ghaemiyeh.com
المؤلف: عبّاس حسن
الناشر: دار المعارف
الطبعة: 0
الموضوع : اللغة والبلاغة
تاريخ النشر : 0 ه.ق
الصفحات: 739
المكتبة الإسلامية
النّحو الوافي
مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الجزء الرابع
القلم الموجز لطلبة الجامعات - والمفصل للأساتذة والمتخصّصين
تأليف: عباس حسن
دار المعارف بمصر
المحرر الرقمي: محمّد علي ملك محمّد
سرشناسه : حسن، عباس
عنوان و نام پدیدآور : النحو الوافی مع ربطه بالا سالیب الرفیعه و الحیاه اللغویه المتجدده/ تالیف عباس حسن.
مشخصات نشر : تهران : ناصرخسرو، ۱۴۲۲ق.= ۱۳۸۰.
مشخصات ظاهری : ۴ ج.
مندرجات : ج. ۱. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۲. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۳. القسم الموجز للطلبه الدداسات النحویه و الصرفیه بالجامعات و المفصل للاساتذه و المتخصصین مشتمل علی ضوابط و الاحکام التی قررتها الجامع اللغویه و موتمراتها الرسمیه .-- ج. ۴. القسم الموجز للطلبه الدراسات النحویه بالجامعات و المفصل للاسائذه و المتخصصین
موضوع : زبان عربی -- نحو
رده بندی کنگره : PJ۶۱۵۱/ح۴۵ن۳۱۳۸۰
رده بندی دیویی : ۴۹۲/۷۵
شماره کتابشناسی ملی : م۶۸-۶۸۵
توضیح : «النحو الوافی»، تألیف عباس حسن، از جمله آثار معاصر در موضوع علم نحو است که به شیوهای آموزشی، در چهار مجلد به زبان عربی تألیف شده است.کتاب، مشتمل بر یک مقدمه و چهار جزء است. ابواب کتاب، بنا بر ترتیبی که ابن مالک در «الفیه» انتخاب کرده و بسیاری از نحویون پس از او اختیار کردهاند، مرتب شده است.
نویسنده در تألیف کتاب، به شیوه آموزشی معینی ملتزم نبوده و به تناسب از شیوههای استنباطی، القائی و محاورهای استفاده کرده است.همچنین در پاورقی پس از بیان قاعده و شرح آن، ابیاتی از الفیه را که مرتبت با بحث بوده نقل کرده و بهطور خلاصه توضیح داده است.
در مواردی که بین یک مبحث از صفحات پیشین یا پسین رابطهای با مسئله مورد بحث بوده، به صفحه آن بحث اشاره شده است.
النداء (1)
هو : توجيه الدعوة إلى المخاطب ، وتنبيهه للإصغاء ، وسماع ما يريده المتكلم (2).
وأشهر حروفه ثمانية : الهمزة المفتوحة ، مقصورة أو ممدودة - يا - أيا - هيا - أى ، مفتوحة الهمزة المقصورة أو الممدودة ، مع سكون الياء فى الحالتين - وا - ... (3)
والأصل في المنادي أن يكون اسما لعاقل ، ولكن من الأسماء ما لا يكون إلا منادي ، ومنها لا يصلح منادی - كما سيجيء في ص 67.
ولكل حرف منها موضع يستعمل فيه :
(ا) فالهمزة المفتوحة المقصورة لاستدعاء المخاطب القريب (4)فى المكان الحسىّ أو المعنوى ؛ كالتى فى قول الشاعر ينصح ابنه أسيدا :
أأسيد ، إن مالا ملك *** ت فسر به سيرا جميلا
وكالتى فى قول الآخر : أربّ الكون : ما أعظم قدرتك ، وأجلّ شأنك.
(ب) ستة أخرى ؛ (هى : آ - يا - أيا - هيا - أى ، بسكون الياء مع فتح الهمزة مقصورة وممدودة -) لاستدعاء المخاطب البعيد (5)حسّا أو معنى ، والذى فى حكم البعيد : كالنائم ، والغافل ... فمثال «يا» قول الشاعر فى مدح الرسول عليه السّلام :
1) فى هذه الكلمة لغات ؛ أشهرها : المدّ مع كسر النون. وهى مصدر قياسى للفعل : «نادى» ويجوز فيها القصر أيضا. وقد ورد السماع بضم النون مع المد أو القصر. والهمزة التى فى آخر كلمة : «نداء» أصلها الواو ؛ فهى منقلبة عن أصل.
2) ويقولون فى تعريفه أيضا : «طلب الإقبال بالحرف : «يا» أو أحد إخوته». والإقبال قد يكون حقيقيا ، وقد يكون مجازيا يراد به الاستجابة ، كما فى نحو : يا ألله. وقد يكون الغرض من النداء تقوية المعنى وتوكيده ، كقولك لمن هو مصغ إليك ، مقبل على حديثك : إن الأمر هو ما فصلته لك يا على - مثلا - (كما سيجىء فى ص 118)
3) فالهمزة مقصورة وممدودة ؛ وكذا «أى» مقصورة الهمزة وممدودتها. وبقية الأحرف ممدودة ، لأنها مختومة بالألف. والبعيد يحتاج إلى مد الصوت ليسمع، ولهذا يرى بعض النحاة أن «أى» المقصورة هى النداء القريب.
4) انظر «ب» من ص 5.
5) انظر «ب» من ص 5.
كيف ترقى رقيّك الأنبياء! *** يا سماء ما طاولتها سماء
ومثال «أيا» قول بعضهم : أيا متوانيا وأنت سليل العرب الأبطال ، لا تنس مجدهم على الأيام. ومن الممكن وضع حرف آخر من الأحرف الباقية موضع «أيا» فى هذا المثال.
أما تحديد القرب والبعد فمتروك للعرف الشائع ؛ سواء أكانا حسّيين أم معنويين ...
(ج) «وا» وتستعمل لنداء المندوب (1)
(حقيقة أو حكما) والثانى : هو بلاء أو داء يكون سببا فى تألم المتكلم وتوجعه.
وا محسنا ملك النفوس ببرّه *** وجرى إلى الخيرات سبّاق الخطا
وقول الآخر : وا حرّ قلباه ممّن قلبه شبم (2)...
(د) وقد تستعمل : «يا» للندبة (3)بشرط وضوح هذا المعنى فى السياق ، وعدم وقوع لبس فيه ؛ كالآية الكريمة التى تحكى قول العاصى يوم القيامة : (يا حسرتا على ما فرّطت فى جنب اللّه).
وقول الشاعر فى رثاء الخليفة عمر بن عبد العزيز :
حمّلت أمرا عظيما ، فاصطبرت له *** وقمت فيه بأمر اللّه يا عمرا
فإنشاء الشعر بعد موت «عمر» العادل دليل على أن «يا» للندبة.
فإن التبس الأمر بين أن تكون «يا» للندبة أو لا تكون ، وجب ترك «يا» ، والاقتصار على : «وا» ؛ كأن تقول : فى ندبة «عمر» : وا عمر ، ولا يصح مجئ «يا» إذا كان أحد الحاضرين يسمى : عمر (4)
وللمنادى النّاء ، أو كالنّاء : «يا» *** و : أى - و : آ - كذا : أيا - ثمّ : هيا
والهمز للدّانى ، و : «وا» لمن ندب *** أو : «يا» وغير «وا» لدى اللّبس اجتنب
(الناء - النائى ، أى : البعيد. الدانى - القريب) سرد أحرف النداء ، وبين أن «يا» والأربعة التى بعدها تستعمل للبعيد وما يشبهه ، وأن الهمزة لنداء القريب. وأن «وا» للمندوب ، وكذا : «يا» بشرط أمن اللبس. أما عند اللبس فيجتنب استعمال «يا» فى الندبة. وهذا هو المراد من قوله : و (غير «وا» لدى اللبس اجتنب). أى : اجتنب عند اللبس استعمال حرف فى الندبة غير «وا».
... ».حذف حرف النداء :
(ا) يصح حذف حرف النداء «يا» - دون غيره - حذفا لفظيّا فقط. مع ملاحظة تقديره ، كقول الشاعر فى رثاء زعيم وطنىّ شابّ (1):
زين الشباب وزين طلّاب العلا *** هل أنت بالمهج الحزينة دارى؟
وقول الآخر :
إنما الأرض والسماء كتاب *** فاقرءوه ، معاشر الأذكياء
التّقدير : يا زين الشباب - يا معاشر الأذكياء.
(ب) وهناك مواضع لا يصح فيها حذف الحرف «يا» ، أشهرها :
1 - المنادى المندوب (2)؛ كالأمثلة السالفة.
2 - نداء لفظ الجلالة غير المختوم بالميم المشددة ، نحو : يا ألله.
3 - المنادى البعيد ؛ كقول الشاعر :
يا صادحا يشدو على فنن *** رحماك ؛ قد هيجت لى شجنى
4 - المنادى النكرة غير المقصودة (3)، نحو : يا محسنا لا تكدر إحسانك بالمنّ.
5 - المنادى المستغاث (4)، كقول الشاعر :
يا لقومى لعزة وفخار *** وسباق إلى المعالى وسبق
6 - المنادى المتعجّب منه ؛ نحو : يا لفضل الوالدين ؛ للتّعجب من كثرة فضلهما.
7 - المنادى ضمير المخاطب ، عند من يجيز نداءه ؛ كقول الشاعر :
يا أنت يا خير الدعاة للهدى *** لبّيك داعيا لنا ، وهاديا
أمّا ضمير غير المخاطب فلا ينادى مطلقا (5)...
(ح) ويقلّ الحذف - مع جوازه - إن كان المنادى اسم إشارة غير متصل
1) البيت من قصيدة لحافظ إبراهيم فى رثاء مصطفى كامل.
2) كما سيجىء فى ص 89
3) سيجىء شرحها فى ص 30 ومنه يعلم أن المنادى بها لا بد أن يكون غير معين ولا مقصود.
4) من ينادى ليخلص من شدة ، أو يساعد فى دفعها (سيجىء للاستغاثة باب خاص فى ص 76)
5) من الأسماء ما لا يكون منادى ، ومنها لا يكون إلا منادى. والبيان فى ص 67
بكاف الخطاب (1)، أو كان اسم جنس لمعين (2)، فمثال الأول قول أعرابى لابنه : «هذا ، استمع لقول الناصح ولو أغضبك قوله ؛ فمن أحبك نهاك ، ومن أبغضك أغواك». وقول آخر لأولاده : «هؤلاء ، اعلموا أن أقوى الناس من قاوم هواه ، وأشجعهم من حارب الباطل ...». أى : يا هذا - يا هؤلاء ...
ومثال الثانى قول بعض الأدباء وقد برّح به السّهر : «ليل ، أمالك آخر يدنو؟ وهل للحزن آخر؟ صبح ، أما لك مقدم يرجى؟ وهل فى الفجر مطمع؟». أى : يا ليل ، يا صبح ، لليل وصبح معينين ...
ومن هذا قول العرب : أطرق كرا ؛ إن النعام فى القرى. أى : يا كروان (3)
وفى حذف حرف النداء لفظا لا تقديرا - ومواضع الحذف ، يقول ابن مالك : - مع اقتصاره على بعض مواضع الحذف - :
وغير مندوب ، ومضمر ، وما *** جا مستغاثا - قد يعرّى. فاعلما
(جا - جاء. يعرى - يجرد من حرف النداء ، فاعلما - فاعلم. والألف إما زائدة للشعر ، وإما أصلها نون التوكيد الخفيفة قلبت ألفا عند الوقف)
يقول : قد يتجرد المنادى من حرف النداء إذا كان المنادى غير مندوب ، وغير مضمر ، وغير مستغاث وهذا التجرد ، أى : الحذف اللفظى ، ليس قليلا فى الكلام الفصيح. ثم بين أن هناك مواضع غيرها يكون الحذف فيها قليلا ، وهو مع قلته جائز ، ولا داعى لمنعه ، وطالب بتأييد مجوز يه ، ونصر من يلومهم على المنع ، وعلى عدم إباحة القياس عليه. قال :
وذاك فى اسم الجنس والمشار له *** قلّ. ومن يمنعه فانصر عاذله
(المشار له : أى : اسم الإشارة ، وكان الأولى أن يقول : المشار به. عاذله - لائمه) يريد : أن حذف حرف النداء قليل فى اسم الجنس ، واسم الإشارة - وقد ترك شرط خلوه من ضمير المخاطب - لضيق الشعر - طالب بتأييد من يلوم المانع ؛ إذ لا حجة له فى المنع ؛ لورود أمثلة تكفى لإباحة القياس عليه.
. .1) يصح نداء اسم الإشارة ، بشرط ألا يتصل بآخره كاف الخطاب (طبقا لما نقله الصبان فى هذا الموضع عن الشاطبى.) إلا فى الندبة فيصح. (على حسب البيان الآتى فى رقم 2 من هامش ص 89) وهذا الشرط لازم أيضا عند حذف : «يا». لأن مدلول كاف الخطاب يخالف مدلول المنادى اسم الإشارة إذ المنادى اسم الإشارة هو المقصود بتوجيه النداء ؛ لما هو مقرر أن المخاطب بالكاف غير المشار إليه فى الرأى الراجح - راجع الصبان ، جزء 3 آخر باب النداء -. وخير من هذا أن يقال فى التعليل : هو استعمال العرب ، فحسب.
2) المراد باسم الجنس المعين النكرة المقصودة المبنية على الضم عند ندائها ؛ فيخرج اسم الجنس غير المعين ، والمراد منه هنا : النكرة غير المقصودة. وسيجىء تفصيل الكلام على هاتين النكرتين ، وحكمهما فى ص 24 وص 30.
3) هذا مثل يضرب للمتكبر ، وقد تواضع من هو خير منه. وقد حذفت النون والألف من كلمة : «كروان» لترخيم النداء ، كما سيجىء ييانه فى باب الترخيم - ص 102
(ا) يمتاز الحرف : «يا» بأنه أكثر أحرف النداء استعمالا ، وأعمّها ؛ لدخوله على أقسام المنادى الخمسة (1)؛ ولهذا يتعين تقديره - دون غيره - عند الحذف. كما يتعين فى نداء لفظ الجلالة (اللّه) (2)وفى المستغاث ، وفى نداء «أيّها ، وأيتها» ؛ إذ لم يشتهر عن العرب أنهم استعملوا فى نداء هذه الأشياء حرفا آخر.
(ب) يجوز مناداة القريب بما للبعيد ، والعكس ، وذلك لعلة بلاغية ، كتنزيل أحدهما منزلة الآخر ، وكالتأكيد (3)...
(ح) الأصل فى النداء أن يكون حقيقيّا ، أى : يكون فيه المنادى اسما لعاقل ؛ كى يكون فى استدعائه وإسماعه فائدة.
وقد ينادى اسم غير عاقل ، لداع بلاغىّ ؛ فيكون النداء مجازيّا ؛ كقوله تعالى (4): ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) (5)) ...
وقول الشاعر :
يا ليل طل ، يا نوم زل *** يا صبح قف. لا تطلع
وقد يقتضى السبب البلاغى دخول حرف النداء على غير الاسم ، كأن يدخل على حرف ، أو جملة فعلية ، أو اسمية. فمثال الأول قوله تعالى : ( يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ... ) وقول الشاعر :
فيا ربّما بات الفتى وهو آمن *** وأصبح قد سدّت عليه المطالع
ومثال الثانى قول الشاعر :
قل لمن حصّل مالا واقتنى *** أقرض اللّه ، فيا نعم المدين
وقول الآخر يخاطب ليلى :
فيا حبّذا الأحياء ما دمت حيّة *** ويا حبّذا الأموات ما ضمّك القبر
وفى هذه الحالات يكون حرف النداء إما داخلا على منادى محذوف ، مناسب للمعنى ؛ فيقال فى الآية : يا رب ، أو يا أصحاب ... أو نحوهما ، وهذا عند من يجيز حذف المنادى - وإما اعتباره حرف تنبيه عند من لا يجيز حذف المنادى. والرأيان مقبولان ؛ ولكن الثانى أولى ؛ لصلاحه لكل الحالات ، ولو لم تستوف الشرط الآتى الذى يتمسك به كثير من النحاة ، وهو : عدم حذف المنادى قبل الفعل الذى دخل عليه حرف النداء إلا إذا كان الفعل للأمر ، أو للدعاء ، أو صيغة «حبذا». فمثاله قبل الأمر قراءة من قرأ قوله تعالى : ( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... ) ، وقبل الدّعاء قول الشاعر :
ألا يا اسلمى يا هند ، هند بنى بدر *** إذا كان حىّ قاعدا آخر الدهر
وقبل «حبذا» - غير مثالها السابق - قول الشاعر :
يا حبذا النيل على ضوء القمر *** وحبذا المساء فيه والسّحر
فإن لم يتحقق الشرط عند المتمسكين به فلا منادى محذوف ، ولا نداء ، ويكون الحرف المذكور هو للتنبيه.
(د) يعتبر النحاة حرف النداء مع المنادى جملة فعلية إنشائية للطلب ؛ برغم أنها قبل النداء خبرية ، فهى تتحول معه إلى إنشاء طلبى جملته فعلية. فالأصل فى مثل : يا صالح ، هو : أنادى أو أدعو صالحا ... حذف الفعل مع فاعله الضمير المستتر ، وناب عنهما حرف النداء (1)
ثم انظر رقم 4 من هامش ص 8 وقد سبق إيضاح لحروف المعانى. في صدر الجزء الأول (م 5) وفى بابى : «الظرف وحروف الجر» من الجزء الثاني.
هذا ، يولا يصح في الجملة الندائية أن تقع خبرا ، فقد قال السيوطى فى الهمع (ج 1 ص 96) ما نصه : «لا يسوع الإخبار بجملة ندائية ، نحو : زيد يا أخاه ، ولا مصدرة بلكن ، أو : بل ، أو : حتى. بالإجماع في كل ذلك) اه.
، وبقى المفعول به ، وصار منادى واجب الذكر - غالبا - وقيل : إن المحذوف هو الفعل وحده ، وناب عنه حرف النداء ، واستتر الفاعل فى حرف النداء. وقيل غير هذا ...ولا قيمة للخلاف فى أصل الجملة الندائية ؛ فالذى يعنينا هو أنها صارت فعلية تفيد
1) ولهذا يعتبر حرف النداء من حروف المعانى التى ينوب كل منها عن جملة محذوفة ، يذكر بدلا منها ... فحرف النداء ينوب عن جملة : (أنادىء أو : أدعو) وحرف الاستفهام ينوب عن جملة (أستفهم*) وحرف العطف ينوب عن جملة (أعطف* ...) وهكذا.
الإنشاء الطلبى ، وأنها تركت حالتها الأولى الخبرية (1).
(ه) ولما كان حرف النداء نائبا عن العامل الأصلى المحذوف صح أن يكون لهذا الحرف بعض المعمولات الخاصة التى يؤثر فيها ؛ نيابة عن ذلك العامل المحذوف. وأشهرها شبه الجملة (2)، كقول الشاعر :
يا دار بين النّقا والحزن ، ما صنعت *** يد النوى بالألى كانوا أهاليك؟
وقول الآخر :
يا للرّجال لقوم عزّ جانبهم *** واستلهموا المجد من أصل وأعراق
فليس فى المثالين - وأشباههما - ما يصلح لتعلق شبه الجملة إلا : «يا».
وجعلوا من المعمولات المصدر (3)فى مثل قول القائل :
«يا هند ، دعوة صبّ دائم دنف» (4)
منّي بوصل ، وإلا مات أو كربا
فالمصدر «دعوة» متعلق بالحرف : «يا» ، النائب : عن «أدعو». والتقدير : أدعو هندا دعوة صب.
1) ولهذا قيل إن السبب فى حذف الفعل مع فاعله على الوجه السالف هو قصد الإنشاء ؛ إذ ظهور الفعل يوهم الإخبار ، وأيضا كثرة الاستعمال ، والتعويض عن الفعل بحرف النداء ، وظهور المعنى المراد بعد حذفهما - راجع الهمع ج 1 ص 171 -
2) لهذا إشارة فى باب : الظرف ، ج 2 م 78.
3) سبقت الإشارة لهذا فى ج 2 باب المفعول المطلق م 74.
4) تكملة البيت : *
القسم الأول : المفرد العلم ، ويراد بالمفرد هنا : ما ليس مضافا ، ولا شبيها بالمضاف ؛ فيشمل المفرد الحقيقى (1)؛ بنوعيه المذكر والمؤنث ، ويشمل مثناه ، وجمعه ، (نحو : فضل ، علم رجل - الفضلان - الفضلون - الفضول - عائدة. علم امرأة - العائدتان - العائدات - العوائد ...) ، ويشمل كذلك الأعلام المركبة قبل النداء ؛ سواء أكان تركيبها مزجيّا ؛ كسيبويه (علم إمام النحاة المشهور) - أم إسناديّا ، كنصر اللّه ، أو : شاء اللّه ، علمين ، أم عدديّا كخمسة عشر (2)...
فكل هذه الأعلام - وأشباهها - تسمّى مفردة فى هذا الباب ، وتعريفها بالعلمية قبل النداء يلازمها بعده - على الأصح - فلا يزيله النداء ليفيدها تعريفا جديدا أو تعيينا. وإنما يقوّى التعريف السابق ، ويزيد العلمية وضوحا وبيانا. ويلاحظ حذف «أل» وجوبا من صدر المنادى ؛ - علما وغيره - إن لم يكن المنادى من المواضع المستثناه التى يصح تصديرها «بأل» (3).
حكمه :
(ا) الأكثر بناؤه على الضمة - بغير تنوين - أو على ما ينوب عنها. ويكون فى محل نصب دائما ، لأن المنادى فى أصله مفعول به (4)نحو : يا فضل ، كلّ شىء يحتاج إلى العقل ، والعقل يحتاج إلى التّجربة - يا فضلان (5)... يا فضلون ... (6)
1) وهو الذى يدل على واحد. ويلحق به فى حكمه هنا مثناه وجمعه. لكن أيعتبر هذان بعد النداء أعلاما أم نكرات مقصودة؟ الجواب فى رقم 3 من ص 15.
2) عند غير الكوفيين الذين يجعلون صدر المركب العددى بمنزلة المضاف ، منصوبا ، كما سيجىء فى رقم 4 من ص 15 وفى هامشى ص 16 و 31.) ورأيهم ضعيف. وأثر الخلاف يظهر فى توابع المنادى.
3) ستجىء فى ص 35.
4) المنادى بمنزلة المفعول به لفعل محذوف مع فاعله - فى أحد الآراء - نابت عنهما «يا» أو إحدى أخواتها. يقول النحاة فى مثل : يا على ... إن أصله - كما تقدم ، فى «د» من ص4. : أدعو ، أو : أنادى عليا ... حذف الفعل ، مع فاعله ونابت عنهما «يا» وصار المفعول به منادى ، مبنيا على الضم فى محل نصب ويستدلون على أنه فى محل نصب بورود كعبر من توابعه منصوبا فى الكلام الصحيح المأنور. وليس فى الجملة ما يصلح سببا لنصبه إلا مراعاة المحل.
5) راجع - رقم 3 ص 15 فى الزيادة والتفصيل - ما يختص بنداء العلم المثنى والجمع ؛ لأهميته.
6) راجع - رقم 3 ص 15 فى الزيادة والتفصيل - ما يختص بنداء العلم المثنى والجمع ؛ لأهميته.
يا فضول - يا أفاضل (1)... - يا عائدة ... - يا عائدتان ... - يا عائدات ... - - يا عوائد ... -
فالمفرد العلم فى هذه الأمثلة - وما شابهها - مبنى على الضمة فى المفرد الحقيقى ، وفى جمع التكسير ، وجمع المؤنث السالم ، ومبنى على الألف فى المثنى ، وعلى الواو فى جمع المذكر السالم. وهو فى أكثر أحواله مبنى (2)لفظا على الضمة وفروعها ، منصوب محلّا (3).
ولا فرق بين أن تكون الضمة ظاهرة ؛ كالتى فى بعض الأعلام السّالفة ، أو مقدرة كالتى فى آخر الأعلام المختومة بحرف علة ؛ كموسى فى قوله تعالى : ( يا مُوسى لا تَخَفْ. إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ... ) وكالتى فى آخر الأعلام المركبة التى ذكرناها ، ومنها : سيبويه ... ، وكالتى فى آخر الأعلام المنقولة ، المبنية أصالة قبل علميتها وندائها ؛ مثل الكلمات : منذ (4)-. كيف - قطام ... وغيرها من كل لفظ سمّى به ، وصار علما ، وكان مبنيّا أصالة قبل أن يصير علما منادى. فتبقى علامة البناء الأصلى السابق على حالها ، وتقدّر على الآخر علامة البناء الجديدة التى جلبها النداء ، ويكون المنادى فى كل ذلك ، فى محلّ نصب (5)
الضمة. وهذه تختلف عن ضمة البناء التي يجلبها النداء. (ثم انظر «ج» ص 22 - وص 11)
...ويلحق بالمفرد العلم المبنى أصالة قبل النداء - فى حكم البناء على الضمّة المقدرة ، كلّ ما ينادى من المعارف الأخرى المبنية أصالة قبل النداء ؛ وليست أعلاما ؛ كأسماء الإشارة (نحو : هذا - هؤلاء ...) وأسماء الموصولات غير المبدوءة بأل (6)(نحو : من - ما ...) وضمير المخاطب (نحو : أنت - إيّاك ...) أما غير المخاطب فلا ينادى ، كما عرفنا (7)
الأولى : أن العلم المفرد إذا نودى ، وجب بناؤه على الضمة ؛ وأنه - بعد النداء - معرفة لا شك في تعرفه ، علم لا خلاف في علميته. ولا يعنينا بعد هذا أن يكون تعرفه وعلميته هما السابقان على النداء ، أو مجلوبان بعد النداء ، مجددان بسببه ؛ لأفه فى الحالتين علم ، بالرغم من وجود أعلام لا يفارقها التعريف مطلقا ؛ كلفظ الجلالة «اللّه».
وما سبق خاص بالعلم المفرد الذى ليس مثنى ولا مجموعا. فان كان مثنى أو مجموعا فله حكم آخر يجيء - في رقم 3 من ص 15 .
الثانية : أن المعارف الأخرى التي ليست أعلاما ، والتى يغلب أن تكون قبل النداء مبنية أصالة (كالضمير ، والإشارة ...) لا شك فى تعرفها ولا يعنينا أيضا أن يكون هذا التعريف هو السابق على النداء ، وأنه استمر بعده ؛ (إذ لا يمكن تنكيرها . على الأصح) . أو هو تعريف جديد حل محل الأول الذى زال بالنداء ، وصارت المعرفة نكرة بعد زواله ، ثم زال تنكيرها بتعريف القصد رالخطاب مع النداء ... لا يعنينا ذلك ؛ لأن هذه المعارف التي ليست أعلاما والتي هي مبنية أصالة قبل النداء . ستبنى بعده على الضمة المقدرة أو فروعها. وتعتبر ملحقة تقسم المفرد العلم السالف ؛ ولا تلحق بقسم النكرة المقصودة . كما يرى بعض النحاة . لأنها معارف قبل النداء ، وليست نكرة تامة التنكير بصير بالنداء والخطاب نكرة مقصودة. ولو فرضنا أن تعريفها السابق يزول بالنداء ، ويحل محله تعريف جديد . وهذا رأى ضعیف مردود . لوجب أن يكون التعريف المتجدد مماثلا لتعريفها السابق نوعا ودرجة ، كما عاد للعلم نوع تعريفه السانق ودرجته وهو العلمية ، (على رأى من يقول : إنه يفقد علميته بالنداء ، ثم تعود له بعده) فليس بمقبول أن يقال إنها معارف في أصلها ، زال تعريفها السابق ، فصارت نكرة ، ثم نوديت فاكتسبت التعريف الجديد المخالف للسابق ،
وصارت به نكرة مقصودة ، (مع أن أكثر تلك المعارف لا يفقد تعريفه مطلقا في الرأى الأقوى - كما سبق) وإنما ألحقت بالعلم لقرب درجة تعريفها منه ، ولم تدخل فى عداده لأنها ليست علما ... وهذا الخلاف شكلى ؛ بالرغم مما يرتبون عليه من وضع المعارف فى درجات متفاوتة القوة فى التعريف تفاوتا يؤدى إلى تقديم بعضها فى ترتيب الكلام على بعض ، لكن لا أثر له فى ضبط الكلمة ، ولا معناها ، ولا إعرابها ؛ فهى على الرأيين معرفة بعد النداء ، ومبنية على الضمة. سواء أكانت من قسم المفرد العلم أم من قسم النكرة المقصودة ... (وقد سبق نفصيل الكلام على العلم فى ج 1 ص ص 200 م 22)
.1) جمع : أفضل.
2) إلا صورة يجوز فى بنائها أمران ، تجىء فى ص 17 وإلا ثلاث صور معربة (فى ص 12 و 19 و 33)
3) راجع «د» من ص 6 ، ورقم 4 من هامش الصفحة السابقة. ولا فرق فى هذا الحكم بين العلم الموصوف وغير الموصوف - انظر ص 21 -
4) ويقال فى كلمة مثل : «منذ» - علما - عند ندائها ، إنها منادى ، مبنى على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره علامة البناء الأصلى ، فى محل نصب. وعلامة البناء الأصلى فى هذه الكلمة هى : الضمة. وهذه تختلف عن ضمة البناء التى يجلبها النداء. (ثم انظر «ج» ص 22 - وص 11)
5) ويقال فى كلمة مثل : «منذ» - علما - عند ندائها ، إنها منادى ، مبنى على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره علامة البناء الأصلى ، فى محل نصب. وعلامة البناء الأصلى فى هذه الكلمة هى : الضمة. وهذه تختلف عن ضمة البناء التى يجلبها النداء. (ثم انظر «ج» ص 22 - وص 11)
6) أما المبدوء «بأل» فله حكم خاص يجىء فى «الحالة الرابعة» من ص 37.
7) فى ص 3 - هذا ، وإلحاق الأشياء المذكورة بالمفرد العلم ، هو رأى كثير من النحاة شاع اتباعه والاقتصار عليه ؛ ويعارضه رأى آخر أنسب. (كما سيذكر فى «الملاحظة التالية» ص 11) وقد يكون من السائغ أن نذكر - بإيجاز - للمتخصصين ما فى المطولات النحوية من خلاف جدلى شكلى حول حكم المعارف المبنية قبل النداء وليست أعلاما. يدور الخلاف حول نوع تعريفها بعد النداء ؛ أهو الذى كان لها قبله ، أم هو تعريف جديد بدل السابق ، حل محله؟ فشارح المفصّل (ج 1 ص 129) يعرض الرأيين ، ويرجح - فى وضوح وصراحة - الرأى القائل إن المعارف كلها - أعلاما وغير أعلام - ثفقد تعريفها السابق ، وتصير نكرات ، ويجلب لها النداء بما فيه من القصد والإقبال على المخاطب تعريفا جديدا ثزيل تنكيرها الجديد. ويؤبد هذا بكلام طويل. أما غيره - كأبى بكر بن السراج ، ومن معه من القدامى ، وكالصبان من المتأخرين - فيؤيد الرأى الآخر ؛ بحجة أن أكثر المعارف لا يمكن أن يزول عنه تعريفه القديم مطلقا ، ولا يمكن أن يتجرد منه ، ويصير نكرة تقبل التعريف المجلوب بالقصد والمخاطبة مع النداء ، (كلفظ الجلالة «اللّه» وكأسماء الإشارة ...) وقد وردت إشارة موجزة لهذه المسألة على هامش كتاب سيبويه (ج 1 ص 303) اكتفى فيها المقرّر بأن أحال إيضاحها وتفصيلها وتفريعها إلى ما جاء فى شرح السيرافى لها. كذلك أشار صاحب شرح التصريح (فى أول الفصل الثانى من أقسام المنادى) إلى المنادى المعرف ؛ ما كان منه مذكرا أو مؤنثا ، علما وغير علم ، معرفا قبل النداء أو بعده. ألى غير هذا مما اشتملت عليه المطولات من تفريعات وتشعيبات لا خير فى سردها الآن. ومن الممكن أن نستخلص منها نتيجتين.
ما تقدم من حكم الضمة المقدرة فى آخر الأعلام المبنية أصالة قبل النداء ، وفى آخر ما ألحق بها ... ، هو الرأى الشائع عند أكثر النحاة - كما أشرنا (1)- وفيه مع صحته وشيوعه - نوع من التضييق والتعقيد ؛ لأن بعض المحققين يتوسع فيقول : (إذا نقلت الكلمة المبنية وجعلتها علما لغير ذلك اللفظ ، فالواجب الإعراب) (2). يريد : فالواجب اعتبارها معربة بعد النقل ، وقبل مناداتها ، وتناسى البناء السابق ، ويراعى عند ندائها هذا الاعتبار الجديد ، الذى يجعلها فى حكم الأسماء المعربة ، الأصيلة الإعراب قبل مجئ النداء -. وبناء على هذا الرأى - الشامل للضمير والإشارة ، وغيرهما صرح بعض النحاة بأنّك (تقول فى : كيف ، وهؤلاء ، وكم ، ومنذ ... أعلاما) - (يا كيف يا هؤلاء - يا كم - يا منذ ... بضمة ظاهرة ؛ فهى متجددة للنداء). اه. وفى هذا الرأى توسعة ، وتيسير محمودان ؛ لأنه يجعل حكم المنادى (3)
راجع التصريح أول الفصل الثاني في «أقسام المنادي ، ج 2 ص 166 - وحاشيته آخر باب «الممنوع من الصرف» ص 226) وسبق لهذا الحكم بيان مفيد في ج 1 ، بابى المعرب والمبنى - والعلم ، م 6 و 23 ص 74 و 278.
«المفرد العلم» مطرّدا ؛ يعم ويشمل صورا كثيرة بغير تفرقة ولا تشتيت. ومن ثم كان الأخذ1) فى رقم 6 من هامش ص 9.
2) هذا كلام «الرضى» فى باب : «العلم» نقله «خالد» وعلق عليه فى شرحه : على «التصريح» (ج 2 - أول الفصل الثانى ، فى أقسام ألمنادى).
3) وهو البناء على الضمة أو ما ينوب عنها ، من غير تفرقة بين ما أصله علم قبل النداء أو غير علم ، مبنى أو غير مبنى. لأن إدراك هذه التفرقة ، والوصول إلى معرفتها اليوم عسير كل العسر على جمهرة الناس، ففى الاستغناء عنها راحة بغير ضرر. وهناك نص آخر يؤيد ما سبق ؛ ملخصه : وجوب الإعراب والتنوين معا قبل النداء فى كل لفظ أصله مفرد حقيقى (أى : ليس مثنى ولا جمعا ، ولا من أنواع المركبات الثلاثة التى منها المركب الإضافى ، وشبه الملحق به) ومبنى ثم ترك أصله ، وصار اعلما منقولا من معناه وحكمه السابقين إلى معنى وحكم جديدين. مثل كلمة : «أمس ، وغاق» إذا صارتا علمين ؛ فعند ندائهما يجرى عليهما حكم الأسماء المعربة قبل النداء.
به أفضل من الأخذ بالرأى الأول.
وإنما يبنى المفرد العلم - وملحقاته - إذا لم يكن معربا مجرورا باللام فى «الاستغاثة والتعجب» مع ذكر «يا» ؛ كما فى نحو : يا لعلىّ للضعيف ؛ للاستغاثة بعلىّ فى نصر الضعيف. ويا لعلى المحسن ؛ للتعجب من كثرة إحسانه. فالمنادى فيهما ، معرب وجوبا ، كما كان قبل النداء ، مجرور باللام فى محل نصب ، لأنه خرج بسبب الجار من قسم «المفرد العلم» ، ودخل فى قسم المضاف - (1)تأويلا -.
وكذلك يجب إعرابه (ولا يصح بناؤه) إذا كان هذا العلم المفرد منقولا من أحد الأعداد المتعاطفة ، بالتفصيل الموضح فى مكانه (2).
وهناك صورة يجوز فيها الإعراب والبناء ، وستجئ (3).
1 - ما كيفية بناء المفرد العلم الذى كان فى أصله اسما منقوصا ، منونا ، ثم نقل إلى العلمية ؛ مثل : هاد - راض - مرتض - مستكف - وغيرها؟ ... الأصل فى المنقوص أن يكون مختوما بالياء (1)الظاهرة إلا فى بضع حالات قليلة ؛ أهمها : أن يكون منونا مرفوعا أو مجرورا ؛ فيجب حذفها نطقا وكتابة ؛ لأن الضمة والكسرة ثقيلتان على الياء ، فتحذفان ؛ طلبا للخفة. فإذا حذفتا تلاقت الياء ساكنة مع التنوين فيجب حذفها ؛ تخلّصا من التقاء الساكنين ؛ فتصير الكلمة إلى الصور السالفة. (فأصل : «هاد» - مثلا - فى : «أنت هاد للخير» هو : هادين ؛ بكتابة التنوين نونا ساكنة تبعا لأصله (2). ثم حذفت الضمة ؛ منعا للثقل ؛ فصارت الكلمة : «هادين» بياء ونون ساكنتين. ثم حذفت الياء (3)؛ للتخلص من الساكنين ؛ فصارت الكلمة : «هادن» ، بإثبات التنوين على شكله الأول نونا ساكنة. ثم جرى الاصطلاح على كتابة التنوين كسرة مكررة لكسرة الحرف الأخير الذى قبل الياء المحذوفة ، فصار للحرف الأخير كسرتان ؛ إحداهما حركة أصلية هجائية ، والأخرى بدل التنوين. وانتهت الكلمة إلى صورتها الأخيرة : «هاد». ومثلها استمعت لهاد ، وأصلها : هادين ، حذفت كسرة الياء ، وجرى ما سبق ...)
فإذا نوديت وجب حذف التنوين ، لأن المنادى هنا علم مفرد ؛ فيجب بناؤه على الضم بغير تنوين. وهذا الضم مقدر على الياء ، لكن أتبقى الياء محذوفة كما كانت ، والضّمّ مقدر عليها برغم حذفها - لأنها ملحوظة كالمذكورة - أم تعود بعد النداء إلى مكانها ؛ فتظهر نطقا وكتابة ، ويكون الضمّ مقدرا عليها كذلك؟ رأيان ؛ أحدهما : يوجب حذف التنوين واستمرار حذف الياء ؛ لأن الكلمة المناداة كانت منونة ومحذوفة الياء قبل المناداة فوجب حذف التنوين ؛ لأنه معارض لبناء المنادى ، كما يوجب ألّا ترجع الياء ؛ لعدم وجود ما يقتضى إثباتها وإرجاعها ؛ إذ
طرأ عليها النداء وهى محذوفة ، فتبقى على حالها من الحذف.
والآخر : يوجب حذف التنوين للسبب السالف ، ويوجب إرجاع الياء وإثباتها لأن سبب حذفها - وهو تلاقيها ساكنة مع التنوين - قد زال بزوال التنوين. وإذا زال السبب لا تبقى بعده آثاره. فالرأيان متفقان على حذف التنوين وسببه ، مختلفان فى إرجاع الياء وإثباتها ، أو عدم إرجاعها.
ويتفقان على إرجاعها إذا لم يكن فى العلم المنقوص إلّا حرف أصلى واحد ، مثل : «مر» ، اسم فاعل من «أرى» ، فتقول فى نداء المسمى به : يا مرى.
والحق أنّ هذه الأدلة جدلية محضة ليس فيها مقنع. والفيصل إنما هو السماع الوارد عن العرب ، ولم ينقل أحدهما منه ما يكفى لترجيح رأيه ؛ فالرأيان متكافئان. وقد يكون الأنسب هو الرأى الداعى إلى إثبات الياء ؛ لأنه أقرب إلى الوضوح ، وأبعد من اللبس والاختلاط.
وكل ما قيل فى كلمة : «هاد» - مما أسلفناه - يقال فى سائر الأعلام المنقوصة المنونة عند ندائها ... - كما سيجىء البيان (1)-
2 - إذا كان المفرد العلم فى أصله منقولا من اسم مقصور منون. (نحو : مرتضى - مصطفى - رضا ... وأشباهها) - وجب عند ندائه حذف تنوينه ، لأنه سيبنى على الضم ، وهذا البناء يقتضى حذف التنوين حتما. لكن أتعود بعد ذلك ألف المقصور التى حذفت من آخره نطقا ؛ بسبب تلاقيها ساكنة مع التنوين الساكن ، أم لا تعود؟
(ذلك أن الأصل فى كلمة مثل : مرتضى ، هو مرتضى ؛ أى : مرتضين ؛ رفعا - والنون الساكنة هى التنوين - تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفا ، وصارت الكلمة : مرتضان ، تلاقى ساكنان ؛ الألف وهذه النون ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، وصارت الكلمة : مرتضن ، لكنها تكتب «مرتضى» ، طبقا لقواعد رسم الحروف ؛ وهى تقضى بأن يوضع على الحرف الذى قبل النون حركة ثانية مماثلة لحركته الهجائية ، تغنى عن النون بعد حذفها ، وتكون هذه الحركة الهجائية الثانية هى الرمز الدال على التنوين ، بدلا من التنوين).
1) فى باب : تشنية المقصور ، والممدود ، وجمعهما (.. هامش ص 566).
ويجيب النحاة : أن الظاهر فى هذه المسألة هو تطبيق حكم المسألة السابقة فيجرى على ألف المقصور ما جرى على ياء المنقوص من وجود رأيين متفقين على حذف التنوين ، مختلفين فى رجوع الألف نطقا أو عدم رجوعها ، بالحجة التى تساق لكل. وقد يكون الأنسب إرجاع الألف ...
3 - سبق فى باب المثنى (1)أن العلم المفرد إذا ثنّى أو جمع ، زالت علميته ، وصار نكرة ، ولا يحكم له بالتعريف إلا بوسائل جديدة تزاد ؛ منها : إدخال «أل» المعرّفة عليه ، أو نداؤه ... أو ... فإذا نودى العلم بعد تثنيته وجمعه حكم له بالتعريف الناشئ من النداء ، لا من العلمية ؛ لأن النداء هنا دخل على منادى خال من العلمية ، فقد أزالها ما طرأ من التثنية أو الجمع ، مثل : يا محمدان - يا محمدون ... وأشباههما ؛ فيصير بعد ندائه فى حكم النكرة المقصودة - عند كثير من النحاة - تجرى عليه أحكامها التى منها : صحة نعتها - أحيانا - بالنكرة أو بالمعرفة ؛ فيراعى إما أصله الأول الذى زالت علميته قبل النداء ، وإما حالة تعريفه الطارئة بعد النداء - (2)... - من بخلاف العلم الذى ليس مثنى ، ولا جمعا ، فإن علميته تبقى بعد النداء ويتعرف بها ، أو لا تبقى ؛ فيتعرف بالنداء الطارئ لا بتلك العلمية السابقة - على حسب الخلاف الذى سبق (3)-.
4 - إذا نودى : «إثنا عشر» و «إثنتا عشرة» علمين ، جاز أن يقال : يا إثنا عشر ، ويا إثنتا عشرة ، فإثنا وإثنتا مبنيان على الألف ، لأن المثنى وملحقاته فى هذا الباب فى حكم المفرد ؛ فيبنى على ما يرفع به. وكلمة : «عشر وعشرة» بعدهما مبنية على الفتح ، لا أهمية لها ، لأنها بمنزلة نون المثنى. وهمزتهما للقطع (4)ما داما علمين.
ويجوز أن يقال : يا إثنى عشر ، ويا إثنتى عشرة ... بالنصب بالياء على
اعتبار المثنى مع كلمة : «عشر» أو «عشرة» بمنزلة المضاف مع المضاف إليه فى الصورة ، والمنادى المضاف واجب النصب (1)
أما عند غيرهم فالأعداد المركبة كلها مبنية على فتح الجزأين . (ما عدا العلمين : إثنى عشر وإثنتى عشرة - ؛
والمنادى هو العدد المركب بجزأيه معا إلا هذين فإذا كان المنادى العلم هو : إثنا عشر ، وإثنتا عشرة ، فصدرهما وحده ، في حكم العلم ، المثنى ، المنادى ، المبنى.
ويترتب على الخلاف بين الكوفيين وغيرهم الخلاف في ضبط تابع المندى.
.1) هذا رأى الكوفيين الذى أشرنا إليه (فى رقم 2 من هامش ص 8 و 1 من هامش ص 31) وبمقتضاه تكون الأعداد المركبة كلها داخلة فى قسم المنادى المضاف ، فصدر كل واحد منها واجب النصب ، عند الكوفيين فى النداء ، ويظل العجز مبنيا على الفتح ، بمنزلة النون.
(ب) من المفرد العلم صورة يجوز فيها أمران (1): البناء على الضم فى محل نصب ، أو البناء على الفتح فى محل نصب. وهذه الصورة الجائزة بحكميها لا بد أن يكون فيها المنادى علما غير مثنى ، ولا مجموع ، وأن يكون آخره مما يقبل الحركة (فلا يكون معتل الآخر ؛ كعيسى ، ولا مبنيّا على السكون لزوما ، مثل : «من» علم شخص ...) وأن يوصف مباشرة - أى : بغير فاصل - بكلمة : «ابن» أو «ابنة» ، دون «بنت» ،. وكلتاهما مفردة مضافة إلى علم آخر ، مفرد أو غير مفرد (2)
ومتى اجتمعت الشروط في نداء أو غيره وجب . فى ذلك الرأى الراجح - حذف همزة الوصل وألفها كتابة ونطقا من «ابن» ، و «ابنة» إلا لضرورة الشعر ، أو لوقوع إحداهما فى أول السطر فتثبت الألف كتابة. وكذلك يجب - في غير الضرورة الشعرية - حذف التنوين كتابة ونطقا من المستوفى للشروط ؛ ولو كان غير منادى. (وقد سبقت إشارة لهذا في ح 1 ص 30 م 4).
غير أن هنا مسألة وقع الخلاف فيها في حذف التنوين من آخر العلم الموصوف المنادى وغير المنادى.
وفى حذف همزة الوصل مع ألفها من الصفة (ابن وابنة) هى : أن يكون العلم الأول (الموصوف) كنية أو مضافا آخر ، أو يكون العلم الثانى (وهو المضاف إليه) كنية أو مضافا آخر كذلك ؛ مثل : أول الخلفاء الراشدين أبو بكر بن قحافة. ومثل محمد بن أبى بكر من أشهر الزهاد ... فيرى كثير من النحاة وجوب إثبات التنوين وألف الوصل في الصورتين. ويرى آخرون جواز حذفهما ، وإثباتهما. وقد يكون الحذف - على لمته - هو الأنسب اليوم ، ليكون حكمه مطردا شاملا الصور المختلفة.
ومسألة أخرى ، هي التي تكون فيها الصفة كلمة : «بنت» ، ويكون موصوفها علما لمؤنث يصح صرفه ، ومنعه من الصرف. فهل يجوز بقاء التنوين فى موصوفها المنادى وغير المنادى؟ روى سببويه الحذف والإثبات عن العرب الذين يصرفون كلمة : «هند» وأشباهها ؛ مما يجيء في ص 226 فيقولون : هذه هند بنت عاصم ؛ بتنوين «هند» ، وتركه لكثرة الاستعمال.
وقد يكون الأحسن هنا أيضا حذف التنوين ، ليكون الحذف مطردا في كل المسائل ، وقاعدته عامة.
... مثل : يا حسن بن على ، من أثنى عليك بما فعلت فقد كافأك. ويا فاطمة بنة محمد ، أنت فخر النساء ، ببناء كلمتى : «حسن» ، و «فاطمة» ، على الضم أو على الفتح ، فى محل نصب فى الحالتين. ولا بد أن تكون البنوة حقيقية.1) انظر الزيادة والتفصيل ، ففيها أمر ثالث حكمه الإعراب ، وتعليل الأوجة الثلاثة.
2) ولا يشترط فى العلمين ولا فى أحدهما التذكير - على الرأى الراجح - ولا مانع أن يكون العلم اسما ، أو كنية ، أو لقبا. أو جنسيا للأعلام المجهولة ؛ نحو : يا فلان بن فلان ، أو : يا حارث بن همام ، (للشخص الخيالى الذى تخيله الحريرى دعامة المحاورات فى مقاماته ، وأدار الحديث بلسانه فى كثير منها.) وكذلك : يا سيد بن سيد ؛ لكثرة استعماله كالأعلام ، وبضع كلمات ساغت كهذه.
فإذا فقد شرط وجب الاقتصار على البناء على الضمّ ، كأن يكون المنادى غير علم ، مثل : يا غلام ابن سعد ، أو يكون علما مفصولا (1)من المنادى ، مثل : يا سليمان النبى ابن داوود ، أو تكون كلمة : «ابن» و «ابنة» ليست نعتا وإنما هى بدل ، أو مفعول ، أو خبر : أو منادى جديد ، أو غير ذلك مما ليس نعتا ...
1) مع الخلاف فى العلم إذا كان كنية ، على الوجه المبين فى هامش الصفحة السالفة.
أولا - إذا اجتمعت الشروط السابقة جاز الوجهان المذكوران ، ووجه ثالث ، هو أن يكون المنعوت معربا منصوبا ، بغير تنوين.
وللنحاة فى تعليل الأوجه الثلاثة آراء قائمة على التكلف ، والتأويل ، والحذف أو الزيادة ، بغير حاجة ماسّة إلا رغبتهم فى إلحاق كل وجه بحالة إعرابية ثابتة ، وإدخاله تحت قاعدة أخرى مطّردة. ولا يعرف العرب شيئا من هذه التعليلات ، ولا شأن لهم بها ، ولن يتأثر الأسلوب أو ضبط مفرداته بإغفالها ، وإهمال الوجه الثالث القائم على الإعراب مع النصب المباشر. وفيما يلى بعض تلك الآراء بإيجاز يحتاج إليه الخاصة :
(1) فى مثل : يا حسن بن علىّ - بضم المنادى - يكون بناؤه على الضمّ فى محل نصب ؛ مراعاة للقاعدة العامة ، لأنه مفرد علم. وتعرب كلمة : «ابن» صفة ، منصوبة ، تبعا لمحل المنادى الموصوف. لا لفظه المبنىّ. وهذا إعراب حسن لا مأخذ عليه.
(2) وفى مثل : يا حسن بن على ... (1)- بفتح المنادى - يكون مبنيّا على الفتح فى محل نصب (فهو مبنى لفظا ، منصوب محلا). ويقولون : إن حقه البناء على الضم ؛ لأنه مفرد علم ، ولكن آخره تحرك بحركة تماثل الحركة التى على آخر الصفة ، على توهم وتخيل أن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة ؛ إذ الفاصل بين آخر المنادى ، وآخر صفته حرف واحد ساكن. فالفصل به كلا فصل ؛ لأنه حاجز غير حصين - كما يقولون - وفى هذه الحالة يذكرون فى إعراب المنادى : أنه مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره فتحة الإتباع (2)، فى محل نصب ، وكلمة «ابن» صفة له ، منصوبة باعتبار محله.
فلم هذا التوهم ، واللف والالتواء فى إعراب المنادى ، وإتباع حركته - وهو السابق - لصفته اللاحقة ، مع ما فى هذا من مخالفة المألوف الذى يجرى على أن يكون المتأخر هو التابع فى حركته للمتقدم؟
لم لا نقول : إن المنادى إذا اجتمعت فيه الشروط السالفة جاز أن يكون مبنيّا على الفتح مباشرة ، أو على الضم ، مراعاة للواقع المأثور من فصيح الكلام العربى؟ ولا ضرر فى هذا ولا إساءة ، بل إنه السائغ المقبول ، وهو فى الصورتين فى محل نصب.
(3) ويجيزون فى إعراب المنادى فى الصورة السالفة أنه مبنى على الفتح ، على توهم وتخيل تركيبه مع صفته تركيبا لفظيّا ، كالتركيب اللفظى الذى فى الأعداد : أحد عشر ، وثلاثة عشر ، وأربعة عشر ، وما بعد أربعة عشر إلى آخر تسعة عشر ، فإن هذه الأعداد مبنية على فتح الجزأين دائما فى جميع الحالات الإعرابية ، بسبب تركيب الكلمتين تركيبا يلازمهما ، ويقتضى أن يلازمهما فتح آخرهما.
فما الداعى لهذا التكلّف أيضا ، وحمل المنادى مع صفته فى هذه الصورة على تلك الأعداد المركبة ، مع وجود الفارق الواضح بينهما؟ ذلك أن العدد المركب لا يؤدى معناه الأساسى المطلوب إلا مع التركيب الحتمى ، فكل جزء من الجزأين لا يستقل بنفسه ، وإنما هو بمثابة حرف من كلمة واحدة ، تؤدى معنى أصيلا ، لا يؤديه أحد حروفها ، وليس هذا شأن النعت والمنعوت كما هو معروف. ومن ثم كانت المشابهة بين الأسلوبين ضعيفة ، وكان الاعتماد عليها هنا غير قوىّ ، وإنما القوى أن نقول فى هذه الحالة ما قلناه فى الحالة الثانية وهو أن المنادى مبنىّ على الفتح - مباشرة - فى محل نصب ، نزولا على حكم الواقع الذى لا ضرر فى اتباعه. أما كلمة : «ابن» فإعرابها هنا كإعرابها هناك.
(4) ويجيزون أيضا فى المنادى السالف ألّا يكون مبنيّا على الفتح فى محل نصب وإنما يكون معربا منصوبا ، مباشرة ، بغير تنوين ، غير أنّهم لحظوا أن حالات المنادى المعرب المنصوب لا تنطبق عليه ؛ فتلمسوا الوسيلة لإدخاله تحت واحدة منها فارتضوا أن تكون الصفة (ابن) فى حكم الزائدة التى لا وجود لها ، وأن المنادى مضاف ، وأن المضاف إليه هو الكلمة التى بعد كلمة «ابن» وبذا يكون المنادى - فى تقديرهم داخلا فى قسم المضاف الذى يجب إعرابه ونصبه!! ويترتب على هذا أن تكون كلمة «ابن» مقحمة بين المضاف والمضاف إليه وأنها لا توصف بإعراب ولا بناء ، وإنما هى موقوفة - كما يقولون - ولا محل لها من الإعراب ، فليست صفة ، ولا غيرها.
فما هذا؟ وما الدافع له؟ الخير فى إهماله ، وإنما ذكرناه لنعرض شيئا يستحق الإعراض عنه. ثم نواجه الواقع بحكم أصيل يناسبه ، لا إقحام فيه ، ولا وقف ، ولا بناء ؛ فنعتبر المنادى معربا منصوبا بغير تنوين ، وكلمة «ابن صفة له ، منصوبة.
كل ما تقدم خاصّا بكلمة : «ابن» يسرى على كلمة : «ابنة» الواقعة مثلها صفة لمنادى مؤنث ، مستوف للشروط ، ولا يسرى على غيرهما. فإذا وصف المفرد العلم بغيرهما بقى مفردا علما (1)، له ولتوابعه أحكامهما الخاصة ، ولا ينتقل بسبب الوصف إلى قسم الشبيه بالمضاف ؛ إذ لو انتقل إليه لوجب نصبه فى جميع الأحوال ؛ كالشبيه بالمضاف. وهذا النصب العام مخالف للحكم الصحيح.
ثانيا - المنادى النكرة المقصودة الموصوف بكلمة : «ابن» ، أو «ابنة» أو غيرهما ، له حكم خاص يختلف عن الحكم السابق ، فيتوقف على حال هذه النكرة ، أكانت موصوفة قبل النداء بإحدى الكلمتين السالفتين ، أو بغيرهما ، أم جاء الوصف بعد النداء ، وطرأ بعد تحققه؟ وسيجىء الحكم مفصلا عند الكلام على النكرة المقصودة (2).
(ح) وإذا كان المفرد العلم مبنيّا قبل النداء بقى على بنائه القديم فى اللفظ ، ولكن يطرأ عليه بناء جديد ، مقدر يجلبه النداء معه - طبقا للرأى الشائع من رأيين ، كما أسلفنا (1)- فكلمة مثل : «سيبويه» - وهى علم على إمام النحاة المشهور - مبنية قبل النداء على الكسر لزوما. فإذا نودى ، وقيل : يا سيبويه ، أحسن اللّه جزاءك - كانت كلمة «سيبويه» منادى مبنى على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره البناء الأصلى على الكسر ، فى محل نصب (2)...
ولهذا البناء الجديد المقدر أثره فى التوابع ، كالنعت وغيره - وستجىء الأحكام المفصلة الخاصة بتوابع المنادى (3)-. فإذا جاء للمنادى تابع صح فى هذا التابع أن يكون فى مظهره الشكلى مرفوعا (4)؛ مراعاة صوريّة - غير حقيقية - للضم المقدر فى المنادى ، وجاز أن يكون منصوبا ؛ مراعاة لمحل هذا المنادى ؛ لأنه مبنى فى محل نصب - كما عرفنا - ولا يجوز مراعاة علامة البناء الأصلى التى ليست طارئة مع النداء. تقول يا سيبويه النحوىّ ؛ ببناء كلمة «النحوىّ» على الضم - رفعا صوريّا غير (5)حقيقى - أو بنصبها مباشرة : باعتبارها معربة. ومثل هذا يقال فى كل علم مفرد لازم البناء فى أصله قبل مناداته ؛ سواء أكان بناؤه الأصلى اللازم على الكسر (ومنه : حذام ؛ رقاش ... علمين على امرأتين عند من يبنيهما) - أم على غير الكسر ؛ (مثل : حيث - كيف - أربعة عشر ، وأخواتها من الأعداد المركبة المبنية على فتح الجزأين. - نعم ... أعلام أشخاص) فيقال فى كل علم من هذه الأعلام : إنه مبنى على الضم المقدر منع من ظهوره علامة البناء الأصلى (على الكسر ، أو على الضم ، أو على الفتح ، أو على فتح الجزأين ، أو على السكون) فى محل نصب فى كل ذلك.
ومثل هذا يقال فى العلم المعرب المنقول من جملة محكية ، مثل : «صنعت خيرا» علم على شخص ، فيقال : يا صنعت خيرا الشجاع ، فالمنادى - وهو : «صنعت خيرا» - مبنى على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره حركة الحكاية ، فى محل نصب. ويجوز فى النعت : (الشجاع) الرفع الصورىّ (6)تبعا للفظ المنادى
1) فى رقم 6 من هامش ص9. وانظر «الملاحظة» التى فى ص 11 حيث تعرض الرأى الآخر المفيد.
2) فى رقم 6 من هامش ص9. وانظر «الملاحظة» التى فى ص 11 حيث تعرض الرأى الآخر المفيد.
3) ص 39. الإجابة والبيان فى ص 51.
4) هل يقال لهذا اللفظ إنه مرفوع ، مع أن رفعه صورى ، وغير حقيقى؟ وما إعرابه؟ الإجابة والبيان فى ص 51.
5) هل يقال لهذا اللفظ إنه مرفوع ، مع أن رفعه صورى ، وغير حقيقى؟ وما إعرابه؟ الإجابة والبيان فى ص 51.
6) هل يقال لهذا اللفظ إنه مرفوع ، مع أن رفعه صورى ، وغير حقيقى؟ وما إعرابه؟ الإجابة والبيان فى ص 51.
والنصب تبعا لمحله.
(د) المنادى المفرد العلم مبنى - فى الأكثر كما عرفنا - فلا ينون إلا فى الضرورة الشعرية ، فيباح تنوينه مع رفعه (1)
سلام اللّه يا «مطر» عليها *** وليس عليك يا «مطر» السّلام
، أو نصبه (2)سلام اللّه يا «مطر» عليها *** وليس عليك يا «مطر» السّلام
. فمثال الأول قول الشاعر يهدّد خصمه حميدا :لا تهجنى - يا حميد - إنّ لى *** فتكة الليث ، إذا الليث غضب
ومثال الثانى قول المادح :
حسبنا منك - يا عليّا (3)- أياد *** يتغنّى بها الزمان نشيدا
وإذا كان المنادى المفرد العلم مبنيّا على الضم ، لكنه منون للضرورة لزم التصريح بهذا عند إعرابه (4)
ضربت صدرها إلىّ وقالت *** يا «عديّا» لقد وقتك الأواقى
وموضع الشاهد : هو : يا عديا.
، وجاز فى تابعه الرفع مراعاة للفظه - إن لم يوجد مانع آخر - والنصب مراعاة لمحله. أما إذا كان منصوبا منوّنا فيقال فى إعرابه إنه منصوب منوّن للضرورة ، ولا يجوز فى تابعه إلا النصب ، لأن النصب هو الأصل المحلىّ فى المبنىّ ، وقد ظهر النصب فى اللفظ ، فلا داعى لأهماله ، ومراعاة غيره ... .1) ويقال عند إعرابه : إنه منادى مبنى على الضم ، ولحقه التنوين للضرورة. وقد اجتمع التنوين وعدمه فى العلم «مطر» ضمن بيت يستشهد به قدماء النحاة هو :
2) ويقال عند إعرابه : إنه منادى مبنى على الضم ، ولحقه التنوين للضرورة. وقد اجتمع التنوين وعدمه فى العلم «مطر» ضمن بيت يستشهد به قدماء النحاة هو :
3) والنصب فى الضرورة - بالرغم من إباحته - أقل وأضعف من الرفع. ويقال فى إعرابه : إنه منصوب مراعاة لبعض اللّهجات ، ومنون لضرورة الشعر
4) الضرورة فى هذا البيت مباحة للشاعر ، ولكن تركها أفضل إذ لا يختل الوزن بتركها. وبعض النحاة يستشهد ببيت مثله ، هو قول الشاعر :
القسم الثانى : النكرة (1)المقصودة : ويراد بها خ خ النكرة التى يزول إبهامها وشيوعها بسبب ندائها ، مع قصد فرد من أفرادها ، والاتجاه إليه وحده بالخطاب خ خ ؛ فتصير معرفة دالة على واحد معين (2)بعد أن كانت تدل على واحد غير معين. ولو لا هذا النداء لبقيت على حالتها الأولى من غير تعريف. فكلمة مثل : «رجل» هى نكرة. مبهمة ، لا تدل على فرد واحد بذاته ، وإنما تصدق على محمود ، وحامد ، وصالح ... وكل رجل آخر. فإذا قلنا : يا رجل سأساعدك على احتمال المشقة ، تغير شأنها ، ودلت على فرد معروف الذات والصفات - دون غيره - هو الذى اتجه إليه النداء ، وخصه المتكلم بالاستدعاء ، وطلب الاستماع ؛ فصارت معرفة معينة بسبب الخطاب ، لا شيوع فيها ولا إبهام.
والنكرة المقصودة هى - فى الرأى الأنسب - القسم الوحيد الذى يستفيد التعريف من النداء ، دون بقية أقسام المنادى.
الأكثر البناء (3)على الضّمّة ، أو ما ينوب عنها - فى محل نصب ، فهى شبيهة بالمفرد العلم فى هذا. ومن أمثلتها قول شوقى يخاطب بلبله الحبيس :
يا طير - والأمثال تض *** رب للّبيب الأمثل - :
دنياك من عاداتها *** ألّا تكون لأعزل
ولا يصح تنوينها إلا فى الضرورة الشعرية ، فتنون مرفوعة أو منصوبة ، كقول الشاعر وهو ينظر للقمر :
يا قمرا ، لا تفش أسرار الورى *** وارحم فؤاد السّاهر الولهان
1) وتسمى - كما فى رقم 2 من هامش ص 4 - اسم الجتس المعين. وقد سبق الكلام على النكرة وتعريفها وما يتصل بها فى ج 1 ص 131 م 7.
2) الفرق بين التعيين والتعريف فى النكرة المقصودة والمفرد العلم أن التعيين والتعريف فى الأولى عرضيان طارئان بسبب النداء ؛ فهما أثران من آثاره ؛ يجيئان معه ، ويزولان معه. ولكنهما أصيلان فى العلم ملازمان له ، ولو لم يوجد النداء ، فلا أثر للنداء فى إيجادهما ، أو زوالهما أو بقائهما - على الرأى الأرجح الذى سبق فى رقم 6 من هامش ص2. والمعارف متفاوتة فى درجة التعريف ، وقوته ، طبقا لما سبق تفصيله فى الموضع الأنسب (وهو ج 1 - م 17 رقم 3 من هامش ص 191) ومنه يعرف أن النكرة المقصودة فى درجة اسم الإشارة ؛ لأن التعريف بكل منهما يتم إما بالقصد الذى يعينه المشار إليه ، وإما بالتخاطب كما فى الموضع السالف ، وكما فى : «ب» من ج 1 م 32 ، ص 399 - وأن التعريف بالعلمية ذاتى ؛ فهو أقوى.
3) إلا فى الضرورة الشعرية - كما سنعرف - ، وفى صورة أخرى معربة ستجىء فى الزيادة والتفصيل : ص 27 - «ا». وثالثة معربة تجىء فى ص 33
ويصح : يا قمر. وفى الحالتين يكون إعرابها كالمفرد (1)العلم المنون فيهما.
هذا حكم النكرة بشرط أن تكون مقصودة ، ومفردة (أى : غير مضافة ، ولا شبيهة بالمضاف) فإن كانت غير مقصودة فهى من القسم الثالث الآتى ، وإن كانت غير مفردة فهى من أحد القسمين التاليين : الرابع ، والخامس.
وإنما تبنى النكرة المقصودة على الوجه السالف بشرط ألا تكون موصوفة ، وألا تكون من الأعداد المتعاطفة (2)ولا معربة مجرورة باللام فى حالة الاستغاثة أو التعجب ؛ مع وجود حرف النداء : «يا» (3)؛ لأن للأولين حكما سيجئ (4)، وأن الجار يجعلها من قسم المنادى المضاف - تأويلا - ، دون غيره ، وهو معرب واجب النصب ؛ نحو : يا لقوىّ لضعيف يستنصره ، ويا للمطر الهتون!! فى نداء منكّرين معينين. فالمنادى مجرور باللام فى محل نصب ، وقد بقى معربا ، كشأنه السابق على النداء. وسيجىء البيان فى باب الاستغاثة(5)
وابن المعرّف المنادى المفردا *** على الّذى فى رفعه قد عهدا
فهو يطالب ببناء المنادى المفرد المعرف ، وأن يكون بناؤه على العلامة المعهودة فيه فى حالة رفعه قبل النداء ؛ لأن الضم - لا الرفع - هو علامة البناء فى الشائع ، فالذى علامته الضمة يبنى عليها ، والذى علامته الألف ؛ كالمثنى ، أو الواو كجمع المذكر ، يبنى عليهما ... وهذا الحكم ينطبق على القسمين : المفرد العلم والنكرة المقصودة ؛ فكلاهما مفرد ومعرف. غير أن تعريف المفرد العلم أصيل ، سببه العلمية ؛ فهو سابق على النداء ، وباق معها ولو زال النداء. ؛ طبقا لأحد الرأيين المعروضين فى ص 10. أما تعريف النكرة المقصودة فطارئ ؛ بسبب النداء ، ملازم له مدة وجوده ، زائل بزواله - كما سبق فى هامش الصفحة الماضية - وبناء المفرد العلم على الضم إنما يكون واجبا فى غير الضرورة وبعض الصور التى أشرنا إليها فى رقم 2 من هامش ص 9. كما أن النكرة الموصوفة لا تبنى - فى غير الضرورة - على الضم وجوبا إلا عند عدم وصفها وعدم طولها. فإن وصفت أو طالت جرت عليها الأحكام الآتية فى ص 27 و 33. ثم بين ابن مالك أن المنادى الذى يستحق البناء إذا كان مبنيا تبل مناداته ، يجب تقدير بنائه الجديد ، وملاحظته فى النية ، وإجراؤه مجرى المعرب الذى زال إعرابه بسبب النداء ، وحل محله بناء جديد ، أو مجرى اسم مبنى فى أصله ، زال فى التقدير بناؤه القديم وحل محله بناء طارئ جديد بسبب النداء - مع ملاحظة أن الجديد هو الذى يراعى وحده فى توابعه - يقول : - ورأيه مدفوع برأى آخر سبق فى ص 11 - :
وانو انضمام ما بنوا قبل النّدا *** وليجر مجرى ذى بناء جدّدا
وقبل أن يتمم الكلام على هذا القسم أقحم بيتا يتعلق بأقسام أخرى سيجىء شرحها وشرحه فى ص 32 هو :
والمفرد المنكور ، والمضافا *** وشبهه انصب ، عادما خلافا؟؟؟
وعاد بعده إلى بيان حكم المنادى العلم المفرد الموصوف بكمة «ابن» - أو ابنة رأنه يجوز فيه البناء على الفتح أو الضم ، ولم يذكر الشروط ؛ وإنما اكتفى فى البيت الأول بأن ساق مثالا يستكمل الشروط - وقد شرحناها مفصلة فى ص 17 ، 19 - واكتفى فى البيت الذى يليه بالنص على أن الصفة (وهى كلمة : ابن ، وابنة) إن لم تقع مباشرة بين علمين لم يصح البناء على الفتح ، ووجب الاقتصار على البناء على الضم يقول فى اختصار معيب :
ونحو زيد ضمّ ، وافتحنّ من *** نحو : أزيد بن سعيد لا تهن
(- تهن : مضارع ، مجزوم ، معناه : تضعف. وماضيه : وهن ؛ بمعنى : ضعف).
والضمّ إن لم يل الابن علما *** أو يل الابن علم - قد حتما
(الألف التى فى آخر كل شطرة زائدة لوزن الشعر)
يريد : أن البناء على الضم محتوم إن لم يقع الابن بعد علم (بشرط ألا يكون المنادى نكرة تقتضى حكما خاصا) أو لم يقع علم بعد الابن. أى : إذا لم يتوسط «الابن» بين علمين مباشرة - كما قلنا - ؛ فمثال الأول يا غلام ابن سعد - يا سليمان النبى ابن داود. ومثال الثانى : يا سليمان ابن النبى.
ثم عرض لحكم آخر من أحكام المنادى المستحق للبناء ؛ فأوضح أنه يجوز فيه الرفع أو النصب مع التنوين فى الحالتين عند الاضطرار الشعرى :
واضمم أو انصب ما اضطرارا نوّنا *** ممّا له استحقاق ضم بيّنا
أى : اضمم أو انصب ما نون اضطرارا من كل ما له استحقاق ضم بيّن فيما سبق. والذى يستحق الضم فيما سبق هو المفرد العلم والنكرة المقصودة ... والمنادى المبنى على الضم إذا نون يبقى على بنائه ، وتنوينه طارئ للضرورة. أما فى حالة تنوينه منصوبا فنقول - فى الأحسن - إنه معرب منصوب ، تبعا لبعض اللّهجات ، وأنه منوّن للضرورة ، - كما سبق فى هامش ص 23 -
... -(ا) تبنى النكرة المقصودة على الضمّ وجوبا إذا كانت غير موصوفة مطلقا (1)(أى : لا قبل النداء ، ولا بعده.) فإن دلت قرينة واضحة - أىّ قرينة ؛ لفظية ، أو غير لفظية - على أنها كانت قبله موصوفة بنعت مفرد ، أو غير مفرد ؛ فالأغلب الحكم بوجوب نصبها مباشرة ؛ إذ قد اتصل بها شىء تمّم معناها ، ولم تقتصر على لفظها وحده ، فدخل عليها النداء وهى متصلة بما يتممها ؛ وبسببه تخرج من قسم النكرة المقصودة إلى قسم الشبيه بالمضاف ، وهو واجب النصب ... مثال هذا أن تخاطب : (شاهدتك من بعيد قادما علينا ، يبدو أنك رجل غريب. فيا رجلا غريبا ستكون بيننا عزيزا.) فالنكرة المقصودة هنا منصوبة وجوبا ، على الرأى الأغلب ؛ لأنها كانت موصوفة قبل النداء ؛ بقرينة الكلام السابق عليها. ومن الأمثلة للنعت بالجملة أن تسمع : «سيزورنا اليوم وفد نعزه ...» فتقول : يا وفدا نعزّه نحن فى شوق لرؤيتك. ويصحّ : يا وفدا من بلاد عزيزة ... أو يا وفدا أأمامنا - إذا كانت الصفة قبل النداء شبه جملة. ومن هذا أبيات الشاعر التى أنشأها حين قيل له : هذا شراع وراء دجلة تعبث به الرياح ؛ فقال أبياته التى مطلعها :
يا شراعا وراء دجلة يجرى *** فى دموعى ، تجنبتك العوادى
ومن الأمثلة المسموعة التى لها قرائن معنوية تدل على أن النكرة وصفت قبل النداء ما حكاه الفراء عن العرب فى مشهور بالكرم : يا رجلا كريما أقبل. وقوله عليه السّلام : يا عظيما (2)
ويخالفه ابن مالك في تلك الصورة فيرى أن الجملة نعت . برغم تنكيرها حكما . لا حال ، ولعل السبب عنده أن العامل فى النعت هو «يا» أو ما نابت عنه ، ولا شأن للمنادى بالعمل ؛ فليست الجملة من معمولاته ولا مما يقتضى أن يكون من قسم الشبيه بالمضاف. ورأى ابن مالك أوضح وأيسر ، ورأى ابن هشام أدق.
فإن كان المنادي نكرة جامدة فهي خالية من الضمير ، ولا مكان - في الغالب - لمجيء الجملة أو شبهها حالا منه ، ويتعين إعرابها صفة.
.1) فى هذه الصورة يصح وصف المعرفة بالنكرة ، (طبقا للبيان الآتى هنا وفى «د - ص 29» وكذلك فى رقم 8 من هامش ص 42). ولا تبنى النكرة المقصودة التى من الأعداد المتعاطفة (ص 33)
2) فى هذا المثال - وأشباهه - مما يقع فيه المنادى نكرة مشتقة متحملة الضمير وبعدها جملة - يرى ابن هشام إعراب هذه الجملة حالا من الضمير المستقر فى المنادى المشتق ، وليست نعتا ؛ لأن النعت ليس معمولا للمنعوت المشتق ويكون المشتق هو العامل الذى نصب جملة الحال ؛ فهى من معمولاته التى تتمم معناه. ويترتب على هذا عنده أن يكون المنادى من نوع الشبيه بالمضاف ، وليس من قسم النكرة المقصودة التى تنصب. بشرط ألا يثبت أن الوصف متأخر عن النداء - كما سبق -.
يرجى لكل عظيم ، ويا حليما لا يعجل. وقول الشاعر :
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة *** فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
فالرجاء فى اللّه وحلمه ثابتان قبل النداء ، وكذلك قيام الدار ووجودها قبل أن يناديها الشاعر. فالنكرات المقصودة فى الأمثلة السالفة وأشباهها منصوبة. وقيل اكتسبت هى وصفتها التعريف بسبب النداء ؛ لأن النداء حين جاء كانت الصفة والموصوف متلازمين مصطحبين ، فأفادهما التعريف معا ، وإن شئت فقل : إنه أكسب المنادى التعريف ، وسرى هذا التعريف فورا من المنادى الموصوف إلى صفته ، فالصفة هنا تتمة للمنادى فهى بمنزلة المعمول من العامل. ومن أجلها انتقلت النكرة المقصودة (1)إلى قسم الشبيه بالمضاف. وقيل إنها لا تنتقل للشبيه بالمضاف ، ولكن يحسن فيها النصب.
أما إذا دلت القرينة الواضحة على أن وصف النكرة المقصودة كان بعد النداء فإن المنادى يجب - فى الأغلب - بناؤه على الضّمّ ، ولا يصح نصبه ، بالرغم من وجود صفة له. ذلك أن النداء حين دخل على النكرة المقصودة لم تكن موصوفة ، فاستحقت البناء وجوبا. فإذا جاءت الصفة بعد ذلك فإنما تجىء بعد أن تمّ البناء على الضم وتحقق ، فلا تكون مكملة للنكرة المقصودة التكميل الأصلىّ الذى يخرجها إلى قسم الشبيه بالمضاف ، الواجب النصب. والمنادى فى هذه الصورة معرّف بسبب النداء والقصد مع أن صفته الطارئة بعد النداء قد تكون نكرة جوازا ؛ إذ لا مانع فى هذه الصورة من أن يوصف بالنكرة أو بما هو فى حكمها - كالجملة - لأن تعريف الموصوف هنا طارئ غير أصيل (2). والتعريف الطارئ على المنعوت لا يوجب فى النعت المطابقة فيه. وإنما يجيزه ، فمخالفة المطابقة فى التعريف مغتفرة فى هذه الصورة ؛ (كما سيجىء) (3).
1) وفى ص 33 صورة أخرى تنتقل فيها النكرة الموصوفة إلى قسم الشبيه بالمضاف
2) راجع الخضرى ، ثم التصريح وحاشيته - فى هذا الباب عند الكلام على النكرة المقصودة - ص 166 و 168 - وكذا غيرهما. وسبق إيضاح هذا لمناسبة أخرى فى باب «الإضافة» عند الكلام على أثر الإضافة غير المحضة (ج 3 م 93 ص 29) ولها إشارة فى باب النعت أيضا (ج 3 م 114 ص 365).
3) فى «د». أما الصفة التى سبقت مجىء النداء فمطابقة فى التعريف والتنكير للموصوف ، حتما ولا تتغير المطابقة بعد النداء.
فإن لم توجد قرينة ، تدل بوضوح على أنّ وصف النكرة المقصودة كان قبل النداء أو بعده جاز الأمران : النصب ، والبناء على الضم.
ويرى بعض النحاة أن النصب جائز مطلقا فى النكرة الموصوفة ؛ سواء أكان وصفها قبل النداء أم بعده ، ولا يرى حاجة للتقييد ، بغير داع ، إذ يصعب تحقيق القيد ؛ بمعرفة أن الوصف كان قبل النداء أو بعده ، ورأيه أيسر وأخف مؤنة ، لخلوه من العناء ، وإن كان أقل دقة فى أداء المعنى من الأول ؛ فالرأيان محمودان.
ولا يسرى ما سبق على العلم الموصوف فإنه حين يوصف يظل على حاله فى قسم المفرد العلم (1)، ولا يتركه إلى قسم الشبيه بالمضاف ، لأن العلم ليس شديد الحاجة إلى الوصف شدة النكرة إليه.
(ب) إذا كانت النكرة المقصودة اسما منقوصا ، منونا ، محذوف الياء للتنوين ؛ (مثل : داع - مرتض - مستهد) - أو اسما مقصورا منونا محذوف الألف (مثل : فتى - علا - غنى) - وبنيت على الضم ، كان الشأن فى وجوب حذف تنوينها ، وإعادة حرف العلة المحذوف أو عدم إعادته ، هو ما تقدم (2)فى المفرد العلم فى تلك الصيغتين. فكل ما قيل فيه من الأسباب والنتائج يقال هنا.
(ح) هل يعدّ من النكرة المقصودة نداء المعارف المبنية أصالة قبل النداء وليست أعلاما (كالإشارة ، وضمير المخاطب ...) فتبنى على الضم المقدر؟ .. راجع الشرح والتفصيل الذى بسطناه (3).
(د) تصير النكرة المقصودة التى لم توصف قبل النداء ، معرفة بسبب النداء - كما شرحنا - فتعريفها به طارئ ؛ فتوصف بالمعرفة ؛ تبعا لهذا التعريف الطارئ ، ويصح وصفها بالنكرة مراعاة لحالتها السابقة من التنكير ؛ فتقول لرجل معين : يا رجلا المهذب ، أو مهذبا. والأول أحسن (4).
أمّا النكرة التى توصف قبل أن تنادى فإن صفتها واجبة المطابقة لها تعريفا وتنكيرا ؛ فيجئ النداء وهى مطابقة قبل مجيئه فلا يغير المطابقة.
القسم الثالث : النكرة غير المقصودة (1)، وهى الباقية على إبهامها وشيوعها كما كانت قبل النداء ، ولا تدل معه على فرد معين مقصود بالمناداة ؛ ولهذا لا تستفيد منها تعريفا.
حكمها :
وجوب نصبها مباشرة. نحو : يا عاقلا تذكّر الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وقول الشاعر :
أيا راكبا إمّا (2)عرضت (3)فبلّغن *** نداماى (4)من نجران (5)ألّا تلاقيا
القسم الرابع : المضاف ، بشرط أن تكون إضافته لغير ضمير المخاطب (6)، سواء أكانت محضة ؛ كقول الشاعر :
فيا هجر ليلى قد بلغت بى المدى *** وزدت على ما ليس يبلغه هجر
ويا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة *** ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
ومثل قول القائل :
يا أخا البدر سناء (7)وسنا (8)*** حفظ اللّه زمانا أطلعك
أم غير محضة كقول الآخر :
يا ناشر العلم بهذى البلاد *** وفّقت ؛ نشر العلم مثل الجهاد
وجوب النصب بالفتحة ، أو بما ينوب عنها.
1) وتسمى اسم الجنس غير المعين - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 4.
2) «إما» هذه مركبة من «إن» الشرطية المدغم فيها : «ما» الزائدة.
3) أتيت ...
4) ندامى : جمع ، من مفرداته : ندمان ، وهو : المؤانس فى مجلس الشراب.
5) بلد فى اليمن.
6) مسايرة للأساليب العربية الصحيحة ؛ فإنها لا تجمع فى الجملة الواحدة الندائية التى ليست للندبة ، خطابين لشخصين مختلفين. على حين يجب أن يكون المضاف غير المضاف إليه فى المعنى ، ومخالفا له فى المدلول ؛ فبين مطلوب النداء ومطلوب الإضافة تعارض - وهذا فى غير الندبة - ، فلا يصح أن يقال : يا خادمك ؛ لأن النداء خطب للمضاف ؛ مع أن المضاف إليه هنا ضمير لمخاطب آخر غير المضاف. - ولهذا إشارة فى ص6. أما فى الندبة فيجىء الكلام عليها فى رقم 2 من هامش ص 89.
7) شرفا ورفعة.
8) ضوءا.
ويلحق بهذا القسم نداء : «اثنى عشر ، واثنتى عشرة» فينصب صدرهما بالياء فى أحد الرأيين اللذين سبق شرحهما (1)- وهو الرأى المرجوح الذى يجعل الأعداد المركبة كلها من قسم المنادى المضاف -
وقد تفصل لام الجرّ الزائدة بين المنادى المضاف والمضاف إليه ، بشرط أن تكون زيادتها لضرورة شعرية ، كقول القائل (2)فى غادة :
لو تموت لراعتنى ، وقلت : ألا *** يا بؤس للموت ، ليت الموت أبقاها
وقول الآخر (3):
القسم الخامس : الشبيه بالمضاف : ويراد به كل منادى جاء بعده معمول يتمم معناه ، سواء أكان هذا المعمول مرفوعا بالمنادى ، أم منصوبا به ، أم مجرورا بالحرف - لا بالإضافة (4)- والجار والمجرور متعلقان بالمنادى ، أم معطوفا على المنادى قبل النداء ، أم نعتا له قبل النداء أيضا ... (5).
كسابقه - وجوب نصبه بالفتحة ، أو بما ينوب عنها. فمثال المعمول المرفوع قولهم : يا واسعا سلطانه لا تظلم ، فإن الظلم بلاء على صاحبه ، ويا عظيما جاهه لا تغتر ؛ فإن الغرور رائد الهلاك. ومثال المنصوب قولهم : يا غاصبا ما ليس لك كيف تسعد؟ ويا آكلا مال غيرك ، كيف تنعم؟ وقول حافظ فى عمر بن الخطاب :
يا رافعا راية الشورى ، وحارسها *** جزاك ربك خيرا عن محبيها
1) فى رقم 2 من هامش ص 8 وهامش ص 16 وهو الرأى الكوفى المرجوح ، الذى يحتج بأن صورتهما كالمتضايفين. وكذلك صور بقية الأعداد المركبة ، ويوجب نصب صدورها.
2) هو جنادة العذرى ، ممن أدركوا الدولة الأموية.
3) هو النابغة الذبيانى. وصدر البيت : قالت بنو عامر : خالوا بنى أسد ... (يقال : خالى فلان قبيلته ، أى : تركها.) والمعنى : اتركوا بنى أسد ، ولا تجهلوا عليهم بالحرب - والبيت سبق فى ج 2 باب «حروف الجر» عند الكلام على اللام.
4) لأن المعمول إذا كان مجرورا بالإضافة كان المنادى هو المضاف ؛ فيدخل فى قسم المضاف ، لا الشبيه به.
5) طبقا للبيان الخاص بالنعت فى ص 27.
ومثال المجرور بالحرف وهما متعلقان بالمنادى قول شوقى :
يا طالبا لمعالى الملك مجتهدا *** خذها من العلم ، أو خذها من المال
وكذلك المستغاث المجرور باللام الأصلية كما سبق (1)، وكما يجىء).
ومثال المنادى المعطوف عليه قبل النداء ما سمى بمجموع المتعاطفين (2)من أسماء الأعداد المتعاطفة قبل مناداتها ، نحو : يا سبعة وعشرين - يا تسعة وأربعين ... و ... فى نداء المسمّى بهما معا. وتظل الواو عاطفة ، ومنه قول الشاعر فى نداء قصر يرثيه ، يسمى : خمسا وعشرين :
أخمسا وعشرين (3)صرت خرابا *** فكيف؟ وأنت الحصين المنيع
وقد سبقت أمثلة النغت قبلى النداء (4)
والمفرد المنكور ، والمضافا ، *** وشبهه ، انصب. عادما خلافا
يقول : انصب المفرد المنكور (وهو النكرة الباقية على تنكيرها ، وليست مضافة ولا شبيهة بالمضاف) وانصب كذلك المضاف ، وشبه المضاف ، بغير خلاف فى نصب الثلاثة ؛ إذ أنك لا تجد فى نصبها خلافا ذا قيمة. ثم انتقل بعد ذلك مباشرة إلى أبيات ثلاثة سبق شرحها وتفصيل الكلام عليها فى مناسباتها الخاصة (ص 26 وما بعدها) وهى :
ونحو : زيد ضمّ وافتحنّ من *** نحو : أزيد بن سعيد لا تهن
والضّمّ إن لم يل الابن علما *** أو يل الابن علم ، قد حتما
واضمم أو انصب ما اضطرارا نوّنا *** ممّا له استحقاق ضمّ بيّنا
.(ملاحظة عامة) من كل ما سبق يتبين أن قسمين من أقسام المنادى الخمسة - هما : المفرد العلم ، والنكرة المقصودة - يبنيان فى أكثر حالاتهما على الضمة أو فروعها ، وأن الثلاثة الباقية - وهى النكرة غير المقصودة ، والمضاف ، وشبهه - منصوبة دائما. ا
(ا) فى نداء الأعداد المتعاطفة (1)المسمّى بها قبل النداء - كالتى فى الصفحة السالفة - يلاحظ أن المعطوف والمعطوف عليه يجب نصبهما معا عند النداء ، بشرط أن يكونا - معا - علما على فرد واحد ، سمّى بهما قبل النداء ؛ فنصب المعطوف عليه واجب ؛ لأنه شبيه بالمضاف فى الطول ، ونصب المعطوف واجب ؛ لأنه تابع للمعطوف عليه (2)... وفى هذه الصورة يمتنع إدخال حرف النداء على المعطوف ، لأنه جزء من العلم يشبه الجزء الأخير من العلم : «عبد شمس» ، أو «عبد قيس» ، أو غيرهما من الأعلام المضافة والمركبة ؛ حيث لا يصح تكرار حرف النداء بين جزأى العلم عند مناداته.
وكذلك لو ناديت جماعة واحدة ، معينة ، مقصودة ، عدّتها هذه ، وأردت المجموع فيجب نصب الجزأين ؛ لأن المنادى نكرة مقصودة ، لكنها طالت ، بسبب العطف عليها ، فصارت من قسم الشبيه بالمضاف ، منصوبة ، وما بعد الواو معطوف منصوب مثلها.
أما إذا كان المنادى أحد الأعداد المعطوفة ، كخمسة وعشرين ، ونظائرها ، ولكن أردت بالأول وحده - وهو المعطوف عليه المنادى - جماعة معينة عددها خمسة ، وأردت بالثانى - وهو المعطوف - جماعة معينة أخرى ، عددها عشرون ، وجب بناء الأول على الضم ، لأنه نكرة مقصودة ، ووجب نصب الثانى أو رفعه (3)؛ مراعاة لمحل المتبوع ، أو لفظه ، من غير مراعاة لبنائه. والأرجح فى مثل هذه الصورة إدخال «أل» على الثانى ، لأنه اسم جنس أريد به معين ؛ فتدخل عليه «أل» لتفيده التعريف ، إذ لم يدخل عليه - مباشرة - حرف نداء يفيده ذلك ،
1) أى : المشتملة على معطوف عليه ومعطوف.
2) والإعراب السابق هو المختار عندهم. على الرغم من أن التسمية وقعت بكلمتين معا فإعراب كل واحدة منهما على حدة مشكل - كما جاء فى حاشية ياسين على التصريح فى هذا الموضع. ثم قالت ما نصه : «(إلا أن يقال : إن فى إعراب كلّ بالإعراب الذى استحقه المجموع ؛ دفعا للتحكم ؛ كقولهم الرمان حلو حامض)».
3) هذا الرفع صورى ظاهرى فقط ؛ طبقا للبيان الآتى فى رقم 3 من ص 51.
أما الحرف الموجود فهو داخل على الأول ، مقصور عليه. ولا مانع من الاستغناء عن «أل» هذه ، ومجىء حرف نداء مكانها ؛ ليفيد المعطوف تعريفا مباشرا ، ويجب فى هذه الصورة بناؤه على الواو ؛ لأنه نكرة مقصودة ، ولا تذكر معه «أل» ؛ إذ لا تجتمع مع حرف النداء إلّا على الوجه الذى سنشرحه فى الصفحة التالية.
(ب) وأيضا تعتبر النكرة المقصودة الموصوفة قبل النداء داخلة فى قسم الشبيه بالمضاف. وقد سبق شرحها وتفصيل الكلام عليها ... (1)
1) فى الزيادة والتفصيل ص 27 - «ا».
من أحكام النداء حكم عام تخضع له أقسامه الخمسة ، هو : أنه لا يجوز نداء المبدوء «بأل» فلا يصح الجمع بينه وبين حرف (1)النداء ، إلا فى إحدى الحالات الآتية :
(الأولى) : لفظ الجلالة : «اللّه» ؛ نحو : (يا ألله (2)، سبحانك!! أنت القادر على كل شىء ، المنعم بفيض الخيرات). والأكثر فى الأساليب العالية عند نداء لفظ الجلالة أن يقال : «اللّهمّ» ، وهو من الألفاظ الملازمة للنداء (3)، نحو (قل : اللّهمّ ، مالك الملك ؛ تؤتى الملك من تشاء ، وتنزع الملك ممّن تشاء ...) وكقول علىّ - رضى اللّه عنه - وقد مدحه قوم فى وجهه :د(اللّهمّ إنك أعلم بى من نفسى ، وأنا أعلم بنفسى منهم. اللّهم اجعلنى خيرا مما يظنون ، واغفر لى ما لا يعلمون).
ويقال فى إعرابه : «اللّه» منادى مبنى على الضم فى محل نصب ، والميم المشددة المفتوحة عوض عن حرف النداء : «يا». ومن الشاذ الجمع بينهما فى قول القائل :
إنى إذا ما حدث ألمّا *** أقول : يا اللّهمّ يا اللّهمّا
1) لا فرق فى المنع بين «يا» أو أخواتها. وسبب امتناع الجمع. وهذا مذهب البصريين - مسايرة الكلام العربى الفصيح ، فإنه يكاد يخلو من اجتماع أداتين ظاهرتين للتعريف ؛ كيا ، و «أل» أما دخول «يا» أو غيرها من أحرف النداء على العلم فلا مانع منه ، لأن العلمية ليست بأداة ظاهرة والكوفيون يجيزون الجمع بين «يا وأل» مطلقا - كما سيجىء فى هامش ص 38.
2) يجوز فى همزة «أل» عند نداء لفظ الجلالة - اللّه ، دون غيره - بالحرف «يا» أن تكون للقطع ، فتظهر وجوبا فى النطق وفى الكتابة ، وتثبت معها ألف «يا» فى النطق والكتابة. ويجوز اعتبارها همزة وصل ؛ فتحذف مع ألفها نطقا وكتابة معا ، وتحذف ألف «يا» نطقا فقط ؛ لا كتابة - وقد تحذف الهمزة وألفها وتبقى ألف «يا» نطقا وكتابة.
3) كما سيجىء فى ص 67.
ومن الجائز أن تحذف «أل» من أوله ، ويكثر هذا فى الشعر ، كقول القائل :
لاهمّ إنّ العبد يم *** نع رحله ؛ فامنع رحالك
وقول الآخر (1):
لاهمّ هب لى بيانا أستعين به *** على قضاء حقوق نام قاضيها
فتكون كلمة : «لاه» هى المنادى المبنى على الضم (2)
لاه ابن عمك لا أفضلت فى حسب *** عنى ، ولا أنت ديّانى ؛ فتخزونى ...
فأصلها «لله» حذفت من أولها لام الجر.
...ولا مانع أن يجىء بعد : «اللّهم» صفة له ؛ كقوله تعالى : ( قُلِ اللّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ... ) ويمنع هذا بعض النحاة ؛ بحجة أن الأسماء الملازمة للنداء (ومنها : اللّهمّ) ليست فى حاجة إلى الفائدة التى يحققها النعت لغيرها ، ويعرب الصفة إعرابا آخر ؛ - كأن تكون نداء مستأنفا فى الآية السالفة -. والأنسب الأخذ بالإباحة (3)...
(الثانية) : المنادى المشبّه به ؛ بشرط أن يذكر معه وجه الشبه ؛ كقولك لمغنّ : يا البلبل ترنيما وتغريدا أطربنا - يا الشافعى فقها وصلاحا سر على نهجه - يا المأمون ذكاء وبراعة أحسن محاكاته ، أى : يا مثل البلبل ... .
1) هو : حافظ إبراهيم ، فى مطلع قصيدته المشهورة بالعمرية ، فى سيرة عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه.
2) أما «لاه» التى تتردد فى النصوص القديمة كالتى فى قول الشاعر :
3) هذا ، وتستعمل صيغة : «الّلهم» فى النداء الحقيقى على الوجه السالف. وقد تستعمل قبل حرف من أحرف الجواب ؛ لتفيد الجواب تقوية وتمكينا فى نفس السامع ، وتأكيدا لمضمونه ؛ كأن يسأل سائل : أصحيح أن زكاة المال تقى صاحبها عوادى الأيام؟ فتجيب : اللّهم ، نعم. ومثل : أيخشى الحازم ركوب الأهوال لإدراك نبيل الأغراض؟ فتجيب : اللّهم ، لا. فكأنك تقول : واللّه ، نعم ، أو واللّه ، لا ، وقد تستعمل لإفادة الندرة ، والدلالة على قلة الشىء أو بعد وقوعه وتحققه ، كأن يقال : سأسافر لزيارة أخى. اللّهم إذا أبى أن يجىء ، وسأحدثه فى شئوننا الهامة ، اللّهم إذا لم يغضب. فمن النادر أو المستبعد أن يأبى الأخ زيارة أخيه ، أو الحديث معه. وتعرب فى الصورتين الأخيرتين - فى الرأى الأنسب - كما تعرب فى النداء الحقيقى. ولكن يزاد عند إعرابها : أن النداء غير حقيقى ، وأنه خرج عن معناه الأصلى إلى معنى آخر ؛ هو : تقوية الجواب وتمكينه وتأكيد مضمونه. أو إفادة الندرة والبعد ...
يا مثل الشافعىّ ... ، يا مثل المأمون ... ؛ فالمنادى فى الحقيقة محذوف ، قد حل محله المضاف إليه ، فصار منادى بعد حذفه. ولا يصح يا «القرية» على إرادة : «يا أهل القرية» لأن الشرط هنا مفقود ...
(الثالثة) : المنادى المستغاث (1)به ، المجرور باللام المذكورة ، نحو : يا للوالد للولد. فإن لم يكن مجرورا باللام المذكورة لم يصح الجمع بين «يا» و «أل» فلا يقال : يا الوالدا للولد.
(الرابعة) : اسم الموصول المبدوء «بأل» بشرط أن يكون مع صلته علما ؛ نحو : يا ألذى (2)كتب ؛ فى نداء مسمّى بالموصول مع صلته. والأنسب هنا أن يقال فيه : «إنه مبنى على ضمّ مقدر على آخره منع من ظهوره الحكاية - فى محل نصب.» لأنه فى هذه الصورة داخل فى عداد الأشياء الملحقة بالمفرد العلم.
فإن لم توجد الصلة مع الموصول المبدوء بأل ، وكانت التسمية بالموصول وحده لم يصح نداؤه ؛ فلا بد لصحة ندائه أن تكون الصلة جزءا من العلم.
(الخامسة) : نداء العلم المنقول من جملة اسمية مبدءوة «بأل» ؛ نحو : الرّجل زارع ؛ تقول : يا ألرجل (3) زارع ، سر على بركة اللّه.
(السادسة) : العلم المبدوة «بأل» إذا كانت جزءا منه (4) ، يؤدى حذفها إلى لبس لا يمكن معه تعيين العلم المنادى ؛ نحو : يا ألصاحب - يا ألقاضى - يا ألهادى ، فيمن اسمه : ألصاحب بن عبّاد ، وألقاضى الفاضل - وألهادى الخليفة العباسى ، وأمثالها ، ولا التفات إلى الخلاف بين النحاة فى هذا.
1) سيجىء باب «الاستغاثة» وأحكامها فى ص 76. وأما الجمع فيها بين : «يا وأل» ففى رقم 3 من ص 81.
2) الهمزة هنا للقطع بعد أن صارت فى أول علم ؛ فيجب إثباتها نطقا وكتابة فى كل الأحوال ؛ لأن المبدوء بهمزة وصل إذا سمى به يجب قطع همزته ؛ لا فرق بين الفعل وغيره ، ولا بين الجملة وسواها إلا لفظ الجلالة : (اللّه) فله عند النداء الأحكام الخاصة التى سبقت فى رقم 2 من هامش ص 35 وقد نص الخضرى والصبان على ما تقدم ، وهو المفهوم أيضا من كلام «التصريح.» ولهذا إشارة فى رقم 3 من هامش ص 106 ويجىء له بيان أكمل فى رقم 2 من هامش ص 235.
(السابعة) : الضرورات الشعرية كقول الشاعر :
فيا الغلامان اللذان فرّا
إيّا كما أن تعقبانا شرّا
... (1)
وفيما سبق من حكم اجتماع «أل» وحرف النداء يقول ابن مالك مقتصرا على بعض المواضع :
وباضطرار خصّ جمع «يا» و «أل» *** إلّا مع اللّه ، ومحكىّ الجمل
والأكثر : اللّهمّ ؛ بالتّعويض *** وشذّ : يا «اللّهمّ» فى قريض
(فى قريض : فى شعر). وقد نص الناظم على امتناع الجمع بين «يا» و «أل» وهذا النص للتمثيل المجرد وليس مقصودا به التقييد بالحرف «يا» لما شرحنا من أن الجمع الممنوع يشمل يا مع «أل» كما يشمل أخوات «يا» مع «أل» أيضا.
.1) وهذا رأى البصريين. أما الكوفيون فيجيزون الجمع بين : «يا وأل» فى غير الضرورة - كما تقدم فى رقم 1 من هامش ص 35
أحكام تابع المنادى (1)
من المنادى ما يجب نصب لفظه ، ومنه ما يجب بناؤه على الضم ، ومنه ما يصلح للأمرين. وليس للمنادى حكم آخر فى حالة الاختيار ، إلا فى الاستغاثة - وما فى حكمها - عند جر المنادى باللام ، كما سنعرف فى بابها (2).
(ا) فإن كان المنادى منصوب اللفظ وجوبا وتابعه نعت ، أو عطف بيان ، أو توكيد - وجب نصب التابع مطلقا (3)؛ مراعاة للفظ المتبوع ؛ نحو ، يا عربيّا مخلصا لا تغفل مآثر قومك ، وقول الشاعر :
أيا وطنى العزيز رعاك ربى *** وجنّبك المكاره والشرورا
وقول الآخر :
يا ساريا فى دجى الأهواء معتسفا (4)*** مآل أمرك للخسران والندم
ومثل : أجيبوا داعى اللّه يا عربا أهل اللغة الواحدة ، والروابط الوثيقة. أو : يا عربا كلّكم أو كلّهم (5)... و ...
1) أكثر النحاة من الخلاف المرهق والترفيع الشاق فى هذا الباب. وقد صفينا كل أحكامه وفروعه جهد الاستطاعة ، مع البسط الذى لا غنى عنه أحيانا. ، ثم ختمناه بملخص لا يتجاوز أسطرا ، فيه غنية للشادى ، ومن لا يريد بسطا. والتوابع أربعة معروفة ، (هى : النعت ، والعطف بنوعيه ، والتوكيد ، والبدل.) وسبق إيضاحها وتفصيل الكلام عليها فى آخر الجزء الثالث.
2) ص 76.
3) أى : سواء أكان هذا التابع مقرونا بأل ، أم غير مقرون - على الراجح فيهما - مضافا ، أم غير مضاف.
4) يصح إعراب «معتسفا» نعتا ، أو حالا ؛ لوقوعها بعد نكرة موصوفة ؛ هى : ساريا.
5) الضمير المصاحب لتابع المنادى يصح أن يكون للغائب أو للمخاطب. وهذه قاعدة عامة ، تسرى على توابع المنادى المنصوب اللفظ وغير المنصوب ، إلا إذا كان التابع اسم إشارة ، فلا يصح أن يتصل بآخره علامة خطاب. وكذلك إن كان اسم موصول بالتفصيل الهام الآتى فى رقم 2 من هامش ص 5. وتطبيقا لهذه القاعدة العامة نقول : يا عربا كلكم أو كلهم ، أجيبوا داعى اللّه - يا هارون نفسك أو نفسه خذ بيد أخيك - يا هذا الذى قمت أو قام ؛ أسرع للصارخ.
وإن كان التّابع بدلا أو عطف نسق مجردا من «أل» (1)فالأحسن أن يكون منصوب اللفظ كالمتبوع ؛ مثل : بوركت يا أبا عبيدة عامرا ؛ فلقد كنت من أمهر قواد الفتح الأوّل. أو : بوركتما يا أبا عبيدة وخالدا ... ولا داعى للتمسك بالرأى الذى يجعلهما فى حكم المنادى المستقل - وهو القسم الرابع الآتى (2)-.
فالنصب هو الحكم العام لجميع توابع المنادى المنصوب اللفظ وجوبا ، مع اشتراط التجرد من «أل» فى : «عطف النسق» (3). غير أن نصب التوابع يكون واجبا فى بعضها ، وجائزا مستحسنا فى بعض آخر ؛ طبقا للبيان السّالف (4)
وهذا الكلام مردود من ناحيتين . (وحبذا تركه ، وترك الرد عليه ، الاكتفاء بالحكم السالف الذي ارتضيناه) أولاهما : أن القاعدة التي يتمسكون بها ليست قاعدة مطردة ، ولا محل اتفاق ، فالذي لا يؤمن بها - لأسباب عنده قوية - لا يجد مسوغا لإعراب التابع هنا منادى مبنيا على الضم ، إذ لا وجه لهذا الإعراب عنده.
ثانيتهما : أن اعتبار التابع منادى بحرف ملحوظ مقدر ، أو بالحرف المذكور في صدر الجملة (عند من يرى هذا) سيخرج التابع من نطاق التبعية ويدخله فى نطاق آخر ليس موضوع البحث ؛ هو نطاق : «المنادى». لهذا تساءل بعض المحققين : كيف نقول في أمثال تلك الكلمة إنها مبنية على الضم لتبعيتها المنادى ، مع أن التبعية إما أن تكون لمراعاة اللفظ أو المحل ، والمنادى هنا منصوب مباشرة ، ليس له محل فكيف نعتبرها تبعا له؟ ... (راجع حاشية ياسين على شرح التوضيح في هذا الموضع).
وشيء آخر أهم من الجدل السالف ؛ هو ما نص عليه سيبويه - فى الجزء الأول من كتابه ص 304 - قال للخليل : أرأيت قول العرب : يا أخانا زيدا أقبل ؟ قال : عطفوه (أى : عطف بيان) على هذا المنصوب ؛ فصار نصبا مثله. وهو الأصل ؛ لأنه منصوب في موضع نصب. وقال قوم : يا أخانا زيد - بالبناء على الضم - وقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله ، وهو قول أهل المدينة. قال هذا بمنزلة قولنا : يا زيد ؛ كما كان قوله : يا زيد أخانا. بمنزلة : «يا أخانا» فيحمل وصف المضاف إذا كان مفردا ، (أى : الحكم على هيئته وحاله إذا كان غير مسبوق بحرف نداء مباشر) بمنزلته إذا كان منادى. ويا أخانا زيدا أكثر فى كلام العرب لأنهم يردونه إلى الأصل ...)». ا ه
ومن هذا النص الحرفى يتبين أن النصب هو الأصل ، وأنه الأكثر فى المسموع ، وهذا هو الأهم. فلم نعدل عنه إلى غيره مما ليس له قوته ، ولا كثرته ، ولا وضوحه ، وإن قال به قوم ، أو اعتبروه عطف بيان ، برغم وضوح البدلية في المثال.
ب . أما عطف النسق المجرد من «أل» فيقولون : إن حرف العطف معه بمنزلة عامل النداء فكأن حرف العطف داخل على منادى مستقل تجرى عليه أحكام المستقل ، فيبنى على الضم في مثل : بوركت يا أبا عبيدة وخالد ؛ لأنه مفرد علم ، وينصب في مثل : بوركتم يا جنود الفتح وأبا عبيدة ، بنصب كلمة «أبا» معربة. فما معنى أن حرف العطف بمنزلة العامل؟ إن قلنا في كلمة : «خالد» إنها منادى ، فليست إذا بمعطوفة ؛ لأن العطف يقتضى نصبها. وإن قلنا إنها معطوفة على ما قبلها فما قبلها منصوب. فمن أين جاء البناء على الضم؟ قد يقال : إنه على تقدير حرف النداء المحذوف : «يا» وحرف النداء مع المنادى جملة معطوفة على الجملة الندائية الأولى ، فلم يعتبر التابع هنا منادى ، مع أنه لو وصف بكلمة : «ابن» أو «ابنة» لم يعتبر ...؟. وفى هذا كله من الحذف والتقدير والضعف من بعض النواحي ما يقتضى تفضيل الرأي الذي يبيح النصب ، وهو . رأى يؤيده السماع أيضا...
هذا وإباحة النصب واستحسانه تشمل المبدوء بأل ، والمجرد منها غير أن الأفضل في المبدوء بأل أن يكون نصبه راجعا لاعتباره معطوفا على المنادى ، أو لاعتباره مفعولا به لفعل محذوف ، أو منصوبا بعامل آخر يقتضى النصب ولا يصح اعتباره منادى بحرف نداء محذوف ؛ لما يترتب على هذا من الجمع بين «أل» وحرف النداء في غير المواضع التي يباح فيها الجمع. (انظر ما يتصل بالحكم السابق ، في رقم 4 من ص 51)
...1) وكذا المبدوء بأن ؛ طبقا لما يأتى فى نهاية البيان الذى فى رقم 4 من هامش هذه الصفحة.
2) فى ص 51.
3) إلا على الرأى الآتى فى نهاية البيان الذى فى رقم 4 من هامش هذه الصفحة.
4) يكاد النحاة يتفقون على الحالات الثلاث السالفة التى يجب فيها نصب توابع المنادى. أما التى يجوز فيها النصب - وهى حالة البدل ، وعطف النسق المجرد من «أل» - فرأيهم مضطرب ، وخلافهم بعيد المدى. فجمهرتهم - وهذا غريب - توجب اعتبار كل منهما بمنزلة منادى مستقل ، يخضع لحكم المنادى المستقل - ا - فتقول فى البدل : بوركت يا أبا عبيدة عامر ... ببناء كلمة : «عامر» على الضم ؛ لأنها مفرد علم. ويقولون : بوركت يا أمير الجيش أبا عبيدة ؛ بنصب كلمة : «أبا» لأنها فى حكم المنادى المضاف. وقد بنوا حكمهم هذا على أساس (أن البدل على نية تكرار العامل) ولما كان العامل هنا - فى رأيهم - هو حرف : «يا» أو أحد أخوته كان مقدرا وملحوظا قبل البدل أيضا ، فكأنما تقول : «يا عامر ، ويا أبا عبيدة». فالبدل بمنزلة منادى جديد يخضع لحكم النداء كما قلنا.
وهناك حالة يجب فيها جرّ التابع - فى رأى أكثر النحاة - هى التى يقع فيها المتبوع (المنادى) مجرورا باللام - وهذا لا يكون إلا فى الاستغاثة ، وما فى حكمها - نحو : يا للوالد والوالدة للأولاد (1)
وسيجيء في ص 44 وفي باب الاستغاثة، ص 79.
.ويجيز فيه فريق من النحاة أمرين : الجر مراعاة للفظ المنادى ، والنصب
1) لا يجوز عند أصحاب هذا الرأى ، إلا الجر فى التابع ؛ لأن المتبوع - المنادى - مجرور اللفظ بحرف جر أصلى. وإذا كان المنادى المستغاث مختوما بزيادة ألف الاستغاثة ، نحو : يا عليّا ، ومحمودا لم يجز فى توابعه الرفع عند فريق ، فلا يصح : «ومحمود» لأن المبتوع مبنى على الفتح ، ويجوز عند فريق آخر الرفع والنصب ؛ لاعتبار المنادى مبنيا على ضم مقدر ، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة - فى محل نصب ؛ فيجوز فى توابعه الرفع الشكلى والنصب. وهذا الرأى أوضح وأنسب -
مراعاة لمحله. وهذا الرأى أحسن - كما سيجىء (1)فى بابها (2)... -
(ب) وإن كان المنادى مبنيّا وجوبا على الضم - لفظا أو تقديرا - فتوابعه إما واجبة النصب فقط ، وإما واجبة الرفع الشكلىّ فقط ، وإمّا جائزة الرفع الشكلىّ والنصب ، وإما بمنزلة المنادى المستقل. وفيما يلى بيان هذه الحالات الأربع :
1 - يجب - على الأشهر - نصب التّابع ؛ مراعاة لمحل هذا المنادى ، ولا يصح مراعاة لفظه ، فى صورة واحدة ، هى : أن يكون التابع نعتا (3)، أو عطف بيان ، أو توكيدا ، بشرط أن يضاف التابع فى الثلاثة إضافة محضة - وهذه تقتضى أن يكون المضاف مجردا من «أل» - ؛ كقولهم : يا زياد أمير العراق بالأمس ، نشرت لواء الأمن ، وطويت بساط الدّعة - يا أهرام أهرام الجيزة ، أنتنّ من عجائب الآثار - شرّ الإخوان من يساير الزمان ؛ يقبل معه ويدبر معه ؛ فاحذروا هذا يا أصدقاء كلّكم (4).
فإن لم يتحقق الشرط خرجت التّوابع المذكورة من هذا القسم ودخلت فى الحالة الثالثة الآتية (5)(حيث يصح فيها الرفع الصّورى ؛ مراعاة شكلية للفظ المنادى. والنصب مراعاة لمحله) ؛ كأن يقع التابع مفردا مقرونا بأل (6)؛ مثل : يا زياد الأمير ، أو خاليا من «أل» ومن الإضافة المحضة (7)؛ مثل : يا رجل محمد - بالتنوين (8)- أو محمدا ، أو يكون مضافا إضافة غير محضة (9)
(راجع الصبان والخضرى فى هذا الموضع ؛ ولها بيان سابق فى ج 3 «باب الإضافة» عند الكلام على أثر الإضافة - م 93 رقم 2 من هامش ص 29 وكذلك فى باب النعت هناك عند الكلام على المطابقة م 114 ص 365).
؛ نحو : يا مسافر راكب (10) السيارة ، أو1) ص 76.
2) وإذا عملنا بهذا الرأى صار النصب حكما عاما يشمل جميع أنواع التابع للمنادى المثصوب بالتفصيل السالف.
3) بشرط ألا يكون منعوته (المنادى) اسم إشارة ، ولا كلمة : «أىّ» أو : أية ... - وإلا وجب رفع النعت صورة. لدخوله فى حكم الحالة الآتية الخاصة به ، وهى الثانية.
4) انظر رقم 5 من هامش ص 39.
5) انظر ص 51. ويتضح الرفع الصورى بما فى رقم 2 من هامش ص 45.
6) انظر رقم 1 من هامش ص 51.
7) سبق الكلام عليها مفصلا أول الجزء الثالث.
8) سبق الكلام عليها مفصلا أول الجزء الثالث.
9) لا يقال فى هذا المثال وأشباهه إن النعت نكرة ، بسبب إضافته غير المحضة مع أن المنعوت معرفة بالقصد والإقبال مع النداء ، بسبب أنه نكرة مقصودة - لا يقال هذا ؛ لما سبق فى رقم 1 من هامش ص 27 ؛ وفى ص 28 وفى «د» ص 29 من أنه يتسامح فى التعريف الطارئ كتعريفها. ولهذا لا يصح أن ينعت بالمضاف المذكور إلا النكرة المقصودة
الراكب السيارة ، حاذر عواقب الإسراع. أو يكون عطف نسق ، أو بدلا ، ولهذين حكمها الخاص .... إلى غير هذا مما سيجىء بيانه مفصلا (1)
تابع ذى الضّم المضاف دون «أل» *** ألزمه نصبا ؛ كأزيد ذا الحيل
(المراد : «بذى الضم» ، هو المنادى المبنى على الضمة ، وما ينوب عنها ، من كل ما يكون فى آخر المنادى العلم ، والنكرة المقصودة. ويشمل المبنى قبل النداء).
يقول : إن تابعه المضاف المجرد من «أل» يلتزم النصب ، ومثل بمثال هو : «أزيد» ذا الحيل ، أى : يا زيد ؛ صاحب الحيل. فالمنادى : زيد ، مبنى على الضم ، وتابعه هو «ذا» نعت منصوب بالألف وهو مضاف ، و «الحيل» مضاف إليه. وقد يفهم من ظاهر البيت أن جميع توابع المنادى المبنى على الضم لازمة النصب ، بشرط الإضافة والخلو من «أل» وكذلك توابع المنادى الذى ليس مبنيا على الضم ، وهو المنادى المنصوب اللفظ - لكن يمنع من هذا الفهم ويزيله قوله بعد ذلك مباشرة :
وما سواه ارفع أو انصب ، واجعلا *** كمستقلّ نسقا وبدلا
فقد صرح فى هذا البيت بأن حكم عطف النسق والبدل كحكم المنادى المستقل (يعربان فى حالات ويبنيان فى حالات) وما عداهما مما لا يدخل فى نطاق البيت الأول واختصاصه يجوز رفعه ونصبه. ولما كان بيته الثانى يدل على أن عطف النسق مطلقا (مجردا من أل أو مقرونا بها) يجرى عليه حكم المنادى المستقل وهذا غير صحيح إلا فى المجرد - أسرع وتدارك الأمر فى البيت الثالث حيث يقول :
وإن يكن مصحوب «أل» ما نسقا *** ففيه وجهان ، ورفع ينتقى
(ينتقى - يختار) كذلك يفهم من البيت الثانى أن الرفع والنصب جائزان فى تابع المنادى إذا كان المنادى «أى» أو «أية». وهذا غير صحيح كما شرحناه فى القسم الثانى الواجب رفعه. ولمنع هذا الفهم صرح بأن النعت بعدهما يجب رفعه واقترانه «بأل» وأنهما لا يوصفان إلا بمرفوع مقترن بها. وكذلك اسم الإشارة المنادى لا يكون نعته إلا مرفوعا مقترنا بها (وله تفصيلات أوضحناها فى الشرح الآتى) يقول :
و «أيّها» مصحوب «أل» بعد صفه *** يلزم بالرفع لدى ذى المعرفه
و «أىّ هذا» «أيّها الّذى» ورد *** ووصف : «أىّ» بسوى هذا يرد
وذو إشارة كأىّ فى الصّفه *** إن كان تركها يفيت المعرفه
... ه1) فى ص 51 - إلى وجوب النصب السالف أشار ابن مالك فى باب مستقل عنوانه : «فصل» قائلا :
(وتجب الإشارة إلى أن حركة التّابع المرفوع على الوجه السالف ليست حركة إعراب ولا بناء ؛ ولذلك ينوّن إذا خلا من أل والإضافة (1)و ... فهى طارئة لتحقيق غرض معيّن ، هو : المشاركة الصّورية فى المظهر اللفظى بين التابع والمتبوع ؛ فلا تدل على شىء غير مجرد المماثلة الشكلية. ومن التساهل فى التعبير - أن يقال فى ذلك التابع إنه مرفوع. أما الإعراب الدقيق فهو : أنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها ضمة الإتباع الشكليّة للفظ المنادى - كما سيجىء فى القسم الثالث -).
ومن النحاة من يوجب النصب فى صورة ثانية ؛ هى التى يكون فيها المنادى المبنى على الضمّ مختوما بألف الاستغاثة ؛ نحو : يا جنديّا وضابطا ، أدركا المستغيث. فلا يجوز عنده فى التابع - مهما كان نوعه ، ومنه كلمة : (ضابطا) فى المثال - إلا النصب مراعاة لمحل المنادى المبنى على الفتح الطارئ بسبب الألف. لكن التحقيق والترجيح يقطعان بجواز النصب ، وبجواز الرفع المباح فى توابع المنادى المبنى على الضم (2).
2 - ويجب رفع التّابع مراعاة شكلية للفظ ذلك المنادى فى صورتين :
إحداهما : أن يكون التابع نعتا ، ومنعوته - المنادى - هو كلمة : «أىّ» فى التذكير ، «وأيّة» فى التأنيث ؛ كقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ... ) ، وقوله تعالى : ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ... ) ، «فأىّ وأيّة» مبنيتان على الضم فى محل نصب ، لأن كلا منهما منادى ، نكرة مقصودة. و «ها» حرف تنبيه زائد زيادة لازمة لا تفارقهما (3)وكلمتا : «الناس والنفس». (وأشباههما) ، نعتان متحركان بحركة مماثلة وجوبا لحركة المنادى ؛ مراعاة لمظهره الشكلى فقط ، مع أنه مبنى ، وهما صفتان معربتان ، منصوبتان محلّا ، لا لفظا (4)(أى : أنّهما منصوبتان تبعا لمحل المنادى)
1) - كما سيجىء فى ص 51 - لأن المبنى لا ينون فى الغالب.
2) راجع ما سبق فى رقم 1 من هامش ص 41 وما يأتى فى ص 79.
3) ويجوز حذف ألفها وتحريكها بالضم إذا لم يقع بعدها اسم إشارة.
4) والمازنى يجيز فى لفظهما النصب أيضا ، وكذا فى أشباههما مما يكون نعت : «أى أو أية» وله ما يؤيده من السماع ، ومن بعض القراءات القرآنية - وإن كانت شاذة - كما صرح بهذا الصبان.
بفتحة مقدرة على الآخر ، منع من ظهورها ضمة المماثلة للفظ المنادى فى صورته الشكلية ؛ فالضمة التى على آخرهما هى الحركة الطارئة للمشاكلة ، ولا توصف بإعراب ، ولا بناء - كما تقدم - (1)
و «أيّها» مصحوب «أل» بعد صفه *** يلزم بالرّفع لدى ذى المعرفه
(بعد ، الأصل : بعد كلمة : «أيها») يريد : ما كان نعتا مبدوءا بأل بعد كلمة : أيها - يلزم بالرفع ، ويقتصر عليه. ثم بين بعد ذلك ما يصلح نعتا لأى وأية عند النداء ، مقتصرا على اسم الإشارة والموصول :
و «أىّ هذا» «أيّها الّذى» ورد *** ووصف أىّ بسوى هذا يرد
يريد : ورد عن العرب : «أى هذا ، وأيها الذى» ؛ فالنعت الوارد مقصور على اسم الإشارة والاسم المبدوء بأل. ونعت «أى» بغيرهما يرد ، أى : يرفض ويستبعد.
وكما يجب الإتباع بالرفع الشكلى الصورىّ فى صفة «أىّ وأيّة» يجب - فى الشائع - كذلك فى صفة صفتهما ، وفى كل تابع آخر للصفة - ففى مثل : بارك اللّه فيك يأيّها الطبيب الرحيم ، يتعين الرفع وحده فى كلمة : «الرحيم» التى هى صفة للصفة ، لعدم ورود السماع بغيره ، بالرغم من أن المنعوت - الطبيب - فى محل نصب ، فعدم ورود السماع بالنصب يقتضى امتناع نصب التابع ، وعدم إباحته مطلقا ؛ لا لفظا ولا محلا (2)
ثم قال الأشمونى :
إنما لزم رفع التابع لأنه المقصود بالنداء ، وقد جاءت «أىّ» وصلة ووسيلة لنداء ما فيه «أل» وهنا قال الصبان ما نصه الحرفى :
(«قوله : إن المقصود بالنداء هو التابع» - ومع ذلك ينبغى ألا يكون محله نصبا ؛ لأنه بحسب الصناعة ليس مفعولا به ، بل تابع له. ويؤيد هذا قول المصنف ، وسيذكره الشارح (الأشمونى) أيضا : إنه لو وصفت صفة «أى» تعين الرفع). اه
ومن الكلام السابق تبين صراحة أن التابع لا يكون هنا منصوبا مطلقا ، لا لفظا ، ولا محلا. لكن الصبان قال بعد ذلك كلاما قويا موافقا للضوابط والأصول العامة يعترض على ما سبق ونصه :
(أنا أقول يرد عليه أن تابع ذى محل ، له محل متبوعه. وحينئذ ينبغى أن يكون محل تابع «أىّ» نصبا ، وأن يصح نصب نعته. ويؤيده ما قدمناه - قريبا قبل ذلك بصفحتين - عن الدمامينى فى : «يا زيد الظريف صاحب عمرو» أنه قدر : «صاحب عمرو» نعتا للظريف ، لفظ به كما يلفظ النعت ؛ إن رفعا فرفع ، وإن نصبا فنصب ، على ما بيناه سابقا. اللّهم إلا أن يكون منع نصب نعت تابع «أىّ» لعدم سماعه أصلا.
«نعم يصح ما بحثه من أنه ليس لتابع «أى» محل نصب ، ولا يجوز نصب نعته على اعتبار أن رفع التابع هو رفع إعراب ، وأن عامله فعل مقدر مبنى للمجهول ، والتقدير : «يدعى العاقل» كما مر. لكن ما بعد «أى» على هذا التقدير ليس تابعا لأى فى الحقيقة ، فلا يظهر حمل كلامه على هذا مع قوله : إنه تابع له. فتأمل). ا ه
فالصبان يرى أن تابع «أىّ» لابد أن يكون منصوبا محلا مثل المتبوع «أى» (لأن كلمة «أىّ» مبنية على الضم فى محل نصب) والشأن فى التابع - دائما - أن يكون له محل كمحل المتبوع. وهذا كلام صحيح قوى لا يعترض الأخذ به إلا عدم ورود السماع به ، وللسماع الأهمية الأولى فى انتزاع حكم لا يعتوره عيب أو ضعف .. من أجل ذلك كان الاقتصار على رأى الأشمونى - ومن وافقه - أنسب ؛ مبالغة فى الاحتياط ؛ لأنه رأى متفق عليه ، إذ لا يعترض عليه الصبان - أو غيره - وإنما يرى الصبان أن يزيد عليه إباحة النصب المحلى ، وهذه الإباحة قد أضعفها عدم ورود السماع بها.
... .1) انظر ص 48 - وإلى هذه الصورة يشير ابن مالك بقوله السالف :
2) يحتاج هذا الحكم إلى نوع من التفصيل والإيضاح الذى يزيل أثر الخلاف النحوى ، واضطراب الآراء فيه :نقل الأشمونى - وغيره - أن كلمة : «أىّ» إذا نوديت كانت نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها «ها» التنبيه ، وتؤنث «لفظا» لتأنيث صفتها ؛ نحو : يأيها الإنسان - يأيتها النفس ... ويلزم تابعها الرفع. وليس المراد بالرفع رفع الإعراب ، وإنما المراد به ضمة الإتباع التى يقصد بها مجرد المشاكلة والمماثلة لحركة المتبوع. وهذه الضمة لا توصف بإعراب ، ولا بناء ؛ - كما قرره الصبان ، وبسطناه من قبل - وأجاز المازنى فى هذا التابع نصبه ، قياسا على غيره من تابع أنواع المنادى المبنى على الضم ...
ثانيتهما : أن يكون التابع نعتا ، والمنعوت - المنادى - اسم إشارة للمذكر ، أو للمؤنث ؛ جىء به للتوصل إلى نداء المبدوء «بأل» (1)
وذو إشارة كأىّ فى الصفه *** إن كان تركها يفيت المعرفه
(ذو إشارة : المنادى الذى هو إشارة). يريد : أن المنادى إذا كان اسم إشارة فإنه يحتاج - كأى - إلى نعت معرفة مرفوعة مقرونة «بأل» من اسم جنس ، أو اسم موصول. ولا يصح هنا أن يكون نعته اسم إشارة مثله. وبين أن حاجة اسم الإشارة للنعت واجبة إن أدى ترك النعت إلى عدم معرفة المشار إليه. أما إذا لم يؤد لذلك فالنعت ليس واجبة.
؛ لأن المبدوء بها لا يجوز مناداته بغير واسطة ، إلا فى بعض مواضع سبقت (2)- نحو : يا هذا السائح ، لا تتعجل فى حكمك ، ويا هذه السائحة لا تتعجلى ... فالمنادى مبنى على ضم مقدر فى محل نصب ؛ فيجب رفع النعت فى المثالين وأشباههما ، رفعا صوريّا ؛ لا يوصف بإعراب ، ولا بناء - كما سبق - وإنما هو رفع جىء به مراعاة شكلية للضم المقدر فى اسم الإشارة المنعوت - المنادى - ولا يصح النصب ؛ لأن النعت هنا بمنزلة المنادى المفرد المقصود ، لا يصح نصب لفظه نصبا مباشرا. .ووجود النعت على هذه الصورة ضرورىّ ، ليدل على المشار إليه ، ويكشفه. ويجب مطابقة اسم الإشارة للمشار إليه فى الإفراد والتذكير وفروعهما.
أما إن كان المراد نداء اسم الإشارة فيجوز فى التابع الأمران (1)- كما سيأتى فى القسم الرّابع.
1) لأن التابع سيعرب فى هذه الحالة صفة ، أو عطف بيان ، وكلاهما مفرد ، فيدخل فى القسم الرابع الذى يجوز فيه الأمران.
1 - يجب إفراد «أىّ ، وأيّة» عند وقوعهما منادى ، فلا يصح أن تلحقهما علامة تثنية ، أو جمع ؛ سواء أكانت صفتهما مفردة أم غير مفردة ؛ نحو : يأيها الناصح اعمل بنصحك أوّلا - يأيها المتنافسان ترفّعا عن الحقد - يأيها الطلاب أنتم ذخيرة البلاد. يأيتها الناصحة اعملى ... - يأيتها المتنافستان ... - يأيتها الطالبات اعملن ...
أما من جهة التأنيث والتذكير فالأفضل الذى يحسن الاقتصار عليه عند النداء - وإن كان ليس بواجب - هو أن تماثل كل منهما صفتها ، فمثال التذكير ما سبق ، ومثال التأنيث أيضا : يأيتها الفتاة أنت عنوان الأسرة - يأيتها الفتاتان أنتما عنوان الأسرة - يأيتها الفتيات أنتن عنوان الأسرة. ويجوز فى «أىّ» المجردة من التاء ، عدم المماثلة (ولكنه ليس الأحسن) فتظل بصورة واحدة للمذكر والمؤنث. ولا يصح هذا فى «أيّة» المختومة بالتاء ، فلا بد من تأنيث صفتها المؤنثة.
ولا بد من وصف «أىّ وأية» عند ندائهما ؛ إمّا باسم تابع فى ضبطه لحركتهما اللفظية الظاهرة وحدها (1)معرّف بأل الجنسية فى أصلها ، وتصير بعد النداء للعهد الحضورى ، وإما باسم موصول مبدوء بأل (2)
وقد أشرنا لما سبق في ج 1 م 19 ص 184 وفي ص 343 أيضا.
، وإما باسم إشارة مجرد من كاف1) يجيز فيه بعض النحاة النصب - طبقا لما سبق فى رقم 4 من هامش ص 44 - مراعاة للمحل كنظائره - أما الذين يمنعون النصب فحجتهم أن نصبه لم يرد فى المسموع.
2) اشترط «الهمع» (ج 1 ص 175) أن يكون الموصول مصدرا بأل ، وصلته خالية من الخطاب ؛ فلا يقال : يأيها الذى قمت. فى حين نقل الصبان (ج 3 أول فصل : تابع المنادى) صحة ذلك قائلا ما نصه : (ويجوز : يأيها الذى قام ، ويأيها الذى قمت). اه. والظاهر أن الذى منعه «الهمع» ليس بالممنوع، ولكنه غير الأفصح فى الكلام المأثور ؛ بدليل ما قرره أكثر النحاة ونصه : (كما نقله الصبان ج 3 أول تابع المنادى ؛ تعليقا على المثال النحوى الذى عرضه الأشمونى ؛ وهو : يا تميم كلهم ، أو كلكم): «الضمير فى تابع المنادى يجوز أن يكون بلفظ الغيبة ؛ نظرا إلى كون لفظ المنادى اسما ظاهرا ، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة ، وبلفظ الخطاب ؛ نظرا إلى كون المنادى مخاطبا ؛ فعلمت أنه يجوز أيضا يا زيد نفسه ، أو نفسك. قاله الدمامينى ...». ا ه ثم قال الصبان بعد ذلك : (ويجوز يأيها الذى قام ويأيها الذى قمت). ا ه.
الخطاب (1)، ويتحتم - فى الرأى الأشهر والأولى - أن يكون اسم الموصول واسم الإشارة تابعين فى ضبطهما لحركة المنادى الشكلية الظاهرة وحدها ؛ فيكون كل منهما مبنيا فى محل رفع فقط (2)؛ تبعا لصورة المنعوت - المنادى - نحو : يأيها العلم الخفاق ، تحية ، ويأيتها الراية العزيزة سلمت على الأيام ، أو يأيها الذى يخفق فوق الرءوس ، تحية ، ويأيتها التى ترفرفين سلمت ... ومن الأمثلة قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) ، وقول الشاعر :
أيها ذا الشاكى وما بك داء *** كن جميلا تر الوجود جميلا
فإن كانت «أل» ليست جنسيّة ؛ بأن كانت زائدة فى أصلها للعهد ، أو للمح الأصل أو للغلبة ... لم يصح النعت بما دخلت عليه ؛ فلا يقال : يأيها السيف ، ولا يأيها الحرب ، لرجلين اسمهما : سيف وحرب ، ولا يأيها المحمدان ... أو المحمدون. وكذلك لا يقال : يأيها ذاك العالم ؛ لاشتمال الإشارة على كاف الخطاب (3). وإذا وصفت «أىّ وأيّة» باسم الإشارة السالف فالأغلب وصفه أيضا باسم مقرون بأل ، كالبيت المتقدم (4)...
2 - إذا اقتضى الأمر وصف اسم الإشارة المنادى أو غير المنادى فالأغلب أن يكون الوصف معرفة مبدوءة بأل الجنسية بحسب أصلها (وتصير بعد النداء للعهد الحضورى). أو : باسم موصول مبدوء «بأل» (5)، نحو : يا هذا المتعلم ، حصّن نفسك بالخلق الكريم ، والطبع النبيل ؛ فإن فى هذا التحصين كمال الغاية ، وتمام المقصد - يا هؤلاء الذين آمنوا كونوا أنصار اللّه ... ولا يصح أن يكون النعت اسم إشارة (6).
1) منعا لاشتمال الجملة الواحدة - فى غير الندبة - على خطابين لشخصين مختلفين ، بالإيضاح الذى سبق (فى رقم 6 من هامش ص 30) سواء أوجدت إضافة ؛ كالمثال الذى هناك ، أم لم توجد ؛ كالمثال الذى هنا.
2) منعا لاشتمال الجملة الواحدة - فى غير الندبة - على خطابين لشخصين مختلفين ، بالإيضاح الذى سبق (فى رقم 6 من هامش ص 30) سواء أوجدت إضافة ؛ كالمثال الذى هناك ، أم لم توجد ؛ كالمثال الذى هنا.
3) وبعضهم يجيز النصب ، على المحل ؛ - طبقا لما سلف فى رقم 1 من هامش ص 84. و 4 من هامش ص 44.
4) وفى الجزء الثالث م 114 ص 337 إشارة لهذا.
5) انظر رقم 2 من هامش ص 45 - السابقة لأهميته.
6) وقد سبق النص على هذا فى رقم 1 من هامش ص 48 - وهناك شروط أخرى يجب تحقيقها إذا كان المنعوت اسم إشارة. وقد سبق بيانها فى باب النعت (ج 3 م 114 ص 377).
ومن الجائز إعراب هذا الاسم المبدوء «بأل» عطف بيان ؛ سواء أكان مشتقّا كالمثال السالف ، أم غير مشتق ؛ نحو : يا هذا الرجل ... لكن الأحسن إعراب المشتق نعتا ، وإعراب الجامد عطف بيان.
ويقول النحاة : ليس من اللازم أن يوصف اسم الإشارة إلّا إذا كان وصلة لنداء ما بعده ، ولم يكن هو المقصود بالنداء ؛ لدليل يدل على ذلك. أما إن قصد نداء اسم الإشارة ، وقدّر الوقف عليه (بأن عرفه المخاطب بدون نعت ، كوضع اليد عليه ...) فلا يلزم نعته ، ولا رفع نعت نعته (1).
3 - يتردد فى هذا الباب لفظ : «المنادى المبهم» يريدون به : (المنادى الذى لا يكفى فى إزالة إبهامه النداء ، ومجرد القصد والإقبال ، وإنما يحتاج معه إلى شىء آخر يكمل تعريفه). ويقصدون : «أىّ» ، و «أية» «واسم الإشارة» لشدة احتياج كل منها إلى الصفة بعده.
أما فى غير النداء فيريدون بالاسم المبهم : الإشارة ، واسم الموصول ... (2)وبعض الظروف وأسماء الزمان التى سبق الكلام عليها فى بابها من الجزء الثانى.
3 - ويجوز رفع التابع ونصبه فى المفرد من نعت ، أو عطف بيان ، أو توكيد ، وكذلك فى النعت المضاف المقرون بأل (1)، وفى عطف النسق المقرون «بأل» ؛ نحو : يا معاوية الحليم ؛ بلغت بالحلم المدى. أو الواسع الحلم بنصب كلمتى : الحليم ، و «الواسع» مراعاة لمحل المنادى ، وبضمهما مراعاة صورية شكلية للحركة اللفظية الظاهرة فى المنادى من غير أن يتأثر النعت ببناء المنادى ؛ فالمنادى مبنى على الضم ، أما النعت فمعرب شكلا ، ولكن الحركة التى على آخره حركة عرضيّة ، لا تدل على إعراب أو بناء ؛ ولهذا يجب تنوين التابع إذا خلا مما يعارض التنوين كأل والإضافة ، «كما سبق (2)» فقد أريد منها أن تشابه حركة المنعوت فى الصورة اللفظية المحضة. ويقال فى إعراب النعت ما أشرنا به ، وهو : أنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الضمة التى جاءت للإتباع والمشاكلة بين حركة النعت ومتبوعه المنادى (3). ومن التسامح فى التعبير أن يقال فى هذا التابع إنه مرفوع.
ومثل : يا أحمد المتنبئ قتلك غرورك. برفع «المتنبئ» أو نصبه على التوجيه السالف. ومثل : أنتم ذخيرة الوطن يا طلاب أجمعون ، أو أجمعين ، برفع كلمة : أجمعون ، أو نصبها ، ومثل : يا محزون والمكروب ، إن حمل الهموم جنون ... وفى هذه الصورة الأخيرة. لا يصح اعتبار التابع كالمنادى المستقل عند من يرى ذلك ، ولا ملاحظة حرف نداء قبله ، إذ لا يجتمع - هنا حرف النداء و «أل» (4)...
4 - ويعتبر التّابع كالمنادى المستقل عند فريق من النحاة دون فريق (5)إذا كان بدلا ، أو كان عطف نسق خاليا من «أل» (6)؛ فيبنى كلّ منهما على الضمّ
1) اقترانه «بأل» يقتضى أن تكون الإضافة غير محضة ؛ لأنها هى التى تجتمع و «أل». وتكاد تنحصر هذه الإضافة فى تابع واحد هو النعت ؛ لأن الغالب عليه الاشتقاق حيث تشيع تلك الإضافة. أما عطف البيان فالأغلب أن يكون جامدا ؛ فلا تجتمع فيه الإضافة و «أل». وأما التوكيد المعنوى فألفاظه معارف - كما سبق فى بابه - فلا تقترن «بأل» التى للتعريف. ومن المهم ملاحظة الفوارق بين هذا التابع الذى يجوز فيه الأمران ، والتابع الذى يجب نصبه ، وقد سبق فى (1) ص 42
2) فى ص 44.
3) يتضح الرفع الثورى بما فى رقم 2 من هامش ص 45 - ولا ينطبق الحكم السابق على نعت المنادى النكرة المقصودة إلا بشرط أن يكون طارئا بعد ندائها. أما النعت السابق على ندائها فيجعلها شبيها بالمضاف واجب النصب (كما سبق فى ص 27) فيتعين نصب النعت.
4) انظر ما سبق متصلا بعطف النسق ص 33.
5) سبق عرض الرأيين فى رقم 4 من هامش ص 40.
6) لأن المبدوء بأل لا ينادى إلا فى مواضع سبنت فى ص 35.
إن كان مفردا معرفة - بالعلمية أو بالقصد - وينصب إن كان مضافا أو شبيها بالمضاف ؛ فمثال البناء على الضمّ : يا جيش قادة (1)
(وقد سبق تفصيل هذا في ح 3 ص 487 م 23 باب البدل).
وجندا أنت حمى البلاد. ببناء كلمة : «قادة» على الضم ، كبنائها لو كانت منادى. وكذلك لو قلنا : يا قادة وجنود أنتم حمى البلاد ؛ فتبنى كلمة : «جنود» على الضم ما دام الخطاب لمعيّن فى الصورتين.ومثال النصب : يا جيش جيش الوطن تيقّظ. أو : يا شباب وغير الشباب. لا تقصروا فى إنهاض البلاد. بنصب كلمتى «جيش» و «غير» ، لإضافتهما ، فهما فى حكم المسبوقتين بأداة النداء ...
والأحسن عند مجاراة هذا الفريق الأخذ بالرأى القائل : إن عامل البناء على الضم وعامل النصب هو حرف النداء المذكور فى أول الجملة (2)...
وأفضل من كل ما سبق الاقتصار على النصب ؛ مجاراة للفريق الآخر الذى لا يوافق على اعتبار البدل وعطف النسق المجرد من «أل» فى حكم المنادى المستقل للأسباب التى أسلفناها (3).
(ح) وإن كان المنادى (4)مما يصح نصبه وبناؤه على الضم فأمره محصور - غالبا - فى نوعين ، لكل منهما حكمه وحكم تابعه.
أولهما : المنادى الموصوف بكلمة «ابن» أو «ابنة» ، وقد سبق تفصيل الكلام عليه (5)...
ثانيهما : المنادى المفرد الذى تكرر لفظه بشرط إضافة اللفظ الثانى المكرر ؛ سواء أكان المنادى المفرد علما ، أم اسم جنس ، أم اسما مشتقّا (6)فمثال المكرر
1) على اعتبار كلمة : «قادة» بدل جزء من كل ، برغم خلوها من الضمير ؛ لأن المبدل منه قد استوفى كل أقسامه ، أو لأن الضمير الرابط محذوف ؛ أى : قادة منه وجند
2) لن يترتب على الأخذ بهذا الرأى نساد ، وهو خال من كل اعتراض ينشأ عن الرأى القائل إن العامل هو الحرف : «يا» المحذوف الملحوظ ، أو عامل آخر محذوف ؛ كفعل أو شبهه. وقد تقدم (فى رقم 4 من هامش ص 40) تفصيل الرأيين ، وسبب الترجيح.
3) فى هامش ص 40.
4) هذا هو القسم الأخير من الأقسام الثلاثة التى سبقت الإشارة إليها فى أولى ص 39.
5) فى ص 17 و 19 و 20 وبيان إعرابهما عند وقوعهما نعتا للمنادى.
6) سبب النص على هذه الأنواع الثلاثة : أن بعض النحاة لا يوافق إلا على العلم.
العلم : يا صلاح صلاح الدين الأيوبىّ ، ما أطيب سيرتك!! وقول الشاعر :
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا *** ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعى الهدى وتمنّيا *** على اللّه فى الفردوس منية عارف
ومثال اسم الجنس المكرر : يا غلام غلام القوم كن أمينا على أسرارهم. ومثال المشتق المكرر : يا راصد راصد النجوم ، ماذا رأيت من عجائب الكون ...؟
وحكم المنادى فى مثل هذا الأسلوب جواز النصب ، والبناء على الضم. وحكم التابع وجوب النصب فى الحالتين ؛ طبقا للبيان التالى :
1 - ففى حالة نصب الأول - المنادى - يكون السبب راجعا إما : لاعتبار هذا المنادى مضافا للمضاف إليه المذكور فى الكلام ، والاسم الثانى المكرر مقحما (1)بين المتضايفين (ويعرب توكيدا لفظيّا للأول ، أو مهملا زائدا) ... وإما : لاعتباره ، مضافا إلى محذوف يماثل المذكور ؛ وأصل الكلام : يا صلاح الدين صلاح الدين بإضافتين فى الأسلوب الواحد ، ويكون الاسم الثانى منصوبا على هذا الرأى - توكيدا لفظيّا (2)
لا يقال ذلك ، لأنه يكفي في التوكيد اللفظي ظاهر التعريف وإن اختلفت جهته، أو اتصل به شيء (كما سبق في باب التوكيد ح 3 ص 388 م 16).
أو : بدلا ، أو : عطف بيان ، أو : مفعولا به لفعل محذوف ، أو : منادى بحرف «يا» المحذوف (3). ومع جواز هذه الخمسة يحسن اختيار الأنسب منها للسياق ، والأوضح فى أداء الغرض.1) أى : متوسطا بين شيئين متلازمين ؛ وتوسطه بينهما - كما سيذكر - إما لأنه توكيد لفظى للأول ، أو : لأنه زائد فى رأى قوى يبيح زيادة الأسماء زيادة مطلقة لا توصف فيها بإعراب ولا بناء - - تبعا للبيان الذى فى رقم 2 من هامش الصفحة التالية - والأول أحسن ؛ إذ لا خلاف فى صحته.
2) لا يقال : كيف يعرب توكيدا لفظيا مع اتصاله بما لم يتصل به الأول ، ومع اختلاف نوع التعريف بينهما ، إذ تعريف الأول بالعلمية أو بالنداء - على خلاف فى ذلك - سبق تفصيله فى رقم 6 من هامش ص 9 - وتعريف الثانى بالإضافة ؛ لأنه لا يضاف إلا بعد تجرده من العلمية؟
3) ويجوز اعتبار الاسمين المذكورين بعد المنادى ، مركبين كتركيب الأعداد : ثلاثة عشر - أربعة عشر ، وأخواتهما ؛ فيكون المنادى مجموعهما مضافا إلى ما بعد الثانى ، وهذا المضاف منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة البناء الأصلى (وهى حركة فتح الجزأين) فالفتحة التى على آخر الثانى هي فتحة البناء الأصلى ، وليست فتحة الإعراب الآتية للنداء. أما الفتحة التى على آخر الاسم الأول فلا شأن لها بإعراب أو بناء ، لأنها حركة هجائية لضبط بنية الحرف الهجائى التى هى فوقه.
وجدير بالتنويه أننا إذا اعتبرنا الثانى مقحما بين المتضايفين. وأعربناه توكيدا لفظيّا ، (مسايرة للأحسن) وجب اعتبار فتحته فتحة إعراب (1)كالمتبوع. أما إذا اعتبرناه زائدا (2)فهو مهمل لا يعرب توكيدا ، ولا بدلا ، ولا غيرهما ، وفتحته هى فتحة مماثلة ومشابهة للأول ؛ فلا توصف بأنها فتحة بناء أو إعراب ، وإنما هى حركة صوريّة للمشاكلة المجردة ...
2 - وفى حالة بناء الأول على الضمّ - لأنه مفرد معرفة - يكون مبنيّا على الضم فى محل نصب ، فينصب الثانى إما على اعتباره توكيدا لفظيّا. أو بدلا ، أو عطف بيان ، مراعى فى الثلاثة محلّ المنادى. وإما على اعتباره منادى مضافا مستقلا ، أو على اعتباره مفعولا به لفعل محذوف (3)
فى نحو : سعد سعد الاوس ينتصب *** ثان ، وضمّ ، وافتح أوّلا تصب
أى : فى مثل : يا سعد سعد الأوس - والمنادى وتابعه علمان فى المثال - يجب نصب الثانى منهما. أما أولهما فقد طالب بضمه ، أو فتحه ، وحكم بالإصابة فى الأخذ برأيه. والقاعدة - كما تضمنها البيت غاية فى الإيجاز ، وتفصيلها وإيضاحها على الوجه الأنسب معروض فى الشرح.
... .1) على هذا الإعراب يصح الفصل بين المتضايفين بالقوكيد اللفظى ؛ لاتحاده بالأول لفظا ومعبى ، وتكون فتحة التوكيد فتحة إعراب. وكان حقه أن ينون ولكن يغتفر عدم تنوينه بقصد المشاكلة بين الاسمين.
2) وإذا كان زائدا - عند من يجيز زيادة الأسماء - فالفصل به جائز بين المتضايفين ، ولا يعتبر فصلا ، لاتحاده بالأول لفظا ومعنى - كما سبق - وكان حقه التنوين ، فترك للمشاكلة بين الاسمين ، وعلى هذا فتحته فتحة إتباع للأول ؛ لا توصف بإعراب ولا بناء - كما سلف فى رقم 1 من هذا الهامش. -
3) وإلى هذا القسم «ح» يشير ابن مالك فى بيت ختم به هذا الفصل :
إذا كان الاسم الثانى غير مضاف ؛ نحو : يا صلاح ، صلاح ، أو يا سعد سعد ... ، جاز بناؤه على الضمّ ؛ إما باعتباره (وهذا هو الأحسن) منادى حذف قبله حرف النداء «يا» ، وإمّا باعتباره توكيدا لفظيّا يساير - هنا - لفظ المنادى فى البناء. ويجوز نصبه باعتباره توكيدا لفظيّا تابعا لمحل المنادى.
ولا يصح إعرابه بدلا ، لأن البدل والمبدل منه لا يتحدان فى اللفظ إلا بشرط أن يفيد البدل زيادة فى البيان والإيضاح ، وكذلك لا يصح أن يكون عطف بيان ، لأن الشىء لا يبين نفسه (1)...
1) وإنما صبح البدل والبيان فى الحالة السابقة التى يكون فيها الثانى مضافا لتحقق شرطهما فيه. - كما سبق فى ج 3 ص 401 عند تعريف عطف البيان -
جميع توابع المنادى يصح نصبها (1)إلا فيما يأتى :
1 - أن يكون المتبوع - المنادى - هو لفظ «أىّ» أو «أيّة» أو اسم إشارة. فيجب فى حركة نعتها مشابهتها لحركة المتبوع مشابهة صورية فقط (أو نقول بالعبارة التى فيها التسمح : يجب رفع النعت فى المظهر الشكلى ، بقصد مماثلة حركته لحركة المنادى - بالتفصيل الذى سبق - ، نحو : يأيتها الفتاة ، من كثر كلامه كثر خطؤه. ومثل : يا هذا الغلام لا تنس شكر من أحسن إليك.
2 - أن يكون المتبوع - المنادى - مبنيّا على الضمّ والتابع بدلا ، أو عطف نسق مجردا من «أل» فحكمهما حكم المنادى المستقل ؛ عند فريق من النحاة. أما غيرهم فيجيز النصب - وهو الأنسب ؛ ليكون حكم النصب عاما شاملا - نحو : جزيت خيرا يا عائشة زوج الرسول ، فلقد كنت مرجعا وثيقا فى شئون الدين - يا خديجة وعائشة كنتما خير عون للنبى عليه السّلام.
3 - أن يكون المنادى مجرورا باللام فى الاستغاثة وما يلحق بها ؛ فيجب جر التابع - وهذا هو المشهور - أو نصبه (2)، نحو : يا للغنىّ الممتلئ للجائع ، ويا للقادر القوىّ للعاجز.
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم (1)
هذا المنادى قسمان : قسم صحيح الآخر ، وما يشبهه (2)
أما الذي يشبه صحيح الآخر ، أو المعتل الآخر الذى يشبه الصحيح فهو ما في آخره حرف متحرك من حرفى العلة (الواو . الياء) مع سكون ما قبله ، مثل : صفو ، شجو ، نهى ، بغى .. وقد يكون الحرفان مشددين ، أو مخففين ؛ نحو : مرمي . مغزو . ظبي ، دلو .. أما الألف فساكن مفتوح ما قبله دائما. ومن الشبيه أيضا : المختوم بياء مشددة للنسب ونحوه ؛ (مما لم يكن نتيجة إدغام ياءين إحداهما ياء المتكلم) نحو : عبقری ، بهى ، شافعی ، كرسی .. فخرج نحو : خليلى وصاحبي وبنى ، وكاتبي .. فلهذا النوع . ويسمى : «الملحق بالمعتل الآخر». كما سيجيء في الرقم التالي ، وفى رقم 1 من ص 665 . حكم خاص موضح فى باب المضاف إلى ياء المتكلم من الجزء الثالث ، وله موجز هنا آخر الباب ص 65..
، وقسم معتل الآخر ، وما يلحق به (3).(ا) فحكم صحيح الآخر وما يشبهه إذا كانت إضافتهما محضة (4)ومباشرة (5)ما يأتى :
1) لهذا الموضوع صلة قوية بموضوع : «المضاف إلى ياء المتكلم» الذى ليس منادى. - وقد سبق الكلام عليه فى الجزء الثالث ، ص 137 م1. ولا يكاد أحدهما يستغنى عن الآخر. وستجىء إشارة في آخر الباب إلى إضافة الأسماء الخمسة.
2) صحيح الآخر هو : ما ليس مختوما بأحد أحرف العلة الثلاثة (الألف - الواو - الياء). ومعتل الآخر ؛ هو : ما فى آخره حرف منها. فإن كان هذا الحرف ساكنا وقبله حركة تناسبه فهو حرف علة ، ومد ، ولين ، وإن لم تكن قبله حركة تناسبه مع سكونه فهو حرف علة ، ولين. وإن كان متحركا فهو حرف علة فقط. والمراد هنا : حرف المد -. ولهذا إشارة فى هامش ص 102 رقم 2 -
3) الملحق به هو : المثنى ، وجمع المذكر ، إذا أضيفا ، وحذفت نونهما للإضافة ، وختم آخرهما بالعلامة الخاصة بإعراب كل ؛ وهى : الألف والياء للمثنى ، والواو والياء لجمع المذكر السالم. فهذه العلامات ليست من بنية الكلمة ، ولا تعد من حروفها ، وإنما هى طارئة على آخرها لغرض الإعراب ؛ بخلاف حرف العلة فإنه معدود من حروف الكلمة الثلاثية وجزء من بنيتها ، وليس طارئا للغرض الإعرابى ؛ لهذا لا يدخل فى عداد المعتل كل من المثنى وجمع المذكر السالم إذا أضيفا وحذفت نونهما للإضافة وإنما يسميان ملحقان بالمعتل ، لاشتراكهما معه فى المظهر الشكلى ، وفى بعض الأحكام التى سنعرفها فى ص 64.
4) أما حكم غير المحضة فيجىء فى ص 62.
5) أى : بغير فاصل بين المتضايفين ، وإلا تغير الحكم على الوجه الآتى فى ص 63 حيث يتعرض للفصل ، وللإضافة غير المحضة -.
1 - وجوب النصب بفتحة مقدرة إن كان المنادى مفردا (1)، أو جمع تكسير ، أو جمع مؤنث سالما. ومن الأمثلة قول الشاعر يعاتب :
يا أخى ، أين عهد ذاك الإخاء؟ *** أين ما كان بيننا من صفاء؟
وقول الآخر :
سألتنى عن النهار جفونى *** رحم اللّه - يا جفونى - النهارا
ونحو : يا زميلاتى لكنّ تقديرى وإكبارى ، ونحو : يا سعيى قد بلغت بى المدى ، ويا صفوى إن أطلت الغياب ؛ فلن تهدأ نفسى ...
فكلمة : (أخ - جفون - زميلات) - (سعى - صفو) وأشباهها - منادى ، مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الكسرة التى جاءت لمناسبة الياء. (لأن هذه الياء يناسبها كسر ما قبلها) والياء مضاف إليه ، مبنية على السكون فى محل جر(2)...
2 - يصح فى هذه الياء ستّ لغات ، بعضها أقوى واكثر استعمالا من بعض. هى(3):
حذف الياء مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها ؛ كالآية الكريمة : (وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمنا) ... ونحو : استقبل العالم المخترع أعوانه وهو يقول : أهلا يا جنود ، أهلا يا رجال ، أنتم الفخر ، ومجد البلاد.
والإعراب كالسالف ، إلا أن الياء محذوفة هنا ...
بقاؤها مع بنائها على السكون فى محل جر ، للإضافة ؛ نحو : يا جنودى ... يا رجالى ...
1) أما المثنى وجمع المذكر السالم فملحقان بالمعتل - كما قلنا فى رقم 3 من هامش الصفحة السالفة - ولهما حكمها الخاص. وسيأتى فى ص 65.
2) للإعراب المقدر (أو : التقديرى) وكذا الإعراب المحلى - أهمية وآثار لا يمكن إغفالها ، وقد أوضحناها فى بابهما الخاص ، وهو باب : «المعرب والمبنى» ج 1 م 6 ص 25 ، م 16 ص 129.
3) آثرنا الترتيب الآتى على غيره ؛ مجاراة لكثير من النحاة اختاروه ؛ بحجة أنه المطابق للوارد من كلام العرب ، كثرة وقلة. وواجب المتكلم أن يتخير من هذه اللغات المتعددة ما هو أنسب للمقام ، وأبعد من اللبس عند عدم القربنة ؛ كالصورة الثانية والثالثة ؛ حيث ثبتت فى كل منهما الياء.
بقاؤها مع بنائها على الفتح فى محل جر ؛ للإضافة ؛ نحو : يا جنودى ... يا رجالى ...
بناؤها على الفتح بعد فتح ما قبلها ، ثم قلبها ألفا (1)؛ نحو : يا فرحا بإنجاز ما فرض اللّه ، ويا حسرتا على التقصير ... (والأصل (2): يا فرحى ، يا حسرتى ... ؛ فصار : يا فرحى ... ، يا حسرتى ... ، ثم صار : يا فرحا ... يا حسرتا ...) والمنادى هنا منصوب - والأيسر أن يكون منصوبا بالفتحة الظاهرة - وهو مضاف ، وياء المتكلم المنقلبة ألفا مضاف إليه ، مبنية على السكون فى محل جرّ (3)... ويجوز فى هذه الصورة أن تلحقه هاء السكت عند الوقف ؛ فتقول : يا فرحاه ... - يا حسرتاه ...
قلب الياء ألفا على الوجه السالف ، وحذف الألف ، وترك الفتحة قبلها دليلا عليها ؛ نحو : يا فرح ... ، يا حسرة ... وفى هذه الحالة يكون المنادى منصوبا مضافا ، وياء المتكلم المنقلبة ألفا ، المحذوفة ، هى المضاف إليه (4)
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا *** كعبد ، عبدى - عبد ، عبدا ، عبديا
(صح - أى : صح آخره. عبديا - أصلها : عبدى ، وزيدت فى آخرها ألف لأجل الشعر) يريد : إذا أضيف المنادى صحيح الآخر فاجعله كعبد ، عبدى ... أى : على مثال واحد مما يأتى - ولم يذكرها مرتبة على حسب كثرة استعمالها.
يا عبد : مثال لما حذفت فيه ياء المتكلم مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها - يا عبدى ؛ لثبوت ياء المتكلم الساكنة المكسور قبلها - يا عبد .. للمنادى الذى قلبت معه ياء المتكلم ألفا مفتوحا ما قبلها ، وحذفت الألف - يا عبدا ... كالسابق ، ولكن من غير حذف ياء المتكلم المنقلبة ألفا - يا عبدى : للمنادى الذى أضيف لياء المتكلم المبنية على الفتح ؛ فهذه خمس لغات اكتفى بها. ولم يتعرض للسادسة التى يحذف فيها المضاف إليه ، ويبنى الاسم بعده على الضم ، وقد شرحناها. وساق بعد هذا بيتا سيجىء شرحه فى مكانه المناسب من هامش ص 64 - هو :
وفتح او كسر ، وحذف اليا استمر *** فى : «يابن أمّ» ، «يابن عمّ» ، لا مفر
... ر1) لتحركها وفتح ما قبلها ؛ تطبيقا لقواعد الإعلال والإبدال.
2) هذا الأصل - كغيره من أمثاله الكثيرة - خيالى محض. ومجرد فرض لا يعرف عنه العرب الأوائل شيئا. وإنما يراد منه ما يراد من أكثر الفروض المتخيلة ؛ تيسير الوصول إلى النتائج والحقائق من طريق واضح مألوف. ومعلوم أن هذه الأصول الخالية والفروض - كما رددنا فى مناسبات متعددة - ليست مقصورة على الصناعة النحوية ، فالنحاة فى هذا كغيرهم من المشتغلين بسائر العلوم اللغوية وغير اللغوية. وقد أحسنوا وأفادوا ، إلا حين يسرفون أو يتعسفون.
3) وإنما كان الأيسر والأوضح إعرابه منصوبا بالفتحة الظاهرة للفرار مما يتكلفه بعض المعربين حين يقولون : إنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة المنقلبة فتحة لمناسبة الياء المنقلبة ألفا. وحجتهم : أنهم يريدون تسجيل الأطوار كلها ، ولو أدى الأمر إلى الإطالة.
4) يقول ابن مالك فى حكم الصحيح وشبهه واللغات المتعددة التى فى ياء المتكلم إذا كانت هى المضاف إليه :
بقيت اللغة السادسة ؛ (وهى أضعف نظائرها ، ولا تكاد تخلو من لبس فى تبيّن نوعها ، ومن اضطراب فى إعرابها (1)
وهذا الخلاف ليس شكليا ، وإنما له أثره فى التوابع ؛ أتكون واجبة النصب حتما ، نتيجة للرأى الأول ، أم يكون شأنها شأن توابع المنادى المبنى على الضم ، ولها أحكام مختلفة ، سبق شرحها فى ص 39 وما بعدها؟
؛ ولهذا يجب اليوم إهمالها ؛ تبعا لرأى من أهملها من النحاة القدامى ، فلم يذكرها بين اللغات الجائزة.وتتلخص فى حذف «الياء» ، - مع ملاحظتها فى النيّة - وبناء المنادى على الضم (كالاسم المفرد المعرفة). ويقع هذا فى الكلمات التى تشيع إضافتها ، ليكون العلم بشيوع إضافتها قرينة ودليلا على حذف المضاف إليه ، وأنه محذوف فى اللفظ لكنه ملاحظ (2)فى النية ... كالكلمات : ربّ ، وقوم ، وأمّ ، وأب ... وأشباهها مما يغلب استعماله مضافا ؛ نحو : يا ربّ ، وفقنى إلى ما يرضيك - يا قوم ، لا تتوانوا فى العمل لما يرفع شأنكم - يا أمّ ، أنت أكثر الناس عطفا علىّ ، ويا أب ، أنت أشدهم عناية بى ...
ومما سبق يتبين أن ثلاثا من اللغات الست تقتضى حذف الياء ، وثلاثا أخرى تقتضى إثباتها.
3 - إن كان المنادى الصحيح الآخر هو كلمة «أب» ، أو «أم» جاز فيه اللغات الست السابقة ، ولغات أربع أخرى ؛ وهى :
حذف ياء المتكلم ، والإتيان بتاء (3)
التأنيث الحرفية عوضا عنها ، مع بناء ا.
1) سبب الاضطراب فى إعرابها اختلافهم الشديد فى الحكم على نوع المنادى : أيراعى أصله من ناحية أنه مضاف ؛ فيكون منادى منصوبا بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الضمة التى جاءت لمشابهته بالنكرة المقصودة فى التعريف بالنداء وقصد الإقبال ، (لا بالعلمية ، ولا بالإضافة ، ولا بأل) - أم يراعى لحالته الحيضرة من ناحية بنائه على الضم؟
2) لأنها - وهى المشهورة بالإضافة - تدل إذا لم تكن مضافة إلى اسم ظاهر ، أو إلى ضمير لغير المتكلم على أنها مضافة للمتكلم ، والمتكلم أولى بذلك ؛ لأن ضميره الياء يحذف أكثر من غيره.
3) سبقت الإشارة لهذا (فى باب الإضافة لياء المتكلم ج 3 م 97 ص 146) والأكثر فى هذه التاء أن تظل تاء عند النطق بها وقفا ووصلا ، وأن تكتب تاء متسعة (أى : غير مربوطة) ويجوز كتابتها مربوطة ، كما يجوز الوقف عليها بالهاء. لكن الأفضل الاقتصار على الرأى الأول الذى يقضى باعتبارها تاء متسعة فى جميع أحوالها.
هذه التاء الحرفية على الكسر ، أو على الفتح - وكلاهما كثير قوىّ - أو على الضم ، وهو قليل ، ولكنه جائز ؛ نحو : يا أبت أنت كافلنا ، ويا أمّت ، أنت راعيتنا ...
والمنادى فى هذه الصّور الثلاث منصوب بفتحة ظاهرة (1)دائما ، وهو مضاف ، وياء المتكلم المحذوفة مضاف إليه ، وجاءت تاء التأنيث عوضا عنها ، مع بقائها حرفا للتأنيث كما كانت ، وليست المضاف إليه ...
والصورة الرابعة - وهى أقلها فى السماع ، ولا يصح القياس عليها - : الجمع بين تاء التأنيث السالفة التى هى العوض ، وألف بعدها أصلها ياء المتكلم ؛ نحو : يا أبتا ... يا أمّتا.
ومنه قول الشاعر :
يا أبتا علّك أو عساكا .......
وفى هذه الصورة جمع بين العوض - وهو التاء - والمعوّض عنه ، وهو : الياء المنقلبة ألفا. ولذا قال بعض النحاة : إن هذه الألف ليست فى أصلها ياء المتكلم ؛ وإنما هى حرف هجائى ، وزائد لمدّ الصوت. وهذا الرأى أوضح وأيسر فى إعراب تلك الصيغ المسموعة.
وهناك صورة أضعف من هذه ، وأندر استعمالا فى السّماع ، حتى خصها كثير من النحاة بالضرورة الشعرية ، نذكرها لندركها إذا صادفتنا فى بعض الكلام القديم ، هى الجمع بين هذه التّاء وياء المتكلم بعدها ، أو الجمع بين ياء المتكلم المنقلبة ألفا والتاء بعدها.
كقول الشاعر :
1) لأن تاء التأنيث توجب فتح ما قبلها دائما. ولا داعى للإطالة بأنه منصوب بفتحة مقدرة منغ من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة التاء.
أيا أبتى (1)، لا زلت فينا ، فإنما *** لنا أمل فى العيش ما دمت عائشا
وقول الآخر :
وفى النّدا : «أبت» ، «أمّت» ، عرض *** واكسر ، أو افتح ، ومن اليا التّا عوض
يريد : عرض فى النداء أسلوب خاص ، هو : يا أبت ، يا أمّت بكسر التاء أو فتحها ، وقد ترك الضم - ثم صرح أن التاء عوض من ياء المتكلم المضاف إليه ، واقتصر على هذا تاركا التفصيلات التى عرضناها.
...هذا ، ولا تكون تاء التأنيث عوضا عن ياء المتكلم إلا فى أسلوب النداء على الوجه السالف ، دون غيره من الأساليب. ووجودها فى آخر كلمتى : «أب ، وأم» يحتم استعمال كل واحدة منهما منادى ، ويمنع استعمالها فى غيره (4)...
ونشير إلى أمرين هامين :
أولهما : أن الأحكام السابقة كلها مقصورة على المنادى صحيح الآخر ، وشبهه إذا كانت إضافتهما محضة - كما أسلفنا (5)- فإن كانت غير محضة فالمنادى واجب النصب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم منع من ظهورها الكسرة التى لمناسبة الياء. وهذه الياء ثابتة دائما ومبنية على السكون أو الفتح ؛ كقولهم : يا رائدى للهدى وقّيت الردى ، ويا مرشدى للخير صانك اللّه من الزلل. فالمنادى (- رائد ، ومرشد -) منصوب وجوبا بفتحة مقدّرة ، والياء معهما مبنية على السكون أو على الفتح ، ولا يصح حذفها. ولا بد معها أن يكون المنادى المضاف مفردا (6). .
1) والأيسر فى الإعراب أن تكون كلمة : «أب» منادى منصوب مضاف والتاء عوض عن الباء المحذوفة. أما المذكورة فحرف هجائى ناشىء من بناء التاء على الكسرة مع إشباع هذه الكسرة. أو : أن التاء للتأنيث اللفظى ، والياء بعدها مضاف إليه ، وقد فصلت التاء بين المتضايفين.
2) ويقال فى الإعراب : «أب» منادى ، منصوب ، مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا ، والتاء حرف للتأنيث اللفظى ، يضبط بالفتحة ، أو الكسرة ، أو الضمة - كما سلف.
3) وإلى بعض ما سبق - فى نداء «أب» و «أم» - يقول ابن مالك باختصار :
4) انظر رقم «1» من ص 67.
5) فى ص 57
6) يفهم من كل ما سبق أن المنادى المضاف الذى إضافته غير محضة ، لا بد أن يكون - فى الغالب - وصفا عاملا ، ولا بد أن يكون مفردا أيضا ؛ لأن المثنى وجمع المذكر السالم ملحقان بالمعتل فى حكمه - وسيجىء فى ص 65 - فإذا أضيفا عند النداء لياء المتكلم وجب بناؤها على الفتح وحده - فى الرأى الأصح -.
ثانيهما : أن تلك الأحكام مقصورة على النوع السالف من المنادى المضاف إضافة محضة ، بشرط أن يكون مضافا للياء مباشرة ؛ كما تقدم (1). فإن كان - هو - أو غيره من سائر أنواع المنادى - مضافا إلى مضاف إلى ياء المتكلم وجب إثبات الياء وبناؤها على السكون ، أو على الفتح (2)... كقولهم : يا طالب إنصافى ، لا أعلم لك منصفا إلا عملك ؛ إذا أحسنته جمّلك ، وإذا أتقنته كمّلك ، وقول الشاعر :
يا لهف نفسى إن كانت أموركمو *** شتّى ، وأحكم أمر الناس فاجتمعا
فيجوز الاختيار : (إنصافى ، أو : انصافى - نفسى ، أو نفسى ؛ بإسكان الياء أو فتحها.)
ويستثنى من هذا الحكم أن يكون المنادى المضاف إلى مضاف لياء المتكلم هو لفظ : (ابن أمّ ، أو : ابن عمّ ، أو : ابنة أمّ ، أو ابنة عمّ ، أو بنت أمّ ، أو بنت عمّ -) فالأفصح (3)
يا بن أمّى ، ويا شقيّق نفسى *** أنت خلّفتنى لدهر شديد
وثانيتهما : قلبها ألفا ؛ كقول الآخر :
يا بنة عمّا لا تلومى واهجعى ......
فى هذه الصور حذف ياء المتكلم مع ترك الكسرة قبلها دليلا عليها ؛ (نحو : يابن أمّ كن على الخير معوانا لى ، ويابن عمّ لا تقعد عن مناصرتى بالحق - يا بنة أمّ ... يا بنة عمّ ... يا بنت أمّ ... يا بنت عمّ ...) فالمنادى معرب منصوب ، والمضاف إليه الأول مجرور بالكسرة الظاهرة قبل الياء المحذوفة.ويجوز فى الألفاظ السالفة حذف الياء بعد قلبها ألفا ، وقلب الكسرة قبلها فتحة ؛ فتقول : (يابن أمّ ... يابن عمّ ... يا بنة أمّ ... يا بنة عمّ ... يا بنت أمّ ... يا بنت عمّ ...) قلبت ياء المتكلم ألفا بعد قلب الكسرة التى قبلها فتحة ، ثم حذفت ياء المتكلم ، وبقيت الفتحة قبلها دليلا عليها. فيقال .
عند الإعراب : إن المضاف إليه الأول مجرور بالكسرة المقدرة التى منع من ظهورها الفتحة التى جاءت للتّوصل بها إلى قلب ياء المتكلم ألفا ، وحذفت هذه الألف للتخفيف.
ويصحّ أن يقال فى هذه الصورة : إن المنادى قد ركب مع ما أضيف إليه تركيبا مزجيّا وصارا معا بمنزلة : «خمسة عشر» أو غيرها من الأعداد والألفاظ المركبة المبنية على فتح الجز أبن. وعندئذ يقال فى الإعراب : (يابن أمّ ... يابن عمّ - يا بنة أمّ ... يا بنة عمّ ... يا بنت أمّ ... يا بنت عمّ ...) الياء حرف نداء ، وما بعدها منادى مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة البناء الأصلية التى هى فتح الجزأين ، وياء المتكلم المحذوفة هى المضاف إليه. وتكون الفتحة التى على حرفى النون والتاء (فى : ابن ، وابنة ، وبنت ...) حركة هجائية ، لا توصف بإعراب ولا بناء (1)
وقد أشار ابن مالك إلى بعض الآراء السالفة فى بيت سبقت الإشارة إليه فى ص 60 ، وهو :
وفتح او كسر ، وحذف اليا استمر *** فى : «يابن أمّ» «يابن عمّ». لا مفر
يابن أم ، يابن عم ، أصلهما : يابن أمى - يابن عمى. ويريد بهما : المنادى المضاف إلى مضاف لياء المتكلم ، وأن حذف هذه الياء مستمر معهما - على الأرجح - وأن الحرف الذى قبل الياء المحذوفة يصح تحريكه بالفتحة أو بالكسرة ، ولم يذكر السبب ، واستغنى بما سبق عن غيره مما سردناه ...
...(ب) إن كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم معتلّ الآخر ، أو ملحقا به فحكمه هو ما كان يجرى عليه قبل النداء ، وقد سبق تفصيله (2). ويتلخص فى قاعدة واحدة (3)؛ هى : سكون آخر المضاف دائما ، وبناء المضاف إليه على الفتح فى الأفصح - وهذه القاعدة تنطبق على ما يأتى :
1 - المقصور المضاف إلى ياء المتكلم ؛ نحو : يا فتاى أنت عونى فى السّرّاء والضّرّاء. .
1) ويجوز - فى الألفاظ السالفة - شىء آخر ؛ هو إهمال الياء المحذوفة ، واعتبارها كأن لم توجد ، مع اعتبار المنادى وما أضيف إليه بمنزلة الاسم المركب تركيبا مزجيا ، وإعرابه مبنيا على الضم المقدر ؛ كأنهما كلمة واحدة مفردة معرفة. ولا يخلو هذا الوجه - على صحته - من لبس يدعو للفرار منه.
2) ح 3 ص 137 م 97.
3) هذا التلخيص لا يكاد يغنى عن الرجوع إلى ما سبق من تفصيل وإيضاح ، وعرض صور هامة كثيرة.
2 - المنقوص المضاف إلى ياء المتكلم ، وتدغم الياءان ، وأولاهما ساكنة ، والأخرى مبنية على الفتح ؛ نحو : يا داعىّ للخير ، لبّيك من داع مطاع.
3 - المثنى وشبهه ؛ وتدغم ياؤه ساكنة فى ياء المتكلم المبنية على الفتح (1)، كقول الشاعر فى حديقة :
خذا الزاد يا عينىّ من حسن زهرها *** فما لكما دون الأزاهر من متع
4 - جمع المذكر وشبهه ؛ وتدغم ياؤه ساكنة فى ياء المتكلم المبنية على الفتح ؛ كقول الشاعر :
يا سابقىّ إلى الغفران ، مكرمة *** إنّ الكرام إلى الغفران تستبق
5 - المختوم بياء مشددة ، وليس تشديدها للإدغام ؛ ففى كلمة مثل : عبقرىّ ، يقال : أفرحتنى يا عبقرىّ ، بحذف الياء الثانية من المشددة ، وإدغام الأولى التى بقيت فى ياء المتكلم المفتوحة.
ويصح حذف ياء المتكلم مع بقاء الياء المشددة قبلها مكسورة (2)؛ نحو : يا عبقرىّ ، لك إكبارى وتقديرى ...
ويصحّ قلب ياء المتكلم ألفا وحذفها ، مع فتح الياء المشدودة قبلها ؛ نحو : يا عبقرىّ ...
أما المعتل الآخر بالواو فشأنه ما فصّلناه هناك.
(ا) يجرى على الأسماء الخمسة : (أب - أخ - حم - هن - فم) عند ندائها مع إضافتها لياء المتكلم ما يجرى عليها بغير مناداتها. ذلك أن الرأى الفصيح الذى يحسن الاقتصار عليه هو إضافتها بحالتها الحاضرة ، دون إرجاع لامها المحذوفة (أى : دون إرجاع حرفها الأخير ؛ وهو : «الواو» المحذوفة ، إذ الشائع أن أصلها : أبو - أخو - حمو - هنو - فوه ، والميم والهاء زائدتان فى : «فم» وفى «فوه» ...).
فإذا أضيفت تلك الأسماء - وهى مناداة ، أو غير مناداة - أعربت على حسب حاجة الجملة ؛ وكسر حرفها الأخير الحالى لمناسبة الياء (1)؛ فنقول : يا أبى يا أخى - يا حمى - يا هنى - يا فى - ويصح فى هذه : يا فمى.
وهناك رأى مستنبط من بضعة أمثلة مروية عن بعض القبائل ، مؤداه : إرجاع الحرف المحذوف من آخر تلك الأسماء مع تسكينه قبل ياء المتكلم. وهذه يجب بناؤها على الفتح ، فتجتمع الواو والياء ، وتسبق إحداهما بالسكون ؛ فتقلب الواو ياء ، وتدغم الياء فى الياء (2). ويكسر ما قبلها لمناسبتها ؛ فتقول يا أبىّ - يا أخىّ ... وفى هذه الصورة تكون الكلمة معربة بحركة مقدرة منع من ظهورها السكون الواقع على الياء الأولى لأجل الإدغام (3).
أما «ذو» التى تعرب إعراب الأسماء الخمسة فلا تضاف لضمير المتكلم.
(ب) يجوز فى كلمة : «ابنم» المبدوءة بهمزة الوصل ، والمختومة بالميم الزائدة ، ومعناها : ابن - إثبات الميم عند الإضافة وحذفها ؛ نحو : يا بنمى ، أو : يا بنى ؛ بإسكان الياء فى الحالتين ، وكسر ما قبلها.
1) فهى بهذا تشبه صحيح الآخر من ناحية أن آخرها الحالى صحيح ، وأنه يجب كسره لمناسبة ياء المتكلم (وقد سبقت إشارة لهذا فى مناسبة أخرى ،. ج 3 باب المضاف إلى ياء المتكلم ص 138 م 97).
2) إن كان أصل : «فم» هو «فيه» بالياء المحذوفة رجعت الياء ساكنة ، وأدغمت فى ياء المتكلم المبنية على الفتح.
3) وتكون الأسماء الخمسة كالمعتل ؛ فى إسكان آخرها وبناء الياء على الفتح.
من الألفاظ ما لا يستعمل إلا منادى ؛ فلا يكون مبتدأ ، ولا خبرا ، ولا اسما أو خبرا لناسخ ، ولا شيئا آخر غير المنادى (1). وأشهر هذه الأسماء ما يأتى :
1 - «أبت ، وأمّت» بشرط وجود تاء التأنيث فى آخرهما على الوجه الذى فصلناه (2)- ووجودها يحتم أن يكون كل منهما منادى ، ولا يصح استعمالهما فى شىء آخر معها - نحو : يا أبت ، إنى لك مطيع ، ويا أمّت إنى بك بارّ. أى : يا أبى ... يا أمى.
2 - «اللّهم» ، المختومة بالميم المشددة (3)، نحو : اللّهم لا سعادة إلا فيما يرضيك ، ولا شقاء إلا فيما يغضبك.
3 - «فل» (بضم الفاء واللام معا) ؛ وهى عند النداء كناية عن مفرد معين من جنس الإنسان. و «فلة» ، (بضم الأول وفتح الثانى) وهى عند النداء كناية عن مفردة معينة من جنس الإنسان كذلك ؛ نحو : يا فل ، عمل المرء عنوان نفسه ، ودليل عقله - يا فلة ، القصد يمن ، وخير الكلام أصدقه. فالمنادى : (فل ، وفلة) مبنى على الضم دائما فى محل نصب.
ولا يعنينا أن يكون سبب التعيين هنا فى الكناية ما يقوله بعض النحاة من أنها علم على إنسان ، كسائر الأعلام الشخصية (مثل : محمد ... وفاطمة ...) أو : ما يقوله بعض آخر : إن سببه طارئ بالمناداة والقصد ، وأنها نكرة مقصودة ، مثل : يا رجل ؛ لمعيّن ، أو : يا فتاة ؛ لمعينة ، وقد عرّفت النّكرة بالنداء والإقبال ... - لا يعنينا شىء من هذا كله ؛ لأن نتيجة الرأيين واحدة ؛ هى بناء
1) ومن الأسماء ما لا يصلح أن يكون منادى ؛ كالاسم المضاف لضمير المخاطب ؛ نحو : يا صديقك ، وكضمائر غير المخاطب. (أما ضمير المخاطب ففريق يجيز نداءه ؛ طبقا لما سلف فى ص 3) وكاسم الإشارة المتصل بكاف الخطاب - للسبب الذى فى رقم 1 من هامش ص4. فلا يقال : يا ذاك ... وكالاسم المبدوء «بأل» فى غير المواضع المستثناة التى سبق ذكرها فى ص 35 ؛ فلا يقال : يا المكافح ستدرك مأربك ...
2) فى ص 60 وما بعدها.
3) فى ص 35 وهامشها الكلام على معانيها المختلفة ، وطريقة إعرابها.
الكلمة بصورتها الحالية على الضم دائما ، فى محل نصب ، وعدم استعمالها فى غير النداء إلا لضرورة شعرية ، وكذلك عدم استعمالها منادى منصوبا مباشرة ؛ لأنها لا تكون مضافة ، ولا شبه مضافة ، ولا نكرة غير مقصودة ؛ إذ السماع الوارد فى لفظها يقتضى قصرها على المنادى المبنى على الضم (1)....
1) كما يقتضى ألا ينقاس عليها غيرها.
يدور الجدل حول أصل هاتين الكلمتين ، ولو لا ما له من أثر يساعد عند الرجوع إلى مادتهما اللغوية فى المعاجم ، وعند التصغير ، والمشتقات ... - لأهملناه. وملخصه :
أن فريقا من النحاة يرى أصل : «فل» و «فلة» هو «فلان» و «فلانة» وأنهما فى النداء - كأصلهما - كنايتان عن علم شخص لرجل معيّن ، كعلىّ ... وامرأة معينة ؛ كزينب ... ، حذفت من آخرهما الألف والنون ، للترخيم (1)- برغم أن قواعده لا تسمح بهذا الحذف الكثير دفعة واحدة - وأن الألف والتاء زائدتان. وأما النون فأصلية ؛ لأن مادة فعلهما الماضى هى : «فلن» وعند التّصغير - إذا سمى بهما - يقال فيهما «فلين» و «فلينة» ، وأنهما يختلفان فى الاستعمال عن أصلهما الخالى من الحذف ، فلا يستعملان إلا فى النداء ، أما أصلهما فيكون منادى وغير منادى.
ويوافق آخرون على هذا الرأى ، إلا أنهم يعتبرون حذف تلك الحروف للتخفيف ، لا للترخيم ، وإلا وجب أن يقال فى المذكر «فلا» وفى المؤنث «فلان» طبقا لقواعده (2).
ويخالفهما كثير من البصريين ؛ فيرى أنهما كلمتان مستقلتان ، وليستا اختصار «فلان» و «فلانة» - كما يرى أنهما مختومتان بياء أصليّة ، حذفت تخفيفا ؛ كحذفها من كلمة «يد» ، فأصلهما : «فلى» و «فلية (3)» وتصغيرهما «فلىّ وفليّة» ومادة ماضيهما «فلى» وأن كلا منهما عند النداء نكرة مقصودة بالمناداة
1) سيأتى بابه فى ص 99.
2) وهذه القواعد تقضى بألا يحذف فى الترخيم مع الآخر ما قبله من حرف مد زائد إلا إذا كان المرخم خماسيا فصاعدا. وكلمة : «فلان» أربعة أحرف فقط ، فترخيمها هو : «يا فلا». كما تقضى تلك القواعد ألا يقال فى التأنيث : «يا فلة» ، وإنما يقال : يا فلان - راجع الصبان فى هذا الموضع ، وكذلك ص 101 الآتية ، وما بعدها -
3) وإذا حذفت الياء وجب تحريك اللام التى قبلها بالفتحة ؛ لأن الفتحة هى التى تناسب تاء التأنيث.
والإقبال ؛ فتدل الأولى على رجل مقصود ، وتدل الثانية على امرأة مقصودة ، ولا يرجعان فى أصلهما إلى كلمتى : «فلان وفلانة» اللتين هما كنايتان عن علمين شخصيين أحدهما لرجل ، والآخرة لامرأة - كما سبق -. وهذا الرأى أوضح ، وأبعد من التعقيد.
فالآراء متفقة على بناء «فل» و «فلة» على الضم (1)، مختلفة فى أصلهما ، وفى نوع المنادى ؛ أهو مفرد علم ، أم نكرة مقصودة؟ متفقة كذلك على أنهما لا يستعملان بصورتهما هذه إلا منادى. وأن كلمتى : «فلان» و «فلانة» تستعملان فى النداء وغيره ، مع اعتبارهما ، كنايتين عن علمين شخصيين لرجل معين ، وامرأة معينة ، ونونهما أصلية ، ومادة فعلهما «فلن» تقول فى استعمالهما فى النداء : يا فلان ، تضيع الغاية بين العجز والملل ، ويا فلانة ، من أعجب بنفسه ضاعت هيبته ... كما تقول فى غيره : أسرع فلان إلى سماع محاضرة فلان ... وبادرت فلانة للإصغاء إلى فلانة أو فلان.
1) ويجرى على توابعهما حكم توابع المنادى المبنى على الضم.
4 - لؤمان ، وملأم (وكلاهما وصف بمعنى : كثير اللؤم والدناءة) ، ونومان (وصف بمعنى : كثير النوم) ؛ نحو : يا لؤمان أو : يا ملأم ، من أساء إلى غيره حاقت به إساءته - يا نومان ، الاعتدال فى كل الأمور حميد. ويجوز فى الثلاثة زيادة تاء التأنيث عند نداء المؤنث. ولا يقاس على هذه الثلاث المسموعة غيرها مما يشاركها فى الوزن ولكنه غير مسموع. فكل واحدة من هذه منادى مبنى على الضم فى محل نصب.
5 - ملأمان ، ومخبثان (وصفان بمعنى : لئيم ، وخبيث) ... وغيرهما ؛ من كل وصف على وزن : «مفعلان» ، وأصل مادته - فى الغالب - يدل على أمر مذموم. وقد يدل على أمر محمود ، مثل : مكرمان ، ومطيبان ؛ (وهما وصفان بمعنى : عزيز مكرّم ، وطيّب) ومن الأمثلة : يا ملأمان ، من قبحت سيرته تقاسمته البلايا - يا مخبثان ، من خبثت نفسه حرم صفو الحياة - يا مكرمان ، من كشف كربة غيره ، كشف اللّه كربته - يا مطيبان ، من طابت سريرته سالمته الليالى.
ويجوز زيادة تاء التأنيث فى : «مفعلان» عند نداء المؤنث.
والأنسب الأخذ بالرأى الذى يبيح القياس فى هذه الصيغة ؛ لكثرة الوارد بها. أما إعرابها فكالنوع السابق (1)
و «فل» بعض ما يخصّ بالنّدا *** «لؤمان ، نومان» كذا. واطردا - 1
وختم البيت بقوله : «واطردا». وهذا الختام لا علاقة لة بما سبقه ، وإنما يتصل معناه بما يليه من حكم جديد يختص بوزن : «فعال» وهذا الاتصال معيب فى الشعر عامة.
...(6) ما كان وصفا على وزن : «فعل» بمعنى : فاعل ؛ لذم المذكر وسبّه ، نحو : غدر ، بمعنى : غادر ، وسفه ؛ بمعنى : سافه ، وشتم ، بمعنى : شاتم ... ، وغيرها مما هو على وزنها مع دلالة مادته فى أصلها على السّبّ والذم. ومن الأمثلة : يا غدر ، لا صداقة معك ، ولا أمانة لك ... - يا سفه ، مقتل الرجل بين فكيّه ... .
1) اكتفى ابن مالك فى الكلام على : «فل» و «فلة» ولؤمان وملأم ، ونومان ، بقوله فى باب عنوانه : «أسماء لازمت النداء».
والأنسب الأخذ بالرأى الذى يبيح القياس فى هذه الصيغة بشرط دلالة أصلها على السبّ ، كما يبيح استعمالها فى غير النداء. أما إعرابها عند النداء فكالنوع السابق.
7 - ما كان وصفا على وزن : «فعال» - (بمعنى فاعل ، أو : فعيلة) نسبّ الأنثى وذمها ، وهو مبنىّ على الكسر أصالة. وينقاس - فى الرأى الأنسب - فى كل ماله : فعل ، ثلاثى ، تام ، مجرد ، متصرف تصرفا كاملا ، ومعناه السبّ والشّم ؛ نحو : غدار وسراق ، بمعنى : غادرة ، وسارقة ، ونحو : خباث ، ولكاع ؛ بمعنى : خبيثة ، ولكيعة ؛ أى : لئيمة وخسيسة. تقول : يا غدار ؛ لا راحة لحسود ، ولا عهد لغدّار - يا خباث ، لا هدوء مع خبث ، ولا اطمئنان مع سوء نية ...
ومن الشروط السالفة يتضح أن وزن : «فعال» لا يصاغ من مصدر فعل غير مستوف لتلك الشروط ؛ كالفعل : «دحرج» لأنه غير ثلاثى ، والفعل ؛ «كان» لأنه غير تام ، والفعل «ليس» ، لأنه جامد ، والفعل يذر ، أو : يدع لأن كلا منهما ناقص التصرف (1)...
إما إعرابها : فمنادى مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره كسرة البناء الأصلى - فى محل نصب.
وبمناسبة الكلام على صيغة : «فعال» المبنية على الكسر أصالة ، وأنّها قياسية فى الموضع السالف بشروطها - يستطرد النحاة فيقولون : إنها قياسية أيضا فى موضع آخر ، إذا تحققت تلك الشروط من غير اشتراط الدلالة على السب والشتم ، وذلك الموضع هو : أنها تقع اسم فعل أمر مبنى على الكسر دائما ؛ مثل : تراك ؛ بمعنى اترك ما آمرك بتركه - نزال ، بمعنى : انزل إلى الحرب أو غيرها - شراب بمعنى : اشرب ، ومن هذا قولهم : شراب من ورد التجارب ؛ فإنه خير الموارد. وقول الشاعر :
تراك - يا صاحبى - ما ليس يحمده *** سراة (2)قومك من أهل المروءات
وقول الآخر :
نزال إلى حيث المكارم تبتغى *** أليفا يناغيها ، أمينا يصونها
وسيجىء (1)تفصيل الكلام على هذه الصيغة فى باب اسم الفعل ... (2)
فى سبّ الانثى وزن : يا خباث *** والأمر هكذا من الثّلاثى - 2
أى : اطرد فى سب الأنثى : «يا خباث» وما كان على وزنها. والأصل : «فعال» ، وما كان على وزنها. وهذا الوزن مطرد فى الأمر أيضا ، ومقصده اسم فعل الأمر ، ثم قال :
وشاع فى سبّ الذكور : «فعل» *** ولا تقس. وجرّ فى الشّعر «فل» - 3
فهو يقرر أن نداء ما كان على وزن : «فعل» خاصا بسبب المذكر ، أمر شائع ، ومع شيوعه نهى عن القياس عليه. ومنع القياس عليه مناقض للحكم بأنه شائع ؛ إذ الشيوع فى الكلام الفصيح يبيح القياس ، كما بيناه من قبل. لهذا يكون الأخذ بالرأى المجيز أنسب مادام المعنى المراد واضحا. وختم البيت بإباحة جر «فل» فى الشعر للضرورة ؛ لأن كلمة : «فل» ، و «فلة» ملازمتان للنداء ، كما عرفنا ؛ فلا يصح جرهما إلا فى تلك الضرورة ؛ كالبيت الذى يرددونه :
تضلّ منه إبلى بالهوجل *** فى لجّة أمسك فلانا عن فل
(الهوجل هنا : الصحراء التى لا أعلام فيها. اللجة - بفتح اللام - : الأصوات المختلطة).
والبيت متصل بما قبله فى وصف الإبل المتزاحمة فى الصحراء مثيرة للغبار ، يدفع بعضها بعضا. وقد شبهها بقوم فى لجة - وهى اختلاط الأصوات فى الحرب. - يدفع بعضهم بعضا ؛ فيقال : أمسك فلانا عن فل ، أى : احجز بينهما .. ويقول بعض النحاة إن «فل» الواردة فى البيت ليست المختصة بالنداء ، وإنما هى اختصار لكلمة «فلان» التى تكون منادى وغير منادى ؛ فلا شاهد فى البيت. ويرى غبرهم العكس ولا قيمة لهذا الجدل ، لوضوح الرأى القائل بأنها ليست منادى.
وملخص ما سبق فى هذا الباب :
أن فى اللغة ألفاظا لا تستعمل إلا منادى ؛ وهى أنواع ثلاثة :
(ا) نوع مقصور على السماع لا يتجاوز الحكم لفظه ونصّه إلى لفظ آخر ، وأشهر ألفاظه : أبت - أمّت ، (الملازمتين لتاء التأنيث) - اللّهم - فل - فلة - لؤمان - ملأم - نومان. .
وكل هذا النوع منادى ، مبنىّ على الضم إلا «أبت وأمّت» ، فلهما حكمهما التفصيلى فى الباب السابق (1).
(ب) نوع قياسىّ ، وهو ما كان على وزن : «فعال» لسبّ الأنثى وذمها. وله شروط ... مثل : يا خباث - يا غدار ...
وهذا النوع منادى مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره كسرة البناء الأصلى - فى محل نصب. وهو غير النوع الذى على هذا الوزن ، ويعرب اسم فعل أمر.
(ح) نوع فى قياسيته خلاف ، والأحسن الأخذ برأى القائلين بقياسيته ؛ لكثرة الوارد منه. ومن ألفاظه ما كان على وزن : «مفعلان» (2)للذم (غالبا) ، أو للمدح ، ومنه : ملأمان ، مخبثان - مكرمان - مطيبان.
ومن ألفاظه أيضا ما كان على وزن : «فعل» لذمّ المذكر وسبّه ، نحو : غدر ، وسفه ...
وكل هذا النوع منادى مبنى على الضم فى محل نصب.
فالأنواع الثلاثة عند النداء تبنى على الضم الظاهر فى محل نصب ، إلا وزن : «فعال» فيبنى على ضم مقدر ، وإلّا أبت وأمّت ، ففى إعرابهما التفصيل الذى سبق خاصّا بهما(3).
إذا أردنا نداء المجهول الاسم وجدنا فى اللغة أساليب تختلف باختلاف ذاته ومكانته ؛ فقد نقول له : يا رجل - يا شابّ - يا فتى - يا غلام - يا هذا - أيها السيد - أيها الأخ - يا زميل ... كما نقول : يا فتاة - يا شابة ، يا سيدة أيتها الأخت - يا زميلة ... ، إلى غير هذا من الكلمات الصالحة للنداء. والتى يترك اختيارها لذوق المتكلم ، وبراعته فى حسن الاختيار الملائم للمقام ، كما اختار العرب قديما ، وكما يختار المتعلمون اليوم ...
ومما اختاره العرب أحيانا كلمة : «هن» لنداء المذكر المجهول ، و «هنة» (بسكون (1)النون أو فتحها) للمؤنثة المجهولة ؛ تقول : يا هن ، لا تستشعر الوحشة فى بلدنا ؛ فالغريب بيننا قريب - يا هنة ما ذا تبتغين؟ ... ويقولون فى التثنية : يا هنان ... ، ويا هنتان ... وفى جمعى السلامة : يا هنون (2)يا هنات.
وربما ختموا هذه الكلمات عند ندائها بالأحرف الزائدة التى قد تختم بها فى الندبة (3)؛ فيقولون فى الإفراد : يا هناه ، ويا هنتاه ، وفى التثنية : يا هنانيه ويا هنتانيه ، وفى الجمع : يا هنوناه ، ويا هناتوه ؛ بسكون الهاء الأخيرة فى كلّ ذلك عند الوقف ، وحذفها ، وصلا. وقد تثبت وصلا فى الشعر أو غيره ؛ فتتحرك بالضمّ أو بالكسر.
ولما كانت «هن» و «هنة» متعددة المعانى اللغوية ، ومن معانيها ما هو محمود وما هو مذموم - كان الأنسب اليوم أن نختار سواها عند نداء المجهول الاسم ، وأن نهجرها بصورها وفروعها المختلفة.
إذا وقع إنسان فى شدّة لا يستطيع - وحده - التغلب عليها ، أو توقّع أن يصيبه مكروه لا يقدر على دفعه ... ، فقد ينادى غيره لينقذه مما وقع فيه فعلا ، أو ليدفع عنه المكروه الذى يتوقعه ويخاف مجيئه ... ومن الأمثلة : مناداة الغريق حين يشرف على الموت ؛ فيصرخ : «يا للناس للغريق». ومناداة الحارس زملاءه حين يرى جمعا من الأعداء مقبلا ؛ فيرفع صوته : «يا للحراس للأعداء». فهذه المناداة لطلب العون والمساعدة هى التى تسمى : «الاستغاثة» ؛ ويقال فى تعريفها إنها :
نداء موجّه إلى من يخلّص من شدة واقعة بالفعل ، أو يعين على دفعها قبل وقوعها.
وأسلوب الاستغاثة على الوجه السالف أحد أساليب النداء. ولا يتحقق الغرض منه إلا بتحقق أركانه الثلاثة الأساسية ؛ وهى : حرف النداء «يا» ، وبعده - فى الأغلب - : «المستغاث به» ؛ وهو المنادى الذى يطلب منه العون والمساعدة ... ويسمى أيضا : «المستغاث» (1)، وهذا الاسم أكثر شيوعا هنا. ثم : «المستغاث له» وهو الذى يطلب بسببه العون ؛ إمّا لنصره وتأييده ، وإما للتغلب عليه ، كالمثالين السّالفين ؛ فهو الدّافع للاستغاثة ؛ لمعاونته ، أو لمقاومته.
من هذه الأركان الثلاثة مجتمعة ، يتألف الأسلوب الخاص بالاستغاثة الاصطلاحية (2)، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل ركن منها. وتتركز هذه الأحكام فيما يأتى :
(ا) ما يختص بحرف النداء :
يتعين أن يكون : «يا» دون غيره من إخوته ، وأن يكون مذكورا (3)دائما ؛
1) يقال : استغاث الصبى بوالده ، أو استغاث الصبىّ والده ؛ فالفعل يتعدى بنفسه تارة - وهذا هو الأكثر - وبالباء تارة أخرى ، وهذا صحيح أيضا. فالوالد مستغاث ، أو : مستغاث به.
2) هناك أساليب غير اصطلاحية ، كأن يقول الخائف مثلا : إنى أستغيث بك يا والدى - أدركنى يا صديقى وخلصنى - أيها النبيل ادفع عنى السوء الذى ينتظرنى - ...
3) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 5 من ص 3 وفى «ا» من ص 5 ويجىء فى ص 81.
نحو : يا للأحرار للمستضعفين ... فإن تخلّف أحد هذين الشرطين لم يكن الأسلوب أسلوب استغاثة.
(ب) ما يختص بالمستغاث (وهو : المنادى) :
1 - الغالب على المستغاث أن تسبقه لام الجرّ الأصلية. ومتى وجدت كانت مبنية على الفتح وجوبا ؛ نحو : يا للطبيب للمريض ، وقول الشاعر (1):
يا للرّجال لحرّة موءودة (2)*** قتلت بغير جريرة وجناح (3)
ووجود هذه اللام ليس واجبا ، إنما الواجب فتحها حين تذكر ... (4)
إذا استغيث اسم منادى خفضا *** باللّام مفتوحا ، كيا للمرتضى
(استغيث اسم : أى : استغيث به. وخفض ، أى : جر)
يريد : إذا نودى اسم مستغاث به وجب خفض المنادى ؛ (أى : جره) بلام مبنية على الفتح ، نحو : يا للمرتضى.
ويستثنى من بنائها على الفتح حالتان ، يجب فيهما بناؤها على الكسر.الأولى : أن يكون المستغاث «ياء المتكلم» ، نحو : يالى للملهوف.
والثانية : أن يكون المستغاث غير أصيل ؛ وذلك بأن يكون غير مسبوق «بيا» ، ولكنه «معطوف» على مستغاث آخر مسبوق بها ؛ فيكتسب من السابق معنى الاستغاثة ، والمراد منها. نحو : يا للوالد وللأخ للقريب المحتاج. فكلمة «الأخ» ليست مستغاثا أصيلا ، لعدم وجود «يا» معها ، ولكنها استفادت معنى الاستغاثة من «المعطوف عليه» المستغاث الأصيل الذى تسبقه «يا» وهو الوالد. ففى هذه الصورة - والتى قبلها - يجب كسر اللام الداخلة على المستغاث.
ويترتب على عدم ذكر «يا» مع المعطوف شىء آخر ، هو صحة ذكر لام الجر معه ، وحذفها ؛ نحو : يا للطبب وللممرّض للجريح ، أو : والمممرّض للجريح.
فإن ذكرت «يا» مع المعطوف كان مستغاثا أصيلا كالمعطوف عليه ، ووجب .
1) البيت لشوقى من قصيدة يرثى فيها منصب «الخلافة» الإسلامية التى آلت إلى سلاطين الترك ، ثم ألغوها سنة 1929 وكان لإلغائها ألم عميق إذ ذاك.
2) الموءودة : هى البنت التى كانت تدفن حية عقب ولادتها ، كعادة بعض الأمم القديمة ، ومنهم بعض القبائل العربية الجاهلية. والجريرة الإثم والذنب ، وكذلك : الجناح.
3) الموءودة : هى البنت التى كانت تدفن حية عقب ولادتها ، كعادة بعض الأمم القديمة ، ومنهم بعض القبائل العربية الجاهلية. والجريرة الإثم والذنب ، وكذلك : الجناح.
4) فيما سبق يقول ابن مالك فى باب عنوانه : الاستغاثة.
فتح اللام معهما ؛ كقول الشاعر :
يا لقومى ، ويا لأمثال قومى *** لأناس عتوّهم فى ازدياد (1)
وافتح مع المعطوف إن كرّرت «يا» *** وفى سوى ذلك بالكسر ائتيا
إذا تكررت «يا» بأن ذكرت مع المعطوف وجب فتح لام الجر الداخلة عليه. وفى غير هذه الصورة يجب كسر اللام معه. وهذا يشمل ألا تذكر «يا» مع المعطوف ، كما يشمل اللام الداخلة على المستغاث له إن كان اسما ظاهرا ، أو ضميرا هو ياء المتكلم. ولم يتعرض لوجوب فتح اللام مع الضمائر الأخرى. كما سنعرف.
2 - جميع أنواع المنادى المستغاث ، المجرور بهذه اللام الأصلية ، المسبوق بالحرف : «يا» - معرب (2)منصوب ؛ فهو مجرور لفظا ، منصوب محلا. حتّى المفرد العلم ، والنكرة المقصودة ، فإنهما يعتبران - حكما - بسبب هذه اللام - من قسم المنادى المضاف ، الواجب النصب (3)، ويلحقان به ، فكل ؛ منهما مجرور اللفظ ، منصوب المحل ، (كغيره من بقية أنواع المنادى المستغاث ، المسبوق بالحرف : «يا» ، والمجرور باللّام الأصلية). لهذا يقال فى إعراب المستغاث فى الأمثلة السابقة (وهى : يا للطبيب ... يا للرجال ... وأشباهها -) اللام حرف جرّ أصلى ، والطبيب ... أو الرجال ... منادى منصوب بفتحة مقدرة ، منع من ظهورها الكسرة التى جلبها حرف الجرّ. والجار والمجرور متعلقان «بيا» : لأنها نائبة عن الفعل «أدعو» أو ما بمنعاه ، (4)
وإذا جاء لهذا المنادى تابع فإنه يجوز فيه الجر ، مراعاة للفظ المنادى ، والنصب مراعاة لمحله ، - وهذا هو الرأى الأنسب الذى يحسن الأخذ به (5)- تقول : يا للطبيب الرحيم ... يا للرجال الشجعان ، بجر كلمتى : الرحيم والشجعان ، أو نصبهما :
ولا يعتبر المنادى المستغاث معربا منصوبا إلا بشروط ثلاثة ، أن يكون معربا .
فى أصله قبل النداء ، وأن تكون لام الجر مذكورة ، وقبلها : «يا» مذكورة أيضا. أما إن كان المستغاث مبنيّا فى أصله ؛ نحو : يا لهذا للصائح ... فالواجب إبقاؤه على حالة بنائه الأصلى ، ويكون فى محل نصب. فكلمة : «هذا» فى المثال السالف منادى ، مبنى على ضم مقدر ، منع من ظهوره سكون البناء الأصلى ، فى محل نصب (1)
وبالرغم من هذا التعارض لا مفر من الأخذ بأحد رأيين :
ا . إما الرأى السمح الذي يعرب المستغاث المجرور بالسلام الأصلية الذي ليس مبنيا قبل النداء . منادى مجرور باللام في محل نصب . برغم أنه معرب ، والمعرب لا يكون له محل - وأن المبنى أصالة مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها سكون البناء الأصلى ، أو علامة البناء الأصلى - إن كانت علامته غير السكون . في محل نصب أيضا. ولا يخلو هذا الرأى بشطريه من ضعف ؛ بسبب مخالفته بعض قواعدهم العامة ، ولكنه أهون مخالفة من غيره.
ب . وإما الرأى الذى يعتبر اللام حرف جر زائد ، وما بعدها مجزور فى اللفظ ، وله محل إعرابي آخر ، وهما لا يتعلقان. فالمستغاث المعرب أصالة مجرور بها لفظا في محل نصب ، وهي مبنية على الفتح إلا في الصورتين السالفتين (وهما : المستغاث المعطوف الذى لم تسبقه «يا» والمستغاث ياء المتكلم فتبنى على الكسر) والمستغاث المبنى أصالة - أى قبل النداء ، - كاسم الإشارة ؛ مثل : يا لهذا .. يكون مجرورا بكسرة مقدرة منع من ظهورها علامة البناء الأصلي . في محل نصب. فزيادة «اللام» . لا أصالتها . هي التي توجب للمنادى إعرابا لفظيا ، وآخر محليا معا. أما أصالتها فتقتضى اللفظى وحده ، فاذا اقتضت معه محلا كان هذا الاقتضاء عيبا.
.وأما إن كانت اللام محذوفة فيجوز أن تجىء ألف فى آخر المستغاث ؛ عوضا عنها ، ولا يصح الجمع بين اللام والألف. ومع وجود هذه الألف يبقى المنادى دالا
1) الرأى الأقوى - بين آراء متعددة - أن المستغاث المجرور باللام الأصلية ، المعرب قبل النداء - معرب مجرور باللام فى محل نصب. وأن حرف الجر أصلى ، وهو مع مجروره متعلقان بحرف النداء «يا» لنيابته عن الفعل : أدعو ، أو ما يشبهه - كما عرفنا أول الباب ، فى د وه من ص 6 و1. لكن كيف يكون معربا مع أن له محلا ؛ والإعراب المحلى لا يكون للمعرب الأصيل - فى الصحيح -؟ وإذا صح أن له محلا فما محله؟ أهو الجر باللام ، أم النصب بالنداء ؛ إذ لا يمكن أن يكون له محلان؟ ولا يفيد فى إزالة الاعتراض اعتبار اللام حرف جر زائد لا يحتاج مع مجروره إلى تعليق ؛ لأن هذا الاعتبار لا قيمة له فى بعض الحالات ؛ كأن يكون المستغاث المجرور باللام مبنيا فى أصله قبل النداء ؛ (مثل : يا لهذا للصائح - أو : يا لك للداعى ...) إذ المنادى هنا مبنى أصالة قبل النداء ؛ فيتعين أن يقال فى إعرابه إنه مبنى على ضم مقدر. منع من ظهوره علامة البناء الأصلى ، وأنه فى محل كذا؟ فما محله هنا؟ أهو الجر ، أم النصب؟ ولا يمكن أن يكون له محلان. وإذا تخيرنا أحدهما هنا وهناك فما وجه الترجيح؟ .. و .. و ...
على الاستغاثة كما كان (1)ولكنه لا يعتبر فى هذه الصورة ملحقا بالمنادى المضاف ؛ (بالرغم من وجود الألف التى هى عوض عن اللام) ، وإنما هو مبنى على الضم المقدر (2)فى ، محل نصب ؛ لأن اعتباره ملحقا بالمضاف واجب النصب متوقف على وجود اللام نفسها ، لا على وجود عوض عنها بعد حذفها (3)
ولام ما استغيث عاقبت ألف *** ومثله اسم ذو تعجّب ألف
(أى : عاقبتها ألف ، بمعنى : جاءت عقبها ، وحلت فى مكانها بعد حذفها) وبين لهذا التعاقب موضعين ؛ هما : ما استغيث به (أى : المستغاث) والاسم المتعجب منه فى أسلوب التعجب الآتى ، ص : 84.
.ومن الأمثلة : يا عالما للجاهل. وقول الشاعر :
يا يزيدا لآمل نيل عزّ *** وغنى بعد فاقة وهوان
فعند إعراب المنادى فى المثالين المذكورين : (عالما ... يزيدا ...) يقال : منادى ، مبنى على ضم مقدر على آخره (منع من ظهوره الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف ،) فى محل نصب (4)ويجرى على توابعه - فى الرأى الأصح - ما يجرى على توابع المنادى المبنى على الضم (5)من أحكام إعرابية مختلفة ؛ ومنها : جواز الرفع والنصب فى بعض الحالات ؛ فالرفع مراعاة شكلية للفظ المنادى ، والنصب مراعاة لمحله. ولا يصح مراعاة الفتحة الطارئة لمناسبة الألف (6).
وإذا وقف على المستغاث المختوم بالألف فالأحسن مجىء هاء السكت الساكنة نحو يا عالماه ... وتحذف عند الوصل. .
1) بشرط وجود قرينة تدل على الاستغاثة ، وعلى أن هذه الألف للعوض وحده ، وليست منقلبة عن ياء المتكلم التى سبق اللام عليها فى ص 57 ، ولا عن غيرها ...
2) بسبب الفتحة الطارئة لمناسبة الألف.
3) يقول ابن مالك :
4) فإن كان المستغاث مثنى أو جمع مذكر سالما وحذفت قبلهما لام الجر فإنهما يبنيان على ما يرفعان به من ألف أو واو. ويصح مجىء الألف بعد نونهما للتعويض ، فيقال : يا محمودانا - ويا محمودونا. وإذا كان المستغاث المجرور باللام مضافا ؛ مثل : يا لأعوان محمود لمحمود - جاز حذف - اللام من المضاف وزيادة الألف فى آخر المضاف إليه ؛ عوضا عنها ؛ فيقال : يا أعوان محموداه ، فالمضاف منادى منصوب مباشرة ، والمضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف ، (وهى فتحة طارئة لا تلاحظ فى التوابع ولا غيرها) والهاء للسكت. - طبقا لما سيجىء مباشرة -
5) سبق بيان أحكامها فى ص 39.
6) راجع رقم 1 من هامش ص 41 ، ثم ص 44.
فإن حذفت لام الجر بغير تعويض كان حكم المستغاث حكم غيره من أنواع المنادى التى ليست للاستغاثة ، كقول الشاعر :
ألا يا قوم للعجب العجيب *** وللغفلات تعرض للأريب
فيصح فى كلمة : «قوم» أن تكون منادى منصوبا ؛ لإضافته إلى ياء المتكلم المحذوفة ، وبقيت الكسرة المناسبة لها دليلا عليها. (ولا بد من قرينة تدل على أن النداء للاستغاثة). ويصح أن تكون مبنية على الضم (باعتبارها نكرة مقصودة) فى محل نصب.
وأما إذا حذفت «يا» أو كان حرف النداء حرفا آخر غيرها ، فإن الجملة لا تكون من باب : الاستغاثة - كما تقدم (1)-.
3 - كل ما يصلح أن يكون منادى يصلح أن يكون مستغاثا ؛ غير أنه يجوز - هنا - الجمع بين «يا» و «أل» التى فى صدر المستغاث ، بشرط أن يكون مجرورا باللام المذكورة ، لتفصل بينهما ؛ كما فى الأمثلة المتقدمة. فإن لم يتحقق الشرط لم يصح الجمع(2).
4 - قد يحذف المستغاث ، ويقع المستغاث له بعد «يا» فى موضعين.
أحدهما : أسلوب مسموع يلتزم فيه الحذف - على الرأى الصحيح - وهو «يا لى» ، بشرط أن يكون مقتصرا على هذه الجملة المشتملة على «يا» وعلى «المستغاث له» وحده ، الخالية مما يصلح أن يكون «مستغاثا به» ؛ نحو : عرفت الأحمق فاكتويت بحمقه ؛ فيالى. وصاحبت العاقل فأمنت أداه ؛ فيالى ؛ ما أنفع العقل الرجيح. والأصل - مثلا - يا للأنصار لى ، ويا للأخوان لى.
ثانيهما : أسلوب قياسىّ - وهو قليل مع قياسيته وجوازه - ويشمل كل أسلوب يكون اللبس مأمونا فيه عند الحذف ؛ كقول الشاعر :
يا ... لأناس أبوا إلّا مثابرة *** على التّوغّل فى بغى وعدوان
والأصل : - مثلا - يا لأنصارى لأناس أبوا ... «فالأناس» هم المستغاث لهم. ولا لبس فى هذا ؛ لأن ضبط اللام بالكسر - نطقا وكتابة - يمنعه ، وإذا لم تضبط فالمعنى يمنعه أيضا ؛ إذا لا يعقل أن يكون الأناس مستغاثا
بهم ، مع اتهامهم بالتوغل الدائب فى البغى والعدوان ؛ فمن شأنهم هذا التوغل لا يستغيث بهم أحد.
(ح) ما يختص بالمستغاث له :
1 - يجب تأخيره عن المستغاث.
2 - ويجب جره بلام أصلية مكسورة دائما. - كالأمثلة السابقة - إلا فى حالة واحدة ؛ هى : أن يكون المستغاث له ضميرا لغير ياء المتكلم فتفتح لام الجر (1)؛ نحو : يا للناصح لنا ، ويا للمخلص لكم ... بخلاف : يا للرائد لى ؛ لأن الضمير ياء المتكلم.
وفى جميع الصور تتعلّق اللام ومجرورها بحرف النداء «يا».
3 - يجوز حذفه إن كان معلوما واللّبس مأمونا ؛ كقول الشاعر :
فهل من خالد إمّا (2)هلكنا *** وهل بالموت يا للناس عار
والأصل : يا للناس للشّامتين ، أو نحو ذلك. وقول الآخر :
يا لقومى ... من للعلا والمساعى؟ *** يا لقومى ... من للنّدى والسّماح؟
4 - يجوز - عند قيام قرينة - الاستغناء عن هذه اللام ، والإتيان بكلمة : من» التعليلية (3)
فيا شوق ما أبقى! ويالى من النوى! *** ويا دمع ما أجرى! ويا قلب ما أقسى!
عوضا عنها ؛ بشرط أن يكون المستغاث له مستنصرا عليه ، (أى : أن يكون القصد من الاستغاثة التغلب عليه ، وإضعاف أمره ...) نحو : يا للأحرار من الخادعين المنافقين ، وقول الشاعر :يا للرجال ذوى الألباب من نفر *** لا يبرح السّفه المردى (4)لهم دينا .
1) لوجوب فتحها دائما إذا دخلت على ضمير غير ياء المتكلم ؛ سواء أكان ما بعدها مستغاثا أم غير مستغاث.
2) هى : «إن» الشرطية المدغمة فى : «ما» الزائدة.
3) أى : السببية. (وهى الدالة على التعليل ، وبيان السبب) وإنما يصح وقوع «من» التعليلية بعد «يالى» بشرط أن يكون ما بعدها غير مستغاث به ؛ كقول الشاعر :
4) المهلك.
فإن لم يكن مستنصرا عليه بأن كان مستنصرا له لم يصح مجىء «من» وتعينت اللام.
بقيت بعض أحكام عامة أهمها :
1 - جواز وقوع المستغاث به والمستغاث له ضميرين ؛ نحو : يا لك لى ؛ يقولها من يستغيث المخاطب لنفسه.
2 - جواز أن يكون المستغاث هو المستغاث له فى المعنى ؛ كقولك فى النّصح الرقيق لمن يهمل ، واسمه علىّ - مثلا - : يا لعلىّ ، لعلىّ ، تريد : أدعوك لتنصف نفسك من نفسك.
3 - إذا وقع بعد «يا» اسم مجرور باللام ، لا ينادى إلا مجازا ؛ - لأنه لا يعقل - وليس بعده ما يصلح أن يكون مستغاثا به ، جاز فتح اللام وكسرها ؛ نحو : يا للعجب - يا للمروءة - يا للكارثة ... فالفتح على اعتبار الاسم مستغاثا به ، مجازا ، (لتشبيهه بمن يستغاث به حقيقة ، أى : يا عجب ، أو : يا مروءة ... أو : يا كارثة ... احضر ، أو : احضرى ، فهذا وقتك). والكسر على اعتبار الاسم مستغاثا له. والمستغاث محذوف. فكأنّك دعوت غيره تنبهه على هذا الشىء ، والأصل - مثلا : - يا لقومى للعجب ، أو : للمروءة ، أو للكارثة ... (1)
أما فى مثل : «يا لك» (2)- بكاف الخطاب : للعاقل وغيره - فاللام واجبة الفتح (3)ولكن الكاف تصلح أن تكون مستغاثا به أو : مستغاثا له ، على الاعتبارين السالفين.
1) وعلى هذين الاعتبارين يجوز فتح اللام وكسرها فى المنادى المقصود منه التعجب ، وهو الموضوع الآتى بعد هذا مباشرة. - كما هو مبين فى الحكم الثانى ، من ص1. والمعنى لا يختلف على اعتبار الأسلوب للاستغاثة ؛ تقديرا ، أو اعتباره للنداء المقصود به التعجب ؛ إذا المآل المعنوى فيهما واحد ، برغم اختلاف التقدير.
2) يساعد على إعراب هذا الأسلوب ما سبق فى رقم 1 من هامش ص 79.
3) لما أوضحناه فى رقم 1 من هامش الصفحة السابقة.
راقب أحد الشعراء البدر فى ليلة صافية ، فبهره جماله ، وتمام استدارته. ولطف حركته ... فأعلن إعجابه وإكباره بقصيدة مطلعها :
يا للبدور ، ويا للحسن ؛ قد سلبا *** منى الفؤاد ؛ فأمسى أمره عجبا
وراقب آخر الشمس ساعة غروبها ، وما ينتابها من صفرة ، وتغير ، واختفاء ؛ فامتلأت نفسه بفيض من الخواطر سجله فى قصيدة منها :
يا للغروب ، وما به من عبرة *** للمستهام ، وعبرة للرّاءى
أو ليس نزعا للنهار ، وصرعة *** للشمس بين جنازة الأضواء؟
وتكشّف يوم من أيام الربيع الباسمة عن صباح عاصف ، متجهم ، قارس ، فقال أحد الشعراء أرجوزة مطلعها :
يا لصباح أغبر الأديم *** قد طعن الربيع فى الصميم
فهذه الأساليب : (يا للبدور - يا للحسن - يا للغروب - يا لصباح ... وأشباهها) قد توهم فى مظهرها اللفظى وهيئتها الشكلية أنها أساليب استغاثة ؛ - كالتى مرت فى الباب السّالف (1)- لاشتمالها على حرف النداء : «يا» ، وعلى منادى مجرور باللام المفتوحة. ولكنها فى حقيقتها ليست باستغاثة ؛ لخلوها - فى الغالب - من السمتغاث به الذى يوجّه له النداء حقيقة (2)، لا مجازا ، ومما يصلح أن يكون مستغاثا حقيقيّا ، (لا مجازيا) ، ولأنّ المتكلم لا يطلب التخلص من شدة واقعة ، ولا دفع مكروه متوقّع. وإنما هى أساليب نداء ؛ أريد بها التعجب من ذات شىء ، أو كثرته ، أو شدته ، أو أمر غريب فيه ، أو غرض آخر مما سنبينه ؛ فهى نداء خرج عن معناه الأصلى إلى هذا الغرض الجديد ، وجاءت صورته الشكلية على صورة الاستغاثة ، دون أن يكون منها فى المعنى والمراد.
وقد ينادى العجب نفسه - مجازا - للمبالغة فى التّعجب ؛ فيقال : يا عجب - يا للعجب - يا عجبا للعاقّ -.
حكمه :
1 - يجوز أن يشتمل المنادى المقصود به التعجب ، على لام الجر ، كما يجوز أن يخلو منها ؛ وقد مرّت الأمثلة للحالتين. والشائع عند حذف هذه اللّام أن تجىء الألف فى آخره عوضا (1)
ولام ما استغيث عاقبت ألف *** ومثله اسم ذو تعجّب ألف
عنها ؛ فيقال عند القرينة (2)؛ يا بدورا ... يا حسنا .. يا عجبا .. ، ولا يجوز اجتماعهما. ويجوز عند الوقف على المختوم بالألف مجىء هاء السّكت الساكنة : نحو : يا بدوراه - يا حسناه.2 - يجوز فى المنادى المقصود منه التعجب فتح اللام الداخلة عليه وكسرها ، على الاعتبارين اللذين سبق إيضاحهما فى الحكم الثالث من الأحكام العامة التى وردت فى آخر باب «الاستغاثة» (3).
3 - جميع الأحكام النحوية الأخرى التى ثبتت للمنادى المستغاث - ومنها : الإعراب ، والبناء ، ووجود الحرف : «يا» دون غيره - تثبت للمنادى المتعجب منه ، برغم اختلافهما غرضا ودلالة.
الغرض منه :
الباعث إلى التعجب بأسلوب النداء أحد أمرين :
1 - أن يرى المرء شيئا عظيما يتميز بذاته ، أو بكثرته ، أو شدته ، أو غرابة فيه ... ؛ فينادى جنسه ؛ إعلانا بإعجابه ، وإذاعة به ، كالأمثلة السالفة.
2 - أن ينادى من له صلة وثيقة بذلك الشىء ، وتخصص فيه ، وتمكن منه ، حمدا له وتقديرا ، أو : طلبا لكشف السّرّ فيه ، ومواطن العجب ؛ كأن يسمع عن طيارات غزو الفضاء ، واختراق الغلاف الجوى ، أو الدوران حول الأرض كلها فى بضع ساعات ، أو إرسال أجهزة علمية إلى سطح القمر ... - فيقول : .
1) وإلى هذا أشار ابن مالك فى النصف الثانى من البيت الذى سبق فى ص 80 ، ونصه :
2) لا بد أن تكون القرينة دالة على التعجب ، وعلى أن الألف التى فى آخر المنادى هى للعوض وحده ، وليست منقلبة عن ياء المتكلم - كالتى سبق الكلام عليها فى ص 57 - أو عن غيرها.
3) رقم 3 من ص 83 وقد أوضحنا فى رقم 1 من هامش تلك الصفحة أن المعنى لا يتغير باعتباره للاستغاثة ، أو للنداء المقصود به التعجب ، لأن المآل المعنوى واحد فيهما ، برغم اختلاف التقدير.
يا للعلماء ، أو : يا للعباقرة. وكقول شوقى : (فى قيصر الرومان الذى فتنته كليوباترة ، وقضت على ملكه ، وعليه ...) :
ضيّعت قيصر البرية أنثى *** يا لربّى مما تجر النساء ...
هذا ، والتعجب بكل أنواعه وصيغه - كما سبق فى بابه (1)- ليس مقصورا على الأمر الحميد أو المحبوب ، وإنما يكون فيهما ، وفى الذميم أو البغيض.
1) ج 3.
يتّضح معناها مما يأتى :
1 - قيل لأعرابىّ : «مات اليوم عثمان بن عفان ...» فصرخ : (وا عثمان ، وا عثمان. أثابك اللّه وأرضاك ؛ فلقد كنت عامر القلب بالإيمان ، شديد الحرص على دينك ، بارّا بالفقراء ، مقنّعا بالحياء ...)
2 - وقيل لعمر - رضى اللّه عنه - : أصابنا جدب شديد ... فصاح : وا عمراه ، وا عمراه.
3 - وقيل لفتى يتأوه : ما بك؟ فأمسك رأسه ، وقال : وا رأسى.
وقيل لآخر : مالك تضع يدك على كبدك؟ فردد قول الشاعر :
فواكبدا من حبّ من لا يحبنى *** ومن عبرات ما لهن فناء
4 - وسئل غنىّ افتقر : أين أعوانك وخدامك والمحيطون بك؟ فقال فى أسف وحرارة : وا فقراه.
ففى الأمثلة السابقة أساليب نوع من النداء يسمى : «النّدبة» ؛ ومنه : وا عثمان - وا عمراه - وا رأسى - وا كبدا - وا فقراه ... ويقولون فى تعريفها : (إنها نداء موجّه للمتفجّع عليه ، أو للمتوجّع منه (1)). يريدون بالمتفجع عليه : من أصابته المنية ، فحملت الناس على إظهار الحزن ، وقلة الصبر ؛ سواء أكانت الفجيعة حقيقية كالتى فى المثال الأول : «وا عثمان» ، أم حكميّة كالتى فى المثال الثانى : «وا عمراه» فإن عمر حين قال ذلك كان حيّا ، ولكنه بمنزلة من أصابه الموت ؛ لشدة الألم ، والهول الذى حلّ به (2)
فوا عجبا ، كم يدّعى الفضل ناقص *** ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
فهو يندب العجب والأسف ، وكأن كلا منهما قد مات فى وقت اشتداد الحاجة إليه. ويشترط فى هذه الصورة أن تكون الندبة للعجب نفسه ، وكذا للأسف من غير إضافتهما لياء المتكلم المنقلبة ألفا ، وإلا كانت هذه الألف ليست للندبة - كما سيجىء فى رقم 4 من ص 91 وفى رقم 1 من ص 97 -
.ويريدون بالمتوجّع منه : الموضع الذى يستقر فيه الألم ، وينزل به ، (كالمثال الثالث : وا رأسى - وا كبدا ،) أو : السبب الذى أدّى للألم وأحدثه ؛ (كالمثال الرابع : وا فقراه.) ؛ فالمتوجع منه هو مكان الألم ، أو سببه
والمنادى فى هذه الأساليب - وأشباهها - يسمى : المندوب (1)، فهو المتفجّع عليه ، أو المتوجع منه.
والغرض من النّدبة : الإعلام بعظمة المندوب ، وإظهار أهميته ، أو شدته ، أو العجز عن احتمال ما به ...
ومن المندوب وحرف النداء يتألف أسلوب «الندبة الاصطلاحية» (2)فهما ركناه. ولكل منهما أحكامه التى تتلخص فيما يأتى :
(ا) حرف النداء :
1 - لا يستخدم فى الندبة إلا أحد حرفين من أحرف النداء :
أحدهما : أصيل ، وهو : «وا» ؛ لأنه مختص بالندبة ، لا يدخل على غير المنادى
المندوب ؛ كالذى فى الأمثلة السالفة.
والآخر غير أصيل ؛ وهو : «يا» لأنه غير مختص بالندبة ، وإنما يدخل على المنادى المندوب وعلى سواه. واستعمال «يا» قليل هنا ، وهو - على قلّته - جائز ؛ بشرط أمن اللبس بوجود القرينة الدالة على أن الأسلوب للندبة ، لا لنوع آخر من أساليب النداء. ومن الأمثلة ما جاء فى خطبة أحد الأدباء يرثى زعيما (3)وطنيّا فوق قبره :
«لقد أفنيت عمرك فى الجهاد ، واستنزفت مالك - وما كان أكثره - فى طلب الحرية للبلاد ، واسترجاع الحق المغصوب ، والاستقلال المسلوب ، حتى ذاب جسمك ، وانطفأ مصباح حياتك ؛ فآه!! آه!! يا محمداه ...»
1) هل المندوب منادى؟ الجواب فى رقم 2 من هامش الصفحة الآتية.
2) تعريف الندبة وأسلوبها الاصطلاحى ، هو ما ورد هنا. وهناك أساليب غير اصطلاحية لا شأن لها بالضوابط والأحكام الآتية ؛ كأن يقول : ما أشد الفجيعة فى فلان ، أو فقدنا فلانا ، أو كانت المصيبة فيه فوق الاحتمال .. أو ..
3) هو محمد فريد رئيس الحزب الوطنى المصرى المتوفى سنة 1919 فى منفاه ببرلين ، ثم أحضر ، ودفن بالقاهرة خلال تلك السنة.
فلا مجال للالتباس هنا ؛ لأن المقام مقام رثاء ، والمنادى الذى دخلت عليه «يا» ميت ...
2 - ولا بد فى أسلوب الندبة من أن يذكر أحد هذين الحرفين ؛ فلا يصح حذفه (1)، ولا الاستغناء عنه بعوض أو بغير عوض ...
(ب) المنادى ، وهو المندوب (2)
وقال آخرون : إنه منادى. وتصدى آخرون للتوفيق بين الرأيين بما صرح به الرضى من أنه منادى مجازا لا
حقيقة ، فاذا قلت في الندبة : وا محمديه فكأنك تقول له : أقبل ؛ فاني مشتاق إليك . مثلا . وإذا قلت : «وا حزناه» فكأنك تقول : احضر حتى يعرفك الناس فيعذروني فيك. ورأى الرضى هو الجدير بالأخذ به ، والاقتصار عليه.
هنا :1 - كل اسم يصلح أن يكون مندوبا ، إلّا نوعين من الأسماء :
أحدهما : النكرات العامة ؛ (وهى الباقية على أصلها من الإبهام والشيوع ، وتشمل النكرة المقصودة ؛ مثل : رجل - فتاة - عالم - طبيبة ...) وهذه النكرات العامة لا تصلح أن تكون مندوبا إذا كان متفجّعا عليه ، أما إن كان متوجّعا منه فتصلح ؛ نحو : وا مصيبتاه ، ... فى مصيبة غير معينة ... (3).
والآخر : بعض المعارف (4). وينحصر فى الضمير ، وفى اسم الإشارة الخالى من علامة خطاب فى آخره. وفى الموصولات المبدوءة «بأل» ، وفى «أىّ» الموصولة وفى «أىّ» التى تكون منادى. فلا يصلح شىء من هذه المعارف لأن يكون مندوبا ؛ فلا يقال - مثلا - : وا أنت ؛ ولا : وا إياك - وا هذا - وا الذى ابتكر دواء شافيا - وا أيهم مخترع - وا أيها الرجلاه.
أما الموصولات المجردة من «أل» فيرى فريق من النحاة صلاحها للندبة ، بشرط أن تكون صلتها شائعة الارتباط بالموصول ، معروفة بذلك بين المتخاطبين ؛
1) سبقت الإشارة لهذا فى «ب» من ص 3.
2) يقول بعض النحاة : إن المندوب ليس منادى حقيقة ؛ وإنما هو على صورة المنادى. وحجته : أنك لا تريد منه أن يجيبك ، ويقبل عليك ، وأنهم منعوا فى النداء. «يا غلامك» ، ونحوه مما يكون فيه المنادى مضافا إلى المخاطب ؛ لأن خطاب المضاف المنادى يناقض فى مدلوله المراد من المضاف إليه ، فلا يجمع بين خطابين فى جملة واحدة (كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 4) مع أن هذا واقع فى أسلوب الندبة ؛ مثل : وا غلامك.
3) كما سيجىء فى ص 91.
4) وحجتهم أنه لا يخلو من إبهام ، كما سبق فى أبوابه. والمندوب لا بد أن يكون معينا لا إبهام فيه ، ليتحقق الغرض من الندية.
نحو : وا من (1)بنى هرم مصر - وا من (2)أنشأ مدينة القاهرة ، لأن هذا بمنزلة قولك : وا «خوفو» - وا «معزّ» ؛ بل أقوى ، لما فيه من الإشادة بذكر شىء هامّ ينسب له.
ويرى آخرون المنع : بحجة أن شيوع الصلة ، وإدراك المراد منها ، عسير فى أغلب الأحيان. وربما شاعت عند قوم وخفيت على غيرهم. والأخذ بالرأى الأول أنسب عند الحاجة.
واسم الموصول : «من» فى المثالين السالفين مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون البناء الأصلى - فى محل نصب. وهذا على اعتبار اسم الموصول - فى الرأى الأصح - من قسم المنادى المفرد. فإن جعل من قسم الشبيه بالمضاف - كما يرى بعض النحاة - فهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون البناء الأصلى. وأثر كل رأى يظهر فى توابعه ، فهى إما توابع منادى مبنى على الضم ، لها أحكامها التى سبقت (3)وإما توابع منادى منصوب ؛ فتنصب على الوجه المشروح هناك. ومثل هذا يقال فى بقية الموصولات المبنية قبل النداء.
فليس بين المعارف كلها ما يصلح للندبة إلا العلم ، وإلا المضاف لمعرفة يكتسب منها التعريف ، وإلّا الموصول - عند بعض النحاة - بشرط ، تجرده من «أل» ، وبشرط اشتهار الصلة بين المتخاطبين ، وإلا بعض المقرون «بأل» مما يصلح للنداء (4).
2 - حكم المندوب من ناحيتى الإعراب والبناء حكم غيره من أنواع المنادى فيجب بناؤه على الضم إن كان علما مفردا ، أو نكرة مقصودة ، مع مراعاة التفصيل الخاص بكل ... (5)نحو : وا عمر - وا عثمان ، وا رأس - وا كبد ... وأشباههما مما عرضناه فى الأمثلة الأولى وما لم نعرضه.
ويجب نصبه إن كان مضافا أو شبيها بالمضاف (6) ؛ فمثال المضاف قول
1) بانى الهرم الأكبر بجيزة القاهرة هو فرعون مصرى قديم ، اسمه : «خوفو» كان البناء قبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف سنة تقريبا - ولا يزال قائما شامخا.
2) هو : المعز لدين اللّه الفاطمى ، وأنشأها حول سنة 360 ه.
3) فى ص 39.
4) وقد سبق بيانه فى ص 35.
5) سبق إيضاح شامل للمفرد العلم ، والنكرة المقصودة ، والمضاف ، وشبهه. فى أول باب «المنادى» ص 5. 24 ، 30 ، 31.
الشاعر فى قصيدة يرثى بها عالما دينيّا كبيرا (1).
وا خادم الدين والفصحى وأهلهما *** وحارس «الفقه» من زيغ وبهتان
ومثال الشبيه به ما قيل فى رثائه : وا ناشرا راية العرفان عالية.
ويلحق بالشبيه النكرة المقصودة الموصوفة ؛ كقولهم فى رثاء الإمام على :
وا إماما خاض أرجاء الوغى *** يصرع الشرك بسيف لا يفل
أما النكرة غير المقصودة فلا تصلح مندوبة ؛ إذا كانت للمتفجع عليه لا للمتوجع منه - كما سبق (2)- فلا يقال : «وارجلاه» لغير معين.
وإذا اضطر شاعر لتنوين المندوب المفرد جاز رفعه ونصبه كما جاز له هذا فى المنادى المفرد الذى سبق الكلام عليه (3)
ما للمنادى اجعل لمندوب. وما *** نكّر لم يندب ، ولا ما أبهما
ويندب الموصول بالّذى اشتهر *** كبئر زمزم ؛ يلى : وا من حفر
(يلى وا من حفر ، أى يقع بعد قولك : وا من حفر. أى : وا من حفر بئر زمزم).
يريد : أن الموصول يصح أن يكون مندوبا بسبب اشتهاره بصلته. وضرب لهذا مثلا هو : وا من حفر بئر زمزم. والذى حفرها هو عبد المطلب ، وشاع بين الناس هذا ، فكأنك قلت : وا عبد المطلب.
...3 - الغالب فى المندوب أن يختم - جوازا - بألف زائدة تتصل بآخره ، إمّا حقيقة ؛ نحو : وا عمراه ، وقول المتحسر :
فوا أسفا (4)من مكرمات أرومها *** فينهضنى عزمى ، ويقعدنى فقرى
وإما حكما ؛ كالتى تزاد فى آخر المضاف إليه لغير ياء المتكلم (5)إن كان المندوب .
1) هو الاستاذ الشيخ محمد عبده المتوفى سنة 1905
2) فى ص 89.
3) فى «د» من ص 23 - ويقول ابن مالك فى باب مستقل : عنوانه : «الندبة» مبينا ما سبق من أن حكم المندوب هو حكم المنادى المحض ، وبيان ما لا يندب ، وأن الموصول يندب بما اشتهر به :
4) مع مراعاة الشرط الذى سبق فى رقم 2 من هامش ص 87 والذى يقتضى أن تكون الندبة هنا للأسف نفسه من غير إضافة لياء المتكلم المنقلبة ألفا ... و .. - أما المندوب المضاف لياء المتكلم فتفصيل الكلام عليه فى ص 97
5) لأن المندوب المضاف للياء له حكم مستقل (سيجىء فى ص 97). ومن اتصالها حكما زيادتها فى آخر بعض التوابع ، وزيادتها فى صلة الموصول المجرد من «أل» عند من يبيح ندبته ، فيقول : وا من بنى هرم مصرا - وا من أنشا مدينة القاهرتا. ويصح : مصراه ، والقاهرتاه ؛ بزيادة هاء السكت الساكنة ؛ كما سيجىء هنا. وإنما كانت الزيادة التى فى آخر المضاف إليه وفى آخر الصلة - وأشباههما ؛ كالتابع - حكمية ، لأنها لم تتصل بآخر المندوب مباشرة. وإنما اتصلت بآخر شىء وثيق الارتباط به ، إذ المضاف والمضاف إليه متلازمان لا يستغنى أحدهما عن الآخر ؛ فالزيادة المتصلة بآخر المضاف إليه تعتبر حكما وتأويلا بمنزلة المتصلة بآخر المضاف. وكذلك الشأن فى الزيادة المتصلة بآخر الصلة ، والتابع. هذا تعليل النحاة. والعلة الحقة هى استعمال العرب.
مضافا ؛ نحو : وا عبد الملكاه (1).
والغرض من زيادة الألف مدّ الصوت ليكون أقوى بنبراته على إعلان ما فى النفس. وزيادتها ليست واجبة ، وإنما هى غالبة - كما قلنا - لكنها إن زيدت وجب لها أمران.
فأما أحدهما : فحذف التنوين إن وجد قبل مجيئها فى آخر المندوب المبنى ، أو فى آخر المضاف إليه ونحوه ؛ فمثال حذفه من المبنى ندبة العلم المحكى حكاية إسناد (2)؛ نحو : وازاد محمودا ؛ فيمن اسمه : «زاد محمود» ومثال المضاف إليه : واحارس بيتاه. فى ندبة : «حارس بيت».
وأما الآخر : فأن يتحرك ما قبلها بالفتحة - بشرط أمن اللبس - إن كان غير مفتوح ، لأن الفتحة هى التى تناسبها ؛ كالأمثلة السالفة. فإن أوقعت الفتحة فى لبس وجب تركها ، وإبقاء الحركة الموجودة على حالها مع زيادة حرف بعدها يناسبها : فتبقى الكسرة وتجىء بعدها ياء ، وتبقى الضمة وتجىء بعدها واو ؛ ففى مثل : وا كتابك - بكسر الكاف - نقول : وا كتابكى ، ولا يصحّ مجىء الألف ؛ فلا يقال : وا كتابكا ؛ إذ لا يتبين مع الألف حال المضاف إليه ؛ أهو خطاب لمذكر أم لمؤنث؟ وكذلك لا يتبين فى «وا كتابه» لو جئنا بالألف ؛ فيجب الاستغناء عنها بالواو بعد الهاء.
وفى مثل : وا كتابهم ، يقال : وا كتابهموه ، ولا يصح وا كتابهماه ، بزيادة الألف ، إذ لا يتضح معها نوع الضمير ؛ أهو لمثنى أم لجمع؟
ويجب أن يحذف للألف الزائدة ما قد يكون فى آخر المندوب من ألف أخرى
1) -
2) اشتمل المثال على ندبة العلم المحكى إسنادا ؛ لأنه الذى يوجد فيه التنوين مع النداء ؛ تحقيقا للحكاية. ولا يحذف هذا التنوين إلا مع زيادة ألف الندبة - كما سيجىء هنا ، وفى «ب» من ص 95 أما المنادى العلم المفرد فمبنى على الضم ؛ فلا تنوين فيه اختيارا - كما عرفنا فى - «د» من ص23. وإنما يوجد التنوين أحيانا فيما يتممه ، كصلة الموصول عند من يعتبره مفردا ، وأما المندوب المضاف فلا يدخله تنوين مطلقا ، وقد يدخل فى المضاف إليه ، وفى الجزء الثانى المتمم لشبه المضاف. أما الجزء الأول من شبه المضاف فلا يحذف تنوينه ، لأن ألف الندبة لا تتصل به ، وأما النكرة المقصودة فقد تنون إذا وصفت ؛ طبقا لما سلف فى 27.
نحو : مصطفى ، فيقال : وا مصطفاه (1)
وإذا حذفت الألف من آخر المندوب بسبب مجىء ألف الندبة وجب - فى الأرجح - مجىء هاء السكت معها لتدل على أن الألف المذكورة هى الزائدة للندبة ، وليست من حروف المندوب - كما أشرنا -.
...هذا والأحرف الثلاثة السابقة (الألف - الواو - الياء) ، زائدة ، لا تعرب شيئا ، ولا يقال فيها إلا أنها زائدة للندبة ، ولا تأثير لها فيما اتصلت بآخره إلا باحتياجها إلى حركة قبلها تناسبها ؛ فالفتحة قبل الألف ، والضمة قبل الواو ، والكسرة قبل الياء (2)
ومنتهى المندوب صله بالألف *** متلوّها إن كان مثلها حذف
(تملوها أى : الذى تليه وتقع بعده) يقصد : أن آخر المندوب يجىء بعده ألف الندبة ، فإن وقعت ألف الندبة بعد مثيل لها ، (أى : بعد ألف) وجب حذف المثيل ؛ لالتقاء الساكنين ، دون ألف الندبة لأنها جاءت لغرض. ثم قال :
كذاك تنوين الّذى به كمل *** من صلة أو غيرها. نلت الأمل
يريد : كذلك يحذف التنوين من الشىء الذى أكمل المندوب ، وجاء بعد المندوب ليتمه ؛ كالصلة بعد اسم الموصول ، والمضاف إليه بعد المضاف ، وبعض التوابع بعد متبوعاتها ... وبقية البيت دعاء للمخاطب ، سيق للتكملة الشعرية ...
ثم قال بعد ذلك فيما يختص بشكل المندوب وضبطه بالفتحة عند مجىء الألف ، وهل يحدث لبس بسببها؟ وكيف نتوقاه؟
والشّكل حتما ، أوله مجانسا *** إن يكن الفتح بوهم لابسا
(لابسا بوهم - خالطا المقصود بغيره ، بسبب وهم. والوهم : ذهاب الظن لغير المراد).
يقول : إن كان الفتح قبل ألف الندبة يحدث لبسا ، بسبب وهم فالواجب العدول عن الفتحة وعن الألف ، والمجىء بحرف مجانس للشكل الموجود ، بدل الألف ، فالكسرة يجانسها الياء ، فتجىء بعدها الياء ، والضمة يجانسها الواو فتجىء بعدها الواو. وهذا معنى : أول الشكل مجانسا له ، أى : اذكر بعد الشكل الحرف الذى يجانسه.
...ويصح فى حالة الوقف زيادة هاء السكت (3)الساكنة بعد الثلاثة ، أو عدم زيادتها ، فيقال : وعمراه - وا كبداه - وا إماماه - وا خادم وطناه - وا كتابكيه - ة
1) وعند إعرابه يقال : «مصطفى» منادى مبنى على ضم مقدر للتعذر - كما كان قبل الندبة - على الألف المحذوفة لالتقاء الألفين الساكنين ، والألف الموجودة زائدة للندبة ، والهاء للسكت. وهذا هو الرأى الأقوى بالنسبة للرأى الآخر الذى يقول إن المندوب المختوم بالألف مبنى على الفتح.
2) يقول ابن مالك فى زيادة ألف الندبة وحذف ما قد يكون فى آخر المندوب من ألف أو تنوين لأجلها :
3) وتسمى : هاء الاستراحة
وا كتابهوه ... كما يقال : وا عمرا - وا كبدا ، وا إماما ... ولا تزاد الهاء جوازا ، إلا بعد حرف من أحرف المدّ الثلاثة. والأفصح حذف الهاء فى وصل الكلام إلا فى الضرورة الشعرية فتبقى وتتحرك بالكسر أو بالضم. ومن القليل الذى يحسن إهماله أن تبقى فى الاختيار ، وأن تتحرك فيه بالكسر أو بالضم (1)
وواقفا زد «هاء» سكت إن ترد *** وإن ترد فالمدّ «والها» لا تزد
أى : إن شئت عند الوقف أن تزيد على المندوب بعد ألفه هاء السكت فزدها ، وإن شئت ألا تزيدها فأنت حر - إلا فى الصورة التى عرضناها عند الشرح فى رقم 1 من هامش الصفحة السابقة -. وإن شئت الاستغناء عنهما فلا تزد حرف المد ، ولا الهاء (وحرف المدهو الألف ، والواو ، والياء) ولا تزاد الهاء إلا بعد واحد منها.
!! ... .1) وفى هاء السكت (هاء الاستراحة) يقول ابن مالك :
(ا) إذا كان المندوب مثنى أو جمع مذكر سالما فإن نونهما لا تحذف عند مجىء ألف الندبة ، فيقال : وا إبراهيمانا - وا إبراهيمونا ، فيبنيان على الألف والواو ؛ كالمنادى المجرد.
(ب) إذا ندب المفرد ولم تلحقه ألف الندبة ، كان كالمنادى المحض مبنيّا على الضم فى محل نصب - كما سبق - نحو : وا جعفر. أما فى مثل : سيبويه ، و «قام محمود» - علمين - فيقال : وا سيبويه - وا قام محمود (فى ندبة من اسمه هذا) ، فالمنادى مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره علامة البناء الأصلى فى سيبويه ، وحركة الحكاية فى الثانى المنوّن. وهو فى الحالتين فى محل نصب. فإذا جاءت ألف الندبة ؛ فقلنا : وا جعفرا ، فهو منادى مبنى على ضم مقدر على آخره ، منع من ظهوره الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف - فى محل نصب. وإذا قلنا : وا سيبويها ، فهو منادى مبنى على ضم مقدر ، منع من ظهوره علامة البناء الأصلى التى حذفت لأجل فتحة المناسبة ، فى محل نصب ، أو : أنه مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره فتحة المناسبة - مباشرة - فى محل نصب ، وهذا أوضح ؛ لأن اعتبار الألف الظاهرة أولى من اعتبار المحذوف. وإذا قلنا : وا قام محمودا (1)، بزيادة ألف الندبة ، فالمنادى مبنى على ضم مقدر منع ظهوره حركة الحكاية التى حذفت لأجل فتحة المناسبة - فى محل نصب. أو مبنى على ضم مقدر منع من ظهوره فتحة المناسبة - مباشرة - فى محل نصب. والأفضل أن يكون الضم مقدرا لفتحة المناسبة ، مراعاة للناحية اللفظية المذكورة.
أما المضاف وشبهه ، نحو : وا كتاب جعفراه - وا قارئا كتاباه - فالجزء الأوّل منصوب دائما كالنداء المحض ، والجزء الثانى يقدر إعرابه ، وسبب التقدير مجىء الفتحة ، لمناسبة الألف.
(ح) إذا كان للمندوب تابع فإن كان بدلا ، أو عطف بيان ، أو توكيدا معنويّا - فالأحسن ألّا تدخل ألف الندبة على التابع ، ويكتفى بدخولها على المتبوع.
1) بغير تنوين ؛ طبقا لما سبق فى ص 92.
وإن كان عطف نسق دخلت على المعطوف ، نحو : وا عمر وعثماناه. ويجيز بعضهم دخولها على المعطوف والمعطوف عليه. وهذا حسن.
وإن كان توكيدا لفظيّا دخلت عليهما ، نحو : وا عمراه وا عمراه ...
أما إن كان نعتا لفظه كلمة : «ابن» المضافة لعلم فإن الألف تدخل على المضاف إليه ؛ نحو : وا حسين بن عليّاه. فإن كان لفظا آخر فالأحسن إدخالها على المنعوت وحده.
عرفنا (1)أن المنادى صحيح الآخر المضاف إضافة محضة ، قد تكون إضافته إلى ياء المتكلم ، كقول الشاعر وقد عاد إلى وطنه من منفاه (2):
فيا وطنى لقيتك بعد يأس *** كأنى قد لقيت بك الشبابا
وعرفنا ما يجوز فيه - اختيارا - من لغات أشهرها ست ، منها ثلاث تثبت فيها الياء ، وثلاث تحذف فيها. فالثلاث الأولى هى : إثباتها ساكنة ؛ نحو : يا وطنى - إثباتها متحركة بالفتحة ، نحو : يا وطنى - قلبها ألفا بعد فتحة ؛ نحو : يا وطنا.
والتى تحذف فيها هى : حذفها مع بقاء الكسرة قبلها دليلا عليها ؛ نحو : يا وطن. - قلبها ألفا مفتوحا ما قبلها ، وحذف الألف مع بقاء الفتحة قبلها ؛ نحو : يا وطن - حذفها ، وبناء المنادى قبلها على الضم ؛ نحو : يا وطن.
1 - فإذا ندب المضاف إضافة محضة لياء المتكلم الساكنة الثابتة جاز حذفها ومجىء ألف الندبة مفتوحا ما قبلها ، وجاز تحريك الياء بالفتحة مع زيادة ألف الندبة بعدها ففى. نحو : يا مالي ، يقال : وا مالا ، أو : وا ماليا (3)
وفى المندوب المضاف إلى ياء المتكلم الساكنة وجواز تحريكها بالفتح ، أو حذفها مع زيادة ألف الندبة فى الحالتين وفتح ما قبلها - يقول ابن مالك :
وقائل وا عبديا ، وا عبدا *** من فى النّدا ، اليا ، ذا سكون أبدى
(تقدير البيت : ومن أبدى فى النداء حرف الياء ذا سكون - قائل وا عبديا ، وا عبدا). يريد أن من لغته فى المنادى المضاف لياء المتكلم هو إسكانها ، مع بقائها ، فانه يقول عند الندبة : وا عبديا - أو وا عبدا ، بتحريك الياء بالفتح ، ثم زيادة ألف الندبة ، أو بحذف الياء مع زيادة ألف الندبة وفتح ما قبلها.
. ويصح عند الوقف1) فى ص 57.
2) لما اشتعلت الحرب العالمية الأولى فى أغسطس سنة 1914 ، وكان الإنجليز يحتلون البلاد المصرية إذ ذاك - نفوا الشاعر إلى أسبانيا ، وظل بها حتى انتهت الحرب فى آخر سنة 1918 فعاد إلى وطنه أول سنة 1919.
3) ويقال فى إعراب : «وا ماليا» «مال» ، منادى مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة على اللام ؛ منع من ظهورها الكسرة العارضة لمناسبة الياء -. والفاء مضاف إليه ، مبنى على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة التى جاءت لمناسبة الألف ، فى محل جر. ويقال فى إعراب : «وا مالا» ، «مال» منادى مضاف ، منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة التى جاءت لمناسبة الياء المحذوفة - أو : منع من ظهورها الفتحة الحالية التى جاءت لمناسبة ألف الندبة. ومراعاة الفتحة الحالية أوضح.
زيادة هاء السكت الساكنة على الوجه الذى أوضحناه (1).
2 - وإذا ندب المضاف لياء المتكلم الثابتة المفتوحة لم يجز إلا زيادة ألف الندبة بعدها ، ففى مثل : يا مالى ، يقال : وا ماليا. ويصح زيادة هاء السكت الساكنة وقفا ...
3 - وإذا ندب المضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا ، حذفت ، وحل محلها ألف أخرى للندبة ؛ فيقال فى : يا مالا - وا مالا. ويصح وقفا زيادة هاء السكت الساكنة ...
4 و 5 و 6 - أما إذا ندب المضاف لياء المتكلم المحذوفة فيزاد ألف الندبة مع فتح ما قبلها إن لم يكن مفتوحا ، ففى مثل : يا مال - يا مال - يا مال ... يقال فيها جميعا : وا مالا. ويصح وقفا زيادة هاء السكت الساكنة.
وقد يؤدى بعض الصور السالفة إلى اللبس ، فيجب العدول عنه إلى ما لا لبس فيه ، أو إقامة قرينة تزيله.
وإذا أضيف المنادى المندوب إلى اسم ظاهر مضاف لياء المتكلم ؛ نحو : وا مال أهلى ... وجب إثبات الياء ، لأن المندوب لم يضف إليها مباشرة ؛ فلا تسرى عليه أحكام المنادى المضاف لياء المتكلم. ومع إثباتها يجوز زيادة ألف الندبة بعدها وعدم زيادتها ؛ تقول وا مال أهلى - وا مال أهليا (2).
الترخيم الاصطلاحىّ : «حذف آخر اللفظ بطريقة معينة ؛ لداع بلاغىّ» (1). وهو ثلاثة أقسام :
ترخيم اللفظ للنداء ، وترخيمه للضرورة الشعرية ، وترخيمه للتصغير. والباب الحالى معقود للكلام على القسمين الأولين ، أما الثالث فموضع الكلام عليه : «باب التصغير»(2).
القسم الأول : ترخيم المنادى.
نصح أعرابى لابنه : «عامر» ؛ فكان مما قال : (يا عام ، صداقة اللئيم ندامة (3)، ومداراته سلامة ...) فحذف الراء من آخر المفرد العلم المنادى.
وسمع آخر أعرابية تتغنى بمزاياها ؛ فقال لها : (يا أعرابىّ ، دعى ما أنت فيه ؛ فمن حدّث الناس عن نفسه بما يرضى ، تحدثوا عنه بما يكره.) فحذف التاء (4)من آخر المنادى النكرة المقصودة ...
فالحذف على الوجه السالف نوع مما يسمى : «ترخيم نداء» ، وهو : «حذف آخر المنادى المفرد العلم ، أو النكرة المقصودة. وقد يقتصر الحذف على هذا أو لا يقتصر» - طبقا لما سيجىء - (5).
شروطه :
لا يصح إجراء هذا النوع من الترخيم الذى يقتضى حذف الآخر وحده أو مع شىء غيره ، إلا بعد أن تجتمع فى المنادى شروط عامة لا بد من تحققها فيه - سواء أكان مجردا من تاء التأنيث أم مختوما بها - وشروط خاصة بالمجرد منها. فالعامة هى : 1 - أن يكون معرفة ، إمّا بالعلمية ، وإما بالقصد والإقبال (6)؛ (لأن
1) هو : التخفيف - غالبا - أو التمليح ، أو الاستهزاء.
2) ص 654.
3) أى : مؤديه للندم ؛ بسبب نتائجها الضارة.
4) نداء الترخيم كثير عندهم فى المنادى المختوم بتاء التأنيث ، وفى بعض كلمات أخرى ؛ منها : مالك - عامر - حارث - صاحب -
5) فى ص 102.
6) فسبب تعريفه أنه مفرد علم ، أو نكرة مقصودة. أما بقية أقسام المنادى فلا ترخم - كما سيجىء التصريح هنا وفى الشرط الرابع -
المنادى الذى يراد ترخيمه قسمان ، مجرد من تاء التأنيث ، ومقترن بها ، فإن كان مجردا من تاء التأنيث وجب أن يكون علما ؛ فيتعرف بالعلمية ، وإن اقترن بالتّاء وجب أن يكون علما ، أو نكرة مقصورة ؛ فيتعرف بالعلمية ، أو بالنداء مع الإقبال ، ولا يصح ترخيم النكرة المحضة ، وهى النكرة غير المقصودة).
2 - ألا يكون مستغاثا مجرورا ؛ فلا يصح الترخيم فى مثل : يا لصالح لمحمود - يا لفاطمة لأخيها. فإن حذفت اللام الداخلة عليه جاز ترخيمه ؛ نحو : يا صالا (1)لمحمود - يا فاطما (2)لأخيها.
3 - ألا يكون مندوبا ؛ فلا يصح الترخيم فى مثل : وا معتصم ، أين أنت؟ وا عبلة ما صنعت بك الأيام؟
4 - ألا يكون مضافا ، ولا شبيها به (3)؛ كالمضاف فى قولهم : يا أهل العلم ، عالم ذو همة يحيى أمة. - يا فتاتى أنت عنوان بلادى. وشبهه فى مثل : «يا بخيلا بماله ، أنت تشقى ، وغيرك يسعد».
5 - ألا يكون مركبا تركيب إسناد - على الأرجح (4)- فلا يصح الترخيم فى علم كالذى فى قولهم : يا «فتح اللّه» ، الجاه يفنى ، والمجد يبقى - يا «زينب فاضلة» ؛ لا تقابلى الإحسان بالجحود.
6 - ألا يكون من الألفاظ المقصورة على النداء (5)، فلا يصح الترخيم فى مثل : يا فل ويا فلة ...
7 - ألا يكون من الألفاظ المبنية أصالة قبل النداء ؛ مثل : حذام - رقاش ... علمين لمؤنثتين.
تلك هى الشروط العامة التى يجب تحققها فى المنادى المراد ترخيمه بقسميه ؛ (المختوم بتاء التأنيث ، والمجرد منها.)
أمّا الشروط الخاصّة التى لا بد من تحققها مع العامة فى القسم المجرد من تاء التأنيث ، دون المختوم بها ... فأهمها :
1) الألف التى فى آخر المستغاث هى التى تجىء - جوازا - عند حذف لام الجر ، وتفصيل الكلام عليها فى ص 77.
2) الألف التى فى آخر المستغاث هى التى تجىء - جوازا - عند حذف لام الجر ، وتفصيل الكلام عليها فى ص 77.
3) هذا الشرط مفهوم من مضمون الشرط الأول ، ولكن ذكرناه صريحا هنا ليكون أوضح وأجلى.
4) كما سيأتى فى ص 106 ، وفيها حكم ترخيم المركب المزجى.
5) وقد سبقت فى ص 67.
1 - أن يكون تعريفه بالعلمية دون غيرها ، نحو : «سالم» علم رجل ؛ تقول : يا سال : أذلّ الحرص أعناق الرّجال. فلا يصح فى المجرد من تاء التأنيث أن يكون نكرة مقصودة (لأن تعريفها بالقصد والإقبال ، لا بالعلمية ؛ نحو : يا صاحب ، لمعيّن) أما المختوم بها فيصح أن يكون علما وأن يكون نكرة مقصودة ؛ كأن تقول فى نداء فتاة اسمها عائشة : يا عائش : آفة النصح أن يكون جهارا. وفى نداء مسافرة معينة : يا مسافر ، تيقّظى فى رحلتك ؛ فإن السلامة فى اليقظة.
2 - أن يكون العلم المجرد منها أربعة أحرف أو أكثر ؛ فلا يصح ترخيم العلم الثلاثى الخالى من تاء التأنيث مطلقا ؛ (1)؛ مثل «سعد» و «رجب» فى قولهم : يا سعد ، من أحسن إلى لئيم أساء إلى نفسه - يا رجب ، النفس الصغيرة مولعة بالصغائر. أما المختوم بتاء التأنيث فيصح ترخيمه ، سواء أكان علما أم نكرة مقصودة ، ثلاثيا أم أكثر. وتقول فى نداء فتاة اسمها «هبة» نداء ترخيم : يا هب ، إنّ الإمانىّ والأحلام كالأزهار ؛ ما تراكم منها قتل. وفى أخرى اسمها : «ماجدة» يا ماجد ، إن اللّه لا ينظر إلى الصور ، وإنّما ينظر إلى الأعمال (2)
ترخيما احذف آخر المنادى *** كيا «سعا» فيمن دعا «سعادا»
أى : احذف آخر المنادى حذف ترخيم ، كمن يقول : يا سعا ، وهو ينادى فتاة اسمها : سعاد.
ثم قال :
وجوزنه مطلقا فى كلّ ما *** أنث بالها. والّذى قد رخّما
بحذفها وفّره بعد. واحظلا *** ترخيم ما من هذه «الها» قد خلا
إلّا «الرّباعىّ» فما فوق. «العلم» *** دون إضافة ؛ وإسناد متم
يقول : جوز الترخيم فى المنادى المؤنث بالهاء ، (أى : بتاء التأنيث التى تصير «هاء» فى الوقف) إجازة مطلقة ؛ يتساوى فيها كل منادى مختوم بالتاء ؛ علما أو نكرة مقصودة ، ثلاثيا أو زائدا على الثلاثة. متحرك الوسط ، أو ساكنه. ثم قال : إن المنادى المرخم بحذفها يوفر بعد ذلك ، فلا يجوز حذف شىء من حروفه بعد التاء. وعرض بعد هذا للترخيم الخالى منها ؛ فقال : احظل (أى : امنع) ترخيم المنادى الخالى منها إلا إذا كان علما رباعيا فما فوقه ، غير مضاف ، وغير مركب تركيب إسناد متم ، (أى : تركيب إسناد تام ، كامل).
ويلاحظ فى هذه العبارات القصور والخلط ، لأن بعض الأشياء المحظورة السابقة - كالمنادى المضاف ، والمركب تركيب إسناد - ليس محظورا فى المنادى المختوم بالتاء وحده ، وإنما حظره عام يشمل المجرد منها أيضا ، كما شرحنا.
... .ما يحذف جوازا من آخر المنادى عند ترخيمه :
يجوز أن يحذف من آخر المنادى بسبب ترخيمه حرف واحد - وهو الأغلب - أو حرفان ، أو كلمة ، أو كلمة وحرف. وفيما يلى البيان :
أولا : يحذف منه الحرف الأخير وحده بغير شروط إلا التى سلفت.
ثانيا : يحذف منه الحرفان الأخيران (1)معا بعد تحقق الشروط التى سلفت ، مزيدا عليها أن يكون المنادى علما مجردا من تاء التأنيث ، وأن يكون الحرف الذى قبل الأخير حرف مدّ (2)
(راجع ما سبق في رقم 2 من هامش ص 57).
.وأن يكون زائدا لا أصليّا ، وأن يكون رابعا فصاعدا.
وبعبارة أخرى : يجوز أن يحذف من المنادى العلم المرخّم المجرد من تاء التأنيث الحرفان الأخيران ، بشرط أن يكون السابق منهما حرف مدّ ، زائدا ، رابعا فأكثر ... مثل : عمران - خلدون - إسماعيل ... تقول : يا عمر ، من ساء قوله ساءت معاملة الناس له - يا خلد ، النصح أغلى ما يباع ويوهب - يا إسماع ، من خاف اللّه حرسته عنايته.
أما الحرف الأخير فقد يكون أصليّا. كهمزة «أسماء» فى المنادى المرخم من قول الشاعر :
يا أسم ، صبرا على ما كان من حدث
إنّ الحوادث ملقىّ (3)ومنتظر
فكلمة : «أسم» ، أصلها : أسماء ، وهمزتها بمنزلة الأصلية ، لأنها منقلبة عن واو أصلية (4). وقد يكون زائدا كالنون فى «مروان» من قول الشاعر :
يا مرو إنّ مطيّتى محبوسة
ترجو الحباء (5)، وربّها لم ييئس
ولا يصح فى هذا القسم المستوفى للشروط الاقتصار على حذف الحرف الأخير وحده،
1) يدخل فى هذا من الأعلام : المثنى ، وجمع المذكر السالم ، وجمع المؤنث السالم (ويراعى فى الثلاثة التفصيل الهام الآتى فى ص 105)
2) لا يسمى حرف مد إلا إذا كان حرف علة ساكنا ، والحركة التى قبله تناسبه ، (وهى الفتحة قبل الألف ، والضمة قبل الواو ، والكسرة قبل الياء ، نحو : قام - يقوم - مقيم.) وهو فى هذه الحالة حرف علة ، ومد ، ولين. فإن كان ساكنا وقبله حركة لا تناسبه سمى : حرف علة ولين ، نحو : فرعون وخير. فإن كان متحركا فهو حرف علة فقط ؛ نحو : حور وهيف ...
3) يريد : اصبرى على ما يحدث ؛ لأن الحوادث محتومة ؛ بعضها ملقى (أى : واقع حاصل) ، وبعضها منتظر وقوعه.
4) «أسماء» جمع ، مفرده : «اسم» وأصله : «سمو» ؛ فواوه أصلية ، تنقلب همزة عند جمعه على «أفعال» مع زيادة همزة الوصل.
5) العطاء.
وإنما يجب أن يحذف معه الحرف الذى قبله أيضا. إلا إن كان المنادى المرخم مختوما بتاء التأنيث ؛ فتحذف وحدها دون الحرف الذى قبلها. ففى مثل : «عقنباة» (1)وسلحفاة ، علمين ، يقال : يا عقنبا ، يا سلحفا بالألف فيهما.
فالترخيم بحذف آخر المنادى أمر اختيارى ، لا واجب ، لكن إذا اخترنا الحذف فى هذا القسم المستوفى للشروط وجب أن يحذف مع الآخر الحرف الذى قبله ، لأنهما متلازمان وجودا وحذفا فى غير المختوم بتاء التأنيث حيث يقتصر الحذف عليها وحدها.
وبمراعاة الشروط السالفة يتبين أنه لا يصح فى الأمثلة الآتية وأشباهها ، حذف الحرفين الأخيرين معا فى نداء الترخيم : يا مرتجاة ، علما ، لا يقال : يا مرتج ، لوجود تاء التأنيث (2).
يا جعفر ، يا ثمود - يا سعيد - يا عماد ... أعلاما ، لا يقال : يا جع - يا ثم - يا سع - يا عم ... لأن الحرف الذى قبل الأخير ليس حرف مدّ أو حرف مدّ ، لكنه ليس رابعا فأكثر.
يا رحيّم ، يا هبيّخ (3)- علمين - لا يقال : يا رحى - يا هبى ... لأن حرف العلة (الياء) قبل الآخر ليس ساكنا ؛ فلا يصح حذف الياء ؛ لأنها ليست للمدّ.
يا قنوّر (4)- علما - ؛ لا يقال : يا قنو ؛ لأن حرف العلة (الواو) قبل الآخر ليس ساكنا ؛ فلا يصح حذفه. لأنه ليس حرف مد.
يا فرعون - علما - لا يقال : يا فرع ؛ لأن الحركة التى قبل حرف العلة (الواو) لا تناسبه ؛ فلا بد من بقاء الواو. لأنها ليست للمد.
يا غرنيق (5)- علما - لا يقال : يا غرن ؛ لأن الحركة التى قبل حرف العلة (الياء) لا تناسبه ؛ فلا بد من بقاء الياء. لما سبق.
يا مختار - علما - لا يقال : يا مخت ، لأن حرف العلة ليس زائدا ، فأصله الياء ؛ فلا بد من بقاء الألف.
يا منقاد - علما - لا يقال : يا منق ، لأن حرف العلة ليس زائدا ، فأصله الواو ؛ فلا بدّ من بقاء الألف.
..... (1)
او مع الآخر احذف الذى تلا *** إن زيد ، لينا ساكنا ، مكمّلا ...
أربعة فصاعدا. والخلف فى *** واو وياء بهما فتح قفى
تلا : أى : تلاه الآخر
ولينا ساكنا - يقصد به حرف المد ، وقد شرحناه.
الخلف - الخلاف بين النحاة.
قفى - تبع ، أى : جاء بعده حرف ، والجملة الفعلية : (قفى) خبر للمبتدأ : (فتح) والجملة من المبتدأ والخبر صفة لواو .. والجار مع مجروره (بهما) متعلقان بالفعل : (قفى).
يريد : يحذف مع الحرف الأخير ما قبله من حرف مد رباعى. فإن كان قبل الواو والياء فتحة - نحو : فرعون وغرنيق - فقد وقع خلاف فى جواز حذفهما.
.1) وفى حذف الحرف الأخير ومعه الحرف الذى قبله (وهو الذى تلاه الأخير) يقول ابن مالك :
1 - يصح ترخيم المثنى وجمعى التصحيح بحذف زيادتيهما بشرط أن يكون ترخيمهما على لغة من ينتظر (1)، لكيلا يقع فيهما اللبس بالمفرد ؛ فتقول فى نحو : محمدان ومحمدين (علمين) : يا محمد - يا محمد ؛ بالفتح فى الأول والكسر فى الثانى. وكذا فى المنسوب. ويمتنع الضم فى كل ما سبق لكيلا يلتبس بالمفرد. وأما محمدون - ونظائره من كل جمع مذكر سالم مرفوع بالواو - فيمتنع ترخيمه مطلقا ؛ للسبب السالف (2).
ب - عرفنا ما يحذف منه حرفان عند الترخيم. وهو يشمل المثنى وجمعى التصحيح إذا كانت أعلاما ؛ فترخم كلها بحذف الآخر ومعه ما قبله ، بالشروط التى سلفت. لكن يمتنع بقاء الألف فى مثل : «هندات» لأن التاء فيه ليست للتأنيث (3).
ج - الحركة المجانسة لحرف العلة فيصير حرف مدّ بسببها ، قد تكون ظاهرة ؛ كالأعلام التى فى الأمثلة السالفة ؛ وقد تكون مقدّرة فى بعض الأعلام الأخرى ؛ كما فى جمع المقصور جمع مذكر سالما ؛ نحو : يا مصطفون ، ويا مصطفين ، علمين ... فنقول عند الترخيم : يا مصطف ، بحذف الواو والنون من الأول ، والياء والنون من الثانى ، لأن أصلهما ؛ مصطفيون ومصطفيين ، بضم الياء فى الأول ، وكسرها فى الثانى. تحركت هذه الياء فيهما ، وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفا. وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فالحركة مجانسة ؛ لأنها الضمة قبل الواو فى اللفظ الأول ، والكسرة قبل الياء فى الثانى. فلا يضر أن تكون المجانسة تقديرا ؛ لأن المجانسة التقديرية كالمجانسة اللفظية الظاهرة ، ولهذا يجب حذف الواو والياء عند حذف الحرف الأخير من الكلمتين السالفتين وأشباههما ؛ بشرط أن تكون كل كلمة علما.
ثالثا : يحذف من آخر المنادى المستوفى شروط الترخيم ، كلمة كانت فى أصلها مستقلة ، ثم ركبت مع أخرى تركيب مزج (1)
والعجز احذف من مركّب ، وقل *** ترخيم جملة ، وذا عمرو نقل
يريد : حذف العجز من المركب المزجى جائز ، أما من مركب الجملة (وهو المركب الإسنادى) فقليل ، وقد نقله عن العرب عمرو ، (المشهور باسم : سيبويه).
، وصارتا بمنزلة الكلمة الواحدة ؛ نحو : (حمدويه - خالويه) - (رامهرمز) - (تسعة عشر ...) إذا جعلت هذه المركبات أعلاما ؛ فنقول فى ندائها ترخيما ، يا حمد - يا خال - يا رام - يا تسعة - ولا بد عند ترخيمها من وجود قرينة قوية تدل على أصلها ، إذا ترخيمها لا يخلو من لبس ، ولا سيما المركبات العددية المبنية على فتح الجزأين ؛ نحو : تسعة عشر.وقد منع كثير من النحاة ترخيم المركب المزجىّ (وكذا الإسنادىّ كما تقدم (2)) بحجة أنه لم يسمع ، وأنه موضع إلباس. والأخذ برأيه أحسن.
رابعا : يحذف من آخر المنادى المستوفى شروط الترخيم ، كلمة ، ومعها حرف قبلها. ويقع هذا فى لفظين من المركبات العددية ؛ (هما : إثنا عشر ، وإثنتا عشرة ،) إذا جعلا علمين (3)
هذا. وإذا صار الاسم المبدوء بهمزة وصل - مثل : اثنى ... واثنتى - علما فإن همزته تصير همزة قطع ؛ يجب كتابتها والنطق بها. - كما سلف فى رقم 2 من هامش ص 37 وسيجىء لها بيان أكمل فى رقم 2 من هامش ص 235 -.
؛ فيقال : يا إثن ... يا إثنت ... بحذف كلمة : «عشر» أو «عشرة» والألف التى قبلهما - كما يقال هذا فى ترخيمهما من غير تركيب - لأن كلمة : عشر ، وعشرة ، بمنزلة النون فى الاسم المفرد ؛ (أى : الخالى من التركيب وهو : إثنان وإثنتان.) (4)فصارت هى والألف بمنزلة الحرفين الزائدين فى آخر الأصل المثنى ؛ إذا كان علما.«ملاحظة» : اشتد الخلاف بين النحاة الأقدمين فى ترخيم الأعداد المركبة (أعلاما وغير أعلام) من ناحية جوازه وطريقته ، أو عدم جوازه. والحق أن ترخيمها لا يخلو من لبس وخفاء يحملان اليوم على اجتنابه. .
1) تفصيل الكلام على المركب المزجى فى ح 1 ص 219 م 23. وفى حذف عجزه ؛ (أى آخره) ، يقول ابن مالك :
2) فى رقم 5 من ص 100.
3) هذا شرط حتمى ؛ لكيلا يلتبسا بنداء المثنى الذى ليس علما ، وإنما هو عدد محض ، وهو : اثنان واثنتان ، ومثلهما فى نداء المرخم بقية الأعداد المركبة ، ثلاثة عشر ، وأربعة عشر ، وخمسة عشر ... إلخ ، فلا يحذف عجزها للترخيم إلا إذا كانت علما ، منعا - فى ظنهم - للالتباس بثلاثة ، وأربعة ، وبقية الأعداد المفردة.
4) أو المراد بالاسم المفرد : ما كان آخره نون قبلها حرف مدّ فى نحو : مسكين ، علما ؛ حيث تحذف النون فى الترخيم ومعها حرف المدّ.
المنادى المرخم لا يكون إلا مفردا علما أو نكرة مقصودة - بتفصيلهما الذى عرضناه (1)- فحكمه الأساسىّ هو البناء على الضمّ وفروعه. ولضبطه طريقتان بعد ترخيمه.
الأولى : أن يلاحظ المحذوف ، ويعتبر كأنه باق ، ويظل ما قبله على حركته أو سكونه قبل الحذف (2)
الثانية : ما حذف لواو الجمع ، كما إذا سمى بنحو : قاضون ومصطفون من جموع معتل اللام ، فانه يقال في
ترخیمه : یا قاضی ، و يا مصطفى ؛ برد الياء فى الأول ، والألف فى الثانى ؛ لزوال سبب الحذف.
(حاشية الصبان . وغيرها . في هذا الموضع).
ويلاحظ أن استثناء المسألتين السالفتين مقصور على الأخذ بالطريقة الأولى المعروضة دون الثانية.
، ويستمرّ رمز البناء على الضم - وفروعه - مقصورا على الحرف الأخير المحذوف ، كما كان قبل حذفه ، من غير نظر لما طرأ عليه ؛ ففى مثل : يا عامر ... يا سيدة ... يكون المنادى قبل الترخيم (عامر - سيدة) مبنيّا على الضمّ فى محل نصب ، ويصير بعد الترخيم : يا عام - يا سيّد ، منادى مبنيّا على الضم الذى على الحرف المحذوف ، فى محل نصب أيضا ، بالرّغم من كسر الميم ، وفتح الدّال ؛ لأن كلا منهما لا يعدّ - بحسب هذه الطريقة - حرفا أخيرا فى كلمته ، يختصّ بعلامة البناء.وكذلك فى مثل : يا سالم - يا مسافرة ، يا إفرند (3)فالمنادى من غير ترخيم مبنى على الضم فى محل نصب. فإذا رخّم قيل بهذه الطريقة : يا سال - يا مسافر ، يا إفرن والمنادى مبنى على الضم فى محل نصب ، كما كان من غير حذف ... وهكذا يظل آخر اللفظ الحالىّ على ما كان عليه من حركة أو سكون قبل حذف الحرف الأخير. وتسمّى هذه الطريقة : «لغة من ينوى المحذوف». وتشتهر باسم «لغة من ينتظر». ويجب الاقتصار عليها فى ترخيم المنادى المختوم بتاء التأنيث عند خوف
1) فى ص 99 ، وما بعدها.
2) يستثنى من هذا مسألتان يقع فيهما تغيير ؛ الأولى : ما كان مدغما فى المحذوف مع وقوعه بعد حرف مدّ هو - فى الغالب - ألف ، فإنه إن كان له حركة فى الأصل حركته بها ؛ نحو : «مضارّ ، ومحاجّ ، علمين ؛ فيقال فيهما يا مضار ويا محاج ، بالكسر على اعتبارهما اسمى فاعل أصله : مضارر - محاجبج ، أو بالفتح على اعتبارهما اسمى مفعول. أما إن كان أصلى السكون فالأحسن تحريكه بالفتحة لقربها من السكون فى الخفة ؛ نحو : إسحارّ (بتشديد الراء ، اسم لبقلة) ، فيقال عند التسمية به وترخيمه : «يا إسحار» فتحذف الراء الثانية للترخيم ، وتفتح الأولى التى كانت مدغمة فيها وبقيت بعدها.
3) الإفرند فى الأصل : السيف.
اللبس - كما سيجىء - مثل : يا علىّ ، مرخم «عليّة» ، علم أنثى ؛ لوجوب فتح الحرف الذى قبل تاء التأنيث ؛ فتكون هذه الفتحة - فى الاسم المفرد الذى يجب بناء آخره على الضم - دليلا على أن هناك حرفا محذوفا ملحوظا هو التاء ؛ إذ لو لم نلاحظه لقلنا : «يا علىّ» فيلتبس نداء المؤنث بالمذكر (1)
بقى شىء هام ؛ هو أن أكثر النحاة يوجب طريقة «من ينتظر» فى المرخم المؤنث عند خوف اللبس. فلم يقصرونها على المؤنث وحده؟ إن الفرار من اللبس مطلب أساسى ، يجب أن يعم كل الحالات ؛ ترخيما وغير ترخيم. - كما سيجىء فى هامش ص 109 -.
.الثانية : مراعاة الأمر الواقع ؛ وذلك باعتبار أن ما حذف من اللفظ قد انفصل عنه نهائيّا ، وانقطعت الصلة بينهما ، وكأنها لم تكن ، وصار آخره الحالى - بعد حذف ما حذف - هو الذى يقع عليه العلامة. ففى المثالين السالفين يقال فى نداء الترخيم : (يا سال - يا مساف.) فالمنادى مبنى على الضم فى محل نصب. وتسمّى هذه الطريقة : «لغة من لا ينوى المحذوف» (2)
وإن نويت بعد حذف ما حذف *** فالباقى استعمل بما فيه ألف
يريد : إن نويت ما حذف بعد حذفه ، فاستعمل الباقى بعد الحذف بما ألف فيه ، وعرف عنه قبل الحذف. أى : اترك الباقى على حاله المألوف فيه قبل الحذف. ويقول فى النانية التى لا ينوى فيها المحذوف :
واجعله إن لم تنو محذوفا كما *** لو كان بالآخر وضعا تمّما
أى : اجعل الباقى من المنادى المرخم بعد حذف ما حذف وعدم ملاحظته فى النية - اجعله كما لو كان قد تمم بالآخر فى الوضع ، فكلمة : «وضعا» منصوبة على نزع الخافض. والمقصود من هذا كله : إن لم تنو المحذوف فاجعل الآخر الحالى بعد الحذف كأنه آخر وضعى ، أى : أصلى ، من وضع العرب وكأنه لم يحذف شى يليه. وعلى الأول الذى ينتظر يقال فى : «ثمود» علما «يا ثمو» بحذف الدال وترك ما عداها على حاله. أما الثانى الذى لا ينتظر فتقلب الواو ياء ويقال : يا ثمى ؛ للسبب المبين فى الشرح وفى هذا يقول ابن مالك :
فقل على الأوّل فى ثمود : يا *** ثمو ، ويا ثمى ، على الثّانى بيا
ويجب الاقتصار على الرأى الأول فى المرخم المختوم بالتاء إذا أوقع الأخذ بالرأى الثانى فى لبس كما فى ترخيم «مسلمة» (بضم الميم) علم امرأة ؛ فيقال : يا مسلم ؛ ليكون فتح الميم الأخيرة فى هذا المنادى الواجب بناؤه على الضم - دليلا على الحذف. أما لو قلنا : «يا مسلم» بغير انتظار المحذوف فإن اللبس يقع بين نداء مسلم ومسلمة.
والحق أنه يجب الفرار من اللبس ، سواء أكان موضعه المنادى المختوم بتاء التأنيث ، أم المجرد منها ؛ أم غيرهما. ولا معنى لقصره على المختوم بالتاء - كما أشرنا فى آخر هامش الصفحة السابقة - فإن لم يكن هناك احتمال لبس جاز اختيار إحدى الطريقتين كما فى مسلمة (بفتح الميم ، علم قائد مشهور) وفى هذا يقول ابن مالك :
والتزم الأوّل فى كمسلمه *** وجوّز الوجهين فى كمسلمه
- أو : «من لا ينتظر». هوتصلح الطريقتان فى مثل : «عنتر» و «عبل» فى قول الشاعر عنترة.
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها *** قيل الفوارس : ويك - عنتر أقدم
وقوله
يا عبل لا أخشى الحمام ؛ وإنما *** أخشى على عينيك وقت بكاك
فأصل الكلمتين قبل النداء : عنترة وعبلة ، ثم ناداهما نداء ترخيم ؛ فحذف آخرهما. فالواجب - على لغة من ينتظر - أن نترك آخرهما الحالى على ما كان عليه قبل الحذف فيظل مفتوحا كما كان ؛ فنقول : عنتر - عبل .. ويقع البناء على الضم على الحرف المحذوف. أما على لغة من لا ينتظر فيجب بناء الباقى على الضم مباشرة ، وهكذا فى كل النظائر الأخرى المختومة بتاء التأنيث ،
ويلاحظ أن المرخم المختوم بتاء التأنيث لا تصلح له إلا طريقة : «من ينتظر» عند خوف اللبس ، كما أسلفنا. فإذا أمن اللّبس - بسبب اشتهار الكلمة فى الاستعمال أو لسبب آخر - جاز اختيار هذه الطريقة أو تلك ؛ كما فى البيتين السابقين ، وكما فى نحو : يا فاطم - بضم الميم أو فتحها - وهى ترخيم : فاطمة ، ومثلهما : همزة ، (لمن يغتاب الناس) ومسلمة ، علم رجل ...
(ا) الأخذ بطريقة «من لا ينتظر» على الوجه المشروح يقتضى - كما عرفنا - إهمال الحرف المحذوف ، واعتباره كأنه لم يوجد ؛ فيجرى على الآخر الحالى كل الأحوال النحوية والصرفيّة المختصة بآخر الكلمة. ففى مثل : (ثمود - علاوة - كروان ... وأشباهها من الأعلام التى تنادى ترخيما فيختم آخرها بعد الحذف بحرف علة ؛ فيقال : يا ثمو - يا علاو - يا كرو ...) فى مثل هذه الكلمات يبقى الآخر الحالىّ على ما هو عليه عند من ينتظر ؛ فيبنى على الضم على الدال ، والتاء ، والنون المحذوفات - فى محل نصب ولا يقع تغيير على الأحرف الباقية بعد الحذف.
أما على لغة من لا ينتظر فيقع على الآخر الحالىّ تغييرات لا مناص منها ؛ أهمها : أنه سيتغير ضبطه ؛ فيصير مبنيّا على الضم المقدر أو الظاهر ؛ فيقال : يا ثمو - يا علاو - يا كرو. وأن توابعه ستخضع لحكم توابع المنادى المبنى على ضم آخره المذكور فى الكلام ، وأنه سيتغير تغيرا صرفيّا على حسب ما تقضى به الضوابط الصرفية من الإعلال ، والصحة ، والإبدال ... وغير هذا ، كرجوع حرف محذوف ؛ فيقال يا ثمى ، بقلب ضمة الميم كسرة ، لتنقلب الواو ياء ، كى لا يكون آخر الاسم واوا لازمة ساكنة قبلها ضمة ، لأن هذا نادر فى العربية (1)، وتنقلب الواو فى آخر الكلمتين الأخيرتين همزة وألفا ، لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة فى «يا علاو» ولتحركها وانفتاح ما قبلها فى «يا كرو» فيقال : يا علاء - يا كرا (2)... ولا يقع شىء من هذا عند اتباع الطريقة الأخرى.
(ب) مع أن الطريقتين صحيحتان ، والأمر فى تقديم إحداهما على الأخرى متروك للمتكلم ، ومراعاته المقام - قد تكون (الأولى وهى : «لغة من ينتظر») أنسب ؛
1) كان هذا رأيا مقبولا فى العصور الخالية ، قبل انتشار الأسماء والأعلام المختومة بواو لازمة ساكنة ، قبلها ضمة. أما الآن فقد شاعت كغيرها من الألفاظ المعتلة الآخر ، المقصورة والمنقوصة : فوجب اتخاذ حكم لها ؛ كنظائرها. ولعله هنا يكون بإبقائها وعدم ترخيم المنادى الذى يحويها. أما فى غير الترخيم فقد وضحناه فى الجزء الأول ، فى المسألة الخامسة عشرة. كما وضحناه فى هذا الجزء (فى باب التثنية ، والجمع، والنسب ...).
2) أى : يا كروان ، ومنه المثل العربى الذى يقال لمن يتكبر وحوله من هو أشرف منه يتواضع : «أطرق كرا ، إن النعام فى القرى» - وقد أشرنا له ص 4 -
لبعدها عن اللبس - غالبا - إذ حركة آخرها الحالى فى أكثر الصور ، لا تكون ضمة - برغم استحقاق المنادى فى موضعه هذا للبناء على الضم وجوبا - فعدم وجود الضمة يوحى أن فى اللفظ الحالىّ حذفا ، ويرشد إلى أن الحرف الأخير الحالىّ ليس هو الأخير فى الأصل ، وإلا فأين علامة البناء؟
نعم يقع اللبس فى هذه الطريقة حين يكون الحرف : الذى قبل المحذوف مباشرة مضموما هجائيّا ، نحو : قنفذ - علما - فعند ندائه نداء ترخيم على لغة من ينتظر يقول : يا «قنف» فالفاء مضمومة ضمّا يختلط الأمر فيه ؛ أهو ضمة بناء ، أم ضمّة حرف هجائى ليس آخر الأحرف. وللمتكلم أن يتخير ما يزيل به هذا اللبس ، أو يعدل عن هذه الطريقة إلى الأخرى ، أو يعدل عنهما معا إذا أوقعت كل واحدة منهما فى اللبس كالذى يحدث فى مثل يا فتاة.
(ح) يرد فى الفصيح كثيرا نداء لفظ «صاح» كقول الشاعر :
هلمّ «يا صاح» إلى روضة *** يجلو بها العانى صدا (1)همّه
فأصل الكلمة : «صاحب» نوديت نداء ترخيم بحذف الباء. وهذا الرأى يساير قواعد الترخيم عامة ؛ فهو أنسب من الرأى الذى يقول إن أصلها «صاحبى» ورخمت شذوذا بحذف ياء المتكلم والباء ، إذ لا داعى للأخذ بالشاذ حين يكون المطرد ممكنا.
أما حذف الباء فى غير حالة النداء فشاذ ، إلا للضرورة الشعرية ... (2)
القسم الثانى ترخيم الضرورة الشعرية (1)...
هذا النوع مقصور على غير المنادى ؛ ولا يصح إجراؤه إلّا بعد أن تتحقق شروط ثلاثة مجتمعة :
أولها : أن يكون فى شعر.
ثانيها : أن يكون المرخم غير منادى ، ولكنه صالح للنداء ؛ فلا يصح ترخيم لفظ : «الغلام» ؛ لأنه لا يصلح للنداء ؛ يسبب وجود «أل» (2)...
ثالثها : أن يكون المرخّم إما زائدا على ثلاثة ، وإما مختوما بتاء التأنيث.
فمثال الأول :
لنعم الفتى - تعشو إلى ضوء ناره - *** طريف ابن مال ليلة الجوع والخصر (3)
أراد : ابن مالك ؛ فرخّمه ترخيم الضرورة.
ومثال الثانى :
وهذا ردائى عنده يستعيره *** ليسلبنى حقى ، أمال بن حنظل
أراد : يا مالك بن حنظلة (4)؛ فحذف التاء من «حنظلة» للضرورة فى غير المنادى.
وإذا وقع ترخيم الضرورة فى لفظ جاز ضبط آخره بإحدى الطريقتين السالفتين : طريقة من لا ينتظر - كالبيتين السالفين (5)أو من ينتظر ، - كقول الشاعر :
ألا أضحت حبالكمو رماما (6)*** وأضحت منك - شاسعة (7)أماما (8)
وبمقتضى الأولى يضبط آخر اللفظ المرخّم على حسب ما تقتضيه الجملة من
1) انظر معنى الضرورة فى ص 256.
2) وقد سبق فى ص 35.
3) الخصر : شدة البرد.
4) والبيت - على هذا التقدير - يصلح شاهدا للحالتين معا.
5) بدليل وجود التنوين فى الأول ، وكسر اللام فى الثانى. فلو جرى على الانتظار لوجب أن يراعى الأصل بحذف التنوين فى الأول وبفتح اللام فى الثانى.
6) جمع رمة (بضم الراء غالبا. ويصح الكسر) قطعة حبل بالية.
7) بعيدة.
8) علم امرأة. والأصل قبل الترخيم : أمامة.
ضبط ، ويجرى عليه ما تقتضيه الضوابط العامة ، من إعلال ، وصحة ، وإبدال ... وقد ينون أو لا ينون إن اقتضى الأمر شيئا مما سبق مع عدم اختلال الوزن ؛ ككلمة «مال» المنونة فى البيت الأول والمجرورة بالإضافة ، وكلمة : «حنظل» المجرورة بالإضافة فى البيت الثانى مع عدم التنوين.
وبمقتضى الثانية يبقى اللفظ على حاله بعد حذف آخره ، ككلمة «أمام» فى البيت الأخير.
هذا ، ولا يشترط فى المرخم للضرورة أن يكون معرفة (علما أو غير علم) ، ولا شروطا أخرى غير غير التى سبقت. ومن ترخيم النكرة قول الشاعر - فى بعض الروايات : -
أى : بخالد (1)
ولاضطرار رخّموا دون ندا *** ما للنّدا يصلح ؛ نحو : أحمدا
فلم يتعرض لشىء إلا اشتراط أن يكون المرخم للضرورة صالحا للنداء ؛ نحو : أحمد.
... .1) وقد اكتفى ابن مالك فى الكلام على ترخيم الضرورة ببيت واحد هو :
نسوق الأمثلة الآتية لإيضاحه :
1 - قال أحد الشعراء :
قل للحوادث أقدمى ، أو أحجمى *** إنّا بنو الإقدام والإحجام
نحن النّيام إذا اللّيالى سالمت *** فإذا وثبن فنحن غير نيام
من يسمع : «نا» أو : «نحن» يتردد فى خاطره السؤال عن المقصود من هذا الضمير ، الدال على التكلم وعن مدلوله ، وحقيقة المتكلم به وجنسه ؛ أيكون مدلوله والمقصود منه : العرب ، أم : أهل العلم ، أم : الأبطال ، أم : أبناء الشرق ... أم ... أم ...؟ أم غير هؤلاء ممن لا يحصون جنسا ، ولا نوعا ، ولا عددا.
أيكون المراد - مثلا - : (إنّا - العرب ، - بنو الإقدام ...) و (نحن - الأبطال ، - النيام) ... و ... فالضمائر المذكورة يشوبها عيب واضح ؛ هو : عموم يخالطه إبهام تحتاج معهما إلى تخصيص وتوضيح. فإذا جاء بعد كل ضمير منها اسم ظاهر ، معرفة ، يتفق مع الضمير فى المدلول ، ويختلف عنه بزيادة التحديد والوضوح - زال العيب ، وتحقق الغرض ، كالذى تحقق بزيادة كلمة : «العرب» وكلمة : «الأبطال». فيما سبق ؛ إذ المراد منها هو المراد من الضمير قبلها ؛ ولكن بغير عموم ولا غموض كالذى فى تلك الضمائر ، برغم أنها للمتكلم (1).
2 - يقول الشاعر :
وأنا ابن الرّياض ، والظلّ ، والما *** ء. ودادى ما زال خير وداد
فمن هذا المتكلم؟ وما مدلول هذا الضمير الدال على التكلم؟ أهو شاعر ، أم ناثر ، أم عالم ، أم زاهد؟ ما جنسه ...؟ إن الضمير : «أنا» لا يسلم من غموض يحتاج معه إلى اسم ظاهر من نوع خاصّ ؛ يزيل هذا العيب : كأن يقال : (أنا - الشاعر - ابن الرياض) ، أو : (أنا - الشرقى - ابن الرياض) ... فمجىء هذا
1) سبق فى ح 1 ص 181 م 20 (باب الضمائر) إبهام الضمير وطريقة إيضاحه.
الاسم الظاهر المعرفة المعين الواضح الذى معناه معنى الضمير قبله - قد أزال عيب العموم والإبهام.
3 - وكذلك الضمير «أنت» فى قول الشاعر :
أنت فى القول كلّه *** أجمل الناس مذهبا
فما الذى يظنه سامع الضمير : «أنت» الدّال على الخطاب؟ أيكون المراد : (أنت - الشاعر - أجمل الناس مذهبا) ، أم : (أنت - الناثر - ...) أم (أنت - الأديب ...) أم محمدا - أم عليّا ...؟ لا بد من اسم كالأسماء التى وصفناها لإزالة العموم والإبهام.
4 - نشهد فى عصرنا كثيرا من المتعاقدين يبدوءون عقود البيع ، والشراء ، والمداينة ، وغيرها بجملة شاعت بينهم حتى ابتذلت ؛ هى : «نحن - الموقعين - على هذا ، نقر ونعترف بكذا وكذا ...» وكلمة : «الموقعين» هى الاسم الظاهر المعرفة الذى جاء لإزالة ما فى الضمير قبله من عموم وإبهام مع اتفاقهما فى المدلول ، وتميّز الثانى بما فيه من تحديد وإيضاح.
بالتأمل فى الأمثلة السالفة - وأشباهها - نلحظ فى كل أسلوب منها بعد إزالة ما فى الضمير من عيب العموم والإبهام - أربعة أمور مجتمعة ، تتصل بموضوعنا اتصالا أصيلا قويّا.
أولها : ضمير لغير الغائب ؛ يشوبه عموم وإبهام.
ثانيها : اسم ظاهر معرفة ، مدلوله الضمير ، ولكنه يحدّد المراد من ذلك الضمير ، ويخصصه ، ويوضحه ؛ فيزيل ما فيه من عموم وإبهام.
ثالثها : حكم معنوى وقع على ذلك الضمير.
رابعها : امتداد ذلك الحكم إلى الاسم الظاهر المعرفة (لأنه شريك الضمير فى الدلالة ؛ فيقع عليه ما يقع على الضمير من حكم معنوى) واختصاصه به واقتصاره عليه ، فيكون هذا اختصاصا واقتصارا على بعض معين مما يشمله الضمير (ذلك : أن الضمير بعمومه يشمل أفرادا كثيرة ، منها أفراد الاسم الظاهر المعرفة الذى يعتبر أقل أفرادا منه) ، وإن شئت فقل : إن هذا الاسم الظاهر أخص من الضمير
الذى بمعناه. ففى مثل : نحن - العرب - بنو الإقدام والإحجام ، نجد الضمير هو : «نحن» والاسم الظاهر المعرفة هو : «العرب» ، والحكم المعنوى الذى وقع على المبتدأ هو : «البنوّة» للإقدام والإحجام. وقد خصص هذا الحكم لبعض أفراد الضمير ؛ وهم : «العرب» ، وصار خاصّا بهم ، مقصورا عليهم. وهكذا يقال فى سائر الأمثلة ، ونظائرها ...
فالاسم الظاهر المعرفة هو الذى يسميه النحاة فى اصطلاحهم : «المختص» ، أو : «المخصوص» لاختصاص المعنى به ، ولأنه يعرب مفعولا به لفعل واجب الحذف مع فاعله ، تقديره الشائع (1)عندهم ، هو : «أخص» ويعبرون عن هذه المسألة بالغرض منها : وهو : «الاختصاص».
ويقولون فى تعريفه : إنه إصدار حكم على ضمير لغير الغائب ، بعده اسم ظاهر ، معرفة ، بمعناه ، وتخصيص هذا الحكم بالمعرفة ، وقصره عليها.
الغرض منه :
الغرض الأصلى من الاختصاص الاصطلاحى هو : التخصيص والقصر ، وقد يكون الفخر - نحو : (إنى - العربّى - لا أستكين لطاغية). (إنى - الرحالة - أتعلم من الرحلة ما لا أتعلمه من الكتاب) وقول الشاعر :
لنا - معشر الأنصار - مجد مؤثّل *** بإرضائنا خير البرية أحمدا
أو التواضع : كقول أحد الخلفاء : (أنا - الضعيف العاجز - أحطّم البغى ، وأهدم قلاع الظالمين. وأنا - البائس الفقير - لا أستريح وبجانبى متأوه ، أو محتاج) ... أو : تفصيل ما يتضمنه الضمير من جنس ، أو نوع ، أو عدد ... ، نحو : (نحن - الناس - نخطىء ونصيب ؛ والعاقل من ينتزع من خطئه تجربة تعصمه من الزلل مرة أخرى) ، (نحن - المثقفين - قدوة لسوانا ، فإن ساءت القدوة فالبلاء فادح). (أنتم - الأربعة الأئمة - نجوم الهداية ، ومصابيح العرفان).
1) لا مانع أن يكون تقديره : أعنى ، أو : أقصد ، أو : أريد .... أو ما شاكل هذا - إلا أن الفعل : «أخص» هو المشهور ، ومن مادته جاء الاصطلاح الشائع نحويا : «الاختصاص» ولا بد من حذف هذا الفعل مع فاعله - كما أشرنا - ولهذا يعتبرون «المخصوص» هنا نوعا من المفعول به الذى ينصب بعامل واجب الحذف.
حكم الاسم (1)الواقع عليه الاختصاص ، (وهو : المختص ، أو المخصوص) : يجب نصبه دائما على التفصيل الآتى :
1 - إن كان الاسم هو لفظ «أىّ» فى التذكير أو «أيّة» فى التأنيث وجب بناؤهما على الضم فى محل نصب (2)
(وفي صدر الجزء الأول بيان الأسباب التي ذكروها للبناء ، ثم تفهيدها).
؛ على المفعولية ، ووجب أن يتصل بآخرهما كلمة : «ها» التى للتنبيه ، وأن يلتزما هذه الصيغة التى لا تتغير إفرادا ، ولا تثنية ، ولا جمعا ، ولا بد أن يكون لكل منهما نعت لازم الرفع بغير بناء ولا إعراب ، (لأن حركة الرفع هذه هى مجرد حركة ظاهرية صورية (3)... لمجاراة «أىّ ، وأية» ومماثلتهما فيها تجىء تبعا للفظهما المبنى) مبدوء بأل التى للعهد الحضورىّ ؛ نحو : (أنا - أيها الجندىّ - فداء وطنى). (نحن - أيها الجنديان - نقضى الليل ساهرين) (نحن - أيها الجنود - حماة الأوطان). (أنا - أيتها الصانعة - حريصة على الإتقان). (نحن - أيتها الصانعتان - حريصتان على الإتقان) .. (نحن - أيتها الصانعات - حريصات على الإتقان ...).فالضمير فى كل ما سبق ، مبتدأ. وكلمة «أىّ ، أو : أيّة» مفعول به لفعل واجب الحذف مع فاعله ، تقديره - مثلا - : «أخص» وهى مبنية على الضم فى محل نصب.
و «ها» حرف تنبيه مبنى على السكون. والاسم المعرفة المقرون بأل ، نعت مرفوع حتما ، رفع إتباع للناحية الشكلية اللفظية وحدها. وليس له محل (4)إعرابىّ مطلقا ، مع أنه تابع للفظ كلمقى : «أىّ وأيّة» المبنيتين على الضم لفظا ، وإن كانتا منصوبتين محلا - كما سبق.
ويصح تأخيرهما فى نهاية الجملة ؛ مثل : (نحن أنصار الحق أيها الطلاب) (نحن أنصار الفضيلة أيتها الفتيات ...)
2 - إن كان الاسم المختص لفظا آخر غير : «أىّ وأية» وجب نصبه ، سواء
1) هذا الاسم أربعة أنواع ، يجىء بيانها فى الزيادة ص 121.
2) يقول النحاة إنهما بنيا هنا حملا لهما على النداء ، لأن أسباب البناء لا تنطبق عليهما. والحق أن علة بنائهما على الضم هنا وفى باب النداء هى الاستعمال العربى وحده.
3) التحقيق أن ضمته ضمة إتباع لفظى (كما سبق فى باب النداء ص 48) ؛ إذ لا مقتضى للرفع الإعرابى ، ولا للبناء ؛ فهى حركة صورية.
4) التحقيق أن ضمته ضمة إتباع لفظى (كما سبق فى باب النداء ص 48) ؛ إذ لا مقتضى للرفع الإعرابى ، ولا للبناء ؛ فهى حركة صورية.
أكان مضافا أم غير مضاف ، نحو (أنا - الطبيب - لا أتوانى فى إجابة الداعى ...). : (أنا - طالب العلم - لا تفتر رغبتى فيه).
أوجه التشابه والتخالف بين الاختصاص والنداء :
بين الاختصاص والنداء تشابه فى أمور ، وتخالف فى أخرى. فيتشابهان فى ثلاثة أمور(1):
أولها : إفادة كلّ منهما الاختصاص وهو فى هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب ، وفى باب النداء خاص بالمخاطب.
ثانيها : أن كلا منهما للحاضر (أى المتكلم أو المخاطب) (2)ولا يكون ضمير غائب.
ثالثها : أن الاختصاص يؤدى - بسبب ما فيه من تحديد وإيضاح - إلى تقوية المعنى وتوكيده ، وقد يتحقق هذا فى النداء كذلك أحيانا ؛ كقولك لمن هو مصغ إليك ، مقبل على حديثك : إن الأمر - يا فلان (3)- هو ما فصلته لك (4)...
ويختلفان فى أمور ؛ بعضها لفظى ، والآخر معنوى ، فاللفظية أشهرها :
1 - أن الاسم المختص لا يذكر معه حرف نداء مطلقا ؛ لا لفظا ، ولا تقديرا ، ولا «يا» ، أو غيرها.
2 - أنه لا يكون فى صدر الجملة وإنما يكون بين طياتها - كالأمثلة السالفة - أو فى آخرها : نحو : اللّهم ساعدنا على النّصر - أيها الجنود ، أو أيتها الكتيبة.
3 - أنه لا بد أن يسبقه ضمير بمعناه فى التكلم أو الخطاب - سواء أكان ضمير المتكلم خاصّا به وحده أم شاركه فيه غيره. فالخاصّ مثل أنا ، والآخر
1) يردد النحاة هذه الأوجه لإثبات المشابهة. والحق أن هذه المشابهة واهية ، ولا يكاد أمرها يقوى إلا فى «أى وأية» بسبب بنائهما على الضم فى محل نصب ووجود حرف التنبيه والنعت بعدهما ، وكل هذا مع الأمور الثلاثة السالفة.
2) يلاحظ أن النداء - كما سبق فى بابه ، ص 3 وفى هامش ص 67 - لا يكون للمتكلم.
3) ويذكر اسمه الحقيقى فى النداء.
4) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 2 من هامش ص 1.
مثل : نحن. والغالب أن يكون ضمير تكلم. ولا يصح أن يكون السابق ضمير غيبة ولا اسما ظاهرا. ومن أمثلة ضمير الخطاب قولهم فى الدعاء : (سبحانك اللّه العظيم) ، (وبك - اللّه - نرجو الفضل). بنصب : «اللّه» فيهما.
4 - أن الاسم المختص منصوب دائما فى لفظه ، علما كان أو غير علم إلا «أىّ وأية» فإنهما مبنيتان على الضم لفظا ، منصوبتان محلا ... أما المنادى فإن العلم والنكرة المقصودة مبنيان فيه - فى الأغلب - على الضم فى محل نصب وكذا : أىّ ، وأية ، يبنيان فى النداء على الضم فى محل نصب.
5 - أنّه يقل أن يكون علما - ومع قلته جائز - نحو : أنا - خالدا - حطّمت أصنام الجاهلية.
6 - أنه يكثر تصديره «بأل» بخلاف المنادى فلا يجوز اقترانه بأل إلا فى بعض حالات سبق سردها (1).
7 - أنه لا يكون نكرة ، ولا اسم إشارة ، ولا ضميرا ، ولا اسم موصول.
8 - أن «أيّا وأيّة» هنا لا توصفان باسم إشارة. بخلافهما فى النداء ، وأن صفتهما واجبة الرفع الصورىّ اتفاقا ، بخلافهما فى النداء (2).
9 - أن «أيّا» مختصة بالمذكر مفردا ، ومثنى ، وجمعا ، ولا تستعمل للمؤنث هنا بخلافها فى النداء ، كما أن «أية» مختصة هنا وفى النداء ، بالمؤنث مفردا ومثنى ، وجمعا ، ولا تكون للمذكر.
10 - أنه لا يرخّم اختيارا ، ولا يستغاث به ، ولا يندب ...
11 - أن العامل هنا محذوف وجوبا مع فاعله بغير تعويض ، أما فى النداء فحرف النداء عوض عنهما. وأن الفعل المحذوف هنا تقديره - غالبا - أخصّ ، أو : ما بمعناه. أما فى النداء فالفعل تقديره : أدعو : أو : أنادى ، أو :
ما بمعناهما.
والمعنوية أشهرها :
1 - أن الكلام مع الاختصاص خبر ، ومع النداء إنشاء.
2 - أن الغرض الأصلى من الاختصاص هو قصر المعنى على الاسم المعرفة ، وتخصيصه من بين أمثاله بما نسب إليه. وقد يكون الغرض هو : الفخر ، أو التواضع أو : زيادة البيان : - كما شرحنا - وأما الغرض من النداء الأصيل (1)فطلب الإقبال. بالتفصيل الذى سردناه (2)فى بابه (3)
الاختصاص : كنداء دون «يا» *** كأيّها الفتى ؛ بإثر : ارجونيا
أى : كقولك ارجونى أيها الفتى ، بوقوع : «أيها الفتى» إثر : «ارجونى» ، أى : على إثرها ، وبعدها. ثم قال :
وقد يرى ذا دون «أىّ» تلو «أل» *** كمثل : نحن العرب أسخى من بذل
أى : قد يرى الاختصاص مستعملا من غير كلمة «أى ، وأية» ، فيه. يريد : من غير أن يكون الاسم المختص هو لفظ : «أى ، أو : أية» وإنما يكون اسما مشتملا على «أل» كالمثال الذى ساقه ، وهو : (نحن - العرب - أسخى من بذل) ، أى : أكرم من أعطى ماله. فكل ما يفهم من البيتين هو أن الاختصاص كالنداء ، لكن من غير حرف نداء مطلقا ، وأن لفظه قد يكون : «أىّ وأية» ، وأن الاختصاص قد يستغنى عنهما باسم ظاهر فيه : «أل» وهذا الكلام مبتور.
... .(ا) يفهم مما سبق أن الاسم المختص (المخصوص) أربعة أنواع.
الأول منها مبنى على الضم وجوبا ، فى محل نصب وهو : «أىّ» للمذكر و «أيّة» للمؤنث ؛ مع التزام كل صيغة بصورتها فى جميع استعمالاتها ، ووقوع «ها» التى للتنبيه بعدهما ، ومجىء نعت لهما مقرون بأل التى للعهد الحضورى.
أما الثلاثة الباقية فواجبة النصب ، وهى : المقرون بأل ، نحو : (نحن - الشرفاء - نترفع عن الدنايا). والمضاف ، نحو : (أنا - صانع المعروف - لا أرجو عليه جزاء). والعلم - وهو أقل الأربعة استعمالا - نحو : (أنا - عليّا - لا أهاب فى سبيل الحق شيئا).
(ب) الاسم المختص منصوب بفعل محذوف وجوبا مع فاعله ، والجملة - فى الغالب - تكون فى محل نصب ، حالا من الضمير الصالح قبلها لأن يكون صاحب حال (1)؛ - كالتى فى مثل : ارجونى أيها الفتى. وفى مثل : ربنا اغفر لنا أيتها الجماعة (2).
وقد تكون أحيانا معترضة ؛ مثل : نحن - الحكام - خدّام الوطن. أى : أخص الحكام. فهذه معترضة بين المبتدأ وخبره ، ومثلها : إنا - معاشر الأنبياء - لا نورث (3).
1) فليس منه الضمير الذى يعرب مبتدأ فى رأى كثير من النحاة - وإن كان فى رأيهم تعسف كما سيجىء هنا فى رقم 3 -.
2) التقدير : ارجونى حال كونى مخصوصا من بين الفتيان - اغفر لنا حال كوننا مخصوصين بين الجماعات. وقد نص النحاة على إعراب واو الجماعة فاعلا لفعل الأمر ، وعلى إعراب جملتى الاختصاص فى المثالين حالين من الياء ، ونا.
3) كانت الجملة هنا معترضة لتوسطها بين شيئين متلازمين ؛ قبل أن يستوفى أولهما ما يلزم له. وقد نص النحاة على أنها معترضة ، ولم يعربوها هنا حالا من الضمير الذى قبلها - كما أعربوها فى المثالين السابقين - فرارا من مجىء الحال مما أصله المبتدأ ، إذ الشائع بين كثرتهم ألا يكون صاحب الحال مبتدأ ، ولا أصله مبتدأ ، وقد عرضنا - فى الجزء الثانى ، باب الحال - لهذا الشائع، وانتهينا إلى تخطئته بالحجة القوية. وإذا لا مانع أن تكون جملة الاختصاص الفعلية فى المثالين الأخيرين وأشباههما جملة حالية أو معترضة ، بل إنها فى الحالية أنسب للغرض وأوضح.
(ا) التحذير : «تنبيه المخاطب على أمر مكروه ؛ ليجتنبه» (1)
بينى وبينك حرمة *** اللّه فى تضييعها
بنصب كلمة : «اللّه» ، بعامل محذوف تقديره : احذر ، أو : اخش ، أو : اتق ، أو نحو ذلك ... فبناء على التعريف اللغوى يكون : «اللّه» هو الأمر المكروه ؛ وهذا لا يليق.
. والأصل فى أسلوب التحذير أن يشتمل على ثلاثة أمور مجتمعة :أولها : «المحذّر» ، وهو المتكلم الذى يوجّه التنبيه لغيره.
ثانيها : «المحذّر» وهو الذى يتجه إليه التنبيه.
ثالثها : «المحذور» ، أو «المحذّر منه» وهو : الأمر المكروه الذى يصدر بسببه التنبيه.
ولكن هذا الأصل قد يعدل عنه أحيانا كثيرة ، فيقتصر الأسلوب على بعض تلك الأمور الثلاثة ، كما سنعرف.
ولأسلوب التحذير صور مختلفة ؛ منها : صورة الأمر ؛ كالذى فى قول الشاعر :
احذر مصاحبة اللئيم ؛ فإنها *** تعدى كما يعدى السليم الأجرب
ومنها : صورة النهى ؛ كقول الأعرابى فى لغته ، وقد فتنته :
لا تلمنى فى هواها *** ليس يرضينى سواها ...
ومنها : المبدوءة بالضمير «إيّاك» (2)وفروعه الخاصة بالخطاب (3)؛ كالذى
1) هذا تعريف لغوى يردده - بنصه - كثير من النحاة. ويفضل بعضهم أن يقال : (إنه اسم منصوب ، معمول للفعل : «أحذر» المحذوف ، ونحوه.) لأن هذا يناسب مهمة النحو التى هى البحث فى أحوال الكلم إعرابا وبناء. وأيضا ليدخل فى التعريف نحو قول الشاعر :
2) بكسر الهمزة ، مجاراة لأفصح اللغات ، وأشهرها ، ويجوز فتحها فى لغة ، كما يجوز قلبها «هاء مكسورة» فى لغة أخرى.
3) هى : إياك ، وإياكما ، وإياكم ، وإياكن.
فى قول أعرابية لابنها : (إياك والنميمة (1). فإنها تزرع الضّغينة (2)، وتفرّق بين المحبين. وإيّاك والتّعرّض للعيوب ؛ فتتّخذ غرضا (3)، وخليق (4)ألّا يثبت الغرض على كثرة السّهام ...) إلى غير هذا من العبارات والصور المتعددة التى تحقق المعنى السالف فى التحذير.
غير أنّ الكثير من الصور السالفة لا يخضع لأحكام هذا الباب. ولا تنطبق عليه ضوابطه وقواعده ؛ لأن هذه الضوابط والقواعد والأحكام ، لا تنطبق إلا على خمسة أنواع «اصطلاحية» ؛ يسمونها : «صور التحذير» الاصطلاحى ، هى - وحدها - المقصودة من هذا الباب بكل ما يحويه ، ولا سيما اشتمال كل منها على اسم منصوب يعرب مفعولا به لفعل محذوف مع مرفوعه. وفيما يلى بيان الأنواع الخمسة :
الأول : صورة تقتصر على ذكر «المحذّر منه» (وهو : الأمر المكروه) اسما ظاهرا دون تكرار ولا عطف مثيل له عليه. والمراد بالمثيل هنا ؛ محذّر منه ، آخر ؛ كتحذير الطفل من النار ؛ بأن يقال له : النار ، وكتحذيره من سيارة بأن يقال له : السّيّارة.
وحكم هذا النوع جواز نصبه بفعل محذوف جوازا هو ومرفوعه. فكلمة : «النار» أو «السيارة» يجوز نصبها على اعتبارها مفعولا به لفعل محذوف جوازا : تقديره - مثلا - احذر النار - احذر السيارة. والفاعل ضمير محذوف أيضا ؛ تقديره : أنت. ويجوز تقدير فعل آخر يناسب المعنى والسياق من غير تقيد بشىء فى اختياره إلا موافقة المعنى ، وصحة التركيب ، مثل : اجتنب النار - اجتنب السيارة ... أو : حاذر أو جانب ...
وفى كل هذه الأمثلة يصح حذف الفعل مع فاعله أو ذكرهما ، فيقال : النار ، أو اجتنب النار ... كما يصح ضبط «المحذّر منه» ضبطا آخر غير النصب ، كالرفع ؛ فيقال : النار ، على اعتباره - مثلا - مبتدأ خبره محذوف.
لكنه فى حالة التصريح بفعله لا يدخل فى عداد الأساليب الاصطلاحية الخمسة ، وكذلك فى حالة ضبطه بغير النصب ، إذ الشرط الأساسى فى التحذير الاصطلاحىّ أن يكون الاسم منصوبا على أنه مفعول به ، وناصبه محذوف (1).
الثانى : صورة تقتصر على ذكر «المحذّر منه» اسما ظاهرا إمّا مكررا ، وإما معطوفا عليه مثله بالواو ؛ نحو : البرد البرد - البرد والمطر.
وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم فى الصورتين بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا (2). ويراعى فى تقديره موافقته للمعنى وصحة التركيب ؛ نحو : احذر البرد البرد - احذر البرد والمطر ، أو : تجنب ... أو اتّق ... فحكم هذا النوع وجوب النصب ووجوب حذف العامل ومرفوعه معا. ويتعين فى صورة التكرار أن يكون الاسم الثانى توكيدا لفظيّا ، وفى حالة العطف أن يكون حرف العطف هو : «الواو» - دون غيرها - وما بعدها معطوف على الاسم قبلها عطف مفردات ، لا عطف جمل.
الثالث : صورة تقتصر على ذكر اسم ظاهر مختوم بكاف خطاب للمحذّر بحيث يكون هذا الاسم هو الموضع أو الشىء الذى يخاف عليه ، سواء أكان مكررا أم غير مكرر ، معطوفا عليه مثيل له - أى : «محذّر آخر» - أم غير معطوف.
ولا بد فى صورة العطف أن يكون المعطوف «محذّرا» أيضا (كالمعطوف عليه) ؛ كأن يقال لمن يحاول لمس طلاء سائل : يدك - أو : يدك يدك - أو : يدك وملابسك. والتقدير : أبعد يدك ... - أبعد يدك وملابسك ... أو صن يدك ... صن يدك وملابسك ... ويصح اختيار عامل محذوف آخر يناسب السياق والتركيب ...
وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم السابق الذى تكرر ، وكذلك المعطوف عليه. والناصب لهما عامل محذوف مع مرفوعه وجوبا (3) وما بعد الواو معطوف على ما قبلها عطف مفردات ، أمّا الذى جاء تكرارا فتوكيد لفظىّ.
فإن كان الاسم منفردا (أى : ليس مكررا ولا معطوفا عليه) فحكمه حكم النوع الأول الذى يجوز نصبه بعامل محذوف جوازا - لا وجوبا - فيصح إظهار
عامله وحذفه كما يصح ضبطه بغير النصب فإذا ظهر عامله أو كان الضبط بغير النصب فلن يكون من أساليب التحذير الاصطلاحى ؛ كما أوضحنا فى ذلك النوع.
الرابع : صورة تشتمل على اسم ظاهر مختوم بكاف خطاب للمحذّر ، ويكون هذا الاسم كما فى النوع السالف هو الموضع أو الشىء الذى يخاف عليه ، ولكن قد عطف عليه بالواو «المحذّر منه» ؛ نحو : يدك والسكين - رأسك وحرارة الشمس - مواعيدك والخلف. فالمعطوف هنا «محذر منه» ، كالمعطوف عليه ، بخلافه فى النوع السّالف الذى يكون فيه المعطوف «محذّرا» ... (1)
وحكم هذا النوع وجوب نصب الاسم الظاهر والمعطوف ، وأن يكون عامل النصب محذوفا مع مرفوعه وجوبا (2). والأيسر والأسهل اختيار عاملين مناسبين (3). أحدهما : للمعطوف عليه ، والآخر : للمعطوف. ولا يراعى فى اختيارهما إلا مناسبتهما للسياق والتركيب ؛ كأن يقال : صن يدك وأبعد السكين - احفظ رأسك ؛ واحذر حرارة الشمس - تذكّر مواعيدك ، وتجنب الخلف ... وأمثال هذا مما هو مناسب. وعلى هذا التقدير يكون أسلوب التحذير جملتين تشتمل السابقة منهما على الموضع أو الشىء الذى يخاف عليه ، ويتجه إليه التحذير ، وتشتمل المتأخرة على «محذّر منه» وبين الجملتين واو العطف ؛ تعطف الثانية على الأولى ؛ فيكون العطف عطف جمل ، لا مفردات (4)...
الخامس : صورة تشتمل على ذكر المحذّر ضميرا منصوبا للمخاطب ، هو : «إياك» (5)وفروعه. وبعده «المحذّر منه» ، اسما ظاهرا مسبوقا بالواو ،
1) الفرق بين هذا النوع وسابقه. أن هذا النوع لا بد فيه من معطوف يكون محذرا منه. اما السابق فقد يوجد معطوف أو لا يوجد ، وإن وجد وجب أن يكون اسما ظاهرا موضعا للخوف عليه ، وليس محذرا منه.
2) لهذا الحكم إيضاح يجىء فى «د وه» من الزيادة ص 130.
3) وقد يمكن اخييار عامل واحد يستقيم معه المعنى ، ويساير الضوابط العامة. وفى هذه الحالة يكون العطف عطف مفردات.
4) هناك تقديرات وإعرابات أخرى لا تسلم من تعقيد أو صعوبة. ولا حاجة لنا بها بعد أن تلاقت الآراء المختلفة عند وجوب نصب المتعاطفين ، ووجوب حذف عاملى النصب. أما الخلاف العنيف فى غير هاتين الناحيتين فيريحنا منه الالتجاء إلى الطريقة التى تخيرناها.
5) الأحسن اعتبار «إيا» ومعها علامة الخطاب التى بعدها ، هما الضمير المنصوب ، ولا داعى لاعتبار الضمير هو : «إيا» ، واعتبار ما بعده حرف خطاب (وقد سبق إيضاح هذا وتفصيل الكلام عليه فى موضعه من باب : «الضمير» ج 1 ص 163 م 19).
أو غير مسبوق بها ، أو مجرورا بالحرف : «من». فلا بد فى هذا النوع من ذكر «المحذّر» ضيرا معينا ، ثم «المحذّر منه». فمثال المسبوق بالواو قول الأعرابية لابنها. (إياك والجود بدينك ، والبخل بمالك ...) ومثال غير المسبوق بها قولهم : (إياكم تحكيم الأهواء ؛ فإن عاجلها ذميم ، وآجلها وخيم. ومن أمات هواه أحيا كرامته). وقول الشاعر :
إيّاك إيّاك المراء ، فإنّه *** إلى الشرّ دعّاء ، وللشرّ جالب
ومثال المجرور بمن : (إياك من مؤاخاة الأحمق ؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك.) وقولهم : (إياك من عزّة الغضب الطائش ؛ فإنها تفضى إلى ذلة الاعتذار المهين.)
وحكم هذا النوع وجوب ذكر المحذّر منه بعد الضمير «إياك» وفروعه ، ووجوب نصب هذا الضمير (1)؛ باعتباره مفعولا به لفعل واجب الحذف مع مرفوعه ، تقديره : «أحذّر» ، والأصل : «أحذّرك». ثم أريد تقديم الكاف لداع بلاغىّ ؛ هو : إفادة الحصر ؛ فمنع من تقديمها أنها ضمير متصل لا يستقل بنفسه ، ولا يوجد إلا فى ختام كلمة أخرى. فلم يكن بدّ - عند إرادة تقديمه - من الاستغناء عنه ، والإتيان بضمير آخر منصوب ، له معناه ، ويمتاز بأنه يستقل بنفسه ، وهو الضمير : «إياك» فصار الكلام : «إياك أحذّر» ثم حذف الفعل والفاعل معا ؛ مجاراة للمأثور من الكلام الفصيح الذى يطرد فيه هذا الحذف الواجب.
أما الاسم الظاهر المذكور بعد «إياك» وفروعها فإن سبقته واو العطف وجب نصبه بفعل محذوف مع مرفوعه وجوبا. والأحسن الأيسر - اختيار فعل خاص به يناسبه ويساير المقام ، ويكون غير الفعل الناصب للضمير «إياك» فيجتمع فى الأسلوب فعلان محذوفان مع مرفوعيهما. ففى المثالين السابقين - (إياك والنميمة) - (إياك والتعرض للعيوب ...) يكون التقدير ؛ إيّاك أحذّر ، وأبغّض النميمة - إياك أحذّر ، وأقبّح التّعرض للعيوب. بمعنى : أحذرك وأبغض ... وأقبّح ...
ويصح أن يكون التقدير : إياك احفظ واحذر النميمة (2)- إياك احفظ ،
1) للحكم إيضاح يجىء فى «د وه» من الزيادة والتفصيل ص 130.
2) والأصل : احفظ نفسك واحذر النميمة ، أو : باعد نفسك ... و ... حذف الفعل وفاعله فصار الكلام : نفسك واحذر النميمية ، ثم حذف المضاف (نفس) وأقيم المضاف إليه (وهو : الكاف) مقامه ؛ فصار منصوبا مثله ؛ وأتينا بدله بضمير منفصل ؛ هو : «إياك» ، للسبب الذى بيناه. ونعود فنكرر هنا ما رددناه ؛ وهو : أن تقدير الفعل المحذوف فى جميع مسائل هذا الباب - وغيره - متروك للمتكلم يختاره بغير قيد ، إلا قيد المناسبة للسياق ، ومسايرته للتركيب الصحيح. ومن المسايرة للتركيب الصحيح ألا تعطف الجملة الثانية على الأولى إذا كانت إحداهما خبرا والأخرى إنشاء ، طبقا للرأى الأقوى.
واترك التّعرض للعيوب ... وهكذا من غير تقيد بشىء إلا نصب الاسم بعد الواو ، واختيار فعل - أىّ فعل - يناسب المقام ، ويساير الأسلوب الصحيح. وعلى هذا تكون الواو حرف عطف ، والجملة بعدها معطوفة على الجملة التى قبلها. وبالرغم من حذف الفعل ومرفوعه فى كل جملة ؛ يراعى المحذوف هنا فى العطف كأنه مذكور ؛ ففى الأسلوب جملتان ، الثانية منهما معطوفة بالواو على الأولى.
فإن لم تكن الواو مذكورة فالأسهل إعراب المنصوب بعدها مفعولا به للفعل : «أحذّر» المحذوف ؛ لأنه قد ينصب مفعولين بنفسه مباشرة. فأول المفعولين هو : «إياك» وفروعه ، وثانى المفعولين هو الاسم الظاهر الواقع بعد الضمير «إياك» ، وفروعه.
أما إذا قلنا : «إياك من النميمة ...» «إياك من التّعرض للعيوب ...». فإن الجار مع مجروره متعلقان بالفعل المحذوف وجوبا وهو : «أحذر» ؛ لأنه قد يتعدى - أيضا - لمفعولين ؛ ينصب أحدهما بنفسه مباشرة ويتعدى للآخر بحرف الجر : «من».
وفى جميع الصور السالفة يجوز تكرار الضمير «إياك» وعدم تكراره ؛ فلا يتغير شىء من الأحكام المتقدّمة ، ويعرب «إياك» الثانى توكيدا لفظيّا للأول.
ولا يصح أن يكون الضمير «إيّا» المحذّر مختوما بغير علامة الخطاب (1)فلا يقال : إياى ومعاونة الظالم ، ولا إياه ومعاونة الظالم ؛ لأن المتكلم لا يحذر نفسه ، ولا يحذر الغائب. وقد وردت من هذا النوع الممنوع أمثلة نادرة ، لا يصح القياس عليها.
لكن يصح أن يكون المحذّر منه ضميرا غائبا معطوفا على المحذّر ؛ نحو : لا تصاحب الأحمق ، وإياك وإياه فالضمير «إياه» فى حكم كلمة «النميمة» فى مثال : إياك والنميمة ... ومن هذا قول الشاعر القديم :
فلا تصحب أخا الجه *** ل وإياك وإياه
1) غيرها هو علامة التكلم ، أو الغياب.
وعلى هذا لا يكون التحذير بضميرى الغائب والمتكلم شاذّا إلا إذا كان محذّرا لا محذّرا منه (1)...
يمكن تلخيص الأحكام السابقة كلها فيما يأتى :
1 - إن كان أسلوب التحذير مصدّرا بالضمير «إياك» وفروعه - وجب فى كل الأحوال نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا. سواء فى هذا أن يكون الضمير مكررا أم غير مكرر ، عطف عليه ، أم لم يعطف عليه ، جرّ بعده «المحذّر منه» أم نصب ...
2 - إن كان أسلوب التحذير غير مصدّر بالضمير «إياك» وفروعه وجب نصب الاسم الظاهر بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا ؛ بشرط العطف أو التكرار (2). فإن لم يوجد عطف ولا تكرار جاز النصب بعامل محذوف مع مرفوعه جوازا ؛ فيصح إظهارهما ، كما يصح ضبط الاسم بغير النصب. وفى حالة إظهارهما ، أو ضبط الاسم بغير النصب - حيث لا عطف ولا تكرار فيهما - لا يتعين الأسلوب للتحذير ...
(ا) تضمنت المراجع المطولة جدلا يصدّع الرأس فى تقدير عامل النصب المحذوف فى التحذير - ولا سيما ناصب الضمير «إياك وفروعه». أهو الفعل : أحذّر ، أم باعد ، أم اجتنب ، أم احذر ...؟ أينصب مباشرة أم لا ينصب إلا على تأويل آخر ... و ... والأمر لا يحتاج لكل. هذا وخير ما يقال فى شأن المحذوف هو ما سجله بعض المحققين ، ونصّه : (الحق أن يقال : لا يقتصر على تقدير : «باعد» ، ولا على تقدير : «احذر» ؛ بل الواجب تقدير ما يؤدى الغرض ؛ إذ المقدر ليس أمرا متعبّدا به لا يعدل عنه) (1).
وهذا رأى نفيس ، صادق ، يجب اتخاذه دستورا عند تقدير المحذوف فى التحذير ، وفى الإغراء ، وفى غيرهما من كل ما يحتاج إلى تقدير.
(ب) يقول بعض النحاة إن الضمير «إياك» وفروعه منصوب بفعل محذوف مع فاعله ، وأن فاعله الضمير عاد فاستتر فى الضمير «إياك» وصار «إياك» مغنيا عن التلفظ بالفعل المحذوف ، فإذا قلت : «إياك» فعندنا ضميران :
أحدهما : هذا البارز المنفصل المنصوب ، وهو : «إياك».
والآخر : ضمير رفع ، مستكن فيه ، منتقل إليه من الفعل الناصب له. ويترتب على هذا أنك إذا أكدت : «إياك» توكيدا معنويّا بالنفس ، أو بالعين ، قلت : إياك نفسك ، أو إياك أنت نفسك ، بفصل أو بغير فصل ؛ طبقا لقواعد التوكيد المعنوى بالنفس والعين. أما إذا أكدت ضمير الرفع المستكن فيه فإنك تقول مراعاة لتلك القواعد : إياك أنت نفسك ، بالفصل بالضمير المرفوع المنفصل ، دون ترك الفاصل. ومثل هذا يراعى عند العطف ؛ على الضمير المنصوب «إياك» : فتقول إياك والصديق ، والسفهاء. أو إياك أنت والصديق ، والسفهاء ؛ بفصل أو بغير فصل ، ومن الأول الذى لا فصل فيه قولهم (2): (إيّاكم والكبر ،
1) راجع حاشية الصبان ح 3 أول باب : «التحذير».
2) ما يأتى بعض وصية طويلة لعبد الحميد الكاتب ينصح فيها الكتاب (وهم : الأدباء) ويوضح آداب الكتابة بعد أن صار زعيم الكتاب فى عصره ، والكاتب الخاص لمروان بن محمد ، آخر خلفاء الأمويين. وقد قتل عبد الحميد سنة 132 ه وهى السنة التى قامت فيها الدولة العباسية بعد أن أبادت الدولة الأموية.
والسّخف ، والعظمة (1)، فإنها عداوة مجتلبة (2)من غير إحنة (3)). وتقول عند العطف على الضمير المرفوع وحده : إياك أنت والصديق ، بالفصل.
وكل ما تقدم مبنى على أن الضمير الفاعل ينتقل من الفعل المحذوف ، ويستتر فى «إياك» وإخوته. وهو رأى لا يأخذ به فريق آخر يقرر أن الفعل وفاعله حذفا معا ، ولم يرجع الفاعل المحذوف ليستكن فى «إياك» وفروعه ، فليس معنا إلا ضمير واحد هو الضمير المنصوب البارز (إياك وفروعه). والأخذ بهذا الرأى أولى ؛ لبعده من التكلف والتعقيد ؛ ولأن الفريق الأول لم يؤيد رأيه - فيما رجعت إليه - بأمثلة من الكلام الفصيح يكون لها وحدها القول الفصل.
(ج) يقول الرضىّ : (إن «المحذّر منه» المكرر يكون اسما ظاهرا ؛ نحو : الأسد الأسد ، وسيفك سيفك. ويكون مضمرا ؛ كإياك إياك ، وإياه إياه : وإياى إياى)».
والأحسن العدول عن المضمر لندرة الأمثلة الواردة منه ندرة لا تبيح القياس عليه ، ولا سيما ضمير غير المخاطب.
(د) قد يرفع ، المكرر والمعطوف فى أسلوب التحذير - وفى أسلوب الإغراء ، وسيأتى قريبا (4)- وفى هذه الحالة لا يكون الأسلوب تحذيرا اصطلاحيا. قال الفراء فى قوله تعالى : ( ناقَةَ اللّهِ وَسُقْياها ) : نصبت كلمة : «الناقة على التحذير (5). ولو رفعت على إضمار مبتدأ مثل كلمة : «هذه» لجاز ، وكان التقدير هذه ناقة اللّه ؛ لأن العرب قد ترفع ما فيه معنى التحذير.
(ه) يصح فى كثير من أمثلة التحذير المشتملة على الواو أن تكون هذه الواو للمعية إذا استقام المعنى عليها ؛ نحو : يدك والسيف - أصابعك والحبر ... فلا مانع هنا أن تكون الواو للمعية ، والمراد : راقب يدك مع السيف - باعد أصابعك مع الحبر ... أو نحو هذا التقدير ؛ فالاعتبار الأول دائما هو للمعنى وصحة التركيب. فإن اقتضى العطف وحده ، أو المعية وحدها ، أو جوازهما نزلنا على حكمه كما سبق (6).
1) المراد بها : الكبر.
2) مجلوبة ، يجرها صاحبها على نفسه بعمله ، وليس البعد منها أمرا خارجا عن اختياره.
3) الإحنة : العداوة. يريد : أن المرء يجلب لنفسه العداوة بسبب تلك الصفات. لا بسبب عداوة سبقت إليه يدفع ضررها عنه.
4) فى ص 132.
5) ويجوز أن تكون منصوبة على الإغراء - كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 132.
6) فى «ا» ص 129 ...
(و) ألحق بالتحذير والإغراء ألفاظ سنعرضها فى آخر الإغراء فى قسم الزيادة (1).
(ز) الأغلب فى أساليب التحذير أن تكون من نوع الإنشاء الطلبى ؛ تبعا لعاملها الدّال على هذا النوع. فإن لم يكن دالا على الإنشاء الطلبىّ فهى خبرية ...
1) فى ص 134.
هو : تنبيه المخاطب على أمر محبوب ليفعله (1)؛ نحو : (العمل العمل ، فإنه مفتاح الغنى ، والطريق إلى المجد.) فالمتكلم به ، هو : «المغرى» والمخاطب هو «المغرى» ... والأمر المحبوب هو «المغرى به». وعلى هذه الثلاثة مجتمعة يقوم أسلوب «الإغراء».
وحكم الاسم المحبوب (وهو : المغرى به) وجوب نصبه باعتباره مفعولا به لعامل مناسب للسياق ، محذوف مع مرفوعه وجوبا ، بشرط أن يكون هذا الاسم مكررا - كالمثال السابق - أو : معطوفا عليه مثيله ، (أى : أمر محبوب آخر) كقولهم : الفرار والهرب من اللئيم الأحمق ؛ فإنه كالحيّة لا يكون منها غير اللدغ. أى : الزم الفرار والهرب ... (2)
إن قوما منهم : عمير ، وأشبا *** ه عمير ، ومنهم : السفاح ...
لجديرون بالوفاء إذا قا *** ل أخو النجدة السلاح السلاح
وأما كلمة : «ناقة» فى قوله تعالى : ( ناقَةَ اللّهِ وَسُقْياها ) فتصلح إغراء وتحذيرا. - كما سبق فى ص 130 -
فإن لم يكن الاسم مكررا ولا معطوفا عليه مثله جاز نصبه مفعولا به لعامل مذكور أو محذوف ، وجاز أيضا أن يضبط ضبطا آخر غير النصب - كالرفع - تقول : «الاعتدال ، فإنه أمان من سوء العاقبة» أى : الزم الاعتدال ، فيصح حذف العامل ويصح ذكره ، ويصح الرفع فيقال : «الاعتدال» ... على اعتباره - مثلا - مبتدأ خبره محذوف ، والتقدير : الاعتدال مطلوب ، فإنه ...
وفى حالة ظهور العامل ، وكذا فى حالة ضبط الاسم ضبطا غير النصب على المفعول به ، لا يسمى الأسلوب (3)
إيّاك والشّرّ ونحوه نصب *** محذّر بما استتاره وجب
يقول : المحذّر - وهو المتكلم - نصب أسلوب : «إياك والشرّ» ونحو هذا الأسلوب .. نصبه بما وجب استتاره ؛ (أى : بعامل محذوف وجوبا). هذا إن اشتمل الأسلوب على عاطف ؛ كالمثال الذى عرضه. فإن لم يكن مشتملا على عاطف فقد قال فيه :
ودون عطف ذا لإيّا انسب ، وما *** سواه ستر فعله لن يلزما
إلّا مع العطف أو التّكرار *** كالضيغم الضيغم ، يا ذا السّارى
(الضيغم - الأسد. السارى : المسافر ليلا).
يريد : انسب هذا الحكم ل «إيا» أيضا عند عدم العطف عليها. بأن نقول : إياك الشر ، أو : إياك من الشر. أما فى جميع الحالات الأخرى - غير السالفتين - فحذف الفعل الناصب ليس واجبا إلا مع العطف أو التكرار. ثم بين بعد ذلك أن اشتمال أسلوب التحذير على محذّر منه يكون هو الضمير : «إياى» للمتكلم ، و «إياك» للمخاطب ، وفروعهما ... أمر شاذ. وللغائب أكثر شذوذا ومن قاس عليه فقد انتبذ ، أى : ابتعد عن الصواب. يقول :
وشذّ إيّاى ، وإيّاه أشذ *** وعن سبيل القصد من قاس انتبذ
ثم انتقل إلى الإغراء واكتفى فيه ببيت واحد هو :
وكمحذّر بلا إيّا ، اجعلا *** مغرى فى كلّ ما قد فصّلا
أى : أن حكم الاسم المغرى به كحكم المحذّر الذى بغير «إياك» فى كل الأحكام.
إغراء اصطلاحيّا (4) ....1) يقال فى هذا التعريف ما قيل فى التحذير (فى رقم 1 من هامش 122).
2) فإن لم نعتبره فى حالتى التكرار والعطف مفعولا به جاز ضبطه بغير النصب ، كالرفع - مثلا - على الابتداء. وقد سبقت الإشارة فى - د ص 130 من الزيادة والتفصيل - إلى أن المكرر والمعطوف ، فى الإغراء قد يرفع فلا يسمى إغراء اصطلاحيا. ومن أمثلة الإغراء المرفوع.
3) فيما سبق يقول ابن مالك فى باب عنوانه : «التحذير والإغراء :
والأكثر فى أساليب الإغراء أنها إنشائية طلبية. تبعا لنوع عاملها الدال على هذا النوع. فإن لم يكن دالّا على الإنشاء الطلبى فهى خبرية.
(ا) ليس من اللازم أن تكون الواو فى الإغراء للعطف ؛ فقد يقتضى المعنى أن تكون للمعية ؛ نحو : الإجادة والمثابرة كى تفوز بما تهوى. وقد يقتضى المعنى العطف وحده ، أو يتسع للأمرين ، فيراعى دائما ما يقتضيه المعنى.
(ب) ألحق - بالتحذير والإغراء فى وجوب إضمار الناصب بعض الأمثال المأثورة المسموعة بالنصب ، وبعض العبارات الأخرى المسموعة بالنصب أيضا ، والتى يسمونها : «شبه الأمثال» ؛ لأنها لا تبلغ مبلغ المثل فى الشهرة ، وكثرة الاستعمال والتعميم ، وقد تشتمل على قيد تخاطب ، أو حالة معينة.
(ا) فمن الأمثال :
1 - كليهما (1)وتمرا - وهو مثل يقال لمن خيّر بين شيئين ، فطلبهما معا ، وطلب الزيادة عليهما. التقدير : أعطنى كليهما ، وزدنى تمرا.
2 - الكلاب على البقر ؛ مثل يضرب حين يريد المرء ترك الخير والشر يصطرعان ، وأن يغتنم السلامة لنفسه. والتقدير : اترك الكلاب على البقر ، يتصرف كل منهما مع الآخر كما يشاء ، وانج بنفسك.
3 - أحشفا (2)وسوء كيلة ، يضرب لمن يجمع بين إساءتين لغيره ، ويظلم الناس من ناحيتين. والتقدير : أتبيع حشفا ، وتزيد سوء كيلة.
(ب) ومما يشبه المثل :
1 - قوله تعالى : «انتهوا. خيرا لكم». أى : انتهوا واصنعوا خيرا لكم.
2 - من أنت؟ عليّا. التقدير : من أنت؟ تذكر عليّا. يقال لمن يذكر عظيما جليل القدر بسوء.
3 - كلّ شىء ولا هذا. والتقدير : اصنع كل شىء ، ولا تصنع هذا.
4 - هذا ولا زعماتك. التقدير : أرتضى هذا ، ولا أتوهم زعماتك.
5 - إن تأت فأهل الليل وأهل النهار. والتقدير : إن تأت تجد أهل الليل وأهل النهار فى خدمتك بدل أهلك.
6 - مرحبا ، وأهلا ، وسهلا. التقدير : وجدت مرحبا ، وأتيت أهلا ، ونزلت سهلا.
7 - عذيرك. أى : أظهر عذرك ، أو أظهر عاذرك (عذير : بمعنى : عذر ، أو عاذر).
8 - ديار الأحباب. أى : اذكر ديار الأحباب ...
وهكذا :
ويصحّ - كما عرفنا - تقدير أفعال مناسبة غير التى عرضناها ، ويصح اعتبار الواو للمعية فى كثير مما سلف. والمهم استقامة المعنى.
تعريفها : (نقدم أمثلة)
فى اللغة ألفاظ يدل الواحد منها على فعل معيّن ، - أى : محدد بزمنه ، ومعناه ، وعمله - لكنه لا يقبل العلامة التى يقبلها هذا الفعل ، والتى تبيّن نوعه ؛ كاللفظ : «هيهات» فى قول الشاعر يخاطب عزيزا رحل عنه :
بعدت ديار ، واحتوتك ديار *** هيهات للنجم الرفيع قرار
فإنه يدل على الفعل الماضى : «بعد» ويقوم مقامه فى أداء معناه ، وفى عمله ، وزمنه ، من غير أن يقبل العلامة الخاصة بالفعل الماضى ، (مثل : إحدى التّاءين ؛ تاء التأنيث الساكنة ، أو تاء الفاعل) ، إذ لم يرد عن العرب وجود علامة للماضى فى «هيهات».
وكاللفظ : «آه» فى قول الشاعر :
آها لها من ليال!! هل تعود كما *** كانت؟ وأىّ ليال عاد ماضيها؟
فإنه يدل على الفعل المضارع : «أتوجع» ويقوم مقامه فى معناه ، وعمله ، وزمنه. ولكنه لا يقبل علامة من العلامات الخاصة بالمضارع ؛ لأن العرب لم تدخلها على «آه» قطّ.
وكاللفظ «حذار» فى قول المادح :
سل عن شجاعته ، وزره مسالما *** وحذار ، ثم حذار منه ، محاربا
فإنه يدل على فعل الأمر : «احذر» من غير أن يقبل علامة الأمر ؛ لأن العرب لم تدخلها على «حذار» مطلقا ...
والمراد من أن كل لفظ من هذه الألفاظ يدل على فعل معين محدّد ؛ هو : أنك لو سألت المراجع اللغوية عن المقصود من لفظ : «هيهات» لكان الجواب : (هيهات ، معناه : بعد) - (آها ، معناه : أتوجع) - (حذار ، معناه : احذر) وهكذا نظائرها. فكل لفظ مما سبق - ونظائره - يسمى : «اسم فعل».
وهو (1)
لو وضعنا فاكهة معينة أمام إنسان لا يعرفها ؛ فسأل : ما هذه ؟ فأجبنا : رمان» - مثلا . لكانت كلمة : «رمان» هی الرمز ، أو العلامة ، أو اللفظ الدال على تلك الفاكهة ، وإن شئت فقل : إنها «اسم» يفهم منه السامع تلك الفاكهة المعينة دون غيرها. فعندنا شيئان ؛ فاكهة لها أوصاف حسية خاصة بها ، ولفظ معين إذا نطقنا به انصرف الذهن مباشرة إلى تلك الفاكهة الخاصة. فلهذا اللفظ معنى ، أو مدلول ، أو مراد ؛ وما معناه ، أو مدلوله ، أو المراد منه إلا هذه الفاكهة ، وإن شئت فقل : إنه اسم ، هى معناه ومسماه. وأن هذا المعنى والمسمى له اسم ؛ هو : رمان. فالاسم ليس إلا رمزا ، أو علامة ، أو شارة يراد بها أن تدل على شيء آخر ، وأن تعينه ، وتميزه من غيره. وهذا الشيء الآخر هو المراد من تلك الشارة ، والغرض من اتخاذها. فهو مدلولها ومرماها. أي : هو المسمى بها. ومتى ثبت أن الاسم هو الرمز والعلامة ، وأن المسمى هو : المرموز له ، المطلوب إدراكه بالعقل . كان الاسم . متضمنا في ذاته كل أوصاف المسمى ، كالصورة التي يكتب إزاءها اسمها ؛ فإذا قرئ الاسم أولا دل على الصورة ومضمونها كاملة. مثال آخر : هبك رأيت طائرا صغير الجسم ، جميل الشكل ، ساحر الغناء ، يتميز بأوصاف خاصة ، فسألت : ما هذا الطائر؟ فقيل : «بلبل». فإن كلمة : «بلبل» رمز ، أو : شارة ، أو : علامة على هذا الطائر المعين. فإذا سمعتها بعد ذلك أو قرأتها ، فهمت ما ترمز إليه ، وما تشير له ، وإن شئت فقل : فهمت معناها وما تدل عليه ، أي : فهمت مدلولها ومسماها ، لأنها الاسم الدال عليه . فكلمة : «البلبل» مدلولها الطائر المعين ، وهذا الطائر المعين له اسم ، هو : «البلبل» ، فلكل اسم مسمى ، ولكل مسمى اسم ، ولا ينفصل أحدهما عن صاحبه ، مهما كثرت ألفاظ كل ، وتعددت الكلمات الدالة عليه. قياسا على ما سبق ، ما الذى نفهمه حين تسمع كلمة : هيهات؟ نفهم أن مدلولها ومرماها هو الفعل «بعد» بكل خصائصه ؛ من الدلالة على معنى البعد ، والمضى ، والعمل ، وعدم التأثر بالعوامل. فاللفظ : «هيهات» رمز ، أو شارة أو علامة تدل على الفعل : «بعد» أى : أن اللفظ : «هيهات» اسم ، مسماه الفعل : «بعد». والفعل : «بعد» مسمى ، له اسم ؛ هو : «هيهات».
وإذا سئلت : ما المراد من : «آه»؟ كان الجواب : «أتوجع». فكلمة : «آه» هي الرمز ، أو : العلامة ، أو : الاسم. أما المرموز له ، أو : المسمى ، فهو الفعل المضارع : «أتوجع» بكل خصائص المضارع ؛ من معنى ، وزمن ، وعمل ، مع سلامة الرمز من التأثر بالعوامل التي يتأثر بها المضارع ؛ كالنواصب أو الجوازم ... وكذلك : «حذار» فإنه اسم، مسماه فعل الأمر : «احذر» بما هو مختص به.
مما تقدم يتبين المراد . عند جمهرتهم . من أسماء الأفعال ، وأن المقصود أنها «أسماء للأفعال» ، كما أن لفظ : «الرمان» اسم للفاكهة المعينة ، و «البلبل» اسم للطائر الخاص ، و «الفرس» اسم للحيوان المعروف ... فكذلك هذه الأسماء ؛ كل واحد منها اسم «الفعل بعينه ... ولما كان الاسم . كما شرحناه . يدل دلالة كاملة على مسماه ، ويتضمن كل خصائص المسمى تبعا لذلك ، . لا بالأصالة كان اسم الفعل متضمنا بالتبعية لا بالأصالة معنى فعله وزمنه ، وكذا عمله - فى الغالب - مع عدم التأثر بالعوامل ، وكذلك يتبين أن المراد هنا من كلمة : «اسم» هو المراد منها فى كل موضع آخر ، ولكنه اسم فى لفظه فقط ؛ بدليل الإسناد إليه دائما - طبقا للبيان الذى فى رقم 1 من هامش ص151. وبدليل قبوله التنوين فى حالات كثيرة ، وكلاهما من علامات الاسم ، وأنه ليس فعلا فى لفظه! بدليل أنه لا يقبل علامة من علامات الأفعال. فحقيقته : أنه اسم فى لفظه ، فعل فى معناه.
وبالرغم من هذا البيان الذى عرضناه لإيضاح الرأى الغالب ، لا يزال يشوبه - بحق - بعض الضعف كاعتبار هذه الألفاظ أسماء عاملة ، مع أنها لا موضع لها من الإعراب ؛ فلا تكون مبتدأ ، ولا خبرا ، ولا فاعلا ، ولا مضافا ، ولا مضافا إليه. ولا غير ذلك.
ويخف الاعتراض ، ويكاد الضعف يختفى . لو أخذنا بالرأى القائل : إنها قسم رابع مستقل من أقسام الكلمة. وأصحاب هذا الرأى يسمونه : «خالفة» بمعنى خليفة الفعل ، ونائبه ، في معناه ، وعمله وزمنه ، وكل ما يتضمنه على الوجه المشروح هنا.
: اسم يدل على فعل معين ، ويتضمن معناه ، وزمنه ، وعمله ، من غير1) التعريف الآتى صفوة تعريفات متعددة جاوزت ستة ، ولم تخل من قصور أو غموض. هو أقرب إلى التعريف الدقيق الذى اختاره جمهورهم لاسم الفعل. ونزيده بيانا ووضوحا بما يأتى : (مما ذكرناه عند تعريف الاسم ح 1 م 2 ص 11)
أن يقبل علامته ، أو يتأثر بالعوامل (1).
ما يمتاز به اسم الفعل (2):
بالرغم من أن شأنه هو ما وصفنا فقد اكتسب بالاستعمال العربىّ القديم مزيّتين ليستا للفعل الذى بمعناه.
الأولى : أن اسم الفعل أقوى من الفعل الذى بمعناه فى أداء المعنى ، وأقدر على إبرازه كاملا مع المبالغة فيه. فالفعل : «بعد» - مثلا - يفيد : مجرد «البعد» ، ولكن اسم الفعل الذى بمعناه ؛ وهو : «هيهات» ، يفيد البعد البعيد ، أو : الشديد ؛ لأن معناه الدقيق هو : بعد جدّا ؛ كقولهم : هيهات إدراك الغاية بغير العمل الناجع. والفعل : «افترق» يفيد : «الافتراق» المجرد ؛ ولكن اسم الفعل : «شتّان» وهو بمعناه - يفيد الافتراق الشديد (3)؛ لأن معناه الحقيقى هو : «افترق جدّا» ... كقول الشاعر :
الفكر قبل القول يؤمن زيفه *** شتان بين رويّة وبديه (4)
1) قلنا هذا : لأن المضارع يتأثر بعوامل النصب والجزم. وبهذا القيد يخرج المصدر النائب عن فعله فلا يعد اسم فعل ؛ لأنه يتأثر بالعوامل ، وتخرج كذلك المشتقات.
2) متى يحسن الحكم على اللفظ بأنه اسم فعل؟ الإجابة مندرجة فى رقم 1 من هامش ص 142.
3) ولا بد أن يكون الافتراق معنويا - كما سيجىء البيان فى ص 141 - ثم انظر رقم 2 من هامش ص 152 -.
4) المراد : تسرع بغير أعمال فكر.
الثانية : أنه يؤدى المعنى على الوجه السالف ، مع إيجاز اللفظ واختصاره ، لالتزامه - فى الأغلب - صورة واحدة لا تتغير بتغير المفرد ، أو المثنى ، أو الجمع أو التذكير ، أو التأنيث ؛ إلا ما كان منه متصلا بعلامة تدل على نوع معين دون غيره (1)؛ تقول : صه يا غلام ، أو يا غلامان ، أو يا غلمان ، أو يا فتاة ، أو يا فتاتان ، أو يا فتيات. ولو أتيت مكانه بالفعل الذى بمعناه لقلت : اسكت يا غلام - اسكتا يا غلامان - اسكتوا يا غلمان - اسكتى يا فتاة ، اسكتا يا فتاتان - اسكتن يا فتيات ...
وبسبب هاتين المزيتين كان استعمال اسم الفعل هو الأنسب حين يقتضى المقام إيجاز اللفظ واختصاره ، مع وفاء المعنى ، والمبالغة فيه (2).
(ا) تنقسم بحسب نوع الأفعال التى تدل عليها ، إلى ثلاثة أقسام :
أولها : اسم فعل أمر ، وهو أكثرها ورودا فى الكلام المأثور ، نحو : «آمين» ، بمعنى : استجب ، و «صه» - بالسكون - بمعنى : اسكت عن الموضوع المعين الذى تتكلم فيه و «حىّ» (بفتح الياء المشددة ، مثل : حىّ على الصلاة - حىّ على الفلاح) بمعنى : أقبل ، أو : عجّل ... وجميع هذه الألفاظ سماعية.
ومن هذا القسم نوع قياسى مطرد - على الأصح - هو : ما كان من اسم فعل الأمر على وزن «فعال (3)مبنيّا على الكسر بشرط أن يكون له فعل ثلاثى ، تامّ ، متصرف ، نحو : حذار ، (فى البيت السالف) (4)بمعنى : احذر ، ونحو : نزال إلى ميدان الجهاد ، وزحام فى مجال الإصلاح ؛ بمعنى انزل ، وازحم.
ولا يصح صوغ «فعال» إذا كان فعله غير ثلاثى ، كدحرج ، (وشذّ :
1) كأسماء الأفعال المنقولة من شبه الجملة وبعض المصادر ، مثل : عليك ، أمامك ، رويدك ، وستأتى فى ص 142 وما بعدها.
2) انظر رقم 1 من هامش ص 142.
3) سبق عند الكلام على الأسماء الملازمة للنداء (فى ص 67) أن منها ما يكون على وزن «فعال» بشروط خاصة وسيجىء فى رقم 1 من هامش ص 247 بيان مناسب عن صيغة «فعال» ، وأنواعها المختلفة ، وحكم كل نوع من ناحية الإعراب والبناء.
4) فى ص 136.
دراك ، من أدرك) أو : كان فعله ناقصا ؛ مثل : كان ، وظل ، وبات : الناسخات ، أو كان غير متصرف ، نحو : عسى ، وليس.
واسم فعل الأمر مبنى دائما ، ولا بد له من فاعل مستتر وجوبا (1). وقد يتعدى للمفعول به أو لا يتعدى على حسب فعله.
ومن أسماء فعل الأمر : (هيّا ، بمعنى : أسرع) - (ومه ؛ بمعنى : انكفف (2)عما أنت فيه) - (وتيد ، وتيدخ ، وهما بمعنى : أمهل) - (وويها ، بمعنى : حرّض وأغر (3)) - (وحيّهل (4)بمعنى : أقبل ، أو عجّل ...) - (وهلمّ (5)
وتجرى على الألسنة عبارة : «هلم جرا» ويقول بعض النحاة في توجيهها : إن «هلم» بمعنى : «أقبل وائت» وليس المراد الإقبال والمجيء الحسيين ؛ وإنما المراد الاستمرار على الشيء وملازمته وأيضا : ليس المراد الطلب حقيقة ، وإنما المراد الخبر ؛ كالذي في قوله تعالى : (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدَّا) وأما كلمة : «جرا» فهى مصدر جره ، يجره ، جرا ، إذا سحبه، وليس المراد الجر الحسى ، بل التعميم الذى يشمله وغيره ؛ فإذا قيل : كان ذلك عام كذا وهلم جرا ، فكأنه قيل : واستمر ذلك في بقية الأعوام استمرارا. أو استمر مستمرا (على الحال المؤكدة) وبهذا يزول إشكال عطف الخبر على الطلب وغيره من الاعتراضات. (الصبان في هذا الموضع).
بمعنى : أقبل ، وتعال).ثانيها : اسم فعل مضارع - وهو قليل - نحو : (أوّه ، بمعنى : أتألّم) ، (وأفّ بمعنى : أتضجر ، كقوله تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) أى : للوالدين) ، (ووى ، بمعنى : أعجب ، وهذا أحد معانيها ؛ كقوله تعالى : ( «وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ
1) استتار الفاعل وجوبا يشمل - فى الرأى الأسهل - فاعل اسم فعل الأمر ، وفاعل اسم فعل المضارع ، المختوم كل منهما بضمير للمفرد المذكر وفروعه ، والمفردة وفروعها ، فيدخل اسم الفعل المنقول من ظرف المكان ، ومن الجار مع مجروره - طبقا لما سيجىء فى 2 و 3 من هامش ص 151 -
2) هذا هو الأولى ، وليس بمعنى : «اكفف» - كما يقول بعض النحاة - لأن «اكفف» متعد ، و «مه» لا يتعدى ؛ فهو مثل : «انكفف» - راجع الهمع هنا -
3) فعل أمر ، ماضيه : أغرى.
4) يجوز فى اللام عدة لغات ، منها السكون ، ومنها الفتح بتنوين أو غير تنوين. والأشهر فتح هائه فى كل أحوالها. (ويجوز إلحاق كاف الخطاب بآخره على الوجه المبين فى رقم 9 من ص 154) باعتبارها حرفا متصرفا.
5) الحجازيون وبعض العرب يلزمونه صورة لا تتغير مطلقا فى الإفراد والتذكير وفروعهما. وغيرهم يعدونه اسم فعل ، ولكن يغيرون الضمير الفاعل فى آخره بحسب المعنى.
( الْكافِرُونَ ) (1)) - وقد يكون اسم الفعل : «وى» مختوما بكاف الخطاب (2)، ومنه قول عنترة :
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها *** قيل الفوارس : ويك - عنتر - أقدم
واسم الفعل المضارع مبنى حتما ، ولا بد له من فاعل مستتر وجوبا ، وهو مثل فعله فى التعدى والملزوم.
ثالثها : اسم فعل ماض - وهو قليل ؛ كالسابق - ، ومنه : «هيهات» ، وكذا : «شتّان» وقد تقدما. والصحيح الفصيح فى «شتان» أن يكون الافتراق خاصّا بالأمور المعنوية (3)؛ كالعلم ، والفهم ، والصّلاح ؛ تقول : شتان (4)علىّ ومعاوية فى الشجاعة ، وشتان المأمون والأمين فى الذكاء ، وشتان الإيثار ، والأثرة (5)؛ فلا يقال شتّان المتخاصمان عن مجلس الحكم ، ولا شتان المتعاقدان عن مكان التعاقد ... (6)
ما ناب عن فعل ؛ كشتّان وصه *** هو اسم فعل ، وكذا : أوّه ، ومه
والمراد من عنوان الباب هو : أسماء الأفعال ، وأسماء الأصوات ، لا أن الأسماء لهما معا. وقد أوضحنا معنى أسماء الأفعال التى عرضها. ثم قال.
وما بمعنى : «افعل» ؛ كآمين ، كثر *** وغيره - كوى وهيهات - نزر
(والمراد من : «افعل» ، هو فعل الأمر. نزر - قلّ.) أى : أن اسم الفعل الذى بمعنى فعل الأمر كثير. أما الذى بمعنى غيره - كالذى بمعنى الماضى أو المضارع - فقليل.
واسم الفعل الماضى مبنى فى كل أحواله كغيره من سائر أسماء الأفعال ، ولكنه .
1) فى كلمة : «وى» - فى الآية الكريمة ، وما يماثلها - آراء أخرى. منها : رأى «ابن عباس» وبه أخذ «سيبويه» وملخصه ، أن «وى» كلمة زائدة ، يستعملها النادم ؛ لإظهار ندمه ، وأنها مفصولة من «كأنه».
2) انظر رقم 9 من ص 154.
3) لهذا إشارة فى رقم 3 من هامش ص 138 ، ثم انظر رقم 2 من هامش ص 152.
4) ولا يكون فاعله إلا متعددا بواو العطف دون غيرها ؛ وقد تفصل بينه وبين فاعله «ما» الزائدة (وستجىء إشارة لهذا فى رقم 2 من هامش ص 152 عند الكلام على الأحكام).
5) الإيثار تقديم المرء غيره على نفسه فى الانتفاع ، والأثرة العكس.
6) فى ص 155 صور أخرى من أسماء الأفعال المختلفة. وقد اقتصر ابن مالك فى باب عنوانه : «أسماء الأفعال والأصوات» على الإشارة العابرة لما شرحناه ، بقوله :
يحتاج إلى فاعل إمّا ظاهر ، وإما ضمير مستتر جوازا ، يكون للغائب فى الأعم الأغلب (1)- كما سيجىء - وهو بهذين يخالف النوعين الآخرين فوق مخالفته لهما فى المعنى والزمن. أما تعديته ولزومه فيجرى فيهما كغيره على نظام فعله.
(ب) وتنقسم بحسب أصالتها فى الدلالة على الفعل وعدم أصالتها ، إلى قسمين أولهما : المرتجل ؛ وهو : ما وضع من أول أمره اسم فعل ولم يستعمل فى غيره من قبل. مثل : شتان - وى - مه ...
ثانيهما : المنقول ؛ وهو الذى وضع فى أول الأمر لمعنى ثم انتقل منه إلى اسم الفعل.
والمنقول أقسام ؛ فهو :
1 - إما منقول من جار مع مجروره (2)
قال بعض النحاة - وقوله سديد - لا أدرى الحاجة إلى جعل مثل هذا الظرف اسم فعل؟ فهلا جعلوه ظرفا على بابه ، باقيا على أصله من الظرفية من غير نقله إلى اسم الفعل ؛ لأن اعتباره منقولا إلى اسم الفعل إنما يحسن حين لا يمكن الجمع بين الظرف وذلك الفعل الذي بمعناه ؛ كما لا يصح أ أن يقال : اسكت صه . الزم عليك . خذ دونك ... أما إذا أمكن فلا يجوز إخراجه عن الظرف إلى اسم الفعل فإنه يصح أن يقال : اثبت مكانك ، وتقدم أمامك .. في حين لا يصح أن يقال : صه اسكت كما تقدم.
هذا رأيه سجله الصبان ونرى أنه ينطبق على الجار مع مجروره أيضا.
قد يقال : إن الجمع ممكن على سبيل «التوكيد» اللفظى بالمرادف. وهذا صحيح بشرط وجود قرينة على إرادة التوكيد اللفظي ؛ لتحقيق غرض فيه.
، مثل : «عليك» ، بمعنى : تمسّك ، أو : بمعنى : الزم ، أو : بمعنى : «أعتصم» - فعل مضارع - فمن الأول قولهم عليك بالعلم ؛ فإنه جاه من لا جاه له ، وعليك بالخلق الكريم ؛ فإنه الغنى الحق. أى : تمسّك بالعلم - تمسك بالخلق ... وقولهم : من نزل به مكروه فعليه بالصبر ؛ فهو أبعد للألم ، وأجلب للأجر ، أى : فليتمسك بالصبر ...ومن الثانى قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) أى : الزموا شأن أنفسكم.
ومن الثالث : علىّ بالكفاح لبلوغ الأمانى. أى : أعتصم.
ومن المنقول من الجار والمجرور : «إليك» ؛ بمعنى : ابتعد وتنحّ ؛ مثل : إليك عنّى - أيها المنافق - ؛ فذو الوجهين لا مكان له عندى ، ولا منزلة له فى نفسى
وهذا هو الغالب فى معناها ، وقد تكون بمعنى : «خذ» ، نحو : إليك الوردة ، أى خذها(1)...
ومنه : «إلىّ» ، بمعنى : أقبل ، نحو : إلىّ - أيها الوفىّ - فإنى أخوك الصادق العهد.
والأحسن فى الأمثلة السالفة - وأشباهها - إعراب الجار ومجروره معا ، اسم فعل مبنى ، لا محل له من الإعراب (2).
2 - وإما منقول من ظرف مكان (3)؛ مثل : «أمامك» ؛ بمعنى تقدم. و «وراءك» ؛ بمعنى : تأخّر ، تقول : أمامك إن واتتك الفرصة ، وساعفتك القوة. ووراءك إن كان فى إدراك الفرصة غصّة ، وفى نيلها حسرة وندامة.
ومثل : «مكانك» ، بمعنى : اثبت (4)، تقول لمن يحاول الهرب من أمر يمارسه : مكانك تحمد وتدرك غايتك.
ومثل : «عندك» بمعنى : خذ. تقول : عندك كتابا ، بمعنى : خذه (5).
والأيسر اعتبار الظرف كله (بما اتصل بآخره من علامة تكلم أو خطاب أو غيبة) هو اسم الفعل (6).
3 - وإما منقول من مصدر له فعل مستعمل من لفظه ؛ مثل ؛ «رويد» (بغير تنوين) بمعنى : تمهّل وبمعنى أمهل ؛ نحو : رويد - أيها العالم - لقوم يتعلمون ؛ فإن التمهل داعية الفهم ، والفهم داعية الاستفادة. ومثل قول الشاعر :
رويدك (7)، لا تعقب جميلك بالأذى
فتضحى وشمل الفضل والحمد منصدع
1) فهو بهذا المعنى متعد. وهو بالمعنى الأول لازم ، وكلاهما قياسى هنا. ولا قوة للرأى الذى ينكر المعنى الثانى.
2) وبهذا الإعراب الذى أشار به بعض النحاة والذى له إيضاح مفيد يأتى فى (رقم 2 و 3 من هامش ص 151) نأمن كثيرا من الاعتراضات والمغامز التى فى غيره. ولن يترتب على الأخذ به إساءة للمعنى ، أو لصحة التركيب. وإذا جاء تابع بعد اسم الفعل المنقول من جار مع مجروره فتبوعه هو فاعل اسم الفعل ؛ نحو عليك أنت نفسك بالأعمال العظيمة. فالضمير : «أنت» توكيد للفاعل : «أنت» المستتر وجوبا. وكلمة : «نفس» توكيد له أيضا.
3) التقييد بالمكان منقول صراحة من شرح التوضيح ، وهو المفهوم من كل الأمثلة. - ثم انظر رقم 2 من هامش الصفحة السابقة -
4) فيكون لازما. وحكى الكوفيون تعديته ، وأنه يقال : مكانك محمدا ، أى : انتظره.
5) انظر لسان العرب - ج 4 ص 303 - حيث الكلام على : «عند».
6) يوضح هذا ما يجىء فى رقم 2 و 3 من هامش ص 151.
7) الكلام على هذه الكاف فى ص 154.
ونحو : رويد مدينا ؛ فإن الإمهال مروءة ... فكلمة : «رويد» فى الأمثلة السالفة اسم فعل أمر ، مبنى ، غير منون.
وأصل المصدر : «رويد» هو : «إرواد» ، مصدر الفعل الرباعىّ : «أرود» ، ثم صغّر المصدر (1): «إرواد» تصغير ترخيم ؛ بحذف حروفه الزائدة ؛ فصار : «رويد» (2)
وفى الحالة الأولى التي تظل فيها مصدرا معربا قد تكون مصدرا معربا نائبا عن فعل الأمر المحذوف. إما منونا
ناصبا مفعولا به ، نحو : رويدا عليا ، وإما مضافا إلى المفعول به ، نحو : رويد على ، فلفظ : «رويد» فيهما مصدر منصوب بفعل الأمر المحذوف ، بمعنى : «أرود» ، وفاعله مستتر فيه وجوبا وكلمة : «علی» مفعول به منصوب في الأول ، ومضاف إليه مجرور في الثاني. وإما منونا غير ناصب مفعوله ، نحو : رويدا يا سائق ؛ فيكون نائبا عن فعل الأمر المحذوف أيضا.
ويصح استعماله مصدرا غير نائب عن فعل الأمر فينصب منونا إما حالا ؛ نحو قرأت الكتاب رويدا ؛ بمعنى : مرودا ، أي : متمهلا ، وإما نعتا لمصدر مذكور - في الغالب - نحو : سارت الوفود سيرا رويدا ، أي : سيرا متمهلا ؛ أو المصدر مقدر ، نحو: تحركت سيارة رويدا أى : سيرا رويدا (وكان المصدر هنا نعتا لمحذوف لا حالا ؛ فرارا من أن يكون صاحب الحال نكرة بغير مسوغ).
وقد تقع «ما» الزائدة بعد «رويد» على الوجه الآتي في : «ا» ص 146.
، ثم نقل بغير تنوين إلى اسم الفعل ...وقد يكون اسم الفعل منقولا من مصدر ليس له فعل من لفظه ، لكن له فعل من معناه ، مثل كلمة : «بله» - بغير تنوين - بمعنى : اترك ؛ تقول : بله مسيئا قد اعتذر ، واغفر له إساءته ، أى : اترك ... والأصل : بله المسىء ... بمعنى : ترك المسىء ، من إضافة المصدر لمفعوله. ومن الجائز أن يكون الأصل : بلها مسيئا ... باستعمال كلمة : «بلها» (3)مصدرا ناصبا معموله ؛
1) وهذا المصدر المصغر ينصب المفعول به جوازا ولو لم ينقل إلى اسم الفعل ، بالرغم من أن شرط إعمال المصدر ألا يكون مصغرا (كما تقدم فى بابه ح 3 ص 167 م 99) لأن هذا الشرط حتمى فى غير المصدر : «رويد» الذى ورد به السماع عاملا وغير عامل - أما تفصيل الكلام على تصغير الترخيم ففى ص 654 -.
2) لكلمة : «رويد» حالتان ؛ أولاهما : أن تكون مصدرا معربا باقيا على مصدريته وإعرابه. والأخرى أن تترك المصدرية والتنوين ، وتنتقل إلى حالة جديدة هى «اسم فعل الأمر» على الوجه الذى شرحناه.
3) ورد فى حاشية الخضرى تنوين «بلها» ولا أدرى أهذا التنوين مسموع ، أم هو افتراضى حملا على المصدر : تركا ، كما أظن؟.
قياسا على : تركا مسيئا ، بمعنى تركا المسىء ، ومن هذا المصدر الناصب لمفعوله انتقل لفظ «بله» ولكن بغير تنوينه - إلى اسم فعل بمعناه (1)
ولها استعمالات أخرى تجىء فى «ب».
وفى الكلام على اسم الفعل المنقول من جار مع مجروره ، (مثل : عليك - إليك) أو من ظرف مكان ، (مثل : دونك ... مكانك ..) أو من مصدر له فعل من لفظه ؛ (نحو : رويد ..) أو ليس له فعل إلا من معناه ؛ (مثل : بله) - يقول ابن مالك :
والفعل من أسمائه : «عليكا» *** وهكذا «دونك» ... مع «إليكا»
كذا : «رويد ، بله» ، ناصبين *** ويعملان الخفض مصدرين
وقد تبين فى البيت الثانى : أن «رويد» و «بله» قد يكونان اسمى فعل إذا نصبا ما بعدهما ، وترك التفصيل الضرورى لهذا النصب. وأنهما يعملان الخفض فيما بعدهما إذا بقيا على أصلهما مصدرين مضافين ؛ فيجران بعدهما الاسم باعتباره «مضافا إليه». فهذا الجر دليل على بقائهما مصدرين حتما - لأن اسم الفعل لا يضاف ولا يعمل الجر مطلقا ، كما سبق - أما نصبه فلا يكفى وحده للقطع بأنهما مصدران حتما ، أو اسمان لفعلين حتما ، إنما يصلحان للأمرين عند عدم القرينة التى تعين أحدهما دون غيره. وعدم التنوين فى «رويد» هو القاطع فى أنها «اسم فعل» عند نصب الاسم بها.
... .1) إذا كان الاسم بعد : «بله» منصوبا منونا جاز أن تكون مصدرا عاملا معربا كمصدر فعلها المعنوى : «ترك» الذى مصدره : «ترك» وجاز أن تكون اسم فعل أمر مبنيا بمعنى : اترك ، والقرائن - إن وجدت - هى التى تحدد أحد الأمرين ؛ فإن كان الاسم بعدها مجرورا وجب أن تكون مصدرا مضافا - لأن اسم الفعل لا يكون مضافا - والاسم المجرور هو المضاف إليه. فكلمة : «بله» مثل كلمة «رويد» كلتاهما تتعين مصدرا إذا كان الاسم بعدها مجرورا بالإضافة إليها ، وتصلح مصدرا أو اسم فعل إذا نصبته. وتكون فتحتهما فتحة بناء إذا كانا اسمى فعل ، وفتحة إعراب فى غيرها.
(ا) قد تفصل «ما» الزائدة بين اسم الفعل : «رويد» ومفعوله (1)، قال أعرابى لشاعر يمدحه : واللّه لو أردت الدراهم لأعطيتك ، رويد ما الشّعر. فالمراد : أرود الشعر ؛ كأنه قال : دع الشعر ، لا حاجة بك إليه.
(ب) قد تكون «بله» اسم استفهام مبنية على الفتح ، بمعنى : «كيف». وتعرب خبرا مقدما عن مبتدأ مؤخر. نحو : بله المريض؟ بمعنى : كيف المريض؟
ومما يحتمل الاستفهام ، والمصدر المضاف ؛ واسم فعل الأمر - «بله» فى قول الشاعر (2):
تذر الجماجم ضاحيا (3)هاماتها
بله الأكفّ ؛ كأنها لم تخلق
فيجوز فى «بله» أن تكون اسم فعل أمر مبنى على الفتح ، و «الأكف» بعده منصوب ، مفعول به. ويجوز أن تكون : «بله» مصدرا منصوبا على المصدرية نائبا عن فعل الأمر ، مضافا ، و «الأكف» مضاف إليه ، مجرور. كما يجوز أن تكون «بله» اسم استفهام مبنى على الفتح ، خبرا مقدما وما بعده مبتدأ مؤخر.
وقد تقع «بله» اسما معربا بمعنى : «غير» كالذى فى الحديث القدسى منسوبا للمولى جل شأنه : أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، من بله ما اطلعتم عليه (أى : من غير ما اطلعتم عليه). فهى مجرورة بمن.
أهم أحكامها :
1 - أنها سماعية جامدة ؛ فيجب الاقتصار على الوارد (1)منها ، دون تصرف فيها ؛ بزيادة عددها ، أو إدخال تغيير على لفظها ، وضبط حروفها ، فلفظها المسموع واجب البقاء على حاله ؛ لا يجوز زيادة حروفه ، أو نقصها ، أو استبدال حرف بآخر ، أو تغيير ضبطه أو ترتيبه ...
إلا أن هناك نوعا واحدا قياسيّا ؛ هو صوغ «فعال» بالشروط التى سبق الكلام عليها (2)فى اسم فعل الأمر. وما عدا هذا النوع يجب الوقوف فيه عند حد السماع الوارد من العرب ؛ فيلزم الصورة الواردة لا يختلف فيها باختلاف الإفراد ، وفروعه ، أو التذكير والتأنيث ، أو الخطاب وغير الخطاب ، إلا إذا أباح السّماع الاختلاف (3). أما الذى يختلف بحسب الحالات فهو فاعلها ؛ فيكون مطابقا للمراد منه. فاسم الفعل : «صه» مثلا يلزم صورة واحدة ، ولكن فاعله الضمير المستتر قد يكون : أنت - أنت - أنتما - أنتم - أنتن - على حسب الحالات.
2 - أنها - فى الرأى الشائع - أسماء مبنية (4)ليس فيها معرب ، حتّى ما كان منها أسماء لأفعال مضارعة. ويجب التزام حركة البناء المسموعة - طبقا لما مرّ فى الحكم الأول - فمنها المبنيّة على الفتح ؛ كالشّائع فى : شتّان ، وهيهات ، عند كثير من القبائل. وكالأحسن فى المنقول من جار يكون مجروره «كاف الخطاب» للواحد ؛ مثل : عليك وإليك ... ومنها : المبنية على الكسر ، مثل : كتاب - حماد - قراء ، بمعنى اكتب - احمد - اقرأ ...
ومنها المبنية على الضمّ كالغالب فى : مثل : آه ؛ بمعنى : أتوجع ...
ومنها المبنية على السكون ؛ مثل مه ، بمعنى : انكفف. (5)
1) إلا عند الكسائى.
2) فى ص 139.
3) كاسم الفعل المختوم بكاف الخطاب المتصرفة ، على الوجه الآتى فى رقم 9 من ص 154.
4) يقول النحاة فى تعليل بنائها : إنه الشبه لبعض الحروف التى تعمل ، (مثل : ليت وأخواتها) فى أنها عاملة ولا تكون معمولة. وهذا تعليل يحتاج إلى تعليل أيضا .. وكلاهما يرفض مادام غير مطابق للواقع الحق ؛ وهو : مجرد استعمالى العرب ؛ إذ لا علة غير هذا. وقد أفضنا الكلام فى علل البناء ، وبيان السبب فى رفضها فى مكانها من الجزء الأول ص 55 م 6.
5) انظر رقم 2 من هامش ص 140.
وقد يجوز فى بعضها ضبطان أو أكثر ؛ تبعا للوارد ، نحو : وى ؛ بمعنى : أعجب ، فيصح «وا» ؛ كما يصح : «واها» بالتنوين. ومثل : آه ؛ فإنها يصح فيها أيضا : آه ، وآها ، بالتنوين فيهما.
وغاية القول أنه يجب - فى النوع السّماعىّ - الاقتصار على نصّ اللفظ المسموع وعلى علامة بنائه الواردة معه ؛ سواء أكانت واحدة أم أكثر ، معها تنوين أو لا. فعند إعراب واحد منها يقال : اسم فعل لماض ، أو لمضارع ، أو لأمر ، - على حسب نوعه ، مبنى على الكسر ، أو الفتح ، أو غيرهما - لا محل له من الإعراب.
3 - أن بعضها لا يدخله التنوين مطلقا ، مثل : آمين ، وشتّان ، وباب «فعال» (1)القياسىّ ، وبعضها لا يتجرد من تنوين التنكير ؛ مثل : «واها» بمعنى «أتعجب» ، وبعضها يدخله تنوين التنكير حينا ؛ لغرض معين ، وقد يخلو من هذا التنوين لغرض آخر ؛ مثل : «صه» فإنه اسم فعل أمر بمعنى : اسكت. فحين يكون المراد طلب السكوت عن كلام خاص معيّن ، نقول : صه ، بسكون الهاء ، ومنع التنوين. وحين يكون المراد طلب الصمت عن كل كلام - تتحرك الهاء بالكسر - وجوبا - مع التنوين. فنقول : «صه». فعدم التنوين فى «صه» بمثابة قولنا : اترك الكلام فى هذا الموضوع المعين الخاص المعروف لنا ، وتكلم فى غيره. ومجىء التنوين معناه : اترك الكلام مطلقا ؛ فى الموضوع الخاص المعين ، وفى غيره ... (2)
(راجع حاشية الصبان في هذا الموضع. وقد سبق تفصيل الكلام على تنوين التنكير وأنه خاص - في الغالب - بالأسماء المبنية ج 1 ص 21 م 3).
وإذا كان معناها معنى الفعل فكيف يلحقها التعريف والتنكير وهما لا يلحقان الفعل مباشرة؟ أجابوا : إن تعريفها وتنكيرها راجع إلى المصدر الذي هو أصل ذلك الفعل ؛ فلفظ : «صه» - بالتنوين . معناه : اسكت سكوتا مطلقا ؛ أى : افعل مطلق السكوت عن كل كلام ، إذ لا تعيين في اللفظ يدل على نوع خاص محدد من السكوت. أما لفظ : «صه» المجرد من التنوين فمعناه : اسكت السكوت المعهود المعين عن الحديث الخاص المعروف لنا مع جواز تكلمك في غيره إن شئت هذا تعليلهم والتعليل الصحيح هو استعمال العرب
ومثل : «إيه» اسم فعل أمر ، بمعنى : زدنى ، فإن كان مبنيّا على الكسر بغير1) سبق الكلام عليه فى ص 139.
2) وجود التنوين فى أسماء الأفعال دليل على أنها اسم من جهة لفظها ، أما من جهة معناها فهى فعل - (كما شرحنا فى هامش ص 137) - وكما صرح الناظم فى شرح الكافية ؛ حيث قال : «لما كانت هذه الكلمات من قبل المعنى أفعالا ومن قبل اللفظ أسماء ، جعل لها تعريف وتنكير ؛ فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده من التنوين ، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منكرا».
تنوين فمعناه : زدنى من حديث خاص معروف لنا ، أما مع التنوين ، فالمراد : زدنى من حديث أىّ حديث ، بغير تقيد بنوع معين.
من ثمّ كان اسم الفعل المنوّن نكرة ، والخالى من التنوين معرفة ، وما ينون حينا ولا ينون حينا آخر يجرى عليه فى كل حالة حكمها المناسب لها. واللغة وحدها - كما وردت عن العرب - هى الفيصل الذى له الحكم على اسم الفعل بالتنوين ، أو بعدمه.
4 - أنها تعمل - غالبا - عمل الفعل الذى تدل عليه ؛ فترفع مثله الفاعل حتما ، وتسايره فى التعدى ، واللزوم ، وباقى المكملات ... فإن كان فعلها متعدّيا فهى مثله ، وإن كان لازما يتعدى بحرف جر ، فهى مثله أيضا. وفى الحالتين لا بد أن ترفع فاعلا. وإن احتاجت لمكملات أخرى استوفت حاجتها. فمن المتعدية كأفعالها : ما سبق (1)من : «رويد ، وبله ، ومن دراك» بمعنى : أدرك.
ومن حذار بمعنى : «احذر» كالتى فى قول الشاعر :
حذار - بنىّ (2)- البغى ، لا تقربنّه
حذار ؛ فإن البغى وخم مراتعه *** ومن اللازمة : هيهات - أف - صه ...
فإن كان اسم الفعل مشتركا بين أفعال مختلفة ، بعضها لازم وبعضها متعد ، فإنه يساير فى التعدى واللزوم الفعل الذى يؤدى معناه ، نحو : حيّهل المائدة ، بمعنى : ايت المائدة ، وحيهل على فعل الخير ، بمعنى : أقبل على فعل الخير ، ومنه قولهم : إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ، أى : فأسرعوا بذكر عمر بن الخطّاب ، ومثل : هلمّ ؛ فإنها تكون متعدية كقوله تعالى : ( هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ) بمعنى : قرّبوا وأحضروا. وتكون لازمة نحو نحو قوله تعالى : ( هَلُمَّ إِلَيْنا) بمعنى اقترب وتعال.
ومن غير الغالب أن يخالف اسم الفعل فعله فى التعدية واللزوم مثل : آمين ؛ فإنه لم يسمع من العرب متعديا بنفسه. مع أن فعله الذى بمعناه ، وهو : «استجب» قد ورد متعديا ولازما ؛ فقالوا : اللّهم استجب دعائى ، أو استجب لدعائى ... ومثل : «إيه» من حديثك ، بمعنى زدنى من حديثك ؛ فاسم الفعل : «إيه» لازم فى هذا المثال ، مع أن فعله متعد.
أما فاعل أسماء الأفعال :
(ا) فقد يكون اسما ظاهرا أو ضميرا للغائب مستترا جوازا ، ويكاد (1)
وقيل : إن «هيت» اسم فعل أمر بمعنى : «أقبل» أو «تعال» والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره : أنت ، والمراد : إرادتي لك ، أو : أقول لك ، فالجار والمجرور ليسا متعلقين باسم الفعل ، وعلى هذا الرأى لا يكون في الآية اسم فعل ماض ، فاعله ضمير للمتكلم ، لأن هذا غير معهود فى فاعله ؛ إنما المعهود فيه أن يكون اسما ظاهرا أو ضميرا للغائب مع استتاره جوازا. (راجع المغنى فى الموضع السابق وحاشية ياسين على التصريح ج 2 عند الكلام على تقسيم اسم الفعل إلى مرتجل ومنقول).
هذان يختصّان باسم الفعل الماضى وحده. نحو : هيهات تحقيق الآمال بغير الأعمال ، وقوله تعالى : ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما (2)تُوعَدُونَ ) ، ونحو : السفر هيهات ، أى : هو - ومثل : عمرو ومعاوية فى الدهاء شتان ، أى : هما ...(ب) وقد يكون ضميرا للمخاطب مستترا وجوبا ، وهذا هو الأعم الأغلب (3)
لكن قال بعض النحاة : إن «عليه» هنا ليست اسم فعل ، بل الجار والمجرور على حالهما خبر مقدم ، والباء بعدهما زائدة ، داخلة على المبتدأ المجرور لفظا بها ، المرفوع محلا. ولو أخذنا بهذا الرأى لصارت القاعدة مطردة ، وهي أن فاعل اسمى الفعل المضارع والأمر لا يكون إلا ضميرا مستترا وجوبا. فإن شئنا أخذنا بهذا وإن شئنا استثنينا من القاعدة المطردة الحالة النادرة.
فى اسم الفعل المضارع واسم فعل الأمر. ويشترط فى هذا الضمير أن يكون مناسبا للمضارع أو للأمر الذى يقوم اسم الفعل مقامه ، نحو : أف من عمل الحمقى ؛ بمعنى : أتضجر ؛ ففاعل اسم الفعل هو ضمير مستتر وجوبا تقديره : «أنا» وهذا الضمير وحده هو الذى يصلح فاعلا للمضارع : أتضجر. ونحو : صه ، بمعنى : اسكت. ففاعل اسم الفعل ضمير مستتر وجوبا تقديره : أنت. وهذا الضمير وحده هو الذى يلائم فعل الأمر : «اسكت». ومثل قولهم : عليك بدينك ؛ ففيه1) قلنا : «يكاد» لأن هناك حالة نادرة عرضها بعض النحاة فى قوله تعالى فى سورة يوسف (وغلّقت الأبواب ، وقالت هيت لك) فأعرب : هيت. اسم فعل ماض بمعنى «تهيأت» ويترتب على هذا أن يكون الفاعل ضميرا مستترا تقديره : «أنا» والجار والمجرور متعلقان باسم الفعل كما يتعلقان بفعله. (راجع المغنى فى الكلام على لام التبيين).
2) «لما» اللام حرف جر زائد. «وما» موصولة فاعل ، مجرورة بكسرة مقدرة منع من ظهورها سكون البناء الأصلى ، فى محل رفع، لأنها فاعل : «هيهات».
3) قلنا : «الأعم الأغلب». لأن هناك حالة نادرة فى مثل قولنا : من طلب إدراك غاية فعليه بالسعى الدائب لها ، وهو أسلوب مسموع قديما ، ومنه قولهم : «فعليه بالصوم». أى فليتمسك بالصوم. فالضمير هنا للغائب. وهو أيضا مستتر جوازا.
معادك ، وعليك بمالك ؛ ففيه معاشك ، وعليك بالعلم ؛ ففيه رفعة قدرك ... «فعليك» اسم فعل أمر ؛ بمعنى : تمسّك ، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره : أنت. وهذا الضمير هو الفاعل المناسب لفعل الأمر : «تمسك».
ومن الأمثلة السالفة يتبين أن فاعل اسم الفعل محتم (1)، وأنه يماثل فاعل فعله - وأنه - فى الأعمّ الأغلب ، - يكون فى اسم الفعل الماضى اسما ظاهرا ، أو ضميرا للغائب مستترا جوازا ، ويكون فى اسم الفعل المضارع والأمر ضميرا مستترا وجوبا للمتكلم - أو لغيره قليلا - ، وللمفرد أو غيره (2)على حسب فعله ، ولا يكاد يصح فى هذا الباب كله أن يكون الفاعل ضميرا بارزا (3)
ومثل : عليك الجد في كل أمرك - عليكما - عليكم - عليكن . ومثل : «ها» وهاء (بالمد والقصر) بمعنى : خذ ، تقول في اللفظة الأولى : هاك . هاكما . هاكم . هاكن .. والفاعل فى كل ما سبق ضمير مستتر حتما.
أما في الثانية : «هاء بالمد» فقد تلتزم صورة واحدة للجميع ؛ فتقول : هاء يا على الكتاب ، أو يا فاطمة ، أو يا عليان أو يا فاطمتان ، أو يا عليون ، أو يا فاطمات. ويصح أن يتصل بآخرها علامة الإفراد والتذكير وفروعهما ، فتقول : هاء يا على (بالبناء على الفتح) وهاء يا فاطمة (بالبناء على الكسر) وهاؤما فى المثنى ، وهاؤم في جمع المذكر ، وهاؤن في خطاب جمع المؤنث فالضمير «ما» و «الميم» و «النون» هو الفاعل ، وهو ضمير بارز في هذه الصورة التي هي أفصح من سابقتها وعليها قوله تعالى (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابيه) . راجع ج 4 ص 43 من شرح المفصل ..
.والضابط الذى يجب الاعتماد عليه فى هذا الشأن هو أن يوضع فى مكان اسم الفعل ، الفعل الذى بمعناه ؛ فما يصح أن يكون فاعلا لهذا الفعل يصح أن يكون فاعلا لاسم الفعل الذى يدل عليه ، ويقوم مقامه ، وما لا يصلح للفعل لا يصلح لاسمه أيضا.
1) حاجة اسم الفعل إلى فاعل محتوم دليل على اسميته ، لأن الاسم الذى بعده (وهو الفاعل) يسمى : المسند إليه ؛ فهو محتاج حتما إلى : «مسند» يكون فعلا أو اسما. ولا ثالث لهما. واسم الفعل لا يقبل علامة الفعل ، فلا يصلح أن يكون فعلا مسندا. فلم يبق إلا أنه اسم مسند.
2) الأمثلة للفاعل المستتر المفرد كثيرة. أما غيره فالمفردة مثل : أيتها الفتاة ، عليك بالحزم فى كل أمورك. ولغيرها : عليكما بالحزم .. - عليكم بالحزم - عليكن بالحزم .. وتقدير الفاعل : أنت - أنتما - أنتم - أنتن. (ويتصل بهذا ما سبق فى رقم 2 من ص 142)
3) قد يكون فى آخر اسم الفعل ما يدل على الإفراد والتذكير أو فروعهما. وعلى المخاطب أو غيره. ومن الأمثلة : رويدك - رويدك - رويدكما - رويدكم - رويدكن. على اعتبار : «رويد» اسم فعل أمر ، بمعنى الفعل : «أمهل» الذى ينصب مفعولا به والضمير بعده مفعوله. والمعنى أمهل نفسك - نفساكما - أنفسكم - أنفسكن. (راجع ما يتصل بهذا فى ص 142 و 143)
واعتمادا على هذا الضابط يتعين أن يكون فاعل اسم الفعل ، دالّا على المفرد المذكر ، أو المؤنث ، أو المثنى ، أو الجمع بنوعيهما - على حسب ما يناسب السّياق ، ففى مثل : «صه» - كما سبق - قد يكون الفاعل : أنت - أنت - أنتما - أنتم - أنتن ، على حسب المخاطب. وقد يكون الفاعل متعددا إذا كان الفعل يحتاج إلى فاعل متعدد ، نحو شتّان السّابق واللاحق فى البراعة ، كما تقول : افترق السّابق واللاحق فى البراعة ، لأن الافتراق فى البراعة أحد الأمور المعنوية (1)التى لا تتحقق إلا من اشتراك اثنين معا ، أو أكثر فى تحقيقها ، فيجىء له اسمان مرفوعان به ، أحدهما فاعل بغير واسطة ، وبعده الآخر مسبوقا بواو العطف - دون غيرها - واسطة بين الفاعل المعطوف ، والفاعل المعطوف عليه(2)
شتان ما يومى على كورها *** ويوم حيان أخى جابر
فكلمة : «ما» زائدة ، و «يوم» الأولى : فاعل ، والثانية معطوفة عليها بالواو ، فهى فاعل فى المعنى كالأولى. وقد ورد فى الفصيح وقوع : (ما بين) بعد شتان ، ؛ ومنه قولهم : لشتان ما بين اليزيدين فى الندى. والأسهل فى هذه الصورة أن تكون «شتان» بمعنى : «بعد» وما اسم موصول. أى : بعدت المسافة بين اليزيدين ، والشرط - وهو أن التفرق لا يحصل إلا من اثنين فأكثر - متحقق ، لأنه إذا تباعد ما بينهما فقد تباعد كل واحد منهما عن الآخر ، ومثل هذا قول على رضى اللّه عنه :
شتان ما بين عملين ، عمل تذهب لذته ، وتبقى تبعته ، وعمل تذهب مؤنته ، ويبقى أجره.
.5 - جميع أسماء الأفعال ليس لها محل إعرابىّ مطلقا - مع أنها أسماء مبنية ، عاملة ، كما تقدم - فلا تكون مبتدأ ، ولا خبرا ، ولا فاعلا ، ولا مفعولا به ، ولا مضافا ولا مضافا إليه ... ولا شيئا آخر يقتضى أن تكون مبنية فى محل رفع ، أو فى محل نصب ، أو فى محل جر. ، فهى مبنية لا محل لها من الإعراب.
6 - أن معمولاتها - فى الأعم الأغلب - لا تتقدم عليها (3)؛ مثل : عليك .
1) انظر ما يختص بهذا فى ص 138 و 141.
2) وقد تقع «ما» الزائدة بعد «شتان» مباشرة وقبل الفاعل ؛ كقول الأعشى : (يصف شقاءه. وما يلقاه من العناء كل يوم. على حين يقضى «حيان» أخو جابر يومه فى الرفاهة والمتعة بضروب النعم. «وحيان» هذا أحد سادات بنى حنيفة ، ومن أوسعهم ثروة ، وأعظمهم حظوة عند ملوك الفرس).
3) يرى الكسائى ومن شايعه جواز التقديم ، مستدلا بقراءة من قرأ قوله تعالى : ( (كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ .. ) ينصب كلمة «كتاب» على أنها مفعول به لاسم الفعل : «عليكم» بمعنى : الزموا ...
بالحق ، يمعنى : تمسّك بالحق ، وعليك نفسك ، بمعنى : الزم شأنك ... ولا يصح - بناء على الأعم الأغلب - أن يقال : بالحق عليك ، ولا نفسك عليك (1)
وما لما تنوب عنه من عمل *** لها. وأخّر ما لذى فيه العمل
(تقدير البيت نحويا : وأخر ما العمل فيه لذى ... أى : لهذه الأسماء. وما من عمل لما تنوب عنه - لها. أى : وشىء وهو عمل للذى تنوب عنه - لها. فما يثبت من عمل للفعل النائبة عنه يثبت لها.
فكلمة «ما» الأولى بمعنى شىء ، مبتدأ ، وخبره الجار مع المجرور : «لها»
والبيت مع تعقيده اللفظى يتضمن أمرين : أولهما : إعمالها كفعلها ، وثانيهما : تأخير معمولاتها عنها. ثم قال :
واحكم بتنكير الّذى ينوّن *** منها ، وتعريف سواه بيّن
(بين - واضح. وسبب وضوحه تجرده من التنوين الذى يدل وجوده على التنكير ، ويدل عدمه على التعريف).
...7 - أنها لا تلحقها نون التوكيد مطلقا (2). ويتساوى فى هذا المنع أن تكون أسماء الأفعال دالة على طلب ، أو على خبر ، فالأولى كأسماء فعل الأمر (صه - مه - آمين) ، والثانية كأسماء الفعل الماضى أو المضارع (هيهات - شتان - أف - واها).
8 - أن اسم الفعل مع فاعله بمنزلة الجملة الفعلية ؛ فلهما كل الأحكام التى تختص بالجمل الفعلية ؛ كوقوعها خبرا ، أو صفة ، أو صلة ، أو حالا ... و ... وكاعتبارها جملة إنشائية طلبية إن دلت على طلب ، (كاسم فعل الأمر ، وما كان على وزن فعال ...) وخبرية إن لم تدل على إنشاء (كاسم الفعل الماضى ، أو المضارع ...) وغير هذا من كل ما تصلح له الجملة الفعلية بالضوابط والشروط الخاصة بكل حالة (3)
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا *** دعيت «نزال» ولجّ فى الذّعر
فلو كانت «نزال» بما فيها من الضمير جملة ما جاز إسناد «دعيت» إليها من حيث كانت الجمل لا يصح كون شىء منها فاعلا.
قال الأعلم فى البيت السابق ما نصه : (إنما أخبر عن «نزال» على طريق الحكاية. وإلا فالفعل وما كان اسما له. لا ينبغى أن يخبر عنه ...).
... .1) وفيما يلى كلام ابن مالك فى أنها تعمل عمل الفعل الذى تنوب عنه ، وفى أن بعضها نكرة - وهو المنون تنوين التنكير - وبعضها معرفة ، وهو غير المنون ، وفى أن معمولاتها لا تتقدم عليها.
2) كما سيجىء فى ص 161.
3) خالف فى هذا شارح المفصل فقد قال (فى ج 4 ص 25 باب أسماء الأفعال) ما نصه : «اعلم أن هذه الأسماء وإن كان فيها ضمير تستقل به فليس ذلك على حده فى الفعل. ألا ترى الفعل بصير بما فيه من الضمير جملة ، وليست هذه الأسماء كذلك بل هى مع ما فيها من الضمير أسماء مفردة على حده فى اسم الفاعل واسم المفعول ، والظرف. والذى يدل على أن هذه الألفاظ أسماء مفردة إسناد الفعل إليها ، قال زهير :
9 - أن بعضا منها تلحقه الكاف سماعا ؛ بشرط اعتبارها حرف خطاب محض. ومما ورد به السماع : «وى» بمعنى : أعجب. و «حيّهل» بمعنى : أقبل (1). و «النّجاء» بمعنى : أسرع ، و «رويد» بمعنى : تمهل (2)، فقد قال العرب : ويك ، وحيهلك ، والنجاءك ، ورويدك. والكاف فى الأمثلة السالفة حرف خطاب متصرف ، (3)لا يصلح أن يكون ضميرا مفعولا به لاسم الفعل ، لأن أسماء الأفعال السّالفة لا تنصب مفعولا به ؛ لقيامها معنى وعملا مقام أفعال لا تنصب مفعولا به. وكذلك لا يصح أن تكون هذه الكاف ضميرا فى محل جر مضافا إليه ؛ لأن أسماء الأفعال مبنية ، ولا تعمل الجرّ مطلقا ؛ فلا يكون واحد منها مضافا. -
نختم الباب بسرد بعض آخر من أسماء الأفعال المختلفة الأنواع ، يكثر ترداده فى الكلام العربى القديم ، ونكتفى بضبط واحد مما له أكثر من ضبط.
اسم الفعل / معناه / اسم الفعل / معناه
هيت - هل ، - 0 هلا / أسرع ، وتعال إلى / حذرك بردا بعدك / احذر بردا تأخر ، أو حذر شيئا خلفك
قدك - قطك بس / أمامك وراءءك فرطك / احذر شيئاً بين يديك
هيَّك - هيك
هيَّا
إليك
دع - دعدع
وشكان
سرعان
لعما
دعدعاً
همهام
بخ
اكتف بما كان ، وانته وانقطع عما أنت فيه أسرع فيما أنت فيه
تنسح
حيّ (بيا مشددة مفتوحة)
عندك
مكانك
بادر وأسرع ، ومنه حيّ على الصلاة عندك الشريف : الزمة من قرب اثبت.
قم فانتعش ، وأسلم مما أصابك من السوء. (فاللفظ يتضمن دعاء له بالانتعاش والسلامة.
اسم فعل ماض (ويجوز في الواو الحركات الثلاث) قرب أو : عجل وأسرع. ومنه وشكان ذا خروجا فذا فاعل ، وخروجا تمييز.
(يحوز في السين الحركات الثلاث).
عجل وأسرع. وقد يتضمن في الوقت نفسه التعجب من السرعة ، فكأنك تقول ما أسرعه!!
انتعش من مكروه أصابه ، ونهض عن عثره. وهو يتضمن الدعاء بالسلامة.
انتعش من مكروه أصابه ، ونهض من عثره ، وهو يتضمن الدعاء بالسلامة.
نفد ، ولم يبق من الشي ، بقية.
أثنى وأمدح ، وأبدى إعظامي وتقديري لما أرى.
يراد منها نوعان :
أولهما : ألفاظ توجّه إلى الحيوان الأعجم ، وما فى حكمه ، - كالأطفال - إما لزجره وتخويفه ، لينصرف عن شىء ، وإما لحثه على أداء أمر معين بمجرد سماعه أحد هذه الألفاظ ، دون حاجة إلى مزيد. فالمراد من توجيه اللفظ هو طلب الامتناع ، أو طلب الأداء.
وكلا الأمرين - الانصراف عن الشىء ، وأداء الأمر المعين - لا يتحقق إلّا بعد تمرين ، وانقضاء مدة تتكرر فيها المخاطبة باللفظ ، ويتدرب فيها الحيوان وما فى حكمه على إنفاذ المطلوب منه عند سماعه ؛ فيدرك - بعد التكرار الذى يصاحبه التدريب - المراد من توجيه اللفظ إليه ، ومن مخاطبته به ، وأن هذا المراد هو الزجر ، أو الحث ، (بمعناهما السالفين) ويكتفى فى إدراك الغرض بسماع اللفظ دون زيادة عليه.
فمن أمثلة الزجر ما كان يوجهه العرب لبعض الحيوانات - وأشباهها - بسبب أمر بغيض يراد العدول عنه ، كزجرهم الإبل على البطء والتأخر ، فيوجهون لها أحد الألفاظ الآتية :
هيد - هاد - ده - جه - عاه - عيه ... وقولهم لزجر الناقة : عاج - هيج - حل ... وكقولهم لزجر الغنم : إسّ - هسّ - هسّ - هج - وللكلب : هجا - هج ... وللضأن : سع - وح - عز - عيز ... وللخيل : هلا - هال. وللطفل - كخّ ، كخّ ... وللسبع : جاه - وللبغل : عدس ... إلى غير هذا من ألفاظ الزجر عندهم ، وهى كثيرة فى عددها ، وضبط حروف كل منها.
ومن أمثلة ما يوجّه للحيوانات وأشباهها ، لا بقصد زجرها ؛ وإنما بقصد تكليفها أمرا كى تؤديه وتقوم بإنفاذه - قول العرب للإبل : «جوت» ، أو : «جىء» ، إذا أرادوا منها الذهاب للماء لتشرب : «ونخّ» ، إذا طلبوا منها الإناخة. «وهدع» ، إذا أرادوا منها الهدوء والسكون من النفار. «وسأ ، وتشؤ» ، إذا أرادوا من الحمار الذهاب للماء ، ليشرب. «ودج ، وقوس» لدعوة
الدجاج إلى الطعام والشراب ... «وحاحا» للضأن ، «وعاعا» للمعز ؛ ليحضر الطعام ...
ثانيهما : ألفاظ صادرة من الحيوان الأعجم (1)، أو مما يشبهه كالجماد ونحوه ، فيرددها الإنسان ويعيدها كما سمعها ؛ تقليدا ، ومحاكاة لأصحابها ، من غير أن يقصد من وراء هذا دلالة أخرى. فقد كان العربى يسمع صوت الغراب ، فيقلده قائلا : غاق ، أو : صوت الضّرب ؛ فيقول محاكيا : طاق ، أو صوت وقوع الحجارة ، فيحاكيه : طق ، أو صوت ضربة السيف فيردده : قب ، أو صوت طىّ القماش ، فيقول : قاش ماش (2)... إلى غير هذا من الأصوات التى كان يسمعها فيحاكيها (3)
وما به خوطب مالا يعقل *** من مشبه اسم الفعل - صوتا يجعل
(التقدير : ما به خوطب ما لا يعقل ... يجعل صوتا) يريد : أن ما يشبه اسم الفعل - فى أنه لا يحتاج فى أداء المراد منه إلى لفظ آخر - يسمى : اسم صوت. وهذا تعريف قاصر مبتور ، فوق أن تشبيه اسم الصوت باسم الفعل فيما سبق غير صحيح. لأن اسم الفعل لا بد له من فاعل ظاهر أو ضمير ، فلا ينفرد بنفسه ، وقد يحتاج لمعمولات أخرى ... كما سبق فى بابه (ص 149). ثم اقتصر فى بيان أنواعه وأحكامه على بيت واحد حتم به الموضوع هو :
كذا الّذى أجدى حكاية ؛ كقب *** والزم بنا النّوعين ؛ فهو قد وجب
المراد : حكاية صوت الجماد وغيره. وقب : صوت السيف. واسم الصوت بنوعيه مبنى وجوبا كما يقول فى بيته. وقوله يحتاج إلى تفصيل وإبانة :
دون أن يريد من المحاكاة معنى آخر.أشهر أحكامها :
1 - أنها أسماء (4)
وهذه الألفاظ لا تدل على معنى مفهوم ؛ لأنها توجه إلى من لا يفهم ، ويخاطب بها غير العاقل.
وقد دفع هذا الاعتراض بأن المقصود بدلالة الاسم على معنى مفرد مفهوم أنه إذا أطلق فهم منه العالم بالوضع اللغوى معناه. وهذا ينطبق على أسماء الأصوات. فليس الشرط فى الاسم أن يخاطب به من يعقل ليفهم معناه. وقيل إنها ملحقة بالأسماء وليست أسماء ... ولا أهمية للخلاف ؛ إذ الأهمية لأحكامها الآتية.
ويقولون إن سبب بنائها هو: شبهها الحروف المهملة (مثل: لا ، وما ، النافيتين) في أنها غير عاملة، ولا معلومة. والسبب الحق هو : مجرد استعمال العرب الأوائل - كما كررنا -
مبنية ، لا محل لها من الإعراب ، ما دامت أسماء تدل على -1) أما الحيوان الناطق فألفاظه ذات معان ، وإلا كان كغيره.
2) قاش ماش (بكسر الشين فيهما) مركب مزجى مبنى على الكسر لا محل له من الإعراب ، وهو من المركبات المزجية المتعددة التى تكون اسم صوت مع تركيبها المزجى.
3) وفى النوعين السابقين يقول ابن مالك فى الباب الذى عنوانه : «أسماء الأفعال والأصوات» :
4) يعترض بعض النحاة على اسميتها ؛ بحجة أن الاسم لا بد أن يكون له معنى مفرد ، مفهوم.
مجرد الصوت ، ولم تخرج من هذه الدلالة إلى تأدية معنى آخر. وما كان مسموعا عن العرب يجب إبقاؤه على صيغته ، وحالته الواردة عنهم من غير إدخال تغيير عليه فى عدد حروفه ، أو فى نوعها ، أو ترتيبها. أو ضبطها ، أو علامة بنائها ... كالأمثلة السالفة. أما المستحدث بعدهم فيلازم ما شاع فيه ، لأن إنشاء الأصوات واستحداثها - جائز فى كل عصر (1)، ويجرى على الجديد المستحدث ما يجرى من الأحكام على المسموع الوارد عن العرب ؛ فيعتبر اسما واجب البناء بالعلامة التى يشيع بها النطق فى عصره ، وتسرى عليه بقية الأحكام الأخرى الخاصة بأسماء الأصوات.
لكن هناك حالتان ؛ إحداهما : يجب (2)فيها إعراب أسماء الأصوات ، بنوعيها المسموعة عن العرب ، والموضوعة المستحدثة بعدهم. والأخرى : يجوز فيها الإعراب والبناء.
(ا) فيجب (3)إعرابها إذا خرجت عن معانيها الأصلية التى هى الصوت المحض ، وصارت اسما متمكنا يراد به : إما صاحب الصوت ، الذى يصدر عنه الصوت والصياح مباشرة ، وينسبان له أصالة دون غيره. وإما شىء آخر ليس هو الصاحب الأصيل للصوت ، وإنما يوجه له الصوت والصياح توجيها يقصد منه الزجر ، أو التهديد أو غيرهما ...
فمثال الأول : أزعجنا غاق الأسود ، وفزعنا من غاق الأسود ... فكلمة : «غاق» ، بالتنوين ، لا يراد منها هنا أصلها ، وهو : صوت الغراب ، وإنما يراد أنّها اسم يدل على صاحب هذا الصوت نفسه ؛ أى : على الذى ينسب له الصوت ويشتهر به ، وهو : «الغراب» ذاته ، لا صوته الصادر منه. فالغراب هو المسمّى ، و «غاق» فى الجملتين اسم معرب متمكن ، فاعل فى الجملة الأولى ، ومجرور «بمن» فى الجملة الثانية.
ومثل : ما أقسى قبا. فكلمة : «قبا» - بالتنوين - اسم معرب متمكن منصوب فى هذه الجملة ، لأن المراد بها هنا : «السيف» نفسه ، مع أنها فى الأصل اسم صوت للسيف ، مبنية على السّكون لا تنون. لكنها تركت أصلها هذا ، وصارت معرفة تدل على صاحب الصوت - أى ؛ على السيف - بعد أن كانت اسما لصوته ، مبنية غير منونة. فالمراد فى الأمثلة السابقة ونظائرها هو : أزعجنا الغراب - فزعنا من الغراب - ما أقسى السيف.
ومثال الثانى : أردت هالا السريع ؛ فصادفت عدسا الضخم. وأصل كلمة : «هال» اسم صوت صادر من الإنسان ، يوجه إلى الفرس لزجره. وأصل كلمة : «عدس» اسم صوت صادر من الإنسان يوجهه إلى البغل لزجره ، فكلتا الكلمتين تركت هنا أصلها ، والبناء ، وصارت اسما معربا مرادا منه الحيوان الأعجم - وشبهه - مما لا يصدر عنه ذلك الصوت ، وإنما يوجه إليه من غيره (1).
(ب) ويجوز إعرابها وبناؤها إذا قصد لفظها نصّا ؛ مثل : فلان لا يرعوى إلا بالزجر ؛ كالبغل لا يرعوى إلا إذا سمع : «عدس» أو : «عدسا» بالبناء على السكون ، أو بالإعراب ، والمراد : إلا إذا سمع هذه الكلمة نفسها.
2 - أنها - فى أصلها - أسماء منفردة ، مهملة. والمراد من انفرادها : أنها لا تحمل ضميرا ، وهذا نوع من أنواع الاختلاف بينها وبين أسماء الأفعال. والمراد من إهمالها أنها لا تتأثر بالعوامل المختلفة ولا تؤثر فى غيرها ، فلا تكون مبتدأ ، ولا خبرا ، ولا فعلا ، ولا فاعلا ، ولا مفعولا ... ولا شيئا آخر يكون عاملا أو معمولا - إلا فى الحالتين السالفتين : (ا ، ب ، بصورهما الثلاث). ومن ثمّ تختلف أيضا عن أسماء الأفعال ؛ فهذه لا بد أن تعمل.
وخلاصة ما تقدم أن أسماء الأصوات مهملة إذا بقيت على وضعها الأصلى اسم صوت محض ، بالطريقة التى شرحناها. أما إذا قصد لفظها ، أو استعملت استعمال الأسماء المتمكنة. - بأن انتقلت من معناها الأصلى إلى الدلالة على صاحبها الأصيل الذى يصيح ويصوّت بها ، أو على من يتجه إليه النطق بها - فإنها فى هذه الصور
1) بعض النحاة يجيز بناءها فى الصور السالفة مراعاة لأصلها. ولكن الإعراب أوضح وأقدر على أداء المعنى ؛ فيحسن الاقتصار عليه.
الثلاث تكون معربة إما وجوبا ؛ كما فى : «ا» بفرعيها ، وإما جوازا كما فى : «ب» فالشرط فى إهمالها ، وفى بنائها لزوما - أن تبقى على حالتها الأولى اسم صوت مجرد ، لا محل لها من الإعراب فلا تكون فى محل رفع ، ولا نصب ، ولا جرّ ، وإنما يقال فيها : سم صوت مبنى على الضم ، أو الفتح ، أو الكسر ، أو السكون ، على حسب حالة آخره.
يراد بهما : نونان ، إحداهما مشددة مبنية على الفتح ، والثانية مخففة مبنية على السكون.
وهما من أحرف المعانى (1)، وتتصل كل واحدة منهما بآخر المضارع والأمر فتخلصهما للزمن المستقبل ؛ ولا تتصل بهما إن كانا لغيره (2)، وكذلك لا تتصل بالفعل الماضى ، ولا باسماء الأفعال مطلقا ؛ (سواء أكانت طلبية أم خبرية) (3)ولا بغيرها من الأسماء والحروف ؛ نحو : «لا تحملن حقدا على من ينافسك فى الخير ، وابذلن جهدك الحميد فى سبقه ، وإدراك الغاية قبله». فالنون فى آخر الفعلين حرف للتوكيد ، ويصح تشديدها مع الفتح ، أو تخفيفها مع التسكين. وقد اجتمعا فى قوله تعالى فى قصة يوسف : ( لَيُسْجَنَنَّ ، وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .
أثرهما المعنوىّ :
لو سمعت من يقول : «لا تنفع النصيحة الأحمق ، ولا يفيده التأديب» ... فقد تتردد فى تصديق الكلام ، ويداخلك الشك فى صحته. ولك العذر فى هذا ، لأن المتكلم لم يحسن التقدير ؛ إذ كان عليه أن يدرك بخبرته وذكائه أن مثل هذا الكلام قد يقابل بالتردد والشك ؛ فيعمل على أن يدفعهما ، ويمنع تسربهما إلى ذهن السامع ، بإحدى الوسائل الكلامية التى عرض لها البلاغيون - ومنها : نون التوكيد ... فلو أنه قال : لا تنفعن ... ولا يفيدن ... لكان مجىء نون التوكيد ، بمثابة القسم على صحة الكلام وصدقه ، أو بمنزلة تكراره وإعادته بقصد تأكيد مضمونه ، وصحة ما حواه ، فلا يكون هناك مجال للشك والتردد عند من هو مستعد للاقتناع.
ومثل هذا أن يقال لك : (أكثر من الحسّاد بفضلك) ، (ولا تكثر من
الأعداء بجهلك). أو : (تجنب شرّ القتلة ؛ شاهد الزّور) ، (وهل يبرئ القاتل ، وهل يقتل البرىء سواه؟) ... فقد تزعم أن المتكلم يعرض عليك كل مسألة من هذه المسائل عرضا مجردا ، (أى : خاليا من رغبته القوية وتشدده فى مطالبتك بالتنفيذ أو بالتّرك ، خاليا من الحرص على تأديتك ما تحدّث بشأنه أو عدم تأديتك ، وتصديقك به أو عدم التصديق).
وقد يكون لك الحق فى هذا الزعم ؛ فليس فى الكلام ما يبعده. فلو رغب المتكلم أن يبعده ، ويشعر السامعين بتمسكه بمضمون كلامه ، وتشدده فى التنفيذ والتأدية ، وحرصه على تصديق ما قال - لزاد فى الكلام ما يدل على هذه الرغبة ؛ كأن يزيد «نون التوكيد» ، على آخر الفعل المضارع أو الأمر ؛ فإن زيادتها تفيد معنى الجملة قوة. وتكسبه تأكيدا ؛ إذ تبعد عنه الاحتمال السابق ، وتجعله مقصورا على الحقيقة الواضحة من الألفاظ ، دون ما وراءها من احتمالات. فلو قيل فى الأمثلة السالفة : (أكثرن ... - لا تكثرن ... - تجنبن ... - يبرئن - ... يقتلن ...) لكان مجىء نون التوكيد ، برغم اختصارها البالغ بمنزلة القسم ، وبمنزلة قول المتكلم : إنى أؤكد كلامى ، وأتشدد فى أن تنفذ مضمونه فى المستقبل ، وأحرص على أن تصدقه. أو : بمنزلة تكرار ذلك الكلام ، وإعادته لتحقيق الغرض السالف ، ومن أجله سميت : ب «نون التوكيد». والمشددة أقوى فى تأدية الغرض من المخففة ، وفوق هذا فكلتاهما تخلّص المضارع للزمن المستقبل ، سواء أكان اتّصالها به مباشرا أم غير مباشر (1). ومن ثمّ يمتنع دخولها على المضارع إذا كان للحال ، أو للمضىّ أحيانا - كما سبق - ؛ منعا للتعارض بينهما. أما الأمر فزمنه مستقبل فى الأغلب ؛ فتقوّى فيه الاستقبال. فإن كان لغيره خلّصته للمستقبل فالأثر المعنوى لهذه النون هو توكيد المعنى على الوجه السّالف ، وتخليص زمن المضارع للاستقبال ، وتقوية الاستقبال فى فعل الأمر أو إرجاعه إليه.
وقد تفيد النون - مع التوكيد - الدلالة على الإحاطة والشمول إذا كان الكلام
لغير الواحد ، ففى مثل : يا قومنا احذرن مكايد الأعداء ... يكون المراد : يا قومنا كلكم ، أو جميعكم ، فردا فردا ...
وخلاصة كل ما تقدم : أنهما حرفان من أحرف المعانى ، يلحقان بآخر
1) يكون غير مباشر ؛ لوجود فاصل بينهما ؛ كالضمير.
المضارع وآخر الأمر ، لتخليصهما للزمن المستقبل ، ولا يلحقان بهما ولا بغيرهما من الأفعال التى لا يراد منها المستقبل الخالص ، ولا بأسماء الأفعال مطلقا ، ولا سائر الأسماء ، والحروف. وأن فائدتهما المعنوية : هى تأكيد المعنى وتقويته بأقصر لفظ ، وتخليص المضارع للزمن المستقبل وتقوية الاستقبال فى الأمر ، أو إرجاعه إليه ، وأنهما قد يفيدان - مع التوكيد - الشمول والعموم فى بعض الصور.
لهما آثار لفظية مشتركة بينهما ، تحدث من اتصال إحداهما بآخر المضارع ، المتجرد للمستقبل ، أو بآخر الأمر كذلك. وتمتاز الخفيفة بأحكام خاصة تنفرد بها دون الثقيلة.
وأهم الآثار المشتركة هو :
1 - بناء المضارع على الفتح ، بشرط أن تتصل به نون التوكيد اتصالا مباشرا ؛ بأن يكون خاليا من ضمير رفع بارز (1)يفصل بينهما ؛ ذلك أن المضارع معرب دائما ، إلا إذا اتصلت به اتصالا مباشرا نون التوكيد ؛ فيبنى على الفتح ، أو نون النسوة ؛ فيبنى على السكون. كقول شوقى فى وصف الدنيا :
لا تحفلنّ ببؤسها ونعيمها *** نعمى الحياة وبؤسها تضليل
وكقوله فى الأمهات المصريّات المجاهدات :
ينفثن فى الفتيان من *** روح الشجاعة والثبات
يهوين تقبيل المهنّد ، أو معانقة القناة (2)
ويدخل فيما سبق : المضارع المسبوق بلام الأمر أو بغيرها من الجوازم التى يصح الجمع بينها وبين نون التوكيد ؛ فإنه يبنى على الفتح فى محل جزم ؛ كقولك للمهمل : لتحترمن عملك ، ولتكرمن نفسك بإنجازه على خير الوجوه. ومثل : إمّا (3)تنصرن ضعيفا فإن اللّه ناصرك ... فالأفعال تحترم ، وتكرم ، وتنصر ...
1) ضمائر الرفع البارزة التى تتصل بآخر المضارع والأمر وتحدث فيهما تغييرات مختلفة - وستجىء فى ص 177 وما بعدها - هى : ألف الاثنين ، وواو الجماعة ، وياء المخاطبة ، ونون النسوة. وقد سبق (فى ح 1 ص 53 م 6) تفصيل الكلام على بناء المضارع، والسبب فى أن يكون اتصال نون التوكيد به مباشرا عند بنائه على الفتح. أما نون النسوة فاتصالها به لا يكون إلا مباشرا دائما ، ويبنى معها على السكون. - كما فى رقم 3 من هامش ص 177 و 1 من هامش ص 181 -
2) الرمح.
3) أصلها : «إن» الشرطية المدغمة فى «ما» الزائدة.
مبنية على الفتح ؛ لاتصالها المباشر بنون التوكيد ، فى محل جزم بلام الأمر.
فإن لم يكن الاتصال بين المضارع ونون التوكيد مباشرا نشأت أحكام سنعرضها بعد (1)...
2 - بناء فعل الأمر على الفتح ، بشرط اتصاله بنون التوكيد اتصالا مباشرا ، فلا يكون متصلا بضمير رفع بارز (2)يفصل بينهما ؛ نحو : اشكرن من أحسن إليك ، وكافئنه بالإحسان إحسانا ، واعلمن أن كلمة حمد وثناء قد تكون خير جزاء (3).
فإن كان فعل الأمر متّصلا بضمير رفع بارز يفصل بينهما فإنه يجرى عليه ما يجرى على المضارع المسند لذلك الضمير من غير اختلاف فى الأحكام ولا فى التغيرات ؛ فالمضارع والأمر سيّان فيما يجرى عليهما عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة ؛ سواء أكان آخرهما صحيحا أم معتلا ، مؤكّدين أم غير مؤكّدين ، مع ملاحظة الاختلاف بينهما فى ناحيتين هامتين.
أولاهما : أن الأمر مبنى دائما فى كل الأساليب ؛ سواء أكان مؤكدا أم غير مؤكد.
وثانيتهما : أنه لا تلحقه نون الرفع مطلقا. وسيجىء تفصيل الكلام عليه مع المضارع آخر الباب (4).
3 - أن توكيد فعل الأمر بها جائز فى كل أحواله (5)
فثبّت الأقدام إن لاقينا *** وأنزلن سكينة علينا
، بغير قيد ولا شرط ، وكذلك المضارع المبدوء بلام الأمر.أما المضارع المجرد من هذه اللام فلتوكيده أحوال أربعة (6)، هى : وجوب التوكيد ، وامتناعه ، واستحسانه ، وقلّته. وإليك البيان :
الأولى والثانية : يجب توكيده ، حين يكون مثبتا ، مستقبلا ، جواب قسم ، مبدوءا باللام (7)التى تدخل على جواب القسم ، ولا يفصل بينه وبين هذه اللام فاصل ؛ .
1) فى ص 177 و 190.
2) انظر رقم 1 من هامش الصفحة السابقة.
3) ولا داعى لأن نقول : فعل أمر مبنى على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة الآتية لمناسبة النون وإنما نقول - تيسيرا بغير تلك الإطالة : فعل أمر مبنى على الفتح ، لاتصاله بنون التوكيد - كما سبق فى ح 61.
4) فى ص 177 و 190.
5) فتدخل الحالات التى يخرج فيها عن معنى الأمر الخالص إلى غرض آخر مع بقاء صيغته على حالها ؛ كخروجه إلى الدعاء فى شعر لأحد الأنصار كان يردده النبى عليه السّلام يوم غزوة الخندق ، ومنه :
6) انظر «ب» من الزيادة والتفصيل ص 170.
7) عند من يرى - كالبصريين - أن هذه اللام لا تعيّنه للحال - وسيجىء هذا فى ص 166 -.
نحو : واللّه لأعملن الخير جهدى - باللّه لأجتنبنّ قول السوء قدر استطاعتى - تاللّه لنحاربن الشر ما وسعتنا المحاربة (1)... فالأفعال المضارعة : (أعمل - أجتنب - نحارب ...) واجبة التوكيد بالنون ، لاستيفائها الشروط كلها ، فهى مثبتة ، مستقبلة الزمن (2)، وقبلها قسم وقعت فى جوابه ، مصدّرة بلام الجواب ، بغير فاصل بينهما.
فإذا فقد بعض الشروط نشأت صورة جديدة قد يمتنع فيها توكيده ، وقد يصح إذا انطبقت عليها أوصاف المنع أو أوصاف الجواز التالية :
فمن الصور التى يمتنع فيها توكيد المضارع بالنون أن يفقد شرط الثبوت فى الحالة السالفة فيكون منفيّا ، إمّا لفظا ؛ نحو : إن دعيت للشهادة فو اللّه لا أكتم الحق ، وإما تقديرا نحو : قوله تعالى : ( تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ... ) أى : لا تفتأ ، لأن حذف «لا» النافية كثير فى جواب القسم عند أمن اللبس (3)
فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا *** وأحفل من دارت عليه الدوائر
(أى : لا أبكى ولا أحفل) ما نصه : «تريد : لا أبكى ... والعرب تضمر «لا النافية» فى جواب القسم مع ملاحظتها فى المعنى ؛ لأن الفرق بينه وبين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام والنون : كقولك : واللّه لأخرجن. قال اللّه عزوجل : «تاللّه تفتأ تذكر يوسف» أى : لا تفتأ تذكر يوسف). اه.
وقال الشاعر :
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا *** ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
أى : لا أبرح ...
ومن الصور التى يمتنع فيها توكيده أيضا أن يفقد شرط الاستقبال فى تلك الحالة أيضا ؛ فيكون زمنه للحال بقرينة تدل على هذا ، كقول الشاعر : .
1) أى : مدة اتساع المحاربة لنا ، واقتدارنا عليها
2) لأن نون التوكيد تخلص زمن المضارع للمستقبل ، ولا علامة أو قرينة هنا تمنع تجرده للاستقبال (كما أوضحنا فى ص 164 ، وفى ح 1 ص 38 م 4).
3) تحذف العرب - أحيانا - «لا» النافية فى جواب القسم ، مع ملاحظتها وتقديرها فى المعنى ؛ لأن اللبس عندئذ بين المنفى والموجب مأمون ، إذ لو كان الجواب غير منفى فى المعنى والتقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام والنون معا ، جريا على الأغلب فى جواب القسم عند البصريين ، وبأحدهما عند أكثر الكوفيين. - ومن أمثلة حذف «لا» النافية فى الآية السالفة : ( (تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) أى : لا تفتأ. جاء فى أمالى أبى القاسم الزجاجى - ص 50 - فى بيت ليلى الأخيلية ترثى توبة :
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم *** ليعلم ربى أن بيتى واسع
وقول الآخر :
يمينا لأبغض كلّ امرئ *** يزخرف قولا ، ولا يفعل
لأن المعنى هنا على الحالية ، ولأن لام جواب القسم الداخلة على المضارع تخلص زمنه للحال - عند فريق من النحاة (1)- ونون التوكيد تخلصه للمستقبل ؛ فيتعارضان.
ومن الصور الممنوعة أيضا أن يكون فى تلك الحالة السالفة مفصولا من لام الجواب ، إما بمعموله ، وإمّا بغيره ؛ كقد ، أو سوف ، أو السين ؛ نحو : واللّه لغرضكم تدركون بالسعى الدائب ، والعمل الحميد. ومثل : واللّه لقد تنالون رضا الناس بحسن معاملتهم. ونحو قوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) ) والأصل : واللّه لسوف ...
الثالثة : أن يكون توكيده هو الكثير المستحسن ؛ لكنه - مع كثرته واستحسانه - لا يبلغ درجة الواجب. وأمارته : أن يكون المضارع فعل شرط للأداة : «إن» الشرطية المدغم فيها «ما» الزائدة للتوكيد (أى : إمّا) ، أو : يكون مسبوقا بأداة طلب تفيد الأمر ، أو النهى ، أو الدعاء ، أو العرض (2)، أو التحضيض ، أو أو التمنى ، أو الاستفهام ...
فمثال المضارع المسبوق «بإمّا» : إمّا تحذرن من العدو تأمن أذاه ، وإما تهملن الحذر تتعرض للخطر. والأصل : إن تحذر ... وإن تهمل ... زيدت «ما» على «إن» الجازمة ، وأدغمت فيها. ولا يحسن فى النثر ترك هذا التوكيد بعد إمّا ، لكنه يصح فى الشعر للضرورة ، كقول القائل :
1) غير البصريين - كما أشرناء فى رقم 6 من هامش ص 164. - ومعلوم أن الذى يعين المضارع للحال أمور ؛ منها : كلمة : الآن ، أو : الساعة ... ، ومنها النفى بليس، ومنها : لام الابتداء ... ، إلى غير هذا مما سردناه فى موضعه الأنسب (ح 1 ض 36 م 4) فمن يريد الدلالة على الحال بغير لام القسم فى مثل البيتين السالفين فله وسائل ؛ منها : أن يقول فى النتر : ليعلم الآن. ويمينا لأبغض الساعة ...
2) العرض : طلب فيه لين ورفق (ويظهران فى اختيار الكلمات الرقيقة ، وفى نبرات الصوت) والتحضيض : طلب فيه عنف وشدة (ويظهران فى اختيار الكلمات الجزلة والضخمة وفى النبرات القوية العنيفة). والأداة الغالبة فى العرض هى : (ألا) المخففة. وقد تستعمل قليلا للتحضيض. وأدواته الغالبة هى : لولا - لوما - هلّا - ألا - وسيجىء الكلام على هذه الأدوات فى بابها الخاص. - ص 477 -
يا صاح ، إمّا تجدنى غير ذى جدة (1)*** فما التخلّى عن الإخوان من شيمى
ومثال المسبوق بأداة تفيد الأمر : لتحذرن مديح نفسك ، ولتدعن الثناء عليها ، وإلا كنت هدفا للسخرية والمهانة.
ومثال المسبوق بالنهى قوله تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) ، وقول الشاعر :
لا تحسبنّ العلم ينفع وحده *** ما لم يتوّج ربّه بخلاق (2)
لا يخدعنّك من عدوّ دمعه *** وارحم شبابك من عدوّ ترحم
ومثال المسبوق بالدعاء قول القائل :
لا يبعدن (3)قومى الّذين همو *** سمّ العداة وآفة الجزر ...
وبالعرض قولهم : ألا تنسينّ إساءة من أعتبك (4).
وبالتحضيض قول الشاعر :
هلّا تمننّ بوعد غير مخلفة *** كما عهدتك فى أيّام ذى سلم
وبالتمنّى قول الشاعر :
فليتك يوم الملتقى ترينّنى *** لكى تعلمى أنى امرؤ بك هائم
وبالاستفهام قول الشاعر :
أتهجرنّ خليلا صان عهد كمو *** وأخلص الودّ فى سرّ وإعلان؟
الرّابعة : أن يكون توكيده قليلا ، وهو - مع قلته - جائز ، لكنه لا يرقى فى قوته ودرجته البلاغية مرقى النوعين السالفين. وعلامته : أن يكون بعد «لا» النافية كقوله تعالى: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) . أو بعد : «ما» الزائدة التى لم تدغم فى «إن» الشرطية ؛ كقولهم فى المثل : بعين ما أرينّك (5)، وقول الشاعر فى المال : -
1) مال وغنى.
2) بنصيب من الخير والصلاح. وكذلك قول الشاعر :
3) لا يبعدن ؛ أى : لا يهلكن (الفعل : بعد يبعد ، بمعنى : هلك يهلك). دعاء لقومه ألا يصيبهم الهلاك ، ويصفهم بأنهم سم لأعدائهم ، آفة لجزرهم (جمع : جزور. والجزور مؤنثة فى لفظها. ومعناها الغالب : الناقة ، وقد يراد منها الجمل) وإنما كانوا آفة لها لكثرة ذبحهم إياها لأنفسهم ، وللضيوف وهذا كناية عن الكرم.
4) أزال سبب عتابك.
5) هذا مثل قديم تقوله لمن يخفى عنك أمرا أنت به بصير ، تريد : إنى أراك بعين بصيرة «فما» زائدة. وجاء فى الأساس ما معناه أنك تقول هذا لمن أرسلته واستعجلته ؛ فكأنك تقول له : لا تدو على شىء ، فانى أنظر إليك ، أى : لا تقف - لا تنتظر. وفى هذا المثل تأييد للحكم بصحة تقديم شبه الجملة على متعلقه الفعل المؤكد بالنون - كما سيجىء فى الحكم الرابع -
قليلا به (1)
أهن للذى تهوى التّلاد ؛ فإنه *** إذا مت كان المال نهبا مقسما
و «قليلا» نعت لمصدر محذوف ، والتقدير : حمدا قليلا يحمدنك وارث .. وفى البيت شاهد آخر يحكم عليه بالضعف هو تقديم كلمة «قليلا» النعت مع منعوته المحذوف ، مع أنهما معمولان للمضارع المؤكد بالنون وليسا شبه جمثة - إذ شبه الجملة هو الذى قد يباح تقديمه - كما فى آخر الهامش السالف ، وكما سيجىء فى الحكم الرابع -
، ما يحمدنّك وارث *** إذا نال مما كنت تجمع مغنماويدخل فى هذا «ما» الزائدة بعد «ربّ» ؛ نحو : ربما يقبلن الخير وراء المكروه(2)
وقد يكون الأفضل الأخذ بالرأى الأول ليكون حكم «رب» مطردا.
.أو بعد : «لم» (3)كقول الشاعر :
من جحد الفضل ولم يذكرن *** بالحمد مسديه فقد أجرما
أو بعد أداة شرط غير «إن» المدغمة فى : «ما» الزائدة ؛ كقول الشاعر :
من تشقفن (4)منهم فليس بآيب *** أبدا ، وقتل بنى قتيبة شافى
4 - عدم تقديم معمول فعلها على هذا الفعل (5)، إلا إن كان المعمول شبه جملة فيصح التقديم - فى الرأى الأرجح - ؛ ففى مثل : اسمعن النصح ... لا يصح أن يقال : النصح السمعن. بخلاف لا تثقن بمنافق ، واحذرنه عند تقلب الأيام ، فيصح أن يقال : بمنافق لا تثقن ، وعند تقلب الأيام احذرنه (6).
5 - وقوع تغيرات أخرى تلحق المضارع صحيح الآخر ومعتلّه ، وكذا الأمر ، عند إسنادهما لضمائر الرفع البارزة ؛ فقد يحذف حرف العلة عند الإسناد .
1) الضمير عائد على المال فى بيت قبله هو :
2) منع بعض النحاة التوكيد بالنون بعد : «ربما» بحجة أنها لا تدخل على الزمن المستقبل أو ما هو فى حكمه. ويرى سيبويه صحة التوكيد ، بحجة وروده فى المأثور.
3) انظر «ا» من الزياده والتفصيل ، ص 170 ، حيث الرأى المعارض ، ولعله أنسب.
4) تصادف وتقابل.
5) لأن فعلها لا يعمل فيما قبله ؛ وهو لذلك لا يفسر عاملا محذوفا قبله. أما تعلق شبه الجملة ، إذا كان متقدما على هذا الفعل فالشائع أنه لا يجوز ، وهناك رأى آخر يجيزه. - طبقا للبيان الذى سبق (فى هامش ص 86 ج 2 م 67 - باب النائب عن الفاعل) واعتمادا على بعض الشواهد التى تؤيده ، ومنها ما تقدم.
6) لهذا صلة بما سبق فى رقم 5 من هامش الصفحة السالفة ، ورقم 1 هنا.
أو يقلب. وقد يحذف الضمير إذا كان واو جماعة ، أو ياء مخاطبة ، وقد يتحرك بحركة مناسبة له من غير أن يحذف. وقد تحذف نون الرفع ، أو تدغم بغير حذف ... إلى غير هذا من التغيرات المختلفة المترتبة على التوكيد ، والتى سنذكرها آخر الباب (1)
(وسنضع جهة اليسار رقما لكل بيت كما ورد فى ترتيب بابه بالألفية ؛ لأننا لم نلتزم فى عرض مسائل هذا الباب ترتيبها فى أبيات الناظم).
للفعل توكيد بنونين ؛ هما *** كنونى : اذهبنّ ، واقصدنهما - 1
يريد بالمثال الأول : نون التوكيد المشددة ، وبالثانى : المخففة.
ثم قال :
يؤكّدان «افعل ، ويفعل» آتيا *** ذا طلب ، أو شرطا امّا تاليا - 2
المراد من «افعل» : الأمر. ومن «يفعل» آتيا ، المضارع الآتى ، أى : الذى زمنه مستقبل ، حالة كونه ذا طلب ، أو : كونه شرطا تاليا إما. (ففى الجملة تقديم وتأخير) :
أو : مثبتا فى قسم مستقبلا *** وقلّ بعد ، «ما» و «لم» وبعد : «لا» - 3
وغير «إمّا» من طوالب الجزا *** وآخر المؤكّد افتح ؛ كابرزا - 4
يريد : أن توكيد المضارع قليل بعد : «ما» و «لم» ، و «لا» وبعد غير «إن» الشرطية المدغمة فى «ما» ، من باقى طوالب الجزاء ، أى : باقى الأدوات الشرطية التى تطلب جزاء.
ويفهم من كلامه السالف أن توكيد المضارع كثير فى غير هذه المواضع التى سردها. ومن الكثير ما ذكره أولا مجملا. ثم قال : إن آخر الفعل المؤكد يبنى على الفتح ؛ «كابرزا» وأصله : «ابرزن» بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لأجل الوقف. وسرد بعد هذا أبياتا أربعة فى أنواع من التغييرات التى تصيب الفعل عند إسناده لضمائر الرفع البارزة ، وسنعود إليها عند الكلام على هذه التغييرات ، ثم بين الأحكام التى تختص بها «الخفيفة» ، وعرضها فى خمسة أبيات ختم بها الباب وسنذكرها فيما يلى - ص 172 وما يليها -
تفصيلا - كما قلنا -. -1) ص 177 - وفيما سبق يقول ابن مالك فى باب عنوانه : «نونا التوكيد»
(ا) يرى بعض النحاة - ورأيه سديد - أن توكيد المضارع المنفى بالحرف : «لم» قليل ، قلة ذاتية تدخله فى حكم النادر الذى لا يصح القياس عليه ، وليست قلة نسبية ؛ (أى : بالنسبة لغيره ، حيث يشترك القليل والكثير معا فى الكثرة التى تبيح القياس عليهما ، ويمتاز الكثير بزيادة الدرجة فيها). وحجته أن «لم» حرف يقلب زمن المضارع للمضى ، ونون التوكيد حرف يخلص زمنه للمستقبل ، فيتعارضان. وهذا رأى يحسن الاقتصار عليه.
(ب) جرى بعض النحاة على تقسيم حالات المضارع - من ناحية توكيده بالنون - خمسة أقسام ، غير الحالة التى يمتنع فيها توكيده.
الأولى : وجوب توكيده ... وهى الحالة التى أوضحناها.
والثانية : أن يكون توكيده قريبا من الواجب ، وذلك حين يكون مسبوقا «بإن» الشرطية المدغم فيها : «ما» الزائدة.
والثالثة : أن يكون توكيده كثيرا ؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب : (أمر - نهى - دعاء - عرض - حضّ - تمنّ - استفهام).
والرابعة : أن يكون توكيده قليلا. وذلك بعد : «لا» النافية ، أو «ما» الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية.
والخامسة : أن يكون توكيده أقل ، وذلك بعد : «لم» الجازمة ، أو أداة شرط أخرى.
وذكروا لهذا التقسيم تعليلات مصنوعة لا يعرفها العرب ، ولم تخطر ببالهم ، والتعليل الحق فى التقسيم يجب أن يقتصر على كثرة الاستعمال وقلته بين العرب.
فما الحاجة إلى هذا التقسيم الخماسىّ والسداسى ، مع أن القسم الثانى والثالث لا يختلفان فى الأثر؟ فحكمها واحد ؛ هو : شدة الحاجة معهما إلى التوكيد. وإن كانت هذه الحاجة لا تبلغ مرتبة الوجوب ؛ إذ لا أهمية لزيادة أحدهما على الآخر فى درجة الكثرة والنّوع ؛ لأنهما - معا - مشتركان عند العرب فى الكثرة التى تفيد شدة الحاجة للتوكيد ، وتجعل استعماله قياسيّا قويّا ، وما يزيد على هذا القدر المشترك يصير زيادة فى الدرجة البلاغية ؛ لا فى صحة الاستعمال وقوته ، وهذه
الزيادة متروكة لتقدير المتكلمين فى العصور المختلفة - بعد عصور الاحتجاج - ولرغبتهم فى محاكاة هذا أو ذاك على حسب مقتضيات الأحوال. فهى متنقلة بينهما ؛ فإن لم تتجه الرغبة إلى محاكاة الزائد ، - لغرض بلاغى - ، وشاع الاستعمال الأدبىّ على إهمالها ، اكتسبها الآخر وصار هو الشائع ، وانتقلت إليه درجة الزيادة. ولا عيب فى هذا ؛ فكلاهما بليغ صحيح يقاس عليه ، وكلاهما كثير ، لكنه قد يحتفظ لنفسه دون الآخر بمرتبة الزيادة فى الاستعمال زمنا مؤقتا ، تنتقل بعده إلى نظيره.
ومثل هذا يقال فى القليل والأقل. فما الحاجة إلى تفريقهما ، وعدم إدماجهما فى قسم واحد ما دامت قلّتهما ليست مانعة من القياس عليهما ؛ لأنها قلة نسبية عدديّة (أى : على حسب نسبة أحدهما للآخر). وليست قلة ذاتية تمنع القياس.
تنفرد المخففة بأمور أربعة :
الأول : عدم وقوعها - فى الرأى الأرجح - بعد ألف اثنين ، أو غيرها من أنواع (1)الألف ؛ نحو : (أيها الشابّان ، عاملانّ زملاءكما بكريم المعاملة ، واجتنبانّ كثرة العتاب ؛ فإنه يفضى إلى القطيعة.) فتتعين المشددة هنا مع بنائها على الكسر ، ولا يصح مجىء الخفيفة ؛ لأن المنع هو الأعم الأغلب فى الكلام المأثور.
ويجيز بعض النحاة مجىء الخفيفة ساكنة ، أو متحركة بالكسر ؛ متابعة لبعض العرب ، والأنسب الاقتصار على الأغلب ؛ منعا للتشعيب ، وابتعادا عما فيه من إلباس وخفاء(2)
ولم تقع خفيفة بعد الألف *** لكن شديدة ، وكسرها ألف - 10
...الثانى : عدم وقوعها - فى الرأى الأحسن - بعد نون النسوة مباشرة. فإذا كان الفعل المضارع أو الأمر مسندا لنون النسوة وأريد توكيده بالنون ، وجب - فى هذا الرأى الأعلى - أن تكون نون التوكيد مشددة ، مبنية على الكسر ، ووجب أن يفصل بينها وبين نون النسوة ألف زائدة ، لا مهمة لها إلا الفصل بينهما ؛ نحو : (أيتها السيدات : لا تقصّرنانّ فى واجبكن القومىّ ، وفى مقدمته حسن تربية الأولاد ، والإشراف على شئون البيت ، واعلمنان ما فى تقصيركن من ضرر شامل ، وإساءة عامة). فلا يصحّ مجىء الخفيفة هنا - فى الرأى الأحسن الذى يحتّم الاقتصار على المشددة المكسورة ، بعد الألف الفاصلة ؛ كهذا المثال ، وبعد ألف الاثنين ؛ كالمثال السابق فى القسم الأول ، وبعد غيرهما من كل أنواع الألف (3):
1) كالألف الفاصلة التى فى النوع التالى.
2) فى هذا الأمر يقول ابن مالك :
3) وفيه ابتعاد أيضا عن اللبس ، وعن صور خيالية تنشأ عند الوقف. ومن هذه الصور الخيالية المتعددة قلب نون التوكيد الخفيفة ألفا عند الوقف بعد ألف الاثنين ، أو الألف الفاصلة بين النونين ... - فى رأى من يجيز وقوعها بعدهما - فى مثل يا لاعبان دحرجان كرتكما ، يا لاعبات دحرجنان كرتكن ؛ فتصير : دحرجا ا - ودحرجنا ا. ثم تقلب الألف الثانية همزة ؛ فيقال فيهما : دحرجاء ، ودحرجناء ؛ لوقوع الألف الثانية متطرفة بعد ألف ؛ فتقلب الأخيرة همزة. - تطبيقا للقواعد الصرفية فى كل ذلك -
وفى الاكتفاء بهذا الرأى ، ابتعاد عن اللبس والخفاء (1)
وألفا زد قبلها مؤكّدا *** فعلا إلى نون الإناث أسندا
أى : زد قبلها مباشرة ألفا حين يكون الفعل المؤكّد مسندا إلى نون النسوة.
.الثالث ؛ وجوب حذفها - فى الرأى الشائع - لفظا لا خطّا إذا وليها ، مباشرة ، ساكن ، ولم يوقف عليها. وسبب حذفها الفرار من أن يتلاقى ساكنان فى غير الموضع الذى يصح فيه تلاقيهما (2)
«أولها» : أن يكون الساكن الأول حرف لين (أى : حرف علة ساكنا) «ثانيها» : أن يكون بعده حرف صحيح ساكن ، مدغم فى مثله. «ثالثها» : أن يكون التلاقى فى كلمة واحدة ؛
ومن الأمثلة للألف : (شابّة - عامّة - ضالّون - صادّون.) وللواو : تمودّ الثوب (الأصل : ماددت البائع الثوب : أى : مدّ كل منا الثوب : فتمادّ الثوب ، وهذه التاء هى تاء المطاوعة. فإذا بنى الفعل «تمادّ» للمجهول صار : تمودّ). وللياء : خويصّة ؛ تصغير : «خاصّة» ، و «أصيمّ» تصغير «أصمّ».
وبناء على الشرط الثالث لا يكون التقاء الساكنين مع نون التوكيد الخفيفة جاريا على حدّه ، وبالرغم من هذا يحذف أول الساكنين كما سنعرف.
ويرى بعض النحاة : - ورأيه أحسن - أن التلاقى المباح ليس مقصورا على كلمة واحدة ، فقد يكون فيها وفيما يشبه الكلمة الواحدة أيضا ، كالكلمات التى يتصل بآخرها فاعلها الذى هو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ، أو ألف الاثنين ، وبعد كل ضمير من هذه الضمائر نون التوكيد (انظر ما يتصل بهذا ويوضحه فى ج 1 ص 33 ، 63 م 4 وم 7) وكما يتضح فى هذا الباب.
- ؛ نحو : لا تتعودن الحلف ، ولا تصدّقن الحلّاف ، فتحذف النون الخفيفة عند النطق ، وتبقى الفتحة التى قبلها دليلا عليها ؛ فلا يلتبس الأمر على السامع ؛ إذ لا مسوّغ لوجود الفتحة فى هذا الباب إلا وجود نون التوكيد بعدها ، مذكورة أو محذوفة. ومنه قول الشاعر :ولا تهين (3)الفقير ؛ علّك أن *** تركع يوما ، والدهر قد رفعه
فالمضارع مجزوم بلا الناهية ؛ فلا مسوّغ لوجود الفتحة على النون ، وبقاء الياء قبلها إلا ملاحظة نون التوكيد الخفيفة المحذوفة.
ولا داعى فى هذه الصورة لحذفها كتابة - فى غير الضرورة - كما يرى بعض .
1) وفى الأمر الثانى الذى تنفرد به الخفيفة يقول ابن مالك :
2) يصح تلاقى الساكنين عند الوقف ، وعند قصد النطق ببعض ألفاظ التهجى وذكر أسمائها ؛ نحو : كاف - جيم - لام ، وفى غير هذين لا يصح تلاقى الساكنين إلا إذا تحققت شروط ثلاثة ، فمتى تحققت جاز الالتقاء ، ووصف بأنه «على حدّه» أى : على النمط المشروع المحدد لصحة التلاقى.
3) البيت للأضبط بن قريع الجاهلى ، فهو ممن يحتج بكلامهم. وقد حذفت فيه نون التوكيد.
النحاة ، وحجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها - لأن هذا الحذف الخطّى قد يوقع فى لبس أو احتمال ، يحسن الفرار منهما.
وأفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن. وهذا رأى فريق آخر من النحاة ، وحجته : أن الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر (1)
ولم يذكر هو ولا غيره من المتمسكين بحذفها تعليلا مقبولا لحذف نون التوكيد الخفيفة التي يليها ساكن ، ولا لخروجها على الأصل العام. بل إن حذفها قد يؤدى إلى لبس محقق فى حالات متعددة ؛ منها : المضارع المؤكد بالنون المعطوف على مضارع آخر كذلك ، مسبوق ، بلا الناهية ، مثل : لا تهملن وتلعب الساعة. فما نوع الفتحة التي على المضارع «تلعب»؟ أهى فتحة بناء بسبب نون التوكيد المحذوفة ، والواو للعطف المجرد الذى لا أثر له في المعية ، ولا في البناء أيضا . من باب أولى ، لما هو هو معروف من أن العطف المبنى لا يجلب البناء للمعطوف مطلقا . أم هي فتحة إعراب ، والواو للعطف والمعية معا؟ لا قرينة تمنع أحد الاحتمالين بالرغم من اختلاف المعنى اختلافا واسعا بينهما.
حالة أخرى : هي الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف إذا أريد توكيده بالنون الخفيفة مع جزمه بلا الناهية ، في مثل : لا تخشين الأذى فى سبيل الحق ... فلو حذفنا النون لالتقاء الساكنين وتركنا الفتحة قبلها دليلا عليها ، لصار الكلام : لا تخشى الأذى فى سبيل الحق. وترك هذه الياء . المتطرفة ، المتحركة ، التي قبلها فتحة ، . من غير قلبها ألفا ، مخالف للضوابط اللغوية الأساسية. كما أن قلبها ألفا ، عملا بتلك الضوابط يؤدى إلى أن نقول : لا تخشى الأذى (بألف مكتوبة ياء) فنقع في محذور ؛ هو تلاقى الساكنين الذي يقتضينا أن نتخلص منه بحذف ألف العلة من آخر الفعل ، وهذا الحذف يؤدى إلى لبس لا دليل معه على أن الفعل مؤكد فى أصله وعدم التخلص . منه يؤدى أيضا إلى لبس ؛ هو : اعتبار «لا» نافية ، وليست ناهية. لما سبق . وغيره . كان «ياسين» في حاشيته على التصريح محقا حين قال ما نصه عن التقاء نون التوكيد الخفيفة بساكن فى الصورة السالفة : (هلا حركت وأبقيت كغيرها من الحروف إذا كانت ساكنة ، ولقيت ساكنا؟ قلت : أشار السعد فى شرح التصريف إلى أن السبب أن تحريكها خلاف وضعها من السكون. وأقول فحينئذ ما الفرق بينها وبين غيرها مما وضع ساكنا ؛ كمن ، وعن؟ فتأمل). اه. فموضوع سؤاله صحيح دقيق ، لمسايرته للأصل العام في التقاء الساكنين ، والإجابة عنه جدلية محضة. وكان حقها أن تؤيد بالسماع الذى له القول الفصل ؛ ولهذا جاءت واهية متداعية ، وقد دفعها بسؤال آخر هدمها وأبادها.
، وأن الكسر هنا أخفّ وأبعد من اللبس ؛ فوق أنه مسموع فى بعض أمثلة قليلة ؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف.وهذا الرأى - على قلة أنصاره - أفضل كما قلنا ، لبعده عن شائبة اللبس
1) قال شارح المفصل (ج 9 ص 127) ما نصه : (اعلم أن الأصل فى كل ساكنين التقيا أن يحرك الأول منهما بالكسر ؛ نحو : بغت الأمة ، وقامت الجارية ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة ...)
والغموض ، وخلوه من التفريق بين حالتى النطق والكتابة. فإن وجد من يعارض فى أنّه الأفضل فلا أقل أن يكون فى منزلة الرأى الشائع الذى يوجب الحذف.
أما عند الوقف عليها فلها حكم خاص يذكر فى الأمر الرابع التالى :
الرابع : وجوب قلبها ألفا عند الوقف عليها ، بشرط أن تكون النون الخفيفة بعد فتحة ؛ ففى مثل : احذرن قول السوء ، وتعودن حبس اللسان عن منكر القول - نقول عند الوقف على الفعلين المؤكّدين : احذرا - تعودا ... والقرائن كفيلة بأن تدل على نوع هذه الألف ، وأن أصلها نون التوكيد الخفيفة ...
فإن لم تكن النون الخفيفة بعد فتحة ، بأن كانت بعد ضمة ، أو كسرة - وجب أمران : حذف النون ، نطقا لا كتابة ، وإرجاع ما حذف من آخر الفعل بسبب وجودها عند وصل الكلام وعدم الوقف ، ففى مثل : (أيها الفتيان ، لا تهابن مقابلة الشدائد ، ولا تخافن ملاقاة الصّعاب فى سبيل إدراك الغايات النبيلة. وفى مثل : يا فتاتى : لا تحجمن عن احتمال العناء فى شريف المقاصد ، وسنىّ الأغراض) ... نقول عند الوقوف على الأفعال المؤكدة مع أمن اللبس : لا تهابوا - لا تخافوا ... - لا تحجمى ... بحذف نون التوكيد الخفيفة ، وإرجاع واو الجماعة وياء المخاطبة اللتين حذفتا نطقا فقط عند وجود النون الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين. أما عند حذفها فلا التقاء لساكنين فلا يحذف الضمير ، ويعود إن كان محذوفا نطقا بسبب وجودها.
ومن الأمرين الثالث والرابع يتبين أنها تحذف وجوبا فى حالتين :
الأولى : حذفها فى النطق دون الكتابة إن وقع بعدها ساكن ، ولم يوقف عليها ، - وهذا الرأى هو الشائع ، وإن كان غير الأنسب اليوم -.
والأخرى حذفها فى النطق دون الكتابة. إن وقف عليها بعد ضم أو كسر. مع إرجاع ما حذف لأجل وجودها عند عدم الوقف.
وكل ما سبق جار على أشهر الآراء المستنبطة من أكثر اللغات شيوعا ، وقد أهملنا الآراء الضعيفة المتعددة التى لا خير فى نقلها ، وليس من ورائها اليوم إلا البلبلة والاضطراب(1)
واحذف خفيفة لساكن ردف *** وبعد غير فتحة إذا تقف - 12 -
أى : احذف نون التوكيد الخفيفة إذا ردفها (وليها وجاء بعدها) ساكن. وكذلك إذا وقعت عند الوقف عليها ، بعد غير الفتحة. وغير الفتحة هو الكسرة والضمة. ثم قال :
واردد إذا حذفتها فى الوقف ما *** من أجلها فى الوصل كان عدما - 13
يريد : إذا وقفت عليها وجب أن ترجع إلى الفعل ما عدم منه (أى : حذف منه) فى وصل الكلام بسببها ، وعند وجودها. وختم الباب بقوله :
وأبدلنها بعد فتح ألفا *** وقفا ؛ كما تقول فى قفن : قفا - 14
أى : أن نون التوكيد إذا وقف عليها بعد حرف مفتوح وجب قلبها ألفا. وساق لهذا مثلا ؛ وهو : «قفن» حيث وقعت النون بعد الفاء المفتوحة. فعند الوقف يقال : قفا.
... .1) وفى الأمرين الثالث والرابع يقول ابن مالك :
ارتضى بعض النحاة تسمية الأمور الأربعة السالفة : «خصائص تمتاز بها نون التوكيد الخفيفة» ، أو «أمور تنفرد بها». ولا مانع من هذا على اعتبار تلك الخصائص أو الأمور أحكاما بعضها عدمىّ (أى : سلبى) كالأول والثانى ، وبعضها حذف - طبقا للشائع - كالثالث ، أو : قلب ؛ كالرابع فى بعض حالاته.
ولا مانع فى الوقت نفسه من اعتبار تلك الأمور الأربعة خصائص تمتاز بها نون التوكيد الشديدة دون الخفيفة ، ولكن على أساس آخر : هو أنها أمور إيجابية ؛ لا عدم أو لا سلب فيها ، ولا تغيير. فالأول : وقوعها بعد ألف الاثنين ، والثانى : وقوعها بعد الألف الفاصلة ، والثالث : بقاؤها إذا وليها ساكن. والرابع : بقاؤها على حالها من غير حذف أو قلب عند الوقف ...
الكلام على المضارع (1):
عرفنا (2)أن المضارع معرب فى كل أحواله ، إلا إذا اتّصل بآخره نون النسوة ؛ فيبنى على السكون (3)، كالأمثلة السالفة ، أو اتّصل بآخره نون التوكيد اتصالا مباشرا ؛ فيبنى على الفتح ، سواء أكان صحيح الآخر ؛ نحو : أتأمرن بالمعروف ، وأنت لا تأتمرن به؟ أم معتل الآخر مطلقا ؛ (أى : بالألف ، أو الواو ، أو الياء) كقول ناصح لأخيه : لا تنهين عن الأذى ، وأنت تمارسه ، ولا ترجون من لئيم خيرا وإن تودد إليك ، ولا تفترين حديثا ، ولو توهمت أن الناس به مصدقون. ومن هذا قول القائل :
فلا تبكين فى إثر شىء ندامة *** إذا نزعته من يديك النوازع
فالأفعال المضارعة : (تأمر - تأنمر - تنهى - ترجو - تفترى - تبكى ...) مبنية على الفتح لاتصالها - مباشرة - بنون التوكيد.
ومما تجب ملاحظته أن حرف العلة : «الألف» لا بد أن ينقلب ياء مفتوحة للبناء قبل : «نون التوكيد» كما فى المثال السالف وأشباهه. أما «واو» العلة و «ياؤها» فيبقيان على صورتهما مع تحريكهما بفتحة البناء ؛ لأجل نون التوكيد.
ولا يصح حذف حرف علة من تلك الثلاثة لأجل الجازم إن كان المضارع مسبوقا بجازم - كما فى الأمثلة المتقدمة ؛ لأن مراعاة نون التوكيد أهمّ وأولى فى تلك الصور ؛ فالمضارع فيها مبنى على الفتح لفظا ، ولكنه فى محل جزم.
فإن لم يكن اتصال هذه النون بآخر المضارع اتصالا مباشرا لم يصح بناؤه على الفتح ، وذلك حين يفصل بينهما ضمير رفع بارز ؛ (ألف اثنين ، أو واو
جماعة ، أو ياء مخاطبة ، أو نون نسوة) فإن أريد توكيده مع وجود فاصل من هذه الضمائر البارزة جاز ولكن من غير بناء على الفتح. ويترتب على هذا التوكيد عند وجود الضمير الفاصل وقوع تغييرات حتمية تختلف باختلاف آخر المضارع ؛ أهو صحيح الآخر أم معتله؟ وفيما يلى بيان هذه التغييرات الحتمية (1)
وبهذه المناسبة نذكر ما يردده بعض المتسرعين بشأن الحذف والتقدير والتعليل فى هذا الباب من أنه خيالى محض لا يعرف عنه العرب الأوائل شيئا. وهذا صحيح. ولكن أكثره خيال بارع نافع هنا. وحذف وتقدير يوصلان - غالبا - في هذا الباب إلى ضبط ما لا يمكن ضبطه بغيرهما ، وتيسير ما يصعب ، بل ما قد يستحيل إدراكه بدونهما. فمن الجحود إنكار فضل مبتكريه بغير روية وإنصاف.
:(ا) إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة بغير توكيد ، وبتوكيد :
1 - إذا كان المضارع صحيح الآخر ؛ مثل : «تفهم» ، وأردنا إسناده لألف الاثنين من غير توكيد - قلنا : أنتما تفهمان. والإعراب : «تفهمان» ، مضارع مرفوع بثبوت النون ، والألف فاعل. فهو معرب حتما.
أما عند التوكيد ، وقبل إحداث التغيير فنقول : «أأنتما تفهماننّ؟» بنون التوكيد الثقيلة المفتوحة ، ولا يصح - فى الأرجح - مجىء الخفيفة بعد ألف الاثنين (2). والمضارع هنا معرب أيضا ؛ لوجود الضمير : (ألف الاثنين) فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة. غير أنه اجتمع فى آخر اللفظ ثلاثة (3)
وقد سبق - في ج 1 م 6 ص 88 عند الكلام على إعراب المضارع - أن توالى الأمثال الممنوع يتحقق حين تكون الأحرف الثلاثة المتماثلة المتوالية زوائد فليس منه : (القاتلات جننّ ، أو : يجنن) لأن الزائد هو المثل الأخير من الزوائد. وليس منه الفعل ومشتقاته فى مثل : أنا أحييك : أو أنا محييك .. (راجع الصبان هنا وفي الموضع السالف ، وشرح الرضى على الكافية ج 2 ص 186).
أحرف زوائد ،1) سنذكرها بتفصيل وإسهاب وجلاء ؛ لدقتها وخفائها على كثير ، مع شدة الحاجة إليها فى غالب الأساليب الهامة. هذا إلى أن فهمها واستيعاب صورها يساعد أيما مساعدة على فهم أحوال فعل الأمر عند إسناده لهذه الضمائر ؛ مؤكّدا وغير مؤكد.
2) نون التوكيد الخفيفة لا تقع - فى الأرجح. - بعد ألف الاثنين مطلقا ، وإنما تقع الشديدة ، كما سبق فى ص 172.
3) أولاها : نون الرفع ، والثانيتان : نون التوكيد المشددة ؛ (والحرف المشدد يعتبر حرفين). فوجب حذف أحد الثلاثة ؛ فحذفت نون الرفع للاستغناء عنها ، ولوجود القرينة التى تدل عليها. والنونات الثلاثة زاوئد. فإن كانت إحداها أصلية وجب بقاء الأصلية ، كقوله تعالى : ( لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .
متماثلة ، متوالية. وهذا لا يقع - غالبا - فى لغتنا إلا سماعا. فوجب حذف «نون الرفع» لوجود قرينة تدل عليها ؛ (هى : أن المضارع من الأفعال الخمسة ، ولم يسبقه ناصب أو جازم ؛ فوجب أن يكون مرفوعا بثبوت النون. فإذا لم تكن مذكورة ، فلا بد أن تكون محذوفة لعلة ؛ والمحذوف لعلة كالثابت). ولا يصح هنا حذف نون التوكيد الثقيلة ، أو تخفيفها ؛ لأن الحذف أو التخفيف ينافى الغرض البلاغى من الإتيان بها ، ومن تشديدها (1). فصار الكلام بعد الحذف : تفهمانّ ، ثم كسرت نون التوكيد المشددة ، مراعاة للمأثور عن العرب فى هذا الموضع حيث يلزمونها التشديد والبناء على الكسر.
وعند الإعراب يقال فى «تفهمانّ» : «تفهما» ، فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالى النونات. و «الألف» ضمير فاعل ، و «نون التوكيد» حرف مبنىّ على الكسر ، لا محل له من الإعراب. وإن شئت قلت : «تفهما» : فعل مضارع مرفوع بثبوت النون ، وحذفت لتوالى النونات ، والألف ضمير : فاعل ، والنون المذكورة حرف للتوكيد ...
فالصورة النهائية بعد إجراء التغيرات السالفة هى : «أتفهمانّ» ، بتشديد نون التوكيد وجوبا بعد ألف الاثنين ، وحذف نون الرفع. ولا مانع هنا من التقاء «ألف الاثنين» ساكنة مع النون الأولى الساكنة من نون التوكيد المشددة ؛ لأن التقاء الساكنين هنا جائز - كما أوضحنا من قبل (2).
2 - ونقول عند إسناده لواو الجماعة من غير توكيد : أأنتم تفهمون؟ (فالمضارع مرفوع بثبوت النون ؛ والواو ضمير فاعل). ونقول عند توكيده بالنون المشددة وقبل التغيرات : أأنتم تفهموننّ؟ بثلاث نونات ، تحذف نون الرفع - لتوالى ثلاثة أحرف فى الآخر ، وهى زوائد ، ومن نوع واحد - فيصير الكلام : «تفهمونّ» فيلتقى ساكنان هما : واو الجماعة ، والنون الأولى الساكنة من النون المشددة المفتوحة الآخر ، فتحذف واو الجماعة - فى الأغلب (3)- لوجود الضمة قبلها تدل عليها عند حذفها ، ولعدم الاستغناء عن تشديد نون التوكيد ؛ لأنها جاءت مشددة ،
لغرض بلاغىّ يقتضيه المعنى ؛ فيصير الكلام : أأنتم تفهمنّ؟ وعند الإعراب نقول بعد الحذف : «تفهم» الحالية أصلها «تفهمون» فهى مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ؛ لتوالى الأمثال ... ، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين ، ضمير ، فاعل. ونون التوكيد المشددة حرف ، مبنى على الفتح ، لا محل له من الإعراب. ولا تتغير الفتحة الذى على آخره.
«ملاحظة» : ليس من اللازم لحذف واو الجماعة فى هذه الصورة وأمثالها مما يسند فيها المضارع الصحيح الآخر لواو الجماعة ، أن تكون نون التوكيد مشددة ، فمن الجائز أن تكون مخففة. ومع تخفيفها تحذف لأجلها نون الرفع كما تحذف مع المشددة ، ويترتب على هذا الحذف أن يتلاقى الساكنان السالفان ؛ وهما : واو الجماعة ونون التوكيد المخففة ؛ فتحذف واو الجماعة هنا ، كما حذفت هناك.
أما سبب حذف نون الرفع إذا كانت نون التوكيد مخففة فهو اتباع العرب فى المأثور عنهم ، ومحاكاتهم فى حذفها ؛ بالرغم من عدم اجتماع ثلاث نونات فى هذه الصورة ، ويقول النحاة : إن نون الرفع تحذف من الفعل المسند لواو الجماعة ، وياء المخاطبة ، إذا أكد بالنون المشددة أو المخففة ، فتحذف مع المشددة ؛ منعا لتوالى ثلاثة أحرف زائدة ، متماثلة فى آخر اللفظ ، وتحذف مع المخففة أيضا ؛ طلبا للتخفيف ، ومجاراة للحذف مع المشددة (1).
3 - ونقول عند إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد : أأنت تفهمين يا زميلتى؟ فالمضارع «تفهمين» مرفوع بثبوت النون ، وياء المخاطبة ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد من غير تغيرات : أتفهميننّ؟ ، ثم تحذف النون الأولى (علامة الرفع) لتوالى الأمثال ، و ... ؛ فيصير الكلام : أتفهمينّ؟ فيلتقى ساكنان ، ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة ؛ فتحذف - فى الأغلب - ياء المخاطبة للسبب السالف ، وتبقى الكسرة قبلها لتدل عليها ؛ فيصير الكلام : أتفهمنّ؟.
ويقال فى إعرابه : «تفهمن» ، مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالى الأمثال ، والفاعل هو : «ياء» المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين. ونون التوكيد حرف مبنى ، لا محل له من الإعراب ، وتظل الفتحة باقية عليه مع تشديده.
1) التعليل الصحيح هو مجاكاة العرب.
ولو أتينا بنون التوكيد الخفيفة مكان الثقيلة لوقعت التّغيرات السالفة كلها تماما ، طبقا لما تضمنته «الملاحظة» السالفة ، من أن نون الرفع تحذف هنا للخفة ، وللحمل على الثقيلة ؛ لا لتوالى الأمثال.
4 - ونقول عند إسناده لنون النسوة بغير توكيده : أأنتن - يا زميلاتى - تفهمن؟. فالفعل «تفهم» مضارع مبنى على السكون لاتصاله بنون النسوة ، وهى ضمير فاعل مبنى على الفتح فى محل رفع -
ونقول مع التوكيد : أأنتن تفهمنانّ؟ بمجىء نون التوكيد المشددة المبنية على الكسر ؛ - والمخففة ؛ لا تجىء هنا - ثم زيادة «ألف» فاصلة (1)بين نون النسوة ونون التوكيد. والإعراب بعد التوكيد لا يتغير ولكن نزيد على ما سلف أن النون الأخيرة المشددة حرف للتوكيد مبنى على الكسر ، لا محل له ، والألف التى بين النونين حرف زائد لا محل له.
يستخلص مما سلف أن إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة ، بغير توكيد - يستلزم ما يأتى :
1 - إن كان الضمير ألف اثنين ، أو واو جماعة ، أو ياء مخاطبة ، لزمته فى حالة الرفع النون التى هى علامة الرفع ، فيكون معربا مرفوعا بثبوت النون ، والضمير فاعلا. وهذه النون خفيفة فى كل حالاتها ، ولكنها مبنية على الكسر لا محل لها بعد ألف الاثنين فقط ، أما بعد واو الجماعة ، وياء المخاطبة فمبنية على الفتح ، لا محل لها.
2 - وإن كان الضّمير نون النسوة وجب بناء المضارع على السكون ، ونون النسوة هى الفاعل (2)
واشكله قبل مضمر لين بما *** جانس من تحرّك قد علما - 5
والمضمر احذفنّه إلّا الألف *** جانس من تحرّك قد علما - 6
(المراد بالمضمر اللين هنا : الضمير الساكن الذى أسند إليه المضارع ؛ ويقصد به : ألف الاثنين ، وواو الجماعة ، وياء المخاطبة - جانس : ماثل وساير).
وفى آخر البيت السابق على هذا قال الناظم : «وآخر المؤكد افتح ؛ كابرزا» واستثنى من هذه القاعدة ما ذكره الآن ؛ خاصا بالمضارع صحيح الآخر المتصل بالضمير اللين ، فإنه يحرك بحركة تجانس هذا الضمير ، وهى الضمة قبل الواو ، والكسرة قبل الياء ، والفتحة قبل الألف والذى يدل على أنه قصد صحيح الآخر دون معتله كلامه الآتي مباشرة . على المعتل الآخر.
، وهى مبنية على الفتح فى محل رفع. ر.1) إذا أكد الفعل المضارع المسند إلى نون النسوة وجب الإتيان بألف زائدة تفصل بينهما - كما سبق فى ص 172 - ويكون المضارع مبنيا على السكون لاتصاله المباشر بنون النسوة. - ولا يكون اتصاله بها إلا مباشرا ؛ لأن إسناده إليها يقتضى اتصاله بها مباشرة ، - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 163 و 3 من هامش 177.
2) وفى توكيد المضارع صحيح الآخر يقول ابن مالك بعد أبياته التى عرض فيها لحالات توكيده :
ويستخلص كذلك أن إسناده لتلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتى :
1 - عدم بناء المضارع مطلقا مع وجود الضمائر الفاصلة بينه وبين نون التوكيد ؛ فيجب إعرابه مع تلك الضمائر إلا مع نون النسوة فيبنى على السكون ؛ لأنها تتصل به اتصالا مباشرا فى كل حالاتها.
2 - وجوب حذف نون الرفع - إن كانت موجودة من قبل - إذا كان ضمير الرفع ألف اثنين ، أو واو جماعة ، أو ياء مخاطبة ، ويتساوى فى وجوب حذفها مع الواو والياء أن تكون نون التوكيد بعدهما مشددة ومخففة. أما بعد الألف فنون التوكيد باقية ، ومشددة حتما ، ومبنية على الكسر.
3 - وجوب حذف واوا الجماعة وياء المخاطبة ، مع بقاء الضمة قبل واو الجماعة لتدل عليها. والكسرة قبل ياء المخاطبة ؛ لتدل عليها - والحذف فى الحالتين هو الأرجح -.
4 - زيادة ألف بين نون النسوة ونون التوكيد ؛ لتفصل بينهما.
5 - وجوب تشديد نون التوكيد وبنائها على الكسر (1)بعد ألف الاثنين ، وبعد الألف الزائدة للفصل بين نون النسوة ونون التوكيد.
أما بعد واو الجماعة وياء المخاطبة فقد تكون مشددة مفتوحة الآخر ، أو خفيفة ساكنة.
1) يقولون فى سبب كسرها مشابهتها نون المثنى فى الصورة الموضعية ، أى : المظهر الشكلى. لكن السبب الحق هو استعمال العرب.
(ب) إسناد المضارع المعتل الآخر ، لضمائر الرفع البارزة (1)، من غير توكيد ، وبتوكيد :
المضارع المعتل الآخر إما أن يكون معتل الآخر بالألف ، أو بالواو ، أو بالياء ؛ نحو : أنت ترضى الإنصاف ، وترجو أن يشيع ، وتجرى وراء تحقيقه.
أولا : 1 - إن كان معتلا بالألف (مثل : ترضى) وجب قلبها ياء مفتوحة عند إسناده لألف الاثنين ، تقول بغير التوكيد بالنون : أأنتما ترضيان ...؟ والإعراب : «ترضيان» فعل مضارع معرب ، مرفوع بثبوت النون ، وألف الاثنين ضمير فاعل.
وتقول عند التوكيد قبل التغيير : أترضياننّ؟ والمضارع معرب لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة ، ويجب هنا ما وجب هناك من حذف نون الرفع لتوالى الأمثال بوصفه السابق (2)، مع بقاء ألف الاثنين ، - برغم التقائها ساكنة مع النون الأولى من النون المشددة -. كما يجب بناء نون التوكيد على الكسر مع تشديدها فى هذه الحالة أيضا (3)؛ فيصير الكلام : «أترضيانّ؟». فالفعل المضارع «ترضيا» معرب مرفوع بالنون المحذوفة ، وألف الاثنين ضمير ، فاعل. والنون المذكورة المشددة حرف للتوكيد ، مبنى على الكسر لا محل له من الإعراب.
2 - فإن كان معتلا بالألف وأريد إسناده لواو الجماعة من غير توكيد ولا تغيير ، قيل فيه : «ترضيون» بقلب ألفه ياء مضمومة - لأن الضمة هى المناسبة للواو - وزيادة واو الجماعة ؛ فتتحرك الياء ، ويفتح ما قبلها ؛ فتنقلب ألفا. ويصير الكلام : «ترضاون» فيلتقى ساكنان ؛ ألف العلة وواو الجماعة ؛ فتحذف الألف ؛ لأنها حرف هجائى ، وقبله الفتحة تدلّ عليه بعد الحذف ، وتبقى واو الجماعة ؛ لأنها فاعل ؛ - فهى شطر جملة - وليس قبلها علامة تدل عليها بعد حذفها ، ويصير الكلام «ترضون». والإعراب : ترضون ، مضارع مرفوع بثبوت النون ، والواو ضمير فاعل.
وعند التوكيد يقال بغير التغيير «أترضوننّ» ، تحذف نون الرفع لتوالى الأمثال بوصفه السابق (4)؛ فيصير الكلام : «ترضونّ» فيلتقى ساكنان ؛ واو الجماعة والنون
الأولى من النون المشددة ، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما (1)؛ فتتحرك واو الجماعة بحركة تناسبها ؛ وهى الضمة ، ويصير الكلام : ترضونّ.
والإعراب : مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالى الأمثال ... ، وواو الجماعة ضمير فاعل. ونون التوكيد المشددة حرف مبنى على الفتح هنا ، وقد فصلت واو الجماعة بينه وبين المضارع ، ولهذا بقى معربا ، بسبب الفصل.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة ؛ فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع مع عدم تعدد الأمثال - للتخفيف ، والحمل على المشددة ، كما سبق البيان (2)- ؛ فيتلاقى الساكنان ، فتتحرك واو الجماعة ، بالضم للتخلص منه.
3 - وإن كان معتلا بالألف أيضا ، وأريد إسناده لياء المخاطبة من غير توكيد ، قيل بغير التغيير : «أترضاين (3)؟» التقى ساكنان. ألف العلة وياء المخاطبة ، حذفت الألف ؛ لأنها حرف هجائى (4)وقبله الفتحة التى تدل عليه بعد حذفه ، وبقيت الياء ، لأنها شطر جملة (فاعل) ولا دليل يدل عليها بعد حذفها ؛ فصار الكلام : «ترضين» وهو فعل مضارع مرفوع بثبوت النون ، والياء ضمير فاعل.
وعند التوكيد قبل التغيير يقال : «ترضيننّ» ؛ فتحذف نون الرفع لتوالى الأمثال ؛ فيصير الكلام : «ترضينّ» فيلتقى ساكنان ؛ ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة ، ولا يمكن الاستغناء عن إحداهما (5)؛ فتحرّك ياء المخاطبة بالكسرة لأنها هى المناسبة لها ، ويصير الكلام : «ترضينّ». وإعرابه : مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ، والياء فاعل ، ونون التوكيد حرف مبنىّ لا محل له. وقد فصل بينه وبين المضارع ياء المخاطبة ، وبسبب هذا الفصل بقى المضارع معربا.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع أيضا بالرغم من عدم تعدد الأمثال ... - لما سبق (6) - ؛ فيتلاقى الساكنان ؛ فتتحرك ياء المخاطبة بالكسرة للتخلص منه.
4 - وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد وجب قلب الألف ياء ، فنقول :
1) لأن الفاعل شطر جملة ، ولا علامة تدل عليه عند حذفه. والنون المشددة مقصودة التشديد لغرض بلاغى ؛ ولأنه يمكن التخلص من الساكنين بغير الحذف الذى يؤدى إلى عيب.
2) فى ص 180 بعنوان : «ملاحظة».
3) والأصل : «ترضيين» بقلب الألف ياء مكسورة ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.
4) فليس شطر جملة ، بخلاف ضمير الرفع.
5) فى ص 180 بعنوان : «ملاحظة».
أأنتن ترضين؟ فالمضارع : «ترضى» مبنى على السكون لاتصاله بنون النسوة ، وهى فاعل ، مبنية على الفتح فى محل رفع.
أما عند التوكيد فنقول : ترضينانّ ، بزيادة ألف فاصلة بين النونين. والإعراب كما سبق (1)فى صحيح الآخر. ولا تجىء المخففة بعد هذه الألف الفاصلة.
ثانيا : إن كان معتل الآخر بالواو (مثل : ترجو) وأريد إسناده :
1 - لألف الاثنين وجب تحريك الواو بالفتحة لمناسبة الألف ؛ فنقول بغير توكيد : أنتما ترجوان - مثلا - والمضارع مرفوع بثبوت النون ، والألف ضمير فاعل. ونقول مع التوكيد : «أأنتما ترجواننّ؟» ، وتحذف نون الرفع لتوالى الأمثال ، وتكسر نون التوكيد المشددة ، مراعاة للنسق العربى الذى يقتضى كسرها دائما بعد ألف الاثنين ، وتشديدها ، ولا تجىء المخففة بعد الألف مطلقا ، - كما كررنا (2)- فنقول : تراجوان.
2 - وإن أريد إسناده لواو الجماعة بغير توكيد قيل : «أنتم ترجوون» (3)- مثلا - فتلتقى واوان ساكنتان ، فتحذف واو العلة ، وتبقى واو الجماعة ، للسبب الذى عرفناه ؛ فيصير الكلام : «ترجون» مرفوع بثبوت النون ، وواو الجماعة ضمير فاعل.
فإذا أريد التوكيد ، قيل بغير التغيير : «أترجوننّ» وتحذف نون الرفع لتوالى الأمثال - بوصفه السابق ؛ فيصير : «ترجونّ» ؛ فيلتقى ساكنان ، واو الجماعة ، والنون الأولى من المشددة ، فتحذف واو الجماعة ؛ - برغم أنها شطر جملة - لوجود الضمة قبلها تدل عليها ، ولعدم استغناء المعنى عن تشديد النون ، فيصير الكلام : «ترجنّ» مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ، والفاعل : واو الجماعة المحذوفة ، والنون المذكورة للتوكيد ، وهى مفصولة من المضارع بالواو المحذوفة.
ويصح أن تجىء نون التوكيد الخفيفة بدلا من المشددة ؛ فيتلاقى الساكنان (4)؛ فتحذف الواو للتخلص منه ، وتبقى الضمة قبلها لتدل عليها.
1) فى رقم 4 من ص 181.
2) البيان فى رقم 5 من ص 182.
3) وأصلها : «ترجوون» استثقلت الضمة على للواو فحذفت.
4) يتلاقى الساكنان هنا ؛ إما بسبب ما قلناه من حذف نون الرفع - وهذا الأحسن ، بل قيل إنه واجب للخفة والحمل ؛ فتكون نون التوكيد بعد ذلك واضحة التخفيف فى اللفظ - وإما لإدغام نون الرفع فى نون التوكيد ، فتسكن الأولى. وفى هذه لبس لا يتبين معه أن نون التوكيد خفيفة.
3 - وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل : «أنت ترجوين» فيلتقى ساكنان ؛ واو العلة وياء المخاطبة ؛ فنحذف حرف العلة ، ويصير الكلام ، «ترجين» ، ثم تقلب الضمة التى قبل الياء كسرة ؛ لأن الكسرة هى المناسبة للياء ، فيصير : «ترجين».
وعند التوكيد قبل التغيير نقول : «أأنت ترجيننّ؟ تحذف نون الرفع لتوالى الأمثال ، فيصير : «ترجينّ». فيلتقى ساكنان ياء المخاطبة والنون الأولى ، فتحذف الياء للتخلص من التقاء الساكنين ، (برغم أن الياء شطر جملة «فاعل» لوجود الكسرة الدالة عليها ، وعدم الاستغناء عن تشديد النون) فيصير ترجنّ مع تشديد النون وفتحها. والإعراب : فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ، وياء المخاطبة المحذوفة فاعل ، والنون المذكورة حرف للتوكيد.
فإن كانت نون التوكيد مخففة - لا مشددة - حذفت لها نون الرفع أيضا (1)؛ فيتلاقى الساكنان ؛ فتحذف الياء ، وتبقى الكسرة قبلها.
4 - وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد قبل : أأنتن ترجون اللّه؟ بزيادة نون النسوة. فالمضارع : «ترجو» مبنى على السكون ، بسببها. وهى الفاعل. وعند التوكيد نقول : أأنتن ترجونانّ بزيادة ألف فاصلة بين النونين. وعند الإعراب نقول : «ترجو» مضارع مبنى على السكون لاتصاله بنون النسوة. ونون النسوة فاعل ، والألف بعدها زائدة ، ونون التوكيد حرف مشدد ، مبنى على الكسر لا محل له من الإعراب. ولا يصح مجىء المخففة بعد هذه الألف.
ثالثا : إن كان المضارع معتل الآخر بالياء ، وأريد إسناده :
1 - إلى ألف الاثنين بغير توكيد ، وجب تحريك الياء بالفتحة - لوجوب فتح ما قبل الألف - فنقول : أنتما تجريان. فالمضارع مرفوع بثبوت النون ، وألف التثنية ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد قبل التغيير : «أتجرياننّ؟» تحذف نون الرفع ؛ لتوالى النونات - بوصفه السّابق - وتتحرك نون التوكيد المشددة بالكسرة ؛ - لما ذكرناه من وجوب تشديدها ، وبنائها على الكسر بعد ألف الاثنين (2)- فيصير
الكلام : «تجريانّ» ويقال فى الإعراب ، «تجريا» مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ؛ لتوالى الأمثال ... والألف ضمير فاعل ، والنون المشددة حرف للتوكيد مبنى على الكسر ؛ لا محل له.
2 - وإن أريد إسناده إلى واو الجماعة بغير التوكيد قلنا قبل التغيير : أنتم «تجريون» التقى ساكنان : ياء العلة ، وواو الجماعة ، حذفت ياء العلّة - لما عرفناه - فصار الكلام : تجرون ، قلبت الكسرة قبل الواو ضمة ؛ لتناسب الواو ؛ فصار الكلام : «تجرون».
وعند التوكيد قبل التغيير نقول : «أتجروننّ؟» تحذف النون لتوالى النونات ... فيصير : «تجرونّ» فيلتقى ساكنان ، واو الجماعة والنون الأولى من النون المشددة ، فتحذف واو الجماعة ؛ لوجود الضمة قبلها دليلا عليها ؛ ولعدم الاستغناء - بلاغيا - عن تشديد النون ؛ فيصير الكلام : «تجرنّ». مضارع معرب ، مرفوع بالنون المحذوفة ، وواو الجماعة المحذوفة فاعل ، والنون المشددة المذكورة حرف للتوكيد واجب البناء على الفتح. وقد انفصل عن المضارع بواو الجماعة المحذوفة التى هى فى حكم المذكورة كما سبق ؛ وبسبب هذا الفصل بقى المضارع معربا.
ويصح أن تجىء نون التوكيد الخفيفة بدلا من الثقيلة. فتحذف نون الرفع أيضا ، فيلتقى الساكنان ، فتحذف واو الجماعة.
3 - وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل : أأنت تجريين؟ فيلتقى ساكنان ؛ ياء العلة ، وياء المخاطبة ؛ فيحذف حرف العلة ؛ لأنه حرف هجائى وقبله الكسرة تدل عليه عند حذفه ؛ فيصير الكلام : «تجرين» ، مضارع مرفوع بثبوت النون وياء المخاطبة فاعل. وعند التوكيد نقول : «أتجريننّ» تحذف نون الرفع لتوالى الأمثال ... فيصير الكلام : «تجرينّ» فيلتقى ساكنان ، ياء المخاطبة والنون الأولى من المشددة ؛ فتحذف ياء المخاطبة - برغم أنها شطر جملة - لوجود الكسرة قبلها تدل عليها ، ولعدم الاستغناء عن تشديد النون ، فيصير : «تجرنّ». مضارع مرفوع بالنون المحذوفة ، وفاعله ياء المخاطبة المحذوفة أيضا. والنون المشددة حرف للتوكيد ... وقد فصلت من المضارع بياء المخاطبة المحذوفة والتى تعد كالمذكورة ؛ فبقى معربا.
ولو كانت نون التوكيد مخففة لحذفت لها نون الرفع أيضا. فيتلاقى الساكنان ، فتحذف ياء المخاطبة.
4 - وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد ، قيل : أأنتن تجرين؟ فالمضارع : «تجرى» مبنى على السكون ؛ لاتّصاله بنون النسوة (الفاعل).
وعند التوكيد : «تجرينانّ» فالمضارع «تجرى» مبنى على السكون ، ونون النسوة بعده ضمير فاعل ، والألف زائدة للفصل ، ونون التوكيد المشددة حرف ، ويجب تشديده وتحريكه بالكسر (1)، ولا تجىء المخففة هنا.
(ا) يستخلص مما سلف أن المضارع المعتل الآخر تلحقه التغيرات الآتية عند إسناده لضمائر الرفع البارزة بغير توكيد ، وأن كل ضمير منها يعرب فاعلا :
1 - إن كان معتلا بالألف قلبت ياء مفتوحة ، عند إسناده لألف الاثنين ، وساكنة مع نون النسوة. وحذفت هذه الألف عند إسناده لواو الجماعة وياء المخاطبة ، مع بقاء الفتحة التى قبلها فى الحالتين ، لتدل عليها بعد الحذف.
زيادة نون الرفع بعد ألف الاثنين ، وواو الجماعة ، وياء المخاطبة ؛ لتكون علامة لرفع المضارع المعرب.
أما نون النسوة فالمضارع معها مبنى على السكون دائما ؛ فلا توجد معها نون للرفع.
2 - وإن كان معتلا بالواو أو بالياء بقيا عند الإسناد لألف الاثنين ، وتحركا بالفتحة لمناسبة الألف ، وتجىء بعد الألف نون الرفع التى هى علامة لرفع المضارع. وبقيا كذلك عند الإسناد لنون النسوة ، ولكنهما لا يتحركان ؛ لأن المضارع يبنى على السكون عند إسناده لنون النسوة.
ويجب حذفهما مع واو الجماعة وياء المخاطبة مع ضم ما قبل واو الجماعة وكسر ما قبل ياء المخاطبة ، وزيادة نون الرفع بعدهما فى حالة رفع المضارع.
(ب) ويستخلص كذلك أن إسناده إلى تلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتى :
1) طبقا للبيان الذى فى ص 182 رقم 5.
1 - حذف ألف العلة عند الإسناد لواو الجماعة وياء المخاطبة مع تحريك الواو بالضم ، والياء بالكسر.
وقلب ألف العلة ياء عند الإسناد لألف الاثنين ، أو نون النسوة ، مع مجىء نون التوكيد مشددة فيهما ومكسورة ومع إيجاد ألف فاصلة بين نون النسوة ، ونون التوكيد المشددة.
2 - ترك حرفى العلة" الواو والياء" ، مع فتحهما ، عند الإسناد لألف الاثنين ، ويجب أن تكون نون التوكيد مكسورة مشددة بعد هذا الضمير. والمضارع معرب فى هذه الصورة.
ويتركان على حالهما من السكون عند الإسناد لنون النسوة (إذ المضارع معها مبنى على السكون) وبعدها ألف فاصلة ، فنون التوكيد الثقيلة المكسورة.
أما عند الإسناد إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة فيجب حذف حرفى العلة كما يجب حذف الضميرين (الواو والياء مع ترك الضمة قبل الواو والكسرة قبل الباء).
3 - حذف نون الرفع فى جميع الحالات. وهى لا توجد مع وجود نون النسوة.
4 - ذكر نون التوكيد مشددة مفتوحة أو مخففة ساكنة فى جميع الحالات ، إلا مع ألف الاثنين ونون النسوة فيجب تشديدها وكسرها فى الحالتين ، كما يجب زيادة ألف فاصلة بين نون النسوة ونون التوكيد (1)
... *** وإن يكن فى آخر الفعل ألف - 6
فاجعله منه رافعا غير اليا *** والواو - ياء ؛ كاسعينّ سعيا - 7
(اجعله منه ياء. أى : اجعل الألف ياء حالة كون الألف من الفعل ، ومن حروفه ، وليست ضميرا فالضمير فى : «اجعله» راجع للألف. وفى : «منه» راجع للفعل ، والجار والمجرور حال من الهاء التى هى المفعول الأول للفعل : اجعل. أما مفعوله الثانى فهو كلمة : «ياء» المتأخرة).
والمعنى : اجعل حرف العلة الألف ينقلب ياء ؛ إذا رفع الفعل ضميرا غير واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ، بأن رفع الاسم الظاهر ، أو الضمير المستتر ، أو ألف الاثنين ، أو نون النسوة : نحو : أيرضينّ الصديق - أترضينّ يا أخى - أترضيانّ يا أخوىّ؟ - أأنتن ترضينانّ؟ واقتصر الناظم على مثال للأمر المسند للمخاطب الواحد ؛ هو : اسعينّ سعيا.
أما إن رفع المضارع واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة فقد طالب ابن مالك بحذف حرف العلة الألف ، مع تحريك الضمير بحركة تناسبه ؛ وهى الضمة للواو والكسرة للياء ، وترك الفتحة قبل الألف المحذوفة. يقول :
واحذفه من رافع هاتين ، وفى *** واو وياء شكل مجانس قفى - 8
نحو ، اخشين يا هند ، بالكسر ، ويا *** قوم اخشون ، واضمم ، وقس مسوّيا - 9
(مجانس : مناسب للضمير ، ولائق به. قفى. تبع. أى : توبع فيه كلام العرب ، وحوكى الوارد عنهم).
وإنما تحذف الألف ، وتبقى الفتحة التى قبلها ، وتضم الواو ، وتكسر الياء - إذا أكد الفعل بالنون. فإن لم يؤكد بها لم تضم الواو ، ولم تكسر الياء ، وإنما يجب تسكينهما ، نحو : يا قوم هل ترضون بغير النجوم مقعدا؟ يا بنت بلادى : هل ترضين بغير الفخار مقصدا؟ وقد ترك التفصيل الخاص بالفعل المعتل الآخر ، وإن كان المفهوم منه حذف حرف العلة لأجل واو الضمير ، أو يائه ، مع ضم ما بقى قبل واو الضمير ، وكسر ما بقى قبل ياء الضمير. وعند توكيد المعتل بأحد هذين الحرفين يجرى عليه ما يجرى على الصحيح ؛ فتحذف نون الرفع ، وواو الضمير ، وياؤه ؛ طبقا لما قدمناه من الأحكام المفصلة الخاصة بالمعتل.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الأبيات الخمسة الخاصة بنون التوكيد الخفيفة وختم بها الباب ، وقد شرحناها فى مكانها المناسب من هامش ص 172 و 173 و 175 و 176) وأول كل منها :
(ولم تقع خفيفة ...) ، (وألفا زد ...) ، (واحذف - خفيفة ...) ، (واردد إذا حذفتها ...) ، (وأبدلنها) ، وأرقامها 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14.
... .1) يقول ابن مالك فى حكم المضارع المعتل الآخر المسند لضمائر الرفع :
5 - المضارع فى جميع الحالات السالفة معرب ؛ لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد. إلا عند الإسناد لنون النسوة فيكون مبنيّا على السكون ، لأن نون النسوة تتصل به مباشرة فى جميع حالات إسنادها إليه.
حكم الأمر صحيح الآخر ومعتله ، كمضارعه عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة ، بتوكيد ، وبغير توكيد ؛ بلا فرق بينهما إلا من ناحية أن الأمر مبنى دائما ، ولا تتصل بآخره نون رفع مطلقا ، - كما أشرنا سالفا (1)-.
1) ص 164.
ما لا ينصرف (1)
وقد سبق في الجزء الأول (ص 44 م 6) تفصيل الكلام علی هذا كله، وبيان أحكامه، وحقيقة الرأي في كل - وستجيء لمحة منه في هامش ص 194.
.1 - قسم يدخله نوع أصيل (2)من التنوين ، لا يدخل غير هذا القسم ، ولا يفارقه فى حالات إعرابه المختلفة. - (إلا عند وجود طارئ معارض ؛ كإضافة الاسم ، أو اقترانه «بأل» (3)أو وقوعه منادى معرفا ، أو اسما مفردا ل «لا» النافية للجنس ...) - ويدل وجوده على أن الاسم المعرب الذى يحويه أشد تمكنا فى الاسمية من سواه ؛ ولهذا يسمى : «تنوين الأمكنية» (4)، أى : التنوين الدال على أن هذا الاسم المعرب أمكن (5)وأقوى درجة فى الاسمية من غيره. ويسمى
1) الحروف كلها مبنية ، وكذلك الأفعال ، إلا المضارع المجرد من نون التوكيد المباشرة ، ومن نون الإناث ، فإن اتصل بإحداهما اتصالا مباشرا ، صار مبنيا. أما الاسماء فمنها : «المعرب» ، ومنها : «المبنى». ومن المعرب ما يسمى : «المتمكن الأمكن» ، وهو : «المنصرف» ، وما يسمى : «المتمكن غير الأمكن» ، وهو : «غير المنصرف». ويقول النحاة : إن الاسم إذا أشبه الحرف بنى ، وإذا أشبه الفعل منع من الصرف.
2) من التنوين ما هو أصيل ، وينحصر فى أربعة أنواع سبق بيانها ، وإيضاح أحكامها (فى ج 1 ص 17 م 3) وهى : تنوين الأمكنية - تنوين التنكير - تنوين المقابلة - تنوين العوض. وما هو غير أصيل ؛ كتنوين الضرورة الشعرية ، وتنوين الترنيم ، والتنوين الغالى.
3) مهما كان نوعها.
4) لا بد من فهم هذا النوع من التنوين فهما دقيقا : كى يتيسر إدراك «الممنوع من الصرف» على وجهه الحق. ولن يتأتى الفهم الدقيق إلا بالإلمام التام بالأنواع الأربعة الأصيلة ، وتفهمها عند تفهم «تنوين الأمكنية» ليتميز بعضها من بعض ، ولا يختلط أمرها.
5) «أمكن» ، أفعل تفضيل من الفعل الثلاثى : «مكن مكانة» ، إذا بلغ الغاية فى التمكن ، ومن هنا جاء تنوين الأمكنية ولا يصح أن يكون من الفعل : «تمكن» لأن هذا غير ثلاثى لا يجىء فيه «أفعل» مباشرة.
أيضا : «تنوين الصّرف» (1)وبهذا الاسم يشتهر عند أكثر النحاة (2)
الصّرف : تنوين أتى مبيّنا *** معنى به يكون الاسم أمكنا -
وبعض النحاة يسمى التنوين كله : «صرفا».
. ووجوده فى الاسم المعرب يفيده خفة فى النطق ، فوق الدلالة على الأمكنيّة.وإذا ذكرت كلمة «التنوين» خالية من التقييد الذى يبين نوعه كان المقصود : «تنوين الأمكنية» ، أى : «الصّرف». ومن أمثلة الأسماء المشتملة عليه ، أو التى تستحقه لو لا الطارئ المعارض ما جاء فى قول شوقى :
إنما الشرق منزل لم يفرّق *** أهله إن تفرقت أصقاعه
وطن واحد على الشمس ، والفص *** حى ، وفى الدّمع والجراح اجتماعه
وإنما كان وجود هذا التنوين دليلا على «الأمكنية» لأن انضمامه إلى «الإعراب» فى اسم واحد جعل هذا الاسم مشتملا على علامتين بدلا من واحدة ، يبعدانه كل البعد عن الحروف وعن الأفعال ؛ هما : «التنوين» ، و «الإعراب» ؛ إذ التنوين لا يدخل الحروف ولا الأفعال. وكذلك الإعراب ، لا يدخل الحروف ولا أكثر الأفعال. فبهذا التنوين المقصور على الأسماء المعربة (3)صار الاسم القوىّ المتمكن بالإعراب أقوى وأمكن باجتماع الإعراب والتنوين معا. كما صار أخف نطقا.
وليس من هذا القسم تنوين جمع المؤنث السالم الباقى فى دلالته على جمعيّته ، نحو : هؤلاء متعلمات فاضلات ، لأنه هذا تنوين للمقابلة ، ولأنه قد يوجد فى الاسم غير المنصرف ؛ كالعلم المؤنث المنقول من جمع مؤنث سالم ؛ مثل : سعادات - عطيات - زينات ... فإن هذا العلم المنقول من جمع المؤنث السالم ، يجوز صرفه ، مراعاة لأصله الذى نقل منه ، فيكون تنوينه - كتنوين أصله - للمقابلة لا للأمكنية. ويجوز عدم صرفه ، مراعاة للحالة التى هو عليها الآن ؛ وهى أنه : علم على مؤنث ؛ .
1) من معانى الصرف فى اللغة : التصويت - اللبن الخالص - الانصراف عن شىء إلى آخر ... ومن أحد هذه المعانى أخذ معنى الصرف النحوى. فالتنوين تصويت فى آخر الاسم المنصرف - أو الاسم المنصرف خالص من مشابهة الحرف والفعل ؛ أو منصرف عن طريقهما إلى غيره ؛ إلى طريق الاسمية المحضة.
2) وفى هذا يقول ابن مالك فى أول الباب الذى عقده بعنوان : «ما لا ينصرف» : - وسنذكر على يسار كل بيت رقم ترتيبه فى بابه - :
3) وواضح أنه لا يدخل المبنيات مطلقا.
فيكون غير أمكن أيضا (1). وليس من تنوين «الأمكنية» كذلك تنوين «العوض» ولا تنوين «التنكير» ؛ لأنهما يدخلان الأسماء المنصرفة وغير المنصرفة (2)
كما سبق تفصيل هذا في باب التنوين (ج 1 م 3 ص 17) ، وكما سيجيء بعضه هنا في «ب» من ص 239 ..
...وسيتكرر فى هذا الباب وغيره كلمة : «الصرف» مرادا منها تنوين «الأمكنية» جريا على الشائع (3).
2 - قسم لا يدخله هذا النوع الأصيل من التنوين ، ويمتنع وجوده فيه ؛ فيكون امتناعه دليلا على أن الاسم المعرب متمكن فى الاسمية ، ولكنه غير أمكن ، إذ لا يبلغ فى درجة التمكن ، وقوته مبلغ القسم السّالف ؛ كالأسماء : عمر - عثمان - مريم - عبلة ... وغيرها من الأسماء الممنوعة من الصرف ، أى : الممنوعة من أن يدخل عليها تنوين : «الصرف» الدّال على «الأمكنية» ، والمؤدى إلى خفة النطق ، (لأن هذا التنوين يرمز إلى الأمرين المذكورين ويدل عليهما ، كما أسلفنا) -
وإنما كان هذا القسم «متمكنا غير أمكن» ، لاشتماله على علامة واحدة ، هى الإعراب ، وبسببها كان محصورا فى الأسماء المعربة وحدها. أما تنوين «الأمكنية» فلا يدخله. وبسبب حرمانه هذا التنوين ، وامتناع دخوله ، اقترب من الفعل والحرف ؛ إذ صار شبيها بهما فى حرمانهما التنوين ، وامتناع دخوله عليهما.
وإذا امتنع دخول تنوين «الأمكنية» على الاسم الذى لا ينصرف ، امتنع - تبعا لذلك - جره بالكسرة ؛ فيجر بالفتحة نيابة عنها (4)، بشرط ألا يكون مضافا ، ولا مقترنا «بأل» (5)- مهما كان نوعها -. فإن أضيف ، أو اقترن «بأل» (6)وجب جره بالكسرة. - وهذا هو حكم الممنوع من «الصرف» ، وسيجىء الكلام عليه (7).
1) ستجىء الإشارة لهذا فى رقم 4 من هذا الهامش وكذلك فى «ج» من ص 228.
2) يدخل تنوين العوض الأسماء غير المنصرفة ؛ نحو : ليال - سواع - غواد - هواد - (كما سيجىء فى ص 199) وقد يدخل الأسماء المنصرفة أيضا ، نحو : «كلّ» ؛ و «بعض» ؛ فيكون للعوض والصرف معا ؛ لا لأحدهما. أما تنوين التنكير فالغالب دخوله على المبنيات لإفادة تنكيرها. وقد يدخل على الاسم المعرب لهذا الغرض -
3) عند غير ابن مالك ، ومن وافقه.
4) إلا العلم الذى أصله جمع مؤنث سالم ثم صار علما منقولا ؛ فإنه يجوز إعرابه مصروفا كأصله ، رفعا ، ونصبا ، وجرا ، ويجوز إعرابه كالممنوع - كما عرفنا فى الصفحة السابقة ، وكما سيجىء فى ص 228 -.
5) أو ما يقوم مقامها (انظر «ب» ص 197).
6) أو ما يقوم مقامها (انظر «ب» ص 197).
7) فى الصفحات التالية ، وفى ص 250.
لكن كيف يمكن التمييز بين القسمين ، والحكم على الاسم المعرب بأنه من القسم الأول «الأمكن» أو من القسم الثانى «المتمكن»؟
لقد اقتصر النحاة على وضع علامات مضبوطة تميز الاسم المعرب المتمكن ، وهو «الممنوع من الصرف» ، وتدل عليه بغير خفاء ولا غموض ، واكتفوا بها ؛ لعلمهم أنها متى وجدت فى اسم معرب كانت دليلا على أنه «لا ينصرف» ، ومتى خلا منها كان فقدها دليلا على أنه من القسم الأول ؛ وهو : «المعرب الأمكن» ، أى : «المعرب المنصرف». فعلامة الاسم المعرب الذى لا ينصرف «وجودية» ، وعلامة المعرب المنصرف ، «عدمية ؛ أى : سلبية». غير أن العلامة الدالة على منع الاسم من الصرف قد تكون واحدة ، وقد تكون اثنتين معا ، لهذا كانت الأسماء الممنوعة من الصرف نوعان :
نوع يمنع صرفه فى كل استعمالاته حين توجد فيه هذه العلامة الواحدة ، ونوع يمنع صرفه بشرط أن توجد فيه علامتان معا (1)
والتعبير بعلتين ليس دقيقا ؛ لأن كل علة واحدة لا بد لها من معلول واحد ، فالعلتان لا بد لهما من معلولين
حتما. فكيف يجتمع علتان على معلول واحد؟ فإن كانتا قد اشتركتا معا فى إيجاد المعلول الواحد لم تكونا علتين ، وإنما هما علة واحدة ذات جزأين اشتركتا معا فى إيجاد هذا المعلول الواحد. اللّهم إلا أن يكون مرادهم علتين ، أي : عيبين.
ويقولون في تعليل منع الاسم من الصرف كلاما لا تطمئن إليه النفس ، ولا يرتاح إليه العقل. نلخصه للمتخصصين ، لإبانة ضعفه وتهافته ، مع دعوتنا إلى نبذه وإهماله ، يقولون :
إن التنوين الأصلى خاصة من خواص الأسماء ، لا وجود له في الأفعال ولا الحروف. وأن الحروف كلها مبنية ، وكذلك الأفعال ، إلا المضارع فى بعض حالاته. فالاسم إذا أشبه الحرف بنى (كأن يشبهه في الوضع ، أو في المعنى ... أو غيرهما من أنواع الشبه التي عرفناها في صدر الجزء الأول ، باب : الإعراب والبناء). وإذا أشبه الفعل منع من الصرف ؛ لأن الفعل أقل استعمالا من الاسم وأضعف شأنا منه ؛ فلذلك حرم التنوين الذى هو علامة القوة ، والوسيلة لخفة النطق. فإذا اقترب الاسم من الفعل وشابهه فى الضعف فقد استحق مثله امتناع التنوين. أما سبب ضعف الفعل عندهم دون الاسم . فأمران : أحدهما : لفظى ، وهو : أن الفعل مشتق من المصدر ؛ فالفعل فرع ، والاسم أصله ، والفرع أضعف من الأصل.
ثانيهما : معنوى ؛ وهو : أن الفعل محتاج دائما إلى الاسم فى الإسناد ، وليس كذلك الاسم ، فإنه قد يسند إلى اسم مثله . ولهذا كان الاسم أخف لكثرة استعماله ، والفعل أثقل ؛ لقلة استعماله والحاجة ضعف. فإذا وجد فى الاسم ضعفان معا لفظى ومعنوى ، أو ضعف واحد آخر يقوم مقامها فقد شابه الفعل ، واستحق منع التنوين ، كما فى مثل : «فاطمة» فقد وجد فى هذا الاسم الضعف اللفظى ، وهو علامة التأنيث ، إذ التأنيث فرع التذكير ، ووجد فيه الضعف المعنوى ؛ وهو : العلمية التى هى فرع التنكير : أما النوع الواحد من الضعف الذى يقوم مقام الاثنين فمحصور فى ألف التأنيث بنوعيها : (المقصورة والممدودة) ، وفى صيغة منتهى الجموع. فوجود ألف التأنيث فى آخر الاسم هو علة لفظية ، وملازمتها إياه فى كل حالاته هى علة معنوية. وخروج صيغة منتهى الجموع عن أوزان الآحاد العربية علة لفظية ، (إذ ليس فى تلك الآحاد مفرد ثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة إلا وأوله مضموم ، كعذافر للجمل القوى والأسد ، أو تكون ألفه عوضا عن إحدى ياءى النسب كيمان وشآم ، وأصلهما يمنىّ ، وشأمىّ ، (بالياء المشددة) حذفت إحدى الياءين تخفيفا ، وجاءت الألف عوضا عنها ، وفتحت همزة شآمى بعد سكونها ومدت ؛ فصار يمانى وشآمى. ثم أعل إعلال المنقوص (كوال ، وراع) فصار يمان وشآم - كما سيجىء فى جمع التكسير ص 577 و620. ومثلهما ثمان ، فأصله ثمنىّ ، نسبة إلى الثّمن ، فتح أوله تخفيفا ثم حذفت إحدى الياءين ... إلى آخر مامر ، وغير ذلك مما لا تجاريه ولا توافقه صيغة منتهى الجموع) .. أما العلة المعنوية فى صيغة منتهى الجموع فدلالتها على الجمع... إلى غير هذا مما يقولون.
وقولهم بادى التكلف والصنعة ، لا يقوى على الفحص ، وقد آن الوقت الإهماله نهائيا ، لأنه لا يثبت أمام الاعتراضات التي تتجه إليه من بعض النحاة القدامى والمحدثين. وقد عرضنا ملخص رأيهم في الجزء الأول (ص 20 م 3 عند الكلام على التنوين) ثم أوضحنا بعده أن التعليل الحق في «الصرف» وفى منعه هو : كلام العرب الأوائل ، واستعمالهم الصحيح الوارد إلينا ، والذي نحاكيه.
من بين علامات تسع. ومجموع النوعين أحد عشر شيئا :1) يعبر النحاة عن هذا بقولهم : إن الاسم يمنع من الصرف لوجود علتين فيه ، أو علة واحدة تقوم مقام العلتين.
(ا) فالذى يمنع صرفه لوجود علامة واحدة هو ما يكون مشتملا على «ألف التأنيث المقصورة أو الممدودة». وكذلك ما يكون على وزن «صيغة منتهى الجموع».
1 - فالمقصورة ألف تجىء فى نهاية الاسم المعرب ، لتدل على تأنيثه ، ومثلها الممدودة ، إلا أن الممدودة لا بد أن يسبقها - مباشرة - ألف زائدة للمدّ ؛ فتنقلب ألف التأنيث همزة (1)... ومن أمثلة المقصورة : («ذكرى» مصدر ، نكرة للفعل : ذكر : بمعنى تذكّر) و («رضوى» علم على جبل بالحجاز ، بالمدينة) ، و (جرحى ؛ جمع : جريح) و (حبلى ، وصف للمرأة الحامل ...)
وعند إعراب هذه الكلمات نقول فى حالة الرفع : إنها مرفوعة بضمة مقدرة على الألف ، وفى حالة النصب منصوبة بفتحة مقدرة على الألف ، ونقول فى حالة الجر :
1) لألف التأنيث بنوعيها أوزان مشهورة ، تضمنها الباب الخاص بالتأنيث. (وسيأتى فى ص 542) وألف التأنيث الممدودة ليست فى الحقيقة هى الممدودة ، كما يتبين من الشرح السالف ، إنما الممدود ما قبلها فوصفت بالمد لملاصقتها له ؛ كما سيجىء فى الزيادة - ص197 ..
إنها مجرورة بفتحة مقدرة على الألف ، نيابة عن الكسرة. والتنوين ممتنع فى كل الحالات - كما عرفنا -.
وإنما تجر هذه الأسماء وأشباهها ، بالفتحة نيابة عن الكسرة بشرط خلو الاسم من «أل» (1)ومن الإضافة. وإلا وجب جره بالكسرة.
ومن أمثلة الممدودة : (صحراء ، وهى اسم نكرة) ، و (زكرياء ، علم إنسان) ، و (أصدقاء ، جمع صديق) ، و (حمراء ، وصف للشىء الأحمر المؤنث) ... وعند إعراب هذه الكلمات نقول : إنها مرفوعة بالضمة الظاهرة ، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة ، ومجرورة بالفتحة الظاهرة نيابة عن الكسرة ، بشرط خلوّ الاسم من «أل» (2)ومن الإضافة ؛ وإلا وجب جرّه بالكسرة - كما تقدم -.
ومن هذه الأمثلة - وأشباهها - يتبين أن ألف التأنيث بنوعيها قد تكون فى اسم نكرة ؛ كذكرى وصحراء. وقد تكون فى معرفة ؛ كرضوى وزكريّاء. وتكون فى اسم مفرد كالأمثلة السالفة ، وفى جمع ؛ كجرحى وأصدقاء ، وقد تكون فى اسم خالص الاسمية ؛ كرضوى وزكرياء ؛ علمين ، أو فى وصف (3)؛ كحبلى وحمراء ... وهى بنوعيها تمنع الاسم فى كل حالات استعماله (4)
فألف التّأنيث مطلقا منع *** صرف الّذى حواه ، كيفما وقع - 2
(مطلقا : أى : بنوعيها ، فى جميع حالاتهما ؛ من ناحية أن كل واحدة تكون خاتمة فى معرفة ، أو نكرة ، فى مفرد أو جمع ، اسم أو صفة - ومعنى صرف : تنوين ...)
يريد : أن ألف التأنيث تمنع صرف الاسم الذى يشتمل عليها كيفما وقع هذا الاسم ، أى : على أى حال كان عليه من التعريف ، أو التنكير ، أو الاسمية ، أو الوصفية ، أو الإفراد ، أو الجمع ...
من تنوين الأمكنية ، وتوجب جره بالفتحة ، بدلا من الكسرة بشرط أن يكون مجردا من «أل» ومن الإضافة ... (5). .(ا) يقول النحاة : إن ألف التأنيث الممدودة ؛ كحمراء ، وخضراء - - وغيرهما - كانت فى أصلها مقصورة (أى : حمرى - خضرى ...) فلما أريد المدّ زيدت قبلها ألف أخرى. والجمع فى النطق بين ألفين ساكنتين محال ، وحذف إحداهما ينافى الغرض من ذكرها ؛ إذ لو حذفت الأولى لضاع الغرض من المدّ ، ولو حذفت الثانية لضاع الغرض من التأنيث ، وقلب الأولى حرفا قريبا منها - وهو الهمزة - يفيت الغرض من المد ؛ فلم يبق إلا قلب الثانية همزة تدلّ على التأنيث ؛ كما كانت هذه الألف تدل عليه قبل انقلابها.
(ب) يمنع الاسم من الصرف بشرط ألا يكون مضافا ، ولا مقرونا «بأل» مهما كان نوعها - كما عرفنا (1)- ومثل «أل» ما يحل محلها عند بعض القبائل العربية ، ومنه : «أم» التى هى بمنزلة «أل».
1) فى ص 191 الأمور الطارئة التى تعارض وجود التنوين ، ومنها «أل».
2 - وصيغة منتهى الجموع (1)هى : كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان (2)، أو ثلاثة أحرف ، بشرط أن يكون أوسط هذه الثلاثة حرفا ساكنا (3)
نحو : كراسى . قمارى (النوع من الطيور المفرد : قمرى) وبخاتى ، (لنوع من الإبل ، المفرد : بختى). فليس من هذا ما يكون آخره ياء مشددة زائدة للنسب أو لغيره : نحو : رباحي (نسبة إلى بلد) حواري (ومن معانيه : الناصر) لأن هذه الياء المشددة ليست في المفرد.
وقد خلت المراجع المتداولة . كالصبان ، والهمع ، والتوضيح ، والتصريح . من اشتراط أن يكون الساكن حرف علة ، وهو هنا الياء ؛ ليصير بها الجمع على وزن «مفاعيل» واكتفت جميعا باشتراط سكونه. إلا أن «الخضرى» في آخر باب «جمع التكسير» نص على هذا صراحة ، بقوله : (لا يقع بعد ألف التكسير ثلاثة أحرف إلا وأوسطها ساكن معتل كمصابيح) اه. ويترتب على هذا أن تكون كلمة «أرادب» المجموعة الممنوعة من الصرف - وأمثالها - غير مشددة الباء مع أن مفردها : «إردب» بشد الباء ، ومع أنها مضبوطة بالشكل في : «لسان العرب» بالتشديد ضبطا كتابيا فقط ، بوضع شدة فوق الباء خلافا لبعض المعاجم الأخرى. ويظهر أن ما قاله «الخضرى» هو الأعم الأغلب وأن غيره هو النادر الذى يقتصر فيه على السماع.
، نحو : (معابد - أقارب - طبائع - جواهر - تجارب - دوابّ ...) وكذلك (مناديل - عصافير - أحاديث - كراسىّ - تهاويل - ...)ومن هذه الأمثلة - وأشباهها - يتضح أن صيغة منتهى الجموع قد تكون على وزن : «مفاعل» ، و «مفاعيل» ؛ كمعابد ومناديل. وقد تكون على أوزان أخرى ينطبق عليها وصف تلك الصيغة ؛ كباقى الأمثلة السالفة.
«ملاحظة» :
يجرى على ألسنة فريق من النحاة أن صيغة منتهى الجموع هى : جمع التكسير المماثل لصيغة «مفاعل ، ومفاعيل». لكنهم يريدون بالمماثلة : أن الكلمة خماسية أو سداسية ، والحرف الأول مفتوح فى الحالتين - سواء أكان ميما أم غير ميم - وأن الثالث ألف زائدة يليها كسر الحرف الأول من حرفين بعدها أو من ثلاثة أحرف أوسطها ساكن ... فليس المراد بالمماثلة أن تكون جارية على أسس الميزان الصرفى الأصيل الذى يراعى فى صوغه عدد الحروف الأصلية والزائدة ، وترتيبها ، وحركاتها ، وسكناتها ، مع النطق بالحروف الزائدة كما
وردت بنصّها فى الموزون ، وإنما المراد عندهم هو : المماثلة فى عدد الحروف ، وحركاتها ، وسكناتها ، دون اعتبار لمقابلة الحرف الأصلى بمثله ، ودون تمسك بالنطق بالحروف الزائدة نصّا ؛ فيقولون فى «جواهر» إنها على وزن «مفاعل» - مثلا - وفى : «ألاعيب» إنها على وزن : «مفاعيل» - مثلا - مع أن الوزن الصرفى الأصيل يوجب أن تكون الأولى على وزان : «فواعل» ، والثانية على وزان : «أفاعيل». فالأمر عند هذا الفريق مجرد اصطلاح يراعى فى العمل به ما وضع له. والأحسن الاقتصار على التعريف الأول ؛ لعدم معارضته الميزان الصرفى الأصيل (1).
حكم صيغة منتهى الجموع :
هو حكم غيرها من الأسماء الممنوعة من الصرف ، فيجب تجريدها من تنوين «الأمكنية» (2)، كما يجب جرّها بالفتحة نيابة عن الكسرة ، بشرط ألا تكون مقترنة «بأل» وألا تكون مضافة. فترفع بالضمة ، وتنصب بالفتحة ، وتجر بالفتحة أيضا ، نيابة عن الكسرة ، إلا إذا كانت مضافة أو مقترنة بأل ؛ فتجر بالكسرة مباشرة (3).
ومن أحكامها : أنها إذا تجردت من «أل» و «الإضافة» ، وكانت اسما منقوصا (4)(مثل : دواع ؛ جمع : داعية ، وثوان ، جمع : ثانية. وأصلهما : دواعى ، وثوانى). كان الأغلب (5)- هنا - أن تحذف ياؤها ، ويجىء التنوين
1) اعترض بعض النحاة على التعريفين السابقين لصيغة منتهى الجموع ، وعلى أنها الصيغة المماثلة لصيغة : «مفاعل» ومفاعيل ، ووضع تعريفا آخر يحوى شروطا سبعة. واعتراضه ضعيف ، وتعريفه طويل معقد ، ولا حاجة تدعو إلى تسجيله كما سجله بعض النحاة وشرح غامضه ؛ ومنهم الخضرى فى حاشيته ، والصبان.
2) وكذلك لا يدخلها تنوين التنكير - كما سيجىء فى «ج» من ص 202 - وقد يدخلها تنوين العوض كما أوضحنا (فى رقم 2 من هامش ص 193) ولكنه نوع يخالف النوعين السابقين.
3) راجع «ج» من ص 202 ورقم 2 من ص 250.
4) هو الاسم المعرب الذى آخره ياء لازمة ، غير مشددة ، قبلها كسرة ، مثل : هاد - راض - مستقص - متعال ... وهذه الكلمات - وأشباهها - مختومة فى أصلها بالياء الساكنة اللازمة التى حذفت بسبب مجىء التنوين - وقد سبق إيضاحه وتفصيل الكلام على أحكامه المختلفة فى ج 1 ص 124 م 15 -
5) انظر «ا» من الزيادة ، ص 202.
عوضا عنها (1). وتبقى الكسرة قبلها فى حالتى الرفع والجر. أما فى حالة النّصب فتبقى الياء ، وتظهر الفتحة عليها بغير تنوين ؛ نحو : (للرحلات دواع تحتمها. وما عرفت لإغفالها من دواع. فعلى أهل النشاط ، والرّغبة فى المعرفة والتجربة - أن يجيبوا دواعى الارتحال ؛ والتنقل بين مشارق الأرض ومغاربها ...) فتكون مرفوعة بضمة مقدّرة على الياء المحذوفة ، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة ، ومجرورة بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة ، نيابة عن الكسرة. والتنوين المذكور فى حالتى الرفع والجر عوض عن حرف الياء (2).
فإن كانت اسما منقوصا مقترنا بأل ، أو مضافا وجب أن تبقى ياؤها ، وأن تكون ساكنة (وتقدر عليها الضمة والكسرة فى حالتى الرفع والجر) ، متحركة بالفتحة الظاهرة فى حالة النصب. نحو : من الثوانى تكون الساعات والأيام ؛ فليس العمر إلا الثوانى التى نستهين بها ، وليست الثوانى إلا قطعا من الحياة نفقدها ، ونحن عنها غافلون.
ومثل : دواعى الخير والشر كثيرة ، تكاد تختلط إلا على العاقل الأريب ؛ فإنه يميز دواعى الخير ، ويستجيب لها سريعا ، ويدرك عاقبة الشرّ ، ويفر من دواعيه (3)
ويختلفان بعد ذلك في أن المنقوص المفرد المجرد من أل والإضافة يلحقه التنوين في حالة التصب أيضا. وتنوينه في حالاته الثلاث تنوين أمكنية » وليس تنوين «عوض». أما المنقوص الذى هو صيغة منتهى الجموع فيجب تنوينه عند حذف يائه رفعا وجرا فقط - كما سبق - وتنوينه «عوض» عن الياء المحذوفة وليس تنوين «أمكنية» ولا يجوز تنوينه في حالة النصب.
ويختلفان كذلك في الجر ؛ فالمفرد يجر بالكسرة المقدرة على الياء المحذوفة أما الآخر فيجر بفتحة على الياء المحذوفة ؛ لأنه ممنوع من الصرف.
ويختلفان كذلك في أن حذف الياء في صيغة منتهى الجموع هو للخفة ، أو للتخلص من التقاء الساكنين .. على خلاف فى ذلك . أما في المفرد فللتخلص من التقاء الساكنين ، بيان هذا ما يقولونه فى في كلمة منقوصة للمفرد ، مثل : «داع» ، وأن أصلها : «داعى» (داعين) استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة ؛ فصارت الكلمة : (داعين) ، التقى ساكنان لا يصح هنا التقاؤهما : الياء والتنوين المرموز له بالنون الساكنة ؛ حذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين ، فصارت : داع (داعن).
أما في كلمة هي منتهى الجموع ؛ مثل : «دواع» فأصلها : دواعى ( دواعين) فعلى اعتبار أن حذف الياء سابق على منع الصرف ، استثقلت الضمة على الياء فحذفت ؛ فصارت : دواعين ؛ التقى ساكنان ، الياء والتنوين المرموز له بالنون الساكنة ؛ فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين ؛ فصارت الكلمة : دواع (دواعن). ثم حذف التنوين ؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف ، وحل محله تنوين آخر ؛ ليكون عوضا عن الياء المحذوفة ، وليمنع رجوعها عند النطق ، فصارت : «دواع».
أما على اعتبار أن الحذف متأخر عن منع الصرف فالأصل : «دواعى» (دواعين) حذف التنوين لمنع الصرف ؛ فصارت الكلمة : «دواعى» استثقلت الضمة على الياء فحذفت ، ثم حذفت الياء طلبا للخفة ، وجاء تنوين آخر للعوض عنها ، ولمنع رجوعها (هكذا يقولون. وقد أوضحنا ما فيه بإسهاب في ج 1 ص 24 م 3 كما أوضحنا هناك ما يحسن الأخذ به). وكل ما سبق هو فى المنقوص الخالي من «أل والإضافة».
فإن كان المنقوص بنوعيه - المفرد والجمع المتناهي - مضافا أو مقرونا بأل ، فالحكم واحد ؛ هو منع تنوينه ، وعدم حذف يائه. ويرفع بضمة مقدرة على الياء ، وينصب بفتحة ظاهرة عليها ، ويجر بكسرة مقدرة عليها. ملاحظة : يقول الصبان فى آخر هذا الباب ما نصه :
(لو سميت بالفعل : «يغزو» و « يدعو» ورجعت بالواو للياء ؛ أجريته مجرى «جوار» وتقول في النصب : رأيت يرمى ويغزى قال بعضهم : وجه الرجوع بالواو للياء ما ثبت أن الأسماء المتمكنة ليس فيها ما آخره واو قبلها ضمة ؛ فتقلب الواو ياء ، ويكسر ما قبلها. وإذا سميت بكلمة : «يرم» من «لم يرم» رددت إليه ما حذف منه ، ومنعته من الصرف : تقول : هذا يرم ، ومررت بيرم ، والتنوين للعوض ، ورأيت يرمى . وإذا سميت بكلمة : «يغز» من قولنا : «لم يغز » قلت : هذا يغز ومررت بيغز ورأيت يغزى. إلا أن هذا يرد إليه الواو ، وتقلب ياء ؛ لما تقدم ، ثم يستعمل استعمال «جوار» ...) اه-
وقد نقلنا كلام الصبان هذا فى الجزء الأول - م 16 ص 146 - وقلنا إن فيه فوق التخيل البعيد ما يستدعى التوقف بل الإهمال ، إذ يؤدى الأخذ به اليوم إلى تغيير صورة العلم تغييرا يوقع فى اللبس والإبهام ، واضطراب المعاملات . ولهذه المسألة صلة بما سيجيء فى ص 235 وهو العلمية ووزن الفعل .
...1) لأن تنوين العوضى غير ممنوع هنا ، بخلاف تنوين الأمكنية - كما سبق فى باب التنوين ، ج 1 م 3 ص 32 -
2) انظر رقم 3 من ص 251.
3) مما تقدم يتبين أن المنقوص الذى هو صيغة منتهى جموع ، والمنقوص المفرد ، يتشابهان عند تجردهما من «أل» والإضافة» فى وجوب حذف الياء رفعا وجرا ، وبقائها مع ظهور الفتحة عليها فى حالة النصب ، ورفعهما بضمة مقدرة على الياء المحذوفة ، كما يتشابهان فى وجود التنوين رفعا وجرا.
(ا) قلنا (1)إن حكم المنقوص من صيغ منتهى الجموع إذا كان مجردا من «أل» والإضافة هو - فى الأغلب الذى يحسن الاقتصار عليه - حذف يائه رفعا وجرّا ، مع بقاء الكسرة قبلها ، ومجىء التنوين عوضا عنها ... وإنما كان هذا هو الأغلب لأن بعض العرب (2)يقلب الكسرة قبل الياء فتحة ؛ فتنقلب الياء ألفا بشرط أن يكون وزن المنقوص كوزن إحدى الصيغ الأصيلة لمنتهى الجموع ، والكثير أن يكون مفرده اسما محضا على وزن : «فعلاء» الدالة على مؤنث ليس له - فى الغالب - مذكر : كصحراء وصحار ؛ وعذراء وعذار ؛ فيقول فيها : صحارى ... ، رفعا ، ونصبا ، وجرّا ، بغير تنوين ؛ نحو : (فى بلادنا صحارى واسعة - إن صحارى واسعة تحيط ببلادنا ، تحوى كنوزا نفيسة من المعادن المختلفة - وقد اتجهت العزائم إلى تعمير صحارى لا حدود لها على جانبى وادينا الخصيب) ... فكلمة «صحارى» اسم مقصور ، ممنوع من الصرف.
وفى بعض اللّهجات العربية تثبت ياء المنقوص فى كل أحواله ، وتكون ساكنة رفعا وجرّا ، وتظهر عليها الفتحة نصبا.
(ب) صيغة منتهى الجموع لا تكون فى اللغة العربية إلا جمع تكسير بالوصف السالف ، أو منقولة عنه. ولا تكون لمفرد بالأصالة.
أما كلمة «سراويل» مرادا بها : الإزار المفرد ، فهى أعجمية الأصل (3)... وهى اسم مؤنث فى جميع استعمالاتها ؛ تقول : هذه سراويل قصيرة لبسها السّبّاح.
(ح) وصيغة منتهى الجموع - فى كل الاستعمالات - تمنع الاسم (4)من تنوين «الأمكنية» وتنوين «التنكير» سواء أكان الاسم علما أم غير علم ، فلو
سمى إنسان باسم على وزن صيغة من صيغها فإنه يمنع من الصرف ، لشبه منتهى الجموع ؛ لأن مدلولها فى هذه الصورة مفرد لا جمع تكسير. وذلك المنع بشرط ألا يكون مضافا ، ولا مقرونا بأل - كما تقدم -.
(د) عرفنا (1)أن مثل : كراسىّ - قمارىّ - بخاتىّ ... ممنوعة من الصرف بالتفصيل السّالف. فإذا نسب إليها حذفت هذه الياء المشددة (التى هى فى الجمع وفى مفرده) وحل محلها ياء أخرى مشددة ، من نوع آخر ؛ هى ياء النسب ، ولا يمنع الاسم من الصرف مع ياء النسب ... (2)
(ه) تسمّى صيغة منتهى الجموع : بالجمع المتناهى أيضا ، لانتهاء الجمع إليها ؛ فلا يجوز أن يجمع بعدها مرة أخرى. بخلاف كثير غيرها من جموع التكسير فإنه قد يجمع ، نحو : أنعام ، وأكلب ، يجمعان على : أناعم ، وأكالب.
ليس الحكم السابق خاصّا بصيغة منتهى الجموع الأصيلة - وهى نوع من جمع التكسير ، كما عرفنا - ولا مقصورا عليها وحدها ، وإنما يشملها ويشمل ما ألحق بها (1)
وكن لجمع مشبه «مفاعلا» *** أو : «المفاعيل» بمنع كافلا - 10
التقدير : كن كافلا - أى : قائما منفذا - لجمع مشبه «مفاعل ومفاعيل» ، بمنع الصرف وليس من اللازم أن يكون جمعا حقيقة ؛ فقد يكون اسما على وزان الجمع. وإنما ذكر الجمع للتمثيل. وليته قال : «للفظ» والذى يشبه «مفاعل ومفاعيل» هو ما كان مثلهما فى عدد الحروف وحركاتها وسكناتها ، سواء أكان مبدوءا بالميم أم بغيرها ؛ فليس المراد : «الميزان الصرفى الحيققى» كما شرحنا - فى ص 198 - ،
ثم تكلم على حكم صيغة منتهى الجموع إذا كانت اسما منقوصا ، كالجوارى ؛ فقال :
وذا اعتلال منه كالجوارى *** رفعا وجرّا أجره كسارى - 11
أى : أجر عليه ما تجريه على سار ، (وأصله : سارى ، اسم فاعل منقوص ، فعله سرى : إذا سافر ليلا) ، من حذف يائه رفعا وجرا عند تنوينه ، وبقائها فى حالة النصب ، وترك التفصيل الضرورى لهذا ، وقد عرضناه.
. والملحق بها هو : كل اسم جاء وزنه مماثلا لوزان صيغة من الصيغ الخاصة بها مع دلالته على مفرد ، سواء أكان هذا الاسم عربيا أصيلا ، أم غير أصيل ، علما أم غير علم ، مرتجلا (2)أم منقولا. فمثال العلم العربى المرتجل الأصيل : «هوازن» ؛ اسم قبيلة عربية ، ومثال العلم المعرب : «شراحيل» وقد استعمله العرب علما ، سمى به عدة رجال ...ومن الأعجمى المعرب الذى ليس علما «سراويل» - بصورة الجمع - اسم ، نكرة ، مؤنث ، للإزار المفرد (3)...
ومثال الأعلام المرتجلة فى العصور الحديثة : كشاجم (4)علم رجل
1) اكتفى ابن مالك فى الكلام على صيغة منتهى الجموع بقوله :
2) العلم المرتجل : ما وضع أول أمره علما ، ولم يستعمل من قبل العلمية فى معنى آخر ، (وقد سبق تفصيل الكلام عليه فى باب العلم ج 1 ص 312 م 22).
3) لهذا إشارة فى : «ب» من ص 202.
4) بفتح الكاف. ويجوز فيها الضم ؛ فيخرجها عن أوزان صيغة منتهى الجموع ، وبالضم يشتهر شاعر عباسى.
و «بهادر» علم مهندس هندى ، و «صنافير» ، علم قرية مصرية ، وكذا «أعانيب». فكل اسم من هذه الأسماء - ونظائرها - يعتبر ملحقا بصيغة منتهى الجموع يجرى عليه حكمها ، بشرط أن يكون دالا على مفرد ، وجاريا على وزن من أوزانها (1)
و «لسراويل» بهذا الجمع *** شبه اقتضى عموم المنع - 12
وإن به سمّى أو بما لحق *** به ، فالانصراف منعه يحق - 13
يريد : أن لكلمة «سراويل» وهى اسم على صورة الجمع شبها بصيغة منتهى الجموع ؛ لأن «سراويل» - مع دلالتها على اسم مفرد مؤنث - جارية على وزان أحد الجموع ، فاقتضى هذا الشبه منعها من الصرف منعا عاما (أى : يشمل كل حالاتها التى تكون فيها دالة بصيغتها على المفرد وحده ، كما يرى بعض اللغويين ، أو عليه حينا وعلى الجمع الذى مفرده «سروالة» حينا آخر ؛ كما يرى غيرهم). ثم قال بعد ذلك : إن به سمى - أى : بصيغة الجمع المتناهى - وصار علما على شىء فإنه يحق منع هذا المسمى من الانصراف ، أى : من الصرف ... يريد أن كل ما سمى بالجمع المتناهى أو بما ألحق بالجمع المتناهى يمنع من الصرف ؛ سواء أكان علما مرتجلا أم منقولا ، عربيا أم أعجميا ...
- كما سبق - لا فرق فى هذا بين العلم ، (وهو الأكثر) ، وغير العلم. ويقال فى إعرابه : إنه ممنوع من الصرف ؛ لأنه مفرد على وزن صيغة منتهى الجموع ، أو لأنه مفرد ملحق بها (2)ويقول سيبويه : إذا طرأ على العلم الموازن صيغة منتهى الجموع ما يقتضى تنكيره ، وزوال علميته فإنه يظل ممنوعا من الصرف ، لبقاء صورة الجمعية ، وشكلها. ويقول غيره : لا يمنع من الصرف ، لأنه كان ممنوعا منه للعملية القائمة مقام الجمعية ، أو للعلمية وشبه العجمة وقد زالت علميته.
والصواب والأيسر رأى سيبويه ومن معه. وبهذا تكون صيغة منتهى الجموع وما ألحق بها ممنوعة من الصرف دائما باطراد ، فى جميع حالاتها ، حتى الحالة التى تكون فيها علما لمفرد ثم زالت علميته ...
... أما هى فممنوعة أصالة ، كما أسلفنا ؛ لدلالتها على الجمع حقيقة.وإنما كانت تلك الألفاظ - ومنها سراويل - ملحقات لأنها تدل على مفرد ، مع أن صيغتها صيغة منتهى الجموع ، وهذه لا تكون فى العربية إلا لجمع أو منقول من جمع. فما جاء على وزنها لمفرد فإنه يمنع من الصرف للمشابهة (أى : المماثلة) بين الوزنين ، بالرغم من دلالته على مفرد.
1) وفى هذا يقول ابن مالك :
2) إذا كانت صيغة منتهى الجموع الأصيلة ، (نحو : مكارم) ، أو ما ألحق بها ، (نحو : شراحيل) - علما على مفرد ، فما سبب منعها من الصرف؟ أهو مجىء العلم على وزن مماثل لأوزان صيغة منتهى الجموع ، أم هو العلمية وشبه العجمة ، لأن هذا الاسم علم ، وليس بين أوزان المفرد العربى الأصيل ما يكون على هذا الوزن ...؟ رأيان ..
(ب) الذى يمنع صرفه لوجود علتين معا :
لا بد أن تكون إحدى العلتين المجتمعين معنوية ، والأخرى لفظية. وتنحصر العلة المعنويّة فى «الوصفية» وفى «العلمية» وينضم لكل واحدة منهما علة أخرى لفظيّة لا بد أن تكون من بين العلل السبع الآتية - دون غيرها (1)- وهى : (زيادة الألف والنون - وزن الفعل - العدل - التركيب - التأنيث - العجمة - ألف الإلحاق.) فينضم للوصفية إما زيادة الألف والنون ، وإما وزن الفعل ، وإما العدل. وينضم إلى العلمية إما واحدة من هذه الثلاث ، وإما التركيب ، أو التأنيث ، أو العجمة ، أو ألف الإلحاق. فالعلل (كما يسميها النحاة) تسع معينة ، ليس فيها علة معنوية إلا الوصفية والعلمية ، أما السبعة الباقية فلفظية (2). ، لا تصلح واحدة منها لمنع الصرف ، إلا إذا انضمت إليها إحدى العلتين المعنويتين.
فالاسم يمنع من الصرف : للوصفية مع زيادة الألف والنون ، أو الوصفية مع وزن الفعل - أو الوصفية مع العدل.
وكذلك يمنع للعلمية مع الزيادة ، أو العلمية مع وزن الفعل ، أو العلمية مع العدل ، أو العلمية مع التركيب ، أو العلميّة مع التأنيث ، أو العلمية مع العجمة ، أو العلمية مع ألف الإلحاق. وفيما يلى البيان :
1) اشترطنا أن تكون العلامتان محصورتين فيما سيذكر هنا ؛ لأنه قد يوجد فى الاسم المعرب علامتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية ويجب صرفه مع وجودهما. وسبب صرفه أن إحداهما ليست معتبرة فى منع الصرف ، ولا معدودة من أسبانه ، كما فى كلمة : «أجيمال» تصغير : «أجمال» جمع تكسير لجمل. فإن «أجيمالا» مصروفة بالرغم من اشتمالها على علتين ، إحداهما : معنوية ، هى : التصغير الذى يعد فرعا للتكبير ، والأخرى لفظية ، وهى الجمع الذى يعتبر فرعا للإفراد. ومثل هذا يقال فى «حائض وطامث» فإنهما مصروفتان حتما. والسبب فى الصرف استعمال العرب ليس غير ؛ فإنهم قصروا الممنوع من الصرف على ما سردناه. أما ما يذكره النحاة غير هذا من التعليلات فمرفوض.
2) حتى التأنيث المعنوى فى مثل : سعاد - زينب - مىّ ... يعتبر فى هذا الباب علة لفظية ؛ لظهور أثره فى اللفظ بتأنيث الفعل له ، وعودة الضمير عليه مؤنثا ، - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 225 -
الكلام على الاسم الممنوع من الصرف للوصفية (1)
وما ينضم إليها وجوبا من إحدى العلل الثلاث
1 - يمنع الاسم من الصرف للوصفيّة مع زيادة الألف والنون إذا كان على وزن «فعلان» - بفتح الفاء وسكون العين - بشرطين : أن تكون وصفيته أصيلة (أى : غير طارئة) وأن يكون تأنيثه بغير التّاء ؛ إما لأنه لا مؤنث له ؛ لاختصاصه بالذكور ، وإمّا لأن علامة تأنيثه الشائعة بين العرب ليست تاء التأنيث ، كأن يكون ، بألف التأنيث ... فمثال ما ليس له مؤنث : «لحيان» لطويل اللحية. ومثال الآخر عطشان - غضبان - سكران ... فإن أشهر مؤنثاتها : عطشى - غضبى - سكرى (2)
المجلد
«ملاحظة هامة» : أخذ المجمع اللغوى القاهرى بالمذهب الكوفى ، وبلغة بني أسد في إلحاق تاء التأنيث جوازا بكلمة «سكرانة» ونظائرها. وقرار المجمع ، وما يتصل به من مذكرات وتقریرات مدوّن في ص 83 و 91 من الشامل للبحوث والمحاضرات التي ألقيت فى مؤتمر الدورة الثانية والثلاثين المنعقد ببغداد سنة 1965 وفيما يلى نص القرار كما قدمته اللجنة المختصة ووافق عليه أغلبية المؤتمرين وأخذ به المجمع نهائيا :
«(إن تأنيث «فعلان» بالتاء لغة في بني أسد (كما في الصحاح) . أو لغة بني أسد (كما في المخصص) وقياس هذه اللغة صرفها في النكرة ؛ (كما جاء في شرح المفصل). والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطىء وإن كان غير ما جاء به خيرا ، (كما في قول ابن جنى). لذا يجوز أن يقال عطشانة وغضبانة ، وأشباههما ؛ ومن ثم يصرف «فعلان» وصفا ، ويجمع «فعلان» ومؤنثة «فعلانة» جمع تصحيح)» ا ه- .
. ومن الأمثلة قولهم : كان أبو بكر لحيان ، تزيده لحيته وقارا ، وهيبة. كثير الصمت ، وافر الحلم. ما رآه الناس غضبان إلا حين يحمد الغضب.1) ليس المراد بالصفة أو الوصف هنا النعت ، وإنما المراد بعض الأسماء المشتقة التى ليست أعلاما. (وقد سبق تعريف الاسم المشتق ، وبيان مدلوله فى ح 3 ص 144 م 98).
2) يشترط أكثر النحاة ألا يكون المؤنث على : «فعلانة» ويمثلون للمستوفى الشرط : بعطشان وغضبان ، وسكران ... مع أن كتب اللغة تأتى للثلاثة بمؤنث مختوم بالتاء ، وبمؤنث آخر ليس مختوما بها. فلا مناص من حمل الشرط النحوى على الأكثر الأغلب فى : «فعلان» ؛ بأن يتجرد مؤنثه من التاء فى المشهور إن تعددت مؤنثاته.
فإن كان الغالب المسموع على مؤنثه وجود تاء التأنيث فى آخره لم يمنع من الصرف ؛ نحو : (سيفان ، للرجل الطويل الممشوق القامة) - (ومصّان ، للرجل اللئيم) ؛ فإن مؤنثهما الشائع : سيفانة ومصّانة. وكذلك إن كانت وصفيته غير أصيلة ؛ فإنه لا يمنع من الصرف ؛ ككلمة : «صفوان» فى قولهم : بئس رجل صفوان قلبه. وأصل الصفوان : الحجر.
وإذا زالت الوصفية وحدها وسمّى بهذا الاسم - ؛ بأن صار علما مزيدا بالألف والنون ؛ كتسمية رجل بغضبان ، أو بعطشان - فإنه يظل على حاله ممنوعا من الصرف ؛ لأن الوصفية التى زالت حلّ محلها العلمية الجديدة ؛ وبانضمام العلمية إلى الزيادة يجتمع فى الاسم العلتان المؤديتان إلى منعه من الصرف (1)
وزائدا «فعلان» فى وصف سلم *** من أن يرى بتاء تأنيث ختم - 3
(المراد بزائدى «فعلان» : الألف والنون الزائدتان فى آخره). يقول : إن الاسم يمنع من الصرف إذا اشتمل على الألف والنون الزائدتين بشرط أن يكون وصفا لا يختم آخره بتاء التأنيث عند تأنيثه ؛ فلا بد أن يسلم آخره عند التأنيث من هذه التاء ، إما لأنه وصف خاص بالرجال ، فلا مؤنث له ، وإما لأن الغالب على مؤنثه أن يكون بألف التأنيث - وقد سردنا الأمثلة لكل -
.2 - ويمنع الاسم من الصرف للوصفية مع وزن الفعل. (2)بالشرطين السالفين (وهما : ألا يكون مؤنثه الشائع بالتاء ، وألا تكون وصفيته طارئة غير أصيلة). ويتحقق الشرطان فى الوصف الذى على وزن «أفعل» ، ومؤنثه «فعلاء أو فعلى» ؛ نحو : أحمر وحمراء - أبيض وبيضاء - أجمل وجملاء (3)
فهى جملاء كبدر طالع *** بذّت الخلق جميعا بالجمال
، ونحو : أفضل ل1) وفى الكلام على الوصفية مع زيادة الألف والنون يقول ابن مالك بعد كلامه على ألف التأنيث أول الباب.
2) سواء أكان الوزن خاصا بالفعل ، نحو : أجمل - أشرف -. - أم على وزن مشترك بين الأسماء والأفعال ولكن الفعل به أولى لغلبته فى الفعل ، أو لدلالته على معنى فى الفعل دون الاسم ؛ نحو : أحيمر ، وأفيضل ، (تصغير : أحمر ، وأفضل) فهما على وزن : «أبيطر» وهو وزن فى الأفعال أكثر. والهمزة فى أولهما لا تدل على شىء ، مع أنها فى الفعل : «أبيطر» تدل على المتكلم. لما سبق وجب منع «أحيمر وأفيضل» من الصرف - (انظر الكلام على لفظ «أعلى» المصغر فى ص 252 ثم انظر ص 260) - بخلاف بطل وجدل (للصلب الشديد) وندس (بفتح أوله مع ضم الثانى أو كسره ، للقوى السمع) فإنها أوصاف أصلية على وزن للفعل ، ولكنه وزن مشترك بين الأسماء والأفعال لا يتغلب فيه جانب الفعل.
3) قال الكسائى مستدلا :
وفضلى ، وأحسن وحسنى ، وأدنى ودنيا ... فهذه الألفاظ - وأشباهها - ممنوعة من الصرف ، لتحقق الشرطين.
فإن كان مؤنثه بالتاء لم يمنع الوصف من الصرف ، نحو : «أرمل» فى قولنا : عطفت على رجل أرمل (بالكسرة مع التنوين) ، أى : فقير ؛ لأن مؤنثه أرملة.
وكذلك ينصرف الوصف إذا كانت وصفيّته طارئة (أى : ليست أصيلة) ، نحو «أرنب» فى قولنا : مررت برجل أرنب (بالكسرة مع التنوين ، أى : جبان). فالوصف منصرف - بالرغم من أن مؤنثه لا يكون بالتاء - لأن وصفيّته طارئة ، سبقتها الاسمية الأصيلة ، للحيوان المعروف.
ومما فقد الشرطين معا كلمة : «أربع» فى مثل : قضيت فى النزهة ساعات أربعا ؛ لأن مؤنثها يكون بالتاء ؛ فتقول : سافرت أياما أربعة ؛ ولأن وصفيتها طارئة عارضة ؛ إذ الأصل السّابق فيها أن تستعمل اسما للعدد المخصوص فى نحو : الخلفاء الراشدون أربعة. ولكن العرب استعملتها بعد ذلك وصفا (1)
وإذا كانت كلمة «أربع» مستعملة فى الوصفية العارضة ، فمعناها يشمل أمرين ، ذوات ، وعدد. أي : ذوات
معناها العدد المخصوص ، والكمية المخصوصة ؛ (كما هو الشأن في المشتقات ؛ كضارب ، فإنه يفيد أمرين : الذات والمعنى الذي هو الضرب). أما إذا كانت مستعملة في مجرد العدد فمعناها الكمية العددية المخصوصة ، دون دلالة على ذات .. وقد شرحنا - في رقم 1 من هامش ص 207 المراد هنا من الصفة - كما شرحنا دلالة المشتق على الذات والصفة في الجزء الثالث.
؛ فوصفيتها ليست أصيلة سابقة ، وبسبب فقد الشرطين وجب صرف الكلمة فى جميع استعمالاتها.ومن أمثلة الوصفيّة الطارئة التى لا يعتد بها فى منع الاسم من الصرف كلمات أخرى ؛ مثل : «أجدل» ، للصقر - «وأخيل» ، لطائر ذى خيلان ، (جمع : خال ، وهى النقط المخالفة فى لونها سائر البدن) - «وأفعى» ، للحية. فكل هذه ، وما شابهها ، أسماء بحسب وضعها الأصلى لتلك الأشياء ؛ ولهذا تصرف ، وقد يصح فى هذه الكلمات - ولا يدخل فيها كلمة : أربع - منعها من الصرف على اعتبار أن معنى الصفة يلاحظ فيها ، ويمكن تخيله مع الاسمية ، وقد وردت ممنوعة من الصرف
1) لا يجوز فى كلمة : «أربع» منع الصرف ؛ سواء أكانت الوصفية ملحوظة أم غير ملحوظة : إذ أن مؤنثها بالتاء ؛ فالشرط الثانى مفقود دائما ؛ فلا يصح منعها من الصرف.
فى بعض الكلام الفصيح ، فالأجدل : يلحظ فيه القوة ؛ لأنه مشتق من الجدل (بسكون الدال) بهذا المعنى. والأخيل : يلحظ فيه التلون ؛ لأنه من الخيلان ، بهذا المعنى. والأفعى : يلحظ فيها الإيذاء الذى اشتهرت به ، واقترن باسمها (1)، وعلى أساس التخيّل والملاحظة المعنوية مع السماع يجوز منع الصرف. ولكن الأنسب الاقتصار على صرف هذه الأسماء ؛ لغلبة الاسمية عليها.
وهناك ألفاظ وضعت أول نشأتها أوصافا أصلية ، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الاسمية المجردة (2)وبقيت فيها ، فاستحقت منع الصرف بحسب أصلها الأول الذى وضعت عليه ؛ لا بحسب حالتها الجديدة التى انتقلت إليها ؛ مثل : «أدهم» للقيد (3)؛ فإنه فى أصل وضعه وصف للشىء الذى فيه دهمة ، (أى : سواد) ، ثم انتقل منه ؛ فصار اسما مجردا للقيد ؛ ومثل : «أرقم» ؛ فإنه فى أصل وضعه وصف للشىء المرقوم ، (أى : المنقّط) ثم انتقل منه فصار اسما للثعبان الذى ينتشر على جلده النقط البيض والسّود. ومثل : «أسود» فأصله وصف لكل شىء أسود ، ثم انتقل منه ؛ فصار اسما للثعبان المنقط بنقط بيض وسود ، ومثل : «أبطح» وأصله وصف للشىء المرتمى على وجهه : ثم صار اسما للمكان الواسع الذى يجرى فيه الماء بين الحصى الدقيق ، ومثل : «أبرق» ، وأصله وصف لكل شىء لامع براق ، ثم صار اسما للأرض الخشنة التى تختلط فيها الحجارة والرمل والطين.
وقد يجوز صرف هذه الأسماء على اعتبار أن وصفيّتها الأصيلة السابقة قد زالت بسبب الاسمية الطارئة. ولكن الاقتصار على الرأى الأول أنسب.
ويفهم مما سبق - فى غير كلمة : أربع (4)- أن الوصفية الأصيلة الباقية لا يصح إغفالها فى منع الصرف. أما الوصفية الطارئة القائمة ، أو الوصفية الأصيلة التى زالت وحل محلها الاسمية الطارئة المجردة ؛ فيصح أن يلاحظ كل منهما عند منع الصرف ، أو لا يلاحظ ؛ بمعنى أنه يجوز - عند وجود إحداهما مع العلة الثانية - صرف الاسم ومنعه من الصرف ، بشرط تحقق الشرط الثانى ، (وهو ألا يكون تأنيث
الوصف بالتاء ...) وأن الأفضل الاقتصار على حالة واحدة ؛ فالصرف أفضل إن كانت الاسمية هى الأصيلة ، والوصفية هى الطارئة. والمنع أولى ؛ إن كانت الوصفية هى الأصيلة والاسمية هى الطارئة. وفى مراعاة هذه الأفضلية مسايرة للسبب العام فى منع الصفة من الصرف ، وتيسير فى الاستعمال (1)
ووصف اصلىّ ووزن أفعلا *** ممنوع تأنيث بتا ؛ كأشهلا - 4
يريد : أن الاسم يمنع من الصرف للوصف الأصلى مع وزن «أفعل - وهو وزن الفعل - الممنوع تأنيثه بالتاء. ومثل للمستوفى الشروط بلفظ : «أشهل» ؛ تقول طفل أشهل ، وطفلة شهلاء. (والشّهل : تغير لون بياض العين فيختلط بالحمرة ، أو الزرقة) ثم انتقل بعد ذلك للكلام على الوصفية الطارئة والاسمية الطارئة ، وحكمهما ، والتمثيل لهما ، فقال :
وألغين عارض الوصفيّه *** كأربع ، وعارض الإسميّه - 5
فالأدهم : (القيد) لكونه وضع *** فى الأصل وصفا - انصرافه منع - 6
وأجدل ، وأخيل ، وأفعى *** مصروفه ، وقد ينلن المنعا - 7
يقول : ألغ الوصفية العارضة كالتى فى أربع ، ولا تعتد بها فى منع الصرف. وكذلك ألغ الاسمية العارضة. وساق أمثلة للحالتين ؛ منها : الأدهم (وهو : اسم للقيد) فإنه ممنوع من الصرف مراعاة لوضعه الأول وصفا للشىء الأسود لا مراعاة لاسميته الحالية. ثم ضرب أمثلة لألفاظ وضعت فى أول أمرها أسماء خالية من الوصفية فصرفت ، ويجوز تخيل معنى الوصفية فيها ، وملاحظة هذه الوصفية برغم أن تلك الألفاظ لا تزال باقية على اسميتها ، ومنها أجدل - أخيل - أفعى.
...وإذا سمى بهذا الوصف زالت عنه الوصفية ، وحل محلها العلمية ؛ فيجتمع فيه العلمية ووزن الفعل ؛ وهما علتان يؤدى اجتماعهما إلى منع صرفه ؛ كتسمية رجل : أرقم - أو : أسود (2). .
3 - ويمنع الاسم من الصرف للوصفية مع العدل (1)
والعدل يكون فى الصفات وله الحالتان التاليتان ويكون فى الأعلام وله صورتان : «فعل» المعدول عن فاعل. وكذا «فعال» بالشروط والتفصيلات الآتية عند الكلام على منع الاسم من الصرف للعلمية والعدل. (ص 243).
والعدل قسمان : «ا» تحقيقي : وهو الذى يدل عليه دليل غير منع الصرف ؛ بحيث لو صرف هذا الاسم لم یكن صرفه عائقا عن فهم ما فيه من العدل ، وملاحظة وجوده ؛ كالعدل في : سحر . وسيجيء في ص 244 . ، وأخر ص (214) ومثنى ، فإن الدليل على العدل فيها ورود كل لفظ منها مسموعا عن العرب بصيغة تخالف الصيغة الممنوعة من الصرف بعض المخالفة ، مع اتحاد المعنى في الصيغتين ، فسحر بمعنى السحر المعروف ، وأخر بمعنى آخر ، ومثنى بمعنى اثنين اثنين ، وهكذا .. فالذي دل على أن كل واحد من هذه الألفاظ . وأشباهها . معدول ، ليس الصرف أو عدمه ، وإنما هو وروده عن العرب بصيغة أخرى تخالف صيغته الممنوعة بعض المخالفة مع اتحاد معناه في الحالتين برغم هذه المخالفة.
«ب» تقديرى : وهو الذى يمنع فيه العلم من الصرف ، سماعا من العرب ، من غير أن يكون مع العلمية علة أخرى تنضم إليها في منع الصرف. فيقدر فيه العدل لئلا يكون المنع بالعلمية وحدها ؛ مثل : عمر . زفر ... فلو سمع مصروفا لم يحكم بعدله ، مثل : «أدد» (وهو جد إحدى القبائل العربية كما سيجي في ص 244) وهذا النوع التقديرى خاص بالأعلام ، ومنها : عمر . زفر . جشم . جمح ... ولا دليل يدل عليه إلا منع العلم من الصرف ، وعدم وجود علة أخرى تنضم إلى العلمية في منع صرفه.
جعلهم يعتبرون العلة الثانية مقدرة. (انظر البيان فى رقم 6 من هامش ص 243)
وفائدة العدل : إما تخفيف اللفظ باختصاره - غالبا - كما فى : مثنى وأخر . .. وإما تخفيفه مع تفرغه وتمحضه للعلمية ؛ فيبتعد عن الوصفية ، كما في : عمر وزفر ، المعدولين عن عامر وزافر ، لاحتمالهما قبل العدل للوصفية.
وعندى أن كل ما قيل في العدل وتعريفه وتقسيمه ، وفائدته ، مصنوع متكلف. ولا مرد لشيء فيه إلا السماع. وخير ما يقال عند الإعراب في سبب المنع إنه العلمية وصيغة فعال . أو مفعل ، أو فعل ، أو غيرها من الصيغ المسموعة نصا عن العرب.
فى إحدى حالتين :الأولى : أن يكون الاسم أحد الأعداد العشرة (2)الأولى ، وصيغته على وزن : «فعال» أو : «مفعل» ، نحو : أحاد وموحد - ثناء ومثنى - ثلاث.
1) يقولون فى تعريفه : إنه تحويل الاسم من حالة لفظية إلى أخرى مع بقاء المعنى الأصلى ، بشرط ألا يكون التحويل لقلب ، أو لتخفيف ، أو لإلحاق ، أو لزيادة معنى ، فليس من المعدول «أيس» مقلوب «يئس» ولا «فخذ» بسكون الخاء ؛ تخفيف «فخد» بكسرها ؛ ولا «كوثر» بزيادة الواو ؛ لإلحاق الكلمة : بجعفر ، ولا «رجيل» بالتصغير ؛ لإفادة معنى التحقير أو غيره.-
2) هناك رأى يقصره على بعض العشرة ، ولا يبلغ به العشرة. لكن الأرجح هو الرأى الأول. ومما يؤيده الأمثلة التى عرضها سيبويه فى كتابه نقلا عن العرب ، مستشهدا بها ، وكذلك الأمثلة التى أوردها الهمع - ج 1 ص 26 -
ومثلث - رباع ومربع - خماس ومخمس - سداس ، ومسدس - سباع ، ومسبع - ثمان ومثمن - تساع ومتسع - عشار ومعشر.
ويقول النحاة : إن كل لفظ من هذه الألفاظ معدول عن لفظ العدد الأصلى المكرر مرتين للتوكيد ؛ فكلمة : «أحاد» فى مثل : صافحت الأضياف أحاد ، معدولة عن الكلمة العددية الأصيلة المكررة : «واحدا واحدا» والأصل : صافحت الأضياف واحدا واحدا ؛ فعدل العرب عن الكلمتين ، واستغنوا عنهما بكلمة واحدة - للتخفيف - تؤدى معناهما ؛ هى : أحاد ، ومثلها موحد» (1)وكلتا الكلمتين ممنوعة من الصرف مع أن أصلهما المعدول عنه منصرف ، ولا ينظر لهذا الأصل هنا ؛ ولهذا كانت محتومة المنع من الصرف (2).
وكلمة : «ثناء» ، فى مثل : سار الجند ثناء ، معدولة عن أصلها العددىّ المكرر للتوكيد ، وهو : «اثنين اثنين» والأصل : سار الجند اثنين اثنين ، فعدل العرب عن الكلمتين ، وأتوا بدلهما بكلمة واحدة - للتخفيف - تؤدى معناهما ؛ هى : ثناء ، ومثلها : «مثنى» وهاتان ممنوعتان من الصرف مع أن أصلهما مصروف.
ومثل هذا يقال فى بقية الأعداد العشرة الأولى المعدولة. والأغلب فى هذه الأعداد العشرة المعدولة أن تكون حالا ، كالأمثلة السالفة ، أو تكون نعتا ؛ نحو : شاهدت حول الماء طيورا مثنى ؛ وطيورا ثلاث ... أو تكون خبرا ؛ نحو : أصابع اليدين والرجلين خماس ... ومن القليل أن تكون مضافا ، ومن الممنوع أن تكون مقرونة بأل.
ويجوز أن يتكرر اللفظ المعدول فيكون التالى توكيدا لفظيّا للأول ، فنقول : مثنى مثنى - ثلاث ثلاث ... وهكذا.
1) التعليل النحوى السابق ضعيف ؛ فما الدليل على أن العرب الأوائل عدلوا عن استعمال اسم العدد الأصلى المكرر ، إلى استعمال الاسم المعدول؟ لا دليل ولا ما يشبهه. والحق أن العرب استعملوا النوعين ، وأحدهما مصروف ، والآخر ممنوع من الصرف ، ولا داعى لذلك التعليل.
2) فى هامش الجزء الثانى (م 84 ص 292) بيان مفيد ، وتصويب للأساليب المشتملة على التكرار فى نحو : صافحت الأضياف واحدا واحدا ، وأقبل الجنود اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة .. و .. فقد كان بعض القدماء - كالحريرى - يظن أن استعمالها على هذا الوجه خطأ ، وما هى بخطأ.
ومن العرب من يجيز صرف تلك الألفاظ ، فيقول : ادخلوا ثلاث ثلاث ، أو ثلاثا ثلاثا ... وهكذا. وعند صرفها يعدها أسماء مجردة من الوصفية. والرأى الأول أكثر وأشهر.
الثانية : كلمة «أخر» ؛ فى مثل : (سجل التاريخ لعائشة أم المؤمنين ، ولنساء أخر أثرهن فى السياسة ، والثقافة ، ونشر العلم) ، فهى جمع ، مفرده : «أخرى» و «أخرى» مؤنث للفظ مذكر ؛ هو : «آخر» ... (بفتح الخاء) ، على وزن : «أفعل» ، ومعناه : أكثر مغايرة ومخالفة - فلفظ : «آخر» هنا : «أفعل للتفضيل» ، مجرد من «أل» والإضافة ؛ فحقه أن يكون مفردا مذكرا فى جميع استعمالاته ولو كان المراد منه مثنى ، أو جمعا ، أو مؤنثا ، وهذا ما تقتضيه الأحكام العامة لأفعل التفضيل ؛ (نحو : المتعلم والمتعلمة أقدر على نفع الوطن من غيرهما - الإخوان والأصدقاء أنفع فى الشدة ، وأبعد عن التقصير - ليس بين النساء أفضل ، ولا أحسن من الساهرات على تربية أولادهن ...) وبناء على هذا الحكم العام يكون القياس فى المثال السابق وأشباهه أن نقول : لعائشة أم المؤمنين ولنساء آخر - بمد الهمزة وفتح الخاء - أثرهن ... لكنّ العرب عدلوا عنه ، وقالوا ؛ نساء «أخر» بصيغة الجمع ، ومنعوه من الصرف ؛ فكان العدل بانضمامه للوصفية سببا فى منعه من الصرف وإن شئت فقل : كان منعه من الصرف دليلا على وجود العدل فيه مع الوصفية(1).
وإذا زالت الوصفية وحدها وحلّ محلها العلمية بقى الاسم على منع الصرف ؛ لاشتماله فى حالته الجديدة على علتين مانعتين معا لصرفه ؛ وهما العلمية والعدل. كتسمية إنسان : «مثنى» أو «ثلاث» أو نحوهما مما كان فى أصله وصفا معدولا ، ثم صار علما باقيا على حاله من العدل ...
ويتبين مما سبق فى الصور الثلاث الخاصة بالوصفية ومعها العلامة الأخرى ، أن الوصفية إذا اختفت وحدها بسبب أن الاسم صار علما مزيدا ، أو علما على وزن الفعل ، أو علما معدولا - بقى هذا الاسم ممنوعا من الصرف كما كان ، ولكن
1) العدل هنا تحقيقى ، - سبقت الإشارة له فى رقم 1 من هامش ص 212 - وفى هذا التعليل ما فى سابقه من ضعف. والعلة الصحيحة هى مجرد الاستعمال العربى الصحيح ، وقد بسطنا تعليل النحاة كاملا ، وعرضنا رأيهم فى «أخر» ومنعها من الصرف ، وفى أنها للتفضيل أو ليست له ... ثم الرد عليه فى الجزء الثالث (باب أفعل التفصيل ص 310 م 112) فلا داعى للتكرار والإطالة ؛ علما بأن المعروض فى باب التفضيل هامّ ، ومفيد.
للعلمية ومعها العلامة الأخرى (1)
ومنع عدل مع وصف معتبر *** فى لفظ مثنى ، وثلاث ، وأخر - 8
يقول : إن الاسم يمنع من الصرف إذا كان لفظه هو : «مثنى» أو : «ثلاث» ، أو «أخر» ولم يذكر إيضاحا ولا تفصيلا إلا ما ذكره فى البيت التالى من أن مثنى وثلاث يشبههما ما جاء على وزنهما من ألفاظ الأعداد الأربعة الأولى. قال :
ووزن مثنى وثلاث كهما *** من واحد لأربع ؛ فليعلما - 9
وأهمل ما زاد على الأربعة :
ثم انتقل بعد هدا مباشرة إلى ذكر الأببات الأربعة الخاصة بصيغة منتهى الجموع والتى أول كل منها.
وكن لجمع مشبه مفاعلا *** .................. - 10
وذا اعتلال منه كالجوارى *** ................ - 11
ولسراويل بهذا الجمع *** .................. - 12
وإن به سمّى أو بما لحق *** ................ - 13
وقد شرحنا الأبيات الأربعة فى مكانها الأنسب (ص 204 و 205) كى يكون الموضوع متصلا بعضه ببعض ، وبعدها - فى الألفية - الأبيات الخاصة بمنع الاسم من الصرف للعلمية وسبب آخر معها ، وسيجىء شرحها فى موضعها.
... .1) وفى الصورة الثالثة وهى صورة الوصفية مع العدل يقول ابن مالك :
(ا) لم يحكم النحاة على «أخرى» الممنوعة من الصرف بأنها معدولة ؛ لاشتمالها على ألف التأنيث المقصورة ، وهذه أقوى فى منع الصرف من العدل. وأما آخران وآخرون فمعربان بالحروف فلا دخل لهما فى منع الصرف.
(ب) قد تكون : «أخرى» بمعنى : «آخرة» - بكسر الخاء - وهى التى تقابل كلمة : «أولى» كالتى فى مثل : (قالت أخراهم لأولاهم ... وقالت أولاهم لأخراهم ...) وفى هذه الصورة تجمع كلمة : «أخرى» على «أخر» المصروفة ؛ لأنها غير معدولة ؛ لأن مذكرها هو : «آخر» - بكسر الخاء - الذى يقابل «أول» بدليل قوله تعالى : ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ) ، أى : الآخرة ، يؤيد هذا قوله تعالى : ( ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) ، والقصة واحدة ، فليست «أخرى» التى هى بمعنى : «آخرة» من باب أفعل التفضيل.
والفرق أن أنثى المفتوح الخاء (1)لا تدل على انتهاء ، كما لا يدل عليه مذكرها ، فلذلك يعطف عليه مثلها من جنس واحد ؛ كقولك : أقبل رجل ، وآخر ، وآخر ... أقبلت سيدة ، وأخرى ، وأخرى. أما أنثى المكسور الخاء (2)فتدل على الانتهاء ، ولا يعطف عليها مثلها من جنس واحد ، كما أن مذكرها كذلك ...
الكلام على الاسم الممنوع من الصرف للعلمية (1)
مع إحدى العلل السبع
1 - يمنع الاسم من الصرف إذا كان علما ، مركبا تركيب مزج. والمراد بالتركيب المزجى (2): كل كلمتين امتزجتا (أى : اختلطتا) بأن اتصلت ثانيتهما بنهاية الأولى حتى صارتا كالكلمة الواحدة ؛ من جهة أن الإعراب أو البناء يكون على آخر الثانية - فى الرأى الأشهر - أما آخر الكلمة الأولى فقد يكون ساكنا ؛ نحو : بر سعيد (3)- نيويرك (4)- جرد نستى (5)- وقد يكون متحركا بالفتحة (وهذا
1) ملاحظة هامة : الممنوع من الصرف للعلمية ومعها علة أخرى لا يدخله تنوين «الأمكنية» فلو زالت العلمية لوجب تنوينه تنوين تنكير - كما سنعرف فى ص 221 - إن لم يوجد سبب آخر للمنع.
2) سبق الكلام على المركب المزجى فى باب العلم (ج 1 ص 270 م 22) ومن أهم ما قلناه هناك إن المركب المزجى لا يكون إلا من كلمتين ، فقط ، (وقد تفصل بينهما الواو ؛ فى بعض الصور السماعية ؛ كما فى : «كيت وكيت - ذيت وذيت» طبقا للبيان الآتى فى ص 540) ولا يصح مزج أكثر منهما. ومتى امتزجتا صارتا كلمة واحدة ذات شطرين ، كل شطر منهما بمنزلة الحرف الهجائى الواحد من الكلمة الواحدة (كما نص على هذا شارح «المفصل» ج 4 ص 116) والأصل قبل التركيب أن يكون لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى. أما بعد التركيب المزجى فإن كان هذا التركيب من النوع الذى تتركز فيه علامات الإعراب أو البناء على آخر الثانية فقط ؛ كسيبويه ، وبعلبك وغيرهما ... من الأمثلة المعروضة هناك - فى ص2. ، ونظائرها - زال المعنى الأصلى لكل منهما نهائيا ، ولا يصح ملاحظته ؛ إذ ينشأ من المزج معنى جديد ، مستحدث ، لا صلة له بالمعنى السابق لهما أو لإحداهما ، أما إن كان هذا المركب المزجى من النوع الذى يبنى على فتح الجزأين (وهو المذكور فى ج 1 ص 281) ، كالمركبات العددية مثل : ثلاثة عشر ، وأربعة عشر .. أو المركبات الظرفية ، نحو : صباح مساء ... أو الحالية ؛ نحو فلان جارى بيت بيت ، أى : ملاصقا ، أو باقى المركبات الأخرى التى تبنى على فتح الجزأين طبقا للأحكام المدونة فى أبوابها ... ، فإن المعنى بعد التركيب يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعنى الذى كان لكل كلمة قبل مزجها بأختها ؛ إذ يتكون المعنى الجديد من معناهما السابق ، مع بعض زيادة تنضم إليه ، دون إلغاء لمعناهما السابق ، أو إهمال لملاحظته فى تكوين المعنى المستحدث. فأساس المعنى الجديد هو معناهما القديم مع ضم زيادة إليه. وهذا النوع يلاحظ فيه قبل المزج أنه على تقدير «واو العطف» بين الكلمتين وأنهما فى حكم المتعاطفين ، فمعناهما بملاحظتها قبل التركيب هو معناهما الجديد بعد المزج بغير ملاحظتها (راجع شرح المفصل ج 1 ص 65 وج 4 ص 124).
3) اسم أجنبى ، معناه : ميناء سعيد. ويطلق على مدينة مصرية على الساحل الشمالى الشرقى. ويصح نطقها وكتابتها بواو بعد الباء ولكن تتحرك الراء بعدها للتخلص من الساكنين.
4) معناه : يرك الجديدة ، وهو اسم مدينة فى الولايات المتحدة الأمريكية.
5) اسم أجنبى ، معناه : حديقة «ستى» ويطلق على حى مشهور فى القاهرة ، على الساحل الشرقى للنيل.
هو الأكثر) ؛ نحو : طبرستان (1)- (خالويه (2)- سيبويه (3)، فى لغة من يعربهما ولا يبنيهما (4)) - حضرموت (5)- بعلبك (6).
وأشهر أحكام العلم المركب تركيب مزج - غير العددىّ ، وأشباهه (7)- هو ا - أن يترك آخر جزئه الأول على حاله قبل التركيب ، من السكون أو الحركة ، ونوعها ؛ فلا يتغير ضبط آخر ذلك الجزء مطلقا بعد التركيب ، ولو كان واوا ساكنة أو ياء ساكنة ، ولا يجرى عليه إعراب ولا بناء ، ولا ينظر إليه إلا على اعتباره بمنزلة جزء من كلمة - ، وليس كلمة مستقلة - ولهذا يتصل بالثانى كتابة إن أمكن وصل حروفهما الهجائية -
ب - يجرى الإعراب على آخر الجزء الثانى وحده ، فيعرب إعراب الممنوع من الصرف ؛ فيرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالفتحة نيابة عن الكسرة ، مع امتناع التنوين فى الحالات الثلاث ؛ كالشأن فى كل اسم ممنوع من الصرف ، مجرد من أل والإضافة. ومن الأمثلة : غادرنا «نيويرك» فى طائرة قاصدين إلى «بعلبك» فوصلناها بعد عشرين ساعة. ولما نزلنا فى مطارها قال المذيع : من كانت «برسعيد» غايته فليستعد ؛ فهذه الطائرة متجهة إليها.
ج - من العرب من يجعل الجزء الأول مضافا تجرى عليه جميع حركات الإعراب على حسب حاجة الجملة - ولا يمنع من الصرف ما دام مضافا - ويكون الثانى هو المضاف إليه المجرور دائما (8). فإن كان الأول (المضاف) مختوما بحرف علّة قدّر على هذا الحرف جميع حركات الإعراب - حتى الفتحة - رفعا ونصبا وجرّا من غير منع صرف. ولا فرق فى هذا بين الألف ، والواو ، والياء ، ثم يجىء بعده القسم الثانى
1) اسم مدينة فارسية ، مركبة من طبر ، وستان ، ومعنى ستان : مكان.
2) عالم لغوى ، نحوى ، فى القرن الرابع الهجرى.
3) اسم إمام النحاة ، عمرو بن عثمان المتوفى حول سنة 180 ه ، ومعنى «سيب» باللغة الفارسية : التفاح. ومعنى «ويه» : رائحة. وتقدم المضاف على المضاف إليه كالمألوف فى اللغة الفارسية. فمعناه رائحة التفاح.
4) لأن منع الصرف مقصور على الأسماء المعربة ؛ ولا يكون فى المبنية - كما تقدم -
5) اسم بلد فى اليمن.
6) اسم بلد فى لبنان. وأصله مركب من كلمتين : «بعل» (اسم صنم) و «بك» اسم رجل اشتهر بعبادته.
7) أما حكم العددى وأشباهه فيجىء فى : «ب» من ص 221.
8) وهذه الإضافة لفظية ، لأن كل جزء من الجزأين بمنزلة حرف الهجاء فى الكلمة الواحدة من مثل : معدن ... فهو يتمم الآخر. وإنما فائدتها تخفيف التركيب ، والتنبيه إلى شدة الامتزاج.
(المضاف إليه) فيكون ممنوعا من الصرف إن استحق المنع ؛ وإلا فينصرف (1)
وفى منع الاسم من الصرف للعلمية والتركيب المزجى يقول ابن مالك مقتصرا على بيت واحد :
والعلم امنع صرفه مركّبا *** تركيب مزج ؛ نحو : معديكربا - 14
. وعلى هذا الرأى يفصل الجزءان فى الكتابة. ومن الأمثلة التى يكون فيها آخر الجزء الأول حرفا صحيحا وآخر الثانى غير ممنوع من الصرف : هذه بعل بكّ - زرت بعل بكّ - تمتعت ببعل بكّ. ومثال ما يكون فيه الأول (المضاف) صحيح الآخر معربا ويكون المضاف إليه ممنوعا من الصّرف : من أشهر المدن الفارسية القديمة رام هرمز (2)- عرفت أن رام هرمز مدينة أثرية - فى رام هرمز صناعات يدوية دقيقة. فكلمة : «رام» فى الأمثلة السالفة معربة على حسب الجملة ؛ وهى مضاف ، وكلمة : «هرمز» مضاف إليه ، مجرورة بالفتحة بدل الكسرة فى كل الاستعمالات ؛ لأنها علم أعجمى (3)، يمنع من الصرف لهذا ...ومثال المضاف الذى آخره حرف علة تقدر عليه جميع الحركات ، وبعده الجزء الثانى (المضاف إليه) غير ممنوع من الصرف : «صافى ورود» اسم قرية مصرية. تقول : صافى ورود فى الصحراء الغربية - أرغب أن أشاهد صافى ورود (بسكون الياء) (4) - لم أذهب إلى صافى ورود. فكلمة : «صافى» مرفوعة بضمة مقدرة على الياء ، ومنصوبة بفتحة مقدرة عليها ، ومجرورة بكسرة مقدرة أيضا. وهى مضافة ، وكلمة : «ورود» مضاف إليه مجرورة منونة ؛ لأنها غير ممنوعة من الصرف ؛ لعدم وجود ما يقتضى المنع. ومثلها : «معدى كرب» اسم رجل .
1) للمركب المزجى أحكام إعرابية أخرى نهملها ؛ لقلة الوارد بها ، وعدم أهميتها ، ومنها بناء الجزأين على الفتح رفعا ، ونصبا ، وجرا ؛ كبناء خمسة عشر وأشباهها - ؛ فيكون فى آخر كل جزء فتحة لا تتغير مطلقا فى جميع حالات الإعراب ؛ بشرط أن يكون آخر الجزء الأول صحيحا. فإن كان معتلا (ألفا ، أو واوا أو ياء) وجب إبقاء الأول على سكونه ، ويقتصر البناء على الفتح على الثانى فى جميع أحواله. وعلى هذا فالمركب المزجى إذا كان جزؤه الأول معتلا - يظل ساكنا. فى كل اللغات السالفة.
2) هى وحدها بغير صدرها علم أعجمى فى الأصل.
3) وهذا النوع من المنقوص ينصب بفتحة مقدرة - كما سبق فى رقم 1 من هذا الهامش ، وفى ص 218 ، وفى ج 1 ص 128 م 15 -.
(وهو مركب من جزأين ...) (1)
وقيل : أصله ، معدي ، بفتح الدال ، ثم حذفت الألف (المكتوبة ياء) ، وجاءت ياء النسب ، وخففت هذه الياء ؛ فصارت غير مشددة. فوزنه : «مفعي». وكل هذا لا أهمية له بعد التركيب.
.ومثال معتل الجزء الأول الذى يليه الجزء الثانى (المضاف إليه) ممنوعا من الصرف : «رضا عائشة» ، اسم امرأة فارسية - حادى شمّر ، اسم مدينة ، وكذا : نيويرك.
1) ويقال إن أصلهما : «معدى» ، على وزن : «مفعل» ؛ اسم مكان أو زمان من «عدا» بمعنى : جاوز ، وكان القياس فتح الدال. و «كرب» بمعنى : «فساد».
(ا) إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع التركيب المزجىّ - نحو : خالويه - وفقدهما ، أو أحدهما - وجب تنوينه إن لم يوجد داع آخر للمنع. فمثال فقدهما معا : زارنا خال (وهو أخو الأم) - استقبلت خالا - فرحت بخال.
ومثال فقد التركيب. هذا خال (علم رجل) - إنّ خالا مقبل - سعيت إلى خال ... ومثال فقد العلمية : من أشهر خالويه فى اللغة وفروعها بين أصحاب هذا الاسم؟ بتنوين كلمة : «خالويه» تنوين تنكير (1)بسبب فقدها العلمية.
(ب) إذا كان المركب إضافيّا وجب أن يكون الإعراب على جزئه الأول المضاف ، ولا يصح منعه من الصرف ما دام مضافا. أما جزؤه الثانى فمضاف إليه ، ينوّن أو لا ينون على حسب ما ينطبق عليه من الأحكام.
وإذا كان المركب إسناديّا وجب أن يحكى على ما هو عليه من غير تغيير. والصحيح أنه معرب لا مبنى.
أما المركب العددىّ مثل : ثلاثة عشر وأخواته المركبة - فمبنى على فتح الجزأين عند البصريين. إلا اثنى عشر ، واثنتى عشر ، فمعربان إعراب المثنى ، كما سبق فى باب المثنى. والكوفيون يجوزون فى العدد المركب إضافة صدره إلى عجزه. (وسيأتى البيان فى باب : «العدد»). فإن سمى بالعدد المركب جاز إبقاؤه على بناء طرفيه ، وجاز إعرابه إعراب ما لا ينصرف ؛ للعلمية والتركيب ، وجاز إضافة صدره إلى عجزه.
أما المركب من الأحوال نحو : «أنت جارى بيت بيت» ، ومن الظروف نحو : أعمل صباح مساء ؛ فيجوز فيه الإضافة ، أو البناء على فتح الجزأين للتركيب.
1) انظر رقم 1 من هامش ص 217 وقد سبق الكلام على تنوين التنكير مفصلا (فى ج 1 ص 23 م 3) وأنه يلحق بعض الأسماء ليكون وجوده دليلا على أنها نكرة ، وحذفه دليلا على أنها معرفة. والأغلب دخوله على الأسماء المبنية. ولكنه قد يلحق الأسماء المعربة غير المنصرفة ، لغرض أوضحناه هناك وهو الدلالة على تنكيرها ؛ كقولك : مررت بأحمد - بالتنوين - إذا كنت تريد الإخبار عن واحد غير معين من أشخاص متعددين ، اسم كل منهم : أحمد. (انظر رقم 1 من هامش ص 237 ورقم 3 من هامش ص 239).
2 - ويمنع الاسم من الصرف إذا كان علما مختوما بألف ونون زائدتين ، سواء أكان العلم للإنسان أم لغيره ؛ نحو : بدران - حيّان - مروان - قحطان - غطفان ... أسماء أشخاص ، ونحو : شعبان - رمضان - من أسماء الشهور العربية ، ونحو : «عمّان» اسم بلد فى الأردنّ ، و «رغدان» اسم قصر بها.
وحكم هذا النوع المنع من الصرف بشرطيه (وهما العلمية والزيادة) تقول : عمّان حاضرة البلاد الأردنّيّة ، وفى أحد أطرافها قصر فخم ، يسمى : «رغدان» بينه وبين عمّان بضعة أميال ...
فإن كان الحرفان : (الألف والنون) أصليين ، معا ، أو النون (1)وحدها ، لم يمنع الاسم من الصرف ؛ فمثال الأصليين : بان (2)- خان (3). ومثال أصالة النون : أمان - لسان - ضمان -.
وإن كانا معا صالحين للأصالة ، وللزيادة ، أو كان أحدهما هو الصالح وحده جاز فى الاسم الصرف وعدمه (4)؛ نحو : حسّان ، علم على رجل (5)، فيجوز أن يكون مشتقّا من الحسّ ، بمعنى : الشعور ، فيمنع من الصرف للعلمية وزيادة الحرفين. ويجوز أن يكون مشتقّا من الحسن فلا يمنع ؛ لأن الزائد حرف واحد.
وكذلك : «غسّان» ؛ قد يكون من الغسّ ؛ بمعنى : دخول البلاد ؛ فيمنع من الصرف ؛ للعلمية وزيادة الحرفين. وقد يكون : من الغسن ؛ بمعنى : المضغ ؛ فلا يمنع ؛ لأن الزائد حرف واحد. وودّان ، قد يكون من الودّ ؛ بمعنى : الحب ؛ فيمنع ، أو : من الودن ، بمعنى : نقع الشىء فى الماء ونحوه ؛ فلا يمنع (6)
كذاك حاوى زائدى فعلانا ؛ *** كغطفان ، وكأصبهانا
أى : كذلك يمنع الاسم من الصرف إذا كان علما حاويا الحرفين الزائدين فى «فعلان» وهما : الألف والنون. وليس من اللازم أن يكون على وزن «فعلان» وإنما اللازم احتواؤه على الحرفين الزائدين ، نحو : عمران - وسفيان و «غطفان» (علم على فرع من فروع قبيلة «قيس» العربية. والغطف : اتساع النعمة) و «أصبهان» (وفى هذه الكلمة لغات كثيرة : منها كسر الهمزة ، ومنها : إبدال بائها فاء ...) ولا تكون الألف والنون زائدتين إلا على اعتبار أن أصل الكلمة : عربى ؛ أما على الرأى القائل إنها أعجمية - وهو الصواب - فلا تمنع للعلمية مع الزيادة ، وإنما تمنع للعلمية مع شىء آخر (سيجىء فى ص 230) ؛ هو : العجمة ..
... .(ا) يقول الصرفيون : إن علامة زيادة الألف والنون هى سقوطهما فى بعض التّصريفات ؛ - كما فى «حمدان» و «فرحان» ، علمين ؛ حيث يمكن ردهما إلى : حمد ، وفرح ... - بشرط أن يكون قبلهما أكثر من حرفين أصليين بغير تضعيف الثانى ؛ نحو : عثمان - مروان - رشدان ... فإن كان قبلهما حرفان أصليان ثانيهما مضعف جاز أمران ؛ إما اعتبار الحرف الذى حصل به التضعيف أصيلا ؛ فيؤدى هذا إلى الحكم بزيادة الألف والنون ؛ لوقوعهما بعد ثلاثة أحرف أصلية ، وإما عدم اعتباره أصيلا فيؤدى إلى الحكم بأصالة النون. ومن الأمثلة : حسان - عفان - حيان ... فتمنع من الصرف على اعتبارها من الحس ؛ بمعنى : الإحساس - مثلا - ومن العفة - ومن الحياة. ويكون وزنها «فعلان». وتنصرف على اعتبارها من الحسن ، والعفن ، والحين (بمعنى الهلاك) ، وتكون على وزن «فعّال» لأن نونها أصلية ... ومن الأمثلة : شيطان : فهو إما من شطن بمعنى : ابتعد ، وإما من شاط بمعنى : احترق ...
وإذا كان العلم ذو الزيادتين مسموعا عن العرب الفصحاء بصورة واحدة هى المنع أو عدمه فالأولى اتباع المسموع ، كما فى «حسان» شاعر الرسول ؛ فالمسموع عنهم منعه فى الحالات المختلفة ، ولهذا يحتم أكثر النحاة منعه ... ولكن هذا التحتيم تحكم وتشدد بغير حق.
(ب) لو أبدلت النون الزائدة لاما - كما يجرى فى بعض اللّهجات القديمة - منع الاسم من الصرف أيضا إذا كان مستوفيا شروط المنع. كقولهم : أصيلال ، فى «أصيلان» ، التى هى تصغير شاذ لكلمة : «أصيل» (1)فإذا سمى إنسان : «أصيلال» منع الصرف ؛ للعلمية وزيادة الألف واللام ، إعطاء للحرف المبدل ، حكم الحرف لمبدل منه.
ولو أبدل الحرف الأخير نونا - فى بعض اللّهجات القليلة - ، لم يمنع من الصرف ، كقول بعض العرب : حنّان ، وهى : الحنّاء ، فأبدلوا الهمزة الشائعة نونا ؛ فلو سمى رجل : «حنّانا» لم يمنع من الصرف.
1) الوقت بين العصر والمغرب.
ويفهم مما تقدم أن الحكم بمنع الصرف للزيادة يعتمد على الحرف الزائد فى المبدل منه نصّا ، قبل أن يصير الزائد حرفا آخر بسبب البدل ؛ أى : أن العبرة هى بالأصل الشائع ، لا بالبدل.
(ح) إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع الزيادة وفقد العلتين أو : إحداهما - وجب تنوينه ، إن لم يوجد داع آخر للمنع ؛ فمثال ما فقد العلمية كلمة : «بدران» فى مثل : (ادع «بدرانا» واحدا من بين أصحاب هذا الاسم ،) والتنوين هنا للتنكير الذى أشرنا إليه (1). ومثال ما فقد الزيادة : «بدر» علم رجل ، تقول : فرحت بلقاء بدر. ومثال ما فقدهما : بدر بمعنى : قمر ، أحد البدور السماوية ...
1) فى رقم 1 من هامش ص 217 و 237 ورقم 3 من هامش ص 239.
3 - ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع التأنيث (1)
هذا والمراد بالعلمية هنا ما يشمل العلمية الكاملة وجزء العلمية ، طبقا للتوضيح الآتى فى «و» من ص 229.
. ومنعه إما واجب ، وإما جائز.(ا) فالواجب يتحقق فى صور (2)؛ منها : أن يكون العلم مختوما بالتاء الزائدة ، الدالة على التأنيث. لا فرق بين العلم لمذكر ؛ (نحو : عنترة - معاوية - طلحة - حمزة ...) والعلم لمؤنث ؛ (نحو : فاطمة - عبلة - ميّة - بثينة ...) ولا بين الثلاثى ؛ كأمة ، وهبة ، وعظة ... أعلام نساء) ، وغير الثلاثى ؛ كالأعلام السالفة ، ولا بين ساكن الوسط ، ومتحركه ... ؛ فجميع الأعلام المختومة بالتاء الزائدة ، الدالة على التأنيث ممنوع من الصرف حتما (3)
كذا مؤنث بهاء مطلقا *** ... 16
أى : يمنع الاسم من الصرف كالذى منع سابقا. ولكن السبب هنا هو العلمية والتأنيث اللفظى الذى تدل عليه تاء التأنيث. (وسماها : «الهاء» كغيره من بعض اللغويين والنحاة نظرا لأنه يوقف عليها بالهاء. وكان الأولى أن يقول : «بتاء» أما الشطر الثانى للبيت فيأتى فى رقم : (1) من الصفحة التالية.
...ومنها : أن يكون غير مختوم بتاء التأنيث ولكنه علم لمؤنث ، وأحرفه تزيد على ثلاثة ؛ نحو : زينب - سعاد - مصباح - اعتماد - ... أعلام نساء.
ومنها : أن يكون غير مختوم بها ، ولكنه علم لمؤنث ، ثلاثى ، محرك الوسط ؛ نحو : قمر - تحف - أمل ... أعلام نساء.
ومنها : أن يكون غير مختوم بها وغير محرك الوسط ، ولكنه علم لمؤنث ثلاثى ، أعجمى ؛ نحو : (دام ، علم فتاة) - و (جور (4)، علم بلد) - و (موك (5)، علم قصر) - و (سيب ، علم فاكهة). .
1) سبق (فى رقم 2 من هامش ص 206) أن التأنيث ولو كان معنويا - يعتبر علة لفظية من علل منع الصرف. ومثال المعنوى الأعلام المؤنثة : زينب ، سعاد ، سوسن .. فإن هذه الأعلام مؤنثة تأنيثا معنويا ، لعدم وجود علامة تأنيث ظاهرة فى لفظها ، ولكنها تعتبر فى هذا الباب ممنوعة من الصرف لعلتين ؛ إحداهما العلميّة ، والأخرى التأنيث الذى يعتبر هنا علة لفظية ، لظهور آثاره فى اللفظ. بتأنيث الضمير العائد على المؤنث ، وبتأنيث الفعل له.
2) تخضع هذه الصور أيضا للحكم الآتى فى : «أ» ص 227.
3) وليس من هذا النوع التاء فى مثل : «أخت وبنت» فإنها - فى الراجح - ليست للتأنيث ، وإنما هى أصل من أصول الكلمة ، كتاء : «سحت» فلو سمى بما هى فيه مذكر لم يجز منعه من الصرف. وإلى المؤنث بالتاء أشار ابن مالك بالشطر الأول من بيت نصه :
4) قد يقال : كيف تمنع كلمة : «جور» وكلمة : «موك» من الصرف وجوبا مع أنهما - - من أسماء الأماكن. وأسماء الأماكن يجوز منعها وعدم منعها ، - كما سيجىء فى «ا» من الزيادة ص 227 جابوا : أن جواز الأمرين يكون حيث لا توجد العجمة - أو علة أخرى - فى العلم المؤنث ، فإن وجدت أمع العلمية علة أخرى رجح جانب المنع وحده ، تبعا للمسموع عن العرب فى هذا.
5) قد يقال : كيف تمنع كلمة : «جور» وكلمة : «موك» من الصرف وجوبا مع أنهما - - من أسماء الأماكن. وأسماء الأماكن يجوز منعها وعدم منعها ، - كما سيجىء فى «ا» من الزيادة ص 227 جابوا : أن جواز الأمرين يكون حيث لا توجد العجمة - أو علة أخرى - فى العلم المؤنث ، فإن وجدت أمع العلمية علة أخرى رجح جانب المنع وحده ، تبعا للمسموع عن العرب فى هذا من أسماء الأماكن. وأسماء الأماكن يجوز منعها وعدم منعها ، - كما سيجىء فى «ا» من الزيادة ص 227 جابوا : أن جواز الأمرين يكون حيث لا توجد العجمة - أو علة أخرى - فى العلم المؤنث ، فإن وجدت أمع العلمية علة أخرى رجح جانب المنع وحده ، تبعا للمسموع عن العرب فى هذا.
ومنها أن يكون ثلاثيّا مخالفا لكل ما سبق من الحالات ، ولكنه علم منقول من أصله المذكر الذى اشتهر به إلى مؤنث ؛ نحو : سعد ، صخر - قيس ... أعلام نساء (1)
.................... *** وشرط منع العار كونه ارتقى - 16
فوق الثّلاث. أو : كجور ، أوسقر *** أو زيد اسم امرأة : لا اسم ذكر - 17
يريد : أن العلم المؤنث العارى من تاء التأنيث إنما يمنع من الصرف بشرط ارتقاء أحرفه على الثلاثة ، (أى : زيادتها على الثلاثة) وإلا فبشرط أن يكون أعمجيا ؛ مثل : «جور» ، أو أن يكون ثلاثيا محرك الوسط ، نحو : «سقر» ، أو أن يكون علما منقولا من مذكر لمؤنث ، ومثل له : بزيد علم امرأة. ثم قال :
وجهان فى العادم ؛ تذكيرا سبق *** وعجمة ؛ كهند ، والمنع أحق - 18
وجهان فى العادم ... أى : يصح وجهان فى العلم الذى عدم وفقد التذكير السابق وصفه ، كما عدم وفقد العجمة - ولا بد أن يكون ساكن الوسط. مثل : هند .. ومنعه أولى.
...(ب) والجائز يتحقق حين يكون العلم الذى للمؤنث ثلاثيّا ، ساكن الوسط. غير أعجمى ، وغير منقول من مذكر ؛ نحو : هند - مىّ - دعد - جمل - من أعلام النساء ، فيجوز فيها تبعا للفصيح المأثور الصرف وعدمه.
أو يكون العلم المؤنث ثنائىّ الحروف ؛ كيد ، علم فتاة ، فيجوز الأمران ...
وملخص ما سبق :
أن العلم المؤنث يجب منعه من الصرف فى جميع حالاته إلا حالتين يصح فيهما المنع وعدمه :
الأولى : أن يكون العلم المؤنث ثنائيا.
الثانية : أن يكون ثلاثيا ، ساكن الوسط ، غير أعجمىّ ، وغير منقول من المذكر للمؤنث. .
1) وفى هذا يقول ابن مالك فى العلم المؤنث الخالى من تاء التأنيث (مع ملاحظة أن صدر البيت الأول قد سبق فى رقم (3) من الصفحة السابقة :
(ا) ما سبق هو الأصل العام الذى يراعى تطبيقه فى الاستعمال. مع ملاحظة أن بجانبه أصلا آخر يصح تطبيقه أيضا - إن لم يوجد مانع (1)- ، وهو خاص بأسماء الأرضين ، والقبائل والأحياء (2)، وأسماء الكلمات ؛ ومنها حروف الهجاء ، وحروف المعانى ؛ (مثل : إنّ - لم ...) والأفعال ... فيصح فى كل ما سبق الصرف على إرادة تأويلها بشىء مذكر المعنى ؛ كتأويل الأرض بالمكان ، والقبيلة بالجدّ الأول لها ، والحىّ بالخطّ ، أو بالمكان ... وحرف الهجاء وحرف المعنى والفعل. بإرادة «اللفظ» وهكذا ... كما يصح منع الصرف على إرادة تأويلها بشىء مؤنث المعنى ؛ كتأويل الأرض بالبقعة ، وكذا القبيلة. (ولفظها مؤنث أيضا) ، والحىّ بالبقعة أو بالجهة. وأسماء حروف الهجاء وحروف المعانى والأفعال ، بالكلمة ... فأمثال تلك الأعلام الخاصة بشىء مما سبق يجوز فيها الصرف وعدمه بمراعاة أحد الاعتبارين السالفين. إلا إن وجد سبب آخر للمنع غير التأنيث المعنوى ؛ فعند ذلك يراعى السبب الآخر - على الأرجح - كتغلب ، علم قبيلة ؛ فيمنع من الصرف للعملمية ووزن الفعل ، وكذا : «تعزّ» علم بلد يمنى ... ومثل «بغدان» علم على «بغداد» ؛ فيمنع من الصرف للعلمية والزيادة ... وهكذا ... (ب) إذا سمى المذكر باسم مؤنث خال من التاء فإن كان ثلاثيا صرف مطلقا ، وإلّا وجب منعه من الصرف بشروط أربعة :
أولها : أن يكون رباعيّا فأكثر ؛ حقيقة ؛ كزينب ، أو تقديرا ، كجيل ، مخفف : جيئل (3).
ثانيها : ألا يكون التذكير هو الأصل الأول فيه قبل استعماله علما مؤنثا ؛ فلا يعرف استعماله إلا مذكرا قبل العلمية المؤنثة ؛ مثل : «دلال» علم امرأة ؛ فإنه علم منقول من التذكير وحده ؛ إذ أصله مصدر ، ولم يستعمل مؤنثا قبل التسمية المؤنثة. فإن سمى به بعد ذلك مذكر وجب صرفه.
ثالثها : ألّا يكون من الأسماء التى تستعمل مذكرة ومؤنثة قبل استعمالها علما للمذكر ؛ نحو : ذراع ؛ فإنها مذكرة ومؤنثة. فإن سمى بها مذكر وجب صرفها (1)...
رابعها : ألا يكون تأنيثه مبنيّا على تأويل خاص يجعله غير لازم ؛ كتأنيث أكثر جموع التكسير ؛ مثل كلمة «رجال» ، فإن تأنيث «رجال» - وأشباهها - مبنى على تأويله بالجماعة (2)وهذا التأويل غير لازم ؛ إذ يصح تأويله بالجمع. والجمع مذكر. فإذا سمى مذكر بكلمة : «رجال» وجب صرفه.
(ج) إذا سمى مذكر أو مؤنث بعلم منقول عن جمع المؤنث السالم (نحو : فاطمات - زينبات - عطيّات - ثمرات - مهجات ...) جاز فى هذا العلم المنقول عدة لغات ؛ أشهرها : بقاؤه مصروفا ؛ (مراعاة لحالة الجمع السابقة التى نقل منها ، وكان فيها التنوين قبل أن يصير علما) ، ويصح منعه من الصرف ، بشرط أن يكون هذا الجمع المؤنث علما - بعد نقله - على مؤنث ؛ فتراعى حالة تأنيثه القائمة ، أو أن يكون مفرده دالّا على مؤنث ، فيراعى حالة التأنيث فى مفرده. فلا بد من العلمية ... ومعها ما يدل على أن هذا الجمع للتأنيث (3)...
(د) إذا امتنع صرف الاسم للعلمية مع التأنيث وزال أحدهما ، أو زالا معا وجب تنوينه ؛ إن لم يوجد داع آخر للمنع. فمثال زوال العلمية : لم أتحدث إلى زينب من الزينبات ، ولا إلى فاطمة من الفاطمات اللاتى لا أعرفهن ، وهذا التنوين الحادث بعد زوال العلمية تنوين تنكير - كما تقدم -.
ومثال ما فقد التأنيث : محمد - علىّ ...
ومثال ما فقدهما : رجل - غلام.
(ه) التأنيث الذى يلاحظ عند منع الصرف قد يكون لفظيّا فقط (بوجود علامة تأنيث ظاهرة فى علم يراد به مذكر) ؛ نحو : (معاوية - حمزة) وقد يكون معنويّا فقط ؛ (بأن يدل لفظ على مؤنث مع خلوه من علامة تأنيث ظاهرة) ، كزينب. وقد يكون لفظيّا ومعنويّا معا ؛ كعائشة ...
(و) كما يمتنع صرف الاسم للعلمية مع التأنيث - بالشروط والتفصيلات السابقة - يمتنع كذلك لجزء من العلم مع التأنيث ؛ كما فى كلمتى : «قحافة ، وهند» وهما جزءان مؤنثان ، من علمين قديمين ، مضافين ، أحدهما : «أبو قحافة» والآخر : «أبو هند». فيجرى على هذا المضاف إليه ، وهو الجزء المؤنث من العلم ما يجرى على العلم الكامل المؤنث ، من أحكام الصرف وعدمه.
4 - يمنع الاسم من الصرف للعلمية مع العجمة بشرطين :
أولهما : أن يكون علما فى أصله الأعجمىّ (1)ثم ينتقل بعد ذلك إلى اللغة العربية علما (2)
وإذا أدخل العرب على اللفظ الأجنبى عند استعمالهم إياه علما أو غير علم ، تغييرا ولو يسيرا ، فإنه يسمى
بعد هذا التغيير : «معربا» وإن تركوه على حاله سمى عندهم : «أعجميا» - كما سيجيء في رقم 1 من هامش ص 547.
فيها.ثانيهما : أن يكون رباعيّا فأكثر.
فمثال المستوفى للشرطين : يوسف - إبراهيم - إسماعيل ...
(ا) فإن لم يتحقق الشرط الأول بأن كان الاسم غير علم فى أصله الأعجمى (أى : الأجنبى) ، فإن نقله العرب إلى لغتهم ، واستعملوه أول استعماله عندهم علما ، فإنه يمنع من الصرف. وإن لم يستعملوه أول استعماله عندهم علما وإنما نقلوه إلى لغتهم نكرة أول الأمر ، ثم جعلوه علما بعد ذلك - لم يمنع من الصرف. فمثال ما ليس علما فى اللغة الأعجمية ، ولكن نقله العرب إلى لغتهم علما أول الأمر الكلمة الفارسية : «بندار» (وهى اسم جنس لتاجر المعادن ، وللتّاجر الذى يخزن البضائع إلى زمن الغلاء). وكذلك الكلمة الرومية : «قالون» - (وهى اسم جنس للشىء الجيد) ، والكلمتان فى اللغة الأجنبية اسما جنس ، وليستا علمين. وقد نقلهما العرب إلى لغتهم علمين فى أول استعمالهما العربى ؛ ولهذا امتنع صرفهما - فى الرأى الشائع -.
ومثال ما ليس علما فى اللغة الأعجمية ونقلة العرب إلى لغتهم نكرة أول الأمر - لا علما - «ديباج» و «لجام» و «فيروز» فكل منها فى اللغة الأجنبية اسم جنس يدل على المعنى المعروف. وقد نقله العرب إلى لغتهم اسم جنس كذلك فى أول الأمر ، فلا يجوز منعه من الصرف ، ويظل حكم الصرف باقيا بعد أن يصير علما.
1) أى : غير العربى مطلقا ؛ فالمراد باللفظ الأعجمى عام يشمل كل لفظ من لغة أجنبية عن لغة العرب.
2) وقد يدخل عليه بعض تغيير يسير فى الحروف ، وضبطها (إما لتخفيف النطق به ؛ وإما لتقريبه من الصيغ العربية) أو لا يدخل. وقد يكون على الأوزان العربية (نحو : خرّم) أو خارجا عنهما (نحو : خراسان) - راجع كتاب سيبويه ج 2 ص 342 -
بناء على الشرط السابق لا بد لمنع الاسم الأجنبى من الصرف للعلمية والعجمة أن يكون : إمّا علما فى اللغة الأجنبية ، ثم ينتقل منها علما فى العربية ، ليستعمل أول أمره علما فيها ، دون أن يسبق له فى لغة العرب استعمال آخر قبل هذه العلمية ، وإما أن يكون غير علم فى اللغة الأجنبية ، ولكنه ينتقل إلى العربية ، فيستعمل فيها أول استعمالاته علما.
ويرى فريق من النحاة أنه لا داعى لاشتراط علميته فى لسان الأعاجم قبل نقله علما إلى لغتنا. وهذا الرأى أحق بالاتباع والتفضيل اليوم ؛ لأنه عملىّ ، فيه نفع وتيسير بغير إساءة للغتنا ؛ فمن العسير اليوم - بل من المستحيل واللغات الأجنبية تتجاوز المئات - أن نهتدى إلى أصل كل لفظ أجنبى نريد التسمية به ، ونعرف : أهو علم فى اللغة الأجنبية قبل انتقاله علما إلى لغتنا فنمنعه من الصرف ، أم غير علم فلا نمنعه.
هذا والأعلام الأجنبية التى انتقلت إلى العربية قد يكون الناقل لها هم العرب الفصحاء الأوائل ؛ أخذوها عن الأجانب ، ونقلوها إلى اللسان العربى. وهذا حق لهم وقد يكون الناقل لها من جاء بعد العرب الفصحاء من المحدثين وهذا جائز ، وحق مستديم لهؤلاء. ولا يزالون حتى اليوم على نقلها واستعمالها أعلاما ، وسيستمرون على هذا. ومن الأمثلة : «إبراهيم وإسماعيل» ، وهما من الأعلام فى لغة الأعاجم وقد نقلهما العرب علمين أيضا. ومن الأمثلة الأخرى التى نقلوها واتخذوها أعلاما أول الأمر مع أنها لم تكن فى اللغة الأجنبية أعلاما كلمة: «فرفج» ، ومعناها الفارسى : عريض الجناح. وكلمة : طسّوج ، ومعناها : الناحية. وكلمة : فنزج ، ومعناها : رقص. وكلمة : ساذج ، ومعناها : غضّ طرىّ ... فهذه الكلمات ونظائرها ليست أعلاما فى اللغة الفارسية ولكن العرب الأوائل نقلوها إلى لغتهم ، واتخذوها أعلاما أول الأمر ، ثم غير أعلام بعد ذلك. ومن الأعلام المنقولة حديثا إلى لغتنا : مرقص - جوزيف - فكتور ... فكل ما سبق ممنوع من الصرف وجوبا (1)للعلمية والعجمة.
(ب) وإن لم يتحقق الشرط الثانى بأن كان العلم الأعجمى ثلاثيّا فإنه لا يمنع من الصرف (سواء أكان ساكن الوسط ، أم متحرك الوسط ... ؛ مثل :
1) فى الرأى الأرجح.
نوح - ومثل : شتر ، (علم على حصن). وكذلك إن كان رباعيّا لاشتماله على ياء التصغير ؛ فإنه فى حكم الثلاثى ، لا يمنع من الصرف. ويرى بعض النحاة أن الثلاثى ساكن الوسط يجوز صرفه ومنعه من الصرف ، وأن المتحرك الوسط واجب المنع من الصرف. والأحسن الأخذ بالرأى الأول (1)
والعجمىّ الوضع والتّعريف مع *** زيد على الثلاث صرفه امتنع - 9
(زيد - زيادة. العجمى الوضع والتعريف - أى العجمى فى وضعه وتعريفه) ؛ بأن يكون اسما أعجميا معرفة - بالعلمية فى لغة العجم ، فإن لم يكن معرفة بأن كان فى أصله وصفا لشىء - لم يجز فى رأى ابن مالك منعه من الصرف. وهو بهذا يسير على الرأى الذى يشترط أن يكون الاسم أعجميا وعلما عند الأعاجم.
... .1) وفى منع الصرف للعلمية مع العجمة يقول ابن مالك :
(ا) أسماء الملائكة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة ، إلا : مالكا ، ومنكرا ونكيرا ؛ فهذه الثلاثة مصروفة. ، وأما «رضوان» فممنوع من الصرف للعلمية والزيادة.
وأسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف إلا محمدا ، وصالحا ، وشعيبا ، وهودا ، ولوطا ، ونوحا ، وشيثا. وسبب المنع : العلمية والعجمة. وأما «موسى» اسم النبى فممنوع من الصرف ؛ لو روده فى السماع الأغلب كذلك.
وأما لفظ «موسى» الذى ليس اسما للنبى ، وإنما هو اسم للأداة التى للحلق فيصح صرفه ومنعه من الصرف ؛ فيصرف إن كان من أوسيت رأسه إذا حلقته ، فالرأس موسى ؛ كمعطى. ويكون ممنوعا إن كان فعله ماس يميس ؛ فهو «فعلى» منها. قلبت الياء واوا لوقوعها بعد ضمّة (كما قلبت فى : موقن - من أيقن) ومنع الصرف لألف التأنيث.
وأما «إبليس» فممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ؛ على اعتباره أعجمى الأصل. وأما على اعتباره عربى الأصل مشتق من الإبلاس ؛ وهو الإبعاد ، فممنوع من الصرف أيضا ، ولكن للعلمية وشبه العجمة ؛ لأن العرب لم تسم به أصلا ؛ فكأنه من غير لغتها ، بالرغم من أن صيغته لها نظائر أصيلة فى العربية ؛ مثل : إكليل ، إقليم ...
(ب) وضع النحاة علامات غالبيّة ؛ يعرف بها الاسم الأعجمى.
منها : أن يكون وزنه خارجا عن الأوزان العربية ؛ مثل : إبراهيم ، وإبريسم.
ومنها : أن يكون رباعيا أو خماسيّا مع خلوه من حروف الذلاقة ، وهى ستة ، جمعها بعضهم فى : «مر بنفل».
ومنها : أن يجتمع فى الاسم من أنواع الحروف ما لا يجتمع فى الكلمة العربية الصميمة ؛ كاجتماع الجيم والقاف بغير فاصل بينهما مثل «قجقجة» (1)، واجتماع الصاد والجيم فى مثل : الصّولجان ، والكاف والجيم فى نحو : سكرّجه ، والراء بعد النون فى أول الكلمة ؛ نحو : نرجس ، والزاى بعد الدال فى مهندز.
1) اسم لعبة.
ومنها : أن ينص الأئمة الثقات على أن الكلمة أعجمية الأصل.
(ج) إذا فقد الاسم الممنوع من الصرف علميته أو عجمته ، أو هما معا - وجب تنوينه - كما عرفنا - إن لم يكن هناك داع آخر للمنع. فمثال فاقد العلمية : تكلم إبراهيم واحد فى الحفل ، وناب عن غيره ممن يشاركونه فى الاسم. ومثال فاقد العجمة : مصطفى - مأمون - أمين ... ومثال فاقدهما : إنسان - صبى - ...
5 - يمنع الاسم من الصرف للعلمية مع وزن الفعل - سواء أكان الفعل ماضيا أم مضارعا ، أم أمرا - إذا تحققت صورة من ثلاث :
الأولى : أن يكون العلم على وزن خاص : إما بالفعل الماضى وحده - دون مرفوعه (1)؛ كالماضى الذى على وزن : «فعّل» بالتشديد - نحو : صرّح ؛ وكلّم ، وكالماضى المبنى للمجهول فى مثل : حوكم - عوفى - كرّم. وكالماضى المبدوء بهمزة وصل ، أو بتاء زائدة للمطاوعة أو غير المطاوعة ، نحو : انتفع - استفهم - تسابق - تقابل - تعلّم - تبيّن ، فإذا صارت هذه الأفعال وحدها ، (دون فاعلها) أعلاما منقولة وجب منعها من الصرف للعلمية مع وزن الفعل. ووجب أن تصير همزة الوصل التى فى أولها همزة قطع ، تظهر فى النطق وفى الكتابة ، - (كما هو الشأن فى كل همزة وصل فى أول اللفظ ، ثم قد صار علما منقولا ؛ سواء أكان منقولا من فعل أم غير فعل ، فإنها تصير للقطع (2)) -
فإذا نقلت الأفعال هى ومرفوعها فلا تمنع من الصرف ؛ لأن العلم صار جملة محكية.
وإما على وزن خاص بالمضارع ، أو بالأمر دون فاعلهما إذا كانا من غير الثلاثى (3)؛ نحو : يدحرج - ينطلق - يستخرج. ونحو : دحرج - انطلق - استخرج. إلا الأمر من الفعل الدال على المفاعلة ؛ فإنه ليس خاصّا بالفعل ، ولا غالبا فيه ، نحو : قلوم - قاتل - عارض ... فنظائره من الأسماء كثيرة على هذا الوزن ، نحو : راكب - فاضل - صاحب ...
1) مرفوعه هو الفاعل ونائبه.
2) تصير همزة الوصل التى فى أول الفعل أو غيره همزة قطع إذا صار الفعل أو غيره علما منقولا ، يتساوى فى هذا الأسماء بأنواعها المختلفة - ما عدا لفظ الجلالة : «اللّه» فله الأحكام الخاصة التى سبقت فى رقم 2 من هامش ص 35 - وغير الأسماء (كما سبقت الإشارة لهذا فى رقم 2 من هامش ص 37 ورقم 3 من هامش ص 106 (وقد نص على هذا الصبان فى آخر باب النداء عند قول ابن مالك : «وباضطرار خص جمع «يا» و «أل» ... وتضمن بعضه كذلك كلام «التصريح» ، وسجله الخضرى أيضا فى الموضع نفسه وزاده إيضاحا وتعليلا سائغا يجب الاكتفاء به. لكن الصبان سها ؛ فنقل عن بعضهم شرطا يخرج بعض الأسماء من هذا الحكم. والصواب أن الحكم عام مطلق. وكان سهو الصبان فى الجزء الثالث من حاشيته ، فى باب «الممنوع من الصرف» عند الكلام على بيت ابن مالك : «كذاك ذو وزن يخص الفعلا ...» وكذلك فى جزئه الرابع. فى باب : «همزة الوصل» عند الكلام على الماضى المبدوء بها).
3) لأنهما من غير الثلاثى يكونان على وزن يكاد يختص بالفعل ، ولا يوجد فى غيره إلا نادرا.
ولا يخرج الصيغة عن اختصاصها بالفعل أن يكون العرب قد استعملوها قليلا فى غيره ؛ كاستعمالهم صيغة الماضى الذى على وزن : «فعّل» علما نحو : «خضّم» علم رجل تميمىّ ، و «شمّر» علم فرس. أو استعملوها نادرا بصيغة المبنى للمجهول ، نحو : «دئل» علم قبيلة ، أو بصيغة المضارع ؛ نحو : «ينجلب» ، لخرزة ، و «تبشّر» لطائر ... و «تعزّ» لمدينة فى اليمن. و «يشكر» لقبيلة هجاها الشاعر بقوله :
و «يشكر» لا تستطيع الوفاء *** وتعجز «يشكر» أن تغدرا
وكذلك لا يخرجها عن اختصاصها أن يكون لها نظير فى لغة الأعاجم (أى : الأجانب ، غير العرب) مثل «رند» ، علم فتاة و «طسج» علم نبات ، و «بقّم» علم صبغ ، و «يجقّب» علم رجل رسام ...
الثانية : أن يكون العلم على وزن مشترك بين الاسم والفعل ، ولكنه أكثر فى الفعل ؛ كصيغة «افعل» ، (نحو : إثمد (1)- اجلس) - وكصيغة : «افعل» (نحو : «أبلم» (2)- اكتب). وكصيغة : افعل ؛ (نحو : إصبع - اسمع) فإذا سمى بعلم منقول من هذه الصيغ وجب منعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل ، لأن وزنه هو الأغلب استعمالا ، والأكثر بين هذه الأوزان.
الثالثة : أن يكون العلم على وزن مشترك بين الاسم والفعل. شائع فيهما معا ، ولكنه أنسب وأليق بالفعل ؛ لاشتماله على زيادة تدل على معنى فى الفعل ، ولا تدل على معنى فى الاسم ، نحو : أفكل (3)، وأكلب ، وتتفل (4)، فإنها على وزان : أفهم ، وأكتب ، وتنصر ... لكن الهمزة والتاء فى الأسماء الثلاثة لا تدل على معنى فى حين أن الهمزة فى «أفهم وأكتب» تدل على المتكلم ، والتاء فى «تنصر» تدل على المخاطب أو على المؤنثة الغائبة. فالفعل المبدوء بالزيادة التى لها معنى أقوى من الاسم المبدوء بها ، من غير أن تدل على معنى فيه. فإذا جاء العلم على الوزن المشترك بينهما كان أقرب إلى الفعل ؛ فيمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
ويفهم مما تقدم أن العلم إذا كان على وزن مشترك بين الأسماء والأفعال على
السّواء من غير ترجيح لناحية الفعل - لا يجوز منعه من الصرف ، كشجر ؛ فإنه يوازن : ضرب ؛ وكجعفر ؛ فإنه يوازن : دحرج.
ويرى بعض النحاة أن مثل هذا العلم يمنع من الصرف ما دام منقولا من فعل : نحو : صابر ؛ منقولا من فعل أمر ، و «ظفر» منقولا من الماضى وقد يكون إهمال هذا الرأى أحسن (1)
كذاك ذو وزن يخصّ الفعلا *** أو غالب ، كأحمد ويعلى - 20
أى : كذلك يمنع الاسم من الصرف إن كان علما على وزن يختص بالفعل ، أو يغلب فى الفعل فالمختص بالفعل ؛ نحو : «يعلى» ، علما. والغالب ، نحو : «أحمد» ؛ وهو علم منقول من المضارع وقد يكون منقولا من أفعل التفضيل الذى فعله : «حمد» فيكون منقولا من وصف لا من فعل مضارع. وقد يدخله تنوين التنكير - أحيانا - إذا لم يدل على معين (انظر. ج من ص 224 ، ورقم 3 من هامش ص 239).
... .1) وفى منع الاسم من الصرف للعلمية ووزن الفعل يقول ابن مالك مقتصرا على النوعين الأولين من وزن الفعل :
(ا) لا يمنع العلم من الصرف إذا كان على وزن الفعل إلا بشرط أن يكون هذا العلم ملازما - فى الأغلب - صورة ثابتة فى كل أحواله لا تتغير ، وأن تكون صيغة الفعل أصليّة لم يدخلها تغيير ، وألا يخالف العلم الطريقة السائدة فى الفعل. فكلمة : «امرئ» - مثلا - يجوز فى «رائها» أن تكون مضمومة ، أو مفتوحة ، أو مكسورة ؛ تبعا للهمزة ومسايرة لها ، فإذا كانت الهمزة مضمومة جاز أن تتبعها الراء ، وإذا كانت مفتوحة أو مكسورة جاز أن تتبعها فى الحالتين كذلك ؛ تقول : جاء امرؤ نابه - كرّمت امرأ نابها - أثنيت على امرئ نابه ، فإذا كانت الراء مضمومة. فالكلمة على وزن الفعل : «انصر» ، وإذا كانت مفتوحة. فهى على وزان الفعل : «اسمع». وإذا كانت مكسورة فهى على وزن الفعل : «اجلس» فهذه الموازنة فى الصور الثلاث لا يعتد بها فى منع الصرف. فإذا صارت كلمة : «امرئ» علما ، لم تمنع من الصرف ؛ لأنها لا تثبت على حال واحدة فى استعمالاتها المختلفة ، ولا تلازم وزنا واحدا تقتصر معه على وزن فعل واحد.
وكذلك الاسم : «قفل» فإنه على وزن الفعل الماضى المبنى للمجهول : «ردّ». والاسم «ديك» على وزن الفعل الماضى المبنى للمجهول : «قيل» و «بيع» وبالرغم من هذا فإن الاسمين «قفل وديك» - وما يشبههما - لا يمنعان من الصرف - إذا صارا علمين - ؛ لأن وزن الفعل هنا ليس أصليّا خاليا من تغيير سابق ؛ إذ الفعل : «ردّ» أصله ردد ، - بضم فكسر ، وأدغمت الدّالان ؛ فصار ؛ «ردّ» فهذه الصيغة جاءت متأخرة عن صيغة أصلية سابقة لا توازنها كلمة : قفل.
وصيغة الفعل «قيل» المبنية للمجهول : ليست أصيلة ، فى هذا الوزن ؛ وإنما أصلها : «قول» نقلت حركة الواو للقاف بعد حذف الضمة (1)، ثم قلبت الواو ياء ، لوقوعها بعد الكسرة المنقولة للقاف ، فصارت الكلمة : «قيل» بصيغة طارئة ؛
1) وذلك ليمكن قلب الواو ياء. والوصول إلى بناء الماضى المعتل العين - للمجهول ، (طبقا لقاعدة البناء للمجهول - وقد سبقت فى ج 2 ص 86 م67. وهى تبيح أن تكون فاء هذا المعتل إما خالصة الكسر وإما خالصة الضم ... إلخ).
بسبب نقل حركة الواو ، وقلب هذه الواو ياء.
وكذلك صيغة الفعل : «بيع» ليست أصيلة ؛ لأن أصلها : «بيع ، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها (1)بعد حذف الضمة ؛ فصارت : «بيع» ، بصيغة جديدة ، نشأت من نقل الحركة وحذف الأخرى.
فصيغة الفعلين - وأشباههما - عند بنائهما للمجهول ليست هى الصيغة الأصلية ، وإنما هى صيغة مستحدثة ؛ لا يعتدّ بها فى منع العلم من الصرف ، فلو صارت كلمة : «قفل» أو : «ديك» علما لم يجز منعها من الصرف للعلمية مع وزن الفعل ، لأن شرط وزن الفعل لم يتحقق ...
أما مخالفة العلم للطريقة السائدة فى الفعل فتظهر فى كلمة مثل : ألبب (2)فإنها على وزن المضارع : أنصر ، أو : أكتب. فإذا صارت علما فإنها لا تمنع من الصرف للعلمية مع وزن الفعل ، لأن المضارع المماثل لها يغلب على عينه ولامه الإدغام إذا كانا من نوع واحد ، مثل : أعدّ وأصدّ ؛ فأصلهما أعدد ، وأصدد ثم وقع الإدغام. فإذا صار «ألبب» وما شابهه علما لم يصح منعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل ؛ بسبب مخالفته الفعل فى الإدغام. وهذا رأى فريق من النحاة. ويرى سيبويه منعه من الصرف ؛ لأن الفكّ (عدم الإدغام) ، قد يدخل الفعل لزوما كما فى التعجب مثل ؛ أشدد بفلان ، وجوازا فى مثل : اردد ، ولم يردد ، وفى بعض ألفاظ مسموعة ... والأفضل الاقتصار على رأى سيبويه لأنه أنسب وأيسر.
(ب) إذا كان الاسم ممنوعا من الصرف للعلمية مع وزن الفعل وزالا معا أو أحدهما وجب تنوينه إن لم يوجد مانع آخر ؛ فمثال ما فقد العلمية : لقد أثنيت على أحمد (3)
إلا أن «أحمد» أوغل في العلمية وأقوی ؛ حتی نسيت وصفتيه أو كادت. - (انظر رقم 1 من هامش ص 221 ومن ص 237-)
واحد من حملة هذا الاسم فاز بالسبق (بتنوين كلمة : أحمد). ومثال ما فقد وزن الفعل : علىّ ... ومثال فاقدهما معا : شجاع - نبات. وقد تزول العلمية ويبقى الاسم ممنوعا من الصرف. وهذا حين يكون العلم فى أصلهوصفا قبل العلمية ، كأحمر ، وأشرف ؛ علمين ، فإنهما يمنعان من الصرف للعلمية ووزن الفعل ، بعد أن اختفت الوصفية وحلّت محلها العلمية. فإن زالت العلمية لم ينصرفا أيضا ؛ لأن الوصفية ستعود ؛ فيمنعان للوصفية مع وزن وزن الفعل.
(ج) من المفيد الرجوع إلى «الملاحظة» المدونة بهامش ص 201 لاستبانة الصلة بينها وبين موضوع العلمية ووزن الفعل.
6 - ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع ألف الإلحاق المقصورة.
بيان هذا أن العرب كانوا يلحقون بآخر بعض الأسماء ألفا زائدة ، لازمة ، مقصورة أو ممدودة ، ليصير الاسم على وزن اسم آخر (1)
وعلى هذا الكلام مآخذ متعددة. يغنينا عن عرضها وتأييدها أن ألف الإلحاق تكاد تنحصر فى كلمات مسموعة قليلة معدودة ، وليس لها أحكام هامة ، وأن الإلحاق (فى الرأى الأصح ، طبقا للتفصيل الشامل الذى جاء فى الهمع ، ج 2 ص 217 - باب التصريف -) خاص بالعرب أنفسهم ، وقد انتهى بانتهاء عصور الاحتجاج بكلامهم ، وقد حددها المجمع اللغوى القاهرى بآخر القرن الثانى الهجرى فى المدن ، وآخر الرابع فى البوادى.
، ويخضع لبعض الأحكام اللغوية التى يخضع لها ذلك الاسم الآخر - ومنها : الصرف ، وعدمه - وتسمى هذه الألف : «ألف الإلحاق» ومن أمثلتها : «علقى» ، علم لنبت ، و «أرطى» (2)، علم لشجر ، وهما ملحقان بجعفر. وصحّ منعهما (3)من الصرف للعلمية وألف الإلحاق المقصورة ؛ لأن ألف الإلحاق المقصورة فى الكلمتين زائدة لازمة ، وزيادتها اللازمة فى آخرهما جعلتهما على وزن «فعلى» المختومة بألف التأنيث المقصورة اللازمة التى يمتنع صرف الاسم بسبب وجودها - فلما أشبهت ألف الإلحاق فى زيادتها ولزومها ألف التأنيث ، وجعلت وزن الاسم جاريا على الوزن الخاص بهذه - امتنع صرفه معها كما يمتنع مع ألف التأنيث (4)وما يصير علما من ذي ألف *** زيدت لإلحاق فليس ينصرف
؛ إلا أن ألف التأنيث أصيلة فى المنع ؛ فيكفى وجودها وحدها للمنع ، دون أن ينضم إليها سبب آخر. أما ألف الإلحاق فلا بد أن أن ينضم لها العلمية ... تقول : هذا علقى يتكلم - عرفت. ف1) قال السيوطى (فى همع الهوامع ج 1 ص 32) ما نصه : «الإلحاق أن تبنى - مثلا - من ذوات الثلاثة كلمة على بناء يكون رباعى الأصول ؛ فتجعل كل حرف مقابل حرف. فتفنى (أى : تنتهى) أصول الثلاثى ؛ فتأتى بحرف زائد مقابل للحرف الرابع من الرباعى الأصول ، فيسمى ذلك الحرف - الذى زاد - حرف الإلحاق» ا ه.
2) فى الرأى الشائع. وقيل إن ألف «أرطى» أصلية ؛ فالكلمة منونة دائما.
3) فى الرأى الشائع. وقيل إن ألف «أرطى» أصلية ؛ فالكلمة منونة دائما.
4) هذا تعليل كثير من النحاة ، وهو تعليل مرفوض ؛ لأن العلة الحقيقية هي استعمال العرب ليس غير. وبمثل هذا يحكم على ما يقولونه في تعليل صرف الاسم المختوم بألف الإلحاق الممدودة ، وأنها لا تشبه ألف التأنيث الممدودة في منع الصرف والعلة . عندهم . أن همزة ألف التأنيث الممدودة ، كانت ألفا في الأصل ، ثم انقلبت همزة حين وقعت بعد ألف زائدة للمد . كما سبق عند الكلام عليها في ص 195 و 197 . أما ألف الإلحاق الممدوة ، كعلباء ، (اسم لقصبة العنق) . وهى مزيدة للالحاق بكلمة : «قرطاس» ، وليست على أوزان الممدودة . فمنقلبة عن «ياء ؛ فليس بين الهمزتين تشابه فى أصلهما .. هكذا يعللون والصواب ما عرضناه وفى منع الصرف للعلمية وألف الإلحاق يقول ابن مالك :
علقى يحسن الخطابة ، استمعت إلى علقى ، فهو ممنوع من الصرف للعلمية وألف الألحاق المقصورة.
ومن أمثلة المقصورة : رجل عزهى (أى : لا يلهو) : ووزنها «فعلى» ولا تكون الكلمة المختومة بألف الإلحاق المقصورة على وزن «فعلى» ، بضم الفاء أما ألف الإلحاق الممدودة - مثل : علباء - فلا تمنع من الصرف ... (1)
(ا) إذا فقد هذا الاسم الممنوع من الصرف علميته أو ألف الإلحاق أو هما معا دخله التنوين إلا إذا منع منه مانع آخر ، فمثال فاقد العلمية : رأيت أرطى كثيرا ، ثمره كالعنّاب يغذّى الإبل (بتنوين «أرطى» للتنكير).
أما استعماله بغير ألف الإلحاق فليس معروفا.
(ب) لا تكون ألف الإلحاق المقصورة (2)- إلا فى وزن خاص بألف التأنيث المقصورة. وكلاهما حرف زائدة لازم غير مبدل من شىء آخر ، ويجوز فى الاسم المختوم بألف الإلحاق أن تلحقه تاء التأنيث مع التنوين بشرط أن يكون غير علم ؛ مثل : هذه أرطاة ، أو علقاة ... ولكن هذه التاء لا تلحق الاسم المختوم بألف التأنيث (3)، ولهذا لم تجعل الألف فى «أرطى» وعلقى - وأشباههما - للتأنيث ... (4)
أما كلمة : «تترى» وبعض أسماء أخرى فقد سمعت منونة وغير منونة على اعتبار الألف للتأنيث فتمنع من الصرف ، أو للإلحاق فلا تمنع.
7 - ويمنع الاسم من الصرف للعلمية مع العدل (1)، ويتحقق هذا فى عدة صور ، أهمها خمس :
الأولى : ما كان من ألفاظ التوكيد المعنوى جمعا على وزن : «فعل (2)» ؛ وهو : (جمع - كتع (3)- بصع (4)- بتع (5)) ؛ مثل : احتفيت بالنابغات كلّهن جمع - كتع - بصع - بتع - فكل جمع من الأربعة التى على وزن : «فعل» توكيد لكلمة : «النابغات» ، مجرور بالفتحة بدل الكسرة ؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلميّة مع وزن : «فعل» ، المجموع ، سماعا (6)
فلو صح أن العرب عدلت عن جمع إلى آخر ، فما حكمة عدولها؟ وما حكمة منع الصرف للدلالة على جمع أهملته وعدلت عنه؟ وهل يعرف العرب الأوائل القياس وغير القياس كما اصطلح النحاة عليه؟ وأن الجمع القياسي لفعلاء هو : الجمع بالألف والتاء ، وغيره مخالف للقياس؟ ولم لا يكون القياس هو ما فعلته العرب في هذه الألفاظ؟ وهل يفكر العربى ويطيل التفكير المنطقى على هذا الوجه قبل أن ينطق بالكلمة وجمعها؟ و ... و .. كل هذا غير معقول ولا واقعى. وقد أشرنا إليه كثيرا في ثنايا الأجزاء المختلفة ، وأوضحنا وجوه الخطأ فيه ، وأن بعض النحاة حين يريدون أن تكون القاعدة مطردة يتكلفون ويتجاوزون المقبول. ولما كان مرد الأمر كله لنطق العربي الفصيح كانت العلة الحقيقية هي السماع عنه ، ومثل هذا يقال في كل ماكان العدل علة من علل منع صرفه.
. وهو الوزن الذى يقول النحاة1) فى رقم 1 من هامش ص 212 تعريفه وتقسيمه.
2) سبق الكلام عليها فى باب التوكيد (ج 3 ص 417 م 116). ومما ذكر هناك يتبين أنها أعلام جنسية ، يصح جمعها جمع مذكر سالما. وليس بين الأعلام الجنسية ما يجمع هذا الجمع سواها (طبقا للبيان المدون هناك).
3) من كتع الجلد ، بمعنى : تجمعه.
4) من بصع العرق ، بمعنى : تجمعه.
5) من البتع ، وهو : طول العنق مع قوة تماسك أجزائه.
6) أما العلمية فلما سبق (فى الجزء الثالث ص 384 م 116) من أن هذه الألفاظ معارف بالعلمية ؛ إذ كل واحد منها علم جنس يدل على الإحاطة والشمول ... وأما التعبير بوزن : «فعل» السماعى فتعبير أصح وأدق وأقرب للحقيقة من التعبير «بالعدل» الذى ارتضاه كثير من النحاة ، وحاولوا جاهدين تأييده ، والدفاع عنه أمام المعارضين ، فلم ينجحوا فى دفاعهم. يقولون إن هذه الصيغ الأربع التى على وزن «فعل» جموع تكسير ، مفرداتها : جمعاء - كتعاء - بصعاء - بتعاء. فالمفرد على وزن. «فعلاء» والمفرد إذا كان اسما على وزن «فعلاء» يكون القياس فى جمعه : «فعلاوات» لا «فعل». وأيضا فإن تلك المفردات هى المؤنث للألفاظ المذكرة : أجمع - أكتع - أبصع - أبتع. وهذه المفردات المذكرة تجمع جمع مذكر سالما. فحق مؤنثاتها أن تجمع جمع مؤنث سالما لا جمع تكسير ؛ لتساير نظائرها المذكرة فى الجمع المناسب لكل. ثم يقولون : (وهذا قول البصريين الذين يمنعون جمع «فعلاء» جمع مؤنث سالما) - إن العرب لم تفعل هذا ولكنها تركت الجمع المناسب لتلك الألفاظ إلى جمع آخر لا يناسبها ، ومنعت الجمع غير المناسب من الصرف ... ؛ فكان هذا الترك وهذا المنع دليلين على عدولها. وكلام غير هذا كثير ، والاعتراض عليه أكثر وأقوى.
فى سبب منعه من الصرف إنه : «العلمية مع العدل».
الثانية : ما كان على وزن «فعل» أيضا ، ولكنه علم لمفرد ، مذكر ، ممنوع من الصرف ، سماعا (1)فإن لم يعرف السّماع فى : «فعل» فالأحسن صرفه. وأشهر المسموع من الأعلام : عمر - مضر - زفر - زحل - جمح - قزح - عصم - دلف - هذل - ثعل - جثم - قثم.
وأما أدد (جدّ قبيلة عربية) فلم يسمع فيه إلا الصرف (2). وأما : «طوى» اسم واد بالشام) فيجوز منعه من الصرف للعلمية والتأنيث ؛ بإرادة أنه علم على بقعة معينة ، ويجوز صرفه على إرادة آنه علم على مكان. وقد ورد السماع بصرفه وعدم صرفه.
ويجب الصرف إن كان «فعل» جمعا ، فى غير ألفاظ التوكيد المعنوى السالفة ؛ كغرف وقرب. أو اسم جنس كصرد (3)ونغر (4)، أو صفة كحطم (5)ولبد (6)، أو مصدر كهدى ، وتقى ...
فوزن «فعل» هذا قد يجب منعه من الصرف إذا كان علما مفردا ، مذكرا ، مسموعا بالمنع. وقد يجب صرفه إذا كان جمعا ، أو اسم جنس ، أو وصفا ، أو مصدرا ، - بشرط ألّا يكون ذلك الجمع من ألفاظ التوكيد المعنوى - كما سلف - وقد يجوز فيه الأمران والأحسن الصرف إذا كان السّماع مجهولا. فله ثلاث حالات ...
الثالثة : لفظ «سحر» (وهو : الثلث الأخير من الليل) بشرط استعماله ظرف زمان ، وأن يراد به سحر يوم معين ، مع تجريده من «أل» والإضافة ،
1) إذ ليس مع العلمية سبب آخر لمنع الصرف ؛ فلجأ النحاة إلى ما يسمونه : «العدل» ، قالوا إن ذلك العلم ممنوع من الصرف لأنه معدول عن كلمة أخرى على وزن : «فاعل» (عامر - ماضر - زافر ...) وأن العرب أرادوا أن يدلوا على هذا العدول ويرشدوا إليه ، فمنعوا العلم السالف من الصرف ؛ ليكون هذا المنع دليلا ومرشدا للعدل. وكل هذا مرفوض ؛ (لما ذكرناه فى رقم 6 من هامش الصفحة السابقة ، ورددناه فى أمكنة أخرى.) وقد آن الوقت لإهماله ...
2) كما سبق فى «ب» رقم 1 من هامش ص 212.
3) نوع من الغربان.
4) نوع من البلابل.
5) من معانيه : الراعى الذى يظلم الماشية فيهشم بعضها ببعض.
6) من معانيه : المقيم بمنزله ، لا يبرحه ، ولا يسعى وراء معاشه.
نحو : غردت البلابل يوم الخميس سحر. فكلمة : «سحر» ظرف منصوب على الظرفية ، ممنوع من التنوين للعلمية والعدل (1)
والعلم امنع صرفه إن عدلا *** كفعل التّوكيد ، أو : كثعلا
امنع صرف العلم إن كان معدولا عن كلمة أخرى. ومثل للعلم المعدول بمثالين أولهما : «فعل» التى للتوكيد ، (أى : بصيغ التوكيد التى هى جمع على وزن : «فعل») وثانيهما : «ثعل» علم رجل. (والألف التى فى آخر : «ثعل» زائدة للشعر).
، سماعا فى هذه الكلمة المنصوبة. وهذا هو التعليل الصحيح ... أمّا أكثر النحاة فيقولون : إنه ظرف ممنوع من الصرف للعلمية والعدل ويقتصرون على هذا (2).فإن لم يكن لفظ «سحر» ظرف زمان ، - بأن كان اسما محضا ، معناه الوقت المعين دون دلالة على ظرفية شىء وقع فيه - وجب تعريفه «بأل» ، أو «بالإضافة» إذا أريد منه أن يدل على التعيين ، ولا تصح العلمية ، تقول : السّحر أنسب الأوقات للتفكير الهادئ ، وصفاء الذهن. وعجيب أن يغفل الناس عن سحرهم وأن يقضوا سحرهم نائمين ...
وإن كان ظرفا لكنه غير معين (بأن كان ظرفا مبهما ، لا يدل على سحر يوم معين ، خاص -) وجب صرفه ، نحو : يحرص الزراع على الحصاد فى سحر - سأبدأ رحلتى القادمة بسحر. فالمراد فى المثالين : سحر غير معين من الأسحار المتعددة ...
وإن كان ظرفا معينا لكنه غير مجرد من «أل» و «الإضافة» وجب صرفه كذلك ؛ نحو : سأسافر يوم الخميس من السّحر إلى العصر ، وأعود يوم السبت فى سحره (3)
والعدل والتعريف مانعا سحر *** إذا به التّعيين قصدا يعتبر
أى : أن العدل والتعريف بالعلمية يمنعان - معا - «سحر» من الصرف ، بشرط أن يكون لفظ «سحر» مقصودا به تعيين سحر معين. وقد ترك بقية الشروط التى سردناها.
. .1) سبق الكلام - فى ص 212 ، هامشها - على العدل وأقسامه وفائدته ، وسحر ، وأخر ... وفى الممنوع من الصرف للعلمية والعدل يقول ابن مالك :
2) دون أن يزيدوا عليها كلمة : «السماع» ، أو نحوها من كل ما يفيد أن سبب المنع هو السماع المحض الوارد بترك التنوين والعدول عنه ، ونراهم يتعسفون ويتلمسون لإثبات العدل أسبابا واهية لكيلا يقال إن سببه فى هذه الكلمة هو السماع فهو - عندهم - علم على الوقت المعين الخاص ، وهو معدول عن «السحر» المقرونة بأل التى للتعريف ؛ لأنه لما أريد به معيّن كان الأصل فيه أن يكون معرفا «بأل» ؛ فعدل العرب عن النطق «بأل» وقصدوا تعريفه بغير ذكرها ... إلى غير هذا من آراء وأقوال أخرى فى سبب منعه ، واعتراضات كثيرة على كل منها. وما أغنانا عنها جميعا لو جعلنا السبب هو السماع.
3) وفى «سحر» يقول ابن مالك :
«ملاحظة» : بمناسبة الكلام على : «سحر» ، ومنعه من الصرف وعدم منعه - يعرض النحاة للكلام على : «رجب وصفر». وهما من أسماء الشهور العربية. فإن أريد بهما معين فهما غير منصرفين ، وإلا فهما منصرفان. ووجه ذلك - عندهم - أن المعين معدول عن «الرجب» ، و «الصفر» كما قالوا فى «سحر» إنه معدول عن «السحر» إذا أريد به سحر بعينه ؛ ففيهما العلمية والعدل. ويمكن أن يكون المانع فيهما هو العلمية والتأنيث ، باعتبار أن المراد : المدة (1).
الرابعة : ما كان علما لمؤنث ، على وزن : «فعال» مثل : رقاش - حذام قطام ... أعلام : نساء ؛ فللعرب فيه طريقتان :
إحداهما : أن بعضهم - كقبيلة تميم - يمنعه من الصرف بشرط ألا يكون مختوما بالرّاء. ويقول النحاة : إن سبب المنع هو العلمية والعدل ، لأن الأصل : راقشة - حاذمة - قاطمة .. فعدل عن هذا الأصل إلى وزن : «فعال» ؛ مع منعه من الصرف ؛ ليكون المنع دليلا على العدل. وفى هذا التعليل ما فى غيره مما سبق. وقيل إن سبب المنع ، هو : العلمية والتأنيث المعنوى ؛ كالشأن فى زينب ، وسعاد ... وهذا التعليل أصح ؛ نحو : رقاش شاعرة جاهلية - ضرب المثل بحذام ، فى سداد الرأى.
فإن كانت صيغة : «فعال» مختومة بالراء مثل : «وبار» علم قبيلة عربية ، و «ظفار» علم بلد يمنى ، و «سفار» علم بئر معينة - فأكثر التميميين يبنيه على الكسر فى كل الحالات ، نحو : «وبار» قبيلة عربية على حدود اليمن - أفنى الزمان «وبار» القديمة - لم يبق من «وبار» القديمة إلا الأطلال. فكلمة : «وبار» فى الأمثلة السالفة مبنية على الكسر فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب الجملة. ومثلها : «ظفار ، وسفار» ، ونظائرهما -.
1) راجع حاشية ياسين على التصريح ، ح 2 باب التوكيد ، عند الكلام على توكيد النكرة. (وقد نقلنا كلامه فى ج 3 باب الإضافة ، م 93 ص 38 فى بحث الإضافة البيانية ، مثل : شهر رجب) هذا ، وكلام الخضرى وغيره - فى آخر باب الممنوع من الصرف ، عند الكلام على العلمية والعدل فى سحر - ينتهى إلى ما قرره ياسين فى حاشيته.
والأخرى : أن الححازيين يبنون ذلك كله على الكسر ، سواء أكان «فعال» علما مؤنثا مختوما بالراء أم غير مختوم (1)
«ا» فالمعدول - كما يؤخذ من هذا الباب ومما سبقه فى أبواب أخرى - خمسة أنواع ، علم مؤنث ، كحذام. واسم فعل أمر ؛ كنزال. ومصدرا كحماد المعدول عن المحمدة (بكسر الميم الثانية وفتحها) وحال مثل كلمة : «بداد» فى قولهم : الخيل تعدو فى الصعيد «بداد» ، وصفة إما مسموعة جارية مجرى الأعلام من ناحية إحلالها محل الاسم ، واستعمالها غير تابعة لموصوف نحو : «حلاق» للمنية ، وهو معدول عن «حالقة» وإما صفة ملازمة للنداء فى ذم الأنثى ، نحو : يا لكاع - يا فساق - يا خباث. وهو معدول عن المشتق ؛ تريد : يا لاكعة - يا فاسقة - يا خبيثة. (بالإيضاح الذى سبق عنها فى ص 72). فهذه خمسة أنواع كلها مبنية على الكسر ، معدولة عن مؤنث. فإن صارت علما لمذكر جاز إعرابها مع منعها من الصرف - وهذا هو الأغلب - وجاز إعرابها مع تنوينها ، ولا يصح البناء فى الحالتين : وإن صار علما لمؤنث جرى عليه ما سبق تفصيله عند التميميين والحجازيين.
«ب» - وغير المعدول يكون اسما ؛ كجناح ، ومصدرا ؛ كذهاب ، ووصفا (أى : مشتقا) نحو : جواد ، أى : كريم ، وجنسا نحو : سحاب. فهذه أربعة أنواع لو صارت أحداها علما لمذكر وجب إعرابه وتنوينه إلا إن كان «فعال» فى أصله مؤنثا ، كعناق ؛ للأنثى من أولاد المعز ، فإن جعل عناق المؤنث - وأشباهه - علما منع صرفه للعلمية والتأنيث.
هذا ، وفى اللغة ألفاظ تزيد على المائة - كما قالوا - بناها العرب على الكسر ؛ لسبب من الأسباب السالفة فى : «أ» وقد جمع أكثرها «رضى الدين الصغانى» (المتوفى سنة ه 650) فى كتاب عنوانه : (ما بنته العرب على : «فعال») ونشرت أكثرها مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق.
...فتبين أن المنع من الصرف للعلمية والعدل فى وزن «فعال» المؤنث مقصور على بعض تميم بشرط ألا يكون العلم المؤنث مختوما بالراء ... (2)
وابن علي الكسر «فعال» علما مؤنثا. وهو نظير جشما -24
يقول : ابن علي على الكسر العلم المؤنث الذي على وزان : «فعال» في كل أحواله عند غير تميم ، أما عند
تميم فهو نظير : «جشم» في أنه علم ممنون من الصرف العلمية والعدل. تتمة البيت الأخير تختص بحكم مستقل سنذكر معه في ص 251 وهامشها .
الخامسة : أمس. وأشهر لغات العرب فيه لغتان ؛ إحداهما : منعه من الصرف ، رفعا ، ونصبا ، وجرّا. وهذه لغة بعض التميميين ، بشرط أن يكون مرادا به اليوم الذى قبل يومك مباشرة ، وأن يكون خاليا من «أل» والإضافة ، وأن يكون غير مصغر ، وغير مجموع جمع تكسير ، وغير ظرف ؛ فيقولون .
انقضى أمس على خير حال - وقضيت أمس فى إنجاز عملى - وقد استرحت مذ أمس. فكلمة أمس مرفوعة بالضمة بغير تنوين ، ومنصوبة ومجرورة بالفتحة من غير تنوين فيهما.
ويقول النحاة فى تعليل منعه من الصرف : إنه العلمية والعدل ؛ لأنه علم على الوقت المعين من غير أن يكون فيه علامة تدل على التعيين ؛ فهو لهذا معدول عن الأمس المعرف بأل ، فصار معرفة بغيرها.
أما أكثر التميميين فيمنعه من التنوين فى حالة الرفع وحدها ، ويبنيه على الكسر فى حالتى النصب والجر ؛ فلا يدخله فى باب الممنوع من الصرف ؛ فيقول فى الأمثلة السالفة : انقضى أمس ... - قضيت أمس ... وقد استرحت مذ أمس ...
والأخرى ؛ بناؤه على الكسر فى جميع استعمالاته إذا استوفى الشروط السالفة. وهذه لغة الحجازيين لا يدخلونه فى باب الممنوع من الصرف ؛ فيقولون مضى أمس بأحداثه ؛ فتهيأ للغد - عرفت أمس فما ذا يكون اليوم - لم أهتم بأمس ... فكلمة : «أمس» مبنية على الكسر فى محل رفع أو نصب أو جرّ على حسب حاله بالجملة.
فإن أريد بكلمة : «أمس» يوما مبهما (أى : يوما ماضيا غير معين ، بأن أريد به أمس من الأموس من غير تخصيص) كان معربا منصرفا عند التميميين والحجازيين. وكذلك إن كان مضافا ، نحو : انقضى أمس من الأموس الطيبة - قضينا أمسا من الأموس فى رحلة - لم نأسف على أمس من الأموس ... أمسنا كان جميلا - إن أمسنا كان جميلا - سررت بأمسنا.
وكذلك إن كان معرفا «بأل» نحو : الأمس كان جميلا ... إن الأمس كان جميلا ... سررت بانقضاء الأمس.
أو : كان مصغرا ؛ نحو أميس كان جميلا ... إنّ أميسا كان جميلا ... سررت بأميس.
وهذا التعليل مرفوض كنظائره السالفة ؛ لما أوضحناه من قبل. - فى رقم 6 من هامش ص 243 -
ويقول النحاة فى سبب بنائه هو تضمنه معنى الحرف «فى» (وقد تكلمنا على هذا التضمين تفصيلا فى الجزء الأول ص 55 م 6 فى موضوع الإعراب والبناء وسببها).
أو : كان مجموعا جمع تكسير ؛ نحو : أموس كانت جميلة ... إن أموسا كانت جميلة ، سررت بأموس.
أما إن كان لفظ : «أمس» ظرفا مجردا من «أل» والإضافة - وليس اسما فهو مبنى على الكسر عند الفريقين أيضا نحو : سرتنى زيارتك أمس وسأزورك قريبا - خرجت أمس مبكرا لرحلة نهرية (1)...
ا - إذا زالت علمية «أمس» دخلها التنوين ، نحو : سأزورك فى أمس من الأموس. وإذا زال العدل بأن استعملت مقرونة «بأل» فهى معربة ، يمتنع تنوينها بسبب «أل» - كما هو معروف - لا بسبب منع الصرف. وكذلك عند الإضافة.
وكل كلمة أخرى ممنوعة من الصرف للعلمية مع العدل يجب صرفها إذا لم توجد العلتان أو إحداهما ، ما لم يمنع من الصرف مانع آخر.
ب - إذا سميت رجلا «بأمس» وجب صرفه على لغة الحجازيين كما تصرف «غاق» إذا سميت بها. (وقد سبق أن كل مفرد مبنى إذا صار علما - فإنه يجب فيه الإعراب مع الصرف ؛ طبقا لأنسب الرأيين اللذين عرضناهما من قبل) (2)
وإن سميت «بأمس» على لغة تميم صرفته أيضا فى الأحوال كلها ؛
كثير من هذه الأحكام العامة منثور فى مواضع متفرقة من الباب الخاص بالممنوع من الصرف ، أو غيره. الأبواب الأخرى. ونعرضه هنا فى جمع وتركيز.
1 - الممنوع من الصرف لا يدخله تنوين «الأمكنية» مطلقا. وحكمه : أنه يرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالفتحة أيضا نيابة عن الكسرة. ولكن يشترط لجره بالفتحة ألا يكون مضافا ، ولا مقرونا «بأل» - أو بما ينوب عنها ، مثل : «أم» فى بعض اللّهجات -
فإن فقد الشرط وجب جره بالكسرة ، مثل : لا تكن بأعجل الخصمين استجابة للشر ، فما أضرّ أن توصف بالأعجل. و ... و ...
وإذا كان الممنوع من الصرف علما منقولا من جمع مؤنث سالم (1)(مثل : عطيات - عليّات - زينات ... ،) - جاز إعرابه إعراب ما لا ينصرف ، وجاز إعرابه كالمنصرف ؛ فيرفع بالضمة ، وينصب بالفتحة ، ويجر بالكسرة ، مع تنوينه فى الحالات الثلاث.
2 - الممنوع من الصرف أحد عشر نوعا. منها ما يكون ممنوعا لعلّة (2)واحدة ، ومنها ما يكون ممنوعا لاثنتين. فالممنوع لواحدة هو : «صيغة منتهى الجموع» - وملحقاتها - ، والمختوم «بألف التأنيث». وكلاهما لا ينصرف مطلقا مهما اختلفت استعمالاته ؛ لأن علامته لا تفارقه مطلقا. لكن لا يجرّ بالفتحة إلا بشرط خلوّه من «أل» و «الإضافة».
والممنوع لعلامتين - أى : لعلتين (3)- قد تكون إحداهما «الوصفية» مع شىء آخر ، وقد تكون «العلمية» مع شىء آخر أيضا.
فالممنوع للوصفية مع شريكتها ثلاثة أنواع لا تنصرف مطلقا ، مهما اختلفت استعمالاتها ؛ لأن هذه الوصفية مع شريكتها ملازمة للاسم ، لا تفارقه إلا إذا حلت محلها العلمية ، وعندئذ يمتنع صرفه للعلمية وما يكون معها. فهذا النوع الممنوع
للوصفية وشريكتها كسابقه لا ينصرف مطلقا. لكن لا يجر بالفتحة إلا بشرط خلوه من «أل» ، و «الإضافة».
والممنوع من الصرف للعلمية مع شىء آخر سبعة أنواع ، ويظل ممنوعا ما دام مشتملا على العلتين ، فإن زالت إحداهما أو كلتاهما دخله التنوين وجوبا - إن لم يوجد داع آخر للمنع - وقد أوضحنا تفصيل هذا فى مواضعه ... وستأتى له إشارة أخرى قريبة (1)
...... واصرفن ما نكّرا *** من كل ما التّعريف فيه أثّرا - 25
أى : يجب صرف كل اسم نكّر بعد أن كان معرفا وكان للتعريف أثر فى منع صرفه. وهو يريد بالتعريف هنا : تعريف «العلمية» ، دون غيرها كما يريد بالصرف أحيانا كثيرة التنوين مطلقا. وكان الأنسب هنا أن يقول : و «نوّنن» ، بدلا من : «اصرفن» ؛ لأن «الصرف» الذى يشيع استعماله فى هذا الباب يراد به : «تنوين الأمكنية» فى الأغلب. أما التنوين الذى يلحق العلم الممنوع من الصرف إذا فقد علميته فتنوين التنكير. هذا وصدر البيت هو : (عند تميم ، واصرفن ما نكرا) وقد سبق - فى هامش ص 247 - عند الكلام على حكم ينسب لتميم ، ورد ذكره قبله.
...ويستثنى من هذا الحكم ما كان صفة قبل العلمية ؛ كأحمر ، وأفضل علمين (2)... ، فإنهما يمنعان من الصرف للعلمية الطارئة مع وزن الفعل ، مع أنهما فى الأصل وصفين ، وقد اختفت الوصفية الأصلية أمام العلمية الجديدة. فإذا زالت العلمية لم يجز تنوين الاسمين ؛ لأن زوالها سيؤدى إلى رجوع الوصفية التى زالت بسببها ؛ فيظل الاسمان ممنوعين من الصرف بعد زوالها ، ويصير سبب المنع هو الوصفية مع وزن الفعل.
3 - إذا كان الممنوع من الصرف اسما منقوصا (3)، (علما أو غير علم ؛ كبعض أنواع الوصف وصيغة منتهى الجموع) - فإن ياءه تحذف رفعا ، وجرّا ، وينوّن (4). وتبقى فى حالة النصب مفتوحة بغير تنوين. مثل : دواع ، جمع : .
1) وقد أشار ابن مالك إلى حكم الممنوع من الصرف للعلمية مع شىء آخر ، إذا فقد العلمية فقال :
2) بخلاف «أحمد» ، طبقا لما تقدم فى «ب» من ص 239.
3) سبقت الإشارة إليه فى هذا الباب ص 199. أما تفصيل الكلام عليه ففى الجزء الأول ص 124 م 15.
4) وهذا التنوين للعوض (كما أشرنا فى هذا الباب - رقم 2 من هامش ص 199 - وفى ص 25 ح ا م 3 وأبدينا ملاحظات عليه حين يكون فى الممنوع من الصرف).
داعية - وأعيل (1)، تصغير : أعلى - وراع ، علم فتاة ، - وكذلك : تفد (علم فتاة : منقول من المضارع تفدى) ... تقول : (ظهرت للخير دواع - عرفت دواعى للخير - استجبت لدواع كريمة) فكلمة : «دواع» ، الأولى منونة ، وهى فاعل مرفوع بضمة على الياء المحذوفة. والأصل (دواعى - دواعين) دخلها أنواع من التغيير سبق (2)شرحها ؛ لأن هذه الكلمة ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع ...
وكلمة : «دواعى» ، مفعول منصوب بالفتحة الظاهرة بغير تنوين.
وكلمة : «دواع» الأخيرة - منونة مجرورة باللام ، وعلامة جرها الفتحة على الياء المحذوفة ، بدل الكسرة ؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع ، وأصلها : دواعى (دواعين) دخلتها التغييرات التى سبق (3)إيضاحها.
وتقول : (أعيل خير من الأسفل - إنّ أعيلى خير من الأسفل - لا تقنع بأعيل ، واطلب المزيد). فكلمة : «أعيل» الأولى منونة ، مبتدأ مرفوع بالضمة على الياء المحذوفة ، والأصل : أعيلى (أعيلين) دخلتها التغيرات التى عرفناها لأن هذه الكلمة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل ؛ فهى على وزن المضارع : أسيطر ، وأبيطر (4)...
وكلمة : «أعيلى» اسم «إن» منصوب بالفتحة الظاهرة على الياء بغير تنوين.
وكلمة : «أعيل» الأخيرة ، منونة مجرورة بالباء وعلامة جرها الفتحة بدل الكسرة على الياء المحذوفة ، لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل. وقد دخلها التغيير المعروف.
1) تقضى قواعد «التصغير» الخاصة بغير الثلاثى - وستأتى فى ص 639 - بكسر هذه «اللام» بعد ياء التصغير ؛ فتنقلب الألف بعد اللام المكسورة ياء ، وتصير الكلمة : «أعيلى» وهذه منقوصة ، إذا نونت حذفت ياؤها رفعا وجرا.
2) فى ص 199.
3) فى ص 199.
4) وهذا على الرأى الأرجح الذى لا يجعل وزن : «أفيعل» خاصا بالوصف ، إذ يوجد فى الفعل ؛ نحو : أبيطر. - انظر رقم 2 من هامش ص 208 ثم ص 260.
وتقول : (سمعت قصيدة لشاعرة اسمها «راع») (وقد صافحت راعى بعد سماعها) - (وسوف أستمع إلى راع ...) ، فكلمة : «راع» الأولى منونة ، خبر مرفوع بضمة على الياء المحذوفة ، وأصلها : راعى (راعين) طرأ عليها التغير السالف.
وكلمة : راعى ، مفعول منصوب بغير تنوين.
وكلمة : «راع» الأخيرة منونة ، مجرورة بإلى ، وعلامة جرها الفتحة على الياء المحذوفة بدل الكسرة ؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للعلمية والتّأنيث. وقد طرأ عليها التغير الذى قدمنا.
وتقول : «تفد» طبيبة مشهورة - إنّ «تفدى» طبيبة مشهورة - يثنى المرضى على «تفد». فكلمة : «تفد» الأولى منونة ، مبتدأ مرفوع بضمة على الياء المحذوفة ، وكلمة : «تفدى» (بغير تنوين) اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة. وكلمة : «تفد» الأخيرة منونة ، مجرورة بعلى ، وعلامة جرها الفتحة على الياء المحذوفة بدل الكسرة ؛ لأن الكلمة ممنوعة من الصرف للعلمية ووزن الفعل ... وهكذا.
ويرى جماعة من النحاة أن المنقوص الممنوع من الصرف على الوجه السالف ، تثبت ياؤه بغير تنوين فى جميع حالاته (رفعا ونصبا وجرّا) ، فيرفع بضمة مقدرة على الياء بغير تنوين ، وينصب بالفتحة الظاهرة بغير تنوين. ويجر بالفتحة الظاهرة بغير تنوين بدل الكسرة ؛ لأنه ممنوع من الصرف ، فيقولون فى الأمثلة السالفة ظهرت دواعى للخير ، - اتبعت دواعى للخير - اهتديت بدواعى للخير. ويقولون : أعيلى خير ... - إن أعيلى خير ... - لا تقتع بأعيلى ...
ويقولون : الشاعرة اسمها : راعى ... - صافحت راعى ... - إلى راعى ... - وكذلك : «تفدى» طبيبة مشهورة ... - إن تفدى طبيبة ... يثنى المرضى على تفدى ...
ولكن هذا الرأى ضعيف - عندهم - ؛ لندرة شواهده الفصيحة ، وضعف الاستدلال بها ، فيحسن إهماله (1)...
1) وإنما ذكرناه - كما نذكر الضعيف من أشباهه - لنهتدى به فى فهم الوارد منه فى الكلام القديم ، مع العدول عن استعماله.
وهناك رأى آخر فى المنقوص الذى على وزن الصيغة الأصيلة لمنتهى الجموع وملخصه (1): أن بعض العرب يقلب الكسرة قبل ياء المنقوص فتحة ؛ فتنقلب الياء ألفا بشرط أن يكون وزان المنقوص كوزان إحدى الصيغ الأصيلة لمنتهى الجموع ، وأن يكون مفرده اسما محضا على وزن «فعلاء» الدالة على مؤنث ، وليس له - فى الغالب - مذكر ؛ كصحراء وصحار ، فيقول فيها. «صحارى» بغير تنوين فى الحالات الثلاث ... (2)
وما يكون منه منقوصا ففى *** إعرابه نهج جوار يقتفى
(منه ، أى : من الممنوع من الصرف. يقتفى - يتبع). وتقدير البيت : ما يكون من الممنوع من الصرف منقوصا ، فإنه يقتفى (أى : يتبع ويسير) فى إعرابه نهج جوار ، وطريق جوار (جمع تكسير لجارية ، فى حذف يائه رفعا وجرا مع التنوين ، وإثبات الياء وإظهار الفتحة عليها بغير تنوين فى حالة النصب. وهذا حكم مجمل مختصر. وقد وفيناه فى الشرح.
4 - الممنوع من الصرف قد يجب تنوينه ، وقد يجوز :
فيجب تنوينه فى حالتين :
(ا) أن يكون أحد السببين المانعين له هو العلمية ، ثم زالت بسبب تنكيره وبقى بعد زوالها العلة الثانية وحدها (وهى : التأنيث ، أو : الزيادة ، أو : العدل ، أو : وزن الفعل ، أو : العجمة ، أو : التركيب ، أو : ألف الإلحاق المقصورة) ؛ لأن هذه العلة الثانية الباقية لا تكفى وحدها لمنع الصرف بعد زوال العلمية ؛ فيجب تنكير الاسم إن لم يوجد مانع آخر - ولهذا تدخل عليه «ربّ» وهى لا تدخل إلا على النكرات فى الأعم الأغلب - ، فتقول : رب فاطمة ، أو عثمان ، أو عمر ، أو يزيد ، أو إبراهيم ، أو معديكرب أو أرطى ، - قابلت ؛ بالجر بالكسرة مع التنوين فى هذه الأنواع السبعة ؛ لذهاب أحد موجبى المنع ، وهو العلمية. ويستثنى من هذا الحكم ما أشرنا إليه من قبل (3)؛ وهو الاسم الذى كان فى أصله وصفا ممنوعا من الصرف للوصفية وعلة أخرى ثم زالت عنه الوصفية وحدها وحلّت محلها العلمية ، فصار ممنوعا من الصرف للعلمية الطارئة ومعها العلة الأخرى ، نحو «أحمر ؛ فإن زوال علميته لا يبيح تنوينه ولكنه يقتضى .
رجوعه إلى الوصفية الأصلية التى سبق أن تركت مكانها للعلمية الطارئة. فإذا زال الطارئ عاد الاسم إلى أصله ممنوعا من الصرف كما كان. أما فى غير هذه الحالة فينون فى حالاته الثلاثة ، ولا يجر بالفتحة.
(ب) أن يكون الاسم مصغرا ، وقد أدى تصغيره إلى إزالة أحد السببين المانعين من صرفه ؛ كتصغير «عمر» على : «عمير» ، وكتصغير : «أحمد» تصغير ترخيم على : «حميد» فإن هذا التّصغير جعل الاسم على صورة لا يصح منعها من الصرف ؛ فكلمة : «عمير» ليست كعمر الممنوعة من الصرف ، سماعا (أو لما يسميه النحاة : العلمية والعدل) فلا سماع فى عمير ، ولا عدل فيها. وكلمة : «حميد» ليست على وزن الفعل ؛ فهى فاقدة للسبب الثانى الذى لا بد منه مع العلمية. بخلاف «أحمد» ففيه السببان (1).
وهذه الحالة الثانية : «ب» راجعة للأولى. وفى الحالتين يجر الاسم بالكسرة. وجوبا ؛ إذ يجرى عليه حكم المنصرف كاملا ، إن لم يمنع مانع آخر.
ويجوز تنوينه ومنعه من التنوين فى حالتين :
الأولى : مراعاة التناسب فى آخر الكلمات المتجاورة ، أو المختومة بسجعة ، أو بفاصلة (2)فى آخر الجمل ؛ لتتشابه فى التنوين ، من غير أن يكون له داع إلا هذا ؛ لأن للتناسب إيقاعا عذبا على الأذن ، وأثرا فى تقوية المعنى ، وتمكينه فى نفس السامع والقارئ. ومن الأمثلة كلمة : «سلاسلا» بالتنوين فى قراءة من قرأ قوله تعالى : ( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً ، وَسَعِيراً ... ) فقد نونت الكلمة لمراعاة التى تليها وتجاورها. وكذلك كلمة : «قواريرا» فى قراءة
1) قد يكون الاسم منونا وهو مكبر ، فإذا صغر امتنع صرفه لوجود السببين معا. ويمثلون لهذا بكلمة : «تحلئ» علما ، (ومن معانيه : القشر الذى يظهر حول منابت الشعر (فهى غير ممنوعة من الصرف إلا إذا كانت علما مصغرا ، نحو : «تحيلئ» فانها تمنع للعلمية ووزن الفعل ، إذ تكون على وزان تدحرج وتبيطر - ولهذا الحكم تفصيللات فى ص 260 ، ولا سيما الحالة الثالثة -
2) «السجعة» : وجود حرف متشابه متماثل فى نهاية جملتين أو أكثر ... كقوله تعالى : ( إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ؛ فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً .. ) «والفاصلة» .. وقوع كلمة فى آخر الجملة على وزان كلمة أخرى فى جملة قبلها أو بعدها من غير أن تتشابه الكلمتان فى الحرف الأخير منهما. وليس من اللازم أن يكون التشابه فى الوزن كاملا صرفيا ، وإنما يكفى أن يكون متقاربا. ومن الأمثلة الآية الآتية بعد فى أهل الجنة : (متكئين فيها ...).
من قرأها بالتنوين فى قوله تعالى يصف اهل الجنّة : (متّكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا. ودانية عليهم ظلالها ، وذلّلت قطوفها تذليلا ، ويطاف عليهم بآنية من فضّة وأكواب كانت قواريرا ، قواريرا من فضّة قدّروها تقديرا ...) فقد نونت كلمة «قواريرا» ، الأولى لمراعاة آخر الجملة التى قبلها ، ومراعاة لآخر الجملة التى بعدها ... ونونت كلمة : «قواريرا» الثانية لمراعاة الأولى ... ومراعاة نهاية الآية السابقة ، فإنّها منونة أيضا.
ومن الأمثلة قراءة من قرأ : «يغوث» ، و «يعوق» منونتين فى قوله تعالى عن المشركين ، ومخاطبة بعضهم بعضا بالتمسك بأصنامهم : (وقالوا : لا تذرنّ آلهتكم ، ولا تذرنّ ودّا ، ولا سواعا ، ولا يغوثا ، ويعوقا ، ونسرا (1)) ، فقد نونت الكلمتان مراعاة لما حولهما من كلمات أخرى منونة.
الثانية : الضرورة الشعرية (2)
(اعلم أن للسجع ضرورة الشعر ، وأن له وزنا يضاهى ضرورة الوزن الشعرى فى الزيادة والنقصان والإبدال ، وغير ذلك. وحذفوا التنوين فيه كما حذفوه فى الشعر . وساق أمثلة متعددة تؤيد كل ما سبق . حكى ذلك الخليل ، وأبو حنيفة الدينوري ... وقد جاء مثل هذا في فواصل القرآن ، لتتفق الفواصل. فمن الزيادة قوله تعالى في سورة الأحزاب : عن الكافرين : (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، يَقُولُونَ : يا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ ، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) . فقد زيدت ألف في آخر كلمة «السبيل» ؛ مراعاة لكلمة «السول» ، وزيدت ألف في كلمة : «الرسول» لأن الآيات التي قبلها مختومة ، بكلمات منونة ، منصوبة ، آخرها ألف. وكذلك زيدت ألف في كلمة : «الظنون» من قوله تعالى في سورة الأحزاب .. (وَتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنونا) وزيادتها لمراعاة أواخر الآيات التي قبلها ، المختومة بكلمات منصوبة آخرها ألف أليما . بصيرا (..) فزيدت الألف فى الفواصل كما تزاد في الشعر ، آخر القافية - بقصد الإطلاق. ومن النقص قوله تعالى في سورة الفجر : (وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ ، وَالشَّفْعِ ، وَالْوَتْرِ ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسرِ) فحذفت الياء من «يسر» اتباعا للوتر ، وما تقدمه. وكذلك حذفت الياء . من أكرمنى ، وأهانني . في قوله تعالى تعالى في هذه السورة : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربى أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن» كما حذفت فى الشعر فى قول القائل :
فهل يمنعنّ ارتياد البلاد *** من حذر الموت ، أن يأتين
(أى : يأتينى) ا ه كلام ابن برى ،
وهو كلام قوى نفيس ، يؤيده ويوافقه الفصل الخاص الذى عقده له صاحب «همع الهوامع» فى الجزء الثانى تحت عنوان : «خاتمة» - ص 158 - بعد الباب الخاص بموضوع : «الضرائر». وكلامهما أعم وأشمل من كلام ابن جهنّى حيث يقول : (الأمثال تجرى مجرى المنظوم فى تحمل الضروة) - راجع ص 19 من التعريف بكتابه المحتسب ، ج 1 طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.
وفيما بلى نص كلامه (ص 11 من تلك الرسالة) :
، وما فى حكمها (3) - ؛ فيضطر الشاعر ببسبها1) كل هذه أسماء أصنام اتخذها المشركون من أهل الجاهلية آلهة لهم عبدوها.
2) (2. 2) الشائع فى أكثر الكتب النحوية أن «الضرورة» خاصة بالشعر وحده. لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق ، كما صرح ابن برى فى رسالته المطبوعة فى نهاية «مقامات الحريرى» ، يدافع فيها عن صاحب «المقامات» ، ويصحح كل ما أخذه عليها «ابن الخشاب البغدادى» ، فقد صرح ابن برى بأن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده ، وإنما تشمل السجع والفواصل أيضا. وفيما بلى نص كلامه (ص 11 من تلك الرسالة) :
إلى تنوين الاسم ؛ ككلمة «محاسن» فى قول الشاعر :
إن الذى ملأ اللغات محاسنا *** جعل الجمال وسرّه فى الضاد (1)
ويتبع هذا جره - حتما - بالكسرة بدل الفتحة فى حالة الجر ؛ «ككلمة «عنيزة» فى قول امرئ القيس :
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة *** فقالت له الويلات إنك مرجلى (2)
فقد دخل الجر والتنوين فى كلمة «عنيزة» لضرورة الشعر. ومثل كلمة : «فاطمة» فى قول الشاعر يمدح «عليا زين العابدين» بأنه من نسلها وهى بنت الرسول عليه السّلام :
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا
وقد يضطر الشاعر إلى جر الاسم بالكسرة دون تنوينه ، مثل كلمة : «عصائب» فى قول المادح :
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه *** عصائب طير تهتدى بعصائب
وإنما كان التنوين جائزا - لا واجبا - فى الحالتين السالفتين ، لأن المتكلم يستطيع فى الحالة الأولى أن ينون أو لا ينون ، فله الخيار ، كما يستطيع فى الحالة الثانية أن يترك الكلمة التى تدفعه إلى التنوين قهرا واضطرارا (3). ليختار كلمة أخرى تلائم القافية والوزن الشعرى من غير حاجة لمنع الصرف. .
1) الضاد : رمز يكنى به عن اللغة العربية وحدها ؛ لعدم وجوده فى اللغات الأخرى الشائعة.
2) الخدر : الهودج. «مرجلى : ستجعلنى راجلة ، أى : ماشية ، لأن الهودج لا يحتملهما معا.
3) أى : أن تنوين الضرورة يعتبر ضروريا محتوما إذا حرص الشاعر على كلمة معينة لا يريد تركها إلى أخرى لا تستوجب التنوين. ويعتبر اختياريا جائزا إن لا حظنا أن الشاعر حر يستطيع أن يختار كلمة أخرى لا توجب عليه التنوين. وعند كثرة النحاة - أن الضرورة هى التى تباح فى الشعر دون النثر ولو استطاع الشاعر أن يتخطاها ، إذ تعد فى النثر مخالفة غير جائزة. وهذا رأى يرفضه - بحق - «ابن برى» محتجا بما تقدم فى رقم 2 من هامش الصفحة السالفة.
وفى كلتا الحالتين السالفتين تعرب الكلمة على حسب موقعها من الجملة ، ويزاد على إعرابها حين تكوين منونة : أن تنوينها للضرورة ، وتجر بالكسرة - لا بالفتحة - على الأفصح.
5 - يجوز فى الضرورة الشعرية أن يمنع الاسم المنصرف من التنوين الذى استحقه قبل هذه الضرورة ؛ سواء أكان الاسم علما أم غير علم. فمثال العلم كلمة : «شبيب» فى قول الشاعر :
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت *** بشبيب (1)
وكلمة : «الأزارق» مفعول به للفعل : «طلب» والفاعل ضمير مستتر ، تقديره : هو ، يعود على سفيان
نائب الحجاج ، وزوج ابنته.
«هوت» بمعنى : أطمعت ، وغرّت. يقال : هوى به الأمر : أي : أطمعه وغره
غائلة النفوس ، هى : الموت ، وتعرب فاعلا للفعل : هوى.
غائلة النفوس ، غدورفقد منع التنوين من كلمة : «شبيب» ، للضرورة ، إذ لا يوجد مع العلمية السبب الذى يجب أن ينضم إليها عند منع الصرف. ومثال غير العلم كلمة : «موالى» فى قول الشاعر :
فلو كان عبد اللّه مولى هجوته *** ولكنّ عبد اللّه مولى مواليا
والأصل الغالب أن يقول : مولى موال ، فترك هذا الأصل ، وأثبت الياء ، وجر الاسم بالفتحة الظاهرة عليها ...
لكن إذا منع الاسم من التّنوين بسبب الضرورة الشعرية فما حكمه فى حالة الجر؟ أيجر بالكسرة كالأسماء المنصرفة المتمكنة ولكن بغير تنوين ، أم يجر بالفتحة بغير تنوين كالممنوع من الصرف؟ الأمران جائزان. والأحسن جره بالكسرة كأصله ، والاقتصار فى الضرورة على منع تنوينه (2).
ويعرب الاسم الممنوع من التنوين للضرورة على حسب موقعه من الجملة ، ويزاد فى كل حالة إنه ممنوع من التنوين للضرورة. وإذا كان مجرورا بالفتحة زيد
1) مجرور بالفتحة بدل الكسرة ؛ لما تقرر : أن المنصرف الذى يمنع صرفه للضرورة يصح جره بالكسرة بدل الفتحة ، ويصح جره بالفتحة بدل الكسره - كما سيجىء هنا -. «والأزارق» - وأصلها : الأزارقة ، جمع أزرقىّ - قوم من الخوارج ينسبون إلى نافع بن الأزرق زعيمهم. «شبيب» هذا هو شبيب بن زيد من رءوسهم. ادعى الخلافة وتسمى بأمير المؤمنين.
2) ليكون فى هذا تقدير للضرورة بقدرها الذى لا بد منه وحده ، وترك ما لا شأن له بها.
أيضا : أنه مجرور بالفتحة ؛ لأنه ممنوع من الصرف للضرورة (1)
ولاضطرار أو تناسب صرف *** ذو المنع. والمصروف قد لا ينصرف - 27
يريد : أن الممنوع من الصرف قد يصرف بسبب الضرورة أو التناسب الكلامى ، وأن المصروف قد ينون. وقد أوضحنا الحكمين وسردنا تفاصيلهما.
وبمناسبة قول ابن مالك : (والمصروف قد لا ينصرف) نذكر أن فريقا من النحاة - ومنهم ابن هشام فى المغنى فى مبحث «قد» - يمنع وقوع «لا» النافية بعدها ، فاصلة بينها وبين المضارع ، ومشترطا أن يكون المضارع بعدها مثبتا. وبهذا الرأى يقول بعض اللغويين كصاحب القاموس ، وتبعهم فيه أحد الباحثين المعاصرين.
لكن صاحب لسان العرب نقل فى مادة : «ذام» مثلا عربيا فصيحا نصه : «قد لا تعدم الحسناء ذاما» كما نقل أبو هلال العسكرى فى كتابه : «الأمثال» ، المطبوع على هامش كتاب : «الأمثال» للميدانى (فى ص 117 ج 2) مثلا آخر قديما نصه : «قد لا يقاد بى الجمل» ورأيت فى بعض الشعر الجاهلى وغيره من فصيح الكلام الذى يحتج به وقوع المضارع المنفى بالحرف «لا» مسبوقا بقد مباشرة (أى أن الحرف «لا» النافى توسط فى ذلك الكلام العربى الصحيح بين «قد» والمضارع). وقلنا فى الجزء الأول (م 4 - ص 50) إن رفض تلك الأمثال غير مستساغ إلا إذا لجأنا للتأويل الواهى المتعسف الذى لا يثبت على التمحيص. ومن الأدلة ورودها فى شعر الأعشى ميمون ، وهو جاهلى أدرك ظهور الإسلام فى بيت له (من قصيدته التاسعة والعشرين بالصفحة 195 من ديوانه) ونصه :
وقد قالت قتيلة إذ رأتنى *** وقد لا تعدم الحسناء ذا ما ...
وفى بيت آخر لقيس الجهنى - وهو جاهلى ، وقد نقله الآمدى فى كتابه : المؤتلف ص 123 ، ونصه :
وكنت مسودا فينا حميدا *** وقد لا تعدم الحسناء ذا ما ...
وكذلك فى بيت للنمر بن تولب - وهو مخضرم - (ونصه كما رواه السيوطى فى شواهد المعنى ، ص 66):
وأحبب حبيبك حبّا رويدا *** فقد لا يعولك أن تصرما ...
وهذه الرواية توافق رواية «منتهى الطلب» فى المخطوطة الأصلية المحفوظة بدار الكتب ، ورقمها بين المخطوطات الأدبية : (12631) ... إلى غير هذا من الأمثلة التى تقطع بصحة الاستعمال السابق فى غير ضعف ، ولا شذوذ ، ولا تأويل ، ولا تردد فى صحة قول ابن مالك - وهو الإمام الثقة - : «والمصروف قد لا ينصرف ...»
... »1) وفى تنوين الممنوع ، ومنع التنوين من الاسم الذى يستحقه .. يقول ابن مالك فى ختام الباب :
للتصغير والتكبير أثر فى الصرف ومنعه. ولهذا أربع حالات (1).
الأولى : أسماء تمنع من الصرف وهى مصغرة أو مكبرة ، لوجود سبب المنع فى حالتيها - بشرط ألا تكون مضافة ولا مقرونة بأل ، كما عرفنا - ومن أمثلتها :
معديكرب - طلحة - زينب - حمراء - غضبان - إسحاق - أحمر - يزيد ... ونحوها مما تحقق فيه شرط المنع ، ولا يفقد سبب المنع فى تصغير ولا تكبير. الثانية : أسماء تمنع من الصرف وهى مكبرة ، وتصرف وهى مصغرة ، نحو : عمر - شمّر - سرحان (2)- أرطى (3)- جنادل ... أعلاما. فإن تصغيرها على عمير - شمير (4)- سريحين - أريط - وجنيّدل (5)- يزيل سببا لازما لمنعها من الصرف ؛ هو العدل فى عمير ، ووزن الفعل فى شمير ، وعدم وجود الألف الزائدة فى سريحين ، وعدم وجود ألف الإلحاق فى أريط ، وعدم وجود صيغة منتهى الجموع فى جنيدل.
الثالثة : أسماء تمنع من الصرف مصغرة ، وتنصرف مكبرة. ومنها : تحلىء (6)، - توسّط (7)- تهبط (8). ترتب (9)؛ فتصغيرها : تحيلىء - تويسط - تريتب - تهيبط. وكل هذه الأسماء المصغرة جارية على وزن المضارع : «تبيطر» فتمنع للعلمية ووزن الفعل ولم تكن قبل التصغير مستحقة للمنع فكفله لها. وهذا بشرط ألّا تجىء ياء عوضا عن حرف حذف فى بعضها ؛ فإن جىء بالياء وجب التنوين نحو : تويسيط وتهيبيط ... ؛ لفقد وزن الفعل ... (10)
الرابعة : أسماء يجوز صرفها ومنعها من الصرف وهى مكبرة ، فإذا صغرت تحتم المنع ، نحو : دعد - جمل ، وهما علمان لفتاتين. فيجوز فيهما المنع وعدمه قبل التصغير. أما بعده (دعيد - جميل ...) فيجب منعهما.
1) هذه الحالات يجمعها ضابط واحد وضعوه ، هو : أن كل مصغر لم يذهب تصغيره أحد سببيه فهو غير منصرف ، وإلا فهو منصرف.
2) من معانيه : الذئب ، والأسد ..
3) أصله نوع من الشجر.
4) تصغير ترخيم.
5) تصغير ترخيم.
6) الشعر المتروك على الجلد بعد الدباغة ، ووسخ الجلد وسواده ، والقشر الذى حول منابت الشعر ..
7) مصدر توسط.
8) اسم طائر. (بكسر أوله وثانيه وثالثه المشدد).
9) الشىء المقيم الثابت. (وضبطه : على وزن قنفذ ، أو جندب).
10) انظر رقم 1 من هامش ص 255.
الأفعال ثلاثة : «ماض وأمر» ، وهما مبنيان دائما. و «مضارع» ، وهو معرب ، إلا إذا اتصلت به اتصالا مباشرا «نون التوكيد» ؛ فيبنى على الفتح ، أو «نون النسوة» فيبنى على السكون. وفى غير هاتين الحالتين يكون معربا (1).
وهذا الإعراب يقتضى أن تتغير علامة آخره ؛ رفعا ، ونصبا ، وجزما ، على حسب أحواله ؛ فتكون العلامة ضمة ، أو ما ينوب عنها ، فى حالة رفعه ، وتكون فتحة ، أو ما ينوب عنها ، فى حالة نصبه بناصب قبله ، وتكون سكونا أو ما ينوب عنه فى حالة جزمه بجازم قبله. وعلى هذا لا يرفع المضارع إلا فى حالة واحدة ؛ هى التى يتجرد (2)
أما حقيقة الأمر فهى أن العربي رفع المضارع الذى لم يسبقه ناصب ولا جازم ، ونصبه أو جزمه إذا تقدمت الأداة الخاصة بهذا أو بذاك وأن المحدثين تابعوا العرب في مسلكهم ، وحاكوهم فيه ، من غير أن يفكر العرب ولا المحدثون في عامل الرفع : أهو عدمى أم غير عدمى؟ ويقتضينا الجد ومتابعة ركب الحياة الحضرية بعلومها وفنونها أن نوجه الجهد . ولو كان يسيرا . إلى جلائل الأمور.
إن نظرية «العامل» التي ابتكرها النحاة نظرية بارعة عظيمة ، ودليل نبوغ وعبقرية ؛ وطالما امتدحناها ، ولم تنكر من أمرها إلا التعسف . بغير داع . في تطبيقها. وهذا هو العرض المعيب في جوهرها النفيس (كما أشرنا في ص 45 م 6 ج 1. وفصلنا الكلام فيها). ونحن نكشف عنها هذا العرض في مناسبات مختلفة ؛ ليصفو جوهرها ، ويخلص معدنها الثمين ولهذا ندغ الجدل هنا في سبب رفع المضارع.
فيها من الناصب والجازم ؛ فلا يسبقه شىء منهما ؛ سواء1) سبق (فى ج 1 ص 44 ، 50 م 6) تفصيل الكلام على معنى الإعراب والبناء ، وأثرهما فى الأفعال ... كما سبق هنا (فى ص 161 م 143) الكلام على نونى التوكيد وأحكامهما وآثارهما. واتصالهما المباشر بالمضارع، وغير المباشر ، ونتيجة كل ... أما نون النسوة فاتصالها به مباشر فى كل حالاتها.
2) للنحاة جدل عنيف فى سبب رفع المضارع ؛ أهو التجرد - والتجرد علامة عدمية - أم هو حلوله محل الاسم ، أم الزيادة التى فى أوله ... أم ...؟ إلى غير ذلك من آراء متعددة ، لا يسلم واحد منها من اعتراضات مختلفة ، ولا يقوى اعتراض منها على الثبات أمام الردود التى توجه إليه ... وهذه المعركة الجدلية الشاقة لا طائل وراءها. ومن إضاعة الوقت والجهد الوقوف عندها.
أكان رفعه ظاهرا أم مقدرا ؛ كالفعلين : «يسىء ويتلى» فى قول الشاعر :
وأقتل داء رؤية العين ظالما *** يسىء ، ويتلى فى المحافل حمده
فإن سبقه ناصب وجب نصبه ، أو جازم وجب جزمه (1)
ارفع مضارعا إذا يجرّد *** من ناصب وجازم ؛ كتسعد - 1
. وهذا الباب معقود للكلام على الأدوات التى تنصبه ، وكلها حروف ، وهى : (أن - لن - إذن - كى) - (لام الجحود - أو - حتى - فاء السببية - واو المعية). فهذه تسعة. وزاد بعض النحاة حرفين ؛ هما : «لام التعليل» ، و «ثمّ» ؛ الملحقة (2)بواو المعيّة ، وبهما يكمل عدد النواصب أحد عشر حرفا. وكل حرف منها يخلص زمن المضارع للمستقبل المحض (3).والأربعة الأولى تنصب المضارع بنفسها مباشرة لا بحرف آخر ظاهر أو مقدر. أما بقية الأحرف فلا تنصبه بنفسها ، وإنما الذى ينصبه هو : «أن» المضمرة وجوبا بين تلك الأحرف والمضارع.
والمذهب الكوفى يبيح توسط «كى» مضمرة أو مظهرة بين لام التعليل والمضارع ، ويجعل هذا المضارع منصوبا بها ، لا «بأن» المضمرة ، وسيجىء (4)بيان هذا كله فى موضعه المناسب من الباب. .
إذا بنى المضارع المجرد من الناصب والجازم على الفتح (لاتصاله المباشر بنون التوكيد) ، أو على السكون ؛ (لاتصاله بنون النسوة) فهل يكون له محل من الإعراب ؛ فيقال عنه : مبنى فى محل رفع ؛ لأن الرفع هو الأصل الثابت له قبل أن تطرأ عليه فتحة البناء وسكونه؟
الأحسن الأخذ بالرأى القائل إنه مبنى على الفتح أو على السكون فى محل رفع ؛ لأنه الأصل الذى تجب مراعاته عند مجىء مضارع آخر بعد الأول ، تابع له (كأن يكون الثانى معطوفا على الأول ، أو توكيدا لفظيّا له ، أو بدلا منه) ؛ فيجب رفع الثانى المجرد عن الناصب والجازم ؛ تبعا لمحل الأول من غير أن يتأثر ببناء الأول ؛ إذ التابع لا يكتسب البناء من المتبوع.
أما إذا كان المضارع المبنى غير مجرد - لوقوعه بعد ناصب أو جازم - فإنه يبنى على الفتح ، أو على السكون ، على حسب نوع النون المتصلة بآخره ، ويكون فى محل نصب إن سبقه ناصب ، وفى محل جزم (1)إن سبقه جازم. ويراعى هذا المحل فى المضارع الذى يجىء بعده ، تابعا له ؛ (معطوفا ، أو توكيدا لفظيّا ، أو بدلا ...) لأن مراعاة المحل واجبة فى هذه الصورة. ويتعين فيها أن تكون العلامة الإعرابية فى التابع مماثلة للعلامة الإعرابية المحليّة فى المتبوع. فمثال المضارع المبنى على الفتح فى محل نصب : ... إذن لا أصاحبن الخائن ، ولا أرافقه. فالفعل : «أصاحب» مبنى على الفتح فى محل نصب بالحرف : «إذن» والفعل «أرافق» معطوف عليه ، معرب منصوب ؛ تبعا لمحل المعطوف عليه ...
ومثال المضارع المبنى على الفتح فى محل جزم : لا تخافن إلا ذنبك ، ولا ترجون إلا ربك ، وقول الشاعر :
لا تحسنّ المجد وال *** علياء فى كذب المظاهر
فالأفعال : تخاف - ترجو - تحسب - مبنيّة على الفتح فى محل جزم ب «لا» الناهية.
ومثال المضارع المبنى على السكون ، لاتصاله بنون النسوة - إما فى محل نصب وإما فى محل جزم على حسب الأداة التى قبله - قول بعض المؤرخين فى وصف الأعرابيات :
1) كما سيجىء فى رقم 1 من هلم مش ص 440.
اشترك كثيرات منهن فى الحروب ، كما تشترك فرق المتطوعات اليوم. ومع اشتراكهن لم يهملن التصون والتحفظ. وأنّى لهن أن يتركنه ، والدين والنشأة العربية الأصيلة خير عاصم للحرائر؟
فالمضارع «يهمل» - مبنى على السكون فى محل جزم بالحرف «لم». والمضارع «يترك» مبنى على السكون فى محل نصب بالحرف : «أن».
ويجب مراعاة هذا المحل فى التوابع - كما سلف - ؛ فيجب نصب المضارع المعطوف - مثلا - إن كان المعطوف عليه مضارعا مبنيّا فى محل نصب ، كما يجب جزم المضارع المعطوف - مثلا - إن كان المعطوف عليه مضارعا مبنيّا فى محل جزم ... وهكذا بقية التوابع. فلإعراب المضارع إعرابا محليّا أثر فى توابعه وفى المعنى.
(ج) لا يعتبر المضارع ساكنا إذا كان سكون آخره عارضا بسبب الوقف عليه ، أو بسبب التخفيف من توالى ثلاث حركات فى آخره مباشرة ، أو فى آخره مع ما يتصل به ويعتبر جزءا منه ، كالضمير. وهذا التخفيف لغة بعض القبائل ، وأوضح صوره تسكين الحرف الثانى من الأحرف الثلاثة المتوالية المتحركة. فيقولون : - يستمع - بسكون الميم فى المضارع : «يستمع» مكسور الميم ، ويقولون : (إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ؛ بسكون الراء فى آخر المضارع «يأمر» ؛ لوقوع الضمير المتحرك بعده ، وهذا هو ما يعنينا الآن. فعند الإعراب نقول : إن المضارع مرفوع أو منصوب على حسب حالته الأصلية ، ونزيد : أنه سكن للوقف ، أو للتخفيف (1)... ومثل هذا السكون لا يراعى فى التوابع.
1) سبق بيان شامل عن «سكون التخفيف» ؛ فى ج 1 م 16 ص 180 عند الكلام على :«مواضع الإعراب التقديرى» ، وأشهر المواضع التى تقدر فيها الحركات الأصلية».
الأحرف الأربعة الناصبة بنفسها :
الأول : «أن» المصدرية (1)المحضة الناصبة للمضارع. وعلامتها : أن تقع فى كلام يدل على الشك ، أو على الرجاء والطمع (2)، وأن يقع بعدها فعل. - فهى لا تقع فى كلام يدل على اليقين والتحقق ، ولا فى كلام يدل على الرجحان ... (3)، ولا تدخل على غير فعل -. فمثال وقوعها بعد الشك : (أىّ الأمرين أجدر بالعاقل ؛ أن يدارى السفيه أو أن يقاطعه؟ فلقد عجز الرأى الحكيم عن ترجيح أحدهما). ومثال الرجاء والطمع قوله تعالى : ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) ، وقول الشاعر :
المرء يأمل أن يعي *** ش ، وطول عيش قد يضره
فأما التى تقع فى كلام يدلّ على اليقين فهى «المخففة من الثقيلة» (4)نحو : أعتقد أن سينتصر الحق ، ولو تأخر انتصاره ... أىّ : أنه سينتصر ...
وأما التى تقع فى كلام يدل على الرجحان (أى : الظن الغالب) فتصلح للنوعين ؛ فيصح أن تكون مصدرية ناصبة المضارع ، كما يصح أن تكون مخففة من الثقيلة ؛ نحو : (من غرّه شبابه ، أو ماله ، أو جاهه ، وظن أن يسالمه الدهر - فقد عرض نفسه للمهالك).
وإن لم يقع بعدها فعل فليست بالمصدرية التى تنصب المضارع. كقول الشاعر :
أأنت أخى ما لم تكن لى حاجة؟ *** فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
أى : أنه لا أخاليا.
1) يصح أن يقال : «أن» المصدرى ، أى : الحرف المصدرى. وأن يقال «أن» المصدرية ، أى : الكلمة المصدرية ؛ فالتذكير على اعتبار الحرف ، والتأنيث على اعتبار الكلمة. وهذا يصدق على جميع الحروف الناصبة ، وغيرها. (انظر هامش ص 272 ورقم 4 من هامش ص 349).
2) أى : الأمل.
3) اليقين : هو قطع المتكلم بثبوت أمر ، وتحققه ، سواء أكان هذا اليقين صحيحا فى الواقع أم غير صحيح ، وسواء أكان الثبوت والتحقق سلبا أم إيجابا. والشك هو : استواء التصديق والتكذيب فى نفس المتكلم ، بحيث لا يستطيع أن يصل إلى القطع والجزم بثبوت الشىء أو بنفيه ؛ لعدم وجود مرجح لأحدهما. والظن أو الرجحان : هو تغلب أحد الأمرين على الآخر فى قوة الدليل تغلبا لا يصل إلى حد اليقين - وقد سبق الكلام على هذا ، فى ج 2 م. 6 ص 5 أول باب ظن وأخواتها -.
4) سبق البيان الشافى عنها فى المكان الأنسب (ج 1 ص 515 م 55 باب : «إن وأخواتها») لأنها من أخوات «إن» تنصب الاسم وترفع الخبر ؛ فلا تنصب المضارع. ويجىء لها بيان مناسب فى ص 273.
أهم أحكامها :
1 - أنها تدخل على الماضى والمضارع باتفاق (1). وإذا دخلت على الماضى لا تنصبه لفظا ، ولا تقديرا ، ولا محلا - لأن الماضى لا ينصب مطلقا - ولا تغيّر زمنه. وإنما تتركه على حاله ؛ نحو : فرحت بأن عاد الحق إلى أهله.
وإذا دخلت على المضارع نصبته لفظا ، أو تقديرا ، أو محلا ، وخلّصت زمنه للاستقبال - كالشأن فى كل نواصبه - كقولهم : (خير لك أن تقبل ما لا بد منه مختارا ، بدل أن ترضى به قهرا واضطرارا ؛ فلا تجمعن على نفسك ضعف المضطر ؛ وذلة المغلوب على الأمر).
2 - أنها لا بد أن تسبك مع الجملة الفعلية - المضارعيّة وغير المضارعية - التى تدخل عليها سبكا خاصّا يؤدى إلى إيجاد مصدر مؤول ، يغنى عن «أن وما دخلت عليه» ؛ ويعرب على حسب حاجة الجملة : فقد يكون فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ ، أو خبرا ، أو سادّا مسدّ المفعولين ، أو غير ذلك مما يقتضيه السياق (2)...
3 - أنها تتصل بالفعل الذى تدخل عليه اتصالا مباشرا (3)؛ فلا يجوز الفصل بينهما بغير «لا» النافية ، أو الزائدة ؛ فالأولى ، نحو :
وإن افتقادى واحدا بعد واحد
دليل على ألّا (4)يدوم خليل
ونحو : ما أعجب ألّا (5)يرتدع الظالم بمصير من سبقوه. والثانية : نحو : قوله تعالى : ( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ ... )
1) أما دخولها على الأمر والنهى فيجىء الكلام عليه فى «الزيادة والتفصيل» ، ص 279.
2) سبق (فى ج 1 ص 364 و 574 م 29 عند الكلام على أنواع الموصولات الحرفية) كيفية سبك المصدر المؤول ، وطرائقه المختلفة ، وفوائده التى لا تتحقق فى المصدر الصريح ، أوضحنا كل هذا بما فيه غنى وكفاية لأهميته. وأوضحنا هناك - وفى ج 2 باب المستثنى م 81 ص 255 عند الكلام على حكم المستثنى «بإلا» - أهم المواضع التى يقع فيها المصدر مؤولا بدون حرف سابك ، كالتى بعد همزة التسوية أو نوع خاص من القسم.
3) فلا يصح الفصل بينهما بالسين (كما نص التصريح عند الكلام على «لام الجحود) ولا بسواها إلا كلمة «لا» النافية ، أو الزائدة. وأجاز بعضهم الفصل بينهما بالظرف ، أو بالجار مع مجروره لأن شبه الجملة موضع التوسع.
4) هنا : «أن» مدغمة فى «لا» طبقا لقواعد رسم الحروف. والأصل : أن لا - وسيجىء الكلام على كتابتها فى ص 280 قسم «ب» من الزيادة.
5) هنا : «أن» مدغمة فى «لا» طبقا لقواعد رسم الحروف. والأصل : أن لا - وسيجىء الكلام على كتابتها فى ص 280 قسم «ب» من الزيادة.
أى : لأن يعلم أهل الكتاب (1)... لأن المعنى هنا على زيادتها وإلا فسد.
وكذلك لا يجوز الفصل بأجنبى بين أجزاء الجملة الفعلية التى دخلت عليها «أن» المذكورة (2). فإذا دخلت على جملة فعلية تشتمل على مضارع - مثلا - وفاعله ، أو عليهما وما يكملهما من مفعولات أو غيرها وجب أن تتصل أجزاء الجملة بعضها ببعض من غير أن يفصل بينهما أجنبى يجىء من جملة أخرى. ففى مثل : (سررت أن أراك نصير الفضيلة ؛ لا تبغى بها بدلا ، ولو احتملت فى سبيلها المتاعب ، ولاقيت المشقات) - لا يصح فى كلمة أو أكثر من الكلمات التى جاءت بعد : «لو» أن تنتقل من مكانها لتفصل بين كلمتين مما دخلت عليه «أن» السالفة (3).
4 - أن معمول فعلها لا يتقدم عليها - فى الرأى السديد - سواء أكان المعمول مفعولا أم غير مفعول ، كقول شوقى : (عليك أن تلبس الناس على أخلاقها وليس عليك ترقيع أخلاقها (4)). فلا يصح : عليك - الناس - أن تلبس على أخلاقها ، كما لا يصح : عليك - على أخلاقها - أن تلبس الناس ...
5 - أن بعض القبائل العربية يهملها ؛ فلا ينصب بها المضارع ، برغم استيفائها شروط نصبه ؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى : ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) برفع المضارع : «يتمّ» على اعتبار «أن» مصدرية مهملة. والأنسب اليوم ترك هذه اللغة لأهلها ، والاقتصار على الإعمال ؛ حرصا على الإبانة ، وبعدا عن الإلباس.
1) الجملة التى تدخل عليها «أن» تسمى : «صلة أن» (كما عرفنا فى الجزء الأول ، باب «الموصول» عند الكلام على الموصولات الحرفية. م 29 ص 368. ) وستعاد هذه الآية لمناسبة أخرى فى ص 268.
2) الجملة التى تدخل عليها «أن» تسمى : «صلة أن» (كما عرفنا فى الجزء الأول ، باب «الموصول» عند الكلام على الموصولات الحرفية. م 29 ص 368. ) وستعاد هذه الآية لمناسبة أخرى فى ص 268.
3) لهذا يمتنع فى مثل : (عسى أن يعرف الولد فضل والديه) - إعراب : «الولد» اسما لعسى ؛ لأن اسم «عسى» أجنبى عن الجملة التى دخلت عليها «أن» إذ ليس منها ، ولا من مكملاتها. ونظير هذا كلمة : «ربّ» فى قوله تعالى : ( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) فلا يصح إعرابها اسم «عسى» مع إعراب «مقاما» منصوبا على الظرفية أو غيرها بالفعل : «يبعث». أما مع إعراب : «مقاما» مصدرا لفعل محذوف (أى ؛ تقوم مقاما) فيجوز الأمران (وقد أوضحنا هذا فى الجزء الأول ص 294 م 29 فى باب الموصولات الحرفية ، وفى باب عسى وأخواتها ص 470 م 50 من ذلك الجزء).
4) جمع : خلق ، وهو : الثوب البالى القديم.
6 - أنها تمتاز - ومثلها : كى عند الكوفيين - بنصبها المضارع ظاهرة ، أو مضمرة (1)، بخلاف بقية الإدوات الأخرى التى تنصبه بنفسها ؛ فإنها لا تنصبه إلا ظاهرة.
وبهذه المناسبة يذكر النحاة مواضع لإظهارها وجوبا ، ومواضع لإضمارها وجوبا ، ومواضع لجواز الأمرين. وفيما يلى البيان :
(ا) فيجب إظهارها فى موضع واحد ، هو أن تقع بين «لام الجر» و «لا» سواء أكانت «لا» نافية أم زائدة ، فمثال الأولى قول العربىّ : إنى أنتصر للعرب ، لئلا (2)يطمع فينا أعداؤنا ، وقول الشاعر :
وإنى لأترك قبح الكلام *** لئلّا أجاب بما أكره
ومثال الثانية قول اللّه تعالى : (لئلّا (3)يعلم أهل الكتاب ألّا يقدرون على شىء من فضل اللّه) ، أى : ليعلم أهل الكتاب ... - كما سبق (4)-.
(ب) ويجب إضمارها بعد واحد من ستة أحرف : (لام الجحود - أو - - حتى - فاء السببية - واو المعية) ، وكذا بعد : «ثمّ» الملحقة بواو المعية ، عند من يرى إلحاقها. ولإضمار أن بعد هذه الأحرف تفصيلات وشروط تجىء عند الكلام على كل منها.
(ج) ويجوز إظهارها وإضمارها فى موضعين :
أولهما : أن يسبقها لام الجر ، ويقع بعدها المضارع مباشرة من غير أن تفصله : «لا» النافية ، أو الزائدة ؛ نحو : اقرأ التاريخ لتنتفع بعبره ومواعظه ، أو : لأن تنتفع (5)، وقول الشاعر :
إن أخاك الحق من يسعى معك *** ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك *** بدّد شمل نفسمه ليجمعك
فيصح - فى غير الشعر - لأن ينفعك - لأن يجمعك ...
1) فى ص 378 السبب فى إضمار «أن» وجوبا وجوازا.
2) هذه الهمزة هى همزة : «أن» أما نونها فمدغمة فى : «لا» فلا تظهر نطقا ولا كتابة ؛ طبقا لقواعد الإملاء والقراءة. وسيجىء البيان فى «ب» من ص 280 -
3) هذه الهمزة هى همزة : «أن» أما نونها فمدغمة فى : «لا» فلا تظهر نطقا ولا كتابة ؛ طبقا لقواعد الإملاء والقراءة. وسيجىء البيان فى «ب» من ص 280 -
4) فى ص 266.
5) وكل هذا بشرط ألا يسبقها كون منفى ، فإن سبقها وجب إضمار «أن» كما سيجىء فى مواضع الوجوب ، ص 298.
ولام الجر هذه قد تكون أصلية لإفادة التعليل (1)وهى التى بمعنى : «لأجل : كذا : ...» فما بعدها - فى الأغلب - علة لما قبلها فى الكلام المثبت) (2)، كالأمثلة السابقة.
وقد تكون أصلية لبيان العاقبة (وتسمى : «لام الصيرورة» أو : «لام المآل» ، وهى التى يكون ما بعدها نتيجة مترتبة على ما قبلها ، ونهاية جزائية له). كقوله تعالى عن موسى عليه السّلام : (فاتخذه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزنا ...) ، فإن فرعون وآله لم يعتنوا بموسى وبتربيته فى القصر الفرعونى ليكون لهم بعد ذلك سبب عداوة وحزن ... وإنما اعتنوا بتربيته لينفعهم ، أو يكون لهم بمنزلة الولد. فلم تتحقق هذه الأمنية ، وتحقق بدلها أمر آخر ؛ هو العداوة والحزن ، فالعداوة والحزن هما اللذان انتهى إليهما أمر التربية ، وهما العاقبة (النتيجة) أو المآل الذى صار إليه أمر العناية.
وقد تكون زائدة لتقوية المعنى ، وهى الواقعة بين فعل متعد ، ومفعوله ، كقول الشاعر فى الحديث عن ليلاه :
أريد لأنسى ذكرها ؛ فكانما *** تمثّل (3)لى ليلى بكل سبيل
فالمضارع : «أريد» متعد ، ومفعوله المناسب هو المصدر المنسبك من «أن» المقدرة جوازا بعد اللام ، ومن الجملة المضارعية بعدها ، وهذه اللام زائدة بينهما. والتقدير : أريد نسيانى ذكرها (4)
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه *** فطيب تراب القبر نمّ على القبر
أى : أرادوا إخفاءهم قبره ؛ فلام الجر زائدة بين الماضى ومفعوله المصدر المؤول. ومثله :
أراد الظاعنون ليحزنونى *** فهاجوا صدع قلبى ؛ فاستطارا
ومثله :
ومن يك ذا عظم صليب رجا به *** ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
أى : رجا كسر عود الدهر به ... ومثل :
وملكت ما بين العراق ويثرب *** ملكا أجار لمسلم ومعاهد
أي : أجار مسلما ومعاهدا .. فاللام فى هذه الأمثلة وأشباهها - زائدة بين الفعل المتعدى ومفعوله الاسم الصريح كالمثال الأخير ، أو المصدر المؤول كبقية الأمثلة. واعغبار هذه اللام زائدة داخلة على المفعول أفضل من اعتبار المفعول اسما محذوفا قبلها على أن زيادتها في البيت الأخير الذى يستشهد به النحاة موضوع شك ؛ لما قدمناه عند الكلام عليه فى باب : «حروف الجر » . ج 2 م 90 ص 367 ..
، والأصل أريد لأن أنسى. ..1) تختلف لام التعليل فى معناها وحكمها عن لام الجحود. وسيأتى الكلام على هذا فى ص 298 وص 302.
2) وقد تسمى : «لام «كى»» ، لصحة إحلال : كى الدالة على التعليل محلها. (انظر ص 283 و 302
3) أى : تتمثل ، وحذفت إحدى التاءين ، تخفيفا.
4) والغالب أن يكون المفعول مصدرا مؤولا ، وقد يكون اسما صريحا. ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر فى الرثاء :
ويجيز الكوفيون إضمار : «كى» فى كل موضع يجوز فيه إضمار : «أن» وإظهارها ؛ كالحالة السالفة بأمثلتها المختلفة ؛ فالموضع الصالح لإظهار «أن» ولإضمارها صالح جوازا للأمرين عندهم فى «كى». ويسمون لام الجر التى قبلها : ب «لام التعليل» أو : ب «لام كى» وهذا الخلاف لا أهمية له ، بالرغم من كثرة استعمال «أن» الناصبة فى أفصح الأساليب ظاهرة ومضمرة ...
ثانيهما : أن تقع بعد حرف عطف من حروف أربعة ويليه المضارع مباشرة هى : (الواو - الفاء - ثم - أو ...) بشرط ألا يدل هذا الحرف على معنى من المعانى التى توجب إضمار «أن» ؛ (كالسببية مع : «الفاء» ، والمعية مع : «الواو» و «ثمّ» ، وكالتعليل ، والغاية ، والاستثناء مع : «أو» (1)...) وبشرط أن يكون المعطوف عليه اسما مذكورا (2)، جامدا محضا (أى : اسما خالصا من من معنى الفعل) سواء أكان هذا الاسم المذكور الجامد مصدرا صريحا (3)أم غير مصدر. أما المعطوف فهو المصدر المؤول من «أن» والجملة المضارعية بعدها.
فمثال «الواو» إذا كان المعطوف عليه مصدرا صريحا : تعب وأحصّل رزقى خير من راحة وأمدّ يدى للسؤال.
وقول القائل :
ولبس عباءه وتقرّ عينى *** أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف (4)
ومثالها إذا كان جامدا غير مصدر : لولا النخل فى الصحراء ويغذى البدوىّ لم يجد قوته ، ولو لا الآبار وتسقيه لم يجد شرابه.
ومثال الفاء والمعطوف عليه مصدر صريح : إن اقتنائى الكتب فأستفيد منها ، كاقتنائى الحديقة اليانعة فأنتفع بثمارها ورياحينها ...
ومثالها وهو جامد غير مصدر إن البحر فأفكر فى عجائبه ، كالقمر فأطلق خواطرى وراء أسراره.
ومثال «ثم» والمعطوف عليه مصدر صريح : إن التسرع فى الأمر ثم يصلح ، كالإهمال فيه ثم يتدارك ؛ كلاهما معيب ؛ يضاعف الجهد والعناء ، ويضعف الأثر.
ومثالها وهو اسم جامد غير مصدر : إن الزروع ثم أعتمد على نفسى فى رعايتها لهى من خير الوسائل للغنى ، وإن المال ثم يساء التصرّف فيه لهو أشد دواعى الشقاء.
ومثال «أو» والمعطوف عليه مصدر صريح : لا يرضى النابه بالتقصير أو يتداركه ؛ وإنما رضاه بالكمال ، ويقترب منه.
ومثالها وهو جامد غير مصدر قولك للمسافر : لن يحول البعد دون اتصالنا. فعندنا البريد والبرق أو يبادر أحدنا بزيارة أخيه ... وهكذا.
فكل مضارع بعد حرف من الحروف الأربعة السالفة منصوب بأن مضمرة جوازا ، ويصح إظهارها ، وكل مصدر مؤول من أن المضمرة جوازا أو الظاهرة معطوف على اسم خالص قبلها ، قد يكون مصدرا صريحا ، أو اسما جامدا غير مصدر. ولا بد - مراعاة للأغلب - أن يكون المعطوف عليه مذكورا فى الكلام ؛ فلا يصح أن يكون محذوفا ولا أن يكون - فى الأغلب (1)- متصيدا متوهما.
فإن كان المعطوف عليه اسما غير صريح - بأن كان فيه معنى الفعل ، كالمشتقات العاملة - لم يصح النصب ، نحو : الصارخة فيتألم العاقل هى النادبة. فالفعل : «يتألم» واجب الرفع ؛ لأنه معطوف على كلمة : «الصارخة» وهى اسم غير صريح ؛ إذ هى من المشتقات العاملة ؛ ففيها معنى الفعل ، ورائحته ، وواقعة موقعه ، من جهة أنها صلة «أل» الموصولة. والأصل فى الصلة أن تكون جملة ، فكلمة صارخة بمنزلة : «تصرخ» فكأن التقدير : «التى تصرخ» فلما جاءت «أل» الموصولة اقتضت العدول عن الفعل إلى اسم الفاعل : لأنها لا تدخل إلا على بعض المشتقات التى تصلح أن تكون صلة لها.
1) قد يكون متصيدا ، أحيانا - كما سبق فى رقم 2 من هامش الصفحة السالفة ، وكما يجىء فى ص 309.
وإذا لم يصح العطف فى المواضع السالفة لم يصح نصب المضارع تبعا لذلك ، فيجب معه على اعتبار الواو ، والفاء ، وثم ، حروف استئناف ، والجملة بعدها مستقلة فى إعرابها عما قبلها. وعلى اعتبار «أو» فى هذا الموضع - خاصة - للاستئناف كذلك (1)
وبين «لا» ، ولام جرّ التزم *** إظهار «أن» ناصبة. وإن عدم ... - 7
«لا» «فأن» اعمل مظهرا أو مضمرا *** ....................... - 8
أى : يلزم إظهار «أن» الناصبة للمضارع إذا وقعت متوسطة بين «لا» بنوعيها ولام الجر. فإن عدمت «لا» فأعمل «أن» مظهرة أو مضمرة ؛ لأن الأمرين جائزان. ثم انتقل فى الشطر الأخير إلى الكلام على مواضع إضمارها وجوبا وستأتى فى ص 298.
وفى الموضع الثانى من مواضع إظهار «أن» الناصبة وإضمارها - جوازا ، يقول ابن مالك فى بيت واحد قبل البيت الذى ختم به الباب :
وإن على اسم خالص فعل عطف *** تنصبه «أن» ثابتا أو منحذف - 18
يقول : إذا عطف المضارع على اسم خالص من رائحة الفعل. - ومعنى أنه خالص : جموده على الوجه الذى شرحناه - نصبته «أن» ثابتة فى الكلام أو محذوفة ؛ (بمعنى : مقدرة) ولم يذكر شيئا عن حروف العطف التى تستعمل هنا ، ولا شيئا من الشروط والتفصيلات.
ويلاحظ أنه قال : تنصبه «أن» فأراد من «أن» الكلمة ، ثم عاد فقال : ثابتا أو منحذف ، يريد : منحذفا ؛ على إراده الحرف «أن». (انظر رقم «1» من هامش ص 265).
.1) وفى موضع الإظهار الواجب والجائز والإضمار الواجب يقول ابن مالك فى البيتين السابع والثامن :
(ا) من المفيد سرد بقية أنواع : «أن» بإيجاز مناسب ؛ لشدة الحاجة إلى فهمها ، ولأنها تزيد «المصدرية المحضة» الناصبة للمضارع وضوحا لا يكاد يتحقق إلا بعد عرض هذه الأنواع المختلفة ؛ عرضا تتبين به وجوه المشابهة والمخالفة.
والأنواع خمسة :
1 - المصدرية المحضة الناصبة ، وقد سبق الكلام عليها.
2 - المخففة (1)من الثقيلة - وهى من أخوات «إنّ» - وتعرف بعلامة من أربع :
(ا) أن تدخل مباشرة على فعل جامد ، أو على حرف غير «لا» ؛ كقوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) ، وقول الشاعر :
أجدّك ، ما تدرين أن ربّ ليلة *** كأنّ دجاها من قرونك ينشر
(ب) أو : تقع فى كلام يدل على اليقين ، والتحقق ، والاعتقاد الثّابت. مثل : «أيقن» ، ومثل : «علم ورأى» إذا أفادا اليقين والتأكد ، والاعتقاد الثابت ويدخل فى هذا كل الأفعال وغيرها مما يفيد اليقين ؛ مثل : «اعترف» ، بمعنى : علم وأقرّ ، وكذا : «خاف وحذر» ، - عند سيبويه وأصحابه - وما بمعناهما إذا كان الشىء المخوف أو المحذور متيقنا. ومن الأمثلة قول الشاعر :
وإذا رأيت من الهلال نموه *** أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
ومثل : أعلم أن سيكون الجزاء على قدر العمل. وقول الشاعر ينصح :
فإن عصيتم مقالى اليوم فاعترفوا *** أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
ومثل : يفرّ الشريف من الإساءة والتقصير ؛ مخافة أن يحاسبه الضّمير. وقد اجتمع اليقين ودخولها على حرف غير الحرف «لا» فى قول الشاعر :
تيقنت أن ربّ امرئ خيل خائنا *** أمين ، وخوّان يخال أمينا
1) المخففة من الثقيلة ثنائية لفظا ، ثلاثية بحسب أصلها قبل التخفيف. - وقد سبق إيضاحها فى الموضع الأنسب ، ج 1 م 55 ص1. أما المصدرية فثنائية أصلا وحالا ..
(ح) أو : تكون داخلة على جملة اسمية مسبوقة بجزء من جملة - لا بجملة كاملة - فيكون المصدر المؤول من «أن» المخففة وما دخلت عليه متمما للسابقة ؛ كقوله تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (1)، فالمصدر المنسبك من «أن» وما دخلت عليه خبر المبتدأ : «آخر». وكقول الشاعر :
كفى حزنا أن لا (2)حياة هنيئة *** ولا عمل يرضى به اللّه ، صالح ...
فالمصدر المؤول فاعل للفعل : كفى
(د) أو تكون داخلة على فعل مقصود به الدعاء ؛ نحو : صانك اللّه ورعاك ، وأن هيأ لك حياة سعيدة.
وأهم أحكامها :
أنها من أخوات «إنّ» ؛ فتنصب المبتدأ وترفع الخبر ، واسمها ضمير الشأن ، وخبرها جملة قد تحتاج إلى فاصل فى أغلب الأحوال.
ومن أحكامها أنها تسبك مع معموليها فينشأ من السبك مصدر متصرف ، (أى : يعرب على حسب حاجة الجملة ؛ من مبتدأ ، أو خبر ، أو فاعل ، أو مفعول به ، أو سادّة مسدّ المفعولين ... أو ...).
إلى غير هذا من الأحكام والتفصيلات الهامة التى عرضناها بأمثلتها فى مكانها الأنسب (3).
3 - الصالحة لأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع ولأن تكون مخففة ، لا تنصبه ؛ وهى الواقعة فى كلام يدل على الرجحان ؛ كأن يسبقها الفعل : ظن - خال - علم التى بمعنى : ظن - حسب - حجا ... فيرفع أو ينصب المضارع بعد كل هذه الأفعال - وما شابهها - على أحد الاعتبارين السالفين.
أما «أن» الواقعة فى كلام يدل على الشك ، أو على الطمع والرجاء والأمل - فليست إلا «المصدرية المحضة» الناصبة للمضارع - كما أسلفنا - فإن أجرى الظن مجرى
اليقين تأويلا ، جاز الأمران. وبالنصب والرفع قرئ قوله تعالى : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ) أو يتركون ...
4 - الزائدة : وهى التى يتساوى وجودها وعدمها ، من ناحية العمل ؛ إذ لا عمل لها على الأصح. وإنما أثرها معنوى محض ؛ هو تقوية المعنى وتأكيده ؛ (كالشأن فى الحروف الزائدة المهملة ، طبقا للبيان الخاص بهذا فى صدر الجزء الأول ، عند الكلام على الحرف) وتقع - فى الغالب - بعد «لمّا» الحينيّة (1)كالتى فى قوله تعالى : ( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ ، فَارْتَدَّ بَصِيراً ) . والتى فى نحو : أجيب الصارخ لما أن يكون (2)
وهنا قال الصبان : (قوله نحو : ( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ... ) وتقول : أكرمك لما أن يقوم زيد ، برفع المضارع (فارضى ا ه- كلام الصبان نقلا عن الفارضي.
وهذا النص صريح في جواز دخول لما » على المضارع قياسا إذا كان مسبوقا بأن الزائدة ، والعجيب أن الصبان يأتى به هنا جليا واضحا ليكمل مافات الأشمونى ثم ينسى هذا فى الجزء الرابع أول باب : «الجوازم» عند الكلام على «لما» الجازمة ؛ فقد احترز الأشمونى فوصفها بأنها أخت «لم» وقال هذا الاحتراز لإخرج «لما الحينية» «ولما الاستثنائية» لأن هاتين لا يليهما المضارع فيقول الصبان تعليقا على هذا وتأييدا له ، ما نصه : «أى : كلامه فيما يليه المضارع ، فلا حاجة إلى الاحتراز منهما». اه. فهو يكتفى بهذا ، ساكتا عما قاله الأشمونى من أن المضارع لا يجيء بعد «لما الحينية» «ولما الاستثنائية».
وكما نسى هذا في باب «الجوازم» نسيه أيضا في باب «جمع التكسير» - ج 4 . عند الكلام على صيغة : «فعول» واطرادها ؛ حيث قال الأشمونى عنها في ذلك الباب : ظاهر كلام المصنف هنا موافقة التسهيل ، فإنه لم يذكر في هذا النظم غالبا إلا المطرد ، ولما يذكر غيره يشير إلى عدم اطراده غالبا بقد ، أو نحو : قل .. أو ندر .. ا ه- وهنا قال الصبان ما نصه :
(قوله : ولما يذكر غيره .. إلخ .. تركيب فاسد ؛ لأن لما الحينية» إلا تدخل لا على ماض. ا ه- كلام الصبان فبأى الرأيين نأخذ؟ بالأول لأنه نص صريح فيه تيسير ، ولكن حظه من القوة والسمو البلاغي أقل كثيرا من الآخر الذي منعه أكثر النحاة.
مظلوما. برفع : يكون.1) «لما» الحينية ، هى التى بمعنى : حين ، ووقت. وقد سبق الكلام عليها فى باب «الظرف» ج 2
2) وقوع المضارع بعد «لما» الحينية جائز ولكنه قليل. ولهذا الحكم بيان ذكرناه فى الجزء الثانى (م 79 ص 235) عند الكلام على الظرف : «لما» - حيث قلنا هناك : قال الأشمونى فى الجزء الثالث ، أول باب : «إعراب الفعل» عند الكلام على أنواع «أن ..» ومنها «الزائدة» ما نصه : «(الزائدة هى التالية «لمّا» نحو قوله تعالى : ( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ. ) .. اه كلام الأشمونى.
أو بين الكاف ومجرورها ، كقول الشاعر يصف امرأة :
ويوما توافينا (1)بوجه مقسّم (2)*** كأن ظبية تعطو (3)إلى وارق (4)السّلم (5)
أو بين «لو» وفعل مذكور للقسم ؛ كقول الشاعر :
فأقسم أن لو التقينا وأنتم *** لكان لكم يوم من الشر ؛ مظلم
أو بين «لو» وفعل للقسم محذوف ؛ كقول الشاعر :
أما واللّه أن لو كنت حرّا *** وما بالحرّ أنت ولا العتيق (6)...
ومن الزائدة أيضا - فى رأى بعض النحاة - الواقعة بعد جملة مشتملة على القول وحروفه نصّا ؛ مثل : قلت للمتردد : أن أقدم ، ... عند من يصوب هذا التركيب ، - كما سيجىء فى الكلام على المفسرة (7)- وقد وردت زيادتها بعد «إذا» فى قليل من المسموع الذى لا يقاس عليه.
5 - الجازمة. وهى لغة لإحدى القبائل العربية (8)؛ نحو : أواصل العمل إلى أن ينته وقته. والأفضل إهمال هذه اللغة اليوم ؛ منعا للخلط والإلباس.
6 - الضمير :
تكون «أن» ضميرا للمتكلم عند بعض العرب - بمعنى : «أنا» ؛ فيقول : أن جاهدت فى اللّه حقّ الجهاد ؛ بمعنى : أنا جاهدت ... أما مجيئها للمخاطب مذيلة ببعض حروف تدل على فروعه المختلفة فهو الشائع بين القبائل ؛ نحو : أنت - أنت - أنتما - أنتم - أنتن (9).
7 - المفسّرة :
وهى حرف مهمل (10). والغرض منه : إفادة التبيين والتفسير ، مثل : «أى المفسّرة»
1) تأتينا.
2) جميل حسن.
3) تمد عنقها وتميله.
4) السّلم : شجر. وسلم وارق : أى : به أوراقه.
5) السّلم : شجر. وسلم وارق : أى : به أوراقه.
6) الشريف كريم الأصل.
7) انظر هامش ص 278 ، الآتية ثم ص 280 وفى هذه الصفحة نوع آخر من الزائدة
8) عرض بعض النحاة لها أمثلة من الشعر ، وصفها غيره بأنها لا تصلح للاستشهاد لأسباب صحيحة قوية. ولكن صحتها وفساد تلك الأمثلة لا يقدحان فى الأمر الواقع ، وهو وجود قبيلة عربية تجزم بالحرف : «أن»
9) سبق تفصيل الكلام على هذا الضمير من نواحيه المختلفة فى الباب الخاص بالضمير - ج 1 -
10) لا عمل له ، ولا يتأثر بعامل.
فكلاهما حرف تفسير ؛ ولهذا يصح إحلال «أى» محل «أن».
ولا تكون «أن» مفسرة إلا بثلاثة شروط مجتمعة :
أولها : أن تسبقها جملة مستقلة كاملة ، فيها معنى القول دون حروفه.
ثانيها : أن يتأخر عنها جملة أخرى مستقلة ، تتضمن معنى الأولى ، وتوضح المراد منها.
ثالثها : ألا تقترن «أن» بحرف جر ظاهر أو مقدر.
(ومن الشرط الثانى يتبين أن الذى يقع به التفسير هو الجملة المتأخرة : أما الحرف «أن» فمجرد أداة ، أو آلة ، أو رمز ، ففى الكلام مجاز مرسل ، علاقته الآلية).
فإذا استوفت الشروط الثلاثة كانت مفسّرة لمفعول الفعل الذى قبلها ؛ إن كان متعديا ، سواء أكان المفعول ظاهرا أم مقدرا. فالظاهر كالذى فى قوله تعالى ، يخاطب موسى : (... إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ؛ أن اقذفيه فى اليمّ ...) ف «ما يوحى» هو عين «اقذفيه فى اليمّ» معنى ... والمقدر كالذى فى قوله تعالى (1)فى قصة نوح : ( ( فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ ) ...) على تقدير : أوحينا إليه شيئا ؛ هو : اصنع. ويصح أن تكون «أن» هنا زائدة ، والمعنى (2): أوحينا إليه لفظ : «اصنع».
وإن لم يكن الفعل متعديا فالجملة التفسيرية لا محل لها - كما سيجىء.
فإن لم يسبقها جملة كاملة كانت - فى الغالب - مخففة من الثقيلة ؛ كالتى فى قوله تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) لأن ما قبلها مبتدأ لا خبر له إلا «أن» وما دخلت عليه. وهذا ينافى التفسيرية ؛ لأنها لمحض التفسير - لا للتكميل - فتقتضى أن يكون قبلها جملة تامة ؛ كما سلف (3).
وإن كان قبلها جملة تامة ولكنها مشتملة على حروف القول وجب اعتبار
«أن» زائدة لا مفسرة ؛ نحو : قلت له : أن افعل (1)- كما سبق عند الكلام على «أن» الزائدة -.
وإن لم يتأخر عنها جملة امتنع مجىء «أن» ؛ فلا يقال : أرسلت إليك ما يليق : «أن» مدحا. فيجب حذف : «أن» أو الإتيان بكلمة : «أى المفسّرة».
وإن اقترنت بحرف جر ظاهر أو مقدر فهى «مصدرية» ، لاختصاص حرف الجر بالدخول على الاسم ، ولو كان الاسم مصدرا مؤوّلا ؛ كالمثال السابق ، وهو : (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك ...) إن جعلنا التقدير : فأوحينا إليه بصنع الفلك ... على معنى : وأشرنا إليه (أى : عليه) بصنع الفلك. ولم نجعله على تقدير حذف المفعول والاستغناء بتقديره عن تقدير حرف جرّ محذوف.
بقى شىء هام ؛ هو : إعراب الجملة الواقعة بعد «أن» المفسرة. قال صاحب المغنى : (الجملة المفسّرة لا محل لها مطلقا). ولكن الصبان فى حاشيته ناقش هذا عند الكلام على «أن» المفسرة. وقال : إن الجملة المفسرة التى لا محل لها من الإعراب هى الجملة التى ليست فى محل المفرد ، كالتى فى مثل : محمدا أكرمته. أما التى فى محل المفرد - كالواقعة بعد «أن المفسرة» إذ الأصل : أكرمت محمدا أكرمته. التى تفسر المفعول - فالظاهر أنها فى محل نصب ، تبعا لما فسرته ؛ لأنها فى معنى هذا اللفظ ، فيحل المفرد محلها.
وإذا كان لها محل من الإعراب كالمفرد الذى تفسره فما موقعها؟ أتكون مفعولا مثله ، أم بدلا ، أم عطف بيان؟
1) جاء فى حاشية الصبان فى هذا الموضع عند الكلام على «أن» الناصبة للمضارع ما نصه : «قلت له : أن افعل - ليست مفسرة ؛ لوجود حروف القول - ولا يقال مثل هذا التركيب ، لعدم وجوده فى كلامهم ؛ لأن الجملة تقع مفعولا لصريح القول [يريد : من غير أن]) وعلى تسليم أنه يقال - لا تجعل «أن» فيه تفسيرية ، بل زائدة. وجوز الزمخشرى فى قوله تعالى : ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ ) اعتبار «أن» مفسرة على تأويل : «قلت» بأمرت. واستحسنه فى المغنى. قال : وعلى هذا فمعنى شرطهم ألا يكون فى الجملة التى قبلها حروف القول ، أى : باقيا - هذا القول - على حقيقته ، غير مؤول بغيره. اه
تكون بدلا أو عطف بيان ؛ لأن البدل والبيان هما اللذان يسايران التفسير ويناسبانه ؛ (كما سبق فى بابهما ج 3 ص 99 م 117 ... وص 486 م 123 ...).
وشىء آخر هامّ أيضا :
إذا جاء بعد «أن» الصالحة للتفسير مضارع مسبوق بكلمة : «لا» نحو : أشرت إليه أن لا يفعل ، جاز رفعه على اعتبار «لا» نافية. وجزمه على اعتبارها ناهية ، وأن فى الحالتين مفسرة (1)، وجاز نصبه على اعتبار «لا» نافية ، و «أن» مصدرية (2). فإن حذفت «لا» امتنع الجزم ، وصح الرفع أو النصب.
لكن صرح الصبان بأنه يصح على الجزم بلا الناهية اعتبار «أن» مصدرية ؛ اعتمادا على الرأى الأصح الذى يبيح دخولها على الأمر والنهى ،. وقد جاء فى حاشية الخضرى ما نصه (3):
(وصل «أن» بالماضى اتفاق ، وبالأمر (4)عند سيبويه ، بدليل دخول الجار عليها فى نحو : كتبت إليه بأن قم أو لا تقعد. إذ لا يدخل إلا على الاسم ، فتؤول بمصدر طلبى ، أى : كتبت إليه بالأمر بالقيام ؛ كما قدر الزمخشرى فى قوله تعالى : ( إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ) ، أى : بالأمر بالإنذار ، فلا يفوت معنى الطلب. وردّه الدمامينى بأن كل موضع وقع فيه الأمر هو محتمل لكون «أن» فيه تفسيرية ؛ بمعنى : «أى» ؛ كهذه الآية ، ونحو :
1) فى هذا المثال - وأشباهه - تكون الجملة بعدها مفسرة للجملة قبلها ، لعدم وجود مفعول ظاهر أو مقدر تفسره ؛ لأن الفعل قبلها لازم ، فالجملة التى بعدها لا محل لها من الإعراب ، بناء على ما سبق من كلام المغنى والصبان.
2) وتكون مصدرية مع انطباق شروط المفسرة عليها على اعتبار آخر : هو أن الفعل الذى قبلها لازم يتعدى بحرف الجر ، وأن الحرف الجار محذوف ، وبهذا التأويل تخرج من عداد المفسرة ؛ لأن المفسرة - كما سبق - لا تقترن بحرف الجر مطلقا ، (لا ظاهرا ولا مقدرا) وتدخل فى عداد المصدرية ، وليس فى هذا التأويل تكلف ؛ لأن حذف حرف الجر قياسى قبل «أنّ وأن» إذا كان الفعل قبلهما لازما.
3) ج 1 أول باب الموصول.
4) والمراد به ما يشمل النهى أيضا - كما يتضح من التمثيل الآتى - ؛ لأن النهى أمر بالكف وطلب الامتناع.
(فأوحينا إليه أن (1)اصنع الفلك ...) ونحو (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى). ونحو : (وانطلق الملأ منهم أن امشوا ...) ، أى : انطلقت ألسنتهم (2)فكل ذلك - إن لم يقدر فيه الجارّ - هى فيه إمّا تفسيرية ؛ (لسبقها بجملة فيها معنى القول دون حروفه ؛ ووقوع جملة بعدها ، وخلوها من الجار لفظا) ، ولا حاجة إلى تقديره كما يقول سيبويه ، - وإما زائدة ؛ كالمثال : (أى : كتبت إليه بأن قم) ، أى : بهذا اللفظ. زيدت «أن» كراهة دخول الجار على الفعل ظاهرا ، وإن كان فى الواقع اسما ؛ لقصد لفظه) خ خ. ا ه
وإذا دخلت «أن» على الماضى والأمر باعتبارها مصدرية فإنها لا تغير زمنهما ، ولا يكون لهما محل تنصبه ؛ - كما جاء فى المغنى عند الكلام عليها. - خلافا لرأى ضعيف آخر.
(ب) انتهينا من الكلام على «أن» من وجهتها النحوية واللغوية وبقيت ناحية تتصل بإظهارها أو عدم إظهارها فى النطق وفى الكتابة إذا وقعت بعد ، «لا». أما مع غير «لا» فتظهر فى الحالتين.
1 - فيجب حذف النون فيهما إن كانت «أن» مصدرية ناصبة للمضارع المسبوق «بلا» النّافية ، أو : «لا» الزائدة ، نحو : شاع ألّا يخفق الإنسان فى الوصول للقمر - (ما منعك ألّا تسجد إذ أمرتك) والحذف هنا معناه عدم ظهورها فى الكتابة وفى النطق ؛ فهى مدغمة فى «لا» وإدغامهما يمنع ظهورها خطّا ونطقا ...
2 - ويجب إظهارها فى الكتابة ، وإبرازها خطّا لا نطقا إن كانت غير ناصبة ؛ سواء أكان بعدها اسم أم فعل ؛ نحو : تيقنت أن لا أسافر - أشهد أن لا إله إلا اللّه ، فتظهر فيهما خطا ، وتدغم «لا» عند النطق.
الثانى : لن :
وهو حرف (1)، يفيد النفى بغير دوام ولا تأييد إلا بقرينة خارجة عنه. فإذا دخل على المضارع نفى معناه فى الزمن المستقبل المحض - غالبا (2)
فقد نفى الحال الممتد إلى المستقبل ،
- نفيا مؤقتا يقصر أو يطول من غير أن يدوم ويستمر ، فمن يقول : لن أسافر ، أو : لن أشرب ، أو : لن أقرأ غدا ، أو نحو هذا ... ، فإنما يريد نفى السفر - أو غيره - فى قابل الأزمنة مدة معينة ، يعود بعدها إلى السفر ونحوه ، إن شاء ، ولا يريد النفى الدائم المستمر (3)فقد نفى الحال الممتد إلى المستقبل ،
فى المستقبل ، إلا إن وجدت قرينة مع الحرف «لن» تدل على الدوام والاستمرار.وأشهر أحكامه :
1 - أنه مختص بالمضارع ، ينصبه بنفسه ، ويخلص زمنه للمستقبل المحض غالبا (4)
إن العرانين تلقاها محسّدة *** ولن ترى للئام الناس حسّادا
وفى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ... ) فبسبب قرينة خارجية ، هى العلم القاطع المستمد من المشاهدة الصادقة الدائمة.
؛ ولهذا كان نفيه لمعنى المضارع مقصورا على المستقبل غالبا - كما تقدم - نحو قوله تعالى : ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. )2 - جواز تقديم معمول مضارعه عليه (أى : على «لن») ؛ كقول الشاعر :
مه - عاذلى (5)- فهائما لن أبرحا *** بمثل أو أحسن من شمس الضحا
فكلمة : «هائما» خبر للمضارع المنصوب «بلن» ، وقد تقدمت على الناصب. ى
1) هو حرف غير مركب. أما ما يعرض له بعض النحاة من الكلام على أصل مادته وبنيته ، (وأن أصله «لا أن» أو ... أو ...) فلا يصح الوقوف عنده ، ولا الالتفات إليه ؛ لعدم جدواه.
2) لأنه قد ينفى زمنه المستقبل المتصل بالحال كآية : (فلن أكلم اليوم إنسيا).
3) لأنه قد ينفى زمنه المستقبل المتصل بالحال كآية : (فلن أكلم اليوم إنسيا).
4) يدل على هذا قوله تعالى : ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) فلو كانت «لن» تفيد تأبيد النفى لوقع التعارض بينها وبين كلمة : «اليوم» فى الآية ، لأن اليوم محدد معين ، وهى غير محددة ولا معينة. ولوقع التكرار فى قوله تعالى : ( .. فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ... ) فما فائدة كلمة : «أبدا» التى تدل على التأبيد إن كانت «لن» تدل عليه؟ أما التأبيد فى قول الشاعر :
5) يا عاذلى
3 - عدم الفصل بينه وبين مضارعه ، إلا للضرورة الشعرية ؛ كالتى فى قول القائل :
لن - ما رأيت أبا يزيد مقاتلا - *** أدع القتال وأشهد (1)الهيجاء
والأصل : لن أدع القتال ... ما رأيت أبا يزيد ... وأجاز بعضهم الفصل بالظرف أو بالجار والمجرور ؛ لأن شبه الجملة يتوسع فيه ...
4 - أنه قد يتضمن مع النفى الدعاء أحيانا ؛ كقول الشاعر :
لن تزالوا كذلكم ؛ ثم لازل *** ت لكم خالدا خلود الجبال
ومنه قوله تعالى على لسان موسى : (قال ربّ بما أنعمت علىّ ؛ فلن أكون ظهيرا للمجرمين) لأن أدب المتكلم مع ربه ، وجهله بالغيب ؛ يقتضيان أن يكون الكلام متضمنا الدعاء ، لا النفى القاطع لأمر يكون فى المستقبل ، لا يدرى المتكلم عنه شيئا ؛ فكيف يقطع فيه برأى حاسم ، وأنه سيظل خالدا لأعدائه خلود الجبال؟ 5 - أنه - بمعناه السابق - حرف جزم عند بعض العرب القدامى (2)؛ فيقول قائلهم : لن أنطق لغوا ، ولن أشهد زورا ... بجزم الفعلين - وليس من المناسب اليوم محاكاة هذه اللغة ؛ حرصا على الإبانة ، وإبعادا للخلط واللبس.
الثالث : كى.
وهو حرف متعدد الأنواع ؛ يعنينا منه النوع المصدرى المحض ، المختص بالدخول على المضارع ، وبنصبه وجوبا بنفسه مباشرة ، لا «بأن» المضمرة وجوبا كما يرى بعض النحاة.
وعلامة مصدريته الخالصّة وقوعه بعد لام الجر مع عدم وقوع «أن» المصدرية بعده
1) المضارع : «أشهد» ، إما مرفوع على الاستئناف. وإما منصوب بأن المضمرة جوازا لعطفه على اسم صريح ؛ هو المصدر : «قتال» - طبقا للقاعدة الخاصة بهذا ، وقد سبقت فى ص 270 والتقدير : لن أدع القتال ، وأن أشهد الهيجاء. أى : لن أدع القتال ، وشهود الهيجاء ... ولا يجوز عطف «أشهد» على المضارع المنصوب قبلها ؛ وهو : «أدع» لئلا يفسد المعنى ؛ إذ يكون المعطوف منفيا كالمعطوف عليه ، فيكون التقدير : لن أدع القتال ، ولن أشهد الهيجاء. وهذا غير المراد.
2) جاء هذا الحكم فى كثير من المراجع النحوية بصيغة تدل على الشك فى صحته ؛ بدليل أن «المغنى والأشمونى» اشتركا فى النص الآتى : (وزعم بعضهم أنها قد تجزم) ا ه وبدليل عبارة «الخضرى» ونصها : (قيل : والجزم بها لغة) وساقت المراجع السالفة بيتين استشهادا للجزم.
(فى الرأى الأرجح) لا ، ظاهرة ولا مضمرة ؛ إلا فى حالة الضرورة أو التوكيد اللفظى ؛ نحو : منحنا اللّه الحواس لكى نستخدمها فى تحصيل العلم ، وإنجاز مطالب العيش. وزوّدنا بالأمل الكبير ؛ لكيلا يستبدّ بنا اليأس فيحرقنا بناره.
ويشتهر هذا النوع باسم : «كى المصدرية». وهو مثل : «أن» المصدرية معنى ، وعملا ، وسبكا (1)؛ ولهذا لا يصح وقوع «أن المصدرية» بعده ، إلا فى حالة الضرورة أو التوكيد اللفظىّ - كما تقدم - ، وبالرغم من هذا فوجود «أن المصدرية» ، بعده فى هاتين الحالتين غير مستحسن. كما تشتهر لام الجر التى قبل «كى» باسم : «لام التعليل» ؛ لأن ما بعدها علة لما قبلها من كلام مثبت (2).
وأهم أحكام «كى» المصدرية :
1 - وجوب نصبها المضارع بنفسها ، وتخليص زمنه للمستقبل - غالبا - فهى كسائر النواصب فى هذا التخليص.
2 - وجوب اتصالها بالمضارع مباشرة وعدم الفصل بينهما ، بغير ، «لا» النافية وحدها - كالتى فى المثال السالف (3)- أو «ما» الزائدة وحدها ، أو هما معا بشرط تقديم «ما» ومثال الفصل «بما» الزائدة : امنح نفسك قسطها من الراحة لكيما تنشط وتقوى. وقول الشاعر :
ولقد لحنت (4)لكم لكيما تفهموا *** ووحيت (5)وحيا ليس بالمرتاب
ومثال الفصل بهما معا : لا تتعرض للشبهات لكيما لا يصيبك التجريح بحق وغير حق ، وقول الشاعر :
أردت لكيما لا ترى لى عثرة *** ومن ذا الذى يعطى الكمال فيكمل؟
1) بين الحرفين بعض فروق ؛ أهمها : تصرف «أن المصدرية» مع صلتها ؛ بأن يقع المصدر المؤول منهما مبتدأ ، وفاعلا ، ومفعولا ، ومجرورا بحروف الجر المختلفة ، وغير هذا من المواقع الإعرابية المتعددة. أما «كى المصدرية» فغير متصرفة ؛ فالمصدر المنسبك منها ومن الجملة المضارعية بعدها لا يكون إلا مجرورا باللام.
2) وهذه «اللام» هى التى تدل وحدها على «التعليل» أماكى» التى بعدها ... فمتجردة للمصدرية ولا دخل لها بالتعليل. فان كان الكلام قبل اللام منفيا فقد تكون علة لما قبلها أو لا تكون على حسب البيان الآتى عند عودة الكلام عليها ، والموازنة بينها وبين لام الجحود ، فى «ب» من ص 302.
3) إذا توسطت كى بين لام الجر ولا النافية وجب وصل الثلاثة فى الكتابة. وإن لم توجد لام الجر فصلت «كى» عن «لا». تطبيقا لقواعد الإملاء الحالية. (انظر رقم 1 من هامش ص 288)
4) أوضخت وبينت.
5) أخبرت.
والفصل «بلا» النافية لا يمنع النصب - باتفاق - أما الفصل ب «ما» الزائدة ، أو بهما معا فالراجح أنه لا يمنع أيضا.
3 - وجوب سبكها مع الجملة المضارعية (1)التى بعدها مصدرا مؤولا يعرب مجرورا باللام ؛ فهو مصدر غير متصرف ، بخلاف المصدر المنسبك من «أن المصدرية» - وما دخلت عليه فهو مصدر متصرف حتما. (2)..
ونشير هنا إلى أسلوب فصيح شائع يقع فيه المضارع المسبوق بلام التعليل منصوبا ، كقوله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ؛ لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ، وَما تَأَخَّرَ ... ) فما الذى نصب المضارع : «يغفر»؟
قيل منصوب «بأن» مضمرة جوازا بعد اللام ، وقيل منصوب ب «كى» مضمرة جوازا بعدها عند الكوفيين. وقد يكون الرأى الأول هو الأنسب ؛ لأن الأكثر هو إضمار «أن» ، ويشيع عملها ظاهرة ، ومضمرة ، وجوبا (3)
وبلن انصبه ، و «كى» ، كذا «بأن» *** لا بعد علم. والّتى من بعد ظن - 2
فانصب بها ، والرّفع صحّح ، واعتقد *** تخفيفها من «أنّ» ؛ فهو مطّرد - 3
يقول انصب المضارع بالحرف : «لن» ، والحرف : «كى» وكذا بالحرف «أن» بشرط ألا يكون الحرف : «أن» واقعا بعد ما يفيد العلم واليقين ، أما إن كانت الأداة «أن» واقعة بعد ما يفيد الظن فانصب بها المضارع إن شئت ، وصحح الرفع إن شئت ، (أى : اعتبره صحيحا) ، واعتقد أنها فى صورة الرفع مخففة من الثقيلة التى هى من أخوات «إنّ». ثم بين بعد ذلك أن بعض القبائل يهمل «أن» الناصبة للمضارع وجوبا ؛ حملا على أختها «ما المصدرية» فكلاهما عنده لا ينصب ... قال :
وبعضهم أهمل : «أن» ؛ حملا على *** «ما» أختها - حيث استحقت عملا 4
(تقدير البيت : وبعضهم أهمل «أن» حيث استحقت عملا ؛ حملا على أختها : «ما» المصدرية فإنها لا تعمل).
يريد : أن بعض العرب أو النحاة - يهمل «أن» فى كل موضع تستحق فيه ن تنصب المضارع.
وسبب إهمالها حملها على «ما» المصدرية التى لا تعمل ، بالرغم من مشابهتها «أن» فى المعنى.
والإهمال مقصور على «أن» المصدرية التى تستحق العمل فى المضارع كما سبق. أما غيرها من بقية أنواع «أن» كالمخففة من الثقيلة وغيرها فلا دخل لها بهذا ، فلكل نوع حكمه الخاص به. وعلى هذا الأساس يجب - فى بيت ابن مالك - تعليق الظرف : «حيث» بالفعل الماضى : «أهمل» ؛ ليستقيم المعنى المراد.
وقبل أن يتمم الكلام على : «أن» المصدرية الناصبة ، انتقل إلى : «إذن» الناصبة ، ثم عاد إلى إتمام الكلام على «أن» فسرد حالات إظهارها وإضمارها ، جوازا ووجوبا فى الحالتين ؛ فقال :
وبين «لا» ولام جرّ التزم *** .... - 7
وقد شرحنا هذا البيت ونصف الذى يليه مما له علاقة بالبحث فى المكان المناسب ص 272.
ويعاد ذكره لمناسبة فى ص 293.
، أو جوازا ... -الأنواع كلها أربعة :
(ا) «كى المصدرية» المحضة المختصة بالمضارع ونصبه وجوبا. وقد سبقت (3).
(ب) «كى التعليلية المحضة» وهى حرف جر يفيد التعليل (أى : يفيد أن ما بعده علة لما قبله من كلام مثبت (4)، غالبا ؛ فهى بمنزلة «لام التعليل» السابقة (5) معنى وعملا.) ولها أربع صور :
الأولى : أن تدخل على «ما» الاستفهامية ، - للسؤال عن العلة - فتجرها ؛ نحو : كيم تكثر الغابات فى المناطق الاستوائية؟ بمعنى : لم تكثر الغابات ..؟ ولا يصح أن تكون هنا مصدرية ؛ لوجود فاصل قوىّ بينها وبين المضارع ، ولفساد التركيب والمعنى على المصدرية.
الثانية : أن تدخل على : «ما» المصدرية فتجر المصدر المؤول : كقول الشاعر :
إذا أنت لم تنفع فضرّ ؛ فإنما *** يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفع
أى : يرجّى الفتى «كى» الضر والنفع ؛ بمعنى للضر والنفع (6). فلا يصح - فى الراجح - اعتبارها مصدرية ؛ لوجود الفاصل ، ولأن الحرف المصدرى لا يدخل على نظيره فى الفصيح إلا لتوكيد لفظى فى بعض الحالات ، أو لضرورة شعرية ، وكلاهما غير مستحسن هنا ...
الثالثة : الداخلة على : «لام الجر» كقول الشاعر يفتخر بكرمه :
فأوقدت نارى كى ليبصر ضوءها *** وأخرجت كلبى وهو فى البيت داخله
ولا يصح اعتبارها مصدرية ؛ لوجود الفاصل. أما هذا المضارع المنصوب بعدها فناصبه : «أن» المضمرة جوازا بعد لام التعليل.
الرابعة : الداخلة على «أن» المضمرة وجوبا - عند البصريين - ؛ نحو : أخلص فى عملى كى أرفع شأن وطنى. وهذا على اعتبار الناصب للمضارع عندهم هو : «أن» المصدرية المضمرة وجوبا ، وليس «كى» ؛ لأن الحرف المصدرى ، لا يدخل على نظيره ولو كان مقدرا - فى فصيح الكلام إلا على الوجه السالف. وظهور «أن» هذه أحيانا بعد «كى» ضرورة على هذا الرأى البصرى ، كقول الشاعر :
فقالت أكلّ الناس أصبحت مانحا *** لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا (1)
فقالت : أكلّ الناس أصبحت مانحا *** لسانك هذا كى تغرّ وتخدعا
(2) الفرق بين هذه الصورة والصورة الرابعة التى سلفت أن الرابعة لا بد فيها من دخول «كى» على «أن» المضمرة وجوبا والتى يجب ملاحظتها فى الإعراب وفى المعنى.
والكوفيون يجيزون وقوع «أن» الظاهرة - بعد «كى» فى الاختيار ويجعلون الناصب عند اجتماعهما هو : «كى» ؛ لسبقها ، مثل : اسمع الموسيقى كى أن تهدأ أعصابك ، واستمتع بالغناء كى أن تنتعش ... ورأيهم هو السديد الذى يحسن الأخذ به ، ويؤيد ظهور «أن» المصدرية أن إضمارها بعد «لام التعليل» جائز لا واجب عند الفريقين ...
فالحرف «كى» فى الصور الأربعة السالفة بمنزلة لام الجر معنى وعملا. فإن وقعت بعده لام الجر كانت مؤكدة له وكان النصب عند البصريين بأن مضمرة وجوبا كما سبق ، وإصمار «أن» هنا وجوبا عندهم هو موضع سادس يزاد على المواضع الخمسة الآتية (فى ص 298) التى يجب فيها الإضمار ، والتى يزاد عليها : «ثم» عند الكوفيين
(ح) «كى» الصالحة للمصدرية و «للتعليلية» ولها صورتان :
الأولى : «كى» المجردة من «لام الجر» قبلها ، ومن «أن» المصدرية بعدها (2) .
1) البيت لجميل بن معمر ، وفيه رواية أخرى تخلو من الشاهد ، هى :
نحو : صن لسانك كى تسلم من ألسنة الناس ، وادخر بعض مالك كى ينفعك عند تقلب الأيام ... وقول شاعر قصير :
إذا كنت فى القوم الطوال علوتهم *** بعارفة ، كى لا (1)يقال قصير
فإن قدرنا اللام قبلها «فكى» مصدرية ، وإن قدرنا «أن» بعدها «فكى» تعليلية بمعنى لام الجر. والمضارع فى الحالتين منصوب (2)
الثانية «كى» المتوسطة بينهما ؛ نحو : يغفر للصديق هفوته ، لكى أن تدوم مودته ، فيصح أن تكون اللام للتعليل وهى جارة ، و «كى» تعليلية مؤكدة لها توكيدا لفظيّا ، و «أن» مصدرية ناصبة للمضارع. والمصدر المنسبك مجرور باللام.
كما يصح أن تكون «اللام» للتعليل وهى جارة أيضا ، و «كى» مصدرية مؤكّدة توكيدا لفظيّا «بأن» المصدرية. والمضارع منصوب ب «كى» ، والمصدر المؤول من «كى» وصلتها مجرور باللام. ويفضل النحاة الإعراب الأول لالتصاق «أن» بالمضارع مباشرة ، ولأنها أقوى فى نصبه ، وأكثر استعمالا من «كى». ومن المغتفر هنا دخول حرف الجر أو الحرف المصدرى على نظيره لأنه للتوكيد اللفظىّ وفى الصورتين السالفتين يجوز فصلها من المضارع «بلا» النافية فلا تمنع عملها النصب أو : ب «ما» الزائدة فتكفها عن العمل. وقيل : لا تكفها ، أو بهما معا مع تقديم «ما» (3)(4)؛ نحو : اتّق الأذى كى لا تؤذى ، واحذر العدوى كيما تسلم. ومثال الفصل بالحرفين معا البيت الذى سبق (4) وهو :
أردت لكيما لا ترى لى عثرة *** ومن ذا الذى يعطى الكمال فيكمل؟
(د) كى الاستفهامية ؛ فتكون اسما مختصرا من كلمة : «كيف» الاستفهامية ، وتؤدى معناها ، وتعرب اسم استفهام مثلها. نحو : كى أنت؟ بمعنى : كيف أنت؟ ومنه قول الشاعر :
كى تجنحون إلى سلم وما ثئرت *** قتلاكمو ، ولظى الهيجاء تضطرم؟
1) الشائع فى قواعد رسم الحروف فصل «لا» النافية من «كى» وجوبا إذا لم تسبقهما لام الجر ، فإن سبقتهما وجب وصل الثلاثة فى الكتابة (انظر رقم 3 من هامش ص 283)
2) الشائع فى قواعد رسم الحروف فصل «لا» النافية من «كى» وجوبا إذا لم تسبقهما لام الجر ، فإن سبقتهما وجب وصل الثلاثة فى الكتابة (انظر رقم 3 من هامش ص 283)
3) وفي مثل هذا الأسلوب يجوز تأخير المعلول ؛ فيصبح : كي تعلمني جئت ، سواء أكانت «كي» مصدرية ناصبة أم جارة ؛ لأنها في معني المفعول لأجله ، وتقدم المفعول لأجله سائغ.
4) انظر رقم 2 من ص 283.
أى : كيف تجنحون وتميلون ...؟ ولا يمكن أن تكون هذه مصدرية ، لعدم وجود العلامة الخاصة بها ، ولفساد المعنى على تأويل المصدر المنسبك ، ولأن هذه لها الصدارة الحتمية (مثل كيف) مع أن المصدر المؤول قد يكون صدرا وقد يكون عجزا ...
وإلى هنا انتهى الكلام على أنواع «كى» الأربعة.
2 - ما الذى نصب المضارع : «يحسبوا» فى البيت القديم (1)وهو :
وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه *** كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
(أى : إن زرتنا فاحبس بصرك عنا - أى : أبعده عنا - ووجّهه لغيرنا ؛ ليحسب الناس أنك تنظر إلى من تهواها هناك ، فلا تتجه الشبهة إلينا. ولا يحيق بنا المكروه.
أو : امنع نظرك عنا ؛ لحسبان الناس - إن نظرت إلينا - أن هواك عندنا ...)
فقيل أصل الكلام : «كيما» حذفت ياء «كى» تخفيفا ، واتصلت بها «ما» الزائدة ، ونصبت المضارع ، لأنها مصدرية قبلها لام الجر مقدرة. وقيل : إن «كما» تنصب أحيانا بنفسها وأن معناها «كيما» (2)وقيل : «الكاف» للتعليل و «ما» مصدرية ناصبة ، كما تنصب «أن» ...
وكل هذه آراء ضعيفة تكاد لا تختلف فى الغرض منها. وأخفها الأول.
1) قال العينى : (إن هذا البيت قاله لبيد العامرى من قصيدة من الطويل). ا ه ونسبه غيره لعمر بن أبى ربيعة ، والروايات مختلفة فى نص البيت وألفاظه.
2) من الأمثال العربية القديمة التى تؤيد هذا المعنى : «اترك الشر كما يتركك». ويقول أبو هلال العسكرى : إن «كما» لغة فى «كيما». والخلاف شكلى لا أهمية له. ومن ذلك قول العرب أيضا : «لا تظلموا الناس كما لا تظلموا» وهذا مذهب الكوفيين - راجع شرح الرضى على الكافية ج 2 ص 240 -
الرابع : إذن.
الكلام على هذه الأداة يتركز فى أربعة أمور : مادتها (1)- معناها - أحكامها - كتابتها.
(ا) فأمّا مادتها فكلمة واحدة «بسيطة» ، ثلاثية الحروف الهجائية ، وليست مركبة من كلمتين ، هما : «إذ» و «أن» ، ولا من غيرهما مما يتوهمه القائلون بتركيبها ، وبأنها تحوّلت من أصلها المركب إلى أصلها الحالى (2)...
(ب) وأما معناها : فالدلالة على أمرين ؛ هما : «الجواب» - وهذا يلازمها دائما فى كل استعمالاتها - «والجزاء» ، وهذا يلازمها فى الأغلب. والمراد من دلالتها على الجواب : وقوعها فى كلام يكون مترتبا على كلام قبله ، ترتّب الجواب على السؤال ؛ سواء أكان الكلام السّابق مشتملا على استفهام مذكور ، أم غير مشتمل عليه ، ولكنه بمنزلة الملحوظ. فليس من اللازم أن يكون السابق مشتملا على استفهام صريح يحتاج إلى جواب ، وإنما اللازم أن يترتب ويتوقف عليه كلام يجىء بعده فى الجملة المشتملة على «إذن». ومن الأمثلة قول الصديق لصديقه : سأغضى عن هفوتك. فيقول الآخر : إذن أعتذر عنها ، مخلصا شاكرا. فهذه الجملة الثانية ليست ردّا على سؤال سابق مذكور ، وإنما هى بمثابة جواب عن سؤال خيالىّ ، ناشئ من الجملة الأولى ؛ تقديره : - مثلا - ما رأيك؟ أو ما ذا تفعل؟ أو نحو ذلك ... أى : أن هذه الجملة المشتملة على : «إذن» جملة مترتبة على كلام سابق خال من الاستفهام الصريح - دون الملحوظ - وخال من طلب الجواب ، ولكنها بمنزلة الجواب عن سؤال ذهنىّ تولد من الأولى. وكلمة : «إذن» فى الجملة الثانية بمثابة الرمز الذى يحمل إلى الذهن سريعا الدلالة على أن الثانية تشتمل على الإجابة ...
ومثال اشتمال الكلام السّابق على استفهام مذكور قول القائل : ماذا تفعل لو صادفت بائسا؟ فتجيب : إذن أبذل طاقتى فى تخفيف بؤسه. فهذه الجملة جواب
عن الاستفهام المذكور فى سابقتها. ووجود كلمة : «إذن» رمز يوحى أن الإجابة مذكورة فى هذه الجملة.
ولا فرق فى وقوعها دالة على الجواب بين أن تكون فى أول جملتها ، ووسطها ، وآخرها ، غير أنها لا تنصب المضارع إلا إذا كانت فى صدر جملتها ، - كما سيجىء - تقول : فى المثال الأول : (إذن أعتذر لك مخلصا) ، أو : (أعتذر - إذا - لك مخلصا) أو : (أعتذر لك مخلصا - إذا).
والمراد من أنها للجزاء - غالبا - دلالتها على أن الجملة التى تحتويها تكون فى الغالب مسببة عما قبلها ، وتعدّ أثرا من آثاره ؛ توجد بوجوده ، وترتبط به عادة ، كالمثالين السالفين ، وفيهما تبدو السببية واضحة بين الاعتذار والإغضاء عن الهفوة ، وكذلك بين التخفيف عن البائس ومصادفته ، فكأن المجيب يقول : إن كان الأمر كما ذكرت فإنى أعتذر ... أو : إنى أبذل طاقتى ، أى : فالجزاء ... (1)فإن لم يوجد بين الجملتين جزاء لم يصح - فى الغالب - مجىء «إذن» ؛ كأن يقول الصديق : سأغضى عن الهفوة ؛ فتجيب : إذا ينزل المطر ، وكأن يقول قائل : سأقرأ الصحف ؛ فيجاب : إذا تغرب الشمس ؛ إذ لا علاقة ولا ارتباط بين المعنى فى الجملتين ؛ فالكلام لغو.
وإنما كانت دلالتها على «الجزاء» غالبية ، لأنها - أحيانا قليلة - لا تدل عليه إذا استغنى المقام عنه ، فتتمحض للجواب وحده ، كأن يقول الشريك لشريكه : أنا أحبك. فيجيب : إذا أظنّك صادقا ؛ لأن الصدق لا يصلح جزاء مناسبا للمحبة (2)، وأيضا فهذا الظن حالىّ الزمن ، والجزاء لا يكون إلا مستقبلا. وبسبب الحالية فى هذا المثال لم تنصب المضارع.
(ح) وأما عملها فنصب المضارع بنفسها مباشرة ، وتخليص زمنه للاستقبال ؛ - كسائر الأدوات الناصبة له - وإنما تنصبه وجوبا إذا اجتمعت شروط أربعة (3):
1) راجع شرح المفصل (ج 7 ص 15 وح 9 ص 14 فى الكلام على : «إذن»).
2) فدلالتها الحتمية على الجواب لا تقتضى دلالة حتمية على الجزاء ، فمن الممكن الاستغناء عن ذكره فى بعض الحالات ؛ إذ ليس من اللازم أن يكون الجواب عن شىء مسببا عن ذلك الشىء ، ومعلولا له.
3) شرح المفصل (ج 9 ص 14) فقد زاد الشرط الأول الآتى ، الذى جعل الشروط أربعة لا ثلاثة. ورأيه سديد.
أولها : دلالتها على جواب حقيقى بعدها ، أو ما هو بمنزلة الجواب - كما شرحنا -.
ثانيها : أن يكون زمن المضارع بعدها مستقبلا محضا ؛ فلا يوجد فى الجملة ما يدل على أن زمنه للحال ؛ لئلا يقع التعارض بين الحال ، وبين ما يدل عليه الناصب من تخليص زمن المضارع بعده للمستقبل. فإن وجد ما يدل على حالية المضارع لم تكن : «إذا» ناصبة ، ويجب رفع المضارع ، واعتبارها ملغاة العمل ، كالمثال الذى سلف ، وهو : أن يقول الشريك لشريكه ، أنا أحبك. فيجيب : إذا أظنّك صادقا ؛ لأن هذا الظن ليس أمرا سيتحقق فى المستقبل ، وإنما هو قائم حاصل وقت الإجابة ؛ فزمنه حالىّ.
ثالثها : اتّصالها بالمضارع مباشرة بغير فاصل بينهما ، إلا بالقسم إن وجد ، أو «لا». النافية ، أو بهما معا. فإن كان الفاصل غير ما سبق لم تنصب ، ووجب رفع المضارع : مثل : ... إذا - أنا - أدرك غايتى بسلوك أنجع الوسائل لتحقيقها. ومثال الفصل بالقسم مع إعمالها : إذن - واللّه - أرضى ربى برضاء الوالدين. ومثال الفصل «بلا» النافية مع الإعمال أيضا ... إذن - لا أخاف فى اللّه لومة لائم. ومثال الفصل بهما : إذن واللّه لا أغضب الوالدين. وقد ورد فى النصوص أمثلة قليلة وقع فيها الإعمال مع الفصل - بالنداء ، أو الدعاء ، أو الظرف. ولكنها لقلتها مقصورة على السماع ؛ لا يباح القياس عليها.
رابعها : أن تقع فى صدر (1)جملتها ؛ فلا يرتبط ما بعدها بما قبلها فى الإعراب - بالرغم من ارتباطهما فى المعنى - فإن تأخرت عن صدر جملتها إلى آخرها أهملت ، وكذلك إن وقعت حشوا بين كلماتها. فمثال التى فقدت صدارتها ، ووقعت فى آخر الجملة : ... أنصفك إذا. ومثال التى وقعت فى ثنايا جملتها :
إن تسرف فى الملاينة إذا تتّهم بالضعف ...
ويكثر وقوعها حشوا فى ثلاثة مواضع :
(ا) بين المبتدأ وخبره المفرد أو غير المفرد ؛ نحو : أنا - إذا - أنصر المظلوم. والخبر هنا جملة مضارعية (2)
لا تتركنّى فيهمو شطيرا *** إنى إذن أهلك أو أطيرا
أما غير الكوفيين فيعتبرون النصب فى البيت شاذا ، أو ضرورة ، أو مؤولا بحذف خبر «إن» فتقع الأداة بعده فى صدر جملة جديدة ، وتقديره إنى لا أستطيع ذلك .. أو نحو هذا التقدير. ورأى الكوفيين هنا ضعيف.
.1) هل وقوعها بعد الواو أو الفاء يزيل صدارتها؟ الجواب فى ص 295.
2) وفى رأى «الفراء» ومن معه من الكوفيين - (كما جاء فى كتابه : «معانى القرآن» ج 1 ص 274) - أنها إذا سبقت بإن واسمها ، وتلاها المضارع ، يجوز إعمالها ؛ فتنصبه ، كما يجوز إهمالها فيرتفع ؛ نحو إنى إذن أحترمك أيها العادل ، بنصب المضارع أو رفعه ، ومن النصب قول الشاعر :
(ب) بين جملتى الشرط والجواب ؛ سواء أكانت أداة الشرط جازمة ، أم غير جازمة ، نحو : إن يكثر كلامك - إذا - يسأم سامعوك. ونحو : إذا أنصف الناس بعضهم بعضا - إذا - يسعدون.
(ج) القسم وجوابه ؛ سواء أكان القسم مذكورا ؛ نحو : واللّه - إذا - أترك عملا لا أحسنه ، وقولا لا خير فيه. أو مقدّرا ؛ نحو : لئن يصن المرء نفسه عن مواقف الهوان - إذا - لا يفقد إكبار الناس ، واحترامهم إياه (1)
وفى «إذن» وأحكامها السابقة يقول ابن مالك :
ونصبوا «بإذن» المستقبلا *** إن صدّرت ، والفعل بعد ، موصلا - 5
أو قبله اليمين. وانصب وارفعا *** إذا «إذن» من بعد عطف وقعا - 6
يريد : أن العرب نصبت المضارع «بإذن» ، إن كان المضارع مستقبل الزمن وكانت «إذن» مصدرة فى أول جملتها ، والفعل المضارع متصلا بها بغير فاصل بينهما ، أو بفاصل هو القسم. واقتصر فى الفاصل على القسم وحده ، ولم يذكر : «لا» النافية وكذلك لم يذكر الشرط الرابع.
ثم قال : انصب المضارع أو ارفعه ، إذا كانت «إذن» واقعة بعد حرف عطف ، ولم يقيد هذا العاطف. ولكن النحاة قيدوه بالواو أو الفاء - كما سيجىء فى الزيادة ، ص 295 - وترك التفصيلات الهامة فى كل ما سبق : ثم انتقل بعد ذلك إلى بيتين ذكرناهما فى مكانهما الأنسب (ص 272) هما :
وبين «لا» و «لام جرّ» التزم *** إظهار «أن» ناصبة. وإن عدم : - 7
«لا» «فأن» اعمل مظهرا أو مضمرا *** .................... - 8
وقد سبق البيت الأول فى ص 285 لمناسبته هناك.
. .1) كان القسم هنا مقدرا ، لوجود اللام الدالة عليه بعد حذفه. والأصل : واللّه إن يصن .... وقد وقع بعدها أداة الشرط : «إن». وإذا اجتمع الشرط والقسم - وكلاهما لا بد له من جملة جوابية - يكون الجواب - فى الغالب - للمتقدم منهما ، ويحذف جواب المتأخر حذفا غالبا ، وقيل : حذفا واجبا. للاستغناء بجواب المتقدم ، فإنه يدل على الجواب المحذوف (وسيجىء بيان هذا الحذف ، وتفصيل الكلام عليه فى ص 453.) لهذا كانت الجملة من «يفقد وفاعله» جوابا للقسم لا للشرط.
(د) وأما طريقة كتابتها فالأكثرون من القدامى يكتبونها ثلاثية مختومة بالنون هكذا : (إذن) سواء أكانت عاملة أم مهملة. أمّا خاصّة المحدّثين فيكتبون العاملة. ثلاثية مختومة بالنون ، والمهملة مختومة بالألف ، لا بالنون ؛ للتفرقة بين النوعين (1).
وهذا حسن جدير بالاقتصار عليه ، والاتفاق على الأخذ به.
إلى هنا ، وبعد الزيادة التى فى الصفحة التالية - ينتهى الكلام على القسم الأول ؛ وهو الأدوات الأربعة التى تنصب المضارع بنفسها ظاهرة. وتمتاز «أن» بأنها تنصبه ظاهرة ومضمرة. وكذا «كى» عند الكوفيين.
وننتقل بعد تلك الزيادة إلى القسم الثانى وهو الأدوات التى ينصب بعدها المضارع «بأن» مضمرة وجوبا.
1) وهو رأى منسوب للفراء ، - كما جاء فى كتاب : «الاقتضاب» للبطليوسى ، باب : «الهجاء» ص 166 - وفى بعض المراجع الأخرى نسبته لغير الفراء. ولا قيمة لهذا الخلاف هنا فى النسبة.
(ا) هل تفقد : «إذن» صدارتها بسبب تقدم الواو أو الفاء عليها؟
إذا تقدم أحد الحرفين المذكورين جاز إعمال «إذن» ؛ فتنصب المضارع بعدها ، وجاز إهمالها ؛ فلا تنصبه ، فمن اعتبر الحرفين للاستئناف كانت عنده : «إذن» فى صدر جملة جديدة مستقلة بإعرابها ؛ (لأنها مستأنفة). فتنصب المضارع. ومن اعتبرهما لعطف المضارع وحده بدون فاعله على مضارع وحده كانت حشوا ؛ فلا تنصب المضارع. وقد قرئ بهما قوله تعالى : ( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ (1)مِنَ الْأَرْضِ ؛ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ، وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً ) ، أو : ( وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ... ) واعتبارها للاستئناف ، أو : لعطف مضارع وحده على مضارع وحده ، حكم خاضع للسياق ، ولما يقتضيه المعنى ؛ فلا بد من ملاحظة هذا ، ومن ملاحظة أمر هامّ آخر ؛ هو ، أن عطف الفعل المضارع وحده (أى) : بدون فاعله على الفعل المضارع وحده يختلف عن عطف الجملة المضارعية كاملة على نظيرتها المضارعية (2)وغير المضارعية من ناحية الإعمال والإهمال. فعطف المضارع على المضارع يوجب الإهمال ؛ لأن المعطوف هنا لا يستقل بنفسه ؛ فلا بد أن يتبع المعطوف عليه فى إعرابه ، فهو تابع له ؛ فلا تكون «إذن» واقعة فى صدر جملة مستقلة فى إعرابها ؛ نحو : لم يحضر الغائب ، وإذا يسترح أهله. أى : لم يحضر الغائب ولم يسترح أهله ؛ فجزم المضارع «يسترح» دليل على أنه معطوف وحده على : «يحضر» عطف فعل على فعل ، لا عطف جملة على جملة ؛ إذ لو كان المعطوف جملة لم يصح جزم «يسترح» لعدم وجود ما يقتضى جزمه.
أما عطف الجملة المضارعية على جملة قبلها (مضارعية أو غير مضارعية ، كالماضوية والاسمية) فيتوقف الحكم فيه على حالة السابقة ؛ ألها محل من الإعراب أم ليس لها محل؟ فإن كان لها محل من الإعراب وجب إهمال : «إذن» ؛ لوقوعها فى صدر جملة تابعة فى إعرابها لجملة أخرى سبقتها ، وبهذه التبعية لا تكون فى صدر جملة مستقلة بنفسها فى الإعراب ؛ نحو إن للطيور المهاجرة رائدا يتقدمها ؛
وإذا يرشدها إلى غايتها ، ويهديها السبيل. فجملة : «يتقدمها» مضارعية فى محل نصب صفة لكلمة : «رائدا» ، وجملة : «يرشدها» مضارعية معطوفة عليها ؛ فهى فى محل نصب كالمعطوف عليه ؛ ويجب إهمال «إذن» فلا تنصب المضارع بعدها ؛ لعدم وقوعها فى صدر جملة مستقلة بنفسها فى الإعراب.
وإن لم يكن للجملة الأولى محل من الإعراب - كالجملة الشرطيّة ؛ مثلا - جاز الإعمال والإهمال ؛ نحو : إن يشتهر نابغ وإذا تزداد أعباؤه ، يفرح خاصّته. فجملة : «يشتهر نابغ» جملة شرطية لا محل لها من الإعراب ، وقد عطفت عليها بتمامها جملة «تزداد أعباؤه» ، وليس لها محل من الإعراب أيضا ؛ لأنها كالمعطوف عليه ؛ فيصح نصب المضارع : «تزداد» باعتبار «إذن» فى صدر جملة لا محل لها من الإعراب ؛ فهى بمنزلة الجملة المستقلة فى إعرابها ، ولأن المعطوف على الأول أول مثله. ويصح الرفع على اعتبار أن الجملة بعد حرف العطف معطوفة على ما قبلها فهى مرتبطة به ارتباطا إعرابيّا ومعنويّا يجعلها فى حكم غير المستقلة ، ويجعل «إذن» فى غير الصدارة الكاملة.
ولما تقدم يصح الاعتباران فى مثل : عجائب الاختراع تزداد كل يوم ، وإذا تسعد بها الناس أو تشقى. فإن عطفنا الجملة المضارعية : (تسعد وفاعله) على المضارعية : (تزداد وفاعله) وهى جملة فى محل رفع خبر المبتدأ - وجب إهمال «إذن» ورفع «تسعد». وإن عطفناها ، على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ : «عجائب» وخبره ، وهى جملة لا محل لها من الإعراب - جاز الإعمال والإهمال ، فينصب المضارع أو يرفع ...
(ب) قد تكون «إذا» متضمنة معنى الشرط فى الماضى فيجوز إجراؤها مجرى «لو» (1)فى قرن جوابها باللام ، كقوله تعالى : ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ ، وَضِعْفَ الْمَماتِ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ، ) أى : لو ركنت شيئا قليلا لأذقناك ...
وقد تتضمن معنى الشرط فى المستقبل ؛ فيجوز قرن جوابها بالفاء ؛ كقول الشاعر :
ما إن (2)أتيت بشىء أنت تكرهه *** إذا فلا رفعت سوطا إلىّ يدى
إذا فعاقبنى ربى معاقبة *** قرّت بها عين من يأتيك بالحسد
أى : إن أتيت - فى المستقبل - بشىء أنت تكرهه فلا رفعت ... - فعاقبنى ربى - ... وما بعد الفاء فى المثالين ، جملة دعائية ، فزمنها مستقبل.
وقد تدخل على جواب : «لو» وجواب «إن» الشرطيتين ؛ لتوكيده وتقويته ، نحو : لو زاملتنى إذا لأرضيتك.
وقول الشاعر :
فلو خلد الكرام إذا - خلدنا *** ولو بقى الكرام إذا - بقينا (1)
رمتنى بنات الدهر من حيث لا أرى *** فكيف بمن يرمى ، وليس برام؟
فلو أنها نبل - إذا - لاتّقيتها *** ولكننى أرمى بغير سهام
- ونحو : إن تنصف أخاك - إذا - تسلم لك مودته ... ويقول الفراء فى الآية الكريمة : ( مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ ؛ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ... ) ، إن مجىء اللام بعد : «إذا» يقتضى وجود : «لو» قبلها مقدرة كالآية المذكورة ، أو ظاهرة كقوله تعالى فى آية أخرى : ( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ... ) (2).
إلى هنا انتهى الكلام على القسم الأول الناصب بنفسه ، ويليه القسم الثانى الناصب بأن مضمرة ... .
الأدوات الخمس (1)
هذا ، ويثور الجدل - ولا سيما اليوم - حول الداعى إلى إضمار «أن» جوازا ووجوبا ، وأثرها في نصب المضارع ، وسيجيء في ص 378 الاعتراض ودفعه، بعد أن نفرغ من مواضع الإضمار ، ونفهم حقيقته ، وما يتصل به من تأويل المصدر.
التى ينصب بعدها المضارع «بأن» مضمرةوجوبا (2)
ا - لا بد من سبك الجملة المضارعية بعدها بمصدر مؤول يعرب على حسب الحالة.
ب - لا يصح الفصل بين هذه الأدوات والمضارع المنصوب بفاصل مطلقا ؛ إلا «لا» النافية إذا اقتضاها المعنى ولم يمنع من وجودها مانع
ج - لا يصح تقديم معمول هذا المضارع على الأداة
د - لا يصح الفصل بأجنبى بين أجزاء الجملة الفعلية المضارعة.
.الأداة الأولى : لام الجحود (أى : النفى) ونمهد لها بالأمثلة التالية :
ما كان الحّر ليقبل الضيم.
ما كان الطبيب ليتوانى عن المريض.
ما كان العامل ليسارع فى الاتهام.
لم يكن ربيب السوء لينسى نشأته.
لم يكن المتقن ليرضى بالنقص.
لم يكن الأديب ليقرأ تافه الكلام.
ما المعنى الدقيق الذى قصده الناطق بإحدى هذه الجمل؟
إن من نطق بالأولى نفى عن الحرّ نفيا قاطعا أنه قبل فى حالة من حالاته الضيم ، أو سكت عليه ، مهما كانت الدواعى. فكأنه قال : ما كان الحرّ مريدا (3)
1) وهى :(«لام الجحود» فى هذه الصفحة) - (أو» فى ص 307) - («حتى» ، فى ص 314) - («فاء السببية» فى ص 331) - («واو المعية» ، فى ص 354) ويزاد على هذه الخمسة : «ثم» عند نحاة الكوفة - كما سيجىء فى ص 364 - ، «وكى التعليلية» المحضة عند من يرى أنها لا تنصب بنفسها ، وإنما تنصب بأن مضمرة وجوبا ، ولا داعى للأخذ بهذا الرأى. (كما سبق عند الكلام عليها فى ص 287.
2) «ملاحظة هامة» من أحكام هذه الأدوات أنه :
3) إنما قدروا هنا الخبر «مريدا» أو مهيأ ، أو مستعدا ... ، فرارا من تقدير الكلمة الشائعة ؛ وهى : «موجود» ؛ لكيلا يتسرب منها الوهم إلى أن «كان» هنا بمعنى : «وجد» وهى «كان» التامة التى لا تصلح قبل «لام الجحود» أما التى تصلح فلا بد أن تكون ناسخة ، كما سيجىء .. ولا مانع من تقدير الخبر المحذوف بكلمة : «موجود» مع إدراك أن فعل «الكون» قبلها لا بد أن يكون ناسخا ، لا تاما.
قبول الضيم ، أو مستعدا أو مستسيغا قبوله فى وقت مّا. فالنفى منصبّ على ما قبل اللام وما بعدها معا (أى : أنه واقع على الكلام كله) فهو نفى عامّ لهذا ، ولأنه - أيضا - شامل جميع حالات الحرّ ، دون التقييد بحالة معينة ، أو الاقتصار عليها.
ومن نطق بالثانية نفى عن الطبيب نفيا باتّا فى جميع أحواله أنه تباطأ فى إنقاذ مريضه ، وأنه رضى ذلك ، أو أراده فى صورة من الصور ؛ فكأنما قال : ما كان الطبيب مريدا (1)التوانى مطلقا ، ولا راضيا به ، مهما كانت حالته وصورته. فالنفى عام ينصبّ على ما قبل اللام وما بعدها ، ويشمل كل حالات الطبيب ؛ فهو عام بسبب هذين الأمرين.
والغرض الضمنى الذى يرمى إليه الأسلوب من وراء ظاهره هو أن الحرّ لم يخلق ولم يوجد مطلقا لما نفى عنه ، وكذلك الطبيب. ومثل هذا يقال فى الصور الأخرى المعروضة ، وما يشاكلها : فكل منها يرمى إلى نفى شىء نفيا قاطعا ينصبّ على ما قبل اللام وما بعدها معا ، ويشمل جميع الحالات المعنوية التى يتضمنها الكلام - كما يرمى إلى أن الذى نفى عنه ذلك الشىء لم يرض به مطلقا ، ولم يهيأ لقبوله ، وإنما خلق وهيئ لدفعه ورفضه. فهذا أسلوب يبلغ الغاية فى قوة الجحد ؛ إذا أريد به الاتجاه المعنوى السالف.
وبملاحظة كل جملة - مما سلف - نجدها تشتمل على أربعة أمور مجتمعة : 1 - الفعل الناسخ : «كان» أو «يكون» - دون غيرهما من سائر الأفعال الناسخة أو التامة. وكلاهما يسمى : «فعل كون» ؛ لاشتقاقه من المصدر «كون» الذى يدل على الوجود العام (المطلق).
2 - وجود حرف نفى (2)قبل فعل «الكون» الناسخ. وهذا النافى المسموع هو : «ما (3)» أو : «لم» وتختص «ما» بالدخول على : «كان» ، الماضية الناسخة ، وتختص «لم» بالدخول على المضارع المجزوم : «يكن» الناسخ ولا يصلح للدخول عليه غيرها (4)
1) انظر رقم 3 من هامش الصفحة السابقة.
2) بشرط بقاء النفى على معناه ، وعدم نقضه بشىء مثل «إلا» التى للاستثناء ، أو إحدى أخواتها (كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 301 وص 305) -
3) فلا تصلح : «لن» ؛ لأنها لنفى زمن المضارع المستقبل. والمطلوب هنا أن يكون زمنه ماضيا ، ولا تصلح : «لا» ؛ لكثرة استعمالها فى نفى المستقبل. ولا تصلح : «لمّا» الجازمة ؛ لأنها لنفى معنى المضارع بعد أن تقلب زمنه للماضى مع اتصاله بالزمن الحالى ؛ فلا يكون زمنه للماضى الخالص المطلوب هنا.
4) أو «إن» النافية عند فريق كما فى الصفحة الآتية.
والنفى منصبّ فى الحالتين على معنى كل الكلام الذى يليه ، شامل ما قبل اللام وما بعدها.
3 - أن فعل «الكون» إما ماض لفظا ومعنى ؛ كالأمثلة الثلاثة الأولى ، وإما ماض معنى فقط ؛ كالثلاثة الأخيرة التى وقع فيها فعل «الكون» مضارعا مسبوقا بالحرف الجازم «لم» ، وهذا الحرف إذا دخل على المضارع قلب زمنه ماضيا - فى الغالب - ، مع ترك صورته اللفظية المجزومة على حالها ، فيصير مضارعا فى لفظه ، ماضيا فى زمنه ومعناه.
4 - أن فعل الكون الناسخ يليه - مباشرة - اسمه ظاهرا ، لا ضميرا ، ثم مضارع منصوب ، مبدوء بلام مكسورة. أما خبره فعامّ محذوف ، يجب أن يتعلق به الجار مع مجروره. والجار هو «اللام» التى اشتهرت باسم : «لام الجحود» (1)والتى تتصل بالمضارع - كما قلنا - والمضارع بعدها منصوب «بأن» مضمرة وجوبا ، والمصدر المكون من «أن» وما دخلت عليه من المضارع وفاعله - فى محل جر «بلام الجحود». والجار والمجرور متعلقان بالمحذوف العام المنصوب ، لأنه خبر الناسخ. والتقدير ما كان الحرّ مهيأ أو مريدا لقبول الضيم ... أو ما شابه هذا.
فعند إعراب المثال الأول نقول : (ما) نافية - (كان) : فعل ماض ناقص - (الحر) اسمها مرفوع - (ليقبل) : اللام لام الجحود ، حرف جر أصلى - (يقبل) : مضارع منصوب «بأن» مضمرة وجوبا ، وفاعله مستتر جوازا تقديره : هو - (الضيم) مفعول به. والمصدر المؤول من المضارع وفاعله مجرور باللام ، والتقدير : لقبول ... والجار مع مجروره متعلقان بمحذوف منصوب خبر «كان» والتقدير : ما كان الحرّ مهيأ أو مريدا لقبول الضيم ...
ولا يختلف إعراب «إن» النافية عن إعراب : «ما» ، فى شىء مطلقا - عند من يبيح دخول «إن» - فكلاهما يصحّ أن يحل محل الآخر بغير تفاوت بينهما.
1) فى نوع هذه اللام آراء تجىء فى ص 302 ، والجحود ، هو : النفى - كما تقدم - لأنها تقوى معنى النفى فى الجملة كلها ؛ (قبلها وبعدها) إذ لا تقع إلا بعد كون منفى عام ، والمعنى بعدها منفى أيضا ؛ لتعلقها مع مجرورها بالخبر العام المحذوف المنفى ؛ فيسرى النفى منه إلى المصدر المؤول الذى يليها مباشرة ، وهو مجرورها. - كما سيجىء فى «ج» من ص304. .
ومثل هذا يقال فى بقية الأمثلة. مع ملاحظة أنّ : «لم» حرف نفى جازم ، ولا بد بعده من المضارع : ، «يكن» المجزوم به.
من كل ما سبق يتبين معنى : «لام الجحود» ، وعملها ، وأنّ المضارع ينصب بعدها «بأن» مضمرة وجوبا ، بشرط اجتماع الشروط الأربعة السالفة (وهى : أن يسبقها فعل كون عام ناسخ دون غيره من الأفعال - منفى (1)- ماض لفظا ومعنى أو معنى فقط - بعده اسمه ظاهرا ، يليه المضارع المنصوب المبدوء باللام مباشرة) ؛ فإن فقد شرط من الأربعة لم تكن اللام لام الجحود ، ولم يكن الأسلوب داخلا فيما نحن فيه ...
وجدير بالتنويه أن فاعل المضارع الذى تدخل عليه لام الجحود لا يكون اسما ظاهرا - فى الأعم الأغلب - بل يكون ضميرا مستترا جوازا ، يعود على اسم الناسخ السابق ، ومنع أكثر النحاة أن يكون اسما ظاهرا (2)
... *** وبعد نفى «كان» حتما أضمرا - 8
يريد : أضمر الحرف الناصب وهو : «أن» إذا وقع بعد الفعل المنفى : «كان». ولم يوضح شروط هذا الفعل ، ولا مضارعه ، ولا شيئا من الأحكام والتفصيلات الهامة التى لا تصلح القاعدة إلا بذكرها. وقد عرضناها وافية. أما الشطر الأول من البيت فيتعلق بحكم آخر أوضحناه وذكرنا البيت معه فى ص 272 و 293.
... .(ا) اختلف النحاة فى الحكم على نوع «لام الجحود». فمن قائل إنها حرف زائد ، وزيادته غير محضة ؛ إذ لا يمكن الاستغناء (1)عنه ؛ لأنها تفيد الاختصاص ، وتقوية النفى الذى ينصبّ على ما قبلها ، وما بعدها (2)أيضا. ومع زيادتها فهى الناصبة للمضارع بنفسها ، والفعل وفاعله خبر الكون
ومن قائل : هى زائدة غير محضة أيضا ، ولكن المضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها. والمصدر المؤول خبر. وقيل ... وقيل ...
وهذه الآراء ضعيفة ؛ لأن أكثرها يعارض ويناقض القواعد النحوية العامة. وأقرب الآراء إلى القبول هو الرأى البصرى ، الذى يجعل لام الجحود حرف جر أصلى يفيد تقوية معنى النفى قبلها وبعدها ، والمضارع منصوب بعدها «بأن» المضمرة وجوبا. والمصدر المؤول مجرور باللام ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف عامّ. وهذا الإعراب هو الشائع بين أكثر النحاة ، وهو أقل عيوبا من سواه ، ويؤيده بعض الأمثلة الفصيحة التى وردت مشتملة على خبر «الكون» مذكورا كقول القائل :
سموت ولم تكن أهلا لتسمو *** ولكنّ المضيّع قد يصيب
فذكر الخبر «أهلا» يمنع أن تكون اللام فى هذه الأساليب زائدة محضة أو غير محضة ، كما يمنع أن يكون المضارع وفاعله هما الخبر فيها ، أو المصدر المؤول هو الخبر ...
(ب) إذا لم يكن الفعل المنفى قبل اللام «فعل كون» لم يصح اعتبارها «لام جحود». ووجب اعتبارها نوعا آخر يناسب السياق ، ويساير معنى الأسلوب ، كأن تكون زائدة ، أو للتعليل (3). أو للعاقبة ... أو ... والأغلب أن تصلح
1) سبق - فى ج 2 م. 9 ص 350 و367. باب «حروف الجر» تفصيل الكلام على زيادة حرف الجر ، وعلى زيادة «اللام» زيادة محضة وغير محضة ...
2) حاشية الخضرى والصبان فى هذا الموضع من باب : «إعراب الفعل».
3) انظر «ح» من ص 304 ، حيث الكلام على الفرق بينها وبين «لام الجحود» وقد سبق كلام على «لام التعليل فى ص 283 و 287 -
للتعليل فى كثير من الأساليب المنفية ، فتدل على أن ما بعدها علة لما قبلها - وقد تسمى فى هذه الحالة «لام كى» كما سبق (1)- ، نحو : لم يكذب الشاهد ليساعد المتهم ؛ فعدم مساعدة المتهم هو العلة فى عدم كذب الشاهد أى : لم يكذب الشاهد كذبا يكون سببه وعلة حدوثه (أى : الغرض منه) هو مساعدة المتهم ، فمساعدة المتهم هنا لم تتحقق ؛ فهى منفية. وأساس نفيها وعدم تحققها ما قرروه (2)من أن النفى الذى قبل لام التعليل ينصب على ما بعدها ، دون أن يشمل معه ما قبلها إلا بقرينة ، كما فى المثال السالف. وتفسير هذا ما قرروه أيضا من أن الجار والمجرور بعد «لام التعليل» المسبوقة بفعل منفى إنما يتعلقان بذلك الفعل المنفى ، ويصيران قيدا فيه ؛ فلا يكون نفيه مطلقا خاليا من التقييد ، ولكنه مقيد بهما ، فالنفى ينصب عليه فى حالة واحدة فقط ؛ هى حالة تقيده بهما ، دون بقية أحواله المطلقة التى لا تخضع للقيد. وفى هذه الحالة الواحدة يسرى النفى إلى القيد فيشمله أيضا (أى : يسرى على الجار مع مجروره) ، ففى المثال السّالف يكون الكذب المنفى نوعا معينا محددا ؛ هو الكذب المقيد بأنه لمساعدة المتهم ، أما الكذب لغير هذه المساعدة فمسكوت عنه ؛ لا يمكن الحكم عليه بشىء ؛ فقد يكون منفيّا أو غير منفى بقرينة أخرى خارجة عن الجملة. والقيد نفسه (وهو : المساعدة) منفى حتما (3)...
مثال آخر : ما صلّى العابد لينافق. أى : ما صلّى العابد صلاة يكون سببها ، وعلة أدائها هو : النفاق. فالجار والمجرور المكوّنان من لام التعليل وما دخلت عليه قد انصبّ عليهما النفى حتما. وأما ما قبلهما - وهو الصلاة غير المقيدة - فمسكوت عنه وإن شئت فقل : هما متعلقان بالفعل المنفى : «صلّى» فهما قيد له ، وصار بهما مقيدا ، فالصلاة المنفية هى الصلاة المقيدة بأنها للنفاق ، وليست مطلق صلاة. أما الصلاة المطلقة التى ليست للنفاق فمسكوت عنها ، لا يفهم أمرها ولا الحكم عليها من هذا التركيب ؛ فقد تكون موجودة أو لا تكون ... وتوجيهها لأحد الأمرين يحتاج إلى قرينة أخرى خارجة تعينها لهذا أو لذاك ، والقيد فى الحالين منفى حتما (4)...
1) فى «ب» من ص 286.
2) راجع الصبان فى هذا الموضع.
3) مما يزيد الأمر وضوحا أن نجعل هذا المثال مثبتا (خاليا من النفى) ونوازن بين معنييه فى حالتى الإيجاب والنفى ، فيزداد المراد من التعليل والتقييد جلاء ، ولا سيما إذا تعددت وتنوعت الأمثلة - ثم انظر «ج» الآتية.
4) مما يزيد الأمر وضوحا أن نجعل هذا المثال مثبتا (خاليا من النفى) ونوازن بين معنييه فى حالتى الإيجاب والنفى ، فيزداد المراد من التعليل والتقييد جلاء ، ولا سيما إذا تعددت وتنوعت الأمثلة - ثم انظر «ج» الآتية.
وإذا كان الفعل المنفى قبل اللام فعل «كون» غير ناقص لم يصح اعتبارها لام جحود ، ووجب توجيهها لشىء آخر ، ويكثر أن يكون هو «التعليل» أيضا على الوجه السالف ؛ نحو : ما كان الحاكم ليظلم ؛ بمعنى : ما وجد الحاكم ليظلم. فالشأن فى «كان» هنا كالشأن فى كل فعل غير ناسخ يحل محلها من ناحية أن الجار والمجرور منفيان حتما أو يتعلقان به ؛ فيصير مقيدا بهما ؛ ويصير معناه بسبب النفى الواقع عليه غير مطلق ، وإنما هو مقيد بحالة معينة دون غيرها. أما غيرها فمسكوت عنه يحتاج لقرينة خارجة عن الجملة ، تبين أمره نفيا وعدم نفى ، والقيد (الجارّ والمجرور المتعلقان به) منفى حتما. فكأن الناطق بهذا المثال يقول : ما كان الحاكم (أى : ما وجد وظهر الحاكم) الذى يكون سبب وجوده ، وعلة ظهوره : الظلم. فسبب الوجود وعلته هو : الظلم ، والظلم منفى ، فالمسبب عنه منفى لا محالة. أو الجار والمجرور متعلقان بالفعل ، فهما قيد له ... و ... وفى هذا المثال لا يصح اعتبار اللام «للجحود» ؛ لأن هذا يؤدى إلى مخالفة الواقع الذى يدل على أن كثيرا من الحكام ظالمون.
ومن الأمثلة السالفة وأشباهها يتبين أن النفى قبل لام التعليل ينصبّ على الفعل الذى قبلها فى حالة واحدة ؛ هى التى يكون فيها مقيدا بهذه اللام الجارة ومجرورها ، وليس مطلقا من التقييد ، وأن هذا النفى ينصب على ما بعدها دائما (أى : على القيد).
فإذا كان الفعل غير مسبوق بنفى لم تكن اللام للجحود.
وإذا كان الفعل ناسخا غير «كون» لم تصلح اللام للجحود - كما تقدم - فى أصح الآراء ؛ فلا يقال : ما أصبح محمد ليهمل عمله ، ولم يصبح محمود ليهين غيره ... وما ظننت الأمة الناهضة لتسىء إلى علمائها ، ولم أظن الشعوب القوية لتركن إلى الراحة ... قال أبو حيان : «كل هذه التراكيب فاسدة ؛ إذ لم يسمع لها نظير فى كلام العرب ، فوجب منعها وردّها».
(ج) يتردد هنا - وفى الأبواب الأخرى - لفظ : «لام التعليل» ، و «لام الجحود» فما الفارق الدقيق بينهما ؛ بحيث تتميز إحداهما من الأخرى بغير غموض ولا خفاء؟
الفارق بينهما ما أسلفناه من أن لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى ؛ فلام الجحود تفيد النفى العامّ ؛ ولام التعليل تفيد التعليل (أى : أن ما بعدها
علة وسبب فيما قبلها) على الوجه الذى شرحناه فى كل منهما. وشىء آخر ؛ هو أن النفى مع لام الجحود مسلط على ما قبلها وما بعدها معا فى كل حالاتهما ؛ فهو منصب على الكلام كله ؛ لأن ما قبلها كون عامّ منفى ، وخبره المحذوف أمر عام أيضا ، ومنفىّ تبعا له ، ويتعلق به الجار والمجرور ، فهما متعلقان بأمر عام منفى ، فيتسرب إليهما النفى منه حتما ؛ لدخولهما فيما يشتمل عليه ... ويؤثر فيه ؛ بالنفى كالأمثلة التى فى أول البحث ؛ حيث يعم ما قبل لام الجحود وما بعدها ، ويكون شاملا غير مقيد بقيد يخرج بعض الحالات.
أما لام التعليل فالنفى قبلها داخل على فعل خاص ، ليس كونا عامّا ، وإنما هو فعل مقيد بالجار والمجرور (وهما : لام التعليل ، وما دخلت عليه) ؛ فالنفى منصبّ على هذا الفعل المقيد ؛ أى : منصبّ عليه فى حالة تقيّده - وهى حالة واحدة ، دون غيرها من الحالات الأخرى الكثيرة التى لا تدخل فى التقييد ؛ والتى هى مسكوت عنها ، كما قدمنا - فلا يحكم على تلك الحالات الأخرى بالنفى أو بعدمه إلا بقرينة خارجة عن الجملة. والقيد (وهو لام التعليل ومجرورها) - منفيان حتما ، لتعلقهما بالفعل الخاص المنفى. فالمعنى بعد لام التعليل منفى ، أما قبلها فلا يتعين النفى إلا فى الصورة الواحدة التى شرحناها وهى التى يكون فيها الفعل مقيدا بالجار مع مجروره ؛ فمعنى الفعل فيها ليس عامّا (1)
يبدو أنه لا يوافقه ، إلا إذا كان مراده أنه لا يشمل ماقبلها من الصور المتعددة التي لا تدخل في القيد
مطلقا.وبناء على ما سبق اشترطوا لصحة «لام الجحود» ألا ينتقض النفى بعدها بشىء ؛ مثل «إلّا (2)الاستثنائية» - أو إحدى أخواتها - فلا يقال : ما كان الحر إلا ليقبل الضيم ؛ لأن «إلّا» هذه تنقض النفى السابق عليها ؛ وتجعل ما بعدها مثبتا. وهذا مخالف لما تتطلبه لام الجحود من نفى ما قبلها وما بعدها معا بالحرف النافى المذكور فى صدر جملتها. ولم يشترطوا هذا فى لام التعليل فأجازوا : ما حضر المتعلم إلا ليستفيد ، فصدر الجملة ينفى الحضور عن المتعلم ،
وعجزها الواقع بعد «إلا» ينفى ذلك النفى وينقضه ، ويثبت الحضور ... وأنه لاستفادة المتعلم. فكأن الجملة : حضر المتعلم ليستفيد.
(د) هل يصح حذف «لام الجحود»؟ وهل يصح حذف فعل «الكون» قبلها؟ يجيز الحذف بعض النحاة ، معتمدا على ظاهر أمثلة واردة عن العرب ، وقد تصدى لبحثها بعض المحققين ، وانتهى منها إلى أن المحذوف لا يتعين أن يكون أحدهما ، بل يستقيم المعنى على تقديره ، أو تقدير غيره ، فلا داعى لإباحة حذف واحد منهما.
الأداة الثانية : «أو» العاطفة (1)التى بمعنى : «حتى» ، أو «إلّا» الاستثنائيّة : ينصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد «أو» العاطفة فى موضعين :
أحدهما : أن تكون «أو» العاطفة صالحة للحذف ، ووضع «حتى» فى مكانها من غير أن يتغير المعنى ؛ سواء أكانت : «حتى» دالة على الغاية ، أم دالة على التعليل.
(ا) فالدالة على الغاية : (ويسمونها : «الغائية» أو : التى بمعنى : «إلى») هى التى ينقضى المعنى قبلها شيئا فشيئا ، لا دفعة واحدة ، ويتم انقضاؤه بمجرد وقوع ما بعدها ، وتحقق معناه ؛ فإذا وقع ما بعدها انقطع ما قبلها نهائيّا. وذلك بأن يكون لما قبلها نوع امتداد زمنى ، واستمرار معنوى متلاحق ، لا ينقطع ولا يتوقف نهائيّا إلا بتحقّق ما بعدها وحصوله ، فإذا تحقق ما بعدها وحصل انقطع المعنى قبلها بمجرد هذا التحقق والحصول ؛ نحو : أقرأ الكتاب ، أو أتعب ، (أى : حتى أتعب ، أو : إلى أن أتعب) ، فقراءة الكتاب تتطلب وقتا ، يتابع بعضها بعضا فيه ، ولا تتم دفعة واحدة بغير استمرار زمنى ، فإذا حصل التعب - وهو المعنى الذى بعد «أو» - انتهت القراءة وانقضت بمجرد حصول هذا. ونحو : أتناول الطعام أو أشبع. (بمعنى : حتى أشبع ، أى : إلى أن أشبع) فتناول الطعام لا يتم دفعة واحدة ؛ وإنما يستغرق وقتا يتوالى فيه بعضه وراء بعض ، ويستمر هذا حتى يجصل الشبع ويتحقق - وهو المعنى الذى بعد : «أو» فإذا حصل وتحقق انقطع تناول الطعام ، ومثل : أنام الليل أو يطلع الفجر ، وأصلى الصبح وأتعبد أو تشرق الشمس (2)
بكى صاحبى لما رأى الدرب دونه *** وأيقن أنّا لا حقان بقيصرا
فقلت له : لا تبك عينك إنما *** نحاول ملكا ، أو نموت فنعذرا.
والشطر الأخير هو محل الشاهد.
... .1) يجرى على هذه الأداة الأحكام العامة التى سبقت فى رقم 2 من هامش ص 298 ، والتى تجرى على كل نظائرها التى تنصب المضارع بأن المضمرة وجوبا.
2) ومما يصلح لذلك قول امرئ القيس يخاطب رفيقه فى السفر : (وكان امرؤ القيس قد صمم على الأخذ بثأر أبيه ممن قتلوه ؛ فقصد قيصر الروم ليستعين به على تحقيق غرضه. واستصحب معه فى سفرته الطويلة الشاقة عمرو بن قميئة الذى جزع وتوجع مما حاق بهما من المشقات. وهو الذى يقصده امرؤ القيس بقوله :
فالحرف «أو» فيما سبق حرف عطف بمعنى «حتى» الجارّة (1). ولكنه لا يعرب حرف جر (2)...
(ب) والدالة على «التعليل» (ويسمونها : «أو التعليلية») أى : (التى بمعنى : «كى التعليلية» ، أو «لام التعليل») يكون ما بعدها علة لما قبلها ؛ نحو : لأرضين اللّه أو يغفر لى ، بمعنى : حتى يغفر ، أو : كى يغفر لى ، فما بعد «أو» - وهو : المغفرة - علة فيما قبلها ، وهو إرضائى اللّه. ولا تصح أن تكون «أو» هنا بمعنى : «حتى» الغائية ؛ لفساد المعنى ؛ إذ يكون : سأرضى اللّه إلى أن يغفر لى ، فإذا تحقق الغفران انقطع إرضائى له ، وأغضبته ...
ومن الأمثلة : أحاذر العدوى أو أسلم ، وأحرص على التوقىّ أو أنجو من المرض. فأو بمعنى : «حتى التعليلية» ، ولا تصلح الغائية ، لفساد المعنى معها ...
و «أو» تعرب هنا حرف عطف ، ولا يصح إعرابها حرف جر أو شيئا غير العطف ، بالرغم من أنها بمعنى «حتى» التعليليّة الجارة (3) ...
والآخر : أن تكون «أو» بمعنى : «إلا» الاستثنائية ؛ وهذا حين لا يصلح فى موضعها «حتى» بنوعيها السالفين ؛ وهما : (الغائية ، والتعليلية). فلا بد من الالتجاء أول الأمر إلى : «حتّى» ووضعها فى مكان : «أو» ، فإن لم يستقم المعنى معها قصدنا «إلّا» الاستثنائية. نحو : تهوى الطائرة أو تسلم من الخلل ، وتسقط أو تبرأ من الفساد ... أى : إلا أن تسلم - إلا أن تبرأ ... ونحو : يقتل النّمر بالرصاص أو تخطئه الرّصاصة ... ويحرص الصياد على جلده ، أو يعجز عن سلخه. فلفظ «أو» فى الأمثلة السالفة بمعنى : «إلا» ولا يصلح غيرها. ومع أنه بمعناها - يعرب حرف عطف ، ولا يصح اعتباره حرف استثناء (4) ...
فإن لم تصلح «أو» العاطفة لأن تكون بمعنى : «حتى» أو : «إلا» لفساد المعنى بوضع إحداهما فى موضعها ، كانت لمجرد العطف ؛ فلا ينصب المضارع بعدها ، إلا أن اقتضى المعنى بعدها نصب المضارع لسبب آخر غير السالف (1)... فإن اقتضى المعنى نصب المضارع لسبب غير ما تقدم : وجب نصبه «بأن» أيضا ، ولكن يجوز إظهارها وإضمارها ، كقول أحد الولاة لشاعر هجّاء : (لو لا شعرك الجيد أو يحرم أولادك عائلهم لقطعت لسانك. فلا عفو بعد اليوم ، أو أقبل شفاعة). ويصح إظهار «أن» فنقول : أو أن يحرم أولادك ... أو أن أقبل شفاعة. وفى كلتا الحالتين يعرب المصدر المنسبك من «أن» (الظاهرة أو المضمرة جوازا) مع ما دخلت عليه ، معطوفا. أما المعطوف عليه فلا بد أن يكون اسما صريحا قبل «أو» (2)، وهو هنا : «شعر ، وعفو». والتقدير : لو لا شعرك ، أو حرمان أولادك ... فلا عفو أو قبول شفاعة ... ومن هذا قوله تعالى : ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلَّا وَحْياً ، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ... ) بمعنى : أو أن يرسل رسولا. فالمضارع «يرسل» منصوب «بأن» مضمرة جوازا ، وفاعله مستتر جوازا تقديره : هو ، والمصدر المؤول معطوف على الاسم الصريح : «وحيا» والتقدير : إلا وحيا أو إرساله رسولا ...
ملاحظة : لما كانت «أو» التى ينصب بعدها المضارع بأن المضمرة وجوبا أو جوازا ، حرف عطف - وجب أن يكون المصدر المؤول بعدها معطوفا على شىء قبلها يناسبه (3)
وقد أشرنا إلی صحة وقوع المعطوف عليه اسما جامدا محضا (أي اسما جامدا غير مصدر) نحو: لو لا شعرك الجيد أو يحرم أولادك عائلهم ... فالمصدر المؤول من «أن» المضمرة بعد «أو» ومن الجملة المضارعية بعدها معطوف على : «شعر» وهو اسم جامد محض. والتقدير : لولا شعرك ، أو حرمان أولادك ..
ومثله قول الشاعر :
ولو لا رجال من رزام أعزة *** وآل سبيع ، أو أسوءك - علقما
(رزام : اسم قبيلة. وعلقم : منادى مرخم ، وأصله يا علقمة ...) فالمصدر المؤول من أن المضمرة بعد «أو» ومن الجملة المضارعية بعدها معطوف على : «رجال» ورجال اسم جامد محض. والتقدير : لولا رجال أو إساءتك ... ،
؛ (كمصدر صريح ، أو مؤول ، وكاسم جامد ليس بمصدر ...) فإن1) سيجىء فى «د» من الزيادة والتفصيل (ص 312) ، بيان السبب الذى يقتضى نصب المضارع بعد «أو» العاطفة.
2) عملا بقاعدة نصب المضارع بأن مضمرة جوازا بشروط ، منها : أن يكون المصدر المؤول من «أن» وما دخلت عليه معطوفا على اسم صريح خالص مذكور ... و ... وقد سبقت فى ص 270.
3) يجب أن يكون المعطوف مذكورا - فى الأغلب - وجامدا حين يكون نصب المضارع بأن مضمرة جوازا ؛ (طبقا لما تقدم إيضاحه فى ص 270) ، ولا يصح فى حالة نصب المضارع أن يكون المعطوف عليه فعلا أو مشتقا يشبهه ؛ إذ لو كان المصدر المؤول - وهو بعد التأويل اسم صريح - معطوفا على فعل أو ما يشبهه لاختلف الأمر بين التابع والمتبوع فى أمور ؛ أهمها الزمن ، والذات ، ذلك لأن المصدر المؤول بعد إتمام تأويله يدل على المعنى المجرد الخالى من الزمن ومن الذات ، فى حين يدل الفعل على الزمن ، وتدل المشتقات العاملة على الزمن ، ومعه صاحب المعنى (أى الذات).
وجد فى الكلام السابق معطوف عليه مذكور ، عطفنا عليه المصدر المؤول الذى بعد «أو» كما فى الأمثلة الأولى ، وكما فى الأمثلة الأخيرة (وهى : لو لا شعرك الجيد ويحرم ... - فلا عفو أو أقبل شفاعة ... إلا وحيا أو يرسل رسولا ...) وإن لم يذكر فى الكلام السابق معطوف عليه تصيّدنا من ذلك الكلام اسما جامدا ، مصدرا كان أم غير مصدر ، وجعلناه المعطوف عليه. والأنسب أن يكون مصدرا - لا اسما جامدا محضا ؛ - ليكون المعطوف والمعطوف عليه متناسبين ، فى المصدرية ...
ويقول النحاة : إن تصيّد المصدر - المعطوف عليه - من الكلام الذى قبل «أو» لا يحتاج فى تلمسه إلى ضابط معين ، ولا إلى طريقة خاصة. وكل ما يشترط فيه أن يكون ملائما المعنى ، مسايرا السياق الصحيح ... (1)
كذاك بعد «أو» ، إذا يصلح فى *** موضعها : «حتّى» ، أو : «الّا» أن خفى
وفى البيت تقديم وتأخير. والأصل :(«أن» خفى كذاك بعد «أو» إذا يصلح فى موضعها حتى ، أو إلا.) يريد : الحرف المصدرى «أن» خفى - بمعنى : أضمر ولم يظهر - خفاء بعد «أو» مثل ذاك الذى وقع بعد لام الجحود ؛ من ناحية أنه خفاء وإضمار واجب ؛ فلا يصح ظهور «أن» فيه بعد «أو» كما لا يصح ظهورها بعد لام الجحود. بشرط أن تكون : «أو» بمعنى : «حتى» أو «إلا» ؛ فيصح إحلال أحد هذين الحرفين فى موضعها.
وفيما يلى بعض الأمثلة السالفة الخالية من ذكر المعطوف عليه صراحة ، ثم اشتمالها عليه بعد تصيده : .1) اكتفى ابن مالك ببيت واحد فى الكلام على «أو» السالفة ؛ هو :
المثال أولا بغير ذكر / المثال بعد تصيد المصدر / ملاحظة
المعطوف عليه صراحة / المعطوف عليه
أقرأ الكتاب أو أتعب / سيكون منّى قراءة أو تعب وسيكون منى تناول للطعام أو شبع ...
أنام الليل أو يطلع الفجر / يكون منى النوم واستمراره أو طلوع الفجر. / ليس من اللازم أن نقول:
أصلى واتعبد أو تشرق الشمس / تكون منى صلاة وتعبد أو شروق الشمس ... / «سيكون» أو :
لأرضين اللّه او يغفرلي. / ليكن منى إرضاء اللّه أو غفرانه لي تكون منى محاذرة للعدوى أوسلامة ... / «لتكن» ... وإنما اللازم هو مسايرة المعنى مع صحة الأسلوب.
(ا) يجرى على المضارع المنصوب بأن المضمرة بعد : «أو» جميع الأحكام الخاصة بالمضارع المنصوب بأن المصدرية من السبك ، والفصل ، وعدمه (1)...
(ب) صرحنا فيما سبق أن : «أو» التى بمعنى : «حتى» أو : «إلا» - هى حرف عطف ، ولا يصح إعرابها حرف جر ، أو حرف استثناء تبعا للحرف الذى يصلح فى موضعها ؛ فهى بمعناه فقط ، وليست مماثلة له فى إعرابه ؛ فلكل منهما إعرابه الخاص به. وهو يخالف إعراب الآخر. ولهذا السبب وجب إعراب المصدر المؤول بعد «أو» معطوفا على شىء قبلها ، ولا يصح إعرابه مجرورا ، أو مستثنى ، برغم أن «أو» بمعنى : «حتى» الجارة ، أو «إلا» الاستثنائية.
(ح) قد تصلح «أو» السالفة لأن تكون بمعنى : «حتى» أو «إلا» عند عدم قرينة تعينها لأحدهما ؛ ولكن يختلف المعنى فى كل صورة ؛ نحو : لأ لازمنّك أو تسدّد لى دينى. فيصح أن تكون «أو» هنا بمعنى «حتى» ، أو «إلّا» والمعنيان مختلفان.
(د) من الملاحظ أن «أو» السالفة تقع بين معنيين مختلفين ؛ أحدهما قبلها ، والآخر بعدها ، والأول محقق الوقوع أو مرجحه حتى يقع ما بعدها ؛ فحصول الأول ثابت أو بمنزلة الثابت ، حتى يحصل ويقع ما بعدها ، وحصول الثانى ووقوعه مشكوك فيه غالبا ؛ فقد يقع أو لا يقع. فإذا أريد الدلالة على أن ما قبلها وما بعدها متساويان فى الشك وجب توجيهها للعطف المجرد ، ووجب رفع المضارع بعدها ؛ ليكون الرفع شارة وعلامة على هذه المساواة فى الشك. (بخلاف ما لو أريد الدلالة على أن الأول محقق الوقوع أو مرجحه ، وأن الثانى وحده هو المشكوك فى حصوله ؛ فيجب نصب المضارع حتما بأن مضمرة وجوبا بعد «أو» ؛ ففى مثل : أسافر يوم الجمعة أو أستريح ... - يصح رفع المضارع : «أستريح» على إرادة أن السفر والاستراحة متساويان من ناحية وقوعهما أو عدم وقوعهما ؛ فكلاهما مشكوك فى حصوله ، غير مقطوع بواحد منهما. ويصح نصب المضارع
1) سبقت هذه الأحكام فى ص 266.
«أستريح» على إرادة أن الأول - وهو : السفر - محقق الوقوع والحصول ، أو كالمحقق ، وأن الراحة مشكوك فيها ؛ فقد تحصل أولا تحصل ، وأن المعنى أسافر حتى أستريح ، أو إلا أن أستريح. فالسفر ليس موضع شك ؛ وإنما الشك فى الاستراحة ؛ إذ لا يدرى المتكلم أتتحقق أو لا تتحقق؟.
ومثل المساواة فى الشك المساواة فى غيرها من المعانى الأخرى التى تدل عليها «أو» المتجردة للعطف المحض (1).
لهذا كان استعمال : «أو» فى معناها الصحيح محتاجا إلى يقظة ودقة فهم ...
1) تقدمت هذه المعانى عند الكلام على «أو» العاطفة فى باب العطف (ج 3).
الأداة الثالثة (1)
أنواع «حتى» ثلاثة ؛ أولها : العاطفة ؛ وهى حرف عطف يفيد بلوغ الغاية فى خسة ، أو شرف ، أو قوة ، أو ضعف ، أو نحو هذا من كل ما يفيد كمالا أو نقصا ، حسيين أو معنويين ، أو يدل على حسن أو قبح كذلك .. ومن أحكام هذا النوع أنه لا يدخل على الحروف ، ولا يعطف المصادر المؤولة ، ولا الأفعال ، ولا الجمل الفعلية ولا الاسمية ، وإنما يعطف الاسم الظاهر الصريح فقط.
(وقد سبق تفصيل الكلام على هذا النوع ، وعلى أحكامه فى باب العطف ج 3 ص 429 م 18).
ثانيها : «حتى الابتدائية» وتفيد الدلالة على : «الغاية» ولو بتأويل أو تقدير - ، ولكنها لا تدخل إلا على جملة جديدة ؛ مستقلة عن الجملة التى قيلها فى الإعراب ، مع اتصالهما معنى بنوع من الاتصال. وهذا هو المراد من قول «الخضرى» عند كلامه عليها فى باب العطف ج 2 - : «إنها هى الداخلة على جملة مضمونها غاية أى : نهاية وآخر لشىء قبلها.) ؛ فتدخل على الجملة الاسمية نحو : الصناعة مفيدة ، حتى فائدتها الخلقية كبيرة. وتدخل على الجملة الفعلية الماضوية ؛ نحو قول الشاعر :
وضاقت الأرض ؛ حتى ظنّ هاربهم *** إذا رأى غير شىء ظنّه رجلا
ونحو : ارتفع صوت الحرية فى القرن العشرين حتى ملأ الأسماع ، ودوّى فى المشارق والمغارب حتى زلزل حصون الاستبداد .. وتدخل على الجملة المضارعية بشرط أن يكون زمن المضارع حالا حقيقية ، أو مؤولة بالحال ، وفى الصورتين يجب رفع المضارع. فالحقيقية : (هى التى يكون زمنها هو زمن التكلم.) وفى أثنائه يتحقق معنى المضارع ؛ بحيث يكون الوقت الذى يجرى فيه الكلام هو الوقت الذى يقع فيه - أول مرة - معنى هذا المضارع. أى : أن الزمن الحالى يجمع بين كلام المتكلم ، وحصول معنى المضارع أول مرة - بالنسبة لهذا الكلام الذى يحوى المضارع ، نحو : أصغى الآن للخطيب حتى أسمع وأفهم كلامه (طبقا للبيان الآتى فى ص 319) والمؤولة بالحال إما مؤولة عن ماض : وهى التى يكون زمنها قد فات قبل التكلم ، ومعنى المضارع قد وقع وانتهى ، وتم كل هذا قبل النطق بالجملة المشتملة على «حتى» ومضارعها ولكن المتكلم يتخيل أن ذلك الزمن بما يحويه من معنى المضارع لم ينته ، وأنه موجود قائم حين النطق بالجملة. وهذه الطريقة تسمى : «حكاية الحال الماضية» (وسيجىء تفصيل الكلام عليها هنا ، وفى ج من ص 318. حيث نعرف الداعى لها ، وأثرها النحوى والمعنوى.) أما علامة هذه الحال الماضية المحكية فصحة الاستغناء عن مضارعها ، وإحلال ماضية محله فلا يتغير المعنى ولا يفسد التركيب (كما سيجىء فى ص 327 -
وإما مؤولة عن مستقبل ؛ وهى التى يقع الكلام ويتحقق دون أن يقع ويتحقق زمنها وزمن مضارعها فى أثنائه ، أو قبل النطق به. ولكن المتكلم يتخيل زمنها قائم وقت الكلام. وعلى هذا لا يصح اعتبار : «حتى» ابتدائية إذا كان معنى المضارع الذى بعدها قد تحقق فى زمن انتهى حقيقة ، أو أنه سيتحقق فى زمن مستقبل حقيقة ، بغير تخيل الحال وحكايتها فى كل واحدة منهما ... فمثال حكاية الحال الماضية التى يتخيل المتكلم وقوعها وقت كلامه - على الرغم من أن زمنها قد فات حقا ، وانتهى قبل أن يتكلم ، قول المؤرخ : يقيم الفراعنة المصريون القدماء مسلات ضخمة ، حتى يكتبون على جوانبها تاريخهم ، ومآثرهم. أى : حتى كتبوا. ومثال الحال المؤولة عن المستقبل : يأتى الشتاء فى الشهر القادم ؛ وها هو ذا المطر ينهمر. ويشتد البرد حتى ترتجف منه أعضائى. ومثال الحال الحقيقة - : أقف الآن على شاطىء البحر والشمس منحدرة إلى مغربها حتى أتابع منظر غروبها - هذه الوردة فى يدى أرقبها وأشمها ، حتى أتمتع بلونها وبطيب رائحتها - فمتابعة الغروب تتحقق فى الزمن الذى ينطق فيه المتكلم بالجملة المشتملة على «حتى» ؛ فزمنهما واحد هو : الحال. كذلك التمتع بطيب الوردة ولونها ؛ يقع فى الزمن الذى يقع فيه النطق بالجملة المشتملة على «حتى» وهو الزمن الحالى. وفى هذه الأمثلة وأشباهها تعرب «حتى» حرف ابتداء يدل على «الغاية» والجملة بعدها مستقلة فى إعرابها لا فى معناها. - وقد شرحنا معنى الغاية هنا.
ثالثها : «حتى» الجارة ، وهى نوعان ؛ نوع يجر الاسم الظاهر الصريح (والظاهر : ما ليس ضميرا ، والصريح - : ما ليس مصدرا مؤولا) ومعناها الدلالة على الغاية : نحو : قرأت الكتاب حتى الخاتمة. ولا شأن لنا بهذا النوع هنا ، - (فقد سبق الكلام عليه فى الجزء الثانى ، باب حروف الجر ، م 90) ونوع يجر المصدر المؤول من «أن» المضمرة وجوبا وما دخلت عليه من جملة مضارعية. ومعناها : إما الدلالة على الغاية ، وإما الدلالة على التعليل ، وإما الدلالة على الاستثناء. والنوع الجار للمصدر المؤول هو موضوع كلامنا الآن.
«ملاحظة» : يصح حذف ما دخلت عليه «حتى» مهما كان نوعها بشرط ألا يكون اسما صريحا مجرورا بها. ومن الأمثلة قول الشاعر وقد ذهب لزيارة شخص :
فلما لم أجدك فدتك نفسى *** رجعت بحسرة وصبرت حتى ...
يريد : حتى يأذن اللّه - مثلا -
: «حتّى» الجارة للمصدر المنسبك من «أن» والجملة المضارعية : -1) وتنطبق عليها الأحكام العامة التى فى رقم 2 من هامش ص 298 - ولا تتضح «حتى» الجارة على الوجه المحمود إلا بعرضها مع بقية أنواع «حتى» عرضا مناسبا ؛ يكفى لتمييز كل نوع من غيره.
والكلام عليها - هنا - يتجه إلى ناحية معناها ، وعملها ، وحكم المضارع بعدها.
(ا) فأما معناها فالدلالة على «الغاية» ، أو : على «التعليل» ، أو : على «الاستثناء»
فتدل على الغاية إذا كان المعنى بعدها نهاية لمعنى قبلها ينقضى تدريجا ، لا دفعة واحدة ، ولا سريعا ، ويترتب على تحقق المعنى الذى بعدها أن ينقطع المعنى السابق فورا ، وأن يتوقف بمجرد تحقق اللاحق وحصوله ؛ نحو : (يمتد الليل حتى يطلع الفجر) - (يزداد الحرّ نهار الصيف حتى تغيب الشمس ، ويزداد البرد ليل الشتاء حتى تشرق) - (يسرع القطار حتى يدخل المحطة ، والطائرة حتى تدخل حظيرتها) ... فامتداد الليل يستمر تدريجا إلى أن يظهر الفجر ، وعند ظهوره ينقطع الامتداد ويختفى. وازدياد الحر يدوم إلى أن تختفى الشمس ، ومتى اختفت انقطع الازدياد وتوقف ... وهكذا بقية الأمثلة ونظائرها مما تقع فيه: «حتى» دالة على الغاية (أى : على نهاية المعنى الذى قبلها ، وانقطاعه ، بسبب ظهور معنى جديد بعدها ، وابتداء حصوله وتحققه) ، ولذا يسمونها : «حتى الغائية» أو : «حتى التى بمعنى : إلى» ؛ لدلالة كل واحدة منهما على
انتهاء ما قبلها بمجرد حصول ما بعدها. ولا بد أن يكون المعنى السابق من الأمور التى تنقضى شيئا فشيئا - كما نرى - فلا ينقضى مرة واحدة ، ولا ينقطع بغير تمهل.
والضابط الذى تتميز به «حتى الغائية» من غيرها هو صحة حذفها ، وإحلال «إلى» (1)محلها من غير أن يفسد المعنى ، أو التركيب.
وتدل على «التعليل» إذا كان ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها (2)؛ نحو : (نقرأ الصحف حتى نعرف الشئون الداخلية والخارجية ، ونستمع إلى الإذاعة حتى نعلم ما يدور فى البلاد المختلفة) ؛ فقراءة الصحف هى السبب فى معرفة الشئون الداخلية والخارجيّة ، والاستماع إلى الإذاعة هو السبب فى العلم بما يدور فى البلاد المختلفة. فما قبل «حتى» هو العلة والسبب فيما بعدها (3)؛ ولهذا ، تسمى : «التعليلية».
ومن الأمثلة أيضا ؛ (تحرص الأمم على نشر التعليم حتى تنهض وتقوى ، وتتنافس فى ميادين الصناعة حتى تفوز بأكبر قسط من مزاياها ، وتتسابق إلى كشف الكواكب حتى تستأثر بما فيها) ...
وتدل على «الاستثناء» - كإلّا - إذا لم تصلح للدلالة على الغاية أو على التعليل ؛ فلا بد من القطع بعدم صلاحيتها «للغاية ، أو للتعليل» قبل جعلها للاستثناء الخالص. نحو : (لا يصلح الوالى للحكم حتى يلتزم العدل ، ويحرص عليه) ... والتقدير : لا يصلح الوالى للحكم إلا أن يلتزم العدل. «فحتى» هنا بمعنى : «إلا» - وعند التقدير نقول معناها : «إلا أن» ، فتظهر «أن» بعد «إلّا» فى حالة التقدير فقط ، لمجرد الإيضاح ، ولا يصح إظهارها بعد «حتى» ولا تصح أن تكون «غائية» ولا «تعليلية» ؛ إذ لو كانت «غائية» لوجب أن ينقضى المعنى قبلها تدريجا - كما سبق - والنفى من المعانى التى تنقضى دفعة واحدة ؛
1) إنما تدل «إلى» على الغاية بالتفصيل الذى سبق عنها فى حروف الجر - ج 2 م 90 ص 366 - وعند التقدير نقول : «إلى أن ...» فيزاد بعدها الحرف «أن» ؛ لمجرد الإيضاح والتفسير ، لأنه الناصب للمضارع. ويوضح هذا ما يجىء فى الحكم الثالث من هامش الصفحة التالية خاصا بالكلام على «حتى» بمعنى «إلا» فكأن الذى يحل محل «حتى» هو : «إلى أن». لكن لا يصح إظهار «أن» بعد حتى مطلقا.
2) أهذا يوافق قولهم : إن «حتى التعليلية» بمعنى «كى التعليلية» التى يكون ما بعدها علة فيما قبلها؟ أم أن المسألة اعتبارية؟ المراجع فى هذا مضطربة.
3) لأن السبب متقدم فى زمنه على المسبب حتما.
لأنه حكم بالسلب على أمر ، والحكم بالسلب ينصبّ سريعا ، دفعة واحدة ؛ لا تدريجا - فى الصحيح (1)
وبهذه المناسبة نشير إلى أهم الأحكام الخاصة «بحتى الاستثنائية» ؛ وقد نبه العلماء إليها ؛ لدقتها ، وخفائها على كثير :
«أولها» أن «حتى» الاستثنائية تسبق - كثيرا - بنفى ؛ يجعل معنى الجملة التى قبلها منفيا.
«ثانيها» أن معنى الجملة المشتملة على هذا النفى يظل على حاله عند التقدير مستمرا ومنفيا لا ينقطع استمراره ونفيه بوقوع ما بعدها ، مهما كانت الأحوال. والسبب فى هذا أن الاستثناء الذى تتضمن معناه ، وتدل عليه «هو استثناء منقطع» - فى الأعم الأغلب - (أى : لا يكون فيه المستثنى. من جنس المستثنى منه ، فهى بمعنى : «لكن» ساكنة النون). كالذى هنا ، وقد يكون متصلا أحيانا كالذى فى قوله تعالى : ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) فهى للاستثناء المتصل من عموم الأحوال.
«ثالثها» أن «حتى» تتضمن معنى «إلا» الخالية من «أن» بعدها. أما «أن» التى تظهر فى تأويل الجملة فهى «أن» المصدرية المضمرة وجوبا بعد «حتى». فإذا وضعنا «إلا» مكان «حتى» ظهرت «أن» المضمرة ؛ إذ لو كانت «حتى» بمعنى : «إلا» و «أن» معا لتكررت «أن» عند التأويل ، وصار الكلام : لا يصلح الوالى للحكم : «إلا أن أن» يلتزم العدل ، بذكر «أن» مرتين ؛ إحداهما التى كانت مضمرة وجوبا مع «حتى» والأخرى هى المزعومة خطأ بعد «إلا».
...ولو كانت «تعليلية» لوجب أن يكون ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها. وهذا لا ينطبق على ما نحن فيه ؛ إذ ليس عدم صلاح الوالى للحكم هو السبب فى أنه يلتزم العدل. ومن أمثلة «حتى» التى بمعنى : «إلا» قول علىّ رضى اللّه عنه : «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» (2).
وكذلك قول شوقى :
وما السلاح لقوم كلّ عدّتهم *** حتى يكونوا من الأخلاق فى أهب (3)
..................... (4)
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم
وقول الآخر :
ولا ألين لغير الحق أتبعه *** حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
1) وهنا اعتبار آخر ؛ هو أن الكلام قبل «حتى» منفى فى هذه الصورة ؛ والمنفىّ لا يزول معنى نفيه إذا كانت «حتى» للغاية وتحققت الغاية. فعند تحققها يبقى معنى النفى قبل «حتى» على حاله. ويترتب على بقائه فساد المعنى ؛ إذ يكون التقدير : لا يصلح الوالى للحكم إلى أن يلتزم العدل ، فإذا تحقق التزامه العدل لا يصلح للحكم.
2) استقامة اللسان : ترك الغيبة والنميمة ، وكل لفظ يؤذى.
3) جمع : إهاب ، بمعنى : جلد.
4) ومن الأمثلة أيضا قول المتنبى :
(ب) وأما عملها : فالجرّ باعتبارها حرف جر أصلى ، بشرط أن يكون المضارع بعدها منصوبا بأن المصدرية ، المضمرة وجوبا.
وهذا النوع من أنواع «حتى» (وهو الذى يعنينا هنا) لا يجرّ إلا المصدر المنسبك من «أن» المصدرية مع صلتها الجملة المضارعية. ففى مثل : الصبر يحمى النفس الحزينة ، حتى تفىء إلى السكينة - يكون الإعراب : (حتى) حرف جر - (تفىء) فعل مضارع ، منصوب «بأن» المضمرة وجوبا بعد «حتى». والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره : «هى». والمصدر المؤول من «أن» وما دخلت عليه من الجملة المضارعيّة مجرور «بحتى». والتقدير : حتى إفاءتها ... وهذا الجار ومجروره متعلقان بالمضارع : «يحمى» ...
وهى تعمل الجر دائما ولو كان معناها : الاستثناء ؛ فشأنها فى هذا شأن : (خلا ، وعدا ، وحاشا) ، والثلاثة حروف جر. ومعناها : الاستثناء.
(ج) وأما حكم المضارع بعدها : فتارة يجب رفعه ؛ فتكون ابتدائية (1)، وتارة يجب نصبه بأن مضمره وجوبا ، فتكون جارة للمصدر المؤول بالطريقة التى أوضحناها ، وتارة يجوز فيه الأمران ؛ فتكون ابتدائية عند رفعه ، وجارة عند نصبه بالحرف المصدرى «أن». وفى كل أحوال المضارع لا يجوز أن يفصل بينه وبين «حتى» فاصل مذكور أو مقدر إلا «أن» المضمرة وجوبا (2)فى حالة نصبه.
1 - فيجب رفعه فى كل حالة تستوفى ثلاثة شروط مجتمعة :
الشرط الأول : أن يكون زمن المضارع للحال حقيقة أو تأويلا ، والحال الحقيقية - - كما سلف (3)- هى التى يقع فيها الكلام ؛ فزمنها زمن النطق بالكلام المشتمل على «حتى». أى : أن الزمن الذى يحصل فيه الكلام هو نفسه الزمن الذى يجرى فيه - أول مرة (4)- معنى المضارع التالى لها. فلا بد أن تجمع الحال الحقيقية بين
1) سبق معنى «الابتدائية» فى هامش ص 314.
2) ويجيز بعض النحاة الفصل بينهما بالظرف ، أو الجار مع مجروره ، أو بالقسم ، أو بالمفعول أو بالشرط الذى فعله ماض. وهذا الرأى حسن ؛ إذ فيه تيسير.
3) فى هامش ص 314.
4) أوضحنا فى هامش ص 314 المراد من أنه «أول مرة» ، بأن يتحقق المعنى وقت الكلام فعلا ، وأنه لم يكن قد تحقق قبله ، أما إذا تحقق قبله وأريد إنزاله منزلة ما يتحقق وقت الكلام فإنه يكون حالا مؤولة - كما سيجىء فى الصفحة التالية -
الأمرين ؛ وهما : الكلام المشتمل على «حتى» ، وحصول معنى المضارع الذى يتلوها ؛ بحيث يتكلم الناطق بها وبجملتها فى وقت تحقق معنى المضارع وحصوله أول مرة ؛ نحو : (ينساب هذا الماء بين الزروع حتى تشرب). فالشرب - وهو معنى المضارع التالى ، «حتى» - يتحقق ويحصل فعلا أول مرة فى الوقت الذى يتكلم فيه المتكلم بالجملة ؛ فزمن النطق والشرب واحد ؛ هو : الزمن الحالى ، وهو الذى يجمع بينهما. ومثل : (يسمع الطبيب دقات القلب الآن حتى يعرف أمره ، ويجس نبض المريض حتى يسترشد به فى معرفة الداء). بشرط أن يقال هذا فى وقت استماع الطبيب للدق ، وجس النبض. ومثل : (أشاهد العواصف تشتدّ الساعة حتى تقتلع الأشجار ، وتزداد شدة وعنفا حتى تهدم البيوت ، وتغرق السفن ، وتسقط الطائرات) ... بشرط أن يكون الزمن الذى يتحقق فيه معنى الأفعال المضارعة التّالية «حتى» فى كل ما سبق هو زمن النطق بالكلام ، فكأن الناطق بالمضارع الحالىّ الزمن يقول : الأمر الآن كذا وكذا ، أى : شأنه فى الحال القائمة كذا وكذا ...
فالمضارع فى الأمثلة السالفة - وأشباهها - مرفوع وجوبا (1). و «حتى» حرف ابتداء ، يدل على أن الجملة بعده جديدة مستقلة عما قبلها فى الإعراب دون المعنى ؛ إذ لا بد من اتصالهما فيه - كما عرفنا.
ولا مانع أن يستمر معنى المضارع الحالىّ الزمن ؛ فيمتد وقته بعد انتهاء النطق بالجملة المشتملة على : «حتى» وإنما الممنوع أن ينقضى معناه قبل النطق بكلمة «حتى» ؛ فيكون ماضى المعنى. أو أن يتأخر بدء تحققه إلى ما بعد النطق بها والفراغ منها ؛ فيكون تحققه فى زمن مستقبل حقيقى بالنسبة لها ؛ إذ يتحقق بعد الانتهاء من التكلم بجملتها.
أما الحال المؤولة فلها صورتان ، لا بد فى كل منهما من قرينة تدل على حكايتها.
الصورة الأولى : الزمن الماضى المؤول بالحال ، وهو الذى يكون فيه معنى المضارع قد تحقّق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة ، وكان المناسب أن يذكر
1) سيجىء فى ص 328 أنه لا يصح نصبه بأن المضمرة ، لأنها تخلص زمن المضارع للاستقبال الاستقبال يعارض الحال ..
الفعل بصيغة الماضى ، ولكنه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال (1)الماضية التى ترشد إليها القرينة - بالطريقة التى شرحناها (2)...
وفى هذه الصورة التى يكون فيها زمن المضارع حالا ماضية ولكنها مؤولة - يجب رفعه وتكون «حتى» ابتدائية ؛ كما وجب رفعه فى الزمن الحالى حقيقة وكانت فيه «حتى» ابتدائية أيضا. ومن أمثلة الحال الماضية المؤولة أن يقول أحدنا اليوم (هذا زهير الشاعر الجاهلى ، يراجع قصيدته حتى تجود بعد حول فى مراجعتها ؛ فيذيعها ، ولذا تسمى قصائده : «الحوليات» ...) فمعنى المضارع - وهو الجودة بعد الحول - أمر فات حقّا قبل النطق بكلمة : «حتى» وبجملتها. كفوات المراجعة. وزمن الأمرين فى حقيقته ماض ، ولكن التحدث عنهما بصورة المضارع - قصد به حكاية ما مضى ، وإرجاع ما فات ، على تخيل أنه يقع الآن - فى وقت الكلام - أو على تخيل أن المتكلم قد ترك زمانه الذى يعيش فيه ، ورجع إلى الزمن السالف الذى يتحقق فيه المعنى أمامه ، وكأنه من أهل ذلك العصر القديم. ووجود الرفع هنا يعتبر الدليل على الحكاية (3)، وعلى ما يترتب عليها من أثر معنوى.
ويسمى هذا الاتجاه : «حكاية الحال الماضية» ، أى : إعادة حالة سبقت وحادثة وقعت ، وترديد قصتها وقت الكلام ، وكأنها تحصل أول مرة ساعة النطق بها ، مع أنها - فى حقيقة الأمر - قد حصلت من قبل ، وانتهى أمرها قبل ترديدها. وهذه هى الصورة الغالبة فى الحكاية.
والغرض من «حكاية الحال الماضية» هو الإشعار بأهمية القصة ، وبصحة ما تضمنته من معنى قبل «حتى» وبعدها ؛ لادّعاء أنها تقع الآن - فى وقت الكلام - وأن ما بعد «حتى» مسبب عما قبلها ، وغاية له ، فيثور الشوق إلى سماعها ويمتزج السامع بجوها.
ومن الأمثلة أيضا : انظر إلى الفراعين يبنون قبورهم فى حياتهم منحوتة فى الصخر الأصم حتى تستريح نفوسهم لصلابتها وقوتها ، وربما أخفوها حتى يأمنون الأيدى العابثة بها ...) فزمن بناء القبور قد انتهى وانقضى ، وكذلك الاستراحة ، والإخفاء ، والأمن ... فكان المناسب ذكر هذه المعانى بصيغة الماضى لا المضارع. ولكن جىء بالمضارع على سبيل «حكاية الحال الماضية» ؛ ليكون من وراء ذلك توجيه الأنظار إلى هذه القصة الهامة العجيبة ، وأنها صحيحة ؛ كأنها تقع الآن أمامنا بما يلابسها من غرائب ، وكأن المتكلم يطلب إلى السامع التنبه إلى ما يحيط بها ، وأن يستعيد صورتها كاملة ويعيش - ساعة سماعها - فى جوّ يشابه الجو الحقيقى الذى ولدت فيه أول أمرها ، دون الاكتفاء بالسماع المجرد. أو يريد منه أن ينتقل بخياله إلى العصر الحقيقى الذى وجدت فيه ، ليشاهد نشأتها ، وتحققها هناك. فالتعبير عن القصة الماضية بصيغة المضارع و «الحال المحكية» يجعل القصة الماضية بمنزلة ما يحصل أمامنا الآن ، أو يجعلنا بمنزلة من تقدم بهم الزمان فشاهدوها فى وقتها الحقيقى السالف. والأمران على سبيل التخيل المحض ، ولهذا يعتبر زمن المضارع حاليّا تأويلا (1)
أولهما : تخيل المتكلم أن المعنى الماضى الذى حصل وتحقق قبل النطق بالكلام . لم يحصل ولم يتحقق فيما مضى ، وإنما يحصل ويتحقق وقت الكلام ، أى : فى الزمن الحالى ؛ فكأن هذا المعنى يحصل ويتحقق أمامه الآن ؛ لهذا يعبر عنه بفعل مضارع يدل على الحال.
وثانيهما : أن يتخيل . أيضا أنه لا يعيش فى الزمن الذى يتكلم فيه ، إنما رجع به زمنه إلى الوراء ؛ ونقله من عصره الحاضر القائم إلى عصر مضى ، ووقع فيه ذلك المعنى ، فكأن المعنى يقع أمامه ويتحقق في الزمن الذي ينطق ويتكلم فيه بذلك المعنى ؛ وهو : «الحال» ويجيء بالمضارع ليعبر عن هذا المعنى ، وزمنه ، بدلا من الماضي.
فحكاية الحال الماضية قائمة تخيلا ؛ إما : على تقديم المتكلم ونقله من زمنه الذى يعيش فيه إلى زمن سبق ، وتحقق فيه المعنى ، وإما : على تأخير زمن المعنى إلى عصر المتكلم. وفى الحالتين يستعمل المضارع بدل الماضي ؛ للدلالة على أن زمن المعنى وزمن التكلم واحد ؛ هو : الزمن الحالى وكل هذا على سبيل التخيل ، والتأول ، والحكاية ؛ فتحدث الآثار المشار إليها فى الصفحة الآتية وص 326 ويوضح الاعتبارين السالفين المثال الآتى يقوله أحدنا اليوم :
دعا الرسول عليه السّلام قومه إلى طاعة ربه ، وإلى ترك المرذول من عادات الجاهلية ، فبذل الجهد في هذا السبيل ، واحتمل الأذى من قومه ، وصبر على ما لقيه من العنت والاضطهاد ..
فهذه قصة وقع معناها ، وتحقق فعلا قبلى النطق هنا ؛ فالتعبير عنها بالفعل الماضي هو المناسب لها. لكن المتكلم قد يعدل عنه إلى التعبير بالمضارع ؛ لسبب بلاغي ومعنوى كما أشرنا . فيقول : (وهو يتخيل أن الزمن تقدم به إلى عصر النبي ، فهو يشاهدها فيه ، أو أنها تأخرت إلى عصره فهو يشاهدها كذلك ، وفي الحالتين يكون زمن مشاهدتها والتكلم بها واحدا ، هو : الزمن الحالى) : إن رسولنا يدعو قومه ... ويبذل الجهد ... ويحتمل الأذى ... ويصبر
، لا حقيقة ، ويجب رفعه مراعاة لهذه الحالية التأويلية. ولا بد فى حكاية1) راجع ج 2 من الصبان والخضرى ، باب : «إعمال اسم الفاعل» ؛ حيث بيان الأمرين ، طريقتى الحال الماضية. ونزيدهما وضوحا ؛ فنقول : إذا كان المعنى الذى بعد «حتى» قد وقع وانتهى زمنه قبل النطق بالجملة التى تشتمل عليها ، وأريد التعبير عنه فالتعبير بالفعل الماضى هو المناسب له ، والأليق. غير أن هناك بعض دواع بلاغية ومعنوية أوضحناها تدعو - أحيانا - إلى ترك التعبير بالماضى وإلى العدول عنه للمضارع الذى يقوم - مع القرينة - مقامه تأويلا وتنزيلا. وهذا يسمى : «حكاية الحال الماضية». وتقوم على أحد اعتبارين.
الحال هذه من قرينة تدل على الحكاية.
والثانية : وهى صورة أقل استعمالا من الأولى. ويراد بها حكاية الحالة المستقبلة التى لم تقع بعد ، والتعبير عنها بما يدل على أنها تقع الساعة ، وتحصل الآن (أى : وقت الكلام) مع أنها لم تقع ولم تتحقق قبل الكلام ، ولا فى أثنائه ، والغرض منها : إفادة القطع بمجيئها ، وأنها آتية لا محالة ، فهى بمنزلة ما وقع وتحقق ، أو يقع ويتحقق فى أثناء الكلام. ولا بد فى هذه الحكاية من قرينة تدل عليها. ومن أمثلتها قول أحدهم : (ويل للمشرك يوم القيامة ، إنى أراه الآن يتلفت حتى يجد الشفيع ولا شفيع يومئذ ، وأسمعه يصرخ حتى يسمع النصير ، ولا نصير.)
الشرط الثانى : أن يكون ما بعد «حتى» مسببا عما قبلها ؛ كالأمثلة السالفة - ليقع الربط بين ما قبلها وما بعدها (1)- فإن لم يكن مسببا عما قبلها لم يصح رفع المضارع ، ووجب اعتبارها جارة ينصب بعدها «بأن» مضمرة ؛ وجوبا - نحو : (يقضى هؤلاء الزراع نهارهم فى العمل حتى تغرب الشمس). فغروب الشمس ليس مسببا عن قضاء النهار فى العمل ، فيجب نصب المضارع : «تغرب» ، ولا يجوز رفعه ... ؛ ونحو : (يحرص هذا البخيل على ماله حتى يموت) ، فالموت ليس مسببا عن البخل ؛ ولهذا يجب نصب المضارع ...
الشرط الثالث : أن يكون ما بعد «حتى» فضلة (أى : تمّ الكلام قبله من الناحية الإعرابية كالأمثلة المتقدمة) لا جزءا أساسيّا فى جملة لا تستغنى عنه فى
1) وهذا الربط معنوى بين الجملتين يقوم على أساس السببية والمسببة ؛ لعدم وجود رابط لفظى بينهما. أما فى حالة نصب المضارع فإن الربط اللفظى موجود ؛ وهو تعلق الجار والمجرور (أى حتى وما دخلت عليه) بالعامل قبلها.
إتمام ركنيها الأصيلين ؛ (فلا يكون خبرا لمبتدأ (1)، أو خبرا لناسخ (2)... ، ...) فإن لم يكن فضلة لم يصح الرفع ، ووجب النصب بأن مضمره وجوبا بعد «حتى» ، نحو : (عملى حتى تغرب الشمس - كان عملى حتى تغرب الشمس - إن عملى حتى تغرب) ... فالمصدر المنسبك من «أن» وما دخلت عليه مجرور ب «حتى» والجار والمجرور خبر المبتدأ ، أو خبر الناسخ ...
«ملاحظة» : علامة كونه حالا أو مؤولا به صحة الاستغناء عن «حتى» - مع وضع «الفاء» الداخلة على كلمة ، «الآن» مكانها ؛ فلا يتأثر المعنى ، ولا الأسلوب (3)... ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة ، ومسببا عما قبلها.
2 - ويجب نصب المضارع فى كل حالة من الحالات الثلاث السالفة التى لا تصلح للرفع الواجب ؛ وهى :
(ا) أن يكون زمنه - وقت التكلم - ليس حالا ، حقيقة ولا تأويلا. بأن يكون زمنه ماضيا (4)خالصا ، أو مستقبلا خالصا ، فمثال الماضى المحض ؛ (فى سنة عشرين من الهجرة تمّ فتح مصر على يد العرب حتى ينقذوها من ظلم الرومان) ... فالفتح والإنقاذ وقعا فى زمن خالص المضى ، وبقيا هنا على حالهما من غير تأويل زمنهما
1) لأن الجار مع مجروره (كحتى مع مجرورها) لا يكون جزءا أساسيا فى جملة إلا حين يكون خبر المبتدأ ، أو الناسخ ، أو. بمنزلة الخبر ، أو : يكون نائب فاعل.
2) الناسخ يشمل ظن وأخواتها مما ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. وإنما وجب أن يكون ما بعدها فضلة ؛ لأن «حتى» الابتدائية لا تدخل إلا على جملة مستقلة فى إعرابها عما قبلها - كما أوضحنا - فإذا جاء ما بعدها غير فضلة كان جزءا أساسيا مما قبلها فلا تكون ابتدائية.
3) بأن نحذف كلمة «حتى» ونضع مكانها كلمتان : هما : «الفاء» - «والآن» أى : فالآن.
4) الفرق بين المضارع الذى يكون زمنه خالص المضى (أى : باقيا على مضى زمنه) والمضارع الذى كان أصل زمنه ماضيا ثم صار للحال حكاية وتأويلا هو أن الأول حكمه النصب ، وأن الكلام قبل «حتى» يفيد الإخبار بوقوع معناه وتحققه ، وأن معنى الكلام بعدها مترقب الحصول فى المستقبل ، ينتظر تحققه ووقوعه ، من غير أن يفيد الجزم بتحققه ووقوعه. أما الثانى فحكمه الرفع، والمعنى بعد «حتى» مسبب عن المعنى قبلها ، وغاية له ، وكلاهما واقع متحقق ، غير أن المعنى قبلها واقع متحقق على سبيل الحقيقة ، والمعنى بعدها واقع على سبيل حكاية الحال ، مع إفادة أنه مسبب عن الأول. وعلى المتكلم أن يلاحظ عند ضبط المضارع بالرفع أو النصب ما يترتب على نوع الضبط من الآثار المعنوية ؛ فيختار النوع الذى يؤدى للمعنى المراد.
بالحال. ومثل : (بنى العباسيون مقياسا للنيل بجزيرة الروضة (1)حتى يعرفوا زيادته ونقصه).
ومثال المستقبل الحقيقى : (فى الشهر القادم يزور بلادنا وفود من العلماء الأجانب حتى يطلعوا على مظاهر الحضارة والتقدم عندنا ، وسننتهز فرصة وجودهم للانتفاع بعلمهم وتجربتهم حتى تقوم مشروعاتنا العمرانية الجديدة على أسس علمية وفنية صحيحة) ؛ فالمراد : لكى يطلعوا فى المستقبل (الشهر القادم) على مظاهر الحضارة ، ولكى تقوم مشروعاتنا فى المستقبل على أسس علمية بعد زيارتهم وكذلك بعد انتهاز الفرصة للانتفاع بهم. - والزمن المستقبل هنا هو الزمن الآتى حقّا ، ولا يكون مجيئهم إلا بعد انتهاء الكلام ، وقول الشاعر :
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه
حتى يذوق رجال غبّ ما صنعوا
أى : لأجل أن يذوق أولئك الرجال فى المستقبل غبّ ما صنعوه. والمستقبل هو الزمن الذى يأتى بعد أن يذوقوا المنع.
(ب) أن يكون ما بعد «حتى» غير مسببب عما قبلها ؛ فينصب المضارع وجوبا فى هذه الصورة ؛ نحو : (أصوم يومى هذا حتى يجىء المغرب) ، فمجىء المغرب ليس مسببا عن الصيام. ونحو : (يتسابق السباحون حتى ينتهى الوقت) ، فانتهاء الوقت ليس مسببا عن التسابق ...
(ج) أن يكون ما بعد «حتى» غير فضلة. فينصب المضارع وجوبا إذا كان ما بعدها جزءا أساسيّا من جملة قبلها ... ؛ نحو : سهرى حتى أنجز عملى. أو : كان سهرى حتى أنجز عملى ... أو : إن سهرى حتى أنجز عملى ...
فكلمة : «حتى» فى الحالات الثلاث السالفة حرف جرّ أصلى ، والمضارع بعدها واجب النصب «بأن» مضمرة وجوبا. و «أن» وما دخلت عليه من المضارع وفاعله فى تأويل مصدر مجرور «بحتى» ، والجار والمجرور متعلقان بعامل مناسب فى الكلام.
أما معناها فى هذه الحالات فخاضع لما يناسب كل حالة ؛ فقد يكون الدلالة
1) فى الجنوب الغربى من مدينة القاهرة الحالية.
على الغاية ، أو الدلالة على التّعليل. أو على الاستثناء ، طبقا لما شرحناه (1). ولا مانع أن تجىء «حتى» صالحة للدلالة على أكثر من معنى واحد ، عند فقد القرينة التى تعين معنى دون غيره.
3 - ويجوز رفع المضارع ونصبه إذا كان معناه مستقبلا بالنسبة للمعنى الذى قبل : «حتى» بأن يكون المعنى بعدها قد تحقق قبل الزّمن الحالى كما تحقق المعنى قبلها ؛ فكلاهما قد وقع وتحقق فعلا قبل النطق بالكلام الذى قبلها والذى بعدها ... غير أن تحقّق معنى المضارع تأخر عن تحقق المعنى السابق عليها ؛ فهو مستقبل بالنسبة للسّابق ، أى : أن المعنيين قد وقعا وحصلا قبل الكلام. ولكن أحدهما وهو الذى قبل «حتى» - أسبق فى زمن تحققه وحصوله من المتأخر عنها ولهذا يعتبر المتأخر إلى زمنه (وهو ما يلى «حتى») مستقبلا بالنسبة لما قبلها (2)؛ لتحقق معناه بعد ذلك المتقدم عليها. وكل هذا بغير : «حكاية الحال الماضية» وبغير تخيل أنها قائمة الآن (3)بطريق الحكاية.
ومن الأمثلة ما قاله أحد المؤرخين : (بنى المعز لدين اللّه الفاطمى مدينة القاهرة حتى تكون مقرّا لحكمه ، ومأوى يتسع لأعوانه وجنده. ولما تمّ بناؤها عرضت عليه أسماء كثيرة حتى يختار منها اسما ؛ فاختار لها : «القاهرة» ...) فالمعنى قبل «حتى» - وهو بناء القاهرة - قد تحقق وفات. وكذلك اتخاذها مقرّا للحكم ومأوى. إلا أن البناء تحقق أولا ، ثم تحقق بعده المقرّ. فالمقر معنى متأخر فى زمن حصوله عن زمن البناء ، ولهذا يعتبر مستقبلا بالنسبة لزمن البناء ... وكذلك تمام بنائها أمر فات وانتهى ، ومثله اختيار اسم لها. فالمعنيان قد فاتا وانقضى زمنهما. غير أن اختيار الاسم متأخر عن تمام البناء ، فهو مستقبل بالنسبة لتمام البناء ، بالرغم من أن كلا منهما قد انتهى وانقضى. ولكن أحدهما (وهو
1) فى ص 315 وما بعدها.
2) يجب التنبه إلى أن استقباله إنما هو بالنسبة للمعنى الذى قبل «حتى» فلو كان زمنه مستقبلا أو حاليا بالنسبة لزمن التكلم لوجب تغيير الحكم بما يوافق هذا ويناسبه.
3) لأن تخيل الحال الماضية وحكايتها ، يجعل زمن المضارع للحال تأويلا كما سبق. فيرفع وجوبا ويترتب على الرفع الآثار المعنوية التى شرحناها ، (فى رقم 4 من هامش ص 323).
ما يلى «حتى») متأخر فى زمنه عما سبقها ... وبسبب هذا التأخر كان مستقبلا بالنسبة للسابق ، من غير حكاية حال ماضية ، ولا تخيل إرجاعها.
ومن الأمثلة أيضا قول مؤرخ آخر : (استطاع المسلمون الأوائل فتح فارس. والشام ، ومصر ، فى شهور قلائل ؛ لأن سلطان العقيدة غلب كل سلطان آخر ، فوهب الرجل منهم نفسه للقتال حتى ينتصر أو يموت شهيدا ، لا يعرف التردد ، ولا الفرار ، ولا الخيانة. وخاض المعركة حتى يبلغ أمنيته فى النصر أو الاستشهاد ...) فالمعنى قبل «حتى» - وهو : الهبة للقتال - قد مضى وانتهى. وكذلك المعنى بعدها ؛ وهو : النصر ، أو الموت. إلا أن الهبة أسبق فى مضىّ زمنها ؛ ولذا يعد الثانى - وهو المتأخر فى زمن انقضائه - مستقبلا بالنسبة للأسبق.
ومثل هذا يقال فى خوض المعركة ، وفى بلوغ الأمنية ، فكلاهما ماضى المعنى قد فات وقته حقّا ، إلا أن خوض المعركة أسبق فى المضى من بلوغ الأمنية ، فكان بلوغ الأمنية - بسبب تأخر زمنه - مستقبلا بالنسبة لخوض المعركة.
وجواز الرفع والنصب فى هذه الحالة وأشباهها قائم على أساس التأويل ؛ فالرفع على تخيل زمن المضارع حالا مؤولة افتراضا ، من غير حكاية ؛ لأن المضارع الذى للحال المحكية يجب رفعه - كما تقدم (1)- والنصب إما على اعتباره مستقبلا بالنسبة للمعنى الذى قبل «حتى» ، لا بالنسبة لزمن التكلم. وإما على اعتبار العزم والنية على تحقيق معنى المضارع قبل وقوع معناه. وفى صورة رفعه تكون «حتى» ابتدائية ، وفى صورة نصبه تكون جارة والمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا - كما أسلفنا -
ومن الخير عدم استعمال هذه الصورة القليلة التى يصح فيها الأمران (2)، وإهمالها قدر الاستطاعة.
1) التفرقة دقيقة بين هذه الصورة والحال المؤولة ؛ ولهذا اعتبرهما - بحق - فريق من النحاة شيئا واحدا ، وخالف بعض المحققين : بأن حكاية الحال المؤولة توجب الرفع، وتفيد معنى هاما لا يستفاد من غيرها - وقد شرحناه فى الصفحات الماضية (كالذى فى رقم 4 من هامش ص 323) .. - أما تأويل المضارع الذى ليس للحال بالحال من غير قصد حكاية فيجيز الأمرين ويفيد المعنى نوع تقوية يجعله قريبا من المحكى فى أنه بمنزلة الأمر المحقق الآن. وفى كل هذا تشعيب وتكلف يجعل الرأى الذى يرفض هذا النوع هو الرأى الأنسب ، بالرغم من صحة الرأى الآخر.
2) التفرقة دقيقة بين هذه الصورة والحال المؤولة ؛ ولهذا اعتبرهما - بحق - فريق من النحاة شيئا واحدا ، وخالف بعض المحققين : بأن حكاية الحال المؤولة توجب الرفع، وتفيد معنى هاما لا يستفاد من غيرها - وقد شرحناه فى الصفحات الماضية (كالذى فى رقم 4 من هامش ص 323) .. - أما تأويل المضارع الذى ليس للحال بالحال من غير قصد حكاية فيجيز الأمرين ويفيد المعنى نوع تقوية يجعله قريبا من المحكى فى أنه بمنزلة الأمر المحقق الآن. وفى كل هذا تشعيب وتكلف يجعل الرأى الذى يرفض هذا النوع هو الرأى الأنسب ، بالرغم من صحة الرأى الآخر.
فملخص الحالات الثلاث الخاصة بالمضارع الواقع بعد «حتى» ، هى :
(ا) وجوب رفعه واعتبار «حتى» ابتدائية - إذا كان زمنه للحال حقيقة أو تأويلا (1)، وكان مسببا عما قبله ، وفضلة. فوجوب الرفع لا يتحقق إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.
(ب) وجوب نصبه بأن مضمرة وجوبا بعد «حتى» مع اعتبار «حتى» حرف جر ، إذا كان زمن المضارع ماضيا حقّا ، أو مستقبلا استقبالا حقيقيّا بغير تأويل فيهما ، أو كان زمنه للحال ، ولكنه فقد شرط «السببية» ، أو شرط «الفضلة» ... (2)
وبعد : «حتّى» هكذا إضمار «أن» *** حتم ؛ كجد حتّى تسرّذا حزن - 10
(تقدير البيت : وإضمار «أن» حتم بعد «حتى» هكذا ، بمعنى : «كذا» ، أى : كالإضمار السابق الواجب ، فى المشار إليه ...) وساق مثلا لما تضمنه هذا البيت - وهو مثال للتعليلية - ثم قال بعده :
وتلو «حتّى» حالا ، أو مؤوّلا *** به ارفعنّ ، وانصب المستقبلا - 11
يريد : أن المضارع التالى : «حتى» إذا كان معناه حالا أو مؤولا بالحال - يرفع. وإن كان مستقبل المعنى ينصب. ولم ينص على بقية الحالات المختلفة.
(ح) جواز رفعه ونصبه إن كان زمنه مستقبلا بالنسبة لزمن المعنى الذى قبل «حتى» لا بالنسبة لزمن الكلام. وكلا الزمنين - قبلها وبعدها - قد مضى وانتهى حقيقة. وتكون «حتى» ابتدائية عند رفعه ، وجارة عند نصبه ؛ مراعاة للاعتبار الخاص بكل نوع ... والأحسن عدم محاكاة هذا النوع قدر الاستطاعة.
بقيت أمور جديرة بالتنويه :
أولها : علامة المضارع بعد «حتى» إذا كان معناه ماضيا حقّا ، ولكن زمنه إما للحال تأويلا ، وإمّا للمستقبل بالنسبة للمعنى الذى قبل «حتى» - هى صحة الاستغناء عنه ؛ بوضع فعله الماضى موضعه فيظل المعنى مستقيما ، والتركيب صحيحا - كما أسلفنا(3). .
ثانيها : أوضحنا (1)أن الرفع - بالشروط التى تقتضيه بعد «حتى» - يفيد الإخبار بوقوع معنى الكلام وحصوله قبل «حتى» وبعدها ، كما يفيد أن الثانى مسبب عن الأول. أما النصب فى الحالات التى ينصب فيها المضارع بعدها فيفيد الإخبار بوقوع شىء واحد وحصوله ، هو معنى الكلام الذى قبل «حتى» وأن معنى الكلام الذى بعدها مترقّب الحصول فى المستقبل ، ينتظر تحققه من غير أن يفيد هذا الكلام القطع بأنه سيقع ويتحقق ؛ ولو كان وقوعه معلوما ، من قرينة أخرى ...
ثالثها : أن وجوب رفع المضارع الحالىّ الزمن حقيقة أو تأويلا - هو - كما أشرنا (2)- لمنع التعارض بين دلالته على الحالية وما تدل عليه «أن» الناصبة له ؛ إذ لو نصبته لجعلت زمنه للمستقبل المحض ، كشأن كل النواصب ، مع أنّ المراد أن يكون زمنه للحال الحقيقيّة أو المؤولة ، ومن ثمّ يقع التّعارض بين الحال والاستقبال ؛ أى : بين الحالية المطلوبة هنا ، والاستقبال الخالص الذى يحتمه وجود «أن الناصبة» للمضارع ، وهذا التعارض لا يوجد مع الرفع.
(ا) من الأحكام السابقة يسهل ضبط المضارع فى الأمثلة الآتية التى عرضها بعض النحاة لبيان ضبطه. ومنها : سرت حتى تطلع الشمس ، فيجب النصب ؛ لعدم تسبب الطلوع عن السير. وكذلك : ما سرت حتى أدخل البلد ؛ لعدم وقوع شىء يصلح أن يكون سببا فى الدخول ؛ إذ أن الدخول لا يتسبب - عادة - عن عدم السير ، ومثله : قلما سرت حتى أدخلها ، إذا كان معنى «قلما» هو النفى ...
وكذلك فى : أسرت حتى تدخلها؟ ؛ لأن السبب لم يتحقق ؛ بسبب الاستفهام عنه ؛ فلو رفع الفعل لزم تحقق وقوع المسبب (1)مع الشك فى وقوع السبب ، وهذا لا يصح ...
ففى الأمثلة السالفة - ونظائرها يجب النصب ، ولا يصح الرفع. بخلاف : أيهم سار حتى يدخلها الآن؟ ومتى سرت حتى تدخلها الآن؟ فيجوز الرفع ، لأن السير محقق. وإنما الشك فى معرفة من فعل الفعل ، أو فى زمن الفعل.
(ب) يرى الكوفيون أن «حتى» حرف ناصب بنفسه ، ويجوز وقوع «أن» المصدرية بعده فتكون مؤكّدة توكيدا لفظيّا لحتى. أما البصريون فيوجبون أن يكون الناصب هو «أن» المضمرة وجوبا بعد «حتى» الجارة ، ولا يجيزون ظهور «أن» بعدها. ويجيزون ظهور «أن» بعد التابع ، مستدلين بقول القائل يمدح بنى شيبان :
ومن تكرّمهم فى المحل (2)أنهمو *** لا يعرف الجار فيهم أنه جار
حتى يكون عزيزا من نفوسهمو *** أو أن يبين جميعا وهو مختار
وموضع الشاهد ظهور «أن» قبل المضارع : «يبين» وبعد «حتى» الملحوظة المعطوفة على أخرى قبلها. والتقدير عند البصريين : حتى يكون عزيزا من نفوسهم أو حتى أن يبين ...
(ح) يتساءل بعض النحاة عن معنى «حتى» فى قول العرب : «ما سلّم فلان حتى ودّع» ، وفى قول الشاعر :
ركب الأهوال فى زورته *** ثم ما سلّم حتى ودّعا
فقيل إنها ابتدائية تفيد الاستثناء هنا (فهى بمعنى : «إلا» التى تليها «أن») والاستثناء مفرغ فى الظرف. والتقدير ؛ ما سلم فى وقت إلا وقت ودّع الناس فيه.
وقيل إنها ابتدائية ؛ بمعنى : لكن - ساكنة النون كالمألوف الكثير فيها - ومن شأن الابتدائية ألا تقطع الصلة المعنوية بين ما بعدها وما قبلها ، برغم أن ما بعدها لا بد أن يكون جملة مستقلة فى إعرابها - كما عرفنا - فيكون المعنى ما سلم فى وقت لكن ودع فيه. والمعنيان متقاربان.
(د) إذا دخلت «حتى» الابتدائية على جملة لم يصح وقوع هذه الجملة خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ ... أو ... (1)
1) راجع البيان الخاص بهذا عند الكلام على الشرط الثالث ، ص 322.
الأداه الرابعة : فاء السّببية الجوابية (1):
معناها : يتّضح من الأمثلة التّالية :
1 - لا يغضب العاقل فيفقد صواب الرأى ، ولا يتبلّد فيفقد كريم الشعور.
2 - لست أنكر الفضل فأتّهم بالجحود أو بالحقد ، ولست أبالغ فى الثناء ؛ فأتهم بالغفلة أو الرياء.
3 - لا تصاحب غادرا فينالك غدره ، ولا تأتمن خائنا فتصيبك خيانته.
4 - أتعرف لنفسك حقها فتصونها عن الهوان؟ وهل تدرك أن الكبر كالضّعة ؛ كلاهما بلاء فتحذره؟
إن الناطق بمثل : «لا يغضب العاقل ؛ فيفقد صواب الرأى» ... يريد أمرين معا ، هما : نفى الغضب عن العاقل ، وبيان ما يترتب على نفيه من عدم فقد الرأى الصّائب ؛ فكأنه يقول : العاقل لا يغضب ؛ فيترتب على عدم غضبه أنه لا يفقد صواب الرأى ، أى : لا يغضب ، فلا يفقد سديد الرأى. فما بعد «الفاء» مسبب عما قبلها ، وكلاهما منفى ، هنا (2)
ا. أن فاء السببية هي للعطف أيضا فتفيد الترتيب والتعقيب مع السببية.
ب . أن المعطوف بها هو المصدر المؤول من أن المضمرة وجوبا وما دخلت عليه.
ح . أن المعطوف عليه لا بد أن يكون مصدرا مؤولا كذلك. ولا بد أن يكون موجودا ، ولو من طريق التصيد.
د . أنها إذا وقعت بعد نفى فقد يكون المنفى هو ما قبل الفاء وما بعدها معا ؛ كما في هذا المثال. وقد يكون أحدهما وحده ؛ (طبقا للبيان الهام الأساسى الذى فى ص 338) والاهتداء إلى المنفى أمر ضروري لسلامة المعنى وتطبيقا لهذه الأمور نقول فى المثال الأول لاستخلاص معناه : لا يكون من العاقل غضب ففقد صواب الرأى . أي : لا يكون من العاقل غضب يعقبه ويتسبب عنه فقده صواب الرأي. ولما كان السبب (العلة) وهو غضب : العاقل منفيا وجب أن يكون المسبب عنه منفيا كذلك ، وهو فقده صواب الرأى : وبهذا يكون النفى منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا وينتهى الأمر إلى أن المعنى المراد هو : لا يغضب العاقل ؛ فلا يفقد صواب الرأى. وهكذا الباقي.
.والناطق بمثل : لا يتبلّد فيفقد كريم الشعور ، يريد أمرين معا ؛ هما : عدم التّبلّد ، وما يترتب عليه من عدم فقد الشعور الكريم ؛ فكأنه يقول : لا يتبلّد ، وعدم تبلّده يؤدى إلى عدم فقده الشعور الكريم ، أى : لا يتبلّد فلا يفقد كريم الشعور ... فما بعد الفاء مسبب عما قبلها. وكلاهما منفى هنا أيضا.
والناطق بمثل : لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود ... يريد الأمرين ، عدم إنكار الفضل ، وما يؤدى إليه من عدم الاتهام بالجحود. ومثل هذا يقال فى الشطر الثانى من المثال.
والناطق بمثل : لا تصاحب غادرا فينالك غدره ... يريد أمرين معا ؛ النهى عن مصاحبة الغادر ، وبيان ما يترتب على مصاحبته من الإصابة بغدره. ومثل هذا يقال فى بقية المثال.
والناطق بمثل : أتعرف لنفسك حقها ؛ فتصونها عن الهوان؟ يريد أمرين ؛ سؤال المخاطب عن معرفته حق نفسه ، وبيان ما تؤدى إليه هذه المعرفة. كما يسأله عن إدراكه حقيقة الكبر والضعة ، وبيان ما يترتب على هذا الإدراك ...
فنلحظ فى كل الأمثلة السالفة - وأشباهها - أن «الفاء» تتوسط أمرين السابق منهما ، هو «العلة» أو «السبب» فى المتأخر الذى يليها ، ولهذا سميت : «فاء السببية» ، أى : «الفاء» التى معناها الدلالة على أن ما بعدها مسببب عما قبلها ، ولا بد - هنا - أن يليها مضارع منصوب.
كما نلحظ شيئا آخر ؛ هو : دلالتها على «الجواب» (1)
هذا ، والعدول عن العطف المحض بالفاء إلی العطف مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا هو الذي يدل علی التسبب.
والمراد من دلالتها على الجواب أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترّتب الجواب على السؤال ؛ سواء أكان ما قبلها مشتملا على استفهام ؛ كالمثال الرابع ، أم غير مشتمل عليه ، كبقية الأمثلة. ولهذا توصف بأنها : «الجوابية (2)» أى : التى تدل على أن ما بعدها1) (1 و 1) سبق الإيضاح الوافى لمعنى : «الجواب» ، وتحديد الغرض منه عند الكلام على «إذن» الناصبة ، ص 290 ؛ فأمر الجواب هنا وهناك واحد. أما المعنى والعمل فمختلفان من نواح متعددة. ويزيد النحاة هنا : أن «فاء السببية» لا بد أن يسبقها نفى محض أو طلب (أو ملحق بهما ، كما هو مبين فى عملها فى الصفحة التالية) وكلاهما يشبه الشرط فى أن مضمونه غير محقق الوقوع ولا مقطوع بحصوله ، وما بعد الفاء مسبب عما قبلها ؛ كتسبب جواب الشرط على فعل الشرط.
بمنزلة الجواب لما قبلها ؛ فمعناها هو : «الدلالة على السببية والجوابية» معا.
ولما كان معناها الدلالة على «السببية والجوابية» معا سميت : «فاء السببية الجوابية». لكن شاع الاكتفاء بتسميتها : «فاء السببية» ؛ اختصارا ، مع إرادة أنها تدل على «الجواب» أيضا ، فهى عند الاختصار اللفظى أو عدمه يراد منها الدلالة على الأمرين مجتمعين. وبهذا جرى العرف بين النحاة - وغيرهم - فإذا ذكرت فاء «السببية» مطلقة من التقييد كان المراد منها : «فاء السببية الجوابية» التى ينصب بعدها المضارع «بأن» مضمرة وجوبا بالشرط الذى سنعرفه ... وقد صار هذا الاسم المختصر خاصّا بها مقصورا عليها(1)
وعلى هذا ، كل «فاء» ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا لا بد أن تكون «للسببية» ولا عكس . وقد أشرنا لما تقدم فى باب العطف عند الكلام على فائه ، ج 3 م 118 ص 464 .
...ومع دلالتها على «السببية الجوابية» تدلّ معهما كذلك على «الترتيب والتعقيب» ، لأنها «فاء عطف» أيضا ؛ فالترتيب يوجب أن يتأخر ما بعدها عما قبلها فى زمن تحققه ، إذ المسبّب متأخر فى الوجود عن السبب حتما. والتعقيب يوجب أن يكون زمن التأخر قصيرا ، لا مهلة فيه ؛ كما هو الشأن فى الفاء العاطفة
من كل ما تقدم يتبين أنها تفيد «السببية الجوابية» ، مع الدلالة على «الترتيب والتعقيب».
فاء السببية حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب ، مع دلالته على «السببية. الجوابية» - طبقا لما شرحنا - ويختص بالدخول على المضارع المنصوب «بأن» المضمرة وجوبا. وهو يعطف المصدر المؤول من «أن» وما دخلت عليه من الجملة المضارعية ، على مصدر قبله (2)وعملها مقصور على هذا العطف. ولا يجوز الفصل بين فاء السببية والمضارع بغير «لا» النافية ، إن اقتضى المعنى وجودها.
1) قد تدل الفاء التى للعطف المحض (وهى : التى لا ينصب بعدها المضارع «بأن» المضمرة وجوبا) على السببية ، وتفيد ترتب أمر على أمر ، ولكنها - بالرغم من هذا - لا تسمى اصطلاحا «فاء السببية» ؛ نحو : يتغذى النبات فينمو - يشرب المريض الدواء فيبرأ - عطش الزرع فجف - اشتدت الريح فأسقطت الثمار الناضجة.
2) فالعطف بها عطف مفرد على مفرد. والبيان فى ص 336 وما بعدها.
ولا تكون هذه «الفاء» للسببية الجوابية إلا بشرط أن يسبقها - فى الأغلب (1)- أحد شيئين ؛ (إما النفى المحض ، أو ما ألحق به) ، (وإما الطلب المحض ، أو ما ألحق به). فإن لم يسبقها شىء مما تقدم لم يصح - فى الأغلب (2)
هذا ، وفى الأمثلة التالية توضيح ما سبقت الإشارة الهامة إليه ؛ (فى. «د» من هامش ص 331) وهو أن النفي قد يكون منصبا على ما قبل الفاء وما بعدها معا ، وقد يكون منصبا على أحدهما فقط.
- اعتبارها سببية جوابية. وفيما يلى التفصيل الخاص بهذا الشرط :النفى المحض ، وما ألحق به :
(ا) المراد من النفى : سلب الحكم عن شىء بأداة معينة (3). وهذه الأداة النافية قد تكون حرفا ؛ (مثل : لا - ما - لم - لن ...) وقد تكون فعلا ، (مثل : ليس - زال) ... وقد تكون اسما ؛ (مثل : غير ...) نحو : لا يهمل الصانع فيقبل على صناعته الناس - ليس الأحمق مأمونا فتصاحبه - الأديب الظريف غير حاضر فيؤنسنا.
ويلحق بالنفى : التشبيه المراد به النفى بقرينة دالة عليه ، كقول الجندى لزميله المتكبر : (كأنك القائد فنطيعك) ... وكذا التقليل المراد به النفى - أحيانا - بقرينة ؛ ومن ألفاظه : «قلّما» و «قد» ؛ نحو : (قلّما يشيع الظلم والخلاف فى أمّة فتنهض. بهذا خبّرنا التاريخ ، وقطع به) - (أيها المتحدث عن الشجاعة فى الحروب ، وما حملت سيفا ، ولا اقتحمت معركة ؛ قد كنت فى معركة فتصفها) ... فالمعنى فى الأمثلة السالفة منفى ؛ أى : ما أنت بالقائد فنطيعك - لا يشيع الظلم والخلاف فى أمة فتنهض - ما كنت فى معركة فتصفها.
(ب) والمراد بالمحض ؛ الخالص من معنى الإثبات ؛ فلا يوجد فى الكلام
1) هذا الشرط واجب فى أغلب الحالات ؛ لأن هناك ست حالات ، أخرى ، يجوز فى كل منها اعتبار الفاء سببية مع فقد الشرط. وستجىء فى ص 351.
2) المراد من النفى معروف شائع. ولكن الشراح - كعادتهم - يتناولونه بالتعريف والتحديد ؛ فيقولون عنه : إنه سلب الحكم عن الشىء ، أو : رفع النسبة الثابتة بين شيئين ، أو إزالة الإسناد الموجب بينهما ... أو .. وكل هذه التعريفات - وغيرها - يرمى إلى غرض واحد ؛ هو سلب الحكم الموجب ، ويوضحوها بما يأتى : من قال : «محمود عادل» ، فقد أثبت له العدل ، أو : نسب له العدل ، أو ، أسند إليه العدل ، أو حكم عليه بالعدل ... وكلها عبارات متحدة المدلول. فإذا قال : ما محمود عادلا. فقد سلب عنه ما ثبت له ، أو أزال ما نسب إليه ، أى : أزال النسبة السابقة ، أو ما أسند إليه ، أو رفع الحكم السابق ...
ما ينقض معناه ، مثل : «إلّا» الاستثنائية التى تنقض النفى (1)، ومثل نفى آخر بعده يزيل أثره ، ويجعل الكلام مثبتا ؛ لأن نفى النفى إثبات ، كما هو معروف. ومن أمثلة النفى المحض : لا يسقط المطر فى الصحراء فينبت الكلأ ... وكذا الأمثلة التى تقدمت فى أول البحث.
فإن نقض النفى بإلا الاستثنائية ، وكانت قبل فاء السببية ، لم يصح نصب المضارع ووجب رفعه ، على اعتبار هذه الفاء للاستئناف ، أو للعطف المجرد (2)، وليست للسببية ؛ نحو : لا يشاهد الخبير أعمالا إلا المشروعات العظيمة ؛ فيعلن رأيه فيها - لم أشتر مطبوعات إلا الكتب النافعة ؛ فأستوعبها - ما اكتسبت غنى إلا المال الحلال فأنفقه.
أمّا إن نقض النفى «بإلا» الاستثنائية ، وكانت بعد الفاء والمضارع ... فيجوز فى المضارع الرفع والنصب (3)؛ نحو : لا يشاهد الخبير أعمالا فيعلن رأيه فيها إلا المشروعات العظيمة - لم أشتر مطبوعات فأستوعبها إلا الكتب النافعة - ما اكتسبت مالا فأنفقه إلا المال الحال. وقول الشاعر :
وما قام منا قائم فى نديّنا *** فينطق إلا بالتى هى أعرف (4)
فيجوز فى كل هذه الأفعال المضارعة - ونظائرها - الرفع والنصب (5)...
ومثال نقض النفى بنفى آخر يتلوه فيزيل أثره : ما تزال تحسن المعاملة فتكتسب حبّ الناس. فقد وقع بعد «ما» النافية نفى آخر هو «تزال» فانقلب المعنى مثبتا بسببه ، وفى هذه الصورة يجب رفع المضارع ، ولا يصح نصبه.
1) وهى تنقض النهى أيضا - كما سيجىء عند الكلام عليه فى ص 346.
2) وكلاهما يعينه المقام ، وما يقتضيه المعنى.
3) هذا عند سيبويه ومن وافقه. أما ابن مالك وموافقوه ، فيوجبون الرفع. وفى رأى سيبويه تيسير يدعو لتفضيله.
4) أحسن وأفضل.
5) وينبنى على نقض النفى «بإلا» قبل «الفاء» ، أو بعدها ما يأتى : إذا قلت : ما زارنى أحد إلا الوالد فأكرمه - .. فإن كان الضمير (الهاء) عائدا على : «أحد» جاز رفع المضارع أو نصبه ؛ لوقوع النقض بعد «الفاء» وما دخلت عليه ، والأصل : ما زارنى أحد فأكرمه إلا الوالد. وإن كان الضمير عائدا على «الوالد» وجب الرفع ؛ لوقوع النقض قبل «الفاء» وما دخلت عليه.
وهل من النفى المحض النفى الواقع بعد : «الاستفهام التقريرى» (1)
ولا يعنينا هذا الخلاف وما تفرع عنه من فروع كثيرة. إنما الذى يعنينا هو جواز الرفع والنصب مع ملاحظة أن المعنى على أحدهما يخالف المعنى على الآخر حتما. ولهذا تكملة هامة فى رقم 3 من هامش ص 341 (وتجيء إشارة موجزة . فى رقم 1 من ص 351 - لبعض ما سبق)
؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق : ألم أتعهد شئونك صغيرا ؛ فتتذكر فضلى؟ - ألم أجاهد فى سبيل إسعادك فتحمد جهادى؟الصحيح جواز الأمرين ، النصب على اعتبار النفى محضا ، والرفع على اعتباره منقوضا وغير قائم ؛ بسبب همزة التقرير ، وبهما جاء القرآن. قال تعالى عن الكافرين : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ... ) بنصب المضارع : «تكون». وقال فى آية أخرى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) ، برفع المضارع : «تصبح» (2)...
وإذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما ، والمعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها - فأين المعطوف عليه؟
يقول النحاة : لا بدّ أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا ، ليتشابه المعطوف والمعطوف عليه فى المعنى المجرد (3). وفى هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل. فإن وجد مصدر فى الكلام قبلها فهو المعطوف عليه ، وإن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السّابق ، وليس لهذا التصيد ضابط
1) الاستفهام الحقيقى هو : طلب معرفة شىء مجهول - حقا - للمتكلم. فهو يريد أن يعرفه. أما الاستفهام التقريرى فيراد به - غالبا - ثبوت مدلول الشىء المسئول عنه ، المعلوم للمتكلم ؛ وتقريره فى نفس المخاطب ، والسامع، أى : طلب الاعتراف بوقوعه والموافقة على حصول مدلوله. فإن كان الاستفهام عن شىء منفى صار المعنى - غالبا - مثبتا بسبب الاستفهام المراد منه التقرير ؛ نحو : ألم تحضر فأحسن إليك. فالمعنى : أنك حضرت فعلا ، فأحسنت إليك. ومنه (ألم نشرح لك صدرك ..) وبسبب أنه يتضمن ثبوت المعنى المنفى ، غالبا ، وتقرير حصوله بغير نفى ، قال بعض النحاة : إن المضارع لا ينصب معه بعد الفاء ، وأن ما ورد منه منصوبا - كالآية الأولى (أفلم يسيروا فى الأرض فتكون ...) فلمراعاة صورة النفى ، ومظهره اللفظى ، لا معناه ، أو لمراعاة الاستفهام فى الكلام ، فما بعد الفاء - فى هذه الصورة التى يراعى فيها الاستفهام - يكون جوابا للاستفهام ؛ لا للنفى.
2) انظر رقم 1 من ص 351 وقيل : إن كان ما بعد الفاء مسببا عما قبلها نصب المضارع ؛ كالآية الأولى. وإلا رفع كالثانية ؛ لأن رؤية نزول المال ليست سبب الخضرة.
3) مما يوضح هذا ما سبق فى ص 309 و 310.
أو قاعدة ، وإنما المراد الوصول بطريقة - أىّ طريقة - إلى مصدر لا يفسد به المعنى مع العطف. فمثال المصدر الصريح المذكور قبل الفاء ، الصالح لأن يكون معطوفا عليه : - ما هذا إسرافا ؛ فتخاف الفقر - ما الشجاعة تهوّرا فتهمل الحذر. والتقدير : ما هذا إسرافا فخوفك الفقر ، وما الشجاعة تهورا فإهمالك الحذر ، أى : ما هذا إسرافا يترتّب عليه خوفك الفقر. وما هذه شجاعة يترتب عليها إهمالك الحذر ...
ومثال المصدر المتصيّد : لا يتوانى المجدّ فتفوته الفرصة - لا تزهد فى المعروف فتخسر أنفس الذخائر ... التّقدير : لا يكون من المجدّ توان ففوات الفرصة إياه - لا يكن منك زهد فى المعروف فخسارتك أنفس الذخائر. أى : لا يكون من المجدّ توان يترتب عليه فوات الفرصة إياه - لا يكن منك زهد فى المعروف يترتب عليه خسارتك أنفس الذخائر.
فإن لم يوجد قبلها مصدر صريح ، ولا ما يصلح أن يتصيّد منه المصدر - كالجملة الاسمية التى يكون فيها الخبر جامدا - نحو : ما أنت عمر فنهابك ، فنصب المضارع ممنوع عند بعض النحاة ؛ لفقد المعطوف عليه. وتكون الفاء للاستئناف والجملة بعدها مستقلة فى إعرابها عما قبلها ، أو الفاء لمجرد العطف الخالى من «السببية» والجملة بعدها معطوفة على الجملة قبلها ، ويكون الكلام عطف جملة على جملة. ويجيز آخرون فى تلك الجملة وأشباهها تصيد مصدر من مضمون الجملة الجامدة ، ومن لازم معناها ، كأن يقال فى المثال السالف : ما يثبت كونك عمر فهيبتنا إيّاك ... أى : ما يثبت كونك عمر ثبوتا يترتب عليه أن نهابك ... والأخذ بهذا الرأى أنسب ، لتكون القاعدة مطردة.
والنحاة يسمون العطف على المصدر المتصيّد : العطف على المعنى والتوهم (1).
1) سبق الكلام على عطف «التوهم» لمناسبة أخرى فى ج 1 م 49 عند الكلام على زيادة ب «باء الجر» ... ص 552 وكذلك فى ج 3 م 122 ص 484 باب «العطف» وأوضحنا رأينا فيه ، وحكمنا عليه.
(ا) يعرض النحاة هنا لمسألة هامة دقيقة ، ويعطونها من العناية والتوفية ما يناسبها ؛ وهى مسألة النفى (1)الذى قبل الفاء المسبوقة بجملة ؛ أينصبّ على ما قبلها وما بعدها معا ، أم ينصبّ على أحدهما فقط؟ وما نوع الفاء وضبط المضارع فى الصور المختلفة (2)؟ ويجيبون : إن الأمر يتوقف على المعنى ، وما يقتضيه السياق ؛ فقد يستدعيان تسليط النفى على ما قبلها وما بعدها معا ، وقد يستدعيان تسليطه على أحدهما دون الآخر ... ثم هما قد يقتضيان اعتبار الفاء للاستئناف الخالص ، أو للعطف المحض وحده ، أو للعطف مع إفادة «السببية الجوابية» ... والقرينة وحدها هى التى توجه إلى المراد ؛ فلا بد منها ، وإلا وجب العدول عن هذا الأسلوب إلى غيره مما لا يثير مشكلات فى الضبط أو المعنى. وفيما يلى البيان :
... إذا قلت : «ما تحضر فتحدثنا» ... جاز رفع الفعل : «تحدّث» على أحد اعتبارات ثلاثة ؛ وجاز نصبه على أحد اعتبارين. ولكل واحد من الخمسة أثره الإعرابى والمعنوى الذى يخالف الآخر ، واختيار واحد منها دون غيره متوقف على مناسبته المعنى والسياق ، ولا يصح اختيار واحد دون التقيد بهذه المناسبة ، وإلا كانت اللغة عبثا وفوضى. فأوجه الرفع الثلاثة هى :
1 - الرفع ؛ على اعتبار الجملة الأولى منفية المعنى ، و «الفاء» للاستئناف الخالص ؛ فما بعدها جملة مستقلة فى إعرابها عن الأولى ، فلا تتأثر بنفى الأولى. فكأنك تقول : أنت ما تحضر فى المستقبل ... ، ولهذا أنت تحدثنا الآن. إنما قلنا فى «المستقبل» مع أن المضارع يصلح للحال والاستقبال إن لم يوجد مانع - لوجود ما يمنع الاستقبال هنا ؛ وهو التخاطب مع شخص معين ؛ فلا يصح أن تنفى عنه الحضور فى الزمن الحالى مع أنك تخاطبه فيه خلال حضوره. وقلنا : «الآن» ، لأن الزيارة فى المستقبل منفية ؛ فلا يقع فى المستقبل حديث ؛ إذ هو منفى تبعا لها ؛ فلم يبق إلا أن يكون وقت الحديث هو الآن ، أى: وقت الكلام.
ومثله قولك للمسافر : لن أراك عدة أشهر ؛ فأودعك داعيا لك ، حزينا لغيابك. تريد : لن أراك فى المستقبل (3)... فأنا أودعك الآن. فالنفى فى المثالين السالفين
مقصور على الأولى وحدها ، والفاء فيهما للاستئناف المجرد.
2 - الرفع على اعتبار «الفاء» متجردة للعطف المحض ، تعطف المضارع بعدها على المضارع المنفى قبلها ، وفى هذه الصورة يتحتم أن يكون المعطوف كالمعطوف عليه فى الإعراب (رفعا ، ونصبا ، وجزما) وأن يكون مثله فى النفى الذى يقع عليه ، ففى المثال السابق يكون التقدير : ما يحصل منك حضور فى المستقبل ، فما يحصل منك تحديث فيه ، فالفعلان مرفوعان ، ومنفيان وزمنهما مستقبل محض للسبب الذى فى الوجه السالف. ولو قلنا : لن تحضر فتحدثنا - لكان المضارعان منصوبين ومنفيين ، ومستقبلين كذلك. ولو قلنا : ألم تحضر فتحدثنا .. لكانا مجزومين ومنفيين أيضا (1)؛ فالثانى تابع للأول فى إعرابه ، وفى نفيه ؛ كما نرى (2). والعطف هنا عطف الفعل المضارع وحده - دون فاعله - على مضارع وحده دون فاعله ؛ فالعطف عطف مفردات ، لا عطف جمل (3)...
3 - الرفع على اعتبار الجملة الأولى كلها منفية و «الفاء» متجردة للعطف المحض - كما سبق - ولكنها تعطف الجملة المضارعية كلها على الجملة المضارعية السابقة - ولا تعطف المضارع وحده على نظيره السابق - وفى هذه الصورة يستقل المضارع بعد الفاء بإعرابه ، ولا يتبع فيه الأول. وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى ، منفية مثلها أو غير منفية على حسب ما يقتضيه المعنى ، وتدل عليه القرائن فيصح أن يكون المعنى فى المثال السالف : ما تحضر فى المستقبل فما تحدثنا فى المستقبل ، لأن الحضور لن يحصل ، فلن يحصل تحديث. ويصح أن يكون المراد : ما تحضر فى المستقبل ، فأنت تحدثنا الآن ؛ ليكون تحديثك الحالى تعويضا عن فقده فى المستقبل. وفى هذه الصورة يتمحض العطف للربط المجرد بين الجملتين حتما. ولكنه لا يقتضى تسرّب النفى من الأولى إلى الثانية اقتضاء واجبا. فقد يتسرب منها إلى الثانية ، أو لا يتسرب على حسب القرائن.
أما الوجهان الخاصان بالنصب فهما :
1 - النصب على اعتبار «الفاء» سببية جوابية ؛ فالمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا ، وما بعدها مسبب عما قبلها وجواب للنفى - كما شرحناه (1)آنفا - وهى فى الوقت نفسه عاطفة ؛ فالمصدر المؤول بعدها منفى ؛ لأنه معطوف على مصدر قبلها منفى أيضا فالعطف عطف مفردات. والنفى مسلط على ما قبلها وما بعدها ، فمعنى المثال السابق لا يكون منك حضور فى المستقبل ؛ فلا يكون منك تحديث (2)فيه ؛ أى : لا يكون منك فى المستقبل حضور يترتب عليه ويقع يسببه تحديث ... فالثانى منفى بنفى الأول ؛ لأن زوال السبب مؤذن بزوال المسبب. أى : أن المعنيين منفيان.
وقد يخطر بالبال السؤال التالى : أليس المعنى فى هذه الصورة كالمعنى فى الصورتين الثانية والثالثة من المضارع المرفوع : حين يعطف وحده على الفعل السابق ، أو تعطف جملته على الجملة السابقة؟
الجواب : لا. فإن المضارع حين يكون منصوبا بأن المضمرة وجوبا بعد الفاء ، تكون هذه الفاء «للسببية الجوابية» فتدل - حتما - على أن المعنى بعدها مسبب عما قبلها ، وجواب للنفى ، مع دلالتها - فوق ذلك - على العطف وإفادتها الترتيب والتعقيب. أما فى حالة عطف الفعل المضارع على المضارع أو عطف جملته على الجملة التى قبل الفاء - فإن الفاء تكون للعطف المجرد الذى تدل معه على مجرد الترتيب والتعقيب ، فلا سببية ، ولا جوابية. هذا إلى أن عطف الجملة الفعلية بالفاء التى للعطف المجرد على جملة أخرى منفية لا يوجب أن تكون المعطوفة منفية كالمعطوف عليها ، فقد تتبعها فى النفى أو لا تتبعها على حسب القرائن. - كما أسلفنا -.
2 - النصب على اعتبار أن ما بعد الفاء «قيد» فيما قبلها ، وأن النفى منصبّ على «القيد» حتما ، أما «المقيّد» وحده مجردا - أى : بغير نظر إلى قيده - ففى الرأى الرّاجح قد يقع عليه النفى أو لا يقع ؛ تبعا للسياق والقرينة ، فليس من
اللازم أن يشمله النفى الذى يقع على «القيد» لا محالة (1)، فإذا قلت : ما جاء محمد راكبا. «فالركوب» «قيد» فى المجىء. وهذا القيد (الركوب) منفى قطعا. أما حكم المقيّد وحده ، وهو «المجىء» المطلق (2)فقد يكون منفيّا (أى : لم يقع) ، وقد يكون غير منفىّ. فعدم الركوب مقطوع به ؛ سواء أوقع المجىء أم لم يقع. والحكم بوقوع المجىء أو عدم وقوعه محتاج إلى قرينة أخرى تعينه ...
وعلى هذا الأساس يصح أن يتجه الفهم فى المثال الأسبق ، (وهو : ما تحضر فتحدثنا). إلى أنّ التحديث «قيد» للحضور. والقيد منفى - لا محالة - فى حالتى الحضور وعدمه (3). أما الحضور نفسه بغير تحديث فقد يكون منفيّا أو غير منفى. فهو مسكوت عنه ، يحتاج إلى ما يعيّن أحد الأمرين ؛ شأنه شأن التقييد بالحال ؛ فكأنك تقول : ما تحضر متحدثا. فالتحديث هو القيد المنفى دائما ، والحضور هو المقيّد المسكوت عنه ، إذا نظرنا إليه وحده بغير قيده ، أو : كأنك تقول : ما يكون منك حضور يعقبه ويترتب عليه تحديث. فالتحديث هو المقطوع بنفيه. أما الحضور المطلق وعدمه فأمرهما للقرينة ؛ تعيّن أحدهما دون الآخر. وعلى هذا فالفاء للسببية والمصدر المؤول بعدها معطوف على مصدر قبلها والنفى منصب على القيد وحده ، كما شرحنا. ومن هذا قول الشاعر :
ومن لا يقدّم رجله مطمئنة *** فيثبتها فى مستوى الأرض يزلق
فكأنه قال : من لا يقدّم رجله مثبتا يزلق.
(ب) ويقول النحاة : إن المعنى قبل «فاء السببية» قد يكون مثبتا ؛ بأن يتخطاه النفى إلى ما بعدها. بالرغم من وجود النفى قبلها - كما يفهم من بعض الحالات السابقة (4)- فإن تسلّط النفى على ما قبلها فالفاء تفيد معنى التسبب الذى
1) قد يعبرون عما سبق بقول أدق ؛ هو : أن المقيّد لا ينصب عليه النفى إلا فى حالة واحدة هى التى يتقيد فيها ، ويتحقق فيها وجود القيد دون غيرها من بقية الحالات التى لا تدخل فى دائرة القيد ؛ فقد يشملها النفى أو لا يشملها ؛ على حسب القرائن. ويزيد الأمر وضوحا إذا رجعنا إلى «ب» ص 302
2) وهو غير المقيد بالركوب.
3) وهو فى حالة العدم أحق وأولى ؛ إذ لا يمكن أن يحدثنا مع عدم مجيئه ، وانتفاء حضوره.
4) الحالة الثانية من حالات النصب.
بنصب بعده المضارع بأن مضمرة وجوبا. وإن لم يتسلط على ما قبلها ، وبقى معناه مثبتا ، ومدلوله حاصلا موجبا - فالفاء لا تفيد التسبب (1)وإنما ينصب المضارع بعدها تشبيها لها بفاء السببية.
(ح) عرفنا أن الرفع جائز فى ثلاث حالات ، وأن النصب جائز فى حالتين. وهذا الجواز فى الحالات الخمس مشروط بألّا يكون المضارع قبل فاء السببية مجزوما ؛ مثل : ألم تحضر فأكرمك؟ فإن وجد جازم واقتضى المعنى عطف المضارع الذى بعد الفاء على المضارع الذى قبلها وجب أن يكون المعطوف مجزوما ومنفيا كالمعطوف عليه ؛ لأن هذا هو ما يقتضيه عطف المضارع على المضارع عطف مفردات (2)، ولا يصح إلا الجزم مع نفى المعنى عن المعطوف ، ما دام السياق يقتضى هذا العطف الذى يؤدى إلى النفى وإلى الجزم معا(3).
وربما لا يوجد قبل الفاء فعل ، مثل : غير موجود أخوك فأكرمه ... وفى هذه الصورة يمتنع عطف الفعل على الفعل لعدم وجود فعل معطوف عليه ...
(د) تطبيقا على ما سبق من تسلط النفى على ما قبل الفاء وما بعدها معا ؛ أو على أحدهما وحده - يتعين تسليطه عليهما معا فى قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ؛ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ... ) ولا يصح تسليطه على القيد وحده دون المقيّد (وهو الجملة الأولى) لاستحالة أن يقضى اللّه عليهم بالموت فلا يموتوا ؛ فلا بد أن تكون الأولى منفيّة كذلك ، والفاء للسببية. ويصح : (لا يقضى عليهم فيموتون ...) فتكون الفاء للعطف المجرد ، والمضارع بعدها مرفوع (إذ ليست للسببية) فالفعل الثانى معطوف على الأول ، تابع له فى إعرابه وفى نفيه - كما قدمنا أول البحث - فالتقدير : لا يقضى عليهم ؛ فلا يموتون. والمعنى فى الحالتين واحد. مع ملاحظة ما أشرنا إليه من الفرق بين فاء السببية والفاء المتجردة للعطف المحض. ولا مانع أن يكون العطف فى هذا المثال عطف جمل.
ومثل الآية قولهم : «ما يليق باللّه الظلم فيظلمنا» فيصح اعتبار «الفاء»
للسببية ينصبّ النفى على ما قبلها ، وما بعدها معا ؛ والمضارع منصوب. أو : للعطف الخالص (1)بدون سببية ؛ فيرفع المضارع ، والنفى عام أيضا ينصبّ على ما قبلها وما بعدها معا.
بخلاف نحو : «ما يحكم اللّه بحكم فيجور» حيث يتعين أن يكون النفى منصبّا على الثانى وحده ، باعتباره قيدا للأول ، أى : ما يكون منه حكم يترتب عليه جور (2). ولا يصح نفى الأول لما يترتب عليه من أن يكون معناه : ما يحكم اللّه بحكم ... وهذا فاسد ؛ لأن اللّه يحكم فى كل وقت ...
ومن الأمثلة لنفى الفعلين معا : لا يحب الريفى الأسفار ؛ فيشاهد عجائب البلاد الأجنبية - ما ينظم فلان الشعر البليغ ، فينتفع به الأديب - لم يتنبه السّائق فينجو من الخطر - لا يسرف العربى فى الطعام ؛ فيشكو البطنة (3)، ولا يهمله ؛ فيشكو المخمصة(4).
والضابط الذى يدل فى الأمثلة السالفة - وأشباهها - على أن النفى منصب على الفعلين معا هو إعادة حرف النفى بعد فاء السببية ، وتكراره بينها وبين المضارع فلا يفسد المعنى المراد.
ومن الأمثلة لنفى الثانى وحده : (أى : لنفى القيد).
ما يسرق اللص فيسلم - لا يطول السهر فيستريح الجسم - لا يسىء التاجر المعاملة فينجح ... - هذا لا يهمل التعلّم فينتفع ، ولا يترك العلماء فيستفيد. والضابط الذى يدل فى هذه الأمثلة - وأشباهها - على أن النفى منصبّ على الثانى وحده (أى : على القيد) هو نقل حرف النفى من مكانه فى صدر الجملة الأولى ، ووضعه بعد الفاء مباشرة وقبل المضارع الذى يليها ، فلا يفسد المعنى الأصلىّ بهذا الفعل. (ه) يجرى مع أداة النهى ما جرى مع أداة النفى من ناحية عطف الفعل على الفعل ، وعطف الجملة على الجملة ، وتسلط النهى على ما قبل الفاء وما بعدها معا أو على أحدهما فقط ... و ... مع ملاحظة أن «لا» الناهية تجزم المضارع حتما ، أما حروف النفى فلا تجزمه (5)...
(ب) الطلب بنوعيه ؛ المحض وغير المحض.
الطلب المقصود هنا ثمانية أنواع ؛ لكل منها معناه وحكمه ، ويكفى وجود واحد منها قبل «الفاء» ؛ فتكون سببية ، ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا إن لم يوجد مانع آخر. وهذه الثمانية هى :
1 - الأمر.
2 - النهى.
3 - الدعاء.
4 - الاستفهام.
5 - العرض.
6 - التحضيض.
7 - التمنى.
8 - الترجى ....
ولا خلاف فى أن السبعة الأولى هى من أنواع الطلب المقصود ؛ وإنما الخلاف فى الثامن : (الترجى) والصحيح أنه منها. وهذه الأنواع الثمانية قسمان :
قسم يدل على الطلب المحض ، بأن يدل بلفظه نصّا وصراحة على الطلب مباشرة ، من غير أن تجىء دلالته على الطلب تابعة لمعنى آخر يتضمنه ، ومن غير أن يكون محمولا فى أدائه على غيره. وينحصر هذا فى الأنواع الثلاثة الأولى : (الأمر - النهى - الدعاء) (1).
وقسم يدل على الطلب دلالة غير محضة ، بأن يجىء معنى الطلب تابعا لمعنى آخر يتضمنه (2). ويدخل فى هذا القسم بقية الأنواع الطلبية ؛ فإنها محمولة على الثلاثة المحضة.
وفيما يلى معنى كل واحد من الثمانية (3)، وحكمه :
1 - الأمر ، ومعناه : طلب فعل شىء. ولا يسمى أمرا إلا إن كان صادرا ممن هو أعلى درجة إلى من هو أقل منه. فإن كان من أدنى لأعلى سمى : «دعاء». وإن كان من مساو إلى نظيره سمى : «التماسا».
1) ومثل هذا يجرى على المضارع بعد واو المعية المسبوقة بطلب كما سيجىء عند الكلام عليها فى ص 354.
2) كما سيجىء البيان فى ص 349.
3) عرفنا فى ص 336 أن فاء «السبيبة» التى ينصب بعدها المضارع هى فى جميع أحوالها للعطف أيضا ؛ فتعطف المصدر المؤول بعدها على مصدر قبلها ، أى : أنها تعطف مفردا على مفرد ، ولا شأن لها بعطف الجمل مطلقا. وعلى هذا لا تعطف جملة خبرية بعدها على جملة طلبية قبلها ، ولا غير هذا من عطف الجمل أو سواها مما لا تعطفه.
وله صيغتان ، صيغة فعل الأمر الصريح : وهذه هى الأصيلة ، وصيغة : «لام الطلب» الجازمة المختصة بالدخول على المضارع ، وهذه ملحقة بتلك ، وتسمى : «لام الأمر» إن كان الأمر بها من أعلى لأدنى ، و «لام الدعاء» إن كان من أدنى لأعلى ، و «لام الالتماس» إن كان من مساو لنظيره. فتسميتها «لام الطلب» أدق من تسميتها : «لام الأمر» لأن الطلب - والمقصود به هنا : طلب فعل شىء - يشمل الصور الثلاث.
فمثال الأمر الصريح : اغفر هفوة الصديق فيحمدك ، وانصحه فى السرّ فيتقبل نصحك ، وجامل الناس فيما لا يضر فتستريح ، ويدوم لك ودهم. ومثل : «خذ ، وهات» فى قول الشاعر :
من لى بسوق فى الحيا *** ة يقال فيها : خذ وهات
فأبيع عمرا فى الهمو *** م بساعة فى الطيبات
ومثال لام الطلب : لتكن طاعة اللّه أولى الأمور لديك فتسعد ، وليكن حرصك على أداء الواجب عقيدة فتنهض وينهض وطنك ، ولتبتعد عن مواطن الشبهات فيرتفع قدرك.
فإن كان الأمر بصيغة اسم الفعل فالأحسن التيسير بقبول الرأى الذى يجعل الفاء بعده للسببية ؛ نحو : صه فيهدأ النائم ، وتراك الشر ؛ فتأمن عواقبه ، ونزال إلى ميدان الإصلاح فتحبّ. (والمعنى : اسكت ، واترك ، وانزل ...) وكذلك إن كان الأمر بصيغة المصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله ؛ نحو : سكوتا فنسمع الخطباء ، أو بصيغة الخبر (1)... ولكن الأبلغ والأشهر فى الحالتين - عند كثرة
1) ومن الجمل الخبرية الدالة على الأمر - قوله تعالى : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ، وَيُدْخِلْكُمْ .. ) بجزم المضارعين «يغفر» و «يدخل» فى جواب الجملة الخبرية المقصود بها الأمر ، والتقدير : آمنوا باللّه ... وجاهدوا ... يغفر لكم .... وليس الجزم راجعا لوقوعهما جوابا للاستفهام : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ ) ... لفساد المعنى على هذا ؛ لأن السؤال عن مجرد الدلالة والإرشاد بدون عمل آخر ، ممن اتجه إليهم السؤال ، لا يؤدى إلى أن يغفر اللّه ذنوبهم ، وأن يدخلهم الجنة ، فغفران ذنوب الناس لا يكون مسببا عن مجرد دلالتهم إلى ما ينجيهم وتوجيه الإرشاد إليهم. وإنما يتسبب عن الإيمان نفسه ، وعن الجهاد. وكثير من الأساليب الناصعة يجرى على نسق الآية. ولا يزال الناس يقول أحدهم للآخر : تهتمّ بعملك وتجيده وتحرص عليه ، تفلح ، ويكثر رزقك. وينصح الوالد ابنه الطالب فيقول : تذاكر وتلتفت إلى دروسك تنجح. التقدير : اهتم بعملك وأجده. واحرص عليه ، تفلح - ذاكر والتفت تنجح ... وهكذا يجزم المضارع فى جواب الأمر الذى تكون صيغته غير صريحة ولا ملحقة بها. وهذا الجزم بعد سقوط الفاء مباشرة. فإن وجدت الفاء فالأيسر اعتبارها للسببية ونصب المضارع بعدها ، وإن كان الأبلغ والأكثر رفعه ، وعدم اعتبارها للسببية - كما قلنا - انظر الصفحة الآتية - :
النحاة - ألّا تكون الفاء للسببية.
2 - النهى ، ومعناه : طلب الكفّ عن شىء. وأداته واحدة ؛ هى : «لا الطلبية» وتسمى : «لا ، الناهية» إن كان النهى صادرا من أعلى لأدنى ؛ فإن كان من أدنى لأعلى سميت : «لا ، الدعائية». وإن كان مساو سميت : «لا ، التى للالتماس» فتسميتها «لا الطلبية» أولى ؛ لأن طلب الكف بها يشمل حالاتها الثلاث.
وإنما ينصب المضارع بعد فاء السببية فى جواب النهى بشرط ألا ينتقض النهى بإلّا الاستثنائية على الوجه الذى سبق إيضاحه فى النفى ونقضه (1)؛ ومن الأمثلة : لا تقل الخطأ فيشتهر جهلك ، ولا تخف العلم فتتهم فى مروءتك. ومثل قوله تعالى : ( لا تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ... ) (2)وقولهم : لا تكتر مقاطعة الإخوان فيهون عليهم سخطك. ولا تبالغ فى وعد أو وعيد فتعجز ، ويستخفّ الناس بك.
فإن كان النهى بصيغة الاسم فالأنسب الأخذ بالرأى الذى يجعل الفاء بعده للسببية ؛ نحو سيرا لا قعودا فتكسل ، وعملا لا بطالة ، فتفقد رزقك.
(3) الدعاء. ومعناه : طلب فعل شىء ، أو الكفّ عنه ، بشرط أن يكون فى الحالتين من أدنى لأعلى. وإلا فهو أمر أو نهى إن كان من أعلى لأدنى ، والتماس إن كان بين متساويين - كما سبق -.
وصيغته فعل الأمر الأصيل المراد منه الدعاء ، وكذا المضارع المسبوق بلام الطلب (لام الأمر) ، أو بلا الطلبية (الناهية) مع إرادة الدعاء بهما ... ومن الأمثلة قول الشّاعر :
رب ، وفقنى فلا أعدل عن *** سنن الساعين فى خير سنن
وقول الآخر :
فيا ربّ عجّل ما أؤمّل منهمو *** فيدفأ مقرور (1)ويشبع مرمل (2)
ومثل : ربّ : لتكن طاعتى لك على قدر فضلك ؛ فأفوز فوزا عظيما ، ولتكن أعمالى مقصورة على ما يرضيك ، فأنال أسمى الغايات ، ولا تتركنى لنفسى فأضلّ ضلالا عظيما ...
فإن كان الدعاء بصيغة أخرى لم ينصب المضارع - إلا فى الرأى الذى قصد به التيسير - ؛ كصيغة الاسم فى قولهم : سقيا لك فتسلم ، ورعيا لمن معك فتتجنبهم المخاوف ... وكصيغة الخبر المراد منه الدعاء (3)؛ نحو : يرزقنى اللّه الغنى فأنفق المال فى سبل الخير. وبعض الكوفيين يجيز النصب فى هذه الصور. ورأيه مقبول ، وفيه التوسعة التى أشرنا إليها ، وإن كان الأبلغ متابعة الأكثر.
4 - الاستفهام (سواء أكان حقيقيّا ؛ وهو طلب معرفة شىء مجهول حقّا للمتكلم ، أم إنكاريّا ، أم توبيخيّا) (4)
أما بيان الاستفهام و التقريري ففي رقم 1 من هامش ص 336.
ويشترط هنا ألا يكون عن معنى قد وقع قبل الكلام. ومن أمثلته قوله تعالى بلسان أصحاب النار : ( ... فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ ؛ فَيَشْفَعُوا لَنا ... ) ، وقول الشاعر :هل تعرفون لباناتى؟ فأرجو أن *** تقضى ، فيرتدّ بعض الروح للجسد
5 - العرض (5)؛ وهو الطلب برفق ولين. ويظهران - غالبا - فى صوت المتكلم ، وفى اختيار كلماته رقيقة دالة على الرفق. ومن أدواته : «ألا» ؛ كقول الشاعر :
يا بن الكرام ألا تدنو فتبصر ما *** قد حدثوك ؛ فما راء كمن سمعا
1) من أصابه البرد الشديد.
2) شديد الفقر.
3) وقد يكون مرادا منه غير الدعاء كالآية التى فى هامش ص 345.
4) سبق إيضاح الاستفهام الإنكارى والتوبيخى (فى ج 2 ص 235 م 81) هذا وشرط عدم المضى يتمسك به أكثر النحاة ، ولا يتمسك به آخرون. وسيجىء البيان فى «ب» من الزيادة والتفصيل (ص 253) ومن التيسير المقبول عدم التمسك به. ويتمسك الأولون أيضا بشرط آخر هو : ألا يكون الاستفهام بجملة اسمية فيها الخبر جامد. وقد سبق أنه لا داعى للتمسك به - فى ص337. .
5) سيجىء تفصيل الكلام على «العرض والتحضيض» فى باب : «لولا ولوما ...» ص 477. وما بعدها
ومن أدواته - أحيانا - «لو» (1)؛ نحو : لو أوفق للكمال المستطاع فأبلغ غاية المنى ...
6 - التحضيض ، وهو الطلب بشدة وعنف. ويظهران - غالبا - فى صوت المتكلم ، وفى اختيار كلماته جزلة قوية. ومن أدواته : «هلّا» ؛ نحو : هلّا حطمت قيود الاستبداد فتعزّ ، وهلّا قوضت حصون الاستعباد فتسود.
ومن أدواته أيضا : «لولا» ؛ نحو : لولا تدفع الظلم فيخاف الظالم ... وقول الشاعر:
لولا تعوجين يا سلمى على دنف *** فتخمدى نار وجد كاد يفنيه (2)
ومن أدواته - أحيانا - «لو» (3)؛ نحو : لو تحترم القانون فتأمن العقوبة.
7 - التمنى ، وهو الرغبة فى تحقق أمر محبوب ؛ سواء أكان تحققه ممكنا ، أم غير ممكن. ولا يصح أن يكون فى أمر محتوم الوقوع (4). وأشهر أدواته : «ليت» وهى الأصل ؛ كقوله تعالى : ( يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) . ونحو : يا ليت من يمنع المعروف يحرم المعروف ، فيذوق مرارة الحرمان. وكقول الشاعر :
يا ليت أمّ خليد واعدت فوفت *** ودام لى ولها عمر فنصطحبا
ومن أدواته - أحيانا - «لو» كقراءة من قرأ قوله تعالى : ( فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بنصب المضارع.
وكذا «ألا» (5)نحو : ألا صديق مخلصا فينصحنا.
1) لهذا النوع إشارة فى ص 469.
2) لهذا النوع إشارة فى ص 469.
3) ومن الأمثلة - ستجىء فى رقم 3 من هامش ص 479 - أيضا قوله تعالى : ( وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، فَيَقُولَ : رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، فَأَصَّدَّقَ ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ... ) أى : لولا تؤخرنى : أما المضارع : «أصّدق» فمنصوب بأن مضمرة وجوبا بعد «فاء السببية» وأما المضارع : «أكن» فمجزوم على اعتبار عدم وجود «فاء السببية» وأنه مجزوم فى جواب الطلب ، وأن الكلام يتضمن شرطا مقدرا ؛ أى : إن تؤخرنى أكن ... وسيجىء الكلام على سقوط الفاء فى ص 366.
4) فلا يصح أن يقال : ليت غدا يجىء ... وقد سبق الكلام على التمنى فى ج 1 ص 473 م 51 ثم انظر رقم 3 من هامش ص 366 ورقم 2 من هامش ص 371 حيث الإشارة لبعض الأحكام الخاصة بالتمنى غير الأصيل ؛ مثل : «لو».
5) سبق الكلام على «ألا» المفيدة للتمنى وإعرابها وحاجتها أو عدم حاجتها للخبر فى ج 1 ص 540 م 58.
8 - الترجى ، وهو : انتظار حصول شىء مرغوب فيه ، ميسور التحقق. ولا يكون إلا فى الأمر الممكن ، ومثله التوقع (1). والكوفيون هم الذى يعتبرون الفاء بعده للسببية ، والشواهد - ومنها القرآن - تؤيدهم (2). نحو : لعلك تحسن اختيار الكلام ، فتفوز بإعجاب السامعين ، ولعل إعجابهم يبرأ من التزيد والتّحيّف ؛ فتدرك مبلغ توفيقك ، وحقيقة أمرك ...
تلك هى أنواع الطلب بنوعيه ؛ المحض وغير المحض. وقد عرفنا (3)أن المحض منها ثلاثة ، وأنها سميت محضة لدلالة صيغها اللفظية - نصّا وأصالة - على الطلب الصريح مباشرة ؛ لا عن طريق تبعىّ أو ضمنىّ ، غير مباشر ؛ كدلالة انتمنى على الطلب ، فإن الطلب معه يجىء من طريق تبعىّ ؛ أى : من طريق غير مباشر ، إذ يلزم من تمنّى الشىء طلب مجيئه ... وكذلك العرض والحض وغيرهما من بقية أنواع غير المحض ؛ فإنها تدل على الطلب من ذلك الطريق الضمنى ، غير المباشر ، بخلاف الثلاثة المحضة : (الأمر ، والنهى ، والدعاء) فإن صيغها صريحة فيه ؛ كما أسلفنا (4)
وبعد «فا» جواب نفى أو طلب *** محضين «أن» وسترها حتم نصب
وتقدير البيت : و «أن» ، نصب بعد «فا» جواب نفى أو طلب محضين. وسترها حتم. (ويلاحظ أنه - كعادته - استعمل «أن» بمعنى «الحرف» أولا ، ثم عاد فاستعملها بمعنى الكلمة ، وأعاد الضمير عليها فى الأولى مذكرا ، وفى الثانية مؤنثا. والأمران صحيحان - انظر هامش صفحتى 265 و 272 -. والمعنى : «أن» مستترة (مقدرة) حتما بعد فاء السببية التى فى صدر كلام يقع جوابا لنفى محض ، أو طلب محض. وفى هذا الكلام نقص واضح ؛ إذ لم يتعرض لأنواع النفى ، وأحكامها ، وشبه النفى. واقتصر فى الطلب على المحض من غير تفصيل ولا إبانة ، ثم عرض أبياتا تتعلق بحرف آخر غير فاء السببية ؛ هو : «واو المعية» ثم رجع للكلام على فاء السببية بعد الرجاء فقال البيت السابع عشر :
والفعل بعد «الفاء» فى الرّجا نصب *** كنصب ما إلى التّمنّى ينتسب - 17
يريد : أن المضارع بعد فاء السببية الواقعة فى جواب الرجاء - ينصب بأن مضمرة وجوبا ؛ كنصب المضارع بها إذا كان منتسبا للتمنى ؛ أى : جوابا للتمنى ؛ بأن كان بعد الفاء المسبوقة بالتمنى ، فكما ينصب بعد هذا ينصب بعد ذاك. (وستجىء إشارة لهذا البيت بمناسبة أخرى فى ص 375).
... ).1) سبق الكلام على الترجى والتوقع والإشفاق ، ومعنى كل ، فى الجزء الأول ص 473 م 51.
2) ومنها قوله تعالى : ( لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى .. ) بنصب «تنفع» ومنه قوله تعالى : ( يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً. لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ) بنصب : «أطلع» ولا داعى للتأول فى الآيتين - وأشباههما - بقصد إبعاد الفاء عن السببية.
3) فى ص 344.
4) وفى الكلام على «فاء السببية» يكتفى ابن مالك ببيت واحد هو :
«ملاحظة» : إذا لم توجد «فاء السببية» قبل المضارع الذى يستحق النصب بها ، إما لعدم وجودها أصلا ، وإما لسقوطها وزوالها بعد وجودها ... فإن حكم هذا المضارع يتغير ؛ فيجزم على حسب البيان الخاص الذى سيجىء كاملا فى بحث مستقل (1).
1) فى ص 366.
(ا) تقدم (1)أن الفاء لا تكون سببية ينصب بعدها المضارع «بأن» المضمرة وجوبا إلا بشرط أن يسبقها إما النفى المحض أو شبهه ، وإما الطلب المحض أو غير المحض ... لكن هذا الشرط هو الأغلب فى أكثر الحالات ، فهناك حالات ست يصح اعتبار الفاء فى كل منها سببية مع فقد هذا الشرط ، فعند اعتبارها سببة بنصب المضارع حتما ، بأن مضمرة وجوبا ، وعند عدم اعتبارها لا ينصب. والأربعة الأولى تكون فى حالتى الاختيار والضرورة الشعرية ، والأخيرتان خاصتان بالضرورة الشعرية.
1 - الفاء الواقعة بعد نفى مسبوق باستفهام تقريرى ، نحو : ألم تشهد بدائع الأزاهير فى مطلع الربيع فتنعم بها؟ فيجوز رفع المضارع : «تنعم» ، ونصبه على أحد الاعتبارين (وقد سبق (2)الكلام الجلىّ على هذا فى موضعه المناسب). 2 - الفاء الواقعة بعد نفى قد نقض «بإلا» - الاستثنائية ، وكان النقض بعد الفاء والمضارع ؛ نحو : ما تزورنا فتحدثنا إلا تسرّنا بطرائفك الأدبية (3).
3 - الفاء الداخلة على المضارع المتوسط بين فعل الشرط وجواب الشرط ، أو بعدهما. نحو : من يهن فيقبل يسهل الهوان عليه ؛ ومن يسهل الهوان عليه يفقد كرامته ؛ فيحرم سعادة الحياة. فالفعلان : «يقبل ، ويحرم» ، يجوز نصبهما على اعتبار الفاء للسببية ، ويجوز عدم النصب على اعتبارها ليست سببية (4)...
ويقول النحاة : إن السبب فى جواز النصب هنا - حيث لا نفى ولا طلب - أن فاء السببية تعطف المصدر بعدها على مصدر قبلها ، وفعل الشرط قبلها غير
محتوم الوقوع ؛ فأشبه الاستفهام والأمر وغيرهما من أنواع الطلب التى ليست محققة الوقوع. وأن علة جواز نصبه بعد فعلى الشرط والجواب معا هو أن الجزاء غير محقق الوقوع ، ولا محتم الحصول ، فالواقع بعده كالواقع بعد الاستفهام ونحوه ... هذا كلامهم. وكأنهم يرجعون هاتين الصورتين إلى «الطلب» تقديرا. ولا محل للتقدير ؛ فالعلة الصحيحة هى محاكاة كلام العرب فى استعمالهم ، ليس غير ...
4 - الفاء الداخلة على المضارع المسبوق بأداة الحصر : «إنما» ؛ نحو : إنما أنت العالم فتفيد ؛ فيجوز نصب المضارع : «تفيد» على اعتبار الفاء سببية ، وعدم نصبه على اعتبارها غير سببية (1).
وإلى هنا انتهت الحالات الأربع التى تقع فى النثر والشعر ، أى : فى حالتى الاختيار والضرورة. ويليها الحالتان المقصورتان على الضرورة الشعرية وهما :
5 - الفاء الداخلة على المضارع المسبوق بأداة الحصر : «إلا» ، نحو : ما تتكلم إلا فتحسن الكلام (2).
6 - الخبر المثبت الخالى من النفى ومن الطلب ومن الحصر «بإلّا» كقول الشاعر :
سأترك منزلى لبنى تميم *** وألحق بالحجاز فأستريحا
1) يذكر النحاة لهذه الحالة مثالا هو قوله تعالى : ( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فى قراءة من نصب : «يكون» باعتبار الحصر منزلا منزلة الطلب تأويلا. ولم يجعل المضارع منصوبا بعد الفاء فى جواب «كن» لعدم وجود قول : «كن» حقيقة ؛ إذ لا ينطق بها اللّه حين يريد خلق شىء من العدم ، وإنما هى كناية عما يسمى «تعلق القدرة تنجيزا بوجود شىء». هذا إلى أنه لا يجوز توافق الجواب والمجاب عنه فى صيغة الفعل والفاعل ؛ فلا بد من اختلافهما فيهما ، أو فى أحدهما ؛ فلا يقال قم تقم. ويقول ابن هشام - فيما نقله عنه والصبان : إن الجواب لا بد أن يخالف المجاب : إما فى الفعل والفاعل ؛ نحو : جئنى أكرمك ، أو فى الفعل ، نحو : أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ، أو فى الفاعل ؛ نحو قم أقم. ولا يجوز أن يتوافقا فيهما.
2) لم أجد فيما رأيته من المراجع النحوية مثالا من الشعر ؛ كى تتحقق فيه الضرورة. فأمثلتهم المعروضة نثرية. ولعلهم يريدون ما يكون مثلها فى النظم.
فالمضارع : «أستريح» منصوب على اعتبار الفاء - للضرورة - سببية ، كما يقول كثير من النحاة (1)
لنا هضبة لا ينرل الذلّ وسطها *** ويأوى إليها المستجير فيعصما
والمراد بالهضبة هنا : صولة قومه ، وعزتهم ، ومنعتهم.
.(ب) قلنا (2)إن أكثر النحاة يشترط فى فاء السببية بعد الاستفهام ألا يكون الاستفهام عن أمر قد حصل فى الزمن الماضى حقيقة ؛ فيخرج نحو : لم أسأت إلى الصديق فيقاطعك؟ فلا ينصب المضارع : لأن الإساءة وقعت فعلا. وحجته أنه إذا سبك المصدر المؤول بعد الفاء كان هذا المصدر المؤول مستقبلا ، يجب عطفه على مصدر قبل الفاء ، ويجب أن يكون مستقبلا أيضا ؛ ليتحد «المعطوف والمعطوف عليه» فى الزمن - عملا بالرأى الراجح - فلو كان ما قبل الفاء ماضى الزمن لجاء المصدر «المعطوف عليه» ماضى الزمن أيضا ؛ فيختلف فى زمنه عن زمن المعطوف المستقبل.
أما الذين لم يشترطوا عدم المضى فحجتهم ما ورد من مثل : أين ذهب الرسول فنتبعه ، بنصب : «نتبع» مع أن المعنى فى ذلك قد وقع فى زمن مضى. ثم قالوا : إن لم يمكن الوصول إلى مصدر مستقبل من الكلام الذى قبل «الفاء» مباشرة فمن الممكن تصيده والوصول إليه من مضمون ذلك ولازمه ؛ كأن نقول : ليكن منك إعلام بذهاب الرسول ، فاتّباع منا.
مع أن الرأى الأول دقيق محكم ، وله الأفضلية ، والاعتبار الأقوى - فالأنسب الأخذ بالرأى الثانى ليكون الحكم مطردا ، فيقل التشعيب والتفريع ، ولأن التقدير فيه روعى مثله فى أحوال أخرى مع فاء السببية ، كما يتبين مما سبق (3)...
الأداة الخامسة : واو المعيّة (1):
فائدتها :
الدلالة على أن المعنى الذى قبلها والذى بعدها مصطحبان معا عند حصول مدلولهما وتحققه ؛ لا يسبق أحدهما الآخر ولا ينفرد ، أى : أنهما متلازمان عند التحقق ؛ ويحصلان معا فى زمن واحد يجمعهما ؛ ففى مثل : أتبتسم وتصافح الزائر؟ بنصب المضارع : «تصافح» يكون الاستفهام منصبّا على تحقق الابتسام والمصافحة معا فى وقت واحد للزائر ، ولا يتجه إلى تحقق أحدهما دون الآخر ، ولا يتجه كذلك إلى تحققهما فى زمنين مختلفين. فكأنّ من ينطق بهذه العبارة ، وينصب فيها المضارع بعد الواو - يقول : أنا أسأل عن تحقق الأمرين معا فى وقت واحد ، ولا أسأل عن غير هذا.
ومثل : لا يتكلم الخطيب ويقعد. بنصب المضارع : «يقعد» فإن النفى مسلط على اجتماع القعود والتكلم ووقوعهما معا فى وقت واحد ؛ فكأن المتكلم يقول : إنهما لا يحصلان معا فى وقت واحد. أما نفى حصول أحدهما فقط أو نفى حصولهما فى زمنين مختلفين فلا يفهم من هذه الجملة. ومثله : لا يترك العاقل عمله ويلعب ، ولا يقعد عن السّعى وينتظر الرزق ؛ بنصب : «يلعب» ، و «ينتظر» فيكون المراد نفى الجمع فى وقت واحد بين الترك واللعب ، وكذا نفى اجتماع القعود عن السعى وانتظار الرزق فى زمن واحد. ونحو : لا تأكل وتتكلم. بنصب المضارع «تتكلم» إذا كان الغرض النهى عن الجمع بين الأكل والكلام فى وقت واحد.
ولما كانت هذه الواو دالة على اجتماع المعنيين واصطحابهما معا وقت تحققهما - سميت لذلك : «واو المعية» أى : «الواو» التى بمعنى : «مع» (2)؛ فهى تدل دلالتها على الجمع والمصاحبة بين أمرين فى وقت واحد.
1) وتجرى عليها الأحكام التى سببقت فى رقم 2 من هامش ص 298.
2) المعنى لا يتغير مع كل منهما ، ولكن الإعراب يختلف. فواو المعية حرف عطف - على الأشهر ، كما سيأتى - والمضارع بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبا ، والمصدر المؤول معطوف على مصدر سابق ... أما كلمة : «مع» فظرف منصوب ، وهو مضاف - غالبا - فبعده اسم مضاف إليه ، ولا يقع بعده المضارع مباشرة ... وواو المعية التى هنا تختلف عن واو المعية التى يليها المفعول معه ؛ فإن التى يليها المفعول معه حرف مجرد للدلالة على المعية وليس عاطفا أو غير عاطف. أما التى هنا فحرف عطف ، مع دلالته - دائما - على المعية نصا ، ولا يليه إلا المضارع بالشروط التى سنعرفها. وإنما قلنا مع دلالته الدائمة على المعية نصا ؛ لأن الواو العاطفة لا تدل على المعية نصا ، وإنما تدل عليها بقرينة أخرى خارجة عنها ؛ فمن يقول : دعوت الضيف والشريك لزيارتى - قد يقصد أنه دعاهما معا فى وقت واحد ، وقد يقصد أنه دعاهما فى وقتين مختلفين ؛ فليس فى الكلام ما يعين أحدهما نصا ؛ لأن الواو العاطفة تدل على مجرد التشريك فى المعنى ، ولا تدل على المصاحبة الزمنية والاجتماع فى أثناء تحققه إلا بقرينة. وهذا هو المراد من قولهم : إنها لمجرد الجمع، أى : للتشريك فى المعنى من غير دلالة على ترتيب ، أو تعقيب ، أو مصاحبة ... بخلاف الدالة على العطف والمعية معا ، فإنها تجمع بين الأمرين فى وقت واحد ، ووقوع المضارع بعدها منصوبا دليل على أن المتكلم يريد الأمرين معا. (وقد سبق بيان هذا فى باب العطف ، ج 3 ص 412 م 118 وفى باب المفعول معه ج 2 ص 226 م 80).
عملها :
واو المعية - هنا - حرف عطف فى المشهور ، مع إفادته المصاحبة (1)والاجتماع. والمضارع بعده منصوب بأن المضمرة وجوبا ، وزمنه - كما عرفنا -. متجرد للاستقبال الخالص ، والمصدر المؤول بعده معطوف بالواو على مصدر مذكور فى الكلام السابق. فإن لم يوجد فى الكلام السابق مصدر وجب تصيده بالطريقة التى سلفت فى العطف بفاء السببية(2).
ويشترط لنصب المضارع بأن المضمرة وجوبا بعد «واو المعية» أن تكون واو المعية مسبوقة إمّا بنفى محض ، أو بما يلحق به ، - وقد شرحناهما (3)- وإما بنوع من أنواع الطلب الثمانية التى سبق بيانها وشرحها فى «فاء السببية» (4)- غير أن بعض النحاة يمنع وقوع «واو المعية» بعد أربعة أنواع من الطلب ؛ هى : الدعاء ، والعرض ، والتحضيض ، والترجى. وحجته : أن السماع الكثير لم يرد بواحد منها ، والسماع الكثير هو الأساس للقياس ؛ فلا يصح الإقدام على نصب المضارع بعدها ما دام هذا الأساس مفقودا. ولا يصح عنده النصب حملا لواو المعية على «فاء السببية» ؛ لأن الحمل - برغم التشابه بينهما فى كثير من الأمور - لا داعى له.
1) والكوفيون يمنعون العطف بها. - كما سيجىء فى ص 357 -
2) ص 336.
3) 334.
4) ويلحق بالطلب أداة الشرط إذا وقع المضارع المسبوق بالواو متوسطا بين شرطها وجوابها ، أو متأخرا عنهما ، ففى حالة التوسط أو التأخر يجوز اعتبار الواو للمعية ، ونصب المضارع بعدها بأن المضمرة وجوبا ، كما يجوز عدم اعتبارها للمعية فلا ينصب المضارع. وكل هذا على حسب الاعتبارات المعنوية التى تقدمت فى فاء السببية ، فى رقم 3 من ص 5. والتى ستجىء فى الجزم ، ص 445.
ورأيه وجيه.
ويخالفه فريق آخر ، بحجة التشابه القوى بين الحرفين فى نواح متعددة فلا عيب فى حمل واو المعية على فاء السببية. وفى هذا الرأى تيسير ، ولكن فيه إهدار لأهم الأسس التى تراعى ، ولهذا يحسن عدم الأخذ به قدر الاستطاعة : احتراما للأساس الأهم السابق.
ا - فمن أمثلة واو المعية بعد النفى قول أعرابى يجرى إلى ساحة القتال : لا ألزم دراى وأشهد الأبطال يمضون للجهاد سراعا ، ولا أموت على فراشى كالبعير المهزول ، وأبصر الرجالات فى حومة الوغى شهداء.
ب - ومن أمثلتها بعد أنواع الطلب ما يأتى (1):
1 - بعد الأمر : أيها الصديق : اغفر هفوتى وأغفر هفوتك ؛ لتدوم صداقتنا ، وساعدنى وأساعدك لنتغلب على المشقات ، ولتحذر وأحذر دسائس الأعداء ؛ لنعيش فى سلام.
ولا خلاف فى نصب المضارع «بأن» المضمرة وجوبا بعد واو المعية إذا كانت الواو مسبوقة بإحدى صيغتى الأمر المحض (2). أما الدلالة على الأمر بغيرهما (كالدلالة عليه باسم الفعل ، أو بصيغة اسم ، أو بجملة خبرية ...) فالحكم هنا كالحكم فى فاء السببيّة (3).
2 - بعد النهى :
لاتنه عن خلق وتأتى مثله *** عار عليك - إذا فعلت - عظيم
3 - بعد الاستفهام :
ألم أك جاركم ويكون بينى *** وبينكمو المودة والإخاء
ومثل :
أتبيت ريّان الجفون من الكرى *** وأبيت منك بليلة الملسوع
4 - بعد التمنى : قوله تعالى حكاية لقول الكفار يوم القيامة : ( يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ... )
1) مع ملاحظة أن المعطوف بواو المعية والمعطوف عليه مصدران - كما شرحنا - فليس فى الكلام عطف جملة خبرية بعد الواو على جملة طلبية قبلها مما يمنعه النحاة ، ولا عطف فعل على فعل. وكل هذا بشرط نصب المضارع بعد الواو.
2) وهما : فعل الأمر الصريح ، ولام الطلب الجازمة الداخلة على المضارع - وبيانهما فى ص 344 -
3) ص 345.
وقول الشاعر :
ألا ليت الجواب يكون خيرا *** ويطفئ ما أحاط من الجوى بى
5 - بعد الدعاء (على الرأى القائل به ...) رباه ، ما أسعدنى بطاعتك ؛ فوجهنى إليها ، ويعيننى فضلك على ملازمتها. وما أشد حاجتى إلى برّك ؛ فأسبغ علىّ ثوب العافية ، وتحرسه برحمتك ، وأغدق علىّ النعم ، وتوفقنى إلى صيانتها. ربّاه ، لتدخلنى فى عداد المقربين ، وترفع مقامى بينهم ، ولا تدع للتّوانى سبيلا إلىّ وتتركنى بعيدا عن المدى الذى يرضيك.
6 - بعد العرض (على الرأى القائل به ...) : ألا تزور المريض وتقدم له هدية. ألا تسأله عن حاله وتدعو له بالشفاء.
7 - بعد التحضيض (على الرأى القائل به ...) : هلّا تتعرض لأشعة الشمس وقت الضحا أو قبل الغروب وتحذر حرارتها ، وطول التّعرض لها. وهلّا تعرف رأى الأطباء فى فائدة التعرض وضرره ، وتعمل برأيهم ...
8 - الترجّى (على الرأى القائل به ...) : لعلّ العالم يدرك أنه قدوة ، ويترك ما لا يليق به ، ولعله يعرف أن فساده أشد ضررا وأعظم خطرا من كل فساد آخر ، ويجنب الناس أثره ...
يتبين مما سبق أن بين فاء السببية وواو المعية تشابها واختلافا ؛ فيتشابهان فى أمرين :
أولهما : نصب المضارع بعدهما بأن مضمرة وجوبا ؛ بشرط أن يسبقهما - غالبا - نفى أو طلب ، وما يلحق بهما ، بالتفصيل الذى عرفناه.
ثانيهما : اعتبار كل منهما حرف عطف أيضا فوق دلالته الخاصة (وهى : دلالة الفاء على «السببية الجوابية» فوق دلالتها على الترتيب والتعقيب. ودلالة الواو على «المعية»). والمصدر المنسبك بعدهما من «أن» المضمرة وجوبا وما دخلت عليه من الجملة المضارعية - معطوف على مصدر مذكور أو متصيد قبهلما. وهذا على الرأى الشائع الذى يخالف فيه بعض المحققين (1)ويقول : إن هذه الواو التى تفيد المعية ليست عاطفة ، وهو بهذا يوافق الكوفيين (ويسمونها : واو
1) كالرضىّ.
الصّرف) وحجته أن العرب إذا أرادوا بالواو معنى المعية والمصاحبة أتوا بالمضارع بعدها منصوبا ليصرفوه عن المألوف ؛ فيكون صرفه هذا دليلا على أنها للمعية والمصاحبة ، ومرشدا من أول الأمر إلى أنها لإفادة اجتماع أمرين فى زمن واحد ، وليست للعطف (1)
وقد قامت على هذا الرأى اعتراضات كثيرة ، واجهتها ردود كثيرة أيضا. ولا حاجة بنا إلى شيء من هذه أو تلك ؛ لاعتمادهما . فى الغالب على الجدل المجرد. وغاية ما نقوله : إن اعتبار الواو لمجرد المعية هنا يريح من العطف وما يقتضيه . أحيانا . من تصيد المصدر المعطوف عليه حين لا يكون فى الكلام السابق مصدر مذكور. ولو لا اعتبارات أخرى قوية . (كالتي سنذكرها في «ب» من ص 379) لكان هذا الرأى وحده هو المستحسن في جميع حالات فاء السبيبة أيضا فلا نعدها حرف عطف ، طبقا للمذهب الكوفى الذى يقصرها على السببية ، ويمنع أن تكون عاطفة.
.ويختلفان فى خمسة أمور :
أولها : أن نصب المضارع بعد فاء السببية متفق عليه بعد أنواع الطلب السبعة ، لورود السماع بأمثلة كثيرة لكل نوع تبيح القياس عليها. وأما الثامن (وهو «التّرجّى) فيقع فيه وحده الخلاف ، والصحيح أنه كبقية الأنواع فى وجوب نصب المضارع الواقع فى جوابه بعد فاء السببية ، وأن ناصبه هو «أن» المضمرة وجوبا.
فى حين يخالف بعض المحققين فى وقوع (الدعاء ، والعرض ، والتحضيض ، والترجى) ، قبل واو المعية موجبا للنصب ، فيمنع اعتبارها للمعية كما يمنع نصب المضارع إذا سبقه واحد من الأربعة المذكورة ؛ بحجة عدم ورود السماع بأمثلة لكل منها تكفى للقياس عليها.
ثانيها : الأصح فى فاء السببية أنها حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب مع دلالتها - فى الغالب - على السببية الجوابية فى الوقت نفسه. على حين يشتد الخلاف فى جعل الواو - هنا - للأمرين مجتمعين ؛ وهما : العطف والمعية ؛ إذ الرأى القوىّ أنها تفيد المعية دائما بغير أن تكون عاطفة.
1) ومع أنها عنده للمعية وليست للعطف - يعتبرها إما واوا للحال ، وأكثر دخولها على الجملة الاسمية ؛ فالمصدر المؤول بعدها فى تقدير مبتدأ خبره محذوف وجوبا ، فمعنى : قم وأقوم - قم وقيامى ثابت. أى : قم فى حال ثبوت قيامى. وإما بمعنى : «مع» ، أى : قم مع قيامى. وذلك كما قصدوا فى المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم ، فنصبوا ما بعد الواو. ولو جعلت الواو عاطفة للمصدر على مصدر سابق لزال التنصيص على معنى الجمع...
ثالثها : - وهذا مهم - أن فاء السببية لا بد أن تقع - غالبا - فى جواب نفى أو طلب أو ملحقاتهما ... ؛ فما بعدها مسببب عما قبلها وجواب له. أما واو المعية فتقتضى مصاحبة ما قبلها وما بعدها مصاحبة حقيقية عند وقوعهما ؛ أى : تستلزم تلاقيهما واجتماعهما فى زمن واحد عند تحقق معناهما وحصوله ، وهذه المصاحبة تمنع أن يكون ما بعد الواو مسببا عما قبلها ، وجوابا له ؛ لأن المسبب والجواب لا بد أن يتأخرا - حتما - فى وجودهما عن السبب ، وعما يحتاج إلى إجابة. وهذا التأخر يناقض المصاحبة ويعارضها. ولهذا يقول النحاة : إن صحة الفهم ودقة التعبير يقضيان بتخطئة من يقول عند الإعراب (1): (واو المعية الواقعة فى جواب النفى ، أو الأمر ، أو النهى ، أو غيرهما من بقية الأنواع السالفة ...) وبتصويب من يقول : «واو المعية» الواقعة بعد النفى أو الطلب من غير ذكر لكلمة جواب ؛ لأن وقوع الجملة المشتملة على هذه الواو جوابا عما قبلها يقتضى - كما تقدم - أن يكون تحقّق معناها متأخرا عن تحقق معنى التى قبلها ، وهذا يعارض ما تفيده واو المعية من تحقق معنى السابق عليها واللاحق فى زمن واحد.
رابعها : أنّ واو المعية - هنا - لا بد أن يسبقها نفى محض ، أو طلب ، أو ملحقاتهما ، ولا بد كذلك أن تدل على المصاحبة الزمنية الحقيقية عند تحقق معنى ما قبلها وما بعدها. وهذه المصاحبة تقتضى أن ينصبّ النفى والنهى وغيرهما من بقية الأنواع ، على ما قبل الواو وما بعدها معا ، أى : أن النفى والنهى ونظائرهما يشملان ما قبل الواو وما بعدها ، لا محالة ، ولا يقتصران على أحدهما دون الآخر (بشرط أن تكون الواو للمعية ، والمضارع بعدها منصوبا) فمن يقول لا آكل وأتكلم. بنصب «أتكلم» فإنما ينفى اجتماع الأمرين (الأكل والكلام) فى وقت واحد ؛ فالنفى مسلّط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين. أما شأنهما عند عدم مصاحبتهما فمسكوت عنه ، والحكم عليه متروك ، لا دخل للنفى - وغيره - به ؛ فقد يقع الأكل وحده أو لا يقع. وقد يحصل التكلم وحده أو لا يحصل ، وقد يقع الأكل والتكلم ولكن فى وقتين مختلفين ، أولا يقعان مطلقا ... فلا يمكن القطع بأحد هذه الأشياء إلا بقرينة خارجة عن الجملة.
ومن يقول : لا أكتب وألوّث أصابعى (بنصب : «ألوّث») فإنما ينفى اجتماع
1) على سبيل الحقيقة ، لا على ضرب من المجاز البعيد.
الأمرين معا فى وقت واحد ، وهما : الكتابة ، وتلويث الأصابع ، فالنفى شامل ما قبل واو المعية وما بعدها مجتمعين ، يسلّط عليهما فى زمن اصطحابهما وتلاقيهما ، ولا ينصبّ على أحدهما دون الآخر. أما المعنى عند عدم اصطحابهما فمسكوت عنه ، متروك حكمه ، لا صلة للنفى به ، فقد تكون الكتابة وحدها منفية أو غير منفية ، وقد يكون تلوّث الأصابع وحده حاصلا أو غير حاصل ... وقد يكون الاثنان غير حاصلين ، وقد يحصلان فى زمنين مختلفين ... فكل هذه أمور يعرض لها الاحتمال ، ولا سبيل للقطع بأحدها إلا بقرينة أخرى.
وكذلك من يقول : لا تمش وتكتب ... - أو : لا تخطب وتجلس .... أو : لا تظلم الضعيف وتخاف القوىّ ... بنصب المضارع بعد الواو المسبوقة بالنهى فى هذه الأمثلة وأشباهها - فإن النهى فيها مسلط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين فى وقت واحد ، ولا ينصبّ على أحدهما دون الآخر ، فكلاهما وحده مسكوت عنه ، مهمل أمره ؛ لا دليل للقطع بأنه منهى عنه وحده أو غير منهى عنه ، ولا منهى عنه مع الآخر فى زمنين مختلفين ... فالقطع بأحد هذه الأمور متوقف على قرينة خارجة عن الجملة ؛ توجّه لأحدها دون الآخر.
أما النفى والنهى قبل فاء السببية فقد يسلطان على ما قبلها وما بعدها معا ، أو على ثانيهما فقط - كما سلف (1).
هذا ، وما قيل عن النفى والنهى يقال فى ملحقات النفى وفى سائر أنواع الطلب بنوعيه ؛ حيث يسرى - فى وقت واحد - على ما قبل الواو وما بعدها معنى النفى أو الطلب ، ويشملهما هذا المعنى مصطحبين مجتمعين فى زمن واحد (2)
والواو كالفا ، إن تفدا مفهوم مع *** كلا تكن جلدا ، وتظهر الجزع - 3
يريد أن «الواو» كفاء السببية فى كثير من الأحكام - وفى مقدمتها وقوعها بعد النفى وما ألحق به ، وبعد الطلب بنوعيه - مع نصب المضارع بعدها بأن المضمرة وجوبا ، وعطف المصدر المؤول بعدها على مصدر قبلها ... وقد اشترطوا فى هذه الواو أن تكون بمعنى «مع» أى : دالة على المعية ، ومصاحبة معنى ما قبلها وما بعدها فى زمن وقوع النهى - وغيره - وتحققه. وساق مثالا معناه : لا تكن جلدا فى وقت إظهار الجزع. وفى المثال عيب معنوى ؛ إذ كيف يكون جلدا مع إظهاره الجزع.
... .خامسها : أن فاء السببية قد تسقط جوازا بعد الطلب - لا النفى - سواء أكانت موجودة من الأصل ثم سقطت ، أم لم تكن موجودة ؛ فيصح فى المضارع بعد غيابها الجزم فى جواب الطلب ، ففى مثل : شارك فى ميادين الإصلاح ، فينهض بلدك ... يصح أن يقال : شارك فى ميادين الإصلاح ينهض بلدك ... بجزم المضارع : «ينهض». ولا يصح هذا فى واو المعية ؛ - كما سيجىء قريبا - (1).
1) لهذا الحكم مسألة مستقلة تشمل تفصيله وشروطه تجىء فى ص 366.
(ا) لبعض النحاة كلام مفيد فى «واو المعية» ، يتضمن ما قلناه. وملخص كلامه : أن المضارع ينصب بعد : «واو المعية» فى سائر المواضع التى ينصب فيها بعد : «فاء السببية» ؛ وهى المواضع التى تكون مسبوقة فيها بالنفى وملحقاته ، والطلب المحض وما حمل عليه.
وإنما يصح النصب إذا أردت المصاحبة الحقيقية والاجتماع بين المعنى الذى قبل الواو ، والمعنى الذى بعدها وقت حصولهما وتحققهما. والدلالة على أنهما يحصلان ويتحققان معا فى وقت واحد. ولم ترد مجرد الاشتراك المطلق بين المعنيين اشتراكا لا مصاحبة فيه ولا اجتماع عند وقوعهما. وإذا نصبت المضارع بعد الواو فهى للعطف أيضا ؛ فتعطف المصدر المنسبك بعدها على مصدر قبلها ، لأنها مع إفادتها المعية ، والمصاحبة تفيد العطف أيضا ، وليست مقصورة على مجرد التشريك بين المعنيين كالذى تقتضيه واو العطف المحضة. أى : أن واو المعية هنا تقتضى التشريك والمصاحبة الحتمية معا (1)، وهما من خصائصها دون الواو المجردة للعطف وحده.
ثم يقول : نعم ، إن الواو العاطفة قد تحتمل المصاحبة أحيانا كما فى قولك : جاء محمد وعلى ، ويتكلم محمود ، ويصرخ ، وينظر ... ولكن هذا مجرد احتمال لا يقين معه ، وليست المصاحبة أمرا مقطوعا فيه ، ولا منصوصا عليه ؛ إذ معنى العطف بالواو الدلالة على مجرد الاشتراك ، دون زيادة على ذلك ؛ من ترتيب ، أو تعقيب ، أو إمهال ، أو مصاحبة ، أو غيرها. وهذه هى مهمتها الأصيلة ، وما عداها يكون أمرا محتملا ؛ يحتاج فى القطع به إلى قرينة أخرى حالية ، أو مقالية ، فإن لم توجد القرينة بقى الاشتراك المجرد على حاله مقطوعا به ، وما عداه فموضع الاحتمال ، بخلاف الواو الدالة على المعية والمضارع بعدها منصوب ؛ فإنها للأمرين مجتمعين ؛ فهى للعطف ، وللمعية معا ، ولا مجال للاحتمال فى أحدهما ؛ إذ المعية مقطوع بها (2) هنا كالعطف.
ومتى ثبت أن المضارع لا ينصب إلا بعد الواو التى للمعية - بالشروط التى عرفناها - ثبت كذلك أنه لا يصح نصبه بعد غيرها ؛ كالواو التى للاستئناف والجملة المضارعية بعدها مستأنفة. وكالواو التى للحال ، والجملة المضارعية بعدها خبر لمبتدأ
1) فى الرأى الشائع.
محذوف ، والجملة من المبتدأ وخبره فى محل نصب حال ، وكغيرها من أنواع الواو التى ليست للمعية ...
وعلى أساس الاعتبارات السالفة يجوز فى الأمثلة التّالية - وأشباهها - ضبط المضارع بعد الواو ضبوطا مختلفة ؛ كل ضبط منها يؤدى معنى غير الذى يؤديه الآخر ؛ فالضبط خاضع للاعتبار المعنوى ، وإن شئت فالضبط خاضع للمعنى ، ومتى تمّ الضبط صار هو المرشد للمعنى :
لا تقرأ وتأكل - لا تمش وتكتب - لا تغضب وتترك الحاضرين - لا تنتقل فى الحديقة وتأكل ثمارها ... فيجوز فى المضارع بعد الواو ما يأتى :
1 - نصبه على اعتبار الواو للمعية ؛ فيتعيّن أن يكون النهى مسلطا على الأمرين مصطحبين معا ، فالكلام نصّ فى النهى عن عدم الجمع بين هذين الأمرين ؛ فهو بمعنى : لا تجمع فى وقت واحد بين هذين الأمرين.
2 - جزمه على اعتبار الواو لمجرد العطف وحده من غير معيّة ، فالمضارع بعدها بدون فاعله معطوف على المضارع السابق المجزوم ، عطف فعل على نظيره الفعل. ويكون النهى منصبّا على الأمرين أيضا ، ولكن على سبيل التشريك الذى لا دلالة معه على مصاحبة ، أو عدم مصاحبة. فالنهى مسلط على هذا وذاك سواء أكانا مصطحبين أم غير مصطحبين ؛ فالاصطحاب وعدمه أمران محتملان ، لا سبيل للقطع بأحدهما إلا بقرينة أخرى.
3 - رفعه على اعتبار الواو للاستئناف ، فالمضارع بعدها مرفوع ، والجملة المضارعية مستقلة فى إعرابها عما قبلها. ولذا يتعين أن يكون النهى منصبّا على ما قبل الواو دون ما بعدها ، فما بعدها مباح لا يسرى إليه النهى.
4 - رفعه على اعتبار الواو للحال ، والجملة المضارعية بعدها فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف - فى الرأى الراجح (1)والجملة من المبتدأ وخبره فى محل نصب حال والنهى فى هذه الصورة منصبّ على ما قبل الواو بشرط تقييده بما بعدها ، أى : أنه ينصب على ما قبل الواو فى صورة واحدة ، هى التى يكون فيها مقيدا بالحال ، ويتحقق فيها حصول القيد ؛ ففى مثل : لا تقرأ وتأكل ... ، يكون المراد : لا تقرأ
1) الذى يبيح ربط الجملة الحالية المثبتة بالواو وحدها.
وأنت تأكل ... أى : لا تقرأ فى الحالة التى تأكل فيها. أما فى غير هذه الحالة فالأمر مسكوت عنه ، لا دليل على النهى عنه أو إباحته ، فلا بد من قرينة أخرى تعين أحدهما ، وتزيل الاحتمال.
(ب) ألحق الكوفيون «ثم» العاطفة بواو المعية فى المعنى بشرط استقامة المعنى على المعيّة ، وأن يسبقها النفى أو الطلب كما يسبقان واو المعية ؛ فكلا الحرفين عندهم يؤدى العطف والمعية معا بالشرطين السالفين ؛ مستدلين بأمثلة مسموعة ، منها قوله عليه السّلام : (لا يبولنّ أحدكم فى الماء الدائم (1)ثم يغتسل منه) ؛ بنصب : «يغتسل» على اعتبار «ثم» للعطف وللمعية «معا» ، والمضارع بعدها منصوب «بأن» المضمرة وجوبا.
وقد عورض رأيهم بأنه يلزم عليه أن يصير معنى الحديث - فى حالة النصب - النهى عن الجمع بين البول فى الماء والاغتسال منه ، أى : النهى عن اجتماع الأمرين ومصاحبتهما. ويترتب على هذا أن البول فى الماء الدائم من غير اغتسال منه مباح ؛ كما هو مفهوم الكلام السابق ، مع أن هذا المفهوم مخالف للمراد من الحديث ؛ إذ المراد منه - كما تدل قرائن متعددة - النّهى المطلق عن البول فى الماء الدائم ، سواء أصحبه اغتسال أم لم يصحبه.
وشىء آخر ؛ كيف تدل «ثم» على المعية والعطف معا ومعناها فى العطف هو الترتيب والتمهل وهما ينافيان المعيّة؟ فهل المراد مطلق الاشتراك ولو بغير معيّة.؟ قال بعض المحققين يناقش الكلام السابق كله بما معناه : إن الإشكال نشأ من قول بعض النحاة : (الفعل : «يغتسل» فى الحديث السابق يجوز نصبه بإعطاء : «ثم» حكم واو الجمع ...) (2)فوقع فى الوهم أن المراد إعطاؤها حكمها فى المعية ، مع أن أولئك النحاة لم يقصدوها. أما المفهوم والأخذ بما يقتضيه فإنما يكون حين لا يمنع منه مانع ، ولا يصد عنه دليل ، كالشأن فى هذا الحديث الشريف فإن الأخذ بمفهومه غير جائز ؛ لوجود ما يعارضه ويمنع الأخذ به ؛ وهو ثبوت النهى عن البول فى الماء الراكد مطلقا ؛ سواء أكان بعده استحمام فيه أم لم يكن.
وبناء على ما تقدم - من المذهب الكوفى وأنصاره - يكون نصب المضارع ؛ «يغتسل» قائما على أساس إلحاق «ثمّ» بواو المعية فى النصب مطلقا ؛ أى : سواء اقتضى المعنى النهى عن المصاحبة والاجتماع أم لم يقتض.
ويصحّ جزمه على إرادة العطف المجرد الذى يفيد مطلق التشريك دون إفادة المصاحبة والمعية. ويصح رفعه عند ابن مالك وآخرين على اعتبار «ثم» حرف استئناف (1)يرفع بعدها المضارع ، كما يرفع بعد الواو والفاء الاستئنافيين (2). ولا يجيز ابن مالك ومن معه العطف ، لما يترتب عليه من عطف الخبر على الإنشاء ، وهذا ممنوع على الأرجح) ... وإلى هنا انتهى المراد من كلامه ملخصا (3).
والأنسب ترك المذهب الكوفى هنا ، وعدم القياس عليه ؛ لقلة شواهده ، ولما فيه من تكلف وتعقيد ، والاقتصار فى استعماله على المسموع الذى وردت فيه «ثم» بمعنى واو التشريك المفيد للمعية أو غير المفيدة لها.
عرفنا (1)أن «فاء السببية» تخالف : «واو المعية» فى أمور ؛ منها : أن فاء السببية قد تسقط من الكلام جوازا ؛ فلا يصح نصب المضارع بعدها ، وإنما يصح جزمه إن استقام المعنى المراد على الجزم. ومعنى سقوطها ؛ غيابها واختفاؤها عن موضعها ، وخلو مكانها منها ؛ سواء أوجدت أوّلا ثم سقطت ؛ أم لم توجد من أول الأمر ، فالمقصود أن الجملة خالية منها ؛ ففى مثل : (خذ من الحضارة باللباب الحميد فتسعد ، وتجنّب الزائف البراق فتسلم) - يصح أن يقال : (خذ من الحضارة باللباب الحميد تسعد ، وتجنب الزائف البراق تسلم). بجزم المضارعين : «تسعد ، وتسلم» ، بعد سقوط فاء السببية ، وقد كانا منصوبين عند وجودها. ويشترط لجزم المضارع بعد سقوطها - على الوجه السالف - ثلاثة شروط مجتمعة :
أولها : أن تكون مسبوقة بنوع من أنواع الطلب المحض أو ملحقاته - لا بنوع من النفى وملحقاته - وقد عرفنا أنواع الطلب الثمانية (2)(وهى : الأمر - النهى - الدعاء - التمنى (3)- الترجى - العرض - التحضيض - الاستفهام).
ثانيها : أن تكون الجملة المضارعية بعدها جوابا (4)وجزاء للطلب الذى قبلها ، (أى : مسببة عنه ؛ كتسبب جزاء الشرط على فعل الشرط).
ثالثها : أن يستقيم المعنى بحذف «لا» الناهية ووضع «إن» الشرطية وبعدها «لا» (5)النافية محل «لا» الناهية التى حذفت ، وحل محلها الحرفان قبل المضارع
1) فى ص 361 «الأمر الخامس».
2) سبق تفصيل الكلام عليها فى ص 344.
3) ينحصر التمنى هنا فى النوع الأصيل ، وهو الذى أداته : «ليت» ، دون الأنواع الأخرى المحمولة عليه بأدواتها العارضة فى معناه ، منها «لو» و «ألا» وقد سبق إيضاحهما فى رقم 7 من ص 348 لأن الجزم غير مسموع بعد التمنى العارض ، وأدواته الطارئة فى معناه. (انظر ما يتصل بهذا فى ص 348 وفى رقم 3 من هامش ص 371).
4) سبق شرح الجواب والجزاء فى ص 290.
5) لأن أداة الشرط لا تدخل على «لا» الناهية. (انظر «ا» من ص 376).
المناسب. وهذا الحذف والإحلال لازمان حين تكون أداة الطلب «لا» الناهية. فإن كانت الأداة نوعا آخر - كفعل الأمر ، أو الدعاء ، أو غيرهما من الأدوات الاسمية والفعلية والحرفية - وجب أن يستقيم المعنى بالاستغناء عن أداة الطلب وإحلال «إن» الشرطية هذه محلها ، فتدخل وحدها على المضارع الذى دخلت عليه الأداة السابقة ، إن وجد مضارع مذكور. وإن لم يوجد أتينا بعدها بمضارع مناسب نتصيده فى مكانه ، ويوافق المراد.
وليس الغرض من مجىء «إن» (بالصورة السالفة قبل «لا» الناهية أو قبل غيرها من باقى أنواع الطلب) بقاءها واستمرارها ، وإحداث أسلوب جديد يبقى ويستمر مع إهمال الأول ، وإنما المراد استخدامها بصورة مؤقتة أو تخيلية ؛ لترشدنا إلى صحة الجزم أو عدم صحته ، تبعا لسلامة المعنى أو فساده ؛ فليست إلا مجرد أداة للاختبار المؤدى لغرض خاص ، من غير أن يكون لها أثر نحوى أو معنوى آخر ، فإذا ما تحقق الغرض زالت ، وبقى الأسلوب الأول (الذى كان قبل مجيئها) على حالته اللفظية والمعنوية ، ولا اعتبار لغيره.
فمتى اجتمعت الشروط الثلاثة جاز الجزم. فمثال الجزم بعد الأمر قولهم : أفضل على من شئت تكن أميره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. والتأويل : إن تفضل على من شئت تكن أميره ، وإن تستغن تكن ... وإن تحتج تكن(1)
تعالوا نخبركم بما قدّمت لنا *** أوائلنا فى المجد عند الحقائق
والتأويل : إن تجيئوا نخبركم ...
...ومثال الجزم بعد النهى : لا تكن عبد هواك ، تأمن سوء العواقب ، ولا تهمل مشورة الناصح الخبير ، تدرك حميد الغايات. والتأويل : إلّا تكن عبد هواك تأمن سوء العواقب ، وإلا تهمل مشورة الناصح تدرك ...
وبعد الدعاء : رباه. وفقنى ، أهتد لما يرضيك ، ولا تدعنى بغير تأييدك أجد خير ناصر ومعين. والتأويل : إن توفقنى أهتد ... وإلا تدعنى ... .
1) ومن أمثلة دخول «إن» المتخيلة المؤقتة على مضارع مناسب نتصيده - وهذا النوع كثير - قول الشاعر :
وبعد الاستفهام : أتجامل الناس بالحق تكسب رضاهم؟ وهل تلاينهم فى غير ضعف تأمن أذاهم؟ والتأويل : إن تجامل ... تكسب ... إن تلاين تأمن ...
وبعد التمنى : ليت إخوان الصفاء كثير يقو بهم جانبى ، وليت صفاءهم دائم أعش به سعيدا. والتأويل : إن تتحقق أمنيتى بكثرة إخوان الصفاء يقو بهم جانبى ... و ...
وبعد الترجى : لعلك تساعد المحتاج تؤجر ، ولعلك تحاذر المنّ عليه يضاعف أجرك. والتأويل : إن تساعد المحتاج تؤجر ... و ...
وبعد الحض : هلّا تستبق إلى الخير تذكر به ، وهلّا تدعو إليه تشتهر بالفضل. والتأويل : إن تستبق إلى الخير تذكر به ... و ...
وبعد العرض : ألا تعرف الفضل لأهله تكن منهم ، ألا تنكر جحود المغرورين تخرج من زمرتهم. والتأويل : إن تعرف الفضل لأهله تكن منهم و ... و ...
فإن فقد شرط ، أو أكثر ، لم يصح الجزم ، ووجب رفع المضارع وإعرابه على حسب ما يقتضيه السياق ، ويستلزمه المعنى.
(ا) فعند فقد الشرط الأول - بسبب وجود نفى ، لا طلب ، أو ملحقاته - لا يصح جزم المضارع وإنما يجب رفعه ؛ ففى مثل : ما يحسن العيىّ الكلام يملك به أفئدة السامعين ، لا يصح جزم «يملك» فى جواب النفى عند غياب فاء السببية (1)
أما التعليل الحصيح الذي يجب الاقتصار عليه فهو: «السماع» عن العرب، وأنها لم تجزم المضارع بعد النفى إذا سقطت منه فاء السببية ، وكل تعليل غير هذا فيه مضيعة للوقت والجهد ، وإفساد للمنطق الصحيح ..
إلا عند1) للنحاة فى منع الجزم بعد النفى تعليل غريب يجب رفضه ، فهم يقولون : إن النفى يقتضى عدم وقوع المنفى ، ويستلزم عدم حصوله. والإثبات على نقيضه ، يستلزم تحقق شىء ويقتضى وقوعه. فكل منهما يقتضى تحقق أمر حتما. برغم أن التحقق مختلف ؛ إذ النفى يقتضى تحقق عدم الوقوع، والإثبات يقتضى تحقق الوقوع ، فهما مشتركان فى أمر واحد ، هو التحقق ، وإن كانت جهة التحقق مختلفة وبسبب هذا الاشتراك حمل المضارع الواقع فى جواب النفى على المضارع الواقع فى جواب الإثبات ؛ والمضارع فى جواب الإثبات لا يصح جزمه ، فكذلك ما حمل عليه لا يصح جزمه ، حملا للشىء على نقيضه. وهذا تعليل فاسد ، ولو أخذنا به وتكلفناه فى مسائل أخرى - وهذا ممكن - كما تكلفناه هنا لفسدت اللغة ، وانهارت دعائمها وأصولها. ومثله التعليل الآخر الذى يرى أن عدم الجزم بعد النفى سببه أن النفى خبر محض فليس فيه شبه بالشرط ...
الكوفيين الذين يجيزون جزمه على اعتباره جوابا للنفى. أما غيرهم فلا يبيحه ، ويوجب رفع المضارع «يملك» على اعتباره فى هذا المثال بدل مضارع من مضارع قبله ، أو على اعتباره شيئا آخر فى أمثلة تخالف السالف ، وتقتضى معانيها إعرابا غير البدلية ... كرفعه ، على اعتبار الجملة المضارعية مستأنفة (1)، أو صفة ، أو حالا أو غير هذا مما تصلح له فى موضعها ويقتضيه المعنى ...
(ب) وعند فقد الشرط الثانى - (بسبب أن المضارع بعد الفاء المختفية ليس مرادا منه أن يكون جوابا للطلب ولا جزاء ، وأن المعنى على غيرهما) - لا يصح جزمه ، وإنما يجب رفعه ؛ مراعاة لاعتبار أو أكثر مما يقتضى رفعه. ومن تلك الاعتبارات.
1 - رفعه على اعتبار الجملة المضارعية استئنافية ؛ نحو أتقيم عندنا اليوم؟ يسافر غدا زملاؤك. ونحو : قم للصلاة ؛ يغفر اللّه لنا ولك.
2 - رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صفة لنكرة محضة (2)
والمعرفة المحضة هي الخالصة من شائبة التنكير ؛ فلا يتصل بها ما يقربها من النكرة ، كأل الجنسية ، وغيرها مما سبق إيضاحه وتفصيله في موضعه الأنسب ( ج 1 ص 145م 17 باب النكرة والمعرفة. وفى ج 2 باب الحال ص 294 م 84 وفى ج 2 باب النعت ص 349 م 114).
؛ نحو : استمع إلى خطيب يملك ناصية القول.3 - رفعه على اعتبار الجملة المضارعية حالا من معرفة محضة ، نحو : تمتع بعذاب من يحسدونك ؛ ينظرون نعم اللّه عليك ، محترقين بنار الحسد.
4 - رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة للحال والوصف ؛ لوقوعها موقعا يؤهلها لكل منهما ، وعدم وجود قرينة تعينها لأحدهما - كوقوعها بعد نكرة موصوفة
1) سواء أكان الاستئناف بيانيا أم غير بيانى و «البيانى» هو الذى تنقطع بسببه الصلة الإعرابية بين الجملة المستأنفة والجملة التى قبلها ، دون الصلة المعنوية بينهما ؛ فكلتاهما مستقلة بنفسها فى الإعراب وحده ، أما فى المعنى فلا بد بينهما من نوع ارتباط يجعل الثانية - فى الغالب - بمنزلة جواب عن سؤال ناشىء من معنى الأولى. أما غير البيانى فتنقطع فيه الصلة الإعرابية والمعنوية بين الجملتين ، فتكون الجملة المستأنفة مستقلة بإعرابها وبمعناها الجديد.
2) النكرة المحضة : هى الكاملة الإبهام والشيوع ، الخالية من التحديد والتعيين الذى ينشأ من إضافتها ، أو من تقييدها بنعت أو غيره من القيود التى تفيدها نوعا من التخصص.
أو غيرها مما ليس محضا من المعارف والنكرات - نحو : كرّم عالما نابغا يعتزم الرحيل.
4 - رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة «للحال ، والوصف ، والاستئناف» مع عدم وجود قرينة تعينها لواحد دون الآخر ؛ كقوله تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ، ) فيصح فى الجملة المضارعية : «تطهّرهم» الأمور الثلاثة (1)... وهكذا (2)
ويتعين رفعه وإعراب جملته وصفا في مثل : أكرم مهاجرا يلتمس من يكرمه - أحسن إلى بائس يضجّ بالشكوى - تمتع بحديقة تمتلىء بالأزهار . صاحب رجلا يؤثر البعد عن الشر.
ويتعين رفعه وإعراب جملته حالا في مثل : أكرم المهاجر يلتمس من يكرمه - أحسن إلى البائس يضج بالشكوى - تمتع بحديقتك تمتلىء بالأزاهر . عاون الحر ينزل به الضر.
ويتعين رفعه واعتبار جملته مستأنفة فى مثل : (ليتك تزورنى ينزل المطر) . (أتساعد المحتاج؟ يحب الناس الغنى) . (لا تهمل شراء الكتب النافعة. نسافر غدا لزيارة بعض الأقارب) . (اجتنب الصياح ورفع الصوت خلال الكلام. يقبل المثقف على كتب الأدب الرفيع) .
...
ويصلح لأكثر من حالة في مثل قوله تعالى : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي) وقوله تعالى لموسى (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ...) وقوله تعالى له : (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ؛ لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى) وكذلك قوله تعالى ؛ (وخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ ...) . فيصح في المضارع : «تطهر» أن يكون مجزوما في جواب . : الأمر ، أو مرفوعا إما على اعتبار جملته مستأنفة ، أو صفة للنكرة المحضة التي قبلها ، أو حالا من فاعل فعل الأمر «خذ» وكذلك كل أسلوب على شاكلته.
...(ح) وعند فقد الشرط الثالث (3)- لا يصح الجزم ؛ ففى مثل : لا تقترب من النار تحترق ، لا يصح جزم المضارع : «تحترق» ؛ لعدم استقامة المعنى عند إحلال «إن» الشرطية وبعدها «لا» النافية محل «لا» الناهية ؛ إذ يفسد المعنى حين نقول : إلّا (4)تقترب من النار تحترق. بخلاف : لا تقترب من النار تسلم ، فيصح جزم المضارع ؛ لصحة قولنا : إلا (5)تقترب من النار تسلم ..
1) انظر ما يختص بهذه الآية فى رقم 2 التالى :
2) تطبيقا على ما فات من الأخذ باعتبار أو أكثر تبعا للمعنى يتعين جزم المضارع جوابا وجزاء للطلب فى مثل : افتح صنبور الماء ينهمر ماؤه - أوقد المصباح تنور الحجرة - أغلق النافذة تحجب الريح الباردة - ازرع الحقل ينبت ثمرا طيبا.
3) وأمارة فقده ، (كما عرفنا - هى عدم استقامة المعنى عند إحلال «إن» الشرطية و «لا» النافية معا محل «لا الناهية» وحدها بعد حذفها حين تكون أداة الطلب «لا الناهية»). أو (عند إدخال «إن» الشرطية وحدها على مضارع مناسب لأداة طلب أخرى).
4) أصلها : «إن لا» وتدغم هذه «النون» دائما فى : «لا» فلا تظهر فى الكتابة ولا فى النطق ، ويرمز لوجودها فى الخط بكتابة «شدة» فوق : «لا» - ولهذا إشارة فى : «ج» من ص 409 -
5) أصلها : «إن لا» وتدغم هذه «النون» دائما فى : «لا» فلا تظهر فى الكتابة ولا فى النطق ، ويرمز لوجودها فى الخط بكتابة «شدة» فوق : «لا» - ولهذا إشارة فى : «ج» من ص 409 -
ومن الأمثلة : لا تهمل الرياضة تضعف ؛ فلا يصح جزم المضارع للسبب السالف ؛ بخلاف : لا تهمل الرياضة تأمن الضعف.
ومن أمثلة الطلب بغير «لا» الناهية : أحسن معاملتى أحسن معاملتك ، فيصح جزم المضارع : «أحسن» ؛ لصحة قولنا : إن تحسن معاملتى أحسن معاملتك ؛ بوضع «إن» الشرطية وبعدها مضارع مناسب موضع فعل الأمر «أحسن». بخلاف : أحسن إلىّ لا أحسن إليك ؛ فيجب رفعه ؛ إذ لا يصح قولنا : إن تحسن إلىّ لا أحسن إليك ؛ لفساد المعنى (1)...
ومن أمثلة الطلب بغير «لا» الناهية أيضا : أين بيتك أزرك؟ بجزم المضارع ؛ لصحة مجىء «إن» الشرطية وبعدها مضارع متصيد. والتقدير : إن تعرفنى بيتك أزرك. بخلاف : أين بيتك أقف فى السوق ؛ إذ لا يصح : إن تعرفنى بيتك أقف فى السوق ، لعدم استقامة المعنى ؛ بسبب عدم ارتباط أجزائه ، وفقد المناسبة بينها ... وهكذا بقية أنواع الطلب الأخرى - ومنها : الأمر والترجى بالتفصيل الآتى (2)- فيجرى على بقية الأنواع - فى الأغلب (3)- ما جرى على نظائرها.
وبعض الكوفيين - وفى مقدمتهم زعيمهم الكسائى - لا يشترط إحلال «إن» مع «لا» النافية محل «لا» الناهية ، ولا إحلال «إن» قبل بقية أدوات الطلب ، ولا ما يترتب على هذا الإحلال من استقامة المعنى أو عدم استقامته. قائلا إن إدراك المراد من الجملة الأصلية ، والتفريق بين الغرض المقصود منها وغير المقصود - مرجعه القرائن وحدها ، فعليها دون غيرها المعوّل. ففى مثل قولك للمشرك : «أسلم تدخل النار» يجيز جزم المضارع «تدخل» على معنى : إن لم تسلم تدخل النار ؛ فهو يقدر وجود النفى ، بشرط وجود قرينة توجه الذهن إليه. فى حين يستبعد النفى ويهمله إن كان الطلب نهيا ، ويجعل الجملة المضارعية
1) فى آخر الهامش من الصفحة الآتية أمثلة متعددة تحقق فيها الشرط الثالث ، وأخرى لم يتحقق.
2) فى ص 373.
3) إلا التمنى الذى أداته : «لو» فإنه كالنفى ؛ لا يجزم المضارع فى جوابه عند غيبة الفاء. ويعللون عدم الجزم بعد «لو» : (بأن إشرابها التمنى طارئ عليها ؛ فلذا لم يسمع الجزم بعدها)» فإذا صح هذا التعليل الذى سجله الصبان نقلا عن ابن هشام والسيوطى - فانه منطبق أيضا على «ألا» التى للتمنى. فلماذا سكتوا عنها؟ - انظر ما يتصل بهذا فى ص 348 وفى رقم 3 من هامش ص 366.
جوابا وجزاء للنهى مباشرة ، معتمدا فى فهم المراد وتعيينه على القرائن ؛ مثل : لا تقترب من النار تحترق ... بجزم المضارع : «تحترق» واعتبار الجملة المضارعية هى الجواب والجزاء بغير تأويل ولا تقدير (1)
أما الذين يتمسكون (بإن ، و ...) فيعربون تلك الأفعال المجزومة إعرابا آخر ؛ فيقولون : «تسنكثر» مجزومة
في جواب الطلب مباشرة ، ولكن على اعتبار أن المعنى هو : لا تمنن ؛ فيترتب على عدم المن أنك تطلب من اللّه كثرة النعم وزيادة الثواب ؛ فالاستكثار بهذا المعنى ليس معيبا ولا منهيا عنه أو أن الفعل «تستكثر» مجزوما لأنه بدل من . « الفعل : تمنن. فالمعنى لا تمنن ... أي : لا تستكثر ما أنعمت به ... .. وكذلك يقولون فى المضارع .. «يؤذ» ، إنه بدل من المضارع : يقرب ، أي : لا يؤذنا ، أما المثال الأخير : (يصب) فيحكمون عليه بالشذوذ ؛ إذ لا يجدون له تأويلا سائغا .
وفيما يلى بعض أمثلة للنهى يستقيم فيها المعنى على تخيل «إن» وإحلالها مع «لا» النافية بالطريقة التي سلفت محل «لا» الناهية ، وجزم المضارع فى الجواب .. وأمثلة أخرى لا يستقيم فيها المعنى على تخيلهما.
لا تهمل يشتهر أمرك بالإجادة إلا تهمل يشتهر أمرك ...
لا تفش أسرار الناس تكتسب ودهم . إلا تفش ... تكتسب ...
لا تسرق تحترم . إلا تسرق تحترم.
لا ترفع صوتك تحسن . إلا ترفع صوتك تحسن.
لا تصافح المريض تسلم . إلا تصافح المريض تسلم. ب . ومن الثانية :
لا تهمل يحمل شأنك . إلا تهمل يخمل شأنك.
لا تفش أسرار الناس تفقد ودهم . إلا تفش أسرار الناس تفقد ودهم.
لا تسرق تعاقب . إلا تسرق تعاقب.
لا ترفع صوتك يزعج السامعين . إلا ترفع صوتك يزعج السامعين.
لا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه . إلا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه.
. وقد مال بعض النحاة القدامى إلى هذا الرأى ، وإلى الأخذ به فى أنواع الطلب المختلفة (نهيا وغير نهى) ولعل الدافع لهذا الميل هو التيسير ، وأن الناس يستعملونه فلا يخفى المراد منه مع قيام القرينة الحاسمة. ولكن الرأى1) ويؤيد رأيه أيضا بقراءة من قرأ قوله تعالى : ( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) بجزم المضارع «تستكثر» على معنى : تظهر كثرة نعمك على غيرك ... وقوله عليه السّلام فى شجرة الثوم : (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا هذا ، يؤذنا) بجزم المضارع «يؤذ» بحذف الياء من آخره. وقول أحاد الصحابة يخاطب الرسول فى أثناء موقعة : (يا رسول اللّه. لا تشرف ، يصبك سهم.) بجزم المضارع «يصب». فالأفعال المضارعة فى النصوص السالفة مجزومة مع عدم استقامة المعنى بوضع «إن» الشرطية تليها «لا» النافية ، بدلا من «لا» الناهية.
الأول هو الأحسن ، والأجدر بالاقتصار عليه ؛ لأنه أكثر ورودا فى فصيح الكلام وأوضح معنى ، وأبعد من اللبس والخفاء (1)
وبعد غير النّفى جزما - اعتمد *** إن تسقط «الفا» والجزاء قد قصد - 14
وشرط جزم بعد نهى أن تضع *** «إن» قبل : «لا» ، دون تخالف يقع - 15
التقدير : (واعتمد جزما بعد غير النفى إن تسقط الفاء والجزاء قد قصد) ... دون تخالف يقع ، أى : بشرط ألا يقع اختلاف فى المعنى قبل مجىء «إن» سابقة «لا» وبعد مجيئها. وترك الشروط والتفصيلات الأخرى التى أوضحناها.
...كل ما تقدم يسرى على المضارع الخالى من الفاء ، الواقع فى جواب نوع من الطلب ؛ كالأمر ، أو الترجى ، أو غيرهما ... ونخص هذين بشىء من البيان (ا) من أنواع الطلب المحض : الأمر - كما عرفنا (2)- والمضارع فى جوابه إذا كان مقرونا بفاء السببية ، يجب نصبه بأن مضمرة وجوبا. وكثرة النحاة تشترط لنصبه هذا أن يكون بالصيغة الصريحة الدالة على فعل الأمر مباشرة ؛ نحو : (ارحم من هو أضعف منك ؛ فيرحمك من هو أقوى منك) ، أو بالصيغة التى تشبهها ؛ وهى لام الأمر الجازمة للمضارع ؛ نحو : (لترحم من هو أضعف منك فيرحمك من هو أقوى ...)
فإن لم تكن الدلالة على الأمر بإحدى هاتين الصيغتين فالفاء بعدها ليست للسببية ؛ كالدلالة باسم فعل الأمر فى مثل : صه عن اللغو ؛ فيرتفع قدرك ، ومثل : مكانك فتحمدين أو تستريحين. أو بالمصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله فى مثل : سعيا فى الخير ، فتجتمع القلوب حولك. أو بصيغة الدعاء بالاسم فى مثل : سقيا لوطن الأحرار فيسعدون به. أو بصيغة الجملة الخبرية بقصد الدعاء - أو غيره - (3)نحو : يعينى اللّه فأحتمل أعباء الجهاد. فالفاء فى كل هذه
المواضع ليست للسببية فى رأى الكثرة. وقد سبق (1)أن الأفضل التيسير بقبول الرأى الذى يجعلها سببية.
واتفق رأى الكثرة والقلة على صحة جزم المضارع الواقع بعد هذه الفاء إذا سقطت ، وخلا الكلام منها ؛ فيصير المضارع بعد غيابها واقعا فى جواب الأمر فيجزم ؛ سواء أكانت الدلالة على الأمر بالصيغتين الأصليتين أم بغيرهما من باقى الصيغ التى عرضناها ؛ بشرط استقامة المعنى عند إحلال «إن» الشرطية ، والمضارع المناسب محل الأمر (2)؛ فتقول : ارحم من هو أضعف منك يرحمك من هو أقوى - لترحم من هو أضعف منك يرحمك من هو أقوى. كما تقول : صه عن اللغو يرتفع قدرك - ومكانك تحمدى أو تستريحى - سعيا فى الخير تجتمع حولك القلوب - سقيا لوطن الأحرار يسعدوا به - يعيننى اللّه أحتمل أعباء الجهاد ... ومثل الجملة الخبرية المقصود منها الأمر ، كقوله تعالى : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ ... ) (3)بجزم المضارعين «يغفر» و «يدخل» فى جواب الأمر : إذ الأصل : آمنوا باللّه ورسوله ، وجاهدوا فى سبيل اللّه ... يغفرلكم ... ويدخلكم ... ومثل الآية الكريمة (4)كثير من فصيح الأساليب التى يحاكيها الناس حتى يومنا هذا - وقد أشرنا لبعضها فى مناسبة سابقة (5)
والأمر إن كان بغير : «افعل» فلا *** تنصب جوابه. وجزمه اقبلا - 16
(اقبلا ، أصلها : اقبلن ، بنون التوكيد الخفيفة ، قلبت ألفا للوقف.) يريد. الأمر. - وهو من أنواع الطلب - إن كانت صيغته ليست الصيغة الصريحة فيه - وهى صيغة «انعل» - لا يجوز اعتبار الفاء بعده سببية ما دامت الصيغة ليست صريحة أصيلة فيه ، وبالرغم من هذا يصح جزم المضارع فى جواب هذا الأمر عند سقوط تلك الفاء. وهذا الكلام مبتور غير واف.
- كقول الزارع ينصح زميله : (تزرع حقلك وتعتنى به تحصد كثيرا). (وتهمل أمر زرعه ، وتنصرف عنه تحزن يوم الحصاد). التقدير : ازرع حقلك واعتن به تحصد كثيرا. وأهمل أمره ، وانصرف عنه تحزن. ومن الأمثلة المأثورة : اتقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه ... التقدير : ليتقق اللّه امرؤ ، وليفعل خيرا ... يثب عليه .. (6)(ب) ومن أنواع الطلب - فى الرأى الراجح - الترجى. وقد سبق تعريفه والكلام عليه (1). فإذا وقع فى جوابه المضارع مقرونا بفاء السببية وجب نصبه بأن مضمرة وجوبا ؛ ومن الأمثلة : لعلك مزود بالجد والصبر فتبلغ أسمى الغايات ، ولعلك تحفظ حق النعمة فيديمها اللّه عليك. فإذا سقطت هذه الفاء وخلا مكانها ، صار المضارع بعدها - فى ذلك الرأى الراجح - جوابا للتّرجى مجزوما إن تحققت شروط الجزم التى عرفناها ؛ ففى الأمثلة السالفة نقول : لعلك مزود بالجد والصبر ، تبلغ أسمى الغايات ، ولعلك تحفظ حق النعمة يدمها اللّه عليك. ومثل قول الشاعر :
لعلّ التفاتا منك نحوى ميسّر *** يمل بك من بعد القساوة لليسر
.......................... (2)
والفعل بعد «الفاء» فى الرّجا نصب *** كنصب ما إلى التمنّى ينتسب - 17
يريد : أن الفعل المضارع الواقع بعد الفاء المسبوقة بالرجاء ينصب ، كما ينصب المضارع الواقع بعد التمنى على اعتبار الفاء سببية فى كل منهما. ولم يذكر شروطا ولا فروعا لنصبهما ، ولم يتعرض لحكم المضارع إذا سقطت الفاء بعد الترجى. وقد تداركنا هذا كله. ثم انتقل من هذا البيت إلى آخر يتضمن حكم المضارع المعطوف على اسم صريح ؛ فقال :
وإن على اسم خالص فعل عطف *** تنصبه «أن» ثابتا أو منحذف
وقد سبق تفصيل الكلام على هذا المعنى وافيا شاملا فى موضع أنسب (ص 272) ...
.(ا) إذا دخلت «إن» الشرطية على «لا» الناهية فقدت دلالتها على النهى وصارت للنفى ؛ لأنّ أداة الشرط لا تدخل على النهى (1). وعلى هذا كيف نعرب : «لا» الناهية التى فقدت الدلالة على النهى بسبب وقوعها بعد «إن»؟
أنقول إنها حرف نهى باعتبار أصلها السابق ، أم نقول إنها حرف نفى باعتبار الواقع الذى انتهت إليه؟ رأيان قد يكون خيرهما مراعاة الواقع.
(ب) إذا جزم المضارع فى جواب الطلب بعد أن اختفت فاء السببية - فما العامل الذى جزمه؟
للنحاة فى هذا ميدان جدل فسيح ، ولسنا فى حاجة لعرض مساجلاتهم (2)، وحسبنا الإشارة العابرة إليها ، والاكتفاء بأن نقول فى المضارع المجزوم : إنه مجزوم لوقوعه فى جواب : «الطلب».
1 - فمن قائل إن أداة الطلب تضمنت معنى أداة الشرط فجزمت ، كما أن أسماء الشرط تضمنت معنى الشرط فجزمت. وقد دفع هذا باعتراضات كثيرة ، يصدمها ردود كثيرة أيضا.
2 - ومن قائل إن أداة الطلب وجملته نابت فى العمل عن أداة الشرط وجملته بعد حذفهما فجزمت ؛ كما أن النصب بالمصدر فى نحو : ضربا اللصّ ؛ هو لنيابته عن اضرب ، لا لتضمنه معناه. ونصيب هذا من الجدل نصيب سابقه ... وكلاهما يرمى إلى أن العامل مذكور.
3 - ومن قائل إن عامل الجزم ليس مذكورا فى الكلام تضمنا أو إنابة كما يقول أصحاب الرأيين السالفين ، وإنما هو شرط مقدر دل عليه الطلب المذكور فمن يقول : أكرمنى أحسن إليك - يريد : أكرمنى ؛ فإن تكرمنى أحسن إليك. وهذا أشهر الآراء مع ما يتعاوره من معارضات مختلفة.
4 - ومن قائل إن العامل ليس مذكورا - كما هو الرأى الثالث - ولكنه مقدر ينحصر فى «لام الأمر» المقدرة - دون غيرها - فأصل : ألا تنزل عندنا تصب خيرا ... هو : ألا تنزل عندنا. لتصب خيرا ... وهذا أضعف الآراء عندهم ، والاعتراضات عليه كثيرة وقوية.
حذف (1)
عرفنا المواضع التى ينصب فيها المضارع بأن المضمرة وجوبا أو جوازا. وقد سمع من العرب نصبه «بأن» محذوفة (2)فى غير تلك المواضع أحيانا ، فمن الوارد عنهم : خذ اللص قبل يأخذك - تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه. وقول الشاعر :
ألا أيهاذا الزاجرى أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات - هل أنت مخلدى
... والأصل : خذ اللص قبل أن يأخذك - أن تسمع بالمعيدىّ ... أن أحضر الوغى ...
وقد دار الجدل حول هذه الحالات ، أيصح القياس عليها بحذف «أن» أم لا يصح؟ وكيف نضبط المضارع فى الأمثلة المسموعة بالنصب بعد حذف «أن»؟ أنتركه منصوبا كما كان عند وجودها ؛ مراعاة للسماع ، وللأصل الأول قبل الحذف ، أم يصح رفعه مراعاة للأمر الواقع (3)
وشذّ حذف أن ، ونصب فى سوى *** مامرّ. فاقبل منه ما عدل روى - 19
ومعنى البيت : حذف أن - لا إضمارها فى المواضع السابقة - مع إعمالها النصب فى المضارع بعد حذفها أمر شاذ ؛ يحفظ ولا يقاس عليه ، وأن ما روى منه على لسان الراوى العدل - الأمين - يقبل منصوبا كما روى.
؟وصفوة ما يختار ، وما يجب الاقتصار عليه - حرصا على سلامة اللغة ، وبعدا عن اللبس والاضطراب فى فهمها - هو : الحكم بالشذوذ على ما ثبت سماعه وصحّت روايته من تلك الأمثلة المنصوبة ، وعدم محاكاتها أو القياس عليها.
أما ضبط الأفعال المضارعة المسموعة بالنصب فيصح رفعها ، أو تركها منصوبة كما وردت.
هذا ، وقد تحذف «أن» سماعا ، ويرفع المضارع بعدها سماعا كذلك ؛ فيراعى الضبط الوارد ؛ كالفعل «يريكم» فى قوله تعالى : ( وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ... ) عند من يرى الأصل : (أن يريكم ...) ثم حذفت «أن» ورفع المضارع بعد حذفها مع حاجة المعنى إليها (4) ...
المسألة 152 : السبب فى إضمار «أن» وجوبا ، وجوازا.
تقدمت (1)المواضع التى تضمر فيها «أن» الناصبة بنفسها للمضارع بالرغم من إضمارها. ولا ترضى جمهرة النحاة أن يكون الناصب فى تلك المواضع عاملا آخر. وتتلخص الحجة فيما يأتى :
نصب المضارع لا بد أن يكون أثرا لعامل ناصب ، إن لم يظهر فى الكلام فلا مناص من تقديره مختفيا (2)؛ يعمل النصب وهو مضمر. إذ لا يستقيم المعنى بغير إضماره جوازا حينا ، ووجوبا حينا آخر.
(ا) يتضح هذا من مواضع الإضمار الجائز التى منها «المضارع المسبوق بلام التعليل» (فى مثل : تداوى المريض ليبرأ - تعلم الناشئ ليسعد - أجاد الصانع ليشتهر) ... فسبب الإضمار هنا أن «التعليل» أمر معنوى محض ؛ فهو متجرد من الدلالة على الزمان ، أو المكان ، أو الذات ، أو غيرها ... ، مقتصر على الناحية العقلية الخالصة ؛ (ومن الأمثلة أيضا : التداوى - البرء - السعادة - الاشتهار - القيام - القعود - الحصد - الأكل - الشرب - السفر ...) على حين يتضمن المضارع الذى بعد «لام التعليل» الدلالة على الزمان حتما. فهو مخالف لذلك القانون اللغوىّ الثابت الخاص بالتعليل ؛ ومناقض له ، مع أنهما فى كلام واحد مرتبط المعنى. فلا بد من منع هذا التناقض بوسيلة سائغة تخضع هذا المضارع للقانون العام المطرد. وقد وجدها النحاة فيما يسمونه : «المصدر المؤول». وزاد اطمئنانهم إليه حين رأوا العرب يعطفون عليه المصدر الصريح عطفا يدل على اشتراكهما فى الدلالة المعنوية المحضة. ولم يبق بعد هذا إلا اهتداؤهم إلى الحرف المصدرى السابك. فهل يكون لام التعليل فى الأمثلة السالفة؟
قالوا : لا ؛ لأنها حرف جر ، والمضارع بعدها منصوب ، ولا يقبل الجر. فما الذى نصبه وليس فى الكلام عامل نصب؟ هل تكون لام جر ونصب معا ؛ فتنصب المضارع
بنفسها ، وتجر المصدر المنسبك بنفسها كذلك؟ قالوا : لا ؛ إذ ليس فى الحروف كلها ما يعمل عملين مختلفين فى جملة واحدة ووقت واحد. هل تكون قد تجردت للسبك مع النصب ، كما تجردت لهما «أن المصدرية»؟ لا يقال هذا ؛ لأنها لو تجردت لهما لوجب حذفها بعد إتمام السبك ، وقيام المصدر المؤول - عملا بما تقتضيه قواعد السبك - لكن حذفها يؤدى إلى خلو الكلام من العلامة الهامة الدالة على التعليل ، والمرشدة إلى ضبط المصدر المنسبك ، وإعرابه وضبط ما قد يكون له من توابع ؛ - كالعطف والبدل ... - وأيضا يمنع من اعتبارها حرف نصب ما تردد فى الكلام الفصيح من ورود التوابع للمصدر المؤول مجرورة لا منصوبة. وهذا يقطع بأن المتبوع (وهو : المصدر المؤول) مجرور ليس غير. ولا عامل يصلح لعمل الجر فى الجملة إلا هذه اللام.
ولو بقيت - بالرغم مما فى بقائها من مخالفة ضوابط السبك ، كما أسلفنا - لأدى بقاؤها إلى اللبس والاضطراب أيضا ؛ إذ لا نستطيع الحكم عليها بأنها هى التى كانت قبل السبك أو أنها أخرى جاءت بعده. والفرق المعنوى والإعرابىّ كبير بين النوعين. فلم يبق إلا أن الناصب السابك حرف غيرها مضمر. هو : «أن» دون غيره. وأساس اختيار هذه الكلمة : استقراء الكلام العربى فى أفصح أساليبه ؛ فقد دل على أن العرب يعمدون فى الأسلوب الواحد إلى إظهار «أن» بعد «لام التعليل» وإلى إضمارها ، مع نصب المضارع فى الحالتين (1)، دون أن يختلف فى التركيب شىء مما يراد منه ،
وما قيل فى «لام التعليل» يقال فى غيرها من الحروف الأخرى التى تضمر بعدها «أن المصدرية».
ب - وأما إضمارها وجوبا بعد أحرف أخرى معينة ؛ (كالفاء ، والواو ، وحتى ... و .. و.) فلأن كلا منها يؤدى معنى خاصا محتوما ؛ كالسببية ، والمعية ، والتعليل ، والغائية ... و ... وكل هذه معان عقلية مجردة ، لا دلالة فيها لزمان ، أو مكان ، أو ذات ، أو غيرها ... - على الوجه الوجه الذى شرحناه - فلا توافق بينها وبين المضارع ؛ لاقتضائه الزمان حتما. فلا مفرّ من البحث عن وسيلة تمنع التعارض هنا ، وتجعل الجملة المضارعية بعد هذه الأحرف المعينة ، فى عداد ما يدل على الأمر المعنوى المحض ، وهذه الوسيلة هى
1) أوضحنا الفوارق الكثيرة بين المصدر الصريح والمؤول - فى الجزء الأول باب الموصول م 29 ص 377 - وبسطنا هناك الأسباب الداعية لاستعمال المصدر المؤول دون الصريح.
المصدر المؤول. والحرف السابك هو «أن» دون غيرها من الأحرف السالفة التى تسبق المضارع المنصوب ؛ لأن اختيار واحد من تلك الأحرف التى لها معان معينة خاصة يؤدى إلى فساد المعنى العام على الوجه الذى تقدم فى «لام التعليل» ، وإلى خلو التركيب من الأثر النحوى الهام الذى يقوم به كل حرف منها ؛ كالعطف ، والجر ، و ... و ... وليس من الممكن - طبقا للأساليب الصحيحة الواردة أن يقوم بهذا الأثر النحوى وينصب معه المضارع أيضا ؛ فليس بين الحروف ما يقوم بأثرين إعرابيين معا فى موضع واحد وزمن واحد - كما تقدم - وهذا الأثر ضرورى فى ربط شطرى الكلام (قبل الحرف وبعده) ومنع تفكك أجزائه ، وفى الوصول إلى ضبط الأفعال المضارعة ضبطا صحيحا. ولذا تمسك النحاة بأن تعمل هذه الأحرف العطف أو غيره مما يخص كلا منها. ومن أوضح الأمثلة : «فاء السببية» وهى عاطفة لا محالة - فى الرأى الأرجح - وللعطف أثر فى حالات كثيرة ؛ حيث ينصبّ النفى على ما قبلها وما بعدها معا ، أو على ما بعدها وحده. وحيث يختلف ضبط المضارع من رفع واجب فى مواضع ، إلى نصب واجب فى أخرى ، وإلى جواز الأمرين أو وجوب الجزم فى غيرها ... ويترتب على كل ضبط معنى يخالف الآخر - كما سبق عند الكلام عليها(1).
وما يقال فى «فاء السببية» يقال فى غيرها من باقى الأدوات التى تضمر بعدها «أن» وجوبا.
هذا ملخص ما تحتج به الجمهرة المستمسكة بإضمار «أن» وهو يشهد لها بالحذق ، والبراعة ، وسداد الرأى. فمن التسرع أو جنف الهوى اتهامها - فى هذا الحكم - بالتشدد ، أو الجمود ، أو الاستمساك بما لا داعى له ، أو مالا خير فيه.
1) فى ص 338 والبيان هناك جليل الشان.
«ب» جوازمه (1).
نوع يقتصر على جزم مضارع واحد فى النثر وفى النظم ، بلا خلاف ، وهو أربعة أحرف : («اللام الطلبية» - «لا ، الطلبية» - لم - لمّا) -.
ونوع لا بد أن يجزم مضارعين معا ، أو ما يحل محل كل منهما ، أو محل أحدهما ؛ وهو عشر أدوات ، (منها : إن - إذ ما - من - ما - متى ... و ... و ...) بعضها أسماء ، وبعضها أحرف. وسيجىء بيانها وتفصيل الكلام عليها (2). ولا يكاد يوحد خلاف فى أن هذا النوع جازم.
ونوع ثالث يختلف النحاة فى اعتباره جازما ، وقليل منهم يعدّه جازما ، ويقصر جزمه على الشعر دون النثر. وأدواته ثلاثة : إذا - كيفما - لو ...
والجوازم بأنواعها الثلاثة لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا ، أو مقدرا. وفيما يلى البيان:
النوع الأول (3) : الأربعة التى يجزم كلّ منها مضارعا واحدا. معانيها ، وأحكامها :
أولها : لام الطلب. وهى التى يطلب بها عمل شىء وفعله - لا تركه ، ولا
1) لم سميت هذه العوامل «جوازم»؟ بذل الشراح وأصحاب المطولات جهدا عنيفا فى عقد الصلة بين الجزم بمعناه اللغوى ؛ (وهو : القطع) ومعناها النحوى الاصطلاحى ، قائلين إن الجوازم سميت بهذا ، لأنها تقطع من المضارع (أى : تحذف) حركة آخره إن كان آخره صحيحا ، وتقطع الحرف كله (أى : تحذفه) إن كان الآخر حرف علة. وطال الجدل واشتد حول هذا التعليل ؛ كما طال واشتد حول بعض العوامل ؛ «أبسيطة هى أم مركبة» قبل استخدامها فى الجزم؟ وما الأطوار التى مرت بها حتى وصلت إلى صورتها الأخيرة الجازمة؟ وأتوا فى هذا بالغرائب التى تستحق اليوم الرفض السريع والإهمال ؛ لما فى أكثرها من بحوث وهمية لا تتصل بالواقع بصلة حقة. نقلوها عن شيخهم القديم «السيرافى» أحد شراح : «كتاب سيبويه» وزادوها على الأيام حتى وصلت إلينا بصورتها الغريبة. وحسبنا هذه الإشارة العابرة دون الاهتمام بتسجيلها ، فإنما المهم أن نعلم آثار الجوازم ، وأحكامها المختلفة ، وفى مقدمتها أنها لا تدخل إلا على الفعل فإن ظهر بعدها فبها ، وإلا وجب تقديره - كما سنعرف -
2) فى ص 395 الكلام على النوع الثانى ، وفى ص 341 الكلام على النوع الثالث.
الكف عنه - فإن كان الطلب من أعلى لأدنى سميّت : «لام الأمر» ، وإن كان من أدنى لأعلى سميّت : «لام الدعاء». وإن كان من مساو سمّيت : «لام الالتماس». وبسبب دلالتها على المعانى الثلاثة كانت تسميتها «بلام الطلب» أنسب ، كما عرفنا (1). ومن أمثلتها : (لتكن حقوق الوالدين عندك مرعيّة ، ولتكن صلة القرابة لديك مصونة). ومثل قول الحكماء : (ليكن حبّك وبغضك أمما (2)ولتجعل للصلح والرجوع بقية فى قلبك ، تصلح بها ما فات).
وأشهر أحكامها :
1 - أنها تجزم المضارع بشرط ألا يفصل بينهما فاصل.
2 - أن الجزم بها مختلف فى درجة القوة والكثرة ؛ فيكثر دخولها على المضارع المبدوء بعلامة الغياب وهى الياء للمذكر ، والتاء للمؤنث ، ويقل - مع صحته - دخولها على المضارع المبدوء بحرف الخطاب ؛ (لأن فعل الأمر هو المختص الأصيل فى الخطاب) ، أو المبدوء بحرف التكلم ، وهو : الهمزة أو النون ، لأن المتكلم لا يأمر نفسه إلا مجازا ، وهذا - مع قلته - قياسى فصيح ، كسابقه. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ. ) وقوله تعالى : ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ، ) وقولهعليه السّلام : «قوموا فلأصلّ لكم» (3). ومثل : لأترك من أساء ولأصاحب من أحسن.
3 - أنها قد تحذف ويبقى عملها ، وحذفها إما كثير مطّرد. وذلك إذا وقعت بعد فعل الأمر : «قل» وكان الكلام بعدها لا يصلح جوابا للأمر ، بسبب فساد معنوى ، أو غيره ، كالآية الكريمة : ( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا (4)الصَّلاةَ ... )
1) فى ص 345 عند الكلام على أنواع الطلب. هذا ، ولا يمنع من تسميتها طلبية خروجها عنه مع مضارعها إلى معنى آخر ؛ كالتهديد فى قوله تعالى : ( وَقُلِ : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ؛ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ؛ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ... ) وكالخبرية فى قوله تعالى : ( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ) .
2) معتدلا وسطا.
3) الفاء زائدة. أو عاطفة ، عطفت جملة طلبية على طلبية.
4) الأصل : ليقيموا. وحجة القائلين بحذفها هنا ، وبأن المضارع ليس مجزوما فى جواب الأمر : «قل» - هو : أن مجرد الأمر بالقول لا يترتب عليه إقامتهم الصلاة فعلا ؛ إذ لا يلزم من القول المجرد ، والنطق به بصيغة فعل الأمر ، حصول الفعل حقيقة ، وتحقيق المأمور به .. والذى يمنع هذا الفساد المعنوى هنا هو : تقدير لام الأمر.
أى : ليقيموا ...
وإما قليل ، ولكنه جائز فى الاختيار ، وفى الضرورة. وهو حذفها بعد مشتقات القول الأخرى ، التى ليست فعل الأمر : «قل» ، نحو :
قلت لبوّاب لديه دارها *** تأذن ؛ فإنى حموها (1)وجارها
يريد : لتأذن (2)
«تأذن إنى حموها وجارها» *** بضم النون وحذف الفاء بعدها ...
وللضرورة تفسير آخر ، سبق عند الكلام عليها فى ص 256 (فى رقم 2 من هامشها).
لى بالدخول.وإما قليل مقصور على حالة الضرورة الشعرية ؛ وهذا حين لا يسبقها شىء من مادة القول ؛ نحو :
محمد ، تفد نفسك كلّ نفس *** إذا ما خفت من أمر تبالا (3)
وقول الآخر (4):
فلا تستطل منى بقائى ومدتى *** ولكن يكن للخير منك نصيب
والأصل فيهما : لتفد - ليكن ... فحذفت اللام للضرورة الشعرية.
4 - أن تحريكها بالكسر هو الأكثر ؛ إذا لم يسبقها (الواو ، أو الفاء ، أو ثم). وفتحها لغة إن فتح تاليها. فإن سبقها أحد الأحرف الثلاثة المذكورة جاز تسكينها وتحريكها على الوجه السالف ، لكن التسكين أكثر ، نحو قولهم : من ولى من أمور الناس شيئا فليراقب ربه فيما وليه ، وليذكر أنه محاسب على ما يكون منه ، ثم لينتظر عاقبة ما قدمت يداه.
ثانيها : «لا» الطلبية.
وهى التى يطلب بها الكف عن شىء وعن فعله. فإن كان الطلب موجها من أعلى لأدنى سمّيت «لا الناهية» وإن كان من أدنى لأعلى سميت : «لا الدعائية» .
وإن كان من مساو إلى نظيره سميت : «لا التى للالتماس» (1)...
ومن أمثلة الناهية قوله تعالى : ( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ ... ) ومن أمثلة الدعائية قوله تعالى : ( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ... ) وقول الشاعر :
لا يبعد اللّه جيرانا تركتهمو *** مثل المصابيح تجلو ليلة الظّلم
ومن أمثلة الالتماس قول الزميل لزميله : لا تتهافت على اللئيم فتتهم فى مروءتك ، ولا على الجاهل فتتهم فى فطنتك ، ولا تأمن العدو فيسوقك للمهالك ، ولا تثق بالحسود فيجرّك للعطب.
وأشهر أحكامها :
1 - أنها تجزم المضارع بشرط ألا يفصل بينهما فاصل ، إلا عند الضرورة الشعرية ؛ كالتى فى مثل :
وقالوا : أخانا - لا تخشّع لظالم
عزيز ، ولا - ذا حقّ قومك - تظلم. (2)
والأصل : ولا تظلم ذا حق قومك (3). وأجاز بعضهم الفصل بالظرف أو بالجار مع مجروره ؛ لأن التوسع بشبه الجملة كثير فى ألسنة العرب. ورأيه حسن ؛ مثل قولك للطائش : لا - اليوم - تعبث والقوم يجدّون ، ولا - عن النافع - تنصرف والعقلاء يقبلون. أى : لا تعبث اليوم ... ولا تنصرف عن النافع
2 - صحة حذف مضارعها لدليل يدلّ عليه ؛ نحو : انصح زميلك ما وجدته مستريحا للنصح ، منشرحا له. وإلا فلا ... أى : فلا تنصحه.
ويجب حذف المضارع بعدها فى حالة واحدة ؛ هى : أن ينوب عن مصدر محذوف مؤكّد ، دال على نهى ؛ كقولك لمن يتكلم والخطيب يخطب : سكوتا
1) وقد سبقت الإشارة لهذا فى النواصب عند الكلام على الطلب ص 345. وبيان الأفضل فى تسميتها.
2) حرك المضارع بالكسر لأجل القافية.
3) أى : يا أخانا لا تخشع ؛ بمعنى : لا تخضع. ويقول العينى : «ذا حق» مفعولان فصل بهما بين «لا والمضارع». وقد تعقبه الصبان ؛ فقال : (ذا مفعول ، وحق منصوب على نزع الخافض ، والتقدير : لا تظلم هذا فى أخذ حق قومك منك) ا ه. وقد يكون الأنسب والأوضح ما قاله العينى ؛ لأن الفعل : «ظلم» قد ينصب مفعولين ، - كما فى القاموس - .
لا كلاما ، أى : اسكت سكوتا ، لا تتكلم كلاما.
3 - كثرة جزمها المضارع المبنى للمعلوم إذا كان مبدوءا بالتاء أو الياء ، نحو قوله تعالى: ( لا تَحْزَنْ ؛ إِنَّ اللّهَ مَعَنا. ) وقول الشاعر :
لا تسأل الناس عن مالى وكثرته *** وسائل الناس عن حزمى وعن خلقى
وقولهم : لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ؛ فإن الرزق لا يسعى للقاعد عن طلبه(1)
لا يعجبنّ مضيما حسن بزّته *** وهل يروق دفينا جودة الكفن؟
المضيم : الذليل المهين - البزة : الهيئة ... والمضارع مبنى على الفتح فى محل جزم - كما سيجىء فى رقم 2 -
.فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم (الهمزة أو النون) فمن النادر الذى لا يقاس عليه أن تجزمه - فى الرأى المختار - لأن المتكلم لا ينهى نفسه إلا مجازا. ومن القليل المسموع قول الشاعر :
لا أعرفن ربربا (2)حورا مدامعها *** مردّفات (3)على أعقاب (4)أكوار (5)
وقول الآخر :
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد *** لها أبدا ما دام فيها الجراضم (6)
أى : لا يكن ربرب أعرفه - لا تكن منا عودة بعد خروجنا (7)
ولا أكن كقتيل العين بينكمو *** ولا ذبيحة تشريق وتنحار
«وفتيل العين» - بفتح العين وسكون الياء - عند العرب من ذهب دمه هدرا. «وذبيحة التشريق» هى التى تذبح فى عيد الأضحى ، ويشرّق بعض لحمها (أى : يجفف) ليأكله أصحابه خلال أيام العيد.
«والتنحار» : النحر.
...فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم مع بنائه للمجهول جزمته بكثرة ؛ نحو : .
1) ومثله قول الشاعر :
2) قطيعا من الظباء أو البقر الوحشية ، والمراد : جماعة من النساء جميلات العيون كالربرب. والمضارع فى هذا البيت ، - كما فى سابقه - مبنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد ، فى محل جزم.
3) متتابعات ؛ بعضها وراء بعض.
4) جمع : عقب ، وهو آخر كل شىء.
5) جمع : كور ، وهو : الرحل بأدواته.
6) كثير الأكل ، كبير البطن ، ويريد الشاعر به : معاوية بن أبى سفيان.
7) ومن المسموع الذى لا يقاس عليه قول الشاعر :
لا أخرج من وطنى إلا تحت ظلال السيوف - أو لا نخرج من وطننا ... وإنما كثر هذا لأن النهى متّجه إلى غير المتكلم ؛ فأصل الكلام. لا يخرجنى أحد ، أو لا يخرجنا أحد ... فالنهى منصرف للفاعل وهو غير المتكلم. ثم حذف الفاعل ، وناب عنه ضمير المتكلم ؛ فصار الكلام : لا أخرج ، ولا نخرج (1)...
1) هذا تعليل جدلى. والتعليل الحق مجرد استعمال العرب.
(ا) لم يشترط الكوفيون للجزم ب «لا» أن تكون طلبية ؛ فهم يصححون الجزم بعد «لا» النافية أيضا ؛ بشرط أن يصح وقوع «كى» التعليلية قبلها مع استقامة المعنى ؛ كالذى حكى من قول بعض العرب : «ربطت الفرس لا ينفلت» بجزم المضارع وبرفعه ، فالجزم على توهم وتقدير جملة شرطية ؛ أى : لأنى إن لم أربطه ينفلت. وهنا يمكن وضع : «كى» قبل : «لا» من غير أن يفسد المعنى ، بأن يقال : ربطت الفرس كى لا ينفلت. ومن الخير عدم الأخذ بهذه اللغة وعدم القياس على القليل الوارد بها.
أما الرفع فعلى الاستئناف.
(ب) من الأساليب الصحيحة التى لها نظائر واردة فى بليغ الكلام : «أحبّ الأصدقاء ولا تر ما المخلصون - أو : ولو تر ما المخلصون ...» بمعنى : «ولا سيما ...» فى كل ما تقدم. وقد سبق تفصيل الكلام على هذا الأسلوب ؛ معنى وإعرابا (1)...
1) فى ج 1 باب الموصول ، عند الكلام على : «لا سيما» م 28 ص 287 - وتجىء إشارة لهذا فى هامش ص 416 الآتية ، وفى رفم 1 من هامش ص 459.
ثالثها ورابعها : «لم ، ولمّا» ، الجازمتان (1).
ويشتركان فى أمور ، منها : أن كلّا منهما حرف نفى. مختص بجزم مضارع واحد ، وبنفى معناه ، وبقلب زمنه من الحال والاستقبال إلى الزمن الماضى (2)وقد تدخل همزة الاستفهام - ولا سيما التقريرىّ (3)- على هذا الحرف ، فلا تغير عمله. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ، اللّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، ) وقوله تعالى : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ ، ) وقوله تعالى : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى؟ ... )
ومثل : حضر الرحّالة ولمّا تحضر رفاقه ، وأقبل الناس على تهنئته ، ولما يسمعوا منه وصف رحلته. ومثل : أيها الفتى ، ألمّا تترك عبث الغلمان وقد كبرت؟ ألمّا تقبل على عملك والوطن ينتظر منك الجد والإخلاص؟
لما سبق يقول عنهما المعربون : إنهما حرف نفى ، وجزم ، وقلب ، وإن المضارع بعدهما مضارع فى لفظه وفى إعرابه ، لكنه ماض فى زمن معناه ، سواء أكان مضيه متصلا بالحال أم غير متصل.
وتنفرد كل أداة منهما بأمور ؛ فمما تنفرد به «لم» :
1) لا تكون «لم» فى جميع استعمالاتها إلا نافية جازمة ، بخلاف «لما» - كما سنذكر - فلها استعمالات متعددة ؛ منها : الجزم ، ومنها : أن تكون ظرفا بمعنى وقت أو حين ، (وقد سبق الكلام عليها فى «باب الظرف» (ج 2 م 79 ص 235) ومنها أن : تكون حرفا بمعنى «إلا» الاستثنائية. وقد أوضحناها فى باب الاستثناء (ج 2 م 81).
2) فيكون الفعل مضارعا فى صورته وفى إعرابه ، ولكن زمنه ماض. إلا إن كانت «لم» مسبوقة بأداة شرط للمستقبل المحض كما فى الصفحة الآتية.
3) وهو : حمل المخاطب على الإقرار (أى : على الاعتراف) بالحكم الذى يعرفه فيما جرى بشأنه الاستفهام. وقد يكون إقراره إثباتا ؛ كما فى قوله تعالى : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) أو نفيا ، كقوله تعالى يخاطب عيسى : ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ .. ) فليس المراد حمله فى كل الأحوال على الإقرار والموافقة على ما جاء منفيا بعد الهمزة ؛ وإنما المراد حمله على الإقرار بإثبات ما بعدها حين يقتضى المعنى الإثبات ، ونفيه حينا آخر تبعا للمعنى أيضا. وقد يكون المراد من الاستفهام هنا : إظهار الاستبطاء ، والحث على الإسراع : كقوله تعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ ) أو التوبيخ ؛ نحو قوله تعالى يخاطب الكفار يوم القيامة : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ...؟ ) وقد سبقت الإشارة المفيدة للاستفهام التقريرى فى نواصب المضارع عند الكلام على فاء السببية فى رقم 2 من هامش ص 336
1 - صحة دخول بعض أدوات الشرط عليها (مثل : إن - إذا - من - لو ...) كقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ... ) وقول الشاعر :
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى *** فأبعد كنّ اللّه من شجرات
وقول الآخر :
من لم يؤدبه الجمي *** ل ففى عقوبته صلاحه
وقول المتنبى يرثى جدّته :
ولو لم تكونى بنت أكرم والد *** لكان أباك الضّخم كونك لى أمّا
وإذا دخلت أداة الشرط على «لم» صار المضارع بعدهما متجردا للزمن المستقبل المحض ، وبطل تأثير «لم» فى قلب زمنه للماضى. ومعنى هذا : أنّ «لم» تقلب زمن المضارع من الحال والاستقبال إلى الماضى بشرط ألا تسبقها إحدى الأدوات الشرطية التى تخلص زمنه للمستقبل المحض ، فإن سبقته إحدى هذه الأدوات - مثل : إن - من ... لم ينقلب زمنه للماضى ، وصار التأثير فى زمنه مقصورا على أداة الشرط - وحدها ؛ فتخلصه للمستقبل المحض ، كالشأن فى تلك الأدوات الشرطية التى تجعله للمستقبل الخالص.
لكن ما الذى يجزمه إذا اجتمعت قبله أداة الشرط و «لم» معا ، وكانت أداة الشرط جازمة كالتى فى بعض الأمثلة السالفة ، وفى قولهم : من لم يقدمه الحزم أخّره العجز؟ (1)
(واجعل لنحو يفعلان النونا ...) ما نصه :(«فإن لم تفعلوا» قيل : تنازع الحرفان الفعل ؛ فأعمل الثانى ، وحذف نظيره من الأول. وقيل الأصل : إن ثبت أنكم لم تفعلوا ... فمضى «لم» فى عدم الفعل واستقبال «إن» فى إثبات ذلك العدم ، هو على حد قوله تعالى : ( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ... ) فإن المعلق عليه إثبات القدّ ، لا هو نفسه ؛ لسبقه على وقت المحاكمة. وقيل «لم» عملت فى الفعل ، وهى معه فى محل جزم بإن ، وجواب الشرط على كل محذوف تقديره : فاتركوا العناد ...).
وستجيء إشارة لهذا في «ج» من ص 409 والأنسب الأخذ بما عرضناه هنا؛ لبعده من التكلف والتعقيد.
اختلف النحاة ؛ فقائل : إنها «لم» ؛ لاتصالها به مباشرة ، وأداة الشرط مهملة
1) وفى إعراب قوله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ... ) يقول الخضرى (ج 1 آخر باب : المعرب والمبنى) عند الكلام على بيت ابن مالك :
داخلة على جملة. وقائل : إنها أداة الشرط ، لسبقها ولقوتها ، فكما تؤثر فى زمنه فتجعله للمستقبل الخالص - تؤثر فى لفظه فتجزمه كما جزمت جوابه ؛ وخلّصت زمنه للمستقبل. وفى هذه الحالة تقتصر «لم» على نفى معناه دون جزمه. والأخذ بهذا الرأى أحسن ، بالرغم من أن الخلاف لا قيمة له ؛ لأن المضارع مجزوم على الحالين ، والمعنى لا يتأثر.
2 - صحة الفصل بينها وبين مجزومها فى الضرورة الشعرية فقط ؛ كقول الشاعر :
فأضحت مغانيها قفارا رسومها *** كأن لم - سوى أهل من الوحش - تؤهل
أى : كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
3 - جواز أن يكون معنى المضارع المنفى بها قد انتهى وانقطع قبل الكلام بوقت قصير أو طويل (1)، وأن يكون مستمرّا متصلا بالحال ؛ (أى : بوقت الكلام) ولكن يستحيل أن يكون للمستقبل ، أو متصلا به ... (2)؛ فمثال انقطاعه قبل الكلام وعدم امتداده للحال ؛ لم ينزل المطر منذ شهرنا. ومثال استمراره واتصاله بالحال وعدم انقطاعه قوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ، اللّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (3)، وقول الشاعر :
غاية البؤس والنعيم زوال *** لم يدم فى النعيم والبؤس حىّ
وقول الآخر فى مغنية :
غنّت فلم تستبق جارحة *** إلّا تمنّت أنها أذن (4)
4 - صحة وقوع الاسم بعدها معمولا لفعل محذوف بعدها يفسره شىء مذكور ؛ كقول الشاعر :
ظننت - فقيرا - ذا غنى ، ثم نلته *** فلم - ذا رجاء - ألقه غير واهب
1) والغالب فى هذا الزمن الماضى المنقطع أن يكون طويلا ؛ سواء أكان انقطاعه قبل الكلام قصيرا أم طويلا. أى : أن الغالب على هذا الزمن الماضى أن يكون أوله قديما بعيدا عن نهايته ؛ فالاتساع عظيم بين أوله ونهايته أما نهايته المنقطعة فقد تكون قريبة أو بعيدة من بداية الزمن الحالى. (انظر رقم 1 من هامش ص 392)
2) لهذا لا يصح أن يقال على سبيل الحقيقة اللغوية : لم يسافر فلان غدا ..
3) قد يكون اتصاله بالحال واجبا ، لأمر عقلى يقتضى ذلك كما فى قوله تعالى : ( لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .. ) أو لأمر لفظى (لغوى) كوجود كلمة تفيد بانضمامها إلى «لم» معنى الدوام والاستمرار ؛ كما فى مثل ؛ لم يبرح - لم يزل - لم يفتأ -. وعلى كل حال : المعول عليه فى الاستمرار وعدمه هو : القرائن.
4) قد يكون اتصاله بالحال واجبا ، لأمر عقلى يقتضى ذلك كما فى قوله تعالى : ( لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .. ) أو لأمر لفظى (لغوى) كوجود كلمة تفيد بانضمامها إلى «لم» معنى الدوام والاستمرار ؛ كما فى مثل ؛ لم يبرح - لم يزل - لم يفتأ -. وعلى كل حال : المعول عليه فى الاستمرار وعدمه هو : القرائن.
والتقدير : فلم ألق ذا رجاء - ألقه - غير واهب إياه ما يريد ، وما يحتاج إليه (1). والأحسن الرأى الذى يقصر هذه الحالة على الضرورة الشعرية ويمنع القياس عليها فى النثر.
5 - امتناع حذف مضارعها - فى غير الصورة السالفة - إلا فى الضرورة (2)كقول القائل :
احفظ وديعتك التى استودعتها *** يوم الأعازب (3)، إن وصلت وإن لم
أى : وإن لم تصل ...
6 - أن بعض العرب قد ينصب بها ، وبعضا آخر قد يهملها فلا تنصب ولا تجزم ، وإنما تتجرد للنفى المحض ؛ كقراءة من قرأ ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. )
وقول الشاعر :
لولا فوارس من ذهل وأسرتهم *** يوم (4)الصّليفاء لم يوفون بالجار
ومما تنفرد به «لما» :
1 - صحة حذف المضارع المجزوم بها ، والوقوف عليها بعد حذفه ، فى النثر وفى الشعر ؛ كقول أحد القواد الرحّالين : «ولما دخلت دمشق عزمت على زيارة قبر صلاح الدين الأيوبىّ. فما كدت أقترب منه حتى امثلأت نفسى هيبة ، وسرت فى جسدى رهبة لم أستطع منها خلاصا إلا على صوت رائدى يقول : «تقدم للدخول» ... فتقدمت ولمّا ... وبقيت فى غمرة من جلال الموت ، وعبرة التاريخ ؛ أردد قول الشاعر :
فجئت قبورهم بدءا (5)ولما ... *** فناديت القبور فلم يجبنه (6)
خلت الديار فسدت غير مسوّد *** ومن الشقاء تفردى بالسّودد
وفى ذلك البيت الأسبق مخالفة لما تقدم من وجوب اتصال نفى منفيها بالزمن الحالى. وقد تكلفوا التأويل لإبعاد المخالفة.
1) معنى البيت : كان الناس يظنوننى - فى حال فقرى - غنيا مع أنى لم أكن غنيا فى الواقع. فلما منحنى اللّه الغنى لم ألق ذا رجاء فى مروءتى وأمل فى معاونتى ، إلا حققت رجاءه وأمله ؛ فمنحته من المال ما يرضيه. فكلمة «فقيرا» حال.
2) سبق المراد من الضرورة فى رقم 2 من هامش ص 256.
3) يوم الأعازب ، أو يوم الأغارب : يوم معهود من أيام العرب. ويقول صاحب الدرر اللوامع على همع الهوامع» (ج 2 ص 72) لم أقف عليه فى كتب أيام العرب. والبيت منسوب للشاعر ابن هرمة ...
4) الظرف : «يوم» متعلق بمحذوف خبر تقديره : لولا فوارس موجودة يوم الصليفاء. ولا يصح تعليقه بالفعل الذى بعده ؛ لأن ما فى حيز جواب «لولا» - وغيرها مما يحتاج لجواب - لا يتقدم على الجواب و «الصليفاء» فى الأصل : مصغر «الصّلفاء» بمعنى : الأرض الصلبة. وهى هنا موقعة من أشهر مواقع العرب.
5) البدء : السيد.
6) الهاء التى فى آخر هذا المضارع هى : «هاء السكت» الساكنة. والبيت لشاعر يتحسر على من مات من قومه ، وأن موت عظمائهم قد أخلى له الطريق ، كى يكون سيدا بعد موتهم ، مع أنه لم يكن كذلك فى حياتهم. وهو معنى قريب من قول الآخر :
أى : تقدمت ولما أستفق (مثلا) - فجئت قبورهم بدأ ولما أكن سيدا قبل ذلك ... أما المضارع المجزوم «بلم» فلا يصح حذفه إلا فى الضرورة - كما سبق -.
2 - وجوب امتداد الزمن المنفى بها إلى الزمن الحالى امتدادا يشملهما معا ، وذلك بأن يكون المعنى منفيّا فى الزمن الماضى وفى الزمن الحالى أيضا من غير اقتصار على أحدهما ، نحو : بهرنى ورد الحديقة ، وأغرانى بقطفه ، ولمّا أقطفه ، أى : ولما أقطفه ؛ لا فى الزمن الماضى (قبل الكلام) ، ولا فى الحال (وقت الكلام) ومثل قول الشاعر يستغيث بمن يحميه من أعدائه :
فإن أك مأكولا فكن أنت آكلى *** وإلّا فأدركنى ، ولمّا أمزّق
يريد : أنى لم أمزّق فى الماضى ولا فى الزمن الحالىّ. أما «لم» فليست ملازمة هذا - كما عرفنا - ومن ثمّ يصح : لم يحضر الغائب ثم حضر الآن ، ولا يصح : لمّا يحضر الغائب ثم حضر الآن ، لأن الأولى معناها لم يحضر فى الزمن الماضى قبل التكلم ، ثم حضر الآن فى وقت التكلم ، فلا تعارض بين الزمنين. أما الثانية فمعناها : لم يحضر فى الماضى ولا فى الحال تم حضر الآن ؛ أى : فى الحال ، وهذا تناقض واضح ، إذ من المحال أن يثبت الحضور وينفى فى زمن واحد ، هو الحال (1)...
3 - أن المتكلم بالمعنى المنفىّ بها يتوقع رفع النفى - غالبا - عن ذلك المعنى وحصوله مثبتا ، أى : ينتظر تحقق المعنى ووقوعه - فى الغالب - على الوجه الخالى من النفى ، فالذى يقول ، لما تشرق الشمس ، ... يريد ؛ أنها لم تشرق قبل .
1) ومما يختلف فيه الحرفان أيضا أن الزمن الماضى المنفى بالحرف : «لم» ، طويل - على الوجه المشروح فى رقم 1 من هامش ص 390 - أما الماضى المنفى بالحرف «لما» فقصير غالبا ، أى ؛ ليس قديم المبدأ ؛ فأوله - فى الغالب - ليس بعيدا من آخره المتصل بالحال ؛ فلا يصح أن يقال : لما يكن الرحالة مقيما هنا فى العام الماضى ، ويصح : لم يكن الرحالة ... على أن تقدير القصر ، والطول ، والقدم ، والجدة - متروك للعرف والمناسبة بين شيئين والموازنة بينهما. ومن العسير وضع تحديد دقيق لهذه الأزمنة.
الكلام ولا فى أثنائه ، لكن من المنتظر أن تشرق. ومن يقول لما تمطر السماء ، يقصد : أنها لم تمطر قبل التكلم ، ولا فى خلاله ، ومن المتوقع أن تمطر (1). أمّا المتكلم بالمعنى المنفى بالحرف «لم» فلا يتوقع رفع النفى عنه ، ولا ينتظر حصوله مثبتا (2)...
إلى هنا انتهت أوجه التشابه والتخالف بين «لم» و «لما» وهى أوجه دقيقة تتطلب يقظة ، وسلامة إدراك عند استعمال هذين الحرفين ، وعند تفهم الأساليب التى تحويهما (3)
بلا. ولام - طالبا - ضع جزما *** فى الفعل ، هكذا ب «لم» و «لمّا»
يريد : اجزم الفعل المضارع بلا وباللام إذا كنت طالبا بهما. أى : إذا استخدمتهما أداتى طلب ، واجزمه أيضا بلم ولما.
-. .1) قلنا إن التوقع هو الغالب. ومن غير الغالب مثلا : ندم إبليس ولما ينفعه ندمه. واستشفع المحكوم عليه بالقتل قصاصا ولما تنفعه شفاعته.
2) والانتظار وعدمه هما بالنسبة للمعنى المستقبل بعدهما. أما المعنى الماضى فهما سيان فى التوقع وعدمه ؛ نحو : «مالى قمت ولم تقم» أو : لما تقم» والمراد : لم تقم أو لما تقم ، مع أنى كنت متوقعا منك فيما مضى القيام. وهذا هو ما يشعر به التعجب من عدم قيام المخاطب. ومثال عدم التوقع أن تقول ابتداء : لم يقم الرجل.
3) وقد عقد ابن مالك للجوازم بابا مستقلا عنوانه : «عوامل الجزم» بدأه بالكلام على الجوازم الأربعة المختصة بجزم مضارع واحد ، واكتفى فى الكلام عليها ببيت واحد : هو :
«لما» الجازمة تختلف اختلافا واسعا عن : «لما» الظرفية التى هى ظرف - فى المشهور (1)- بمعنى : حين ، أو : إذ ، وتفيد وجود شىء لوجود آخر ؛ فالثانى منهما مترتب على الأول ، ومسبّب عنه ، ولهذا تدخل على جملتين ثانيتهما هى المترتبة على الأولى. والغالب أن تكونا ماضيتين. نحو قوله تعالى : ( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ) وقد تكونان غير ماضيتين بالتفصيل الذى عرفناه فى الظروف (2)...
وكذلك تختلف : «لما» الجازمة عن : «لما» التى بمعنى «إلّا» كالتى فى قوله تعالى : ( إِنْ (3)كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) ، أى : إلا عليها حافظ (فى أحد المعانى ...) وهذه لا تدخل - فى الغالب - إلا على الجملة الاسمية ؛ كالآية السالفة ... أو على الماضى لفظا لا معنى ، نحو : أنشدك اللّه لمّا فعلت كذا. إلا فعلت. والمعنى : ما أسألك إلا فعل كذا ، أى : إلّا أن تفعل كذا. فالماضى هنا صورىّ فقط ؛ لأن لفظه ماض ومعناه معنى المضارع المستقبل ...
1) انظر رقم 2 من هامش ص 275 ففيها بيان هام. وبعض النحاة يعدها حرفا. وقد سبق تفصيل الكلام عليها فى باب الظرف (ج 2 ص 223 م 79) وفى باب الإضافة (ج 3 ص 75 م 94).
2) انظر رقم 2 من هامش ص 275 ففيها بيان هام. وبعض النحاة يعدها حرفا. وقد سبق تفصيل الكلام عليها فى باب الظرف (ج 2 ص 223 م 79) وفى باب الإضافة (ج 3 ص 75 م 94).
3) «إن» نافية ، بمعنى : «ما» النافية.
محل كل منهما ، أو محل أحدهما.
أدواته إحدى عشرة (1)؛ ، تسمى : «الأدوات الشرطية الجازمة» ، وهى : (إن (2)- إذ ما) - (من - ما - مهما - متى - أيّان - أين - أنّى - حيثما - أىّ) ... وكلها أسماء ؛ ما عدا : «إن» ، وإذ ما» فهما حرفان (3)
واجزم بإن ، ومن ، وما ، ومهما *** أىّ ، متى ، أيّان ، أين ، إذ ما
وحيثما ، أنّى ، وحرف «إذ ما» *** «كإن» وباقى الأدوات أسما
أسما ، أى : أسماء.
.وتتفق الأدوات الشرطية السالفة كلها ، فى أمور ، وتختلف فى أخرى.
أشهر الأمور التى تتفق فيها (4).
1 - أن كل أداة منها لا تدخل على اسم ؛ وإنما تحتاج : إمّا إلى فعلين مضارعين تجزم لفظهما (5)مباشرة إن كانا معربين ، ومحلّهما إن كانا مبنيين. وأولهما : يسمى : «فعل الشرط» (6)
وما تقدم يوضح لنا الفرق الكبير بين «ما ومن» الشرطيتين ، الواقعتين مبتدأ والموصولتين الواقعتين مبتدأ كذلك
؛ فالموصولتان ليس فيهما تعليق شيء على آخر ، وإنما يدلان على مجرد الإخبار المطلق ، ولا يجزمان بخلاف الشرطيتين ؛ فلا بد فيهما من التعليق والجزم معا (أنظر ص 402) . ويقول ابن الحاجب أيضا : إن الجزاء قسمان ؛ أحدهما : يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط نحو : إن تجئنى أكرمك والثانى لا يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط ، وإنما يكون الإخبار به هو المسبب عن الشرط ، نحو : إن تكرمنى فقد أكرمتك أمس. والمعنى : إن اعتددت على بإكرامك إياى فأنا أعتد أيضا عليك بإكرامي إياك . فالإكرام بالأمس ليس مسببا عن الإكرام في المستقبل ، وإنما الحديث والإخبار عن إكرام الأمس هو المسبب عن إكرام المستقبل (انظر رقم 1 من هامش الصفحة الآتية ثم آخر صفحة ص 407 وما بعدها ، ورقم 3 من هامش ص 426 حيث تعليلات أخرى نافعة ، ومهمة).
هذا وقد سبق شرح معنى الجواب والجزاء تفصيلا في النواصب. عند الكلام على «إذن» ص 290 ، وعلى فاء السببية ص 332.
. وثانيهما يسمى : «جواب الشرط وجزاءه» (7)وما تقدم يوضح لنا الفرق الكبير بين «ما ومن» الشرطيتين ، الواقعتين مبتدأ والموصولتين الواقعتين مبتدأ كذلك
؛ فالموصولتان ليس فيهما تعليق شيء على آخر ، وإنما يدلان على مجرد الإخبار المطلق ، ولا يجزمان بخلاف الشرطيتين ؛ فلا بد فيهما من التعليق والجزم معا (أنظر ص 402) . ويقول ابن الحاجب أيضا : إن الجزاء قسمان ؛ أحدهما : يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط نحو : إن تجئنى أكرمك والثانى لا يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط ، وإنما يكون الإخبار به هو المسبب عن الشرط ، نحو : إن تكرمنى فقد أكرمتك أمس. والمعنى : إن اعتددت على بإكرامك إياى فأنا أعتد أيضا عليك بإكرامي إياك . فالإكرام بالأمس ليس مسببا عن الإكرام في المستقبل ، وإنما الحديث والإخبار عن إكرام الأمس هو المسبب عن إكرام المستقبل (انظر رقم 1 من هامش الصفحة الآتية ثم آخر صفحة ص 407 وما بعدها ، ورقم 3 من هامش ص 426 حيث تعليلات أخرى نافعة ، ومهمة).
هذا وقد سبق شرح معنى الجواب والجزاء تفصيلا في النواصب. عند الكلام على «إذن» ص 290 ، وعلى فاء السببية ص 332.
.1) أما «إذا» و «كيفما» و «لو» فالصحيح اعتبار الثلاثة أدوات غير جازمة (كما يجىء عند الكلام عليها فى النوع الثالث الخاص بها ص 413).
2) «إن» الحرفية أنواع متعددة ، يشار إلى أهمها فى ... «ب» من ص 406 وأضعفها الشرطية غير الجازمة.
3) وكل الأدوات التى تجزم فعلين لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا أو مقدرا ، - كما سيجىء فى رقم 2 من ص 398 - وفى بيانها وبيان الأسماء والحروف منها يقول ابن مالك :
4) أما التى تختلف فيها فتجىء فى ص 401.
5) فأداة الشرط - فى الرأى الذى يجب الاقتصار عليه - هى الجازمة لفعل الشرط ، ولفعل الجواب إن كان الجواب فعلا ، ولجملة الجواب إن كان الجواب جملة ، لا فعلا وحده .. لكن هل يجوز أن يكون الجواب مضارعا مرفوعا مباشرة؟ الجواب فى ص 442.
6) سمى فعل شرط ، لأن المتكلم يعتبر تحقق مدلوله ووقوع معناه - شرط لتحقق مدلول الجواب ووقوع معناه ، ولا يمكن - عنده - أن يتحقق معنى الجواب ويحصل إلا بعد تحقق معنى الشرط وحصوله ، إذ لا يتحقق المشروط إلا بعد تحقق شرطه ؛ سواء أكان الشرط سببا فى وجود الجواب والجزاء ، نحو : إن تطلع الشمس يختف الليل ، أم غير سبب ؛ نحو : إن كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة. فوجود النهار ليس سببا فى طلوع الشمس ، وإنما هو ملزوم ، والجواب لازم له ؛ ولهذا يقولون : إن الشرط ملزوم دائما والجزاء لازم ؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب
7) سمى فعل شرط ، لأن المتكلم يعتبر تحقق مدلوله ووقوع معناه - شرط لتحقق مدلول الجواب ووقوع معناه ، ولا يمكن - عنده - أن يتحقق معنى الجواب ويحصل إلا بعد تحقق معنى الشرط وحصوله ، إذ لا يتحقق المشروط إلا بعد تحقق شرطه ؛ سواء أكان الشرط سببا فى وجود الجواب والجزاء ، نحو : إن تطلع الشمس يختف الليل ، أم غير سبب ؛ نحو : إن كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة. فوجود النهار ليس سببا فى طلوع الشمس ، وإنما هو ملزوم ، والجواب لازم له ؛ ولهذا يقولون : إن الشرط ملزوم دائما والجزاء لازم ؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب
وإما إلى فعلين ماضيين (1)، يحلان محل المضارعين ، وتجزمهما الأداة محلا (2). وإما إلى فعلين مختلفين ، تجزم لفظ المضارع (3)منهما ، وتجزم محل الماضى. وإما إلى جملة اسمية ، تحل محل المضارع الثانى ، وتجزمها الأداة محلا (4). ولا يمكن أن يحل محل الأول شىء ؛ لأن الأول لا بد أن يكون فعلا مضارعا ، أو ماضيا.
ومهما كانت صيغة فعل الشرط أو جوابه فإن زمنهما لا بد أن يتخلص للمستقبل المحض بسبب وجود أداة الشرط الجازمة (5)، بالرغم من أن صورتهما أو صورة
1) هل يتعين أن يكون فعل الشرط ماضيا إذا كان الجواب محذوفا؟ الأحسن أن يكون الجواب «لا» ؛ طبقا للبيان الآتى فى ص 425.
2) لأن لفظ الماضى لا يجزم ، وإنما يكون فى محل جزم ، ومثله الجملة الاسمية والفعلية - انظر رقم 6 من ص 428 ثم رقم 2 من ص 436 -.
3) لأن لفظ الماضى لا يجزم ، وإنما يكون فى محل جزم ، ومثله الجملة الاسمية والفعلية - انظر رقم 6 من ص 428 ثم رقم 2 من ص 436 -.
4) قد يرفع المضارع الواقع جوابا بمراعاة التفصيل الذى فى ص 442.
5) لأن أداة الشرط الجازمة علامة قاطعة على استقبال الفعل بعدها ، أى : تخليص زمنه للمستقبل المحض ، سواء أكان الفعل ماضيا ، أم مضارعا. لهذا - كما سيجىء فى رقم 9 من ص420. لا يصح فى الجملة الشرطية أن تكون حالا بعد تلك الأداة ؛ لأن الحال لا يصح أن تسبقه علامة استقبال. ومن ثم قالوا فى مثل : «لأمدحنّ المخلص إن حضر وإن غاب» .. إن الجملة الشرطية وقعت هنا حالا مع أنها إنشائية مشتملة على علامة استقبال هى : «إن» - لأنها جملة شرطية لفظالا معنى ؛ إذ التقدير : لأمدحنه على كل حال ... (وقد سبق بيان هذا فى باب الحال ج 2 م 84 ص 311).
أحدهما قد تكون - أحيانا - غير فعل مضارع ، إذ من المقرر أن أداة الشرط الجازمة تجعل زمن شرطها وجوابها مستقبلا خالصا (1)ومن المقرر كذلك أنّ تحقّق الجواب ووقوعه متوقف على تحقق الشرط ووقوعه ، ومعلّق عليه (2)؛ فإذا حصل الشرط حصل ما تعلق عليه وهو الجواب. لا فرق فى هذا بين أن تكون الأداة مقتصرة فى معناها على التعليق - مثل : «إن» - أم متضمنة معه معنى آخر : كالزمانية ، أو المكانية ، أو غيرهما مما يتضمنه بعض الأدوات الأخرى (وسنعرفه (3)بعد ، كما نعرف المراد من التعليق وما يقوم مقامه ، وتفصيل الكلام فيه).
فمثال جزمها المضارعين لفظا قول الشاعر :
إن يفترق نسب يؤلّف بيننا *** أدب أقمناه مقام الوالد
وقول الآخر :
ردّوا السيوف إلى الأغماد واتّئدوا *** من يشعل الحرب يصبح من ضحاياها
ومثال جزمها الماضيين جزما محليّا (4)قول الشاعر فى حساده :
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به *** وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (5)
وقول شوقى :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن تولّت مضوا فى إثرها قدما
ومثال جزمها فعلين مختلفين قول الآخر فى حسّاده (6):
إن يعلموا الخير أخفوه ، وإن علموا *** شرّا أذاعوا ، وإن لم يعلموا كذبوا
ومثال جزمها الجملة الاسمية التى تحل محل الثانى جزما محليّا - قول الشاعر :
إن كنت عن خير الأنام سائلا *** فخيرهم أكثرهم فضائلا
1) قد تشتمل إحدى الجملتين على كلمة صريحة الدلالة على المضى الحقيقى ؛ كالمثال الذى سبق فى أول هامش الصفحة السابقة ، وهو : إن تكرمنى فقد أكرمتك أمس. وفى هذه الصورة يتعين أن يكون المراد الإخبار فى المستقبل على الوجه الذى سلف. ومثله : إن أكرمتنى أمس فأنا أكرمك غدا ، أى : إن تتحدث عما وقع من إكرامك إياى بالأمس فأنا أكرمك غدا. وفى هاتين الصورتين دقة توجب اليقظة والتنبه ؛ كى لا يقع الخطأ فى استعمالهما على الوجه الصحيح الذى يؤدى إلى اعتبار الشرط والجواب فيهما مستقبلا كغيرهما.
2) سبق توضيح هذا مفصلا فى رقم 6 من هامش ص 395.
3) فى ص 401.
4) مع ملاحظة ما يأتى فى رقم 2 من ص 436 خاصا بالماضى الواقع جوابا.
5) استمعوا له بإعجاب.
6) سيذكر البيت التالى لمناسبة أخرى فى ص 428.
ويسمى فعل الشرط مع مرفوعه (1): «الجملة الشرطية». ولا بد أن تتقدم على «الجملة الفعلية» أو «الاسمية» الواقعة جوابا للشرط ، والتى تسمى : «جملة جواب الشرط» ، أو : «الجملة الجوابية للشرط» (2)
فعلين يقتضين شرط قدّما *** يتلو الجزاء ، وجوابا وسما
قدما - أصله : قدم ، والألف زائدة للشعر. ومثله : «وسما» ؛ أصله : «وسم» والألف زائدة للشعر (فعلين) مفعول به للفعل : «اجزم» فى البيت الأسبق بهامش ص 395. يريد : اجزم فعلين بكل أداة ، مع ملاحظة أن جزمها الفعلين معا هو الأصل الغالب. وقد تجزم فعلا واحدا وبعده جملة محتومة. والذى لا بد أن يكون فعلا وأن يكون مجزوما لفظا أو محلا هو : «فعل الشرط». أما الجواب فقد يكون فعلا أو جملة. (يقتضين) هذه الجملة الفعلية صفة لفعلين ، والرابط محذوف ، والأصل : يقتضينهما.
ثم بين أن فعل الشرط هو المتقدم منهما. و «يتلو الجزاء» أى : يتلوه ويجىء بعده الجزاء. يريد : يقع بعده الفعل الذى يكون فى صدر جملة الجزاء إن كانت فعلية. (وجوابا وسما) أى : وسم جزاء ، بمعنى : أنه سمى جزاء. ويسمى فعل الجزاء لوقوعه فى صدر الجملة الجزائية - كما سبق - ثم بين نوع الفعلين فقال :
وماضيين ، أو مضارعين *** تلفيهما ، أو متخالفين
ولهذا البيت إشارة فى هامش ص 441 - ثم أردف هذا بيتا آخر سيجىء شرحه فى المكان الأنسب (ص 444). قال :
وبعد ماض رفعك الجزا حسن *** ورفعه بعد مضارع وهن
أى : ضعيف.
.ومما سبق يتبين أن الشرط لا بد أن يكون فعلا (3)فقط ، ولا يصح أن يكون جملة. أما الجواب فقد يكون فعلا فقط ، وقد يكون جملة ، وفى الحالتين يجب تأخيره عن الشرط
ولكل من الجملة الشرطية والجوابية أحكام سنعرفها (4).
2 - أدوات الشرط الجازمة لا تدخل على الأسماء (5)، وإنما تحتاج إلى مضارعين ، أو إلى ما يحل محلهما ، أو محل أحدهما ، كما عرفنا. فإذا وقع بعدها اسم - والغالب أن تكون الأداة هى «إن ، أو إذا» - وجب تقدير فعل مناسب يفصل بينهما ؛ بحيث .
1) مرفوعه هو : الفاعل ، أو نائبه ...
2) وفى عمل تلك الأدوات الشرطية ، وما تتفق فيه جميعا يقول ابن مالك :
3) سواء أكان ماضيا أم مضارعا ؛ وليس هناك حالة تستلزم أن يكون فعل الشرط ماضيا فقط ، وما يقال من وجوب مضيه حين يكون الجواب محذوفا مدفوع بما سيجىء فى ص 425.
4) فى ص 417.
5) لهذا إشارة فى رقم 3 من هامش ص 395.
تكون الأداة داخلة على الفعل المقدر. لا على الاسم الظاهر (1). ومن الأمثلة : إن امرؤ أثنى عليك بما فعلت فقد كافأك - إن جائع عاجز وجد فمن حوله آثمون إن لم يطعموه - وقول الشاعر :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وقول الآخر :
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها *** هوانا بها كانت على الناس أهونا
والتقدير : إن أثنى امرؤ أثنى عليك ... - إن وجد جائع عاجز وجد ... - إذا أكرمت أكرمت ... وإن أكرمت أكرمت ... - وإذا لم تعرف لم تعرف ...
والأصل فى هذا التقدير وأشباهه أن الفعل قد حذف وحده بعد أداة الشرط ، وبقى فاعله. فإن كان الفاعل اسما ظاهرا قدّر قبله فعل مناسب له ؛ وإن كان ضميرا مرفوعا متصلا كالتّاء - (ويدخل فى حكم المتصل ، الضمير المرفوع المستتر ، كالضمير : «هى» المستتر ، إذا كان فاعلا لمضارع للغائبة) - وجب الإتيان بضمير مرفوع بارز منفصل ؛ ليحل محل المتصل الذى لا يمكن أن ينفصل من فعله ، وليقوم مقامه فى إعرابه وفى معناه ، وهو : «أنت» (2)...
3 - لأداة الشرط الصدارة فى جملتيها ؛ فلا يصح أن يسبقها شىء من جملة الشرط ، ولا جملة الجواب ، ولا من متعلقاتهما ، إلا فى صورة واحدة ، ستجىء (3)
وكذلك لا يجوز أن تكون أداة الشرط معمولة لعامل قبلها ، إلا إذا كانت الأداة الشرطية اسما ، والعامل السابق عليها حرف جر ، أو مضافا ؛ نحو : إلى (من تذهب أذهب) ، (وعند من تجلس أجلس). ويصح أن يسبقها حرف عطف ، أو استدراك ، أو نحوهما مما يقتضيه المعنى ؛ بشرط ألا يخرجها عن الصدارة فى
1) انظر رقم 7 من ص 419 وقد سبق فى الجزء الثانى (ص 106 م 69 باب الاشتغال) بيان حكم هذا الاسم ، وتفصيل إعرابه ، وتأييد النحاة فى تقدير الفعل ، وأن هذا الاسم الذى بعد الأداة ليس مبتدأ.
2) انظر رقم 7 من ص 419 وقد سبق فى الجزء الثانى (ص 106 م 69 باب الاشتغال) بيان حكم هذا الاسم ، وتفصيل إعرابه ، وتأييد النحاة فى تقدير الفعل ، وأن هذا الاسم الذى بعد الأداة ليس مبتدأ.
3) فى رقم 3 من ص 422 وهى التى يكون فيها جواب الشرط مضارعا مرفوعا - كما يحصل أحيانا - فيصح فى معموله أن يتقدم على الأداة ؛ نحو : طعامنا إن تزرنا تأكل ، بنصب كلمة : «طعام» باعتبارها مفعولا للمضارع : تأكل. طبقا للبيان الآتى.
فى جملتيها. ومن الأمثلة قول الشاعر :
ولا أتمنى الشرّ ، والشرّ تاركى *** ولكن متى أحمل على الشر أركب (1)
ولا يصح - فى الرأى الأغلب - أن تقع أداة الشرط الجازمة أو غير الجازمة بعد : «هل» الاستفهامية ، لكن يصح وقوعها بعد همزة الاستفهام (2)دون باقى أدواته.
4 - لا يصح حذف أداة الشرط فى الرأى الأرجح الذى يجب الاقتصار عليه.
الأمور التى تختلف (1)فيها الأدوات الشرطية الجازمة
الأمور التى تختلف فيها متعددة النواحى ؛ منها الاختلاف فى ناحية الاسمية والحرفية ، (وليس فيها أفعال) ، وفى ناحية اتصالها «بما» الزائدة وعدم اتصالها ، وفى ناحية معناها ، وإعرابها).
ففى ناحية الاسميّة والحرفية : منها الأسماء باتفاق ؛ وهى : (من - متى - أىّ - - أين - أيان - أنّى - حيثما.
ومنها اسم على الأرجح ، وهو : «مهما» بدليل عودة الضمير عليه مذكرا ، والضمير لا يعود إلا على اسم ؛ مثل - قوله تعالى عن قوم موسى : ( وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) ).
ومنها الحرف باتفاق ، وهو : «إن» ، ومنها الحرف على الأرجح ؛ وهو : «إذ ما» (2).
وفى ناحية اتصالها بما «الزائدة» - منها : ما لا يجزم إلا باتصاله بما الزائدة ، وهو : «حيث ، وإذ» ، فلا بد أن يقال فيهما عند الجزم بهما : «حيثما» ، «إذ ما».
ومنها ما يمتنع اتصاله بها عند استخدامه أداة شرط جازمة ، وهو ؛ من - - ما - مهما - أنّى.
ومنها ما يجوز فيه الأمران ، وهو : إن - أىّ - متى - أين - ويزاد عليها - أيان - فى الرأى الأصح.
وفى ناحية اختلاف المعنى - مع اتفاقها جميعا فى تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط عند عدم المانع (3)... - :
1 - منها : ما وضع فى أصله للدلالة على شىء يعقل - غالبا - فإذا تضمن معه معنى الشرط - صار أداة شرطية ، للعاقل ، جازمة. والغالب أيضا أنه بذاته لا يدل على زمن (1)
أسرب القطاهل من يعير جناحه؟ *** لعلّى إلى من قد هويت أطير
وقول الآخر :
ألا عم صباحا أيّها الطلل البالى *** وهل يعمن من كان فى العصر الخالى
ومن المجاز تغليبه على غير العاقل عند اختلاطه معه ؛ نحو : (ولله يسجد من فى السموات ومن فى الأرض) ، أو اقترانه به فى عموم فصّل بمن ؛ نحو قوله تعالى : ( وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ .. ) لاقترانه بالعاقل المندرج تحت قوله : «كل دابة» :
وأما «ما» فإنها لغير العاقل ؛ كقوله تعالى : ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) وتستعمل قليلا فى العاقل إذا اختلط به ؛ كقوله تعالى : ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ) وتستعمل فى صفات العاقل ؛ نحو : تزوجوا ما طاب من النساء ، وامتاز بالفضل. وتستعمل فى المبهم ؛ كأن ترى شبحا من بعد ، فتقول : تعال وشاهد ما أرى.
(راجع الأشمونى والصبان فى بابى الموصول ، والجوازم. وقد وفينا الكلام على «من وما» الموصولتين فى ج 1 ص 247 م 26).
ويرتضى بعض النحاة أن يقال «من» للعالم بدلا من العاقل ؛ لأن اللّه يوصف بأنه عالم ولا يقال له عاقل. ولم يتمسك بهذا فريق آخر ... وإذا لم تتضمن «من» و «ما» معنى الشرط فليستا بشرطيتين ، فقد تكونان موصولتين ، أو استفهاميتين ... أو ... أو ... (انظر آخر الهامش رقم 6 من ص 395) ويرى أكثر النحاة أن الشرطيتين مبهمتان من ناحية الزمن ، بمعنى : أنهما لا يدلان على زمن معين معروف البداية والمقدار ، يربط الجواب بالشرط ؛ فكل واحدة منهما لا تدل بذاتها على وقت محدد لهذا الربط ؛ ففى مثل : من يحسن إلى أشكر له ... أو : ما تزرع تحصد ... لا تدل «من» على مبدأ زمن الشكر ، ولا على تحديد مدته ، أو توقيتها ، ومثلها : «ما» فإنها لا تدل على مبدأ زمن الحصد ، ولا على تحديد مدته ، أو توقيتها.
وقال فريق آخر : إن كل واحدة منهما قد تفيد - أحيانا - مع الشرط الزمن المؤقت المعين من غير أن تعتبر ولا أن تعرب بسببه ظرف زمان - وكل هذا بشرط وجود قرينة تدل على الزمن ؛ مثل : من يلمس نارا تحرقه ، أى : مدة لمسه النار تحرقه ، وقول الشاعر يمدح :
فما تحى لاتسأم حياة ، وإن تمت *** فلا خير فى الدنيا ولا العيش أجمعا
أى : مدة حياتك لا تسأم الحياة ... وقول الشاعر :
نبئت أن أبا شتيم يدّعى *** مهما يعش يسمع بما لم يسمع
وأمثلة أخرى متعددة يؤيدون بها رأيهم ، وتشهد بصحته وقوته. أما الكثرة فتؤول تلك الشواهد تأويلا لا داعى له ، ولا فائدة منه إلا الرغبة فى اطراد قاعدتهم ، بل إنهم يتركون بعض الشواهد بغير تأويل ؛ إذ لا يجدون لها تأويلا مقبولا ويحكمون عليها بالشذوذ. وخير من هذا التكلف الأخذ برأى الأقلية هنا ، مع مراعاة ضوابطه وتفصيلاته للسالفة
، وهو : «من» ، كقوله تعالى : ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. )وقول الشاعر يمدح قوما :
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم *** مثل النجوم التى يسرى بها السّارى
2 - ومنها ما وضع فى أصله للدلالة على شىء لا يعقل - غالبا - فإذا تضمن معه معنى الشرط صار أداة شرطيّة لغير العاقل ، جازمة. والغالب أنه لا يدل بذاته على زمن (2)
أسرب القطاهل من يعير جناحه؟ *** لعلّى إلى من قد هويت أطير
وقول الآخر :
ألا عم صباحا أيّها الطلل البالى *** وهل يعمن من كان فى العصر الخالى
ومن المجاز تغليبه على غير العاقل عند اختلاطه معه ؛ نحو : (ولله يسجد من فى السموات ومن فى الأرض) ، أو اقترانه به فى عموم فصّل بمن ؛ نحو قوله تعالى : ( وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ .. ) لاقترانه بالعاقل المندرج تحت قوله : «كل دابة» :
وأما «ما» فإنها لغير العاقل ؛ كقوله تعالى : ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) وتستعمل قليلا فى العاقل إذا اختلط به ؛ كقوله تعالى : ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ) وتستعمل فى صفات العاقل ؛ نحو : تزوجوا ما طاب من النساء ، وامتاز بالفضل. وتستعمل فى المبهم ؛ كأن ترى شبحا من بعد ، فتقول : تعال وشاهد ما أرى.
(راجع الأشمونى والصبان فى بابى الموصول ، والجوازم. وقد وفينا الكلام على «من وما» الموصولتين فى ج 1 ص 247 م 26).
ويرتضى بعض النحاة أن يقال «من» للعالم بدلا من العاقل ؛ لأن اللّه يوصف بأنه عالم ولا يقال له عاقل. ولم يتمسك بهذا فريق آخر ... وإذا لم تتضمن «من» و «ما» معنى الشرط فليستا بشرطيتين ، فقد تكونان موصولتين ، أو استفهاميتين ... أو ... أو ... (انظر آخر الهامش رقم 6 من ص 395) ويرى أكثر النحاة أن الشرطيتين مبهمتان من ناحية الزمن ، بمعنى : أنهما لا يدلان على زمن معين معروف البداية والمقدار ، يربط الجواب بالشرط ؛ فكل واحدة منهما لا تدل بذاتها على وقت محدد لهذا الربط ؛ ففى مثل : من يحسن إلى أشكر له ... أو : ما تزرع تحصد ... لا تدل «من» على مبدأ زمن الشكر ، ولا على تحديد مدته ، أو توقيتها ، ومثلها : «ما» فإنها لا تدل على مبدأ زمن الحصد ، ولا على تحديد مدته ، أو توقيتها.
وقال فريق آخر : إن كل واحدة منهما قد تفيد - أحيانا - مع الشرط الزمن المؤقت المعين من غير أن تعتبر ولا أن تعرب بسببه ظرف زمان - وكل هذا بشرط وجود قرينة تدل على الزمن ؛ مثل : من يلمس نارا تحرقه ، أى : مدة لمسه النار تحرقه ، وقول الشاعر يمدح :
فما تحى لاتسأم حياة ، وإن تمت *** فلا خير فى الدنيا ولا العيش أجمعا
أى : مدة حياتك لا تسأم الحياة ... وقول الشاعر :
نبئت أن أبا شتيم يدّعى *** مهما يعش يسمع بما لم يسمع
وأمثلة أخرى متعددة يؤيدون بها رأيهم ، وتشهد بصحته وقوته. أما الكثرة فتؤول تلك الشواهد تأويلا لا داعى له ، ولا فائدة منه إلا الرغبة فى اطراد قاعدتهم ، بل إنهم يتركون بعض الشواهد بغير تأويل ؛ إذ لا يجدون لها تأويلا مقبولا ويحكمون عليها بالشذوذ. وخير من هذا التكلف الأخذ برأى الأقلية هنا ، مع مراعاة ضوابطه وتفصيلاته للسالفة
. وهو «ما» ، و «مهما». كقوله تعالى : ( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ة1) وللنحاة رأى دونوه فى باب الموصول : ملخصه : أن «من» للعاقل ، وتستعمل فى غيره مجازا (سواء أكان المجاز علاقته التشبيه فيكون استعارة ، أم كانت علاقته شيئا آخر غير التشبيه فيكون مجازا مرسلا ...) ، كقول الشاعر :
2) وللنحاة رأى دونوه فى باب الموصول : ملخصه : أن «من» للعاقل ، وتستعمل فى غيره مجازا (سواء أكان المجاز علاقته التشبيه فيكون استعارة ، أم كانت علاقته شيئا آخر غير التشبيه فيكون مجازا مرسلا ...) ، كقول الشاعر :
يَعْلَمْهُ اللّهُ ) ، وقوله تعالى : ( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ، ) وقول الشاعر :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة (1)
وإن خالها (2)تخفى على الناس تعلم (3)
3 - ومنها ما وضع فى أصله للزمان المجرد (4)؛ فإذا تضمن معه معنى الشرط جزم ؛ وهو : («متى» و «أيّان») (5)؛ فكلاهما ظرف زمان جازم. ومن الأمثلة قول الشاعر فى الورد :
متى تزره تلق من عرفه (6)
ما شئت من طيب ومن عطر .
1) عادة وخلق.
2) ظنها.
3) يستدل بعض النحاة بهذا البيت على أن : «مهما» حرف ؛ إذ لا محل لها من الإعراب ، ولم يعد عليها ضمير. وردوا كلامه بأنها : إما خبر للفعل الناقص «تكن» ، و «خليقة» اسمه ، و «من» زائدة - وإما مبتدأ. واسم «تكن» ضمير يعود على «مهما» ، و «عند امرئ» خبر «تكن» وكل ما سبق هو على اعتبار «تكن» ناقصة ، أما على اعتبارها - تامة - فمهما مبتدأ والضمير المستتر فى الفعل «تكن» هو فاعله و «عند امرئ» ظرف لغو ، متعلق بالفعل «تكن» التام. و «من» بيان «لمهما» على وجهى اعتباره مبتدأ.
4) الذى لا دلالة معه على استقبال أو غيره. فإذا صار للشرط جعل زمن فعله وجوابه مستقبلا
5) ويصح زيادة «ما» فى آخرها - كما سبق فى ص 401 -
6) رائحته.
وقال الآخر يصف عظيما :
متى ما (1)يقل لا يكذب القول فعله *** سريع إلى الخيرات غير قطوب (2)
وقول الآخر يفتخر :
أيّان نؤمنك تأمن غيرنا ، وإذا *** لم تدرك الأمن منا لم تزل خائفا
ولا أهمية للرأى الذى يجيز إهمال : «متى» الشرطية فيجعلها شرطية غير جازمة ؛ لأنه رأى تعوزه الشواهد المتعددة ، والحجة القوية.
4 - ومنها ما وضع فى أصله للمكان - غالبا - فإذا تضمن معه معنى الشرط صار أداة شرطية للمكان ، جازمة ، وهو : (أين - حيثما - أنّى) (3)كقوله تعالى : ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ ؛ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ؛ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ، وَهُوَ كَلٌ (4)عَلى مَوْلاهُ ، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ؛ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ .... ) وقولهم : أين (5)
أين تصرف بنا العداة تجدنا *** نصرف العيس نحوها للتلاقى
ينزل العدل يتبعه الأمن والرخاء. وقولهم حيثما تجد صديقا وفيّا تجد كنزا نفيسا. وقول الشاعر :خليلىّ ، أنّى تقصدانى تقصدا *** أخا غير ما يرضيكما لا يحاول
5 - ومنها المضاف الذى يصلح للأمور الأربعة السالفة ؛ فيكون للعاقل أو لغيره ، وللزمان ، أو للمكان ؛ تبعا للمضاف إليه فى ذلك كله ، فأداة الشرط مضافة ، وتدل على أحد المعانى السالفة على حسب دلالة المضاف إليه ، وهى : «أىّ». فمثالها للعاقل : أىّ إنسان تستقم خطته تأتلف حوله القلوب. ومثالها لغير العاقل : أىّ عمل صالح تمارسه أمارس نظيره. وللزمان : أىّ يوم تسافر أسافر معك. وللمكان : أىّ بقعة جميلة تقصد أقصد. وفى كل تلك الحالات يصح زيادة «ما» فى آخرها. ى
1) «ما» زائدة. - طبقا لما سبق فى ص 401 -
2) القطوب : العابس.
3) لا يصح زيادة «ما» بعد «أنى» الشرطية ، ولا يصح - فى الأرجح - حذفها من آخر «حيث» الشرطية ويجوز الأمران مع «أين» - وقد تقدم كل هذا فى ص 401 -
4) حمل ثقيل.
5) «أين» هنا شرطية ، ولو لم يتصل بآخرها «ما» الزائدة ، لأن هذا الاتصال وعدمه سيان معها - كما سبق هنا فى رقم 3 وفى ص 401 - ، ومن أمثلة عدم الاتصال قول الشاعر :
6 - ومنها : ما يختص إما بالأمر المتيقّن منه أو المظنون (1). ولكن الأول هو الأغلب - ، وهو «إذا» الشرطية.
وإما بالمشكوك فيه (2)أو بالمستحيل ، وهو باقى الأدوات الشرطية. ومن المستحيل قوله تعالى : ( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ، ) وأما نحو قوله تعالى : ( وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ) ، فلتنزيله منزلة المشكوك فيه ؛ لإبهام زمن الموت (3)...
والقرائن وحدها هى التى تعين اليقين ، أو الظن ، أو الشك ، أو الاستحالة ... مع الدلالة على الشرطية فى كل حالة.
7 - ومنها ما وضع - فى الأكثر - لتعليق الجواب على الشرط تعليقا مجردا يراد منه الدلالة على وقوع الجواب وتحققه ، بوقوع الشرط وتحققه ، من غير دلالة على زمان ، أو مكان ، أو عاقل ، أو غير عاقل ؛ وهو : «إن» (4)و «إذ ما» (5)مع دلالتهما على الشك أو الاستحالة - كدلالة الأدوات الشرطية الأخرى عليهما ، غير «إذا» ، كما سبقت الإشارة فى الأمر السادس - فمثال «إن» قوله تعالى : ( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ ) وقولهم : المرء إن يجبن يعش مرذولا ، ومثال «إذ ما» قول الشاعر :
وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر *** به تلف من إياه تأمر آتيا
1) أى : المرجح حصوله وتحققه.
2) الذى يتساوى فيه توقع الحصول وعدم التوقع.
3) راجع «الخضرى» - (ج 2 باب الإضافة ، عند الكلام على : «إذا» - وقد سبقت الإشارة لهذا فى ج 2 ص 225 م 79 - باب : «الظرف») وهناك البيان التام عن «إذا» الشرطية الظرفية ، من ناحية عدم دلالتها على التكرار ، وعدم إفادتها للشمول والتعميم ، وتجردها للظرفية المحضة ، وبعض أوجه الاختلاف بينها وبين «إن» الشرطية وغيرها من أدوات الشرط الجازمة ...
4) لا بد للجزم «بإذ» من زيادة «ما» فى آخرها. أما زيادتها بعد «إن» الشرطية فجائزة - كما تقدم فى ص401. (انظر «ب» ص 406).
5) لا بد للجزم «بإذ» من زيادة «ما» فى آخرها. أما زيادتها بعد «إن» الشرطية فجائزة - كما تقدم فى ص401. (انظر «ب» ص 406).
(ا) هل يقترن جواب «إن الشرطية» باللام؟
الجواب عن هذا فى رقم 1 من هامش ص 429 وفى رقم 9 من ص 433.
(ب) «إن» أنواع كثيرة ، منها : «إن» الزائدة. وتسمى : الوصلية ؛ أى الزائدة لوصل الكلام بعضه ببعض ، وتقوية معناه ؛ فلا تعمل شيئا ، ويمكن الاستغناء عنها (1)
ثم قال: إن للسعد فيها كلاما مضطربا بينته في حواشي المختصر ، في بحث تقييد المسند بالشرط.
ما لم يمنع وزن الشعر. ويكثر هذا الوصل حين تتوسط بين «ما» النافية وما دخلت عليه من جملة فعلية أو اسمية ، كقول الشاعر يصف وجه غادة :ما - إن - رأيت ولا سمعت بمثله *** درّا يعود من الحياء عقيقا
وقول الآخر يذم قوما :
بنى غدانة ، ما - إن - أنتمو ذهب *** ولا صريف (2)، ولكن أنتم الخزف
وقد تزاد بعد «ما» المصدرية» كقول الشاعر :
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته *** على السّنّ خيرا لا يزال يزيد
وبعد «ما الموصولة» كقول الشاعر :
يرجّى المرء ما إن لا يراد *** وتعرض دون أدناه الخطوب
وبعد «ألا» التى للاستفتاح ؛ كقول الآخر :
ألا إن سرى (3)ليلى فبتّ كئيبا *** أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا (4)
ويكثر وقوع «ما» الزائدة بعد «إن» الشرطية فتدغم فيها النون نطقا وكتابة ؛ كقوله تعالى فى الوالدين : ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ... ) ، وقوله تعالى : ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ (5)فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ
مِنْ خَلْفِهِمْ ... ) وتسمى فى هذه الصورة : «إن» المؤكدة «بما».
ومنها : «إن» المخففة من الثقيلة ، و «إن» النافية الناسخة ، وقد سبقتا فى النواسخ ج 1 ، ومعهما «إن» النافية التى لا تعمل.
ومنها : «إن» الشرطية التى لا تجزم. وهذه أضعف الأنواع ، وأقلها دورانا فى فصيح الكلام. ومن الواجب إغفال أكثر حالاتها (1). ، وعدم استعمالها إلا فى بعض الصور
ومنها : ما اختلف النحاة فى نوعه اختلافا مرهقا - نذكره ؛ لأنه لا يخلو من فائدة - وهو «إن» فى مثل : الحريص - وإن كثر ماله - بخيل. فقيل : وصلية (2)، والواو للحال ، أى : الحريص بخيل ، والحال أنه كثر ماله (3). وقيل شرطية ، حذف جوابها. لوجود ما يدل عليه ، والواو للعطف على جملة مقدرة ، أى : إن لم يكثر ماله وإن كثر فهو بخيل. لكن ليس المراد بالشرط فى الجملة حقيقة التعليق ؛ لأنه لا تعليق حقيقيّا على الشىء ونقيضه معا ؛ لما فى ذلك من المنافاة العقلية ؛ إذ كيف يحدث الجواب الذى هو بمثابة المسبب عن الشرط حين يوجد الشرط وحين يعدم؟ وبعبارة أوضح : كيف ينتج الشرط - وهو بمثابة السبب نتيجة واحدة لا تختلف باختلاف وجوده وعدمه؟
من أجل ذلك قيل إن معنى «إن» فى الجملة السالفة هو : «التعميم» «لا» «التعليق». ويقولون : إن المحذوف أحيانا قد يكون الواو هى والمعطوف - لا المعطوف عليه - كقوله تعالى : ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ) ، أى : وإن لم تنفع. وقيل «إن» فى هذا المثال بمعنى : «قد». كما قيل إنها تكون بمعنى «إذ» التعليلية (أى تبين علة ما قبلها) فى قوله تعالى : ( وَاتَّقُوا اللّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، وفى قوله تعالى : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ ) ، وقوله عليه السّلام للموتى المؤمنين الأبرار : «وإنا - إن شاء اللّه بكم لا حقون ...».
وحجة القائلين بأنها بمعنى «إذ» التعليلية أن التعليق غير صحيح فى الأمثلة
1) إلا ما كان منها دالا على تفصيل من غير أن يجزم ، وسيجىء فى آخر ص 408.
2) انظر رقم 1 من هامش الصغفحة السابقة.
3) ومن الأساليب الفاسدة التى تتردد فى كلام المولدين قولهم : فلان وإن كثر ماله لكنه بخيل - أو : إلا أنه بخيل .. وقد سبق الكلام على هذه الأساليب فى الموضع المناسب (ج 1 م 33 ص 40) وأن بعض النحاة المتأخرين حاول تأويل ذلك الأسلوب تأويلا يصححه ، ولكنه لم ينجح.
المذكورة ؛ لأن التعليق يقتضى ترتّب أمر على أمر ؛ فالأمر الثانى (المسبّب) يكون غير متحقق ولا حاصل وقت الكلام. إذ لو كان متحققا حاصلا وقت الكلام لم يكن هناك معنى للتعليق. فى حين : الإيمان وعدمه فى الآية الأولى معلوم قطعا لله الذى لا يخفى عليه شىء مما كان ، أو هو كائن الآن ، أو سيكون فى المستقبل ، فهو محقق الوجود وقت الكلام. وكذلك مشيئته فى الآية الثانية معلومة له حين أخبرهم بدخول المسجد الحرام إن شاء اللّه. وكذلك الحديث فإن الرسول عليه السّلام : يعلم مشيئة اللّه التى تقضى بأن كل فرد لا بد أن يموت ، ويلحق السابق ، ولا ينجو من ذلك أحد. فلا مجال للتعليق فى الأمثلة السالفة وأشباهها ، إذ ليس فيها مجهول ينتظر حصوله ومعرفته.
وأجيب هنا بأن كلمة : «إن» قد يؤتى بها للشرط المحقّق ؛ لنكتة بلاغية ؛ كالتهييج فى الآية ، كما يقول الوالد لابنه : إن كنت ابنى فافعل كذا. وكتعليم الناس التأدب والحيطة عند ما يخبرون عن أعمالهم المستقبلة ، وأمورهم المقبلة ، وكالتبرك كما فى الحديث (أى : سنلحق بكم فيصيبنا الخير والبركة من جواركم) ... وهكذا ...
وقيل : كل شىء يقع فيه التردد عادة بين الناس ويدخله الشك عندهم ، يجوز تعليقه «بإن» ؛ سواء أكان معلوما للسامع ، أو للمتكلم ، أم غير معلوم ، وسواء أكان التعليق من اللّه أم من غيره ...
وبانضمام هذه الاعتراضات والرد عليها إلى ما سبق من نظائرها فى بعض نواحى الكتاب (1)يمكن الوقوف على الغرض من الجواب فى كثير من الأساليب الناصعة البليغة ، التى لا يكون الجواب فيها مترتبا وقوعه على الشرط. (2)
ومن أنواع «إن» الشرطية نوع يسمى : «إن» (3)التفصيلية ، وملخص الكلام عليها : أن المبدل منه قد يكون اسم شرط متضمنا معنى حرف الشرط : «إن» من غير
ذكر صريح لهذا الحرف (1). فإذا اقتضى الأمر بدلا يفصّل مجمل اسم الشرط المبدل منه ظهر مع البدل حرف الشرط : «إن» ليوافق البدل المبدل منه فى تأدية المعنى. بشرط ألا يظهر حرف الشرط مع المبدل منه ، وبشرط ألا تعمل «إن» شيئا مطلقا ، ولا تجلب معنى إلا إفادة التفصيل.
واسم الشرط الذى يتضمن المتبوع قد يكون للعاقل أو غيره ، وللزمان أو المكان. فمثال الشرط للعاقل : من يجاملنى إن صديق وإن عدو أجامله. فكلمة : «صديق» بدل تفصيل من كلمة : «من» الشرطية. و «إن» الشرطية الظاهرة فى الكلام ليس لها من الشرط إلا اسمها ؛ فلا تجزم ولا تعمل شيئا ؛ وإنما تفيد مجرد التفصيل - كما قلنا -.
ومثال الشرط لغير العاقل : ما تقرأ إن جيدا وإن رديئا تتأثر به نفسك. فكلمة : «جيدا» بدل من كلمة : «ما» و «إن» المذكورة فى الجملة لا أثر لها إلا فى إفادة التفصيل. ومثال الشرط الدال على الزمان : متى تزرنى إن غدا وإن بعد غد أسعد بلقائك. فكلمة : «غدا» بدل من : «متى» وكلمة «إن» للتفصيل. ومثال الشرط الدال على المكان : حيثما تجلس إن فوق الكرسى ، وإن فوق الأريكة - تجد راحة. فكلمة : «فوق» بدل من : «حيثما» وكلمة : «إن» للتفصيل.
وإنما قرن البدل فى كل ما سبق بالحرف «إن» ليكون موافقا للمتبوع الذى يتضمن هذا الحرف من غير أن يذكر معه صريحا
هذا ملخص ما يقال فى الموضع السالف - (2)...
(ح) قد تدخل : «إن» الشرطية على : «لم» الجازمة فى مثل : إن لم تحسن إلى المحتاج فلا تمنع عنه الإحسان. وقول الشاعر :
فإن لم تجد قولا سديدا تقوله *** فصمتك عن غير السّداد سديد
- وقد سبق الكلام على هذا ، وإعرابه (3).
وكذلك تدخل على الحرف «لا» فتدغم فيه النون ؛ ولا تظهر فى النطق ، ولا فى
الكتابة ، إذ يصير الحرفان : «إلّا» بوضع «شدة» فوق «لا» ؛ رمزا للنون المدغمة (1)كقول الشاعر :
إلّا يكن ذنب فعدلك واسع *** أو كان لى ذنب ففضلك أوسع
والأصل بغير الإدغام : «إن لا». وقد تدخل على «لا» الناهية فتفقد دلالتها على النهى ، وتصير للنفى (2).
وفى ناحية إعرابها : ما كان منها حرف شرط فلا محل له من الإعراب ، وما كان اسم شرط (1)فيراعى فى إعرابه ما يأتى :
1 - إن كان اسم الشرط الجازم (أى : أداة الشرط الاسمية) بعد حرف جر أو مضاف فهى مجرورة بالحرف أو بالمضاف ، نحو : عمّن تتعلم أتعلم ، وعما تسأل أسأل. وكتاب من تقرأ أقرأ ، وصفحة ما تكتب أكتب.
ولا تكاد أداة الشرط الاسمية تجرّ فى غير هاتين الحالتين (2)...
2 - إن كانت الأداة ظرفا للزمان - غير «إذا الظرفية» - أو للمكان ، وفعل الشرط بعدها غير ناسخ - فهى ظرف لفعل الشرط (3)؛ نحو : متى يقبل فصل الربيع يعتدل جوّنا ، وأنّى يعتدل يزدد النشاط. فإن كان فعل الشرط ناسخا فهى - غالبا - ظرف لخبر فعل الناسخ ، نحو : أينما تكن تصادف عملا يناسبك ، وأينما تكن تجد لعملك تقديرا. فأينما ظرف متعلق بمحذوف خبر «تكن».
وإنما كانت الأداة هنا ظرفا للخبر لا لفعل الشرط. لأن فعل الشرط الناسخ إن احتاج إلى اسم فالظرف لا يصلح له ، (إذ الظرف لا يكون مبتدأ ولا اسم ناسخ) ... وإن كان الناسخ غير محتاج لاسم فالظرف لا يتعلق بالناسخ ولا يكون معمولا له - فى أشهر الآراء -.
3 - إن دلت الأداة على حدث محض (أى : على معنى مجرد خالص).
فهى مفعول مطلق لفعل الشرط ؛ مثل : أىّ إخلاص تقدم لبلدك تحمد عليه.
4 - إن لم تدل على الحدث المحض وإنما دلت على ذات وكان فعل الشرط بعدها لازما ، أو ناسخا فهى مبتدأ (4)، مثل : من يهاجر فى سبيل اللّه أهاجر معه. وقول الشاعر:
1) ومثله فى الإعراب ما كان اسم استفهام متجردا للاستفهام المحض ، ولا شأن له بالشرط.
2) كما سبق فى رقم 3 من ص 399 وفى «ب» من هامش ص 424.
3) انظر رقم «2» من هامش ص 413 حيث الكلام على «إذا» الظرفية وإعرابها.
4) خبره جملة الشرط وفيها ضمير الأداة وقيل جملة جواب الشرط ، وقيل جملتا الفعل والجواب معا. وسيجىء ما ارتضوه فى هذه المسألة بعد التحرير والتدقيق (فى رقم 5 من هامش ص 418) وأنه الجملة الشرطية.
ومن تكن العلياء همة نفسه *** فكل الذى يلقاه فيها محبب
وكذلك إن كان فعل الشرط متعديا ومفعوله أجنبى منها ، من يعمل سوءا يجز به.
فإن كان فعل الشرط متعديا مسلّطا على الأداة نفسها فهى مفعوله ، مثل : وما تفعلوا من خير يوفّ إليكم ، ومن تنصر أنصره.
وإن كان مسلطا على ضميرها أو على ملابس الضمير فاشتغال (1)، نحو : من يصاحبه علىّ أصاحبه ، أو من يصاحب أخاه علىّ أصاحبه ، فيجوز فى الأداة وهى : «من» - مثلا - أن تكون مبتدأ ، وأن تكون مفعولا لفعل محذوف يفسره فعل الشرط.
فالعامل فى كل الأدوات الشرطية الاسمية هو فعل الشرط ، إلا إن كانت أداة الشرط هى «إذا» (2)، أو كان فعل الشرط ناسخا ؛ فيكون الجواب هو العامل فى «إذا». وخبر الناسخ هو العامل فى الظرف.
وإنما كان العامل هو فعل الشرط - بشرط ألا يكون ناسخا وألا تكون الأداة «إذا» ؛ لأن الجواب مع متعلقاته مؤخّر وجوبا عن فعل الشرط ، فلا يعمل فى المتقدم على فعل الشرط. ولأن الجواب قد يقترن «بالفاء» أو «إذا» الفجائية فى بعض الحالات. وما بعد هذين الحرفين لا يعمل فيما قبلهما. وكان هذا مغتفرا فى «إذا» لأنها - فى الرأى الشائع - مضافة لشرطها فلا يصلح للعمل فيها ؛ إذ المضاف إليه لا يعمل فى المضاف.
وأظهر أدواته ثلاث ؛ هى : (إذا (1)- كيف - لو ...) ولم يقتصر الخلاف على أنها تجزم ، أو لا تجزم ؛ وإنما امتد إلى ميدان جزمها ؛ أهو النثر والشعر ، أم الشعر فقط؟ وإلى شروط جزمها ... وصفوة كلامهم ما يلى :
إذا : ظرف زمان مستقبل (2)
(راجع المغنى فى الكلام على : «إذا»).
ودلالة «إذا» على الشرطية غريب عند النحاة ؛ لأن «إذا» ظرف زمان مستقبل ، والزمان المستقبل لا بد أن يجىء ويتحقق معه ما يقع فيه من أحداث. وكل هذا مقطوع به. مع أن الشرط المقتضى للجزم لا يكون فى أمور محققة الوقوع ، وإنما يكون فيما يحتمل الوقوع وعدمه. ومن أجل ذلك رفض أكثر النحاة الجزم بها مطلقا (فى النثر وفى الشعر» وحجته - على قوتها - مدفوعة بالنصوص الصريحة المأثورة التى وردت فيها جازمة. لكنها نصوص نادرة لا تكفى للمحاكاة والقياس ، وبعضها لا يساير إلا لغات ضعيفة. فمن الخير الأخذ بالرأى الذى يبيح أن تجزم فى الشعر ؛ لا لأن النصوص الشعرية المجزومة بها كثيرة تكفى للمحاكاة والقياس ، ولكن لأن الشعر محل التساهل فى مثل هذا ، ويباح فيه ما لا يباح فى النثر فيمنح الشاعر هذه الرخصة ؛ ليستخدمها متى شاء ، ولو لم يكن مضطرا لاستخدامها. جاء فى «مجالس ثعلب - ج 2 ص 91 من القسم الأول - ما نصه :
(قولك : إذا تزرنى أزرك - يجوز فى الشعر. وأنشد :
وإذا نطاوع أمر سادتنا *** لا يثننا بخل ولا جبن). ا ه
وإذا كانت ظرفا جازما فهل تكون مضافة؟ وما العامل فيها؟ رأيان. فالقائل بإضافتها للجمة الشرطية بعدها يرى العامل فيها هو الجواب - كالشائع الآن - والقائل بامتناع إضافتها للجملة الشرطية بعدها يرى العامل فيها فعل الشرط الذى يليها ، وأنها فى هذا كغيرها من أدوات الشرط حيث تكون معمولة لفعل الشرط غير الناسخ - كما سبق فى ص 411 - ولكل أدلته الجدلية المستفيضة التى احتوتها المطولات ، ووردت خلاصتها فى : «المغنى»
وجاء فى حاشية الخضرى (ج 2 باب الإضافة عند الكلام على «إذا») ما خلاصته : أنها قد تتجرد عن الشرط نحو قوله تعالى : ( وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) بدليل خلو الجملة الاسمية ، (هم يغفرون) من الفاء! ومن ذلك الواقعة فى القسم ، نحو : (والليل إذا يغشى) ونحو : (والنجم إذا هوى) ... وهى ظرف للمستقبل ، وقد تجىء للماضى كقوله تعالى ، ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) لأن الآية خطاب للرسول عليه السّلام فى حادثة مضت وقت نزول الآية الكريمة. وقد تكون للحال كالواقعة فى القسم عند جماعة ، بناء على أن عاملها فعل القسم وهو حالى. ولا تخرج عن الظرفية أصلا عند الجمهور. فأما قوله عليه السّلام لعائشة : (إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية ...) فهى فيه ظرف للمفعول المحذوف ، لا مفعول كما يقع فى الوهم ، والتقدير : إنى لأعلم شأنك إذا كنت راضية. ثم قال الخضرى : وهى منصوبة بجوابها عند الأكثر ، لا بشرطها ، لأن المضاف إليه لا يعمل فى المضاف ، واقتران جوابها بالفاء أو «إذا» الفجائية لا يمنع عمله فيها ؛ لتوسعهم فى الظرف. أو يقال : محل عمل جوابها إذا لم يقترن بهما وإلا كان عاملها محذوفا يدل عليه الجواب. ومن جعل شرطها هو العامل فيها كسائر الأدوات الشرطية قال إنها غير مضافة إليه كما أن بقية الأدوات الشرطية لا تضاف إليه. واتفق الجميع أنها لا تضاف إليه إذا جزمت. (وقد سبقت الإشارة إلى «إذا» وإلى كثير من أحكامها فى ج 2 م 79 ص 224).
وهى شرطية فى أكثر استعمالاتها ، ولكن1) سبق بيان معناها فى ص 405 أما موضع البيان الكامل عنها. ففى رقم 3 من هامش تلك الصفحة.
2) يفضل المحققون هذا التعبير ، على التعبير الشائع ؛ وهو : «ظرف لما يستقبل من الزمان» لما يوهمه التعبير الشائع من أن «إذا» ظرف زمان ، ومظروفه هو ما يستقبل من الزمان ، فالظرف والمظروف شىء واحد ، وهذا لا يكون. ثم قالوا : إن التعبير الشائع قد يقبل إما على اعتبار اللام زائدة ، وإما على اعتبارها مع مجرورها متعلقين بكون خاص محذوف - وحذف الكون الخاص قليل - والتقدير : ظرف موضوع لما يستقبل من الزمان ... أما التعبير الأول فلا حذف فيه ولا تقدير ...
الجزم بها مقصور على الشعر وحده ، ومن الأمثلة المأثورة به (1)
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى *** وإلى الذى يعطى الرغائب فارغب
قول الشاعر :استغن - ما أغناك ربك - بالغنى *** وإذا تصبك خصاصة فتحمّل ...
(أو : فتجمّل ؛ أى : اظهر أمام الناس بالأجمل والأحسن الذى يناسب الرجال المتجلدين) وقول الآخر :
ترفع لى خندف (2)، واللّه يرفع لى *** نارا إذا خمدت نيرانهم تقد
ومن الأمثلة النثرية التى لا يقاس عليها ؛ لندرتها : قوله عليه السّلام : «إذا أخرتما مضاجعكما تكبّرا أربعا وثلاثين». وقيل إن هذا الحديث قد يكون بلغة من يحذف النون من آخر الأفعال الخمسة مطلقا ، (أى : بغير نصب ولا جزم ولا غيرهما ، وهى لغة نادرة لا يصح الأخذ بها اليوم (3).
و «إذا» الشرطية كغيرها من أدوات الشرط ؛ تحتاج إلى جملة شرطية ، -
وأخرى جوابية ولا بد أن ينطبق عليهما كل الشروط والأحكام الخاصة بجملتى الشرط والجواب - ولا سيما دلالتهما الزمنية - ؛ سواء أكانت «إذا» جازمة أم غير جازمة.
وهى أيضا مثل : «إن» الشرطية ؛ فى كثرة دخولها على الأسماء فى الظاهر - كما سبق (1)- أما فى الحقيقة فهما داخلان على فعل مقدر وجوبا لأن أداة الشرط لا تدخل إلا على فعل ظاهر أو مقدر ؛ كما عرفنا. ومن دخولها على الأسماء قوله تعالى : ( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ... ) والتقدير : إذا انشقت السماء انشقت ...
ويكثر وقوع : «ما» الزائدة بعد : «إذا» ، كقول الشاعر :
إذا ما بدت ليلى فكلى أعين *** وإن هى ناجتنى فكلى مسامع
وقول الآخر :
ولست - إذا ما صاحب خان - عهده *** وعندى له سرّ - مذيعا له سرا
وأما : «كيف» فأصل معناها السؤال عن الحالة والهيئة (أى : الكيفية) ، نحو : كيف أنت؟ كيف غرسك؟ ولها استعمالات أخرى سبق بيانها مفصلة (2)منها : أن تترك الاستفهام ، وتكون أداة شرط لبيان الكيفية ، وتحتاج لجملة شرطية وأخرى جوابية ، ولكنها لا تجزم - على الأرجح - ولا بد أن ينطبق على جملتيها كل الشروط والأحكام الخاصة بجملتى الشرط والجواب (3)، ويزاد على هذا وجوب موافقة فعل الجواب لفعل الشرط فى مادة اشتقاقه وفى المعنى ، فلا بد من اشتراكهما (4)لفظا ومعنى ؛ نحو : كيف تمشى أمشى ، وكيف يتكلم الحاذق أتكلم. وقد يتصل
1) فى رقم 2 من ص 398.
2) فى ج 1 م 39 ص 462 باب المبتدأ والخبر.
3) ستجىء فى ص 417.
4) هذا كان من الأمثلة المشكلة قوله تعالى : ( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، وَلُعِنُوا بِما قالُوا. بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ... ) وقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ) فجوابهما محذوف يدل عليه ما قبله وليس بين فعلى الشرط والجواب المشاركة اللفظية والمعنوية المطلوبتان معا. وقد دفع الاعتراض بأن : كيف ليست شرطية هنا ، أو بأن المقصود بالمشاركة ما يكون فى غير المشيئة والإرادة - كما جاء فى حاشية الصبان فى هذا الموضع من الباب -.
بآخرها «ما» الزائدة فلا يتغير من أحكامها شىء ؛ كقول الشاعر :
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها *** فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
وأما «لو» الشرطية فخير الآراء أنها لا تجزم مطلقا (1)
تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت *** إحدى نساء بنى ذهل بن شيبانا
وقولهم فى وصف حصان :
لو يشأ طار به ذو ميعة *** لاحق الآطال ، نهد ، ذو خصل
(به : براكبه - ميعة : نشاط - الآطال : جمع إطل ، بكسر الطاء أو سكونها ، مع كسر الهمزة فى الصورتين ، بمعنى : الخاصرة - نهد : ضخم جسيم - خصل : جمع خصلة ، وهى الكتلة من الشعر). والشاهد فى الفعل المضارع «يشأ» المجزوم بالحرف «لو» والاستشهاد بهذا المضارع لا يتحقق إلا إذا كان أصله هو «يشا» ، وماضيه «شا» ثم تصير ألفه همزة ساكنة فى بعض اللغات واللّهجات التى تقول : العألم ، والخأتم ، فى العالم والخاتم.
«ملاحظة» : من الأساليب الصحيحة التى لها نظائر مأثورة أن يقال : أكرم الأصدقاء ولو تر ما المخلصون. بمعنى : ولا سيما المخلصون (بجزم المضارع ...). ومثلها : ولا تر ما المخلصون. وبيان هذا الأسلوب وإعرابه مفصل عند الكلام على : «لا سيما» فى باب : الموصول ج 1 م 28 ص 287 ، وله إشارة هنا فى «ب» من ص 387 وفى رقم 1 من هامش ص 462.
؛ لا فى النثر ولا فى الشعر. وسيجىء لها باب خاص يحوى أحكامها المختلفة (2). .الأحكام الخاصة بجملة الشرط (1)
(طبقا للبيان الكامل الخاص بهذا فى ج 1 م 1 عند الكلام على الجملة وكذا ج 1 م 27 رقم 3 من هامش
ص 337)
، وجملة الجوابإذا كانت الأداة شرطية جازمة ، أو : كانت الأداة الشرطية
هى : «إذا ، أو : كيف» (2)
أما غيرهما من الأدوات الشرطية التي لا تجزم في القول الأصح (مثل : لو ، ولما الحينية ، وأما الشرطية النائبة عن مهما) فإن لها أحكاما خاصة بشرطها وجوابها ، مدونة في الباب الخاص بكل أداة.
...أولا : أحكام الجملة الشرطية ، (ومنها حذفها ، وحذف فعلها وحده) :
1 - لا بد أن تكون فعلية ، ويلاحظ ما سبق (3)، وهو أن فعلها وحده هو الشرط ؛ إذ لا يصح أن يكون الشرط جملة.
2 - وجوب الترتيب بين أجزائها ، فلا يتقدم فعلها ، ولا شىء من معمولاتها على أداة الشرط. ولا يتقدم - فى الغالب - شىء من هذه المعمولات على فعل الشرط (4).
3 - امتناع وقوع فعلها ماضى المعنى حقيقة ، فلا يصح إن هطل المطر أمس يشرب النبات ، وأما قوله تعالى على لسان عيسى عليه السّلام : (إن كنت قلته فقد علمته ...) ، فالقرائن تدل على أن المراد : إن يثبت أنى قلته فقد علمته. يدل على هذا سياق الكلام ، ونصه : (وإذ قال اللّه يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتّخذونى وأمى إلهين من دون اللّه؟ قال : سبحانك!!
1) مما تجب ملاحظته أن الجملة الشرطية - دون الجملة الجوابية - لا يصح تسميتها جملة إلا على حسب أصلها السابق قبل دخول الأداة الشرطية عليها ، أما بعد مجىء أداة الشرط فلا تسمى جملة ، إذ لا يكون فيها حكم مستقل بالسلب أو بالإيجاب ، تنفرد به ، ويقتصر عليها ؛ فليس لها كيان مستقل ، فهى لهذا لا تسمى جملة ، بل لا تسمى كلاما بحسب وضعها الجديد ،
2) تسرى الأحكام الآتية على الأداتين «إذا» الشرطية ، و «كيف» الشرطية ، فى حالتى اعتبارهما جازمتين عند فريق ، أو غير جازمتين عند آخر. فعلى كلا الاعتبارين لا بد من خضوع هاتين الأداتين للأحكام التى ستذكر.
3) فى ص 398.
4) إلا فى بعض صور تكون فيها أداة الشرط معمولة لفعله. وقد سبقت فى ص 411.
ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحقّ. إن كنت قلته فقد علمته ؛ تعلم ما فى نفسى ، ولا أعلم ما فى نفسك ؛ إنّك أنت علّام الغيوب ...) (1)...
4 - امتناع أن يكون فعلها طلبيّا أو جامدا ، فلا يصح : إن اصفح عن المسىء يجتنب الإساءة ، ولا : إن ليس الهواء هادئا نرغب فيه.
5 - امتناع أن يكون مبدوءا بحرف تنفيس (2)، أو بقسم - عند كثرة النحاة - أو بشىء له الصدارة ؛ كأدوات الاستفهام فى الأغلب (3)، والشرط ... ، أو بحرف من حروف النفى ؛ مثل : (ما - لن - إن -) لكن يجوز اقترانه «بلم» ، أو «لا» إن كان مضارعا واقتضى المعنى نفيه بأحدهما.
6 - وجوب جزمه لفظا إن كان مضارعا ، ومحلا (4)إن كان ماضيا. وجازمه فى الحالتين أداة الشرط - على الصحيح.
أما الجملة الشرطية كاملة فلا محل لها من الإعراب إلا فى حالتين :
الأولى : أن تكون أداة الشرط هى «إذا» - باعتبارها جازمة ، أو غير جازمة - فتكون ظرفا مضافا - فى الرأى المشهور - ، والجملة الشرطية بعدها فى محل جرّ ، هى المضاف إليه ، ومن الأمثلة قولهم : إذا انصرف الولاة عن العدل انصرفت الرعيّة عن الطاعة ، وتقوّضت دعائم الملك ، وأسباب السكينة والرفاهة.
الثانية : أن تكون أداة الشرط هى المبتدأ ، والجملة الشرطية هى الخبر - عند من يجعلها خبرا ، وهو الأرجح (5)
ولا يتغير الحكم السالف إن صار المبتدأ اسما لناسخ مثل قول الشاعر :
إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا *** على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
- كقول الشاعر :فمن يلق خيرا ... يحمد الناس أمره *** ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما
1) انظر ما يتصل بهذا فى رقم 4 من هامش ص 396 وفى 1 من هامش ص 397.
2) السين أو : سوف. وتسمى «سوف» : حرف تسويف أيضا.
3) إلا الهمزة ؛ طبقا للحكم العاشر الآتى 420.
4) انظر رقم 6 من ص 428. ويظهر أثر الإعراب المحلى فى التوابع فمثلا إذا عطف على الماضى المجزوم محلا فعل مضارع مماثل له فى الزمن - ، جزم. وقد سبق تفصيل هذا فى بابه المناسب (ج 3 ص 474 م 121 باب العطف).
5) وتكون من نوع الخبر الذى لا يتمم المعنى بنفسه مباشرة مع المبتدأ ، وإنما يتممه بمساعدة شىء آخر يتصل به. والجملة الشرطية لا تتممه إلا بملاحظة الجملة الجوابية المترتبة عليها ، (وقد سبق بيان هذا مفصلا فى ج 1 م 33 أول باب المبتدأ والخبر ص 402) وقيل : جملة الجواب هى الخبر ، وقيل هما معا. (كما سبق فى رقم 4 من هامش ص 411) هذا إن كانت أداة الشرط هى المبتدأ ، فإن كان المبتدأ اسما قبلها فقد نصوا على الراجح وهو أن (المبتدأ إذا تقدم على أداة الشرط فإن اقترن ما بعدهما وبعد الجملة الشرطية - «بالفاء الرابطة - أو : إذا» ، التى تغنى عنها ، أو صلح لمباشرة الأداة كان هذا الذى بعدهما جوابا ، والخبر محذوفا يدل عليه الجواب المذكور ، وإلا كان خبرا والجواب محذوفا). (راجع الخضرى فى باب «الكلام وما يتألف منه» وتعقيبه على الصبان عند بيت ابن مالك : «والأمر إن لم يك للنون محل ...» وسبقت له إشارة موضحة (فى ج 1 م 1 بهامش ص 64 وفى ص 477). وانظر رقم 4 من هامش ص 428 فله ارتباط بهذه المسألة.
7 - عدم حذفه بعد أداة شرطية مع بقاء فاعله (1)ظاهرا وبعده الفعل المفسّر للمحذوف ، إلا إن كانت أداة الشرط هى «إن ، أو إذا» ؛ فيكثر حذفه بعد كل منهما ، حتى قيل إن حذفه فى تلك الصورة بوضعها السالف واجب. ولكن بقاءه - برغم قلته - جائز (2). ومن القليل حذفه بعد أداة غيرهما (3)
أولها : أدوات الشرط التى لا تجزم ؛ مثل : إذا ، ولو.
ثانيها : «إن» الشرطية مع وجوب أن يكون الفعل المفسّر ماضيا لفظا ومعنى ، أو مغنى فقط.
ثالثها : أمّا - راجع البيان الخاص بهذا فى الموضع السابق.
إلا لضرورة الشعر.والأحسن أن يكون المفسّر فعلا ماضيا لفظا ومعنى ، أو معنى فقط (كالمضارع المسبوق بالحرف لم). فمن أمثلة الحذف بعد «إن» قوله تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ ) (4)، وقولهم : إن أحد نال ما يستحق فاغبطه ، وإن أحد نال ما لا يستحق فترقب أن تسلبه الأيام ما نال. وقول أحد الخلفاء لقائد جيشه المنتصر : اتقوا اللّه فى الأسرى ؛ عاملوهم .
1) أو نائبه. هذا إن كان الفعل تاما ، فإن كان ناقصا (لأنه من النواسخ). لم يرفع فاعلا ولا نائب فاعل ، وإنما يرفع اسما. فالمراد ما يرفعه الفعل من فاعل أو غيره ...
2) لتعدد النصوص الواردة به والتى لا تحتاج إلى تأويل.
3) سبقت إشارة لهذا فى ص 398 وتفصيل المسألة فى ج 2 باب «الاشتغال» وملخصها : أن الاشتغال بعد أدوات الشرط ، والتحضيض ، والاستفهام بغير الهمزة لا يقع إلا فى الشعر للضرورة. وأما فى النثر فلا يقع بعد تلك الأدوات إلا صريح الفعل. ويستثنى من أدوات الشرط ثلاثة يقع بعدها الاشتغال بمعناه العام (الذى يشمل الاسم السابق المرفوع) نظما ونثرا :
4) يتردد على ألسنة بعض المتسرعين الاعتراض على حذف هذا الفعل ، وعلى إعراب الاسم المرفوع بعد إن ، وإذا ، فاعلا - كالأسماء المرفوعة فى الأمثلة المذكورة. قائلين : لم لا تكون هذه الأسماء مبتدأ لنستريح من التقدير؟ وقد أوضحنا خطأ هذا فى ج 2 ص 140 م 69.
برفق ، وانزلوا معهم على حكم الدين. وإن فتية منهم أضلّهم الهوى فاهدوهم سواء الصراط ، وإن شيوخ استبد بهم ما ألفوه فترفقوا بهم إلى حين ، وإن نساء لم يسلمن من الفزع فأدخلوا السكينة على قلوبهن ...
ومن أمثلة الحذف بعد «إذا» الشرطية قوله تعالى فى وصف يوم القيامة : ( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ - عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ، ) وقول الشاعر :
إذا الملك الجبار صعّر خدّه *** مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وقول الآخر :
إذا أنت عاتبت الوضيع فإنما *** تخطّ على صحف من الماء أحرفا
ومن أمثلة الحذف بعد أداة شرطية غير «إن وإذا» والمفسر غير ماض ، قول الشاعر يصف غادة هيفاء :
صعدة (1)نابتة فى حائر (2)*** أينما الرّيح تميّلها تمل
8 - امتناع تصدير الجملة الشرطية بالحرف : «قد» ؛ فلا يصحّ : إن - قد - يعدل الراعى تسعد رعيته. لأن مجىء «قد» بعد فعل الشرط يقتضى (3)تحقيق وقوع فعل الشرط ، وتقريبه من الحال. مع أن فعل الشرط يقتضى احتمال أمرين ؛ وقوع معناه وعدم وقوعه ؛ كما يقتضى أن زمنه مستقبل محض (4).
9 - امتناع وقوع الجملة الشرطية حالا - طبقا للبيان الذى سلف (5)-
10 - امتناع تصديرها (6)بأداة شرطية ، (جازمة ، أو غير جازمة) قبلها أداة استفهام دون غيرها من أدواته مثل «هل» الاستفهامية. لكن لا مانع أن تقع أداة الشرط بعد همزة الاستفهام (7)
(راجع الصبان ، ج 4 عند بيت ابن مالك في أول باب : «الجوازم» :
«فعلين يقتضين شرط قدما ....»
وقد سبقت إشارة لهذا فى رقم 3 من ص 399).
.11 - جواز حذف الجملة الشرطية (فعلها ومرفوعه معا) (1)بشرط وجود قرينة تدل عليها ، وألا يذكر صريحا فى الكلام بعدها ما يفسرها. وقد يبقى بعد حذفها شىء قليل منها : مثل «لا» النافية ... وقد تبقى الأداة أو تحذف مع الجملة الشرطية المحذوفة. ومن الأمثلة قول الشاعر :
متى ... تؤخذوا قسرا (2)بظنة (3)عامر *** ولا ينج إلا فى الصّفاد (4)أسير
يريد ؛ متى توجدوا تؤخذوا (5)...
ومن أمثلة حذفها مع بقاء «لا» النافية الداخلة عليها ، قول الشاعر :
فطلقها فلست لها بكفء *** وإلّا يعل مفرقك الحسام
والأصل : وإلّا تطلقها ؛ فحذفت الجملة الشرطية وحدها مع بقاء الأداة ، و «لا» النافية. ومثله قوله عليه السّلام فى اللّقطة (6)... فإن جاء صاحبها ، وإلّا استمتع بها. والأصل : فإن جاء صاحبها أخذها ، وإلّا يجئ فاستمتع بها. وقولهم : المرء مجزىّ بعمله ، إن خيرا فخير ... ، أى : إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير. فقد حذف فعل الشرط واسمه ، وبقى خبره.
وجعلوا مما يصلح لأمثلة حذف الأداة وجملة الشرط قوله تعالى يخاطب المؤمنين ، ويذكر انتصارهم على الكفار : (فلم تقتلوهم ، ولكنّ اللّه قتلهم) ، والأصل : إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ... - وقد دخلت الفاء على «لم» هنا - ومثله قوله تعالى فى المشركين : ( ( أَمِ (7)اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ. فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيُ ) ، التقدير : إن أرادوا الولى الحق فاللّه هو الولىّ الحق وحده. وقوله تعالى : ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ ؛ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) ، والتقدير : إن لم يتيسر أن تعبدونى فى أرض فإياى فى غيرها فاعبدون.
هذه هى أهم الأحكام الخاصة بالجملة الشرطية. وستجىء - (8)أحكام عامة تختص بها وبالجملة الجوابية.
1) مرفوع الفعل يشمل الفاعل ، ونائبه واسم الناسخ ، إن كان الفعل ناسخا ، (كما سبق فى رقم 1 هامش ص 419).
2) قهرا.
3) بتهمة.
4) القيد ، ونحوه ، مما يقيد به الأسير ، ويربط.
5) هذا البيت هو من الشواهد التى تؤيد القائلين بأن الجملة الشرطية قد تحذف ولو كانت أداة الشرط غير «إن» ولا يشترطون أن تكون «إن» وعندهم شواهد نثرية ونظمية تؤيدهم. نعم إن الحذف بعد «إن» هو الأكثر.
6) الشىء الذى يضيع من صاحبه ويجده بعض الناس فى الطريق ونحوه.
7) بل ...
8) فى ص 439.
ثانيا : أحكام الجملة الجوابية للشرط الجازم ؛ ومنها الحذف :
1 - أن تكون فعلية. ويصحّ أن تكون اسمية مقترنة «بالفاء» الزائدة للربط أو «بإذا» الفجائية التى تحل محلها فى بعض الحالات للربط (1)ومن أمثلة الفعلية قول الشاعر :
لا يذهب الخير سدى *** ومن يعن يوما يعن
ومن أمثلة الاسمية :
فإن تتقوا شرّا فمثلكمو اتّقى *** وإن تفعلوا خيرا فمثلكمو فعل
وقولهم : إن يسر المرء على سنن الهدى إذا التوفيق حليفه.
2 - لا بد من إفادتها معنى جديدا لا يفهم من جملة الشرط - كالأمثلة السالفة - ، فلا يصح : إن تسأل عن الغائب تسأل ؛ لأن هذه الجملة الجوابية بلفظها ومعناها مثل الشرطية فيهما ؛ فلا جديد فى معنى الجواب ، فإن تضمنت معنى جديدا جاز وقوعها جوابا ؛ كقوله عليه السّلام : (... لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ...) ، أى : فهجرته مقبولة ، أو مباركة ... فالجملة الجوابية أفادت مرادا جديدا بالرغم مما بينها وبين الجملة الشرطية من اشتراك لفظى ...
3 - وجوب تأخيرها ؛ فلا يجوز تقديمها ولا تقديم شىء من أجزائها ومعمولاتها على أداة الشرط ، ولا على الجملة الشرطية. إلا فى حالتين :
الأولى : أن يكون الجواب جملة مضارعية (2)، مضارعها مرفوع ؛ فيجوز تقديم معمول الجواب على الأداة ؛ بشرط مراعاة البيان والتفصيل الخاص (3)بهذا ... نحو : خيرا إن تستمع تستفيد.
الثانية : أن يكون المعمول هو : «إذا» الشرطية عند من يعربها ظرفا لجوابها وكذا غيرها من الأسماء الشرطية الأخرى التى لا تكون معمولة لفعل الشرط حين
يكون فعلا ناسخا. وقد سبق (1)أيضا بيان هذه الحالة بصورتيها.
وسوغ التقديم فى الصورة الأولى أن المضارع المرفوع ليس هو الجواب فى الحقيقة ؛ لأن الجواب محذوف (2)، وتسمية المذكورة جوابا تساهل لوحظ فيه الأصل (3)
وما سبق مقصور على السعة أما فى الضرورة الشعرية فيصح حذف الجواب مطلقا وفعل الشرط مضارع ، ومنه :
يثنى عليك وأنت أهل ثنائه *** ولديك - إن هو يستزدك - مزيد
فإن كان فعل الشرط المسبوق بدليل الجواب غير ماض وأداة الشرط : «ما» ، أو : «من» ، أو «أىّ» - وجب فى السعة (أى : فى غير الضرورة الشعرية) جعلها موصولة وإعطاؤها حكم الموصول ، فتقول : أعط من يعطى محمدا ؛ وأحبّ ما يحبه ... - وأكرم أيهم يحبك .. ؛ برفع المضارع والمجىء بالعائد واعتبار الجملة صلة لا محل لها من الإعراب وصحة عمل العوامل التى قبل الموصول فيه. أما فى الضرورة فيجوز بقاء الشرطية والجزم. وكذلك يجب جعل تلك الأدوات موصولة إذا وقعت مع جملتها مضافا إليه. والمضاف اسم زمان ؛ نحو : أتذكر إذ من يرضينا نرضيه ، لأن أسماء الزمان لا تضاف إلى جملة مصدرة «بإن الشرطية» - (كما سبق فى ج 2 رقم 6 م 79 هامش ص 237 وفى ج 3 م 94 ص 67) - فكذا المصدرة بما تضمن معنى «إن الشرطية» كمن ؛ خلافا للزيادى حيث جوز فى هذه الصورة الجزم اختيارا. أما عند غيره فقد خرجت تلك الأدوات عن الشرطية. وصارت موصولة ينطبق عليها ما ينطبق على الموصول من أحكام ، ولا دخل لها بالشرط.
وكذلك يجب ما ذكر لهن مطلقا - (أى : فى السعة وفى الضرورة ، سواء أكان بعدهن ماض أو مضارع) فيما يأتى :
ا - إذا تقدمتهن «هل» مباشرة ؛ لأن «هل» لا تدخل على «إن الشرطية» فكذا ما تضمن معنى «إن» بخلاف الهمزة ؛ فيجوز معها الجزم على الأصح ؛ نحو : أمن يرضك ترضه ؛ لدخولها على «إن» الشرطية.
ب - إذا وقعن بعد ناسخ من باب «كان» أو «إنّ» ؛ لأن اسم الشرط لا يعمل فيه عامل قبله إلا حرف الجر أو المضاف ؛ فانهما قد يجران بعض أسماء الشرط (كما سبق فى ص 399 و 411) وغير هذين العاملين لا يعمل فيه. ومن الأمثلة : كان من يرضينا نرضيه - إن من يرضينا نرضيه. وأما قول الأعشى :
إنّ من يدخل الكنيسة يوما *** يلق فيها جآذرا وظباء
فعلى تقدير ضمير الشأن ، أى : إنه من يدخل.
ج - إذا وقعن بعد «ما» النافية ؛ لأن «ما» النافية لا تنفى الجملة الشرطية. نحو : ما من يرمينا نرميه.
د - إذا وقعن بعد «لكن» - ساكنة النون ، أما المشددة فداخلة فى : «ب» السابقة - أو «إذا» الفجائية ، نحو : لا أذهب لمن يقاطعنى لكن من يزورنى أزوره - مررت بالمحسن فإذا من يستعين به يعينه. وسبب المنع هو أن أداة الشرط (اسما كانت أم حرفا) لا بد أن تكون فى صدر جملة جديدة مستقلة بمعناها وبإعرابها. أما «لكن وإذا الفجائية» فلا بد أن يسبقهما كلام يرتبط به ما بعدهما ارتباطا معنويا بحيث يتصل المعنيان اتصالا وثيقا.
وجاء فى حاشية الصبان أن سريان الحكم على تلك الأدوات بعد «لكن وإذا» الفجائية مشروط بشرط ألا يضمر بعدهما مبتدأ ، فإن أضمر بعدهما مبتدأ جاز جزم المضارع ، تقول : رأيت الشريف فإذا من يزره يكرمه - وعلىّ كريم الخلق لكن من يزره يهنه. والتقدير فيهما : فإذا هو من ... - لكن هو من .. ولم يرد لهذا الشرط ذكر فى بعض المراجع الأخرى المتداولة ، كالهمع ... ولم أجد فيما رأيت أمثلة مسموعة تؤيد الأخذ به. ولهذا يحسن إهماله ، والبعد عن التأويلات والتقديرات بغير ضرورة.
(راجع فى كل ما سبق الهمع ج 2 ص 61 وما بعدها. وحاشية الصبان عند بدء الكلام على الأدوات التى تجزم فعلين ...).
. أما فى الصورة الثانية فلأنها أداة شرطية واجبة الصدارة. .1) فى ص 411.
2) وفى ص 442 حكم المضارع المرفوع فى جواب الشرط.
3) بمناسبة حذف الجواب يعرض النحاة لحالة فعل الشرط ، ولتقديم دليل الجواب عليه والحالات التى يتعين أن تكون فيها بعض الأدوات موصولة ، لا شرطية ، فيقولون : «إن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو - فى الأرجح - دليل الجواب وليس بالجواب» وجاء فى التسهيل والهمع ما ملخصه : إذا حذف الجواب فى السعة وتقدم دليله على أداة الشرط فلا يكون فعل الشرط - فى الأصح - إلا ماضيا لفظا ومعنى بحسب أصله ، أو معنى فقط كالمضارع المسبوق بالحرف «لم» - مع ملاحظة ما يأتى فى الحكم الرابع -. قال سيبويه : (هذا هو الوارد من كلام العرب). وإذا لا يصح عنده الأخذ بالرأى الكوفى الذى يقيس المضارع على الماضى ؛ فيجيز : أنت كريم إن تصفح ؛ لأن فى هذا قياسا لشىء على آخر يخالفه فى علة القياس وسببه .. لكن الكوفيين - إلا الفراء - يستشهدون بأمثلة فصيحة تؤيد رأيهم وتقويه - كما سيجىء فى ص 426 - والرأى الأول أقوى وأفصح مع صحة الثانى.
4 - امتناع حذفها إلا بشرطين :
أولهما : أن يدل دليل عليها بعد حذفها ، ولا يصلح جوابا ؛ ويتحقق هذا الشرط بأن يسبقها ، أو يكتنفها (أى : يحيط بها) ، أو يتأخر عنها ، ما لا يصلح جوابا ، ولكنه يدل على الجواب المحذوف (1)
ربّ ليل كأنه الصبح فى الحس *** ن ، وإن كان أسود الطّيلسان
؛ مثل : أنت الشجاع إن قلت الحق فى وجه الظالم ، أو : أنت - إن تلطفت فى القول - محبوب. فالجملة الجوابية فى المثالين محذوفة ؛ لوجود ما يدل عليها ؛ وهو الجملة التى قبلها ، أو التى تحيط بها ، وكلتاهما لا تصلح جوابا. والأصل : أنت الشجاع ، إن قلت الحق فى وجه الظالم ن1) فالغالب أن تسبقه جملة ، أو تكتنفه ؛ (بأن يقع بين ركنيها الأساسيين). ومن أمثلة الأول الذى تسبقه جملة قول الشاعر :
فأنت الشجاع - أنت محبوب ، إن تلطفت فى القول فأنت محبوب. ومثال الدال عليها وهو متأخر لا يصلح جوابا ، قوله تعالى : ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ... ) ، أى : فلا تحزن فقد كذبت رسل من قبلك ، - كما سيجىء - (1)فالدال على الجملة الجوابية المحذوفة قد يكون قبلها ، أو بعدها ، أو محيطا بها. وهو فى كل حالاته لا يصلح جوابا.
ومن أمثلة حذفها لدلالة جملة سابقة الشطر الأول من قول الشاعر :
عش وحيدا إن كنت لا تقبل العذ *** ر ، وإن كنت لا تغفر زلّه
ومما يدل عليها : «جواب القسم» إذا كان القسم متقدما على أداة الشرط ، نحو : واللّه إن رعيت اليتيم ليرعينّك اللّه. فالقسم محتاج لجواب ، وكذلك أداة الشرط ؛ فحذف جواب المتأخر (2)منهما ؛ وهو الشرط ، لدلالة جواب المتقدم - وهو القسم - على المحذوف. ولهذا تعتبر اللام فى المثال داخلة على جواب القسم ؛ كدخولها عليه فى قوله تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ ، وَالْأَرْضَ ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ - ، لَيَقُولُنَّ اللّهُ ) ، وفى قوله تعالى بلسان الكفار يهدّ دون الرسل : ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ) فاللام الداخلة على أداة الشرط : (إن) هى علامة القسم ، واللام المتأخرة داخلة على جوابه. أما جواب الشرط فى الآيتين فمحذوف : لتأخر أداة الشرط. ويدل عليه فى كل منهما جواب القسم المذكور.
ثانيهما : أن يكون فعل الشرط - فى غير الضرورة الشعرية ، وعند غير الكوفيين (3)- ماضيا لفظا ومعنى بحسب أصله ، أو معنى فقط ؛ كالمضارع المسبوق بالحرف : «لم». فمثال الماضى لفظا ومعنى : أنت عزيز إن ترفعت عن الدنايا ، أو أنت - إن ترفعت عن الدنايا - عزيز ... وقول الشاعر :
ونحن أولو المآثر من قديم *** وإن جحدت مآثرنا اللئام
ومثال الماضى معنى لا لفظا قول الشاعر :
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها *** سرور محبّ أو إساءة مجرم؟
فإن لم يكن فعل الشرط ماضيا بأن كان مضارعا لفظا ومعنى لم يصح - فى
الأرجح - حذف الجملة الجوابية (1)إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها (2)تدل عليها ، ولا يستقيم المعنى بجعلها هى الجواب ؛ كقوله تعالى : ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ، ) والأصل : وإن تجهر بالقول فإنه غنىّ عن جهرك ، فحذف الجواب الأصلى ، وسدّ مسدّه جملة : (فإنه يعلم السرّ) ، وهى جملة بعده شغلت - مكانه ، ولا يستقيم المعنى على اعتبارها الجواب الحقيقى ؛ لأن الجهر بالقول لا يترتب عليه أن اللّه يعلم السر ؛ إذ اللّه يعلم السرّ دائما ؛ سواء أوجد جهر بالقول أم لم يوجد (3)
أما على غير هذا الاعتبار فلا حذف والمذكور هو الجواب ؛ كما سبق تفصيله (فى الهامش المشار إليه) من أن الشرط ملزوم والجزاء لازم له ؛ سواء أكان الشرط سببا أم غير سبب. وكذلك ما قاله ابن الحاحب من أن الجزاء قسمان أوضحناهما هناك...
ويكاد الخلاف يكون لفظيا ؛ لا تجاهه إلى مجرد التسمية ؛ أنسمى المذكور جوابا أم سادا مسد الجواب حين لا يكون مسببا عن الشرط مباشرة؟ ومما يلاحظ أن هذا الخلاف فى التسمية مقصور على الحالة التي يكون فيها فعل الشرط مضارعا بعده جملة ليست مسببة عنه مباشرة.
وسيجيء في ص 448 إشارة أخرى خاصة بأداة الشرط «إن».
. ومثل هذه الآية قوله تعالى : ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ... ، ) والأصل : وإن يكذبوك فلا تحزن ، فقد كذبت رسل من قبلك (4). ولا يصح أن تكون الجملة المذكورة هى الجواب ؛ لأنها ليست مترتبة على ما قبلها. وكذلك قوله تعالى : ( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لَآتٍ ... ، ) فالجواب المحذوف تقديره : فليبادر للعمل الصالح.والكوفيون لا يشترطون لحذف الجواب أن يكون فعل الشرط ماضيا ، بل
1) لاحظ ما أشرنا اليه هنا من الرأى الكوفى ، وما سبق فى رقم 3 من هامش ص 423.
2) فهى متأخرة فى مكانها عن الجواب المحذوف ، وموضعها الأصلى بعده ، بالرغم من أنها تشغل مكانه ظاهرا ، لا حقيقة ؛ إذ مكانه خال فى الواقع. (وهى بهذا الإيضاح تعتبر صورة من صور الشرط الأول. إلا أن الصورة هنا واجبة التأخير ، وهى تسد وتغنى عن الجملة الجوابية المحذوفة. لكن كيف يصح حذف الجواب مع أن فعل الشرط مضارع ؛ كما يبدو فى الآيات التالية؟ أجابوا : «(أنه لما سد شى مسده كأنه لم يحذف)» - راجع حاشية الأمير على «المغنى» ، ج 2 موضوع حذف جملة جواب الشرط -
3) والذى دعا لهذا التقدير أن أجل اللّه آت على كل حال ؛ فليس الجواب مترتبا على الشرط ، فهو كقوله تعالى : ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ... ) ومثل قوله تعالى : ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ .. ) فالجواب فى كل هذه الأمثلة محذوف وقد وجد ما يسد مسده ، فجاز حذفه بالرغم من أن فعل الشرط مضارع. والسبب فى اعتباره محذوفا واعتبار المذكور فى مكانه سادا مسده أن هذا المذكور ليس مترتبا على الشرط ولا مسببا عنه ؛ كما هو الشائع فى أغلب الأساليب - طبقا لما أوضحناه فى رقم 6 من هامش ص 395
4) لهذا إشارة فى الصفحة السابقة.
يجيزون أن يكون مضارعا ؛ ولذا يقولون فيما سدّ مسدّه : إنه الجواب الحقيقى ، وليس بالدليل ، ولا بالسّادّ مسدّه. مستدلين بأمثلة كثيرة تؤيدهم ، كالآيتين السالفتين ، وكقول الشاعر (1):
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم *** ليعلم ربى أن بيتى واسع
فقد حذف جواب الشرط «إن» مع أن فعله مضارع وهو «تك» ، أما جملة «ليعلم*» فهى جواب القسم الذى تدل عليه اللام الداخلة على «إن» ، ولا يصح - فى الراجح - أن تكون هذه الجملة جوابا للشرط ، لأنه متأخر هنا عن القسم ، ولأن جوابه لا يكون مبدوءا باللام. وكذلك قول الشاعر :
يثنى عليك ، وأنت أهل ثنائه *** ولديك إن هو يستزدك مزيد
والأصل : إن يستزدك - هو - يستزدك فلديك مزيد.
والأخذ برأى الكوفيين - وإن كان ليس بالأعلى هنا - أنسب وأيسر ؛ بسبب الشواهد القوية الكثيرة التى تؤيدهم ، وبسبب ما يراه أكثر المحققين ، وهو : أن جواب الشرط قد يكون غير مترتب على فعل الشرط كما أوضحناه من قبل (2).
ومتى اجتمع الشرطان الخاصان بالحذف صار الحذف غالبا ، وقيل إنه واجب ، والأول أنسب.
هذا حكم الجملة الجوابية من ناحية حذفها حذفا غالبا ، أو واجبا. أما حذفها جوازا فأشهر صوره اثنتان :
الأولى : أن تقع جملة الشرط جوابا لسؤال ؛ نحو : أترشد الغريب؟ فتجيب إن رأيته.
الثانية : أن تشعر الجملة الشرطية نفسها - دون سواها - بالجواب المحذوف ؛ كقوله تعالى يخاطب الرسول فى شأن المعارضين : (فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض أو سلّما فى السماء فتأتيهم بآية ... ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى) ، والتقدير : فافعل.
5 - امتناع تكرار مدلولها إذا كان مدلول الجملة الشرطية يقتضى التكرار. إلا إن اقتضى العرف التكرار ، أو قامت قرينة تدل عليه. ففى مثل : إن أسافر
أركب طائرة - لا يكون المراد أن ركوبى الطائرة يتكرر بتكرار السفر ، وإنما المراد أن سفرى سيقتضى ركوبى الطائرة مرة واحدة. فإذا تكرر السفر فقد يكون فى الطائرة أو فى غيرها ... بخلاف قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ....... ) ، فإن الجواب وهو : الأمر بغسل الوجوه والأيدى وغيرها مما يحتمه الوضوء يقتضى التكرار كل مرة ، لدليل شرعى يوجب الوضوء قبل كل صلاة على من ليس متوضئا.
6 - جزم فعلها لفظا إن كان مضارعا ، ومحلا إن كان ماضيا (1)؛ بشرط ألا تقترن به فى الصورتين «الفاء» أو «إذا» الفجائية - وهما لمجرد الربط - كقول الشاعر يصف الحساد :
إن يعلموا الخير يخفوه ، وإن علموا
شرّا أذاعوا ، وإن لم يعلموا كذبوا (2)
فالمضارع : «يخفوا» مجزوم بحذف النون. والماضى : «أذاع» مبنى على الضم لمناسبة الواو فى محل جزم. ومثله الماضى : «كذب» ولا محل للجملة الفعلية الماضوية فيما سبق ؛ لأن الجازم قد عمل عمله فى محل الفعل الماضى ؛ فلا يؤثر بعد هذا فى محل الجملة (3)المشتملة على هذا الفعل.
فإن كان الجواب مقترنا «بالفاء» الرابطة ، أو «إذا» الفجائية التى تحل محلها - أحيانا - فإن الجازم يؤثر فى مجموع الجملة ، لا فى الفعل وحده ، ولا فى غيره من أجزائها. فتأثيره مسلّط عليها كلها مجتمعة متماسكة الأجزاء - ومن بين أجزائها الفاء وإذا الفجائية. - فتصير الجملة كلها فى محل جزم بأداة الشرط (4)
(راجع الخضرى أول الباب) ثم الصبان أيضا عند الكلام على ما يجزم فعلين.
ولا يخلو هذان الرأيان من غموض واضطراب ، ونوع معارضة للحكم الذى قرروه وحققوه خاصا باجتماع
المبتدأ والشرط . وقد سبق في رقم 4 من هامش ص 411 وانظر رقم 5 من هامش ص 418 وهامش ص 443 فابتعادا عن هذا كله ، وفرارا من اللبس - يحسن الاقتصار على الرأى الثانى عند اقتران الجواب «بالفاء» أو «إذا» ، والاستغناء عن الخبر لوجود الجواب الذى يدل عليه.
. ويظهر أثر هذا1) انظر رقم 2 من «ج» ص 436 ولهذا إشارة سبقت فى ص 396.
2) تقدم هذا البيت لمناسبة أخرى فى ص 397.
3) ولهذا لا يصح جزمها.
4) قالوا : لأنه لو وقع فى هذا الموقع فعل يقبل الجزم لجزم وعلى هذا لا يتسلط الجازم على جزء من أجزاء الجملة دون بقية أجزائها ؛ كذا فى المغنى والكشاف. لكن قال الدمامينى وأقره الشمنى : (الحق أن جملة الجواب لا محل لها مطلقا ، إذ كل جملة لا تقع موقع المفرد لا محل لها. ولا يقال إنها واقعة هنا موقع المفرد - وهو الفعل القابل للجزم - ؛ لأنها لم تقع موقعه وحده ؛ بل موقعه مع فاعله الذى يتم به الكلام كما يتم بهذه الجملة ...) فعلى الرأى الأول : لو كان اسم الشرط مبتدأ لكانت جملة الجواب فى نحو : (من يقم فإنى أكرمه) فى محل جزم ورفع باعتبارين ؛ هما الشرطية والخبرية ؛ بناء على أن الجواب هو الخبر أيضا ، وعلى الثانى فى محل رفع على الخبرية فقط ؛ كحالها فى نحو : من يقم أكرمه اتفاقا ؛ لظهور أثر أداة الشرط فى المضارع الثانى.
الإعراب المحلى فى توابعها - كما سلف وكما سيجىء هنا -. ولا يصح جزم الفعل.
7 - جواز اقترانه - لداع بلاغىّ - بكلمة : «إذا» الجوابية ؛ لتفيده توكيدا وتقوية ، بشرط أن تكون أداة الجزم ، هى : «إن» ؛ نحو : إن تنصر أهل البغى إذا يصبك بغيهم(1)
وقد ورد اقتران جوابها باللام فى كلام يحتج به ؛ هو قول الشاعر ابن عنمة من شعراء الأصمعيات - كما سيجىء فى ص 433 - قال :
فإن يجزع عليه بنو أبيه *** لقد خدعوا ، وفاتهمو قليل
كما اقترن جوابها باللام فى خطبة لأبى بكر رضى اللّه عنه - وردت فى الجزء الأول من كتاب زهر الآداب ، للحصرى ص 10 - جاء فيها : (يا معشر الأنصار إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم فى ظلالنا ، وشاطرناكم فى أموالنا ، ونصرناكم بأنفسنا - لقلتم ..) «إن» فى المثالين بمعنى «لو» وقد جاء فى كتاب : «شفاء الغليل» للخفاجى - ص 176 مادة «لو» ما نصه :
(إدخال اللام فى جواب «لو» ظاهر. وأما فى جواب «إن» فقيل إنه من خطأ المصنفين. وليس كذلك ، لأنها تخرج على أنها جواب «لو» مقدرة ، والتقدير فى قولهم : «وإلا لكان كذا ..» «فلو كان كذا لكان كذا» ترقيا من مرتبة الشك إلى الجزم.). ا ه.
ونرى أن هذا التعليل مرفوض ؛ لعدم توضيحه طريقة «التقدير» ومكانه ، والضابط الذى يحدده ، ولأن الأخذ به وحده يفتح باب الفساد والفوضى فى اللغة. وكان عليه أن يستدل بأمثلة مسموعة تؤيده ولم نره ولا غيره عرض أمثلة من فصيح الكلام تؤيد ذلك الأسلوب إلا ما نقلناه - وفيه الكفاية. ورأيى أن ذلك الأسلوب صحيح مع قلته ، ولكن الأفضل الاكتفاء بالأكثر - انظر ما يتصل بهذا فى رقم 9 ص 433 -.
.8 - وجوب اقتران الجواب «بالفاء» - أو «بإذا» الفجائية التى تخلفها فى بعض المواضع الآتية (2)- إذا كان الجواب نوعا من الأنواع التى لا تصلح فعل شرط. وهذه «الفاء» زائدة للربط المحض الدال على التعليل (3)؛ وليست للعطف ولا لغيره (4)، ولا تفيد معنى إلا عقد الصلة ومجرد الربط المعنوى ، بين جملة الجواب وجملة الشرط ، كى لا تكون إحداهما مستقلة بمعناها عن الأخرى بعد زوال الجزم الذى كان يربط بينهما. وتعرب «الفاء» و «إذا» مع الجملة التى بعدهما فى محل جزم جوابا للشرط ، ولا يصح فى الجملة الفعلية بعدهما أن يكون الفعل وحده هو الجواب ، ولا أن يجزم كما تقدم. وأشهر هذه الأنواع ما يأتى (5) :
الأول : الجملة الطلبية. وتشمل الأمر ، والنهى ، والدعاء - ولو بصيغة الخبر - .
والاستفهام ، وغيره من بقية أنواع الطلب التى سبقت (1). فمثال الأمر :
إن ملكت النفوس فابغ رضاها *** فلها ثورة ، وفيها مضاء
ومثال النهى : من يستشرك فلا تكتم (2)عنه صادق المشورة ، ومن يستنصحك فلا تحجب (3)عنه خالص النصح (4)...
ومثال الدعاء : ربّ : إن أدعك لما يرضيك فاستجب ، وإن أتّجه لما يغضبك فلترشدنى للسّداد. ربّ ، إن هفوت فلا تحرمنى المغفرة ، وإن ضللت فلا تتركنى ضالا ... ونحو : إن يمت المجاهد فيرحمه اللّه ، أو : فرحمه اللّه.
ومثال الاستفهام قوله تعالى : ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ ، ) ومثل : من تسنح له الفرصة فهل يتركها تفرّ؟ ومن تلوح له الآمال أفيقعد عن السعى وراءها؟
ومن الواجب أن تتقدم الفاء على أداة الاستفهام إن كانت الأداة غير الهمزة. (مثل : هل ، أين - متى ...) فإن كانت الأداة هى الهمزة وجب تقديمها على الفاء ، وقد سبقت الأمثلة.
ومثال التمنى : العافية أغلى ما فى الحياة ، إن وهبها اللّه لإنسان فليته يرعى حقّها. ومثل : الربيع شباب الزمان وجماله ، إن يقبل فليت الناس يغتنمون إقباله ، ويسارعون إلى التمتع بمباهجه ومفاتنه ...
وهكذا بقية أنواع الطلب ...
الثانى : الجملة الفعلية التى فعلها جامد ؛ نحو : من يطلق لسانه بذم الناس فليس له واق من ألسنتهم. وقول الشاعر :
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه *** فليس على شىء سواه بخزّان
الثالث : الجملة الفعلية المصدّرة بالحرف : «قد» (5)؛ نحو : من يحكم
1) فى ص 344.
2) المضارع مجزوم «بلا» الناهية ، وليس جوابا مجزوما لأن ؛ الجواب هو الجملة المضارعية كلها.
3) المضارع مجزوم «بلا» الناهية ، وليس جوابا مجزوما لأن ؛ الجواب هو الجملة المضارعية كلها.
4) وقد اجتمع الأمر والنهى فى قول بعض العرب : (إذا بلغك أن غنيا افتقر فصدق ، وإذا بلغك أن فقيرا اغتنى فصدق ، وإذا بلغك أن حيا مات فصدق. وإذا بلغك أن أحمق اكتسب عقلا ونطق حكمة فلا تصدق).
5) انظر السبب فى رقم 8 من ص 420.
أمره فقد ضمن إصابة الهدف. ومن أساء الوسيلة فقد ضل السبيل إلى الغاية. وقول الشاعر:
فإن تكن الأيام أحسنّ مرة *** إلىّ فقد عادت لهن ذنوب
الرابع : الجملة الفعلية المصدرة بأحد حرفى التنفيس (وهما : السين ، وسوف) نحو : من يحسن فسيجزى على الإحسان إحسانا ، ومن يسئ فسيلقى على الإساءة شرّا وخسرانا. ونحو : إن يعدل الحاكم فسوف تستقيم له الأمور ، وإن يظلم فسوف تنهار دعائم حكمه ، وتدوم بعدها حسراته وآلامه.
الخامس : الجملة المصدرة بأحد أحرف النفى الثلاثة (وهى : ما - لن - إن) (1)
أما مع «إن» فواجب (انظر ص 435).
؛ نحو : من يقصّر فما ينتظر حسن الجزاء (2)أما مع «إن» فواجب (انظر ص 435).
، ونحو قوله تعالى : ( وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) ، ونحو : من يستسلم للغضب فإن يلومن إلا نفسه على ما يصيبه. أى : فلا يلومن إلا نفسه (3)فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله *** فما عهد نجد عندنا بذميم
...فإن كانت أداة الشرط هى «إذا» والنافى هو «إن» جاز مجىء الفاء وعدم مجيئها. ومن الثانى قوله تعالى : ( وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) ، أى : ما يتخذونك (4)
إذا كانت النّعمى تكدّر بالأذى *** فما هى إلا محنة وعذاب
...السادس : الجملة المبدوءة بكلمة لها الصدارة ؛ (مثل : ربّ - كأنّ - أدوات الشرط - أداة القسم عند كثير من النحاة) .. نحو :
إن كان عادكمو عيد فربّ فتى
بالشوق قد عاده من ذكركم حزن
ونحو قوله تعالى : ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ : أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ، أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) ، وقولهم : من يأكل مال اليتيم فكأنه يأكل نارا. ومثل قوله تعالى يخاطب الرسول فى أمر المعارضين : ( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ ب
1) انظر رقم 1 من «ج» فى الزيادة الآتية والتفصيل (ص 436). فقد جعل بعض النحاة «لا» و «لم» النافيتين مثل «إن» النافية. ولكنه جعل اقتران الفاء بهما جائزا ، لا واجبا.
2) انظر رقم 1 من «ج» فى الزيادة الآتية والتفصيل (ص 436). فقد جعل بعض النحاة «لا» و «لم» النافيتين مثل «إن» النافية. ولكنه جعل اقتران الفاء بهما جائزا ، لا واجبا.
3) وقول الشاعر :
4) فإن كان حرف النفى هو «ما» وجب اقترانه بالفاء ؛ كقول الشاعر :
نَفَقاً فِي الْأَرْضِ ، أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... ) ، ومثل : متى تعتمد الدولة على أسباب القوة فو اللّه يخافها أعداؤها.
السابع : الجملة الاسمية كقول الشاعر :
إن يحسدوك على فضل خصصت به *** فكلّ منفرد بالفضل محسرد
وقول الآخر :
ومن كان منحلّ العزائم تابعا *** هواه فإن الرشد منه بعيد
........................ (1)
فإن أرحل فمعروف جهادى *** وإن أقعد فما بى من خمول
.وقد تغنى «إذا» الفجائية (2)عن الفاء فى الدخول على الجملة الاسمية بشرطين ؛ أحدهما : متفق عليه ، وهو أن تكون الجملة اسمية غير دالة على طلب ، ولا مسبوقة بنفى ، ولا بناسخ ؛ ومن الأمثلة : البيت الأول السالف ، وهو :
إن يحسدوك ...) بخلاف : إن يطع الولد أبويه فويح له ، وإن يعصهما فويل له (3). أو : إن يعصهما فما له حظ من التوفيق ، أو إن يعصهما فإن خسرانه مبين ؛ وكالبيت الثانى السالف. فالفاء واجبة فى هذه الأمثلة وأشباهها ، ولا يصح : «إذا». والآخر : غير متفق عليه. وهو أن تكون أداة الشرط «إن» دون غيرها من أخواتها الشرطية. فكثرة النحاة تشترطها. نحو : إن تخلص إذا الإخلاص ينفعك. وقلة النحاة لا تشترطها بعينها ، وإنما تجعل مثلها «إذا» الشرطية ؛ مستدلين بقوله تعالى فى المطر : ( فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) وقوله تعالى : ( ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) والأحسن الأخذ برأى القلة ؛ إذ تؤيدها الشواهد ، ولا سيما بعض الآيات القرآنية ، ولا داعى للتأويل. .
1) اجتمعت الجملتان ؛ الاسمية ، والمصدرة بما النافية فى قول الشاعر :
2) معناها الدلالة على المفاجأة فى الحال ، ولا بد أن يسبقها كلام. وبالرغم من أنها للمفاجأة فى الحال - لا تخلو هنا - بعد أداة الشرط - من دلالة تعقيب لجواب الشرط بعد فعل الشرط. والأحسن اعتبارها فى كل الأساليب حرفا (وقد سبق الكلام عليها فى ج 1 ص 492 م 52 وفى الجزء الثانى باب الظرف ..) وهل يصح أن تجتمع هى والفاء معا؟ الجواب فى ص 434.
3) الدعاء نوع من الطلب - كما عرفنا فى ص 344 -.
هذا وقد اجتمع فى البيت الآتى أكثر الأمور السابقة التى لا يصلح فيها الجواب أن يكون شرطا ، ويجب فى كل منها اقتران الجواب بالفاء ، والبيت هو :
اسمية ، طلبية ، وبجامد *** وبما ، وقد ، وبلن ، وبالتنفيس
.................. (1)
واقرن «بفا» حتما جوابا لو جعل *** شرطا «لإن» أو غيرها لم ينجعل
وتخلف «الفاء» «إذا» المفاجأه *** كإن تجد إذا لنا مكافأه
(بفا ، ، أى : بالفاء) يريد : اقرن بالفاء حتما كل جواب لو جعلته فعل شرط للأداة «إن» أو لغيرها من أخواتها - لم ينجعل. أى : لم يصلح فعلا للشرط ؛ لعدم انطباق الشروط عليه. ثم قال : إن هذه «الفاء» قد تختفى ويحل محلها «إذا» وساق لها مثلا ، ولم يتعرض للتفصيلات والشروط المختلفة.
.9 - ورد فى المسموع القليل اقتران جواب «إن الشرطية» باللام ، على اعتبار «إن الشرطية» بمنزلة «لو (2)» .... ومنه قول الشاعر (3):
فإن يجزع عليه بنو أبيه *** لقد خدعوا ، وفاتهمو قليل ...
وقول أبى بكر رضى اللّه عنه فى خطبة له (4): «يا معشر الأنصار إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم فى ظلالنا ، وشاطرناكم فى أموالنا ، ونصرناكم بأنفسنا - لقلتم» (5)وتفصيل الكلام على هذين المثالين وحكم نظائرهما من كلام المحدثين موضح فيما سبق (6).
وقد يقترن جواب «إن» و «لو» الشرطيتين بكلمة «إذا» طبقا للبيان الذى سلف (7).
إلى هنا انتهت الأحكام الخاصة بالجملة الجوابية ، وستجىء (8)أحكام عامّة تتصل بها وبالجملة الشرطية. .
1) لم يشمل البيت حالات النوع السادس التى سلفت فى ص 431 ، ولا حالات تأتى فى «ج» ص 436 ، وفى اقتران الجواب بالفاء أو بإذا الفجائية التى تخلفها فى بعض الحالات يقول ابن مالك : (وسنذكر البيتين فى ص 444 لمناسبة أخرى هناك).
2) راجع البيان الخاص بهذا فى رقم 1 من هامش ص 429.
3) راجع البيان الخاص بهذا فى رقم 1 من هامش ص 429.
4) هو عبد اللّه بن عنمه ، من الشعراء الذى يحتج بكلامهم - وله إشارة فى هامش ص 429 - والبيت منقول من الأصمعية الثامنة.
5) الخطبة كاملة فى الجزء الأول من كتاب «زهر الآداب» للحصرى ، ص 10.
6) سبق تفصيل هذا الحكم لمناسبة أخرى فى رقم 1 من هامش ص 429.
7) فى ص 297 وفى ص 429.
8) فى ص 439.
(ا) أيجوز الجمع بين" الفاء وإذا" - السالفتين -؟ صرح أكثر النحاة بأنه لا يجوز ، وتأولوا قوله تعالى : ( حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) ، فقالوا إن «إذا» لمجرد التأكيد هنا ، وليست للربط ، والممنوع أن تكون للربط عوضا عن الفاء ، إذ لا يصح الجمع بين العوض والمعوّض عنه. وهذا تأويل بادى الضعف ؛ لأن المهم الذى يراد معرفته هو الجمع بين هذين الحرفين أحيانا ؛ أصحيح هو - على قلته - سائغ الاستعمال ، أم غير صحيح وغير سائغ؟ والقرآن قد جمع بينهما ؛ فلم يبق مجال لمنع الجمع وإن كان قليلا نسبيّا. أما التعليل بالتأكيد أو بالربط فأمر لا أهمية له بعد الحكم بصحة الاستعمال ؛ محاكاة للقرآن الكريم ؛ إذ لا شك أن محاكاته جائزة بالصورة والمعنى الواردين به ؛ وإن كان أحد الاستعمالين أكثر فيه من الآخر ، بل هى اختيار موفق لأسمى الأساليب التى تحاكى.
على أنه قد جاء فى تفسير النسفى النص الصريح على أن «الفاء» قد اجتمعت هنا مع «إذا» لتأكيد الربط.
(ب) هل يصح - أحيانا - الاستغناء عن هذه الفاء الرابطة ، وعما يخلفها بعد حذفها ؛ وهو : «إذا» الفجائية؟
أجابوا : لا يصح الاستغناء إلا فى الضرورة الشعرية ؛ كقول القائل :
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها (1)*** والشرّ بالشرّ عند الناس مثلان
وقول الآخر :
ومن لم يزل ينقاد للغىّ والصّبا *** سيلفى على طول السلامة نادما
ومن النادر الذى لا يقاس عليه عندهم قوله عليه السّلام فى حديث اللّقطة (2)(... فإن جاء صاحبها ، وإلا استمتع بها ...) ويؤولون قوله تعالى : (وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم. وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ...) على تقدير «قسم» قبل الشرط ؛ فيكون الجواب للسابق وهو
القسم المقدّر (1)؛ والأصل عندهم : ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون. فجملة ؛ " إنكم لمشركون" ، جواب للقسم لا للشرط ، ولم تذكر لام القسم مع أن القسم نفسه محذوف - (والأصل واللّه إن أطعتموهم ...) لأن ذكر اللام بعد حذفه ليس واجبا ، وإنما هو أقوى وأكثر. وبهذا التأويل يقولون فى آيات أخرى تشبه الآية السالفة فى رأيهم ، مع أنها تخالفها فى شىء هامّ ، ومن هذه الآيات قوله تعالى فى المشركين : ( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) وقوله تعالى : ( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) ، ووجه المخالفة هو أن المضارع مؤكد هنا بالنون ؛ فالقسم محتم ليسوغ التأكيد بها.
وقال آخرون : إن الفاء ليست محذوفة فى الآيات السالفة - وما يشبهها - وإنما هى مقدرة ملحوظة ؛ فكأنها مذكورة. ولكن كثرة النحاة لا ترتضى هذا الرأى (2)
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها *** والشر بالشر عند الناس مثلان). ا ه
ومثله أبو حيان فى كتابه البحر (ج 4 ص 213) حيث يقول : (زعم الحوفى أن قوله تعالى : ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) على حذف الفاء ، أى : فإنكم ، وهذا الحذف من الضرائر فلا يكون فى القرآن وإنما الجواب محذوف. و «إنكم لمشركون» - جواب قسم محذوف ، والتقدير : واللّه إن أطعمتوهم ...) ا ه والخلاف بين الرأيين شكلى - كما سيجىء.
، مع أن الخلاف شكلى محض. إذ مؤداء فى الرأيين التأويل بالحذف ، وإن اختلفا فى نوع المحذوف. والتمحل ظاهر فى تأويل الآية الأولى ، وفى الحكم على الحديث بالندرة ، لوجود شواهد أخرى نثرية - لا تخضع للضرورة - وغير نثرية. فالأفضل أن يقال : إن الأعم الأغلب هو عدم حذف «الفاء» و «إذا» التى تنوب عنها ، وأنه يصح - مع القلة النسبية ، لا الذاتية - الاستغناء عنهما ، إن كانت أداة الشرط هى : «إن» (3)....ويقول أبو حيان وفريق من النحاة إنّ «إذا» الشرطية قد تنفرد بخلو جوابها منهما إذا كان الجواب منفيّا بإن ، أو : ما ، أو : لا. وجعل منه قوله تعالى : ( «وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ... ) - كما سبقت الاشارة لهذا (4)- .
1) أما جواب الشرط فمحذوف يدل عليه جواب القسم (ولهذا صلة بما يجىء فى هامش ص 454).
2) جريا وراء الرأى الذى اختاره الرضى وآخرون. فقد جاء فى شرحه للكافية - ج 2 ص 394 - ما نصه : (قال بعضهم : إن قوله تعالى : ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) جواب الشرط ، والفاء مقدرة. ولم يقدر قسما. وهو ضعيف ؛ لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر ، كقوله :
3) لأن أكثر الأمثلة المسموعة الخالية منها كانت أداة الشرط فيه هى : «إن».
4) فى النوع الخامس - ص 431 -.
(ح) هل يصح أن يقترن الجواب بالفاء فى غير تلك المواضع التى لا يصلح فيها أن يكون فعل شرط؟ أجابوا :
1 - إن كان المضارع يصلح فعلا للشرط جاز اقترانه «بالفاء» ؛ بشرط أن يكون مثبتا أو منفيّا ب «لا» ، قيل : أو «لم» أيضا ، (ففى «لم» خلاف ،) ومتى اقترنت «الفاء» به وجب رفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف ، والجملة الاسمية جواب الشرط. ولا يصح أن يكون المضارع المرفوع وحده هو الجواب : إذ لو كان الجواب لوجب جزمه ، والحكم بزيادة الفاء زيادة مطلقة ، يراعى فيها تقدير سقوطها. لكن العرب التزمت رفعه معها ؛ فدلّ هذا على أصالة الفاء ، وأنّها داخلة على مبتدأ مقدر ، وليست زائدة للربط : ومن أمثلته قوله تعالى :» ( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ) وقوله : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) ، أى : فهو لا يخاف ... فإن لم يوجد فى الكلام ما يعود عليه المبتدأ الضمير كان الضمير للشأن أو للقصة ، كقراءة من قرأ قوله تعالى فى حكمة شهادة المرأتين : ( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) ) بكسر همزة : «إن» ورفع المضارع : «تذكر». والتقدير : فهى - أى : القصة - تذكّر ، ونحو : إن قام المسافر فيتبعه صديقه. أى : فهو - الحال والشأن - يتبعه صديقه. (وفى هذه القراءة تكلف لا داعى له).
2 - إن كان فعل الجواب ماضيا متصرفا ، مجردا من «قد» و «ما» ... وغيرهما مما يتصل به ويوجب اقترانه بالفاء - طبقا لما تقدم - فله ثلاثة أضرب : فإن كان ماضيا لفظا ومعنى فالواجب اقترانه بالفاء على تقدير : «قد» قبله إن لم تكن ظاهرة ؛ لتقربه من الحال القريب من الاستقبال كقوله تعالى فى سورة يوسف : ( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ... ) (1)أى : فقد صدقت.
1) المضى حقيقى هنا. وقد يقال إنه مؤول بمثل التأويل الذى جرى على آية أخرى سبقت (فى رقم 3 من ص 417) وهى قوله تعالى : ( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. ) إذ المراد فيهما : إن يثبت فى المستقبل أنى قلته فقد علمته ، وإن يثبت فى المستقبل أن قميصه قدّ ...
وإن كان ماضيا فى لفظه مستقبلا فى معناه ، غير مقصود به وعد أو وعيد - امتنع اقترانه بالفاء ؛ نحو : إن قام المسافر قام زميله.
وإن قصد بالماضى الذى معناه المستقبل ، وعد أو وعيد ، جاز اقترانه بالفاء على تقدير : «قد» ؛ إجراء له مجرى الماضى لفظا ومعنى للمبالغة فى تحقق وقوعه ، وأنه بمنزلة ما وقع. ومنه قوله تعالى : ( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ... ) وجاز عدم اقترانه مراعاة للواقع وأنه مستقبل فى حقيقته وليس ماضيا. ويندرج تحت الوعد والوعيد ما كان غير صريح فى أحدهما ولكنه ملحوظ فى الكلام ، مراد منه ؛ فيدخل الدعاء فى قول جميل يخاطب غراب البين ، داعيا عليه :
فإن كان حقّا ما تقول فأصبحت *** همومك شىّ ، والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك فيهمو *** كما قد ترانى بالحبيب أدور
ويدخل التخويف وبيان العواقب كالذى فى قول النابغة الجعدى :
الحمد لله لا شريك له *** من لم يقلها فنفسه ظلما
أى : فظلم نفسه.
(د) قد ينزل بعض الظروف منزلة الشرط فيكون مضافا لجملة بعده مباشرة ، ومنصوبا لعامل فى الكلام المتأخر عنها ، المترتب عليها ؛ كأنه جواب لها ، معلق عليها ؛ كتعليق الجملة الجوابية على الشرطية ، ومن الأمثلة لذلك قوله تعالى فى موقف الكفار من القرآن الكريم : ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) ، وقد سبق (1)تفصيل هذه المسألة ، وبيان صورها المختلفة.
(ه) بمناسبة الكلام على جواب الشرط وجزمه نذكر ما يجيزه الكوفيون من جواز جزم المضارع الواقع - مباشرة - فى جملة بعد جملة الصلة ، أو فى جملة بعد الجملة الواقعة صفة لنكرة ، بشرط أن تكون الجملة المشتملة على المضارع المراد جزمه بمنزلة الجواب والجزاء لجملة الصلة ، أو الصفة. ففى مثل : الذى يكرمنى أكرمه - وكل رجل يقول الحق أحترمه - يجيزون جزم المضارعين : «أكرم» ، و «أحترم» لأن جملة كل منهما على اعتبارهما بمنزلة جوابين للصلة والصفة ، شبيهة بجملة الجواب للشرطية ؛ كلتاهما مترتبة على الجملة التى قبلها. فلا مانع عندهم من جزم المضارع هنا كجزمه هناك.
1) فى الجزء الثانى ، باب الظرف ، م 79 «و» من ص 222 وفى رقم 3 من هامش ص 229 ثم فى باب الاستثناء (ج 2 م 83 هامش ص 279 عند شرح بيت ابن مالك : «وحيث جرا فهما حرفان ..» وفى باب حروف الجر ، م 89 رقم 2 من هامش ص 344).
وهذا قياس مرفوض ؛ فالحجة القوية هى السماع عن العرب. وما عرضه الكوفيون من أمثلة قليلة غير صالح لتأييد دعواهم. فوجب الاقتصار على المسموع القليل ، دون القياس عليه. وإنما سجلنا رأيهم هنا لنعرف به ذلك الوارد المسموع دون محاكاته.
أحكام عامة تختص بجملتى الشرط والجواب معا
ما يختص بهما من ناحية نوعهما ، وكيفية إعراب فعلهما :
جملة الشرط لا بد أن تكون فعلية ، وفعلها ، وحده ، هو فعل الشرط - كما عرفنا - ؛ سواء أكانت ماضوية أم مضارعية. فلها من هذه الناحية صورتان. أما جملة الجواب فقد تكون فعلية - ماضوية (1)أو مضارعية - وقد تكون اسمية بشرط اقترانها بالفاء ، أو ما يخلفها ، طبقا لما سبق (2).
والصور السالفة كلها صحيحة. ولكنها - مع صحتها - مختلفة الدرجة فى قوة الفصاحة والسمو البلاغى ؛ فبعضها أقوى وأسمى من الآخر ؛ تبعا لنصيبه من كثرة الاستعمال الوارد فى الأساليب العالية المأثورة. وقد يختلف فى ضبط المضارع وإعرابه.
هذا ، ويلاحظ : أن الماضى فى الجملتين قد يكون ماضيا لفظا ومعنى ؛ بحسب أصله قبل مجىء أداة الشرط الجازمة ، فإذا جاءت جعلته ماضيا لفظا ، لا معنى ، لأنها تجعل زمنه مستقبلا (3)؛ فيظل ماضيا بلفظه وصورته ، دون زمنه الذى تغير فصار بسببها مستقبلا. كما يلاحظ أن المضارع فى الجملتين قد يكون مضارعا لفظا ومعنى بحسب أصله ، فإذا دخلت عليه «لم» الجازمة تركته مضارعا لفظا لا معنى ؛ لأنها تجعل زمنه ماضيا ؛ فيظل مضارعا بلفظه وصورته ، دون زمنه الذى تغير وصار زمنا ماضيا. وإذا سبقتهما معا أداة شرط جازمة خلّصت زمنه للمستقبل المحض ، بالرغم من وجود : «لم» ، ذلك أن أداة الشرط الجازمة لا بد أن تخلص زمن الفعل فى الجملة الشرطية ، وفى الجملة الجوابية - للمستقبل المحض ؛ سواء أكان هذا الفعل مضارعا أصيلا ، أم كان ماضيا أصيلا (أى : ماضيا لفظا ومعنى) أم ماضيا معنى فقط دون لفظ - كالمضارع المسبوق بالحرف «لم» ؛ فإن صورته صورة المضارع ، ولكن زمنه ماض ، بسبب «لم» فهذه الأفعال تتجرد للزمن المستقبل وحده ؛ بسبب أداة الشرط الجازمة (4)وفيما يلى ترتيب درجاتها :
الأولى : أن يكون الفعلان مضارعين أصيلين مجزومين ، لفظا (1)بأداة الشرط لأن أحدهما فعل الشرط ، والثانى هو فعل الجواب المباشر (2)؛ كقوله تعالى : ( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ؛ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ ) ، وقوله تعالى: ( وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ) (3)وقوله تعالى : ( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ .... )
الثانية : أن يكون الفعلان ماضيين لفظا ؛ فيبنيان لفظا ويجزمان محلا - أى : أن كلا منهما مبنى فى لفظه ؛ (كالشأن فى الأفعال الماضية كلها) ولكنه فى محل جزم ؛ لأنه فعل الشرط ، أو فعل الجواب ، والأصل فى فعلى الشرط والجواب أن يكونا مضارعين مجزومين لفظا ؛ فكذلك يجزم ما يحلّ محلهما. ولما كان الماضى لا يجزم لفظا وجب جزمه محلا (4). ومن الأمثلة : من أسرف فى الأمل. قصّر فى العمل ، وقول الشاعر :
ومن دعا الناس إلى ذمه *** ذموه بالحق وبالباطل
وقول الآخر :
إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا *** على الهوان ، وإن أكرمتهم فسدوا
ويدخل فى هذه الدرجة الماضى معنى دون لفظ - وهو المضارع المسبوق بالحرف «لم» ؛ نحو : إن لم تتأهب للأعداء لم تتغلب عليهم - من لم يهيئ للغاية
1) هذا إن لم تتصل بالمضارع إحدى النونين ، فإن اتصلت به إحداهما كان مبنيا فى محل جزم ؛ كما فى ص 263.
2) أى : الذى يعتبر وحده فعل الجواب مجزوما ، وهو مع فاعله جملة فعلية هى جملة الجواب ؛ وليست فى محل جزم. بخلاف ما لو كان المضارع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هى الجملة الجوابية ، فى محل جزم - كما سيجىء فى هامش ص2. ففى هذه الصورة وأمثالها لا يكون المضارع هو فعل الجملة الجوابية إذ الجملة المضارعية هنا خبر لمحذوف ، وليست هى الجواب ، وليس المضارع فيها مجزوما.
3) أول الآية : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ، وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ... )
4) لهذا الجزم المحلى آثاره فى التوابع ؛ كالعطف والبدل وغيرهما. فإذا عطف عليه مضارع متحد معه فى الزمن وجب جزم المضارع. وإن أبدل منه مضارع جزم أيضا ، وهكذا. وإن عطف عليه ماض كان مبنيا فى اللفظ مجزوم المحل.
وسائلها عوقب بالخيبة فى إدراكها - من قصّر فى الوسيلة لم يفز بتحقيق الأمل - وقد سبق (1)الكلام على إعراب المضارع المسبوق «بلم».
الثالثة : أن يكون فعل الشرط ماضيا - ولو معنى - وفعل الجواب مضارعا أصيلا كقوله تعالى : ( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) . فالماضى مبنى فى محل جزم ، والمضارع المجرد مجزوم مباشرة. ومثل ؛ من لم يغتنم الفرصة يعاقب بالحرمان ، ويجوز رفع المضارع ، وهذا حسن ، ولكن الجزم أحسن (2)...
الرابعة : أن يكون فعل الشرط مضارعا أصيلا مجزوما ، وفعل الجواب ماضيا - ولو معنى - وهذه الصورة أضعف الصور حتى خصّها بعض النحاة بالضرورة الشعرية. ولكن الصحيح أنها ليست مقصورة على الشعر ، وإنما تجوز فى النثر مع قلتها. ومن أمثلتها نثرا قول النبى عليه السّلام (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له.) وقول عائشة عن أبيها وهى تحدث الرسول عليه السّلام : «إن أبا بكر رجل أسيف (3)؛ متى يقم مقامك (4)رقّ». ومن أمثلتها شعرا قول القائل يمدح ناصره :
من يكدنى (5)بسيّئ كنت منه *** كالشّجا بين حلقه والوريد
وقول الآخر فى أعدائه :
إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا *** منى ، وما يسمعوا من صالح دفنوا ... (6)
وماضيين أو مضارعين *** تلفيهما ، أو متخالفين
1) فى رقم 1 من هامش ص 389.
2) وسيجىء هذا الحكم فى الصفحة التالية وفيها أمثلة للرفع المطلوب هنا.
3) كثير الأسف والحزن والبكاء ؛ خوفا من اللّه.
4) تريد : متى يقم مقامك فى الصلاة إماما بالناس وقت تخلفك عن الإمامة.
5) كاد ، يكيد ، كيدا - خدع ومكر.
6) وفى نوعى الفعلين يقول ابن مالك فى بيت أشرنا إليه فى ص هامش 398 لمناسبة هناك :
ما يختص بهما من ناحية رفع المضارع فى الجواب وجزمه :
الأصل أن يكون المضارع فى الجواب مجزوما. لكن يصح جزمه ورفعه إن كان فعل الشرط ماضيا - لفظا ومعنى ، أو معنى فقط ؛ كالمضارع المجزوم بلم ، فكلا الضبطين حسن ، ولكن الجزم أحسن. - كما أشرنا (1)- وقد سبقت أمثلة الجزم. ومن أمثلة الرفع قول الشاعر يمدح :
وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول : لا غائب مالى ، ولا حرم (2)
وقول المتغزل :
إن رأتنى تميل عنى كأن لم *** يك بينى وبينها أشياء
وقولهم : من لم يتعود الصبر تودى به العوادى.
فإن كان فعلا الشرط والجزاء مضارعين لفظا ومعنى وجب جزمهما إلا على رأى ضعيف يجيز رفع المضارع الواقع جوابا فى النثر وفى النظم ؛ مستدلا بقراءة من قرأ قوله تعالى : ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) برفع المضارع «يدرك» ، وبقول الشاعر :
يا أقرع بن حابس يا أقرع *** نك إن يصرع أخوك تصرع
وقول الآخر يخاطب جمله :
فقلت : تحمل فوق طوقك إنها *** مطبّعة ، من يأتها لا يضيرها (3)
والأفضل إهمال هذا الرأى قدر الاستطاعة ، منعا للخلط واللبس ، ولأن ذلك الاستدلال واه. فرواية القراءة المذكورة موضع شك. وبقية الأمثلة قليلة ، فوق أنها مقصورة على الشعر ولذا قال بعض النحاة ؛ إنه لا يصح الرفع مطلقا إلا فى الضرورة الشعرية.
لكن كيف نعرب المضارع المرفوع فى جملة الجواب كالحالتين السالفتين؟ ا - الخير : أن نواجه الحقيقة والأمر الواقع ؛ فنقول عند وقوعه مرفوعا فى الشعر وليس له معمول متقدم على الأداة : إنه جواب الشرط ، مرفوع للضرورة أو على لغة ضعيفة. وعند وقوعه فى النثر : إنه مرفوع ، محاكاة لتلك اللغة.
ولا داعى للتأويل المرهق ، والتقدير ، وافتراض الحذف ، أو التقديم ، أو التأخير ، رغبة فى الوصول إلى وسيلة تخرجه من نطاق جواب الشرط المرفوع بضعف ، إلى نطاق شىء آخر يبيح رفعه بغير ضعف وبغير أن يكون جواب شرط. وفى هذا ما فيه من التكلف الذى لا يطابق الواقع. فوق ما يوجه إليه من اعتراضات أخرى (1)
«ا» يقول سيبويه : إن المضارع المرفوع بعد فعل الشرط الماضى . مثل : إن رأتني تميل عنى .. . ليس هو جواب الشرط وإنما هو دليل على الجواب ، وتسميته بالجواب : تساهل أو مجاز لدلالته على الجواب. والجواب الحقيقى محذوف وهذا المضارع المرفوع قد تأخر مع فاعله عن موضعهما الأصلي الذي يسبق أداة الشرط. والأصل عنده : تميل عنى إن رأتني تمل. فالجواب محذوف دل عليه جملة : تميل عنى). وهذه الجملة المتقدمة على أداة الشرط قد تركت موضعها وجاءت متأخرة عن الجملة الشرطية ؛ ففى الكلام حذف الجواب ، وتأخير ما يدل عليه. وعلى هذا لا يجوز جزم ما عطف على هذا المضارع ، ويجوز أن يفسر ناصبا للاسم الذي قد يكون قبل الأداة ؛ مثل : محمدا إن جاء أكرمه وأرعاه وقال الكوفيون والمبرد : إن المضارع وما يتصل به هو الجواب ، ولكن على تقدير «الفاء» التي تدخل على الجواب أحيانا ؛ فتقوم فى إفادة الربط بين جملتى الشرط والجواب مقام جزم الفعل ، ولا يجزم معها الفعل ؛ استغناء بها في الربط عن الجزم . كما سبق في ص 429 .. ويعرب هذا المضارع المرفوع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هي جواب الشرط فى محل جزم. ويجب عندهم رفع المضارع فى هذه الصورة ؛ لأن المضارع الواقع في حيز «فاء» الربط على الصورة السالفة واجب الرفع بالرغم من أن الفاء هنا مقدرة . سواء أكان فعل الشرط ماضيا ، نحو قوله تعالى : (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ) أم مضارعا كقوله تعالى : (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رهقاً.) ففى الكلام . عندهم حذف الفاء وتقدير وجودها ، وحذف المبتدأ ، وتكوين جملة منه ومن خبره تعرب جواب الشرط ، وجملة الجواب في محل جزم ، فيجوز العطف عليها بالجزم ، ولا يصح أن يكون لها معمول مقدم ولا أن تفسر عاملا. وهذا الرأى . برغم ما فيه . أقرب من رأى سيبويه إلى القبول.
وهناك رأى ثالث قد يكون أقربها إلى السداد . برغم ما فيه أيضا . وملخصه : أن المضارع مرفوع لا لسبب مما ذكر ، ولكن لأن أداة الشرط لم يظهر لها تأثير فى لفظه ؛ لأنها عجزت عن التأثير فى لفظ فعل الشرط الماضي فضعفت عن الوصول إلى المضارع لتؤثر فى لفظه أيضا !! وهذا التعليل واضح الفساد. فما السبب في عجزها هنا وعدم عجزها حين تجزم المضارع مع فعل الشرط الماضى مع أن فعل الشرط ماض فى الحالتين؟ ومن ثم يظهر فساد التعليل ؛ . برغم ما سجله من أن الأداة عجزت عن التأثير فى لفظ المضارع وهذا نوافقه عليه . وهو فوق ذلك مقصور على إحدى الحالتين. فلا يشتمل على الآتية :
«ب» ويقول سيبويه : فإن كان المضارع مرفوعا بعد فعل الشرط المضارع فإن تقدم على أداة الشرط عامل يطلب المضارع المتأخر المرفوع فالأفضل اعتبار هذا المضارع المتأخر منقولا من مكان سابق على أداة الشرط وأنه ترك مكانه الأصلى وتأخر عنه إلى المكان الذي حل فيه بعد الجملة الشرطية فهو دليل الجواب وليس جوابا حقيقيا إلا من باب التساهل أو المجاز. ويجب عنده اعتبار هذا المضارع الذى تأخر من تقديم معمولا هو وفاعله للعامل المحتاج إليهما قبل أداة الشرط. ففى المثال السالف : (إنك إن يصرع أخوك تصرع). يكون المضارع «تصرع» مع فاعله خبر «إنّ» وتكون هذه الجملة الفعلية قد تأخرت من مكانها الأصلى كما سبق. وإن لم يوجد قبل أداة الشرط عامل يحتاج للمضارع المرفوع وجب تقدير الفاء ، والمضارع بعدها مع فاعله خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره فى محل جزم ، جواب الشرط ...
ويرى الكوفيون والمبرد ومن معهم تقدير الفاء هنا كما قدروها هناك (فى «ا») ويتساوى عندهم أن يكون فعل الشرط ماضيا وأن يكون مضارعا. وهذا خير من رأى سيبويه.
.1) من أمثلة هذا التكلف والإرهاق ما يقوله سيبويه وبعض أئمة النحاة :
ب - فإن كان له معمول متقدم على الأداة فأكثر النحاة يميل إلى رفع المضارع ، وفى هذه الصورة يكون المضارع دليل الجواب وليس جوابا حقيقيّا ؛ نحو : طعامنا إن تزرنا تأكل ، فطعام - بالنصب - مفعول مقدم للمضارع : «تأكل» الذى يعتبر دليل الجواب المحذوف ، ولا يصح أن يكون جوابا حقيقيّا ، لأن الجواب الحقيقى لا يتقدم هو ولا شىء من معمولاته على الجملة الشرطية ، ولا على الأداة كما سلف (1)-.
أما لو جعلنا كلمة «طعام» مرفوعة على اعتبارها مبتدأ فالأحسن الأخذ بالرأى الأقوى الذى استخلصناه من عدة آراء ، وشرحناه ... (2)
وبعد ماض رفعك الجزا حسن *** ورفعه بعد مضارع وهن - 6
ثم أردفه ببيتين سبق شرحهما فى مكانهما الأنسب من ص 433 ، وهما :
واقرن «بفا» حتما جوابا لو جعل *** شرطا ل «إن» أو غير هالم ينجعل - 7
وتخلف «الفاء» «إذا المفاجأه» *** كإن تجد إذا لنا مكافأه - 8
... 8ما يختص بهما من ناحية عطف مضارع على أحدهما :
(ا) إذا وقع بعد جملة الجواب - ولو كانت اسمية ، لأنها فى محل جزم - مضارع مقرون بالواو أو الفاء ، جاز فيه ثلاثة أوجه إعرابية ؛ يختار منها المتكلم والمعرب ما يناسب السياق ، ويساير معنى التركيب (1).
أولها : اعتبار «الواو» و «الفاء» حرفى استئناف ؛ فالجملة بعدهما استئنافية مستقلة فى إعرابها عما قبلها ، والمضارع فيها مرفوع - إن كان مجردا من ناصب وجازم ، ومن نونى التوكيد - ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ ؛ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) ، برفع المضارع «يغفر» بعد فاء الاستئناف ، وقوله تعالى : ( مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، برفع المضارع : «يذر» بعد واو الاستئناف ، وقول الشاعر يمدح :
فإن يهلك أبو قابوس (2)يهلك *** ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب (3)عيش *** أجبّ (4)الظّهر ، ليس له سنام
برفع المضارع : «نأخذ» بعد واو الاستئناف.
ثانيها : اعتبار الفاء للسببية والواو للمعية - وهما عاطفان أيضا مع السببية والمعية - والمضارع بعدهما منصوب «بأن» مضمرة وجوبا (بالتفصيل الذى سبق إيضاحه عند الكلام على فاء السببية ، وواو المعية) (5). كالأمثلة التى سبقت فى الوجه الأول ،
1) كل وجه من هذه الثلاثة يقوم على اعتبار معنوى خاص به ، يخالف الآخر ، وواجب المتكلم والمعرب اختيار الوجه الإعرابى الذى يقوم على الاعتبار المناسب للسياق ، ولما يقتضيه المعنى. ومن الخطأ الزعم أن هذه الأوجه الثلاثة تصلح لكل أسلوب ، وتباح فى كل تركيب بغير تقيد بهذا الاعتبار المعين الخاص ، وإلا صارت اللغة فوضى بسبب محو القيود ، أو إهمالها ، وإهمال الاعتبارات التى تميز المعانى بعضها من بعض.
2) هو النعمان بن الحارث الأصغر.
3) ذنب - عقب.
4) مقطوع. يريد : لا ظهر له ولا سنام ، لضعفه وهزاله. فلا خير فيه.
5) فى ص 331 ، 354 ، وهامشهما. وقالوا فى سببه : إن الذى سوغ وقوعهما للسببية والمعية هنا ، دون أن يتحقق شرط إضمار «أن» بعدهما وجوبا ؛ - وهو النفى المحض ، والطلب المحض ، وما ألحق بهما ، مما شرحناه فى مكانه - أن جواب الشرط قبلهما غير متحقق الوقوع ؛ فمثله مثل النفى أو الطلب وملحقاتهما. فهم يريدون إرجاع النصب هنا إلى إستيفائهما شرطهما من الوقوع بعد النفى أو الطلب تأويلا ، ولكن السبب الحق هو الاستعمال العربى الذى نصب المضارع بعدهما مع عدم تحقق الشرط الأصلى. ومما تجب ملاحظته أن الأخذ بهذا الوجه وجعلهما للمعية والسببية - إنما هو اختيارى محض متروك أمره للمتكلم يختاره ، أو يختار غيره على حسب الاعتبار المناسب للسياق. لكن إذا اختارهما للسببية والمعية وجب نصب المضارع بأن ، ووجب أن تكون مضمرة. فالاختيار جائز، ولكن النتيجة المترتبة عليه حتمية.
ولكن بعد نصب الأفعال المضارعة : يغفر - يذر - نأخذ.
ثالثها : اعتبارهما حرفى عطف مجردين له - فلا يفيدان سببية ولا معية - والمضارع بعدهما مجزوم ؛ لأنه معطوف على جواب الشرط ؛ فإن كان جواب الشرط مضارعا مجزوما مباشرة ، فالمضارع المعطوف مجزوم مثله ، وإن كان فعل الجواب ماضيا فهو مجزوم محلا ، والمضارع المعطوف مجزوم لفظا ، مراعاة لمحل المعطوف عليه. وكذلك إن كان الجواب جملة اسمية أو فعلية ؛ فإنها تكون فى محل جزم ، والمضارع المعطوف عليها مجزوم لفظا تبعا لمحلها. كالأمثلة التى سبقت فى الوجه الأول ، ولكن بعد جزم الأفعال المضارعة : يغفر - يذر - نأخذ ، وكقول الشاعر :
ومن يتتبع - جاهدا - كل عثرة *** يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
والكوفيون يجعلون «ثم» كالواو فى الأوجه الثلاثة السالفة (1)؛ فكلاهما إما للاستئناف ، وإما للعطف الخالص ، وإما للعطف مع المعية ...
(ب) وإذا وقع المضارع المسبوق بأحد الأحرف السالفة بعد الجملة الشرطية مباشرة ، متوسطا بينها وبين الجملة الجوابية ، فأكثر النحاة يجيز فيه وجهين ؛ يختار منهما المتكلم والمعرب ما يناسب السياق.
أحدهما : اعتبار هذه الأحرف للعطف المجرد ، والمضارع بعدها مجزوم ؛ لأنه معطوف بها على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا ؛ كقوله تعالى : ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ، ومثل : من يتكلم فيسرف يكن عرضة للزلل ... أو : ويسرف ، أو : ثم يسرف. ومثل : من تكلم فيكثر ، أو ويكثر ، أو : ثم يكثر - كان عرضة للزلل ... بجزم الأفعال
1) وفريق آخر يزيد على أحرف العطف السالفة حرف العطف : «أو» ، ورأيه ضعيف كرأى الكوفيين هنا ، لضعف الشواهد التى تؤيده ، والتى يحسن عدم القياس عليها.
المضارعة : (يصبر - يسرف - يكثر ... (لأنها معطوفة والمعطوف عليه مجزوم لفظا أو محلا ؛ فهى تابعة له فى الجزم فتجزم لفظا.
والآخر : النصب على اعتبار الفاء للسببية مع العطف ، والواو للمعية مع العطف ، وثم - عند الكوفيين - للعطف مع المعية ، والمضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الثلاثة. ومن الأمثلة نصب الأفعال المضارعة السابقة كلها. وكذا نصب المضارع : «يخضع» فى قول الشاعر :
ومن يقترب منا ويخضع نؤوه *** فلا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
أما الاستئناف فيمنعه أكثر النحاة ؛ بحجة أنه لا يصح الاستئناف قبل أن تستوفى أداة الشرط جملتيها ؛ (الشرطية والجوابية معا) ؛ كى يتمّ المعنى المرتبط بأداة الشرط. ووضع الجملة الاستئنافية بين جملتى الشرط والجواب إنما هو إقحام لجملة أجنبية بين جملتين متلازمتين فى المعنى.
ويرى المحققون أن رفع المضارع المتوسط بين جملتى الشرط والجواب جائز بعد حرف مما سبق. وحجتهم أنّه لا مانع من اعتبار تلك الجملة الأجنبية جملة استئنافية معترضة وليست للاستئناف المحض. ورأيهم صحيح (1)
وقد يقال لم امتنع الرفع على الاستئناف المحض ، دون الخالى من صفة الاعتراض؟ أجابوا : أن الاستئناف
المحض يشعر بتمام الكلام قبله ، دون الاعتراض.
، ولا ضرر فى الأخذ به إن اقتضاه المعنى.وعلى هذا يجوز فى المضارع المسبوق بأحد أحرف العطف السابقة والذى تتوسط جملته بين جملتى الشرط والجواب - الأوجه الثلاثة ؛ وهى الرفع على اعتبار الجملة استئنافية اعتراضية ، والجزم بالعطف على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا ، والنصب على اعتبار «الواو» ، و «ثم» للعطف مع المعية ، و «الفاء» للعطف مع السببية ، وأن المضارع منصوب بأن مضمرة. وجوبا بعد الثلاثة ، وبهذا يكون حكمه واحدا بعد الأحرف السالفة ، لا يختلف باختلاف وقوعه بعد الجملة الجوابية ، أو توسطه بينها وبين الجملة الشرطية (2)
والفعل من بعد الجزا إن يقترن *** «بالفا» أو «الواو» بتثليث قمن
(قمن ، أى : جدير). والمراد بالتثليث الأوجه الثلاثة التى ذكرناها باعتباراتها المختلفة ، ولم يذكر «ثم» فى رأى الكوفيّين. وانتقل إلى حكم هذا المضارع إذا توسط بين جملتى الشرط والجواب ؛ فقال :
وجزم او نصب لفعل إثر «فا» *** أو «واو» ان بالجملتين اكتنفا
(إثر : بعد - اكتنف : أحيط) يريد : أن المضارع المسبوق بأحد هذين الحرفين يتعين نصبه أو جزمه إن اكتنفته الجملتان ، أى : أحاطت به جملتا الشرط والجواب. واقتصر على ما سبق دون بيان الشروط والأوجه والاعتبارات.
...1) لأنه تطبيق على ما قرره النحاة من جواز وقوع الجملة المعترضة بين جملتى الشرط والجواب ، واستدلوا بأمثلة من القرآن الكريم (راجع الجزء الثانى من المغنى ، باب الجمل التى لا محل لها من الإعراب ، وكذلك الصبان وحاشية ياسين على التصريح)
2) وفى المضارع المسبوق بالواو أو الفاء مع وقوعه بعد الجملة الجوابية يقول ابن مالك :
«ملحوظة» : إذا توسط المضارع بين جملتى الشرط والجواب ، ولم يسبقه أحد أحرف العطف السالفة أعرب «بدلا» ، إن كان مجزوما ، وأعربت جملته «حالا» - فى الغالب - إن كان مرفوعا. فمثال الأول :
متى تأتنا - تلمم بنا فى ديارنا - *** تجد حطبا جزلا ، ونارا تأجّجا
والثانى :
متى تأته - تعشو إلى ضوء ناره - *** تجد خير نار عندها خير موقد
ما يختص بهما من ناحية حذفهما معا :
يصح حذف الجملتين معا - فى النثر والنظم - بشرط أن تقوم قرينة تدل عليهما. والأغلب عند حذفهما أن تكون أداة الشرط هى «إن» مثل قول الشاعر فى فتيات ينصحن أخرى اسمها : سلمى - برفض الزواج من رجل فقير معدم :
قالت بنات العمّ : يا سلمى وإنن *** كان فقيرا معدما؟ قالت : وإنن (1)
التقدير : يا سلمى : أتتزوجينه وإن كان فقيرا معدما؟ قالت : وإنن ، أى : وإن كان فقيرا معدما أتزوجه ... ومن أمثلة حذفهما بعد أداة غير «إن» قوله عليه السّلام : من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا. التقدير : ومن لا يفعل فلا حسن منه. وكذا قول العرب : من يسلم عليك فسلم عليه ، ومن .
1) الأصل : «وإن» ... زيد عليه نون ساكنة جاءت لضرورة الشعر. وتسمى هذه النون بتنوين الضرورة ، كما تسمى بالتنوين الغالى ؛ إما لغلوه ؛ أى : زيادته ، وإما لغلوه ، أى : نفاسته ؛ بسبب قلته ...
لا فلا ، أى : ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه ، وقول الشاعر :
فإن المنية من يخشها *** فسوف تصادفه أينما ...
أى : أينما يذهب تصادفه (1)
والشرط يغنى عن جواب قد علم *** والعكس قد يأتى إن المعنى فهم
يريد : أن الجملة الشرطية قد تغنى عن الجملة الجوابية ، وتدل عليها عند حذفها. فلا مانع - فى هذه الحالة - من حذف الجوابية. كما أن العكس قد يقع. - وهو حذف الجملة الشرطية لدلالة الجوابية عليها ، وإغنائها عند حذفها. فالحذف فى الصورتين جائز ؛ بشرط القرينة الدالة ، وأن يكون المعنى المراد مفهوما بعد الحذف : فلا لبس ولا اضطراب فيه.
...أما حذف فعل الشرط وحده ، أو الجملة الشرطية كلها دون الجوابية فقد سبق (2)وكذلك سبق (3)الكلام على حذف الجملة الجوابية وحدها. .
تمهيد - جواب الشرط ، وجواب القسم :
كل واحد من الشرط والقسم يستدعى جوابا خاصّا به ، يتميز بعلامة أو أكثر ينفرد بها ، دون الآخر. فجواب الشرط الجازم لا بد أن يكون مجزوما إمّا لفظا ؛ لأنه «فعل» مضارع ، وإما محلّا لأنه فعل ماض. أو لأنه من النوع الذى يجب اقترانه «بالفاء» أو «بإذا» الفجائية ، وقد سبق بيان هذا كله ، وتفصيله (1).
أما جواب القسم فيختلف باختلاف نوعى (2)القسم ؛ وهما : «الاستعطافىّ» و «غير الاستعطافى». فإن كان القسم استعطافيّا - (وهو جملة طلبية يراد بها توكيد معنى جملة طلبية أخرى مشتملة على ما يثير الشعور والعاطفة ، وتعتبر جواب القسم) - فلا بد أن يكون جوابه جملة طلبية ؛ كقول الشاعر :
بعيشك يا سلمى ارحمى ذا صبابة ...
وقول الآخر :
بربك هل نصرت الحق يوما؟ *** وذقت حلاوة النصر المبين؟
فالقسم هو : «بعيشك ، وبربك». وكلاهما مع متعلقه - المحذوف هنا - جملة طلبية ، نراها فى المثال الأول تؤكد الجملة الطلبية التى بعدها والتى تشتمل على ما يحرك الوجدان ، وهى : «ارحمى». ونراها فى المثال الثانى تؤكد الجملة الطلبية التى تليها. والتى تشتمل كذلك على ما يحرك الوجدان ؛ وهى : «هل نصرت». ولا يكون جواب هذا النوع من القسم إلا جملة إنشائية.
1) فى رقم 6 من ص 428. وفى رقم 8 من ص 429.
2) سبق تفصيل الكلام على جواب القسم من نواحيه المختلفة فى المبحث الخاص به عند الكلام على أحرف القسم وجوابه ، وكل ما يتصل به مما لا غنى عن الرجوع إليه (وذلك فى الجزء الثانى ص 381 م 90) وفيه أن الجواب قد يكون شبه جملة. وفيه كذلك أن الكلام قد يشتمل على جملة قسمية ظاهرها مثبت ، ولكن معناها منفى ، وجواب القسم فيها جملة فعلية ما ضوية لفظا ، مستقبلة معنى ، مصدرة بإلا ، أو «لمّا» التى بمعناها : نحو : سألتك باللّه إلا نصرت المظلوم. و ... إلى غير هذا من التفصيلات والأحكام الهامة المدونة هناك ، وفى بعض الصفحات الأخرى التى أشير إليها فى ذلك الجزء.
وإن كان القسم غير استعطافى - (وهو ما جىء به لتوكيد معنى جملة خبرية ، وتقوية المراد منها (1)) - فلا بدّ له من جواب يكون جملة خبرية تختلف صورتها على النحو الذى سبق تفصيله فى مكان أنسب (2). وملخصه :
1 - إن كانت الجملة الجوابية مضارعية مثبتة أكّدت (3)باللام والنون معا ؛ نحو : واللّه لأبذلن جهدى فى مساعدة المحتاج. ومن القليل الجائز الاقتصار على أحدهما ، بالرغم مما يؤدى إليه هذا الاقتصار من نقص فى درجة السّمو البلاغى ، وقوة الأسلوب.
وتسمى هذه اللام المفتوحة : «لام جواب القسم» أو : «اللام الداخلة على جواب القسم». وهى غير لام الابتداء. والفرق بينهما كبير ، سبق إيضاحه (4).
2 - إن كانت الجملة الجوابية ماضوية مثبتة وماضيها متصرف ، فالغالب تصديرها «باللام» الجوابية و «قد» معا ؛ نحو : واللّه لقد فاز أهل المروءة والكرامة. ويجوز - بقلة - الاقتصار على أحدهما ، أو التجرد منهما. مع ما فى الأمرين من إهمال الكثير الفصيح.
فإن كان فعلها جامدا ، غير «ليس» فالأكثر تصديرها باللام فقط ، نحو واللّه لعسى التوفيق يصحب المخلص - أو : واللّه لنعم رجلا المخلص. فإن كان الماضى الجامد «ليس» لم يقترن بشىء ؛ نحو ؛ واللّه ليس طول العمر بالسنوات ، ولكن بجلائل الأعمال.
3 - إن كانت الجملة فعلية منفية بالحرف : «ما» ، أو : «لا» ، أو : «إن» وجب تجريدها من اللام ، سواء أكانت ماضوية أم مضارعية ؛ نحو : واللّه ما يحتمل العزيز الضيم - واللّه لا يحجب ثوب الرياء ما تحته - باللّه إن تحيا الأمة وأفرادها حياة العزة والقوة إلا بكرائم الأخلاق - ومثل : واللّه ما احتمل عزيز
1) ذلك أن من يقول : واللّه إنك لشريف المقصد - يخبر عن شرف مقصدك ، ويؤكد خبره هذا بما يقويه ؛ وهو : القسم.
2) باب «حروف الجر» - ج 2 م. 90 ص2. ومن المفيد الرجوع إليه ، وإلى ما فيه من الأمثلة.
3) وجوبا عند البصريين ، وكثيرا عند الكوفيين. وهؤلاء يجيزون الاقتصار على أحد الحرفين. والأحسن هنا الاقتصار على الرأى البصرى.
4) فى ج 1 م 53 ص 598 وهامشها. عند الكلام على «لام الابتداء».
ضيما - واللّه لا حجب ثوب الرياء ما تحته ، ولا دفع (1)عن صاحبه السوء ، أو : واللّه ما حجب ثوب الرياء ما تحته ، ولا دفع (2)عن صاحبه السوء - واللّه إن أوجد الكون العجيب إلا اللّه ، وإن أمسك السموات والأرض وما فيهما إلا المولى جل شأنه.
ومن الشاذ الذى لا يقاس عليه أن يكون جواب القسم جملة فعلية منفية مصدرة باللام (3)
لئن غبت عن عينى *** لما غبت عن قلبى
، أو : أن تكون أداة النفى فيها «لم» ومثلها : «لن» أيضا عند فريق من النحاة (4)واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد فى التراب دفينا
ومما تجب ملاحظته أن أداة النفى فى جواب القسم قد تكون محذوفة ، ولكنها ملحوظة يدل عليها دليل ؛ كقوله تعالى : ( تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ، ) أى : لا تفتأ(5)...
4 - إن كانت الجملة الجوابية اسمية مثبتة فالأغلب تأكيدها «باللام» و «إنّ» معا ، ويصح الاكتفاء بأحدهما ، ولكن الأول أبلغ ، نحو : تاللّه إن الخداع لممقوت ، وإن صاحبه لشقىّ - تاللّه إن الخداع ممقوت ، وإن صاحبه شقىّ - تاللّه للخداع ممقوت ، ولصاحبه شقىّ. ومن أمثلة الاقتصار على أحدهما قول الشاعر :
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إننى
إلى الجهل (6)فى بعض الأحايين أحوج (7)
ومن النادر تجردها منهما إن لم يطل (8)الكلام بعد القسم ؛ كقول أبى بكر فى نزاع بينه وبين عمر رضى اللّه عنهما ، واللّه أنا كنت أظلم منه. فإن استطال الكلام بعد القسم حسن التجرد ؛ كقول ابن مسعود : واللّه الذى لا إله غيره هذا .
1) هذه الجملة الماضوية معطوفة على السابقة الواقعة جوابا ؛ فهى جواب مثلها. وهكذا نظائرها.
2) هذه الجملة الماضوية معطوفة على السابقة الواقعة جوابا ؛ فهى جواب مثلها. وهكذا نظائرها.
3) كقول القائل :
4) مستدلا بمثل قول أبى طالب يعلن للنبى عليه السّلام مؤازرته وتأييده على قريش :
5) سبق إيضاح هذه المسألة ، ودليل الحذف فيها (فى ج 1 م 42 ص 510 باب كان وأخوتها).
6) الغضب ، وترك الحلم.
7) وهذا على اعتبار «اللام» موطئة للقسم. وجملة «إنّ» وما دخلت عليه جواب القسم : - طبقا للإيضاح الذى سلف فى ج 2 م 90 ص 385 -
8) عدم إطالته : ألا يذكر بعده تابع ، أو شىء آخر يتصل به.
مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وقول الشاعر :
وربّ السموات العلا وبروجها *** والأرض وما فيها - المقدّر كائن
ولا يصح اقتران الجملة الجوابية بالحرف «إنّ» إذا كانت مصدرة بحرف ناسخ من أخوات «إنّ» ؛ كقول بعضهم فى مدح رجل : واللّه لكأن القلوب والألسن ريضت له ؛ فما تعقد إلا على وده ، ولا تنطق إلا بحمده.
فإن كانت الجملة الاسمية منفية فحكمها حكم الجملة الفعلية المنفية «بما» ، أو «لا» ، أو «إن» من وجوب تجريدها من اللام والاقتصار فى نفيها على أحد هذه الحروف الثلاثة دون غيرها - كما سبق -.
من كل ما سبق يتبين أن الجواب المنفى - فى جميع أحواله - لا يتطلب زيادة شىء إلا أداة النفى قبله ، مع اشتراط أن تكون إحدى الأدوات الثلاث السالفة ؛ سواء أكان الجواب جملة فعلية أم اسمية.
والآن نعود إلى الكلام على اجتماع الشرط والقسم والاستغناء بجواب أحدهما عن الآخر :
(ا) إذا اجتمع شرط غير امتناعى (1)، وقسم فالأصل أن يكون لكل منهما جواب. غير أن جواب أحدهما قد يحذف اكتفاء بجواب الآخر الذى يغنى عنه ، ويدل عليه. ولهذا الحذف صور منها :
1 - أن يجتمع الشرط غير الامتناعى والقسم مع تأخر الشرط ، وعدم وجود شىء قبلهما يحتاج إلى خبر (2). وفى هذه الصورة يحذف - فى الأرجح - جواب المتأخر منهما - وهو الشّرط - نحو : واللّه من يراقب ربّه فى عمله لا يخاف شيئا. فالمضارع «يخاف» مرفوع ؛ لأنه فى جملة جوابية للقسم المتقدم ، وليس جوابا للشرط المتأخر ، المحذوف الجواب ، إذ لو كان هو الجواب لتحتم جزمه ، فقيل : يخف. ومثله قول الشاعر :
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة *** لقد سرّنى أنى خطرت ببالكا
فالجملة الفعليّة (سرّنى) جواب للقسم الذى تدل عليه «اللام» الأولى لتصدير هذه الجملة : «باللام وقد» معا ، وليست جوابا للشرط المتأخر عن «لام» القسم ؛ لأن الشرط لا يكون جوابه مقترنا «باللام وقد». فجوابه هنا محذوف. كحذفه فى البيت السالف ، وهو :
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إننى *** إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
فالجملة الاسمية المصدرة بالحرف الناسخ : «إنّ» هى جواب للقسم ، لا للشرط ؛ إذ لو كانت جوابا للشرط لاقترنت بالفاء.
أما عند تقدم الشرط فالأرجح أن يكون الجواب له وجواب القسم محذوف ؛ فنقول : من يراقب ربه واللّه يخشه الناس. وقول أحدهم : إن يكن واللّه لى نصف وجه ونصف لسان - على ما بهما من قبح منظر ، وسوء مخبر - يكن هذا أحبّ من أن أكون ذا وجهين.
وما وصفناه بأنه الأرجح فى الحالتين يراه كثير من النحاة واجبا لا يصحّ مخالفته (1)...
ويستثنى مما سبق أن يتأخر القسم وقبله الفاء الداخلة عليه مباشرة ، فإن الجواب يكون له برغم تأخره عن الشرط ، فنقول فى المثال السالف : من يراقب ربه فى عمله فو اللّه يخشاه الناس. فالمضارع : «يخشاه» مرفوع ، وهو مع فاعله جملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم وجملة القسم فى محل جزم جواب الشرط.
2 - إن اجتمع الشرط غير الامتناعى والقسم وسبقهما ما يحتاج إلى خبر ، فالأرجح أن يكون الجواب للشرط مطلقا ، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا ؛ نحو : القوانين واللّه من يحترمها تحرسه ، أو : القوانين من يحترمها واللّه تحرسه ؛ بجزم المضارع : «تحرس» فى الصورتين ، لأنه جواب للشرط ،
1) ويقولون لا فرق فى القسم بين أن يكون مذكورا ، أو مقدرا ويستدلون للمقدر بقوله تعالى : ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) لأن سقوط الفاء من صدر الجملة الاسمية ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) دليل على أنها ليست جوابا للشرط ؛ إذ لو كانت جوابا له لوجب اقترانها بالفاء ؛ طبقا للقاعدة الخاصة بهذا الاقتران (وقد سبق اللام عليها فى «8» من ص 429) وهو تعليل واهن أمام التعليل الآخر الذى يقول إن الفاء قد تسقط قبل الجملة الاسمية وغيرها مما يحتاج إلى اقترانه بالفاء أو بما ينوب عنها. وقد سبقت التفصيلات الخاصة بهذا فى : «ب» من ص 434.
وجواب القسم محذوف فيهما.
أما غير الأرجح فى كل ما تقدم (من 1 ، 2 - ما عدا القسم المقرون بالفاء) فيعتبر الجواب للشرط غير الامتناعى فى كل الحالات ، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا ، وسواء أكان قبلهما ما يحتاج إلى خبر أم لم يكن. ومن الأمثلة :
لئن منيت بنا عن غبّ معركة *** لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل (1)
يقول لعدوه. لو أصبت بنا بعد المعركة - حين يشتد التعب والإرهاق عادة ، فلن ترى منا تعبا ، ولا إرهاقا ، ولا تبروا وانفصالا من قتلانا - يجعلنا ننصرف، ونترك الأخذ بثأرهم ، والانتقام من أعدائهم.
وقول الآخر :
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا *** أصم (2)فى نهار القيظ للشمس باديا
فالمضارعان : «تلف» و «أصم» مجزومان مباشرة فى جواب «إن» الشرطية ، برغم تأخرها وتقدم لام القسم عليها (3)... ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر :
أما والذى لو شاء لم يخلق النّوى *** لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى
لأن وجود الفاء فى الجواب دليل على أنه للشرط ؛ إذ جواب القسم لا تدخله الفاء. ومثله قولهم (4): لئن أمهل اللّه الظالم فلن يفوت أخذه ، وهو له بالمرصاد.
ومما سبق نستخلص أن اجتماع الشرط غير الامتناعى والقسم يقتضى الاكتفاء بجواب واحد يكون - على الأرجح - للسابق منهما. أما المتأخر فجوابه محذوف يدل عليه المذكور. وأنه يستثنى من هذه القاعدة حالتان :
إحداهما : يكون الجواب فيها للقسم مع تأخره ، وهى التى يكون فيها القسم مبدوءا بالفاء.
1) (منيت بنا) : أصبت بنا ، وقدر عليك أن تلقانا. (غب) : بعد ، أو : عقب (لا تلفنا) : لا تجدنا. (ننتفل) : نتبرأ وننفصل.
2) أى : إن كان ما بلغك عنى صادقا فإنى أعاقب نفسى عليه بالصوم وبالوقوف باديا للشمس (أى : مكشوفا لها) فى يوم القيظ ، وهو اليوم الشديد الحر (وباديا حال من فاعل : أصم).
3) والبصريون يحكمون على هذا وأمثاله بالشذوذ ، أو بزيادة اللام وأنها ليست للقسم فلا تحتاج لجواب. وكل هذا تكلف وابتعاد عن الواقع. وخير منه ما قاله الخضرى : من أن اللام للقسم ، وجوابه هو أداة الشرط وما دخلت عليه من جملتيها ، وأن لهذا نظائر.
4) وهو منسوب لعلى رضى اللّه عنه.
والأخرى : يكون الجواب فيها للشرط مع تأخره عن القسم ؛ وهى التى يكونان فيها مسبوقين بما يحتاج إلى خبر ...
(ب) فإن كان الشرط امتناعيّا (وهو : لو - لولا - لوما) وتقدم ، فيتعين أن يكون الجواب له ، وأن يحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه. نحو : لولا رحمة المولى بعباده ، واللّه لأهلكهم بذنوبهم (1)
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم *** جواب ما أخرت ؛ فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر *** فالشرط رجّح مطلقا بلا حذر
وربّما رجّح بعد قسم *** شرط بلا ذى خبر مقدّم
.وإن كان القسم هو المتقدم على الشرط الامتناعى ، فالصحيح أن الجواب المذكور هو للشرط أيضا ، وأن الشرط وجوابه جواب للقسم ، لم يغن شىء عن شىء ، والجوابان مذكوران ، لم يحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه ؛ نحو : واللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ؛ فجملة : «ما اهتدينا» هى جواب «لولا». وهذه مع جوابها جواب القسم.
ويتّضح مما تقدم عند اجتماع الشرط الامتناعى والقسم أن الجواب للشرط الامتناعى ؛ سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا عنه. م
1) وفى أحكام الحذف السابقة يقول ابن مالك :
(ا) يصح أن تتوالى أداتان - أو أكثر - من أدوات الشرط بغير اتصال مباشر (1)؛ فتكون لكل أداة جملتها الفعلية الشرطية التى تليها مباشرة ، وتفصل بينها وبين الأداة التى بعدها. وتحتاج كل أداة بعد هذا إلى جملة جوابية تخضع للأحكام الآتية :
1 - إن كان التوالى بغير عطف (2)فالجواب للأداة الأولى وحدها ، ما لم تقم قرينة تعيّن غيرها. أما باقى الأدوات التالية فجوابه محذوف لدلالة جواب الأولى عليه. ومن الأمثلة ؛ من يعتدل فى شبابه ، من يحرص على سلامة جوارحه وحواسه - يسلم من متاعب الكهولة ، وويلات الشيخوخة. التقدير : من يعتدل فى شبابه يسلم ... من يحرص على سلامة حواسه يسلم ... ومثل قول الشاعر :
إن تستغيثوا بنا ، إن تذعروا - تجدوا *** منّا معاقل عزّ زانها كرم
التقدير : إن تستغيثوا بنا تجدوا ... إن تذعروا تجدوا ...
2 - إن كان التوالى بعطف بالواو فالجواب لهما ؛ لأن الواو للجمع. مثل : من يحجم عن نداء الخير ، ومن ينأ عن داعى المروءة - يعش بغيضا منبوذا. 3 - إن كان التوالى بعطف ب «أو» ، فالجواب لإحداهما - لأن «أو» - فى الغالب - لأحد الشيئين أو الأشياء. وجواب الأخرى محذوف يدل عليه المذكور. ومن الأمثلة : إن تغب عن عينى أو إن تحضر ، فلست عن خاطرى بغائب - من يكبره الناس لعلمه ، أو من يرفعوه لسمو خلقه - يعش بينهم سعيدا ...
4 - إن كان التوالى بعطف ب «الفاء» فالجواب للثانية ؛ (لأن الفاء تفيد الترتيب). والثانية وجوابها جواب للأولى ، نحو : إن تمارس عملا فإن تخلص فيه يحالفك الفوز والتوفيق.
وليس من اللازم أن تكون الفاء مذكورة ، فقد تكون ملحوظة يقتضيها السياق
وتدل قرينة على تقديرها. وفى هذه الحالة التى تحذف فيها مع تقديرها وملاحظتها ، لا تكون عاطفة ولا تعرب شيئا (1)، وإنما يقتصر أثرها على الفائدة المعنوية الملحوظة.
(ب) إذا توالى الاستفهام (2)والشرط فقيل الجواب للاستفهام ، لتقدمه ؛ نحو أإن تدع لأداء الشهادة على وجهها تستجيب؟ برفع المضارع : تستجيب. وقيل : «لا» وأن الجواب للشرط غالبا ؛ بدليل قوله تعالى : ( أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ) ؛ إذ لو كانت الجملة الاسمية : (هم الخالدون) ، جوابا للاستفهام ما دخلتها الفاء ؛ لأن الفاء لا تدخل فى جواب الاستفهام ، وإنما تدخل فى جواب الشرط إذا كان جملة اسمية أو غيرها مما لم يستوف شروط الجواب - كما عرفنا (3)-.
والصحيح أن تعيين الجواب لأحدهما خاضع للقرينة التى تتحكم فيه ؛ فتجعله لهذا أو لذاك ، دون أن يختص به واحد منهما فى كل الأساليب.
هى نوعان : شرطية امتناعية ، وشرطية غير امتناعية ، وكلا النوعين حرف ، واستعماله قياسىّ.
(ا) «لو» الشرطية الامتناعية ؛ معناها ، وأحكامها النحوية :
فأما معناها فأمران مجتمعان ؛ هما : (إفادة الشرطية ، وأن هذه الشرطية لم تتحقق فى الزمن الماضى ، فقد امتنع وقوعها فيه).
فإفادتها الشرطية تقتضى تعليق شىء على آخر ؛ وهذا التعليق يستلزم - حتما - أن يقع بعدها جملتان ، بينهما نوع ترابط واتصال معنوى ؛ يغلب أن يكون هو «السببيّة» فى الجملة الأولى ، و «المسببية» فى الجملة الثانية ؛ نحو : لو تعلّم الجاهل لنهضت بلاده ، لكنه لم يتعلم - لو عفّ السّارق لنجا من العقوبة التى نزلت به - لو أتقن الصانع بالأمس ما بارت صناعته. فالجملة الأولى من المثال الأول هى : (تعلّم الجاهل) ، والثانية هى : (نهضت بلاده) وبين الجملتين ذلك الارتباط المعنوى ؛ لأن نهضة البلاد مسببة عن تعلّم الجاهل ؛ ولذا تسمّى الأولى : «جملة الشرط» ، وتسمى الثانية : «جملة الجواب» (1). ومثل هذا يقال فى الأمثلة الأخرى.
وإفادتها امتناع المعنى الشرطى فى الزمن الماضى تقتضى أن شرطها لم يقع فيما مضى ، (أى : لم يتحقق معناه فى الزمن السابق على الكلام) فهى تفيد القطع بأن معناه لم يحصل (2). كما تفيد أن تعليق الجواب عليه كان فى الزمن الماضى أيضا (3)،
1) سبق الكلام على معنى الجواب عند الكلام على «إذن» الناصبة - ص 290 - وعند الكلام على «فاء السببية» ص 332 ومما يوضح معنى الشرط ما سبق فى رقم 6 من هامش ص 395.
2) فكأنها معه بمنزلة حرف نفى ، ينفى معنى الجملة التى يدخل عليها. مع أنها ليست حرف نفى ، ولا يصح إعرابها حرف نفى ، بالرغم من أنها فى هذا الموضع تؤدى ما يؤديه حرف النفى من سلب المعنى فى الزمن الماضى. ويزداد وضوح هذا بالضابط الذى فى هامش الصفحة الآتية.
3) هناك أداتان أخريان للربط الامتناعى هما : «لولا» و «لوما» وحكمهما يخالف حكم «لو». وسيجىء تفصيل الكلام عليهما فى ص 477 و 479.
على خلاف المعهود فى التعليق بالأدوات الشرطية الجازمة ، حيث يتعين الاستقبال فى شرطها وجوابها معا - على الأغلب - (1)
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة *** كفانى ، - ولم أطلب - قليل من المال
أى : لكن لم يثبت أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... وقوله :
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت *** ولكن حمد الناس ليس بمخلد
ومنه قوله تعالى : ( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ، وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ... ) أى : ولكن لم يكن حمد ... - : ولكن لم أشأ ذلك فحق القول منى ... وقول الحماسى :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
ثم قال :
لكنّ قومى وإن كانوا ذوى عدد *** ليسوا من الشر فى شىء وإن هانا
إذ المعنى : لكننى لست من مازن ، بل من قوم ليسوا فى شىء من الشر وإن هان ، وإن كانوا ذوى عدد.
.ويترتب على امتناع الشرط هنا وعدم وقوعه امتناع جوابه تبعا له ، إذا كان فعل الشرط هو السبب الوحيد فى إيجاد جوابه وتحقيقه ، وليس هناك سبب آخر للإيجاد والتحقيق ؛ لأن امتناع السبب الوحيد الموجد للشىء يؤدى حتما إلى امتناع المسبب عنه ، المترتب عليه ؛ نحو : لو طلعت الشمس أمس لظهر النهار ؛ فقد امتنع فعل الشرط وهو السبب الوحيد ؛ فامتنع له الجواب - وهو المسبب عنه - إذ ظهور النهار متوقف على طلوع الشمس دون شىء آخر ؛ فلا يمكن أن يظهر إلا بطلوعها ما دام طلوعها هو السبب الفرد فى إيجاده.
فإن كان للجواب سبب آخر فلا يتحتم الامتناع بامتناع هذا الشرط ، لجواز أن يؤدى السبب الآخر إلى إيجاد الجواب ، وتحقيق معناه (2)؛ نحو : لو طلعت الشمس أمس لكان النّور موجودا. فطلوع الشمس هنا ممتنع ، أما الجواب .
1) هناك ضابط يميز «لو الامتناعية» من غيرها ؛ هو - كما جاء فى المغنى فى هذا الباب - : أن يصح فى كل موضع استعملت فيه أن تعقبه بحرف الاستدراك داخلا على فعل الشرط ، منفيا لفظا أو معنى تقول : لو جاءنى لأكرمته ، لكنه لم يجئ ، ومنه قوله :
2) وبمراعاة هذا الأساس تدخل صور كثيرة بغير حاجة إلى تأويل أو تقدير اضطر إليه النحاة فى مثل : فلان لو لم يخف ربه لم يعصه.
فيصح أن يكون غير ممتنع - برغم امتناع الشرط - إذا وجد سبب آخر غير الشمس يحدثه ؛ كمصباح مضىء ؛ أو برق ، أو نار ... فالشرط فى هذا المثال ليس السبب الفريد فى إحداث الجواب ؛ فامتناعه لا يستلزم ولا يوجب امتناع جوابه ؛ فقد يمتنع الجواب حينا ؛ ولا يمتنع حينا آخر ؛ على حسب ما تقضى به القرائن والمناسبات.
ومن الأمثلة لامتناع الجواب امتناعا حتميّا تبعا للشرط : لو توقفت الأرض عن الدوران لهلك الأحياء جميعا من شدة البرد أو الحر - لو سكنت الأرض ما تعاقب الليل والنهار - لو امتنع الغذاء لمات الحى - لو اختلت الجاذبية الكونية لا نفرط عقد الكواكب والنجوم - لو توقف القلب عن النبض نهائيّا لمات الحيوان ...
ومن أمثلة امتناع الشرط دون أن يستلزم امتناع الجواب استلزاما محتما : لو تعلم الفقير لا غتنى - لو استقلّ المسافر الطائرة لبلغ غايته - لو قرأ الريفىّ الصحف لعلم أهم الأخبار العالميّة - لو واظب الغلام على السباحة لقوى جسمه - لو استشار المريض طبيبه لشفى ... فالجواب فى هذه الأمثلة ليس حتمىّ الامتناع ؛ إذ الشرط ليس السبب الوحيد فى إيجاده ، فهناك ما يصلح أن يكون سببا للإيجاد سواه.
ومما تقدم يتبين خطأ التعبير الشائع على ألسنة المعربين وهو : «أنها حرف امتناع لامتناع» ؛ يريدون : أنها حرف يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط. وإنما كان هذا خطأ لما قدمناه من أن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجواب ؛ فقد يستلزمه ، أو لا يستلزمه - طبقا للبيان السالف - إلا إن كان غرضهم أن ذلك الامتناع هو الكثير الغالب.
والصواب ما ردده سيبويه من أنها : حرف يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره ، أى : لما كان سيقع فى الماضى ؛ لوقوع غيره فى الماضى أيضا. وهذه العبارة صحيحة دقيقة ، لا تحتاج إلى تأويل ، أو تقدير ، أو زيادة.
وأما أحكامها النحوية (1)فإنها أداة شرطية قياسية الاستعمال ؛ لا تجزم على
1) هذه الأحكام الخاصة غير احكام أخرى مشتركة بين نوعى : «لو» وستجىء فى ص 464.
الرأى الأرجح (1)، ولا بد لها - كما سبق - من جملتين بعدها ؛ أولاهما : «الشرطية» ، تليها : «الجوابية والجزائية». والأغلب أن تكون الجملتان فعليتين ، ماضويتين لفظا ومعنى معا ، أو معنى فقط (بأن يكون الفعل مضارعا مسبوقا بالحرف : «لم»).
والفعل الماضى فيهما باق على مضيه ؛ فلا يتغير زمنه بوجود «لو» الامتناعية. ومن الأمثلة : لو تراحم الناس لعاشوا إخوانا ، لم يعرفهم البؤس ، ولا الشقاء ، ولا العداء. وقول الشاعر :
إن أرضا تسرى (2)إليها لو اسطا *** عت (3)لسارت إليك قبل مسيرك
وقولهم : لو لم يثق المرء بعدل الخالق لعاش معذبا باليأس ، ولو لم يطمئن إلى حكمته لاحترق بنار الشك.
فإن جاء بعدها مضارع لفظا ومعنى قلبت زمنه للمضى مع بقاء لفظه على حاله ، ومن الأمثلة : لو يجىء الضيف أمس لأكرمته. وقول الشاعر :
رهبان مدين ، والذين عهدتهم *** يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها *** خرّوا لعزة ركّعا وسجودا
والمراد : لو جاء الضيف ... لو سمعوا.
ولجوابها أحكام أخرى - غير المضى - يشترك فى أكثرها جواب «لو» غير الامتناعية ، وسنعرفها (4).
(ب) «لو» الشرطية غير الامتناعية (5). معناها ، وأحكامها (6)النحوية : هى قليلة الاستعمال ولكن استعمالها قياسى - ومن أمثلها : لو يشتد الحرفى العطلة الصيفية المقبلة أصطاف فى جهات معتدلة ...
فأما معناها فالدلالة على الشرطية الحقيقية ؛ وهى التى تقتضى تعليق أمر على آخر وجودا وعدما فى المستقبل ، ولا بد لها من جملتين ؛ ترتبط الثانية منهما بالأولى
ارتباط المسبب بالسبب - غالبا - بحيث لا يتحقق فى المستقبل معنى الثانية ، ولا يحصل إلا بعد تحقق معنى الأولى وحصوله فى المستقبل ؛ فكلاهما لا يتحقق معناه إلا فى المستقبل. غير أن معنى الثانية مترتب على معنى الأولى الذى لا يمتنع هنا. وبهذين تختلف «لو» غير الامتناعية عن «لو» الامتناعية التى تقتضى أن يكون ارتباط جملتيها فى زمن ماض فقط ، وأن شرطها ممتنع ، فيمتنع له الجواب بالتفصيل السّالف. ومن ثمّ قال النحاة : إن «لو» الشرطية غير الامتناعية شبيهة «بإن الشرطية» ؛ فهما يفيدان - غالبا - (1)تعليق الجواب على الشرط ، ويوجبان أن يكون زمن الفعل فى جملتى الشرط والجواب مستقبلا ، مهما كان نوع الفعل وصيغته ، كما يوجبان أن يكون زمن الجواب مستقبلا.
وأما حكمها النحوى فمقصور على أنها أداة شرطية حقيقية ، ولكنها لا تجزم - - على الرأى الأرجح - ولا بدّ لها من الجملتين بعدها ؛ أولاهما جملة الشرط ، والأخرى جملة الجواب. والأغلب أن يكون فعل الشرط وفعل الجواب مضارعين لفظا ومعنى. وإذا كان أحدهما ماضى اللفظ وجب أن يكون زمنه مستقبلا ، فيكون ماضى الصورة دون الزمن. ومن الأمثلة قول الشاعر :
ولو تلتقى أصداؤنا بعد موتنا *** ومن دون رمسينا (2)من الأرض سبسب (3):
لظلّ صدى صوتى وإن كنت رمّة *** لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب
وقول الآخر :
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا *** خلق الكرام ولو تكون عديما (4)
ومثال الماضى الذى يصير زمنه مستقبلا خالصا مع بقاء صورته اللفظية على حالها - قوله تعالى : ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) ، أى : لو يتركون ؛ إذ لو كان الفعل باقيا على زمنه الماضى لفسد المعنى ؛ لاستحالة الخوف بعد موتهم. ومثله قول الشاعر :
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت *** علىّ ودونى جندل (5)وصفائح (6)
لسلمت تسليم البشاشة ، أو : زقا (1)
إليها صدى من جانب القبر صائح
فالماضى هنا (وهو محذوف بعد : «لو» على الرأى المشهور الذى سيأتى (2). وتقديره - مثلا : لو ثبت أنّ ...) مؤول بالمضارع. أى : لو يثبت أنّ ... ؛ لاستحالة المعنى على المضى الحقيقى ؛ إذ يترتب عليه أنه قال هذا الكلام بعد موته. ومثل هذا قولهم : مسكين ابن آدم ؛ لو خاف النار كما يخاف الفقر لنجا منهما جميعا ، ولو رغب فى الجنة كما يرغب فى الدنيا لفاز بهما جميعا.
1 - كلاهما قياسىّ ، مختص بالدخول على الفعل حتما ، وكلاهما لا يعمل فيه الجزم - على الرأى الأرجح - لكن النوع الأول مختص بالدخول على الماضى غالبا ؛ والثانى مختص بالدخول على المضارع غالبا - كما عرفنا - فلا بد أن يقع بعدهما الفعل مباشرة. فإن لم يقع الفعل ظاهرا بعدهما وكان الظاهر اسما ، فالفعل مقدر بينهما ، يفسره مفسّر مذكور بعد الاسم الظاهر (3). نحو : لو ذات سوار (4)لطمت الرجل الحر لهان الأمر. وقول الشاعر :
أخلّاى (5)، لو غير الحمام أصابكم
عتبت ، ولكن ما على الدهر معتب *** والتقدير : لو لطمت ذات سوار لطمت ... - لو أصابكم غير الحمام أصابكم ... وقد يكون المفسر جملة ، والفعل المحذوف هو «كان الشأنية» ، كقول الشاعر :
لو بغير الماء حلقى شرق *** كنت كالغصّان (6)؛ بالماء اعتصارى (7)
1) صاح.
2) هنا ، وفى 3 من ص 466.
3) أحوال هذا الاسم الظاهر ، وضبطه ، وإعرابه - سبقت فى الجزء الأول ، فى الباب الخاص به ، وهو باب : «الاشتغال»
4) المراد بذات السوار : المرأة الحرة ، لا الأمة. وأصله مثل نطق به حاتم الطائى حين لطمته جارية ؛ فقال : «لو ذات سوار لطمتنى ...» أى : لهان الأمر. وقد كان عندهم لبس السوار مقصورا على الحرائر.
5) أصله : أخلائى. ثم قصر بحذف الهمزة ، لضرورة الشعر ، وأضيف لياء المتكلم. ويجوز قراءته : «أخلاء» ، بالمد وحذف ياء المتكلم ، وكسر ما قبلها ، أو عدم كسره على حسب الأوجه الجائزة فيه بعد حذفها (وقد سبقت فى ص 57).
6) المصاب بغصة فى حلقه.
7) نجاتى وسلامتى.
والتقدير : لو كان (الحال والشأن) ، حلقى شرق بغير الماء ، كنت كالغصان ...
2 - كلاهما لا بد له من جواب مذكور أو محذوف.
(ا) فإن وقع جواب أحدهما فعلا ماضيا لفظا ومعنى ، أو لفظا فقط - جاز اقترانه «باللام» وعدم اقترانه ؛ سواء أكان الماضى مثبتا أم منفيّا بما. إلا أن اقتران المثبت باللام أكثر من تجرده منها ، والمنفى بعكسه. فمن أمثلة اقتران المثبت وتجرده قوله تعالى فى الصمّ البكم الذى لا يعقلون : ( ... وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ. وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، ) وقوله تعالى فى الزرع : ( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... ) وقوله تعالى فى الماء الذى نشربه : ( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ) (1)، فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ!!).
ومن أمثلة تجرد المنفى بما واقترانه قوله تعالى : ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ... ) وقول الشاعر (2)
لو كنت آمل أن ألقاك فى الحلم *** لما قرعت عليك السّنّ من ندم
:ولو نعطى الخيار لما افترقنا *** ولكن لا خيار مع الليالى
ولا تدخل هذه اللام على حرف نفى غير «ما».
ولبعض النحاة رأى حسن فى مجىء هذه اللام حينا ، وعدم مجيئها حينا آخر ؛ يقول : هذه اللام تسمى : «لام التسويف» ، أى. التأجيل والتأخير والتمهل ؛ لأنها تدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا طويلا نوعا ، وعدم مجيئها يدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا يسيرا ، قصير المهلة بالنسبة للمدة السالفة. فتحقق الجواب فى الحالتين متأخر عن تحقق الشرط - كالشأن فى الجواب دائما - إلا أن مجىء اللام معه دليل على أنه سيتأخر كثيرا ، وأن مهلته ستطول ، بالنسبة له حين يكون خاليا منها.
(ب) وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة باللام ؛ ومنه - فى رأى بعض النحاة - قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَيْرٌ ... ) ، والأصل : لو ثبت أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند اللّه خير. فاللام داخلة على المبتدأ : «مثوبة» وخبره كلمة : «خير» والجملة الاسمية هى الجواب. م
(ح) وقد يكون الجواب مسبوقا بكلمة «إذا» (1)نحو : لو قصدتنى إذا - لعاونتك.
ومن النادر الذى لا يقاس عليه أن يكون فعل الجواب هو «أفعل» ، للتعجب مقرونا باللام ، أو أن يكون الجواب مسبوقا بالفاء ، أو رب ، أو قد ... (2).
3 - كلاهما صالح للدخول على : «أنّ - مفتوحة الهمزة - ومعموليها» - وهذا أحد مواضع الاختلاف بين «لو» و «إن» الشرطيتين - ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَيْرٌ ) ، وقوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) ، وقول المعرى :
ولو أنى حبيت (3)الخلد (4)فردا *** لما أحببت بالخلد انفرادا
وقول الآخر يصف ألفاظ أديب :
فلو أنّ ألفاظه جسّمت *** لكانت عقودا لجيد الغوانى (5)
وإذا دخلت «لو» على «أنّ ومعموليها» فهل تفقد اختصاصها الذى عرفناه ؛ وهو دخولها على الأفعال فى الأعم الأغلب؟
يرى فريق من النحاة أنها فقدت اختصاصها ، وأن المصدر المنسبك بعدها من أن مع معموليها مبتدأ ، خبره محذوف ؛ تقديره : ثابت ، ... أو نحو هذا مما يناسب السياق. ففى مثل : لو أن التاجر أمين لراجت تجارته - يكون التقدير : لو أمانة التاجر ثابتة لراجت تجارته ... وفى مثل : لو أن الحارس غافل لاجترأ اللص - يكون التقدير : لو غفلة الحارس ثابتة لاجترأ اللص.
ويرى فريق آخر أنها لم تفقد اختصاصها ، وأنها فى الحقيقة لم تدخل على «أنّ ومعموليها» مباشرة ، وإنما دخلت على فعل مقدر هو : ثبت - ونحوه - والمصدر المؤول من : «أن ومعموليها» فاعل للفعل المقدر. فتقدير الفعل فى الأمثلة السابقة هو :
1) سبق الكلام عليها وعلى دخولها فى جواب «لو» فى ص 297 ومن أمثلتها فى القرآن الكريم : (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى - إذا لأمسكتم ؛ خشية الإنفاق) وفى تلك الصفحة أمثلة أخرى.
2) نحو : لو مات الجندى شهيدا لأكرم بها من ميتة. - لو سافرت فراحة - لو سافرت ربما السفر راحة - لو شئت قد أسافر (راجع الهمع ج 2 ص 66).
3) منحت وأعطيت.
4) الجنة.
5) يريد : أن ألفاظه لو جسمت لصارت دررا أو لآلئ تلبسها الغوانى فى أعناقهن ، للزينة.
ولو ثبت أنهم آمنوا ... - ولو ثبت أنهم صبروا ... - ولو ثبت أنى حبيت ... - فلو ثبت أن ألفاظه جسّمت ، ... - ولو ثبت أن التاجر ... - ولو ثبت أن الحارس ... - وهكذا. وتقدير الفعل مع فاعله المصدر المنسبك من أن معموليها - هو : ولو ثبت إيمانهم - ولو ثبت صبرهم ... - ولو ثبت حبوى - لو ثبت تجسيم ... - ولو ثبتت أمانة التاجر ... - ولو ثبتت غفلة الحارس .... -
والرأيان صحيحان ، ولكن ثانيهما أولى بالترجيح ، إذ يحقق حكما أصيلا غالبا ، من أحكام «لو» بنوعيها ؛ هو : اختصاصها بالدخول على الفعل ، ولكيلا يدخل الحرف المصدرى على مثله (1)بغير فاصل.
4 - يجب الترتيب بين «لو» وجملتيها. فلا يصح تقديم شىء منهما ، ولا من معمولاتهما على «لو» ولا يصح تقديم شىء من الجملة الجوابية أو معمولاتها على الشرطية.
حذف فعل شرطها وحده ، وحذف الجملة الشرطية كاملة :
يصح هنا حذف فعل الشرط وحده إذا دل عليه دليل ، كوجود مفسر له بعد فاعله المذكور فى الكلام. نحو : لو مطر نزل لاعتدل الجو. والأصل : لو نزل مطر نزل ... - ومن أمثلة حذفه بغير المفسّر أن يكون فاعله مصدرا مؤولا من «أنّ ومعموليها» ؛ كالأمثلة التى مرت (فى 3).
أما حذف الجملة الشرطية كلها فنادر لا يصح القياس عليه ؛ كأن يقال : أيعتدل الجو لو نزل المطر؟ فيجاب : (نعم لو ... لاعتدل الجو.) وقد يحذف فعل الشرط : «كان» ومعه اسمه أو خبره ؛ نحو : اقرأ كل يوم ولو صفحة أو صفحة. على تقدير : ولو كان المقروء صفحة ، أو : كانت مقروءة صفحة - كما تقدم فى باب كان - (2).
حذف فعل الجواب ، وحذف جملة الجواب كاملة :
لا يصح هنا حذف فعل الجواب وحده. لكن يكثر حذف الجملة الجوابية
كاملة لدليل ، كقوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ... بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) ، وتقدير المحذوف : ما نفعهم ... أو : لكان هذا القرآن ... ومثل : تتمزق الأمة باختلاف زعمائها ؛ فلو اتفقوا ... التقدير : لو اتفقوا لبقيت سليمة ، أو قوية ...
حذف جملتى الشرط والجواب معا :
ورد فى المسموع أمثلة قليلة لحذفهما معا ، ولا يصح القياس عليها ؛ لقلتها ؛ ولأنها فى الشعر. ومنها :
إن يكن طبعك الدلال فلو ... *** فى سالف الدهر والسنين الخوالى ...
التقدير : فلو كان فى سالف الدهر والسنين الخوالى لكان مقبولا ، أو نحو هذا (1)
ونصها :
«لو» حرف شرط فى مضىّ ، ويقل *** إيلاؤها مستقبلا. لكن قبل
يريد بهذا : «لو» الشرطية الامتناعية ؛ فإنها هى التى يكون بها التعليق فى الزمن الماضى. أما التى يكون التعليق بها مستقبلا فالشرطية غير الامتناعية. والتعليق بها - مع قلته - مقبول ، أى : جائز يصح القياس عليه. ثم قال :
وهى فى الاختصاص بالفعل كإن *** لكنّ «لو» - «انّ» بها قد تقترن
يصرح بأن «لو» الشرطية بنوعيها مختصة بالدخول على الفعل ، شأنها فى هذا شأن «إن» الشرطية ، لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا أو مقدرا. ثم بين بعد هذا ما تمتاز به «لو» من دخولها على : «أن ومعموليها» وهذا الدخول لا تشاركها فيه «إن» الشرطية ، إذ لا يصح أن تقترن «بأنّ مع معموليها» ، أى : لا يصح أن تدخل عليها ... وانتقل بعد هذا إلى البيت الثالث خاتما به الفصل :
وإن مضارع تلاها صرفا *** إلى المضىّ ؛ نحو : لو يفى كفى
يقرر : أن المضارع الواقع بعد «لو» الامتناعية يكون زمنه ماضيا حتما ؛ فهو مضارع فى صورته وشكله ، ماض فى زمنه ؛ نحو ؛ «لو يفى كفى. أى : لو وفى كفى» وهذا خاص بالمضارع بعد «لو» الامتناعية. أما غير الامتناعية فيبقى على حاله صورة وزمنا.
... .1) عقد ابن مالك بابا خاصا عنوانه : (فصل : «لو») اقتصر فيه على ثلاثة أبيات موجزة الأحكام ، غامضة الدلالات.
زيادة وتفصيل :
عرفنا «لو الشرطية» ، بنوعيها. وهناك أنواع أخرى من «لو» عرضت لها المطولات النحوية ؛ (كالمغنى ، وشرح المفصّل) واللغوية ؛ (كلسان العرب ، وتاج العروس) وسنشير إلى كثير من هذه الأنواع إشارة عابرة ، وكلها حروف.
1 - «لو» المصدرية (وقد سبق الكلام عليها فى الجزء الأول باب الموصول ، ص 298 م 29).
2 - «لو» الزائدة ، أو : «الوصلية» ولا تحتاج لجواب - فى المشهور - فهى كإن الوصلية التى سبق الكلام عليها هنا (1)؛ بحيث يمكن وضع «لو» مكان «إن» فلا يفسد المعنى ، ولا الأسلوب. وتعرب كإعرابها ، نحو ؛ الدنىء ولو كثر ماله ، بخيل. وهذا أقل الأنواع استعمالا فى فصيح الكلام. وقد يمكن تخريجه على نوع آخر 3 - «لو» التى تفيد التقليل المجرد ، وهى حرف لا عمل له ، ولا يحتاج لجواب (2)نحو : أكثر من ضروب البرّ الإحسان ، ولو بالكلمة الطيبة.
4 - «لو» التى تفيد التحضيض ، كأن ترى بخيلا فى مستشفى ؛ فتقول : لو تتبرع لهذا المستشفى فتنال خير الجزاء. بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية (3). وهذا النوع لا يحتاج لجواب فى الرأى الأحسن.
5 - «لو» التى للعرض ؛ مثل : لو تسهم فى الخير فتثاب ، بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية. والأحسن الأخذ بالرأى القائل : إنها لا تحتاج إلى جواب.
6 - «لو» التى للتمنى ؛ - ولا تكون للتمنى إلا حيث يكون الأمر مستحيلا أو فى حكم المستحيل - نحو : لو يستجيب لى حكام الدول فأحول بينهم وبين إشعال الحروب. بنصب المضارع «أحول» بعد فاء السببية الجوابية (4).
وقد سبق الكلام على «لو» التى بمعنى العرض ، أو التحضيض ، أو التمنى - عند الكلام على فاء السببية الجوابية (5).
1) فى ص 406 وهناك خلاف فى حاجتها إلى جواب أو عدم حاجتها ، وما يتصل بهذا من شرطية وعدم شرطية ، وهو نفس الخلاف فى «لو» (رقم 1 من هامش الصفحة المذكورة).
2) وقال بعض النحاة : (كل ما أورد شاهدا على التقليل تصلح فيه أن تكون شرطية بمعنى «إن» حذف جوابها ، والتقليل مستفاد من المقام)» والتقدير : وإن كان الإكثار بالكلمة الطيبة. والأول أحسن.
3) وقال بعض النحاة : (كل ما أورد شاهدا على التقليل تصلح فيه أن تكون شرطية بمعنى «إن» حذف جوابها ، والتقليل مستفاد من المقام)» والتقدير : وإن كان الإكثار بالكلمة الطيبة. والأول أحسن.
4) سبق لهذا النوع إشارة فى رقم 6 من ص 348.
5) وهل تحتاج إلى جواب؟ قيل لا تحتاج مطلقا. وقيل إنها تحتاج له ولكنه لازم الحذف بسبب إشرابها معنى التمنى. ونتيجة الرأيين واحدة - ولهذا النوع إشارة فى ص 348 -
(ا) صيغتها فى الرأى الأرجح «بسيطة (1)» ؛ رباعيّة الأحرف الهجائية. ومن العرب من يقلب ميمها الأولى ياء (2)، فيقول فى مثل : أمّا الرياء فخلق اللئام ، وصفة الضعفاء ... أيما الرياء ... ومن هذا قول الشاعر يصف نفسه بالترف البالغ ، والنعمة السّابغة :
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت (3)*** فيضحى. وأيما بالعشىّ فيحصر (4)
وقول الآخر :
مبتّلة (5)، هيفاء. أيما وشاحها *** فيجرى وأيما الحجل (6)منها فلا يجرى (7)
(ب) ومعناها : الدلالة على أمرين متلازمين معها ؛ هما : الشرطية (8)والتوكيد (9)فلا يخلو من هذه الشرطية والتوكيد استعمال لها. وقد تقتصر عليهما - كما فى مثل : أما علىّ فمسافر ، وكما فى المثال الأول (10)- أو لا تقتصر ، وهو الغالب الكثير ؛ فتدل معهما على التفصيل (11)؛ نحو : الناس طبقات ... فأما الشريف فمن شرفت أعماله ، وكملت خصاله ، وإن كان فقيرا. وأما الدنىء فمن قبح صنعه ، وساء طبعه ،
1) أى : ليست مركبة من كلمتين ، أو أكثر.
2) هى لغة لبنى تميم. ويحسن اليوم عدم محاكاتها.
3) ارتفعت. ويضحى : يخرج من بيته ، ولا يخرج قبل ذلك خوف البرد ، ولاستغنائه عن السعى.
4) يشعر بالبرد.
5) منسقة الجسم.
6) الخلخال.
7) لأنها سمينة منعمة.
8) تعليق أمر على آخر وجودا وعدما ، وارتباطه به بنوع ارتباط ؛ يغلب أن يكون السببية والمسببية ؛ على الوجه الذى سبق تفصيله عند الكلام على الجواب فى البابين السالفين (ص 290 ، 332 ، 266 ، وفى رقم 3 من هامش ص 423 و 426).
9) المراد بالتوكيد هنا : تحقق الجواب ، والقطع بأنه حاصل ، وأنه لا محالة واقع ، ولو ادعاء وسيجىء السبب.
10) لأن المراد : مهما يكن من شىء فالرياء خلق اللئام. فقد علقنا أمرا - هو الحكم بنسبة الرياء إلى خلق اللئام - على وجود شىء آخر ، أى شىء ... كما سيجىء هنا.
11) تبيين الأمور والأفراد المجتمعة تحت لفظ واحد يتضمنها إجمالا. وقد سبق الكلام عليه (فى ج 3 ص 447 م 118) وعن الصلة بينه وبين التقسيم والتفريق ...
وإن كان غنيّا. وأما العزيز فمن ترفع عن الدنايا ، وأبى المهانة وإن كان قليل الأهل والأتباع. وأما الذليل فمن رضى الهوان وإن كان كثير الأهل والأعوان. فكلمة «أمّا» فى هذا الكلام وأشباهه دالة على الشرطية لقيامها مقام اسم الشرط «مهما» وجملته الشرطية ؛ - كما يأتى - (إذ المراد : مهما يكن من (1)شىء فالشريف من شرفت أفعاله ... - مهما يكن من شىء فالدنىء من قبح صنعه ... - مهما يكن من شىء فالعزيز من ترفّع ... وهكذا) وهى دالة على التفصيل فيه أيضا ؛ بذكر الأقسام ، والأفراد المتعددة المختلفة لشىء مجمل (2). وهى دالة فيه على التوكيد أيضا.
ولإيضاح التوكيد نذكر أن من يقول : «محمد عالم» يقصد إثبات العلم لمحمد ، ونسبته إليه ، بغير تأكيد ولا تقوية. فإذا أراد أن يمنح المعنى فضل تأكيد ، ومزيدا من التقوية - أتى بكلمة : «أمّا» قائلا : أما محمد فعالم. وسبب التأكيد والتقوية فى هذا أنه يريد : (مهما يكن من شىء فمحمد عالم) فقد علّق وجود علمه على وجود شىء ، أىّ شىء آخر ، بمعنى أن وجود ذلك العلم مترتب ومتوقف على وجود شىء يقع فى الكون. ولما كان من المحقق المؤكد وقوع شىء فى الكون حتما ، كان من المحقق المؤكد - ادعاء - كذلك وقوع ما يترتب عليه ؛ وهو : «العلم» لأن تحقق السبب وحصوله لا بد أن يتبعه تحقق المسبّب عنه ، وحصوله على سبيل التحتيم (3)...
وقد تدل على التفصيل تقديرا : أى : بغير ذكرها وذكر شىء معها ، وإنما يدل عليهما السياق والقرائن ؛ نحو : الناس معادن ؛ فأما أنفسها وأغلاها فالأخيار ... التقدير : وأما أخسها وأرخصها فالأشرار. ونحو : الأصدقاء ضروب. فأما أحسنهم فالوفى الأمين ... التقدير : وأما أقبحهم فالغادر الخائن ...
(ح) وأحكامها النحوية تنحصر فيما يأتى :
1 - أنها أداة شرط بسبب قيامها مقام اسم الشرط : «مهما» الواجب حذف
جملته الشرطية هنا ؛ فكأنها قائمة مقام : (مهما يكن شىء ، أو من شىء) بحيث يصح حذف «أما» ووضع (مهما يكن شىء ، أو من شىء) موضعها فلا يفسد المعنى ولا التركيب مطلقا. وليس المراد من قيامها مقام اسم الشرط : «مهما» المحذوف شرطه وجوبا ، أنها تعرب اسم شرط ، أو فعل شرط ، أو هما معا ، - ولا أن تؤدى معناهما تأدية حقيقية ، يمكن بمقتضاها وضع «أمّا» فى كل موضع تشغله «مهما» مع فعل شرطها ... ليس المراد هذا ؛ لأن «أمّا» حرف ، والحرف لا يؤدى معنى اسم وفعل معا ، ولأن كثيرا من الأساليب يفسد تركيبه ومعناه إن حلّت فيه : «أمّا» محل : «مهما» الشرطيّة - وإنما المراد هو : صحة حذف «أما» الشرطية دائما ووضع : (مهما يكن شىء ، أو من شىء) موضعها. لأن فى هذا رجوعا إلى الأصل ، واستغناء عن النائب عنه ، الذى ليست شرطيّتة أصيلة ، وإنما هى مكتسبة بسبب نيابته.
وإعراب الجملة المشتملة على «أما» فى مثل : (أما المخترع فعالم) هو : (أما) نائبة عن. «مهما يكن شىء ، أو من شىء». (المخترع) مبتدأ مرفوع (فعالم) «الفاء» داخلة - فى الأصل على جملة اسمية هى جواب اسم الشرط المحذوف الذى نابت عنه «أما» - وكان الأصل أن تدخل على المبتدأ ، ولكنها تتأخر عنه إلى الخبر إذا لم يفصل بينها وبين الشرط فاصل - كما فى هذه الصورة (1)- و «عالم» خبر المبتدأ. والجملة الاسمية فى محل جزم جواب : «مهما».
وإعراب : «مهما يكن من شىء ، أو شىء - فالمخترع عالم» ، هو : (مهما) ، اسم شرط جازم مبتدأ ، (يكن) مضارع تامّ ، مجزوم ؛ لأنه فعل الشرط. (من شىء) «من» حرف جر زائد ، و «شىء» فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. هذا إن وجد الحرف : «من». فإن لم يوجد فالفاعل مرفوع مباشرة ، على اعتبار : «يكن» فعلا تامّا فى الحالتين. أما على اعتباره ناسخا فكلمة : «شىء» اسمه ، وخبره محذوف تقديره ؛ «موجودا» ، والجملة الشرطية خبر «مهما» (2). (فالمخترع) «الفاء» داخلة على جواب الشرط ، و «المخترع» مبتدأ و «عالم» خبره ، والجملة من المبتدأ وخبره فى محل جزم جواب الشرط «مهما».
وهناك إعرابات أخرى نكتفى بالتلميح إليها دون الإطالة بذكرها ؛ لسهولتها وجريانها على مقتضى القواعد العامة.
وليس من اللازم أن تكون : «أما» الشرطية فى كل استعمالاتها قائمة مقام «مهما يكن شىء ، أو من شىء» بهذا التعبير الحرفى ؛ فمن الجائز - فى أساليب أخرى - أن تقوم مقام تعبير شرطى آخر مناسب للسياق ، والمعنى المراد ، كقولهم فى الرد على من يشك فى علم شخص أو شجاعته : أما العلم فعالم ، وأما الشجاعة فشجاع. بنصب كلمتى : «العلم ، والشجاعة» على تقدير : مهما ذكرت العلم ففلان عالم ... مهما ذكرت الشجاعة ففلان شجاع. بل إن هذا التقدير أحسن على اعتبار هذه الأسماء المنصوبة مفعولا به للفعل : «ذكرت» ، ونحوه (1).
2 - وجوب اقتران جوابها بالفاء الزائدة للربط المجرد (2)؛ فليست للعطف ولا لغيره. ومع أنها زائدة للربط لا يجوز حذفها إلا إذا دخلت على مقول محذوف ؛ فيغلب حذفها معه ، حتى قيل إنه واجب ، كقوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ ... ) والأصل : فيقال لهم : أكفرتم ... وقد سمع حذفها نادرا فى النثر وفى الضرورة الشعرية ، وهذان لا يقاس عليهما اختيارا.
ويجب تأخير الفاء إلى الخبر إن كان الجواب جملة اسمية مبتدؤها غير مفصول من «أمّا» بفاصل - كما أسلفنا (3)- ومن أمثلته أيضا قول الشاعر :
ولم أر كالمعروف ؛ أمّا مذاقه *** فحلو ، وأمّا وجهه فجميل
3 - وجوب الفصل بينها وبين جوابها ، بشرط أن يكون الفاصل أحد الأمور الآتية :
(ا) المبتدأ (4)؛ كبعض الأمثلة السابقة ، وقول الشاعر :
أما الخليل فلست فاجعه *** والجار أوصانى به ربّى
1) هذا الأعراب أحسن من إعرابهم إياها مفعولا مطلقا معمولا للمشتق الذى بعد الفاء فى الجملة الجوابية ، أو مفعولا لأجله لفعل الشرط المحذوف إن كان الاسم معرفة ، وحالا من مفعول الفعل المحذوف إن كان نكرة. وإنما كان أحسن لأن تقدير هذا الفعل مطرد فى كل موضع، ولا يترتب عليه أن يكون ما بعد هذه الفاء عاملا فيما قبلها وهذا ممنوع عندهم ، وإن كان أكثرهم يجيزه بعد هذه الفاء الداخلة فى جواب «أما» الشرطية. (وانظر رقم 1 فى هامش الصفحة التالية).
2) يوضح هذا الربط ما سبق فى نظيرتها برقم 8 ص 429.
3) فى الصفحة السابقة.
4) وقد يكون المبتدأ مستلزما شيئا آخر يذكر معه ؛ كالمبتدأ اسم الموصول فى قوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلاً ... ) واسم الموصول يستلزم صلة حتمية.
(ب) الخبر ؛ نحو : أما كريم فالعربى. وأما فى البادية فالشجاعة.
(ح) الجملة الشرطية وحدها دون جوابها ؛ نحو : قوله تعالى فى الميت : ( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ... ) ويجب أن يكون جواب الجملة الشرطية محذوفا استغناء بجواب«أما».
(د) الاسم المنصوب لفظا أو محلا بجوابها - ولا مانع هنا من أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها (1)- ، فالأول كقوله تعالى : ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. ) والثانى كقوله تعالى : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ، ) لأن الجار مع مجروره فى حكم المفعول به ؛ فكأنه منصوب محلا. والفصل فى الصورتين واجب ؛ إذ لا يصح دخول «أما» على الطلب مباشرة. وقد اجتمع النوعان من الفصل فى قول الشاعر :
نزور امرأ ؛ أمّا الإله فيتقى *** وأمّا بفعل الصالحين فيأتمى (2)
(ه) الاسم المعمول لمحذوف يفسّره ما بعد «الفاء» ، نحو : أما المخترع فأعظّمه(3).
(و) شبه الجملة المعمول ل «أمّا» ؛ - إذا لم يوجد عامل غيرها - لما فيها من معنى الفعل الذى نابت عنه ، ويصح اعتباره معمولا لفعل الشرط المحذوف. نحو أما اليوم فالصناعة ثروة. أو : أمّا فى القتال فالسّلاح العلم.
(ز) الجملة الدعائية بشرط أن يسبقها شبه جملة ، نحو : أما الآن - حفظك اللّه - فأنا مسافر. أو : أما فى بلدنا - صانها المولى - فالأحوال طيبة ...
3 - جواز حذفها لدليل ؛ ويكثر هذا قبل الأمر والنهى ؛ كقوله تعالى :
1) قال الرضى يصح أن يتقدم على هذه الفاء من معمولات الجواب : المفعول به ، والمفعول المطلق ، والمفعول لأجله ، والظرف ، والحال.
2) يأتم ويحاكى.
3) ومنه قوله تعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ) - بنصب «ثمود» فى إحدى القراءات - ويقول كثير من النحاة : إن تقدير العامل واجب بعد الفاء وقبل ما دخلت عليه ؛ بحجة أن «أما» نائبة عن الفعل ، فكأنها فعل والفعل لا يلى الفعل. وهذا كلام لا يحسن الأخذ به هنا.
( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ، والدليل على حذفها فيما سبق هو «الفاء» التى لا مسوغ لها إلا دخولها فى الجواب. كما أن التنويع فى السياق يدلّ على حذفها (1)
أمّا كمهما يك من شىء ، و «فا» *** لتلو تلوها وجوبا ألفا
(«فا» أى : فاء - تلو ، بمعنى التالى).
الأصل : أما كمهما يكن من شىء. و «فاء» ألف وجوبا - لتالى تاليها ؛ أى : للجواب ؛ لأن تاليها مباشرة هو : الشرط ، وتالى التالى هو الجواب. فيجب اقترانه بالفاء تبعا للمألوف فى الكلام الفصيح.
ويفهم من هذا أن حذفها غير مألوف فيه ؛ كما وضحه بقوله بعد هذا مباشرة :
وحذف ذى «الفا» قلّ فى نثر إذا *** لم يك قول معها قد نبذا
(ذى : هذه) يريد : أن حذف هذه الفاء قليل فى النثر لا يقاس عليه إلا إذا حذفت مع القول - كما شرحنا وقد اكتفى بالبيتين السابقين فى الكلام على «أما» وكل ما يختص بها.
... .1) وفى الكلام على «أمّا» الشرطية يقول ابن مالك فى باب مستقل عنوانه : «أما ، ولولا ، ولوما» :
تختلف «أمّا» الشرطية السالفة فى صيغتها ، ومعناها ، وأحكامها - عن «أمّا» مفتوحة الهمزة ، المركبة من «أن» المصدرية ، و «ما» التى جاءت عوضا عن «كان» المحذوفة ، وقد سبق بيانها تفصيلا (1).
كما أنها تختلف عن «أمّا» التى أصلها : «أم» و «ما» المدغمتين - عند من يكتبهما متصلتين - وليس هذا بالمستحسن - نحو : أسقيت الحقل أمّاذا؟ والفرق أوسع بينها وبين «إمّا» مكسورة الهمزة التى لا شرطية معها. قال الفخر الرازى فى تفسيره (2)وقد عرض لهما :
إذا كنت آمرا ، أو ناهيا ، أو مخبرا فالهمزة مفتوحة ، نحو : أمّا اللّه فاعبده ، وأما الخمر فلا تشربها ، وأما الضيف فقد خرج. وإن كنت مشترطا (3)أو شاكّا أو مخيّرا - فالهمزة مكسورة. فمثال الاشتراط : إمّا (4)تعطين المحتاج فإنه يشكرك. وقوله تعالى : ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ) ، ومثال الشك : لا أدرى من قام ؛ إما محمد وإما علىّ ، ومثال التخيير : لى فى المدينة دار فإما أن أسكنها وإمّا أن أبيعها.
لو لا - لو ما - هلّا - ألّا - ألا ... (1)
(ا) أما صيغها فالشائع أن كل أداة مركبة فى الأصل من كلمتين : (لو ، ولا) - (لو ، وما) - (هل ، ولا) - (أل ، ولا) - (الهمزة ، ولا) ولا يعنينا هنا البحث فى أصلها وتاريخها القديم ، وإنما يعنينا أمرها الآن ، وما انتهت إليه كل أداة منها ، بعد أن توحّد اللفظان ، وصارا كلمة واحدة ؛ تؤدى معنى جديدا ، وتختص بأحكام جديدة لم تكن لها قبل التوحّد ، ولو زال عنها هذا التوحّد لتغيرت معانيها وأحكامها تغيرا أصيلا واسعا.
(ب) معانيها : هذه الحروف الخمسة تشترك جميعا فى أنها تدل على التحضيض (2)تارة ، وعلى التوبيخ تارة أخرى. ولذا يسميها اللغويون : «حروف التحضيض والتوبيخ».
وتمتاز «ألا» - من الخمسة - بأنها تكون أحيانا أداة للعرض (3). كما تمتاز «لولا - ولو ما» بأنهما ينفردان بالدلالة على امتناع شىء بسبب وجود شىء آخر ، ويسميان لهذا : أداتى شرط امتناعى (4)
لو لا العقول لكان أدنى ضيغم *** أدنى إلى شرف من الإنسان
فقد امتنع موت الأحياء بسبب وجود الهواء - وبسبب وجود الشمس - وامتنع عدم معرفتنا الوقت بسبب وجود الساعة - وامتنع عدم نهضة الأمة بسبب وجود التعليم - وامتنعت شدة قرب الضيعم إلى الشرف بسبب وجود العقول ..
.1) يزاد على هذه الخمسة : «لو» فإنها تكون أحيانا للعرض أو التحضيض ؛ (طبقا لما تقدم فى رقمى 5 و 6 من ص 347 و 348 ورقمى 4 و 5 من ص 469).
2) ومثلها «لو» فى الدلالة على التحضيض دون التوبيخ - كما أشرنا فى رقم 1 - والتحضيض هو الترغيب القوى فى فعل شىء أو تركه. وتظهر القوة فى اختيار الكلمات الجزلة القوية ، وفى نبرات الصوت.
3) ومثلها : «لو» - كما أشرنا فى رقم 1 - والعرض هو : الترغيب فى فعل شىء أو تركه ترغيبا مقرونا بالعطف والملاينة. ويظهر هذا فى اختيار الكلمات ، وفى نغم الصوت.
4) ومن الأمثلة : لو ما الهواء لمات الأحياء - لو ما حرارة الشمس لهلك الأحياء بردا - لولا الساعة لم نعرف الوقت - لو لا التعلم لم تنهض الأمة -.
فالمعانى التى تؤديها هذه الحروف ثلاثة أنواع :
1 - التحضيض والتوبيخ ، تؤديهما الحروف الخمسة.
2 - العرض. وتنفرد به : «ألا» ، وهو الأكثر فى استعمالها.
3 - الامتناع. وتنفرد به «لو لا ، ولو ما» (1)...
(ح) أحكامها النحوية :
(ا) إذا كانت الأداة للتحضيض أو للعرض وجب أن يليها المضارع إمّا ظاهرا ، وإمّا مقدرا يفسره ما بعده ؛ بشرط استقبال زمنه فى حالتى ظهوره وتقديره ؛ (لأن أداة الحض والعرض تخلص زمن المضارع للمستقبل ؛ إذ معناهما لا يتحقق إلا فيه). فمثال المضارع الظاهر المباشر لها (أى : غير المفصول منها مطلقا) : لولا تؤدى الشهادة على وجهها - لو ما تغيّر المنكر بيدك ، أو بلسانك ، أو بقلبك - هلّا تحمى الضعيف. ألّا تصاحب النبيل الوديع ، أو ألا ... ؛ ومثال المضارع الظاهر المفصول منها بمعموله المتقدم عليه : لولا الشهادة تؤدى على وجهها - لو ما المنكر تغير بيدك ... هلّا الضعيف تحمى ... وكذا الباقى ... ومثال المضارع المقدر : دخولها على اسم ظاهر يكون معمولا لمضارع مقدر يفصل بين هذا الاسم الظاهر والأداة ؛ نحو : لولا الشهادة تؤديها على وجهها - لو ما المنكر تغيره - هلّا الضعيف تحميه - ألّا ، أو : ألا النبيل الوديع تصاحبه. (والتقدير : لولا تؤدى الشهادة تؤديها. - لو ما تغير المنكر تغيره - هلا تحمى الضعيف تحميه - ألا تصاحب النبيل ...) ويدخل فى المضارع المقدر كلمة : «تكون» الشّانيّة (أى : الدالة على الحال والشان ؛ كماضيها «كان» الشانية) إذا كانت أداة التحضيض داخلة على جملة اسمية ؛ كقول الشاعر :
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة *** إلىّ ، فهلّا نفس ليلى شفيعها
التقدير : فهلّا تكون ... (نفس ليلى شفيعها) فالجملة الاسمية خبر «تكون
1) قد تدل «لو الشرطية» على الامتناع ولكنه يختلف عما هنا ، طبقا لما تقدم فى بابها - ص 459 وقد أشرنا لهذا فى رقم 3 من هامش الصفحة المذكورة.
المقدرة» أمّا اسمها فضمير الشان ، أى : هلا تكون الحالة والهيئة والشان (1): نفس ليلى شفيعها.
وقد قلنا إن الأدوات السالفة لا يليها إلا المضارع ظاهرا أو مقدرا ، فإن دخلت على ماض خلّصت زمنه للمستقبل ، بشرط أن تكون للمعنى الذى ذكرناه (2)؛ كقوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. ) أى : فلو لا ينفر (3)
أما إعراب : «أصدق ، وأكن» فقد سبق في رقم 2 من هامش ص 348.
...وأداة التحضيض والعرض قد تحتاج إلى جواب ، أو لا تحتاج ، على حسب ما يقتضيه المقام ؛ فمجيئه جائز. فإن جاء بعدها جواب وجب أن يكون مضارعا إما مقرونا بفاء السببية وإمّا خاليا منها. وفى الحالتين تجرى عليه الأحكام الخاصة بكل حالة. وقد عرفناها عند الكلام على فاء السببية المذكورة فى الجملة ، أو التى لم تذكر (4).
2 - إن كانت الأداة للتوبيخ وجب أن يليها الماضى (5)لفظا ومعنى معا ، ظاهرا ، أو مقدرا يدل عليه دليل ؛ فمثال الظاهر غير المفصول من الأداة : هلّا دافع الجبان عن وطنه فانتصر أو استشهد. ألّا قاومت بغى الطاغى. ومثال الظاهر المفصول : هلّا الطائر رحمت - ألّا الضيف صافحت. (والأصل : هلا رحمت الطائر - هلا صافحت الضيف). ومثال المقدر قول الشاعر :
أتيت بعبد اللّه فى القيد موثقا *** فهلّا سعيدا ذا الخيانة والغدر
والأصل : فهلا أحضرت سعيدا ... وكذا الباقى.
3 - إن كانت الأداة دالة على امتناع (6)شىء بسبب وجود شىء آخر
1) سبق الكلام على ضمير الشأن تفصيلا فى ج 1 ص 177 م 20.
2) وهو التحضيض ، أو العرض.
3) وكذلك قوله تعالى : ( وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ؛ فَيَقُولَ : ) ( رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، فَأَصَّدَّقَ ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ .. ) أى : لو لا تؤخرنى.
4) فى ص 331 و 366.
5) لأن التوبيخ لا يكون إلا على شىء حصل.
6) هذه الدلالة خاصة بالحرفين : «لولا ، ولوما» - دون بقية الخمسة - وبسببها يعتبران الأداتين الخاصتين «بالشرط الامتناعى» وتعرب كل منهما حرف امتناع لوجود ، أى : امتناع شىء بسبب وجود غيره. أما «لو» فتدل على امتناع أيضا ، ولكن من نوع آخر تقدم فى بابها - ص 459 -
أولهما : دخولهما على مبتدأ ، محذوف الخبر وجوبا (1).
وثانيهما : جواب مصدّر بفعل ماض لفظا ومعنى ، أو معنى فقط (كالمضارع المسبوق بالحرف «لم») ، وقد سبقت الأمثلة للحالتين (2). ويجوز فى هذا الماضى أن يكون مقترنا باللام أو مجردا ؛ سواء أكان مثبتا أم منفيا «بما» دون سواها. غير أن اقتران المثبت ، وخلو المنفى - هو الأكثر. فمثال المثبت المقترن بها (غير ما تقدم) (3)
لو لا ولو ما يلزمان الابتدا *** إذا امتناعا بوجود عقدا
يريد : أنهما يلزمان الدخول على المبتدأ إذا عقدا الامتناع بالوجود ، أى : ربطا الامتناع بالوجود ؛ بحيث يمتنع شىء بسبب وجود آخر. فإذا وجد هذا الآخر تحتم امتناع ذاك.
ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان معناهما الآخر ؛ وهو : الدلالة على التحضيض ؛ فنص عليه ، وأشرك معهما فيه حروفا أخرى ؛ هى : هلّا - ألّا - ألا. وصرح بأن هذه الأدوات التحضيضية مختصة بالدخول على الفعل - ولم يبين نوعه المحتوم ؛ وهو المضارع - وأن الاسم قد يقع بعدها فى الظاهر ، ولكنه فى الحقيقة يكون معلقا - ، أى : متعلقا ومعمولا - بفعل مقدر بعد الأداة مباشرة - أو بفعل متأخر عن هذا الاسم. يقول :
وبهما التحضيض مز. وهلّا *** ألّا ، ألا ، وأولينها الفعلا
وقد يليها اسم بفعل مضمر *** علّق ، أو بظاهر مؤخّر
(مز : ميّز - أولينها : أتبعها واذكر بعدها ...)
قوله تعالى: ( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) ، وقول الشاعر :لو لا الإصاخة للوشاة لكان لى *** من بعد سخطك فى الرّضاء رجاء
ومثال المجرد منها :
لو لا المشقة ساد الناس كلهمو *** الجود يفقر والإقدام قتال
وقول الآخر يرد على من عابه بالقصر :
لو لا الحياء ، ولو لا الدين عبتكما *** ببعض ما فيكما ؛ إذ عبتما قصرى
ومثال المنفى «بما» المجرد من اللام قوله تعالى : ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ) ، وقول الشاعر :
لو لا مفارقة الأحباب ما وجدت *** لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
ومثال المنفى المقرون بها قول الشاعر :
لو لا رجاء لقاء الظاعنين لما *** أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا
ويصح حذف الجواب إذا دل عليه دليل ؛ كقوله تعالى : ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... وَأَنَّ اللّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ. ) التقدير : ولو لا فضل اللّه ورحمته لهلكتم (4) ... )
العدد (1)
ولم يترك القدماء كلمة : «العدد» من غير تعريف ، مع وضوح معناها ، وبداهة مدلولها ؛ فجاء تعريفهم حاملا من الغموض والخفاء والإبهام ما يحمله كل تعريف للبديه ، وكل توضيح للواضح. وقد يكون من المقبول أن نذكره. قالوا : العدد (هو ما وضع لكمية الآحاد أى : الأفراد وأن من خواصه مساواته لنصف مجموع حاشيتيه المتقابلتين!!).
يريدون بالمساواة : أن كل عدد ، يحيط به طرفان ؛ هما عدد قبله ، وعدد بعده ، ويسميان : «الحاشيتين». وأن مقدار العدد يساوى نصف مجموع الحاشيتين. ذلك لأن الحاشية التي قبله تنقص عنه بمقدار ما تزيد عليه الحاشية التي بعده. وهذا معنى التقابل بينهما. فالعدد «ثمانية» - مثلا . حاشيته العليا : تسعة ، وحاشيته السفلى : سبعة ، فمجموعهما ستة عشر ، وهما يحيطان به ؛ فمقداره یساوی نصف مجموعهما أى: أن ثمانية يساوى نصف مجموع السبعة والتسعة : 8 - (2 / 7 + 9) والعدد «ستة» له حاشيتان ؛ العليا : سبعة ، والسفلى : خمسة ، ومقداره يساوى نصف مجموعهما معا. أى : أن ستة يساوى نصف مجموع السبعة والخمسة : 6 - (2 / 7 + 5) وهكذا ... ولا حاجة بنا لشيء من هذا التعريف.
يشمل الكلام عليه ما يأتى :
أقسامه الاصطلاحية ، وكيفية إعرابها - تمييزه - تذكيره وتأنيثه - صوغه على وزن : «فاعل» ، وإعرابه بعد هذه الصياغة - تعريفه وتنكيره - قراءة الأعداد المعطوفة على العقود المختلفة - التأريخ بالأيام والليالى ...
أقسامه الاصطلاحية ، وكيفية إعرابها :
أقسامه أربعة : مفرد (2)ومركب ، وعقد ، ومعطوف.
1) أحكام هذا الباب كثيرة ، والخلاف والتضارب فيها كثير كذلك. وما استخلصناه منها هو - فى تقديرنا - أقواها حجة ، وأوفرها شيوعا. ولم تعرضها مرتبة على حسب ترتيب أبيات ابن مالك ، فى «ألفيته» وإنما اخترنا ترتيبا آخر ، لعله أنسب وأحسن. وقد اقتضى هذا ألا نذكر أبيات ابن مالك التى نسوقها لتأييد القاعدة - مرتبة كما أوردها فى «باب العدد». وتداركنا الأمر فذكرنا بجانب كل بيت رقمه الدال على ترتيبه الأصلى فى الباب ؛ ليعرف ترتيب الناظم لأبياته. ثم نعود فنذكره مرة أخرى فى المكان الذى وضعته فيه «الألفية» بين أبيات بابه ؛ تنفيذا للمنهج العام الذى نسير عليه فى هذا الشأن فى جميع أجزاء الكتاب الأربعة.
2) ويسميه بعض النحاة «العدد المضاف». وهى تسمية شائعة ، لكنها غير دقيقة ، لأنها لا تشمل إلا الأعداد المضافة من ثلاثة وعشرة وما بينهما ، دون غير المضافة ، وهى : 1 و 2 ولعل حجته أن : (1 و 2) ينفردان بأحكام خاصة بهما ، ولا تنطبق عليهما الأحكام المتعددة التى للعدد المفرد. وكذلك غير المضافة. وقد يسمى العقد : «بالمفرد» والعقد أحسن. (انظر رقم 2 من هامش ص 486).
1 - فالعدد المفرد ، يشمل «الواحد والعشرة» وما بينهما. ويلحق به : لفظتا : «مائة (1)، وألف» ، ولو اتصلت بهما علامة تثنية أو جمع ؛ (كمائتين وألفين ، ومئات ، وألوف ... ؛ لأن معنى إفراد هذا القسم أنه ليس من الأقسام الثلاثة الأخرى ؛ وليس المراد أنه غير مثنى ، وغير جمع) ... كما يلحق به بعض كلمات أخرى (2)
ب . تستعمل كلمة : «بضع» استعمال الأعداد المفردة (وهى هنا : 3 و 9 وما بينهما) وقد تركب مع كلمة : «عشرة» تركيبا مزجيا ، وقد يكون معطوفا عليها «عشرون» أو أحد إخوته من العقود التي تليه (3030 - 40 - 50 - 60 - 70 - 80 - 90) ومن الأمثلة : جاء بضع فتيات وبضعة غلمان - أقبل بضعة عشر رجلا - غاب بضع وعشرون فتاة.
ح . إذا استعملت استعمال الأعداد المفردة السالفة ، أو المعطوف عليها وجب إعرابها بحركات ظاهرة على آخرها ، على حسب حاجة الجملة : وإذا ركبت مع كلمة : «عشرة» تركيبا مزجيا فالأكثر بناء الكلمتين معا على فتح الجزأين ، في محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حاجة الجملة ، ويصح الإعراب طبقا للآتي في ص 485 و 498.
د. في جميع استعمالاتها السالفة تتجرد من تاء التأنيث إن كان المعدود مؤنثا ، وتلحق آخرها تاء التأنيث إن كان المعدود مذكرا ؛ فيقال : صافحت بضعة رجال - ودّعت بضع فيتيات - قابلت بضعة عشر طالبا ، وبضع عشرة طالبة - في الحفل بضعة وعشرون فتى ، وبضع وعشرون فتاة -. فحكمها فى تأنيث لفظها وتذكيره حكم الأعداد المفردة. (طبقا لما سيجيء في ص 500).
أما ما يختص بكلمة : «نيف» فيتلخص فيما يأتى . وهو يوضح أوجه الفرق بينها وبين «بضع» مع ملاحظة أن - لكلمة «نيف» معنى اصطلاحيا آخر ؛ سيجىء هنا فى رقم 3.)
ا . فإنها صيغة تدل بنصها الحرفى على عدد مبهم ، ينطبق على الواحد كما ينطبق على التسعة ، وعلى كل عدد بينهما ، (أي : أن مدلولها العددى يصدق على : 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9) من غير تعيين ولا حصر في عدد من هذه الأعداد التسعة دون غيره.
ب . لفظها مذكر دائما ؛ فلا تلحقه تاء التأنيث مطلقا.
ج . لا بد - في الأشهر - أن تكون صيغتها مسبوقة دائما بعتقد من العقود العددية : (10 - 20 - 30 - 40 - 50 - 60 - 70 - 80 - 90) ولا بد من عطف كلمة : «النيف» على العقد ؛ فيقال : عشرة ونيف . عشرون ونيف . ثلاثون ونيف .. وهكذا ، ولا يصح ذكر كلمة «نيف» إلا على أساس أن مدلولها سيزاد على عقد عددى.
.1) أجاز المجمع اللغوى القاهرى كتابة كلمة : «مئة» ومركباتها بغير الألف التى زادها القدماء بعد الميم فى كتاباتهم ، وظلت مزيدة حتى يومنا هذا. وكذلك أجاز فصل الأعداد (ثلاثة وتسعة وما بينهما) عن مئة ، مراعيا فى هذا نوعا من التيسير الإملائى. (راجع ما سبق فى العدد الذى أصدره المجمع، بعنوان : «البحوث والمحاضرات» ، مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين من سنة 1963 - 1964).
2) ومما يلحق به كلمة «بضع» ومؤنثها «بضعة» وكذلك كلمة : «نيّف». وفيما يلى البيان : ا - الأفصح والمختار عند بعض المحققين - من بين آراء متعددة - أن كلمة : «بضع» تدل بصيغتها ونصها الحرفى على عدد مبهم ، لا تحديد ولا تعيين فيه. لكنه لا يقل عن ثلاثة ، ولا يزيد على تسعة (أى : أن مدلولها والمراد منها قد يكون :3. أو 4 - أو 5 - أو 6 - أو 7 - أو 8 - أو 9) وإذا ذكرت لا ينصرف الذهن إلى واحد معين دون غيره من هذه الأعدد السبعة ، وإنما يدرك أن المقصود منها مبهم ، يصدق على هذا وينطبق عليه ، كما يصدق وينطبق على كل عدد آخر من بقية المجموعة العددية السالفة.
أما إعرابه وإعراب ملحقاته السّابقة فبالحركات الظاهرة على آخره ، إلا ما كان داخلا فى حكم المثنى أو الجمع ؛ فيعرب إعرابهما ؛ كاثنين ، ومائتين ، وألفين ، ومئات ، وكذا : مئون ، فى بعض الحالات. ومن الأمثلة : العصامىّ رجل الدنيا وواحدها - إن اثنين لا يشبعان ؛ طالب علم ، وطالب مال - يقوم المجد الحق على ثلاث دعائم ؛ العلم ، والعمل ، والخلق النبيل - ما أعجب تاريخ الخلفاء الراشدين الأربعة!! - ... وكقوله تعالى : ( فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ ، وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) - أقام العرب فى الأندلس مئات السنين ، قاربت تسعة قرون - وقوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ .... )
أما ضبط «الشين» من «عشرة» التى من هذا القسم المفرد ففيه لغات ؛ أشهرها : أن العشرة إذا كانت دالة على معدود مذكر (1)ف «الشين» مفتوحة وإن كانت دالة على معدود مؤنث فهى ساكنة ، وقليل من العرب يكسرها فى هذه الصورة.
2 - والعدد المركب ، هو : ما تركب تركيبا مزجيّا (2)من عددين لا فاصل بينهما ، يؤديان معا - بعد تركيبهما وامتزاجهما - معنى واحدا جديدا لم يكن لواحدة منهما قبل هذا التركيب. والأولى تسمى : صدر المركب ، والثانية تسمى : عجزه (3)
1) مع ملاحظة ما يأتى فى ص 501 وهو أن لفظ العدد يصح تذكيره وتأنيثه إذا تقدم عليه المعدود أو حذف.
2) سبق الكلام على كل ما يختص بالمركب المزجى وأنواعه فى الجزء الأول (ص 212 م 22 باب العلم) وفى الجزء الرابع (ص 217 باب الممنوع من الصرف).
3) سيجىء أيضا - فى رقم 1 من هامش ص 487 - أن صدر العدد المركب يسمى : «النيف» ومعناه هنا : العدد المحصور بين عقدين ؛ فيشمل الواحد والتسعة وما بينهما مما ينحصر موضعه بين العقدين. وكذا ما ألحق بالمفرد من كلمة «بضع وبضعة». وهو غير كلمة «النيف» المراد منها نصها اللفظى الحرفى ؛ طبقا لما سبق فى رقم 2 من هامش ص483. فلكلمة «النيف» مدلولان مختلفان كما أن عجز المركب يسمى : عقدا ، ومن العقود كلمة : «عشرة». وسيجىء الباقى (انظر هامش ص 486).
وينحصر هذا القسم فى الأعداد : أحد عشر ، وتسعة عشر ، وما بينهما (أى : 11 - 12 (1)- 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19) وما يلحق بهما ... (2)
وحكمه : بناء آخر الكلمتين معا على الفتح (3)
ومن المركب المزجي العددى : «إحدى عشرة» للمعدود المؤنث ، والكلمتان مبنيتان على فتح الجزأين - أيضا - في آخرهما - إلا أن الفتح مقدر على آخر الأولى - . كما سيجيء فى رقم 2 من هامش ص 510 . و 513 .
هذا ، وأصل المركب العددى كلمتان بينهما واو العطف ؛ أى : أحد وعشر - اثنا وعشر - ثلاثة وعشر ... وهكذا. ثم حذفت الواو وركبت الكلمتان . لإبعاد معنى العطف . تركيبا مزجيا ، ليؤديا معا معنى واحدا جديدا لم تنفرد به واحدة.
- فى الأفصح - ، مهما كانت حاجة الجملة إلى مرفوع ، أو منصوب ، أو مجرور ؛ ولذا يقال فى إعرابهما : إنهما مبنيتان معا على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حاجة الجملة. ويستثنى من هذا الحكم حالتان.الأولى : أن يكون العدد المركب هو «اثنا عشر ، واثنتا عشرة» ؛ فإنّ صدرهما وحده يعرب إعراب المثنى ، وعجزهما هو اسم بدل نون المثنى ؛ مبنى على الفتح لا محل له. ومن الأمثلة : المتسابقون أحد عشر سبّاحا - إنى رأيت أحد عشر كوكبا - أثنيت على أحد عشر محسنا. «فأحد عشر» فى المثال الأول مبنى على فتح الجزأين معا فى محل رفع خبر ، وفى المثال الثانى مبنى على فتح الجزأين معا فى محل نصب مفعول به ، وفى الثالث مبنى على فتح الجزأين معا فى محل جر بعلى ، وهكذا.
ولو وضعنا عددا مركبا آخر مكان : «أحد عشر» لم يتغير الإعراب. ما عدا «اثنى عشر» ، واثنتى عشرة» ، فلهما حكم خاص بهما فى الإعراب - كما قلنا - إذ تعرب : «اثنا واثنتا» إعراب المثنى ، وتعرب كلمة : «عشر وعشرة» اسم مبنى على الفتح ، لا محل له بدل نون المثنى : ففى مثل. السنة اثنا عشر شهرا ، واليوم
1) للعدد 12 حكم خاص فى إعرابه يخالف حكم الأعداد المركبة ، وسيجىء فى هذه الصفحة.
2) ويلحق به «بضع وبضعة» طبقا للبيان الذى فى رقم 2 من هامش ص 483.
3) مما يجب التنبيه له أن المركب المزجى العددى لا بد أن يكون مفتوح الجزأين - فى الأشهر - وقد يكون معربا مضافا على الوجه المبين فى هذه الصفحة وص 498 أما غير العددى فقد يكون مفتوحهما أو لا يكون ، على حسب نوعه المبين فى موضعه المشار إليه (فى الحالة الثانية).
اثنتا عشرة ساعة - نقول : «اثنا واثنتا» خبر مرفوع بالألف فيهما. وكلمة : «عشر وعشرة» بدل النون التى تكون فى المثنى الأصلى ، مبنيتان على الفتح لا محل لهما. وفى مثل قضيت اثنى عشر شهرا واثنتى عشرة ساعة فى رحلة علمية - نقول : «اثنى واثنتى» ، مفعول منصوب بالياء. «عشر ، وعشرة» مبنيتان على الفتح لا محل لهما ؛ لأنهما بدل النون التى تكون فى المثنى الأصلى ...
وفى مثل : انتفعت باثنى عشر كتابا ، واستمعت إلى اثنتى عشرة محاضرة ... نعرب : «اثنى واثنتى» مجرورة ، وعلامة جرها الياء ، و «عشر وعشرة» بدل النون. مبنيتان على الفتح ولا محل لهما.
وتضبط «الشين» فى كلمة : «عشرة» المركبة كضبطها فى المفردة ؛ فتفتح - فى أشهر اللغات - إن كان المعدود مذكرا ، وتسكن إن كان مؤنثا. فضبط «الشين» لا يختلف فى إفراد ولا تركيب ، إن اقتصرنا على الأشهر بين لغات متعددة.
الثانية : أن يكون العدد المركب غير اثنى واثنتى - مضافا ؛ فيصح بناؤه على فتح الجزأين مع إضافته ، كما يصح إعراب عجزه على حسب حالة الجملة مع ترك صدره مفتوحا فى كل الحالات ؛ فكأن الجزأين فى هذه الصورة كلمة واحدة ، يجرى الإعراب على آخرها فى كل الأحوال ، دون أن تتغير الفتحة التى فى شطرها الأول - وسيجىء هذا موضحا بعد (1)-.
3 - العدد العقد (2): ينحصر اصطلاحا فى الألفاظ : عشرين - ثلاثين -
1) فى : «ه» من ص 498.
2) ويسميه بعض النحاة بالعدد المفرد ؛ أى : الخالى من الإضافة والتركيب. ولكن تسميته بالعقد أفضل - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص482. والأصل اللغوى العام للعقد الحسابى هو : العدد يكون على رأس تسعة أعداد قبله من نوع واحد ؛ (مفردة أو غير مفردة) ، أى : العدد الذى يكمل به ما قبله عشرة متماثلة النوع. فيصدق على 10، 20 ، 30 و ... كما يصدق على 100، 200 ، 300 ، 400 ، 1000 ، 2000 .. وهكذا من كل ما يتم عشرة. غير أن المقصود بالعقد هنا معنى اصطلاحى ، يقتصر على أعداد محصورة لها حكم خاص بها ؛ هى تلك العقود التى تبدأ بعشرة وتنتهى بتسعين ، (أى :10 - 20 - 30 - 40 - 50 - 60 - 70 - 80 - 90) ، ولكن العقد «عشرة» لا يشترك مع البواقى فى حكمها النحوى. ولهذا لا يعد فيها من هذه الناحية ، ولا يذكر معها ، برغم تسميته عقدا ، وكل واحد من البواقى يدخل فى هذا النوع المسمى نحويا : «باسم الجمع». ولكنه يعرب إعراب جمع المذكر السالم ، ويلحق به فى ناحية الإعراب ، دون أن يكون جمع مذكر سالما حقيقيا. وإنما كانت هذه العقود أسماء جمع وليست جمع مذكر سالما حقيقيا لأنها تدل على ما يدل عليه هذا الجمع، ولكن ليس لكل منها مفرد من لفظه. ولا يصح أن يقال إن لكل منها مفردا من لفظه ؛ فمفرد عشرين هو عشر ، ومفرد ثلاثين هو ثلاثة ... لا يصح أن يقال هذا لما يترتب عليه من فساد تام أوضحنا بعض نواحيه (فى ج 1 م 11 ص 135 عند الكلام على الملحق بجمع المذكر السالم) ملخصه : أنه لا يقال ذلك لئلا يلزم عليه صحة إطلاق عشرين على ثلاثين وإطلاق ثلاثين على تسعة .. وهكذا ؛ ذلك لأن أقل الجمع النحوى - لا اللغوى - ثلاثة من مفرده. فلو كان مفرد العشرين هو : عشر ، لكانت عشرون صادقة على (3* 10) أى : ثلاث عشرات على الأقل ، ومجموعها يساوى ثلاثين. ولو كان مفرد الثلاثين هو ثلاث لكانت الثلاثون صادقة على (3* 3) أى : على 9. وهكذا مما هو ظاهر الفساد.
أربعين - خمسين - ستّين - سبعين - ثمانين - تسعين.
وحكم هذه العقود أنها تعرب إعراب جمع المذكر السالم فى جميع أحوالها ؛ لأنها ملحقة به ؛ إذ هى اسم جمع مذكر ، وليست جمع مذكر حقيقيّا. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، ) وقوله تعالى : ( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ؛ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) ، وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ؛ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ، إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ...... ) وهكذا ... فحيثما توجد كلمة من ألفاظ العقود فإنه يتحتم إعرابها إعراب جمع المذكر ، مهما اختلف موقعها الإعرابى.
4 - العدد المعطوف : وينحصر بين عقدين من العقود الاصطلاحية السالفة ؛ كالأعداد المحصورة بين عشرين وثلاثين ، أو : بين ثلاثين وأربعين ، أو : بين أربعين وخمسين ، وهكذا ... وكل عدد محصور بين عقدين على الوجه السالف لا بد أن يشتمل على معطوف ، ومعطوف عليه ، وأداة عطف (واو) ، ومنه : واحد وعشرون - اثنان وعشرون ، ثلاثة وعشرون ... أربعة وثلاثون ... ، خمسة وأربعون ... ستة وخمسون ... سبعة وستون ... ثمانية وسبعون ... ومن هذه الأمثلة يتبين أن المعطوف لا بد أن يكون من نوع العقود ، وأن المعطوف عليه - ويسمى النّيّف (1)- لا بد أن يكون من نوع المفرد (أى : المضاف) ، أو ما ألحق به من كلمة بضع وبضعة - وأن أداة العطف هى الواو (2)، دون غيرها.
وحكم هذا القسم أنّ المعطوف عليه ، (وهو المفرد ، المسمى : بالنّيّف) لا بد أن يتقدم دائما ، وأن يعرب على حسب الجملة مع خضوعه لحكم إعراب نوعه المفرد الذى سبق فى القسم الأول - (فيعرب فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ ، أو خبرا ، أو غير هذا على حسب السياق ، ويكون إعرابه بحركات ظاهرة على آخره ، إلا ما كان منه دالا على تثنية ؛ فيعرب إعراب المثنى) - وأن المعطوف - ويكون بالواو خاصة - يتبعه فى الإعراب ، ولكن بالحروف التى يعرب بها جمع المذكر السالم. ففى مثل : الحاضرون واحد وعشرون ... تعرب كلمة «واحد» خبرا مرفوعا ، والواو حرف عطف - (عشرون) معطوف على : «واحد» مرفوعة بالواو. ونقول : كان الحاضرون واحدا وعشرين ... وأنست بواحد وعشرين ... وهكذا سائر الأعداد المعطوفة. إلا إن كان المعطوف عليه هو ، «اثنان واثنتان» ؛ فيعربان كالمثنى ؛ نحو : الحاضرون اثنان وعشرون رجلا - كان الحاضرون اثنين وعشرين رجلا - أنست باثنين وعشرين رجلا - أو : كانت الحاضرات اثنتين وعشرين ؛ فاثنان واثنتان ، إما مرفوعة بالألف ، وإما منصوبة أو مجرورة بالياء ... فى جميع حالات الأعداد المعطوفة ...
العدد لفظ مبهم ، لا يوضح بنفسه المراد منه ، ولا يعين نوع مدلوله ومعدوده ؛ فمن يسمع كلمة مثل : ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة ... أو غيرها من ألفاظ العدد - لا يمكن أن يدرك النوع المقصود من هذا العدد ولا أن يميزه من بين الأنواع الكثرة المحتملة. أهو ثلاثة كتب ، أم أقلام ، أم أيّام ، أم دراهم ، أم دنانير ... أم غيرها من مئات الأشياء الأخرى ... فلو قلنا : ثلاثة كتب ، أو أربعة أيام ، أو خمسة شهور ... أو ... لزال الإبهام ، وانكشف الغموض عن مدلول العدد ، وصار المراد واضحا ؛ بفضل الكلمة التى جاءت ؛ فبينت نوعه ، وميزته من غيره ، أى : أنها عينت المعدود بعد أن كان مبهما مجهولا ؛ ولذا يسميها النحاة : «تمييز العدد» - سواء أكانت منصوبة أم مجرورة على التفصيل الذى سنعرفه - وهذا معنى قولهم : العدد مبهم يزيل إبهامه التمييز ، (أى : المعدود).
ولهذا التمييز أحكام تختلف باختلاف أقسام العدد :
(ا) فالأعداد المفردة (1)التى عرفناها ثلاثة أنواع :
نوع لا يستعمل مع تمييز له - وهو واحد ، واثنان ؛ فلا يقال : جاء واحد ضيف ، ولا أقبل اثنا ضيفين ؛ ولا نحو هذا ؛ لأن ذكر التمييز (ضيف ... ضيفين ..) مباشرة يغنى عن ذكر العدد قبله ، إذ يبين النوع مع الدلالة على الوحدة ، أو على الزوجية المحددة باثنين ؛ فلا حاجة إلى العدد قبله ، ولا فائدة منه. وقد يضاف هذا النوع لغرض آخر سنعرفه (2).
ونوع يحتاج إلى تمييز مفرد مجرور بالإضافة وهو لفظ : مائة ، وألف ، ومثناهما ، وجمعهما. (فالمراد هو جنس المائة والألف (3)...) ومن الأمثلة قوله تعالى :
1) وهى التى قد تسمى «مضافة» على اعتبار أن أكثرها مضاف ؛ وهو ثلاثة وعشرة وما بينهما ، وما ألحق بها مثل كلمة : مائة وألف ، وبضع وبضعة ؛ طبقا للبيان السابق عنهما فى ص رقم 2 من هامش 483 دون العددين : 1 و 2 - مما سبقت له الإشارة فى رقم 2 من هامش ص 482 - والتسمية غير دقيقة.
2) فى «ا» من ص 496. وانظر ص 514.
3) انظر ما يتصل بهذا فى «ب» ص 496.
( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. وَاللّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) - يبلغ ارتفاع هرم الجيزة الأكبر نحو مائتى ذراع ، (1)وكقولهم عند رؤية أشباح بعيدة : هذه مئو رجل ، أو مئات رجل - وقوله تعالى : ( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) - حرّاس المدينة ألفا حارس ، وجيشها تسعة آلاف جندىّ.
ولا يصح الفصل بين هذا النوع وتمييزه فى حالة الاختيار.
ونوع يحتاج إلى تمييز مجرور بالإضافة متصل به - أيضا - ويكون فى الأغلب جمع تكسير للقلّة (2)، وهذا النوع هو : ثلاثة ، وعشرة ، وما بينهما ، وكذا كلمة : بضع وبضعة الملحقتين به - طبقا لما تقدم (3)عنهما ؛ نحو الصيف ثلاثة أشهر - قضيت خمسة أيام فى الريف - وقوله تعالى : ( وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ (4)عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) (5)... و ... فالأصل فى تمييز هذا النوع من المفرد أن يستوفى أربعة أمور مجتمعة ؛ هى : أن يكون جمعا - للتكسير - مفيدا للقلة - مجرورا بالإضافة المباشرة (الخالية من الفصل). وكل واحد من هذه الأربعة يحتاج إلى مزيد بيان وتفصيل :
1 - فأما كون التمييز جمعا فهو الأعم الأغلب ، ليتطابق المعدود والعدد فى الدلالة على التعدد الكثير. ويجب - فى الأغلب - إضافة العدد إلى مفرد إن كان التمييز هو لفظ : «مائة» (6)، نحو : ثلاثمائة رجل - أربعمائة كتاب - خمسمائة قلم ... أو كان العدد مضافا إلى مستحقه ملكا أو انتسابا على حالة من الحالات ؛ فتكون الإضافة لبيان أن العدد مملوك للمضاف إليه ، أو منسوب إليه بوجه من وجوه التملك أو
1) أى : نحو (136 مترا) بعد النقص الذى أصاب قمته ، ويقدر ، بنحو : سبعة أمتار
2) جمع التكسير - كما سيأتى فى بابه ص 579 - نوعان ، جمع تكسير للقلة ، وهو ما كان دالا على أفراد لا تقل عن ثلاثة ولا تزيد على عشرة. وله أوزان خاصة ، ومنها أفعلة ، وأفعال ، وفعلة وأفعل. نحو : أجهزة ، وأنهار ، وصبية ، وأعين. وجمع تكسير للكثرة ويدل على عدد لا يقل عن ثلاثة وقد يزيد على العشرة بالإيضاح الذى سيجىء فى بابه. وأوزانه كثيرة ...
3) فى رقم 2 من هامش ص 483.
4) شديدة الصوت ، أو شديدة البرد.
5) متتابعة.
6) انظر ما يختص بطريقة كتابة «مئة» فى رقم 1 من هامش ص 483.
النسبة التى تستفاد من الإضافة (1)؛ نحو : هذه خمسة محمود ، وتلك سبعة علىّ ... فقد تعرّف المضاف بالمضاف إليه ، وتميز به ؛ فلا يحتاج إلى تمييز ، ولهذا لا يعتبر المضاف إليه المذكور تمييزا ؛ لأن العدد استغنى عن التمييز ، واحتاج لمضاف إليه يحقق غرضا آخر.
وقد يغنى عن الجمع ما يدل على الجمعية ، ولو لم يسمّ جمعا فى اصطلاح النحاة ؛ كقوم ، ورهط (2)، وغيرهما من أسماء الجموع ؛ وكنحل وبقر ، من أسماء الأجناس. والغالب فى هذين النوعين أن يكونا مجرورين بالحرف «من» مع ظهوره فى الكلام ، نحو : ثلاثة من القوم فازوا ، وأربعة من الرهط تقدموا ، وخمسة من النحل جمعت العسل ، وستة من البقر جلبت الغنى لصاحبها. أما جرهما بالإضافة فالأحسن الاقتصار فيه على المسموع ومنه قوله تعالى : ( وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ) وقوله عليه السّلام : «ليس فيما دون خمس ذود (3)صدقة» (4).
2 - وأما كونه للتكسير فهو الأكثر ورودا فى الكلام الفصيح. ويجوز أن يكون جمعا للتصحيح (5)مناسبا ، إذا لم يكن للكلمة جمع مستعمل للتكسير ؛ نحو : خمس صلوات ، وسبع سنين. أو كان لها جمع تكسير مستعمل ولكن يعدل عنه إلى التصحيح لمجاورته ما أهمل تكسيره فى الكلام ؛ نحو : سبع سنبلات ؛ فإنه مجاور فى الآية الكريمة لسبع بقرات ، فى قوله تعالى : ( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ (6)، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ، وَأُخَرَ يابِساتٍ ) ، فقال لمراعاة التنسيق : «سبع سنبلات» ، بدل «سنابل» ؛ لمناسبة «بقرات» التى ترك جمع تكسيرها فى الآية. أو يكون لها جمع تكسير
1) كما سيجىء فى الزيادة ص 496 وص 514.
2) عدد من الرجال - خاصة - لا يزيد على عشرة فى الغالب ، وهو اسم جمع (أى : لا واحد له من لفظه ، مع دلالته على معنى الجمع).
3) الذود : مؤنث ، وهو عدد من الإبل لا يقل عن ثلاثة ، ولا يزيده على عشرة. ولفظه اسم جمع، لا يجىء منه واحد.
4) انظر «ج» من ص 506.
5) هو جمع المذكر السالم ، وجمع المؤنث السالم.
6) نحيفات ، هزيلات. (المفرد : أعجف ، وعجفاء. يقال ثور أعجف ، وثيران عجاف ، وبقرة عجفاء ، وبقرات عجاف).
ولكنه قليل الاستعمال ، نحو : ثلاث سعادات ، فهو أحسن من ثلاث سعائد.
ومن النادر الذى لا يقاس عليه أن يقع جمع التصحيح المشتق تمييزا للعدد فى مثل : هنا ثلاثة صالحين وأربعة زاهدين ؛ بالإضافة. والأحسن عدم الإضافة ، وإعراب هذا الجمع نعتا ، ويجوز نصبه على الحال إن كان نكرة بشرط إدخال التغيير اللازم لصحة كل إعراب ؛ وبذا يسلم من الضعف.
ومع أن مدلول جمع التكسير الذى للقلة هو مدلول جمعى التصحيح عند سيبويه (1)- نجد كثرة النحاة لا ترتضى التمييز بجمعى التصحيح.
3 - وأما أنه للقلة فمراعاة للمأثور الأفصح الذى يدل على أن الكلمة التى لها جمعان جمع كثرة وجمع قلة - يكون تمييز العدد بجمع قلتها هو الأعم الأغلب ، فإن لم يوجد لها إلا جمع كثرة صحّ التمييز به بغير ضعف.
4 - وأما جره بالإضافة فهو الأعم الأكثر أيضا ، ويحدث تخفيفا فى العدد بحذف التنوين منه ؛ لإضافته. ولا يصح الفصل بينه وبين العدد إلا بما يصح الفصل به بين المتضايفين (2).
وإنما يجب جرّ التمييز بشرط تأخره وإعرابه تمييزا. فلو تقدم التمييز على العدد لوجب إعرابه على حسب حاجة الجملة ، وإعراب العدد نعتا مؤولا له (3)، ففى مثل : عندى ثلاثة كتب ، بجر «كتب» ، بالإضافة - نقول : عندى كتب ثلاثة برفعها. ولو تأخر وأريد لداع معنوى إعرابه عطف بيان إن كان جامدا - كالأغلب فى عطف البيان - أو نعتا مؤولا بالمشتق أيضا ، لوجب أن يكون تابعا فى إعرابه للعدد ؛ نحو : عندى ثلاثة أثواب ، فأثواب : عطف بيان ، أو نعت مؤول بمعنى : مسماة بأثواب.
هذا ، ويصح فى الأعداد المفردة (3 و 10 وما بينهما) ، أن تضاف إلى ضمير المعدود ، ولا تحتاج لغيره ، نحو : مررت بالأصدقاء ثلاثثهم ، ... أو :
خمستهم ... أو : سبعتهم ... بنصب العدد على الحال المؤولة ؛ أى : مثلّثا إياهم ، أو : مخمّسا ، أو : مسبعا ... وهكذا. ويجوز إتباع العدد لما قبله ؛ فلا يعرب حالا ، وإنما يعرب توكيدا معنويا ؛ بمعنى : جميعهم ، مع ضبط لفظ العدد بما يضبط به التوكيد (1)، والصحيح أن هذا ليس مقصورا على الأعداد المفردة ؛ بل يسرى على المركبة أيضا - كما سيجىء - نحو : جاء القوم خمسة عشرهم ، بالبناء على فتح الجزأين فى محل رفع هنا أو فى محل غير الرفع فى تركيب آخر ، على حسب المؤكّد.
وجدير بالملاحظة أن العامل فى التمييز المجرور بالإضافة هو العدد المبهم (أى : المضاف) الذى جاء التمييز لإيضاحة وإزالة إبهامه ، ولا بد من تقديم هذا العامل على تمييزه.
(ب) وباقى أقسام العدد (وهو : المركب ، والعقود الاصطلاحية ، والمعطوف ، - وكذا ما ألحق بالمركب والمعطوف عليه من كلمتى : بضع وبضعة -) (2)يحتاج إلى تمييز (3)مفرد ، منصوب غير مفصول من العدد بفاصل ، نحو : (إنى رأيت أحد عشر كوكبا) - (إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا) - (إن يكن منكم عشرون (4)صابرون يغلبوا مائتين) - (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ، حملته أمه كرها ، ووضعته كرها. وحمله وفصاله ثلاثون شهرا. حتى إذا بلغ أشدّه ، وبلغ أربعين سنة ، قال ربّ أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىّ وعلى والدىّ ...) - قال أحد الشعراء : هاجنى منظر شائق ؛ فلم أغادر مكانى حتى فاض خاطرى بخمسة وأربعين بيتا فى وصفه ، لم أقض فيها أكثر من ضحوة. وأزعجنى نعىّ صديق لى ، فانهمر لسانى برثائه ، وأنشأت قصيدة بلغت اثنين وخمسين بيتا لم أقطع فيها أكثر من بضع ساعات ، ثم أكملتها بعد ذلك تسعة وسبعين بيتا ...
ولا بد فى جميع حالات التمييز المنصوب أن يتأخر عن عامله الفعل أو ما يشبهه
وقد أشرنا - قريبا - إلى أنه يجوز فى العدد المركب ما جاز فى العدد المفرد من الإضافة لضمير المعدود ... بالتفصيل السّالف.
«ملاحظة» إذا نعت تمييز العدد المركب ، أو العقد ، أو المعطوف ، جاز فى هذا النعت أن يكون مفردا مراعاة للفظ المنعوت (وهو التمييز) وجاز أن يكون جمعا مراعاة لمعناه ، نحو : هنا أربعة عشر خبيرا عالما ، أو علماء - وعشرون طالبا ذكيّا ، أو أذكياء - وخمسة وعشرون كاتبا ماهرا ، أو ماهرين ... وهكذا. ومراعاة اللفظ أكثر. ومثل النعت غيره من بقية التوابع (1).
فملخص الكلام على العدد من ناحية تمييزه هو - فى الأغلب - :
(واحد واثنان : لا يحتاجان لتمييز) - (ثلاثة وعشرة وما بينهما ، وكذا بضع وبضعة ، تحتاج لجمع تكسير للقلة ، مجرور بالإضافة ، وقد تضاف لضمير المعدود) - (جنس المائة ، والألف : يحتاج إلى مفرد مجرور) - (ما عدا ذلك ؛ يحتاج لمفرد منصوب ... (2)
وأحد اذكر وصلنه بعشر *** مركّبا ؛ قاصد معدود ذكر - 4
وقل لدى التأنيث إحدى عشره *** والشّين فيها عن تميم كسره - 5
يريد : أن «عشرة» إذا ركبت مع «إحدى» وجب مطابقة «العشرة» لها فى التأنيث ، وأن «عشرة» المؤنثة ، تسكن «شينها» فى أشهر اللغات ، وتميم تجيز الكسر أيضا. ثم أراد أن يبين عموم الحكم الخاص «بعشرة» من ناحية تأنيثها مطابقة للمعدود ، وأن هذا ليس مقصورا على «إحدى» ، فقال :
ومع غير أحد وإحدى *** ما معهما فعلت ، فافعل قصدا - 6
(الفاء التى فى صدر «افعل» زائدة). والتقدير : وافعل قصدا مع غير أحد وإحدى ما فعلت معهما ، حيث أنثت عشرة مع «إحدى» المؤنثة ، وذكرتها مع «أحد» المذكر. أى : راع المطابقة فى التذكير والتأنيث مع غيرهما من الأعداد التى تركب مع العشرة كما راعيته مع : «أحد وإحدى» وزاد الأمر إيضاحا بالنص عليه مع ثلاثة وتسعة وما بينهما ؛ فقال :
ولثلاثة وتسعة وما *** بينهما إن ركّبا ما قدّما - 7
وبالنص عليه أيضا فى اثنى واثنتى حيث يقول :
وأول عشرة اثنتى ، وعشرا *** اثنى إذا أنثى تشا ، أو ذكرا - 8
يريد اتبع المؤنثة (أى : اذكر بعدها) كلمة : «عشرة» المؤنثة. واذكر كلمة : «عشر» المذكرة بعد «اثنى» المذكرة ، ثم بين : أن «اثنى واثنتى» يعربان إعراب المثنى عند تركيبهما كما كانا قبل التركيب ؛ فيرفعان بالألف ، وينصبان ويجران بالياء. وأما غيرهما فالجزءان المركبان مبنيان على الفتح فى القول المألوف ؛ أى : الشائع. يقول :
و «اليا» لغير الرفع ، وارفع بالألف *** والفتح فى جزأى سواهما ألف - 9
ثم انتقل إلى حكم تمييز العقود فقال :
وميّز العشرين للتسعينا *** بواحد كأربعين حينا - 10
(الحين : الوقت -) ثم إلى تمييز المركب مباشرة وأنه مثل تمييز العشرين. فقال :
وميّزوا مركّبا بمثل ما *** ميّز : «عشرون» ؛ فسوّ بينهما - 11
) 1(ا) قد يضاف العدد المفرد إلى غير تمييزه المبين لنوع المعدود ، ولحقيقته الذاتية ؛ فيضاف إلى مستحق المعدود (ومن المفرد : واحد ، ومؤنثه : واحدة وحادية ، وإحدى ... ومنه : اثنان ، ومؤنثه : ثنتان واثنتان ، ومنه ثلاثة وعشرة وما بينهما ويلحق به جنس المائة والألف ...) لعدم الحاجة إلى ذكر التمييز استغناء عنه ، وطلبا لمضاف إليه يحقق غرضا لا يحققه التمييز ؛ هو الدلالة على أن العدد مملوك أو منتسب للمضاف إليه ، أو مرتبط به بنوع من أنواع الصلة والارتباط التى تحدثها الإضافة الجديدة ، والتى لا تبين نوعا ، ولا ذاتا (1)، وإنما تبين استحقاق المضاف إليه للمضاف بوجه من وجوه الاستحقاق (2)ومن الأمثلة: واحد قومه من لا يعول فى الدنيا على أحد - واحدة قومها من رفعت شأن بلدها فى مجال التربية والأمومة. وكأن يقال فى كتابين لمحمد : هذان اثنا محمد. وفى فتاتين من القاهرة : هاتان اثنتا القاهرة ، أو ثنتا القاهرة. وفى دراهم لمحمود وعلىّ : هذه سبعة محمود ، وتسعة علىّ ...
أما بقية أقسام العدد فيستغنى عن التمييز نوعان منها : كما سيجىء فى «ه».
(ب) قلنا (3): إن المراد بالمائة والألف هو جنسهما الشامل لمفردهما ، ولمثناهما ، ولجمعهما ... هذه الدلالة على الجمعية قد تكون بصيغة الجمع المباشر المتحقق فى لفظهما ؛ نحو : هذه مئو رجل تقود أربعة آلاف جندى. وقد تكون «الجمعية» غير مباشرة ؛ بأن تكون صيغة المائة : «مضافا إليه» يكتسب معنى الجمعية من «المضاف» بشرط أن يكون هذا المضاف ثلاثة ، أو تسعة ، أو عددا بينهما ؛ نحو : قضى الرّحالة ثلاثمائة يوم فى الصحراء ، قطع فيها تسعمائة ميل.
وقد تكون أيضا بوقوع المائة والألف تمييزا منصوبا مضافا ، والعدد هو : «أحد عشر» أو غيره من الأعداد المركبة ، نحو : فى المكتبة أحد عشر مائة كتاب ، واثنتا عشرة ألف مخطوطة. ومن الجائز فى هذين النوعين الأخيرين اعتبار المائة والألف مفردين ؛ اعتمادا على أن لفظهما الصريح مفرد ، مجرد من علامة تثنية أو جمع ، وأن اعتبارهما غير مفردين راجع للعدد المركب المذكور قبلهما ، وهو لفظ مستقل عنهما ، ولكنه احتاج إليهما ليكونا تمييزين له. فاعتبار المائة والألف مفردين راجع لمراعاة مادتهما وصيغتهما اللفظية وحدها ، واعتبارهما غير مفردين راجع لمراعاتهما مع اسم العدد. ولن يترتب على الاعتبارين خلاف يمس تمييزهما مباشرة. وإنما الخلاف فى توابع تمييزهما ؛ كالنعت مثلا ؛ أيكون مفردا تبعا للفظ تمييزهما المنعوت ، أم جمعا تبعا لمعناه؟ الأمران جائزان فى كل التوابع. ولكن الأحسن والأكثر هو مراعاة اللفظ ؛ بأن يكون تابع تمييزهما مطابقا له فى إفراده. ويسرى الحكم السالف أيضا على تمييز العقود والأعداد المعطوفة كما سبق (1).
(ح) يصلح الألف تمييزا لكل أقسام العدد الأربعة (المفرد ، غير الواحد والاثنين - والمركب - والعقد - والمعطوف). أما المائة فلا تصلح تمييزا إلا للثّلاث والتسعة وما بينهما ، وإلا للأعداد المركبة ، مثل : ثلاثمائة ... خمسمائة ... إحدى عشرة مائة ... خمس عشرة مائة .. ولا تكون تمييزا للعقود ، ولا للأعداد المعطوفة. وإذا وقع لفظ «مائة» تمييزا للثلاثة أو التسعة أو ما بينهما فالأغلب الذى يقتصر عليه هو إفراده.
(د) من الشاذ تمييز المائة - وجنسها - بمفرد منصوب ؛ كقول الشاعر :
إذا عاش الفتى مائتين عاما *** فقد ذهب اللذاذة والفتاء
ومن القليل تمييزها بجمع مجرور ؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ) على اعتبار «مائة» مضاف و «سنين» مضاف إليه. أما من ينون : «مائة» فإنه يجعل كلمة : «سنين» بدلا أو عطف بيان من «ثلاث» المضافة إلى مائة. لا تمييزا - لئلا يكون التمييز هنا شاذّا من وجهين ؛ هما : وقوعه جمعا ، ونصبه.
1) فى ص 494.
(ه) ما صح فى الأعداد المفردة من استغنائها عن التمييز أحيانا - كما تقدم فى «ا» - يصح فى قسمين آخرين ؛ هما : المركب - (ما عدا اثنى عشر ، واثنتى عشرة) - والعقود ، فيصح حذف التمييز حين لا يتعلق الغرض بذكره. ومن حالات الاستغناء عنه أن يضاف العدد إلى شىء يستحقه ؛ بأن يكون العدد مملوكا للمضاف إليه ، أو منتسبا له بصلة من الصلات المستفادة من الإضافة الدالة على الاستحقاق ، لا على بيان نوع المعدود. كأن يكون لمحمود خمسة عشر درهما فنقول : هذه خمسة عشر محمود ، وكأن يكون لغرف البيت عشرون مفتاحا ؛ فنقول : هذه عشرو البيت ...
وإذا أضيف العدد المركب - (غير اثنى عشر ، واثنتى عشرة) - ففى إعرابه لغات (1)... أشهرها وأحقها بالاقتصار عليه لغتان (2):
الأولى : أن يبقى على ما كان عليه من فتح الجزأين فى جميع مواقعه الإعرابية ، ولا مانع من اجتماع البناء والإضافة هنا ؛ تقول : خمسة عشر محمد عندى - إن خمسة عشر محمد عندى - حافظت على خمسة عشر محمد ؛ بالبناء ، على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالة الجملة.
الثانية : ترك الجزء الأول مفتوحا فى كل الحالات كما كان ، وإجراء الحركات الإعرابية على الجزء الثانى ؛ باعتبار الجزأين بمنزلة كلمة واحدة ذات شطرين ، يجرى الإعراب على الثانى منهما مع ترك الأول على حاله ، دون أن تتغير الفتحة التى فى آخره ، فيكون الثانى معربا ؛ مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا ، على حسب موقعه من الجملة ؛ ولا يكون مبنيّا ؛ تقول : خمسة عشر محمد عندى - إن خمسة عشر محمد عندى - (و «خمسة عشر» هنا : اسم «إن» ، منصوبة مباشرة ، وليست مبنية على فتح الجزأين) - حافظت على خمسة عشر محمد. فخمسة عشر فى الأمثلة الثلاثة غير مبنية ؛ فهى بشطريها فى الأول مبتدأ مرفوع مباشرة ، وفى الثانى اسم «إن» منصوب مباشرة - وفى الثالث مجرور مباشرة. وما عدا هذين الرأيين ضعيف يحسن إهماله ؛ ومنه : إضافة صدر المركب إلى عجزه المضاف إلى مستحق المعدود ، نحو :
هذه خمسة عشر محمد ، وشاهدت خمسة عشر محمد ، واحتفيت بخمسة عشر محمد .. ومنه إضافة صدر المركب إلى عجزه من غير إضافة العجز إلى شىء ؛ نحو : هذه سبعة عشر (1)
وإن أضيف عدد مركب *** يبق البنا. وعجز «قد يعرب» - 12
...(و) لا يجوز الفصل بين العدد وتمييزه فى غير الضرورة الشعرية. 2
1) وإلى بعض هذه الآراء يشير ابن مالك بقوله :
عرفنا الأقسام الاصطلاحية للعدد ؛ وأنها أربعة : (مفرد - مركب - عقد - معطوف).
الأول : تذكير الأعداد المفردة وتأنيثها ، ويتلخص فى :
1 - أن الواحد والاثنين يذكّران مباشرة بغير حاجة إلى معدود بعدهما ، أى : أن صيغتهما العددية تذكر أو تؤنث ؛ طبقا لمدلولها ، وللمقصود منها. دون أن يكون معهما معدود (تمييز) ؛ إذ لا يصح ذكر تمييز لهما - كما عرفنا (1)- ومن الأمثلة قوله تعالى : ( قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) ، وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، ) وقوله تعالى : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ ؛ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ... ) وقوله تعالى : ( قالُوا : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ، وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ. )
2 - وأن «مائة» و «ألفا» وجنسهما ثابتة على حالتها اللفظية ، تأنيثا فى «مائة» ، وتذكيرا فى «ألف» مع أنهما يحتاجان إلى تمييز مفرد مجرور غالبا. وهذا التمييز قد يكون مذكرا أو مؤنثا على حسب الدواعى المعنوية ؛ نحو : جاء مائة رجل - جاءت مائة فتاة - حضر ألف جندى - حضر ألف طالبة. أى : أن صيغة لفظهما لا تخرج عما وضعت له فى الأصل ؛ فكلمة : «مائة» ملازمة للتأنيث اللفظى فى كل استعمالاتها هى ومضاعفاتها ، وكلمة «ألف» ملازمة للتذكير اللفظى دائما هى ومضاعفاتها ، فمادتهما الهجائية ثابتة لا يدخل عليها تغيير من هذه الناحية ، إلا عند إلحاق المائة بجمع (2)المذكر السالم.
3 - وأن ثلاثة ، وعشرة ، وما بينهما - وكذلك كلمة : بضع وبضعة (3)-
تلحقها تاء التأنيث إن كان المعدود (التمييز) مذكرا ، وتتجرد من تاء التأنيث إن كان المعدود (التمييز) مؤنثا. فالعدد فى هذا القسم مخالف للمعدود تذكيرا وتأنيثا.
ويشترط لتحقق هذه المخالفة شرطان ؛ أن يكون المعدود مذكورا فى الكلام ، وأن يكون متأخرا عن اسم العدد ، نحو : ثلاث عيون - أربعة قلوب - خمس أصابع - ستة رءوس - سبع رقاب - ثمانية (1)
ا - إذا كان «ثمان» عددا مضافا ومذكرا - بسبب إضافته إلى تمييزه المؤنث - فالأفصح إثبات الياء فى آخره فى جميع حالاته ، مع إعرابه إعراب المنقوص ؛ فتقدر على يائه الضمه والكسرة ، وتظهر الفتحة ؛ نحو : ثمانى غوان ينشدن ، وثمانى فتيات يعزفن - سمعت ثمانى غوان ينشدن ، وثمانى فتيات يعزفن - طربت لثمانى غوان ينشدن ، وثمانى فتيات يعزفن. فكلمة : «ثمانى ...» فى المثال الأول مرفوعة بضمة مقدرة على الياء ، وفى الثانى منصوبة بالفتحة الظاهرة ، وفى الثالث مجرورة بكسرة مقدرة.
فإن كان مؤنثا - بسبب إضافته إلى تمييزه المذكر - لزمته «الياء» وبعدها - «التاء» الدالة على التأنيث ، وأعرب إعراب الأسماء الصحيحة ، نحو : فرقة الإنشاد ثمانية رجال - شاهدت ثمانية رجال - أصغيت إلى ثمانية رجال.
ب - إذا كان : «ثمان» عددا مفردا ، غير مضاف ، والمعدود مذكر ، لزمته الياء والتاء - أيضا - وأعرب إعراب الأسماء الصحيحة فى كل أحواله. نحو : المسافرون من الرجال ثمانية - كان المسافرون من الرجال ثمانية - أنست بثمانية ...
فإن كان المعدود مؤنثا فالأكثر إعرابه إعراب المنقوص ؛ نحو : اشتهر من الشاعرات ثمان - اكتفيت من الشاعرات بثمان - عرفت من الشاعرات ثمانيا ، أو ثمانى. بالتنوين وعدمه ، فالتنوين على اعتبار كلمة : «ثمانيا» اسما منقوصا ، منصرفا ، وعدم التنوين على اعتباره اسما ممنوعا من الصرف يشبه : «غوان» " وجوار"فى وزنهما اللفظى ، وفى دلالتها المعنوية على المؤنث. ومن القليل فى هذه الصورة إعرابها بالحركات الظاهرة على النون مباشرة عند حذف الياء ؛ كقوله الشاعر :
لها ثنايا أربع حسان *** وأربع ، فثغرها ثمان
يريد ثنايا ثمان. (راجع الخضرى والصبان فى هذا الموضع).
أما العدد ثمانية عند تركيبه مع العشرة فيجىء الكلام عليه فى تأنيث الأعداد المركبة - رقم 2 من هامش ص 510.
جلود - تسع أقدام - عشرة ظهور ... فإن لم يتحقق الشرطان معا ؛ بأن كان المعدود متقدما ، أو كان غير مذكور فى الكلام ولكنه ملحوظ فى المعنى يتجه الغرض إليه - جاز فى اسم العدد التذكير والتأنيث (2)؛ نحو ؛ كتبت صحفا ثلاثا ، أو ثلاثة - صافحت أربعة ... .أو أربعا (1)...
والحكم على المعدود الدال على الجمع (2)بأنه دّال على التأنيث أو التذكير لا يكون بالنظر إلى لفظه الدال على الجمعية وما يصاحبها من التذكير أو التأنيث وإنما يكون بالرجوع إلى مفرده ؛ لمعرفة حالة المفرد من ناحية التذكير والتأنيث ، ومراعاة هذه الحالة وحدها ، عند تأنيث العدد وتذكيره ، دون التفات إلى المعدود من هذه الناحية (3)...
وإذا ميز العدد المفرد بتمييزين أحدهما مذكر والآخر مؤنّث ، روعى فى تأنيث العدد وتذكيره السابق (4)منهما ؛ نحو أقبل سبعة رجال وفتيات ، وأقبل سبع فتيات ورجال (5)
ثلاثة بالتاء قل للعشره *** فى عدّ ما آحاده مذكّره - 1
فى الضّدّ جرّد ....... *** .................... - 2
(التقدير : قل ثلاثة بالتاء إلى العشرة. وآحاده : جمع أحد ، بمعنى : المفرد للجمع. (أى : واحد الجمع ، ومفرده) وتكملة البيت الثانى لا علاقة لها بهذه القاعدة ، وإنما تتصل بحكم آخر ، سيجىء).
يريد : أنث العدد. ثلاثة ، وعشرة ، وما بينهما - إن كنت تعد جمعا مفرداته مذكرة. فالعبرة فى معرفة التذكير والتأنيث فى المعدود المجموع إنما تكون بالرجوع إلى مفرده ، بغير نظر إلى لفظ المعدود من هذه الناحية. أما فى الضد - حيث يكون مفرد المعدود مؤنثا فيجب تذكير العدد.
ثم انتقل بعد ذلك للكلام على تمييز العدد ؛ فقال :
(فى الضّدّ جرّد). والمميّز اجرر *** جمعا بلفظ قلّة فى الأشهر - 3
وهذا الحكم خاص بالعدد ثلاثة وعشرة وما بينهما ، أما المائة والألف فقال فيه :
ومائة والألف للفرد أضف *** ومائة بالجمع نزرا قد ردف - 4
(نزرا - قليلا جدا. ردف - جاء بعده) يقول : أضف مائة والألف للمفرد ، ليكون هذا المفرد المضاف إليهما هو التمييز. ثم قال : إن العدد «مائة قد يردفه (أى : يقع بعده) جمع فيكون المضاف إليه جمعا ، ووقوع الجمع تمييزا للمائة نزر لا يقاس عليه.
...والعرب فى بعض استعمالاتهم يقدّمون التأنيث على التذكير ، فيغلّبون المؤنث على المذكر فى بضع حالات قليلة ، يتّصل منها بموضوع العدد قولهم - مثلا - : رجعت من السفر لثلاث بين يوم وليلة. (أى : لثلاث محصورة بين كونها أياما ، وكونها ليالى) ، وضابط هذا النوع من الاستعمالات : أن يوجد عدد تمييزه مذكر ومؤنث ، وكلاهما لا يعقل ، وهما مفصولان من العدد بكلمة : «بين» ؛ فهم يغلّبون فى المثال السابق - وأشباهه - التأنيث على التذكير.
ومن تلك الحالات ؛ أن يكون المعدود المذكور متأخرا فى الجملة ، ومؤنثا تغليبا ؛ بأن يكون معه مذكر ليس له الأهمية والتغليب ؛ نحو : قابلت تسعا بين .
1) انظر «د» و «ه» ص 508 و 509 ، حيث البيان والتفصيل.
2) وما الذى يراعى إن كان المعدود اسم جمع ، أو اسم جنس؟ الجواب فى : «ج» من ص 506.
3) كما سيجىء البيان والأمثلة فى ص 504 - إلا عند الكسائى ، وبعض البغداديين ؛ فيجيزون الرجوع إلى المفرد ، أو مراعاة الجمع بلفظه الذى هو عليه. ورأيهم مخالف للأعم الأغلب الذى يحسن الاكتفاء به اليوم ؛ منعا للتشتيت والاضطراب.
4) مما يلاحظ أن هذا الحكم مخالف لنظيره فى الأعداد المركبة ، وسيأتى فى ص 511.
5) فى تأنيث العدد المفرد وتذكيره يقول ابن مالك فى باب مستقل عنوانه :. «العدد» - ولم يسلك فيه الترتيب الذى سلكناه ، (كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 482 وأوضحنا الأمر) :
رجل وامرأة - ... وهكذا - وقد سبق بيان لهذه المسألة عند الكلام على تعريف «التغليب» وتقسيمه ، وحكمه (1). .
1) فى ج 1 م 9 هامش ص 109 عند الكلام على : «المثنى».
(ا) قلنا (1): إن الحكم على المعدود بالتذكير أو التأنيث لا يكون بمراعاة لفظه إذا كان جمعا ، وإنما يكون بالرجوع إلى مفرده (2)، وملاحظة هذا المفرد وحده أهو ؛ مذكر أم مؤنث - حقيقى أم مجازى (3)فى الحالتين ؛ فعلى المفرد وحده يكون الاعتماد فى هذه الناحية ، ولا عبرة بالمعدود المجموع (4). تقول : سمعنا غناء ثلاث غوان ، بحذف التاء من العدد «ثلاث» ؛ لأن المعدود جمع ، مفرده : «غانية» «وغانية» مؤنثة حقيقية. ومثلها : سهرنا سبع ليال ؛ بحذف التاء من العدد : «سبع» ؛ لأن المعدود جمع مفرده : ليلة ، وهى مؤنثة مجازية. وتقول : ثلاثة أدوية ، بإثبات التاء فى العدد ؛ لأن المعدود جمع ، مفرده : دواء ؛ وهذا مذكر. ولا عبرة بتأنيث جمعه المذكور. وتقول : خمسة غلمة ؛ بإثبات التاء فى اسم العدد ، لأن المعدود - وإن كان جمعا للتكسير مؤنثا بالتاء - مفرده مذكر ، وهو : غلام. ومثلها : خمسة فتية ؛ بإثبات التاء فى اسم العدد ، بالرغم من أن معدوده جمع تكسير مؤنث بالتاء - لأن مفرده مذكر ، وهو : فتى ، والعبرة بالمفرد وحده - غالبا ، كما سلف -.
(ب) هذا المفرد الذى يجب الرجوع إليه عند الأكثرين لمعرفة حاله من التذكير أو التأنيث الحقيقيين أو المجازيين (5) ؛ للتوصل منه إلى تأنيث اسم العدد ، أو تذكيره - هذا المفرد مختلف الصّور ؛ فقد يكون مؤنثا لفظا ومعنى معا ؛ (وهو الذى يلد ويتناسل ، مع اشتمال لفظه على علامة تأنيث) : مثل : فاطمة - ميّة - عائشة - ليلى - سلمى - زرقاء (علم ، ومنه : زرقاء اليمامة) حمراء (علم أيضا) ... وغيرها من أعلام النساء المختومة بعلامة تأنيث ...
وقد يكون مؤنثا معنى لا لفظا (وهو ما يلد ويتناسل ، مع خلو لفظه من علامة تأنيث) ، مثل : زينب - سعاد - هند ... وغيرها من أعلام النساء الخالية من علامة تأنيث. وقد يكون مؤنثا مجازيا. مثل : أرض و «بطن ، بمعنى :
1) فى ص 502.
2) خالف فى هذا الكسائى وبعض البغدادين - طبقا للبيان الذى فى رقم 3 من هامش ص 502 -
3) سبق الكلام مفصلا على أنواع المؤنث (وهى : الحقيقى - المجازى - المعنوى - اللفظى - التأويلى - الحكمى) فى ج 2 ص 66 م 67 باب الفاعل. وسيجىء هنا التكملة فى باب التأنيث ص 542.
4) سبق الكلام مفصلا على أنواع المؤنث (وهى : الحقيقى - المجازى - المعنوى - اللفظى - التأويلى - الحكمى) فى ج 2 ص 66 م 67 باب الفاعل. وسيجىء هنا التكملة فى باب التأنيث ص 542.
قبيلة» وغيرهما من الأسماء الدالة على مؤنث معنوى غير حقيقى (1).
وقد يكون مؤنثا لفظا لا معنى ، مثل : طلحة ، عنترة - معاوية ، حمزة ، وغيرها من أعلام الذكور المشتملة على علامة تأنيث. فلفظها مؤنث ، ومعناها مذكر ...
وقد يكون مذكرا لفظا ومعنى ؛ (كرجل ، وعلىّ).
وقد يكون صالحا للدلالة على المؤنث أو المذكر ، مثل : شخص - نفس - الحال ...
فإذا كان المفرد مؤنثا تأنيثا حقيقيّا (2)- (وهو الذى يلد ويتناسل ، ولو من طريق البيض) وجب مراعاة هذا التأنيث بتذكير اسم العدد ، سواء أكان التأنيث الحقيقى لفظا ومعنى معا ، أم معنى فقط. (مثل : فاطمة - زينب).
وإن كان المفرد مذكرا لفظا ومعنى وجب مراعاة هذا التذكير بتأنيث اسم العدد. وفى غير هاتين الحالتين يصح اعتبار المفرد مذكرا أو مؤنثا ؛ كأن يكون مذكرا لفظا ومعناه مؤنث تأنيثا مجازيّا ، مثل «حرف» المراد به : كلمة. و «بطن» : المراد به : «قبيلة» ، و «كتاب» المراد به : ورقاته ... وكأن يكون مؤنثا لفظا ومعناه مذكر ؛ مثل : طلحة - حمزة - معاوية - وكأن يكون لفظا يصلح للدلالة على المؤنث حينا والمذكر حينا آخر كالأمثلة السالفة (شخص - نفس - حال) - وغيرها مما يصلح للأمرين (3)...
بالرغم من أن هذه الصور يجوز فيها اعتبار المفرد مؤنثا أو مذكرا فالأحسن فى المفرد إن كان علما مراعاة لفظه ، وكذلك إن وجد فى السياق ما يقوى جانب اللفظ. فنقول : ثلاث طلحات ، أو ثلاثة طلحات ، والأول أحسن ؛ مراعاة للفظ المفرد «طلحة» لأنه علم (4). ونقول : ممن اشتهروا فى صدر الإسلام بأعمال جليلة باقية
1) المؤنث الحقيقى هو الذى يلد ويتناسل ، ولو من طريق البيض. ولا بد أن يشتمل على علامة تأنيث ظاهرة أو مقدرة (كما سيجىء فى ص 542).
2) المؤنث الحقيقى هو الذى يلد ويتناسل ، ولو من طريق البيض. ولا بد أن يشتمل على علامة تأنيث ظاهرة أو مقدرة (كما سيجىء فى ص 542).
3) انظر ص 543 حيث الكلام على أنواع المؤنث.
4) المفهوم من حاشية ياسين على التصريح غير ذلك ؛ فقد جاء بها ما نصه : (ج 1 باب «المعرب والمبنى» عند الكلام على شروط جمع المذكر السالم): لأى شىء امتنع نحو : «طلحون» فيقال : «طلحات» فأعطى حكم المؤنث ، اعتبارا بلفظه ؛ وقيل فى العدد ثلاثة طلحات. بإلحاق عدده حرف التاء ، لإعطائه حكم المذكر ؛ اعتبارا بمعناه؟ لم يجب عن هذا ، وأحال الجواب على حاشية أخرى. وسواء أكان الحكم هذا أم ذاك فالرأيان جائزان ، صحيحان. وإنما الخلاف فى الأحسن.
على الزمان ، سجلها التاريخ لهم : أربعة شخوص ، عرفوا بالخلفاء الراشدين ، ويصح أربع شخوص ؛ ولكن التأنيث هنا أحسن ، لأن نسق الكلام جار على التذكير ففيه : (اشتهروا - لهم - عرفوا - الراشدين) ؛ وهذا الاتجاه يقوى فى المفرد (وهو : شخص) ناحية التذكير ، ويغلبها على ناحية التأنيث ، فيستحسن تبعا لهذا تأنيث العدد.
(ح) ليس من اللازم أن يكون التمييز الخاص بالأعداد : «ثلاثة ، وعشرة» وما بينهما - جمعا حقيقيّا فى كل الحالات ، وإنما اللازم - كما سبق - (1)أن يكون دالا على معنى الجمعية ، فيشمل الجمع الحقيقى ، كما يشمل اسم الجمع ؛ كقوم ، ورهط ، وناس ، وأناس ، ونساء ، وعشرون ، وثلاثون ، وباقى العقود ... وكذلك يشمل ، اسم الجنس الجمعى (2)؛ كنحل ، ونخل ، وبطّ ، وبقر ، وكلم ...
وقد عرفنا (3)أن المعدود الجمع لا يراعى لفظه فى ناحية التذكير والتأنيث ، وإنما الذى يراعى هو مفرده فقط. فما الذى يراعى إن كان المعدود اسم جمع. أو اسم جنس جمعى؟ يراعى لفظهما مباشرة ، (أى : صيغتهما) وما هما عليه من تأنيث ، أو تذكير ، أو صلاح للأمرين ، ولا يراعى مفردهما إن وجد. ويعرف أمرهما من هذه الناحية بوسائل متعددة ؛ تنتهى لا بد أن إلى استعمال العرب الفصحاء ؛ منها : نوع الضمير العائد على كل منهما : أهو مذكر أم مؤنث؟ ومنها اسم الإشارة المستعمل مع كلّ ؛ أهو مما يستعمل مع المذكر أم مع المؤنث؟ ومنها النعت ، وكذلك تأنيث الفعل ... ، فكل وسيلة من هذه - - وأشباهها - صالحة للدلالة على تأنيث اسم الجمع واسم الجنس الجمعى أو
تذكيرهما ، أو صلاحيتهما للأمرين على حسب الوارد فى الكلام الصحيح المأثور. فإذا أردنا أن نتبين أمر اسم جمع : «مثل رهط ...» أهو مذكر أم مؤنث ؛ نرجع إلى الكلام الفصيح ؛ فنجد العرب يقولون - مثلا - الرهط أقبل ، وهذا الرهط المقبل سيكون له شأن ... ولا يقولون على الحقيقة الخالية من التأويل والمجاز : الرهط أقبلت ، ولا هذه الرهط المقبلة ...
ويقولون : كان رهطنا الرّوّاد أسرع الجنود إلى الفداء والتضحية. ولا يقولون : كانت. رهطنا الرائدات ... أى : أنهم يذكرون : «رهطا» ، من أسماء الجموع. فيتبع هذا تأنيث العدد ، فنقول : ثلاثة من الرهط (1).
وهم يؤنثون من أسماء الجمع : «رجلة» (بمعنى بضعة رجال لا تزيد على عشرة) فيقولون : أقبلت رجلة تكشف المجاهل ... ويتبع هذا تذكير العدد ، فيقال : ثلاث من رجلة ... (2)
وهم - فى أغلب الفصيح - يذكّرون من أسماء الأجناس الجمعية : «البنان» «والكلم» ، فيقولون : بنان مخضّب. ويقول اللّه تعالى : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) ، كما يقول : (يحرفون الكلم عن مواضعه) ويترتب على هذا تأنيث اسم العدد ؛ نحو : خمس من البنان المخضب ، وسبع من الكلم الطيب ...
وهم - فى الأغلب أيضا - يؤنثون ويذكرون من تلك الأجناس الجمعية : البط والنخل ؛ فيقولون : البط سابح فى الماء ، والبطّ سابحة فى الماء. ويقول اللّه تعالى : ( ... وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ (3)لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (4)) كما يقول فى وصف الريح التى أهلكت عادا(... تنزع الناس ، كأنهم أعجاز نخل منقعر (5).
1) مع مجىء حرف الجر ؛ «من» ؛ طبقا لما تقدم فى حكم تمييز العدد الذى معدوده اسم جنس ، أو اسم جمع ... ص 491.
2) ملاحظة : ورد فى بعض المراجع النحوية التمثيل بكلمة : «قوم» لاسم الجمع الواجب التذكير. وهذا خطأ ، فقد تكرر تأنيثه فى القرآن الكريم.
3) عاليات.
4) منسق.
5) مقطوع من أصله. وأعجاز النخل أصوله. والمراد هنا : النخل نفسه.
ويترتب على هذا صحة التذكير والتأنيث فى اسم العدد ؛ نحو : سبع أو سبعة من البط ، وتسع ، أو تسعة من النخل ... فشأن هذا شأن المعدود الذى يدل على المذكر وعلى المؤنث حيث يصح معه فى اسم العدد مراعاة هذا أو ذاك.
ويشترط لتطبيق الحكم السالف الخاص باسم الجنس الجمعىّ ، واسم الجمع فى صورهما المختلفة ألا يتوسط بين المعدود واسم العدد نعت يدل على التأنيث فقط ، أو التذكير فقط ، فإن توسط هذا النعت وجب مراعاة المعنى الذى يقتضيه ، ويدل عليه ؛ فيذكر اسم العدد أو يؤنث تبعا له ؛ نحو : فى الماء خمس إناث (1)من البطّ ، وعلى مقربة منها خمسة ذكور (2)من البط أيضا.
ولو تأخر هذا النعت عن المعدود. أو توسط وكان لفظه مع توسطه مما يصلح نعتا للمذكر والمؤنث ؛ - ككلمة : حسان ؛ مثلا - لم يكن له أثر فى تأنيث العدد ، وتذكيره ؛ فوجود النعت بصورتيه من هذه الناحية كلا وجود. فنقول : فى الماء خمسة من البط إناث - أو خمس من البط إناث. وخمس من البط ذكور ، أو خمسة من البط ذكور. كما نقول خمسة حسان من البط ، أو خمس حسان من البطّ ، لأن لفظ : «حسان» المتوسط يصلح نعتا للمذكر وللمؤنث ؛ فيقال : رجال حسان ، ونساء حسان.
(د) يشترط لتطبيق الحكم العام المتعلق بتأنيث الأعداد المفردة السالفة (3 ، 10 وما بينهما) وتذكيرها - أن يكون المعدود المفرد مذكورا ومتأخرا عن اسم العدد. - كما عرفنا (3) - ولهاتين الحالتين صور ؛ منها : أن يكون المعدود محذوفا مع ملاحظته فى المعنى وتعلّق الغرض به ؛ فيصح فى اسم العدد التذكير والتأنيث ؛ نحو : (ثلاث من كنّ فيه فهو منافق أثيم ؛ الخيانة ، وخلف الوعد ، والكذب) ، فيصح فى اسم العدد هنا : التذكير والتأنيث ؛ فيقال : ثلاث ، أو ثلاثة ؛ إمّا على اعتبار أن المعدود المحذوف متقدم فى الأصل على العدد ، والأصل : صفات ثلاث. أو صفات ثلاثة ، ويعرب المعدود المحذوف على حسب
حاجة الجملة ، ويعرب اسم العدد بعده نعتا (1)فى الغالب حين يكون المحذوف مذكورا ، فإذا حذف حلّ النعت محله فى إعرابه ؛ فصار مبتدأ ، أو خبرا ، أو غير ذلك مما كان يؤديه المعدود المحذوف ... ، وإمّا على اعتبار المعدود المحذوف متأخرا فى الأصل على العدد ، والأصل هو : ثلاث صفات ؛ وهذا الاعتبار يقضى بتطبيق الحكم الخاص بتذكير العدد أو تأنيثه حين يكون المعدود مذكورا ومتأخرا عنه.
فإن كان المعدود المحذوف غير ملاحظ فى التقدير مطلقا ، ولا يتعلق الغرض به بتاتا ، وإنما المقصود هو ذكر اسم العدد المجرد فالأصح فى هذه الصورة تأنيث العدد بالتاء على اعتباره علم جنس مؤنثا ؛ ويمنع من الصرف ولا تدخل عليه «أل» المعرفة - فى الأرجح - ؛ نحو : ثلاثة نصف ستة ، وأربعة نصف ثمانية ... فالعدد فى المثالين - وأشباههما - علم جنس ، مؤنث ، ممنوع من الصرف ، لا تلحقه - فى الأرجح - «أل» المعرفة ، كما قلنا ؛ لأنها لا تدخل على المعارف. وقد تدخل عليه «أل» التى للمح الأصل ؛ وهو : الوصفية العارضة ، كما دخلت فى كلمة : إلهة ؛ علم للشمس ، وكلمة : شعوب ، علم للمنية ، فقالوا فيهما الإلاهة ، والشعوب.
(ه) إن (2)كان المعدود صفة نائبة عن الموصوف (المحذوف) اعتبر حال الموصوف (المحذوف ،) لا حال الصفة ، قال اللّه تعالى : ( ... فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) ، مع أن المثل مذكر ؛ إذ المراد بالأمثال : «الحسنات». أى : عشر حسنات أمثالها.
1) سبق (فى رقم 3 من هامش ص 492) أنه لا مانع فى هذه الحالة من إعرابه «بدلا أو عطف بيان» إن كان المعنى عليهما. ولا مانع هنا من عدم مطابقة النعت للمنعوت فى التذكير والتأنيث ؛ لأن هذه الصورة مما يجوز فيه المطابقة وعدمها ، فيجوز فيها أن يكون المعدود المحذوف مذكرا واسم العدد مؤنثا ، ويجوز العكس ؛ كما يجوز المطابقة ؛ وهى الأحسن عند إمكانها ، لموافقتها القاعدة العامة فى حكم النعت الحقيقى. أما عدم المطابقة فمسايرة لمخالفة العدد للمعدود.
2) ما يأتى منقول من رقم 1 من هامش ص 149 ج 2 من كتاب ؛ المقتضب ، للمبرد - باب نعم وبئس - ونقله محققه أيضا من شرح الكافية للرضى (ج 2 ص 139) ومن كتاب سيبويه (ج 2 ص 175).
الثانى : تأنيث الأعداد المركبة وتذكيرها :
سبق أنّ الأعداد المركبة (1)تنحصر فى : (أحد عشر ، وتسعة عشر ، وما بينهما ، وما يلحق بهما من كلمة : بضع وبضعة) وأنها سميت مركبة لتركبها من جزأين امتزجا واتّصلا حتى صارا بمنزلة كلمة واحدة ؛ تؤدى معنى جديدا لا يؤديه واحد منهما منفردا. والجزء الأول منهما يسمى : «صدر المركب» أو : النيّف (وهو يشمل 1 ، 9 وما بينهما ، وما ألحق بهما) والجزء الثانى يسمى : «عجز المركب» أو العقد ، ويقتصر على كلمة : «عشرة» ولا بد للمركبات من تمييز يكون مفردا منصوبا ، وتعرب مبنية على فتح الجزأين فى كل أحوالها (2)، فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب الجملة. ما عدا «اثنين واثنتين» ؛ فيعربان إعراب المثنى ، وما عدا العجز المضاف وحده (3)
أما «ثمان» المفردة فقد تقدم الكلام علی حكمها في ص 403. مع الأعداد المفردة.
...أما حكم الأعداد المركبة - وملحقاتها - من ناحية التأنيث والتذكير فيتلخص : فى أن عجزها (وهو : عشرة) يطابق المعدود دائما ، أى : يسايره فى تذكيره وتأنيثه بغير تخالف. وأن صدرها : إن كان لفظه كلمة : «أحد ، أو اثنى ، أو اثنتى ...» يجب مطابقته للمعدود ، وإن كان : «ثلاثة وتسعة» وما بينهما - وملحقاتها - ، وجب مخالفته للمعدود كمخالفته له وهو مفرد (أى : مضاف) فالأعداد «ثلاثة وتسعة» وما بينهما - وكذا الملحقات - يجب مخالفتها للمعدود فى التذكير والتأنيث ؛ سواء أكانت تلك الأعداد مفردة أم مركبة (4) ... ومن الأمثلة : دخلت حديقة بها أحد عشر رجلا -
1) فى ص 484.
2) مع ملاحظة ما سبقت الإشارة إليه فى الصورة الثانية من ص 484 - وهو : أن المركب المزجى العددى - غير 12 - يجب بناؤه على فتح الجزأين - فى أشهر اللغات وأكثر الصور ، أو إضافة عجزه مع إعرابه على حسب حاجة الجملة وترك صدره على حاله. - أما غير العددى فقد يكون مبنيا على فتحهما أو غير مبنى. ومن المزجى العددى. «إحدى عشرة» ، وهى مبنية على فتح الجزأين أيضا ، ولكن الفتح مقدر على آخر الأولى - (كما سيجىء فى هامش ص 513، وكما سبق فى رقم 3 من هامش ص 485).
3) العدد : «ثمانية» عند تركيبه مع العشرة يكون - من ناحية تذكيره وتأنيثه - كحاله قبل التركيب - وقد سبق فى ص 501 - ؛ يؤنث بالتاء مع إثبات الياء إن كان المعدود مذكرا ؛ نحو : ثمانية عشر رجلا ، ويجرد من التاء إن كان المعدود مؤنثا ، نحو : ثمانى عشرة سيدة. وفى هذه الحالة التى يتجرد فيها من التاء مع تركيبه يجوز فيه أربع لغات ، إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة ، وحذفها مع فتح النون أو كسرها. وعند إثبات الياء ساكنة يكون الفتح عليها مقدرا ، وعند إثبات النون مكسورة تكون الياء بعدها محذوفة للتخفيف ، مفتوحة بفتحة ظاهرة ، أو مقدرة.
زرعت إحدى عشرة شجرة - الشهور اثنا عشر شهرا - سنوات الدراسة نحو : اثنتى عشرة سنة - اشترك فى تمثيل المسرحية ثمانية عشر رجلا وأربع عشرة فتاة ... وهكذا (1)...
وإن كان للعدد المركب تمييزان أحدهما مذكر عاقل ، والآخر مؤنث كان الاعتبار للمذكر (2)؛ فيجب تأنيث صدر العدد المركب ؛ مراعاة للتمييز المذكر ولو كان متأخرا ، بشرط أن يكون من نوع العقلاء ؛ نحو : هاجر أربعة عشر رجلا وفتاة ، أو : هاجر أربعة عشرة فتاة ورجلا. فإن لم يكن من العقلاء روعى السابق منهما ، نحو : فى الحديقة خمس عشرة عصفورة وبلبلا ، أو خمسة عشر بلبلا وعصفورة. وهذا بشرط ألا يفصل بين العدد والتمييز فاصل. فإن فصل بينهما روعى المؤنث ، نحو الحديقة خمس عشرة ما بين بلبل وعصفورة.
الثالث : تذكير العقود (3): (20 - 30 - 40 - 50 - 60 - 70 - 80 - 90).
هذه العقود ملحقة فى إعرابها بجمع المذكر السالم ؛ فلا يصح أن يتصل بلفظها علامة تأنيث ؛ منعا للتعارض ؛ إذ يلازمها دائما علامتا جمع المذكر السالم ؛ سواء أكان معدودها مذكرا أم مؤنثا ، ومن الأمثلة : أقبل وفد السيّاح ؛ فيه ثلاثون رجلا وعشرون امرأة ، وسيقضى الوفد أربعين يوما أو خمسين فى الصعيد ؛ حيث ينعم بدفء الشتاء ويتمتع بروائع الآثار ...
ومع أن لفظها اسم جمع ملحق إعرابه بجمع المذكر السالم - فمدلولها (وهو : المعدود ، أى : التمييز) لا بد أن يكون مفردا ، مذكرا أو مؤنثا على حسب الحالة.
الرابع : تأنيث الأعداد المعطوفة وتذكيرها :
الأعداد المعطوفة تستلزم ثلاثة أمور مجتمعة :
1 - أن تكون صيغها مقصورة على ألفاظ العقود.
2 - أن يكون صيغة المعطوف عليه - وهو النيّف - مقصورة على لفظ من ألفاظ الأعداد المفردة الأصيلة - وملحقاتها - ويتعين أن يكون هذا اللفظ هو : واحد أو تسعة أو عدد محصور بينهما ، أو ملحق بهما.
3 - أن تكون أداة العطف هى : «الواو» دون غيرها. وقد سلفت الأمثلة المختلفة لهذا القسم (1).
فأما من ناحية تذكيره وتأنيثه ، فالمعطوف - أى : العقد - مذكر دائما ؛ لأن صيغته تعرب إعراب جمع المذكر السالم ، وفيها علامتاه ؛ فلا يصح مجىء علامة تأنيث معهما ؛ منعا للتعارض والتناقض - كما سلف -.
وأما المعطوف عليه (أى : النّيّف) فإن كانت صيغته هى لفظ : «واحد» أو «اثنين» ، وجب مطابقتها للمعدود فى تذكيره وتأنيثه. وإن كانت صيغته هى لفظ : «ثلاثة أو تسعة» أو عدد بينهما ، أو ملحق بهما - وجب مخالفتها للمعدود ؛ فتؤنث حين يكون المعدود مذكرا ، وتذكّر حين يكون مؤنثا. فحكم المعطوف عليه هنا (من ناحية تذكيره وتأنيثه) كحكمه فى الأعداد المفردة والمركبة ... ومن الأمثلة : فى المتجر واحد وثلاثون رجلا وإحدى وعشرون فتاة ، وفى المصنع اثنان وخمسون عاملا وثنتان وثلاثون عاملة. وفيه من الغلمان أربعة وثمانون غلاما وسبع وثلاثون فتاة (2)...
(ا) مؤنث «واحد» و «أحد» الذى بمعناه : وكذا «الحادى» ، هو : «واحدة ، وإحدى ، وحادية». فثلاث للمذكر ، وثلاث للمؤنث وتختلف مواضع استعمال الكلمات الستة. «فالواحد» : يدخل فى قسم الأعداد المفردة كما يدخل فى قسم الأعداد المعطوفة باعتباره هو المعطوف عليه. ولا يدخل فى غيرهما - غالبا.
و «الأحد» يركّب مع العشرة ، فيصير : أحد عشر ، ويقتصر على هذا الاستعمال العددىّ. فلا يستعمل استعمال الأعداد المفردة ، ولا يكون - فى الفصيح - معطوفا عليه فى الأعداد المعطوفة ؛ فلا يقال : جاء أحد (1)، ولا سافر أحد وعشرون.
و «واحدة» تستعمل عددا مفردا ، وتكون أيضا معطوفا عليه فى الأعداد المعطوفة ، ولا يركّب مع العشرة إلا نادرا لا يقاس عليه ؛ ومن الأمثلة : هذه واحدة ، وهذه واحدة وعشرون.
والحادى ، والحادية - يكونان مركبين مع العشرة ، أو معطوفا عليهما فى الأعداد المعطوفة ؛ نحو : انقضت الليلة الحادية عشرة - أو الحادية والعشرون ، وكذا اليوم الحادى عشر ، والحادى والعشرون. ولا يكونان فى غير هذين القسمين.
و «إحدى» تكون - فى الأكثر - مركبة مع العشرة (2)، أو معطوفا عليها فى الأعداد المعطوفة ، (ومن النادر أن تكون مفردة بنفسها) ، نحو : فى البيت إحدى عشرة غرفة ، أو إحدى وعشرون غرفة.
ويقول اللغويون : إن أصل الحادى والحادية : هو : الواحد والواحدة. نقلت «الواو» إلى آخر الكلمة ، وتأخرت الألف بعد الحاء ، فصارت : «حادو» ، و «حادوة» ، ثم قلبت الواو ياء على حسب مقتضيات القواعد الصرفية ؛ فصارت : «حادى ، وحادية» ، (على وزن «عالف وعالفة».) وكلاهما منقوص ، والأول تحذف ياؤه عند التنوين ، دون الثانى.
أما العدد : «اثنان» فمؤنثه : اثنتان ، أو ثنتان. والألفاظ الثلاثة قد تكون مفردة أو مركبة مع عشرة ، أو معطوفا عليها.
وقد سبق (1)أن لفظ «واحد» و «اثنين» وفروعهما لا يحتاجان إلى تمييز ، ولكنهما قد يضافان لغرض آخر من أغراض الإضافة - وهو الاستحقاق (2)- فلا يسمى المضاف إليه تمييزا لهما ، لأنه لم يجئ بقصد إزالة الإبهام والغموض عن نوع معدودهما ، فليس شأنه معهما كشأنه مع غيرهما من الأعداد التى تحتاج لتمييز مجرور أو منصوب يجىء لإزالة الإبهام عن العدد قصدا ، فمن الخطأ : واحد رجل ، وواحدة فتاة ، واثنا رجلين ، وثنتا فتاتين ؛ إذ يجب أن نستغنى عن العدد فنقول : حضر رجل ، أو رجلان - حضرت فتاة ، أو فتاتان. فإن أريد بالمضاف إليه معنى آخر من المعانى التى تجلبها الإضافة - كالاستحقاق - ولا شأن لها بالتمييز ، جاز ؛ نحو : رجل الدنيا وواحدها من يعتمد على نفسه - واحدة البيت نشيطة - لكل إنسان رجلان ، واثنتا المقعد عاجزتان ... فإن الغرض من الإضافة فى هذه الأمثلة وأشباهها هو الملكية ، أو التخصيص ، أو شىء آخر مناسب ، غير إزالة الإبهام.
(ب) تلخيص ما سبق من تأنيث العدد - بأقسامه المختلفة - وتذكيره ، هو : 1 - أن «الواحد» و «الاثنان» يذكران ويؤنثان تبعا لمدلولهما ، لا فرق فى هذا بين وجودهما فى الأعداد المفردة ، والمركبة ، والمعطوفة.
وأن المائة والألف لا تتغير صيغتهما اللفظية مطلقا ؛ فالأولى مؤنثة (3)دائما ، والأخرى مذكرة دائما.
2 - وأن «ثلاثة» و «تسعة» وما بينهما - وما ألحق بهما - تخالف المعدود دائما ، سواء أكانت من قسم المفرد ، أم قسم المركب ، أم قسم المعطوف.
3 - وأن «عشرة» المفردة تخالف معدودها دائما ؛ فهى كثلاثة وتسعة وما بينهما أما «عشرة» المركبة فتوافق معدودها تذكيرا وتأنيثا ...
يصح أن يصاغ من مصدر كل فعل ثلاثى ، متصرف ، صيغة على وزن : «فاعل» ؛ لتدل على ذات ، ومعنى معين. وتسمى هذه الصيغة : «اسم فاعل من الثلاثى» (1)، وكذلك يجوز اشتقاق هذه الصيغة من العدد «اثنين» (2)، أو عشرة ، أو أحد الأعداد التى بينهما - برغم أن كل عدد من هذه الأعداد ليس بمصدر (3)
وقد أباح المجمع اللغوى القاهرى الاشتقاق المباشر من الأسماء الجامدة نفسها عند الحاجة .كما أوضحنا هذا تفصيلا في موضعه عند الكلام على الاشتقاق ، ج 3 ص 144 م 98 ..
- لتحقيق غرض لا يمكن تحقيقه إلا بهذه الصيغة ، ولا يستفاد من العدد الجامد الذى سيكون منه الاشتقاق ، فيقال : ثان - ثالث - رابع - خامس - سادس - سابع - ثامن - تاسع - عاشر.وقد تجىء بعد صيغة : «فاعل» المشتقة من أحد الأعداد السالفة - كلمة : «عشرة» أو غيرها من الأعداد ، فتستفيد منها الصيغة معنى جديدا لا يستفاد إلا بوجودها ؛ فيقال : ثالث عشر - رابع عشر - خامس عشر ... وهكذا إلى نهاية الأعداد المركبة ؛ كما يقال : ثالث ثلاثة - رابع خمسة - سادس سبعة ...
وقد يجىء بعد الصيغة كلمة معطوفة بالواو ، تدل على عقد من العقود العددية غير «عشرة» كأن يليها العقد : عشرون ، أو ثلاثون ، أو أربعون ... أو أخوات هذه العقود ، فيقال : الخامس والعشرون - السادس والثلاثون - السابع والأربعون - الثامنة والستون - التاسعة والسبعون ... وهكذا. وفيما يلى البيان :
1) سبق الكلام عليه تفصيلا فى ج 3 ص 182 م 102.
2) أما أول الأعداد - هو واحد - فموضوع من أول أمره على وزن : «فاعل» مباشرة ؛ فليس بوصف. وقيل: إنه اسم فاعل من (وحد ، يحد ، وحدا) أى : انفرد ، فالواحد بمعنى المنفرد ، أى : العدد المنفرد.
3) الأصل العام فى الاشتقاق أن يكون - على الرأى الأرجح - من المصدر. فالاشتقاق من هذه الأعداد مخالف للأصل العام ، ولكنه سماعى يراعى فيه الاقتصار على المسموع، ولم يكن قياسيا ، لأن هذه الأعداد أسماء أجناس جامدة معنوية ، ليست بمصادر ، ولا أفعال لها تشترك معها فى أداء معانيها الآتية بعد. ما عدا المعنى الثالث الذى يراد به التحويل والتصيير (ص 517) فله مصادر وأفعال ؛ من المصدر - ومثله اثنان وثنتان - (كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 518).
(ا) اشتقاق صيغة فاعل من غير أن يليها العقد : «عشرة» ولا غيره من العقود : 1 - قد يكون الغرض من صوغ «فاعل» من أحد الأعداد السالفة بدون أن تذكر بعده كلمة : «عشرة» أو عقد آخر : هو استعماله منفردا عن الإضافة ؛ ليفيد الاتصاف بمعنى العدد الذى كان أصلا للاشتقاق. فحين نقول : هذا ثان ، أو ثالث ، أو رابع ، أو خامس ... يكون المراد : أنه واحد موصوف بهذه الصفة وهى : كونه ثانيا ، أو : ثالثا ، أو رابعا ، أو خامسا ... دون زيادة على هذا المعنى الدالّ على مرتبة صاحبه بين الأفراد الأخرى ، أى على ترتيبه الحسابىّ بالنسبة لغيره. ؛ فيكون الغرض : المرتبة الثانية ، أو الثالثة ، أو الرابعة ... (كالباب الثانى - الفصل الثالث - القسم الرابع ...). ويقال فى المؤنثة : هذه ثانية أو ثالثة ، أو رابعة ، أو خامسة ... على المعنى السالف. المحصور فى الدلالة على الترتيب
وحكم صيغة : «فاعل» فى الأمثلة السالفة وأشباهها هو الإعراب بالحركات (1)على حسب ما يقتضيه الكلام ، مع مطابقة الصيغة فى التذكير والتأنيث لمدلولها (2)
وصغ من اثنين فما فوق ... إلى *** عشرة : «كفاعل» من فعلا - 13
أى : صغ وزنا على مثال : «فاعل» كما تصوغه من الفعل الثلاثى : «فعل» على أن تكون الصياغة مأخوذة من العدد : «اثنين» ، أو ما «فوقه» إلى : «عشرة» ، (أى : صغ كفاعل ... والكاف هنا اسم بمعنى : مثل ، ثم قال :
واختمه فى التأنيث بالتّا. ومتى *** ذكّرت فاذكر «فاعلا» بغير تا - 14
يريد : أنت «فاعلا» بزيادة تاء التأنيث فى آخره حين يكون المعنى على التأنيث. فإن لم يكن المعنى على التأنيث فلا تأت بها.
...2 - وقد يكون الغرض من صوغ : «فاعل» استعماله مضافا إلى العدد الأصلى الذى اشتق منه ، للدلالة على أن : «فاعلا» هذا هو بعض من العدد الأصلى المحدّد ، من غير دلالة على مرتبة ، (أى : على ترتيب) مثل : فلان خامس خمسة نهضوا ببلدهم. تريد : أنه بعض جماعة منحصرة فى خمسة محددة ، أى : أنه واحد من خمسة لا زيادة عليها ، من غير أن تتعرّض لبيان ترتيبه فيها ومن الأمثلة قوله تعالى عن رسوله الكريم وهجرته : (إلّا تنصروه فقد نصره اللّه ؛ إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين (3)...) ، وقوله : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَ .
اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ... ) ، فالفرق بين دلالة الصيغة هنا ودلالتها فيما سبق أنها هنا تدل على الاتصاف بمعنى الجزئية من عددها ، أى : الدلالة على أنها فرد منه ، وبعض من كله المحدد المحصور ، ولا تدلّ مع هذا على مرتبة. أمّا الأولى فتدل على الاتصاف بمعناه ، وعلى الترتيب.
وحكم الصيغة هنا : إعرابها بالحركات (1)على حسب حاجة الكلام ، مع مطابقتها لمدلولها فى التذكير والتأنيث ، ووجوب إضافتها إلى العدد الأصلى الذى اشتقّت منه ؛ فتكون هى المضاف ، والعدد الأصلى هو المضاف إليه. (أى من إضافة الجزء إلى كله ؛ مثل يد علىّ ، وعين محمود).
وتمتاز صيغة «ثان وثانية» - دون غيرهما لدى فريق من النحاة (2)- بشىء آخر عند استخدامها فى الغرض السالف ؛ هو : إعراب العدد الأصلى بعدهما مفعولا به منصوبا ، فوق صحة إعرابه مضافا إليه ؛ فيصح أن يقال : كان فلان ثانى اثنين قادا جيشهما للنصر ، بإضافة الصيغة إلى أصلها العددى ، وأن يقال : هل كان فلان ثانيا اثنين ...؟ على اعتبار كلمة : «اثنين» مفعولا به.
ويرى فريق آخر من النحاة أن هذا الحكم ليس مقصورا على صيغة «ثان وثانية» ، بل تشاركهما فيه بقية الأعداد ، وهذا الرأى حسن لتكون صياغة «فاعل» (المراد منها اسم الفاعل) وإعماله قياسية مطّردة.
وإذا نصبت المفعول به وجب أن تكون معتمدة على نفى أو غيره مما يعتمد عليه اسم الفاعل عند إعماله ، ومستوفية بقية شروط أعماله التى عرفناها فى بابه (3)
وإن ترد بعض الّذى منه بنى *** تضف إليه مثل بعض بيّن
أى : إن أردت «بفاعل» المذكور الدلالة على أنه بعض مما بنى منه وجب أن تضيفه ، مثل بعض ، أى : كما تضيف بعضا إلى كل. (بين : واضح).
.3 - وقد يكون الغرض من صوغ «فاعل» استعماله مع العدد الأقل - .
مباشرة (1)من عدده الأصلى الذى اشتقت منه الصيغة ؛ ليفيد معنى التصيير والتحويل (2)
وبناء على ما تقدم يكون اشتقاق صيغة «فاعل» بهذا المعنى جاريا على الأصل فى الاشتقاق ؛ وهو أنه من مصدر الفعل ؛ فهو قياسى ، ومثله اثنان واثنتان.
، نحو : عثمان ثالث اثنين من الخلفاء الراشدين. وعلىّ رابع ثلاثة منهم. أى : عثمان هو الذى جعل الاثنين بنفسه ثلاثة ، فصيّر الاثنين بانضمامه إليهم ثلاثة. وعلىّ هو الذى جعل الثلاثة بنفسه أربعة ؛ فصير الثلاثة بانضمامه إليهم أربعة. ومما يوضح هذا قوله تعالى : ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى (3)ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ (4)، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ (5)) ، أى : هو الذى يصير الثلاثة - بانضمامه إليهم - أربعة ، ولا يصيرهم خمسة أو غيرها ، ويصير الخمسة بانضمامه إليهم ستة ، لا سبعة ولا غيرها. فهو يجعل العدد الأقل مساويا للعدد فوقه بدرجة واحدة ؛ إذ يصيّر الثلاثة أربعة ، والأربعة خمسة ، والخمسة ستة ... كما ذكرنا (6)... وهكذا (7)وإن ترد جعل الأقلّ مثل ما *** فوق ، فحكم جاعل له احكما - 16
يريد : إذ أردت أن يكون العدد الأقل مساويا لما فوقه بدرجة واحدة فاحكم له بحكم : «جاعل» ويقصد «بجاعل» اسم الفاعل من الفعل «جعل الذى يفيد التصيير والتحويل حيث يصح أن ينصب بعده المفعول به مادام شرط إعماله متحققا.
. .1) العدد الأقل - مباشرة - من العدد الأصلى ، هو العدد الذى قبله ، وينقص عنه درجة واحدة ؛ مثل ستة ؛ بالنسبة لسبعة ؛ فإنها قبل السبعة مباشرة. وتنقص عنها درجة واحدة - أى ، رقما واحدا ، وكالخمسة بالنسبة للستة. والثمانية بالنسبة للتسعة ... وعلى هذا لا يصح : خامس ثلاثة ، ولا تاسع سبعة ...
2) سبقت إشارة فى رقم 3 من هامش ص 515 إلى حكم الاشتقاق من اسم العدد. فإذا كانت صيغة «فاعل» دالة على التحويل والتصيير فإنها تكون مشتقة من مصدر فعل ثلاثى عددى يدل على هذا المعنى ، ففى اللغة ؛ ثلثت القوم ثلثا صيرتهم بسببى ثلاثة - وربعت القوم ربعا صيرتهم بانضمامى إليهم أربعة ، وكذلك خمستهم خمسا وسدستهم سدسا ، وسبعتهم سبعا ، وثمنتهم ثمنا - وتسعتهم تسعا. والماضى والمصدر فى كل ذلك على وزان : ضرب ضربا ، أما المضارع فعلى وزن «يضرب» إلا ما كان مختوما بحرف الحلق : «العين» فمضارعه على وزن : «يفعل». وهو : أربعهم - أسبعهم - أتسعهم ...
3) محادثة سرية.
4) لأن كلمة : «رابع» مضافة إلى الضمير العائد إلى ثلاثة ؛ فكأنها مضافة إلى ثلاثة ، وكأن الأصل : رابع ثلاثة.
5) أى : سادس خمسة. فالضمير بمنزلة مرجعه. و ...
6) راجع بيان هذا فى باب اسم الفاعل ج 3 ص 182 م 102.
7) وفى هذا يقول ابن مالك :
وحكم صيغة : «فاعل» هنا : هو إعرابها بالحركات (1)على حسب موقعها من الكلام ، مع مطابقتها فى تذكيرها وتأنيثها لمدلولها ، وجواز إضافتها إلى العدد الذى بعدها - وهو العدد الأقل مباشرة من عددها الأصلى الذى اشتقّت منه ، كما فى الأمثلة السالفة. ويجوز شىء آخر ، هو : عدم إضافة الصيغة إلى العدد الأقل الذى بعدها. وإنما تنصبه على اعتباره مفعولا به ؛ (بشرط أن تتحقق شروط إعمال اسم الفاعل ، ومنها : أن تكون الصيغة معتمدة على شىء مما يعتمد عليه حين إعماله ؛ كالنفى والاستفهام وغيرهما) ؛ فنقول : أعثمان ثالث اثنين ، وعلىّ رابع ثلاثة؟ بنصب : اثنين ، وثلاثة ، على أنهما مفعولين لصيغة «فاعل» قبلهما.
بقيت الإشارة إلى ما ارتضوه فى مثل : ثانى واحد ؛ فقد قالوا : لا مانع - فى الأحسن - من قبول هذا التركيب.
ويجب التنبه إلى أن كل معنى من الثلاث السالفة يخالف الآخر ؛ فلا يصح إغفال هذا عند اختيار واحد منها ، ليراعى فى اختياره مناسبته للسياق.
ب - اشتقاق صيغة : «فاعل» وتليها كلمة «عشرة» ، ظاهرة أو ملحوظة : 1 - إذا قلنا هذا اليوم الحادى عشر من الشهر ، وهذه الليلة الرابعة عشرة منه ، واقتصرنا فى كل حالة على عدد مركب واحد لا يليه مباشرة عدد آخر - فقد يكون المراد من اشتقاق صيغة «فاعل» من العدد الذى بمعناها وزيادة كلمة : «عشرة» بعدها - هو إفادة الاتصاف بمعنى العدد مقيدا بملازمة العشرة ؛ للدلالة على المرتبة (الترتيب) فليس المراد إفادة الاتصاف المطلق بمعنى الصيغة ، وإنما المراد أنه واحد أو رابع ... أو ... موصوف بهذه الصفة ، (وهى : كونه واحدا ورابعا) مع تقييد هذا الوصف بأنه مرتبط بالعشرة ، ومنسوب إليها ، ارتباط زيادة عليها وانضمام إليها ، فهو واحد مزيد على العشرة ، أو رابع مزيد عليها أو غيرها مما يوضح ترتيبه ... ومثل هذا يقال فى : ثانى عشر ، وثالث عشر ، وخامس عشر وتاسع عشر ، وما بينها ...
وحكم هذا النوع المقتصر على عدد مركب واحد هو : وجوب فتح الجزأين معا (وهما : فاعل ، وعشرة) فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حاجة الجملة ، مع مطابقة الجزأين معا ، لمدلولهما تذكيرا وتأنيثا. ومن الأمثلة : هذا هو الكتاب
1) مع ملاحظة ما تختص به كلمة : «ثان» وهو أنها كالمنقوص.
السابع عشر ، وهذه هى المذكرة السابعة عشرة - إن الكتاب السابع عشر نفيس ، وإن المذكرة السابعة عشرة نفيسة - سأحرص على الكتاب السابع عشر ، وعلى المذكرة السابعة عشرة. فكل من السابع عشر ، والسابعة عشرة ، مبنى على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر. على حسب موقعه من الجملة ، وكل منهما مذكر أو مؤنث طبقا لمدلوله.
2 - وقد يكون المراد من صوغ «فاعل» وبعده كلمة : «عشرة» هو الدلالة على أنه فرد من العدد الأصلى الذى صيغ منه. وأن «فاعلا» هذا بعض جماعة منحصرة فى العدد الأصلى ، وواحد من تلك الجماعة المحددة العدد.
ولتحقيق هذا الغرض يصاغ «فاعل» وبعده كلمة : «عشرة» بصور متعددة ، منها : هذا خامس عشر خمسة عشر ؛ فنجىء بصيغة «فاعل» وبعدها كلمة «عشرة» مبنيتين على الفتح ، ونجىء بعدهما بالعدد الأصلى (وهو خمسة) الذى اشتقت منه الصيغة ، وبعده كلمة : «عشرة» أيضا. والجزءان الأخيران مبنيان على الفتح ، كالأولين. فعندنا مركبان عدديان ، كل منهما مبنى على فتح الجزأين. فأما المركب الأول منهما فمبنى على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جرّ ؛ على حسب حاجة الجملة. ثم هو - مع بنائه على فتح الجزأين - مضاف ، والمركب الثانى كله (ما عدا : اثنى عشر ، واثنتى عشرة) (1)هو : المضاف إليه ، مبنى على فتح الجزأين فى محل جر ، ويجرى على صيغة «فاعل» من التذكير والتأنيث ما تطابق به مدلولها ، وهذه المطابقة لا توجد إلا فى صدر المركب الأول. وتطابقها فى الحالتين كلمة : عشر التى هى عجز المركب الأول.
أما صدر المركب الثانى فيجرى عليه فى التذكير والتأنيث ما يجرى على الأعداد المفردة ، وأما عجزه (وهو : عشر) فيطابق المعدود فى التذكير والتأنيث. ومثل هذا يقال فى : حادى عشر أحد عشر ، وثانى عشر اثنى (2)عشر ، وثالث عشر ثلاثة عشر ... إلى تاسع عشر تسعة عشر.
ومن أمثلة الصور المتعددة التى أشرنا إليها : (هذا خامس ... خمسة
عشر) بذكر صيغة «فاعل» وحدها دون ذكر كلمة : «عشرة» بعدها ؛ استغناء عنها بذكرها فى المركب الثانى الذى صدره العدد الأصلى الذى اشتقت منه الصيغة ، وعجزه هو كلمة «عشرة».
فهذه الصورة مشتملة على صيغة فاعل وحدها وعلى مركب كامل بعدها ، فعندنا صدر التركيب الأول دون عجزه ، ويليه الثانى كاملا. وهذه الصورة أكثر من غيرها استعمالا ، وتقوم على ثلاث كلمات ... فأما صدر التركيب الأول فيها فيعرب على حسب حاجة الكلام ؛ ولا يصح بناؤه ؛ إذ لا مقتضى للبناء بعد زوال التركيب. والصيغة هنا - وهى : فاعل - مطابقة فى التذكير والتأنيث لمدلولها وهى أيضا مضاف ، والتركيب الثانى - كاملا - مضاف إليه ، مبنى على فتح الجزأين فى محل جر ... (1)
وإن أردت مثل ثانى اثنين *** مركّبا فجئ بتركيبين - 17
وهذا خاص بالصورة الأولى. أما التى تليها فقال فيها بعد البيت السابق مباشرة :
أو فاعلا بحالتيه أضف *** إلى مركّب. بما تنوى يف - 18
(يف ، وأصلها : يفى - مضارع مجزوم فى جواب الأمر : أضف).
التقدير : أضف فاعلا بحاليته - وهما : حالة التذكير والتأنيث - إلى المركب الثانى كاملا بعد حذف كلمة : «عشرة» من المركب الأول. يفهم من هذا أن المركب الثانى فى محل جر مضاف إليه. -
ومن أمثلة الصور المتعددة أيضا : هذا خامس ... - ... عشر ، بذكر صيغة «فاعل» وحدها ، دون كلمة : «عشرة» التى تصاحبها عند التركيب ، ودون ذكر العدد الأصلى الذى يكون منه الاشتقاق ؛ فالمركب الأول حذف عجزه ، والمركب الثانى حذف صدره ؛ فزال من كل مركب جزء ، وبقى جزء.
وصيغة «فاعل» هنا مطابقة لمدلولها تأنيثا وتذكيرا. والأحسن إعرابها على حسب حاجة الجملة ؛ فتكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، وهى - فى الوقت نفسه - مضاف والجزء الباقى من المركب الثانى (أى : العقد «عشر»). مضاف إليه مجرور. ومن النحاة من يجيز فى هذه الصورة إعراب «فاعل» على حسب العوامل - كما سبق ؛ لزوال تركيبه - مع اعتباره مضافا. واعتبار كلمة : «عشرة» هى المضاف إليه مع بنائها على الفتح فى محل جر ، بتقدير ملاحظة صدرها -
1) وفى هذه الصورة والتى قبلها يقول ابن مالك :
المحذوف ، واعتباره كالموجود (1)
وشاع الاستغناء بحادى عشرا *** ونحوه ........... - 19
المراد بنحو : «حادى عشر» ثانى عشر ، وثالث عشر ، إلى تسعة عشر. والاستغناء الذى يريده هو ما أوضحناه من حذف العقد من التركيب الأول ، مع حذف النيف من التركيب الثانى ، فينتهى الأمر ببقاء جزأين. وفى إعرابهما الوجهان اللذان شرحناهما. والثانى منهما شاذ لا يقاس عليه. أما بقية البيت فتتعلق بحكم آخر.
وهذا شاذ لا يقاس عليه.3 - وقد يكون المراد من صوغ : «فاعل» وبعده «عشرة» استعماله مع العدد الأقل - مباشرة - من العدد الأصلى الذى اشتقّت منه الصيغة ؛ ليفيد معنى التصيير والتحويل - فنقول : هذا رابع عشر ثلاثة عشر ، وهذه خامسة عشرة أربع عشرة ... فهنا أربعة ألفاظ يتألف منها مركبان عدديان ، والمركب الأول منهما مبنى على فتح الجزأين فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ؛ وهو فى حالاته الثلاث مضاف ، والمركب الثانى مبنى على الفتح دائما فى محل جر ، مضاف إليه.
وبالرغم من أن صيغة : «فاعل» فى هذا الأسلوب هى اسم فاعل ؛ بمعنى جاعل كذا ؛ أى : أنها تفيد التحويل والتصيير ، وكان حقها أن تنصب الاسم بعدها جوازا على أنه مفعول به لها ، أو تجره على أنه مضاف إليه - على الرغم من هذا لا يصح أن تنصب مفعولا به هنا ، لأن اسم الفاعل الذى ينصب المفعول به لا بد أن يكون منونا أو مبدوءا بأل. والأمران ممتنعان هنا ؛ إذا العدد المركب لا ينون ، وهو هنا مضاف فلا تدخله «أل» مع إضافته.
والنحاة يقررون أن هذه الصورة لم يسمع لها نظير فى كلام العرب. وأكثرهم يمنع استعمالها لهذا. إلا أن سيبويه وبعض النحاة يجيزونها ، ويرون فى إجازتها توسعة وتيسيرا.
ويتبين مما سبق أن الغرض العام من صوغ «فاعل» ، فى الأعداد المركبة هو الغرض العام من صوغه من الأعداد المفردة ، وأن كل معنى من الثلاثة يخالف الآخر ؛ فلا يصح استعمال واحد مكان غيره ؛ وإلا كان خلطا معيبا.
1) وفى هذه الصورة الأخيرة بحالتيها يقول ابن مالك بعد البيت السالف :
(ح) اشتقاق صيغة «فاعل» وبعدها العقد : «عشرون» ، أو عقد آخر من العقود التى بعد العشرين :
يصح اشتقاق صيغة «فاعل» من أحد الأعداد المفردة المحصورة فى واحد وتسعة وما بينهما ، ويذكر بعد الصيغة «العقد» معطوفا عليها بالواو خاصّة : نحو الواحد والعشرون ، والحادى والعشرون ، والواحدة والعشرون ، والحادية والعشرون ... والثانى والثلاثون ، والثانية والثلاثون ... ، والرابع والخمسون ، والرابعة والخمسون ... وهكذا (1)...
وحكم هذا النوع وجوب تقديم الصيغة ، وهى المعطوف عليها (أى : النيف) ، وتأخير المعطوف ، وهو : «العقد». وأن يكون العاطف هو الواو دون غيرها. والمعطوف عليه يطابق مدلوله فى تذكيره وتأنيثه ؛ ويعرب بالحركات (2)على حسب حاجة الجملة ، والمعطوف يتبعه فى إعرابه ، فيكون مثله مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا. ولكنه معرب بالحروف كجمع المذكر السالم ، ولا يعرب بالحركات كالمعطوف ... (3)
(وشاع الاستغناء بحادى عشرا *** ونحوه) وقبل عشرين اذكرا : - 19
الذى يعنينا هو الجملة الأخيرة منه : ونصها : وقبل عشرين اذكر ... وبعدها بيت يتمم المراد ونصه :
وبابه الفاعل من لفظ العدد *** بحالتيه قبل واو يعتمد - 20
(واو يعتمد : أى : حرف واو يعتمد عليه فى العطف دون غيره من أخواته).
والتقدير : واذكر قبل عشرين وبابه - وهو باقى العقود التى بعده - صيغة فاعل بحالتيه من التذكير أو التأنيث على حسب مدلوله ، بشرط أن يكون متقدما على واو العطف ، ويليها العقد المعطوف.
وإذا كان من الخطأ استعمال عاطف غير الواو ، فمن الخطأ أيضا حذفها ؛ فلا يصح مثل : حادى عشرين ، أو ثانى عشرين ، أو ثالث أربعين ...
أما الغرض المعنوى من هذه الصياغة فهو الغرض من صياغتها من الأعداد المفردة التى تليها كلمة : «عشرة». ولا يصح الخلط بين غرض وآخر عند الاستعمال. .
التأريخ (1)بالليالى والأيام.
التأريخ : تقييد الحوادث والأمور الجارية ، بزمن معين مشهور ، بحيث ترتبط به ، وتنتسب إليه ؛ سواء أكانت قد وقعت وتحققت فيه أم وقعت وتحققت فى زمن آخر.
وهو ضرورى لضبط شئون الفرد ، وتنظيم حياته الخاصة والعامة ، وضرورى كذلك لضبط شئون الجماعات (دولا وأمما) وما يكون بينها من معاملات. ومنذ وجد الإنسان وهو يستعين بالتأريخ وحوادثه ؛ ليرشده ، ويذكّره ، ويعينه على كشف أكثر الحقائق والوقائع التى يبغى الاهتداء إلى زمنها ، ونتائجها. ولكل فرد طريقته التى يختارها لنفسه خاصة ، ويراها أنسب له ، وأكثر ملاءمة. غير أن الجماعات قد اتفقت كلمتها على أن تختار كل منها مبدأ زمنيّا تؤرخ به شئونها العامة ، ويرجع إليه أفرادها فى شئونهم المشتركة بينهم ، ولكل فرد بعد ذلك أن يرجع إليه أو إلى غيره فى شئونه الخاصة به. والعرب من هؤلاء ؛ فقد اختاروا بعد الإسلام حادث الهجرة مبدأ زمنيّا لتسجيل الحوادث وتاريخها. وسموا هذا المبدأ : «التاريخ الهجرى» (2)وساروا فيه على أسلوب مأثور عنهم ؛ فإذا وقع حادث مّا سجلوه بطريقتهم قولا أو كتابة ، وأرخوه بالليالى لسبقها فى
1) يقال : التأريخ - بالهمزة - والتاريخ بدونها والتوريخ ، وهذا مصدر الفعل ورخ. توريخا ، أما الأولان فمصدران لأرّخ.
2) يقول الصبان فى آخر باب العدد ، ما نصه ؛ (كانت العرب تؤرخ بالخصب ، وبالعامل (أى : الوالى الحاكم عليهم) وبالأمر المشهور. ولم يزالوا كذلك حتى فتح عمر بلاد العجم ؛ فذكر له أمر التاريخ - وكان شائعا عند الفرس، فاستحسنه هو وغيره. ثم اختلفوا (فى بدئه) فقال بعضهم : من البعثة. وقال قوم : من وفاة الرسول. ثم أجمعوا على الهجرة ، ثم اختلفوا بأى شهر يبدءون؟ فقال بعضهم رمضان ، وبعضهم : رجب ، وبعضهم : ذى الحجة. ثم أجمعوا على المحرم ؛ لأنه شهر حرام ، ومنصرف الناس من الحج. فرأس التاريخ قبل الهجرة بشهرين. واثنتى عشرة ليلة ؛ لأن قدومه عليه السّلام المدينة كان يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وقيل : المؤرخ بالهجرة هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما بسط ذلك السيوطى ، فى كتابه «الشماريخ» فى علم التاريخ). اه
حسابهم ؛ إذ الشهور المعتمدة عندهم قمرية ، وأول الشهر القمرى ليلة ، وآخره نهار ، فإذا أراد أحدهم أن يؤرخ للحادث الذى وقع فى أول الشهر الهجرىّ ككتابة رسالة - مثلا - قال : كتبت لأول ليلة منه ، (أى : فى أول ليلة) أو لغرّته ، أو مستهلّه. فإذا انتهت الليلة الأولى قال : كتبت لليلة خلت ، ثم لليلتين خلتا ، ثم لثلاث خلون ... إلى أن تنتهى عشر ليال ثم يقول : لإحدى عشرة خلت ، أو لاثنتى عشرة ... إلى أن تجىء ليلة النصف فيقول : كتبت للنصف منه ، أو لمنتصفه ، أو لانتصافه. ويصح أن يقول : لخمس عشرة خلت ، أو بقيت ، (أى : عند خمس عشرة) والأول أكثر شيوعا فى كلام الفصحاء. ثم لأربع عشرة بقيت ، إلى أول العشرين فيقول : لعشر بقين ، أو لثمان بقين ... وهكذا إلى أن تبقى ليلة واحدة فيقول : لليلة بقيت ، أو لسراره ، أو سرره. فإن مضت وبقى نهار اليوم الأخير فيقول : كتبت لآخر يوم منه ، أو لسلخه أو انسلاحه. وقد يستعمل السّلخ والانسلاخ لليلة الأخيرة أيضا. وإذا قال : لآخر ليلة منه أو آخر يوم منه كان هذا دليلا على أن الشهر القمرىّ كاملا ؛ أى : ثلاثين يوما ، وليس من الشهور التى تنقص.
هذا ويصح وضع تاء التأنيث مكان نون النسوة والعكس فى كل موضع يراد فيه التحدث عن عدد مدلوله جمع لا يعقل ؛ بأن يكون المعدود ثلاثة أو أكثر مما لا يعقل. ولكن اتباع الوضع الذى سردناه أفضل (1).
1) سبب الأفضلية أن أكثر المسموع يكون بنون النسوة مع الثلاث والعشر ، وما بينهما إذا كان المعدود دالا على جمع مؤنث لا يعقل ؛ فيقال : ثلاث خلون ؛ أو أربع خلون. وهكذا إلى عشر خلون. أما ما زاد على العشر إلى خمسة عشر فيقال فيه : خلت. وكل ما سبق فعلى سبيل الأولوية ، وبغير ملاحظتها يصح وضع تاء التأنيث مكان النون. على أن تفضيل نون النسوة على الوجه السالف فى الأساليب العددية هو الذى يساير مجيئها فى جمع التكسير الدال على القلة ، كما أن مجىء تاء التأنيث فيما زاد على العشر هو الذى يلائم مجيئها فى جمع التكسير الدال على الكثرة ، فالمعروف أن نون النسوة أنسب مع جمع القلة للمؤنث الذى لا يعقل ؛ نحو : رأيت أذرعا امتددن فى الهواء ، وهذا أفضل من : امتدت. كما أن المعروف أن تاء التأنيث أنسب فى جمع التكسير الدال على الكثرة للمؤنث غير العاقل ؛ نحو : للوالد أياد غمرت أبناءه ، وهذا أفضل من غمرن. فانطبق حكم كل جمع للتكسير على العدد الذى يدل دلالته على القلة أو الكثرة ؛ فالعدد ثلاثة وعشرة وما بينهما يدل على القلة فالأنسب له نون النسوة. وهى - فوق ذلك - ملائمة لتمييزه الذى يكون فى الأغلب جمعا. والعدد المركب يدل على الكثرة فالأنسب له تاء التأنيث فى هذا الموضع (راجع الصبان فى هذا الموضع). (وقد سبق ما يتصل بهذا ، اتصالا وثيقا ، ويزيده وضوحا وتوفية - عند الكلام على مرجع الضعير - فى ج 1 م 18 رقم 2 من هامش ص 197، وفى ص 238 - وله إشارة عابرة تأتى فى ص 579).
وبهذه المناسبة نشير إلى ما سبق (1)راجع ص 502 أما التفصيل ففى ج 1 م 9 هامش ص 109 باب «المثنى».(2)بيانه من بعض الاستعمالات التى تتصل بما نحن فيه ، والتى يؤثر فيها العرب جانب التأنيث على التذكير ، ويغلبون فيها المؤنث على المذكر ؛ فلها نوع اتصال بما هنا (3)...
تعريف العدد وتنكيره :
سبق الكلام عليه وافيا فى (ج 1 ص 320 م 32).
قراءة الأعداد المعطوفة على العقود المختلفة :
المراد من العقود هنا (20 - 30 - 40 - 50 - 60 - 70 - 80 - 90) ، وكذلك (100 و 1000 ومضاعفاتهما) ، فكيف نقرأ الأعداد الحسابية التالية قراءة عربية صحيحة؟ وهى 32 - 34 - 45 - 56 و ... و ... وغيرها من باقى الأعداد المعطوفة المحصورة بين عقدين مما سلف؟ وكيف نقرأ : (104 - 120 - 237 و ...) - وغيرها من الأعداد المعطوفة المحصورة بين مائه ، ومائة أخرى تليها؟
وكيف نقرأ : (1006 - 1020 - 2035 و ...) - وغيرها من الأعداد المعطوفة المحصورة بين ألف وألف آخر يليه؟
لقراءتها إحدى طريقتين ؛ أولاهما : قراءة الأرقام من اليمين إلى اليسار ، والأخرى العكس ؛ فيقال : (ثلاث وعشرون - أربعة وثلاثون ، كما يقال عشرون وثلاث - ثلاثون وأربعة) ... وكذلك يقال : (أربعة ومائة - عشرون ومائة ، كما يقال مائة وأربعة - مائة وعشرون) وكذلك : (ستة وألف - عشرون وألف ... أو ألف وستة - وألف وعشرون) ... وهكذا بقية الأعداد فى كل ما سبق ونظائره الأخرى. مع مراعاة الأحكام التى عرفناها فى تذكير العدد وتأنيثه ، وتعريفه وتنكيره ؛ - وفى نوع تمييزه ، وضبط هذا التمييز ، وإفراده وجمعه ، وذكره وحذفه ، وكل ما تقدم
من الضوابط والأحكام العامة والخاصة التى لا بد من تطبيقها على العدد والمعدود.
ملاحظة : يجوز تطبيق الطريقتين السالفتين على الأعداد المركبة (وهى 11 و 19 وما بينهما) بشرط ظهور «واو العطف» متوسطة بين العددين ، واستعمال كلمة «واحد» بدلا من «أحد». ولا بد هنا من مراعاة الأحكام العامة والخاصة بالعدد والمعدود التى أشرنا لها فيما سبق.
كنايات العدد (1)
(كم - كأىّ - كذا ...) وكنايات أخرى ، (منها : كيت ، وذيت ..)
الأولى : «كم». وهى نوعان : «كم الاستفهامية (2)» و «كم الخبرية (3)».
(ا) معنى الاستفهامية : أداة استفهام يسأل بها عن معدود ، مجهول الجنس والكمية معا. ذلك أن من يسمع : «كم» وحدها لا يدرى حقيقة مدلولها ؛ (أى : جنسه ؛ أهو كتاب ، أم دينار ، أم رجل ، أم قلم ...) ولا يدرى أيضا عدد أفراد تلك الحقيقة ، ولا مقدارها الحسابى ؛ أكتابان أم أكثر؟ أديناران أم دنانير؟ أرجلان أم رجال؟ أقلمان أم أقلام؟ فكلمة : «كم» وحدها مبهمة المدلول (المعدود) عند السامع فى هاتين الناحيتين ؛ ناحية جنسه ، وكميّته.
لكنه إذا سمع : (كم كتابا قرأت؟ - أو : كم دينارا أنفقت؟ - أو : كم رجلا صافحت؟) أثلاثة أم أربعة؟ - كم قلما اشتريت؟ أقلمين أم ثلاثة؟ ... - إذا سمع هذا فإن الإبهام يزول عنها فى الناحيتين السالفتين ، وتنكشف له حقيقة المعدود (المسئول عنه) ومقداره الحسابىّ ؛ بسبب الاسم الذى جاء بعد : «كم» - ويسميه النحاة : تمييزا - وبسبب ما وليه من بدل مقرون بالهمزة.
1) أصل الكناية : التورية عن الشىء ؛ بأن يعبر عنه بغير اسمه ، لسبب بلاغى. وهذه الألفاظ سميت «كنايا» لأن كل واحدة منها يكنى بها عن معدود ، أى : يرمز بها إلى معدود ، ويراد منها ذلك المعدود ؛ فهو مدلولها ، وهى الرمز الدال عليه. فكما أن كلمة : محمد ، أو على ، أو صالح ... هى الدالة ، ومدلولها هو الذات المعينة المشخصة لكل - كذلك هذه الكنايات ؛ هى الدالة ، ومدلولها معدود ، ولكنه معدود مبهم - كما سنعرف - فليس معينا ولا مشخصا كدلالات الأعلام السابقة ...
2) هى أداة استفهام - كما سيجىء - ولهذا تعد من أنواع الإنشاء الطلبى الذى سبق توضيحه فى ج 1 رقم 3 من هامش ص 337 م 27.
3) وتعتبر من أنواع الإنشاء غير الطلبى الذى سبق توضيحه فى الموضع المشار إليه فى رقم 2 وعلى الرغم من هذا الاعتبار تحتمل الصدق والكذب - كما سيجىء فى ص 535 - وفى هذا نوع من التعارض فى رأى بعض النحاة ، دون بعض ، طبقا للبيان الذى سرده «الصبان» عند كلامه على الفرق بين نوعى : «كم».
وهذا معنى قولهم : «كم» الاستفهامية أداة استفهام مبهمة عند سامعها ، لا بد لها من تمييز بعدها يزيل الإبهام عن إحدى ناحيتى المعدود ، وهى ناحية الجنس ، وقد يليه ما يزيل الإبهام عن الناحية الأخرى ؛ وهى ناحية المقدار العددى. فالتمييز محتوم ، أما ما يليه فليس بمحتوم.
أشهر أحكامها :
1 - أنها اسم استفهام له الصدارة فى جملته دائما إلا إن كان مجرورا بحرف جر أو بإضافة ؛ نحو : بكم دينار تبرعت؟ ومرضى كم مستشفى ساعدت؟ والاستفهام بها قد يكون عن شىء مضى ، أو لم يمض ...
2 - أنها مبنية على السكون دائما فى محل رفع ، أو نصب ، أو ج ، على حسب موقعها من الإعراب (1)
إذا وقعت «كم» على زمان أو مكان فهى ظرف مبنية على السكون فى محل نصب. نحو : كم يوما صمت؟ - كم ميلا مشيت؟. وإن وقعت على معنى مجرد (أى : حدث) فهى مفعول مطلق ، مبنية على السكون فى محل نصب ؛ نحو : كم زيارة زرت المريض؟ وإن وقعت على ذات ، وكان الفعل بعدها متعديا - ، لواحد أو أكثر ولم يستوف مفعوله فهى مفعول به ، مبنية على السكون فى محل نصب ؛ نحو : كم درهما بذلت للسائل المحتاج؟ وإن سبقها حرف جر ، أو مضاف - فهى مبنية على السكون فى محل جر ؛ نحو : فى كم ساعة تطوف الطائرة حول الأرض؟ وفوق كم خط من خطوط الطول تمر؟ وما عدا ذلك تكون مبتدأ - غالبا - مبنية على السكون فى محل رفع ؛ نحو : كم مهاجرا حضر؟ وكم مهاجرا سيحضر؟ ومن هذا قول الشاعر :
وكم صاحب قد جلّ عن قدر صاحب *** فألقى له الأسباب ؛ فارتفعا معا
وقد تكون معمولا لناسخ يعمل فيما قبله مثل : «كان وظن» (دون - «إنّ») نحو : كم كان مالك. وقد تصلح مبتدأ أو خبرا فى مثل : كم مالك؟ إن كانت استفهامية.
ومما يوضح محلها الإعرابى ، ويسهل إعرابها - أن نفترض عدم وجودها ، ونجعل التمييز يحل فى مكانها ونعرف موقعه الإعرابى ، ونجرى عليها حكمه ؛ ففى مثل : كم يوما صمت. نفترض أن أصل الكلام : يوما صمت ، أو : صمت يوما. «فيوما» ظرف زمان. وإذا نعربها ظرف زمان. مبنية - على السكون فى محل نصب. وفى مثل : كم ميلا مشيت ... نتخيل أن الأصل : ميلا مشيت ، أو : مشيت ميلا. فكلمة : ميل ، ظرف مكان. وإذا نعربها ظرف مكان مبنى على السكون فى محل نصب ... وهكذا.
، نحو : كم نوتيّا فى هذه الباخرة؟ - وكم بحّارا فنيّا رأيت بها؟ وإلى كم ربّان تحتاج إدارتها؟3 - لفظها مفرد مذكر دائما. ولكن مدلولها الذى يصدق عليه معناها قد .
1) وضع بعض النحاة لإعرابها المحلى ضابطا حسنا ؛ فقال ما ملخصه :
يكون غير ذلك. ومن هنا يجوز عودة الضمير عليها مفردا مذكرا ، أو مطابقا لما يدل عليه ، (أى : بحسب لفظها ، أو بحسب ما يحتمله معناها المراد) ، نحو : كم أخا جاءك أو جاءاك ، أو جاءوك ، وكما تقول : كم طالبة نجح ، أو : نجحت أو نجحتا ، أو نجحن ؛ بمراعاة اللفظ أو : بمراعاة المعنى (1)
وقد سبق لهذا بيان تام في ج 1 م 19 ص 240 موضوع : «التطابق بين الضمير ، ومرجعه» - ومثل الضمير غيره مما يحتاج لمطابقة.
...4 - لا بدّ لها من تمييز بعدها. والغالب أن يكون مفردا (2)منصوبا بها ؛ فهى العاملة فيه ؛ نحو : كم طالبا يتعلمون فى جامعاتنا؟ وكم بلدا عندنا يضم جامعة أو أكثر؟
ويصح أن يكون تمييزها مفردا مجرورا بمن ، بشرط أن تكون «كم» مجرورة بحرف جرّ ظاهر (3)؛ نحو : بكم طبيب نعالج المرضى فى الريف؟ وإلى كم مهندس يحتاج؟ وعلى كم خبير زراعى يعتمد فى زراعاته؟ ويصح : من طبيب - من مهندس - من خبير ...
فإن وجدت «من» الجارة ظاهرة ، فهى ومجرورها (التمييز) متعلقان «بكم» وإن لم توجد «من» ظاهرة فهى مقدرة تجر التمييز ، أو ليست مقدرة ، و «كم» هى التى تجرّه ؛ على اعتبارها ؛ مضافة (مع بنائها) والتمييز بعدها «مضاف إليه» مجرور.
ويجوز أن يجىء بعد التمييز بدل مقرون بالهمزة ، والمبدل منه هو : «كم» فيزول ما بقى من غموضها ، وتنكشف الناحية الأخرى من إبهامها - كما أشرنا - نحو : كم بحارا فى الباخرة؟ أعشرة أم عشرون؟
5 - وإذا كانت «كم» الاستفهامية مضافة لتمييزها فهى العاملة فيه ، فلا يصح الفصل بينهما بجملة ؛ لأن المتضايفين لا يفصل بينهما - فى الأغلب - جملة. لكن
1) راجع الجزء الرابع من شرح المفصل ، ص 132 -
2) وردت أمثلة نادرة وقع فيها التمييز جمعا منصوبا ، واستشهد بها الكوفيون على صحة وقوعه جمعا. وأغلب النحاة يردها أو يؤولها ويرفض جمعبته. والأحسن الحكم على تلك الأمثلة بالندرة التى لا يصح معها القياس. ولا داعى لتكلف التأويل.
3) لا يشترط بعض النحاة لجر تمييزها جرها مستدلا بقوله تعالى : ( سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) ورأيه ضعيف.
يصح الفصل بأحد شبهى الجملة ؛ لأنهما محل التوسع والتيسير. أمّا إن كان التمييز مجرورا ب «من» الظاهرة فيجوز الفصل بالجملة أو بغيرها. وكذا إن كان التمييز منصوبا. لكن يجب جر هذا التمييز بمن (1)بدلا من نصبه إن كان الفاصل بينهما فعلا متعديا لم يستوف مفعوله ؛ لكيلا يقع فى الوهم أن هذا التمييز المنصوب ليس بتمييز ، وأنه مفعول به للفعل المتعدى ، فلإزالة الوهم واللبس يجب جره بمن ، نحو : كم ترى من عصفور على الشجرة؟ وكم تشاهد من صياد يحوم حولها؟ وقول الشاعر :
وكم - سقت فى آثاركم - من نصيحة *** وقد يستفيد الظنّة (2)المتنصّح (3)
6 - تمييز «كم» الاستفهامية (4)
وفيما سبق من أحوال «كم الاستفهامية» يقول ابن مالك فى باب عنوانه : (كم ، وكأين ، وكذا) ... ما نصه :
ميّز فى الاستفهام «كم» بمثل ما *** ميّزت عشرين ؛ ككم شخصا سما؟
وأجز أن تجرّه «من» مضمرا *** إن وليت «كم» حرف جرّ مظهرا
والأصل : أجز ، أن. حذفت الهمزة للشعر ، وانتقلت حركتها إلى الزاى الساكنة قبلها. «مضمرا» ، أى : مضمرة. وجعلها مذكرة على نية الحرف : من ، غير مريد : الكلمة «من») يريد : أنه يصح جر التمييز «بمن» المضمرة جوازا إن وقعت «كم» بعد حرف جر ظاهر.
فى كل أحواله يصح حذفه إن دل عليه دليل ، ولم يترتب على حذفه لبس (5)...(ب) كم الخبرية : هى أداة للإخبار عن معدود كثير ، ولكنه مجهول الجنس والكمية (6). ومن أمثلتها قولهم : (كم صالح بفساد آخر قد فسد). وما جاء فى عتاب صديق لصديقه : «إنى أحفظ ودّك ، وأرعى عهدك ، وأرسم طريقى على الوفاء لك ، -
1) انظر رقم 1 من هامش ص 534.
2) الاتهام والتجريح.
3) المبالغ فى النصيحة لمن لا يعمل بها.
4) وهو فى كل أحواله أيضا نوع من تمييز الذات (لا النسبة) الذى سبق إيضاحه وتفصيله فى ج 2 م 88 باب : «التمييز». ومراعاة هذا التمييز فيما يحتاج للمطابقة أوضح من مراعاة لفظ «كم».
5) الكمية : المقدار الحسابى ، أى : ما يدل عليه العدد من أفراد. - وما سبق فى ص 528 عن هذين فى «كم الاستفهامية» يزيد الأمر وضوحا هنا. -
والصفح عن بوادرك. فكم مرة هفوت فأغضيت ، وكم إساءة نالتنى فغفرت ، وكم إخوان أبعدتهم عنك فقربتهم منك ، وأرجعتهم إليك ... فهل تنسى هذا أو تتناساه؟».
فكلمة : «كم» وحدها - قبل وضعها فى شىء من الكلام السابق ، مبهمة (أى : لا تدل على حقيقة المعدود وجنسه ، ولا على مقداره وكميته) ؛ إذ لا يدرى السامع المراد : أهو : كم يوم ، أم كم رجل ، أم كم إساءة ... أهو كثير أم قليل ... فلما ذكر الاسم المجرور بعدها أزال عنها الإبهام ، وكشف الغموض عن المعدود ، فبيّن حقيقته وجنسه ، وأوضح كمّيته بما يدل على أنها كثيرة. فكأنه يقول : مرات كثيرة - إساءات كثيرة - إخوان كثيرون. ومثله قول الشاعر :
وكم ذنب مولّده دلال *** وكم بعد مولده اقتراب
فلا بدّ لإزالة الإبهام عنها من تمييز بعدها يوضح جنس المراد منها ، ومقداره. ولا يصح أن يجىء بعد التمييز بدل مقرون بهمزة الاستفهام (1)، والمبدل منه هو : «كم» ، إذ لا دخل للاستفهام هنا مطلقا.
وبسبب أن الإخبار بها يرمى إلى كثرة المعدود وجب أن يكون هذا الإخبار عن شىء مضى ؛ لأن الذى مضى قد بان جنسه وكميته ؛ فيمكن الحكم عليها بالكثرة ، والإخبار بهذا الحكم ، أما الذى لم يمض فمجهول الجنس والمقدار غالبا ؛ ومن ثمّ كان الدافع إلى استعمال «كم الخبرية» هو الافتخار والمدح بكثرة شىء محبوب ، أو الذم بكثرة شىء معيب.
أحكامها :
1 - وجوب صدارتها فى جملتها ، إلا حين تكون مجرورة بحرف جر ، أو بإضافة ، نحو : لله أنت!! فإلى كم عمل نافع سارعت ؛ فحمد الناس إسراعك. وعند كم عقبة فى طريقه وقفت لتذليلها ؛ فأكبر العارفون شأنك. 2 - صحة عودة الضمير إليها إما مفردا مذكرا ، مراعاة للفظها ، وإما مطابقا لمعناها ؛ مراعاة لما يحتمله مدلولها ... (2). والأفصح مراعاة تمييزها ،
نحو : كم رفاق نفع أو نفعوا ... ومن مراعاة التمييز قول الشاعر :
كم أناس فى نعيم عمّروا *** فى ذرا ملك تعالى فبسق (1)
سكت الدهر زمانا عنهمو *** ثم أبكاهم دما حين نطق
3 - وجوب بنائها على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حاجة الجملة (2).
4 - وجوب الإتيان بتمييز لها يكون مفردا مجرورا ، أو جمعا مجرورا (3)، بشرط أن يكون فى الحالتين غير مفصول منها بشىء. والأفصح إفراده. ولكن الجمع غير شاذ. ومن الأمثلة قول الشاعر :
فكم نزهة فيك للحاضرين! *** وكم راحة فيك للأنفس!
وقول الناثر : الأريب لا يخدع بالمظهر الزائف ؛ فكم رجال حسنت مناظرهم وساءت مخابرهم! وكم رجال اقتحمتهم العيون وفى أثوابهم أبطال عظام! ... فإن فصل التمييز منها ، وكان مفصولا بجملة وجب نصبه ، ولا يجوز جرّه إلا فى ضرورة الشعر ؛ نحو : ما أنفس نصائح الحكماء ، وأغلى أقوالهم ؛ فكم أرشدنا منهم - نصحا! وكم صاننا منهم - قولا!. وقول الآخر فى مدح قوم :
كم نالنى منهمو فضلا على عدم *** إذ لا أكاد من الإقتار (4)أجتمل (5)
(وفاعل الفعل فى الأمثلة السابقة ضمير يعود على «كم» ويجوز جعل التمييز فاعلا بعد رفعه (6)
واستعملنها مخبرا كعشره *** أو مائة ؛ ككم رجال ، أو : مره
). ه1) عمروا : طال عمرهم - ذرا : حماية ورعاية - بسق : ارتفع
2) لا تختلف «كم» الخبرية فى إعرابها المحلى عن «كم» الاستفهامية فى إعرابها السابق : (فى رقم «ا» من هامش ص 529). برغم اختلاف معناهما وتمييزهما.
3) والجر فى الحالتين لأنه مضاف إليه ، و «كم» هى المضاف أو «بمن» المقدرة. ويجوز - دائما - إظهار «من». وإذا كان مجرورا بمن فالجار والمجرور متعلقان بكم ، - كما سبق - ومن الأمثلة قوله تعالى : ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ. وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) وتمييزها فى كل أحواله نوع من تمييز الذات (لا النسبة) لأنه نوع من تمييز العدد ، بالرغم من أنها خبرية.
4) الفقر.
5) اجتمل الرجل الشحم : أذابه.
6) وفى «كم» الخبرية يقتصر ابن مالك على بيت واحد ، يبين فيه معناها ، وأن تمييزها يكون كتمييز العدد «عشرة» ، أى : جمعا مجرورا ، أو كتمييز المائة يكون مفردا مجرورا (وهذا هو الأوضح والأكثر ، والأول ليس بشاذ) يقول :
وكذلك يجب نصبه ولا يجوز جره إلا فى ضررة الشعر إن كان مفصولا بظرف ، ومعه جار ومجرور ؛ نحو : كم دون الوصول إلى الشهرة - كفاحا! وكم لها بعد إدراكها تعبا!.
فإن كان الفصل بالظرف فقط ، أو بالجار مع مجروره فقط - جاز الأمران ، والنصب هو الأرجح. نحو : كم دون الشهرة كفاحا! وكم لها تعبا! ... ولا يصح الفصل بغير ما سبق - على الصحيح -.
وإذا فصل بين «كم» الخبرية وتمييزها بجملة فعلية فعلها متعد ، لم يستوف مفعوله وجب جر التمييز بالحرف : «من» (1)
وقد أوضحنا هذا في ج 2 باب حروف الجر ، م 90 ص 422 ، عند الكلام علی: "من الزائدة".
؛ لمنع اللبس ؛ إذ قد يقع فى الوهم أن التمييز المنصوب ليس تمييزا ، وإنّما هو مفعول به للفعل المتعدى. فلإبعاد هذا الوهم يجب جر التمييز بمن ، لا بالإضافة ؛ إذ لا يصح - فى الأغلب - الفصل بالجملة بين المتضايفين. كقوله تعالى : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ! ... ) وقوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) ! ، و «كم» فى الآيتين مبنية على السكون فى محل نصب مفعول به.ومن الجائز حذف تمييزها إذا دل عليه دليل ، ولم يوقع حذفه فى لبس. ولكن حذفه وهو «مضاف إليه» قليل غير قياسى (2)؛ لما يترتب عليه من حذف «المضاف إليه» مع وجود المضاف وحده.
من كل ما تقدم نستطيع أن ندرك الموازنة التى عقدها بعض النحاة بين نوعى «كم» ؛ لبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما. وملخصها :
أنهما يتشابهان فى خمسة أمور :
(ا) أنهما كنايتان مبهمتان عن معدود ، مجهول الجنس ، والمقدار. (أى : مجهول الحقيقة ، والكمية).
(ب) مبنيتان.
(ح) بناؤهما على السكون فى محل رفع ؛ أو نصب ، أو جر ، على حسب موقعهما من جملتهما ؛ فهما متماثلتان فى إعرابهما المحلىّ ، مع ملاحظة أن لفظهما مفرد مذكر دائما ، وأن مدلولهما قد يكون غير ذلك ؛ فيراعى لفظهما ، أو مدلولهما ، فى الضمير العائد عليهما ، وفى غيره من كل ما يحتاج للمطابقة. ومراعات التمييز أوضح.
(د) ملازمتان للصدارة فى جملتهما. إلا إن سبقها حرف جر ، أو : مضاف.
(ه) حاجة كل منهما إلى تمييز قد يصحّ حذفه عند أمن اللبس.
ويفترقان فى خمسة أمور كذلك :
(ا) أن الخبرية تتضمن الإخبار بكثرة شىء معدود ؛ فتختص بالزمن الماضى وحده. ولهذا لا يصح على الإخبار أن نقول : كم رحلة سأقوم بها أيام العطلة المقبلة! لأن التكثير والتقليل - كما سبق - لا يكونان إلا فيما عرف مقداره. وهذه المعرفة لا تتحقق إلا فى شىء قد مضى وانتهى. ويصح على الاستفهام أن نقول ما سبق.
(ب) أن المتكلم بالخبرية لا يتطلب جوابا من السامع ؛ لأنه مخبر ، غير مستخبر ؛ بخلاف الاستفهامية.
(و) أن المتكلم بالخبرية ، يتعرض للتصديق والتكذيب ، لأنه مخبر ، والخبر عرضة لأن يصدقه السامع أو يكذبه (1)
وقد قلنا . في رقم 3 من هامش ص 528 . إن بعض النحاة يرى في هذا تعارضا ، وإن فريقا آخر يمنع ه التعارض ، كما دونه الصبان فى هذا الموضوع من الباب.
.(د) أن الأغلب فى تمييز الاستفهامية أن يكون مفردا منصوبا بها ، أو مجرورا بالإضافة ، أو بمن إن جرّت بحرف جر ظاهر. أما تمييز الخبرية فيكون مفردا مجرورا ؛ أو جمعا مجرورا (2). ولا يكون منصوبا إلا فى بعض حالات الفصل
(ه) أن البدل من «كم» الخبرية لا يصح اقترانه بهمزة الاستفهام ؛ لأن هذا البدل خبرىّ كالمبدل منه (وهو : كم الخبرية) والخبر لا يصح أن يتضمن معنى الاستفهام. يقال : كم رجال حضروا الحفل!! ثمانين بل تسعين ... أما الاستفهامية فيجب اقتران البدل منها بهمزة الاستفهام ؛ لأن الاستفهامية
تتضمن معنى الاستفهام. فيقال : كم رجال حضروا؟ أثمانين أم تسعين؟ إذا كان العدد مجهولا يريد أن يعرفه السائل.
الثانية : كأيّن (1)- وأشهر لغاتها : «كأيّن» - (بهمزة مفتوحة ، وتشديد الياء مكسورة ، فنون ساكنة) - ثم : «كائن» بسكون النون. ثم : «كأين» ؛ (بهمزة ساكنة بعد الكاف ، تليها ياء مكسورة ، فنون ساكنة (2)
وقد أطال النحاة في إثبات أنها مركبة فى الأصل ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء فى معرفة ذلك الأصل المزعوم المتكلف ، لأن الذي يعنينا الآن أنها (وهى بمعنى «كم») كلمة واحدة في إعرابها ، وفى معناها ، وكل أحكامها ، ولا يلاحظ أصلها في شيء من ناحية تركيبه مطلقا.
) - وهى بمنزلة «كم» الخبرية ، ولكن تشاركها فى أمور ، وتخالفها فى أخرى ، فتشاركها فى الأمور الخمسة الآتية :1 - الإبهام.
2 - الدلالة على تكثير المعدود.
3 - الملازمة للصدارة.
4 - البناء على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، - على حسب موقعها -. ولا تكون فى محل جر - ومن الممكن وضعها فى كل مكان توضع فيه : «كم الخبرية» إلّا الجرّ.
5 - الحاجة إلى تمييز مجرور ، ولكنه يجرّ هنا «بمن» ظاهرة لا بالإضافة ، والجار مع مجروره متعلقان بكأىّ. وقد ينصب التمييز. ومن الأمثلة للمجرور قوله تعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا. اللّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ! ... ) وقوله تعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ، ثُمَّ أَخَذْتُها! ، وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ. )
وقول الشاعر :
وكائن رأينا من فروع طويلة *** تموت إذا لم تحيهنّ أصول!
ومن التمييز المنصوب قول الشاعر :
1) أصل النون التى فى آخرها هو التنوين ؛ فيصح الرجوع إلى أصلها ومراعاته عند الكتابة والوقف ، ولكن الأحسن إثبات نونها خطا ونطقا فى جميع لغاتها ، حتى عند الوقف عليها ، منعا للإلباس.
2) ثم : «كيئن» - بكاف مفتوحة ، فياء ساكنة فهمزة مكسورة ، فنون ساكنة - ثم : «كئن» كالسابقة مع حذف الياء.
3) اسم فاعل من ألم يألم ؛ بمعنى : تألم يتألم ...
4) قدّر وهيّئ.
وقول الآخر :
وكائن لنا فضلا عليكم ومنّة *** قديما!. ولا تدرون ما منّ منعم
ويجوز الفصل بينها وبين تمييزها مطلقا - كما فى بعض الأمثلة السالفة - فإن كان الفاصل فعلا متعديا لم يستوف مفعوله وجب جرّ التمييز «بمن» ؛ منعا من توهم أنه مفعول به فى حالة نصبه. ومن الأمثلة قول الشاعر :
وكائن ترى من صامت لك معجب *** زيادته أو نقصه فى التكلم
وقول الآخر :
وكائن ترى من حال دنيا تغيرت *** وحال صفا بعد اكدرار - غديرها
وتخالفها فى أربعة :
1 - «كم الخبرية» كلمة «بسيطة» على الأرجح. أما «كأيّن» فمركبة - على الأرجح أيضا - من كاف التشبيه ، و «أىّ» المنونة. ولا أثر للتركيب ولا لمعنى جزأيه فى حالتها القائمة الآن ، بعد أن صارت كلمة واحدة تؤدى معنى جديدا.
2 - «كأين» لا تكون مجرورة بحرف ، ولا بإضافة ، ولا بغيرهما. بخلاف «كم الخبرية» فإنها تجر بالحرف وبالإضافة.
3 - إذا وقعت «كأين» مبتدأ فخبرها لا يكون إلا جملة - فى الأعم الأغلب (1)
" (قال فى جمع الجوامع وشرحه : لا يخبر عن «كأين» إذا وقعت مبتدأ إلا بجملة فعلية مصدرة بماض أو مضارع نحو قوله تعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ .. ) وقوله تعالى ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) لكن يرد عليه قول الشاعر :
وكائن لنا فضلا عليكم ومنة *** قديما ولا تدرون ما منّ منعم ...
فإن الخبر فيه جار مع مجروره. وقوله تعالى ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ ... ) إن جعل الخبر الجملة الاسمية وهى : (اللّه يرزقها) فإن جعل : " لا تحمل رزقها" لم ترد الآية) " ا ه كلام الصبان - ولهذه المسألة إشارة فى ج 1 م 35 ص 430 عند الكلام على الخبر الجملة.
- كبعض الأمثلة السّالفة ، أما «كم الخبرية» فلا يلزم أن يكون جملة.4 - ليس لها نوع آخر يستعمل فى الاستفهام أو فى غير الإخبار ... .
1) جاء فى حاشية «ياسين» على التصريح ، - ج 1 باب المبتدأ والخبر ، عند الكلام على أقسام الخبر - أن منه ما يجب أن يكون جملة : مثل خبر «كأيّن» الخبرية الواقعة مبتدأ ولم يتعرض لبيان أنه الواجب أو الأغلب. وجاء فى الصبان - ج 4 باب «كم» - عند الكلام على «كأيّن» ما نصه :
5 - تمييزها المجرور هو فى الغالب مجرور بمن الظاهرة. بخلاف «كم الخبرية» فإنه يجر بالإضافة ، أو بمن المضمرة ، أو الظاهرة.
الثالثة : «كذا». وصيغتها ثابتة فى كل الحالات ، ولا يطرأ على حروفها تغيير ما دامت من كنايات العدد. وهى - فى أصلها - مركبة من «كاف» التشبيه ، و «ذا» الإشارية ، وصارت بعد التركيب كلمة واحدة ثابتة ، تؤدى معنى جديدا مستقلا ، لا صلة له بالتشبيه ولا الإشارة إذا كان الغرض منها الإخبار عن شىء معدود قليل أو كثير ، ففى هذه الصورة تعدّ من كنايات العدد المبهمة (1).
وتشبه «كم الخبرية» فيما يأتى :
1 - فى الإخبار.
2 - وفى الإبهام.
3 - وفى البناء على السكون فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر.
4 - وفى الحاجة إلى تمييز.
وتخالفها فى :
1 - أنها لا تلازم الدلالة على الكثرة ، فقد تكون «كذا» كناية عن معدود كثير أو قليل - كما تقدم - نحو : أنفقت كذا دنانير فى رحلاتى ، وركبت خلالها كذا سيارة وطيارة ، وباخرة ، وقطارا.
2 - وفى أن تمييزها واجب النصب بها على الأرجح (2)
وفى الكلام على : «كأين ، وكذا» يكتفى ابن مالك ببيت واحد ، هو :
ككم : «كأيّن» و «كذا» ، وينتصب *** تمييز ذين ، أو : به صل : «من» تصب
يقول إن «كأين» و «كذا» مثل : «كم» - يريد : «كم» الخبرية - ولم يبين أوجه الشبه.
وقد أوضحناها ، ثم بين أن تمييز «كأين وكذا» منصوب. ومن الجائز عنده جره بمن ، ويرى فى جره إصابة وسدادا. وهو يخالف أكثر النحاة فى جر تمييز «كذا» «بمن» كما سلف. إلا إن كان الضمير فى (به) عائدا على تمييز : «كأين» فقط ، كما يرى بعض المعربين ، وهذا حسن.
. سواء أكان مفردا أم جمعا. .1) فى الزيادة والتفصيل - ص 539 - بيان استعمالاتها الأخرى فى غير الكنايات العددية :
2) قلنا على الأرجح لأن الكوفيين يجيزون جره إذا كان غير مكرر بعطف ، فيقولون : فى المتجر كذا ثوب ، وفى المصنع كذا عامل. فيكون التمييز مضافا إليها مجرورا ، أو مجرورا بمن مقدرة. أو بدلا فى رأى ثالث إذا كانت هى مجرورة. والأفضل هنا عدم الأخذ بالرأى الكوفى ؛ لأنه مبنى على مجرد القياس على تمييز «كم» ، دون عرض أمثلة تؤيده من الكلام العربى الفصيح. ومجرد القياس فى مثل هذا ضعيف مردود. وبعض النحاة (ومنهم ابن مالك) يجيز جره بمن - كما سيأتى فى البيت التالى :
3 - وأنها لا تكون فى الصدر.
4 - وأنها تتكرر - غالبا - مع عطف بالواو ؛ كقول الشاعر :
عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا *** كذا وكذا ؛ لطفا به نسى الجهد
تأتى «كذا» المكررة المعطوفة بالواو ، وغير المكررة - كناية عن غير العدد ؛ فيكنى بها عن اللفظ الواقع فى التحديث عن شىء حصل ، أو عن قول. سواء أكان ذلك اللفظ معرفة أم نكرة ؛ كالحديث : يقال للعبد يوم القيامة : أتذكر يوم كذا وكذا (1)...
ويجوز أن تبقى على أصلها من التركيب من كاف التشبيه وذا الإشارية حين يقتضى المعنى بقاءها على أصلها ، نحو : عرفت الأخ نافعا ، والصديق كذا.
ورأيت الغنى وافيا من ذلّ السؤال والعمل كذا. وفى هذه الصورة قد تدخل عليها «هاء التنبيه» فيقال : والصديق هكذا ... والعمل هكذا ... أو : وهكذا الصديق - وهكذا العمل.
1) قال السيوطى فى الأشباه والنظائر : الذى شهد به الاستقراء ، وقضى به الذوق الصحيح ، أن : «كذا» المكنى بها عن غير العدد إنما يتكلم بها من يخبر عن غيره ؛ فتكون من كلام المخبر لا من كلام المخبر عنه ؛ فلا تقول ابتداء : مررت بدار كذا ، ولا بدار كذا وكذا ، بل تقول : مررت بالدار الفلانية. ويقول من يخبر عنك : قال فلان مررت بدار كذا ، أو بدار كذا وكذا.
الرابعة : كنايات أخرى ، منها : «كيت ... وذيت».
هاتان ليستا من كنايات العدد ، وإنما يذكرهما النحاة بعد تلك الكنايات للمناسبة بين النوعين فى مجرد الكناية عن شىء.
وكيت وكيت - بفتح التاءين معا ، وهو الأكثر ، أو كسرهما معا ، أو ضمهما كذلك - يكنى بهما عن القصة والخبر ، أى : الحديث عن شىء حصل أو قول وقع ؛ مثل : (صنع العامل كيت وكيت ، وقال كيت وكيت). ولا بد من تكرارهما مع العطف بالواو ، واعتبارهما معا (وبينهما هذه الواو) مركبا مزجيّا بمنزلة كلمة واحدة ذات جزأين ، والجزءان مبنيان معا ؛ إما على الفتح ، وإمّا على الكسر ، وإمّا على الضم ، فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حاجة الجملة. وهذا المركب المزجى نائب فى الحقيقة عن جملة ، ولهذا صح أن يعمل فيه القول فى نحو : «أنت قلت كيت وكيت» ؛ فيكون المركب المزحى هنا فى محل نصب ، مفعولا به للفعل «قال».
وكل ما تقدم فى : «كيت وكيت» يقال كاملا فى : «ذيت وذيت» ، من غير تفريق فى شىء إلا فى الحرف الأول الهجائى ؛ فهو «كاف» فى أحد المركبين ، و «ذال» فى المركب الآخر ، ولا خلاف فى شىء بعد هذا.
(ا) يقول اللغويون : إن أصل : «كيت وكيت» و «ذيت وذيت» هو : «كيّة وكيّة» و «ذيّة وذيّة» بتشديد الياء فى كل لفظة ، وبعدها تاء التأنيث المربوطة. ثم حصل تخفيف بحذف التاء المربوطة ، وبقلب الياء الثانية (من كل ياء مشددة) تاء واسعة (أى : غير مربوطة) ، فهذه التاء ليست للتأنيث وإنما هى منقلبة عن حرف أصلىّ. ولا مانع عندهم من استعمال الأصل بدون تخفيفه. ويتعين فى الحالتين عند استعماله تركيب كل جزأين تركيبا مزجيّا مع بنائهما على الفتح دائما فى كل المواقع الإعرابية.
(ب) ويقول الصبان : (إذا قيل : كان من الأمر «كيت وكيت» - ومثلها : «ذيت وذيت» - «فكان» للشأن (1)، خبرها : كيت وكيت ، - لأن هذا المركب المزجى نائب هنا عن الجملة ، ولا يكون اسما لكان ؛ كما لا يكون اسمها جملة. قاله الفارسى ، واستحسنه ابن هشام. لكن يلزم عليه تفسير ضمير الشأن (2)، بغير جملة مصرح بجزأيها. والظاهر أن : «من الأمر» تبيين يتعلق بفعل مقدر ؛ هو : «أعنى») هذا كلامه مع تيسير قليل فى بعض كلماته.
وفيه حذف وتقدير لا داعى لهما. ولو جعلنا «كيت وكيت» - فى هذا الأسلوب
وحده - اسما لكان الناسخة غير الشّانية ، وخبرها شبه الجملة مع اعتبار المركب المزجىّ الحالىّ ليس جملة هنا فى ظاهره الحقيقى ، لاستغنينا عن الحذف والتقدير ، ولسايرنا الأيسر الواضح بغير ضرر ، ولا خروج على الأصول العامة.
ا - مذكر (مثل : حاتم - قيس - جعفر - نهر - قمر - كتاب ...). ولا يحتاج إلى علامة لفظية تزاد على صيغته لتدل على تذكيرها وتذكير صاحبها ؛ لأن الذى يدل على تذكيرهما هو الشهرة ، وشيوع الاستعمال. ولا سيما الاستعمال الوارد فى أكثر الأساليب المأثورة عن العرب.
ب - مؤنث ؛ (مثل : سنيّة - عزيزة - ليلى - لمياء - أرض - أذن ...) ، ويحتاج إلى علامة لفظية ظاهرة أو مقدرة (أى : ملحوظة) تزاد على صيغته ؛ لتدل على تأنيثها ، وتأنيث صاحبها. فالعلامة الظاهرة فى الأسماء المعربة (1)هى : «تاء التأنيث» المتحركة ، أو : «ألف التأنيث» بنوعيها ؛ المقصورة ، والممدودة ؛ مثل : عزيزة - ليلى - لمياء ... أمّا العلامة المقدرة -
ا - فقد تكون خاصة بالأسماء المعربة الثلاثية ، وهى تاء التأنيث الملحوظة - (طبقا للسّماع الوارد عن العرب) فى مثل : أرض - أذن - عين - قدم - كتف. والذى يدل على أن هذه الكلمات الثلاثية - وأشباهها (2)- مؤنثة سماعا بتاء مقدرة (أى : ملحوظة) ظهور هذه التاء فى أغلب كلام العرب عند التصغير ؛ إذ يقال : أريضة - أذينة - عيينة - قديمة - كتيفة (3).
ب - وقد تكون عامة فى الأسماء بنوعيها (الثلاثى وغير الثلاثى) ؛ كعود الضمير
1) أما علامة التأنيث فى الكلمات المبنية فتأتى فى رقم 3 من هامش ص 545.
2) المراد بالأشباه ما كان أصله ثلاثيا ولكن حذف بعض أصوله ، مثل يد فأصلها «يدى».
3) بمناسبة الكلام على أعضاء الإنسان يقول اللغويون بحق : إن تذكيرها وتأنيثها موقوف على السماع وحده ، لكن الأعضاء المزدوجة مؤنثة فى الغالب ، تبعا للسماع الوارد فيها ؛ كعين ، وأذن ، ورجل ، وغير المزدوجة مذكر فى الغالب ، نحو : رأس ، أنف ، ظهر ... ومن المزدوج المذكر : الحاحب - الصدغ - الخد - اللّحى (عظم الفك) - المرفق - الزّند - الكوع. الكرسوع ... ومن المزدوج الذى يذكر ويؤنث : العضد ، الإبط - الضرس. ومن المنفرد المؤنث : الكرش ، ومن المنفرد الذى يصح تذكيره وتأنيثه : العنق - اللسان - القفا - المتن - المعى ... فالقاعدة أغليبة.
عليها فى المسموع مؤنثا. كأرض ، وعقرب ، فى مثل : الأرض زرعتها ، والعقرب قتلتها. ومثل : نعتها ، أو الإشارة إليها بالمؤنث ؛ سماعا فى الحالتين ، مثل : الأرض المتحركة واحدة من أرضين كثيرة - هذه الأرض واحدة من ... - : العقرب السامّة قتالة. - هذه العقرب ... - ولا تكون ألف التأنيث مقدرة (1)
علامة التأنيث تاء أو ألف *** وفى أسام قدّروا «التّا» ؛ كالكتف
(أسام : جمع جمع ، مفرده : أسماء. ومفرد الأسماء : اسم) ، ثم قال بعد ذلك فى بيان التأنيث المقدر :
ويعرف التقدير بالضّمير *** ونحوه ؛ كالرّدّ فى التصغير
. معنى كلمة : «مؤنث».هذه الكلمة إحدى «المصطلحات» التى يتردد ذكرها كثيرا فى الاستعمال اللغوى. ويختلف معناها باختلاف ما تدل عليه من أنواع تقضى الفائدة بالإشارة إليها هنا ؛ لأن هذا الباب هو الأنسب لذكرها (2). وأشهرها :
1 - المؤنث الحقيقى : وهو الذى يلد ، ويتناسل ، ولو كان تناسله من طريق البيض والتفريخ ؛ ولا بد فى لفظ المؤنث الحقيقى من علامة تأنيث ظاهرة ، أو مقدرة ، مثل : ولّادة - سعدى - هند - عصفورة - عقاب (3).
وله أحكام مختلفة ؛ يتصل منها بموضوعنا : وجوب تأنيث فعله ، ونعته ، وخبره وإشارته ، وضميره ... ، بالشروط والتفصيلات الخاصة بكل واحد من هذه الأمور فى بابه ؛ نحو : كانت ولّادة أديبة أندلسية ذائعة الصيت. وقد نقل التاريخ الأدبىّ إلينا كثيرا من أخبار هذه الأديبة ، ومجالسها ، وفنونها ...
2 - المؤنث المجازى : وهو الذى لا يلد ولا يتناسل ؛ سواء أكان لفظه مختوما بعلامة تأنيث ظاهرة ؛ كورقة ؛ وسفينة ... أم مقدرة ؛ مثل : دار ، وشمس. ولا سبيل لمعرفة المؤنث المجازى إلا من طريق السماع الوارد عن العرب ، ولا يمكن الحكم على كلمة مؤنثة بأنها تدل على التأنيث مجازا إلا من الطريق اللغوى الذى يوضح أمر ذلك السماع ويبينه.
وهذا النوع المجازى يخضع فى استعماله لكثير من أحكام المؤنث الحقيقى ؛ .
خضوعا واجبا فى مواضع ، وجائزا فى أخرى ؛ كوجوب تأنيث الضمير العائد عليه فى مثل : الدار اتسعت. وجوازه فى مثل : اتسعت الدار ، أو : اتسع الدار ...
3 - ومنه المؤنث اللفظىّ فقط : وهو الذى تشتمل صيغته على علامة تأنيث ظاهرة ، مع أن مدلوله (معناه) مذكر ؛ نحو : حمزة - أسامة - زكرياء ... أعلام رجال. وله أحكام مختلفة مدونة فى الأبواب المناسبة لها ؛ فقد يراعى معناه فى حالات فلا يؤنث له الفعل ؛ فلا يقال : اشتهرت حمزة بالشجاعة والإقدام ، ولا يجمع (فى الأرجح) جمع مذكر سالما ... وقد يراعى لفظه - وهو الأغلب فى كثير من حالاته الأخرى - فيمنع من الصرف ، ويذكّر له اسم العدد (1)؛ فيقال ثلاث حمزات ...
4 - المؤنث المعنوى فقط : وهو ما كان مدلوله مؤنثّا حقيقيّا أو مجازيّا ولفظه خاليا من علامة تأنيث ظاهرة ؛ فيشمل المؤنث الحقيقى الخالى من علامة تأنيث ، مثل : زينب - سعاد - عقاب ... كما يشمل المؤنث المجازى الخالى منها ؛ مثل : عين - رجل - بئر - ...
ويجرى عليه كثير من أحكام المؤنث الحقيقى والمجازى ، كتأنيث الفعل له ، وتأنيث ضميره ، ونعته ، والإشارة إليه ... وكمنعه من الصرف أو عدم منعه على حسب حالته.
5 - المؤنث اللفظى المعنوى : وهو ما كانت صيغته مشتملة على علامة تأنيث ظاهرة ، ومدلوله مؤنثا ؛ مثل ؛ فاطمة - علية - ريا - سعدى - حسناء - هيفاء - نحلة - أسدة. شجرة - دنيا ... ويخضع لكل أحكام المؤنث اللفظى والمعنوى.
والأنواع الخمسة السابقة قد يجتمع منها نوعان أو أكثر ، ويسميان باسم يشمل النوعين ، كأن يقال : لفظىّ مجازى ؛ مثل : دنيا ...
6 - المؤنث التأويلى : وهو ما كانت صيغته مذكرة فى أصلها ، ولكن يراد - لسبب بلاغى - تأويلها بكلمة مؤنثة تؤدى معناها ؛ فقد كان العرب يقولون : (أتتنى كتاب أسرّ بها ... ، يريدون : رسالة) - (خذ الكتاب واقرأ ما فيها.
1) وهذا فى الأحسن ، كما سبق ص 505 حيث البيان الخاص بهذا.
يريدون : الأوراق). وكذلك : (الحرف ؛ يريدون به : الكلمة) ... وأمثال هذا كثير فى كلامهم ...
وحكم هذا النوع : أنه يصح مراعاة صيغته اللفظية ، من ناحية عدم تأنيث فعلها المسندة إليه ، وكذلك مراعاة تذكيرها اللفظىّ عند نعتها ، والإشارة إليها ... كما يصح مراعاة معناها الذى تؤول به بشرط قيام قرينة جلية تمنع اللبس ؛ نحو : (امتلأت الكتاب بالسطور ؛ تريد : الورقة التى فى يدك ، مثلا) - (هذه الكتاب نافعة ، تريد : هذه الورقة (1)) ... ومن الخير الاقتصار على مراعاة صيغة اللفظ ؛ قدر الاستطاعة منعا للالتباس ، فإن هذا المنع غرض من أهم الأغراض اللغوية يجب الحرص عليه هنا ، وفى كل موضع آخر.
7 - ومنه المؤنث الحكمى : وهو ما كانت صيغته مذكرة ولكنها أضيفت إلى مؤنث فاكتسبت التأنيث ؛ بسبب الإضافة ؛ كقوله تعالى : ( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ. ) فكلمة «كل» مذكرة فى أصلها ، ولكنها فى الآية اكتسبت التأنيث من المضاف إليه المؤنث ؛ وهو «نفس» (2).
تلك أشهر أنواع المؤنث. ويعنينا منها ، النوعان الأساسيان ؛ وهما الأول والثانى (أى : المؤنث الحقيقى ، والمجازى) أما سواهما فمتفرع منهما ، راجع إليهما فى أكثر أحكامه ...
والنوعان الأساسيان (أى : الحقيقى والمجازى) لا بد من اشتمالهما على علامة تأنيث ظاهرة أو مقدرة (أى : ملحوظة) ، كما فى بعض الأمثلة الأولى.
وقد تبين مما تقدم أن علامات التأنيث الدالة على تأنيث الأسماء المعربة (3)
وأما الأفعال فتؤنث بالتاء لتأنيث فاعلها ؛ فتدخل تاء التأنيث الساكنة على آخر الماضي ، نحو : برعت الطبيبة ، وتدخل التاء المتحركة على أول المضارع ، نحو تبرع الطبيبة ...
ثلاث1) ومنه ما يجرى فى أيامنا من تسمية بعض الصحف والمجلات بأسماء مذكرة ؛ مثل : الهلال ، والعربى ، والمنبر ... من أسماء المجلات. ومثل : المقطم ، والمسأء ، والبلاغ ... من أسماء الصحف اليومية ؛ فينطبق عليها الأمران السالفان ، فيقال : ظهر الهلال ، أو ظهرت الهلال. وكذا الباقى حيث يلاحظ التذكير أو التأنيث فى كل.
2) إيضاح هذا مدون فى موضعه من باب الإضافة (ج 3 ص 51 م 92).
3) أما الأسماء المبنية فلا تكون علامة تأنيثها التاء المربوطة ، ولا الألف ، وإنما لها علامات أخرى ، منها : كسر التاء فى مثل : أنت. والنون المشددة فى مثل : هنّ. وأما بعض الحروف فقد تدخلها التاء المفتوحة سماعا ، نحو : ربت.
زوائد ، وكل واحدة منها فارقة بين المؤنث والمذكر ، ولا يصح أن يوجد منها فى الاسم إلا علامة واحدة (1)لتأنيثه. والثلاث هى : تاء التأنيث المتحركة المربوطة (2)، وألف التأنيث المقصورة ، وألف التأنيث الممدودة. وفيما يلى تفصيل الكلام على كل علامة :
(الأولى) فأما تاء التأنيث المربوطة فمختصة بالدخول - قياسا - على أكثر الأسماء المشتقة (3)؛ لتكون فارقة بين مذكرها ومؤنثها ؛ نحو : عابد وعابدة - عرّاف وعرافة - فرح وفرحة - مأمون ومأمونة - ولا تدخل على أسماء الأجناس الجامدة إلا سماعا ؛ وقد سمعت فى بعض ألفاظ قليلة لا يقاس عليها ؛ مثل : أسد وأسدة - رجل ورجلة - فتى وفتاة - غلام وغلامة - امرأ وامرأة - إنسان وإنسانة ، فى لغة - ... ونظائرها مما تنص عليه المراجع اللغوية ، ويجب الوقوف فيه عند حد السماع الوارد.
وإنما كانت تاء التأنيث مختصة بالدخول على أكثر الأسماء المشتقة دون جميعها لأن بعض المشتقات لا تدخله مطلقا - فى رأى أكثر النحاة - (4)، وبعضها تدخله قليلا. وأشهر الأوزان التى لا تدخلها (5)أربعة :
1 - فعول بمعنى : فاعل (وهو الدال على الذى فعل الفعل) ، نحو : صبور - نفور - حقود ... بمعنى : صابر - نافر - حاقد - مثل : رجل أو امرأة صبور ، ونفور ، وحقود ...
أما المسموع من قولهم : امرأة ملولة وفروقة ؛ بمعنى : خوّافة - وكذا بضع كلمات أخرى (6) - فالتّاء للمبالغة مع التأنيث وليست لمحض التأنيث
1) وأما : علقاة ، اسم نبت ، وأرطاة ، اسم شجر - فألفهما مع وجود التاء معها ألف إلحاق ، ليست للتأنيث.
2) ويسميها بعض النحاة ، «هاء التأنيث» ؛ لأنها تصير «ها» عند الوقف عليها ، بالسكون أما فى غير الوقف فمتحركة.
3) يطلق - غالبا - على الاسم المشتق : «الوصف» ، أو : «الصفة» ، وهو غير النعت ، كما عرفنا. وكما يجىء البيان فى رقم 1 من هامش ص 549.
4) انظر الزيادة فى ص 551 - لأهميتها ، واشتمالها على بيان مفيد.
5) أشهرها : (صرورة : لمن لم يتزوج ، أو لم يحج) - (لجوجة : لكثير اللجاجة ، وهى : الخصومة) - (عروفة: لكثير العلم والمعرفة) - (شنوءة : لكثير التقزز ، أو العداوة) - (منونة : لكثير الامتنان) - (سروقة : لكثير السرقة). راجع النوادر ، ذيل الأمالى ، للقالى ص 173.
وحده (1)
وقد تأتى للمبالغة في الوصف كرجل راوية ؛ لكثير الرواية. وقد تأتى لتأكيد المبالغة ؛ نحو : رجل «نشابة» لكثير العلم بالأنساب ؛ ذلك أن كلمة «نساب» صيغة مبالغة بنفسها ، فإذا زيدت عليها التاء أفادت توكيد المبالغة ..
وقد تكون التاء ثابتة في بعض أسماء لا يمكن تمييز مذكرها من مؤنثها ، نحو : نملة فيجب اعتبار الاسم مؤنثا دائما. وبعض ما لا يمكن تمييزه يتجرد منها دائما فيعد مذكرا في كل استعمالاته ، نحو : برغوث. (راجع التصريح والصبان).
وراجع ما يتصل بهذا فى ج 1 م 1 ص 21 عند الكلام على اسم الجنس الجمعى وحكم تذكيره وتأنيثه.
وأما «عدوة» مؤنث : «عدو» فمقصورة هى وأشباهها القليلة - على السماع.فإن كان «فعول» بمعنى : «مفعول» (وهو الدّال على الذى وقع عليه الفعل) جاز تأنيثه بالتاء الفارقة بين المذكر والمؤنث ، وعدم تأنيثه بها ؛ نحو : قطار ركوب أو ركوبة ، وسيارة ركوب أو ركوبة ؛ بمعنى مركوب ومركوبة فيهما ، ونحو : أكول أو أكولة ، وحلوب أو حلوبة ، بمعنى : مأكولة ومحلوبة.
2 - مفعال ، نحو : مفتاح ، لكثيرة الفتح ولكثيره - معلام ، لكثيرة العلم وكثيره - مفراح ؛ لكثيرة الفرح وكثيره ... فهذه الصيغة - بغير تاء -
1) ذلك أن تاء التأنيث قد تكون دالة على التأنيث المجرد ، وقد تفيد معنى آخر من المعانى دون أن تفيد الفصل بين مذكر ومؤنث ، بالرغم من أن الكلمة المشتملة عليها تعتبر مؤنثة تأنيثا لفظيا مجازيا ، وتجرى عليها أحكامه. فمن تلك المعانى : أنها تكون لفصل الواحد من جنسه الجامد ؛ كتمرة ، وتمر ، ولبنة ولبن ، ونملة ونمل. وللعكس، أى : فصل الجنس الجامد من واحده ؛ كجبأة وكمأة (بفتح أولهما وسكون ثانيهما ، وهما اسمان لنوع واحد من النبات. يقال لمفرده : جبء ، أو كمء). وأنها تكون عوضا عن فاء الكلمة ؛ مثل : عدة ، مصدر ، وعد ، أو عوضا من لام الكلمة ، مثل : سنة ، وأصلها فيما يقال : سنو ، أو سنه بدليل. الجمع : سنوات وسنهات. أو عوضا من حرف زائد لمعنى ؛ كياء النسب فى قولهم. هو أشعثىّ ، وهم أشاعثة ، وهو أزرقىّ ، وهم أزارقة ، وهو مهلّبىّ وهم مهالبة. يقولون هذا فى جموع التكسير المنسوب مفردها إلى : أشعث ، وأزرق ، ومهلّب ... ويدل على هذا قولهم : أشعثيون وأشاعثة ، وأزرقيون وأزارقة ، ومهلبيون ومهالبة. فلا يجمعون بين الياء والتاء - وسيجىء البيان فى ص619. أو عوضا من حرف زائد لغير معنى ؛ كزنديق وزنادقة. فالتاء عوض عن الياء فى المفرد إذ كان الأصل فى تكسيرها : زناديق ، ولا يجتمعان ، أو عوضا عن ياء التفعيل فى مثل : زكّى تزكية. وقد تأتى للدلالة على التعريب ؛ أى : للدلالة على أن الكلمة فى أصلها غير عربية ، وعربها العرب أنفسهم بإدخال شىء من التغيير على صيغتها ، واستعمالها بعد ذلك. مثل : كيالجة (جمع : كيلجة ، لمكيال. والقياس كياليج. فجاءت التاء بدلا من الياء للدلالة على تعريبه ومثل موازجة (جمع : موزج ، بفتح الميم ، وسكون الواو ، وفتح الزاى ، للجورب ، أو : الخف) والقياس. موازج ؛ فدخلت «التاء هنا وهناك للدلالة على أن الأصل أعجمى فعرّب. والفرق بين المعرّب وغيره : أن العرب إذا استعملت الأعجمى فإن خالفت بين ألفاظه - بأن أدخلت عليها نوع تغيير - فقد عربته - كما سبقت الإشارة فى رقم 2 من هامش ص 230. وإلا فلا وهو الباقى على أعجميته.
صالحة للمذكر والمؤنث. ومن الشاذ : ميقان وميقانة. لمن يكثر اليقين والتصديق بما يسمعه.
3 - مفعيل ، نحو : منطيق - للرجل البليغ ، والمرأة البليغة. ومعطير ؛ لكثير العطر وكثيرته. ومن الشاذ مسكينة ، بتاء التأنيث.
4 - مفعل ، كمغشم ، للمذكر والمؤنث ، بمعنى جرىء ، وشجاع ، لا ينثنى عن إدراك ما يريده. يقال رجل أو امرأة مغشم.
ومما سبق يتبين أن التاء الفارقة لا تدخل - فى رأى الكثرة - على الصيغ الأربع السالفة إلا شذوذا (1)يراعى فيه المسموع وحده.
أما أشهر المشتقات التى تدخلها قليلا فنوعان ؛ ودخولها فيهما - مع قلته - مقيس. ولكن الأحسن عدم إدخالها :
أحدهما : المشتقات الدالة على معنى خاص بالأنثى ، يناسب طبيعتها (2)
ومما سبق يفهم المراد من قول اللغويين : إن الصفات المختصة بالمؤنث . كمرضع . إن قصد بها الحدوث (أى : الوصف المؤقت الطارئ فى أحد الأزمنة لحقتها التاء ؛ فيقال : مرضعة ، وإن لم يقصد بها هذا لم تلحقها فإن كان المعنى ليس خاصا بطبيعة المرأة وجب إثبات التاء كقولنا : شاهدت حاملة ؛ تريد : امرأة تحمل على رأسها أو كتفها شيئا ، لأن الحمل على الرأس أو على الكتف ليس من خصائصها وحدها ، وإنما يشاركها فيه الرجل. ومن ثم كان حذف التاء ممنوعا إذا أوقع فى لبس ؛ فلا يقال : فى الحقل ضامر ، وتحت الشجرة عانس، لأن الضامر والعانس يقال للمذكر وللمؤنث ؛ فإذا حذفت التاء عند إرادة المؤنث ، لم يتبين المراد.
وحدها ، وليس أمرا مؤقتا طارئا عليها ، وإنما هو من خصائصها الثابتة الملازمة لها دائما. وتنفرد به دون المذكر ؛ كالحمل ، والولادة ، والإرضاع ، والحيض ... وغيره مما هو من خصائص الأنثى ؛ نحو : امرأة حامل أو حاملة (ومعناهما : حبلى) ومرضع ومرضعة ... فدخول التاء وعدمه سيان ، والأمران قياسيان ، كما أسلفنا ، ولكن الحذف أحسن (3).1) انظر الزيادة الآتية فى ص 551 ؛ حيث البيان المفيد.
2) إنما يجوز الأمران والحذف أحسن إذا كان معنى الاسم المشتق خاصا بالأنثى ، يلائم طبيعتها وحدها ، ووصفا ثابتا لها - كما قلنا - وليس مقيدا بحالة طارئة ؛ كوصف المرأة بأنها : «مرضع» ؛ أى : بأن طبيعتها ، وأهليتها التى خلقت معها ، هى «الإرضاع» ولو لم تكن وقت الكلام ترضع طفلا ، أو تضع ثديها فى فمه ، ومثل وصفها بأنها : «حامل» ؛ فى نحو : المرأة الحامل لا العاقر مرغوبة ، أى : هذه من النوع الحامل ، والتى من شأنها ومن طبيعتها أن تحبل ، ولو لم تكن وقت الكلام حبلى ، بل يقال هذا ولو لم تكن قد تزوجت. فإن كانت الصفة طارئة ، والقصد منها الحدوث لا الثبوت ، وجب الإتيان بالتاء ؛ نحو : هذه مرضعة الآن أو غدا ، وحاملة اليوم أو غدا. ومن هذا قوله تعالى فى هول القيامة : ( يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ... ) ، أى : التى هى فى حالة إرضاع طارئ ، تلقم صبيها ثديها (انظر «ب» من الزيادة فى ص 551). ولو قال : «مرضع» بحذف التاء لكان المراد : التى من شأنها ومن غرائزها الإرضاع لا أنها تمارسه وقت التكلم فعلا أو فى وقت محدد معين.
والآخر : ما كان على وزن «فعيل» بمعنى : مفعول ؛ بشرط أن يعرف من الكلام أو غيره نوع المتصف بمعناه ؛ (أى : بشرط ألّا يستعمل استعمال الأسماء غير المشتقة). ومن أمثلته : قتيل وجريح فى مثل : انجلت المصادمة عن فتاة قتيل وفتاة جريح ؛ بحذف التاء جوازا لعدم الحاجة إليها ؛ إذ اللبس مأمون فى هذه الصورة. فإن شاع استعماله استعمال الأسماء المجردة - بأن لم يعرف نوع الموصوف (1)- وجب ذكرها لمنع اللبس ، نحو : حزنت لقتيلة المصادمة. ومثل : رأيت فى المجزر ذبيحة ، أو بطيحة ، أو أكيلة الذئب ؛ بمعنى : مذبوحة ، ومنطوحة ، ومأكولة.
فإن كان «فعيل» بمعنى «فاعل» فالأكثر مجيئها ؛ كقول شوقى :
نطتى جدّ أليفه *** وهى للبيت حليفه
هى ما لم تتحرك *** دمية البيت الظريفه
ومن حذفها قول الآخر المتغزل :
فديتك!! أعدائى كثير ، وشقّنى (2)
بعيد ، وأشياعى لديك قليل
ومما تقدم يتبين أن للتاء الفارقة مع المشتق ثلاثة أحوال ؛ فتارة تكون ممنوعة الدخول عليه ، وتارة تكون قليلة الدخول ، وهى مع قلتها مقيسة ، وفى غير النوعين السالفين كثيرة وقياسية.
أما مع غير المشتق - وهو الأجناس الجامدة - فمقصورة على السماع الوارد
1) ليس المراد بالموصوف هنا الموصوف الصناعى المعروف بالمنعوت ، وإنما المراد الموصوف المعنوى الذى يتصل به معنى المشتق. فيشمل : الفتاة قتيل ، بحذف التاء ، مع أن الفتاة مبتدأ ، وليست موصوفا صناعيا (أى : ليست : منعوتا) ولا فرق فى الموصوف المعنوى بين الملفوظ ، والملحوظ فى الكلام وهو المحذوف اكتفاء بما يدل عليه من قرينة ؛ كإشارة إليه ، أو ضمير يعود عليه ؛ ويبين نوعه ، أو شىء آخر يوضح أمره ، نحو : قتيل من النساء ؛ فلا تجىء التاء فى هذه الحالات ، مجاراة للأحسن. فالمعول عليه فى الموصوف هو العلم بنوعه وإن لم يكن المشتق نعتا تابعا له حقيقة. سواء أذكر موصوف أم لا.
2) من معانى الشقة (بضم الشين المشددة وكسرها) : الناحية التى يقصدها المسافر.
فى بعض الألفاظ ، ولا يصح القياس عليها (1)
ولا تلى - فارقة - فعولا *** أصلا ولا المفعال ، والمفعيلا
كذاك : مفعل. وما تليه *** «تا» الفرق من ذى ، فشذوذ فيه
(ذى : هذه. يريد : ما تلحقه التاء الفارقة من هذه الأوزان ففيه شذوذ. أى : أنه شاذ). ثم انتقل إلى حكم فعيل ، فقال :
ومن «فعيل» كقتيل إن تبع *** موصوفه - غالبا «التا» تمتنع
«تبع موصوفه» ، أى : جاء بعده تابعا له. والغرض أن يكون له موصوف معروف ، سواء أكان الموصوف منعوتا ، صناعيا أم غير منعوت ، مذكورا أم غير مذكور على الوجه السابق فى الرقم الأول من هامش الصفحة السابقة. وقالوا إن بيت ابن مالك يخلو من التقصير لو كان :
ومن فعيل كقتيل إن عرف *** موصوفه - غالبا التا تمتنع
.
.. .1) وقد عرض ابن مالك المشتقات التى لا تدخلها التاء الفارقة ؛ فقال.
(ا) صرح بعض أئمة النحاة الأقدمين (كصاحب المفصل وشارحه ابن يعيش ، فى ص 102 ج 5) بأن الأربعة الأولى السّالفة يشترط لحذف التاء منها ما يشترط فى «فعيل» ، ونصّوا على أنك تقول : صبورة ، ومعطارة ، إذا لم يعرف الموصوف ؛ فيقول ابن يعيش : «إن هذه الأسماء إذا جرت على موصوفها (1)لم يأتوا فيها بالهاء ، وإذا لم يذكروا الموصوف أثبتوا الهاء خوف اللبس ؛ نحو : رأيت صبورة ، ومعطارة ، وقتيلة بنى فلان ...». وهذا تصريح واضح لا يدع مجالا للتردد فى الأخذ به.
(ب) وفى الكلام على : «فعيل» يقول سيبويه فى كتابه (ج 2 ص 213) ما نصه : (وأما «فعيل» إذا كان فى معنى مفعول فهو فى المؤنث والمذكر سواء ، وهو بمنزلة : «فعول» ولا تجمعه بالواو والنون كما لا تجمع صيغة : فعول. و ... وتقول : شاة ذبيح ، كما تقول : ناقة كسير ، وتقول : هذه ذبيحة فلان وذبيحتك. ذلك أنك لم ترد أن تخبر أنها قد ذبحت. ألا ترى أنك تقول ذاك وهى حية؟ فإنما هى بمنزلة ضحية. وتقول : شاة رمىّ ، إذا أردت أن تخبر أنها قد رميت. وقالوا : بئس الرّميّة الأرنب ، إنما تريد : بئس الشىء مما يرمى. فهذه بمنزلة : الذبيحة. وقالوا : نعجة نطيح ، ويقال : نطيحة. شبهوها بسمين وسمينة ... و ... وقالوا : رجل حميد ، وامرأة حميدة. يشبه بسعيد وسعيدة ، ورشيد ورشيدة حيث كان نحوهما فى المعنى ، واتفق فى البناء ...) ، قال شارحه أبو سعيد السيرافى تعليقا على «هذه ذبيحة فلان وذبيحتك» ما نصه : (لم أر أحدا علل فى كتاب إلحاق التاء. والعلة فيه عندى أن ما قد حصل فيه الفعل يذهب به مذهب الأسماء ، وما لم يحصل فيه ذهب به مذهب الفعل ، لأنه كالفعل المستقبل ؛ ألا ترى أنك تقول : امرأة حائض. فإذا قلت حائضة غدا لم يحسن فيه غير الهاء (التاء). وتقول : فلان ميت إذا حصل فيه الموت. ولا تقل : مائت. وإذا أردت المستقبل قلت : مائت غدا ، فتجعل فاعلا جاريا على فعله).
وجاء فى «تاج العرس شرح القاموس» - مادة : قتل - ما نصّه : (قال
1) سبق شرح المراد من الموصوف فى هذا الباب رقم 1 من هامش ص 549.
الرضىّ : ومما يستوى فيه المذكر والمؤنث ولا تلحقه «التاء» - فعيل ، بمعنى : مفعول. إلا أن يحذف موصوفه ؛ نحو : - هذه قتيلة فلان وجريحته. ولشبهه لفظا بفعيل بمعنى «فاعل» قد يحمل عليه فتلحقه التاء مع ذكر الموصوف أيضا ؛ نحو : امرأة قتيلة ؛ كما يحمل «فعيل» ، بمعنى : «فاعل» عليه فتحذف التاء ، نحو : ملحفة جديد) اه.
من كل ما سبق يتبين تأويلهم لما ورد من «فعيل» بمعنى «مفعول» مختوما بالتاء. وفى بعض هذه التأويلات تكلف واضح. ومن اليسير كشف ما فيها من الخطأ الذى يمنع قبولها. هذا إلى أن كتب اللغة ومعاجمها تحوى أمثلة أخرى متعددة مختومة بالتاء ، ولا تحتمل تأويلا سائغا. فالخير فى الاقتصار على ما نقلناه عن بعض المحققين من أن الأكثر هو حذف التاء عند أمن اللبس ؛ بسبب وجود الموصوف ، وعدم استعمالها استعمال الأسماء غير المشتقة ، وهذا رأى سديد يحسن الأخذ به ، بالرغم من أن أكثر النحاة لم يذكروه مع جواز استعمال الرأى الآخر.
(ح) لأسماء الجموع حكم خاص ورد فى بعض المراجع اللغوية (1)، ونصّه : «القوم : يذكر ويؤنث ؛ لأن أسماء الجموع التى لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين - تذكر وتؤنث ؛ مثل : رهط (2)، ونفر ، وقوم (3)... قال اللّه تعالى : ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ، وَهُوَ الْحَقُّ ... ) ، فذكّر. وقال تعالى : ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ... ) فأنّث. قال الجوهرى : فإن صغرت لم تدخل فيها الهاء (4) ، وقلت : قويم ، ورهيط ، ونفير ... وإنما يلحق التأنيث فعله.
«وتدخل الهاء (5) فيما يكون لغير الآدميين ؛ مثل : الإبل ، والغنم ... لأن التأنيث لازم له ... ، ثم قال : حكى ثعلب أن العرب تقول : يأيها القوم كفّوا عنا. وكفّ عنا ، على اللفظ وعلى المعنى. وقال مرة : المخاطب واحد ، والمعنى الجمع) ا ه.
(الثانية) (1)وأما ألف التأنيث المقصورة فقد زيدت سماعا فى آخر الأسماء المعربة ، سواء أكانت جامدة أم مشتقة ؛ تبعا للمسموع عن العرب ، ولا تدخل فى غيره ، فما أدخلوها على آخره صار وحده مؤنثا بها.
وللأسماء التى تدخلها أوزان مختلفة ؛ بعضها نادر مبعثر فى المراجع اللغوية ، يصعب معرفته والاهتداء إلى أنه مؤنث إلا بمعونة تلك المراجع ، وإرشادها. وبعضها شائع فى الكلام الفصيح ، مشهور الصيغة بالتأنيث ؛ فمتى عرفت صيغته دلت - فى الأعم الأغلب - على أنها لمؤنث ، دون حاجة إلى مرشد أو معين. وصيغ هذا النوع تكاد تنحصر فى الأوزان الآتية التى يدل كل وزن منها على أن الكلمة مؤنثة ؛ وهى أوزان سماعية لا يجوز زيادة وزن على الوارد المسموع منها عن العرب - كما تقدم -.
1 - فعلى (بضم ففتح ، ففتح) كشعبى ، وأدمى ... اسمين لموضعين وأربى ، اسم للداهية.
2 - فعلى (بضم فسكون) ، مثل : بهمى ؛ اسم نبت - وطولى ، أنثى للوصف : أطول - وحبلى ، وصف للحامل - ورجعى ، مصدر للفعل : رجع.
3 - فعلى (بفتحات) ، مثل : بردى ، اسم نهر بالشام - وحيدى ، وصف فى مثل : ناقة حيدى ، أى : تحيد عن ظلها وتحاول الفرار منه - ومرطى ، وبشكى ، وجمزى ... والثلاثة مصادر ، ومعناها واحد ؛ هو المشية السريعة. وأفعالها : مرط ، وبشك ، وجمز ، ثلاثية مفتوحة الوسط.
4 - فعلى - بفتح فسكون - (جمعا ؛ كقتلى وجرحى وصرعى) ، أو : (مصدرا كدعوى ، مصدر : دعا) ، أو : (وصفا (2)كسكرى ، وسيفى ، وشبعى ، وكسلى ... مؤنث سكران ، وسيفان ، - بمعنى : طويل - ، وشبعان ، وكسلان). فإن كان «فعلى» اسما (كأرطى (3)وعلقى (4)) فقيل ألفه للتأنيث فيمنع للصرف ، وقيل للإلحاق فلا يمنع.
5 - فعالى (بضم أوله ، وفتح ثانيه بغير تشديد) ، مثل : حبارى وسمانى
اسمين لطائرين ، وسكارى جمع سكران ، وعلادى ، وصفا ، بمعنى : شديد ، يقال : جمل علادى : أى : قوىّ شديد.
6 - فعّلى (بضم أوله ، وفتح ثانيه مع تشديده). مثل : سمّهى ، اسم للباطل والكذب ، واسم الهواء المرتفع.
7 - فعلّى (بكسر أوله ، وفتح ثانيه ، وسكون ثالثه المدغم فى مثله) ، مثل : (سبطرى ؛ اسم لمشية فيها تبختر) ، (ودفقّى ، اسم لمشية فيها تدفق وإسراع).
8 - فعلى (بكسر ، فسكون ، ففتح) جمعا ، كحجلى الذى مفرده : حجل (بفتحتين) اسم طائر. أو مصدرا كذكرى ؛ (مصدر الفعل ذكر ، يذكر ، ذكرا ، وذكرى).
9 - فعّيلى (بكسر أوله ، فكسر ثانيه مع تشديده) ، مثل : (حثّيثى اسم مصدر للفعل : حثّ على الشىء إذا حضّ عليه) ، (وخلّيفى ، اسم بمعنى : الخلافة).
10 - فعلّى (بضمتين ، فتشديد ثالثه) ، مثل : (كفرّى ، اسم لوعاء يوضع فيه طلع النخل ، واسم للطّلع نفسه). و (بذرّى وحذرّى ، اسمين بمعنى التبذير والحذر).
11 - فعّيلى (بضم أوله ، وفتح ثانيه المشدد) ، مثل : خلّيطى ، اسم للاختلاط. يقال : اختلف القوم ووقعوا فى خلّيطى. أى : اختلط عليهم أمرهم ، ومثل : قبّيطى ، اسم لنوع من الحلوى ، ولغّيزى ، اسم اللغز.
12 - فعّالى (بضم أوله وتشديد ثانيه) ، مثل : شقّارى ، وخبّازى اسم نبتين ، وخضّارى اسم طائر ... (1)
وألف التأنيث ذات قصر *** وذات مدّ ، كأنثى الغرّ
«الغر» جمع ، مفرده المذكر : أغرّ ، والمؤنث : غرّاء ، ثم انتقل بعد هذا إلى سرد الأوزان المشهورة للألف المقصورة فقال :
والاشتهار فى مبانى الأولى *** يبديه وزن : أربى ، والطّولى
ومرطى ، ووزن فعلى جمعا *** أو مصدرا أو صفة ، كشبعى
وكحبارى ، سمّهى ، سبطرى *** ذكرى ، وحثّيثى مع الكفرّى
كذاك : خلّيطى مع الشّقّارى *** واعز لغير هذه استندارا
(اعز : انسب - استندارا ، ندرة) أى : انسب كل صيغة خالفت هذه الأوزان إلى القلة القليلة ، والندرة.
.1) يقول ابن مالك فى قسمى ألف التأنيث :
«ملحوظة» : ومن الأوزان النادرة :
فعيلى : مثل خيسرى ، اسم للخسارة. - فعلوى : مثل : هرنوى ، اسم نبت. - فعولى : اسم نوع من المشى. - فيعولى ؛ مثل : فيضوضى ، اسم للمفاوضة ، أى : الاشتراك فى الشىء. - فوعولى : مثل : فوضوضى : اسم بمعنى المفاوضة. - فعلايا ، مثل : برحايا ؛ كلمة تقال عند التعجب من شىء.
.... و .... و .....
(الثالثة) (1)وأما ألف التأنيث الممدودة (2). فكأختها المقصورة فى أنها سماعية ، زادها العرب فى آخر بعض الأسماء المعربة الجامدة ، أو المشتقة للدلالة على التأنيث. وأوزان الأسماء التى تحتويها مختلفة ؛ بعضها نادر مفرّق فى المظانّ اللغوية ، وهى التى ترشد إليه ؛ وبعضها شائع مشهور يعرف بمجرد سماع صيغته. ومنه الأوزان الآتية :
1 - فعلاء - بفتح فسكون - ، (كصحراء ، اسم للبقعة القفرة). و (رغباء ، مصدر للفعل : رغب) و (حمراء مؤنث : أحمر ، ...) و (طرفاء ، واسم جنس جمعىّ (3)، مفرده : طرفاءة فى الأكثر ، وهى نوع من شجر الأثل).
(2 ، 3 ، 4) أفعلاء - بفتح الهمزة ، مع كسر العين ، أو مع فتحها ، أو ضمها - كأربعاء ، اسم لليوم المعروف. (ومن معانيه إذا كان مفتوح الهمزة مضموم الباء : عمود الخيمة). .
1) سبق الكلام على العلامة الأولى فى ص 546 وعلى الثانية فى ص 553.
2) يرى البصريون : أن ألف التأنيث الممدودة هى ألف فى آخر الاسم ، زائدة للتأنيث وقبلها ألف زائدة أخرى ؛ فتنقلب الثانية الدالة على التأنيث همزة ، كما فى الأوزان التى سنذكرها.
3) الأرجح أن «طرفاء» ليس جمع تكسير ؛ لعدم وجود هذه الصيغة بين أبنيته - صبّان -.
5 - فعلاء (بفتح ، فسكون ، ففتح) ، مثل : عقرباء اسم لمكان ، واسم لأنثى العقرب.
6 - فعالاء (بكسر ، ففتح) ، مثل : قصاصاء ، اسم للقصاص.
7 - فعللاء (بضم فسكون ، فضم) ، مثل : قرفصاء ، اسم لنوع من القعود.
8 - فاعولاء ، مثل : عاشوراء ، اسم لليوم العاشر من المحرم.
9 - فاعلاء ؛ (بكسر العين ، بعدها لام مفتوحة غير مشددة) ، نحو : قاصعاء ، وغائباء ، ونافقاء ، وكلها اسم لجحور اليربوع (1)...
10 - فعلياء (بكسر ، فسكون ، فكسر ، فياء مفتوحة مخففة ...) ، نحو : كبرياء ، اسم للتكبر.
11 - مفعولاء (بفتح ، فسكون ، فضم) ، نحو : مشيوخاء ، اسم لجماعة الشيوخ ، واسم للأمر المختلط.
12 - فعالاء (بفتح أوله وثانيه) ، نحو : براساء ؛ اسم للناس ، وبراكاء اسم لمعظم الشىء وشدته. ومنه قول الشاعر :
ولا ينجى من الغمرات إلا *** براكاء القتال ، أو الفرار
يقال : وقعوا فى براكاء الأمر ، أو القتال ؛ أى : فى شدته وأكثره.
13 - فعيلاء (بفتح فكسر) ، نحو : فريثاء ، وكريثاء ، اسمين لنوعين من التمر.
14 - فعولاء (بفتح فضم) ، نحو : جلولاء (2).
15 - فعلاء (بفتح أوله وثانيه) ، نحو : (جنفاء اسم لموضع) ، (وقرماء ، اسم لموضع أيضا).
16 - فعلاء (بكسر أوله ، وفتح ثانية ، نحو : سيراء ، اسم لثوب مخطط مخلوط بالحرير ، واسم لنبت ، وللذهب.
17 - فعلاء (بضم ففتح فلام مفتوحة) ؛ نحو : خيلاء ، اسم للكبر والاختيال(1)
لمدّها : فعلاء ، أفعلاء *** مثلّث العين ، وفعللاء
ثم فعالا ، فعللا ، فاعولا *** وفاعلاء ، فعليا ، مفعولا
ومطلق العين : «فعالا». وكذا *** مطلق «فاء» فعلاء أخذا
ومما تجدر ملاحظته أن كل وزن مسموع مما سبق لا بد أن يكون مختوما «بالهمزة» وإنما تركها ابن مالك لوزن الشعر وأن المراد بمطلق العين «فعالا» ، هو ما كان على وزن : «فعالاء» مطلق العين مختوما بالهمزة ؛ بأن يصح ضمها عن العرب نحو : جلولاء ، أو فتحها نحو : براساء ، أو كسرها نحو : قريثاء ، فمعنى إطلاق العين أنها غير مقيدة بحركة من الثلاث ، وكذا مطلق «الفاء» أن أوله غير مقيد بحركة ، فقد يكون مفتوحا ، أو مضموما ، أو مكسورا فى نحو : جنفاء ، وسيراء وخيلاء وهى الأوزان الثلاثة الأخيرة فيما عرضناه.
... .1) سرد ابن مالك الأوزان السماعية المشهورة لألف التأنيث الممدودة فى ثلاثة أبيات ختم بها الباب ، هى :
المقصور والممدود (1)
وبقى قسم ثالث ، هو الاسم المعتل الآخر بالواو (وسيجيء الكلام عليه وبيان حكمه في هامش ص 567) ومما يتصل بالأقسام السابقة ويزيدها بيانا وتوفية ما سبق عنها فى الجزء الأول (م 16 ص 169 ، ورقم 4 من هامش ص 291 م 24 ، ورقم 1 من هامش ص 310 م 26).
(ا) المقصور هو : الاسم المعرب الذى آخره ألف لازمة (2)؛ مثل : الهدى - الهوى - المولى - فى قول أحد الزهاد : كلما جنحت نفسى إلى الهوى تذكرت غضب المولى ؛ فيرجعنى التذكّر إلى الهدى.
فليس من المقصور الأفعال المختومة بالألف ، مثل : دعا - ارتضى - يخشى ... ولا الحروف المختومة بالألف ؛ مثل : لا - إلى - على ، ... ولا الأسماء المبنية المختومة بألف ؛ مثل : إذا ، أو : ما الموصولة ، ونحوهما. ولا الأسماء المعربة المختومة بحرف علة غير الألف ؛ مثل - (الداعى ، الهادى) - (أدكو ، طوكيو) ... ولا المثنى فى حالة رفعه ، ولا الأسماء الستة فى حالة نصبها ، لأن الألف فى هاتين الحالتين غير ثابتة ، إذ ألف المثنى لا توجد فى حالة نصبه أو جره ، وألف الأسماء الستة لا توجد فى حالة رفعها أو جرها.
وحكم المقصور الإعراب بالحركات المقدرة على آخره فى جميع حالاته. وإذا جاء بعد ألفه تاء التأنيث - نحو : فتاة ، مباراة - زال عنه اسمه وحكمه ، وصار الإعراب على هذه التاء (3). وقد سبق إيضاح هذا كله ، وبيان كثير من تفصيلاته (4).
1) هما من أقسام الاسم المعتل الآخر. والنحاة لا يطلقونهما على اسم إلا إذا كان معربا. أما اللغويون والقراء ، فلا يتقيدون ، فيطلقونهما على الاسم ، سواء أكان معربا أم مبنيا ، فيقولون : فى «أولاء» اسم إشارة : إنه ممدود ، وفى : «أولى» اسم إشارة أيضا إنه رمقصو. مع أنهما مبنيان.
2) أى : لا تفارقه. وإذا فارقته أحيانا لعلة صرفية طارئة - مثل التقاء الساكنين - لم تعتبر المفارقة حقيقية (انظر رقم 4 من هامش ص 559).
3) لأنه يشترط فى المقصور أن يكون مختوما بألف لازمة تجرى عليها علامات الإعراب مقدرة. وهذا الشرط الأساسى لا يتحقق إذا جاءت تاء التأنيث بعد ألفه ، كما فى المثالين السالفين (فتاة - مباراة ..) - ونظائرهما - ؛ إذ تصير الألف حشوا (أى : غير متطرفة) وتصير علامات الإعراب ظاهرة على تاء التأنيث وحدها ؛ لأنها الحرف الأخير. وتظل الألف قبلها ثابتة معها فى حالة التثنية ، فلا تنقلب شيئا ، ولا تجرى عليها علامات الإعراب ، - كما قلنا - وتثبت التاء أيضا فى حالة التثنية ، كى تدل على التأنيث ، وتليها علامتا إعراب المثنى ، فيقال فتاتان - فتاتين - مباراتان - مباراتين ... وهكذا.
4) ج 1 ص 122 م 15.
كيفية صوغ المقصور :
المقصور نوعان ؛ قياسى يخضع للقواعد النحوية ، ويصوغه - فى العصور المختلفة - الخبير بهذه القواعد. وسماعىّ تختص به مراجع اللغة ، ويعرفه المطّلع على مفرداتها الواردة عن العرب.
والقياسى يصاغ على صور متعددة ؛ منها :
1 - أن يصاغ المقصور مصدرا على وزن «فعل» (بفتح أوله وثانيه) ، بشرط أن يكون فعله الماضى ثلاثيّا ، لازما ، معتل الآخر بالياء ، على وزن : «فعل» (بفتح فكسر) وبشرط أن يكون لهذا المصدر المعتل الآخر وفعله المعتل الآخر بالياء - نظائر على وزنهما من الفعل الصحيح الآخر ، مصدره صحيح الآخر أيضا ، بحيث يتفق الفعلان والمصدران فى وزنهما ؛ نحو : - ثرى (1)الرجل ثرى - هوى (2)هوى - شقى شقا - جوى (3)جوى ... (4)ونظائرها من الصحيح الآخر : فرح فرحا - أشر أشرا - بطر بطرا - ورم ورما ... لأن «فعل» اللازم قياس مصدره - فى الغالب - «فعل» ، - كما عرفنا (5)- فالمصادر : (ثرى - هوى - شقا - جوىّ) هى وأشباهها ، نوع من المقصور القياسىّ (6).
2 - ومنها : أن يصاغ المقصور المفرد جمعا للتكسير على وزن : فعل (بكسر ففتح) بشرط أن يكون المفرد على وزن : «فعلة» المختومة بتاء التأنيث التى قبلها حرف علة ؛ وبشرط أن يكون لهذا المفرد وجمعه نظائر من المفرد الصحيح وجمعه على وزنهما - ، نحو : حلية وحلى - بنية (7)وبنى - رشوة ورشا -
1) بمعنى : غنى ، أى : اغتنى.
2) أحب.
3) أحبّ ، أو : حزن.
4) وزن هذه المصادر على حسب أصلها هو : فعل - بفتح الأول فالثانى - (أى : ثرى - هوى - شقو - جوى ...) تحرك حرف العلة الأخير (وهو الواو والياء) وانفتح ما قبله ، فانقلب ألفا ثم حذفت الألف وجوبا ، لأن ألف المقصور تحذف حتما عند تنوينه لالتقائها ساكنة مع التنوين ، فهى محذوفة لعلة صرفية ، والمحذوف لعلة تصريفية بمنزله الثابت. (انظر رقم 2 من هامش الصفحة السابقة).
5) وزن هذه المصادر على حسب أصلها هو : فعل - بفتح الأول فالثانى - (أى : ثرى - هوى - شقو - جوى ...) تحرك حرف العلة الأخير (وهو الواو والياء) وانفتح ما قبله ، فانقلب ألفا ثم حذفت الألف وجوبا ، لأن ألف المقصور تحذف حتما عند تنوينه لالتقائها ساكنة مع التنوين ، فهى محذوفة لعلة صرفية ، والمحذوف لعلة تصريفية بمنزله الثابت. (انظر رقم 2 من هامش الصفحة السابقة).
6) وهذا إن لم يكن دالا على لون ، أو معالجة ، أو شىء ثابت. وتفصيل هذا كله فى الباب الخاص ؛ وهو باب : أبنية المصادر (ج 3 ص 144 م 98).
7) الشىء المبنى.
فرية (1)وفرى - مرية (2)ومرى - فجموع التكسير السابقة (3)هى وأشباهها - نوع من المقصور القياسى. ونظائرها من الصحيح : قربة وقرب - فكرة وفكر - نعمة ونعم - حكمة وحكم ... ؛ لأن «فعلة» السالفة يكثر جمعها على : «فعل» ...
3 - ومنها : أن يصاغ المقصور المفرد جمعا للتكسير على وزن : «فعل» (بضم ففتح) بشرط أن يكون المفرد على وزن : «فعلة» المختومة بتاء التأنيث التى قبلها حرف علة. وبشرط أن يكون للمفرد وجمعه نظائر من المفرد الصحيح وجمعه على وزنهما - ، نحو : دمية ودمى - رقية ورقى - قدوة وقدى - قوّة وقوى - كوّة وكوى ... فجموع التكسير السالفة (4)هى - وأمثالها - نوع من المقصور القياسى. ونظائرها من الصحيح : غرفة وغرف - ركبة وركب - طرفة وطرف - قربة وقرب ؛ لأن «فعلة» يكثر جمعها للتكسير على : فعل.
4 - ومنها : أن يصاغ المقصور صياغة اسم مفعول ، وفعله الماضى معتل الآخر ، يزيد على ثلاثة أحرف ، بشرط أن يكون لاسم المفعول وفعله نظائر من صحيح الآخر ، على وزنهما ؛ (نحو : معطى ، وفعله : أعطى - معفى ، وفعله : أعفى) ... ونحو : (مرتقى ، وفعله : ارتقى - مستوى ، وفعله :زاستوى) ... ونحو : (مستقصى ، وفعله : استقصى - مستدعى ، وفعله : استدعى) ...
فأسماء المفعول السابقة (5)من غير الثلاثى هى - وأمثالها - ضرب من المقصور القياس. ونظائرها من الصحيح الآخر : (أكرمت فلانا فهو مكرم ، وأخبرته فهو مخبر) - (احترمت العالم العامل ؛ فهو محترم ، واجتلبت الرزق بالعمل ؛ فهو مجتلب) - (استغفرت اللّه ؛ فهو مستغفر ، واستخلصت الأمر ؛ فهو مستخلص) ...
لأن اسم المفعول القياسى للفعلين السالفين يجىء على هذا الوزن (1)
إذا اسم استوجب من قبل الطّرف *** فتحا ، وكان ذا نظير ؛ كالأسف
فلنظيره المعلّ الآخر *** ثبوت قصر ، بقياس ظاهر
كفعل ، وفعل ، فى جمع ما *** كفعلة ، وفعلة ؛ نحو : الدّمى
يقول : إن الاسم الصحيح الآخر إذا استحق فتح ما قبل آخره وجوبا - مثل : «أسف» مصدر الفعل : أسف - وكان لهذا الاسم الصحيح الآخر نظير معتل ، مفتوح قبل آخره ، فإن هذا النظير يثبت له القصر ؛ بمقتضى قياس ظاهر ، أى : قياس لا خفاء فيه ؛ فلا يكون موضع اختلاف. وساق لهذا الاسم المقصور وزنين يكون عليهما ؛ هما وزن : «فعل وفعل» والأول منهما جمع مفرده : فعلة ، - ولم يذكر له مثالا ، وقد ذكرنا الأمثلة فى الشرح - والثانى منهما جمع مفرده : فعلة ؛ كالدّمى ، مفرده : دمية.
.أما المقصور السماعىّ فينطبق عليه تعريف المقصور ؛ ولكنه لا يخضع للضوابط السالفة التى من أهمها وجود نظير له من الصحيح. والأمر فيه راجع إلى الوارد المسموع دون غيره. ومن أمثلته : فتى - ثرى - سنا (2)- حجا (3). .
هناك أشياء أخرى غير ما سلف فى المقصور القياسىّ ، منها : ما كان جمعا لفعلى ، أنثى الأفعل ؛ كالدنيا والدّنا ، والقصوى والقصا ، ونظيرهما من الصحيح : الكبرى والكبر ، والأخرى والأخر ...
وكذلك ما كان من أسماء الأجناس دالا على الجمعية بالتجرد من التاء وهو على وزن «فعل» وعلى الوحدة بوجود التاء ؛ كحصاة وحصى ، وقطاة وقطا ، ونظيرهما من الصحيح ؛ شجرة وشجر ، ومدرة ومدر.
وكذلك : «المفعل» مدلولا به على مصدر ميمى أو على اسم زمان أو اسم مكان ؛ نحو ملهى ، ومسعى ؛ فإن نظيرهما من الصحيح مذهب ، ومسرح. وكذلك : «المفعل» مدلولا به على آلة ؛ نحو : مرمى ، ومهدى (لوعاء الهدية) ونظيرهما من الصحيح : مخصف ومغزل. إلى غير هذا مما أشارت إليه المطولات ...
(ب) الممدود : هو الاسم المعرب الذى آخره همزة قبلها ألف زائدة ... نحو : قرّاء - بدّاء - سماء - بناء - حوراء - خضراء. فإذا كانت الهمزة بعد ألف أصلية فليس بممدود - اصطلاحا - ، نحو : ماء. وكذلك إن وقعت الهمزة بعد ألف زائدة وفى آخر الاسم تاء التأنيث - نحو : هناءة - فإنه لا يسمى فى هذه الصورة ممدودا ولا تجرى عليه أحكام الممدود ؛ لأن الممدود لا بد أن يكون مختوما بالهمزة وتجرى عليها حركات ضبطه.
وهو قسمان ؛ قياسى ، وهذا من اختصاص النحوىّ ، وسماعى ، وهو من اختصاص اللغوىّ ؛ فالقياسى يصاغ على أشكال متنوعة منها :
1 - أن يصاغ مصدرا لفعل ماض معتل الآخر بالألف على وزن : «أفعل» بشرط أن يكون لهما نظير فى الصحيح الآخر على وزنهما فى الفعل ومصدره ... - كما شرحنا (1)- نحو : أعطى إعطاء - أربى إرباء - أفنى إفناء - أغنى إغناء ... فالمصادر السالفة (إعطاء - إرباء - إفناء - إغناء ...) ، وأشباهها نوع من الممدود القياسى. ونظائرها من الصحيج : أقدم وإقدام - أعلن وإعلان - أخبر وإخبار - أبرم وإبرام ، لأن مصدر الماضى الرباعى السالف يكون على هذا الوزن قياسا.
2 - أن يصاغ مصدرا لفعل ماض خماسى أو سداسىّ بشرط أن يكون معتل الآخر فى الحالتين ، وأن يكون مبدوءا بهمزة وصل فيهما ، وله ولمصدره نظائر من الفعل الصحيح الآخر ومصدره ، على وزنهما ، نحو : (اعتلى واعتلاء - ارتقى وارتقاء - انتهى وانتهاء - ...) ونحو : (استعلى واستعلاء - استقصى واستقصاء - استجدى واستجداء - ...) فالمصادر المذكورة : (اعتلاء - ارتقاء - انتهاء ... وكذا : استعلاء - استقصاء استجداء ...) هى مصادر من نوع : «الممدود». ونظائرها من الصحيح : (اكتسب واكتساب - اتخذ واتخاذ - انهمر وانهمار - ...) وكذا : (استغفر واستغفار - استعلم واستعلام - استظهر واستظهار ...) ، وهذا الوزن هو القياسى لمصدر الفعلين الماضيين السالفين.
1) عند الكلام على المقصور السماعى ص 558
3 - أن يصاغ مصدرا على وزن «فعال» بشرط أن يكون ماضيه ثلاثيّا معتل الآخر على وزن : فعل (بفتح أوله وثانيه) ، الدّال على صوت ، أو داء ، وبشرط أن يكون له نظير من الفعل الصحيح الآخر ومصدره ، على وزنهما. نحو : عوى وعواء - رغا ورغاء (1)- ثغا وثغاء (2)ونحو : مشى بطنه مشاء. ونظيرهما من الصحيح الآخر : صرخ وصراخ - دار رأسه ودوار - لأنّ «فعالا» مصدر قياسى للثلاثى الدّال على صوت أو داء.
4 - أن يكون مفردا لجمع تكسير على وزن : «أفعلة» المختومة بالتاء المسبوقة بحرف العلة «الياء» بشرط أن يكون هذا المفرد مختوما بالهمزة المسبوقة بحرف علة ، وأن يكون لهما نظائر من الصحيح الآخر ، نحو : كساء وأكسية - رداء وأردية - بناء وأبنية - دعاء وأدعية - دواء وأدوية ... فالأسماء المفردة السابقة (كساء - رداء - بناء - دعاء - دواء ...) وأمثالها نوع من «الممدود القياسى». ونظائرها من الصحيح الآخر : سلاح وأسلحة - حجاب وأحجبة - شفاء ، وأشفية ، (بمعنى دواء وأدوية) ، لأن «أفعلة» تكون جمع تكسير للمفرد الرباعى الذى قبل آخره مدّة (3)
وما استحقّ قبل آخر ألف *** فالمدّ فى نظيره حتما عرف
أى : ما استحق - بحسب القواعد العامة - من الأسماء الصحيحة أن يكون قبل آخره ألف (وهذا يتحقق فى مصدر الماضى الرباعى الذى على وزن : «أفعل» وفى الخماسى والسداسى المبدوءين بهمزة وصل) ، فإن نظيره من مصادر الماضى المعتل الآخر الذى على وزان «أفعل أو الذى يكون خماسيا أو سداسيا - ممدود.
ووضح هذا بمثال هو :
كمصدر الفعل الذى قد بدئا *** بهمز وصل ؛ كارعوى وكارتأى
...5 - أن يصاغ مصدرا على وزن : «تفعال» ، أو صيغة مبالغة على وزن «فعّال أو مفعال». نحو : التّعداء ، والعدّاء ، والمعطاء. ونظائرها من الصحيح تذكار - زرّاع - مشراب. ى
أما الممدود السماعى فينطبق عليه اسم الممدود ، ولا تنطبق عليه الضوابط السالفة التى من أهمها وجود نظير له من الصحيح ؛ كالفتاء ، بمعنى حداثة السن - والثّراء ؛ بمعنى : الغنى - والسّناء ، بمعنى : الشرف (1)
والعادم النّظير : ذا قصر وذا *** مدّ ، بنقل : كالحجا ، وكالحذا
والمراد بالنقل : السماع (الحذا : الحذاء).
...قصر الممدود ، ومدّ المقصور :
يكاد يقع الاتفاق على صحة قصر الممدود فى الضرورة (2)وحدها ، ومنه قول المادح يصف من مدحهم بأنهم المثال الأعلى الذى يعرفه الناس للفضائل ، وأنهم أهل الوفاء :
فهم مثل الناس الذى يعرفونه *** وأهل الوفا من حادث وقديم
وقول الآخر فى الخمر :
فقلت : لو باكرت مشمولة (3)*** صفرا ، كلون الفرس الأشقر
أى : صفراء.
أما مد المقصور فالخلاف فيه متشعب ، والأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيحه فى الضرورة الشعرية وحدها ، لأن الشعر محل التيسير. بشرط ألا يؤدى المد إلى خفاء المعنى أو لبسه ؛ فيصح : غناء فى غنى - نهاء فى نهى - بلاء فى بلى ... ولا يصح هذا فى النثر(4)
وقصر ذى المدّ اضطرارا مجمع *** عليه. والعكس بخلف يقع
(ذى المد : صاحب المد ، وهو الممدود. اضطرارا ، أى : للضرورة. خلف : خلاف) يقول : قصر الممدود للضرورة متفق عليه إجماعا. أما العكس - وهو : مد المقصور - فيقع بخلف أى : فيجوز وقوعه مع الخلاف فى أمر صحته. والرأى الأرجع رفضه كما بينا ، إلا فى ضرورة الشعر.
... .كيفية تثنية المقصور ، والممدود ، وجمعهما تصحيحا (1)
«ملاحظة» الاسم الذي يراد تثنيته إما أن يكون صحيح الآخر (وهو : الذى لا تكون لامه حرف علة ؛ مثل
: محمود.) وإما أن يكون بمنزلة صحيح الآخر ، (وهو المختوم بواو ، أو ياء ، وقبلهما سكون : سواء أكانتا مخففتين ، أم مشددتين ، مثل : ظبي ، وعضو ، ومرميّ ، ومغزوّ) وإما أن يكون منقوصا ، (أى اسما معربا في آخره ياء لازمة ، غير مشددة ، قبلها كسرة ؛ مثل : العالى . المستعلى .. (وقد سبق تفصيل الكلام عليه في ج 1 ص 124 م 15). وإما أن يكون مقصورا ، وإما أن يكون ممدودا وكلاهما لا يختم بتاء التأنيث.
فأما الصحيح وشبهه فلا يلحقهما تغيير عند تثنيتهما وجمعهما تصحيحا إلا زيادة علامات التثنية والجمع. وأما المنقوص فيجب إثبات يائه فى التثنية وجمع المؤنث السالم ، وعند إضافته أو تصديره بأل. (وكذا في ندائه ، على حسب التفصيل السابق في ص 13) ففى مثل : هاد - داع - يقال : هاديان . داعيان كما يقال : الهادى والداعى ... والدين هادينا إلى ما يسعدنا ، وبين المتعلمات هاديات للرشاد ، داعيات للسداد. ولا فرق في هذا الحكم بين أن تكون ياء المنقوص مذكورة فى المفرد قبل التثنية والجمع ، أم محذوفة لسبب يقتضى حذفها ، ذلك أن ياء المنقوص قد تحذف من المفرد ؛ (طبقا للبيان المفصل الذى سبق فى ج 1 م 16 ص 173.)
ويجب حذف ياء المنقوص عند جمعه جمع مذكر سالما ويضم ما قبل الواو ويكسر ما قبل الياء ، نحو : الهادون للرشاد ، والداعون إلى الخير خلفاء الأنبياء - إن الهادين للرشاد والداعين للخير أحق الناس بالإكبار. وبهذه المناسبة نذكر أن بعض الأسماء الستة محذوف اللام . مثل : أب - أخ - حم - هن .. فعند تثنيته ترجع وجوبا لامه المحذوفة كما رجعت لام المنقوص على الوجه السالف وطريقته وقد وضع بعض النحاة ضابطا عاما لإرجاع الحرف الأصلى المحذوف من الاسم الثلاثى ، ملخصه : إذا حذف من الاسم الثلاثى أحد أحرفه الثلاثة فإن جاءت همزة الوصل عوضا عن المحذوف فلا يصح إرجاعه عنه التثنية وجمع المؤنث السالم ، أما إذا لم تأت همزة الوصل للتعويض فالأجود - وقيل الواجب - إرجاع المحذوف إذا كان رجوعه واجبا عند إضافته ؛ نحو : قاض - شج - أب - أخ - حم .. وغيرها مما حذفت لامه. تقول : قاضيان - شجيان - أبوان - أخوان - حموان - .. كما تقول : قاضينا - شجينا - أبوه - أخوه - حموه .. وشذ : أبان وأخان.
أما مالا يرجع عند الإضافة فلا يرجع عند التثنية وجمع المؤنث السالم ؛ نحو : اسم - ابن - يد - دم - غد - فم - سنة ؛ فنقول : اسمان - ابنان - يدان - دمان - غدان - فمان - سنتان ... كما تقول : اسمه - ابنه - يده - دمه - غده - فمه - سنته ... وشذ : فموان وفميان .. ومن الضرورة قول الشاعر :
فلو أنّا على حجر ذبحنا *** جرى الدّميان بالخبر اليقين
وقول الآخر : يديان بيضاوان عند محلّم
(محلم اسم رجل ، أو هو الرجل الحليم).
وأما المقصور والممدود فيلحقهما التغيير الذى سيجىء مفصلا فى هذا الباب. وقد سبق تعريفهما وشىء من الأحكام الأخرى فى الباب السابق. وما سبق خاص بتثنية تلك الأنواع وجمعها جمعى تصحيح. أما جمع التكسير فله باب مستقل يجىء فى أول ص 577 م 172.
بقى نوع من الأسماء المعتلة الآخر - (وهو الذى سبقت الإحالة عليه فى رقم 1 من هامش ص 558) - لم أر من تعرض للكلام على تثنيته وجمعه ، وهو المعتل الآخر بالواو. بل إنهم حين يقسمون المعتل الآخر إلى مقصور ومنقوص لا يذكرون نوعه ، وحكمه ؛ بحجة أن الكلام العربى الأصيل لا يعرف اسما مختوما بالواو إلائحو ثلاث كلمات معربة ؛ منها : سمندو وقمندو ... وقد ناقشنا هذا الرأى (فى الجزء الأول ص 125 م 15) وانتهينا إلى أن الحاجة اليوم تدعو لاتخاذ ضابط عام فى إعرابه ؛ لكثرة دورانه ، وشيوع استعماله علما للأشخاص والبلدان وغيرهما. ومن أمثلته : أرسطو - سنفرو - خوفو - أدفو - أدكو - طوكيو - كنغو ...
والحكم الذى ارتضيناه هناك وأوضحنا سببه ، هو إعرابه بحركات مقدرة على الواو فى جميع حالاته إعراب الممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، فيرفع بضمة مقدرة على آخره. وينصب بفتحة مقدرة ، ويجر بفتحة مقدرة أيضا. وقد يكون المناسب له عند تثنيته وجمعه جمع مؤنث سالما - بقاء الواو مع تحريكها بالفتحة وزيادة علامتى التثنية ؛ فيقال : أرسطوان وأرسطوين - سنفروان وسنفروين ... وهكذا الباقى. كما يقال فى روميو وجوليو ، وصنبو ، وبمبيو وأشباهها من أعلام قديسمى بها بعض الإناث ، روميوات وجوليوات - صنبوات وبمبيوات. أما إذا كان علما لمذكر ، وأريد جمعه جمع مذكر سالما فألاحسن حذف حرف العلة (الواو) مع ضم ما قبلها فى حالة الرفع ، وكسره فى حالتى النصب والجر.
المقصور مختوم بالألف دائما ؛ فلا يمكن أن تزاد فى آخره علامتا التثنية مع بقاء الألف على حالها ؛ لذا يجب قلبها حرفا آخر يقبل العلامتين ؛
1) المراد بجمعى التصحيح : جمع المذكر السالم ، وجمع المؤنث السالم ؛ لأن مفردهما يصح ويسلم - غالبا - عند جمعه على أحدهما ؛ فلا يدخل على حروفه تغيير فى نوعها ، أو عددها ، أو ضبطها ، إلا عند الإعلال أحيانا. بخلاف جمع التكسير ؛ فإن مفرده لا بد أن يتغير عند التكسير ؛ فكأنما يصيبه الكسر عند إدخال التغيير عليه ، لنقلة من حالة الإفراد إلى حالة الجمع الجديدة. ولهذا السبب اختلف النحاة فى كلمة : «بنات» أهى جمع تكسير - (لتغير صيغة مفردها عند الجمع ؛ ولورودها منصوبة بالفتحة فى عدد من النصوص المسموعة عن العرب كما ينصب جمع التكسير) - ، أم هى جمع مؤنث سالم ؛ لكثرة النصوص الوافرة ؛ المتماثلة ، على نصبها بالكسرة ، كجمع المؤنث السالم؟
فعند التثنية تقلب ياء فى ثلاث حالات ، وتقلب واوا فى حالتين :
1 - فإن كانت الألف ثالثة وأصلها ياء (1)- وجب قلبها عند التثنية ياء ، فيقال فى تثنية : ندى ، وهدى ، وغنى ... نديان ، وهديان ، وغنيان.
2 - وكذلك إن كانت ثالثة مجهولة الأصل - لأنها جامدة - وأميلت (2)، نحو متى ، وإذا (علمين) ؛ فيقال فى تثنيتهما : متيان وإذيان.
3 - وكذلك يجب قلبها ياء إن كانت رابعة فأكثر - بغير نظر إلى أصلها - فيقال فى تثنية : نعمى ، ومرتضى ، ومستعلى ... نعميان ، ومرتضيان ، ومستعليان.
وإذا قلبت الزائدة على الثلاثة ياء عند التثنية ، وأدّى قلبها إلى اجتماع ثلاث ياءات فى آخر كلمة واحدة - وجب حذف التى قبلها مباشرة ؛ نحو : ثريّا (3)
وجاء فى الجزء الثانى من الهمع باب التصغير (ص 186) ما نصه : (إذا ولى ياء التصغير ياءان حذفت أولاهما ؛ لتوالى الأمثال ...) ، وجاء فى الصبان أول باب التصغير ، ما نصه : (قال فى التسهيل : يحذف لأجل ياء التصغير أول ياءين ولياها) ، ثم قال بعد ذلك عند بيت ابن مالك :
وحائد عن القياس كل ما *** خالف ............
ما نصه فى تصغير «سماء» : (إنه : سميّة ، والأصل سميىّ. بثلاث ياءات ؛ الأولى ياء التصغير. والثانية بدل المدة ، والثالثة بدل لام الكلمة ؛ فحذفت إحدى الياءين الأخيرتين على القياس المقرر فى هذا الباب ، فبقى الاسم ثلاثيا ، فلحقته التاء). هذا كلامهم - انظر ص 638 وكذا رقم 5 من ص 652 وفى هذه الصفحة شروط حذفها - لكن يفهم من صريح كلام الصبان والخضرى فى باب : «المعرب والمبنى» (عند الكلام على المضارع المسند لضمير الرفع : ألف الاثثين ، أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة وبعده نون التوكيد) - أن نون الرفع تحذف لتوالى النونات ، وأن التوالى الممنوع إذا كانت الحروف المتوالية كلها زوائد ؛ فلا يرد ، نحو القاتلات جننّ ، أو يجننّ ؛ لأن الزائد هو المثل الأخير فقط ..) فكلامهما يعارض ما سبقه هنا. والظاهر أن التوالى ممنوع فى غير «جننّ» و «يجنن» وما يماثلهما مما حروفه المتوالية أصيلة بذاتها وليست منقلبة. ولا زائدة.
وثريّان ؛ لكيلا يجتمع فى الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف (4) من نوع واحد. .1) يدل على الأصل أشياء ، ترجع فيها الألف إلى أصلها الياء ، أو الواو ، ومنها : المصدر ، والمشتقات ، والتصغير ...
2) أى : لم تظهر عند النطق «ألفا» خالصة. وإنما كانت «ألفا» فيها رائحة «الياء». فلهذا كانت الياء أحق بها عند القلب.
3) أصل «ثريا» : ثروى. (بمعنى : ثروة) ثم صغرت ؛ فصارت. «ثريوى» ، ثم قلبت الواو ياء ، وأدغمت فى الياء قبلها ، فصارت : «ثريّا». فلو قلبت ألفها ياء فى التثنية ، وقلنا : «ثريّيان» لاجتمع فى آخر الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف هجائية من نوع واحد ؛ وهذا ممنوع - غالبا - تبعا لما نص عليه صاحب المزهر (فى الجز الثانى ، ص 52) حيث قال : (ليس فى كلامهم ثلاثة أحرف من جنس واحد ، وليس ذلك من أبنيتهم ، استثقالا ، إلا فى كلمتين : غلام ببّة ، أى سمين ، وقول عمر : لئن بقيت إلى قابل لأحملن الناس على ببّان واحد ، أى : أسوى بينهم فى الرزق والأعطيات).
4 - وتقلب واوا إن كانت ثالثة وأصلها الواو ؛ نحو : علا ، وشذا ؛ (وهو : المسك ، أو : رائحته) ، وعصا ... فيقال فى التثنية : علوان ، وشذوان ، وعصوان.
5 - وأيضا إن كانت ثالثة مجهولة الأصل - لأنها جامدة - ولم تطرأ عليها الإمالة ، نحو : إلى - ألا (علمين) فيقال فى تثنيتهما : إلوان ، وألوان ...
وغير ما سبق شاذ ، لا يقاس عليه (1). وطريق معرفته المراجع اللغوية (2)
آخر مقصور تثنّى اجعله يا *** إن كان عن ثلاثة مرتقيا
كذا الّذى «اليا» أصله ؛ نحو : الفتى *** والجامد الذى أميل ؛ كمتى
(مرتقيا ، أى : زائدا).
فجمع فى هذين البيتين الأحوال الثلاثة التى تقلب فيها ألف المقصور «ياء». وهى أن تكون زائدة على ثلاثة ، أو ثالثة وأصلها الياء ، أو ثالثة جامدة (مجهوله الأصل) قد أميلت. ثم قال فى قلبها واوا :
فى غير ذا تقلب «واوا» الألف *** وأولها ما كان قبل قد ألف
أى : أتبع الكلمة المألوف من علامتى التثنينة.
...وإذا ختم المقصور بتاء التأنيث - نحو : فتاة - زال عنه اسمه وحكمه ؛ طبقا للبيان المفصل الذى سبق (3)...
(ب) تثنية الممدود :
الممدود الاصطلاحى مختوم - دائما - بهمزة قبلها ألف زائدة (4). فإذا أريد تثنيته .
1) للكوفيين رأى غير هذا : يقول الرضى ما نصه : (تحذف الألف الزائدة خامسة فصاعدا فى التثنية والجمع بالألف والتاء ؛ كما فى زبعرى وقبعثرى ، ولا يقاس عليه. خلافا للكوفيين). ا ه نقلا عن شرح الكافية ج 2 ص 174.
2) فى تثنية المقصور يقول ابن مالك فى باب عنوانه كالعنوان الذى سبق هنا فى ص 566 :
3) فى أول ص 558 ورقم 3 من هامشها.
4) إذا لحقته تاء التأنيث زال عنه اسمه وحكمه.
فقد تبقى الهمزة حتما ، وقد تقلب واوا حتما ، وقد يجوز فيها الأمران ؛ فلها ثلاث حالات.
فيتحتم بقاؤها إن كانت حرفا أصليّا من أصول كلمتها ؛ نحو : قرّاء ، وبدّاء ، وخبّاء ... ، فيقال فى تثنيتها : قرّاءان ، وبدّاءان وخبّاءان ، بإثبات الهمزة وجوبا : لأنها من بنية الكلمة الأصلية ؛ إذ الأصل : قرأ وبدأ ، وخبأ.
ويجب قلبها واوا إن كانت زائدة للتأنيث ؛ نحو : بيضاء ، وصفراء ، وخضراء ؛ فيقال فى تثنيتها ؛ بيضاوان ، وصفراوان ، وخضراوان.
ويجوز بقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من حرف أصلى (1)(نحو : صفاء ودعاء ، وبناء ، وفداء ؛ ، لأن الأصل : صفاو - دعاو - بناى - فداى -) أو كانت مبدلة من حرف زائد للإلحاق (2)(نحو : علباء (3)وقوباء (4)) ، فيقال فى التثنية : صفاءان ؛ أو صفاوان - دعاءان أو دعاوان - بناءان ، أو بناوان - فداءان أو فداوان - ؛ كما يقال : علباءان أو علباوان - قوباءان أو قوباوان ... وهكذا ... والأحسن إبقاء المبدلة من حرف أصلى ، وقلب المبدلة من حرف زائد للإلحاق.
وما جاء مخالفا لما سبق فهو شاذ ، لا يقاس عليه ؛ كقولهم : قرّاوان فى تثنية : قرّاء : (بضم القاف وتشديد الرّاء المفتوحة - ومن معانيه : القارئ - مع أن همزته أصلية) ، وكحمرايان ، تثنية : حمراء ، وعاشوران ، تثنية : عاشوراء ، بقلب همزة التأنيث ياء فى حمراء ، وحذفها فى عاشوراء. ومثل : كسايان ، تثنية كساء ، الذى همزته مبدلة من حرف أصلى هو الواو ... وهكذا (5)
وما «كصحراء» بواو ثنّيا *** ونحو «علباء» ، كساء ، وحيا
بواو أو همز. وغير ما ذكر *** صحّح. وما شذّ على نقل قصر
يريد : أن الممدود الذى همزته كهمزة صحراء - للتأنيث - تقلب همزته واوا عند التثنية. أما علباء (وهو الذى همزته للإلحاق. و «كساء» وهمزته مبدلة من أصل ؛ هو الواو ، وكذا «حياء» - ولكنه قصرها لضرورة الشعر فقال : «وحيا» - وهمزته مبدلة من أصل ؛ هو الياء ،) .. أما الذى همزته من نوع هذه الأشياء فيجوز قلبها واوا فى التثنية ، أو إبقاؤها همزة على حالها. وغير هذه الأنواع الثلاثة التى تكون فيها الهمزة للتأنيث ، أو مبدلة من أصل ، أو للإلحاق - تبقى همزته على حالها. وما خالف الأحكام السالفة فهو شاذ ؛ يوقف فيه عند حد السماع.
...1) قاعدة الإعلال تقضى بقلب حرف العلة همزة إذا كان متطرفا بعد ألف زائدة - فبقاء الواو هو مراعاة للواقع ، إذ أنها لم تقع طرفا حقيقيا ، فبعدها علامتا التثنية ؛ فتبقى على اعتبارها ليست متطرفة بسبب علامتى التثنية. وتقلب همزة على اعتبار علامتى التثنية طارئتين لا يلتفت إليهما. هكذا يقولون. والتعليل الصحيح هو : استعمال العرب ليس غير.
2) معنى الإلحاق وبيان بعض أحكامه تقدم فى ص 241 وهامشها.
3) اسم لبعض أعصاب العنق. أصل الكلمة : علباى ، بزيادة ياء الإلحاق لتكون كقرطاس، فى وزنها ، وأحكامها. ثم انقلبت الياء همزة ؛ لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة. ومما يلاحظ أن الإلحاق خاص بالعرب مقصور عليهم ، وكانوا يستخدمونه غالبا لضرورات شعرية أو ما يشابهها. (انظر ص 241 وهامشها).
4) مرض جلدى يظهر على شكل بقع مستديرة ، صغيرة ، ثم تتسع ... وأصل الكلمة : «قوباى» ، بزيادة ياء الإلحاق ؛ لتكون كقرناس (وهو الأنف البارز من الجبل) ، ثم انقلبت الياء همزة. طبقا لما سبق (فى رقم 1 و 3).
5) وفى تثنية الممدود يقول ابن مالك :
(ح) جمع المقصور جمع مذكر سالما (1):
إذا جمع المقصور جمع مذكر سالما وجب حذف آخره (وهو : ألف العلة) فى كل الحالات ، مع ترك الفتحة قبلها دليلا عليها ؛ تقول فى : رضا ، وعلا ، ومرتضى ... وأمثالها من أعلام الرجال : الرّضون والرضين - العلون والعلين - والمرتضون والمرتضين ... ومثل هذا يقال فى المشتقات وسائر الأسماء المقصورة التى يصح جمعها جمع مذكر سالما ، نحو : المبتغى ، والأسمى ، والمعلّى ...
فى قولهم : صادفت الشجاع المبتغى ، وهؤلاءهم الشجعان المبتغون - وأكبرت العالم الأسمى ، والعلماء الأسمين - وقدرت العظيم المعلّى قدره بين نظرائه من المعلّين ...
ومن هذا قوله تعالى : ( وَلا تَهِنُوا ، وَلا تَحْزَنُوا ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، ) وقوله تعالى فى إبراهيم وأولاده عليهم السّلام : (وإنّهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) ... (2)
واحذف من المقصور فى جمع على *** حدّ المثنّى ما به تكمّلا ...
(ما به تكمل المقصور ، أى : ما اكتملت به صيغة المقصور). يريد : الألف التى يختم بها ؛ فيجب حذفها قبل مجىء علامتى التثنية. ثم أشار إلى فتح ما قبلها بعد حذفها بالشطر الأول من البيت التالى - وسيعاد فى هامش ص 574 لمناسبة هناك - ، قائلا :
والفتح أبق مشعرا بما حذف *** .............
.1) سبق الكلام على تعريف جمع المذكر السالم ، وشروطه ، وضبط كلمة : «السالم» وما يتصل به (فى ج 1 ص 125 م 10) وهو يسمى : الجمع على حد المثنى ؛ (لوجوب تحقق شروط المثنى فيه) ، وجمع التصحيح للمذكر أما جمع المؤنث ففى (ج 1 ص 100 م 12). وفيه بيان السبب فى تسميته بجمع السلامة المؤنث ، أو جمع التصحيح للمؤنث .. أو .. ، وضبط كلمة : «السالم».
2) وفى جمع المقصور وحده - وترك جمع المنقوص والممدود - يقول ابن مالك :
(د) جمعه جمع مؤنث سالما :
يراعى فى جمعه جمع مؤنث سالما ما روعى فيه عند تثنيته ؛ فتقلب ألفه ياء فى ثلاثة مواضع ، وتقلب واوا فى موضعين. فالثلاثة الأولى : حين تكون رابعة فأكثر ؛ أو ثالثة أصلها الياء ، أو ثالثة مجهولة الأصل - لأن الاسم جامد - وأميلت ؛ (نحو : سعدى وسعديات - وهدى وهديات - متى ومتيات. والثلاثة أعلام إناث).
والموضعان الأخيران : حين تكون الألف ثالثة أصلها الواو ، أو ثالثة مجهولة الأصل - ؛ لأن الاسم جامد - ولم تلحقها إمالة ؛ (نحو : رضا ورضوات - وإلى وإلوات - إذا كانت : «رضا وإلى» علمين لمؤنثتين ...).
وإذا أدى جمع المقصور إلى اجتماع ثلاث ياءات - كما فى جمع : ثريّا على «ثريّيات». وجب الاقتصار على اثنتين فقط ، فيقال : ثريّات - بحذف الياء التى بعد ياء التصغير ، لما سبق إيضاحه عند الكلام على تثنية المقصور (1).
(ه) جمع الممدود جمع مذكر سالما :
يسرى على همزته فى هذه الحالة ما سرى عليها عند تثنيته ؛ فتبقى على حالها إن كانت أصلية ؛ نحو : قرّاءون ، وبدّاءون ، وخبّاءون ... فى جمع : قرّاء ، وبدّاء وخبّاء. وتقلب واوا إن كانت فى أول استعمالها زائدة فى المفرد للتأنيث ، ثم صار هذا المفرد علما لمذكر (2)، ومن الأمثلة لهذا النوع من الأعلام : (حمراء ، وجمعه : حمراوون) ، (وخضراء ، وجمعه : خضراوون) ، (وبيضاء ، وجمعه : بيضاوون).
ويجوز إبقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من حرف أصلى ، أو للإلحاق.
ومن هذا : (رضاء - علم مذكر - وجمعه ؛ رضاءون أو رضاوون) - (وعلباء - علم مذكر أيضا - وجمعه علباءون أو علباوون) ...
(و) جمعه جمع مؤنث سالما : يجرى على الهمزة ما جرى فى التثنية ، نحو (قرّاءات) - (حمراوات) - (رضاءات وعلباوات ، أو : رضاءات وعلباوات).
بعض الأحكام العامة فيما يجمع جمع مؤنث سالما :
1 - أوضحنا من قبل (1)الحكم الخاص بإرجاع «اللام» إلى الاسم الثلاثىّ المحذوف اللام إذا أريد جمعه بالألف والتاء المزيدتين ، سواء أكانت لام اسم منقوص أم لام غيره ؛ كبعض الأسماء الستة ، وغيرها.
2 - إذا كان المفرد المراد جمعه جمع مؤنث سالما مختوما بتاء التأنيث وجب حذفها قبل جمعه ؛ سواء أكان المفرد بغيرها صحيح الآخر أم غير صحيح ، ففى مثل : «كاتبة» يال : كاتبات ؛ بحذف التاء التى كانت فى المفرد ؛ لئلا تجتمع علامتان للتأنيث ، وفى مثل : ظبية وصفوة ، ومهديّة ، ومجلوّة ... من أعلام النساء (وكلها من معتل الآخر ، الشبيه بالصحيح الآخر (2)) ، يقال : ظبيات - صفوات - مهديّات - مجلوّات.
وإن كان قبل التاء ألف وجب حذف التاء وقلب الألف هنا كقلبها فى التثنية (3)، فالثالثة ترد إلى الواو أو الياء ؛ طبقا للتفصيل المذكور هناك ؛ نحو : فتاة وفتيات ، وقناة وقنوات ... و ... والرابعة فأكثر تقلب ياء كمعطاة ومعطيات ، ومصطفاة ومصطفيات. مع ملاحظة أن المفرد المختوم بتاء التأنيث وقبلها ألف ، لا يسمى مقصورا ، ولا يخضع لأحكامه ؛ إذ لا بد أن تكون ألف المقصور آخرا ، ويجرى عليها الإعراب ، لا على التاء - كما قلنا (4)-.
وإن كان قبلها همزة مسبوقة بألف زائدة وجب حذف التّاء أيضا ، وإخضاع الهمزة لحكم همزة الممدود عند تثنيته ؛ فتبقى إن كانت أصلية ، نحو : قرّاءة وبدّاءة وخبّاءة ؛ فيقال : قرّاءات ، وبدّاءات ، وخبّاءات ... ، ويجوز إبقاؤها وقلبها واوا إن كانت مبدلة من أصل ؛ نحو : نباءة (للبقعة المرتفعة). ونباوات ، كما يقال فى التثنية. ولا تقع الهمزة هنا للتأنيث قبل تائه ؛ لأنها لا تجتمع مع تاء التأنيث ، وكذلك لا تقع الهمزة للإلحاق قبل تاء التأنيث لأن همزة الإلحاق لا بد أن تكون فى آخر الكلمة (5)
(والفتح أبق مشعرا بما حذف) *** وإن جمعته بتاء وألف ...
ثم تمم القاعدة ، فقال :
فالألف اقلب قلبها فى التّثنيه *** وتاء ذى التّا ألزمنّ تنحيه
(أى : ألزمن التاء تنحية وإبعادا من المفرد الذى يحتويها) ، يريد : احذف التاء من المفرد المشتمل عليها قبل جمعه مؤنثا سالما.
ولم يتعرض ابن مالك - كما أشرنا من قبل - لحكم الممدود والمنقوص إذا أريد جمعهما هذا الجمع ؛ لأن حكمهما معه كحكمهما عند تثنيتهما.
.1) فى هامش ص 566.
2) راجع هامش ص 566 بعنوان : ملاحظة - ثم ج 1 ص 121 م 15.
3) وهو فى ص 567.
4) فى ص 558 و 569.
5) أشار ابن مالك إلى ما سبق : (من جمع المقصور جمع مؤنث سالما ، وأن ألفه تقلب فى هذا الجمع كقلبها فى التثنية ، وأن مفرد هذا الجمع يجب حذف ما فيه من تاء للتأنيث إن وجدت قبل جمعه) ، فقال بيتا نصفه الأول لا علاقة له بهذه المسألة ، وإنما علاقته بمسألة أخرى سبقت ، وسبق معها الشطر فى رقم 2 من هامش ص 571 ، والبيت هو :
3 - نتحرك عين جمع المؤنث السالم بحركة فائه ، فيتماثلان فى حركتهما ، إذا استوفى مفرده شروطا ستة (1).
أولها : أن يكون هذا المفرد اسما ؛ نحو : هند - مجد - صلح ... أسماء لمؤنث ؛ فخرج المفرد لوصف (أى : المشتق) نحو : ضخمة وحلوة ...
ثانيها : أن يكون ثلاثيّا ، فخرج ما زاد على الثلاثة ، نحو : درهم ، وسلهب (2)، وبرقع ... أسماء لمؤنث.
ثالثها : ورابعها : أن يكون غير معتل العين ، ولا مضعفها ؛ فخرج ما كان مثل : (هالة ، ودولة ، وديمة) - (وجنّة ، ومنّة ، وقبّة).
خامسها : أن يكون ساكن العين ، فخرج ما كان متحركها ، نحو : لبنة ، وسمرة(3)...
سادسها : أن يكون لمؤنث ، فخرج ما هو لمذكر ؛ نحو : سعد ، وقفل ، وحلف ... فإن هذه الأسماء لا تجمع جمع مؤنث سالما ، فلا إتباع فيها.
فإذا استوفى المفرد - المختوم بالتاء أو غير المختوم بها - الشروط الستة تحركت فى الجمع عينه الساكنة بحركة تماثل حركة الفاء ؛ فيقال فى هند : هندات ، وفى مجد : مجدات ، وفى صلح : صلحات ، وفى حكمة : حكمات ، وفى .
نحلة : نحلات ، وفى غرفة : غرفات. ففى كل ذلك حذف سكون العين ، وتبعت العين فى حركتها حركة الفاء.
غير أن هذا الإتباع قد يكون واجبا ، وقد يكون جائزا. فيجب إذا كان المفرد المستوفى للشروط مفتوح الفاء ؛ فيتعين إتباع حركة عينه فى الجمع لحركة فائه ، نحو : رحمة ، وفتحة ... فيقال فيهما : رحمات ، وفتحات. ونحو : نهر وحمد (لمؤنثتين) فيقال : نهرات وحمدات. بفتح الثانى وجوبا فى كل ذلك ؛ تبعا لفتحة الأول.
أما فى غير الحالة السابقة المفتوحة الفاء فيجوز فى العين السّاكنة : إما إبقاؤها ساكنة ، وإما تخفيفها بحذف السكون وتحريكها بالفتحة ، وإما حذف سكونها ، وإتباعها فى حركتها لحركة الفاء ، (فتكون مضمومة مثلها ، أو مكسورة). ففى نحو الأسماء الآتية إذا كانت أعلاما لمؤنث ، وهى صنع ، ودمية ... يقال صنعات ، أو صنعات ، أو : صنعات ، بضم الثانى ، أو تسكينه ، أو فتحه وهذه الثلاثة تقال فى نظائرها من الأسماء الأخرى.
كذلك فى نحو : فتنة ، وسحر ، من أعلام النساء ، يقال فى جمعها : فتنات ، أو فتنات ، أو فتنات ... بإسكان التاء الأولى أو كسرها ، أو فتحها. وهكذا يقال فى الأعلام الأخرى المماثلة لها ؛ حيث يصح فيها ضبط العين بأحد الضبوط الثلاثة الجائزة.
ويستثنى من هذا الحكم حالتان : لا يجوز فيهما الإتباع ،
الأولى : الاسم المكسور الفاء إذا كانت لامه واوا ، نحو : ذروة ، وقنوة (1)وجنوة (2)؛ فلا يجوز فيها : ذروات ، ولا قنوات ، ولا جنوات ، بكسر ثانيه إتباعا لأوله ؛ لأن الكسرة ثقيلة قبل الواو يتحاشاها العرب فى أغلب كلامهم ، ولهذا لا يصح الإتباع ، ويصح السكون أو الفتح ...
الثانية : الاسم المضموم الفاء إذا كانت لامه ياء ؛ مثل : دمية ، قنية ، غنية ؛ فلا يجوز فيها _دميات ، ولا قنيات ، ولا غنيات ... بضم ثانيه
تبعا لأوله ؛ لأن الضمة ثقيلة قبل الياء يتحاشاها العرب فى أغلب كلامهم ، ولهذا لا يصح الإتباع ، ويصح السكون أو الفتح.
وما خالف الأحكام السابقة فنادر ، أو شاذ ، - وكلاهما لا يقاس عليه - أو ضرورة شعرية ، أو لغة قوم من العرب عددهم قليل ... ومن الأمثلة : جمع كهلة على كهلات ، مع أنها وصف. وظبيات بسكون الباء ، والواجب فتحها. وزفرات بالسكون لضرورة الشعر فى قول الشاعر :
وحمّلت زفرات الضحا فأطقتها *** ومالى بزفرات العشىّ يدان
وقبيلة «هذيل» لا تشترط الصحة فى عين الاسم ، فتجيز أن تكون معتلة ؛ فتقول: بيضة وبيضات ، وجوزة وجوزات ؛ بفتح الثانى إتباعا للأول (1) ...
(1) والأحسن فى كل ما سبق متابعة أكثرية القبائل ؛ لتكون المحاكاة جارية على الكثير القوى دون القليل ، أو الضعيف.
وفى الأحكام الخاصة بعين المفرد المؤنث الذى يراد جمعه جمع مؤنث سالما يقول ابن مالك :
والسّالم العين ، الثلاثى ، اسما أنل *** إتباع عين فاءه بما شكل
إن ساكن العين مؤنّثا بدا *** مختتما بالتّاء ، أو مجرّدا
(الثلاثى : أصلها الثلاثىّ ؛ بتشديد الياء ، خففت للشعر) وفى البيت تقديم وتأخير. والتقدير : وأنل السالم العين الثلاثى الاسم - إتباع عين فاءه. أى امنح السالم .. اتباع عينه الساكنة - الحركة التى شكلت بها الفاء.
ثم انتقل بعد ذلك لبيان ما يجوز فى العين الساكنة من فتح أو سكون أو إتباع ، إن كانت العين بعد فاء غير مفتوحة ؛ (حيث يجوز فى العين الساكنة إما تركها على سكونها ، وإما تخفيفها بالفتحة ، وإما إتباعها لحركة الفاء قبلها ، من ضم أو كسر) - قال :
وسكّن التّالى غير الفتح ، أو *** خفّفه بالفتح فكلّا قد رووا
ثم عرض بعد ذلك للحالتين اللتين لا يجوز فيهما الإتباع فقال :
ومنعوا إتباع نحو : «ذروه» *** ونحو : «زبية». وشذّ كسر جروه
(الزبية : حفرة تحفر للأسد ليقع فيها ؛ فيصاد. والجروة : الأنثى من الكلاب والسباع). ثم بين أن ما خالف الأحكام السالفة فهو نادر ، أو ضرورة ، أو لغة ، فقال :
ونادر ، أو : ذو اضطرار غير ما *** قدّمته ، أو : لأناس انتمى
معناه : فى الأبيات الآتية التى يصف بها الشاعر (1)أسباب العظمة ، وخلود السيرة - أمثلة مختلفة مما يسميه النحاة : «جمع التكسير» ، قال :
وليس الحلد مرتبة تلقّى (2)*** وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار *** إذا ذهبت مصادرها (3)بقينا
وسرّ العبقرية حين يسرى *** فينتظم الصنائع والفنونا
وآثار الرجال إذا تناهت *** إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من فم الدنيا ثناء *** وتركك فى مسامعها طنينا (4)
فالكلمات : (شفاه - همم - كبار - مصادر - صنائع - فنون - آثار - رجال - مسامع) ... ، هى مما يسمونه : «جمع التكسير». يريدون : أن كل واحدة منها تتضمن أمرين معا ، هما : معنى ينصب على أفراد لا تقل عن ثلاثة ، وقد تزيد -. ووجود مفرد لكل واحدة ، يشاركها فى معناها ، وفى حروفها الأصلية مع اختلاف يطرأ على صيغة هذا المفرد عند جمعه عليها.
فكلمة : «شفاه» - مثلا - تدل على شفاه ثلاث على الأقل - وقد تزيد - ولها مفرد هو : «شفة» ، يشاركها فى معناها ، وفى حروفها الأصلية ، مع اختلاف طرأ عليه عند الجمع ؛ إذ صارت «الشين» مكسورة بعد أن كانت مفتوحة ، وزيدت «ألف» قبل الآخرة لم يكن لها وجود قبل الجمع ؛ فالاختلاف هنا بزيادة بعض الحروف ، وبتغيير بعض الحركات.
وكلمة : «همم» - مثلا - تدل على ثلاثة فأكثر من هذا النوع ، ومفردها «همّة» يشاركها فى معناها ، وفى حروفها الأصلية. وقد تغيرت صيغته عند جمعه للتكسير بعض تغير ؛ فحذفت التاء من آخره ، وانفك الإدغام الذى كان فى ثانيه. فالتغير الذى طرأ على المفرد عند جمعه كان فى الحركات وفى الفكّ.
وكلمة : «كبار» تدل على عدد من هذا النوع لا يقل عن ثلاثة ، ومفردها : «كبير» يشاركها فى المعنى ، وفى الحروف الأصلية ؛ وقد طرأ على صيغته بعض تغير عند الجمع ؛ فحذف من آخره الياء ، وكسر أوله المفتوح ، وفتح ثانيه المكسور ، وزيدت «ألف» قبل آخره. فتناول التغيير ضبط بعض الحروف وحذف بعض منها ، والزيادة عليها ... وهكذا بقية الجموع السالفة ونظائرها ...
مما سبق يتضح تعريفهم جمع التكسير بأنه «ما يدل على ثلاثة فأكثر ، وله مفرد (1)يشاركه فى معناه ، وفى أصوله ، مع تغير حتمىّ يطرأ على صيغته عند الجمع».
وهذا التغير الطارئ على المفرد عند جمعه جمع تكسير قد يكون مقصورا على ضبط بعض الحروف فقط ؛ نحو : أسد والجمع : أسد ، وقد يكون مقصورا على زيادة بعض الحروف فقط : نحو ؛ أسد ، والجمع آساد ؛ وقد يشتمل على الزيادة وتغيير الضبط معا ؛ نحو : رجل ورجال ، وقد يشتمل على تغيير الضبط مع نقص بعض الأحرف ؛ نحو : كتاب وكتب. وقد يشتمل على تغيير الضبط مع نقص الأحرف وزيادتها ؛ نحو : كبير وكبيرة ، وجمعهما للتكسير هو : كبار ... وهكذا ؛ فلا بد من تغيير محتوم يصيب المفرد عند جمعه تكسيرا (2).
قسماه ، والفرق بينه وبين جمعى التصحيح :
استقصى اللغويون جموع التكسير فى الكلام العربى - جهد طاقتهم - فتبينوا ثلاثة أمور :
الأمر الأول : أن العرب يستعملون (3)- فى الأغلب - صيغا معينة إذا أرادوا من التكسير عددا محددا لا يقل عن ثلاثة ، ولا يزيد على عشرة. ويستعملون صيغا أخرى إذا أرادوا عددا لا يقل عن ثلاثة ، ولكنه يزيد على عشرة ؛ (بأن يكون
1) وهذا المفرد قد يكون حقيقيا ، أو تقديريا بالتفصيل الهام والإيضاح الضرورى الواردين فى ص 625 م 174.
2) وهذا التغيير هو السبب فى تسميته «تكسيرا» ؛ فكأنما أصابه الكسر عند جمعه ونقله من صيغة المفرد التى هو عليها إلى صيغة الجمع الجديدة - كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 566 -
3) استعمالا حقيقيا ، لا مجازيا.
أحد عشر ، أو اثنى عشر ، أو أكثر ... فالنوعان متشابهان. فى المبدأ ، مختلفان فى النهاية (1)
وهذا هو الرأي السديد ؛ لأن معناه أعم ، فالأخذ به يحقق المعنى المراد من كثير من أساليب العرب ، فوق أنه يمنع التعارض والتناقض الذى قد يقع بين العدد المفرد (3 و 10 وما بينها) ومعدوده حين يكون هذا المعدود صيغة من صيغ جمع الكثرة (مثل : ثلاثة بيوت - أربعة جداول - خمسة جبال - ست مدائن - سبع سفن ..) فلو أخذنا بالرأى . الأول لكان العدد فى هذه الأمثلة وأشباهها دالا على شيء حسابي معين لا يزيد على عشرة مطلقا. في حين يدل المعدود - وهو صيغة جمع الكثرة - على شيء يزيد على العشرة حتما. وهذا هو التعارض والتناقض المعنوى المعيب. أما على الرأى الثانى السديد فلا وجود لهذا التعارض والتناقض.
. وأشهر الصيغ الأولى أربعة ، تسمّى : «صيغ جموع القلّة». وتسمّى الصيغ الأخرى : «صيغ جموع الكثرة» (2)... وهما غير : «جمع الجمع» وهذا لا يدل على أقل من عشرة - كما سيجىء (3)...فالأربعة الخاصة بجموع القلة ، هى :
1 - أفعلة ؛ نحو : أغذية ، وأدوية ، وأبنية - جمع : غذاء ، ودواء ، وبناء ...
2 - أفعل : نحو : ألسن ، وأرجل ، وأعين ؛ ... جمع : لسان ، ورجل ، وعين ...
3 - فعلة ؛ نحو : صبية ، وفتية ، وولدة ؛ جمع : صبىّ ، وفتى ، وولد.
4 - أفعال ؛ نحو : أبطال ، وأسياف ، وأنهار ؛ جمع : بطل ، وسيف ونهر ...
ومعنى اختصاص هذه الصيغ بالقلة أن المدلول الحقيقى (لا المجازى) لكل واحدة منها هو عدد مبهم - أى : لا تحديد ولا تعيين له - ولكنه لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة ، بشرط ألا توجد قرينة تدل على أن المراد الكثرة ، لا القلة.
1) كثرة النحاة تقول إن مدلول جمع الكثرة بطريق الحقيقة - لا المجاز - هو ما فوق العشرة إلى مالا نهاية. ولكن بعض المحققين - كما نقل الصبان - لم يرتض ذلك ، وقال إن جمع القلة هو من الثلاثة إلى العشرة ، وجمع الكثرة من الثلاثة إلى ما لا يتناهى. فالفرق بينهما من جهة المبدأ. بخلاف ما ذكره الشارح الأشمونى) ا ه.
2) «ملاحظة» من آثار القلة والكثرة أن تقول : كتبت إليك رسالة لثلاث خلون من شهر كذا ، وجاءنى كتابك لخمس عشرة خلت من ذلك الشهر ؛ فنجىء بنون النسوة حينا ، وبتاء التأنيث حينا آخر. فما الضابط الذى نرجع إليه فى استخدام أحدهما؟ الجواب فى رقم 1 من هامش ص 525. وله إشارة فى الصفحة الآتية.
3) فى ص 621.
فعند عدم القرينة تتعين القلة حتما ؛ اعتمادا على أن الصيغة موضوعة فى أصلها للقلة ، ومختصة بها ؛ فلا يجوز إبعادها إلى الكثرة بغير قرينة ؛ وإلا كان هذا إبعادا لها عن أصلها ، وإخراجا منه إلى غيره مما لا تصلح له فى حقيقة ولا مجاز ... (1)
وكما تتعين القلة عند عدم القرينة تتعين أيضا فى حالة ثانية ؛ هى أن تكون تلك الصيغة الدالة على المعدود هى من الصيغ الموضوعة للكثرة ، والعدد هو ثلاثة ، أو عشرة ، أو عدد آخر بينهما. وإنما تتعين للقلة هنا منعا للتعارض بين مدلول العدد ومدلول المعدود ، لأن كل واحد من هذه الأعداد المفردة صريح فى دلالته على القلة ، فلا يصح أن يخالفه معدوده فى مضمون هذه الدلالة ، ولا أن يعارضه. فلو كانت صيغة المعدود موضوعة فى أصلها للكثرة لكانت مع العدد المفرد للقلة.
ومن كل ما تقدم يتضح أن معنى القلة يتعين ويتحتم وحده فى صورتين : «الأولى ، ... أن تكون صيغة المعدود هى من صيغ القلة المتجردة لدلالتها الأصلية ، ولا توجد قرينة تبعدها عن هذه الدلالة ، وتخرجها منها إلى الدلالة على الكثرة و «الثانية» أن تكون الصيغة الدالة على المعدود هى إحدى الصيغ الدالة على الكثرة ، لكن العدد الخاص بها دال على القلة ، كالعدد ثلاثة ، أو عشرة ، أو أحد الأعداد التى بينهما.
وعدد الصيغ الثانية المختصة بجموع الكثرة قد يزيد على ثلاثين ، ولكن المشهور القياسىّ منها يقارب ثلاثا وعشرين صيغة. وسنعرف الكثير منها ؛ مثل : فعل ، وفواعل ، ومفاعل ، وفعالى ، وفعل ... و ... نحو : حمر ، وجواهر ، ومعابد ، وصحارى ، وكتب ...
ولاختيار نوع الصيغة الدالة على التكسير أثر آخر فى تركيب الأسلوب أحيانا ، فوق أثره المعنوى السالف ؛ ذلك أن صيغة جمع القلة يناسبها نون النسوة ، وأن صيغة جمع الكثرة يناسبها تاء التأنيث ؛ فقولنا : رأيت أذرعا امتددن ... أفضل من امتدت - وللوالد أياد غمرت أبناءه ... أحسن من غمرن (2)... وما تقدم هو الأفضل والأحسن ، ولكنه ليس واجبا.
الأمر الثانى (3): أن العرب قد يضعون جمعا معينا على وزن صيغة خاصة بأحد النوعين ، ولكنهم يستعملون هذا الجمع فى القلة حينا ، وفى الكثرة حينا آخر ، استعمالا حقيقيّا ، لا مجازيّا - والقرائن وحدها فى السياق هى التى تعينه لأحد النوعين - بالرغم من أن الصيغة خاصة بأحدهما فقط ، وأن وزنها يشيع استعماله عندهم فى نوع منهما
دون النوع الآخر ، أى : أنهم يكتفون بوزنه الغالب الشائع فى أحد النوعين ويستعملونه فيه ، وفى الآخر أيضا من غير أن يجمعوا المفرد جمع تكسير على وزن من الأوزان التى تشيع فى هذا النوع الآخر. ومن الأمثلة استعمالهم فى القلة ، والكثرة معا : أرجل ، وأعناق ، وأفئدة (وهى جمع : رجل ، وعنق ، وفؤاد) مع أن صيغة : أفعل ، وأفعال ، وأفعلة - هى من الصيغ الغالبة فى القلة ، فاكتفوا بها فى النوعين عند تكسير هذه الكلمات ، ولم يجمعوا كلمة : رجل ، ولا عنق ولا فؤاد ، على صيغة من الصيغ الخاصة بجمع الكثرة.
ومن الأمثلة أيضا عند تكسير المفردات ؛ رجال وقلوب (جمع : رجل ، وقلب) فى القلة والكثرة ، مع أن صيغة : «فعال» و «فعول» من الصيغ الغالبة فى الكثرة. فاكتفوا بها فى الدلالة على النوعين عند تكسير الكلمتين ، ولم يجمعوا رجلا ، وقلبا ، على صيغة للقلة.
الأمر الثالث : أن العرب قد يستعملون صيغة شائعة فى أحد نوعى التكسير مكان صيغة وضعوها للنّوع الآخر ، وشاعت فيه. فكلتا الصيغتين موجودة فعلا ، وتشيع فى أحدهما (1)
أفعلة ، أفعل ، ثمّ : فعله *** ثمّت : أفعال - جموع قلّه
(ثمت : هى «ثم» العاطفة ، زيدت فى آخرها تاء التأنيث المفتوحة) ، تلك صيغ القلة. وانتقل بعدها مباشرة إلى استعمالها فى الكثرة ، وصيغ الكثرة فى القلة ، فقال :
وبعض ذى بكثرة وضعا يفى ؛ *** كأرجل ، والعكس جاء ؛ كالصّفى
يقول : إن بعض هذه الأوزان يفى بالكثرة ، أى : يدل عليها ، ويغنى فيها كأرجل ؛ جمع رجل ؛ فإنها تكون للكثرة كما تكون للقلة. وهذا بالوضع العربى : أى : أن العرب وضعوا الجمع المكسر : «أرجل» للكثرة كما وضعوه للقلة فهو صالح للمعنيين ، ولم يعرف لجمع : «رجل» صيغة مسموعة خاصة بالكثرة ؛ فالوضع فى المعنيين أصيل وحقيقى. ولكن صيغته فى أحداهما أكثر شيوعا منه فى الآخر. والعكس صحيح كذلك ، فقد جمعوا بعض الألفاظ لتدل على القلة ، مع أنها مصوغة على وزن بعض الصيغ الشائعة فى الكثرة. - كما قلنا - وضرب مثالا هو :. «الصّفىّ» جمع صفاة (بمعنى الصخرة الملساء وأصله : صفوى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ، عملا بقواعد الإعلال ، وأدغمت الياء فى الياء ، فصارت صفىّ ، ثم قلبت الضمة قبل الياء كسرة ؛ لأن الكسرة هى التى تناسبها ؛ فصارت : صفىّ بياء مشددة ، ولم يشددها الناظم لضرورة الوزن).
، وحده ، ولكنهم يستعملونها فى معنى الآخر ؛ بقرينة فى .1) فى صيغ جمع القلة وأنها قد تستعمل للكثرة والعكس - يقول ابن مالك فى أول باب عنوانه : «جمع التكسير» - وسنذكر أبياته مرتبة هنا ترتيبها فى «ألفيته» - :
الكلام خارجة عن الصيغة وعن وزنها تدل على هذا النقل والتبادل. وبغير القرينة لا يصح الحكم على الصيغة بأنها مستعملة فى غير نوعها (1).
والفرق بين هذه الحالة والتى سبقتها : أن المفرد هنا له نوعان شائعان من التكسير ؛ أحدهما : يكون بصيغة مستقلة تختصّ بجمع التكسير الدال على القلة ، والآخر يكون بصيغة مستقلة تختصّ بجمع التكسير الدال على الكثرة ، فتستعمل إحداهما فى معنى الأخرى بقرينة. أما الحالة السّابقة فالمفرد فيها له جمع تكسير على وزن خاص بأحدهما فقط ، فصيغة جمعه مقصورة على نوع منهما وحده ؛ فلم يضع العرب لهذا المفرد نوعين للتكسير ، تكون صيغة أحدهما مستقلة الدلالة على القلة ، وصيغة الآخر مستقلة الدلالة على الكثرة ، وإنما وضعوا له جمعا من نوع واحد ، بصيغة تختص بهذا النوع ، ولكنها مشتركة الدلالة فتدل على الكثرة حينا وعلى القلة حينا آخر على حسب القرائن ، وبرغم أنها من الصيغ الخاصة بأحدهما دون الآخر - كما قلنا - يستعملونها فى النوعين.
ومما تجب ملاحظته :
1 - أن هذه الدلالة العددية التى يدل عليها جمع التكسير هى إحدى نواحى الفرق بينه وبين جمعى التصحيح ؛ ذلك بأن جمع التكسير قد يكون مدلوله عددا محدودا لا يقل عن ثلاثة ، ولا يزيد على عشرة. وقد يكون مدلوله عددا لا يقل عن ثلاثة ، ولكنه يزيد على العشرة ، - طبقا للبيان الذى عرضناه (2)- ولكل
1) وقد كثر هذا النقل والتبادل فى بعض الصيغ ؛ كصيغة «أفعال» التى للقلة ؛ فقد أشاعوها ؛ فى المعنيين ؛ وإن كانت للقلة أوفر شيوعا. ومن الجائز لنا فى كل وقت أن نستعملها فى المعنيين مثلهم ، فيكون الاستعمال حقيقيا لا مجازيا ؛ بسبب شيوعه عندهم. أما غير الشائع عندهم فنستعمله مجازا ؛ لأن استعمال القليل فى موضع الكثير أو العكس. جائز بلاغة ؛ ويكون من قبيل المجاز المرسل الذى علاقته الكلية أو الجزئية ، واستعماله مطرد ، ما دامت شروط المجاز متحققة ، ولا يتوقف على استعمال العرب للكلمة أو الكلمات المجازية ذاتها ، - وأنهم استعملوها مجازا ، إذ لا أهمية مطلقا لاستبانة أمرهم فى هذه الكلمة أو الكلمات ؛ لأن استخدام المجاز قياسى بغير قيد ، إلا قيد تحقق شروطه. غير أن العرب إذا استعملوا صيغة الكثرة فى القلة أو العكس وكان هذا الاستعمال كثيرا شائعا فإنه يكون من قبيل الاستعمال الحقيقى لا المجازى ، ويكون استعمالنا إياه حقيقيا كذلك ؛ كاستعمالهم صيغة : «أفعال» فى الكثرة ؛ فهو حقيقى لنا أيضا. بخلاف استعمال «فعل» - مثلا - فى القلة فانه مجازى.
2) فى ص 579.
دلالة صيغ معينة ، أما جمعا التصحيح ، فمدلولهما الغالب عند «سيبويه» عدد محدود لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة. فهما يدلان عنده على القلة التى يدل عليها أحد نوعى جمع التكسير ، ولا يدلان على الكثرة إلا بقرينة أخرى خارجة عن صيغتهما ؛ فليس لهما صيغ تدل على القلة أو على الكثرة كالصيغ التى لجمع التكسير فى هذين النوعين.
هذا رأى سيبويه. لكن الرأى الأرجح أن جمعى التصحيح لا يختصان بالقلة وإنما يصلحان (1)
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحا *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال له النابغة : لقد قللت جفانك وسيوفك.
قال أبو على : هذا خبر مجهول لا أصل له ؛ لأن اللّه تعالى يقول :
2 - وأن هناك فرقا هامّا آخر ؛ هو : أن جمع التكسير لا بد أن تتغير ، فيه صيغة مفرده ؛ بخلاف جمعى التّصحيح ؛ فإن مفردهما لا يتغير - فى الأغلب - عند جمعه على أحدهما ، بل يظل حافظا صورته الأصلية (2).
3 - وأن جمع التكسير وجمع المؤنث السالم يعربان بالحركات. أما جمع المذكر السالم فيعرب بالحروف (3).
قياسيّة جمع التكسير :
صيغ جمع التكسير - بنوعيه - متعددة ، وأوزانه كثيرة تجاوز الثلاثين ؛ منها «الصيغ المطّردة» ، ويتصدّى علم النحو لبيانها ، وعرض أحكامها. ومنها )
1) راجع خاتمة «المصباح المنير» ، ص 954 بعنوان : (فصل : الجمع قسمان ، قلة وكثرة ...) حيث صرح بالرأى الأرجح وبأدلته ... وكذلك كتاب «مجمع البيان لعلوم القرآن» تأليف الطبرسى ج 3 ص 88 - ونقلنا فى الجزء الأول (م 10 رقم 2 من هامش ص 125 باب جمع المذكر السالم) رأى أبى على الفارسى فى هذا ، فقد جاء فى كتاب «المحتسب» لابن جنى (ج 1 ص 187 - سورة النساء) ما نصه : (كان أبو على ينكر الحكاية المروية عن النابغة ، وقد عرض عليه حسان بن ثابت شعره ، وأنه صار إلى قوله :
2) انظر رقم 1 من هامش ص 566 ورقم 2 من هامش ص 625.
3) راجع أحكام هذه الجموع وكثير مما يختص بها فى ج 1 م 7 (أنواع البناء والإعراب ..)
«غير المطّردة» ، والسبيل إلى معرفتها مقصور على المراجع اللغوية الأخرى.
والمراد بالصيغة «المطردة» ما تتطلب مفردا مشتملا على أوصاف معينة ، إذا تحققت فيه جاز جمعه تكسيرا على تلك الصيغة بدون تردد ، ولا رجوع إلى كتب اللغة ، أو غيرها لمعرفة وروده عن العرب ، أو عدم وروده ؛ فمثل هذا الجمع يكون صحيحا فصيحا ولو كان غير مسموع. ولا يصح رفضه ، ولا الحكم عليه بالضعف اللغوى ، أو بشىء يعيبه من ناحية صياغته ، أو وزنه ، أو فصاحته ، فصيغة «فعل» - مثلا تكون جمعا مطردا لكل مفرد مذكر على وزن : «أفعل» أو : مؤنث على وزن ، «فعلاء» بشرط أن يكون المفرد فى الحالين مشتقّا ، دالا على لون أو عيب ... نحو : هذا أحمر ، وهؤلاء حمر - وهذه حمراء ، وهنّ حمر. وذاك أخرس ، وهم خرس - وتلك خرساء ، وهن خرس ... وهكذا كل صيغة أخرى من جموع القلة أو الكثرة ، فإن المفرد يطّرد جمعه عليها إذا كان مستوفيا للشروط التى يجب توافرها فيه ؛ ليصلح أن يجمع على وزنها. فمتى تحققت تلك الشروط ساغ جمعه عليها من غير استشارة المراجع اللغوية ، وساغ استعمال هذا الجمع بغير توقف لمعرفة رأيها فيه ، أهو موافق لما تحتويه أم مخالف؟ ؛ فإن هذا التوقف لا مسوّغ له بعد أن تحققت فى المفرد الصفات التى جعلته صالحا لأن يجمع جمع تكسير على تلك الصيغة والوزن.
وما أكثر تعدّد الجموع فى المراجع اللغوية ، وكثير منها مخالف فى صيغته لصيغة الجمع المطرد ، فلا يؤدى هذا - مع كثرة الصيغ المخالفة - إلى تخطئة الجمع المطرد ، ولا إلى الحكم عليه بالضعف ، أو العيب ، وإنما يؤدى إلى أن لهذا المفرد جمعين للتكسير - أو أكثر أحيانا - وأن أحد الجمعين كثير شائع ، فهو لهذا قياسى مطرد ، والآخر قليل أو نادر ؛ فهو سماعىّ ، ولا يجوز القياس عليه ؛ لقلته وندرته ، ولا اتخاذ وزنه مقياسا يجمع عليه مفرد آخر غير الذى ورد مسموعا فيه عن العرب ؛ وهذا هو المسمى : ب «جمع التكسير السماعىّ» أو : «جمع التكسير غير المطرد». ومن ثمّ يتبين خطأ من يتوهم أن كلّ جموع التكسير سماعىّ ، وأن الرجوع فى كل منها إلى المظانّ اللغوية محتوم على من من يعرف الأوصاف المشروطة فى مفرد كل صيغة ، ومن لا يعرف.
نعم الرجوع إلى تلك المظان محتوم على من لا يعرف تلك الأوصاف
والضوابط ، أما من يعرفها فله أن يصل من طريق معرفته إلى ما يريد من جموع التكسير المطردة فى تلك المفردات. ولا تمنعه معرفته أن يرجع - إذا شاء - إلى المظان اللغوية ، ليستخدم ما تنص عليه من جموع أخرى مسموعة للمفردات التى معه ؛ أى : أنه حرّ فى استعمال جمع التكسير القياسى أو السماعى ، من غير أن يفرض عليه الاقتصار على السماعىّ وحده ، وإلا كانت الضوابط المطردة والقواعد العامة المستنبطة من الكلام العربىّ الشائع - عبثا لا جدوى منه (1)
«(يرى المجمع أن الكلمات التي يستعملها قدامى النحويين والصرفيين ؛ وهي : القياس : والأصل ، والمطرد ، والغالب ، والأكثر ، والكثير ، والباب ، والقاعدة ... ألفاظ متساوية الدلالة على ما ينقاس. وأن استعمال كلمة منها في كتبهم يسوغ للمحدثين من المؤلفين وغيرهم قياس ما لم يسمع على ما سمع ، وأن المقيس على كلام العرب هو من كلام العرب). ا ه- .
والمراد من تسجيل هذا القرار هنا ومن الإيضاح الذى ذكرته قبله ، إزالة كل غموض عن قياسية الجموع المطردة ، ومحو كل وهم تردد أو يتردد على خاطر بعض القدامى والمحدثين بهذا الشأن.
وهناك أسباب أخرى قوية تزيل الشك أو الوهم عن قياسيته ؛ هي الأسباب العامة التي أشرنا إليها في مواضع متفرقة من الأجزاء الأربعة في الرد على من يتشككون في قياسية بعض المسائل. كالذي سجلناه في الجزء الثالث عند الكلام على : أبنية المصادر القياسية» (ص 144 م 98) . ومن تلك الأسباب آراء العالم العبقرى ابن جني التي يرجع إليها المجمع اللغوى في كثير من بحوثه ، ويستشهد بفصله الرائع الذي عنوانه : (باب فى اللغة المأخوذة قياسا) والذى نقلناه كاملا مستقلا ختمنا به الجزء الثاني. وقد سجلته مجلة المجمع فى عددها الأول ، كما سجلته محاضر جلساته مرة أخرى في الصفحة الخامسة والأربعين من محاضر جلسات الدور الرابع للانعقاد ، وكذلك آراء العالم الذكى : «الفراء» الذي ورد عنه في محاضر جلسات المجمع اللغوى (دور الانعقاد الرابع ص 108): (أنه إمام الكوفيين ، ووارث علم الكسائي ، ولا تثريب علينا إذا أخذنا بمذهبه. وكذلك الزمخشرى ، وغيرهم من الأئمة الذين سردنا آراءهم الجليلة.
...وفيما يلى الأوزان المطردة - أى : القياسية - لجمع التكسير بقسميه : «جمع القلة وجمع الكثرة» ، والأوصاف الواجب تحققها فى المفرد المراد جمعه على إحدى الصيغ ، مع الإشارة إلى أن كل صيغة من هذه الصيغ المطردة قد تزاحمها صيغ كثيرة مسموعة ، مرجعها اللغة وحدها.
1) للمجمع اللغوى القاهرى قرار حاسم ، أصدره بعد دراسة وافية ، وهو يقطع بأن «المطرد» ، و «القياس» بمعنى واحد ؛ (كما جاء فى الصفحة الخامسة والخمسين من محاضر جلسات الدور الرابع لانعقاده : وهى الجلسة الرابعة صباح الثلاثاء 19 من يناير سنة 1937 ، وكما ورد أيضا فى الصفحة الأولى من الجزء الرابع من مجلة المجمع) ونص القرار :
(ا) أشهر الصّيغ المستعملة فى جموع القلة أربعة :
1 - أفعلة. وهو مقيس فى كل مفرد يكون اسما ، (لا وصفا) ، مذكرا ، رباعيّا ، قبل آخره حرف مدّ ؛ نحو : طعام وأطعمة - بناء وأبنية - عمود وأعمدة - رغيف وأرغفة ...
وهو مقيس أيضا فى كل اسم على وزن : فعال ، أو فعال (بفتح الفاء أو كسرها) إذا كان عين كل منهما ولامه من جنس واحد ، أو كانت لامهما حرف علة ، فالأول ، نحو : بتات (1)وأبتّة ، وزمام وأزمة (2)، والثانى نحو (قباء (3)وأقبية ، وكساء وأكسية) - (وفناء وأفنية ورداء وأردية) (4)...
2 - أفعل : وينقاس فى كل مفرد ، اسم (لا صفة) على وزن : فعل (بفتح فسكون) صحيح العين ؛ سواء أكان صحيح اللام أم معتلها ؛ ليست فاؤه واوا ، كوقت. وليس مضعفا كعمّ وجدّ. فمثال صحيح اللام : بحر وأبحر - نهر وأنهر ... ومثال معتلها : ظبى وأظب - جرو ، وأجر (5).
وينقاس أيضا فى كل اسم رباعىّ مؤنث تأنيثا معنويّا ؛ (أى : بغير علامة تأنيث ظاهرة) ، قبل آخره مدّة ، (ألف ، أو واو ، أو ياء.) ؛ مثل : عناق (لأنثى الجدى) وأعنق ، وعقاب (لإحدى الطيور الجارحة) وأعقب ، وذراع وأذرع ، ويمين وأيمن ، وثمود وعمود (على اعتبارهما من أسماء المؤنث) وجمعهما : أثمد وأعمد.
3 - أفعال. وينقاس فيما لا ينقاس فيه «أفعل» السابق ؛ فيطرد فى كل اسم معتل العين بالواو أو بالياء أو بالألف ؛ نحو : ثوب وأثواب ، وسيف
1) متاع البيت ، أو الزاد.
2) انظر جمع «فعل» ص 591.
3) العباءة أو البرنس.
4) الهمزة فى آخر المفردات الأربعة منقلبة عن حرف علة والأصل (قبا و - كساو) (فناى - رداى).
5) أصل أظب وأجر : «أظبى» ، و «أجرو» ، استثقلت الضمة على الياء فى الكلمة الأولى فحذفت - فالتقى ساكنان الياء والتنوين ؛ فحذفت الياء للتخلص من الساكنين ؛ كطريقة حذفها فى المنقوص. أما فى الكلمة الثانية فقلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة بعد كسرة ، ثم حذفت بالطريقة السابقة.
وأسياف ، وباب وأبواب ... وفى كل اسم واوىّ الفاء ، أو مضعف ؛ نحو وقت وأوقات ، وعمّ وأعمام.
وفى كل اسم ثلاثى مفتوح الأول ، مع فتح ثانيه ، أو مع كسره ، أو ضمه ، نحو : جمل وأجمال ، ونمر وأنمار ، وعضد وأعضاد.
وفى كل اسم ثلاثى مكسور الأول مع فتح ثانيه ، أو مع كسره ، أو تسكينه ؛ نحو : عنب وأعناب ، وإبل وآبال ، وحمل وأحمال.
وفى كل اسم ثلاثى على وزن : «فعل ، أو فعل» (بضم الأول والثانى ، أو بسكون الثانى) ، نحو : عنق وأعناق ، وقفل وأقفال.
فإن كان المفرد على وزن : «فعل» (بضم ففتح) فالكثير (1)أن يكون جمعه على : «فعلان» (بكسر فسكون) ؛ نحو : صرد (2)وصردان ، ونغر (3)ونغران ، وجرذ (4)وجرذان.
وينقاس فى كل اسم على وزن «فعل» معتل اللام أو مضاعفا (5).
أما الاسم الثلاثى الذى على وزن : «فعل» (بفتح فسكون) صحيح العين - غير ما سبق - فمنع أكثر النحاة جمعه قياسا على : «أفعال» (6)
منها : فرخ وأفراخ - حبر وأحبار - زندو أزناد - حمل وأحمال - شكل وأشكال - سمع وأسماع - لفظ وألفاظ - لحظ وألحاظ - محمل وأمحال - رأى وآراء - سطر وأسطار - جفن وأجفان - لحن وألحان - نجد وأنجاد - فرد وأفراد - ألف وآلاف - أنف وآناف - وغير ما ذكره كثير متناثر فى المراجع اللغوية ، منه : أرض وأراض - رمس وأرماس - عرش وأعراش - نهر وأنهار - نذل وأنذال - شخص وأشخاص - شرط وأشراط - جفر (أى : الشاة السمينة) وأجفار - بعض وأبعاض - دخل وأدخال - ضرب وأضراب - .
. وهذا منع لا يستند إلى أساس سليم ، والصواب جواز جمعه قياسيّا على : «أفعال» فيقال : بحث وأبحاث ، وسهم وأسهام ... و ... (7)وقد جری كثير من النحاة وراء سيبويه حتی عصرنا، وكانوا - في هذه المسألة - متسرعين ؛ بدليل ما نقلناه من الصيغ الكثيرة فى رقم 6 من هذا الهامش : وكذلك ما جاء فى الجزء الخامس ص 392 من كتاب إرشاد الأريب لمعرفة الأديب ، تأليف ياقوت الرومى ، وطبعة مرجليوث ، ونصه :
«(حدث أبو حيان التوحيدى. قال : قال الصاحب بن عباد يوما : «فعل» (بفتح فسكون ، ويريد ماكان
العين ، ليس من الأنواع التي ذكروها) و «أفعال» قليل ويزعم النحويون أنه ما جاء منه إلا زند وأزناد ، منه صحيح وفرخ وأفراخ ، وفرد وأفراد. فقلت له : أنا أحفظ ثلاثين حرفا (أى : كلمة) كلها : فعل وأفعال. فقال : هات يا مدعى. فسردت الحروف ودللت على مواضعها من الكتب ، ثم قلت : ليس للنحوى أن يلزم هذا الحكم إلا بعد التبحر ، والسماع الواسع ، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة والقياس مطردا ... وهذا كقولهم : فعيل (بفتح فكسر) على عشرة أوجه ، وقد وجدته أنا يزيد على أكثر من عشرين وجها ، وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه. فقال : خروجك من دعواك فى فعل (بفتح فسكون) يدل على قيامك في فعيل.)» ا ه- .
وقد يفهم من كلام «التوحيدى» أيضا شيء آخر هو أن الكثير الذى يباح عليه القياس يتحقق بورود ثلاثين مثالا مسموعة منه ، والحق أن هذا فوق الكثير المبالغ فيه فيما أرى ؛ لأنه ساقه في معرض التحدى وإثبات الحفظ والمعرفة كما يفهم من روح القصة . لا مجرد نقل المسموع الذي يؤيده.
وجاء على لسان أحد أعضاء المجمع اللغوى القاهرى (وهو الأب أنستاس الكرملي) ما يأتى منقولا من محاضر جلسات دور الانعقاد الرابع ص 51 :
«إن النحاة لم يصيبوا في قولهم : إن : «فعلا » لا يجمع على : «أفعال» إلا فى ثلاثة ألفاظ لا رابع لها : وهى : فرخ وأفراخ ، وحمل وأحمال ، وزند وأزناد ، وأكد ابن هشام أن لا رابع لها. والذى وجدته أن ما سمع عن الفصحاء من جموع : فعل على أفعال أكثر مما سمع من جموعه ، . أى : المطردة . على : أفعل بفتح ، فسكون فضم) أو فعال (بكسر ففتح) ، أو : فعول (بضمتين) فعدد ما ورد على أفعل هو (142) اسما ، وعلى فعال (221) اسما ، وعلى فعلان كذا : ولعل الصواب فعول) هو (42) فأن يسلموا بجمعه قياسا مطردا على أفعال» أحق وأولى. لأن عدد ما ورد فيها هو (340) لفظة وكلها منقولة عنهم ، لو رودها فى الأمهات المعتمدة ؛ مثل القاموس واللسان) ، ثم قال : (يحق للمجمع ألا يعتمد على مجرد الأقوال التي تداولها النحاة ناقلين الأقوال الواحد عن الآخر بلا اجتهاد ولا إمعان في التحقيق بأنفسهم. أما الذى يؤيده الاجتهاد فمخالف لما أثبتوه. وقد حان الوقت أن ينادى المجمع على رءوس الملأ بهذه القاعدة الجديدة المبنية على أقوال الأئمة الفصحاء ...» ا ه.
ثم ذكر بعد هذا أن كل الأمثلة التي وجدها هي لصحيح العين والفاء...
ولا مانع أن يجمع1) كما يأتى فى ص 599 -
2) اسم طائر.
3) اسم طائر
4) فأر.
5) إيضاح هذا فى ص 599.
6) مع أن «التصريح» وحاشيته نقلا منه نحو عشرين :
7) سبب منعهم جمع : «فعل على أفعال» الذى وصفناه هو ما جاء فى الجزء الثانى من كتاب سببويه (ص 175 بعنوان : هذا تكسير الواحد للجمع ..) من أنه يجمع على فعال ، وعلى فعول ، وأفعل. وأن جمعه : على «أفعال» ليس بالباب فى كلام العرب وإن كان قد ورد منه بعض ألفاظ ؛ كأفراخ ، وأجداد ، وأفراد.
4 - فعلة (بكسر ، فسكون ، ففتح) ... ولا يعرف لهذه الصيغة مفردات لها أوصاف معينة. وإنما يعرف عنها أنها مسموعة فى جمع مفردات معدودة بعضها على وزن : فعل (بفتحتين) ؛ نحو : ولد وولدة ، وفتى وفتية ... أو على وزن : فعل (بفتح فسكون) ، نحو : شيخ وشيخة -
ثور وثيرة. أو على وزن فعل (بكسر ففتح) ، نحو : ثنى (1)وثنية. أو على وزن : فعال (بفتح أوله وثانيه) نحو غزال وغزلة. أو على : وزن فعال (بضم ففتح) ، نحو : غلام وغلمة ، أو على وزن : فعيل (بفتح فكسر) ؛ نحو صبىّ وصبية ... وبعض صيغ أخرى لا ضابط لها إلا السماع المحض ، لأن صيغة : «فعلة» لا تطرد فى جمع مفردات معينة - كما سبق - وإنما أمر مفرداتها موقوف على السماع (2)
لفعل اسما صحّ عينا : «أفعل» *** وللرباعىّ اسما ايضا يجعل
إن كان كالعناق والذّراع فى *** مدّ ، وتأنيث ، وعدّ الأحرف
وقد اكتفى ابن مالك فى ضابط «أفعل» بأن مفرده يكون صحيح العين ، وأن الرباعى يكون كالعناق فى المد ، والتأنيث ، وعدد الحروف. وقد شرحنا المراد.
ثم قال فى صيغة : «أفعال» ، إن الذى لا يطرد جمعه على «أفعل» يجمع على «أفعال» : والغالب أن «فعلان» هو جمع لفعل. كصردان فإن مفرده صرد :
وغير ما «أفعل» فيه مطّرد *** من الثلاثىّ اسما «بأفعال» يرد
وغالبا أغناهمو «فعلان» *** فى «فعل» : كقولهم : صردان
ثم انتقل إلى صيغة : «أفعلة» ، فقال :
فى اسم مذكّر رباعىّ بمدّ *** ثالث - «افعلة» عنهم اطّرد
والزمه فى «فعال» أو : «فعال» *** مصاحبى تضعيف ، أو إعلال
أما وزن «فعلة» ومفرده لا يكون إلا سماعيا فعرضه فى الشطر الثانى من بيت بعد هذا مباشرة ، شطره الأول خاص بجمع من جموع الكثرة. (سيجىء فى هامش ص 591) قال :
«فعل» لنحو أحمر وحمرا *** و «فعلة» جمعا بنقل يدرى
يريد من الشطر الثانى أن «فعلة» ، يدرى مفرده ويعلم بالنقل الوارد عن العرب وبالسماع المأثور عنهم. فلا ضابط له ولا قياس.
... .أشهرها ثلاثة وعشرون جمعا قياسيّا. وقبل أن نسردها ، ونذكر شروط اطرادها نذكر أن لكل مفرد من مفرداتها جموعا مسموعة متعددة تخالف هذه الجموع القياسية المطردة - وقد أوضحنا الحكم فى هذا (1)- وفيما يلى القياسية :
1 - فعل (بضم فسكون) وهو جمع قياسىّ لشيئين ، «أفعل» وصف لمذكر (2)، و «فعلاء» وصف لمؤنث ؛ نحو : (أحمر وحمراء ، وجمعهما : حمر.) (وأخضر وخضراء ، وجمعهما : خضر.) (وأصفر وصفراء ، وجمعهما : صفر.) ...
ويجب ترك فائه مضمومة إن كانت عينه صحيحة أو معتلة بالواو ، نحو : خضر ، وزرق ، وسود ، وحوّ ؛ (فى جمع : أخضر وخضراء ، وأزرق وزرقاء ، وأسود وسوداء ، وأحوى وحوّاء (3)) ففى هذه الأمثلة - وأشباهها - تسلم ضمة الفاء فى الجمع ، وتبقى على حالها.
أما إن كانت عينه ياء فيجب قلب ضمة الفاء كسرة ؛ لتسلم الياء من القلب ، (نحو : أبيض وبيضاء ، وجمعهما : بيض ؛ بكسر الباء.) ومثل : (أعين (4)وعيناء وجمعهما : عين ، بكسر العين). ووزن الجمع «فعل» ، بضم الفاء كأصله ، برغم ما طرأ على فائه من قلب ضمتها كسرة.
ويجوز فى ضرورة الشعر ضم العين من هذا الجمع بشرط أن تكون صحيحة
1) فى ص 584.
2) استثنى ابن هشام - كما نقل عنه الصبان - أربعة من ألفاظ التوكيد المعنوى التى سبق الكلام عليها فى بابه من الجزء الثالث ؛ هى : (أجمع - أكتع - أبتع - أبصع -) مصرحا بأنها لا تجمع جمع تكسير ، وإنما تجمع جمع سلامة فقط. ولكن الأمثلة التى عرضتها المراجع النحوية المختلفة فى باب التوكيد اشتملت على جمعها للتكسير على صيغة : «فعل» ولم تقتصر على جمع السلامة. فلعل المراد هو منع تكسيرها على : «فعل».
3) الحوة : سواد يميل إلى خضرة ، أو حمرة تميل إلى سواد.
4) أعين الرجل : اتسعت عينه واشتد سوادها.
وغير مضعفة ، وأن تكون لامه صحيحة كذلك ؛ مثل : «النجل» (1)فى قول الشاعر :
طوى الجديدان (2)ما قد كنت أنشره *** وأنكرتنى ذوات الأعين النّجل
ولا يجوز ضم العين إن كانت معتلة ، نحو : بيض وسود ، أو كانت مضعفة ، نحو : غرّ ، جمع أغر أو غرّاء. أو كانت اللام معتلة ؛ نحو : عشى وعمى ، جمع : أعشى وعشواء ، وأعمى وعمياء (3)
فعل لنحو أحمر وحمرا *** ............
...2 - فعل (بضم أوله وثانيه). وينقاس فى شيئين :
أولهما : وصف على : «فعول» (بفتح فضم) بمعنى فاعل ، نحو : صبور وغفور ؛ فجمعهما القياسى : صبر وغفر ، فإن كان بمعنى مفعول - نحو : حلوب ، وركوب - لم يجمع هذا الجمع.
ثانيهما : اسم رباعى صحيح اللام ، قبل لامه مدّة ؛ سواء أكانت ، ألفا ، أم واوا ؛ أم ياء ، غير أن المدّة إن كانت ألفا يجب أن يكون الاسم غير مضاعف ومن الأمثلة ؛ عماد وعمد ، وأتان وأتن ، وعمود وعمد ، وقلوص (4)وقلص ، وبريد وبرد ... فلا فرق فى هذا الاسم بين المذكر والمؤنث.
فإن كانت المدة ألفا والاسم الرباعىّ مضعّفا فقياس تكسيره : «أفعلة» ، نحو : زمام وأزمّة ، وهلال وأهلة ، وسنان ، وأسنة ... - كما سبق عند الكلام على : «أفعلة» (5). أما إن كانت المدّة ياء أو واوا فالاسم المضعف يجمع على : «فعل» أيضا ؛ نحو : سرير وسرر ، وذلول وذلل (6).
ويجب - فى غير الضرورة الشعرية - تسكين عين هذا الجمع إن كانت واوا ؛ .
نحو : سوار وسور ، وسواك وسوك ، وصوان (1)وصون - أما فى الضرورة الشعرية فيجوز بقاؤها مضمومة.
وإن كانت عينه ياء جاز ضمها أو تسكينها. لكن يجب عند تسكينها كسر فائه ، لتسلم الياء ؛ نحو : سيال (2)وسيل أو : سيل ...
ويجوز تسكين عينه إن كانت حرفا صحيحا ؛ نحو : كتاب وكتب ، أو : كتب ، وأتان وأتن أو أتن ...
ويمتنع تسكين عين المضعف (3)؛ نحو : سرير ، سرر (4)
وفعل لاسم رباعىّ بمد *** قد زيد قبل لام اعلالا فقد
ما لم يضاعف - فى الأعمّ - ذو الألف *** وفعل جمعا لفعلة عرف
(إعلالا : مفعول به للفعل : فقد. والأصل ؛ قد زيد قبل لام ، وحرف اللام فقد إعلالا. أى نشرط أن تكون اللام صحيحة ، و «ذو» نائب فاعل للفعل : يضاعف. وبشرط ألا يكون الاسم الذى قبل آخره ألف - مضاعفا ، وهذا فى الاستعمال الأعم الأغلب المطرد. وبقية البيت الثانى لا شأن له «بفعل» وإنما يختص بوزن آخر سيجىء ؛ هو : فعل.
...فللعين فى هذا الجمع أربع حالات : وجوب ضمها - وجوب تسكينها ، إلا فى المضعف ، فيمتنع - جواز الأمرين من غير تغيير حركة الفاء - جواز الأمرين مع وجوب كسر الفاء إن سكنت العين وكانت ياء.
3 - فعل (بضم ففتح) ويطّرد فى أربعة أشياء.
(ا) اسم على وزن : «فعلة» (بضم فسكون) سواء أكان صحيح اللام ، أم معتلها ، أم مضاعفها ؛ نحو : غرفة وغرف ، ومدية ، ومدى ، وحجّة وحجج.
(ب) وصف على وزن : «فعلى» التى هى مؤنث الوصف المذكر : «أفعل» ، نحو : الكبرى ، والوسطى ، والصغرى ؛ فجمعها القياسى : الكبر والوسط ، والصّغر ، والمفرد المذكر هو : أكبر ، وأوسط. وأصغر. ولا يصح .
جمع «حبلى» على «حبل» لأنها وصف لمؤنث لا مذكر له.
(ح) اسم على وزن : فعلة (بضم أوله وثانيه) ، نحو : جمعة وجمع.
(د) كل جمع تكسير على وزن : «فعل» (1)(بضمتين) وعينه ولامه من جنس واحد ، فإنه يجوز عند بعض القبائل العربية تخفيفه بجعله على وزن : «فعل» (بضم أوله ؛ وفتح ثانيه) ، نحو : جديد وذلول ؛ فقياس جمعهما للتكسير : جدد وذلل ، ويصح التخفيف ؛ فيقال : جدد وذلل ...
4 - فعل (بكسر ففتح) ويطرد فى اسم تام (2)على وزن : «فعلة» (بكسر فسكون) ، نحو : كسرة وكسر ، بدعة وبدع ، فرية وفرى. وقد يجمع فعلة على فعل ؛ وهو قياسى ، ولكنه قليل نحو حلية وحلى ، ولحية ولحى (بضم أولهما فى التكسير أو بالكسر).
فإن كان المفرد صفة لم يجمع قياسا هذا الجمع ؛ نحو : صغرة وكبرة (بمعنى : صغير وكبير) وكذلك إن كان غير تام ، نحو : رقة (3)، وأصلها ورق (بكسر الواو) حذفت فاؤها ، ونقلت حركتها إلى الحرف الساكن بعدها ، وعوّض عنها تاء التأنيث فى آخره ؛ فلا يقال : «ورق» بجمع المفرد ، بعد إرجاع الحرف المحذوف ، وإبقاء التاء التى هو عوض عنه. فهذا لا يصح ؛ لأن فيه جمعا بين العوض والمعوّض عنه (4)
... *** وفعل جمعا لفعلة عرف
ونحو : كبرى ، ولفعلة فعل *** وقد يجىء جمعه على فعل
...5 - فعلة (بضم ففتح) وهو مقيس فى كل وصف لمذكر عاقل ، على وزن : فاعل ، معتل اللام بالياء أو بالواو ؛ نحو ؛ رام ورماة ، ساع وسعاة ، غاز وغزاة ، داع ودعاة. وأصل : رماة وسعاة وغزاة ودعاة - رمية ، وسعية وغزوة ، ودعوة. وكلها على وزن : «فعلة» تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله ، فانقلب حرف العلة ألفا ؛ فصار جمع التكسير على الصورة السالفة ، ووزنها «فعلة» بالرغم مما دخلها من التغيير. ل
فلا يجمع على هذا الوزن ما كان اسما ، نحو : واد ، وعاد (اسم قبيلة) ، ولا ما كان وصفا لمؤنث ؛ نحو : سارية وعادية ، ولا ما كان وصفا لمذكر غير عاقل ؛ نحو : أسد ضار ، أو وصفا وزنه على غير فاعل ؛ كجميل ، أو صحيح اللام ؛ كعالم ...
6 - فعلة (بفتح أوله وثانيه) ، وهو مقيس فى كل وصف على وزن : «فاعل» ، لمذكر ، عاقل ، صحيح اللام ، نحو : كامل وكملة ، وكاتب وكتبة ، وبارّ وبررة.
فلا يجمع هذا الجمع ما كان غير وصف ؛ نحو : واد وعاد ، اسمين ... ولا ما كان وصفا على غير فاعل ، نحو : حذر ، ولا ما كان وصفا لمؤنث ؛ نحو : طالق ، وحامل (بمعنى حبلى) ، ولا ما كان وصفا لغير العاقل ؛ نحو : صاهل ، ولا حق ، وسابق ؛ من أوصاف الحصان ، ولا ما كان وصفا معتل اللام ، نحو : ساع ، وداع (1)
فى نحو : رام ذو اطّراد فعله *** وشاع نحو : كامل وكمله
واكتفى بالمثال «رام» فلم يذكر الشروط الخاصة بجمع هذا المفرد على : فعلة ، لأن الشروط التى سردناها متحققة فى المثال. كما استغنى بالمثال : «كامل» الذى قياس جمعه للتكسير «فعلة» عن سرد الشروط ، لأن المثال جامع لها. والمراد بالشيوع فى الشطر الثانى من البيت : الشيوع الذى يفيد الاطراد ، لأن بعض الأشياء الشائعة لا تكون مطردة عند فريق من قدامى النحاة. وقد ذكرنا فى هامش ص 585 ما قرره المجمع اللغوى ، وهو : أن الشيوع والاطراد فى كلام القدماء بمعنى واحد ، وكلاهما يقاس عليه.
...فأوصاف المفرد هنا هى أوصافه فى الصيغة السابقة إلا أن اللام هنا صحيحة وهناك معتلة.
7 - فعلى (بفتح فسكون) ، وهو مقيس فى كل وصف دالّ على آفة طارئة ؛ من موت ، أو ألم ، أو عيب ونقص ، (أىّ نقص) ، ويشمل سبعة أنواع :
(ا) المفرد الذى على وزن : «فعيل» بمعنى : مفعول ، نحو : صريع ، وقتيل ، وجريح. والجمع ؛ صرعى ، قتلى ، جرحى. وهذه أوصاف دالة على موت ، أو توجع. .
1) وفى جمعى فعلة وفعلة يقول ابن مالك :
(ب) المفرد الذى على وزن : فعيل ؛ بمعنى فاعل ؛ نحو : مريض ومرضى (1).
(ح) المفرد الذى على وزن : فعل ؛ كزمن وزمنى ،
والوصفان السالفان دالان على الألم.
(د) المفرد الذى على وزن فاعل ، نحو : هالك وهلكى.
(ه) المفرد الذى على وزن : فيعل (بفتح ، فسكون ، فكسر) ، نحو : ميّت وموتى.
(و) المفرد الذى على وزن : أفعل ، كأحمق وحمقى.
(ز) المفرد الذى على وزن فعلان : كسكران وسكرى.
وهذان الوصفان الأخيران دالّان على نقص وعيب (2)
فعلى لوصف ، كقتيل وزمن *** وهالك. وميّت به قمن
(قمن ، أى : حقيق وجدير). يريد : أن : «فعلى» جمع لكل وصف على وزن : «فعيل» و «فعل» ، و «فاعل» كالأمثلة السابقة وما يؤدى معناها ، فى الدلالة على الهلاك أو المرض أو الألم .. ثم قال : إن ما كان على وزن : فيعل ؛ كميت ، حقيق بأن يجمع هذا الجمع فيقال فيه : موتى. وأصل : «ميّت» ميوت اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ؛ قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء.
...8 - فعلة (بكسر ففتح) وهو مقيس فى كل اسم صحيح اللام ، على وزن : فعل (بضم فسكون) ، نحو : قرط وقرطة ، ودرج ودرجة ، وكوز وكوزة ، ودبّ ودببة. ومن القليل المقصور على السماع أن يكون جمعا لفعل (بفتح فسكون) أو : لفعل (بكسر فسكون) ، نحو : غرد (3)وغردة - قرد وقردة (4)
لفعل اسما صحّ لاما «فعله» *** والوضع - فى فعل وفعل - قلّله
(الوضع العربى ، وهو وضع العرب للألفاظ بصيغها ومعانيها الواردة عنهم - قلل أن يكون وزن فعلة جمعا لاسم على وزن : فعل ، أو فعل ؛ فكلمة : «الوضع» مبتدأ ، خبره الجملة الفعلية : قلله).
... .9 - فعّل : (بضم أوله ، وتشديد ثانيه المفتوح) ، وهو مقيس فى كل : وصف ، صحيح اللام ، على وزن : فاعل ، أو فاعلة ، سواء أكانت عينهما صحيحة أم معتلة ؛ نحو : قاعد وقاعدة ، ونائم ونائمة ، والجمع : قعّد ، ونوّم. ومن النادر الذى لا يقاس عليه أن يكون : «فعّل» جمعا لوصف معتل اللام لمذكر على وزن : فاعل ، نحو : غزّى ، وسرّى ، وعفّى ، فى جمع : غاز ، وسار ، وعاف.
10 - فعّال (بضم أوله وتشديد ثانيه) ، وهو مقيس فى كل وصف صحيح اللام لمذكر ، على وزن : فاعل ، نحو : صائم وصوّام ، قارئ وقراء. ومن النادر الذى لا يقاس عليه أن يكون جمعا لوصف (صحيح اللام على وزن : «فاعلة» ، كقول الشاعر :
أبصارهن إلى الشبان مائلة *** وقد أراهن عنى غير صدّاد
جمع لصادّة (1)
وفعّل لفاعل ، وفاعله *** وصفين ؛ نحو : عاذل وعاذله
ومثله الفعّال فيما ذكّرا *** وذان فى المعلّ لاما ندرا
ويفهم من البيت الثانى أن الفعّال كالفعّل ، ولكن بشرط أن يكون المفرد مذكرا ، وأن الوزنين نادران فى الوصف المعتل اللام ؛ نحو : غاز ، وغزّى ، وغزّاء.
...11 - فعال (بكسر ففتح من غير تشديد) ، وهو مقيس فى مفردات كثيرة الأوزان ، وأشهرها ثلاثة عشر وزنا :
الأول والثانى : «فعل» ، وفعلة» (بفتح الأول وسكون الثانى فيهما) اسمين أو وصفين ، ليست فاؤهما ولا عينهما ياء. نحو : كعب وكعاب ، وقصعة وقصاع ، وصعب وصعاب ، وخدلة (2)وخدال.
فإن كان معتل الفاء أو العين بالياء فجمعه على «فعال» نادر ، لا يقاس عليه ؛ نحو : يعر (3)ويعار ، وضيف وضياف ، وضيعة وضياع (4)
«فعل وفعلة» ؛ «فعال» لهما *** وقلّ فيما عينه «اليا» منهما
ولم يذكر أنه قليل فيما فاؤه «اليا» أيضا.
... .الثالث ، والرابع : فعل وفعلة (بفتح أولهما وثانيهما) ، بشرط أن يكونا اسمين ، لامهما صحيحة ، وغير مضعفة ، نحو : جبل وجبال ، وجمل وجمال ، ورقبة ورقاب ، وثمرة وثمار ... فخرج نحو : بطل وبطلة ؛ لأنه وصف ، ونحو : فتى وعصا ؛ لاعتلال لامهما ، ونحو : طلل ، لأنه مضعف اللام ...
الخامس ، والسادس : فعل (بكسر فسكون) وفعل (بضم فسكون) بشرط أن يكونا اسمين ، وأن يكون «فعل» غير واوى العين ؛ كحوت ، ولا يائى اللام كمدى (1)، ومن الأمثلة : ذئب وذئاب ، بئر وبئار ، رمح ورماح ، دهن ودهان (2)
و «فعل» أيضا له : «فعال» *** ما لم يكن فى لامه اعتلال
أو يك مضعفا. ومثل : «فعل» *** ذو التّاو «فعل» «مع فعل» ؛ فاقبل
أى : اقبل جمع : «فعل وفعل» على «أفعال». ولم يذكر شروط جمعهما وقد ذكرناها. والمراد بقوله : «ذو التاء» ما كان على وزن : «فعل» وختم بها فصار : «فعلة». مع استيفائه الشروط
...السابع ، والثامن : فعيل بمعنى فاعل (3)، ومؤنثه ؛ بشرط أن يكونا وصفين ، ولامهما صحيحة ، نحو : ظريف وظريفة وجمعهما : ظراف. وكريم وكريمة وجمعهما : كرام ، وشريف وشريفة وجمعهما : شراف. فخرج نحو : حديد وجريدة ؛ لأنهما اسمان ، ونحو : غنىّ وولىّ ؛ لاعتلال لامهما ، وكذلك غنية وولية. وكذلك جريح وجريحة ؛ لأنهما وصفان بمعنى مفعول ، لا فاعل (4)
وفى : «فعيل» وصف فاعل ورد *** كذاك فى أنثاه أيضا اطّرد
...وإذا كان فعيل هذا ومؤنثه معتلى العين بالواو ، صحيحى اللام فإن العرب تكاد تلتزم فى جمعهما صيغة : فعال ؛ نحو : (طويل وطويلة ، وجمعهما : د
طوال) ، (وقويم (1)وقويمة ، وجمعهما : قوام) ، (وصواب وصويبة (2)، وجمعهما : صواب ...)
التاسع ، والعاشر ، والحادى عشر : وصف على وزن : فعلان ، أو على مؤنثيه : فعلى ، وفعلانة (بفتح وسكون فى الثلاثة) ، نحو : غضبان وغضبى ، وجمعهما غضاب ، ومثل : ندمان وندمانة ، وجمعهما : ندام.
الثانى عشر ، والثالث عشر : وصف على وزن : فعلان ، أو على مؤنثه : فعلانة (بضم فسكون فيهما) ؛ نحو : خمصان (3)وخمصانة ، وجمعهما : خماص (4)
وشاع فى وصف على : «فعلانا» *** أو : «أنثييه» ، أو على : «فعلانا»
ومثله : «فعلانة». والزمه فى *** نحو : «طويل ، وطويلة» تفى
أى : تفى بالمطلوب ، وتحقق القياس. والمراد بالشيوع هنا : الاطراد والكثرة التى يقاس عليها.
...هذا ، وجمع : «فعال» من جموع التكسير التى لها مفردات كثيرة غير قياسيّة.
12 - فعول (بضم أوله وثانيه) ويطرد فى ألفاظ :
منها : الاسم الذى على : «فعل» (بفتح فكسر) ، نحو : كبد وكبود ، نمر ، ونمور ...
ومنها الاسم الثلاثى الساكن العين بشرط أن يكون مفتوح الفاء ، وليس معتل العين بالواو ، نحو : كعب وكعوب - رأس ورءوس - عين وعيون.
فخرج منه ، نحو : حوض ، فلا يجمع على : فعول ...
ومنها : الاسم الثلاثى ساكن العين ، مكسور الفاء ؛ نحو : علم وعلوم .
فى «فعل» اسما مطلق «الفا» و «فعل» *** له وللفعال فعلان حصل
المراد بمطلق «الفاء» أن فاءه ليست مقيدة بالفتح ، أو بالكسر ، أو بالضم ، ولم يذكر الشروط والتفصيلات الخاصة بمفتوح الفاء ، ومضمومها ، وقد سردناها. والجزء الأخير من البيت الثانى خاص بجمع آخر هو ، «فعلان» وسيجىء الكلام عليه.
.ومنها : الاسم الثلاثى ساكن العين ، مضموم الفاء بشرط ألا يكون معتل العين بالواو : كحوت ، ولا معتلّ اللام ؛ كمدى - وهو نوع من المكاييل ، كما سبق (2)، ولا مضعف اللام ؛ كمدّ - لنوع من المكاييل أيضا - ومن الأمثلة الصحيحة : جند وجنود ؛ برد وبرود.
أما : معتل العين بالواو فالغالب جمعه على : فعلان ؛ مثل : حوت وحيتان ، وأما المعتل اللام فالغالب جمعه على : «أفعال» ، نحو : مدى وأمداء - بقلب يائه همزة ؛ طبقا لقواعد الإعلال - وكذلك مضعف اللام ، نحو : مدّ وأمداد.
ومنها : اسم ثلاثى على وزن : «فعل» (بفتح أوله وثانيه) الخالى من حروف العلة. وهذا النوع مختلف فى اطراده ؛ فقيل : يجمع قياسا على : «فعول» وهذا حسن ، وقيل سماعا فقط ، نحو : أسد وأسود ، وشجن وشجون. والذين يقولون بقياسيته يشترطون ألا يكون وصفا ولا مضاعفا ، فلا يجمعون كلمة : نصف (3)ولا لبب (4)على : نصوف ، ولبوب.
13 - فعلان (بكسر فسكون) وهو مقيس فى ألفاظ ، منها : اسم على وزن : «فعال» (بضم ففتح) : نحو ؛ غلام وغلمان ، وغراب وغربان.
ومنها : اسم على : «فعل» (بضم ففتح) ؛ نحو : جرذ وجرذان - صرد (5)وصردان. .
1) وفى جمع : «فعول» بأنواعه المختلفة التى شرحناها يقول ابن مالك :
وبفعول : «فعل» ؛ نحو : كبد *** يخصّ غالبا. كذاك يطّرد
2) فى رقم 1 من هامش ص 597
3) المرأة المتوسطة السن.
4) موضع القلادة من العنق.
5) طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. وقد سبقت الإشارة لهذا الجمع فى ص 587.
ومنها : اسم على : «فعل» (بضم فسكون) معتل العين بالواو ؛ نحو : حوت وحيتان - كوز وكيزان - عود وعيدان ...
ومنها : اسم على «فعل» (بفتح ففتح) ؛ والأغلب أن تكون عينه فى الأصل معتلة ؛ نحو : تاج وتيجان ، ونار ونيران ، وقاع وقيعان ، وخال وخيلان (1)والأصل : توج ، ونور ، وخيل (2)
... *** .. وللفعال : فعلان حصل
وشاع فى حوت وقاع مع ما *** ضاهاهما. وقلّ فى غيرهما
... (تحرك حرف العلة فى المفرد ، وانفتح ما قبله ، فانقلب ألفا.)14 - فعلان (بضم فسكون) ويطّرد فى اسم على وزن : فعل (بفتح فسكون) ، نحو : ظهر وظهران ، وبطن وبطنان ، وفى اسم صحيح العين على وزن : فعل (بفتح ففتح) ، نحو : حمل وحملان ، بلد وبلدان. وفى اسم على : فعيل ؛ نحو : رغيف ورغفان ، وكثيب وكشبان ... (3)
و «فعلا» اسما ، و «فعيلا» و «فعل» *** غير معلّ العين : فعلان شمل
(فعلا : مفعول به مقدم للفعل : شمل فى آخر البيت). يريد : أن الجمع : «فعلان» يشمل من المفردات أنواعا منها : فعل ، وفعيل ، وفعل ...
15 - فعلاء (بضم ففتح) ويطّرد فى أشياء منها :
«فعيل» بمعنى : فاعل ، وصفا لمذكر عاقل (4)؛ أو بمعنى : مفعل (بضم فسكون : فكسر) أو بمعنى : مفاعل (بضم ففتح ، ثم كسر العين) بشرط أن تكون صيغة «فعيل» فى الثلاثة غير مضعفة ، ولا معتلة اللام. ومن الأمثلة : (كريم وكرماء ، وبخيل وبخلاء ، وظريف وظرفاء) وكذا : (سميع ؛ بمعنى : مسمع ، وجمعه : سمعاء ، وأليم بمعنى : مؤلم ، وجمعه ألماء. وخصيب بمعنى : مخصب وجمعه : خصباء) ، وكذا : (خليط بمعنى : مخالط ، وجليس ؛ بمعنى : مجالس ، وقريع بمعنى : مقارع ... وجموعها : خلطاء - جلساء - قرعاء.) .
ومنها : «فاعل» ، وصفا دالا على غريزة ، وسجية ، وأمر فطرى غير مكتسب - غالبا - نحو : عاقل وعقلاء - نابه ونبهاء - شاعر وشعراء (1)
ولكريم وبخيل فعلا *** كذا لما ضاهاهما قد جعلا
وناب عنه «أفعلاء» ؛ فى المعل *** لاما ، ومضعف. وغير ذاك قل
وقد قيل : إن «أفعلاء» هذا نائب عن «فعلاء» لعلل مصنوعة دفعها المحققون. ولا داعى للتسمية ولا للتعليل ؛ لأن العلة الحقيقية هى استعمال العرب هذا الوزن جمعا لفعيل بمعنى فاعل إذا كان مضعفا أو معتل اللام.
. أو دالا على ما يشبه الغريزة والسجية فى الدوام وطول البقاء ؛ نحو : صالح وصلحاء.16 - أفعلاء (بفتح ، فسكون ، فكسر ، ففتح ...) وهو مقيس فى كل وصف على وزن : «فعيل» (بفتح فكسر) بمعنى : فاعل (2). بشرط أن يكون مضعفا أو معتل اللام ، نحو : (عزيز وأعزاء ، وشديد وأشداء ، وقوىّ وأقوياء - وولىّ - وأولياء ... ومن القليل الذى لا يقاس عليه : صديق وأصدقاء ، لأنه ليس مضعفا ، ولا معتلّ اللام. وكذلك ظنين (أى : متهم) ، وأظنّاء ، لأنه بمعنى مفعول ، لا فاعل.
17 - فواعل : وهو مقيس فى أشياء أشهرها سبعة ؛ هى :
(ا) فاعلة : سواء أكان اسما أم صفة. وقد اجتمعا فى قوله تعالى : ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ، ناصِيَةٍ ، كاذِبَةٍ ، خاطِئَةٍ ) . فالناصية : اسم ، وكاذبة وخاطئة وصفان. والجمع نواص ، كواذب ، خواطئ.
(ب) اسم على : «فوعل» أو : فوعلة (بفتح ، فسكون ، ففتح ، فيهما) ، نحو : جوهر ، وكوثر ، وصومعة ، وزوبعة. وجمعها : جواهر ، وكواثر ، وصوامع ، وزوابع.
(ح) فاعل (بفتح العين) اسما ؛ كخاتم ، وقالب ، وطابع (بفتح العين فى الثلاثة. طبقا لإحدى اللغتين) (3)وجمعها : خواتم ، وقوالب ، وطوابع.
(د) فاعلاء (بكسر العين وفتح اللام). اسما ، نحو : قاصعاء ، وراهطاء ، ونافقاء ، والأسماء الثلاثة لجحر اليربوع (4). .
(ه) فاعل (بكسر العين) اسما ، نحو : جائز (1)وكاهل (2)، وجمعهما : جوائز وكواهل.
(و) فاعل (بكسر العين) وصفا خاصّا بالمؤنث العاقل ، ولا تدخله تاء التأنيث - غالبا (3)- نحو ؛ طالق وطوالق.
(ز) فاعل (بكسر العين) وصفا لمذكر غير عاقل (4)؛ نحو : صاهل وشاهق (للمكان المرتفع) والجمع : صواهل وشواهق.
ومن كلامهم السالف يتبين أن صيغة : «فاعل» (بكسر العين) إذا كانت وصفا لمذكر عاقل (5)
فواعل : لفوعل ، وفاعل *** وفاعلاء مع نحو : كاهل
وحائض ، وصاهل. وفاعله *** وشذّ فى الفارس مع ماثله
يشير «بكاهل» إلى الاسم الذى على وزن : فاعل (بكسر العين) و «بحائض» إلى الوصف الذى على وزن : فاعل (بكسر العين). خاصا بالأنثى. و «بصاهل» : إلى فاعل (بكسر العين) وصفا لما لا يعقل ..
فإنها لا تجمع على «فواعل» وقد حكم أكثر النحاة بالشذوذ على ما خالف هذا من مثل : شاهد وشواهد ، وفارس وفوارس ، وناكس ونواكس فى قول الفرزدق:وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم *** خضع الرقاب ، نواكس الأبصار
وتأول غيرهم الأمثلة السالفة ونظائرها - مع كثرتها - تأويلا غير مقبول ، (كأن يقول : إن مفرد هذا الجمع ليس : «فاعلا» ، وإنما هو : «فاعلة» والأصل : طوائف فوارس ، وطوائف نواكس ... فالجمع عنده صفة لموصوف ، مفرده : فاعلة ؛ فيكون جمعها قياسا : على : فواعل. وتأويلات أخرى يحاولون بها إخضاعها للقياس. وفى كل هذه التأويلات تكلف وتصنع معيبان.)
والحق أنّ صيغة (فاعل) تجمع قياسا على «فواعل» سواء أكانت صيغة «فاعل» صفة للمذكّر العاقل أم غير العاقل ؛ لكن مراعاة الشرط (6)أفضل .
لأنه الأكثر ، أما من لا يراعيه فلا يحكم عليه بالتخطئة ، وإنما يحكم عليه بترك الأفضل إلى ما هو مباح وإن كان دونه فى القوة (1)
وأقوى مما سبق وأصرح ما جاء في كتاب تاج العروس ، شرح القاموس» ج 1 مادة : قرآن ، عند الكلام
على : («قوارئ» ما نصه : «قوارى» كدنانير . وفى نسختنا : «قوارئ» كفواعل ، وجعله شخنا من التحريف. قلت : إذا كان جمع قارئ» فلا مخالفة للسماع ولا للقياس فإن فاعلا يجمع على فواعل ...) ا ه- ، وهذا نص آخر. فلا داعى اليوم للتمسك بالشرط السالف إلا على أنه الأفضل ، لا على سبيل أنه - وحده - الأفصح.
...18 - فعائل وهو مقيس فى كل رباعىّ - اسم أو صفة - مؤنث تأنيثا لفظيّا أو معنويّا ، ثالثه مدّة ، ألفا كانت ، أو واوا ، أو ياء. فيشمل عشرة أوزان ؛ خمسة مختومة بالتاء (2)، وخمسة مجردة منها.
فالتى بالتاء منها : «فعالة» (مضمومة الفاء ، أو مفتوحتها ، أو مكسورتها) ؛ نحو : ذؤابة وذوائب ، وسحابة وسحائب ، ورسالة ورسائل.
ومنها : فعولة (بفتح الفاء) ، نحو : حمولة وحمائل.
ومنها : فعيلة (بفتح فكسر) ، نحو : صحيفة وصحائف. ويشترط ألا تكون صفة بمعنى «مفعولة» ؛ كجريحة ، بمعنى : مجروحة ؛ فلا يقال : جرائح.
والمجردة من التّاء (ويشترط فيها أن تكون لمؤنث معنوى) هى : فعال (بكسر أوله وفتح ثانيه) ، نحو : شمال (3)وشمائل - وفعال (بضم
1) أما سبب الإباحة وعدم التقيد بالشرط (الذى يقضى بألا تجمع صيغة «فاعل» على «فواعل» إذا كانت وصفا لمذكر عاقل) ؛ فهو ما تيسر لبعض الباحثين المعاصرين من اهتدائه فى الكلام الفصيح الذى يحتج بصحته ، إلى جموع كثيرة جاوزت الثلاثين ، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل ومن هذه الجموع : سابق وسوابق - هالك وهوالك - سابح وسوابح - حاسر وحواسر - قارئ وقوارئ - كاهن وكواهن - عاجز وعواجز - غائب وغوائب - رافد وروافد - حاج وحواج ... وقبل اليوم وقف صاحب خزانة الأدب (فى الجزء الأول ، ص 190 طبعة المطبعة السلفية) عند كلامه على بيت الفرزدق السابق وما تضمنه من جمع التكسير «نواكس» فعرض أمثلة من هذا الجمع، جاوزت العشرة - ثم وصلت بعده إلى ما ذكرناه أو يزيد. وفى المصباح المنير (مادة فرس) بعض منها وبعض يغايرها مثل : صاحب وصواحب ، وناكص ونواكص .. و ..
2) ويلحق بها المختوم بألف التأنيث - وستجىء - ويشترط بعض النحاة فى المختوم بالتاء مما ليس على وزن «فعيلة» أن يكون اسما ، لا صفة أما «فعيلة» فتجمع عنده مطلقا ؛ سواء أكانت وصفا ، أم غير وصف ... وهو بشرطه السالف يخالف غيره ممن لم يشترطه. والأحسن إهمال شرطه. هذا ، وإذا كانت «فعيلة» بمعنى «مفعولة» لم تجمع على : «فعائل» - كما سيجىء -
3) لليد اليسرى.
أوله ، وفتح ثانيه) ، نحو : عقاب (1)وعقائب. وفعول (بفتح فضم) ، نحو : عجوز (2)وعجائز ، وفعيل (بفتح فكسر) ، نحو : لطيف (اسم امرأة) ولطائف وفعال (بفتح ففتح) ، نحو : شمال (3)وشمائل.
ومن المؤنث : النوع المختوم بألف التأنيث المقصورة ؛ مثل : حبارى (4)وحبائر. والممدودة ، نحو : جلولاء (5)وجلائل (6)
و «بفعائل» اجمعن : «فعاله» *** وشبهه ؛ ذا تاء ، أو مزاله
(أى : ذا تاء ثابتة أو مزالة ، فمزالة معطوفة على محذوف. ومعنى مزالة : أنها أزيلت وأبعدت ، والمراد : أنها غير موجودة ، والمراد بشبه : «فعالة» : صيغتان - ؛ هما : «فعيل وفعول» (بفتح أولهما) مشتملتين على التاء أو مجردتين منها ؛ كظريفة وظرائف ، ولطيف (اسم امرأة) ولطائف. وحلوبة وحلائب
...19 - فعالى ... (بفتح أوله وثانيه ، وكسر ما قبل آخره) ، ويطرد فى أوزان ؛ أشهرها سبعة.
أولها : فعلاة (بفتح فسكون) ، نحو : موماة (7)وموام.
ثانيها : فعلاة (بكسر فسكون) ؛ نحو : سعلاة (8)وسعال.
ثالثها : فعلية (بكسر فسكون فكسر ففتح ...) ، نحو : هبرية (9)وهبار.
رابعها : فعلوة (بفتح ، فسكون ، فضم ، ففتح) ، نحو : عرقوة (10)وعراق.
خامسها : ما كان ذا زيادتين بينهما حرف أصلى ، ويحذف أول الزيادتين عند بعض العرب ، نحو : حبنطى (11)وحباط ، وقلنسوة وقلاس ، بحذف النون فيهما. بخلاف من يحذف ثانى الزائدين فإنه يجمعهما على : حبانط وقلانس بحذف الألف الأخيرة (الياء) (12)والواو. .
1) اسم طائر.
2) للمرأة - غالبا - إذا كانت عجوزا ، وقد يقال للرجل أيضا.
3) اسم ريح.
4) اسم طائر.
5) اسم بلد فى فارس.
6) وفى فعائل يقول ابن مالك :
7) صحراء واسعة.
8) وهى - فى زعمهم - الغول ، أو ساحرة من الجن.
9) للقشر الذى فى شعر الرأس. أو لذرات القطن والدقيق المتطاير ..
10) الخشبة المعترضة على رأس الدلو.
11) الكبير البطن.
12) سيجىء فى ص 613 بيان الحذف وسببه.
سادسها : فعلاء : (بفتح فسكون ففتح) اسما ؛ كصحراء وصحار ، أو وصفا لأنثى ، لا مذكر له ؛ نحو : عذراء (1)، وعذار (2)...
سابعها : ما يحتوى على ألف مقصورة للتأنيث ، أو : للإلحاق ، كحبلى وحبال ، وذفرى (3)وذفار.
وما كان «كفعلاء» السابقة أو مختوما بألف التأنيث المقصورة أو بألف الإلحاق - يجوز جمعه على : «فعالى» كما يتبين من الصيغة التالية.
20 - فعالى : (بفتح أوله وثانيه ورابعه) ، وهو مقيس فيما سبقت الإشارة إليه فى الوزنين السادس والسابع ، أى : فى «فعلاء» ، إما اسما ؛ كصحراء ؛ وإما وصفا لمؤنث لا مذكر له ؛ كعذراء (4)وإما مختوما بألف التأنيث المقصورة كحبلى ، أو بألف الإلحاق كذفرى (5)؛ فيقال فى الجمع : صحارى ، وعذارى ، وحبالى ، وذفارى ، كما يصح : صحار ، وعذار ، وحبال وذفار على أساس ما تقدم (فى 19) ، فهذه المفردات - ونظائرها - مشتركة عند جمعها بين صيغتى فعالى ... وفعالى ... بكسر اللام أو فتحها.
وتنفرد صيغة : «فعالى» ... (بكسر اللام) بالخمسة التى ذكرت قبل صيغة : فعلاء ؛ كما تنفرد «فعالى» (بفتح اللام) بوصف على وزن : «فعلان» أو «فعلى» (بفتح فسكون ففتح فيهما) ، نحو : كسلان ، وسكران وغضبان ، وجمعها : كسالى ، وسكارى ، وغضابى ؛ بفتح ما قبل الآخر ولا يصح كسره. والأحسن فى صيغة هذا الوصف ضم أوله عند جمعه ؛ فيقال : كسالى ، وغضابى ، وسكارى.
«ملاحظة» : عرفنا أن وزن «فعلاء» اسما أو صفة يجمع (6) على : الفعالى
1) وهى : البكر.
2) يخالف الأشمونى غيره فى صيغة «فعلاء» التى هى صفة لأنثى كعذراء ، فيرى أن جمعها على الفعالى والفعالى - بكسر اللام وفتحها - غير قياسى وأنه مقصور على السماع ؛ طبقا لما جاء فى التسهيل ، دون ما فى الألفية ، وابن عقيل وسواهما (انظر ما سبق متصلا بهذا فى ص 202 عند الكلام على صيغة منتهى الجموع فى الممنوع من الصرف).
3) يخالف الأشمونى غيره فى صيغة «فعلاء» التى هى صفة لأنثى كعذراء ، فيرى أن جمعها على الفعالى والفعالى - بكسر اللام وفتحها - غير قياسى وأنه مقصور على السماع ؛ طبقا لما جاء فى التسهيل ، دون ما فى الألفية ، وابن عقيل وسواهما (انظر ما سبق متصلا بهذا فى ص 202 عند الكلام على صيغة منتهى الجموع فى الممنوع من الصرف).
4) موضع خلف أذن البعير يرشح منه العرق.
5) مع الخلاف فى هذا.
والفعالى (بكسر اللام أو فتحها) ، فنقول فى الصحراء والعذراء : الصحارى والصحارى ، والعذارى ، والعذارى ...
ويجوز شىء ثالث ؛ هو : جمعهما على : الفعالىّ (بكسر اللام وتشديد الياء) (1). ذلك أن وزنهما الصرفى هو : «فعلاء». فالألف التى قبل الهمزة تقلب عند الجمع ياء ، بسبب كسر ما قبلها ، وتقلب الهمزة أيضا ياء ، وتدغم فى الياء السابقة ؛ فتصير الكلمة بعد الجمع ، صحارىّ وعذارىّ ... ومن الممكن التخفيف بحذف إحدى الياءين ، فإن حذفت الثانية التى تحركت بالفتحة بعد إدغامها صار الجمع : صحارى وعذارى ، بإسكان الياء مع كسر ما قبلها ؛ ثم حذفها للسبب الذى من أجله تحذف فى المنقوص (2)
وبالفعالى والفعالى جمعا *** صحراء ، والعذراء : والقيس اتبعا
أى : اتبع القياس على هذين المثالين. يريد : قس عليهما نظائرهما ...
. وإن حذفت الأولى الساكنة فتح الحرف الذى قبلها لتنقلب الياء الثانية ألفا ، وتبقى من غير حذف ؛ فيقال : صحارى وعذارى (3)وبالفعالى والفعالى جمعا *** صحراء ، والعذراء : والقيس اتبعا
أى : اتبع القياس على هذين المثالين. يريد : قس عليهما نظائرهما ...
..21 - فعالىّ (بفتح ، ففتح مع مد ، فكسر ، فياء مشددة) ويطّرد فى :
(ا) كل ثلاثى ساكن العين ، فى آخره ياء مشددة تلى الأحرف الثلاثة سواء أكانت هذه الياء فى أصلها لغير النسب ؛ نحو : قمرىّ (4)وكركىّ (5)وكرسىّ ، وبردىّ (6)- أم كانت فى أصلها مزيدة لغرض النسب ، ثم أهمل هذا الغرض ، وصار متروكا غير ملحوظ. مثل : مهرىّ ، فأصله : الجمل المنسوب إلى قبيلة : «مهرة» اليمنية التى اشتهرت قديما بإبلها النجيبة القوية ، ثم كثر استعماله حتى نسى النسب ، وأهمل ، وصار ، «المهرىّ» اسما للنجيب من الإبل مطلقا بغير نظر إلى أصله ولا تفكير فيه. ومثله : بختىّ ، فأصله الجمل المنسوب إلى «بخت» وهى إبل خراسانية اشتهرت بقوتها وحسنها. ثم شاع .
1) وسيجىء الكلام عليه بعد هذا مباشرة.
2) انظر السبب والحكم فى ص 620 - وفى الفعالى والفعالى (بكسر اللام وفتحها) ، يقول ابن مالك من غير إيضاح ولا تفصيل :
3) انظر السبب والحكم فى ص 620 - وفى الفعالى والفعالى (بكسر اللام وفتحها) ، يقول ابن مالك من غير إيضاح ولا تفصيل :
4) طائر مغرد.
5) أحد الطيور المائبة.
6) نبات مائى كان قدماء المصريين يكتبون عليه ما يريدون ، كما نكتب اليوم على الورق.
استعمال «البختى» فى كل «جمل» قوىّ جميل من غير نظر لنشأته ، ولا تفكير فى نسبته. فمثل الأشياء السابقة تجمع قياسا على : «فعالىّ» ، فيقال فيها : قمارىّ - كراكىّ - كراسىّ - برادىّ - مهارىّ - بخاتىّ - ... وهكذا.
ويفهم مما سبق أن المختوم بياء النسب المتجدد (1)، - (كمصرىّ ، وتركىّ ، وبصرىّ) لا يجمع هذا الجمع. ومن ثمّ قالوا فى أناسىّ : إنه جمع : إنسان ، لا : إنسىّ ؛ لأن الياء فى : «إنسىّ» للنسب الباقى على حاله (2). وكذلك لا يجمع على هذا الوزن مثل : «عربى ، وعجمى» ... لتحرك عينهما ...
(ب) ووزن فعالىّ مقيس أيضا - على الصحيح - فى وزن : «فعلاء» على الوجه الذى سبق شرحه وإبانته فى الصيغتين السالفتين (19 ، 20) (3)
واجعل : «فعالىّ» لغير ذى نسب *** جدّد ، كالكرسىّ ؛ تتبع العرب
المراد بالنسب الذى جدد - كما سبق فى رقم 1 - هو : النسب القائم وقت جمع الكلمة ، الباقى لأداء الغرض منه. فمثله يمنع جمع الكلمة على : «فعالىّ» أما النسب غير المجدد وهو النسب القديم فى أصله ، المهمل فى حاضره عند جمع الكلمة ، فإنه لا يمنع جمعها. فإن لم تكن الياء للنسب مطلقا فلا شبهة تمنع جمعه على هذا الوزن.
...22 - فعالل (بفتح أوله ، وثانيه ، وكسر رابعه) ، ويطرد فى أنواع ؛ أهمها أربعة ، مفرد كل نوع منها أربعة أحرف أصلية أو خمسة كذلك :
الأول : الرباعىّ المجرد - أى : الذى كل حروفه أصلى - سواء أكان مفتوح الأول والثالث ، أم مضمومهما ، أم مكسورهما أم غير ذلك ؛ نحو : جعفر ، وجعافر - برثن وبراثن (4)- زبرج (5)وزبارج - سبطر (6)وسباطر - .
1) يتردد هنا على ألسنة النحاة : (النسب المتجدد) ... يريدون به : النسب الباقى على حاله لأداء الغرض منه - وهو مذكور فى بابه ص 657 - ، لا النسب الذى أهمل أصله ، وترك الغرض منه. وعلامة ياء النسب المتجدد أن يدل اللفظ بعد حذفها على معنى معين معروف : وهو المنسوب إليه. وأما غير الدالّة عليه فيختل اللفظ بسقوطها ويصير خالى المعنى. (راجع حاشية الخضرى).
2) ويؤيد هذا أن العرب تقول فيه أيضا : «أناسين» فنطقوا به على الأصل كما نطقوا بالصورة الأخرى التى أبدلوا فيها النون ياء ، وأدغموا الياء فى الياء ، كطريقتهم فى بعض الكلمات ومنها : ظربان - لدابة صغيرة تشبه الكلب أو القط ، كريهة الرائحة - فقالوا : ظرابين وظرابىّ ، على أن الخلاف شديد فى مفرد أناسى وأشباهها.
3) وفى صيغة ؛ فعالىّ يقول ابن مالك :
4) مخالب الحيوان المتوحش. وتشبه أصابع اليد مع الأظفار.
5) من معانيه : الذهب ، والسحاب الرقيق الذى يخالط لونه حمرة ، والزهر ...
6) من معانيه : الطويل ، والشهم ، واللسان الحادّ.
جخدب (1)وجخادب.
الثانى : الخماسى المجرد ؛ نحو : سفرجل وجحمرش (2)، وجمعهما : سفارج وجحامر ؛ بحذف الحرف الخامس من أصولهما. ولهذا الحذف ضابط تجب مراعاته ، هو :
(ا) أن الحرف الخامس الشبيه (3)بالزائد واجب الحذف مطلقا ؛ نحو : جحمرش (4)
أما الحرف الشبيه بالزائد فهو :
ا. الذي يكون لفظه لفظ الزائد ، ولكنه ليس بزائد، لعدم انطباق صفة الزائد وموضعه عليه.
ب . أو يكون لفظه مخالفا للزائد ، ولكن موضعه فى الحلق واللسان هو موضع الزائد.
فمثال النوع الأول حرف النون من : خدرنق (بمعنى : عنكبوت) وخورنق (ومن معانيه : موضع الأكل ، واسم قصر للنعمان بن المنذر) فهذه النون شبيهة بالحرف الزائد في مادتها ، ولكنها ليست بزائدة ، إذ يغلب على الزائدة أن تكون فى آخر الكلمة ، كغضبان وندمان ، أو فى الوسط مع السكون كغضنفر . ومثال النوع الثاني : حرف «الدال» في مثل : «فرزدق» ؛ فإنها ليست من حروف الزيادة. ولكن موضع نطقها فى الفم واللسان هو : طرف اللسان ، كموضع «التاء» الزائدة ؛ فأشبهتها من هذه الناحية ، فكلاهما من طرف اللسان.
وجحامر ؛ - سواء أكان الرابع شبيها بالزائد أم غير شبيه ؛ نحو :قذ عمل (5)وقذاعم ، وسفرجل وسفارج.(ب) وكذلك إن لم يكن أحدهما شبيها بالزائد.
(ح) فإن كان الرابع وحده (أى : دون الخامس) هو الشبيه بالزائد جاز حذفه أو حذف الخامس ، لكن ، حذف الخامس هو الأفصح والأعلى (6)؛ كالدال فى فرزدق ، والنون فى خدرنق أو خورنق ؛ فيقال فى الجمع : فرازق وفرازد - وخدارق وخدارن - وخوارق وخوارن ، وهكذا (7)
وبفعالل وشبهه انطقا *** فى جمع ما فوق الثّلاثة ارتقى
من غير ما مضى. ومن خماسى *** جرّد - الآخرانف بالقياس
(ارتقى ، أى : زاد. من غير ما مضى : بشرط أن يكون ما زاد على الثلاثة مفردا من غير المفردات التى سبق الكلام عليها ، وعلى جموعها القياسية). فإن ما سبق من تلك المفردات التى لها جموع مطردة ذكرناها - لا يصح أن تجمع على : «فعالل» وشبهه
ثم وضح فى آخر البيت الثانى : أن آخر الخماسى المجرد يحذف عند جمعه للتكسير. وتقدير كلامه : وانف بالقياس الآخر من خماسى جرد. أى : احذف الآخر من خماسى جرد من الزيادة ، وخلا منها - وهذا الحذف بسبب القياس. فكلمة : «الآخر» ، مفعول به للفعل : «انف» والجار والمجرور : «بالقياس» متعلق بهذا الفعل ، وكذا الجار والمجرور : من خماسى.
ثم بين أن الخماسى المجرد إن كان رابعه شبيها بالمزيد - دون خامسه الأصلى - فقد يحذف الرابع دون الخامس الذى تتتم به أصول الكلمة. ويفهم من هذا أنه يجوز أيضا حذف الخامس. قال :
والرّابع الشبيه بالمزيد قد *** يحذف دون ما به تمّ العدد
...1) أسد.
2) المرأة العجوز، أو : الوقحة.
3) المرأة العجوز، أو : الوقحة.
4) حروف الزيادة عشرة مجموعة فى قولهم : (أمان وتسهيل) أو : فى (سألتمونيها). ولكل واحد من العشرة أمارات ومواضع لزيادته ، ولا يكون زائدا بغيرها ، وله معان يؤديها. ومن الممكن الاستغناء عن الحرف الزائد ، مع تؤدية الكلمة معنى بعد حذفه (كل ذلك يجرى طبقا للتفصيل المدون فى الباب الخاص بذلك ، وهو باب : «التصريف» ص 688 و 692).
5) الجمل الضخم.
6) لأن الأكثر فى الكلام المأثور هو الحذف من الآخر ؛ إذ الأواخر محل الحذف والتغيير.
7) مزج ابن مالك الكلام على صيغة «فعالل» والكلام على : «شبهه» ، الذى سيجىء ذكره فى الصيغة التالية مباشرة - وهى رقم 23 ص 612 - قال :
الثالث : الرباعىّ المزيد - وهو ما كانت حروفه الأصلية أربعة ، ثم زيد عليها بعض حروف الزيادة - نحو : مدحرج ، ومتدحرج ، فيحذف عند الجمع ما كان زائدا فى مفرده ؛ ولا يحذف غيره ؛ فيقال : دحارج ، بحذف الميم فى الكلمة الأولى ، والميم والتاء فى الثانية ، ولا يبقى فى الجمع إلا الحروف الأصلية. كل هذا بشرط ألا يكون الحرف الزائد رابعا ولينا (1)
ا - فإن كانت ساكنة وقبلها حركة تناسبها سميت أحرف علة ، ولين ؛ ومدّ ، نحو : عالم - علوم - عليم.
ب - إن سكنت وقبلها حركة لا تناسبها ، سميت أحرف علة ، ولين ، نحو : عون ، وعين.
ح - إن تحركت سميت أحرف علة ، فقط ؛ نحو : سهو ، جرى. وعلى هذا تكون الألف دائما حرف علة ، ولين. ومد.
د - المراد باللين الذى يبقى فى الجمع هنا عامّ يشمل ما قبله حركة تناسبه ، أولا تناسبه ؛ كما فى الأمثلة.
، قبل الحرف الأخير الأصيل.فإن كان الرّابع الزائد اللّين : «ياء» بقى ، ولم يحذف عند الجمع ، ويجمع ما هو فيه على : «فعاليل» فى الأغلب ؛ نحو : قنديل وقناديل ، وغرنيق وغرانيق ...
وإن كان ألفا أو واوا قلب عند الجمع ياء ثابتة ، ويجمع ما هو فيه على : .
1) سبق فى ص 57 أن أحرف العلة ثلاثة ؛ الألف ، والواو ، والياء :
«فعاليل» كذلك فى الأغلب ؛ نحو : عصفور وعصافير ، وسرداح (1)وسراديح ، وفردوس وفراديس (2)
وزائد العادى الرّباعى احذفه. ما *** لم يك لينا إثره الّلذ ختما
(اللذ - الذى. إثره - بعده).
والعادى : اسم فاعل من الفعل : عدا ، بمعنى : جاوز. أى : احذف زائد الاسم المجاوز الرباعى. فالرباعى : مفعول به لاسم الفاعل ؛ العادى ، ويصح أن يكون مضافا إليه ، والمراد بزائد الرباعى هنا. ما كان على خمسة أحرف ؛ أربعة منها أصلية ، وواحد زائد. ويقول : إن هذا الزائد يحذف إلا إن كان حرف لين وبعده الحرف الذى يكون ختام الاسم. فيفهم من هذا أن حرف اللين الزائد هو : «الرابع» لوقوع الذى يختم الاسم بعده ، وهو الخامس.
...فإن كان حرف العلة متحركا وجب حذفه عند الجمع ؛ نحو : كنهور (3)، وهبيّخ (4)؛ فيقال فى جمعهما : كناهر وهبايخ ؛ لأن حرف العلة حينئذ ليس حرف لين ، ومثلهما : مصوّر ومصاور ؛ فيحذف حرف العلة المدغم فيه لتحركه ، فليس حرف لين.
فإن كان حرف العلة غير رابع حذف ، نحو : فدوكس (5)وخيسفوج (6)وجمعهما : فداكس وخسافج.
الرابع : الخماسى المزيد ، - أى : ما كانت حروفه الأصلية خمسة ، ثم زيد عليهابعض أحرف الزيادة - نحو : قرطبوس (7)، وخندريس (8)، وقبعثرى (9)فيحذف عند جمعها شيئان ، هما : الخامس الأصلى ، وما كان زائدا فى المفرد ؛ فيقال : قراطب ، وخنادر ، وقباعث. بحذف الواو والسين من الكلمة الأولى ، والياء والسين من الثانية ، (والسين فيهما هى الحرف الخامس الأصلى الذى يجب حذفه مع الزائد ، كما سبق) - وبحذف الراء والألف الأخيرة (المكتوبة ياء) من الكلمة الثالثة. .
هذا ، وجمع التكسير حين يكون على وزن : «فعالل» السالف أو ما يشبهه (1)، يصح فى جميع صوره وحالاته - ولو لم يحذف من حروفه شىء بسبب الجمع - زيادة ياء قبل آخره إن لم تكن موجودة ، وحذفها إن كانت موجودة (2)
نجوم طواليع ، جبال فوارع *** غيوث هواميع ، سيول دوافع
؛ فيقال فى الأمثلة السالفة ونظائرها : جعافر ، وجعافير ، وبراثن وبراثين ؛ كما يقال : جحامر وجحامير ، وفرازق وفرازيق ، وخدارق وخداريق ، وكناهر وكناهير (3). ويستثنى من هذا الحكم أمرانالأول : ما كان مختوما بياء مشددة مثل كرسىّ وكراسىّ. فلا تزاد عليه الياء ؛ لئلا يجتمع فى آخر الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف من نوع واحد ، وهذا مردود (4). ولا تصح أن تحذف منه الياء المشددة.
والثانى : ما كان حذف الياء من آخره مؤديا إلى اجتماع مثلين متجاورين بغير إدغام ، نحو : جلابيب - جمع جلباب - فلا يقال : «جلابب» بحذف الياء ، لأن الإدغام هنا واجب ، ولو أدغمنا لم يعرف الأصل ولا المعنى - كما يجىء - (5).
«ملاحظة» : فى كل حالات جمع التكسير - ما كان منه على وزن «فعالل» أو على وزن شبهه (6)الآتى ، أو غيرهما - إذا حذف منه بسبب الجمع بعض أحرف أصلية أو زائدة وكان خاليا من «ياء» ، يجوز زيادة ياء قبل آخره ؛ لتكون بمنزلة العوض (7)عما حذف ؛ فيصح فى الأمثلة السالفة ونظائرها مما فيه حذف : - دحارج ودحاريج ، وخنادر وخنادير ، وكناهر وكناهير ، وقباعث وقباعيث (8)،
وإذا كان «فعالل وشبهه» منقوصا فله حكم خاص يجىء (9). .
1) وهو الوزن الثالث والعشرون الآتى (فى ص 612)
2) وقد اجتمع الأمران : (زيادة الياء وعدم زيادتها) فى بيت لأبى تمام يمدح قومه ، هو :
3) انظر ما يتصل بهذا فى رقم 3 من هامش ص 617 وأيضا لهذا الحكم فى ص 618 إشارة ، ويليها تقييد - كالذى هنا - بألا يؤدى حذف الياء إلى اجتماع مثلين كما فى جمع جلباب على جلابيب وتقييد آخر فى هامشها.
4) كما فصلناه فى رقم 3 من ص 568 وهامشها.
5) فى ص 618 وفى ص 619 ، وهامشهما.
6) وهو الوزن الثالث والعشرون الآتى (فى ص 612)
7) مع مراعاة الشرط الآتى فى رقم 2 من هامش ص 618.
8) كما سيأتى فى ص 618.
9) فى رقم 2 من ص 620.
23 - شبه فعالل (بفتح أوله وثانيه ، وكسر رابعه) ، والمراد به : ما يماثل : «فعالل» فى عدد الحروف ، فى ضبطها بالسكون ، أو بالحركة. ولو كانت مختلفة فى نوعها بين الاثنين وأدّى هذا إلى الاختلاف فى الوزن الصرفى ؛ فيشمل صيغا كثيرة.
منها : مفاعل : كمنابر - وفياعل ، كصيارف - وفواعل كجواهر - وفعاعل كسلالم - وفعالىّ ككراسىّ (1)... فليست هذه الأمثلة وصيغها على وزن : «فعالل» وإنما تشبهه فى عدد حروفها وهيئتها. أى : ضبط حروفها ضبطا متماثلا فى مجرد الحركة والسكون دون التقيد بنوع الحركة ، ولا بالوزن الصرفىّ الدقيق. (2)
وهذا الجمع مقيس فى كل لفظ ثلاثى الأصول ، زيدت عليه أحرف الزيادة. بشرط أن يكون هذا الثلاثى المزيد ليس داخلا تحت حكم جمع من الجموع السالفة ، وبهذا الشرط لا يجمع جمعا قياسيّا على : «شبه فعالل» ما كان مثل : أحمر ، وغضبان ، وقائم ، وساع ، وصغرى ، وسكرى ... و ... ؛ لأن لهذه الألفاظ جموعا أخرى قياسيّة - وقد عرفناها (3)
وأولهما : أن كل جمع تكسير - مهما كانت صيغته - إذا حذف من مفرده شيء عند جمعه جمع تكسير ، جاز زيادة ياء قبل آخره ؛ لتكون بمنزلة العوض عن المحذوف سواء أكان المحذوف أصليا أم زائدا - مع مراعاة الشرط الذي في رقم 2 من هامش ص 618 - مثل دحارج ودحاريج وفرازق وفرازيق. وهذا حكم عام ينطبق على : «فعالل» وعلى شبهه ، وعلى غيرهما . كما أشرنا في الصفحة السابقة .
وثانيهما : أن كل جمع تكسير - كما سبق في ص 611 - على وزن : «فعالل» أو ما يشبهه ، يجوز . ولو لم يحذف منه شيء بسبب الجمع . زيادة ياء قبل آخره إن لم تكن موجودة ، وحذفها إن كانت موجودة ؛ نحو : جعافر وجعافير ، وبراثن وبراثين ، وعصافر وعصافير إلا الجمع الذى يؤدى حذف الياء من آخره إلى اجتماع مثلين بغير إدغام فى مثل : جلابيب ، وإلا الجمع المختوم بياء مشددة ، مثل : كراسى وكراكى فلا يجوز فيه زيادة الياء لئلا يجتمع في آخر الكلمة الواحدة ثلاثة أحرف من جنس واحد ، وهذا ممنوع . . طبقا لما سبق إيضاحه في ص 611 . وكذلك لا يجوز حذف الياء المشددة منه.
-.1) ومنها غير ما ذكر هنا : (فعاول - فعانل - تفاعل - مفاعل - فعالن - أفاعل - فناعل - فعالم .. وما أشبه هذه الأوزان ، بشرط ألا يكون الحرف الثانى فيها حرف مد ، وبشرط ألّا يكون المفرد مما يدخل فى ضوابط جمع آخر تختلف صيغته عن صيغة : «فعالل» وشبهه. أى : أن المفرد لا يجمع على «فعالل» وشبهه إذا أمكن جمعه على صيغة أخرى من صيغ الجموع السالفة (راجع الهمع فى هذا ج 2 ص 180).
2) انظر ما يوضح هذا فى رقم «4» من هامش ص 618.
3) ويدخل «شبه فعالل» فى الحكمين السابقين :
وحكم هذا الثلاثى المزيد عند جمعه على : «شبه فعالل» ما يأتى :
(ا) إن كانت زيادته حرفا واحدا فالواجب إبقاؤه عند الجمع مطلقا ، (أى : سواء أكان الزائد حرف علة ، أم غير علة ، وسواء أكان فى الأول أم فى غيره ، وللإلحاق أم لغير الإلحاق) ، نحو : (أكرم وأكارم - معبد ومعابد) - (جوهر وجواهر - صيرف وصيارف) - (وعلقى (1)وعلاق (2)) ...
(ب) إن كانت زيادته حرفين فالواجب حذف أحدهما ؛ وهو الضعيف ، وترك القوى (3)
تقدم الحرف في مكانه من الكلمة - وتحركه - ودلالته على معنى - ومقابلته لحرف أصلى ؛ بأن يكون حرفا للإلحاق - والوقوع في موقع يدل فيه بعض الحروف الزائدة على معنى ، كما سيأتي مثاله في منطلق ، وما بعدها - وأن يكون فى أصله حرف زيادة من أحرف (سألتمونيها (..) ، ولكنه خرج عنها وصار حرفا آخر لداع لغوى ؛ كأن ينقلب دالا ، أو طاء ، أو غيرهما من حروف ليست للزيادة - وألا يؤدى وجوده إلى صيغة غير موجودة . وأن يؤدى حذفه إلى حذف الآخر الذى يساويه في جواز الحذف. وأن يكون مختصا بالاسم. وقد رد صاحب التسهيل الأسباب السالفة كلها إلى ثلاثة فقط ؛ هى المزية المعنوية ، والمزية اللفظية ، وأن يغني حذفه عن حذف غيره.
؛ نحو : منطلق ومطالق ، ومغترف ، ومغارف ؛ ولا يقال : نطالق ، ولا غتارف ؛ لأن الميم تمتاز بمزايا لفظية ومعنوية (4)لا توجد فى النون والتاء.ومثل ؛ مصطفى ومحتفظ ، فيقال فى جمعهما : مصاف ومحافظ ؛ بحذف «تاء (5)الافتعال» ، دون الميم (6)
قال ابن هشام في شرحه لقصيدة : «بانت سعاد» ما معناه : إنه لا يجوز جمع نحو : مضروب جمع تكسير. وقد ورد من ذلك ألفاظ قليلة مجموعة شذوذا. ومثل مضروب في منع تكسيره : مختار ومنقاد من اسمى الفاعل والمفعول المبدوءين بميم زائدة. والقياس عنده أن يجمع : «مفعول» جمع مذكر سالما إن كان الوصف لمذكر ، وجمع مؤنث سالما إن كان الوصف لمؤنث ، فيقال مضروبون - مختارون - منقادون ... ، كما يقال : مضروبات - مختارات - منقادات. (راجع الصبان فى آخر جمع التكسير ، تحت عنوان : فائدة ، عند الكلام على بيت ابن مالك : (وخيّروا فى زائدى فى سرندى ...) ويفهم من كلامه ومما نقله أنهم منعوا تكسير كل اسم فاعل ، واسم مفعول إذا كانا مبدوءين بميم زائدة ، وقالوا إن قياسهما هو التصحيح ، إلا وزن «مفعل» المختص بالإناث ، نحو : مرضع ؛ فانه يكسّر. وقد ردد هذا الرأى كثير ممن جاءوا بعد ابن هشام ، وحكموا بتخطئة سواه. غير أن كتاب : «المعانى الكبير» لابن قتيبة ، يحوى أعدادا كثيرة صحيحة من جمع «مفعول على مفاعيل» مسموعة ممن يحتجّ بكلامهم. وبعض المحققين المعاصرين (هو الأب أنستاس الكرملى - رحمه اللّه - وكان عضوا بمجمع اللغة العربية ، بالقاهرة.) نشر بحثا لغويا مستقى من الكلام العربى الفصيح ، والمعجمات اللغوية الأصيلة ، أثبت فيه صحة جمع «مفعول» على : «مفاعيل» ، قياسا مطردا. وعرض عشرات من الأمثلة الصحيحة منسوبة لأصحابها الذين نحتج بكلامهم ، أو مأخوذة من مراجعها اللغوية الوثيقة.
على أن سيبويه (كما فى كتابه ح 2 ص 210) قد سبق ابن هشام إلى المنع ، بالرغم مما ساقه فى كتابه هذا من جموع متعددة تخالف رأيه ؛ (منها : مكسور ومكاسير - ملعون وملاعين - مشئوم ومشائيم - مسلوخ ومساليخ - مغرود ومغاريد - مصعود ومصاعيد - مسلوب ومساليب) - فلا داعى للتأويل الذى يمنع القياس على هذه الجموع المتعددة ، ولا سيما بعد كشف نظائر أخرى تبلغ العشرات - وهى غير ما سلف - منها : ميمون وميامين - مجنون ومجانين - مملوك ومماليك - مرجوع ومراجيع - متبوع ومتابيع - مستور (بمعنى : عفيف) ومساتير - معزول (أى : لا سلاح له) ومعازيل (وقيل مفرده معزال) - بل إن هذه الجموع وحدها ، منضمة إلى ما نقله «سيبويه» تعتبر كثرة وافرة تبيح القياس عليها. هذا إلى أن «الأشمونى» فى شرحه جمع التكسير من ألفية «ابن مالك» قد نص صراحة عند بيت الناظم :
وزائد العادى الرّباعى احذفه *** ..............
على جمع مختار ومنقاد - بنصهما - على مخاتر ومناقد (وتعقبه «الخضرى» فى حاشيته قائلا : (إن القياس أن يقال : مخاير ، ومقايد ، بحذف النون والتاء ؛ لزيادتهما ، دون الألف ، بل ترد لأصلها ، وهو الياء ...) وتعقبه آخرون من ناحية أخرى ، هى أن اللفظين هما من جموع تكسير الثلاثى المزيد ، لا من تكسير العادى الرباعى الذى يتحدث عنه ابن مالك فى بيته. ولم يعترض أحدهم على صحة تكسير هذين الجمعين ، ولم يشر من قرب أو بعد إلى أن تكسيرهما معيب أو غير جائز. فلم يبق مجال بعد كل ما سبق لمنع جمع «مفعول على مفاعيل» مع مراعاة الضوابط العامة.
هذا ، وقد صرح الخضرى فى كلامه السالف بأن الألف فى «منقاد» أصلها : ياء. وهو مخالف لما فى القاموس والمصباح من عرضها فى مادة : (قود) الواوية ، لا : (قيد) اليائية. لذا جمعها الهمع (ج 2 ص 180) على ؛ «مخاير ومقاود».
التى لها المزايا ...ومثل : ألندد ، ويلندد ؛؟ (ومعناهما : ألدّ ، أى : شديد
1) اسم نبت.
2) زيادة الواو ، والياء ، وكذلك الألف (المكتوبة ياء) فى علقى - هى للإلحاق. أما الزيادة فى : أكرم وأكارم فليست له.
3) يراد بالقوى هنا : ما يسمونه : «الفاضل». وهو : ما له مزية ليست للآخر. وتتحقق المزية فى أمور ؛ منها :
4) فالمزية المعنوية أن الميم تدل على معنى خاص بالأسماء وهو دلالتها على اسم الفاعل هنا - وعلى اسم المفعول أحيانا ، واللفظية أنها أسبق مكانا منهما ، وأنها متحركة دون النون ، وأنها مختصة بالاسم.
5) قلبت طاء فى مصطفى. (وستجىء أحكامها فى باب القلب - 695 و 729).
6) انظر الحكم الثانى من الأحكام العامة الآتية (فى ص 620) ففيه تكملة الحكم السالف. وبهذه المناسبة نعرض لصحة جمع : «مفعول» على : «مفاعيل» قياسا مطردا.
الخصومة) وجمعهما : ألادد ، ويلادد : ثم تدغم الدالان فى كل واحدة ؛ فتصير
ألادّ ، ويلادّ ؛ بحذف النون ، وبقاء الهمزة والياء ؛ لتقدمهما وتحركهما ؛ ولأنهما يدلان على معنى التكلم والغيبة إذا كانا فى أول المضارع - أما النون المتوسطة بين الحرفين الثالث والرابع من الكلمة فلا تدل على معنى.
(ح) إن كانت زيادته ثلاثة أحرف ، حذف اثنان ، وبقى الثالث الأقوى ؛ نحو : مستدع (1)ومداع ، ومقعنسس (2)ومقاعس (3)؛ فلا يقال فى الأول : سداع ولا تداع ؛ لأن حذف «الميم ، والتاء» من مستدع يؤدى إلى : سداع ، وهى صيغة لا نظير لها فى العربية ، ولأن حذف الميم والسين يضيّع الدلالة على. اسم الفاعل (4)
و «السّين» و «التّا» من كمستدع أزل *** ؛ إذ ببنا الجمع بقاهما مخل
يريد : لأن بقاءهما مخل ببنا الجمع ، أى : ببنائه ، وصيغته. ثم قال فيما يتصل بهذا ، وبالهمزة والياء فى مثل «ألندد ويلندد» وقد تقدم الكلام عليها :
والميم أولى من سواه بالبقا *** والهمز واليا مثله ، إن سبقا
...وكذلك لا يقال فى الثانى - عند سيبويه - قعاسس. وحجته أن الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف من أحرف الزيادة هى الميم ، والنون ، والسين الأخيرة المزيدة للإلحاق ؛ فالميم عنده أولى بالبقاء ؛ لتصدرها ؛ ولأنها تدل على معنى يختص بالاسم وهو الدلالة على اسم الفاعل.
وخالفه بعض النحاة فجمعه على : قعاسس ؛ بحذف الميم والنون مع بقاء السين الأخيرة الزائدة للإلحاق. وحجته : أن السين زيدت فى الفعل - وفروعه - لإلحاق لفظه بكلمة : احرنجم ، وبقاء الملحق أولى من غيره ...
وهذه تعليلات جدلية ، مصطنعة. والتعليل الحق الذى يعتمد عليه فى هذا ا
1) أصله مستدعى «... بزيادة الحروف الثلاثة الأولى. وحذف آخره الياء ، لأن الاسم هنا منقوص. كداع. (انظر الحكم الثانى من الأحكام العامة الآتية ، فى ص 618) ..
2) هو : الشديد ، أو المتأخر الراجع للخلف.
3) هذا هو الجمع القياسى وقد جاء فى «القاموس» أن جمعه : مقاعس ، ومقاعس (بفتح الميم أو ضمها) ومقاعيس.
4) وفى هذا يقول ابن مالك :
الموضوع وأشباهه ، هو السماع ليس غير. وقد ورد السماع بما يؤيد الرأيين.
ومن الأمثلة : استخراج ، وجمعه : تخاريج ، بإبقاء التاء دون السين ؛ لأن إبقاء التاء سيؤدى إلى وزن للجمع على : «تفاعيل» وهو وزن له نظراء فى العربية ؛ منها : تماثيل ، وتهاويل ... أما بقاء السين فيؤدى إلى سخاريج على وزن : سفاعيل وهو وزن لا نظير له.
وإذا كان أحد الأحرف الزائدة يغنى بحذفه عن حذف زائد آخر وجب حذف ما يغنى عن غيره ؛ كحيزبون (1)وعيطموس (2)؛ يقال فى جمعهما : حزابين وعطاميس ؛ بحذف ياء المفرد ، وإبقاء الواو ، وقلبها ياء فى الجمع ؛ لوقوعها بعد كسرة.
ولو حذفت الواو وبقيت الياء لقيل فى جمعهما : حيازبن وعياطمس ، بتحريك الباء والميم أو بتسكينهما. وهو فى الحالتين وزن لا نظير له (3). وإذا أريد جعله على وزن عربى وجب حذف الياء أيضا ؛ فيقال : حزابن ، وعطامس ؛ وبذا نصل إلى صيغة عربية بعد حذف الواو والياء معا. فى حين استطعنا فى الصورة الأولى أن نصل إلى صيغة عربية بعد حذف الياء وحدها. فحذف حرف واحد أولى من حذف حرفين ما دام الأثر من الحذف واحدا (4)
و «الياء» لا «الواو» احذف ان جمعت ما *** كحيزبون ؛ فهو حكم حتما
...(ح) إن كان أحد الأحرف الزائدة المستحقة للحذف مكافئ فى قوته لحرف زائد آخر - أى : مساو له فى الأفضلية - جاز حذف أحدهما من غير ترجيح ؛ كالنون والألف المقصورة (المكتوبة ياء) فى نحو : سرندى (5)وعلندى (6)؛ .
1) المرأة العجوز ... و.
2) المرأة الجميلة الطويلة ، والناقة السليمة.
3) وتحريكهما يؤدى أيضا إلى ما لا نظير له فى العربية ؛ فإن ما بعد ألف صيغة منتهى الجموع إن كان ثلاثة أحرف - يجب أن يكون ثانيهما ساكنا.
4) وفى هذا يقول ابن مالك :
5) من معانيه : سريع قوى - جرىء مقدام ...
6) الجمل الضخم ، واسم نبت ، والغليظ الضخم عامة.
فيقال فى جمعهما : سراند ، وعلاند ، أو : سراد وعلاد. فالحرفان قد زيدا معا فى المفرد لإلحاقه بالخماسى : سفرجل ، وكل حرفين هذا شأنهما لا يكون لأحدهما مزية على الآخر(1)
وخيّروا فى زائدى : سرندى *** وكلّ ما ضاهاه ؛ كالعلندى
...«ملحوظة» : قلنا إنه (2)يصح فى جمع التكسير المشابه لصيغة : «فعالل» ما صح فى «فعالل» من زيادة الياء قبل آخره إن لم تكن موجودة ، وحذفها إن كانت موجودة (طبقا لما سبق) (3)
(قرأ أبو جعفر ، وشيبة ، والأعرج : إلا أمانى ، خفيفة الياء ؛ حذفوا إحدى الياءين استخفافا قال أبو حاتم : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد فلك فيه التشديد والتخفيف ، مثل : أثافى ، وأغانى ، وأمانى .. - بياء واحدة ، أو بياء مشددة ، فى كل ما سبق ... - ونحوه. وقال الأخفش : هذا كما يقال فى جمع مفتاح : مفاتيح ومفاتح. وهى ياء الجمع. قال النحاس : الحذف فى المعتل أكثر. قال الشاعر :
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى *** ثلاث الأثافى ، والرسوم البلاقع» ا ه
- انظر ما يتصل بهذا فى ص 611 -
. ومما ينطبق عليه هذا أن تحذف إحدى الياءين جوازا ، للتخفيف ، فى مثل : أمانىّ - أغانىّ - أثافىّ ... ومفرداتها : أمنيّة - أغنيّة - أثفيّة ... بتشديد الياء فى هذه المفردات (4) ... -1 - زيادة الياء فى جمع التكسير وحذفها ، وكذلك زيادة تاء التأنيث :
(ا) إذا حذف من المفرد عند جمعه جمع تكسير بعض حروفه الأصلية أو الزائدة - تطبيقا للضوابط السالفة فى الجمع - جاز زيادة ياء (1)قبل آخر الجمع ، تكون بمنزلة العوض (2)عن المحذوف. ومن الأمثلة : فرزدق ، وسفرجل ، ومنطلق ... فيقال فى جمعها بعد الحذف بغير تعويض : فرازق ، وسفارج ، ومطالق ... ويقال فى جمعها بعد الحذف مع تعويض ياء عن المحذوف. فرازيق ، وسفاريج ، ومطاليق ...
(ب) تقدم (3)أن كل جمع تكسير على وزان : «فعالل» وشبهه - (وقد يعبرون عنه أحيانا بالجمع المماثل فى صيغته لصيغتى : «مفاعل أو مفاعيل» (4)) يجوز فيه زيادة الياء إن لم تكن موجودة ، كما يصح حذفها إن كانت موجودة. لا فرق فى هذا بين الجمع الذى حذف منه بعض حروف مفرده ، أم لم يحذف ، فيقال فى جمع : جعفر ، ومفتاح ، وعصفور ، وقنديل ... جعافر وجعافير - ومصابح ومصابيح - وعصافر وعصافير - وقنادل وقناديل.
1) سبقت الإشارة لهذا فى ص 611 ، وفى رقم 3 من هامش ص 612 ، وله صلة بما فى رقم 3 من هامش الصفحة السابقة.
2) وتعويض الياء إنما يكون جائزا حين لا يستحقها الجمع لغير التعويض ، كاستحقاقه فى كلمة لغّيزى (بمعنى : اللغز) ، فيقال فى جمعها : لغاغيز بحذف ألفها ؛ لثبوت يائها التى كانت فى المفرد. فلا يزاد فى الجمع مع هذه الياء ياء أخرى للتعويض عن المحذوف.
3) فى ص 611 و 3 من هامشى ص 612 و 617.
4) المراد بالمماثل - كما سبق فى ص 612 - ما وافقهما فى عدد الحروف مع مقابلة المتحرك بمتحرك ، والساكن بساكن فلا بد فى هذه المماثلة من تحقق أمرين ، أن يكون عدد الحروف متساويا ، وأن يكون كل حرف مماثلا لنظيره فى الترتيب مماثلة تقتضى أن يكون متحركا مثله أو ساكنا ، ولا عبرة بنوع الحركة بينهما ، فقد يكون أحدهما متحركا بالفتحة أو بالضمة ، والآخر بالكسرة مثلا. فالمهم هو اشتراكهما فى الحروف ، وفى مجرد الحركة المطلقة ، أو السكون ، بدون نظر لنوع العلامة.
هذا رأى الكوفيين ، والسماع الكثير يؤيدهم ، والأخذ برأيهم أولى ، بالرغم من مخالفة البصريين الذين يخصّون الحكم السابق بالضرورة ، ويؤولون الأمثلة المسموعة ، ويتكلفون فى التأويل ما لا يحسن قبوله ، وبعض أئمة النحاة يؤيد الكوفيين ، ولكن يستثنى صيغة «فواعل» فلا يقول : «فواعيل» - ولا داعى لهذا الاستثناء - وكذلك يؤيدهم بعض أئمة اللغة(1).
ويجب - كما تقدم - عند زيادة الياء ألا يكون الجمع مختوما بياء مشددة كالتى فى «كرسىّ» ؛ ويجب عند حذفها مراعاة أن حذفها لا يؤدى إلى وجود حرفين متماثلين متجاورين ؛ كما فى جمع : «جلباب» على «جلابيب» ، فلو حذفت الياء لأدى حذفها إلى أن تكون صيغة الكلمة المجموعة هى : «جلابب» بغير إدغام الباءين ، مع أن الإدغام هنا واجب ، ولو أدغمنا لم يعرف الأصل ، ولم يتضح المعنى.
(ح) وكما يجوز الإتيان بياء زائدة تعويضا عن المحذوف ، يجوز أيضا أن تجىء تاء التأنيث عوضا عن المحذوف (2). إن كان أصله ألفا خامسة فى المفرد ، أو ياء فى صيغة منتهى الجموع ؛ مثل : (حبنطى ، وجمعه : حبانط ، وحبانيط ، وحبانطة) ، (وعفرنى (3)وجمعه : عفارن ، وعفارين ، وعفارنة) - (وقنديل ، وقنادل ، وقناديل وقنادلة) - (ومطعان ومطاعن ، ومطاعين ، ومطاعنة). والتعويض بهذه التاء يكاد ينحصر فى هذين. أما الإتيان بالياء فغير مقصور على نوع من الأنواع التى أصابها الحذف ، وقد تدخل على ما لم يحذف منه شىء - كما سلف - فميدان زيادتها أوسع فى جموع التكسير من تاء التأنيث.
لكن هناك نوع آخر تكون فيه هذه التاء أكثر وجودا من الياء ؛ وهو : كل اسم مفرد مختوم بياء النسب ، وحذفت منه هذه الياء عند جمعه على إحدى صيغ منتهى الجموع ؛ فتدل التاء على أن الجمع للمنسوب لا للمنسوب إليه (4)، نحو : أشعثىّ وأشاعثة ، وأزرقىّ وأزارقة ، ومهلبىّ ومهالبة ، وصقلبىّ وصقالبة ، فلكل من الياء والتاء ما يمتاز به على الآخر.
2 - حكم المماثل لفعالل وشبهه ، إذا كان معتل الآخر :
ما كان من جموع التكسير مماثلا لوزن : «فعالل» أو شبهه (بمعنى : المماثلة التى شرحناها هناك) (1)، وكان معتل الآخر ؛ مثل : مصاف ، ومداع ، فى جمع ، مصطفى ، ومستدع - فإنه يجرى عليه ما يجرى على المنقوص من صيغ منتهى الجموع التى بعد ألف تكسيرها حرفان ، كدواع ، ونوام ، وجوار (2)... إلا إن زيدت الياء قبل الحرف الأخير ؛ عوضا عن المحذوف - كما فى الحكم الأول السالف - - فيجوز أن يقال بعد زيادتها : مصافىّ ، ومداعىّ ، بياء مشددة ، نشأت من إدغام ياء التعويض الزائدة فى الياء التى هى فى الأصل لام الكلمة. ثم تحذف إحداهما تخفيفا. فإن حذفت الثانية المتحركة صارت الكلمة مصافى ، ومداعى ، بياء ساكنة ، ثم تحذف الياء ويجىء التنوين عوضا عنها ؛ فتصير الكلمة : مصاف ومداع ؛ كدواع ، ونوام ، وجوار. وإن حذفت الأولى الساكنة قلبت الثانية المتحركة ألفا بعد فتح ما قبلها فتصير : مصافى ومداعى (3).
3 - تثنية جمع التكسير ، وجمعه :
هل يجمع جمع التكسير بنوعيه الدال على القلة ، والدال على الكثرة؟
يميل أكثر النحاة إلى إباحة الجمع فيما يدلّ على القلة ، دون ما يدل على الكثرة. والأفضل الأخذ بالرأى القائل (4): إن الحاجة قد تدعو - أحيانا - إلى جمع (5)الجمع بنوعيه ، كما تدعو إلى تثنيته ، فكما يقال فى جماعتين من الجمال : جمالان - كذلك يقال فى جماعات : جمالات.
1) فى ص 612 وفى رقم 4 من هامش ص 618.
2) وأمثال هذه الأوزان مما سبق الكلام عليه (فى ج 1 م 3) وعلى سبب حذف الياء عند الجمع والأصل : داعية - نامية - جارية - وما كان مثلها فى لفظه وإعلاله على الوجه المشروح هناك.
3) حاشية الخضرى آخر الباب (ثم راجع ما يماثل هذا فى أول ص 606 وأيضا ما تقدم فى ح 1 م 3 خاصا بهذا).
4) راجع فيما يأتى : شرح الأشمونى ، آخر باب جمع التكسير ، برغم مخالفة الصبان.
5) هذا إلى أن المراجع اللغوية تضم من جمع الجمع بنوعيه عشرات مبعثرة. نقل بعضها صاحب الهمع والذى نقله (فى الجزء الثانى ص 183) يزيد على العشرين ، وهى تكفى للقياس عليها (بالرغم من أنه يخالف فى هذا) لأنها وردت مجموعة فى غير الضرورة الشعرية ، منها : أيد ، وأياد ، - أسماء وأسام - أنعام وأناعيم - أقوال وأقاويل - أعراب وأعاريب - مصران ومصارين - جمال وجماميل - بيوت وبيوتات - أعطية وأعطيات - صواحب وصواحبات - دور ودورات - طرق وطرقات .. و ... ثم عرض بعد ذلك لما جاء فى الضرورة وساق أمثلة منه.
فإذا قصد تكسير مكسّر نظر إلى ما يشاكله من الآحاد (أى : المفردات) فيكسر بمثل تكسيره. والمراد بما يشاكله : ما يكون مثله فى عدد الحروف ، ومقابلة المتحرك منها بالمتحرك فى الآخر ، والساكن بالساكن من غير اعتبار لنوع الحركة فقد تختلف فيهما ؛ فيكون أحدهما متحركا بالفتحة وفى الآخر بالضمة أو بالكسرة. فالمهم ليس نوع الحركة فيهما ، وإنما المهم أن يكون كل من الحرف ونظيره فى الترتيب متحركا. وأن الساكن يقابله فى الترتيب ساكن مثله. - كما سبق - عند الكلام على : «فعالل» وشبهه (1)فيقال فى أعين أعاين - وفى أسلحة : أسالح - وفى أقوال أقاويل. تشبيها بأسود وأساود ، وأجردة (2)وأجارد - وإعصار وأعاصير. وقاموا فى مصران (3)وغربان : مصارين وغرابين ، تشبيها لها بسلاطين وسراحين (4).
ولا يجمع جمع تكسير ما كان من الجموع على زنة : مفاعل ، أو مفاعيل ، أو فعلة (بفتحات) ، أو فعلة ، (بضم ففتح) ، والمراد بالزنة هنا : المماثلة والمشاكلة على الوجه السالف. والسبب فى عدم جمعها للتكسير عدم وجود نظير لها فى الآحاد (أى : المفردات) لتحمل عليه عند جمعها. ولكن قد تجمع جمع تصحيح للمذكر أو للمؤنث على حسب المعنى ؛ كقولهم : نواكس (5)ونواكسون ، وأيامن (6)وأيامنون ، وصواحب وصواحبات ، وحدائد وحدائدات (7)...
هذا ، وجمع الجمع لا يطلق - اصطلاحا - على أقل من عشرة (8)، كما أن جمع
المفرد لا يطلق اصطلاحا على أقل من ثلاثة ، إلا مجازا.
1) فى رقم 3 من ص 612. وفى رقم 4 من هامش 618.
2) قال الصبان : لم أقف على ما يدل على أن : (أجردة ، مفرد ، وإنما الظاهر أنه جمع جراد أو جريد) هذا كلامه. ومقتضاه أن : «أجردة» التى هى جمع تكسير عنده هى فى الوقت نفسه عند غيره مفرد جمعوه على : «الأجارد» للتكسير.
3) مفرده : مصير.
4) مفرده : سرحان (من معانيه : الذئب).
5) مفرده : ناكس ، بمعنى مطأطىء الرأس.
6) مفرده : أيمن ، بمعنى : مبارك.
7) مفرده : حدائد. الذى مفرده : حديد ، للمعدن المعروف.
8) قال الصبان فى آخر هذا الباب ، ناقلا عن شرح الشافية ما نصه : «(اعلم أن جمع الجمع لا ينطلق على أقل من تسعة ، كما أن جمع المفرد لا ينطلق على أقل من ثلاثة ، إلا مجازا)». ا ه. لكن يفهم من هذا أن جمع الجمع لا ينطلق على عشرة. وهذا غير مقبول بعد التحقيق الذى قام به الصبان نفسه ونقلناه عنه فى هامش ص 579 أول الباب منتهيا منه إلى أن جمع القلة - ينطلق على (1. و 10) وما بينهما.
4 - تثنية أنواع المركب ، وجمعها جمع تكسير :
سبق فى الجزء الأول (1)- عند الكلام على المثنى وجمعى التصحيح - تعريف أنواع المركب ، وطريقة تثنيتها ، وجمعها جمع مذكر سالما ، أو مؤنث سالما. وفى تذكرها ، وتذكر تلك الطرائق ما يعين على تفهم أفضل الطريق لجمعها تكسيرا. وفيما يلى التلخيص :
(ا) المركب الإضافى إن كان صدره كلمة غير : (ذى ، وابن ، وأخ). وأريد تثنيته أو جمعه تصحيحا أو تكسيرا وجب الاقتصار على تثنية صدره المضاف وجمعه ، دون عجزه المضاف إليه ؛ فإن عجزه لا يثنى ولا يجمع ، ولا يتغير مطلقا. ففى مثل : ناصر الدين (علم رجل) ، وناصرة الدين (علم فتاة) يقال فى التثنية رفعا : فاز ناصرا الدين ، أو : ناصرتا الدين. ويقال فى جمعهما تصحيحا : فاز ناصرو الدين ، وناصرات الدين. وفى جمعهما تكسيرا : فاز نصّر الدين فيهما ...
ويقال فى حالة النصب : أكبرت ناصرى الدين ، أو ناصرتى الدين ، أو ناصرى الدين ، أو : ناصرات الدين ، أو : نصّر الذين. ومثل هذا يقال فى حالة الجر.
فالمضاف هو الذى يثنى ويجمع الجموع الثلاثة ويتغير آخره بحسب الجمل ، أما المضاف إليه فيلزم حالة واحدة ؛ هى الجر بالإضافة دائما. ولا يجمع إن كان مفردا إلا فى حالة واحدة ؛ هى التى تتعدد فيها أفراده ، كما تعدد أفراد المضاف ، ففى هذه الحالة التى تتعدد فيها أفرادهما يجمعان. مثل : حارس القائد ؛ علم على مصرى ، وحارس القائد ، علم على سورى ، وحارس القائد ، علم على عراقى ... فالواجب أن يجمع كل من المضاف والمضاف إليه جمع مذكر ، أو جمع تكسير : فيقال : حارسو القائدين ، أو حرّاس القواد(2)...
وإن كان صدر المركب الإضافى هو : (ذو ، أو : ابن ، أو : أخ) من أجناس ما لا يعقل (ومنه ، ذو القعدة ، وذو الحجة - وابن عرس (1)، وابن لبون (2)- وابن آوى (3)- وأخو الصحراء «لحيوان خاص بها» ، وأخو الجحر «للثعبان») - فإن صدره هو الذى يثنى كتثنية المفردات الصحيحة ، ولكنه لا يجمع جمع تكسير (4)ولا جمع مذكر ، بل يقتصر على جمعه جمع مؤنث سالما ، فيقال : ذوات القعدة - ذوات الحجة - بنات عرس (5)- بنات لبون - بنات آوى - أخوات الصحراء - أخوات الجحر.
ولا فرق فى هذا بين اسم الجنس الذى ليس بعلم كابن لبون ، وعلم الجنس كابن آوى ؛ بشرط أن يكون كل منهما لغير العاقل - كما سلف - والأول يصح أن تدخل فيه : «أل» على المضاف إليه. بخلاف الثانى.
(ب) المركب الإسنادى ؛ (وهو ما أصله جملة اسمية أو فعلية ؛ مثل : الخير نازل - نصر اللّه. وكلاهما اسم رجل ، ومثل : الجمال باهر ، وزاد الجمال ، وكلاهما اسم امرأة ...) ، وهذا المركب لا يجمع جمع تكسير (6)، وإنما يصح جمعه - بطريقة غير مباشرة - جمع مذكر سالما أو جمع مؤنث سالما. والمقصود بالطريقة غير المباشرة أن يزاد قبله كلمة معينة إذا جمعت أغنت عن جمعه ؛ فهى الوسيلة لجمعه ؛ لأنه لا يجمع بطريقة مباشرة ، ولا بوسيلة أخرى. وهذه الكلمة هى : «ذو» للمذكر و «ذات» للمؤنث. وجمع «ذو» هو : «ذوو» رفعا و «ذوى» نصبا وجرّا ، كما أن جمع : «ذات» ، هو : «ذوات» فى كل الأحوال ؛ فيقال فى الأمثلة السالفة عند جمعها : أقبل ذوو الخير نازل - أقبل ذوو نصر اللّه - أقبلت ذوات الجمال باهر - أقبلت ذوات زاد الجمال - قابلت ذوى الخير نازل - قابلت ذوى نصر اللّه - قابلت ذوات
1) حيوان صغير يشبه الفأر. ويطلق على المذكر والمؤنث.
2) ابن الناقة إذا دخل فى عامه الثالث. والأنثى : بنت لبون.
3) حيوان صغير أغبر اللون ، قريب الحجم من القط.
4) انظر رقم : 6 الآتى.
5) جمع للذكور والإناث من ذلك الحيوان.
6) هناك رأى يبيح جمعه تكسيرا بطريقة غير مباشرة هى أن تسبقه كلمة : «أذواء» التى مفردها «ذو» ويجرى هذا أيضا على مثل : ذى القعدة وذى الحجة.
الجمال باهر - قابلت ذوات زاد الجمال ... وهكذا. وكلمة : «ذوو» تعرب إعراب جمع المذكر السّالم ، وتعرب «ذوات» إعراب جمع المؤنث السالم. وكلتا الكلمتين لا بد أن تكون مضافة هنا ، والمركب الإسنادى هو المضاف إليه ، ويجر بكسرة مقدرة على آخره ، منع من ظهورها حركة الحكاية ؛ لأن حركات الجملة الإسنادية المحكيّة ثابتة فى جميع استعمالاتها ، وضبط حروفها لا يتغير مطلقا بعد النقل ، فيبقى لكل كلمة وكل حرف ضبطه السابق على الحكاية ، وتصير الجملة فى حالتها الجديدة محكيّة ، بمنزلة كلمة واحدة ذات جزأين ؛ لا يدخلهما تغيير فى ضبط الحروف ، وبالرغم من إعراب هذين الجزأين معا هنا : «مضافا إليه» مجرورا ، فهو مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة الحكاية - كما سبق -.
ولا يثنى المركب الإسنادى بطريقة مباشرة ، وإنما يثنى بالطريقة السالفة فتجىء كلمة : «ذو» للمذكر ، وذات ، أو «ذوات» للمؤنث ، وتثنية الأولى هى : (ذوا ، وذوى ...). وتثنية الأخرى هى : (ذاتا وذاتى ... ؛ أو ذواتا وذواتى) ثم يجىء المركب الإسنادىّ المراد تثنيته مسبوقا بالكلمة المناسبة له مما سبق بعد تثنيتها ، دون أن يلحقه تغيير مطلقا فيبقى على حاله فى التثنية «مضافا إليه» لا يتغير كما كان شأنه عند الجمع. فيقال : أقبل «ذوا» الخير نازل .. وأقبلت «ذاتا ، أو : ذواتا» الخير نازل ... وهكذا ... كما سبق فى الجمع تماما ، ولكن مع تثنية الكلمة المساعدة ، وهى : (ذو) ، (ذات أو وذوات) ...
(ح) المركب المزجى : لا يجمع جمع تكسير مطلقا. ولا يثنى ، ولا يجمع جمع تصحيح بالطريقة المباشرة ، وإنما يراعى فى تثنيته وجمعه تصحيحا الطريقة غير المباشرة التى روعيت فى المركب الإسنادى (1).
وهناك رأى آخر يبيح جمع المركب المزجى جمع تصحيح بطريقة مباشرة كما تجمع الأسماء غير المركبة. وفى هذا الرأى تيسير وتخفيف ؛ بإخضاع هذا النوع للقاعدة العامة.
(د) المركب التقييدى (وهو المكون من صفة مع موصوفها ؛ مثل : المخترع
1) وتشمل الرأى السابق - فى رقم 6 من هامش الصفحة السابقة - الذى يبيح جمعه تكسيرا بطريقة غير مباشرة ، وهى تقديم كلمة : أذواء.
الذكىّ ، أو من غيرهما مما لا يدخل فى المركبات السالفة) ، لا يجمع جمع تكسير ، وإنما يتوصل - فى الأحسن - إلى جمعه جمع تصحيح بالطريقة غير المباشرة التى شرحناها.
5 - الفرق بين جمع التكسير ، واسم الجمع ، واسم الجنس الجمعىّ.
(ا) لا بد فى جمع التكسير الأصلى أن يدل على أكثر من اثنين ، وأن يكون على وزان صيغة من الصيغ الخاصة به - وقد عرفناها - وأن يكون له مفرد حقيقى لا خيالى (1)، وأن تتغير صيغة هذا المفرد عند جمعه للتكسير تغيرا حتميّا على الوجه الذى شرحناه (2). وأن يشترك مع جمعه فى الحروف الأصلية - إلا إذا اقتضى الجمع حذف شىء منها - دون الاشتراك فى هيئتها ، (أى : ضبطها) ، وإذا عطف على هذا المفرد نظيران له - أو أكثر - بحيث تتشابه وتتماثل المفردات تماما فى اللفظ وهيئته ، وفى المعنى أيضا كان معنى المعطوفات كلها هو معنى ذلك الجمع .. ومن الأمثلة لجمع التكسير : رجال. فهذه الصيغة تدل على أكثر من اثنين ، وتختص بالتكسير ولها مفرد حقيقى هو : رجل. وقد تغير بناء المفرد عند جمعه. والحروف الأصلية ثلاثة مشتركة بين المفرد وجمعه ، مع اختلافها فى الضبط ، وإذا عطف على هذا المفرد مثلان له أو أكثر ؛ (فقيل رجل ورجل ورجل ... و ...) كان معنى المعطوفات المجتمعة هو معنى التكسير : رجال.
وهناك جمع تكسير ليس بالأصيل ولكنه يلحق بجموع التكسير الأصيلة اعتبارا. ويجرى عليه أحكامها ؛ وهذا النوع هو ما كان على صيغة من الصيغ الخاصة بالتكسير ، أو الغالبة فيه ، ولكن ليس له مفرد. فمن أمثلة الموضوع على صيغة خاصة بالتكسير وليس له مفرد : شماطيط (3)وعباديد (4)وعبابيد ...
ومن أمثلة الموضوع على صيغة غالبة فى التكسير وليس له مفرد : «أعراب (1)» فإن صيغة «أفعال» شائعة فى الجموع ، نادرة فى المفردات غاية الندرة ؛ إذ لا تعرف إلا فى بضع كلمات معدودة ، منها قدر أعشار (2)، وثوب أخلاق (3)... فتلك الصيغ الموضوعة على وزن يخص جمع التكسير أو يغلب فيه ، تدخل فى عداد جمع التكسير ؛ بالرغم من عدم وجود مفرد حقيقى لها. وفى هذه الحالة يفترض النحاة لها وجود مفرد ، مقدّر ، (خيالىّ) ، أى : غير حقيقى ، لتكون بهذا المفرد الملحوظ داخلة - اعتبارا - فى جموع التكسير الأصيلة.
والحق أنه لا داعى لشىء من هذا الافتراض والتخيل ما دام الواقع يخالفه ، وما دامت أحكام التكسير المختلفة ستجرى على تلك الصيغ.
(ب) اسم الجمع ما يدل على أكثر من اثنين ، وليس له مفرد من لفظه ومعناه معا ، وليست صيغته على وزن خاص بالتكسير ، أو غالب فيه. فيدخل فى اسم الجمع ما له مفرد من معناه فقط ، مثل : إبل وقوم ، وجماعة ؛ فلهذه الكلمات وأشباهها مفرد من معناها فقط ؛ فمفرد إبل هو : جمل أو ناقة ، ومفرد قوم وجماعة هو : رجل أو امرأة ... وليس لها مفرد من لفظها ومعناها معا برغم دلالتها على أكثر من اثنين ...
ويدخل فى اسم الجمع أيضا ما يدل بصيغته على الواحد والأكثر من غير أن تتغير تلك الصيغة ، نحو : «فلك» ، للسفينة الواحدة والأكثر.
وكذلك يدخل فى اسم الجمع ما له مفرد من لفظه ولكن إذا عطف على هذا المفرد مماثلان أو أكثر كان معنى المعطوفات مخالفا لمعنى اللفظ الدال على الكثرة ، نحو : قريش ؛ فإن مفرده قرشىّ. فإذا قيل قرشى ، وقرشى ، وقرشى ... كان معنى هذه المعطوفات ، هو : جماعة منسوبة إلى قبيلة «قريش» ، وهو معنى يختلف اختلافا واسعا عن معنى «قبيلة قريش» ، فليس مدلول قبيلة قريش مساويا مدلول : جماعة منسوبة إلى قريش.
1) وليس مفردها : «عرب» فى رأى كثير من اللغويين ؛ لأن «العرب» تطلق على سكان الحواضر والصحارى. أما «الأعراب» فالغالب - عنده - اختصاصها بالبدو.
2) مكسرة. وقيل : إن كلمة «أعشار» ليست مفردا ، وإنما هى جمع وقع نعتا للمفرد ، شذوذا ، أو على ملاحظة أجزاء المنعوت. والمفرد : عشر ... والنتيجة واحدة. هى المخالفة للشائع.
3) متمزق قديم. وقيل فى أخلاق ، إنه ليس مفردا ، ولكنه جمع خلق. وقد وصف المفرد بالجمع شذوذا ، أو على ملاحظة أجزاء المنعوت ... والأمر فيه كسابقه فى رقم 2.
ويدخل فى اسم الجمع أيضا ما لصيغته مفرد من لفظها ومعناها ولكنها ليست على أوزان جموع التكسير المعروفة فيما سبق ؛ كراكب وركب ، وصاحب وصحب. فقد قيل : إن صيغة «فعل» ليست من صيغ التكسير عند فريق من النحاة. أما عند غيرهم فيعدّها من صيغ التكسير.
بالرغم من هذا فإن مثل راكب وركب ، وصاحب وصحب ... أسماء جموع وليست جموع تكسير ، لسبب آخر ؛ هو : أن كل صيغة تدل على معنى الجمع مع جواز أن تتساوى هى والواحد فى الخبر ، وفى النعت إذا احتاجت إلى خبر أو نعت - ليست جمعا ، وإنما هى : اسم جمع : كركب وصحب ، حيث تقول : الركب مسافر ، وهذا ركب مسافر. كما تقول : الراكب مسافر ، وهذا راكب مسافر. ومثل : الصحب قادم ، وهذا صحب قادم ؛ كما تقول : الصاحب قادم وهذا صاحب قادم ...
(ح) اسم الجنس الجمعى هو : ماله مفرد يشاركه فى لفظه ومعناه معا ، ولكن يمتاز المفرد بزيادة تاء التأنيث فى آخره أو ياء النسب ، (أو : هو ما يفرق بينه وبين واحدة بتاء التأنيث أو ياء النسب) ، نحو : تمر ، ومفرده : تمرة - وشجر ، ومفرده : شجرة - وثمر ، ومفرده : ثمرة - وعرب ومفرده عربى - وترك ومفرده تركى ، وحبش ، ومفرده حبشى ... ومن القليل أن تكون هذه التاء فى اسم الجنس الجمعىّ لا فى مفرده ، نحو : كمأة (1)والمفرد : كمء.
ومن النحاة من يجعل اسم الجنس الجمعى جمع تكسير ، لا قسما مستقلا بنفسه. وقد سبق بيان هذا (2)مع توضيح المراد من الجنس وأنواعه المتعددة.
6 - جمع التكسير - كالتصغير ، وغيره - يرد الأشياء إلى أصولها ، ولهذا يقال فى جمع دينار : دنانير ، لأن المفرد : دنّار ؛ قلبت النون الأولى ياء فى المفرد ، للتخفيف. وعند جمعه جمع تكسير ظهرت النون ورجعت إلى مكانها.
7 - صيغة منتهى الجموع هى : كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة بشرط أن يكون أوسط الثلاثة ساكنا ؛ نحو : مصانع - مغانم -
معابد - قناديل - مصابيح - مناشير ... وقد سبق تفصيل الكلام عليها فى باب الاسم الذى لا ينصرف (1).
8 - لا يصح (2)جمع الاسم المصغر جمع تكسير للكثرة ؛ لأنها تناقض ما يدل عليه التصغير من القلّة ، وأيضا لعدم وجود صيغة للكثرة تناسبه. ولو جمع بغير تصغير لكان جمع التكسير خاليا من علامة تدل على أن مفرده مصغر ، فيؤدى هذا إلى اللبس. ومن ثم وجب فى كل جمع تكسير للكثرة أن يكون خاليا من ياء التصغير ؛ إذ لا يصح تصغيره وهو جمع كثرة ، ولا يصح فى مفرده المشتمل عليها أن يجمع جمع كثرة. أمّا جمع القلة فيجوز تصغيره لعدم المانع ، فيقال فى أصحاب وأجمال : أصيحاب ، وأجيمال ، وهكذا ...
التصغير (1)
تعريفه : تغيير يطرأ على بنية الاسم وهيئته ؛ فيجعله على وزن «فعيل». أو : «فعيعل» ، أو «فعيعيل» بالطريقة الخاصة المؤدية إلى هذا التغيير ؛ فيقال فى بدر : بدير ، وفى درهم : دريهم ، وفى قنديل : قنيديل ... وهكذا ... وتسمى الأوزان الثلاثة : «صيغ التصغير» ؛ لأنها مختصة به ، وليست جارية على نظام الميزان الصرفى العام (2).
الغرض منه : تحقيق أحد الأمور الآتية بأوجز الرموز اللفظيّة :
1 - التحقير ؛ نحو : جبيل - عويلم - بطيل. فى تصغير : جبل ، وعالم ، وبطل.
2 - تقليل جسم الشىء وذاته (3)؛ نحو : وليد - طفيل - كليب.
3 - تقليل الكمية والعدد ؛ كدريهمات ، ووريقات فى مثل : اشتريت كتابا بدريهمات ، يضم وريقات نافعة.
4 - تقريب الزمان ؛ كقبيل وبعيد ، فى مثل : يستيقظ الزارع قبيل الفجر ، وينام بعيد العشاء. أى : قبل وقت الفجر ، وبعد وقت العشاء بزمن قريب منهما.
5 - تقريب المكان : مثل ؛ فويق ، وتحيت ، فى قول القائل : بينى
1) يرد ذكره أحيانا فى الكتب القديمة باسم : «التحقير» وقد تكرر هذا فى كتاب سيبويه (ج 2 ص 105) والتعبير عنه بالتصغير أنسب ؛ لأن هذا الغرض هو الغالب فيه ، بخلاف التحقير. وغير المصغر يسمى : المكبّر.
2) يوضح هذا أن تصغير مثل : أحمد ، ومكرم ، وسفرجل ... ، هو : أحيمد ومكيرم وسفيرج - أو سفيريج - والثلاثة الأولى على وزن : فعيعل ، والرابع على وزن ، فعيعيل مع أن ميزانها التصريفى ، هو : أفيعل ، ومفيعل ، وفعيلل أو : فعيليل. فللتصغير أوزانه الاصلاحية الثلاثة التى يجرى عليها ، وقد يختلف كثيرا - ولا سيما فى الأسماء غير الثلاثية - عن الأوزان الخاصة بالميزان الصرفى العام.
3) يشمل ماله ذات محسوسة كالأمثلة المذكورة ، وما له ذات غير محسوسة ؛ مثل : عليم - كريم - فى تصغير علم وكرم.
وبين النهر فويق الميل ، وتحيت الفرسخ (1). وقد يكون المكان معنويّا ، يراد منه المنزلة والدرجة ، نحو : فضل الوالدين فويق فضل الأولاد ، وتحيت فضل الأجداد.
6 - التحبب وإظهار الود ؛ نحو : يا صديّقى - يا بنيّتى.
7 - الترحم ، (أى : إظهار الرحمة والشفقة) ، نحو : هذا البائس مسيكين ...
8 - التعظيم : كقول أعرابى : رأيت مليكا تهابه الملوك ، وسييفا من من سيوف اللّه تتحطم دونه السيوف.
ومن الممكن إرجاع كثير من هذه الأغراض المفصّلة إلى التحقير أو التقليل. ومن الممكن أيضا أداء كل غرض منها بأسلوب - أو أكثر - يخلو من التصغير ، ولكنه سيخلو كذلك مما يمتاز به التصغير من الاختصار ، والقوة والتركيز.
شروط الأسماء التى يدخلها التصغير :
التصغير خاص بالأسماء وحدها ؛ فلا تصغّر الأفعال (2). ولا الحروف. ويشترط فى الاسم الذى يراد تصغيره.
1 - أن يكون معربا ، فلا تصغر - قياسا - الأسماء المبنية ؛ كالضمائر ، وكأسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، و «كم» الخبرية ... وغيرها من المبنيات - إلا ما ورد مسموعا منها مصغرا ؛ فيقتصر على الوارد منه. وأشهر هذا المسموع ما يأتى :
(ا) المركب المزجى (3)- علما أو عددا - عند من يبنيه فى كلّ الحالات الإعرابية المختلفة ؛ فيقال فى تصغير نفطويه : نفيطويه ، وفى أحد عشر : أحيد عشر (4)، أما عند من يعرب المركب المزجى إعراب الممنوع من الصرف
1) ثلاثة أميال.
2) إلا «أفعل» المستعمل فى التعجب. - وسيجىء البيان عنه فى الصفحة التالية -.
3) إذا صغر المركب المزجى فالتغير يطرأ على صدره دون عجزه ، ويبقى الحرف الذى فى آخر صدره على حاله من الحركة أو السكون ، كما كان قبل تصغيره.
4) إذا صغر المركب المزجى فالتغير يطرأ على صدره دون عجزه ، ويبقى الحرف الذى فى آخر صدره على حاله من الحركة أو السكون ، كما كان قبل تصغيره.
فتصغيره قياسىّ ؛ لأنه تصغير لاسم معرب (أى : متمكن).
(ب) ذا ، وتا ، وأولى ، أو : أولاء (مقصورة وممدودة (1)) والثلاثة أسماء إشارة والضّبط المسموع الشائع فيها عند التصغير هو : ذيّا ، وتيّا : (بفتح أولهما ، وقلب ثانيهما - - وهو الألف - ياء تدغم فى ياء التصغير ، وزيادة ألف جديدة بعد الياء المشددة). وأوليّا (بالقصر ، مع تشديد الياء ومدها) أو أوليئا (بالهمزة الممدودة بعد ياء الصغير) ، مع ضم أول الاسمين بغير مدّ ، أو : أوليّاء. وكل هذه الصّيغ لم تجر فى تصغيرها على مقتضى الضوابط المرعية ، وإنما نطق بها العرب هكذا.
ومن المسموع تصغير : ذان وتان ، وهما معربان - فى الصحيح - ؛ فتصغيرهما قياسىّ. إلا أن العرب غيرت فيهما تغييرا لا يقتضيه التصغير ، كفتح أولهما ، وتشديد الياء ؛ فقالوا : ذيّان ، تيّان ... ومن هنا كان الشذوذ.
(ح) الذى ، والتى ، والذين (والثلاثة من أسماء الموصول) ، ومن المسموع فيها عند التصغير : اللّذيّا ، واللّتيّا ، - بفتح أولهما ، أو ضمه - واللّذيّن (بضم اللام المشددة ، وإدغام ياء التصغير فى ياء الكلمة ، وكسرها بعد التشديد) ، والّلتيّات.
أما اللذان واللتان فمعربان - فى الصحيح - ؛ فتصغيرهما قياسىّ. إلّا أن العرب فتحت أولهما عند التصغير ؛ فقالوا : اللّذيّان واللّتيّان. ومن هنا كان الشذوذ. وفى أكثر الصيغ المصغرة السالفة لغات أخرى ، وضبوط متعددة ، اكتفينا ببعضها.
(د) المنادى المبنى ، نحو : يا حسين فى تصغير المنادى : حسن (2)
وصغّروا شذوذا : «الّذى» ، «الّتى» *** و «ذا» - مع الفروع منها - «تا» «وتى» - 22
.. «ملاحظة» : لا يعرف عن العرب تصغير شىء من الأفعال إلا صيغة. «أفعل» فى التعجب ، فى مثل : ما أحسن الرجوع إلى الحق ... ؛ فيقال فى التصغير : ما أحيسن الرجوع إلى الحق. وفى قياس هذا النوع من التصغير خلاف كبير. والرأى الشّائع أنه غير قياسى ، شأنه فى ذلك شأن جميع الأفعال 2الأخرى. ولكن سيبويه وبعض من البصريين وغيرهم يرون قياسيته ، وهذا رأى فيه تيسير (1)
هذا ولا يعرف أن المسموع المصغر من صيغة «أفعل» أكثر من كلمتين وردتا عن العرب ؛ هما : «أميلح وأحيسن» فأباح سيبويه القياس عليهما. وقد حدد عددهما وصرح بلفظهما : «الجوهرى». ونقلهما عنه . مصرحا فوق ذلك بأن النحاة أباحوا القياس عليهما . صاحب «المغنى» فى الجزء الثاني ، عند الكلام على الأمر الثالث ، وهو آخر الصور الخاصة بالقاعدة الأولى من قواعد الباب الثامن. وكذلك صاحب «خزانة الأدب» ، ج 1 ص 47. (راجع ما يختص بحكم هذا القياس وأمثاله في كتابنا : اللغة والنحو ، بين القديم والحديث ، ص 89).
.2 - ألّا يكون مصغر (2)اللفظ ؛ مثل : كميت ، ودريد ، وسويد (أعلام شعراء). وكعيت (اسم البلبل).
3 - أن يكون معناه قابلا التصغير ؛ فلا تصغر الأسماء التى يلازمها التعظيم ، كأسماء اللّه ، والأنبياء ، والملائكة. ونحوها ... ولا لفظ : كل (3)أو بعض (4)، ولا أسماء الشهور (5)؛ كصفر ، ورمضان ، ولا أيام الأسبوع كالسبت والخميس ،
1) نص على عدم قياسيته صاحب التصريح فى أول باب التصغير» ثم تناقض فأباحه مطلقا عند كلامه بعد ذلك فيما لا يصغر. ويقول سيبويه فى كتابه (ج 2 ص 135) سألت الخليل عن قول العرب : ما أميلحه - تصغير : أملح - فقال : لم يكن ينبغى أن يكون فى القياس ؛ لأن الفعل لا يحقر - أى : لا يصغر - وإنما تحقر الأسماء .. و .. وليس شىء من الفعل ولا شىء مما سمى به الفعل يحقر إلا هذا ، وما أشبهه من قولك : ما أفعله ..) ا ه. فجعل تصغيره قياسيا.
2) إن كان الاسم غير مصغر حقيقة ولكن مادته وتكوينه الاشتقاقى جعله على وزن صيغة خاصة بالتصغير - جاز تصغيره : نحو مهيمن ، اسم فاعل ، فعله : «هيمن» (بمعنى : راقب الشىء وسيطرء عليه) ؛ ونحو : مسيطر ، ومبيطر ... وهما اسما فاعل ، فعلهما : سيطر وبيطر ... فمثل هذه الأسما تصغر بحذف الياء الزائدة ، ويحل محلها ياء جديدة للتصغير ؛ فيبقى اللفظ فى صورته الجديدة كما كان من قبل بهيئته السابقة. لكن بين الصورتين فرق بالرغم من اتفاقهما التام فى الصورة ، وهذا الفرق هو أن الاسم المكبر منهما حقيقة ؛ تحذف ياؤه الزائدة عند جمعه «تكسيرا» للكثرة ، فيقال : مهامن ، ومساطر ، ومباطر ؛ بحذف الياء الزائدة. أما الاسم المصغر فلا يجمع - فى الرأى الشائع ، كما فى الصفحة الآتية - جمع تكسير للكثرة ، وإنما يجمع جمع تصحيح ؛ فيقال : مهيمنون ، مسيطرون ، مبيطرون ، لأنه لو جمع تكسيرا للكثرة وهو مصغر لوقع التناقض بين الدلالة على الكثرة والدلالة على التصغير ، ولوجب حذف ياء التصغير عند الجمع ؛ ليصير على وزن من أوزان للكثرة ؛ كالشأن فى كل خماسى ثالثه حرف زائد -. ولو حذفت ياء التصغير لالتبس الجمع المصغر بغير المصغر. ولهذا منعوا - أيضا - تكسير الأسماء المصغرة جمع كثرة ، ولم يذكروا فى صيغ التكسير للكثرة صيغة مفردها مصغر. أما جمع المصغر جمع تكسير للقلة - فيجوز ، (كما سيأتى فى الصفحة التالية ، وفى رقم 7 ص 652).
3) لدلالته على العموم والشمول ؛ وهى دلالة تناقض التصغير.
4) لأنه يدل بنفسه على التقليل ، فليس محتاجا إلى التصغير الذى يفيد التقليل.
5) لأن اسم الشهر واسم اليوم يدل على مدة زمنية محددة ، لا تقبل الزيادة ولا التقليل.
ولا الألفاظ المحكية (1)، ولا كلمة : غير وسوى (2)، ولا البارحة (3)، ولا غد (4)، ولا الأسماء المختصة بالنفى ؛ مثل : عريب (5)، وديّار. ولا المشتقات التى تعمل عمل فعلها بالشروط والتفصيلات التى سبقت عند الكلام عليها (6)، ومن تلك الشروط عدم تصغيرها (7)، إلا كلمة : رويدا (8)، ولا يصغر جمع تكسير للكثرة. ولا المركب الإسنادى ؛ لأن صيغ التصغير الثلاث لا تنطبق - فى الأغلب - على هذين إلا بعد حذف بعض حروفهما ، وهذا الحذف يؤدى إلى اللبس وخفاء أصلهما (9)؛ هذا إلى أن الغرض من جمع الكثرة يعارض التقليل الذى يدل عليه التصغير ، غالبا. فإذا أريد تصغير جمع للكثرة صغّر مفرده ، ثم جمع جمع مذكر سالما ، أو مؤنث سالما على حسب المعنى.
أما جمع القلة فيصح تصغيره فيقال فى أجمال : «أجيمال» ، وفى أنهر : أنيهر ، وفى فتية : فتيّة ، وفى أعمدة : أعيمدة. وكذلك يصح تصغير اسم الجمع ؛ نحو : ركب وركيب ، ورهط ورهيط ...
نوعاه :
التصغير نوعان : أصلى ، وتصغير ترخيم (10). ولكل منهما طريقة خاصة به.
1) لأن الحكاية تقتضى ترديد اللفظ بحالته من غير تغيير يطرأ عليه ، والتصغير ينافى هذا ؛ إذ يوجب التغيير.
2) لأن «غير» ، و «سوى» التى بمعناها تقتضى المغايرة والمخالفة التامة ، التى تدل على أن شيئا ليس هو شيئا آخر ؛ والمغايرة بهذا المعنى لا صلة لها بالتقليل ولا التكثير.
3) لأنها تدل على الليلة التى قبل يومك الحاضر. وهذه الدلالة لا تحتمل القلة ولا الكثرة.
4) لأنه يدل على يوم مقبل ، فلا يحتمل القلة ولا الكثرة.
5) ما فى البيت عريب أو ديار ، أى : ما فيه أحد.
6) فى أول الجزء الثالث الأبواب الخاصة بالمشتقات ، وتفصيل الكلام عليها.
7) ويقولون فى سبب هذا : إن التصغير يقربها من الأسماء ، ويبعدها من الأفعال التى تعمل عملها ؛ لقربها منها. والعلة الصحيحة هى عدم تصغير العرب للأسماء العاملة.
8) تفصيل الكلام عليها فى ص 143.
9) هذه علة نحوية قد يسهل رفضها فى بعض جموع التكسير - مثل : فعل - ؛ فإنه عند تصغيره تنطبق عليه إحدى الصيغ الثلاث ولم أجد فيما لدى من المراجع ما يبين موقف الوارد السماعى فى ذلك.
10) سيجىء فى ص 654.
النوع الأول : التصغير الأصلى ، طريقته :
الاسم المراد تصغيره أصالة قد يكون ثلاثيّا ، أو ثنائيا منقولا عن أصل ثنائى ، أو رباعيّا ، أو أكثر من ذلك.
(ا) فإن كان ثلاثيّا (1)- مثل : سعد ، وحسن ... وجب اتباع ما يأتى :
1 - ضم أوله ، وفتح ثانيه - إن لم يكونا كذلك من قبل - وزيادة ياء ساكنة بعد الثانى مباشرة ؛ تسمّى : «ياء التصغير» وبعدها الحرف الثالث من أصول الاسم المصغّر ، مضبوطا على حسب الموقع الأعرابىّ. نحو : سعيد وحسين نبيلان ، وإن سعيدا وحسينا نبيلان ... وبهذا التغيير الطارئ يصير الاسم على وزن : «فعيل» وينطبق عليه قولهم : (إن الثلاثى يصغر على «فعيل» ، أو : إن صيغة ؛ «فعيل» هى المختصة بالاسم الثلاثى المصغر.) فليس من المصغر الثلاثى كلمة : زمّيل (2)ولا لغّيزى (3)؛ لأن الحرف الثانى منهما ساكن مدغم فى نظيره ، ولأن الياء الساكنة رابعة ... (4)
فعيلا اجعل الثّلاثىّ إذا *** صغّرته : نحو : قذىّ : فى قذا - 1
القذى : الجسم الصغير - كالهباء - الذى يقع فى العين فيؤلمها. وتصغيره : قذىّ ؛ بإرجاع الألف إلى أصلها الياء ، وإدغام ياء التصغير فيها ؛ لأن التصغير - كالتكسير - يرد الأشياء إلى أصولها.
وإن كان الثلاثى الأصول قد زيد على حروفه الثلاثة : «تاء التأنيث» مثل : شجرة - ثمرة ... فإنّه يعتبر فى حكم الثلاثى مع وجودها ، فيخضع عند تصغيرها لما يخضع له الثلاثى الخالى منها.
2 - إن كان الثلاثى قد حذف منه بعض أصوله وبقى على حرفين (5)وجب عند التّصغير رد المحذوف ؛ فيقال فى : كل (6)، وبع (7)، ويد (8)وأشباهها إذا صارت أعلاما : أكيل ، وبييع ، ويدىّ ...
ويسرى هذا الحكم على الثلاثى الذى حذف منه بعض أصوله ؛ وعوض عنها .
1) وهذا يشمل الثلاثى أصالة وعرضا ؛ - طبقا لما سيجىء فى ص 637 - ،. يدخل فى حكم الثلاثى ما ختم بتاء زائدة للتأنيث ، مسبوقة بأحرف ثلاثة أصلية ؛ كما سيجىء.
2) جبان ضعيف.
3) لغز.
4) وفيما سبق يقول ابن مالك فى أول باب عنوانه : التصغير :
5) قد يكون أحدهما : «هاء السكت» ، وذلك إذا حذف من الثلاثى حرفان وبقى واحد ؛ فينضم إليه هاء السكت وجوبا ، نحو : ره ، وقه ؛ أمران من : رأى ، ووقى.
6) محذوف الفاء.
7) محذوف العين.
8) محذوف اللام.
تاء التأنيث ؛ فلا يمنع وجود هذه التاء من إرجاع المحذوف ، فكأنها غير موجودة ؛ نحو : عدة وسنة - علمين ، وأصلهما : وعد ، وسنو ، أو سنه ، فعند التصغير : يرجع للأول فاؤه المحذوفة ، وللثانى لامه المحذوفة ، فيقال : وعيد ، وسنيّة أو سنيهة. وهذه التاء الموجودة بعد التصغير هى للتأنيث ، وليست - كالسابقة - للتعويض لأن تاء العوض لا تبقى بعد رجوع المعوّض.
ومما حذف لامه الأصلية وعوّض عنها تاء التأنيث : «بنت وأخت» ؛ فيردّ المحذوف منهما عند التصغير ؛ فيقال : بنيّة (1)؛ وأخيّة ، والأصل : بنيوة وأخيوة ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ... (2)
وكمّل المنقوص فى التصغير ما *** لم يحو غير التّاء ثالثا ؛ ك «ما» - 17
يريد بالمنقوص هنا : ما نقص منه بعض أصوله بسبب الحذف. ومثل له بكلمة «ما» وأصلها : ماء ولكن الهمزة حذفت لأجل الشعر.
فإن كان الاسم على ثلاثة أحرف بعد حذف بعض أصوله لم يرجع المحذوف ؛ نحو : هاد وهويد ، وداع ودويع.
3 - وإن كان الاسم ثنائى الأصل ؛ (لأنه منقول مما وضع فى أصله (3)على حرفين ،) وأريد تصغيره فإن كان ثانيهما صحيحا - مثل : هل ، وبل ، ولم. أعلاما - وجب : إما تضعيف ثانيه عند التصغير بشرط أن يكون أحد المضعفين قبل ياء التصغير ، والآخر بعدها ؛ فتتوسط بينهما ، وإما تضعيف ياء التصغير نفسها ، بزيادة ياء عليها ؛ فيقال : هليل ، أو هلىّ - بليل ، أو : بلىّ - لميم ، أو لمىّ ... ففى هذه الأمثلة زيدت ياء التصغير ، وتلاها بعد .
1) هذه التاء التى فى التصغير للتأنيث ، وليست للعوض - ومثلها التى فى : سنية ، أو : سنيهة - ؛ إذ ليس فى الكلمة محذوف الآن تكون عوضا عنه. بخلافها قبل التصغير حيث كان الأصل : «بنو» - فى الرأى الشائع - فالنوعان مختلفان ؛ فليس فى وجودها عند التصغير جمع بين العوض والمعوض عنه. ومثلها : «أخية» وأصلها قبل التصغير : «أخو».
2) وفى تصغير ما نقص منه بعض أصوله يقول ابن مالك :
3) الاسم الأصيل لا يكون موضوعا على حرفين فى أول أمره ؛ لكن يصح أن يكون منقولا ما وضع فى أصله على حرفين.
زيادتها حرف التضعيف الذى يشبهها أو الذى يشبه ما قبلها مباشرة ، ويتحرك الحرف الذى يلى ياء التصغير بالحركة الإعرابية المناسبة للجملة ؛ لأن الاسم فى هذه الحالة يصير معربا.
وإن كان ثانيهما معتلا وجب تضعيفه ، وزيادة ياء التصغير بين حرفى التضعيف ؛ فمثل : لو - كى - ما - أعلاما - يقال فيها بعد التضعيف ، وقبل التصغير : لوّ - كىّ - ماء (1)... ويقال فى تصغيرها : لوىّ (2)- كيىّ (3)- موىّ (4)
أما كلمة «ماء» وهو الذي يشرب ، فتصغيره : مويه ، لأن ألفه مبدلة من واو ؛ إذ أصله : موه ؛ بدليل جمعه على أمواه ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فصار : ماه ، ثم انقلبت الهاء همزة ؛ سماعا على غير قياس ؛ فصار : ماء. فعند تصغيره يرجع كل حرف إلى أصله.
، بتوسيط ياء التصغير بين الحرفين المتماثلين. والاسم فى هذه الصورة معرب أيضا ، تجرى حركات الإعراب على حرفه التالى ياء التصغير.هذا ، ويعتبر الاسم ثنائيّا - يجرى عليه ما يجرى على الثنائى من إرجاع المحذوف ومن غيره - إذا كانت حروفه ثلاثة أولها همزة وصل ؛ نحو : ابن ، واسم ... فتحذف همزة الوصل فى تصغيره ، ويرجع المحذوف ؛ فيقال : بنىّ ، وسمىّ.
4 - إن كان الثلاثى المصغر اسما دالّا على المؤنث وحده - أى : ليس دالّا على المذكر ، ولا مشترك الدلالة بين المؤنث والمذكر - وجب عند أمن اللبس زيادة تاء فى آخره ؛ لتدل على تأنيثه ، سواء أكان باقيّا على ثلاثيته ، نحو : دار ، وأذن ، وعين ، وسن ، ... أم كان بعض أصوله محذوفا ؛ نحو : يد ،
1) لأن تضعيف الألف سيؤدىّ إلى وجود ألفين يستحيل النطق بهما ؛ فتقلب الثانية منهما همزة ، كما يحصل فى نوع آخر سبق بيانه (فى ص 555). هو ألف التأنيث الممدودة. وقيل : إن الهمزة تجىء من أول الأمر من غير قلب.
2) أصلها : لويو ، اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء (طبقا لقواعد الإعلال).
3) بثلاث ياءات الأولى الأصلية ، والثانية ، للتصغير ، والثالثة الزائدة للتضعيف ...
4) فالألف الأصلية - التى هى الحرف الثانى فى كلمة : «ما» - انقلبت واوا ؛ لأنها مجهولة الأصل ؛ ومجهولة الأصل تقلب واوا - كما سيجىء فى ص 651 - ثم وليتها ياء التصغير ، وقلبت الألف الثانية المزيدة للتضعيف ياء لوقوعها بعد ياء التصغير ، وأدغمت فيها. ولم تهمز ؛ لزوال علة إبدالها همزة - كما قالوا - وهى وقوعها فى الآخر بعد ألف زائدة.
وأصلها : «يدى» ؛ حذفت لامها تخفيفا ؛ فيقال فى تصغير تلك الأسماء وأشباهها : دويرة - أذينة - عيينة - سنينة - يديّة. وسواء أكانت ثلاثيتها أصيلة (كهذه الأمثلة) أم طارئة (1)؛ مثل : «سميّة» وستأتى :
فإن أوقعت زيادة التاء فى لبس وجب تركها ؛ كما فى تصغير : شجر وبقر ؛ - عند من يقول بتأنيث اسم الجنس الجمعى - فلا يقال فى تصغيرهما : شجيرة ، ولا بقيرة ؛ لأنه يلتبس بتصغير : «شجرة وبقرة» المكبّرتين. وكذلك لا يقال : خميسة ولا سبيعة ، فى تصغير : خمس وسبع ، الدالتين على معدود مؤنث. ومثلهما باقى الأعداد المؤنثة لدلالتها على معدود مذكر ، لأن زيادة التاء عند تصغيرها تؤدى إلى اللبس ، إذ يقع فى الظن أنها لمعدود مذكر ، مع أنها لمعدود مؤنث.
وكذلك يجب تركها إن كان الاسم وقت تصغيره والنطق به دالّا على مذكر ولو كان فى أصله لمؤنث ؛ إذ الاعتبار إنما هو للدلالة الحالية عند النطق به ، وليس لدلالته السابقة ؛ فلو سمينا مذكرا بأحد الأسماء المؤنثة السابقة : - دار - أذن - عين - سن - ... أو بغيرها ، كسعد ، وحسن ، وهند ، ومىّ - أعلام مذكر - لم يصح مجىء تاء التأنيث عند تصغيره(2)
وإذا كان الاسم المصغر غير مقصور الدلالة على المؤنث فلا تلحقه التاء كأن يكون صالحا له وللمذكر : مثل : نصف ؛ بمعنى متوسط السن ، يقال رجل نصف وامرأة نصف...
.وكذلك لا يصح مجيئها إذا كان المصغر غير ثلاثى (3)، نحو : زينب ، وسعاد ؛ فلا يقال فيهما : زيينبة ، ولا سعيّدة ...
فشرط زيادة تاء التأنيث : أن يكون المصغر ثلاثيّا ، مؤنثا وقت تصغيره ،
1) يلحق بالثلاثى أيضا كل رباعى ثالثه حرف مد ، ورابعه حرف علة بحسب أصله ، نحو سماء وسمية ومثل الرباعى مازاد عليه مما حذف منه ألف تأنيث مقصورة ؛ خامسة أو سادسة ؛ فيجوز (كما سيأتى فى ص 643 وص 644) إلحاق التاء ب ، كحبارى حيث يجوز تصغيره بإبقاء الألف ، أو بحذفها ، أو حذفها مع زيادة التاء ؛ تعويضا عنها ، فيقال : حبيرى ، أو : حبيرة. ومثل : لغّيزى. فيصح فيه الأمران دون إبقاء الألف ؛ يقال : لغيّغيز، أو لغّيغيرة. (الهمع ج 2 ص 189). وانظر ص 643 الآتية
2) جاء فى كتاب سيبويه (ح 2 ص 137) ما نصه : (إذا سميت رجلا بعين أو أذن فتحقيره بغير هاء - أى : أن تصغيره يكون بحذف تاء التأنيث - وتدع الهاء ههنا ؛ كما أدخلتها فى : «حجر» اسم امرأة ، ويونس يدخل الهاء ويحتج بأذينة. وإنما سمى بمحقر). ا ه
3) إلا فى تصغير الترخيم فيصح مجيئها فى المؤنث - كما سنعرف عند الكلام عليه ص 665.
لا يلتبس بغيره عند زيادتها. ولا فرق فى الثلاثى بين الباقى على ثلاثيته وغير الباقى الذى نقص منه شىء ، ولا ما بين ثلاثيته أصيلة وما ثلاثيته طارئة. ومن أمثلة الطارئة : سميّة (1): علم مؤنث ، وهى تصغير : «سماء» (2)المؤنثة الممدودة. جرت عليها ضوابط التصغير ؛ فضم أولها ، وفتح ثانيها ، وزيد بعده ياء التصغير ، وانقلبت الألف الزائدة ياء ، فاجتمع ياءان ، الأولى منهما ساكنة ؛ وهى ياء التصغير ، والثانية متحركة بالكسرة ؛ وهى التى أصلها المدّة فأدغمتا ، ثم رجعت الهمزة إلى أصلها «الواو» - لام الكلمة -. وانقلبت الواو ياء ، طبقا لقواعد الإعلال ؛ فصارت الكلمة : سميّى. فاجتمع فى آخر الكلمة ثلاث ياءات ؛ هى ياء التصغير ، تليها الياء التى أصلها ألف المد ، وبعدهما الياء التى أصلها الواو لام الكلمة ... فوقع فى الآخر بعد ياء التصغير ياءان ، وهذا لا يقع فى فصيح الكلام ، ويتحتم حذف أولاهما تطبيقا للضوابط العامة فى هذا الباب - كما سيجىء (3)- فصارت : سمىّ. بياء مشددة تعتبر الحرف الثالث ، ثم زيدت عليها تاء التأنيث ؛ لتكون كأصلها دالّة على المؤنث ، فصارت : سميّة.
ويجب فتح الحرف الذى قبل هذه التاء مباشرة وهو الحرف الواقع بعد ياء التصغير فى : «فعيل (4)» ؛ لأن تاء التأنيث تستوجب فتح الحرف الذى قبلها فى جميع حالات اللفظ الثلاثى وغير الثلاثى المختوم بها ، سواء أكانت خاتمة اسم مصغر ، أم غير مصغر - كالأمثلة السالفة - وسواء أكانت خاتمة فعل ، أم حرف ؛ نحو : قامت - كتبت - ربّت - ثمّت. (وهذا موضع يجب فيه فتح الحرف بعد ياء التصغير فى صيغة «فعيل» وهى الصيغة المقصورة على تصغير الاسم الثلاثى وحده. أما الحرف الذى يلى ياء التصغير فى غير هذه الصيغة ، بأن يقع بعد ياء التصغير فى صيغتى : «فعيعل وفعيعيل» ، فيكون مكسورا ، وله حالات يبقى فيها على حركته التى كانت له قبل التصغير. وسيجىء بيان هذا فى
موضعه المناسب (1)).
وقد ورد فى الكلام المسموع بعض ألفاظ خالفت فى التذكير أو التأنيث. ما سبق تقريره ؛ فهى شاذة لا يقاس عليها (2)
واختم «بتا التأنيث» ما صغّرت ؛ من *** مؤنّث ، عار ، ثلاثىّ ؛ كسن - 19
ما لم يكن «بالتّا» يرى ذا لبس *** كشجر ، وبقر ، وخمس - 20
وشذّ ترك دون لبس. وندر *** لحاق «تا» فيما ثلاثيّا كثر - 21
(كثر - بفتح الثاء - بمعنى ؛ فاق. وثلاثيا : مفعول به مقدم للفعل : كثر) ومعنى البيتين الأولين واضح ، وهو يقرر فى البيت الأخير ؛ أن ترك التاء مع أمن اللبس شاذ - مع تحقق بقية الشروط الأخرى - وأن من النادر زيادة هذه التاء إذا فاق الاسم المصغر ثلاثة ، وزاد عليها ؛ أى : إذا كان رباعيا فأكثر ، ومن هذا النادر الذى لا يقاس عليه تصغيرهم : وراء ، وأمام ، وقدّام ... على : وريئة ، وأميّمة ، - بتشديد الياء - وقد يديمة ...
... كشذوذ ألفاظ أخرى ثلاثية ورد تصغيرها على غير صيغة : «فعيل» (3).5 - إن كان ثانى الاسم المصغر حرف لين (4)- نحو : باب وقيمة - وجب إخضاع هذا الثانى للضابط العام الذى يسرى على كل حرف لين ثان ؛ سواء أكان الاسم المصغر ثلاثيّا أم غير ثلاثى. وسيجىء (5)هذا الضابط.
وإلى هنا انتهى الكلام على تصغير الثلاثىّ.
(ب) إن كان الاسم الذى يراد تصغيره رباعيّا (6)؛ مثل : «جعفر وبندق» ، وجب ضم أوله وفتح ثانيه - إن لم يكونا كذلك من قبل - وزيادة ياء ساكنة بعد ثانيه (وهى التى تسمى : ياء التصغير) وكسر ما بعد هذه الياء ، إن لم يكن .
1) فى ص 645.
2) فيما سبق من زيادة تاء التأنيث عند تحقق الشروط - يقول ابن مالك :
3) كتصغيرهم : «رجل» على : «رويجل» ، و «مغرب» على : مغيربان.
4) فى ص 610 معناه. والمراد هنا حرف العلة.
5) ص 648.
6) لا فرق فى الرباعى بين ما حروفه أصيلة ؛ نحو : جعفر ، وما حروفه أصلية وزائدة ؛ نحو : بندق. فالأساس : أن يكون عدد الحروف أربعة ، أصلية كانت ، أم مختلطة.
مكسورا من قبل (1)؛ فيصير الاسم بعد إجراء هذه التغييرات على وزن : «فعيعل» ؛ نحو : جعيفر. وبنيدق. وهذه التغييرات التى طرأت على الرباعى عند تصغيره هى التغييرات التى طرأت على الثلاثى عند تصغيره كذلك. مع زيادة كسر ما بعد ياء التصغير فى الرباعىّ - كالمثالين السالفين. - إلا فى بعض حالات ستجىء (2).
والكسر بعد ياء التصغير فى الاسم الرباعى يوجب تغييرا آخر لا بد منه ؛ يتلخص فى أنه لو وقع بعدها حرف مدّ (3)فالواجب قلبه ياء تدغم فى ياء الصغير ؛ (تطبيقا لما تقضى به الضوابط العامة فى مثل هذه الحالة التى تقع فيها «ياء» بعد ياء التصغير (4)
ا . وجوبا إن سكنت هذه (الواو) ، كعجوز وعجيّز
أو أعلت . بأن قلبت شيئا آخر كألف مثلا كمقام ؛ فإن أصله : مقوم ، فيقال : مقيم.
أو كانت لاما ؛ كغز وغزى ، وغزوة وغزيّة ، وعشوا بالقصر . وعشيا.
ب . وجوازا إن تحركت الواو فى إفراد وتكسير ولم تكن لاما فيهما ؛ كأسود وأساود ، وجدول وجداول ، فيقال في التصغير : أسيّد وأسيود ، وجديل ، وجديول ؛ فيجوز قلب الواو ياء ، وإدغامها في ياء التصغير ، (عملا بقاعدة الإعلال من القلب والإدغام عند اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون ، ) كما يجوز إبقاء الواو بغير قلب ، إجراء لها على حدها فى التكسير ، (لأن التصغير والتكسير من باب واحد ؛ في الأعم الأغلب ..)
فإن تحركت الواو فى الإفراد والتكسير وهى لام وجب قلبها ياء فى التصغير ، بغير نظر إلى التكسير ؛ نحو :
كروان وكريان ، وجمعه كراوين ا.ه. . ثم انظر ص 717 فى الكلام على قلب الواو ياء. .
) فيقال فى : (كتاب ، وسحاب ، ومقام - كتيّب ، وسحيّب ، ومقيّم) ... وفى : (صبور ، وعجوز ، وبعوض - صبيّر ، وعجيّز ، وبعيّض) ... وفى : (جميل ، وسمير ، وسعيد - جميّل ، وسميّر ، وسعيّد.) وهذا معنى قول النحاة :(الاسم الرباعىّ يصغر على : «فعيعل». وإن كان حرفه الثالث قبل التصغير حرف مد وجب قلبه ياء تدغم فى ياء التصغير ...)
(ح) إن كان الاسم الذى يراد تصغيره خماسيّا فأكثر :
1 - فإن لم يكن رابعه حرف لين وجب - فى أغلب الحالات (1)- حذف بعض أحرفه الضعيفة (2)؛ ليصير رباعيّا يمكن تصغيره على صيغة : «فعيعل» الخاصة بالرباعى ، بالطريقة التى شرحناها عند الكلام عليها. فيقال فى سفرجل : سفيرج ، وفى فرزدق : فريزد ، أو : فريزق ، وفى حيزيون : حزيبن ، وفى مستنصر : منيصر ، وفى محرنجم : حريجم.
2 - فإن كان رابعه حرف لين وجب - فى أغلب الحالات (3)كالسابق - حذف بعض أحرفه الضعيفة. وقلب حرف اللين ياء إن لم يكن ياء من الأصل ؛ فينتهى تصغير الاسم إلى «فعيعيل» بوجود ياء قبل آخر الصيغة - وهذه الياء هى التى كانت قبل تصغير الاسم حرف لين رابعا - تقول فى تصغير سرحان : سريحين ، وفى عصفور : عصيفير ، وفى قنديل : قنيديل. وهذا معنى قول النحاة : (يجرى تصغير الخماسى فما فوقه - بشرط ألا يكون الحرف الرابع لينا - على الطريقة التى جرى بها تصغير الرباعى. كلاهما على وزن «فعيعل» ، فإن كان الرابع (فى الخماسى وفيما زاد على الخماسى) حرف لين وجب قلبه ياء ؛ ليكون تصغير الاسم على «فعيعيل» وجوبا ؛ بظهور ياء قبل الآخر.)
وإذا حذف من الخماسىّ فما فوقه بعض أحرفه للتصغير جاز زيادة ياء قبل آخره لتكون عوضا عن المحذوف ، بشرط ألا يكون قبل آخره ياء ؛ (فيقال فى سفارج : سفيرج وسفيريج) - (وفى فرزدق : فريزد وفريزيد أو فريزق وفريزيق) - (وفى حيزبون : حزيبن أو حزيبين) - (وفى مستنصر : منيصر أو منيصير) ... وهكذا. ولا يصح الجمع بين هذه الياء وما حذف ؛ لئلا يجتمع العوض والمعوّض (4)عنه.
ولا بد من كسر الحرف الذى يلى ياء التصغير فى الصيغتين : (فعيعل ، وفعيعيل) إلا فى مواضع سيجىء النص عليها (5).
والذى يحذف أو يبقى من الأحرف هنا هو ما يحذف أو يبقى عند جمع الاسم تكسيرا ؛ بحيث يبقى الحرف الأقوى الذى له المزية على غيره. فإن ساوى غيره فى الأفضلية جاز حذف أحدهما بغير تفضيل - كما عرفنا (1). -
فتصغير الاسم الخماسىّ فما فوقه يقتضى - فى الغالب - من الحذف والإبقاء ما يقتضيه تكسيره على : «فعالل ، وفعاليل» وما ضاهاهما فى الهيئة ؛ كمفاعل ومفاعيل ، وفواعل وأفاعيل ...
وما جاء مخالفا لهذا فهو شاذ هنا كشذوذ ما خالف الضوابط الخاصة بتصغير الثلاثى ؛ كتصغيرهم رجل على : رويجل ، ومغرب على : مغيربان ، وليلة على : لييلية ، وإنسان على : أنيسيان ... مع أن القياس فيما سبق هو : رجيل - مغيرب - لييلة - أنيسين إن كان جمعه للتكسير هو : أناسين (2)
وفى تصغير الرباعى وما زاد عليه ، وفى الوسيلة لذلك أحيانا من حذف بعض الأحرف كما تحذف فى التكسير ... ، يقول ابن مالك :
«فعيعل» مع «فعيعيل» لما *** فاق ؛ كجعل : درهم ، دريهما - 2
وما به لمنتهى الجمع وصل *** به إلى أمثلة التّصغير صل - 3
وتقدير هذا البيت : وما وصل به إلى التكسير فى صيغة منتهى الجموع صل به إلى التصغير حين تريد تصغير أمثلته. يريد بهذا حذف بعض الأحرف ، فإن الحذف هو الذى يوصل إلى جمع بعض الأسماء جمع تكسير على صيغة منتهى الجموع. ثم قال بعد ذلك فى الوصول إلى صيغة فعيعيل :
وجائز تعويض «يا» قبل الطّرف *** إن كان بعض الاسم فيهما انحذف - 4
ثم بين أن ما خالف المذكور فى البابين (باب تصغير الثلاثى ، وباب تصغير غيره) خارج عن القياس :
وحائد عن القياس كلّ ما *** خالف فى البابين حكما رسما - 5
...أسماء لا يحذف عند التصغير خامسها ولا ما فوقه :
يستثنى من القاعدة السالفة بعض أسماء تزيد أحرف كل منها على الأربعة ، ولا يحذف حرفها الخامس ولا ما بعده عند التّصغير - بالرغم من أنهما فى بعض الصّور قد يحذفان عند التكسير - فيصغر الاسم كأنه رباعىّ مع ترك الحروف 5
التى تجىء بعد الرابع على حالها ، واعتبارها كأنها منفصلة عنه ليست من حروفه ومن هذه الأسماء :
1 - الاسم المختوم بألف تأنيث ممدودة (1)بعد أربعة أحرف فصاعدا ؛ نحو : «قرفصاء» ؛ فيقال فى تصغيرها : قريفصاء ، بتصغير الكلمة كأنها رباعية ؛ ثم يلحق بها الهمزة والألف التى قبلها ، وإن شئت قلت : بتصغير الكلمة من غير اعتبار لوجود الهمزة والألف التى قبلها مع وجودهما عند التصغير وبقائهما معه.
أما ألف التأنيث المقصورة فإن كانت رابعة - كصغرى وكبرى - فإنها تبقى وجوبا ، يقال فى تصغيرهما : صغيرى وكبيرى. وإن كانت سادسة أو سابعة حذفت وجوبا ؛ مثل : لغّيزى (2)ولغيغيز (3)، وبردرايا (4)وبريدر (5)... وكذلك إن كانت خامسة وليس فى الأحرف السابقة عليها حرف مدّ زائد ، كقرقرى (6)وقريقر.
فإن كان فى الأحرف التى تسبقها حرف مدّ زائد جاز حذفها ، أو حذف حرف المدّ الزائد دونها ؛ نحو : حبارى (7)وحبيرى ، أو حبيّر ، ونحو : قريثى (8)وقريثا (بحذف ياء المد التى بعد الراء) أو قريّث ؛ بحذف
1) سبق الكلام على ألف التأنيث المدودة وأصلها فى ص 555 ومنه يفهم أن ألف التأنيث الممدودة - فى الأرجح - هى فى أصلها ألف زائدة للتأنيث ، قبلها ألف أخرى زائدة للمدّ ، فتنقلب ألف التأنيث همزة. فالهمزة فى «قرفصاء» ونحوها للتأنيث ، وقبلها ألف زائدة ملازمة لها تدل على أن ألف التأنيث ممدودة ؛ لا مقصورة. فهى علامة مدها ، ومتممة لها.
2) بمعنى : اللغز - كما سبق -.
3) ويصح زيادة تاء التأنيث للتعويض ؛ فيقال : لغيغيزة. بشرط أن تكون الألف المحذوفة رابعة أو خامسة - كما سبق فى هامش رقم 3 من ص3. .
4) اسم موضع.
5) حذفت ألف التأنيث ؛ فصارت الكلمة : بريدراى ، ثم حذفت الألف والياء ؛ لأنهما زائداتان (راجع الصبان).
6) اسم موضع.
7) اسم طائر. ويجوز «حبيّرة» بزيادة التاء عوضا عن ألف التأنيث كما سبق فى رقم 3 من هامش ص 637.
8) نوع من التمر ، وقد يمد ، فيصح على اعتباره مقصورا للممدود كتابته بالألف أيضا.
ألف التأنيث المقصورة ، وإدغام «ياء المد» فى «ياء» التصغير ... فلألف التأنيث المقصورة ثلاث حالات : الحذف وجوبا ، والبقاء وجوبا ، وجواز الأمرين.
2 - الاسم المختوم بتاء تأنيث مسبوقة بأربعة أحرف أو أكثر ؛ نحو : جوهرة ، وحنظلة ، فيقال فى تصغيرهما : جويهرة ، وحنيظلة ؛ بإبقاء التّاء على حالها وإجراء التصغير على الكلمة كأنها رباعية خالية منها.
3 - المختوم بياء النسب ، نحو : عبقرىّ ، جوهرىّ ، فيقال فى تصغيرهما : عبيقرىّ وجويهرىّ.
4 - المختوم بألف ونون زائدتين بعد أربعة أحرف أو أكثر وليس مثنى ، وكذا المختوم بعلامتى تثنية ؛ كزعفران ، ومؤمنان - ومؤمنين وتصغيرها : زعيفران مؤيمنان - مؤيمنين.
5 - المختوم بعلامتى جمع المذكر السالم أو جمع المؤنث السّالم ، نحو : أحمدون ، وأحمدين ، وزينبات. والتصغير : أحيمدون وأحيمدين وزيينبات ...
6 - عجز المركبين ؛ «الإضافى والمزجى» ؛ نحو : ظهير الدّين (1)، وأندرستان (2)وتصغيرهما : ظهير الدين وأنيدرستان (3)
وألف التأنيث حيث مدّا *** وتاؤه : منفصلين ، عدّا - 8
كذا المزيد آخرا للنّسب *** وعجز المضاف والمركّب - 9
وهكذا زيادتا فعلانا *** من بعد أربع ؛ كزعفرانا - 10
وقدّر انفصال ما دلّ على *** تثنية ، أو جمع تصحيح جلا - 11
(جلا : أى : أظهر. وهو معطوف على الفعل : دل. يريد : قدر انفصال ما دل على تثنية أو جلا جمع تصحيح ، وكلمة : «جمع» مفعول للفعل جلا. ثم قال :
وألف التأنيث ذو القصر متى *** زاد على أربعة لن يثبتا - 12
وعند تصغير «حبارى» خيّر *** بين الحبيرى - فادر - والحبيّر - 13
(انظر رقم 1 من هامش ص 637).
. .فالحروف السّابقة - كلها - تثبت فى التصغير ؛ لتقديرها منفصلة عما قبلها ولا يصح حذفها ؛ إذ لو حذفت ألف التأنيث الممدودة ، أو تاؤه ، أو غيرهما مما جاء بعدهما - لأوقع الحذف فى لبس لا ندرى معه أكان الاسم المصغر مشتملا على المحذوف أم غير مشتمل عليه ، فيتساوى تصغير الاسم المشتمل على تلك الأحرف والاسم الخالى منها. وهذا اللبس غير موجود فيما يصح جمعه من تلك الأسماء جمع تكسير - إلا المركب الإضافىّ فإن تكسيره وتصغيره سواء - ولذلك تحذف تلك الأحرف السابقة فى التكسير ؛ فيقال فى تكسير قرفصاء : قرافص - وفى جوهرة : جواهر ، وفى عبقرىّ : عباقر - وفى زعفران زعافر ... أما المركب المزجى فلا يكسّر - فى الرأى الشائع - كما مرّ فى باب جمع التكسير (1)
عرفنا أن تصغير الاسم على صيغة : «فعيعل ، أو فعيعيل» يقتضى كسر الحرف الذى يلى ياء التصغير مباشرة ؛ (نحو : دريهم وجويهر) ، و (سفيرج ، أو سفيريج ، وفريزد وفريزيد ، وفريزق ، أو فريزيق) فى تصغير : (درهم وجوهر) و (سفرجل وفرزدق) وأشباهها من كل اسم تزيد أحرفه على الثلاثة قبل تصغيره.
ويستثنى من هذا الحكم مواضع يجب فيها ترك حركة الحرف التالى ياء التصغير على ما كانت عليه قبل التصغير. ومن هذه المواضع (2):
1 - الحرف الذى يليه ألف التأنيث المقصورة ، نحو : صغرى وصغيرى
1) ص 624
2) ليس من المواضع الآتية المختوم بتاء التأنيث ؛ لأنها هنا (أى : فى غير الثلاثى) تكون مسبوقة بأربعة أحرف أو أكثر فيجب معها كسر الحرف التالى لياء التصغير ؛ إذ يكون مفصولة منه بحرف نحو : دحيرجة فى تصغير : دحرجة ، والشرط فى فتح الحرف التالى ياء التصغير فى الاسم المختوم بتاء التأنيث ألا يفصل بينه وبينها فاصل ؛ فإن فصل بينهما فاصل وجب كسر ما يلى ياء التصغير ؛ كالمثال المذكور ، وكحنظلة وحنيظلة وفى هذه الحالة لا تكون تاء التأنيث فى آخر اسم ثلاثى. أما التى فى آخر الاسم الثلاثى فقد سبق الكلام عليها فى ص 635 و 637 وهى المقصودة فى كلام ابن مالك بالبيت المذكور هناك (رقم 17).
2 - الحرف الذى يليه - مباشرة (2)- ألف التأنيث الممدودة (وهى الهمزة التى أصلها ألف التأنيث وقبلها ألف المد الزائدة) ؛ نحو : حمراء - خضراء - صفراء ... ويقال فى تصغيرها : حميراء - خضيراء - صفيراء ... بخلاف الحرف الذى يليه ألف الإلحاق الممدودة ؛ نحو : علباء وعليب (3)؛ فيجب كسر الحرف الذى قبل ألف الإلحاق بنوعيها.
3 - الحرف الذى يليه ألف : «أفعال». (بأن يكون الاسم قبل التصغير على وزن : «أفعال» ؛ مثل ؛ أفراس ، وأبطال ... ؛ فإذا صغّر وقعت ألف : «أفعال» بعد ياء التصغير ، فيجب فتح الحرف الذى قبل ألف : «أفعال» ، وهو الحرف الواقع بعد ياء التصغير) ؛ نحو أفيراس وأبيطال.
4 - الحرف الذى يليه ألف : «فعلان» - ثلاثى (4)الفاء ، ساكن العين - ؛ اسما كان أم وصفا. بشرط ألّا يكون جمع «فعلان» هو : «فعالين» (5)عند التكسير ؛ ففى تصغير : فرحان ، وعثمان ، وعمران ، نقول : فريحان وعثيمان ، وعميران ، بفتح الحرف الذى بعد ياء التصغير ، لتحقق الشرط ، وهو أن المفرد : فعلان (مطلق الفاء) لا يجمع تكسيرا على. فعالين ؛ فلا يقال : فراحين - عثامين - عمارين ...
فإن كان «فعلان» مما يجمع على : «فعالين» وجب كسر الحرف الذى يلى ياء التصغير ، نحو : سلطان وسلاطين ، وسرحان وسراحين ؛ وريحان
1) تقلب ألف الإلحاق ياء بعد الكسرة ، ثم تحذف الياء عند تنوين الاسم.
2) فإن فصل بينهما فاصل وجب الكسر ؛ نحو : جخيدباء ، تصغير «جخدباء» لنوع من الجراد والخنافس.
3) تحذف الهمزة من الممدود ، وتقلب الألف ياء لأجل الكسرة. وتعل إعلال المنقوص (مثل : وال - داع - هاد) فيقال : «عليب» بالكسر والتنوين.
4) أى : مضمومها ومكسورها ، ومفتوحها.
5) وبشرط زيادة الألف والنون ، وألا يكون مؤنثه بالتاء.
ورياحين. فيقال فى تصغيرها ؛ سليطين ، وسريحين ، ورييحين (1)
وقال بعض آخر إن الكلمة لا تشتمل إلا على ياء واحدة وليس هناك قلب ولا إدغام بدليل جمعها على رياحين ، فهى مثل شيطان وشياطين ، وتصغيرها رييحين ؛ كشييطين (راجع المصباح المنير ، مادة : راح).
...5 - الحرف الواقع بعد ياء التصغير فى صدر المركب المزجى ، نحو تصغير : جعيفرستان ، اسم بلد فارسى.
ففى المواضع السابقة يجب ترك حركة الحرف الواقع بعد ياء التصغير كما كانت قبل تصغير الاسم على صيغة فعيعل ، أو فعيعيل (2)
لتلو «يا» التّصغير من قبل علم *** تأنيث ، أو مدّته - الفتح انحتم - 6
كذاك ما مدّة : «أفعال» سبق ، *** أو مدّ سكران ، وما به التحق - 7
(لتلو ... «يا» أى : لتالى «يا» التى للتصغير وهو الحرف الذى يليها ، ويجىء بعدها. علم : علامة).
وتقدير الكلام : الفتح انحتم لتالى ياء التصغير من قبل علامة تأنيث (وهى التاء والألف المقصورة. أما الممدودة فهى التى أشار إليها بقوله : أو مدته). وكذلك الفتح انحتم قبل ما سبق مدة «أفعال» ، يريد به : الحرف الذى قبل ألف «أفعال» ؛ لأن هذه الألف للمد. وكذلك الحرف الذى قبل «ألف» سكران. وما ألحق بسكران مما هو على وزن : «فعلان» مضموم الفاء أو مفتوحها أو مكسورها مع سكون العين فى الحالات الثلاث بشرط ألا يكون تكسيره على «فعالين» - كما شرحنا - وبشرط أن تكون ألفه ونونه رائدتين. وأن يكون مؤنثه بغير التاء غالبا ؛ فخرج ما كان نونه أصلية ؛ كحسان من الحسن ، وسيفان بمعنى : طويل ؛ لأن مؤنثه سيفانة كما خرج : سرحان ، لأن جمعه سراحين.
...1) أو : رويحين ؛ لأن بعض اللغويين يقول : الياء فى : ريحان ، أصلها واو ، بدليل رجوعها إلى أصلها عند التصغير ؛ فيقال : رويحين. وكانت قبل التصغير : ريوحان (بياء ساكنة ، واو مفتوحة) ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء ، وخففت الكلمة بحذف الياء المتحركة ، فصارت ؛ ريحان ، وعند تصغيرها تحذف هذه الياء الزائدة. وترجع الياء المحذوفة المنقلبة عن حرف أصلى ؛ هو الواو.
2) فيما سبق من المواضع الخمسة يقول ابن مالك :
بعض أحكام عامة فى تصغير الأسماء الثلاثية ، وما فوقها :
1 - إذا كان ثانى الاسم حرف لين (1)- ألفا ، أو واوا ، أو ياء - منقلبا عن لين وجب إرجاعه إلى أصله الذى انقلب عنه ؛ كما فى الأسماء التّالية :
الاسم الذي ثانيا : لين / تصغيره مع إرجاع ثانيه لأصله / البيان
باب / بويب / الأصل : بوب ، بدليل جمعه على على : أبواب ، فالألف منقلبة عن واو تحركت ، وانفتح ما قبلها ؛ فصارت ألفا ، وانتهت الكلمة إلى : باب.
مال / موينل (2)/
باع/ بويع / ومثلها ؛ مال وباع - وهذا أحد المواضع الأربعة (3)التي تقلب فيها الألف واوا في التصغير إذا كانت ثانية.
ناب (بمعنى : سن) / نييب / والأصل : نسيب ، بدليل جمعه على : أنياب ، فالألف منقلبة عن ياء تحركت ، وانفتح ما قبلها ؛ فصارت ألفا ، وانتهت الكلمة إلى : ناب ... (4)
عاب (5)/ عييب : / ومثل : ناب ، كلمتاً : عاب ، وذام.
ذام (6)/ ذييم
1) سبق إيضاح معنى حرف اللين ، وحرف العلة فى ص 609 والمراد هنا : حرف العلة.
2) الباع : مقياس قدره المسافة التى بين الكفين عند بسطهما وامتدادهما ، وإحداهما متجهة يمينا ، والأخرى متجهة شمالا. وهو مذكر واوى ، بدليل جمعه على : أبواع.
3) عيب.
4) ذم.
5) ملخصة فى رقم 2 من ص 651.
6) انظر الرأى الآخر فى ص 651.
الاسم الذي ثانية : لين / تصغيره مع إرجاع ثانية لأصله / البيان
ميزان / مويزين / الأصل : موزان ، (اسم آلة الوزن ؛ فعلها : وزن) وقعت الواو ساكنة بعد كسرة ، فقلبت ياء ، وانتها الكلمة إلى : ميزان التي تجمع تكسيرا على موازين.
ديمة / دويمة / الأصل : دومة ، من الدوام ، وقعن الواو ساكنة بعد كسرة ؛ فقلبت اء ، وصارت الكلمة : ديمة.
قيمة / قويمة / والأصل : قومة ، لأنها من القوام (والفعل : قام - يقوم فهو واوي).
وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياء وصارت الكلمة قيمة.
موقن / مييقن / الأصل «ميقن» ؛ لأن الفعل هو : أيقن. واسم الفاعل هو :
ميقن ؛ وقعت الياء ساكنة بعد ضمة؛ فقلبت واواً ، وانتهت الكلمة إلى : موقن.
موسر / مييسر / الآصل : مسر ؛ لآن الفعل هو : أيسر - أي : صار ذا يسر - واسم الفاعل منه هو : ميسر ، واواً ، وانتهت الكلمة إلى : موسر.
مونع / ميينع / ومثل موسر كلمة : مونع ، الفعل : أينع.
هذا هو الأصل العام الذى يجب مراعاته ، وما ورد مخالفا له فشاذّ لا يقاس عليه ؛ كالذى سمع من تصغيرهم كلمة : «عيد» على : عييد ؛ والقياس : «عويد» لأن الفعل : عاد يعود. فالأصل واو.
فإن كان ثانى الاسم غير لين ولكنه منقلب عن لين بقى الثانى على حاله ولم يرجع لأصله - فى الرأى الأرجح - نحو : متّعد (1)وأصلها : موتعد ، قلبت الواو تاء ، وأدغمت التاء فى التاء ، وانتهت الكلمة إلى : متّعد ، فيقال فى تصغيرها : متيعد ، لا مويعد.
وإن كان ثانى الاسم حرف لين ولكنه منقلب عن حرف صحيح فإن كان عن همزة قبلها لم يرجع لأصله ، وانقلب واوا ، نحو آدم فإن ثانيه حرف لين منقلبا عن همزة ، والأصل : أأدم (بهمزة مفتوحة ، فهمزة ساكنة) قلبت الهمزة الثانية ألفا ؛ لوقوعها ساكنة بعد فتحة ، فيقال فى تصغيرها : أو يدم ، بقلب الثانية «واوا» لا بإرجاعها إلى أصلها الهمزة - وهذا موضع من المواضع التى يقلب فيها الثانى واوا ، - وسيجىء -.
أما إن كان الثانى لينا مبدلا من حرف صحيح غير همزة ، أو مبدلا من همزة لم تسبقها همزة فالواجب إرجاعه إلى أصله ، نحو : دينار وقيراط ، وأصلهما : دنّار وقرّاط - بتشديد النون والراء ؛ بدليل جمعهما على : دنانير وقراريط - فيقال فى تصغيرهما : دنينير ، وقريريط ؛ بإرجاع ثانيهما - وهو : الياء - إلى أصله النون والراء. ونحو : ذيب وريم ؛ وأصلهما : ذئب ورئم (2)فيقال فى تصغيرهما ذؤيب ورؤيم (3)
واردد لأصل ثانيا لينا قلب *** فقيمة صيّر : «قويمة» تصب - 14
وشذّ فى عيد عييد. وحتم *** للجمع من ذا ما لتصغير علم - 15
يقول : اردد إلى الأصل كل حرف ثان ، لين انقلب عن حرف آخر ، ولم يصرح بأنه منقلب عن حرف لين أيضا ، اكتفاء بالمثال الذى ساقه ، وهو : قيمة ؛ وتصغيرها : قويمة. فالثانى حرف لين منقلب عن لين. وبين بعد ذلك : أن تصغير : «عيد» على : «عييد» شاذ ، لأن ثانيه لم يرجع إلى أصله الواو - كما شرحنا - وبين أن هذا الإرجاع يراعى فى جميع التكسير أيضا كما روعى فى التصغير.
... .هذا ، والكوفيون يجيزون فى الألف المنقلبة عن ياء ، فى مثل : ناب ، وفى الياء الأصلية التى فى مثل : شيخ ، قلبهما عند التصغير واوا ؛ فيقولون : نويب ، شويخ. ورأيهم ضعيف ؛ إذ لا تؤيده الشواهد المتعددة (1). ومن الشاذ ما سمع من تصغير : «بيضة» على : «بويضة» بالواو.
2 - إذا كان ثانى الاسم حرفا زائدا (ليس منقلبا عن أصل) ، نحو : فاهم - عالم ... ، أو كان مجهول الأصل ؛ ومنه صاب (2)، وعاج ، وراف (3)، وجب قلبه واوا ؛ فيقال فى التصغير : فويهم - عويلم - صويب - عويج ، رويف ...
(وقد سبق الكلام على حالات أخرى يجب فيها قلب الألف الثانية واوا.) فالحالات أربع : الألف التى أصلها الواو - الألف المنقلبة عن همزة تلى همزة الألف الزائدة - الألف المجهولة الأصل - الألف الثانية الزائدة (أى : غير المنقلبة عن أصل).
أما الياء فتبقى ياء فى موضع واحد ، هو أن يكون أصلها الياء (4)
والألف الثّان المزيد يجعل *** واوا. كذا ما الأصل فيه يجهل - 16
؛ نحو : شيخ وشييخ - كما تقدم -.3 - إن كان آخر الاسم حرفا منقلبا عن أصل وجب عند التصغير إرجاعه لأصله ؛ سواء أكان الآخر حرف لين ؛ مثل : ملهى ، أم غير لين ، مثل : ماء وسقاء. فألف : «ملهى» أصلها الواو ، لأنه من اللّهو. وهمزة : «ماء» أصلها الهاء ، بدليل تكسيره على : مياه وأمواه. وهمزة : «سقاء» ، أصلها : الياء لأنه من السّقى. فيقال فى تصغير ملهى : «مليهى» بإرجاع الألف إلى الواو ، وقلب الواو ياء ؛ لتطرفها بعد كسرة ؛ فتصير مليهى ، وعند التنوين مليه. ويقال فى تصغير ماء : مويه ، وفى تصغير : سقاء : سقىّ ، بتشديد الياء ...
4 - إذا حذف من الاسم الخماسى فما فوقه - بسبب التصغير - بعض أحرفه ، جاز زيادة ياء قبل آخره ؛ تعويضا عن المحذوف ، بشرط ألا يوجد قبل آخره ياء. ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض عنه ؛ فيقال فى سفرجل : سفيرج ، 6
بغير تعويض ، أو : سفيريج بالتعويض ، ويقال فى مستنصر : منيصر ، و : منيصير (وقد سبقت الإشارة لهذا) (1)
وجائز تعويض : «يا» قبل الطّرف *** إن كان بعض الاسم فيهما انحذف
.5 - إذا ولى ياء التصغير ياءان (2)وجب حذف أولاهما ؛ فيقال فى : «سماء» عند تصغيرها : سميّة (طبقا لما أوضحناه من قبل) (3)، وفى سقاء : سقىّ ، وفى عشيّة : عشيّة ، كما يقال فى : «ثريّا» عند جمعها جمع مؤنث سالما : «ثريّات» (4)وفى «عشيّة» المصغرة : عشيّات. والأصل قبل حذف الياء : ثريّيات ، وعشيّيات.
6 - إذا وقع بعد ياء التصغير حرف مشدد فقد يصح عند بعض النحاة قلبها ألفا للتخفيف ، كما فى : دويبّة ، وشويبّة ، تصغير : دابّة وشابّة ، فيقال دوابّة وشوابّة. والأحسن قصره على السّماع.
7 - الاسم المصغر لا يصح جمعه جمع تكسير للكثرة ؛ لأنها - كما سبق (5)- تعارض القلة المفهومة من التصغير ، وأيضا ، لعدم وجود صيغة للكثرة تلائمه عند اشتماله على ياء التصغير ، ولو حذفت هذه الياء لأمكن جمعه مع اللبس ، لعدم وجود العلامة التى تدل على تصغيره ، وتفرق بينه وبين غير المصغر ؛ ولهذا لا يصح تكسيره كما لا يصح تصغير الاسم المجموع جمع تكسير .
1) فى ص 641 : وإلى التعويض فى جمع التكسير ، وفى التصغير أشار ابن مالك بقوله السابق.
2) بشرط اجتماع الياءات الثلاث فى الطرف وبعد عين الكلمة ، فلا يرد تصغير : «مهيام» على : «مهيّيم» و «حىّ» على : حيىّ». (الصبان).
3) فى هامش ص 568 وص 638 ، وليس من هذا تصغير : «كى» وقد تقدم فى ص 636.
4) أصل المفردة : ثروى ، مؤنثة ؛ بألف التأنيث المقصورة ؛ من قولهم : امرأة ثروى ؛ أى ذات مال. والتصغير : «ثريوى». اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء (طبقا لقواعد الإعلال والإبدال) وأدغمت الياء فى الياء ، فصارت الكلمة : «ثريا» بياء مشددة بعدها ألف التأنيث المقصورة. فإذا أريد جمع : «ثريا» جمع مؤنث سالما وجب قلب هذه الألف الخامسة ياء ، (طبقا لقواعد هذا الجمع) ، فيقال : «ثرييات» ، بثلاث ياءات ، الأولى منها التصغير ، وبعدها ياءان. فيجب حذف أولاهما ؛ فيقال : «ثريّات» ... بالاقتصار على ياء التصغير وواحدة أخرى مدغمة فيها. (وقد سبق بيان هذا فى رقم 3 من هامش ص 568 ومعه عرض لمذهب كوفى).
5) فى ص 628 و 633.
للكثرة. أما المجموع جمع قلة - فيصح - كما تقدم (1)-.
8 - الاسم المصغر ملحق بالمشتق ؛ لأنه يتضمن وصفا فى المعنى ؛ ولذا يصح وقوعه نعتا ، وغيره ، مما يغلب عليه الاشتقاق.
9 - التصغير يؤدى إلى منع الاسم من الصرف أحيانا ، أو إلى عدم منعه طبقا للبيان المفصّل الذى سبق فى باب الممنوع من الصرف (2)...
10 - التصغير - كالتكسير - يرد الأشياء إلى أصولها ؛ كالأمثلة التى مرّت فى مواضع متفرقة من هذا الباب.
11 - الأصح أن العلم إذا صغّر لا تزول علميته (3).
1) راجع التصريح والهمع وحاشية الصبان أول الباب عند الكلام على شروط التصغير وقد سبقت الإشارة لهذا فى رقم 8 من ص 628 وص 633.
2) ص 260.
3) لأن التصغير أمر عرضى ، يفيد معنى طارئا على العلم ، كما يفيد النعت أو غيره من التوابع والقيود أمرا عرضيا لا يفقد العلم بسببه علميته - وقد أشرنا لهذا فى باب العلم ، ج 1 م 23 ص 236 -
النوع الثانى (1): تصغير الترخيم (2)، وطريقته
هو : «تصغير الاسم (3)الصالح للتصغير الأصلى بعد تجريده مما فيه من أحرف الزيادة». فلا بدّ من : صلاحه ... ، واشتماله قبل تصغير الترخيم على بعض الزوائد. ولا بد من حذفها قبل إجرائه.
وله صيغتان ، إحداهما «فعيل» ؛ لتصغير الاسم ثلاثى الأصول ، والأخرى : «فعيعل» لتصغير الاسم رباعىّ الأصول.
(ا) فإن كانت أصوله الباقية بعد حذف الزوائد ثلاثة صغّر على صيغة : «فعيل» ، وتزاد عليها تاء التأنيث إن كان مسماه ومدلوله الحالىّ مؤنثا ؛ فيقال فى حامد : حميد ، وفى معطف : عطيف ، وفى شادن (لأنثى) : شدينة كما يقال فى فضلى ، وحمراء ، وحبلى : فضيلة ، وحميرة ، وحبيلة ، بزيادة تاء التأنيث فيهن. وإنما تزاد هذه التاء فى المؤنث للتفرقة بين مصغره ومصغر المذكر. إلا إذا كان المصغر وصفا فى الأصل من الأوصاف المختصة بالإناث فلا يصح مجىء التاء ، فيقال فى تصغير حائض وطالق : حييض وطليق ؛ بحذف ألفهما ، وبغير زيادة تاء التأنيث على صيغتهما ، التى هى فى أصلها وصف لمذكر ...(4)
وكما يقال فى تصغير «حامد» : حميد ، يقال كذلك فى تصغير : أحمد. ومحمود ، وحمّاد ، ومحمدون ... فجميعها يصغر على : حميد ، ويكون التمييز بينها ومعرفة ما كانت عليه قبل التصغير بالقرائن الأخرى التى تميز كل واحد وتمنع اللبس.
1) أما النوع الأول فقد سبق فى ص 629.
2) أصله : من الترخيم ، بمعنى الضعف ، بسبب ما فيه من الحذف.
3) سواء أكان علما ، أم وصفا مشتقا ، نحو : وريق ، فى تصغير أورق.
4) قال الصبان فى إيضاح هذا ما نصه : «(هى فى الأصل صفة لمذكر ، والأصل : شخص حائض ، وشخص طالق ؛ فضعفت عن نحو : «سوداء وسعاد» فى اقتضاء التاء ؛ فروعى فيها الأصل. ولو لا ذلك للحقته التاء ؛ لأنه مؤنث ثلاثى فى المآل ، وذلك إذا صغر تصغير الترخيم فهو كحبلى.)» ا ه.
(ب) وإن كانت أصول الاسم الباقية بعد حذف زوائده أربعة صغّر على صيغة : «فعيعل» فيقال فى قرطاس وعصفور : قريطس وعصيفر ، ... (1)
ومن بترخيم يصغّر اكتفى *** بالأصل ؛ كالعطيف ، يعنى : المعطفا - 18
(ح) لا مجال فى تصغير الترخيم لصوغ الاسم المجرد على صيغة : «فعيعيل» لأنها صيغة مشتملة على بعض أحرف زائدة ؛ فلا يصغر الاسم على وزنها إلا إذا كان محتويا على أحرف زائدة ، وهذا مناقض لتصغير الترخيم.
(د) الغرض من تصغير الترخيم هو الغرض من التّصغير الأصلى. وقد يكون الدافع إليه : التودد ، أو التدليل ، أو الضرورات الشعرية. 8
1) وفى تصغير الترخيم يقول ابن مالك :
إذا أريد تصغير : «إبراهيم وإسماعيل» تصغير ترخيم فالقياس عند سيبويه أن يقال بريهم ، وسميعل ... (1)بحذف زوائدهما فقط ؛ وهى الهمزة ، والألف ، والياء (2). وعند غيره : أبيره ، وأسيمع ، لأن الهمزة عندهم أصيلة ؛ لوقوعها قبل أربعة أحرف أصلية (3)، وهى لا تزاد فى أول الكلمة المشتملة على أربعة أصول ، فيحذفون الألف والياء الزائدتين ، والخامس الأصلى وهو الميم ، واللام ؛ لأن بقاءه يخلّ بالصيغة.
ويجرى هذا ، الخلاف أيضا فى التصغير لغير الترخيم وفى جمع التكسير ؛ فقياسهما عند سيبويه بريهيم ، وسميعيل ، وبراهيم ، وسماعيل ، بحذف زوائده المخلة بالصيغة ، وهى الهمزة والألف دون الياء ؛ لأنها حرف لين قبل الآخر. وعند غيره : أبيريه ، وأسيميع ، وأباريه ، وأساميع ؛ بحذف خامس الأصول : لإخلاله بالصيغة ، وبحذف الياء قبله ، لزيادتها وقلب الألف ياء ، لصيرورتها لينا قبل الآخر.
يتّضح معناه مما يأتى : الاسم يدل على معنى مفرد ، لا يزيد عليه شيئا ؛ كمحمد ، وفاطمة ، ومصر ، ومكة ، وبغداد ، ودمشق ، ونظائرها من سائر الأسماء ، ولا يدل واحد منها إلا على : مسمّاه. أى : على الشىء الذى سمّى به - كما عرفنا (1)-.
لكن لو زدنا فى آخر الاسم ياء مشددة قبلها كسرة ، (فقلنا : محمدىّ ، أو : فاطمىّ ، أو : مصرىّ ، أو : مكىّ ، أو : بغدادىّ ، أو : دمشقىّ ...) لنشأ من هذه الزيادة اللفظية الصغيرة زيادة معنوية كبيرة ؛ إذ يصير اللفظ بصورته الجديدة مركبا من الاسم الذى يدل على مسماه ، ومن الياء المشددة التى تدل على أن شيئا منسوبا لذلك الاسم ؛ أى : مرتبطا به بنوع ارتباط يصل بينهما ؛ كقرابة ، أو صداقة ، أو نشأة ، أو صناعة ... أو غير هذا من أنواع الروابط والصلات ؛ فمن يسمع لفظ : «محمدىّ» ، لا بد أن يفهم سريعا أمرين معا ؛ هما : «محمد» الدال على مسمى ، وشىء آخر منسوب إلى محمد ، أى : متصل به بطريقة من طرق الاتصال ، كالقرابة أو الصداقة ، أو التعلم ، أو غيره - كما قلنا - وكذلك من يسمع لفظ : فاطمىّ ، أو : مصرىّ ، أو : مكىّ ، أو : ما هو على شاكلتها - لا بد أن يفهم الأمرين معا فى سرعة ووضوح. ولهذا تسمى تلك الياء : «ياء النّسب». ويسمى الاسم الذى تتصل بآخره : «المنسوب إليه». كما يسمى الشىء الذى تدل عليه وعلى أنه مرتبط ومتصل بما قبلها : «المنسوب». فكل لفظ مشتمل على هذه الياء مما سبق - ومن نظائره - هو معها فى الوقت نفسه منسوب ومنسوب إليه بانضمامها له ؛ فهما معا شيئان ، برغم الاختصار اللفظىّ المبين.
وبسبب الأثر المعنوى السّالف يعتبر الاسم المشتمل على ياء النسب مؤولا بالمشتق (2)أى : فى حكمه - لتضمنه معنى المشتق ، إذ معناه المنسوب إلى كذا ،
بشرط أن تكون الياء المشددة زائدة لإفادة النسب وقت الكلام ، (ويسمى : النسب المتجدد (1)) ، (وليست من بنية الاسم ؛ ككرسىّ ، ولا للنسب بحسب أصلها السابق لا بحسب حاضرها الدالّ على إهمال النسب وعلى أنها لا تؤدى معنى مستقلا وإنما هى بمنزلة حرف من بنية الكلمة ، كمن اسمه : بدوىّ ، أو : مكىّ ... ومثل : مهرىّ وبختىّ ... (2)فالياء فيها ليست للنسب المتجدد.
وله أحكام (3)لفظية نعرض لها فيما يلى :
أحكامه اللفظية :
(ا) لا بد فى النسب من زيادة ياء مشددة على آخر الاسم «المنسوب إليه» ، (ولا تزاد إلا فى آخر اسم). ويجرى عليها الإعراب بعلاماته المختلفة تبعا لحال الجملة. ولا بد أيضا أن يكون قبلها كسرة. ومن الأمثلة قول أحد الرحالين : (لا يشعر العربىّ بالغربة فوق أرض عربية ؛ فالحجازىّ فى الشام ، كالشامىّ فى الحجاز ، وهما فى مصر ، كالمصرىّ عندهما ، والمغربىّ يلقى المشرقىّ فى موطنه أيام الحج ، ويجوس دياره ؛ فلا يحس وحشة ولا اغترابا. وحيثما يتنقل العربىّ فى مواطن العروبة يجد أهلا بأهل (4)
«ياء» كيا «الكرسىّ» زادوا فى النّسب *** وكلّ ما تليه كسره وجب - 1
يقول : إن العرب - ومن نطق بلغتهم - زادوا عند إرادة النسب ياء كياء «الكرسىّ» فى أنها مشددة ، وفى أنها آخر الاسم ، وأن الحرف الذى قبلها لا بد أن يكون مكسورا ، - أى : أنها تلى حرفا مكسورا دائما - غير أن ياء النسب زائدة على آخر الاسم ؛ بخلاف ياء «الكرسىّ».
، وجيرانا بجيران (5)ثانيها : تغيير حكمى بأن يجعل الاسم المختوم بياء النسب فى حكم الصفة المشبهة ؛ فيعامل معاملتها في رفعه الظاهر والمضمر باطراد كما تقدم في بابها - ج 3 - (وكما أشرنا في هامش الصفحة السالفة)
ثالثها : تغيير لفظي ، سيجيء بيانه الآن.
مما سلف يتبين المراد من قول النحاة : إن النسب يحدث تغييرات ثلاثة. . (راجع التصريح ، والأشموني والصبان ، في أول هذا الباب.)
...)(ب) لا بد من إجراء تغييرات فى آخر الاسم الذى تتصل به ياء النسب ، وتغييرات أخرى فى الحرف الذى قبل الآخر ... وأشهر التغييرات التى تطرأ على الآخر الذى تتصل به الياء مباشرة (6) - ما يأتى : .)
1) سبق بيان النسب المتجدد وغير المتجدد ، وتوضيحه بالأمثلة فى ص 607 وهامشها.
2) جرى سيبويه على تسمية هذا الباب : بالإضافة ، أو : النسبة ، وعقد له فى كتابه (ج 2 ص 69) بابا مستقلا عنوانه : (هذا باب الإضافة ، وهو : باب النسبة) ، كما سمى الياء المشددة الخاصة بالنسب ؛ (ياء الإضافة) ، وقال النحاة عن هذه الإضافة إنها إضافة معكوسة كالإضافة الفارسية التى يتقدم فيها المضاف إليه على المضاف ، وذلك أن من يقول : (غلام على) يجعل الغلام هو المضاف «وعلى» هو المضاف إليه ، ومن يقول عن الغلام : (علوىّ) يجعل : «عليا» هو المنسوب إليه وقد تقدم. والياء المشددة للنسب قائمة مقام الرجل المنسوب ، وهو الغلام.
3) الباء بمعنى : بدل ، أى : أهلا بدل أهل ...
4) وفى هذا يقول ابن مالك فى أول الباب وعنوانه : «النسب» :
5) عرض النحاة بشىء من التفصيل لما يحدثه «النسب» من تغيير ، فقالوا : إن أهم التغييرات التى يحدثها ثلاثة : أولها : تغيير معنوى ، بأن يجعل اللفظ المشتمل على ياء النسب اسما لشىء لم يكن اسما له من قبل بمعنى أنه يجعل ذلك اللفظ اسما للمنسوب بعد أن كان من غير ياء النسب اسما للمنسوب إليه.
(ا) حذف هذا الحرف الأخير إن كان ياء مشددة مسبوقة بثلاثة أحرف أو أكثر ، سواء أكانت هذه الياء فى الأصل للنسب ؛ (نحو : يمنىّ - أفغانىّ - شافعىّ ... أعلام رجال) أم كانت لغير النسب ؛ نحو : كرسىّ ، كركىّ (1)مرمىّ ... (2)، فلا بد من حذف هذه الياء المشددة ؛ لتحل محلها ياء النسب الزائدة ، فيصير اللفظ فى صورته الجديدة بعد الحذف والزيادة كما كان فى صورته الأولى بغير أن يتغير مبناه الظاهر (3)
ومثل هذا يقال في : «كراسي» ، فالتي آخرها ياء النسب ثنون ، والتي آخرها ياء ليست للنسب لا تنون ، لأنها صيغة منتهى الجمع - بخلاف الأولى - ؛ ولهذا ينصرف ، نحو : مهالبة ومسامعة إذا - حذفت التاء ودخلت عليهما ياء النسب وكذلك مساجدى ومدايني لأن الياء فيهما ليست جزءا من الكلمة وإنما هي طارئة زائدة للنسب غير ملازمة لصيغة الكلمة ، وغير ثابتة فى آخرها . - وقد سبقت إشارة متممة لهذا في «د» من ص 203.
- بالرغم من تغير معناه - ، فيقال فى النسب إلى الكلمات السالفة :1) اسم طائر.
2) أصلها : مرموى (اسم مفعول ، فعله : رمى) اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت فى الياء ، ثم قلبت الضمة كسرة لتناسب الياء ؛ فصارت الكلمة : مرمىّ. فالياء المشددة الأخيرة ، ياءان إحداهما زائدة ، وهى الأولى ، والأخرى أصلية ؛ لأنها لام الكلمة. فالياء المشددة فى آخر هذه الكلمة مختلفة فى نوعها اختلافا واسعا عن التى فى آخر الكلمات التى قبلها. وسيجىء - فى الصفحة التالية - لهذه الكلمة حكم خاص.
3) قد يقال : ما الداعى لحذف ياء مشددة موجودة لتحل محلها ياء النسب المشددة من غير أن يظهر فرق لفظى فى الصورتين؟ غير أن الحقيقة الواقعة قد تخالف الشكل الظاهر أحيانا. ففى مثل : «بختىّ» (وهو نوع من الإبل) يجمع على : «بخاتىّ» ، وهذه «صيغة منتهى جموع» ، يمتنع معها صرف الاسم. فإذا سمى شخص باسم ، «بخاتىّ» وجب منع الاسم من الصرف ، مراعاة للأصل السابق ، وحالة الجمعية القديمة ؛ أى : لأنه الآن علم جاء على صورة منتهى الجموع. أما عند حذف يائه المشددة وإحلال ياء النسب محلها فإنه لا يمنع من الصرف ، لأن الياء المشددة التى حذفت كانت آخر أحرف بنيته ، وجزءا من مادته التى يصير بسببها داخلا فى صيغ منتهى الجموع. أما ياء النسب التى طرأت فى موضعها فزائدة عليه ، وليست معدودة من حروف بنيته التى ينتهى العلم بانتهائها ؛ ولهذا لا يمنع من الصرف.
يمنىّ (1)- أفغانىّ - شافعىّ - كرسىّ - كركىّ - مرمىّ ، ... من غير تغيير فى هيئتها الظاهرة - بالرغم من تغير معناها كما قلنا - وهذا هو الحكم الذى يجب الاقتصار عليه.
ومن العرب من يقول فى النسب إلى مثل : مرمىّ ، «مرموىّ» ؛ فيحذف الياء الأولى الساكنة الزائدة ، ويقلب الثانية واوا ، (بشرط أن تكون إحدى الياءين زائدة ، والأخرى ، منقلبة عن أصل) ؛ ويزيد بعدها ياء النسب. وبهذا الشرط تكون نوعا آخر مختلفا عما قبلها وعن سائر الأنواع الأخرى. وهذه اللغة ضعيفة (2)
وقيل فى المرمىّ مرموىّ *** واختير فى استعمالهم مرمىّ
أى ، أن المختار فى استعمال العرب ، أو عند النحاة هو : مرمىّ ، بحذف الياء المشددة كلها ، قبل زيادة ياء النسب ثم زيادة ياء النسب ، وليس المختار الاكتفاء بحذف الياء الأولى الساكنة ، وقلب الثانية واوا ، ثم زيادة ياء النسب.
... هذا إن كانت الياء المشددة التى فى آخر الاسم مسبوقة بثلاثة أحرف أو أكثر - كما تقدّم - فإن كانت مسبوقة بحرفين ؛ مثل : عدىّ ، وقصىّ ، وجب حذف الأولى منهما (وهى الساكنة) ، وقلب الثانية المتحركة واوا مكسورة ، قبلها فتحة ، وزيادة ياء النسب بعدها ، نحو : عدوىّ ، وقصوىّ ...وإن كانت تلك الياء المشددة مسبوقة بحرف واحد ؛ مثل : (طىّ - رىّ - غىّ - حىّ - بىّ (3)- عىّ (4)). وجب قلب الياء الثانية واوا مكسورة قبل ياء النسب ، وإرجاع الأولى إلى أصلها الواو إن كان واوا ، وتركها ياء إن كان أصلها الياء ، مع فتح .
1) من العرب من يقول : «اليمانى» - بياء واحدة ساكنة فى الآخر - فى النسبة إلى : «اليمن» بدلا من أن يقول : «اليمنىّ» فهو يحذف الياء الأولى الساكنة ، من الياء المشددة التى فى : «اليمنىّ ، ويأتى بألف زائدة عوضا عنها بعد الميم ، فتصير الكلمة : «اليمانى» (بسكون الياء الأخيرة) على صورة المنقوص. وتحذف هذه الياء عند تنوينه إذا تجرد من «أل» ومن «الإضافة» كالشأن فى المتقوص. وقد سمى بعض الأشخاص وغيرهم بهذه الكلمة ... فما الحكم لو أردنا النسب إلى كلمة «اليمانى» هذه؟ أتحذف الألف التى جاءت بعد الميم عوضا عن الياء الساكنة المحذوفة - كما سبق - وتحذف معها الياء الباقية ليتم بحذفهما حذف الياء المشددة كاملة (بقسميها) قبل مجىء ياء النسب الجديدة المشددة؟ لأن هذه الألف مع الياء الباقية فى المنقوص هما معا بمنزلة الياء المشددة التى فى آخر الاسم الذى يراد النسب إليه ، والتى يجب حذفها لتحل محلها ياء النسب. إن الحكم هو بقاء الألف ، وعدم حذفها. (انظر ما يتصل بهذا فى ص 686)
2) لا يقاس عليها عند أكثر النحاة ؛ فهى شاذة ، وفيها يقول الناظم :
3) البىّ : الرجل الخسيس.
4) مصدر : عوى.
ثانى الاسم فى الحالتين ، فيقال : (طووىّ - رووىّ - غووىّ) (حيوى - بيوىّ - عيوىّ)(1)
ونحو حىّ فتح ثانيه يجب *** واردده واوا إن يكن عنه قلب - 9
ويفهم من هذا أن الثانى الذى ليس أصله واوا - بل أصله ياء - يبقى على حاله ياء مع فتح ما قبله أيضا. وسبب الفتح فيهما هو التخفيف ، بعدم وقوع ياء النسب بعد كسرتين متواليتين ؛ منعا لاستيلاء الكسرة على أكثر أحرف الكلمة معها ، وهذا مما تكرهه العرب.
...2 - حذفه إن كان تاء التأنيث ؛ نحو : مكىّ - كوفىّ - حبشىّ ؛ فى النسبة إلى مكة ، وكوفة ، وحبشة (2)...
3 - حذفه إن كان ألفا خامسة فصاعدا ، سواء أكانت ألف تأنيث ؛ مثل : حبارى (3)وحبارىّ ، أم ألف إلحاق ؛ مثل : حبركى (4)وحبركىّ ، أم منقلبة عن أصل ؛ نحو : مصطفى ، ومصطفىّ (5).
وكذلك يحذف إن كان ألفا رابعة ، بشرط أن يكون ثانى الاسم متحركا. ولا يكاد ينطبق هذا إلا على الرباعى الذى رابعه ألف تأنيث ؛ نحو : جمزى وجمزىّ (6). فإن كانت الألف رابعة والحرف الثانى ساكنا ، جاز حذفها وقلبها واوا ؛ سواء أكانت زائدة للتأنيث ، أم للإلحاق ، أم منقلبة عن أصل ؛ مثل : حبلى ، وأرطى (7)وملهى ... فيقال فى النسب : (حبلىّ ، أو : حبلوىّ) - (وأرطىّ ، .
1) وفى هذا يقول الناظم فى ألفيته :
2) وإذا كان المنسوب مؤنثا زيدت تاء تأنيث بعد ياء النسب ، لتدل على تأنيثه ، لا على تأنيث المنسوب إليه ، فيقال : هذه الفتاة البارعة عربية قاهرية. وستجىء الإشارة لهذا آخر الباب ص 686 ...) «ملاحظة» يشيع فى هذه الأيام استعمال كلمة : «الوحدة» المفردة أصالة (أى : بغير نظر إلى جمعها بالألف والتاء الزائدتين ، - انظر «ج» من ص 668 -) بمعنى : «التوحد والتجمع ، وعدم التفرق» ؛ مثل : إنى من أنصار وحدة الأمم العربية ، ففى وحدتها قوتها ، وغناها ، وهيبتها. وبغير هذه الوحدة تفقد أعظم وسيلة للعظمة ، والسلطان ، والسلامة من كيد أعدائها ... وهذا الاستعمال صحيح فصيح. لكن الخطأ الشائع كذلك هو ما يجرى على ألسنة كثيرين عند النسب إلى تلك الكلمة المفردة التى لا ينظر مطلقا إلى جمعها المؤنث - لداع معنوى ؛ كعدم وجود وحدات متعددة ... - ، فينسبون إليها نسبا لا يمت إلى الصواب بصلة ، فيقولون : «وحدوىّ» بزيادة واو قبل ياء النسب فى هذه الكلمة المفردة أصالة ، أى التى يقتضى المعنى وصحته النسب إليها ، دون نظر ولا أعتبار إلى أنها المفردة لجمع مؤنث سالم) مع أن زيادتها هنا على الوجه السالف خطأ لا سند له. من صحة أو تصويب. وقد حاول أحد الباحثين أن يسلك سبيلا لتصحيحه فلم يوفق لما أراد.
3) اسم طائر.
4) من معانيه : الطويل الظهر ، القصير الرجلين ، والقراد.
5) لأنه من الصفوة ؛ فألفه أصلها الواو.
6) يقال : هذه فرس جمزى ، أى : سريعة.
7) اسم شجر.
أو : أرطوىّ) ، (وملهىّ ، أو : ملهوىّ) ، والأحسن فى ألف التأنيث الحذف ، وفى غيرها القلب.
وإذا قلبت الألف الرابعة - بأنواعها الثلاثة السابقة - واوا جاز شىء ثالث أيضا - هو زيادة ألف قبل الواو ، فنقول : حبلاوىّ - أرطاوىّ - ملهاوىّ.
أما إن كانت الألف ثالثة فلا يجوز فيها إلا القلب واوا ؛ نحو : فتى وفتوىّ - ربا وربوىّ - علا وعلوىّ ... (1)
ومثله ممّا حواه احذف. و «تا» *** تأنيث ، أو مدّته - لا تثبتا - 2
(احذف مثله - والضمير للمذكر ، وهو حرف الياء ، ثم أعاد الضمير بعد ذلك مؤنثا ، يريد به : «الكلمة» التى هى الياء أيضا. مما حواه ، أى : احذف مثل ياء الكرسى المشددة من الاسم الذى يحويها عند النسب إليه).
ثم قال : لا تثبت تاء التأنيث ولا مدته فى الاسم المنسوب إليه ، بل احذفهما. ثم بين حكم الألف الرابعة إذا كانت للتأنيث ، وثانى الاسم ساكنا ، فحكم بجواز حذفها وقلبها واوا. - وترك أمرا ثالثا زدناه فى الشرح - قال :
وإن تكن تربع ذا ثان سكن *** فقلبها واوا وحذفها حسن - 3
(تربع ، أى : تكون رابعة) ، ثم بين بقية أنواع الألف التى تشبهها فى الحكم السالف ، وهى ألف الإلحاق ، والألف المنقلبة عن أصل ؛ فقال :
لشبهها : الملحق ، والأصلىّ ما *** لها. وللأصلىّ قلب يعتمى - 4
(يعتمى : أى : يختار. المراد بالأصلى : المنقلب عن أصل ؛ لأن الألف لا تكون أصلية إلا فى الحروف أو ما يشبه الحرف ؛ مثل : «ما» الاسمية). وبين حكم الألف الزائدة على الأربعة فقال :
والألف الجائز أربعا أزل *** .............. - 5
«الجائز أربعا» : الذى جاوزها ، وزاد عليها. وبقية البيت تتعلق بحذف ياء المنقوص الآتية.
.4 - إن كان الآخر همزة الممدود وجب (2)بقاؤها عند النسب إن كانت أصلية ؛ نحو : قرّاء وقرّائى ، وبدّاء وبدّائىّ.
ووجب قلبها واوا إن كانت للتأنيث ؛ نحو : حمراء وحمراوىّ ، وخضراء وخضراوىّ.
ويجوز بقاؤها وقلبها واوا إن كانت منقلبة عن أصل (سواء أكان الأصل .
واوا ، أم ياء ، أم غيرهما (1)؛ - أو كانت للإلحاق ؛ فيقال فى كساء : كسائىّ أو كساوىّ - وفى بناء : بنائىّ أو بناوىّ - - وفى علباء : علبائى أو علباوىّ ... أى : أن همزة الممدود يجرى عليها فى النسب ما يجرى عليها فى التثنية (2)
وهمز ذى مدّ ينال فى النّسب *** ما كان فى تثنية له انتسب - 15
(ينال ؛ بالبناء للمجهول ، أى : يعطى ، أو : بالبناء للمعلوم ، أى : يصيب).
..5 - حذفه إن كان ياء منقوص خامسة أو سادسة ، نحو : (مهتد ، ومقتد) و (مستعل ومستغن) فيقال فى النسب إليها : (مهتدىّ - مقتدىّ - مستعلىّ - مستغنىّ).
فإن كانت الياء رابعة فالأحسن حذفها. ويصح - بقلة - قبلها واوا مسبوقة بفتحة (3)؛ نحو : (راع وراعىّ ، - ووراعوىّ) - (وهاد وهادىّ ، وهادوىّ.)
وإن كانت ثالثة وجب قلبها واوا ؛ نحو : (شج (4)وشجوىّ) - (ورض (5)ورضوىّ) - (وعظ (6)وعظوىّ) - (وعم وعموىّ.)
ولا بد من فتح ما قبل الواو - تخفيفا - فى جميع الحالات التى تنقلب فيها ياء المنقوص واوا ؛ نحو : راع وراعوىّ ، وشج وشجوىّ ... (7)
... *** كذاك «يا» المنقوص خامسا عزل - 5
(عزل : أى : طرح بعيدا وحذف). ويقول فى ياء المنقوص الرابعة إن حذفها أولى من قلبها واوا. أما الثالثة ، فقلبها واوا محتوم. ولا بد من فتح ما قبل هذه الواو.
والحذف فى «اليا» رابعا أحقّ من *** قلب. وحتم قلب ثالث يعن - 6
(يعن ، بالنون الساكنة للشعر ، وأصلها مشددة : عنّ يعنّ ؛ بمعنى : ظهر) ، ثم قال فى فتح ما قبل الواو :
وأول ذا القلب انفتاحا ... و «فعل» *** و «فعل» عينهما افتح. و «فعل» - 7
أى : اجعل صاحب هذا القلب واليا فتحا. والمراد بصاحب هذا القلب : الحرف الذى انقلب عن أصل ، ويريد به الواو المنقلبة عن ياء رابعة ، وأن هذه الواو لا بد أن تلى فتحا ، أى : تقع بعده. فالحرف الذى قبلها مباشرة واجب الفتح. وبقية البيت (وهى : وفعل ...) يختص بحكم آخر سيجىء فى مكانه الأنسب - ص671. .
.1) ليست كلمة : «ماء» من نوع «الممدود» عند النحاة ، (طبقا لتعريفه عندهم وقد سبق فى ص 563) ولكن بعضهم يذكرها هنا ليدل على أن المسموع فى النسب إليها هو : مائى ، وماوى ، مع أن همزتها مبدلة من هاء.
2) وقد سبق هذا فى ص 569 وفى همزة الممدود يقول الناظم :
3) يفتح ما قبل هذه الواو لكيلا تقع ياء النسب بعد كسرتين متواليتين فى المنقوص ، وهذا مما يستثقله العرب ويفرون منه قدر الاستطاعة.
4) حزين.
5) بمعنى : راض.
6) عظى الجمل ؛ فهو : عظ ، انتفخ بطنه من أكل نبات يسمى : العنظوان.
7) وفى حذف ياء المنقوص الخامسة يقول الناظم فى البيت الخامس السابق :
6 - إن كان الآخر مختوما بواو رابعة فصاعدا ، وقبلها ضمة ، حذفت الواو فيقال فى النسب إلى : ثندوة (1)وقلنسوة : ثندىّ وقلنسىّ. فإن كانت الواو ثالثة وقبلها ضمة حذفت الواو عند «سيبويه» ؛ فيقول فى «عدوّة» : عدوىّ ، بفتح الدال التى هى عين الكلمة ، وحذف الواو الأولى وإنما فتحت الدال قبلها لتصير الكلمة على وزان : «فعلىّ» لأن «سيبويه» لا يفرق بين «فعولة» و «فعيلة» عند النسب ، بشرط وجود التاء فى آخرهما ، فيجعلهما على وزان : «فعلىّ (2)» ، فإن لم توجد التاء فلا حذف عنده ؛ فيقال : «عدوّىّ». أما غير سيبويه فيجعل «فعولة وفعول» - أى : بالتاء وبغير التاء - خاضعين عند النسب لحكم واحد ؛ هو عدم حذف شىء منهما ؛ فيقول فى (عدوّ وعدوة) عدوّى ، بتشديد الواو ، وضم ما قبلها (3)...
(ا) عرفنا حكم النسب إلى المقصور ، والممدود ، والمنقوص ، فما حكم النّسب إلى المعتل الآخر ، الشبيه بالصحيح؟ وما حكم النسب إلى كلمات أخرى تشتمل على الياء ، أو الواو ، وليست مما سبق؟
1 - معتل الآخر الشبيه بالصحيح (1)هو : ما آخره واو أو ياء - إما مشددتان ، وإمّا مخففتان قبلهما ساكن ؛ نحو : مرمىّ (2)، ومجلوّ - وظبى ، ودلو ...
والذى يعنينا هنا : الاسم الثلاثى الذى ثالثه ياء أو واو ، وقبلهما سكون ، وليس بعدهما تاء التأنيث ، نحو : ظى وغزو فلا يحذف منهما شىء عند النسب ، ويقال فيهما : ظبيىّ وغزوىّ. فإن جاءت بعدهما تاء التأنيث فالأرجح عدم الحذف أيضا ؛ فيقال فى ظبية ، وغزوة : ظبيىّ وغزوىّ. وتزاد تاء التأنيث بعد ذلك ؛ بشرط أن يكون المنسوب مؤنثا ، طبقا للقاعدة العامة ، حين يكون المنسوب مؤنثا. فيقال : ظبييّة وغزويّة.
ومن المسموع : قروىّ ؛ نسبة إلى : «قرية» حيث قلبت الياء واوا قبلها فتحة ، ولا يقاس على هذا فى الرأى الأرجح.
2 - فإن كان الثالث ياء قبلها ألف ؛ نحو : غاية وراية ... (3)فأقوى الآراء : قلب الياء همزة بعد حذف التاء ، فيقال : غائىّ ورائىّ ؛ ويجوز - بقلة - غايىّ ورايىّ ، بغير قلب ؛ كما يجوز - بقلة - غاوىّ وراوىّ ، ولكن الاقتصار على الأقوى أفضل ؛ لقلة الوارد من غيره ، ثم تزاد تاء التأنيث إن كان المنسوب مؤنثا.
3 - وأما نحو : سقاية ، وحولايا (لموضع) فيجوز أمران ، أحدهما : قلب الياء همزة بعد حذف تاء التأنيث وألف التأنيث المقصورة ؛ فيقال فيهما : سقائىّ ، وحولائىّ. والآخر : قلب الياء همزة على الوجه السالف ثم قلب الهمزة
واوا لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة - طبقا لقواعد الإبدال - فيقال سقاوى وحولاوى.
4 - وأما نحو : شقاوة (1)فتبقى الواو على حالها بلا حذف ولا قلب.
(ب) كيف ننسب إلى الاسم المعتل الآخر بالواو ؛ مثل : (أرسطو ، نهرو ، سفو ، كلمنصو ؛ رنو - شو ...) (كنغو - طوكيو ...)؟ وكل هذه أسماء شائعة فى عصرنا.
لم أصادف فيما لدىّ من المراجع نصّا يصلح جوابا عما سبق. ولعل السبب - كما أسلفنا - فى تركهم النص أن الأسماء العربية الأصيلة خالية من الاسم المعتل الآخر بالواو. حتى لقد قيل إن العرب لم يعرفوا من هذا النوع إلا بضع كلمات محددّة نقلوها عن غيرهم. منها : سمندو وقمندو ... لهذا ترك النحاة - فيما أعلم - الكلام على طريقة إعرابه ، وتثنيته ، وجمعه ، والنسب إليه ...
غير أن الحاجة اليوم تدعو إلى تدارك الأمر ؛ لشيوع هذا النوع بيننا ، وعدم الاستغناء عن استعماله. وقد سبق أن تكلمنا عما يحسن اتباعه فيه من ناحية إعرابه ، وتثنيته وجمعه ... فى الأبواب الخاصة بها. أما فى النسب فقد استرشدت بالحكم السادس الذى سبق (2)، واستلهمت نظائر له ، وراعيت اعتبارات أخرى. وانتهيت إلى رأى قد يكون أنسب ؛ هو أنه يحسن حذف الواو إن كانت خامسة فأكثر ، وتبقى إن إن كانت ثالثة ، ويجوز حذفها أو إبقاؤها إن كانت رابعة. وتبقى مع وجوب تضعيفها إن كانت ثانية. فيقال فى النسب إلى أرسطو ، وكلمنصو : «أرسطىّ ، وكلمنصىّ. ويقال فى النسب إلى كنغو : (كنغوىّ ، أو : كنغىّ) ... ومثله : نهرو ... ويقال : سفوىّ ورنوى ، فى النسب إلى «سفو» ورنو (علمين) ويقال : شوّىّ ، فى النسب إلى «شو».
ويجب كسر ما قبل ياء النسب فى كل الأحوال. كما يجب التخفيف فى النسب إلى الثلاثى بعدم توالى كسرتين قبلها ؛ فتفتح الأولى منهما.
6 - حذف الآخر إن كان علامة تثنية (1)فى آخر ما سمى به من مثنى وملحقاته ؛ وصار علما ؛ مثل : الإبراهيمان والإبراهيمين ... والنسب إليهما : الإبراهيمىّ. وكذا : الرشيدان والرشيدين ، والنسب إليهما : الرشيدىّ. أى أن النسب يكون للأصل المفرد (2)بعد حذف علامة التثنية من العلم. وهنا يلتبس النّسب إلى المثنى العلم بالنسب إلى مفرده ؛ فيكون التعيين والتمييز بالقرائن التى تحدد أحدهما (3)أما النسب إلى المثنى الحقيقى (الذى ليس علما مسمّى به) فينسب إلى مفرده ، ولا يخلو من لبس كذلك ، فتزيله القرائن ...
7 - حذف الآخر إن كان علامة جمع مذكر سالم (4)، سمّى به أو بما ألحق به ، وصار علما. نحو : خلدون ، وحمدون ، وصالحين ، وسعدين ... (وهى أعلام قديمة) فيقال فى النسب إليها : خلدىّ ، وحمدىّ وصالحىّ ، وسعدىّ ، ... أى : بالنسب إلى مفردها ؛ واللبس فى النسب بين العلم الجمع ومفرده تزيله القرينة التى تعين أحدهما دون الآخر (5).
أما النسب إلى جمع المذكر السالم الباقى على جمعيته (6)فيكون بالنسب إلى مفرده أيضا ، فإن أوقع فى لبس وجب الفرار منه باتباع الرأى الذى يبيح النسب إلى لفظه المجموع بالرغم من رأى المعارضين فى هذا ؛ لأن الفرار من اللبس ، والحرص
1) وهى الألف رفعا ، والياء نصبا وجرا ؛ وتلازمهما النون فى الحالتين - لا محالة - إلا عند وجود ما يقتضى حذفها ؛ كالإضافة ... فالنون أحد حرفين تتكون منهما معا علامة التثنية.
2) بحجة الفرار من وجود علامتى إعراب فى المثنى العلم ؛ إذ توجد فيه علامات المثنى عند من يعربه كالمثنى ، وهو فى الوقت نفسه - مع اعتباره علما لواحد - ، يعرب بالحركات على ياء النسب.
3) هذا اللبس لا يقع إلا عند النسب إلى المثنى المعرب بالحروف - كالرأى الشائع - أما على الآراء الأخرى التى تعربه بالحركات الظاهرة على النون - وقد سبقت فى الجزء الأول - فينسب إليه على لفظ المثنى ؛ فلا يقع لبس. وحبذا النسب إليه على إحدى هذه الصور التى لا لبس فيها ، بالرغم من أن كثرة النحاة لا ترتضيها ؛ على صحتها ونسبتها إلى بعض القبائل العربية الخالصة. وأن الفرار من اللبس عرض لغوى واجب ، ولا سيما الفرار إلى ما لا يعارض أصلا من أصول العربية.
4) بحجة الفرار من اجتماع علامتى إعراب ؛ هما : الحروف والحركات - كما قلنا فى العلم المثنى.
5) ويقع اللبس عند إعراب هذا الجمع العلم بالحروف ؛ طبقا للرأى الشائع. أما عند إعرابه بالحركات على النون - على رأى مما سبق فى الجزء الأول - فلا لبس. ونقول هنا ما قلناه فى النسب إلى المثنى (رقم 3 السالف) إن الفرار من اللبس غرض هام واجب.
6) أى : الذى لم يتركها إلى العلمية والتسمية به.
على توقّيه ، غرض أصيل فى لغة العرب ، وأصل من أقوى أصولها التى تقوم عليها.
8 - حذف الآخر إن كان علامة لجمع مؤنث سالم (1)بشرط مراعاة التفصيل الآتى:
(ا) إن كان هذا الجمع باقيا على جمعيته (أى : لم ينقل إلى العلمية). وليس وصفا (2)ونحوه ، مما يجىء فى : «ج» - وجب النسب إلى مفرده فى جميع الحالات ، نحو : وردة - تمرة - زينب - عائشة ، سرادق ، والجمع : وردات - تمرات - زينبات - عائشات - سرادقات - والنسب هو : وردىّ - زينبىّ - عائشى - تمرىّ - سرادقىّ ... بالنسب إلى المفرد فى كل ما سبق وأشباهه.
(ب) إن كان هذا الجمع مسمّى به. (بأن صار علما) وجب حذف العلامة الدالة على الجمع (وهى : الألف والتاء) وينسب إليه على لفظه الباقى بعد الحذف ، ولا ينسب إلى مفرده ؛ فيقال فى النسب إلى الجموع السالفة إذا كان كل جمع علما : وردىّ وتمرىّ ، (بفتح ثانيهما) (3)- زينبىّ - عائشى - سرادقى ... فليس بين الصورتين فرق إلا فى مثل : وردة وتمرة ، مما تحرك ثانيه الساكن لأجل الجمع.
(ج) إن كان وصفا ، أو اسما ، والثانى فيهما ساكن ، وألف الجمع رابعة نحو : ضخمات ، وصعبات ، وهندات ... (والمفرد : ضخمة ، صعبة ، هند) جاز عند النسب حذف العلامة (بحرفيها : الألف والتاء) ، وجاز الاقتصار على حذف التاء وحدها ، مع قلب الألف واوا ، فيقال فى النسب : ضخمىّ ، أو ضخموىّ - صعبىّ ، أو : صعبوىّ - هندىّ ، أو هندوىّ (4)
وعلم التّثنية احذف للنّسب *** ومثل ذا فى جمع تصحيح وجب - 10
(علم : علامة. وتقدير البيت : واحذف للنسب علامة التثنية. ومثل هذا الحذف للعلامة وجب فى جمع التصحيح. بنوعيه ، المذكر والمؤنث).
ويصح زيادة ألف .1) وهى الألف والتاء الزائدتان على المفرد.
2) أى : ليس مشتقا ، كضخمات. فالمراد بالوصف هنا : الاسم المشتق ؛ كضخمة وضخمات ويقابله الاسم الجامد ، وهو ما ليس مشتقا ؛ كسعاد وهند .. وجمعهما جمع مؤنث سالما هو : سعادات وهندات.
3) لأنه مفتوح فى الجمع ، تطبيقا للقاعدة الخاصة بجمع الاسم الثلاثى السالم العين ... التى سبق شرحها فى ص 574 وبهذا الفتح فى النسب إلى «وردة وتمرة» ؛ وأمثالهما يمكن الحكم على المفرد الثلاثى المؤنث أهو مفرد لجمع مؤنث سالم باق على جمعيته ، أم هو مفرد لجمع مؤنث سالم سمى به وصار علما.
4) انظر «الملاحظة» التى فى رقم 2 من هامش ص 661 لأهميتها - وفى حذف علامتى التثنية والجمع يكتفى الناظم ببيت واحد لا تفصيل فيه ولا إبانة ، هو :
فاصلة قبل هذه الواو ؛ فيقال ضخماوىّ .. و .. و ..
«ملاحظة» : الكلام على النسب إلى جمع التكسير وما فى حكمه يجىء فى ص 682
9 - إرجاعه إن كان لاما محذوفة بشرط مراعاة التفصيلات التى ستأتى (1)عند الكلام على النسب إلى ما حذف بعض أصوله.
10 - تضعيفه إن كان ثانيا معتلّا ، فى اسم ثنائىّ الحروف - قبل النسب - مثل : لو - كى - لا ... فعند التسمية بهذه الألفاظ والنسب إليها ، يقال : لوّىّ - كيوىّ - لائىّ. فأما : «لو» فقد ضعّفنا واوها الأصلية ، وأدغمنا الواوين ، بجعلهما واوا مشددة ، وزدنا ياء النسب ... وكذلك : «كى» ؛ ضعفنا ياءها وأدغمنا الياءين ؛ بجعلهما ياء واحدة مشددة ؛ فصار الاسم قبل النّسب : «كىّ» ، وهو اسم مختومّ بياء مشددة مسبوقة بحرف واحد ؛ فعند النسب ترجع الياء الأولى إلى أصلها الياء مع فتحها ، وتنقلب الثانية «واوا» ، وتجىء بعدها ياء النسب ؛ فيقال : كيوىّ.
وأما : «لا» فتضعيف ثانيها يكون بزيادة ألف أخرى بعد الأصلية. لكن لا يمكن إدغامهما ، ولا إبقاء كل منهما بغير إدغام ، فتنقلب الثانية همزة ؛ عملا بقواعد القلب. وقيل : إن الهمزة تزاد من أول الأمر مباشرة ؛ فيقال : «لائىّ (2)
وضاعف الثّانى من ثنائى *** ثانيه ذو لين ؛ ك «لا» ، ولائى - 22
يريد : مثل : «لا» وتضعيفه : لائىّ ، بياء النسب المشددة ، ولكنها خففت هنا للشعر. وذو اللين هنا : المعتل.
»فإن كان ثانيه صحيحا - والكلمة ثنائية وضعا (أى : لم يحذف منها شىء) جاز .
1) فى ص 675.
2) فى شرح الكافية للرضى (ج 2 ص 141) ما يفيد أن الاسم الثنائى ، المعتل الثانى ، (مثل : لا ، وكى ، ولو ...) إذا اقتضى الأمر تضعيف ثانيه - قد يغنى عن التضعيف زيادة همزة بعد الثانى مطلقا ؛ فنقول فى : لا ، وكى ، ولو. إذا كانت أعلاما أريد إعرابها : لاء ، وكىء ، ولوء ، وعند النسب : لائى ، وكيئى ، ولوئى. وقد صرح بأن التضعيف هو الأولى ، فيحسن الاقتصار عليه. وفى تضعيف الثانى المعتل يقول الناظم :
فيه التضعيف وعدمه. ففى النسب إلى : «كم» يقال : كمّىّ أو كمىّ ، بتشديد الميم أو تخفيفها (1)
«(ا. اعلم أنه قد تقرر أن الكلمة الثنائية إذا جعلت علما للفظ ، وقصد إعرابها شدد الحرف الثاني منها سواء
أكان حرفا صحيحا أم حرف علة ؛ نحو أكثرت من الكم ، ومن الهل ، ومن اللو ... ، لتكون على أقل أوزان المعربات
«ب . وأما إذا جعلت علما لغير اللفظ ، وقصد إعرابها فلا يشدد ثانيها إذا كان صحيحا ؛ نحو جاءني كم ، ورأيت منا ؛ لئلا يلزم التغيير فى اللفظ والمعنى معا من غير ضرورة.
«فإن كان الثانى حرف علة ؛ كلو ، وفى ، ولا ... زيد حرف من جنسه ، وإن لزم منه التغيير في اللفظ والمعنى معا ، للاضطرار إلى الزيادة لأن عدمها يؤدى إلى سقوط حرف العلة ، لا لبقائه ساكنا مع التنوين فيبقى المعرب على حرف واحد ، وهو مرفوض في كلامهم.
«ج . وإن جعلت علما للفظ أو لغيره ، ولم يقصد إعرابها فيهما. فلا زيادة أصلا. هذا ملخص ما في الرضى وشرح اللباب للسيد مع زيادة. فإذا علمت ذلك ظهر لك أن قوله : (فإن كان ثانيه حرفا صحيحا جاز فيه التضعيف وعدمه) فيه نظر ، إذ الثنائى الذى جعل علما للفظ ، وقصد إعرابه يجب تضعيف ثانيه ، صحيحا أو معتلا. فيجب حينئذ في النسب إليه التضعيف. والثنائى الذى جعل علما لغير اللفظ وقصد إعرابه يجب فيه عدم التضعيف إذا كان ثانيه حرفا صحيحا ؛ فيجب حينئذ في النسب إليه عدم التضعيف ... لكن مر عن الفارضى في باب الحكاية تقييد وجوب تضعيف الثانى المجعول علما للفظ بما إذا كان حرف علة ؛ ففى المسألة خلاف)». ا ه- . كلام الصبان . ولهذه المسألة بما فيها من خلاف صلة قوية بما سبق فى ج 1 م 2 ص 29 .
.1 - وجوب التخفيف بقلب الكسرة فتحة فى عين الاسم الثلاثى المكسور العين ؛ سواء أكانت فاؤه مضمومة ، أم مفتوحة ، أم مكسورة. فمن المضمومة : (دئل ، وقدر ، وبهر ، ... والثلاثة أعلام - والنسب إليها ، دؤلىّ - قدرىّ - بهرىّ). ومن المفتوحة : (نمر ، وخشن ، وملك ، والنسبة إليها : نمرىّ - خشنىّ - ملكىّ). ومن المكسورة : (إبل ، وبلز (2)، والنسبة إليها : إبلىّ - بلزىّ).
أما سبب التخفيف بقلب الكسرة فتحة على الوجه السالف فلأن العرب
تستثقل فى النوع السالف استيلاء الكسرة على أكثر حروف الكلمة المختومة بياء النسبة ؛ إذ تقع فيه هذه الياء بعد كسرتين متواليتين أو ثلاثة ، فتفرّ العرب من هذا الثقل إلى التخفيف بقلب الكسرة الأولى فتحة (1)
(وأول ذا القلب انفتاحا) و «فعل» *** و «فعل» عينهما افتح و «فعل» - 7
والذى يعنينا هنا : الأوزان الثلاثة وما يقرره من فتح العين فى كل منها عند النسب - كما شرحنا -
2 - وجوب التخفيف أيضا إذا كان قبل آخر المنسوب إليه ياء مكسورة مدغما فيها ياء ساكنة قبلها. والتخفيف هنا يكون بحذف الثانية المكسورة - سواء أكانت هى الثالثة بين أحرف الكلمة أم كانت أكثر - ففى النسب إلى (2)
وثالث من نحو : «طيّب» حذف *** وشذّ «طائىّ» مقولا بالألف - 11
: (طيّب وليّن) و (هيّن ، وجيّد) و (غزيّل ، تصغير غزال ، وأسيّد) يقال (طيبىّ ، ولينىّ) (هينىّ ، جيدىّ) (غزيلىّ ، أسيدىّ).فلا تحذف الياء الثانية فى مثل : هبيّخ (3)لعدم كسرها ، ولا فى مثل : مهييّم (4)؛ تصغير مهيام ، لوجود ياء زائدة فاصلة بين الياء المكسورة ، وآخر المنسوب إليه.
3 - حذف ياء ، «فعيلة» - بفتح فكسر - وحذف تاء التأنيث معها ، وفتح ما قبل الياء التى حذفت (أى : فتح عين الكلمة). كل هذا بشرط أن تكون عين الكلمة غير مضعفة ، وأن تكون صحيحة إذا كانت اللام صحيحة ؛ فتصير الكلمة بعد التغيير السّالف على وزن : «فعلىّ» ؛ فيقال فى النسب إلى : حنيفة ، وفهيمة ، وسميرة ... : حنفىّ ، وفهمىّ ، وسمرىّ. ومن المسموع الشاذ : سليقىّ ، وسليمىّ ، فى النسب إلى : سليقة (5)، وسليمة (6).
هذا رأى أكثر النحاة. وقد تصدى لهذه الأمثلة الشاذة أحد الباحثين (7)ة.
1) بشرط أن يكون الكسر هو المتغلب على أحرف الكلمة ؛ فلا قلب فى النسب إلى مثل : جحمرش ، وإلى هذا يشير الناظم فى بيت سبق ذكره (فى 663) لمناسبة تتعلق بأوله ؛ هو :
2) تعدد الأمثلة الآتية هو لبيان أنه لا فرق فى الحكم بين الياء المكسورة الثالثة التى أصلها ياء ؛ كالأولين ، والتى أصلها واو كاللّذين بعدهما ، والتى تزيد على ثلاثة ؛ كالأخيرين ، وشذ قولهم : «طائى» فى النسب إلى : طيىء. والقياس : «طيئىّ». وفى هذا التخفيف يقول ابن مالك :
3) الغلام السمين.
4) انظر رقم 2 من هامش ص 652.
5) بمعنى فطرة وطبيعة.
6) اسم قبيلة عربية.
7) هو الأستاذ الراهب أنستاس الكرملى - رحمه اللّه - العضو السابق بالمجمع اللغوى القاهرى فقد نشر بمجلة المقتطف (عدد يوليو 1935 ، ص 136) بعد أن عرض أمثلة من الصيغتين - - وهما : «فعيلة ، وفعيل» - فى الكلام الذى يحتج به مع استيفائهما الشرطين ما نصه : «أنت ترى من هذا التتبع أن العرب لم ينسبوا مطلقا إلى «فعيل وفعيلة» بقولهم فعلىّ (بالتحريك) إذا كان غير مشهور ؛ علما كان أم نكرة ؛ بل (فعيلىّ) بإثبات الياء على أصلها)» ا ه. ثم عرض شواهد على تأييد رأيه عددها (103) (ثلاثة بعد المائة) وأكد أن هذه الشواهد ليست هى كل الوارد ، وأنه اكتفى بها مسرعا ، إذ لم يتسع وقته لجمع الباقى الذى يقطع بوجوده. ومع أن الشواهد التى عرضها عشرات تكفى وحدها للأخذ برأيه من غير تردد ، ولا حاجة إلى تأييد آخر ، نراه استند أيضا فى تأييد رأيه إلى قول ابن قتيبة الدينورى فى كتابه : «أدب الكاتب» ص 107 طبعة أوربا ، ونصه : (إذا نسبت إلى فعيل أو فعيلة من أسماء القبائل والبلدان وكان مشهورا ألقيت منه الياء ؛ مثل ربيعة وبجيلة وحنيفة ؛ فتقول ربعىّ ، وبجلىّ ، وحنفىّ. وفى ثقيف ثقفىّ ، وعتيك عتكىّ. وإن لم يكن الاسم مشهورا - علما كان أم نكرة - لم تحذف الياء فى الأول (أى : فى فعيل) ولا فى الثانى (أى : فعيلة) ... ا ه وقد خلص إلى أن الحذف قديما لم يكن إلا فى المشهور شهرة فياضة.
المعاصرين وأثبت أنها ليست شاذة ، لوجود عشرات مسموعة ، من نظائرها الفصيحة ، وعرض تلك العشرات ، وانتهى من بحثه إلى أمرين :
أولهما : أن النسب إلى «فعيلة» هو : «فعيلىّ» قياسا مطردا :
ثانيهما : أنه يجوز النسب إليها على : «فعلىّ» - بحذف الياء - كما يرى بعض القدماء بالشرطين السالفين ، وبزيادة شرط ثالث عليهما ؛ هو : اشتهار الاسم المنسوب إليه شهرة فياضة تمنع الخفاء واللبس عن مدلوله إذا حذفت ياء «فعلية» للنسب. فمتى اجتمعت الشروط الثلاثة صح حذف الياء جوازا ، لا وجوبا. وما عرضه هذا الباحث من الأدلة قوىّ غير مرجوح. ورأيه حسن. والأخذ به أوى.
فإن كانت العين مضعفة : مثل ؛ رقيقة ولبيبة ، أو كانت معتلة مع صحة اللام ؛ مثل : طويلة ، وعويصة - لم يحدث حذف ولا تغيير عند النسب إلا حذف تاء التأنيث : فيقال ؛ رقيقىّ - ولبيبىّ ، وطويلىّ ، وعويصىّ.
وإن كانت العين معتلة مع اعتلال اللام وجب إجراء التغيير الأول بالحذف
والتغيير ؛ فيقال : فى طوية : طووىّ (1)...
4 - حذف ياء : «فعيل» - بفتح فكسر - بشرط أن يكون معتل اللام وفى هذه الصورة تنقلب عند النسب لامه المعتلة واوا مع فتح ما قبلها وجوبا ؛ كغنىّ وغنوىّ - وعلىّ وعلوىّ - وصفىّ وصفوىّ - وعدىّ وعدوىّ.
فإن كان صحيح اللام لم يحدث تغيير ؛ نحو : جميل وجميلىّ ، وعقيل وعقيلى (2).
5 - حذف ياء : «فعيلة» - بضم ، ففتح ، فسكون - وحذف تاء التأنيث معها ، بشرط أن تكون العين غير مضعفة ، وأن تكون صحيحة إذا كانت اللام صحيحة. فتصير الكلمة بعد التغيير السالف على وزن : «فعلىّ» ، فعند النسب إلى : قريظة ، وجهينة ، وحذيفة ، يقال : قرظىّ ، وجهنىّ ، وحذفىّ ...
فإن كانت العين مضعفة لم تحذف الياء ؛ كما فى قليلة وقليلىّ ، وجديدة وجديدىّ. وكذلك إن كانت معتلة مع صحة اللام ، كما فى لويزة ولويزىّ ، ونويرة ونويرىّ.
فإن كانت معتلة مع اعتلال اللام وجب الحذف ، نحو : حييّة وحيوىّ ... (3)
و «فعلىّ» فى : «فعيلة» التزم *** و «فعلىّ» فى فعيلة حتم - 12
ويقول :
وألحقوا معلّ لام عريا *** من المثالين بما «التّا» أوليا - 13
وتمّموا ما كان كالطويله *** وهكذا ما كان كالجليله - 14
(عرى : خلا - من المثالين ، يريد بهما : صيغتى : فعيلة ، وفعيلة السالفتين - أولى : أتبع وجاء بعد شىء سبقه. والألف التى فى آخر الشطر الأول والثانى زائدة لوزن الشعر).
يريد : أن النحاة أو العرب ألحقوا عند النسب ما كان من الصيغتين السالفتين خاليا من التاء ، معتل اللام - بما وليته التاء منهما ، أى : جاءت بعده وفى آخره. حيث يجب - عنده - حذف الياء فى الملحق كالملحق به.
.1) «تكملة» : بقى من الصور أن تكون العين صحيحة ، واللام معتلة - ؛ مثل : صفية ، وسنية فهذه الياء المشددة تقلب واوا قبل ياء النسب ؛ فيقال : صفوية ، وسنوية ، طبقا للبيان السابق (فى ص 660) خاصا بالثلاثى الذى آخره ياء مشددة ، مع اعتبار تاء التأنيث فى حكم غير الموجود.
2) انظر ما يتصل بهذا فى رقم 6 من هامش ص 671 ومن النسب المسموع : ثقفىّ فى النسب إلى ثقيف.
3) وفى الحذف الخاص بصيغتى : «فعيلة» وفعيلة ، يقول الناظم :
6 - حذف ياء «فعيل» - بضم ، ففتح ، فسكون - بشرط أن يكون معتل اللام. وفى هذه الصورة تنقلب عند النسب لامه المعتلة واوا قبلها فتحة ؛ نحو قصىّ وقصوىّ ، وفتىّ وفتوىّ.
فإن كان : «فعيل» صحيح اللام لم تحذف الياء - فى الأرجح - نحو : سعيد وسعيدىّ ، وردين وردينىّ (1)...
7 - حذف واو : «فعولة» - بفتح فضم - ومعها التاء (2)؛ بشرط أن تكون عين اللفظ صحيحة ، وغير مضعفة. وفى هذه الصورة يفتح الحرف الذى كان مضموما قبل حذف الواو. ومن الأمثلة : شنوءة (3)، وسبوحة (4)، فيقال فى النسب إليها : شنئىّ ، وسبحىّ ... (5)، فلا تحذف الواو فى مثل : قوولة وصوولة (6)، لاعتلال العين ، ولا فى مثل : «ملولة» لتضعيفها.
«أما فعول» بغير تاء فينسب إليه على لفظه ؛ نحو : ملول وملولىّ ، وعدوّ وعدوىّ ...
1) ومن النسب السماعى : قرشىّ ، وهذلىّ ؛ فى النسب إلى : قريش ، وهذيل. ويرى المبرد أن هذا قياسى ؛ لكثرته.
2) يلاحظ أن الأغلب فى صيغة : «فعول» إذا كانت وصفا بمعنى «فاعل» ، ألّا تدخلها التاء الدالة على التأنيث المحض وحده (طبقا للبيان الخاص بهذا فى ص 546) أما فى غير هذه الصورة فقد تلحقها التاء. ويقال إنه لم يرد عن العرب علم على وزن : «فعولة» ونسبوا إليه على : «فعلىّ» إلا : «شنوءة» حيث قالوا : «شنئىّ». - كما سيجىء فى رقم2. .
3) علم قبيلة عربية.
4) علم على مكة ، أو على ورد قريب منها.
5) هذا رأى سيبويه. أما غيره فينسب إليها على لفظها ؛ لأنه لم يرد عند العرب سوى شنئىّ ، فى النسب إلى شنوءة ، فهى كلمة واحدة حكمها الشذوذ. وهذا الرأى هو الأعلى ، والأجدر بالاقتصار عليه
6) ويصح قلب واوهما همزة ، فيقال : قئولة وصئولة.
(ا) إن كان الحرف الأصلىّ المحذوف هو عين الكلمة وجب رده فى حالتين : الأولى : أن يكون عينا لاسم ثلاثى مضعف (1). مثل : «رب». وأصله : «ربّ» الحرفية الجارّة ، حذفت الباء الأولى ، تخفيفا (2)، فإذا صار بعد التخفيف علما وأريد النسب إليه ، وجب إرجاع الباء الساكنة المحذوفة وإدغامها فى نظيرتها ، كما كانت قبل الحذف ؛ فيقال : ربّىّ ، ومثلها : «قط» على اعتبار أن أصلها : قطّ (3)- بتشديد الطاء - ؛ حذفت الطاء الأولى الساكنة تخفيفا ، فإذا نسب إلى المخففة وجب إرجاع العين المحذوفة. وإدغامها فى نظيرتها ؛ فيقال : قطّىّ ...
الثانية : أن يكون عينا لاسم معتل اللام ، نحو : يرى (علما منقولا من المضارع ، وأصله : يرأى. نقلت فتحة الهمزة. إلى الراء الساكنة قبلها ، وحذفت الهمزة ؛ فصار اللفظ : يرى). فإذا سمى به ، وأريد النسب إليه ؛ قيل : «يرئىّ» ، بإرجاع العين المحذوفة مع فتح الراء ؛ مراعاة لضبطها الذى كانت عليه بعد حذف الهمزة (4)
ومما سبق يتضح في المجبور برد اللام عند النسب رأيان ، فسيبويه ومن معه يوجب فيه فتح العين وإن كانت ساكنة في الأصل. وغيره يوجب تسكينها كما كانت أولا ، وإرجاعها لأصلها.
.1) مضعف الثلاثى : ما كانت عينه ولامه من جنس واحد ؛ مثل : عدّ - قطّ - ربّ ... ولا بد أن يكون المضعف ساكن العين. إذا كانت مدغمة فى نظيرها ، وهو الحرف الواقع لام الكلمة.
2) ومن التخفيف قوله تعالى ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. )
3) ظرف زمان يستعمل - فى الأغلب - بعد كلام منفى المعنى فى الزمن الماضى. (وتفصيل الكلام عليه فى ج 2 م 79).
4) هذا رأى سيبويه - كما سيجىء أيضا فى رقم 2 من هامش ص 677 - وهو يوجب فى الاسم الذى ترجع لامه المحذوفة عند النسب أن تبقى عينه على فتحتها الطارئة عليها عند حذف تلك اللام ، قبل النسب. فإذا ما عادت اللام عند النسب لم ترجع العين إلى السكون الذى كان أصلا لها من قبل ؛ وإنما تظل على الفتحة الطارئة عليها. فاذا رجعت الهمزة المحذوفة هنا - صارت الكلمة : «يرأى» - بثلاث متحركات مفتوحة ، فألف ساكنة ، مكتوبة ياء - وعند النسب تحذف هذه الألف (لأنها رابعة فى اسم ثانيه متحرك ، كما تقرر من قبل فى ص 661) ، فيقال : «يرئى» وهذا الرأى هو الأرجح الذى يؤيده السماع الأكثر ، أما غير سيبويه فيوجب عند رجوع اللام المحذوفة إرجاع العين إلى سكونها الأصلى السابق ، وعدم الاعتداد بالفتحة الطارئة. فعند إرجاع الهمزة يصير الاسم : «يرأى» والنسب إليه هو : «يرأوىّ» أو : «يرئىّ» ؛ طبقا لما تقرر - فى ص661. من أن ألف الرباعى الساكن الثانى - تحذف أو تقلب واوا.
(ب) إن كان الحرف الأصلى المحذوف هو : «فاء» الكلمة وجب إرجاعه بشرط اعتلال اللام ؛ نحو : شية (1)والنسب إليها : وشوىّ ، بكسر الواو الأولى وفتح الشين (2)
وكلا الرأيين - فى أمر النسب إلى ما حذف ، كما أوضحناه فى حالات ونوضحه فى باقيها - يدعو للدهش ؛ ففيه من التحليل ، والتعليل ، والحذف ، والقلب ، والإثبات ، والإرجاع ، ما يكدّ الذهن ، ويرهق العقل ، من غير أن يعرف العرب شيئا منه ، أو يدور بخلد أفصحهم.
وبالرغم من هذا نسأل : أيمكن هنا - فقط - وضع ضابط عام للنسب إلى ما حذف بعض أصوله ، من غير التجاء إلى هذه الفروض الخيالية؟ يبدو أن الجواب : لا ، وفى الكلام على «شية» وما فى حكمها يقول الناظم :
وإن يكن كشية ما «الفا» عدم *** فجبره وفتح عينه التزم - 23
(عدم ، أى : زال ، بمعنى : حذف. - جبره : إرجاعه عند النسب)
.فإن كانت اللام صحيحة لم يجز ردّ المحذوف ؛ فيقال فى عدّة (3): عدىّ وفى جدة (4): جدىّ ...
(ح) إن كان الحرف الأصلى المحذوف هو «لام» الكلمة ، وجب إرجاعه فى حالتين :
الأولى : أن تكون العين معتلة ؛ مثل : «شاة» وأصلها : «شوهة» (5)- .
1) علامة.
2) أصلها : «وشى» (بكسر الواو ، فسكون الشين. وردد النحاة وصاحب «المصباح المنير» النص على كسر الواو ، ولم يذكروا السبب فى كسرها) حذفت الواو ، ونقلت حركتها إلى الشين ، وزيدت تاء التأنيث عوضا عن الواو المحذوفة ؛ فصارت الكلمة : «شية». بفتح الياء ؛ لمناسبة التاء. فعند النسب إليها ترجع فاء الكلمة (وهى الواو المكسورة ، وتبقى الشين على حركتها العارضة ، وهى الكسرة ؛ عملا بمذهب سيبويه السالف فى الصفحة الماضية وهامشها ؛ فتصير إلى : وشيىّ (بواو وشين مكسورتين) ثم تنقلب كسرة الشين فتحة ، عملا بالقاعدة التى تقدمت فى ص 661 و 670. (ومضمونها : أن الاسم الثلاثى المنسوب إليه يجب فتح ثانيه إن لم يكن مفتوحا. سواء أكان الحرف الأول مضموما أم مفتوحا أم مكسورا ...) فتصير الكلمة بغير ياء النسب إلى : «وشى». تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، وصارت الكلمة : «وشا» ، بكسر ففتح ، فألف مقصورة تقلب عند النسب ياء لأنها ثالثة ؛ فيقال : «وشوىّ». أما عند غير سيبويه ممن لا يعتد بحركة الشين الطارئة ويتمسك بالسكون لأنه الضبط السابق قبل الحذف - فيقول - وشيىّ : وقد عرفنا رجحان رأى سيبويه.
3) مصدر الفعل : وعد. حذفت الفاء ، وعوض عنها تاء التأنيث.
4) بمعنى : غنى. أصلها : وجد ، مصدر الفعل : وجد ، حذفت الفاء وعوض عنها التاء.
5) الكلمة واوية العين بدليل جمعها على : «شياه» التى أصلها : شواه. قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة.
بسكون الواو - حذفت لام الكلمة (الهاء) للتخفيف ، فصارت الكلمة : شوة - بسكون الواو - ثم تحركت الواو بالفتحة (1)، فصارت : شوة ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فانقلبت ألفا ، وصارت الكلمة ، شاة ، والنسب إليها فى الرأى الأرجح هو : شاهىّ (2)
أما من يخالف سيبويه ويوجب إرجاع العين وغيرها من الحروف إلى ضبطها السابق الأصيل الذي كان قبل حذف أحد أصول الكلمة ، فيقول : «شوهى» . بفتح فسكون . ذلك أن أصل الكلمة هو : شوهة. بسكون الواو قبل حذف اللام التي هي : «الهاء» ، والتي أدى حذفها إلى تحريك الواو بالفتحة ؛ إذ صارت «قبل تاء التأنيث» مباشرة. فعند رجوع اللام المحذوفة . وهى الهاء . ترجع الواو إلى ضبطها الأول وهو السكون ويمتنع قلبها ألفا ؛ لعدم تحركها ويصير النسب كما سبق : «شوهی».
وفى هذا الموضع من مواضع النسب إلى محذوف اللام معتل العين يصرح النحاة بأن النسب إلى : «ذو» و : «ذات» هو : «ذووى» فيهما ؛ لأن لامهما محذوفة ، وعينهما معتلة ويقولون إن أصلهما : «ذوى» ويعددون أنواعا معقدة من الفروض والخيالات يجر بعضها بعضا ؛ كى يصلوا من ورائها إلى إثبات هذا الأصل. وقد كدوا ، وداروا حتى انتهوا إلى ما أرادوا ، وهو غير ما يريده الواقع ، والرأى السديد. ومن شاء أن يرى بعض الفروض المرهقة فليرجع إلى كتاب سيبويه وشراحه (ج 2 ص 80، 81 وما بعدهما في الباب الذي عنوانه : «ما لا يجوز فيه من بنات الحرفين إلا الرد» ، والباب الذي عنوانه : «الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين». وهو يريد «بالإضافة» : النسب . كما أشرنا من قبل في رقم 2 من هامش ص 658 ، ويكرر هذا). وفى التصريح وحاشيته ، وحاشية الصبان سلسلة متشابكة من تلك الخيالات. وكان الخير في ترك ذلك كله ، والاقتصار على أن النسب إلى : ذو ، وذات ، هو : ذووى ؛ مراعاة للمسموع.
على أنه قد جاء في حاشية : «القطر » عند الكلام على معنى : «ذات» ما يأتى : (لها ثلاث استعمالات : الإشارة بها ، وبمعنى : صاحبة ، وبمعنى : التى وبقى لها استعمال رابع وهو جعلها اسما مستقلا ؛ نحو : ذات الشيء : بمعنى : حقيقته وماهيته. وقد صار استعمالها بمعنى نفس الشيء عرفا مشهورا ؛ حتى قال الناس ذات متميزة ، وذات محدثة ، ونسبوا إليها على لفظها من غير تغيير. واللّه يقول : «واللّه عليم بذات الصدور أي : ببواطنها وخفياتها. فالكلمة عربية ، ولا التفات لمن أنكر عربيتها ، وخطأ علماء الكلام فى قولهم : «الصفات الذاتية» مع أنهم - أى : علماء الكلام - مصيبون). ا ه. ومثل هذا فى المصباح «المنير» مع الاشتراك فى كثير من الألفاظ السالفة فارجع إليه فى مادة : «ذوى».
.1) لوجوب فتح ما قبل تاء التأنيث فى كل الحالات ، على الوجه الذى سبق فى ص 638.
2) وهذا رأى سيبويه ، وقد سبق بيانه فى رقم 4 من هامش ص 675 ؛ ومنه يعلم أنه يستبقى - عند النسب - حروف الكلمة على ضبطها الطارئ عليها ، بسبب حذف بعض أصولها ، ولا يرجع الحروف إلى ضبطها الأول الأصيل إذا رجع المحذوف الذى كان سببا فى تغيير حركات بعض الأحرف تغييرا طارئا. وعلى هذا تبقى فتحة «شوة» - وهى فتحة طارئة - ويبقى ما ترتب على وجودها ، وهو قلب الواو ألفا. وعند النسب ترجع الهاء المحذوفة التى هى لام الكلمة ، وتحذف تاء التأنيث لتحل محلها ياء النسب ، فيقال : «شاهى».
الثانية : أن تكون اللام المحذوفة قد رجعت - فى الكلام المأثور - فى التثنية ، أو جمع المؤنث السالم (1)؛ مثل : «أب ، وأخ» ، وتثنيتهما : «أبوان وأخوان» ، فالنسب إليهما : أبوىّ وأخوى ، بإرجاع الواو المحذوفة منهما. ومثل : «سنة» ، وأصلها : سنه أو سنو ، حذفت لام الكلمة ؛ (وهى : الهاء : أو الواو) وجاءت تاء التأنيث عوضا عنها ، وهذه التاء تحذف فى جمع المؤنث السالم وترجع اللام المحذوفة ، فيقال : سنهات أو سنوات ، كما يقال فى النسب : سنهىّ ، أو سنوى ، بإرجاع اللام المحذوفة كما رجعت فى جمع المؤنث.
والنسب إلى : «أخت وبنت» ؛ هو : «أخوىّ ، وبنوىّ» ، لأن جمعهما المؤنث السالم : أخوات وبنات ، والنسب إليهما كالنسب إلى أخ وابن. وهذا يوقع فى لبس قوىّ دعا بعض النحاة إلى رفض النسب بالصورة السالفة ، وتحتيم النسب على لفظهما ؛ فيقول : أختىّ وبنتىّ ؛ ورأيه حسن ، جدير بالمحاكاة ، مع صحة الرأى الأول وقوته (2)
وفى إرجاع اللام جوازا ووجوبا يقول الناظم :
واجبر بردّ اللّام ما منه حذف *** جوازا ان لم يك ردّه ألف - 19
فى جمعى التّصحيح ، أو فى التّثنيه *** وحقّ مجبور بهذى توفيه - 20
وبأخ أختا ، وبابن بنتا *** ألحق. ويونس أبى حذف التّا - 21
يقول : اجبر برد اللام ما حذف منه اللام جبرا جائزا ، إلا إذا كان رد اللام لازما فى التثنية أو جمع التصحيح لمذكر أو لمؤنث ، ففى هذه الحالة يستحق المجبور - وهو الاسم المحذوف اللام - التوفية وجوبا بإرجاع لامه إليه. ثم قال : ألحق أختا بأخ فى رد اللام المحذوفة ، وكذلك ألحق بنتا بابن فى ردها من غير إبقاء التاء فيهما. على غير مذهب يونس ومن معه فإنه يبقيها. وقد شرحنا الرأيين ...
.1) لم يذكروا جمع المذكر السالم اكتفاء بالتثنية ؛ لأنه على غرارها - كما سبق فى بابهما - فما يرجع فى التثنية يرجع فى جمع المذكر السالم.
2) يقولون فى تأييد الرأى الأول : إن صيغة : «أخت وبنت» كلها للتأنيث. والتاء للإلحاق بالرغم من أنها بدل من واو محذوفة ؛ وهى لإلحاق الكلمتين بقفل وجذع ؛ إلحاقا للثنائى بالثلاثى ، فيجب رد صيغة أخت وبنت إلى صيغة المذكر ، بحذف التاء منهما كما حذفت فى النسب إلى مكة ؛ فقيل : مكى وفى جمع المؤنث السالم ؛ فقيل : فى مؤمنة مؤمنات ... لئلا تقع تاء التأنيث حشوا ... وكلام كثير آخر أساسه مجرد الجدل. وقد تناوله بعض القدماء بالرد والرفض (على نحو ما نقله شرح التصريح فى هذا الموضع). ونحن فى غنى عن هذا كله ، وعن مناقشته ، وزيادة الجدل القديم بجدل جديد ؛ وكلاهما لا خير فيه ؛ إذ حسبنا إباحة الرأيين ، واستحسان الرأى القائم على إبعاد اللبس ، وهو رأى قديم لبعض كبار النحاة. ومنهم : يونس بن حبيب البصرى المتوفى حول سنة 181 ه ، وهو من أشهر أئمة اللغويين النحاة فى عصر سيبويه ، وله مؤيدون.
ما يجوز فيه عند النسب رد لامه المحذوفة وعدم ردها :
بان مما سبق وجوب رد اللام المحذوفة إلى الاسم عند النسب بشرط أن تكون عينه معتلة ، أو أن تكون لامه مما يرجع فى تثنية أو جمع مؤنث سالم.
فإن لم يتحقق الشرط جاز الرد وعدمه ، ففى مثل : يد (1)ودم (2)، وشفة (3)يقال عند النسب : يدىّ أو يدوىّ - دمىّ أو دموىّ - شفىّ ، أو شفهىّ ويصح : شفوى ... وقد حذفت اللام فى : يد ، ودم بغير تعويض. أما فى شفة فقد زيدت تاء التأنيث عوضا عن الهاء المحذوفة.
وإذا حذفت اللام وعوّض عنها همزة الوصل جاز عند النسب الرد أو عدمه دون الجمع بين اللام المحذوفة وهمزة الوصل ؛ منعا للجمع بين العوض والمعوض عنه. ففى مثل : (ابن واسم) يقال : (ابنىّ أو بنوىّ ، واسمىّ ، أو سموىّ) (4)ولا يصح أن يقال : ابنوىّ واسموىّ ... .
1) أصل : «يد» هو : يدى - بسكون الدال - حذفت اللام بغير تعويض ؛ تخفيفا ، وتحركت الدال الساكنة. والنسب إليها هو : يدىّ ، بغير رد اللام ، أو : يدوىّ ، بردها ، وقلبها واوا قبلها الفتحة الطارئة لأجلها ، لأن ما قبلها يفتح عملا برأى سيبويه ، أو قبلها السكون السابق ؛ عملا برأى غيره. ورأى سيبويه هو الأرجح - كما عرفنا - فى هامشى ص 675 و 677.
2) أصل : «دم» ، هو : دمو - بسكون الميم فى الأصح - حذفت الواو ، تخفيفا بغير تعويض ، وتحركت الميم الساكنة ، وعند النسب يقال : دمىّ ، بغير رد ، أو : دموىّ بالرد مع فتح ما قبل الواو لأن ما قبلها يفتح لها - كما سبق - أو إرجاعه إلى سكونه الأصلى كما سبق فى يد.
3) أصل : شفة ، هو : شفه (بسكون الفاء ، وبالهاء ، بدليل ظهور الهاء فى الجمع : شفاه) حذفت الهاء تخفيفا ، وعوض عنها تاء التأنيث مع فتح ما قبلها ؛ فصارت شفة. فعند النسب يقال : شفىّ ، بغير رد الهاء ، أو شفهىّ بردها مع بقاء الفاء قبلها على فتحتها العارضة أو إرجاعها إلى سكونها الأول ومن يرى أن اللام المحذوفة واو ، وليست هاء يجيز فى النسب : شفىّ وشفوى ، ولكن الشائع بين اللغويين أن اللام المحذوفة هاء.
4) الكثير المسموع ضم السين أو كسرها. أما الميم فمفتوحة على رأى سيبويه ؛ لأن الفتحة طارئة على الثانى للنسب فتبقى - كما عرفنا -.
(ا) النسب إلى المركب (1):
1 - إن كان المركب إضافيّا علما - بالوضع أو بالغلبة - فالأصل أن ينسب إلى صدره ؛ فيقال فى خادم الدين ، وفوز الحقّ ، وعابد الإله ...
(والثلاثة أعلام) : الخادمىّ - الفوزىّ - العابدىّ ...
ويستثنى من هذا الأصل ثلاث حالات يجب النسب فيها للعجز.
الأولى : أن يكون «المركب الإضافىّ» العلم كنية ، نحو : أبو بكر ، وأم كلثوم ... فيقال فى النسب : بكرىّ ، وكلثومى -.
الثانية : أن يكون هذا «المركب الإضافى» معرفا صدره بعجزه (2)؛ نحو : ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر ... فيقال فى النسب إليهما : عباسىّ ، ومسعودىّ ، وعمرىّ.
الثالثة : أن يكون النسب إلى صدر هذا المركب مؤديا إلى اللبس ، بعدم معرفة «المنسوب إليه» حقيقة ؛ مثل : عبد مناف ، وعبد شمس ، وناصر مجد (والثلاثة أعلام) فيقال فى النسب إليها : منافىّ ، وشمسىّ ، ومجدىّ ؛ إذ لو نسب إلى الصدر فقيل : عبدىّ ، وناصرىّ - لم يعرف «المنسوب إليه».
فإن كان المركب الإضافى ليس علما (لا بالوضع ، ولا بالغلبة) ، نحو : كتاب
زينب ، وجب النسب للمضاف وحده ، أو للمضاف إليه وحده على حسب المراد.
2 - المركب الإسنادى وملحقاته ،. (3)وينسب إلى صدره ففى النسب إلى : نصر اللّه ،
1) سبق تعريف المركب وتقسيمه وحكم كل قسم (فى مكانه المناسب من الجزء الأول ص 91 م 10 وص 211 م 22 باب العلم.)
2) بأن يكون صدره نكرة ، وعجزه معرفة ، بها يتعرف الصدر. وقد يشتهر المركب بعد هذا فيدخل فى عداد العلم بالغلبة - (وقد سبق إيضاحه فى مكانه المناسب من الجزء الأول باب العلم ، ومن أمثلته : ابن عباس، وابن عمر ...)
3) ستجىء ملحقاته فى رقم 1 من هامش الصفحة الآتية.
وجاد الحقّ ، وحامد مقبل (والثلاثة أعلام) يقال : نصرىّ ، وجادىّ ، وحامدىّ ... (1)
3 - المركب المزجى - ومنه الأعداد المركبة ؛ كأحد عشر ... - والشائع أنه ينسب إلى صدره أيضا مع الاستغناء عن عجزه ؛ سواء أكان صدره معتل الآخر أم صحيحا ، نحو : (مجد يشهر ، وقاليقلا) (وحضرموت وبندرشاه) وكلها أسماء بلاد ؛ فيقال فيها : مجدىّ وقالىّ - بحذف حرف علتهما ووضع ياء النسب مكانه (2)- وحضرىّ وبندرىّ ، هذا هو الرأى الشائع.
ومن النحاة من يجيز النسب إلى العجز وحده مع الاستغناء عن الصدر بحذفه ، ومنهم من يجيز النّسب إلى الصدر وإلى العجز معا بزيادة ياء النسب فى آخر كل منهما ، مزيلا تركيبهما ، فيقول : مجدىّ شهرىّ بإدخال ياء النسب على كل منها. ومنهم من ينسب إلى المركب باقيا تركيبه بإدخال ياء النسب على العجز وحده ، مع ترك الصدر قبله على حاله ؛ فيقول : مجد يشهرىّ - وقاليقلوىّ - والياء التى فى صدر المركب حرف علة وليست للنسب - وحضرموتىّ - وبندر شاهىّ ...
وهكذا. وحجته أن النسب بهذه الصورة يوضح المنسوب إليه ، ولا يوقع فى لبس. وهذا رأى حسن ، ولعله أنسب الآراء اليوم.
وهناك صور مسموعة من النسب إلى أنواع المركب ، تخالف ما تقدم ، وقد حكموا عليها بالشذوذ ، ومنع القياس عليها. كصوغهم وزن «فعلل (بفتح فسكون ففتح ...) من المضاف والمضاف إليه (3)معا ، والنسب إلى تلك الصيغة ، كقولهم فى تيم الّلات ، وعبد الدار ، وامرئ القيس الكندى ، وعبد القيس ، وعبد شمس ...
1) يلحق به فى الحكم السالف بعض ألفاظ ، ليست مركبات إسنادية ، ولكنها مثله فى النسب إلى الصدر ، منها : لولا - حيثما - لوما - أينما - .. فيقال فى النسب إليها : لوىّ ، بالتخفيف - حيثىّ لوىّ ؛ بالتخفيف - أينىّ.
2) الصدر فى الكلمتين كاملا هو مجدى ... وقالى ...) وفى النسب إلى «مجدى ...» يقال : مجدىّ بحذف ياء العلة أو : مجدوىّ بقلبها واوا ، وذلك أن حذف العجز يجعل الياء فى آخر الصدر ، وهى ياء رابعة فى اسم أصله منقوص ، وحكم الياء الرابعة فى المنقوص جواز حذفها عند النسب ، وهو الأحسن ، أو قلبها واوا (كما عرفنا فى ص 663). ومثل هذا يقال فى النسب إلى : «قالى ...»
3) وهذا نوع مما يسمى : النحت.
إضافة مبدوءة بابن أو اب *** أو ماله التعريف بالثّانى وجب - 17
المراد بالجملة : المركب الإسنادى ، فإن كان جملة صدرها فعل ، فهى فعلية ، أو اسم فهى اسمية. وقد تبين باختصار أن النسب الشائع للمركب الإسنادى يكون لصدره ، وكذلك للمركب المزجى. وأن النسب يكون للثانى (أى : للعجز) إذا كان متمما لمضاف هو : كلمة ؛ ابن ، أو أب ، أو غيرهما مما يستفيد التعريف من الثانى ؛ أى من المضاف إليه - على الوجه الذى شرحناه - ثم صرح بأن النسب فى المركب الإضافى عند أمن اللبس يكون للصدر فى غير ما نص عليه أنه للعجز ، قال :
فيما سوى هذا انسبن لّلأوّل *** ما لم يخف لبس كعبد الأشهل
...(ب) النسب إلى جمع التكسير (2)، وما فى حكمه.
1 - إذا أريد النسب إلى جمع التكسير ، الباقى على دلالة الجمعية فالشائع (3)هو النسب إلى مفرده ؛ فيقال فى النسب إلى : بساتين ، وكتبة ، ومدارس ، وحقول ... - : بستانىّ ، وكاتبىّ ، ومدرسىّ ، وحقلىّ.
فإن لم يبق جمع التكسير على دلالة الجمعية : بأن صار علما على مفرد ، أو على جماعة واحدة معينة مع بقائه على صيغته فى الحالتين - وجب النسب إليه على لفظه وصيغته ؛ فيقال فى النسب إلى الجزائر - وهى الإقليم العربى المعروف فى بلاد المغرب - وعلماء ، وقرّاء ، وأخبار ، وأهرام ، وجبال ، وتلول ... (وهى أعلام مشهورة فى وقتنا) جزائرى ، علمائىّ ، وقرائىّ ، وأخبارىّ ، وأهرامىّ ، وجبالىّ ، وتلولىّ. كما يقال فى النسب إلى جماعة اسمها : أنصار الدفاع ، وأخرى اسمها : الأبطال ، ودولة اسمها : المماليك ... - أنصارىّ ، وأبطالى. ومماليكى ولا يصح النسب إلى المفرد ؛ منعا للإبهام واللبس ؛ إذ لو قلنا : (الجزيرى أو الجزرىّ ، وعالمىّ ، وقارئىّ ، وخبرىّ ، وهرمىّ ، وجبلىّ ، وتلّىّ ، .
1) وفى النسب إلى المركب يقول الناظم :
وانسب لصدر جملة وصدر ما *** ركّب مزجا ، ولثان تمّما :
2) أما النسب إلى جمع المذكر السالم ، أو جمع المؤنث السالم ، أو المثنى ، فقد سبق الكلام عليه مفصلا فى ص 667.
3) عند البصريين - كما سيجىء -.
وناصرىّ ، وبطلىّ ، ومملوكى ، ...) لالتبس الأمر بين النسب إلى المفرد والنسب إلى الجمع.
فإن كان اللفظ معدودا من جموع التكسير ؛ لمجرد أنه على وزن صيغة من صيغ التكسير ، وليس له مفرد - فإنه ينسب إليه على صيغته ؛ نحو : عباديد وشماطيط (وكلاهما بمعنى : جماعات متفرقة) والنسب إليهما : عباديدىّ ، وشماطيطىّ.
هذا هو المذهب البصرى الشائع. أما الكوفيون فيجيزون النسب إلى جمع التكسير الباقى على جمعيته مطلقا (1)وحجتهم أن السماع الكثير يؤيد دعواهم - وقد نقلوا من أمثلته عشرات - وأن النسب إلى المفرد يوقع فى اللبس كثيرا ، ورأيهم حسن مفيد ، وقد ارتضاه المجمع اللغوى القاهرى (2)
رأى المجمع في هذا أن النسبة إلى الجمع قد تكون في بعض الأحيان أبين وأدق في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد. بهذا عدل عن مذهب البصريين القائلين بقصر النسبة على المفرد ، إلى مذهب الكوفيين المترخصين في إباحة النسبة إلى الجمع ؛ توضيحا وتبيينا». اه.
وقد تضمنت الصفحتان العاشرة والحادية عشرة من محاضر ذلك الدور الأدلة العلمية والدواعي للقرار السالف وجاء فى ختامها ما نصه :
(أهل الكوفة يخالفون أهلى البصرة فى مسألة النسبة إلى الجمع برده إلى واحده ؛ فيجيزون أن ينسب إلى جمع التكسير بلا رد إلى واحده ؛ فلا يغير الوضع. وهذا هو الأصل العام ، وفيه إبداء لإرادة المتكلم ؛ فيتميز المنسوب إلى الجمع من المنسوب إلى واحده ؛ فيقال مثلا فى النسبة إلى الملوك : الملوكى وفى النسبة إلى الدول : الدولى ، وفي النسبة إلى الكتاب الكتابي ، فلا تستوى النسبة إلى الجمع والنسبة إلى واحده.
(ولقد كثر النسب إلى الجمع فيما مضى وغلب حتى جرى مجرى الأعلام ، فمثلا قيل : الدوانيقي ، لأبي
جعفر المنصور الخليفة العباسي ، وقيل لغيره : الكرابيسى ، والأنماطى ، والمحاملي ، والثعالبي ، والجواليقي ، ... واستمر النسب إلى الجمع على هذا النحو إلى الآن. والمجمع إنما ينسب إلى لفظ جمع التكسير عند الحاجة ؛ كالتمييز بين المنسوب إلى الواحد ، والمنسوب إلى الجمع ...).
. فعندنا مذهبان صحيحان ؛ لا يفضل أحدهما الآخر فى سياق معين إلا بالوضوح والبعد عن اللبس ، فإذا1) أى سواء أكان اللبس مأمونا عند النسب لمفرده ؛ (نحو أنهارىّ ، فى النسبة إلى : نهر) أم غير مأمون ، (نحو : جزائرى ، فى النسبة إلى بلاد «الجزائر» المعروفة).
2) جاء فى الصفحة الرابعة من محاضر جلسات المجمع فى دور انعقاده الثالث ما نصه بلسان رئيسه : يقول : «قرار المجمع بشأن النسبة إلى جمع التكسير عند الحاجة ، كإرادة التمييز ونحو ذلك :
أمن اللبس فالأفضل محاكاة المذهب الشائع ؛ لأنه أكثر فى الوارد الفصيح.
2 - وإذا أريد النسب إلى ما فى حكم جمع التكسير من الكلمات الدالة على جماعة من غير أن ينطبق عليها تعريفه ؛ ولا أن تسمى باسمه أو تلحق به - وجب النسب إلى لفظها ؛ فيدخل فى هذا اسم الجمع (1)؛ كقوم ، ورهط ، والنسب إليهما : قومى ورهطىّ ، ويدخل أيضا اسم الجنس الجمعىّ (2)؛ الذى يفرق بينه وبين واحده بالياء المشددة أو بالتاء ، كترك ، وروم ، وشجر وورق ... ، والنسب إليها : تركىّ ، ورومى ، وشجرىّ ، وورقى ... ، وهذا نسب يوقع فى لبس ؛ لاشتراكه بين المفرد والجمع ، فيكون التفريق والتعيين بالقرائن التى توضح نوع المنسوب إليه ، وتحدده (3)
والواحد اذكر ناسبا للجمع *** إن لم يشابه واحدا بالوضع
والمراد بمشابهته للواحد بالوضع : أن يكون علما على واحد ؛ كأنمار وذئاب ، أو يشتهر فى جماعة معينة حتى يصير بمنزلة العلم عليها ؛ كالأنصار. - وهم أهل المدينة من أنصار الرسول عليه السّلام - فقد اشتهرت جماعتهم بهذا الاسم حتى صار علما عليها ؛ فيكون النسب إليها : أنصارى.
...(ح) كثر فى الأساليب الفصيحة المسموعة استعمال صيغة : «فعّال» للدلالة على النسب - بدلا من يائه - وكثر هذا فى الحرف ؛ فقالوا : حدّاد ؛ لمن حرفته : «الحدادة» ، ونجّار ؛ لمن حرفته : «النجّارة» ، وكذا : لبّان ، وبقّال ، وعطّار ، ونحّاس ، وجمّال ، ونحوها من كل منسوب إلى صناعة معينة.
والأنسب الأخذ بالرأى القائل بقياس هذا فى النسب إلى الحرف ، لأن الكثرة الواردة منه تكفى للقياس (4)
وممن قال بقياسية صيغة «فعّال» «المبرد» من البصريين ، ومعه فريق منهم ، وفريق آخر من الكوفيين خلافا لسيبويه - وبرأى القياسيين المخالفين لسيبويه أخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
. .1) سبق تعريفه فى ص 626.
2) عند من يعتبره قسما مستقلا عن التكسير. - وقد سبق تعريفه فى ص 627
3) فيما سبق من النسب إلى جمع التكسير يقول ابن مالك :
4) جعلوا منه قوله تعالى : ( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ،أى : بمنسوب إلى الظلم. وحجتهم أن صيغة : «فعّال» هنا لو كانت للمبالغة لكان النفى منصبا على المبالغة ؛ فيكون المعنى : ما ربك بكثير الظلم ، فالمنفى هو الكثرة وحدها دون الظلم الذى ليس كثيرا. وهذا معنى فاسد ، لأن اللّه لا يظلم مطلقا ، لا كثيرا ولا قليلا.
ومن الجائز أن يزاد على آخره التاء للدلالة على المفردة المؤنثة ، أو الجماعة ، فيقال : الحدّادة ، والنجّارة ، واللبّانة ، والبقّالة ، والعطّارة ، والنحّاسة ، والجمّالة ، وكل هذا على إرادة المفردة المؤنثة ، أو إرادة الجماعة ، المقصود منها الجماعة الحدادة أو غيرها ... لأن الجماعة مؤنثة ...
ومن المسموع القليل فى النسب صيغة. فاعل ، وفعل (بفتح فكسر) مرادا بهما صاحب كذا ... فيقال تامر ، وكاس ، ، وصائغ ، وحائك ، بمعنى : صاحب تمر ، وصاحب كساء ، وصاحب صياغة ، وصاحب حياكة ... (1)ويقال : (طاعم ، أو : طعم) ، (ولابن ، أو : لبن) ، بمعنى : صاحب طعام ، وصاحب لبن. ويقال : نهر ، (أى : صاحب نهار). ومنه قول الشاعر :
لست بليلىّ ولكنى (نهر *** لا أدلج الليل ولكن أبتكر
والأنسب الاقتصار على المسموع من هاتين الصيغتين ، دون القياس عليهما ؛ لقلة الوارد منهما ، ولخفاء المعنى معهما (2)
ومع «فاعل» ، «وفعّال» ، «فعل» *** فى نسب أغنى عن «اليا» ؛ فقبل - 25
وتقدير البيت : وفعل أغنى عن الياء فى نسب ، قبل مع فاعل ، وفعال ... فكلمة «فعل» مبتدأ ، خبره الجملة الفعلية المكونة من الفعل الماضى : «أغنى» ومن فاعله. وكلمة : «مع» حال من هذا الفاعل. والمراد من أنه أغنى مع فاعل وفعال ... أن هاتين الصيغتين معه فى هذا الحكم ، أى : يشتركان معه فيه ، وليس المراد أن الثلاثة تجتمع فى وقت واحد وجملة واحدة لتدل على النسب مجتمعة.
ويفهم مما سبق أن الناظم يقبل قياسية الثلاثة فى الدلالة على النسب ، ولكن رأيه ليس بالأرجح.
...(د) فى النسب المسموع كثير من الأمثلة المخالفة للضوابط والأحكام السالفة. ويترتب على هذا أمران واجبان.
أولهما : الحكم بشذوذها ؛ وعدم القياس عليها. ومنها : دهرىّ فى النسب إلى : دهر - ومروزىّ ، فى النسب إلى مدينة «مرو» الفارسية - وجلولىّ فى النسب إلى. «جلولاء» (اسم مدينة) ورازىّ ، فى النسب إلى مدينة : الرّىّ (3)، وصنعانى فى النسب إلى مدينة : صنعاء اليمنية - وأميّتىّ فى النسب إلى أميّة ، وفوقانىّ وتحتانىّ فى النسب إلى فوق وتحت ، ورقبانىّ وشعرانىّ ؛ لعظيم .
الرقبة ، وكثير الشعر ... (1)
وغير ما أسلفته مقرّرا *** على الذى ينقل منه اقتصرا
التقدير : غير ما أسلفته اقتصر على الذى ينقل منه. أى : على الذى ورد منقولا عن العرب ، مسموعا عنهم ، ولا يزاد عليه بالمحاكاة أو القياس.
ومن النسب المسموع الخاضع للحكم السالف نوع آخر ؛ يتميز بأن خففوا فيه ياء النسب المشددة ؛ فحذفوا إحدى الياءبن المدغمتين ، وأتوا بدلها بألف للتعويض عنها قبل لام الكلمة فقالوا فى يمنىّ : يمانى (2)، وفى شامىّ : شآمى ؛ بياء واحدة فيهما ساكنة. ويصير الاسم بهذا منقوصا ؛ تقول قام اليمانى ، ورأيت اليمانى ، ومررت باليمانى ، وتحذف (3)الياء عند تنوينه ... وهكذا. ولأن هذه الألف عوض عن الياء لا يجتمعان إلا شذوذا فى ضرورة الشعر (4).
ثانيهما : إذا سمى باسم شذّت العرب فى النسب إليه ، فخرج باستعمالهم عن نطاق الضوابط العامة التى تراعى فى النسب القياسىّ - وجب إخضاعه لهذه الضوابط القياسية وحدها متى صار علما يراد النسب إليه ، ولا اعتبار للنسب المسموع فيه قبل العلمية ... (5)
(ه) إن كان المنسوب مؤنّثا وجب الإتيان بتاء التأنيث للدلالة على تأنيثه - إن لم يوجد مانع آخر ؛ فيقال : قرأت بحوثا علمية وأدبية عميقة لفتيات عربيات ، فيهن العراقية ، والمصرية ، واللّبنانية ، والسورية ... (6).
يراد به هنا : التغيير الذى يتناول صيغة الكلمة وبنيتها ؛ لإظهار ما فى حروفها من أصالة ، أو زيادة ، أو حذف ، أو صحة ، أو إعلال ، أو إبدال (1)، أو غير ذلك من التغيير الذى لا يتصل باختلاف المعانى.
فليس من التصريف ، عند جمهرة النحاة ، تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة ؛ لتؤدى معانى مختلفة ، (كالتصغير ، والتكسير ، والتثنية ، والجمع ، والاشتقاق ...) ولا تغيير أواخرها لأغراض إعرابية ؛ فإن هذا التغيير وذاك التحويل يدخل فى اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة.
يختص التصريف بالأسماء العربية المتمكنة ، والأفعال المتصرفة ؛ فلا شأن له بالأسماء الأعجمية ، ولا بالأسماء العربية المبنية ؛ كالضمائر ، ولا بالأفعال الجامدة ، كعسى وليس. ولا بالحروف بأنواعها المختلفة.
وليس بين الأسماء المتمكنة ولا الأفعال المتصرفة ما يتركب من أقل من ثلاثة أحرف ، إلا إن كان بعض أحرفه. قد حذف. مثل يد ، وقل ، وم اللّه (2)... والأصل : يدى ، وقول ، وأيمن اللّه ... وهذا هو المراد من قولهم : لا يوجد التّصريف فى كلمة تقل أحرفها عن ثلاثة فى أصلها ، قبل حذف شىء منها (3)
حرف وشبهه من الصّرف برى *** وما سواهما بتصريف حرى - 1
المراد : بشبه الحرف : الأسماء المبنية ، والأفعال الجامدة ؛ لأن هذين النوعين يشبهان الحرف فى الجمود والبناء. وكلمة : «برى» أصلها : برىء ؛ بمعنى : خلا وابتعد. وحرى ، أصلها : حرىّ أو حر ، بمعنى جدير ومستحق. ثم قال :
وليس أدنى من ثلاثىّ يرى *** قابل تصريف سوى ما غيّرا - 2
...ينقسم الاسم إلى مجرد ومزيد ؛ فالمجرد : ما كانت أحرفه أصلية ، ليس فيها شىء من أحرف الزيادة التى يجمعها قولك : «سألتمونيها» ولكل منها علامة يعرف بها ، - وستجىء - والمزيد : ما اشتمل على بعض أحرف الزيادة.
ويعرف الحرف الزائد ، بالاستغناء عنه ، فى بعض التصريفات ، مع تأدية الكلمة بعد سقوطه معنى مفيدا. أما الأصلى فلا يمكن الاستغناء عنه ؛ إذ لا تؤدى الكلمة معنى مقصودا بعده - فى الأغلب (1)-
والاسم المجرد قد يكون ثلاثيّا ، نحو : حجر ، وقد يكون رباعيّا ؛ نحو : جعفر ، أو خماسيّا ؛ نحو : سفرجل ، ولا يزيد الاسم المجرد على خمسة أحرف. والاسم المزيد قد تكون زيادته حرفا واحدا على أصوله ؛ كالألف فى : كتاب. وقد تكون حرفين ؛ كالألف والميم فى : مكاتب ، وقد تكون ثلاثة : كالميم والسين والتاء فى : مستكتب ، وقد تكون أربعة ؛ كالهمزة ، والسين ، والتاء ، والألف ، فى : استكتاب. ولا يتجاوز الاسم المزيد سبعة أحرف(2)
ومنتهى اسم خمس ان تجرّدا *** وإن يزد فيه فما سبعا عدا - 3
(أى : فما جاوز سبعا).
...والزيادة التى تدخل الأسماء الجامدة مقصورة - فى الغالب - على السماع الوارد عن العرب.
أما الفعل فمجرده إما ثلاثى ؛ نحو : خرج ، وإما رباعى ، نحو : دحرج وليس للرباعى وزن آخر ، ولا يتجاوز المجرد هذا.
ومزيد الفعل قد تكون زيادته حرفا على ثلاثى الأصول نحو : خارج ، أو حرفين نحو : تخارج ، أو ثلاثة ؛ نحو : يتخارج ، وقد تكون زيادته حرفا على رباعىّ الأصول ؛ نحو : يدحرج ، أو حرفين ، نحو : يتدحرج ، ولا يتجاوز الفعل بالزيادة ستة (3)
ومنتهاه أربع إن جرّدا *** وإن يزد فيه فما ستّا عدا - 7
- وسيعاد البيت فى ص 690 ، لمناسبة هناك.
أحرف.والزيادة التى تدخل الأفعال المختلفة ، وأنواع المشتقات لأداء معنى معين ، قياسية بالطريقة التى تشير اللغة بها.
أبنية الاسم الثلاثى المجرد (أى : صيغه) ، والفعل الثلاثى المجرد.
(ا) الاسم الثلاثى المجرد يكون مفتوح الأول ، أو : مضمومه ، أو مكسوره ، ولا يكون ساكنا ، أما ثانيه فقد يكون مفتوحا ، أو مضموما ، أو مكسورا ، أو ساكنا. فالصور العقلية التى تحدث من هذا : اثنتا عشرة صورة ، لأن فتح الأول قد يكون مع فتح الثانى أو ضمه ، أو كسره ، أو سكونه ، فهذه صور أربع ، وضم الأول يكون مع الحالات الأربع فى الثانى ، فتنشأ صور أربع أخرى. وكسر الأول قد يكون مع الحالات الأربع فى الثانى ، فتنشأ صور أربع أيضا ، فمجموع هذه الصور اثنا عشر ، كما قلنا : أما آخر الثلاثى فلا صلة له بما قبله ، لأنه متصل بالإعراب وعلاماته.
وجميع هذه الصور العقلية واقعية ؛ أى : لها ألفاظ عربية كثيرة تؤيدها ، إلا صورتان. إحداهما ممنوعة فى الرأى الأرجح - وهى الصورة التى يكون فيها أول الاسم مكسورا وثانيه مضموما. والأخرى قليلة ، وهى عكس السالفة (أى : يكون الاسم فيها مضموم الأول مكسور الثانى ، مثل : دئل ؛ اسم قبيلة) وما عدا هاتين صحيح فصيح. نحو : (فرس - عضد - كبد - صخر). ونحو : (صرد - - عنق - دئل - قفل) - ونحو (عنب - حبك (1)- إبل - علم ...) (2)
وغير آخر الثّلاثىّ افتح وضم *** واكسر ، وزد تسكين ثانيه تعم - 4
غير آخر الثلاثى ، هو : أوله وثانيه ؛ فيجوز فى كل منهما الفتح ، والضم ، والكسر ، ويزيد الثانى بجواز تسكينه. ثم قال :
وفعل أهمل ، والعكس يقل *** لقصدهم تخصيص فعل بفعل - 5
أى : أن العكس قليل ؛ لأن العرب أرادت أن تخصص صيغة فعلية بفعل ؛ أى : بالفعل الماضى ، الثلاثى ، المبنى للمجهول.
.(ب) أما الفعل الماضى الثلاثى المجرد فأبنيته أربعة ، لأن أوله مفتوح دائما إلا .
حين بنائه للمجهول ، أما ثانيه فقد يكون مفتوحا ، أو مكسورا ، أو مضموما ، فالثلاثة المبنية للفاعل هى : (فعل كنظر) ، (وفعل كعلم) ، (وفعل كحسن وشرف. وأما الصيغة يبنى فيها للمجهول فهى : فعل ، كعرف (1)
وافتح. وضمّ واكسر الثّانى من *** فعل ثلاثىّ ، وزد نحو : ضمن - 6
ثم ساق بعد هذا بيتا سبق شرحه - فى ص 688 - وهو :
ومنتهاه أربع إن جرّدا *** ............ - 7
أما الفعل الرباعى المجرد فليس له إلا وزن واحد - كما سبق - هو فعلل ؛ كدحرج ودربح بمعنى : ذل ...
) ...أوزان الاسم الرباعى المجرد ستة (ولا بد أن يكون ثانيه ساكنا).
له ستة أوزان :
(ا) فعلل - بفتح ، فسكون ، ففتح - ؛ نحو : جعفر.
(ب) فعلل - بكسر ، فسكون ، فكسر - ؛ نحو قرمز.
(ح) فعلل - بكسر ، فسكون ، ففتح - ؛ نحو : درهم.
(د) فعلل - بضم ، فسكون ، فضم - ؛ نحو : برثن.
(ه) فعلّ - بكسر ، ففتح ، فتشديد اللام - ؛ نحو : هزبر.
(و) فعلل - بضم ، فسكون ، ففتح اللام الأولى - ؛ نحو : جخدب (2).
أو زان الاسم الخماسى المجرد أربعة :
(ا) فعلّل - بفتح ، ففتح ، فلام مشددة ، فأخرى غير مشددة ، - نحو : سفرجل.
(ب) فعللل - بفتح أوله ، وسكون ثانيه ، وفتح ثالثه ، وكسر رابعه - ثم لام بعده ، نحو : جحمرش (3).
(ح) فعلّل - بضم أوله ، وفتح ثانيه ، فلام ساكنة مدغمة فى نظيرتها المكسورة ، فأخرى بعد المدغمتين ، نحو : قذعمل (1).
(د) فعللّ - بكسر أوله ، وسكون ثانيه ، وفتح اللام الأولى ، فتشديد الأخيرة - نحو ؛ قرطعب (2).
هذا والحرف الأصلى هو الذى يلزم فى جميع تصريفات الكلمة ، ولا تؤدى المعنى المقصود بدونه ، والزائد هو الذى يمكن الاستغناء عنه - كما سبق (3)
لاسم مجرد رباع فعلل *** وفعلل وفعلل وفعلل - 8
ومع فعلّ فعلل ، وإن علا *** فمع فعلّل حوى فعلللا - 9
كذا فعلّل وفعللّ وما *** غاير ، للزيد أو النقص انتمى - 10
والحرف إن يلزم فأصل. والذى *** لا يلزم : الزائد ؛ مثل : «تا» احتذى - 11
وقد سبقت الإشارة إلى معنى البيت الأخير فى أول الباب ص 688.
.كيفية الوزن :
لا تقلّ أصول الاسم الخالى من الحذف عن ثلاثة أحرف ، نحو : قمر ، يرمز لكل منها برمز يسمى به. فيسمّى الأول منها : «فاء الكلمة» ، والثانى : «عين الكلمة» ، والثالث : «لام الكلمة» ؛ فيقال فى قمر : إنها على وزن : فعل. فإن بقى بعد هذه الثلاثة حرف أصلىّ عبّر عنه رمزا باللام أيضا ، وتكرّر اللام على حسب الأصول التى بعد الثلاثة الأولى. وإن كان فى الكلمة حرف زائد عبّر عنه بنصه ولفظه ، مع مراعاة تريبه ، وبناء على هذا يكون وزن : قفل ، هو : فعل. ووزن جعفر ، هو : فعلل ، ووزن فستق (4)، هو : فعلل. أما وزن جوهر ، فهو : فوعل. ووزن : خارج ، هو : فاعل ، ووزن مستخرج ، هو : مستفعل.
وإن كان الحرف الزائد على أصول الكلمة حرفا مكررا لحرف أصلىّ وجب النطق بالحرف الأصلى المكرر دون النطق بالحرف الزائد نفسه. فتقول فى وزن كرّم : .
فعّل. وفى وزن : اغدودن افعوعل ، بالتعبير الرمزىّ عن الحرف المكرر بمثل التعبير عن الأول ، ولا يصح أن يقال فيهما : فعرل ، ولا افعودل (1)
بضمن فعل قابل الأصول فى *** وزن. وزائد بلفظه اكتفى - 12
وضاعف اللّام إذا أصل بقى *** كراء : «جعفر» ، وقاف «فستق» - 13
وبقوله :
وإن يك الزائد ضعف أصلى *** فاجعل له فى الوزن ما للأصل - 14
...وإذا كان المكرر فى رباعى فاؤه ولامه الأولى معا من جنس واحد ، وعينه ولامه الثانية معا من جنس آخر ، ولم يكن أحد الحروف المكررة صالحا للسقوط - فهذا النوع محكوم على حروفه كلها بالأصالة ، وليس فيها زائد. ومن الأمثلة له : سمسم ، وضمضم (علم) فإن صلح أحد الحروف المكررة للسقوط (نحو : لملم ، وكفكف ؛ أمران ماضيهما : لملم وكفكف ، حيث يصح أن يقال : لمّ ، وكفّ ... بإسقاط اللام الثانية والكاف الثانية) ، ففى الحكم عليه خلاف لا يعنينا (2)
واحكم بتأصيل حروف سمسم *** ونحوه. والخلف فى : «كلملم» - 15
...أحرف الزيادة ، وعلامة الحرف الزائد ، وبيان المعنى الذى يؤديه :
(ا) أحرف الزيادة عشرة يجمعها لفظ : سألتمونيها - كما عرفنا - ولكل منها علامة تساعد على معرفة أنه زائد.
فالألف إذا صاحبت ثلاثة أحرف أصلية وجب الحكم بزيادتها ؛ نحو : ظافر - راغب. فإن صحبت أصلين فليست زائدة (3)
فألف أكثر من أصلين *** صاحب - زائد ، بغيرمين - 16
(المين - الكذب).
...ويحكم بزيادة الياء والواو إذا صحبت كل منهما ثلاثة أحرف أصلية ، .
نحو : صيرف ، وجوهر ، ويعمل (1)، وعجوز. ويستثنى من هذا : الثنائى المكرر ؛ مثل : يؤيؤ (2)ووعوعة (3)فإنهما فيه أصليتان (4)
واليا كذا ، والواو ، إن لم يقعا *** كما هما فى : يؤيؤ ، ووعوعا - 17
...ويحكم بزيادة الهمزة والميم إن تصدرتا ، وبعد كل منهما ثلاثة أحرف أصلية ، مثل : أبرع ، ومعدن. فإن جاء بعدهما أقل من الثلاثة أو أكثر فالهمزة والميم أصليتان ؛ نحو : إبل ، وإصطبل. (5)
وهكذا همز وميم سبقا *** ثلاثة تأصيلها تحقّقا - 18
.ويحكم على الهمزة - أيضا - بالزيادة إذا وقعت آخر الكلمة وقبلها ألف مسبوقة بثلاثة أصول ، أو أكثر ... نحو : حمراء - خضراء - عاشوراء. فإن تقدم على الألف حرف أصلى أو حرفان فالهمزة ليست زائدة (6)
كذاك همز آخر بعد ألف *** أكثر من حرفين لفظها ردف - 19
؛ نحو : ماء - هواء ... وتكون النون زائدة إذا وقعت آخر الكلمة وقبلها ألف مسبوقة بثلاثة أصول أو أكثر ؛ فحكمها فى هذا حكم الهمزة ، نحو : عثمان ، زعفران - طيلسان. إلا إذا كان قبل الألف حرف مشدد أو حرف لين ، كحسان وعقيان ، فالنون فيهما تحتمل الأصالة والزيادة.ويحكم على النون - أيضا - بالزيادة إذا توسطت أربعة أحرف ، قبلها اثنان وبعدها اثنان ؛ نحو غضنفر وعقنقل (7)
والنّون فى الآخر كالهمز ، وفى *** نحو : غضنفر أصالة كفى - 20
التقدير : كفى النون أصالة بمعنى : استكفى وامتلأ.
...ويحكم بزيادة التاء إذا كانت للتأنيث ، أو للمضارعة ، أو للاستفعال وفروعه أو للمطاوعة ، نحو : فاضلة ، تقوم - تستغفر ... - ونحو : علّمته فتعلم ، ودحرجته فتدحرج .. (8)
والتّاء فى التأنيث والمضارعه *** ونحو : الاستفعال والمطاوعه - 21
.وتزاد «السين» باطراد مع التاء فى صيغة «الاستفعال» وفروعه. أما فى غيره فسماعية (9). .
1) الجمل القوى على العمل.
2) اسم طائر.
3) مصدر : وعوع.
4) ويقول ابن مالك :
5) وهذا معنى قول ابن مالك :
6) يقول ابن مالك :
7) من معانيه : الوادى الكبير المتسع ، والرمل المتراكم. يقول ابن مالك :
8) يقول الناظم :
9) ومن المسموع زيادتها فى «قدموس» ، بمعنى عظيم. وفى أسطاع يسطيع - بهمزة القطع - بمعنى : أطاع يطيع.
وتكون الهاء زائدة فى الوقف فى حالات ؛ منها : الوقف على «ما» الاستفهامية المجرورة ؛ نحو : لمه؟ والوقف على فعل الأمر المحذوف الآخر ، فى نحو : ره ؛ بمعنى انظر (وماضيه هو : رأى) ، والوقف على المضارع المحذوف الآخر للجزم ؛ فى نحو : لم تره. وعلى كل مبنى على حركة لازمة ليست طارئة ؛ فاللازمة نحو : كيفه؟ وهوه. والطارئة كالتى فى المبنى الذى يضاف وقد انقطع عن الإضافة ؛ مثل : قبل ، وبعد ، وكالتى فى «لا» ، والمنادى المبنى ، لأن حركة البناء فى هذه الأشياء عارضة. ويحكم بزيادة اللام فى أسماء الإشارة ؛ نحو : ذلك ، وتلك ، وهناك ... (1)
والهاء وقفا ؛ كلمه؟ ولم تره *** واللام فى الإشارة المشتهره - 22
وتقدير الشطر الثانى : واللام المشتهرة فى الإشارة ، أى : زيادتها مشتهرة فى الإشارة. فاللام مبتدأ. (المشتهرة مبتدأ ثان ، خبره الجار والمجرور ، والجملة من المبتدأ الثانى وخبره خبر الأول ، أى : واللام زيادتها المشتهرة كائنة فى الإشارة).
هذا ، ويقول النحاة : إذا خلا حرف من أحرف الزيادة من العلامة الدالة على زيادته وجب الحكم بأصالته ، إلا إن قام دليل آخر يصلح حجة على الزيادة. ومن ذلك سقوط همزة : «شمأل» فى بعض الأساليب الصحيحة التى منها : شملت الريح شمولا ؛ بمعنى : هبت شمالا ، ومن ذلك سقوط نون «حنظل» فى قولهم : حظلت الإبل إذا ضرّها أكل الحنظل ، ومنها ، سقوط تاء الملكوت فى كلمة : الملك ... (2)
وامنع زيادة بلا قيد ثبت *** إن لم تبيّن حجّة ؛ كحظلت - 23
تبين - أى : تتبين.
(ب) لكل حرف من حروف الزيادة معنى يؤديه ، وفائدة يجلبها معه ؛ فزيادة الهمزة فى أول الفعل الثلاثى قد تفيد نقل معنى الفعل إلى مفعوله ويصير بها الفاعل مفعولا ؛ مثل خفى القمر ، وأخفى السحاب القمر ، وتضعيف عين الفعل الثلاثى - غير الهمزة - قد تفيد التكرار والتمهل ، نحو : علّمت الراغب ، وبصّرته بالحقائق. وتحويل الفعل إلى صيغة : «فاعل» قد تفيد الدلالة على المشاركة ، وزيادة السين والتاء على الفعل الثلاثى قد تفيد الطلب ، أو الصيرورة ، أو النسبة إلى شىء آخر ...(3)إلى غير هذا مما سبق بيانه مفصلا فى موضعه المناسب .
الإعلال والإبدال (1)
من المصطلحات اللغوية الشائعة أربعة ألفاظ ؛ لكل منها مدلوله الخاص ، وضوابطه وأحكامه. وهذه الأربعة هى : الإعلال - القلب - الإبدال - العوض. وفيما يلى البيان :
1 - الإعلال ، والمراد به : تغيير يطرأ على أحد أحرف العلة الثلاثة (و - ا - ى) وما يلحق بها - وهو : الهمزة - بحيث يؤدى هذا التغيير إلى حذف الحرف ، أو تسكينه ، أو قلبه حرفا آخر من الأربعة ، مع جريانه فى كل ما سبق على قواعد ثابتة ، يجب مراعاتها. ومن الأمثلة : صوغ اسم المفعول من الفعل.
1) ملاحظة هامة : أحكام هذا الباب وضوابطه كثيرة. والإلمام بها عظيم النفع، جليل الفائدة ؛ شأن نظائرها من القوانين العامة المطردة. غير أن الضوابط والأحكام هنا لا تنطبق على لغات ولهجات عربية قديمة متعددة ، حمل السماع الصحيح إلينا كثيرا من ألفاظها الخارجة على تلك القوانين ، وليس هذا بعجيب فى لغة كلغتنا كانت أداة تفاهم بين قبائل متباعدة ، وجماعات متباينة فى كثير من الشئون التى تؤدى إلى اختلاف فى اللّهجات محتوم. وليس هذا الاختلاف مقصورا على مسائل الإعلال والإبدال ، ولكنه أظهر وأوضح فيها ، وفى بعض مسائل أخرى عرضنا لها فى أبوابها الخاصة ؛ كالتكسير ، وأبنية المصادر ، والصفات المشبهة ... وواجب الحرص على لغتنا ، والعمل على أن تكون أداة قوية ناهضة بمهمتها فى البيان الجلى ، والتوحيد اللغوى الهام - يقتضينا أن نأخذ بالمطرد ، ونقيس عليه وحده ، من غير توقف ولا تردد ، ومن غير سعى - فى المراجع والمطولات - وراء المسموع لننتزعه من مخابئه ، ونستعمله على الوجه الوارد به ، دون الانتفاع بالمطرد ، وبالقياس عليه ، فإن السعى وراء المسموع للاعتماد عليه وحده فى الاستعمال ، دون أخذ ما يقتضيه القياس المطرد - عبث وخطة عرجاء ، بل فاسدة ؛ يقصر الجهد والوقت دون العمل بها. ويتعذر اليوم تطبيقها ، والنجاح فيها. فليس من الخير الانصياع لها.إنما الخير كله فى الأخذ بالرأى الحكيم النافع الذى ينادى باستخدام القاعدة ، ما دامت قاعدة ، وبتعميمها ، سواء أعرف المتكلم الحكم السماعى المخالف لها أم لم يعرفه - وما أكثر الذين لا يعرفونه - وتكليفهم معرفته دائما تكليف بما لا يستطاع. لكن إذا عرف المتكلم الأمر السماعى المخالف للقاعدة المطردة جاز أن يكتفى به ، ويقتصر عليه مع تركه القاعدة ، وجاز أن يستخدم القاعدة إن شاء ، ولكن ليس له أن يتوسع فى المسموع المخالف للقاعدة فيطبقه فى ألفاظ أخرى غير التى ورد السماع بها ، بل يجب أن يقف عند ما ورد السماع به ، دون أن يزيد عليه ، ما دامت القاعدة المطردة موجودة ، والحكم العام قائما. وبغير هذا نسىء إلى لغتنا ، ونحمل الراغبين فيها على النفور منها ، وننسى أو نجهل الأساس الذى الذى قام عليه الإطراد والقياس، ونقضى على الحكمة منهما. وقد كررنا هذا فى أجزاء الكتاب المختلفة ، لمناسبات تدعو إلى التكرار ؛ لأهمية الأمر ، وجلال شأنه ، وسردنا أدلة الأئمة المعارضين والموافقين ، وانتهينا فى الترجيح بينهما إلى الرأى السالف المدون فى مواطن مناسبة ولا سيما الجزء الثالث - باب أبنية المصادر - م98. .
«قال» وهو : مقول. والأصل : مقوول (بضم الواو الأولى). نقلت الضمة إلى الساكن قبلها. وهذا يسمى : «إعلالا بالنقل» وترتب عليه تسكين حرف العلة الأول. واجتماع حرفين ساكنين متواليين لا يصح اجتماعهما ؛ فحذف الأول منهما : وهذا يسمى : «إعلالا بالحذف» ؛ وصارت الكلمة إلى : مقول ، بعد هذين النوعين من الإعلال ، وتحقق شروطهما.
وكالفعل : «قال» ، وأصله : «قول» بفتح الواو ، قلبت ألفا ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ؛ فصار الفعل : قال ، وهذا : «إعلال بالقلب».
وفيما يلى بيانه :
2 - القلب ومعناه : تحويل أحد الحروف الأربعة السالفة إلى آخر منها ؛ بحيث يختفى أحدها ليحل محله غيره من بينها ؛ طبقا لضوابط محددة يجب الخضوع لها ، كقلب الواو ألفا فى المثال السالف ، وقلب الواو المتوسطة ياء بعد كسرة فى مثل : صيام ، والأصل : صوام. وكقلب الياء همزة لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة. نحو : بناء ، والأصل : بناى ... و ...
وهذا النوع من التحويل أو القلب شائع مطرد ؛ لأنه يخضع - فى الأغلب - لقواعد عامة يجرى على مقتضاها ، فإذا عرفت أمكن الوصول إلى قلب الحرف الذى تنطبق عليه ، وسهل الاهتداء إلى أصله إن كان منقلبا عن غيره. وهذا الباب معقود لعرضها ، وبيان أحكام القلب الشائع المطرد ، أما غير المطرد فمقصور على السماع.
3 - الإبدال. ومعناه : حذف حرف ، ووضع آخر فى مكانه ، بحيث يختفى الأول ويحل فى موضعه غيره ، سواء أكان الحرفان من أحرف العلة - كالأمثلة السالفة - أم كانا صحيحين ، أم مختلفين. فهو أعم من «القلب» ؛ لأنه يشمل «القلب» وغيره ؛ ولهذا يستغنون بذكره عن القلب. ومن أمثلة الصحيحين قول بعض العرب فى : (وكنة (1)، وربع ، وتلعثم) ... وقنة ، وربح ، وتلعذم ... بقلب الكاف قافا ، والعين حاء ؛ والثّاء ذالا. وأكثر هذا النوع من إبدال الحروف الصحيحة مقصور على السماع ، لقلته. والأمر فى معرفته موكول إلى المراجع اللغوية وحدها ؛ إذ ليس له ضابط عام ، ولا قاعدة مطردة. وقليل منه قياسىّ ؛ كإبدال الدال والطاء من تاء الافتعال ؛ وسيجىء (2).
ومثال المختلفين قولهم : كساء وخطايا (1). والأصل : كساو ، وخطاءا. قلبت الواو همزة فى المثال الأول ، وقلبت الهمزة ياء فى المثال الثانى ؛ طبقا لقواعد عامة مضبوطة - فى الأغلب - تختص بهذا النوع ، ومن الممكن أن يعتمد عليها من يريد إجراءه ، وكذلك من يريد الاهتداء إلى نوع الحرف الذى اختفى ، وحل غيره محله ، وهذا النوع من الإبدال قياسىّ مطرد ، وموضع ضوابطه وقواعده هذا الباب أيضا.
وهناك أنواع أخرى من الإبدال توصف بأنها نادرة ، أو لهجات قليلة لبعض العرب ، أو مهجورة ... أو غير هذا مما لا يعنينا هنا ، فالذى يعنينا هو : الإبدال الشائع ، أى : المطرد ، الواجب إجراؤه بين حروف معينة ، وهو القياسى الذى يخضع للضوابط والقواعد العامة ، ويسمونه اصطلاحا : «الإبدال الصرفى الشائع» ، أو : «الضرورى ، أو : اللازم» ، أى : الذى لا بد من إجرائه متى تحققت ضوابطه وشروطه. ويكتفون بتسميته : «الإبدال» لأنه المقصود وحده عند الإطلاق ؛ بسبب قياسيته ، واطراده ؛ ووجوب إجرائه. فمتى ذكر اسمه من غير تقييد كان هو المراد ، وكان فى ذكره غنى عن ذكر : «القلب».
4 - العوض ، أو : التعويض ، ومعناه : حذف حرف ، والاستغناء عنه بحرف آخر من غير تقيد فى أحدهما بحرف معين ، ولا اشتراط أن يحل العوض فى المكان الذى خلا بحذف الأصيل ؛ فقد يكون فى موضعه ؛ كزيادة الياء قبل الآخر فى تصغير : «فرزدق» عوضا عن الدال ، حيث يقال : فريزيق - جوازا - ومثل : عدة ، وأصلها : وعد ؛ حذفت الواو من الأول وجاءت تاء التأنيث فى آخر الكلمة عوضا عنها. ومثل : اسم ، وأصلها سمو (2): حذفت الواو من آخر الكلمة ، وجاءت همزة الوصل عوضا منها فى أولها ... وهكذا.
والمعول عليه فى معرفة العوض والمعوّض عنه هو المراجع اللغوية المشملة على الألفاظ التى وقع فيها التعويض السماعى الوارد عن العرب ؛ إذ ليس للتعويض قواعد مضبوطة تدلّ عليه.
لكن مما يكشف عن التعويض فى حروف الكلمة ويرشد إليه : الرجوع إلى جموع التكسير ، أو المصادر ، أو التصغير ، أو نحو هذا ... مما يرد الأشياء إلى أصولها - وقد سبق النص على كل منها فى بابه الخاص - كالاهتداء إلى أن همزة : «ماء» منقلبة عن «الهاء» من الرجوع إلى جمع تكسيرها ؛ وهو : مياه ، وأمواه ؛ حيث ظهرت فيه «الهاء» فكان ظهورها دليلا على أنها أصل للهمزة فى : «ماء» ...
و ... وكثير من هذه الجموع والمصادر والمصغرات مرجعه كتب اللغة ، ونصوص ألفاظها ؛ فمن العسير الاسترشاد فى أمر التعويض بغير النصوص اللغوية.
من كل ما سبق يتبين :
1 - أن العوض ؛ لا يتقيد بحرف علة أو صحيح ، ولا بمكان معين من الكلمة. والإبدال القياسىّ يتقيد بموضع المحذوف ، والإعلال القياسى يتقيد بأحرف العلة. والقلب نوع من الإعلال.
2 - وأن للإبدال الصرفى الشائع (أى : القياسى) وللإعلال ضوابط وقواعد عامة ، يمكن - فى الأغلب - الاعتماد عليها فى إجرائهما إجراء مطردا واجبا ، وفى معرفة نوع الحرف الذى تغير بسببهما. أما التعويض وبعض أنواع الإبدال غير الشائع (أى : غير القياسى) فالاعتماد فى فهمهما مقصور على المراجع اللغوية ؛ إذ ليس لهما ضوابط ولا قواعد عامة.
3 - وأن المراد من لفظ الإبدال عند ذكره بغير تقييد هو ما يسمى : «الإبدال الصرفى الشائع ، أو الضرورى ، أو اللازم.» وسيجىء بيانه.
1 - من المصلحات التى تتردد فى هذا الباب وفى غيره - وهنا المكان الأنسب لإيضاحها والإحالة عليه : - (أحرف العلة ، والمدّ ، واللين) - (المعتل والمعلّ) - (المعتل الجارى مجرى الصحيح.)
فأما أحرف العلة فثلاثة ؛ هى : الألف ، والواو ، والياء. فإن سكن أحدها وقبله حركة تناسبه فهو حرف علة ، ومدّ ، ولين ؛ نحو : قام ، يقوم ، أقيم.
وإن سكن ولم يكن قبله حركة تناسبه فهو - فى المشهور - حرف علة ولين ؛ نحو : قول - بين ... وإن تحرك فهو حرف علة فقط ؛ نحو : حور ، وهيف.
والألف لا تكون إلا حرف علة ، ومدّ ، ولين ، دائما.
2 - اللفظ المعتل عند النحاة ، هو : الذى لامه (آخره) حرف علة ، وأما عند الصرفيين فيغلب إطلاقه على ما فيه حرف علة أو أكثر بغير تقييد بالآخر أو غيره.
أما المعلّ عند الصرفيين - فهو المشتمل على حرف علة بشرط أن يكون هذا الحرف قد أصابه تغيير ؛ نحو : صام ، وهام ؛ فإن أصلهما ؛ صوم وهيم ، ثم انقلبت الواو والياء ألفا.
3 - وأما المعتل الجارى مجرى الصحيح فهو ما آخره ياء أو واو متحركتان ، قبلهما ساكن ، سواء أكانتا مشددتين (نحو : مرمىّ - كرسىّ - مغزوّ - ومجلوّ ...) أم مخففتين ؛ (نحو : ظبى - حلو ...) فيدخل فى المشدد ما كان مختوما بياء مشددة للإدغام : نحو مرمىّ ، أو للنسب ، نحو : عربىّ ، أو لغيرهما نحو : كركىّ (اسم طائر) ... (1)
1) سبقت الإشارة للأنواع السالفة وأحكامها (فى هامش ص 609 و 665) وفى مواضع متعددة من أجزاء الكتاب ، (منها ج 1 ص 121 م 15 ، ج 2 ص 86 م 68 ...).
ينحصر «الإبدال الصرفىّ اللازم» (1)فى تسعة أحرف يبدل بعضها من بعض ؛ هى : (الهاء - الدال - الهمزة - التاء - الميم - الواو - الطاء - الياء - الألف). وقد جمعها بعض النحاة فى قوله : (هدأت موطيا) (2). ولكل حرف منها شروط لإبداله من نظيره الداخل معه فى هذه المجموعة ، على التفصيل التالى :
إبدال الهاء :
تبدل الهاء من تاء التأنيث المربوطة عند الوقف عليها ؛ كالتاء فى قوله تعالى : ( فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ) فيقال فى حالة الوقف : بيّنه ، ورحمه ، بالهاء بدلا من التاء المربوطة.
إبدال الهمزة من الواو ، والياء ، والألف :
تبدل من الأوليين وجوبا فى خمسة مواضع :
1 - وقوع أحدهما فى آخر الكلمة وقبله ألف زائدة ؛ نحو سماء ، ودعاء ، وبناء ، وظباء ، والأصل : سماو ، ودعاو ، وبناى ، وظباى .. (بدليل سموت - دعوت - بنيت - ظبى). قلبت الواو والياء همزة لوقوعهما متطرفتين بعد ألف زائدة.
ولا يخرج الحرف من حكم التطرف أن يقع بعده فى آخر اللفظ المذكر تاء عارضة لتفيد التأنيث ، بشرط أن تكون غير ملازمة له. فيقال فى : بنّاى وبنّاية ، بتشديد نونهما : بنّاء ، وبنّاءة ؛ بالتشديد أيضا ، وقلب الياء همزة لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة ، من غير اعتبار لهذه التاء الطارئة التى عرضت للتأنيث والتى يمكن الاستغناء عنها أحيانا. بخلاف التاء الدالة على التأنيث مع ملازمتها الكلمة ، وعدم استغناء الكلمة عنها ، نحو : هداية ، رماية ، إداوة ، حلاوة. فإنّ الحرفين (الياء والواو) فى هذه الكلمات - وأشباهها - لا ينقلبان همزة ؛ إذ تاء التأنيث هنا ليست عارضة ،
وإنما هى لازمة لصيغة الكلمة وبنيتها ، ولا يكون للكلمة معنى بحذفها ، ويعتبر الحرفان فى هذه الحالة غير متطرفين ؛ كشأنهما فى قاول وبايع ... حيث توسطا فبقيا من غير قلب.
وكذلك لا يصح إبدالهما همزة إن لم يقعا بعد ألف ، نحو : غزو ، وظبى ، أو كانت الألف التى قبلهما أصلية ، نحو : واو ، وآى ، جمع آية (1)...
2 - وقوع أحدهما عينا لاسم فاعل ، وقد أعلّ (2)فى عين فعله ، نحو صائم - هائم ، وفعلهما : صام وهام. وأصلهما : صوم ، وهيم ؛ فعين الفعل حرف علة (واو أو ياء) تحرك وانفتح ما قبله ، فانقلب ألفا - كما سيجىء - فاسم الفاعل هو : صاوم ، وهايم. ثم قلبت الواو والياء همزة.
فإن كانت العين غير معلة فى الفعل لم يصح الإبدال ؛ نحو : عين الرجل (3)فهو : عاين ، وعور (4)فهو عاور (5)...
3 - وقوع أحدهما فى جمع التكسير بعد ألف : «مفاعل» وما شابهه فى عدد الحروف وحركاتها ؛ كفعائل وفواعل (6)... بشرط أن يكون كل من الحرفين مدّة ثالثة زائدة فى مفرده - ومثلهما الألف فى هذا - ، نحو : عجائز ، وصحائف ، وقلائد ... ومفردها : عجوز ، وصحيفة ، وقلادة ، فلا إبدال فى مثل : قساور ، ومعايش ، لأنهما أصليّان فى المفرد ، وهو قسور (7)، ومعيشة (8)ومن الشاذ المسموع : منائر ، ومصائب ؛ لأن مفردهما : منارة ومصيبة ، فالحرفان فيهما أصليان (9)...
1) وإلى هذه الحالة يشير ابن مالك فى الشطر الأول من بيته الثانى الآتى. فى ص 703.!
2) أى : أصابه الإعلال ؛ ويراد به هنا : قلب حرف العلة (ويلحق به : الهمزة كما سبق فى ص 695) ، حرفا آخر من نظائره التى للعلة أيضا ، أو ، الهمزة بالشروط الخاصة بالقلب.
3) اتسع سواد عينه واشتد.
4) صار أعور ؛ (لذهاب البصر من إحدى عينيه).
5) وهذه الحالة هى التى أشار إليها الناظم فى آخر بيته الثانى الآتى. فى ص 703.
6) سبق بيان المراد من هذه المشابهة فى ص 612 و 618.
7) القسور والقسورة : الأسد.
8) لأن فعلها : عاش. فوزن : «معايش» هو : «مفاعل» ، ولا تنقلب الياء فيها همزة عند الجمهور ، لأن الياء أصلية ، وقيل إن الفعل هو : «معش» ؛ فالميم أصلية ، والياء زائدة ووزن «معايش» هو : فعائل فتنقلب الياء الزائدة همزة ؛ وبهذا قرأ بعض القراء الآية الكريمة : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) بالهمزة (راجع المصباح المنير - مادة عاش.)
9) وإلى هذه الحالة يسوق ابن مالك بيته الثالث. الآتى فى ص 703.
4 - وقوع أحدهما ثانى حرفى علة بينهما ألف : «مفاعل» أو مشابهه ، دون مفاعيل وما يشبهه - سواء أكان الحرفان ياءين ؛ نحو : نيائف ، جمع نيّف (1)أم ، كانا واوين ، نحو : أوائل : جمع : أول ، أم كانا مختلفين ، نحو : سيائد ، جمع سيّد (2)والأصل : نيايف ، وأواول ، وسياود. قلب حرف العلة المتأخر (وهو الواقع بعد الألف الزائدة) همزة كما سبق (3)... فلو توسطت بينهما ألف «مفاعيل» وما هو على هيئته لم ينقلب الثانى منهما همزة ؛ نحو : طواويس.
5 - اجتماع واوين فى أول الكلمة ، والثانية منهما إما متحركة ، وإما ساكنة أصيلة فى الواوية ؛ (4)فتنقلب الأولى منهما همزة. ويتحقق الاجتماع فى صورتين :
إحداهما : أن تكون الواو الثانية متحركة فيجب قلب الأولى همزة ، كما إذا أريد جمع : واثقة ، أو : واصلة ، أو : واقفة ... جمع تكسير على صيغة : «فواعل» فيقال فيها ، وواثق - وواصل - وواقف ؛ لأن أفعالها الماضية واوية الفاء ؛ ثم تنقلب الواو الأولى - وجوبا - همزة ؛ فيصير الجمع : أواثق - أواصل - أواقف ...
ثانيتهما : فى نحو : أولى : - وهى مؤنث كلمة : أوّل ، المقابل لكلمة : آخر - وأصلها : وولى ، بواوين ، السابقة منهما مضمومة ، تليها الساكنة الأصيلة فى الواوية ، وقلبت الأولى همزة - وجوبا - فصارت : أولى.
فلا يجب القلب بل يجوز فى مثل : واسى - والى - وافى ... إذا بنيت للمجهول فيقال فيها : ووسى - وولى - ووفى ، لأن الواو الثانية ليست أصيلة ، إذ هى منقلبة عن الألف الزائدة التى فى ثانى الماضى ، وقد انقلبت واوا ؛ لوقوعها بعد ضمة ... ويصح أن يقال فيها : أوسى - أولى - أوفى ... لأن قلب الواو
1) وهو العدد الزائد على العقد إلى أول العقد الذى يليه. فعله الشائع : ناف ينيف ...
2) أصله : سيود ؛ على وزان : فيعل ، لأن فعله : ساد يسود ... (اجتعمت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ؛ قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ، طبقا لقواعد الإبدال الآتية).
3) وهذه الحالة التى أشار إليها الناظم فى بيته الرابع ، فى ص 704.
4) بألا تكون منقلبة عن حرف آخر.
الأولى وإبقاءها جائز - كما أسلفنا (1)
(واوا). وهمزا أوّل الواوين رد *** فى بدء غير شبه : ووفى الأشد - 6
(الأشد - بتخفيف الدال هنا للشعر - : القوة. فلان ووفى الأشدّ : بلغ القوة. وهى بين الثامنة عشرة والثلاثين. وهذه الكلمة على صورة جمع التكسير وليست جمعا فى الرأى الشائع. والفعل : رد : ماض مبنى للمجهول ، وهذا أحسن من جعله فعل أمر قد يفيد مدلوله أن عدم الرد واجب فى : ووفى ، مع أنه ليس بواجب. - «والدال» مخففة للشعر -
-.وكذلك لا يجب القلب ، وإنما يجوز ، فى مثل : «الوولى» - بواو مضمومة تليها أخرى ساكنة - وأصلها للتفضيل ، وفعلها هو : «وأل» بمعنى : لجأ ، تقول. وأل الطائر إلى عشه ، بمعنى : لجأ إليه. واسم التفضيل منه للمذكر هو : أوأل ، وللمؤنث هو : وؤلى (على زنة : فعلى). ويصح التخفيف بقلب الهمزة الثانية واوا ساكنة ، فتصير الكلمة : «وولى» فيجتمع فى أولها واوان أولاهما متحركة والثانية ساكنة ، غير أصيلة فى الواوية ؛ لأن واويتها طارئة بسبب التخفيف العارض ؛ لهذا لا يكون قلب الأولى واجبا ؛ وإنما هو : جائز ؛ فيقال أولى ، أو : «وولى».
ولا يصح القلب مطلقا إذا اجتمع الواوان فى آخر الكلمة كما فى نحو : هووىّ. ونووىّ فى النسبة إلى ، هوى ونوى ، طبقا لقواعد النسب التى مرّت فى بابه (2)
أحرف الإبدال : «هدأت موطيا» *** فأبدل الهمزة من واو ويا - 1
آخرا ، إثر ألف زيد. وفى *** فاعل ما أعلّ عينا ذا اقتفى - 2
(ذا اقتفى : اتّبع وروعى) سرد فى هذين البيتين : أحرف الإبدال وانتقل بعد بيانها فى أول شطر إلى مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء فذكر موضعين فى البيت الثانى ، هما : وقوع الواو والياء آخر الكلمة إثر ألف زائدة - ، أى : عقب ألف زائدة - ووقوعهما - عينا معلة فى صيغة «فاعل» - يريد اسم الفاعل من فعل ثلاثى معتل العين بأحدهما. ثم انتقل إلى بيان الحالة الثالثة لإبدال الهمزة منهما ومن الألف. فقال :
والمدّ زيد ثالثا فى الواحد *** همزا يرى فى مثل : كالقلائد - 3
يريد : أن أحد أحرف العلة إذا كان حرف مد - وهو حرف العلة الذى قبله حركة تناسبه - ثالثا : زائدا فى المفرد وجب قلبه همزة. ولم يفصل الشروط ؛ اعتمادا على المثال ، الذى يجمعها ، وهو : القلائد. والكاف فى : «كالقلائد» إما حرف زائد ، وإما اسم بمعنى : «مثل» ، توكيد لفظى بالمرادف لكلمة : «مثل» التى قبله. - ثم انتقل إلى الحالة الرابعة لقلبهما فقال :
كذاك ثانى ليّنين اكتنفا *** مدّ : «مفاعل» ؛ كجمع نيّفا - 4
(يريد باللين هنا حرف العلة المتحرك ، والشائع عند غير الناظم أن حرف اللين هو حرف العلة الساكن الذى قبله حركة لا تناسبه فإن تحرك ما قبله بحركة تناسبه فهو حرف علة ومد ولين ، وإن تحرك حرف العلة فهو حرف علة فقط - كما سبق بيان هذا فى ص 699 وغيرها - اكتنفا : أحاطا ...) وجمع - بالتنوين - مصدر ، فاعله محذوف ، ومفعوله هو كلمة : نيف. والمراد : كجمع شخص نيفا ، فحذف الفاعل المضاف إليه ، ونون المضاف وهو كلمة : جمع. وبقيت «نيفا» منصوبة مفعولا للمصدر وسيتكلم ابن مالك فى البيت السادس - وقد سبق فى هامش الصفحة الماضية - على الحالة الخامسة من حالات إبدال الواو همزة.
...«ملحوظة» : تبدل الهمزة - أيضا - وجوبا من الألف فى نحو : حمراء وخضراء - فالأصل - على الرأى الشائع - هو : حمرى ، وخضرى. بألف التأنيث المقصورة فيهما ، زيدت قبلها ألف المد ، فأبدلت الثانية همزة.
وتبدل جوازا من الواو المضمومة ضمّا لازما لا يفارقها ، نحو : وجوه ، أدور (جمع دار) فيصح فيهما أجوه ، وأدؤر. كما تبدل من الواو لزوما عند بعض القبائل فى مثل : وشاح ووسادة ، فيقال فيهما : إشاح وإسادة. وقيل إن هذا القلب جائز.
وتبدل جوازا أيضا فى مثل : رائىّ ، وغائىّ ؛ نسبة إلى راية وغاية ، والأصل بثلاث ياءات خففت الأولى بإبدالها همزة.
إبدال الواو والياء من الهمزة. (وهذه الحالة عكس التى قبلها) :
يتحقق هذا الإبدال فى ناحيتين :
الناحية الأولى - الجمع الذى على وزن : «مفاعل» وما شابهه (1)، بشرط .
1) من كل جمع تكسير يماثل : «مفاعل» - كما قلنا - فى عدد الحروف وضبطها ، وإن لم يماثله فى وزنه الصرفى ؛ فيدخل فى هذا : فواعل ، وفعالل وأفاعل ... وغيرها مما يسمى : صيغة منتهى الجموع ، وقد سبق إيضاح هذا فى جمع التكسير ص 612 و 618.
أن تكون الهمزة عارضة (1)بعد ألف تكسيره ، وأن تكون لام مفرده (2)إما همزة أصلية ، وإما حرف علة أصليّا ؛ واوا أو ياء ... فإذا تحقق المطلوب (3)وجب قلب كسرة الهمزة فتحة ، وقلب الهمزة بعد ذلك ياء فى ثلاث صور ، وواوا فى صورة واحدة ، وقلب الحرف الأخير بعدهما ألفا.
(ا) إذا كانت لام ذلك المفرد همزة أصلية ؛ نحو : خطيئة وخطايا - بريئة (4)وبرايا - دنيئة (5)- ودنايا ... فوزن : خطايا ، هو : «فعائل». والأصل : خطايئ ، ثم انقلبت الياء التى بعد ألف الجمع همزة (طبقا لما سبق فى حالات قلب الياء). فصارت : خطائى ، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة : وبعدها ألف ، فصارت : خطايا ... هذا هو الأصل ، وما مرّ فيه باختصار (6)
ا . المفرد : خطيئة (على وزن ، فعيلة ، والفعل : خطىء ، فالهمزة أصلية) فقياس تكسيرها هو : فعائل. فيقال
: خطاييء ؛ لأن الياء الزائدة في المفرد تزاد فى الجمع أيضا بعد ألف «مفاعل وفعائل» وأشباههما. ثم يجب قلب هذه الياء همزة ؛ لوقوعها بعد ألف التكسير في هذا الوزن ؛ طبقا لما تقدم في ص 701 ، فتصير الكلمة : خطائيء.
ب . إبدال الهمزة الأخيرة ياء ، لوقوعها متطرفة بعد همزة ، طبقا لقواعد القلب التي ستأتي في ص 710 فتصير : خطائی.
ح . قلب كسرة الهمزة الأولى فتحة ، بدعوى التخفيف ؛ فتصير الكلمة : خطاءى.
د . قلب الياء التي في آخر الجمع ألفا ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ؛ طبقا لقواعد القلب ؛ فتصير : خطاءا. (وحق الألف الأخيرة أن تكتب ياء طبقا لقواعد رسم الحروف).
ه - قلب الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين. والهمزة قريبة الشبه بالألف (كما يتخيلون) ، فتقلب ياء ؛ فرارا من اجتماع ثلاثة أحرف متشابهة فى الآخر ؛ فتصير الكلمة : خطايا. ولم تقلب واوا ، لأن الياء أخف نطقا ، والقلب إليها أكثر.
«تكملة» : بمناسبة الكلام هنا على كلمة : «خطيئة» نعيد ما ذكرناه (فى الجزء الثالث . باب أبنية المصادر ، م 98 ص 155) خاصا بهذه الصيغة ، وما يجوز فيها ، ونصه :
(إن كان الفعل الماضى الرباعي - الذي على وزن : فعّل - مهموز اللام فمصدره «التفعيل» أو «التفعلة» - وهذه هي الأكثر - نحو : برأ تبريئا وتبرئة - جزاً تجزيئا وتجزئة - هنا تهنيئا وتهنئة - خطأ تخطيئا وتخطئة ..) ثم جاء في هامش تلك الصفحة ما نصه : (يجوز فى الكلمات : تبريئا . تجزيئا . تهنيئا . تخطيئا ... أن يقال فيها وفى أشباهها : تبريًا - تجزيا - تهنيا - تخطيا ..) فقد جاء على هامش القاموس في مادة «خطأ » ، عند الكلام على «خطيئة» قوله : «عبارة الجوهرى خطيئة» هي : «فعيلة» ولك أن تشدد الياء . يريد : أنك تقول : «خطية» بقلب الهمزة ياء ، ثم إدغام الياءين . لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة ، أو واو ساكنة قبلها ضمة ، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق. ولا هما من نفس الكلمة . فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوا ، وبعد الياء ياء ، وتدغم : فتقول في مقروء : مقرة ، وفى خبيء : خبى ..) " اه
.1) غير أصيلة.
2) وصفنا «الهمزة ، والواو ، والياء ،» فيما يأتى بأنها أصلية مع أن لام الكلمة لا تكون إلا أصلية - بقصد المبالغة فى الإيضاح.
3) وهو وقوع الهمزة عارضة بعد ألف التكسير ولام المفرد : إما همزة أصلية وإما أحد حرفى العلة (الواو والياء الأصليتين).
4) مخلوقة.
5) رذيلة ونقيصة.
6) أما التفصيل فيقول النحاة إن خطايا ، وبرايا ، ودنايا - وأشباهها من كل ما يتحقق فيه أوصاف هذا الجمع - قد مر بمراحل خمس من القلب حتى استقر بعدها على هذه الصورة. وهى مراحل تخيلية محضة ، ولكنها مفيدة هنا ، برغم ما فيها من تكلف واضح ، وأن العرب الفصحاء لا تعرفها. وقصد من تخيلها ضبط مفردات هذه الصيغة ضبطا محكما يستطيع به المستعرب أن يتبين تلك المفردات من أوصافها ، وأن يهتدى فى يسر وصحة إلى جموعها ، وإذا عرضت عليه هذه الجموع وحدها أدرك مفرداتها بغير حيرة ولا اضطراب. وفيما يلى المراحل الخمس - بغير اختصار - فى كلمة : «خطايا» ونظائرها.
ومثله يقال فى : برايا ودنايا ونظائرهما - فالأصل : برايئ ؛ ودنايئ ، قلبت الياء بعد ألف الجمع همزة مكسورة ، ثم انقلبت الهمزة المكسورة ياء مفتوحة وبعدها ألف ؛ فصارتا : برايا ودنايا.
(ب) إذا كانت لام ذلك المفرد ياء للعلة أصلية (أى : ليست منقلبة عن شىء.) ، نحو : هديّة وهدايا - وقضية وقضايا ... فوزن هدايا ، وقضايا - وأمثالهما - هو : فعائل. وأصلهما : هدايى ، وقضايى ، جرى عليهما القلب الذى فى الحالة الأولى «ما عدا قلب همزة الآخر ياء ، (لأنّ لامهما ليست همزة) وانتهى بهما الأمر إلى : فعائل (1)
ا. هدايي ، وقضايي ، ثم هدائى وقضائي.
ب . هداءى ، وقضاءى.
ج . هداءا ، وقضاءا.
د . هدايا وقضايا.
وإنما كانت أنواع القلب هنا أربعة وليست خمسة كالتي سبقت ؛ لأن لام الكلمة هنا ياء وليست همزة متطرفة تقلب ياء.
.(ح) إذا كانت لام المفرد ياء للعلة ولكنها منقلبة عن واو ؛ نحو : عشية ومطية ، وأصلهما (2)عشيوة ومطيوة ؛ وجمعهما : عشايا ومطايا وهذا الجمع على
وزن : فعائل ، بعد خمسة أنواع من القلب كالتى مرّت فى الحالة الأولى : «ا» ... (1)
ا . المفرد عشيوة ومطيوة (بدليل : مطا ، يمطو مطوا ، بمعنى : أسرع. وعشا يعشو عشوا ، بمعنى : ساء بصره...)
والجمع : عشايو ، ومطايو ، قلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة بعد كسرة ، فصارتا : عشايى ومطايي.
ب . قلبت الياء بعد ألف التكسير همزة . طبقا لما تقدم - فصارتا - : عشائي ومطائى.
ح . قلبت كسرة الهمزة فتحة ، فصارتا : عشاءى ومطاءى.
د . تحركت الياء الأخيرة وانفتح ما قبلها ؛ قلبت ألفا ؛ فصارتا : عشاءا ومطاءا.
ه- . قلبت الهمزة ياء - لما سبق - فصارتا : عشايا ومطايا. فأنواع القلب الخمسة هنا هي التي سبقت في الحالة الأولى تماما ، إلا أن الواو المتطرفة ؛ هنا تقلب ياء فى نظير الهمزة المتطرفة هناك.
أما الصورة التى تقلب فيها كسرة الهمزة فتحة ، ثم تقلب الهمزة واوا بعدها ألف - فحين تكون لام المفرد واوا ظاهرة سلمت فى هذا المفرد ؛ نحو : هراوة (2)وإداوة (3)وجمعها : هراوى ، وأداوى ، على وزن : «فعائل» بعد أن مرّت كلتاهما بخمسة أنواع من القلب وصلت بعدها إلى صيغة التكسير النهائية ، وهذه الخمسة هى :
(ا) قلب الألف التى فى المفرد همزة فى الجمع بعد ألف التكسير ؛ فيقال : هرائو ، وأدائو ... (4)(لأن مفردهما : هراوة ، وإداوة).
(ب) قلب الواو ياء ، لوقوعها متطرفة بعد كسرة ، فتصير الكلمتان : هرائى ، وأدائى.
(ح) قلب كسرة الهمزة فتحة - طبقا لما سلف - فتصيران : هراءى وأداءى.
(د) قلب الياء ألفا ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ؛ فتصيران : هراءا ، وأداءا.
(ه) قلب الهمزة واوا - ليشابه الجمع مفرده ، فتصيران : هراوى
وأداوى - مع كتابة الألف الأخيرة ياء ؛ طبقا لما تقضى به قواعد رسم الحروف (1)-.
من الصور السالفة (2)يتبين أن الهمزة تبقى فى مثل : المراءى (وهى جمع : مرءاة) (3). فلا تنقلب فى التكسير ياء ؛ لأنها همزة أصلية فى المفرد ، وفى الجمع ، وليست طارئة (4)؛ وكذلك تبقى بغير قلب فى مثل : صحائف ، وعجائز ، ورسائل ، لأن لام المفرد - وهو : صحيفة ، وعجوز ، ورسالة - ليست همزة ، ولا أحد حرفى العلة (الواو الياء). فلم تتحقق فى الكلمات الثلاث - وأشباهها - شروط قلب الهمزة واوا ، أو ياء (5)
وافتح ، وردّ الهمز «يا» فيما أعل *** لاما. وفى مثل هراوة جعل - 5
واوا ... *** ... - 6
يقول : افتح الهمزة ، (ويريد بها الهمزة الطارئة بعد ألف صيغة منتهى الجموع على الوجه الذى شرحناه) وردّها ياء فى الجمع الذى مفرده معتل اللام بالياء. أما معتل اللام بالواو فتقلب واوا ... وهذا كلام موجز غامض لا يوضح حقيقة المراد. وقد وفيناه. أما بقية البيت السادس فيتصل بقاعدة أخرى ؛ سبقت فى ص 703.
...الناحية الثانية (6)- اجتماع همزتين فى كلمة واحدة - فخرج ، نحو : أأنت؟ لأن الاجتماع فى كلمتين ؛ (إذ همزة الاستفهام كلمة) وهذا بالتفصيل التالى ، مع ملاحظة أن الثانية هى التى تقلب دائما دون الأولى ؛ سواء أكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة ، أم العكس ، أم كانتا متحركتين ، ويمتنع أن تكونا ساكنتين. 4
1) ففى وسط هذا الجمع ألفان ، إحداهما التى كانت زائدة فى المفرد ، والأخرى التى زادت فى التكسير ، والأولى هى التى تقلب همزة بعد ألف التكسير.
2) «ملاحظة» : بين هذه الصور واحدة قد تقلب همزتها واوا - جوازا - فى موضع سبقت الإشارة إليه بعنوان : «تكملة» فى هامش ص 706.
3) يصح كتابتها هكذا : (مرآة) لكن إثبات الهمزة هنا وبعدها ألف ، أوضح من كتابتها مدة فوق ألف.
4) فالمفرد : مرءاة على وزن مفعلة ، والفعل : رأى ، والمصدر : رؤية ، فالهمزة أصلية.
5) وإلى الحالة الأولى السابقة يشير ابن مالك بقوله : (فى بيت سبق لمناسبة أخرى بصفحة 703)
6) سبقت الأولى فى ص 704
(ا) فإن كانت الأولى هى المتحركة - بفتحة ، أو ضمة ، أو كسرة - والثانية هى الساكنة وجب قلب الثانية حرف علة مجانسا لحركة ما قبله ، (أى : ألفا بعد الفتح ، وواوا بعد الضم ، وياء بعد الكسر) ، نحو : آمن الرجل ... أومن - إيمانا. والأصل أأمن - أؤمن - إثمانا ... قلبت الثانية حرف علة من جنس حركة ما قبلها ، ومثله : (آخذ - أوخذ - إيخاذا) ، و (آزر - أوزر - إيزارا) و (آلم - أولم - إيلاما) و (آلف - أولف - إيلافا)(1)
ومدّا ابدل ثانى الهمزين من *** كلمة ان يسكن ؛ كآثر ، وائتمن - 7
يريد : اقلب ثانى الهمزتين المجتمعتين فى كلمة - مدّة. وهذا يقتضى أن تقلب الهمزة الثانية الساكنة واوا بعد الضمة ، وألفا بعد الفتحة ، وياء بعد الكسرة ؛ لأن المدة هى حرف علة ساكن ، قبله حركة تناسبه. وأشار بالمثال : «ائتمن» إلى أن الهمزة الأولى قد تكون همزة وصل ، كالتى فى أصل هذا الفعل ؛ فأصله : «ائتمن» ، فعند النطق به ابتداء من غير أن يسبقه شىء تبدل همزته الثانية ياء ؛ فيقال : «ايتمن». هذا هو المراد. وعبارة الناظم لا تكشف عنه ولا سيما مع الواو : فلو قال : «كآثر - ايتمن». لكان واضحا.
.(ب) وإن كانت الأولى هى الساكنة والثانية هى المتحركة - وهذا النوع لا يقعان فيه فى موضع الفاء ، لتعذر النطق بالساكن ابتداء - فإن كانتا فى موضع العين وجب إدغام الأولى فى الثانية ؛ نحو : سأّل (2)، ورأّس (3)، ولأّل (4).
وإن كانتا فى موضع اللام قلبت الثانية ياء ، كبناء صيغة على وزن : «قمطر» من الفعل : قرأ ؛ فيقال قرأى». والأصل : قرأأ - بتسكين الهمزة الأولى ، وتحريك الثانية - قلبت الثانية ياء لوقوعها طرفا بعد الهمزة الساكنة (5)..
(ح) وإن كانتا متحركتين فلهما صور تخيلية ؛ قصد بها فى الأعم الأغلب .
1) وفى هذا يقول ابن مالك :
2) على وزن : «فعّال» ؛ لكثير السؤال. وقد اخترت كتابة الهمزة على هذه الصورة ، منعا للالتباس.
3) بائع الرءوس.
4) بائع اللؤلؤ.
5) كان القياس أن تدغم الأولى فى الثانية كما أدغمت فى : سأّل ، ورأّس ، ولأّل ... لولا أن الهمزة الثانية هنا وقعت طرفا ، والأطراف أولى بالتغيير - فى الأغلب - ولذا قدم القلب هنا دون هناك. ويقول النحاة : إن الهمزتين اللتين فى موضع اللام تبدل الثانية المتحركة منهما ياء مطلقا ؛ أى : سواء أكانت طرفا كالمثال السالف ، أم كانت غير طرف كما فى بناء صيغة خيالية على وزن : «سفرجل» من الفعل : قرأ : فيقال قرأيأ ، بإسكان الهمزة الأولى ، وفتح الياء بعدها. والأصل : قرأأأ بثلاث همزات أبدلت الثانية ياء لأنها فى موضع اللام وسلمت الأولى والثالثة. والأغلب فى هذه الأمثلة أنها خيالية للتدريب - كما قلنا - إذ لا يكاد يشيع لها نظائر مأثورة فى فصيح الكلام.
مجرد التدريب ، ولا يكاد يعرف لها نظائر مأثورة ، فى فصيح الكلام ، ولا تجنح إليها الأساليب الرفيعة ، ومن أشهر تلك الصّور الوهمية :
1 - أن تكون الهمزتان المتحركتان ، فى موضع اللام ؛ فتقلب الثانية ياء مطلقا ؛ (أى : سواء انفتح ما قبلها ، أم انضم ، أم انكسر). كبناء صيغة على وزن : جعفر ، أو : قرمز (1)، أو : برثن ، من الفعل : قرأ ، فيقال : قرأأ» ، وقرئئ وقرؤؤ : بهمزتين متواليتين ، تقلب الثانية منهما ياء لا واوا ؛ لأن الواو لا تقع طرفا فى الكلمة الزائدة على ثلاثة أحرف ؛ فنقول : فى قرأأ - مما قبلها مفتوح - قرأى. وقد تحركت الياء وانفتح ما قبلها ، فتقلب ألفا ، وتصير : قرأى ، وهى اسم مقصور.
ويقال فى : قرئئ مما قبلها مكسور - : قرئى ، بقلب الثانية ياء ثم تحذف الياء فيقال : قرء ، بحذف الياء التى فى آخرها كما تحذف من المنقوص ؛ وذلك بحذف حركة الياء أولا ، لاستثقال الحركة عليها ، ثم حذف الياء ؛ لالتقائها ساكنة مع التنوين ؛ كما يحذف فى مثل : داع ، وهاد ، ووال ، ونظائرها من المنقوص. وبهذا تصير كلمة : «قرء» من المنقوص الذى حذفت لامه.
ونقول فى : قرؤؤ - مما قبلهما مضموم - : قرء أيضا ؛ ذلك أن الهمزة الثانية تقلب ياء لا واوا - لما تقدم - فتصير الكلمة إلى : قرؤى ، ثم تقلب الضمة التى قبلها كسرة ؛ لتسلم الياء ، فتصير إلى : قرئى ، ثم تحذف حركة الياء لاستثقالها عليها ، ثم تحذف الياء لالتقائها ساكنة مع التنوين ، وتنتهى إلى : قرء ، وتصير منقوصة ، مثل : داع ، وهاد ، ووال.
2 - أن تكون الهمزتان المتحركتان فى غير موضع اللام ، وحركة الثانية كسرة. فتقلب الثانية ياء مطلقا (أى : بعد همزة مفتوحة أو مكسورة ، أو مضمومة ؛ فهى فى حكمها كالصورة السالفة) - كبناء صيغة من الفعل : «أمّ» تكون على وزن : «أصبع» بفتح الهمزة ، أو بكسرها ، أو بضمها ، مع كسر الباء فى الحالات الثلاث ، فيقال بعد الهمزة المفتوحة : أأمم ، ثم تنقل حركة الميم
1) نوع من الصبغ المائل للحمرة.
الأولى إلى الهمزة الساكنة ؛ ليمكن إدغام الميمين ، وهذا أمر واجب ، ثم تقلب الهمزة الثانية بعد نقل الكسرة إليها ، ياء ؛ لأن الهمزة المكسورة بعد المفتوحة تقلب ياء كما تقدم - فتصير الكلمة أيمّ.
ويقال : بعد الهمزة المكسورة : ائمم ، بهمزتين ؛ أولاهما مكسورة ، وثانيتهما : ساكنة ، فتنقل كسرة الميم الأولى إلى الهمزة الثانية ، ليتيسر الوصول إلى الإدغام الواجب فى الميمين ، وتقلب الهمزة الثانية بعد نقل الكسرة إليها ، ياء ، وتصير الكلمة : إيمّ.
ويقال بعد الهمزة المضمومة : أؤمم بهمزتين ؛ مضمومة فساكنة ، ثم تنقل كسرة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة ؛ ليمكن الوصول إلى الإدغام الواجب ، ثم تبدل الهمزة الثانية بعد كسرها ياء وتصير الكلمة : ايمّ.
3 - أن تكون الهمزتان المتحركتان فى غير موضع اللام ، والثانية مضمومة ؛ فتقلب واوا بعد همزة إما مفتوحة ، وإما مكسورة ، وإما مضمومة. فمثال المضمومة بعد مفتوحة : أوبّ (1)، والأصل : أأبب - بفتح ، فسكون ، فضم ... - نقلت حركة الباء الأولى إلى الهمزة الساكنة ؛ ليتيسّر الوصول للإدغام الواجب ، فصارت الكلمة بعد الإدغام : أأبّ ، وقلبت الهمزة الثانية واوا بعد انتقال الضمة إليها ؛ لأن الواو هى المناسبة للضمة ؛ فصارت الكلمة : أوبّ.
ومثال المضمومة بعد مكسورة بناء صيغة من الفعل : «أمّ (2)» على وزان : إصبع - بكسر الهمزة وضم الباء - فيقال : ائمم ؛ بكسر ، فسكون ، فضم. نقلت حركة الميم إلى الهمزة - قبلها ، ليتسر الوصول إلى الإدغام الواجب ، فصارت الكلمة إؤمّ ، - بكسر ، فضم ، فميم مشددة -. قلبت الهمزة الثانية حرفا من جنس حركتها ؛ وهو الواو ، فصارت : إومّ.
ومثال المضمومة بعد ضمة : بناء صيغة على وزن : أبلم (3)من الفعل : أمّ ؛ فيقال : اؤمم - بضم ، فسكون ، فضم - تنقل ضمة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة قبلها ؛ ليتيسر الإدغام ؛ فتصير الكلمة بعده : اؤمّ ، - بضمتين متواليتين - وتقلب الهمزة الثانية المضمومة حرفا من جنس حركتها ، وهو الواو - فتصير الكلمة : اومّ.
4 - أن تكون الهمزتان المتحركتان ، فى غير موضع اللام ، والثانية مفتوحة مطلقا ؛ (أى : بعد همزة مفتوحة ، أو مضمومة ، أو مكسورة) فتقلب واوا. فمثال المفتوحة بعد مفتوحة : أو ادم (1)
إن يفتح اثر ضمّ او فتح قلب *** واوا. وياء إثر كسر ينقلب - 8
(إن يفتح : أى : الهمز الثانى ، بمعنى : الهمزة). ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان حكم الهمزة الثانية المكسورة وقبلها حركة ؛ فصرح بأنها تقلب ياء مطلقا ؛ (أى : سواء أسبقتها ضمة ، أم فتحة أم كسرة). كما صرح بأن الهمزة المضمومة (بعد حركة) يجب قلبها واوا مطلقا ، بشرط ألا تكون الهمزة الثانية آخر الكلمة فإن كانت آخرا وجب قلبها ياء. - كما سبق فى الشرح. يقول :
ذو الكسر مطلقا كذا. وما يضم *** واوا أصر ، ما لم يكن لفظا أتم - 9
فذاك ياء مطلقا جا. وأؤم *** ونحوه وجهين فى ثانيه. أم - 10
(كذا. أى : ينقلب ذو الكسر مطلقا كهذا - مشيرا إلى ما قبله مما ينقلب ياء - وأن الهمزة المكسورة تقلب ياء مطلقا ، سواء أكان ما قبلها مكسورا أم غير مكسور. وأم ، أصلها : «أمّ» بتشديد الميم ، بمعنى : اقصد. أى : اتجه لهذا الحكم والعمل به).
أما ما انضم من ثانى الهمزين فيصير واوا مطلقا (سواء أكان ما قبله مضموما أم غير مضموم) بشرط ألا يكون تمام اللفظ ، أى : بشرط ألا يكون هو آخر الكلمة) فإن كان آخرها فهو ياء مطلقا.
و «جا» أى : جاء فى كلام العرب ياء. وختم البيت العاشر بالإشارة إلى الهمزة الثانية التى يجوز قلبها واوا وإبقاؤها وقد شرحناها.
، والأصل : أآدم ، بهمزتين مفتوحتين بعدهما ألف ، قلبت الهمزة الثانية واوا ؛ طبقا لقواعد الإبدال ، التى تقضى بقلب الهمزة الثانية المفتوحة غير المتطرفة - واوا ، دائما : سواء أكان ما قبلها مفتوحا أم غير مفتوح.ومثال المفتوحة بعد مضمومة : أويدم ؛ (تصغير : آدم) ، والأصل : أؤيدم ، قلبت الهمزة الثانية واوا ؛ عملا بالقاعدة السالفة.
ومثال المفتوحة بعد مكسورة بناء صيغة من الفعل : «أمّ» ، على وزن : إصبع - بكسر الهمزة ، وفتح الباء - فيقال : اأمم ، بكسر ، فسكون ، ففتح. تنقل حركة الميم الأولى (وهى الفتحة) للهمزة الساكنة قبلها ؛ ليتيسر الإدغام الواجب ، ثم يقع الإدغام ؛ فتصير الكلمة : إأمّ ، بكسر ، ففتح ، فميم مشددة. .
1) يقول ابن مالك فى حكم الهمزة المفتوحة (وقبلها فتحة أو ضمة) وأنها تقلب واوا فى الحالتين ، وتقلب ياء إن كان قبلها كسرة - كما يجىء بعد هذا : -
وتقلب الهمزة الثانية ياء لوقوعها متحركة بعد كسرة فى حشو الكلام ؛ فتصير الكلمة : إيمّ ، بهمزة مكسورة ، وياء مفتوحة ، وميم مشددة.
«ملاحظة» : إذا كانت الهمزتان متحركتين والأولى منهما للمتكلم فى صدر فعل مضارع جاز فى الثانية منهما قلبها وبقاؤها من غير قلب ، نحو : أؤم ، وأئنّ (مضارعى : «أمّ» بمعنى : قصد. و «أنّ» ،) بمعنى : تألم ، ويجوز أوم ، وأينّ ...
إبدال الياء من الألف :
تقلب الألف ياء فى موضعين : أولهما : وقوعها بعد كسرة ؛ كما فى تكسير سلطان ، ومصباح ، ومنشار - ونحوها - على : سلاطين ، ومصابيح ، ومناشير ... وكما فى تصغيرها على : سليطين ، ومصييح ، ومنيشير ...
ثانيهما : وقوعها بعد ياء التصغير فى مثل : كتيّب ، وسحيّب ، وغليّم ... ، فى تصغير : كتاب ، وسحاب ، وغلام.
والسبب : أن ما بعد ياء التصغير لا بد أن يكون متحركا ، والألف لا تقبل الحركة وياء التصغير لا تكون متحركة. فقلبت الألف بعدها ياء للتخلص من الساكنين ، ولم تقلب حرفا آخر لأن هذا هو الوارد عن العرب (1)
وياء اقلب ألفا كسرا تلا *** أو يا تصغير .... - 11
التقدير : واقلب ألفا تلا كسرا - ياء ، أو تلا ياء تصغير. يريد : اقلب حرف الألف ياء إذا وقع بعد كسرة أو بعد ياء تصغير. وأكمل البيت بتكملة تتصل بقاعدة جديدة ستجىء فى البيت الذى بعده مباشرة.
.إبدال الياء من الواو :
تقلب الواو ياء فى ، نحو أحد عشر موضعا :
1 - أن تقع متطرفة بعد كسرة ؛ كما فى نحو : رضى ، وقوى ، والراضى ، والسّامى. والأصل : رضو وقوو (2)، والراضو ، والسّامو ، لأن هذه الكلمات - ونظائرها - واوية اللّام ، بدليل ظهور الواو الأصلية فى بعض تصاريف الكلمة .
مثل : الرضوان - القوة ، السمو ... ولا يتغير الحكم السالف بوقوع تاء التأنيث بعد الواو ؛ لأن تاء التأنيث بمنزلة كلمة مستقلة ، نحو : رضيت - قويت - الراضية - السامية. فتعتبر الواو التى تليها هذه التاء فى حكم المتطرفة التى يجب قلبها ياء بعد الكسرة.
وكذلك لا يتغير الحكم السالف بوقوع ألف ونون زائدتين بعد الواو المتطرفة التى قبلها كسرة ، لأن هذين الحرفين - هنا - فى حكم الكلمة المنفصلة عما قبلها. ومن الأمثلة : الإتيان بصيغة على وزن : «فعلان» - بفتح فكسر - من الغزو والشجو ، فيقال : غزوان ، وشجوان ، بالواو التى قبلها كسرة ، ثم تقلب هذه الواو ياء ؛ فتصير الصيغة : غزيان ، وشجيان «فالواو» واقعة فى الطرف تقديرا وقبلها كسرة ، فعوملت معاملتها إذا وقعت فى الآخر حقيقة (1)
... *** ... بواو ذا افعلا - 11
فى آخر ، أو قبل «تا» التّأنيث ، أو *** زيادتى «فعلان» .... - 12
يقول : افعل ذا بالواو وهو قلبها ياء كما قلبت الألف بعد الكسرة ، بشرط أن تكون الواو فى الآخر أو بعدها تاء التأنيث ، أو زيادتا «فعلان» على الوجه الذى شرحناه. وليس المراد أن يكون على «فعلان» بضبطها ، وإنما المراد أن تكون الواو بعد كسرة ، وقبل زيادتى الحرفين الأخيرين (الألف والنون) لأنها لا تقلب ياء فى «فعلان» ساكن العين. أما أول البيت الحادى عشر فمختص بقاعدة سلفت الإشارة إليها فى هامش (ص 713) كما أن آخر البيت الثانى عشر مختص بقاعدة ستجىء بعده مباشرة.
...2 - أن تقع عينا لمصدر ، أعلّت (2)، فى فعله ، وقبلها فى هذا المصدر كسرة ، وبعدها ألف. (فالشروط أربعة). ومن الأمثلة : صام صياما - قام قياما - راد ريادا - حاك حياكا وحياكة ، والأصل : صوام ، وقوام ، ورواد ، وحواك ، قلبت الواو ياء لتحقق الشروط الأربعة السالفة. فلا قلب فى مثل : سوار لانتفاء المصدرية ، ولا فى مثل : حاور حوارا ؛ لأن الواو غير معلة فى الفعل (أى : غير منقلبة عن حرف آخر) ولا فى مثل : حال حولا ، لعدم وقوع ألف بعدها ، على حسب الرأى الغالب (3)
... *** .... ذا أيضا رأوا - 12
فى مصدر المعتلّ عينا. والفعل *** منه صحيح غالبا ؛ نحو الحول - 3
يريد : أن النحاة رأوا أيضا قلب الواو ياء بعد الكسرة فى مصدر كل فعل معل العين. وبعدها ألف ، نحو صام صياما ... كما شرحنا. وأشار بقوله والفعل منه صحيح ... إلى أن المصدر إذا كان على وزن : فعل (بكسر بفتح) وعينه واو قبلها كسرة وليس بعدها ألف ، فإن الواو تصح فيه ، نحو : حول ، مصدر : حال.
... .3 - أن تقع عينا لجمع تكسير ، صحيح اللام ، وقبلها كسرة ، وهى معلّة فى مفرده. ومن أمثلتهم : جمع دار على ديار ، وحيلة على حيل ، وديمة على ديم ، وقيمة على قيم ، وقامة على قيم ، أيضا. والأصل : دوار - حول - دوم - قوم ، ومن الشاذ ، حاجة وحوج.
فإن كانت اللام معتلة وجب تصحيح الواو ؛ فيقال فى جمع : ريّان (1)وجوّ : رواء ، وجواء ، بترك الواو بغير قلب.
4 - أن تقع عينا لجمع تكسير صحيح اللام ، وقبلها كسرة ، وهى فى مفرده شبيهة بالمعلة : فى أن تكون ساكنة فيه ، وبعدها فى الجمع ألف ، نحو : سوط وسياط ، وحوض وحياض ، وروض ورياض - ... والأصل : سواط - حواض - رواض ... فإن لم توجد الألف وجب تصحيح الواو ، نحو : كوز وكوزة ، وعود (2)وعودة ، كما تصحح إن كانت متحركة فى المفرد ؛ نحو : طويل وطوال ... (3)
وجمع ذى عين أعلّ أوسكن *** فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن - 14
(عن ، أصلها : عنّ ، بالتشديد ؛ خففت النون بالسكون ، للشعر. ومعنى : عنّ ، ظهر وعرض) ثم قال :
وصحّحوا : «فعلة». وفى : «فعل» *** وجهان. والإعلال أولى كالحيل - 15
يريد : أن الواو السالفة الذكر إذا لم يقع بعدها ألف فى الجمع ، وكان على وزن فعلة (بكسر ففتح) - فانها تصح وتبقى ؛ نحو كوز وكوزة ، وعود وعودة ... فإن كان الجمع على وزن فعل (بكسر ففتح) جاز عند ابن مالك الإعلال - وهو الأولى - والتصحيح ؛ نحو : حاجة وحوج أو حيج - وحيلة وحيل وحول. ويفهم من كلام ابن مالك أن التصحيح مطرد ولكنه غير الأولى. أما عند غيره فالتصحيح شاذ لا يقاس عليه ويقتصر على الوارد المسموع منه. وهذا هو الرأى الأقوى. ويجب الاقتصار عليه.
.5 - أن تقع طرفا فى ماض وهى رابعة أو أكثر بعد فتحة بشرط أن تكون منقلبة ياء فى المضارع نحو : أعطيت وزكّيت ، وأنا أعطى وأزكى. وفعلهما : (عطا يعطو ؛ بمعنى : أخذ وتناول) فأصل الفعلين الرباعيين : أعطوت ، وزكّوت ، ثم قلبت الواو فيهما ياء ، وكذلك فى اسم مفعولهما ؛ وهو : معطيان ومزكّيان (1)
والواو لاما بعد فتح «يا» انقلب *** كالمعطيان يرضيان. (ووجب ...) 16
التقدير : انقلبت الواو. حالة كونها لا ما بعد فتح - ياء) كالياء فى المعطيان ويرضيان ؛ فأصلها الواو. أما الفعل : «وجب» فلا صلة له بهذا ؛ وإنما صلته بالبيت السابع عشر الآتى فى هامش ص 720.
...6 - أن تقع ساكنة غير مشددة وقبلها كسرة ، نحو : ميزان ، وميعاد ، وميقات. والأصل : موزان ، وموعاد ، وموقات ، بدليل : الوزن ، والوعد ، والوقت. فلا يصح القلب فى مثل : سوار ، وصوان ، لعدم سكون الواو. ولا فى : اجلوّاذ (وهو مداومة السير مع الإسراع) لتشديد الواو.
7 - أن تقع لاما لصفة على وزن : فعلى (بضم فسكون ففتح) نحو : دنيا وعليا ، وأصلهما : دنوى وعلوى ... ، (بدليل دنوت دنوّا ، وعلوت علوّا) قلبت الواو ياء. ومن الشاذ المسموع : قصوى (2).
فإن كانت فعلى اسما (وليست وصفا) ، بقيت الواو بغير قلب ، نحو : حزوى ، اسم موضع ... (3)
من لام «فعلى» اسما - أتى الواو بدل *** ياء كتقوى - غالبا جا ذا البدل - 1
(أى : جاء هذا البدل ، وسيعاد البيت لمناسبته فى ص 722).
يريد : أن الواو تبدل من الياء الواقعة لاما لاسم على وزن «فعلى» - بفتح ، فسكون ، ففتح مع مد - نحو : تقوى ... وهذه الصورة الثالثة من الصور التى سيجىء شرحها فى موضعها الأنسب ، عند الكلام على قلب الياء واوا (ص 720). أما الذى يعنينا هنا وهو العكس ، (أى : قلب الواو ياء) فهو البيت الثانى آخر الفصل ، ونصه :
بالعكس جاء لام «فعلى» وصفا *** وكون : «قصوى» نادرا لا يخفى - 2
28 - أن تجتمع هى والياء فى كلمة واحدة بشرط ألا يفصل بينهما فاصل وأن يكون السابق منهما أصيلا (أى : غير منقلب عن غيره) وساكنا سكونا أصليا غير عارض. فإذا تحققت الشروط وجب قلب الواوا ياء ، وإدغامها فى الياء سواء كانت الياء هى السابقة ؛ نحو سيّد وميّت (وأصلهما ، سيود وميوت - كما سبق) أم كانت الواو هى السابقة ؛ نحو : طىّ ، ولىّ ، وأصلهما : طوى ، ولوى ؛ بدليل طويت ولويت ... فالواو فى الأمثلة السالفة قلبت ياء ، وأدغمت فى الياء.
فإذا اجتمعتا فى كلمتين فلا قلب ، نحو : يدعو ياسر ، ويجرى يامن. ولا قلب كذلك إن كان بينهما فاصل ، نحو : زيتون ، أو كان السابق منهما متحركا ، نحو : طويل وغيور ، أو كان السابق غير أصيل ، نحو : كويتب فى تصغير : كاتب ، أو كان سكونه غير أصيل ، كقولهم فى «قوى» الماضى ، المكسور الواو أصالة : قوى ، بسكون الواو ، للتخفيف.
وإذا اجتمعت الواو والياء فى تصغير اسم - لا وصف - مشتمل على واو متحركة ، وتكسيره على : مفاعل - وما يوازنه (1)- جاز قلب الواو بالطريقة السالفة وتصحيحها ، نحو : جداول ، والتصغير (2): جديّل ، أو : جديول ، بالقلب وعدمه ، ونحو : أسود - للحية - وأساود ، والتصغير أسيّد ، أو أسيود. والإعلال أحسن فى كل ذلك.
فإن كان المفرد المصغّر وصفا تعيّن الإعلال ؛ نحو : أليّم ، تصغير : ألوم ، (اسم تفضيل فعله : لام). وكذلك إن كانت الواو فى المفرد غير متحركة ؛ نحو : عجوز وعمود ، وتصغيرهما عجيّز وعميّد. وكذلك إن كانت الواو فى المفرد عارضة ، نحو : روية ، تخفيف رؤية ، ونحو : بويع ، لأن أصلها ألف ... (3)
إن يسكن السّابق من واو ويا *** واتّصلا ، ومن عروض عريا - 1
فياء الواو اقلبنّ مدغما *** وشذّ معطى غير ما قد رسما - 2
(عرى - خلا. رسم - عين وحدد بوضوح).
.ومما ينطبق عليه حكم الكلمة الواحدة - مع أنه ليس بواحدة - جمع المذكر السالم المرفوع المضاف إلى ياء المتكلم ، نحو : جاء صاحبىّ والأصل : صاحبون لى. حذفت النون للإضافة ومعها اللام ؛ فصارت الكلمة صاحبوى ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء ، وكسر ما قبلها.
9 - أن تقع لام اسم مفعول لفعل ماض ثلاثى على وزن : فعل - بفتح فكسر - نحو : رضى فهو مرضىّ ، وقوى فهو مقوىّ. والأصل : مرضوى ومقووى (على وزن مفعول) اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء. وكسر ما قبلها بدلا من الضمة لكيلا تقلب الياء واوا بعد الضمة.
فإن كان الماضى غير مكسور العين وجب تصحيح الواو ، نحو : مغزوّ ومدعوّ ؛ وفعلهما : غزا ودعا. وأصلهما ، غزو ، ودعو ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها ؛ قلبت ألفا ، فصار : غزا ودعا (1).
10 - أن تكون لاما لجمع تكسير وزنه ، فعول (بضم فضم) ، نحو : (عصا ، وجمعها : عصىّ) ، (ودلو ، وتكسيره : دلىّ). والأصل : عصوو ، ودلوو ؛ اجتمع واوان - واجتماعهما ثقيل - أولاهما زائدة فى الجمع ، والأخيرة أصلية (لام الكلمة) قلبت الواو الأخيرة ياء ؛ فصارتا إلى : عصوى ، ودلوى. اجتمعت الواو والياء ؛ وسبقت إحداهما بالسكون ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء وكسر ما قبلهما ، فصارتا : عصىّ ودلىّ. ويصح كسر أولهما للتخفيف ؛ لأن الانتقال من الضم إلى الكسر فى مثل هذه الصيغة لا يخلو من ثقل. ومن النحاة من يجيز التصحيح فى جمع التكسير السالف ولكن الأرجح عدم التصحيح ....
1) ويصح أن يبقى الفعلان على أصلهما بغير قلب الواو ، بقصد المدح ، أو التعجب ، بشرط أن يكون كل منهما على وزن «فعل» - بفتح فضم - وقد سبق الكلام على هذا النوع من التعجب فى بابه الخاص (ح 3 ص 269 م 109).
فإن كان «فعول» مفردا وجب التصحيح ؛ نحو : عتوّ - علوّ - سمو - نموّ ... (1)
وصحّح المفعول من نحو : «عدا» *** وأعلل ان لم تتحرّ الأجودا - 8
يريد بنحو : «عدا» الماضى الثلاثى غير المكسور العين إذا كان واوى اللام حيث يجب التصحيح فى الرأى الأجود ؛ فتقول عدا ، وغزا ودعا ... واسم المفعول ، معدو ، ومغزو ، ومدعو. أما غير الأجود فيجرى فيه القلب فيقال : معدى - مغزى - مدعى. ثم قال :
كذاك ذا وجهين جا «الفعول» من *** ذى الواو لام جمع او فرد يعن - 9
(يعن - أصلها : يعنّ ، بالتشديد ، أى : يظهر). والرأى عند ابن مالك أن «الفعول» جاء فيه عن العرب الوجهان ؛ سواء أكان جمعا أم مفردا. وغير ابن مالك يحتم الرأى الذى شرحناه ويحكم بالضعف على غيره. - وستجىء إشارة للبيتين السالفين فى مناسبة أخرى ص 739.
11 - أن تكون عينا لجمع تكسير على وزن : «فعّل» صحيح اللام مع عدم وجود فاصل بين العين واللام ، نحو : صيّم ، ونيّم ، وأصلهما : صوّم ونوّم ، بواوين قبلهما ضمة ، وهذا ثقيل ؛ فعدل عن الواوين إلى الياءين لخفتهما ، ولكن التصحيح هو الأكثر ؛ فيقال صوّم ، ونوّم ... (2)
وشاع نحو : «نيّم» فى : نوّم *** ونحو : «نيام» شذوذه نمى - 10
(نمى - نسب. أى : أنه نسب للشذوذ - وستجىء الإشارة لهذا البيت فى مناسة أخرى ص 739).
فإن لم تكن اللام صحيحة لم يصح القلب ، نحو شوّى وغوّى (3)... (بضم أولهما ، وتشديد ثانيهما المفتوح المنوّن ، وهما جمع : شاو ؛ وغاو ، اسمى فاعل من شوى وغوى). كما يجب التصحيح إن فصلت العين من اللام ، نحو : صوّام ونوّام ، ومن الشاذّ : نيّام ... (4)ورد فى كتب اللغة ما يساير هذه المسألة فى بعض نواحيها ، ويزيد عليها فى بعض آخر ؛ فهو أعم منها. جاء فى «لسان العرب» مادة : «صاغ» ما نصه : " (صاغ صوغا. وصياغة ، وصيغة ، وصيغوغة ، والأخيرة عن اللّحيانى ... ورجل صائغ ، وصوّاغ ، وصيّاغ ؛ معاقبة فى لغة أهل الحجاز. قال ابن جنى : إنما قال بعضهم «صيّاغ» لأنهم كرهوا التقاء الواوين ، لا سيما فيما كثر استعماله ، فأبدلوا الأولى من العينين ياء ، كما قالوا فى : «إمّا» «أيما» ، ونحو ذلك ؛ فصار تقديره : «الصّيواغ». فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو الثانية ياء ، للياء قبلها ، وأدغموا الياء فى الياء : فقالوا : «الصّياغ» فإبدالهم العين الأولى من «الصّواغ» دليل على أنها الزائدة : لأن الإعلال بالزائد أولى منه بالأصل) اه.
وجاء أيضا فى اللسان فى مادة : «قام» ما نصه :
رجل قائم ، من رجال قوّم ، وقيّم ، وقيّم ، وقيّام ، وقوّام ...) ا ه.
ومثل هذا فى مادة : «صام».
1) وإلى الموضعين (التاسع والعاشر) يشير ابن مالك - فى فصل مستقل ، أوله : إن يسكن السابق من واو وياء ، ... قائلا فى البيتين الثامن والتاسع :
2) وفى هذا يقول ابن مالك فى الفصل المشار إليه :
3) أصلهما : شوّى ، وغوّى - على وزن : فعّل ؛ كركّع ، وسجّد ؛ بضم الأول ، وتشديد الثانى مع فتحه - تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ؛ فالتقى ساكنان هما هذه الألف والتنوين ، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين.
4) «تكملة وبيان» :
إبدال الواو من الألف :
إذا وقعت الألف بعد ضمة وجب قلبها واوا ، سواء أكان هذا فى اسم ، أم فعل ، فمثال الاسم : لويعب ، ومويهر ، وهما تصغير : لاعب وماهر ، ويشترط لقلب الألف واوا فى التصغير ألا يكون أصلها ياء كالتى فى : «ناب» (بمعنى : السن) فإنها فى التصغير ترجع إلى أصلها الياء - كما تقدم (1)فى بابه - فيقال : نييب.
ومثال الفعل : روجع - عومل - بويع ... وهى أفعال ماضية مبنية للمجهول : وأصلها للمعلوم : راجع - عامل - بايع ... (2)
... *** ... ووجب - 16
إبدال واو بعد ضمّ من ألف *** ... - 17
أما صدر البيت الأول فخاص بقاعدة سلفت فى ص 716 وأما بقية الثانى فخاص بقاعدة ستجىء بعد هذه مباشرة.
إبدال الواو من الياء :
يقع هذا فى أربعة مواضع :
1 - أن تكون الياء فى لفظ غير دال على الجمع ، مع سكونها ، ووقوعها بعد ضمة ، وعدم تشديدها. نحو : يوقن وموقن ، يونع ومونع - يوقظ وموقظ - يوسر وموسر ... قلبت الياء واوا فى المضارع واسم الفاعل ، وهكذا ... .
والأصل : أيقن الرجل ييقن ؛ فهو ميقن - أينع الثمر يينع ؛ فهو مينع - أيقظ الصياح النائم ييقظ ، فهو ميقظ - أيسر النشيط ييسر ؛ فهو ميسر. فلا يصح القلب إن كان اللفظ جمعا : نحو : بيض ، وهيم ، (تقول : هذا ورق أبيض وورقة بيضاء ، والجمع فيهما : بيض (1)بضم الباء ، ثم يجب كسرها فى هذه الصورة ؛ لثقلها فى جمع التكسير قبل الياء الساكنة غير المشددة. وتقول : هذا جمل أهيم (2)، وناقة هيماء ، والجمع فيهما : هيم ، بضم الهاء ، ثم تكسر الهاء ، وجوبا ، لما سبق).
كذلك لا يصح القلب : إن كانت الياء متحركة ، نحو : هيام (3)، - بضم ، ففتح بغير تشديد - أو كانت غير مسبوقة بضمة ، نحو : خيل وجيل ... أو كانت مشددة ؛ نحو غيّب (4)... (5)
يقول ابن مالك فى البيت السابع عشر الذى سبق صدره :
... *** و «يا» كموقن بذا لها اعترف - 17
يريد : أن الياء التى كانت فى أصل كلمة : «موقن» يجب قلبها واوا ، كما انقلبت الألف فى الحالة السالفة واوا. فالتشبيه بين الحالتين مقصور على قلب الحرفين - الألف والياء - واوا. ثم قال فى قلب الضمة كسرة:
ويكسر المضموم فى جمع كما *** يقال : «هيم» عند جمع : أهيما - 18
(والألف التى فى آخر : «أهيما» زائدة للشعر.) ومثل ؛ أهيم هيماء ، وما شابههما مما يجتمع فيه سبب الكسر.
.2 - أن تكون لاما لفعل ، وقبلها ضمة ؛ (كالأفعال اليائية : نهى - قضى - رمى ، ... إذا أردنا تحويلها إلى صيغة «فعل» لغرض ؛ كالتعحب ...) نحو : نهو الرجل ، أو : قضو ، أو رمو ... ؛ للتعجب من نهيته - أى : عقله - أو من قضائه ، أو رميه ، أو ، وهذه الألفاظ تؤدى معنى التعجب ، أى : ما أنهاه! - ما أقضاه! - رماه! ... فكل هذه وتلك من أساليب التعجب القياسية التى سبق الكلام عليها فى بابه (6). .
وقد تكون لاما لاسم مختوم بتاء تأنيث بعدها تلازم الكلمة ؛ بحيث لا تؤدى الكلمة معناها إلا مع هذه التاء ؛ كبناء صيغة على وزن «مقدرة» - بفتح ، فسكون ، فضم ، ففتح - من الفعل ، رمى ؛ فتكون ، مرموة ، والأصل مرمبة - بكسر الميم الثانية - قلبت الياء واوا ؛ لوقوعها بعد ضمة.
فلو جاءت التاء بعد بناء الصيغة المطلوبة لم يصح القلب ، ووجب ترك الياء على حالها ، نحو : «تمادية» ؛ وهى مصدر دال على المرة ، وفعله : تمادى : وأصل المصدر : تماديا - بضم الدال - ؛ لأن المصدر القياسى للفعل الذى على وزان : «تفاعل» هو : تفاعل. ثم قلبت الضمة قبل الياء كسرة ، لتسلم الياء من قلبها واوا. ثم جاءت التاء الدالة على الوحدة بعد انقلاب الضمة كسرة.
وقد تكون لاما لاسم مختوم بالألف والنون الزائدتين ؛ كبناء صيغة من الفعل رمى : على وزان : سبعان (بفتح ، فضم ، ففتح مع مدّ ... اسم موضع) فيقال : رموان!!)(1)
وواوا اثر الضّمّ ردّ «اليا» متى *** ألفى لام فعل ، او من قبل : «تا» - 19
كتاء بان من : «رمى» كمقدره *** كذا إذا كسبعان صيّره - 20
(ألفى - وجد) والمراد : متى وجد حرف الياء على هذه الصورة.
.3 - أن تكون لاما لاسم على وزن ، فعلى - بفتح ، فسكون ، ففتح مع المدّ - نحو : تقوى ، وشروى ، وفتوى ... والأصل : تقيا ، وشريا ، وفتيا ... بدليل : تقيت ، وشريت ، وفتيت ، فأبدلت الياء واوا فى الثلاثة ، وفى نظائرها من الأسماء المحضة ، لا. الأوصاف ...(2)
من لام فعلى اسما أتى الواو بدل *** ياء ؛ كتقوى - غالبا - جاذا البدل - 1
4 - أن تكون عينا لكلمة على وزن : فعلى - بضم ، فسكون ، ففتح مع المد - بشرط أن تكون الكلمة اسما محضا ، أى : خالصا من شائبة الوصفية ؛ نحو : 1
«طوبى» (1)، التى هى اسم خالص الاسمية ، للجنة ، أو لشجرة فيها - فإن لم تكن اسما محضا وكانت صفة محضة ، أى : خالصة من شائبة الاسمية وجب تصحيح الياء وكسر ما قبلها ؛ لكى تسلم من قلبها واوا ، ولا يكاد يعرف من هذا النوع - كما قالوا - إلا كلمتان هما : ضيزى (2)وحيكى (3) ، وأصلهما (3): ضوزى ، وحوكى ، بالواو الساكنة فيهما ، المسبوقة بضمة. قلبت الواو ياء ساكنة ، وقلبت الضمة قبلها كسرة.
فإن كانت الصفة غير محضة - لجريانها مجرى الأسماء (4)، جاز فى الرأى الأنسب (5)
وإن تكن عينا لفعلى وصفا *** فذاك بالوجهين عنهم يلفى - 21
(يلفى - يوجد - كما سبق -).
القلب والتصحيح ، وفى الحالتين تكون الصفة غير المحضة دالة على التفضيل ، لأنها مؤنث «أفعل» الدال على التفضيل أيضا ، ومن أمثلتها : (طوبى (6)أو : طيبى ، مؤنث أطيب) - (كوسى أو : كيسى مؤنث ؛ أكيس) - (ضوقى أو : ضيقى مؤنث : أضيق) - (خورى ، أو خيرى ، مؤنث : أخير) ...1) وأصلها : طيبى. بالياء ، - لأن فعله : طاب يطيب - قلبت الياء واو. (انظر رقم 6 من هذا الهامش).
2) يقال : قسمة ضيزى ، أى : جائرة ظالمة (ضازه ، يضوزه ويضيزه ... ، جار عليه ، وبخسه) ..
3) أصلهما عند كثير من النحاة : «ضوزى. وحوكى» ؛ فهما واويان. وهذا مخالف لما يدل عليه القاموس وتاج العروس من أنهما واويان ويائيان. فلا يصح الاستدلال بهما على قلب الواو لجواز أن تكون هذه الياء هى التى فى أصلهما ...
4) ويعرف جريانها مجرى الأسماء بأن تكون معمولة للعوامل المختلفة مباشرة دون أن يسبقها موصوف.
5) وهو رأى ابن مالك ، فقد نص على أن الوجهين مسموعان عن العرب ، ويخالفه سيبويه وكثرة النحاة ؛ فقطعوا بقلب : ياء «فعلى» واوا إذا كانت اسما ؛ كطوبى الاسمية ، أو وصفا غير محض ، وبعدم قلبها إذا كانت وصفا محضا ، وكسر ما قبلها لتسلم. ويقول ابن مالك مسجلا رأيه ، قاصدا «فعلى» الجارية مجرى الأسماء :
6) كلمة : «طوبى» قد تكون اسما محضا كالتى هى اسم الجنة ، أو اسم شجرة ، وقد تكون وصفا إذا كانت للتفضيل ، مؤنث : «أطيب» الدال على التفضيل ، كما عرفنا.
إذا وقعت الألف عينا للماضى الثلاثى ، أو لاما ، فلا بد أن تكون منقلبة عن واو أو ياء : نحو : (صام - باع) - (سما - جرى.) والأصل : صوم - بيع - سمو - جرى ... بفتح الواو والياء فى كل ذلك. والدليل على هذا الأصل : المصادر - أو غيرها - إذ نقول : صوم ، بيع ، سموّ ، جرى ... فقلبت الواو والياء فى تلك الأفعال ألفا. كما يقلبان فى كثير من الأسماء أيضا ، ولا يقع هذا القلب فى الأفعال ولا فى الأسماء إلا بعد اجتماع عشرة شروط :
أولها : أن يتحركا. فإن لم يتحركا لم يقع القلب ، كما فى (قول ، صوم) ، (بيع ، عين).
ثانيها : أن تكون حركتهما أصلية ليست طارئة للتخفيف أو لغيره من الحركات التى لا تلازمهما ؛ فلا قلب فى نحو : جيل ، وتوم (وأصلهما : جيئل (1)، وتوءم (2)، نقلت حركة الهمزة - بعد حذفها للتخفيف - إلى الساكن قبلها ، عند من يبيح هذا التخفيف إن أمن اللبس). ولا فى مثل قوله تعالى : ( لَتُبْلَوُنَ (3)فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) ، وقوله : (ولا تنسوا الفضل بينكم) ... (4)
ثالثها : أن يكون ما قبلهما مفتوحا ؛ فلا قلب فى مثل : العوض - الدّول - الحيل.
رابعها : أن تكون الفتحة التى قبلهما متصلة بهما - مباشرة - فى كلمة واحدة ، فلا قلب فى مثل : حضر وفد ليس يزيد فيه.
خامسها : أن يتحرك ما بعدهما إن كانا فى أصلهما غير لامين ؛ (كأن يكونا فاءين ، أو عينين للكلمة) ، وألا يقع بعدهما ألف ، ولا ياء مشددة إن كانا لامين ؛ فلا قلب فى مثل : (توالى ، وتيامن) ، (وخورنق (5)، وطويل وبيان ، وغيور ؛) لسكون ما بعدهما مع وقوعهما فاءين أو عينين. ولا فى مثل : (جريا ، وسموا ، وفتيان ، وعصوان) ؛ لوقوعهما لاما للكلمة وبعدهما ألف. ولا فى مثل : (علوىّ وحيىّ (6)) لوقوع ياء مشددة بعدهما ،
وإنما قلبا فى سما ، ودعا ، ومشى ، وسعى - مع وقوعهما لاما ؛ لعدم وقوع ألف ولا ياء مشددة بعدهما. ولهذا السبب نفسه قلبا فى مثل : يخشون ويدعون مع وقوعهما لاما ؛ (إذ أصلهما : يخشيون ، ويدعوون. تحركت الياء والواو ؛ وانفتح ما قبلهما ؛ فقلبتا ألفا ؛ فالتقى ساكنان ؛ حذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين ؛ فصار اللفظان : يخشون ويدعون).
ومما سبق يتبين أن القلب ممتنع إذا كانا لامين ، بعدهما الألف أو الياء المشددة. أما إذا وقع بعدهما ساكن آخر غير هذين (1)فالقلب واجب على الأرجح (2)
من واو ، او ياء بتحريك أصل *** ألفا ابدل بعد فتح متّصل - 3
إن حرّك التّالى ، وإن سكّن كف *** إعلال غير اللّام. وهى لا يكف - 4
إعلالها بساكن غير ألف *** أو ياء التّشديد فيها قد ألف - 5
(أصل - تأصل ، وليس عارضا ، كفّ - منع. ألف - عرف وشاع فى الكلام المأثور الفصيح) وتقدير البيت الأول : أبدل ألفا بعد فتح متصل - من واو ، أو ياء موصوفين بتحريك متأصل فيهما.
وأوضح فى البيت الثانى أن الإبدال السابق لا يقع إلا إن حرك التالى بعدهما. أما إن سكن ما بعدهما فإن السكون يكف إعلال غير اللام. أى : يمنع قلب الواو والياء الواقعتين فى غير اللام (وغير اللام هو : الفاء والعين) أما اللام فيقع فيها القلب إن سكن ما بعدها بشرط أن يكون الساكن حرفا غير الألف وغير الياء المشددة ، (لأن الياء المشددة تتكون من ياءين الأولى منهما ساكنة - كما سبق فى رقم 1).
... سادسها : ألا تكون إحداهما عينا لفعل ماض على وزن : «فعل» - بفتح فكسر - والصفة المشبهة الغالبة فيه على وزن : «أفعل» (3)؛ نحو هيف ؛ فهو أهيف (4)- وغيد (5)، فهو : أغيد - وحول ، فهو : أحول - وعور فهو أعور ... .1) يلاحظ أن الياء المشددة هى ياءان ، أولاهما ساكنة.
2) يذكر ابن مالك الشروط الخمسة السابقة (وهى التحرك ، وأصالته ، وفتح ما قبل الواو والياء ، واتصالهما بالفتحة التى قبلهما مباشرة فى كلمة واحدة ، وتحرك ما بعدهما ....) فى الفصل المستقل الذى أشرنا إليه فى رقم 3 من هامش ص 717 فيقول بعد البيتين الأولين منه ، الخاصين بقلب الواو ياء عند اجتماعهما على الوجه الذى سبق شرحه فى هامش تلك الصفحة - يقول ما نصه :
3) تكون الصفة المشبهة كذلك إذا كان الفعل الماضى لازما مكسور العين دالا على لون ، أو عيب ، أو شىء فطرى ، أو وصف ظاهر فى الجسم - وقد تقدم الكلام على هذا فى باب الصفة المشبهة ج 3 ص 11 م 104.
4) الهيف ، مصدر : هيف - كفرح - وهو ضمور البطن ودقة الخاصرة ، ويعد من الصفات الممدوحة.
5) الغيد ، مصدر غيد - كفرح - وهو : نعومة الجسم.
سابعها : ألا تكون إحداهما عينا لمصدر الفعل الماضى السالف ولهذا يقال : هيف ، وغيد ، وحول وعور ... ، بغير قلب ... (1)
وصحّ عين «فعل» وفعلا *** ذا «أفعل» ؛ كأغيد وأحولا - 6
المراد بفعل ؛ مصدر الثلاثى : «فعل». والمراد بصاحب أفعل : الماضى الثلاثى اللازم الذى تكون الصفة المشبهة أنه على وزن «أفعل» ؛ وضرب له مثالين ، هما أغيد وأحول - كما فى الشرح.
ثامنها : ألا تكون الواو عينا لفعل ماض على وزن : «افتعل» دال على المفاعلة (2)؛ فلا قلب فى نحو : اجتوروا واشتوروا ، بمعنى : جاور بعضهم بعضا ، وشاور بعضهم بعضا. فإن لم يدل على المفاعلة وجب القلب ؛ نحو : اجتاز واختان بمعنى : جاز ، (أى : قطع) وخان ، وهذا الشرط خاص بالواو دون الياء ، ولهذا وقع القلب فى استافوا ، (أى : تسايفوا ، بمعنى : اشتركوا فى ضرب السيوف) ، والأصل : استيفوا. قلبت الياء ألفا بالرغم من الدلالة على المفاعلة. ومثلها : امتازوا وابتاعوا : بمعنى تمايزوا ، وتبايعوا. والأصل : امتيزوا وابتيعوا ... (3)
وإن يبن «تفاعل» من «افتعل» *** والعين واو - سلمت ولم تعل - 7
تاسعها : ألا يكون بعد أحدهما حرف يستحق القلب ألفا ؛ لئلا يجتمع فى كلمة قلبان متواليان بغير فاصل ، وهو ممنوع ، فى الأغلب. فإن وقع بعدهما حرف يستحق هذا القلب وجب - فى الأكثر - قلبه ، وتصحيح السابق ، اكتفاء بقلب المتأخر ؛ نحو : الحيا ، مصدر الفعل : حيى ، والهوى : مصدر الفعل : هوى. والحوى : مصدر الفعل : حوى (والأفعال الماضية الثلاثة على وزن «فعل» ، بفتح فكسر ، ومصادرها على وزن : «فعل» بفتح ففتح) (4)فأصل المصادر : حيى - هوى - حوو (5)؛ ففى كل مصدر حرفان متواليان .
1) وفى الشرطين : «السادس والسابع» يقول ابن مالك فى الفصل المشار إليه :
2) وهى المشاركة من فريقين فى الفاعلية والمفعولية ، وكما تسمى «المفاعلة» تسمى أيضا : «التفاعل».
3) وفى هذا يقول ابن مالك :
4) لأن فعلهما الماضى كفرح ، فالمصدر هو : فرح على وزن : فعل (بفتح ففتح) فمصدرهما كذلك على وزن ؛ فعل.
5) لأن هذا من الحوّة (وهى سمرة محمودة قديما فى الشفتين) ولقولهم فى تثنية : حووان.
صالحان للقلب ألفا ، لتحرك كل منهما وفتح ما قبله. فجرى القلب على الثانى منهما ؛ لأنه فى آخر الكلمة ، والأطراف محل القلب والتغيير غالبا ، وسلم الأول.
وقد وقع القلب على الأول فى بعض كلمات مسموعة لا تكفى للقياس عليها ومنها : كلمة : آية ، وأصلها - فى رأى من عدة آراء - أيية ، بياءين متحركتين قبل كل منهما فتحة. قلبت الأولى ألفا وسلمت الثانية (1)
وإن لحرفين ذا الإعلال استحق *** صحّح أوّل ، وعكس قد يحق - 8
يريد : إن استحق هذا الإعلال (القلب) لحرفين - بسبب تحقق شروطه فى كل منهما فأولهما يصحح ويسلم من القلب ، وثانيهما يقلب ، وقد يقع العكس قليلا.
...عاشرها : ألا يكون أحدهما عينا فى كلمة مختومة بأحد الحروف الزائدة المختصة بالأسماء ؛ كالألف والنون معا ، وكألف التأنيث المقصورة ... فلا قلب فى مثل : الجولان (2)، والهيمان (3)، والصّورى (4)، والحيدى (5)ونحوها ... (6)
وعين ما آخره قد زيد ما *** يخصّ الاسم واجب أن يسلما - 9
إبدال الميم من الواو ، ومن النون :
(ا) تبدل الميم من الواو وجوبا فى كلمة : «فو» (7)غير المضافة. وأصلها : فوه ؛ حذفت الهاء تخفيفا ؛ فيقال فيها بعد الابدال : فم ، والدليل على أن هذه الميم مبدلة من الواو قولهم فى الجمع : أفواه. والتكسير من الأشياء التى ترد الألفاظ إلى أصولها.
فإن أضيفت كلمة : «فو» إلى اسم ظاهر أو : مضمر جاز إبقاء الواو - وهذا هو الأكثر - وجاز قلبها ميما. فيقال : فوك أو فو النظيف طيب الرائحة ، ويصح فمك ، أو فم النظيف طيب الرائحة. .
(ب) وتبدل من النون بشرطين. أن تكون النون ساكنة ، وأن يقع بعدها الباء سواء أكانتا فى كلمة أم فى كلمتين ؛ نحو : انبعث ... ونحو : من بعث الرسالة؟. ويلاحظ أن قلب النون ميما مقصور على النطق فقط ، أما فى الكتابة فتبقى صورة النون على حالها ...(1)
وقبل «با» اقلب «ميما» - النّون إذا *** كان مسكّنا ؛ كمن بتّ انبذا - 10
وتقدير البيت : واقلب حرف النون ميما إذا كان النون مسكنا قبل باء. وساق لهذا مثالا حوى صورتى النون الساكنة قبل الباء فى كلمة واحدة ؛ مثل : انبذا - والأصل : انبذن ، بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا ؛ للوقف - أو فى كلمتين مثل : من بت. أى : قطع. ومعنى الجملة ؛ من قطع مودته فانبذه ، أى : اطرحه ، واتركه ، ولا تبال به.
يجب قلب الواو والياء تاء إذا وقعا «فاء افتعال» ، أو فاء أحد مشتقاته (2)، وكانا غير مبدلين من همزة ، فإذا تحقق الشرطان (وقوعهما فاء افتعال أو أحد مشتقاته ، وعدم انقلابهما عن همزة). وجب قلبهما تاء - كما قلنا - وإدغام هذه التاء فى تاء الافتعال أو مشتقاته. فعند بناء صيغة على وزن : «افتعل» - مثلا - من الماضى : وصل ، أو : يسر يقال : اوتصل - ايتسر ، ثم تقلب الواو والياء تاء ، وتدغم فى التاء الموجودة ، وتصير الصيغتان : اتّصل ، واتّسر (3)، ويقال فى المضارع قبل القلب : يوتصل ، وييتسر ، ويصير بعد القلب والإدغام : يتّصل ويتّسر ... (4)ومثل هذا يقال فى الأمر ، وباقى مشتقات «الافتعال». التى فاؤها أحد الحرفين السالفين غير المبدلين من الهمزة.
1) وفى إبدال الميم من النون يقول ابن مالك خاتما الفصل السابق :
2) الماضى ، والمضارع ، والأمر ، واسم الفاعل ، واسم المفعول ... إلخ.
3) بمعنى لعب الميسر ، وهو القمار ، أو : اغتنى.
4) ويصح أن يقال فى : «او تصل» قلبت الواو ياء لوقوعها بعد الكسرة ، فصارت الكلمة : «ايتصل» ، ثم قلبت الياء تاء للافتعال ؛ فصارت : اتصل. والنتيجة فى الحالتين واحدة ؛ هى قلب الواو تاء ؛ إما بعمل واحد كالأول ، وهو الأحسن لاختصاره. وإما بعملين وهو المساير لقاعدة قلب الواو ياء. نعم ، إن الياء المنقلبة عن الهمزة لا يصح قلبها تاء افتعال ، لكن الياء هنا منقلبة عن واو ، فيجوز قلبها تاء ، كما يجوز قلب الواو - دون الهمزة - تاء افتعال. (راجع التصريح والصبان).
فإن كان أحدهما مبدلا من الهمزة لم يجز القلب - فى أشهر اللغات - فلا تقلب الياء تاء فى مثل : «ايتكل» ، وهى صيغة «افتعل» من الأكل ؛ لأنّ ياءها فى الأصل همزة ، وقعت بعد همزة مكسورة ؛ فانقلبت الثانية ياء ؛ طبقا لما تقدم (1).
ولا تقلب الواو تاء فى مثل : اوتمن ؛ لأن هذه الواو مبدلة من الهمزة الثانية التى وقعت بعد ضمة ؛ إذ الأصل اؤتمن ، قلبت الثانية واوا لوقوعها بعد نظيرتها المضمومة - كما عرفنا (2)- فوجب عدم القلب ... (3)
ذو الّلين «فا» - «تا» فى «افتعال» أبدلا *** وشذّ فى ذى الهمز ؛ نحو ائتكلا - 1
يريد بذى اللين : حرف العلة الواو والياء. وأما الألف فلا تكون فاء كلمة. وتقدير البيت : ذو اللين حالة كونه فاء فى صيغة «افتعال» أبدل تاء. وشذ هذا الإبدال فى صاحب الهمز ، أى : فى الحرف المبدل من همزة ؛ نحو : ايتكل ، من الأكل ؛ فلا يقال فيه : اتكل ، إلا شذوذا فى رأى ابن مالك ؛ لأنها لغة قليلة.
يجب قلب «تاء الافتعال» ومشتقاته «طاء» بشرط أن تكون هذه التاء - فى كلمة فاؤها حرف من أحرف الإطباق (4)؛ (وهى : الصاد ، والضاد ، والطاء ، والظاء) وبعده هذه التاء. فإذا أريد بناء صيغة على وزن : افتعل - مثلا - من : صبر ، أو : ضغن (5)، أو : طلع ، أو : ظلم ... قيل : اصتبر - اضتغن - اطتلع - اظتلم. ثم تقلب التاء طاء فى اصتبر ؛ فيقال : اصطبر. وتقلب التاء طاء فى : اضتغن ؛ فيقال : اضطغن - بطاء ظاهرة فى النطق والكتابة. وكذلك تقلب التاء فى اطتلع ؛ فيقال اططلع ، ثم تدغم الطاءان وجوبا ؛ فيقال : اطّلع ... وتقلب فى اظتلم ؛ فيقال : اظطلم. وفى مثل هذه الصورة التى تبدل فيها «تاء الافتعال» طاء بعد الظاء. يجوز ثلاثة أمور بعد القلب ، إما ترك الطاء والظاء على حالهما ؛ فيقال : اظطلم - كما سبق - وإما قلب الطاء ظاء وإدغامها فى
الظاء ؛ فتصير الكلمة : اظّلم. وإما قلب الظاء طاء وإدغامها فى الطاء ؛ فتصير الكلمة : اطّلم ... (1)
«طا» - «تا» افتعال ردّ إثر مطبق *** فى ادّان ، وازدد ، وادّكر دالا بقى - 2
(مطبق - حرف من حروف الإطباق ؛ وهى الأربعة التى ذكرناها. رد - صير - بقى - صار) ، يقول : صير «تاء الافتعال» طاء بعد حرف الإطباق. كما يقول : إن تاء الافتعال صار دالا فى مثل : ادان ، وازدد ، وادكر ، أى : فى الكلمات التى فاؤها دالا أو زايا ، أو ذالا ، وبعد كل من هذه الحروف تاء الافتعال مباشرة. فالبيت تضمن فى شطره الأول إبدال الطاء من الافتعال ، وتضمن فى شطره الثانى إبدال التاء منها.
يجب إبدال الدال من «تاء الافتعال» ومشتقاته بشرط أن تكون هذه التاء فى كلمة فاؤها الدال ، أو الذال ، أو الزاى ، وقد وقعت التاء بعد حرف من الثلاثة ، فإذا أريد بناء صيغة على وزن : «افتعل» - مثلا - من : دغم ، أو : ذخر ، أو زجر ... قيل ادتغم - اذتخر - ازتجر ، ثم تقلب التاء فى كل ذلك «دالا» فيقال : ادّغم ، بإدغام الدال فى الدال وجوبا. واذدخر ، ويصح قلب الذال دالا وإدغامها فى الدال الأصلية ، فيقال : ادّخر ، كما يصح - مع القلة - قلب الدال الأصلية ذالا وإدغامها فى الذال ؛ فيقال : اذّخر ، فهذه ثلاث لغات أقواها الأولى فالثانية.
ويقال : ازدجر ... (2)
الإعلال (1)بالنقل معناه :
نقل الحركة من حرف علة متحرك إلى حرف صحيح ساكن قبله ، وقد يبقى حرف العلة بعد ذلك على صورته مع تجرده من الحركة ، أو ينقلب حرفا آخر. وهذا النوع من الإعلال خاصّ بالواو والياء دون الألف ؛ لأنهما يتحركان وهى لا تتحرك مطلقا. ومن الأمثلة : يصوم. فأصله : يصوم (2)- بفتح ، فسكون ، فضم ... - نقلت حركة حرف الواو (وهى : الضمة) إلى الساكن الصحيح قبلها ، مع إزالة سكونه ؛ فصار المضارع بعد هذا النقل : «يصوم» بواو ساكنة ، وقد بقيت صورتها ساكنة بعد نقل حركتها. ومثله : (يقوم - يعود - يقول - يعوم) ... فيجرى فى كل مضارع من هذه الأفعال ما جرى فى نظيره : «يصوم». ومن الأمثلة : يبيع. وأصله : يبيع - بفتح ، فسكون ، فكسر - نقلت حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها ؛ فصار المضارع بعد هذا النقل : «يبيع» بياء ساكنة ، بقيت صورتها ساكنة بعد نقل حركتها.
ومن الأمثلة أيضا : يخاف. أصله : يخوف - بواو مفتوحة - نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها ، ثم انقلبت الواو ألفا ، لاعتبارها متحركة بحسب الأصل ، وقد انفتح ما قبلها الآن ، فصارت : يخاف. ومثله : (ينام - (3)يزال (4)- يكاد (5)- يحار(6)) ... حيث جرى على كل مضارع من هذه الأفعال ما جرى على المضارع : «يخاف» ؛ من نقل فتحة الواو للساكن قبلها ، ثم قلبها ألفا. فنرى مما سبق أن حرف العلة (الواو والياء) قد يبقى على صورته بعد نقل حركته (مثل : يصوم - يقوم ...) وقد ينقلب حرفا آخر ؛ (مثل : يخاف - يحار)
لكن ، ما الضابط العام الذى يخضع له حرف العلة ، ليبقى على صورته من غير حركة ، أو ينقلب حرفا آخر؟
1) راجع ما سبق فى معنى الإعلال العام ص 695.
2) لأن الفعل صام يصوم ، من باب : فعل يفعل ؛ كنصر ينصر.
3) أصله : «ينوم» لأنه من باب «تعب يتعب» ثم دخله إعلال النقل ، وإعلال القلب ...
4) أصله : «يزيل» لأنه من باب : «تعب يتعب»». ثم دخله الإعلالان ، كسابقه.
5) من باب : تعب يتعب. دخل المضارع الإعلالان.
6) من باب : تعب يتعب. دخل المضارع الإعلالان.
الضابط هو : أن حرف العلة إن كان فى أصله متحركا بحركة تجانسه (1)وجب بقاء صورته ساكنة بعد نقل حركته إلى الساكن قبله ؛ كما فى : (يصوم - يقوم ...) وكما فى : (يبيع - يهيم) ... وإن كان فى أصله متحركا بحركة لا تناسبه وجب - بعد نقل حركته - أن ينقلب حرفا جديدا مناسبا لحركته الأصلية التى نقلت إلى الساكن الصحيح قبله ، فالمفتوح يصير ألفا ، والمضموم يصير واوا ، والمكسور يصير ياء ... - ومن الأمثلة : (أقام وأبان) ، فأصلها : (أقوم وأبين) (2)بفتح حرف العلة نقلت حركة الواو والياء للساكن الصحيح قبلهما. ثم قلب حرفا العلّة ألفا ، لأن الألف هى التى تناسب الفتحة ؛ فصار الفعلان : أقام وأبان. وفى مثل هذا القلب يقال : تحركت الواو والياء بحسب الأصل ، وانفتح ما قبلهما بحسب الحال ، فانقلبا ألفا (3). ويجرى ما سبق على نحو : (أقيم وأبين ...) وأصلهما : أقوم ، وأبين ... دخلهما إعلال النقل وإعلال القلب.
يقع الإعلال بالنقل فى أربعة مواضع ، يكون حرف العلة فى كل منها عين الكلمة ، ومتحركا ..
أولها : أن يكون حرف العلة (الواو ، أو الياء) عينا متحركة لفعل ؛ نحو : يصول ، ويغيب. والأصل : يصول ويغيب ، بضم الواو وكسر الياء ، ثم نقل حركتهما إلى الساكن قبلهما ، وترك كل منهما بعد ذلك على صورته - طبقا لما قدمناه - فيصير الفعلان : يصول - يغيب.
ويشترط لإجراء النقل فى هذا الموضع أن يكون الساكن قبل حرف العلة صحيحا ، وأن يكون الفعل غير مضعف اللام ، ولا معتلها ، ولا مصوغا للتعجب ، على وزن إحدى الصيغتين القياسيتين فيه (4). فلا يقع الإعلال بالنقل فى مثل : قاوم
1) هى الضمة للواو ، والكسرة للياء. أما التى لا تناسب فالكسرة أو الفتحة للواو. والضمة أو الفتحة للياء.
2) لأن فعلهما : قام يقوم ، وبان يبين.
3) يقال هذا تعليلا للقلب ، لإدخاله تحت قاعدة عامة مطردة هى أن حرف الواو أو الياء إذا تحرك وانفتح ما قبله وجب قلبه ألفا على الوجه الذى سبق شرحه فى هذا الباب ص 724 و ..
4) ومثل التعجب اسم التفضيل ؛ نحو : هذا أقوم طريقة وأبين منهجا ؛ فلا يصح الإعلال بالنقل فى كلمتى ؛ أقوم ، وأبين.
وبايع ، وعوّق وبيّن ؛ لأن الساكن قبل الحرفين غير صحيح. ولا فى مثل ابيضّ واسودّ ، لتضعيف لامه ، ولا فى مثل : أهوى وأحيا ؛ لاعتلالها ، ولا فى مثل : ما أقومه وما أبينه ، وأقوم به ، وأبين به ؛ لأن الفعل مصوغ على صيغتى التعجب القياسيتين ... (1)
وفى هذا الموضع وشروطه يقول ابن مالك ، فى فصل جديد مستقل يبدؤه بقوله :
لساكن صحّ انقل التحريك من *** ذى لين ات عين فعل ؛ كأبن
ما لم يكن فعل تعجّب ولا *** كابيضّ أو أهوى ، بلام علّلا
فقد جمع فى البيتين الشروط المطلوبة. (أبن ، أصلها : أبين ، فعل أمر من أبان ، علل : صار حاويا حرف علة).
ثانيها : أن يكون حرف العلة عينا متحركة فى اسم يشبه المضارع فى وزنه (2)فقط دون زيادته ، أو فى زيادته دون وزنه ، بشرط أن يكون فى الاسم ما يمتاز به عن الفعل فى الحالتين. فالأول : نحو : مقام - بفتح الميم - فإن أصله مقوم ، (بفتح ، فسكون ، ففتح) - وهو على وزن المضارع : «يعلم». نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها ، ثم قلبت ألفا ؛ طبقا لما سلف - فصار الاسم : مقام. وفيه زيادة تدل على أنه ليس من الأفعال ، وهى الميم فى أوله. ومثله : مقيم ، ومبين.
ومثال الثانى : بناء صيغة من «البيع» أو : «القول» على مثال : تحلئ (3)وهذه صيغة خاصة بالاسم. فيقال : تبيع ، وتقول (بكسر ، فسكون ، فكسر ، فيهما) - نقلت حركة حرف العلة إلى الساكن الصحيح قبله ، وقلبت الواو ياء (4)؛ فصارت الكلمتان : تبيع وتقيل بكسرتين متواليتين فى كل ، وبعدها ياء. .
1) كما سبق فى بابه ج 3 م 108 ص 262.
2) بأن يكون مشابها له فى مجرد عدد الحرف ، مع مقابلة الساكن بمثله ، والمتحرك بمثله ، من غير نظر للاسمية والفعلية.
3) بكسر فسكون ، فكسر ، فهمزة متطرفة ، وهو : القشر الذى يظهر على الجلد حول منابت الشعر.
4) قلبت الواو ياء لأن حركتها وهى الكسرة - غير مجانسة لها ، فيجب قلب الواو حرفا يجانس الحركة ، طبقا لما سلف أول الباب. بخلاف الياء فإنها حركتها هنا مجانسة لها فلا تنقلب. ففى : «تقيل» إعلالان ؛ أحدهما بالنقل ، والآخر بالقلب. أما «تبيع» ففيها إعلال واحد.
فإن اختلف الاسم عن المضارع فى الأمرين معا ، أو شابهه فيهما معا - - وجب التصحيح ؛ فمثال الأول : مخيط (1)(بكسر ، فسكون ، ففتح) لأن المضارع لا يكون - فى الأغلب - مكسور الأول ، ولا مبدوءا بميم زائدة ، فالصيغة مختصة بالاسم ، ولذا وجب التصحيح ومثلها : مفعال ؛ كمخياط.
ومثال الثانى : أقوم ، وأبين - بفتح ، فسكون ، ففتح - وهما شبيهان بالمضارع : أعلم وأفهم ... ، فى وزنه ، وفى الزيادة التى فى أوله ، فوجب لهما التصحيح ... (2)
ومثل فعل فى ذا الاعلال اسم *** ضاهى مضارعا ، وفيه وسم - 3
(ضاهى - شابه. وسم - علامة) ، ثم قال :
ومفعل صحّح كالمفعال *** ................ - 4
يشير بهاتين الصيغتين - وهما مختصتان بالأسماء - إلى الاسم المخالف للمضارع فى وزنه وزيادته معا. وترك بقية التفصيلات التى سردناها. والنصف الثانى من هذا البيت لا شأن له بهذه القاعدة ، وإنما شأنه متصل بالقاعدة التالية بعده مباشرة.
ثالثها : أن يكون حرف العلة عينا متحركة فى مصدر معتل العين ، كفعله ، بشرط أن يكون فعله على وزن «أفعل» ، أو : «استفعل» نحو : أقام واستقام. وأصلها قبل التّغيير : أقوم واستقوم. ومصدرهما إقوام ، واستقوام. فيجب فيهما الإعلال بالنقل كما جرى فى فعليهما ؛ فتنقل فتحة الواو إلى الساكن قبلهما ، وتقلب الواو ألفا - طبقا للقاعدة التى سلفت - فيتوالى ألفان لا يمكن النطق بهما معا ؛ فتحذف الثانية منهما ، وتجىء تاء التأنيث - فى الأغلب - عوضا عنهما ، فيقال إقامة ، واستقامة.
ومثل هذا يقال فى : «أبان واستبان». فأصلهما : «أبين واستبين» ، ثم نقلت حركة الياء إلى ما قبلها وقلبت ألفا ؛ فصارا : أبان ، واستبان. ومصدرهما : إبيان. واستبيان ، نقلت حركة الياء كما نقلت فى الفعل ، وقلبت الياء ألفا فتلاقت ساكنة مع ألف المصدر ، حذفت الثانية منهما ، وزيدت تاء التأنيث عوضا عنها ؛ فصار المصدران : إبانة ، واستبانة ، وحذف .
هذه التاء مقصور على السماع ومنه قوله تعالى : ( وَأَقامَ الصَّلاةَ ) ، أى : إقامة الصلاة(1)
... *** وألف الإفعال واستفعال - 4
أزل لذا الإعلال ، و «التّا» الزم عوض *** وحذفها بالنّقل ربّما عرض
(بالنقل ، أى : النقل عن العرب ، وهو السماع الوارد عنهم).
.رابعها : أن يكون حرف العلة المتحرك عينا فى صيغة «مفعول» من الفعل الثلاثى المعتل العين بالياء أو الواو ، كصوغ «مفعول» من قال وباع ... فيجب فيه ما وجب فى «إفعال واستفعال» السابقين ، ولا يقتصر الأمر على هذا ، بل تجرى عليهما تغييرات أخرى ؛ طبقا للبيان الشامل الذى سيجىء فى الحالة الرابعة الأخرى (2)... .
الإعلال بالحذف (1)
أما الهمزة التى تنطبق عليها بعض الأحكام الآتية أو السابقة فبمنزلة حروف العلة فى كثير من المواضع.
الإعلال بالحذف يكون قياسيّا مطردا فى المسائل الآتية. أما فى غيرها فمقصور على السماع :
الأولى : الهمزة الزائدة فى أول الماضى الرباعى. فإنها تحذف فى مضارعه ، واسم فاعله ، واسم مفعوله ، نحو : أكرم - يكرم - أكرم - مكرم - مكرم ... بحذف الهمزة فى كل ذلك وجوبا ، ومثل هذا همزة الأفعال الماضية الرباعية : أفهم - أخبر - أحسن ... ونظائرها ، حيث يجب حذف الهمزة ، من مضارعها ، واسم فاعلها ، واسم مفعولها. كما قلنا. والأصل فى كل ذلك قبل حذفها : يؤكرم - مؤكرم - مؤكرم. وكذا الباقى ...
الثانية : الواو التى هى «فاء» فعل ثلاثى مفتوح العين فى الماضى (2)
ولا يواتيك فيما ناب من حدث *** إلا أخو ثقة. فانظر بمن تثق
فإن فتحت عين مضارعه فقد تحذف الفاء من هذا المضارع ؛ نحو : وسع يسع - أو لا تحذف ؛ نحو : وجل يوجل ، ووجع يوجع. وجواز الحذف وعدمه فى هذه الصورة مرجعه ومرده للسماع وحده - طبقا للرأى المشهور - وإن استعملت عينه بالفتح والكسر جاء حذف الفاء من هذا المضارع وعدم حذفها ؛ كوله : فانه جاء من باب «تعب» فلم تحذف فاء مضارعه ، ومن باب «وعد» فى لغة قليلة فحذفت - - كما فى المصباح - راجع الصبان فى الموضع -
مكسورها فى المضارع مثل : وعد - وصف ، فيجب حذف هذه الواو فى المضارع وأمره ، ومصدره بشرط : أن يصير هذا المصدر على وزن فعلة (بكسر ، فسكون ، ففتح) لغير الهيئة ، وبشرط أن تكون التاء فى آخره عوضا عن الواو المحذوفة.فيقال : يعد - عد - عدة (1)، ومن هذا قول الشاعر :
متى وعدتك فى ترك الهوى عدة *** فاشهد على عدتى بالزور والكذب
وقولهم فى الحكمة : لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ، ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا ، إذا كان المنحدر وعرا.
كما يقال : يصف - صف - صفة ... (بشرط ألا يكون المصدر لبيان الهيئة كما سبق) ،
ولا تحذف الواو من المضارع إلا بشرطين ؛ أن يكون حرف المضارعة مفتوحا وأن تكون عينه مكسورة ؛ نحو : أعد - نعد. فلا حذف فى مثل : يولد ، ويوضؤ ... (2)
«فا» أمر ، أو مضارع من : كوعد *** احذف. وفى : كعدة ، ذاك اطّرد - 1
وحذف همز «أفعل» استمرّ فى *** مضارع ، وبنيتى متّصف - 2
(بنيتى متصف ، أى صيغتى شخص متصف ، والمراد بهما : صيغتا اسم الفاعل واسم المفعول ، لأنهما الدالتان على ذات متصفة ...
الثالثة : إذا كان الماضى ثلاثيّا مكسور العين ، وعينه ولامه من جنس واحد - مثل : ظللت (3)- جاز فيه ثلاثة أوجه عند إسناده لضمير رفع متحرك. وهى إبقاؤه على حاله مع فك إدماغه وجوبا ، كالمثال السابق : (ظللت) أو : أو حذف عينه دون تغيير شىء فى ضبط ما بقى من الحروف : مثل : ظلت. أو حذف عينه ونقل حركتها إلى فاء الكلمة ؛ مثل : ظلت.
فإن كان الفعل المضاعف المكسور العين مضارعا أو أمرا واتصلا بنون النسوة جاز إبقاؤهما على حالهما من غير حذف ولا تغيير إلا فك الإدغام وجوبا ، وجاز حذف العين ونقل حركتها - وهى الكسرة - إلى الفاء ؛ فنقول : .
1) أصل عدة : وعد - بكسر الواو وسكون العين - حذفت الواو ، وحركت العين بالكسرة حركة الفاء ، فصارت دليلا على الفاء المحذوفة. وجاءت تاء التأنيث عوضا عن الفاء المحذوفة. ومن الشاذ اجتماعهما معا.
2) فى المسألتين الأوليين يقول ابن مالك فى فصل مستقل هو آخر الفصول فى ألفيته : وليس بعده إلا باب الإدغام.
3) تقول : ظللت أعمل كذا ، بمعنى بقيت أعمله طول النهار ، دون الليل. والفعل «ظل» من باب : علم يعلم غالبا. وقيل فيه الكسر أيضا.
(النسوة يقررن (1)أو يقرن). (واقررن يا نسوة ، أو قرن) ... وسمع فتح القاف فى : قرن(2)
ظلت وظلت فى : ظللت استعملا *** وقرن فى : اقررن. وقرن نقلا - 3
...الرابعة : أن يكون حرف العلة عينا فى اسم المفعول ؛ كفعله. وفى هذا النوع يجب إحداث تغيير آخر ، غير الإعلال بالنقل - هو حذف الواو من : «مفعول» إن كان الفعل واوى العين ، وحذفها مع كسر ما قبلها إن كان يائى العين. فمثال الفعل الواوىّ العين : صام يصوم. واسم المفعول منه هو : مصووم ، تنقل الضمة وهى حركة الواو الأولى إلى الساكن الصحيح قبلها ؛ فيجتمع بعد هذا النقل ساكنان ، هما : الواوان. فيجب حذف أحدهما - والأرجح أنه الثانى (3)لزيادته وقربه من الطرف ؛ فيصير اسم المفعول : مصوم. ومثل هذا يقال فى اسم المفعول من : قال ، ورام ، وحاط ... وأمثالها ؛ حيث يكون اسم المفعول هو : مقوول ، ومرووم ، ومحووط ، ثم يحصل الإعلال بالنقل ، ويليه الإعلال بالحذف. ومن النادر الذى لا يقاس عليه تصحيح اسم المفعول المعتل العين بالواو ؛ كقولهم: ثوب مصوون ، والقياس مصون.
ومثال الفعل اليائىّ العين : باع يبيع. واسم المفعول منه هو : مبيوع. تنقل حركة الضمة وهى حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها ؛ فيلتقى بعد هذا النقل ساكنان ؛ هما : الياء والواو ، فيجب حذف أحدهما ؛ وهو الواو - على الأصح - فيصير اسم المفعول : مبيع ، بياء ساكنة قبلها ضمة ، فنقلب الضمة كسرة ؛ لتسلم الياء ، ويصير اسم المفعول هو : مبيع بعد وقوع إعلال بالنقل ، وآخر بالحذف وقلب الضمة كسرة. ومثل هذا يقال فى اسم المفعول من الأفعال : هام يهيم - شاد يشيد - غاب يغيب ... وأمثالها - حيث يكون اسم المفعول هو : مهيوم .
1) قر بالمكان يقر بمعنى سكن واستقر فيه. وأصلهما الشائع : قرر يقرر.
2) فى هذه المسألة الثالثة يقول ابن مالك فى ختام الفصل :
3) إن كانت المحذوفة هى الثانية الزائدة ، طبقا للرأى الأشهر ، فاسم المفعول على وزن : «مفعل» - - بفتح ، فضم ، فسكون .... - وإن كانت المحذوفة هى الأولى التى هى عين الكلمة فوزن اسم المفعول : «مفول» ، لأن عين الكلمة حذفت هنا ، وبقيت هناك. ولا أثر للخلاف بين الرأيين إلا فى هذا الوزن الصرفى.
يقول : ما ثبت لإفعال (واستفعال كذلك. وقد سبق الكلام عليهما) من الإعلال بالنقل والحذف فقمين به (أى : جدير به) المفعول به أيضا من الفعل المعتل العين بالواو ، أو بالياء ، ثم ضرب مثالين لهذين ، وبيّن أن تصحيح ما عينه الواو نادر ، دون ما عينه ياء ؛ فقال :
نحو : مبيع ومصون ، وندر *** تصحيح ذى الواو ، وفى ذى اليا اشتهر - 7
ثم انتقل ابن مالك بعد ذلك إلى ثلاثة أبيات سبق ذكرها وشرحها فى المواضع المناسبة لها ، (ص 719) وختم بها الفصل السابق ، ونصها :
وصحّح المفعول من نحو : عدا *** وأعلل إن لم تتحرّ الأجودا - 8
كذاك ذا وجهين جا «الفعول» من *** ذى الواو لام جمع او فرد يعن - 9
وشاع نحو : نيّم فى : نوّم *** ونحو : نيّام شذوذه نمى - 10
... 01) يقول ابن مالك فى النوع الرابع وما فيه من الإعلال بالنقل ، وبالحذف ، وما يجوز فيه من تصحيح ، وما يندر :
وما لإفعال من الحذف ومن *** نقل فمفعول به أيضا قمن - 6