إلى معاوية صحيح.

و يدل على ذلك أيضا السيرة القطعية المتوارثة بين جميع المسلمين، و لو كان الواجب غير ذلك لبان.

و هناك كلام في أنّه هل يلزم مقارنة الجزء المقدّم من البدن لأوّل جزء من الحجر؟ ثم ما هو الجزء المقدّم من البدن فهل هو الأنف أو إبهام الرجل أو غير ذلك‌؟

و كل هذا تدقيق زائد لا حاجة إليه. و اللازم بمقتضى الصحيحة المتقدّمة صدق ان الطواف من الحجر و إليه و ان لم يكن الجزء المقدّم من البدن مقارنا لبداية الحجر.

و من أراد الاحتياط‍‌ فبامكانه الوقوف قبل الحجر بقليل بقصد تحقّق الطواف من بداية الحجر و يكون الاتيان بالزائد من باب المقدّمة العلمية.

11 - و اما ان اللازم جعل الكعبة على يسار الطائف دون يمينه أو

استقبالها أو استدبارها

فلربما يعسر استفادة وجوب ذلك من النصوص.

الا أنّه تكفينا السيرة القطعيّة المتوارثة بين المسلمين على الطواف كذلك و انّه الكيفية الصحيحة لا غيرها. و هذا ما قد يعبّر عنه بالإجماع العملي.

كما انه يلزم ان تكون الحركة بنحو دائري بحيث يصدق عليها


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب الطواف الحديث 3.

الطواف بالبيت و حوله المأمور به في قوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ‌ الْعَتِيقِ‌ (1). و لا يلزم حرف الطائف كتفه اليسرى عند مروره بالاركان، فان مثل ذلك تدقيقات لا دليل عليها بل و تسلب روحانية الطواف و لا يحتمل وجوبها.

و صحيحة الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «طاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على ناقته العضباء...»(2)خير شاهد على ذلك.

12 - و اما لزوم ادخال الحجر في الطواف

، بمعنى الطواف خارجه لا بينه و بين الكعبة فمتسالم عليه. و يشهد له صحيح معاوية بن عمّار المتقدّم، فان الاختصار في الحجر عبارة اخرى عن الطواف بينه و بين الكعبة.

و هل عند الاختصار يعاد الطواف من جديد بالكامل أو خصوص الشوط‍‌ الذي وقع فيه ذلك‌؟ ظاهر الصحيح الأوّل، في حين ان صريح صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، قال: يعيد ذلك الشوط‍‌»(3)الثاني. و يلزم التصرّف في ظهور الأوّل بحمله على إرادة الشوط‍‌، لان العرف يرى الصريح قرينة على التصرّف في الظاهر.

13 - و اما لزوم الخروج عن الكعبة

فلان اللازم الطواف بالبيت، و هو لا يتحقّق الا بذلك.

و اما الشاذروان فهو بحكم الكعبة لأنه من أساس البيت و قاعدته


1) الحج: 29.

2) وسائل الشيعة الباب 81 من أبواب الطواف الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب الطواف الحديث 1.

الباقي بعد عمارته أخيرا.

ثمّ‌ انه على تقدير الشكّ‌ في دخول الشاذروان في البيت و عدمه فاللازم خروجه من المطاف لان الفراغ اليقيني عمّا اشتغلت به الذمّة يقينا، و هو الطواف بالبيت لا يتحقق الا بذلك.

14 - و اما اعتبار الاختيار في الخطوات
• بحيث لا يكفي ما لو حمله الزحام بنحو ارتفعت رجلاه من الأرض و لم يتحقّق منه المشي على الأرض - فلأنّه بدون ذلك لا ينتسب الطواف الى المكلّف و لا يصدق انه طاف بالبيت المأمور به في قوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ‌ الْعَتِيقِ‌ (1).
15 - و اما اعتبار عدم الشكّ‌

فلصحيحة حنان بن سدير: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما تقول في رجل طاف فاوهم قال طفت أربعة أو طفت ثلاثة... قال: ان كان طواف فريضة فليلق ما في يديه و ليستأنف، و ان كان طواف نافلة فاستيقن ثلاثة و هو في شكّ‌ من الرابع انه طاف فليبن على الثلاثة فإنّه يجوز له»(2)و غيرها.

و يتعدّى من مورد الصحيحة إلى غيره لعدم احتمال الخصوصيّة له.

أجل إذا كان الشكّ‌ بين السبعة و الثمانية يبنى على صحّة الطواف و انه سبعة لصحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية، فقال: اما السبعة فقد استيقن و انما وقع و همه على الثامن فليصلّ‌ ركعتين»(3).


1) الحج: 29.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الطواف الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب الطواف الحديث 1.

و هي كما ترى تدلّ‌ على بطلان الطواف لو كان الشكّ‌ بين الستّة و السبعة أو كان بين الستّة و السبعة و الثمانية.

كما يتّضح انه لو كان الشكّ‌ في طواف النافلة يبنى على الأقل.

و لو شكّ‌ الطائف في صحّة ما أتى به بعد الفراغ منه بني على صحّته لقاعدة الفراغ المستفادة من موثق ابن مسلم: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(1).

و هكذا يبنى على الصحّة لقاعدة الفراغ لو شك في عدد الأشواط‍‌ بعد الفراغ من الطواف و تجاوز محلّه بالدخول في صلاة الطواف مثلا.

بل قد دلّ‌ على ذلك بالخصوص صحيح ابن مسلم نفسه: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أ ستّة طاف أو سبعة طواف فريضة، قال: فليعد طوافه. قيل: انه قد خرج و فاته ذلك، قال: ليس عليه شيء»(2).

و إذا كان في سند الصحيح قد ورد عبد الرحمن بن سيابة الذي لم تثبت وثاقته فقد يقال - على ما ذكر صاحب الوسائل معلقا على الرواية - بأنّ‌ عبد الرحمن المذكور هو ابن أبي نجران الثقة، و تفسيره بابن سيابة غلط‍‌.

16 - و اما اعتبار عدم القران و لزوم الفصل بركعتي الطواف

فالنصوص في ذلك على ثلاث طوائف:

ما دلّ‌ على عدم الجواز مطلقا، كرواية البزنطي: «سأل رجل أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يطوف الأسباع جميعا فيقرن، فقال: لا، الا اسبوع


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الطواف الحديث 1.

و ركعتان، و انما قرن أبو الحسن عليه السّلام لأنه كان يطوف مع محمّد بن إبراهيم لحال التقيّة»(1).

الا ان السند يشتمل على علي بن أحمد بن اشيم و هو لم تثبت وثاقته الا بناء على وثاقة جميع رجال كامل الزيارات أو وثاقة كل من روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى.

و ما دلّ‌ على الجواز مطلقا، كصحيحة زرارة: «ربما طفت مع أبي جعفر عليه السّلام و هو ممسك بيدي الطوافين و الثلاثة، ثم ينصرف و يصلّي الركعات ستّا»(2).

و سند الشيخ الصدوق الى زرارة صحيح على ما في المشيخة.

و ما دلّ‌ على التفصيل بين الطواف الواجب فلا يجوز فيه ذلك و بين غيره فيجوز، كصحيحة زرارة الاخرى: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: انّما يكره ان يجمع الرجل بين الاسبوعين و الطوافين في الفريضة و اما في النافلة فلا بأس»(3).

و بالأخيرة يجمع بين الطائفتين بحمل الاولى على الفريضة و الثانية على النافلة.

و قد يقال: بعد تفصيل الأخيرة لا يضرّ ضعف الاولى سندا.

الا ان ذلك وجيه لو لم يكن الوارد فيها - الأخيرة - كلمة «يكره»، اما بعد كون الوارد ذلك فلا يمكن الجزم بعدم الجواز بمجرّد الاقتصار على ملاحظة الأخيرة.1.


1) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب الطواف الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب الطواف الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب الطواف الحديث 1.

و ان شئت قلت: من يرى تمامية الطائفة الاولى سندا لا يضرّه ورود كلمة «يكره» في الطائفة الثالثة لأنه يحملها على عدم الجواز بقرينة ذلك، اما من لا يرى تماميّتها فلا يمكنه تفسير الكراهة بذلك و يتعيّن عليه الرجوع إلى البراءة.

17 - و اما الخروج عن المطاف

فتارة يتحقّق بدخول الكعبة، و اخرى بالمرور على الشاذروان، و ثالثة بالدخول في الحجر، و رابعة بغير ذلك.

فإن كان بدخول الكعبة فمقتضى صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في من كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها، قال: يستقبل طوافه»(1)بطلان الطواف رأسا.

و طريق الشيخ الصدوق الى ابن أبي عمير صحيح. و هو و ابن البختري من أجلاّء أصحابنا.

و إذا قيل: ان الوارد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط‍‌ ثم وجد من البيت خلوة فدخله، كيف يصنع‌؟ قال: يعيد طوافه و خالف السنّة»(2)بطلان الطواف بدخول الكعبة قبل تجاوز النصف لا مطلقا.

قلنا: هي واردة في المورد المذكور و ليس لها مفهوم تدل بواسطته على نفي البطلان في غيره، و معه يبقى إطلاق صحيحة ابن البختري على حاله و صالحا للتمسّك به لإثبات البطلان مطلقا.

و معه يتّضح التأمّل فيما هو المنسوب إلى المشهور من التفصيل


1) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب الطواف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب الطواف الحديث 3.

بين تحقّق ذلك قبل تجاوز النصف فيبطل الطواف رأسا و بين تحقّقه بعده فيبطل الشوط‍‌ الذي تحقّق فيه ذلك فقط‍‌.

ان التفصيل المذكور لا وجه له و المناسب ما ذكرناه.

و اما المرور على الشاذروان فلا يمكن الاجتزاء به لما تقدّم من عدم احراز الطواف حول البيت عند المرور به.

و هل يبطل الطواف رأسا أو بمقدار المرور به‌؟ الظاهر الثاني، لان ما دلّ‌ على بطلان الطواف بدخول الكعبة منصرف عن المرور على الشاذروان.

و اما المرور بالحجر فقد تقدّم ان المناسب بطلان الشوط‍‌ الذي تحقّق فيه ذلك لا أكثر.

و اما الخروج عن المطاف بغير ذلك - كما إذا تحقّق بالخروج خارج المسجد - فله أسباب متعدّدة، و المتداول منها الخروج لتجديد الطهارة بسبب طرو الحدث أو الخبث.

اما إذا كان لطرو الحدث فالمشهور - بل لم يعرف الخلاف في ذلك - هو التفصيل بين ما إذا كان ذلك قبل بلوغ النصف فيبطل الطواف و بين ما إذا كان بعده فيؤتى بالباقي بعد الوضوء. و تدلّ‌ على ذلك مرسلة جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السّلام: «الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه، قال: يخرج و يتوضأ، فإن كان جاز النصف بنى على طوافه، و ان كان أقل من النصف أعاد الطواف»(1).

بيد أنّها مرسلة في كلا طريقيها، غايته المرسل في احدهما جميل1.


1) وسائل الشيعة الباب 40 من أبواب الطواف الحديث 1.

و في الآخر ابن أبي عمير. و لأجل ذلك تكون ساقطة عن الاعتبار.

و إذا قيل: انه بناء على كبرى عدم إرسال الثلاثة الا عن ثقة لا تبقى مشكلة من ناحية الارسال.

قلنا: ان الكبرى المذكورة لا يمكن الانتفاع منها في حالة عدم التصريح باسم المرسل عنه لنكتة تقدّمت الإشارة إليها سابقا.

أجل يمكن الاستعانة بكبرى أخرى، و هي كبرى انجبار ضعف السند بفتوى المشهور بل بالفتوى التي لم يعرف فيها مخالف مع فرض شدّة الابتلاء بالمسألة، الأمر الذي قد يورث للفقيه الاطمئنان بحقانية مضمون المرسلة.

و اما إذا كان الخروج لطرو الخبث فالمعروف عن جماعة التفصيل السابق أيضا بين التجاوز عن النصف و عدمه، و لكن لا رواية هنا تدلّ‌ على ذلك، بل مقتضى حديث يونس بن يعقوب الذي أشرنا إليه عند الاستدلال على شرطية الطهارة من الخبث في الطواف هو البناء على ما سبق بعد التطهير مطلقا. و التعدي من طرو الحدث إلى طرو الخبث لا نعرف له وجها بعد احتمال الخصوصيّة لطرو الحدث.

و المناسب ان يقال: ان أصل شرطية الطهارة من الخبث في الطواف كانت مبنية على الاحتياط‍‌. و بناء على هذا الاحتياط‍‌ يكون المناسب للمكلّف هو الاحتياط‍‌ بإتيان طواف بقصد الأعمّ‌ من التمام و الاتمام لو طرأ عليه الخبث قبل تجاوز النصف فإنّه بذلك يدرك الواقع جزما بخلاف ما إذا كان طروه بعد النصف فإنّه يكتفي بالاتمام بعد التطهير.

18 - و اما من زاد في طوافه

فان كان عن عمد بطل لصحيحة عبد اللّه

بن محمّد عن أبي الحسن عليه السّلام: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها فعليك الإعادة. و كذلك السعي»(1).

و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون الزائد شوطا كاملا أو أقلّ‌ أو أكثر.

و عبد اللّه بن محمّد و ان كان مشتركا بين الثقة و غيره الا ان المعروف الذي يروي عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام مردّد بين الحضيني و الحجال المزخرف، و كلاهما ثقة.

و ان كان عن سهو فمقتضى صحيحة أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط‍‌ المفروض، قال: يعيد حتى يثبته»(2)البطلان، في حين مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «في كتاب علي عليه السّلام: إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط‍‌ الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستّا...»(3)و غيرها لزوم الإكمال بستّة.

و قد يجمع بينهما بالحمل على التخيير بتقريب ان ظاهر كل واحدة تعيّن متعلّقها فترفع اليد عنه بصراحة الآخر في جواز متعلّقه.

و الاحتياط‍‌ يقتضي الاتيان بسبعة أشواط‍‌ - لا بستّ‌ - بقصد الأعمّ‌ من التمام و الاتمام، فإنّه بذلك يحرز الواقع.

و هل ما ذكر يختص بمن زاد شوطا كاملا عن سهو أو يعمّ‌ من زاد بعض شوط‍‌ أيضا؟ المناسب هو الأوّل لنظر كلتا الصحيحتين الى0.


1) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب الطواف الحديث 11.

2) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب الطواف الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب الطواف الحديث 10.

ذلك، بل الثانية واضحة في الاختصاص. و معه تكون حالة زيادة بعض شوط‍‌ غير منظور إليها في الروايات فيتمسّك بالبراءة من وجوب الإعادة أو الإضافة و يكتفى بقطع الشوط‍‌ الزائد.

لا يقال: لم لا نتمسّك بإطلاق صحيحة عبد اللّه بن محمّد لإثبات البطلان.

فإنّه يقال: هي خاصّة بالزيادة العمدية بقرينة التشبيه بالزيادة المبطلة في الصلاة التي هي خاصّة بحالة العمد.

و النتيجة: ان الزيادة العمدية و لو كانت ببعض شوط‍‌ مبطلة، بخلاف السهوية، فانها إذا كانت بعض شوط‍‌ قطع الشوط‍‌ الزائد، و إذا كانت شوطا كاملا فالحكم التخيير بمقتضى الصناعة أو الاحتياط‍‌ بالشكل المتقدّم.

19 - و اما اعتبار ان يكون الطواف ما بين البيت و المقام

فهو المشهور استنادا الى رواية محمّد بن مسلم: «سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت. قال: كان الناس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يطوفون بالبيت و المقام، و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف. و الحدّ قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنه طاف في غير حد، و لا طواف له»(1)

و الرواية تشير الى ما هو المنقول من ان المقام كان متّصلا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالبيت فالطواف يكون بهما معا و ليس بخصوص البيت، ثم بعد ذلك و في عهد الخليفة الثاني غيّر المقام إلى ما هو عليه اليوم. و حدّ المكان الذي يلزم ايقاع الطواف فيه واحد في كلا الزمانين.

و قد روى الشيخ الصدوق بسنده الصحيح إلى زرارة: «... و كان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عليه السّلام عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوّله أهل الجاهلية الى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلّى اللّه عليه و آله مكّة ردّه إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم عليه السّلام، فلم يزل هناك الى ان ولي عمر فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام فقال له رجل: أنا قد كنت أخذت مقداره بنسع فهو عندي فقال ائتني به فأتاه فقاسه ثم ردّه الى ذلك المكان» من لا يحضره الفقيه 158:2. و النسع بالكسر سير ينسج عريضا ليشد به الرحل.

و في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود: «قلت للرضا عليه السّلام: أ صلّى ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‌؟ قال: حيث هو الساعة» وسائل الشيعة الباب 71 من أبواب الطواف الحديث 1.

.

1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب الطواف الحديث 1.

و بناء على هذا يلزم ضيق محل الطواف من جانب الحجر بعد اعتبار الطواف خارجه بيد انه لا بدّ من حمل الرواية على بيان الأفضلية بقرينة صحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الطواف خلف المقام، قال: ما أحبّ‌ ذلك و ما أرى به بأسا فلا تفعله الا ان لا تجد بدا»(1)الواضحة في جواز الطواف خلف المقام.

هذا كلّه بقطع النظر عن ضعف سند الأولى بياسين الضرير و الا فالأمر أوضح.

و بذلك تتّضح وجاهة ما ينسب الى الصدوق من الجواز مطلقا و لو اختيارا.

و لعل وجه النسبة ايراده لصحيحة الحلبي في كتابه(2)الذي قال في مقدمته: «و لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت إلى ايراد ما افتي به و أحكم بصحته و اعتقد فيه انه حجة فيما2.


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب الطواف الحديث 2.

2) من لا يحضره الفقيه 249:2.

بيني و بين ربي»(1).

هذا في غير حالة عسر الطواف في المقدار المذكور و الا فالجواز خارجه لا ينبغي التأمّل فيه لعدم احتمال ان الشريعة تفرض على الطائفين التجمّع جميعا في المقدار المذكور. هذا مضافا الى وضوح صحيحة الحلبي في ذلك.

ركعتا الطواف
اشارة

يلزم لكل طواف واجب الإتيان بعده بلا فاصل عرفي بركعتين خلف المقام أو أحد جانبيه مخيّرا في قراءتهما بين الجهر و الاخفات.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب صلاة الطواف

فمن الضروريات بين المسلمين. و تدلّ‌ عليه مضافا الى ذلك السيرة المتوارثة على الاتيان بها بنحو الوجوب لدى جميع المسلمين.

بل ان قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ‌ مَقامِ‌ إِبْراهِيمَ‌ مُصَلًّى (2)دليل واضح على ذلك بعد الجزم بإرادة صلاة الطواف كما يستفاد من سياق الآية و الروايات الكثيرة(3).

و يمكن ان يضاف إلى ذلك النصوص الدالّة على لزوم الاتيان بها عند تذكر عدم الاتيان بها، ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل طاف طواف الفريضة و نسي الركعتين حتى طاف


1) من لا يحضره الفقيه 3:1.

2) البقرة: 125.

3) وسائل الشيعة الباب 72، 74 من أبواب الطواف.

بين الصفا و المروة ثم ذكر، قال: يعلّم ذلك المكان ثم يعود فيصلّي الركعتين ثم يعود الى مكانه»(1).

2 - و اما اعتبار عدم الفاصل العرفي

فلصحيحة محمّد بن مسلم:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن ركعتي طواف الفريضة، فقال: وقتهما إذا فرغت من طوافك...»(2)و غيرها.

3 - و اما لزوم الاتيان بهما خلف المقام أو أحد جانبيه

فقد يستدلّ‌ له بصحيح معاوية بن عمّار: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم عليه السّلام فصلّ‌ ركعتين و اجعله اماما و اقرأ في الاولى منهما سورة التوحيد و في الثانية قل يا أيّها الكافرون ثم...»(3)، فان الأمر بجعله اماما يدل على لزوم الصلاة خلفه.

الا ان اشتمال السياق على بعض المستحبات يمنع استفادة الوجوب منها الا بناء على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب.

و الاولى التمسك بقوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ‌ مَقامِ‌ إِبْراهِيمَ‌ مُصَلًّى (4)فان اتخاذه مصلى لا يكون الا بالصلاة خلفه أو الى أحد جانبيه.

أجل إذا لم تمكن الصلاة كذلك لشدّة الزحام جاز التأخّر لعدم احتمال سقوط‍‌ الصلاة رأسا.

4 - و اما التخيير في كيفية القراءة

فللبراءة من وجوب أحد


1) وسائل الشيعة الباب 77 من أبواب الطواف الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 76 من أبواب الطواف الحديث 7.

3) وسائل الشيعة الباب 71 من أبواب الطواف الحديث 3.

4) البقرة: 125.

النحوين بخصوصه بعد عدم الدليل على تعينه.

السعي
اشارة

و هو واجب في العمرة و الحج سبعة أشواط‍‌ يبتدئ الشوط‍‌ الأوّل و كل شوط‍‌ فرد بالصفا و ينتهي بالمروة و البقية بالعكس.

و تعتبر فيه النيّة دون ستر العورة و الطهارة.

و لم يعتبر المشهور الموالاة بين أشواطه.

و لا يعتبر فيه المشي راجلا. أجل يعتبر السير من الطريق المتعارف و ان لا يكون بنحو القهقرى أو على اليسار أو اليمين.

و يجوز تأخير السعي عن الطواف و صلاته الى الليل لا إلى الغد.

و الزيادة في السعي عن عمد مبطلة له دون ما إذا كانت عن جهل.

و الشكّ‌ في عدد الأشواط‍‌ مبطل الا إذا كان بعد الفراغ.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب السعي في العمرة و الحج

فمتسالم عليه. و تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة يدا بيد على فعله فيهما بنحو الوجوب.

و يحتمل استفادة ذلك أيضا من قوله تعالى: فَمَنْ‌ حَجَّ‌ الْبَيْتَ‌ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِ‌ أَنْ‌ يَطَّوَّفَ‌ بِهِما (1).

و إذا كان في دلالتها على الوجوب قصور فبضم صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... أو ليس قال اللّه عزّ و جلّ‌: إِنَّ‌ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ‌ مِنْ‌ شَعائِرِ اللّهِ‌ فَمَنْ‌ حَجَّ‌ الْبَيْتَ‌ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِ‌ أَنْ‌


1) البقرة: 158.

يَطَّوَّفَ‌ بِهِما ، ألا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان اللّه عزّ و جلّ‌ قد ذكره في كتابه و صنعه نبيّه»(1)يرتفع ذلك.

و إذا كان في طريق الصدوق الى محمّد بن مسلم تأمّل فليس مثل ذلك في طريقه إلى زرارة. و يكفي في صحّة الرواية عنهما صحّة طريقه الى أحدهما.

2 - و اما ان البداية من الصفا و الختم بالمروة دون العكس

فقد يستدلّ‌ له بصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... ثمّ‌ امش و عليك السكينة و الوقار فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت فاصنع عليها كما صنعت على الصفا ثم طف بينهما سبعة أشواط‍‌ تبدأ بالصفا و تختم بالمروة»(2).

بيد ان اشتمال السياق على بعض الآداب الشرعيّة المستحبة يمنع من الظهور في الوجوب الا بناء على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب، و هو قابل للتأمّل.

و الأنسب التمسّك بما دلّ‌ على ان من بدأ سعيه بالمروة يعيده، كما في صحيح معاوية بن عمّار الآخر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا قبل المروة»(3)و غيره.

و اما ان الأشواط‍‌ سبعة فهو من الضروريات بين المسلمين. و يدلّ‌ عليه صحيح معاوية بن عمّار الأوّل: «ثم طف بينهما سبعة أشواط‍‌».


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب السعي الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب السعي الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب السعي الحديث 1.

و اما ان الذهاب شوط‍‌ و الاياب شوط‍‌ و ليس المجموع واحدا فلصحيحة هشام بن سالم: «سعيت بين الصفا و المروة انا و عبيد اللّه بن راشد فقلت له: تحفّظ‍‌ عليّ‌، فجعل يعدّ ذاهبا و جائيا شوطا واحدا...

فأتممنا أربعة عشر شوطا فذكرنا لأبي عبد اللّه عليه السّلام فقال: قد زادوا على ما عليهم ليس عليهم شيء»(1). بل يمكن استفادة ذلك من صحيح معاوية الأوّل.

3 - و اما اعتبار النيّة

، بمعنى قصد الفعل و كونه عن قربة فلما تقدّم في الطواف.

4 - و اما عدم اعتبار ستر العورة

فللبراءة بعد عدم الدليل.

5 - و هكذا بالنسبة الى الطهارة بقسميها

. و هذا بخلافه في الطواف فان الدليل قد دلّ‌ على اعتبار ذلك فيه.

بل إضافة إلى ذلك قد دلّ‌ الدليل هنا على عدم اعتبار الطهارة، ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس ان تقضي المناسك كلّها على غير وضوء الا الطواف فان فيه صلاة، و الوضوء أفضل»(2)و غيرها دلالة على عدم اعتبار الوضوء في شيء من أعمال الحج عدا الطواف و صلاته.

و إذا قيل: ان صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «الرجل يصلح ان يقضي شيئا من المناسك و هو على غير وضوء؟ قال: لا يصلح الا على وضوء»(3)دلّت على اعتبار الطهارة.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب السعي الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب السعي الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب السعي الحديث 8.

قلنا: لا بدّ من حملها على بيان الأفضلية جمعا بينها و بين ما تقدّم.

و إذا قيل: ان موثقة ابن فضال عن أبي الحسن عليه السّلام: «لا تطوف و لا تسعى الا بوضوء»(1)

هكذا ورد في نسخ الحديث. و المناسب: لا تطف و لا تسع....

نهت عن الطواف و السعي بلا وضوء، و لا يمكن حمل النهي على التنزيه بقرينة الطواف.

قلنا: يمكن حمله على مطلق طلب الترك الجامع بين التحريم و الكراهة، كما في قولنا: لا تصل و لا تقرأ القرآن بلا وضوء، بالرغم من علمنا بلزوم الوضوء في الصلاة دون قراءة القرآن.

6 - و اما عدم اعتبار الموالاة

فاحسن ما يمكن الاستدلال له إطلاق الدليل أو ما دلّ‌ على جواز الجلوس في اثنائه، كما في صحيح الحلبي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يطوف بين الصفا و المروة أ يستريح‌؟ قال: نعم ان شاء جلس على الصفا و المروة و بينهما فليجلس»(2)و غيره.

بيد ان الإطلاق لو عثرنا عليه فيمكن الجواب عنه بأن السعي عمل واحد لا يتحقّق عرفا الا مع الحفاظ‍‌ على هيئته الاتصالية التي تختل بالفاصل الكبير.

و اما ما دلّ‌ على جواز الجلوس فغير نافع لان الجلوس الذي يتحقّق عادة بربع ساعة أو نصفها لا يضرّ عرفا بالهيئة الاتصالية.

و عليه فالمناسب اعتبار الموالاة التي تحفظ‍‌ معها الهيئة الاتصالية العرفية.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب السعي الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب السعي الحديث 1.

7 - و اما عدم اعتبار المشي راجلا

فللإطلاق ان كان و الا فالبراءة من الاشتراط‍‌. هذا مضافا الى صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يسعى بين الصفا و المروة راكبا، قال: لا بأس، و المشي أفضل»(1)و غيره.

8 - و اما اعتبار السير من الطريق المتعارف و عدم اجزاء الذهاب

و الاياب من المسجد الحرام مثلا

فلانصراف الطواف بهما المستفاد اعتباره من قوله تعالى: إِنَّ‌ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ‌ مِنْ‌ شَعائِرِ اللّهِ‌ فَمَنْ‌ حَجَّ‌ الْبَيْتَ‌ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ‌ عَلَيْهِ‌ أَنْ‌ يَطَّوَّفَ‌ بِهِما (2)عن مثل ذلك. أجل لا يلزم ان يكون السير على نحو الخط‍‌ المستقيم.

9 - و اما اعتبار ان لا يكون المشي بنحو القهقرى

و نحو ذلك فلما تقدّم من الانصراف نفسه. أجل لا يضرّ الالتفات بالوجه لعدم الانصراف بلحاظه فيتمسّك بالإطلاق.

10 - و اما عدم جواز تأخير السعي الى الغد

فلصحيحة العلاء بن رزين عن أحدهما عليهما السّلام: «سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخّر الطواف بين الصفا و المروة إلى غد؟ قال: لا»(3).

و اما جواز التأخير الى الليل فلا يحتاج الى دليل بل هو مقتضى أصل البراءة ان لم يكن إطلاق على ان الدليل ثابت و هو صحيحة محمّد بن مسلم: «سألت أحدهما عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخّر الطواف


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الطواف الحديث 2.

2) البقرة: 158.

3) وسائل الشيعة الباب 60 من أبواب الطواف الحديث 3.

بين الصفا و المروة‌؟ قال: نعم»(1).

و هل جواز التأخير الى الليل مشروط‍‌ بالعذر كالإعياء؟ كلا، لان مورد صحيحة ابن مسلم و ان كان ذلك الا انه مذكور في كلام السائل دون الامام عليه السّلام ليثبت له المفهوم، و معه فيتمسك بالأصل.

11 - و اما ان الزيادة عن عمد مبطلة

فلصحيحة عبد اللّه بن محمّد المتقدّمة في زيادة الطواف.

و اما انها إذا كانت عن جهل فلا تكون مبطلة فلصحيحة هشام بن سالم المتقدّمة في اثبات ان عدد الأشواط‍‌ سبعة.

12 - و اما ان الشكّ‌ في عدد الأشواط‍‌ مبطل

فلم يعرف فيه خلاف، و يمكن ان يستفاد من صحيح سعيد بن يسار: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:

رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستّة أشواط‍‌ ثم رجع الى منزله و هو يرى انه قد فرغ منه و قلّم أظافيره و احلّ‌، ثم ذكر انه سعى ستّة أشواط‍‌، فقال لي: يحفظ‍‌ انه قد سعى ستّة أشواط؟ فان كان يحفظ‍‌ انه قد سعى ستّة أشواط‍‌ فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما. فقلت: دم ما ذا؟ قال: بقرة. قال: و ان لم يكن حفظ‍‌ انه قد سعى ستّة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط‍‌، ثم ليرق دم بقرة»(2)، فان ذيله يدل على ذلك. و لا يحتمل الخصوصية للمورد، بل يعمّ‌ ذلك ما إذا كان الشكّ‌ بشكل آخر.

و اما ان الشكّ‌ بعد الفراغ لا يعتنى به فلقاعدة الفراغ المستفادة من موثق محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل ما شككت فيه ممّا قد


1) وسائل الشيعة الباب 60 من أبواب الطواف الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب السعي الحديث 1.

مضى فامضه كما هو»(1).

و لا إشكال في تحقّق الفراغ فيما إذا قصر المحرم ثم شكّ‌.

و اما إذا شكّ‌ قبل التقصير و بعد الانصراف عن المسعى أو قبل ذلك فقد يقال بكونه من الشكّ‌ بعد الفراغ أيضا.

و هو وجيه على تقدير فوات الموالاة المعتبرة بين أشواط‍‌ السعي، و اما إذا فرض عدم فواتها فالشكّ‌ شكّ‌ في المحل فيكون مبطلا.

التقصير
اشارة

يجب في عمرة التمتّع بعد السعي التقصير من شعر الرأس أو غيره أو الاظفار بآلة أو بغيرها. و لا يكفي الحلق و لا النتف.

و لا تجب المبادرة الى فعله بعد السعي. و ليس له محل خاص. و به تحل جميع محرّمات الاحرام ما عدا الحلق. و تجب فيه نيّة القربة كسائر الأجزاء.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب التقصير في عمرة التمتّع

فمن ضروريات الدين. و هكذا كونه بعد السعي. و تدل عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا فرغت من سعيك و أنت متمتع فقصّر من شعرك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك و قلّم أظفارك و ابق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ‌ شيء...»(2)و غيرها.

و هي و إن كانت ظاهرة في اعتبار التقصير من جميع ما ذكر الا انّه لا بدّ من حمل ذلك على الأفضلية لصحيحة جميل بن دراج و حفص


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب التقصير الحديث 4.

بن البختري و غيرهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «محرم يقصر من بعض و لا يقصر من بعض، قال: يجزيه»(1).

2 - و اما الاجتزاء بالتقصير من أي أقسام الشعر

فلإطلاق صحيحة جميل و حفص.

و اما التعميم للأدلة و غيرها فللإطلاق أيضا.

3 - و اما عدم كفاية الحلق و النتف

فلأنهما غير المأمور به، و اجزاؤهما عنه يحتاج إلى دليل، و هو مفقود. بل الدليل على عدم الاجزاء موجود، كصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «...

و ليس في المتعة الا التقصير»(2).

و إذا قيل: ان أوّل الحلق تقصير فيلزم اجزاؤه.

قلنا: ان العرف يرى المغايرة بينهما.

4 - و اما عدم وجوب المبادرة و عدم المحل الخاص له

فللإطلاق.

و بقطع النظر عنه يمكن التمسّك بالبراءة.

5 - و اما حليّة جميع المحرّمات

فللتصريح بذلك في صحيحة معاوية السابقة.

و اما استثناء الحلق فلصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«متمتع حلق رأسه بمكّة، قال: ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان تعمّد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمّد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه»(3).


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب التقصير الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التقصير الحديث 2.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب التقصير الحديث 5.

و هي إذا كانت ضعيفة بطريق الكليني من جهة علي بن حديد فبطريق الصدوق المذكور في المشيخة صحيحة.

و دلالتها ظاهرة، فان وجوب التكفير - بعد مضي ثلاثين يوما من أوّل شوال الذي هو أوّل أشهر الحج - يلازم عرفا الحرمة. و معه تكون مخصصة لصحيحة معاوية السابقة.

هذا و لكن المختار لدى المشهور جواز الحلق أيضا بعد التقصير.

و فتواهم هذه على خلاف الرواية مع وجودها بين أيديهم تقف حائلا دون الجزم بالفتوى بالتحريم و تجعل الفقيه يعدل الى الاحتياط‍‌.

6 - و اما لزوم قصد القربة

فلما تقدّم في الطواف

الوقوف بعرفات
اشارة

يجب - بعد الاحرام لحج التمتع من داخل مكة على ما تقدّم، و بكيفية احرام العمرة نفسها الا بفارق النيّة - الحضور في عرفات بالوقوف أو الجلوس أو بغير ذلك عن قصد.

و اعتبر المشهور كونه من ظهر التاسع ذي الحجّة إلى الغروب. و الركن من ذلك المسمى.

و الموقف الاختياري ما ذكر، و الاضطراري لذوي الاعذار المسمّى ليلة العيد.

و تحرم الافاضة قبل الغروب. و على من تعمّد ذلك بدنة.

و تلزم متابعة القاضي إذا حكم بالهلال و لو مع العلم بالمخالفة و يسقط‍‌ به الوجوب.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب الحضور في عرفات في الجملة

فممّا تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة بين المسلمين و المتصلة بزمن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله على فعل ذلك بنحو اللزوم. و في صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام الحاكي لكيفية حجّ‌ النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله: «... ثم مضى الى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون اخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنخاها ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس انّه ليس موضع اخفاف ناقتي بالموقف، و لكن هذا كلّه موقف، و أومأ بيده الى الموقف فتفرّق الناس و فعل مثل ذلك بمزدلفة فوقف حتى وقع القرص قرص الشمس ثم أفاض...»(1).

و يمكن استفادة الوجوب من الروايات الآتية الدالة على حرمة الافاضة من عرفات قبل الغروب.

ثم ان المتمتع يبقى بالخيار في الاحرام للحج ما دام بإمكانه ادراك الموقف في عرفات، ففي صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«المتمتع له المتعة الى زوال الشمس من يوم عرفة، و له الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر»(2).

2 - و اما عدم تعيّن الحضور في كيفية خاصة

فللسيرة القطعية المتوارثة و لأنه لو كان الواجب كيفية خاصة لاشتهر ذلك و ذاع بعد شدّة الابتلاء بالمسألة بين جميع المسلمين. بل يمكن التمسّك بالاطلاق المقامي لصحيحة معاوية السابقة بعد وضوح كون المقصود من الوقوف الكينونة و ليس في مقابل الجلوس.


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 20 من أبواب أقسام الحج الحديث 15.

هذا و قد ورد في صحيح حمّاد بن عيسى: «رأيت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام بالموقف على بغلة رافعا يده إلى السماء...»(1). بل ان صحيح معاوية السابق ظاهر في أنّ‌ النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله كان جالسا على ناقته.

و بقطع النظر عن كل ذلك يكفينا أصل البراءة.

و عليه فاستشكال الفاضل الهندي في الاكتفاء بغير الوقوف من ناحية عدم صدق الوقوف عليه لغة و لا عرفا(2)واضح التأمّل.

3 - و اما اعتبار القصد

و عدم الاكتفاء بالنوم أو الاغماء طيلة الفترة فلان ذلك كباقي أفعال الحج التي يعتبر فيها القصد عن قربة، و مع فرض النوم و الاغماء المستوعب لا يمكن تحقّق ذلك.

أجل لا محذور من تحقّق القصد المذكور بداية الوقت ثم النوم لما تقدّم من عدم اعتبار تحقّق الكون ضمن كيفية خاصة.

4 - و اما وقت الواجب من حيث المنتهى

فلم يقع فيه خلاف. و تدلّ‌ عليه صحيحة مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: إن كان جاهلا فلا شيء عليه، و إن كان متعمّدا فعليه بدنة»(3)و غيرها.

و اما من حيث المبدأ فالمشهور كونه زوال يوم التاسع. و لكنّه لا يستفاد من النصوص، بل المستفاد كونه بعد الزوال بمقدار اداء الغسل و الصلاتين بل و أكثر، ففي صحيحة معاوية بن عمّار «... فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معه قريش و قد اغتسل و قطع


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة الحديث 1.

2) كشف اللثام 356:1.

3) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة الحديث 1.

التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ‍‌ الناس و أمرهم و نهاهم ثمّ‌ صلّى الظهر و العصر بأذان واحد و اقامتين ثم مضى الى الموقوف فوقف به...»(1).

و الاحتياط‍‌ - تحفّظا من مخالفة المشهور - يقتضي الابتداء به من الزوال خصوصا لمن لا يريد الاشتغال بالغسل و نحوه.

5 - و اما ان الركن من الوقوف الذي يبطل الحج بتركه عمدا هو

المسمّى دون المجموع و ان كان ذلك واجبا

فهو مورد تسالم الأصحاب. و قد يستفاد من صحيحة مسمع المتقدّمة كلا الحكمين:

وجوب الوقوف إلى الغروب و الا لم تستقر البدنة على من أفاض قبله، و كون الركن هو المسمّى و الا لبطل الحج بالإفاضة قبل الغروب.

و لكن أقصى ما يستفاد منها ان المجموع ليس ركنا و لا يستفاد منها ان الركن يتحقّق بلحظة، فان السؤال عن الافاضة قبل الغروب ناظر الى ما هو المتداول لدى العامّة من افاضتهم قبل الغروب بفترة قصيرة و ليس إلى الافاضة قبل الغروب بساعات.

و عليه فإثبات ركنية المسمّى لا يمكن الا من خلال تسالم الأصحاب.

6 - و اما ان الموقف الاضطراري لعرفات هو المسمّى ليلة العيد

فهو مورد تسالم الأصحاب أيضا. و يستفاد من صحيحة الحلبي:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: ان كان في مهل حتّى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض


1) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 4.

فيدرك الناس في المشعر قبل ان يفيضوا فلا يتمّ‌ حجّه حتى يأتي عرفات. و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإن اللّه تعالى أعذر لعبده فقد تمّ‌ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل»(1)و غيرها.

و سند الشيخ الى موسى بن القاسم صحيح في المشيخة، و هكذا منه الى الحلبي كما يظهر بالمراجعة.

و دلالتها على كفاية المسمّى من الوقوف الاضطراري واضحة.

7 - و اما حرمة الافاضة قبل الغروب و وجوب البدنة على من تعمّد

ذلك

فقد دلّت عليه صحيحة مسمع المتقدّمة.

و هل على من أفاض قبل الغروب و رجع قبله أيضا نادما الكفارة‌؟ قيل: نعم لإطلاق النصّ‌. و قيل: لا لعدم صدق الافاضة قبل الغروب ما دام هو في عرفات حين الغروب.

و المناسب التفصيل بين من أفاض وسط‍‌ الفترة و عاد فلا بدنة عليه لانصراف النص عنه، و بين من أفاض قبيل الغروب و عاد بسرعة فتستقر عليه لإطلاق النص.

8 - و اما لزوم متابعة قاضي العامة إذا حكم بالهلال تكليفا و لو

مع العلم بمخالفته للواقع

فذلك من المسلّمات للنصوص الكثيرة الآمرة بالتقية، ففي صحيحة معمّر بن خلاد: «... قال أبو جعفر عليه السّلام: التقية من ديني و دين آبائي. و لا ايمان لمن لا تقية له»(2)و غيرها.


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الحديث 4.

و انّما الكلام في الاجزاء. و مقتضى القاعدة هو العدم لأنه مع الشك في تحقّق يوم عرفة يكون مقتضى الاستصحاب عدم تحقّقه، و من ثمّ‌ لا يحرز تحقّق الواجب و هو الوقوف في عرفات يوم التاسع بل أحرز بمقتضى الاستصحاب عدمه.

و عليه فالاجزاء يحتاج إلى دليل نخرج به عن مقتضى القاعدة بعد ما كانت مثل صحيحة معمر ناظرة الى الحكم التكليفي لا أكثر و ما يمكن التمسّك به أمران:

أ - صحيحة أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام: «... الفطر يوم يفطر الناس، و الأضحى يوم يضحي الناس، و الصوم يوم يصوم الناس»(1).

و هي تدل بوضوح على ذوق الشارع في القضايا العامة و انه يلزم متابعة الجمهور بما في ذلك يوم عرفة و ان لم يكن مذكورا في الرواية.

بل ان لزوم المتابعة في الأضحى تدل عرفا على لزوم المتابعة في عرفة أيضا.

و هي باطلاقها أيضا تشمل حالة العلم بالخلاف.

و سندها تام الا من ناحية أبي الجارود حيث لم يوثق في كتب الرجال. الا انه يمكن التغلّب على المشكلة من ناحيته باعتبار ان الشيخ المفيد في رسالته العددية عدّه من جملة الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام الذين لا مطعن عليهم(2).

ب - ان المسألة ابتلائية بشكل كبير منذ عهد الأئمة عليهم السّلام و لم يصدر منهم حكم بعدم الاجزاء و بوجوب الوقوف في اليوم الآخر.م.


1) وسائل الشيعة الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 7.

2) و الرسالة مذكورة في كتاب الدر المنثور 122:1 للشيخ علي حفيد صاحب المعالم.

و إذا قيل: لعل عدم صدور ذلك لأجل التقيّة و الحفاظ‍‌ على دماء شيعتهم.

قلنا: ان عدم إمكان الوقوف و لو بنحو المرور في اليوم الثاني و لا لواحد من شيعتهم أمر لا يقبل التصديق.

و إذا قيل: ان السيرة المتقدّمة دليل لبّي، و حيث إنّه لا إطلاق له فينبغي الاقتصار فيه على القدر المتيقن، و هو حالة عدم العلم بالمخالفة.

قلنا: ان السيرة المذكورة بعد ما صارت طبعا للمتشرّعة فمن المحتمل ان يسيروا عليها حتى مع العلم بالخلاف. و ينبغي للشارع حفاظا على أغراضه الوقوف دون امتدادها الى مثل الحالة المذكورة، و حيث لم يصدر منه ردع فذلك يكشف عن قبوله لها بما لها من امتداد متوقّع.

هذا كلّه مضافا الى ان سماحة الشريعة و تساهلها مع اتباعها بالشكل الذي يلمسه الفقيه واضحا لدى مراجعته للنصوص يبعّد من احتمال وجوب إعادة الحج من قابل عند العلم بالخلاف لمن لا يتمكّن من الوقوف في اليوم الثاني.

الوقوف في المزدلفة
اشارة

بعد إفاضة الحاج من عرفات يلزمه الحضور قبل طلوع شمس اليوم العاشر في المزدلفة و يلبث حتى طلوعها.

و المشهور في البداية طلوع الفجر، بل قيل بوجوب المبيت أيضا.

و الركن هو المسمّى ما بين الطلوعين بل في فرض الجهل هو المسمّى

و لو قبل طلوع الفجر.

و قد رخص للنساء و الضعفاء الوقوف ليلا و الإفاضة قبل طلوع الفجر الى منى لرمي جمرة العقبة.

و الموقف الاختياري في المزدلفة ما ذكر. و الاضطراري لذوي الأعذار المسمّى من طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد. و للنساء و الضعفاء المسمّى ليلا كما تقدّم.

و المستند في ذلك:

1 - اما أصل وجوب الحضور في المزدلفة - المشعر الحرام،

جمع

• فممّا تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة. و يدل عليه أيضا قوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ‌ مِنْ‌ عَرَفاتٍ‌ فَاذْكُرُوا اللّهَ‌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ‌ (1)، و صحيحة الحلبي السابقة: «... فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج» و غيرها.
2 - و اما وجوب البقاء حتى طلوع الشمس

فلم ينقل فيه خلاف.

و يمكن استفادته من صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا تجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس»(2)، فان وادي محسر حيث انه من حدود المشعر الحرام فالنهي عن تجاوزه قبل الطلوع يدلّ‌ على لزوم المكث في المشعر الحرام حتى الطلوع.

و إذا قيل: ان الوارد في موثقة إسحاق بن عمّار: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام: أي ساعة أحبّ‌ إليك ان أفيض من جمع‌؟ قال: قبل ان تطلع الشمس بقليل فهو أحبّ‌ الساعات إليّ‌. قلت: فان مكثنا حتى تطلع


1) البقرة: 198.

2) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 2.

الشمس‌؟ قال: لا بأس»(1)، و هي تدلّ‌ على جواز الخروج قبل الطلوع.

قلنا: ان الافاضة تعني الشروع في الخروج، و هو يحتاج الى وقت كبير خصوصا مع افتراض الزحام، و من ثمّ‌ يلزم تحقّق الخروج بعد طلوع الشمس.

3 - و اما بداية وقت الواجب فالمشهور انه طلوع الفجر.

و قد يستدل له:

بصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر فقف ان شئت قريبا من الجبل، و ان شئت حيث شئت فإذا وقفت فاحمد اللّه عزّ و جلّ‌ واثن عليه... ثم ليكن من قولك: اللّهمّ‌ ربّ‌ المشعر الحرام...»(2)، فان الأمر بالاصباح في المشعر الحرام يدل على عدم جواز التأخّر عن طلوع الفجر.

و بالروايات المجوزة للنساء و الصبيان بالافاضة ليلا(3)، حيث تدلّ‌ على ان ما بعد الليل - الذي بدايته طلوع الفجر - هو بداية وقت الوجوب.

و كلاهما قابل للتأمّل.

اما صحيح معاوية فلاشتمال سياقه على المستحبّات المانع من الظهور في الوجوب الا على مسلك حكم العقل، و هو قابل للتأمّل.

و اما روايات الإفاضة ليلا فهي تتلاءم أيضا و كون بداية وقت الوجوب ما بعد طلوع الفجر بساعة أو قبله بساعة مثلا و لا يختص تلاؤمها مع كون البداية طلوع الفجر فقط‍‌.


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر.

و من كلّ‌ هذا يتّضح ان الحكم بوجوب الحضور من بداية طلوع الفجر مبني على الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور و الا فأصل البراءة ينفي ذلك.

4 - و اما القول بوجوب المبيت

فقد يستدلّ‌ له بالتأسي، و بصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة»(1)، حيث يدل على لزوم المبيت غايته لا يجوز تجاوز الحياض التي هي حدّ من حدود المزدلفة، و بصحيح معاوية المتقدّم الآمر بالاصباح على طهر، فان ذلك يلازم المبيت في المزدلفة و الا فكيف يتحقّق الاصباح فيها؟

و الكل كما ترى.

إمّا الاول فلان التأسي يعني الاتيان بالفعل على النحو الذي أتى به صلّى اللّه عليه و آله، ان واجبا فواجب و ان مستحبا فمستحب، و حيث لا يعلم انّه أتى به بنحو الوجوب - بل أقصى ما يدل عليه الفعل هو عدم الحرمة أو مطلق الرجحان - فلا يثبت لزوم فعله بنحو الوجوب.

و اما الثاني فلان أقصى ما يدلّ‌ عليه النهي هو ان من كان في المزدلفة لا يحقّ‌ له تجاوز الحياض ليلا و لا يدلّ‌ على لزوم التواجد فيها ليلا.

و اما الثالث فلان الاصباح على طهر على تقدير وجوبه يتحقّق امتثاله بدخول المزدلفة قبل طلوع الفجر بدقيقة أو أكثر.

و عليه فالحكم بوجوب المبيت في المزدلفة ليلة العاشر لا يمكن اثباته بدليل بل الدليل - و هو أصل البراءة - يقتضي العدم.


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 3.

5 - و اما ان الركن هو المسمّى ما بين الطلوعين

فلصحيحة الحلبي السابقة: «... فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج»(1)و غيرها، فان الادراك يتحقّق بالمسمّى في فترة الوقوف الواجب.

6 - و اما امتداد الركن الى المسمّى ليلا في حق الجاهل

فلصحيحة مسمع بن عبد الملك عن أبي إبراهيم عليه السّلام: «رجل وقف مع الناس بجمع ثم أفاض قبل ان يفيض الناس، قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، و ان كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة»(2).

و سندها إذا كان قابلا للتأمّل بطريق الكليني من ناحية سهل فبطريق الشيخ الصدوق ليس فيها ذلك.

7 - و اما الترخيص في الافاضة ليلا لمن ذكر

فلصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رخّص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للنساء و الضعفاء ان يفيضوا عن جمع بليل، و ان يرموا الجمرة بليل، فإذا أرادوا ان يزوروا البيت و كلوا من يذبح عنهن»(3)و غيرها.

8 - و اما امتداد الموقف الاضطراري

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من أفاض من عرفات الى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها و ان كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع»(4)و غيرها.

و هي و ان لم تقيد امتداد الموقف الى الزوال الا ان ذلك ورد في من


1) وسائل الشيعة الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 6.

4) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1.

لم يدرك كلا الموقفين، و هو كاف، ففي صحيحة عبد اللّه بن المغيرة:

«جاءنا رجل بمنى فقال: اني لم أدرك الناس بالموقفين جميعا... فدخل إسحاق بن عمّار على أبي الحسن عليه السّلام فسأله عن ذلك فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج»(1).

رمي جمرة العقبة
اشارة

بعد الافاضة من المزدلفة إلى منى يلزم رمي جمرة العقبة في اليوم العاشر بين طلوع الشمس و غروبها - الا لمن استثني كما تقدّم فإنّه يجوز له الرمي ليلة العيد - بسبع حصيات عن قربة واحدة تلو الاخرى لا دفعة مع احراز وصولها إليها بالرمي.

و يعتبر ان تكون من الحرم. و اعتبر المشهور ان تكون ابكارا.

و مع الشك في الاصابة يبنى على العدم الا إذا حصل بعد الدخول في واجب آخر أو بعد الليل.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب رمي جمرة العقبة يوم العاشر

فممّا تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة على فعل ذلك بنحو الوجوب. و يمكن ان يستفاد ذلك من صحيحة أبي بصير المتقدّمة الدالّة على ترخيص الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله للنساء في الافاضة بليل و رمي الجمرة، فان المقصود من الجمرة المعرّفة بلام العهد جمرة العقبة. و الترخيص المذكور يدل على وجوب ذلك نهارا و لأجل خوف الزحام نهارا رخّص


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 6.

في ذلك ليلا.

و النصوص الاخرى التي يستفاد منها ذلك بالدلالة الالتزامية كثيرة. و لعلّه لا يوجد ما يدل على ذلك بالمطابقة الا صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «خذ حصى الجمار ثم آت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها...»(1)، بيد انه لاشتمال سياقها على المستحبّات لا ينعقد لها ظهور في الوجوب و لا يصح الاستدلال بها الا على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب.

2 - و اما انه بين طلوع الشمس و غروبها

فلصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رمي الجمار من طلوع الشمس الى غروبها»(2)و غيرها.

و الصحيحة قد رواها الكليني بسند صحيح إلى صفوان. و صفوان يرويها عن الامام عليه السّلام بطريقين أحدهما موثق بإسحاق و الآخر صحيح.

3 - و امّا انه بسبع حصيات

فمتسالم عليه بين المسلمين. و يمكن استفادته من صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «رجل أخذ إحدى و عشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر أيّهن نقص.

قال: فليرجع و ليرم كلّ‌ واحدة بحصاة...»(3)و غيرها، بتقريب انها و ان كانت واردة في رمي ما بعد اليوم العاشر الا اننا لا نحتمل الفرق بين رمي جمرة العقبة مستقلاّ يوم العاشر و بين رميها مع الجمرتين الآخريتين ما بعد العاشر.


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

2) المصدر السابق باب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 6.

3) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب العود الى منى الحديث 1.

4 - و اما اعتبار القربة

فلما تقدّم في الطواف.

5 - و اما اعتبار التوالي

فلا يمكن استفادته من النصوص بشكل صريح الا أنّه يكفي لإثباته السيرة القطعيّة المتوارثة على فعل ذلك بنحو اللزوم.

و تؤيّد ذلك الروايات الدالّة على استحباب التكبير عند رمي كل واحدة من الحصيات(1)و رميها خذفا(2).

6 - و اما اعتبار احراز الاصابة

فلان المطلوب رمي الجمرة لا مطلق الرمي، و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

7 - و اما اعتبار كون الاصابة بالرمي دون الوضع

فلان أحدهما مغاير للآخر، و بالوضع لا يصدق عنوان الرمي المطلوب.

8 - و اما اعتبار ان تكون من الحرم

فممّا لا إشكال فيه، و يدل عليه صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «حصى الجمار ان أخذته من الحرم أجزأك، و ان أخذته من غير الحرم لم يجزئك»(3)و غيره.

9 - و اما اعتبار ان تكون أبكارا

فقد ادعي عليه الاجماع. و قد دلّت عليه رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تأخذ من حصى الجمار»(4)، و مثلها رواية حريز(5).

بيد ان الاولى ضعيفة بسهل و الثانية بياسين الضرير و الارسال.


1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب رمي جمرة العقبة.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

5) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

و الاجماع على تقدير تحقّقه لا عبرة به لاحتمال مدركيته.

و معه يعود الحكم باعتبار البكارة مبنيّا على الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة الاجماع المدعى.

10 - و اما عدم الاعتداد مع الشكّ‌ في الاصابة

فللاستصحاب و قاعدة الاشتغال.

و اما عدم الاعتداد بالشكّ‌ مع الدخول في واجب آخر فلقاعدة التجاوز المستفادة من صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء»(1).

و انما لم تطبق قاعدة الفراغ المستندة الى موثقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(2)و التي ليست مشروطة بالدخول في الغير باعتبار ان صدق المضي فرع احراز تحقّق العمل و الفراغ منه و الشك في صحّته بنحو مفاد كان الناقصة، و المفروض في المقام الشكّ‌ في أصل التحقّق الذي هو مفاد كان التامّة.

و اما عدم الاعتناء بالشكّ‌ بعد خروج الوقت فلقاعدة الحيلولة المستفادة من صحيحة زرارة و فضيل عن أبي جعفر عليه السّلام: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها... صلّيتها. و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا إعادة عليك...»(3)، فان الخصوصية للصلاة غير محتملة.


1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 60 من أبواب المواقيت للصلاة الحديث 1.

الذبح أو النحر
اشارة

يجب في حج التمتع - بعد الرمي - ذبح واحد من الغنم أو البقر أو نحر واحد من الإبل في منى عن قربة.

و المشهور اعتبار ايقاعه في اليوم العاشر و نهارا الا للخائف فيجوز ليلا.

و في كيفية تقسيم الهدي بعد ذبحه خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب ما ذكر

فممّا لا خلاف فيه لقوله تعالى: فَمَنْ‌ تَمَتَّعَ‌ بِالْعُمْرَةِ‌ إِلَى الْحَجِّ‌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ‌ الْهَدْيِ‌ (1)، و صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام الوارد في المتمتع: «... و عليه الهدي. قلت: و ما الهدي‌؟ فقال:

فضله بدنة و أوسطه بقرة و آخره شاة»(2)و غيره.

نعم اختار الشيخ في المبسوط‍‌ و الخلاف عدم وجوبه على المتمتع المكي باعتبار رجوع اسم الاشارة: «ذلك لمن لم يكن...» المذكور بعد ذلك الى الهدي(3).

و هو كما ترى لان ظاهر الآية الكريمة رجوع ذلك الى التمتع دون الهدي، على ان الروايات المفسّرة لها(4)واضحة في ذلك.

2 - و اما انه بعد الرمي

فلصحيح معاوية بن عمار عن أبي


1) البقرة: 196.

2) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الذبح الحديث 5.

3) المبسوط‍‌ 207:1، و الخلاف 272:2.

4) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب أقسام الحج.

عبد اللّه عليه السّلام: «إذا رميت الجمرة فاشتر هديك...»(1)و صحيح أبي بصير المتقدّم في من يفيض من المشعر ليلا من النساء و الضعفاء، و غير ذلك من النصوص.

أجل إذا قدم على الرمي جهلا أو نسيانا اجتزأ به لصحيح جميل بن دراج: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يزور البيت قبل ان يحلق، قال: لا ينبغي الا ان يكون ناسيا. ثم قال: ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أتاه اناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه اني حلقت قبل ان أذبح، و قال بعضهم: حلقت قبل ان أرمي، فلم يتركوا شيئا كان ينبغي ان يؤخروه الا قدّموه، فقال: لا حرج»(2)و غيرها.

و الرواية صحيحة بطرقها الثلاث.

3 - و اما التخيير بين الحيوانات الثلاثة

فلصحيح زرارة المتقدّم و غيره.

4 - و اما ان محلّه منى

فلم يعرف فيه خلاف. و يمكن استفادته من قوله تعالى: وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ‌ حَتّى يَبْلُغَ‌ الْهَدْيُ‌ مَحِلَّهُ‌ (3)، حيث يدل ان للهدي محلا خاصّا معهودا، و لا محل يمكن عهده الا منى.

و يدل عليه أيضا صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«رجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره، فقال: ان كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضلّ‌ عنه، و ان كان نحره في غير منى لم


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الذبح الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الذبح الحديث 4.

3) البقرة: 196.

يجزئ عن صاحبه»(1)و غيره.

بل ان السيرة القطعيّة المتوارثة على تعين ذلك خير دليل عليه.

و هل يلزم الحاج مباشرته الذبح بنفسه‌؟ كلا، لان المستفاد من دليل وجوب الهدي و هو الآية الكريمة و صحيح زرارة المتقدّمان اعتبار تحقّق الهدي من المكلّف خارجا، و ذلك لا يتوقّف على تحقّق المباشرة، فيتمسّك بالإطلاق ان فرض، و الا بالبراءة من شرطية المباشرة.

هذا مضافا الى ان العادة قد جرت على عدم تصدي كل فرد للذبح، و هذا نفسه قرينة على إرادة الأعمّ‌.

و هل يكفي الذبح في المذابح المستحدثة فعلا التي يقال بكونها خارج منى‌؟

و الجواب: اذا فرض انها في وادي محسر - الذي هو الحدّ بين منى و المشعر - فينبغي الحكم بالجواز لاتساع منى إليه إذا ضاقت بالناس، ففي موثق سماعة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إذا كثر الناس بمنى و ضاقت عليهم كيف يصنعون‌؟ فقال: يرتفعون إلى وادي محسر...»(2).

و اذا فرض انها خارجه فمع التمكن من الذبح في أيّام التشريق أو الى نهاية ذي الحجّة يلزم تأخير الذبح إليها لعدم ثبوت تعين الذبح يوم العيد كما سيأتي بل ذلك مقتضى الاحتياط‍‌ لا أكثر، و معه فإذا أمكن الذبح فيها الى آخر ذي الحجة تعيّن لما يستفاد من صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «متمتع يجد الثمن و لا يجد الغنم، قال: يخلف الثمن عند بعض أهل مكة و يأمر من يشتري له و يذبح عنه و هو يجزئ عنه، فان4.


1) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب الذبح الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة الحديث 4.

مضى ذو الحجّة أخّر ذلك الى قابل من ذي الحجّة»(1)من امتداد وقت الذبح طيلة شهر ذي الحجة لغير المتمكّن.

و إذا لم يمكن الذبح فيها مع التأخير اكتفي بالذبح في المذابح الفعلية بعد عدم احتمال سقوط‍‌ أصل الهدي عن الوجوب.

5 - و اما اشتراط‍‌ القربة

فلما تقدّم في الطواف.

6 - و اما اعتبار ان يكون الهدي يوم العيد

فقد يستدلّ‌ له بالتأسي، و بما دلّ‌ على تأخّر الحلق عن الذبح كقوله تعالى: وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ‌ حَتّى يَبْلُغَ‌ الْهَدْيُ‌ مَحِلَّهُ‌ (2)بعد كون زمان الحلق يوم العيد.

و كلاهما قابل للتأمّل.

اما الأوّل فلما تقدّم عند البحث عن وجوب المبيت بمنى ليلة العيد.

و اما الثاني فلعدم ثبوت تعين الحلق يوم العيد كما سيأتي.

و عليه فلا دليل على تعين يوم العيد للذبح بل قد يستفاد من صحيحة كليب الأسدي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن النحر، فقال: اما بمنى فثلاثة أيّام و اما في البلدان فيوم واحد»(3)و غيرها الامتداد ثلاثة أيّام.

هذا و لكن الاحتياط‍‌ تحفّظا عن مخالفة المشهور لا ينبغي تركه.

7 - و اما اعتبار ان يكون في النهار

فهو المشهور. و قد يستدل له بالسيرة القطعية المتوارثة على الذبح نهارا، و بالتعبير عن يوم العاشر بيوم النحر، و بصحيح معاوية بن عمار السابق: «إذا رميت الجمرة فاشتر


1) وسائل الشيعة الباب 44 من أبواب الذبح الحديث 1.

2) البقرة: 196.

3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الذبح الحديث 6.

هديك»(1)بعد ضمّ‌ ما تقدّم من لزوم ايقاع الرمي في النهار، و بما دلّ‌ على ان الخائف مرخص له في الذبح ليلا، كما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في الخائف، انه لا بأس ان يضحي بالليل»(2)و غيرها، فان الترخيص لخصوص الخائف بذلك يدلّ‌ على ان غيره يلزمه الذبح نهارا.

و الكل كما ترى.

اما الأوّل فلان السيرة لم يحرز انعقادها على تعين ذلك.

و اما الثاني فلان التعبير بذلك لأجل جواز ايقاع النحر يوم العاشر و لا يلزم افتراض تعيّن ذلك فيه.

و اما الثالث فأقصى ما يستفاد من الصحيح جواز الذبح بعد الرمي في مقابل عدم جوازه قبل ذلك. و لا أقل من اجماله من هذه الناحية و احتمال كون المقصود ما ذكرناه فيسقط‍‌ عن صلاحية الاستدلال به.

و اما الرابع فلان أقصى ما يدل عليه الترخيص في الذبح للخائف ليلة العيد ان الذبح لغيره لا يجوز ايقاعه في الليل بل لا بد من ايقاعه في اليوم التالي، و لكن هل يلزم ان يكون ذلك في نهار اليوم التالي فقط؟ ان ذلك لا يستفاد منه.

أجل ما ذكر يتم بناء على كون المقصود من الليل مطلق الليل لا خصوص ليلة العاشر و لكنه كما ترى.

و عليه فلا دليل على لزوم ايقاع الذبح في نهار اليوم العاشر و ان2.


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الذبح الحديث 4.

2) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الذبح الحديث 2.

كان الاحتياط‍‌ أمرا لا ينبغي تركه.

8 - و اما مصرف الهدي

فقيل بتقسيمه أثلاثا: ثلثا لصاحبه و ثلثا للفقراء و ثلثا هدية للمؤمنين.

و قد يقرّب ذلك بقوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ‌ الْفَقِيرَ (1)بعد ضمّه الى قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ‌ وَ الْمُعْتَرَّ... (2)، فان الآيتين الكريمتين تشتركان في الدلالة على وجوب الأكل، و تدل الاولى على وجوب اطعام البائس الذي هو الفقير غير المتمكن من الخروج و الطواف بالأبواب، و الثانية على وجوب اطعام القانع - الذي يقنع بما اعطي - و المعتر، و هو المار الذي يتوقع اطعامه.

و حيث ان القانع و المعتر لم يؤخذ في مفهومهما عنوان الفقر فيكون المستفاد من مجموع الآيتين لزوم التقسيم إلى ثلاث حصص: حصة للحاج نفسه و حصة للفقراء و حصة هدية للمؤمنين.

و يمكن استفادة التقسيم الثلاثي من الروايات أيضا، كصحيحة شعيب العقرقوفي: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: بمكة. قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلثا و اهد ثلثا و تصدّق بثلث»(3)و غيرها. و هي و ان كانت واردة في سياق البدنة الذي هو مستحب في العمرة الا انه لا يحتمل الاختصاص بذلك.

هذا و قد ذهب البعض الى ان القانع و المعتر قسمان من الفقير، و بذلك يكون المستفاد من الآيتين لزوم التقسيم الى قسمين لا ثلاثة:


1) الحج: 28.

2) الحج: 36.

3) وسائل الشيعة الباب 40 من أبواب الذبح الحديث 18.

قسم للحاج و قسم للفقراء.

هذا و يمكن ان يقال: ان الأمر بالأكل لا يقصد منه وجوب ذلك بل هو عرفا في أمثال المقام يقصد منه الإباحة و رفع الحظر - نظير ما إذا دفع لشخص مبلغ من المال و قيل له خذ مقدارا منه و ادفع الباقي الى الفقراء - و معه لا تكون الآيتان دالتين على وجوب أخذ الحاج و أكله بل على وجوب الدفع الى الفقراء لا أكثر.

و الرواية ان لم تكن مختصة بموردها هي محمولة على جواز التقسيم كذلك و ليس على لزومه لان الآيتين الكريمتين دلتا على وجوب اطعام الثلاثة الذين هم مصاديق للفقير حسب الفرض و لم تشر الى الاهداء.

هذا و لكن الاحتياط‍‌ بالتقسيم اثلاثا للرواية المذكورة و غيرها و خروجا عن شبهة الخلاف أمر حسن.

الحلق أو التقصير
اشارة

يجب - بعد الرمي و الذبح - الحلق عن قربة في منى. و المشهور اعتبار ان يكون في اليوم العاشر نهارا.

و على المرأة التقصير، و الرجل بالخيار بينه و بين الحلق في غير حجّه الأوّل، و اما فيه فمورد خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الحلق أو التقصير في الجملة

فمما تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة على الاتيان بذلك بنحو الوجوب.

و الروايات الدالّة على ذلك كثيرة، كصحيحة جميل المتقدّمة عند

البحث عن لزوم تأخر الذبح عن الرمي.

و قد يستفاد ذلك أيضا من قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ‌ اللّهُ‌ رَسُولَهُ‌ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ‌ لَتَدْخُلُنَّ‌ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‌ إِنْ‌ شاءَ اللّهُ‌ آمِنِينَ‌ مُحَلِّقِينَ‌ رُؤُسَكُمْ‌ وَ مُقَصِّرِينَ‌... (1)، وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ‌ وَ الْعُمْرَةَ‌ لِلّهِ‌ فَإِنْ‌ أُحْصِرْتُمْ‌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ‌ الْهَدْيِ‌ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ‌ حَتّى يَبْلُغَ‌ الْهَدْيُ‌ مَحِلَّهُ‌... (2).

2 - و اما ان ذلك بعد الرمي و الذبح

فهو المشهور. و يمكن استفادته من صحيحة جميل المتقدّمة و غيرها، فانها تدل على ان وظيفة الحلق بعد الذبح، و حيث ان الذبح بعد الرمي على ما تقدّم فيكون الحلق متأخّرا عن كليهما.

أجل ورد في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا اشتريت أضحيتك و قمطتها في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محله، فان أحببت ان تحلق فاحلق»(3)جواز الحلق بعد شراء الهدي و ان لم يذبح.

و لا محذور في العمل بها - بعد صحّة سندها بطريق الشيخ دونه بطريق الكليني و الصدوق لورود البطائني فيه الذي وقع محلاّ للكلام - و ان كان الاحتياط‍‌ بتأخيره عن الذبح حسنا.

3 - و اما اعتبار القربة

فلما تقدّم في الطواف.

4 - و اما اعتبار ان يكون في منى

فلما ورد من ان الناسي يرجع الى منى للحلق فيها أو القاء شعره فيها، كما في صحيحة الحلبي:


1) الفتح: 27.

2) البقرة: 196.

3) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الذبح الحديث 7.

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نسي ان يقصر من شعره أو يحلقه حتى ارتحل من منى، قال: يرجع الى منى حتى يلقي شعره بها حلقا كان أو تقصيرا»(1)و غيرها، فانها تدل على المطلوب.

5 - و اما اعتباره يوم العيد نهارا

فاستدل له بالتأسي و السيرة المتوارثة.

و كلاهما قابل للتأمّل.

اما الأوّل فلما تقدّم أكثر من مرّة.

و اما الثاني فلان السيرة انعقدت على أصل لزوم الحلق و ليس على تعينه في النهار.

و عليه فلا دليل على اعتبار الايقاع في النهار من يوم العيد.

و مقتضى البراءة نفي ذلك و ان كان الاحتياط‍‌ حسنا.

6 - و اما تعين التقصير على النساء

فتقتضيه السيرة القطعية المتوارثة على ذلك و استنكار الحلق. و تدل عليه أيضا صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس على النساء حلق و عليهنّ‌ التقصير...»(2).

و اما ان الرجل بالخيار في غير حجّه الأوّل فيكفي لإثباته البراءة من الخصوصية. على ان الروايات الآتي بعضها متّفقة على ذلك.

و اما بالنسبة الى الحج الأوّل فقيل بالخيار أيضا. و استدل له بقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ‌ اللّهُ‌ رَسُولَهُ‌ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ‌ لَتَدْخُلُنَّ‌ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‌ إِنْ‌ شاءَ اللّهُ‌ آمِنِينَ‌ مُحَلِّقِينَ‌ رُؤُسَكُمْ‌ وَ مُقَصِّرِينَ‌... (3)، بتقريب


1) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب أقسام الحج الحديث 3.

3) الفتح: 27.

ان اللّه سبحانه قد وعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه بدخول المسجد الحرام بعد عام الحديبية بعضهم حالقا و بعضهم مقصّرا. و المشهور ان ذلك كان لأداء عمرة مفردة تعرف بعمرة القضاء، الا ان حمل الآية الكريمة على ذلك - و هكذا على حج الافراد أو القران أو عمرة التمتّع - غير ممكن لان المكلف لا يدخل و هو حالق أو مقصّر بل يكون كذلك بعد الدخول، و يختص ذلك بالداخل لحجّ‌ التمتع بعد فراغه من أعمال منى، و حيث ان حجّ‌ التمتّع المذكور يلزم فرضه صرورة - لان المسلمين لم يحجّوا بعد الإسلام حجّا قبل ذلك - فيثبت تخير الحاج فيه بين الحلق و التقصير.

و فيه: لعل دخول البعض مقصرين من باب وجود أذى في رأسه يمنعه من الحلق و ليس من باب تصدي بعض المسلمين له كوظيفة تخييرية.

هذا مضافا الى ان دخول البيت بعد اعمال منى في حجّ‌ التمتّع مسبوق بالدخول له في عمرة التمتّع الذي هو ليس مقرونا بالحلق أو التقصير، و غضّ‌ النظر عن ذلك الدخول بالرغم من سبقه أمر مستهجن.

على ان بالامكان ان يكون مع المسلمين الداخلين نساء، و التعبير ب‍‌ «مقصرين» بلحاظهن.

و عليه فالآية الكريمة لا دلالة لها على التخيير.

و إذا رجعنا الى الروايات وجدنا خمسا أو أكثر تدلّ‌ على التعيين، كصحيحة معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ينبغي للصرورة ان يحلق، و ان كان قد حجّ‌ فإن شاء قصر و إن شاء حلق. فاذا لبد شعره أو عقصه فان

عليه الحلق و ليس له التقصير»(1)و غيرها، فانها تدل على ان الصرورة يحلق و غيره بالخيار الا إذا كان قد لبّد شعر رأسه بالصمغ أو العسل أو نحوهما لدفع القمل أو عقصه و عقده بعد جمعه.

و إذا قيل: ان معاوية نفسه قد روى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدته فقد وجب عليك الحلق و ليس لك التقصير، و ان أنت لم تفعل فمخير لك التقصير، و الحلق في الحج أفضل...»(2). و هو دال بإطلاقه على ان غير الملبد و المعقص بالخيار و لو في الحج الأوّل.

قلنا: المقصود بقرينة روايته الاولى انه بالخيار في غير الصرورة.

و النتيجة: المناسب تعين الحلق في الحج الأوّل. و لا أقل من التنزّل الى الاحتياط‍‌.

طواف الحج و صلاته و السعي و طواف النساء
اشارة

يجب - بعد الحلق أو التقصير - العود الى مكّة المكرّمة لأداء مناسك ثلاثة:

طواف الحج و صلاته، و السعي، و طواف النساء و صلاته. و كيفية ذلك كما تقدّم في عمرة التمتع.

و المشهور عدم جواز تأخير الأعمال المذكورة عن اليوم الحادي عشر.

و طواف النساء واجب مستقل عن الحج لا يوجب تركه و لو عمدا فساده غايته تبقى النساء محرمة، و هو واجب على النساء أيضا.


1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 8.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الأعمال الثلاثة

فممّا تقتضيه السيرة القطعية المتوارثة على فعلها بنحو اللزوم، و على ذلك إجماع المسلمين، و الروايات المطبقة على ذلك فوق حدّ الاحصاء.

2 - و اما انها متأخّرة عن الحلق و التقصير

فمن المسلّمات. و تدل عليه صحيحة جميل المتقدّمة عند البحث عن تأخّر الذبح عن الرمي.

أجل مع تقديمها جهلا أو نسيانا لا تلزم الإعادة لنفس الصحيحة المتقدمة.

3 - و اما ان الكيفية واحدة

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... فإذا أتيت البيت يوم النحر... طف بالبيت سبعة أشواط‍‌ كما وصفت لك يوم قدمت مكة ثم صلّ‌ عند مقام إبراهيم ركعتين... ثم اخرج الى الصفا فاصعد عليه و اصنع كما صنعت يوم دخلت مكّة...»(1)و غيرها.

و منه يتّضح عدم جواز تأخير السعي عن طواف الحج إلى غد لان المستند المتقدّم في عمرة التمتّع مطلق فراجع.

4 - و اما انه لا يجوز تأخير الأعمال عن اليوم الحادي عشر

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن المتمتع متى يزور البيت‌؟ قال: يوم النحر أو من الغد و لا يؤخّر...»(2)و غيرها.

هذا و لكن ما ذكر يلزم حمله على الاستحباب بقرينة موثقة إسحاق بن عمّار: «سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن زيارة البيت، تؤخّر الى


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب زيارة البيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زيارة البيت الحديث 8.

يوم الثالث‌؟ قال: تعجيلها أحبّ‌ إليّ‌ و ليس به بأس ان أخّرها»(1)و غيرها.

بل ان ما ذكر محمول على الأفضلية أيضا حيث يجوز التأخير عن أيّام التشريق لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن رجل نسي ان يزور البيت حتى أصبح، قال: لا بأس، انا ربّما أخرته حتى تذهب أيّام التشريق و لكن لا تقرب النساء و الطيب»(2).

يبقى الى متى يجوز التأخير عن أيّام التشريق‌؟ ان الصحيحة ساكتة عن ذلك، و مقتضى البراءة جواز التأخير الى آخر ذي الحجّة دون ما زاد على ذلك لان الحج - الذي هو عبارة عن مجموع أفعاله التي منها طواف الحج - يلزم تحقيقه في أشهره لقوله تعالى: اَلْحَجُّ‌ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‌ (3)، و آخرها نهاية ذي الحجة.

هذا و الاحتياط‍‌ بالاسراع في الاتيان بها أمر لا ينبغي تركه.

5 - و اما ان طواف النساء ليس جزءا من الحج

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و طواف بعد الحج و هو طواف النساء...»(4)و غيرها. و هي و ان كانت واردة في حج القران الا انه لا يحتمل الفرق بينه و بين التمتّع.

6 - و اما انه لا يختص بالرجال

فلإطلاق دليل وجوبه كالصحيحة السابقة. هذا مضافا الى دلالة نصوص خاصّة على ذلك كصحيحة


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زيارة البيت الحديث 10.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب زيارة البيت الحديث 2.

3) البقرة: 197.

4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 1.

الفضلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت و سعت بين الصفا و المروة. و ان لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت و احتشت ثم سعت بين الصفا و المروة ثم خرجت الى منى فإذا قضت المناسك وزارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج. ثم خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم الا فراش زوجها، فاذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها»(1)و غيرها.

المبيت بمنى و النفر
اشارة

يجب على الحاج المبيت بمنى ليلة الحادي و الثاني عشر و النفر بعد الزوال من اليوم الثاني عشر ان أراد النفر الأوّل. و لا يجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر الا إذا لم يتق الصيد أو دخل عليه الليل في اليوم الثاني عشر و هو في منى.

و المبيت الواجب ليس بلحاظ‍‌ تمام الليلة بل في أحد نصفيها.

و يستثنى من المبيت الواجب: المعذور لمرض أو خوف، و المشتغل بالعبادة في مكة تمام ليلته أو الباقي منها إذا خرج من منى بعد دخول الليل، و من زار البيت و خرج من مكة إلى منى و تجاوز عقبة المدنيين فانه يجوز له المبيت في الطريق قبل ان يصل الى منى.

و المستند في ذلك:

1 - هناك امور تجب في الحج من دون ان تعدّ أجزاء له و لا يبطل


1) وسائل الشيعة الباب 84 من أبواب الطواف الحديث 1.

و لو مع تركها عمدا - غايته قد تجب على ذلك كفارة خاصة - و انما هي واجبات استقلالية مطلوبة بعد الفراغ منه، كما هو الحال في طواف النساء و أعمال منى بعد اليوم العاشر.

و الوجه في ذلك بالنسبة الى طواف النساء قد تقدّم.

و اما بالنسبة الى أعمال منى فلصحيحة معاوية بن عمّار المبيّنة لأعمال مكة عند العودة اليها حيث ورد فيها: «... فإذا أتيت البيت يوم النحر طف بالبيت سبعة أشواط‍‌... ثم اخرج الى الصفا... فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء أحرمت منه الا النساء. ثم ارجع الى البيت و طف به اسبوعا آخر ثم تصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السّلام، ثم قد احللت من كل شيء و فرغت من حجّك كلّه و كل شيء أحرمت منه»(1).

2 - اما ان المبيت واجب في الليلتين المذكورتين فممّا انعقدت

عليه السيرة القطعية المتوارثة.

و تدل عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تبت ليالي التشريق الا بمنى، فان بت في غيرها فعليك دم. فان خرجت أوّل الليل فلا ينتصف الليل الا و أنت في منى الا ان يكون شغلك نسكك أو قد خرجت من مكة، و ان خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك ان تصبح في غيرها»(2)و غيرها.

بل يمكن استفادة ذلك في الجملة من قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا اللّهَ‌ فِي أَيّامٍ‌، مَعْدُوداتٍ‌ فَمَنْ‌ تَعَجَّلَ‌ فِي يَوْمَيْنِ‌ فَلا إِثْمَ‌ عَلَيْهِ‌ وَ مَنْ‌ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ‌ عَلَيْهِ‌ لِمَنِ‌ اتَّقى‌ (3)، فان المقصود من الأيّام المعدودات أيّام التشريق،


1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب زيارة البيت الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العود الى منى الحديث 8.

3) البقرة: 203.

كما ورد في النصوص(1).

3 - و اما لزوم المبيت ليلة الثالث عشر على من لم يتق الصيد

فلصحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا أصاب المحرم الصيد فليس له ان ينفر في النفر الأوّل... و هو قول اللّه عزّ و جلّ‌: فَمَنْ‌ تَعَجَّلَ‌ فِي يَوْمَيْنِ‌ فَلا إِثْمَ‌ عَلَيْهِ‌ ... لِمَنِ‌ اتَّقى‌ ، فقال: اتقى الصيد»(2)و غيرها.

و الرواية صحيحة لان محمّد بن يحيى الذي يروي عن حمّاد و إن كان في هذه الطبقة مردّدا بين الخزاز و الخثعمي الثقتين و الصيرفي الذي لم يوثق الا أنّه منصرف الى الخزاز لأنه صاحب الكتاب المشهور.

ثم انه لا إشكال في اختصاص الحكم بمن اتقى غير انه وقع الخلاف في ان المقصود الاتقاء من الصيد بخصوصه أو يعمّ‌ الاتقاء من النساء أيضا بل قيل من مطلق محرمات الاحرام بل ذكر الشيخ النائيني في مناسكه: ان الأحوط‍‌ المبيت ليلة الثالث عشر لمن اقترف كبيرة من الكبائر و ان لم تكن من محرمات الاحرام(3). بل قيل بوجوب المبيت المذكور على مطلق الصرورة و ان اتقى.

و هذه الأقوال اما ذات مستند ضعيف أو لا يعرف لها مستند أصلا.

4 - و اما ان من اتقى إذا أراد النفر الأوّل يلزمه ذلك بعد زوال اليوم

الثاني عشر

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من تعجل في


1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب العود الى منى.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب العود الى منى الحديث 3.

3) دليل الناسك: 431، منشورات مدرسة دار الحكمة.

يومين فلا ينفر حتى تزول الشمس فإن أدركه المساء بات و لم ينفر»(1)و غيرها.

و هي كما تدل على المطلوب تدل على جواز النفر الثاني قبل الزوال.

و لا تعارض الصحيحة برواية زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام: «لا بأس ان ينفر الرجل في النفر الأوّل قبل الزوال»(2)لضعفها سندا بسليمان بن أبي زينبة فانه مجهول و بعدم عمل الأصحاب بها.

5 - و اما وجوب المبيت ليلة الثالث عشر لمن دخل عليه الليل في

اليوم الثاني عشر

و هو في منى فلصحيحة السابقة.

6 - و اما عدم وجوب المبيت تمام الليلة و الاكتفاء بأحد النصفين

فلم يقع فيه خلاف و انما الخلاف في ان أي واحد من النصفين يلزم اختياره. و المشهور لزوم اختيار النصف الأوّل.

و لعل ذلك باعتبار ان عنوان البيتوتة المأمور به في النصوص لا يصدق عرفا الا على من بات من بداية الليل.

و هذا جيد لو لم تدل النصوص نفسها على التخيير، و لكنها قد دلّت على ذلك، كما في صحيحة معاوية بن عمار السابقة و غيرها.

7 - و اما استثناء الأوّل

فلقاعدة: «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر»(3)التي قال عنها الامام الصادق عليه السّلام: «هذا من الأبواب التي يفتح


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب العود الى منى الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب العود الى منى الحديث 11.

3) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات الحديث 13.

كل باب منها ألف باب»(1).

هذا مضافا الى امكان تطبيق قاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى: ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ (2).

8 - و اما استثناء الثاني

فلصحيحة معاوية بن عمّار: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل زار البيت فلم يزل في طوافه و دعائه و السعي و الدعاء حتى طلع الفجر، فقال: ليس عليه شيء، كان في طاعة اللّه عزّ و جلّ‌»(3).

و هي صحيحة بكلا طريقيها. و تدلّ‌ على ان المدار على الاشتغال بمطلق الطاعة لا خصوص الطواف و السعي.

و اما استثناء الخارج من منى بعد دخول الليل إذا اشتغل بالمناسك بقيتها فلصحيحة معاوية المذكورة في الرقم 2، حيث ورد فيها: «فان خرجت أوّل الليل فلا ينتصف الليل الا و أنت في منى الا ان يكون شغلك نسكك»(4).

9 - و اما الاستثناء الثالث

فلصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم، و ان كان قد خرج منها فليس عليه شيء و ان أصبح دون منى»(5)و غيرها.

و هي تدل على جواز المبيت في الطريق بشرط‍‌ زيارة البيت أوّلا،


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات الحديث 9.

2) الحج: 78.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العود الى منى الحديث 13.

4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العود إلى منى الحديث 8.

5) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العود إلى منى الحديث 16.

و ان يكون الخروج من البيت بقصد التوجّه الى منى، و ان يكون المبيت وسط‍‌ الطريق الى منى لا في شقة السكن المتداولة يومنا هذا، فانها ليست في الطريق الى منى.

ثم ان الصحيحة قد رواها الشيخ بسند صحيح كما يلي: محمّد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

و رواها الكليني مع الإرسال كما يلي: علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن بعض أصحابنا.

و حيث لا نحتمل ان جميلا قد سمعها مرّتين: مرّة مباشرة من الامام عليه السّلام و مرّة بالواسطة بل سمعها بأحد الشكلين فتسقط‍‌ عن الحجيّة لاحتمال انه سمعها بالواسطة، و حيث نجهل الواسطة فلا تكون حجّة.

الا ان ما ذكر غير مهم بعد ورود المضمون المذكور بالألفاظ‍‌ نفسها في بعض الروايات الصحيحة الاخرى(1).

ثم انه ورد في صحيحة محمد بن إسماعيل عن أبي الحسن عليه السّلام:

«الرجل يزور فينام دون منى، فقال: إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس ان ينام»(2)اشتراط‍‌ تجاوز عقبة المدنيين. و قد يتصوّر كونه تقييدا إضافيا زائدا على المضمون المذكور في صحيحة جميل.

الا ان الأمر ليس كذلك فان عقبة المدنيين حد لمكّة القديمة، و الخروج من مكة المأخوذ في صحيحة جميل لا يتحقّق الا بتجاوزها،5.


1) و لا يبعد ان يكون التعبير الوارد في ذيل صحيحة معاوية المذكورة في الرقم 2: «أو قد خرجت من مكة» اشارة الى هذا الاستثناء أيضا.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب العود إلى منى الحديث 15.

فالمعتبر فيهما على هذا الأساس واحد.

رمي الجمار
اشارة

يجب في اليوم الحادي و الثاني عشر رمي الجمار الثلاث: الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة بالكيفية نفسها المذكورة في رمي جمرة العقبة يوم العاشر.

و قيل بلزوم الرمي يوم الثالث عشر لمن بات في منى ليلته.

و المستند في ذلك:

1 - اما وجوب الرمي في اليومين المذكورين

فقد لا نعثر على نص صحيح يدل بالمطابقة عليه الا انّه تكفينا السيرة القطعية المتوارثة على فعل ذلك بنحو الوجوب من قبل جميع المسلمين.

و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ارم في كل يوم عند زوال الشمس و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة»(1).

و يمكن التشكيك في استفادة الوجوب منها باعتبار اشتمال السياق على بعض المستحبات الا بناء على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب.

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس، قال: يرمي إذا أصبح مرّتين: مرّة لما فاته و الاخرى ليومه الذي يصبح فيه، و ليفرّق بينهما يكون أحدهما بكرة و هي للأمس


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

و الاخرى عند زوال الشمس»(1)و هي و ان دلّت على الوجوب في اليوم الحادي عشر و لكن لا يستفاد منها الوجوب لليوم الثاني عشر.

و عليه ينحصر المدرك بالسيرة المتوارثة.

2 - و اما ان الرمي في اليومين المذكورين يلزم ان يكون بالترتيب

المذكور

فلا يستفاد من الروايات السابقة بل من صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل يرمي الجمار منكوسة، قال: يعيدها على الوسطى و جمرة العقبة»(2)و غيرها.

3 - و اما ان الكيفية واحدة

فلإطلاق النصوص المتقدّمة عند البحث عن كيفية رمي جمرة العقبة.

4 - و اما وجوب الرمي في اليوم الثالث عشر لمن بات

فهو المشهور، و لكن لا دليل عليه الا رواية دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام: «يرمى في أيّام التشريق الثلاثة الجمرات، كل يوم يبتدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى»(3).

و رواية الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: «ترمي يوم الثاني و الثالث و الرابع في كلّ‌ يوم بإحدى و عشرين حصاة...»(4).

و صحيحة معاوية بن عمّار الحاكية لقصّة حجّ‌ النبيّ‌ صلّى اللّه عليه و آله و انه أقام بمنى حتى كان اليوم الثالث من آخر أيّام التشريق ثم رمى الجمار(5).


1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب العود الى منى الحديث 1.

3) مستدرك الوسائل 152:10 الحديث 11732.

4) مستدرك الوسائل 152:10 الحديث 11733.

5) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 4.

و الكل قابل للتأمّل.

اما الأوّلى فلان روايات القاضي نعمان المصري في الكتاب المذكور - الذي ألّفه للدولة الفاطمية و أمر الخليفة الوعّاظ‍‌ بالوعظ‍‌ به و جعل لمن يحفظه مالا(1)- مراسيل. على ان الرواية المذكورة تدل على وجوب الرمي في اليوم الثالث حتى في حق من لم يبت في منى، و ذلك ممّا لا قائل به.

و اما الثانية فلان نسبة الكتاب الى الامام الرضا عليه السّلام غير ثابتة و ان أصرّ على ذلك بعض أعلامنا(2). على ان الرواية تدلّ‌ على وجوب الرمي في اليوم الثالث بل الرابع بشكل مطلق، و هذا لا قائل به من جهتين.

و اما الثالثة فلان أقصى ما يدل عليه فعل المعصوم عليه السّلام الرجحان دون الالزام.

و عليه فلا دليل على الوجوب المذكور بل مقتضى أصل البراءة عدمه.

و يبقى الاحتياط‍‌ أمرا لازما تحفّظا من مخالفة رأي المشهور الذي كاد يكون مجمعا عليه.

5 - محرّمات الاحرام

اشارة

إذا انعقد الاحرام حرمت جملة من الأشياء، بعضها على مطلق المحرم، و بعضها على خصوص الرجال، و بعضها على خصوص النساء،

فالأقسام
اشارة

على هذا ثلاثة:


1) الذريعة 197:8.

2) كالشيخ يوسف البحراني في حدائقه في مواضع متعددة منها 25:1-26.

القسم الأوّل أي الأشياء التى حرمت على مطلق المحرم
صيد البر
اشارة

لا يجوز للمحرم الصيد البري اصطيادا و ذبحا و أكلا و إمساكا و اعانة و لو بالإشارة، بخلاف البحري فإنّه يجوز فيه ذلك.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الصيد البري بمختلف الأساليب المذكورة

فمتسالم عليها. و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ حُرِّمَ‌ عَلَيْكُمْ‌ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ‌ حُرُماً (1)، فإنّه بإطلاقه يشمل جميع ما ذكر. و دلّ‌ على حرمة القتل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ‌ حُرُمٌ‌ (2).

و الروايات كثيرة، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا أنت حلال في الحرم، و لا تدلنّ‌ عليه محلا و لا محرما فيصطاده، و لا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه فداء لمن تعمّده»(3)و غيرها.

و الصحيحة تدل على ان حرمة الصيد ليست من شئون الاحرام فقط‍‌ بل هي من شئون الحرم أيضا.

2 - و اما حلية صيد البحر

فيدلّ‌ عليها قوله تعالى: أُحِلَّ‌ لَكُمْ‌ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ‌ مَتاعاً لَكُمْ‌ وَ لِلسَّيّارَةِ‌ (4).


1) المائدة: 96.

2) المائدة: 95.

3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

4) المائدة: 96.

بل لا حاجة الى ذلك و يكفي تقييد الصيد في الآية الأولى - لو قصرنا النظر عليها - بالبر، فإنّه يدل بالمفهوم على حليّة غير البري اما مطلقا أو في الجملة على الخلاف في مفهوم الوصف.

بل لا حاجة الى ذلك، و يكفينا أصل البراءة - لو قصرنا النظر على الآية الاولى - بعد توجه التحريم إلى خصوص صيد البر.

الاستمتاع
اشارة

يحرم على المحرم من النساء: الجماع، و التقبيل و لو بدون شهوة، و المسّ‌ بشهوة، و النظر المؤدي الى الامناء. و لا يحرم غير ذلك.

و يحرم على المرأة مثل ذلك.

و يحرم أيضا الاستمناء و اجراء عقد الزواج و يقع باطلا.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الجماع

فلقوله تعالى: اَلْحَجُّ‌ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‌ فَمَنْ‌ فَرَضَ‌ فِيهِنَّ‌ الْحَجَّ‌ فَلا رَفَثَ‌ وَ لا فُسُوقَ‌ وَ لا جِدالَ‌ فِي الْحَجِّ‌ (1)، فان الرفث هو الجماع لصحيح علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام: «... الرفث: جماع النساء، و الفسوق: الكذب و المفاخرة. و الجدال: قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه»(2)و غيره.

بيد انّه لا يشمل احرام العمرة المفردة للتعبير ب‍‌ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‌ و ب‍‌ اَلْحَجِّ‌ .

أجل يمكن التمسك بإطلاق كلمة الاحرام الواردة في الروايات، كصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرجل إذا تهيّأ للإحرام فله ان


1) البقرة: 197.

2) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

يأتي النساء ما لم يعقد التلبية»(1)و غيرها.

2 - و اما حرمة التقبيل و لو بدون شهوة

، فلصحيحة مسمع أبي سيّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «يا أبا سيّار: ان حال المحرم ضيّقة، فمن قبّل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة. و من قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور و يستغفر ربه»(2)، فان ثبوت الكفارة يفهم منه عرفا التحريم خصوصا بعد ملاحظة قوله عليه السّلام: «حال المحرم ضيقة».

و سند الكليني الى ابن محبوب إذا كان ضعيفا بسهل فطريقه الثاني إليه صحيح فراجع.

3 - و اما حرمة المس بشهوة

فلصحيحة مسمع السابقة حيث ورد في ذيلها: «و من مسّ‌ امرأته بيده و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة.

و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور. و من مسّ‌ امرأته أو لازمها عن غير شهوة فلا شيء عليه»(3)بالتقريب السابق.

4 - و اما حرمة النظر المؤدي الى الامناء

فللصحيحة السابقة.

و اما النظر بلا شهوة فلا إشكال في عدم حرمته لان المسّ‌ من غير شهوة إذا لم يكن محرّما فبالاولى لا يكون النظر من غير شهوة محرّما.

و إذا قيل: ان الصحيحة نفت ثبوت شيء - و هو الكفارة - عند المس من غير شهوة و هذا لا ينافي ثبوت التحريم غايته من دون كفارة.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 3.

قلنا: هذا صحيح و لكنها بالتالي لا تدلّ‌ على ثبوت التحريم أيضا بل هي ساكتة من الناحية المذكورة فتجري البراءة.

5 - و اما النظر مع الشهوة من دون امناء

فلا دليل على تحريمه.

و إذا قيل: ورد ان المحرم يقول حالة الاحرام: «احرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخي و عصبي من النساء و الثياب و الطيب...»(1)، و هو يدل على حرمة مطلق الاستمتاع على المحرم لا خصوص الجماع.

قلنا: ان ذلك تعليم لأدب إسلامي و لا يمكن ان يستفاد منه حكم شرعي الزامي. كيف و لازم ما ذكر حرمة مطلق الاستمتاع كالاستمتاع بالصوت أو التحدّث، و التزام حرمة مثل ذلك بعيد جدّا.

6 - و اما عدم حرمة غير ذلك

فللبراءة بعد عدم الدليل.

و استفادة ذلك من جملة «احرم لك شعري...» قد تقدّم ما فيها.

و إذا قيل: ان المستفاد من مجموع النصوص المتقدّمة تحريم الشارع لمطلق الاستمتاع.

قلنا: نعم يستفاد ذلك إذا كان الاستمتاع على مستوى الجماع أو التقبيل أو المسّ‌ بشهوة أو النظر المؤدي الى الامناء، و اما ما كان دون هذا المستوى فلا يستفاد تحريمه.

7 - و اما حرمة مثل ذلك على المرأة أيضا

فلان المستفاد من النصوص المتقدّمة ان حرمة ما تقدّم هو من شئون الاحرام و الحج و ليست من شئون خصوص الرجل المحرم.


1) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب الاحرام الحديث 1.

8 - و اما الاستمناء

فهو محرم في نفسه لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ‌ هُمْ‌ لِفُرُوجِهِمْ‌ حافِظُونَ‌ * إِلاّ عَلى‌ أَزْواجِهِمْ‌ أَوْ ما مَلَكَتْ‌ أَيْمانُهُمْ‌ فَإِنَّهُمْ‌ غَيْرُ مَلُومِينَ‌ * فَمَنِ‌ ابْتَغى‌ وَراءَ ذلِكَ‌ فَأُولئِكَ‌ هُمُ‌ العادُونَ‌ (1)بتقريب ان الفرج كناية عن الاستمتاع الجنسي و ان المؤمن ينحصر استمتاعه الجنسي بزوجته و ملك اليمين، و إذا تجاوز ذلك كان عاديا.

و لكن إذا رفضنا التقريب المذكور و هكذا النصوص الدالة على تحريمه في نفسه(2)فبالامكان الحكم بتحريمه في خصوص المقام لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يعبث بأهله و هو محرم حتى يمني من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع»(3)فإنّه يفهم منه ان الكفارة لخصوصية الامناء دون العبث بالأهل، و اللازم العرفي للكفارة كما قلنا التحريم.

9 - و اما حرمة العقد

و بطلانه فممّا لا خلاف فيهما لصحيحة عبد اللّه بن المغيرة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ليس للمحرم ان يتزوّج و لا يزوّج. و ان تزوّج أو زوّج محلا فتزويجه باطل»(4)و غيرها.

و اما الشهادة عليه و التعرض للخطبة فقد ورد تحريمهما في رواية الشيخ الكليني عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المحرم لا ينكح


1) المؤمنون: 5-7.

2) وسائل الشيعة الباب 28 من أبواب النكاح المحرم.

3) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

و لا ينكح و لا يخطب و لا يشهد النكاح...»(1)، و لكن لأجل الإرسال لا يصلح التمسّك بها الا للحكم بحسن الاحتياط‍‌ بتركهما.

الطيب
اشارة

يحرم على المحرم استعمال الطيب شمّا أو أكلا أو مسّا. و في عموم الحكم لكل طيب أو خصوص الزعفران و العود و المسك و الورس و العنبر خلاف.

و لا يمسك المحرم أنفه عن الرائحة الكريهة و يمسك عن الرائحة الطيبة.

و يحرم شمّ‌ الرياحين التي تفوح منها رائحة طيبة الا بعض أقسامها البرية كالأذخر و الخزامى و نحوهما.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الطيب في الجملة

فممّا لا خلاف فيها، و انّما الخلاف في عمومها لمطلق الطيب أو خصوص بعض أقسامه.

و الروايات على طائفتين طائفة تعمّ‌ كل طيب و طائفة تختص ببعض أفراده.

مثال الاولى: صحيحة الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة و لا يمسك على أنفه من الريح الخبيثة»(2). و هي صحيحة بطرقها الثلاث أو الأربع.

و مثال الثانية: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا تمسّ‌ شيئا من الطيب و أنت محرم و لا من الدهن و أمسك على أنفك من الريح الطيبة و لا تمسك عليها من الريح المنتنة فإنّه لا ينبغي للمحرم ان يتلذّذ بريح طيبة و اتق الطيب في زادك... و انما يحرم عليك من الطيب


1) وسائل الشيعة الباب 14 من أبواب تروك الاحرام الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

أربعة أشياء: المسك و العنبر و الورس و الزعفران...»(1).

و في صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و العود»(2).

و الجمع العرفي يقتضي تخصيص الطائفة الاولى المطلقة بالطائفة الثانية المصرّحة بأن الطيب المحرّم يختص بالافراد المذكورة.

هكذا يمكن ان يقال بادئ الأمر.

و أوجه من ذلك ان يقال: ان تخصيص الأربعة المتقدّمة بالذكر هو لأجل كونها الافراد المتعارفة للطيب تلك الفترة و الا فهناك أنواع أحسن طيبا في زماننا، و لا نحتمل حليتها و حرمة تلك بالخصوص بعد وضوح ان حرمة الأربعة ليست الا من باب منافاة رائحتها الطيبة لروح الاحرام.

و لعلّ‌ تعبير الإمام عليه السّلام في صحيحة معاوية: «فإنّه لا ينبغي للمحرم ان يتلذّذ بريح طيبة» واضح في ذلك.

يبقى شيء، و هو ان روايات الطائفة الثانية اختلفت في الفرد الرابع و انه العود أو الورس، و قد يتخيّل - بناء على تخصيص التحريم بالمذكورات - التعارض و التساقط‍‌ من هذه الناحية.

و المناسب ان يقال: بحرمتهما معا اما ببيان ان رواية الورس صريحة في حرمته و ظاهرة بإطلاق مفهومها في نفي حرمة العود، في حين ان رواية العود بعكس ذلك، فيقيد إطلاق مفهوم كل واحدة بصراحة الأخرى طبقا لقاعدة الجمع العرفي التي تقول: إذا اجتمع5.


1) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب تروك الاحرام الحديث 8.

2) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب تروك الاحرام الحديث 15.

صريح و ظاهر متنافيان كانت صراحة الصريح قرينة على تأويل الظاهر.

أو ببيان انه بعد التعارض يحصل العلم إجمالا بحرمة أحد الفردين، و حيث لا يمكن تشخيصه فتلزم الفقيه الفتوى بوجوب الاحتياط‍‌ بتركهما.

2 - و اما حرمة جميع انحاء الاستعمال

فلإطلاق التعليل في صحيحة معاوية: «فإنّه لا ينبغي للمحرم ان يتلذّذ بريح طيبة»، بل و للتصريح بحرمة الأكل في بعض النصوص المتقدمة.

3 - و اما حرمة الإمساك عن الرائحة الكريهة و وجوبه عن الرائحة

الطيبة

فللتصريح بذلك في الروايات السابقة.

4 - و اما حرمة شمّ‌ الرياحين

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تمس ريحانا و أنت محرم، و لا شيئا فيه زعفران، و لا تطعم طعاما فيه زعفران»(1)و غيرها، فان النهي عن المس كناية عن تحريم الشم و الا فلا يحتمل ان المسّ‌ بما هو مسّ‌ محرم. كما لا بدّ ان يكون المقصود من الرياحين ما كان منها ذا رائحة طيبة و الا فما ليس كذلك لا تحتمل حرمته أيضا.

و اما استثناء الافراد البرية فلصحيح معاوية بن عمّار: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: لا بأس ان تشمّ‌ الاذخر و القيصوم و الخزامى و الشيح و أشباهه و أنت محرم»(2).

و المقصود من الاشباه كل نبات بري ذي رائحة طيبة من دون


1) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

اتخاذ مادة الطيب منه.

التزين
اشارة

يحرم على المحرم مطلق التزين، و المشهور عدم اختصاص ذلك بصورة قصد الزينة به، و يستثنى الخاتم لا بقصد التزين به، و حلي المرأة المعتادة لها قبل الاحرام بشرط‍‌ عدم إظهارها للرجال.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة مطلق التزين

فلإطلاق التعليل في صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تنظر في المرآة و أنت محرم لأنه من الزينة»(1)و غيرها و الرواية صحيحة بطريق الكليني و بكلا طريقي الصدوق.

2 - و اما اطلاق الحرمة

فلإطلاق النصّ‌ السابق و غيره. بيد ان بالإمكان دعوى الاختصاص بما إذا كان ذلك بقصد التزين لما يستفاد من بعض روايات الخاتم، ففي رواية مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«و سألته أ يلبس المحرم الخاتم‌؟ قال: لا يلبسه للزينة»(2)، فإنّ‌ قوله:

«للزينة» يفهم منه ان لبس الزينة لغرض الزينة محرم دون مطلق ما يصدق عليه ذلك.

و اختصاص المورد بالخاتم لا يؤثر على الفهم المذكور.

و احتمال ان المقصود: لا يلبسه لأنه يصدق عليه الزينة بعيد.

و إذا نوقش بضعف سند الرواية بصالح بن السندي حيث لم تثبت وثاقته الا بناء على كبرى وثاقة جميع رجال كامل الزيارات التي هي قابلة للمناقشة فبالإمكان التعويض بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي


1) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 46 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس ان يكتحل و هو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، و اما للزينة فلا»(1)و غيرها.

و منه يتضح ان الحكم بحرمة مطلق الزينة و ان لم يكن بقصدها مبني على الاحتياط‍‌ تحفّظا من مخالفة المشهور.

3 - و اما استثناء الخاتم لا بقصد الزينة

فلموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «تلبس المرأة المحرمة الخاتم من ذهب»(2). و هي بإطلاقها تشمل ما إذا كان معدودا من الزينة، كما هو الغالب.

و اما اشتراط‍‌ ان لا يكون بقصد الزينة فلرواية مسمع المتقدّمة ان تمّت سندا أو لصحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة.

4 - و اما استثناء حلي المرأة المعتادة بالشرط‍‌ المذكور

فلصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المرأة يكون عليها الحلي و الخلخال... تحرم فيه و هو عليها و قد كانت تلبسه في بيتها قبل حجّها أ تنزعه إذا أحرمت أو تتركه على حاله‌؟ قال: تحرم فيه و تلبسه من غير ان تظهره للرجال في مركبها و مسيرها»(3).

النظر الى المرآة
اشارة

لا يجوز للمحرم النظر الى المرآة للزينة. و يستحب لمن نظر فيها لزينة تجديد التلبية.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة النظر الى المرآة في الجملة

فلا ينبغي الاشكال فيها


1) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 46 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 49 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

لصحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تنظر في المرآة و أنت محرم فإنّه من الزينة»(1)و غيرها.

و هل يحرم ذلك مطلقا أو فيما إذا كان بقصد الزينة‌؟ المشهور هو الأوّل و اختاره الشيخ النائيني في مناسكه(2).

و يمكن توجيهه بأن قوله: «فإنّه من الزينة» يدل على تنزيل كل نظر الى المرآة منزلة الزينة فيكون محرما، و ليس المقصود: فيما إذا قصدت الزينة.

و فيه: ان المقصود تنزيل الافراد المتعارفة من النظر الى المرآة منزلة ذلك دون مثل النظر للتأكّد من عدم وجود حاجب على البشرة مثلا منزلة ذلك، فإنّ‌ التنزيل المذكور في مثل ذلك غير مستساغ عرفا.

و بقطع النظر عن ذلك تكفينا صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة»(3).

2 - و اما رجحان تجديد التلبية

فلصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا ينظر المحرم في المرآة لزينة فان نظر فليلب»(4).

و انما لم يحكم بوجوب ذلك مع انه ظاهرها لعدم قائل من الأصحاب بذلك. على ان المسألة ابتلائية فلو كان ذلك ثابتا لاشتهر مع انه لا يعرف قائل به.


1) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) دليل الناسك: 153.

3) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2.

4) وسائل الشيعة الباب 34 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

الاكتحال
اشارة

لا يجوز الاكتحال بالكحل الأسود للزينة، و لا يجوز بغيره أيضا بقصدها.

هذا في غير حالة الضرورة و الا جاز بلا تأمّل.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الاكتحال

فلا إشكال فيها في الجملة، و إنّما الإشكال في حدودها لأجل اختلاف النصوص، إذ بعضها دلّ‌ على الحرمة مطلقا، و بعضها دلّ‌ على الحرمة في خصوص الأسود، و بعضها دلّ‌ على الجواز إذا لم يكن للزينة، و بعضها دلّ‌ على الحرمة إذا كان بالأسود و بقصد الزينة.

مثال الأوّل: صحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عن المرأة تكتحل و هي محرمة‌؟ قال: لا تكتحل...»(1).

و مثال الثاني: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة»(2).

و مثال الثالث: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا بأس ان يكتحل و هو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فامّا للزينة فلا»(3).

و مثال الرابع: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و تكتحل المرأة المحرمة بالكحل كلّه الا كحل أسود لزينة»(4).


1) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 14.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

3) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

4) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 13.

و المناسب الأخذ بالطائفة الأخيرة لأنّها أخصّ‌ من الجميع، فيحرم الاكتحال بالأسود إذا كان يقصد الزينة و ان كان الاحتياط‍‌ يقتضي تجنّب الأسود مطلقا لعدّه في الطائفة الثانية بأنّه زينة.

2 - و اما حرمة الاكتحال بغير الأسود إذا كان بقصد الزينة

فلما تقدّم من حرمة مطلق قصد التزين.

لا يقال: ان الطائفة الأخيرة تدلّ‌ بمفهومها على انتفاء الحرمة عند انتفاء السواد أو قصد الزينة و عدم ثبوتها الا باجتماعهما.

فإنّه يقال: إنّ‌ المفهوم في المقام مفهوم الوصف - أسود - و هو إنّما يثبت بشكل مطلق أو في الجملة فيما إذا لم تكن فائدة لذكر الوصف غير افادة المفهوم، و هي في المقام موجودة لاحتمال ان يكون ذكره من باب ان قصد الزينة لا يتحقّق الا معه عادة.

3 - و اما الجواز في حالة الضرورة

فلقاعدة: «ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر»(1). مضافا الى التصريح بذلك في بعض النصوص(2). بل يكفينا أصل البراءة بعد قصور المقتضي في نفسه.

اخراج الدم
اشارة

لا يجوز للمحرم اخراج الدم الا لضرورة أو بسبب السواك.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة اخراج الدم في الجملة

فلصحيحة معاوية بن عمّار:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم كيف يحك رأسه‌؟ قال: بأظافيره ما لم


1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات الحديث 13.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب تروك الاحرام الحديث 10، 14.

يدم أو يقطع الشعر»(1)، و صحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يستاك‌؟ قال: نعم و لا يدمي»(2).

2 - و اما الجواز للضرورة

فلقاعدة العذر المتقدّمة مضافا الى بعض النصوص الخاصّة الواردة في الحجامة(3)و الدمل(4)و الجرب(5).

3 - و اما استثناء حالة السواك

فلصحيحة معاوية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت: المحرم يستاك‌؟ قال: نعم. قلت: فان أدمى يستاك‌؟ قال: نعم هو من السنّة»(6).

الفسوق
اشارة

يحرم الفسوق حالة الاحرام بشكل آكد. و هو الكذب و السب و المفاخرة.

و المراد من المفاخرة ما استلزم نفي فضيلة عن الآخرين.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الفسوق في الجملة

فممّا لا إشكال فيها لقوله تعالى:

اَلْحَجُّ‌ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‌ فَمَنْ‌ فَرَضَ‌ فِيهِنَّ‌ الْحَجَّ‌ فَلا رَفَثَ‌ وَ لا فُسُوقَ‌ وَ لا جِدالَ‌ فِي الْحَجِّ‌ (7). و قد فسّر الفسوق في صحيحة معاوية بن عمّار:

«قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا أحرمت فعليك بتقوى اللّه... فان اللّه يقول: فمن فرض فيهنّ‌ الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج، فالرفث:


1) وسائل الشيعة الباب 71 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 73 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

3) وسائل الشيعة الباب 62 من أبواب تروك الاحرام.

4) وسائل الشيعة الباب 70 من أبواب تروك الاحرام.

5) وسائل الشيعة الباب 71 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

6) وسائل الشيعة الباب 71 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

7) البقرة: 197.

الجماع، و الفسوق: الكذب و السباب، و الجدال: قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه»(1)و غيرها بالكذب و السباب، و هو بالمعنى المذكور و ان كان ثابت الحرمة بقطع النظر عن الاحرام الا ان فيه آكد.

ثم ان تخصيص الكذب المفسّر به الفسوق بخصوص الكذب على اللّه أو رسوله أو أحد الأئمّة صلوات اللّه عليهم جميعا كما هو المختار لبعض(2)لا وجه له بعد إطلاق الصحيحة.

2 - و اما تفسيره بالمفاخرة أيضا

فلصحيحة علي بن جعفر:

«سألت أخي موسى عليه السّلام عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ و ما على من فعله‌؟ فقال: الرفث: جماع النساء، و الفسوق: الكذب و المفاخرة، و الجدال: قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه»(3).

و قد يقال كما في الحدائق الناضرة: «الخبران المذكوران قد تعارضا فيما عدا الكذب و تساقطا... فيؤخذ بالمتفق عليه منهما و يطرح المختلف فيه من كل من الجانبين»(4).

و المناسب الحكم بحرمة المفاخرة و السباب أيضا للوجه الأوّل المتقدّم في مسألة تحريم الطيب عند البحث عن حرمة الورس و العود.

3 - و اما تفسير المفاخرة بما ذكر

فلان بيان الشخص فضيلة لنفسه بدون نفيها عن غيره اما ليس من المفاخرة لغة أو هي منصرفة عن ذلك عرفا.


1) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) المهذب للقاضي ابن البراج 221:1، و الغنية: 513.

3) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

4) الحدائق الناضرة 459:15.

الجدال
اشارة

يحرم الجدال على المحرم. و هو قول «لا و اللّه أو بلى و اللّه». و في اختصاص التحريم بحالة المخاصمة و بخصوص اللفظين المذكورين خلاف. أجل لا يعمّ‌ التحريم ما إذا كان الغرض التكريم أو فرض الاضطرار الى ذلك لإثبات حق أو إبطال باطل.

و المستند في ذلك:

1 - اما تحريم الجدال باللفظين المذكورين على المحرم

فللآية الكريمة السابقة بضميمة تفسير الصحيحين.

2 - و اما المخاصمة

فقد يقال بعدم اعتبارها لإطلاق التفسير في الصحيحين.

و الأرجح اعتبارها لان التفسير و ان كان مطلقا الا انّه للجدال المأخوذ في مفهومه عرفا الخصومة فيكون السكوت عن اعتبار ذلك من باب وضوح الاعتبار. مضافا الى ان التصدير بكلمة «لا» و «بلى» يساعد على الاعتبار.

3 - و اما خصوص اللفظين المذكورين

فقد يقال باعتباره لاختصاص التفسير بذلك.

و الأرجح عدم الاعتبار لموثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا حلف الرجل ثلاثة ايمان و هو صادق و هو محرم فعليه دم يهريقه. و إذا حلف يمينا واحدة كاذبا فقد جادل فعليه دم يهريقه»(1)، فان مقتضى اطلاق «ثلاثة ايمان» التعميم.


1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 7.

و احتمال ان المراد: ثلاثة ايمان بصيغة بلى و اللّه و لا و اللّه ضعيف، إذ التكرار لا حاجة له - إذا كان الحلف بالصيغة المذكورة - في ثبوت الحرمة و الكفارة.

أجل مقتضى الموثق اشتراط‍‌ الثلاث - عند الحلف بغير الصيغة المذكورة - في الحلف الصادق لثبوت التحريم و الكفارة، و كفاية المرة في الحلف الكاذب.

4 - و اما اعتبار ان لا يكون الغرض التكريم

فلصحيحة أبي بصير:

«سألته عن المحرم يريد ان يعمل العمل فيقول له صاحبه: و اللّه لا تعمله فيقول: و اللّه لأعملنه فيحالفه مرارا يلزمه ما يلزم الجدال‌؟ قال: لا، انما أراد بهذا اكرام أخيه، انما كان ذلك ما كان للّه عزّ و جلّ‌ فيه معصية»(1).

و هي إذا كانت بطريقين من طرقها الأربع قابلة للتأمّل من حيث السند فبطريقيها الآخرين تامّة.

5 - و اما الجواز عند الاضطرار

فلحديث رفع الاضطرار(2).

قتل هوام الجسد
اشارة

لا يجوز للمحرم قتل القمل - بل غيره أيضا في قول - في حالة عدم التضرّر.

و يجوز القاء القمل و غيره و نقله من مكان الى آخر من الجسد.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز قتل القمل

فلموثق زرارة: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام هل يحك المحرم رأسه و يغتسل بالماء؟ قال: يحك رأسه ما لم يتعمّد


1) وسائل الشيعة الباب 32 من أبواب تروك الاحرام الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

قتل دابة»(1)فان ما يكون في الرأس عادة هو القمل.

2 - و اما غير القمل كالبق و البرغوث

فقد يتمسّك لحرمة قتله بإطلاق الدابة في الموثق السابق.

و لكنه كما ترى، فان ما يكون في الرأس عادة هو القمل دون غيره.

و قد يتمسّك لذلك بحديث معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«اتق قتل الدواب كلّها...»(2). و لكنه ضعيف السند بإبراهيم النخعي، فإنّه مجهول الحال.

و عليه فالحكم بحرمة قتل غير القمل مبني على الاحتياط‍‌.

3 - و اما الحكم بالجواز في حالة الضرر

فلصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... كلّ‌ شيء ارادك فاقتله»(3). مضافا الى امكان التمسّك بقاعدة نفي الضرر.

4 - و اما جواز القاء القمل و غيره

فلما ورد في صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المحرم يلقي عنه الدواب كلّها الا القملة فانها من جسده، و ان أراد ان يحوّل قملة من مكان إلى مكان فلا يضرّه»(4)، فانه يدل على جواز القاء غير القمل و بالاولى جواز تحويله. على انه يكفينا أصل البراءة.

و بالنسبة الى القمل لا بدّ من رفع اليد عن ظهور الصحيح في


1) وسائل الشيعة الباب 73 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

2) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب تروك الاحرام الحديث 9.

3) وسائل الشيعة الباب 81 من أبواب تروك الاحرام الحديث 9.

4) وسائل الشيعة الباب 78 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

التحريم الى الكراهة لما ورد في صحيح مرة مولى خالد: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يلقي القملة، فقال: القوها أبعدها اللّه غير محمودة و لا مفقودة»(1).

و مرة و ان لم يوثق في كتب الرجال و لكن يمكن إثبات وثاقته باعتبار رواية صفوان عنه.

ثم انه على تقدير التعارض و عدم التسليم بعرفية الحمل على الكراهة فالأصل بعد التساقط‍‌ يقتضي البراءة، و النتيجة واحدة على كلا التقديرين.

الادّهان
اشارة

لا يجوز للمحرم الادّهان و لو بما ليس له رائحة طيبة الا عند الحاجة لعلاج.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الادهان

فهي المشهور لصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «... و ادهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل»(2)و غيرها.

و مقتضى اطلاقها الشمول لما ليس فيه رائحة طيبة.

و قد رواها جميع المشايخ الثلاثة بإسناد صحيح فراجع.

و لا يعارض ما ذكر بصحيح هشام بن سالم: «قال له ابن أبي يعفور: ما تقول في دهنة بعد الغسل للإحرام‌؟ فقال: قبل و بعد و مع ليس به بأس...»(3)لأن ذلك ناظر الى ما قبل الاحرام.


1) وسائل الشيعة الباب 78 من أبواب تروك الاحرام الحديث 6.

2) وسائل الشيعة الباب 29 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب تروك الاحرام الحديث 6.

2 - و اما الجواز مع الحاجة

فلأنّه مع وصولها الى حدّ الاضطرار أو التضرّر فواضح لقاعدة نفي الاضطرار و الضرر، و اما مع عدم وصولها الى ذلك فلصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمل فليبطه و ليداوه بسمن أو زيت»(1)و غيرها، فانها باطلاقها دالّة على المطلوب.

إزالة الشعر عن البدن
اشارة

لا يجوز للمحرم إزالة الشعر عن بدنه أو بدن غيره و لو محلا. كما لا يجوز إزالته بواسطة المحل أيضا.

و يستثنى من حرمة الإزالة حالات الضرورة أو التساقط‍‌ بسبب الوضوء.

و يجوز الحك و ان احتمل تساقط‍‌ بعض الشعر معه.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة الازالة بالحلق

فلقوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ‌ وَ الْعُمْرَةَ‌ لِلّهِ‌ فَإِنْ‌ أُحْصِرْتُمْ‌ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ‌ الْهَدْيِ‌ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ‌ حَتّى يَبْلُغَ‌ الْهَدْيُ‌ مَحِلَّهُ‌ (2)، و هو باطلاقه شامل لجميع افراد الحج و لكلا فردي العمرة.

و اما حرمتها و لو بغيره فلصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر»(3)و غيرها.

و السند بطريق الشيخ إذا لم تثبت صحّته من جهة عبد الرحمن فبطريق الصدوق صحيح.


1) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) البقرة: 196.

3) وسائل الشيعة الباب 62 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

و المفهوم من الصحيحة حرمة قطع الشعر من أي موضع من مواضع البدن اما للإطلاق أو لفهم عدم الخصوصية.

2 - و اما عدم جواز إزالته عن بدن غيره المحل أيضا

فلصحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا يأخذ المحرم من شعر الحلال»(1). و هو يدل على عدم جواز الأخذ من شعر المحرم أيضا لان الاقتصار على الأخذ من شعر الحلال هو عرفا من باب الاقتصار على بيان الفرد الخفي و ليس لخصوصيّة فيه.

و إذا كان الصحيح مرسلا بطريق الصدوق فهو مسند - و السند صحيح - في طريق الكليني و الشيخ، بل يمكن الحكم بالحجّية بطريق الصدوق أيضا بناء على حجيّة مراسيله التي هي بلسان قال دون روي.

ثم انّه بناء على هذا الحكم يتّضح ان المحرم إذا أنهى الأعمال و أراد التقصير أو الحلق فلا يجوز له تقصير اخوانه أولا بل يقصر لنفسه أولا أو يحلق ثم لغيره الا ان يدعى انصراف النص عن الحالة المذكورة.

3 - و اما عدم جواز إزالته بواسطة المحل فيمكن اثباته

بإطلاق صحيحة حريز المتقدّمة أو بأن المفهوم عرفا من حرمة قطع المحرم شعره حرمة ذلك عليه و لو تسبيبا و بواسطة غيره.

4 - و اما الجواز عند الضرورة

فلحديث نفي الاضطرار(2)أو قاعدة نفي الضرر. على ان قوله تعالى: فَمَنْ‌ كانَ‌ مِنْكُمْ‌ مَرِيضاً أَوْ بِهِ‌ أَذىً‌ مِنْ‌


1) وسائل الشيعة الباب 63 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

رَأْسِهِ‌ فَفِدْيَةٌ‌ مِنْ‌ صِيامٍ‌ أَوْ صَدَقَةٍ‌ أَوْ نُسُكٍ‌ (1)و اف باثبات المطلوب بعد ضمّ‌ عدم احتمال الخصوصية للرأس.

5 - و اما الجواز حالة الوضوء

فلصحيح الهيثم بن عروة التميمي:

«سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فتسقط‍‌ من لحيته الشعرة أو شعرتان، فقال: ليس بشيء، ما جَعَلَ‌ عَلَيْكُمْ‌ فِي الدِّينِ‌ مِنْ‌ حَرَجٍ‌ »(2).

هذا إذا كان المحرم يجزم بتحقّق التساقط‍‌ و الا فالجواز على طبق القاعدة للأصل كما سيأتي.

6 - و اما جواز الحك عند احتمال التساقط‍‌

فللاستصحاب الاستقبالي على تقدير حجّيته و الا فللبراءة في الشبهة الموضوعية.

تقليم الأظفار
اشارة

لا يجوز للمحرم قص أظفاره و لا تقليمها الا في حالة الضرر و الأذى.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة القص

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سألته عن الرجل المحرم تطول أظفاره، قال: لا يقصّ‌ شيئا منها إن استطاع. فإن كانت تؤذيه فليقصّها و ليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام»(3)و غيرها.

و موردها و ان كان هو القص الا انه يمكن ان يستفاد منها حرمة التقليم أيضا. و مع القصور يمكن التعويض بصحيحة زرارة عن أبي


1) البقرة: 196.

2) وسائل الشيعة الباب 16 من أبواب بقية كفّارات الاحرام الحديث 6.

3) وسائل الشيعة الباب 77 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

جعفر عليه السّلام: «من قلم أظافيره ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه.

و من فعله متعمّدا فعليه دم»(1).

و المراد من الأظافير ما يشمل البعض و لا تختص بتقليم المجموع.

2 - و اما استثناء حالة الأذى

فلصحيحة معاوية.

و بالاولى تدل على الجواز في حالة الضرر. مضافا الى امكان التمسّك بقاعدة نفي الضرر.

الارتماس
اشارة

لا يجوز للمحرم رمس كامل رأسه في الماء. و في جواز الرمس في غير الماء خلاف.

و المستند في ذلك:

1 - اما بالنسبة الى حرمة الرمس

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سمعته يقول: لا تمسّ‌ الريحان و أنت محرم...

و لا ترتمس في ماء تدخل فيه رأسك»(2)و غيرها.

و هل حرمة الارتماس لكونه مصداقا لتغطية الرأس كي يترتّب على ذلك اختصاصها بالرجال و عمومها لرمس بعض الرأس و بغير الماء، أو لكونه بما هو هو قد توجّهت إليه الحرمة‌؟

الصحيح الثاني، فان ذلك ظاهر الصحيحة. بل ان الارتماس ليس من مصاديق التغطية عرفا.

2 - و اما اعتبار رمس كامل الرأس

فلان ذلك ظاهر الصحيحة.


1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام الحديث 5.

2) وسائل الشيعة الباب 58 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

3 - و اما الرمس في غير الماء

فالمناسب جوازه لأصالة البراءة بعد اختصاص الصحيحة بالرمس في الماء. أجل بناء على كون حرمة الارتماس من فروع التغطية يكون المناسب التعميم للرمس في غير الماء، و لكن قد عرفت ان ذلك خلاف الظاهر.

و يبقى الاحتياط‍‌ بترك الرمس حتى في غير الماء أمرا مناسبا.

حمل السلاح
اشارة

لا يجوز للمحرم لبس السلاح و حمله. و قيل بعموم الحكم لآلات التحفّظ‍‌.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز لبس السلاح

فلصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «ان المحرم إذا خاف العدوّ يلبس السلاح فلا كفارة عليه»(1)و غيرها، فان مفهومها يدلّ‌ على عدم جواز اللبس مع عدم الخوف.

2 - و اما الحمل فيمكن الحكم بحرمته فيما إذا عدّ المحرم مسلّحا

لعدم احتمال خصوصية للّبس.

أجل لا يكفي ان يكون السلاح إلى جانب المحرم أو في متاعه بنحو لا يعدّ مسلّحا لأصالة البراءة بعد عدم شمول النصّ‌ لذلك.

3 - و اما التعميم لآلات التحفظ‍‌

فلا وجه له بعد عدم شمول عنوان السلاح لها.


1) وسائل الشيعة الباب 54 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

القسم الثاني أي الأشياء التى حرمت على الرجال خاصة
لبس المخيط‍‌
اشارة

يحرم على الرجل المحرم من الملابس المخيطة القميص(1)و الدرع(2)و القباء(3)و السروال(4)و الثوب المزرر(5). و تحرم الخمسة المذكورة حتى لو تمّ‌ صنعها عن غير طريق الخياطة كالمصنوعة عن طريق النسج.

و لا يحرم استعمال ما ذكر إذا لم يصدق عليه عنوان اللبس.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة لبس المخيط‍‌

فهي المشهور بل ربّما ادّعي عليها الاجماع الا انه لم يرد في شيء من النصوص ما يدلّ‌ على حرمة لبس مطلق المخيط‍‌ و انما الوارد حرمة لبس الخمسة السابقة.

فالقميص دلّت صحيحة عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«ان رجلا أعجميا دخل المسجد يلبّي و عليه قميصه فقال لأبي عبد اللّه عليه السّلام: اني كنت رجلا أعمل بيدي و اجتمعت لي نفقة فحيث أحج لم أسأل أحدا عن شيء و أفتوني هؤلاء ان أشقّ‌ قميصي و أنزعه من قبل رجلي و ان حجّي فاسد و ان عليّ‌ بدنة... قال: فأخرجه من رأسك فإنّه ليس عليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة


1) و هو كل ثوب يسلك في العنق.

2) و هو كل ثوب له يدان أو فتحتان يمكن ادخال اليدين فيهما.

3) و هو ثوب يلبس فوق الملابس.

4) و هو كلّ‌ لباس تستر به العورة.

5) و هو كلّ‌ ثوب له ازرار يمكن عقد بعضها ببعض.

فلا شيء عليه...»(1)و غيرها على حرمة لبسه.

و الثوب المزرر و الدرع و السراويل دلّت على حرمة لبسها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا تلبس ثوبا له ازرار و أنت محرم الا ان تنكسه، و لا ثوبا تدرعه، و لا سراويل...»(2)و غيرها.

و القباء دلّت على حرمة لبسها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا اضطر المحرم الى القباء و لم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا و لا يدخل يديه في يدي القباء»(3)و غيرها.

إذن لبس مطلق المخيط‍‌ لا دليل على تحريمه الا الاجماع المدعى أو فهم المثالية من النصوص السابقة لمطلق المخيط‍‌. و كلاهما كما ترى.

أجل لا ينبغي ترك الاحتياط‍‌ بترك لبس مطلق المخيط‍‌ لشبهة الاجماع.

2 - و اما حرمة لبس الخمسة المذكورة و لو لم تكن مخيطة

فلإطلاق النصوص المتقدّمة و عدم تقييدها بما إذا كانت مخيطة.

3 - و اما عدم حرمة الخمسة في غير حالة اللبس

فللبراءة بعد عدم شمول النصوص له.

4 - و اما اختصاص حرمة ما تقدّم بالرجال

فلصحيحة العيص بن القاسم: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب


1) وسائل الشيعة الباب 45 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

2) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

3) وسائل الشيعة الباب 44 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

غير الحرير و القفازين(1)»(2)و غيرها.

الخف و الجورب
اشارة

لا يجوز للرجل المحرم لبس الخف و الجورب. و قيل بعدم جواز لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم. و لا محذور في ستر تمام ظهر القدم بلا لبس.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز لبس الخف و الجورب

فلصحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «المحرم يلبس الجوربين‌؟ قال: نعم و الخفين إذا اضطر إليهما»(3)و غيرها.

و إذا كان طريق الكليني إلى رفاعة ضعيفا بسهل فطريق الصدوق صحيح، و يكفي صحّة أحد الطريقين.

2 - و اما القول بعدم جواز لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم

فقد يوجّه بفهم عدم الخصوصيّة للخف و الجورب و ان المدار على ستر تمام ظهر القدم، الا ان ذلك كما ترى.

3 - و اما عدم المحذور في الستر بلا لبس

فلاختصاص الصحيحة بعنوان اللبس فيتعدّى الى كل لبس يتحقّق به ستر تمام ظهر القدم و لا وجه للتعدي الى غير اللبس.

4 - و اما اختصاص الحرمة بالرجال

فللقصور في المقتضي لاختصاص مورد الروايات بالرجل. هكذا ذكر جماعة منهم


1) القفاز كرمّان: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد و يكون لهما ازرار تزر على الساعدين.

2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الاحرام الحديث 9.

3) وسائل الشيعة الباب 51 من أبواب تروك الاحرام الحديث 4.

صاحب الحدائق(1).

و عهدة الدعوى المذكورة على مدّعيها.

و الأنسب ان يقال: ان المسألة عامّة البلوى فلو كان لا يجوز ذلك للنساء لاشتهر، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار ان اظهار المرأة المؤمنة لقدميها قضية على خلاف طبعها الايماني.

بل قد يستشم الاختصاص بالرجال من صحيحة العيص المتقدّمة في لبس المخيط‍‌.

ستر الرأس
اشارة

لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه بثوب أو غيره حتى بعضه، أجل لا محذور في وضع اليد عليه.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز الستر

فلصحيحة عبد اللّه بن ميمون عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام: «المحرمة لا تتنقب لان احرام المرأة في وجهها و احرام الرجل في رأسه»(2)و غيرها.

و هي صحيحة السند بكلا طريقيها فراجع.

2 - و اما التعميم للثوب و غيره و لتمام الرأس و بعضه

فلإطلاق الصحيحة.

3 - و اما جواز وضع اليد

فاذا لم نقل بانصراف الصحيحة عنه فيمكن التمسّك بصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «لا بأس ان يضع المحرم ذراعه على وجهه من حرّ الشمس و لا بأس ان يستر


1) الحدائق الناضرة 444:15.

2) وسائل الشيعة الباب 55 من أبواب تروك الاحرام الحديث 2.

بعض جسده ببعض»(1).

4 - و اما جواز ذلك للمرأة

فللبراءة بعد القصور في المقتضي، بل ان الصحيحة واضحة في اختصاص الحكم بالرجال.

ثم انه لو قطعنا النظر عن ذلك و فرضنا ان الوارد في الصحيحة كلمة «المحرم» فمع ذلك لا بدّ من تخصيص الحكم بالرجال لعدم احتمال جواز مشي المرأة المحرمة في الشوارع مكشوفة الرأس.

التظليل
اشارة

يحرم على الرجل المحرم التظليل بما هو متحرّك، و لا يعمّ‌ التحريم ظل الخيمة و المنزل. و في التعميم للاستظلال الجانبي و في الليل خلاف. و لا إشكال في جوازه للنساء كما يجوز للرجال حالة الخوف على الصحّة و نحوها.

و المستند في ذلك:

1 - اما حرمة التظليل في الجملة

فمشهورة بين أصحابنا و لم ينسب الخلاف الا الى ابن الجنيد - و انه قال: «يستحب للمحرم ان لا يظلّل على نفسه لان السنّة بذلك جرت»(2)، و لعلّه لا يقصد المعنى المصطلح للاستحباب - و السبزواري حيث أخذ في تقريب الاستحباب(3).

و الصحيح هو الحرمة للنصوص الكثيرة، ففي موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن عليه السّلام: «سألته عن المحرم يظلل عليه و هو محرم‌؟


1) وسائل الشيعة الباب 67 من أبواب تروك الاحرام الحديث 3.

2) الحدائق الناضرة 470:15.

3) الحدائق الناضرة 476:15.

قال: لا، الا مريض أو من به علّة و الذي لا يطيق حرّ الشمس»(1).

و في صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام:

هل يستتر المحرم من الشمس‌؟ فقال: لا، الا ان يكون شيخا كبيرا»(2).

و في صحيحة عبد اللّه بن المغيرة: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الظلال للمحرم فقال: اضح لمن أحرمت له...»(3). و الاضحاء: البروز للشمس.

بل يظهر ان مسألة حرمة التظليل كانت موردا للنزاع من القديم بين مدرسة أهل البيت عليهم السّلام التي ترى الحرمة حالة السير دونه حالة النزول في الخباء و المنزل و بين المدرسة المقابلة التي ترى الحلية المطلقة، ففي صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السّلام: «قال أبو حنيفة: أيش فرق ما بين ظلال المحرم و الخباء؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ان السنّة لا تقاس»(4).

و بعد هذا يتّضح ان التعبير ب‍‌ «ما يعجبني» الوارد في صحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عن المحرم يركب القبة‌؟ فقال: ما يعجبني ذلك»(5)و الذي تمسّك به السبزواري لتقريب الاستحباب لا يعارض دلالة ما سبق على الوجوب لالتئامه معه.

2 - و اما التخصيص بالظلّ‌ المتحرّك
• كظلّ‌ المظلّة و السيارة

1) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 9.

3) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 11.

4) وسائل الشيعة الباب 66 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

5) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

و الطائرة - في مقابل الثابت - كظل السقوف و الجسور و الأشجار - فلان المفهوم من الروايات نهي المحرم عن إيجاد ظل عليه بمظلّة و نحوها دون ما لم يحدثه هو، كيف و لو كان التحريم عامّا يلزم عدم جواز الاحرام تحت القسم المسقوف في مسجد الشجرة و تحري المحرم الطرق التي ليس فيها سقوف و لا أشجار، و هذا أمر بعيد جدّا و الا لاشتهر لشدّة الابتلاء به و لا نعكس على الروايات.

بل ان الظل الكائن في المنزل و الخباء قد ثبت بالروايات جوازه و لذا أشكل على أهل البيت عليهم السّلام بوجه الفرق بينه و بين الظلّ‌ المتحرّك كما ورد في صحيحة البزنطي المتقدّمة.

3 - و اما جواز الاستظلال في الخيمة و المنزل

فواضح بناء على اختصاص التحريم بالظلّ‌ المتحرّك. و اما بناء على التعميم فلا بدّ من استثناء ما ذكر لصحيحة البزنطي المتقدّمة و غيرها.

و يظهر من الصحيحة المذكورة ان الاستثناء المذكور كان واضحا في الأوساط‍‌ الشيعية و لذا أشكل بعدم الفرق.

4 - و اما التظليل الجانبي
• كما في حالة رفع القسم الأعلى من السيّارة أو المشي في ظلّ‌ السيارة - فقيل بحرمته تمسكا بإطلاق النصوص المتقدّمة.

و المناسب: الحكم بجوازه ما دام يصدق عنوان الاضحاء معه، فان ابن المغيرة سأل الامام عليه السّلام عن التظليل للمحرم فأجاب عليه السّلام بلزوم تحقّق الاضحاء، و هذا يعني انه كلّما تحقّق عنوان الاضحاء كان ذلك كافيا.

5 - و اما التظليل ليلا

فقيل بعدم جوازه أيضا لان الاستظلال عبارة

عن التستر من شيء، و لا يلزم ان يكون ذلك الشيء شمسا بل يكفي ان يكون الريح و البرد المتحقّقين ليلا. ان التظليل بهذا المعنى ثابت ليلا أيضا فيكون محرما بمقتضى إطلاق النهي عن التظليل في موثقة إسحاق بن عمّار.

و المناسب الحكم بالجواز لانصراف التظليل المنهي عنه الى التظليل بالشمس. مضافا الى ان المستفاد من صحيحة ابن المغيرة حصر التظليل المحرم بالتستر من الشمس كما تقدّم.

6 - و اما جوازه للنساء

فمن المسلّمات. و تدل عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام: «سألته عن المحرم يركب القبة‌؟ فقال: لا.

قلت: فالمرأة المحرمة، قال: نعم»(1)و غيرها.

7 - و اما الجواز للرجال حالة الخوف و نحوها

فلحديث رفع الاضطرار(2)و قاعدة نفي الضرر و التصريح به في موثقة إسحاق السابقة و غيرها.

القسم الثالث أي الأشياء التى حرمت على النساء خاصة
ستر الوجه
اشارة

لا يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بنقاب(3)و غيره. و يستثنى من ذلك انزال ما على رأسها من خمار و نحوه تحجّبا من الأجنبي.

كما لا يجوز لها لبس القفازين و الحرير الخالص.


1) وسائل الشيعة الباب 64 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1.

3) النقاب كاللّثام للرجل يستر الفم و قسما من الأنف.

و المستند في ذلك:

1 - اما عدم جواز ستر الوجه

فلصحيحة عبد اللّه بن ميمون عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام: «المحرمة لا تتنقّب لان احرام المرأة في وجهها و احرام الرجل في رأسه»(1)و غيرها. و بالتعليل يتعدّى الى كلّ‌ ما يستر الوجه و ان لم يكن نقابا.

2 - و اما استثناء الاسدال من الستر المحرم

فلصحيحة حريز: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: المحرمة تسدل الثوب على وجهها إلى الذقن»(2)و غيرها.

3 - و اما عدم جواز لبس القفازين و الحرير

فلصحيحة العيص المتقدّمة في لبس المخيط‍‌.

و اما التقييد بالخلوص فلموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«المحرمة تلبس الحرير؟ فقال: لا يصلح ان تلبس حريرا محضا لا خلط‍‌ فيه...»(3)و غيرها.

متى الاحلال‌؟
اشارة

بالاحرام يحرم جميع ما تقدّم. و بالحلق أو التقصير يحل الجميع عدا ثلاثة:

النساء و الطيب و الصيد.

و المستند في ذلك:

1 - اما حلية ما عدا الثلاثة بما ذكر

فمن المسلّمات. و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إذا ذبح الرجل و حلق فقد أحلّ‌ من


1) وسائل الشيعة الباب 48 من أبواب تروك الاحرام الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 48 من أبواب تروك الاحرام الحديث 5.

3) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الاحرام الحديث 7.

كل شيء أحرم منه الا النساء و الطيب، فإذا زار البيت و طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحلّ‌ من كلّ‌ شيء أحرم منه الا النساء، فإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ‌ من كلّ‌ شيء أحرم منه الا الصيد»(1)و غيرها.

2 - و اما النساء فتحلّ‌ بطواف النساء.

و هو من المسلّمات - بل سمّي بذلك لذلك - و تدل عليه الصحيحة السابقة و غيرها.

3 - و اما الطيب

فقد دلّت بعض الروايات، كصحيحة يونس بن يعقوب عن أبي الحسن موسى عليه السّلام: «جعلت فداك رجل أكل فالوذج فيه زعفران بعد ما رمى الجمرة و لم يحلق، قال: لا بأس»(2)على حليته - قبل الحلق - بالرمي.

و بعضها دلّ‌ على حليّته بعد طواف الحج، كصحيحة معاوية السابقة.

و الطائفة الأولى لهجرانها بين الأصحاب و عدم العامل بها ساقطة عن الحجّيّة. على ان بالإمكان حملها على صورة الجهل.

و بقطع النظر عن ذلك تتعارض مع صحيحة معاوية، و المرجع بعد التساقط‍‌ إطلاق ما دلّ‌ على تحريم المحرّمات بالاحرام، فإنّه يلزم التمسّك به ما لم يثبت التحليل.

و مع التنزل و عدم تمامية الاطلاق المذكور يكون المرجع هو استصحاب التحريم، و النتيجة واحدة.

أجل بناء على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 1.

2) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 12.

يلزم الرجوع إلى البراءة في مورد الشكّ‌ في الجعل الزائد، و معه تختلف النتيجة.

و الطائفة الثانية معارضة بما دلّ‌ على حليّة الطيب بالحلق و ان المحرّم بعده خصوص النساء، كما في صحيحة سعيد بن يسار:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المتمتع، قلت: إذا حلق رأسه يطليه بالحناء؟ قال: نعم الحناء و الثياب و الطيب و كل شيء الا النساء، رددها عليّ‌ مرّتين أو ثلاثا»(1).

و يمكن الجمع بحمل الاولى على الكراهة. أجل لو لم يكن الجمع المذكور مقبولا عرفا في المقام يحصل التعارض و التساقط‍‌ و يلزم الرجوع الى الاطلاق السابق، و تكون النتيجة بقاء الحرمة بعد الحلق عكس نتيجة الجمع العرفي.

و لو فرض عدم تمامية الاطلاق فالمرجع هو الاستصحاب، و تبقى النتيجة كما هي.

نعم بناء على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية يلزم الرجوع الى البراءة، و تكون النتيجة متقاربة مع الجمع العرفي.

4 - و اما الصيد

فمقتضى صحيحة معاوية السابقة حليته من حيث الاحرام بعد الحلق الا أنّ‌ مقتضى روايته الاخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «من نفر في النفر الأوّل متى يحل له الصيد؟ قال: إذا زالت الشمس من اليوم الثالث»(2)بقاء الحرمة الى زوال الشمس من اليوم الثالث.


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 7.

2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب العود الى منى الحديث 4.

و لكن حيث لا يعرف عامل بهذه الرواية - بل هي ضعيفة في كلا طريقيها بالحكم بن مسكين - فالمناسب التنزل الى الاحتياط‍‌ بترك الصيد الى زوال الثالث عشر.

و لو لا ذلك لكان المناسب ان تكون الرواية المذكورة مقيّدة لإطلاق مفهوم الصحيحة الاولى لمعاوية.

هذا على تقدير عرفية التقييد المذكور و الا حصل التعارض و التساقط‍‌ و لزم الرجوع الى الاطلاق المتقدّم - ان كان - أو الاستصحاب، و النتيجة واحدة على جميع التقادير. و انما تختلف لو رجعنا الى البراءة على فرض عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

كتاب الجهاد

اشارة

1 - وجود الجهاد 2 - أحكام مرتبطة بالجهاد 3 - أحكام مرتبطة بالأراضي

1 - وجوب الجهاد

اشارة

جهاد الكفّار واجب مع وجود الإمام عليه السّلام حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب أو حتى يسلموا إن كانوا من غيرهم. و قيل بلزوم ذلك في عصر الغيبة أيضا.

و الوجوب المذكور كفائيّ‌. و شرطه التكليف و الذكورة و القدرة. هذا في الجهاد.

و أمّا الدفاع إذا دهم المسلمين عدوّ يخشى منه على بيضة الإسلام، فواجب بشرط‍‌ القدرة لا غير اتفاقا.

و هكذا إذا كان المسلم في أرض المشركين و غشاه عدوّ خاف منه على نفسه.

و إذا اقتتلت طائفتان من المسلمين وجب الإصلاح بينهما فإن لم يجد وجب قتال الباغية حتى تفيء إلى أمر اللّه سبحانه.

و يحرم الجهاد في الأشهر الحرم أو في الحرم إلاّ أن يبدأ الخصم بذلك.

و المستند في ذلك:

1 - أمّا وجوب الجهاد في الجملة

فهو من ضروريات الدين. و يدلّ‌ عليه أيضا قوله تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ‌ حَتّى لا تَكُونَ‌ فِتْنَةٌ‌ وَ يَكُونَ‌ الدِّينُ‌ كُلُّهُ‌ لِلّهِ‌ (1)، فَلْيُقاتِلْ‌ فِي سَبِيلِ‌ اللّهِ‌ الَّذِينَ‌ يَشْرُونَ‌ الْحَياةَ‌ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ‌ (2)و غيرهما من الآيات الكثيرة. و الروايات في ذلك فوق حدّ الإحصاء(3).

2 - و أمّا كون الوجوب ثابتا مع وجود الإمام عليه السّلام

فلأنّه القدر المتيقّن من أدلّة وجوب الجهاد.

3 - و أمّا التخيير بين الأمرين في أهل الكتاب

فلقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ‌ لا يُؤْمِنُونَ‌ بِاللّهِ‌ وَ لا بِالْيَوْمِ‌ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ‌ ما حَرَّمَ‌ اللّهُ‌ وَ رَسُولُهُ‌ وَ لا يَدِينُونَ‌ دِينَ‌ الْحَقِّ‌ مِنَ‌ الَّذِينَ‌ أُوتُوا الْكِتابَ‌ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ‌ عَنْ‌ يَدٍ وَ هُمْ‌ صاغِرُونَ‌ (4).

4 - و أمّا تعيّن القتال حتى يتحقق الإسلام في غير أهل الكتاب

فلان الآية الكريمة المتقدّمة الدالّة على أخذ الجزية مختصّة بأهل الكتاب و يبقى إطلاق الآيات المتقدّمة الدالة على وجوب القتال حتى تحقق الإسلام على حاله بالنسبة إلى غيرهم. هذا مضافا إلى دلالة جملة من الروايات على ذلك(5).

5 - و أمّا وجه القول بشمول الوجوب لعصر الغيبة أيضا

فيكفي فيه


1) الأنفال: 39.

2) النساء: 74.

3) وسائل الشيعة الباب 1 و ما بعده من أبواب جهاد العدوّ.

4) التوبة: 29.

5) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب جهاد العدوّ.

إطلاق الآيات الكريمة المتقدّمة. و لا دليل على التقييد سوى أحد أمور ثلاثة:

أ - صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «كلّ‌ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون اللّه عزّ و جلّ‌»(1)و غيرها ممّا دلّ‌ على حرمة الخروج بالسيف قبل قيام القائم عجل اللّه تعالى فرجه الشريف.

و الجواب عنها واضح لعدم نظرها إلى قتال الكفار للدعوة إلى الإسلام بل إمّا إلى الثورات الداخلية التي كان يقوم بها بعض العلويين ضد السلطة العباسية بدوافع خاصّة غير إسلامية، أو إلى بعض الحركات التي كانت تقوم تحت شعار المهدويّة.

و يؤيّد ذلك رواية زكريا: «و من رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت»(2).

ب - رواية أو صحيحة بشير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: ان القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير فقلت لي: نعم هو كذلك. فقال أبو عبد اللّه: هو كذلك هو كذلك»(3)و نحوها غيرها. إلاّ انها لو تمّت سندا قاصرة دلالة لكونها ناظرة إلى الخروج مع الظالم و القتال معه.

ج - التمسك بالإجماع المدّعى على الشرطيّة. و هو - لو كان ثابتا حقا - محتمل المدرك، و بالإمكان استناده إلى الروايات التي تقدّم ضعف دلالتها. و قد صرّح صاحب الجواهر بما ذكر و انه لو لا الإجماع فبالإمكان1.


1) وسائل الشيعة الباب 13 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 6.

2) الكافي 297:8 الحديث 456.

3) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

المناقشة في الشرطية لعموم أدلة الجهاد، و يظهر منه الميل إلى نفي الشرطية بل اختيار ذلك(1).

و من خلال ما ذكرناه يتّضح ان القول المذكور هو المناسب لما يقتضيه إطلاق الأدلة.

6 - و أمّا ان الوجوب كفائي

فلان الغرض ما دام يتأتّى بقيام جماعة به فلا وجه للعينية. أجل عند عدم قيام من به الكفاية يصير عينيا.

7 - و أمّا اشتراطه بالتكليف و القدرة

فلكونهما من الشرائط‍‌ العامّة على ما تقدّم.

و أمّا اشتراطه بالذكورة فلانعقاد السيرة القطعيّة زمن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله على عفو النساء عن ذلك. على ان بالإمكان استفادة ذلك من بعض الروايات الخاصّة(2).

8 - و أمّا وجوب الدفاع في الحالة المتقدّمة

فلضرورة وجوب الحفاظ‍‌ على بيضة الإسلام على الجميع مع القدرة.

9 - و أمّا لزوم ذلك على المسلم في أرض المشركين

فلوجوب الحفاظ‍‌ على النفس من الهلاك لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ‌ إِلَى التَّهْلُكَةِ‌ (3). مضافا إلى دلالة صحيحة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:

«سألته عن رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزا القوم الذين دخل عليهم قوم آخرون، قال: على المسلم أن يمنع نفسه و يقاتل عن حكم اللّه و حكم


1) جواهر الكلام 41:21.

2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

3) البقرة: 195.

رسوله، و أمّا أن يقاتل الكفار على حكم الجور و سنّتهم فلا يحلّ‌ له ذلك»(1).

و طلحة و إن لم يوثق إلاّ انه يكفي للاعتماد على رواياته تعبير الشيخ عن كتابه بكونه معتمدا(2).

10 - و أمّا حكم الطائفتين المقتتلتين من المسلمين

فيدل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ‌ طائِفَتانِ‌ مِنَ‌ الْمُؤْمِنِينَ‌ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ‌ بَغَتْ‌ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‌ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى‌ أَمْرِ اللّهِ‌ (3).

11 - و أمّا حرمة القتال في الأشهر الحرم

فلقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ‌ عَنِ‌ الشَّهْرِ الْحَرامِ‌ قِتالٍ‌ فِيهِ‌ قُلْ‌ قِتالٌ‌ فِيهِ‌ كَبِيرٌ (4)، فَإِذَا انْسَلَخَ‌ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ‌ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‌ (5).

12 - و أمّا جوازه مع بدء الخصم

فلانه آنذاك دفاع تقتضيه الضرورة و لقوله تعالى: اَلشَّهْرُ الْحَرامُ‌ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ‌ وَ الْحُرُماتُ‌ قِصاصٌ‌ فَمَنِ‌ اعْتَدى‌ عَلَيْكُمْ‌ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ‌ بِمِثْلِ‌ مَا اعْتَدى‌ عَلَيْكُمْ‌ (6).

13 - و أمّا حرمته في الحرم إلاّ مع البدأة

فلقوله تعالى:

وَ لا تُقاتِلُوهُمْ‌ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‌ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ‌ فِيهِ‌ فَإِنْ‌ قاتَلُوكُمْ‌ فَاقْتُلُوهُمْ‌ (7)بعد ضمّ‌ عدم القول بالفصل في حرمة القتال بين كونه في المكان القريب من المسجد الحرام و البعيد عنه ما دام ذلك في الحرم، هذا


1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 3.

2) فهرست الشيخ الطوسي: 86، رقم 362.

3) الحجرات: 9.

4) البقرة: 217.

5) التوبة: 5.

6) البقرة: 194.

7) البقرة: 191.

مضافا إلى نكتة الدفاع المتقدمة.

2 - أحكام الجهاد

اشارة

الجهاد كما يجب بالنفس كفاية، فكذلك بالمال فيجبان كفاية معا على القادر. و مع التمكّن من أحدهما فقط‍‌ كان هو الواجب.

و الفرار من الزّحف محرّم إلاّ لتحرّف في القتال أو تحيّز إلى فئة(1)

و التحيّز من الحيّز بمعنى المكان، و المراد: الذهاب إلى مكان آخر فيه جماعة من المسلمين تمكن الاستعانة بهم.

.

و الهجرة من بلد الكفر واجبة لمن يضعف عن اقامة واجبات الإسلام إلاّ لمن لا يتمكن من ذلك و هو المستضعف من الرّجال و النّساء و الولدان.

و تستحب المرابطة لحفظ‍‌ الثغور إلاّ إذا كانت البلاد الاسلامية في معرض الخطر فتجب.

و المستند في ذلك:

1 - أمّا وجوب الجهاد بالمال أيضا

فلقوله تعالى: اِنْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالاً وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ‌ وَ أَنْفُسِكُمْ‌ فِي سَبِيلِ‌ اللّهِ‌ ذلِكُمْ‌ خَيْرٌ لَكُمْ‌ إِنْ‌ كُنْتُمْ‌ تَعْلَمُونَ‌ (2)و غيره من الآيات الكريمة. على ان الدعوة إلى الإسلام لمّا كانت واجبة بالضرورة كان ما تتوقّف عليه واجبا بالضرورة أيضا.


1) التحرّف هو من الحرف بمعنى الطرف و الجانب، و المراد: الابتعاد عن وسط‍‌ المعركة إلى جانبها ليمكن الكرّ على العدو بشكل أقوى.

2) التوبة: 41.

و أمّا كون ذلك بنحو الكفاية أيضا فلتأتّي الغرض بذلك.

و أمّا وجوب أحدهما عند القدرة عليه دون الآخر فلكونه مقتضى استقلاليّة وجوب كل واحد منهما.

2 - و أمّا حرمة الفرار إلاّ في الحالتين

فلقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ‌ الَّذِينَ‌ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ‌ الْأَدْبارَ * وَ مَنْ‌ يُوَلِّهِمْ‌ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ‌ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ‌ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‌ فِئَةٍ‌ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ‌ مِنَ‌ اللّهِ‌ وَ مَأْواهُ‌ جَهَنَّمُ‌ وَ بِئْسَ‌ الْمَصِيرُ (1).

3 - و أمّا وجوب الهجرة من بلد الكفر في الحالة المتقدّمة

فلقوله تعالى: إِنَّ‌ الَّذِينَ‌ تَوَفّاهُمُ‌ الْمَلائِكَةُ‌ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ‌ قالُوا فِيمَ‌ كُنْتُمْ‌ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ‌ فِي الْأَرْضِ‌ قالُوا أَ لَمْ‌ تَكُنْ‌ أَرْضُ‌ اللّهِ‌ واسِعَةً‌ فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ‌ مَأْواهُمْ‌ جَهَنَّمُ‌ وَ ساءَتْ‌ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ‌ مِنَ‌ الرِّجالِ‌ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ‌... (2). و الروايات في ذلك كثيرة(3).

4 - و أمّا استحباب المرابطة

فهو من الامور المسلّمة. و يدلّ‌ عليه ما رواه محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليه السّلام: «الرباط‍‌ ثلاثة أيام، و أكثره أربعون يوما، فإذا كان ذلك فهو جهاد»(4)و غيره.

و أمّا وجوبه في حالة المعرضية للخطر فلوجوب الحفاظ‍‌ على الإسلام و أرضه.


1) الأنفال: 15-16.

2) النساء: 97-98.

3) وسائل الشيعة الباب 36 من أبواب جهاد العدوّ.

4) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

3 - أحكام مرتبطة بالأراضي

اشارة

الأرض المفتوحة عنوة إذا كانت محياة حالة الفتح فهي ملك لجميع المسلمين. و أمرها بيد وليّ‌ الأمر، فله تقبيلها مقابل الخراج بما يراه صلاحا. و لا يجوز بيع رقبتها و لا وقفها و لا هبتها.

و يصرف وليّ‌ الأمر الخراج في المصالح العامّة للمسلمين. و ذلك معنى ملكية جميع المسلمين لها.

و إذا كانت ميّتة فهي لمن أحياها، و هكذا كلّ‌ أرض ميّتة.

و المستند في ذلك:

1 - أمّا ملكية الأرض المفتوحة عنوة لجميع المسلمين

فتدلّ‌ عليها صحيحة محمد الحلبي الواردة في أرض السواد:(1)«سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن السواد ما منزلته‌؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لمن لم يخلق بعد. فقلت: الشراء من الدهاقين(2)، قال: لا يصلح إلاّ أن تشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين، فإذا شاء وليّ‌ الأمر أن يأخذها أخذها...»(3)و غيرها.

2 - و أمّا ان أمرها بيد وليّ‌ الأمر

فلان ذلك مقتضى ملكيّتها لجميع المسلمين، على ان الصحيحة السابقة واضحة في ذلك. و من ذلك يتّضح


1) و هي أرض العراق المفتوحة عنوة زمن الخليفة الثاني.

2) الدهقان - بكسر الدال و ضمّها - يطلق على رئيس القرية و التاجر، و من له مال و عقار، و هو اسم اعجمي مركب من (ده) و (قان).

3) وسائل الشيعة الباب 21 من أبواب عقد البيع الحديث 4.

الوجه في عدم جواز بيعها و ما شاكله. نعم يجوز بيع الحق لعدم المانع من ذلك.

3 - و أمّا صرف الحاصل فيما ذكر

فلان ذلك معنى ملكية جميع المسلمين لها، و لا يتصور معنى صحيح لها غير ذلك، على ان بعض الروايات قد دلت عليه كمرسلة حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابه(1).

4 - و أمّا ان الأرض الميّتة حالة الفتح ملك لمن أحياها

فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «من أحيا أرضا مواتا فهي له»(2)و غيرها، فانها باطلاقها تشمل الموات من المفتوحة عنوة.

لا يقال: ان الإطلاق المذكور معارض بإطلاق ما دلّ‌ على ان الأرض المفتوحة عنوة لجميع المسلمين بما في ذلك الموات حالة الفتح، فلما ذا الترجيح للأول‌؟

فإنه يقال: لم يثبت الإطلاق الثاني، فان صحيحة الحلبي واردة في أرض السواد و هي محياة حالة الفتح، و لا توجد رواية اخرى يمكن التمسّك بإطلاقها.


1) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.

2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب احياء الموات الحديث 6.

كتاب الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر

اشارة

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان أكيدان - بنحو الكفاية - إذا كان المعروف بالغا حدّ الوجوب. و لا يختصّ‌ ذلك بصنف.

و شرط‍‌ الوجوب معرفتهما و احتمال التأثير و الإصرار و تنجّزهما و عدم لزوم الضّرر على الآمر أو غيره.

و لهما مراتب ثلاث: الإنكار بالقلب ثم باللسان ثم باليد. و لا ينتقل إلى اللاحقة مع إجداء السابقة.

و في جواز الانتقال إلى الجرح أو القتل خلاف.

و يتأكّد الوجوب على المكلف بالنسبة إلى أهله.

و المستند في ذلك:

1 - أمّا أصل وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

فمتسالم عليه بل هو بالغ حدّ الضرورة. و يمكن استفادته من قوله تعالى: وَ لْتَكُنْ‌ مِنْكُمْ‌ أُمَّةٌ‌ يَدْعُونَ‌ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ وَ يَنْهَوْنَ‌ عَنِ‌ الْمُنْكَرِ

وَ أُولئِكَ‌ هُمُ‌ الْمُفْلِحُونَ‌ (1)، يا بُنَيَّ‌ أَقِمِ‌ الصَّلاةَ‌ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ‌ وَ انْهَ‌ عَنِ‌ الْمُنْكَرِ... (2)، خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ‌... (3)بعد ضم قاعدة الاسوة المستفادة من قوله تعالى: لَقَدْ كانَ‌ لَكُمْ‌ فِي رَسُولِ‌ اللّهِ‌ أُسْوَةٌ‌ حَسَنَةٌ‌ (4).

و في رواية محمد بن عرفة: «سمعت أبا الحسن الرضا عليه السّلام يقول:

لتأمرنّ‌ بالمعروف و لتنهنّ‌ عن المنكر أو ليستعملنّ‌ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم»(5).

و في روايته الاخرى: «إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فليأذنوا بوقاع من اللّه»(6).

بل قيل بالوجوب عقلا بقطع النظر عن ورود الشرع به و إن أمكنت المناقشة بعدم حكم العقل بالإلزام بل بالرجحان.

2 - و أمّا كون الوجوب بنحو الكفاية

فقد وقع محلا للخلاف فقيل بكونه عينيّا تمسّكا بالأصل و ظاهر الخطابات المتوجّهة إلى الجميع.

لكن ذلك مدفوع بعدم المعنى للعينية بعد إمكان تأتّي الغرض بفعل البعض، و معه لا يبقى مجال للتمسّك بالأصل.

كما ان التمسّك بظاهر الخطابات لا وجه له بعد كون الخطاب في الكفائي عاما أيضا، حيث يتوجّه التكليف في البداية إلى الجميع و لكنه يسقط‍‌ بفعل البعض.


1) آل عمران: 104.

2) لقمان: 17.

3) الأعراف: 199.

4) الأحزاب: 21.

5) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأمر و النهي الحديث 4.

6) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأمر و النهي الحديث 5.

و مما يؤكّد الكفائية الآية الاولى بناء على كون «من» للتبعيض.

ثم انه إذا حصل الجزم بأحد الاحتمالين أخذنا به و إلاّ وصلت النوبة إلى الأصل العملي و هو يقتضي الكفائيّة، للشك في توجّه التكليف بعد تصّدي البعض له.

لا يقال: ان الخطاب في البداية حيث هو متوجّه إلى الجميع، فالشك عند تصدّي البعض له شك في السقوط‍‌، و هو مجرى لقاعدة الاشتغال و الاستصحاب.

فإنّه يقال: ان الخطاب في الكفائي في البداية و إن كان موجّها إلى كل فرد لكنه مشروط‍‌ بعدم قيام الآخرين به.

و تظهر الثمرة بين الاحتمالين فيما لو تصدّى له من به الكفاية و لم يتحقق الغرض بعد، فعلى الكفائيّة يسقط‍‌ عن البقية بخلافه على العينية.

و هذه الثمرة إن تمّت فبها و إلاّ فتصوّر الثمرة بين الاحتمالين مشكل.

3 - و أمّا تقييد المعروف ببلوغه حدّ الوجوب

فلأنه بدونه يكون مستحبا و الأمر به كذلك. و أمّا عدم تقييد المنكر فلعدم تصوّر ذلك فيه.

4 - و أمّا عدم اختصاص الأمر و النهي بصنف - كالحاكم السياسي

و رجال الدين

• فلإطلاق الأدلّة و عدم المقيّد لها.

و قد يستدلّ‌ على التقييد بالآية الاولى المتقدّمة و بقوله تعالى:

اَلَّذِينَ‌ إِنْ‌ مَكَّنّاهُمْ‌ فِي الْأَرْضِ‌ أَقامُوا الصَّلاةَ‌ وَ آتَوُا الزَّكاةَ‌ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ‌ وَ نَهَوْا عَنِ‌ الْمُنْكَرِ (1).

و يرد الأول: ان الآية المتقدّمة أدلّ‌ على العكس حيث وجّهت التكليف


1) الحج: 41.

إلى الجميع بتهيئة أمّة.

و الثاني: بان وصف المتمكّنين في الأرض بذلك لا يدلّ‌ على اختصاص الوظيفة بهم.

5 - و أمّا اشتراط‍‌ الوجوب بالمعرفة

فلان القدرة على امتثال التكليف بالأمر بما هو معروف و النهي عما هو منكر فرع العلم بأنهما كذلك.

و هل هي شرط‍‌ للوجوب أو للواجب‌؟ مقتضى إطلاق الخطابات هو الثاني.

و على هذا يجب التعلم على من يعلم بان بعض الناس في مجتمعه يرتكب المعصية و يترك الطاعة من دون تمييز بينهما. أجل، مع الشك في صدور ذلك لا يجب التعلم لعدم إحراز موضوع الخطاب، و مقتضى الأصل البراءة و من ثمّ‌ لا يجب الأمر و النهي.

و لئن وجب التعلّم فذلك من باب وجوب التفقه في الدين، و هو مطلب آخر.

هذا إلاّ ان المنسوب إلى جملة من الأعلام اختيار كونه شرطا للوجوب تمسّكا برواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «سمعته يقول و سئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: أ واجب هو على الامّة جميعا؟ فقال: لا. فقيل له: و لم‌؟ قال: إنما هو على القويّ‌ المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلا إلى أيّ‌ من أيّ‌ يقول من الحق إلى الباطل(1). و الدليل على ذلك كتاب اللّه عزّ و جلّ‌ قوله:

وَ لْتَكُنْ‌ مِنْكُمْ‌ أُمَّةٌ‌ يَدْعُونَ‌ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌ وَ يَنْهَوْنَ‌ عَنِ‌


1) قال في الوافي 182:15: «يقول من الحق إلى الباطل، كأنّه من كلام الراوي؛ و معناه أنّهم يدعون الناس من الحق إلى الباطل لعدم اهتدائهم سبيلا إليهما...».

اَلْمُنْكَرِ (1)فهذا خاصّ‌ غير عام...»(2).

و فيه: ان سند الرواية ضعيف بمسعدة فانه لم يوثّق.

و قد تقرّب شرطية العلم لأصل التكليف بان الواجب النهي عن المنكر، و المنكر بمنزلة الموضوع للحكم، و المقصود متى ما تحقق المنكر خارجا وجب الردع عنه، فإذا لم يعلم بالمنكر فلا يحرز تحقّق الموضوع، و من ثمّ‌ لا تحرز فعليّة التكليف ليجب التعلم.

و فيه: ان هذا وجيه لو لم يعلم المكلف إجمالا بصدور بعض المنكرات بالفعل أو على طول خط‍‌ الزمان في مجتمعه الذي يعيش فيه، أمّا بعد العلم كذلك - كما يقتضيه الواقع في كل زمان - فلا يتمّ‌ ما ذكر.

6 - و أمّا اعتبار احتمال التأثير

فللزوم اللغوية بدون ذلك.

و هل يعتبر عدم الظن بعدم التأثير؟ كلاّ لإطلاق الخطابات و عدم لزوم محذور اللغوية.

ثم ان احتمال التأثير ليس شرطا في جميع مراتب النهي الآتية و إنّما هو شرط‍‌ في الأخيرتين دون الاولى التي هي الردع بالقلب، فان تلك من لوازم الإيمان و لا معنى لاشتراطها بذلك بل هي ليست من مصاديق الأمر و النهي.

7 - و أمّا اعتبار الإصرار

فلعدم الموضوع لهما بدون ذلك بل قد يحرمان آنذاك للعنوان الثانوي.

و هل يسقط‍‌ التكليف بالظن بعدم الإصرار؟ قد يقال: كلاّ لإطلاق الخطابات و الاقتصار على المتيقّن في تقييده.


1) آل عمران: 104.

2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الأمر و النهي الحديث 1.

و المناسب سقوطه ما دام يحتمل عدم الإصرار لان الإصرار ما دام قيدا في الموضوع فمع عدم إحرازه لا يحرز الموضوع و من ثمّ‌ يكون التمسّك بالإطلاق تمسّكا به في الشبهة المصداقية، و حيث انه لا يجوز فلا يبقى مانع من الرجوع إلى أصل البراءة.

8 - و أمّا اعتبار التنجّز

فلأنّه بدونه - كما لو كان المرتكب معذورا لاشتباهه في الموضوع أو في الحكم اجتهادا او تقليدا - لا يصدق المنكر في حقّه ليلزم ردعه، نعم اذا تكرر الاشتباه و كان المورد ممّا يهتمّ‌ به الشارع المقدس فلا بدّ من التنبيه. و هكذا لو فرض ان وقوع المشتبه سبب لتشجيع الآخرين على المعصية و صدورها فانه يجب التنبيه حذرا من صدور العصيان من الآخرين و ليس من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

9 - و أمّا اعتبار عدم الضرر

فلقاعدة نفي الضرر المنصوص عليها في صحيحة زرارة(1)و غيرها بناء على ما هو المشهور من تفسيرها بنفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر.

و يستثنى من ذلك ما إذا كان المورد مهمّا و بحاجة إلى الأمر و النهي بالرغم من لزوم الضرر، فيلزمان ما دام يعلم ببقاء ملاكهما حتى مع لزوم الضرر.

و الطريق لإحراز الضرر لا يختصّ‌ بالعلم بل يكفي الخوف لأنه طريق عقلائي في مثل ذلك و لم يرد عنه ردع شرعي فيستكشف إمضاؤه.

10 - و أمّا المراتب الثلاث

فالدال عليها من السنّة الشريفة ضعيف


1) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب احياء الموات الحديث 3.

كما لا يوجد عليها دال من الكتاب الكريم الا انا في غنى عن ذلك فان الاولى من لوازم الايمان التي لا تنفك عنه بناء على تفسيرها بالانزعاج القلبي لا باظهار الانزعاج و الإعراض و إلا كانت كالأخيرتين من مصاديق الأمر و النهي، بل لو تصوّرنا مرتبة رابعة حكمنا بوجوبها بلا حاجة إلى دليل خاصّ‌ تمسكا بإطلاق أدلة وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

11 - و أمّا الانتقال إلى اللاحقة بتعذّر السابقة

فلا دليل معتبر من الروايات عليه إلاّ ان بالإمكان إثبات ذلك بتقريبين:

احدهما: ان من يقرأ نصوص الباب يفهم ان الغرض تحقيق المعروف و الإقلاع عن المنكر فإذا فرض إمكان تحقيق ذلك بالمرتبة الأخف فليس عقلائيا الانتقال إلى الأشدّ و لا تجويز ذلك.

ثانيهما: التمسّك بقانون اُدْعُ‌ إِلى‌ سَبِيلِ‌ رَبِّكَ‌ بِالْحِكْمَةِ‌ وَ الْمَوْعِظَةِ‌ الْحَسَنَةِ‌ وَ جادِلْهُمْ‌ بِالَّتِي هِيَ‌ أَحْسَنُ‌ (1)فإنّ‌ الدعوة بالحكمة لا تتم إلاّ بالتدرّج.

و بهذا يتّضح ان إطلاق خطابات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يمكن التمسّك به بعد ما ذكر.

كما يتّضح لزوم التدرّج في كلّ‌ واحدة من المراتب إذا كانت قابلة للتفاوت.

12 - و في جواز الجرح و القتل كلام ينبغي تسرية ذلك إلى الضرب

أيضا.

و ذلك لأمرين:

أحدهما: ان الأمر و النهي لا يصدقان إلاّ على ما كان أمرا و نهيا


1) النحل: 125.

بالقول و اللسان و لا يعمّان ما كان ضربا أو جرحا أو قتلا، و معه تبقى الامور المذكورة تحت دليل الحرمة.

و فيه: ان المفهوم من النصوص مطلوبيّة تحقيق المعروف و الارتداع عن المنكر بأي وسيلة أمكنت و لا خصوصية للألفاظ‍‌.

ثانيهما: على تقدير التسليم بعمومية الأمر و النهي لما ذكر يقع ذلك طرفا للمعارضة مع أدلّة حرمة إيذاء المؤمن و ضربه و جرحه و قتله. و بعد المعارضة ينبغي الرجوع إلى استصحاب الحرمة الحاكم على أصالة البراءة.

و فيه: ان دليل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ناظر إلى العنوان الثانوي، في حين ان دليل حرمة الإيذاء و نحوه ناظر إلى العنوان الأوّلي، و عند المعارضة بين دليلين من هذا القبيل يقدّم الأول بلا خلاف.

و المناسب أن يقال: أمّا القتل فلا يجوز لان المفهوم من أدلة النهي نهي الشخص عن المنكر فلا بدّ من افتراض بقاء الشخص لينهى عن المنكر.

و أمّا بالنسبة إلى الضرب و الجرح فلا محذور في التمسّك بإطلاق الخطابات لإثبات وجوبهما.

أجل مقتضى الاحتياط‍‌ بالنسبة إلى الجرح الاستئذان من الحاكم الشرعي حفاظا على النظام من الاختلال و الهرج و المرج لو جاز ذلك لكل أحد.

13 - و أمّا التأكد بلحاظ‍‌ الأهل

فلثبوت مسئولية خاصّة على ربّ‌ الاسرة اتجاه أفراد عائلته، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ‌ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ‌

وَ أَهْلِيكُمْ‌ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ‌ وَ الْحِجارَةُ‌ (1).

ثمّ‌ انه بتأكد وجوب فعل المعروف و ترك المنكر و تتأكّد المسؤولية على المعلّم بلحاظ‍‌ التلاميذ و الملك بلحاظ‍‌ الرعيّة و رجل الدين بلحاظ‍‌ أفراد المجتمع المؤمن، فإن التزيّي بلباس المعروف و خلع رداء المنكر يحقق بنفسه أسلوبا للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

قال صاحب الجواهر: «من أعظم أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خصوصا بالنسبة إلى رجل الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه و مندوبه و ينزع رداء المنكر محرّمه و مكروهه و يستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة و ينزّهها عن الأخلاق الذميمة، فإنّ‌ ذلك منه سبب تامّ‌ لفعل الناس المعروف و نزعهم المنكر»(2).

بل يمكن أن يقال: ان سموّ المنزلة بنفسه سبب لتضاعف العقوبة و ازديادها كما يستفاد ذلك بوضوح من القاعدة القرآنية: يا نِساءَ النَّبِيِّ‌ مَنْ‌ يَأْتِ‌ مِنْكُنَّ‌ بِفاحِشَةٍ‌ مُبَيِّنَةٍ‌ يُضاعَفْ‌ لَهَا الْعَذابُ‌ ضِعْفَيْنِ‌ وَ كانَ‌ ذلِكَ‌ عَلَى اللّهِ‌ يَسِيراً * وَ مَنْ‌ يَقْنُتْ‌ مِنْكُنَّ‌ لِلّهِ‌ وَ رَسُولِهِ‌ وَ تَعْمَلْ‌ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ‌ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (3).


1) التحريم: 6.

2) جواهر الكلام 382:21.

3) الأحزاب: 30.