ghaemiyeh.com
المؤلف: عبّاس حسن
الناشر: دار المعارف
الطبعة: 4
الموضوع : اللغة والبلاغة
تاريخ النشر : 0 ه.ق
الصفحات: 688
المكتبة الإسلامية
النّحو الوافي
مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الجزء الثالث
القلم الموجز لطلبة الجامعات - والمفصل للأساتذة والمتخصّصين
تأليف: عباس حسن
دار المعارف بمصر
المحرر الرقمي: محمّد علي ملك محمّد
سرشناسه : حسن، عباس
عنوان و نام پدیدآور : النحو الوافی مع ربطه بالا سالیب الرفیعه و الحیاه اللغویه المتجدده/ تالیف عباس حسن.
مشخصات نشر : تهران : ناصرخسرو، ۱۴۲۲ق.= ۱۳۸۰.
مشخصات ظاهری : ۴ ج.
مندرجات : ج. ۱. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۲. القسم الموجز للطلبه الجامعات. و المفصل للاساتذه و المتخصصین .-- ج. ۳. القسم الموجز للطلبه الدداسات النحویه و الصرفیه بالجامعات و المفصل للاساتذه و المتخصصین مشتمل علی ضوابط و الاحکام التی قررتها الجامع اللغویه و موتمراتها الرسمیه .-- ج. ۴. القسم الموجز للطلبه الدراسات النحویه بالجامعات و المفصل للاسائذه و المتخصصین
موضوع : زبان عربی -- نحو
رده بندی کنگره : PJ۶۱۵۱/ح۴۵ن۳۱۳۸۰
رده بندی دیویی : ۴۹۲/۷۵
شماره کتابشناسی ملی : م۶۸-۶۸۵
توضیح : «النحو الوافی»، تألیف عباس حسن، از جمله آثار معاصر در موضوع علم نحو است که به شیوهای آموزشی، در چهار مجلد به زبان عربی تألیف شده است.کتاب، مشتمل بر یک مقدمه و چهار جزء است. ابواب کتاب، بنا بر ترتیبی که ابن مالک در «الفیه» انتخاب کرده و بسیاری از نحویون پس از او اختیار کردهاند، مرتب شده است.
نویسنده در تألیف کتاب، به شیوه آموزشی معینی ملتزم نبوده و به تناسب از شیوههای استنباطی، القائی و محاورهای استفاده کرده است.همچنین در پاورقی پس از بیان قاعده و شرح آن، ابیاتی از الفیه را که مرتبت با بحث بوده نقل کرده و بهطور خلاصه توضیح داده است.
در مواردی که بین یک مبحث از صفحات پیشین یا پسین رابطهای با مسئله مورد بحث بوده، به صفحه آن بحث اشاره شده است.
الإضافة (1)
1 . في جملة مثل : «الوالد منصف» ، أو : «أنصف الوالد» يكون المراد هو : الحكم على الوالد بالإنصاف أي : إسناد الإنصاف إليه وإن شئت فقل : نسبة الإنصاف إليه.
وفى جملة أخرى مثل : «الصفح حسن» أو : «يحسن الصفح» يكون المراد أيضا هو : الحكم على الصفح بالحسن ، أي : إسناد الحسن إليه ، أو : نسبته له وكذلك لو قلنا : «الحقود غير مستريح» أو : «الحقود لا يستريح» ، فإن المراد هو : الحكم بعدم الراحة على الحقود ، أي : إسناد عدم الراحة إليه ، أو : نسبة عدم الراحة له ، ونفيها عنه وهكذا الشأن في كل جملة اسمية أو فعلية ، مثبتة ، أو منفية ؛ فالمراد من الجملة لا بد أن يكون هو : «الحكم» ، أي : «الإسناد» ، أي : «النسبة». وهذه الألفاظ الثلاثة متحدة في مدلولها الذي هو : (المعنى المفهوم من الجملة ؛ إثباتا أو نفيا). ويعبر عنه النحاة بأنه : (الربط المعنوى بين طرفي الجملة ربطا يقتضى أن يقع على أحدهما معنى الآخر ، أو ينفى عنه).
ويجرى على ألسنتهم كثيرا ذكر : «النسبة الأساسية» أو : «النسبة «الكلية» ؛ يريدون بها ذلك المعنى ، أو : الربط المعنوى الذى لا يمكن أن تخلو منه جملة مستقلة بمعناها . كالجملة غير الشرطية . ، ولا أن تسمى جملة إلا به. وقد يختصرون فيقولون : «النسبة». دون وصفها بصفة «الأساسية» أو ب «الكلية» ؛ لاصطلاحهم على أنها المقصودة عند الإطلاق ؛ أي : عند حذف الوصف والتحديد.
ب ، على ضوء ما سبق نفهم أن المراد الأصيل من الجملة الحقيقية المستقلة هو : «النسبة الأساسية» أو :«الكلية».
لكن الملحوظ عند سماع جملة مثل : «أقبل ضيف أن تتعدد الاحتمالات الذهنية في أمر هذا الضيف : ما اسمه؟ ما بلده؟ ما صلته بنا؟ ما غرضه؟ ما شأنه؟ ... و ... و ... كل هذا وأكثر منه لا يفهم من هذه الجملة وحدها ، ولا تدل عليه النسبة الأصلية فيها. ومن ثم كانت الجملة في حاجة إلى زيادة لفظية تؤدى إلى زيادة معنوية ؛ كأن نقول : أقبل ضيف عظيم ؛ فننسب العظمة للضيف، فهذه نسبة أيضا ، ولكنها نسبة جزئية أو
فرعية ، ليست أصيلة كالسابقة ؛ إذ لا يتوقف . في الغالب على هذه النسبة الجزئية أو : الفرعية ، المعنى الأساسى للجملة ، ولا يختل بحذفها ؛ فمن الممكن - غالبا - الاستغناء عنها بالاستغناء عن الزيادة اللفظية التي جلبتها.
وكذلك لو قلنا : أقبل الضيف مبتسما ، أو فرحت بالضيف يوما ... أو غير هذا من الزيادات اللفظية الفرعية التي منها : الحال ، والتمييز ، والمفعولات ، والتوابع ، وغيرها من سائر «المكملات» التي تزاد على طرفى الجملة الأصلية ؛ فتكسبها معنى جزئيا جديدا ، قد يمكن الاستغناء عنه.
والنحاة يسمون هذه النسبة الجزئية ، أو الفرعية : «القيد» ، أو : «النسبة التقييدية» يريدون بها : النسبة التي جاءت لإفادة التقييد» ، أي : لإفادة نوع من الحصر ، والتحديد ، ذلك أن اللفظ قبل مجيئها كان عاما مطلقا يحتمل أنواعا وأفرادا كثيرة ؛ فجاءت التكملة (أى : القيد) فمنعت التعميم والإطلاق الشاملين ، وجعلت المراد محددا محصورا في مجال أضيق من الأول ، ولم تترك المجال يتسع لكثرة الاحتمالات الذهنية التي كانت تتوارد من قبل.
ج . من أمثلة التكملات كلمة : «الغرفة» فى نحو : «أضاء مصباح الغرفة» فلو لم نذكر هذه الكلمة لكانت الجملة في حاجة إلى زيادة لفظية تتبعها زيادة معنوية جزئية ، تزيل التعميم والإطلاق عن المراد من كلمة : «مصباح» ؛ إذ لا ندرى : أهو مصباح للغرفة ، أم للطريق ، أم للمصنع أم للنادي ...؟ فلما جاء القيد . وهو كلمة : «الغرفة». أزال تلك الاحتمالات ، وقصر الفهم على واحد منها ؛ فأفاد التقييد ؛ بأن جعل العام المطلق محدودا محصورا. ومثل هذا : قرأت أدب العرب . تمتعت بأدب العرب ... و ... فقد تبع الزيادة اللفظية الجزئية و ... زيادة معنوية جزئية.
ومما يلاحظ أن التكملة (أى : القيد) مجرورة فى أمثلة هذا القسم : «ج» لا تفارق الجر مطلقا. أما في غيرها فقد تكون التكملة مرفوعة ، أو منصوبة ، أو مجرورة ، أو مجزومة على حسب حاجة الجملة، وتسمى التكملة الجزئية التي تلازم الجر دائما : «المضاف إليه» ويسمى اللفظ الذي قبلها ، والذي جاءت لتقييده ، وتحديد مدلوله : «المضاف» ويطلق عليهما معا : «المتضايفان»، و «الإضافة» هي : الصلة المعنوية الجزئية التي بين المتضايفين ، وهما : المضاف ، والمضاف إليه : ويقول النحاة في تعريفها :
«إنها نسبة تقييدية بين اسمين، تقتضى أن يكون ثانيهما مجرورا دائما». نعم ، قد يكون المضاف إليه جملة . كما سيجيء البيان في ص 28 وله إشارة فى ص 78 و 83 . و 84 . ولكن الجملة في هذه الحالة بمنزلة المفرد ، أي : الاسم الواحد ؛ فمحلها الجر ، أما المضاف فلابد أن يكون في جميع حالاته اسما يعرب على حسب الحاجة ، ولا يصح أن يكون فعلا ، أو حرفا، أو جملة. (انظر ص 7 ج).
مما تقدم نعلم ؛ أن التكملة تسمى : «القيد» ، أو : النسبة «التقييدية» وليست مقصورة على الإضافة ، بل تشمل جميع المكملات وأن التكملة في الإضافة تسمى : «المضاف إليه» ولا بد أن يسبقه : «المضاف» وكلاهما لا بد أن يكون اسما واحدا ، وقد يكون «المضاف إليه» جملة بمنزلة الاسم الواحد أى : المفرد - كما سبق - وكذلك نعلم أن المضاف إليه مجرور دائما ، أما المضاف فلا يلازم حالة إعرابية واحدة ؛ بل يعرب على حسب حالة الجملة التى يكون فيها.
والأغلب في المضاف أن يكون معربا. وقد يكون اسما مبنيا ؛ مثل : «حيث» ، و «إذا» الشرطية ، و «كم» الخبرية ، كما سنعرف في هذا الباب، ومثل بعض أنواع مبنية على فتح الجزأين من المركب المزجى العددي في نحو : هذه خمسة عشر محمد ؛ .
طبقا لما هو مذكور في باب العدد . ج 4 م 164 ص 400.
«ملاحظة» : يتردد فى النحو اسم : «الشبيه بالمضاف» وهو يختلف اختلافا واسعا عن. «المضاف».
وتفصيل الكلام على هذا الشبيه ، وعلى أحكامه ، مدون فى ج 1 م 56 باب : «لا» النافية للجنس ، عند الكلام على حكم اسمها ، ص 691 .
تنقسم قسمين ؛ محضة ، (وتسمى : معنوية ، أو حقيقية) وغير محضة ،
1) فيما يلى إيضاح لمدلولها النحوى الدقيق ، ولبعض المصطلحات الهامة التى تتصل بها :
(وتسمى : لفظيّة ، أو : مجازية (1)
ويريدون «بالمعنوية» : أنها تحقق الغرض المعنوى الذي يراد منها تحقيقه ؛ وهو استفادة المضاف من المضاف إليه التعريف ، أو التخصيص - كما سيأتى فى ص 23 - ، ولأنها تتضمن معنى حرف من حروف الجر سنعرفه بعد في ص 16.
ويريدون بالحقيقية : أنها تؤدى الغرض المعنوى السابق حقيقة ، لا مجازا - والمجاز الممنوع هنا هو الآتي في ص 33 وليس هو المعروف فى البلاغة - ، ولا حكما أو تقديرا. (وهذا خير ما يفسر به وصفها بالحقيقية) ...
وستجيء إشارة لكل هذا بمناسبة أخرى في (ص 23 و 33).
- ولها ملحقات (2)-.)فالأولى : ما كان فيها الاتصال بين الطرفين قويّا ؛ وليست على نية الانفصال (3)؛ لأصالتها ، ولأنّ المضاف - فى الغالب - خال من ضمير مستتر يفصل بينهما.
والأكثر أن يكون المضاف فى الإضافة المحضة واحدا مما يأتى :
1 - اسم من الأسماء الجامدة الباقية على جمودها (4)، كالمصادر (5)، وأسماء
1) يريدون «بالمحضة» : التى بين طرفيها قوة اتصال وارتباط ، وليست على نية الانفصال ؛ لأصالتها ، ولأنها لا يفصل بين طرفيها (وهما : المضاف والمضاف إليه) ضمير مستتر كالضمير الذى يفصل فى الإضافة غير المحضة ؛ فيجعلها كأنها غير موجودة ؛ بسبب وجود هذا الفاصل الملحوظ ، وإن كان مستترا - كما سيجىء - فى ص 34 - عند الكلام عليها ....
2) ستجىء الملحقات فى ص 40 - د -
3) يتضح المراد من «نية الانفصال» ومن خلو الكلام من الضمير المستتر بما يجىء فى ص 34.
4) أى : غير المؤولة بالمشتق.
5) وسيجىء فى باب النعت عند الكلام على وقوع المصدر نعتا ، أن هناك مصادر مسموعة أضيفت إلى معرفة ، فلم تكتسب منها التعريف بسبب أنها مصادر مؤولة بالمشتق ؛ فإضافتها غير محضة. (انظر ص 464).
المصادر (1)، وكثير من الظروف ، والجوامد الأخرى ، نحو : لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل - لو استعان الناس كعون النمل ما وجد بينهم شقىّ ، ولا محروم - عند الشدائد تعرف الإخوان - لسان العاقل وراء قلبه ، وقلب الأحمق وراء لسانه -
ومن الأمثلة للجوامد المضافة ، الباقية على جمودها ، الكلمات : أرض - بعض - جسم - فؤاد - فى قول الشاعر :
أيها الراكب الميمّم (2)أرضى *** اقر (3)من بعضى السّلام لبعضى
إنّ جسمى - كما علمت - بأرض *** وفؤادى ومالكيه بأرض
ب - المشتقات الشبيهة بالجوامد ؛ (وهى المشتقات التى لا تعمل مطلقا (4)، ولا تدل على زمن معين) كصيغ أسماء الزمان ، والمكان ، والآلة ؛ مثل الكلمات : مسكن ، مزرعة ، محراث ، منجل ، مذراة ، مغرب ... فى نحو : (الفلاح كالنحلة الدءوب النافعة ؛ يغادر مسكنه قبل الشروق ، قاصدا مزرعته ؛ يعمل فيها ويكدّ ؛ فلا تراه إلا قابضا على محراثه ، أو منحنيا على فأسه ، أو حاصدا بمنجله ، أو مذريا بمذراته ، أو متعهدا زروعه. و ... ويظل على هذا الحال حتى المغرب ؛ فيرجع من حيث أتى ، دون أن يعرّج على ملعب ، أو ملهى ، أو مقهى يسهر فيه ، ثم يقضى الليل هادئا نائما حتى يوافيه الصباح الجديد).
ويدخل فى هذا النوع : المشتقات التى صارت أعلاما ؛ وفقدت خواص الاشتقاق ، بسبب استعمالها الجديد فى التسمية (5)؛ مثل الأعلام : محمود - حامد - حسن ...
1) سبق الكلام على اسم المصدر وإيضاح خصائصه فى ج 2 ص 174 م 75. وسيجىء الكلام عليه وعلى المصدر فى باب خاص بهما. (ص 181 و 207).
2) القاصد.
3) المراد : اقرأ ، سهّلت الهمزة ؛ - بأن صارت ألفا ؛ أى : اقرا. - ثم بنى فعل الأمر على حذف هذه الألف ، كالشأن فى كل فعل أمر معتل الآخر ، فإنه يبنى على حذف حرف العلة.
4) سيجىء لها إشارة أخرى فى ص 30 من هذا الجزء عند الكلام على المشتقات (اسم الفاعل و ... و ...).
5) كما سيجىء فى هامش ص 182.
ح - المشتقات التى لا دليل معها على نوع الزمن الذى تحقّق فيه معناها (1)؛ نحو : قائد الطيارة مأمون القيادة ؛ فإن كلمة : «قائد» اسم فاعل مضاف ، وليس فى الجملة دليل على نوع زمن القيادة ؛ أهو الماضى ، أم الحال ، أم الاستقبال؟ وكذلك كلمة : «مأمون» التى هى اسم مفعول ... (وتسمى هذه المشتقات الخالية من الدلالة الزمنية : ب «المشتقات المطلقة الزمن (2)»).
د - المشتقات الدالة على زمن ماض (3)فقط ؛ نحو : عابر الصحراء أمس كان مملوء النفس أمنا واطمئنانا.
ه - أفعل التفضيل - على الرأى المشهور (4)- وهو من المشتقات التى لها بعض (5)عمل - مثل : أعجبت بشوقىّ ؛ أشهر الشعراء فى عصره ، وقولهم : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا.
و - إضافة الوصف إلى الظرف مع وجود القرينة الدّالة على المضىّ أو على الدوام ؛ مثل : أزال ساطع الصباح البهيج حالك الليل البهيم ، وكقوله تعالى عن نفسه : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. )
1) كما سيجىء فى «ب» من ص 40.
2) سيجىء الكلام عليها فى أبوابها الخاصة ، من هذا الجزء ، ولها إشارة فى ص 30.
3) لا يكفى دلالتها على الزمن الماضى وحده ، بل لا بد مع ذلك أن تفقد العمل ؛ لفقد بعض شروطه. (وستجىء فى ص 238).
4) راجع الصبان والتصريح - وغيرهما - فى هذا الموضع. ثم حاشية ياسين على التصريح ج 2 باب : «أفعل التفضيل» ، عند الكلام على إضافته للنكرة. ويرى شارح المفصل (ج 3 ص 4) ومن معه أن إضافته غير محضة ، ويطيل الإيضاح لهذا ، ويؤكده.
5) كعمله الجر فى المضاف إليه ، والنصب فى تمييزه ، ولأنه يرفع الفاعل ، ولا ينصب المفعول به ؛ ففى مثل : «مررت برجل أفضل القوم» مما سمع فيه أفعل التفضيل مضافا إلى المعرفة مع أن المفضل نكرة - يعرب أفعل التفضيل بدلا من المفضل ، لا صفة له ، بناء على الرأى الأشهر السالف ؛ لكيلا تقع المعرفة نعتا للنكرة. نعم إن البدل المشتق قليل ؛ - كما يقول الصبان عند كلامه على الإضافة غير المحضة - ، ولكنه جائز مع قلته ومخالفته للأكثر ، (كما فى ص 38) ويعرب نعتا بناء على الرأى الآخر. لأنه لم يكتسب التعريف من المضاف إليه ... وإذا أضيف : «أفعل» المراد به التفضيل ، وجب أن يكون بعضا من المضاف إليه وفردا من جنسه ؛ نحو : محمد أفضل الناس، أو : أفضل القوم ، فلا يصح : الحصان أفضل الطيور ، ولا الطائر أفضل الخيول ، - كما سيجىء تفصيل هذا فى ص 402 من بابه -.
والثانية : ما يغلب أن يكون فيها المضاف وصفا (1)، عاملا ، دالّا على الحال ، أو الاستقبال ، أو الدوام. (ويسمى هذا الوصف : ب «المشبه للفعل المضارع فى العمل والدلالة الزمنية») ، وينحصر فى اسم الفاعل ، واسم المفعول ، بشرط أن يكونا عاملين ، دالّين على الحال ، أو الاستقبال. وفى الصفة المشبّهة - فى الرأى الراجح بين آراء أخرى قوية (2)- ولا تكون إلا للدوام غالبا ؛ نحو : (استجب لطالب الحقّ اليوم ، قبل أن ينتزعه بعامل القوة غدا) - (إذا شاهدت غلاما مشرّد النظرات ، موزّع الفكر ، مسلوب الهدوء ، فاعلم أنه بائس يستحق العطف ، أو جان يستحق الزراية) - (عظيم القوم من يهوى عظيمات الأمور).
ويلحق بالإضافة غير المحضة بعض إضافات أخرى سيجىء الكلام عنها فى موضعه المناسب (3)عند تناول ما سبق بالإيضاح.
ولا بد فى جميع حالات الإضافة المحضة وغير المحضة من أن يكون المضاف اسما (4)وكذا المضاف إليه. وقد يقع المضاف إليه - أحيانا - جملة ؛ فيكون فى حكم المفرد - كما سنعرف - (5):
الأحكام المترتبة على الإضافة (6):
يترتب على الإضافة بنوعيها أحكام ؛ بعضها واجب ، وبعضها جائز. وأشهر الأحكام الواجبة أحد عشر (7):
1) ومن غير الغالب أن يكون المضاف غير وصف ؛ كبعض الصور المتعددة الآتية فى : «د» ص 40 وما بعدها ، ومنها الصورة التى تستعمل فى مدح شخص ، أو : ذمه ، أو : الدعاء عليه وهى (فى ص 46): «لا أبا لفلان» - على اعتبار زيادة اللام بين المتضايفين - وتفصيل الكلام عليها فى ج 1 م 8 فى الأسماء الستة.
2) انظر ص 37 و 29 و 307.
3) فى «د» من ص 40. مما يسمى بالأنواع الشبيهة بالإضافة غير المحضة.
4) كما أشرنا فى هامش ص 2 ويجىء فى ص 7.
5) فى ص 28 و 84.
6) للأحكام التفصيلية الآتية ملخص مناسب فى ص 70.
7) هذه الأحكام حتمية (أى : واجبة المراعاة والتطبيق) أما الأحكام الأخرى الجائزة فأشهرها أربعة ، ستذكر بعدها مباشر؟؟؟ ص 63.
الأول : أن يكون «المضاف إليه» مجرورا دائما (1)، لا فرق بين أن يكون مجرورا فى اللفظ ؛ (نحو قول الشاعر :
على قدر أهل العزم تأتى العزائم *** وتأتى على قدر الكرام المكارم
ونحو : من وثق بأعوان السوء لقى منهم شرّ المصائب ...) ، ومجرور المحل (2)؛ نحو : من التمس تقويم ما لا يستقيم كان عابثا ، وإخفاقه محققا. ونحو : نعم العربىّ ؛ يسرع للنجدة حين يدعوه الداعى ... و ... فكلمة : «ما» مضاف إليه مبنية على السكون فى محل جر. والضمير «الهاء» - فى إخفاقه - مضاف إليه مبنى على الضم فى محل جر. والجملة المضارعية : «يدعو» مضاف إليه فى محل جرّ.
وإذا كان المضاف إليه هو : «ياء المتكلم» (3)
أما الإضافة للياء المذكورة فنوع من «الإضافة الظاهرة». كما سيجيء في «ب» من ص 173 ..
وهذا تقسيم آخر للإضافة...
فإنه يستوجب أحكاما أخرى غير الكسر ، ستجىء فى باب خاص به (4).أما المضاف فلابد أن يكون اسما - كما سبق - ويعرب على حسب حالة الجملة ؛ فيكون مبتدأ ، أو خبرا ، أو فاعلا ، أو غير ذلك ... والكثير أن يكون معربا. ومنه ما يكون مبنيّا ، ولا يمنعه البناء من أن يكون مضافا ؛ مثل : حين - حيث - إذ - إذا - لدن ... و ... (5)وغيرها مما سيمر بعضه فى هذا الباب ...
والمضاف هو عامل الجر فى المضاف إليه (6)
وهناك سببان آخران للجر ؛ أحدهما الجر على : «التوهم» ؛ ومن صواب الرأى إهماله ، وعدم الاعتداد به (كما قلنا في ج 1 ص 609 م 49 حيث توضيحه ، وتفصيل الكلام عليه).
والآخر الجر على : «المجاورة» ؛ والواجب التشدد في إغفاله ، وعدم الأخذ به مطلقا. (كما أشرنا في
الموضع السابق وفى ج 2 م 82 ص 323 وص 401 م 89). أما الداعي لاتخاذه سببا للجر فورود أمثلة قليلة جدا ، وبعضها مشكوك فيه . ، قد اشتملت على جر الاسم من غير سبب ظاهر الجره ، إلا مجاورته لاسم مجرور قبله مباشرة ؛ منها : (هذا جحر ضب خرب) ، بجر كلمة : «خرب» ، مع أنها صفة «الجحر» ولا تصلح صفة لضب» ؛ لأن الضب لا يوصف بأنه خرب ، ومنها :
«يا صاح بلغ ذوى الزوجات كلهم ...» بجر كلمة : «كل» ، مع أنها توكيد لكلمة : «ذوى» المنصوبة ؛ إذ لو كانت توكيدا لكلمة : «الزوجات» لقال كلهن. وقد تأول النحاة المثال الأول بأن أصله : هذا جحر ضب خرب الجحر منه ، أو خرب جحره ، ثم حذف ما حذف ، وبقى ما بقى ، واشتد الجدل في نوع المحذوف وصحة الحذف وعدم صحته ، على الوجه المبين في المطولات (ومنها همع الهوامع ج 2 ص 55) وقالوا في المثال الثاني إنه خطأ أو ضرورة.
واتفق كثير من ن أئمة النحاة على أن الجر بالمجاورة ضعيف ، أو ضعيف جدا. وجاء في «المحتسب» لابن جنى. ج 2 ص 297 . ما نصه : (إن الخفض بالجوار . أى بالمجاورة . في غاية الشذوذ).» اه بل جاء في كتاب «مجمع البيان ، لعلوم القرآن» - ج 3 ص 335 . ما نصه : (إن المحققين من النحويين نقوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزا في كلامهم ...). اه ، أي : في كلام العرب ؛ وعلى هذا لا يصح القياس عليه ، ولا يستعمل إلا في المسموع (كما جاء فى خزانة الأدب ، للبغدادي ، ج 2 ص 324).
- تبعا للرأى المشهور - ...1) ومعناه يخالف معنى المضاف ؛ لأن الإضافة - ولا سيما المحضة - تقتضى مغايرة المتضايفين فى مدلولهما ؛ (كما سيجىء ، فى رقم 6 من هامش ص 40) إلا بعض حالات هناك ، ولا بد أن يكون المضاف إليه اسما ، ولو تأويلا ؛ كما فى هامش ص 2 وفى ص 6.
2) يكون مجرورا فى اللفظ إذا كان معربا ، ويكون مجرور المحل إذا كان مبنيا ؛ كالضمائر ، والموصولات و ... أو كان جملة ، فالمبنى والجملة كلاهما فى محل جر.
3) الإضافة لياء المتكلم المحذوفة أو المنقلبة ألفا تسمى : «الإضافة المقدرة».
4) ص 169.
5) لما تقدم إشارة فى آخر : «ج» من هامش ص 2.
6) قلنا فى الجزء الثانى (باب حروف الجر ، هامش ص 338 م 89) إن جر الاسم بالإضافة هو سبب من أسباب ثلاثة أصيلة ، كل واحد منها يوجب جره ، أولها : جره بحرف الجر ، وثانيها : جره بالإضافة ، وثالثها : جره بالتبعية لمتبوع مجرور ، كأن يكون التابع نعتا ، أو : معطوفا ، أو : توكيدا ، أو بدلا ، والمتبوع فى كل تلك الحالات مجرور ؛ فيجب جر التابع محاكاة له.
الثانى : وجوب حذف نون المثنى ، ونون جمع المذكر السالم ، وملحقاتهما - إن وقع أحدها مضافا مختوما بتلك النون. فمثال حذفها من آخر المثنى المضاف قول الشاعر :
العين تعرف من عينى محدّثها *** إن كان من حزبها أو من أعاديها
ومثال حذفها من آخر الملحق بالمثنى (1)قول الشاعر :
بدت الحقيقة غير خاف أمرها *** واثنا (2)علىّ يشهدان بما بدا
ومثال حذفها من جمع المذكر : الجنود حارسو الوطن ، باذلو أرواحهم
فى حمايته. ومثال حذفها من الملحق (1)به قولهم : أحبّ الناس للمرء أهلوه ؛ فلا يقض سنى حياته فى معاداتهم ، أو مقاطعتهم. وقول بعضهم يصف شهرا من شهور الضيف : لقد اشتدت وقدته ، وتأجّج سعيره ، وأحرقتنا ثلاثوه. وكان الأصل (2)
ومثل قول الشاعر :
خليلىّ إن المال ليس بنافع *** إذا لم ينل منه أخ وصديق
وقولهم : إن مكرمىّ أهل تفضل لا أنساه.
والأصل : أستاذان لى ، أستاذون لى ، خليلين لى ، مكرمين لى ، ثم حذفت اللام مع النون. وقيل إنها حذفت للتخفيف. وسواء أكان هذا أم ذاك فلابد من حذف اللام مع النون ، فلا قيمة للخلاف ... و ...
كما سيأتى فى باب : «المضاف للياء». (رقم 1 من هامش ص 178).
قبل الإضافة : عينين - اثنان - حارسون - باذلون - أهلون - سنين - ثلاثون.فإن كانت النون الأخيرة ليست للتثنية ولا لجمع المذكر السالم ، ولا لملحقاتهما لم يجز حذفها من المضاف ؛ كالنون التى فى آخر المفرد ، مثل : سلطان - حنان - ، وكالتى فى آخر جمع التكسير ، مثل : بساتين - رياحين ؛ تقول : سلطان الضمير أقوى من سلطان القانون - حنان الآباء والأمهات لا يسمو إليه حنان أحد - كان العرب القدامى مفتونين ببساتين الشام ورياحينها ، يكثرون القول فى وصفها ، والتغنى بمباهجها. .
1 - هناك حالة يجوز فيها حذف النّون وعدم حذفها من آخر المثنى وجمع المذكر السالم ، مع عدم إضافة كل منهما. وتتحقق هذه الحالة فى الإضافة غير المحضة حين يكون المضاف وصفا عاملا بعده معموله. والغالب (1)
وإنما قلنا : الغالب في الوصف أن يكون صلة « أل» اعتمادا على ما قاله الصبان هنا وفي الجزء الأول (في باب : الإعراب ؛ عند الكلام على حركة نون المثنى والجمع) حيث صرح فيهما بأن الوصف صلة. ومعلوم أن الوصف لا يكون صلة إلا لأل. أما غير الغالب فعدم وقوعه صلة لها ، وهذا يفهم من كلامه في باب الإعراب السالف في الموضع المشار له ، كما يفهم من ج 2 آخر باب الإضافة عند كلامه على مواضع الفصل بين المتضايفين بشبه الجملة.
فى هذا الوصف أن يكون صلة «أل» ؛ نحو : اشتهر المتقنان العمل - اشتهر المتقنون العمل ... فعند إثبات النون فى الوصف - كما فى المثال - يتحتم إعراب كلمة : «العمل» مفعولا به للوصف. وعند حذفها - مثل : اشتهر المتقنا العمل ، اشتهر المتقنو العمل - يجوز فى كلمة : «العمل» أمران ؛أحدهما : الجرّ على اعتبارها مضافا إليه ، والوصف قبلها هو المضاف ، حذفت من آخره نون التثنية ، أو الجمع ؛ بسبب إضافته.
والثانى : النصب على اعتبارها مفعولا به للوصف ، حذفت النون من آخره للتخفيف ، لا للإضافة ؛ إذ الوصف فى هذه الصورة ليس مضافا ، وإنما حذفت من آخره «النون» - بالرغم من عدم إضافته - ؛ متابعة لبعض القبائل التى تجيز حذفها من آخر المثنى ، وجمع المذكر السالم ، بشرط أن يكون كل منهما وصفا عاملا - يغلب (2)
وإنما قلنا : الغالب في الوصف أن يكون صلة « أل» اعتمادا على ما قاله الصبان هنا وفي الجزء الأول (في باب : الإعراب ؛ عند الكلام على حركة نون المثنى والجمع) حيث صرح فيهما بأن الوصف صلة. ومعلوم أن الوصف لا يكون صلة إلا لأل. أما غير الغالب فعدم وقوعه صلة لها ، وهذا يفهم من كلامه في باب الإعراب السالف في الموضع المشار له ، كما يفهم من ج 2 آخر باب الإضافة عند كلامه على مواضع الفصل بين المتضايفين بشبه الجملة.
أن يكون صلة «أل» وبعده مفعوله غير مجرور ؛ كما شرحنا.لكن من الخير إهمال هذه الصورة اليوم ، وعدم محاكاتها - وإن كانت محاكاتها جائزة - لما قد تحدثه من لبس وإبهام ينافيان الغرض الصحيح من اللغة ، وما يجب أن توصف به. وإنما عرضناها ، كما نعرض نظائر لها فى بعض الأحيان ؛ للسبب الذى نردده كثيرا ، وهو : الاستعانة بها على فهم الوارد منها. فى النصوص القديمة ، دون الموافقة على محاكاتها.
الثالث : وجوب حذف التنوين إن وجد فى آخر المضاف قبل إضافته ؛ كقولهم : بناء الظلم إلى خراب عاجل ، وكلّ بنيان عدل فغير منهدم. فقد حذف التنوين من الكلمات المعربة : (بناء - كل - بنيان - غير ...) ، بسبب الإضافة. ولو زالت الإضافة لعاد التنوين.
الرابع : وجوب حذف «أل» من صدر المضاف ، بشرط أن تكون زائدة (1)فى أوله للتعريف ، أو لغيره ، وأن تكون الإضافة محضة ، نحو : بلادنا تاج الفخار للشرق ، وهى درّة عقده. والأصل : البلاد - التاج - الدرة - العقد. فحذفت «أل» من أول كل مضاف.
فإن كانت «أل» غير زائدة ؛ (نحو : ألف ، وألباب) (2)لم تحذف.
أما إن كانت الإضافة غير محضة فيجب حذف «أل» أيضا - إلا فى الحالات الأربع التالية (3).
ا - أن توجد فى المتضايفين معا (أى : فى المضاف والمضاف إليه ، معا) ؛ نحو : الوالدان هما الرحيما القلب - العلماء هم المؤسسو الحضارة.
ب - أن توجد فى المضاف دون المضاف إليه ، ويكون المضاف إليه مضافا إلى اسم مبدوء بها ؛ نحو : أعاون المؤسسى نهضة البلاد ، وأعتقد أنهم الرائدو خير الوطن.
ح - أن توجد فى المضاف دون المضاف إليه ويكون المضاف إليه مضافا
1) أى : بشرط أن تكون غير لازمة ، واللازمة - هنا - هى المعدودة من بنية اللفظ ، أى : من حروفه التى لا بد من وجودها ليؤدى المراد الأصيل منه ، كالتى لا تفارق الأعلام مطلقا ؛ مثل : (ألكن ، ألفىّ - وألطاف - ، وإلهام ، وألوان ، وألحان) - أعلاما ...
2) جمع : لب ، بمعنى : عقل.
3) مما تجب ملاحظته : أن «الإضافة» تعتبر محضة لا يجوز فيها وجود «أل» فى «المضاف» إذا كان هذا المضاف «المشتق» دالا على الزمن الماضى فقط مع عدم استيفائه لبقية الشروط اللازمة للإعمال ، (والتى يجىء بيانها فى ص 246 ؛ - كما سبق فى ص 5 و 6) - فلا يصح : جاء العابر النهر أمس. فلابد لصحة الجمع بين «أل» و «الإضافة» فى المشتق العامل (كاسم الفاعل و ...) أن يكون عاملا زمنه للحال أو الاستقبال أو الاستمرار الذى يشمل الأزمنة الثلاثة ؛ نحو : انظر العابر النهر الآن - انظر العابر النهر غدا ، إن اللّه المدبر الأمور.
إلى ضمير يعود على لفظ مشتمل عليها ، نحو : المجد أنتم المدركو قيمته ، والفضل أنتم الباذلو غايته.
د - أن توجد فى المضاف دون المضاف إليه بشرط أن يكون المضاف مثنى أو جمع مذكر سالما ؛ نحو : أنتما الصانعا معروف - أنتم الصانعو معروف. ومنه قول الشاعر :
وما لكلام الناس فيما يريبنى *** أصول ، ولا للقائليه أصول
وفى غير هذه الحالات الأربع الخاصة بالإضافة غير المحضة يجب حذف «أل» كما قلنا. ففى كلمات مثل : العزيز - الشاهد - السارق - الأفضل ... و ... وأشباهها نقول فيها عند إضافتها : عزيز قومه مطاع فيهم - شاهد زور أكبر ضررا من سارق مال - أفضل مواهب المرء عقله ... و ...
ا - الكوفيون يجيزون فى الإضافة المحضة دخول «أل» على المضاف ، بشرط أن يكون اسم عدد ، وأن يكون المضاف إليه هو المعدود ، وفى أوله «أل» أيضا ؛ فلابد من وجودها فيهما معا ، نحو : قرأت الثلاثة الكتب فى السبعة الأيام. وحجتهم فى هذه الإجازة السماع عن العرب ، وورود عدّة أمثلة صحيحة تكفى عندهم للقياس عليها. والبصريون لا يجيزون هذا ، مستندين فى المنع إلى أن العدد مع المعدود هو ضرب من المقادير ، والمقادير لا يجوز فيها ما سبق ؛ فكما لا يصح أن يقال : اشتريت الرطل الفضة ، - بالإضافة - لا يصح كذلك أن يقال : الثلاثة الكتب ، بالإضافة ؛ حملا للنّظير على نظيره ، وقياسا للشىء على ما هو من بابه. فعلّة المنع عندهم : «التنظير».
والحق أن حجة الكوفيين هى الأقوى ؛ لاعتمادها على السماع الثابت ، وهو الأصل والأساس الذى له الأولوية والتفضيل ؛ فلا مانع من الأخذ به لمن شاء غير أن المذهب البصرى أكثر شهرة ، وأوسع شيوعا ؛ فمن الخير الاكتفاء بمحاكاته ؛ لتتماثل أساليب البيان اللغوى ، وتتوحد ، حيث يحسن التماثل والتوحد (1).
ب - فى مثل : «جاء المكرمك». - من كل وصف عامل مبدوء : «بأل» ومفعوله ضمير بعده (2)
ألا أيهذا الزاجرى احضر الوغى *** وأن أشهد اللذات ، هل أنت مخلدى؟
ومثل البيت الأخير من أبيات «شوقى» التالية ، يخاطب أبا البنات ، الذى لم يرزق بنين :
إن البنات ذخائر من رحمة *** وكنوز حبّ صادق ، ووفاء
السّاهرات لعلّة ، أو كبرة *** والصابرات لشدة وبلاء ... -
والباكياتك حين ينقطع البكا *** والزائراتك فى العراء النّائى
(الكبرة : الشيخوخة - العراء النائى : الخلاء والفضاء البعيدان. والمراد بهما : المقابر).
- يعرب هذا الضمير (وهو هنا : الكاف)مفعولا به فى محل نصب ، ولا تصح الإضافة ؛ لوجود : «أل» فى صدر المضاف ؛ إذ هذه الصورة ليست من الصور السالفة (1)التى تباح فيها الإضافة مع وجود : «أل» فى المضاف.
ويتعين فى الضمير (الكاف) الجر المحلىّ بالإضافة إن كان الوصف مجردا من : «أل» فى مثل : «جاء مكرمك» ، لفقد التنوين ؛ إذ لم نقل : جاء مكرم إيّاك. أما إن كان مفعول الوصف ظاهرا بعده فإن آثار الإضافة ستظهر عليه جليّة ؛ وتتبين بجرّه ، مع حذف التنوين من الوصف المضاف ، وإلا فلا إضافة ، فينصب المفعول به بعد الوصف ...
ومثل الضمير (الكاف) فى وجوب النصب : الضمير «الهاء» فى : «أوضعه» من قولهم المأثور : «لا عهد لى بألأم قفا منه ، ولا أوضعه». بفتح العين - كما وردت سماعا - ف «الهاء» هنا مثل «الكاف» فى المثال السابق. إلا أن «الكاف» مفعول به ، و «الهاء» مشبه بالمفعول به هنا ، لأن اسم التفضيل لا ينصب مفعولا به. وليست كلمة «أوضع» مضافة ، و «الهاء» مضافة إليها ؛ لأنها لو كانت مضافة لوجب جرها بالكسرة لا بالفتحة التى سمعت بها. على أنه لا مانع من جرّها فى استعمالنا الآن على الإضافة (2).
وفى مثل : «مررت برجل أبيض الوجه لا أحمره» ، يجوز جر : «أحمر» بالفتحة ؛ على اعتباره معطوفا على كلمة «أبيض» ، و «الهاء» بعده فى محل نصب ؛ على «التشبيه بالمفعول به» للصفة المشبهة : (وهى أحمر) ويجوز جر : «أحمر» بالكسرة : على اعتباره معطوفا على أبيض أيضا ، مضافا ، و «الهاء» مضاف إليه ، مبنية على الضم فى محل جر (3).
الخامس : وجوب اشتمال الإضافة المحضة على حرف جر أصلى (1)، مناسب ، اشتمالا أساسه التخيل والافتراض ، لا الحقيقة والواقع ؛ فيلاحظ وجوده ، مع أنه غير موجود إلا فى التخيل ، أو : فى النية (2)- كما يقولون -.
والغرض من هذا التخيل : الاستعانة بحرف الجر على توصيل معنى ما قبله إلى ما بعده ؛ كالشأن فى حرف الجر الأصلى (3)، وأيضا الاستعانة على كشف الصلة المعنوية بين المتضايفين ، (وهما : المضاف والمضاف إليه) ، وإبانة ما بينهما من ارتباط محكم ، وملابسة (أى : مناسبة) قوية لا تتكشف ولا تبين إلا من معنى حرف الجر المشار إليه (4)
وقد دفعوا حجته بمنع المساواة ؛ قائلين : إن المراد من كون الإضافة على معنى حرف . كاللام ، مثلا . مجرد ملاحظة معنى : «اللام». وهذه الملاحظة المجردة لا تمنع من تعريف المضاف ، ولا من تخصيصه ، على الوجه الآتي في الحكم السادس . ص 23 . ما دام حرف الجر مختفيا لا يظهر في الجملة بين المتضايفين. أما إذا ظهر بينهما فإن الأمر يتغير ؛ فتخلو الجملة عندئذ من اسم المضاف والمضاف إليه ؛ لأن كلا منهما يفقد اسمه هذا بسبب ظهور حرف الجر ، ويزول ماكان يكتسبه المضاف من المضاف إليه من تعريف أو تخصيص ؛ حيث لا يوجد الآن إضافة مطلقا.
فمجرد الملاحظة لا يستلزم المساواة التامة بين كتاب «محمد» و «كتاب لمحمد» من كل وجه إذ المراد من «كتاب محمد» ، بمعنى : «كتاب لمحمد» ملاحظة معنى «اللام» فقط دون التصريح بها ، ودون منع تعريف أو غيره مما يستفيده المضاف من المضاف إليه. فالأمر مقصور على مجرد تفسير جهة الإضافة في المثال المذكور وأشباهه ؛ من ناحية الملك ، أو : الاختصاص ، ونحوه ، ليس غير.
. بشرط أن يكون هذا الحرف خفيّا متخيّلا ، مكانه بين المضاف والمضاف إليه ، وأن يكون أحد ثلاثة أحرف أصلية ؛ هى : «من» - «فى» - «اللام» (5).1) أما غير المحضة فالصحيح أنها لا تشتمل على حرف جر (خقىّ ملحوظ). وقيل : إنها تشتمل على «اللام» والأول هو الأرجح الذى يجب الاقتصار عليه.
2) هذا تعبير النحاة.
3) أوضحنا هذا فى باب حروف الجر ، ج 2 م 89 ص 340.
4) يرى بعض النحاة أن الإضافة المحضة ليست على تقدير حرف خفى ، ولا على ملاحظة وجوده مع اختفائه. وحجته : أنه لو كان هناك حرف خفى ملحوظ ما وقع فرق فى المعنى بين : كتاب محمد ، وكتاب لمحمد ؛ فيتساوى المعنيان ، مع أنهما غير متساويين فى الواقع، لأن كلمة : «كتاب» الأولى معرفة ، والثانية نكرة ؛ وفرق كبير فى المعنى بين المعرفة والنكرة.
5) وبسبب هذا الأثر المعنوى ، مزيدا عليه الأثر الموضح فى الحكم السادس التالى - ص 23 - سميت «إضافة معنوية» - كما سبق فى رقم 1 من هامش صفحة 3 ، وكما سيجىء فى صفحة 24.
وإنما انحصر الاختيار فى هذه الثلاثة لأنها - دون غيرها - أقدر على تحقيق الغاية المعنوية ؛ فالحرف : «من» يدل على أن المضاف بعض المضاف إليه ... ، والحرف : «فى» يدل على أن المضاف إليه يحوى المضاف كما يحوى الظرف المظروف ... والحرف : «اللام» يدل على ملكية المضاف إليه للمضاف ، أو اختصاصه به بنوع من الاختصاص ... فمثال : «من» قول أعرابية لابنها الخارج إلى القتال ، وقد رأته متزينا :
حرام على من يروم انتصارا *** ثياب الحرير ، وحلى الذهب
أى : ثياب من الحرير ، وحلى من الذهب. ومثال «فى» قول الشاعر :
ولقد ظفرت بما أردت من الغنى *** بكفاح صبح ، واجتهاد مساء
أى : بكفاح فى صبح ، واجتهاد فى مساء. ومثال «اللام» قول الشاعر فى وصف الصحف :
لسان البلاد ، ونبض العباد *** وكهف الحقوق ، وحرب الجنف (1)
أى : للبلاد - للعباد - للحقوق - للجنف.
ومن الواجب التنبه لما قلناه من أن الحرف الجارّ - فى الأمثلة السالفة وأشباهها - لا وجود له فى الحقيقة الواقعة ، ولا فى التقدير الذى يقوم مقامها ، وإنما وجوده مقصور على التخيل ، ومجرد النية. ولهذا لم يعمل الجر فى المضاف إليه ، - فى الرأى المشهور - ولم يحتاجا معا إلى عامل يتعلقان به ؛ إذ التعلق لا يكون إلا للجار والمجرور الحقيقيين الأصليين. وبالرغم من أن هذا الحرف خيالى محض فإن التصريح به جائز فى أكثر الإضافات المحضة (2)...
لكن أيصلح كل حرف من تلك الأحرف الثلاثة لكل إضافة محضة ؛ بحيث يصح أن يحل هذا الحرف محل ذاك ، والعكس ، بغير ضابط ولا اشتراط شىء ، أم أن الأمر فى الاختيار مقيد بشرط خاص ، وخاضع لضابط معين؟.
وبعبارة أخرى : أيباح استعمال كل واحد من الأحرف الثلاثة فى كل إضافة
محضة ، أم أن لكل إضافة محضة حرفا واحدا يناسبها ، ولا يصلح لها سواه؟.
نعم لكل واحدة منها حرف يناسبها ، ولا يجوز اختيار غيره ، وإلا فسد المعنى المراد. ولهذا قالوا إذا صلح لواحدة أكثر من حرف جر وجب أن يختلف المعنى باختلاف الأحرف الجارة الصالحة ؛ لأن لكل حرف من الثلاثة معنى خاصّا به ، لا يؤديه غيره ، فلا يمكن أن تتفق المعانى فى إضافة واحدة مع اختلاف هذه الأحرف.
وفيما يلى بيان الضابط الذى يراعى عند اختيار أحد الأحرف الثلاثة : (وقد جرى الاصطلاح النحوى عند اختيار حرف منها أن يذكر اسم الحرف ؛ فيقال : الإضافة على معنى «من» (1)- أو : الإضافة على معنى : «فى» - أو الإضافة على معنى : «اللام»).
ا - تكون الإضافة على معنى : «من» ، إن كان المضاف إليه جنسا عامّا يشمل المضاف ، ويصح إطلاق اسمه على المضاف. وإن شئت فقل : أن يكون المضاف بعض المضاف إليه ، مع صلاحية المضاف لأن يكون مبتدأ خبره المضاف إليه (2)، من غير فساد للمعنى ، مثل : ثياب حرير ، حلى ذهب ... فالحرير : مضاف إليه ، وهو جنس عامّ ، يشمل أشياء كثيرة ؛ منها الثياب ، وغيرها. والذهب جنس عام يشمل أشياء متعددة ، منها الحلى وغيره ، فالمضاف فى الحالتين - ونظائرهما - بعض مما يشمله المضاف إليه ، ولو سمى باسم المضاف إليه لكانت التسمية صحيحة ، ولو وقع المضاف مبتدأ خبره المضاف إليه ما فسد المعنى ، فيصح ؛ الثياب حرير - الحلى ذهب ...
من الإضافة التى على معنى : «من» إضافة الأعداد إلى المعدودات ؛ نحو : اشتريت أربعة كتب. ويدخل فى هذا النوع إضافة العدد إلى عدد آخر ؛ نحو : عندى من الكتب ثلاثمائة (1)
وقد يقال : لا داعي للتأويل والتقدير ما دامت العرب قد نطقت بهذا ...
.ومنها : إضافة المقادير إلى الأشياء المقدّرة ؛ نحو : بعت فدان قطن.
وإذا كانت الإضافة على معنى : «من» جاز فى المضاف إليه أوجه إعرابية أخرى ، فيجوز أن يعرب بدلا ، أو عطف بيان ، وتزول بوجودهما الإضافة وتكون حركة آخره تابعة لحركة المتبوع الذى كان مضافا فى الأصل. كما يجوز أيضا - إن كان نكرة - نصبه على الحال أو التمييز بعد الاستغناء عن الإضافة ؛ ففى مثل : هذه ساعة فضة ، يصح إعراب : «فضة» مضافا إليه مجرورا ، والمضاف هو كلمة : «ساعة» - خبر مرفوع ، مجرد من التنوين. ويصح فى كلمة : «فضة» إعرابها بدلا ، أو عطف بيان ، فتكون مرفوعة ، تبعا لكلمة «ساعة» المرفوعة ، والتى يجب أن يرجع إليها التنوين فى هذه الصورة بعد زوال الإضافة. ويصح أيضا إعراب كلمة : «فضة» حالا أو تمييزا ؛ فيجب نصبها كما يجب تنوين كلمة : «ساعة» فى هذه الصورة أيضا ، بعد زوال الإضافة.
ولكل صورة إعرابية من الصور الصحيحة السالفة معنى يختلف عن الآخر ؛ لأن المعنى الذى يؤديه البدل أو عطف البيان يغاير ما يؤديه الحال أو التمييز ، وكذا ما يؤديه هذان ...
1) عرفنا أنهم اشترطوا فى الإضافة التى على معنى : «من» أن يكون المضاف إليه جنسا للمضاف ... ، وأن يصح وقوع المضاف إليه خبرا عن المضاف. لكن هذا لا يتحقق فى إضافة العدد للعدد ؛ إذ لا يصح أن يقال : «الثلاث مائة ...» غير أنهم قالوا إن إضافة العدد للعدد هى على معنى «من» ولا يضر عدم صحة الإخبار فى الظاهر ؛ لأن المراد بالمضاف إليه هنا الجمع فيشمل المضاف. فالمقصود من المائة (وهى المفرد المضاف إليه) المئات ؛ فكأنك تقول : الثلاث مئات ... وبهذا التأويل يتحقق الشرط السالف.
ب - تكون الإضافة على معنى : «فى» إن كان المضاف إليه ظرف زمان أو مكان واقعا فيه المضاف (1): نحو : يحرص كثير من الناس على رحلة الشتاء إلى المشاتى ، ورحلة الصيف إلى السواحل البحرية. أى : رحلة فى الشتاء ، ورحلة فى الصيف. ونحو : قول شوقى فى وصف الظبى :
«عروس البيد ، الفاتن كالغيد ... إذا شرع فى السماء روقيه (2)، خلته دمية محراب ، أو شجيرة عليها تراب». يريد : عروس فى البيد - دمية فى محراب ...
ح - تكون الإضافة على معنى «اللام» إن كان معناها هو الذى يحقق القصد ، دون معنى : «من» أو «فى» ؛ كالإضافة التى يراد منها بيان الملك ، أو الاختصاص ، فى مثل : يضع العربى يده فى يد أخيه ، ويعاهده على النصر والتأييد والفداء. أى : يد له فى يد لأخيه. وقول شوقى يخاطب أبا الهول (3):
أبا الهول ، أنت نديم الزّمان *** نجنى الأوان (4)، سمير العصر (5)
أى : نديم للزمان - نجىّ للأوان - سمير للعصر ، فالإضافة فى هذه الصور وأشباهها على معنى : «اللام» ولا تصلح أن تكون على معنى «من» أو : «فى».
والغالب فى اللام الملحوظة أن تكون لبيان الملك أو الاختصاص (6). فإن صلح فى مكانها ملاحظة حرف آخر وجب أن يقوم المعنى على ملاحظة الحرف الذى يحقق القصد ؛ لأن لكل حرف - كما أشرنا (7)- معنى يؤديه ؛ فالحرف الذى يؤدى المعنى الذى يريده المتكلم يكون هو الحرف المطلوب.
1) ليس من اللازم أن يكون المضاف إليه ظرفا حقيقيا للزمان أو المكان تنطبق عليه شروطهما ، وإنما الغرض أن يكون وعاء للمضاف ، وغلافا يحتويه. ويكفى أن تكون الظرفية مجازية.
2) قرنيه. - تثنية : قرن -
3) تمثال فرعونى من أقدم آثار الفراعين ، وأروعها صورة ، وأكملها إتقانا ، رأسه رأس إنسان وجسمه جسم أسد.
4) الزمن الحديث.
5) بمعنى : الدهر. أو : جمع عصر.
6) انظر رقم (1) فى الصفحة التالية - وقد سبق شرح هذا فى الجزء الثانى ، باب : «حرف الجر» - ص 364 م 90.
7) فى ص 18.
(1) قد تكون الإضافة على معنى : «اللام» ولكن لا يصح التصريح (1)بهذا الحرف ، مثل : يوم السبت - يوم الأحد ... و ... ومثل : علم الحساب - علم الهندسة ... و ... وفى هذه الحالة يكتفى من اللام بتحقيق الغرض من مجيئها ؛ وهو : إفادة الاختصاص.
وهناك صور أخرى لا يصح التصريح فيها باللام إلا إذا تغير لفظ المضاف وحل محله لفظ آخر يرادفه أو يقاربه ؛ ومن هذه الصور : ذو مال - عند علىّ - مع الوالد - كل رجل ... فتصير بعد التغيير الذى لا يفسد المعنى : صاحب مال - مكان علىّ - مصاحب الوالد - أفراد الرجل.
(2) الأصل أن تكون النسبة الإضافية قوية ، أى : أن تكون الصلة المعنوية بين المضاف والمضاف إليه وثيقة ، والربط بينهما محكما بحيث يظهر ويتحقق جليّا معنى الحرف : «من» أو : «فى» أو : «اللام» على حسب القصد. وهذه الإضافة تسمى : «الإضافة قوية الملابسة» (أى : قوية المناسبة).
وقد تقوم دواع بلاغية تقتضى أن تكون الصلة بين المضاف والمضاف إليه ضعيفة ، لكنها واضحة مفهومة ، ويعبرون عنها بأنها «الإضافة لأدنى ملابسة» (2)ومن أمثلتها : «قمر القاهرة ساحر ، وشمس حلوان (3)رائعة». فقد أضيف القمر إلى القاهرة ، ونسب إليها ؛ إضافة على معنى «اللام». فأين ما تفيده الإضافة التى على معنى «اللام» من الملك أو الاختصاص؟ ... إن صلة القمر بمدينة القاهرة ضعيفة لا تستحق تلك الإضافة ، ولا هذه النسبة ؛ إذ يشاركها فيها آلاف من البلاد الأخرى ؛ فلا داعى لاستئثارها بالقمر. غير أن
هناك داعيا بلاغيّا اقتضى هذه النسبة وتخصيص القمر بالقاهرة ؛ هو : إفادة أنه يمنحها ما لا يمنح سواها ، ويضفى عليها جمالا قلّ أن تفوز به مدينة أخرى. فكأنه خاص بها ، مقصور عليها. ومثل هذا يقال فى المثال الثانى وأشباهه (1)
أهابوا به ؛ فازداد بعدا ، وصدّه *** عن القرب منهم ضوء برق ووابله
فقد أضاف الشاعر كلمة : «وابل» إلى ضمير «البرق» ؛ فكأنه أضافها إلى البرق نفسه ؛ قائلا «وابل البرق» مع أن «الوابل» ليس للبرق. قال المبرد : قد يضاف ما كان كذلك على السعة كقول الشاعر :
حتى أنخت قلوصى فى دياركمو *** بخير من يحتذى نعلا وحافيها
فأضاف «الحافى» إلى «النعل» وهو يريد : حاف منها.
...1) كقوله تعالى : ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها. ) فقد أضيف الضحا إلى : «ها» التى هى ضمير العشية ، فالتقدير : كأنهم لم يلبثوا إلا عشية ، أو ضحا العشية. ولا صلة هنا تربط المضاف بالمضاف إليه ربطا معنويا قويا يحقق معنى الحرف إلا صلة واهية ؛ هى : أن الضحا أول النهار والعشية آخره ؛ فبينهما أزمنة أخرى ، لكل زمان منها اسمه الخاص. ولكن البلاغة اقتضت إغفال هذه الأزمنة ، وإجراء إضافة لأدنى ملابسة بين المضاف والمضاف إليه. وكقولهم : (نجم الأحمق) ؛ وهو نجم كان إذا أشرق ورآه بعض الحمقى ، هدأ واستراح ، وخفت حدة حمقه. وكذلك ما جاء فى «الكامل» للمبرد (ج 1 ص 243) ، من قول الشاعر :
السادس : استفادة المضاف من المضاف إليه تعريفا أو تخصيصا ؛ بشرط أن تكون الإضافة محضة ؛ فيستفيد الأول من الثانى ، ويبقى الثانى على حاله (1)
(راجع الصبان ج 1 آخر باب أداة التعريف. وكذا المفصل ج 6 ص 34).
لم يفقد شيئا بسبب الاستفادة منه.وإيضاح هذا : أنه - فى الإضافة المحضة - إذا كان المضاف نكرة : وأضيف إلى معرفة - فإنه يكتسب منها التعريف مع بقائها معرفة ؛ كقولهم : كلام المرء عنوان لعقله ، وعقله ثمرة لتجاربه. فالكلمات : (كلام - عقل - تجارب) - هى فى أصلها نكرات ، لا تدل كلمة منها على معيّن ، ثم صارت معرفة بعد إضافتها إلى المعرفة ، واكتسبت منها التعيين الذى يزيل عن كل واحدة منها إبهامها وشيوعها. ومثل كلمة : «يد» المضافة للمعرفة فى قول الشاعر :
الغنى فى يد اللئيم قبيح *** قدر قبح الكريم فى الإملاق
فإن كان المضاف معرفة باقية على التعريف لم يصح - فى الأغلب - إضافته إلى المعرفة (2)؛ لأنه لا يستفيد منها شيئا ، ولهذا السبب لا يصح - أيضا - إضافة المعرفة الباقية على تعريفها إلى النكرة.
أما إذا كان المضاف نكرة وأضيف إلى نكرة فإنه يكتسب منها - مع بقائها على حالها - «تخصيصا» يجعله من ناحية التعيين والتحديد فى درجة بين المعرفة والنكرة ؛ فلا يرقى فى تعيين مدلوله إلى درجة المعرفة الخالصة الخالية من الإبهام والشيوع ، ولا ينزل فى الإبهام والشيوع إلى درجة النكرة المحضة الخالية من كل تعيين وتحديد. ومن أمثلته قولهم : (فلان رجل مرءوة ، وكعبة أمل ، وغاية فضل) ... فالكلمات : (رجل - كعبة - غاية) ... نكرات محضة قبل إضافتها. فلما أضيفت إلى النكرة قلّت أفراد كل مضاف بعد الإضافة؛
1) إذا توالت الإضافات - نحو : هذا بيت والد محمود ، وقرأت أكثر قصائد ديوان شعر - المتنبى ... ، - انتقل التعريف أو التخصيص من المضاف إليه الأخير إلى الذى قبله ، فالذى قبله حتى يصل إلى المضاف الأول.
2) قد يصح إضافة العلم بعد تنكيره ، وإزالة علميته ، لداع من الدواعى التى تقتضى إضافته. وفى ج 1 ص 204 م 23 بيان هذا وتفصيله.
فكلمة : «رجل» تدل على أفراد لا حصر لها ؛ منها رجل مرءوة ، رجل علم ، رجل حرب ... إلى غير هذا من رجال لا عداد لهم ، فإذا قلنا : «رجل مروءة» انحصر الأمر فى نوع معين من أفراد الرجل ، ولم يبق مجال لدخول أفراد أخرى ؛ كرجل علم ، أو حرب ، أو زراعة ، أو ... وكذا كلمة : «كعبة» و «غاية» وأشباهها ؛ فكل كلمة من هذه الكلمات قد اكتسبت نوعا من «التخصيص» أفادها بعض التّجديد الذى خفف من درجة إبهامها وشيوعها ، وإن كانت لم تستفد التعريف الكامل ، ولم تبلغ فى التعيين درجة المعرفة الأصلية ...
واستفادة المضاف من المضاف إليه التعريف (1)أو التخصيص على الوجه المشروح - هى الأثر المعنوى الثانى الذى ينضم إلى الأثر المعنوى الناشئ من الحكم الخامس (2)، فيحدث من انضمامهما معا إدراك السبب الحقيقى فى تسمية هذا النوع من الإضافة المحضة : «بالإضافة المعنوية» كما أشرنا من قبل (3).
وهناك ألفاظ مسموعة ملازمة للتنكير فى الأغلب ؛ لا تفيدها الإضافة المحضة تعريفا ، ولا تخصيصا - فى أكثر الاستعمالات - ؛ ولذا تسمى : «بالألفاظ المتوغلة (4)
وجاء في الصبان . عند الكلام على ما يسميه بعض النحاة : «الإضافة شبه المحضة» ، وماكان منها شديد الإبهام لا يقبل التعريف ، كغير ، ومثل ، وشبه . ما نصه وقد نقله عن غيره : «ينبغي أن هذه الكلمات كما لا تتعرف بالإضافة إلا فيما استثنى لا تتعرف بأل» أيضا ؛ لأن المانع من تعريفها بالإضافة مانع من تعريفها .« بأل». ونقل الشنواني عن السيد أنه صرح فى حواشى الكشاف بأن «غير» لا تدخل عليها «أل» إلا في كلام المولدين» اه. وسيجيء الكلام عليها بمناسبة أخرى في ص 131.
وكذلك الشأن في كلمة : «مثل» إذا أضيفت لمعرفة بغير وجود قرينة تشعر بمماثلة خاصة ؛ فإن قولنا : «مثل محمد» يشمل أفرادا لا عداد لها ؛ منها واحد فى طوله ، وآخر في عمله ، وثالث في علمه ، ورابع في حسنه ، و ... و ... وهكذا مما لا آخر له». فالإضافة للمعرفة لا تعرفها ، ولا تزيل إبهامها ؛ ولهذا وقعت نعتا للنكرة في قوله تعالى : (جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ؛ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ؛ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ...) أما إن أضيفت إلى معرفة ، وقارنها ما يشعر بمماثلة خاصة فإنها تتعرف ، نحو : راقني هذا الخط ، وسأكتب مثله. وهذا معنى قولهم : إذا أريد بكلمة «غير» و «مثل» مغايرة خاصة ، ومماثلة خاصة . حكم بتعريفهما ، وأكثر ما يكون ذلك في كلمة : «غير» إذا وقعت بين متضادين. وأما قوله تعالى : ... صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ حيث وقعت كلمة. «غير المتوسطة بين المتضادين» المضافة للمعرفة صفة لنكرة . فتعرب هنا بدلا ، وإن كانت جامدة ، ولا داعى لإعرابها صفة (راجع العكبرى ، فى أول الفاتحة ، ثم الأشمونى والصبان ، أول باب الإضافة ، عند الكلام على الإضافة غير المحضة).
«ملاحظة» : تصدى لبحث هذه المسألة مؤتمر المجمع اللغوى المنعقد بالقاهرة في دورته الخامسة والثلاثين (شهر فبراير سنة (1969) وارتضى الرأى القائل : إن كلمة «غير» الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة : ويصح في هذه الصورة التي تقع فيها بين متضادين وليست مضافة أن تقترن بأل فتستفيد التعريف. وفيما يلى النص الحرفى لقرار المجمع منقولا من مجلته (الجزء الخامس والعشرين الصادر في نوفمبر سنة 1969 ص 202) بناء على اقتراح لجنة الأصول بالمجلس التي تقول : «(تختار اللجنة . وفاقا لجماعة من العلماء . أن كلمة : «غير» إذا وقعت بين ضدين لا قسيم لهما ، تتعرف بإضافتها إلى الثانى منهما إذا كان معرفة. وإذا كانت «أل» تقع في الكلام معاقبة للإضافة فإنه يجوز دخول «أل» على «غير» فتفيدها التعريف في مثل الحالة التي تعرفت فيها بالإضافة إذا قامت قرينة على التعيين ...»). اه.
واللفظ المتوغل في الإبهام لا يصلح . في أكثر حالاته . لأن يكون نعتا ، أو منعوتا ، ومنه : «قبل» و «بعد» ، ما عدا بعض ألفاظ منها «غير» و «سوى» فيصلحان للنعت . كما سيجيء في باب : النعت ، ص 466.
بقى أن نذكر ما قرره النحاة بشأن الألفاظ المبهمة التي لم تستفد التعريف من المضاف إليه المعرفة. فسيبويه والمبرد يقولان إن الإضافة فى هذه الحالة غير محضة ، فائدتها التخفيف ، وما يتصل به مما عرفناه ، وما يجيء مفصلا في ص 30 . وغيرهما يقول : إنها محضة ومعنوية تفيد التخصيص، وإن كانت لا تفيد التعيين. هذا ، ومن الألفاظ السماعية المتوغلة فى الإبهام : شبهك (بكسر فسكون أو بفتح الأول والثانى) - ضربك - تربك - نحوك - ندّك ؛ وكلها بمعنى : نظيرك فى علم أو سن ، أو نحوهما - خدنك ، بمعنى : صاحبك - (شرعك - قدك - قطك) - والثلاثة ، بمعنى حسبك. ولا يقاس على هذه الألفاظ غيرها مما لم يرد به السماع. وهناك أمور خاصة تتعلق بالظروف المبهمة وأحكامها سبقت فى ج 2 ص 203 و78 ص 238 م 79 وسيجىء هنا بعض أحكام مناسبة تختص بالمبهم ص 66 و80 و87.
فى الإبهام» ؛ ومنها : (غير - حسب - مثل -1) سبق شرح النكرة والمعرفة فى ج 1 ص 144 م 17 ومن ذلك الشرح السابق نعلم أن المعارف مختلفة فى درجة التعريف وقوتها ، متفاوتة من هذه الناحية ، وأن المضاف إلى معرفة هو فى درجة المضاف إليه ، إلا المضاف للضمير ؛ فإنه فى درجة العلم على الصحيح ...
2) انظر ص 16.
3) فى رقم 1 من هامش ص 3 وفى رقم 5 من هامش ص 16.
4) سبقت الإشارة للألفاظ المتوغلة فى الإبهام (أى : المتعمقة المتغلغلة فى داخله) فى رقم 3 من هامش ص 190 من الجزء الأول (م 17) ثم الجزء الثانى فى بابى : «الظرف والاستثناء م 79 و 82 ص 280 و321». وقلنا فى باب الظرف ، ص 238 م 79 ما ملخصه : (إن اللفظ المتوغل فى الإبهام هو : الذى لا يتضح معناه إلا بما يضاف إليه ، وإنه فى أكثر أحواله لا يستفيد من المضاف إليه تعريفا ، إلا بامر خارج عن الإضافة ؛ كوقوع كلمة : «غير» بين ضدين معرفتين (كما نص على هذا «العكبرى» فى أول كتابه : (إملاء ما من به الرحمن ... - أول سورة الفاتحة - ج 1 ص 5) فى مثل : رأيت العلم غير الجهل ، وعرفت العالم غير الجاهل ، وقوله تعالى : ( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) فوقوع كلمة «غير» بين ضدين معرفتين أزال إبهامها ؛ لأن جهة المغايرة تتعين. بخلاف خلوها من ذلك فى مثل : أبصرت رجلا غيرك. فكل رجل سواك هو غيرك ؛ فلا تعيين ولا تخصيص ... وبهذه المناسبة نعرض لكلمة «غير» من ناحية دخول «أل» عليها أو عدم دخولها فننقل ما جاء فى المصباح المنير ، فى مادة «غير» ، ونصه : (تكون وصفا للنكرة ، تقول : جاءنى رجل غيرك. وقوله تعالى : ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) إنما وصف بها المعرفة لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة فعوملت معاملتها ، ووصف بها المعرفة. ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام ، لأنها لما شابهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة جاز أن يدخلها ما يعاقب الإضافة وهو الألف واللام. ولك أن تمنع الاستدلال وتقول : الإضافة هنا ليست للتعريف ، بل للتخصيص. والألف واللام لا تفيد تخصيصا فلا تعاقب إضافة للتخصيص ولا تدخله الألف واللام ...). اه.
ناهيك (1)) ... فإنها نكرات (فى أغلب حالاتها) وإن أضيفت لمعرفة ؛ نحو : غيرك - حسبك - مثلك ...
ومنها : المعطوف على مجرور «ربّ» ، والمعطوف على التمييز المجرور بعد «كم» ، نحو : ربّ ضيف وأخيه هنا - كم رجل وكتبه رأيت -. وسبب ذلك أن المجرور بعد «ربّ» و «كم» ، لا يكون إلا نكرة ؛ فما عطف عليها فهو نكرة كذلك ؛ لأنه فى حكم «المعطوف عليه» من ناحية أن عامل الجر فيه هو العامل فى المعطوف عليه ؛ فكلا «المعطوف والمعطوف عليه» لابد أن يكون نكرة ، أو فى حكم النكرة ليصلح معمولا للعامل المشترك.
وقيل إن المعطوف فى الحالتين السالفتين يكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة ، ولا داعى للتمسك بتنكيره بسبب العامل : «ربّ» أو «كمّ ؛» لما تقرر (2)من أن التابع قد يغتفر فيه ما لا يغتفر فى المتبوع. وسبق (3)أنّ الأخذ بهذا الرأى أولى.
ومنها : كلمة : «وحد» و «جهد» ، و «طاقة» ، فى مثل قولهم : (يحترق الحاسد وحده ، ويتمنى جهده أن تزول نعمة المحسود ، ويجتهد طاقته أن يلحق به النقائص والعيوب). وهى - فى أكثر استعمالاتها - أحوال مؤولة. والحال فى أصله لا يكون إلا نكرة ، وتأويل تلك الكلمات : «منفردا» - «جاهدا» - «مطيقا» (4).
وإلى هنا انته الكلام على «الإضافة المحضة» ، من ناحية ما يكتسبه المضاف
من التعريف أو التخصيص ، وننتقل إلى «غير المحضة» للكلام عليها من هذه الناحية (1)
نونا تلى الإعراب ، أو تنوينا *** مما تضيف ، احذف ؛ كطور سينا
أى : احذف مما تضيفه : «نونا» تلى الإعراب (وهى نون المثنى ، ونون جمع المذكر السالم ، وملحقاتهما.
وتقع بعد علامة الإعراب ؛ لأنها تقع بعد ألف المثنى ، ويائه ، وبعد واو جمع المذكر السالم ، ويائه. وهذه الحروف هى علامة إعرابهما).
وكذلك احذف : «التنوين» الذى فى آخر الاسم الذى تريد إضافته. ومثّل لحذف التنوين من المضاف بكلمة : «طور» عند إضافتها إلى كلمة : «سينا». و «الطور» اسم جبل فى صحراء «سينا» أو : «سيناء» ، وهى من الحدود المصرية فى الشمال الشرقى ، ثم قال :
والثّانى اجرر ، وانو : «من» ، أو : «فى» إذا *** لم يصلح الّا ذاك. و : «اللّام» خذا :
لما سوى ذينك. واخصص أوّلا *** أو أعطه التّعريف بالّذى تلا
يريد : اجرر الثانى دائما ، وهو المضاف إليه. وعند جره وإتمام الإضافة انو وتخيل وجود الحرف : «من» أو «فى» إذا لم يتحقق المعنى المراد إلا على نية أحدهما. فإن لم يصلح أحدهما فخذ - بعد ذلك - اللام ، وانوها فى كل موضع سوى الموضع الصالح لأحد ذينك الحرفين. أى : أن اللام لا تنوى فى الموضع الذى يصلح له الحرف «من» أو «فى». وقد عرفنا أن هذه الحروف لا تجر المضاف إليه ، ولا تحتاج معه إلى عامل يتعلقان به. وإنما الذى يجره هو المضاف.
ثم قال : اخصص الأول (وهو المضاف) أو : عرفه بالذى تلاه ، (وهو المضاف إليه). يريد : أن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه. وهذا كله فى الإضافة المحضة ؛ فيتخصص المضاف النكرة بالمضاف إليه النكرة ، ويتعرف المضاف النكرة بالمضاف إليه المعرفة. أما المعرفة الباقية على تعريفها فلا تضاف لمعرفة ولا لنكرة. وقد سبق شرح هذا مفصلا.
: .1) فيما سبق يقول ابن مالك مختصرا :
إذا كانت الإضافة «محضة» والمضاف إليه جملة ، فإن هذه الجملة فى حكم المفرد المضاف إليه ؛ لأنها تؤول بمصدر لفعلها ، مضاف إلى فاعله إن كانت الجملة فعلية ، وبمصدر خبرها مع إضافته إلى مبتدئه إن كانت اسمية. ولا يحتاج هذا المصدر المؤول إلى أداة سبك ، فالأولى : مثل : أزورك حين يوافق الوالد. وتأويلها : أزورك حين موافقة الوالد. والثانية : أزورك حين الوالد موافق ، وتأويلها : أزورك حين موافقة الوالد.
ويترتب على ما سبق أن المصدر الناشئ من التأويل يكون معرفة إن أضيف لمعرفة ، ونكرة متخصصة إن أضيف لنكرة (1). نعم إن الجمل نكرات فى حكمها (2)ولكن لا ينظر لهذا هنا. ووقوع الجملة صفة للنكرة المحضة فى كل الأحوال لا يقدح فى هذا ؛ لأنها تكون صفة باعتبار ظاهرها ، وقطع النظر عن تأويلها بمصدر مضاف لمعرفة أو نكرة.
1) وستجىء إشارة لهذا ولفائدة الإضافة للجملة - وشروط هذه الجملة - فى ص 84 وفى رقم 2 من هامش ص 78 وقد سبقت أيضا فى آخر باب الموصول ج 1 ص 295 م 29.
2) إيضاح هذا فى باب النعت عند الكلام على وقوع الجملة نعتا (فى ص 480) أما الحكم على الجملة نفسها بأنها نكرة أو معرفة ففى «و» من ص 480 - ولهذا إشارة فى ج 2 هامش ص 311 م 84 ، وفى باب : «النكرة والمعرفة» ج 1 ص 142 م 17.
عرفنا (1)أن الإضافة غير المحضة : هى التى يغلب أن يكون المضاف فيها (وصفا (2)عاملا) ، (وزمنه للحال ، أو : الاستقبال ، أو : الدوام). ومتى اجتمع الأمران - الوصفية العاملة ، والزمنية المعيّنة - كان المضاف مشتقّا يشبه مضارعه فى نوع الحروف الأصلية التى تتكون منها صيغتهما ، وفى المعنى ، والعمل ، وكذلك فى نوع الزمن - غالبا - وهذا كله يتحقق فى المضاف إذا كان اسم فاعل يعمل عمل فعله ، أو اسم مفعول كذلك ، فكلاهما وصف عامل ، زمنه للحال أو للاستقبال على حسب المناسبات. كما يتحقق فى الصفة المشبهة (3)الأصيلة أيضا ؛ لأنها تعمل عمل فعلها اللازم ، وتفيد فى أكثر حالاتها الدوام والاستمرار ، وهذان يقتضيان أن تشتمل دلالتها على الأزمنة الثلاثة : (الماضى ، والحال ، والمستقبل) ، إذ لا يتحقق معنى الدوام والاستمرار بغير عناصره الأساسية الثلاثة.
فلا يمكن أن تكون للماضى وحده - وإلا كانت إضافتها محضة - ولا للمستقبل وحده. وكذلك لا يمكن أن تخلو من الدلالة على زمن الحال ؛ فلابدّ أن تشتمل الدلالة على الثلاثة ؛ المضى والحال والاستقبال ، إلا أن دلالتها على الحال أقوى تحققا ووجودا من دلالتها على غيره ، وبسبب هذا كانت إضافتها غير محضة فى رأى كثير من النحاة (4)...
أما باقى المشتقات غير ما ذكرناه هنا بقيوده ؛ من اسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة - فإضافته محضة ، لانطباق شروطها عليه ، دون شروط الأخرى. فمثال اسم الفاعل : يشكو راكب الباخرة اليوم بطئها بالنسبة للطائرة. وغدا يشكو راكب الطائرة بطئها بالنسبة «للصاروخ» ؛ فكلمة : «راكب» فى الجملتين مضافة. وهى فى الأولى اسم فاعل للزمن الحالى ، وفى الثانية اسم
1) فى ص 6.
2) أى : اسما مشتقا ...
3) فى هذا الجزء - ص 281 - باب خاص بها ؛ يبين خصائصها وأحكامها التى منها : أنها لازمة كفعلها ، وأنها تدل على الحال دائما وتدل معه على غيره - كما سيجىء - لأنها تفيد الدوام فى أكثر أحوالها ، والدوام يستلزم الحال ، مزيدا عليه زمن آخر.
4) بيان الرأى الحق فى هذه المسألة فى ص 37.
فاعل للزمن المستقبل. وكقولهم : من تراه جاحد النعمة الساعة تراه فاقدها غدا. ويدخل فى اسم الفاعل صيغ (1)المبالغة العاملة أيضا ؛ كقولهم : فى هذا الشهر يتفرغ فلان للعبادة ؛ فتراه صوّام الفم نهارا عن الطعام ، حذر اللسان من اللغو ، حبيس النفس عن الهوى. ومثال اسم المفعول : مجهول القدر اليوم قد يصير معروف المكانة غدا .. ومثال الصفة المشبهة قولهم : ...
فإن فقد المضاف أحد الشرطين كانت الإضافة محضة ؛ كأن يفقد الوصفية لكونه اسما جامدا ، غير مؤول بالمشتق ؛ كالمصدر فى نحو : بذل الوّد والنصيحة لمن لا يستحقهما كبذر الحبّ فى الصخر الأصمّ. أو يفقد العمل دون الوصفية بسبب أنه من المشتقات التى لا تعمل مطلقا ؛ (كأسماء الزمان. والمكان والآلة). أو يكون فى أصله من المشتقات العاملة ، ولكنه فقد شرطا من شروط العمل ؛ فلا يعمل ؛ كاسم الفاعل ، واسم المفعول إذا كانا للماضى (2)الخالص دون دلالة على الحال أو الاستقبال ؛ نحو : باذل الخير أمس يسعد اليوم بما قدّم وماضى أعماله عنوان صفحته التى كان بها مسرورا أو محزونا.
لا تأثير لها فى المعنى - فى أغلب الحالات - لأنها ليست على نية حرف من حروف الجر الثلاثة التى يفيد كل منها الفائدة التى أوضحناها فيما سلف ، (3)ولأنها لا تكسب المضاف تعريفا ولا تخصيصا ، والتعريف والتخصيص
1) لها بحث خاص يجىء. فى ص 257.
2) وكذلك إن لم يدلا على زمن مطلقا. فعند عدم دلالتهما على الزمن وخلو الأسلوب مما يدل عليه تكون إضافتهما محضة ، كما تقدم فى ص 5.
3) فى ص 16 ، والذى يدل على أنها ليست على نية حرف الجر إمكان الاستغناء عنها فى كل أسلوب من أساليبها من غير أن يتأثر معناه ، - فى الأغلب - ومن غير أن تزاد عليه كلمة ، أو تنقص منه ، أو يتغير ترتيب كلماته. ويتلخص هذا الاستغناء. بألا نطلق على الوصف اسم : «المضاف» ولا نطلق على معموله اسم المضاف إليه ؛ وإنما نعرب الوصف على حسب حاجة الجملة ، من غير تسميته مضافا ، ونجعل المضاف إليه المجرور معمولا للوصف ؛ إما فاعلا له مرفوعا ، وإما مفعولا به ؛ على حسب حاجة الوصف ، ويزول الجر السابق. فهذه الإضافة غير لازمة ، ولا دائمة ، ولا يتأثر - فى الأغلب - المعنى المعين بوجودها أو بالعدول عنها ؛ بل إن العدول عنها هو الأصل (كما فى ص 34) لأن الوصف شبيه بالفعل ؛ يعمل عمله ، من الرفع أو النصب ، والفعل لا يعمل الجر. فكذا ما يشبهه ؛ بخلاف المحضة فهى لازمة لأداء المعنى المراد ، ولا سبيل للمحافظة عليه إلا بتغيير يتناول الأسلوب فى كلماته ، أو فى ترتيبها ، أو فيهما معا.
أثران معنويان لا صلة للإضافة غير المحضة بجلبهما للمضاف ، وعلى هذا لا نصيب لها من التأثير المعنوى الذى «للمحضة».
والدليل على أنها لا تفيد «المضاف» تعريفا - دخول «ربّ» عليه مع إضافته للمعرفة (1)
خلقت ألوفا ؛ لو رجعت إلى الصّبا *** لفارقت شيبى موجع القلب باكيا
. مثل : (ربّ مخرج الزكاة ، مسرور بإخراجها - قد أبطل ثوابها بالمنّ والأذى). فلو أن المضاف - وهو : مخرج - اكتسب التعريف من المضاف إليه ما دخلت عليه «ربّ» ؛ لأنها لا تدخل إلا على النكرات (2).وشىء آخر ؛ هو أن هذا المضاف إلى المعرفة يصح أن يقع نعتا للنكرة ، فكيف يقع نعتا للنكرة إذا صحّ أنه يكتسب من المضاف إليه التعريف ويصير معرفة ، والمعرفة لا تكون نعتا للنكرة (3)
إلا مسالة يصح أن يقع فيها المشتق الذى إضافته غير محضة ، وكذلك غيره من النكرات ، نعتا للمعرفة ، هى أن يكون المنعوت منادى ، نكرة مقصودة ، ونعتها نكرة (كالوصف المضاف إضافة غير محضة ...) نحو : يا ساكت مستمع الخطيب الآن ، أو المستمع الخطيب الآن. فالمشتق نعت ونكرة ، مع أن المنعوت نكرة مقصودة معرفة بالقصد والنداء. فاختلف النعت والمنعوت تعريفا وتنكيرا ، وقد قالوا : إن هذا الاختلاف فى المسألة السالفة مقبول ، لأن تعريف النكرة المقصودة تعريف غير أصيل ، فهو طارئ ، والتعريف الطارئ الذى كتعريفها يتسامح فيه ، فتوصف بالمعرفة أو بالنكرة ، ولا يصح هذا فى غيرها من المعارف - (راجع التصريح ج 2 باب النداء عند الكلام على القسم الثانى ، وكذا الخضرى والصبان ، باب : تابع المنادى. وستجىء لهذا إشارة فى باب النعت هنا. - ص 550 - وفى ج 4 باب حكم تابع المنادى م 130 رقم 8 من هامش ص 42).
؟ ومن الأمثلة لوقوعه نعتا للنكرة : أتخير للصداقة زميلا مخلص المودة ، مأمون العثرات. باذل الجهد فى الإخاء (4).كما أن الدليل على أنها لا تفيد المضاف تخصيصا هو أن الأصل قبل -
1) ومن الأدلة أيضا وقوع المضاف لمعرفة حالا فى الإضافة غير المحضة - مع أن الحال المطردة لا تكون إلا نكرة - كقول المتنبى بلسان عجوز وفىّ :
2) سبق تفصيل الكلام عليها فى ج 2 ص 381 م 90. وبعض الأمثلة المأثورة يجىء هنا فى هامش ص 35.
3) ومثلها الاسم النكرة الذى دخله التخصيص فإنه لا يقع نعتا للمعرفة فى الصحيح.
4) فى باب النعت - أمثلة مأثورة. عند الكلام على النعت بالمشتق - ب ص 465 -
الإضافة فى مثل : (أتخير زميلا مخلص المودة ، باذل الجهد ، ...) هو : مخلصا المودة - ... باذلا الجهد ... بنصب كلمتى «المودة» و «الجهد» مفعولين للوصف ، والمفعول به يخصص الوصف ؛ فتخصيص الوصف ثابت ومتحقق قبل أن يصير مضافا ويصير معموله مضافا إليه مجرورا.
ا - وإنما فائدتها : «التخفيف اللفظى» ؛ بحذف نون المثنى ، وجمع المذكر السالم وملحقاتهما من آخر المضاف إذا كان وصفا عاملا. وكذلك حذف التنوين من آخره ؛ فكل من النون والتنوين يحدث ثقلا على اللسان عند النطق بالوصف مع معموله من غير إضافتهما. فإذا جاءت الإضافة زال الثقل ، وخف النطق. يتضح هذا الثقل فى مثل : (أنتما خطيبان الحفل غدا ، وساحران الألباب فيه. ولا أشك أن سامعين الخطاب ، وعارفين الفضل - سيعجبون بكم أشد الإعجاب) وفى مثل : (تخيرت زميلا ، مخلصا المودة ، باذلا الجهد ...».
ويختفى الثقل حين نضيف الوصف إلى معموله ، ونحذف النون والتنوين من آخر الوصف المضاف ؛ فتقول : (أنتما خطيبا الحفل غدا ، وساحرا الألباب فيه ، ولا أشك أن سامعى الخطاب ، وعارفى الفضل - سيعجبون بكم أشد الإعجاب). كما نقول : (تخيرت زميلا مخلص المودة ، باذل الجهد ...)
ب - وقد تكون فائدتها الفرار من القبح الذى يلازم بعض الصور الإعرابية الجائزة مع قلتها وضعفها. فمن الجائز الضعيف فى أساليب الصفة المشبهة أن نقول : الصديق سمح الطبع ، عفّ اللسان ، مخلص المودة ، بإعراب كلمة : «الطبع» المرفوعة فاعلا للصفة المشبهة قبلها. وكلمة : «اللسان» فاعلا مرفوعا للصفة المشبهة قبلها. وكذلك كلمة : «المودّة» وأشباهها. ففى هذا الإعراب الجائز نوع من القبح جعله ضعيفا ؛ هو : خلو أسلوب الصفة المشبهة من ضمير يعود على الاسم الذى يقع عليه معناها ومدلولها (1). ومن الجائز نصب تلك الكلمات الثلاث المرفوعة ، وإعرابها : «شبيهة بالمفعول به» وليست مفعولا به ؛
1) لأن أسلوب الصفة المشبهة فى أكثر الاستعمالات الفصيحة لا يكاد يخلو من هذا الضمير الذى يعد بمنزلة الرابط بين الصفة المشبهة وما تجرى عليه. (أى بين الصفة المشبهة وما ينطبق عليه مدلولها ومعناها). كما سيجىء فى بابها - ص 309 و310 - م 105.
لأن الصفة المشبهة تصاغ من الفعل اللازم ؛ فهى كفعلها لا تنصب المفعول به. فإذا وقع بعدها معمولها وكان نكرة منصوبا أعرب «تمييزا» ، أو : «شبيها بالمفعول به» ، وإن كان معرفة أعرب شبيها بالمفعول به ؛ كالكلمات الثلاث السالفة ؛ فإنها لا تصلح تمييزا ؛ لعدم تنكيرها. فضبطها بالنصب - مع جوازه - يؤدى إلى ما يسمى : «الشبيه بالمفعول به». وهذا النوع قد يختلط أمره على كثير ؛ فيقع فى وهمهم أنه مفعول به ، مع أنه ليس بالمفعول به الصريح.
وإذا كان الرفع والنصب قبيحين فى تلك الكلمات - ونظائرها - فإن الجر بالإضافة خال من ذلك القبح ، وفيه ابتعاد عما يستكره (1)كقول الشاعر :
وإذا جميل الوجه لم *** بأت الجميل فما جماله؟
ولما كانت فائدة هذه الإضافة مقصورة على التخفيف بحذف التنوين ونونى المثنى وجمع المذكر السالم ، من آخر المضاف ، وعلى التحسين المترتب على إزالة القبح ، وهما أمران لفظيان - سميت : «إضافة لفظية» ؛ لوقوع أثرها المباشر على الألفاظ دون المعانى ؛ إذ أنها - فى الأغلب - لا تؤثر فى المعانى ؛ كما سبق (فلا تفيد المضاف تعريفا ، ولا تخصيصا ، ولا تتضمن معنى حرف من حروف الجر الثلاثة المعروفة ...) وقد يسمونها - لهذا - : «الإضافة المجازية» (2)؛ لأنها لغير الغرض الحقيقى من الإضافة ، وهو الغرض المعنوى الذى أوضحناه.
أما تسميتها : «بغير المحضة» فلأن المضاف فيها لا بد أن يكون فى
1) هذا تعليل نحوى. وهو - على حسن الشيوع؟؟؟ - ليس مقنعا. والتعليل الحق هو الاستعمال العربى المأثور ، الذى يتغلب فيه الجر على الرفع والنصب فى تلك الأمثلة ونظائرها. أما العرب أهل اللغة الأصيلة فلا علم لهم بشىء مما نحن بصدده ، (من مفعول ، وشبهه ، وعائد ، ورابط ، وصفة مشبهة ، .. و ...) ولو أنهم نطقوا بالمعمول مرفوعا أو منصوبا أكثر من نطقهم به مجرورا لكان التعليل الحق - لاستحسان الرفع والنصب - هو محاكاة العرب ، ليس غير.
2) كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 3 وفى ص 23 - ويقولون : ليس المراد «بالمجازية» أنها بمعنى «المجاز» المعروف فى البلاغة ، الذى يحتاج إلى علاقة وقرينة ... وإنما المراد أنها إضافة فى الظاهر والصورة ، لا فى الحقيقة والمعنى.
الأغلب (1)وصفا عاملا - كما سبق - وأكثر الأوصاف العاملة يرفع ضميرا مستترا عند الإضافة. وهذا الضمير المستتر - برغم استتاره - يفصل بين الوصف المضاف ، ومعموله المضاف إليه ، ويجعل الإضافة غير خالصة الاتصال ، وغير متمكنة من أداء مهمتها بسبب الفاصل ؛ إذ الأصل الغالب فى الإضافة الأصيلة ألا يقع بين طرفيها فاصل يضعف قوة الارتباط والاتصال بينهما.
وشىء آخر ؛ هو أنه يمكن العدول عن الإضافة اللفظية ، بالرجوع إلى الأصل الذى كان قبلها من غير أن يتأثر المعنى - فى الأكثر - ؛ وذلك بجعل المضاف إليه معمولا مرفوعا ، أو منصوبا ، على حسب حاجة الوصف بعد إزالة تلك الإضافة ؛ ولهذا يصفونها بأنها على : «نية الانفصال» ، يريدون : أنها فى النية والتقدير ليست موجودة ، وليست ملحوظة ؛ لأن الذى يلحظ ويعتبر موجودا تتجه إليه النفس هو الأصل الأصيل ؛ ففى مثل : (الصديق خالص النصح) - بالإضافة - يكون التقدير الملحوظ فى النفس هو : (الصديق خالص النصح) ، والمعنيان متّحدان. ولكن الأسلوب الثانى الخالى من الإضافة هو الأصل الذى ينوى ويلاحظ ؛ بسبب اعتبار الوصف شبيها بالفعل فى بعض نواحيه التى منها العمل. والفعل يرفع دائما ، وقد يرفع وينصب ، وهو فى كل حالاته لا يعمل الجرّ ، فالأنسب فيما يشبهه أن يكون كذلك ، والمخالفة - لداع أقوى - هى مخالفة للأصل ، والداعى لها أمر طارئ له اعتباره ، ولكنه لا ينسينا الأصل الأول المكين ، ومن ثمّ كان هو الملحوظ مع وجود الإضافة غير المحضة ، وكانت معه على نية الانفصال (2).
مما تقدم يتّضح - مرة أخرى - السبب فى تسمية النوع الأول : «بالإضافة المحضة» ، أو : «المعنوية» ، أو : «الحقيقية» (3)وما يترتب على هذا من آثار مختلفة ، منها : عدم زيادة «أل» فى أول المضاف ، فى حين يجوز - أحيانا -
زيادتها فى المضاف إذا كانت الإضافة غير محضة ؛ كما شرحنا (1)
وإن يشابه المضاف «يفعل» *** وصفا - فعن تنكيره لا يعزل
كربّ راجينا عظيم الأمل *** مروّع القلب ، قليل الحيل
يريد : أن المضاف إذا كان وصفا مشبها : «يفعل» (أى : مشبها الفعل المضارع فى العمل والدلالة على الحال والاستقبال ...) ، فإنه لا يعزل عن التنكير ؛ أى : لا يفارق التنكير مطلقا ؛ سواء أكان مضافا إلى معرفة أم إلى نكرة ؛ لأن هذه الإضافة لا تفيده تعريفا ولا تخصيصا. وضرب لهذا أمثلة تؤيد ما يقول : هى : «رب راجينا» فالمضاف - وهو كلمة «راج» -. اسم فاعل لم يكتسب التعريف بإضافته إلى الضمير : «نا» بدليل ، دخول «رب» على هذا المضاف ؛ وهى لا تدخل إلا على النكرات. ومن الأمثلة الواردة قول شاعرهم:
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم *** لاقى مباعدة منكم وحرمانا
وكذلك المضاف : «عظيم» ؛ فإنه صفة مشبهة ، أضيفت إلى المعرفة بعدها ؛ فلم تكسب منها التعريف ، بدليل أن كلمة : «عظيم» هذه تعرب نعتا لكلمة : «راج» النكرة ، ولا يمكن أن تكون المعرفة نعتا للنكرة - إلا فى مسألة سبقت فى رقم 3 من هامش ص 31 - ، وكذلك : «مروع» فإنها اسم مفعول مضاف للمعرفة بعده ، ولم يكتسب منها التعريف ؛ بدليل إعرابه صفة لكلمة : «راج» النكرة كما سبق. ومثله كلمة : «قليل» فإنها صفة مشبهة مضافة للمعرفة بعدها ، ولم تكتسب منها التعريف ؛ بدليل إعرابها نعتا لكلمة : «راج». ومثلها : «هديا» فى قوله تعالى : ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ. ) ثم بين أن الإضافة التى من هذا النوع تسمى : «لفظية» وأما التى من النوع الآخر فتسمى : «محضة» و «معنوية» فاللفظية : لا تفيد تعريفا ولا تخصيصا ، بخلاف الأولى حيث يقول :
وذى الإضافة اسمها : «لفظيّه» *** وتلك «محضة» ومعنويّه
وأوضح بعد هذا أن زيادة : «أل» جائزة فى أول المضاف الذى إضافته لفظية - ، بشرط أن تزاد أيضا فى الثانى (أى : فى المضاف إليه) أو فى الذى أضيف إليه الثانى ... يقول :
ووصل «أل» بذا المضاف مغتفر *** إن وصلت بالثّان ؛ كالجعد الشّعر
أو بالّذى له أضيف الثّانى *** كزيد الضّارب رأس الجانى
ساق مثالين ؛ أحدهما مثل :(: راقنى عناية الجعد الشعر بتصفيفه ،) للمضاف المبدوء «بأل» (وهو : الجعد) ؛ وللمضاف إليه : المبدوء بها أيضا (وهو : الشعر) ؛ فهى داخلة عليهما معا.
والآخر ؛ وهو : «زيد الضارب رأس الجانى» للمضاف المبدوء «بأل» (وهو : الضارب) ، وللمضاف إليه ، الخالى منها مباشرة (وهو : رأس) ولكنه مضاف ، وبعده المضاف إليه : (الجانى) المبدوء بها ...
ثم ذكر بعد هذا حالة أخرى يصح أن يكون فيها المضاف وحده مبدوءا ب «أل» ؛ وهى الحالة التى يكون فيها المضاف وصفا مثنى ، أو جمعا اتبع سبيل المثنى (أى : تحققت فيه الشروط الواجبة فى المثنى) ؛ وهو جمع المذكر السالم ؛ يقول :
وكونها فى الوصف كاف إن وقع *** مثنّى او جمعا ، سبيله اتّبع
يريد : يكفى وقوع «أل» فى صدر المضاف الذى إضافته غير محضة بدون اشتراط شىء آخر سوى اشتراط أن يكون ذلك المضاف وصفا مثنى ، أو جمعا تحققت فيه شروط التثنية (وهو جمع المذكر السالم).
وقد ترك بقية الحالات الأخرى التى تدخل فيها «أل» على المضاف إذا كانت الإضافة غير محضة وما يتبع هذا من شروط وتفصيلات أوضحناها فى الصفحات السابقة.
.1) فى ص 12. وفيما سبق من الأحكام يشير ابن مالك إلى بعضها تاركا بعضا آخر ؛ فيقول :
ا - فى هذا الجزء أبواب خاصة بالمشتقات ، لكل منها باب مستقل شامل ، وسنكتفى هنا بلمحة موجزة تناسب ما نحن فيه ، ولا تغنى عن الرجوع إلى تلك الأبواب.
اسم الفاعل : اسم مشتق ، يدل على أمرين معا : (معنى مجرد ، وصاحب هذا المعنى). ولا بد فى اسم الفاعل أن يشتمل على حروف مضارعه الأصلية ، وأن يماثله فى ترتيبها ، وترتيب حركاتها ، وسكناتها ؛ مثل : قاعد ويقعد - ذاهب ويذهب - منصت وأنصت - متعلم ويتعلم ... وهو يفيد حدوث معناه ، ولا يفيد الدوام أو الثبوت ، إلا إذا تخلى عن دلالته الخاصة ، وانتقل إلى اختصاص آخر ؛ هو : اختصاص «الصفة المشبهة». وهى : اسم مشتق ؛ يدل على أمرين معا : (معنى مجرد ، ولكنه ثابت دائم ، أو كالدائم ، وصاحب هذا المعنى). فدلالتها على الزمن شاملة أنواعه الثلاثة ، بسبب ذلك الدوام (1)، ولا بد أن تشتمل على الحروف الأصلية لمضارعها ، ولكنها - فى الغالب - لا تماثله فى ترتيب الحركات والسكنات إلا إذا كانت فى الأصل اسم فاعل أريد به الدوام (2). فمثال الصفة المشبهة الأصيلة : فرح ويفرح - حسن ويحسن - بليغ ويبلغ ... ومثال الصفة المشبهة التى كانت فى أصلها اسم فاعل يفيد الحدوث ، ثم أريد بها الدوام والثبوت بعد ذلك ، كلمة : باسم - مشرق - محارب ؛ فى مثل : فلان باسم الثغر - مشرق الوجه - محارب الطغيان.
وإذا كانت الصفة المشبهة دالة على ثبوت معناها ودوامه ، - غالبا - ، فإن زمنها بمقتضى هذه الدلالة لا بد أن يشمل - كما سبق (3)- الماضى ، والحال ، والمستقبل. فكيف تكون إضافتها «غير محضة» ، مع أننا اشترطنا فى «غير المحضة» : أن يكون الزمن فيها الحال ، أو الاستقبال؟.
الحق : أن إضافتها قد تكون محضة فى بعض الصور ، وغير محضة فى
أخرى (1)؛ فقد قالوا : إن الاستمرار (أو : الدوام) يحتوى على الأزمنة الثلاثة دائما. لكن قد توجد قرينة تقوى جانب الزمن الماضى على غيره - وللقرينة المقام والاعتبار الأول دائما - فتضاف الصفة وتعمل الجر مع تلك القرينة ؛ إذ تتغلب الإضافة ؛ وتكتسب الصفة التعريف من المضاف إليه ؛ ككلمة : «مالك» فى قوله تعالى : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ...) فكلمة : «مالك» وصف مشتق ؛ زمنه يشمل الماضى ، والحال ، والمستقبل ؛ لأن اللّه متصف بصفة التملك فى جميع الأزمان. وقد وجدت قرينة تدل على تغليب الزمن الماضى ؛ فصارت الإضافة بسببها محضة (2)؛ وهذه القرينة هى : أن كلمة : «مالك» نعت للفظ الجلالة : (اللّه) وهو أعرف المعارف ، فلا يمكن أن يكون نعته نكرة ؛ فلابد أن تكون كلمة : «مالك» ، معرفة. فمن أين جاءها التعريف؟ لا سبيل لاكتسابها التعريف إلا من المضاف إليه ، وقد اكتسبه أيضا من الإضافة إلى ما بعده. وكل هذا يقتضى أن تكون إضافة الصفة هنا محضة.
ولو أعربنا كلمة : «مالك» بدلا ، أو : عطف بيان ؛ لكان فى هذا الإعراب - مع جوازه - عدول عن الظاهر الشائع ؛ وهو : إعراب المشتق نعتا ، لا بدلا ، ولا عطف بيان ، إذ يغلب على الأول الاشتقاق ، وعلى الأخيرين الجمود - كما تقدم (3)- هذا إلى أن إضافة الوصف إلى الظرف الدال بالقرينة على المضى أو على الدوام محضة (4)، عند جمهور النحاة.
أما إذا تغلب جانب الحال أو الاستقبال ، بأن قامت قرينة تؤيد أحدهما - فالإضافة غير محضة ؛ فلا يتعرف بها الوصف ، ولا يتخصص. ويجوز إزالتها ، وإعمال الوصف فى معموله عملا آخر غير الجر ؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى :
«فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا (1)» ؛ فجعل الليل سكنا أمر لا يقتصر على زمان دون آخر ؛ فقد وقع فى الماضى ، وهو يقع الآن ، وسيقع بعد ذلك. غير أن الكلام فيه ما يقوى جانب الحال والمستقبل على الماضى ، ويجعل الإضافة غير محضة ؛ هو أنّ المحضة تقتضى - غالبا - أن يكون المضاف اسما جامدا ، أو فى حكم الجامد ، فلا يعمل ؛ وهذا يؤدى إلى اعتبار كلة : «جاعل» فى حكم الجامد ؛ فلا تنصب مفعولا به ، ولا مفعولين ، وإلى إعراب كلمة : «سكنا» المنصوبة ، مفعولا به لعامل محذوف ، تقديره «يجعل» ، أو ما يماثله ، وكأن الأصل : جاعل الليل يجعله سكنا. وفى كل هذا عدول عن النسق الظاهر ، والإعراب الواضح الذى يدخل الوصف «جاعل» هو وفعله فى سلك الألفاظ العاملة التى تنصب مفعولين. وقد أضيف الوصف إلى أحدهما ، ونصب الثانى مباشرة ، فلا حاجة إلى تأول وتقدير يبعدان عن هذا السنن الواضح.
وشىء آخر ؛ هو : أن زمن الوصف فى الآية دائم مستمر ؛ يشمل الماضى والحال ، والمستقبل. ولكن هذا الدوام الزمنى ليس متصل الأجزاء بغير انقطاع ، وإنما يتخلله انقطاع يزول ، ثم يعود مرة ، فأخرى ؛ فحين يجعل اللّه الليل سكنا يكون الليل موجودا ، وحين لا يجعله سكنا يختفى. ثم يجعله مرة أخرى ؛ ثم يزيله ، ثم يعيده ؛ وهكذا ، دواليك ؛ ... فالاستمرار موجود حقّا ؛ ولكنه على ما وصفنا ؛ من توالى الإيجاد والإزالة بغير توقف ، ومن تجدد الظهور والاختفاء بغير انقطاع (2)أما الدوام المتصل على حالة واحدة ، - هى : جعل الليل سكنا فى جميع لحظات الزمان وأوقاته - فلا وجود له.
ولما كان الانقطاع والتجدد هما من خصائص الفعل المضارع ، وزمن المضارع هو الحال أو الاستقبال - كان الوصف (المشتق) الذى يشاركه فيهما شبيها به من الناحية المعنوية ، ومحمولا عليه فى ناحية أخرى ، هى
الدلالة الزمنية أيضا. أى : أنه شبيه به فى الدلالة على التجدد والحدوث ، وفى الدلالة الزمنية المعيّنة. وإذا كانت دلالة الوصف الزمنية على هذه الشاكلة فإن إضافته غير محضة (1).
ب - إذا كان الوصف المضاف مطلق الزمن ؛ أى : لا دليل معه يبين نوعا من أنواع الزمن الثلاثة - كانت إضافته محضة ؛ نحو : «صاحب السلطان كراكب السفينة» (2)... ؛ فلا قرينة فى المثال تدل على ربط المعنى المقصود بزمن معين ؛ ماض ، أو حال ، أو مستقبل ، أو ما يشمل الثلاثة ... (وقد سبقت الإشارة لهذا) (3).
ح - أشرنا (4)إلى أن إضافة الوصف إلى الظرف نوع من الإضافة المحضة وأوضحنا شرط ذلك ؛ كالمثال السابق : «مالك يوم الدين» أى : مالك الأمر والنهى فى يوم الدين. بخلاف : «جاعل الليل سكنا» لأن الليل مفعول به ، فى الأصل قبل الإضافة ، وليس ظرفا ، وإلا فسد المعنى (5).
د - من الإضافة غير المحضة ما يأتى من الأنواع الملحقة بها (6)؛ وهى :
(1) إضافة الاسم إلى اسم آخر كان قبل الإضافة نعتا للمضاف ؛
1) كل ما سبق تعليل خيالى - مقبول هنا - للأمر الواقع المستمد من الكلام العربى. والعلة الأولى هى الكلام العربى نفسه ، وأنه يسير على النظام الذى سبق تعليله ، برغم أن العرب لا تعرف اصطلاح الإضافة المحضة ، ولا غير المحضة.
2) يريدون بذلك : أن راكبها لو سلم من الغرق لم يسلم من الفرق. أى : من الخوف.
3) فى «ج» من ص 5.
4) فى «و» ص 5. وفى ص 38.
5) إذ المراد - عند أصحاب هذا الرأى - : جعل الليل نفسه بظلامه وانقطاع الحركة والعمل فيه ، وبخصائصه الأخرى - هو للسكن ، لا أن السكن واقع فيه. (وسبقت إشارة للآية فى آخر ص 38).
6) وبعض صوره لا يختلف فيه معنى المتضايفين ، مع أن الأصل فى الإضافة بنوعيها ، ولا سيما المحضة. - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص7. أن يختلف فيها معنى المتضايفين ، ومدلولهما. ويدور الجدل فى الأنواع التى سنذكرها - وهى التى أشرنا إليها إشارة عابرة فى تلك الصفحة وسنفصلها هنا ، وبعد الفراغ من تفصيلها نعرض - فى ص 47 وما بعدها - للجدل وموضوعه ، ونبدى الرأى فيه ، وفى كل ما تناوله.
(وهذا ما يعبرون عنه بأنه إضافة الاسم المنعوت إلى نعته). كقولهم : «صلاة الأولى» تذهب الخمول - كان الخلفاء السابقون يقصدون «مسجد الجامع» ليذيعوا على الناس ما يريدون إذاعته - إنى أحرص على «ديانة القيّمة» ، لأسعد.
والأصل : الصلاة الأولى ، أو : صلاة الساعة الأولى - المسجد الجامع أو : مسجد الوقت الجامع - الديانة القيمة ، أو : ديانة الملة القيمة (1)
(أنظر ما يتصل بهذا في ص 50)
.(2) إضافة الاسم إلى اسم آخر كان قبل الإضافة منعوتا للمضاف. فصار بعدها هو : المضاف إليه. (أى : إضافة النعت إلى منعوته) كقوله تعالى : ( إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. ) وقوله تعالى : ( وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ) والأصل فى الآيتين : اليقين الحقّ ، فتقدمت الصفة على الموصوف ، وصارت مضافا ، وصار الموصوف مضافا إليه مجرورا. ومثله ما جاء فى خطبة قائد بين جنوده : «إن العدو لن يعبأ بكم إلا إذا أحس منكم صادق الجهاد ، وعظيم البلاء ، وملأتم قلبه فزعا ، وضربتموه كما تضرب عوادى الوحوش ، وطردتموه كما تطرد غرائب الإبل ، وتركتم جنوده بين صريع وأسير ...» أى : الجهاد الصادق - البلاء العظيم - الوحوش العوادى - الإبل الغرائب - ...
1) فى الأمثلة السالفة حذف المضاف إليه المنعوت ، وأقيم النعت مقامه ، فصار مضافا إليه.
2) وعكسه (وهو إضافة الاسم إلى المسمى) مثل إضافة : «لدن وعند» طبقا لما سيجىء فى ص 119.
3) جاء فى التصريح - ج 2 باب التوكيد عند الشاهد : «يا ليت عدة حول كله رجب.» ما نصه : (قال الدنوشرى : هل «رجب» منصرف ، وكذلك «صفر» أو لا؟ قال سعد الدين فى حاشيته على الكشاف : إن أريد بهما معين فهما غير منصرفين وإلا فمنصرفان. قال ناصر الدين اللقانى : وكأن وجه ذلك أن المعين معدول عن الرجب وعن الصفر ، كما قالوا فى «سحر» إنه معدول عن السحر فيما أريد به «سحر» بعينه ؛ ففيهما العلمية والعدل. وقد يقال إن المانع هو العلمية والتأنيث باعتبار المدة.). ا ه ، وستجىء إشارة لهذا فى باب الممنوع من الصرف ج 4 ص 196 م 147.
الجاهلية والإسلام - شجر التفاح كثير فى الشام. وهذه هى إضافة : «البيان أو : «الإضافة البيانية» التى يقصد منها إيضاح الأول وبيانه بالثانى (1)وهى كثيرة فى استعمالنا ؛ كإضافة الأيام والعلوم إلى أسمائها ؛ مثل : يوم الخميس - يوم الجمعة - علم الحساب - علم الهندسة ... ولها أمثلة أخرى وردت فى المطولات ، منها قولهم : لقيته ذات مرة ، أو ذات ليلة - مررت به ذات يوم - داره ذات اليمين ، أو ؛ ذات الشمال - مشينا ذا صباح(2)...
ومن المفيد المهم أن ننقل هنا ما دوّنه ابن يعيش شارح المفصل (3)خاصّا بهذا. قال ما نصه (مع حذف بعض الأمثلة ، اكتفاء ببعض) :
«اعلم أنهم قد أضافوا المسمى إلى الاسم مبالغة فى البيان ؛ لأن الجمع بينهما آكد (أقوى) من إفراد أحدهما بالذكر. وفى ذلك دليل من جهة النحو على أن الاسم عندهم غير المسمى. إذ لو كان إياه لما جاز إضافته إليه ، وكان من إضافة الشىء إلى نفسه. فالاسم هو اللفظ المعلّق على الحقيقة ؛ عينا كانت تلك الحقيقة ، أو معنى ؛ تمييزا لها باللقب ممّا يشاركها فى النوع ،
1) فرق بعض النحاة بين الإضافة التى «للبيان» ، والإضافة البيانية ؛ بأن التى للبيان يكون بين جزأيها عموم وخصوص مطلق ، وأن «البيانية» يكون بين جزأيها عموم وخصوص من وجه. وهذا الخلاف شكلى ؛ لا أثر له ؛ لأنه محصور فى المراد من اصطلاح معين عند كل فريق. هذا وقد سبق (فى ج 1 ص 19 م 2) معنى العموم والخصوص المطلق والوجهى.
2) «ذا» و «ذات» - ولهما بيان آخر خاص بإضافتهما ، فى ص 74 - من الظروف غير المتصرفة بشرط إضافتهما للزمان ، دون غيره ؛ فيلتزمان النصب على الظرفية الزمانية إلا على لغة ضعيفة رفضها جمهور النحاة. ومن الأمثلة التالية ما يساير هذه اللغة. كما أن «ذات» قد تضاف إلى كلمة : «اليمين» أو «الشمال» وهما من الظروف المكانية ، فتصير ظرفا مكانيّا متصرفا ومنصرفا. وقد تكون اسما محضا مستقلا ، معناه حقيقة الشىء وماهيته والنسب إليها : «ذووىّ» باعتبار أصلها ، أو : «ذاتى» باعتبار لفظها الحالى. - (طبقا لما سبق فى ج 1 م 26 ص 358، أما البيان التفصيلى ففى باب النسب ج 4 م 178 ص 554).
3) فى ج 3 ص 12.
والمسمى تلك الحقيقة ؛ وهى ذات ذلك اللقب ، أى : صاحبته (1). فمن ذلك قولهم : «لقيته ذات مرة» والمراد : الزمن المسمى بهذا الاسم الذى هو : مرة. ومثله : (ذات ليلة - ومررت به ذات يوم - وداره ذات الشمال - وسرنا ذا صباح) كل هذا معناه وتقديره : داره شمالا ، وسرنا صباحا .. ، بالطريق التى ذكرناها. إلا أن فى قولنا : ذا صباح ، وذات مرة - تفخيما للأمر. «ومن ذلك قول الشاعر :
عزمت على إقامة ذى صباح *** لأمر ما يسوّد من يسود
المراد : على إقامة صاحب هذا الاسم ، وصاحبه هو : صباح ؛ فكأنه قال : على إقامة : صباح ...
«ومثله قول الكميت :
إليكم ذوى آل النبىّ تطلعت *** نوازع من قلبى ظماء وألبب (2)
فالمراد : يا آل النبى ، أى : يا أصحاب هذا الاسم الذى هو آل النبى ، ولو قال : «آل النبىّ» لم يكن فيه ما فى قوله : «يا ذوى آل النبىّ» من المدح والتعظيم. فائدة هذا الأسلوب ظاهرة ؛ لأنه لما قال يا ذوى آل النبى - جعلهم أصحاب هذا الاسم ؛ وهو آل النبى. ومن كان صاحب هذا الاسم كان ممدوحا معظما لا محالة ... (مثله قول الأعشى :
فكذّبوها بما قالت : فصبّحهم *** ذو آل حسّان يزجى الموت والشّرعا (3)
أى : صبحهم الجيش الذى يقال له : آل حسان.
«ومثله قول الآخر :
إذا ما كنت مثل ذوى عدىّ *** ودينار ، فقام علىّ ناعى
أى : مثل كل واحد من الرجلين المسميين «عديّا» و «دينارا» ... «وحكى عن العرب : هذا ذو زيد ، ومعناه : هذا صاحب هذا الاسم ، وقد كثر ذلك عندهم. وربما لطف (1)هذا المعنى على قوم ؛ فحملوه على زيادة. «ذى» ، و «ذات». والصواب ما ذكرناه) اه.
وهذا كلام جليل فى إيضاح تلك الأساليب التى أضيف فيها المسمى إلى الاسم ؛ لتحقيق غرض بلاغىّ هامّ ، كالإيضاح مع التوكيد ...
ومن أمثلتها الواردة أيضا قولهم : «اذهب بذى تسلم - اذهبا بذى تسلمان - اذهبوا بذى تسلمون ...». أى : اذهب بسلامتك التى تلازمك ولا تفارقك اذهبا بسلامتكما - اذهبوا بسلامتكم» (2)
وكذلك سبقت الإشارة لكلمة : «ذا» و «ذات» وما يتصل بهما لمناسبة في باب الظرف (ج 2 ص 210 ، 210 ، 229 م 79) ولمناسبة أخرى فى ج 1 (بابى الأسماء الستة ، والموصول) وفى باب الموصول الكلام على جمع «ذو» وإفرادها وعلى «ذو» الطائية التي بمعنى «الذى» وفروعه ، وحكمها.
...(4) إضافة الموصوف إلى اسم قائم مقام الصفة ؛ كقول الشاعر :
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم *** بأبيض ، ماضى الشّفرتين يمانى ... (3)
أى : علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم ؛ فحذف الصفتين ، وجعل الموصوف خلفا عنهما فى الإضافة. ويرى بعض النحاة أن البيت ونحوه هو من إضافة الشىء إلى ملابسه (4)بعد تنكير العلم ، وإضافته إضافة محضة من غير حاجة لتأويل بما ذكر (5). والرأيان صحيحان.
1) خفى ودقّ.
2) وسيجىء الإيضاح الأوفى لهذا ، والإعراب ، فى المكان المناسب ، ص 95.
3) سبق هذا البيت فى الجزء الأول (م 23 ص 265) لمناسبة أخرى هناك ؛ هى بيان السبب فى إضافة العلم أحيانا ، أو فى تعريفه بإحدى وسائل التعريف ، مع أن الأصل فى العلم أن يكون معرفة.
4) أى : ما له به نوع اتصال لأدنى ملابسه. وقد سبق بيان هذا النوع فى رقم 2 من ص 21.
5) إيضاح هذا فى باب العلم ج 1 ص 207 م 22.
(5) إضافة المؤكّد إلى المؤكّد ، وأكثر ما يكون ذلك فى أسماء الزمان المبهمة (أى : التى لا تحدّد ببدء وانتهاء معروفين ؛ مثل كلمة : حين - وقت ... - زمن - أيام ... ونحوها مما سبق الكلام عليه فى الجزء الثانى ، باب : «الظروف») ، نحو : إذا اشتدت وقدة الصيف أسرع الناس إلى سواحل البحار ؛ ليقيموا بها ما وسعهم الأمر ، وحينئذ ينعمون بجو معتدل ، وهواء رطب منعش ... أى : حين إذ يقيمون ... ينعمون ؛ فحذفت الجملة المضارعية الأولى ، وهى المضاف إليه ، وعوّض عنها التنوين. فالمؤكّد هو : «الحين» وهو زمن مبهم. والمؤكّد هو : «إذ» الظرفية المضافة إلى الجملة المضارعية المحذوفة (1). والمراد من لفظ : «الحين» المبهم هو المراد من لفظ : «إذ» المخصصة بالجملة التى أضيفت إليها ، فالظرف الزمنى الثانى مؤكد للأول ؛ لاتفاق معناهما ، والمراد منهما ، مع مجيئه بعده (2)
أنجب أيام والداه به *** إذ نجلاه ؛ فنعم ما نجلا
وشرح البيت وموضع الشاهد فيه موضحان هناك ...
...ويرى بعض النحاة - بحق - أن مثل هذا يعدّ من إضافة العامّ إلى الخاصّ ، لا المؤكّد إلى المؤكّد ، لتخصيص الظرف الثانى - كما قلنا - بالجملة التى أعربت مضافا إليه ، وهى الجملة المضارعية التى حذفت وقام مقامها التنوين عوضا عنها ...
ومن النادر أن تكون إضافة المؤكّد إلى المؤكّد فى غير أسماء الزمان المبهمة ؛ كقول الشاعر :
فقلت انجوا عنها نجا الجلد ، إنّه
سيرضيكما منها سنام وغاربه (3).
1) مع ملاحظه أن الظرف لا يسمى ظرفا - اصطلاحا - إلا إذا كان منصوبا (لفظا أو محلا) على الظرفية. فإذا صار مضافا إليه ، أو مبتدأ ، أو شيئا آخر غير النصب على الظرفية ، فإنه لا يسمى فى الاصطلاح ولا يعرب ظرفا.
2) ومن الأمثلة أيضا البيت الآتى فى صفحة 56 وهو :
3) قاله أعرابى نزل عنده ضيفان ، فذبح لهما ناقة. فقالا : إنها مهزولة. فقال لهما البيت ... ومعنى : انجوا : اسلخا ... يقال : نجوت الجلد ، بمعنى : سلخته و «السنام» : الجزء المنحنى المرتفع فى ظهر البعير والناقة ، وهو مقر الدهن ، و «الغارب» أعلى الظهر بين السنام والعنق.
يريد : اسلخا عن الناقة نجا الجلد - والنجا ، بالقصر - هو : الجلد.
(6) إضافة الاسم الملغى (1)إلى الاسم المعتبر (2)؛ كقوله تعالى : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ. فِيها أَنْهارٌ ... ) ، ومثل : مررت بكم فألقيت اسم السّلام عليكم. والأصل : الجنة التى وعد المتقون ... - ألقيت السّلام عليك (3)
إلى الحول ، ثم اسم السّلام عليكما *** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وكذلك : «فتن الغصون» فى شعر نقله القرطبى فى مقدمة تفسيره (ج 1 ص 21) جاء فيه :
ما هاج شوقك من هديل حمامة *** تدعو على فنن الغصون حماما
...(7) إضافة الاسم المعتبر إلى الاسم الملغى كقول الشاعر :
أقام ببغداد العراق وشوقه *** لأهل دمشق الشام شوق مبرّح (4)
(كما سبق فى باب العلم ج 1 م 23 رقم 2 من هامش ص 264. -)
(8) ومن الإضافة غير المحضة قولهم : «لا أبا لفلان» ؛ لوجود الفاصل بين المتضايفين. وقد سبق (5)- فى مناسبة أخرى - الكلام على هذا الأسلوب من ناحية الإضافة ، ومن ناحية إعرابه ومعناه.
(9) ومن الإضافة غير المحضة إضافة صدر المركب المزجى إلى عجزه - مسايرة لبعض اللغات الجائزة فيه - نحو : قامت الطائرة من «أفغان ستان» فوصلت إلى «بور سعيد» فى بضع ساعات. .
1) الزائد الذى يمكن حذفه فلا يتأثر المعنى الأصلى بحذفه.
2) الأصل الذى لا يمكن حذفه إلا بفساد المعنى.
3) ومن هذا قول لبيد بن ربيعة لبنتيه ، حين حضرته الوفاة ، ينصح لهما بعدم اللطم ، إن هو مات ، وبترك الجزع. وحسبهما البكاء المجرد حولا كاملا. ثم هو يسلم عليهما ... ؛ يقول :
4) وهذه الزيادة على اعتبار ألا توجد بلدة اسمها : «بغداد» : ولا أخرى اسمها : «دمشق» ، غير هاتين. أما عند علم المتكلم بوجود غيرهما فالإضافة محضة ، من نوع إضافة العلم إلى ما يخصصه بعد أن فقد علميته ؛ بسبب اشتراكه بين أفراد متعددة -
5) فى ج 1 ص 75 م 8 عند الكلام على الأسماء الستة وفى ج 1 ص 528 م 56 باب «لا».
وإنما كانت الإضافة هنا لفظية لأن كلّا من الجزأين يكمل الآخر كما يكمل الحرف الواحد فى الكلمة الواحدة نظائره فيها ، كالخاء ، أو الشين ، أو الباء ... فى كلمة : «خشب» - مثلا -.
وفائدة هذه الإضافة التخفيف الناشئ من التركيب ، مع التنبيه إلى شدة الامتزاج (1).
(10) ومن الإضافة غير المحضة : «الكنية» على الوجه الذى سبق تفصيله وإيضاحه فى الجزء الأول (2)
ثم قلنا في رقم «ا» من ص 429 ما نصه : (والكنية . مع تركيبها الإضافي . معدودة من قسم العلم الذى
معناه إفرادى ؛ فكل واحد من جزأيها لا يدل بمفرده على معنى يتصل بالعلمية ؛ فإذا وقع بعدها تابع . كالنعت مثلا في قولنا : جاء أبو على الشجاع . فإن النعت (وهو هنا كلمة : «الشجاع») يعتبر في المعنى نعتا للاثنين معا ، أي : للمضاف والمضاف إليه ، ولا يصح أن يكون نعتا لأحدهما فقط ، وإلا فسد المعنى ، لكنه يتبع في الإعراب المضاف وحده ... و ...) اه راجع النص كاملا.
...إلى هنا انتهت تلك الإضافات الملحقة «بغير المحضة». ونعود إلى ما أشرنا إليه (3)من الجدل الدائر حولها. ويتركز فيما يأتى :
أمحضة هى أم غير محضة؟ أهى نوع ثالث مستقل بنفسه ، ولكن إضافته «شبيهة بالمحضة» ؛ ويجب أن يسمى بهذا الاسم؟.
ثم لهذا النوع - عندهم - اعتباران ؛ أحدهما الاتصال ؛ لأن المضاف غير مفصول من المضاف إليه بالضمير الذى يلاحظ وينوى فى الإضافة غير المحضة ، كما سلف بيانه. والآخر : الانفصال ، لأن المعنى لا يصح إلا بتأول
1) كما سيجىء فى ج 4 باب الممنوع من الصرف .. - م 148 ص 217.
2) فى الجزء الأول (م 23 ص 277 عند الكلام على «العلم» ونقلنا بعضه فى «ا» من ص 429 فقلنا ما نصه فى الجزء الأول : «أما الكنية فهى علم مركب تركيبا إضافيا بشرط أن يكون صدره (وهو المضاف) كلمة من الكلمات الآتية : (أب ، أم) ، (ابن ، بنت) ، (أخ ، أخت) ، (عم ، عمة) ، (خال ، خالة) ... وليس منه أب لمحمد ، وأم لهند ، وغيرهما من كل مالا إضافة فيه على الوجه السابق ...».
3) فى رقم 6 من هامش ص 40.
وتكلّف يخرجان الإضافة عن ظاهرها (1). فأيهما الصحيح؟. وبعد كل ما سبق أقياسية هى أم سماعية؟.
لكل رأى أدلته التى يقويها أصحابه بتأويل الأسلوب تأويلا يبعده عن ظاهره ، وبتخريجه إلى حيث يريدون من إثبات رأيهم ودعمه ...
والأمر لا يحتاج إلى هذا العناء الجدلىّ الذى له أسبابه التاريخية النحوية التى لا تعنينا اليوم ؛ فحسبنا أن نترك فضول التأويل والتخريج ، ونعوّل على ظاهر الأسلوب الإضافى تعويلا لا يعارض المراد منه - فنجد تلك الإضافات المتعددة قد انحصرت فى قسمين :
أولهما : يكون فيه المضاف والمضاف إليه بمعنى واحد ، مع اختلاف لفظهما. أى : أن اللفظين مختلفان ، ولكن مدلولهما متحد ، كإضافة المسمّى إلى الاسم (فى مثل : شهر رمضان - شجر البرتقال - علم الهندسة ...) ، ومثل هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفا ولا تخصيصا ، لأن المضاف من حيث المعنى هو نفس المضاف إليه ، أو بمنزلته ؛ والشىء لا يتعرف ولا يتخصص بنفسه ، أو بما هو بمنزلة نفسه ؛ فلا يمكن أن تكون الإضافة فى هذا القسم «محضة» ؛ إذ «المحضة» لابد أن تفيد المضاف تعريفا أو تخصيصا إذا كان غير متوغل فى الإبهام ، وأن تتضمن معنى حرف من أحرف الجر الثلاثة المعروفة (2)، و «الإفادة والتضمين» ، يقتضيان أن يكون معنى المضاف غير معنى المضاف إليه.
ثانيهما : يكون فيه أحد الاسمين المتضايفين أصليّا والآخر زائدا (يمكن الاستغناء عنه من غير أن يتأثر المعنى المراد بحذفه) نحو : مررت بكم فألقيت اسم السّلام عليكم ... فكلمة : «اسم» زائدة ؛ لا فائدة منها مستجدة ، وإذا كانت كذلك فكيف تعتبر إضافتها محضة؟.
إن الإضافة المحضة تؤثر فى الأسلوب تأثيرا معنويّا ؛ لا غنى عنه - كما قلنا - فحيث يمكن الاستغناء عن أحد طرفى الإضافة لا تكون الإضافة محضة.
أما قياسية تلك الإضافات الملحقة بغير المحضة ، أو عدم قياسيتها ، فكثرة النحاة تقصرها على المسموع ، ولا تبيح فيها القياس. إلا الكوفيين فيبيحون القياس على المسموع ، بشرط اختلاف لفظى المضاف والمضاف إليه ، بحجة أن الوارد من تلك الإضافات كثير كثرة تكفى للقياس عليه ، وأن الحاجة قد تدعو لاستخدام القياس ؛ للانتفاع بفائدة تلك الإضافات المتعددة الأنواع ، فإنها لا تخلو من فائدة معنوية - كالإيضاح مع التوكيد - ، برغم أن هذه الفائدة المعنوية تختلف - نوعا ومقدارا - عن الفائدة المعنوية التى للإضافة المحضة (1)...
ورأى الكوفيين سديد مفيد. وفى الأخذ به هنا تيسير محمود تتطلبه حياة الناس كما طلبته قديما. لكن من المستحسن - وبخاصة القسم الثانى - أن نأخذ به فى أضيق الحدود ؛ حين تشتد إليه الحاجة ، وتقوم قرينة على بيان المراد منه ، بحيث لا يشوبه لبس أو غموض.
وقد صرح بعض كبار النحاة باستحسان الرأى الكوفى ، ففى شرح شواهد العينى للبيت المرقوم (448) وهو الذى سبق هنا فى الإضافة الخامسة (ص 45) وصدره (فقلت : انجوا عنها نجا الجلد إنه ...) ما نصه :
(الشاهد فى : «نجا الجلد» حيث أضاف المؤكّد إلى المؤكّد ؛ لأن «النجا» - بالقصر - هو الجلد. والأحسن ما قاله الفراء : إن العرب تضيف الشىء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين كقوله تعالى ... ( حَقُّ الْيَقِينِ ) (2)...) اه وقال الأشمونى عند الكلام على بيت ابن مالك (3):
ولا يضاف اسم لما به اتّحد *** معنى ، وأوّل موهما إذا ورد
ما نصّه : «لا يضاف اسم لما اتحد به معنى ؛ كالمرادف مع مرادفه ؛
1) ومع أن السماع يؤيدهم يزيدون فيستخدمون «قياس التنظير» فيقولون : إن العرب أجازت عطف الشىء على نفسه إذا اختلف اللفظان : كقول قائلهم : «وألفى قولها كذبا ومينا» ... والمين هو الكذب. والأصل فى عطف النسق المغايرة. والمضاف والمضاف إليه كالمعطوف والمعطوف عليه ؛ لهذا قال «ياسين» فى هذا الموضع من حاشيته على «التصريح» : (إنهم استدلوا بالسماع والقياس، ووافقهم فى التسهيل). اه.
2) انظر رقم 4 من هامش ص 51 :
3) ستجىء له إشارة أخرى فى هامش ص 65.
والموصوف مع صفته ؛ لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه ؛ فلابد أن يكون غيره فى المعنى ؛ فلا يقال ، قمح برّ ، ولا رجل فاضل ، ولا فاضل رجل. وإذا جاء من كلام العرب ما يوهم جواز ذلك وجب تأويله ؛ فمما أوهم إضافة الشىء إلى مرادفه قولهم : «جاءنى سعيد كرز». وتأويله : أن يراد بالأول المسمى ، وبالثانى الاسم ؛ أى : جاءنى مسمى هذا الاسم (1)
ومما جاء من هذا الباب قوله تبارك وتعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ، فَادْعُوهُ بِها ) يريد : التسميات. ومن ذلك قوله عليه السّلام : «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة». ولو كان الاسم هنا هو المسمى بعينه لكان اللّه تسعة وتسعين شيئا. وهذا كفر بإجماع ... و ... و ...
ومن ذلك قول الشاعر :
وسميته يحيى ليحيا ، ولم يكن *** لرد قضاء اللّه فيه سبيل
ولو كان الاسم هنا هو المسمى لوجب أن يموت من سمى : «يموت». ويحيا من سمى «يحيى» ... وهذا النوع كثير فى القرآن والحديث وكلام العرب يغنى ما ذكرناه منه عن الإكثار منه) اه. ثم عرض بعد ذلك لأنواع أخرى ؛ منها ما يكون فيه الاسم هو المسمى ، كلاهما ملازم الآخر لا يفارقه مطلقا ، مثل كلمة : «حى ، أو «متحرك». فمن المستحيل أن توجد الحياة بغير الجسد الذى تحل فيه ، ومن المستحيل أن توجد الحركة مستقلة بنفسها بغير جسم تظهر فيه. إلى غير ذلك مما عرضه.
. ومما أوهم .1) للاسم مع المسمى حالات مختلفة ؛ فقد يكون الاسم هو المسمى نفسه وذاته ، وقد يكون غير المسمى ، و ... ، عرض لتفصيل الكلام على هذا الموضوع تفصيلا وافيا ابن السيد البطليوسىّ الأندلسى فى رسالة خاصة نقلتها : «مجلة المجمع اللغوى بدمشق» ، فى الجزء الثانى من مجلدها السابع والأربعين ص 333 وعنها نقلنا النص التالى : «(الباب الأول : فى تبيين كيف يكون الاسم غير المسمى ... ، إن الاسم الذى يقال إنه غير المسمى هو الاسم الذى يراد به التسمية ، والعبارة عن المعنى الذى يروم المتكلم تقريره فى نفس من يخاطبه. وهذا الاسم هو المراد بقولهم للرجل : «ما اسمك؟ وعرفنى باسمك.» ؛ لأنه ليس يسأله أن يعلمه بذاته ما هى؟ وإنما يسأله أن يعلمه بالعبارة المعبر بها عنه ، المشار بها إلى ذاته. وكذلك قولهم. «محوت اسم علىّ من الكتاب ، وأثبت اسمه فى الديوان» فالاسم فى هذا كله غير المسمى اضطرارا ؛ لأن اللفظة ليست الشخص الواقع تحتها. والاسم والتسمية فى هذا الباب لفظان مترادفان على معنى واحد ؛ كما يقال : سيف ، وصمصام ، وحسام. والاسم هاهنا وإن كان يفيد ما تفيده التسمية فبينهما فرق ؛ وذلك أن التسميه مصدر ، من قولك : سميت الشىء أسميه تسمية ، فأنا : مسمّ ، وهو : مسمّى ؛ كقولك : سوّيته ، أسّويه ، تسوية ؛ فأنا : مسوّ ، وهو : مسوّى. والاسم ليس بمصدر ؛ إنما يراد به الألفاظ المعبر بها عن الأشياء ، كمحمد ، وعلى ، وجوهر ، وعرض. ويدلك على الفرق بينهما أن التسمية تعمل عمل الفعل ، والاسم لا يعمل عمل الفعل ؛ ألا ترى أنك تقول : عجبت من تسمية زيد ابنه كلبا ؛ كما تقول عجبت من تسوية زيد الثوب. ولا تقول : عجبت من اسم زيد ابنه كلبا. وهذا كما تقول : «عجبت من قوت زيد عياله» - بفتح القاف - فإن ضممت القاف لم يجز ؛ لأن «القوت - بفتح القاف - مصدر قاته ، يقوته ، قوتا. و «القوت» - بضم القاف - الطعام نفسه ؛ فجرى مجرى الاسم فى الامتناع من العمل ، لأنه نوع من أنواع الاسم.
إضافة الموصوف إلى صفته قولهم : «حبة الحمقاء» ، و «صلاة الأولى» ، و «مسجد الجامع» ، وتأويله أن يقدر موصوف ، أى : حبة البقلة الحمقاء ، وصلاة الساعة الأولى ، ومسجد المكان الجامع (1). ومما أوهم إضافة الصفة إلى الموصوف قولهم : جرد قطيفة (2)» وسحق عمامة (3)، وتأويله : أن يقدر موصوف أيضا ، وإضافة الصفة إلى جنسها ؛ أى : شىء جرد من جنس القطيفة ، وشىء سحق من جنس العمامة.» اه كلام الأشمونى.
ثم قال ما نصه :
«أجاز الفراء إضافة الشىء إلى ما بمعناه لاختلاف اللفظين. ووافقه ابن الطّراوة ، وغيره ، ونقله فى «النهاية» عن الكوفيين ، وجعلوا من ذلك ما ورد فى الآيات القرآنية من نحو : «ولدار الآخرة» - «حقّ اليقين» - «حبل الوريد» - «جنات وحبّ الحصيد» وظاهر التسهيل وشرحه موافقته (4)
«(أفضل الصدقة ما كان عن ظهره غنى المراد : نفس الغنى. ولكن أضيف للإيضاح والبيان ؛ كما قيل :
ظهر الغيب ، وظهر القلب». والمراد : نفس الغيب ، ونفس القلب. ومثله : «نسيم الصبا» ، وهي نفس الصبا. قاله الأخفش ، وحكاه الجوهرى عن الفراء أيضا. والعرب تضيف الشيء إلى نفسه ، لاختلاف اللفظين ؛ طلبا للتأكيد. قال بعضهم : ومن هذا الباب : حق اليقين ، ولدار الآخرة ...) ؛» اه
) اه. الأشمونى. ويقول الرضى فى شرح الكافية (5)- بعد أن شرح مذهب الكوفيين وغيرهم وعرض أمثلة مما سبق - ما نصه : «والإنصاف أن مثله كثير لا يمكن دفعه» (6).1) انظر ما سبق متصلا بهذا فى رقم 1 من ص 40.
2) بمعنى : قطيفة مجردة.
3) بمعنى : عمامة مجردة.
4) ومن الأمثلة القرآنية أيضا قوله تعالى : ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... ) قال «المصباح المنير» فى مادة : «عرم» ما نصه «(العرم قيل : جمع «عرمة» مثل : كلم وكلمة ، وهو : السد ، وقيل : السيل الذى لا يطاق دفعه. وعلى هذا فقوله تعالى : ( «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) بإضافة الشىء إلى نفسه ؛ لاختلاف اللفظين) ، اه وجاء فى المصباح المنير أيضا ما نصه فى مادة : «ظهر»
5) ج 1 ص 288.
6) وزاد على هذا قوله : «ولو قلنا إن بين الاسمين فى كل موضع فرقا لاحتجنا إلى تعسفات كثيرة» ...
وقد أطلنا الكلام فى أمر الإضافات السالفة لنفصل فى أمرها بحكم قاطع - وهو إباحتها - فيحسم النزاع ، ويوقف الجدل الذى امتد حتى وصل إلينا عنيفا ، واستخدمه اليوم - بغير حق - بعض الباحثين فى إصدار أحكام بالفساد والخطأ على بعض الإضافات الشائعة ، مثل : «استرحنا من عناء التعب» ، - و «نعمنا برغد الرخاء».
السابع : عدم الفصل بين المضاف والمضاف إليه باسم ظاهر ، أو بضمير بارز (1)، أو بغيرهما ، لأن المتضايفين بمنزلة الكلمة الواحدة ذات الجزأين ، لا يصح أن يتوسط بينهما فاصل. غير أن هناك مواضع يجوز فيها الفصل فى السعة (2)- فإباحتها فى الشعر ، وملحقاته ، أقوى -. ومواضع أخرى يجوز فيها الفصل للضرورة (3).
ا - فأمّا مواضع الفصل فى السّعة فمنها :
(1) أن يكون المضاف مصدرا والمضاف إليه هو فاعله فى الأصل قبل الإضافة ، والفاصل بينهما إما مفعول به للمصدر (4)؛ كقول الشاعر :
حملت إليه من ثنائى حديقة *** سقاها الحجا سقى الرياض السحائب
والأصل : سقى السحائب الرياض. وقول الآخر :
عتوا إذ أجبناهم إلى السّلم رأفة *** فسقناهم سوق - البغاث - الأجادل (5)
يريد : سوق الأجادل البغاث ، فوقع الفصل فى المثالين بين المصدر وفاعله بمفعوله المنصوب.
وإما ظرف للمصدر ؛ كقولهم : ترك يوما نفسك وهواها ، سعى لها فى
1) أما المستتر فقد يفصل فى الإضافة غير المحضة - كما عرفنا فى ص 34.
2) أى : فى النثر المرسل ؛ حيث يجد الناثر من فسحة القول ، وحرية التعبير ، والتصرف - ما لا يجده الشاعر - ونحوه - المقيد بقيود الشعر ، وضوابطه ؛ من وزن ، وقافية ، وخصائص شعرية ترهقه ، وتضيق بها حريته فى التعبير ، ولهذا منحوه أنواعا من التيسير لم يمنحوها الناثر ، وأباحوا أن يقع فى الشعر - وملحقاته - بعض أمور معينة لا تباح فى النثر المرسل ؛ تخفيفا على الشاعر ، ونزولا على حكم الضرورة. وسموا تلك الأمور المحددة : «الضرورات الشعرية ، ونظائرها». ولا شك أن ما يباح فى النثر مباح فى النظم بالأولوية. هذا ، وفريق من البصريين يمنع الفصل بين المتضايفين فى السعة ، وسيجىء فى ص 58.
3) أى : الضرورة الشعرية ، وما يلحق بها ، مما أوضحناه فى ج 4 م 148 ص 206 باب : «مالا ينصرف». حيث البيان الكامل للضرورة ، وملحقاتها.
4) بشرط أن يكون المفعول غير جملة ؛ فلا يجوز : سرنى قول : - الدين حقّ - الملحد ، أى : قول الملحد : الدين حقّ.
5) معنى البيت : إن الأعداء عتوا ، (أى : أفسدوا) بعد أن رحمناهم ، وأجبناهم إلى السلم رأفة بهم. فلم نجد بدا أن نطاردهم ونسوقهم أمامنا كما تسوق الأجادل البغاث. (الأجادل. جمع أجدل ، ويسمى : الصقر ؛ وهو من جوارح الطيور القوية التى تحسن اصطياد الطيور الضعيفة. والبغاث :طائر ضعيف ، يصاد ، ولا يصيد ، ولا ينتفع صائده بشىء منه).
رداها. فقد فصل الظرف : (يوما) بين المصدر وفاعله ، وهما : ترك نفسك ... (1)
(2) أن يكون المضاف اسم فاعل للحال أو الاستقبال ، والمضاف إليه هو مفعوله ، والفاصل بينهما ؛ إما : مفعوله الثانى ، وإما الظرف ، وإما الجار والمجرور المتعلقان بهذا المضاف ، فمثال الفصل بالمفعول الثانى قول الشاعر :
ما زال يوقن من يؤمّك بالغنى *** وسواك مانع - فضله - المحتاج
أى : مانع المحتاج فضله. والأصل قبل الإضافة مانع المحتاج فضله ؛ فاسم الفاعل هنا ناصب مفعولين ، ثم أضيف إلى أولهما ، وبقى الثانى منصوبا ، ولكنه تقدم وفصل بين المتضايفين. ومثال الظرف قول الشاعر :
وداع إلى الهيجا وليس كفاءها *** كجالب - يوما - حتفه بسلاحه
والأصل : كجالب حتفه يوما ... ، ومثال الجار والمجرور المتعلقين به قوله عليه السّلام : هل أنتم تاركو - لى - صاحبى. والأصل : تاركو صاحبى لى.
(3) الفصل بالقسم ، أو : بإمّا ، أو : بالجملة الشرطية ؛ سواء أكان المضاف شبه فعل (2)أم غيره ؛ فمثال القسم : شرّ - واللّه - البلاد بلاد لا عدل فيها ولا أمن. ومثال «إما» قول الشاعر :
هما خطّتا (3)- إمّا إسار (4)ومنّة (5)*** وإمّا دم ، والقتل بالحرّ أجدر
أى : هما خطّتا إسار ... وقد حذفت نون المثنى المضاف وفصلت بينه وبين المضاف إليه كلمة : «إما». ومثال الشرط ما نقل من نحو : هذا غلام - إن شاء اللّه - أخيك». والأصل : هذا غلام أخيك إن شاء اللّه.
(4) الفصل ب «ما» الزائدة حين يكون المضاف منادى ، وحرف النداء هو : «يا» ؛ كقول الشاعر :
1) والأصل : ترك نفسك شأنها ، وحذف المفعول أو : مضاف لمفعوله وفاعله محذوف ، أى : تركك نفسك.
2) المراد به هنا : نوعان - فقط - من الأسماء التى تشبه الفعل فى معناه وعمله ، هما : المصدر ، واسم الفاعل للحال أو الاستقبال.
3) أصل الكلام : خطتان ؛ تثنية خطة ، بمعنى : حالة وطريقة.
4) أى : أسر ، وهو : وقوع المحارب مغلوبا فى يد عدوه المنتصر.
5) امتنان بإطلاق السراح ، ومنح الحرية.
يا شاة - ما - قنص لمن حلّت له *** حرمت علىّ وليتها لم تحرم
(5) الفصل بالتوكيد اللفظىّ بشرط أن يكون المضاف منادى قد تكرر لفظه للتوكيد اللفظى ، من غير أن يضاف اللفظ الذى جاء للتوكيد ، نحو : (يا صلاح - صلاح - الدين الأيوبىّ ، ما أطيب سيرتك) ؛ على اعتبار أن كلمة : «صلاح» ، الأولى منادى ، منصوب ، مضاف ، وكلمة : «الدين» مضاف إليه ، وكلمة : «صلاح» الثانية هى التوكيد اللفظى للأولى ، وقد فصلت بين المتضايفين (1).
ب - وأما مواضع الفصل المباح فى الضرورة فمنها :
(ا) وقوع المضاف اسما - مشبها الفعل فى العمل ، رافعا بعده فاعله الذى يفصل بينه وبين المضاف إليه ؛ كقول الشاعر :
نرى أسهما للموت تصمى (2)ولا تنمى (3)
ولا نرعوى (4)عن نقض - أهواؤنا العزم
فقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بكلمة : «أهواؤنا» وهى فاعل المصدر المضاف. والأصل : عن نقض العزم أهواؤنا. أى : عن أن تنقض أهواؤنا العزم.
(2) أن يكون الفاصل بين المضاف والمضاف إليه أجنبيّا من المضاف ، (أى : أن يكون الفاصل معمولا لعامل آخر غير هذا المضاف) ؛ كالفصل بالفاعل الأجنبى فى قول الشاعر :
1) وكان من الجائز أن تنون ، ولكن حذف تنوينها بقصد المشاكلة بين الاسمين. ولهذا المثال ، وأشباهه - طرق مختلفة فى ضبطه وإعرابه. وبيانها المفصل فى موضعها الأنسب من باب المنادى (ج 4 ص 40 و41 م 130) ، ومن تلك الطرق اعتبار الاسم المكرر زائدا زيادة محضة بين المتضايفين لا يوصف فيها بإعراب ولا بناء. عند من يجيز زيادة الأسماء.
2) تصيب فتقتل الصيد ، والصائد يراه.
3) أنمى الصياد الصيد ، رماه فأصابه ، فذهب الصيد بعيدا عنه ومات. فمعنى لا تنمى ، لا تخطئ الإصابة القاتلة.
4) لا نرعوى : لا نرجع عن الغى ، ولا نرتدع.
أنجب (1)أيّام - والداه به - *** إذ نجلاه (2)؛ فنعم ما نجلا
والأصل : أنجب والداه به أيام إذ (3)نجلاه ... فقد فصل الفاعل (4)وهو (والداه) بين المضاف : - أيام - وبين المضاف إليه وهو : «إذ نجلاه» ، والفاصل هنا ليس معمولا للمضاف.
(3) الفصل بالمفعول الأجنبى ؛ كالذى فى قول الشاعر يصف فتاة :
تسقى امتياحا (5)ندى - المسواك - ريقتها *** كما تضمّن ماء المزنة الرّصف (6)
يريد : أنها تسقى المسواك ندى ريقتها. فقد توسط المفعول به الأجنبى ، (وهو : المسواك) بين المضاف والمضاف إليه ، وفصل بينهما ، مع أنه معمول للفعل : «تسقى» وليس معمولا للمضاف.
(4) الفصل بالظرف الأجنبى (7)؛ كالذى فى قول الشاعر يصف رسوم الدار بأنها :
كما خطّ (8)الكتاب بكفّ - يوما *** يهودىّ يقارب (9)أو يزيل (10)
1) أنجب الرجل : ولد له ولد نجيب.
2) ولداه ، ورزقا به.
3) «أيام» ، مضاف ، و «إذ» مضاف إليه ، من إضافة العام للخاص ، أو المؤكّد للمؤكّد. (وقد سبق الكلام عليها مع الإشارة لهذا البيت فى النوع الخامس ص 45) و «إذ» مضاف ، والجملة بعدها مضاف إليه.
4) الفاصل فى البيت هو الفاعل ومعه الجار والمجرور ، فيؤخذ من هذا البيت الذى استشهد به النحاة على الفصل بالفاعل ، جواز الفصل بالفاعل فقط ، أو به ومعه الجار والمجرور.
5) الامتياح : استخدام السواك لتنظيف الأسنان ، ويعرب هنا : حالا مؤولة ، أى : ممتاحة. وهذا الإعراب أحسن من غيره.
6) الحجارة المتراصة المتلاصق بعضها إلى بعض. والماء المتراكم فوقها ، أو النافذ منها. ، يكون أنقى وأصفى من غيره ، المفرد : رصفة.
7) أى : الذى ليس معمولا للمضاف.
8) كتب.
9) أى : يقرب الكلمات والحروف بعضها من بعض.
10) يزيل (بفتح الياء) يباعد ويفرق.
والأصل : كما خط الكتاب يوما بكفّ يهودىّ ؛ فوقع الظرف الأجنبى فاصلا بين المضاف وهو : «كف» ، والمضاف إليه ، وهو : «يهودى».
(5) الفصل بالجار مع مجروره الأجنبيين ، كما فى قول الشاعرة (1):
هما أخوا - فى الحرب - من لا أخاله *** إذا خاف يوما نبوة ، ودعاهما
تريد : هما أخوا من لا أخاله فى الحرب. وقول الآخر (2):
كأن أصوات - من إيغالهنّ (3)، بنا - *** أواخر الميس (4)أصوات الفراريج (5)
(راجع مجمع البيان، لعلوم القرآن ، ح 3 ص 4).
يريد : كأن أصوات أواخر الميس ...
(6) الفصل بنعت المضاف ؛ مثل :
ولئن حلفت على يديك لأحلفن *** بيمين أصدق من يمينك - مقسم
أى : بيمين مقسم ، أصدق من يمينك.
(7) الفصل بالنداء ، كالذى فى قول الشاعر :
وفاق (6)- كعب (7)- بجير منقذ لك من *** تعجيل تهلكة (8)، والخلد فى سقرا (9)
وأصل القصة : أن «كعبا» و «بجيرا» أخوان ، أبوهما : «زهير بن أبي سلمى» الشاعر الجاهلي المشهور. وقد أسلم «بجير » قبل أخيه ، فأراد أن يسلم أخوه ، فقال شعرا يحبب إليه الإسلام ، ويحذره سوء العاقبة إن خالف ، ومنه هذا البيت ومعناه : موافقة بجير . يا كعب . تنقذك . من الهلاك ، ومن الخلود في سقر .
أى : وفاق بجير يا كعب ...
1) هو لامرأة من بنى قيس. كما جاء فى الجزء الأول من كتاب : «الموشح» للمرزبانى ، عند الكلام على الشاعر : أبو حية النميرى.
2) هو : ذو الرّمة.
3) مبالغتهن فى السير.
4) الميس : شجر تصنع منه الرحال. والمراد هنا : الرحال.
5) جمع فرّوج ، وهو فرخ الدجاج. والشاعر يشبه أصوات الرحال وقت سير الإبل المسرعة بأصوات الفراريج -
6) موافقة.
7) يا كعب.
8) هلاك.
9) سقر : جهنم.
تلك أشهر مواضع : «الفصل» - بنوعيه - بين المضاف والمضاف إليه كما رآها كثرة النحاة.
لكن فريقا من نحاة البصرة لا يبيحون الفصل فى السّعة ، ويقصرونه على الضرورات. والأخذ برأيهم أفضل ؛ حرصا على وضوح المعانى ، وجريا على مراعاة النسق الأصيل فى تركيب الأساليب. فمما لا شك فيه أن الفصل بين المتضايفين لا يخلو من إسدال ستار مّا على المعنى لا يرتفع ولا يزول إلا بعد عناء فكرىّ يقصر أو يطول ، وأن الأسلوب المشتمل على : «الفصل» غريب على اللسان والآذان ، ولا سيما اليوم.
سواء أخذنا بهذا الرأى الأفضل أم بذاك - وكلاهما جائز - فلا مناص لمن يبيح الفصل أن يبيحه حين تقوم القرينة عليه ، ويتضح المعنى معه ، فى غير إبهام ولا غموض (1)
فصل مضاف ، شبه فعل ما نصب *** مفعولا ، او : ظرفا : أجز. ولم يعب : 34
فصل يمين. واضطرارا وجدا *** بأجنبىّ ، أو : بنعت ، أو : ندا - 35
التقدير : أجز فصل ما نصبه المضاف الذى يشبه الفعل ، حالة كون المنصوب مفعولا بد ، أو ظرفا. (يريد : إذا كان ذلك المنصوب مفعولا به ، أو ظرفا) فكلمة : «فصل» مفعول للفعل : «أجز». و «فصل» مضاف ، وكلمة : «مضاف» ، التى بعدها هى المضاف إليه. «شبه» نعت لكلمة : مضاف. و «فعل» مضاف إليه مجرور. «ما» اسم موصول مبنى على السكون فى محل رفع فاعل للمصدر الذى هو كلمة : «فصل». و «نصب» جملة فعلية ، لا محل لها ، صلة الموصول. والمفعول ضمير محذوف ، والتقدير : نصبه. و «مفعولا» ، حال من الضمير المحذوف ، و «أو» حرف عطف. «ظرفا» معطوف على «مفعولا».
ثم يقول : واضطرارا وجد الفصل بأجنبى. والمعنى : يجوز الفصل بين المضاف المشبه للفعل ، والمضاف إليه بشىء نصبه ذلك المضاف ، لكن بشرط أن يكون هذا الفاصل المنصوب مفعولا به ، أو ظرفا. وقد أوضحنا هذه القاعدة بالشرح والتمثيل ، وبالتفصيل المناسب
ثم بين بعد ذلك أن الفصل بين المتضايفين جائز باليمين. أما فى حالة الضرورة فقد وجد الفصل بالأجنبي (وهو الذى ليس معمولا للمضاف) أو بالنعت ، أو بالندا. هذا والنعت والنداء يدخلان في الفصل بالأجنبي ؛ ولكنه خصهما بالذكر مبالغة فى إيضاحهما. ثم إن تخصيص هذه المسائل بحالة الضرورة يدل على أن ما سرده قبلها يكون في السعة.
. ة.1) وفى الفصل ومواضعه يقول ابن مالك فى آخر باب : «الإضافة» أبياته التالية. المختصرة الملتوية (وقدمناها من موضعها الذى فى ص؟ لتساير الترتيب المعنوى الأنسب للمسائل المترابطة التى يتمم بعضها بعضا ، على أنا وضعنا هنا على يسار كل بيت رقمه الذى يدل على ترتيبه فى الباب ؛ كما رتبه الناظم).
من مواضع الفصل للضرورة : الفصل بين المتضايفين بالفعل الزائد (أى : الذى يمكن حذفه مع فاعله (1)بغير أن يفسد المعنى) ومنه قول العربى يسأل عن أهله :
بأىّ - تراهم - الأرضين حلّوا؟ *** أبالدّ بران ، أم عسفوا الكفارا
يريد : بأى الأرضين؟ فجملة : «تراهم» (2)زائدة ، فاصلة بين المتضايفين. ثم يسأل : أحلوا المكان الذى يسمى : الدبران - بفتح الباء - أم قصدوا المكان الآخر المسمى : الكفار؟.
وأيضا الفصل بالمفعول لأجله ؛ كقول الشاعر :
أشمّ كأنّه رجل عبوس *** معاود - جرأة - وقت الهوادى
والأصل : معاود وقت الهوادى ؛ جرأة. أى : يعاود الحرب وقت ظهور أعناق الخيل ، لجرأته فى الحرب (3).
وكذلك الفصل بلام الجر الزائدة بين المضاف المنادى والمضاف إليه (4)كقول الشاعر:
1) إن كان له فاعل ، لأن بعض الأفعال الزائدة لا فاعل له ، وإذا حذف الفعل مع فاعله كان المحذوف جملة.
2) ليس من اللازم ما يقولونه من أنها زائدة هنا.
3) أشار الصبان إلى أن صدر البيت ورد مكان العجز فى بعض المراجع
4) سبقت إشارة لهذا عند الكلام على لام الجر ج 2 م 90 ص 367 وهناك تكملة هذا الشطر ، وتفصيل الكلام على البيت ، وعلى لام الجر.
الثامن : استفادة المضاف من المضاف إليه وجوب التصدير (1)، وانتقال هذا الوجوب من الثانى للأول. فإذا كان المضاف إليه لفظا من الألفاظ التى يجب تصديرها فى جملتها - كألفاظ الاستفهام ... و ... - فإنه يفقد التصدير حين يصير مضافا إليه ، وينتقل وجوب التصدير إلى المضاف الذى ليس من ألفاظ الصدارة الحتمية ؛ ولهذا وجب تقديم المبتدأ فى مثل : كتاب من معك؟ والخبر فى مثل : صباح أىّ يوم السفر؟ والمفعول به فى مثل : دعوة أيّهم تجيب؟ والجار والمجرور فى مثل : من بلاد أىّ الأنصار أقبلت؟ وهكذا ... وأصل الكلام : معك كتاب من؟ - السّفر صباح أىّ يوم؟ - تجيب دعوة أيهم؟ - أقبلت من بلاد أىّ الأنصار؟. ففى الأمثلة السابقة تقدم وجوبا كل من المبتدأ ، والخبر ، والمفعول به ، والجار مع مجروره ... و ... مع أن كل واحد من هذه الألفاظ ليس من الألفاظ الواجبة التصدير لذاتها ؛ ولكنه استفاد حق التصدير الواجب من المضاف إليه ، وسلبه هذا الحق ، إذ المضاف إليه هنا أداة استفهام ، وأدوات الاستفهام واجبة التصدير بنفسها قبل أن تصير : «مضافا إليه» فحين صارت مضافا إليه فقدت هذا التصدير الواجب ، وانتقل منها إلى المضاف.
التاسع : وجوب تقديم المضاف ، على المضاف إليه ، وكذلك على معمولات المضاف إليه ، إن وجدت. فلا يجوز أن يتقدم المضاف إليه ، ولا شىء من معمولاته (سواء أكانت هذه المعمولات مفردة ، أم جملة ، أم شبه جملة) ، إلا حالة واحدة يجوز فيها تقديم المعمول ؛ هى : أن يكون المضاف كلمة : «غير» التى يقصد بها النفى (2)؛ ففى نحو : (أنا مرشد الغرباء ...) لا يصح : (أنا الغرباء مرشد ...) وفى نحو : «أنا مثل كاتب سطورا» ، لا يصح أن يقال : (أنا - سطورا - مثل كاتب) أما فى نحو : (أنا غير منكر فضلا -) فيجوز : (أنا - فضلا - غير منكر) ؛ لأنه يجوز : (أنا فضلا لا أنكر).
ومنه قول الشاعر :
إنّ امرأ خصّنى عمدا مودّته *** على التنائى لعندى غير مكفور
والأصل : لغير مكفور عندى ؛ فقدّم : «عندى» وهو معمول المضاف إليه ، على المضاف وهو : «مكفور» ، لتحقّق الشرط ؛ فكأنه قال : لعندى لا يكفر. فإن لم يقصد بكلمة : «غير» النفى لم يتقدم عليها معمول المضاف إليه. كما فى مثل : «فاز المتسابقون غير راكب فرسا» فلا يصح : فاز المتسابقون فرسا غير راكب ؛ لعدم قصد النفى بكلمة : «غير» ، لأنه لا يصلح وضع حرف النفى والمضارع موضعها مع مجرورها ؛ فلا يقال : فاز المتسابقون لا يركب فرسا ، لعدم الرابط المناسب فى الجملة الحالية.
ومما تقدم نفهم المراد من قول النحاة : «إن المضاف إليه لا يعمل شيئا فى المضاف ، ولا فيما قبل المضاف ، إلا فى صورة واحدة (1)».
العاشر : وجوب استفادة المضاف الذى ليس مصدرا ، من المضاف إليه المصدرية ، فى بعض الصور ؛ (كأن يكون المضاف فى أصله اسم استفهام ، أو صفة لمصدر محذوف) (1)، مثل قوله تعالى : ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ (2)يَنْقَلِبُونَ ) ، والأصل : وسيعلم الذين ظلموا ينقلبون أىّ منقلب؟ أو : سيعلم الذين ظلموا ينقلبون منقلبا أىّ منقلب. فكلمة : «أى» مفعول مطلق (3)فهو - هنا - نائب عن المصدر ، وقد اكتسب المصدرية من المضاف إليه.
الحادى عشر : وجوب استفادة المضاف من المضاف إليه الظرفية بشرط أن يكون المضاف هو لفظ : «كل» ، أو : «بعض» أو ما يدل على الكلية أو الجزئية ؛ وأن يكون المضاف إليه ظرفا فى أصله (4)؛ كقولهم : قد تخفى خديعة
اللئيم بعض الأحيان ، ولكنها لا تخفى كلّ الأحيان (1).
إلى هنا انتهت الأحكام الحتمية المطّردة. وبقيت الأحكام الأربعة الأخرى التى أشرنا إليها من قبل (2)، وهى التى يجوز مراعاتها وعدم مراعاتها ؛ وتدخل تحت العنوان الآتى مباشرة (3).
الثانى عشر : جواز استفادة المضاف المذكر من المضاف إليه التأنيث وذلك بشرطين:
أولهما : أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه ، أو مثل جزئه (1)، أو كلّا له.
وثانيهما : أن يكون المضاف صالحا للحذف ، وإقامة المضاف إليه مقامه من غير أن يتغير المعنى. فمتى تحقق الشرطان كان اكتساب المضاف التأنيث قياسيّا ، مع قلّته وضعف درجته البلاغية بالنسبة لعدم التأنيث ، ولكنها «قلة نسبية» (2)لا تمنع القياس ، فمثال المضاف الذى هو جزء من المضاف إليه : أسرعت بعض السحائب حين ساقتها بعض الرياح. فقد لحقت تاء التأنيث آخر الفعلين : «أسرع» و «ساق» ؛ لتدل على تأنيث فاعلهما ؛ وهو كلمة ؛ «بعض» مع أن كلمة : «بعض» مذكّرة فى ذاتها ، لكنها اكتسبت التأنيث من المضاف إليه بعدها ؛ وهو كلمة : «السحائب» و «الرياح» فصحّ تأنيث الفعل مراعاة لتأنيث فاعله المضاف المستوفى الشرطين ؛ لأنّ الفاعل المضاف هنا بعض من المضاف إليه ، ومن الممكن حذف المضاف ، والاستغناء عنه بالمضاف إليه من غير أن يفسد المعنى ؛ فيقال : أسرعت السحائب حين ساقتها الرياح. ومثل هذا قول الشاعر :
وتشرق بالقول الذى قد أذعته *** كما شرقت صدر القناة من الدم
1) جزء الشىء هو ما يدخل فى تركيب ذلك الشىء ، بحيث لا يتم التركيب الكامل إلا به ؛ كالرأس ، أو : الرجل ، أو اليد ؛ بالنسبة للإنسان. أى : أن «الكل» لا يتحقق وجوده كاملا إلا بذلك الجزء. وقد يراد به : الفرد الداخل فى تكوين الجماعة. أما الشبيه بالجزء فهو ما تجمعه «بالكل» صلة قوية عارضة - غير صلة الجزئية - من كل ما يدل على الاتصال العرضى ، والارتباط السببى الطارئ (أى : على الارتباط غير الأصيل) مثل اللون ، أو : الخلق ، أو : الحب ، أو : الثياب ، أو نحوها ، مما له صلة بالكل من غير أن يدخل فى تركيبه الأساسى.
2) شرحنا القلة بنوعيها فى رقم 3 من هامش ص 79.
فقد أنث الفعل الماضى : «شرق» لتأنيث فاعله المضاف المستوفى الشرطين - وهو : «صدر» - تأنيثا مكتسبا من المضاف إليه الذى هو كلّ للمضاف.
ومثال المضاف الذى يشبه جزء المضاف إليه قول الشاعر :
وما حبّ الديار شغفن (1)قلبى *** ولكن حبّ من سكن الديارا
فكلمة : «حب» - الأولى - مبتدأ مذكر ، خبره الجملة الفعلية : «شغفن» والرابط بين المبتدأ وخبره : ضمير النسوة : «النون» وصح أن يكون العائد على المبتدأ المذكر ضميرا مؤنثا لأن المبتدأ المذكر مضاف ، وكلمة : «الديار» مضاف إليه مؤنثة ؛ فاكتسب منها التأنيث. والمضاف هنا وهو كلمة : «حبّ» ليس جزءا من المضاف إليه ، ولكنه يشبهه فى أن له اتصالا عرضيّا ، وارتباطا سببيّا به ؛ فالصلة بين الحب وديار الأهل والأصدقاء معروفة ، والشرط الثانى متحقق هنا ؛ فمن الممكن حذف المضاف ، والاكتفاء بالمضاف إليه من غير فساد للمعنى ؛ فيقال : الديار شغفن قلبى.
ومثال المضاف الذى هو «كلّ» للمضاف إليه قول الشاعر يصف نباتا ناضرا :
جادت عليه كلّ عين ثرّة (2)
فتركن كلّ حديقة كالدّرهم *** فقد لحقت تاء التأنيث آخر الفعل : «جاد» للدلالة على تأنيث فاعله ؛ وهو : «كل» ، مع ان هذا الفاعل مذكر فى ذاته. ولكنه مضاف ، اكتسب تأنيثه من المضاف إليه. أى : من : كلمة «عين» المؤنثة. فصح لذلك تأنيث فعله. وقد تحقق الشرطان ، لأن المضاف كلّ عامّ يشمل المضاف إليه ، ولا يفسد المعنى بحذف المضاف هنا وإقامة المضاف إليه ؛ فيقال : جادت عليه عين ثرّة (3)
الجواب في «ج» من ص 167.
ومثل هذا قوله تعالى : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ) ...فقد أنّث المضارع : (تجد) لتأنيث فاعله المضاف - المستوفى الشرطين - تأنيثا مكتسبا من المضاف إليه ؛ لا تأنيثا ذاتيا (1)
وربّما أكسب ثان أوّلا *** تأنيثا إن كان لحذف موهلا
(موهل - بفتح الهاء - بمعنى : مؤهّل ، أى : صالح. أوهلت الرجل للعمل ؛ جعلته صالحا له» وأهلا لمزاولته). يريد : أن الثانى - وهو المضاف إليه - قد يفيد الأول التأنيث ؛ إن كان الأول صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثانى ؛ كما شرحنا. وقد أهمل الشرط الأول.
وكلمة : «ربما» قد تفيد التكثير فالقياس عليه صحيح. وقد يكون معناها التقليل ، وأن استفادة التأنيث السالفة قليلة. وهذا صحيح ، ولكنها قلة لا تمنع القياس عليها ؛ إذ هى «قلة نسبية» ، لا «ذاتية (وقد شرحناهما فى رقم 3 من هامش ص 79 وأشرنا هناك إلى المرجع ، وإلى ص 585 من الجزء الرابع ، باب جميع التكسير» م 172 حيث البيان المقيد عن المطرد ، والقياس ، والأكثر ، و .. و. وما يصح أن يقاس عليه وما لا يصح.) - فليست قليلة فى ذاتها لا يصح القياس عليها ، ولكنها قلة بالنسبة للكثرة التى لا يكتسب فيها المضاف التأنيث من المضاف إليه ، ومع أنها قلة نسبية تكفى للقياس عليها ، نرى الأحسن العدول عن محاكاتها قدر الاستطاعة.
ويلى هذا البيت فى الترتيب بيت سبق شرحه فى المكان الأنسب من ص 49 ... - وهو :
ولا يضاف اسم لما به اتّحد *** معنى ، وأوّل موهما إذا ورد
.فإن فقد المضاف أحد الشرطين لم يكتسب التأنيث من المضاف إليه ، فمثال ما فقد الشرط الأول : قولهم : «أعجبنى يوم العروبة» ، فلا يصح : أعجبتنى يوم العروبة ، لأن المضاف ليس كلا ، ولا بعضا ، ولا كالبعض ، مع أنه صالح للحذف ، فيقال : أعجبتنى العروبة (2). ومثال ما فقد الشرط الثانى : سرّنى ربّان الباخرة ، فلا يصح سرّتنى ربّان الباخرة ، إذ لا يمكن حذف المضاف وإقامة .
1) وفى هذا التأنيث المكتسب يقول ابن مالك :
2) هذا نص كلام «الخضرى» والمثال منقول عنه. وهو مثال لا يخلو من «شبه الجزء» ولكن هذه المشابهة ضئيلة لا يلتفت إليها ؛ إذ تعذر الوصول إلى إضافة خالية من تلك المشابهة خلوّا تاما ، لا ارتباط فيه بين المتضايفين ولو كانت الإضافة غير محضة : فالمقصود : المشابهة القوية كما أشرنا قبلا.
المضاف إليه مكانه مع المحافظة على المعنى الأول (1)...
الثالث عشر : استفادة المضاف المؤنث من المضاف إليه التذكير بالشرطين المذكورين فى الحكم الثانى عشر. ولكن هذه الاستفادة قليلة فى النصوص المأثورة قلة لا تبيح القياس عليها ؛ فمثال المضاف المؤنث الذى هو جزء من المضاف إليه المذكر قولهم : مضعة اللسان جالب للبلاء ؛ ودافع للنقم ، ومثال المضاف الذى يشبه جزء المضاف إليه المذكر قول الشاعر :
رؤية الفكر ما يئول له الأم *** ر معين على اجتناب التّوانى
وقول الآخر :
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى *** وعقل عاصى الهوى يزداد تنويرا
ومثال المضاف الذى هو «كلّ» للمضاف إليه : عامة الإقليم منصرف إلى الإصلاح والتعمير ، فكلمة : «عامّة» مبتدأ مؤنث ، لكنه اكتسب التذكير من المضاف إليه ، فجاء الخبر (وهو : منصرف) مذكرا لذلك (2)...
الرابع عشر : جواز استفادة المضاف المعرب من المضاف إليه البناء ، وذلك فى ثلاثة مواضع :
أولها : أن يكون المضاف اسما معربا متوغلا فى الإبهام (3)غير زمان ؛ (ككلمة : غير - شبه - مثل ...) والمضاف إليه مبنيّا ، كالضمير -
1) بمناسبة الحكم «الثانى عشر» والحكم «الثالث عشر» الذى يليه مباشرة نشير إلى «الملاحظة» المدونة فى رقم 2 التالى متضمنة حكم كلمتى : «أحد ، وإحدى» المضافتين من جواز تذكيرهما وتأنيثهما فى بعض استعمالاتها ...
2) «ملاحظة» : أشرنا فى الجزء الأول (م 34 ص 458 موضوع : «المطابقة بين المبتدأ والخبر» إلى تأنيث كلمتى : «أحد ، وإحدى» المضافتين ، وتذكيرهما. وقلنا ما نصه بين الأحكام الهامة المعروضة هناك : «من الخبر الذى يجوز فيه التذكير والتأنيث كلمتا : «أحد وإحدى» المضافتين إذا كان المضاف إليه لفظا يخالف المبتدأ فى التذكير أو التأنيث ؛ فيجوز فى الكلمتين موافقة المبتدأ أو الخبر ؛ مثل : المال أحد السعادتين ، أو إحدى السعادتين ؛ بتذكير : «أحد» مراعاة للمبتدأ : «المال» وهو مذكر ، وبالتأنيث مراعاة للمضاف إليه المؤنث ، وهو كلمة : «السعادتين : ومثل : الكتابة أحد اللسانين ، أو إحدى اللسانين ؛ بالتأنيث أو بالتذكير ، طبقا لما سلف هناك. اه
3) تقدم الكلام فى هذا الباب - ص 24 - على الأسماء المتوغلة فى الإبهام ، وسنعود لها بمناسبات أخرى تأتى فى ص 80 - و «ه» مفى 87 - و91 - و131 - و141 وما بينها.
واسم الإشارة ، و ... و ... (1)فيجوز فى المضاف إبقاؤه على إعرابه كما كان ، أو بناؤه على الفتح ؛ نحو : أجيب داعى المروءة ، ولو دعانى غيره ما أجبت. فكلمة «غير» فاعل ؛ إما معرب مرفوع مباشرة ، وإما مبنى على الفتح - لإضافته إلى المبنى وهو الضمير - فى محل رفع ، فالأمران جائزان - (عند غير ابن مالك فإنه لا يبيح بناء المضاف بسبب إضافته لمبنى ، كما سبق فى باب : «الظرف»). ونحو ؛ مثلك لا ينام على ضم يراد به. فكلمة : «مثل» مبتدأ ، إما معرب مرفوع مباشرة ، وإما مبنى على الفتح فى محل رفع ؛ فالأمران جائزان ، (عند غير ابن مالك) ، ومثل هذا قول الشاعر :
وما لام نفسى مثلها لى لائم *** ولا سدّ فقرى مثل ما ملكت يدى
فكلمة : «مثل» فى الشطرين فاعل ، وهى إما معربة مرفوعة بالضمة مباشرة ، وإما مبنية على الفتح فى محل رفع. وسبب بنائها على الفتح إضافتها للمبنى ، وهو الضمير «ها» فى الشطر الأول ، واسم الموصول «ما» فى الشطر الثانى.
ثانيها : أن يكون المضاف زمانا مبهما (2)معربا فى أصله ، والمضاف إليه مفردا (3)مبنيّا ؛ مثل : «إذ» ؛ كقوله تعالى : ( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ... ) وقوله تعالى عن هول يوم القيامة : ( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ...) فكلمة : «يوم» فى الآيتين ؛ يجوز فيها الأمران ؛ الجر مباشرة مع الإعراب ، أو البناء على الفتح فى محل جرّ. وهى فى الحالتين اسم زمان مبهم مضاف (4)وبعدها المضاف إليه : «إذ». وإنما كان «اليوم» هنا مبهما لأن المراد منه
1) ويشترط بعض النحاة ، لانتقال البناء من المضاف إليه للمضاف أن يكون المضاف إليه مذكورا - لا محذوفا. والصحيح أن هذا الشرط مرفوض ؛ (طبقا للبيان الآتى فى رقم 2 من هامش ص 132).
2) المراد بالزمان هنا : ما يشمل ظرف الزمان ، وما يدل على الزمان من غير ظرفية. - كما أشرنا فى رقم 1 من هامش ص 86 -
3) أى : غير ضمير وإشارة ، وغير جملة ، وهما الموضعان : السابق والآتى. ويشترط فى اسم الزمان ألا يكون مثنى ؛ وإلا وجب إعرابه - (كما فى رقم 4 من هامش ص 89).
4) وهو فى الوقت نفسه مضاف إليه أيضا ، وقبله المضاف : (خزى - عذاب).
مجرد الزمن من غير تعيين «يوم خاص» ، ولا تحديده بعدد معدود من الساعات.
ثالثها : أن يكون المضاف زمانا مبهما معربا فى أصله ، والمضاف إليه جملة فعلية فعلها مبنى ؛ بناء أصليّا (1)، أو عارضا (2)؛ فمثال الأصلى قول الشاعر :
على حين عاتبت المشيب على الصّبا *** وقلت : ألمّا أصح (3)والشيب وازع؟
ومثال العارض قول الشاعر :
لأجتذبن منهنّ قلبى تحلما *** على حين يستصبين كلّ حليم
فيجوز فى كلمة : «حين» فى البيتين إما الإعراب والجر المباشر «بعلى» وإما البناء على الفتح فى محل جر. والبناء أحسن.
فإن كان المضاف المعرب زمانا مبهما والمضاف إليه جملة اسمية ، أو جملة مضارعية ، مضارعها معرب - جاز فى المضاف الأمران أيضا : ؛ (الإعراب أو البناء على الفتح). ولكن الإعراب أفضل (4). فمثال الجملة الاسمية قول الشاعر :
ألم تعلمى - يا عمرك اللّه (5)- أننى *** كريم على حين الكرام قليل
وقول الآخر :
تذكّر ما تذكّر ، من سليمى *** على حين التواصل غير دان
ومثال الجملة المضارعية التى مضارعها معرب قوله تعالى : ( هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ) فيجوز فى كلمة «حين» الإعراب والبناء لوقوع المضاف إليه جملة اسمية ، وكذلك يجوز فى كلمة : «يوم» الأمران : لوقوع المضاف
1) هو بناء الماضى.
2) هو البناء الطارئ على المضارع ؛ بسبب اتصاله بنون التوكيد ، أو نون النسوة.
3) بمعنى : ألم أتيقظ من الغفلة؟
4) انظر ما يختص بهذا الحكم فى : «ه» من ص 87.
5) «يا» حرف تنبيه. أو حرف نداء ، والمنادى محذوف. و «عمرك اللّه» تحتمل أمورا كثيرة فى معناها وإعرابها. من أوضحها : إعراب كلمة «عمر» مفعولا مطلقا لفعل محذوف ، والتقدير أعمر عمرك باللّه ؛ أى : أعمر قلبك بتذكير اللّه ، «واللّه» منصوب على نزع الخافض.
إليه جملة مضارعية مضارعها معرب. والإعراب فى الحالين أعلى - كما سبق ، وكما سيجىء فى مكان آخر من هذا الباب (1).
الخامس عشر : جواز حذف تاء التأنيث من آخر المضاف ، بشرط أمن اللبس عند حذفها ، وعدم خفاء المعنى. ومن هذا قوله تعالى : ( ... وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ، وَإِقامَ الصَّلاةِ ، وَإِيتاءَ الزَّكاةِ ... ) وقول الشاعر :
إنّ الخليط (2)أجدّوا (3)البين إذرحلوا *** وأخلفوك «عد» الأمر الذى وعدوا
والأصل : إقامة الصلاة - وعدة (4)الأمر ؛ فحذفت تاء التأنيث ، من المضاف ؛ تخفيفا فى النطق ، ولم يترتب عليه لبس ولا خفاء فى المعنى. أما إذا ترتب على الحذف شىء من هذا فإنه يمتنع ؛ فلا يجوز الحذف فى مثل : ثمرة - خمسة ، ونحوهما.
والأفضل الأخذ بالرأى السديد الذى يمنع القياس على هذا الحذف ، منعا باتّا ، ويحصره فى دائرة السماع وحدها.
1) ص 78 وفى رقم 4 من ص 89.
2) الأسرة ، أو الشركاء ، أو : الرفاق ، أو : غيرهم من كل جماعة متشابهة فى أمرها.
3) جددوا.
4) مصدر : «وعد - يعد» وسيجىء فى الجزء الرابع (م 184 - باب. الإعلال بالحذف) وجوب حذف «الواو» التى هى فاء الفعل الثلاثى ، المفتوح العين فى الماضى ، مكسورها فى المضارع فيجب حذف هذه الواو من المضارع والأمر ؛ مثل : وعد يعد - وصف يصف ... وكذلك يجب حذفها من مصدره بشرط أن يكون هذا المصدر على وزن «فعلة» (بكسر أوله وسكون ثانيه) وأن تكون التاء التى فى آخره هى تاء العوض عن الواو المحذوفة ، فيقال : عدة - صفة .. فى : وعد - وصف ...
ما تقدم هو أشهر أحكام الإضافة ، جمعنا شتيته (1)فى مكان واحد ، ليسهل الرجوع إليه ، والانتفاع به (2).
فإن أردنا تركيزه ففى خمسة عشر حكما - منها أحد عشر حتمية ، وأربعة جائزة - وهى كما يلى مرتبة ترتيبها فى الشرح السالف :
(1) وجوب جر المضاف إليه فى جميع أحواله.
(2) وجوب حذف نون المثنى وجمع المذكر السالم إن وقع أحدهما مضافا. ويسرى هذا الحكم على ملحقاتهما.
(3) وجوب حذف التنوين من آخر المضاف.
(4) وجوب حذف «أل» الزائدة من صدر المضاف ، إلا فى بعض حالات معدودة.
(5) وجوب اشتمال الإضافة المحضة على حرف جر أصلى متخيّل.
(6) وجوب استفادة المضاف من المضاف إليه تعريفا أو تخصيصا ، بشرط أن تكون الإضافة محضة.
(7) وجوب الاتصال وعدم الفصل بين المتضايفين إلا فى حالات معينة ...
(8) وجوب استفادة المضاف من المضاف إليه التصدير الحتمى
(9) وجوب تقديم المضاف على المضاف إليه ؛ وعلى معمولاته ، إلا فى حالة واحدة.
(10) وجوب استفادة المضاف الذى ليس مصدرا من المضاف إليه المصدرية
(11) وجوب استفادة المضاف من المضاف إليه الظرفية بشرطين.
(12) جواز استفادة المضاف المذكر من المضاف إليه التأنيث ، بشرطين.
(13) جواز استفادة المضاف المؤنث من المضاف إليه التذكير بالشرطين
(14) جواز استفادة المضاف المعرب من المضاف إليه البناء.
(15) جواز حذف تاء التأنيث من آخر المضاف بشرط أمن اللبس.
الاسم نوعان : نوع يمتنع أن يكون مضافا ، ومنه أغلب المبنيات ، كالمضمرات ، وأسماء الإشارة ، وأسماء الموصول. وأسماء الشرط. وأسماء الاستفهام ، ... ويستثنى من الثلاثة الأخيرة : «أىّ» الموصولة ، والشرطية ، والاستفهامية ؛ فإنها تقع مضافا - كما سيجىء فى حكمها (1)- :
ونوع آخر لا تمتنع إضافته ؛ فيضاف جوازا ، أو وجوبا. ومن المضاف جوازا أكثر الأسماء المضافة إلى المفرد (2)الظاهر ، أو إلى الضمير ؛ كالتى فى قولهم : من خير ضروب الشجاعة كلمة حقّ تقال فى مجلس حاكم جائر ، هواه متسلط ، وسيفه طائش ... و ...
أما الذى يضاف وجوبا فأقسام أربعة ؛ ملخصها : (ما تجب إضافته لمفرد (3)مع جواز قطعه عن الإضافة لفظا (4)دون معنى ؛ سواء أكان المفرد اسما ظاهرا أم ضميرا). (وما تجب إضافته للمفرد أيضا ، ولكن مع امتناع قطعه عن الإضافة اللفظية). (وما تجب إضافته للجملة - الاسمية أو : الفعلية - وبعضه قد يصح قطعه فى اللفظ عن الإضافة) -. (وما تجب إضافته للفعلية وحدها مع جواز قطعه عن الإضافة) ... - وفيما يلى التفصيل:
فأولها : ما يضاف وجوبا إلى الاسم المفرد الظاهر أو إلى الضمير ، مع جواز قطع المضاف عن الإضافة لفظا - فقط - دون معنى (5)(وذلك
1) فى ص 104 وما بعدها.
2) المفرد هنا ؛ ما ليس جملة.
3) المفرد هنا ؛ ما ليس جملة.
4) المضاف لفظا ومعنى هو : ماله «مضاف إليه» مذكور صراحة فى الكلام ، متمم المعنى المقصود من المضاف. أما المضاف معنى فقط فهو : ماله مضاف إليه ، ولكنه محذوف لداع، مع قيام قرينة تدل عليه. وهو مع حذفه ملاحظ فى إتمام معنى المضاف وإكماله له كما يلاحظ وهو موجود ، - وستأتى إشارة لهذا فى رقم 4 من هامش ص104. .
5) المضاف لفظا ومعنى هو : ماله «مضاف إليه» مذكور صراحة فى الكلام ، متمم المعنى المقصود من المضاف. أما المضاف معنى فقط فهو : ماله مضاف إليه ، ولكنه محذوف لداع، مع قيام قرينة تدل عليه. وهو مع حذفه ملاحظ فى إتمام معنى المضاف وإكماله له كما يلاحظ وهو موجود ، - وستأتى إشارة لهذا فى رقم 4 من هامش ص104. .
بحذف المضاف إليه ، والاستغناء عنه بالتنوين الذى يجىء عوضا عنه ، ودالّا عليه ، مع إرادة ذلك المحذوف وتقديره ، لحاجة المعنى إليه فيكون المضاف فى هذه الحالة مضافا فى المعنى دون اللفظ ، ويبقى له حكمه فى التعريف أو التنكير كما كان) (1)
وهذا الرأى أوضح وأدق من الرأى الآخر القائل : إنه للأمكنية فقط ؛ بحجة وقوعه في اسم معرب منصرف لا بد من وجوده في آخره ، إلا إذا جاء بعده مضاف إليه ؛ فيحذف التنوين لوجوب حذفه عند وجود المضاف إليه ؛ فإذا حذف المضاف إليه عاد ذلك التنوين للظهور مرة أخرى بعد اختفائه ؛ فهو ليس تنوينا جديد النوع ، وإنما هو تنوين الأمكنية الذى يلحق آخر الأسماء المعربة المنصرفة كالتي هنا ؛ اختفى بسبب الإضافة ، فلما زال السبب رجع إلى مكانه ظاهرا كما كان .
وقد سبق في ج 1 ص 32 م 3. الكلام على أنواع التنوين المختلفة ، وأشرنا إلى هذا النوع من التنوين
وأبدينا الرأى فيه.
. مثل الكلمات : (كلّ (2)هذا ، وكلمة : «كل» في لفظها مفردة دائما ومذكرة. وقد يطابقها ما بعدها في هذين الأمرين أولا يطابق ، على حسب البيان الذي في رقم 1 من هامش ص 451 و 496 والذى يتممه ما في ص 62 وما في «ج» من ص 167.
أما حكم «كل» و «بعض» من ناحية تعريفهما أو تنكيرهما إذا انقطعا عن الإضافة بأن حذف المضاف إليه . فقد سبق له بيان مفيد ، فى ج 1 م 3 ص 38 عند الكلام على تنوين العوض ، وفي التصريح كلام عن ذلك (وقد نقله الصبان) ونصه : «ذهب سيبويه والجمهور إلى أنهما معرفتان بنية الإضافة ؛ ولذلك يأتي الحال منهما ؛ فتقول : مررت بكل قائما ، وببعض جالسا والأصل في صاحب الحال التعريف. وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان ، وألزم من قال بتعريفهما أن يقول : إن نصفا ، وسدسا ، وثلثا ، وربعا ، ونحوها ... ، ... معارف ؛ لأنها في المعنى مضافات ، وهى إذ تعرب حالا . نكرات بالإجماع ؛ لوقوعها أحوالا. ورد بأن العرب تحذف المضاف إليه وتريده ، وأحيانا لا تريده. ودل مجيء الحال بعد : «كل وبعض» على إرادته». اه.
والمفهوم أن هذا الخلاف حين يكون المضاف إليه معرفة . كما صرح بعضهم . فإن كان نكرة (وهذا جائز ؛ كما سيجيء فى «ب» ص 115 ). فلا خلاف ؛ فى تنكيرهما ؛ إذ المضاف إليه حين يكون نكرة لا يفيد
المضاف تعريفا.
وبناء على رأى سيبويه والجمهور لا يصح إدخال : «أل» التي للتعريف على «كل ، وبعض» المعرفتين في تلك الصورة ، ويصح عند الفارسي ، ومن معه. وفى رأيه تيسير ، وله أنصار من قدامى النحاة واللغويين. يقول الخضرى . ح 2 أول باب «البدل» : جوزه بعضهم ، ؛ لعدم ملاحظة إضافة») اه.
1) وقد ارتضى بعض النحاة أن يسمى هذا النوع من التنوين فى آخر الأسماء المعربة : «تنوين العوض والأمكنية معا» لأنه عوض عن المحذوف ، ولأن الاسم الذى يحويه اسم معرب منصرف
2) بشرط ألا تكون كلمة : «كلّ» ، للتوكيد ؛ مثل : أجامل الأصدقاء كلهم ، ولا للنعت - مثل : شجاع الرأى هو الرجل كلّ الرجل. فإن كانت للتوكيد أو النعت وجب إضافتها لفظا ومعنى - (كما سيجىء هنا ، وفى بابهما ص 466 و ...) ولا يجوز قطعها عن الإضافة
أىّ (1)). ومثل ؛ (غير - مع - الجهات الست) ، ونحوها. لكن لكلمة : «غير» وأشباهها أحكام خاصة تختلف عما سبق ، وسيجىء ذكرها (2).
نقول مع الإضافة : كلّ امرئ بما كسب رهين. ومثل :
قد كنت أشفق من دمعى على بصرى
فاليوم كلّ عزيز بعدكم هانا
بعض العتاب دواء ، وبعضه بلاء - أىّ نبيل تصاحبه يخلص لك - الأعمال قيم الرجال ؛ فأيّها تمارسه ينبىء عنك ... و ...
ويجوز فى الكلمات المضافة السابقة - وأشباهها - القطع عن الإضافة ؛ نحو : (قل كلّ يعمل على شاكلته) - (حنانيك!! بعض الشرّ أهون من بعض) (أيّا تعمل تلق الجزاء) .... و ... والأصل : (كل إنسان ...) (من بعضه) ... (أىّ عمل تعمل ...) فحذف المضاف إليه مع إرادته ، وجىء بالتنوين عوضا عنه.
ويشترط فى قطع كلمة : «كلّ» عن الإضافة ألا تكون توكيدا ، ولا نعتا فإن كانت كذلك وجب إضافتها لفظا ، وعدم قطعها ؛ نحو : فاز المخلصون كلّهم - أنت الأمين كلّ (3)الأمين (4).
(وهناك شروط وأحكام خاصة لإضافة «أى» ، وكذا : «غير ، ومع ، والجهات الست» - كما قلنا - سيجىء إيضاحها ، وبسط الكلام عليها فى الموضع المناسب من هذا الباب (5)
وبعض الأسماء يضاف أبدا *** وبعض ذا قد يأت لفظا مفردا ،
أى : بعض الأسماء لا بد من إضافته حتما. ومع أن إضافته حتمية قد يكون منه ما يقع لفظا مفردا ؛ لانقطاعه عن الإضافة ، لفظا ، لا معنى ؛ فهو فى أصله واجب الإضافة لفظا ومعنى ، ولكنه قد ينقطع عن الإضافة لفظا دون معنى ؛ بأن يحذف المضاف إليه مع إرادته فى المعنى. مثل كلمة : كل - بعض - أىّ ... إلى غير هذا مما شرحناه.
).وثانيها : ما يضاف وجوبا للمفرد أيضا - دون الجملة - ولكن لا يجوز ه.
1) الشرطية ، أو : الموصولة ، أو الاستفهامية. أما التى تكون نعتا أو حالا فواجبة الإضافة لفظا ومعنى ، - كما يجىء ، فى ص 104 -.
2) فى ص 124 و131 وما بعدهما.
3) «كل» هنا ، نعت للأمين قبلها. وسيجىء تفصيل الكلام عليها فى النعت (ص 451 وفى التوكيد (ص 492) وفى هذه الصفحة بيان كثير من مواقعها الإعرابية ومطابقة الضمير العائد عليها.
4) لهذا إشارة فى رقم 2 من هامش الصفحة السابقة.
5) ص 104 و130 وما بعدهما؟ وفيما سبق يقول ابن مالك :
قطعه عن الإضافة لفظا ؛ فيجب أن يظل مضافا فى اللفظ ، وله أربع صور :
ا - أن يضاف إلى اسم ظاهر مفرد (1)، مع امتناع القطع ؛ مثل الكلمات : (أولو (2)- أولات (3)- ذات (4)). - (ذو (5)... ، وفروع هذين ؛ وهى : ذوا - ذوو - ذواتا - ذوات) ... نحو : الآباء أولو فضل - الأمهات أولات نعمة - ذو النصيحة أخ بارّ - العروبة رابطة ذات قوة ... و ... و ...
ب - أن يضاف إلى ضمير المخاطب - فى الغالب - دون غيره من الضمائر ، مع امتناع القطع ، كالمصادر المثناة فى لفظها ، دون معناها : وهى المصادر التى يراد منها التكرار الذى يزيد على اثنين (6)
وإذا كان من الصحيح اعتباره . مباشرة . مصدرا للفعل : «لبّ» أى : لبّ لبا ، بمعنى : «ألب البابا ،
كما يدل عليه الكلام ، وكما صرحت به كتب اللغة ، فما الداعي للعدول عن هذا الرأى الصحيح الذي لا يستدعى حذفا ولا بعدا؟ لا داعى...
. مثل : لبّيك (7)، وسعديك1) أى : ليس جملة. كما أشرنا فى رقم 2 من هامش ص 71.
2) بمعنى : أصحاب ...
3) بمعنى : صاحبات ...
4) بمعنى : صاحب كذا ... ولها إيضاح سيجىء فى ص 95 وآخر سبق فى ص 42 وفى الجزء الأول فى باب الأسماء الستة.
5) بمعنى صاحبة ... ولهذا إيضاح سبق فى ص 42، وفى ج 1 فى باب : الموصول.
6) جاء فى الصبان - ونقله عنه الخضرى باختصار قليل - ما نصه الحرفى عن المصدر «لبيك» : (أصله : ألبّ لك إلبابين. أى : أقيم لطاعتك إلبابا كثيرا ؛ لأن التثنية للتكرير - نحو قوله تعالى : ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) ، أى : كرّات - فحذف الفعل «ألب» وأقيم المصدر مقامه ،. وحذفت زوائده ، وحذف الجار من المفعول «الكاف» وأضيف المصدر إليه ، كل ذلك ليسرع المجيب إلى التفرغ لاستماع الأمر والنهى. ويجوز أن يكون من «لبّ» بمعنى : «ألبّ» فلا يكون محذوف الزوائد. قاله الرضى. ومثله فى حذف الزوائد الباقى). اه كلام الصبان.
7) سبق بيان آخر لهذه المصادر - وغيرها - فى ج 2 م 76 ص 191 فى آخر باب : «المفعول المطلق».
وحنانيك ، ودواليك ، وهذاذيك ... و ... نحو : (لبّيك أيها الداعى للخير ؛ بمعنى : أقيم على إجابتك إقامة بعد إقامة) - (سعديك أبها المستعين ؛ بمعنى : أسعد إسعادا (1)لك بعد إسعاد. والأكثر فى استعمال ؛ : «سعديك» أن تكون بعد «لبّيك») - (حنانيك أيها الحزين بمعنى : أتحنن تحننا عليك بعد تحنن) ، ومثل :
حنانيك (2)مسئولا ، ولبّيك داعيا *** وحسبى موهوبا ، وحسبك واهبا
ومثل :
نأكل الأرض ثم تأكلنا الأر *** ض ، دواليك ، أفرعا وأصولا
بمعنى تداولا بعد تداول ؛ أى : تواليا بعد توال ، - (وهذا ذيك أيها الصارخ ، بمعنى : أسرع إسراعا بعد إسراع) ... و ... (3)
ولما كانت هذه الألفاظ مثناة فى ظاهرها دون معناها - إذ المراد منها الكثرة والتكرار الذى يزيد على اثنين ، كما قلنا - اعتبروها ملحقة بالمثنى فى إعرابه ، مراعاة لمظهرها وأصلها ، وليست مثنى حقيقيّا من ناحية معناها. ويعربونها مفعولا مطلقا (4)لفعل من لفظها ، إلا : «هذاذيك» فإنه من معناه وهو : أسرع ؛ إذ لا فعل له من لفظه (5)...
ومن الشاذ الذى لا يقاس عليه إضافة إحدى الكلمات السالفة - وأشباهها -
1) أى ، أساعد مساعدة ...
2) هى فى البيت كلمة : استعطاف للمخاطب ، بمعنى : تحنن حنانا بعد حنان. وكقولهم : حنانيك ، بعض الشر أهون من بعض.
3) ومن الأمثلة : حجازيك ، أى : محاجزة بعد محاجزة. وحذاريك ، أى : حذرا بعد حذر.
4) وهذا الإعراب أفضل من إعرابها حالا مؤولة ؛ لأن هذه الألفاظ معارف ؛ بسبب إضافتها للضمير ، والأصل فى الحال أن تكون نكرة بغير تأويل ، لا معرفة ، قدر الاستطاعة. وتفضيل إعرابها مفعولا مطلقا إنما يكون حيث يقتضيه المعنى ، فإذا اقتضى المعنى بيان الهيئة - وهذا من خصائص الحال - وجب النزول على ما يقتضيه.
5) نقل بعضهم - والأخذ بهذا أحسن - أن لها فعلا من لفظها هو : هذّ ، يهذّ - هذّا - بمعنى - : أسرع ، يسرع - إسراعا. ومن معانيها : كفّ - يكفّ.
إلى ضمير غير ضمير المخاطب ، أو إلى اسم ظاهر ، كالقليل الوارد فى «لبيك» ، فقد سمع فيها : «لبّيه لمن يدعونى» بالإضافة لضمير الغائب. كما سمع فيها الإضافة إلى اسم ظاهر فى قول أعرابى استعان بآخر اسمه : «مسور» فى دفع غرامة مالية فادحة ، فأعانه ، فأراد الأعرابى المستعين أن يجزيه خيرا على صنيعه ؛ فوعد بتلبية يدى مسور إذا دعاه لأمر هامّ :
دعوت - لما نابنى - مسورا *** فلبّى (1). فلبّى يدى مسور (2)
فالمضاف هنا هو كلمة : «لبّى» ، والمضاف إليه اسم ظاهر ، هو كلمة : «يدى ...» المثنّاة. (وأصلها : «يدين» ، حذفت النون للإضافة.
وخص «اليدين» بالذّكر لأنهما اللتان قدّمتا المال والمعونة للمستعين ، وبهما يكون إنجاز الأمور).
وقول الآخر :
لبّى نداك لقد نادى فأسمعنى *** يفديك - من رجل - صحبى وأفديكا
ح - أن يضاف إلى الضمير مطلقا : (سواء أكان للمتكلم أم لغيره ، وللمفرد أم لغيره. وللمذكر أم لغيره ...) مع امتناع القطع أيضا ؛ مثل كلمة «وحد» (3)
(وهو جحيش وحده ، وعيسير وحده إذا قصد قلة نظيره فى الشر ، وهما مصغر «عير» بمعنى : حمار ، و «جحش» وهو ولده ، (يذم بهما المنفرد باتباع رأيه) ويقال : هما نسيجا وحدهما ، وهم نسجاء وحدهم ، وهى نسيجة وحدها ، وهكذا ... وقيل ، لا يتصل بكلمة ؛ «نسيج». وأخواتها العلامات الدالة على التثنية والجمع ؛ فيقال : هما نسيج وحدهما. وهكذا.
وكلمة : «قريع» لم يذكرها فى التسهيل ، وذكرها أبو حيان ، وشيخه الشاطبى ، وزاد الشاطبى : رجيل وحده)» اه كلام الهمع ، ونقله عنه الصبان مختصرا.
وكلمة : «كلّ» المستعملة فى التوكيد ؛ كدعاء بعضهم : (ربّاه.1) مفعول هذا الفعل محذوف ، والتقدير : فلبانى ، أو : فلبى ندائى.
2) فتلبية بعد تلبية ليدى مسور ، أبادر إليه إذا نادانى كما بادر إلى. فكلمة : «لبّى» مفعول مطلق ، مضاف لاسم ظاهر.
3) ما إعراب كلمة : «وحد»؟ وما نوع المضاف إليه بعدها؟ جواب هذا فى «الهمع» - ج 2 ص 50 باب : «الإضافة» - حيث يفهم منه أن : «وحد» منصوب لزوما ... ، إما لأنه مفعول مطلق لفعل من لفظه ، يقال : وحد الرجل - بفتح الحاء - يحد - بكسرها - إذا انفرد ، وإما لأنه حال ، وإما على نزع الخافض ... وقيل غير هذا. ولكن الآراء كلها تتفق على النصب ، مع اختلافها فى سببه ، وفى عامله. ثم جاء فى «الهمع» بعد ذلك مباشرة ما نصه - مع زيادة بضع كلمات للإيضاح - : (هو لازم الإفراد والتنكير ؛ لأنه مصدر ، وقد يثنى شذوذا ، أو يجر بعلى ، فقد سمع : جلسا على وحديهما ، وقلنا ذلك وحدينا ، واقتضيت كل درهم على وحده ، وجلس على وحده. وقد يجر بإضافة ، والمضاف هو كلمة : نسيج ، أو قريع. بوزن «كريم» فيهما - أو جحيش ، أو عيسير ، مصغرين ، مع إلحاق علامات التثنية ، والجمع بهذه الكلمات على الأصح ، يقال : هو نسيج وحده ، وقريع وحده ، إذا قصد قلة نظيره فى الخير - وأصله فى الثوب ، لأنه إذا كان رفيعا لم ينسج على منواله غيره. و «القريع» السيد.)
عليك وحدك أعتمد ، ومن اعتمد عليك فلن يكون وحده فى معركة الحياة الطاحنة ؛ فلا تتركنى وحدى يا خير ناصر ومجيب) ... ومثل قوله تعالى : ( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) ، وقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ... ) ، وقوله : ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ... ) (1)
وبعض ما يضاف حتما امتنع *** إيلاؤه اسما ظاهرا حيث وقع
كوحد .. لبّى .. ودوالى .. سعدى .. *** وشذّ إيلاء «يدى». ل «لبّى»
أى : أن بعض الأسماء التى يتحتم إضافتها حيث وقعت من الأسلوب قد يمتنع أن يليه الاسم الظاهر. يريد : أن المضاف إليه بعد تلك الأسماء لا يكون اسما ظاهرا ، وإنما يجب أن يكون ضميرا. وسرد بعض تلك الأسماء التى لا تضاف لاسم ظاهر ؛ ومنها : «وحد - لبى» ، وحكم بالشذوذ على وقوع المضاف إليه اسما ظاهرا ، وهو : «يد» بعد كلمة : «لبى».
و ...د - أن يضاف إلى اسم ظاهر ، أو ضمير ، مع امتناع القطع فيهما أيضا ؛ كالكلمات : كلا - كلتا - عند - لدى - سوى - قصارى الشىء - حمادى الشىء ؛ (ومعنى كل من هذين : غايته) ... نحو :
قول الشاعر :
كلا أخى وخليلى واجدى عضدا (2)*** فى النائبات ، وإلمام (3)الملمّات (4)
وقول الآخر :
كلانا غنىّ عن أخيه حياته *** ونحن - إذا متنا - أشدّ تغانيا
ونحو : (كلتا الجنّتين آتت أكلها ... - كلتاهما ناضرة يانعة ...) - (عند الشدائد تعرف الإخوان. وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) - (لدى الأمين تصان الودائع ، ولديه تحفظ الأسرار) - (قصارى جهد المنافق .
كسب مؤقت ، وخسارة دائمة. وقصاراك ألّا تنخدع بظاهره) - (حمادى المنافق كسب سريع ، وبلاء مقيم. وإن شئت فقل : حماداه ربح عاجل ، وضياع آجل) - (لا أبتغى سوى مرضاة اللّه ؛ فكل شىء سواها تافه رخيص).
مما تقدم يتضح أن كل حالات القسم الثانى الأربعة ، لا يجوز فيها قطع المضاف عن الإضافة مطلقا.
(هذا ، وسيجىء (1)إيضاح الكلام على إضافة : «كلا ، وكلتا» وما يتصل بموضوعهما. ثم على كلمات أخرى ملازمة للإضافة).
وثالثها : ما يضاف وجوبا إلى جملة (2)
ويشترط في الجملة الواقعة مضافا إليه أن تكون خبرية ؛ فلا تصح أن تكون إنشائية ، ولا أن تكون شرطية مبدوءة بإن الشرطية ، أو ما يشبه «إن» في التعليق . طبقا لما جاء في «الهمع» و «الصبان» في باب الجوازم ، عند الكلام على ما يجزم فعلين . ، كما يشترط أن تكون غير مشتملة على ضمير يعود على المضاف ؛ لأن المضاف إلى الجملة مضاف في التقدير إلى مفرد هو مصدر منها (على الوجه المبين فى ص 84) فكما لا يعود ضمير من المصدر المضاف إليه ، إلى المضاف كذلك لا يعود منها إليه.
هذا إلى أن اشتمالها على ضمير يعود على المضاف قد يوهم . في بعض الحالات . أنها نعت أو شيء آخر غير المضاف إليه ؛ فيتغير المعنى المقصود تبعا لذلك ؛ لأن . معنی المضاف إليه يختلف عن معنى النعت وغيره.
اسمية ، أو فعلية ، ومنه «حيث» و «إذ» (3).ا - فأما : «حيث» فأشهر استعمالاتها أن تكون ظرف مكان (4)
وقد سبق الكلام عليها من ناحية الظرفية في ج 2 ص 231 باب الظرف.
... يضاف للجملة (5)الاسمية ، أو الفعلية ، - والفعلية أكثر - سواء أكانت مثبتة أم منفية ؛1) فى ص 98 وما بعدها.
2) سيجىء فى «ب» من الزيادة (ص 84) فائدة الإضافة للجملة دون المفرد ، وأن المضاف فى هذه الحالة واجب البناء إن كانت إضافته للجملة واجبة.
3) فى اللغة أسماء تشبه «إذ» فى دلالتها ، وبعض أحكامها ، سيجىء الكلام عليها فى «ه» من ص 87.
4) من النادر الذى لا يحسن القياس عليه أن تقع شيئا آخر ؛ كظرف زمان ، أو غيره. وليس بين الظروف المكانية - على الأرجح - ما يضاف لجملة إلا «حيث» (كما سيجىء فى صفحة 122) وإذا أضيفت إلى جملة اسمية وجب - وقيل : لا يجب ، وإنما يستحسن - ألا يكون الخبر فيها جملة فعلية. والأشهر بناؤها على الضم).
5) مع ملاحظة الشروط التى تقدمت فى رقم 2 و4 من هذا الهامش ، وملاحظة شرط آخر نص عليه المبرد فى كتابه : «المقتضب» - ج 2 ص 54 - هو ألا تكون مختومة بما الزائدة.
ومن الأمثلة قوله تعالى لأهل الجنة : ( فَكُلُوا مِنْها - حَيْثُ شِئْتُمْ - رَغَداً ) : وقول الشاعر:
وقد يهلك الإنسان من باب أمنه *** وينجو بإذن اللّه من حيث يحذر (1)
تغلغل حيث لم يبلغ شراب *** ولا حزن ، ولم يبلغ سرور
وقول بعض الأدباء : «هنا تطيب الحياة ، حيث الشمل ملتئم ، وفيض الود غامر ، وحيث الجمع مؤتلف ، وإخوان الصفاء كثير».
وهى فى كل أحوالها مبنية على الضم ؛ لما تقرّر من أن الاسم الذى يضاف للجملة وجوبا يبنى وجوبا كذلك (2)، ولا يجوز قطعها عن الإضافة لفظا.
ويبيح فريق من النحاة إضافتها للمفرد مع بقائها مبنية على الضم ؛ نحو : أنا مقيم حيث الهدوء ، وحيث الاطمئنان. وحجته أن الأمثلة المسموعة الدالة على إضافتها للمفرد أمثلة فصيحة ، وأنها على قلتها كافية للقياس عليها لأنها قلة نسبية ، وليست قلة ذاتية ، (3)
أما «القلة الذاتية» فقلة عددية أيضا : ولكنها بارزة واضحة فى ذاتها ، لا تحتاج إلى موازنة بينها وبين غيرها ؛ لضآلتها العددية ؛ بحيث يمكن الحكم سريعا بعدم صلاحيتها للقياس عليها أو لمحاكاتها. - انظر ص 325 - والحق أن تحديد هذه القلة الذاتية موضع خلاف شديد حتى اليوم. - وسيجىء فى ج 4 ص 585 باب جمع التكسير ، م 172 بيان مفيد عن معنى المطرد ، والكثير ، والأكثر ، والقياس ، والقليل ، والنادر ، والشاذ ، وما يقاس عليه وما لا يقاس.
ولا داعى عنده لتأويل تلك الأمثلة (4)أما ترى حيث سهيل طالعا *** نجم يضىء كالشهاب لامعا
وقول الآخر :
ويطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم *** ببيض المواضى حيث لّى العمائم
، أو الحكم م1) ومثل هذا قول الآخر يصف حبه ووفاءه :
2) لهذا الحكم بيان خاص بالظرف : «إذ» يجىء فى ص 83.
3) أشرنا (فى رقم 1 من الهامش ص 65) وفى ص 585 ج 4 م 172 إلى : «القلة النسبية والقلة الذاتية» ، - (وكذا فى مواطن متفرقة من أجزاء الكتاب ومنها ص 422 م 90 ج 2). - وقلنا عن الأولى : إنها قلة من الأساليب الصحيحة تواجه كثرة من تلك الأساليب تخالفها فى حكم. وكلا للنوعين فى ذاته كثير العدد ، يصح محاكاته والقياس عليه ، ولكن أحدهما أكثر عددا من الآخر ؛ فالآخر قليل بالنسبة للأكثر. فالموازنة العددية بينهما تدل على زيادة أحدهما ونقص الآخر عنه ، ولكنه نقص لا يمنع من القياس عليه أو محاكاته ؛ وهذا هو المراد من قولهم : «(إن التخريج على القليل إذا كان قياسيا فصيحا ، سائغ)» ا ه - راجع حاشية الصبان ، ج 2 باب : «الحال» عند الكلام على تقدم الحال على صاحبها المجرور ...
4) ومن الأمثلة المسموعة. قول الشاعر :
عليها بالشذوذ ، ويؤيده أن بعض النحاة - بناء على هذا المسموع - يجيز فتح همزة «أنّ» بعدها ، فتكون «حيث» فى هذه الحالة مضافة ، داخلة على المفرد ؛ وهو : «المصدر المنسبك من «أنّ» مع معموليها». كما يجيز كسر همزة «إنّ» ؛ فتكون داخلة على جملة ؛ هى : «المضاف إليه».
وهذا رأى سديد ، فيه تسمح وتيسير ؛ إذ يجرى اليوم على مقتضاه كثرة المثقفين ، وإن كان الأولى والأفضل محاكاة الأسلوب الأفصح والأقوى.
ب - وأما : «إد» (1)فهى فى أكثر أحوالها ظرف للزمان الماضى المبهم (2)
وايضا سبقت الإشارة للمبهم في هذا الجزء ص 24 و 66 وله إشارة في ص 91 وو هامش ص 132.
، ومعناها : زمن ، أو : وقت ، أو : حين ؛ وتضاف للجملة بنوعيها (3)وجوبا كقول المادح :فرحنا إذ قدمت قدوم سعد *** وإذ رؤياك (4)فى الأيام عيد
فقد أضيفت فى أول البيت لجملة فعلية ماضوية ، وأضيفت فى آخره لجملة اسمية. وإذا أضيفت لجملة فعلية وجب أن يكون الفعل ماضيا لفظا ومعنى معا ؛ كالمثال السابق ، أو معنى فقط (بأن يكون الفعل مضارعا فى لفظه دون زمنه ؛ فيصح أن يوضع مكانه ماضيه الحقيقى الزمن فلا يتغير المعنى (5)) ؛
1) سبق الكلام عليها بمناسبات أخرى فى ج 1 ص 26 م 3 - وفى ح 2 ص 258 م 79 باب : «الظرف» ، وفيه أحكام هامة لم تذكر هنا. ومن تمام الاستفادة الرجوع إليه ، وربط المسائل المشتركة المعروضة هنا وهناك ...
2) سبق الكلام عليه - فى ح 2 ص 203 م 78 وص 225 م 79 - بما ملخصه : أنه نكرة لا تدل على عدد محصور ، ولا على زمن محدود بأول معين ، وآخر مضبوط ؛ كالأمثلة المعروضة هنا (وقت - زمن - حين ...) ويدخل فى المبهم ما يدل على وجه من الزمان دون وجه ، مثل : عشية - صبح - غداة -.
3) مع ملاحظة ما تقدم من الشروط والإيضاحات فى رقم 2 من هامش ص 78 وملاحظة شرط آخر - نص عليه المبرد فى كتابه المقتضب ، ج 2 ص 54 - هو : ألا يتصل بآخرها «ما» الزائدة. فهى فى هذا مثل : «حيث» - كما تقدم فى رقم 5 من هامش ص 78.
4) الرؤيا هنا ، بمعنى : الرؤية الحسية التى هى المشاهدة البصرية فى اليقظة ، فليست الرؤيا مقصورة على المنام ، كما يتوهم بعض الأدباء ، وقد نص بعض اللغويين على صحة استعمالها حسّا ومناما ، (أى : فى الحالتين.)
5) وقد اجتمعت الحالات الثلاث السالفة فى قوله تعالى عن رسوله الكريم : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ ؛ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ، إِذْ هُما فِي الْغارِ ؛ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ .. ) فقد أضيفت لجملة ماضوية ، ثم لجملة اسمية ، ثم لجملة مضارعية فى اللفظ دون المعنى. - وستأتى الآية لمناسبة أخرى فى رقم 3 من هامش ص 86 -
كالذى فى قوله تعالى : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ) ، لأن الزمن الذى رفعت فيه القواعد كان سابقا على نزول الآية بما اشتملت عليه من مضارع وغيره. فلو وضع الماضى الحقيقى الزمن هنا مكان المضارع ما تغير المعنى (1)...
وسبب هذا الوجوب أن «إذ» - فى الأغلب - ظرف للزمن الماضى المبهم ؛ فيجب أن يماثلها المضاف إليه فى نوع الزمن : كى لا يقع بينهما تعارض ، وأن يماثلها عاملها أيضا ؛ ولهذا قالوا : (إن الجملة المضارعية لا تقع «مضافا إليه» بعدها ، إلا حين يكون المضارع ماضى المعنى ، فيكون فى ظاهره مضارعا وفى معناه ماضيا (2)؛ ... كالآية ، وأن عاملها لا بد أن يكون دالا على الماضى ؛ إذ لا يعمل فيما يدل على الماضى إلا مثله).
هذا إن أضيفت لجملة فعلية ، أما إن أضيفت لجملة اسمية فيجب - وقيل : لا يجب ، وإنما يستحسن - أن يكون معنى هذه الجملة الاسمية قد تحقق قبل النطق بها ، أو أنه سيتحقق فى المستقبل على وجه لا شك فيه (3). ومن المستقبح - وقيل : من الممنوع - أن يكون خبر المبتدأ فى هذه الجملة الاسمية -
1) الأغلب أن «إذ» ظرف للماضى المبهم ، وقد تكون - على الأصح - هى ونظيراتها ، ظرفا للزمن المستقبل بمعنى : «إذا» حين تقوم القرينة الدالة عليه ؛ كالتى فى قوله تعالى : ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ ، وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ؛ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ ، يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ ... ) فكلمة «إذ» فى الآية ظرف للمستقبل بمعنى : «إذا» التى للظرف المستقبل ، بقرينة أن الوصف ليوم القيامة ، وبقرينة المضارع قبلها. أو يقال فى الآية ونظائرها : لما كان المعنى بعدها محقق الوقوع-. - اعتبروا زمنه بمنزلة الماضى تأويلا ، فهو من تنزيل المستقبل المضمون تحققه منزلة الماضى ، ويلجئون إليه لسبب بلاغى ؛ هو : القطع بأنه آت لا محالة. وغاية الرأيين واحدة. وعلى هذا تكون «إذ» الظرفية للزمن الماضى إما حقيقة لفظا ومعنى ، أو معنى فقط ، وإما تأويلا حين يكون المضاف إليه جملة مضارعية زمنها مستقبل ، ومعناها مضمون الوقوع، أو جملة اسمية مضمونة التحقق. أو نقول : إنها بمعنى : «إذا» فى هاتين الحالتين. (انظر «ج» ص 85 و «ه» من ص 87).
2) ولو تأويلا ، بأن يكون معناه محقق الوقوع ، لا شك فى أنه سيتحقق حتما - طبقا لما سبق فى رقم 1 - كآية الروم ، (وهى مذكورة بتمامها فى رقم 3 من هامش الصفحة الآتية) وتتضمن أنهم غلبوا ، ولكنهم سيغلبون بعد ذلك فى بضع سنين. ثم قال : «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه» ، أى : ويوم إذ يغلبون. والمضارع هنا سيتحقق معناه فى المستقبل ، لأن خبر اللّه عن شىء مستقبل لابد أن يتحقق.
3) الأغلب أن «إذ» ظرف للماضى المبهم ، وقد تكون - على الأصح - هى ونظيراتها ، ظرفا للزمن المستقبل بمعنى : «إذا» حين تقوم القرينة الدالة عليه ؛ كالتى فى قوله تعالى : ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ ، وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ؛ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ ، يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ ... ) فكلمة «إذ» فى الآية ظرف للمستقبل بمعنى : «إذا» التى للظرف المستقبل ، بقرينة أن الوصف ليوم القيامة ، وبقرينة المضارع قبلها. أو يقال فى الآية ونظائرها : لما كان المعنى بعدها محقق الوقوع-. - اعتبروا زمنه بمنزلة الماضى تأويلا ، فهو من تنزيل المستقبل المضمون تحققه منزلة الماضى ، ويلجئون إليه لسبب بلاغى ؛ هو : القطع بأنه آت لا محالة. وغاية الرأيين واحدة. وعلى هذا تكون «إذ» الظرفية للزمن الماضى إما حقيقة لفظا ومعنى ، أو معنى فقط ، وإما تأويلا حين يكون المضاف إليه جملة مضارعية زمنها مستقبل ، ومعناها مضمون الوقوع، أو جملة اسمية مضمونة التحقق. أو نقول : إنها بمعنى : «إذا» فى هاتين الحالتين. (انظر «ج» ص 85 و «ه» من ص 87).
جملة ما ضوية ؛ كالتى فى قولنا : حضرت إذا الجو اعتدل - كما سنعرف - (1).
ويجوز قطعها عن الإضافة لفظا لا معنى ؛ فيحذف المضاف إليه (وهو ؛ الجملة ، ويجىء التنوين عوضا عن هذه الجملة المحذوفة ، كقوله تعالى : ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ ... ) (2)
كانت منازل ألّاف عهدتهمو *** إذ نحن - إذ ذاك - دون النّاس إخوانا
فالتقدير : عهدتهم إخوانا دون الناس إذ نحن إذ ذاك متحابون. فكلمة : «إذ» الأولى ظرف للفعل : «عهد» ، و «إخوانا» : مفعوله. و «نحن» مبتدأ ، خبره محذوف ، تقديره : متآلفون. والجملة من المبتدأ والخبر فى محل جر هى المضاف إليه. أما المضاف فكلمة : «إذ» الأولى أما كلمة : «إذ» الثانية فظرف للخبر المحذوف ، وهى مضاف ، و «ذا» مبتدأ ، خبره محذوف ، والتقدير : «كذلك» ، والجملة من المبتدأ وخبره المحذوف هى المضاف إليه ؛ فالأصل ؛ إذ ذاك واقع ، أو : كائن ... ومثله : «والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا» ، أى : إذ ذاك كذلك ؛ فليست مضافة لمفرد وإلا لم يتم المعنى الأساسى.
والأصل قبل الحذف : ويوم إذ يغلبون (3)(الم. غلبت الرّوم فى أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، فى بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه).
يفرح المؤمنون بنصر اللّه (4)...وقطع «إذ» عن الإضافة لفظا إنما يقع - فى الغالب - حين تقع «مضافا إليه» والمضاف اسم زمان ؛ نحو : يومئذ ... - حينئذ ... - ساعتئذ ... ومن النادر الذى لا يقاس عليه غير هذا ؛ كما فى قول الشاعر :
نهيتك عن طلابك أمّ عمرو
بعافية وأنت إذ (5)... صحيح
والأشهر فى «الذال» عند التنوين تحريكها بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين. .
ولما كانت «إذ» واجبة الإضافة للجملة ، كانت واجبة البناء ؛ تبعا لذلك (1)، لما تقدم (2)من أن كل اسم واجب الإضافة للجملة ؛ يجب بناؤه ؛ سواء أكان المضاف إليه (وهو : الجملة) مذكورا ، أم محذوفا قد عوض عنه التنوين (3)
وألزموا إضافة إلى الجمل : «حيث» و «إذ». وإن ينوّن يحتمل إفراد «إذ» ... و ...
والمعنى : ألزم النحاة : «حيث» . و «إذ» الإضافة إلى الجمل ؛ محاكاة للكلام العربي الصحيح . بالشروط
التي سبق إيضاحها في رقم 2 و 4 و 5 من هامش ص 78.
ثم قال : وإن ينون «إذ» (وذلك بعد حذف المضاف إليه ، ومجيء التنوين عوضا عن المحذوف) كان من
المحتمل الجائز إفرادها ، أي : قطعها عن الإضافة لفظا ، لا معنى . كما شرحنا . وقد أكمل البيت الثاني بأحكام سنعرفها فيما يأتي مباشرة.
. ولا شأن لهذا التنوين بالإعراب أو البناء : فقد يوجد فى آخر الأسماء المعربة وفى آخر المبنية ، لأن أمره مقصور على التعويض ؛ كما عرفنا (4).1) - والبيان فى ص 78 ، وهو مع الشروط فى رقم 2 من هامش ص 78 وفى «ب» من ص 84 - ويقولون إن السبب فى بنائها هو مشابهتها للحرف فى الافتقار اللازم. وقد ناقشنا موضوع المشابهة (فى ج 1 ص 55 م 6) وانتهينا فيه إلى أن السبب الحق هو استعمال العرب ؛ ليس غير.
2) فى رقم 2 من هامش ص 78 وفى ص 79.
3) وفيما يضاف وجوبا إلى الجملة الاسمية والفعلية يقول ابن مالك :
4) سبق إيضاحه ح 1 ص 27 م 3.
1 - إذا أضيفت أسماء الزمان إلى جملة وجب أن تكون هذه الجملة غير شرطية (1)، وأن تكون مستوفية بقية الشروط التى سلفت (2).
ب - قلنا (3)إن الجملة الواقعة : «مضافا إليه» هى فى حكم «المضاف إليه» المفرد ؛ (أى : الذى ليس جملة) وأنها فى تأويله من غير وجود أداة سابكة ، وذكرنا شروطها. ومن الممكن الوصول إلى هذا المضاف إليه الحكمى أو المؤول بغير حرف مصدرى سابك ، إما بالإتيان بمصدر الفعل فى الجملة الفعلية مضافا إلى فاعله ، وإما بمصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ فى الجملة الاسمية ، ففى مثل : (وقفت حين أقبل الوالد - أسارع وقت يدعو الداعى للخير - أتكلم زمن الكلام مطلوب ، وأستمع زمن الاستماع محمود) ... - يكون التقدير : (وقفت حين إقبال الوالد - أسارع وقت دعاء الداعى - أتكلم زمن طلب الكلام ، وأستمع زمن حمد الاستماع). وقد تقدم (4)أن الذى يضاف للجملة وجوبا - لا جوازا - يبنى وجوبا أيضا.
وإذا كان الشأن فى الجملة الواقعة «مضافا إليه» ما عرفنا ، فهل تفيد المضاف تعريفا أو تخصيصا؟.
الأحسن الأخذ بالرأى القائل (5)إن الحكم فى هذا متوقف على حالة المصدر الناشئ من التأويل (أى : على حالة المضاف إليه الحكمى ، أو : المؤول) فإن أضيف هذا المصدر إلى (فاعل أو مبتدأ) معرف اكتسب من المضاف إليه التعريف ، وانتقل منه للمضاف ، وإن أضيف إلى واحد منهما منكر ، اكتسب منه التخصيص وانتقل منه أيضا للمضاف ؛ فشأنه شأن كل مصدر مضاف إلى المعرفة أو النكرة ..
بقى سؤال هام : لم الالتجاء إلى «المضاف إليه» الجملة ، دون الالتجاء المباشر إلى «المضاف إليه» المفرد الذى تؤوّل به ، ومعلوم أن الجملة إذا وقعت «مضافا إليه» صارت فى حكم المفرد وتأويله - كما تقدم؟ -.
السبب : أن الجملة حين تقع «مضافا إليه» - مباشرة - تفيد ما يفيده المفرد الذى تكون فى حكمه ، تقديرا ، ويحل محلها بعد أن تؤول به ، ولكنها تزيد فائدة أخرى لا يؤديها هذا المفرد ؛ هى : أنها تدل على مضىّ الزمن إن كانت ماضوية ، وعلى حاليّته أو استقباله وتجدده أو عدم تجدده إن كانت مضارعية ، وتدلّ على مجرد الثبوت وما يتصل به إن كانت اسمية ، فالمضاف إليه - وهو هنا المفرد الناشئ عن الجملة بعد تأويلها - مصدر يفيد مجرد الحدث ؛ (أى : المعنى الخالى من الدلالة على الزمن وما يلابسه ، ومن الدلالة على الثبوت وما يلازمه) ، بخلاف المضاف إليه إذا كان جملة فعلية ؛ فإنها تدل على الحدث مزيدا عليه الزمن بملابساته ، وإذا كان جملة اسمية ؛ فإنها تدل على المعنى مع إفادة الثبوت ... و ...
ح - عند إضافة «إذ» لجملة اسمية ، الخبر فيها جملة فعلية ، يجب - وقيل : لا يجب ، وإنما يستحسن - ألا يكون الفعل ماضيا ؛ وعلى هذا يمتنع عندهم - أو يقبح - : جئت إذ الغائب جاء ، كما سبقت الإشارة (1)؛ وحجتهم : أن «إذ» للزمان الماضى فى أغلب استعمالاتها ، والفعل الماضى مناسب لها فى الزمان ، فلا يسوغ الفصل بينهما وهما فى جملة واحدة. أما إذا كان الفعل بعدها مضارعا (ولا بد أن يكون بمعنى الماضى ، ولو تأويلا - كما سلف (2)-) ففصله عنها وعدم فصله سواء ؛ كلاهما حسن ، نحو : سعدنا بنزهة الأمس بين الجداول والبساتين ؛ إذ المياه تنعشنا بتدفقها وجريانها ، والأزاهر بطيبها وأريجها. وإذ تداعبنا النسمات بلمساتها الندية المترفقة ...
د - «إذ» ظرف ملازم للبناء ، فى محل نصب على الظرفية ، ولا يخرج عن النصب المحلّى على الظرفية إلا حين يقع «مضافا إليه» والمضاف لفظ دال
على الزمان (1)، كحينئذ ، ويومئذ ... ففى هذه الحالة لا يكون ظرفا (2)، ولا يكون فى محل نصب ؛ وإنما يكون مبنيّا فى محل جرّ ؛ مضافا إليه. فأمره مقصور إما على البناء فى محل نصب على الظرفية ، وإما على البناء فى محل جر بالإضافة ، ولا محل له - عند كثرة النحاة - إلا أحد هذين ؛ فلا يكون مفعولا به ، ولا بدلا ، ولا غيرهما. وأما قوله تعالى : ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ... ) وقوله تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ) فإن «إذ» ظرف لمفعول به ، محذوف ، وليست مفعولا به فى الآية الأولى ولا بدلا فى الآية الثانية. فالتقدير : واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ أنتم قليل ... - واذكر قصّة مريم إذ انتبذت ... (أى : ابتعدت واعتزلت الناس ...) لأن المعنى على ظرفية المفعول به المحذوف ، لا على مجرد المفعولية الأخرى ؛ أو : البدلية ... فالمراد : اذكروا النعمة التى نالتكم فى زمن معين ، هو زمن قلّتكم - واذكروا قصة مريم فى زمن انتباذها ، وليس المراد هنا اذكروا مجرد زمن القلة ، أو : مجرد زمن الانتباذ ؛ لأن تذكر الزمن المجرد لا يفيد فى تحقيق الغرض المعنوىّ المراد هنا (3)
والحق أن «إذ» قد تكون «مفعولا به» إذا كان المراد وقوع أثر العامل عليها ، لا فيها. وقد يكون «بدلا» أو غيره إذا اقتضى المعنى خروجها عن الظرفية لشىء آخر. فلا داعى للتأويل من غير حاجة.
.1) أوضحنا - فى رقم 2 من هامش ص 67 - أن الاسم الدال على الزمان يشمل ظرف الزمان ، (وهذا ينصب على الظرفية ، ولا يخرج عنها إلا إلى شبه الظرفية ، وهو - فى الغالب - : الجر بالحرف «من») كما يشمل كل : اسم آخر يدل على الزمان من غير ظرفية ، مثل : حين ، ولحظة ...
2) للسبب الذى تقدم فى رقم 5 من هامش ص 61.
3) لا يوافق على هذا صاحب : «المغنى» ، وآخرون. فضربوا مثلا لكلمة «إذ» الظرفية بقوله تعالى عن النبى عليه السّلام : ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) - وقد سبقت هذه الآية لمناسبة هامة أخرى فى رقم 5 من هامش ص3. ول «إذ» الواقعة مفعولا به بقوله تعالى : ( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ... ) ومثل هذا يقع كثيرا فى أوائل القصص فى القرآن ؛ فتكون - فى رأيهم - «مفعولا به» لفعل محذوف تقديره : «اذكر» ، أو نحوه ... كقوله تعالى : ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ... ) ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ ... ) - ( وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ... ) ول «إذ» الواقعة «بدلا» بقوله تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ. إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ) وحجتهم فى عدم إعرابها ظرفا فى الآيات السالفة أن إعرابها يقتضى الأمر بالتذكر فى ذلك الزمن الماضى ، مع أن الأمر للاستقبال ، وذلك الوقت قد مضى قبل توجيه الخطاب للمكلفين منا ؛ فيتعارضان ؛ وإنما المراد : تذكّر الوقت نفسه ، لا التذكر فيه. وخالفتهم الكثرة بأن وقوع «إذ» الزمانية «مفعولا» أو «بدلا» أو شيئا آخر غير الظرف والمضاف إليه - ليس مسموعا عن العرب. وطال الجدل بين الفريقين.
وقد تجىء : «إذ» لإفادة التعليل ؛ كقوله تعالى : ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ - إِذْ ظَلَمْتُمْ - أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) ، أى : لأجل ظلمكم ، وبسببه. ولا تصلح هنا للظرفية ، لأن الظلم لا يكون يوم القيامة ، وإنما كان فى الدنيا. وتعتبر فى هذا الحالة : إمّا حرفا زائدا للتعليل - وهو الأيسر - ، وإما ظرف زمان ، والتعليل مستفاد من قوة الكلام ، لا من اللفظ (1).
وقد تجىء لإفادة المفاجأة (2)، بعد : «بينما (3)» ، أو : «بينا (4)» ، نحو قول الشاعر :
استقدر (5)اللّه خيرا ، وارضينّ به *** فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء فى الأحياء مغتبط *** إذ صارفى الرّمس ، تعفوه الأعاصير
ونحو : بينا نحن جلوس إذ أقبل غريب فأكرمناه ..
والأحسن فى هذا - وأشباهه - اعتبارها حرفا معناه المفاجأة ، أو : حرفا زائدا لتأكيد معنى الجملة كلها ؛ لا ظرف زمان ولا مكان.
ه - سبق (6)أن : «إذ» تكون فى أغلب استعمالاتها - ظرفا للزمان الماضى المبهم (7)، ومعناها : وقت ، أو : زمن ، أو : حين ... أو ... وأنها فى هذه
1) يتضح هذا فى مثل قولنا : «عوقب اللص إذ سرق». باعتبار «إذ» للزمان ، فيؤدى ظاهر العبارة - إلى أن السرقة هى سبب العقاب ، وعلته.
2) أى : مفاجأة ما بعدها لما قبلها وقت تحقق معنى السابق. بمعنى : هجومه عليه بغتة عند وقوع معنى المتقدم.
3) إذا اتصلت «ما» الزائدة ، أو «الألف» الزائدة بآخر الظرف : «بين» وجب أن يكون له الصدارة فى جملته مع إضافته لهذه الجملة : (راجع الأحكام المتعددة فى البيان الخاص. بهذا فى ج 2 باب : «الظرف» م 79 ص 268) ومنه قولهم فى وصف أحد العظماء : «بينما هو حليم أواب ، إذا هو أسد وثاب». وجاء فى القاموس ما نصه : (وبينا وبينما من حروف الابتداء) اه أى من كلمات الصدارة.
4) اسأله أن يقدره لك.
5) فى ص 80.
6) وردت إشارة للزمان المبهم وبعض أحكامه ، فى رقم 4 من هامش ص 24 وفى ص 66 و67 و91 و130 و140.
7) إذا اتصلت «ما» الزائدة ، أو «الألف» الزائدة بآخر الظرف : «بين» وجب أن يكون له الصدارة فى جملته مع إضافته لهذه الجملة : (راجع الأحكام المتعددة فى البيان الخاص. بهذا فى ج 2 باب : «الظرف» م 79 ص 268) ومنه قولهم فى وصف أحد العظماء : «بينما هو حليم أواب ، إذا هو أسد وثاب». وجاء فى القاموس ما نصه : (وبينا وبينما من حروف الابتداء) اه أى من كلمات الصدارة.
الحالة تضاف وجوبا للجملة بنوعيها ، ولا بد فى هذه الجملة أن. يكون معناها ماضيا (1)ولو تأويلا ، أى : أنه قد تحقق فعلا ، أو بمنزلة المتحقق ..... ويتساوى فى هذا الجملة الاسمية والفعلية ..
ونذكر هنا أن فى اللغة كثيرا من الأسماء التى قد تشابه «إذ» فى دلالتها السابقة ؛ (وهى : الدلالة على الزمن الماضى المبهم بصوره التى شرحناها) وقد تخالفها ، ومن هذه الأسماء التى قد تشابه حينا وقد تخالف حينا آخر : وقت - زمن - عصر - لحظة - برهة - حين ... وكذلك : يوم ، وساعة ، بشرط ألّا يراد بواحد منهما مدة زمنية محدودة بساعات محصورة ودقائق معدودة ؛ وإنما يراد بكل واحد منهما ومما سبق ، مدة زمنية محضة ، لا تتقيد بعدد مضبوط من الساعات والدقائق ونحوها مما يفيد الحصر والتحديد.
وحكم هذه الأسماء - ونظائرها - أنها حين تكون بمعنى : «إذ» يجوز (2)أن تضاف إلى ما تضاف إليه «إذ» من الجملة بنوعيها ، كما يجوز أن تضاف للمفرد ، أو لا تضاف مطلقا. ولكنها إن أضيفت إلى الجملة يجب أن يتحقق فى هذه الجملة بنوعيها كل ما يجب تحققه حين يكون المضاف هو «إذ» وذلك بأن يكون معنى الجملة قد وقع فعلا أو سيقع حتما (3)... و ... و - كما شرحنا - وأن تكون الجملة مستوفية الشروط التى تجعلها صالحة للوقوع مضافا إليه (4).
ومما تقدم نعلم أن بعض أسماء الزمان قد يشبه «إذ» فى الدلالة المعنوية وفى الإضافة ، وآثارها ، مع مراعاة الفروق الأربعة الآتية :
(1) أن «إذ» لا تكون إلا فى محل نصب على الظرفية ، أو فى محل جر على الإضافة (تبعا لرأى الكثرة ، وقد أبدينا ما فيه) (5). أما «شبيهاتها» فتصلح للأمرين السالفين ، ولغيرهما مما يقتضيه الأسلوب ، فتقع مبتدأ ، وخبرا وفاعلا ومفعولا به ... و ... وهذا شأن كل اسم من أسماء الزمان المختلفة ، ليس ظرفا.
(2) أن إضافة : «إذ» الظرفية للجملة واجبة محتومة ، لفظا ومعنى معا ، أو معنى فقط - كما سبق (1)- ... أما إضافة «شبيهاتها» فجائزة للجملة ، وللمفرد ، ويجوز عدم إضافتها مطلقا ...
(3) أن إضافة «إذ» للجملة الفعلية ، توجب أن تكون هذه الجملة الفعلية إمّا ماضوية لفظا ومعنى ، أو معنى فقط (بأن تكون الجملة الفعلية فعلها مضارع فى الظاهر ، ولكن معناه ماض ، ومن الممكن أن يحل الماضى محله ، كالآية السالفة ، وهى «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل») - وإما ماضوية تأويلا ، بأن يكون معنى المضارع مضمون التحقق فى المستقبل.
وأما إضافتها للجملة الاسمية فلا تصح إلا حين يكون مدلولها قد وقع فى الزمن الماضى وتحقق ؛ فإن كان سيقع فى المستقبل وجب أن يكون وقوعه محققا قاطعا ؛ ليكون بمنزلة ما وقع فى الماضى من ناحية التحقق واليقين ؛ وبهذا تكون «إذ» الأصيلة فى الظرفية هى للماضى حقيقة أو تأويلا ، كما أشرنا (2).
أما «شبيهاتها» فقد تكون للزمن الماضى وقد تكون لغيره. وقد تضاف للجملة جوازا ، لا وجوبا. فإذا كانت «الشبيهات» للزمن الماضى وأضيفت لجملة فعلية أو اسمية كان حكم الجملة هنا كحكمها هناك من الناحية الزمنية ، أى : أن شأن الجملة (وهى : المضاف إليه) واحد مع «إذ» ومع الشبيهات بها الدالة على الزمن الماضى ؛ فإذا كانت الجملة فعلية وجب أن تكون ماضوية ، ولو تأويلا وإن كانت اسمية وجب أن يكون مدلولها قد وقع فعلا ، أو تأويلا بأنه سيقع على وجه محتوم : كشأنها مع «إذ».
(4) بناء «إذ» واجب فى جميع أحوالها بسبب إضافتها إلى الجملة (3)... أما شبيهاتها فيجوز فيها - عند إضافتها للجملة - البناء على الفتح (4)، أو
الإعراب على حسب ما يقتضيه الأسلوب. غير أن البناء على الفتح أحسن عند إضافتها إلى جملة فعلية ، فعلها مبنى أصالة ، كالماضى ، أو مبنى عرضا ؛ كالمضارع المبنى لاتصاله بإحدى النونين ، والإعراب أحسن عند ما يكون المضاف إليه جملة مضارعية مضارعها معرب ، أو جملة اسمية (1)...
ويلاحظ أن جواز البناء والإعراب ليس مقصورا فى الشبيهات على الحالة التى تكون فيها دالة على الزمن الماضى ، وإنما هو عامّ ينطبق عليها فى حالتى دلالتها على الماضى أو غيره. إلا أنها فى حالة الدلالة على الماضى الحقيقى ، أو التأويلى - وقد شرحناهما (2)- تكون بمعنى : «إذ» وفى حالة الدلالة على المستقبل تكون بمعنى : «إذا» الخاصة به. ومن الأمثلة :
ا - انقضى حين عجيب على الإنسانية ؛ حين ساد الجهل ، وشاع الظلم ، وانتشرت الأوهام. وقد اختفى اليوم كثير من تلك البلايا ، «وسيقبل حين آخر ؛ يكون الناس فيه أقرب إلى السعادة ، وأدنى إلى الاطمئنان ، حين تخضع الأمم والأفراد لدواعى المساواة ، وأحكام العدالة ، حين لا قوىّ مسيطر ، ولا ضعيف مستذلّ. ومثل قول الشاعر :
ألم تعلمى - يا عمرك (3)اللّه - أننى *** كريم على حين الكرام قليل
وقول الآخر :
ولست أبالى حين أقتل مسلما *** على أىّ حال كان فى اللّه مصرعى
ب - مضى وقت وجاء آخر ؛ وقت أكرم الناس فلانا لماله ، ووقت أكرم الناس فلانا لأعماله - سيقبل الوقت المأمول بعجائبه ؛ وقت يصل الناس إلى كشف الفضاء المجهول ، وغزو الكواكب ، وقت لا أرض ممهدة وحدها ، ولا أجرام سماوية محتفظة بأسرارها
ح - أين نحن من الأمس ؛ زمن كان العلم أملا بعيدا ، وغاية لا تدرك؟ وما شأنه فى حاضرنا ، زمن يناله من يريده ، ويدركه من يرغب فيه ، زمن الأسباب ميسرة ، والوسائل مبذولة ... و ... و ... وهكذا
فإن فقدت هذه الأسماء دلالتها على الماضى - ولو تأويلا - أو إبهامها ، لم تكن محتومة الشبه «بإذ» ، فى الإضافة التى أوضحناها ونوعها ، ولم تجر مجراها وجوبا. فعند فقدها الدلالة على المضىّ تضاف - جوازا - إلى الجملة الفعلية فقط ، وتكون بمعنى : «إذا» - كما تقدم - ؛ نحو : أجيئك حين يجىء الصديق الغائب ، وأزورك زمن يزورنا. ويجرى عليها فى هذه الحالة من ناحية إعرابها وبنائها ما كان يجرى عليها من قبل مما شرحناه. ولا يصح - عند الأكثرين أن تضاف فى هذه الحالة إلى الجملة الاسمية ؛ لأنها تكون بمعنى. «إذا» الدالة على المستقبل الخالص ، والتى لا تضاف للاسمية (1)
وقول الشاعر المسمى بسواد.
فكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
ولا مانع من الأخذ بالرأى الذى يبيح القياس على هذا ؛ بشرط أن يكون فى الكلام ما يدل على أن معناه سيقع فى المستقبل ، وأنه محقق الوقوع ؛ فيكون المستقبل فيه بمنزلة الماضى ، لتحقق وقوعه ؛ كما فى الآية والبيت ؛ فإن فتنة النار مستقبلة محققة ، وكذلك الشفاعة يوم القيامة ؛ سواء أكانت تغنى أم لا تغنى ، ولا داعى للتأويل. (وانظر رقم 1 و2 من هامش ص 81).
-.وعند فقدها الإبهام يصح أن تضاف للمفرد ، او لا تضاف إليه ، على حسب المعنى ؛ ولا يصح أن تضاف لجملة ، مثل شهر - حول - سنة - عام ... و .... وغيرها من المعدودات المحددة ، نحو : شهر رمضان مبارك ، وحولنا الحالى طيب.
وهذه المناسبة تذكرنا بالمسائل الثلاث التى سبقت قريبا (2)
وهناك أحكام خاصة بالمبهم فى رقم 4 من هامش ص 24 وفى ص 66 و67 و90 و130 و139.
، والتى يجوز أن يستفيد فيها المضاف المعرب من المضاف إليه البناء (بالشروط والتفصيلات الخاصة بكل مسألة) ، وهى إضافة اسم الزمان المبهم ، المعرب فى أصله ... إلى جملة .فعلية ، وإضافته إلى مفرد مبنى ، مثل : حينئذ ويومئذ ، وإضافة الاسم المعرب المتوغل فى الإبهام والذى لا يدل على زمان - إلى مفرد مبنى ، كإضافة : غير - مثل - شبه ... و ... ، إلى الضمائر أو غيرها من المبنيات (1)
... وما «كإذ» معنى ، كإذ *** أضف جوازا ؛ نحو : حين جا ، نبذ
يريد : ما كان مثل «إذ» فى كونه اسم زمان ماض مبهم ، فإنه يضاف جوازا - لا وجوبا - إلى مثل ما تضاف إليه «إذ» من الجمل الفعلية والاسمية ؛ مع ملاحظة ما قد يكون بين الإضافتين من فوارق أوضحناها فى ص 88 وما بعدها. وضرب مثلا لما يشبه «إذ» هو : حين جاء الخائن نبذ شأنه ... أى : ما كان مثل «إذ» فى المعنى فإنه يضاف مثلها للجمل ، ولكن إضافته جائزة ، لا واجبة.
وابن ، أو اعرب ما كإذ قد أجريا *** واختر بنا متلوّ فعل بنيا
وقبل فعل معرب أو مبتدا *** أعرب. ومن بنى فلن يفنّدا
(يفند - يغلط) أى : ابن أو أعرب ما جرى عليه شبه «إذ» ولكن المختار بناء ما يتلوه فعل مبنى ، وإعراب ما بعده مبتدأ أو فعل معرب. ومن بنى فى جميع الحالات فلن يغلط.
. .1) يقول ابن مالك فى أسماء الزمان الشبيهات بكلمة : «إذ».
ورابعها - ما يضاف وجوبا إلى الجملة الفعلية دون غيرها. ومنه : إذا» (1)
وقد سبق الكلام على : «إذا» بتفصيل مناسب (فى ج 2 ص 260 م 79 باب : الظرف) يشمل سرد معانيها ، وأحوالها ، وأحكامها المختلفة. وسيجىء الكلام عليها بمناسبة أخرى ، ولغرض آخر ؛ هو : «الشرطية» فى ج 4 ص 333 م 156 باب : «الجوازم» -.
واكتفى ابن مالك ببيت واحد سجل فيه أنها من الأسماء التى تضاف إلى الأفعال لزوما ، ولم يزد شيئا ؛ حيث يقول :
وألزموا «إذا» إضافة إلى *** جمل الأفعال ؛ كهن إذا اعتلى
(هن إذا اعتلى : تواضع وتساهل إذا أظهر رفيقك أو غيره الاعتلاء ؛ أى : التكبر).
الشرطية الدالة على الزمان المستقبل ، نحو قول الشاعر :وإذا تباع كريمة أو تشترى *** فسواك بائعها وأنت المشترى
ووقوع الماضى فى جملة شرطها أو جزائها لا يخرجها عن الدلالة على الزمن المستقبل ؛ (لأنها تجعل زمن الماضى للمستقبل ، شأنها فى هذا شأن جميع أدوات الشرط غير الامتناعى) ، نحو : إذا غدر المرء بصاحبه كان بسواه أغدر. وقولهم : إذا عثر الكريم أخذ بيده الكرام ... و ... (2)
(راجع ج 1 من التصريح والصبان فى مبحث تنوين العوض).
ومنه : «لمّا (3)
وقد سبق - فى ج 2 ص 275 م 79 باب. «الظرف» - إيضاح الكلام عليها بتفصيل لا غنى عنه ، ولا سيما البيان الخاص بشرطها ، وجوابها ، ونوعهما ، وتقدم هذا الجواب. وسيجىء لها إشارة مفيدة - بمناسبة الكلام على أنواع «أن» ح 4 ص 221 م 148 باب : إعراب الفعل.
وهى غير «لمّا» الحرفية الجازمة التى سيجىء الكلام عليها فى ج 4 م 153 ص 305 - وغير «لما» الحرفية التى بمعنى «إلا» المفيدة للاستثناء والتى سبق إيضاحها فى بابه (ح 2 م 81 ص 254 ..)
» الظرفية ، كقوله تعالى : ( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) ، وقول الشاعر :عتبت على عمرو ، فلما فقدته *** وجرّبت أقواما بكيت على عمرو
ومنه ألفاظ أخرى منثورة فى المراجع اللغوية والأدبية (4)». .
1) وهى مبنية دائما -.
2) ويجوز أن يحذف المضاف إليه (أى : الجملة) ويجىء التنوين عوضا عنه ؛ كقولهم : من يجحد الفضل فليس إذا يعد من أهله. التقدير : فليس إذا (يجحده) يعدّ من أهله. فحذفت الجملة الواقعة مضافا إليه ، وجاء التنوين عوضا عنها.
3) تسمى : «لما الحينية» ؛ لأنها بمعنى كلمة : «حين» عند من يجعلون «لما» ، اسما.
4) سنذكر بعضها فى «ب» من الزيادة والتفصيل.
1 - أشرنا (1)إلى أسماء الزمان التى تشبه «إذ» فى الدلالة على الزمان ، الماضى ، المبهم ، ومنها : حين - وقت - زمن - لحظة - ... ، ونعيد ما قلناه هناك من أنها تضاف جوازا إلى ما تضاف إليه : «إذ» ؛ من الجمل الاسمية ، والفعلية ، بشرط دلالة هذه الجمل على المضى والإبهام معا ، بالتفصيل والإيضاح السالفين. فإن فقدت المضىّ المقصود لم تكن بمعنى «إذ» وإنما تصير بمعنى «إذا» الدالة على الزمن المستقبل الخالص ، فعند إضافتها تضاف - مثلها - إلى الجمل الفعلية ، دون الاسمية (2). نحو : أسافر غدا حين تبدأ العطلة ، وسأركب الطائرة زمن أجدها مهيأة ...
وتحتفظ هذه الأسماء الزمانية لنفسها بجواز البناء والإعراب عند إضافتها للجملة ؛ سواء أكانت بمعنى : «إذ» أم بمعنى «إذا» ؛ فهى جائزة البناء والإعراب فى حالتى دلالتها على المضى ، أو على الاستقبال ، إلا أن البناء أحسن حين يكون المضاف إليه جملة فعلية فعلها مبنى. والإعراب أحسن حين يكون فعلها معربا ، وحين بكون المضاف إليه جملة اسمية - كما سبق تفصيله هناك -. أما إذا فقدت الإبهام فيجوز إضافتها للمفرد ، أو عدم إضافتها إليه على حسب المعنى ، ولا يصح إضافتها لجملة (3)...
ب - قد أضيف إلى الجملة الفعلية جوازا ألفاظ مسموعة غير زمانية ، ولكنها تشبه الزمانية فى أنها بمنزلة الزمن والوقت لارتباطها به. ومنها كلمة : «آية» ؛ بمعنى : «علامة». والوقت علامة لمعرفة الحوادث وترتيبها ، كما أن العلامة تتصل بالوقت ، فصحّ إضافة : «آية» إلى الجملة الفعلية كما يضاف الوقت إليها : لأنهما فى النتيجة ينتهيان إلى شىء واحد (4)... قال قائلهم :
ألا من مبلغ عنى تميما *** بآية ما يحبون (1)الطعاما *** بآية يقدمون (2)الخيل شعثا
كأنّ على سنابكها مداما
وكلمة : «آية» المسموعة بهذا القصد لا تضاف جوازا إلا للجملة الفعلية ، بشرط أن يكون فعلها متصرفا ، سواء أكان مقرونا «بما» النافية (3)، أو المصدرية ، أم غير مقرون. إلا أن أن بعض النحاة يوجب تقدير «ما» المصدرية الظرفية عند عدم وجودها ، أو تقدير كلمة : «وقت» قبل الجملة الفعلية ؛ لتكون الإضافة من نوع إضافة أسماء الزمان التى شرحناها. وهذا خلاف شكلى ؛ لا أثر له.
لكن كلمة : «آية» لا يسرى عليها ما يسرى على أسماء الزمان السالفة من جواز الإعراب والبناء عند إضافتها للجملة ، وإنما يبقى لها حكمها الذى كانت تستحقه قبل إضافتها. وعلى هذا تكون كلمة : «آية» فى البيت الثانى معربة مضافة إلى الجملة المضارعية ، والمراد : أبلغهم كذا ، بعلامة إقدامهم الخيل شعثا متغيرة من التعب ... وهى معربة مضافة فى البيت الأول إلى المصدر المؤول من «ما» المصدرية (4)والجملة المضارعية. والمراد ؛ إذا رأيت تميما فبلغهم عنى الرسالة. فكأن قائلا قال : بأى علامة تعرف تميم؟ فأجاب : بعلامة ما يحبون الطعام.
ومن تلك الألفاظ السماعية كلمة : «ذى» فى قولهم : (اذهب بذى تسلم (5)واذهبا بذى تسلمان ، واذهبوا بذى تسلمون) ، والمسموع فى كلمة : «ذى» الجر «بالباء» فى هذا الأسلوب. والمعنى : اذهب بأمر هو سلامتك التى تلازمك ،
1) ورواية أخرى يبتدئ المضارع فيها بتاء الخطاب ، بدلا من ياء الغائب.
2) مثل قولهم : بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا.
3) يصح أن تكون «ما» زائدة. والجملة المضارعية بعدها هى المضاف إليه. ويجرى تأويل المضاف إليه على الطريقة التى سبق شرحها فى تأويل الجملة الواقعة مضافا إليه ، ص 84.
4) هذا الأسلوب هو الذى وعدنا (فى رقم 2 من هامش ص 44) أن يكون إيضاحه هنا.
5) ورواية أخرى يبتدئ المضارع فيها بتاء الخطاب ، بدلا من ياء الغائب.
ولا تفارقك ؛ فكأن القائل يريد : اذهب ومعك أمر ؛ وهذا الأمر هو ؛ سلامتك الملازمة لك. ولما كانت الإضافة للجملة الفعلية هى فى تقدير الإضافة للمفرد (وذلك بالإتيان بمصدر الفعل مضافا إلى فاعله ؛ - كما سبق (1)-) كان التأويل : اذهب بأمر سلامتك ، أى : اذهب ومعك أمر هو سلامتك المصاحبة لك - اذهبا بأمر سلامتكما - اذهبوا بأمر سلامتكم ...
ويرى بعض اللغويين أن «ذى» فى الأساليب المسموعة السابقة معناها : «الذى» فالمراد : اذهب بالذى تسلم به ، أى : بسلامتك ؛ مصحوبا بها ، أو أنّ معناها : الوقت.
والمعانى الثلاثة متقاربة ، وفيها تكون الإضافة من نوع إضافة «المسمى إلى الاسم» سماعا (2). فالمسمى هو : «ذى» ، بمعنى : الأمر ، وهذا الأمر المعين وذاته ... اسمه : «السلامة» (3)، أو : بمعنى «الذى» أو الوقت. والمراد منهما : السلامة أيضا (4).
1) وفى ص 134 تلخيص آخر لبعض النحاة.
: (كلا ، وكلتا (1)- أىّ - لدن ، وعند - غير ، ونظائرها - ...).
«كلا» : اسم مفرد فى اللفظ ، مثنى فى المعنى ؛ لأنه يدل بصيغته على اثنين مذكرين ؛ نحو : كلا طرفى الأمور ذميم ، ونحو :
إنّ المعلم والطبيب كلاهما *** لا ينصحان ؛ إذا هما لم يكرما
و «كلتا» : اسم مفرد فى اللفظ ، مثنى فى المعنى ؛ لأنه يدل بصيغته على اثنتين مؤنثتين ؛ نحو : كلتا الخصلتين رذيلة ؛ الضّعة والكبر. ونحو : الثروة والشهرة ، كلتاهما من أسباب الجاه.
ولأن «كلا وكلتا» مفردين لفظا ، مثنيين معنى (2)، جاز فى خبرهما ، - وفى كل ما يحتاج إلى المطابقة بينه وبينهما - مراعاة لفظهما ، وهو الأفصح ، ومراعاة معناهما وهو فصيح ؛ كقولهم : (كلا الرجلين عظيم ؛ من دعا للخير ، ومن استجاب له) - (كلا القائدين بطلان ؛ هذا يقود جيوشه فى غمرات الحروب وهذا يقود أعوانه فى ميادين الإصلاح) - (كلتا الزعيمتين وهبت نفسها لأعمال البر ، ولم تدّخر وسعا) - (كلتا المدينتين وقفتا فى وجه العدو المغير حتى ارتد خاسرا ...).
و «كلا» و «كلتا» من الألفاظ الملازمة للإضافة لفظا ومعنى معا ، ولا بد فى المضاف إليه بعدهما أن يجمع ثلاثة شروط.
1) سبق الكلام عليهما بمناسبة أخرى (هى : بيان حكمهما الإعرابى ...) فى ج 1 ص 111 م1. المثنى وملحقاته. وهما فى لفظهما المفرد مع إفادتهما معنى : التثنية» شبيهتان بلفظة : «كل» ؛ فى أن لفظها مفرد ، لكنها تدل على معنى غير مفرد ، هو ؛ معنى الجمع.
2) تتضح هذه الدلالة فى مثل : الرجلان كلاهما مسافران. فالمعنى الرجلان الاثنان مسافران. وفى مثل : الرجلان كلاهما مسافر ، يكون المعنى : الرجلان كل واحد منهما مسافر ، أى : أنه يصح أن يحل محلها إما كلمة : (الاثنين) ، وإما : (كل واحد منهما). وهذا على حسب الأساليب ؛ كما فى المثالين السالفين. والنتيجة فى الحالتين واحدة ؛ وهى دلالتها على اثنين. ومثلها : «كلتا».
الأول : أن يكون دالا على اثنين أو اثنتين ؛ سواء أكان اسما ظاهرا ، أم ضميرا (1)
فإنه يسمى : «مثنى معنى» فقط. ومتى كانت دلالته على التثنية بقرينة خارجية ؛ كاسم الإشارة - سميت «دلالة مجازية» (كما سيأتى فى الزيادة. وكما سبق البيان فى ج 1 م 9 ص 108 وهامشها رقم 1 وفى ص 111)
بارزا ، كقوله تعالى : ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ...) وقوله تعالى : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما ، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ... ) وإنما كانت دلالته على التثنية شرطا لأن الغرض من «كلا» و «كلتا» هو تقوية التثنية فى هذا المضاف إليه ، وتأكيدها ، فإذا لم يكن مثل وقع التعارض بين المضاف والمضاف إليه.الثانى : أن يكون كلمة واحدة. (وهذه الكلمة الواحدة هى التى تقوم بالدلالة على المثنى ؛ من غير سرد أفراده متعددة ، ولا ذكرها متفرقة) فلا يجوز قرأت كلتا المجلة والرسالة ، ولا عاونت كلا الأخ والصديق. وقد وردت أمثلة قليلة مسموعة لم يتحقق فها هذا الشرط ، فلم توافق كثرة النحاة على القياس عليها ، منها :
كلا أخى وخليلى واجدى عضدا. *** فى النائبات ، وإلمام الملمّات
والثالث : أن يكون معرفة كالأمثلة السالفة ، فلا يجوز أن يكون نكرة عامة ؛ كالتى فى مثل : حضر كلا رجلين ، وانصرفت كلتا امرأتين ؛ فإن كانت النكرة مختصة فالأحسن الأخذ برأى من يجيز وقوعها مضافا إليه بعد «كلا وكلتا» ؛ فيصح المثالان السابقان - وأشباههما - بعد التخصيص - ؛ فيقال : حضر كلا رجلين عالمين ، وانصرفت كلتا امرأتين أديبتين (2)
لمفهم اثنين معرّف بلا *** تفرّق أضيف «كلتا» و «كلا»
يريد : أضيفت «كلتا وكلا» لمفهم اثنين (أى : لما يدل على اثنين) مع تعريفه ، وعدم تفرق أفراده.
.1 - اشترطنا هنا (1)أن يكون «المضاف إليه» دالّا على اثنين ، أو اثنتين ، سواء أكان اسما ظاهرا أم ضميرا بارزا. هذه الدلالة قد تكون بلفظه الصريح فى التثنية ، الحقيقىّ فيها (لا المجازىّ) نحو قوله تعالى : ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ) ، وقوله : ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما.) فالمضاف إليه وهو كلمة : «الجنتين» ، وكلمة : «هما» - من الألفاظ الصريحة فى التثنية ، التى تؤدى معناها على وجه الحقيقة لا المجاز. وقد تكون الدلالة بلفظه الحقيقى ، ولكنه مشترك اشتراكا معنويّا بين المثنى والجمع ، كالضمير :
«نا» فإنه صالح من جهة المعنى للأمرين ؛ كقول الشاعر :
كلانا غنىّ عن أخيه حياته *** ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وقول الآخر :
كونوا كمن واسى أخاه بنفسه *** نعيش جميعا ، أو نموت كلانا
وقد تكون بلفظه الذى دخله التوسع والمجاز ؛ فصار يدل على اثنين دلالة أساسها التوسع والمجاز ، لا الحقيقة اللغوية ، كقول الشاعر :
إنّ للخير وللشرّ مدى (2)*** وكلا ذلك وجه (3)وقبل (4)
فكلمة : «ذا» تدلّ فى حقيقتها اللغوية على المفرد المذكر ، ولكنها تدل هنا بمعناها على المثنى ؛ لأنها إشارة إلى ما ذكر ؛ وهو : الخير والشر ؛ فالمراد : ««كلا» ما ذكر من الخير والشر .... وهذه الدلالة مجازية (5)؛ لأن دلالة «ذا» على غير الواحد مجازية ؛ كالتثنية ؛ فى هذا البيت ، وكالجمع فى قول لبيد :
ولقد سئمت من الحياة وطولها *** وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
ب - لا تضاف «كلا وكلتا» لشىء من الضمائر إلا لواحد من ثلاثة ؛ هى : «نا» ، و «الكاف» المتصلة بالميم والألف ، و «الهاء» المتصلة بالميم والألف. (أى : كلانا - كلاكما - كلاهما - كلتانا - كلتاكما - كلتاهما).
ح - حكم «كلا» و «كلتا» من الناحية الإعرابية موضح فى مكانه المناسب من الجزء الأول (1)عند الكلام على المثنى ، وملحقاته. ومضمونه : أن لهما حالتين ؛ إحداهما : إعرابهما إعراب المثنى ، والأخرى إعرابهما إعراب الاسم المقصور :
(1) فيعربان إعراب المثنى بشرط إضافتهما إلى ضمير دالّ على التثنية ؛ سواء أكانتا للتوكيد أم لغيره. فمتى أضيفت إحداهما للضمير الدال على التثنية وجب إعرابهما إعراب المثنى. فمن أمثلة استعمالهما للتوكيد : (أعجبنى النابغان كلاهما - أكرمت النابغين كليهما - أثنيت على النابغين كليهما) - (فازت الطبيبتان كلتاهما - مدحت الطبيبتين كلتيهما - أصغيت إلى الطبيبتين كلتيهما). ومن أمثلة استعمالهما فى غير التوكيد مع إعرابهما كالمثنى : جاء كلاهما أو كلتاهما - رأيت كليهما ، أو : كلتيهما ، استمعت إلى كليهما ، أو : كلتيهما.
ولا بد عند استعمالهما للتوكيد أن يكون الضمير المضاف إليه مطابقا للاسم المؤكّد قبلهما (2)(أى : أنه لا بد من وجود الضمير المضاف إليه ، ومن وجود المؤكّد قبلهما ، وتطابق المؤكّد والمؤكّد فى التثنية ، والإعراب ، والتذكير ، والتأنيث) ؛ كقولهم فى الدّعاء ؛ «لازمتك الحسنيان (3)كلتاهما ، ... وأمنت البليتين (4)كلتيهما» ... وقولهم فى الدعاء للمسافر : صاحبك الأحمدان (5)
كلاهما - وسلمت من الأرذلين كليهما (1).
ومما تجب ملاحظته أن استعمالهما فى التوكيد يوجب إضافتهما إلى الضمير المطابق للمؤكّد السابق ، لكن لا يلزم من إضافتهما للضمير المطابق أن يكونا للتوكيد ؛ فقد يتعيّنان للتوكيد كما فى الأمثلة السابقة ، وقد يتعين إعرابهما شيئا آخر غير التوكيد ؛ كما فى قولنا : الوالدان كلاهما نافع ، والأختان كلتاهما مثقفة ؛ فيتعين إعرابهما فى هذين المثالين - وأشباههما - مبتدأ ، ولا يصح التوكيد ، كى لا يترتب عليه إهمال المطابقة بين المبتدأ والخبر ، بقولنا : (الوالدان نافع - الأختان مثقفة) ؛ فيقع الخبر مفردا مع أن مبتدأه مثنى ، وهذا غير جائز فى مثل ما نحن فيه.
وقد يجوز إعرابهما توكيدا أو غير توكيد فى مثل : الوالدان كلاهما نافعان - الأختان كلتاهما مثقفتان ؛ فيصح إعرابهما توكيدا ؛ لإضافتهما للضمير المطابق للمؤكّد السابق ، والاسم الظاهر بعدهما خبر للمبتدأ ، مطابق له. كما يصح إعراب «كلا وكلتا» فى المثالين مبتدأ ثانيا ، مضافا للضمير ، والاسم الظاهر بعدهما هو الخبر لهما. والجملة الاسمية منهما ومن خبرهما خبر المبتدأ الأول. فالإعرابان جائزان ، وتفضيل أحدهما متوقف على وجود قرينة ترجحه على الآخر.
فالأحوال ثلاثة عند إضافتهما للضمير مع وجود لفظ سابق يصلح أن يكون مؤكّدا يرجع إليه الضمير عند إضافتهما ويطابقه ؛ هى : وجوب إعرابهما توكيدا فقط ؛ وامتناع إعرابهما توكيدا ، وجواز الأمرين.
(2) فإن لم يضافا للضمير مطلقا (بان أضيفا إلى اسم ظاهر) - لم يكونا للتوكيد ، ولم يصح إعرابهما كالمثنى ، بل يجب إعرابهما إعراب المقصور (وهو الإعراب بحركات مقدرة على الألف الثابتة ، الملازمة لآخرهما فى جميع الحالات) ؛ نحو : كلا القطبين ثلجىّ مقفر - إن كلا القطبين ثلجىّ مقفر - ذاع عن كلا القطبين أنه ثلجى مقفر - كلتا المنطقتين القطبيتين غير مأهولة - إن كلتا المنطقتين غير مأهولة - سمعت عن كلتا المنطقتين» ...
1) الخوف والضرر.
كل ما سبق هو الأشهر الذى يحسن الاقتصار عليه. وهناك آراء أخرى فى إعرابهما ؛ فبعض العرب يعربهما إعراب المثنّى فى كل الحالات من غير تفرقة بين توكيد وغيره. وبعضهم يعربهما إعراب المقصور فى كل الحالات من غير تفرقة كذلك ... و ...
أىّ - أنواعها الملازمة للإضافة خمسة (1)؛ كل نوع منها مبهم ؛ (لأنه صالح لكل شىء من الأمور الحسيّة والمعنوية. ولا تعيين له إلا بالمضاف إليه) ؛
وهى : «أىّ» الاستفهامية ؛ مثل : أىّ عمل تختاره؟ - أى الرجال المهذب؟ - أىّ الناس تصفو مشاربه؟.
و «أىّ» الشرطية ؛ مثل : أىّ نفع يلتمسه المرء بضرر غيره ينقلب وبالا عليه.
و «أىّ» الموصولة ، مثل : يعجبنى السباقون ، وسأصافح أيّهم هو أسبق (بمعنى : الذى هو أسبق).
و «أىّ» التى للنعت (2)؛ مثل إنّ الصادق عظيم أىّ عظيم.
و «أىّ» التى للحال ، مثل : قبلت كلام الناصح الأمين : أىّ ناصح أمين. ومن الخمسة السابقة نوعان ملازمان للإضافة ؛ لفظا ومعنى معا ؛ هما : النعتية والحالية (3)، أما الثلاثة الأخرى فملازمة للإضافة إمّا لفظا ومعنى معا كأمثلتها السابقة ، وإمّا : معنى (4)فقط ؛ مثل (الأعمال كثيرة ؛ فأىّ تختاره؟) - (من ألوان النفع ما يؤذى ؛ فأىّ يلتمسه المرء بضرر غيره ينقلب وبالا عليه) - (يعجبنى السباقون ، وسأصافح أيّا هو أسبق) ... و ... وفبما يلى بيان أوفى :
1 - «أىّ» الاستفهامية (5): وهى معربة ، واجبة الإضافة لفظا ومعنى ،
1) هناك نوع سادس لا يضاف أبدا ؛ هو : «أىّ» : التى تكون وصلة لنداء ما فيه : «أل» (وتفصيل الكلام عليها فى باب. «النداء» ، أول الجزء الرابع). وقد سبق الكلام على الستة ملخصا لمناسبة أخرى فى باب الموصول ج 1 ص 260، 262 م 26.
2) تفصيل الكلام عليها فى ص 111 ، ولها إشارة فى باب النعت ص 468.
3) كما سبقت الإشارة فى رقم 1 من هامش ص 73 وفى الجزء الأول ص 260 م 26.
4) تقدم (فى رقم 3 من هامش ص 71) أن «المضاف لفظا ومعنى» هو : ما له مضاف إليه مذكور صراحة فى الكلام ، متمم للمعنى المقصود من المضاف. وأن «المضاف معنى» فقط هو : ماله مضاف إليه ، ولكنه محذوف لداع مع قيام قرينة تدل عليه ، وهو مع حذفه ملاحظ فى إتمام معنى المضاف وإكماله ، كما يلاحظ عند وجوده. وقد يجىء التنوين عوضا عن المحذوف.
5) «ملاحظة» : الأحكام الآتية مقصورة على «أى الاستفهامية» غير المستعملة فى : «الحكاية» أما المستعملة فى «الحكاية» فقد تخالف هذه فى بعض الأحكام ، طبقا للمذكور فى باب : «الحكاية».
أو معنى فقط. وتضاف إلى ما يأتى ليزيل إبهامها :
(1) النكرة مطلقا (أى : لمتعدد أو غير متعدد) ؛ فتشمل النكرة الدالة على الإفراد ، والدالّة على التثنية ، أو على الجمع ، بنوعيهما ؛ نحو : أىّ رجل فاز بالسبق؟ أى رجلين فازا بالسبق؟ أىّ رجال فازوا بالسبق؟ أى فتاة فازت؟ ... أىّ فتاتين؟ ... أىّ فتيات؟ ... ومن المفرد قول الشاعر :
أتجزع مما يحدث الدهر للفتى؟ *** وأىّ كريم لم تصبه القوارع؟
وقد اجتمعت إضافتها للنكرة المفردة والنكرة المجموعة فى قول الشاعر يتحنن لبعض لياليه الخالية :
آها لها من ليال!! هل تعود كما *** كانت؟ وأىّ ليال عاد ماضيها
لم أنسها مذ نأت عنى ببهجتها *** وأىّ أنس من الأيام ينسيها؟
فهى فى الأساليب السابقة - ونظائرها - اسم استفهام يسأل به عن المضاف إليه النكرة كله (1). وهى فى الوقت نفسه مطابقة لمعناه تمام المطابقة. ولهذا كانت بمعنى : «كلّ» الذى يقصد به المضاف إليه جميعه ، على حسب المراد من العموم فى المفرد ، أو : المثنى ، أو : الجمع. فالمراد من «أىّ» هنا هو المراد من المضاف إليه النكرة كاملا ، ومدلولهما واحد (2). والمعنى فى الأمثلة السّابقة : أىّ واحد من الرجال فاز؟ أىّ اثنين منهم فازا؟ أىّ جماعة منهم فازوا .. و ... وهكذا (3).
(2) المعرفة (4)بشرط أن تكون دالّة على متعدد ، ولا فرق فى التعدد بين أن يكون حقيقيّا ، أو : تقديريّا ، أو : بالعطف بالواو.
ا - فالمتعدد الحقيقى ما يدل بلفظه الصريح المذكور فى الجملة ، على تثنية ،
1) المراد : إن كان «المضاف إليه» النكرة واحدا فالمراد منها عموم ذلك الواحد ؛ لا بعضه ، ولا جزء منه. وإن كان «المضاف إليه» مثنى فالمراد منها الاثنان كاملين ؛ لا بعضهما ولا فرد منهما ، وكذلك إن كان جمعا ؛ فإن المراد منها الجمع كله ... وسبب ذلك ما عرفناه من إبهام «أى» والذى يزيل إبهامها هو «المضاف إليه» فلابد أن يتساويا فى المعنى ؛ لكيلا تختلف الدلالة نوعا ، أو مقدارا بين المفسّر والمفسّر ، والمبيّن والمبيّن.
2) المراد : إن كان «المضاف إليه» النكرة واحدا فالمراد منها عموم ذلك الواحد ؛ لا بعضه ، ولا جزء منه. وإن كان «المضاف إليه» مثنى فالمراد منها الاثنان كاملين ؛ لا بعضهما ولا فرد منهما ، وكذلك إن كان جمعا ؛ فإن المراد منها الجمع كله ... وسبب ذلك ما عرفناه من إبهام «أى» والذى يزيل إبهامها هو «المضاف إليه» فلابد أن يتساويا فى المعنى ؛ لكيلا تختلف الدلالة نوعا ، أو مقدارا بين المفسّر والمفسّر ، والمبيّن والمبيّن.
3) يترتب على إضافتها للنكرة أو للمعرفة أحكام تختلف فى الحالتين. وسيجىء البيان فى ص 108
4) يترتب على إضافتها للنكرة أو للمعرفة أحكام تختلف فى الحالتين. وسيجىء البيان فى ص 108
أو : جمع ؛ نحو : أىّ الفريقين أحق بالإعجاب؟ ... و ... أيكم أحسن عملا؟ أى الرجال المهذب؟.
ب - والمتعدد التقديرى : هو ما يدل بلفظه على مفرد له أجزاء متعددة (1)، بعضها هو المقصود بالاستفهام عنه عند الإضافة ؛ فيكون «المضاف إليه» مفردا فى ظاهره ؛ ولكنه متعدد فى التقدير ؛ بسبب تلك الأجزاء التى يتكون منها ؛ ويقوم المعنى على أساس ملاحظتها وتقدير وجودها ، برغم أنها غير موجودة فى الكلام ؛ فكأنّ : «أىّ» ليست مضافة إلى معرفة مفردة ، وإنما هى مضافة - تقديرا - إلى معرفة متعدّدة. وإن شئت فقل : إنّها ليست مضافة إلى المعرفة المفردة مباشرة ، وإنما هى مضافة إلى كلمة محذوفة ، هى كلمة: «أجزاء» ، أو ما يشابهها ؛ مثل : أىّ الشجرة أنفع؟ أى الوجه أجمل؟ أىّ التّمثال أدقّ؟ تريد : أىّ أجزاء الشجرة أنفع؟ أى أجزاء الوجه أجمل؟ أىّ أجزاء التمثال أدق؟ فكلمة : «أىّ» فى الأمثلة السّابقة - ونظائرها - مضافة إلى معرفة مفردة ، لها أجزاء هى الملحوظة عند الإضافة ، وعند السؤال بكلمة : «أىّ» التى معناها والمراد منها هو معنى المضاف إليه ؛ لما سبق من أنّها مبهمة ، والذى يزيل إبهامها هو المضاف إليه ، فلابد أن يتساويا معنى ؛ إذ لا يصح أن يختلف الموضّح والموضّح فى المعنى أو فى مقداره.
ولما كان المراد من المضاف إليه - فى الاستفهام - هو جزؤه (2)لا كلّه ، وجب أن يكون المراد منها هو ذلك الجزء أيضا. ولهذا يقال عنها إنها بمعنى : «بعض» من كلّ ، (يريدون : بعض المضاف إليه ...) ويجيبون عنها بالأجزاء أيضا ؛ فيجاب عما سبق بأنه : (جذعها ، أو : ثمرها ...) - أو : (العين ، أو : الأنف ...) - أو : (الرأس ، أو : الظهر ...) فكأن المضاف إليه متعدد ، أو أن «أىّ» مضافة ، والمضاف إليه كلمة محذوفة ملحوظة فى النيّة ، تدل على متعدد ، والتقدير : أىّ أجزاء كذا. والأمران سيّان.
ح - والتعدد بالعطف يتحقق هنا بأن يعطف على المعرفة المفردة معرفة مفردة أخرى بحرف العطف «الواو» دون غيره من حروف العطف - فينشأ من العطف التعدد المطلوب (أى : الذى يجعل المضاف إليه فى حكم المتعدد) ، مثل : أىّ زراعة الفاكهة وزراعة القطن أربح؟ تريد : أيّهما.؟ بمعنى : أىّ واحدة من زراعة الفاكهة والقطن أربح؟ ومثل قول الشاعر :
ألا تسألون الناس ؛ أيىّ وأيّكم *** غداة التقينا - كان خيرا وأكرما؟
فإنه يريد : أينا (1)
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن *** أيّى وأيّك فارس الأحراب؟
وقال بعض المحققين : لا داعى للتقييد بهذا الشرط ، ورأيه حسن.
... و ...و «أىّ» فى جميع هذه الصور التى تضاف فيها لمعرفة ، هى اسم استفهام ، يسأل به عن المضاف إليه المراد منه بعضه - كما تقدم - ، ومعناها فى الوقت نفسه ينصبّ على بعضه هذا ، أى : جزئه ، لا على كله ؛ فليس يراد منها معناه كاملا.
1) ليس من اللازم فى حالة التعدد بالعطف. تكرار : «أى» بإعادتها بعد الواو ؛ فيصح تكرارها وعدمه فى مثل : أى زراعة الفاكهة والقطن أربح؟ أو : أى زراعة الفاكهة وأى زراعة القطن أربح. وإنما يجب تكرار. «أى» وإعادتها بعد الواو إذا كان المعطوف عليه الأول ضميرا للمتكلم نحو :
«أىّ الاستفهامية» لفظها مفرد مذكر دائما ، أما معناها فيختلف بحسب ما تضاف إليه (1).
ا - فإن أضيفت إلى منكر كانت بمعنى المضاف إليه كاملا ، ولذا تعتبر بمعنى : «كلّ» - كما سبق (2)- وفى هذه الحالة يجوز فى خبر : «أىّ» وفى الضمير العائد إليها ، وفى كل ما يحتاج للمطابقة معها : إما مراعاة لفظها فى الإفراد والتذكير فى كل الحالات ، وإما مراعاة معناها الذى يوافق المضاف إليه فى إفراده ، وتثنيته ، وجمعه ، وتذكيره ، وتأنيثه ، وهذا هو الأكثر والأفصح ؛ نحو : أىّ زميل أقبل؟ أىّ زميلين أقبل ، أو : أقبلا؟ - أىّ زملاء أقبل ، أو : أقبلوا؟ - أى زميلة أقبل أو أقبلت؟ ... - أى زميلتين أقبل ، أو أقبلتا ...؟ أى زميلات أقبل ، أو : أقبلن ، أو : ... وهكذا ...
ب - وإن أضيفت إلى معرّف كان المراد منها بعضه ، ولذا تعتبر بمنزلة كلمة : «بعض» ، أو تعتبر كأنها مضافة لكلمة محذوفة ، تقديرها : «أجزاء» ، مثلا. كما شرحنا (3)، فيجب - فى الأفصح الأغلب - مراعاة لفظ : «أى» فى إفراده وتذكيره عند الإخبار عنها ، وعود الضمير إليها ، وكل ما يحتاج للمطابقة. ولا عبرة بتثنية المضاف إليه أو جمعه أو تأنيثه (4).
ب - أىّ الشرطية : اسم شرط جازم ، معرب ، يجزم فعل الشرط والجواب معا ؛ كقولهم : (أىّ صاحب يصحبك لغاية يرجوها ، يهجرك بعد إدراكها). وهو يفيد تعليق الجواب على الشرط ؛ فإذا وقع الشرط ؛ فإذا وقع الشرط وتحقق ، وقع الجواب - غالبا - وتحقق تبعا لذلك ، وإلا فلا يقع (1)...
وهذا الاسم فى دلالته عام مبهم ؛ فهو صالح لأن يراد منه كل أمر من الأمور الحسيّة والمعنوية. ولكن هذا التّعميم والإبهام يزول بالمضاف إليه ؛ فإنه يحدد المراد ويعيّنه ؛ (كالشأن فى جميع أنواع «أىّ» المضافة).
ومن الواجب إضافة «أىّ» لفظا ومعنى معا ، كالمثال السابق ، أو معنى فقط ؛ نحو : (أىّ ... يصحبك لغاية يهجرك بعد إدراكها).
(1) ويجوز إضافتها لنكرة مطلقا (دالّة على إفراد ، أو : على تثنية ، أو : جمع) ؛ نحو : أىّ ضعيف يستعن بى أعاونه - أى ضعيفين يستعينا بى أعاونهما - أىّ ضعاف يستعينوا بى أعاونهم - أىّ ضعيفة تستعن بى أعاونها - أىّ ضعيفتين تستعينا بى أعاونهما - أىّ ضعيفات يستعنّ بى أعاونهن ... و ...
وإذا أضيفت «أىّ» إلى النكرة كان معناها ، ومدلولها المراد هو : المضاف إليه جميعه ، وهو النكرة كاملة ، ولهذا تكون «أىّ» بمنزلة كلمة : «كلّ» ، مثل قول الشاعر:
أىّ حين تلمّ بى تلق ما شئ *** ت من الخير ؛ فاتخذنى خليلا
(2) وكذلك يجوز إضافتها إلى معرفة بشرط أن تكون هذه المعرفة دالة على متعدد حقيقى ، أو : «تقديرى» ، أو «بالعطف بالواو» ، ، (والمراد به : عطف معرفة مفردة (2)على الأولى بالواو خاصة ...) ، وقد شرحنا أنواع التعدد الثلاثة ، ومعنى كل (3). فمن أمثلة المتعدد الحقيقى : أى الرجال يكثر مزحه تضع هيبته. ومن أمثلة التعدد التقديرى : أىّ الوجه يعجبك يعجبنى ؛ بمعنى :
أى أجزاء الوجه. ومن أمثلة العطف - ولا يكون ، إلا بالواو خاصة - ، أيى وأيك يتكلم يحسن اختيار كلامه ؛ بمعنى : أينا ... ، ونحو : أىّ الزراعة وأى الصناعة يخلص له صاحبه يدرك أبعد الغايات ، بمعنى : أيهما ...
وإذا أضيفت إلى معرفة كان معناها والمراد منها هو بعض المضاف إليه لا كلّه ، ولذا تكون «أىّ» ، بمعنى : بعض.
«فأىّ» الشرطية كالاستفهامية فى وجوب الإضافة لفظا ومعنى معا ، أو معنى فقط ، وفى إضافتها إلى النكرة مطلقا وإلى المعرفة بشرط التعدد ، وفى أنها فى الحالة الأولى تكون بمعنى : «كل» ، وفى الثانية بمعنى : «بعض».
والشرطية - كالاستفهامية - لفظها مفرد مذكر دائما. ومعناها يختلف بحسب ما تضاف إليه ؛ فإن أضيفت لنكرة جاز فى خبرها ، وفى الضمير العائد إليها ، وفى كل ما يحتاج إلى المطابقة معها - مراعاة لفظها ، أو : مراعاة المضاف إليه (وهو الأحسن) على الوجه الذى وفيناه من قبل فى «أىّ الاستفهامية» (1)وإن أضيفت لمعرفة وجب (فى الرأى الأحسن) مراعاة لفظها دون المضاف إليه.
هذا ، ومراعاة اللفظ أو المعنى مقصور على الاستفهامية والشرطية. كما أسلفنا.
ح - «أىّ» الموصولة : اسم مبهم ، بمعنى : «الذى» ؛ نحو : أصاحب من الإخوان أيّهم هو أكرم خلقا ؛ بمعنى : الذى هو أكرم خلقا فيهم ، وهى معربة فى كل حالاتها ، إلا فى حالة واحدة (2). ولا بد من إضافتها لفظا ومعنى معا - كالمثال السابق - أو معنى فقط ؛ نحو : أحمد من الرجال أيّا هو أشدّ عزما. وأصدق قيلا. والأصل : أيّهم هو أشدّ ... ويزيل إبهامها المضاف إليه والصلة معا ، وأحدهما لا يكفى. ولا تضاف إلى النكرة - فى
الرأى المعوّل عليه (1)- وإنما تضاف إلى المعرفة ، بشرط أن تدل المعرفة على متعدد حقيقى ، أو تقديرىّ ، أو بالعطف بالواو - على الوجه المشروح فيما سلف (2)- ؛ فمثال التّعدد الحقيقى ؛ يعجبنى أيكم هو حريص على رفعة وطنه - ومثال التعدد التقديرى : أصلح أىّ التمثال هو معيب ، بمعنى : أىّ أجزاء التمثال ... ومثال التعدد بالعطف بالواو : اقتن أىّ القلم وأىّ الثوب هو أبدع. ولا بدّ فى المطابقة من مراعاة لفظها.
د - «أىّ» التى تقع نعتا للنكرة : اسم معرب ، مبهم ، يزيل «المضاف إليه» إبهامه. والغرض منها : الدلالة على بلوغ المنعوت الغاية الكبرى ؛ مدحا أو ذمّا ؛ نحو : أعجبت برجلين من أعظم رجالات التاريخ ؛ هما العادلان : عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز ، وأولهما صحابى جليل أىّ صحابىّ ، والآخر خليفة أموىّ أىّ خليفة ، وكقول الشاعر :
دعوت امرأ أىّ امرئ فأجابنى *** وكنت وإياه ملاذا وموئلا
ونحو قولهم : أودى الظلم بكثير من الدول ، وقضى على أهلها ما انغمسوا فيه من ترف ، وما انتشر بينهم من فساد. فلقد كان ظلما أىّ ظلم ، وترفا أىّ ترف ، وفسادا أىّ فساد.
وتختص «أىّ» النعتية بأحكام ثلاثة مجتمعة هى : وجوب إضافتها لفظا ومعنى معا ، وأن يكون المضاف إليه نكرة - فى الأغلب - ؛ مفردة أو غير مفردة ، وأن تكون هذه النكرة مماثلة للمنعوت فى التنكير (3)، وفى اللفظ والمعنى
1) لأن معنى «أىّ» هو معنى «الذى» المراد منها واحد معين ؛ فلابد أن يكون المضاف إليه واحدا معينا : (معرفة) ذلك أن «أى» مبهمة ، يزيل إبهامها المضاف إليه مع صلتها ، كما عرفنا ... فهو مع الصّلة المفسّر والموضّح لها. ولما كان معناها معنى «الذى» المعرفة وجب أن يكون المضاف إليه معرفة أيضا ؛ لكيلا تختلف الدلالة بين المفسّر والمفسّر ، وهذا لا يجوز. ويجب عند المطابقة مراعاة لفظها فقط.
2) فى رقم 2 من ص 105.
3) هذا يقتضى أن يكون المنعوت نكرة كذلك. وسيأتى فى «الزيادة» ص 115 وما بعدها رأى آخر هام ، حاسم ؛ لا يشترط التنكير فيه ، ولا فى المضاف إليه - ولهذا الرأى إشارة فى باب النعت ، ص452، ثم انظر «ب» ص 115.
معا ، أو فى المعنى فقط ، نحو : استمعت إلى شاعرة أىّ شاعرة ، وإلى فتاة أىّ شابّة. ونحو : مررت بشابّ أىّ فتى ، وطبيب أىّ نطاسىّ. ولا يجوز استمعت إلى شاعرة أىّ مهندسة ، ولا إلى فتاة أىّ عالمة ، ولا إلى رجل أىّ طبيب ...
ا - سبق القول (1)أن كلمة : «أىّ» هذه ، إن أضيفت إلى نكرة ، وكانت النكرة اسما مشتقّا - كان المقصود من المدح أو الذم أمرا واحدا ، هو المعنى المجرد المفهوم من الاسم المشتق. (أى الأمر المعنوى الذى يدل عليه هذا المشتق ، بغير نظر إلى ذات أو غيرها) ، فإذا قلنا : رأينا فارسا أىّ فارس ... فالمقصود هو المدح بالفروسية وحدها ، المفهومة من المشتق : «فارس». وإذا قلنا : احترسنا من خائن أىّ خائن ، فالمعنى المراد من الذم هو مجرد الوصف بالخيانة المفهومة من المشتق : خائن.
أما إذا أضيفت «أىّ» إلى نكرة غير مشتقة فإن المدح أو الذم يشمل جميع الأوصاف التى يصح أن توصف بها هذه النكرة ؛ فمن يقول لآخر : «إنى مسرور بك ؛ فقد رأيتك رجلا أىّ رجل ...» فكأنما يقول : رأيتك رجلا جمع كل الصفات الطيبة التى يمدح بها الرجل. ومن يقول عن امرأة بغيضة : «إنها امرأة أىّ امرأة ...» فإنما يقصد أنها جمعت كل الصفات الرديئة التى تذم بها المرأة.
والأغلب فى هذه النكرة (التى هى الموصوف (2)) أن تكون مذكورة فى الكلام ، ومن الشاذ الذى لا يقاس عليه - فى رأى كثير من النحاة - ورود السماع بها محذوفة فى قول الشاعر :
إذا حارب الحجاج أىّ منافق *** علاه بسيف كلما هزّ يقطع
ويقول السيوطى : «إن هذا فى غاية الندور» (3)
(الغالب ذكر هذه النكرة ، وقد تحذف ؛ كقوله : «إذا حارب الحجاج أى منافق ...» أى : منافقا أى منافق ، وهذا فى غاية الندور) اه. مع أنه قال فى المتن قبل ذلك مباشرة فى حذف هذه النكرة الموصوفة بكلمة : «أىّ» النعتية التى نحن بصددها ما نصه : (حذفها نادر ، وقيل : سائغ)» اه. ثم انظر ص 115 وهامشها حيث الرأى الحاسم.
فلا يصح - عندهم -محاكاته. ثم يزيدون التعليل بما نصه (1): (فارقت «أىّ» سائر الصفات فى أنه لا يجوز حذف موصوفها وإقامتها مقامه ؛ لا تقول : مررت بأى رجل ؛ لأن المقصود بالوصف بأىّ هو المبالغة وتقوية المدح أو الذم. والحذف يناقض هذا) اه.
فمن المحتم عندهم إضافتها لفظا ومعنى ، وأن يكون الموصوف بها مذكورا. لكنا رأينا موصوفها محذوفا سماعا فى البيت السالف ، ورأيناه محذوفا كذلك فى كلام لعلى بن أبى طالب ، نصّه (2)-.
(«اصحب الناس بأىّ خلق شئت يصحبوك بمثله.») اه. يريد : بخلق أىّ خلق. وهى لا تصلح هنا أن تكون موصولة. لأن الموصولة لا تضاف عند الجمهور إلى نكرة. كما لا تصلح نوعا آخر. فورود موصوفها محذوفا فى الشعر وفى نثر الإمام علىّ أفصح البلغاء ، يبيح استعمالها مع حذفه ولو كان هذا الاستعمال قليلا بالنسبة للرأى الآخر. وفوق هذا كله نجد الضوابط النحوية العامة لا تمنع حذفه ؛ فمن الجائز - طبقا لتلك الضوابط - اعتبار «أىّ» فى مثل الأساليب السالفة صفة لموصوف محذوف ، ولا ضعف فى هذا مطلقا ، ولا شىء يمنع من الأخذ به ؛ قياسا على ما جاء فى «أىّ» من قوله تعالى فى سورة الانفطار : ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ... ) ، فقد قال المفسرون فى إعرابها أقوالا مختلفة ، ومنها ما جاء فى تفسير الألوسى لتلك الآية ، ونصّه :
(«فى أى صورة ما شاء ركبك» - أى : ركبك ، ووضعك فى أى صورة اقتضتها مشيئته تعالى وحكمته جلّ وعلا من الصور المختلفة ؛ فى الطول ، والقصر ، ومراتب الحسن ، ونحوها. فالجار والمجرور متعلق : «بركّبك». و «أىّ» للصفة ، مثلها فى قوله :
أرأيت أىّ سوالف وخدود *** برزت لنا بين اللّوى وزرود
ولما أريد التعميم لم يذكروا موصوفها. وجملة : «ما شاء» صفة لها ، والعائد
محذوف ... و «ما» مزيدة ... وجاز ... وجاز ...
وقيل : «أىّ» موصولة صلتها : «ما شاء» كأنه قيل : «ركبك فى الصورة التى شاءها». وفيه : أنه صرح أبو علىّ فى التذكرة بأن «أيّا» الموصولة لا تضاف إلى نكرة ، وقال ابن مالك فى باب الإضافة ، من الألفية :
... واخصصن بالمعرفه *** موصولة. وبالعكس الصفه
ثم ... ثم ... إلى أن قال الألوسى :
«ويجوز أن يكون الجار متعلقا «بعدلك» وحينئذ يتعين فى «أىّ» الصفة ؛ كأنه قيل : فعدلك فى صورة أىّ صورة ، أى : فى صورة عجيبة ، ثم حذف الموصوف ؛ زيادة للتفخيم. و «أىّ» هذه منقولة من الاستفهامية ، لكنها لانسلاخ معناها عنها بالكلية عمل فيها ما قبلها. ويكون «ما شاء ركبك» كلاما مستأنفا ، و «ما» موصولة ، أو موصوفة ، مبتدأ ، أو مفعولا مطلقا «لركبك». أى : ما شاء من التركيب ركبك فيه ، أو : تركيبا شاء ركّبك)» اه. كلام الألوسى.
وحسبنا أن ينطبق على كلامنا ما ينطبق على القرآن الكريم أفصح كلام عربىّ ، وأن نجد بين النحاة من يقول إن حذف الموصوف «بأىّ الوصفية» سائغ (1)
(شاع بين الكتاب مثل قولهم : «اشتر أى كتاب» باستعمال «أى» مضافة إلى اسم نكرة. ومثل قولهم : «اشتر أى الكتب» بإضافتها إلى معرفة. ومثل قولهم : «لا تبال أى تهديد» بإضافتها إلى مصدر. والمقصود في كل هذه الاستعمالات هو : الإبهام ، والتعميم ، والإطلاق. ولا بأس بتجويز ذلك كله : استنادا إلى أن «أيّ» تحمل في مختلف دلالاتها . ومنها الوصفية . معنى «الإبهام، وأن حذف موصوفها مما قيل بجوازه. ويجوز أن تضاف إلى معرفة ، وحينئذ يكون موصوفها معرفة ، ذكر أو حذف ، وأنها تدل على التبعيض في استعمالها نائبة عن المصدر ، ويمكن أن يقاس عليه أحوالها الأخرى» اه.
...ب - اشترطت كثرة النحاة فى «أىّ» النعتيّة تنكير المضاف إليه والمنعوت. ولكنّ آخرين لم يشترطوه فيهما ؛ كما فى بعض المطولات ، ومنها : «شرح
1) انظر رقم (3) من هامش ص 113. وقد أخذ بهذا الرأى مؤتمر «مجمع اللغة العربية» فى دورته الخامسة والثلاثين بالقاهرة (فى شهر فبراير سنة 1969). وفيما يلى النص الحرفى لرأيه منقولا من مجلته (العدد الخامس والعشرين الصادر فى فبراير سنة 1969 ص 196) :
التصريح» ، فقد جاء فى الجزء الثانى منه فى : باب - الإضافة عند الكلام على «أىّ» النعتية - ما نصه : (قال المصنف فى الحواشى : لا أجد مانعا أن يقال مررت بالرجل أىّ الرجل ، وبالغلام أىّ الغلام ، كما جاز أطعمنا شاة كلّ شاة ، وهم القوم كلّ القوم ، فأضيفت - كلّ - إلى النكرة والمعرفة) اه.
يريد أن كلمة : «كلّ» هنا للدلالة على الغاية الكبرى فى المنعوت ، وقد أضيفت للنكرة والمعرفة ؛ فهى فى تأدية المعنى مثل : «أىّ» ؛ فحق «أىّ» أن تكون مثلها فى الإضافة للنكرة والمعرفة (1). وهو رأى حسن فيه تيسير. ولكن الأول أحسن وأعلى ؛ لأنه المساير للمسموع الأفصح. فليست إجازته قائمة على مجرد حمله على نوع آخر جائز ، كالذى اعتمد عليه الرأى الآخر ، ولم يؤيده بأمثلة مسموعة.
ومن أمثلة وقوعها نعتا : أن يكون المنعوت مصدرا مبيّنا قد حذف ونابت عنه صفته (2)نحو : - تعلمت أىّ تعلّم (3). والأصل : تعلمت : تعلّما أى تعلّم.
1) سبق الكلام - فى ص 72 - على إضافة. «كل» و «بعض» ، ونوع هذه الإضافة ، وما يترتب عليها من صحة دخول «أل» عليهما أو عدم صحتها ...
2) لأنها من الأشياء التى تصلح للنيابة عنه. وقد سبق فى الجزء الثانى ص 173 م 75 من باب المفعول المطلق - سرد تلك الأشياء ، وتجىء فى ص 468 و494 إشارة لهذا.
3) هذا التعبير صحيح فصيح ، وبيان الكلام عليه وعلى ما يصلح للنيابة عن المصدر المؤكد والمبين - مدون فى موضعه من الجزء الثانى ص 172 م 75.
ه - «أىّ» التى تقع حالا : اسم معرب ، مبهم ، يدل على ما تدلّ عليه الحال من بيان هيئة صاحبها المعرفة فى الغالب.
ويزول الإبهام عن «أىّ» بالمضاف إليه - كباقى أنواع «أىّ» المضافة - ويشترط فى هذا «المضاف إليه» أن يكون نكرة مذكورة فى الكلام - فلا يجوز فى «أىّ» الحالية قطعها عن الإضافة - ؛ نحو : لله أبو بكر أىّ خليفة ، وخالد بن الوليد أىّ قائد (1).
وفيما يلى تلخيص ما سبق (2)
ولا تضف لمفرد معرّف *** أيّا. وإن كرّرتها فأضف
أو تنو الاجزا ، واخصصن بالمعرفه *** موصولة أيّا. وبالعكس الصّفه
يريد : لا يجوز إضافة «أى» للمفرد المعرفة إلا مع تكرارها ، أو مع نية الأجزاء (بتقدير مضاف إليه محذوف ، يدل على الأجزاء ، أو : مع ملاحظة ما فى المضاف إليه من أجزاء ، إن كان ذا أجزاء) وهو يقصد بالحكم السالف «أى» الاستفهامية ، والشرطية ، والموصولة ، لأن هذه الثلاثة هى التى تضاف لمعرفة. أما «أى» التى تقع وصفا (ويريد بها : التى تقع حالا ، أو نعتا) فلا تضاف إلا للنكرة ، - فى الأغلب - «فهى عكس الموصولة كما يقول. وكما يفهم من كلامه أن الثلاثة الأولى تضاف للمعرفة ، وأن الأخيرتين لا يضافان إليها - يفهم كذلك أن الاستفهامية والشرطية يضافان للنكرة أيضا ، بدليل أنه صرح بعد ذلك بتخصيص الموصولة بالمعرفة ؛ والموصوفة (بنوعيها النعتية ، والحالية) بالنكرة. فهذا التخصيص يدل على أن الاثنتين الأوليين غير مخصصتين بمعرفة ولا بنكرة. ويؤيد هذا بيته التالى :
وإن تكن شرطا أو استفهاما *** فمطلقا كمّل بها الكلاما
يريد : كمّل الكلام بها وبما أضيفت إليه مطلقا ، سوا أكان المضاف إليه نكرة أم معرفة. وقد شرحنا المعرفة التى تقع مضافا إليه للثلاثة الأولى ، وشرطها.
أما قوله : «موصولة» «أيا» فكلمة «موصولة» حال مقدمة من كلمة «أيا» والأصل. واخصص بالمعرفة «أيا» - موصولة.
من أنواع : «أىّ» المضافة ، وحكم إضافة كلّ ، والغرض منه ، وبيان المضاف إليه : .نوع «أيّ» / حكم أضافتها / الغرض من «أي» / بيان المضاف إليه
الاستفهامية / واجبة الإضافة لفظا ومعنى معاً ، أو : معنى فقط ؛ ليزيل المضاف إليه في الحالتين إبهامها / السؤال عن المضاف إليه ، مع تضمنها معناه كاملا أو مجزاأ ، على حسب حاله من التنكير أو التعريف ، - ءطبقا للتفصيل الذي عرضناه - / النكرة مطلقا ، والمعرفة بشرط تعددها. وتكون أيّ مع النكرة بمعنى : «كل» ومع المعرفة بمعنى : «بعض». وللمعنى المراد أثره المختلف في المطابقة
الشرطية / كالسابقة. / تعليق جوابها على شرطها. مع أدائها معنى المضاف إليه ضمناً / كالسابقة
الموصولة / كالسابقة. ولكن إبهام الموصولة لا يزول إلا بالمضاف إليه وبالصلة معاً وأحدهما لا يكفي. / بمعنى «الذي» الدالة. على واحد معيّن. / المعرفة - في الرأي المعتمد - بشرط تعددها. / ويجب عند المطابقة مراعاة لفظها.
النعتية / واجبة الإضافة لفظا ومعنى معاً ؛ ليزيل المضاف إليه في الحالتين إبهامها. / وصف منعوتها النكرة - وهذا هو الأكثر - بالغاية الكبرى ، مدحاً أو ذماً. / النكرة ، بشرط مماثلتها المنعوت في لفظه ، ومعناه ، (وتنكيره - في الأكثر - وهناك رأي آخر ..
الحاليّة. / كالنعتية. / بيان هيئة صاحب الحال المعرفة / النكرة.
«ملاحظة» : من هذا الجدول ومما سبقه من شرح ، يتبين أنّ : لكلمة «أىّ» المضافة ثلاث حالات - فى أشهر اللغات ، وأفصحها - هى الإضافة للنكرة والمعرفة ؛ وذلك فى الشرطيّة والاستفهامية ، والإضافة للمعرفة فقط - تبعا للرأى الأقوى - ؛ وذلك فى الموصولة ، والإضافة للنكرة فقط ؛ وذلك فى التى تقع
نعتا (1)، أو حالا.
لدن (2)
وإذا أضيف بعد حذف نونه وجب إرجاع النون.
، وعند (3)- ظرفان مبهمان ، ملازمان فى أكثر حالاتهما للإضافة لفظا ومعنى معا.وفائدتهما : الدلالة على مبدأ الغاية (4)
ا . في مثل : سافرت من لدن بيتنا إلى الضاحية ، تشتمل الجملة على الفعل : «سافر» ، والسفر يقتضى الانتقال من مكان إلى آخر. فلابد لتحققه من نقطة مكانية معينة يبتدئ منها السفر ، وأخرى ينته إليها. أي : لابد له من مكان ابتداء ، ومكان انتهاء ، محددين ، مضبوطين كالمذكورين هنا ، وهما : البيت والضاحية ، وبين نقطتي الابتداء والانتهاء مسافة محصورة بينهما ، لا محالة. ويطلق على مجموع الثلاثة اسم اصطلاحي ، هو : «الغاية المكانية» أى : «المسافة المكانية» أو «المقدار المكانى» ، وهى تشمل كما نرى مكانا محدودا ، محصورا ، له بداية ونهاية معينتان ، ومسافة تصل هذه بتلك. وقد دخل لفظ «لدن» على كلمة هي بداية الغاية ؛ فدخوله على هذه الكلمة . وعلى نظائرها . يرشد إلى أنها أول جزء من أجزاء الغاية ، أو أنها نقطة البداية.
ولو قلت : سافرت من لدن الصبح إلى العصر ، لدل الفعل : «سافر» على أن السفر استغرق زمنا محددا معينا ، له بداية معروفة ، ونهاية زمنية معروفة كذلك ؛ فله نقطتان . إحداهما للابتداء ، والأخرى للانتهاء . زمنيتان مضبوطتان ، وينحصر بينهما مقدار زمنى يصلهما. ويتكون من مجموع الثلاثة (أى : من نقطة البداية ، ونقطة النهاية ، وما بينهما) ما يسمى فى الاصطلاح : «الغاية الزمانية» بمعنى : «المقدار الزماني». ودخول لفظ : «لدن» على الكلمة التي بعده يرشد إلى أن هذه الكلمة نفسها هي نقطة البداية ؛ أي : أول جزء من أجزاء الغاية.
لكن قد يخطر على البال السؤال الآتى : إذا كان لفظ « لدن» للدلالة على بداية الغاية فما الداعي لمجىء الحرف. «من» قبله ومعناه الابتداء أيضا؟ أجاب النحاة عن هذا إجابة غير مقنعة ؛ فقالوا : إن دلالة : «لدن» على بداية الغاية ليست مألوفة فى الأسماء ؛ فجاء الحرف «من» ليكون بمنزلة الدال على ذلك ، ولهذا يكون فى الأعم الأغلب مذكورا (راجع حاشية ياسين على شرح التصريح فى هذا الموضع).
والسبب الحق هو استعمال العرب القدامى ، دون تعليل آخر.
(ب) ما سبق يقال فى الظرف : «عند» ؛ فلو وضعناه مكان «لدن» فى الأمثلة السالفة . وأشباهها . لم يتغير الأمر ؛ ففى مثل : «قرأت الكتاب من عند المقدمة إلى الخاتمة» ، نجد الفعل : «قرأ» لا يتحقق معناه كاملا إلا بنقطة مكانية معينة تبتدئ منها القراءة ؛ هي المقدمة ، ونقطة أخرى تنته إليها ؛ هى الخاتمة ، وبين النقطتين المكانيتين مسافة مكانية تصل بينهما هي المسافة الأخرى المحددة المكتوبة ، ومن اجتماع الثلاثة : (أى من نقطة البداية المكانية، ونقطة النهاية المكانية ، وما بينهما) يتكون ما يسمونه .:. «الغاية المكانية» التي يجيء الظرف «عند» ليدل على أن المضاف إليه هو نقطة البداية فيها.
وإذا قلت : «قرأت الكتاب من عند العصر إلى المغرب» نشأت الغاية الزمانية التي تتكون من اجتماع تلك الثلاثة ، ويدخل الظرف. عند» على أول جزء منها فيكون وجوده دليلا على أن ما بعده (وهو المضاف إليه) نقطة البداية الزمانية...
ويفهم مما سبق أن «لدن»، و «عند» اسمان يدلان على ما بعدهما ... فسمى كل منهما : نقطة البداية نفسها ، وليس الابتداء» الذى هو أمر معنوى. ولهذا كانا اسمين . عند النحاة دون «من» و «منذ» الحرفين اللذين معناهما الابتداء المعنوى. فإضافة «لدن» ، وعند» إنما هي من إضافة الاسم إلى مسماه.
(هذا ، وقد أطلنا الكلام . فى ج 1 ص 56 م 6 . عن سبب تفرقتهم بين كلمة : «ابتداء» واعتبارها اسما
، وكلمة : «من» الجارة المفيدة للابتداء واعتبارها حرفا).
كذلك يتضح الفرق بين «الغاية» ومبدأ الغاية ، الذى يدل عليه لدن» أو «عند» ؛ فالغاية تشمل الأجزاء الثلاثة ، أما مبدأ الغاية فهو الجزء الأول منها دون الجزأين الآخرين وكذلك يتضح المراد من قولهم : (إن : لدن» و «عند» هو الدلالة على مبدأ الغايات الزمانية أو المكانية). ويصح وضع أحدهما مكان الآخر ؛ فيقال : جئت من عند الصديق ، أو : من لدن الصديق. وفي القرآن الكريم : (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) فلو وضع أحد الظرفين مكان الآخر لجاز ، ولم يمنع منه مانع إلاكره التكرار اللفظى بغير داع
معنی بلاغی.
(ح) إذا دخل «لدن» ، أو : «عند» على بداية الغاية فليس من اللازم أن يذكر معها اللفظ الدال على النهاية ، إذ يكفى أن يشتمل الكلام على البداية وحدها ما دام المقام يكتفى به.
(د) ليس الأمر في كل ما سبق مقصورا على الأفعال التي تعمل فى الظرف وتحتاج في تحقيق معناها إلى غاية زمانية أو مكانية ، وإنما الأمر يشمل كل عامل آخر لا يتحقق معناه كاملا إلا بملاحظة الغاية ، يتساوى في هذا أن يكون العامل فعلا ، أو شبه فعل ، أو اسم فاعل ، أو اسم مفعول ، أو غير ذلك مما يعمل ...
الزمانية أو المكانيّة ؛ نحو :1) فى الرأى الشائع فيه ، دون رأى آخر.
2) فيه لغات كثيرة ، فيكون على وزن : عضد - جير - وبيد - وقلت ... و ... وقد تحذف نونه ويصير على وزن : هل - أو قل - أو : عل ... و ... ويحسن - اليوم - الاقتصار على الأكثر شيوعا ؛ كالأولى ، وما عداها نستعين به على فهم ما ورد منه فى النصوص العربية القديمة.
3) سبقت الإشارة لهذين الظرفين بمناسبة أخرى فى باب الظروف (ج 2 ص 231 م 89) وتركنا هنا بعض ما سجلناه هناك ؛ اكتفاء بما سبق.
4) لإيضاح معنى «الغاية الزمانية والمكانية» نسوق بعض الأمثلة التى توضحها ، منبهين إلى أن الغاية لها معان أخرى تختلف باختلاف الموضوعات ، وتذكر فى مناسباتها (كما سجلنا هذا فى ج 2 ص 231 م 79 من الطبعة الأخيرة ، وكما سيجىء فى هامش ص 141 حيث أوضحنا معنى «الغاية» هناك بما يناسب الموضوع).
مشيت من لدن الجبل إلى النهر ، وقضيت فى المشى من لدن صباحنا إلى
الضّحا. ويصح فى المثالين وضع الظرف : «عند» مكان «لدن». ولكن استعمال «عند» فى بدء الغاية الزمنية قليل ، وهو - مع قلته - قياسى ؛ كالحديث الشريف : الصبر عند الصدمة الأولى. وقولنا : السفر عند الساعة الثامنة.
و «لدن» ، و «عند» يختلفان - بعد هذا - فى أمور ، أشهرها ستة : الأول : أن «لدن» ظرف يكاد يلازم الدلالة على بدء الغايات. وقد يستعمل أحيانا للدلالة على مجرد الحضور. أما «عند» فيستعمل كثيرا فى الدلالة على بدء الغايات ، وفى الدلالة على الحضور المجرد ، مثل : جلست عندك. فإنّ تحقّق معنى الجلوس لا يقتضى ابتداء مكانيّا معينا ، أى : لا يستلزم تعيين نقطة البدء المكانى ؛ إذ لو كان له ابتداء مكانىّ لوجب أن يكون له انتهاء مكانى أيضا ؛ لعدم وجود ابتداء بغير انتهاء. فأين مكان انتهاء الجلوس فى المثال السابق وأشباهه؟ لا وجود له. وعلى هذا لا ابتداء له أيضا. فمن القليل أن يقال : جلست من لدنك. وتشدّد بعض النحاة فمنعه ، وليس بممنوع ؛ ولكنه قليل جائز.
الثانى : أن «لدن» مبنى على السكون فى أكثر لغات العرب. أما «عند» فمعرب عندهم.
الثالث : أن «لدن» قد يتجرد للظرفية المباشرة (1)، ولكن الأغلب أن يخرج منها إلى «شبه الظرفية» ؛ بالجر «بمن» (فيكون ، مبنيّا على السكون فى محل جر «بمن») (2). أمّا «عند» فينصب كثيرا على الظرفية المباشرة ، أو يجر «بمن». والغالب أنه لا يدل على بدء الغايات إلا إذا كان مسبوقا بهذا الحرف الجار ، فإن لم يكن مسبوقا به كان - فى الغالب - للدلالة على مجرد الحضور ، لا لبدء الغاية. وجرّه «بمن» على كثرته قليل بالنسبة لجر «لدن» به.
الرابع : أن «لدن» يضاف (3)للمفرد - كالأمثلة السالفة - ويضاف
للجملة بنوعيها أيضا. وإذا أضيف للجملة كان مقصورا على بداية الغاية الزمانية دون المكانية ؛ إذ الأرجح أن الظروف المكانية لا يضاف منها شىء للجملة إلا : «حيث» - كما سبق (1)-. فمن أمثلة إضافته للجملة الفعلية قول الشاعر :
صريع غوان راقهنّ ورقنه *** لدن (2)شبّ ، حتّى شاب سود الذوائب
ومثال الاسمية : وتذكر نعماه لدن أنت يافع ...
وعلى هذا يكون المضاف إليه بعد «لدن» مجرورا لفظا إن كان اسما معربا ، ومجرورا محلا إن كان اسما مبنيّا أو جملة.
أما «عند» فلا يضاف للجملة ، فالمضاف إليه بعده مجرور لفظا إن كان اسما معربا ، ومحلا إن كان مبنيّا.
الخامس : أن «لدن» قد يستعمل مفردا (3)مع ظرفيته ؛ بشرط أن يقع بعده كلمة ؛ «غدوة» - من غير فاصل بينهما - منصوبة ، أو مرفوعة نحو : مكثت هنا لدن غدوة حتى الغروب. فالنصب على اعتبارها خبرا لكان المحذوفة مع اسمها ، والتقدير : لدن كان الوقت غدوة ... والرفع على أنها فاعل لكان التامة المحذوفة التى معناها : ظهر «ووجد» ؛ والتقدير : لدن كانت غدوة ، أى : ظهرت غدوة ووجدت. وعلى هذين الإعرابين يكون الظرف «لدن» مضافا للجملة تقديرا. وليس مفردا. أما على إعراب : «غدوة» المنصوبة تمييزا ، سماعيّا ، صاحبه «لدن» المفرد ، أو منصوبة على «التشبيه بالمفعول به» (4)فلا يكون «لدن» مضافا على الصحيح. والأخذ
1) فى رقم 4 من هامش ص 78.
2) الظرف «لدن» تنازعه ثلاثة عوامل : هى : صريع - الفعل : «راق» الأول - الفعل : راق ، الثانى.
3) أى : غير مضاف لفظا ولا معنى.
4) يقولون فى هذا الإعراب كلاما يجدر بنا إهماله ، وعدم التعويل عليه ، هو : أن «لدن» فى آخرها نون ساكنة ، قبلها دال تفتح ، أو تضم ، أو تكسر ، وقد تحذف نونها ؛ فحرف الدال فى ضبطه المتعدد شابه الحركات الإعرابية فى التبدل. وكذلك شابهت النون التنوين ؛ من جهة جواز حذفها ؛ فصارت : «لدن غدوة» فى اللفظ مثل : راقود خلا ؛ فنصب «غدوة» على التمييز المفرد ب «لدن» مثل نصب كلمة : «خلّا» براقود. أما نصبه على التشبيه بالمفعول به فلأنه عندهم مثل : أنا مكرم عليا. فإن «نون لدن» تثبت تارة وتحذف أخرى ، كنون التنوين فى اسم الفاعل فعملت عمله ... و ... (راجع المطولات ومنها شرح التصريح فى هذا الباب والموضع.) وهو كلام جدلى محض ، بعيد عن الواقع الحق. وقد ذكرناه ليطلع عليه المتخصصون ، ثم يهملوه إن شاءوا. لأن السبب الحق هو كلام العرب.
بالإعرابين الأولين ، أفضل ، لبعدهما عن التكلف ، والتعقيد ، والضعف.
ويصح فى كلمة : «غدوة» الجر على اعتبار «لدن» مضافا أيضا و «غدوة» هى المضاف إليه المجرور.
أما «عند» فلا ينقطع عن الإضافة إلا إذا ترك الظرفية وصار اسما محضا ؛ كأن يقول شخص : «عندى مال». فيقول له آخر : «وهل لك عند»؟ فكلمة «عند» هنا مبتدأ مرفوع. ومثل : «الكتاب عندى». فيقال : «هل يصونه عندك»؟ فكلمة : «عند» فاعل مرفوع. وهى فى المثالين - وأشباههما - اسم خالص الاسمية ، لا علاقة له بالظرفية.
السادس : أن «لدن» لا يكون إلا فضلة ؛ لأنه ظرف غير متصرف (فهو مقصور على النّصب على الظرفية ، أو الخروج منها إلى الجر بمن) بخلاف «عنا» فإنه قد يكون عمدة فى مثل : «السفر من عند البيت». فالجار والمجرور هما - أو متعلقهما - الخبر. ولما كان الخبر عمدة ، وكلمة : «عند» جزء منه وقد اشتركت فى تكوينه ، صارت مشتركة - تبعا لذلك - فى وصفه بأنه عمدة. ولا يصح أن يقال : «السفر من لدن البيت» ، لأن هذا يخرج «لدن» من نوع الفضلة إلى العمدة (1)
وألزموا إضافة «لدن» فجر *** ونصب «غدوة» بها عنهم ندر
يريد : أن العرب ألزموا لفظ «لدن» الإضافة ، فجر المضاف إليه. (يشير بهذا إلى أن عامل الجر فى الإضافة هو المضاف نفسه) ثم استدرك فقال : إنه قد يتجرد من الإضافة وينصب فى النادر كلمة معينة ، هى : «غدوة» دون غيرها.
.1) وفى «لدن» يقول ابن مالك :
يقول بعض النحاة : لو عطف على : «غدوة» المنصوبة - (نحو : أختار السباحة لدن غدوة وعشية) - أو جاء لها تابع آخر ، جاز نصب التابع مطلقا (1)، مراعاة للفظ المتبوع الآن ؛ وجاز جره مراعاة لأصل المتبوع ؛ إذ الأصل فى كلمة : «غدوة» أن تكون «مضافا» إليه مجرورا. فلا مانع عندهم من جرّ التابع على «توهّم» أنّ المتبوع مجرور ، ولم يوافق على هذا الرأى آخرون بحجة جدلية.
والحق أن الالتجاء إلى الإعراب «التوهمى» كالالتجاء إلى الإعراب «للمجاورة» كلاهما التجاء إلى ما لا يصح الاستناد إليه. (وقد كررنا هذا فى مواضع مختلفة ، ومنها رقم 6 من هامش ص 7 السابقة (2)، وص 609 ج 1 م 49) وبخاصة إذا عرفنا أن أصحابه لا يؤيدونه بالأمثلة الواردة التى تكفى للإقناع بقياسيته.
مع (1)- لهذه الكلمة أحوال ثلاثة ؛ تضاف فى اثنتين ، وتفرد فى واحدة ، الأولى : الظرفية ؛ بأن تكون ظرف مكان يدل على اجتماع اثنين واصطحابهما ، أو ظرف زمان يدل على ذلك ، أو ظرفا محتملا للأمرين ، عند عدم القرينة التى تعينه لأحدهما (2)
فإذا أردنا أن ندل على وقوع اصطحاب واجتماع بين اثنين في أمر . كالجلوس ، مثلا . كان أمامنا أساليب متعددة لأداء هذا المعنى. ولكن أبلغها وأدقها هو اختيار اللفظة الواحدة المختصة بتأدية هذه الدلالة ؛ وهي لفظة : «مع» فنقول : جلس الأخ مع أخيه في بيتهما ؛ بدلا من أن نقول : ظهر الأخ وأخوه في مكان واحد هو البيت ، جلسا فيه فى وقت واحد ... أو : نحو هذا ، من الأساليب التي قد يصيبها التفكك والضعف ؛ بسبب إهمال الكلمات الخاصة التي هي نص في معان معينة. ونقول : أكل الصديق مع صديقه ، بدلا من أكل الصديقان في مكان واحد ، وزمان واحد ... أو : مصطحبين زمانا ومكانا في أثنائه. فالاجتماع - كما أسلفنا - لابد أن يشمل الأمرين ؛ الزمان والمكان حتما. غير أن المقام يقتضى . أحيانا . الاهتمام بأحدهما وتوجيه المعنى إليه دون الآخر ؛ لوجود قرينة لفظية أو غير لفظية توجب الاقتصار على واحد ، كما فى المثالين السالفين ؛ فالفعل في كل منهما قرينة تدل في السياق الخاص على أن القصد متجه للمكان ، مقصور عليه وحده ، من غير اعتبار للزمان الملازم للمكان. أما في مثل استيقظت من النوم مع الفجر ، وقصدت لعملى مع الشروق . فإن القرينة اللفظية في السياق تدل على أن الغرض المقصود هو الزمان وحده ؛ إذ لا أهمية للمكان هنا كعدم أهمية الزمان هناك ، فالقرائن اللفظية أو غير اللفظية هي وحدها . كشأنها دائما . التي تتحكم في تخصيص كلمة : «مع» بالمكان أو الزمان. وهذا هو المراد من قولهم : «إنها ظرف زمان أو مكان». ولكنه قول مختصر يراد منه ما شرحناه. فإن لم توجد تلك القرينة كانت «مع» محتملة للأمرين ، صالحة لكل منهما من غير ترجيح.
فقط. فمثال دلالته على المكان وحده قولهم : (التواضع مع التّكلّف زهر مصطنع ؛ لا فى العيون نضر ، ولا فى الأنوف عطر) وقولهم : (لا راحة لراض مع ساخط ، ولا لكريم مع دنىء). ومثال دلالته على الزمان وحده : يغادر الطير عشه مع الصباح الباكر ، ويعود إليه مع إقبال الليل(3)فإذا أردنا أن ندل على وقوع اصطحاب واجتماع بين اثنين في أمر . كالجلوس ، مثلا . كان أمامنا أساليب متعددة لأداء هذا المعنى. ولكن أبلغها وأدقها هو اختيار اللفظة الواحدة المختصة بتأدية هذه الدلالة ؛ وهي لفظة : «مع» فنقول : جلس الأخ مع أخيه في بيتهما ؛ بدلا من أن نقول : ظهر الأخ وأخوه في مكان واحد هو البيت ، جلسا فيه فى وقت واحد ... أو : نحو هذا ، من الأساليب التي قد يصيبها التفكك والضعف ؛ بسبب إهمال الكلمات الخاصة التي هي نص في معان معينة. ونقول : أكل الصديق مع صديقه ، بدلا من أكل الصديقان في مكان واحد ، وزمان واحد ... أو : مصطحبين زمانا ومكانا في أثنائه. فالاجتماع - كما أسلفنا - لابد أن يشمل الأمرين ؛ الزمان والمكان حتما. غير أن المقام يقتضى . أحيانا . الاهتمام بأحدهما وتوجيه المعنى إليه دون الآخر ؛ لوجود قرينة لفظية أو غير لفظية توجب الاقتصار على واحد ، كما فى المثالين السالفين ؛ فالفعل في كل منهما قرينة تدل في السياق الخاص على أن القصد متجه للمكان ، مقصور عليه وحده ، من غير اعتبار للزمان الملازم للمكان. أما في مثل استيقظت من النوم مع الفجر ، وقصدت لعملى مع الشروق . فإن القرينة اللفظية في السياق تدل على أن الغرض المقصود هو الزمان وحده ؛ إذ لا أهمية للمكان هنا كعدم أهمية الزمان هناك ، فالقرائن اللفظية أو غير اللفظية هي وحدها . كشأنها دائما . التي تتحكم في تخصيص كلمة : «مع» بالمكان أو الزمان. وهذا هو المراد من قولهم : «إنها ظرف زمان أو مكان». ولكنه قول مختصر يراد منه ما شرحناه. فإن لم توجد تلك القرينة كانت «مع» محتملة للأمرين ، صالحة لكل منهما من غير ترجيح.
...وليس من من اللازم عند استعماله فى الزمان أن يكون الاجتماع والتلاقى متصلين فعلا ؛ وإنما يكفى أن يكونا متقاربين غاية التقارب ، حتى كأنهما متصلان من
1) سبقت لها إشارة موجزة لمناسبة أخرى فى باب : «الظرف» ج 2 م 79 ص 278.
2) لبيان ما سبق نقول : إن كل اجتماع والتقاء بين اثنين لا بد أن يكون فى زمان واحد ، ومكان واحد ؛ ومحال أن يتم الاجتماع والتلاقى بغير الأمرين مقترنين حتما. ففى مثل : قعد الزميل مع زميله فى الغرفة - لا يمكن أن يتحقق قعودهما مجتمعين إلا فى زمان واحد يطويهما ، ومكان واحد يحويهما. ومن المستحيل أن يوجد الزمان بغير المكان ، أو العكس.
3) لبيان ما سبق نقول : إن كل اجتماع والتقاء بين اثنين لا بد أن يكون فى زمان واحد ، ومكان واحد ؛ ومحال أن يتم الاجتماع والتلاقى بغير الأمرين مقترنين حتما. ففى مثل : قعد الزميل مع زميله فى الغرفة - لا يمكن أن يتحقق قعودهما مجتمعين إلا فى زمان واحد يطويهما ، ومكان واحد يحويهما. ومن المستحيل أن يوجد الزمان بغير المكان ، أو العكس.
شدة التقارب الزمنىّ ، مع أنهما غير متقاربين فى الواقع ؛ كقولهم فى وصف حركات الحصان السريع : (إنها كرّ مع فرّ ، وإقبال مع إدبار (1)
مكرّ ، مفرّ ، مقبل ، مدبر ، معا *** كجلمود صخر حطّه السيل من عل
...) فاجتماع الكر والفر فى زمان واحد محال ، وكذلك اجتماع الإقبال والإدبار ؛ فالمراد من الاجتماع الزمنىّ فى مثل هذا هو : شدة التقارب. وكقولهم للحزين الضائق : «لا تحزن ؛ فإن مع العسر يسرا ، وإن مع اليوم أخاه الغد ، يقبل بالخير والإسعاد». فالعسر واليسر لا يجتمعان فى زمان واحد لإنسان. وكذلك اليوم والغد ... و ... وإذا المراد من الاصطحاب الزمنىّ والاجتماع قد يكون حقيقيّا ، وقد يكون بمعنى التقارب الشديد.ومثال صلاحه للأمرين قولهم : (احتفينا بالعلماء الأجانب مع علمائنا ، وكرّمناهم مع النابغين من رجالاتنا).
وكلمة : «مع» بدلالتها السالفة ، ظرف غير متصرف ، ملازم - فى الأغلب - للإضافة لفظا ومعنى ؛ وللإعراب ؛ فهو منصوب على الظرفية بالفتحة. وقليل منهم يبنيه على السكون فى كل حالاته ، إلا إذا وقع بعده حرف ساكن فيبنيه على الكسر ؛ للتخلص من التقاء الساكنين ، أو على الفتح للخفة (2)فيقول مع البناء على السكون : (لا أمن مع ظلم الوالى ، ولا عمران مع طغيانه). ويقول عند التقاء الساكنين :
قد يدرك المتأنى بعض حاجته
وقد يكون مع المستعجل الزّلل
ببناء كلمة : «مع» على الفتح أو الكسر.
الثانية : أن تكون ظرفا بمعنى : «عند» (3)، ومرادفة لها ، فى إفادة معنى الحضور المجرد ، فتكون ظرفا لا دلالة فيه على اجتماع ومصاحبة ، وتكون معربة ، مضافة ، واجبة الجر «بمن» الابتدائية ؛ نحو : (الكفيل على اليتيم يرعاه ، .
1) الكر : الهجوم ، والفرّ : الفرار. ومنهما قول امرئ القيس يصف حصانه : - وله إشارة فى ص 129 -
2) إذا بنى على الفتح عند هؤلاء وهو مضاف ، فكيف نعلم أن الفتحة فى آخره فتحة إعراب أو فتحة بناء؟ يكون التمييز بالقرائن ؛ كأن نعلم أن الناطق به فرد من تلك القبائل القليلة التى تبنيه ، أو ممن يحاكيهم.
3) سبق الكلام عليها فى ص 121 وفى ج 1 ص 222 م 89.
ويصون ماله. وإذا أراد البذل والعطاء فلينفق من معه ، لا من مع اليتيم).
الثالثة : أن تكون اسما لا ظرفية معه ، ومعناها : «جميع» أى : «كلّ» وتدل على مجرد اصطحاب اثنين - أو أكثر - واجتماعهما فى وقت واحد ، أو وقت متعدد ، وفى هذه الحالة تكون معربة ، منصوبة ، منونة على أنها حال ، أو : خبر ، وهى فى الصورتين مؤولة بالمشتق ، ومفردة : (أى : لاحظّ لها من الإضافة مطلقا (1)) وكذلك لاحظّ لها من الدلالة على اتحاد فى الزمان أو المكان بعد أن تجردت للاسمية المحضة ، إلا بقرينة (2)؛ فمثالها حالا للمثنى : أقبل الزعيمان معا ؛ وقول الشاعر :
فلما تفرقنا كأنى ومالكا *** - لطول اجتماع (3)- لم نبت ليلة معا
ومثالها حالا لجماعة الذكور :
وأفنى رجالى فبادوا معا *** فأصبح قلبى بهم مستفزّ (4)
ومثالها حالا لجماعة الإناث : إذا حنّت (5)الأولى سجعن (6)لها معا (7)
لا ترتجى حين تلاقى الذائدا *** أسبعة لاقت معا ، أم واحدا
فكلمة : «معا» حال من فاعل الفعل «لاقى» وهو ضمير مستتر تقديره : «هى» يعود على «الإبل» التى تدل على جماعة. فالضمير عائد على جماعة مؤنثة. ومعنى «لا ترتجى» : لا تخاف. فالرجا معناه الخوف بشرط أن يسبقه نفى ، كما جاء فى كتاب معانى القرآن للفراء ص 28.
... .1) تلزم إضافة الظرف : (مع) حين يذكر قبله أحد المصطحبين ، نحو : كنت مع الأخ أقرأ. فإن سبقه المصطحبان لم يبق ما يضاف إليه ؛ فينصب منونا. نحو : سار القائد والجيش معا.
2) انظر «ا» من الزيادة.
3) اللام هنا بمعنى : «مع» أو : «بعد». - كما سبقت الإشارة فى ج 2 باب : «حروف الجر» ، م 90 ص 371 -
4) استفزه الأمر : أزعجه.
5) الكلام عن الحمام. حنت الحمامة ، أى : ترنمت بصوت فيه رقة وحنان.
6) اشتركن فى الترنيم بقوة وتوال.
7) ومن أمثلتها حالا لجماعة الإناث قول الشاعر فى وصف إبل :
ومثالها خبرا : المجاهدان ، أو : المجاهدون معا ، أى : موجودان معا (1)
فينا معاشر لم يبنوا لقومهمو *** وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون ، ولن يرعوا لمرشدهم *** فالجهل منهم معا والغىّ معتاد
- انظر الإعراب فى : «ب» من الزيادة والتفصيل. -
.. أو : موجودون معا. والمراد : مجتمعان ، ومجتمعون ... ونحو قول القائل :أفيقوا بنى حرب ، وأهواؤنا معا *** وأرحامنا موصولة لم تقضّب
أى : وأهواؤنا مجتمعة ، وأرحامنا لم تنقطع.
وقوله : أوفّى صحابى حين حاجاتنا معا ... (2)
و «مع» : «مع» فيها قليل ، ونقل *** فتح وكسر لسكون يتّصل
يريد : أن كلمة «مع» فيها لغة أخرى قليلة هى : «مع» - بسكون العين ، بدلا من فتحها - ، وأنه نقل عن العرب فى هذه الساكنة العين ، فتحها وكسرها إذا جاء بعدها ساكن متصل بها ، أى : غير مفصول منها بفاصل بينهما.
(وتقدير الشطر الأول : «مع» - قليل فيها : مع).
.ا - قد تكون «مع» بمعنى : «جميع ، أى : «كلّ» - كما عرفنا - فهل يتساويان فى المعنى تماما؟.
قال اللغويون : إن الأساس فى كلمة : «مع» هو أن تدل على اتحاد الوقت بين الشيئين ، أو الأشياء ، ما لم تقم قرينة على عدم الاتحاد ؛ كالقرينة التى فى قول امرئ القيس يصف حصانه :
«مكرّ ، مفرّ ، مقبل ، مدبر ، معا» ... ، لاستحالة الكرّ والفرّ ، والإقبال والإدبار فى وقت واحد (1). أما كلمة «جميع» فقد تقوم معها القرينة التى توجب الاتحاد الزمنى ، أو تمنعه ، أو تجيزه. ففى مثل : (تتحرك كواكب المجموعة الشمسية جميعا) ... يكون التحرك واقعا لا محالة فى وقت واحد ؛ بخلاف : تزور الشمس والقمر جميعا غرفتى ظهرا ، فإن اتحاد الوقت محال. أما فى مثل : زرنى عمى وخالى جميعا ؛ فيجوز الاتحاد وعدمه. فالفرق بين أكلنا معا وأكلنا جميعا ... ، أن : «معا» يفيد الاجتماع فى حال الفعل وزمنه. وأن «جميعا» هو بمعنى : «كلنا» سواء اجتمعنا فى زمن الفعل أم لا.
ب - لا طائل فيما يدور بين النحاة من جدل حول الأصل الأول لكلمة : «مع» الباقية على ظرفيتها ؛ أهى ثنائية الوضع منذ جرت على ألسنة العرب الأوائل؟ أم ثلاثية الوضع ، قد حذف حرفها الأخير «الثالث» ، وأن أصلها : معى ، فلما نقصت بحذف حرفها الأخير (الياء) سميت منقوصة (2)لذلك؟ أم أن بعض أنواعها ثنائى ، وبعضا ثلاثى؟.
آراء متعددة خيرها الرأى القائل : إن الباقية على ظرفيتها ثنائية الأصل ، معربة ، منونة ، ويحذف التنوين عند الإضافة ، فإذا لم تضف - أحيانا - وكانت منونة منصوبة فهى ظرف باق على ظرفيته - فى بعض الآراء - ، متعلق
بمحذوف ، إما حال ، وإمّا خبر على حسب السياق ... ، ولن يترتب على الاقتصار على هذا الرأى وإهمال غيره إساءة تلحق الأسلوب فى معناه ، أو فى ضبط كلماته ، بل يترتب عليه راحة من تعليلات شاقة مصنوعة ، لا تقوم على أساس قوىّ ، أو دليل يساير العقل والواقع. فوق ما فيه من تيسير وراحة (1).
هذا ، إن بقيت على ظرفيتها - تبعا لذلك الرأى. أما إن خرجت عنها ، وتجردت للاسمية المحضة وظلت منونة منصوبة - كما هو المسموع فيها - فقد تعرب حالا ، أو خبرا على حسب مقتضى السياق ، فإن كانت «حالا» فهى معربة. إما بالفتحة الظاهرة فى آخرها ، على اعتبارها اسما ثنائيّا ليس محذوف الآخر ، وإما بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع التنوين ، على اعتبارها اسما ثلاثيّا آخره ياء ، وأصله «معى» : فهى مثل : فتى ؛ أصلها : «فتى». تقلب الياء ألفا وتحذف هذه الألف فى النطق لا فى الكتابة عند تنوين الكلمة ؛ تقول : هذا فتى - رأيت فتى - أصغيت إلى فتى.
هذا إن كانت «حالا». أما إن كانت خبرا فلا بدّ من اعتبارها ثلاثية الأصل مرفوعة بضمة مقدرة على الألف المحذوفة لفظا ، لا خطّا (2)ولا يمكن إعرابها خبرا وفى آخرها الفتحة والتنوين إلا على تقديرها ثلاثية الحروف. أما من يعربونها خبرا مع ثنائيتها فيحتمون بقاءها على الظرفية ، وتعليقها بمحذوف هو الخبر ، ويمنعون خروجها عن الظرفية إلى الاسمية ..
1) لم نذكر هذه الآراء - كما نفعل أحيانا - لأن هذه واضحة الضعف ، ليس لها أثر عملى. فذكرها والرد عليها يخلق رأيا جديدا يزيد عددها ، ويوسع الجدل فيها. وهذا أحد الأسباب التى تثير الشكوى - بحق - من المطولات القديمة. أما تعدد الآراء واتساع الجدل فيما يجدى ؛ (كتيسير ، أو تحديد حكم ، أو استنباط آخر ... أو ...) فمرغوب فيه ؛ - بل هو هدف أساسى من أهداف المتخصص المتجرد لمهمته ، يصل منه إلى كشف غايات حميدة ، واستنباط نتائج نافعة.
2) لأنها مذكورة خطّا ، مكتوبة ياء ؛ طبقا لقواعد رسم الحروف.
غير - اسم محض (1)، يدل على مخالفة ما قبله لما بعده فى ذاته ، وحقيقة تكوينه ، أو فى وصف من الأوصاف العرضية التى تطرأ على الذات. فمثال الأول : (الحيوان غير النبات ،) أى : ذات الحيوان وحقيقته الأصلية مخالفة لذات النبات ولحقيقته الأصلية. ومثال الثانى ؛ (خرج الفائز بوجه غير الذى دخل به ، ونظر للأمر بعين غير التى كان ينظر بها.) فليس المراد أن ذات الوجه وحقيقته قد تغيرت ، ولا أن ذات العين وحقيقتها استحالت فصارت شيئا مغايرا للأولى مغايرة تامة ، وإنما المراد أن الوجه طرأ على ظاهره أمر عرضىّ ؛ كالسرور ، والانشراح والإشراق ... و ... وأن العين طرأ عليها صفة جديدة عرضية ؛ كالثبات ، والصفاء ، وعدم الحركة الزائغة المضطربة ...
و «غير» فى أكثر أحوالها (2)- ملازمة للإضافة ؛ إمّا لفظا ومعنى معا ؛ كالأمثلة السابقة ، وكقول القائل : (غيرى على السّلوان قادر ...) وإما معنى فقط ؛ ولهذه الحالة صورتان :
الأولى : أن يحذف المضاف إليه بشرط أن يكون معلوما ، ملحوظا لفظه فى النية والتقدير ، كأنه مذكور ، وأن تكون كلمة : «غير» مسبوقة بإحدى أداتى النفى : «ليس» أو : «لا» (3)دون غيرهما من ألفاظ النفى ؛ نحو : (شبح الفقر غاد ورائح على ثلاثة ليس غير ؛ مسرف ، ومقامر ، وعاطل ،) أى : ليس غير الثلاثة. ونحو : (الصبر صبران لا غير ؛ صبر تجلّد يكون من القوىّ المرهوب ،
1) اسم محض ، أى : لا ظرفيه فيه. وتدخل فى عداد الأسماء غير التامة (وهى : الأسماء الدالة على الغايات بالمعنى المشروح فى هامش 141 ؛ مثل : قبل ، وبعد ، وأشباههما - ولتلك الأسماء غير التامة إشارة عابرة فى رقم 2 من هامش ص 142 ورقم 4 من هامش ص 165 وقد سبقت الإشارة إلى : «غير» وإلى أحكام أخرى تختص بالأسماء المبهمة ؛ كتعرفها بالإضافة وعدم تعرفها وعدم دخول «أل» عليها مع تفصيل الكلام على «غير.» من هذه الناحية. (فى ص 24 و66 و80 و132. وإلى أشهر وجوه استعمالها بمناسبة أخرى فى ج 2 باب الاستثناء ص 268 م 82 ، وص 273 ، وما بعدهما).
2) لأنها قد تنقطع عن الإضافة لفظا ومعنى فى إحدى حالاتها ، كما سيجىء فى الصورة الثالثة ص 133.
3) يعارض بعض النحاة فى : «لا» النافية ، ويرى الاقتصار على : «ليس» دون سواها من أدوات النفى. ولكن الثقات يبيحون تقديم «لا» النافية ، ويدفعون معارضته بالمنقول الصحيح من كلام العرب. ويجيزون القياس عليه ؛ سواء أكانت : «لا» نافية للجنس أم نافية لغيره ؛ فالشرط أن تكون نافية مطلقا.
وصبر تبلّد يكون من العاجز المغلوب) ؛ أى : لا غير الصبرين.
الثانية : أن يحذف المضاف إليه المعلوم ، مع ملاحظة معناه دون لفظه. وفيما يلى إيضاح وتفصيل للصورتين :
لكلمة : «غير» من ناحية الإعراب والبناء أربع (1)حالات ؛ تعرب فى ثلاث منها ، وتبنى فى واحدة.
(1) فتعرب عند إضافتها لفظا ومعنى معا ، كما فى الصورة الأولى ، وأمثلتها. وتضبط فى حالة إعرابها بالرفع ، أو بالنصب ، أو بالجر على حسب حالة الجملة ، ولا يدخلها التنوين.
(2) وتعرب كذلك إذا حذف المضاف إليه لدليل يدل عليه ، ونوى لفظه (2)للحاجة إليه ، أى : لوحظ نصّ لفظه حرفا حرفا ، دون غيره من الألفاظ ؛ فكأنه مذكور (3)، مع أنه غير مذكور فى الكلام. ولا يجوز حذفه فى هذه الحالة إلا بعد تحقق الشرطين السالفين ؛ (وهما : ملاحظته فى التقدير ، ووقوع كلمة : «غير» بعد : «ليس» أو بعد : «لا» النافيتين ، كما سبق إيضاح هذا والتمثيل له). وملاحظته هنا لا بدّ أن تتجه إلى لفظه نصّا ؛ فيكون هذا اللفظ نفسه ، وبحروفه معلوما ، وهو الذى تتجه إليه النية والتقدير.
وتضبط «غير» هنا بالرفع أو النصب أو الجر على حسب جملتها. ولا يدخلها التنوين ؛ لأنها كالمضافة لفظا لا يطرأ عليها تغير مطلقا بعد حذفه ، وإنما تظل على حالتها الأولى قبل حذفه.
1) بل الأنسب أن تكون ثلاثة ؛ لما سيجىء فى الزيادة والتفصيل «ب» ص 135.
2) كل هذا بشرط ألا يكون «المضاف إليه» مبنيا ، وإلا جاز بناؤها على الفتح ؛ تطبيقا لما شرحناه فى مواضع مختلفة ، (منها : الحكم الرابع عشر ص 66) إذ لو كان مبنيا لجاز أن ينتقل منه البناء إلى : «غير» فيجوز فيها بعد هذا السريان الإعراب أو البناء ، ولا يكون الإعراب واجبا (كما سنذكره فى «ا» من ص 135). ولا التفات هنا - وفيما يأتى - للرأى القائل : «البناء لا يسرى للمضاف المبهم - وشبهه - من المضاف إليه المبنى المحذوف ، بحجة أن الحذف يضعفه ، فلا يقوى على التأثير فى المضاف» ... فإن هذا رأى تخيلى محض ؛ مخالف لقاعدة عامة مستمدة من نصوص كثيرة واردة. ولذا أهمله كثير من النحاة.
3) وتبقى أحكام الإضافة بعد حذفه على حالها ، ومنها : عدم تنوين المضاف.
(3) وتعرب أيضا على حسب حاجة الجملة إذا قطعت عن الإضافة نهائيّا ؛ (بأن حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه (1)؛ فكأنه غير موجود من الأصل ، وهذا حين يستغنى عنه المعنى المطلوب ، ولا يتجه الغرض إلى ذكره ؛ (لأنه معلوم ، أو لسبب بلاغىّ آخر) ، نحو : من زرع الإساءة حصد الشقاء ليس غيرا. أى : ليس الحصد مغايرا (2)
ا . إذا قلت : (اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير الفاكهة). كان النفي واقعا على غير الفاكهة
، أي : واقعا على كل شيء مغاير للفاكهة. فالفاكهة لا تدخل في نطاق الأشياء المنفية ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول شيئا مغايرا أو مخالفا الفاكهة ؛ فهي المأكولة وحدها.
ب . أما إذا قلت : اقتصرت اليوم على أكل الفاكهة ، ليس غير ، أو : ليس غيرا. بالتنوين فيهما ، مع حذف المضاف إليه ، واعتباره كأن لم يوجد من الأصل ، فيكون المراد من كلمة : «غير» المعنى الاشتقاقي العام الذي تتضمنه ، وهو : «المغاير والمخالف» ؛ فكأنك تقول : ليس المأكول مغايرا». هذا المغاير «عام مبهم ، يشمل المغاير للفاكهة ، والمغاير للأكل، والمغاير لأصول الصحة ، والمغاير للزمن ... والمغاير للقدرة المالية .... فليس في الجملة ما يقيد النص على مغايرة معينة محددة ؛ وإنما فيها عموم وإبهام يريدهما المتكلم لحكمة بلاغية يرمي إلى تحقيقها.
ح . يشابه ما سبق ويزيده وضوحا قولنا : حضر القطار قبل الميعاد ، وسافر بعد الميعاد ، بإضافة «قبل» و «بعد» إلى مضاف إليه مذكور ؛ فالقبلية والبعدية إنما هما بالنسبة للمضاف إليه ، فهما مقيدان به حتما ، وليسا بمطلقين ولا مبهمين لكن إذا قلنا : حضر القطار قبلا وبعدا بالتنوين والتنكير ، فإن الأمر يتغير ؛ فتزول تلك «النسبة الجزئية» أو «الفرعية» الناشئة من الإضافة ، ويرتفع القيد الذى يقيد المضاف ؛ فيصير عاما مبهما ، بعد أن كان خاصا مقيدا ؛ ويكون اسما متضمنا معنى المشتق ؛ فى أصفى الآراء . فمعنى قولنا «حضر القطار قبلا» ، هو : «حضر القطار متقدما» فهذا التقدم عام مبهم يشمل أن يكون متقدما على ميعاده. أو : على نظيره من القطر الأخرى ، أر : على مكان وقوفه ، أو .... أو ... وكذلك يكون معنى قولنا : «حضر القطار بعدا» هو «حضر القطار متأخرا». وهذا التأخر عام مبهم ؛ يشمل التأخر عن ميعاده ، أو عن نظيره ، أو : عن مكان وقوفه ... فالقبلية والبعدية إنما يراد بهما معناهما الاشتقاقي المجرد الذى يتضمنه الاسم. فالأمر فيهما وفى «غير» وقوفه سواء من هذه الناحية التى لا وجود فيها للمضاف إليه لا لفظا ولا معنى ، بالرغم من أن كلمة : «غير» ليست ظرفا ، وهما فى أصلهما من الظروف التى تسمى : «ظروف الغاية» وتحمل عليها : «غير» فى هذه الغاية ، كما تحمل هذه الظروف على «غير» فتشابهها فى حالات الإعراب والبناء. وسيجىء الكلام عليها فى ص 141.
. وفى هذه الحالة تكون معربة ، منونة ، نكرة.1) لم ينو لفظه ولا معناه ، أى : لم يلاحظ وجوده مطلقا من هاتين الناحيتين. فحكمه كحكم الذى لم يوجد من الأصل.
2) إذا لم يلاحظ لفظا ولا معنى كان بمنزلة الذى لم يوجد من الأصل - كما سبق فى رقم (1) -. ويكون المراد من كلمة «غير» هو : المعنى الاشتقاقى العام ، أى : مجرد المغايرة المطلقة» التى لا تتجه إلى شىء معين ، ولا تقع على أمر محدد غير مختلط بغيره ، ولا مبهم ، وتكون «غير» فى هذه الحالة متضمنة معنى المشتق. يوضح هذا ما يأتى من الأمثلة التى لا بد منها لبيان ما فيه من دقة وخفاء.
(4) أما الحالة الواحدة التى تبنى فيها وجوبا فحين تكون مضافة ، والمضاف إليه محذوف قد لحظ ونوى معناه (1)دون لفظه ، وفى هذه الحالة تبنى على الضم ، نحو : (شرّ الأصدقاء المعتدى ليس غير) ؛ أى : ليس غير المعتدى ، أو ليس غير الآثم ، أو : ليس غير الجانى (2)...
ومما سبق ندرك الفرق بين المحذوف الذى ينوى لفظه ، والمحذوف الذى ينوى معناه ؛ فالأول : لابد فيه من ملاحظة لفظ المحذوف ، ونصه الحرفىّ. والثانى : لابد فيه من ملاحظة معناه فقط ؛ بتخير كلمة أخرى تؤدى معناه ، وتخالف لفظه. فالغرض من أنها بمعناه : أن تتمم مثله المعنى الجزئى الذى كان يتممه مع المضاف الموجود ؛ وأن يحقق النسبة الجزئية (3)التى كان يحققها من غير اختلاف بينهما فى الأداء المعنوى. أما اللفظ فيجب أن يكون مختلفا.
هذا ، ومن الممكن إدماج الحالات الأربع السابقة فى حالتين :
الأولى : البناء إذا حذف المضاف إليه ونوى معناه. دون لفظه.
والأخرى : الإعراب فيما عداها.
1) أى : نوى ولوحظ وجود لفظ آخر ، أىّ لفظ ، يؤدى معناه - (كما سنذكره ، وكما سيجىء الكلام عنه فى الزيادة والتفصيل ص 135) - وإنما ينوى معناه إذا دعت إليه الحاجة.
2) سبق فى رقم 2 من هامش ص 132 بيان حالة أخرى تبنى فيها جوازا - لا وجوبا - ويكون بناؤها على الفتح.
3) سبق - فى ص 1 - إيضاح معنى النسبة الجزئية ...
ا - يترتب على التفرقة بين ملاحظة المحذوف بلفظه السابق نصّا ، أو عدم ملاحظة ذلك - آثار متعددة ؛ منها : أن ملاحظة لفظه السابق تقتضى التمسك بمعناه. إذ لو وضع فى مكانه لفظ آخر لجاز أن يكون اللفظ الآخر مخالفا له فى المعنى - ولو قليلا - ؛ فيفسد الغرض لمقصود من الأداء.
ومنها : أن المحذوف قد يكون معرفة أو نكرة ؛ فينتقل أثر هذا إلى المضاف قطعا ما دام لفظ المضاف إليه معينا ملحوظا ؛ والإضافة محضة. فلو لم يلحظ لجاز أن يحل محله ما يخالفه فى التعريف والتنكير ؛ فيتأثر المعنى بنتيجة هذه المخالفة.
ومنها : أن المضاف إليه المحذوف قد يكون مبنيّا ؛ فيجوز - عند ملاحظة لفظه نصّا أن ينتقل منه البناء إلى المضاف المبهم ، - ونحوه -. وقد أشرنا (1)قريبا إلى وجوب إهمال الرأى الذى يمنع انتقال البناء إلى المضاف من المضاف إليه المبنى المحذوف ؛ بزعم أنه ضعيف ؛ بسبب حذفه ؛ فلا ينتقل منه البناء للمضاف ... وهو زعم مردود.
ب - أوضحنا المراد من «المضاف إليه» المحذوف الذى نوى لفظه نصّا ؛ والذى نوى معناه دون لفظه. وما قلناه هو ما ارتضاه «الصبان» و «الخضرى» - وغيرهما - ، وانتهينا إلى استخلاصه من الجدل الكثير الذى يغشيه. والحق أن النفس غير مطمئنة لما ارتضياه ، بل إن «الخضرى» - وغيره - لا يزال قلق النفس ؛ فقد فرغ من الكلام عن «المضاف إليه» الذى ذكر ولم يحذف ... وعن «المضاف إليه» الذى حذف ولم ينو لفظه ولا معناه ، ... ثم انتقل إلى الكلام عن المضاف إليه» الذى حذف لفظه ، وهذا المحذوف قد ينوى لفظه نصّا ، وقد ينوى معناه فقط ، فما حكم المضاف - من ناحية إعرابه وبنائه - مع هذا «المضاف إليه» المحذوف ... ، الذى ينوى لفظه نصّا ، أو ينوى معناه فقط؟ أيكون من هذا المضاف نوع معرب فقط ، ونوع
1) فى رقم 2 من هامش ص 132.
مبنى فقط ، أم الإعراب والبناء جائزان عند حذف المضاف إليه ونية لفظه نصّا ، أو معناه دون لفظه؟ يجيب بما نصه :
(الاقتصار على حالة واحدة يجوز فيها الإعراب والبناء هو - وإن كان خاليا من التكلف - مخالف لإجماعهم «فيما نعلم» على تعدد الحالتين ، وأن حالة البناء لا يجوز فيها الإعراب وبالعكس) (1). اه.
وهذه حجة بادية الوهن ، إن صح أن تسمى هذه حجة. لعدم اعتمادها على الدليل الحاسم ، وهو المسموع الكثير من كلام العرب. ولا شك أن الرأى الذى يجيز إعراب المضاف وبناءه عند حذف المضاف إليه مطلقا (أى : سواء نوى لفظه ، أم نوى معناه) رأى سديد ، فوق أنه خال من التكلف والتعقيد ، وقاض على القسم الغامض الملتوى ؛ قسم المضاف إليه الذى حذف ونوى معناه فقط ، وبذا تكون الأقسام ثلاثة ، لا أربعة ، وهذا أحسن ، ولا سيما إذا عرفنا أن بعض أئمة النحاة قد صرح بأن المعنى لا يختلف فى حالتى بناء المضاف ، وإعرابه ، ووصف الرضىّ هذا التصريح بأنه : «هو الحق (2)».
ح - تطبيقا على ما سلف فى : «ا» وما قبلها من أحوال : «غير» - يجوز فى مثل : قرأت من الكتب سبعة ليس غير - اتباع ما يأتى فى ضبط كلمة : «غير» ، وفى إعرابها :
(2) أن نقول : «ليس غير» على اعتبارها اسم : «ليس» مرفوعة بالضمة من غير تنوين ، لأنها مضافة معربة ، والمضاف إليه محذوف ، قد نوى لفظه نصّا ، والخبر محذوف ؛ فالتقدير : ليس غير السبعة مقروءا. (3)
(3) أن نقول : «ليس غير» ، على اعتبارها خبر : «ليس» منصوبا
1) راجع الخضرى فى هذا الموضع من باب «الإضافة» عند بيت ابن مالك : واضمم بناء غير ...» إلخ.
2) راجع حاشية «ياسين» على شرح «التصريح» ، فى هذا الموضع.
3) بشرط ألا يكون لفظه مبنيا ؛ إذ لو كان مبنيا لجاز أن يسرى منه البناء للمضاف المبهم - ونحوه - كما عرفنا فى رقم 2 هامش ص 132 - تطبيقا للحكم الرابع عشر الذى سبق فى ص 65.
مضافا والاسم محذوف ، وكذلك المضاف إليه مع نيّة اللفظ ، فيكون التقدير : ليس المقروء غير السبعة.
(3) أن نقول : «ليس غيرا» ، بالتنوين ، على اعتبارها : نكرة معربة ، خبر : «ليس». فالاسم محذوف ، وكذلك المضاف إليه مع عدم ملاحظة لفظه ولا معناه. والتقدير : ليس المقروء غيرا».
(4) «ليس غير» بالتنوين أيضا على اعتبارها اسمها معربا ، والخبر محذوف ، والمضاف إليه محذوف كذلك ، لم ينو لفظه ولا معناه. والتقدير : ليس غير مقروءا.
(5) «ليس غير» بلا تنوين باعتبارها اسم : «ليس» ، مبنى على الضم فى محل رفع ، والمضاف إليه محذوف ، قد نوى معناه فقط. والخبر محذوف أيضا. والتقدير : ليس غير المذكور مقروءا.
(6) «ليس غير» ، باعتبارها اسم «ليس» ، مبنى على الفتح فى محل رفع ، بشرط أن يكون المضاف إليه محذوفا مع ملاحظة لفظه نصا ، ومبنيّا (لينتقل منه البناء إلى كلمة : «غير» - كما عرفنا -) والخبر محذوف أيضا. والتقدير : ليس غيرها مقروءا.
(7) «ليس غير» ، باعتبارها خبر «ليس» مبنية على الفتح فى محل نصب ، والمضاف إليه محذوف ، مبنى حتما ، قد لوحظ لفظه السالف نصّا ، والاسم محذوف ، والتقدير : ليس المقروء غيرها ...
وفى الجدول الآتى تركيز - بشكل آخر - للصور السالفة.
الصورة / حكم : «غير»
ليس غير ... اسم «ليس» معربا ، مرفوعا بالضمة من غير تنوين ، والمضاف إليه محذوف نوى لفظه فقط. والخبر محذوف.
ليس غير ... اسم «ليس» مبنيّا على الضم فى محل رفع ، والمضاف إليه محذوف نوى معناه فقط. والخبر محذوف.
ليس غير ... اسم «ليس» معربا ، مرفوعا ، مع التنوين ، والمضاف إليه محذوف ، ولم ينو لفظه ولا معناه. والخبر محذوف
ليس غير ... خبر «ليس» ، مضافا معربا ، منصوبا بغير تنوين ، والمضاف إليه محذوف قد نوى لفظه. والاسم محذوف.
ليس غير ... خبر «ليس» مبنيا على الفتح فى محل نصب ، والمضاف إليه محذوف مبنى حتما ، وقد نوى لفظه المبنىّ. والاسم محذوف.
ليس غير ... اسم «ليس» مبنيّا على الفتح فى محل رفع ، والمضاف إليه محذوف مبنى ، وقد نوى لفظه المبنىّ. والخبر محذوف.
ليس غيرا ... خبر «ليس» معربا منصوبا منونا ، والمضاف إليه محذوف ، ولم ينو لفظه ولا معناه. والاسم محذوف.
د - إذا حلّت : «لا» النافية للجنس محل : «ليس» جاز فى «غير» البناء على الضم فى محل نصب على اعتبارها مضافة ، اسم «لا» والمضاف إليه محذوف قد نوى معناه ، والخبر محذوف أيضا. ويجوز بناؤها على الفتح فى محل نصب على اعتبارها اسم : «لا» والمضاف إليه محذوف ، ولم ينو لفظه ولا معناه ؛ فكأنها غير مضافة ، ففتحتها فى هذه الحالة (1)كفتحة اسم : «لا» فى قولنا : لا مطر. والخبر محذوف فيهما.
ويجوز نصبها مباشرة إن كانت مضافة لغير مبنى والمضاف إليه مذكور ،
1) وتبنى أيضا على الفتح جوازا إذا كانت مضافة لمبنى ؛ تطبيقا للقاعدة التى تجيز بناء الأسماء المبهمة. ومنها : «غير» ، وأسماء الزمان المبهمة إذا أضيفت لمبنى. وقد سبق الكلام عليها فى هذا الباب ص 66. وأشرنا إليها ، فى ص 132 و135 و136 و ...
أو محذوف نوى لفظه نصّا. وهى فى الحالتين معربة منصوبة. ونكتفى بالحالات السالفة ...
ه - إذا كانت «لا» لنفى الوحدة (وهى التى تعمل عمل «ليس» بشروط خاصة سبق الكلام عليها فى بابها) (1)جاز فى «غير» البناء على الضم فى محل رفع على اعتبارها اسم «لا». والمضاف إليه محذوف قد نوى معناه ، والخبر محذوف وجاز أن تكون معربة مرفوعة بغير تنوين باعتبارها اسم «لا» إن كان المضاف إليه مذكورا ، أو محذوفا قد نوى لفظه. ويجوز تنوينها إذا حذف المضاف إليه ولم ينو لفظه ولا معناه.
وفى الصور السّالفة ما يغنى عما لم نذكره ، أو يصلح أن يكون مرشدا إليه. «ملاحظة» : الصور السالفة كلها فى : «ح» - ص 136 - والآتية بعدها فى : «د ، ه» إنما تتحقق على أساس التقسيم الشائع الرباعىّ. أما على أساس التقسيم الثلاثى - وهو الأحسن - حيث يصير المحذوف الذى نوى قسما واحدا فإن الإعراب والبناء يصلحان له.
و - إذا كانت «لا» للنفى المطلق (2)أفادت هنا مع النفى العطف ، فكلمة : «غير» بعدها منفية ومعطوفة تسرى عليها جميع الأحكام التى تسرى على المعطوف ؛ ففى مثل : «أنفقت عشرة لا غير» : يجوز اعتبار «غير» معربة منصوبة بغير تنوين ؛ لأنها معطوفة على عشرة ، ومضافة. والمضاف إليه محذوف قد نوى لفظه ؛ ويجوز اعتبارها معطوفة مبنية على الفتح فى محل نصب لأنها مضافة والمضاف إليه محذوف مبنى ، أو غير مبنى لكن نوى معناه. ويجوز إعرابها ونصبها منونة والمضاف إليه محذوف لم ينو لفظه ولا معناه.
وفى نحو : زارنى ثلاثة لا غير» ، يجوز فى كلمة «غير» أن تكون معربة مرفوعة بغير تنوين ، على اعتبارها معطوفة مضافة. والمضاف إليه محذوف نوى لفظه. ويجوز أن تكون مبنية على الضم فى محل رفع على اعتبارها معطوفة مضافة ، والمضاف إليه محذوف نوى معناه.
ويجوز أن تكون معربة مرفوعة منونة على اعتبارها معطوفة مضافة ، والمضاف إليه محذوف لم ينو لفظه ولا معناه.
ويجوز أن تكون مبنية على الفتح فى محل رفع مضافة ، والمضاف محذوف مبنى.
ز - إذا كانت : «غير» ليست مسبوقة بكلمة : «ليس» ، أو : «لا» النافيتين ؛ فأشهر وجوه استعمالها أن تكون للنعت ، أو الاستثناء ؛ على التفصيل المبين فى ج 2 ص 318 م 82.
ح - إذا كانت كلمة : «غير» مسبوقة «بليس» أو «لا» النافيتين على الوجه السابق ؛ فإنها تصير من الأسماء الدالة على «الغاية» وتدخل فى عدادها ، فتشبه الظروف الخاصة «بالغاية» (1)والتى سنوضحها فيما يلى.
1) سبقت الإشارة إلى «غير» وبعض الأمور الخاصة بالأسماء المبهمة ، فى صفحة 24 و66 و70 و80 و87.
يراد بهذه النظائر : الأسماء الملازمة - فى أكثر حالاتها - للإضافة ، وتنطبق عليها أحكام الإعراب والبناء التى تنطبق على كلمة : «غير» وقد شرحناها.
وهذه الأسماء نوعان ، نوع خالص الاسمية ؛ فلا يفيد معها ظرفية زمانية ولا مكانية ، شأنه فى هذا شأن : «غير» فإنها متجردة للاسمية المحضة ، وهذا النوع قليل ، مثل كلمة : «حسب».
ونوع آخر يفيد مع الاسمية ظرفية زمانية أو مكانية ويدل على ما يسمى : «الغاية» (1)
وقد ساق هذا الكلام شرحا لكلام الزمخشرى فى المرجع السالف ، ونصه الحرفى :
(الظروف منها : «الغايات» ، وهى : قبل ، وبعد ، وفوق ، وتحت ، وأمام ، وقدام ، ووراء : وخلف وأسفل ، ودون ، وأول ، وعل . ومن النادر ألا تكون مجرورة بالحرف : «من» . وقد جاء ما ليس بظرف غاية ؛ نحو : حسب . ولا غير . وليس غير ... والذى هو حد الكلام وأصله أن ينطق بهن مضافات. فلما اقتطع عنهن ما يضفن إليه وسكت عليهن . صرن حدودا ينته عندها. فلذلك سمين غايات) ... اه.
وملخص ما يريده المتن وشرحه هو :
ا . أن غاية الشيء هي آخره ونهايته.
ب . وأن غاية الظرف المضاف ليست هي المقصودة ، إنما الغاية المقصودة هي آخر المضاف إليه ؛ إذ به يتم المعنى الفرعى ، وتتحقق «النسبة الجزئية» المرادة من الإضافة.
ج . وقد يحذف المضاف إليه ، ولكنه يظل ملاحظا فى النية والتقدير ، بالرغم من حذفه ، وفي هذه الحالة يصير آخر الظرف المضاف هو النهاية التي تغنى عن نهاية المضاف إليه المحذوف أي : أن الظرف المضاف يصير هو الغاية والخاتمة والنهاية بدلا من ذلك المحذوف الملحوظ.
(ومثل هذا في التصريح أيضا.) وما تقدم يوضح تعريفا آخر لظروف الغايات ، نصه : (هي الظروف
المبنية على الضم لحذف المضاف إليه ؛ فتصير غاية وظرفا بعد حذفه) اه.
1) للغاية هنا معنى غير الذى سبق فى مواضع أخرى (كما أشرنا فى هذا الباب فى رقم 4 من هامش ص 119) قال شارح المفصل ج 4 ص 85 فى معناها ما نصه - وقد نقلناه فى ج 2 ص 231 م 79 لمناسبة هناك - : «(قيل لهذا الضرب من الظروف : " غايات" ؛ لأن غاية كل شىء ما ينته به ذلك الشىء. وهذه الظروف إذا أضيفت كانت غايتها" أى : نهايتها" آخر المضاف إليه ؛ لأنه الذى يتم به الكلام ، وهو نهايته. فإذا قطعت عن الإضافة وأريد معنى الإضافة صارت هى غايات ذلك الكلام ، - أى : نهايته - فلذلك من المعنى قيل لها : " غايات)» .. ثم قال : (وحكم : أول - وحسب - وليس غير - ولا غير - ... حكم قبل وبعد ...) اه.
2) وكثير من ظروف الغايات (مثل : قبل وبعد) يدخل فى عداد الأسماء المبهمة التى لا تقع نعتا ولا منعوتا ، (كما أشرنا فى هامش ص 25، وكما سيأتى فى النعت ص 466 رقم 2 وسبق إيضاح آخر لها فى باب الظرف ج 2 ص 220 م 79).
بعد - دون - الجهات الست (وهى : فوق - تحت - يمين - شمال - أمام - خلف ...) وما بمعنى هذه الجهات ؛ مما هو وارد مسموع (1)
والذي ترتاح له النفس هو رأي ابن مالك.
، (مثل : قدّام - وراء - أسفل - عل ؛ بمعنى : فوق).فهذه الأسماء بنوعيها (2)- المحض وغير المحض - يجوز فى كل منها فى أغلب استعمالاته ، ما يجوز فى كلمة : «غير» من الإعراب فى حالات ثلاث ، والبناء فى واحدة (3)، أخرى. وإن شئت فقل : من البناء فى حالة واحدة ، والإعراب فيما عداها. فهى شبيهة بكلمة : «غير» فى تلك الحالات ، كما أن كلمة : «غير» شبيهة بها فى الغاية (4)-.
ومن هذه الظروف التى سردناها : المتصرف (أى : الذى يكون ظرفا وغير ظرف ؛ كمبتدأ ، وخبر ، وفاعل ... و ...). ومنها غير المتصرف (5)
(يمين و شمال) كثيرا التصرف. (قبل، وبعد، وباقي الظروف)، متوسطة التصرف.
(الذى لا يترك النصب على الظرفية إلا إلى الجر «بمن») (6)وقد سبق هذا في ج 2 باب حروف الجر عند الكلام علی : «من». (راجع الألوسي علی القطر ص 34).
.1) قال الرضى : (المسموع من الظروف المقطوعة عن الإضافة هو : قبل - بعد - تحت - فوق - أمام - قدام - وراء - خلف - أسفل - دون - أول - عل - علو. ولا يقاس عليها ما هو بمعناها ؛ نحو : يمين - شمال - آخر ، ونحو ذلك) فقول ابن مالك : يمين - شمال - ... هو عند بعضهم غير مقبول ، لأنه غير مسموع. وقد دافع عن ابن مالك آخرون ، ووصفوه بأنه الإمام النحوى الثقة (راجع حاشية «ياسين» على التصريح فى هذا الموضع).
2) وتسمى أيضا : «الأسماء غير التامة» وهى هنا التى لا تدخل فى عداد الأسماء الدالة على الغاية (انظر رقم 1 من هامش ص 131 ورقم 4 من هامش ص 165).
3) راجع «ب» من ص 135 حيث الاعتراض على بعض هذه الحالات.
4) سبقت الإشارة لهذا فى هامش ص 133.
5) فوق وتحت ، لا يتصرفان فى رأى كثير من النحاة. وأرى أنهما يتصرفان أحيانا إذا صار كل منهما اسما متجردا عن الظرفية. ومن هذا فى «تحت» قوله عليه السّلام : (لا تقوم الساعة حتى يهلك الوعول وتظهر التحوت.) الوعول : السّيادة الأشراف ، المفرد : وعل. قال فى كتاب : «الغريبين - للهروى» ما نصه فى مادة : «تحت» (أراد بالتحوت : أرذال الناس، ومن كانوا تحت أقدامهم.) وجاء فى هامشه : (قال ابن الأثير فى النهاية ص 182، جعل «تحت» الذى هو ظرف نقيض «فوق» اسما ؛ فأدخل عليه لام التعريف ، وجمعه. اه ... ويعرب هنا فاعلا ... -
6) الغالب فى : «من» الداخلة على «قبل» ، و «بعد» وعلى أكثر الظروف غير المتصرفة ، أن تكون «للظرفية» (أى : بمعنى : فى) كقوله تعالى : ( وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ... ) ومجيئها لابتداء الغاية قليل ، كجئت من عندك - وهب لى من لدنك - وهو مع قلته قياسى.
والظرف بنوعيه - المتصرف وغير المتصرف - حين يكون ظرفا معربا ، يكون منصوبا على الظرفية ، أو مجرورا «بمن» إن وجدت قبله ، وحين يكون مبنيّا على الضم يكون فى محل نصب ، أو فى محل جرّ «بمن» إن وجدت قبله (1).
خذ مثلا الظرف : «قبل» ، فمعناه الدلالة على سبق شىء على آخر ، وتقدمه عليه فى الزمان ، أو المكان الحسى ، أو المعنوى ؛ فهو من الظروف الزمانية أو المكانية الملازمة - فى أغلب استعمالاتها - للإضافة ؛ نحو قوله تعالى : ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها ) ، ونحو : قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها ، ونحو : بيتى قبل النّهر بخطوات. ونحو : الخلق الكريم قبل المال ... وتنطبق عليه تلك الأحوال الخاصة بالإعراب والبناء ، وهى التى تقدمت فى «غير».
(1) فيكون معربا منصوبا على الظرفية أو مجرورا «بمن» إذا أضيف فى الصورتين وذكر المضاف إليه ؛ كالأمثلة السابقة.
(2) وكذلك يكون منصوبا على الظرفية أو مجرورا «بمن» إن حذف المضاف إليه ، ونوى لفظه نصّا لحاجة تدعو إليه ؛ نحو : أهدى إلىّ كتاب أدب ، وكتاب تاريخ ؛ فبدأت القراءة بكتاب الأدب قبل ، .. ، أو : من قبل ... ، أى : قبل كتاب التاريخ ... أو من قبل .. ، كتاب التاريخ. وفى هاتين الصورتين لا ينون المضاف ، ولا يتغير منه شىء ، لأنه لا يزال مضافا كما كان ، والمضاف إليه محذوف بمنزلة الموجود.
(3) ويكون معربا منصوبا على الظرفية أو مجرورا بمن ، ومنونا فى الصورتين - ، إذا حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه ؛ لحكمة بلاغية يريدها المتكلم ؛ فهو بمنزلة الذى لم يوجد من الأصل ؛ نحو : (داويت الملل بنزهة بحرية فى ليلة قمرية فاتنة ؛ وكنت قبلا هامد الجسم ، كليل
1) الأسماء المجردة (التى لا تدل على ظرفية) ، لا تنصب على الظرفية مباشرة. وإنما تقع مواقع إعرابية أخرى. كما سيتضح عند الكلام عليها قريبا. ويلاحظ أيضا ما رأيناه (فى ب ص 135) من اعتبار الحالات ثلاثا ، بدلا من أربع ؛ للأسباب الموضحة هناك.
الذهن ...) وفى هذه الحالة يكون معنى : «قبل» هو معنى المشتق ؛ فيفيد سبقا مطلقا ، وتقدما عاما غير مقيد بشىء ، ولا منسوبا لآخر ؛ ذلك أن من يقول : حضرت قبل مجىء القطار يريد : كان حضورى سابقا على مجىء القطار ، متقدما بالنسبة لهذا المجىء المعيّن ؛ فسبق الحضور هنا ليس سبقا مطلقا عامّا يشمل كل الأحوال ، ولكنه سبق مقيد مقصور على حالة واحدة ؛ هى حالة مجىء القطار ؛ فالحضور سابق بالنسبة لهذه الحالة وحدها دون غيرها. أما حين يقول : حضرت «قبلا» فإن الظرف يفيد السبق المطلق ، والتقدم العام ؛ فكأنّه يقول : «حضرت متقدما» ؛ أو : «سابقا» ، وهذا يشمل السبق والتقدم على مجىء القطار ، وعلى مجىء المسافرين ، وعلى مجىء الوقت المناسب ، وعلى كل مجىء آخر من غير تقيد بحالة خاصة معينة كالحالة الأولى التى توجب التّقيد بالمضاف إليه (1)
يرى بعض المحققين الرأى الأول ، ويرى غيرهم أنها تتضمن معنى المشتق مع بقائها على ظرفيتها. والرأى الأول أدق وأحكم ، والاقتصار عليه أفضل ، لأنه يساير القواعد العامة في تنوين هذه الظروف (أى : عند تنكيرها) ولا تتجه إليه الاعتراضات التي تتجه للثاني. وعلى هذا إذا نصب : «قبل» فلن يكون منصوبا على الظرفية ، وإنما يكون منصوب اللفظ على الحال المؤولة ، أو على غيرها مما يقتضى النصب ، إلا إن سبقته «من» الجارة فإنها تعرب حرف جر زائد ، وتعرب كلمة : «قبل» مجرورة اللفظ بها ، منصوبة المحل ، باعتبارها حالا مؤولة ، أو شيئا آخر . غير الظرفية . يحتاج إليه الكلام منصوبا ؛ فتكون «قبل» منصوبة محلا. ومثلها بقية الظروف الدالة على الغاية ، وستجىء. ومن الخير أن ننقل ما سجله الرضى في هذا ، ونصه :
(قال بعضهم : إنما أعربت - يريد : «قبل» وأخواتها - إذا حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه - لعدم تضمن معنى الإضافة ؛ فمعنى : كنت قبلا ، أي : قديما ، ومعنى : أبدا به أولا ، أي : متقدما ، ومعنى : من قبل ومن بعد ، أي : متقدما ومتأخرا ؛ لأن من زائدة).
وجاء في تقرير ياسين تعليقا على هذا ما نصه : «يعنى أن القائل بالتنكير لعدم تضمن الإضافة يرى أنهما غير واقعين على الزمان بل معناهما اسم مشتق نكرة واقع على ذات أو معنى . غير زمان . منصوب على الحال أو غيرها»).
وقد أشرنا إلى أن هذا . وكل ما سبق . يقال فى أخوات : «قبل» من سائر الظروف الآتية.
. (ومثل هذا يقال فى باقى الأسماء1) إذا كان معنى «قبل» هو معنى المشتق فهل تكون متخلية عن الظرفية نهائيا ، وتصير اسما محضا يفيد السبق والتقدم ؛ فمعناها هو : «سابق» : أو : «متقدم»؟ أتكون كذلك أم تظل باقية على ظرفيتها مع تضمنها معنى المشتق ؛ فتنصب على الظرفية ، أو تجر بمن إن وجدت؟.
والظروف التى تناظر : «غير») (1).
(4) أما الحالة التى يبنى فيها على الضم فحين يضاف ، ويحذف المضاف إليه وينوى معناه ، لحاجة تدعو إليه ؛ فيكون الظرف مبنيّا على الضم فى محل نصب على الظرفية ، أو محل جرّ إن سبقته «من» (2)...
للأسماء المحضة (التى لا تدل على ظرفية ؛ مثل : «حسب» وشبيهاتها من الأسماء الخالصة من الظرفية ، الملازمة للإضافة - فى الأغلب - ...) أحكام خاصة سيجىء بيانها. وما عدا تلك الأسماء فجميع الأحكام التى تنطبق على الظرف : «قبل» ، تنطبق أيضا - كما قلنا - على باقى الظروف التى يقول عنها النحاة حينا إنها نظائر : «قبل» ، وحينا إنها نظائر : «غير» وقد سردناها (3)، ولا خلاف بين أكثرها - فى شىء من تلك الأحكام الإعرابية ، والأحوال الأربعة التى شرحناها : وإنما تختلف فى معانيها فلكل واحد منها معنى يؤديه ، ودلالة معينة يحققها على الوجه الذى سنوضحه.
فأما «غير» و «قبل» فقد عرفنا معناهما.
وأما : «بعد» فظرف معناه - الغالب - الدلالة على تأخر شىء عن آخر فى زمانه أو مكانه (4)؛ ... سواء أكان التأخر حسيّا أم معنويّا ؛ فهو من
1) فالمراد من الظرف : «قبل» فى هذه الحالة - كما يقول النحاة - هو : «المعنى الاشتقاقى العام» أى : مجرد التقدم والسبق المبهمين العامين على الوجه الذى أوضحناه هنا وفى (رقم 2) من هامش ص 133 لمناسبة أخرى هى : أن الظرف فى هذه الحالة يتضمن معنى المشتق.
2) هناك حالة أخرى تبنى فيها جميع الأسماء المبهمة وأسماء الزمان المبهمة على الفتح فقط ، قد ترددت كثيرا فى هذا الباب (كما فى ص 24 و66) وغيره. وهى الحالة التى تضاف فيها تلك الأسماء والظروف إلى مبنى ، فيجوز عندئذ أن يتسرب البناء من المضاف إليه إلى المضاف فيبنى جوازا على الفتح.
3) فى آخر ص 141 وأول ص 142.
4) تكلمنا فى الجزء الثانى - باب : الظرف - عن «بعد» وقلنا إن اعتباره للزمان أو المكان هو الرأى السديد الذى يجب الاقتصار عليه دون الرأى الذى يجعله مقصورا على أحدهما وحده فقد جاء فى الهمع - (ج 1 ص 209 ، باب : الظرف) ما نصه :(«بعد» ظرف زمان ، لازم الإضافة ... ا ه) ولم يذكر شيئا يدل على أنه قد يكون للمكان. وكذلك صاحب «المصباح المنير» يقول فى مادة : «بعد» ما نصه : (بعد : ظرف مبهم ، لا يفهم معناه إلا بالإضافة لغيره. وهو زمان متراخ عن السابق فإن قرب منه قيل : «بعيده» بالتصغير ، كما يقال قبل العصر ؛ فإذا قرب منه قيل : «قبيل العصر» بالتصغير ، أى : قريبا منه. ويسمى هذا : «تصغير التقريب») ا ه وجاء فى حاشية ياسين على التصريح - ح 2 ص 8، باب : حروف الجر - عند الكلام على الحرف «من» منقولا عن بعضهم : أن الأولى فى استعماله أن يكون للمكان. وبعد كل ما تقدم من الآراء يبدو الحق فى جانب الرأى الذى يراه صالحا للحالتين ، ولا داعى لتكلف التأويل الذى يجعله مقصورا على أحدهما.
ظروف الزمان أو المكان الملازمة فى أغلب أحوالها - للإضافة ، ومن أمثلته قوله تعالى : ( اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها. ) وقوله تعالى : ( سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) وتطبق عليه الحالات الأربع السالفة (1)...
وأما «فوق» فمعناه : الدلالة على أن شيئا أعلى من الآخر حسّا أو معنى : فهو ظرف مكان ملازم للإضافة فى أكثر الحالات ، ومن أمثلته قوله : تعالى : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها ... ) ، وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... ) ، وقوله تعالى : ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (2)...» ، وتنطبق عليه الحالات الأربع السالفة ...
1) تكلمنا على الظرف «بعد» وحكمه وبعض استعمالاته الأدبية بإيضاح مناسب فى الجزء الثانى م 79 ص 265 باب الظرف ، وكان مما ذكرناه : من أى الصور والحالات ما يكثر فى افتتاح الخطب والرسائل الأدبية ونحوها ؛ من مثل : تحية اللّه وسلامه عليكم. وبعد ، فإن إدراك الغايات رهن باتخاذ الوسائل الناجعة ... ، وقول صاحب القاموس فى ديباجة قاموسه ما نصه : (الحمد لله منطق البلغاء ... وبعد ، فإن للعلم رياضا ...) ا ه. قال شارح الديباجة حين عرض لهذه العبارة قبل ذلك فى تقييداته الأولى التى سماها «شرح ديباجة القاموس» للهورينى - قال ما نصه : «(بعد ، كلمة يفصل بها بين الكلامين عند إرادة الانتقال من كلام إلى غيره ، وهى من الظروف ؛ قيل زمانية ، وقيل مكانية ، وعامله محذوف. قاله الدمامينى. والتقدير : أقول بعد ما تقدم من الحمد والصلاة والتسليم على نبيه العظيم (فإن) بالفاء ، إما على توهم : «أمّا» أو على تقديرها فى نظم الكلام ، وقيل : إنها لإجراء الظرف مجرى الشرط ، وقيل إنها عاطفة. وقيل زائدة ...)» ا ه.
2) وقوله عليه السّلام : خصلتان ليس فوقهما شىء من الشر ؛ الشرك باللّه ، والإضرار لعباد اللّه. وخصلتان ليس فوقهما شىء من البر ؛ الإيمان باللّه ، والنفع لعباد اللّه».
وأما : «دون» فظرف مكان ملازم للإضافة فى أكثر حالاته. ومعناه الغالب الدلالة على المكان الأقرب إلى مكان المضاف إليه ؛ نحو : جلست دون الضيف : أى : فى أقرب مكان إليه. وقد يستعمل فى المكان المعنوى المفضول (1)نحو : الحسن دون الأحسن ، واللاحق دون السابق ... وقد يستعمل فى عدم مجاوزة الشئ السابق عليه فى الكلام ، وعدم تركه إلى غيره ؛ نحو : قدمت للقريب كامل العون دون تقصير ، وأوليته صادق الرعاية دون إهمال ... وينطبق عليه ما سبق على نظائره.
وأما الجهات الست فمعناها معروف ، هى والألفاظ الأخرى التى تشاركها فى المعنى والدلالة ، وفى ملازمة الإضافة فى أكثر حالاتها ، وفى الأحكام. إلا أنّ : «عل» (2)يحتاج لمزيد بيان.
عل : ظرف مكان يفيد الدلالة على العلو ، أى : الدلالة على أن شيئا أعلى من آخر. فهو يوافق الظّرف «فوق» فى معناه ؛ وهو : «العلو» كما يوافقه فى البناء على الضمّ حينا ، وفى الإعراب حينا آخر ، ولكن بالتفصيل التالى : الذى يوضح أوجه التخالف بينهما.
ا - يبنى «عل» على الضم إذا كان معرفة ، (أى : دالا على علوّ خاص معين) ، وحذف المضاف إليه ، ونوى معناه ؛ فلابد للبناء على الضم من اجتماع الشرطين ؛ نحو : تمتعت بالأزهار من أسفل دارى ومن عل. (أى : ومن فوق). فكلمة : «عل» مبنية على الضم فى محل جرّ ، لأنها معرفة ، بسبب دلالتها على شىء محدد ، جاء تحديده وتخصيصه من قرينة كلامية ؛ هى : أسفل الدار ، ولأن المضاف إليه محذوف قد نوى معناه : والأصل : من عل الدار
المعينة ، ولا يشترط التعيين فى بناء «فوق» على الضم.
ويعرب : «عل» وينون إذا كان نكرة ؛ (أى : إذا كان دالا على علو مجهول ، غير معين ، وليس مضافا لفظا ولا معنى ...) ، نحو ، سقط الطائر من عل ، وقول امرئ القيس يصف حصانه :
مكر مفرّ مقبل مدبر معا *** كجلمود صخر حطّه السيل من عل (1)
فكلمة : عل ، معربة منونة مجرورة «بمن». ومعناها فى المثالين - وأشباههما - شىء عال مرتفع بالنسبة لآخر ، ولا تخصيص ولا تعيين فى هذا الشىء المرتفع ؛ فقد يكون المراد : من فوق جبل ، أو من فوق بيت. أو شجرة ...
ب - أن «عل» لا يستعمل فى حالتى بنائه وإعرابه إلا مجرورا «بمن» دائما ؛ كالأمثلة السالفة ، وأنه لا يستعمل مضافا (2)
وفي لفظه لغات مختلفة ، أشرنا إليها في رقم 2 من هامش الصفحة السالفة ، منها علا . على وزان : عصا
. والذين يجيزون إضافته يوجبون في هذه اللغة قلب ألفه ياء عند إضافته لياء المتكلم ، فيقولون : «علىّ». طبقا للبيان والإعراب المذكورين فى رقم 4 من هامش ص 177.
ومثله في وجوب قلب ألفه ياء الظرف : «لدى» عند إضافته لياء المتكلم ، أو لغيرها من الضمائر طبقا للبيان الذي سيجيء في رقم 3 و 4 من هامش ص 177 . أما طريقة إعرابه فقد سبقت مفصلة في ج 1 م 16 «ب» من ص 178 آخر الكلام على الاسم المعتل الآخر.
لفظا فى أفصح الأساليب شيوعا. وليس الشأن كذلك فى «فوق» فإنه يستعمل كثيرا مضافا وغير مضاف ، مجرورا «بمن» وغير مجرور بها.1) أصلها : «عل» - بالتنوين - وحذف من البيت مراعاة للشعر.
2) وعلى هذا لا داعى لوضعه فى الظروف الملازمة للإضافة فى أكثر الحالات. إلا على الرأى الذى يجيز إضافته أحيانا ؛ كقولهم أخذت الكرسى من عل الدار ، وهو رأى يرفضه جمهور النحويين ؛ بحجة أن المسموع من الكلام الفصيح لا يؤيد استعماله. فالأولى هنا : اتباع الجمهور.
وأما : «حسب» فاسم لا يدل على ظرفية زمانية ولا مكانية (1). وأصحّ استعمالاته استعمالان :
أولهما : أن يكون مضافا لفظا ومعنى ؛ نحو : أعرف كتابا حسب القارئ. وفى هذا الاستعمال يكون لفظه جامدا مؤولا بالمشتق ، بمعنى : «كاف» (اسم فاعل من الفعل : كفى). فالمراد من المثال السابق : أعرف كتابا كافى القارئ ، أى : يكفيه ويغنيه عن غيره. وفى هذه الصورة يكون معربا ، مفردا نكرة ، ولا يفارق التنكير ، ولو أضيف إلى معرفة كالمثال السابق ، وكقول الشاعر :
وما أبغى سوى وطنى بديلا *** فحسبى ذاك من وطن شريف
لأنه بمنزلة اسم الفاعل العامل : «كاف» وسم الفاعل العامل (2)لا يكتسب التعريف بالإضافة لمعرفة. كما أوضحنا من قبل (3).
ولما كان لفظ : «حسب» جامدا ، ولكنه هنا مؤول بالمشتق من ناحية المعنى - جاز عند استعماله مراعاة لفظه ، ومراعاة معناه.
فأمّا مراعاة لفظه فتجيز معاملته معاملة الأسماء الجامدة ؛ فيقع فى كثير من مواقعها الإعرابية المختلفة. والصحيح الفصيح أن يقتصر من تلك المواقع الإعرابية على المبتدأ ، أو : الخبر ، أو : اسم الناسخ ، أو : الجر بحرف الجر الزائد : «الباء». ومن أمثلته مبتدأ البيت السالف ، وكذلك قوله تعالى فى المنافق الذى يضمر الكفر ويظهر الإيمان : ( وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ؛ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) ، ومن أمثلته خبرا قوله تعالى : «ومن يتق اللّه فهو حسبه» (4)
فلا تحسدن قوما على فضل نعمة *** فحسبك عارا أن يقال حسود
... ومن أمثلته اسما للناسخ قوله تعالى : ( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ ) ومن أمثلته مجرورا بحرف جرّ زائد : دبحسبك (1)العلم ؛ فإنه قوة من لا قوة له. ولا يحسن وقوع «حسب» فى موقع إعرابى غير ما سبق ، حتى لقد منعه بعض النحاة منعا باتّا ، مجاراة للكثير المسموع.
وأما مراعاة معناه فتجيز معاملته معاملة اسم الفاعل العامل النكرة الذى بمعناه (وهو : كاف (2)) ، مع الاقتصار من مواقعه الإعرابية على وقوعه نعتا لنكرة ، أو حالا من معرفة ، نحو : استمعت إلى خطيب حسبك من خطيب ؛ وإلى «شوقىّ» حسبك من شاعر.
وموجز القول : أنّ : «حسب» إذا أضيف لفظا ومعنى جاز وقوعه مبتدأ ، وخبرا ، واسما للناسخ ، ومجرورا بالباء الزئدة ، وصفة للنكرة ، وحالا من المعرفة ...
ثانيهما : أن يكون : «حسب» مضافا معنى لا لفظا (وذلك بأن يحذف المضاف إليه وينوى معناه فقط). وفى هذا الاستعمال يكون لفظه جامدا مؤولا بالمشتق ، ومفردا منكّرا مبنيّا على الضم ، ويتضمن النفى فيصير المراد منه : «ليس غير» أو : «لا غير» ، ويقع صفة لنكرة ، أو : حالا من معرفة أو : مبتدأ بشرط اقترانه بالفاء ، أو : خبرا. وليس له - فى الفصيح - موقع آخر ؛ نحو : إن لكل إقليم حاضرة حسب ، بمعنى : لا غير (3). وهى صفة «لحاضرة». مبنية على الضم فى محل نصب. ونحو : اتسعت الحديقة حسب (4)أى : لا غير. وهى حال مبنية على الضم فى محل نصب ... ونحو : قرأت ثلاثة كتب ، فحسب. أى : ليس غير. ويقولون فى هذه «الفاء» إنها زائدة :
1) انظر ما يتصل بهذا من ناحية التعريف والتخصيص فى رقم 4 من هامش ص 24 عند الكلام على «غير».
2) دخول «إنّ» وغيرها من العوامل اللفظية ؛ كالباء فى مثل : «بحسبك» العافية ، دليل استند إليه القائلون بأن «حسب» ليس اسم فعل بمعنى : يكفى ؛ لأن العوامل اللفظية لا تدخل على اسم الفعل. والحق أن هذه حجة تصلح للترجيح لا للتحتيم ؛ لأن العرب الأوائل حين يتكلمون لا يعرفون هذه الحجج ، فلا يخضع كلامهم لها.
3) والأصل : حسبه ، أى : كافيته.
4) والأصل : حسب الغرض ، أى : كافية الغرض.
لتزيين اللفظ (1)
(«أل» حرف تعريف أو اللام فقط ...) ، وأيضا قد يفهم هذا اللزوم من حاشية الأمير على : «المغنى» ج 1 عند الكلام على : «قط» فى باب : «القاف». ولكنه ليس فى صراحة النص السابق.
و «حسب» مبتدأ مبنى على الضم فى محل رفع ، حذف خبره. والأصل : فحسب الثلاثة مقروء ؛ بمعنى : لا غير الثلاثة مقروء. ويجوز العكس بشرط حذف الفاء فيكون المبتدأ هو المحذوف ، والتقدير : المقروء حسب ... ، أى : المقروء حسبى مثلا.وبسبب الاستعمال الأول دخل : «حسب» فى عداد الأسماء الملازمة للإضافة فى أغلب استعمالاتها. وبسبب الاستعمال الثانى - وهو : البناء - دخل فى عداد النظائر التى تشبه «غير» و «قبل» ، لأنه قطع عن الإضافة لفظا لا معنى.
وأما : «أوّل» - فله استعمالات أشهرها ثلاثة :
(1) أن يكون اسما لا ظرفية فيه ، معناه : إمّا مبدأ الشىء الذى يقابل آخره ، نحو : أوّل الغيث قطر ثم ينهمر ، أى : بدايته التى هى ضد نهايته. ومن هذا قول الشاعر :
عرف الناس أنّ حاتم طىّ *** أوّل فى الندى ، وأنت الثانى
وإما معنى كلمة : «قديم» الذى يقابل معنى حديث ؛ نحو : بيت المقامر خلو (2)؛ ليس فيه أول ولا آخر. أى : ليس فيه قديم ولا حديث. وإما متضمنا معنى كلمة : «سابق» ، أى : «متقدم» الدالة على الوصف ، نحو : تنقلت فى البلاد عاما أولا (3)
وقد سبقت الإشارة لبعض استعمالاته في ج 2 ص 225 - 227 م 79.
، أى : عاما سابقا أو متقدما من غير1) وزيادتها لازمة بنص صريح فى ص 21 من حاشية الألوسى على : «القطر». وقد نقلنا النص فى ج 1 ص 305 م 30 باب : «المعرف بأل». عند قول ابن مالك
2) خال.
3) بالتنوين ، وبه يتحقق أحد الفروق بين هذه الصورة والأخرى الآتية فى رقم 2 من الصفحة التالية. ويقولون فى سبب تنوينه ، إنه قد يؤنث بالتاء ، فيقال : سنة أولة ، وسنوات أوّلات ، ووزن «أفعل» لا يمنع من الصرف إلا بشرط ألا تلحقه تاء التأنيث إذا أريد به مؤنث. كما سيجىء فى باب : «الممنوع من الصرف : ج 4».
تعيين ولا تخصيص للعام السابق. وفى هذه الصورة يكون مؤولا بالمشتق ، وهو اسم الفاعل هنا.
ولفظ «أول» فى كل ما سبق معرب منصرف.
(2) أن يكون اسما جامدا لا ظرفية فيه ، ولكنه مؤول بالمشتق (1)، يتضمن معنى كلمة : «أسبق» الدالة على التفضيل. وهو فى هذا الاستعمال معرب ، تطبّق عليه أحكام «أفعل التفضيل» ؛ كمنع الصرف للوصفية ووزن الفعل. وكدخول «من» جارة للمفضّل عليه ، وكعدم تأنيثه بالتاء «... و ... وغير هذا مما يجىء فى باب «التفضيل» (2)
قيل : نعم ، وقيل : إنه جار مجراه فى الوزن ، وفى تجرده من التاء ، ودخول «من» على المفضل عليه. هذا خلاف شكلى لا أثر له في صحة الاستعمال.
؛ نحو : أنت فى الإحسان أول من هذين الزميلين ، أى : أسبق منهما.(3) أن يكون ظرفا للزمان بمعنى : «قبل» الزمانية ؛ كقولك لمن يدعى أنه رأى النجم قبل غيره : أنا رأيت النجم أول الراصدين ، ثم رأوه بعدى. أى : قبلهم. وفى هذا الاستعمال يجرى على لفظ «أول» الأحكام الأربعة السابقة التى تجرى على «غير» و «قبل» ونظائرهما.
ا - فيعرب : «أول» إذا كان مضافا لفظا ومعنى ؛ نحو أسرعت للصارخ أول المستمعين ، ثم توالوا بعدى.
ب - ويعرب أيضا إذا كان مضافا ، وحذف المضاف إليه ، ونوى لفظه نصّا ، نحو : أسرعت للصارخ أول ...
ح - ويعرب أيضا إذا حذف المضاف ولم ينو لفظه ولا معناه ؛ نحو : أسرعت للصارخ أولا. (ويكون المراد هنا : المعنى الاشتقاقى المجرد ، على الوجه الذى أوسعنا الكلام فيه (3). أى : سابقا ، متقدما).
د - ويبنى على الضم إذا حذف المضاف ونوى معناه ، نحو : أسرعت للصارخ أول (1)
واضمم بناء : «غيرا» ان عدمت ما *** له أضيف ، ناويا ما عدما
يقول : اضمم لفظ «غير» ضمة بناء إن فقدت ما أضيف له «غير». أى : إن فقدت المضاف إليه ، بمعنى : لم تجده فى الكلام ، لأنه محذوف ، وقد نويت معنى هذا المحذوف ، - بالرغم من أنه لم يصرح بأن الذى تنويه هو معنى المحذوف ، لا لفظه. - يريد : ابن «غير» على الضم إن حذف المضاف إليه ونوى معناه.
أما الحالات الأخرى غير الضم فيفهم بعضها من البيتين اللذين بعده ، وهما :
قبل ، كغير ، بعد ، حسب ، أوّل *** ودون ، والجهات أيضا ، وعل
وأعربوا نصبا ، إذا ما نكّرا *** قبلا ، وما من بعده قد ذكرا
يريد : أن اللفظ : «قبل» يشبه : «غير» فى الحكم السابق وهو البناء إذا حذف المضاف إليه ونوى معناه. وهناك ألفاظ تشترك مع «قبل» فى هذا أيضا. وقد عطفها عليه بالواو المحذوفة أو المذكورة ؛ والأصل : قبل ، وبعد ، وحسب ، وأول ، ودون ، والجهات ، وعل - كغير ، فكلمة : قبل مبتدأ ، والجار والمجرور : «كغير» خبره. وباقى الألفاظ معطوفة على : «قبل» بالواو المحذوفة أو المذكورة.
ثم بين فى البيت الأخير أن النحاة أعربوا لفظ «قبل» وبقية الأسماء التى بعده بالنصب مع التنكير. وهذا لا يكون إلا إن حذف المضاف إليه ولم ينو لفظه ولا معناه ، فهذا حكم ثان جعله عاما على كل تلك الألفاظ ، مع أنه ينطبق على بعضها مثل «قبل» و «غير» ولا ينطبق على بعض آخر ؛ مثل : حسب - عل - كما أنه ذكر بعض الأحكام ، وترك بعضا آخر هاما ، وتفصيلات ضرورية. وقد تداركنا ذلك كله.
...1) وفيما سبق من الأحكام الخاصة بكلمة : «غير» ونظائرها يقول ابن مالك باختصار :
(1) «ودعت الغائب منذ عام أول» ، يجوز فى كلمة : «عام» أن تكون خبرا مرفوعا عن «منذ» - وكلمة : «أول» صفة لها ، فكأن الكلام : ودعت الغائب منذ عام أول من عامنا الحاضر ، أى : منذ عام سابق على عامنا الحالىّ.
(2) ودعت الغائب منذ عام أول ... فكلمة : «أول» ظرف زمان بمعنى : «قبل». والمراد : ودعت الغائب منذ عام قبل العام الحالىّ ، فحذف المضاف إليه ، ونوى لفظه ، فبقى المضاف ؛ وهو كلمة : «أول» على حاله من الضبط الذى كان عليه قبل الحذف. (تطبيقا لما مر من أحكام «قبل ، وبعد» ونظائرهما ...) ، فهو ظرف زمان منصوب على الظرفية مباشرة.
(3) ابدأ يومك بالصلاة أول. فكلمة : «أول» ظرف زمان بمعنى : «قبل» مبنية على الضم فى محل نصب على الظرفية. والأصل : ابدأ يومك بالصلاة أول الأعمال ، أى : قبل الأعمال الأخرى ، فحذف المضاف إليه ، ونوى معناه ، فبنى على الضم وجوبا ؛ تطبيقا لأحكام «قبل وبعد» المشار إليها ... فإن ظهر المحذوف وجب النصب على الظرفية الزمانية ، نحو : ابدأ يومك بالصلاة أول الأعمال ، أى : قبل الأعمال ... كما سبق ...
(4) ما رأيت الأخ مذ أمس (1). أى : مذ ابتداء اليوم الذى قبل يومنا الحاضر ، فإن لم أره يوما آخر قبل الأمس قلت : ما رأيت الأخ مذ أول من أمس. فكلمة : «أول» خبر المبتدأ «مذ» والمعنى : ما رأيت الأخ مذ الأول من أمس ،
1) فى ج 2 م 79 ص 264 الكلام على : «أمس» والإشارة لبعض الاستعمالات التالية ، ومنها استعمالات أخرى هامة.
أى : مذ اليوم الأسبق من أمس ، وهو اليوم المعين المعروف ، الذى يسبق أمس مباشرة.
فإن لم أره يومين قبل الأمس قلت : لم أره مذ أول من أول من أمس. (ولا يصح أن أزيد على اليومين قبل الأمس). فكلمة : «أول» الأولى خبر ومعناها : الأسبق أيضا. وكلمة : «أوّل» الثانية مجرورة بالفتحة ، ممنوعة من الصرف ؛ ومعناها : أسبق. والمراد : لم أره منذ يوم أسبق من يوم آخر أسبق من أمس (1).
ونعود فنشير مرة أخرى إلى جواز أوجه معنوية وإعرابية غير ما عرضناه.
ب - أشرنا من قبل (فى ج 2 م 79 ص 267 - باب الظرف) إلى ما تسجله المراجع النحوية من الكلام على أصل لفظ «أوّل» وأن أصله : «أوءل» بهمزة بعد الواو ، بدليل جمعه على «أوائل». فقلبت الهمزة الثانية واوا ، وأدغمت هذه الواو فى الأولى. وقبل : أصله : «ووأل» ، قلبت الهمزة واوا ، وأدغمت فى الواو قبلها. وقلبت الواو الأولى همزة ، ولم يجمع على «ووائل» فرارا من ثقل اجتماع الواوين فى أول اللفظ.
ولا شك أن هذه كلها فروض خيالية ، لا يعرفها العرب. ولكن النحاة ابتكروها للوصول إلى أغراض نافعة ؛ كمعرفة أصول الكلمة وزوائدها ، وتطبيق أحكام الإعلال والإبدال عليها ، والاهتداء إلى الكشف عن معناها فى المراجع اللغوية ... و ... وهذا حسن.
ح - وهل يستلزم ذكر الأول وجود ثان؟ الصحيح أنه لا يستلزم. إلا إن وجدت قرينة تدل على وجود ثان بعد الأول (2)...
د - «ملاحظة» : رأى بعض النحاة (1)
وبعض الاسماء يضاف أبدا *** ...
تقسيم الاسم من ناحية إضافته وعدم إضافته ، تقسيما موجزا ، ولكنه شامل ، وملخصه :(1) ما تجب إضافته للمفرد الظاهر أو المضمر إضافة لفظية ، ويصح قطعه عن الإضافة لفظا ، وهو : غير ، ومع ، والجهات ، ونحوها ؛ كلفظة «كلّ» التى ليست للتوكيد ولا للنعت.
(2) ما تجب إضافته للمفرد الظاهر أو المضمر إضافة لفظية ، ولا يصح قطعه ؛ مثل : كلا ، وكلتا ، عند.
(3) ما تجب إضافته للمفرد الظاهر ولا يصح قطعه ؛ وهو : أولو - أولات - ذو ، ذات وفروعهما ؛ كذوا ، وذوات ... - «كلّ» التى تعرب نعتا.
(4) ما تجب إضافته لفظا للضمير مطلقا - مخاطبا أو غير مخاطب - مثل : وحد ، وكلّ ، التى للتوكيد.
(5) ما يجب إضافته لضمير المخاطب ؛ مثل : لبيك ، وأخواتها ... ولا يجوز القطع.
(6) ما تجب إضافته للجملة مطلقا (أى : اسمية أو فعلية) ولا يقطع عنها ، وهو : حيث. فإنها لا تضاف فى الأعم الأغلب إلا للجملة ، ولا يصح قطعها عن الإضافة.
(7) ما تجب إضافته للجملة مطلقا مع صحة جواز قطعه عن الإضافة لفظا ؛ وهو «إذ».
(8) ما تجب إضافته لفظا للجملة الفعلية - دون غيرها - وهو : «إذا» وأيضا «لمّا» الحينية عند من يقول باسميتها.
(9) ما تمتنع إضافته ، كالضمائر ، وأسماء الإشارة ، وكذلك غير «أىّ» من أسماء الشرط ، والاستفهام ، والموصول.
(10) ما يجوز إضافته وعدم إضافته ، وهو بقية الأسماء الأخرى التى لا تدخل تحت قسم مما سلف ، وهى الأكثر. .
1) هو الخضرى - ج 2 عند بيت ابن مالك :
1 - يجوز حذف المضاف حذفا قياسيّا ، بثلاثة شروط :
أولها : وجود قرينة تدل على لفظه نصّا ، أو لفظ آخر بمعناه ، بحيث لا يؤدى حذفه إلى لبس أو تغيير فى المعنى ؛ نحو : حدثتنى التجارب أن من يبغى بسلاح الباطل يقتل بسلاح الحق. والأصل : حدثنى أهل التجارب ... والقرينة الدالة على المضاف المحذوف قرينة عقلية ، هى أن التجارب لا تتحدث ، وإنما الذى يتحدث : أصحابها والمتصلون بها ... فلابد لصحة المعنى الحقيقى - لا المجازىّ - من تقدير مضاف محذوف ، وهو مع حذفه ملحوظ. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَجاءَ رَبُّكَ ... ) ، وقوله : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ... ) ، وقوله : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ... ) ، والأصل : وجاء رسول ربّك - واسأل أهل القرية - ولكن البرّ برّ من آمن باللّه(1)- ...
فإن أوقع حذفه فى لبس أو تغيير فى المعنى لم يجز. كقول شوقى : «ذكروا للبخل مائة علة ، لا أعرف منها غير الجبلّة ...» فلا يجوز حذف المضاف ؛ وهو كلمة : «مائة» ، أو كلمة : «غير» ؛ لأن حذف الأولى يوقع فى لبس وغموض ؛ إذ لا دليل على المحذوف بنصه أو بمعناه. فلا ندرى أهو كلمة : مائة ، أم ألف ، ... ، أم غير ذلك؟ وحذف الثانية يفسد المعنى فسادا كاملا ، لأنه يؤدى إلى نقيض المطلوب ، فمثل هذا الحذف لا يجوز قياسا ، ويجب الاقتصار فيه على المسموع من العرب الأوائل وحدهم. ومنه
1) والقرينة العقلية الحاسمة فى هذه الأمثلة هى أنا لا نرى اللّه يجىء أمامنا ، وأن القرية من حيث هى طوب ؛ وحجارة ؛ ومواد بناء ، لا يتجه إليها سؤال حقيقى ، لا مجازى - ويستحيل أن يكون منها جواب ، وأن البر أمر معنوى لا يكون الخبر عنه هنا أمرا حسيا مجسما (أى : ذاتا ، وجثة).
حذف كلمة «ابن» فى قول الشاعر :
لا تلمنى - عتيق - حسبى الّذى بى *** إنّ بى - يا عتيق - ما قد كفانى
يريد : يابن أبى عتيق (1).
ثانيها : أن يقوم المضاف إليه مقام المضاف المحذوف ، ويحل محله فى الإعراب - وهذا هو الغالب (2)- فيكون فاعلا مكانه فى مثل قوله تعالى : ( وَجاءَ رَبُّكَ. ) والأصل كما قلنا : وجاء رسول ربك ؛ فحذف الفاعل المضاف ، وحلّ فى مكانه المضاف إليه ، وصار فاعلا مرفوعا.
وقد يكون مفعولا به ، كقوله تعالى : ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) ، والأصل : حبّ العجل ، فحذف المضاف المفعول به ، وحل محله المضاف إليه ، وصار مفعولا به منصوبا ، وقد يكون مفعولا مطلقا ؛ نحو قول الشاعر :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا (3)*** وبتّ كما بات السّليم (4)مسهّدا
والأصل : ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد ، فحذف المضاف وهو المفعول المطلق ، وحل محله المضاف إليه ؛ وهو كلمة : «ليلة» ؛ فصارت مفعولا مطلقا (5)بدله.
وقد يكون مبتدأ ، نحو قوله تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ... ) أى : زمن الحج ، أو موسم الحج ...
وقد يكون خبرا للمبتدأ ؛ كقولهم : شرّ المنايا ميّت بين أهله ، أى : منية ميت بين أهله (6).
1) وهذا ثابت من التاريخ ، فقد أخبرنا أن القائل هو : عمر بن أبى ربيعة ، وأن المخاطب هو : ابن أبى عتيق. وكلمة : «ابنة» مثل كلمة : «ابن» لا يصح حذفها وهى مضافة إلا سماعا.
2) كان هذا غالبا فقط السبب الذى فى رقم 5 من هامش الصفحة التالية.
3) الأرمد : المريض مطلقا. أو : المريض بمرض فى عينيه.
4) من لدغته أفعى. وهى من تسمية الأضداد ، رجاء أن ينجو ويسلم من عاقبة ما أصابه.
5) تتوقف صحة المعنى على هذا التقدير ، ولا يستقيم المعنى يجعل «ليلة» ظرف زمان ؛ فليس المراد : ألم تغمض عيناك ليلة الأرمد. أى : فى ليلة الأرمد؟
6) يريدون : من لم يشترك فى الحرب ، وقتال الأعداء.
وقولهم فى وصف الدنيا : «هى إقبال وإدبار». والأصل : هى ذات إقبال ... ، أو خبرا للناسخ ، كقوله تعالى فى الآية السالفة : ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ...).
وقد يكون ظرفا ؛ نحو : وصلت إلى عملى طلوع الشمس. أى : وقت طلوع الشمس. أو مفعولا لأجله ؛ نحو : أطعت الوالد إرضاءه ، أى : قصد إرضائه. أو : مفعولا معه ، نحو : رجعت للبيت والليل ، أى : ومجىء الليل. أو حالا ، نحو : تفرق الأعداء أيادى سبأ ، والأصل : مثل أيادى (1)سبأ ... أو : صفة ؛ نحو : سخرت من قوم أيادى سببأ. أى : مثل أيادى ... أو مجرورا ؛ كقوله تعالى : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ) أى : من مرضاة اللّه ... وقول الشاعر (2):
وكيف تواصل من أصبحت *** خلالته (3)كأبى مرحب (4)
أى : كخلالة أبى مرحب ... ، فحذف المضاف فى كل هذا - وأشباهه - وحل المضاف إليه محله فى اسمه الإعرابى ، وحركته الإعرابية ...
ومن الجائز أن يحذف المضاف ، ويبقى المضاف إليه على حاله من الجر من غير أن يقوم مقام المحذوف فى موقعه الإعرابى وحركته. ولكن هذا قليل بالنسبة للأول (5)
أجابوا : إن هذا الشرط مستمد من الأعم الأغلب الوارد فى الكلام الفصيح ؛ فاشتراطه إنما هو لتحقيق
الأعم الأغلب ، لا لتحقيق جميع الحالات التي يجوز فيها حذف المضاف. ونتيجة هذا أنه يجوز حذف المضاف مع بقاء المضاف إليه مجرورا بالشرطين المذكورين بعد لقياسيته . مع اعتبار هذا مخالفا للأعم الأغلب ، برغم صحته ، وقياسيته.
. ويشترط لصحته ، والقياس عليه شرطان :1) لا تعرب كلمة : «أيادى» هى الحال مباشرة ؛ لأنها معرفة بالإضافة للمعرفة ، والغالب فى الحال الأصلية أن تكون نكرة ، لذا كانت حالا مؤولة ؛ بمعنى : متبددين. أو : حالا من طريق قيامها مقام المضاف. المحذوف الذى هو كلمة : «مثل» المتوغلة فى أغلب حالاتها فى الإبهام ؛ كما عرفنا فى باب الحال ، ج 2 م 84 ص1. وكذلك حين تكون نعتا لنكرة.
2) هو النابغة الجعدى.
3) الخلالة - مثلثة الخاء - الصداقة.
4) أبو مرحب : كناية عربية قديمة عن الظل ؛ ومن شأن الظل التنقل وعدم الثبات.
5) كيف يجوز أن يبقى المضاف إليه على حاله من الجر مع أننا اشترطنا - فى الصفحة السالفة - لحذف المضاف إقامة المضاف إليه مقامه فى إعرابه؟
أحدهما : أن يكون المضاف المحذوف معطوفا على كلمة مضافة مذكورة ، تماثله (لفظا ومعنى ، أو معنى فقط) ، أو تقابله (1)، لتكون دليلا عليه بعد حذفه ،
والآخر : أن يكون حرف العطف متصلا بالمضاف إليه ، - الذى حذف قبله المضاف - أو منفصلا منه «بلا» النافية ؛ إن اقتضاها المعنى ؛ نحو : كل فتى محاسب على عمله ، وفتاة على عملها. والأصل : وكل فتاة. فحذفت كلمة : «كل» الثانية : وهى المضاف ؛ بعد أن تحقق شرطا (2)الحذف (وهما : الاتصال ، وعطفها على نظيرتها فى اللفظ والمعنى) ؛ وهى : «كل» الأولى (3).
ونحو قول الشاعر :
أكلّ امرئ تحسبين امرأ؟ *** ونار (4)توقّد (5)بالليل نارا؟
أى : وكلّ نار ... ومثال الفصل بينهما «بلا» النافية قول الشاعر :
ولم أر مثل الخير يتركه الفتى *** ولا الشّر يأتيه امرؤ وهو طائع
1) المراد بالمقابلة ما يشمل الضدين والنقيضين.
2) هذان هما الشرطان لقياسية الجر بعد حذف المضاف ، ولا داعى لاشتراط تقدم النفى أو الاستفهام أو غيرهما مما زاده بعض النحاة.
3) فالعطف عطف جملة على جملة ، ولا يصح أن يكون عطف مفردات ؛ باعتبار أن : «فتاة» معطوفة ، مباشرة ، على «فتى» لأنه يؤدى إلى فساد التركيب ؛ إذ يصير : كل فتى وفتاة محاسب على عمله ... و ... فتختل المطابقة بين المبتدأ والخبر.
4) قالوا فى إعراب كلمة : «نار» الأولى : إنها مضاف إليه مجرور بالمضاف المحذوف ؛ وهو : «كل». ولم تكن مجرورة بالعطف على كلمة : «امرئ» المجرورة بالمضاف لئلا يلزم العطف على معمولى عاملين مختلفين ، لأن كلمة : «امرئ» المجرورة ، معمولة للفظ : «كل» المضاف المذكور ، وكلمة : «امرأ» المنصوبة مفعول ثان : «لتحسبين» فهى معمولة للفعل ، ومفعوله الأول هو : «كل» امرئ المقدم عليه ، فلو عطفنا بالواو كلمة : «نار» المجرورة على «امرئ» المجرورة بالمضاف : «كل» ، وعطفنا بهذه الواو أيضا «نارا» المنصوبة على : «امرأ» المنصوبة - لترتب على هذا أن نعطف بحرف واحد شيئين على معمولين مختلفين ضبطا وهما لعاملين مختلفين ، وهذا ممتنع عند كثرة النحاة : لأن العاطف عندهم نائب عن العامل ، والعامل الواحد لا يعمل جرا ونصبا معا ، ولا ينوب عن عاملين. فالالتجاء إلى تقدير مضاف محذوف أولى ؛ إذ لا خلاف بينهم على صحته. أما الالتجاء إلى العطف على معمولى عاملين مختلفين ففيه خلاف ، والكثرة لا ترضاه ، وما لا خلاف فيه أحق بالاتباع مما فيه خلاف ... (راجع التصريح - وغيره - فى هذا الموضع).
5) أصلها : تتوقد : حذفت إحدى التاءين : للتخفيف.
أى : ولا مثل الشرّ. وقولهم : ما كلّ سوداء فحمة ، ولا بيضاء شحمة. أى : ولا كل بيضاء شحمة (1)، ويرى بعض النحاة عدم اشتراط الاتصال ، وهو رأى فيه تيسير وتوسعة ، لا مانع من الأخذ به ، برغم أنه ليس الأفصح الأعلى.
ومثال المحذوف المعطوف على مذكور لا يماثله وإنما يقابله ، قراءة من قرأ قوله تعالى : ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ، وَاللّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) (2).
ثالثها : أن يكون المضاف إليه من الأشياء التى تصلح لأن تحل محل المضاف المحذوف فى إعرابه ؛ كالأمثلة السالفة ، فلا يصح حذف المضاف إذا كان المضاف إليه جملة ؛ (لأنها لا تصلح فاعلا ، ولا مفعولا ، ولا مبتدأ ...
و ... و ...) كالتى فى قوله تعالى : ( فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... ) ، فالمضاف إليه هو الجملة الفعلية. والمضاف هو : كلمة «حين» ولا يجوز الحذف (3).
فإذا لم يتحقق شرط أو أكثر ، من الشروط الثلاثة لم يصح الحذف القياسىّ (4)
وما يلى المضاف يأتى خلفا *** عنه فى الاعراب إذا ما حذفا
ما يلى المضاف ، (أى : ما يأتى بعد المضاف ، والمراد به : المضاف إليه) يكون خلفا عنه فى الإعراب ، وقائما مقامه عند حذفه ؛ فيعرب بما كان يعرب به المضاف المحذوف ؛ فيصير فاعلا بدله ، أو : مفعولا ، أو : مبتدأ ، أو خبرا ... و ... واكتفى بهذا ، دون أن يذكر شيئا من الشروط. وقد أوضحناها : ثم قال : وربّما جرّوا الّذى أبقوا كما *** قد كان قبل حذف ما تقدّما
(الذى أبقوا) أى : الذى أبقوه بعد حذف المضاف. والمراد : المضاف إليه. (قبل حذف ما تقدم) أى : قبل حذف المتقدم ، وهو : المضاف.
يريد : أن العرب قد يحذفون المضاف ويتركون المضاف إليه على حاله من الجر كما كان قبل حذف المضاف.
لكن بشرط أن يكون ما حذف *** مماثلا لما عليه قد عطف
أى : بشرط أن يكون المضاف المحذوف معطوفا على كلمة مذكورة مماثلة فى لفظها ومعناها للمعطوف المضاف ، وقد شرحنا هذا ، وفصلناه.
.1) ستجىء مناسبة لهذا المثال فى ص 565 وله إيضاح فى 638.
2) الآخرة ، - بالجر ، فى قراءة من قرأها كذلك - مضاف إليه. والتقدير : تريدون عرض الدنيا ؛ (أى : الطارئ عليها ، الذى لا يدوم ، ولا يبقى). واللّه يريد دائم الآخرة ، أو خالد الآخرة ، فالمضاف إليه المحذوف ، وهو : دائم ، أو : خالد - مقابل للمذكور ، وهو : «عرض» ، وليس مماثلا له.
3) كذلك لا يجوز الحذف إذا كان المضاف إليه مبدوءا «بأل» والمضاف منادى. فلا يصح : يا العالم. تريد : يا مثل العالم.
4) فيما سبق يقول ابن مالك :
ا - إذا حذف المضاف ، بعد تحقق الشروط الثلاثة المطلوبة جاز - وهو الأكثر - عدم الالتفات عليه عند عودة الضمائر ، ونحوها مما يقتضى المطابقة ؛ (كالتعريف والتنكير ، والإفراد ، وغيره ...) فكأنه لم يوجد ، ويجرى الكلام على هذا الاعتبار. وجاز مراعاته كأنه موجود مع حذفه. وقد اجتمع الأمران فى قوله تعالى : ( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا (1)بَياتاً (2)، أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) (3). والأصل : وكم من أهل قرية ... فرجع الضمير : «ها» : مؤنثا إلى القرية. ورجع الضمير : «هم» مذكرا لاعتبار المحذوف وملاحظته. ولا تناقض بين الاثنين لاختلاف الوقت.
ومن ملاحظة المحذوف قول حسّان فى مدح الغسّانيين :
يسقون من ورد البريص (4)عليهمو
يريد : ماء بردى. والضمير فى : «يصفّق» مذكر ، إذ لوحظ فى مرجعه المحذوف أنه مذكر.
ومن ملاحظة المحذوف المؤنث وعود الضمير عليه مؤنثا دون اعتبار للمذكور قول الشاعر :
مرّت بنا فى نسوة حفصة *** والمسك من أردانها (1)نافحه
أى : رائحة المسك فائحة من أكمامها (2)...
(2) قد يحذف مضافان أو أكثر فيقوم الأخير مقام الأول. فمثال حذف مضافين قوله تعالى : ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ... ) الأصل : وتجعلون بدل شكر رزقكم تكذيبكم ؛ فحذف كلمتى : «بدل - وشكر» ، وكلاهما مضاف ، وأقام المضاف إليه الأخير وهو ؛ «رزق» - مقام الأول ؛ وهو : «بدل».
ومثال حذف ثلاثة قوله تعالى عن الرسول الكريم وأن جبريل اقترب منه : ( ثُمَّ دَنا(3)فَتَدَلَّى (4)؛ فَكانَ قابَ (5)قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) (6)،
1) جمع : ردن ، بمعنى : كمّ.
2) ما سبق هو حكم الضمير العائد على المضاف المحذوف ، المستوفى لشروط الحذف. أما حكم عودة الضمير على المضاف المذكور فهو حكم هام سبق تفصيله ، وبيانه ؛ سواء أكان المضاف هو لفظ «كل» و «بعض» أم غيرهما من صوره المختلفة التى فى مكانه الأنسب ، (وهو : «ه» - مبحث : مرجع الضمير) فى الجزء الأول ، (فى آخر المسألة 19 ص2. و «ز» من ص 236 ، مبحث تعدد المرجع).
3) أى : اقترب جبريل من النبى.
4) فزاد من القرب.
5) قدر. والمراد : قدر مسافة قوسين متلاصقين ، فقد كان من عادة أهل الجاهلية عند تحالفهم أن يحضروا قوسين ، ويلصقوا إحداهما بالأخرى ؛ حتى كأنهما قوس واحد ؛ رمزا للاتفاق واتحاد الكلمة ، وتقارب النفوس والقلوب.
6) اقرب.
والأصل : فكان الرسول قدر مسافة قرب قاب قوسين. فكلمة : «الرسول» المحذوفة اسم كان ، والضمير حلّ محلها ، وصار هو الاسم. وحذفت المضافات الثلاثة : (قدر - مسافة - قرب -) وحلّ المضاف إليه الأخير ، (وهو كلمة : قاب) ، محل المضاف إليه الأول ، (وهو : قدر) وصار خبرا مكانه.
ب - يجوز حذف المضاف إليه ، ولهذا صور ثلاث (1):
الأولى : أن يحذف المضاف إليه ، وينوى معناه ؛ فيبنى المضاف على الضم (ولا يصح أن يكون معربا ، ومنونا). وهذه الصورة تتحقق حين يكون المضاف كلمة : «غير» أو ظرفا من الظروف الدالة على الغاية مثل : قبل - بعد ، ... أو اسما آخر يشبهها ؛ مثل : حسب ... وسواها مما سردناه وشرحناه قريبا (2)؛ نحو : استشار المريض الطبيب ليس غير ، ولم يستمع لأحد قبل. والأصل - مثلا - : ليس أحد غير الطبيب ، ولم يستمع لأحد قبل الطبيب. فلما حذف المضاف إليه ونوى معناه بنيت «غير» ، و «قبل» على الضم ...
الثانية : أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لفظه ولا معناه ، فيرجع المضاف إلى حالته الإعرابية قبل الإضافة ، ويردّ إليه ما حذف للإضافة ؛ كالتنوين ... و ... فكأنّ الكلام فى أصله خال من الإضافة ؛ نحو قوله تعالى : ( وَكُلًّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنى ) ، أى : وكلّ فريق. وقوله تعالى : ( أَيًّا ما تَدْعُوا (3)فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) ، ونحو : تشعبت فروع التخصص فبعض زراعى ، وبعض طبىّ. وبعض هندسىّ ... أى : فبعض الفروع ...
ويتحقق هذا فى الأسماء بنوعيها : التامة (4)
أما غير التامة فهي قبل و بعد وأشباههما و... مما شرحناه في هذا الباب في ص 131 وما يليها.
وغير التامة (ولا سيما ما كان منها دالّا على الإحاطة والشمول ، أو البعضية ؛ كما فى الأمثلة).الثالثة : أن يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه ؛ فيبقى المضاف على حاله التى كان عليها قبل الحذف ؛ فلا يتغير إعرابه ، ولا يرد إليه ما حذف
1) إذا كان المضاف إليه هو «ياء المتكلم» تميز بأحكام خاصة ، هامة تجىء فى ص 169 وما بعدها - م 97 -
2) فى ص 131 و141 وما بعدهما.
3) «أيا» أداة شرط ؛ للعموم والإبهام. «تدعوا» فعل شرط ، مضارع، مجزوم بحذف النون ، وواو الجماعة فاعل «وما» زائدة.
4) فى رقم 1 من هامش ص 131 أن المراد بالأسماء التامة هنا ما لا تدل على الغايات ، المشروحة فى هامش ص 141.
للإضافة - كالتنوين ... وإنما تظل أحكام الإضافة سارية بعد الحذف كما كانت قبله.
ويشترط فى المضاف المذكور إن كان اسما تامّا (1)أن يعطف عليه اسم عامل فى لفظ مشابه للمضاف إليه المحذوف فى صيغته ومعناه ؛ ليدل على المحذوف نصّا ؛ فيكون فى قوة المذكور ، نحو : أنفقت ربع ونصف المال ، أى : أنفقت ربع المال ونصف المال. فحذف المضاف إليه الأول بعد تحقق الشرط المطلوب ، وهو وجود اسم معطوف : (نصف) وهذا المعطوف عامل فى لفظ آخر (نعنى به : المال) وهو مشابه للمحذوف فى صيغته ومعناه ؛ فاستغنينا بالمذكور عن المحذوف ؛ أى : أن المضاف إليه الثانى دل على الأول المحذوف (2)
ويقول الفراء : إذا كان الاسمان المضافان متصاحبين فى الاستعمال الكلامى الكثير كاليد والرجل ، و
«قبل وبعد» أضيفا معا للمضاف إليه المذكور ، ولا شيء محذوف ، ولا متقدم أو متأخر عز مكانه. وفى هذا راحة وتيسير ، ولكن الأول أدق. برغم أن نتيجة الآراء الثلاثة واحدة.
، ومثل قول الشاعر :سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها (3)*** فنيطت (4)عرى (5)الآمال بالزرع والضّرع (6)
أى : سهلها وحزنها. وقول الفرزدق :
يا من رأى عارضا يسرّ به *** بين ذراعى وجبهة الأسد
1) أما ظروف الغايات ؛ (مثل : قبل ، بعد ، ونظائرهما) فلا يشترط فيها هذا ، كما تقدم عند الكلام عليها. (وقد سبق شرح الأسماء التامة ، والغايات فى هوامش ص 131 و141 و1. ..).
2) هناك تقدير آخر فيه تكلف ... وملخصه ، أن الأصل : أنفقت ربع المال ونصفه. ثم تأخر المضاف إليه ، فصارت الجملة : أنفقت ربع - ونصفه - المال - ثم حذفت الهاء تحسينا للفظ ، ولا داعى لهذا التكلف والالتواء الذى لا فائدة منه.
3) الحزن : الأرض الغليظة ، الصلبة. (ضد السهلة).
4) فتعلقت.
5) جمع : عروة ، وهى الجزء البارز من الإناء وغيره ، كى يمكن إمساك الإناء منه ، وكأنه حلقة مستديرة - أو نحوها - مما يكون متصلا بظاهر الإناء ، كى تمسكه اليد فى سهولة.
6) الضرع : المكان الذى يتجمع به لبن الحيوانات اللبنية فى آخر بطنها ، والمراد ، هنا تلك الحيوانات نفسها.
أى : بين ذراعى الأسد ، وجبهة الأسد. ولا فرق فى المعطوف العامل بين أن يكون مضافا يعمل الجر فى المضاف إليه - كالمثالين السالفين ، - وأن يكون عاملا آخر غير مضاف ؛ نحو ، قول الشاعر
علّقت آمالى فعمّت النعم *** بمثل أو أنفع من وبل (1)الدّيم (2)
أى : بمثل ، أو : بأنفع (3)
ويحذف الثّانى فيبقى الأوّل *** كحاله إذا به يتّصل
بشرط عطف وإضافة إلى *** مثل الّذى له أضفت الأوّلا
يقول : إن الثانى ، (وهو : المضاف إليه) يحذف ولا يتأثر الأول (وهو المضاف) بالحذف ، بل يبقى على حاله الأول حين اتصاله بالمضاف إليه المحذوف. وهذا بشرط أن يكون المضاف الباقى على حاله معطوفا عليه ، والمعطوف مضاف إلى لفظ مثل المحذوف الذى أضيف إليه الأول الباقى بعد الحذف.
ثم انتقل بعد هذا إلى الكلام على الفصل بين المتضايفين فقال بيتين سبق شرحهما فى موضعهما الأنسب من ص 58 وهما :
فصل مضاف شبه فعل ما نصب *** مفعولا او ظرفا أجز ، ولم يعب :
فصل يمين. واضطرارا وجدا *** بأجنبىّ ، أو : بنعت ، أو : ندا
...وقد يحذف المضاف إليه (4)ويبقى المضاف على حاله إذا كان هذا المضاف معطوفا على مضاف إلى مثل المحذوف ، - وهذه الصورة عكس السابقة - ومنها الحديث الذى رواه البخارىّ عن أحد الصحابة ونصه : غزونا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وسلّم) سبع غزوات وثمانى ، بفتح الياء بغير تنوين. والأحسن الاقتصار فى هذ النوع على المسموع.
ح - إذا وقع بعد المركب الإضافى (كعبد العزيز - وشمس الدين - وسيف اللّه ... وأنواع العلم الكنية ...) نعت (5)، فهو للمضاف ؛ لأن المضاف .
1) الوبل : المطر الشديد.
2) جمع : ديمة ، وهى المطر الذى يطول زمنه بغير رعد ولا برق.
3) اكتفى ابن مالك فى الإشارة إلى الأحوال السابقة بقوله الموجز :
4) إذا كان غير ياء المتكلم. فإن كان ياء المتكلم فله الأحكام الخاصة الآتية فى ص 169 و172.
5) انظر فى ص 444 ما يتصل بحكم النعت وغيره من التوابع إذا كان المتبوع كنية.
هو المقصود الأساسىّ بالحكم ، أما المضاف إليه فهو قيد له - كما تقدم (1)- ويستثنى من هذا الحكم حالتان :
الأولى : أن يقوم دليل على أن المقصود بالنعت هو المضاف إليه ؛ نحو : أسرع إلى معاونة الصارخ الملهوف ، ولا تتوان فى بذل الجهود الصادقة لإنقاذه.
الثانية : أن يكون المضاف هو لفظة : «كلّ» (2)، فالأحسن فى هذه الحالة مراعاة المضاف إليه ؛ لأنه المقصود الأساسىّ. أما المضاف : «كلّ» فجىء به لإفادة الشمول والتعميم ؛ نحو : كل فتاة مهذبة هى دعامة لرقىّ وطنها ، وإسعاد أهلها ... ومراعاة المضاف : «كلّ» ضعيفة هنا.
وتطبيقا على ما سلف يعرض النحاة (3)لإعرب بعض النعوت ؛ فيجيزون فى كلمة : «الأعلى» من قوله تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) أن تكون نعتا لكلمة : «اسم» ، أو لكلمة : «رب» لأن الغرض هو تنزيه المسمى (أى : المولى جل شأنه). ولا مانع أن يكون الغرض تنزيه اسمه عن الأوصاف والتأويلات التى لا تليق بهذا الاسم المعظّم ، وعن إطلاقه على غيره سبحانه ...
وأما نحو : جاءنى رسول علىّ الظريف ... فالنعت للمضاف ، ولا يكون للمضاف إليه. إلا بدليل ؛ لأن المضاف إليه جاء لغرض التخصيص. ولم يجىء لذاته. بخلاف النعت فى مثل : و «كلّ فتى يتّقى فائز» ... فإن النعت للمضاف إليه ؛ لأن المضاف جاء لإفادة التعميم ، لا للحكم عليه. وغير هذا ضعيف ، ما لم تقم قرينة توجّه إليه بغير لبس ولا خفاء - كما أسلفنا -. «ملاحظة» - إذا كان العلم كنية - والكنية لا تكون إلا مركبا إضافيّا - وجاء تابع له من نعت ، أو غيره ، وجب مراعاة ما يأتى فى «ا» من ص 444.
المضاف إلى ياء المتكلم (1).
تقتضى الإضافة أحكاما عامة عرفناها فى بابها (2). وفى مقدمة تلك الأحكام : إعراب المضاف على حسب حاجة الجملة التى يكون فيها ، وجرّ المضاف إليه دائما ... و ...
لكن الإضافة لياء المتكلم تستلزم أحكاما أخرى فى ضبط ياء المتكلم ؛ وضبط الحرف الذى قبلها من آخر المضاف (3). وفيما يلى البيان : أولا (4)- : يجب كسر آخر المضاف ، وبناء ياء المتكلم على السكون أو الفتح فى محل جرّ ، فى أربع حالات :
(1) أن يكون المضاف اسما مفردا صحيح (5)الآخر ؛ ككلمة : «نفس» ، و «وطن» و «روح» ، و «مال» فى نحو : وقفت نفسى على خدمة وطنى ، وسأبذل روحى ومالى فى حمايته ، وقول الشاعر :
أأكذب عامدا من أجل مال؟ *** فليس بنافعى - ما عشت - مالى (6)
وإعراب المضاف فى هذا النوع كالذى يليه ؛ وسيأتى البيان.
1) لهذا الباب صلة وثيقة بباب : «المنادى المضاف لياء المتكلم» ج 4 ص 43 م 131 - ويعتبر كل منهما متمما الآخر.
2) فى ص 6 وما بعدها.
3) سبق تلخيص مفيد لها فى ج 1 رقم 8 من ص 181 م 16.
4) سيجىء الحكم الثانى فى أول ص 177.
5) وكذلك ما يدخل فى حكمه. وسيأتى فى «ح» ص5. وصحيح الآخر هو : ما ليس فى آخره حرف من أحرف العلة الثلاثة ؛ (وهى : الألف - والواو - والياء) ، ومعتل الآخر ؛ هو : ما فى آخره حرف من أحرف العلة الثلاثة. - كما فى ج 4 هامش ص 43 و79. .
6) وزن الشعر يمنع تحريك الياء هنا. - أى : أن الحركة ممنوعة للضرورة -.
(2) أن يكون المضاف اسما مفردا معتلا شبيها بالصحيح (1)
ولهذا المعتل الشبيه بالصحيح المشتمل على ياء مشددة ، وتشديدها ليس نتيجة إدغام ياءين .. حكم يتلخص فيما يأتي :
إذا كان المضاف - مختوما قبل إضافته بياء مشددة ، مثل : كرسى - حوارى .... فإنه بعد إضافته تتجمع
في آخره ياءات ثلاث متوالية وهذا ممنوع . غالبا . وللفرار منه يجب الالتجاء إلى واحدة مما يأتي :
إما حذف ياء المتكلم (وهى المضاف إليه) مع بقاء ما قبلها مكسورا في كل الحالات ؛ لتكون الكسرة دليلا على الياء المحذوفة ، نحو جلست على كرسي ... بغير تنوين ، والأصل كرسيّ ... وإما قلب ياء المتكلم ألفا ، وحذف الألف مع فتح ما قبلها ؛ لتكون الفتحة دليلا على الألف المحذوفة المنقلبة عن ياء المتكلم ؛ نحو ؛ جلست علی كرسی ... ، والأصل : على كرسيا ...
وإما حذف إحدى الياءين الأوليين وإدغام الثانية في ياء المتكلم فتنشأ ياء مشددة مكونة مزيدة من السابقة منهما ساكنة ، والمتأخرة (وهى ياء المتكلم مفتوحة. ولا فرق فى الصورة الظاهرة . لا في الحقيقة . بين هذه الحالة والتي قبلها. والأفضل الاقتصار على الحالة الأولى. مع صحة استعمال الأخريين.
ككلمة «صفو» و «بغى» فى مثل : لا يؤلمنى ويكدّر صفوى كبغيى على الناس ، ولا سيما الضعفاء.ونقول فى إعراب المضاف فى هذا النوع وما قبله فى حالة الرفع : إنه مرفوع بضمة مقدرة (2)، منع ظهورها الكسرة العارضة لمناسبة الياء ، نحو : علمى وحده أنفع لى من مالى وحده - صفوى يكدره بغيى ..
ونقول فى حالة النصب : إنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الكسرة العارضة لمناسبة الياء ؛ نحو : إنّ أخى الحقّ من يزيد صفوى! ويمنع بغنى.
أما فى حالة الجرّ - نحو : (أتعلم من تجاربى مالا أتعلمه من كتبى - الصوت العذب يخفف من شجوى ..) فقد نقول : إنه مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع ظهورها الكسرة العارضة لمناسبة الياء ، أو نقول : إنه مجرور بالكسرة الظاهرة
1) المعتل الشبيه بالصحيح ما فى آخره حرف متحرك من حرفى العلة : (الواو أو الياء) مع سكون ما قبله ؛ نحو : (سقى - ظبى) - (شجو - صفو) - ونحو : (حوارىّ - عشىّ - خفىّ - وكل ما هو مختوم بياء مشددة للنسب ؛ كعبقرىّ ، أو غير النسب ؛ مثل : كرسىّ ، ونحوهما من كل مختوم بياء مشددة ، ليس تشديدها نتيجة إدغام ياءين.
2) للإعراب المقدر (أى : التقديرى) وكذا الإعراب المحلى ، مواضع خاصة بكل منهما ، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما فى موضعه الخاص ، وقد سبق بيان تلك المواضع تفصيلا ، وتوضيح أثرهما فى الباب الخاص بهما ، (وهو : باب «المعرب والمبنى» ج 1 ص 52 م 6 وفى ص 129 م 16).
مباشرة ، ولا داعى لتقدير كسرة مع وجود أخرى ظاهرة. وهذا أنسب (1)، لبعده من التكلف والتعقيد. والأخذ به أولى فى هذه الصورة وأشباهها ؛ لأنه يغنينا عن التقدير قدر الاستطاعة.
(3) أن يكون المضاف جمع تكسير صحيح الآخر ؛ مثل كلمة : «رفاق» فى نحو : تخيرت رفاقى ممن طابت سريرتهم ، وحسنت سيرتهم. وإعرابه - رفعا ، ونصبا ، وجرّا - كسابقه.
(4) أن يكون المضاف جمع مؤنث سالما ؛ نحو : تسابقت زميلاتى فى ميادين العمل النافع - أكبرت زميلاتى - أعرف لزميلاتى حقهن فى الإكبار ... وحكمه : الرفع بضمة مقدرة منع من ظهورها الكسرة العارضة. والنصب والجر بالكسرة الظاهرة ؛ طبقا للرأى الأسهل ، أو بالكسرة المقدرة التى منع من ظهورها الكسرة العارضة ، طبقا للرأى الآخر.
1) وقد اختاره صاحب التسهيل.
1 - إذا كانت الإضافة محضة جاز فى الحالات السابقة واحد من أمور أربعة أخرى :
إما حذف ياء المتكلم ، مع بقاء الكسرة التى قبلها لتدل عليها ، وإما قلب الكسرة التى قبل الياء فتحة ، وقلب ياء المتكلم ألفا ؛ ففى نحو : «نفسى ووطنى» من المثال السابق (1)نقول : وقفت نفس على خدمة وطن ، (2)أو : وقفت نفسا على خدمة وطنا ..
وإما حذف هذه الألف مع بقاء الفتحة التى قبلها دليلا عليها ؛ نحو وقفت نفس على خدمة وطن.
وإما حذفها ومجىء تاء التأنيث (3)عوضا عنها : بشرط أن يكون المضاف منادى ، ولفظه : «أب» ، أو : «أم» - نحو : يا أبت ، يا أمّت (4)
كما سيجيء في ج 4 في باب المنادي المضاف لياء المتكلم م 131 ص 46.
... ولا يجوز الجمع بين التاء والياء.وكل ما تقدم بشرط أن يكون أمر الياء المنقلبة ألفا أو المحذوفة - واضحا ، فلا يحدث لبس أو فساد للمعنى بسببه. وبالرغم من جواز هذه الأمور الأربعة وصحتها عند تحقق هذا الشرط فالأفضل - اليوم - التخفف منها ومن محاكاتها ؛ لأنها - مع صحتها وجوازها - لا تخلو من غموض وخفاء يتنافيان مع الغرض الصحيح من اللغة ، واستخدامها أداة بيان وإيضاح. وحسبنا فهم ما ورد بها من الكلام القديم ؛ ولهذا نعرضها.
1) فى ص 169 وهو : وقفت نفسى على خدمة وطنى ...
2) وكقوله تعالى : ( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي ، وَخافَ وَعِيدِ. ) أى : وعيدى. ولو لا أن ياء المتكلم محذوفة لوجب نصب كلمة : «وعيد» كما يقضى سياق الآية فى سورة «إبراهيم». وفى هذه السورة تكرر حذف ياء المتكلم مع بقاء الكسرة قبلها.
3) مبنية على الفتح ، أو على الكسر ، وكلاهما قوى كثير. أو على الضم ، وهو قليل ، (كما سيجىء فى ج 4، باب «النداء» م 131 ص 46 ، حيث الكلام على طريقة كتابتها.)
4) المنادى فى هاتين الصورتين منصوب بفتحة ظاهرة دائما - على الرغم من أن تاء التأنيث توجب فتح ما قبلها حتما - ؛ إذ لا داعى للإطالة بأنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التى جاءت لمناسبة التاء. وهذا المنادى مضاف ، وياء المتكلم المحذوفة مضاف إليه وجاءت تاء التأنيث - وهى حرف - عوضا عنها ، مع بقائها حرفا للتأنيث كما كانت ، وليست بالمضاف إليه -
فإن كانت الإضافة غير محضة مثل : «مصاحب» ؛ فى نحو : الوالد مصاحبى غدا فى الرحلة ، - لم يجز شىء من هذه الأمور الأربعة. ووجب إثبات ياء المتكلم مع بنائها على السكون - وهو الأكثر - أو على الفتح ، وكسر ما قبلها فى الحالتين ؛ لأن الكسرة هى التى تناسبها.
ب - النحاة يعتبرون الإضافة لياء المتكلم المذكورة فى الجملة نصّا ، نوعا من «الإضافة الظاهرة». ويسمون الإضافة إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا ؛ أو المحذوفة بعوض أو بغير عوض - «الإضافة المقدرة» (1).
ح - يدخل فى حكم الصحيح عند إضافته لياء المتكلم الأسماء الخمسة الآتية : (أب - أخ - حم - فم - هن) ، ودخولها قائم على الرأى الشائع الذى يحسن الاقتصار عليه عند إضافتها ، وهو يقضى بعدم إرجاع الحرف الأخير المحذوف من تلك الأسماء ، وباعتباره عند إضافتها كأن لم يكن ؛ فهى أسماء معربة بحركات مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها كسرة المناسبة. فبالرغم من أن أصلها : (أبو - أخو - حمو - هنو - فوه ... - بالرغم من ذلك الأصل نقول - فى الرأى الشائع - عند إضافتها : أبى - أخى - حمى - هنى - فى ... بزيادة ياء المتكلم ، مبنية على السكون ، مع كسر ما قبلها.
أما «ذو» التى تعرب إعراب الأسماء الخمسة السابقة فلا يصح إضافتها لياء المتكلم - كما سبق فى بابها ، ج 1 ص 70 م 8 -
وهناك رأى آخر ؛ لا يحسن الأخذ به ، وإنما نذكره - كالمعتاد فى أمثاله - لنفهم به ما ورد مما ينطبق عليه فى الكلام المأثور ، دون محاكاة ، وهو رأى مستنبط من بضعة أمثلة قليلة مسموعة عن بعض قبائل. ومقتضاه : وجوب إرجاع الحرف المحذوف من تلك الأسماء الخمسة عند إضافتها ، وتسكينه ، واعتبار الاسم المضاف بعد إرجاع المحذوف وتسكينه ، نوعا من المعتل الآخر يجب معه بناء ياء المتكلم على
1) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 3 من هامش ص 7.
الفتح ، وقلب حرف العلة الذى قبلها ياء ساكنة تدغم فى ياء المتكلم المبنية على الفتح (1)وعلى هذا تكون الأسماء السالفة المضافة معربة بحركات مقدرة ، منع من ظهورها السكون الذى فوق الياء الأولى ، وهو السكون الآتى للإدغام ، ولا يصح أن تكون فى حالة الرفع مرفوعة بالواو - كالشأن فى الأسماء الخمسة ، لأن شرط إعراب الأسماء الخمسة بالحروف ألا تكون مضافة لياء المتكلم. والذين يقولون إن المحذوف من كلمة : «فم» ياء ، لاواو ، يرجعون هذه الياء ويدغمونها فى ياء المتكلم (2)، ، ولا يختلف الإعراب هنا عن سابقه.
(وستجىء إشارة لبعض ما سبق فى باب المنادى المضاف لياء المتكلم - ج 4 ص 43 م 131).
د - بمناسبة ما سبق من الكلام على إضافة الاسم المعتل الآخر بالواو المحذوفة ... لم أر فيما بين يدى من المراجع حكما للاسم المعرب المعتل الآخر بالواو الثابتة عند إضافته لياء المتكلم (3). ولعل السبب أن هذا النوع من الأسماء المعتلة لا يعرفه العرب الأقدمون ؛ إذ لم برد منه إلا بضع كلمات معربة ؛ تكاد لا تزيد على ثلاثة ، لهذا لم يدخله النحاة فى اعتبارهم عند تقسيم الاسم المعتل الآخر وأحكامه ؛ فقسموه إلى المعتل بالألف ، وإلى المعتل بالياء ، وتركوا الاسم المعتل الآخر بالواو (4).
لكنا اليوم لا نستطيع إهماله ؛ لشيوعه بيننا ، وكثرة التسمية به ، فمن أسماء الناس المتداولة : حميدو - زندو - زوغو - روميو - غاليليو - كاسترو - ...
1) وهل يكسر ما قبل هذه الياء المشددة تشديد إدغام؟ لعل الأنسب هو الكسر ، مراعاة لضوابط العامة ، وإن كنت لا أعرف فيه نصا خاصا بهذه المسألة.
2) راجع الصبان ج 1 عند الكلام على الأسماء الخمسة ، وبيت ابن مالك : «وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا ...» وج 2 فى آخر باب «المضاف إلى ياء المتكلم». ويكملهما ما جاء فى الهمع ج 2 ص 54.
3) أما معتل الآخر بالألف أو بالياء فيجىء حكمه فى ص 177.
4) لنا فى هذا رأى (سجلناه فى ج 1 ص 122 ، 125 م 15) مقتضاه أنه لا يمكننا إغفال هذا القسم اليوم. ووضعنا له الحكم المناسب. وأوضحنا هناك ما يؤيد هذا الحكم ، كما تكلمنا على حكم تثنيته وجمعه فى الجزء الرابع (م 171 بهامش ص 457).
ومن أسماء البلاد المشهورة : أدكو - أدفو - وهما بلدان مصريان - أركنو (اسم واحة مصرية) - كزمو - طوكيو - برنيو - كنغو - إكوادورو ... ولا شك أن الحاجة. قد تدعو إلى إضافة اسم من هذه الأسماء وأشباهها - إلى ياء المتكلم ، فما الحكم الذى يختار للتطبيق هنا؟
قد يكون بإضافة ياء المتكلم إلى آخر الاسم مباشرة مع إبقاء الواو ساكنة ، مراعاة لأصلها ، ودلالة عليه ؛ (لأن تحريكها بالكسر يبعد الذهن عن إدراك هذا الأصل ، ويوقع فى اللبس) ؛ فنقول حميدوى - زندوى ... و .. ولكن فى هذا الرأى - مع توضيحه المراد - مخالفة لقاعدة الإعلال التالية هنا.
وقد يكون بقلب الواو ياء ساكنة ، وإدغامها فى ياء المتكلم المبنية على الفتح فتنشأ ياء مشددة مفتوحة (تتكون من الياء الأولى الساكنة ، والثانية المبنية على الفتح) مع كسر ما قبل الياء المشددة. ولن يقع لبس بين هذه الياء وياء النسب ، لأن الأولى لازمة التشديد مع الفتح دائما ، أما ياء النسب ، فلازمة التشديد أيضا ، ولكنها ترفع أو تنصب أو تجر على حسب الجملة ...
ولعل الأخذ بهذا أولى ؛ لما فيه من مراعاة الأصول العربية الوثيقة ، والقواعد العامة فى «الإعلال» ، وتطبيقها على الكلمات الدخيلة التى تقضى الضرورة باستعمالها. ومن تلك الأصول : (أنه إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ، وكسر ما قبلهما ، إلا لمانع - كما سنعرف قريبا (1)). على أن الأخذ بهذا الرأى أو بسابقه - أو بغيرهما - يحتاج إلى إقرار وشيوع بين المتخصصين فى شئون اللغة.
ه - من الألفاظ المستعملة : «ابنم» المبدوء بهمزة الوصل ، والمختوم بالميم الزائدة ؛ فيجوز عند إضافته لياء المتكلم إبقاء الميم الزائدة ، وحذفها ، مع إسكان الياء ، وكسر ما قبلها فى الحالتين ؛ فتقول : ابنمى ، أو : ابنى.
و - عند الوقوف على ياء المتكلم يجوز زيادة هاء السكت (2)بعدها مع بناء الياء على الفتح ؛ كقوله تعالى : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي
لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ، يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ، ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ) ، ومنه قول عائشة فى وصف أبيها : «أبيه ، وما أبيه ...».
ثانيا (1): يجب تسكين آخر المضاف ، وبناء المضاف إليه (وهو : ياء المتكلم) على الفتح - فقط - فى محل جر فى الأحوال الأربعة الآتية (2):
(1) أن يكون المضاف اسما مقصورا (3)؛ مثل كلمة : «هدى» فى نحو : هداى خير الوسائل للسعادة. ومن العرب من يقلب ألف المقصور ياء ، ويدغمها فى ياء المتكلم ؛ فيقول : هدىّ خير الوسائل للسعادة. ولكن هذا الرأى - مع جواز محاكاته - لا يحسن اليوم الأخذ به ؛ منعا لفوضى التعبير (4)...
(2) أن يكون المضاف اسما منقوصا (5)؛ مثل كلمة : «هاد» ؛ فى نحو : العقل هادىّ إلى الرشاد ... (والمنقوص : اسم معرب ، آخره ياء لازمة ، مكسور ما قبلها ، غير مشددة ؛ مثل : الهادى - الداعى - الوالى ... (6)) فهذه الياء عند الإضافة وحذف «أل» تسكن ، وتدغم فى ياء المتكلم التى يجب بناؤها على الفتح فى محل جرّ : فيحدث من إدغامهما ياء مشددة).
(3) أن يكون المضاف مثنى - أو شبهه ؛ كاثنين - مرفوعا أو غير
1) أما الحكم الأول فقد سبق فى ص 169.
2) مع ملاحظة ما سبق فى «ب» من الزيادة والتفصيل ص 173.
3) هو الاسم المعرب الذى آخره ألف لازمة ، مثل : الهدى : الرضا ... وتفصيل الكلام عليه فى ج 1 ص 122 م 15.
4) وفى هذه الحالة يكون معربا بالياء التى أصلها الألف ، بدل حركات الإعراب التى كانت مقدرة على الألف. فهو مما ناب فيه حرف عن حركة - طبقا للبيان السابق فى موضعه الأنسب - ج 1 ص 106 م 7 «ب» - لكن يكاد يقع الاتفاق على قلب الألف ياء فى الظرف. «علا» (كعصا) (وهو لغة فى : «عل» بمعنى : «فوق» وقد سبق الكلام عليه فى الظروف ص4. كما سبق بيان إعرابه مفصلا فى ج 1 م 16 ص 178 فى آخر الكلام على الاسم المعرب المعتل الآخر). عند إضافته لياء المتكلم فى لغة من يجيز إضافته ؛ نحو : أحجب الشمس من علىّ. وكذلك الظرف «لدى» ، ومن الواجب أن تقلب ألف «لدى» ياء عند إضافته لياء المتكلم ، أو لغيرها من الضمائر : نحو : لدىّ العون لمن يستعيننى ، ولديك الإكرام لمن يقصدك كما سبقت الإشارة. أما «على» و «إلى». الحرفان الجاران فيجب قلب ألفهما ياء عند جرهما الضمير مطلقا.
5) من الحالتين الأولى والثانية يتضح حكم الاسم المعرب المعتل الآخر بالألف أو بالياء عند إضافته لياء المتكلم. أما حكم الاسم المعرب المعتل الآخر بالواو فقد سبق فى «د» من ص 174.
6) تفصيل الكلام عليه فى ج 1 ص 124 م 15.
مرفوع (1)مثل كلمة : «يدان» فى نحو : لا أتطلع إلا لما كسبت يداى. ولا أعتمد فى رزقى إلا على يدىّ. وكقول الشاعر :
أيا أخوىّ الملزمىّ ملامة *** أعيذكما باللّه من مثل ما بيا
(ويلاحظ أن ياء المثنى - وشبهه - فى حالة نصبه وجره تدغم فى الياء الواقعة مضافا إليه ، فتظل الأولى ساكنة ؛ وتبنى الثانية على الفتح فى محل جر. ومن إدغامهما تنشأ الياء المشددة - كالتى فى البيت السالف - أما فى حالة رفع المثنى - وشبهه - فتبقى ألفه على حالها ، وبعدها ياء المتكلم - وهى المضاف إليه - مبنية على الفتح فى محل جر ، ولا بد من حذف نون المثنى المضاف مهما اختلفت استعمالاته.
(4) أن يكون المضاف جمع مذكر سالما - أو شبهه ؛ كعشرين - مرفوعا أو غير مرفوع ؛ مثل كلمتى : «مشاركون» و «معاونين» فى خطبة قائد فى جنوده وقد انتصر. «أنتم اليوم مشاركىّ فى لذة الانتصار وفخره ، كما كنتم معاونىّ فى صد العدو ، والفتك به ، فمرحى بمشاركىّ ، ومرحبابهم).
والأصل : أنتم مشاركون لى ؛ ثم حذفت النون - وجوبا للإضافة ، وكذا اللام (2)
أنه : إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء. وكسر
ما قبلهما ، إن لم يوجد مانع آخر. يمنع من الكسر. كبعض أمثلة هنا ؛ وهي الآتية مباشرة (مرتجیّ - مرتضى - مصطفى ...).
. فصارت : مشاركوى ، ثم قلبت الواو ياء (3)، ساكنة وأدغمت هذه الياء الساكنة فى الياء المفتوحة (المضاف إليه) وكسر ما قبلها ؛ لأن الكسرة هى التى تناسب الياء ، فصارت مشاركىّ ...1) تحذف مع النون اللام التى تفصل بينهما وبين ياء المتكلم التى تليها ، طبقا للبيان الذى سبق (فى رقم 2 من هامش ص 9) ويرى بعض النحاة أن اللام محذوفة هنا للتخفيف. وهذا خلاف لا قيمة له. والأفضل والأيسر أن يقال : إنها حذفت للإضافة ؛ لأنها لا تحذف إلا عند وجود الإضافة.
2) تطبيقا لقاعدة صرفية لها شروط وتفصيلات موضحة فى مكانها من باب : «الإعلال والإبدال» - ج 4 - وموجز القاعدة :
3) تحذف مع النون اللام التى تفصل بينهما وبين ياء المتكلم التى تليها ، طبقا للبيان الذى سبق (فى رقم 2 من هامش ص 9) ويرى بعض النحاة أن اللام محذوفة هنا للتخفيف. وهذا خلاف لا قيمة له. والأفضل والأيسر أن يقال : إنها حذفت للإضافة ؛ لأنها لا تحذف إلا عند وجود الإضافة.
أما «معاونىّ» ، المنصوبة فى المثال ، فأصلها : «معاونين لى» ؛ حذفت النون واللام للإضافة ، ثم أدغمت هذه الياء الساكنة فى الياء المفتوحة ، التى هى المضاف إليه : فصارت معاونىّ ... ومثل هذا يقال فى «مشاركىّ» المجرورة ، حيث الحذف والإدغام كذلك.
ومما سبق نعلم أيضا أن «الياء» المشددة التى تنشأ من إضافة جمع المذكر السالم - وشبهه - يجب كسر ما قبلها إن كان مضموما قبل الإضافة لياء المتكلم .. وإن شئت فقل : يجب كسر ما قبلها إن كان جمع المذكر السّالم - وشبهه - مرفوعا بالواو ، وقبل هذه الواو ضمة.
فإن لم يكن قبل الياء المشددة ضمة ، بل قبلها كسرة بقى اللفظ على حاله ، كما فى كلمتى : «معاونىّ ، ومشاركىّ» السّالفتين. وإن كان فتحة ، بقى على فتحه ؛ أيضا ؛ منعا للإلباس (1)؛ مثل الكلمات : (المرتضون - المرتجون - المصطفون - المنتقون ... تقول (2)
آخر ما أضيف لليا اكسر ، إذا *** لم يك معتلّا ، كرام وقذى
أو يك كابنين وزيدين ، فذى *** جميعها اليا بعد فتحها احتذى
(«القذى» : الأجسام الصغيرة التى تقع فى العين فتؤلمها. «فذى» : فهذه. «احتذى» : اتبع.) يريد : اكسر آخر الاسم الذى أضيف للياء - وهى : ياء المتكلم - بشرط ألا يكون هذا الاسم معتل الآخر ؛ كرام (اسم فاعل من : رمى) وقذى. والتمثيل «برام» فيه إشارة للمنقوص ، والتمثيل «بقذى» فيه إشارة للمقصور. فالمراد بالمعتل هنا : المقصور والمنقوص. وكذلك لا يكون كابنين ، «وزيدين» يشير إلى المثنى ، وجمع المذكر ، وشبههما. فهذه الأربعة جميعها تكون بعدها «ياء المتكلم» - وهى المضاف إليه - مفتوحة - كما شرحنا - ثم قال :
وتدغم اليا فيه والواو ، وإن *** ما قبل واو ضمّ فاكسره يهن -
أى : الياء التى فى آخر المضاف. فتدغم فى ياء المتكلم فى جميع ما سبق. وكذلك تدغم الواو أيضا. فالمراد أن ياء المتكلّم تدغم فى ياء المثنى المنصوب ، وفى ياء جمع المذكر المنصوب. وكذلك تدغم فى واو جمع المذكر المرفوع بعد انقلاب واوه ياء. فإن وجدت ضمة بعد انقلاب واو الجمع ياء وإدغامها فى ياء المتكلم - وجب قلب هذه الضمة كسرة ، ليهون النطق ؛ (أى : يسهل) بالكسرة قبل الياء المشددة ، بدلا من الضمة.
ويلاحظ أن مراده من «الياء» في قوله : «تدغم الياء» الياء التى فى المضاف ، وأن مراده من الضمير في
كلمة «فيه» عائد على الياء التي هي مضاف إليه.
عند إضافتها : هؤلاء مرتضىّ - كان مرتجىّ من خياركم - وإن السباقين فى الحلبة مصطفىّ ومنتقىّ (3). ه.1) فألف المقصور الزائدة على ثلاثة تحذف وتبقى الفتحة ؛ قبلها دليلا عليها. ثم تقلب واو جمع المذكر السالم ياء ساكنة ، وتدغم الياء فى الياء.
2) يقول ابن مالك فى باب : «المضاف لياء المتكلم» ما نصه :
3) فألف المقصور الزائدة على ثلاثة تحذف وتبقى الفتحة ؛ قبلها دليلا عليها. ثم تقلب واو جمع المذكر السالم ياء ساكنة ، وتدغم الياء فى الياء.
أبنية المصادر (1)
وهنا موضع الكلام على المصادر الثلاثة الصريحة ، وكل واحد منها يصح أ أن يتعلق به شبه الجملة. مع ملاحظة ما سبق في باب : المفعول المطلق» (ج 2 م 74 ص 166) من أمور هامة تختص بالمصدر من ناحية تقسيمه إلى : مؤكد لعامله ، ومبين للنوع ، ومبين للعدد ... ، ومن ناحية ذكر عامله أو حذفه ... إلخ ...
أما المصدر المؤول فقد سبق تفصيل الكلام عليه (فى ج 1 م 29 ص 295 آخر باب : الموصول) حيث سردنا الحروف المصدرية ، ومهمة كل منها ؛ وصلته ، وطريقة السبك ، وما يمتاز به المصدر المؤول دون الصريح ، وسائر أحكامه المختلفة...
وقد وضع ابن مالك فى «ألفيته» هذا الباب بعد بابى «إعمال المصدر» و «إعمال اسم الفاعل» واسم المفعول» ولعل حجته ما ردده بعض النحاة من أن الإعمال أمر نحوى وثيق الصلة بالأبواب التي سبقت ، وأن الأبنية والصيغ أمر صرفى يجىء فى المنزلة التالية لمسائل النحو وأبوابه. وهذه حجة واهية . فيما نرى . إذ الترتيب المنطقى يقتضى تقديم الأبنية والصيغ ليكون إعمالها وأحكامها وكل ما يختص بها منصبا على شيء معلوم مفهوم. ولا يعقل سرد الأحكام الخاصة بشيء دون أن يكون معلوما من قبل. لهذا لم نأخذ بترتيب ابن مالك هنا ، وقدمنا باب أبنية المصادر.
كلمة عن الجمود والاشتقاق ، ومكان المصدر منها :
الاسم قسمان : (ا) جامد ؛ وهو : ما لم يؤخذ من غيره (أى : أنه وضع على صورته الحالية ابتداء. فليس له أصل يرجع إليه ، وينتسب له. مثل : شجرة . قلم . أسد . حجر . .... ومثل : فهم - نبوغ - ذكاء . سماحة ... والجامد قسمان : «اسم ذات» ؛ وهو : ما يدل على شيء مجسم محسوس ، ، كالأمثلة الأربعة الأولى ، وما شابهها من أسماء الأجناس الحسية (وهي التي لها كيان مجسم يدخلها فى دائرة الحس) ، «واسم معنى» ؛ وهو : ما يدل على شيء عقلى محض (أى : شيء معنوى يدرك بالعقل ، ولا يقع في دائرة المحسوس) كالأمثلة الأربعة الأخيرة وأشباهها مما ليس مجسما ولا مشخصا ؛ كسائر أسماء الأجناس المعنوية.
(ب) مشتق : وهو ما أخذ من غيره ؛ بأن يكون له أصل ينسب له ، ويتفرع منه ، ويتردد ذكر المشتق أحيانا باسم : «الوصف أو الصفة» وهذان غير الوصف أو الصفة المراد منهما النعت الآتي في ص 434 . ولا بد في المشتق أن يقارب أصله في المعنى ، وأن يشاركه في الحروف الأصلية. وأن يدل . مع المعنى . على ذات أو على شيء آخر يتصل به ذلك المعنى بوجه من الوجوه ، كأن تكون الذات هى التى فعلته (كما في اسم الفاعل) أو هي التي وقع عليها ؛ (كاسم المفعول) أو غير ذلك من زمان ، أو مكان ، أو آلة ... مما سيجيء تفصيله في أبواب المشتقات ...
والمشتقات الأصلية التي تدل على معنى وذات أو شيء آخر ، سبعة ؛ هي : اسم الفاعل - اسم المفعول - الصفة المشبهة - أفعل التفضيل - اسم الزمان - اسم المكان - اسم الآلة. أما المصدر الميمى فالصحيح أنه ليس من المشتقات .كما سيجيء في ص 186 وفى الباب الخاص به ص 231 . وأما المصدر الصناعي فجامد مؤول بالمشتق . كما سيأتي في ص 187 . ويتوسع كثيرا فى المراد من المشتق حتى يشمل ثلاثة أشياء أخرى تدل على معنى وزمن مجردين من الذات وغيرها ، وهى : الفعل الماضى ، والمضارع ، والأمر ، والقرائن هي التي تحدد المراد من نوع المشتق ، أهو مما يدل على المعنى والذات معا؟ أم على المعنى والزمان معا؟ أم المعنى وشيء آخر؟
وإذا استعمل المشتق علما فإنه يصير بمنزلة الجامد ، فيفقد خواص المشتق وأحكامه : وتطبق عليه أحكام الجامد التي منها : أنه إذا أضيف كانت إضافته ،محضة ، بالتفصيل والشروط السابقة فى ص 4 (راجع هامش ص 89 ج 1 م 10).
وهناك بعض أسماء جامدة قد تلحق - أحيانا - بالمشتق الدال على الذات والمعنى ؛ وتسمى : «الأسماء الجامدة الملحقة بالمشتق» ، أو : «الأسماء المشتقة تأويلا» ، ومنها : اسم الإشارة ، ومنها : الاسم الجامد المنسوب ، والاسم الجامد المصغر ، وأكثر ألفاظ «الموصول» ؛ كالموصولات المبدوءة بهمزة وصل. وسيجيء البيان في باب النعت - ص 458 - فكل هذه أسماء جامدة ، ملحقة بالمشتق. ويلاحظ أن هذه الأسماء : «الملحقة بالمشتق» ، أو «المشتقة تأويلا» إنما تكون كذلك في بعض الحالات دون بعض ؛ فليست ملحقة بالمشتق في جميع حالاتها : وإنما تلحق به حيث تكون في موضع لا يصلح فيه إلا المشتق ، كالنعت مثلا ؛ إذ الأصل في النعت أن يكون مشتقا ، ولا مانع أن يكون لفظا ملحقا بالمشتق كالألفاظ السابقة ...
(وفى مجلة المجمع اللغوى ج 1 ص 381 بحث مستقل في الاشتقاق. وفى الجزء الثاني منها بحث آخر ، في ص 195، 245).
أصل المشتقات :
ا . المصدر الصريح - فى الرأى الشائع المختار - هو أصل المشتقات العشرة ، ومنه تتفرع. ولا يعنينا اليوم سرد كل الأدلة التي قام عليها اختياره وتفضيله ، وحسبنا أقواها. وهو قولهم : إنه «بسيط» ؛ لدلالته على المعنى المجرد ، «والبسيط» أصل المركب بخلاف «الفعل الماضى» الذى يعده آخرون - كالكوفيين - الأصل ؛ بحجة أنه يدل على المعنى المجرد وعلى الزمن ؛ فهو يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة ، وبتغيير يسير يدخل على بنيته يجىء المضارع أو الأمر ... ؛ فالمصدر لهذا أحق عندهم بأن يكون الأصل ... ، ولا يعنينا هذا ولا غيره بعد اشتهار الرأى الأول وشيوعه من غير ضرر لغوى فى الأخذ به. فالخلاف لا قيمة له ؛ - كما سيجىء البيان فى هامش ص 210. - ولا سيما أن المشتقات الواردة عن العرب - وهى كثيرة - لا دليل معها ، على الأصل الذى تفرعت منه.
ب . وإذا كان المصدر الصريح هو أصل المشتقات العشرة ، فهل الاشتقاق من غيره ممنوع؟ بعبارة أخرى : هذا المصدر يدل على المعنى المجرد ؛ فلا دلالة له على ذات ، أو زمان ، أو مكان ، أو تذكير ، أو تأنيث ، أو عدد ... ، . وهذا هو الغالب : لأنه قد يدل على المرة أو الهيئة ، كما سيجيء في ص 225 . أما المصدر المؤول فيدل على زمن ، وغيره (كما سبق فى ج 1 ص 302 م 29 ... و ...) فهل يترتب على هذا أن يكون الاشتقاق مأخوذا من أسماء المعانى المصدرية وحدها دون الاشتقاق من أسماء «الذوات» التي يسمونها أسماء : «الأعيان» (يريدون : الأشياء المجسمة المحسوسة) ودون الاشتقاق من أسماء المعاني التي ليست بمصادر ، كالاشتقاق من أسماء الأعداد وغيرها مما سيأتى؟ . مع ملاحظة أن بعض القدماء كان يطلق كلمة : «الأخذ» على الاشتقاق من غير المصادر الصريحة . كما في كتاب «أصول اللغة الذى أصدره المجمع في القاهرة سنة 1969 ص 22).
الجواب عن هذا : أن الاشتقاق من أسماء الأجناس الخاصة بالمعاني المصدرية جائز لا يكاد يمنعه مانع. أما الاشتقاق من أسماء الأجناس الحسية ؛ فنوعان :
ا . نوع جرى الترجيح قديما وحديثا . على قبوله ، وهو اشتقاق صيغة «مفعلة» - بفتح الميم والعين . من الجامد الثلاثي الحسي للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسي المجسم ؛ «كمعنية» ؛ لمكان يكثر فيه العنب ، و «مخشبة» لمكان يكثر فيه الخشب ... (وهكذا مما سيجيء تفصيله وإيضاح حكمه في مكانه المناسب من بابي : «اس--م الزمان والمكان ص 318 و «ح» ص 326) ولا بد في هذا النوع من أن تكون الصيغة مقصورة على «مفعلة» ؛ دون غيرها. وأن تكون من ثلاثى حسى جامد ؛ لتحقيق الدلالة على المكان والشيء الحسي الذي يكثر به ، كما سنبنيه في الموضع المشار إليه.
ب . ونوع يخالف ما سبق واتجه رأى الأغلبية من القدماء إلى منعه ، والتشدد في حظر القياس عليه. وقد عرض المجمع اللغوى القاهرى لهذا النوع ، وأطال البحث فيه ، وعقد بشأنه فصلا طويلا تربى صفحاته على ست وثلاثين ( فى الجزء الأول من مجلته ، فى ص 232 وما بعدها) بعنوان : «الاشتقاق من أسماء الأعيان» وقد وفّى البحث حقه ، وأولاه من العناية ما هو به جدير ، وعرض مئات من الكلمات المسموعة عن العرب الفصحاء ، مشتقة من أسماء الأجناس الجامدة العينية ، غير الثلاثية واستخلص منها قرارا نصه الحرفى . كما جاء في المرجع السابق : - (اشتق العرب كثيرا من أسماء الأعيان ، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم)- ا ه- .
ومن هذا النص يتبين أنه غير مقصور على صيغة معينة ، ولا نوع خاص من المشتقات العينية بالرغم من مخالفته لنص آخر سنذكره بعد ، وبالرغم من أنه مقصور على لغة العلوم وقد سجل المجمع في بحثه عدم حاجة الفن والأدب إلى استخدامه ؛ لكثرة الوسائل اللغوية الأخرى التي تغنى عنه. وكان الأولى أن يجعله عاما بعد أن عرض مئات من الكلمات المنقولة عن العرب ، والتى استند إليها فى قراره .. وكثير منها ليس مقصورا على ما يستخدم فى لغة العلوم وحدها ؛ فالاستناد إلى تلك الكثرة الوافرة يجعل القياس عليها صحيحا قويّا ، ويقتضى أن يكون ذلك القياس عاما شاملا لغة العلم وغيره. هذا إلى أن قصره على لغة العلم وحده وفصلها من لغة الأدب عسير أشد العسر فى معاهد التعليم ، وفى الخطابة ، وفى غيرها من كل ما يقوم على اللغة الصحيحة ، وتتشابك فيه لغة العلم ولغة الأدب. وها نحن أولاء نرى الاشتقاق من أسماء الأعيان قد شاع بين طوائف المثقفين فى الشئون المختلفة ، غير مقصور على نوع معين ، واشتهر حتى صار بمنزلة : «الاصطلاح» ومن الخير قبوله ما دام لا يؤدى إلى خفاء أو لبس.
وقد أصلح المجمع قراره السابق وجعله مطلقا غير مقيد بشيء مما سبق ؛ فقد جاء في ص 69 من كتابه المجمعي الصادر في سنة 1969 مشتملا على القرارات المجمعية الصادرة من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين ما نصه تحت عنوان : (الاشتقاق من أسماء الأعيان دون قيد الضرورة) بناء على رأى لجنة الأصول ، وهو :
(قرر المجمع من قبل إجازة الاشتقاق من أسماء الأعيان للضرورة في لغة العلوم ، كما أقر قواعد الاشتقاق من الجامد واللجنة تأسيسا على أن ما اشتقه العرب من أسماء الأعيان كثير كثرة ظاهرة ، وأن ما ورد من أمثلته في البحث الذى احتج به المجمع لإجازة الاشتقاق ، يربى على المائتين . ترى التوسع فى هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزا من غير تقييد بالضرورة)» ا ه .
وقد وافق المجمع ومؤتمره على رأى اللجنة ، وصدر قرارهما في الجلسة الثامنة من مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين سنة 1968 . أما قواعد الاشتقاق المشار إليها فى القرار السالف فقد ورد بيانها في الكتاب المجمعي الذي تقدم ذكره ؛ ففى ص 62 منه النص الآتي تحت عنوان : «قواعد الاشتقاق من الجامد العربي والمعرب» ومعها البحوث الخاصة بها.
أولا . في الاسم الجامد العربي :
(1) إذا أريد اشتقاق فعل ثلاثى لازم من الاسم العربى الجامد الثلاثى مجرده ومزيده فالباب فيه «نصر» ويعدى إذا أريدت تعديته بإحدى وسائل التعدية ، كالهمزة والتضعيف ... ؛ مثل : قطنت الأرض تقطن ، كثر قطنها. وقطّنتها زرعتها قطنا).
(2) أما إذا أريد اشتعال فعل ثلاثي متعد فالباب فيه «ضرب» مثل : قطنت الارض أقطنها. زرعتها قطناُ.
(3) وف كلتا الحالتن ستأنس بما ورد في المعجمات من مشتقات للاسماء العربية الجامدة ؛ لتحديد صيغة الفعل. تبعا لما ورد من هذه المشتقات.
(4) ويشتق الفعل من الاسم العربي الجامد غير الثلاثي على وزن «فعلل» متعديا ، وعلى وزن «تفعلي لازما. وإذا كان الاسم رباعي الاصول ، أو رباعيا مزيدا فيه ، مثل : درهم وكبريت ، اشتق منه علي «وزن» فعلل» بعد حذف الزائد من المزيد ؛ فقال درهم الزهر وكبرت ، أي صار كالدرهم والكبريت وإذا كان خماسيا ؛ مثل سفرجل ، اشتق منه على وزن «فعلل» بعد حذف خامسه ، فيقال سفرج النبت ، بمعنى : صار كالسفرجل.
(5) وتؤخذ المشتقات الأخرى من هذه الأفعال على حسب القياس الصرفى.
(6) ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب الثلاثي على وزن «فعل» بالتشديد متعديا ، ولازمه «تفعل».
(7) ويشتق الفعل من الاسم الجامد المعرب غير الثلاثي على وزن «فعلل» ولازمه «تفعلل» ...) أه- المنقول من كتاب المجمع.
هذا ، ولعل قرار المجمع يشمل - فيما يشمل - الاشتقاق من أسماء المعانى التي ليست مصادر ؛ كالاشتقاق
من أسماء العدد ؛ فإن هذه أسماء معان جامدة وليست بحسية ، ولا بمصادر ، وكالاشتقاق من أسماء الأزمنة وأسماء الصوت ، وهما من ، أسماء المعاني الجامدة أيضا. وفى مجلة المجمع (ج 1 ص 381) بحث مفيد في هذا ، وفى الاشتقاق وأنواعه عامة وقد سبقت الإشارة إليه وإلى أن بعض القدماء كان يسمى الاشتقاق من غير المصادر الصريحة : «الأخذ».
بناء على ما سبق من جواز الاشتقاق من أسماء الأعيان يقال (كما جاء فى مجلة المجمع اللغوى القاهرى ، ص 8 من العدد الخاص بالبحوث والمحاضرات التي ألقيت فى مؤتمر الدورة الثلاثين لسنة 1963 - 1964) «مغنط من المغناطيس ، وقصدر من القصدير ، كما قيل قديما ذهب من الذهب ، وكبرت من الكبريت ...). اه.
وجاء في العدد الخاص بمؤتمر الدورة التاسعة والعشرين . ص ه . ما نصه فى الاشتقاق السالف من الاسم الجامد : (أن يكون الثلاثى اللازم من باب : «نصر» والمتعدى من باب : «ضرب» وغير الثلاثي من باب : «فعلل» في المتعدى : و «تفعلل» فى اللازم). ا ه. وقد سبقت الأمثلة.
«ملاحظة» : يتصل اتصالا وثيقا بما سبق ما قرره الجمع من صحة اشتقاق «فعل» من العضو للدلالة على إصابته. ونص القرار . (كما جاء في ص 39 من كتابه الذى أخرجه سنة 1969 باسم : «كتاب في أصول اللغة» مشتملا على مجموعة القرارات التي أصدرها المجمع من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين) بعنوان : (اشتقاق «فعل» من العضو للدلالة على إصابته) قال بعد العنوان : «(كثيرا ما اشتق العرب من اسم العضو «فعلا» للدلاله على إصابته. وقد نص أبو عبيد على ان ذلك عام فى كل ما يشكي منه في الجسد ، وكذلك نص ابن مالك في التسهيل على أنه مطرد)» ا ه. لهذا ترى لجنة الأصول بالمجمع قياسيته. ووافقها المجلس والمؤتمر على رأيها ، وصدر قرارهما بالموافقة في جلسة المؤتمر الثامنة من دورة 29 سنة 1963 هذا وفى الكتاب المجمعي السالف البحوث المفيدة التي اعتمد عليها المجمع ومؤتمره فى إصدار القرار السالف ، مدعومة بعشرات من الكلمات المسموعة التي تؤيده ، من مثل : جلده . رأسه . بطنه ... ، أي : أصاب جلده . ورأسه . وبطنه ... و ...
أولها : «المصدر الأصلى» ، وهو ما يدل على معنى مجرد ، وليس مبدوءا «بميم» زائدة ، ولا مختوما بياء مشدّدة زائدة ، بعدها تاء تأنيث مربوطة ؛ ومن
1) إذا أطلق المصدر كان المراد النوع الأول من الثلاثة الآتية ، وهو : «الصريح الأصلى» دون المؤول ، ودون النوعين الآخرين. - كما سيجىء فى ص 185 و188 و207 -
أمثلته : علم - فهم - تقدّم - استضاءة - إبانة. ومثل : بلاء - نضال -
فضل - صلاح ... فى قول شوقى يخاطب رجال الصحف الوطنية :
حمدنا بلاءكمو فى النضال *** وأمس حمدنا بلاء السّلف
ومن نسى الفضل للسابقين *** فما عرف الفضل فيما عرف
أليس إليهم صلاح البناء *** إذا ما الأساس سما بالغرف؟
... ومئات أخرى. وهذا النوع - وحده - هو المقصود من كلمة : «مصدر» حين تذكر مطلقة بغير قيد يبين نوعا معينا. أما غيره فلابد أن يذكر معه ما يبين نوعه.
ويدخل فى نوع المصدر الأصلى المصدر الدال على «المرة (1)والهيئة» فوق دلالته على المعنى المجرد ، ولكنه لا يذكر إلا مقيدا بذكر المرة أو الهيئة (2).
ثانيها : المصدر الميمى (3)، وهو : (ما يدل على معنى مجرد ، وفى أوله «ميم» زائدة ، وليس فى آخره ياء مشددة زائدة بعدها تاء تأنيث مربوطة (4)) ، ومن أمثلته : مطلب - مضيعة - مجلبة - معدل .. (بمعنى : طلب - ضياع - جلب - عدول) فى قول بعض الحكماء : «ينبغى للعاقل إذا عجز عن إدراك مطلبه ألّا يسرف فى الهمّ ؛ فإن الإسراف فيه مضيعة للحزم ؛ مجلبة لليأس ، معدل عن السّداد. وإذا ضاع الحزم ، وأقبل اليأس ، واختفى السداد - فرّت فرص النجاح ، وساءت الحياة».
وهو قياسىّ ، ويلازم الإفراد ، والراجح أنه لا يعدّ من المشتقات (5). وسيجىء تفصيل الكلام على طريقة صياغته ، وفائدته ، وبقية أحكامه الأخرى (6):
ثالثها : المصدر الصناعى ؛ - وهو قياسى - ويطلق على : كل لفظ (جامد أو مشتق ، اسم أو غير اسم) زيد فى آخره حرفان ، هما : ياء مشددة ، بعدها تاء تأنيث مربوطة ؛ ليصير بعد زيادة الحرفين اسما دالّا على معنى مجرد لم يكن يدل عليه قبل الزيادة. وهذا المعنى المجرد الجديد هو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ ، مثل كلمة : إنسان ، فإنها اسم ، معناه الأصلى : «الحيوان الناطق»
1) سيجىء الكلام عليه فى ص 225.
2) فى ص 207 تعريف مفيد آخر للمصدر.
3) له بحث مستقل فى ص 231.
4) يسميها بعضهم : «تاء التأنيث» ، ويسميها غيرهم : «تاء النقل» من حالة إلى أخرى ؛ كالنقل من المذكر المؤنث ، أو من الوصفية (الاشتقاق) إلى الاسمية المحضة ... (كما فى مجلة المجمع اللغوى ، ج 1 ص 14، وانظر رقم (1) من هامش الصفحة الآتية) والأمران سيان. ولكن التسمية الأولى أشهر وأوضح. وهى بكل أسمائها علامة قاطعة على التأنيث اللفظى (وقد فصلنا هذا فى ج 4 م 169 ص 542 باب : التأنيث ، وفى هامشى ص 546 و547.)
5) كما سبق فى «ب» هامش ص 182 ، وكما سيجىء فى ص 234 و235 لكن يصح أن يتعلق به شبه الجملة ؛ كالشأن فى المصادر الأصلية الصريحة.
6) فى ص 231.
فإذا زيد فى آخره الياء المشددة ، وبعدها تاء التأنيث المربوطة (1)، صارت الكلمة : «إنسانية» وتغيرت دلالتها تغيرا كبيرا ؛ إذ يراد منها فى وضعها الجديد معنى مجرد ، يشمل مجموعة الصفات المختلفة التى يختص بها الإنسان ؛ كالشفقة ، والحلم ، والرحمة ، والمعاونة ، والعمل النافع .. و .. ولا يراد الاقتصار على معناها الأول وحده ، ومثلها : الاشتراك والاشتراكية - الأسد والأسدية - الوطن والوطنية - التقدّم والتقدّمية - الحزب والحزبية - الوحش والوحشية - الرّجع والرجعية - و ... وهكذا
وليس لهذا النوع من المصدر القياسىّ صيغ أخرى ، ولا دلالة غير التى شرحناها. ولا أحكام نحوية تخالف الأحكام العامة التى لكل اسم من سائر الأسماء ، إلا أنه اسم جامد ، مؤول بالمشتق ، يصح أن يتعلق به شبه الجملة ، - كما سبق (2)- ويصح أن يكون نعتا ، وحالا ... و ... (3)
ثم جاء في المحضر بعد ذلك ما نصه : (أن عضوا آخر قرأ نصوصا من شرح القاموس في مادة : «كيف» ونصوصا أخرى من «كليات أبى البقاء» وأن مناقشة الأعضاء في هذه النصوص انتهت إلى القرار الآتي وهو : «إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء») ا ه . وقد وافق عليه المجلس نهائيا طبقا لهذا ، ولما في ص 21 من كتاب المجمع المشتمل على القرارات العلمية من الدورة الأولى إلى الدورة الثامنة والعشرين.
بخلاف النوعين السابقين ، فهما اسمان جامدان ، ولكل منهما أحكام خاصة به ، وأوزان وطرق لصياغته (4)فلوضع ضوابط للكشف عن هذا المصدر ، والاهتداء إليه فى يسر وسهولة وتوفيق ، عكف اللغويون والنحويون . منذ عصور بعيدة . على فصيح الكلام العربي المأثور ، وعرضوا للمصادر الواردة بأكثره خلال ما عرضوا له من المسائل ، ودرسوها دراسة وافية من نواحيها المختلفة ، وبذلوا فيها الجهد - كعادتهم - مصممين أن يصلوا من وراء هذه الدراسة الصادقة المضنية إلى تجميع أكثر المصادر الواردة ، واستخلاص ظواهرها وخواصها ، ثم تصنيفها أصنافا متماثلة ، لكل صنف أوصافه وخصائصه التي ينفرد بها ، وتشترك فيها أفراده واحدا واحدا ، دون غيرها ، بحيث يصح أن ينطبق على كل صنف عنوان خاص به ، تندرج تحته أفراده ، ولا يشاركها فيه أفراد صنف آخر ، له عنوانه الخاص ، وله أوصافه وخصائصه التي تغاير ذاك. كما هو الشأن في كل القواعد والضوابط العلمية.
وقد نجحوا فيما أرادوا. فجمعوا المصادر المأثورة جمعا حميدا . قدر استطاعتهم . ثم صنفوها ، ونوعوها ، وجعلوا لكل صنف ونوع قواعد وضوابط مركزة ؛ تضم تحتها أفراده الكثيرة ، المبعثرة ، وتنطبق عليها وعلى نظائرها مما نطق به العرب ، وما ستنطق به . قياسا على ما نطقت به العرب . أجيال قادمة لاعداد لها من خلفائهم ؛ فهذا صنف لمصدر الثلاثي المتعدى ، وهذا صنف آخر لمصدر الثلاثي اللازم وكلاهما قد يكون دالا على حركة ، أو صوت ، أو غيرهما ... . وصنف ثالث لمصدر الرباعي أو الخماسي . . و ... والعارف بتلك الضوابط والقواعد يستطيع أن يهتدى إلى صيغة المصدر الأصلى» الذي يريده في سرعة وتوفيق.
ونخلص من هذا إلى أمرين هامين :
أولهما : أن تلك الضوابط والقواعد التي وضعوها ، وحصروا بها أنواع المصادر ، وأوزانها ، ونسقوا صنوفها ، ونظموا استعمالها . مستنبطة من أكثر الكلام العربى فصاحة ، وصحة ، وشيوعا ؛ فتطبيقها مباح لكل عارف بها ، محسن لاستخدامها ، من غير أن يلزمه أحد الرجوع إلى أصولها الأولى التي استنبطت منها ، (وهى ؛ المصادر الواردة في الكلام العربي الأصيل) ؛ فإن هذا الرجوع عبث واضح ، وجهد ضائع بعد أن استنفد الأئمة والعلماء جهدهم فى استنباط قواعدهم وضوابطهم من ذلك الكلام الفصيح ، وانتزعوا أحكامهم من أصيله الغالب ، في دقة وحيطة ، وبالغ أمانة. فالعمل بما استنبطوه إنما هو تطبيق صحيح على ذلك الكثير المسموع ، أو مجاراة سليمة للشائع الوارد عن العرب ، ومحاكاة سائغة لا مكان معها لإيجاب الرجوع إلى «الأصل» الأول ، وتحتيم المعاودة إليه قبل استعمال الضوابط والقواعد ؛ ففى هذا الرجوع إضاعة للجهد والوقت ، فلن تأتى المعاودة بجديد. وقد يكون في هذا الإيجاب والتحتيم . فوق ما فيه من إضاعة الجهد ، والوقت ، والمال . تعجيز لغير المتفرغين المشتغلين «باللغويات» عامة ، و «النحويات» خاصة. فليس بد من الأخذ الحر بما استنبطه ثقات العلماء الحاذقين ، والاستناد إلى ما قالوه ؛ فإذا قرّروا - مثلا - أن مصدر الفعل الماضى الرباعى الذى على وزان : «فعّل» هو : «التفعيل» وجب الإيمان بما قرروا ؛ فنقول فى مصادر : قوّم - علّم - كسّر - كرّم - ... وأمثالها : تقويم - تعليم - تكسير - تكريم ... و ... وهكذا من غير بحث عنه فى كلام عربى قديم. أو فى مرجع لغوى ، أو غيره ... فلا داعى لهذا البحث مع وجود القاعدة وانطباقها. وإذا قالوا : إن مصدر الفعل الثلاثى المتعدى هو : «فعل» وجب الاطمئنان لقولهم ، والأخذ به ، وتطبيقه - فى غير تردد - على كل فعل ثلاثى متعد ، نريد الوصول إلى مصدره ، نحو : سمع سمعا - فهم فهما - كتب كتبا - ونظائر هذا من مئات - بغير رجوع إلى مرجع لغوى أو غير لغوى ، ولو كان الرجوع إليه لا يكلفنا جهدا ، أو وقتا ، أو مالا. وبهذه الطريقة المثلى نجنب أنفسنا الشطط ، ونوقيها مساءة العاقبة التى تترتب على إهمال رأى الثقات البارعين من العلماء المتخصصين المتفرغين إهمالا يستحيل معه أن تستقيم أمور اللغة ، أو يستقر لها وضع صالح ، وحياة قوية ناهضة. فالواجب أن نعتمد على القاعدة فى الوصول إلى المصدر القياسى ، للفعل ، ولا نبالى بعد ذلك أله مصدر سماعى آخر أم لا؟
وما سبق مستمد من أقوال أئمة كبار يقررون : «أن استعمال المصدر القياسي جائز وإن سمع غيره» وفي مقدمتهم : «الفراء» الذى وصفه الإمام اللغوى النحوى : «ثعلب» - كما جاء في مقدمة كتاب معانى القرآن : للفراء . أحد أئمة الكوفة . بقوله : (لو لا الفراء لما كانت عربية : لأنه خلصها وضبطها. ولو لا الفراء ما كانت عربية ؛ لأنها كانت تتنازع ، ويدعيها كل من أراد ، ويتكلم الناس فيها على قدر عقولهم وقرائحهم فتذهب ...) والذى وصفه عالم آخر (كما جاء في معجم الأدباء . ج 20 ص 110) بقوله : «لو لم يكن لأهل بغداد من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان بهما الافتخار على جميع الناس». اه. وقيل عنه أيضا . كما جاء في تهذيب التهذيب ، ج 11 ص 212 . «الفراء أمير المؤمنين فى النحو» . ا ه ، وفى تاريخ بغداد : «(كان يقال : النحو الفراء ، والفراء أمير المؤمنين في النحو.)». وقد وصفه بحق أحد أعضاء المجمع اللغوى القاهرى. بأنه «إمام الكوفيين ، ووارث علم الكسائي ، ولا تثريب علينا إذا أخذنا بمذهبه» - راجع ص 108 من محاضر جلسات الدور الرابع ..
ومنهم العبقرى : «ابن جني». في كتابه الخصائص ( ج 1 ص 362 و 367 و 439 ،) ومن أوضح النصوص في هذه الصفحات ما جاء فى ص 367 من الباب الذى عنوانه : (باب فى اللغة تؤخذ قياسا) «وقد سجلته مجلة المجمع اللغوى فى أحد أعدادها وسجلته محاضر جلساته في دور الانعقاد الرابع ص 45. وسجلناه في آخر الجزء الثانى من كتابنا. ثم هو صاحب المذهب الذي أخذه عن المازني ، ونصه . كما ورد في ص 44 من تلك المحاضر ، وفى ج 1 ص 367 من كتابه . : «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب». وهو القائل : «(ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع ، فإذا حذا إنسان على مثالهم ، وأم مذهبهم ، لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا ، ولا أن يرويه رواية .)». ومثل هذا ما جاء فى «المصباح المنير» ، ما : «خلف» - ونصه : «(عدم السماع لا يقتضى عدم الاطراد مع وجود القياس.)» ا ه. وأقوى من هذا كله ما دونه أبو البركات بن الأنبارى - المتوفى سنة 577 ه - فى كتابه : «لمع الأدلة ، فى أصول النحو» (الفصل الحادى عشر ص 95) وفى مطلعه يقول ما نصه : «(اعلم أن إنكار القياس فى النحو لا يتحقق ، لأن النحو كله قياس ؛ ولهذا قيل فى حده : «النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب ؛ فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو. ولا نعلم أحدا من العلماء أنكره ؛ لثبوته بالدلائل القاطعة ، والبراهين الساطعة ...)» ا ه. وقد رأى المجمع اللغوى الاعتماد على ما قاله ابن جنى وعلى أدلته فى كثير من المسائل الأخرى - كما فى (ج 1 ص 226) من مجلته. ومن القائلين بقياسية المصدر : الزمخشرى ، ومكانته فى العلوم العربية والشرعية معروفة (راجع كلامه ص 13 من كتاب «القياس والسماع ، لأحمد تيمور).
لكل هذا لم يكن مقبولا رأى «سيبويه» ومن انضم إليه قديما وحديثا ، مخالفين رأى «الفراء» ومن وقف إلى جانبه ؛ إذ يرى سيبويه أن الضوابط التى تحدد وتضبط مصادر الفعل الثلاثى لا يصح استخدامها قياسا مطردا قبل الرجوع إلى السماع ، ويجب الاقتصار على المسموع وحده بعد البحث عنه والعثور عليه. وإنما تستخدم الضوابط والأقيسة للوصول إلى المصدر حين لا يكون للفعل مصدر مسموع من العرب ، فإذا ورد فعل لم يعرف عن العرب كيف نطقوا بمصدره جاز استخدام القياس بتطبيق الضابط والقاعدة. أما مع ورود المصدر المسموع المعروف فلا يجوز ؛ لأننا مقيدون «بالمصدر» الذى نطقت به العرب الخلّص ، وعرفناه عنهم ، ولا داعى معه لخلق مصدر جديد لم ينطقوا به نصا.
وهذا رأى غريب يعوق الانتفاع باللغة ، ويسلمها إلى الجمود والتخلف. وأعجب من هذا ، وأوغل فى الغرابة أن يكون هناك رأى آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقا (أى مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها ، وسيجىء فى ص 291). والفراء وأنصار رأيه يخالفون. ولعل أظهر حججهم أن فى رأى سيبويه إعناتا من غير داع ؛ لأن القاعدة - أى قاعدة - إنما هى حكم عام مستنبط ، كما شرحنا - من الكثير الوارد عن فصحاء العرب ، وضابط منتزع من الغالب الذى استعملوه. فكيف يراد منا أن نمتنع عن القياس على ذلك الكثير حين يوجد ما يخالفه ولو كان شاذا ، وأن نقتصر على هذا المخالف وحده ، دون استخدام القياس الذى يجرى على نهج الكثير الفصيح المخالف له؟ كيف يتحتم علينا استعماله ولو كان شاذا ، ويحرم علينا صوغ ألفاظنا وعباراتنا على النهج الغالب فى كلام العرب الخلّص مع علمنا أن الشاذ هو القليل النادر فى كلامهم؟ ومع علمنا - كما تقدم - أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ؛ كما سجله ابن جنى فى المراجع السابقة ، وكما يقرره جمهرة النحاة فى مراجعهم ، ومنه ما نقله الهمع - فى باب الحال ج 1 ص 247 - عن أبى حيان ونصه : (إنما نبنى المقاييس العربية على وجود الكثرة.) - كما سيأتى هنا - وما نقله أيضا - فى باب التصريف ج 2 ص 217 - من مذاهب القياس وفيها يقول ما نصه : (المذهب الثالث : التفصيل بين ما تكون العرب قد فعلت مثله فى كلامها كثيرا واطرد فيجوز لنا إحداث نظيره ، وإلا فلا ...). ا ه. -
فليس استخدامنا المصدر القياسي مع وجود السماعي إلا كاستخدامنا الألفاظ والكلمات التي تجرى عليها الرفع ، أو النصب ، أو الجر ، أو الجزم في أساليبنا الخاصة التي ننشئها إنشاء يختاره كل منا على حسب هواه ، ونؤلفها تأليفا مبتكرا لم تنطق به العرب نصا ، ولم تعلم عنه شيئا ، وإن كان لا يخرج في هيئة تكوينه ، ومادة كلماته ، وترتيبها ، وضبط حروفها . على النسق الوارد عنهم ، ولا يتعدى حدودهم العامة ، فهي أساليبنا ، ومن صنعنا ، وهى فى الوقت نفسه أساليب عربية صميمة ، وتسمى بهذا الاسم ؛ الجريانها على النظام العربي الأصيل في مفرداتها ، وطرائق تركيبها ، وضبط حروفها ؛ فلا مسوغ عند هؤلاء لمنع استخدام المصدر القياسي مع وجود السماعي المعروف.
وشيء آخر : هو أن قصر القياس فى هذا الباب على الأفعال التي لم يرد لها مصادر مسموعة ، يقتضينا أن نرجع لكل المظان المختلفة ، ونطيل البحث ؛ حتى نطمئن إلى عدم وجود مصدر سماعي للفعل ؛ كی نستبيح استعمال المصدر القياسي. وفي هذا من الجهد المضنى والوقت ما لا يقدر عليه خاصة الناس ، بله عامتهم. ولو أخذنا به قبل استعمال كل مصدر لحملنا أنفسنا مالا تطيق ، ودفعناها إلى اليأس ، والانصراف عن لغتنا ، وأنكرنا واقع الحياة الذي قضى باستقلال العلوم والفنون ، وتفرغ طوائف العلماء للفروع المستقلة ، والاعتماد على رأيهم الخاص فيما تفرغوا له ، واستحالة أن يتخصصوا معه في «اللغويات».
ثم ما هو المراد الدقيق من عدم معرفة المصدر الوارد للفعل؟ ما حدود هذا ؟ وما ضبطه؟ وكيف يتحقق مع تفاوت الناس علما ، وعملا ، واقتدارا على استحضار المراجع وغيرها؟ ....
إن رأى الفراء وأنصاره رأى سديد ؛ فيه رفق ، وحكمة ، ومسايرة واضحة لطبائع الأشياء. وليس فيه ما يسيء إلى اللغة ، أو يسد المسالك أمام الراغبين فيها ، المقبلين على اصطناعها وإعلاء شأنها. ولهذا يجب الأخذ به وحده ، والاقتصار عليه ، حفاظا على حياة اللغة ، وإبقائها . على الأيام . فتية متجددة الشباب والنفع. وقد يكون المصدر الذي نصنعه ولم ينطق بلفظه العرب نصا . غريبا على الأسماع، ولكن هذه الغرابة والوحشة يزولان بالاستعمال.
ثانيهما : أن الراجع إلى الكلام العربي الأصيل ، أو المطولات اللغوية. قد يجد مصادر أخرى مسموعة لا تساير تلك الضوابط والقواعد برغم دقتها وإحكامها. وهذه المصادر الأخرى هي التي يسمونها : «مصادر سماعية» ، أو : «مصادر شاذة» أو : مصادر قليلة الاستعمال ؛ أو ما شاكل هذا من الأسماء الدالة على قلتها وعدم صحة القياس عليها ...
والحكم الصحيح على مثل هذه المصادر السماعية أنه يجوز استعمال كل واحد منها . بذاته . مصدرا سماعيا مقصورا على فعله الخاص ؛ فلا يجوز استخدام وزنه فى إيجاد صيغة كصيغته لفعل آخر غير فعله المعين ، ويجوز . أيضا . استعمال المصدر القياسي لفعله ، فاستعمال المصدر السماعي لفعل معين لا يمنع استعمال المصدر القياسي لهذا الفعل ؛ فمن شاء أن يصطنع المسموع أو القياسي فله ما شاء ، ويجرى هذا على كل فعل له مصدران مقيس ومسموع ، فإن استعمال أحدهما مباح. وإلا كلفنا جمهرة الناس مالا تطيق . كما تقدم . ؛ إذ نطالبها بمعرفة المسموع لكل قياسي ، والاقتصار على هذا المسموع وحده . وفى هذا من التعجيز وتعطيل القياس أفدح الضرر. ومما يؤيد استعمال القياس مع ورود السماع - وما أكثر ما يؤيده - ما جاء فى «القاموس المحيط» ، - للفير وزابادى - ج 1 مادة : «سجد» من كلمات وردت فى صيغة اسم الزمان أو المكان بالكسر ، وكان قياسها الفتح ، ومنها : مسجد - مشرق - مفرق و ... مطلع - مسقط - مجزر - مسكن - منبت - منسك - مرفق ... (ولهذا الحكم الخاص بالكلمات السالفة بيان وتحقيق مفيدان - فى ص -).
وبعد أن سردها قال ما نصه : «(ألزموها كسر العين ، والفتح جائز ، وإن لم نسمعه.)» ا ه .. وكذلك ما جاء فى «تاج العروس ، شرح القاموس ، مادة : «حج» حيث نقل عن السابقين أن المصدر السماعى الدال على المرة للفعل : «حجّ» هو : «حجّة» - على وزان : «فعلة». ، بكسر ، فسكون ، ففتح - بالرغم من أن هذه الصيغة خاصة بالمصدر الدال على «الهيئة» فقط فى غير هذا. ولكنها استعملت مصدرا لهذا الفعل يدل على «المرة» فقط ، ولا يدل على الهيئة مطلقا. ثم قال بعد ذلك ما نصه الحرفى خاصا بصيغة «المرة» : قال الكسائى : كلام العرب كله على فعلت فعلة - بفتح ، فسكون ، ففتح - فى المرة ، إلا حججت حجّة ، ورأيت رئية). ا ه ثم أردف صاحب التاج هذا بقوله مباشرة ما نصه : «(فتبين أن «الفعلة» للمرة تقال بالوجهين ؛ الكسر على الشذوذ ، ولا نظير له فى كلامهم ، والفتح على القياس)». ا ه فهو يبيح القياس وتطبيق القاعدة مع وجود السماع المخالف لها ، الوارد عن العرب. ومعنى هذا أن ورود السماع لا يلغى القياس ، ولا يمنع استخدام القاعدة المخالفة.
وكذلك جاء فى القاموس مادة : «فسد» ما نصه : (لم يسمع انفسد) ا ه ، فقال شارحه : (والقياس لا يأباه).
هذا ، وكما ينطبق حكم السماع والقياس على المصادر المختلفة ينطبق على غيرها مما له سماع وقياس ... كجموع التكسير ، وسيجىء فى بابها بالجزء الرابع - وكالمشتقات ، وسواها ... ولا معنى لقصر هذا الحكم على نوع دون نوع يماثله ، أو مسألة دون أخرى تشابهها. قال الصبان (ج 4) فى باب «جمع التكسير» تعليقا على بيت ابن مالك الذى صدره : «والزمه فى نحو طويل ...)» وعلى كلام أبى حيان ، ... ، ما نصه : «إذا سمع فى جمع التكسير غير قياسه امتنع النطق بقياسه ، وهذا أحد قولين فى المصدر الوارد على خلاف قياسه ، وهو نظير ما نحن فيه.)» ا ه ... ويقول صاحب كتاب «القياس فى اللغة العربية للخضر ، ص 41 - ما نصه : «(أما الألفاظ التى لم ترد إلا على الوجه المخالف القياس ؛ نحو : «عييد» - تصغير عيد - فيقتصر فيها على ما ورد عن العرب ، إلا أن يبدو لك أن تتعلق بمذهب من يجيز إجراء الألفاظ على مقتضى القياس زيادة على الوجه الثابت من طريق السماع.)» ا ه.
وسيجىء - فى ج 4 أول باب : «جمع التكسير» - أن فريقا من أئمة النحاة - فى مقدمتهم الكسائى زعيم المدرسة الكوفية - الذى أوضحنا منزلته فى هامش ص 189 - ، يجيز استعمال السماع والقياس فى الجموع ، والمصادر ، وغيرهما. فقد جاء فى مقدمة : «القاموس المحيط» ، فى الأمر الخامس من الأمور التى اختص بها «القاموس» ما نصه عند الكلام على ضبط المضارع : «(السماع مقدم على القياس عند غير الكسائى. وأجاز الكسائى القياس مع السماع أيضا - على ما قرر فى الدواوين الصرفية.)» ا ه.
ويجب التنبيه إلى ما أوضحناه ؛ وهو أن استعمال المصدر «المسموع» مقصور على فعله ، دون باقي الأفعال ؛ فلا يجوز صوغ مصدر قياسي لفعل آخر على وزان هذا المصدر المسموع ، بخلاف المصدر القياسي فإن صياغته غير مقصورة على فعل واحد ، بل هى عامة شاملة لكل فعل توافرت فيه الشروط ، وأدخلته تحت العنوان العام الذي ينطبق عليه وعلى نظائره المصدر القياسي ، وهذا الحكم عام فى كل مسموع مخالف للقياس وليس مقصورا على المصادر المسموعة. فيجب قصر المسموع على نفسه وحده دون استنباط حكم عام منه يمتد إلى غيره .
«ملاحظة» : من الألفاظ التي تتردد فى النحو : المطرد ، القياس ، الأغلب ، الكثير ، القليل ، النادر ... وبعض ألفاظ اصطلاحية أخرى ؛ منها ما يفيد القياس ، ومنها ما يمنعه وتوضيح هذا كله مدون في الجزء الرابع ، باب «جمع التكسير» ص 585 م 172.
على حسب البيان التالى :1) وتسمى «تاء النقل» ؛ لأن الاسم قبل مجيئها كان مختوما بياء النسب التى تجعله فى حكم المشتق. فلما جاءت هذه التاء نقلته إلى الاسمية المحضة ، وخلصته للدلالة على الحدث ، أى : على المعنى المجرد.
2) فى «ب» من هامش ص 182 ...
3) عرضت المراجع القديمة لهذا المصدر الصناعى القياسى بما لا يخرج عما قدمناه. وكذلك عرض له مجمع اللغة القاهرى عرضا موجزا فى دور انعقاده الأول ، وفيما يلى النص الحرفى - كما ورد فى محضر الجلسة الثانية والثلاثين من محاضر جلسات دور الانعقاد الأول ص426. على لسان أحد الأعضاء قال : (حاجتنا إلى المصدر الصناعى ماسة فى علم الكيمياء وغيره من العلوم. وقد قال العلماء إنه من المولد المقيس على كلام العرب. وتخريجه سهل ، لأن هذا المصدر مكون من اللفظ المزيد عليه ياء النسب ، وتاء النقل ، على رأى أبى البقاء فى : «الكليات»). ا ه. - وتقدم المراد من تاء النقل فى رقم 4 من هامش الصفحة السالفة -.
4) الأصل فى المصدر الصريح بأنواعه الثلاثة السالفة الخالية من الدلالة على المرة أو الهيئة أن يدل على المعنى المجرد ... (وهو - كما فى ص 181 وب من ص 183 - المعنى العقلى المحض الذى لا وجود له فى غير الذهن) ، فلا يدل - بصيغته - على ذات ، ولا على زمن ، ولا إفراد ، ولا تثنية ، ولا جمع ولا تأنيث ، ولا تذكير ، ولا علمية ، ولا شىء أكثر من ذلك المعنى المجرد. والمعانى المجردة كثيرة ، لا تكاد تحصر ، والحاجة إلى استعمالها شديدة. ومن العسير على غير العرب الأوائل معرفة المصدر الصحيح للفعل ، والاهتداء إليه بين غيره من المصادر الأخرى الكثيرة المتنوعة. بل إن العرب الأوائل - وهذا أمر يجب التنبه له - نطقوا المصادر بفطرتهم ارتجالا ، دون أن يعرفوا أسماءها الاصطلاحية ، وأحكامها المختلفة ، ونحو هذا مما وضع عند تدوين العلوم العربية ، ولا سيما النحو.
ا - أوزان المصدر الأصلى ؛ (وهو المصدر الحقيقى الذى يراد عند الإطلاق ؛ أى : عند عدم التقييد ببيان نوع معين من أنواعه (1):
المصدر الأصلى إما أن يكون لفعل ماض ثلاثى ، أو غير ثلاثى ؛ علما بأن الفعل - ماضيا وغير ماض - لا تتجاوز صيغته ستة أحرف. وأن الثلاثى لابد أن يكون مفتوح الأول (2). أما ثانية فقد يكون مفتوحا ، أو مضموما ، أو مكسورا ؛ فأوزانه ثلاثة (3)فقط ؛ هى : فعل - فعل - فعل.
والأساس الأول فى معرفة مصادر الثلاثى ، وإدراك صيغها المختلفة إنما هو الاطلاع على النصوص اللغوية الفصيحة ، وكثرة قراءتها ، حتى يستطيع القارئ بالدّربة والمرانة أن يهتدى إلى المصدر السماعىّ الصحيح الذى يريد الاهتداء إليه. أما الأوزان والصيغ القياسية الآتية فضوابط أغلبية صحيحة تفيد كثيرا فى الوصول إلى المصدر القياسىّ ؛ فيكتفى به من شاء ، ولكن الاطلاع والقراءة أقوى إفادة ، وأهدى سبيلا. وفيما يلى أوزان المصادر القياسية للفعل الثلاثى المتعدى واللازم :
(1) إن كان الماضى ثلاثيّا متعديا غير دال على صناعة ؛ فمصدره
القياسى : «فعل» ، نحو : أخذ أخذا - فتح فتحا - حمد حمدا سمع سمعا (1)
متى وعدتك فى ترك الهوى عدة *** فاشهد على عدتى بالزور والكذب
وقول الناصح : لا تعد عدة لا تثق من نفسك بإنجازها ، ولا يغرنك المرتقى - وإن كان سهلا - إذا كان المنحدر وعرا. ولهذه المسألة تفصيلات وأحكام موضحة هناك.
....فإن دل على صناعة فمصدره الغالب : «فعالة» ، نحو : صاغ الخبير المعادن صياغة دقيقة - حاك العامل الثوب حياكة متقنة ، ثم خاطه الصانع خياطة جميلة (2)
«فعل» قياس مصدر المعدّى *** من ذى ثلاثة ؛ كردّ ردّا
.ويلاحظ أن الثلاثى المتعدى لا يكون إلا مفتوح العين أو مكسورها. أما مضمومها فلا يكون إلّا لازما ، نحو : حسن - ظرف - شرف ...
(2) وإن كان الماضى ثلاثيّا ، لازما ، مكسور العين ، غير دال على لون ، أو على معالجة (3)، أو على معنى ثابت ، فمصدره القياسى : «فعل» نحو : تعب تعبا - جزع جزعا - وجع وجعا - أسف أسفا.
فإن دل على لون ، فالغالب فى مصدره : «فعلة» ؛ نحو : سمر الفتى سمرة - خضر الزرع خضرة. .
1) سيجىء (فى ج 4 م 184 ص 607) أن الواو التى هى «فاء» الفعل الثلاثى ، مفتوح العين فى الماضى ، مكسورها فى المضارع ؛ (مثل : وعد - يعد) يجب حذفها فى المضارع والأمر ، وكذا فى المصدر ، بشرط أن يصير هذا المصدر على وزن : «فعلة» (بكسر ، فسكون ، ففتح) لغير الهيئة ، ومختوما بالتاء فى آخره عوضا عن هذه الواو المحذوفة ؛ فيقال : وعد - يعد - عد - عدة ... ولا تحذف الواو من المضارع إلا بشرط أن يكون حرف المضارعة (وهو الحرف الذى يبتدئ به المضارع) مفتوحا ، وأن تكون عين المضارع مكسورة. ومن الأمثلة قول الشاعر :
2) وفيما سبق يقول ابن مالك :
3) وهى المحاولة الحسية ، وبذل الجهد العملى الجسمى للوصول إلى غاية ما ، واتخاذ الوسيلة للتغلب على صعوبتها.
وإن دلّ على معالجة فمصدره : «فعول» ؛ نحو : قدم قدوما - صعد صعودا - لصق لصوقا -.
وإن دل على معنى ثابت فقياسه : «فعولة» ؛ نحو : يبس يبوسة (1)
و «فعل اللازم بابه : «فعل» *** كفرح ، وكجوى ، وكشلل
تقول : فرح المنتصر فرحا عظيما - وجوى المحب جوى ، بمعنى اشتدت به حرقة لحب (وأصل جوى : «جوى» ، على وزن : فعل ... تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها. قلبت ألفا ، فالتقى ساكنان ؛ الألف والتنوين ؛ حذفت الألف لالتقاء الساكنين ؛ فصارت : جوى ...) وشلل المريض شللا ، أصابه مرض الشلل. وهو المرض الذى يمنع الأعضاء عن الحركة.
...(2)وإن كان الماضى الثلاثى لازما ، مفتوح العين ، صحيحها ، غير دال على إباء وامتناع ، ولا على اهتزاز وتنقل وحركة متقلبة ، ولا على مرض ، ولا سير ، أو صوت ، ولا على حرفة أو ولاية - فإن مصدره القياسى : «فعول» نحو : قعد قعودا - سجد سجودا - ركع ركوعا - خضع خضوعا .... فإن كان معتل العين فالغالب فى مصدره أن يكون على : «فعل» ، مثل : نام نوما - صام صوما. أو على «فعال» ، نحو : صام صياما قام قياما ... و ... فإن دل على إباء وامتناع فمصدره : «فعال» نحو : أبى إباء - نفر نفارا - شرد شرادا - جمح جماحا -. وإن دل على تنقل وحركة متقلبة فيها اهتزاز فمصدره : «فعلان» ؛ نحو : طاف طوفانا - جال جولانا (3)- غلى غليانا.
وإن دلّ على مرض فمصدره : «فعال» ، نحو : سعل سعالا - رعف (3) الأنف رعافا.
وإن دلّ على نوع من السّير فمصدره : «فعيل» ، نحو : رحل رحيلا - ذمل (4)ذميلا. .
وإن دل على نوع من الصوت فمصدره : «فعيل» و «فعال» ؛ نحو. صرخ الطفل صريخا وصراخا ، ونعب (1)الغراب نعيبا ونعابا. وقد اشتهر «فعيل» مصدرا لبعض الأفعال أكثر من «فعال» ؛ مثل صهلت الخيل صهيلا - أزّت (2)القدور أزيزا.
(ويؤخذ مما سبق أن وزن : «فعال» يكون مصدرا لما يدل على مرض أو صوت ، وأن وزن «فعيل» يكون مصدرا لما دل على سير أو صوت أيضا). وإن كان دالّا على حرفة أو ولاية فمصدره : «فعالة» : نحو : تجر تجارة - سفر سفارة - أمر إمارة - نقب نقابة (3).
(4) إن كان الماضى ثلاثيّا ، لازما ، مضموم العين (4)فمصدره : إما : «فعالة» ، وإما : «فعولة». فيكون «فعالة» إذا جاءت الصفة المشبهة منه على وزن «فعيل» : نحو : ملح فهو مليح - ظرف فهو ظريف - شجع فهو شجيع ... فالمصدر : ملاحة - ظرافة - شجاعة. ويكون : «فعولة» إذا جاءت الصفة المشبهة منه على : «فعل» ، نحو : سهل فهو سهل - عذب فهو عذب - صعب فهو صعب ... فالمصدر : سهولة - عذوبة (5)- صعوبة ... وهذا الضابط فى الحالتين أغلبىّ منقوض بأمثلة أخرى ، مثل : ضخم فهو ضخم ، مع أن المصدر الشائع هو ضخامة. وملح الطعام - أى : صار ملحا - ، ومصدره : الملوحة. مع أن الصفة المشبهة منه ليست على فعل ولا فعيل (6)....
تلك هى الأوزان القياسيّة للفعل الثلاثى بنوعيه ؛ المتعدى واللازم ؛ وهى أوزان أغلبية. وقد يرد فى الكلام المأثور ما يخالفها ، فيجب قبوله على اعتباره مسموعا يصح استعماله - بنصّه - مصدرا لفعله الخاص به ، دون استخدام
صيغته ووزنها فى أفعال أخرى ، أو القياس عليها فى فعل غير فعله. وهذا لوزن السماعىّ لا يمنع استعمال الصيغة القياسية ؛ كما أوضحنا أول الباب (1)ومن أمثلة السماعىّ : سخط سخطا ، ذهب ذهابا - شكر شكرا - عظم عظمة ... وغير هذا كثير ؛ جعل النحاة يقررون ما سبق من أن أوزان المصادر القياسية للماضى الثلاثى ؛ أوزان جارية على الأغلب ، ولا تفيد الحصر ؛ لوجود كثير سماعىّ غيرها (2)؛ حتى قيل إنها لا تكاد تنضبط (3)
و «فعل» اللّازم مثل : قعدا *** له «فعول» باطّراد كغدا
ما لم يكن مستوجبا «فعالا» *** أو : «فعلان» فادر ، أو «فعالا»
أى : أن مصدر «فعل» اللازم ، مفتوح العين ، هو : «فعول» باطراد ؛ كغدا غدوّا ؛ (بمعنى ذهب فى وقت الغدوة ، وهى أول النهار) وهذا يكون فى الحالة التى لا يستوجب فيها الفعل مصدرا آخر على وزن : «فعال» أو : «فعلان» أو «فعال» وقد بين فى البيتين التاليين هذه الحالة بقوله :
فأوّل لذى امتناع كأبى *** والثّان للّذى اقتضى تقلّبا
يريد : أن الوزن الأول وهو «فعال» يكون مصدرا لكل فعل دل على امتناع ، نحو : أبى إباء ، وأن الوزن الثانى ؛ «فعلان» يكون مصدرا لكل فعل دل على حركة وتقلب واضطراب. مثل جال جولانا - طاف طوفانا - أما الوزن الثالث وهو : «فعال» فقد بين فعله بقوله :
للدّا «فعال» ، أو : لصوت. وشمل *** صوتا وسيرا : «الفعيل» ، كصهل
(للدا : أى : للداء والمرض) ففعله يدل على داء ومرض ؛ نحو : سعل سعالا ، أو يدل على صوت ، نحو : نعب ، نعيبا ، وقد يستعمل «الفعيل» مصدرا للفعل الدال على الصوت أو على السير ، نحو صهل الحصان صهيلا - رحل الغريب رحيلا. ثم بين أن ما جاء مخالفا لأنواع المصادر القياسية فأمره مقصور على النقل ، أى : على السماع. يقول :
وما أتى مخالفا لما مضى *** فبابه النّقل ؛ كسخط ، ورضا
لأن فعلهما ثلاثى مكسور العين ، فإن كان متعديا فقياس مصدره : «فعل» كما عرفنا. فيقال فيهما سخط - ورضى ، وإن كان لازما فقياس مصدره ، فعل ، كفرح ، وغضب ... فجاء السماع فيهما مخالفا القياس فى الحالتين. ثم أشار إلى مصدر الثلاثى مضموم العين (وهو لازم حتما ، كما سبق ، فى ص 194 وفى رقم 4 من هامش ص 196)
«فعولة» «فعالة» لفعلا *** كسهل الأمر وزيد جزلا
يريد : أن لهذا الفعل اللازم ، مضموم العين ، مصدران ، هما «فعولة» ؛ مثل : سهل الأمر سهولة ... و «فعالة» نحو : جزل جزالة ؛ بمعنى جاد وأعطى ، أو بمعنى : عظم ...
، واقتصر بعض النحاة على سرد تسع وتسعين صيغة تخالف كل واحدة منها القياس .الخاص بمصدر فعلها» ... (1)أما المصادر القياسية لغير الثلاثى فمضبوطة محصورة - غالبا - وقل أن تخرج على الضوابط والحدود الموضوعة لها. كما سنرى.
«ملاحظة» : وردت ألفاظ سماعية ، كل واحد منها يؤدى معنى المصدر ولكن بصيغة اسم المفعول من الثلاثى ، فهى فى حقيقة أمرها مصادر سماعية من جهة المعنى ، جاءت ألفاظها على وزن : «مفعول» ؛ منها : معقول - مجلود (فى قولهم : فلان لا معقول له ولا مجلود له ؛ أى : لا عقل له ولا جلد ..) مفتون (2)- ميسور (3)- معسور (4). وكل ما سبق مقصور على السماع. ويرى سيبويه : أن تلك الألفاظ - ونظائرها - ليست مصادر فى المعنى ، وأن كل واحد منها هو اسم مفعول فى صيغته وفى معناه ؛ فيجب عنده تأويل الكلام الذى يحويه تأويلا يساير اسم المفعول فى المبنى والمعنى ، دون التفات إلى المصدر (5).
(1) إن كان رباعيّا على وزن : «فعّل» (6)مضاعف العين ، صحيح اللام (أى : صحيح الآخر) غير مهموزها - ، فمصدره القياسىّ : «تفعيل» مثل : قوّم تقويما ، وقصّر تقصيرا ؛ فى قولهم : من قوّم نفسه بنفسه أدرك بالتقويم ما يبتغى ، ومن قصّر فى إصلاح عيبه قعد به تقصيره عن بلوغ الغاية.
وقد يكون على وزن : «فعّال» كقوله تعالى : ( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ) ،
1) راجع شرح التصريح فى هذا المكان.
2) فتنة ، (خبرة).
3) يسر (سهل).
4) عسر.
5) لما سبق إشارة فى «» ص 272 من باب : اسم المفعول.
6) الأكثر فى هذه الصيغة أن تكون للتكثير والمبالغة - قياسا - كما سيجىء فى الصفحة التالية ، وكما سجله المجمع اللغوى القاهرى فيها - وفى «التّفعال» القياسية أيضا على الوجه المبين بعد.
وقد يكون على «فعال» بتخفيف العين ؛ كقراءة من قرأ : «وكذّبوا بآياتنا كذابا»
فإن كان معتل اللام فمصدره «التفعيل» أيضا ، ويجب حذف ياء «التفعيل» والاستغناء عنها بزيادة تاء التأنيث فى آخر المصدر - وزيادتها فى هذه الصورة لازمة - فيصير : «تفعلة» ؛ نحو : رضّى ترضية ، وزكّى تزكية ، وورّى تورية ؛ مثل : (رضّى الأخ البارّ أخاه ترضية كريمة ، وزكّاه تزكية صادقة ، وحين رأى منه بادرة إساءة ، ورّى (1)تورية تمنعه من التمادى).
وأصل الأفعال : من غير التضعيف : رضى - زكا - ورى - فهى معتلة اللام ومصادرها مع التضعيف من غير حذف وتعويض هى : ترضيّا - تزكيّا - توريّا .. حذفت الياء الأولى التى هى «ياء التفعيل» وعوّض عنها - وجوبا - تاء التأنيث فى آخر المصدر ؛ فصار : ترضية - تزكية - تورية ... كما عرفنا. ومن الشاذ عدم الحذف. أو عدم التعويض.
وإن كان مهموز اللام (2)فمصدره «التفعيل» ، أو : التفعلة» - وهذه هى الأكثر - نحو : برّأ تبريئا وتبرئة ، وجزّأ تجزيئا وتجزئة ، وهنّأ تهنيئا وتهنئة ، وخطّأ تخطيئا وتخطئة (3)
«(عبارة الجوهرى : «خطيئة» هى «فعيلة» ، ولك أن تشدد الياء ، - يريد أنك تقول : «خطيّة» بقلب الهمزة ياء ثم تدغم الياءين - ؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة ، أو واو ساكنة قبلها ضمة ، وهما زائدتان للمد لا للإلحاق ، ولا هما من نفس الكلمة - فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوا ، وبعد الياء ياء ، وتدغم. فتقول فى مقروء : مقروّ ، وفى خبىء : خبىّ.)». ا ه.
.«ملاحظة» : مذهب البصريين أن «التّفعال» - بفتح التاء وإسكان الفاء - مثل (4)
فأصبحت مثل النّسر طارت فراخه *** إذا رام تطيارا يقال له قع
و «تعقاد» مصدر بمعنى : «العقد» فى قول المرقش السدوسى :
لا يمنعنك من بغا *** الخير تعقاد التمائم
جاء فى كتاب الامتناع والمؤانسة (لأبى حيان التوحيدى - ج 2 ص 2 الليلة السابعة عشرة) بيان لكلمة «تذكار» وأنها مصدر له نظائر على وزنه.
: ، تذكار ، بمعنى : التذكّر ، هو مصدر : «فعل» (المفتوح .1) دفع ، أو أشار.
2) أى : أن الحرف الأخير من أصول الكلمة همزة ؛ نحو : برأ - خبأ - هنىء.
3) يجوز فى الكلمات : تبريئا - تجزيئا - تهنيئا - تخطيئا - وما شابهها - أن يقال فيها تبريّا - تجزيّا - تهنيّا - تخطيّا ... فقد جاء على هامش القاموس فى مادة : «خطأ» عند الكلام على «خطية» ما نصه الحرفى.
4) ومن الأمثلة أيضا : «تطيار» مصدرّ بمعنى : «طيران» فى قول عمرو السدوسى :
الأول والثانى بغير تشديد الثانى) - وجىء بالمصدر على ذلك الوزن للتكثير. وقال الفراء وجماعة من الكوفيين : إنه مصدر : «فعّل» - مفتوح العين المشددة - ورجحه ابن مالك وغيره ؛ لكون هذا المصدر للتكثير ، و «فعّل» المضعف العين للتكثير أيضا ، ولكونه نظير «التفعيل» فى الحركات ، والسكنات ، والزوائد ؛ ومواقعها (1)...
وأسماعىّ هو أم قياسى؟ قولان ، أظهرهما أنه قياسىّ (2). أما «التّفعال» بكسر التاء ، كالتّبيان والتّلقاء فليس بمصدر ، بل بمنزلة اسم المصدر (3)
لعله يريد : أنه اسم مصدر (وسيجىء الكلام عليه فى ص 207) والمراجع اللغوية - كالقاموس وشرحه - مختلفة فى الحكم على هاتين الكلمتين ؛ فقيل : إنهما مصدران على الشذوذ - بسبب كسر التاء - وقيل : اسما مصدر ، وقيل ... غير ذلك ...
.وإن كان الماضى رباعيّا على وزن : «أفعل» صحيح العين فمصدره على : «إفعال» نحو : أجمل الخطيب القول إجمالا محمودا ، وأحسن الإلقاء إحسانا بارعا. فإن كان معتل العين نقلت فى المصدر حركة عينه إلى فاء الكلمة ، وحذفت العين ، وعوض عنها - غالبا - تاء التأنيث فى آخره ، نحو : أقام إقامة - أبان إبانة - أعان إعانة .... والأصل : إقوام - إبيان - إعوان. فعين المصدر حرف علة متحرك بالفتح وقبله حرف صحيح ساكن ؛ فنقلت حركة حرف العلة - العين - إلى الساكن الصحيح قبله ؛ (تطبيقا للأساليب العربية وضوابطها). وحذف حرف العلة الأول للتخلص من التقاء الساكنين ؛ فصار .
1) من الأمثلة أيضا : تجوال وتطواف - بفتح التاء فيهما - وقد عرض لهما الصبان (ج 3 باب : «ما لا ينصرف» فى آخر الكلام على صيغة منتهى الجموع) وسجل ما نصه «(إنهما مصدران لجال وطاف. وقيل : لتجوّل وتطوّف.)» ا ه.
2) أخذ مجمع اللغة العربية القاهرى بهذا الأظهر بعد دراسة وافية ، ورجوع لآراء المتقدمين ومنها : «(ما قاله صاحب التسهيل ، ونصه : «قد يغنى فى التكثير عن «التفعيل» ، «تفعال» فقال شارحه ابن أم قاسم ما نصه : (ظاهر كلام النحويين أنه مقيس ، وقد نص بعضهم على أنه مقيس)» ا ه. راجع ص 257 الجلسة السابعة من محاضر الدورة العاشرة.
3) ما سبق منقول عن الصبان فى هذا الوضع. لكن ما المراد مما هو بمنزلة اسم المصدر؟
اللفظ إقام - إبان - إعان ، ثم زيدت تاء التأنيث فى آخره ؛ عوضا عن المحذوف ؛ فصار المصدر : إقامة - إبانة - إعانة ... ومن الجائز ألّا تزاد هذه التاء. ولكن الغالب زيادتها ، كما سبق.
وإن كان رباعيّا مجردا على وزن «فعلل» فمصدره الغالب : «فعللة». وقد يكون على «فعلال» (1)مع قلّته ، نحو : دحرجت الكرة دحرجة ود حراجا - سرهفت (2)الصبىّ ، سرهفة وسرهافا - بهرج (3)المنافق حديثه بهرجة ، وبهراجا (4).
ومثله الماضى الرباعى الذى على وزان : «فوعل» و «فيعل» فإن مصدرهما القياسى الغالب : «فعللة» - وهذه أكثر - ، و «فعلال» ؛ نحو : حوقل (5)حوقلة وحيقالا - وبيطر (6)
متاركة اللئيم بلا جواب *** أشد على اللئيم من الجواب
بيطرة وبيطارا.وإن كان رباعيّا على وزن : «فاعل» غير معتل الفاء بالياء - فمصدره «فعال» و «مفاعلة» ، نحو : خاصمت الباغى مخاصمة ، أو : خصاما. صارعت الطاغية مصارعة ، أو : صراعا ... فارقت أهل السوء مفارقة ، أو : فراقا ... و «المفاعلة» أكثر وأعم اطّرادا(7)..
فإن كان رباعيّا معتل الفاء بالياء فمصدره «المفاعلة» ، نحو : يامنت ميامنة ، وياسرت مياسرة ، (أى : ذهبت جهة اليمين ، وجهة اليسار).
1) إذا كان «فعلال» مصدرا مضاعفا ؛ كالزلزال ، والوسواس ، ونحوهما - جاز فتح أوله وكسره. وقد يراد - كثيرا - بالمفتوح اسم الفاعل فى المعنى ؛ نحو : أعوذ باللّه من شر الوسواس. يكره الناس الصّلصال المزعج برنينه ، والوعواع الصاخب بنباحه .. والمراد : الموسوس - المصلصل ؛ بمعنى : الرنان - الموعوع ، بمعنى النابح. (وعوع الكلب ، نبح). وكل هذا قياسى.
2) أحسنت غذاءه.
3) أتى فيه بالزائف والباطل.
4) قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه.
5) عالج الخيل والدواب ، وما ليس بإنسان من أنواع الحيوان.
6) ومن أمثلتها المسموعة أيضا : «متاركة» فى قول شاعرهم :
7) إذا كان «فعلال» مصدرا مضاعفا ؛ كالزلزال ، والوسواس ، ونحوهما - جاز فتح أوله وكسره. وقد يراد - كثيرا - بالمفتوح اسم الفاعل فى المعنى ؛ نحو : أعوذ باللّه من شر الوسواس. يكره الناس الصّلصال المزعج برنينه ، والوعواع الصاخب بنباحه .. والمراد : الموسوس - المصلصل ؛ بمعنى : الرنان - الموعوع ، بمعنى النابح. (وعوع الكلب ، نبح). وكل هذا قياسى.
(2) وإن كان خماسيّا ، على وزن : «تفعّل» فمصدره «تفعّل» نحو : تعلّم الراغب تعلّما - ثم تخرّج تخرّجا - وتدرّب تدرّبا ....
وإن كان خماسيّا مبدوءا بهمزة وصل على وزن : «انفعل» فمصدره «انفعال» (والوصول إليه يكون بكسر ثالث الفعل ، وزيادة «ألف» قبل الحرف الأخير) نحو : انشرح صدرى انشراحا عظيما حين رأيت عدوّنا ينهزم انهزاما ساحقا.
وإن كان خماسيّا مبدوءا بهمزة وصل ، على وزن : «افتعل» فمصدره : افتعال ؛ (والوصول إليه يكون بكسر الثالث من الفعل ، وزيادة «ألف» قبل حرفه الأخير) نحو : إذا اقتصد الفقير بلغ باقتصاده الغنى - من اعتمد على نفسه كان خليقا أن يدرك باعتماده ما يريد.
وإن كان خماسيّا على وزن «تفعلل» فإن مصدره يكون على وزن : «تفعلل» ، بضم الحرف الرابع ؛ نحو : تدحرج الحجر تدحرجا.
(3) وإن كان سداسيّا مبدوءا بهمزة وصل ، على وزن : «استفعل» وليس معتل العين - فمصدره : «استفعال» (والوصول إليه يكون بكسر الحرف الثالث من الفعل ، وزيادة «ألف» قبل حرفه الأخير) ؛ نحو : استحسان ، واستقباح - وأشباههما - مثل : إنى أستحسن قراءة الأدب الرفيع استحسانا لا يعادله إلا سماع الأغانى العالية الشجيّة ، وأستقبح تافه الكتب استقباحا لا يعادله إلا الأغانى الماجنة الخليعة ...
فإن كان على وزن «استفعل» مع اعتلال عينه ، نقلت فى المصدر حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبلها ، وحذفت العين ، وجاءت تاء التأنيث فى آخره عوضا عنها ، وهو عوض لازم ، نحو : استعاد المريض قوته استعادة ، والأصل : استعوادا ، جرى فيها ما أسلفنا.
ضم الحرف الرابع فى الفعل الخماسى المبدوء بتاء زائدة للوصول إلى مصدره ، ليس مقصورا على «تفعلل» وإنما يجرى عليه وعلى ما يماثله ، من كل فعل مبدوء بتاء زائدة ، وعدد حروفه ، وحركاتها ، وسكناتها - يماثل «تفعلل» من غير تقيد بنوع الحركات والسكنات ؛ فليس من اللازم أن يكونا على وزن صرفىّ واحد ؛ إنما اللازم أن يقابل المتحرك متحركا ، والساكن ساكنا ، وهذا الضابط يشمل عشرة أوزان غالبة :
(1) تفعّل ؛ مثل : تجمّل تجمّلا.
(2) تفاعل ؛ مثل : تغافل تغافلا.
(3) تفعلل ؛ مثل : تلملم تلملما.
(4) تفيعل ؛ مثل : تبيطر تبيطرا.
(5) تمفعل ؛ مثل : تمسكن تمسكنا.
(6) تفوعل ؛ مثل : تجورب تجوربا.
(7) تفعنل ؛ مثل : تقلنس تقلنسا
(8) تفعول ؛ مثل : ترهوك ترهوكا (1).
(9) تفعلت ؛ مثل : تعفرت تعفرتا.
(10) تفعلى ؛ مثل : تسلقى تسلقيا (2). لكن تقلب الضمة هنا قبل الياء كسرة.
تلك هى أشهر المصادر القياسية للفعل الماضى الرباعى ، والخماسى ، والسداسى (1)
ا. فيما دل على حرفة أن يكون على وزن ؛ «فعالة» ؛ كز راعة ، وتجارة ، وحياكة.
ب . وفيما دل على امتناع أن يكون على وزن : «فعال» ؛ كإباء ، وشراد ، وجماح.
ح . وفيما دل على اضطراب أن يكون على وزن : «فعلان» ؛ كغليان ، وجولان.
د . وفيما دل على داء أن يكون على وزن : «فعال» ؛ كصداع ، وزكام . ودوار .
ه- . وفيما دل على سير أن يكون على وزن : «فعيل » ، كرحيل ، وذميل ، ورسيم (والأخيران نوعان من السير).
و . وفيما دل على صوت أن يكون على وزن : «فعال» أو : «فعيل» ؛ كصراخ ، وزئير .
ز . وفيما دل على لون أن يكون على وزن فعلة» ؛ كحمرة ، وزرقة ، وخضرة.
فإن لم يدل على شيء مما سبق فالغالب :
ا . فى : «فعل» أن يكون مصدره على : «فعولة» أو «فعالة» ؛ كسهولة ؛ ونباهة.
ب . وفى : فعل اللازم أن يكون مصدره على : «فعل» كفرح . وعطش.
ح . وفى فعل اللازم أن يكون مصدره على : «فعول» كقعود ، وخروج ، ونهوض.
د . وفى المتعدى من «فعل» و «فعل» أن يكون مصدره على : «فعل» ؛ كفهم ، ونصر.
وأما الفعل الرباعي :
ا . فإن كان على وزن : «أفعل» فمصدره على «إفعال» ، كأكرم إكراما.
ب . وإن كان على وزن : «فعل» فمصدره على «تفعيل» ؛ كقدم تقديما.
ح . وإن كان على وزن فاعل فمصدره على «فعال» أو : «مفاعلة» ، كقاتل قتالا ومقاتلة.
د . وإن كان على وزن «فعلل» فمصدره على «فعللة» كدحرج دحرجة. ويجيء على وزن «فعلال» أيضا
إن كان مضاعفا ؛ كوسوس وسوسة ، ووسواسا.
وأما الخماسي والسداسي فالمصدر منهما يكون على وزن ماضيه ، مع كسر ثالثه ، وزيادة ألف قبل آخره
إن كان مبدوءا بهمزة وصل ؛ كانطلق انطلاقا ، واستخرج استخراجا. ومع ضم ما قبل آخره فقط إن كان مبدوءا
بناء زائدة ؛ كتقدّم تقدّما . وتدحرج تدحرجا. ثم قال :
«تنبيه» الفعل إذا كانت عينه ألفا تحذف منه ألف الإفعال والاستفعال ، ويعوض عنها تاء في الآخر ؛
كأقام إقامة ، واستقام استقامة. وإذا كانت لامه «ألفا» ففى : «فعل» تحذف ياء التفعيل ، ويعوّض عنها تاء
أيضا ؛ كزَكّى تزكية. وفى «تفعل»، و «تفاعل » تقلب الألف ياء ، ويكسر ما قبلها ؛ كتأنى تأنيا ، وتغاضى
تغاضيا. وفى غير ذلك تقلب همزة إن سبقتها «ألف» ، كألقى إلقاء ، ووالى ولاء ، وانطوى انطواء ، واقتدى
اقتداء ، وارعوى ارعواء ، واستولى استيلاء ، واحلولى احليلاء. ا ه- .
. وهى على ضبطها واطرادها لم تسلم من مصادر مسموعة تخالفها ؛ نحو :1) لبعض المعاصرين تلخيص موجز للمصادر المختلفة ، سلك فيه مسلكا غير الذى جرت عليه المطولات. ومسلكه حميد ، وتلخيصه - على إيجازه - نافع مفيد ؛ قال ما نصه فى مصادر الثلاثى الكثيرة ، إن الغالب :
حوقل الطائع حيقالا (1)- تنزّى (2)سرير الطفل تنزيّا - تملّق المنافق تملّاقا .... و ... والقياس : حوقلة - تنزية - تملقا (3)
وغير ذى ثلاثة مقيس *** مصدره كقدّس التّقديس
وزكّه تزكية ، وأجملا *** إجمال من تجمّلا تجمّلا
يريد : أن «فعّل» صحيح اللام مصدره «التفعيل» ، مثل : قدّس التقديس. ومعتل اللام مصدره :
«تفعلة» ، نحو : زكّى تزكية ، أما : «أفعل» فمصدره : «إفعال» ؛ نحو : أجمل إجمالا. وأما «تفعّل» فمصدره : «التفعّل» نحو : التجمّل. وإليها أشار بقوله : إجمال من «تجمّلا تجمّلا» أى : أجملا إجمال من تجمّل تجمّلا. ثم أشار إلى الرباعى المعتل العين والسداسى المعتل العين كذلك فبيّن أن عينهما تحذف ، ويعوض عنها - غالبا - التاء ، قال :
واستعذ استعاذة ، ثمّ أقم *** إقامة ، وغالبا - ذا - التّا لزم :
أى : وغالبا أن هذا النوع يكون مختوما بالتاء. والمراد من «استعاذ» السداسى معتل العين ، ومن «أقام» : الرباعى كذلك. وذكر مصدر الخماسى والسداسى المبدوء بهمزة وصل ، وأنه يكون بفتح الحرف الذى قبل آخره ومده ، فينشأ من مده ألف زائدة مع كسر الحرف الذى يلى الحرف الثانى. يريد : مع كسر الحرف الثالث :
وما يلى الآخر مدّ وافتحا *** مع كسر تلو الثّان ممّا افتتحا :
بهمز وصل ، كاصطفى. وضمّ ما *** يربع فى أمثال قد تلملما
أى : ما يليه الآخر (ويقع بعده الحرف الأخير) مده ، وافتحه ، واكسر الحرف الذى يتلو الثانى من فعل خماسى أو سداسى ، مبدوء بهمزة وصل ، فينشأ من هذا كله المصدر القياسى ، نحو اصطفى العاقل إخوانه اصطفاء ، واستهوى أفئدتهم بكريم خلقه استهواء.
وأشار إلى أن مصدر الخماسى الذى على وزن : «تفعلل» مثل : «تلملم» يكون بضم ما يربع فعله ، أى : بضم ما يكون رابعا ، فينشأ المصدر المطلوب وهو : «تلملم». ثم بين أن «فعللة» هى المصدر القياسىّ للفعل : «فعلل» ، وقد يكون مصدره قليلا «فعلال» : يقول :
«فعلال» او «فعللة» ل «فعللا» *** واجعل مقيسا ثانيا ، لا أولا
ثم عرض لمصدر «فاعل» فقال إنه : «الفعال» و «المفاعلة» ، وصرح بأن ما جاء مخالفا للمقيس من المصادر السالفة كلها ، مقصور على السماع ، لا يقاس عليه ، ونصّ تصريحه :
لفاعل الفعال والمفاعله *** وغير ما مرّ السّماع عادله
أى : ساواه.
ثم ختم ابن مالك الباب ببيتين فى بيان الوزن الذى يصاغ عليه المصدر الدال على «المرة والهيئة» - وسيجىء شرحهما فى مكانهما المناسب من ص 230 - هما :
و «فعلة» لمرّة كجلسه *** و «فعلة» لهيئة كجلسه
فى غير ذى الثّلاث ب «التّا» المرّه *** وشذّ فيه هيئة ؛ كالخمره
... هإعمال المصدر ، واسمه (1)
فأما صيغ المصدر القياسية والسماعية ، وطريقة صياغة القياسي منها ، وأوزانها وكل ما يتصل بذلك . فله باب خاص أعده النحاة لذلك ، بعنوان : «باب أبنية المصادر» - وقد سبق في ص 181 م 98 . وأما تعريفه وإعماله وأحكامه فنعود الآن لبسط الكلام عليها. (ويلاحظ أن «اسم المصدر» مقصور على السماع).
ا. فالمصدر الصريح الأصلى : (أى : غير المؤول ، وغير الميمى ، والصناعي ، كما قدمنا في ص 181 ، وأشرنا إليه هنا هو : (الاسم الذي يدل . في الغالب على الحدث المجرد ، ويشتمل على كل الحروف الأصلية والزائدة التي يشتمل عليها الفعل الماضى المأخوذ منه. وقد يشتمل هذا المصدر على أكثر منها دون أن يشتمل على الميم الزائدة في أوله ، وهى التي يبتدئ بها «المصدر الميمى» ، ودون أن يختم بالياء المشددة تليها تاء التأنيث ، وهما اللذان يختم بهما المصدر الصناعي».
وهذا التعريف - وهو بمعنى التعريف الذى سبق فى ص 181 - يتضمن أمرين معا ؛ أحدهما : يتعلق بدلالته المعنوية ، والآخر : يتعلق بصيغته اللفظية. فأما من ناحية دلالته المعنوية فإنه يدل في الغالب على مجرد الحدث. أي : يدل على أمر معنوى محض ، لا صلة له بزمان ، ولا بمكان ، ولا بذات ، ولا بعلمية ، ولا بتذكير ، أو تأنيث ، ولا بإفراد ، أو تثنية ، أو جمع أو غيره . إلا إن كان دالا على «مرة ، أو هيئة» كما سيجيء في ص 225...
وأما من ناحية تكوينه اللفظى فلابد أن يكون جامدا مشتملا على جميع حروف فعله الماضي ، أو على أكثر منها . كما سبق ، وكما تجيء أمثلته . ولا يمكن أن ينقص عنه فى الحروف. خذ مثلا المصدر : «تحسن» فإنه يدل على أمر عقل محض ، ندركه بعقولنا ، ولا نستطيع أن نحسه بحاسة من حواسنا ؛ إذ لا وجود لشيء في خارج عقولنا يقال له : «تحسن» يمكننا أن نراه ، أو نلمسه ، أو نسمعه ، أو نذوقه ، أو نشمه. فليس له وجود مادى تقع عليه إحدى الحواس ؛ وإنما وجوده محصور في الذهن وحده ، وهذا معنى كونه حدثا مجردا ، أو أمرا معنويا محضا ، أو نحو هذا من الأسماء. ثم إن هذا اللفظ الجامد (وهو : تحسن) لا يدل على زمن مطلقا (ماض ، أو حال ، أو مستقبل) ، ولا يدل كذلك على مكان ، ولا ذات (وهي : الجسم ، أو : المادة المجسدة.) وليس علما على شيء خاص معين ، يدل عليه كما يدل العلم على صاحبه. فكل أمره مقصور على الدلالة المعنوية السابقة. وهو إلى ذلك مشتمل على جميع حروف فعله الماضى : تحسن» ومن أجل هذا كله . يسمى : «مصدرا» لانطباق التعريف عليه .بخلاف المصدر المؤول ؛ فإنه يدل على زمن ، وغيره - كما سبق فى ج 1 ص 302 م 29 - ومما يزيد الأمر وضوحا : ما يأتى :
(1) حين نقول : «تحسن» أو : «يتحسن» أو : «تحسن» نجد كل كلمة مستقلة من هذه الكلمات لا بد أن تدل على أمرين معا ؛ هما : المعنى المحض السالف (أى : الحدث المجرد) والزمان (ماضيا - أو حالا - أو مستقبلا ... و ...) ولا يمكن أن تؤدى أمرا واحدا دون الآخر ؛ ولذلك لا تسمى : «مصدرا» ، وإنما تسمى : «فعلا». فالمصدر الصريح - غير الدال على المرة أو الهيئة - يؤدى شيئا واحدا من شيئين يؤديهما الفعل ، وهذا الشىء الواحد هو ما سوى الزمان. وفيه يقول ابن مالك فى بيت سبق شرحه (فى باب المفعول المطلق ج 2 ص 155 م 74).
المصدر اسم ما سوى الزّمان من *** مدلولى الفعل ؛ كأمن من أمن
(2) وأننا حين نقول : «متحسّن» نفهم من هذه الكلمة - دون الاستعانة بغيرها - أمرين معا ؛ وهما : المعنى المحض (أى : الحدث المجرد) الذى أوضحناه ، و «الذات» أى : المادة المجسدة المجمدة ، أو : «الجسم» الذى يتصف بالتحسن ، فلابد من المعنى والذات معا. ولهذا لا تصلح كلمة «متحسن» لأن تسمى : «مصدرا» ولا فعلا ، وإنما تسمى : اسم فاعل ... - وسيجىء الكلام عليه فى ص 238 -.
(3) وفى مثل : أعطيت المحتاج عطاء يكفيه ، نجد كلمة : «عطاو» تدل على معنى مجرد محض ، ولا تدل معه على شىء آخر. ولكنها لا تشتمل على جميع الحروف التى فى فعلها المذكور فى جملتها ؛ إذ الهمزة الأولى غير موجودة لفظا ولا تقديرا. ومن هنا لا نستطيع أن نسمى كلمة : «عطاء» مصدرا للفعل الماضى : «أعطى» وإنما نسميها : «اسم مصدر» ؛ وسنعرفه هنا. ومثلها : كلمة «سلام» و «عون» فى نحو : سلمت على اللاجىء سلام الأخ ، وعاونته عون الشقيق ؛ فإن كل واحدة منهما لا تصلح مصدرا للفعل المذكور معها (برغم أنها تصلح لغيره) لأن حروفها خالية لفظا وتقديرا من بعض حروف فعلها ، فكلمة : «سلام» تشتمل على «لام» واحدة مع أن فعلها المذكور فى جملتها مشتمل على لام مشددة تعد لامين. وكلمة : «عون» خالية من الألف التى فى فعلها المذكور معها ، فكلاهما ليس مصدرا ، وإنما يسمى : «اسم مصدر» - وسيجىء فى الصفحة الآتية إيضاحه ، وأنه سماعى -.
(4) وفى مثل : دهن وكحل - بضم أولهما - من كل ما يشتمل على حروف فعله ولكنه ذات لا نسميه مصدرا.
(5) وفى مثل : برّة ؛ بمعنى : البرّ ، وسبحان بمعنى : التسبيح ، وحماد ، بمعنى : الحمد - نجد هذه الكلمات وأشباهها ، تدل على الحدث المجرد ، ولا تدل معه على ذات ، ولا زمان ، ولا غيره ولكننا لا نستطيع أن نسميها «مصادر ؛ لأن كل واحدة منها صارت علم جنس» يدل على المعنى الخاص به ؛ فكلمة : «برة» علم جنس على «البرة» بمعنى : البر ، و «سبحان» علم جنس على : التسبيح ، و «حماد» علم جنس على : الحمد ؛ فهى ونظائرها أسماء مصادر (سبق الكلام عليها فى الجزء الأول ص 209 م 22 فى علم الجنس... ،
وقد قلنا إن المصدر لا بد أن يشتمل على كل حروف فعله الماضى ، أو على أكثر منها. والمراد اشتماله عليها لفظا أو تقديرا. فاللفظى أن تكون جميع الحروف موجودة منطوقا بها ؛ نخو : أخذت أخذا . تعلم الصبي تعلما . والتقديرى : أن يكون الحرف محذوفا قد عوض عنه حرف آخر ، كمجيء تاء التأنيث في آخر المصدر عوضا عن واو الفعل ، في مثل وعد ، عدة ، وكالتاء أيضا حين تكون فى أوله عوضا ، مثل سلم تسليما ، وعلّم تعليما ؛ فإن إحدى اللامين حذفت من المصدر وجاءت فى أوله التاء عوضا أو يكون الحرف محذوفا للتخفيف وكثرة الاستعمال ، مع ظهوره أحيانا فى بعض اللّهجات واللغات ؛ مثل : ضارب ضرابا . قاتل قتالا ... والأصل : ضيرابا وقيتالا ؛ فقلبت الألف ياء لوقوعها بعد الكسرة ، ثم حذفت تخفيفا ، ومن العرب من كان يظهرها.
ومثال اشتمال المصدر على حروف أكثر من حروف فعله الماضى : إكرام ، وإجمال . وأشباههما فإنهما مصدران للفعلين : «أكرم وأجمل» وقد زيد فى وسط كل مصدر منهما الألف ومثل : «فرقان» مصدر «فرق» فقد زيد في وسطه الألف ومثل الألف التاء فى كلمة : معاونة» مصدر : عاون.
ب . وأما اسم المصدر (وهو مقصور على السماع فقالوا في تعريفه : إنه ما ساوى المصدر في الدلالة
على معناه ، وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا من بعض حروف عامله . الفعل ، أو غيره . دون تعويض».
وذلك كعطاء ؛ فإنه مساو لإعطاء فى المعنى ، ومخالف له بنقص الهمزة الأولى لفظا وتقديرا من غير أن يعوض عنها شيء فإن خلا منه لفظا ولم يخل تقديرا فليس اسم مصدر ؛ وإنما هو مصدر . كما تقدم . مثل كلمة قتال ؛ فإن أصلها : قيتال ، على الوجه الذى شرحناه في هذه الصفحة ، وإن خلا منه لفظا ولكن مع تعويض عنه فليس باسم مصدر ، وإنما هو مصدر أصيل ؛ نحو : عدة ، مصدر الفعل «وعد» فقد حذفت الواو ، وجاءت التاء في آخر الاسم عوضا عنها ؛ كما قلنا آنفا. فلابد في اسم المصدر من نقص بعض حروفه الأصلية أو الزائدة. وأن يكون النقص بغير تعويض عنه ، وبغير وجود المحذوف مقدرا. إن الفرق اللفظي بين المصدر الأصلى واسم المصدر واضح مما سبق (ولا سيما قصر «اسم المصدر» على السماع ، أما المصدر الأصلي فمنه القياسي ومنه السماعي ..) ولكن الفرق المعنوى بينهما في حاجة إلى تجلية وإبانة. فما معنى : : «أن اسم المصدر يساوى المصدر في الدلالة على معناه؟
ذهب النحاة في الإيضاح مذاهب لا تخلو من غموض أو نقص. ولعل خيرها ما جاء في كتاب : «الأشباه والنظائر للسيوطى ، منسوبا لابن النحاس : قال ما نصه : (الفرق بينهما أن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره ؛ كقولنا : إن كلمة : «ضرب» هي مصدر في قولنا : يعجبني ضرب زيد عمرا. فيكون مدلوله : «معنى» (يقصد : أن مدلول كلمة «المصدر» ومفهومها وسماها ، هو أمر معنوى محض ، وأنه هو المصدر حقيقة ، لا مجازا. أما اللفظ المذكور في الجملة ، المركب من حروف هجائية معينة ، فليس بالمصدر الحقيقى) وسموا ما يعبر به عنه مصدرا ، «مجازا» ، أي : تسمية مجازية ، لا حقيقية . نحو : «ضرب» في قولنا : إن : «ضربا» مصدر منصوب ، إذا قلت : ضربت ضربا ؛ فيكون مسماه لفظا). ا ه- . فهو يريد : أن كلمة «ضربا) هي المسمى اللفظى المجازى لكلمة : مصدر. ومقتضى هذا أن كلمة. «مصدر» اسم له مدلولان أو مفهومان ، وإن شئت فقل : له مسميان، أحدهما : معنوى محض ؛ هو الحدث المجرد ، وهذا الحدث هو المسمى الحقيقى - لا المجازى - لكلمة : مصدر. والمسمى الآخر لفظي ؛ هو اللفظ الذي ننطق به ، أو نكتبه ، والذى نقول في إعرابه : إنه مصدر منصوب ، وهو المصدر المجازي المراد منه المصدر الحقيقي المعنوى . ثم قال بعد ذلك :
(واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره ؛ كسبحان ؛ المسمى به : «التسبيح» الصادر عن الشخص المسبح - مثلا - لا لفظ التاء ، والسين ، والباء ، والياء ، والحاء ، بل المعنى المعبر عنه بهذه الحروف ، ومعناه البراءة والتنزيه) راجع ياسين على التصريح .
ويفهم مما سبق أن اسم المصدر كالمصدر المجازي السالف ؛ كلاهما يدل مباشرة على الحدث المجرد من غير واسطة. ولكن كثيرا من المحققين يقولون إن اسم المصدر يدل مباشرة على لفظ المصدر لا على الحدث المجرد ، وأن دلالته على لفظ المصدر تؤدى - تبعا - إلى الدلالة على معنى المصدر ، وبذا تكون دلالته على الحدث المجرد دلالة غير مباشرة ، وإنما هى بالواسطة ؛ إذ هي من طريق المصدر.
(راجع الخضرى والصبان في هذا الموضع من الباب).
ومن أوضح أسماء المصادر كل اسم يدل على معنى مجرد ، وليس له فعل من لفظه يجرى عليه ؛ كالقهقرى ؛ فإنه لنوع من الرجوع ، ولا فعل له - فى المشهور - يجرى عليه من لفظه وكذلك كل اسم يدل على معنى مجرد ، ويجرى على وزن مصدر الثلاثي ، مع أن الفعل المذكور معه في الجملة غير ثلاثي ؛ مثل : توضأ وضوءا ، و ، وأعان عونا ، وما شابههما من الوارد المسموع - كالشأن في جميع أسماء المصادر فإنها مقيدة بالسماع ...
بقيت مسألة هامة ، تتلخص فى : أن بعض الباحثين المحققين ينكر وجود قسم مستقل يطلق عليه : «اسم المصدر». وحجته : ما سبق هنا ، وأن تعريف المصدر الأصيل ينطبق عليه. وهذا رأى قوى ودفعه عسير. ومسألة أخيرة : (أشرنا إليها فى ص 183) ، نوردها بمناسبة دلالة المصدر . في الغالب . على شيء واحد من شيئين يدل عليهما الفعل ؛ فإن هذه الدلالة تثير سؤالا : أيهما أصل للآخر؟ فالبصريون يقولون : المصدر. ويحتجون بأدلة ، أقواها : أنه يدل على شيء واحد ؛ هو : المعنى المجرد ؛ فهو «بسيط». والفعل الماضى يدل على شيئين ؛ المعنى والزمن ؛ فهو مركب و «البسيط» أصل المركب والكوفيون يقولون : الفعل الماضي هو الأصل الذي يدخله بعض التغيير. فتتفرع منه المشتقات ؛ لأنه يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة ؛ والذي يتضمن غيره والزيادة عليه يعد أصلا له.
وهذا - وغيره مما ذكره الفريقان - لا يعدو أن يكون أدلة جدلية دفاعية ، لها طلاوة الجدل القوى ، وليس لها قوة الحجة المنطقية ، ولا صحة البرهان. إذ ليس لدينا في المشتقات الكثيرة المسموعة عن العرب ما يدل من قرب أو بعد على الأصل الذى تفرع منه هذا المشتق. أما المسألة في واقعها فليست إلا مجرد اصطلاح محض. غير أن كلمة : «المصدر» فى أصلها اللغوى معناها : «الأصل» وقد شاعت بهذا المعنى بين أكثر النحاة. وأطلقوها اصطلاحا على أنها أصل للفعل وللمشتقات كلها. فلا ضرر من الأخذ بهذا. والاقتصار عليه.
.1) عرفنا - فى ص 181 و193 - أن المصدر إذا أطلق كان المراد المصدر الصريح الأصلى دون المؤول وغيره من المصادر الميمية والصناعية ، وأوجزنا القول عن المصدر واسمه فى (ج 2 ص 174 م 75) لمناسبة هناك تتصل بالمفعول المطلق ؛ ووعدنا أن نوفيهما فى هذا الجزء.
يعمل المصدر عمل الفعل (1)
أما رفع المصدر لنائب الفاعل فالمختار جوازه عند أمن اللبس ، نحو : عجبت من قياس بالطيارة الصحراء
، ومن إقامة فيها معامل النفط. أى : من أن تقاس الصحراء بالطيارة ، وأن تقام معامل النفط فيها. بخلاف
الفعل ، فإنه يعمل وجوبا بغير شرط ، ويتحمل وجوبا ضمير مرفوعه المحذوف ؛ فاعلا كان أو نائب فاعل.
فى حالتين :الأولى : أن يحذف الفعل ، وينوب عنه مصدره فى تأدية معناه ، وفى التعدّى واللزوم ، وكثير من أنواع العمل ، نحو قول الشاعر :
يا قابل التوب. غفرانا مآثم ، قد *** أسلفتها ، أنا منها خائف وجل
وقول الآخر :
شكرا لربك يوم الحرب نعمته *** فقد حماك بعز النصر والظّفر
ونحو : تعظيما والديك ، وتكريما أهلك ، وإشفاقا على ضعيفهم المحتاج. والأصل : اغفر مآثم (2)... - اشكر لربك - عظم والديك - كرم أهلك ، وأشفق على ضعيفهم. فحذف فعل الأمر وجوبا ، وناب عنه مصدره ، فعمل عمله فى رفع الفاعل المستتر هنا ، وفى نصب المفعول به ، إن كان الفعل المحذوف ينصب مفعولا به ؛ كالفعلين : عظّم ، وكرّم ، وفى أكثر الأعمال الأخرى التى يعملها الفعل ؛ كالعمل فى النعت ، وكتعلق الجار والمجرور به فى المثال الأخير ، وكغيرهما من باقى المعمولات ؛ فكل هذا يعمله المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبا. (وقد سبق (3)تفصيل الكلام على هذا الموضع ، وبيان الحذف الجائز فيه والواجب ، والقياسىّ وغير القياسى ، وكيفية إعراب هذا المصدر وباقى معمولاته ، وكل ما يتصل به من هذه النواحى المختلفة ..)
1) يخالف المصدر فعله فى أمور ؛ أهمها : أن المصدر لا يعمل إلا بالشروط التى سنذكرها ، وأن فاعله يكثر حذفه جوازا ، وإذا حذف لا يتحمل المصدر ضمير المحذوف ؛ إلا إذا كان المصدر نائبا عن فعله (على الوجه المشروح فى باب المفعول المطلق ج 2 ص 178 م 76).
2) أى : ذنوبا ؛ (المفرد : مأثم ؛ بمعنى : إثم ؛ وهو : الذنب).
3) فى ج 2 ص 178 م 76 موضوع : «حذف عامل المصدر ، وإقامة المصدر نائبا عنه».
الثانية :
أن يكون المصدر صالحا - فى الغالب (1)- للاستغناء عنه ، بأن يحل محله فعل من معناه ، مسبوق «بأن» المصدرية (2)
(وقد سبقت الإشارة في الجزء الأول ص 484 م 53 إلى علامة كل واحدة ، وموضع استعمالها ، وسيجيء في الجزء الرابع فى باب : إعراب الفعل ... ونواصبه»).
، أو : «ما» المصدرية ، فيسبق الفعل «بأن» المصدرية حين يكون الزمن ماضيا ، أو مستقبلا. ويسبق «بما» المصدرية حين يكون ماضيا ، أو حالا ، أو مستقبلا ، ولكنها أوضح وأقوى فى الزمن الحالى ، حيث لا تصلح له «أن» ، (لأنها لا تصلح إلا للماضى والمستقبل (3)؛ بخلاف «ما» فإنها صالحة للثلاثة). فمن أمثلة الماضى : ساءنا بالأمس مدح المتكلم نفسه. التقدير : ساءنا بالأمس أن مدح المتكلم نفسه ، أو : ما مدح ... ومن أمثلة المستقبل : سنسرّ غدا باجتياز الاختراع مرحلة الاختبار. وقولهم :تأنّ ، ولا تعجل بلومك صاحبا *** لعلّ له عذرا وأنت تلوم (4)
والتقدير : (... بأن يجتاز الاختراع مرحلة الاختبار ، أو : بما يجتاز ... - بأن تلوم صاحبا أو : بما تلوم صاحبا ....) ومثل : لا شىء أنقص للأحرار من إفشائهم الأسرار ، أى : من أن يفشوا الأسرار ، أو : مما يفشون ، ومن أمثلة الزمن الحالى : ينعشنا الآن إشاعة الشمس الدفء. والتقدير : ينعشنا الآن ما تشيع الشمس الدفء.
ومن هنا يتبين أن المصدر يصلح للعمل فى الأزمنة الثلاثة بالطريقة المفصّلة السالفة ؛ دون غيرها. والذى يعينه لنوع خاص منها هو : القرينة.
1) انظر «ا» فى الزيادة الآتية.
2) «أن» المصدرية تشمل الناصبة للمضارع ، والمخففة من الثقبلة. مع ملاحظة أن الناصبة لا تقع فى مواضع، منها : عدم وقوعها بعد ما يدل على اليقين. أما الناسخة فتقع.
3) وهى تدخل على الماضى فيبقى زمنه على حاله. وعلى المضارع فيصير خالصا للاستقبال.
4) الذى يعين المصدر للمستقبل هنا ما فى البيت من صيغة الأمر والنهى ، وهما للمستقبل المحض فيجب مسايرة المصدر لهما فى نوع الزمن.
ا - قلنا : إن الحالة الثانية هى التى يصلح فيها المصدر للاستغناء عنه «بأن والفعل» الذى بمعناه ، أو : «ما والفعل» ... هذا الاستغناء أمر غالبىّ - فقط - كما نصوا على ذلك. وذكروا أمثلة لغير الغالب ؛ منها قول بعض العرب : «سمع أذنى أخاك يقول ذلك» فكلمة : «سمع» مصدر ، مبتدأ مضاف إلى فاعله : «أذن» - وكلمة «أخا» مفعول للمصدر ... والجملة المضارعية من الفعل : «يقول» وفاعله فى محل نصب «حال» سدّت مسدّ الخبر (1)وأغنت عنه. ومثل قولنا : (كان استقبالك الضيوف حسنا - إن إكرامك الوفود حميد لا إعراض عن أحد) .. فهذه المصادر - وأشباهها - عاملة فى بعض كلام العرب ، مع أنه يمتنع تأويلها بالفعل الذى قبله الحرف المصدرى «أن» ، أو «ما» ، لالتزام أغلب العرب عدم وقوع الفعل المسبوق بأحد الحرفين فى هذه المواضع ؛ فلم يعرف عنهم وقوعه مبتدأ خبره حال سدت مسد الخبر ، مثل : أن تسمع أذنى أخاك يقول ذلك ، ولم يعرف عنهم أيضا وقوع «أن» المصدرية - بنوعيها المخففة من الثقيلة ، والناصبة للمضارع - مع صلتها بعد «كان» و «إنّ» إلا مفصولة بالخبر ، كقوله تعالى : ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ) ، ولا وقوع الحرف المصدرىّ وصلته بعد «لا» ، غير المكررة. أى : أنه لا يتحقق فى هذه المواضع الاستغناء عن المصدر بالفعل المسبوق «بأن ، أو ما» المصدريتين (2)..
وليس من اللازم كذلك أن يتحقق هذا لعمل المصدر فى شبه الجملة بنوعيه ، فقد يعمل فيهما من غير إحلال ما ذكر محله. أما عمله القياسىّ فى غير شبه الجملة فيستلزم صحة الإحلال بالتفصيل السّالف.
ب - من المصادر التى لا تعمل مطلقا المصدر المؤكّد لعامله المذكور
فى الجملة ؛ مثل : (خرج الإنسان من نطاق الكرة الأرضية خروجا) ؛ لأن إعماله يقتضى - مراعاة للغالب - أن يصلح فى مكانه إحلال الفعل مع «أن» المصدرية ، أو «ما» المصدرية ؛ فيكون التقدير ؛ خرج الإنسان أن خرج ، أى : خروجه ، فيصير المصدر المنسبك مضافا إلى ضمير كان فى الأصل فاعلا له. وهذه الإضافة تخرجه من المصدر المؤكد : - وهو مصدر مبهم - ، إلى مصدر مضاف لفاعله ، والمصدر المضاف نوعىّ ، لا توكيدىّ ؛ كما عرفنا فى باب : «المفعول المطلق» ...
ولكن هناك نوعا من المصدر يؤكّد عامله المحذوف وجوبا ، ويعمل عمله -. وقد سبق إيضاح هذا النوع ، وسرد فروعه وأحكامه (1)-.
كذلك المصدر العددىّ ؛ فإنه لا يعمل - فى الغالب الراجح - ؛ لأن مجىء «أن» أو «ما» وصلتهما يزيل العدد حتما (2)، ويضيعه ؛ ليحلّا محله ، فلا يوجد فى التركيب الجديد ما يدل على العدد.
أما المصدر النوعىّ فيعمل فى بعض حالات قليلة - ولكنها قياسية - منها : أن يكون مضافا لفاعله (3)ولو كان هذا المصدر مفعولا مطلقا - نحو : زرعت حقلى زراعة الفلّاح حقله ... أى : مثل زراعة الفلاح حقله ، فقد عمل فى فاعله المضاف إليه ، وعمل النصب فى مفعوله. وقد تكلمنا ، بمناسبة أخرى (4)- على أقسام المصدر ما يعمل منها ، وما لا يعمل.
الشرط السابق لإعمال المصدر هو شرط «وجودىّ» ، أو «إيجابىّ» كما نقول اليوم ، (أى : لابد من تحققه ووجوده) وهناك شروط أخرى يسميها النحاة شروطا عدمية (أو : سلبية ، بمعنى : أنه لا بد من عدم وجودها) ، وأهمها :
(1) ألا يكون مصغرا ؛ فلا يجوز : فتيحك الباب بعنف أمر لا يسوغ. تريد : فتحك الباب (1)
اسم فعل أمر. ويصح اعتباره مصدر نائبا عن فعل الأمر ، وأصله «إرواد» وفعله : «أرود» ثم صغر المصدر : «إرواد» تصغير ترخيم بحذف زوائده فانته إلى : «رويد».
(2) ألا يكون ضميرا ، فلا يجوز : حبى الأوطان عظيم ، وهو بلادا أجنبية أقلّ. تريد : وحبى بلادا أجنبية أقل ؛ فناب الضمير عن المصدر المحذوف. وهذا غير جائز إلا عند الكوفيين ، ورأيهم - هنا - ضعيف ؛ لأن الضمير النائب عن المصدر المحذوف لا ينوب عنه فى العمل - ، طبقا للرأى الأصح ، الأغلب الذى يؤيده الوارد الكثير -.
(3) ألا يكون مختوما بالتاء الدالة على الوحدة (2)؛ فلا يصح : ابتهجت بضربتك العدوّ الغادر ، لأن ضربة ، مصدر مختوم بالتاء الزائدة الدالة على المرة الواحدة (3). فإن كانت التاء من صيغة الكلمة وليست للوحدة ، نحو : «رحمة» و «رهبة» - جاز أن يعمل ؛ نحو : رحمتك الضعفاء دليل نبلك ...
(4) ألا يتأخر عن معموله الذى ليس شبه جملة ؛ فلا يصح : أعجبتنى
1) ورد فى السماع إعماله مصغرا فى مثل : رويد المستفهم ، بمعنى : أمهل المستفهم. «فرويد».
2) أى : على المرة الواحدة - وسيجىء الكلام عليه فى ص 225 م 100 -.
3) لأن الدلالة على العدد تعارض الدلالة الأصلية للمصدر ؛ وهى الحدث المجرد من كل شىء آخر ؛ كعدد ، ونحوه - كما سبق عند الكلام عليه فى «ب» من هامش ص 183 -.
أما المعمول شبه الجملة فالأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيح تقديمه ؛ لوروده فى القرآن الكريم (1)، فى قوله تعالى : ( فَلَمَّا بَلَغَ - مَعَهُ - السَّعْيَ ... ) وقوله تعالى : ( لا يَبْغُونَ - عَنْها - حِوَلاً ) ، وقوله تعالى : ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما - رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ ) ، وقولهم : «اللّهم اجعل - لنا من أمرنا - فرجا» وقول الشاعر :
وبعض الحلم عند الجه *** ل للذّلة إذعان
والأصل : السعى معه - حولا عنها - رأفة بهما - فرجا لنا من أمرنا - إذعان للذلة ... و ... ولا داعى للتكلف والتأويل للمنع ، من غير داع ، وبخاصة فى القرآن.
(2)ألّا يكون مفصولا من معموله - المفعول ، وغير المفعول - بفاصل أجنبىّ (3)، ولا بتابع (4)، ولو كان هذا التابع نعتا أو غيره من التوابع الأربعة ، فلابدّ أن تقع بعده - مباشرة - كل معمولاته من غير فاصل أجنبى بينها ؛ لأن الفصل بالأجنبى ممنوع مطلقا ... فلا يجوز : إنى أقوى على تأدية فى الصباح أعمالا مختلفة ؛ أى : على تأدية أعمالا مختلفة فى الصباح. كما (5)لا يجوز : إنى أبادر إلى تلبية صارخا المستغيث. أى : إلى تلبية المستغيث صارخا .... و .... و ... .
1) ولأن شبه الجملة يقع فيه التوسع والتساهل فى كلام العرب ؛ هذا إلى وروده متقدما فى الآيات والأمثلة التالية - ولهذا إشارة فى رقم 1 من هامش ص 263 -.
2) وهذا يستلزم عدم الفصل بالأجنبى بين المعمولات.
3) أى : بفاصل ليس معمولا لهذا المصدر.
4) وإذا كان للمصدر معمولات لم يجز العطف عليه إلا بعد اسيتفائه جميع معمولاته. وفى رقم 1 من هامش ص 436 حكم الفصل بين التابع ومتبوعه ، ثم (انظر الحالة الثانية التى فى ص 610).
5) لهذا تأخر النعت عن المعمول شبه الجملة فى قول الشاعر : إنّ وجدى بك الشديد أرانى *** عاذرا من عهدت فيك عذولا
(6) ألا يكون مثنى أو جمعا (فيجب أن يكون مفردا) ومن الشاذ إعمال غير المفرد ؛ كقول الشاعر :
قد جرّبوه فما زادت تجاربهم *** أبا قدامة إلا المجد والفنعا (1)
فكلمة : «أبا» (من أبا قدامة) مفعول به للمصدر المجموع جمع تكسير ، وهو : «تجارب» (2). وأجاز بعض النحاة إعمال الجمع. ورأيه حسن ، لورود السماع به فى بضعة أمثلة ، ولما فيه من تيسير يفيد ولا يضر.
(7) ألّا يكون محذوفا والمعمول غير شبه جملة ؛ فإن كان شبه جملة جاز إعمال المصدر المحذوف ؛ ولهذا أجازوا أن يكون الجار والمجرور فى : (بسم اللّه الرحمن الرحيم). متعلقا بمصدر محذوف ، والتقدير : ابتدائى باسم اللّه.
أقسام المصدر العامل المقدّر بالحرف المصدرىّ وصلته :
ثلاثة أقسام قياسية :
(1)مضاف ، وهو أكثرها عملا ، وأعلاها فصاحة ؛ نحو قوله تعالى : ( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ، أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) ، المصدر الأول : «ذكر» مضاف للضمير : «الكاف» ، ومعها الميم (1).
وإذ أضيف المصدر فقد يضاف لفاعله وينصب المفعول به (2)إن وجد ؛ فيكون الفاعل مجرورا فى اللفظ ، مرفوعا فى المحل ، كقولهم ؛ (مصاحبة المرء العقلاء ألزم ، ومجانبة المرء السفهاء أسلم.) فقد أضيف كل من المصدرين : «مصاحبة» ، و «مجانبة» لفاعله : «المرء» وجرّه لفظا فقط ؛ لأنه مرفوع محلا ، ونصب المفعول بعد ذلك ؛ وهو : «العقلاء» و «السفهاء» ، ومثل قول الشاعر :
وأقتل داء رؤية العين ظالما *** يسىء ، ويتلى فى المحافل حمده
فالمصدر - وهو ؛ رؤية - أضيف لفاعله - «العين» المجرور لفظا ، المرفوع محلّا ، ونصب المفعول به (ظالما). ومثل :
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم *** وجداننا كلّ شىء بعدكم عدم
فالمصدر : «وجدان» أضيف لفاعله : «نا» - على الوجه السالف - ونصب المفعول به : «كل».
فإذا جاء تابع للفاعل - كالنعت ، أو : التوكيد ، أو : العطف ، أو : البدل - جاز فى التابع الجرّ ؛ مراعاة للفظ الفاعل المتبوع ، وجاز الرفع مراعاة لمحل هذا الفاعل ؛ ففى المثال الأول : نقول : مصاحبة المرء العاقل العقلاء ألزم ، ومجانبة المرء المهذّب السفهاء أسلم ، بجر كلمتى : «العاقل» .
والمهذّب ؛ أو برفعهما ، على الاعتبارين السالفين (1).
وقد يضاف المصدر للظرف (2) ؛ فيجره ، ويرفع الفاعل وينصب المفعول به إن وجد ؛ نحو : إهمال اليوم المريض الدواء معوّق للشفاء.
وقد يضاف المصدر لمفعوله ؛ فيصير المفعول به مجرورا فى اللفظ منصوبا فى المحل (2)، ويجىء الفاعل بعدهما مرفوعا إن وجد ؛ كقولهم : (صيانة (3)الحواسّ الشابّ ، وديعة تنفعه فى شيخوخته (4)). والأصل : صيانة الشابّ الحواسّ - ؛ فأضيف المصدر : «صيانة» إلى مفعوله : «الحواس» فصار المفعول به مجرورا لفظا ، منصوبا محلا. وتلاهما الفاعل مرفوعا (5)
نجذّ رقاب الأوس من كل جانب *** كجذّ عقاقيل الكروم خبيرها
فقد أضيف المصدر : «جذّ» إلى مفعوله : «عقاقيل» ، وجاء فاعله - وهو : خبير - مرفوعا بعدهما.
(عقاقيل الكروم : ما زرع من فروع العنب).
. فإذا جاء للمفعول به تابع - من التوابع الأربعة - جاز فى التابع الجرّ مراعاة للفظ المفعول به ، أو النصب مراعاة لمحله. فنقول فى المثال السالف : صيانة الحواسّ الخمس الشابّ ، دين عليها ..... بجر كلمة : «الخمس» أو نصبها ... «ملاحظة» : إنما يضاف المصدر لفاعله وينصب المفعول به ، أو : العكس ، حين يقتضى المقام ذكرهما ، وإلّا فقد يحذف أحدهما ، أو : .1) ومن ذلك قول العرب - كما جاء فى كتاب : «معانى القرآن» للفراء ج 1 ص 16 - : عجبت من تساقط البيوت بعضها على بعض ، (بالرفع) ، أو بعضها على بعض (بالكسر). فرفع كلمة : «بعض» على اعتبارها بدلا من البيوت المرفوعة المحل. لأنها مجرورة لفظا فى محل رفع فاعل المصدر. و .. (2) إذا صار الظرف «مضافا إليه ، زال عنه اسم الظرف ؛ إذ لا يصح تسميته ظرفا - كما كررنا فى مناسبات مختلفة - إلا فى حالة واحدة ؛ هى نصبه على الظرفية.
2) فإن كان المصدر متعديا لمفعولين أو ثلاثة جاز إضافته لأحدها ونصب ما عداه ، ثم يرفع الفاعل ، ويجوز إضافته للفاعل ، ونصب المفعول به الواحد أو الأكثر ، كما يجوز إضافته للظرف ، مع بقاء الفاعل مرفوعا - إن وجد - وترك ما يوجد من مفعول به أو أكثر منصوبا (إن وجد).
3) أى : محافظته على سلامتها.
4) المراد : أن من صان حواسه فى شبابه تصونه فى شيبه وكهولته ؛ فلا يشكو الأمراض وضعف هذه الحواس ؛ لأنه لم يهملها ، ولم يسرف فى الانتفاع بها زمن شبابه ؛ فظلت سليمة حتى وصل إلى زمن الهرم والكبر.
5) ومن الأمثلة الواردة التى أضيف فيها للمفعول به ، ورفع الفاعل قول الشاعر :
يحذفان معا. فمن إضافة المصدر لفاعله مع حذف المفعول به الذى لا يتعلق الغرض بذكره ؛ قوله تعالى : ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ... ) والأصل : استغفار إبراهيم ربّه لأبيه. كما يجوز العكس بحذف الفاعل مع ذكر المفعول به : كقوله تعالى : ( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ ) ، أى : من دعائه الخير.
(2) منوّن ، ويلى السابق فى كثرته وفصاحته ، نحو قوله تعالى : ( ... أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (1)، يَتِيماً ... ) ، فكلمة : «يتيما» ، مفعول به للمصدر : «إطعام» ومنه قول الشاعر :
بضرب بالسيوف رءوس قوم *** أزلنا هامهنّ (2)عن المقيل (3)
فكلمة : رءوس» ، مفعول به للمصدر : «ضرب».
(3) مبدوء «بأل» وهو - مع قياسيته كسابقيه - أقل منهما استعمالا وبلاغة. ومن أمثلته قول الشاعر يذم :
ضعيف النّكاية (4)أعداءه *** يخال الفرار يراخى الأجل (5)
فكلمة : «أعداء» مفعول به للمصدر : «النكاية».
إعمال اسم المصدر (6):
اسم المصدر نوعان : ؛ علم ، وغير علم ، فالأول لا يعمل (7)؛ ومن أمثلته : «برّة» علم جنس على : «البرّ» ، و «فجار» علم جنس على : «الفجرة» بمعنى : «الفجور» ، بشرط أن يكون فعلهما : «أفجر» و «أبرّ» فى
1) ذى مسبغة : صاحب مجاعة. (أى : أنه جائع).
2) الهام : الرءوس. المفرد : هامة.
3) المقيل : مكان الاستقرار والثبات. والمراد هنا : العنق ، إذ يستقر الرأس فوقه.
4) التنكيل والتعذيب.
5) معنى البيت : هذا الشخص قليل التنكيل والتعذيب لأعدائه ؛ خوفا على حياته منهم ، لظنه أن الفرار من ميدان القتال يطيل الأجل ويؤخر الموت.
6) سبق تعريفه مفصلا ، وبيان الفرق بينه وبين المصدر فى هامش ص 207 و208.
7) لأن العلم - فى جميع صوره ومواقعه الإعرابية المختلفة - لا يعمل مطلقا ، ولو كان فى أصله مشتقا.
مثل : أفجر فلان فلانا ، وأبره ؛ بمعنى : صيّره ذا فجور ، وبرّ ، فإن كان فعلهما «فجر» و «برّ» فهما مصدران مباشرة (1).
أما غير العلم فيعمل بالشرط الذى يعمل به المصدر الذى ليس نائبا عن فعله ؛ (وهو : إحلال الحرف المصدرى «أن» أو : «ما» وصلتهما محله (2)).
وإعمال اسم المصدر - مع قياسيته - قليل. والأفضل العدول عنه إلى المصدر قدر الاستطاعة ، ومن أمثلة إعماله قول الشاعر :
بعشرتك الكرام تعدّ منهم *** فلا ترين لغيرهمو ألوفا
وقول الآخر :
إذا صحّ عون الخالق المرء لم يجد *** عسيرا من الآمال إلا ميسّرا
فكلمة : «الكرام» مفعول به لاسم المصدر : «عشرة» ، وفعله هنا : «عاشر». وكلمة : «المرء» مفعول به لاسم المصدر : «عون» وفعله هنا : عاون ... (3)
بفعله المصدر ألحق فى العمل *** مضافا ، او مجرّدا ، أو مع «أل»
إن كان فعل مع «أن» أو : «ما» يحل *** محلّه ، ولاسم مصدر عمل
يريد : ألحق المصدر بفعله فى العمل ، فاجعله مثله فى التعدى واللزوم وغيرهما مما أوضحناه. وهذا الإلحاق بفعله يشمل الأحوال الثلاثة للمصدر ؛ إذ يكون مضافا ، أو مبدوءا بأل ، أو مجردا من أل والإضافة ؛ فيكون منونا.
ثم بين أنه يعمل عمل فعله بشرط أن يمكن إحلال فعل مسبوق «بأن» أو «ما» المصدريتين محله. فإن لم يمكن إحلال أحد الحرفين المذكورين مع صلته محل المصدر لم يعمل شيئا. وهذا كلام مبهم مجمل أوضحناه وفصلناه فى الشرح. ثم قال :
وبعد جرّه الّذى أضيف له *** كمّل بنصب أو برفع عمله
عرفنا أن المصدر العامل يجوز أن يضاف إلى فاعله وينصب المفعول ، أو العكس ، وهو هنا يقول : بعد إضافة المصدر إلى ما أضيف له ، وبعد جره للمضاف إليه - كمل عمله بعد ذلك بالنصب أو بالرفع ، وذلك بأن تأتى باللفظ منصوبا مفعولا به إن كان المصدر قبله مضافا للفاعل المجرور فى اللفظ ، المرفوع فى المحل. أو أن تأتى بكلمة مرفوعة فاعلا ، إن كان المصدر قبلها مضافا للمفعول به وصير هذا المفعول مجرورا فى اللفظ منصوب المحل. وختم الباب بقوله :
وجرّ ما يتبع ما جرّ ، ومن *** راعى فى الاتباع المحلّ فحسن
يريد : إن جاء تابع للمضاف إليه المجرور فجرّ (فاجرر ...) هذا التابع ؛ مراعيا لفظ المجرور ، سواء أكان مرفوعا محلا ؛ لأنه فاعل ، أو منصوبا محلا ؛ لأنه مفعول به. وبين أن هذا الجر لمراعاة اللفظ ليس محتوما ؛ فمن يراعى المحل المرفوع أو المنصوب فعمله حسن ، ورأيه سديد.
. .زيادة وتفصيل :
ا - بعض النحاة يجعل لاسم المصدر قسما ثالثا يسميه : «المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة». ومن أمثلته : المحمدة ، أى : الحمد ، والمضرب ، أى : الضرب ، ومصاب ، (بمعنى : إصابة) فى قول الشاعر :
أظلوم (1)
و «ظلوم» اسم امرأة. قال الشنقيطى - صاحب الدرر اللوامع على همع الهوامع - ج 2 ص 196 ما نصه : (أكثر الرواة على أن الرواية : «أظلوم» كما جاء فى الأصل ، وبعضهم قال : إن الصحيح «أظليم» بالياء المثناة التحتية) ثم نقل الخلاف فى قائل البيت وارتضى أن الصحيح نسبته إلى الحارث بن خالد ابن العاص من قصيدة مطلعها :
أقوى من ال ظليمة الحرم *** فالعيّران ، فأوحش الحطم
إن مصابكم رجلا *** أهدى السّلام ، تحية - ظلملكن يرى المحققون أن المبدوء بالميم كالأمثلة السابقة - ونظائرها - هو نوع من المصدر يسمى : «المصدر الميمىّ» (وله أحكام خاصة ستجىء فى بابه) (2)وليس باسم مصدر. وهذا الرأى هو الشائع اليوم ، والأخذ به واجب ، وإعماله عمل فعله كثير بالطريقة التى سنشرحها هناك (3)...
أما المبدوء بميم زائدة للمفاعلة فمصدر أصيل نحو : قاومت الباطل مقاومة عنيفة ، وناصرت أهل الحق مناصرة لا توانى فيها ولا قصور.
ب - اسم المصدر العامل ثلاثة أقسام ، كالمصدر العامل :
(1) مضاف ، وهو الأكثر ؛ نحو : ناصرت الوطن نصر الحرّ وطنه - وهدّمت الباطل هدم الخيمة صاحبها.
وإضافته - كما رأينا - قد تكون لفاعله مع نصب المفعول به ، وقد تكون للمفعول به مع رفع الفاعل. ويجوز فى تابع المضاف إليه الجر مراعاة للفظه ، كما .
يجوز مراعاة محله فى الرفع والنصب على الوجه الذى سبق فى المصدر (1).
(2) منوّن ؛ نحو : طربت لنصر حرّ وطنه انتصارا باهرا.
(3) ومحلّى بأل ؛ مثل : عاونت الصديق كالعون الأهل ..
ح - من أحكام اسم المصدر العلم أنه لا يضاف ، ولا تدخل عليه «أل» التى للتعريف ، ولا يقع موقع الفعل ، ولا يوصف ، ولا يقصد به الشيوع ... (2)
عرفنا (1)أن المصدر الأصلى لا يدل بذاته إلا على : «المعنى المجرد» فلا علاقة له - فى الغالب - بزمان ، ولا مكان ، ولا تأنيث ، ولا تذكير ، ولا علمية ولا عدد ، ولا هيئة ، ولا شىء آخر غير ذلك المعنى المجرد.
لكن من الممكن تناوله ببعض التغيير اليسير والزيادة اللّفظية القليلة ، فلا يقتصر - بعدهما - على المعنى المجرد ، وإنما يدل عليه وعلى شىء آخر معه هو : «المرّة الواحدة» ، أو : الهيئة» (2)، بمعنى : أن المصدر الأصلىّ يدل بعد هذا التغيير ، والزيادة اللفظية - إمّا على المعنى المجرد مزيدا عليه الدلالة العددية التى تبين الوحدة ، (أى : أنه واحد ، لا اثنان ، ولا أكثر ..). وإمّا على المعنى المجرد مزيدا عليه وصفه بصفة من الصفات ؛ كالحسن ، أو : القبح ؛ أو : الطول ، أو : القصر ... أو غير ذلك مما يتصل بهيئته ، وشكله ، وأوصافه ، لا بعدد مراته (3).
فالمصدر الأصلى فى دلالته الأساسية الأولى خال من التقييد ، بخلافه إذا دل على المرة أو الهيئة فإنه يكون فى «المرّة» مقيدا - مع الحدث - بالدلالة على أن هذا الحدث مرة واحدة ، وفى «الهيئة» يكون مع الحدث مقيدا بوصف خاص (4).
1) فى رقم 4 من هامش ص 187 - أما الكلام المفصل عن أصل المشتقات ففى ص 182 -
2) أى : هيئة الحدث وكيفيته وشكله. وفسر بعضهم الهيئة بأنها : «النوع».
3) فائدة المصدر الدال على «المرة» ، أو على «الهيئة» أنه يدل على شيئين معا بأوجز لفظ ، وأقل كلمات. ومن الممكن الوصول إلى هذه الدلالة بتعبير آخر ، ولكنه سيكون تعبيرا أكثر ألفاظا وكلمات. أما المصدر الأصلى فلا يدل إلا على شىء واحد - فى الغالب - هو المعنى المجرد الخالى من كل تقييد وتحديد.
4) ومتى دل المصدر الأصلى على المرة بالطريقة التى شرحناها - فإنه يصير من قسم المصدر الأصلى الذى يدل معناه على المرة ، مع توكيد معنى عامله أيضا ؛ أى : أنه يدل على الأمرين معا. ويكون بيان المرة هو الأهم - طبقا لما سبق فى باب : «المفعول المطلق» ، ج 2 م 74 ص1. وكذلك حين يدل على الهيئة ، فإنه يصير من قسم المصدر الذى يدل معناه على الهيئة مع توكيد معنى عامله ، ويكون بيان الهيئة هو الأهم ؛ طبقا للبيان المشار إليه آنفا.
وإذا دل المصدر الأصلى - بعد التغيير - على المعنى المجرد مزيدا عليه الدلالة على الوحدة - وهى «المرّة» - أو على «الهيئة» فإنه يظل محتفظا باسمه كما كان. ولكنه يشتهر باسم : المصدر الدال على «المرة» ، أو على «الهيئة» فهو فى الحالتين مصدر أصلى (1)
وأين المصدر الميمى؟ الحق أن لكل فعل ثلاثة أنواع من المصادر . (كما أوضحنا في ص 181) . أولها : المصدر الأصلى الصريح الذى لا يدل إلا على المعنى المجرد. وثانيهما : المصدر الأصلي الذي يدل على المعنى المجرد مزيدا عليه «المرة » أو «الهيئة». وثالثها المصدر الميمى. أما المصدر الصناعى فليس مصدرا للفعل ، ودلالته تختلف عن دلالة غيره. ولا يكون هو ، ولا الميمى دالين على المرة أو الهيئة.
له اسمه ، وكل أحكام المصدر الأصلى (2). إلا أنّ الدال على «المرّة» لا يعمل - كما سبق (3)-.ا - فإذا أردنا الدلالة على «المرّة» الواحدة من المصدر الأصلى لفعل ثلاثى فوق دلالته على المعنى المجرد : (أتينا بمصدره المشهور ، مهما كانت صيغته ، ومهما كان وزنه) - (وجعلناه على وزن : «فعل» ، ولو بحذف أحرفه الزائدة إن اقتضى الأمر هذا) - (وزدنا فى آخره تاء التأنيث) : فيصير الوزن : «فعلة» ، وهى صيغة المصدر المطلوب الدال على «المرّة» فوق دلالته على المعنى المجرد ؛ ولا تتحقق هذا الصيغة إلا بتحقق الأمور الثلاثة السالفة. فللوصول إلى الصيغة الدالة على «المرّة» من المصادر : أخذ - قعود - فرح - جولان وأشباهها ... ، يجب : (تجريد كل مصدر أصلىّ من حروفه الزائدة ، إن وجدت) ، ثم (تحويل صيغته بعد ذلك إلى : «فعل» ، ثم (زيادة تاء التأنيث فى آخرها) ؛ فتصير : أخذة - قعدة - فرحة - جولة ؛ وهذه المصادر الأصلية تدل هنا على
1) كما سبقت الإشارة لهذا (فى رقم 4 من الهامش السابق وفى رقم 4 من هامش ص 187) قال الصبان فى هذا الموضع ما نصه : «(مقتضى ما سبق أن «فعلة» التى للمرة كجلسة ، هى من المصادر ؛ فيكون للفعل : جلس - مثلا - مصدران ؛ أحدهما دال على «المرة» ؛ وهو «جلسة» ؛ والثانى لا دلالة عليها وهو : «جلوس)» ا ه.
2) ومنها : أن يتعلق به شبه الجملة.
3) فى رقم 3 من ص 215. حيث بيان السبب (وسيجىء - فى رقم 2 من هامش ص230. أن المصدر المبين للنوع قد يعمل ...).
المعنى المجرد ، وعلى المرّة معا ؛ نحو : أخذت من المال أخذة - قعدت على الأريكة قعدة - تجددت لنا فرحة بالنصر ، قمت بجولة حول المدينة. والمعنى : أخذة واحدة - قعدة واحدة - فرحة واحدة - جولة واحدة (1)
ومن المسموع أيضا رأيته رؤية (بوزن فعلة) مرادا بها المرة ، ولا مانع من استعمال القياس فيهما أيضا .
راجع «تاج العروس» ، مادة : «حج». هذا ، وقد نقل ابن خالويه فى كتابه المسمى : «ليس في كلام العرب» أن فتح الراء مسموع أيضا.
-.فإن كانت صيغة المصدر الأصلى موضوعة فى أصلها على وزن : «فعلة» : نحو : نظرة - هفوة - رأفة - صيحة ... لم تدلّ بنفسها فى هذه الصورة على المرّة ، ووجب زيادة لفظ آخر معها ليدل على «المرة» أو قيام قرينة أخرى تدل عليها. والغالب فى اللفظ الآخر أن يكون نعتا. فنقول مثلا : ربما تنفع النظرة الواحدة فى ردع المسىء - قد تعقب الهفوة الواحدة عواقب خطيرة - إن رأفة واحدة بضعيف قد تضمه إلى أعوانك المخلصين - أهلك اللّه بعض الغابرين بصيحة لم تتكرر (2)...
ولا بد فى صياغة «فعلة» الدالة على «المرّة» من تحقق شرطين : أن تكون لشىء حسّىّ ، صادر من الجوارح الظاهرة والأعضاء الجسمية ، وأن يكون ذلك الشىء المحسوس غير ثابت ؛ فلا تصح صياغة «فعلة» للدلالة على أمر معنوى عقلىّ محض ، كالذكاء ، أو : العلم ، أو : الجهل ، أو : النبوغ ... ولا تصح صياغتها من الأوصاف الثابتة ، كالظّرف ، والحسن. والملاحة ، والقبح ، والطول ، والقصر ...
وإن كان الفعل الماضى غير ثلاثى فالوسيلة للدلالة على المرة من مصدره الأصلى هى : زيادة تاء التأنيث فى آخر هذا المصدر مباشرة ، دون زيادة ، أو حذف ، أو تغيير آخر. مثل : «إنعام» مصدر الفعل الرباعى : «أنعم»
1) ومن الشاذ المسموع قول العرب : حجّ فلان حجّة (بكسر الحاء) - ومنه. شهر ذى الحجّة فجاءوا بالمصدر الدال على المرة مصوغا على وزن : «فعلة» (بكسر ، فسكون) وهذه الصيغة هى الخاصة بالهيئة. وبالرغم من هذا السماع الوارد عنهم لا مانع أن نقول فى المرة : «حجّة» بفتح أول الكلمة تطبيقا لصيغة : «فعلة» الخاصة بالمرة ؛ عملا بالبيان المفيد الذى عرضناه فى ص 191.
2) انظر آخر الملاحظة الآتية فى ص 229.
و «تبيّن» مصدر الفعل الخماسى : «تبيّن» ، و «استفهام» مصدر الفعل السداسى : «استفهم» فإن صيغها الدالة على «المرة» هى : «إنعامة» - تبيّنة (1)- استفهامة ... نحو ، إن إنعامة اللّه تملأ النفس انشراحا - تبيّنة الحق جلبت الخير ، ودفعت البلاء - استفهامة وهداية (2)، خير من صمت وضلالة.
فإن كان مصدر الفعل غير الثلاثى مشتملا فى أصله على تاء التأنيث فإنه لا يصلح للدلالة المباشرة على المرة ، ويجب زيادة لفظ آخر معه ، أو قيام قرينة تدل عليها. نحو : «استعانة» تقول : استعانة واحدة بأريحىّ قد تمنع خطرا داهما. والغالب فى اللفظ الآخر أن يكون نعتا ؛ كالمثال السالف.
ب - وإذ أردنا أن ندل على «الهيئة» بمصدر الثلاثى - فوق دلالته على المعنى المجرد - صغناه بالطريقة السالفة على وزن : «فعلة» ، (بأن نجئ بمصدر الفعل الثلاثى ، دون غيره من الأفعال التى ليست ثلاثية ونحذف ما فيه من الحروف الزائدة إن وجدت ،) ثم (نزيد فى آخره تاء التأنيث) ، ثم (نجعله على صورة : «فعلة») فهذه أمور ثلاثة لا بد من تحققها ؛ فنقول فى مصادر الثلاثى السالفة : إخذة - قعدة - فرحة - جيلة (3)... ؛ نحو : إخذة القطّ فريسته مزعجة - قعدة الوقور جميلة - فرحة العاقل يزينها الاعتدال - جيلة (4)الرّحالة شاهدة برغبته فى كشف المجهول. والمعنى : هيئة أخذ القط ، وطريقته فى الأخذ ... - هيئة قعود الوقور ، وطريقته ، وشكل قعوده ... - هيئة فرح العاقل وصورته فى أثناء فرحه ... - هيئة جولان الرحّالة ، وشكل جولانه ، ومنظره ...
فإن كانت صيغة المصدر الأصلى موضوعة فى أصلها على وزن : «فعلة» الخاص «بالهيئة» ؛ نحو : عزّة - نشدة (5)- رخوة (6)... وجب
التصرف بإيجاد ما يضمن الدلالة على «الهيئة» ؛ كزيادة بعض الألفاظ للدلالة عليها ؛ أو إقامة قرينة ، - أىّ قرينة - ترشد إليها ، وإلى ما يراد منها من حسن ، أو قبح ، أو : زيادة ، أو نقص ... أو غير هذا من الأوصاف التى يراد وصف المصدر بها ، مثل : العزة الجاهلية تحمل صاحبها على الطغيان - نشدة المآرب بالحكمة كفيلة بإدراكها.
ويلاحظ أن الدلالة على «الهيئة» بالصيغة المباشرة السالفة ، إنما تقتصر على مصدر الفعل الثلاثى ؛ مع زيادة التاء فى آخر هذا المصدر إن لم تكن موجودة ؛ فمنهما تتكون الصيغة الدالة بنفسها على المعنى المجرد وعلى «الهيئة» معا. أما الأفعال التى ليست ثلاثية فلا تصاغ - قياسا - من مصادرها الأصلية صيغة تدل على «الهيئة» ، وإنما يزاد على المصدر الأصلى قرينة ، أو لفظ يدل على الوصف المراد ، من غير التزام قرينة معينة ، أو لفظ معين. فعند إرادة الدلالة على الهيئة من المصادر : تكلّم - استماع - اندفاع - وأشباهها ... نقول : التكلم الكثير مدعاة للملل - الاستماع الحسن أمارة العقل الراجح - الاندفاع الطائش مقدمة البلاء العاجل.
ومجمل القول : إذا كان المصدر الأصلى موضوعا فى أصله على وزن : «فعلة» كعزّة - وأردنا أن يدل على «المرة» وجب تحويله إلى صيغة «فعلة» فنقول : ثارت فى رأس الجاهلىّ عزّة أبعدته عما يحسن بالعاقل. وكذلك إن كان موضوعا فى أصله على وزن - : «فعلة» ؛ كرحمة ، وأردنا أن يدل على «الهيئة» فإننا نحوله إلى صيغة : «فعلة» ؛ فنقول : رحمة ، مثل : (رحمة تداوى ، ورحمة تجرح (1)).
وخلاصة ما سبق :
(1) أن الفعل الثلاثى يصاغ - بشرطين - مصدره الأصلى الشائع على وزن : «فعلة» للدلالة على أمرين معا ؛ هما : المعنى المجرد ، و «المرّة».
1) هذه حكمة قديمة ، معناها أن هيئة الرحمة ، والطريقة التى تظهر بها ، وتقدم لمستحقها - قد تكون طريقة كريمة تفيده ، وتزيل أو تخفف آلامه ومتاعبه. وقد تكون طريقة جافة خشنة تؤلمه ، وتجرح شعوره.
ويتوصل إليهما من مصدر غير الثلاثى بزيادة تاء التأنيث على هذا المصدر.
(1)ويصاغ مصدر الثلاثى على وزن «فعلة» للدلالة على أمرين معا ؛ هما : المعنى المجرد ، والهيئة. ولا يصاغ المصدر للهيئة مباشرة من غير الثلاثى. (2)
ويقول فى صياغتهما من مصدر غير الثلاثى :
فى غير ذى الثلاث ب «التّا» المرّه *** وشذّ فيه هيئة ؛ كالخمره
أى : الدلالة على «المرة» من مصدر غير الثلاثى - تكون بزيادة التاء فى آخر المصدر. أما «الهيئة» فلا تجىء منه مباشرة ، وشذ مجيئها منه ، كقولهم فلان حسن الخمرة ، وهى حسنة النّعقبة : والفعل منهما خماسى ، هو : اختمر ، بمعنى : لف الرأس بثوب ونحوه. وانتقب بمعنى لبس النقاب ، وهو البرقع.
مصدر المرة والهيئة هو مصدر أصلىّ يحتفظ باسمه ، وبخصائصه (3)التى عرفناها ، وبعمله. إلا أن المصدر الدال على المرة لا يعمل (2).(4) إذا كانت صيغة المصدر الأصلىّ موضوعة فى أصلها على صورة المصدر الذى نريد أن يدل على المرة أو على الهيئة ، وجب إدخال تغيير أو زيادة عليها أو المجىء بقرينة تدل على المراد ، وترشد إلى المرة أو الهيئة ، طبقا للتفصيل الذى سبق ... (3) .
1) راجع إيضاح هذا فى رقم 3 من هامش ص 215 ، وفى ص 226 ... من هذا الجزء. وكذلك فى ص 200 م 74 ج 2 (باب المفعول المطلق.) حيث قلنا هناك ما نصه : (قد يعمل المبين للنوع أحيانا ، كأن يكون مضافا لفاعله ، ناصبا مفعوله أو غير ناصب ؛ نحوه : تألمت من إيذاء القوى الضعيف - حزنت حزن المريض. وهذا العمل على قلته قياسى).
2) وفى اسم المرة واسم الهيئة وصياغتهما من مصدر الثلاثى يقول ابن مالك فى ختام باب : «أبنية المصادر» بيتين سجلناهما هناك فى ص 200. و «فعلة» لمرّة كجلسه *** و «فعلة» لهيئة كجلسه
3) ومنها أن يتعلق به شبه الجملة ، وأنه مع دلالته على المرة أو الهيئة هو مؤكّد لعامله أيضا - طبقا لما سبق فى رقم 4 من هامش ص 225 - والتفصيل فى باب : (المفعول المطلق) ج 2 م 74 ص 199.
المسألة 101 : ب (1)- المصدر الميمى
يصاغ من المصدر الأصلى للفعل الثلاثى وغير الثلاثى صيغة قياسية ، تلازم الإفراد (2)
(3 و4) وقد وردت هذه الصيغة لبيان السبب ، وقال الرضى فى شرح الشافية ، آخر باب المصدر ما نصه : (يجىء «المفعلة» ، لسبب الفعل ؛ كقوله عليه السّلام : «الولد مبخلة ، مجبنة ، محزنة».) ا ه. وقول عنترة العبسى :
نبّئت عمرا غير شاكر نعمتى *** والفكر مخبثة لنفس المنعم
وقولهم أيضا : الشكر مبعثة لنفس المفضل
والمفهوم أن هذا المعنى مقصور على السماع. وكذلك صيغته المختومة بالتاء ؛ حيث يتشدد غالب النحاة (بغير داع قوى) فيجعلها سماعية ، على الرغم من الأمثلة الكثيرة الواردة بالتاء - والتى رآها مؤتمر المجمع اللغوى كافية للقياس عليها ، كما سيجىء فى 3 ص 235 - مثل : مقالة - مسرة - مهلكة - منصبة - مخافة - و ... كقول الشاعر :
مقالة السّوء إلى أهلها *** أسرع من منحدر سائل
وقول الآخر :
لا تنم واغتنم مسرّة يوم *** إن تحت التراب نوما طويلا
وقول دعبل :
ألم أقل لك : إن البغى مهلكة *** والبغى والعجب إفساد لأقوام؟
وقول على رضى اللّه عنه فيما ورد منسوبا له : ليس لواضع المعروف فى غير حقه ، وعند غير أهله ، من الحظ إلا محمدة اللئام ، وثناء الأشرار ، ومقال الجهال.
وقوله أيضا : الحمد لله المعروف من غير رؤية ، الخالق من غير منصبة. وقول الأحنف بن قيس : رب حلم قد تجرعته ؛ مخافة ما هو أشد منه.
والتذكير (3) ، وتؤدى ما يؤديه هذا المصدر الأصلى من الدلالة على المعنى المجرد ومن العمل - كما سيأتى - لكنها تفوقه فى قوة الدلالة وتأكيدها (4).وتسمى هذه الصيغة : المصدر الميمى (1)». وتعرب - فى الأغلب (2)- على حسب حاجة الجملة.
(1) وللوصول إليها من الفعل الثلاثى غير المضعف (3)نأتى بمصدره القياسى المشهور - مهما كانت صيغته - وندخل عليه من التغيير اللفظى ما يجعله على وزن «مفعل» - بفتح الميم والعين - وهذه هى الصيغة القياسية للمصدر الميمىّ فى جميع حالات (4)الفعل الماضى الثلاثى غير المضعف. ما عدا حالة واحدة (5)؛ وهى التى يكون فيها الفعل الماضى الثلاثى صحيح الآخر ، معتل الفاء (6)بالواو التى تحذف (7)فى مضارعه ؛ (لوقوعها بين الفتحة والكسرة ؛ مثل : وصل - وصف - وعد - وثب - وجد - ... فإنها أفعال واوية الفاء ، ومضارعها مكسور العين ، محذوف الواو ، وهو : يصل - يصف - يعد يثب - يجد ...) - وفى هذه الحالة الواحدة تكون على وزن : «مفعل» بكسر العين .... (8).
1) انظر ما يتصل بهذه التسمية فى «ا» من ص 223 - وسبق فى ص 181 - الكلام المفصل عن المصدر الأصيل ، وعن أصل المشتقات.
2) البيان فى رقم 6 من هامش ص 235.
3) مضعف الثلاثى : ما كانت عينه ولامه من جنس واحد ، مثل الفعل : مدّ - فرّ - سرّ ...
4) أى : سواء أكان الفعل الثلاثى غير المضعف متعديا ، أم لازما - صحيحا ، أم معتلا - مضموم العين أم مفتوحها أم مكسورها. (إلا حالة واحدة ستذكر).
5) وهناك حالة أخرى يجوز فيها فتح العين وكسرها ، وسيجىء الكلام عليها فى ملاحظة خاصة - ص 236.
6) هو : معتل الأول ، ويسمى : «مثالا». وسيجىء فى رقم 4 من هامش الصفحة الآتية أن بعض القبائل يجعل المثال هنا كغيره.
7) بأن يكون مضارعه مكسور العين ؛ فتقع الواو فيه بين الفتحة والكسرة ، وهذا يؤدى - فى الغالب - إلى حذفها كالأمثلة المعروضة. فلابد فى صيغة : «مفعل» - بكسر العين - من تحقق - ثلاثة شروط ، أن يكون الثلاثى معتل «الفاء» بالواو - وأن يكون مضارعه مكسور العين - وأن يكون حرف العلة (الواو) محذوفا فيه. فإن خلا شرط من الثلاثة فالقياس : «مفعل» ؛ كأن يكون صحيح «الفاء» ، مثل : كتب ، أو يكون معتل الفاء بالياء ؛ مثل : يبس - يقن - يقظ - .. أو يكون معتل الفاء بالواو ولكن مضارعه غير مكسور العين ؛ فلا تحذف فيه الواو ، قياسا ؛ مثل : وجع يوجع - وحل يوحل - وله - يوله ، بمعنى : فقد عقله لحزن أو فرح أو نحوهما ...
8) مع ملاحظة حالة المضعف التى يجوز فيها فتح العين وكسرها وستأتى.
فمن أمثلة «مفعل» - بفتح الميم والعين - : ملعب ، بمعنى ؛ لعب - مسقط ؛ بمعنى : سقوط - مصعد ؛ بمعنى : صعود - مأكل ؛ بمعنى : أكل - مغنم ، بمعنى : غنم - مأثم ، بمعنى : إثم - مخبثة ، بمعنى : خبث - منطق ، بمعنى : نطق - مقدم : بمعنى قدوم - معاب (1)؛ بمعنى : عيب. وأفعالها الماضية : لعب - سقط - صعد - أكل - غنم - أثم - خبث - قدم - عاب. يقال : : فلان رياضى يحسن ملعب الكرة - سقط البرد ، وكان مسقطه عنيفا - صعدت إلى قمة الجبل مسترشدا فى مصعدى بخبير - أهلك فلانا مأكله الحرام ... ومثل قولهم : ليس فى الشر مغنم ، ولا لوم على امرئ إلا فى مأثم ، والكفر مخبثة لنفس المنعم. وقول الشاعر :
لا يملأ الهول صدرى قبل مقدمه *** ولا أضيق به ذرعا (2)إذا وقعا.
وقول الآخر :
أنا الرجل الذى قد عبتموه *** وما فيه لعيّاب معاب (3)
ومن أمثلة : «مفعل» - بكسر العين - موصل ؛ بمعنى : وصول - موصف ، بمعنى ؛ وصف - موعد ، بمعنى : وعد ... و ... و ...
فيقال : كان موصلى للصديق تنفيذا للموعد الذى بيننا ، وكان موصفه لمكان التلاقى واضحا ؛ فلم أخطئه ... أى : كان وصولى للصديق تنفيذا للوعد الذى بيننا ، وكان وصفه(4)...
فإن كان الثلاثى مضعف العين جاز فى مصدره الميمى أن يكون مفتوح العين
1) أصلها : «معيب» - على وزن : مفعل - ثم تناولها التغيير الصرفى الذى انته بها إلى : «معاب». (بأن نقلت فتحة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها ، فهى متحركة بحسب الأصل ، وما قبلها متحرك أخيرا ؛ فتقلب الياء ألفا.).
2) الذرع : الطاقة والاحتمال. وضاق. بالأمر ذرعا : ضعفت طاقته عن احتماله ، ولم يجد منه خلاصا.
3) سيعاد البيت لمناسبة أخرى فى ص 236.
4) بعض القبائل العربية الفصيحة لا يفرق بين معتل الفاء وصحيحها وإنما يجعل صيغة المصدر الميمى واحدة لجميع أنواع الثلاثى ، هى : «مفعل» بفتح الميم والعين. ورأيه - على صحة محاكاته - مخالف لأكثر القبائل التى يشيع العمل برأيها اليوم وقبل اليوم. ومن المستحسن الاكتفاء بمتابعة الأكثرية.
أو مكسورها (1)كالمفرّ - بفتح الفاء وكسرها - فى قولهم : لا ينفع الجانى المفرّ من قصاص الدنيا ، فقصاص الآخرة أشد ...
أما ما ورد من الألفاظ المسموعة خارجا فى صياغته على الضابط الموضّح فى الحالتين السابقتين ؛ مخالفا له - فحكمه : جواز استعماله بالصيغة الواردة ، أو إخضاعه للضابط ، وتطبيق القاعدة عليه ؛ فيصاغ صياغة جديدة على حسب مقتضاها ...
ففعلها : «أقام» ، والمصدر الميمى منه هو : «مقوم» على وزن : مفعل. ثم ينقلب حرف العلة - الواو - أيضا .. (انظر رقم 1 من الهامش السابق).
وإن كان الماضى غير ثلاثى فمصدره الميمىّ يصاغ على صورة مضارعه ، مع إبدال أول المضارع ميما مضمومة ، وفتح الحرف الذى قبل آخره إن لم يكن مفتوحا (2) ... ففى مثل الأفعال : عرّف ، تعاون - استفهم .... يكون المضارع : يعرّف - يتعاون - يستفهم. وتكون صيغة المصدر الميمى : معرّف - متعاون - مستفهم .... يقال : (كان معرّفك للنظرية العلمية واضحا ، والمتعاون بيننا فى فهمها خير وسيلة لتحقيق الغرض ، والإجابة على كل مستفهم أنارت غوامض البحث). تريد : (كان تعريفك - والتعاون بيننا - ... والإجابة عن كل استفهام.) ومثل قول الشاعر :ألا إنما النعمى تجازى بمثلها *** إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ
أى : إسداؤها.
وملخص ما سبق من حيث : الصياغة القياسية ، والحكم ، والدلالة :
(1) أن المصدر الميمى للماضى الثلاثى غير المضعّف يصاغ دائما على وزن «مفعل» - بفتح الميم والعين - إلا إن كان الماضى صحيح الآخر معتل .
1) صرح بجواز الأمرين صاحب «المصباح المنير» فى فصول آخر كتابه - ص 962 : عند الكلام على صوغ المصدر الميمى واسم الزمان والمكان - وساق مثالا نصه : (فر مفرّا ومفرّا).
2) وقد يستتبع هذا تغييرا صرفيّا فى بعض الحالات ؛ كالذى فى كلمة : مقام - بضم الميم - فى قول الشاعر : وإن مقام الحر فى دار ذلة *** ليدفع عنه الفقر شر من الفقر
الأول بالواو التى تحذف عند كسر عين مضارعه ، فيجىء مصدره الميمى على «مفعل» بكسر العين (1).
أما المصدر الميمى للثلاثى المضعف فيجوز فيه فتح العين وكسرها.
(2) وأن المصدر الميمى لغير الثلاثى يصاغ على صورة مضارعه ، مع إبدال الحرف الأول ميما مضمومة ، مع فتح الحرف الذى قبل آخره (2).
(3) وأن المصدر الميمىّ يلازم الإفراد (3)والتذكير ، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعا فى رأى كثير من النحاة. ويخالفهم - بحق - آخرون (4).
والراجح أنه لا يعد من المشتقات ، ولكن يصح أن يتعلق به شبه الجملة - كما سبق (5)-.
(4) أنه يعرب على حسب حاجة الجملة إليه إلا ما كان منه مسموعا بالنصب (6)
وهناك ألفاظ مسموعة بالنصب في أكثر أحوالها باعتبارها مفعولا مطلقا لفعل محذوف ، أو مفعولا به لفعل محذوف كذلك. ومن الأول قولهم لمن يريد أن يؤدى عملا : افعل ، وكرامة ، ومسرة ، أي : .
.1) هذا هو القياس فى الحالتين. أما السماع فقد يجىء بغيرهما ؛ كصيغة : «مفعلة» فى الحديث الذى سبق فى رقم 3 من هامش ص 231 ونصه : (الولد مبخلة ، مجبنة ، محزنة) وفى غيره مما ذكرناه.
2) فهو من مصدر غير الثلاثى كاسم المفعول من غير الثلاثى ، وكاسم الزمان والمكان كذلك. والتمييز بينها يكون بالقرائن التى تعين أحدها.
3) كما سيجىء فى رقم 2 من ص 676 ، لمناسبة هناك.
4) فى الاقتصار على السماع تشدد بغير حجة قوية ؛ إذ الأمثلة الفصيحة الواردة بالتاء كثيرة كثرة تبيح القياس عليها. وقد عرض مؤتمر المجمع اللغوى (المنعقد بالقاهرة فى فبراير سنة 1971) لهذه المسألة واطلع على عشرات من الكلمات المسموعة بالتاء ، سجلها فى محاضر جلساته ، وأصدر قرارا حاسما فى جواز إلحاق تاء التأنيث بالمصدر الميمى عامة. انظر ما يتصل بهذا فى «ا» من ص 4. وفى رقم (3 و4) من هامش ص 231 بعض الأمثلة المختومة بالتاء.
5) فى رقم «ب» من هامش ص 182. ومع أنه لا يعد من المشتقات يجوز أن يتعلق به شبه الجملة : لما فى المصدر الميمى من رائحة الفعل التى تكفى مسوغا للتعلق. (راجع رقم 1 و2 من هامشى ص 251 و321).
6) يقع المصدر الميمى فى جميع المواقع الإعرابية المختلفة (فيكون مبتدأ ، وخبرا ، وفاعلا ، وإلخ).
(5) ومن حيث العمل فإنه يعمل عمل مصدره (1)
أظلوم ، إن مصابكم رجلا *** أهدى السّلام تحية - ظلم
يريد : إن إصابتكم رجلا أهدى السّلام تحية - ظلم. وكلمة : «ظلم» خبر «إن» وقد سبق - فى ص 223 - رواية أخرى فى البيت ، وبيان قائله ، وشرحه.
وقول الآخر :
وأمر تشتهيه النفس حلو *** تركت مخافة سوء السّماع
أى : خوفا سوء السماع.
.(6) أما من حيث الدلالة فيدل على المعنى المجرد - كالمصدر الأصلى - ويمتاز الميمى بقوة دلالته وتأكيدها. ولا يدل على بيان السبب إلا سماعا.
«ملاحظة» : جاء فى بعض المراجع اللغوية ما نصه (2):
(إن كان الماضى الثلاثى معتل العين بالياء فالمصدر الميمى مفتوح العين ، واسم الزمان والمكان مكسور كالصحيح ؛ نحو : مال ممالا ، وهذا مميله .. هذا هو الأكثر. وقد يوضع كل واحد موضع الآخر ؛ نحو المعاش والمعيش ، والمسار والمسير. قال ابن السّكّيت : لو فتحا جميعا فى اسم الزمان والمكان ، وفى المصدر الميمى ، أو كسرا معا فيهما - أى : فى الاسم والمصدر - لجاز ؛ لقول العرب : المعاش والمعيش ؛ يريدون بكل واحد : المصدر واسم الزمان والمكان ، وكذا المعاب والمعيب ، قال الشاعر :
أنا الرجل الذى قد عبتموه *** وما فيه لعيّاب معاب ... (3).
وقول الآخر :
أزمان قومى والجماعة كالذى *** منع الرّحالة أن تميل مميلا
أى : أن تميل ميلا. والرّحالة : الرحل ، والسرج أيضا. وقال ابن القوطية أيضا : من العلماء من يجيز الفتح والكسر فيهما ؛ مصادر كنّ أو أسماء زمان ومكان ؛ نحو : الممال والمميل ، والمبات والمبيت.)» ا ه.
تعريف كلّ ، وصوغه ، وإعماله.
اسم الفاعل. تعريفه :
(اسم مشتق ، يدل على معنى مجرد ، حادث (1)
أما المعنى المجرد ، أو الحدث المحض ... فقد بسطنا الكلام فيه نى هامشى ص 181 و 207 . ودلالة اسم الفاعل على هذا المعنى المجرد هي دلالة مطلقة ؛ أي : صالحة للقلة والكثرة، إلا إذا وجدت قرينة توجه المعنى لأحدهما وحده كما سيجيء في الصفحة الآتية ...
وأما المقصود من المشتق فهو : المأخوذ من كلمة أخرى مع تقاربهما لفظا ومعنى - كما سبق - . وفى ص
182 بيان مفصل عن أصل المشتقات وعددها ... و ... وأما المعنى الحادث ، (أو : غير الدائم ، وغير الشبيه بالدائم) فهو الأمر الطارئ الذي يحدث ويزول من غير أن يدوم ، أو يطول ثباته وبقاؤه حتى يقارب الدائم ، ومن غير أن يشمل الماضي.
وقد ارتضى صاحب «التسهيل» تعريفا آخر لاسم الفاعل لا يخرج . مع طوله . عن التعريف السابق ، ولكنه يزيده إيضاحا. فمن زيادة الفائدة أن نذكره نقلا عن حاشية الخضرى . قال : إنه الصفة الدالة على فاعل الحدث ، الجارية في مطلق الحركات والسكنات على المضارع من أفعالها في حالتي التذكير والتأنيث . كما سيجيء في ص 308 . المفيدة لمعنى المضارع أو الماضى. فخرج بالدالة على الفاعل، اسم المفعول ، وما بمعناه ؛ كمحمود ، وقتيل. وبالجارية على المضارع الجارية على الماضى ؛ كفرح ، وغير الجارية على فعل ؛ ككريم ، وبالتأنيث نحو : «أهيف» ؛ فإنه لا يجرى على المضارع إلا في التذكير ؛ لأن مؤنثه هيفاء. ولمعناه أو معنى الماضى لإخراج نحو : ضامر الكشح ، مما يدل على الاستمرار. ويخرج به أيضا : أفعل التفضيل ؛ لأنه للدوام ، كما خرج بما قبله. فهذه المخرجات ، ما عدا الأول والأخير . وهما اسم المفعول ، واسم التفضيل . صفات مشبهة ، لا اسم فاعل. هذا هو الاصطلاح المشهور. وأما ما يأتى فى : «أبنية أسماء الفاعلين» من أنه يطلق عليها اسم الفاعل فباعتبار اصطلاح آخر ، وهو مجاز - كما سيأتى -
«و أن شئت فقل : اسم الفاعل ما دل علی فاعل الحدث ، و جری مجری الفعل في إفادة الحدوث. فخرج بالأول اسم المفعول ، وبالثاني الصفة بجميع أوزانها ، وأفعل التفضيل» ا ه.
واستعمال ذلك الاصلاح شائع قبل «ابن مالك» ، ومنه ما جاء في «أمالي القالي» - ح 2 ص 184 ونصه: (قال أبو علي ؛ غمض و غمض - بفتح الميم و ضمها - فمن قال غمض ؛ بضم الميم ، قال في الفاعل : غميض. ومن قال : غمض - بفتح الميم ، قال في الفاعل غامض) ا ه فالمراد بالفاعل في الأول : الصفة المشبهة ، وفي الثاني : اسم الفاعل.
، وعلى فاعله). فلابد أن يشتمل على أمرين معا ؛ هما : المعنى المجرد الحادث ، وفاعله ، مثل كلمة : «زاهد» ، وكلمة : عادل» فى قول القائل : (جئنى بالنّمر الزاهد ، أجئك1) أى : عارض ، يطرأ ويزول ؛ فليس له صفة الثبوت والدوام ، ولا ما يشابههما. ويسالنى بعض النحاة فى التعريف عن كلمتى : «اسم ، مشتق» بحجة أنه لا يوجد : (لفظ يدل على معنى مجرد ، غير دائم ، وعلى فاعله) إلا وهو اسم مشتق. وهذا صحيح. ولكنا ذكرناهما مبالغة فى الإيضاح.
بالمستبد العادل.) فكلمة : «زاهد» تدل على أمرين معا ؛ هما : الزهد مطلقا ، والذات التى فعلته أو ينسب إليها ، وكذا كلمة : «عادل» تدل على أمرين معا ؛ هما العدل مطلقا والذات ، التى فعلته أو ينسب إليها ، ومثلهما كلمتى : «واش» وسائل» فى قول المعرّى :
أعندى وقد مارست كل خفية
يصدق واش (1)، أو يخيّب سائل
ودلالة اسم الفاعل على المعنى المجرد الحادث ، أغلبية ؛ لأنه قد يدل (2).
ودلالته على ذلك المعنى المجرد مطلقة (أى : لا تفيد النص على أن المعنى قليل أو كثير ..) فصيغته الأساسية محتملة لكل واحد منهما (4)، إلا إن وجدت قرينة تعين أحدهما دون الآخر.
1) أصلها : واشى ، على وزن : فاعل ، حذفت الضمة لثقلها على الياء. ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، طبقا للبيان الذى سبق عند الكلام على المنقوص ج 1 م 16 ص 173.
2) شرط هذه الدلالة أن تكون هى المعنى الصريح لصيغته اللفظية ، أو أن توجد قرينة أخرى توجه المعنى إلى الدوام وشبهه ، مع بقاء اسم الفاعل فى الحالتين على صيغته وصورته الخاصة به ، وأحكامه النحوية التى تفرد بها (انظر الزيادة الآتية فى ص 242).
3) وكذلك فى الحالة التى يصير فيها : «صفة مشبهة» وستأتى فى الزيادة - ص 242.
4) جاء فى ص 130 من شرح درة الغواص ، ما نصه : «(قال ابن برى : ... إن باب «فاعل» كضارب ، وقاتل ... ، عام لكل من صدر منه الفعل ، قليلا كان أو كثيرا ؛ فلا يمنع أن يقع «فاعل» موقع «فعّال» المختص بالكثير ؛ لعمومه. ألا ترى أن قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .. ) لا يقتضى أن يكون السائل هنا من قل سؤاله؟ - ومثله فى صفات البارى : الخالق والخلاق ، والرازق والرزاق .. والمراد بأحدهما ما يراد بالآخر.))» ا ه وفى حاشية ياسين على شرح الفاكهى لقطر الندى (ج 2 ص 217 ما نصه : «(قال الشاطبى فى شرح الألفية : اسم الفاعل دال على الفعل ، كثيرا كان أو قليلا : فيقال «فاعل» لمن تكرر منه الفعل وكثر ، ولمن وقع منه فعل ما ... فإذا أرادوا أن يشعروا بالكثرة وضعوا لها مثالا دالّا عليها ؛ مثل : فعول)» ا ه ... ولهذا إشارة فى ص 257 وهامشها.
صوغه (1):
ا - يصاغ من مصدر الماضى الثلاثى ، المتصرف ، على وزن : «فاعل» ؛ بأن نأتى بهذا المصدر - مهما كان وزنه - وندخل عليه من التغيير ما يجعله على وزن : «فاعل». ولا فرق فى الماضى بين المتعدى واللازم ، ولا بين مفتوح العين ، ومكسورها ، ومضمومها (2)؛ نحو : (فتح ، يفتح ، فتحا ؛ فهو : : فاتح - قعد - يقعد ، قعودا ؛ فهو : قاعد) - (حسب ، يحسب ، حسبانا ؛ فهو : حاسب - نعم ينعم ، نعما ؛ فهو : ناعم) - (كرم ، يكرم ، كرما ؛ فهو كارم - حسن ، يحسن ، حسنا ؛ فهو : حاسن) ؛ بشرط أن يكون الكرم والحسن أمرين طارئين ، لا دائمين (3)
(إن ضيق صدر الرسول عارض غير ثابت ، لأن النبي عليه السّلام كان أفسح الناس صدرا. ونظيره قولك : فلان سائد وجائد. فإذا أردت وصفه بالسيادة والجود الثابتين المستقرين ، قلت : سيد وجواد. كذا قال الزمخشري ) اه .
ويقول ابن يعيش في الآية السالفة : ضائق به صدرك إنه عدل عن «ضيق» إلى : «ضائق» ليدل على أن هذا الضيق عارض فى الحال ، غير ثابت ... ؛ ومثل هذا يقال فى كلمة : «فارح» من قول أشجع السلمى يرثى عمرو بن سعيد الباهلى :
(وما أنا من رزء - وإن جل - جازع *** ولا بسرور بعد موتك فارح
وراجع ما يأتى فى ص 292 حيث البيان والإيضاح.
1) عقد ابن مالك بابا مستقلا لإعمال اسم الفاعل ، وضمنه إعمال اسم المفعول (وسيجىء شرحه فى هامش ص 250). ثم عقد بابا آخر (سيجىء شرحه أيضا فى هامش ص 289) لأبنيتهما وصيغتهما ، وأبنية الصفة المشبهة ، فاصلا بينهما بباب آخر ؛ هو : «باب أبنية المصادر». وهذا ترتيب ارتضاء لسبب ذكرناه فى أول باب «أبنية المصادر» ص 181 ولم نقبله هناك ، ولا نستحسنه هنا ؛ إذ الكلام على أحكام الشىء وإعماله لا بد أن يجىء بعد معرفة ذلك الشىء وإدراك كنهه ، وهذا يقتضى تقديم الكلام على صيغه وأبنيته أولا. كذلك لا نستحسن عقد بابين مستقلين ؛ أحدهما للصيغ والأبنية. والآخر للإعمال والأحكام : لما فى هذا من التشعيب والتشتيت من غير مسوغ
2) مضموم العين لا يكون إلا لازما. (انظر البيان الخاص باللازم فى هامش ص 289).
3) نص على هذا كثيرون - فى باب «أبنية أسماء الفاعلين .. - ؛ منهم «الخضرى» و «الصبان» ، وصاحب حاشية «التصريح» ؛ ومنهم : «صاحب المصباح المنير» فى فصل الفعل ودلالته ، ودلالة المشتقات ، بآخر كتابه ، ص 947 وما بعدها ، وكذلك محمد الرازى فى كتابه : «غرائب آى التنزيل» المطبوع على هامش كتاب : «إملاء ما من به الرحمن ...» للعكبرى ، ص 133 حيث عرض للآية الكريمة : ( وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) وأوضح السبب فى التعبير بكلمة : «ضائق» دون «ضيق» بما نصه :
وكذلك بقية المعانى السابقة ، حين يكون المراد النصّ على حدوث المعنى.
ويجب أن يتحقق فى صيغة : «فاعل» المذكورة أمران ؛ أن يكون ماضيها الثلاثى متصرفا ، وأن يكون معنى مصدره غير دائم. لأن الماضى الجامد (مثل : نعم ، وعسى ، وليس ...) لا يكون له مصدر ، ولا اسم فاعل ، ولا شىء من المشتقات الأخرى. ولأن المصدر الدال على معنى دائم ، أو شبه دائم - لا يشتق منه ما يدل نصّا على الحدوث ، وعدم الدوام ، وهو : اسم الفاعل. إنما يشتق من ذلك المصدر شىء آخر يدل على الدوام أو شبهه ؛ «كالصفة المشبهة» (1)
ومثلها اسم التفضيل ، فإنه يدل على الدوام ، طبقا للبيان الذى فى رقم 1 من هامش ص 282 ، ولما سيجىء فى بابه ص 394.
، ولها صيغ متعددة بتعدد الاعتبارات المختلفة ، وأحكام خاصة بها ، سنعرفها فى بابها (2). .1 - قلنا : إن صيغة «فاعل» المراد بها : «اسم الفاعل» لا تشتق إلا من مصدر فعل ماض ، ثلاثى ، متصرف. ويتساوى فى هذا كل أنواع الماضى (الثلاثى المتصرف ، المتعدى واللازم ، مفتوح العين ، ومضمومها ، ومكسورها) .. فلا مكان للتوهم بأن بعض أنواع الماضى الثلاثى المتصرف اللازم لا يصاغ من مصدره اسم الفاعل على صيغة «فاعل» للدلالة على الحدوث نصّا. إذ من أين يجىء التوهم بعد أن قطع الأئمة بالحكم العام السابق ، وبقياسية : كرم الرجل ؛ فهو : كارم - بخل فهو : باخل - شرف فهو : شارف ، (أى : صار صاحب شرف) - وحسن فهو : حاسن - وغنى فهو : غان ... و ... وأمثال هذا مما فعله ثلاثى متصرف ، لازم ، يدل على معنى طارئ غير ثابت ، ولا شبيه بالثابت. أما إن كان المعنى ليس طارئا حادثا وإنما هو دائم أو شبه دائم - فيجب التصرف ؛ إمّا بتغيير صيغة «فاعل» الدالة على الحدوث إلى أخرى دالة على الثبوت أو شبهه ؛ كأن نقول : كريم - بخيل - شريف - حسن - غنىّ - (كما سيجىء فى باب الصفة المشبهة) وإما بإيجاد قرينة - لفظية أو معنوية - تدل على أن صيغة : «فاعل» لا يراد منها الحدوث ؛ وإنما يراد منها الثبوت ، ومن القرائن اللفظية : إضافة اسم الفاعل من الثلاثى اللازم إلى فاعله (1)
ا. إن كان فعله لازما ثلاثيا أو غير ثلاثى فلا يكاد يوجد خلاف في جواز إضافته إلى فاعله عند الرغبة
في إبعاده عن باب اسم الفاعل وإدخاله فى باب الصفة المشبهة على الوجه السابق لتحقيق الغرض المعنوي الذي تحققه تلك الصفة : ومتى تم إدخاله في باب الصفة المشبهة زال عنه اسمه القديم ، وصار اسمه عند فريق من النحاة «الصفة المشبهة» وعند فريق آخر «الملحق بها» وهذا الخلاف في التسمية لا أثر له في المعنى ولا في الإعراب - والفريقان متفقان على أن صورته الأولى لا تتغير ، بالرغم من تغير اسمه.
ب . وإن كان فعله متعديا لأكثر من مفعول به لم يجز إضافته لفاعله. (راجع ما يتمم هذا في رقم 3 من
هامش ص 256).
ح . وإن كان فعله متعديا لمفعول به واحد فالصحيح جواز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله للغرض السالف ، وهو إدخاله في باب : «الصفة المشبهة» ليؤدى ما تؤديه ، مع بقائه على صورته الأولى. أما المفعول به الذى ينصبه هذا الفعل فالغالب الفصيح حذفه والاستغناء عنه متى وجد اسم الفاعل المضاف لفاعله ، والذي انتقل نهائيا إلى باب : «الصفة المشبهة». ويجوز على قلة يباح الأخذ بها أن ينصبه اسم الفاعل الذي صار صفة مشبهة. وإنما ينصبه بشرط : أمن اللبس عند ذكره فلا يختلط بغيره ، وبشرط تغيير اسمه فلا يسمى «مفعولا به» ، يسمى : «الشبيه بالمفعول به» كما يقال فى إعرابه إنه منصوب لاعتباره «شبيها بالمفعول به» ؛ كالشأن في إعرابه مع الصفة المشبهة الأصيلة. وسبب الاشتراط أن اسم الفاعل في هذه الصورة الجديدة ليس اسم فاعل إلا في الصورة الشكلية والصيغة الظاهرة دون الحقيقة الواقعة ، وهي المعنى الذي انته إليه ، وصار بسببه صفة مشبهة أو ملحقا بها ، والصفة المشبهة وما ألحق بها . كاسم الفاعل في حالته التي نتكلم عنها . لا تنصب المفعول به الأصلى. ولما كان كثير من لأساليب الفصيحة المأثورة ، قد ظهر فيها بعد هذه الصفة وملحقاتها مفعول فعلها منصوبا وهو لا يصلح أن يكون حالا ، ولا تمييزا . ولا شيئا آخر من المنصوبات غير المفعول به . لجأ النحاة إلى التوفيق بين الدواعي المختلفة ، لمنع التعارض بينها ؛ فأجازوا وقوع المفعول به بعد هذه الصفة المشبهة ، بشرط أن يتغير اسمه ؛ فيسمى : «الشبيه بالمفعول به» لا مفعولا به واشترطوا لوقوعه بعد ملحقاتها أن أيضا : يسمى «الشبيه بالمفعول به» لا مفعولا به ، وألا يؤدى إلى لبس في الحالتين. وقالوا : إن الأفصح بعد ملحقات الصفة المشبهة حذفه ؛ مبالغة في أمن اللبس ، بالرغم من صحة ذكره . وسيجيء إيضاح آخر لهذا في هامش ص 264 و 265 ..
، نحو : لى صديق ، راجح العقل ، رابط الجأش ، حاضر البديهة ... والأصل : راجح عقله ،1) إضافة اسم الفاعل إلى فاعله تخرجه - حتما - من بابه من غير تغيير فى صيغته التى هو عليها عند إضافته لفاعله ، وتدخله فى باب : «الصفة المشبهة» ؛ فتسرى عليه كل أحكامها المعروضة فى بابها (وستجىء الإشارة لهذا فى ص 256 و265 و292 والبيان الوافى فى «د» ص 265) نلخصه فيما يأتى :
رابط (1)جأشه ، حاضرة «بديهته. ومنها : أن تكون صيغته اللفظية صريحة الدلالة على الدوام أو شبهه (2).
ومثال القرينة المعنوية قوله تعالى : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وقول المؤمن : رباه ، آمنت بك ، خالق الأكوان ، لا شريك لك ، وخفتك قاهر الطغاة لا يعجزك شىء ... وقول شوقى :
قف «بروما» (1)وشاهد الأمر ، واشهد *** أن للملك مالكا ، سبحانه
فهذه الأوصاف المتصلة باللّه ، من الملك (2)والخلق ، والقهر - ليست طارئة ، ولا عارضة ، ولا مؤقتة بزمن محدود تنقضى بانقضائه ؛ لأن هذا لا يناسب المولى جل شأنه. ومن ثم كانت تلك الصيغ فى معناها ودلالتها : «صفات مشبهة» وليست «اسم فاعل» ، إلا فى الصورة اللفظية ، والأحكام النحوية الخاصة به برغم أنهما على صيغة : «فاعل» ؛ فهذا الوزن وحده ليس كافيا فى الدلالة على الحدوث أو على الثبوت والدوام ؛ فلابد معه من القرينة التى تعيّن أحدهما ، وتزيل عنه اللّبس والاحتمال ؛ كى يمكن القطع بعد ذلك بأنه فى دلالته المعنوية - لا الشكلية - اسم فاعل ، أو صفة مشبهة.
ب - ويصاغ اسم الفاعل من مصدر الماضى غير الثلاثى بالإتيان بمضارعه ، وقلب أول هذا المضارع ميما مضمومة ، مع كسر الحرف الذى قبل آخره ، إن لم يكن مكسورا من الأصل. فإذا أردنا الوصول إلى اسم الفاعل من الفعل : «قاوم» أتينا بمضارعه ، وهو : «يقاوم» ، وأجرينا عليه ما سبق ؛ فيكون اسم الفاعل هو : «مقاوم» ، وفى مثل : يتبيّن - وهو مضارع للماضى : «تبيّن» - نقول : متبيّن ... نحو : الفريسة مقاومة المفترس ، والغلب متبيّن للقوىّ. وفى مثل : أذلّ وأعزّ ؛ ومضارعهما يذلّ ويعرّ ... نقول : «مذل» و «معز» كقول عائشة - رضى اللّه عنها - فى رثاء أبيها : «نضّر اللّه وجهك يا أبت ؛ فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها ، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها» ....
ح - مجىء الصيغة من مصدر الفعل غير الثلاثى بالطريقة السالفة لا يكفى - من غير قرينة - للقطع بأنها صيغة «اسم فاعل» ؛ فقد يوهمنا مظهرها أنها كذلك ، مع أنها فى حقيقتها «صفة مشبهة» ، بسبب دلالتها على معنى ثابت. ومن هذا : الصيغة المضافة إلى فاعلها (1)فى مثل : (النجم مستدير الشكل ، متوقّد الجرم ؛ مستضئ الوجه. والكوكب مستدير الشكل ، منطفئ الجسم ، مظلم السطح). والأصل : مستدير شكله ، متوقد جرمه ، مستضىء وجهه ، منطفئ جسمه ، مظلم سطحه. وأفعالها هى : (استدار - توقّد - استضاء - انطفأ - أظلم ... و ...) فقد قامت فى الأمثلة السابقة قرينة لفظيّة ، (هى إضافة الصيغة إلى فاعلها على الوجه المشروح) وقرينة معنوية ، (هى اليقين الشائع بدوام تلك الأوصاف) وتدل كل منهما وحدها على أن الصيغة ليست اسم فاعل ؛ بالرغم من صورتها الظاهرة. وإذا لا بد من قرينة تقوم بجانب الصيغة هنا - كما قامت فى صيغة «فاعل» المشتق من مصدر الثلاثى - ؛ لتبعد الوهم ، وتحدد النوع ؛ أهو اسم فاعل نصّا ، أم صفة مشبهة قطعا.
د - لابد من زيادة تاء التأنيث فى آخر «اسم الفاعل» للدلالة على
1) إيضاح هذا فى هامش ص 242 وما تشير إليه من صفحات أخرى ، ولا سيما ص 265.
تأنيثه ، سواء أكان فعله ثلاثيّا أم غير ثلاثى ؛ إلا فى المواضع التى يحسن ويكثر ألا تزاد فيها (1)، ومنها : اسم الفاعل الخاص بالمؤنت ؛ كالمرأة مثلا - أى : الخاصّ بأمر مقصور عليها ، يناسب طبيعتها وتكوينها الجسمى ؛ - فلا يحتاج لعلامة تدل على التأنيث ، وتمنع اللبس ؛ مثل : الحامل ، والمرضع ، فى نحو : «ولدت الحامل ، وصارت مرضعا» (2)
وكذلك تحذف استحسانا من كلمة : «مرضع» إن أريد بها التي من شأنها وبمقتضى طبيعتها الجسمية أن
تكون صالحة للإرضاع ، ولو لم تزاوله فعلا ، وكذا المرأة المنسوبة للإرضاع ؛ كالتي تتخذه حرفة ، أو تشتهر به. أما التي ترضع الطفل فعلا ، بأن تلقمه ثديها فيتناوله بفمه ، فهى مرضعة.
وسيجيء الإيضاح الكامل لهذا فى موضعه المشار إليه من الجزء الرابع.
.ه - كسر الحرف الذى قبل الآخر فى اسم الفاعل من مصدر الفعل غير الثلاثى - قد يكون كسرا ظاهرا كما فى مثل : (متوقّد - منطفئ - مظلم ...) وقد يكون مقدرا كما فى مثل : (مستضىء ، - مستدير - مختار ؛.) فأصلها : مستضوى ، مستدور - مختير ... و ... فقلبت الواو فى الكلمتين الأوليين ياء بعد نقل كسرتها إلى الساكن الصحيح قبلها ؛ تطبيقا لقواعد صرفية فى «الإعلال». وكذلك قلبت الياء فى «مختير» ألفا : لوقوعها متحركة بعد فتحة ...
يجرى اسم الفاعل مجرى فعله فى العمل ، وفى التعدى واللزوم ، ولكن بتفصيلات وشروط تختلف باختلاف حالتى تجرده من : «أل» الموصولة (3)أو اقترانه بها (4).
1) هى مدونة فى باب : «التأنيث» ج 4 ص 542 م 169.
2) إنما يكون الأحسن والأبلغ حذف تاء التأنيث من كلمة : حامل إذا كانت بمعنى : «حبلى» فيكون الشأن فى «حامل» كالشأن فى «لابن ، وتامر» أى : صاحب لبن وتمر. أى : منسوب لهما. أما إن كانت بمعنى التى تحمل شيئا فوق رأسها أو ظهرها أو نحوهما فلا تحذف التاء.
3) لأن «أل» الداخلة على المشتقات العاملة هى : الموصولة - غالبا - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 254 ، وكما سبق عند الكلام على «أل» فى باب «الموصول» ج 1. وهل هى فى الوقت نفسه تفيد التعريف؟ رأيان.
4) فى الصفحة التالية تفصيل الكلام على حالة التجرد «ا» أما حالة الاقتران ففى : «ب» ص 254.
ا - فإن كان مجردا منها رفع فاعله بغير شرط إن كان الفاعل ضميرا مستترا (1)أو ضميرا بارزا (2)، وعمل كذلك فى باقى المعمولات التى ليست فاعلا ظاهرا ، ولا مفعولا به.
أما الفاعل الظاهر فلا يرفعه إلا إذا كان اسم الفاعل مستوفيا للشروط الآتية (3)، وفى مقدمتها اعتماده على أحد الأشياء المذكورة هناك. نحو : أقادم صديقنا الآن؟
وأما نصبه المفعول به فلا يجوز إلا بعد استيفائه تلك الشروط ، ومنها الاعتماد أيضا ، وأن يكون : بمعنى الحال أو الاستقبال ، أو الاستمرار المتجدد (4)الذى يشمل الأزمنة الثلاثة ، مثل : (من يكن اليوم مهملا عمله يجد نفسه غدا فاقدا رزقه). ومثل : (ما أعجب الصانع الماهر ، مديرا مصنعه فى حزم ، مدبّرا أمره فى يقظة).
ويقولون فى سبب إعماله : إنه جريانه - غالبا - على مضارعه الذى بمعناه (5)، وإن هذه الشروط تقرّبه من الفعل ، وتبعده من الاسمية المحضة ...
1) إذا كان فاعله ضميرا مستترا وجب أن يكون ضمير غائب ، طبقا للبيان الذى فى «ح» من الزيادة ص 252.
2) إلا إن كان اسم الفاعل مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر فالأكثر اعتماده على نفى أو استفهام كالشأن فى جميع المشتقات العاملة (وسيجىء هذا فى «أ» من ص 252).
3) فى ص 249. والاعتماد هنا يختلف عنه فى باب : «المبتدأ والخبر» - طبقا للبيان الآتى فى «ا» ص3. .
4) الاستمرار التجددى معناه : أن الأمر يحدث ثم ينقطع ، ثم يعود ثم ينقطع ، وهكذا دواليك ، كاستمرار الليل والنهار. وهناك الاستمرار الدوامى ؛ وهو الذى لا انقطاع فيه ؛ نحو : مرتفع القامة ، واسع الفم (وقد سبقت الإشارة الموضحة لهذا فى ص 4. وله إشارة أخرى فى رقم 2 من هامش ص 282).
5) يريدون : أن اسم الفاعل فى هذه الصورة يوافق مضارعه فى المعنى ، وفى الحدث - والتجدد ، وفى عدد الحروف ، وفى هيئتها (بأن يكون الساكن فى أحدهما مقابلا فى ترتيبه لساكن فى الآخر ، وكذلك المتحرك فيهما) هذا إلى الاشتراك فى الحروف الأصلية. خذ مثلا لذلك اسم الفاعل : «مخبر» فإنه موافق لمضارعه : «يخبر» فى كل ما سبق ؛ فمعناهما واحد ، وكلاهما أربعة أحرف ، ثانيها ساكن وما عداه متحرك ؛ فكل حرف ساكن أو متحرك يماثله فى الحركة والسكون نظيره فى الترتيب. وكلاهما يشابه الآخر فى الحروف الأصلية. ومثله اسم الفاعل : «فاقد» فإنه جار على مضارعه فيما سبق. وهكذا. مسافر ويسافر - ومتدحرج ويتدحرج - ومتعلم ويتعلم ، والسبب السالف مستنهط من الاستعمال العربى الذى هو السبب الأول الأصيل.
ولهذا يمكن أن يحل محله المضارع الذى بمعناه.
فإن لم يكن اسم الفاعل المجرد من «أل» الموصولة مستوفيا الشروط الآتية - ومنها الاعتماد - لم يرفع فاعلا ظاهرا ولم ينصب مفعولا به. وإن لم يكن بمعنى الحال ، أو الاستقبال ، أو الاستمرار المتجدد ؛ بأن كان بمعنى الماضى المحض ، لم ينصب المفعول به إلا بشرطين :
أولهما : تحقق الشروط الآتية ، ولا سيما الاعتماد.
وثانيهما : صحة وقوع مضارعه موقعه من غير فساد المعنى. نحو : (كانت الأمطار أمس غاسلة الأشجار ، منقية مياهها الهواء) ، إذ يصح : كانت الأمطار أمس تغسل الأشجار وتنقى مياهها الهواء. ولا يصح : هذا حاصد قمحا أمس ؛ إذ لا يقال : هذا يحصد قمحا أمس.
وأما عمله فى شبه الجملة بنوعيه وفى باقى المعمولات الأخرى التى ليست بفاعل ظاهر ، ولا بمفعول به منصوب - فلا يشترط فيها شىء ، لأن الشروط مطلوبة لإعماله فى الفاعل الظاهر ، والمفعول به المنصوب ، - كما أسلفنا - وهذا أمر يجب التنبه له.
وإنما أهمل اسم الفاعل الذى بمعنى الماضى ، فلم ينصب المفعول به مباشرة من غير اشتراط شىء - كما نصب فعله المتعدى - لأنه لا يجرى على لفظ الفعل الماضى الذى بمعناه ، فهو يشبهه معنى ، لا لفظا ؛ ولهذا لا يجوز أن ينصب المفعول به مباشرة عند عدم تحقق الشروط ؛ فيجب فى هذه الصورة الإضافة ، بأن يكون اسم الفاعل مضافا ، ومعموله مضافا إليه مجرورا (1)
وملخص ما تقدم : أن اسم الفاعل المجرد من «أل» الموصولة في حالتي مضيه وعدم مضيه يرفع الفاعل الضمير ؛ مستترا وبارزا. لكنه لا يرفع الفاعل الظاهر فى الحالتين إلا بتحقق الشروط ؛ ومنها : الاعتماد ، ولا ينصب المفعول به مباشرة . كما ينصبه فعله . إلا إذا كان لغير الماضى ، مع استيفائه بقية الشروط الأخرى التالية. فإن كان بمعنى الماضى لم ينصب المفعول به إلا بعد استيفاء تلك الشروط مزيدا عليها صحة وقوع مضارعه موقعه. أما العمل في بقية المعمولات الأخرى فلا يحتاج لاشتراط شيء ، فهو كالفاعل الضمير ، سواء أكان اسم الفاعل بمعنى الماضى أم غيره.
، ولا يصح تسمية هذا المعمول مفعولا به ، ولا إعرابه كذلك .. والإضافة فى1) انظر رقم 3 من هامش ص 255.
هذه الصّورة إضافة محضة ، لا يجوز فيها وجود «أل» فى اسم الفاعل ما دام بمعنى الماضى فقط - كما تقدم فى باب الإضافة (1)-
وفيما يلى تلك الشروط التى أشرنا إليها :
(1) أن يسبقه شىء يعتمد عليه ؛ كالاستفهام المذكور نصّا ، مثل قول الشاعر :
أمنجز أنتمو وعدا وثقت به *** أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب؟
أو الاستفهام المقدر فى مثل : غافر أخوك الإساءة أم محاسب عليها؟ فإن الأصل : أغافر أخوك ...؟ بدليل وجود «أم» المعادلة (2)...
أو النداء فى مثل : يا بانيا (3)مستقبلك بيمينك ستدرك غايتك. أو النفى (4)فى مثل : ما مخلف عهده شريف ، وقول الشاعر :
سليم دواعى الصدر (5)، لا باسطا أذى
ولا مانعا خيرا ، ولا قائلا هجرا (6)
أو : أن يقع نعتا لمنعوت مذكور ؛ فى مثل : الحسد نار قاتلة صاحبها. أو لمنعوت محذوف لقرينة ؛ مثل : كم معذّب نفسه فى طلب الحرية لبلاده يرى العذاب من أجلها نعيما ، وكم مبدّد ثروته فى سبيلها يرى التبديد ذخرا. أو يقع حالا فى مثل : سحقا وبعدا للمال جالبا الذلّ والشقاء لصاحبه. أو يقع خبرا لمبتدأ ، أو لناسخ ، أو مفعولا لناسخ ؛ مثل : هذا منفق مالا فى وجوه البر - اشتهر العربىّ بأنه حام عشيرته ، أحسب الحرّ موطّنا نفسه على احتمال المشتقات فى سبيل حريته ، وكنت أزعم المشقة موهنة عزيمته ؛ فإذا هى
1) راجع «د» من ص 5 ورقم 3 من هامش ص 12.
2) فى ص 585 - باب العطف - إيضاح الكلام على : «أم» وبيان أحكامها.
3) يرى النحاة فى مثل هذه الصورة أن اسم الفاعل المنادى بمنزلة نعت لمنعوت محذوف ؛ والتقدير : يا شخصا بانيا. فالمسوغ عندهم هو وقوعه نعتا لا منادى. والخلاف شكلى لا يلتفت إليه ؛ لأنه لا يغير الحكم ، ولا أثر له مطلقا.
4) ويشمل النفى التقديرى الذى فى مثل : إنما محسن علىّ صنيعه ؛ لأن معناه : ما محسن على إلا صنيعه ، وفى مثل : غير مهمل واجبه عاقل.
5) دواعى الصدر : الأمور والدوافع التى تحرك القلب.
6) قولا رديئا سيئا.
أكبر حافز - أعلمت الجنود القائد مضاعفا الثناء عليهم ...
(2) ألّا يكون مصغّرا ، فلا يصح : يقف حويرس زرعا ؛ أى : يقف حارس زرعا.
(3) ألا يكون له نعت يفصل بينه وبين مفعوله ؛ فلا يصح : يقبل راكب مسرع سيارة. فإن تأخر النعت عن مفعول اسم الفاعل جاز ؛ نحو ؛ يقبل راكب سيارة مسرع. ويجوز الفصل بالنعت إن كان معمول اسم الفاعل شبه جملة ، لا مفعولا به ؛ نحو : (لا تستشر إلا قادرا - ناصحا - على حلّ المشكلات ، ولا تركن إلى صداقة ساع - طامع - وراء مآربه). والأصل : قادرا على حل المشكلات ، ناصحا - ساع وراء مآربه ، طامع.
(4) ألّا يفصل بينه وبين مفعوله فاصل أجنبى (وهو الذى ليس معمولا لاسم الفاعل ، وإنما يكون معمولا لغيره) ؛ فلا يجوز ؛ هذا مكرّم - واجبها - مؤدية. والأصل : هذا مكرّم مؤدية واجبها ؛ ففصلت كلمة : «واجب» بين اسم الفاعل ومفعوله ، مع أنها ليست معمولا لاسم الفاعل : «مكرّم» ؛ وهذا لا يصح.
وهناك حالة يصح فيها الفصل بالأجنبى ؛ هى : أن يكون الفاصل الأجنبى شبه جملة ، أو أن يكون معمول اسم الفاعل شبه جملة ، لا مفعولا به ؛ نحو : الرحيم مساعد - عن النهوض - عاجزا. ونحو : إن هذا الشاهد ناطق - نافع - بالحقّ - والأصل : الرحيم مساعد عاجزا عن النهوض - إن هذا الشاهد ناطق بالحق نافع (1)
كفعله اسم فاعل فى العمل *** إن كان عن مضيّه بمعزل
وولى استفهاما ، او : حرف ندا *** أو : نفيا ، او : جا صفة ، أو : مسندا
يقول : اسم الفاعل فى العمل - من ناحية التعدى واللزوم - كفعله ، بشرط أن يكون بمعزل عن الزمن الماضى ، أى : بمكان بعيد عنه. والمراد : أنه لا يكون للزمان الماضى. ويشترط أن يلى استفهاما (أى : يقع بعد استفهام) أو : بعد حرف نداء ، أو : بعد نفى ، أو : أن يكون اسم الفاعل صفة. (والمراد بها هنا : النعت ، والحال). أو مسندا. والإسناد المقصود يتحقق بكونه خبرا للمبتدأ أو للناسخ ، كما يتحقق بكونه مفعولا لناسخ من النواسخ التى تنصب مفعولين أو أكثر. (والجار والمجرور : «عن مضيه» متعلقان بكلمة : «معزل» : فإن اسم المكان فيه رائحة الفعل ، برغم أنه مشتق لا يعمل ؛ فيجوز أن يتعلق به شبه الجملة ، كما فى رقم 5 من هامش ص 235 وفى رقم 2 من هامش ص 321 ، وكما سبق فى ج 2 ص 343 م 89 عند الكلام على تعلق شبه الجملة ، - وراجع الخضرى عند كلامه على البيت السالف -). هذا ما تضمنه البيتان. وفيهما قصور واضح تداركناه فى الشرح.
أو يقع نعتا فى المعنى لمنعوت محذوف معروف. وهذا الذى يشير إليه ابن مالك بقوله بعد البيتين السابقين:
وقد يكون نعت محذوف عرف *** فيستحقّ العمل الّذى وصف
.1) فيما سبق يقول ابن مالك فى الباب الذى عنوانه : «إعمال اسم الفاعل» ؛. وضمنه إعمال اسم المفعول أيضا :
ا - يختلف الاعتماد هنا عنه فى باب : المبتدأ والخبر ؛ فهو هناك مقصور على النفى والاستفهام دون غيرهما - كما أشرنا (1)- ؛ فوجود أحدهما شرط «أغلبىّ» لكى يرفع الوصف فاعلا يغنى عن الخبر. وقد يمكن الاستغناء عن هذا الشرط هناك. فيرفع الوصف فاعله الذى يستغنى به عن الخبر بدون اعتماد على نفى أو استفهام ، كما أوضحنا الحكم وتفصيله فى موضعه المناسب من باب : المبتدأ والخبر (2).
ب - إذا وقع الوصف (ومنه اسم الفاعل ..) مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر فإنه يحتاج إلى شروط أغلبية (3)أخرى ؛ أهمها : ألّا يكون معرّفا ، ولا مثنى ، ولا مجموعا ؛ لأن الوصف - فيما يقولون - بمنزلة الفعل ، والفعل لا يعرّف ، ولا يثنى ، ولا يجمع. وتفصيل هذا فى مكانه من الباب المشار إليه ... (4).
ح - إذا رفع اسم الفاعل ضميرا مستترا وجب أن يكون مرجع هذا الضمير غائبا (5)؛ لأن اسم الفاعل لا يعود ضميره إلا على الغائب ؛ ففى مثل : أنا ظان محمدا قائما - يكون التقدير : أنا رجل ظان ... ؛ فالضمير فى : «ظان» تقديره : «هو» ، يعود على ذلك المحذوف ، ولا يصح تقديره : أنا (6)... فقد قال النحاة إن الضمير قد يختلف مع مرجعه فى مثل : أنا عالم فائدة التعاون ، وأنا مؤمن بحميد آثاره ، فالضمير فى كلمتى : «عالم ومؤمن» مستتر يتحتم أن يكون تقديره : «هو» كما عرفنا. لكن ما مرجعه؟
يجيبون : إن أصل الجملة : أنا رجل عالم فائدة التعاون ، وأنا رجل مؤمن بحميد آثاره. فالضمير للغائب ، تقديره ؛ «هو» عائد هنا على محذوف حتما ،
ولا يصح عودته على الضمير : «أنا» المتقدم ، كما لا يصح أن يكون الضمير المستتر تقديره : «أنا» ، بدلا من : «هو» لأن اسم الفاعل لا يعود ضميره إلا على الغائب ، وهذا يقتضى أن يكون الضمير المستتر للغائب أيضا.
والظاهر أن هذا الحكم ليس مقصورا على اسم الفاعل ، بل يسرى على غيره من المشتقات المتحملة ضميرا مستترا ؛ فيجب إرجاعه للغائب كذلك.
ب - وإن كان اسم الفاعل مقترنا «بأل» الموصولة (1)فإنه يعمل مطلقا بغير تقيد بزمن معين (2)، ولا بشرط من الشروط السالفة التى منها : الاعتماد ، وعدم التصغير ... و ... نحو : ما أعجب رائدنا هذا ، فهو النّاظم أمس قصيدة رائعة ، وهو الناطق - الآن - الحكمة والبيان ، وهو المواجه خصمه - غدا - بالحجة والبرهان (3)
وإن يكن صلة «أل» ففى المضى *** وغيره إعماله قد ارتضى
يريد : أن اسم الفاعل إذا كان مبدوءا «بأل» الموصولة فإنه يعمل فى حالتى التعدى واللزوم عمل فعله ، من غير تقيد بنوع زمن أو بغيره ، فيعمل بغير شرط سواء أكان الزمن ماضيا أم غير ماض.
... وكقول المتنبى :القاتل السيف فى جسم القتيل به
وللسيوف - كما للناس - آجال
(1) إذا كان اسم الفاعل مستوفيا شروط إعماله لنصب المفعول به جاز نصب هذا المفعول مباشرة - بشرط أن يكون اسما ظاهرا - وجاز جرّه باعتباره «مضافا إليه» واسم الفاعل هو «المضاف» ؛ ففى نحو : ما أنت اليوم مصاحب الغادر - يصح نصب كلمة : «الغادر» باعتبارها مفعولا به لاسم الفاعل ، ويجوز جرها باعتبارها مضافا إليه. فإذا جاء تابع للمفعول به المنصوب مباشرة وجب فى هذا التابع النصب ، مراعاة للفظ المتبوع المنصوب ، ولا يصحّ إلا النصب. أما عند جر المتبوع بالإضافة فيجوز فى تابعه الأمران ، إما مراعاة الأصل السابق وهو النصب ، لأن المضاف إليه كان مفعولا به فى أصله - وإما مراعاة الأمر الواقع الآن ، وهو : الجر. ففى مثل : ما أنت مصاحب الغادر
1) لأن : «أل» الداخلة على المشتقات العاملة هى الموصولة ، غالبا ، - (كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 246) - وهل هى فى الوقت نفسه معرفة؟ رأيان. (راجع الكلام عليها فى ج 1 باب الموصول ص 320 م 26).
2) لأنه مع فاعله سيكون صلة «لأل» الموصولة ، فهو بمنزلة الفعل ، والفعل ، يعمل ماضيا وغير ماض ، وكذلك ما كان بمنزلته ، وحل محله. والتعليل الصحيح هو : استعمال العرب.
3) وفى المقترن «بأل» يقول ابن مالك :
والمنافق - يتعين نصب المعطوف ، وهو كلمة : «المنافق» تبعا للمعطوف عليه المنصوب ؛ وهو كلمة : «الغادر». وفى مثل : ما أنت مصاحب الغادر والمنافق ، بجرّ المعطوف عليه - يجوز فى المعطوف النصب ، ويذكر فى إعرابه : أنه منصوب ، تبعا لأصل المعطوف عليه ، كما يجوز فيه الجرّ تبعا لحالة المعطوف اللفظية.
ويجوز فى مفعول اسم الفاعل أن تدخل عليه لام التقوية (1)، فتحره ؛ نحو : أنت متقن «العمل ، أو للعمل ... ، ونحو قوله تعالى : ( فَعَّالٌ (2)لِما يُرِيدُ ) ، والأصل : فعّال (3)ما يريد.
فإن كان لاسم الفاعل المستوفى الشروط مفعولان أو ثلاثة ، وأضيف إلى واحد منها - وجب ترك الباقى مفعولا به منصوبا كما كان. نحو : أنا ظانّ الجوّ معتدلا - أأنت مخبر الصّديق الزيارة قريبة؟ وفعلهما : «ظنّ» الناصب لمفعولين ، و «أخبر» الناصب لثلاثة ؛ فاسم الفاعل المستوفى لشروط نصب المفعول به مماثل لفعله فى نصب المفعول به ، أو : المفعولين ، أو : الثلاثة وعند إضافته لمفعول به منها يظل الباقى على حاله منصوبا (4).
وقد يضاف اسم الفاعل للخبر ؛ لشبهه بالمفعول به ؛ مثل : أنا كائن
1) سبق إيضاحها فى ج 2 ص 348 م 90 باب : حروف الجر.
2) صيغة : «فعّال» هذه إحدى صيغ المبالغة التى هى نوع من اسم الفاعل. وستأتى فى ص 257.
3) صيغة : «فعّال» هذه إحدى صيغ المبالغة التى هى نوع من اسم الفاعل. وستأتى فى ص 257.
4) وإذا كان اسم الفاعل غير مستوف لشروط نصب المفعول به - كأن يكون بمعنى الماضى مع خلوه من : «أل» - وكان فعله ناصبا مفعولين أو ثلاثة وجب فى هذه الحالة أن يضاف اسم الفاعل إلى ما يليه مما هو فى أصله مفعول به للفعل ، ويترك الباقى منصوبا على حاله. وإن وجد فاعل ظاهر وجب تركه مرفوعا (ولا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله إذا بقى اسم الفاعل محتفظا باسمه وبمعناه سواء أكان فعله لازما أم متعديا ؛ (كما سيجىء فى الحكم الثانى بالصفحة التالية ، والبيان فى ص 265) نحو : هذا معطى محتاج أمس درهما - ومعلم حامد أمس محمودا قادما. والناصب لهذه المفعولات الباقية على حالها من النصب فعل محذوف يرشد إليه اسم الفاعل الحالىّ الذى لا يعمل. وأجاز بعض النحاة أن يكون الناصب هو اسم الفاعل المذكور ؛ لأنه اكتسب بالإضافة شبها بالمقرون «بأل» الموصولة ، والمقرون «بأل» هذه يعمل ، ولو لم يستوف الشروط - طبقا لما تقدم - ؛ كما إذا كان بمعنى الماضى. وهذا رأى فيه تيسير ، يحسن الاقتصار عليه ؛ لبعده من التكلف. (وللحكم السابق تكملة هامة فى هامش ص 243).
أخيك. فإن كان مفعول اسم الفاعل ضميرا متصلا ، وجب جره بالإضافة (1)نحو ؛ والدك مكرمك ، ولا يجوز إعرابه مفعولا به إلا فى رأى مرجوح.
(2) عرفنا (2)أنه : لا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه مع احتفاظه باسمه وبقائه اسم فاعل. لكن إن دل على الثبوت وقامت قرينة تدل على هذا من غير أن تتغير صيغته وصورته اللفظية الظاهرة ، صار صفة مشبهة يجرى عليه كل أحكامها - ومنها : أن يكون لازما لا ينصب مفعولا به أصيلا ، وأن تجوز إضافته إلى فاعله (3)، وهذا أحد الأحكام التى يختلف فيها اسم الفاعل العامل ، والمصدر العامل (4)
«أولها» : أن «أل» فى المصدر مقصورة على التعريف غالبا ، ولكنها في اسم الفاعل للتعريف ، وهي اسم
موصول في الوقت نفسه. . وهذا رأى شارح المفصل ويخالفه آخرون (راجع ج 1 ص 251 م 26 باب الموصول).
«ثانيها» : أن المصدر العامل يضاف إلى فاعله حينا ، وإلى مفعوله حينا آخر ، ولكن اسم الفاعل لا يضاف لفاعله ، إلا إذا ترك اسمه ، وصار نوعا من الصفة المشبهة . كما سبق ، في هامش ص 242.
«ثالثها» : أن المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة. أما اسم الفاعل فلا يعمل إلا في الحال أو في المستقبل بشروط ، وقد يعمل فى غيرهما ، ولكن بشروط أيضا.
. طبقا للتفصيل الذى سبق في إعماله ، ص 246
«رابعها» : أن المصدر لا يتقدم عليه شيء من معمولاته ... (إلا) شبه الجملة ، بالإيضاح الذي تقدم فى رقم 4 من ص 215) أما اسم الفاعل المقرون «بأل» فلا يتقدم عليه إلا شبه الجملة وأما غير المقرون بها فيجوز أن يتقدم عليه الجملة وغيره. (إلا فى بعض حالات تجىء فى ص263. ا -).
«خامسها» : أن اسم الفاعل يتحمل الضمير ؛ لأنه جار على فعله ، والفعل يتحمل الضمير ، أما المصدر الذي لا ينوب عن فعله فلا يتحمل الضمير ، والفاعل معه يكون ملاحظا فى النية ، مقدرا غير مستتر فيه ... (ويرى بعض النحاة أنه مستتر فيه).
هذا ملخص ما جاء فى المرجع السالف بتصرف قليل يقتضيه التحقيق.
.1) تطبيقا لقاعدة وصل الضمير التى مرت تفصيلاتها فى (ج 1 ص 181 م 20). فإن كان الضمير معمولا لوصف يعرب - غالبا - صلة «أل» وهذا الوصف للمثنى أو لجمع المذكر السالم وملحقاتهما ؛ نحو : والداك المكرماك - أهلك المكرموك ... و ... فالأحسن - عند حذف نون التثنية والجمع. اعتبار الضمير «مضافا إليه» (كما سبق البيان فى باب الإضافة ، ص 10) ونقلنا : أن بعض النحاة يجيز اعتبا ر الضمير مفعولا به للوصف ، (وهو هناك اسم فاعل) ، والنون محذوفة للتخفيف لا للإضافة. وقلنا إن الخير فى الاقتصار على الإعراب الأول ؛ منعا للإلباس والغموض المنافيان للغرض الأصيل من اللغة. كما قلنا إن هذه النون قد تحذف فى حالات أخرى ، (عرضناها فى ج 1 م 11 ص 142 وتشمل حالة فى باب «لا» النافية للجنس. ج 1 م 56 هامش ص 629 -.)
2) فى هامش ص 242. والتفصيل فى «د» من ص 265.
3) لهذا إيضاح وتفصيل هامان ، سجلناهما فى هامش ص 242 وفى ص 265.
4) قال شارح المفصل (ج 6 ص 61) - بتصرف - الفرق بين المصدر العامل واسم الفاعل العامل من وجوه أشهرها خمسة :
(3) جميع ما تقدم من الأحكام ، والشروط ، والتفصيلات الخاصة باسم الفاعل المفرد تسرى باطراد عليه إذا صار مثنى (1)لمذكر أو مؤنث ، أو جمعا لمذكر أو مؤنث سالمين ، أو جمع تكسير. فلا فرق بين مفرده ومثناه وجمعه فى شىء مما سبق (2)خاصّا بإعماله ، أو عدم إعماله ، مقترنا «بأل» أو غير مقترن بها.
(4) يجوز تحويل صيغة : «فاعل» - وهى صيغة : «اسم الفاعل» الأصلىّ من مصدر الفعل الثلاثى المتصرف - إلى صيغة أخرى تفيد من الكثرة والمبالغة الصريحة فى معنى فعلها الثلاثى الأصلى ما لا تفيده إفادة صريحة صيغة : «فاعل (3)» السالفة ، مثال هذا أن نتحدث عن شخص يزرع الفاكهة ، فنقول : فلان زارع فاكهة. فإذا أردنا أن نبين فى صراحة لاحتمال معها ، كثرة زراعته الفاكهة ، ونبالغ فى وصفه بهذا المعنى - نقول : فلان زرّاع فاكهة - مثلا -. فكلمة : «زرّاع» تفيد من كثرة زراعته ، ومن المبالغة فى مزاولة الزراعة ما لا تفيده كلمة : «زارع» مع أن الكلمتين من فعل ثلاثى واحد ؛ هو : «زرع» وكلتاهما تدلّ على أمرين ؛ معنى مجرد ؛ هو : «الزرع» وذات فعلته. ولكنهما تختلفان بعد ذلك فى درجة الدلالة على المعنى المجرد ، (أى : فى
1) وهذا إذا صح تثنيته وجمعه ؛ فهناك حالات يغلب عليه فيها أن يلتزم الإفراد والتنكير ، وقد أشرنا إلى بعضها فى : «ب» من ص 252. (ومنها : أن يكون مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر ، على الوجه المشروح فى ج 1 ص 324 م 23).
2) وهذا إذا صح تثنيته وجمعه ؛ فهناك حالات يغلب عليه فيها أن يلتزم الإفراد والتنكير ، وقد أشرنا إلى بعضها فى : «ب» من ص 252. (ومنها : أن يكون مبتدأ مستغنيا بمرفوعه عن الخبر ، على الوجه المشروح فى ج 1 ص 324 م 23).
3) لأن صيغة اسم الفاعل الأساسية مطلقة. (أى : لا تدل بذاتها على قلة أو كثرة) فهى صالحة للأمرين ، ما لم تقم قرينة تعين أحدهما دون الآخر - وقد سبق البيان الكامل فى ص 239 وفى هامشها - رقم4. .
مقدار قلّته ، وكثرته ، وضعفه ، وقوته) ؛ فصيغة : «فاعل» التى هى وزن «اسم الفاعل» من الثلاثى ، لا تدل وحدها على شىء من ذلك إلا من طريق الاحتمال ، ولا تدل دلالة صريحة خالية من هذا الاحتمال ، على قوة ، ولا ضعف ، ولا كثرة ، ولا قلّة فى المعنى المجرد ؛ فكلمة «زارع» لا تدل بلفظها - بغير قرينة أخرى - على أكثر من ذات متصفة بأنها تفعل الزراعة. وليس فى صيغة الكلمة دليل صريح على أن تلك الذات تفعل الزراعة قليلا أو كثيرا ... و ... ، بخلاف صيغة «فعّال» - مثلا - فإنها تدل بنصها وصيغتها الصريحة على الكثرة والمبالغة فى ذلك الفعل ، أى : فى المعنى المجرد. ولهذا تسمى : «صيغة مبالغة» ومن ثمّ كان الذى يستخدم صيغة «فاعل» يرمى إلى بيان أمرين : «المعنى المجرد مطلقا ، وصاحبه» ، دون اهتمام ببيان درجة المعنى ؛ قوة وضعفا ، وكثرة وقلة. بخلاف الذى يستخدم «صيغة المبالغة». فإنه يقصد إلى الأمرين مزيدا عليهما بيان الدرجة (1)، كثرة وقوة.
وما قيل فى : «زارع فاكهة وزرّاع فاكهة» ... يقال فى : ناظم شعرا ، ونظّام شعرا - صانع خيرا ، وصنّاع خيرا - قائل الصدق ، وقوّال الصدق ... و ... ، وهكذا يمكن تحويل صيغة «فاعل» الدالة على اسم الفاعل من الثلاثى المتصرف إلى صيغة : «فعّال» أو غيرها من الصّيغ المعروفة باسم : «صيغ المبالغة»
وأشهر أوزانها خمسة قياسيّة ؛ هى :
«فعّال (2)» ؛ نحو : ما أعظم الصديق إذا كان غير قوّال سوءا ، ولا فعّال إساءة ، وقول الشاعر :
وإنى لقوّال لذى البثّ (3)مرحبا *** وأهلا إذا ما جاء من غير مرصد (4)
و «مفعال» (5)؛ نحو : الطائر محذار صائده ، مخواف أعداءه.
1) ولهذا لا تصاغ من مصدر فعل لا يقبل الزيادة والتفاوت ، طبقا للبيان الذى فى : «ه» من ص 269 وانظر الملاحظة الآتية فى ص 262.
2) قد تكون صيغة : «فعّال» للنسب أحيانا ، طبقا للبيان الآتى فى «و» من ص 269.
3) الحزن.
4) ميعاد.
5) هذه الصيغة مشتركة بين صيغ المبالغة واسم الآلة الذى سيجىء الكلام عليه فى باب خاص ص 333 م 107 فهى صيغة مشتركة فى البابين. والتفريق بينهما يكون خاضعا للقرائن.
و «فعول» ؛ نحو : البارّ وصول أهله. وقول الشاعر يخاطب سيدا كريما :
ضروب بنصل السيف سوق سمانها (1)*** إذا عدموا زادا فإنك عاقر
وقول الآخر يفتخر :
إذا مات منّا سيّد قام سيّد *** قئول (2)بما قال الكرام فعول (3)
ومثل :
ذرينى ؛ فإن البخل - يا أم مالك - *** لصالح أخلاق الرجال سروق
و «فعيل» ؛ نحو : أقدر (4)من يكون سميعا خيرا ، نصيرا عدلا (5)وقول الشاعر :
فتاتان : أمّا منهما فشبيهة *** هلالا ، وأخرى منهما تشبه البدرا
و «فعل» ؛ نحو : يسوءنا أن نرى جاهلا مزقا أوراقه ، راميا بها فى الطريق. وقول الشاعر :
حذر أمورا لا تضير ، وآمن *** ما ليس ينجيه من الأقدار
هذه هى الصيغ الخمس القياسية. وهناك بعض صيغ قليلة مقصورة على السماع عند أكثر القدماء ؛ أشهرها من الفعل الماضى الثلاثى : «فعّيل (6)،.
1) الضمير عائد على الإبل ونحوها مما يعقر ليشوى ، أو يطبخ فيؤكل.
2) كثير القول.
3) كثير الفعل.
4) أعظّم.
5) متى تزاد تاء التأنيث على صيغة «فعيل» ومتى لا تزاد؟ لهذا بيان مفيد يجىء فى ج 4 - باب «التأنيث» م 169.
6) يخالف هذه الأكثرية فى رأيها فريق آخر ، منهم : «ابن قتيبة» فى كتابه : (أدب الكاتب ، باب : اختلاف الأبنية فى الحرف الواحد ؛ لاختلاف المعانى) حيث يقول ما نصه : «(ما كان على «فعّيل» فهو مكسور الأول ، لا يفتح منه شىء ، وهو لمن دام منه الفعل ؛ نحو : رجل سكّير ، كثير السّكر - وخميّر ، كثير الشرب للخمر ، وفخيّر كثير الفخر - وعشيّق ، كثير العشق - وسكيّت ، دائم السكوت - وضلّيل وصرّيع وظلّيم ، ومثل ذلك كثير. ولا يقال ذلك لمن فعل الشىء مرة أو مرّتين حتى يكثر منه ، ويكون له عادة ...) ا ه فهو يقرر أن صيغة : «فعّيل» كثيرة فى المبالغة ، وإذا ثبتت كثرتها كان القياس عليها جائزا. وقد جعل المجمع اللغوى القاهرى هذه الصيغة قياسية ، وليست مقصورة على السماع، كما يرى النحاة الأقدمون. ونص قراره (كما جاء فى الصفحة التاسعة ، من تقرير لجنة الأصول المرفوع إلى المؤتمر اللغوى الذى انعقد فى آخر يناير سنة 1967 فوافق عليه) هو : «(فى اللغة ألفاظ على صيغة «فعّيل» من مصدر الفعل الثلاثى اللازم والمتعدى للدلالة على المبالغة. وكثرتها تسمح بالقول بقياسيتها ، ومن ثم يجوز أن يصاغ من مصدر الفعل الثلاثى - لازما أو متعديا - لفظ على صيغة «فعّيل» - بكسر الفاء وتشديد العين - لإفادة المبالغة)». ا ه. وقد ذكر هذا القرار مرة أخرى ومعه بعضى البحوث والمذكرات العلمية التى اعتمد عليها المجمع ومؤتمره فى ص 34 من الكتاب الذى أصدره المجمع سنة 1969 باسم : «كتاب فى أصول اللغة» مشتملا على القرارات من دورة 29 إلى 34.
و «مفعل» ؛ نحو : إنه شرّيب أهوال ، ومسعر (1)حروب. وفعلهما الثلاثى ؛ شرب ، وسعر. ومن غير الثلاثى : درّاك - سأر - معوان (2)
وكن على الخير معوانا لذى أمل *** يرجو نداك ؛ فإن الحرّ معوان
ومثله «متلاف» (من أتلف) فى قول أبى فراس الحمدانى :
وللوفر متلاف ، وللحمد جامع *** وللشر ترّاك. وللخير فاعل
- مهوان - نذير - سميع - زهوق. وأفعالها الشائعة : أدرك - أسأر (بمعنى : ترك فى الكأس بقية) أعان - أهان - أنذر - أسمع - أزهق.أحكامها : لصيغ المبالغة القياسية أحكام ، أهمّها :
ا - أنها لا تصاغ إلا من مصدر فعل ثلاثى ، متصرف ، متعد ، ما عدا صيغة : «فعّال» فإنها تصاغ من مصدر الفعل الثلاثى اللازم (3)
وفى المراجع اللغوية صيغ متنوعة مسموعة - غير صيغة «فعّال» - لم تستوف شروط الصياغة ، فيجب الوقوف فيها عند حد السماع. ومن أمثلتها «ضحوك وعبوس» فى قول شاعرهم :
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير *** وعند الشّر مطراق عبوس
فقد صاغ من الثلاثى اللازم كلمتى : «ضحوك وعبوس» مع أن فعلهما لازم ، كما صاغ كلمة «مطراق» مع أن فعلها الشائع رباعى ؛ هو : أطرق ، بمعنى : سكت ، ونظر إلى الأرض.
ألقى صدور الخيل وهى عوابس *** وأنا ضحوك نحوها وبشوش
والمتعدى ؛ كقوله تعالى : ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ (4)مَهِينٍ (5)، هَمَّازٍ (6)(7 و8) كثير المشى بالنميمة (وهى : السعى بين الناس بالإفساد).
(7 و8) كثير المشى بالنميمة (وهى : السعى بين الناس بالإفساد).
، مَشَّاءٍ (7) بِنَمِيمٍ (8) ، مَنَّاعٍ (7)لِلْخَيْرِ ، مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ...) وقولهم : فلان بسّام الثغر ، ضحّاك السّن ، وقول الشاعر : .1) مسعر الحرب : من يكثر إشعالها ، وإيقاد نيرانها.
2) ومنه قول شاعرهم :
3) يرى بعض اللغويين أن المسموع كثير من صيغة «فعّال» المشتقة من مصدر الفعل الثلاثى اللازم للدلالة على المبالغة ؛ ولذا يجيز - لشدة الحاجة إليها - اشتقاقها من مصدر الثلاثى اللازم أيضا ، ومنه الآية التالية. وهو رأى حسن ارتضاه المجمع اللغوى ، وسجله فى مجلته ج 3 ص 14 ، 15.
4) كثير الحلف.
5) حقير دنىء.
6) كثير الهمز (أى : كثير الطعن والضرب ، والإيذاء ...)
7) كثير المنع ...
وإنى لصبّار على ما ينوبنى *** وحسبك أن اللّه أثنى على الصبر
ولست بنظّار إلى جانب الغنى *** إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
ب - وأنها لا تجرى على حركات مضارعها وسكناته ، بالرغم من اشتمالها على حروفه الأصلية ، ولهذا كانت محمولة فى عملها على اسم الفاعل لا على فعله ...
ح - وأنها - فى غير الأمرين السالفين - خاضعة لجميع الأحكام التى يخضع لها اسم الفاعل بنوعيه المجرد من : «أل» ، والمقرون بها ، فلا اختلاف بينهما إلا فى الأمرين المتقدمين ، وكذلك فى شكل الصيغة ، وفى أن صيغة المبالغة بنصها الصريح أكثر مبالغة ، وأقوى دلالة فى معنى الفعل (1)من صيغة اسم الفاعل المطلقة ، وما عدا هذا فلا اختلاف بينهما فى سريان الأحكام والشروط وسائر التفصيلات التى سبق الكلام عليها فى اسم الفاعل (2)
فعّال ، او مفعال ، او فعول *** فى كثرة عن «فاعل» بديل
فيستحقّ ماله من عمل *** وفى «فعيل» قلّ ذا ، و «فعل»
يريد : أن. صيغة فعّال ، ومفعال ، وفعول ، تغنى - عند إرادة الكثرة - عن صيغة «فاعل» وأنها تذكر من أجل ذلك بدلا من صيغة فاعل ، وكل واحد من هذه الألفاظ يستحق ما يستحقه «فاعل» من العمل عند استيفاء الشروط. ثم بين أن استعمال صيغتى : «فعيل» و «فعل» قليل فى المبالغة.
ثم انتقل إلى تسجيل قاعدة أخرى ؛ هى : أن اسم الفاعل - ومثله صيغ المبالغة - لا تتغير أحكامه إن كان غير مفرد ؛ فالأحكام السابقة كلها مطردة فى المفرد وغير المفرد ، إلا بعض حالات وكلاهما سواء فى الخضوع لتلك الأحكام والتفصيلات التى سبق بيانها عند الكلام على اسم الفاعل المفرد ، وشروط إعماله مقترنا وغير مقترن ... إلى غير ذلك من سائر القواعد التى سلفت. قال فى هذا :
وما سوى المفرد مثله جعل *** فى الحكم والشروط حيثما عمل
ثم تعرّض لاسم الفاعل العامل النصب مصرحا بجواز نصب مفعوله ، أو جره مضافا إليه. فإن نصب أكثر من مفعول جاز جر واحد ووجب نصب الباقى. قال :
وانصب بذى الإعمال تلوا ، واخفض *** وهو لنصب ما سواه مقتضى
(«ذى الإعمال» : صاحب الإعمال ، أى : المستوفى شروط العمل ، وهو اسم الفاعل. «تلوا» تاليا - أى : المفعول به الذى يتلوه).
وبيّن بعد ذلك أن تابع الاسم المجرور على الوجه السالف يجوز فيه الجر ، ويجوز فيه النصب :
واجرر أو انصب تابع الذى انخفض *** كمبتغى جاه ومالا من نهض
والأصل : من نهض مبتغى جاه ومالا. فعطف كلمة : «مالا» على كلمة : «جاه» المجرورة بالإضافة ، ولكنها منصوبة باعتبارها مفعولا به لاسم الفاعل فى الأصل قبل الإضافة.
... .ملاحظة : ورد فى المسموع الذى لا يقاس عليه بعض صيغ المبالغة خاليا من معنى : «المبالغة» ، مقتصرا فى دلالته المعنوية على المعنى المجرد الذى لا مبالغة فيه ؛ فهو يدل على ما يدل عليه اسم فاعله الخالى من تلك المبالغة المعنوية : مثل كلمة : «ظلوم» فى قول الشاعر :
وكل جمال للزوال مآله *** وكل ظلوم سوف يبلى بظالم
فإنها ليست للمبالغة ؛ إذ المقام هنا يقتضى أن يكون المراد من لفظ : «ظلوم» هو : «ظالم» ؛ وليس كثير الظلم ؛ لأن كلّا من الاثنين سيلقى ظالما. من غير أن يتوقف هذا اللقاء إلا على مجرد وقوع الظلم من أحدهما ، دون نظر لقلة الظلم أو كثرته (1). .
1) ينطبق هذا على كلمة : «فخور» فى قوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً. ) فليس المراد هنا كثرة الفخر لأن اللّه يكره صاحب الفخر مطلقا ؛ بغير نظر إلى كثرة فخره أو قلته.
ا - إذا كان اسم الفاعل - ومثله صيغ المبالغة - مقرونا «بأل» لم يجز تقديم شىء من معمولاته عليه ، إلا شبه الجملة. لأن «أل» الداخلة عليه موصولة ، واسم الفاعل مع فاعله بمنزلة الصلة لها ؛ والصلة لا تتقدم هى ولا شىء منها ولا من معمولاتها على الموصول. إلا شبه الجملة (1)؛ لأنه محل التساهل ؛ فيصح أن يقال : أنا لك المرافق ، ومعك الدائب ، أى : أنا المرافق لك - الدائب معك ...
أما إن كان مجردا منها فيجوز تقديم المعمول : مفعولا كان أو غير مفعول (2)إلا فى بعض حالات ، فمثال التقديم الجائز : الحديقة - عطرا - فوّاحة. والأصل : الحديقة فواحة عطرا.
ومن الحالات التى لا يجوز فيها التقديم أن يكون اسم الفاعل مجرورا بالإضافة ، أو بحرف جر أصلىّ ، نحو : يروقنى رسم مصوّر طيورا - ألا تغضب من معذّب الحيوان؟ فلا يجوز : يروقنى - طيورا - رسم مصور. ألا تغضب - الحيوان - من معذّب ، بخلاف المجرور بحرف جر زائد. فيجوز أن يتقدم عليه معموله ؛ نحو : ما العزيز - الهوان - بقابل. والأصل : ما العزيز بقابل الهوان.
وأجاز قوم تقديم المعمول إن كان اسم الفاعل : «مضافا إليه» ، و «المضاف» كلمة : غير» أو : «حقّ» ، أو : «جدّ» ، أو : مثل ، أو : أوّل ، نحو : (المنافق - الوعد - غير منجز). (هذا - الأعداء - حقّ قاهر ، أو : جدّ قاهر) ، والأصل : المنافق غير منجز الوعد. هذا حقّ قاهر الأعداء ، أو : جدّ قاهر الأعداء. (شاعرنا درّا مثل ناظم) ، (العرب ضيفا أول ناصر). وهذا الرأى حسن ؛ لما فيه من تيسير وأحسن منه براعة استخدامه فى أنسب الأساليب له ، وأليق المواقف.
ويجوز أيضا تقديم معموله على مبتدأ يكون اسم الفاعل خبرا له ، نحو : الضيوف أنت مصافح. والأصل : أنت مصافح الضيوف.
ب - يجوز إعمال اسم الفاعل - أحيانا - وهو محذوف ؛ مثل : أعليّا أنت مساعده؟ فقد اشتغل اسم الفاعل المذكور بضمير الاسم السابق ، واستغنى بنصبه عن نصب الاسم السابق : فلم يبق إلا أن يكون الناصب للاسم السابق عاملا آخر ، محذوفا ، يفسره المذكور على الوجه المعروف فى باب : «الاشتغال» (1)والتقدير : أمساعد عليّا أنت مساعده؟. ومثله أيضا : أعليّا أنت مساعد أخاه ، والتقدير : أمساعد عليّا أنت مساعد أخاه. ومثله فى كل ما سبق صيغ المبالغة.
ح - عرفنا أن اسم الفاعل يدل - غالبا - هو وصيغ المبالغة ، على الحدوث وعدم الدوام ، وعرفنا طريقة صوغه ...
لكن قد يراد منه النصّ على الثبوت والدوام مع قيام قرينة تدل على هذا ، فيصير صفة مشبهة (2)؛ ويسمى باسمها - بالرغم من بقائه على صورته الأصلية (3)؛ ويجرى عليه أحكام الصفة المشبهة ؛ فيجوز فى السببىّ (4)بعده إن كان معرفة :
1) فى هذا المثال - وأشباهه - نجد الاسم السابق منصوبا مع أن الضمير الراجع إليه مجرور. لكنه مجرور فى حكم المنصوب. لأن كلمة : «مساعد» فى حكم الفعل ، وتنوينها ملحوظ وإن لم يكن ملفوظا ؛ فالضمير هنا كالضمير فى مثل : أعليا مررت به - مجرور وهو فى الحكم منصوب. كما سبق فى باب الاشتغال ج 1. (راجع شرح المفصل ج 6 ص 69).
2) سيجىء فى ص 281 م 104 باب خاص بها يتضمن تعريفها ، وتفصيل أحكامها ، والتغير فى دلالة اسم الفاعل والصفة المشبهة.
3) كما سبق فى ص 243 و256 ويجىء فى ص 292.
4) لابد لكل اسم مشتق عامل ، من صاحب يقوم به معنى المشتق ، مثل : محمد عالم - على محسن ، الجو معتدل - فالكلمات : محمد - على - الجو - هى الصاحب الأصيل الذى قام به معنى المشتق قياما مباشرا متصلا بذاته ، وقد يقوم المعنى بشىء آخر يتصل بالصاحب الأصيل بنوع اتصال ، ويرتبط به من بعض النواحى ، كأن نقول : محمد عالم أبوه - على محسن أخوه - الجو معتدل حرارته ، فالأب والأخ والحرارة ... و ، ... ليست الصاحب الأصيل للوصف المشتق ؛ وإنما ترتبط معه برابط يجمع بينها ؛ كالأبوة ، والأخوة ، والتبعية فى أمر ما. هذا الرابط يسمى : «السببىّ». ولا بد فيه من ضمير يعود على الأصل. وقد تقوم «أل» خلفا عن الضمير فى مذهب الكوفيين - كما سيجىء فى ص 268 وفى رقم 4 من هامش ص 277 وفى رقم 2 من هامش ص310. وقد اشترطوا وجوب السببية فى مرفوع اسم الفاعل إذا جرى اسم الفاعل على موصوف ؛ نحو : الرجل صادق أبوه ، - كما سيجىء فى هامش ص 310. -
الرفع والنصب والجر ، نحو : هذا عابد طائع ، مرتفع الجبهة ، طاهر القلب ، ناصع صفحة ؛ فيجوز فى السببىّ هنا ، (وهو : الجبهة - القلب - صفحة) الرفع على أنه فاعل للصفة المشبهة. والجرّ على اعتباره مضافا إليه ، والنصب على أنه شبيه بالمفعول به وليس مفعولا به(1)...
فإن كان السببى نكرة - جاز نصبه على أنه تمييز ، أو على أنه شبيه بالمفعول به. ومقتضى ما سبق أن السببىّ المعرفة والنكرة يجوز فيه دائما الرفع على الفاعلية ، والجر على الإضافة (2)؛ كما يجوز فيه النصب أيضا ؛ ولكن المنصوب فى حالة التعريف يعرب شبيها بالمفعول به ، وفى حالة التنكير يعرب شبيها بالمفعول به ، أو : تمييزا.
د - لا يجوز إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه (سواء أكان فعله ثلاثيّا أم غير ثلاثى ، لازما أم متعديا). إلا إذا أريد منه الثبوت والدوام ، وقامت القرينة على هذا ؛ فيصير صفة مشبهة ، تجرى عليه كل أحكامها ، ومنها : أن يحكم عليه باللزوم فلا ينصب المفعول به الأصيل ولو كان فعله متعديا ، وهذا على حسب البيان المشروح فيما سبق (3)وفيما يلى :
1) لأن «الصفة المشبهة» الأصيلة - كما سبق البيان فى هامش ص 242 - كفعلها لا تنصب المفعول به ، لأنها تصاغ من مصدر فعل ثلاثى لازم. فلما كان السببى بعدها منصوبا ، ولا يصلح لإدخاله تحت نوع آخر من المنصوبات - أعربوه «شبيها بالمفعول به» إن كان معرفة ، ولم يعربوه مفعولا به ؛ لأن المفعول به لا بد أن يقع عليه أثر فعل الفاعل ، وهذا لا يقع عليه أثر الصفة المشبهة ، وهى بمنزلة الفعل فى هذه الحالة. ومن ثم لم يحملوه فى التسمية على المفعول به الذى ينصبه اسم الفاعل مع أن الصفة المشبهة إنما سميت باسمها لشبهها اسم الفاعل فى كثير من الأمور ، (وسيجىء بيان واف عن هذا كله فى بابها). أما إن كان نكرة فيجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به ، أو على التمييز.
2) بشرط خلو المضاف مما يعارض الإضافة ؛ كالتنوين ..؟.
3) فى هامش ص 242
اسم الفاعل المضاف لفاعله بقصد النص على الثبوت والدوام بقرينة ، فيترك الحدوث ، وينتقل إلى معنى الصفة المشبهة - ثلاثة أنواع (وكذا صيغة المبالغة ، وهذه لا تصاغ إلا من الثلاثى).
أولها : نوع مأخوذ من الفعل اللازم - الثلاثى وغير الثلاثى - مثل : عال وشامخ .. فى نحو : هذا عالى القامة ، شامخ الأنف (وفعلهما : علا - شمخ). ومثل «تائب» فى قول الشاعر :
تباركت ؛ إنى من عذابك خائف *** وإنى إليكم تائب النفس باخع (1)
(والفعل : تاب) وقول الآخر يمدح :
ضحوك السّنّ إن نطقوا بخير *** وعند الشرّ مطراق عبوس ... (2)
ولا يكاد يوجد خلاف فى جواز انتقال هذا النوع من حالة الحدوث إلى معنى الصفة المشبهة.
ثانيها : نوع مأخوذ من فعل متعد لمفعول به واحد. والراجح فى هذا النوع جواز انتقاله إلى معنى الصفة المشبهة ، بشرط أن يكون اللبس مأمونا ؛ (وهو : التباس الإضافة للفاعل بالإضافة للمفعول به). فإذا لم يؤمن اللبس لم تجز الإضافة ؛ كقولهم : فلان راحم الأبناء ، نافع الأعوان ، يريدون : أن أبناءه راحمون وأعوانه نافعون. فإذا كان المقام مقام مدح الأبناء والأعوان - جاز ؛ لدلالة المقام على أن الإضافة للفاعل ؛ كصدورها ممن يردّ على قول القائل : (ليس أبناء فلان بمفطورين على الرحمة ، ولا أعوانه بمطبوعين على النفع ،) أو من يردّ على قول القائل : (أبناء فلان قساة ، وأعوانه ضارّون ، بسجيّتهم ...) ففى هذا المثال وأشباهه مما يحذف فيه المفعول به ويؤمن فيه اللبس لقرينة لفظية ، أو : معنوية ، يجوز فى السببى - ككلمة : «الأبناء» وكلمة : «الأعوان» - إما الرفع ؛ على أنه فاعل للصفة المشبهة (وهى : راحم - نافع) ، وإما النصب
على أنه شبيه بالمفعول به ، ولا يصلح تمييزا إن كان معرفة ، كما فى المثال. وإما الجر ، على أنه مضاف إليه. وهذه الأوجه الإعرابية الثلاثة هى التى تجرى على معمول الصفة المشبهة الأصلية (1)
فقد أجابوا أن المراد باللزوم إما اللزوم : «الأصلى» (بأن يكون الفعل موضوعا في أصله لازما) وإما اللزوم
: «التنزيلى ، أو : الحكمي» ( بأن يحذف مفعول الفعل المتعدى حذفا غالبا في بعض حالاته كالتي هنا) وإما اللزوم : «التحويلي» بأن يكون الفعل متعديا ولكنه يحول إلى صيغة «فعل» - بضم العين ، وهي صيغة لازمة . ؛ لغرض معين ، كالمدح ، أو الذم ونتيجة الثلاثة واحدة ؛ هي أن التعدى غير معتبر هنا. فلا تنصب الصفة المشبهة المفعول به الأصيل كما ينصبه فعلها حين تكون منقولة عن اسم الفاعل ، ولكنها قد تنصبه على «أنه شبيه بالمفعول به ، وليس مفعولا به . (كما سبق الإيضاح في هامش ص 242 ، وستجيء إشارة هنا ، وفى رقم 4 من هامش ص 306)
، كالتى فى مثل : (فلان جميل الوجه ، حسن الهيئة ، حلو الحديث) ومن أمثلة هذا النوع :ما الراحم القلب ظلّاما وإن ظلما *** ولا الكريم بمنّاع وإن حرما
وفى هذا النوع من الإضافة إلى المرفوع يكثر حذف المفعول به ، الذى كان معمولا لاسم الفاعل قبل إضافته لفاعله ، وقبل أن يصير بهذه الإضافة صفة مشبهة. ويصح ذكر هذا المفعول به فى الرأى الراجح - مع إعرابه «شبيها بالمفعول به» ، لا مفعولا به أصيلا ، مثل : «(فلان راحم الأبناء الناس ، ونافع الأعوان أفرادا كثيرة). فكلمتا : «الناس» و «أفرادا» شبيهتان بالمفعول به. ولا داعى لمنع هذا الشبيه المنصوب من ذكره وظهوره فى الجملة ، بزعم أن منصوب الصفة المشبهة - إذا كان شبيها بالمفعول به - لا يزيد على واحد كما قرره النحاة. وقرارهم حقّ ؛ فمنصوبها الشبيه بالمفعول به لا يزيد على واحد. والذى فى المثال السابق - ونظائره - لم يزد على واحد. ولكنّ المانعين يتوهمون أن الواحد يشمل «المضاف إليه» بعد الصفة المشبهة ؛ لأن هذا «المضاف إليه» يجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به قبل إضافته (2)، فاعتبروه بمنزلة «الشبيه بالمفعول به». برغم أنه : «مضاف إليه» مجرور ، وبنوا على هذا عدم صحة المنصوب
الآخر معه ؛ لئلا يزيد منصوب الصفة المشبهة على واحد إذا كان شبيها بالمفعول به.
قال «الصبان» فى هذا الموضع (1): لا داعى للأخذ بالوهم السابق ، ولا بما يترتب عليه ، فالصحيح عنده فى هذه الصورة وأشباهها جواز الإضافة إلى المرفوع مع ذكر المنصوب الواحد بعده ، والذى يعرب «شبيها بالمفعول به»
وفى رأيه تيسير ، واستبعاد لشرط أن يكون الفعل محذوف المفعول به - كما اشترطه بعضهم -.
ثالثها : نوع مأخوذ من فعل متعد لمفعولين ، أو ثلاثة : نحو : (أنا ظانّ رفيقا قادما ، ومخبّر الأصدقاء السرور شاملا بقدومه). ولا يكاد يوجد كبير خلاف فى منع انتقال هذا النوع إلى معنى الصفة المشبهة من طريق إضافته لفاعله ؛ لأن الوصف ينصب مفعولين أو أكثر كفعله ، ومنصوب الصفة المشبهة لا يزيد على واحد على الوجه الذى أوضحناه فى النوع السالف ... هذا ، ولأكثر النحاة فلسفة خيالية فيما تقدم ؛ فهم يقولون (2): إن إضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه تتم على الصورة السابقة فى ثلاث مراحل مرتبة (3):
أولها : تحويل الإسناد عن المرفوع إلى ضمير الموصوف.
وثانيها : نصب المرفوع بعد ذلك على التشبيه بالمفعول به.
وثالثها : جره على الإضافة.
ففى مثل : الطبيب رائف القلب ، يكون الأصل : الطبيب رائف قلبه ؛ - برفع كلمة : «قلب» - ثم يتحول الإسناد عن المرفوع السببى ، وينتقل إلى الضمير المضاف إليه ؛ وهو : «الهاء» ويستتر هذا الضّمير فى الوصف : «رائف» ، ويعوّض منه «أل» فى رأى الكوفيين (4)، وينصب المرفوع الذى تحول عنه الإسناد ؛ لأنه صار بعد تحويل الإسناد عنه أشبه بالفضلة ؛
بسبب استغناء الوصف عنه بضمير الموصوف ؛ فينصب مثلها ، ويصير : «الطبيب رائف القلب». ثم يجر بالإضافة ؛ فرارا من القبح البادى فى إجراء الوصف اللازم أو ما يشبهه مجرى المتعدى. (والمراد بما يشبهه (1): الوصف المتعدى لمفعول واحد ، ومفعوله محذوف). فيصير : «الطبيب رائف القلب».
ويقولون فى تعليل هذه المراحل الثلاث (2)المتخيلة : إنه لا يصح إضافة الوصف لمرفوعه مباشرة : ؛ لأنه عينه فى المعنى ؛ فيلزم إضافة الشىء إلى نفسه (3)، ولا يصح حذفه لعدم الاستغناء عنه ، فلم يبق طريق إلى إضافته لمرفوعه إلا ذلك الطريق الذى وضحنا مراحله. ويستدلون على الإضافة بكثير من الأمثلة المأثورة تؤيد (4)رأيهم.
وكل هذا كلام افتراضى ؛ لا تعرفه طوائف العرب ؛ أصحاب اللغة ، ومرجعها الأول الصحيح. فإغفاله خير. ولن يترتب عليه ضرر.
ه - لا تجىء «صيغ المبالغة» إلا من مصدر فعل قابل للزيادة ، فلا يقال : موّات ولا قتّال ، فى شخص مات أو قتل ، إذ لا تفاوت فى الموت والقتل.
و - سيجىء (5)أنه كثر فى الأساليب الفصيحة المسموعة استعمال صيغة : «فعّال» للدلالة على «النسب» - بدلا من يائه - وكثر هذا فى الحرف ؛ فقالوا : حدّاد لمن حرفته «الحدادة» ، ونجّار لمن حرفته «النجارة» .. وكذا : لبّان ، وبقال ، وعطّار. ونحوها من كل منسوب إلى صناعة. والأحسن الأخذ بالرأى القائل بقياس هذا فى النسب إلى الحرف ، لأن الكثرة الواردة منه تكفى للقياس عليه.
1) انظر هامش ص 267.
2) أشرنا فى آخر الهامش السالف إلى أن بعض هذه المراحل قد يمتنع ؛ طبقا لما سيجىء فى ص 305.
3) وهذه حجة ضعيفة بعد ما تقدم فى ص 40 وما بعدها من جواز هذه الإضافة.
4) سنعرض بعضها فى ص 285 ونزيد الأمر وضوحا عند الكلام عليه فى الصفة المشبهة ص 294.
5) فى ج 4 باب : «النسب» م 179 «ح» من ص 684.
وجعلوا من استعمالها فى النسب قوله تعالى : ( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) أى : بمنسوب إلى الظلم ، وحجتهم أن صيغة «فعّال» هنا لو كانت للمبالغة وليست للنسب لكان النفى منصبّا على المبالغة وحدها ؛ فيكون المعنى : وما ربك بكثير الظلم ؛ فالمنفى هو الكثرة وحدها دون الظلم الذى ليس كثيرا. وهذا معنى فاسد ؛ لأن اللّه لا يظلم مطلقا ، لا كثيرا ولا قليلا.
اسم مشتق (1)، يدل على معنى مجرد ، غير دائم (2)، وعلى الذى وقع عليه هذا المعنى. فلابد أن يدل على الأمرين معا (3)، (وهما : المعنى المجرد ، وصاحبه الذى وقع عليه). مثل كلمة : «محفوظ» ، و : «مصروع» فى قولهم : العادل محفوظ برعاية ربه ، والباغى مصروع بجناية بغية. «فمحفرظ» تدل على الأمرين ؛ المعنى المجرد ، (أى : الحفظ) والذات التى وقع عليها الحفظ وكذلك «مصروع» تدل على الأمرين أيضا ؛ المعنى المجرد ؛ (أى : الصّرع) ، والذات التى وقع عليها. ومثل هذا يقال فى كلمة : «منسوب» من قول الشاعر :
لا تلم المرء على فعله *** وأنت منسوب إلى مثله (4)
من ذمّ شيئا وأتى مثله *** فإنما يزرى على عقله
...وهكذا ...
ودلالته على الأمرين السالفين مقصورة على الحدوث - أى على : الحال - فهى لا تمتد إلى الماضى ، ولا إلى المستقبل ، ولا تفيد الدوام إلا بقرينة فى كل صورة. (5):
1) فى ص 182 بيان مفصل عن أصل المشتقات.
2) أى : لا يلازم صاحبه. وسيجىء أيضا أن هذا المعنى المجرد يفيد الحدوث ، فلا يمتد إلى الماضى ولا إلى المستقبل إلا بقرينة.
3) يمكن استجلاء المراد من بعض ألفاظ التعريف على ضوء ما سبق فى تعريف اسم الفاعل ص 238.
4) وبعد هذا البيت :
5) أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 239 إلى أن ابن مالك وضع فى «ألفيته» بابين ؛ أحدهما عنوانه : «إعمال اسم الفاعل» ولكنه ضمنه إعمال اسم الفاعل واسم المفعول معا ، فهو باب ينطوى على إعمالهما. وقد مر شرح أبياته فى مناسباتها الخاصة ابتداء من ص 1. وثانيهما عنوانه : «أبنية أسماء الفاعلين ، والمفعولين ، والصفات المشبهة بها» وسيجىء شرح أبياته فى مناسباتها ابتداء من هامش ص 289 وفصل بين البابين بآخر عنوانه : «أبنية المصادر» وقد ارتضى هذا الترتيب لحكمة رآها ، قد تكون - كما يقول بعض النحاة - الرغبة فى موالاة مواضع الإعمال للمصدر وللمشتقات ، حتى إذا فرغ من الكلام على شئون الإعمال لهذه العوامل الاسمية التى بينها كثير من الترابط والتشابه - انتقل إلى الكلام على أبنيتها وصيغها. وقد سبق أن أشرنا أننا لا نرتضى هذا الترتيب ؛ لما فيه من توزيع الأحكام والصيغ على بابين مستقلين ومنفصلين عن الإعمال ؛ إذ الأنسب تعريف كل عامل مع ذكر صيغه وأحكامه فى باب واحد.
المتصرف (1)؛ مثل : «محفوظ» من «حفظ» و «مصروع» من «صرع» و «منسوب» من «نسب» ، و «معلوم» من «علم» ، و «مجهول» من جهل و «معروف» ، من عرف. ومثل «محمود» ، من حمد فى قول الشاعر :
لعلّ عتبك محمود عواقبه *** وربما صحّت الأجسام بالعلل
ب - ويصاغ قياسا من مصدر الماضى غير الثلاثى بالإتيان بمضارعه وقلب أوله ميما مضمومة مع فتح ما قبل الآخر.
فللوصول إلى اسم المفعول من : «سارع» نجىء بمضارعه : «يسارع» ، ثم ندخل عليه التّغيير السالف ، فيكون اسم المفعول : «مسارع» ، نحو : الخير مسارع إليك. واسم المفعول من : «هدّم» هو : مهدّم ؛ نحو : صرح البغى مهدّم ، واسم المفعول من : «أوجع» هو : موجع ؛ كما فى قول الشاعر (2)الكهل الوفىّ :
خلقت ألوفا ؛ لو رجعت إلى الصّبا *** لفارقت شيبى موجع القلب ، باكيا
وهكذا : استخرج - يستخرج - مستخرج ، نحو : المستخرج من النّفط فى بلادنا يكفى حاجاتنا. ومثل : «منزّهة ، ومكرّمة» فى قول أبى تمام فى وصف قصائده :
منزّهة عن السّرق المورّى (3)*** مكرّمة عن المعنى المعاد
ا - فتح الحرف الذى قبل الآخر قد يكون ظاهرا كالأمثلة السالفة ، وقد يكون مقدرا ؛ مثل : مستعان - منقاد .. أصلهما : مستعون - منقود .. قلبت الواو ألفا بعد فتح ما قبلها بنقل حركتها إليه ؛ تطبيقا لقاعدة صرفية (1).
ب - إذا كان اسم المفعول مؤنثا وجب زيادة تاء التأنيث فى آخره ؛ كما فى آخر : (منزّهة ، ومكرّمة) من بيت أبى تمام السابق.
ح - قد وردت صيغ سماعية تؤدى ما يؤديه اسم المفعول المصوغ من مصدر الثلاثى وليست على وزنه ؛ فهى نائبة عن صيغة «مفعول» فى الدلالة على الذات والمعنى. ومن تلك الصيغ : «فعيل» ، بمعنى : مفعول ؛ نحو : كحيل : بمعنى : مكحول. و «فعل» ، كذبح ؛ بمعنى مذبوح. و «فعل» كقنص ، بمعنى : مقنوص. و «فعلة» ؛ كغرفة ، ومضغة ، وأكلة ، بمعنى : مغروفة ، وممضوغة ومأكولة ... وهذه الصيغ وأمثالها غير مقيسة. لكن هل تعمل عمل اسم المفعول كما تؤدى معناه؟ الأحسن الأخذ بالرأى القائل : إنها تعمل عمله - بشروطه - فترفع نائب فاعل حتما ، وقد تنصب مفعولا به - أو أكثر - إن كان فعلها المبنى للمجهول كذلك ؛ فحكمها حكم المبنى للمجهول. وفى هذا الرأى توسعة لمن شاء اتباعه (2).
غير أن حكما سيجىء (3)لا يسرى عليها ؛ هو أن اسم المفعول يجوز أن يضاف لمرفوعه بشرط أن تكون صيغته أصلية (4)، فإن كانت نائبة عن
1) فى باب : «الإعلال والإبدال» - ج 4 -.
2) سيجىء كلام ابن مالك على صياغة : «اسم المفعول» ، وعلى صيغة : «فعيل» فى الباب الذى خصه بأبنية المشتقات - هامش ص 289 وما بعدها -.
3) فى ص 275.
4) هى التى تكون من الثلاثى على وزن : «مفعول» ، ومن غير الثلاثى على وزن المضارع بعد إبدال أوله ميما مضمومة مع فتح الحرف الذى قبل الآخر. أما غير الأصلية. فقد أوضحناها فى «ج» هنا.
الأصلية - كفعيل ؛ بمعنى : مفعول ، وغيرها مما سبق - فلا تضاف لمرفوعها.
د - سبقت الإشارة (1)إلى أنه وردت صيغ مسموعة على وزن : «مفعول» ، ولكن معناها هو معنى المصدر ؛ فهى فى حقيقة أمرها مصادر سماعية على وزن المفعول ، منها : معقول - مجلود - مفتون - ميسور - معسور. أى : عقل - جلد - فتنة ؛ بمعنى : خبرة - يسر (سهل) - عسر (ضد : سهل) ومن كلامهم «فلان لا معقول له ولا مجلود». وقد سبق شرح هذا وشرح بقية الكلمات الأخرى فى ص 198 وأوضحنا رأى سيبويه هناك.
1) فى ص 198 تحت عنوان : ملاحظة.
يجرى على اسم المفعول كل ما يجرى على اسم الفاعل من الاقتران «بأل» وعدم الاقتران بها ، ومن الشروط اللازمة لعمله ... و ...
فإن كان مقرونا «بأل» عمل مطلقا ، (بغير اشتراط شىء). وإن لم يكن مقترنا بها وجب تحقق كل الشروط التى سبقت لإعمال اسم الفاعل (1)؛ وفى مقدمتها : الاعتماد ، وعدم التصغير ، وأن يكون بمعنى الحال ، أو الاستقبال أو الاستمرار التجددى ... و ... فإذا استوفى شروط الإعمال كلها عمل ما يعمله مضارعه المبنى للمجهول ؛ فيحتاج - وجوبا - لنائب فاعل مثله : ويكتفى بنائب فاعله إن كان مضارعه مكتفيا بنائب الفاعل (2). نحو : يساعد القوىّ زميله - يساعد الزميل - هل القوىّ مساعد زميله؟ ولما سبق يمكن أن يحلّ محلّ اسم المفعول مضارع بمعناه مبنى للمجهول.
وإذا كان مضارعه ناصبا مفعولين ثم حذف فاعله فإن أحد المفعولين ينوب عنه ، ويصير مرفوعا مثله ، ويبقى المفعول الآخر على حاله منصوبا ، وكذلك اسم المفعول ؛ نحو : يظنّ الرجل العوم نافعا - يظنّ العوم نافعا - هل المظنون العوم نافعا؟ ...
وإن كان فعله متعديا لثلاثة ثم حذف فاعله وناب أحد المفعولات عنه صار مرفوعا مثله. ووجب نصب ما عداه ؛ وكذلك الشأن فى اسم المفعول ؛ نحو : تخبّر المراصد الطيارين الجوّ هادئا - يخبّر الطيارون الجوّ هادئا - هل المخبّر الطيارون الجوّ هادئا؟.
ويجوز - بقلّة فى الأحوال السابقة كلها أن يضاف اسم المفعول إلى نائب فاعله الظاهر ؛ بشرط أن تكون صيغة اسم المفعول أصلية (3)فيصير نائب الفاعل مضافا إليه ، مجرور اللفظ ، ولكنه مرفوع المحل ؛ مراعاة
1) ص 246 وما بعدها ، وفى «ب» من ص 254.
2) وهذا يتحقق حين يكون المضارع من الأفعال التى تنصب مفعولا به واحدا قبل بنائه للمجهول ، وقد حذف فاعله ، وقام المفعول به الواحد مقامه ، وناب عنه ؛ وصار مرفوعا ، ولم يبق ، فى الكلام مفعول به آخر.
3) شرحنا الأصلية فى رقم 4 من هامش ص 273 ، وغير الأصلية فى «ح» من تلك الصفحة.
لأصله (1)
وكلّ ما قرّر لاسم فاعل *** يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
؛ نحو : إن القوىّ مساعد الزميل ، هل يشيع مظنون العوم نافعا؟ أمخبّر الطيارين الجوّ هادئا؟. فإن لم تكن صيغته أصلية امتنع أن يضاف لمرفوعه. وإذا جاء تابع لهذا المضاف إليه جاز جره مراعاة للفظ المضاف إليه ، أو رفعه ؛ مراعاة لأصله ؛ نحو : إن القوى مساعد الزميل والزميلة - هل يشيع مظنون العوم البارع نافعا؟ - أمخبّر الطيارين المسافرين - أو المسافرون - الجو هادئا؟ بجر التابع أو رفعه فى كل ذلك وأشباهه.ما سبق حين يكون مضارعه متعديا. فإن كان لازما قد حذف فاعله وناب عنه شىء آخر غير المفعول به ؛ كالظرف ، أو الجار مع مجروره أو المصدر ... فإن اسم المفعول يكون لازما أيضا ، ويحتاج لنائب فاعل من هذه الأشياء الصالحة للنيابة عند عدم وجود المفعول به ، نحو : (اعتكف المريض فى الغرفة ، يعتكف فى الغرفة ، هل الغرفة معتكف فيها؟) - (اتسع المجال أمام المخلص - يتّسع أمام المخلص - هل المتّسع أمام المخلص) (2)
وكلّ ما قرّر لاسم فاعل *** يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
فهو كفعل صيغ للمفعول فى *** معناه ؛ كالمعطى كفافا يكتفى
(بلا تفاضل ، أى : بلا زيادة فى أحدهما على الآخر). وإعراب المعطى كفافا يكتفى : «المعطى» : مبتدأ ، «أل» فيه موصولة يعود عليها الضمير الذى فى كلمة : «معطى» ، وهذا الضمير نائب الفاعل ، وأصله المفعول الأول لكلمة : «معطى» ، «كفافا» : المفعول الثانى. «يكتفى» هذه الجملة المضارعية خبر المبتدأ.
.هذا ، واسم المفعول حين يضاف بقلة إلى مرفوعه - نحو : الغرفة مفتوحة النوافذ ، وقول المتنبى - وقد سبق - :
خلقت ألوفا ، لو رجعت إلى الصّبا *** لفارقت شيبى موجع القلب ، باكيا
والأصل : مفتوحة نوافذها - موجع قلبى) - يظل مع إضافته لمرفوعه دالا .
على الحدوث ، كما كان قبل الإضافة إليه (1). إلا إن قامت قرينة تدل على أن المراد منه الثبوت والملازمة الدائمة ، فيصير صفة مشبهة ؛ لما أوضحناه (2)من أن الأصل فى اسم المفعول أن يدل على معنى حادث غير دائم الملازمة لصاحبه (فهو - عند عدم القرينة - يدل على مجرد الحدوث الذى لا يشمل الماضى ولا المستقبل ولا يفيد الاستمرار.) فإن قصد به النّص على الثبوت والدوام - وقامت قرينة تدل على هذا - صار صفة مشبهة (3)؛ فيسمى باسمها ، ويخضع لأحكامها ؛ بالرغم من بقائه على صورته الأصلية ؛ إذ لا يصح تغيير صورته بسبب انتقال معناه من الحدوث إلى الدوام والاستمرار.
والكثير الغالب فى اسم المفعول عدم إضافته إلى مرفوعه إلا إذا أريد تحويله إلى الصفة المشبهة ، ليدل مثلها على معنى ثابت دائم ، لا حادث ؛ وبشرط وجود القرينة التى تدل على ثبوته ودوامه. وإذا صار صفة مشبهة جاز فى السببى (4)الواقع بعده الرفع ، على اعتباره «فاعلا» ولا يصح اعتباره نائب فاعل للصفة المشبهة (5)التى جاءت على صورة اسم المفعول. ويجوز فيه النصب على اعتباره «شبيها بالمفعول به» إن كان معرفة ، و «تمييزا» أو : «شبيها بالمفعول به» إن كان نكرة ، ويجوز فيه الجر على اعتباره مضافا إليه ، ففى مثل : أنت مرموق المكانة دائما ، مسموع الكلمة ؛ محصّن خلقا ، مكمّل علما - يجوز فى الكلمات : (6) (المكانة - الكلمة - خلقا - علما) الرفع على اعتبارها فاعلا
1) وهذه الإضافة مع الدلالة على الحدوث قليلة - كما سيجىء - وهى مع قلتها جائزة. لكنها لا تساير الكثير من الأساليب الفصيحة المأثورة.
2) فى ص 271.
3) يحسن الاستئناس فيما يأتى بنظيره السابق فى اسم الفاعل فى «ج» من ص 264 فكلاهما موضح للآخر.
4) أوضحنا السببى تفصيلا فى رقم 4 من هامش ص 264 ثم فى ص 310 وملخصه : أنه الذى ليس أجنبيا من الموصوف : فيشمل ما يحوى ضمير الموصوف لفظا ؛ نحو : الوالد مسموعة كلمته. أو تقديرا ، نحو : الوالد مسموع الكلمة ، أى : مسموع الكلمة منه. وقيل إن «أل» خلف عن الضمير ؛ تبعا لرأى الكوفيين الذى سبقت الإشارة إليه فى رقم 4 من هامش ص 264 وفى ص 268.
5) لأن الصفة المشبهة لا ترفع نائب فاعل مطلقا.
للصفة المشبهة ، ويجوز فيها الجرّ ؛ لاعتبارها مضافا إليه ، ويجوز فيها النصب ؛ إما على التشبيه بالمفعول به إن كانت معرفة ، وإما على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به إن كانت نكرة. ولا مناص من قيام قرينة تدل على أن المراد من الصيغة هو الصفة المشبهة ، وليس اسم المفعول.
أما إذا أضيف اسم المفعول لمرفوعه بغير إرادة تحويله إلى الصفة المشبهة وبغير القرينة الدالة على إفادة الدوام - وهذه الإضافة قليلة جائزة ، كما سبق - فإنه يظل محتفظا باسمه وبكل الأحكام الخاصة به ، وقد عرفناها.
ولا بد فى اسم المفعول الذى يصير صفة مشبهة من أن يظل على صيغته الأصيلة التى أوضحناها ، لا الصيغة التى تنوب عليها ، وأن يكون فعله - فى أصله - متعديا لمفعول واحد ؛ ليكون هذا المفعول الواحد هو السببى الذى يصح فى إعرابه الأوجه الثلاثة السالفة ؛ كالمثال السابق ؛ وكقولهم : لا ينقضى يوم لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر ، منحوس الحظ (1).
فإن كان فعله لازما لم يصلح أن يصاغ منه اسم المفعول الصالح للانتقال إلى الصفة المشبهة. وكذلك إن كان فعله متعديا لأكثر من واحد ؛ فإنه - فى الرأى الشائع - لا يصلح (2)؛ سواء أذكر مع السببىّ مفعول آخر أم لم يذكر.
ومن الأمثلة لاسم المفعول المراد منه الصفة المشبهة (3)ما ورد عنهم فى رفع السببى على الفاعلية ، وهو :
بثوب ، ودينار ، وشاة ، ودرهم *** فهل أنت مرفوع بما هاهنا راس (4)
بأنّ السّلامىّ الذى بضريّة *** أمير الحمى قد باع حقى بنى عبس
بثوب ، ودينار ، وشاة ، ودرهم *** فهل هو مرفوع بما هاهنا راس؟
العرق اليبس : الجفاف - السلامى : رجل منسوب إلى موضع بنجد ، يقال له : سلام - ضرية : قرية نجدية فى طريق القادمين من البصرة إلى مكة. - وكلمة : «عبس» مجرورة ، مع أن السين فى آخر أبيات القصيدة كلها مرفوعة. وهذه المخالفة فى الشعر تسمى - الإقواء.
؟1) نحس السعد الحظ. جفاه وتركه.
2) حجة المانعين هو ما سبق مفصلا فى ص 267 وفيها الرد عليهم ، ومنه يفهم أنه لا مانع أن يكون الفعل متعديا لاثنين فقط ، يكون أحدهما السببى المجرور ، ويبقى الآخر منصوبا ؛ على اعتباره شبيها بالمفعول به ، لا مفعولا به أصيلا.
3) إذ المقصود إفادة الثبوت.
4) ورد البيت بهذا النص فى بابى صوغ : «اسم المفعول ، والصفة المشبهة» ببعض المراجع النحوية ؛ (كالتصريح والهمع ...) ولكنه ورد بنص آخر فى الجزء الأول من كتاب : «معانى القرآن» للفراء - سورة البقرة ص 52 ، قال : فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته *** على العيس فى آباطها عرق يبس
فكلمة : «رأس» فاعل للصفة المشبهة التى هى كلمة : مرفوع. وفى نصبه على التشبيه بالمفعول به :
لو صنت طرفك لم ترع بصفاتها *** لمّا بدت مجلوّة وجناتها (1)
وفى جرّه :
تمنّى لقائى الجون (2)مغرور نفسه *** فلما رآنى ارتاع ثمّت (3)عرّدا (4)
وهكذا ... و ... (5)
وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفع *** معنى ؛ كمحمود المقاصد الورع
يشير بكلمة «ذا» إلى اسم المفعول لاتجاه الكلام السابق إليه. وأصل مثال الناظم الورع محمود مقاصده ، لحقه ما ذكرناه فى الزيادة التالية.
.1) الدليل على النصب أن الأنسب أن تكون منصوبة بالكسرة لتساير آخر الشطر الأول الذى وقعت فيه كلمة : «صفاتها» مجرورة بالكسرة.
2) من معانى «الجون» فى اللغة : الأبيض أو الأسود ، وهو هنا : اسم رجل.
3) بمعنى : «ثم» حرف عطف ، والتاء للتأنيث.
4) فر هربا.
5) فيما سبق من إضافة اسم المفعول لمرفوعه يقول ابن مالك من غير تفصيل :
يضاف اسم المفعول إلى مرفوعه بالشروط والتفصيلات التى سلفت (1)ولكن بالطريقة التى ارتضوها ، وقد شرحناها (2)وافية فى إضافة اسم الفاعل لمرفوعه ؛ أى : بعد تحويل الإسناد عن السببى إلى ضمير الموصوف ، ثم نصب السببى على التشبيه بالمفعول به ، ثم جره على الإضافة بعد ذلك ، كمثال الناظم ، وهو : محمود المقاصد الورع. فأصله : الورع محمودة مقاصده. فكلمة : «مقاصده» مرفوعة على النيابة «لمحمودة» ثم صار : الورع محمود «المقاصد» بالنصب ؛ ثم صار : ... محمود المقاصد ، بالجر.
والسبب عندهم : ما تقدم (3)من أن الوصف هو عين مرفوعه فى المعنى ؛ فلو أضيف إليه من غير تحويل للزم إضافة الشىء إلى نفسه من غير مسوغ - وهى - فى الأغلب - غير صحيحة. ولا يصح حذفه ؛ لعدم الاستغناء عنه. فلا طريق إلى إضافته إلا بتحويل الإسناد عنه إلى ضمير يعود إلى الموصوف ثم ينصب السببى لصيرورته فضلة حينئذ ، بسبب استغناء الوصف بالضمير ، ثم يجر السببى ، فرارا من قبح إجراء وصف المتعدى لواحد مجرى وصف المتعدى لاثنين (4)...
وقد قلنا (5)إن هذه الأمور الثلاثة بترتيبها السابق فلسفة خيالية يرددها كثير من النحاة ؛ (كصاحب التصريح ، وعنه أخذ الصبان). ولا شىء منها يعرفه العربى الأصيل ، فليس فى إهمالها إساءة.
الصفة المشبّهة باسم الفاعل المتعدّى لواحد (1)
تعريفها :
نسوق الأمثلة التّالية لكشف دلالتها ، وإيضاح ما فى معناها من دقّة : سئل أحد الأدباء القدامى أن يصف : «أبا نواس» ؛ فكان مما قال : «عرفته جميل الصورة ، أبيض اللون ، حسن العينين والمضحك ، حلو الابتسامة ، مسنون الوجه (2)، ملتف الأعضاء ، بين الطويل والقصير ، جيد البيان ، عذب الألفاظ ... و ...».
فى هذا الوصف كثير مما يسمى : «صفة مشبّهة» ؛ مثل : جميل - أبيض - حسن - حلو ... و ... فما الذى تدل عليه كل كلمة من هذه الكلمات ، ونظائرها؟
لنأخذ مثلا كلمة : «جميل» فإنها اسم مشتق ، يدل على أربعة أمور مجتمعة :
أولها - المعنى المجرد الذى يسمّى : «الوصف» ، أو : «الصفة». وهو هنا : الجمال.
ثانيها - الشخص ، أو غيره من الأشياء التى لا يقوم المعنى المجرد إلا بها ، ولا يتحقق وجوده إلا فيها. وإن شئت فقل : هو الموصوف الذى يتصف بهذا الوصف ، (الصفة) ... ، ولا يمكن أن يوجد الوصف مستقلا بنفسه بغير موصوفه.
والمراد به فى المثال : الشخص الذى ننسب له الجمال ، ونصفه به.
ثالثها - ثبوت هذا المعنى المجرد (الوصف ، أو : الصفة) لصاحبه فى كل الأزمنة ثبوتا عامّا ؛ أى : الاعتراف بتحقّقه ووقوعه شاملا الأزمنة الثلاثة المختلفة ؛ فلا يختص ببعض منهادون آخر ، بمعنى أنه لا يقتصر على الماضى وحده ، ولا على الحال وحده ، ولا على المستقبل كذلك ، ولا يقتصر على زمنين دون انضمام الثالث إليهما ؛ فلابد أن يشمل الأزمنة الثلاثة ؛ بأن يصاحب موصوفه فيها. فوصف شخص بالجمال ، على الوجه الوارد فى العبارة السابقة ، معناه الاعتراف بالجمال له ، وأن هذا الجمال ثابت متحقق فى ماضيه ، وفى حاضره ، وفى مستقبله ، غير مقتصر على بعض منها (ولهذا نتيجة حتمية تجىء فى الأمر الرابع التالى :).
رابعها - ملازمة ذلك الثبوت المعنوى العام ، للموصوف ودوامه ؛ لأنه - كما أوضحناه - يقتضى أن يكون المعنى المجرد ، الثابت وقوعه وتحققه ، ليس أمرا حادثا الآن ، ولا طارئا ينقضى بعد زمن قصير. وإنما هو أمر دائم ملازم صاحبه (الموصوف) طول حياته ، أو أطول مدة فيها حتى يكاد يكون بمنزلة الدائم (1)، إذ ليس بمعقول أن يصحبه فى ماضيه وحاضره ومستقبله من غير أن يكون ملازما له ، أو كالملازم (2)؛ فالجمال - مثلا - لا يفارق صاحبه ، وإن فارقه (3)فزمن المفارقة أقصر من زمن الملازمة الطويلة التى هى بالدوام أشبه. ومن ثمّ كان هذا الأمر الرابع نتيجة للثالث (4).
1) ويشبهها فى هذا الدوام والاستمرار «أفعل التفضيل» - كما فى رقم 2 من هامش ص 251 وكما سيجىء فى بابه. ص1. .
2) يدخل فى حكم الملازمة بعض الأوصاف التى لا تفارق صاحبها ، ولكن آثارها لا تظهر إلا فى مناسبات خاصة بها ؛ فمثلها يطرأ ، ويزول ، ثم يتجدد ... وهكذا ، مما يسمى : «الاستمرار المتجدد ، أو : الاستمرار التجددى». ومن هذا النوع كثير من العادات والسجايا ؛ كالفرح ، والغضب ، والشبع، نحو : فلان فرح ، أو : غضوب ، أو شبعان ... فهذه صفات تظهر فى مناسباتها - كما سيجىء فى الأمر الأول من ص 285 وفى الثالث من ص 307.
3) تكون هذه المفارقة لسبب طارئ مؤقت - فى الغالب - كمرض ، أو خوف ، أو شيخوخة ...
4) ولا بد من النص على هذا الأمر الرابع ؛ إذ لا يلزم من حصول الأمر الثالث وتحققه أنه يلازم صاحبه ملازمة دائمة ؛ فمن الممكن حصول الأمر فى الماضى وفى الحال وفى المستقبل من غير أن يلازم صاحبه الملازمة المستمرة - أو شبهها - فى كل حالة : ومن الممكن أن يقع فيها كلها مجتمعة من غير أن يستمر فى المستقبل كذلك.
فكلمة : «جميل» ، فى الكلام السالف - وأشباهه - تدلّ على :
(1) معنى مجرد (أى : على وصف ، أو : صفة) ؛ هو : الجمال
(2) وعلى صاحبه الموصوف به.
(3) وعلى ثبوت ذلك المعنى له وتحققه ثبوتا زمنيّا عامّا. (يشمل الماضى والحاضر ، والمستقبل).
(4) وعلى دوام الملازمة ، أو ما يشبه الدوام (1).
والناطق بتلك الكلمة إنما يريد الأمور الأربعة مجتمعة ، إن كان خبيرا باللغة ، وبدلالة الألفاظ فيها.
ومثل هذا يقال فى كلمة : «أبيض» ؛ فهى اسم مشتق يدل على ما يأتى :
(1) معنى مجرد (أى : وصف ، أو : صفة) ، هو : البياض.
(2) الشىء الذى لا يقوم ولا يتحقق المعنى المجرد إلا بوجوده فيه (أى : الموصوف الذى يراد وصفه بصفة : «البياض») وهو هنا الشخص الذى نريد أن ننسب له تلك الصفة ؛ ونصفه بها.
(3) أن ذلك المعنى المجرد (الوصف ، أو : الصفة) ، ثابت له متحقّق فى كل
الأزمنة ثبوتا عامّا ؛ فليس خاصّا بزمن من الثلاثة دون غيره ، أو بزمنين فالبياض ، يصاحب المتصف به فى ماضيه ، وحاضره ، ومستقبله.
(4) أن هذا الثبوت العام يلازم صاحبه ، ولا يكاد يفارقه ، لأن مصاحبته إياه فى الأزمنة الثلاثة تقتضى أن يكون ملازما له أو فى حكم الملازم ، برغم أنه قد يفارقه حينا.
فالناطق بكلمة : «أبيض» فى التركيب السابق - ونظائره - إنما يريد بها الدلالة على تلك الأمور الأربعة مجتمعة ، إن كان يفهم أسرار العربية ، ويجيد اختيار الألفاظ التى توضح تلك الأسرار.
وما يقال فى كلمتى : «جميل» ، و «أبيض» - يقال فى : «حسن» و «حلو» ، ... و ... وأمثالهما ...
من كل ما تقدم يتبين المراد من قول النحاة فى تعريف الصفة المشبهة
1) إلا إن وجدت قرينة تمنع الدوام وشبيهه ، كما سيجىء فى ص 307. - وانظر رقم 1 من هامش ص 293 -
الصفة المشبهة ثلاثة أنواع قياسية (3)؛
أولها وأكثرها : «الأصيل» ، وهو المشتق الذى يصاغ أول أمره من مصدر الفعل الثلاثىّ ، اللازم ، المتصرف ؛ ليدل على ثبوت صفة لصاحبها ثبوتا عامّا - وقد شرحناه بالأمثلة - ولهذا النوع أوزان وصيغ كثيرة خاصة به ، وسنذكر أشهر القياسىّ منها ...
ثانيها : الملحق بالأصيل من غير تأويل ، - ويلى الأول فى الكثرة - وهو : «المشتق الذى يكون على الوزن الخاص باسم الفاعل أو باسم المفعول (4)، من غير أن يدل دلالتهما على المعنى الحادث وصاحبه ، وإنما يدل - بقرينة - على أن المعنى ثابت لصاحبه ثبوتا عامّا». وقد عرفنا طريقة صياغته فى الباب الخاص بكل منهما (5).
وحكم هذا النوع أنه قياسىّ ، وأنه بمنزلة الصفة المشبهة ؛ فله اسمها ، ودلالتها ، وأحكامها المختلفة ، دون أوزانها ؛ لأنه يظل على صيغته الخاصة باسم الفاعل أو اسم المفعول ، ويلازم وزنه السابق ، على الوجه الذى شرحناه فى باب كل منهما (6).
ثالثها وأقلها : الجامد المؤول بالمشتق ، وهو : «الاسم الجامد الذى يدل دلالة الصفة المشبهة مع قبوله التأول بالمشتق (7)».
وحكمه : أنه قياسى يظل على لفظه الجامد القابل للتأويل ، ويؤدى معناها ، ويعمل عملها دون أن تتغير صيغته.
1) وقد يقتصرون فى التعريف على : أنها اسم مشتق يدل على ثبوت صفة لصاحبها. أو : اسم مشتق يدل على الثبوت. ولا بأس بالإيجاز إن كان المراد معه واضحا - موافقا ما شرحناه -.
2) أى : شاملا الأزمنة الثلاثة شمولا مستمرا ثابتا - كما شرحنا -.
3) بيان قياسيتها فى رقم 2 من هامش ص 291.
4) سواء أكان فعلهما ثلاثيا أم غير ثلاثى.
5) فى هامش ص 242 وفى «ح» من ص 264 وفى «د» من ص 265،. ثم فى ص 277.
6) ولذا يصح وقوعه نعتا كما سيجىء فى ص 463 «باب النعت».
7) فى هامش ص 242 وفى «ح» من ص 264 وفى «د» من ص 265،. ثم فى ص 277.
وبالرغم من قياسيته يحسن الإقلال منه قدر الاستطاعة ، وقد يزاد على آخره ياء مشددة للنّسب ، فتقرّبه. من المشتقات ؛ نحو : تناولنا شرابا عسلا طعمه ، أو : تناولنا شرابا عسليّا طعمه. ويجوز فى معموله (وهو هنا كلمة : طعم) ما يجوز فى معمول الصفة المشبهة من الرفع ، أو : النصب ، أو : الجر ، على التفصيل المذكور فى إعمالها - وسيأتى (1)- ، فنقول : تناولنا شرابا عسلا طعمه ؛ بالرفع - عسلا طعما ، بالنصب - عسل الطعم ، بالجر بالإضافة. مع جواز زيادة الياء المشددة فى كل حالة ، وعليها تقع علامات الإعراب.
ومن أمثلته قول الشاعر يهجو :
فراشة الحلم ، فرعون العذاب ، وإن *** تطلب نداه فكلب دونه كلب
والمراد بفراشة ..... طائش ، وبفرعون .... أليم ، أو : شديد.
والمعانى الثلاثة على التأويل بالمشتق ، وقول الآخر :
فلولا اللّه والمهر المفدّى *** لأبت وأنت غربال الإهاب
والمراد : مثقّب الجلد. وهذا على التأويل بالمشتق أيضا.
والآن نعود إلى صياغة النوع الأول الأصيل ، وأوزانه :
لما كانت الصفة المشبهة الأصلية لا تصاغ قياسا إلا من مصدر الفعل الماضى الثلاثى ، اللازم ، المتصرف .... تحتّم أن يكون فعلها كسائر الأفعال الثلاثية. إما مكسور العين (أى : على وزن : «فعل») ، وهو أكثر أفعالها المتصرفة التى يقع الاشتقاق من مصدرها ، وإما مضموم العين ، (أى : على وزن «فعل») ويلى الأول فى كثرة الصياغة من مصدره ، وإما مفتوح العين ، (أى : على وزن : «فعل») ، وهو أقل أفعالها ، بل أندرها. وأوزانها القياسية من هذه الأنواع الثلاثة كثيرة نعرض أشهرها ، وضوابطه فيما يلى :
(1) فإن كان الماضى الثلاثى اللازم على وزن «فعل» - بكسر العين - وكان دالا على فرح ، أو حزن ، أو أمر من الأمور التى تطرأ وتزول سريعا ،
1) فى ص 294.
ولكنها تتجدد (1)
«ملاحظة» : في كلمة : «شجى» ونظائرها بيان لغوى مفيد ، نعرضه فيما يأتي :
جاء فى القاموس المحيط (ج 4 مادة : شجاه) ما نصه : شجاه : حزنه وطربه ؛ كأشجاه فيهما. ضد
... و ... شجی به ، كرضى شجى. والشجى المشغول. وشدد ياؤه في الشعر ...)» ا ه- كلام القاموس. لكن قوله : «شدد ياؤه في الشعر» تقييد غير صحيح ؛ فقد جاء في : «الاقتضاب ، في شرح أدب
الكتاب» تأليف ابن السيد البطليوسى ، فى باب : ما يشدد ، والعامة تخففه . ص 197 . ما نصه :
«(أكثر اللغويون من إنكار التشديد في لفظة : «الشَّجيّ» وذلك عجيب منهم ؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه يقال : شجوت الرجل أشجوه إذا أحزنته ، وشجي يشجى شجيا إذا حزن. فإذا قيل : «شج» بالتخفيف كان اسم الفاعل من «شجى» يشجى ؛ فهو شج» ؛ كقولك : («عمى يعمى فهو عم». وإذا قيل : «شجيّ» بالتشديد ، كان اسم المفعول من : «شجوته» أشجوه ؛ فهو مشجوّ وشجيّ». كذلك مقتول وقتيل ، ومجروح
وجريح .
ثم انبرى بعد ذلك يسرد أمثلة مسموعة للمشدد تؤيد رأيه. اه.
وقريب من هذا المثل في معناه قولهم أيضا : ما أهون على النائم القرير سهر المسهد المكروب.»
، وتتردد على صاحبها كثيرا ، لأنه اعتادها - فالصفة المشبهة على وزن : «فعل» للمذكر ، و «فعلة» للمؤنث - ويلاحظ أن هذين الوزنين ليسا مقصورين على الصفة المشبهة من مصدر الفعل «فعل» فقد يكونان من مصدر «فعل» أيضا ، كما سنعرف - نحو : فرح فهو فرح - طرب فهو طرب - بطر فهو بطر - حذر فهو حذر - تعب فهو تعب. ومن هذا قولهم : الحذر آمن ، والضّجر مكروب ، والبطر مهدد بزوال النعم.وقول الشاعر :
ويل للشّجىّ (2)من الخلىّ (3)فإنه *** نصب الفؤاد ، بحزنه مهموم
وإن كان دالّا على خلو ، أو امتلاء ، ونحو هذا مما يطرأ ويتكرر ولكنه يزول ببطء - فالصفة المشبهة على وزن : «فعلان» ، ومؤنثها - فى الغالب - على وزن : «فعلى» - نحو : عطش فهو عطشان - ظمىء فهو ظمآن - صدى فهو صديان - شبع فهو شبعان - روى فهو ريّان - يقظ فهو يقظان - عرق فهو عرقان - ومن هذا قولهم فى الهجاء : فلان شبعان البطن ، صديان الروح ، نائم العقل ، يقظان الهوى ...
فإن كان دالا على أمر خلقى يبقى ويدوم ، (مثل : لون ، أو عيب ، أو حلية ، وكل هذا خلقىّ يبقى ويثبت) فالصفة فى الغالب - على وزن : «أفعل» للمذكر ، و «فعلاء» للمؤنث ؛ نحو : حمر فهو أحمر - خضر فهو أخضر - عرج فهو أعرج - عور فهو أعور - حور (1)فهو أحور - كحل فهو أكحل ... ومنه قولهم : اشتهرت الخيول العربية برشاقة الجسم ، وضمور البطن ، وأنها دعجاء (2)المقلة ، كحلاء العين ، وطفاء الأهداب (3)...
فالصفات المشبهة التى ماضيها مكسور العين - تدور معانيها الغالبة حول ثلاثة أشياء ، أمور تطرأ وتزول سريعا ولكنها تتردد كثيرا ، أو أمور تطرأ وتتكرر ، وتزول ببطء. أو : أمور تثبت وتبقى - فى الغالب -.
(2) إن كان الثلاثى اللازم على وزن : «فعل» - بضم العين - فالصفة المشبهة كثيرة الأوزان ؛ فقد تكون على وزن : «فعيل» ؛ مثل : شرف فهو شريف - نبل فهو نبيل - قبح فهو قبيح.
أو : على وزن : «فعل» ؛ مثل : ضخم فهو ضخم - شهم فهو شهم - صعب ؛ فهو صعب.
أو على وزن : «فعل» ، مثل : حسن فهو حسن - بطل (4)فهو - بطل -.
أو على وزن : «فعال» ؛ مثل : جبن فهو جبان - رزنت المرأة فهى رزان (5)- حصنت فهى حصان ، أى : عفيفة.
أو على وزن : «فعال» ؛ مثل شجع فهو شجاع - فرت الماء (بمعنى : عذب) ، فهو فرات.
أو على وزن : «فعل» : مثل : صلب فهو صلب - أو على وزن : «فعل» ؛ نحو ملح الماء فهو ملح.
أو على وزن : فعل ، مثل : نجس الصديد فهو نجس.
أو على وزن : «فاعل» ؛ مثل : طهر فهو طاهر.
وليست الأوزان السابقة مقصورة على الصفة المشبهة المصوغة من مصدر : «فعل» بضم العين ، بل بعضها مقصور عليها ؛ وهو : «فعل» كحسن ، و «فعال» : كجبان ، و «فعال» : كشجاع ... وبعضها غير مقصور ولا مختص ؛ لأنه مشترك بين فعل - بضم العين - وفعل ، بكسرها. ومن هذا :
«فعيل» ، مثل : بخل الوضيع فهو بخيل. كرم الماجد فهو كريم -.
ومنه : «فعل» ، مثل : سبط فهو سبط (1)، ضخم فهو ضخم ، ومنه : «فعل» مثل ؛ صفر جيب المسرف ؛ فهو صفر ، - ملح ماء البحر فهو ملح.
ومنه : «فعل» ؛ مثل : حرّ القوىّ فهو حرّ ، (والأصل : حرر) - صلب الحديد ، فهو صلب.
ومنه : «فعل» ، كفرح المنتصر فهو فرح - نجس الطعام الحرام فهو نجس.
ومنه : «فاعل» ، مثل : صحب الضوء الشمس فهو صاحب - طهر ثوب المصلى فهو طاهر.
(3) وإن كان الثلاثى اللازم على وزن «فعل» بفتح العين وهو أندر أفعالها - كما أسلفنا - فالصفة المشبهة على وزن فيعل ؛ نحو : مات يموت فهو ميت (2).
تلك أشهر الصيغ والأوزان القياسية للصفة المشبهة (1)
«أبنية أسماء الفاعلين ، والمفعولين ، والصّفات المشبّهة بها».
ونص ما جاء على حسب ترتيب أبياته :
كفاعل صغ اسم فاعل إذا *** من ذى ثلاثة يكون ؛ كغذا
(غذا الماء : سال - غذوت الوليد أطعمته ، أو ربيته. فالفعل لازم ، ومتعد).
يقول : صغ اسم الفاعل من الفعل الثلاثى المتصرف على مثال «فاعل» أى : على وزن فاعل. وضرب مثلا للفعل الثلاثى هو : «غذا» ويصلح مثالا للثلاثى المتعدى واللازم ، إشارة إلى أن اسم الفاعل لا يختلف وزنه باختلاف تعدى الثلاثى أو لزومه. فالمهم أن يكون ثلاثيا ، أو على وزن «فعل» - بفتح العين - كما يفهم من المثال ، ومن الكلام الآتى بعد. ثم قال :
وهو قليل فى : «فعلت» ، و «فعل» *** غير معدّى ، بل قياسه «فعل»
أى : أن صيغة «فاعل» قليلة إذا جاءت من مصدر الفعل «فعل» أو «فعل» اللازمين ؛ نحو : حمض فهو حامض ، وطمع فهو طامع. وبين أن اسم الفاعل من مصدرهما يجىء على وزن «فعل» ؛ نحو : نجس فهو نجس ، - فرح فهو فرح ، وبطر فهو بطر. والحق أن هذه الصيغة ليست باسم فاعل حقيقى ، وإنما هى صفة مشبهة - وقد سبق البيان فى هامش ص 238 - وكذلك الصيغ الآتية التى عرضها فى البيت التالى وفعلها هو «فعل» مكسور العين أيضا. يقول :
«وأفعل» «فعلان» نحو : أشر *** ونحو : صديان ، ونحو : الأجهر
يريد : أن «أفعل» و «فعلان» شأنهما كشأن : «فعل» فكل من الثلاثة عنده هو اسم الفاعل من مصدر «فعل» الثلاثى اللازم مكسور العين ، وضرب لها أمثلة هى أشر الأحمق فهو أشر ، وصدى الضال فى الصحراء فهو صديان ، (كعطش فهو عطشان ؛ وزنا ، ومعنى ، وحكما). وجهر الرجل (لم يقدر على الإبصار فى الشمس) فهو أجهر. وكل هذه صفات مشبهة ، وليست باسم فاعل حقيقى ، كما قد يفهم من ظاهر كلام ابن مالك (انظر هامش ص 238) ، ولعل قصده - كما قال بعض الشراح - أن تلك الأفعال تدل فى الغالب على معان لازمة أو ما يشبهها ، فيناسبها أن يصاغ منها صفات مشبهة بتلك الأوزان ، لا أسماء فاعلين. ثم قال :
«وفعل» اولى و «فعيل» بفعل *** كالضّخم ، والجميل ، والفعل جمل
أى : أن الماضى الثلاثى إذا كان على «فعل» - بضم العين - فالأولى أن يكون اسم فاعله على وزان «فعل» أو «فعيل» ؛ مثل : ضخم الفيل فهو ضخم ، وجمل الغزال فهو جميل ... - - ثم بين فى البيت الآتى أن مجىء اسم الفاعل من مصدر ذلك الفعل على وزان : «أفعل» ، أو : «فعل» قليل ، نحو : خضب فهو أخضب. وبطل العربى فهو بطل ، وكذلك بين أن اسم الفاعل - أحيانا قليلة - لا يجىء من مصدر : «فعل» على صيغة «فاعل» التى هى الغالبة فيه ؛ نحو ، شاب الرجل فهو أشيب ، وشاخ الشاب فهو شيخ ، فقد استغنى عن صيغة فاعل بأخرى. وفى هذا كله يقول :
«وأفعل» فيه قليل ، و «فعل» *** وبسوى الفاعل قد يغنى «فعل»
أي : أن الماضي الثلاثي اذا كان على «فعل - يضم العين - فالأول أن يكون اسم فدعمه على وزن «فعل» او «فعيل» ؛ مثل ضخم الفيل فهو ضخم ، وجمل الفزاز فهو جميل ... ثم بين في البيت الاتي أن مجي اسم الفاعل من مصدر ذلك الفعل على وزان : «أفعل» ، أو «فعل» قليل ، نحو : خضب فهوا أخضب - وبطن اثمر بي فهو بطل ، وكذلك بين أن اسم الفاعل - أحياناً قليلة - لا يجيء من مصدر : «فعل» على «صيغة» «فاعل» التي هي اتغالبه فيه ؛ نحو ، شاب الرجل فهو أشيب ، وشاخ الشاب فو شيخ ، فقد استغنى عن صيغة فاعل باشوى. وفي هذا كله يقول :
«وأفعل» «فيه قليل» و «فعل» *** وبوى الفاعل قد يغني «فعل»
(غنى يغنى ؛ بمعنى : استغنى.) ونكرر ما سبق أن كل الصيغ التى من مصدر الثلاثى وليست على وزن : «فاعل» ، هى - على غير ما يفهم من ظاهر كلام ابن مالك - «صفات مشبهة» ، وليست «اسم فاعل» إلا من طريق التسمية المجازية التى شاعت قديما حتى صارت اصطلاحا عندهم - طبقا للبيان السالف فى هامش ص 238.
ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان صيغة اسم الفاعل من غير الثلاثى ، فقال إنها : على وزن مضارعه ، مع كسر متلو الأخير (أى : كسر الحرف الذى يتلوه الأخير ، ويجىء بعده) وضم ميم زائدة تجىء أول المضارع بدلا من حرف المضارعة ، نحو : (ساعد ، يساعد ، مساعد) - (تكرم ، يتكرم ، متكرّم) - (واصل ، يواصل ، مواصل ...) يقول :
وزنة المضارع اسم فاعل *** من غير ذى الثّلاث ؛ كالمواصل
مع كسر متلوّ الأخير مطلقا *** وضمّ ميم زائد قد سبقا
يريد : زنة اسم الفاعل من مصدر الفعل غير الثلاثى هى زنة مضارعه ، بشرط كسر الحرف الذى قبل الأخير فى المضارع ، وضم حرف الميم الزائد الذى يسبق بقية حروف المضارع ؛ (لأنه يتصدر الفعل ، ويحل محل حرف المضارعة). نحو : المواصل ، والفعل رباعى ؛ هو ؛ واصل ، ومضارعه يواصل ، واسم الفاعل : مواصل. وقد تحقق المطلوب ؛ بكسر الحرف الذى قبل الأخير ، وحذف حرف المضارعة من الأول ، وإحلال الميم المضمومة الزائدة محله (وقد تكلمنا على كل ما سبق فى ص 236).
ثم انتقل بعد ذلك إلى الكلام على صيغة «اسم المفعول» من مصدر الفعل غير الثلاثى ؛ فأوضح أنها هى صيغة اسم الفاعل من مصدر غير الثلاثى ، ولكن بعد أن يفتح الحرف الذى قبل الآخر. فلا فرق بين صيغتيهما ، وطريقة الوصول إليهما إلا فى أمر واحد : هو أن الحرف الذى قبل الآخر مكسور فى صيغة اسم الفاعل ، مفتوح فى صيغة اسم المفعول ، نحو : مساعد ، ومساعد ، - متكرّم ، متكرّم - ومواصل ، ومواصل - منتظر ، ومنتظر ... أما صيغة اسم المفعول من مصدر الفعل الثلاثى فهى على وزن : «مفعول» باطراد ؛ كالوزن الذى نأتى به من : «قصد» فنقول : مقصود. أو من «كتب» فنقول : مكتوب. وفيما سبق يقول :
وإن فتحت منه ما كان انكسر *** صار اسم مفعول : كمثل : المنتظر
وفى اسم مفعول الثلاثىّ اطّرد *** زنة مفعول ، كآت من : قصد
أى : كالوزن الآتى من الفعل : قصد ، وأشار بعد هذا إلى أن اسم المفعول من الثلاثى قد يكون على وزن «فعيل» ، لا مفعول ؛ فيعمل عمله - بشروطه - وأن هذا نقل عن العرب ، وسماع منهم ؛ فهو مقصور على النقل والسماع ، ولا يجوز القياس عليه ، بل يجب الوقوف عند ما ورد منه ، لا نزيد عليه شيئا. وقد مثل له : بفتاة كحيل ؛ بمعنى مكحولة العينين ، وفتى كحيل ؛ بمعنى : مكحولهما. (ويلاحظ أن صيغة : «فعيل» التى بمعنى : «مفعول» يستوى فيها المذكر والمؤنث - غالبا - ، فتستعمل بلفظ واحد لهما من غير زيادة تاء تدل على التأنيث ، بشروط وتفصيلات يجىء الكلام عنها فى الجزء الرابع ، «الباب الخاص بالتأنيث» وأهم هذه الشروط ألا يذكر قبلها الشىء الذى نتحدث عنه أو نصفه ، أى : الموصوف الذى يقوم به معناها ويتحقق فيه مدلولها) يقول :
وناب نقلا عنه ذو فعيل *** نحو : فتاة أو فتى كحيل
وقد تكلمنا على كل ما سبق خاصا باسم المفعول فى ص 271. ذو فعيل : أى صاحب هذا الوزن. موازنه -)
.وهناك صيغ أخرى سماعية ، متناثرة فى الكلام العربى الفصيح ومراجعه ؛ )
1) وقد عرض ابن مالك - كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 239 ورقم 5 من هامش ص 271 - لصياغة الصفة المشبهة فى باب مختلط ، عقده لصياغتها وصياغة اسم الفاعل واسم المفعول ، عنوانه :
فإذا عرف المتكلم صيغة مسموعة مخالفة للصيغة القياسية جاز له استعمال ما يشاء منهما ، ولكن الأفضل الاقتصار على المسموعة ، ولا سيما الصيغة المشهورة.
أما إذا لم توجد صيغة مسموعة ، أو وجدت ولكنه لا يعرفها (1)فليس أمامه إلا استخدام الصيغة القياسية (2)
وأعجب من هذا رأى آخر يحرم استخدام الصيغ القياسية مطلقا (مع وجود أخرى سماعية أو عدم وجودها ، كالذى قيل فى صوغ المصدر ص 188 وما بعدها). زاعما أن إيجاد الصيغة القياسية ، إنما هو إيجاد وخلق للفظ لم ينطق به العرب أصحاب هذه اللغة ، المستأثرون بخلق مفرداتها وكلماتها. وهو زعم خاطىء دفعناه مرارا فى أجزاء هذا الكتاب ، وأوضحنا أسباب خطئه ، قاصدين أن نكشف خطره وضرره ، كى لا يجد له فى أيامنا واهما يأخذ به.
وهذه المناسبة تحملنا إلى أن نعود فنردد هنا أيضا ما سبق أن عرضناه - فى رقم 3 من هامش ص 188 - من إباحة استخدام المصدر - وغيره - استخداما قياسيا مطردا. ونشير بوجه خاص إلى كلام ابن جنى المدون هناك ، وهو كلام هام مفيد.
.1) لخفائها عن العلماء ، لا لقصور وجهل من المتكلم.
2) الصفة المشبهة قياسية (كما صرح بهذا فى أول بابها الأشمونى - وغيره - كالتصريح فى أول باب : «كيفية أبنية أسماء الفاعلين ، ... وفى أول باب : الصفة المشبهة» -) فيجوز صياغتها على وزن إحدى الصيغ التى عرضناها ، بشرط أن تتحقق الشروط والأوصاف الخاصة بهذه الصيغة. ولا التفات إلى الرأى القائل بوجوب الاقتصار على الصيغ السماعية إن وجدت ؛ لأن الأخذ بهذا الرأى معطل للقياس ؛ مناف لمعناه الحقيقى ، وللغرض منه. فوق ما فيه من إعنات ومشقة لا يحتملها جمهرة الخاصة ، بله العامة ؛ إذ يطالب بالرجوع إلى المراجع اللغوية ، وجميع المظان الحاوية لمفرداتها ، للبحث عن الصيغة السماعية قبل استعمال القياسية. فإذا ثبت عدم وجود صيغة سماعية جاز استعمال القياسية ... وليس هذا بمعقول ولا سائغ ،. بل ليس من صالح اللغة تضييقها على هذا الوجه المعوق لها ، الحائل دون استعمالها ، من غير فائدة مرجوة فى هذا النحجير والإرهاق.
وبهذه المناسبة نشير إلى حكم سبق (1)فنردده لأهميته ؛ وهو : أن الصفة المشبهة قد يراد منها النص على الحدوث ، - لحكمة بلاغية ، مع قيام قرينة تدل على هذا المراد - فتصير اسم فاعل ؛ لها اسمه ، ومعناه ، وحكمه ، وتنتقل إلى صيغته الخاصة به ، (وهى صيغة «فاعل» من مصدر الثلاثى) ، فلابد أن تترك اسمها ، وصيغتها ، ومعناها ، وحكمها ، وتصير إليه فى كل شأن من شئونه بغير إبقاء على حالها السابق. فإذا أردنا النص على وصف رجل بالفصاحة ، وبيان أنها صفة ثابتة ملازمة له ، ردّا على من قال إنها طارئة عليه ، مؤقتة - أتبنا بالصفة المشبهة ، (دون اسم الفاعل الحادث) ؛ لأنها المختصة بهذه الدلالة ، وتخيّرنا من صيغها وأوزانها الصيغة الملائمة للمراد. فقلنا : «فصيح» وأجرينا على هذه الصيغة اسم «الصفة المشبهة وكل أحكامها ، بشرط إرادة النص ، ووجود القرينة الدالة عليه.
لكن إذا أردنا الدلالة على الحدوث نصّا ، وأن الفصاحة طارئة غير ملازمة - أتينا باسم الفاعل الحادث ، دون الصفة المشبهة ؛ لأنه المختص بهذه الدلالة نصّا. وجئنا بصيغته الخاصة من مصدر الثلاثى ، وهى صيغة «فاعل» ، فقلنا : «فاصح» غدا ، مثلا ، وأجرينا عليها اسمه ، وكل أحكامه وحده - كما أسلفنا (2)-. وربّما تترك الصفة المشبهة دلالتها على الدوام ، وتدل على المضى وحده - وهذا نادر (3)-. أو تدل على الحال وحده ، أو المستقبل كذلك ، من غير أن تترك صيغتها ، وإنما تظل عليها مع تغيّر الدلالة ، وكل هذا حين توجد قرينة تدل على
1) فى ص 241 و242 حيث البيان والدليل.
2) لتحقيق هذه المسألة يمكن الرجوع إلى : «الخضرى» فى أول باب : «الإضافة» عند قول ابن مالك : (وإن يشابه المضاف يفعل ...) حيث صرح أنها لا تكون للماضى وحده مطلقا ... كما يمكن الرجوع للصبان أول باب : «الصفة المشبهة» حيث صرح بأنها مع القرينة قد تكون للماضى وحده ، أو للحال وحده ، أو للمستقبل كذلك. وساق مثالا هو «كان زيد حسنا فقبح ، أو سيصير حسنا ، أو هو الآن فقط حسن» ففى الحكم خلاف ، والمختار ما قررناه من الندرة. - ثم انظر رقم 1 فى هامش الصفحة التالية ؛ لأهميته.
3) فى ص 241 و242 حيث البيان والدليل.
أن المراد هو الاقتصار على : المضى ، أو على الحال ، أو على الاستقبال ، وليس المراد الدوام (1)
وجاء في الحاشية تعليقا على هذا نصه : «(- قوله : إلا إذا قصد بها الحدوث . قضيته : إن تلك الصيغ تستعمل للحدوث ، وإن لم تحول إلى فاعل. فقولهم : «اذا قصدوا الحدوث حولت إلى فاعل» ... ليس بواجب إلا إن أريد النص على الحدوث كما يدل عليه قول الرضى ؛ استدلالا لشيء ذكره. ولهذا اطرد تحويل الصفة المشبهة إلى : «فاعل» كحاسن وضائق عند قصد النص على الحدوث)» اه .
؛ بالرغم من بقاء الصيغة على صورتها ؛ نحو : (هذا المتسابق سريع العدو فى الساعة الماضية ، بطىء الحركة الآن ، وسيبدو بعد قليل فسيح الخطو ، بعيد القفز ، عظيم الأمل فى الفوز). ولكن بقاءها على صيغتها مع تغير دلالتها بسبب اقتصارها على زمن معين خاص ، - ولا سيما الماضى - رأى ضعيف (2)؛. لا يحسن اتباعه ولا القياس عليه ؛ بالرغم من وجود القرينة الدالة على تغير الدلالة. أما إذا لم توجد القرينة فيجب تغيير الصيغة بتحويلها إلى صيغة : «فاعل» (3).واسم الفاعل من الثلاثى إذا أريد به - الدلالة على الثبوت - بشرط وجود قرينة - ، فإنه يصير صفة مشبهة يحمل اسمها دون اسمه ، ويدل دلالتها ، ويخضع لأحكامها وحدها. وتتغير صياغته ؛ فتصير من الثلاثى على وزن من أوزانها القياسية ، وقد يظل محتفظا بصيغته التى كان عليها قبل الانتقال (4)، إلى الدلالة الجديدة ، بشرط وجود القرينة ؛ كما فى مثل : أهذا الطبيب رحيب الصدر؟ فيجاب : نعم ، راحب (5)الصدر. وقد بسطنا القول فى كل هذا فى موضعه من البابين.
1) جاء فى «التصريح ، شرح التوضيح» - ج 2 باب : «أبنية أسماء الفاعلين ..» أمثلة متعددة لها ، قال بعد سردها ما نصه : «(جميع هذه الصفات المتقدمة الدالة على الثبوت ، صفات مشبهة باسم الفاعل إلا إذا قصد بها الحدوث ؛ فهى أسماء فاعلين.)» ا ه.
2) وسيجىء فى ص 307.
3) كما سيجىء فى رقم 3 من ص 307. وانظر رقم 1 هنا.
4) كما سبق فى هامش ص 242 و «ج» من صفحتى 245 و264.
5) بإضافة اسم الفاعل إلى فاعله لتكون هذه الإضافة هى القرينة المطلوبة.
الصفة المشبهة الأصيلة (1)مشتقة من مصدر الفعل الثلاثى اللازم ؛ فحقها أن تكون كفعلها ؛ ترفع فاعلا حتما ، ولا تنصب مفعولا به. لكنها خالفت هذا الأصل ، وشابهت اسم الفاعل المتعدى لواحد ؛ (فإنه - كفعله المتعدى - يرفع فاعلا حتما ؛ وقد ينصب مفعولا به) ، وصارت مثله ترفع فاعلها حتما ، وقد تنصب معمولا (2)لا يصلح إلا مفعولا به ، ولكن هذا المعمول حين تنصبه لا يسمى مفعولا به ، وإنما يسمى : «الشبيه بالمفعول به» (3)؛ إذ كيف يعتبر مفعولا به وفعلها لازم ، لا ينصب المفعول به؟ لهذا يقولون فى إعرابه حين يكون منصوبا ، إنه : «منصوب على التشبيه (4)بالمفعول به».
ولا تنصب هذا الشبيه إلا بشرط : «اعتمادها» (5)؛ سواء أكانت مقرونة ؛ «بأل» أم غير مقرونة. مثل الكلمات : القول - الطبع - القلب ... فى قولهم : (إنما يفوز برضا الناس الحلو القول ، الكريم الطبع ، الشجاع القلب.) .. ولا يشترط هذا الشرط لعملها فى معمول آخر (غير الشبيه بالمفعول به) : كالحال ، والتمييز ، وشبه الجملة ...
1) سبق فى ص 284 أن الصفة المشبهة ثلاثة أنواع : أصيل ، وملحق به ، ومؤول.
2) وهذا من أسباب تسميتها بالصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدى لواحد. وسيجىء التفصيل فى ص 288 وما بعدها وفيها أنواع المعمولات التى تنصبها.
3) كما سيجىء فى رقم 3 ص 300.
4) أشرنا إلى هذا فى مناسبة سابقة (هامش ص 242 و265) فقلنا إن السبب هو : صوغ الصفة المشبهة من مصدر فعل ثلاثى لازم ، وقد ورد السببى بعدها منصوبا لا يصلح أن يعرب نوعا آخر من المنصوبات غير المفعول به ، فأعربوه «شبيها بالمفعول به» ولم يعربوه مفعولا به ؛ لئلا تخالف فعلها. وأيضا فالمفعول به يقع عليه أثر فعل الفاعل. أما معمول الصفة المشبهة هذا فلا يقع عليه الأثر ، فلم يجعلوا اسمه «مفعولا به» كاسم المنصوب الذى نصبه اسم الفاعل ، مع أن الصفة المشبهة سميت باسمها لشبهها باسم الفاعل فى كثير من أحواله ، ومنها عمل النصب. ففى مثل : الحاكم ضارب المذنب ، يعرب «المذنب» مفعولا به مباشرة ؛ لأنه وقع عليه الضرب. لكن إذا قلنا : الحاكم سمح الطبع، لا يعرب «الطبع» إلا شبيها بالمفعول به ؛ لأن السماحة لم تقع عليه وإنما قامت به ، وفرق كبير بين الاثنين أوضحناه من قبل (فى ج 2 ص 53 م 65). ومثل هذا حسن الرأى ، جميل المظهر ... (راجع شرح المفصل ج 6 ص 81).
5) سبق بيان الاعتماد فى ص 249.
لأن كلمة «معمول» ليست مقصورة الدلالة على هذا الشبيه ، ولا على النوع المنصوب منه. بل إن معمولها الشبيه البارز - ويسمى أيضا ، السببىّ (1)» - يجوز فيه ثلاثة أوجه (2)؛ أن يكون مرفوعا على اعتباره فاعلا لها ، ويجوز أن يكون منصوبا على التشبيه بالمفعول به إن كان هذا المعمول (أى : السببىّ) نكرة ، أو معرفة : كالأمثلة السابقة ، أو منصوبا على التمييز بشرط أن يكون نكرة (3)؛ (نحو ... الحلو قولا - الكريم طبعا - الشجاع قلبا). ويجوز أن يكون مجرورا بالإضافة : (نحو : ... الحلو القول - الكريم الطبع - الشجاع القلب) ، أى : أن هذا المعمول السببىّ يجوز فيه - دائما - ثلاثة أوجه إعرابية ؛ (إمّا الرفع على الفاعلية (4)
ويفهم من هذا أنها لا تسمى . صفة مشبهة في مثل : «فلان حسن وجهه» ونحوه من كل ما وقع فيه فاعلها اسما ظاهرا أو مستترا. وهذا رأى مرفوض - بحق - إلا عند ابن هشام.
) ، (وإما النصب على التشبيه بالمفعول به ، إن كان المعمول - أى : السببى - معرفة أو نكرة ، ويصح فى المعمول النكرة دون المعرفة ، نصبه تمييزا) (وإما الجر على الإضافة) ولا فرق فى هذه الأوجه الثلاثة بين أن تكون الصفة المشبهة مقرونة «بأل» أو مجردة منها ،) كما تقدم ، ولا بين أن يكون هذا المعمول مقرونا بها أو مجردا منها. إلا أن المعمول المقرون بها لا يعرب تمييزا - كما عرفنا -وفى جميع حالاتها لا يشترط لإعمالها : «الاعتماد» ، إلا فى الحالة الواحدة التى سبقت ، وهى التى تنصب فيها «الشبيه بالمفعول به» (5).
1) تكرر فى مناسبات مختلفة إيضاح معنى «السببى» والمراد منه ؛ كالذى فى رقم 4 من هامش ص 264.
2) هناك معمولات يمتنع فيها الرفع ، وأخرى يجب. وسيجىء ذكرها فى ص 304 وما بعدها. وهناك معمولات مجرورة وأخرى منصوبة ، غير الشبيه بالمفعول به ، منها : الحال ، والتمييز، والظروف وغيرها مما سيجىء فى ص 309 والمعمولات كلها بحالاتها الإعرابية المختلفة لا تقتضى اعتماد الصفة المشبهة إلا الشبيه بالمفعول به - كما سبق ، وكما سيجىء فى رقم 3 من ص 300.
3) لأن التمييز فى الأغلب لا يكون إلا نكرة.
4) فى حاشية ياسين أول هذا الباب عند تعريف الصفة المشبهة : «أن نحو : زيد حسن ليس صفة مشبهة ، ثم جاء بعد ذلك مباشرة ما نصه : (إن النحاة لا يسمونها صفة مشبهة إلا إذا خفضت أو نصبت.)» ا ه.
5) راجع ص 294 ورقم 3 من ص 300.
وينشأ من هذا التفريع صور متعددة أكثرها صحيح ، وأقلها غير صحيح. ومن المشقة والإرهاق أن نتصدى لحصر صورهما ، ونحدد عددهما على الوجه الذى فعله بعض الخياليين ؛ فأوصلهما إلى مئات ، بل ألوف (1)، وانته به التحديد إلى ما لا خير فيه.
وإذا كان التحديد على الوجه السالف خياليّا مرهقا ، فإن الحرص على سلامة الأداء ، وصحة التعبير - يقتضينا أن نعرف الصور الممنوعة ؛ كى نتجنبها ، ونصون أنفسنا من الخطأ. وقد وضع لها النحاة ضابطا نافعا ، يسهل فهمه واستيعابه ، فقالوا (2):
يمتنع جر المعمول فى كل صورة جمعت ما يأتى كاملا ؛ حيث لا يصح إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها :
(1) إفراد الصّفة المشبهة (بأن تكون غير مثناة ، وغير جمع مذكر سالم).
(2) اقترانها «بأل».
(3) تجرد معمولها من «أل» ، ومن الإضافة إلى ما فيه أل ، ومن الإضافة إلى المختوم بضمير يعود على ما فيه «أل».
(4) تجرد الموصوف من «أل».
فيمتنع الجر فى : غرّد محمود الرخيم (3)صوته ، ولا يمتنع فى : غرد الطائر الرخيم صوته. فإذا كانت الصفة «بأل» ، وكذلك معمولها صح الجر بالإضافة مثل : لا تجادل إلا السمح الخلق ، العف القول ، الأمين الزّلل.
ويجوز الجر بالإضافة أيضا إذا كانت الصفة مقرونة «بأل» والمعمول مجردا ، لكنه مضاف إلى المقترن بها : مثل : هذا الحكيم إعداد الخطط ، الحسن تدبير الأمور. كما يجوز الجر إن كانت الصفة مقرونة بأل ومعمولها مجرد من : «أل» ، ولكنه مضاف لمضاف إلى ضمير يعود على المقرون بها ،
مثل : راقنى الطاووس البديع لون ريشه ؛ فإن الضمير الذى فى آخر كلمة : «ريش» عائد على الطاووس وفيه «أل». وهكذا ..
هذا هو الضابط العامّ الذى يرشدنا إلى المعمول الذى يمتنع جره بالإضافة ، ويوضح الصور الكثيرة التى لا يجوز فيها إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها. وأقرب هذه الصور للخاطر : الأربعة الآتية (1)، وهى حالات جرّ ممنوع حين يكون فيها الموصوف مجردا من : «أل».
(1) أن تكون الصفة مقرونة «بأل» والمعمول مجرد منها ، مضاف إلى ضمير الموصوف الخالى منها ؛ نحو : إبراهيم النبيل خلقه.
(2) أن تكون الصفة مقرونة «بأل» والمعمول مجرد منها ، مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف الخالى منها ؛ نحو : إبراهيم النبيل خلق والده.
(3) أن تكون الصفة مقرونة «بأل» والمعمول مجرد منها ، مضاف إلى الخالى من «أل» والإضافة ؛ نحو : هذا النبيل خلق والد.
(4) أن تكون الصفة مقرونة «بأل» والمعمول مجرد منها ، خال من «أل» والإضافة ؛ نحو : هذا النبيل خلق.
1) عدها الأشمونى تسعا نكتفى بالإشارة إليها. وفى الصفحة التالية تقسيم آخر حسن.
ا - سلك بعض النحاة مسلكا حسنا آخر ، لبيان أكثر الصور الصحيحة والممنوعة التى تتردد على الخواطر ؛ فقال :
الصفة المشبهة إما أن تكون مقرونة «بأل» ، وإما أن تكون مجردة منها. فإذا كانت مقرونة «بأل» فلمعمولها ستة أحوال يمتنع الجر فى بعضها :
(1) أن يكون مقرونا «بأل» أيضا مثل : أحبّ الكتاب العظيم الفائدة.
(2) أن يكون مجردا من «أل» ولكنه مضاف للمقرون بها : مثل : أحب الكتاب العظيم فائدة البحوث.
(3) أن يكون مجردا من «أل» ولكنه مضاف لضمير يعود على الموصوف مثل : أحب الكتاب العظيم فائدته.
(4) أن يكون مجردا من «أل» ولكنه مضاف لمضاف للمقرون بضمير يعود على الموصوف ؛ مثل : أحب الكتاب العظيم فائدة بحوثه.
(5) أن يكون مجردا من «أل» ولكنه مضاف إلى الخالى من «أل» والإضافة ؛ مثل : أحب الكتاب العظيم فائدة بحوث.
(6) أن يكون مجردا من «أل» ومن الإضافة معا ؛ نحو : أحب الكتاب العظيم فائدة.
وهذه الحالات الستّ قد يكون المعمول فى كل واحدة منها مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا ، فمجموع الصور ثمانى عشرة صورة. وبعضها يمتنع فيه جر المعمول.
هذه أحوال المعمول وصوره حين تكون الصفة مقرونة «بأل». فإن كانت مجردة منها فله ست حالات هى الحالات السالفة نفسها مع تجريد الصفة من «أل» وبعد هذا التجريد يكون المعمول فى كل حالة مرفوعا أو منصوبا ، أو مجرورا ، فله ثمانى عشرة صورة أيضا ، بعضها يمتنع جره كذلك. فمجموع صوره
فى حالتى اقتران الصفة «بأل» وعدم اقترانها هو : ست وثلاثون صورة بعضها يمتنع جره.
وأظهر الممنوع منها هو الأربعة التى سبق إيضاحها قبل هذه الزيادة مباشرة (1). (وهناك غيرها ممنوع ولكن لا حاجة للإثقال بسرده ، لقلة وروده على الأذهان ، وندرته فى الأساليب الناصعة).
ب - ما ليس ممنوعا من الصور يجوز استعماله. ولكنه - مع جواز استعماله - متفاوت فى درجته ، حسنا وقبحا ، وقوة وضعفا :
(1) فمن القبيح أن ترفع الصفة المقرونة «بأل» أو المجردة منها ، فاعلا نكرة ؛ نحو : صلاح الحسن وجه ، أو الحسن وجه أب ... أو : صلاح حسن وجه ، و ...
ومن القبيح أيضا أن تكون الصفة مقترنة بأل ، أو مجردة ، ومرفوعها مقرونا «بأل» ، أو مجردا منها. ولهذا صور أربع.
(2) ومن الضعيف : أن تكون الصفة المشبهة نكرة ومعمولها معرفة منصوبة أو مجرورة ، إلا إذا كان المعمول «بأل» ، أو مضافا لما فيه «أل».
ومن الضعيف أيضا : أن تكون الصفة «بأل» مضافة إلى معمولها الخالى منها. ولكنه مضاف لضمير يعود على المقرون بها.
وما عدا حالتى القبح والضعف. - مما ليس ممنوعا - حسن قوى.
1) فى ص 297.
أوجه التشابه والتخالف بينها وبين اسم الفاعل المتعدى لواحد (1)
يجدر بنا الآن - وقد عرفنا أحوال كل منهما ، وقياسيّته ، وفرغنا من شرح أحكامهما - أن نعرض لموازنة نافعة بينهما.
1 - إنها تشبهه فى أمور ، ومن أجل هذه الأمور مجتمعة (2)سميت : «الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدى لواحد». وأهم هذه الأمور المشتركة بينهما :
(1) الاشتقاق. فإن لم تكن مشتقة - كما فى بعض أنواعها (3)القليلة - فليست بصفة أصيلة مشبهة باسم الفاعل ، وإنما هى صفة مشبهة على وجه من التأويل ، نحو : عرفت رجلا أسدا أبوه ، أو نمرا خادمه ، أو ثعلبا حارسه ... ونحو : هذه قمر وجهها ، حرير شعرها ، (ويجوز فى كل هذا النوع زيادة ياء النسب فى آخره) والمعنى التأويلى شجاع أبوه - غادر خادمه - ماكر حارسه - مضىء أو جميل وجهها ، ناعم شعرها ... و ....
وهذا النوع المؤول (4)قياسىّ - على قلته - ولكن يحسن التخفف منه قدر الاستطاعة.
(2) الدلالة على المعنى وصاحبه.
(3) عملها النصب فى «الشبيه بالمفعول به» بشرط اعتمادها. ولكن هذا الاعتماد عامّ فى المقرونة «بأل» والمجردة منها. (وقد سبق بيان هذا عند الكلام
1) أما غير المتعدى فلا تشبهه ؛ لأنها تعمل النصب فيما يسمى : الشبيه بالمفعول به. وأما الفعل اللازم فلا ينصب المفعول به ، ولا ما يشبهه. أما المتعدى لأكثر من واحد فلا تشبهه ؛ لأن الصفة المشبهة الأصيلة مشتقة من فعل لازم.
2) مجموعها كاملا هو السبب فى التسمية ؛ لا بعضها.
3) راجع الكلام عليه فى ص 284.
4) راجع الكلام عليه فى ص 284.
على إعمالها ، كما سبق (1)تفصيل الاعتماد وما يتصل به فى موضعه المناسب من باب اسم الفاعل (2)، ومنه يعلم أن الاعتماد ضرورى لعمل اسم الفاعل النصب إذا كان غير مقترن «بأل» ... أما هى فالاعتماد ضرورى لها فى الحالتين (3)، إذا أريد أن تنصب الشبيه ...).
ومما تجب ملاحظته أن الاعتماد شرط فى نصب الصفة المشبهة لما يسمى : «الشبيه بالمفعول به» ، أما غيره فتعمل عملها فيه بدون شرط ؛ كالرفع فى فاعلها ، والجر فيما أضيف إليها ، والنصب فى كل المنصوبات الأخرى ؛ ومنها : الحال ، والتمييز ، والمفعول لأجله ، والظرف ، والمفعول المطلق (4)، وكل معمول مرفوع ، أو مجرور ، أو منصوب. إلا المنصوب على «التشبيه بالمفعول به» فلابد فيه من الاعتماد.
(4) قبول التثنية. والجمع ، والتذكير ، والتأنيث ، مثل : (جميل ، جميلة - (جميلان ، جميلتان) - (جميلون ، جميلات) ، ومثل : (حسن ، حسنة) - (حسنان ، حسنتان) - (حسنون - حسنات) ، وهكذا ... و ...
فإن لم تصلح للتثنية ، والجمع ، والتذكير ، والتأنيث - فليست صالحة لأن تكون صفة مشبهة ؛ مثل كلمتى : «قنعان (5)» ، و «دلاص (6)» فكلتاهما تستعمل بلفظ واحد للمفرد وفروعه ، وللمذكر والمؤنث ، تقول : (رجل ... ، أو رجلان ... ، أو رجال ... ، أو امرأة ... ، أو امرأتان ، أو نسوة) - قنعان ، فى كل حالة مما سبق. (وهذه درع ... أو هاتان درعان
1) فى ص 294 و295.
2) فى ص 294.
3) فاقترانها بأل - أيضا - يقتضى الاعتماد ؛ بناء على الرأى القوىّ الذى يجعل «أل» فيها للتعريف. (انظر رقم 2 ص 313).
4) تنصب المفعول المطلق فى مذهب يحسن الأخذ به.
5) القنعان (بضم القاف ، وسكون النون) من يستطيع إقناع غيره بكلامه ، ويحمله على الرضا برأيه.
6) درع دلاص : براقة لينة.
.... أو هؤلاء دروع ...) - دلاص ، فى كل حالة أيضا. ومثل كلمة : «مرضع» فى نحو : ما أعظم حنان ، مرضع الأولاد. فإن هذه الكلمة لا تلحقها علامة التأنيث - غالبا - (1)، لأنها خاصة بالمؤنث ، ولا تستعمل بهذا المعنى فى المذكر.
1) لإلحاق التاء بهذه الكلمة أو عدم إلحاقها بيان جليل فى رقم 2 من هامش ص 246.
بمناسبة الإشارة إلى تأنيث «الصفة المشبهة» وتذكيرها نعرض للحالات التى يجب أن تطابق فيها الموصوف وحده ، أو السببى وحده ، والحالات التى يجوز فيها مطابقة هذا ، أو ذاك. ويشترط أن تكون الحالات السالفة وأحكامها مقصورة على تأنيث الصّفة المشبهة وتذكيرها حين ترفع السببى للمنعوت :
(1) إذا رفعت الصفة المشبهة سببيّا للمنعوت ، وكانت صالحة (1)فى لفظها ومعناها للمذكر والمؤنث جاز أن تطابق هذا أو ذاك ، سواء أكانا مذكرين معا. أم مؤنثين معا ، أم مختلفين تذكيرا وتأنيثا ، فمثال المذكرين معا. هذا عالم عظيم نفعه. ومثال المؤنثين معا : هذه عالمة عظيمة والدتها. ومثال المنعوت المذكر والسببى المؤنث : هذا عالم عظيمة تلميذاته ، أو عظيم تلميذاته. ومثال المنعوت المؤنث والسببى المذكر : هذه عالمة عظيم اختراعها ، أو عظيمة اختراعها.
وسبب الإباحة فى هذه الحالة أن الكلمة صالحة (2)للأمرين - مع زيادة تاء التأنيث فى المؤنث - وانتفاء القبح اللفظى والمعنوى (3) منها. بخلاف الصور الآتية ، فإن فيها قبحا ؛ ولذا تمتنع المطابقة.
(2) إذا كان لفظها - دون معناها - مختصّا بأحدهما وجب - فى الأغلب - أن يكون المنعوت مثلها فى التذكير ، أو فى التأنيث ، ولا يصح - فى الرأى الأغلب - أن تقع نعتا لما يخالف لفظها فى التذكير ، أو التأنيث ؛ مثل كلمة :
1) صلاحها بأن تكون صيغتها مما يستعمل لنعت المذكر حينا ، ولنعت المؤنث حينا آخر ؛ فلا يكون وزنها أو معناها مختصا بأحدهما ، لا يستعمل فى الآخر.
2) «ملاحظة» : بالرغم من جواز الأمرين فى الصور السالفة يحسن مراعاة السببى تذكيرا وتأنيثا. وذلك بوضع فعل مكان الصفة المشبهة وتطبيق ما يجرى على هذا الفعل من ناحية التذكير والتأنيث على الصفة المشبهة ؛ فإذا وجب تأنيث الفعل أو جاز أو امتنع كان الشأن فى حكم الصفة المشبهة مثله. وبهذا يتوحد الحكم هنا وفى باقى أنواع النعت السببى الذى يجىء فى ص 452.
عجزاء (1)... و ... ، نحو ، تلك فتاة عجزاء أختها. فلا يصح : ذلك فتى عجزاء أخته.
(3) وكذلك إن كان معناها - دون لفظها - مختصّا بأحدهما ، فلا يصح - فى الأغلب - أن تقع نعتا لما يخالف معناها فى التذكير أو التأنيث ، مثل : كلمتى : خصىّ ، ومرضع (2)... و ... فى قول بعض المؤرخين : يصف بيت أحد المماليك ... وشاهدت مملوكا خصيّا خادمه ، وأميرة مرضعا جاريتها ... و ... فلا يصح : مملوكة خصيّا خادمها ، ولا أميرا مرضعا جاريته.
(4) وكذلك إن كان لفظها ومعناها مختصين بأحدهما ؛ كأكمر (وهو خاص بالذكور) ، ورتقاء (وهو خاص بالنساء) ؛ نحو : انصرف رجل أكمر وليده - وعجبت أمّ رتقاء وليدتها. فلا يصح - فى الأغلب - انصرفت امرأة أكمر ابنها - ولا : عجب والد رتقاء بنته ..
ومن النحاة من يجعل الحالات الثلاث الأخيرة كالحالة الأولى ، فيجيز أن تقع الصفة بعد موصوف يخالفها لفظا فقط ، أو معنى فقط ، أو لفظا ومعنى معا ، فلا فرق عنده فى جميع الأحوال الأربعة السابقة من حيث التذكير والتأنيث ، فيجيز أن تكون الصفة مطابقة فيهما للموصوف أو للسببى. وهذا الرأى - على قلة أنصاره - سائغ لما فيه من التيسير ، ومنع التشعيب ، مع موافقته لبعض النصوص العربية الفصيحة. ولكن الرأى الأول أكثر شيوعا فى النصوص العالية المأثورة التى تمتاز بسمو عبارتها ، وقوة بلاغتها ، وبعدها من القبح اللفظىّ.
كل ما سبق مقصور على الحالات التى ترفع فيها الصفة المشبهة سببى المنعوت. لكن هناك بعض حالات خاصة تحتاج إلى إيضاح (3)؛ ففى مثل : «مررت
يفتاة حسن الوجه» يكون السببى (وهو : الوجه) واجب الرفع ، لا يجوز فيه الجر بالإضافة ؛ لأن الجر بالإضافة يقتضى إزالة الإسناد عنه (بالطريقة التى سبق شرحها فى ص 268 ، ... والتى ستأتى فى «ب» ص 310) ، وتحويله إلى ضمير الموصوف وهو الضمير المستتر فى الصفة ، ومتى تحملت الصفة المشبهة هذا الضمير المستتر وجب - فى المثال السالف وأشباهه - تأنيثها بالتاء ؛ مراعاة للمنعوت ؛ فعدم التأنيث فى المثال السابق وأشباهه دليل على أن المعمول ليس «مضافا إليه» مجرورا ؛ وإنما هو فاعل واجب الرفع.
وقد يتعين عدم الرفع ؛ كما فى : «امرأة حسنة الوجه» ؛ لأن «الوجه» لو كان فاعلا لوجب تذكير الوصف للسبب السالف. وقد يجوز الأمران - الرفع والجر - كما فى : «مررت برجل حسن الوجه».
فالصفة المشبهة إذا تحملت ضميرا مستترا للموصوف وجب مطابقتها فى التأنيث والتذكير لذلك الموصوف ، ووجب أن يكون معمولها غير فاعل (1)...
1) - ملاحظة - : راجع كل الحالات السابقة وتوابعها فى حاشية الصبان ، آخر الباب عن قول ابن مالك : «فارفع بها» ...
ب - وتخالفه فى أمور وأحكام هامة ؛ توضّح حقيقة كل منهما ، تميزه من الآخر. منها :
(1) اشتقاقها من الفعل اللازم حقيقة ، أو من المتعدى الذى هو فى حكم اللازم وفى منزلته - فمثال الأول : حسن ، وجميل ؛ فى نحو : «الغزال حسن الصورة ، جميل العينين» ، وفعلهما : حسن وجمل ل (بضم عينهما) وهما فعلان لازمان. وكذلك سمح ، وجامد ، فى قول الشاعر :
السمح فى الناس محبوب خلائقه *** والجامد (1)الكفّ ما ينفكّ ممقوتا
وفعلهما : «سمح ، وجمد» وهما لازمان.
ومثال الثانى : «هذا فارع (2)القامة ، عالى الرأس ؛ إذا أريد بكل من : «فارع» و «عال» الثبوت والدوام (3)، لا التجدد والحدوث. وفعلهما : «فرع» وعلا ؛ وكلاهما متعد. ولكن مجىء الصفة المشبهة من مصدره - عند إرادة الثبوت نصّا - جعله بمنزلة اللازم ، إذ أنها لا تصاغ أصالة إلا منه ، ولا تصاغ من المتعدى إلا على هذا الاعتبار الذى يجعله بمنزلة اللازم (4). أما اسم الفاعل فيصاغ من اللازم والمتعدى بغير تقيد بأحدهما.
(2) تعدد صيغها القياسية وكثرة الأوزان المسموعة ؛ بخلاف اسم الفاعل فإن له صيغة قياسية واحدة إذا كان فعله ثلاثيّا ؛ هى صيغة : «فاعل». وأخرى على وزن مضارعه مع إبدال أوله ميما مضمومة وكسر الحرف الذى قبل الآخر - كما عرفنا - إن كان فعله غير ثلاثى. والصيغتان محدودتان مضبوطتان.
1) جامد الكف هو : البخيل. وكلمة : «جامد» فى أصلها اسم فاعل ، ولكنها هنا صفة مشبهة ، بقرينة لفظية ؛ هى إضافتها إلى الفاعل ، (واسم الفاعل إذا أضيف لمرفوعه صار صفة مشبهة ؛ طبقا لما تقرر فى بابه ..) وأخرى معنوية ، هى : أن الحمود - بمعنى : البخل - صفة من الصفات الثابتة التى تلازم صاحبها غالبا.
2) طويل مرتفع ...
3) يدل على هذا هنا إضافة اسم الفاعل إلى فاعله ؛ لأن إضافته لمرفوعه تصيره صفة مشبهة.
4) راجع إيضاح هذا وبيان أنواع اللزوم فى هامش ص 267 ومن تلك الأنواع : أن يحول الثلاثى المتعدى ، إلى صيغة «فعل» (بضم العين) بقصد المدح أو الذم أو غيرهما ، فيصير لازما بالتحويل (لأن هذه الصيغة لا تكون إلا لازمة). وعندئذ تجىء الصفة المشبهة من مصدره قياسا ، ومن ثم كان «الرحمن» ، و «الرحيم» ، و «العليم» ... و - ونظائرها من صفات المولى - معدودا - من الصفات المشبهة ، ... مع أن فعلها الأصلى : هو : «رحم ، «علم» وهما فعلان متعديان.
(3) دلالتها على معنى دائم الملازمة لصاحبه ، أو كالدائم ؛ فلا يقتصر على ماض وحده ، أو حال وحده ، أو مستقبل كذلك ، أو على اثنين دون الثالث ، فلا بد أن يشمل معناها الأزمنة الثلاثة مجتمعة مع دوامه أو ما يشبه الدوام - ، كما شرحنا -. وهذا يعبر عنه بعض النحاة بأنه : «دلالتها على معنى فى الزمن الماضى المتصل بالحاضر (1)الممتد ، مع الدوام» ، لأن اتصال الماضى بالحاضر ، كدوام هذا الحاضر ، وامتداده - يستلزم اتصال الأزمنة الثلاثة حتما. فغاية العبارتين واحدة. وعلى هذا لا يصح أن يقال فى الرأى الأقوى الذى يجب الاقتصار عليه : الوجه حسن أمس - أو الآن - أو غدا. أما على الرأى الضعيف الذى سبق أن أشرنا بإهماله (2)، فيجوز (بشرط وجود قرينة) اء؟؟؟ الصفة المشبهة على صيغتها مع تغير دلالتها إلى الماضى ، أو الحال ، أو المستقبل. وأما على الرأى القوى فنقول فى هذه الصور وأمثالها مما يقتصر فيه لمعنى على نوع من الزمن دون اكتمال الأنواع كلها : الوجه حاسن أمس - و : الوجه حاسن الآن - أو : الوجه حاسن غدا : وذلك بتحويل صيغة الصفة المشبهة إلى صيغة اسم الفاعل ، وإخضاعها لأحكامه كلها. وهذا الرأى وحده أحقّ بالأخذ. وقد سبق أن أوضحنا (3)أن من يريد الدلالة على ثبوت الوصف ودوامه نصّا فعليه أن يجىء بالصفة المشبهة ، ومن يريد الدلالة نصّا على حدوثه وتقييده بزمن معين دون باقى الأزمنة فعليه أن يجىء باسم الفاعل. وأنه لابد مع الإرادة من قرينة تبين نوع الدلالة ؛ أهى الثبوت والدوام ، أم الحدوث.
ولا فرق فى دلالتها على دوام الملازمة بين أن يكون الدوام مستمرّا لا يتخلله انقطاع ؛ (كطويل القامة - حلو العينين) ، وأن يتخلله انقطاع أحيانا ، (نحو : سريع الحركة ، بطىء الغضب ،) فيمن طبعه هذا ، فإن الانقطاع الطارئ - - ولو تكرر - لا يخرج الصفة عن أنها فى حكم الملازمة لصاحبها ، إذ أنها من عاداته الغالبة عليه (4).
(4) مجاراتها لمضارعها فى حركاته وسكناته حينا ، وعدم مجاراته أحيانا إن كان فعلها فى الحالتين ثلاثيّا. (والمراد بالمجاراة أمران : أن يتساوى عدد الحروف المتحركة والساكنة فى كل منهما ، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلا ، فإن كان الثانى ، أو الثالث أو : الرابع - أو غيره - فى أحدهما متحركا كان فى الآخر كذلك. أو كان ساكنا فهو ساكن فى الآخر. وليس من اللازم أن يتفق نوع الحركة فى كل منهما ؛ فقد يكون الأول مفتوحا فى أحدهما ، مضموما فى الآخر - مثلا -)
فمن أمثلة المجاراة بينهما قولهم فى الذم : فلان ساكن الريح (1)، أشأم الطالع ، والمضارع من الثلاثى هو : يسكن - يشؤم. ومن الأمثلة المخالفة - رخيص - ثمين - نجيب - هجين - لطيف ، وغيرها مما فى قول شوقى :
«الوطن كالبنيان ؛ فقير إلى الرأس العاقل ، والساعد العامل ، وإلى العتب الوضيعة ، والسقوف الرفيعة. وكالروض محتاج إلى رخيص الشجر وثمينه ، ونجيب النبات وهجينه ؛ إذ كان ائتلافها فى اختلاف رياحينه ؛ فكل ما كان منها لطيفا موقعه ، غير ناب موضعه - فهو من نوابغ الزهر قريب ، وإن لم يكن فى البديع ولا الغريب ...». وأفعالها المضارعة التى لا تجاريها (وهى من الثلاثى) : يرخص - يثمن - ينجب - يهجن - يلطف ....
أما الصفة المشبهة من مصدر غير الثلاثى (2)فلابد من مجاراتها لمضارعها ؛ إذ هى فى الأصل اسم فاعل أو اسم مفعول من غير الثلاثى وهما من غير الثلاثى يجاريان المضارع حتما ، ثم أريد من كلّ منهما الثبوت ؛ فصار صفة مشبهة على هذا الاعتبار - كما عرفنا - لأن الصفة المشبهة لا تصاغ أصالة إلا من ثلاثى ؛ فوجب أن تكون من غير الثلاثى مجارية لمضارعها. ومن الأمثلة : فلان مستقيم الخطّة - معتدل النهج - مسدّد الرأى. ومضارعها : - يستقيم - يعتدل - يسدد ... و ...
أما اسم الفاعل فلابد أن يجارى مضارعه دائما (1)- نحو : ذاهب ، ويذهب - فاهم ويفهم - سامع ويسمع. ونحو : مكافح ويكافح - مرتفع ويرتفع - متمهل ويتمهل.
(5) امتناع تقديم معمولها عليها إن كان «شبيها بالمفعول به» (2)، أما غيره فيصح ؛ كشبه الجملة ، والمنصوبات الأخرى التى ينصبها الفعل القاصر والمتعدى والتى يجوز تقديمها ؛ كالمفعول لأجله ، والحال ، و ... و ... فلا يصح الغزال العين جميل ؛ بنصب كلمة : «العين» على التشبيه بالمفعول به للصفة المشبهة بعدها.
أما اسم الفاعل فيجوز تقديم معموله عليه فى حالات كثيرة إذا كان (3)غير مقرون «بأل» مثل : العواصف شجرا مقتلعة ، والسحب الكثيفة نور الشمس حاجبة. والأصل : مقتلعة شجرا - حاجبة نور الشمس.
وكذلك يجوز فى الصفة المشبهة تقديم معمولها عليها إن كان شبه جملة أو فضلة ينصبها العامل المتعدى واللازم ولا يمنع من تقديمها مانع آخر كما قلنا. ومن أمثلة هذا قوله تعالى : ( ... وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فشبه الجملة : «على كل شىء» متعلق بالصفة المشبهة : «قدير» وكذلك ما ورد فى وصفهم عمر رضى اللّه عنه : «كان بالضعفاء رحيم القلب ، ليّن الجانب ، وعلى الطغاة شديد البأس ، قاسى الفؤاد. وأمام الشدائد - ثقة باللّه - ثبت الجنان ، قوىّ الإيمان ...» ، والأصل : كان رحيم القلب بالضعفاء - شديد البأس على الطغاة - ثبت الجنان أمام الشدائد ، ثقة باللّه.
(6) وجوب سببية معمولها المجرور ، أو المنصوب على التشبيه بالمفعول به. فلابدّ أن يكون معمولها سببيّا فى الحالتين ، وكذلك إذا كان معمولها
مرفوعا ، والصفة جارية على موصوف. والمراد بالسببى (1): الاسم الظاهر المتصل بضمير يعود على صاحبها (2)، اتصالا لفظيّا أو معنويّا. فمثال اللفظىّ : لنا صاحب سمح خليقته ، حلو شمائله ، كريم طبعه ، تهفو القلوب إليه كأنما بينه وبينها نسب ، وقول الشاعر :
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى *** على كبدى نارا بطيئا خمودها
فكل كلمة من الكلمات : خليقة ، شمائل ، طبع ، خمود - ... معمول للصفة المشبهة التى قبله ، وهو معمول سببىّ ، لأنه اسم ظاهر ، متصل بضمير يعود - مباشرة - على المتصف بمعنى تلك الصفة.
ومثال المعنوى قول الفرزدق فى مدح زين العابدين بن الحسين :
سهل الخليقة - لا تخشى بوادره *** تزينه الخصلتان : الحلم ، والكرم
لا يخلف الوعد ، ميمون بغرته *** رحب الفناء ، أريب حين يعتزم
والأصل : سهل الخليقة منه - رحب الفناء منه ، أى : من زين العابدين فى المثالين. فالضمير محذوف مع حرف الجر ، وهو مع حذفه ملحوظ كأنه موجود (3).
أو أنه لا حذف فى الكلام. وأن «أل» الداخلة على السببى تغنى عن الضمير (4).
أما اسم الفاعل فيعمل فى السببى والأجنبى ، مثل : مكرّم - مكرّمة - منكرة - عاطفة ... فى قولهم(5)
أبيض اللون ، لذيذ طعمه *** طيّب الريق إذا الريق خدع
(خدع : فسد).
: (تكريم العظيم تأييد له ، ونصر للفضيلة ، وتكريم الحقير إغراء له ، ومشاركة فى جرائمه ؛ فشتان بين مكرّم عظيما1) سبق إيضاح السببى مرة أخرى بتمثيل جلى فى رقم 4 من هامش ص 264. واشتراط سببية المعمول مقصور على حالتى نصبه على التشبيه بالمفعول به ، أو جره بالإضافة. أما المعمول المرفوع أو المنصوب على اعتبار ووجه آخر ؛ كباقى المكملات المنصوبة - فلا يشترط فيه السببية ؛ فيجوز أن يكون أجنبيا فى الحالتين ؛ نحو : أجميل النجمان؟ وما مظلم الفرقدان : (وهما ، نجمان متقاربان) والوالد بك فرح. ولكن تجب السببية فى مرفوعها - كما قلنا - إذا جرت الصفة على موصوف أى على شىء يجرى عليه معناها ؛ نحو : البلبل جميل تغريده ، وكذلك اسم الفاعل ؛ نحو : الرجل قادم أبوه.
2) هو الموصوف ، أى الذى يتصف بمعناها. وقد يغنى عن الضمير «أل» على الوجه الكوفى المبين فى رقم 4 من هامش ص 2. وفى رقم 4 التالى.
3) واسع العقل.
4) لاحظ الشبه بين الضمير فى هذه الصورة وبينه فى المراحل الثلاث التى سلفت فى ص 268.
5) كما سبق فى رقم 4 من هامش ص 264 وص 269 ورقم 4 من هامش ص 277 - وهذا الرأى الكوفى أحسن ؛ لخلوه من الحذف والتقدير. وكل ما يقال للغض منه مردود ، إذ ليس فيه ضعف. وعلى هذا يكون السببى هو الاسم الظاهر المتصل بضمير صاحب الصفة ، أو بما يغنى عن الضمير. وقد اجتمع الأمران فى قول الشاعر (سويد بن أبى كاهل) يصف ثغر فتاة :
يستحق التكريم ومكرّم صغيرا هو أولى بالزراية والتحقير. وما الجماعة الناهضة إلا المكرّمة عظماءها ، المنكرة أراذلها ، العاطفة أقوياؤها على ضعفائها).
(7) استحسان إضافتها إلى فاعلها المعنوى (1)وجرّه بالإضافة (2)؛ سواء أكانت الصفة المشبهة من الصفات التى تلازم صاحبها ولا تفارقه ، مثل : البدوىّ طويل القامة ، عريض الجبهة ، أسمر اللون - أم كانت من الصفات التى تلازمه طويلا وقد تفارقه نحو : العربىّ قوىّ السمع ، حديد (3)البصر خفيف الحركة ... والأصل : البدوى طويلة قامته ، عريضة جبهته ، أسمر لونه ، قوىّ سمعه ، حديد بصره ... و ...
أما اسم الفاعل فإضافته إلى مرفوعه ممنوعة فى أكثر أحواله التى يدل فيها على الحدوث ، لا على الدوام. وقد سبق تفصيل هذا (4)حيث أوضحنا أن اسم الفاعل الدال على الحدوث ، وفعله لازم أو متعد لأكثر من مفعول ، لا يجوز إضافته لفاعله إلا إذا أريد منه الدلالة على الثبوت ، كدلالة الصفة المشبهة ، وأن الذى فعله متعد لمفعول واحد - قد يجوز إضافته لفاعله عند أمن اللبس ... للدلالة على الثبوت ... و ... إلى آخر ما سردناه هناك ، وأن اسم الفاعل إذا ترك الدلالة على الحدوث إلى الدلالة على الثبوت والدوام لا يبقى له اسمه ، ولا أحكامه ، وإنما ينتقل إلى الصفة المشبهة ؛ فيسمى باسمها ، ويخضع لأحكامها دون أن تتغير صيغته.
ا - بقيت. أمور وأحكام أخرى تنفرد بها الصفة المشبهة (1)
صفة استحسن جرّ فاعل *** معنى بها المشبهة اسم الفاعل
يريد : الصفة التى يستحسن أن يجر بها فاعلها فى المعنى ، هى : «الصفة المشبهة باسم الفاعل» ، وهى تجره باعتبارها مضافا. وفاعلها المعنوى هو المضاف إليه. وقد شرحنا هذا الاستحسان (فى رقم 7 من ص 311 وفى «ب» من ص 315 الآتية) وقال بعد ذلك :
وصوغها من لازم لحاضر *** كطاهر القلب جميل الظّاهر
أى : أنها تصاغ من مصدر الثلاثى اللازم للدلالة على معنى متصل بالزمن الحاضر ، (أى - الحالى) اتصال دوام وملازمة ؛ فيشمل الأزمنة الثلاثة (على الوجه المشروح فى : «ثالثا ، ورابعا» من ص 282) ومثل لها بمثالين ؛ أحدهما : صفة مشبهة ، كانت فى أصلها اسم فاعل ، ثم أريد منه الثبوت والدوام ؛ فصار صفة مشبهة ، فى معناه وأحكامه. وبقى على وزنه وصيغته الأولى الخاصة باسم الفاعل ؛ هو : طاهر القلب ، والثانى : صفة مشبهة أصيلة فى صيغتها ، وفى معناها ؛ هو : جميل الظاهر. ثم قال :
وعمل اسم فاعل المعدّى *** لها على الحد الّذى قد حدّا
(قد حدّا : أصله : قد حد ، زيدت ألف فى آخر الفعل لأجل الوزن الشعرى. والمراد : على الرسم والضبط والتحديد الذى قد حدد لكل منهما ، ووضعت له الشروط الخاصة به).
يقول : ما ثبت لاسم الفاعل المتعدى - والمراد : المتعدى لواحد فقط - يثبت لها ؛ بشرط مراعاة الحدود والضوابط التى وضعت لكليهما ، والتى منها : أن منصوبها لا يسمى مفعولا به. وإنما يسمى : «المنصوب على التشبيه بالمفعول به». وهذا إن كان المنصوب معرفة ؛ فإن كان نكرة ، فهو تمييز أو منصوب على التشبيه أيضا ، ومنصوب اسم الفاعل المتعدى لواحد يسمى : «مفعولا به» وكذا بقية الفوارق بينهما ، فيجب مراعاتها. ثم بين شرطين من شروط إعمالها ؛ هما عدم سبق معمولها عليها. وكونه سببيا ؛ يقول :
وسبق ما تعمل فيه مجتنب *** وكونه ذا سببية وجب
(أى : مجتنب أن يسبقها ما تعمل فيه ، ووجب كون معمولها ذا سببية). ولم يذكر التفصيلات اللازمة. وانتقل بعد ذلك إلى كيفية ضبط هذا المعمول. فأدمجه فى ثلاثة أبيات حرمت كثيرا من الوضوح والتوفية ؛ هى :
فارفع بها ، وانصب ، وجرّمع «أل» *** ودون «أل» - مصحوب «أل» وما اتّصل :
يعنى : ارفع بالصفة المشبهة ، أو : انصب ، أو جر ... ، وكل هذا جائز مع وجود «أل» فى الصفة المشبهة ، ودون وجودها. لكن ما الذى سترفعه الصفة أو تنصبه أو تجره؟ بينه بأنه المعمول المصحوب «أل» (أى : المقترن بها) ، وأنه أيضا هو المعمول الذى اتصل
بها ، مضافا ، أو مجرّدا ، ولا *** تجرر بها مع «أل» سما من «أل» خلا :
ومن إضافة لتاليها ، وما *** لم يخل فهو بالجواز وسما
يريد : أنه المعمول الذى اتصل بالصفة مع إضافته ، أو مع تجريده من «أل» والإضافة - كما أوضحنا كل هذا بالأمثلة الكثيرة (فى ص 294) - وانتقل بعد ذلك إلى بيان حالات لا يجوز فيها الجر. فقال : لا تجر بالصفة المشبهة المقرونة «بأل» سما (اسما) خلا من «أل» أو خلا من الإضافة إلى تالى «أل» فعنده أن معمول الصفة المشبهة لا يصح أن يكون مجرورا بها وهى مقترنة «بأل» مع خلوه من «أل» ، أو عدم إضافته لما فيه «أل». فإن لم يخل جاز الجر. وفى هذا الكلام نقص كبير.
، ولا يشاركها فيها اسم الفاعل ، منها :1) فيما سبق من الأحكام الخاصة بإعمال الصفة المشبهة يقول ابن مالك فى باب عقده لها ؛ عنوانه : «الصفة المشبهة باسم الفاعل». ولكنه باب مختصر ؛ لم يستوف تلك الأحكام. قال فى تعريفها.
(1) عدم تعرفها بالإضافة (فى الرأى الراجح بين آراء قوية أيضا أشرنا إليها من قبل (1)) أما هو فيتعرف بها إذا كان بمعنى الماضى فقط ، أو أريد به الاستمرار فيلحظ فى هذا الاستمرار جانب المضى وحده.
(2) «أل» الداخلة عليها قد تعتبر للتعريف وموصولة معا - فى رأى - وأداة تعريف فقط فى رأى أقوى.
أما الداخلة عليه فمعرّفة واسم موصول معا (كما سبق فى بابه. وفى ج 1 ص 278 م 27).
1) انظر ص 6 و29.
(3) مخالفتها فعلها اللازم أصالة ، فتنصب معمولها على التشبيه بالمفعول به دون فعلها ؛ فإنه قاصر لا ينصب المفعول به (1)، ولا شبهه. أما اسم الفاعل فلا يخالف فعله فى التعدى واللزوم.
(4) إعراب معمولها المنصوب مشبّها بالمفعول به - وليس مفعولا به - سواء أكان المعمول معرفة أم نكرة ، وتمييزا فقط إن كان نكرة (2)...
أما معموله فمفعول به مباشرة ، ما دام منصوبا قد وقع عليه فعل الفاعل.
(5) تأنيثها يكون أحيانا بألف التأنيث ؛ نحو : هذه بيضاء الصفحة.
أما هو فلا تدخله ألف التأنيث.
(6) عدم مراعاة محل معمولها المجرور بإضافته إليها ، المتبوع بعطف ؛ أو بغيره من التوابع. بخلاف اسم الفاعل.
(7) عدم إعمالها محذوفة ؛ فلا يصح هذا حسن القول والفعل ، بنصب «الفعل» ، على تقدير : وحسن الفعل ، أما هو فيجوز : أنت ضارب اللص والخائن ، بنصب الخائن. كما يجوز فى باب : «الاشتغال» أن يقال : أضعيفا أنت مساعده ، أى : أمساعدا ضعيفا ...؟) بتقدير اسم فاعل محذوف بعد الهمزة ، ولا يصح : أوجها هذه المرأة جميلته(3).
(8) عدم الفصل بينها وبين معمولها المرفوع أو المنصوب(4)بظرف أو جار ومجرور - فى الرأى الأرجح - إلا عند الضرورة ، بخلافه.
(9) وجوب تغيير صيغتها إلى صيغة اسم الفاعل إن تركت الدلالة على الثبوت - بقرينة - إلى الدلالة على الحدوث. أما هو فقد يبقى على صيغته إن ترك الدلالة على الحدوث - بقرينة - إلى الدلالة على الثبوت.
(10) جواز إتباع معموله بالنعت أو غيره من باقى التوابع. أما معمولها فلا يتبع بنعت ، أى : لا يصح نعته.
ب - يذكر النحاة تعليلا جدليّا (1)لاستحسان إضافة الصفة المشبهة لفاعلها دون إضافة اسم الفاعل لفاعله ، ونلخصه هنا (بالرغم من أنه جدل منقوض بجدل مثله ، ومعارض بأمثلة كثيرة ، أوردها المعترضون ، وضمنوها بطون المطولات ، وأن التعليل الحق هو استعمال العرب ليس غير) :
إن إضافة اسم الفاعل إلى فاعله ممنوعة - على وجه يكاد يقع عليه الاتفاق - إذا بقى على دلالة الحدوث نصّا ، وكان فعله لازما ، أو متعديا لأكثر من مفعول به ؛ لأن إضافته فى هاتين الصورتين توقع فى اللّبس. فتوهم أنه أضيف ليجارى الصفة المشبهة - حيث تضاف لفاعلها كثيرا - وأنه ترك دلالته على الحدوث والتجدد ليصير دالا على الثبوت والدوام مثلها ؛ فأضيف إضافتها ليؤدى دلالتها.
أما إن كان فعله متعديا لواحد ؛ فقد يمتنع إضافته إذا أوقعت فى لبس. كما فى مثل : البارّ مكرم أبوه فلو قلنا : البارّ مكرم الأب - لجاز أن يقع فى الوهم أن الإضافة هى للمفعول ، لا للفاعل ، وأن الأصل : البارّ مكرم أباه ، بل إن إضافته قليلة حين يكون فعله متعديا لواحد ، ومعناه من المعانى التى لا تقع على الذوات ، (أى : على الأجسام) ؛ حيث اللبس مأمون ، والإبهام غير واقع. مثل : محمد كاتب أبوه ، فلا يصح : محمد كاتب الأب - إلا على قلة كما سبق - مع أنه لا لبس ولا إبهام فى الإضافة ؛ إذ الكتابة لا تقع على الذوات.
أما السبب فى عدم صحة هذا - إلا على قلة - فلأن الصفة الدالة على الثبوت لا تضاف إلى فاعلها إلا بعد تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها ، واستتار الضمير فيها (كما أشرنا فى ص 268) ، إذ لو لم يتحول الإسناد بالطريقة السالفة للزم إضافة الشىء إلى نفسه ، لأن الصفة هى نفس مرفوعها فى المعنى ، وهو أمر غير جائز ، إلا فى مواضع (2)ليس منها الموضع الحالىّ. ويؤيد هذا - عندهم - تأنيث الصفة المشبهة بالتاء فى مثل : مررت بالفتاة
الحسنة الوجه (1)؛ فلو لم تكن الصفة مسندة إلى ضمير الفتاة لوجب تذكيرها كما تذكر مع فاعلها المرفوع ؛ لهذا كان من المستحسن - وقيل : من الواجب - فى مثل : أقبلت الفتاة الجميل وجهها - أن تضاف الصفة إلى فاعلها ؛ فيقال : أقبلت الفتاة الجميلة الوجه ، لأن فى الإضافة تخفيفا وتقليلا من عدة أمور تتشابه فى أن كل اثنين منها بمنزلة شىء واحد ، ففى المثال السابق قبل الإضافة (وهو : مررت بالفتاة الحسن وجهها) - الجار والمجرور بمنزلة الشىء الواحد ، وكذلك الصفة مع الموصوف ، والفعل مع فاعله ، والمضاف مع المضاف إليه. وكل هذه الأمور المتشابهة المجتمعة تقتضى التخفيف ولم يمكنهم أن يزيلوا منها شيئا إلا الضمير حيث تصرفوا فى شأنه ؛ فنقلوه ، وجعلوه فاعلا بالصفة ، فاستتر فيها : لأن الصفة فى هذه الصورة تعد بمنزلة الجارية على من هى له (2)، حيث رفعت ضميره ، ومن ثمّ استحسنت الإضافة فى المثال السالف ، وفى نحو : أقبلت الفتاة الجميلة وجهها ، فيصير : أقبلت الفتاة الجميلة الوجه ، ولم تستحسن ، أو لم تصح فى : محمد كاتب الأب (وأصله قبل الإضافة. محمد كاتب أبوه). لقلة الأشياء المتشابهة التى تقتضى التخفيف.
وسبب آخر - عندهم - هو : أن الإسناد فى مثل ؛ الفتاة الجميلة الوجه - بإضافة الصفة إلى فاعلها - قد تغير ؛ فصار الجمال مسندا إلى الضمير العائد إلى الفتاة كلها بعد أن كان الإسناد متجها إلى وجهها فقط ، وهو جزء منها ، أى : أن الإسناد فى ظاهره هو للكل ، ولكن المراد منه الجزء على سبيل المجاز ؛ لأن من جمل وحسن بعضه ساغ أن يسند الجمال والحسن إلى كله ، مجازا ؛ لحكمة بلاغية ؛ قد تكون المبالغة أو نحوها ... وهذا لا يستساغ فى مثل : محمد كاتب الأب (والأصل : محمد كاتب أبوه) : لأن من كتب أبوه لا يحسن أن نسند الكتابة إليه إلا بمجاز بعيد غير مقبول ، سرى من المضاف ؛ وهو «الأب» إلى المضاف إليه ؛ وهو : «الهاء». فهو
من الإسناد إلى المضاف إليه ، مع إرادة المضاف. وشتان بين الإسنادين والمجازين ؛ فالإسناد فى الأول واقع بين الكل والجزء الذى هو بعضه ، فيصح إطلاق كل منهما وإرادة الآخر ، بخلاف الثانى فهو بين الأبوة والنبوة.
هكذا يقولون (1)، وهو تعليل جدلى محض كما قلنا. وفيه مخالفة لما أجازوه من قبل ، من إضافة الشىء إلى نفسه أحيانا ... (2)
اسم الزمان ، واسم المكان (1)
اسمان يصاغان من المصدر الأصلى (2)للفعل بقصد الدلالة على أمرين معا ؛ هما : المعنى المجرد الذى يدل عليه ذلك المصدر ، مزيدا عليه الدلالة على زمان وقوعه ، أو مكان وقوعه.
أو يقال : اسم الزمان ما يدل - بكلمة واحدة - على المعنى المجرد وزمانه (3)، واسم المكان ما يدل - بكلمة واحدة - على المعنى المجرد ومكانه (4).
ومن الميسور الوصول إلى هذه الدلالة بتعبيرات أخرى خالية من الاسمين السالفين. ولكنها تعبيرات لن تبلغ فى الإيجاز مبلغ اسم الزمان واسم المكان ، فمزية كل منهما أنه يؤدى بكلمة واحدة ما لا يؤديه غيره إلا بكلمات متعددة.
ا - طريقة صياغتهما ، والوصول إليهما من الماضى الثلاثى ، غير معتل العين بالياء (5)، تتحقق بالإتيان بمصدره القياسى - مهما كانت صيغته - ثم
1) لم يعرض لهما ابن مالك فى : «ألفيته». وعرضنا لهما هنا استيفاء للمشتقات. وقد سبق فى ص 182 بيان مفصل عن المشتقات ، وعن أصلها ؛ أهو المصدر الصريح ، أم الفعل الماضى؟ وأن بعض القدامى يطلق كلمة : «الأخذ» على الاشتقاق من غير المصدر الصريح.
2) وفى حالة نصبه التى يكون مشتركا فيها مع حروف عامله يعرب ظرف زمان ؛ كقولهم : قعدت مقعد الضيف ، أى : زمن قعوده. فكلمة : «مقعد» ظرف زمان منصوب. (راجع الخضرى والصبان ج 1 أول باب الظرف).
3) وإذا كان منصوبا مشتركا مع عامله فى حروفه فإنه يعرب ظرف مكان - كما تقدم فى باب الظرف فى الجزء الثانى - ؛ نحو : قعدت مقعد الغائب ، أى : مكان قعوده.
4) أما صوغهما من الثلاثى معتل العين بالياء فقد سبق حكمه فى ص 229 تحت عنوان : «ملاحظة» - كما أشرنا فى ص 308 -.
5) لم يعرض لهما ابن مالك فى : «ألفيته». وعرضنا لهما هنا استيفاء للمشتقات. وقد سبق فى ص 182 بيان مفصل عن المشتقات ، وعن أصلها ؛ أهو المصدر الصريح ، أم الفعل الماضى؟ وأن بعض القدامى يطلق كلمة : «الأخذ» على الاشتقاق من غير المصدر الصريح.
جعلها على وزن : «مفعل» (1)- بفتح الميم والعين - فى جميع الحالات ، ما عدا حالتين ، تكون الصيغة فيهما على وزن «مفعل» (2)- بكسر العين - :
الأولى : الماضى الثلاثى صحيح الأحرف الثلاثة ، مكسور العين فى المضارع ؛ مثل : جلس يجلس - رجع يرجع - قصد يقصد - حسب يحسب ... و ...
الثانية : الماضى معتل الفاء بالواو (3)، صحيح اللام (4)، بشرط أن يكون مضارعه مكسور العين (5)، تحذف فيه الواو لوقوعها بين الفتحة والكسرة ، مثل : وأل يئل (6)- وثق يثق - وجم يجم (7)- وخز يخز (8)- وعد يعد -
فمن أمثلة «مفعل» - بفتح العين - للزمان : مطلع الفجر خير وقت للقراءة والاطلاع النافع - لكثير من الطيور هجرة سنوية ؛ فرارا من البرد. فإذا أقبل المشتى ، وحلّ المهجر ، رحلت إلى بلد أكثر دفئا ، وأنسب
1) سيجىء فى «ب» من ص 325 حكم زيادة تاء التأنيث فى آخر هذه الصيغة.
2) سيجىء فى «ب» من ص 325 حكم زيادة تاء التأنيث فى آخر هذه الصيغة.
3) بعض النحاة قد صرح بأن يكون حرف العلة الذى فى أول الفعل الثلاثى هو «الواو» وبعضهم أطلق ولم يعين نوع الحرف ، مكتفيا بأن يذكر أن الفعل معتل الأول. لكن السيوطى قد نص على أن الماضى المعتل الفاء بالياء ، الصحيح اللام - مثل : يقظ - يمن - يسر ، تكون الصيغة منه على وزن : «مفعل» بفتح العين. (الهمع ج 2 ص 168).
4) لأن معتل الفاء واللام معا يجب فيه فتح «العين» تطبيقا للقاعدة العامة ؛ وهى : أن الثلاثى معتل اللام يجب أن تكون صيغة مصدره الميمى واسم زمانه واسم مكانه على وزن «مفعل» - بفتح العين - دائما ؛ سواء أكان بعض أصوله الأخرى حرف علة أم حرفا صحيحا : فاعتلال «لامه» - ولو انفردت بالاعتلال - كاف لتطبيق القاعدة السالفة وجوبا.
5) بعض النحاة لا يشترط فى معتل الفاء بالواو أن يكون مضارعه مكسور العين ، ولا ما يترتب على كسرها من حذف الواو فى المضارع أحيانا كثيرة. فيقولون «الموجل والموحل». بالكسر فيهما على اعتبار أن عين الفعل المضارع فيهما مفتوحة (أى : وجل يوجل وحل يوحل) وأمثالهما. وبه على هذا يجوز فى اسم الزمان واسم المكان من الثلاثى المعتل الأول بالواو أن تكون صيغته على و «مفعل» - بفتح العين وكسرها -. (وقد قال شارح المفصل - ج 6 ص108. إن الفتح أقيس ، والكسر أفصح). فالأمران صحيحان قويان.
6) وأل يئل ، بمعنى : التحأ يلتجىء.
7) وجم من الأمر وجوما ، كرهه ، أو : تركه مضطرا. أو : سكت على غيظ.
8) طعن برمح ونحوه.
جوّا. والمراد : زمن طلوع الفجر - زمن الشّتو (بمعنى : الشتاء) ، زمن الهجر ؛ (بمعنى الهجرة). وأفعالها الثلاثية هى : طلع - شتا - هجر.
ومن أمثلة «مفعل» - بكسر العين - للزمان : كلمتا مغرس ، وموعد فى قولهم : لغرس الشجر مواسم معينة ؛ فإذا حان المغرس ، وحلّ موعده ، أسرع الزرّاع إلى غرس ما يريدون.
ومن أمثلة «مفعل» - بفتح العين - للمكان : (مدخل - مطعم - مطبخ - مكتب - ملعب - مشرب - منأى - مسرح - مأوى ...) فى قول القائل : «زرت بيتا لأحد الرفاق ؛ فراقنى جماله ؛ وتمام نظافته ، وبراعة تنسيقه ، ووفاؤه بمطالب الحياة السعيدة ؛ فهذا مدخل للأضياف ، يسلمهم إلى غرفة استقبال أنيقة. وهذا مطعم واسع ، حسن الترتيب ، يحمل إليه شهىّ الطعام من مطبخ آية فى النظافة. وفى جانب هادئ غرفة واسعة جعلها رب البيت مكتبا له ، تطل على حديقة عامرة بعيون الأزاهير. وفى أحد الأطراف ملعب فسيح ، مهدت طرقه ، وفرشت أرضه بالكلأ الناعم الأخضر. وفى ركن منه مشرب للدافىء والبارد. وفى منأى عنه مسرح ومأوى للطيور الأليفة ، وبعض الحيوانات المستأنسة ...»
والمراد ؛ مكان الدخول - مكان الطعام - مكان الطبخ - مكان الكتابة - - مكان اللعب - مكان الشرب - مكان النّأى ، أى : البعد - مكان السّرح أى : الرعى - مكان الإيواء ...
ومن أمثلة «مفعل» - بكسر العين - للمكان ؛ مجلس - مرجع - مقصد - موثق - موئل - مورث ؛ كقولهم ، فى وصف أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب : كان واضح الجلال ، عظيم الهيبة. مجلسه مجلس علم ووقار ؛ لا تسمع فيه لغوا ، ولا تأثيما ، والإمام فيه مرجع الفتوى ، ومقصد المستفهم ، وموثق الشاكّ ، وموئل اللائذ ...
أى : مكان الجلوس - مكان الرجوع - مكان القصد - مكان الوثوق - مكان الوأل ، (أى : الالتجاء).
أما صياغتهما والوصول إليهما من الماضى الثلاثى المعتل العين بالياء فقد سبق بيانها(1).
ب - فإن كان الماضى غير ثلاثى فطريقة صوغهما تتحقق بالإتيان بمضارعه ؛ ثم قلب أوله ميما مضمومة ، وفتح الحرف الذى قبل الآخر ، فتنشأ صيغة صالحة لأن تكون اسم زمان واسم مكان (2)، ويكون توجيهها لأحدهما خاضعا للقرائن اللفظية أو غير اللفظية ، فالقرينة وحدها هى التى تتحكم فى هذه الصيغة ؛ فتجعلها لأحدهما دون الآخر.
فمن الأمثلة : ممسى ومصبح - (أمسى ، يمسى ، ممسى - أصبح ، يصبح ، مصبحا) ، نحو : الحمد لله ممسانا ومصبحنا ، ونحو قول التاجر : متجرى مصبحى وممساى. والمراد : الحمد لله فى وقت إمسائنا وإصباحنا - متجرى مكان إصباحى وإمسائى.
ونحو : الفلك دوّار فى حركة دائبة ، فليس له منقطع يتوقف عنده إذا حان ، ولا متوقّف يستريح ساعته إذا حلّت. والمراد ؛ : ليس له زمان انقطاع ، ولا زمان توقّف.
ومن الأمثلة : كوخ تملؤه السكينة والطمأنينة والوثام ، خير مستقرّا وأعظم مقاما من قصر فخم يسوده القلق ، والفزع ، ودواعى الشقاق. والمراد : خير مكان للاستقرار ، وأعظم مكان للإقامة.
اسم الزمان والمكان مشتقان يصح أن يتعلق بهما شبه الجملة (3).
1) فى ص 236 بعنوان : «ملاحظة».
2) وصالحة أيضا لأن تكون مصدرا ميميا ، وأن تكون اسم مفعول - لأن هذه المشتقات الأربعة مشتركة فى صيغتها التى تصاغ من مصدر غير الثلاثى ، متحدة فى طريقة الوصول إلى إيجاد هذه الصيغة. وعلى هذا يكون التفريق والتمييز المعنوى بينها موكولا للقرائن ، خاضعا لوحيها.
3) يجوز أن يتعلق بهما شبه الجملة ؛ لأن فيهما رائحة الفعل ، وهى تكفى مسوغا للتعليق ؛ (كما سبق فى هامش ص 251).
ولكنهما لا يعملان شيئا من عمل فعلهما ؛ فلا يرفعان الفاعل - أو نائبه ، ولا ينصبان المفعول به ، ولا غيره.
ويصح - عند الحاجة - زيادة تاء التأنيث فى آخر صيغة «مفعل» - بفتح العين ، وكسرها - بشرط أن تكون الصيغة للمكان ، مرادا تأنيث معناه ؛ وسيجىء البيان الخاص بهذا (1).
1) فى «ب» من ص 325 مشتملا على قرار المجمع اللغوى فى ذلك.
ا - يقول فريق من النحاة : إن فى اللغة أسماء للزمان أو للمكان على وزن «مفعل» - بكسر العين - سماعا عن العرب. وكان القياس الفتح ؛ ومنها : المشرق - المغرب - المطلع - المسجد - المرفق (1)- المنسك (2)- المفرق (3)- المجزر (4)- المسقط (5)- المنبت - المسكن - المحشر - الموضع - مجمع الناس - المخزن - المركز - المرسن (6)- المنفذ (7)المعدن - المأوى ، إذا كان خاصّا بالإبل تأوى إليه
والملاحظ أن النحاة كثير من مراجعهم حين يسردون الكلمات السالفة يصفونها بأنها وردت عن العرب بالكسر ، وأن قياسها الفتح ، ويكتفون بهذا ، دون أن يعرضوا ببيان شاف لأمرين هامين.
أولهما : ما تنصّ عليه المراجع اللغوية من ورود السماع الصحيح بالكسر وبالفتح فى أغلب تلك الكلمات (دون الاقتصار على أحد الضبطين) (8)مثل : مسجد - موضع - منبت - مطلع - مسقط - مظنة ، مشرق ، مغرب ، مسكن مجمع الناس - مغرب - مرفق - منسك (9)- محشر ... فورود السماع بالفتح أيضا أدخل تلك الكلمات فى مجال الضابط العام ، وجعله منطبقا عليها. وإذا لا معنى لإبرازها ووصفها بأنها : «وردت مكسورة ، وكان قياسها الفتح». فقد ثبت أنها وردت بالفتح أيضا ؛ فاجتمع فى الفتح السماع وانطباق الضابط
1) مكان الرفق (والرفق : ضد العنف والقسوة). ويطلق اليوم على المكان الذى يكون مقر المنفعة العامة ، كمرفق الكهرباء ، أو مرفق السكك الحديدية.
2) المعبد.
3) مكان الفرق فى وسط الرأس ...
4) مكان الذبح.
5) مكان السقوط.
6) لموضع الرسن ، وهو الحبل الذى تقاد به الدابة ...
7) موضع النفوذ.
8) ومن هذه المراجع التى نصت على مجيئها بالفتح والكسر نصا صريحا : «المصباح المنير» آخر ج 2 ص 964 الفصل الخاص بصيغة مفعل للزمان والمكان والمصدر الميمى.
9) ومن الكلمات الواردة بالفتح والكسر غير ما سبق ، ما سجله السيوطى فى كتابه : المزهر - ح 2 ص 63 فى باب : ضوابط واستثناءات فى الأبنية وغيرها - وهى : (المطلع ، المفرق ، المحشر ، المنبت ، المذمّة ، المحلّ ...).
العام عليه ، (أى : اجتمع فيه السماع والقياس) كما أن ورود السماع بالكسر يجيز فيها استخدام الكسر أيضا ؛ مراعاة للمسموع ، دون أن يوجب الاقتصار عليه. بل إن ورود السماع بالكسر وحده لا يوجب الاقتصار عليه وإهمال القياس (1). فكيف وقد اجتمع لها السماع والقياس معا؟
ثانيهما : أن كثيرا من أفعال تلك الألفاظ يصح فى مضارعه كسر العين طبقا للوارد عن العرب ؛ كمضارع الأفعال الصحيحة : (رفق - فرق - جزر - حشر ...) فليست عين المضارع فيها مقصورة فى اللغة على الفتح أو على الضم ؛ بل يجوز فيها الكسر أيضا ، طبقا للوارد. وإذا جاز فيها الكسر كانت صيغة الزمان والمكان بكسر العين قياسية مطرّدة ؛ وتكون كنظائرها الكثيرة المكسورة التى تخضع للضابط العام ، وتنطبق عليها القاعدة الخاصة بطريقة الصوغ المطرد ، ولا يكون ثمة معنى لإبرازها من بين نظائرها ، وتخصيصها بأنها : «وردت مسموعة بالكسر ، وكان قياسها الفتح». ذلك أن الفتح والكسر سماعيان وقياسيان معا فيها ..
وخلاصة ما تقدم أن تلك الكلمات التى تمالأ فريق من النحاة على أنها مسموعة بالكسر ، وأن قياسها الفتح ، ليست مخالفة للقياس الأصيل ، ولا خارجة عن نطاق القاعدة العامة المتعلقة بالصياغة المطردة ، إما لأنها مسموعة بالفتح أيضا كورودها مسموعة بالكسر ، وإما لأن عين مضارعها مسموعة بالكسر وغير الكسر ، ومتى ورد فيها الكسر صح مجىء الصيغة مكسورة العين ، وفاقا للقاعدة العامة ، والقياس المطرد ... (2)
1) طبقا للبيان الشامل الذى سبق - فى هامش ص 191 وما بعدها - وهو عام فى كل ما ينطبق عليه سماع وقياس من المصادر ، والجموع ، وغيرها ... وفيه نص خاص بالكلمات التى وردت هنا ؛ والتى وصفوها بأنها : «وردت مسموعة بالكسر ، وكان قياسها الفتح ...» ، فقد قال عنها «القاموس المحيط» فى مادة : «سجد» ما نصه : (ألزموها كسر العين والفتح جائز، وإن لم نسمعه) ، أما بقية الأدلة على الموضوع العام فهناك بيانها الأكمل.
2) هذا إلى ما نقلناه عن القاموس - فى رقم 1 السابق من الحكم عليها. بحكم عام شامل ؛ هو قوله : «الفتح جائز، وإن لم نسمعه».
ب - وردت صيغ - كثيرة لاسم المكان ، قليلة لاسم الزمان ، - من مصدر الثلاثى على وفاق القاعدة ، ولكنها مختومة بتاء التأنيث للدلالة على تأنيث المعنى المراد من الكلمة. (إذ يقصد منها : البقعة ، بمعنى المكان). فمما ورد فى الكلام العربى الفصيح : المزلة (بكسر الزاى) لموضع الزّلل - المظنة بفتح الظاء (1)) لمكان الظن - المشرقة (بفتح الراء) لموضع شروق الشمس والقعود فيها - موقعة الطائر (بفتح القاف) ، للمكان الذى يقع فيه - المشربة للغرفة - المدبغة - المزرعة - المزلقة - المنامة ... وكثير مثل هذا يزيد على المائة ولكنه يكاد يقتصر على المكان. فهل يجوز القياس على هذا الوارد من المكان ، مرادا منه : «البقعة» ، بزيادة تاء التأنيث على صيغة «مفعل» التى هى بفتح العين أو التى بكسرها ، لتصير «مفعلة» - بفتح العين أو كسرها (2)- مع بقاء الدلالة على ما كانت عليه؟
اختلف قدماء النحاة فى الرأى ؛ فقليلهم يجيز القياس ، وأكثرهم يميل - بغير داع قوىّ - إلى المنع ؛ لتوهمه أن هذا الكثير - المسموع المختوم بالتّاء فى صيغة اسم المكان - قليل لا يكفى للقياس عليه.
والحق أن الرأى الذى يبيح القياس عليه سديد موفّق ، إذ كيف يوصف الوارد من تلك الأمثلة المكانية بالقلة مع أنه يبلغ العشرات (3)؟ نعم إنها قلة ، ولكنها : «نسبية» ، (أى : بالنسبة للصيغ الواردة من غير تاء التأنيث) ، والقلة النسبية» على هذا الوجه تبيح القياس العام ، وتجيز المحاكاة من غير تقييد (4)، وإن كانت لا تبلغ فى درجة القوة والفصاحة مبلغ الأولى (5)، فاختلاف الدرجة فى القوة والفصاحة لا يمنع من صحة القياس والمحاكاة ، ولا داعى للتضييق الذى لا يدفع عن اللغة أذى ؛ ولا يجلب لها نفعا. فالأنسب إباحة القياس فى صيغة «مفعلة»
1) وقد سمع فيها الكسر أيضا.
2) دالة على المؤنث ، المراد به البقعة ، بمعنى المكان.
3) قال شارح «القاموس المحيط» فى مادة «أسد» إن بعضهم جعله مقيسا ؛ لكثرة أمثاله.
4) انظر البيان الخاص بهذا فى رقم 4 من هامش ص 79.
5) هذا رأى بعض أئمة العربية ممن يفسرون القياس (كما جاء فى مجلة المجمع اللغوى ج 1 ص 232) بأنه الجرى على مقتضى الكثرة فى جنسها ، لا الأغلبية العامة. وبه أخذ المجمع اللغوى فى كثير من أحكامه وقراراته ، بعد أن بيّن قوته ، ورجاحة أدلته ، وشدة الحاجة للأخذ به.
وأهم مما سبق وأقوى فى إباحة القياس أن النحاة يقررون أن إلحاق تاء التأنيث بالمشتقات قياسىّ لتأنيث معناها ، وأن هذا الإلحاق قياسى مطرّد فى جميع أنواعها ، إلا بعض صيغ معينة ، ليس منها صيغة اسم الزمان والمكان - كما سيجىء فى باب التأنيث ، ح 4 م 169 ص 440.
هذا ، وقد أباح مؤتمر المجمع اللغوى القاهرى (فى دورته الثالثة والثلاثين التى بدأت فى آخر يناير سنة 1967 زيادة التاء للتأنيث فى «مفعلة» (صيغة اسم المكان) مطلقا ، (أى : سواء كثر فى المكان الشىء أو لم يكثر) وعرض عليه من المسموع الصحيح الوارد لها نحو : ستة وعشرين ومائة (126) كلمة ختمت فيها صيغة المكان بتاء التأنيث (2)...
ح - قد يصاغ من الاسم الجامد الثلاثى (3)الحسى (4)صيغة على وزن :
1) جاء هذا التعليل فى بعض المراجع الكبيرة ، (ومنها : شرح المفصل ج 6 ص 109 موضوع : اسم الزمان والمكان). وسيبويه أحد الأئمة الذين يجيزون فى الكلمة ملاحظة لفظها أو ملاحظة معناها ؛ فيعود عليها الضمير ، وأسماء الإشارة ، ونحوها مما تقع فيه المطابقة - بالتذكير أو التأنيث ؛ مراعاة لأحد الاعتبارين السابقين مع وجود قرينة تمنع اللبس والاشتباه. نحو : (أتتنى كلام أسرّ بها) ، مراعيا المعنى ، أى : أتتنى رسالة ، أو عبارة. أو مقالة. ويصح : أتانى كلام أسر به ، مراعيا اللفظ ؛ وهو : الكلام. ومثل :(«حاشا» يكون حرف جر ، ويكون فعلا ماضيا. وإذا كانت فعلا ماضيا فالكثير الفصيح ألا تقع بعد «ما» المصدرية ...) فالتأنيث ملحوظ فيه : الكلمة ، والتذكير ملحوظ فيه اللفظ ، أو الحرف. والأفضل اليوم - بل الواجب - عدم الأخذ برأى سيبويه هنا إلا فى «مفعلة» التى نحن بصددها. أما غيرها فيقتصر فيه على ما سمع أو ورد فيه نص خاص باستعماله ، دون إطلاق هذا الحكم وتعميمه. فالواجب تقييده بما سلف ، منعا لإفساد البيان اللغوى ، وحرصا على سلامة اللغة.
2) راجع القرار وما يتصل به فى ص 43 من الكتاب الذى أخرجه المجمع سنة 1969 باسم : «كتاب فى أصول اللغة ، مشتملا على مجموعة القرارات التى أصدرها المجمع - ومؤتمره من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين.).
3) الثلاثى أصالة أو تحويلا - بالتفصيل المبين فى الصفحة الآتية -
4) - سواء أكان حيوانا ، أم نباتا ، أم جمادا - وقد أشرنا لهذا فى «ب» من هامش ص 180. حيث الكلام على أصل «المشتقات» بتفصيل مفيد ، وأن بعض القدماء كان يطلق كلمة : «الأخذ» على الاشتقاق من غير المصدر الصريح كالجامد الحسى و ... و ...
«مفعلة» - بفتح الميم والعين دائما - بقصد الدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشىء (1)الحسىّ المجسم ، (أى : الذى ليس معنويّا) (2). فإذا وجد مكان يكثر فيه :. «ورق» - مثلا - صغنا «مفعلة» من : «ورق» فقلنا : «مورقة» ؛ للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشىء الحسىّ المسمى : «بالورق». وإذا وجد مكان يكثر فيه : «عنب» ، صغنا من كلمة : «عنب» «معنبة» ، للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشىء المجسم المسمى : «بالعنب». وإذا وجد مكان يكثر فيه : «البلح» ، صغنا من كلمة : «بلح» ؛ «مبلحة» للدلالة على المكان الذى يكثر به البلح. وهكذا تصاغ «مفعلة» - من الاسم الثلاثى الجامد للدلالة على أمرين معا ، هما : المكان وما يكثر فيه من شىء حسىّ معيّن ، (كما سبقت الإشارة لهذا (3)).
فالمراد : هو وصف بقعة ، أو قطعة من الأرض بكثرة ما فيها من شىء خاص مجسّم. ومن الأمثلة أيضا : مأسدة ، لأرض يكثر فيها الأسد - مذأبة ؛ لأرض يكثر فيها الذئب - مذهبة ؛ لأرض يكثر فيها الذهب - مقمحة ؛ لأرض يكثر فيها القمح - مرملة ؛ لأرض يكثر فيها الرمل. إلى غير ذلك من الأسماء الثلاثية الجامدة الحسّيّة. ويسمى الاشتقاق بالطريقة السالفة : الاشتقاق من أسماء الأعيان (4)الثلاثية». أما غير الثلاثية فلا يصاغ منها «مفعلة» لهذا القصد. إلا إن كان الاسم مشتملا على بعض الحروف الزائدة التى يمكن حذفها ، وتجريده منها ، وإبقاؤه على ثلاثة أحرف أصلية تشتق منها تلك الصيغة بغير لبس ؛ مثل : «مبطخة» لأرض يكثر فيها : «البطيخ» و «مغزلة» لأرض يكثر فيها الغزال ، و «محصنة» لأرض يكثر فيها الحصان. فالأمر فى هذه الصيغة مقصور على الثلاثى ؛ إمّا أصالة ، وإما
تحويلا ؛ بأن يتجرد المزيد من أحرف زيادته ويصير ثلاثيّا ؛ اتباعا للمأثور الغالب عن العرب.
أما المجرد من غير الثلاثى فيسلك معه مسالك أخرى فى التعبير عن هذه الدلالة على حسب اختيار المتكلم وقدرته البلاغية ، دون استخدام لتلك الصيغة ، إذ لا يكاد يوجد خلاف فى منع صياغة : «مفعلة» من المجرد الذى تزيد حروفه الأصلية على ثلاثة (1)
يمّمن أعدادا «بلبنى ؛ أو «أجا» *** مضفدعات كلها مطحلبه)
ا ه. ص 188 من الطبعة التى أخرجها : الزفزاف وزميله.
وقد جاء فى شرحها البيت السالف أن معنى : «يممن» هو : قصدن - ومعنى الأعداد : (بفتح الهمزة) هو : الماء الذى لا ينقطع. المفرد : عدّ ؛ بكسر أوله - ولبنى وأجا : جبلان - مضفدعات : كثيرة الضفادع - مطحلبة : كثيرة الطحالب ...
.بقى أن نشير إلى مسألتين هامّتين :
الأولى : أقياسية تلك الصيغة أم مقصورة على السماع؟ لقد ارتضى المجمع اللغوى القاهرى قياسيتها ، ونص قراره (2):
" (جاءت أمثلة من تلك الصيغة عن العرب : ولنا أن نتكلم بما جاء عنهم. وهل لنا أن نقيس عليه ؛ فنقول مثلا : «مغزلة» للأرض التى يكثر فيها الغزال ، وقد جرد لفظ : «الغزال» من زيادته ، ومخسّة للأرض التى يكثر فيها : الخسّ ، و «متبرة» للأرض التى يكثر فيها : التبر - إذا كان العرب لم يقولوا هذا؟ .
1) قال الرضى فى شرحه للكافية فى الباب الذى عنوانه : (ما كثر بالمكان يبنى على مفعلة). ما نصه : «لم يأتوا بمثل هذا - يقصد أنهم لم يأتوا بمفعله - فى الرباعى فما فوقه ؛ نحو : الضفدع ، والثعلب ، بل استغنوا بقولهم : كثير الثعالب. أو تقول : مكان مثعلب ومعقرب ومضفدع ومطحلب بكسر اللام الأولى - (يريد : اللام الأولى فى الوزن الصرفى للكلمات الرباعية) - على أنها اسم فاعل - قال لبيد :
2) ورد قراره مسجلا فى ص 12 من محاضر جلسات الدورة الثالثة المطبوعة بالمطبعة الأميرية سنة 1938. وله إشارة عابرة فى ص 43 من الكتاب الذى أخرجه المجمع سنة 1969 مشتملا على القرارات المجمعية من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين.
«فى المسألة رأيان مبنيان على الاختلاف فى التقدير :
«أحدهما : أن هذا البناء - مع كثرته - من قبيل المسموع. ومعنى هذا أن الكثرة لم تصل إلى حد أن يقاس عليها.
«والآخر : أن الكثرة وصلت إلى حدّ أن يقاس عليها. وله من كلام بعض (1)الأئمة الكبار ما يعضده.
«وقد أخذ المجمع بالرأى الثانى ؛ لأنه قوىّ ، والحاجة داعية إلى القياس على ما قال العرب)» ا ه (2)
«(كان المجمع الموقر قد اتخذ القرار الآتي : (تصاغ : «مفعلة» - بفتح العين . قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه الأعيان ؛ سواء أكانت من الحيوان ، أم من النبات ، أم من الجماد ...).
وقد يسر هذا القرار لواضعى المصطلحات العلمية وضع كثير من الألفاظ العربية على هذا الوزن أمام أشباهها من الألفاظ الأعجمية ؛ مثال ذلك : ملبنة . مزبدة مقطنة . موردة . مقصبة ...
«وفى أثناء معالجتي لهذه الألفاظ . وما يشابهها . برزت عقبة لم أستطع تذليلها ، ولذلك رأيت عرضها على
مؤتمر المجمع الموقر ؛ وهى تلخص بالسؤال الآتى :
إذا لم يكن لاسم العين الثلاثى فعل وكانت عين الاسم حرف علة ، (كما في كلمات : توت . خوخ ،
جوز ، وأشباهها) فما هو حرف العلة في اسم المكان الذي يصاغ من اسم العين على وزن مفعلة؟
«وبعد. أرجو المذاكرة فى هذا الموضوع ، أو إحالته على اللجنة المختصة ؛ بغية اتخاذ قرار ينير السبيل أمام الباحثين في المصطلحات العلمية.) اه- .
وقد أحيل الاستفسار إلى لجنة الأصول ؛ فدرسته واتخذت فيه قرارا قدمته للمؤتمر فوافق عليه ، ونص القرار : (القاعدة في صوغ : «مفعلة» مما وسطه حرف علة هي : «الإعلال» فيقال في مثل : «نوت» ، و «خوخ» ، و «تين» : متاتة ، ومخاخة ، ومتانة. لكن وردت في اللغة ألفاظ كثيرة بالتصحيح لا الإعلال ؛ مثل : مشوبة - مشورة - مصيدة - مقودة - مبولة. ويرى النحاة أن الاحتفاظ بالأصل يلجأ إليه أحيانا. ولا شك أن بقاء الكلمة من غير إعلال أبين فى الدلالة على المعنى. ولإعلال في هذا الباب غير مستحكم. وقد نقل عن أبي زيد النحوى إجازة التصحيح فى «أفعل» ، و «استفعل» ؛ كأغيم ، وأغيل ، واستحوذ ، واستقوم ، واستجوب واستصوب ...... وإذا أجيز التصحيح فى الأفعال فالإجازة فى الأسماء مقبولة ؛ لأن الأسماء فى هذا الباب محمولة على الأفعال ، فى الإعلال) ا ه.
هذا نص الاستفسار ، وقرار اللجنة والمؤتمر بشأنه، (كما وردت نصوصها الحرفية في ص 50 من مجموعة البحوث ، والمحاضرات لمؤتمر المجمع ، فى دورته السادسة والعشرين ، سنة 1959 - 1960).
وإنى ألحظ في هذا القرار غموضا وتعارضا يتطلبان التجلية والتوفيق. فالقرار ينص على أن القاعدة هي : الإعلال. وهذا حكم يقتضينا التمسك بالقاعدة ، وعدم الخروج عليها ، ما دامت قد استحقت اسمها : وما خالفها فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه . كما يقولون ...
لكن القرار يعود بعد ذلك فيقول : وردت ألفاظ كثيرة في اللغة بالتصحيح لا بالإعلال ... فما مراده بالكثرة؟ إن كانت قد بلغت الحد الذي يصح القياس عليه لم تكن القاعدة السالفة (وهي قاعدة : «الإعلال») فريدة يجب الاقتصار عليها ؛ وإنما تكون إحدى قاعدتين ، يجوز القياس على كل منهما ؛ هما : «التصحيح والإعلال». وإن كانت لم تبلغ حد الكثرة المطلوبة وجب الاقتصار على الأولى عند التطبيق ، واعتبار ما ورد من الثانية شاذا.
ثم ما المراد من أن الأصل يلجأ إليه أحيانا؟ أهذا الالتجاء واجب أم جائز ؟ وما تحديد هذه الأحيان؟ ومن الذي له الحق في تحديدها؟ ... و ...
وإذا كان بقاء الكلمة من غير إعلال أبين من غير شك (كما يقول القرار) في الدلالة على المعنى من الإعلال . فلماذا نترك الأبين إلى غيره؟ وكيف يختار أئمة النحو ضابطا عاما يؤدى إلى غير الأبين مع ترك ما يؤدى إلى الأبين؟ وإذا كان الإعلال في هذا الباب غير مستحكم (كما يقول القرار) فلم التمسك به ، وبناء القاعدة عليه؟ وإذا كان المنقول عن أبي زيد . كما يشير القرار . جواز التصحيح في «أفعل» و «استفعل» ، فهل يجوز التعميم بحيث يشمل التصحيح غيرهما أيضا ، بالرغم من أن أبا زيد قصر الأمر عليهما دون غيرهما؟ وبالرغم أيضا مما قاله ابن جني في كتابه الخصائص ( ح 1 ص 99) ونقله السيوطى . وغيره . في كتابه : «الأشباه والنظائر» وفى كتابه المزهر (ج 1 ص 136) عند الكلام على المطرد في الاستعمال مع شذوذه في القياس ؛ مثل : استحوذ واستصوب؟ فقد قال ما نصه : اعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلابد من اتباع السماع الوارد فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت استحوذ ، واستصوب . أديتهما بحالهما ، ولم تتجاوز ما ورد به السماع فيهما إلى غيرهما ؛ ألا تراك لا تقول في استقام استقوم ، ولا في استساغ استسوغ ، ولا في استباع استبيع ، ولا في أعاد أعود ... لو لم نسمع شيئا من ذلك. قياسا على قولهم أخوص (الرّمث .... الرمث : نبت حامض- وأخوص : صار كالخوص -) ... فهل يجوز التعميم برغم كل ما سبق مما نقلناه.؟
وما المراد من قول التقرير : إذا أجيز التصحيح في الأفعال فالإجازة في الأسماء مقبولة ...؟ فهل اطرد التصحيح في الأفعال حتى تحمل عليه الأسماء فيه؟ وإذا كان مطردا أو كثيرا إلى الحد الذي يبيح قياس الأسماء عليه فلم منعه القدماء إلا في المسائل المحدودة التي نصوا عليها؟ ... تلك هي بعض الجوانب التى تحتاج إلى التجلية والبيان ، مع ترك جوانب أخرى من ذلك القرار يغشيها الغموض أيضا. ولا سيما إذا عرضنا لرأى سيبويه فى مثل تلك الكلمات التى لم يجر عليها الإعلال بالنقل من مثل : استحوذ - استصوب ... فهو يقول ما ملخصه : سمعنا جميع الشواذ المذكورة معلة أيضا على القياس إلا استحوذ ، واستروح الريح ، وأغيلت ... ثم قال : ولا مانع من إعلالها وإن لم يسمع ؛ لأن الإعلال هو الكثير المطرد. - راجع ص 47 من كتاب : ليس من كلام العرب لابن خالويه.
ويدور بخلدى أن القرار لو اقتصر على سرد القاعدة التي جاءت فى صدره ، وزاد عليها إباحة التصحيح
في حالة واحدة هي : أن يخفى معنى الكلمة بالإعلال أو يلتبس بغيره ، ولا منجاة من الخفاء واللبس إلا بالتصحيح . لو فعل هذا . لكان سليما من الغموض ، بعيدا من التعارض ، مسايرا بعض المذاهب اللغوية العامة.
.1) ومن هؤلاء صاحب : «المكمل ، شرح المفصل» حيث يقول ما نصه :(«اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شىء بمكان وضعوا لها «مفعلة» وهذا قياس مطرد فى كل اسم ثلاثى ، كقولك أرض مسبعة ، أى : يكثر فيها ...) ا ه. وسرد بعد هذا أمثلة كثيرة.
2) للقرار المجمعى السابق ما يشبه التتمة المستقلة ، صدرت بعده بأمد طويل ؛ ففى الجلسة التالية للمؤتمر المجمعى بتاريخ 17 / 12 / 1959 عرض استفسار لأحد الأعضاء ، نصه :
الثانية : أن هذه الصيغة تختلف فى مدلولها وفى المراد منها عن صيغتى :
«مفعل» ، و «مفعلة» الخاصتين «باسم المكان» فهاتان الصيغتان مشتقتان من المصدر ، وتدلان على المكان وعلى المعنى المجرد الذى يحدث به. أما تلك فتصاغ من الثلاثى المحسوس للدلالة على المكان وعلى شىء حسى معين يكثر به ، لا على شىء معنوى ، فالفرق كبير بين الدلالتين. والفرق أكبر وأوسع فى الأصل الذى يشتقان منه ، وفى طريقة الصياغة ، ووزن الصيغة ، كما يتبين هذا جليّا فى الشرح الخاص بكل.
د - ملخص ما سبق من أوزان المصدر الميمى (1)واسمى الزمان والمكان إذا كانت أفعالها الماضية ثلاثية ، وماضى المصدر الميمى غير مضعف - هو : (1) إذا كان الماضى الثلاثى معتل اللام ، (مثل : دعا - سعى ...) فالصيغة للمشتقات الثلاث هى وزن : «مفعل» - بفتح ، فسكون ، ففتح - تقول : مدعى - مسعى ...
(2) إذا كان الماضى الثلاثى صحيح الأحرف ومضارعه مضموم العين أو مفتوحها : (مثل : نظر ينظر - فتح يفتح ...) فالصيغة للثلاثة على وزن : «مفعل» أيضا ، كالسابقة.
(3) إذا كان الماضى الثلاثى صحيح الأحرف ، ومضارعه مكسور العين ؛ (مثل : جلس يجلس - عرف يعرف ...) فالميمى على وزن : «مفعل» أيضا ، واسما الزمان والمكان على وزن : «مفعل» بكسر العين.
1) سبق تفصيل الكلام عليه فى ص 231.
(4) إذا كان الماضى الثلاثى معتل الفاء بالواو ، صحيح اللام ، ومضارعه مكسور العين تحذف فيه الواو ؛ (مثل : وعد يعد ..) فالصيغة للثلاثة هى : «مفعل» بكسر العين.
ويتبين مما سبق أن صيغة الثلاثة لا تختلف إلا فى صورة واحدة هى التى يكون فيها الماضى الثلاثى صحيح الأحرف مكسور العين فى المضارع ، فيصاغ المصدر الميمى على وزن «مفعل» - بفتح العين - ويصاغ اسما الزمان والمكان على وزن «مفعل». بكسر العين. ويجوز فى المصدر الميمى أيضا أن يكون على وزن : «مفعل» - بفتح العين أو كسرها - إن كان ماضيه مضعفا (1).
كل ما سبق حين يكون الماضى ثلاثيّا فإن كان غير ثلاثى فيصاغ الثلاثة - وكذا اسم المفعول - على وزن المضارع مع إبدال أوله ميما مضمومة وفتح الحرف الذى قبل آخره ، وتكون القرائن هى المميزة بين الأنواع الثلاثة والدالة على النوع المناسب للسياق دون غيره من الثلاثة الأخرى.
1) طبقا لما سلف فى ص 227.
اسم يصاغ - قياسا - من المصدر الأصلى (1)للفعل الثلاثى المتصرف - لازما. أو متعديا - بقصد الدلالة على الأداة التى تستخدم فى إيجاد معنى ذلك المصدر.
وتحقيق مدلوله.
وليس الوصول إلى تلك الدلالة المعنوية مقصورا على صيغة اسم الآلة القياسىّ ، فمن الممكن الوصول إلى تلك الدلالة بأساليب مختلفة. ليس فى واحد منها الصيغة القياسية التى تخص «اسم الآلة» ولكن هذا الوصول يتطلب ألفاظا ، وكلمات متعددة لا يتطلبها صوغ اسم الآلة القياسىّ ؛ فإنه يقوم بهذه الدلالة المعنوية بكلمة واحدة ، فمزيته أنه يؤدى باللفظة المنفردة ما لا يؤديه غيره إلا بالكلمات المتعددة.
صياغته القياسية لا تكون إلا من مصدر الفعل الثلاثى المتصرف - مطلقا (2)- يصاغ من غيره.
وأوزان اسم الآلة ثلاثة قياسيّة ؛ هى : مفعل - مفعال - مفعلة. وطريقة صوغها أن نجىء بذلك المصدر مهما كان وزنه - وندخل عليه من التغيير ما يجعله على وزن إحدى الصيغ الثلاث (3). مثال ذلك :
(1) نشر النّجار الخشب نشرا. فآلة النشر هى : منشر. أو : منشار ، أو : منشرة.
1) فى ص 182 تفصيل الكلام على أصل المشتقات ؛ مصدرا وغير مصدر ... ولم يعرض ابن مالك فى «ألفيته» ، لاسم الآلة. وقد عرضنا له استيفاء للمشتقات.
2) أى : سواء أكان الفعل متعديا أم لازما ، كما تقدم. وانظر : «ب» - ص2. حيث البيان الخاص بصوغه من اللازم.
3) زاد عليها مجمع اللغة العربية أو زانا أخرى تجىء فى ص 337.
(2) برد الصانع الحديد بردا ، فآلة البرد هى : مبرد ، أو : مبراد ، أو : مبردة.
(3) ثقبت سداد القارورة ثقبا - فآلة الثقب هى : مثقب ، أو : مثقاب ، أو مثقبة.
(4) سخن الماء سخانة وسخونة - فالآلة التى تتحقق بها السخونة.
هى : مسخن ، أو : مسخان ، أو : مسخنة.
(5) سلكت الطريق سلوكا ، أى : ذهبت فيه ونفذت منه. فالآلة التى يتحقق بها الذهاب والنفاذ ، هى : مسلك ، أو : مسلاك ، أو : مسلكة.
(6) سمحت للمحتاج ببعض الغلة سموحا ، وسماحا ، وسماحة ، فالآلة التى يتحقق بها السّماح وتستخدم فى الإعطاء والتناول ، هى : مسمح أو : مسماح ، أو : مسمحة ... و ... وهكذا.
اسم الآلة لا يعمل عمل فعله ؛ فلا يرفع فاعلا أو نائب فاعل ، ولا ينصب مفعولا به ، ولا غيره ؛ فهو واسم المكان واسم الزمان المشتقات الثلاث التى لا تعمل عمل فعلها (1).
ويلاحظ أن صيغة «مفعال» مشتركة بين «اسم الآلة» ، و «صيغة المبالغة» ؛ فهى من الأوزان الصالحة لهذه ولتلك - كما سبق (2)- والتفرقة بينهما فى الدلالة تكون بإحدى القرائن اللفظية أو المعنوية ؛ كالشأن فى كل صيغة مشتركة ، أو لفظ يصلح لمعنيين أو أكثر ؛ فالقرينة وحدها هى التى تتحكم فى التوجيه هنا أو هناك ، ففى مثل : (تخيرت للخشب الجزل منشارا قويّا يمزقه) - تكون صيغة «مفعال» اسم آلة : بخلافها فى مثل : (ما أعجب فلانا فى التحدث عن
نفسه ، ونشر أخباره ، وانتهاز الفرص للإعلان عن شئونه!! إنه جدير بأن يسمى : منشارا) - فإنها صيغة مبالغة فى النشر. ومثل : كلمة : «مذياع» ؛ فقد يراد منها الآلة الصمّاء التى تستخدم فى نقل الأخبار المذاعة. وقد يراد منها الشخص المتكلم فى تلك الآلة (1). فمثال الحالة الأولى تدل عليها القرينة : توقف المذياع لخلل فى أسلاكه. ومثال الثانية التى تدل عليها القرينة أيضا : ما أفصح المذياع ، وما أعذب صوته ، لم يتلجلج ، ولم يتردد ، ولم يشوه كلامه بلحن أو خطأ ، مع أنه كان يرتجل بغير إعداد.
1) هذا من الوجهة اللغوية. وقد جرى العرف اليوم على تسمية الآلة «بالمذياع» «وتسمية الشخص : بالمذيع.
ا - وردت ألفاظ مسموعة شذت صيغتها عن القياس ؛ منها : «المنخل» ؛ للأداة التى ينخل بها الدقيق. «والمدقّ» ؛ للأداة التى تدق بها الأشياء الصّلبة «والمدهن» ؛ للأداة التى تستخدم فى الدهان. «والمكحلة» ؛ للأداة التى تستخدم فى الكحل ، أو للوعاء الذى يوضع فيه. و «المسعط» ؛ للأداة التى يسعط بها العليل ، أو الصبى ، أى : يوضع بها الدواء فى أنفه (وكل ما سبق بضم أوله وثالثه إلا «المدق» فبضم أوله وثانيه) ، «وإراث» للأداة التى توقد النار ...
ولما كانت تلك الأوزان - وأشباهها - خارجة عن الصيغ القياسية ، جاز استعمالها كما وردت مسموعة عن العرب ، وجاز - كما سيتبين بعد (1)- اشتقاق صيغة قياسية من مصدر أفعالها الثلاثية المتصرفة تؤدى معناها ومهمتها ، بحيث تجىء الصيغة الجديدة على وزن «مفعل» أو : «مفعلة» ، أو : مفعال» وهى الأوزان الثلاثة القياسية لاسم الآلة.
ب - فى محاضر جلسات المجمع اللغوى القاهرىّ ، فى دور انعقاده الأول (ص 371) ، بحث واف على اسم الآلة ، ونصوص متعددة من المراجع المطولة الأصيلة التى تصدت لبيان أحكامه. ومن ذلك البحث وما تبعه من بحوث فرعية ، وما أناره من جدل عنيف ، ومناقشات مستفيضية مسجلة هناك - يتبين أن بين العلماء خلافا شديدا يكاد يتركز فى ثلاث مسائل :
أولها : أيكون اشتقاق اسم الآلة من مصدر الثلاثى المتصرف ، المتعدى واللازم ، أم من مصدر المتعدى فقط ، كما يميل إليه أكثر السابقين؟ وهل يشتق من أسماء الأعيان؟
ثانيها : أيجوز اشتقاق من مصدر الأفعال غير الثلاثية ، أم أمره مقصور على الثلاثية وحدها؟
ثالثها : أيجوز القياس مع وجود صيغة مسموعة تخالفه ، أم يجب الاقتصار عليها؟
1) فى «ب» ... التالية.
وخير إجابة عن تلك الأسئلة - وهى إجابة مستمدة فى أكثرها من البحوث والمناقشات التى دارت بالمجمع ، ثم من مراجع واعتبارات أخرى - هى :
(1) جواز الاشتقاق من مصدر الفعل الثلاثى المتصرف اللازم والمتعدى ، دون مصدر الأفعال غير الثلاثية ، ودون أسماء الأعيان. فيجب الاقتصار فى هذين على المسموع وحده.
(2) ويجوز القياس بصوغ اسم الآلة من مصدر الفعل الثلاثى المتصرف مع ورود صيغة مسموعة تخالفه. لكن الأحسن الاقتصار على هذه الصيغة المسموعة ، وبخاصة إذا كانت شائعة.
«ملاحظة» : جاء فى مجلة المجمع اللغوى ، القرار الآتى نصه (1):
" (يضاف إلى الصيغ الثلاث المشهورة فى اسم الآلة ، (وهى. مفعل - مفعلة - مفعال ، وكذا : «فعّالة» التى أفر مجلس المجمع قياسيتها من قبل) ... صيغ أخرى ؛ هى:
ا - فعال ؛ مثل : إراث (لما تؤرّث به النار ، أى : توقد).
ب - فاعلة ؛ مثل : ساقية.
ج - فاعول ؛ مثل : ساطور.
وبهذا تصبح الصيغ القياسية لاسم الآلة سبع) " ا ه.
وفى الصيغ الأربع الجديدة التى اشتمل عليها هذا القرار ما يقتضى التأمل والتلبث. فصبغة : «فعّالة» المقترحة ؛ (اعتمادا على كثرتها فى الاستعمال القديم والحديث ؛ ومن الحديث : ثلّاجة - خرّامة - خرّاطة - كسّارة : لآلة الثلج ، والخرم ، والخرط ، والكسر ، إنما تصاغ على أصل عربى فصيح ؛ هو صيغة : «فعّال» المؤنثة المشتقة للدلالة على المبالغة ، أو على النّسب لأمر من
1) راجع ص 250 من مجلة المجمع اللغوى ، العدد الخاص بالبحوث والمحاضرات التى ألقيت فى مؤتمر الدورة التاسعة والعشرين ، سنة 1962 - 1963. وكذلك ص 19 من كتابه الذى أخرجه سنة 1969 باسم «كتاب فى أصول اللغة» مشتملا على مجموعة القرارات التى أصدرها من الدورة التاسعة والعشرين إلى الدورة الرابعة والثلاثين وفى هذا المرجع القرار متبوعا بالأدلة والبحوث العلمية التى تؤيده.
الأمور - طبقا لما سيجىء فى باب : «النسب (1)» - ثم تستعمل بعد ذلك مجازا (لغرض بلاغى) فى الدلالة على الآلية أو السببية. وهذا الاستعمال المجازى مباح فصيح فى كل عصر ، بشرط توافر ركنى المجاز (وهما : العلاقة ، والقرينة) ومن المعروف بلاغة أن المجاز إذا اشتهر صار حقيقة عرفية فصيحة ؛ ينسى معها «العلاقة والقرينة» ، طبقا لما قرره البلاغيون ، فلا حاجة - إذا - لقرار بزيادة تلك الصيغة على صيغ اسم الآلة ، هذا إلى أنها لا تكون نصّا فى دلالتها على الآلية - أحيانا - وبذا تختلف عن الصيغ المسموعة.
أما الصيغ الثلاث الجديدة التى زيدت أيضا (ا - ب - ج) فأمر قياسيتها غير واضح ؛ فهل المراد أن يصاغ على وزنها أسماء آلات من كل ما يصاغ منه اسم الآلة؟
إن كان هذا هو المراد - وهو ما يقتضيه حكم القياس - كان غريبا ؛ لأن الاستعمال العربى القديم لتلك الكلمات كان متجها فى بعضها إما للمجاز على الوجه الذى شرحناه ؛ كاستعمالهم كلمة : «الساقية» ، وإما للأداة الخاصة فى بعض كلمات أخرى معينة دون غيرها كما فى كلمة «إراث» و «ساطور» ، ونحوهما من عشرات الكلمات المتباينة التى استعملوا - بقلة - كل واحدة منها أداة دون أن تخضع تلك الكلمات كلها لكثرة استعمالهم أو لصيغة واحدة تجمعها ، أو وزن واحد تندرج تحته ؛ فالحكم بالقياس على تلك الصّيغ الثلاث واستعمالها من غير طريق المجاز مخالف للمراد من القياس اللغوى ، ومؤدّ للاضطراب. هذا إلى أنه يمكن الاستغناء عن الصور الجديدة كلها باختيار صيغة من الصيغ القديمة تستعمل أداة موصلة للمعنى المراد من كل صيغة من هذه الصيغ المستحدثة.
1) فى الجزء الرابع.
إذا رأينا فى أحد الكواكب أشباحا تحاول الاتصال بنا ، أو : شاهدنا بئرا تغيض (1)فجأة ، أو : مطرا ينهمر فى يوم صحو (2)، أو : سيارة جديدة تتوقف عن المسير بغير سبب معروف - كان هذا أمرا باعثا للدّهش ، وانفعال (3)النفس به ؛ واستعظامها إياه ؛ لخفاء سرّه عليها ، وعدم وجود نظير له ، أو قلة نظائره. وقد يعبر عنه الناس بأنه ؛ أمر عجيب ، أو : غريب ، أو : مثير ... ، أو نحو هذا من العبارات التى يريدون منها ما يسميه اللغويون : «التعجب» ، ويعرفونه بأنه : «شعور داخلى (4)تنفعل به النفس حين تستعظم أمرا نادرا ، أو لا مثيل له ؛ مجهول الحقيقة (5)، أو خفىّ السبب» (6). ولا يتحقق التعجب إلا باجتماع هذه الأشياء كلها.
له أساليب كثيرة (7)تنحصر فى نوعين :
1) يجف ماؤها.
2) لا غيم فيه ، ولا مطر ، ولا برد.
3) تأثّر.
4) وقد يترتب عليه ظهور آثار خارجية ؛ كالتى تبدو على الوجه ، أو غيره.
5) أى : الذات. بأجزائها التى تتركب منها.
6) لهذا يقال : إذا ظهر السبب بطل العجب ؛ ولهذا أيضا لا يوصف المولى جل سأنه بأنه متعجب ؛ إذ لا يخفى عليه شىء ، وإذا ورد فى كلامه ، أو فى الحديث الشريف ، أو غيرهما ما يدل على أنه يتعجب ، فالمراد : إما توجيه السامعين إلى إظهار العجب والدهشة ، وإما المراد : اللازم ؛ وهو الرضا والتعظيم ، أو : نحو ذلك من الأغراض البلاغية.
7) والغرض الأساسى من كل منها هو : «التعجب». لكن بعضها قد يتضمن أحيانا كثيرة التعجب وغرضا آخر معه ؛ هو : «المدح ، أو الذم» : كما سيتبين فى هذا الباب ، وفى باب «نعم وبئس» عند الكلام على الأفعال التى تجرى مجراهما - ص370. .
أحدهما : مطلق ؛ لا تحديد له ولا ضابط ؛ وإنما يترك لمقدره المتكلم ، ومنزلته البلاغية ، ويفهم بالقرينة.
والآخر : «اصطلاحىّ» ، أو : «قياسىّ» مضبوط بضوابط وقواعد محددة. ولا تكاد تختلف فى استعماله أقدار المتكلمين.
ومن أمثلة الأول : «لله درّ (1)فلان» ، فى قول القائل :
لله درّك!! أىّ جنّة (2)خائف *** ومتاع دنيا. أنت للحدثان (3)
ومنها : «يا لك ، أو يا له ، أو : يالى» ... كقول الشاعر :
فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا *** وإن كان غيرى واجدا فيه مسبحا
ومنها : «شدّ (4)» فى نحو : شدّ ما يفخر اللئيم بأصوله إن كانت له أصول ، ويتمدح بفعاله إن كان له فعل محمود.
ومنها كلمة : «عجب» ، مصدرا ، ومشتقاته ، مثل : عجب ، و : «عجيب» فى نحو : قولهم : عجبت لمن يشترى المماليك بماله ، ولا يشترى الأحرار بكريم فعاله. وقول الشاعر :
أقاطن (5)قوم سلمى أم نووا ظعنا (6)؟ *** إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
ومنها : الاستفهام المقصود منه التعجب ؛ كقوله تعالى : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ؟ ) ؛ وكقول شوقى يخاطب تمثال أبى الهول (7):
إلام ركوبك متن الرمال *** لطىّ الأصيل ، وجوب السّحر؟
ومنها : «سبحان اللّه» التى تصاحبها قرينة تدل على أن المقصود منها التعجب ؛ كقول رجل سئل عن اسمه : (سبحان اللّه! تجهلنى ، والخيل والليل والبيداء تعرفنى ...)
إلى غير ذلك من كل لفظ يدل على التعجب (1)وتفهم منه هذه الدلالة بقرينة ، من غير أن يكون من النوع «الاصطلاحىّ». (القياسىّ)
أما النوع «الاصطلاحى ، أو القياسى ، فصيغتان (2). «ما أفعله» و «أفعل به». وهذان وزنان يستعملان عند إرادة التعجب من شىء تنفعل به النفس على الوجه الذى شرحناه ؛ فعند التعجب من الجمال الباهر - مثلا - ، أو الضخامة البالغة ، أو : القصر المتناهى ... أو غيره ... نأتى بأحد أسلوبين قياسيين.
أولهما (3): فعل ماض ، ثلاثى (4)، يشتمل على المعنى الذى يراد التعجب منه ، ثم نجعل هذا الماضى على وزان : «أفعل». وقبله : «ما» الاسمية التى هى مبتدأ ، وعلامة التعجب ؛ ولذا تسمى : «ما التعجبية» - وتقديمها على هذا الماضى واجب - ، وفاعله ضمير مستتر وجوبا ، تقديره : «هو» يعود على : «ما» ، وبعده اسم منصوب هو فى ظاهره وفى إعرابه مفعول به (5). ولكنه فى المعنى فاعل (6)؛ إذ كان فى الجملة - وفى الحقيقة - قبل التعجب فاعلا ؛ نحو ؛ ما أجمل الوردة الناضرة! - ما أضخم هرم الجيزة! ما أقصر
1) مثل كلمة : «واها» فى نحو : واها لسلمى ثم واها واها!! ومثل حرف النداء فى : يا جاوتا ما أنت جارة!!
2) هناك صيغة ثالثة قياسية يأتى الكلام عليها فى (ج) من ص 347.
3) الثانى فى ص 344. وكلاهما يجب تصحيح عينه المعتلة إن كانت مستحقة للإعلال بالنقل - طبقا للبيان الآتى فى : «ا» ص 347.
4) وقد يصاغ من الرباعى الذى على وزن : أفعل ، على الوجه الآتى فى ص 348.
5) لهذا لا يصلح التعجب إن كان المفعول به حقيقيّا فى أصله (قد وقع عليه فعل الفاعل) ففى مثل : سقى المطر الزرع ؛ لا يصح أن يقال : ما أسقى الزرع ؛ بقصد التعجب الواقع على الزرع. لأن المفعول به هنا حقيقى ، وليس فاعلا فى المعنى - انظر «ا» من ص 347.
6) لهذا لا يصلح التعجب إن كان المفعول به حقيقيّا فى أصله (قد وقع عليه فعل الفاعل) ففى مثل : سقى المطر الزرع ؛ لا يصح أن يقال : ما أسقى الزرع ؛ بقصد التعجب الواقع على الزرع. لأن المفعول به هنا حقيقى ، وليس فاعلا فى المعنى - انظر «ا» من ص 347.
سكان المناطق القطبية! فكلمة : «ما» فى هذه الأمثلة وأشباهها - مبتدأ (1)، والجملة الفعلية بعدها خبرها ، ثم المفعول به الذى هو فاعل فى المعنى : فالأصل جملت الوردة - ضخم الهرم - قصر سكان المناطق القطبية -
وعند إرادة التعجب من كبر قارة آسيا ، وسعتها ، وغزارة سكانها ، وعلو جبالها ... و ... نقول ما أكبرها!! وما أوسع رقعتها!! وما أغزر سكانها!! وما أعلى جبالها!! ... والإعراب كما سبق تماما ، وكذلك المفعول به
و «ما» التعجبية فى هذه التراكيب - ونظائرها - هى نوع من «النكرة التامة» (2)، وتتضمن - بذاتها (3)- معنيين معا ، أو : أنها ترمز إليهما معا ؛ هما : (توجيه الذهن إلى أن ما بعدها عجيب ، وأن الذى أوجده أمر عظيم) ويصفها النحاة بأنها «نكرة تامة». والماضى بعدها جامد لا محالة (4)، مع أنه فى أصله ثلاثى متصرف ، ولكنه يفقد التصرف باستعماله فى التعجب رباعيّا على وزن «أفعل» كما يفقد - فى الأرجح - الدلالة على الزمن إن لم توجد قرينة تدل على الزمن (5).
1) انظر «ا» من الزيادة التالية - فى ص 343 -.
2) يريدون بالتنكير ، أنها بمعنى : «شىء» أىّ شىء. وبالتمام : أنها لا تحتاج إلا للخبر ، فلا تحتاج بعدها إلى نعت أو غيره من القيود. وتنكيرها أفادها إبهاما جعلها فى أسلوب التعجب بمعنى : «شىء عظيم». وعلى هذا تكون «النكرة التامة» هى النكرة المحضة الخالصة من كل قيد ، أما المقيدة بنعت أو غيره من القيود فتسمى : «نكرة ناقصة». - وبيان هذا فى ج 1 م17. .
3) أى : بلفظها وتكوينها ، لا بلفظ أو شىء آخر غيرها.
4) ولا يدل - عند المحققين - على زمن ؛ لأن الجملة التعجبية متجردة لمحض «الإنشاء» المقصود منه «التعجب» ، فلا دلالة فيها على زمن عندهم (كما سيجىء فى رقم 2 من هامش ص 344 وفى رقم 1 من هامش ص 349 وفى رقم 4 من هامش ص 361) - وعدم دلالتها على الزمن مشروط بألا تشتمل على لفظة : «كان» أو «يكون» أو غيرهما من الألفاظ أو القرائن التى أريد منها أن تدل على زمن مجدد معين ، طبقا للبيان الخاص بهذا فى الصفحات السالفة ، وفى صدر الجزء الأول عند الكلام على الأفعال - م 4 -.
5) كما سيجىء فى ص 347 و349 و357.
ا - لسنا بحاجة إلى الأخذ برأى من يقول : إن «ما» التعجبية اسم موصول ، مبتدأ ، والجملة بعدها صلتها ، والخبر محذوف. ولا برأى آخر يقول : إنها نكرة ناقصة (تحتاج إلى نعت بعدها) والجملة بعدها نعت لها ، والخبر محذوف ، ولا استفهامية ... ولا ... ولا ... ، فكل هذه الآراء تحمل فى طياتها كثيرا من التعسف ، وتقوم على الحذف والتأويل من غير داع ، ومن غير أن تمتاز بمزية تصرفنا عن الإعراب الأول الذى يتضمن كل مزاياها ، ويخلو من عيوبها. فعلينا التمسك به وحده ، وأن نختصر فى الإعراب ، فنقول : «ما» تعجبية ، قاصدين مع هذا الاختصار أنها نكرة تامة مبتدأ - من غير حاجة للتصريح بما اصطلحنا عليه ...
ب - ورد عن العرب قولهم : (ما أميلح فلانا وما أحيسنه ،) بتصغير الفعلين الماضيين : «أملح وأحسن» عند استخدامهما فى التعجّب ، مع أن الأفعال لا تصغّر ... فهل يصح تصغير غيرهما من الأفعال الماضية المستخدمة فى التعجب ، والتى على وزن «أفعل» ؛ قياسا على هذين الفعلين الماضيين؟ الرأى الشائع عدم الجواز ، ولكن سيبويه وبعض البصريين وفريق من غيرهم يبيحه. وفى الأخذ بهذا الرأى - أحيانا - تيسير وتوسعة لا ضرر منهما (1)...
1) تفصيل هذا - كاملا - فى باب : «التصغير» من الجزء الرابع م 175. ص 631.
ثانيهما (1): فعل ثلاثى لازم مشتمل على المعنى الذى يراد التعجب منه ، ونجعل هذا الفعل على وزن : «أفعل» ، وبعده باء الجر ، تجرّ اسما ظاهرا ، أو : ضميرا متصلا بها ، وكلاهما هو الذى يختصّ بمعنى الفعل. ففى الأمثلة السابقة يقال : أجمل بالوردة النّاضرة! أضخم بهرم الجيزة! أقصر بسكان المناطق القطبية!. أكبر بقارة آسيا! وأوسع برقعتها! وأغزر بسكانها! وأعل بجبالها! أو : أكبر بقارة آسيا! وأوسع بها! وأغزر بسكانها! وأكثر بهم!
أما إعراب : «أجمل بالوردة الناضرة» ففيه وفى نظائره إعرابان :
ا - أن نقول «أجمل» ، فعل ماض على صورة الأمر ، (أى على شكله الظاهر فقط (2)، دون الحقيقة المعنوية) .. «بالوردة» الباء ، حرف جر زائد (3)
كما سبق عند الكلام على باء «الجر» ج 2 هامش رقم 1 من ص 153 م 71 و 351 م 89 . وكما
سیجی البيان في رقم 1 من هامش ص 362.
. «الوردة» فاعل مجرور بالباء لفظا ، ولكنه فى محل رفع على الفاعلية. «الناضرة» نعت ، إمّا مجرور بالكسرة تبعا للفظ الفاعل المنعوت ، وإما مرفوع بالضمة تبعا لمحل المنعوت ، ويكون المراد هو : جملت الوردة ، أى : صارت ذات جمال عجيب ، وضخم الهرم ، أى : صار ذا ضخامة عجيبة. وقصر سكان المناطق القطبية. أيضا ... ؛ وهكذا باقى صيغ «أفعل» التى جاءت فى ظاهرها على صورة الأمر ، وهى فى الحقيقة فعل ماض ؛ يراد منه فى ظاهره وفى حقيقته التعجب. ومثل النعت هنا غيره من التوابع ؛ فكل منها يجوز فيه الجر والرفع.هذا إعراب الفاعل المجرور بالباء حين يكون اسما ظاهرا معربا ، أما حين يكون اسما مبنيّا ؛ كالضمير البارز ، أو غيره من المبنيات (ومن الأمثلة
1) أما أولهما ففى ص 341 وكلاهما يجب تصحيح عينه المعتلة كما أشرنا هناك - طبقا للبيان الآتى فى : «ا» ص 347.
2) جاء على صورة الأمر لإنشاء «التعجب» ؛ فالجملة كلها إنشائية محضة ، ولا دلالة فيها - عند المحققين - على زمن ، إلا إن وجد تقييد يدل على الزمن (كما أشرنا فى رقم 4 من هامش ص 342 وكما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 349 و353 و362) - وهو مبنى على السكون حينا ، وعلى حذف آخره حينا آخر على حسب أحكام بناء الأمر ...
3) وزيادته فى هذا الموضع لازمة ؛ فلا يمكن الاستغناء عنه بشرط أن يكون المجرور به اسما صريحا ، لا مصدرا مؤولا من «أن أو أن» وصلتهما ؛ إذ فى هذه الصورة المصدرية يجوز - إلا مع «أنّ» الناسخة فى رأى - حذف حرف الجر - انظر رقم 2 من هامش الصفحة الآتية -.
الآية الكريمة : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) ... وبعض الأمثلة التى سلفت) فإنه يكون مبنيّا ويذكر فى إعرابه : «أنّه مجرور بكسرة مقدرة على آخره ، منع من ظهورها علامة البناء الأصلى فى محل رفع» (1)فهو - كسابقه - فى أنه مجرور اللفظ ، مرفوع المحلّ ، وفى أنه يجوز فى تابعه الأمران : الرفع والجرّ.
ب - أو نقول : «أجمل» فعل أمر حقيقى ، وفاعله ضمير مستتر تقديره : أنت ، يعود على مصدر الفعل المذكور (وهو : الجمال) و «بالوردة» الباء حرف جر أصلىّ ، وهى ومجرورها أصليان متعلقان (2)بالفعل. والمراد الملحوظ : يا جمال أجمل بالوردة ؛ أى : لازمها ، ولا تفارقها. فالخطاب الملحوظ موجّه لمصدر الفعل المذكور ، بقصد طلب استمراره ، ودوام بقائه معه (3)
إذا عمّر الإنسان تسعين حجّة *** فأبلغ بها عمرا ، وأجدر بها شكرا
. ومثل هذا يقال فى الأمثلة الأخرى ، والفاعل مفرد مذكر للمخاطب دائما لأنه ضمير مستتر للمصدر المخاطب فى كل الأحوال.والإعرابان صحيحان (4). والمعنى عليهما صحيح أيضا ؛ فلا خلاف بينهما .
1) يلاحظ أن الضمير الواقع فاعلا فى آية : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) إنما جاء خلفا عن «واو الجماعة» للغائبين ؛ إذ الأصل بناء على التقدير السالف : «سمعوا» ولما كانت واو الجماعة لا تكون فى محل جر امتنع وقوعها بعد «باء الجر» الزائدة لزوما. ولم يكن بد من التوفيق بين الأمرين بالاستغناء عن واو الجماعة والإتيان بالضمير «هم» مكانه ؛ لأنه الضمير الذى يصلح للرفع وللجر مع دلالته على جماعة الغائبين.
2) لازمان لا يمكن الاستغناء عنهما ، إلا فى حالة واحدة يمكن فيها حذف الباء «فى الرأى الأغلب - حين تجر مصدرا مؤولا ... (وسيجىء تفصيل الكلام عليها عند بيان الحكم التاسع من أحكام التعجب ص 362 م 109 وسبقت الإشارة لهذا فى رقم 2 من هامش الصفحة السالفة ، وفى ج 2 ص 135 م 71).
3) ويصح أن يكون موجها للمخاطب الذى يراد منه أن يتعجب. مع وجوب إبقاء الضمير على حاله من الإفراد والتذكير. وهذا الوجه هو الذى ينطبق فى يسر وغير تكلف على مثل قول الشاعر :
4) وبهما قال الأقدمون ، ولكل رأى أنصاره وأدلته المقبولة ؛ فلا معنى لتجريح أحدهما كما يفعل بعض المتسرعين. ومن الإنصاف القول بأن المذهبين مقبولان ولكن كثيرا من أدلتهما وتعليلاتهما مصنوع ، لا يثبت على التمحيص ؛ ولا يعرفه العربى صاحب هذه اللغة ولا يدور بخلده ، فوق أنه لا يساير القواعد النحوية الأصلية المنتزعة من كلامه. فمن الخير إهمال الجدليات والتعليلات الزائفة التى تتردد فى نواح كثيرة من هذا الباب وغيره.
فى تأدية الغرض. إلا أن الإعراب الثانى أيسر ، وأوضح ، وهو إلى عقول ناشئة المتعلمين أقرب. ويزداد يسرا ووضوحا حين يكون الفاعل المجرور بالباء اسما مبنيّا كالضمير ، وغيره من المبنيات التى تحتاج فى إعرابها إلى تطويل.
ويلاحظ أن صيغة : «أفعل» هذه جامدة - كأختها الأولى - مع أن فعلهما الأصلى ثلاثى متصرف ، ولكنه يفقد التصرف بسبب استعماله فى التعجب - كما أوضحنا(1)
ب «أفعل» انطق بعد : «ما» ؛ تعجّبا *** أو جىء ب «أفعل» قبل مجرور ببا
أى : انطق بصيغة : «أفعل» لأجل التعجب ، بشرط أن تكون هذه الصيغة واقعة بعد كلمة «ما» (وهى : «ما» التعجبية) وإن شئت فجىء بصيغة أخرى هى : «أفعل» وبعدها المتعجب منه (أى من شىء فيه). مجرور بالباء. ثم قال :
وتلو «أفعل» انصبنّه ؛ كما *** أوفى خليلينا! وأصدق بهما!
أى : (انصب ما يجىء بعد «أفعل». والذى يجىء بعد «أفعل» هو المفعول به المتعجّب منه ، (أى : من شىء فيه) ثم ساق فى آخر البيت مثالين ؛ أحدهما : للمتعجب منه (أى : من شىء فيه) المنصوب بعد «أفعل» ؛ وهو : «خليلينا». والثانى المتعجب منه المجرور بالباء بعد «أفعل» وهو «أصدق بهما». ثم ساق بيتا ثالثا ضمنه حكما سنذكره فى مكانه من الأحكام بصفحة 360 ؛ هو جواز حذف المتعجب منه إذا دل عليه دليل ، ولم يتأثر المعنى بحذفه ؛ يقول :
وحذف ما منه تعجّبت استبح *** إن كان عند الحذف معناه يضح
يضح. أى : يتضح. والفعل : «وضح يضح» ، والأصل : يوضح ، ثم حذفت الواو خضوعا لقاعدة صرفية تقضى بحذفها إذا وقعت ساكنة فى المضارع وقبلها فتحة وبعدها كسرة - وسيذكر البيت لمناسبة أخرى فى ص 360.
ثم ذكر بعد هذا بيتا يقرر فيه أن هذين الفعلين ممنوعان من التصرف ؛ فهما جامدان بحكم قديم محتوم قرره النحاة : ونص البيت :
وفى كلا الفعلين قدما لزما *** منع تصرّف بحكم حتما
(فى ترتيب البيت التواء ، والأصل : ولزم منع تصرف فى كلا الفعلين بحكم حتم قدما ؛ أى : قديما. وسيجىء إيضاح لهذا البيت فى مكانه الأنسب عند الكلام على أحكام التعجب (ص 357).
-. .1) فى ص 342 ، وما يجىء فى ص 349 ، 357 وفى الأحكام السابقة يقول ابن مالك فى باب عنوانه : «التعجب».
ا - همزة الماضى : «أفعل» فى التعجب هى لتعدية الصيغة التى يكون فعلها الثلاثى إمّا لازما فى الأصل ، وإمّا متعديا ، ولكنه يفقد التعدية عند أخذ الصيغة منه ؛ فتحل محلها تعدية جديدة تغايرها. فمثال الأول : ما أظرف الأديب!! فإن الفعل : «ظرف» لازم أصالة ؛ فصار متعديا. ومثال الثانى : ما أنفع الحذر!! فإن الفعل : «نفع» متعد فى أصله. وتزول عند أخذ الصيغة منه ، فتنصب مفعولا به جديدا كان فى الأصل فاعلا ، إذ الأصل : نفع الحذر. فكلمة «الحذر» فاعل يصير مفعولا به بعد التعجب (1).
أما همزة «أفعل» ، فللصيرورة على اعتباره ماضيا على صورة الأمر ...
ويجب تصحيح العين فى الصيغتين إن كانت فى غير التعجب تستحق الإعلال بالنقل ؛ مثل : ما أطول النخلة ، وأطول بها (2). ومن هذا قولهم : «ما أحوج الجبان إلى أن يرى ويسمع عجائب الشجعان» وكذلك يجب فكّ «أفعل» المضعف ، نحو : أشدد بحمرة الورد. وقول الشاعر :
أعزز علىّ بأن تكون عليلا *** أو أن يكون لك السّقام نزيلا
ب - يشيع فى هذا الباب ذكر : «المتعجّب منه» (وهو المعمول المنصوب أو المجرور بالباء) والتعبير الأنسب : هو : «المعمول المتعجّب من شىء يتصل به» لأن التعجب فى مثل : ما أنفع العلم!! ، إنما هو من نفع العلم ، لا من العلم ذاته. ولا بأس بالتعبير الشائع على اختصاره المقبول ؛ لأن المراد منه مفهوم.
ح - هناك صيغ أخرى للتعجب (3)، وأشهرها : «فعل» (4)
(التحويل إلى «فعل» - بضم العين - لقصد المبالغة والتعجب ، نحو : ضرب الرجل ، وفهم ... بمعنى : ما أضربه وأفهمه!). ا ه ، فلم يأت فى كلامه ولا فى حاشية الصبان ما يدل صراحة على أن المبالغة والتعجب يلازمان مدحا أو ذمّا ، مع أن النحاة صرحوا بأن تحويل الفعل الثلاثى إلى «فعل» - بضم العين ... بقصد المدح أو الذم يستلزم التعجب حتما - كما سيجىء فى ص 384.
- بضم1) كما سبق فى ص 341.
2) عملا بالضابط العام فى الإعلال بالنقل - وسيجىء تفصيل الكلام على هذا الضابط فى موضعه المناسب (ج 4 م 183 - ص 733).
3) سيجىء تفصيل الكلام عليها فى ص 384 م 111 من باب : «نعم وبئس».
4) جاء فى الأشمونى - ج 2 آخر باب «تعدى الفعل ولزومه» - ما نصه عند الكلام على السبب الثانى الذى يجعل الفعل المتعدى لازما :
العين - وهو فعل لازم ؛ نحو : كبرت كلمة تخرج من فم الجاحد ، وخبث لفظا يجرى على لسانه.
ومنها : «أفعل» بغير «ما» التعجبية ، وأصله فعل ثلاثى زيد فى أوله همزة التصيير ؛ نحو : أحسنت قولا ، وأبرعت عملا. أى : ما أحسن قولك ، وما أبرع عملك ... وفعلها الثلاثى حسن وبرع.
والمشهور أن الصيغة الأولى قياسية ، والثانية سماعية ذكرناها لندرك أمثلتها المسموعة.
يشترط فيه ثمانية شروط :
(1) أن يكون ماضيا (1)
(طبقا لما أشرنا إليه في هامش ص 342 ، نقلا عن الجزء الأول حيث البيان وذكر المراجع في صدره عند
الكلام على الأفعال. وسيجيء الإيضاح في هامش ص 353 وص 361).
.(2) ثلاثيّا ؛ فلا يصاغان من فعل زادت حروفه على ثلاثة ؛ مثل : دحرج - تعاون - استفهم .. - إلا إن كان الرباعىّ قبل التعجب على وزن : «أفعل» فيجوز - فى الرأى الأنسب (2)- صياغتهما منه بشرط أمن اللبس ؛ كالأفعال (أعطى - أقفر - أظلم - أولى ...) فيقال : ما أعطى التقىّ - ما أقفر الصحراء - ما أظلم عقول الجهلاء - ما أولى الناصح بردع نفسه.
ومن الشاذ قولهم : ما أخصر كلام الحكماء ، فبنوه من «اختصر» الخماسىّ المبنى للمجهول أيضا (3).
(3) متصرفا فى الأصل تصرفا كاملا ، قبل أن يدخل فى الجملة التعجبية. (أما بعد دخوله فيها فيصير جامدا (4)). فلا يصاغان من : ليس - عسى - نعم - بئس ... ونحوها من الأفعال الجامدة تماما ، ولا من نحو : «كاد» التى هى من أفعال المقاربة ؛ لأن «كاد» هذه ناقصة التصرف ليس لها إلا المضارع - فى الأغلب -.
(4) أن يكون معناه قابلا للتفاضل والزيادة ؛ ليتحقق معنى «التعجب» ؛ فلا يصاغان مما لا تفاوت فيه ، نحو : فنى - مات - غرق - عمى ؛ إذ لا تفاوت فى الفناء ، ولا فى الموت ، ولا الغرق ، ولا العمى ، وحيث يمتنع التفاوت والزيادة فى معنى الفعل يمتنع الداعى للعجب ، إذ يكون المعنى مألوفا.
1) مع ملاحظة أن الفعل الذى يدخل فى صيغة التعجب يفقد - غالبا - الدلالة على الزمن عند عدم القرينة - فى رأى المحققين - ويتجرد منها إلا فى صورة واحدة تقدمت.
2) وبه أخذ المجمع اللغوى - طبقا لما جاء فى ص 121 من كتابه الذى أخرجه سنة 1969 - باسم : «كتاب فى أصول اللغة» ...
3) ففيه شذوذان ؛ أنه غير ثلاثى ، وأنه مبنى للمجهول. وسيجىء أنهما لا يصاغان من المبنى للمجهول.
4) كما سبق فى هامش ص 342 ويجىء فى ص 357.
(5) ألا يكون عند الصياغة مبنيّا للمجهول بناء يطرأ ويزول ، كالأفعال : عرف - علم - فهم ... وغيرها مما يبنى للمجهول حينا ، وللمعلوم حينا آخر ، دون أن يلازم البناء للمجهول فى كل الأحوال
أما الأفعال المسموعة التى يقال إنها تلازم البناء للمجهول. (مثل : زهى - هزل ...) (1)فالأنسب الأخذ بالرأى الذى يجيز الصياغة منها بشرط أمن اللّبس (2)؛ فيقال : ما أزهى الطاووس! وما أهزل المريض! ...
(6) أن يكون تامّا ، (أى : ليس ناسخا) ؛ فلا يصاغان - فى الرأى الأقوى - من «كان ، وكاد» ، وأخواتهما ...
(7) أن يكون مثبتا ، فلا يصاغان من فعل منفى ؛ سواء أكان النفى ملازما له ، أم غير ملازم ؛ مثل : ما عاج الدواء ، بمعنى : ما نفع ، ومثل ما حضر الغائب ، فالفعل الأول ، وهو : «عاج» الذى مضارعه : «يعيج» - ملازم للنفى فى أغلب أحواله ، لا يفارقه إلا نادرا ، والفعل : «حضر» فى هذا التركيب وأشباهه مسبوق بالنفى ، ويستعمل بغير النفى كثيرا ، وكذلك أفعال أخرى متعددة.
1) تقدم بيانها ، وحكمها ، وتحقيق هام خاص بها ، (فى ج 2 ص 102 م 67 باب : النائب عن الفاعل) ومن هذا التحقيق الخاص يتبين خطأ القول بوجود أفعال ملازمة للبناء للمجهول دائما (بعدها مرفوعها فاعل بها ؛ كما يزعمون) ، وأن الأفعال المعروفة ببنائها للمجهول دائما ليست إلا كغيرها من سائر الأفعال الأخرى ؛ تبنى حينا للمعلوم ، وحينا للمجهول ، على حسب مقتضيات المعنى ، ودواعى الاستعمال الصحيح. أما قصر عدد معين من الأفعال على البناء للمجهول دائما دون استعماله للمعلوم فغلط شائع. وبناء على هذا التحقيق الهام والتصحيح المفيد يجوز أن يصاغ من مصادر تلك الأفعال مباشرة - من غير وسيط. - «صيغتا التعجب» القياسى ، وأن يصاغ من مصدرها مباشرة : «أفعل التفضيل». وفوق هذا يؤيد فريق من النحاة - ومنهم ابن مالك - صياغة التعجب من مصدر تلك الأفعال بفرض أنها ملازمة البناء للمجهول. أما الأفعال الأخرى التى ليست ملازمة للمجهول فلا يصح التعجب المباشر منها - اتفاقا - إذا كانت مبنية للمجهول عند الصياغة للتعجب بناء عارضا ، لا ملازما فى رأى من يقول بهذه الملازمة التى قرر المحققون خطأها.
2) وهذا رأى المجمع اللغوى أيضا - كما جاء فى ص 121 من كتابه المجمعى الذى أصدره سنة 1969 باسم : «كتاب فى أصول اللغة».
(8) ألا تكون الصفة المشبهة (1)منه على وزن : «أفعل» الذى مؤنثه : «فعلاء» ، نحو (عرج ، فهو : أعرج ، وهى : عرجاء) - (خضر ، فهو : أخضر ، والحديقة خضراء). (حمر الجلد ؛ فهو : أحمر ، والوردة حمراء) - (حور فهو : أحور ، وهى : حوراء) ... وهكذا من كل صفة مشبهة تدل على لون ، أو : عيب ، أو : حلية ، أو ؛ شىء فطرىّ (2)
أولهما : ورود السماع بقدر من تلك الأشياء يكفى للقياس عليه.
وثانيهما : شدة الحاجة إلى التعجب منها فى عصرنا ؛ بسبب ما كشفه العلم الحديث من التفاوت الواسع فى معنى كل منها ، والاختلاف البعيد بين أنواعه ودرجاته. وليس من الممكن إغفال هذا التفاوت والاختلاف فى استعمالاتنا التى تساير الحياة. ومثل هذا يقال فى صوغ «التفضيل» من الأفعال الدالة على تلك المعانى ، بالرغم من أن للنحاة ما يشبه العذر فى بعض أنواع «التفضيل» ، ولكنه عذر يمكن دفعه - كما سيجىء البيان المفيد فى رقم 1 من هامش ص 398.
ويصرح بعض أئمة الكوفيين : كالكسائى ، وهشام الضرير وغيرهما ، برأى حسن يوافق ما سبق ؛ هو صحة مجىء التعجب مما يدل على الألوان والعاهات ، ووافقهم الأخفش من البصريين فى العاهات ، دون الألوان. وبرأى الكوفيين أخذ المجمع اللغوى - كما جاء فى ص 121 من كتابه السالف -.
وفى الشروط السابقة يقول ابن مالك (ساردا سبعة ، أما الثامن وهو : «الفعل الماضى» فمفهوم من السياق) :
وصغهما من ذى ثلاث ، صرّفا *** قابل فضل ، تمّ ، غير ذى انتفا
وغير ذى وصف يضاهى أشهلا *** وغير سالك سبيل فعلا
يريد : صغهما من صاحب الحروف الثلاثة (وهو الماضى الثلاثى) - المتصرف - القابل للتفاوت - التام - غير المنفى - والذى صفته المشبهة ليست مثل : «أشهل» (شهل الرجل ، فهو : أشهل ، الأنثى شهلاء ، أى : قلّ سواد عينه ، وخالطتها حمرة) ، وغير مبنى على صيغة : «فعل» ؛ وهى صيغة بناء الماضى الثلاثى للمجهول ، فهذه سبعة شروط لم يذكر بينها أنهما يصاغان من فعل ، لا من اسم ولا من حرف ؛ لأن هذا الذى تركه مفهوم مما سرده ، كما قلنا.
...1) سبق الكلام عليها وعلى أوزانها فى ص 281 م 104.
2) لا ترتاح النفس للتعليلات التى ذكروها لمنع الصياغة من هذا القسم بأنواعه المختلفة ، التى لا ينطبق عليها الشرط الثامن ، ولا سيما التعليل بخوف اللبس بين صيغتى : «أفعل» التى تستعمل إحداهما فى التعجب ، والأخرى فى الصفة المشبهة فإن هذا اللبس وهم لا يتحقق ؛ إذ كيف يتحقق وإحداهما فعل ، والأخرى اسم ، ولكل منهما أحكام تغاير الأخرى. فالقرائن قوية تمنعه. ولا علة إلا علة الاستعمال العربى المجرد. وهو - فيما يبدو لنا - لا يمنع من صياغة التعجب من تلك الأشياء ، وكذا «التفضيل» - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 398 - وذلك لسببين :
زاد بعض النحاة شرطا آخر خالف به الأكثرين ؛ هو : ألا يستغنى عن الصياغة منه بصيغة أخرى مسموعة ؛ فلا يصح : ما أقيله!! فى التعجب من قيلولته (1)لأنهم استغنوا عنها بقولهم : ما أكثر قائلته. ولا يصح ما أسكره ، ولا ما أقعده ، ولا ما أجلسه ، لأنهم استغنوا عنها بقولهم : ما أشد سكره - ما أكثر قعوده - ما أحسن جلوسه.
والحق أن هذا شرط غير مقبول (2)؛ إذ يقتضينا أن نرهق أنفسنا بالبحث المضنى فى جميع المظان لمعرفة ما استغنوا به عن الصيغة القياسية ؛ وهذا تكليف لا يطاق ، ولا يمكن تحقيقه ، وفيه تعويق للتعبير ، وتعطيل للقاعدة ، وتحويل للقياس عن معناه السديد.
(1) إن كان الفعل جامدا ؛ مثل : نعم ، وبئس ... ، أو غير قابل للتفاوت ؛ مثل : مات - فنى ... و ... ، فلا يصاغ منه صيغة تعجب.
(2) إن كان الفعل زائدا على ثلاثة (مثل : انتصر وتغلّب) أو : كان الوصف منه على «أفعل فعلاء» (مثل : حور وخضر) لم تجىء منه الصيغة مباشرة. وإنما تجىء من فعل آخر مستوف للشروط ؛ صالح لما نريده ؛ (نحو : قوى - ضعف - حسن - قبح - عظم - حقر ...) فنقول : (ما أقوى - ما أضعف - ما أحسن - ما أقبح - ما أعظم - ما أحقر - ما أشد - ما أكبر - ما أصغر) ... ونحو ذلك مما يناسب ؛ أو نقول : (أقو - أضعف - أحسن - أقبح - أعظم - أحقر ...)
ثم نجىء بعد هذه الصيغة بمصدر الفعل الذى لم يستوف الشروط بسبب زيادته على ثلاثة أحرف ، أو بسبب أن الوصف منه على : «أفعل فعلاء» ونضعه بعد صياغة الفعل الجديد المناسب ، المستوفى. وننصب هذا المصدر بعد «ما أفعل» ونجرّه بالباء بعد «أفعل» ؛ نحو : ما أقوى انتصار الحقّ! وما أضعف تغلب الباطل! - أقو بانتصار الحق! ، وأضعف بتغلّب الباطل! ... ونحو : ما أجمل حور العيون! ، أجمل بحور العيون! - ما أنضر خضرة الزرع! ، أنضر بخضرة الزرع!. والأفعال غير المستوفية هى : (انتصر - تغلّب - حور - خضر). أما الأفعال التى تخيرناها للصياغة مكانها فهى : (قوى ، ضعف ، جمل ، نضر ...)
(3) إن كان الفعل منفيّا أخذنا الصيغة من الفعل المناسب الذى نختاره بالطريقة السالفة ، ووضعنا بعدها مضارع الفعل المنفى مسبوقا «بأن» المصدرية ، والنفى ؛ ففى نحو : ما فاز الرأى الضعيف ، نقول : ما أجمل ألّا يفوز الرأى للضعيف (1)
(وقد أشرنا لهذا في هامش ص 342 ، ويجيء إيضاح لها في رقم 4 من هامش ص 361 وفى هذا الهامش
صورة مستثناة لا تتجرد من الزمن).
!. وفى نحو : ما حضر خطيب الحفل ، نقول مثلا : ما أقبح ألّا1) كان الفعل ماضيا منفيا قبل التعجب ، فصار بعده مضارعا ، مسبوقا «بأن المصدرية» ؛ وهى تخلصه للاستقبال. فهل بين الصورتين اختلاف فى الزمن؟ أجابوا : إن الصيغة مع التعجب صارت خالصة لإنشاء التعجب المحض إنشاء غير طلبى ، وتركت للدلالة على الزمان : كالشأن الغالب فى التعجب عند عدم وجود ما يدل على تقييد زمنى مقصود -.
يحضر خطيب الحفل. والمصدر المؤول من «أن والفعل» فى هذه الأمثلة وأشباهها فى موضع نصب مفعول به.
وإنما أتينا «بأن والفعل» لنستطيع المحافظة على بقاء الفعل الأصلى منفيّا ، إذ لو أخذنا منه صيغة التعجب مباشرة لزال نفيه ، ولم يظهر الشأن فى التعجب أهو منفى أم غير منفى؟
ويجوز أن نقول فى الصور السابقة : أجمل بألّا يفوز الرأى الضعيف! - أقبح بألا يحضر خطيب الحفل! ؛ فيكون المصدر المؤول مجرورا بالباء. فالمصدر المؤول من : «أن والفعل» المفى وفاعله إما أن يكون فى محل نصب بعد : «ما أفعل» وإما أن يكون فى محل جر بالباء بعد : «أفعل».
ويجوز فى الفعل المنفى أن نجىء بمصدره الصريح - بدلا من المصدر المؤول - مسبوقا بكلمة : «عدم» الصريحة فى معنى النفى (أو بما يشبهها) ومجرورا بالإضافة إليها ؛ ففى مثل : ما صرخ المتكلم وما همس ، نقول : ما أحسن عدم صراخ المتكلم ، وما أجمل عدم همسه - أحسن بعدم صراخ المتكلم! ، وأجمل بعدم همسه!.
(4) إن كان الفعل مبنيّا للمجهول بناء عارضا يطرأ ويزول أخذنا الصيغة من الفعل الذى نختاره بالطريقة التى شرحناها ، ووضعنا بعدها الفعل المبنى للمجهول ، مسبوقا «بما المصدرية» (1)، ففى نحو : عرف الحقّ ، وهدى إليه الضالّ : نقول : ما أحسن ما عرف الحق! وما أنفع ما هدى إليه الضّالّ - أو : أحسن بما عرف الحق! - وأنفع بما هدى إليه الضالّ! ، فالمصدر المؤول من «ما» وصلتها مفعول به بعد الصيغة الأولى ، ومجرور بالباء بعد الصيغة الثانية.
1) وهى الغالبة فى هذا الموضوع دون غيرها.
وإنما أتينا «بما» المصدرية محافظة على بقاء الفعل مبنيّا للمجهول ، ولولاها لزال بناؤه للمجهول فلا يتبين أسلوب التعجب أللمجهول هو أم للمعلوم؟ أما الفعل الملازم للبناء للمجهول سماعا عند من يقول بهذه الملازمة (1)فقد سبق (2)أن الأنسب الأخذ بالرأى الذى يجيز الصياغة من مصدره مباشرة.
(5) وإن كان الفعل ناسخا ، (أى : غير تام) فإن كان له مصدر وجب أن نضع مصدره بعد صيغة التعجب التى نأخذها من الفعل الآخر الذى نختاره على الوجه المشروح فيما سلف ، ففى مثل : كان العربىّ رحّالا بطبعه ، نقول : ما أكثر كون العربىّ رحّالا بطبعه! - أو : أكثر بكون العربىّ رحّالا بطبعه! ... وإن لم يكن له مصدر أخذنا الصيغة من الفعل الآخر الذى نختاره ، ووضعنا بعدها الفعل الأصلى الذى ليس له مصدر ، وقبله «ما» المصدرية فينشأ منها ومن الفعل والفاعل بعدها مصدر مؤول هو مفعول به منصوب بعد: «ما أفعل» ومجرور ب «الباء» بعد : «أفعل». ففى مثل : كاد الكذب يهلك صاحبه ، نقول : ما أسرع ما كاد الكذب يهلك صاحبه ... وهكذا ...
هذه هى الطرائق الموصلة للتّعجب إذا كان الفعل غير مستوف للشروط. أما إذا كان مستوفيا للشروط كلها فإن الصيغتين القياسيتين (3)تؤخذان منه مباشرة. ولا مانع من التعجب منه بالطريق غير المباشر أيضا ؛ وذلك بالإتيان بفعل آخر مناسب. (نحو : حسن - قبح - قوى - وغيرها من الأفعال الثلاثية التى تناسب المراد) ، ثم نأخذ منه الصيغة التعجبية ، ونجعل بعدها مصدر الفعل المستوفى للشروط ، إمّا منصوبا بعد «ما أفعل» وإمّا مجرورا بالباء بعد «أفعل» ، ففى مثل : برع الذكى ، وسبق أنداده ، نقول : ما أعظم براعة الذكى! ، وما أوضح سبقه أنداده! أو أعظم ببراعة الذكىّ! وأوضح بسبقه أنداده ... فليس من اللازم - والفعل مستوف للشروط - أن نأخذ
منه صيغة التعجب مباشرة ، وإنما يجوز أن نأخذها منه أو من طريق فعل مختار آخر كما أوضحنا (1)
واشدد او أشدّ أو شبههما *** يخلف ما - بعض - الشروط - عدما
يريد : أن صيغة : «أشدد» (على وزن : أفعل) وصيغة : «أشدّ» (على وزن : «أفعل» ؛ لأن أصلها قبل الإدغام : «أشدد») أو شبه هاتين الصيغتين مما يؤخذ من فعل آخر مستوف الشروط ، تخلف الصيغة التى لا يمكن صوغها مباشرة من الفعل الذى عدم بعض الشروط ، أى : فقد بعض الشروط ؛ فهى تحل محلها. (وكلمة : «أو» فى البيت : حذفت همزتها ونقلت حركتها الواو الساكنة قبلها ؛ محافظة على وزن الشعر).
ثم بين أن مصدر الفعل العادم للشروط ينصب بعد الصيغة الجديدة التى جئنا بها إن كانت على وزن : «أفعل» ، ويجر هذا المصدر بالباء إن كانت على وزن : «أفعل» يقول :
ومصدر العادم بعد ، ينتصب *** وبعد : «أفعل» جرّه ب «البا» يجب
بعد ، أى : بعد الصيغة الجديدة ... ثم قرر أن ما جاء مخالفا لما سبق فهو محكوم عليه بالندور (القلة القليلة جدا) ، وأنه لا يقاس على المأثور منه (أى : المسموع منه عن العرب) :
وبالنّدور احكم لغير ما ذكر *** ولا تقس على الّذى منه أثر
.... ر1) وفى طريقة التعجب إذا كان الفعل غير مستوف للشروط يقول ابن مالك :
وقد سبقت الإشارة لهذا البيت بمناسبة أخرى فى ص 346.
وجوب اعتبار فعليه جامدين بعد صياغتهما للتعجب (1). (مع أنهما فى أصلهما الثلاثى قبل التعجب مشتقان حتما) ولهذا لا يجوز أن يتقدم عليهما «المتعجّب منه» (2)، فلا يصح : العلم ما أنفع!! والجهالة ما أضرّ!! بتقديم المعمولين : «العلم والجهالة». كما لا يصح بالعلم أنفع!! وبالجهالة أضرر!!ولا يصح أن تلحقهما علامة تذكير ، أو تأنيث ، أو إفراد ، أو تثنية ، أو جمع ؛ فلابدّ من بقائهما على صيغتهما فى كل الأحوال من غير زيادة.
ولا نقص ، ولا تغيير فى ضبط الحروف. ولكن إذا اتصل بآخرهما ضمير بارز يعود على المتعجّب منه وجب أن يكون هذا الضمير مطابقا لمرجعه ، نحو : الزارع ما أنفعه! ، والزارعة ما أنفعها! والجنديان ما أشجعهما! والوالدات ما أشفقهنّ! و .. و ..
(2) وجوب إفراد فاعلهما المستتر (3)، وتذكيره ، فلا يكون لغير المفرد المذكر. وإذا كان ضميرا مستترا فهو واجب الاستتار.
(3) امتناع الفصل بين فعل التعجب ومعموله إلا بشبه الجملة ، أو
1) كما سبق فى ص 342 و346 و349 وفى عدم تصرفهما يقول ابن مالك : وفى كلا الفعلين قدما لزما *** منع تصرّف بحكم حتما
2) لأن الجامد لا يتقدم عليه معموله ، فى الأغلب - كما سيجىء البيان فى رقم 2 من هامش ص 400.
3) أما غير المستتر فلا يسرى عليه هذا الحكم كالذى فى قوله تعالى ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) - وقد سبق إعراب هذه الآية فى ص 344 وستذكر لمناسبة أخرى فى ص 360 وفى رقم 4 من هامش ص 361 -
بالنداء ؛ - أو «كان» الزائدة بالإيضاح الآتى بعد (1). فلا يجوز : (ما أضيع - حقّا - المودة عند من لا وفاء له ، وما أبعد - يقينا - المجاملة ممن لا حياء عنده). ويجوز : (ما أضيع - فى بلدنا - المودة عند من ولا فاء له! وما أبعد - بيننا - المجاملة ممن لا حياء له!). كما يجوز : السماحة تدفع إلى أداء الحقوق. والشح يصدّ عنها ؛ فأكرم - يا أخى - بها! وأقبح يا زميلى به!) ...
ومن أمثلتهم فى الفصل بالجار والمجرور قولهم : (ما أهون على النائم القرير سهر المسهّد المكروب ... (2)) وقول الشاعر :
بنى تغلب ، أعزز علىّ بأن أرى *** دياركمو أمست وليس بها أهل
وبالظرف قول الشاعر :
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها *** وأحر - إذا حالت - بأن أتحوّلا
ويشترط فى شبه الجملة الذى يجوز الفصل به أن يكون متعلقا بفعل التعجب (3)- كالأمثلة السالفة - ، فلو كان متعلقا بمعمول فعل التعجب أو بغير فعل التعجب لم يصح الفصل به - ففى مثل : (ما أحسن الحليم عند دواعى الغضب! ، وما أشجع الصابر على الكفاح!) - لا يجوز : (ما أحسن عند دواعى الغضب الحليم ، ولا : ما أشجع على الكفاح الصابر.) لأن الظرف متعلق بكلمة : «الحليم» ، والجار والمجرور متعلقان بكلمة : «الصابر».
وقد يجب الفصل بالجار ومجروره المتعلقين بفعل التعجب ، إذا كان معمول فعل التعجب مشتملا على ضمير يعود على المجرور ، نحو : ما أليق بالطبيب أن يترفق! ، وما أحقّ بالمريض أن يصبر! ، ... فالمصدر المؤول من «أن والفعل» هو معمول لفعل التعجب ، ومشتمل على ضمير يعود على المجرور ... (4)
وفعل هذا الباب لن يقدّما *** معموله ، ووصله به الزما
أى : معمول الفعل فى هذا الباب لا يتقدم على فعله. والزم وصل المعمول بفعله ، بحيث لا يفصل بينهما فاصل إلا ما أشار إليه فى البيت الأخير التالى :
وفصله بظرف او بحرف جر *** مستعمل ، والخلف فى ذاك استقر
أى : أن الفصل بشبه الجملة مستعمل فى الكلام المأثور ، والخلاف بين النحاة ثابت فى أمر القياس عليه. ولكن الرأى الرشيد جواز القياس عليه. وكذا الفصل بالنداء فيه خلاف ، والصواب جوازه. وهل يجوز الفصل بالظرف ومعه الجار والمجرور؟ فى هذا خلاف : والأرجح المنع.
ومنه قول الشاعر : .خليلىّ ما أحرى بذى اللّبّ أن يرى *** صبورا. ولكن لا سبيل إلى الصبر
(4) عدم جواز العطف - مطلقا - على فاعل «أفعل» فى التعجب وكذلك لا يجوز إتباعه ، فالتوابع كلها ممنوعة إذا كان هو المتبوع وحده. أما إن كان المتبوع هو الجملة التعجبية كلها (فعلها وفاعلها) فلا يمتنع ؛ فيصح عطف جملة جديدة على الجملة التعجبية ؛ كقول الشاعر :
أولئك قومى بارك اللّه فيهمو *** على كل حال ما أعفّ وأكرما ...
فقد عطفت الجملة الثانية (المكونة من الفعل الماضى : «أكرم» وفاعله) على الجملة التعجبية التى تسبقها (والتى تتكون من الماضى «أعفّ» وفاعله). وكما يجوز الإتباع بالعطف بجملة يجوز الإتباع بالتوكيد اللفظى بجملة تؤكد الجملة التعجبية كلها توكيدا لفظيّا. ويجوز الإبدال منها كذلك (بدل جملة من جملة). أما الإتباع بالنعت فلا يصح ؛ لأن المتبوع (وهو : المنعوت) لا يكون جملة.
(5) وجوب أن يكون المعمول (أى : المتعجّب منه) معرفة ، أو نكرة مختصة ، فمثال المعرفة ما تقدم من الأمثلة الكثيرة ، وقول الشاعر :
ما أصعب الفعل لمن رامه! *** وأسهل القول على من أراد!
ومثال النكرة المختصة بوصف أو إضافة أو غيرهما مما يفيد الاختصاص : ما أسعد رجلا عرف طريق الهدى فسار فيه! وما أشقى إنسانا تبين الرشد من الغىّ ، فانصرف عن الرشد ، واتّبع الضلال!
ولو لا هذا الشرط لكان التعجب لغوا ؛ إذ لا فائدة من قولنا : ما أسعد رجلا ... ما أشقى إنسانا ... ويتساوى فى هذا الحكم معمول «أفعل وأفعل».
(6) جواز حذف المعمول المتعجّب (1)منه فى إحدى حالتين ؛ (سواء أكان منصوبا بأفعل ، أم مجرورا بالباء بعد أفعل».
أولاهما : أن يكون ضميرا يدل عليه دليل بعد الحذف ؛ كقول الشاعر :
جزى اللّه عنى - والجزاء بفضله - *** ربيعة ، خيرا. ما أعفّ! وأكرما!
أى : ما أعفّها وأكرمها. وقول الآخر :
أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا *** بكاء على عمرو. وما كان أصبرا!
أى : أصبرها.
ثانيتهما : أن تكون صيغة التعجب هى : «أفعل» وقد حذف معمولها المجرور وحذف معه حرف الجر ، وقبلها صيغة للتعجب على وزن : «أفعل» أيضا ، ولهذه الصيغة الأولى معمول مذكور ، مماثل للمعمول المحذوف مع حرف الجرّ ... وقد عطفت الصيغة الثانية مع فاعلها على الأولى مع فاعلها ؛ عطف جملة على جملة (2)؛ كقوله تعالى : ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) (3)، أى : وأبصر بهم. ونحو : أحسن بصاحب المروءة وأكرم! ؛ أى : وأكرم بصاحب المروءة ، وقول الشاعر :
أعزز بنا! ، وأكف! إن دعينا *** يوما إلى نصرة من يلينا (4)
وحذف ما منه تعجّبت استبح *** إن كان عند الحذف معناه يضح
... ح1) سبقت الإشارة - فى «ب» من ص 347 - إلى ما يتردد فى هذا الباب من قولهم : «المتعجّب منه» وأنهم يريدون : المعمول الذى له صلة بالأمر الذى يدعو للتعجب.
2) لم يشترط بعض النحاة شيئا من هذا كله ، واكتفى باشتراط وجود قرينة تدل على المحذوف ، وقالوا هذا الرأى أحسن وأوجه.
3) سبق هذا المثال لمناسبة أخرى فى ص 344 وفى رقم 3 من هامش ص 357.
4) وإلى هذا أشار ابن مالك ببيت سبق شرحه فى ص 346 ، هو :
(7) تجرد فعل التعجب - فى الأغلب (1)- من الدلالة على زمن ؛ لأن الجملة التعجبية كلّها إنشائية محضة ، الغرض منها إنشاء التعجب ، فتركت الدلالة الزمنية ، وانسلخت منها ، واقتصرت على تحقيق الغرض الذى أنشئت من أجله ، وهو «الإنشاء غير الطلبى» ، المقصود منه إعلان التعجب ، كما أسلفنا (2).
(8) جواز الفصل بين «ما» التعجبية وفعل التعجب «بكان» الزائدة (3)كقول الشاعر يحنّ إلى أهله ورفاقه :
ما كان أجمل عهدهم وفعالهم! *** من لى بعهد فى الهناء تصرّما؟
وقول الآخر :
ما كان أحوج ذا الجمال إلى *** عيب يوقّيه من العين
وقد تقع «كان» التامة المسبوقة بما المصدرية بعد صيغة التعجب ؛ نحو : ما أحسن ما كان الإنصاف (4)
-(راجع الأشموني و الصبان آخر هذا الباب)- وقد تقع «كان» بلفظ الماضى زائدة بين «ما» التعجبية وفعل التعجب. والأحسن فى هذه الصورة أن تكون مهملة لا عمل لها مطلقا ، ولا فائدة منها إلا الدلالة على أن زمن التعجب ماض (طبقا للبيان والتفصيل السابقين فى ج 1 م 44 «زيادة كان» وكذلك م 4 عند الكلام على الأفعال.
.1) قلنا : «فى الأغلب» لوجود حالة قد يدل فيها على الزمن هى المشار إليها فى رقم 3 من هامش ص 342 ...
2) انظر رقم 3 من هامش ص 342 حيث الحالة التى يدل فيها على الزمن - وهامش ص 353 ، ورقم 4 الآتى هنا.
3) سبق تفصيل الكلام على زيادتها ، وما يستتبعه من أحكام فى ح 1 ص 418 م 44 وفى هامش ص 39 منه.
4) «ما» مصدرية ، «كان» فعل ماض تام ، بمعنى : وجد وظهر ، «الإنصاف» فاعلها. والمصدر المؤول مفعول فعل التعجب. والتقدير : ما أحسن وجود الإنصاف فى الماضى. فإن قصد الاستقبال جىء بالفعل التام : «يكون» بدلا من الفعل : «كان». ووجود الفعل الماضى «كان». والمضارع : «يكون» يقيد التعجب بزمن معين ، وهذا - وإن كان قليلا - جائز ؛ فمن الجائز تقييد فعل التعجب بزمن ماض والمجىء بالفعل «كان» ، أو : «أمسى» للنص على هذا التقييد بالمضى ، وبكلمة : «الآن» ، أو ما بمعناها للنصّ على التقييد بالزمن الحالى ، وبالفعل : «يكون» ونحوه - كالظروف المستقبلة للدلالة - على الاستقبال ، ومنه قوله تعالى ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا ) والمهم وجود قرينة تدل على التقييد المقصود. وبغير التقييد تتجرد الجملة التعجبية من الدلالة الزمنية (كما رددنا فى هامش ص 342 و349 و353 و ...
(9) جواز حذف الباء الداخلة على معمول «أفعل» بشرط أن يكون ما تجره مصدرا مؤولا من : «أن المصدرية». و «الفعل» ، أو : «أنّ» مع معموليها (1)
لكن إذا حذفت «باء الجر» أتلاحظ وتقدّر بعد الحذف ، فيعرب ما بعدها على اعتبارها كالمذكورة ، أم
لا تلاحظ ولا تقدر ؛ فيعرب ما بعدها على اعتبار عدم وجودها وعدم ملاحظتها؟.
قولان. ولعل الأول هو الأنسب ، لمسايرته الحالات الأخرى التي ليست للتعجب ، فيكون الأمر مطردا
في التعجب وغيره.
ومن الضرورات الشعرية المستقبحة التي لا يرتضيها كثير من النحاة . حذف «باء الجر» من المتعجب منه إذا لم يقع بعدها «أنّ ، أو أن» وإذا حذفت . مع الاستقباح . فما حكم الاسم الظاهر بعدها؟ قيل يرفع ؛ لأنه في الأصل بمنزلة الفاعل ، وقيل ينصب ؛ لأنه بمنزلة المفعول به.
، نحو : أحبب أن تكون المقدّم! ، وقول الشاعر :أهون علىّ إذا امتلأت من الكرى *** أنى أبيت بليلة الملسوع
والأصل : بأن تكون ... وبأنى ...
1) يرى بعض النحاة (كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 344 وكما سبق فى ج 2 ص 135 م 71) أن حذف «الباء» ممنوع هنا قبل المصدر المؤول من «أنّ» ومعموليها ؛ بحجة أنه غير مسموع بخلاف حذفها قبل المصدر المؤول من «أن والفعل والفاعل» فهو مسموع إلى الحد الذى يبيح القياس عليه. وهذا رأى رفضه آخرون - ورأيهم حق - لأن حذف حرف الجر مطرد قبل : «أن وأنّ» المصدريتين ؛ فلا معنى لإخراج «أنّ» هنا ، وبخاصة مع وجود أمثلة مسموعة ، ولو قليلة ، لأن قلتها فى موضع بعينه لا تقدح فى الاطراد المستمد من أغلب الحالات.
ا - عرفنا (1)أن صيغة : «أفعل» تحتاج إلى معمول بعدها منصوب ، يعرب مفعولا به ، وأن صيغة : «أفعل» تحتاج إلى معمول بعدها مجرور بالباء ، وأنهما يحتاجان - أحيانا - إلى شبه جملة بعدهما ، وقد يفصل شبه الجملة بينهما وبين معمولهما ... و ...
وقد تحتاج صيغة التعجب إلى معمولات أخرى غير التى سبقت ؛ كالحال والتمييز ، والاستثناء ...
وقد تحتاج إلى معمول مجرور بحرف جر معيّن (2)، مجاراة لفعلها الأصلى قبل التعجب ؛ ويصير الجار والمجرور متعلقين بها. (أى : بصيغة فعل التعجب) (3)
الإجابة في : «باب التمييز» - ج 2 م 88 ص 343.
. لكن ما هو هذا الحرف المعيّن من حروف الجرّ؟ (4).إن كان فعل التعجب دالا على حب ، أو كره ، أو ما بمعناهما ؛ - كالود ، والبغض - فحرف الجر المناسب : هو : «إلى» بشرط أن يكون ما بعد «إلى» فاعلا فى المعنى لا فى اللفظ ، وما قبلها مفعولا فى المعنى لا فى اللفظ ؛ نحو : ما أحبّ العلم إلى النابغين!! ، وما أبغض النقص إلى القادرين!!. ففعل التعجب : «أحبّ» قد نصب مفعوله. واحتاج إلى جار ومجرور تبعا لأصله ، فجىء بهما. وحرف الجر هو : «إلى» لأن فعل التعجب دال على «الحب» ، وما بعد «إلى» مجرور بها. لكنه فاعل معنوى ، لا نحوىّ ، لأنّ النابغين -
1) فى ص 341.
2) كما أشرنا فى رقم 3 من هامش ص 358.
3) إذا كان المفعول به لصيغة الماضى «أفعل» ضميرا بعده تمييز ، فما نوع هذا التمييز؟ أتمييز مفرد أم تمييز جملة؟ وكذلك ما نوع التمييز بعد الضمير المجرور بالباء فى صيغة : «أفعل به»؟
4) انظر - أ - من ص 432 حيث الكلام على تعدية «أفعل التفضيل» بحرف الجر ، فيتبين التشابه والتخالف بين «التعجب والتفضيل» فى هذه التعدية.
والقادرين هم الفاعلون لحب العلم ؛ وبغض النقص. وما قبل إلى : (العلم - النقص) هو المفعول المعنوى - لا النحوىّ ؛ لأنه الذى وقع عليه الحب - والبغض.
ولهذا ضابط سبق بيانه (1)؛ هو : أن يحذف فعل التعجب ومعه «ما التعجبية» إن وجدت ، ويوضع مكانهما فعل آخر من مادته ومعناه ، يكون فاعله النحوى هو الاسم المجرور بإلى ، ومفعوله هو الاسم الواقع بينها وبين فعل التعجب. فإن استقام المعنى على هذا صح مجىء «إلى» ، وإلّا وجب تغييرها. ففى المثال السابق نقول : أحب ، أو : يحب النابغون العلم ، ويكره القادرون النقص. وقد استقام المعنى فدلت استقامته على صحة مجىء «إلى».
فإن كان ما بعدها ليس فاعلا فى المعنى ، وإنما هو مفعول معنوى وما قبلها هو الفاعل المعنوى وجب الإتيان «بلام الجر» ، بدلا من : «إلى» ؛ نحو : ما أحبّ الوالدة لمولودها! ، فالوالدة هى الفاعل المعنوى - لا النحوىّ - الذى فعل الحب أو قام به الحب. والمولود هو المفعول المعنوى - لا النحوىّ - الذى وقع عليه الحبّ ؛ لصحة قولنا : أحبت ، أو تحب الوالدة مولودها ... فمعنى : «إلى» ، و «اللام» ، فى مثل هذا الموضع هو : «التبيين» ، أى : بيان الفاعل المعنوى والمفعول المعنوى ، وتمييز كل منهما من الآخر.
ب - إن كان أصل فعل التعجب فعلا متعديا بنفسه لواحد فإنه يصير لازما يتعدى بحرف جر خاص هو : «اللام» كذلك ، مثل : ما أضرب الناس للجاسوس!!
وإن كان أصل فعل التعجب فعلا لازما يتعدى إلى معموله بحرف جر معين وجب أن يجارى أصله فى التعدى بهذا الحرف إلى معموله ؛ نحو : ما أغضب الناس على الخائن. وقول شوقى :
ما أجمل الهجرة بالأحرار *** إن ضنّت الأوطان بالقرار
لأنه يقال : غضب اللّه على الكافر ... - جمل المرء بخلقه ...
1) ج 2 ص 345 م 9.
ج - قد يصاغ فعل التعجب من فعل ينصب بنفسه مفعولين (1)مثل «كسا» ، و «ظن» فى نحو : كسا الغنىّ فقيرا ثيابا - ظنّ البخيل الجود تبذيرا.
ولفعل التعجب الذى يصاغ من المتعدى لمفعولين أربع حالات (2).
الأولى : أن يكتفى بفاعل المتعدى فينصبه مفعولا به ؛ نحو : ما أكسى الغنىّ!! ، ما أظنّ البخيل!! فكلمتا : «الغنى والبخيل» كانتا فى الأصل قبل التعجب فاعلا ؛ فصارتا بعده مفعولا به لفعل التعجب الذى اكتفى بهذا المفعول به ، واقتصر عليه.
الثانية : أن يزيد على الفاعل السابق الذى صار مفعولا به - أحد المفعولين الأصليين مجرورا باللام ؛ فنقول : ما أكسى الغنىّ للفقير!! - ما أظنّ البخيل للجود!! فكلمتا : «البخيل» ، و «الجود» كانتا قبل التعجب مفعولين للفعل المتعدى لاثنين ، ثم صارتا بعد التعجب مجرورين باللام ، ومتعلقين مع مجرورهما بفعل التعجب.
الثالثة : أن يزيد على الحالة السابقة المفعول الأصلى الثانى ؛ فنقول ما أكسى الغنىّ للفقير ثيابا! - ما أظنّ البخيل للجود تبذيرا!.
الرابعة : حذف لام الجر السابقة ونصب الثلاثة مباشرة بشرط أمن اللبس ، نحو : ما أكسى الغنىّ الفقير الثياب!! وما أظنّ البخيل الجود تبذيرا. فإن خيف اللبس أدخلت لام الجر على المفعولين الأصليين ؛ نحو : ما أظن الرجل لأخيك ، لأبيك ، والأصل : ظنّ الرجل أخاك أباك ...
لكن ««أفعل» فى التعجب لا ينصب إلا مفعولا به واحدا ، وفى الأمثلة السابقة استوفى حقه بنصبه المفعول به الذى كان فى الأصل فاعلا. فما الذى
نصب المفعول الثانى ، إن وجد ، وكذلك الثالث؟
إن البصريين يقدرون فعلا - - أو ما يشبهه - ينصب المفعول الثانى إن وجد ، وكذلك الثالث ؛ ويسترشدون فى تقديره بفعل التعجب المذكور قبله ؛ فيقولون فى تأويلهم : (ما أكسى الغنىّ يكسو الفقير!! - أو : ما أكسى الغنىّ يكسو الفقير ثيابا!!) - (ما أظنّ الغنىّ! .. يظن الجود ... - أو ما أظنّ الغنىّ يظن الجود تبذيرا!!) ...
والكوفيون لا يقدرون محذوفا ولا يتأولون ، ويقولون : حقّا أنّ «أفعل» فى التعجب لا ينصب إلا مفعولا به واحدا ، لكنه فى هذه الصور وأمثالها ينصب أكثر من مفعول به واحد.
ولا أثر للخلاف فى المعنى ، ولكن فى رأى الكوفيين يسر وقبول - لبعده من التكلف ، والحذف ، والتقدير.
ألفاظ المدح والذم ... (ومنها : «نعم» ، و «بئس» (1)
والأفصح و الأشهر عن استعمالها في المدح والذم الاقتصار علی اللغة الأولی.
، وما جرى مجراهما).فى اللغة ألفاظ وأساليب كثيرة ؛ تدل على المدح ، أو الذم. بعضها يؤدى هذه الدلالة صريحة ؛ لأنه وضع لها من أول الأمر نصّا ، وبعضها لا يؤديها إلا بقرينة (2). فمن الأول الذى يؤديها صريحة قولك : (أمدح - أثنى - أستحسن ... - أذم ، أهجو ، أستقبح) ... وأشباهها ، وما يشاركها فى الاشتقاق ، نحو : أمدح فى الرجل تجلّده ، وحسن بلائه ، وأذم فيه يأسه ، وفتور عزيمته - أثنى عليك بما أحسنت ، وأهجو من قبض يده عن الإحسان ...
ومنها : الجميل - العظيم - الفاضل - الماجد - البخيل - الحقود - الخائن ... وغيرها من ألفاظ المدح والذم الصريحين.
ومن الثانى الذى يحتاج لقرينة : وفرة لا تكاد تعدّ ؛ فى مقدمتها : أساليب النفى ، والاستفهام ، والتعجب (3)، والتفضيل ، ونحوها ؛ فإنها أساليب قد تضم - أحيانا - إلى معناها الخاص دلالتها على المدح أو الذم ، بقرينة ؛ كقولك فى إنسان يتحدث الناس بفضائله ومزاياه ، أو : بنقائصه وعيوبه : «ما هذا بشرا». تريد فى حالة المدح : أنه ملك ، مثلا ، وفى حالة الذم : أنه شيطان. ومثل قول شوقى :
هل الملك إلا الجيش شأنا ومظهرا؟ *** ولا الجيش إلا ربّه حين ينسب؟
وقوله :
إلام (1)الخلف بينكم؟ إلاما؟ *** وهذى الضّجة الكبرى علاما (2)؟
وفيم يكيد بعضكمو لبعض؟ *** وتبدون العداوة والخصاما؟
وقول المتنى : * ما أبعد العيب والنقصان من شرفى!! *
وقوله فى ذم قائد الجيش الرومى :
فأخبث به طالبا قهرهم!! *** وأخيب به تاركا ما طلب!
وقول أعرابى سئل عن حاكمين : أمّا هذا فأحرص الناس على الموت فى سبيل اللّه ، وأما ذاك فأحرص الناس على الحياة فى سبيل الشيطان ...
ومن النوع الأول الصريح : «نعم» ، و «بئس» وما جرى مجراهما من الألفاظ التى تدلّ نصّا على المدح العام (3)
وإنما يستفاد العموم مع «نعم ، بئس» عند الإطلاق و عدم التقييد ؛ فإن وجد تقييد زال التعميم ؛ نحو: نعم الغني محسنا.
أو : الذمّ العامّ (4)وإنما يستفاد العموم مع «نعم ، بئس» عند الإطلاق و عدم التقييد ؛ فإن وجد تقييد زال التعميم ؛ نحو: نعم الغني محسنا.
، وتمتاز «نعم وبئس» من باقى نوعهما الصريح بأحوال وأحكام خاصة بهما ، دون نظائرهما من النوع الصريح ، وأشهر هذه الأحوال والأحكام ما يأتى :(1) دلالة «نعم» على المدح العامّ ، و «بئس» على الذم العام ... (5)
وإنما يستفاد العموم مع «نعم ، بئس» عند الإطلاق و عدم التقييد ؛ فإن وجد تقييد زال التعميم ؛ نحو: نعم الغني محسنا.
1) إلى أى شىء؟ فكلمة : «م» أصلها : «ما» الاستفهامية التى تحذف ألفها عند الجر وعدم الوقف عليها. أما عند الوقف فتحذف الألف ، وتحل محلها «هاء» السكت. ولكنها لم تحذف فى آخر الشطرتين ؛ مراعاة لقواعد القافية ، كى تماثل آخر الأبيات التالية لها. والخطاب موجه للمصريين.
2) على أى شىء؟ ويقصد بالضجة الخلاف الحزبى الطاغى فى عصره ، والخصومات العنيفة بين الأحزاب المصرية بسبب بعض المشروعات السياسية ، ومنها : المشروع الذى كان سببا فى احتدام النزاع ؛ وهو : الذى اشتهر باسم : «تصريح 28 فبراير سنة 1922». اعترفت فيه إنجلترا - وكانت تحتل مصر إذ ذاك - باستقلال البلاد المصرية ولكن بقيود وشروط.
3) المراد بالعموم هنا فى المدح وفى الذم أنه ليس مقصورا على شىء معين ، ولا على صفة خاصة ، ولا يتجه إلى أمر ، دون آخر ، ولا يتضمن معنى التعجب - كما نص على هذا «الخضرى» فى آخر الباب - ؛ بل يتجه بغير تعجب إلى كل أمور الممدوح أو المذموم ؛ فالمدح العام يشمل الفضائل كلها ؛ مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالعلم ، أو الكرم ، أو الشجاعة ... والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالكذب ، أو الجهل ، أو السفه ... ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلى ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) وقوله تعالى : ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) فالمدح والذم هنا مختلفان بسبب «العموم» عنهما فى الأفعال الأخرى التى تجرى مجرى «نعم وبئس» حيث يكون المدح والذم فى تلك الأفعال الأخرى خاصين ومتضمنين التعجب ، (طبقا لما سيجىء فى ص 384).
4) المراد بالعموم هنا فى المدح وفى الذم أنه ليس مقصورا على شىء معين ، ولا على صفة خاصة ، ولا يتجه إلى أمر ، دون آخر ، ولا يتضمن معنى التعجب - كما نص على هذا «الخضرى» فى آخر الباب - ؛ بل يتجه بغير تعجب إلى كل أمور الممدوح أو المذموم ؛ فالمدح العام يشمل الفضائل كلها ؛ مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالعلم ، أو الكرم ، أو الشجاعة ... والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالكذب ، أو الجهل ، أو السفه ... ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلى ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) وقوله تعالى : ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) فالمدح والذم هنا مختلفان بسبب «العموم» عنهما فى الأفعال الأخرى التى تجرى مجرى «نعم وبئس» حيث يكون المدح والذم فى تلك الأفعال الأخرى خاصين ومتضمنين التعجب ، (طبقا لما سيجىء فى ص 384).
5) المراد بالعموم هنا فى المدح وفى الذم أنه ليس مقصورا على شىء معين ، ولا على صفة خاصة ، ولا يتجه إلى أمر ، دون آخر ، ولا يتضمن معنى التعجب - كما نص على هذا «الخضرى» فى آخر الباب - ؛ بل يتجه بغير تعجب إلى كل أمور الممدوح أو المذموم ؛ فالمدح العام يشمل الفضائل كلها ؛ مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالعلم ، أو الكرم ، أو الشجاعة ... والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة ، ولا يقتصر على بعض منها ؛ كالكذب ، أو الجهل ، أو السفه ... ومن الأمثلة قوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلى ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) وقوله تعالى : ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) فالمدح والذم هنا مختلفان بسبب «العموم» عنهما فى الأفعال الأخرى التى تجرى مجرى «نعم وبئس» حيث يكون المدح والذم فى تلك الأفعال الأخرى خاصين ومتضمنين التعجب ، (طبقا لما سيجىء فى ص 384).
واعتبار كل لفظ منهما فى هذه الحالة وحدها فعلا ماضيا ، لازما (1)جامدا ، لابد له من فاعل. ومع أن كلّا منهما يعرب فعلا ماضيا فإنه متجرد من دلالته الزمنية ، ومنسلخ عنها بعد أن تكوّنت منه ومن فاعله جملة «إنشائية غير طلبية» ؛ يقصد منها إنشاء المدح العام ، أو الذم العام ، من غير إرادة زمن ماض أو غير ماض ... فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من «الإنشاء المحض غير الطلبى» لا دلالة فيه على زمن (2)مطلقا ، نحو : نعم أجر المخلصين - بئس مصير المتجبرين.
ولجمودهما فى هذه الحالة وحدها لا يكون لهما مضارع ، ولا أمر ، ولا شىء من المشتقات ... وتلحقهما تاء التأنيث - جوازا - إذا كان فاعلهما اسما ظاهرا مؤنثا (3)، ويصح حذفها بكثرة ، ولو كان الفاعل مؤنثا حقيقيّا ؛ نحو : نعم .. أو : نعمت فتاة العمل والنشاط ، وبئس ... ، أو : بئست فتاة البطالة والخمول. أما فى غير هذه الحالة الخاصة بالمدح والذم فهما فعلان ماضيان ، متصرفان ، دالّان على زمن مضى : نحو : نعم العيش ينعم ، فهو ناعم ؛ أى : لان واتسع. وبئس المريض يبأس ؛ فهو : بائس ...
(2) قصر فاعلهما على أنواع معينة ، أشهرها ما يأتى :
ا - المعرف «بأل» الجنسية (4)، أو : «العهدية» (5)
وقد سبق تفصيل الكلام علی أنواع «أل» وأحكامها في باب المعارف بالجزء الأول ، م 31.
، نحو : نعم الوالد1) انظر ما يختص بهذا فى رقم 3 من ص 373.
2) انظر الصبان فى هذا الموضع ، أما البيان الكامل وذكر المراجع الأخرى ففى صدر الجزء الأول - م 4 - عند الكلام على أقسام الفعل.
3) وكذلك إذا كان «المخصوص» مؤنثا فإنه يجوز تذكير الفعل وتأنيثه وإن كان الفاعل مذكرا ؛ طبقا لما سيجىء بيانه فى ص 378. وقد سبق فى باب الفاعل (ح 2 م 66 ص 67 و 70) بيان الحالتين السالفتين ، وحكم تاء التأنيث من جهة ذكرها وحذفها.
4) هى الداخلة على نكرة لإفادة العموم والشمول مع التعريف ، ويغلب أن يصلح فى مكانها كلمة : «كل» فلا تدخل على ما لا يقبل التعريف فى أغلب استعمالاته ؛ مثل «غير» - مع ملاحظة ما سبق فى رقم 4 من هامش ص 24 - ، ولا على المعرفة مثل : «اللّه».
5) (وانظر المراد من الجنس والعهد فى هذا الباب فى «ا» من ص 374 ، ثم ما يتصل بالمسألة فى ص 375 و 376).
الشفيق ، وبئس الولد العاقّ. وقول الشاعر :
حياة على الضيم بئس الحياة *** ونعم الممات إذا لم نعز (1)
ب - المضاف إلى المعرف «بأل» السابقة ، نحو : نعم رجل الحرب خالد ، وبئس رجل الجبن والكذب مسيلمة ...
ح - المضاف إلى المضاف إلى المعرّف بها ؛ نحو : نعم قارئ كتب الأدب ، وبئس مهمل أمر اللغة.
د - الضمير المستتر وجوبا بشرط أن يكون ملتزما الإفراد والتذكير (2). وعائدا على تمييز بعده (3)، يفسر ما فى هذا الضمير من الغموض والإبهام ؛ نحو : نعم قوما العرب ، وبئس قوما أعداؤهم. ففى كل من : «نعم» و «بئس» ضمير مستتر وجوبا (4)تقديره : «هو» مرادا منه الممدوح ، أو المذموم ، ويعود على التمييز (قوما) أى : نعم القوم قوما ... - وبئس القوم قوما ...
ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما ، (أى : لابد من مطابقته لما يسمى : «المخصوص» بالمدح أو الذم ، بحيث يتطابقان تذكيرا ، وتأنيثا ، وإفرادا ، وغير إفراد) ، نحو : نعم رجلين : القائد والجندىّ - نعم رجالا : الحليم ، والصبور ، والمتواضع - نعم ، أو : نعمت ، فتاة : المجاهدة - نعم ، أو : نعمت ، فتاتين : المجاهدتان - نعم ، أو : نعمت فتيات المجاهدات.
1) إذا لم نعز (مع تخفيف الزاى ، للقافية - والأصل : التشديد -) اذا لم نكن أصحاب عزة ، أى : قوة ، وكرامة ، وهيبة.
2) اشتراط التذكير ليس متفقا عليه ؛ وإنما هو رأى الأكثرية القائلة بأن الفاعل الاسم الظاهر يراد به الجنس فى ضمن جميع الأفراد ، وكذلك الفاعل الضمير يراد به الجنس فى ضمن جميع الأفراد ؛ بأن يجعل راجعا إلى التمييز المراد به الجنس ؛ لكونه على نية «أل الجنسية» ؛ إذ الأصل - مثلا - نعم الرجل.
3) فلا يصح تقديم التمييز هنا على الفعل. وهذا أحد المواضع التى يجوز أن يعود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة. (وقد تقدم تفصيل الكلام عليها فى الجزء الأول ص 184 م 20) ثم انظر رقم 4 من هامش هذه الصفحة.
4) ومن النادر الذى لا يقاس عليه إبرازه مجرورا بالباء الزائدة فى مثل قولهم : نعم بهم قوما. وقد ذكرنا هذا الرأى للاستعانة به على فهم الوارد المسموع دون محاكاته.
ولا بد أن يكون التمييز صالحا لقبول «أل» المعرّفة (1)
ومن أحكام هذا التمييز أنه - على الصحيح - لا يجوز حذفه مع استتار الضمير الفاعل العائد عليه ؛ لكيلا يبقى الفاعل الضمير مبهما ، ليس له ما يفسره ؛ فالتمييز يفسر الفاعل المستتر. فإن وجدت قرينة تدل على التمييز بعد حذفه ، وتكون عوضا عنه صح الحذف ؛ كالتاء فى قولهم : إن زرت الصديق فبها ونعمت ؛ أى : نعمت زيارة زيارتك ، ومنه قول عليه السّلام : (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل) أى : فبالرخصة أخذ ، ونعمت رخصة الوضوء.
ولا يصح تقديمه على «نعم وبئس» - كما أسلفنا - ، ولا تأخيره عن «المخصوص» بالمدح والذم ؛ ولهذا حكموا بالشذوذ على مثل : نعم محمد رجلا ، باعتبار «محمد» هو «المخصوص». أما باعتباره فاعلا فلا يصح ؛ لأنه ليس من الأنواع السالفة التى تصلح فاعلا فى هذا الباب.
ويصح أن يكون لهذا التمييز نعت أو غيره من التوابع ، ومن أمثلة النعت قولهم : «إن الكذوب لبئس خلّا يصحب» ....
كما يصح أن يفصل بينه وبين الفاعل فاصل ، كقوله تعالى : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) ، ويجوز تثنيته وجمعه - كما أشرنا - وبسبب هذا الجواز امتنع إبراز الفاعل المستتر ، وتثنيته وجمعه ، اكتفاء بتثنية التمييز وجمعه ؛ فلا يصح : نعما - ونعموا .. - فى الرأى الراجح.
، فلا يصلح أن يكون من الكلمات المتوغلة - غالبا - فى الإبهام ؛ ككلمة : غير ، ومثل : وشبه (2)فعلان غير متصرّفين *** «نعم» و «بئس» رافعان اسمين
مقارنى «أل» أو مضافين لما *** قارنها : كنعم عقبى الكرما
ويرفعان مضمرا يفسّره *** مميّز ، كنعم قوما معشره
تضمنت الأبيات الثلاثة أن «نعم وبئس» فعلان جامدان ، وأنهما يرفعان فاعلين مقترنين ب «أل» أو مضافين للمقترن ب «أل» أو ضميرا يفسره مميز (تمييز ، كنعم قوما معشره) ، وترك الناظم بقية أنواع الفاعل التى فى الصفحات التالية.
...ويجوز - فى الرأى الراجح - أن يجتمع فى أسلوب المدح أو الذم الفاعل الظاهر والتمييز (3)
وجمع تمييز وفاعل ظهر *** فيه خلاف عنهمو قد اشتهر
؛ نحو : نعم الشجاع رجلا يقول الحقّ غير هيّاب ، وقول الشاعر : رنعم الفتاة فتاة هند لو بذلت *** ردّ التحية نطقا أو بإيماء (1)
ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا ...
(كما سبق فى باب التمييز ج 2 م 87 ص 327). ويجوز أن يكون دالّا بنفسه على معنى زائد على معنى الفاعل ؛ نحو : «نعم الفتى فتى صلاح» ، إذا كان المراد أنه فتى حقا ، أى من ناحية الفتوة ، يظهر عليه أماراتها. ويجوز أن تكون زيادة المعنى ليست ناشئة منه مباشرة ، وإنما هى من أحد توابعه أو معمولاته ، نحو نعم الرجل رجلا مجاهدا صلاح ... و ...
...ه - كلمة : «ما» (2)
و «ما» مميّز ، وقيل : فاعل *** فى نحو : نعم ما يقول الفاضل
فى «ب» من ص 374 أشهر إعرابات «ما» بعد نعم وبئس.»
ويقول علماء رسم الحروف إن «ما» إذا كانت معرفة تامة فقد تكون : «تامة عامة» ومعناها : «الشىء» ، ولفظ : «الشىء» يلاحظ عند التقدير. وعلامتها ألا يكون قبلها اسم تكون هى وعاملها صفة له فى المعنى ، كقوله تعالى : ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) التقدير : نعم الشىء هى ... وقد تكون معرفة «تامة خاصة» ، وعلامتها : أن يسبقها اسم تكون هى وعاملها صفة له فى المعنى ، وتقدر من لفظ ذلك الاسم ؛ نحو : أصلحت الخط إصلاحا نعمّا ، التقدير : نعم الإصلاح. هذا كلامهم. ويقول أكثرهم إن : «ما» فى الصورتين توصل خطّا بآخر الفعل : «نعم وبئس» وتدغم هى «وميم» نعم ، وتكسر عندئذ «العين» للتخلص من السكون الناشىء من الإدغام.
غير أن الحكمة فى هذا الاتصال الكتابى غير سائغة عند فريق آخر ؛ إذ هى : مجرد المحاكاة للسابقين ممن كتبوها فى الطور الأول وقت استحداث الخط. فالخير فى فصلها ، (بالرغم من أننا فصلناها مرة فى أعلى هذه الصفحة ، ووصلناها فى هامشها) إلى أن يستقر الاصطلاح على وضع جديد موحد.
ومثلها عندهم فى الاتصال «بنعم» كلمة «ما» النكرة الناقصة وهى النكرة الموصوفة التى معناها الذى تقدر به : «شىء» ؛ مثل : إن قراءة الكتب الأدبية نعمّا يقوّم الألسنة .. والحكمة والرأى هنا مثلهما فيما سبق.
أو : «من» (3)، نحو : (نعم ما يقول الحكيم المجرّب ، وبئس ما يقول الغرّ الأحمق) ، ونحو : (نعم من تصحبه عزيزا.وبئس من ترافقه منافقا) ... وقيل : إن «ما» تمييز ، والفاعل ضمير مستتر تفسره «ما» وكذلك : «من». .
و - «الذى» (اسم موصول) ؛ نحو : نعم الذى يصون لسانه عما لا يحسن ، وبئس الذى يغتاب الناس.
ز - النكرة المضافة لنكرة ، أو غير المضافة ؛ كقول الشاعر :
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم *** وصاحب الركب عثمان بن عفّانا
ومثل : نعم قائد أنت ...
والنوعان الأخيران (وهما : الذى. والنكرة) ، أقل الأنواع استعمالا ، وسموّا بلاغيّا ، مع جوازهما.
(3) عدم نصبهما المفعول به ؛ لأن كلّا منهما فى هذا الاستعمال فعل ماض - جامد - لازم - كما تقدم (1)- ... ولكن يصح زيادة «كاف الخطاب» الحرفية فى آخرهما ، نحو : نعمك الرجل عثمان ، وبئسك الرجل زياد. وهذه الكاف حرف محض لمجرد الخطاب ؛ فلا يعرب شيئا ، ولكنه يتصرف على حسب نوع المخاطب (2). وزيادته - مع جوازها - قليلة فى الأساليب البليغة (3).
ا - إذا كانت : «أل» جنسية فى مثل : (نعم الوالد علىّ) - ونظائره طبقا لما أوضحناه (1)، فقد يراد منها الدلالة على الجنس حقيقة ؛ فكأنك تمدح كل والد. ويدخل فى هذا التعميم علىّ ، ثم تذكره بعد ذلك خاصة ؛ فكأنك مدحته مرتين ؛ إحداهما مع غيره ، والأخرى وحده.
وقد يكون المراد الجنس مجازا ؛ فكأنك جعلت الممدوح بمنزلة الجنس كله للمبالغة فى المدح.
أمّا إذا كانت «أل» للعهد (2)، فقد تكون لشىء معهود فى الذهن لم يذكر خلال الكلام ؛ فتكون للعهد الذهنى. فإن ورد فى الكلام فهى للعهد الذّكرىّ. كالذى فى قولهم :
خير أيام الفتى يوم نفع *** فاتبع الحقّ ، فنعم المتّبع
و «أل» الجنسية أقوى وأبلغ فى تأدية الغرض ، والعهدية أوضح وأظهر.
ب - إذا وقعت كلمة : «ما» (3)بعد : «نعم وبئس» جاز فيها إعرابات كثيرة ؛ وأشهرها ما يأتى :
(1) إعرابها حين يليها اسم منفرد (مثل : الزراعة نعم ما الحرفة) - إما نكرة تامة فاعلا ، وإما نكرة تامة : تمييزا ، وفاعل «نعم» ، و «بئس» فى هذه الصورة ضمير مستتر يعود على هذا التمييز ، وتعرب الكلمة المنفردة التى بعدها (وهى : الاسم المنفرد) خبرا لمبتدأ محذوف ، أو مبتدأ والجملة قبلها خبر عنها - كما سنعرف فى إعراب المخصوص -.
(2) إعرابها حين يليها جملة فعلية ، (مثل : نعم ما يقول العقلاء ، وبئس ما يقول السفهاء ...) ، إما نكرة ناقصة ، تمييزا ، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها. والجملة بعدها صفة لها. وإمّا معرفة (4) ناقصة ، فاعلا ، والجملة بعدها صلتها.
(3) إعرابها حين تنفرد فلا يليها شىء ؛ (نحو : الرياضة نعما ، والإسراف فيها بئسما) إمّا أن تكون نكرة تامة فاعلا ، وإمّا تمييزا ، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها.
ففى كل الأحوال السابقة يجوز أن يكون الفاعل ضميرا مستترا يعود على «ما».
لا فرق بين أن تكون نكرة تامة ، وناقصة ، ومعرفة تامة. كما يجوز أن تكون «ما» باعتباراتها المختلفة فاعلا.
فإذا اعتبرناها نكرة ناقصة فالجملة بعدها صفتها ، وإذا اعتبرناها معرفة ناقصة فالجملة بعدها صلتها ، وإذا وقع بعدها كلمة منفردة ، أو لم يقع بعدها شىء ، فهى تامة ، تعرب فاعلا ، أو تعرب تمييزا والفاعل ضمير.
ولما كان كل نوع من أنواع «ما» مختلفا فى دلالته اللغوية عن النوع الآخر ، كان تعدد هذه الأوجه الإعرابية جائزا حين لا توجد قرينة توجد المعنى إلى أحدها دون الآخر ؛ فإذا وجدت القرينة وجب الاقتصار على ما تقتضيه ، فليس الأمر على إطلاقه - كما قد يتوهم بعض المتسرعين - ؛ ففى مثل : (لا أجد ما أتصدق به إلا اليسير ؛ فيجيب السامع : نعم ما تجود به). تكون «ما» هنا نكرة موصوفة ؛ فكأنه يقول : نعم شيئا أىّ شىء تجود به ، وفى مثل ؛ أعطيتك الكتاب الذى طلبته ؛ فتقول : نعم ما أعطيتنى ، فكلمة «ما» موصولة ، وهكذا ... وإلا كانت الألفاظ ودلالتها فوضى. والقرائن والأسرار اللغوية لا قيمة لها ، ومثل هذا يقال فى «أل» السابقة ، - من ناحية أنها للعهد أو الجنس ... - وفى غيرها من كل ما يجوز فيه أمران ، أو أكثر وتقوم بجانبه قرينة توجه إلى واحد دون غيره.
(4) امتناع توكيد فاعلهما المفرد الظاهر توكيدا معنويّا ، فلا يصح نعم الرجل كلهم (1)محمد ، ولا بئس الرجل أنفسهم علىّ. كما لا يصح : نعم الرجل كله محمد ، ولا بئس الرجل نفسه على (2)
هذا على اعتبار «أل» جنسية ؛ أما على اعتبارها للعهد فلم يقطعوا فيه برأى ، وإنما قالو لا يستبعد جوازه (راجع الصبان - وغيره - في هذا الموضع) ، وهذه فتوى مضطربة. والأحسن الأخذ بالرأى الذى لا يبيح التوكيد المعنوى مطلقا ؛ لأن الغرض منه لا يتحقق هنا مع «أل» ؛ العهدية ؛ إذ مقام المدح والذم لا يتطلب الإحاطة والشمول فنأتي له بلفظ : «كل أو جميع ، أو عامة » ... أو نحوها من ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول ، وليس المقام بمقام رفع احتمال الشك عن ذات الفاعل فنأتى له بلفظ التوكيد الذي يزيل الشك عنها ؛ مثل كلمة : «نفس» ، أو ما يشبهها...
... فإن كان فاعلهما مثنى أو جمعا جاز ، نحو : نعم الصديقان كلاهما ، محمد وعلى - نعم الأصدقاء كلهم محمد وعلى وحامد ... ومثلهما المثنى والجمع للمؤنث ...أما التوكيد اللفظى فلا يمتنع ، وكذلك : (البدل ، والعطف (3)). وأما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح والكشف ، لا التخصيص (4)، كقول الشاعر :
لعمرى - وما عمرى علىّ بهيّن *** لبئس الفتى المدعوّ بالليّل حاتم
1) «كلهم» بالجمع - مراعاة لمعنى الفاعل - لا لفظه - لأنه بمعنى الجنس المشتمل على أفراد كثيرة ، كما سبق فى «ا» من ص 369. (انظر رقم 2 التالى).
2) لا يصح التوكيد المعنوى إذا كان لفظه للجمع كالمثالين الأولين لأن فيه تناقضا بين ظاهره اللفظى الدال على الجمع ، وظاهر الفاعل الدال لفظه على الإفراد. كما لا يصح أيضا إذا كان لفظه للمفرد ، منعا لمتناقض بين ظاهره اللفظى ومعنى الفاعل الملحوظ فيه الجنس كله ، أو أنه بمنزلة الجنس كله.
3) اشترط بعض النحاة فى (البدل والعطف) أن يكون كل منهما صالحا لمباشرة «نعم» (بأن يكون معرفا «بأل». أو مضافا إلى المعرف بها ، ولو بواسطة .. و.) وبعض آخر لم يشترط هذا ؛ محتجا بأنه يغتفر فى التابع مالا يغتفر فى المتبوع. ولم يوضح لنا أحد الفريقين موقفه من السماع الكثير الوارد عن العرب ؛ لتكون الحجة قاطعة. لهذا كان من التيسير المقبول الأخذ برأى من لا يشترط ما سبق.
4) لأن تخصيصه مناف للشمول والتعميم عند من يجعل «أل» جنسية ، فإذا أريد به الكشف والإيضاح على تأويل أنه الجامع لكل الصفات ، صح النعت به. وأما القائلون بأنها للعهد فلا يشترطون هذا ، ويبيحون النعت. فهنا صورتان ؛ يجوز النعت مع التأول فى إحداهما ، وعدم التأول فى الأخرى. ومن الخير ترك هذا العناء كله ، والاقتصار على النتيجة النافعة التى ينته إليها الرأيان وهى : النعت ، وإهمال ما يحف به من جدل.
وقال الآخر :
نعم الفتى المرّىّ (1)أنت ، إذا همو *** حضروا لدى الحجرات (2)نار الموقد
فإن كان الفاعل ضميرا مستترا فلا يجوز أن يكون له تابع من نعت ، أو عطف ، أو توكيد ، أو بدل.
(5) حاجتهما - فى الغالب - إلى اسم مرفوع بعدهما هو المقصود بالمدح أو الذم ، ويسمى : «المخصوص بالمدح والذم». وعلامته : أن يصلح وقوعه مبتدأ ، خبره الجملة الفعلية التى قبله مع استقامة المعنى ، نحو : (نعم المغرد البلبل - بئس الناعب الغراب) ؛ فالبلبل هو : المخصوص بالمدح ، والغراب هو : المخصوص بالذم ، وكلاهما يصلح أن يكون مبتدأ ، والجملة الفعلية قبله خبره ؛ فنقول : البلبل نعم المغرد - الغراب بئس النّاعب.
ويشترط فى هذا المخصوص أن يكون معرفة ، أو نكرة مختصة بوصف ، أو إضافة ، أو غيرهما من وسائل التخصيص (3)... وأن يكون أخص من الفاعل (4)، لا مساويا له ، ولا أعم منه (5)؛ وأن يكون مطابقا له فى المعنى ، (فيكون مثله فى مدلوله تذكيرا ، وتأنيثا ، وإفرادا ، وتثنية ، وجمعا) ... وأن يكون متأخرا عن الفاعل ؛ فلا يتوسط بينه وبين فعله (6)، - ويجوز تقدمه على الفعل والفاعل معا - كما يجب تأخره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرا مستترا له تمييز ؛
1) المنسوب لقبيلة مرّة -. والمقصود به : سنان بن أبى حارثة المرى.
2) الحجرات ، جمع : حجرة (بفتح الحاء والجيم) وهى شدة برد الشتاء. وقد تقرأ : حجرات جمع : حجرة : بضم فسكون.
3) أو يصلح أن يكون خبرا إذا جعلنا الفاعل مبتدأ موصوفا بكلمة : «الممدوح» أو كلمة : «المذموم» على حسب المعنى ؛ (لأن مفسر الفاعل كالفاعل) ، نحو : نعم الصانع خليل ، وبئس المصنوع النسيج ، أى : (الصانع ، الممدوح خليل) (المصنوع ، المذموم النسيج) وسيجىء الكلام ، على إعراب المخصوص فى ص 378.
4) لأن المراد من الفاعل هو الجنس كله - طبقا للرأى الأغلب -.
5) حجتهم فى أن يكون أخص : أن يحصل التفصيل بعد الإجمال ؛ ليكون أوقع فى النفس ... والحجة الحقيقية وحدها هى استعمال العرب ، كالشأن فى باقى الحجج التالية.
6) بزعم أن هذا أدعى للتشويق ، لكن يجوز أن يتقدم على الفعل والفاعل وفى هذه الصورة لا يسمى : مخصوصا. والسبب فى المنع هو استعمال العرب - ليس غير - ويجب إهمال مثل هذه التعليلات.
نحو : نعم رجلا المخترع.
أما إذا كان الفاعل اسما ظاهرا فيجوز تقديم «المخصوص» على التمييز وتأخيره ، فنقول : نعم العالم رجلا إبراهيم ، أو : نعم العالم إبراهيم رجلا.
وإذا كان المخصوص مؤنثا جاز تذكير الفعل وتأنيثه ، وإن كان الفاعل مذكرا ؛ نحو : نعم الجزاء الهدية ، ونعم الشريك الزوجة ، أو نعمت ، فيهما. والتذكير فى هذه الحالة أحسن ليطابق الفاعل (1).
يجوز حذف : «المخصوص» ، إن تقدم على جملته لفظ يدل عليه بعد حذفه ، ويغنى عن ذكره متأخرا ، ويمنع اللبس والخفاء فى المعنى ؛ ويسمّى هذا اللفظ ؛ ب «المشعر بالمخصوص» ؛ سواء أكان صالحا لأن يكون هو «المخصوص» أم غير صالح (2)؛ ويعرب على حسب الحالة ؛ مثل : سمعت شعرا عذبا لم أتعرّف صاحبه ، ثم تبينت أنه الحترىّ ؛ فنعم الشاعر. أى : فنعم الشاعر البحترىّ. وقوله تعالى فى نبيّه أيوب : ( إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً ، نِعْمَ الْعَبْدُ ... ) ، أى : نعم العبد الصابر ، ويصح : نعم العبد أيوب. وعلى التقدير الأول يكون «المشعر» - وهو كلمة : «صابرا» - من النوع الذى لا يصلح أن يكون «مخصوصا» : لأنه نكرة غير مختصة ، بخلافه على «التقدير الثانى».
المشهور إعرابان ؛ أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخرا ، والجملة الفعلية التى قبله خبر عنه ، كما فى المثالين السالفين (3)...
وثانيهما : اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا ، تقديره : «هو» ، أو : هى أو غيرهما مما يناسب المعنى ، ويقتضيه السياق ، فيكون فى المثالين السابقين (4)
مثلا : نعم المغرد هو البلبل ، وبئس الناعب هو الغراب. أى : الممدوح البلبل ، والمذموم الغراب. فالمراد من الضمير هنا : «الممدوح» أو : «المذموم».
وهناك إعراب ثالث ؛ هو : أن يكون مبتدأ وخبره محذوف ؛ تقديره : «الممدوح» أو : «المذموم».
تلك هى الأوجه الثلاثة المشهورة ، ويلاحظ أن كلّا منها قائم على الحذف والتقدير ، أو التقديم والتأخير ، مع الركاكة والضعف ، مع أن هناك رأيا قديما آخر ، أولى بالاعتبار ؛ لخلوه من تلك العيوب وغيرها ؛ هو : إعراب المخصوص «بدلا» (1)
ومن شاء أن يطلع عليها فليرجع إليها فى مظانها التى ذكرناها والتى لم نذكرها.
من الفاعل ؛ فيكون : «البلبل» بدلا من : «المغرد» ، ويكون : «الغراب» بدلا من : «الناعب» ... هكذا ...وحبذا الأخذ بهذا الرأى السهل الواضح فى تقديرنا.
يجوز فى هذا المخصوص أن تعمل فيه النواسخ ؛ نحو ؛ نعم مداويا كان الطبيب ؛ فهو اسم «كان» والجملة قبلها خبرها (2)
ويذكر «المخصوص» بعد مبتدا *** أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
أى : يذكر المخصوص بعد الفاعل ، ويعرب مبتدأ ، أو خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا ، لا يجوز أن يظهر. ويقول فى حذفه :
وإن يقدّم مشعر به كفى *** كالعلم نعم المقتنى والمقتفى
يريد : إن تقدم على المخصوص ما يشعر بمعناه ويدل عليه من غير لبس ، أو فساد - كفى وأغنى عنه وجاز حذفه ، كالأمثلة التى سبقت فى الشرح. أما مثال : العلم نعم المقتنى والمقتفى فالمخصوص قد تقدم فصار فى الظاهر هو المشعر ، والأصل : «نعم المقتنى والمقتفى العلم» ، فأغنى عن المخصوص ، منعا للتكرار الذى لا فائدة منه هنا ، و «المقتنى» : الشىء الذى يتّخذ قنية ، أى : الشىء الغالى ، الذى يحرص الناس على ادخاره والاحتفاظ به. و «المقتفى» الذى يقتفى ؛ أى : يتبع وتراعى أحكامه ...
... .1) الأحسن أن يكون بدل كل من كل على جميع الاعتبارات ، لأن المراد من البدل هو المراد من المبدل منه. ومن العجيب أن يكون هذا رأى قلة من النحاة ، مع وضوحه ، وقوة انطباق قواعد البدل عليه ، وعدم تناقضه مع قاعدة أخرى. وأما ما وجه إليه من عيب فقد دفعه العائبون أنفسهم ، وانتهوا إلى خلوه من العيوب (كما يدل على هذا ما ورد فى المطولات ، ومنها حاسية الصبان فى هذا الموضع ، وقد نقل عن بعض المحققين جواز البدلية ، وسجله فى آخر باب عطف البيان) فلماذا لم يجعلوه فى قوة غيره؟ بل لماذا لم يقدموه على غيره؟ ولا نريد أن نسجل هنا تلك العيوب وطرق دفعها ؛ كى لا نسجل مالا طائل وراءه.
2) وفى المخصوص وإعرابه يقول ابن مالك :
ومن النوع الأول الصريح (1): الفعل : «حبّ» يكون للمدح العام مع الإشعار بالحبّ ، ويكثر أن يكون فاعله كلمة : «ذا» التى هى اسم إشارة (2)
حبذا ليلة تغفّلت عنها *** زمنى فانتزعتها من يديه
تغفلته : خدعته وهو غافل. أما الحرف «يا» فيجىء تفصيل الكلام عليه فى مكانه الأنسب ، وهو باب : «النداء» - ح 4 م 127 ص - 5 - ومنه يتبين أن الحرف : «يا» هنا : حرف تنبيه ، أو حرف نداء ...
نحو ؛ حبذا الموسيقىّ إسحاق ، وقول الشاعر :يا حبذا النيل على ضوء القمر *** وحبذا المساء فيه والسّحر
فإن جاء بعده الفاعل «ذا» ، وقبله : «لا» النافية كان للذم العام ، نحو : لا حبذا البخيل مادر (3).
وإنما كان معنى الفعل : «حبّ» هو : المدح مع الإشعار بالحب والقرب من القلب ، لأنه فعل مشتق من مادة : «الحبّ» وفاعله اسم إشارة للقريب. وهو ينفرد بهذه المزية دون «نعم».
ومما يدل على الذم العامّ الصريح أيضا الفعل : «ساء» تقول : ساء البخيل مادر. كما تقول : بئس للبخيل مادر وقول الشاعر :
أألوم من بخلت يداه وأغتدى *** للبخل تربا (4)؟ ساء ذاك صنيعا!
فمعناهما واحد ، هو : الذم العام (5)، وكذلك أحكامهما
ومما تقدم نعلم أنّ «حبذا» جملة فعلية - على الرأى الأرجح - الفعل : فيها : «حبّ» ، وهو هنا ماض جامد (6)، وفاعله هو كلمة : «ذا» اسم الإشارة ، مبنية .
1) أى : الذى يدل على المدح أو الذم دلالة صريحة بغير قرينة ... (انظر ص 367).
2) وعندئذ تتصل بآخره فى الكتابة وجوبا ؛ طبقا لقواعد رسم الحروف. ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر :
3) اسم رجل يضرب به المثل قديما فى البخل.
4) صديقا وصاحبا.
5) إلا إن لوحظ فى الفعل «ساء» أنه محول من أصله إلى صيغة «فعل» بقصد الذم الخاص مع التعجب ، كما سيجىء الكلام على تحويل الأفعال الثلاثة إلى هذه الصيغة ص 384 و385.
6) هو فى الأصل مشتق. ولكنه صار جامدا ، كامل الجمود بعد انتقاله إلى حالته الجديدة التى قصد بها إنشاء المدح فصار مع فاعله جملة إنشائية خالية من الدلالة الزمنية على الوجه الذى شرحناه فى رقم 1 من ص 368.
على السكون فى محل رفع. «الموسيقىّ» هو المخصوص بالمدح ، ويعرب مبتدأ خبره الجملة التى قبله ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، أو غير هذا مما فصّلناه (1)فى إعراب «مخصوص : نعم وبئس» إلا البدل فلا يصح هنا.
ومن أحكام هذا المخصوص أيضا أنه لا يصح تقدمه على الفاعل وحده ، دون الفعل ، ولا على الفعل والفاعل معا ، فلا يصح : حبّ علىّ ذا ، ولا علىّ حبّذا ، لأن تقدمه غير مسموع فى الكثير الفصيح من كلام العرب ؛ فصارت : «حبذا» معه ثابتة الموضع والصورة كالمثل ؛ والأمثال لا تتغيّر مطلقا. هذا إلى أن تقدمه قد يوهم (فى مثل الصورة الثانية التى يكون فيها المخصوص مفردا مذكرا) - أن الفاعل ضمير مستتر ، وأن «ذا» مفعول لا فاعل. وفى هذا إفساد للمعنى. لكن يصح أن يتقدم على التمييز أو يتأخر عنه ؛ نحو : حبذا رجلا العصامىّ ، أو : حبذا العصامىّ رجلا. ويصح الفصل بالنداء بينه وبين «حبذا» كما يصح حذفه إن دلّت عليه قرينة لفظية أو حالية. (2)
ألا حبذا ، حبذا ، حبذا *** حبيب تحملت منه الأذى
ومما يقوى منع إعرابه عطف بيان أن عطف البيان لا بد أن يكون كمتبوعه - فى الرأى الأصح - تعريفا وتنكيرا - كما سيجىء فى ص 550 - وقد وردت أمثلة كثيرة فصيحة وقع فيها مخصوص حبذا نكرة ، منها قول جرير :
وحبذا نفحات من يمانية *** تأتيك من قبل الرّيان أحيانا
فلو أعربنا كلمة : «نفحات» عطف بيان لخالفت متبوعها - وهو اسم الإشارة - فى تعريفه.
كقول الشاعر :ألا - حبّذا. لو لا الحياء ، وربما *** منحت الهوى ما ليس بالمتقارب .
1) فى آخر ص 378.
2) كثير من النحاة يمنع أن يكون للفاعل «ذا» تابع من التوابع الأربعة شأنه فى هذا شأن فاعل «نعم» وبئس ، إذا كان ضميرا مستترا. فإذا وقع بعد «ذا» اسم فهو «المخصوص» وهذا الرأى سديد هنا ؛ لأن حاجة اسم الإشارة للمخصوص الذى يوضحه ويزيده جلاء أشد من حاجته إلى البدل ، أو غيره من التوابع. ويجب الأخذ بهذا الرأى فى صورتى «حب» ؛ المنفية وغير المنفية ، ما دام الأسلوب لإنشاء المدح أو الذم. لهذا يقولون فى كلمة : «المجاهد» فى مثل : حبذا المجاهد - إنها المخصوص ، ويعربونها إعرابه ، ولا يعربونها بدلا. لكن يجوز توكيد جملة : حبذا» توكيدا لفظيّا ، ومنه قول الشاعر :
والأصل مثلا : ألا حبذا أخبار الحبّ ، أو النساء ... لو لا الحياء ، ولا يصح أن تعمل فيه النواسخ ، بخلاف مخصوص «نعم» - كما سبق (1). -
ومثل الإعراب السابق يقال فى : لا حبذا البخيل مادر ، مع إعراب «لا» حرف نفى ، فليس ثمّة خلاف بين الصّيغتين فى شىء إلا فى وجود «لا» النافية قبل : «حبذا» مباشرة (أى بغير فاصل مطلقا) (2)
واجعل كبئس ساء. واجعل : «فعلا» *** من ذى ثلاثة - كنعم ، مسجلا
وسيجىء شرح هذا البيت فى هامش ص 391 ، ثم يقول بعده :
ومثل «نعم» ، «حبّذا» ، الفاعل «ذا» *** وإن ترد ذمّا فقل : «لا حبّذا»
أى : مثل : «نعم» مع فاعلها فى إنشاء المدح ، جملة ، «حبذا» : وهى جملة فعلية ، الفاعل فيها هو كلمة : «ذا». أما عند إرادة الذم فقل : «لا حبذا» بزيادة «لا» النافية.
... وبسببها تصير الجملة لإنشاء الذم لا المدح. ولا يصح أن يحل حرف نفى آخر محل : «لا» فى هذا الموضع. ومن الأمثلة الجامعة للصورتين قول الشاعر :ألا حبذا عاذرى فى الهوى *** ولا حبذا الجاهل العاذل
وقول الآخر :
ألا حبّذا أهل الملا ، غير أنه *** إذا ذكرت مىّ فلا حبّذا هيا
وإذا كان فاعل ؛ «حبّ» - فى حالتى النفى وعدمه - هو كلمة : «ذا» وجب أمران ؛ فتح الحاء فى «حب (3)» ... وأن يبقى الفاعل : «ذا» على صورة واحدة لا تتغير فى الحالتين ؛ هى صورة الإفراد والتذكير مهما كان أمر المخصوص من الإفراد ، أو : التثنية ، أو : الجمع ، أو : التذكير ، أو : التأنيث ... نحو : حبذا الطبيبة فاطمة - حبذا الطبيبتان الفاطمتان - حبذا الطبيبات الفاطمات - حبذا الطبيب محمد - حبذا الطبيبان المحمدان - حبّذا الطبيبون - أو الأطباء - المحمّدون ، فلا يصح إخراج «ذا» عن الإفراد .
والتذكير ؛ لأنها دخلت فى أسلوب يشبه المثل ، والأمثال لا تتغير مطلقا ، ولا تخالف الصورة الأولى التى وردت بها عن العرب (1)
وأوّل : «ذا» المخصوص ، أيّا كان ، لا *** تعدل ب «ذا» فهو يضاهى المثلا
(أول ذا ... : أتبع كلمة «ذا» ... وجىء بعدها بالمخصوص ، أيّا كان. فى أى مكان وصورة وجد من الأسلوب الخاص بالمدح والذم ، أى : سواء أوجد للمفرد وفروعه أم للمذكر وفروعه - لا تعدل بذا : لا تمل بلفظ «ذا» إلى غيره ، ولا تنصرف عنه إلى سواه. والمراد لا تدخل عليه تغييرا مطلقا - يضاهى : يشابه).
...فإن كان فاعل : «حبّ» اسما آخر غير كلمة : «ذا» فإنه لا يلتزم صورة واحدة ، وإنما يساير المعنى ، فيكون مفردا أو غير مفرد ، مذكرا ، أو غير مذكر ، كل هذا على حسب ما يقتضيه المعنى. وعندئذ يجوز رفعه أو جره بباء زائدة فى محل رفع ، كما يجوز فى «حاء» الفعل : «حبّ» أن تضبط بالفتحة أو الضمة ، مثل : حبّ المضىء القمر - حبّ المضيئان القمران - حبّت المضيئات الأقمار ... وهكذا (2)
وما سوى «ذا» ارفع بحبّ ، أو : فجر *** بالبا ، ودون «ذا» انضمام الحاكثر
(الفاء فى : «فجر» زائدة ، أو فى جواب شرط مقدر ، أى إن شئت فجر ، لأن حرف العطف لا يدخل على مثله) : يقول : ارفع الفاعل إذا كان اسما غير كلمة «ذا» ، أو : جره بالباء الزائدة. ودون «ذا» أى : فى غير الفاعل : «ذا» ، كثر انضمام الحاء فى فعله «حب» ويفهم من هذا أن ضم الحاء لا يصح إذا كان الفاعل هو كلمة : «ذا» كما شرحنا.
... ؛ (لأنه يجرى على «حبّ» من ناحية ضبط فائها وعينها ما يجرى على مثلهما من الفعل الذى يحول إلى «فعل» وسيجىء الكلام عليه (3)). .الأفعال (1)التى تجرى مجرى : «نعم وبئس»
الأصل العامّ : أن يقتصر كل فعل تحتويه الجملة المفيدة على تأدية معنى واحد مناسب ؛ يكتفى به ، ولا ينضم إليه معنى آخر. وينطبق هذا الأصل العام على أكثر الأفعال الثلاثية ، حيث يقتصر كل فعل منها على تأدية معناه الخاص الواحد من غير دلالة معه على مدح ، أو : ذمّ. أو : تعجب ... كالأفعال : فرح - قعد - فهم ... و ... ومئات غيرها - فإن كل فعل منها يؤدى معناه المعيّن ؛ (وهو : الفرح ، القعود ، الفهم ...) تأدية مجردة من الإشعار بمدح ، أو ذم ، أو تعجب ؛ فلا صلة لها بشىء من هذه المعانى الثلاثة.
لكن من الممكن أن يدخل شىء من التغيير على صيغة كل فعل من الأفعال السابقة - ونظائرها - ليصير على وزن معيّن ، فيؤدى معناه الأصلى الخاص مع زيادة فى الدلالة ؛ تتضمن المدح بهذا المعنى اللغوىّ الخاص ، أو الذم به ، كما تتضمن - فى الوقت نفسه - الإشعار بالتعجب فى الحالتين. فالزيادة الطارئة على المعنى اللغوىّ الأصلى للفعل بعد تغيير صيغته - تتضمن الأمرين معا. وإن شئت فقل : إن الفعل الثلاثى فى صيغته الجديدة ، الناشئة من التغيير يؤدى ثلاثة أمور مجتمعة ؛ هى : معناه اللغوىّ الخاص ، مزيدا عليه المدح بهذا المعنى الخاصّ ، أو الذمّ به على حسب دلالته الأصلية ، وأيضا إفادة التعجب فى حالتى المدح والذم (2)
«ملاحظة» : انظر حكما آخر يتصل بهذا التحويل - سيجيء في «ج» ص 389-.
.والمدح والذم هنا خاصّان ؛ لأنهما يقتصران على المعنى اللغوىّ للفعل ، وهذا المعنى معيّن محدود ، ولهذا يكون المدح به أو الذم خاصّا ، مع إفادة التعجب
1) قد نضيق بهذه الأفعال وأحكامها ، وننفر - أحيانا - من جرسها بعد تحويلها للمدح أو للذم وما يصحبهما ، بالرغم من أن هذا التحويل قياسى. فحبذا الاقتصار على فهم الوارد منها ، والاستغناء عن محاكاته ؛ - مع صحة محاكاته - نزولا على الدواعى البلاغية العالية. - كما سنشير فى رقم 1 من هامش ص 387 وكذلك فى ص 393.
2) سبقت الإشارة لهذا.
فى كل حالة ، فلا إهمال للمعنى الخاصّ الأساسى للفعل ، ولا تعميم فيه ولا شمول ، ولا خلوّ من التعجب ، فالأسلوب هنا باشتماله على الأمور الثلاثة السالفة مختلف عنه مع «نعم وبئس» ؛ لأن معناهما : المدح والذمّ العامّين الشاملين ، الخاليين من إفادة التعجب (1).
وإنما يقوم الفعل الثلاثى (2)بتأدية معناه الخاص مع تلك الزيادة فى الدلالة إذا تحقق فى صوغه أمران :
أولهما : أن يكون مستوفيا كل الشروط التى يجب اجتماعها فى الفعل الذى يصلح أن تصاغ منه - مباشرة - صيغتا التعجب (3)، وفى مقدمتها : أن يكون ثلاثيّا.
ثانيهما : أن يكون على وزن : «فعل» - بضم العين - ؛ سواء أكان مصوغا على هذا الوزن من أول الأمر نقلا عن العرب ؛ مثل : شرف ، وكرم ، وحسن ... و ... ، أم لم يكن ؛ كفهم (4)، وجهل ، وبرع ... ؛ فيصير : فهم - جهل (5)- برع ...
(ومعلوم أن الفعل الثلاثى لا يخرج - فى الأغلب (6)- عن ثلاثة أوزان ؛ تنشأ من تحريك عينه بالفتح ؛ (نحو : ذهب) ، أو بالكسر ؛ (نحو : علم) أو بالضم ؛ (نحو : ظرف). أمّا أوله فمفتوح فى أغلب الحالات (7)والأوزان التى
1) انظر رقم 3 من هامش ص 368 ففيها إشارة وافية ، موضحة لهذا. أما بيان الفروق المختلفة كلها فتأتى فى : «ا وب» من ص 388.
2) إلا الفعل : «ساء» فحكمه فى ص 392.
3) سبق بيانها وشرحها فى ص 349 و385 من باب : التعجب ؛ - وليس من اللازم لتحقيق الشرط الأول (وهو أن يكون الفعل ماضيا) أن يكون هذا الماضى المراد تحويله حلقى الفاء ؛ - كما يرى بعض النحاة - فقد يكون ، أو : لا يكون (وحروف الحلق ستة ؛ هى : الهمزة - العين - الغين - الحاء - الخاء - الهاء).
4) (4 و4) يرى بعض النحاة : أنه لا يجوز تحويل (علم ، وجهل ، وسمع) إلى : «فعل» وحجته : أن هذا التحويل غير مسموع. وفى رأيه تعسير لا داعى له ، لمعارضته حكمة القياس ، والغرض منه ، ولأنه سمع تحويلها - كغيرها - عن بعض القبائل العربية.
5) (4 و4) يرى بعض النحاة : أنه لا يجوز تحويل (علم ، وجهل ، وسمع) إلى : «فعل» وحجته : أن هذا التحويل غير مسموع. وفى رأيه تعسير لا داعى له ، لمعارضته حكمة القياس ، والغرض منه ، ولأنه سمع تحويلها - كغيرها - عن بعض القبائل العربية.
6) هناك أفعال صحيحة العين ، ساكنتها أصالة وهى قليلة العدد ، ومنها : «نعم وبئس» وليس منها الأفعال المعتلة العين ؛ مثل : غاب - قام - نام - ... ؛ فإن سكونها طارئ لأن عينها فى الأصل متحركة.
7) قلنا : «فى أغلب الحالات» لأن قليلا من الأفعال الماضية. مكسور الأول ؛ مثل : نعم - بئس...
يكون فيها مبنيّا للمعلوم. والثلاثى مضموم العين لا يكون إلا لازما ؛ ولهذا يصير الفعل المتعدى لازما إذا تحول من صيغته الأصلية إلى صيغة : فعل).
وصوغه على وزن : «فعل» - (بقصد تأديته لمعناه اللغوىّ المعين ؛ مع المدح الخاص به ، أو الذم الخاص ، ومع الإشعار بالتعجب (1)فيهما) - يقتضى الأحكام والتفصيلات الآتية :
ا - اعتبار الفعل بعد تلك الصياغة لازما ؛ مجردا من الدلالة الزمنية ، وجامدا كامل الجمود (فلا مضارع له ؛ ولا أمر ، ولا غيرهما من بقية المشتقات).
ب - صحة تحويل الفعل الثلاثى الصحيح (2)، غير المضعف (3)، تحويلا مباشرا - إلى صيغة : «فعل» بضم العين ؛ فيفيد بعد التحويل معناه اللغوىّ مقرونا بالمدح أو الذم الخاضين بمعناه ، مع التعجب فى كل حالة ؛ تبعا لمعناه اللغوىّ الأصلى قبل التحويل ؛ ففى مثل : (فهم المتعلم - عدل الحاكم ، نقول : فهم المتعلم - عدل الحاكم ؛ فيفيد التركيب الجديد معنى الفعل فى اللغة ، مزيدا عليه مدح المتعلم بالفهم فقط ، ومدح الحاكم بالعدل فقط ، مع التعجب فى الحالتين). وفى مثل : (جهل (4)المهمل - حسد الأحمق ... نقول جهل المهمل ؛ حسد الأحمق ؛ فيفيد الأسلوب معنى الفعل ، مزيدا عليه ذم المهمل بسبب جهله فقط ، وذم الأحمق بسبب حسده فقط. مع التعجب فى الصورتين) ... ولا فرق فى هذا التحويل وآثاره بين الثلاثى مفتوح العين ، أو مكسورها ، أو : مضمومها.
ويجوز فى الفعل بعد تحويله إمّا إبقاؤه على صورته الجديدة ، وإمّا تسكين
1) وهو بدلالته على معناه مزيدا عليه التعجب مع المدح أو الذم الخاصّين ، يختلف عن : «نعم وبئس» - كما شرحنا -.
2) ما ليس فى أصوله حرف علة. أما المعتل فتجىء أحكامه فى ص 392.
3) مضعف الثلاثى ما كانت عينه ولامه من جنس واحد. (وسيجىء الكلام على تحويل المضعف فى ص 390).
4) انظر ما يختص بتحويل الأفعال : (علم - جهل - سمع) إلى : «فعل» - فى رقم 4 من هامش الصفحة السالفة.
عينه المضمومة ، كما يجوز تسكين عينه بعد نقل حركتها (وهى الضمة) ، إلى أوّله ؛ فنقول فى الصورتين الأخيرتين : (فهم المتعلم - عدل الحاكم - جهل المهمل - حسد الأحمق) ... أو : (فهم ... - عدل ... - جهل ... - حسد (1)...).
وإذا تمّ تحويل الفعل على الوجه السالف صار بمنزلة : «نعم ، وبئس» فى الجمود ، وفى أصل دلالتهما وهى مجرد المدح أو الذم - مع مراعاة الفوارق بينهما (2)- ، ويجرى عليه من الأحكام النحوية المختلفة ما يجرى عليهما ؛ فيحتاج إلى فاعل من نوع فاعلهما الذى سبق بيانه ، وقد يحتاج إلى تمييز ، وإلى «مخصوص» كما يحتاجان. ويسرى على فاعله وتمييزه ومخصوصه كل الأحكام التى تسرى حين يكون الفعل : «نعم أو بئس». فإذا قلت فى المدح : فهم المتعلم حامد ، وفى الذم : خبث الماكر سعيد ، فكأنك قلت : نعم الفاهم حامد ، وبئس الماكر سعيد - مع ملاحظة الفرق المعنوى الذى أوضحناه -.
وهكذا يطبّق على الفعل الصحيح الثلاثى غير المضعف (3)، بعد تحويله إلى : «فعل» جميع ما يطبّق على : «نعم وبئس» ، ويخضع النوعان لأحكام واحدة ما عدا بعض الفروق المعنوية السالفة وبعض فوارق فى فاعله (4)ستأتى.
1) بالرغم من جواز الأمرين - تسكين العين على الوجه السالف ، أو نقل حركتها إلى أول الفعلين - يحسن تركهما اليوم فى استعمالاتنا ، وعدم الالتجاء إلى استخدامهما قدر الاستطاعة ، وحسبنا الاستعانة بهما على فهم الوارد المسموع ، دون محاكاته ؛ فرارا من الغموض الشديد ، واللبس القوى ... كما سبقت الإشارة فى رقم 1 من هامش ص 384 -
2) من الفوارق ما يأتى فى الزيادة ص 388 وهى مختصة بالفاعل ، وأن المدح والذم بصيغة الفعل الذى تم تحويله خاصان ، وليسا عامين ، وأنهما يتضمنان التعجب ، بخلافهما مع : «نعم وبئس». حيث يقتصر معناهما على المدح العام ، والذم العام ، فلا يتضمنان تعجبا.
3) سيجىء الكلام على المضعف فى ص 390.
4) فى الزيادة ص 388.
ا - تبين مما تقدم (1)أن الفعل الذى يتم تحويله إلى «فعل» على الوجه المشروح إنما يدل - فوق معناه اللغوى الأصيل - على مدح خاص أو ذم خاص ، وأنه لا بد من إشرابه معنى «التعجب» فى الحالتين. وبالتخصيص فيهما والتعجب يخالف «نعم وبئس» ، لأن معناهما المدح العام والذم العام ولا يتضمنان تعجبا. ب - وينفرد «فاعل» الفعل الذى تم تحويله بأمور لا تكون فى فاعل : «نعم وبئس».
منها : صحة وقوعه اسما ظاهرا خاليا من «أل» ومما يشترط فى فاعل نعم ، ... (2)نحو : قوله تعالى : ( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) ، ومثل عدل عمر. ومنها : كثرة جره بالباء الزائدة إن كان اسما ظاهرا ، فيجر لفظا ويرفع محلا ، نحو : حمد بالجار معاشرة ، وسعد بالرفيق مزاملة. أى : حمد الجار معاشرة ، وسعد الرفيق مزاملة.
ومنها : صحة رجوعه - إن كان ضميرا - إلى شىء سابق عليه ؛ فيطابقه حتما ، أو إلى التمييز المتأخر عنه فلا يطابقه. تقول : الأمين وثق رجلا ؛ ففى الفعل : «وثق» ضمير يجوز عودته على : «الأمين» المتقدم ، أو : على التمييز : «رجلا» المتأخر عنه ، ولهذا الرجوع إلى أحدهما أثره فى المطابقة بين الفاعل الضمير ومرجعه ؛ إذ عند رجوعه للسابق تجب مطابقته فنقول : الأمينان وثقا رجلين - الأمناء وثقوا رجالا - الأمينة وثقت فتاة - الأمينتان وثقتا فتاتين - الأمينات وثقن فتيات. أما عند عودته إلى التمييز المتأخر فلا تصحّ المطابقة ؛ بل يلتزم الإفراد والتذكير ؛ شأنه فى هذا شأن فاعل «نعم وبئس» إذا كان ضميرا مستترا ، فنقول فى كل الصور السّالفة : «وثق» ، بغير إدخال تغيير عليه يدلّ على تأنيث ، أو تثنية ، أو جمع.
وفيما سبق يقول : «ابن عقيل والأشمونى» وحاشيتاهما ، عند شرحهما لكلمة : «مسجلا» فى آخر بيت ابن مالك الذى نصه : - كما سبق فى ص 382 -.
(واجعل كبئس ساء. واجعل «فعلا» *** من ذى ثلاثة كنعم مسجلا)
إن معناها هو : مطلقا عن التقييد بحكم دون آخر ... ثم قال الخضرى ما نصه (1):
«(لكنّ «فعل» يخالف «نعم وبئس» فى ستة أمور :
اثنان فى معناه : إشرابه التعجب ، وكونه للمدح الخاص - أو للذم الخاص (2)- «واثنان فى فاعله الظاهر ؛ جواز خلوه من «أل» نحو : وحسن أولئك رفيقا ، وكثرة جره بالباء الزائدة ، تشبيها بأسمع بهم ؛ كقولهم :
حبّ بالزّور (3)الذى لا يرى *** منه إلا صفحة أو لمام (4)
«واثنان فى فاعله المضمر ؛ جواز عوده ومطابقته لما قبله ؛ ففى : «محمد كرم رجلا» يحتمل عود الضمير إلى : «رجلا» كما فى نعم ، ... وإلى «محمد» كما فى فعل التعجب ، لتضمنه معناه. وتقول : المحمدون كرم رجالا - ... على الأول (5)وكرموا رجالا على الثانى (6)فقول المصنف : «كنعم مسجلا» ليس على سبيل الوجوب فى كل الأحكام. والكلام فى غير «ساء». أما «ساء» فيلازم أحكام «بئس» ...)» ا ه كلام الخضرى.
ح - بمناسبة ما تقدم يقول الصرفيون إن أبواب الفعل الثلاثى المستعملة أصالة - بحسب حركة العين فى الماضى والمضارع - ستة ، الخامس منها هو باب : «فعل يفعل» بضم العين فيهما معا ؛ كحسن يحسن ، وشرف يشرف أو كرم يكرم ... و ... ويردفون كلامهم بتقرير أمرين (7):
أولهما : أن هذا الباب «الخامس» مقصور فى أصله على الأوصاف الفطرية والسجايا الخلقية الدائمة ، أو التى تلازم صاحبها زمنا طويلا.
ثانيهما : صحة تحويل كل فعل ثلاثى من الأبواب الأخرى إلى هذا الباب ليدل الفعل بعد هذا التحويل على أن معناه صار كالغريزة والسجية فى صاحبه.
1) وهو المفهوم أيضا من كلام الأشمونى والصبان.
2) انظر الصبان فى هذا أيضا.
3) سيعاد البيت مشروحا فى ص 391 لمناسبة هناك.
4) سيعاد البيت مشروحا فى ص 391 لمناسبة هناك.
5) أى : على التقدير الأول الذى يعود فيه الضمير المستتر على التمييز بعده بغير أن يطابقه ؛ فيظل الضمير مفردا ، مذكرا.
6) أى : على التقدير الثانى الذى يرجع فيه الضمير المستتر إلى مرجع قبله فيطابقه.
7) سجلهما صاحب شذا العرف فى أول كتابه ص 18 عند كلامه على : الباب الخامس من «التقسيم الثالث للفعل بحسب التجرد والزيادة ..».
ج - فك الإدغام إن كان الفعل : «مضعفا» ، مثل : فرّ - لجّ ... ويرد إلى أصله قبل الإدغام ، فيصير : فرر (1)- لجج (2)، ثم يحول إلى : «فعل» : فيصير : فرر - لجج ... ثم يعود إلى الإدغام ، فيصير كما كان (3): «فرّ» - لجّ ، تقول فى الذم - مثلا - فرّ الرجل جبانا - لجّ القطّ مواء ، أو : فرّ بالرجل جبانا - لجّ بالقط مواء.
ويجوز حذف الفتحة من أول الفعل لتحل مكانها الضمة التى فى عين الفعل عند تحويله إلى : «فعل» ، وتسكن عين الفعل (4)؛ فتصير الجملة : فرّ الرجل جبانا ، لجّ القطّ مواء - أو : فرّ بالرجل جبانا ، لجّ بالقط مواء.
ومن المضعف الذى تجرى عليه هذه القواعد - الفعل ؛ «حبّ» (5)عند تحويله إلى : «فعل» بقصد المدح ، بشرط ألا يكون فاعله كلمة : «ذا» فى مثل : «حبّذا» لأنّ «حبّ» فى هذه الصورة المركبة مع «ذا» يجب فتح الحاء فيها ، وبقاء «ذا» على حالها من الإفراد والتذكير فى كل الأساليب ، مهما كان حال الممدوح من ناحية إفراده ، وعدم إفراده ، وتذكيره أو تأنيثه ، كما يجب فى هذه الصورة أيضا وصل الفعل : «حب» بفاعله : «ذا» كتابة ، وتركيبهما معا تركيبا خطيّا كما سبق (6).
أما إن كان الفاعل اسما ظاهرا غير كلمة «ذا» فإن الفعل «حبّ» يخضع لما أشرنا إليه ؛ من فتح الحاء أو ضمها ، كما يجرى على فاعله الأحكام الخاصة بالمحوّل ، والتى أوضحناها. تقول حبّ الجندى رجلا ، أو : حبّ بالجندى رجلا. ومنه قول الشاعر :
حبّ (1)بالزّور (2)الذى لا يرى *** منه إلا صفحة (3)أو لمام (4)
وهكذا (5)
واجعل كبئس «ماء» واجعل «فعلا» *** من ذى ثلاثة كنعم ، مسجلا
(مسجلا : حرا لا يعوقه ولا يقيده قيد).
يطلب أن تكون : «ساء» مثل : «بئس» فى معناها وأحكامها. وأن يكون «فعل» (وقد زاد فى آخره ألفا لوزن الشعر ،) من كل فعل ثلاثى ، مثل : «نعم» فى معناها ، وفى أحكامها ، من غير تقييد يجعل بينهما فرقا فيما سبق. هذا رأيه وليس غرضه «نعم» وحدها ، وإنما مثلها : «بئس» أيضا. والحق أن هناك فروقا ، بين «نعم» وهذا الفعل المحول وقد سردناها فى ص 389.
أما «ساء» فالخلاف شديد فيه ؛ أهو مثل : «بئس» تماما فى المعنى والأحكام ، أم هو مثلها فى المعنى ، ولكنه فى الأحكام كالأفعال المحولة؟
وقد أوضحنا كل ذلك فى الشرح.
...1) بضم الحاء أو فتحها ؛ طبقا لما شرحناه. - وقد سبق البيت لمناسبة أخرى فى ص 389 -
2) الزّور : (يستوى فيه المفرد وغيره) ، ومعناه الزائر.
3) صفحة الشىء : جانبه.
4) جمع لمّة (بكسر اللام وتشديد الميم) ، وهى شعر الرأس الذى يصل إلى شحمة الأذن.
5) وإلى ما سبق من الكلام على تحويل الفعل إلى «فعل» على الوجه الذى شرحناه يقول ابن مالك بيتا مختصرا - سبقت الإشارة إليه (فى هامش ص 382) ؛ هو :
إن كان الفعل المراد تحويله معتل «الفاء» مثل : وثق - وفد ... فحكمه حكم الصحيح. وإن كان معتل العين بالألف ، مثل صام - هام - نام - بقى على حاله ، وقدّر فيه التحويل تقديرا عقليّا محضا عند وجود قرينة تدل على قصد المدح أو الذم ؛ ليكون لهذا التقدير أثره الواقعى فى الفاعل ، وفى المخصوص ... ، وإن شئت فقل : إن حكمه هو حكم الصحيح أيضا مع نية التحويل الذى ترشد إليه القرينة. ويدخل فى هذا النوع الفعل : «ساء» فيصح أن يلاحظ فيه التحويل عند قيام قرينة ؛ فيستعمل استعمال الأفعال التى تحولت ، ويصح ألا يلاحظ فيه ذلك ؛ لأنه موضوع فى أصله للذم العامّ الصريح (1)مثل :
«بئس» ؛ فتجرى عليه أحكام «بئس» من نواحيها المختلفة.
وإن كان الفعل معتل اللام - فقط - بالواو ، أو بالألف التى أصلها الواو : مثل : سرو (2)- غزا ... ظهرت الواو فى الكلام مفتوحة وقبلها الضمة ، ولو لم تكن الواو موجودة من الأصل - ويجوز تسكين ما قبل الواو مباشرة (3)؛ فنقول : سرو - غزو ، أو : سرو - غزو.
وإن كان الفعل معتل اللام بالياء ؛ نحو : خشى ، ورمى (4)، قلبت الياء واوا قبلها ضمة ، ويجوز تسكين ما قبلها (5)؛ فتصير : خشو ، أو خشو ، رمو ، أو رمى.
وإن كان الفعل معتل العين واللام معا ، وحرف العلة فيهما هو «الواو» ؛ مثل : قوى (من القوة ، أصله : قوو) ، فإن الواو الأولى تتحرك بالكسرة ؛ لتقلب بعدها الواو الثانية ياء ؛ فتصير ؛ «قوى» فكأن الفعل بقى على حاله.
وإن كان معتل العين واللام معا بالواو فالياء ، نحو : شوى : قلبت الياء
عند التحويل واوا ، لوقوعها متطرفة بعد ضمة ، ثم أدغمت الواو فى الواو ، فتصير : «شوّ». ويجوز عدم القلب واوا فتبقى الياء مع تسكين ما قبلها فتقول : شوى. وكذلك نقول فى قوى : قوى ، ولا يجوز القلب والإدغام فى هذه الحالة لأن السكون ليس أصليّا.
وإن كان معتل العين واللام معا بالياء ؛ نحو : حىّ ، وعىّ ... لم يصح تحويله (1)...
هذا ملخص ما جاء فى المطولات المتداولة خاصّا بتحويل الفعل المعتل مع تعدد الآراء ، وشدة الخلاف فيه. ولا أعرف أن النحاة نقلوا لأكثر هذه الصور أمثلة مسموعة تؤيد كلامهم. فهل هى صور خياليّة تدريبية.؟
لا يحسن اليوم استعمال شىء منها ؛ سواء أكانت خيالية محضة أم لها مسموع يؤيدها ؛ لأنها ثقيلة ، مجافية للأسلوب الأدبى الرفيع ، والذوق البلاغى السائغ. وفى الميادين اللغوية الأخرى ما يغنى عنها تماما - كما أشرنا من قبل (2)-.
أفعل التفضيل (1).
يتضح معناه من الأمثلة الآتية :
الشمس أكبر من الأرض.
أهرام (2)الجيزة أقدم من مدينة القاهرة.
المحيطات أوسع من اليابسة.
الطائرات أسرع (3)وسائل الانتقال.
المنافق أخطر من العدوّ الظاهر.
فى هذه الأمثلة كلمات مشتقة على وزن : «أفعل» ؛ (هى : أكبر - أقدم - أوسع - أسرع - أخطر ...) فما المعنى الذى تؤديه كل واحدة فى جملتها؟.
إن كلمة : «أكبر» - فى المثال الأول - تدل على أمرين معا ؛ هما : اشتراك الشمس والأرض فى معنى معين ؛ هو : «الكبر» ، وأن الشمس تزيد على الأرض فى هذا المعنى.
وكلمة : «أقدم» - فى المثال الثانى - تدل على أمرين معا ؛ هما : اشتراك الأهرام والقاهرة فى معنى معين ؛ هو : «القدم» وأن الأهرام تزيد عليها فى هذا المعنى.
وكلمة : «أوسع» - فى المثال الثالث - تدل على اشتراك المحيطات واليابسة فى معنى معين ؛ هو : السّعة ، والمحيطات تزيد عليها فيه ...
ومثل هذا يقال فى الباقى ... وفى نظائره.
فكل كلمة من هذه الكلمات المشتقة - ونظائرها - تسمى : «أفعل
التفضيل (1)» وتعريفه : (أنه اسم ، مشتق ، على وزن : «أفعل» يدل - فى الأغلب (2)- على أن شيئين اشتركا فى معنى ، وزاد أحدهما على الآخر فيه). فالدعائم أو الأركان التى يقوم عليها التفضيل الاصطلاحى - فى أغلب حالاته - ثلاثة :
(1) صيغة : «أفعل» ، وهى اسم ، مشتق.
(2) شيئان يشتركان فى معنى خاص.
(3) زيادة أحدهما على الآخر فى هذا المعنى الخاص.
والذى زاد يسمى : «المفضّل» ، والآخر يسمى : «المفضّل عليه» ، أو : «المفضول». ولا فرق فى المعنى والزيادة فيه بين أن يكون أمرا حميدا ، أو ذميما (3).
ويدل أفعل التفضيل - فى أغلب صوره - على الاستمرار والدوام (4)، ما لم توجد قرينة تعارض هذا ، فشأنه فى الدوام والاستمرار شأن الصفة المشبهة على الوجه المشروح فى بابها (5).
يصاغ «أفعل التفضيل» من مصدر الفعل الذى يراد التفضيل فى معناه ، بشرط أن يكون هذا الفعل مستوفيا كل شروط «التعجب» التى عرفناها (6)فى
1) هذه التسمية اصطلاحية ، أى : الصيغة التى على وزان : «أفعل» ؛ لتدل على التفضيل أو المفاضلة ؛ (وهى : الزيادة فى أمر حسن أو قبيح ؛ كما سيجىء عند تعريفه). أما «التفضيل» غير الاصطلاحى فليس له ضوابط معينة ، وإنما هو متروك لبراعة المتكلم ، ومقدرته البلاغية التى تمكنه من اختيار الألفاظ والأساليب الدالة على المفاضلة بين شيئين فى أمر ، وزيادة أحدهما على الآخر فى هذا الأمر ، من غير استخدام للطريقة الاصطلاحية.
2) فى الزيادة والتفصيل - ص406 - بيان مفيد عن المقصود بالاشتراك ، وعن الزيادة ، وأن «أفعل» التفضيل قد يفيد البعد لا الاشتراك ، ثم أمور أخرى هامة.
3) نص على هذا صاحب التسهيل (راجع هامش ص 238).
4) فى ص 281 م 104.
5) ص 349.
6) فى الزيادة والتفصيل - ص406 - بيان مفيد عن المقصود بالاشتراك ، وعن الزيادة ، وأن «أفعل» التفضيل قد يفيد البعد لا الاشتراك ، ثم أمور أخرى هامة.
بابه ... (بأن يكون فعلا ثلاثيّا (1)، متصرفا ، تامّا ، مبنيّا للمعلوم (2)... و ... و ... و ...). فالشروط التى يجب توافرها لصياغة «أفعل التفضيل» هى - نفسها - الشروط التى لا بد من توافرها لصوغ «فعلى التعجب» ؛ مثل الأفعال : سمع - عدل - فهم - بعد - بقى - خبث ... و ... ومن الأخيرين جاء : «أبقى - وأخبث» فى قول الشاعر :
الخير أبقى (3)، وإن طال الزمان به *** والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد
فإن كان الفعل غير مستكمل الشروط ، وكان السبب هو جموده أو عدم قبول معناه للمفاضلة (كالفعل : مات - فنى - عدم ...) لم يجز التفضيل منه مطلقا ؛ (بطريق مباشر ، أو غير مباشر) ؛ لأنه بجموده لا مصدر له (4)، ولأنه بعدم قبوله المفاضلة يفقد الأساس الذى يقوم عليه التفضيل فى أغلب حالاته.
أما إن كان السبب فقد شرط آخر غير الشرطين السابقين فإن (5)صياغة «أفعل» تمتنع من مصدره مباشرة (6)
إذا كان وجه العذر ليس ببيّن *** فإن اطراح العذر خير من العذر
وقول الآخر :
وشر العالمين ذوو خمول *** إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
وخير الناس ذو حسب قديم *** أقام لنفسه حسبا جديدا
أى : أخير وأشرّ ؛ حذفت همزتهما لكثرة الاستعمال حذفا شاذا. ومن الجائز إرجاعها عند استعمالهما ، فقد ورد الكلام الفصيح مشتملا عليها. وفعلهما المسموع «خار يخير ، وشرّ يشرّ» ويرى بعض اللغويين أنهما اسمان جامدان لا فعل لواحد منهما فمجىء التفضيل منهما شاذ عنده. ففيهما على هذا الرأى شذوذان ؛ صوغهما من الجامد ، وسقوط همزتهما. أما على الرأى الأول - وهو الصحيح - ففيهما شذوذ واحد ؛ هو سقوط همزتهما ، لأن لكل منهما فعلا وقد اجتمع فى آية قرآنية استعمال كلمة «خير» لغير التفضيل ، ثم للتفضيل ، فى قوله تعالى : ( إِنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ...).
ومثلهما فى حذف الهمزة شذوذا : «حبّ» فى قول القائل : (وحبّ شىء إلى الإنسان ما منعا) ، أى : أحب شىء .. وجاء فى ص 60 من مجلة المجمع اللغوى القاهرى : (عدد البحوث والمحاضرات التى ألقيت فى مؤتمر الدورة الثلاثين ، لسنة 1963 - 1964) ما نصه على لسان أحد الأعضاء : (قالوا إن الهمزة حذفت فى التفضيل من كلمتى : «خير وشر» لكثرة الاستعمال ، وذلك ادعاء لا دليل عليه ، ولا يتناسب مع معانى لفظى : «خير وشر» لأنهما يفيدان التفضيل أو الزيادة بمادتهما ، كما تفيد ذلك ألفاظ كثيرة بوضعها اللغوى : مثل زائد ، وناقص ، وعال ، وسافل ... وإن استعمال هاتين الكلمتين فى معنى «أفعل» إنما كان على معنى الاستغناء بهما عن بناء وزن «أفعل» من مادتهما ؛ لأن قصد المفاضلة الذى يصاغ له «أفعل» قد حصل من أصل المادة بحيث لو بنى منها وزن «أفعل» لكان تحصيلا للحاصل ، أو تفضيلا على تفضيل ، وهذا هو ظاهر كلام ابن مالك فى الكافية). ا ه.
ولا أثر لهذا الرأى يترتب عليه حكما خاصا. سوى الحكم بمنع استعمال : «أخير ، وأشرّ» بغير حجة قوية ؛ إذ كيف يمتنع استعمالهما ولكل منهما فعل ثلاثى يصح صوغ التفضيل من مصدره قياسا كسائر الأفعال الثلاثية الصالحة لذلك؟ وأيضا فاللفظان مسموعان بصيغة التفضيل ولا اعتراض على استعمال الكلمة المسموعة بنصها الوارد. وفوق هذا فالكلمات التى سبقت هنا لتأييد المنع (ومنها : زائد ناقص - عال - سافل ...) كلمات يصح صوغ التفضيل من مصادرها قطعا. فلا دليل فيها على المنع ...
وشذ كذلك صوغ «أفعل» من اسم العين ، (أى : من الاسم الدال على ذات ، وشىء مجسم) فقد ورد : «هو أحنك البعيرين» أى : أكثرهما أكلا ؛ فبنوا «أفعل» من شىء مجسم : هو ، الحنك. كما شذ قولهم : هذا الكلام أخصر من ذاك فبنوه من الفعل : «اختصر» المبنى للمجهول ، الزائد على ثلاثة ؛ فاجتمع فيه شذوذان ... وهكذا ، ... وكل ما جاء مخالفا للشروط فإنه يحكم عليه بالشذوذ ؛ فيستعمل كما ورد من غير أن يقاس عليه غيره.
، وتصاغ - كالتعجب - من مصدر .1) إن كان الفعل رباعيا على وزن : «أفعل» ففيه الخلاف السابق فى التعجب ص 349. ومن المسموع الذى فعله رباعى قولهم : (هو أعطاهم للدراهم ، وأولاهم بالمعروف). وهذان شاذان عند من يمنع ذلك مطلقا ، وعند من يمنعه إذا كانت الهمزة للنقل. أما قولهم : هذا المكان أقفر من غيره فشاذ عند من يمنعه مطلقا ، لأن همزته ليست للنقل.
2) مع ملاحظة الخلاف فى أمر المبنى للمجهول ، ونتيجته ، وأثر ذلك فى الحكم ؛ على الوجه الذى سبق تمحيصه فى ص 350 - مع الرجوع إلى البحث الهام الذى يعارض أن يكون فى اللغة العربية أفعال ملازمة للبناء للمجهول دائما (وقد تقدم فى ج 2 م 67 ص 102 -.).
3) أصل الكلام : أبقى من غيره ، فالمفضل عليه محذوف ؛ طبقا لما سيجىء ، فى ص 430.
4) يرى بعض النحاة أن الفعل المنفى كالجامد لا يجىء منه التفضيل مطلقا - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - لأن المصدر المؤول يكون فى حالة النفى معرفة ؛ فلا يصح أن يكون تمييزا. لكن التحقيق صحة مجىء التفضيل فيه بالطريقة غير المباشرة ؛ إما لصحة مجىء كلمة : «عدم» قبله وإما لصحة تنكيره ، فليس من اللازم أن يكون معرفة فى كل الأحوال.
5) يرى بعض النحاة أن الفعل المنفى كالجامد لا يجىء منه التفضيل مطلقا - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - لأن المصدر المؤول يكون فى حالة النفى معرفة ؛ فلا يصح أن يكون تمييزا. لكن التحقيق صحة مجىء التفضيل فيه بالطريقة غير المباشرة ؛ إما لصحة مجىء كلمة : «عدم» قبله وإما لصحة تنكيره ، فليس من اللازم أن يكون معرفة فى كل الأحوال.
6) ومن الشاذ استعمال كلمتى : «خير» و «شر» - فى التفضيل ؛ لأن صيغتهما الحالية الظاهرة تخالف صيغته ، نحو : الكسب القليل خير من البطالة ، والبطالة شر من المرض. وقولهم : (خير الناس أنفعهم للناس ، وشرهم أقربهم إلى الإساءة والعدوان) وقول الشاعر :
فعل آخر مناسب للمعنى ، مستوف للشروط ، ويوضع بعد صيغة «أفعل» مصدر الفعل الأول - الذى لم يكن مستوفيا للشروط ، - منصوبا على التمييز. فمثلا الفعل : تعاون ، لا .. يصاغ من مصدره «أفعل» التفضيل مباشرة ؛ لأنه فعل خماسى ؛ فنصوغه بطريقة غير مباشرة» بأن نأخذه من مصدر فعل آخر مناسب (مثل : كبر - كثر - نفع ...) ونجعل بعده مصدر الفعل
الأول (وهو التعاون) تمييزا منصوبا ؛ فنقول : فلان أكبر تعاونا من أخيه ، أو : أكثر تعاونا ، أو : أنفع تعاونا ، أو : أقل. أو : أضعف ، ... أو ما شاكل هذا مما يساير المعنى.
والفعل : «خضر» لا يصاغ من مصدره مباشرة «أفعل» للتفضيل ؛ لأنه يدل على لون ظاهر ؛ فنصوغه - بالطريقة السالفة ، «غير المباشرة» - من مصدر فعل آخر مناسب ، ونجعل بعد «أفعل» مصدر الفعل الأول ، وهو : «الخضرة» منصوبا على التمييز. فنقول : ورق الليمون أشد خضرة من ورق القصب ... (1)
والحجة التى يحتجون بها لمنعه - (وهى : أن صيغة «أفعل» هى أيضا صيغة الصفة المشبهة القياسية للألوان ؛ فيلتبس الأمر بين المعنيين) - حجة واهية يمكن دفعها بالقرائن ، ومنها : «من» الداخلة على المفضل عليه فى مثل : فلان أبيض من فلان ، وهذا الزرع أخضر من ذاك» ؛ فيكاد يمتنع اللبس فى هذا النوع من التفضيل الذى يشتمل أسلوبه على كلمة : «من» هذه. نعم قد تشتبه أحيانا بكلمة : «من البيانية» ، ولكن هذا الاشتباه يمكن دفعه أيضا ، والتغلب عليه بالقرينة التى تزيله.
وكذلك الشأن فى النوعين الآخرين من أنواع «أفعل التفضيل» وهما : «المقرون بأل» ، و «المضاف» فإن احتمال اللبس فيهما قليل ، وهو على قلته مما يمكن دفعه بالقرينة التى تحدد الغرض ، وتوجه - فى كل ما سبق - إلى أحد المعنيين دون الآخر ؛ كما يحصل فى غير هذا الباب ، وبخاصة بعد موافقتهم على قياسية المعنوى (الذى سيجىء الكلام عليه بعد هذا مباشرة) ، ومن ثمّ كان المذهب الكوفى الذى يبيح الصياغة من الألوان وللعيوب والعاهات أقرب للسداد واليسر. وعليه قول المتنبى : - وهو كوفى - فى الشيب :
ابعد ، بعدت بياضا لا بياض له *** لأنت أسود فى عينى من الظّلم جاء فى شرح العكبرى لديوان المتنبى (ج 4 ص 35) عند شرح البيت السالف ما نصه : («وأما قول أصحابنا الكوفيين فى جواز «ما أفعله» ، فى التعجب من البياض والسواد خاصة من دون سائر الألوان فالحجة لهم فى مجيئه ؛ نقلا وقياسا. فأما النقل فقول طرفة ، وهو إمام يستشهد بقوله :
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهمو *** فأنت أبيضهم سربال طباخ
فإذا كان يرتضى قوله فالأولى أن يرتضى قوله فى كل ما يصدر منه ، ولا ينسب هذا إلى شذوذ وقول الآخر :
جارية فى درعها الفضفاض *** أبيض من أخت بنى إباض
وأما القياس فإنما جوزناه فى السواد والبياض لكونهما أصل الألوان ومنهما يتركب سائر الألوان. إذا كانا هما الأصلين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لم يثبت لسائر الألوان)». ا ه.
والحق أن الاقتصار على هذين اللونين لا معنى له بعد ما قدمنا. (انظر رقم 2 من هامش ص 351).
.1) ومن المسموع فى الألوان : «أسود من حلك الغراب» - «أبيض من اللبن» ، وكل هذا من الشاذ عندهم ؛ يحفظ ولا يقاس عليه. وحكم الشذوذ هنا غير مفهوم ما دامت الكلمة نفسها قد استعملت صيغتها نصّا فى المفاضلة اللونية ؛ فهل يراد عدم التوسع فى استعمالها فى سواد شىء أو بياض شىء غير الشىء الذى وردت فيه نصّا؟ نعم ، وهذا تضييق لا داعى له. بل إن منع التفضيل من كل ما يدل على لون تضييق لا داعى له أيضا ، ولا سيما بعد ورود السماع به واشتداد الحاجة إلى القياس على ذلك الوارد ، بسبب ما كشف عنه العلم فى عصرنا ، ودلت عليه التجربة الصادقة من تعدد الدرجات فى اللون الواحد ، وفى العاهة الواحدة ، وتفاوتها تفاوتا واسع المدى كالمعروف اليوم فى البياض ، والحمرة ، والخضرة ، والسواد ... وسائر الألوان. وكذلك المعروف عند الأطباء فى العاهات ، كعاهة العمى - مثلا - فمنه عمى الألوان ، وعمى الضوء ... و ... وكذا أكثر العاهات. وكل ما سبق يقتضى التفضيل بين درجات اللون الواحد - أحيانا - والعاهة الواحدة أو العيب الواحد أيضا. ومثل هذا يقال فى للتعجب - كما سبق فى بابه. -
والفعل : عرج ، لا يصاغ - مباشرة - من مصدره «أفعل» ، لأنه فعل يدل على عيب ظاهر ، وإنما نصوغ «أفعل» بالطريقة السالفة «غير المباشرة» ؛ فنقول : هذا الفتى أوضح عرجا من غيره.
وبهذه المناسبة نذكر أن الأفعال الدالة على الألوان والعيوب لا يصاغ من مصدرها «أفعل التفضيل» مباشرة إذا كانت الألوان والعيوب حسية ظاهرة. أما إن كانت معنوية داخلية فيصح أن يصاغ منها مباشرة ؛ مثل : فلان أبله من فلان ، أو : أحمق من فلان ، أو : أرعن منه ، أو : أهوج منه ، أو : أخرق منه ، أو : أعجم منه ، أو : أبيض سريرة منه ، أو : أسود ضميرا منه و ... و ... (1)
يتبين من كل ما تقدم أننا نتوصل بالطريقة «غير المباشرة» ، إلى التفضيل إذا فقد الفعل المتصرف القابل للمفاضلة ، بعض الشروط الأخرى. - ولا مانع من استخدام هذه الطريقة أيضا مع الفعل المستوفى - وهى نفسها التى أوصلتنا إلى التعجب مما لم يستوف فعله بعض الشروط. وقد سبق شرحها فى بابه - فنستعين بها هنا على الوجه السالف لتوصلنا إلى التفضيل كذلك.
1) راجع حاشية «ياسين» على شرح التصريح ، أول باب : «أفعل التفضيل».
ومما تجب ملاحظته : أن صيغة «أفعل التفضيل» ، ومعناها ، وأحكامها ، تختلف اختلافا كثيرا عن صيغتى «التعجب» ومعناهما ، وأحكامهما فى أمور عرضنا لها هنا وهناك. ومنها : أن المصدر هنا ينصب على اعتباره ، تمييزا ، وينصب هناك على اعتباره مفعولا به(1)
صغ من مصوغ منه للتّعجّب : *** «أفعل» للتفضيل ، وأب اللّذ أبى
أى : صغ «أفعل» للدلالة على التفضيل - من مصدر الفعل الذى يصاغ منه التعجب. وامنع هنا الصياغة من مصدر الفعل الذى منع الصوغ منه هناك (فمعنى : ائب اللذأبى : امنع الذى منع). ثم قال :
وما به إلى تعجّب وصل *** لمانع به إلى التفضيل صل
يريد : ما يتوصل به - من طريق غير مباشر بسبب مانع يمنع التعجب المباشر - صل به إلى التفضيل عند وجود مانع.
...ومتى تمت صيغة ؛ «أفعل» على الوجه السالف صارت اسما جامدا ؛ ويترتب على جموده أمران :
أولهما : ألّا توجد له صيغة أخرى تدل على التفضيل الاصطلاحىّ ؛ فليس له بعد هذه الصياغة - ماض ، ولا مضارع ، ولا مصدر ، ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ... ولا شىء آخر من المشتقات أو غير المشتقات ؛ لأن التفضيل الاصطلاحى مقصور على صيغة : «أفعل» وحدها ، وهى جامدة ؛ كما أوضحنا ، ولا يتقدم عليها شىء من معمولاتها - طبقا لما يلى (2)
ومنها : جواز التقدم على «أفعل التفضيل» للضرورات الشعرية - ونحوها مما يدخل فى حكم الضرورة - إذا كان معموله شبه جملة ، كالذى فى قول القائل :
وللحلم أوقات وللجهل مثلها *** ولكن أوقاتى إلى الحلم أقرب
والأصل : أقرب إلى الحلم ... (والجهل هنا : الغضب والانتقام).
- .ثانيهما : ألا يتقدم عليه - فى حالة الاختيار - شىء من معمولاته ، إلا حالة واحدة (1) سيجىء الكلام عليها فى القسم الأول الآتى.
هو ثلاثة أقسام :
(1)مجرد من «أل» والإضافة. (2) مقترن «بأل». (3) مضاف.
فأما القسم الأول المجرد من «أل والإضافة» فمثل : «أفضل» ، و «أنفع» فى قول بعضهم لظريف : لا أدرى! أجدّك أفضل من مزحك ، أم مزحك أنفع من جدك. ومثل : «أحسن» فى قول الشاعر :
وإنى رأيت الضّرّ أحسن منظرا *** من مرأى صغير به كبر
.... (2)
الموت أحسن بالنفس التى ألفت *** عزّ القناعة ، من أن تسأل القوتا
وحكم هذا القسم أمران :
(1) وجوب إفراده وتذكيره فى جميع حالاته.
(2) ووجوب دخول «من» جارة للمفضّل عليه (أى : للمفضول).
ا - فأما الأمر الأول (وهو : وجوب إفراده وتذكيره) ، فيقتضى أن تكون صيغته واحدة فى كل استعمالاته ولو كان مسندا لمؤنث ، أو لمثنى ، أو لجمع ، فلابد أن تلازم هذه الحالة دائما ؛ نحو : الجمل أصبر من غيره على العطش - الجملان أصبر من غيرهما - ... الجمال أصبر من غيرها ...
1) فى ص 403 - رقم 2 - وهناك حالة أخرى سبق عرضها موضحة مفصلة (فى باب «الحال» ج 2 م 84 ص 303 «د». وكذلك فى رقم 3 من هامش ص 300 من ذلك الجزء والباب) وملخصها : - وهذا الملخص لا يغنى عن الأصل السابق - أن أفعل التفضيل قد يقتضى حالين ؛ إحداهما تدل على أن صاحبها فى طور من أطواره أفضل من نفسه أو غيره فى الحال الأخرى. فالأحسن أن تتقدم إحداهما على عاملها (وهو أفعل التفضيل) وتتأخر الثانية عنه ؛ نحو : الحقل قطنا أنفع منه قمحا - الفدان عنبا أحسن منه قطنا - المتعلم تاجرا أقدر منه زارعا. وأجاز بعض النحاة تأخير الحالين معا عن أفعل التفضيل بشرط أن تقع بعده الأولى مفصولة من الثانية بالمفضل عليه ... راجع ج 2)
2) ومثل قول الشاعر :
ب - وأما الأمر الثانى وهو : دخول : «من» (1)جارة للمفضّل عليه (أى : للمفضول) فأمر واجب أيضا ، بشرط أن يكون قصد التفضيل باقيا. ولهذا كان وجودها دليلا على إرادة التفضيل ، وعدم انسلاخ «أفعل» عنه. وهى مختصة بهذا القسم وحده ، وبدخولها على المفضول دون غيره ، ولا وجود لها فى القسمين الآخرين. - كما سيجىء عند الكلام عليهما - ولا يجرّ المفضول غيرها من حروف الجر. ومن الأمثلة - غير ما سبق - قول المتنبى :
وما ليل بأطول من نهار *** يظلّ بلحظ حسّادى مشوبا
وما موت بأبغض من حياة *** أرى لهمو معى فيها نصيبا
ودخول «من» جارة للمفضل عليه يستلزم أحكاما لهما ؛ منها :
ا - جواز حذفهما معا ، بشرط وجود دليل يدل عليهما ؛ كقوله تعالى : ( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) ، أى : والآخرة خير من الدنيا ، وأبقى منها. وقد اجتمع الحذف والإثبات فى قوله تعالى : ( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً ، وَأَعَزُّ نَفَراً ) ، أى : أعز نفرا منك. وقول الشاعر :
ومن يصبر يجد غبّ صبره *** ألذّ وأحلى من جنى النحل فى الفم
أى : ألذّ من جنى النحل ...
وإذا حذفا من اللفظ كانا ملحوظين فى النية والتقدير ؛ وصارا بمنزلة المذكورين (2)
وأفعل التفضيل صله أبدا *** تقديرا ، او لفظا ب «من» إن جرّدا
ثم يقول فى بيت سيعاد ذكره لمناسبة أخرى فى ص 416 :
وإن لمنكور يضف أو جرّدا *** ألزم تذكيرا وأن يوحّدا
.1) ومعناها هنا : الابتداء أو المجاوزة ، فإذا كانت للابتداء فهى لابتداء الارتفاع إذا كان السياق للمدح ؛ نحو : النشيط أفضل من الخامل ، ولابتداء الانحطاط إذا كان السياق للذم ؛ نحو : المنافق أضر من العدو. وإذا كانت للمجاوزة فمعناها أن المفضل جاوز المفضول فى الأمر المحمود أو المذموم ... و «من» هذه غير «من» التى تجىء للتعدية المجردة (أى : التعدية التى لا دلالة معها على التفضيل مطلقا ؛ لأنه غير مراد) ومن صورها ما يجىء فى «الملاحظة» الخاصة : ص 405.
2) يقول ابن مالك فى (أفعل التفضيل المجرد ، ووصله بالحرف : «من» لفظا أو : تقديرا):
وأكثر مواضع حذفهما حين يكون «أفعل» خبر مبتدأ ، أو خبر ناسخ ، أو مفعولا ثانيا لفعل ناسخ (مثل ظن وأخواتها ...) أو مفعولا ثالثا لفعل ينصب ثلاثة (كالفعل : وأرى ...) ؛ نحو : قرع الحجة بالحجة أنفع ... وهو بالعالم أليق ... - ربّما كان ازدراء السفيه أنجع فى إصلاحه ... -
فلو طالعت أحداث الليالى *** وجدت الفقر أقربها انتيابا (1)
وأنّ البرّ خير فى حياة *** وأبقى بعد صاحبه ثوابا
- أعلمت الجازع احتمال المشقة أجدر بأصحاب العزائم والهمم ...
ويقل حذفهما إذا كان «أفعل» حالا. نحو : توالت النغمات أنعش للقلب وأندى للفؤاد ، وأذهب للأسى ... ومثل قول الشاعر :
دنوت - وقد خلناك كالبدر - أجملا *** فظلّ فؤادى فى هواك مضلّلا
يريد : دنوت أجمل من البدر ، وقد خلناك كالبدر ، فكلمة «أجمل» حال من الفاعل : «التاء». وهذا النوع من الحذف - على قلته - قياسىّ تجوز محاكاته. وكذلك يقل حذفهما إن كان «أفعل» نعتا لمنعوت محذوف مع عامله لقرينة ، نحو : اتجه ... أوسع مساحة ، وأكثر خصبا ، وأرحب للغريب صدرا. والأصل : اتجه ، واقصد بلدا أوسع مساحة ... و ... و ... والأحسن عدم جواز القياس على هذا النوع ؛ لكثرة الحذف فيه ، وتوقع اللبس فى فهمه ...
(2) ومن الأحكام : وجوب تقديمهما أحيانا على عاملهما وحده ، وهو : «أفعل» دون تقديمهما على الجملة كلها. وإنما يجب التقديم على عاملهما إذا كان المجرور اسم استفهام ؛ كهذا السؤال : فلان ممّن أفضل؟ والأصل : فلان أفضل ممّن؟ أو كان المجرور مضافا إلى اسم استفهام ، نحو : فلان من ابن من أفضل؟. .
1) ترددا على الناس ، ذهابا ومجيئا إليهم.
والأصل فلان أفضل من ابن من؟ ولا يجوز التقديم فى غير حالتى الاستفهام السالفتين (1)إلا للضرورة الشعرية كقول القائل :
وإنّ عناء أن تناظر جاهلا *** فيحسب - جهلا - أنه منك أعلم
وقول الآخر :
إذا سايرت أسماء يوما ظعينة (2)*** فأسماء - من تلك الظعينة أملح
والأصل : (أعلم منك) - وأيضا (فأسماء أملح من تلك الظعينة). فقد تقدم الحرف «من» مع مجروره ، مع أن الكلام خبرى ، وليس إنشائيّا استفهاميّا (3)
وإن تكن بتلو «من» مستفهما *** فلهما كن أبدا مقدّما - 7
كمثل : ممّن أنت خير؟ ولدى *** إخبار التّقديم نزرا وردا - 8
أى : إن تكن مستفهما بالاسم التالى : «من» ، وهو مجرورها ، فقدمهما وجوبا فى كل الحالات. ثم قال : ورد التقديم نزرا (أى نادرا) فى حالة الإخبار. أى فى حالة الكلام الخبرى ، لا الإنشائى الذى شرحناه.
ومما يلاحظ أن المثال الذى فى البيت الثانى معيب ؛ للسبب الموضح فى الصفحة الآتية :
...3 - ومنها : امتناع الفصل بينهما وبين «أفعل» إلا بمعموله ، أو : «لو» وما يتبعها ، أو : النداء - فمثال الفصل بالمعمول قوله تعالى : ( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، وقول الشاعر :
وظلم ذوى القربى أشدّ مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند
وقول الآخر :
لولا العقول لكان أدنى (4)ضيغم *** أدنى (5)إلى شرف من الإنسان (6).
1) هناك حالة أخرى يتقدم فيها معمول «أفعل التفضيل» على عامله أفعل التفضيل. وقد سردنا ملخصها فى رقم 1 من هامش ص 401 ، وقلنا إن هذا الملخص لا يغنى عن البيان والتفصيل المذكورين فى باب الحال ، (ج 2 م 84 ص 303 «د» ورقم 3 من هامش ص 300 هناك).
2) المرأة فى هودجها ، (تكريما وصيانة لها)
3) وفى تقديم «من» مع مجرورها فى حالتى الاستفهام يقول ابن مالك فى بيتيه السابع والثامن - وسيذكران لمناسبة أخرى فى ص 419 - :
4) أقل.
5) أقرب.
6) سيذكر هذا البيت لمناسبة أخرى فى ص 433.
ومثال الفصل بكلمة : «لو» وما يتبعها قول الشاعر :
ولفوك أطيب - لو بذلت لنا - *** من ماء موهبة (1)على خمر
ومثال النداء : أنت على أداء المهامّ الجسام أقدر - يا صديقى - من صفوة الأخلاء.
وقول الشاعر :
لم ألق أخبث - يا فرزدق - منكمو *** ليلا ، وأخبث بالنهار نهارا
فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبى (وهو الذى ليس معمولا لأفعل) ولا بشىء غير ما سبق ؛ ولهذا حكموا بالخطأ أو الشذوذ على مثل : ممن أنت أفضل ؛ لأن الجار والمجرور : (ممّن) متعلقان «بأفضل» (2)، و «أنت» مبتدأ خبره : «أفضل» وقد فصل المبتدأ بين «أفضل» والجار مع مجروره ، مع أن المبتدأ أجنبى من أفضل ، (أى : ليس معمولا له).
«ملاحظة» : قد يصاغ «أفعل التفضيل» من مصدر فعل يتعدى بحرف الجرّ «من» ؛ كالفعل : قرب ، بعد .. فعند التفضيل يجىء هذا الحرف مع مجروره ، إمّا متقدمين على «من» الجارة للمفضول ومتوسطين بينها وبين «أفعل» ؛ نحو : المجرّب أقرب من الصواب من الناشىء ، وإمّا متأخرين عنهما ؛ نحو : المجرب أقرب من الناشىء من الصواب(3)...
ا - عرفنا (1)أن : «أفعل التفضيل» يدل - فى الأغلب - على اشتراك شيئين فى معنى خاص ، وزيادة أحدهما على الآخر فيه ... ، و ... فما ضابط الاشتراك؟!.
ليس للاشتراك ضابط معين يحدد أنواعه ، وإنما يكفى أن يتم على وجه من الوجوه يكون به واضحا ومفهوما للمتخاطبين ، ولو كان اشتراكا ضدّيّا ، أو تقديريّا ، كقول إنسان فى عدوّين له : هذا أحبّ إلى من ذلك. وفى نوعين من الشر : هذا أحسن من هذا. يريد فى المثال الأول : هذا أقل بغضا عندى ، ويريد فى المثال الثانى : هذا أقل شرّا من الآخر ؛ فليس فى نفس المتكلم قدر مشترك من الحب والحسن. لهذا ، أو لذاك. وإنما القدر المشترك هو الكره والقبح اللذان يضادان الحب والحسن. فالاشتراك إنما هو فى أمر مضادّ فى معناه لمعنى : «أفعل» المذكور فى الجملة ، مع تفاوت النصيب بينهما ، ووجود الزيادة فى أحدهما وحده ؛ فأحدهما عدوّ خفيف العداوة أو القبح ، والآخر : شديدهما ، فالزيادة موجودة ولكنها فى أحد الأمرين المشتركين فى معنى مضاد لمعنى : أفعل.
ومن غير الغالب ألا يكون بينهما اشتراك مطلقا إلا على نوع جائز من التأول توضحه القرائن ؛ كقولهم : - الثلج أشد بياضا من المسك - الصيف أحرّ من الشتاء - السكر أحلى من الملح - العسل أحلى من الخل. يريدون : أن بياض الثلج أشد فى ذاته من سواد المسك فى ذاته - والصيف فى حرارته أشد من الشتاء فى برده - والسكّر فى حلاوته أقوى من الملح فى ملوحته - والعسل فى حلاوته أشد من الخل فى حموضته ، وهكذا ... ؛ فليس بين كل اثنين مما سبق اشتراك فى المعنى إلا فى مطلق الزيادة المجردة ، ودرجتها الذاتية المقصورة على صاحبها ... ؛ فالصلة بين كل اثنين مقصورة على هذه الزيادة المجردة ، وبينهما بعد ذلك تباين تام يختلف عن التضاد السّابق الذى يقوم بجانبه
1) فى ص 395 واشرنا فى رقم 2 من هامشها إلى أهمية ما يأتى هنا فى الزيادة والتفصيل.
نوع من الاشتراك فى أمر يتصف به الاثنان ، وإن كان هذا الأمر مخالفا معنى «أفعل».
ب - من الأساليب الصحيحة : فلان أعقل من أن يكذب - وأمثال هذا - فهل معناه تفضيل فلان فى العقل على الكذب؟ وهذا معنى فاسد ؛.
خير ما يقال فى هذا وأمثاله : أن «أفعل التفضيل» يفيد هنا أمرين معا ؛ هما إفادة البعد عما بعده ، وأن سبب هذه الإفادة هو المعنى اللغوى الأساسىّ المفهوم من مادة «أفعل» المعروض فى الجملة الأصلية ، فالمراد : فلان أبعد الناس من الكذب ؛ بسبب عقله. وفى مثل : فلان أجلّ من الرياء ، وأعظم من الخيانة .. يكون المقصود : فلان أبعد الناس من الرياء ؛ بسبب جلاله ، وأبعد من الخيانة بسبب عظمته ... ومثل هذا يقال فى بيت الشاعر :
الحق أكبر من أن تستبدّ به *** يد ، وإن طال فى ظلم تماديها
فالغرض إعلان البعد عن تلك الأشياء مع بيان سبب البعد. وأفعل التفضيل فى تلك الأساليب ونظائرها يفيد ابتعاد الفاضل من المفضول ، ولا تكون «من» تفضيلية جارة للمفضول ، وإنما هى مع مجرورها متعلقان «بأفعل» الذى هو بمعنى : متباعد ؛ لأنها حرف الجر الذى يتعدى به الفعل «بعد» وباقى المشتقات التى من مادته ؛ ومنها هنا : «أفعل» لتضمنه معنى «أبعد» بمعنى : «بعد» فهى متعلقة به من غير أن يدل على تفضيل ؛ كنظيرتها فى قولنا : أنا بعيد من الظالمين ، بمعنى : متباعد.
وقيل إنه مستعمل فى بعض مدلوله دون بعض ؛ فهو يدل على زيادة البعد ، دون أن يكون هناك مفضول حقيقى ، ولا «من» الداخلة عليه ...
ومضمون الرأيين واحد (1)...
ح - يجب تصحيح عين أفعل التفضيل إذا كانت قبل التفضيل مستحقة للإعلال ، ونحو : الأديب أقوم لسانا ، وأبين قولا من غيره ، فيجب أن تسلم الواو والياء.
1) وهناك بعض آراء أخرى عرض لها «المغنى» فى «الباب الخامس» من الجزء الثانى ، عند كلامه على الجهة الرابعة من جهات الاعتراض ...
د - إذا كان أفعل التفضيل المجرد (1)واجب الإفراد والتذكير فما بال العرب تقول : مرّ بنا سرب من الظباء ، بعده أسراب أخر ؛ فيأتون بكلمة : «أخر» مجموعة ومؤنثة ؛ (إذ هى جمع ، مفرده : «أخرى» ، «وأخرى» مؤنث لكلمة «آخر» الذى أصله «أأخر» على وزن : «أفعل» المذكر الدالّ على التفضيل ؛ فهو من القسم المجرد). فلم كانت «أخر» مجموعة ومؤنثة فى المثال السالف - وأشباهه - مع أن القاعدة تقتضى الإفراد والتذكير ، وأن يقال : أسراب «آخر» (التى أصلها : «أأخر» كما أسلفنا) (2)
والأصل أيضا أن يقال : هذان ظبيان آخر (وأصلها : أأخر ، وهاتان ظبيتان آخر) ولكنهم تركوا الأصل
، وقالوا : آخران ، فى تثنية المذكر ، وأخريان في تثنية المؤنث.
وكذلك الأصل أن يقال : هؤلاء ظباء آخر (أأخر ) وهؤلاء ظبيات آخر (أأخر).
لكنهم تركوا الأصل أيضا ، وقالوا : أخر ، التي هي جمع مؤنث ، مفرده : أخرى.
.أجاب النحاة : إن كلمة : «أخر» ليست مما نحن فيه ؛ لأسباب ثلاثة مجتمعة :
أولها : أنها فى استعمالاتها الصحيحة المختلفة - ومنها المثال السالف وأشباهه - لا تدل على التفضيل ؛ (أى : لا تدل على المشاركة والزيادة) وإنما تدل على المغايرة المحضة ، والمخالفة المجردة من كل معنى زائد عليها ، فالكلام الذى تكون فيه يقتضى معنى المغايرة وحدها ، لا معنى المفاضلة ، أو نحوها. وهذا شأنها فى الاستعمالات الواردة ، فمعنى سرب آخر وأسراب أخر هو : سرب مغاير ، وأسراب مغايرات ، بدون تفضيل فيهما.
وثانيها : أنها - فى كلام العرب - لا يقع بعدها : «من» الجارة للمفضول ، لا لفظا ولا تقديرا.
وثالثها : أنها - فى كلامهم الفصيح تطابق وهى نكرة (3)
فلهذه الأمور الثلاثة لا تكون من القسم الأول الذى يدور فيه الكلام ؛ بل إنها ليست للتفضيل مطلقا (1)- كما تقدم - ؛ وإنما هى كلمة معدولة ، (أى : محوّلة) عن كلمة : «آخر» التى أصلها «أأخر» جاءت لتؤدى معنى ليس فيه تفضيل ، ذلك أن العرب حين أرادوا استخدام كلمة : «آخر» فى معناها الأصلى - وهو المغايرة المحضة الخالية من معنى التفضيل - عدلوا بها عن وزنها الأول ؛ بأن أدخلوا عليها شيئا من التغيير ، وحولوها إلى هذا الوزن الجديد ؛ وهو : «أخر» ، لتؤدى معنى خاليا من التفضيل لا يمكن أن تؤديه إذا بقيت على الصيغة الأولى. ويقول السيوطى (2)، قولا أشبه بهذا ؛ نصه :
(كان مقتضى جعل «أخر» من باب «أفعل التفضيل» أن يلازمه فى التنكير لفظ الإفراد والتذكير ، وألا يؤنث ، ولا يثنى ، ولا يجمع ، إلا معرفا ، كما كان أفعل التفضيل ؛ فمنع هذا المقتضى ، وكان بذلك معدولا عما هو به أولى ؛ فلذلك منع من الصرف) (3)...
فالذى دعا النحاة لهذا التحليل والتعليل هو ما رأوه من جمعها وتأنيثها مع انطباق أوصاف القسم الأول عليها - فى الظاهر - فلجئوا إلى مسألة العدول والتحويل ليتغلبوا على هذه العقبة ويجعلوا قاعدة : «أفعل التفضيل المجرد» مطردة.
قد يكون كلامهم سائغا من الوجهة الجدلية المحضة ، لكنه من الوجهة الحقيقية مردود ، ذلك أن العرب لا تعرف شيئا مما قالوه ، ولم يدر بخلدها قليل أو كثير منه حين نطقوا بالتعبير السابق وأشباهه. فإبعادا لهذا التكلف ومسايرة للأمر الواقع ، يحسن الأخذ ببعض مما قاله النحاة - بحق - وهو : أنها ليست للتفضيل فلا تنطبق عليها أحكامه ، أو أنها خالفت القاعدة ؛ فهى من الشاذ
1) الهمع ج 2 ص 104.
2) يقول العكبرى - فى كتابه : «إملاء ما منّ به الرحمن» ج 1 ص 456 ، سورة البقرة - ما نصه فى كلمة : «أخر» (لا تنصرف للوصف والعدل عن الألف واللام ؛ لأن الأصل فى «فعل» صفة أن تستعمل فى الجمع بالألف واللام ؛ كالكبرى والكبر ، والصغرى والصّغر). ا ه وهذا التعليل مردود كغيره بما ذكرناه هنا.
3) الهمع ج 2 ص 104.
الذى يحفظ ، ولا يقاس عليه. ولا عبرة بما عرضوه من أسباب أخرى ؛ فهى أسباب ضعيفة لا تثبت على التمحيص ، ومن السهل دفعها ؛ وقد دفعها بعض النحاة فعلا بما يرهق سرده من غير نفع عملىّ ، فخير لنا أن نقر الواقع ، من غير تكلف ولا جدل زائف.
ه - ونزولا على قاعدة الإفراد والتذكير السالفة عاب بعض النحاة على أبى نواس ذكر كلمتى : «صغرى» و «كبرى» مؤنثتين للتفضيل ، مع أنهما مجردتان فى قوله (1):
كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها *** حصباء درّ على أرض من الذهب
والقياس : أصغر وأكبر .. لأنهما صيغتان للتفضيل ، مجردتان ، والقاعدة تقضى بالتزام التذكير والإفراد فى هذه الحالة ..
ومما قيل فى دفع هذا العيب : إن الشاعر لم يقصد التفصيل مطلقا ، ولا الحديث عن شىء أصغر من شىء آخر ، أو أكبر منه ؛ وإنما قصد صغرى أو كبرى من حيث هى : لا باعتبار موازنتها بغيرها ؛ كمن يشاهد طفلة تحاول الركوب فيساعدها ويقول : ساعدتها لأنها : «صغرى» ، أى صغيرة ، وكمن يشاهد سيدة عجوزا ؛ فيعاونها على النزول من السيارة ، ويقول : عاونتها لأنها كبرى ؛ أى : كبيرة السنّ ؛ فليس فى كلامه هذا ، ولا فى المقام ما يدل على تفضيل أو موازنة بين اثنين يزيد أحدهما على الآخر فى هذا المعنى.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس التأنيث لحنا ، لأن «أفعل» إذا كان مجردا غير مقصود منه التفضيل («فالأكثر فيه عدم المطابقة ؛ حملا على أغلب أحواله ، وقد يطابق ، لعدم مجىء «من» لفظا ومعنى. واعتمادا على هذا السبب فى المطابقة يخرّج بيت أبى نواس السالف ، ومثله قول العلماء العروضيين : «فاصلة صغرى وكبرى» ، خلافا لمن جعله لحنا (2)
«(... وإذا صح جمع «أفعل التفضيل» ؛ لتجرده من معنى التفضيل جاز أن يؤنث ؛ فيكون قول ابن هاني : «كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ...» صحيحا ا ه- .
»).وهذا دفع حق ، وهو خير من القول بأن فى الكلام حذفا وزيادة يؤديان إلى إخراج الكلمتين من هذا القسم ، وإدخالهما فى قسم آخر من أقسام «أفعل» التفضيل ؛ كقسم المضاف (1)إلى المعرفة ؛ بحيث يؤدى إلى الحكم بصحتهما ، وأن الأصل : «كأنّ» صغرى فقاقعها وكبرى من فقاقعها» .. فكلمة : «من» زائدة (مع أنها - فى الغالب - لا تزاد إلا بعد نفى بشرط أن يكون مجرورها نكرة) ، و «فقاقعها» الأولى محذوفة لدلالة الثانية عليها ، ففى الكلام حذف من جهة ، وزيادة من جهة أخرى ... وما أشد حاجتنا إلى إهمال مثل هذا مما لا داعى له.
وأعجب منه قولهم فى الدفاع عن الشاعر : «إن أفعل التفضيل المجرد يصح تأويله بما لا تفضيل فيه ؛ فيطابق حينئذ كما فى المضاف إلى المعرفة» ، وقد جاء هذا الكلام فى التسهيل». (2)ولا أدرى : أيغيب عن أحد وجه ضرره وأثره السيئ فى اللغة؟ إذ كيف تؤدى اللغة مهامها - وما أجلّها - إذا كان من الجائز دون قيد ولا شرط. تأويل اللفظ الذى يشوبه خطأ لغوى تأويلا يصلح عيبه من غير داع معنوىّ لذلك؟.
أحدهما : أن يكون مطابقا لصاحبه فى التذكير ، وللتأنيث ، والإفراد ، وفروعه ؛ نحو : قوله تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) - اليد العليا خير من اليد السفلى (1). الشقيقان هما الأفضلان - الشقيقتان هما الفضليان (2)- الأشقاء هم الأفضلون ، أو الأفاضل (3)- الشقيقات هن الفضليات ...
والآخر : عدم مجىء «من» الجارة «للمفضّل عليه» ؛ لأن «المفضّل عليه» لا يذكر فى هذا القسم (4)
ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزّة للكاثر
فمؤول عندهم بتأويلات مختلفة ؛ منها : زيادة «أل» فى لفظ : «الأكثر» ، ومنها : أن الجار والمجرور متعلق بكلمة محذوفة تماثل المذكورة ، والأصل : «بالأكثر أكثر منهم» ... ومنها أن «من» بمعنى «فى» وكل هذه التأويلات مرفوضة لا يعرف عنها الشاعر (الأعشى) شيئا ؛ فهى إما لغة ، وإما شاذة ...
. أما الجارة لغيره فتجىء ؛ كالتى فى قول الشاعر :فهم الأقربون من كل خير *** وهم الأبعدون من كل ذمّ
فالجار والمجرور - فى الشطرين - لا شأن له بالتفضيل : لأنّ : «من» المذكورة هى التى تدخل على المجرور للتعدية (5)، إذ : «الأقرب» و «الأبعد» يحتاجان إلى معمول مجرور «بمن» كفعلهما : «قرب وبعد» فليست : «من» بعدهما هى التى تدخل على المفضول ، وتجره ؛ إنما هى ومجرورها نوع آخر.
1) العليا : مؤنث الأعلى ، والسفلى : مؤنث الأسفل. والألفاظ الأربعة صيغ تفضيل.
2) تثنية : فضلى ، مؤنث : أفضل.
3) انظر رقم 2 من هامش ص 414 ؛ ففيه البيان.
4) إذ تغنى عنه «أل» ؛ لأنها للعهد (وليست موصولة كالداخلة على اسم الفاعل ، واسم المفعول) والتى للعهد تشير إلى شىء معين تقدم ذكره لفظا أو حكما. وتعيينه يشعر بالمفضول ؛ ولهذا قالوا : (لا تكون «أل» فى «أفعل التفضيل» إلا للعهد ؛ لئلا يعرى عن المفضول) - راجع الصبان ، ج 3 أول باب أفعل التفضيل - وإذا لا يصلح أن يقال : علىّ الأفضل من أمين. وأما قول الأعشى :
5) وهى التى سبقت الإشارة إليها فى ص 407 ، وتخالف الداخلة على المفضل عليه ، والتى سبق بيانها فى ص 402.
قال صاحب التصريح (1): إن «أفعل التفضيل» المقترن بأل يطابق موصوفه لزوما ... ومع ذلك لا بد من ملاحظة السماع ، وأردف هذا بالنص الآتى :
(«قال أبو سعيد على بن سعيد فى : كفاية المستوفى ، ما ملخصه : ولا يستغنى فى الجمع (2)والتأنيث عن السّماع ؛ فإن الأشرف والأظرف لم يقل فيهما : الأشارف والشّرفى ، والأظارف ، والظّرفى ، كما قيل ذلك فى الأفضل والأطول. وكذلك الأكرم والأمجد ، قيل فيهما : الأكارم والأماجد ، ولم يسمع فيهما : الكرمى والمجدى».) ا ه.
هذا ما قاله وما نقله صاحب «التصريح» وقد يكون من السداد إهماله ، وترك الأخذ به ؛ لما فيه من تضييق وتعسير بغير حق ؛ إذ يفرض على المتكلم أن يبحث جهد طاقته عن الصيغة المسموعة ؛ فإن اهتدى إليها بعد العناء استعملها ، وإن لم يجدها لم يستعمل القياس مع شدة حاجته إلى استخدامه للوصول إليها.
على أن بذل الطاقة واحتمال العناء لا يوصلان أحيانا إلى الصيغة المسموعة ، لا لعدم وجودها ، ولكن لتعذر الاهتداء إلى مكانها ، برغم العناء المرهق المبذول فى سبيلها. وهل أدل على هذا من أن صاحب الرأى السالف يقرر عدم ورود السماع بكلمات معينة منها : «الكرمى» ، مؤنث : «أكرم» ، وأن غيره يقرر عدم ورود كلمات أخرى ، منها : «الرّذلى ، والجملى» ، (مؤنث : الأرذل والأجمل) على حين يسجل أبو على القالى فى الجزء الأول من كتابه : «الأمالى» (3)ما نصّه : («قال بعض بنى عقيل وبنى كلاب : هو الأكرم ، والأفضل ، والأحسن ، والأرذل ، والأنذل ، والأسفل ، والألأم. وهى : الكرمى والفضلى ، والحسنى ،
1) ج 2 - باب : «أفعل التفضيل» عند الكلام على النوع المقرون بأل.
2) المفهوم من سياق الكلام فى : «التصريح» أن مراده بالجمع السماعى مقصور على «جمع التكسير» دون غيره ؛ إذ لا خلاف فى قياسية جمعى التصحيح بالشروط الخاصة بكل منهما. - وقد سبقت عند الكلام عليهما فى الجزء الأول. - هذا ، ولم يتعرض النص السالف للمثنى. فهل يريد بالجمع ما يشمل المثنى أيضا كالشأن فى عبارات بعض اللغويين؟
3) ص 152.
والرّذلى ، واللؤمى ، وهنّ الرّذل ، والنّذل واللّؤم ..)» ا ه؟. فقد سجل أنها مسموعة هى ونظائر لها. ومن تلك النظائر الأخرى المسموعة : العظمى - الصغرى - الكبرى - الوثقى - الفضلى - القصوى - الأولى - الجلّى - الدنيا - الوسطى - الأخرى - العليا - السفلى - الكوسى (كثيرة الكياسة) الطولى (أنثى الأطول) - الضيّقى (شديدة الضيق) ... و ... ولكل صيغة مما سبق مقابل على وزن «أفعل» لمذكرها. ولو حصرنا ما نقله صاحب الأمالى ، وما نقله غيره فى مواطن مختلفة ، وما رأيناه بأنفسنا فى المراجع اللغوية ... لكان من هذه الكلمات المبعثرة مجموعة كثيرة العدد ، تبيح القياس عليها ؛ لكثرتها التى تتجاوز المائة. ولا حاجة بنا إلى تأويلها ، أو التمحل لإبعادها عن «التفضيل» وعن نوعه الذى نحن فيه ؛ فإن تأويل النحاة - كما بسطوه هنا - يقوم على الجدل المحض الذى لا يعضده الحق.
وشىء آخر : أنه لو صح الأخذ براى المانعين وحدهم ما كان للقياس حكمة ولا فائدة ؛ لأن القياس مستمد من الكثير المسموع ، وقد تحقق هذا الكثير هنا. فكيف نمنع القياس فى بعض الصور التى ينطبق عليها؟ وكيف نحرّم تطبيقه والانتفاع به ، زاعمين واهمين أن صيغة الكلمة ذاتها - بحروفها وتكوينها المادىّ - غير مسموعة؟ فلم الاستنباط ، ووضع القواعد والضوابط العامة؟. وكيف يتحقق القياس؟ ... (1)
لهذا كان مجمع اللغة العربية» سديد الرأى حين قرر قياسية جمع «الأفعل» الذى للتفضيل المقرون بأل على «الأفاعل» ، كما قرر صياغة مؤنثه على «الفعلى» قياسا كذلك (2)
«(يختلف النحاة في جمع التفضيل المقترن بالألف واللام على : «الأفاعل» ، وفى تأنيثه على «الفعلي». فمنهم من ذهب إلى أن جمعه على «الأفاعل وتأنيثه على «الفعلي» مقصوران على - السماع - ومنهم من ذهب إلى أن ذلك قياسى ؛ مستندين إلى أن اقترانه «بأل» يبعده عن الفعلية من حيث إن الأفعال لا تدخلها الألف واللام ، وذلك يدنيه من الاسمية. ولما كان هذا الرأى أقرب إلى التيسير قررت اللجنة أنه يجوز جمع «أفعل التفضيل» المقترن بالألف واللام على «الأفاعل» ، ويلحق به فى ذلك المضاف إلى المعرفة ، وأنه يجوز تأنيثها على «الفعلى».)» ا ه.
وقد وافق المجمع ومؤتمرة علی قرار اللجنة في الجلسة السادسة من الؤتمر الثالث و الثلاثين بدورة سنة 1967.
...1) يؤيد هذا ما سبق أن قلناه فى قياسية مصدر الفعل الثلاثى ص 184 وما بسطه ابن جنى - وغيره - فى الجزء الأول من كتابه : «الخصائص» فى الفصل الرشيد المحكم الذى نشير إليه كثيرا ، وعنوانه : «اللغة تؤخذ قياسا» وقد نشرناه كاملا فى آخر الجزء الثانى.
2) طبقا لما فى ص 151 من الكتاب الذى أصدره المجمع سنة 1969 ؛ ففى تلك الصفحة تحت عنوان : (فى أفعل التفضيل - جمع : «الأفعل» على الأفاعل ، وصوغ مؤنثه على : «الفعلى») ما نصه منسوبا إلى لجنة الأصول بالمجمع ، ومصحوبا بالأسانيد والبحوث المؤيدة له :
طالما رددنا - فى هذا الكتاب - أن الحرص على سلامة اللغة أمر محمود ، بل مفروض ، ولكن بشرط ألا يكون بوسائل تعوق الانتفاع بها ، وتزهد فيها ، من غير فائدة ترجى ، ولا ضرر يدفع.
نعم قد يقع جرس هذه الصيغ الجديدة القياسية غريبا أول الأمر على الأسماع ؛ كتلك الصيغ التى نقلها صاحب الأمالى عن بنى عقيل ، وبنى كلاب ولكن لا يصح أن تحول غرابة الجرس بين الكلمة والانتفاع الضرورىّ بها ، فما أكثر الكلمات اللغوية الغريبة فى جرسها على الأسماع ، وقد تكون غريبة عند قوم مقبولة عند آخرين. على أن تداول الكلمة الغريبة كفيل بصقلها وإزالة غرابتها ، ولكن يطول الزمن على تداولها ، فما أسرع دورانها وشهرتها ، بسبب الحاجة إلى استخدامها ، وترديد الألسنة لها ...
أن يكون مضافا (1)، ويشترط فى هذا القسم شرطان عامّان لا بد منهما فى «أفعل التفضيل» المضاف مطلقا (أى : سواء أكانت إضافته للمعرفة أم للنكرة).
أحدهما : ألّا يقع بعد أفعل التفضيل «من» الجارة للمفضول ، فلابد أن يخلو الكلام منها ومن مجرورها ؛ فلا يصح : محمود أفضل الطيارين من حامد. أما الجارة لغيره فتوجد : نحو : أبى أقرب الناس منى.
ثانيهما : أن يكون المضاف بعضا (2)
(وقد سبق لهذه المسألة المهمة توضيح آخر يتممها فى ج 2 باب : التمييز ص 332 «ب» م 88.)
من المضاف إليه ، بشرط إرادة التفضيل وبقاء معناه (3)ووجوده ؛ فلا يصح : الطيار أفضل امرأة.فمتى تحقق الشرطان العامّان ، وكانت إضافته لنكرة ، وجب حكمان :
أولهما : إفراده وتذكيره - كالمجرد (4)
وإن لمنكور يضف أو جرّدا *** ألزم تذكيرا ، وأن يوحّدا
-.والآخر : مطابقة المضاف إليه لصاحب (5)أفعل التفضيل ، (أى : للموصوف (6)الذى يتجه إليه معنى : «أفعل» ويتصف به). فى التذكير. والتأنيث ، وفى الإفراد وفروعه ، وفى جنسه أيضا ..
1) إذا أضيف كانت إضافته غير محضة ، وقيل : محضة على الوجه المبين فى ص 5. وقد سبق بيانهما وتفصيل أحكامهما أول هذا الجزء.
2) وسيجىء فى الزيادة (ص 421) اشتراط أن يكون «أفعل» بعض المضاف إليه ، مع بيان المراد من هذه البعضية.
3) وهو المفاضلة الدالة على زيادة شىء على آخر ؛ وبهذا تكون المفاضلة قائمة وموجودة.
4) وفى حكم أفعل التفضيل المجرد من «أل» والإضافة ، أو المضاف إلى نكرة - وأن هذا الحكم هو الإفراد والتذكير - يقول ابن مالك فى بيت سبق ذكره فى هامش ص 403 :
5) المضاف هو : «أفعل» والذى يتجه إليه معناه هو صاحبه الذى يتصف به ؛ فكلاهما واحد من جهة المدلول والمعنى.
6) أى للشىء الذى يقوم به معنى «أفعل» ، فليس المراد بالموصوف والصفة هنا المنعوت والنعت الاصطلاحيين.
ومن أمثلته قول المتنبى :
وأحسن وجه فى الورى وجه محسن *** وأيمن كفّ فيهمو كفّ منعم
وتقول : هذان الوجهان أحسن وجهين .. وهاتان الكفان أيمن كفّين - وجوه الشرفاء أحسن وجوه ، وأكفّهم أيمن أكفّ (1)
هذا ، ومن المهم فهم الأساليب التي يكون فيها «أفعل التفضيل» مضافا لنكرة مطابقه للموصوف الذي يتصف بمعنى أفعل التفضيل ، (أي : مطابقة لصاحب أفعل التفضيل) ؛ فإن المراد يكون إثبات المزية للمفضل على جنس المضاف إليه واحدا واحدا إن كان المضاف إليه مفردا ، واثنين اثنين إن كان المضاف إليه مثنى ، وجماعة جماعة إن كان جمعا ومما يزيد الأمر وضوحا الأمثلة الآتية :
المصلح أفضل رجل - المصلحان أفضل رجلين - المصلحون أفضل رجال . المصلحة أفضل امرأة . المصلحتان أفضل امرأتين . المصلحات أفضل نساء ... فالمراد : المصلح أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلا رجلا . والمصلحان أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجلين رجلين . والمصلحون أفضل من جميع الرجال إذا فضلوا رجالا رجالا . والمصلحة أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأة امرأة ، والمصلحتان أفضل من جميع النساء إذا فضلن امرأتين امرأتين ، والمصلحات أفضل من جميع النساء إذا فضلن نساء ، نساء ، مجتمعات ... وهكذا الأمثلة الأخرى ونظائرها. (انظر ص 421 الآتية لإدراك الفرق بين ما هنا ، وما هناك).
.فالأمور التى يجب اجتماعها كاملة عند إضافته للنكرة (2)- أربعة ؛ هى :
(1) امتناع «من» الجارة للمفضول.
(2) كون المضاف بعض المضاف إليه عند إرادة التفضيل.
(3) إفراد «أفعل» وتذكيره.
(4) مطابقة المضاف إليه لصاحب «أفعل» فى الجنس ، وفى الإفراد والتذكير وفروعهما.
1) جاءت المطابقة السابقة - فى أغلب صورها التى منها التذكير والتأنيث - نتيجة لاشتراط أن يكون المضاف بعض المضاف إليه ، (فلا يقال : سعيد أفضل امرأة) ؛ لما تقرر : أن أفعل التفضيل المضاف لنكرة لا بد أن يكون بعضا من المضاف إليه - فى الأصح - بشرط أن يكون معنى المفاضلة قائما. وقد اشترط بعضهم لوجوب هذه المطابقة أن يكون المضاف إليه جامدا ؛ ليخرج مثل قوله تعالى : ( أَسْفَلَ سافِلِينَ ) ، لعدم وجود صاحب «أفعل» والأحسن إهمال هذا الشرط أما كلمة «أسفل» فى الآية فصفة لجمع محذوف.
2) انظر حكم العطف على هذه النكرة فى ص 422.
وإن كانت إضافته لمعرفة وجب تحقيق الشرطين العامين المشار إليهما آنفا. وتجوز فيه بعد ذلك من ناحية التذكير والإفراد وفروعهما - المطابقة وعدمها ، بشرط أن يكون الغرض من «أفعل التفضيل» باقيا - وقد شرحنا هذا الغرض - ولكن ترك المطابقة فى التثنية والجمع هو الأكثر ، إذ الأفصح أن يكون مفردا مذكرا فى جميع استعمالاته. فمثال المطابقة : عمر أعدل الأمراء - العمران (1)أعدلا الأمراء - الخلفاء الراشدون أعدلو الأمراء - فاطمة فضلى الزميلات - الفاطمتان فضليا الزميلات - الفاطمات فضليات الزميلات ...
ومثال عدم المطابقة : عمر أعدل الأمراء - العمران أعدل الأمراء - الخلفاء الراشدون أعدل الأمراء ... فاطمة فضلى الزميلات - الفاطمتان فضلى الزميلات - الفاطمات فضلى الزميلات ...
أما إن كان الغرض الأصلى هو عدم المفاضلة مطلقا (2)أو : كان الغرض هو بيان المفاضلة المجردة (3)فتجب المطابقة للموصوف فى الصورتين (4)فى الإفراد والتذكير وفروعهما ، مع جواز أن يكون أفعل التفضيل المضاف بعضا من المضاف إليه ، أو غير بعض. فمثال مالا يراد منه المفاضلة مطلقا قول أحد الرحالين يصف الأقزام فى المناطق الشمالية :
(" ... رأيت أهلها صغار الأجسام ، قصارا ، لا يكاد أحدهم يزيد على خمسة أشبار ، وليس لهم حكومة ، ولكن عندهم قاض واحد يرجعون إليه ، ويحترمون رأيه. وقد قابلته مرة فقال لى المترجم : هذا أفضل القضاة عندنا ، وأوسع الرجال خبرة قضائية فى بلدنا ، وأرجحهم عقلا ...) ". فالمراد : فاضل - واسع - راجح ...
1) عمر بن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز.
2) أى : عدم إرادة الزيادة ، وأن «أفعل» بمعنى الفاعل ، أو الصفة المشبهة. وهذا يقتضى ألا يوجد المفضول ، ولا «من» الجارة له. فقد سبق - فى «ب» من ص2. أن «أفعل» لا يمكن تجريده من معنى المفاضلة مع وجود «من» الجارة للمفضول.
3) أى : إثبات الزيادة المحضة التى لا يقصد منها زيادة شىء على المضاف إليه وحده ، وإنما يقصد منها مجرد الزيادة عليه وعلى غيره.
4) والأحسن الأخذ بالرأى القائل بقياسيتهما (بشرط وجود القرينة الموضحة للمراد منهما ؛ لكثرة مجيئهما ، فى أفصح الكلام ، وأخذا بالأيسر الذى لا ضرر فيه).
ولا يراد التفضيل : إذ لا وجود لقاض آخر يكون هو المفضول ...
وفى غير المفرد نقول : هذان أفضلا القضاة - هؤلاء أفضلو القضاة. أو : أفاضلهم ... هذه فضلى القاضيات - هاتان فضليا القاضيات - هؤلاء فضليات القاضيات - ... بالمطابقة فى كل ذلك. ومثلها عند إرادة المفاضلة المطلقة ؛ نحو : الحق أحقّ الأقوال بالاتباع. والدين أولى الأصول بالتمسك به. فليس المراد فى هذا المثال وأشباهه المفاضلة بين الأقوال بعضها وبعض ، أو بينها وبين الأفعال ، ولا بين الحق والباطل ، وأن كلا منهما جدير بالاتباع ، ولكن الحق أجدر ، ولا بين أصول الدين والكفر وفروعهما ، وأن كلا منها يستحق التمسّك به ولكن الدين أولى ... ليس هذا هو المراد ، وإلا فسد الغرض ، وإنما المراد أن الحق فى ذاته ، والدين فى ذاته ، من غير نظر لشىء آخر غيرهما - هما الأحقّان والأوليان.
ومثل هذا يقال : الوالد أحسن الناس منزلة - الوالدان أحسنا الناس منزلة - الوالدون أحاسن الناس منزلة ، أو : أحسنو الناس منزلة - الوالدة حسنى النساء منزلة - الوالدتان حسنيا النساء منزلة - الوالدات حسنيات النساء منزلة (1)
وتلو «أل» طبق ، وما لمعرفه *** أضيف - ذو وجهين عن ذى معرفه
أى : أن «أفعل» الذى يتلو «أل» ويقع بعدها تجب مطابقته لصاحبه ، وأن ما أضيف لمعرفة فيه وجهان منقولان عن صاحب رأى ومعرفة بلغة العرب وأحكامها. ثم قال :
هذا إذا نويت معنى : «من» ، وإن *** لم تنو فهو طبق ما به قرن
(فهو طبق : مطابق للذى قرن التفضيل به ، أى : للموصوف الذى يقصد به التفضيل ، وبعد ذلك ذكر بيتين سبق شرحهما والإشارة لهما (فى ص 404) ؛ وهما :
وإن تكن بتلو «من» مستفهما *** فلهما كن أبدا مقدّما
كمثل : ممّن أنت خير؟ ولدى *** إخبار التّقديم نزرا وردا
... ا1) يقول ابن مالك فى بيان أن المقرون «بأل» يطابق وجوبا ، وأن ما أضيف إلى معرفة يجوز فيه وجهان ؛ هما المطابقة وعدمها بشرط أن تنوى من ، أى : بشرط إرادة التفضيل ، (أما عند عدم إرادة التفضيل فالواجب المطابقة - كما شرحنا -) :
1) لهذه المسألة إيضاح واف سيجىء فى الزيادة والتفصيل (آخر ص 423) ، فمثال دخوله فى جنس المضاف إليه وأنه بعضه : محمد عليه السّلام أفضل قريش : تريد أفضل رجالهم واحدا واحدا ، وأفضل الناس من بينهم. ومثال عدم دخوله فى المضاف إليه ، وأنه ليس بعضا منه : يوسف أفضل إخوته (بوجود الضمير فى إخوته ، يعود عليه) ، أى : أنه أفضلهم واحدا واحدا ، لأننا إذا قلنا : من أخوة يوسف؟ لا يدخل فيهم يوسف ، ولا يعد من بينهم ؛ فلا يكون أفضلهم ؛ لأن إضافة الإخوة للضمير تمنع أن يراد بهم ما يشمل يوسف. بخلاف ما لو قلنا : يوسف أفضل الأخوة ، أو أفضل أبناء يعقوب (راجع ص 423 من الزيادة والتفصيل).
لا يضاف «أفعل» الدال على التفضيل إلا إذا كان بعضا من المضاف إليه المفضول (كما سبق) (1). وهذه «البعضية» تتحقق بإحدى صورتين :
(1) أن يكون «أفعل» جزءا (2)والمضاف إليه كلّا ، نحو : الرأس أنفع الجسم - والمخ أعظم الرأس ...
(2) أن يكون «أفعل» فردا من بين أفراد كثيرة يشملها المضاف إليه. ولابد فى هذه الصورة أن يكون المضاف إليه جنسا يندرج تحته أفراد متعددة ، منها المضاف ؛ نحو : الهرم المدرج أقدم الأهرام (3)- أبو الهول أجمل التماثيل. يكاد النيل يكون أكبر الأنهار العالمية - أضرّ التّركات ما كان مالا لا علم معه ، ولا خلق.
وأحبّ أوطان البلاد إلى الفتى *** أرض ينال بها كريم المطلب
فكل من : (الأهرام - التماثيل - الأنهار - التّركات - أوطان البلاد ..) جنس يشمل أفرادا كثيرة.
وليس من اللازم لتحقيق «البعضية» أن يكون المضاف إليه معرفة ؛ فقد يكون نكرة ، نحو : الهرم المدرّج أقدم هرم - أبو الهول أجمل تمثال - القلب أعظم عضو. وإذا كان المضاف إليه مفردا نكرة - كهذه الأمثلة - كان معناه معنى الجمع ، ومنزلته منزلة الجنس متعدد الأفراد ، فيتحقق الشرط الأساسى السالف الذى يقتضى أن يكون «أفعل» بعضا من المضاف إليه ، أى : أنه بمنزلة قولك : الهرم المدرج أقدم الأهرام هرما هرما - أبو الهول أجمل التماثيل واحدا واحدا - القلب أعظم الأعضاء عضوا عضوا. فالمراد بالمضاف إليه المفرد النكرة إنما هو جنسها ؛ ولهذا قطعوا بأن المراد من : فلان أفضل رجل هو أنه أفضل الناس إذا عدوّا رجلا رجلا. أى : أفضل من كل رجل (4)...
ويقول الصبان عند الكلام على إضافة «أفعل» للنكرة ما نصه :
(زيد أفضل رجل ، أصله : زيد أفضل من كل رجل ؛ فحذف : «من كل» اختصارا ، وأضيف : «أفعل» إلى : «رجل». وجاز كونه مفردا مع كون «أفعل» بعض ما يضاف إليه - فالأصل أن يكون جمعا - لفهم المعنى ، وعدم التباس المراد. ووجب تنكيره ؛ لأن القاعدة أن كل مفرد وقع موقع الجمع لا يكون إلا نكرة ؛ فإن جئت بأل رجعت إلى الجمع ، وإن جمعت أدخلت «أل») ... ا ه.
ثم انتقل إلى مسألة هامة ؛ هى العطف على «أفعل» فقال ما نصه» :
«إن عطفت على المضاف إلى النكرة مضافا آخر إلى ضميرها قلت : هذا أفضل رجل وأعقله ، وهذه أكرم امرأة وأعقله ، بتذكير الضمير وإفراده فى المفرد وضده ، والمذكر وضده ؛ على التوهم ؛ كأنك قلته من أول الكلام (1). فإن أضفت «أفعل» إلى معرفة ثنيت ، وجمعت ، وأنثت ؛ وهو القياس. وأجاز سيبويه الإفراد تمسكا بقوله :
وميّة أحسن الثّقلين جيدا *** وسالفة وأحسنه قذالا (2)
أى : أحسن من ذكر (3)... وظاهره وجوب تذكير الضمير وإفراده فى نحو : هذه أكرم امرأة وأعقله ، وهذان أكرم رجلين وأعقله .. وهكذا ..) ا ه.
ثم قال بعد هذا مباشرة : «والوجه عندى جواز المطابقة إن لم تكن واجبة ، أو أولى» ا ه. قال ياسين فى حاشيته على التصريح تعليقا على رأى سيبويه : «وحاصله : أن إفراد الضمير مع عوده على غير مفرد إنما هو على تأويله باسم الموصول. وعليه يتخرج ما يقع فى عبارات المصنفين» ا ه.
ورأى الصبان أقرب إلى السّداد ؛ لموافقته القواعد العامة الخاصة بالمطابقة ،
وبعده عن اللبس ، ولأن الآراء الأخرى لم تدعمها النصوص المتعددة التى تكفى لتأييدها فيما اطلعنا عليه من مراجع.
ويتصل بتلك المسألة الهامة أمر آخر هو حكم أفعل التفضيل المعطوف فى الصورة السالفة - من ناحية ضبطه ، والأوجه الإعرابية الجائزة فيه ، وقد سبق بيان بعض الصور(1).
ومما يجب التنبه له أن هذه البعضية لا تكون حتمية إلا إذا كان «أفعل» باقيا على دلالة التفضيل الخاص - كما قدمنا (2)- وعندئذ يكون المضاف إليه هو : «المفضول» ويتعين أن يكون «أفعل». بعضا منه. أما إذا لم تكن الدلالة على التفضيل باقية ، أو كانت عامة يقصد منها الزيادة على المضاف إليه وعلى غيره فإن المضاف إليه لا يكون مفضولا ، ولا يشترط فى المضاف حينئذ أن يكون بعضا منه ؛ فقد يكون بعضا أو لا يكون ؛ ومثال ما ليس بعضا : «يوسف أفضل إخوته». تريد : أنه فاضل فيهم ، ولا تريد التفضيل ، ولا أنه يزيد عليهم فى الفضل (3). قال شارح المفصل ما نصه (4):
(" ... قد علم أن «أفعل» إنما يضاف إلى ما هو بعضه ، فليعلم أنه لا يجوز أن تقول : «يوسف أحسن إخوته» ، وذلك أنك إذا أضفت الإخوة إلى ضميره خرج من جملتهم ، وإذا كان خارجا منهم صار غيرهم ، وإذا صار غيرهم لم يجز أن نقول : «يوسف أحسن إخوته» كما لا يجوز أن تقول : «الياقوت أفضل الزجاج» ؛ لأنه ليس من الزجاج. فحينئذ يلزم من المسألة أحد أمرين كل واحد منهما ممتنع ؛ أحدهما : ما ذكرناه من إضافة «أفعل» إلى غيره ، إذ إخوة زيد غير زيد. والثانى : إضافة الشىء إلى نفسه ؛ وذلك أنا إذا قلنا إن زيدا من جملة الإخوة - نظرا إلى مقتضى إضافة «أفعل» - ثم أضفت الإخوة إلى ضمير زيد ، وهو من جملتهم - كنت قد أضفته إلى نفسه ؛ بإضافتك إياه ؛ إلى ضميره
وذلك فاسد (1)، فأما على النوع الثانى (2)
أولهما : ما يدل علی التفضيل. والثاني ما لا دلالة فيه علی تفضيل، وإنما يدل علی وصف قائم بالذات ، خال من المفاضلة خلوّا تامّا. كالذي سبقت الإشارة إليه في : «ه» من ص 410 وفي ص 418.
وهو أن يكون «أفعل» فيه للذات بمعنى : «فاعل» فإنه يجوز أن تقول : «يوسف أحسن إخوته» ولا يمتنع فيه كامتناعه من القسم الأول ؛ إذ المراد أنه فاضل فيهم ؛ لأنه لا يلزم فى هذا النوع أن يكون «أفعل» بعض ما أضيف إليه. وعليه جاء قولهم لنصيب الشاعر : «أنت أشعر أهل جلدتك» لأن أهل جلدته غيره ، وإذا كانوا غيره لم تسغ إضافة «أفعل» - إليهم ؛ لما ذكرته ، ويجوز على الوجه الثانى ؛ لأنه بمعنى الشاعر فيهم ، أو : شاعرهم ..) " ا ه.وفيما يلى بيان الأقسام السالفة ، وملخص أحكامها :
القسم / حكم : «أفعل» وما يتصل به.
الأول: المحرج من «أل» والإضافة (1) إفراده وتذكيره
(2) وجوب دخول «من» جارة للمفضول.
(3) جواز حذف «من» مع مجرورها ، بشرط وجود دليل يدل عليهما بعد الحذف.
(4) وجوب تقديمها في صورتين.
(5) عدم الفصل بينهما وبين «أفعل» إلا ببعض أشياء معدودة ، هي : (معمول «أفعل») ، أو : («لو») مع ما دخلت عليه ، أو : (النداء).
الثاني : المقترن «بأل»
(1) وجوب مطابقته.
(2) عدم مجي ء «من» والمفضول معا. ولا مانع من مجيء «من» التي للتعدية.
الثالث : المضاف
(1) عدم إدخال «من» على المفضول.
(2) أن يكون المضضاف بعض المضاف إليه إن كانت المفاضلة باقية على حقيقتها.
(3) وجوب إفراد «أفراد «أفعل» وتذكيره إن كان مضافاً لنكرة ، وأن تكون هذه النكرة من جنس (1)موصوفة - (أي : من جنس صاحب أفعل التفضيل) -. في الإفراد والتذكير ، وفروعهما. فإن كانت إضافته لمعرفة من دلالته على التفضيل كان الحكم كما يأتي :
(1) وجوب المطابقة تحقق الشرطين السالفين (1 و2).
(2) جواز المطابقة وعدمها في التذكير والإفراد ، وفروعهما.
لكن الأفصح التزام الإفراد والتذكير في كل حالاته.
(3) وجوب المطابقة في الإفراد والتذكير وفروعهما إن كانت المفاضلة مجردة (2)او لم تقصد المفاضلة مطلقاً. وجواز تطابق المضاف إليه والموصوف في الجنس وعدم تطابقهما.
من هذا الملخص وما سبقه يتبين ما يأتى فيما يختص «بأفعل».
(1) وجوب إفراده وتذكيره إن كان مجردا ، أو مضافا لنكرة.
(2) جواز مطابقته وعدمها فى الإفراد وفروعه والتذكير والتأنيث إن كان مضافا لمعرفة ، والمفاضلة باقية. لكن التزام الإفراد والتذكير أفصح. وتجب البعضية فى هذه الصورة.
(3) وجوب مطابقته فى باقى الأحوال. أى : حين يقترن «بأل» ، أو يضاف لمعرفة والمفاضلة الحقيقية الخاصة غير قائمة. وفى هذه الإضافة الخالية من المفاضلة يجوز أن يكون بعضا من المضاف إليه ، وغير بعض.
«أفعل» التفضيل أحد المشتقات التى يصح أن يتعلق بها شبه الجملة ، والتى يصح أن تعمل ؛ فيكون معمولها مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا.
فمثال تعلق شبه الجملة به ما قاله أحد الوصافين فى الإمام علىّ : «سمعته قبيل المعركة يخطب فى جنوده ، فكان أفصح فى القول لسانا ، وأعلى فى الكلام بيانا ، ورأيته يخوض الوغى ؛ فكان أجرأ عند الإقدام قلبا ، وأقوى لدى شدّاتها عزما» ... ؛ فالجار والمجرور : (فى القول) ، متعلقان بأفصح. والجار والمجرور : (فى الكلام) ، متعلقان بأعلى. والظرف : «عند» متعلق : «بأجرأ». والظرف : «لدى» متعلق : «بأقوى».
أما عمله الرفع أو النصب أو الجرّ ، ففيه البيان التالى :
(1) يرفع الضمير المستتر باتفاق ، نحو : العظيم أنبل نفسا ، وأشرف قصدا ، وأكثر تعلقا بجلائل الأمور ، ففى كل من «أنبل» و «أشرف» ، و «أكثر» ضمير مستتر وجوبا تقديره : «هو» ، يعود على : العظيم.
(2) ويرفع الضمير البارز أحيانا - وهذا قياسى - نحو : مررت بزميل أفضل منه أنت ، بجر كلمة : «أفضل» (1)، على اعتبارها نعتا لزميل ، و «منه» : جار ومجرور متعلق بأفضل. و «أنت» : فاعل (2)أفعل التفضيل.
(3) وقد يرفع الاسم الظاهر - قياسا - إذا صح أن يحل محل «أفعل» التفضيل فعل بمعناه من غير فساد فى المعنى أو فى تركيب الأسلوب. فإن لم يصح كان رفعه الظاهر نادرا لا يحسن القياس عليه.
1) ويجوز رفع «أفضل» على اعتباره خبرا مقدما ، و «أنت» مبتدؤه. والجملة من المبتدأ والخبر فى محل جر صفة لزميل. وعلى هذا الإعراب لا يكون «أفعل» قد رفع ضميرا بارزا.
2) ويجوز رفع «أفضل» على اعتباره خبرا مقدما ، و «أنت» مبتدؤه. والجملة من المبتدأ والخبر فى محل جر صفة لزميل. وعلى هذا الإعراب لا يكون «أفعل» قد رفع ضميرا بارزا.
وقد وضعوا للحالة الأولى ضابطا مطّردا ، هو : أن يكون «أفعل التفضيل» - فى الأغلب - نعتا والمنعوت اسم جنس ، قبله نفى أو شبهه (1). وأن يكون الاسم الظاهر المرفوع بأفعل التفضيل أجنبيا (2)منه ، ومفضّلا على نفسه ومفضولا أيضا - باعتبارين مختلفين - نحو : ما رأيت رجلا أكمل فى وجهه الإشراق منه (3)فى وجه العابد الصادق. فكلمة : «أكمل» أفعل تفضيل ، نعت. والمنعوت قبلها اسم جنس منفىّ فى جملته ، وهو : «رجل» - و «الإشراق» فاعل لأفعل التفضيل ، وهذا الفاعل مفضّل ومفضول معا ؛ فهو مفضّل باعتباره فى وجه العابد ، ومفضول باعتباره فى وجه غير وجه العابد. وهذا معنى قولهم : مفضل على نفسه ومفضول باعتبارين. وقد تحقق الضابط فى المثال السالف ؛ ومن ثمّ رفع أفعل التفضيل الاسم الظاهر. ومن الأمثلة : ما شاهدت عيونا أجمل فيها الحور منه فى عيون الظباء ... فأفعل التفضيل هو : «أجمل» ، ومنعوته : «عيونا» اسم جنس منفى فى جملته ، وفاعله الظاهر هو : «الحور» ، ولهذا الفاعل اعتباران ، فهو مفضّل إن كان فى عيون الظباء ، ومفضول إن كان فى عيون غيرها. فقد تحقق فى هذه الصورة الضابط الخاص كما تحقق فى سالفتها.
وفى الصورتين يمكن أن يحل محل «أفعل» فعل بمعناه من غير أن يترتب على هذا فساد ، نحو : ما رأيت رجلا يكمل فى وجهه الإشراق ... وما شاهدت عيونا يجمل فيها الحور ...
فإن لم يصلح أن يحل هذا الفعل محله لم يرفع اسما ظاهرا ، إلا نادرا لا يقاس عليه ، - كما سبق - وإنما يرفع ضميرا مستترا وجوبا ؛ نحو : المشى أنفع من السباحة ، ففى «أنفع» ضمير مستتر وجوبا يعود على المشى ، ولا يجوز فى الرأى الراجح أن يرفع اسما ظاهرا ؛ لأنه لا يصح أن يحل محله فعل بمعناه ؛ كما لا يصح أن يقال - فى الرأى الراجح أيضا - استمعت إلى فتى أعلم منه أبوه برفع كلمة «أبوه» على أنها فاعل لأفعل التفضيل (4): «أعلم» إلا على لغة ضعيفة مرجوحة.
1) كالنهى ، والاستفهام الذى بمعنى النفى ، وسيجىء التمثيل لهما فى «ا» ص 430.
2) بأن يكون خاليا من الضمير الذى يعود على الموصوف ويدل على صلة بين «أفعل» ، ومنعوته.
3) أى : من الإشراق (انظر «ب» فى الزيادة ، ص 430).
4) لا يصح هذا : لأن أفعل التفضيل - فى المثال وأشباهه - ليس مفضلا على نفسه ، وإنما هو مفضل على غيره.
ومن الأمثلة التى يرفع فيها الظاهر وينطبق عليها الضابط : (ما سمعت ببلاد أكثر فيها الثّراء المدفون منه فى البلاد العربية). ومنها مثالهم المردّد منذ عهود بعيدة حتى سمّوا مسألة الرفع باسمه ، وهو : (ما رأيت رجلا أحسن فى عينه الكحل منه فى عين فلان) ... ويرمزون لكل ما سبق بقولهم : (إن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إلا فى مسألة : «الكحل»). يريدون المثال السالف المشتمل على كلمة : «الكحل» وغيره مما يشابهه من الأمثلة التى ينطبق عليها الضابط العام كما ينطبق على مثال الكحل (1)
ورفعه الظّاهر نزر. ومتى *** عاقب فعلا فكثيرا ثبتا
يريد : أن رفع «أفعل» التفضيل للاسم الظاهر نزر (قليل) فلا يصح القياس عليه. لكن متى عاقب أفعل التفضيل فعلا ، (أى : وليه «أفعل» وأتى بعده فحل مكان الفعل) ، فإن رفعه الظاهر فى هذه الصورة قد ثبت نقله كثيرا عن العرب. وضرب لهذا الكثير مثلا :
كلن ترى فى النّاس من رفيق *** أولى به الفضل من الصّدّيق
والأصل : لن ترى فى الناس من رفيق أولى به الفضل من الفضل بالصديق ، ثم دخله الحذف الذى شرحناه والذى سيجىء فى الزيادة. ومن الممكن أن يحل محله فعل بمعناه هو : يحق.
... .1) يقول ابن مالك فيما سبق من رفع أفعل التفضيل للظاهر كثيرا إذا صح أن يحل محله فعل بمعناه ، وقليلا لا يقاس عليه إذا لم يصح :
ا - من أمثلة النهى : لا تخالف شريفا أحبّ إليه الخير منه إليك. ومن الاستفهام الذى بمعنى النفى : هل امرأة أحق بها الحمد منه بالأمّ؟.
ب - من كل الأمثلة السالفة يتبين أيضا أن الاسم الظاهر الذى هو فاعل لأفعل التفضيل يقع بين ضميرين ؛ أولهما : يعود للمنعوت. وثانيهما : يعود للفاعل الظاهر.
ويجوز حذف أولهما فقط ، أو ثانيهما فقط ، أو : هما معا. فيجوز حذف الأول العائد على الموصوف - إن دل دليل على حذفه (1)؛ مثل ما رأيت رجلا أكمل - ... الإشراق منه فى وجه العابد - ما شاهدت عيونا أجمل ... الحور منه فى عيون الظباء. والتقدير : أكمل فى وجهه الإشراق ... - وعيونا أجمل فيها الحور ... والمحذوف هنا ملحوظ كأنه مذكور (2).
ومن الأمثلة الدقيقة الواردة عن القدماء : ما رأيت قوما أشبه بعض ببعض منه فى قومك. التقدير : ما رأيت قوما أبين فيهم شبه بعض ببعض منه فى قومك.
ويجوز حذف الضمير الثانى العائد على فاعل اسم التفضيل بشرط أن تدخل «من» الجارة على واحد مما يأتى :
(1) إما على اسم ظاهر مماثل للفاعل فى لفظه ومعناه ، فنقول : ما رأيت رجلا أكمل فى وجهه الإشراق من إشراق وجه العابد - ما شاهدت عيونا أجمل فيها الحور من حور عيون الظباء. والأصل ؛ ما رأيت رجلا أكمل فى وجهه الإشراق منه فى وجه العابد وما شاهدت عيونا أجمل فيها الحور منه فى عيون الظباء.
(2) وإما على المحلّ - أى : المكان - الذى يقوم به الفاعل ؛ ويحل فيه ، كالوجه فى المثال السابق ؛ فإنه المحل الذى يقوم به الإشراق ، ويحل فيه. وكالعيون ؛ فإنها محل الحور ومكانه ... و ... تقول ما رأيت رجلا أكمل فى وجهه الإشراق
من وجه العابد - ما شاهدت عيونا أجمل فيها الحور من عيون الظباء ... و ... ففى هذه الصورة حذف مضاف واحد ؛ إذ الأصل : من إشراق وجه العابد - ومن حور عيون الظباء.
(3) وإما : على صاحب ذلك المحل الذى يقوم به الفاعل ، ويحل فيه. (أى : على شىء كلى له أجزاء متعددة ، منها المحل الذى يحل فيه الفاعل) كالوجه فى المثال الأول ، والظباء فى المثال الثانى ... و ... تقول ما رأيت رجلا أكمل فى وجهه الإشراق من العابد - ما شاهدت عيونا أجمل فيها الحور من الظباء. وفى هذه الصورة حذف مضافان ؛ إذ الأصل ؛ من إشراق وجه العابد ... - ومن حور عيون الظباء.
ويجوز حذف الضميرين معا إذا حذف من الجملة كل ما يجىء بعد الفاعل الظاهر ؛ فلا يذكر بعده شىء منها. وهذا بشرط أن يتقدم المفضّل نفسه على «أفعل» التفضيل ؛ فيستغنى «أفعل» بفاعله عما يكون بعده ؛ نحو : ما شىء كالغزال أحسن به الحور (1). أو يتقدم محل المفضل على «أفعل» ؛ نحو : ما شىء كعين الغزال أحسن بها الحور.
وربما دخلت «من» فى اللفظ على المفضّل (لا المفضول) ، نحو : ما أحد أحسن به الصبر من المتعلم.
وحبذا التخفف من استعمال هذه الأساليب الأخيرة ، بل تركها قدر الاستطاعة.
1) ويقولون إن الأصل : ما شىء أحسن به الحور من حسن حور الغزال ، حذف المضاف وهو : «حسن» ، وحل المضاف إليه : (حور) محله ، فصار الكلام : من حور الغزال. ولما كان الحور منسوبا للغزال ، ومتصلا به ملابسا له صح حذفه استغناء عنه بالمضاف إليه الذى سيحل محله أيضا ؛ فصار الكلام : ما شىء أحسن به الحور من الغزال.
ينصب أفعل التفضيل المفعول لأجله ، والظرف ، والحال (1)، ... وبقية المنصوبات ؛ فتكون معمولة له ، إلا المفعول به ، والمفعول المطلق ، والمفعول معه. أما التمييز الذى هو فاعل فى المعنى فيصح أن يكون منصوبا بأفعل التفضيل نحو : المتعلم أكثر إفادة وأعظم نفعا. فإن لم يكن فاعلا فى المعنى وكان «أفعل» التفضيل مضافا صح أن ينصبه ، نحو : المتنبى أوفر الشعراء حكمة (وقد سبق ضابط كلّ (2)).
يعمل الجر فى المفضول إذا كان مضافا إليه ، نكرة كان أم معرفة. نحو : الجندى أسرع رجل للدفاع عن وطنه - القائد أقدر الجنود على إدارة رحى الحرب ...
ا - إذا كان أفعل التفضيل (3)من مصدر فعل متعد بنفسه ، دال على الحبّ أو البغض أو ما بمعناهما. كانت تعديته باللام بشرط أن يكون مجرورها مفعولا به فى المعنى (4)
وقد سبق شرح هذا، وما يجيء بعده في ج 2 باب حروف الجر ، عند الكلام علی معنی : اللام وإلی ص 344 وما بعدها ، و 347 م 90).
، وما قبل : «أفعل» هو الفاعل المعنوى ؛ نحو : الشرقىّ أحبّ للدين من الغربى ، وأبغض للخروج على أحكامه. إذ التقدير : يحب الشرقىّ الدين ، ويبغض الخروج على أحكامه.وتجىء «إلى» بدل اللام إن كان المجرور هو الفاعل المعنوى وما قبل «أفعل»
هو المفعول المعنوى ؛ نحو : المال أحب إلى الشحيح من متع الحياة. والتقدير : يحب الشحيح المال أكثر من متع الحياة (1)
وأحبّ أقطار البلاد إلى الفتى *** أرض ينال بها كريم المطلب
...ب - وإن كان فعله متعديا بنفسه ، دالّا على : «علم» كانت تعديته بالباء ؛ نحو : صديقى أعلم بى ، وأنا أعرف به وأدرى بأحواله. فإن كان دالا على معنى آخر كانت تعديته باللام ، نحو : الحر أطلب للثأر وأدفع للإهانة ، إلا إن كان الفعل يتعدى بحرف جر معيّن فإن «أفعل» يتعدى به كذلك ، نحو : كان أبو بكر أزهد الناس فى الدنيا ، وأبعدهم من التعلق بها : وأشفقهم على الرعية ، وأنحاهم عن الظلم ، وأذلهم لنفسه فى طاعة ربه. وقول الشاعر :
أجدر الناس بحبّ صادق *** باذل المعروف من غير ثمن
ومثل البيت الذى سبق لمناسبة أخرى (2)وهو :
لولا العقول لكان أدنى (3)ضيغم *** أدنى (4)إلى شرف من الإنسان
وإن كان فعله متعديا لاثنين عدّى لأحدهما باللام ونصب الآخر مفعولا به ؛ لعامل محذوف يفسره المذكور ؛ (لأن «أفعل» التفضيل لا ينصب المفعول به كما سبق). نحو : فلان أكسى للفقراء الثياب. التقدير : أكسى للفقراء بكسوهم الثياب (5)
الحق أن كلا الإعرابين معيب ؛ إما لتعدية «أفعل» وهو لازم ، وإما لتقدير شىء محذوف. ولكن الأول أخف نوعا ؛ لسرعة اتجاه الخاطر إلى العامل الظاهر ، وأنه صاحب العمل لا المقدر.
. .التوابع الأربعة الأصيلة (1)
وتقول : أفرح وأطرب برؤية الأوفياء ، ولن أفرح وأطرب برؤية الأعداء ، ولم أفرح وأطرب بسماع السوء ؛ فالفعل : «أطرب» ، قد رفع مرة ، ونصب أخرى ، وجزم ثالثة ؛ تبعا لفعل سابق ، وتقيدا به ...
وهكذا يتقيد اللاحق بالسابق في نوع الإعراب ، فيكونان معا مرفوعين ، أو : منصوبين ، أو : مجرورين ، أو مجزومين. ثم هما بعد ذلك يشتركان فى الاسمية ، أو الفعلية ، أو الحرفية (كالتوكيد اللفظي للحرف). وقد يختلفان أحيانا ، (كما في بعض حالات العطف وستجيء في ص 642). ومما يجب الالتفات إليه أن التابع لا يتقيد بالمتبوع في : «البناء» ، ولا فى ضده : «الإعراب» ولا يسايره فيهما ؛ ذلك لأن «البناء ، أو : الإعراب» لا ينتقل مطلقا من المتبوع إلى التابع ؛ فلكل واحد من هذه الناحية استقلاله التام عن الآخر ، بحيث لا يحكم على أحدهما بأنه «مبنى أو : معرب» إلا لوجود سبب خاص به ؛ قائم بذاته يقضى بهذا أو بذاك ، دون نظر للآخر. وقد أسلفنا أن المتقدم يسمى : «المتبوع» ، والمتأخر يسمى : «التابع». ولا بد من تأخره عن متبوعه دائما .
والتوابع الأصيلة أربعة ؛ «النعت » ، . (ويسمى أيضا : «الوصف ، أو : الصفة» ، فمعنى الكلمتين هنا غير معناهما السابق فى «ب» ، من هامش ص 182 ، مرادا منه هناك : المشتق) . «والتوكيد» ، «والعطف بقسميه» ، و «البدل». (وسيجيء هنا تفصيل الكلام على كل واحد منها في باب خاص).
ويلاحظ أن كل تابع من هذه التوابع الأربعة الأصيلة يختلف اختلافا كليا عن التابع العارض الذي سيجيء في ص 469. كما يختلف عن التابع العارض الذى سبق (فى الجزء الأول م 16 ص 181 رقم 6 موضوع : «الاسم المعرب ، المعتل الآخر») بإهمال حركة الحرف الأخير من الكلمة وجعلها مماثلة لحركة الحرف الذي يجيء بعده كقراءة من قرأ : الحمد لله رب العالمين ، بكسر الدال تبعا لحركة اللام.
بعض أحكام التوابع :
إذا كان من الواجب اتفاق التابع والمتبوع فى نوع الإعراب فمن الواجب اختلافهما - حتما -. فى سببه ؛ فسببه فى المتبوع قد يكون الفاعلية ؛ أو : الابتدائية ؛ أو : الخبرية ؛ أو : المفعولية أو : الجر بالإضافة ، أو : بالحرف ، أو : الجزم بالحرف ... أو غير ذلك من الأسباب المؤدية إلى الرفع ، أو النصب ، أو الجر ، أو الجزم ، أما فى التابع فسببه واحد ، هو : «التبعية» (لأنه نعت ، أو عطف ، أو توكيد ، أو بدل) ، ويتبين مما سبق أن التابع لا يجوز تقديمه على المتبوع مطلقا. لكن قد يجوز تقدم معمول التابع فى بعض الحالات التى ستجىء فى أبوابها ، بالرغم من أن البصريين يمنعون تقدم هذا المعمول ، دون الكوفيين - كما سيجىء فى ص 436 -.
ومن أحكام التوابع : صحة القطع فى ثلاثة منها ، هى : «النعت» - (إلا كلمة : كلّ - انظر ص 467 و513 -) ، «وعطف البيان» ، وكذا : «البدل» (على الوجه الموضح فى «ه» من ص 677). والصحيح أن القطع يدخل كذلك «عطف النسق» ؛ طبقا للرأى الآتى فى رقم 10 من ص 661 ، هذا ، وفى ص 486 وهامشها إيضاح القطع ، وبيان المراد منه.
ومن أحكامها أيضا : أنها إذا اجتمعت ، أو اجتمع عدد منها ، وجب مراعاة الوجه الأفضل فى ترتيبها ؛ وذلك بتقديم النعت ، يليه عطف البيان ، فالتوكيد ، فالبدل ، فعطف النسق ؛ كما فى البيت التالى :
قدّم النعت ، فالبيان ، فأكد *** ثم أبدل ، واختم بعطف الحروف
ومن أحكامها أيضا : ما نصوا عليه من أن التابع لا يفصل بين الموصول وصلته - طبقا لما تقدم فى ج 1 م 27 ص 351 - وأنه يصح الفصل بين التابع والمتبوع بفاصل غير أجنبى محض ؛ كمعمول الوصف فى قوله تعالى : ( ذلِكَ حَشْرٌ - عَلَيْنا - يَسِيرٌ ) ومعمول الموصوف فى نحو : تعجبنى معاونتك ضعيفا الكبيرة. وعامله ؛ نحو : المريض أكرمت الجريح. ومفسر عامله ؛ كقوله تعالى : ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ... ) والتقدير : إن هلك امرؤ هلك ، ومعمول عامل الموصوف ؛ كقوله تعالى : ( سُبْحانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ ) ، والمبتدأ الذى يشتمل خبره على الموصوف ؛ كقوله تعالى : ( أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ، والخبر ؛ نحو : الصانع ناجح المخلص. والقسم ؛ نحو : الولد - واللّه - البارّ محبوب ، وجواب القسم ؛ كقوله تعالى : ( بَلى ، وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) ، ( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) ، والاعتراض كقوله تعالى : ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ - لَوْ تَعْلَمُونَ - عَظِيمٌ ) والاستثناء ؛ نحو : ما عرفت أحدا إلا الوالدين كامل الشفقة. والمضاف إليه ؛ نحو : أبو بكر الصديق أول الخلفاء (ويلاحظ أن المنعوت المضاف - ومنه «الكنية» - له حكم خاص لفظى ومعنوى ، يجىء فى ص 444).
ولا يجوز فصل المنعوت المبهم - كاسم الإشارة ونحوه - من نعته الذى لا يستغنى عنه ؛ فلا يقال : أكرمت هذا عليا النابغ. والأصل : أكرمت هذا النابغ عليا ، ومثله : الشّعرى العبور ... ؛ فلا يصح الفصل بين «العبور» ومنعوتها. واسم الموصول - وهو من الأسماء المبهمة - لا يصح الفصل بالنعت بينه وبين صلته ، (كما سبق هنا وفى باب : «الموصول» ، ج 1 م 27) فيصح : أبصرت الذى فى الحديقة المسرور ، ولا يصح : أبصرت الذى المسرور فى الحديقة.
وكذلك لا يجوز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذا كان المعطوف متمما للمعطوف عليه النعت ، ولا يستغنى المنعوت عنهما معا ، (أي : عن النعت ومعه ما يكمله) ؛ ففى مثل : إنّ امرأ يتعلم ولا يعمل بعمله خاسر ... لا يصح أن يقال : إن امرأ يتعلم خاسر ولا يعمل بعمله ، لأن المعطوف والمعطوف عليه هما جزءان لنعت واحد في المعنى.
وكذلك لا يجوز الفصل بين المصدر ومعموله بتابع مطلقا ؛ نعتا أو غير نعت . (طبقا لما سبق في رقم 5 من ص 216 ). وكذلك لا يجوز الفصل بين النعت ومنعوته إذا كان النعت له معنى ، ويلازم التبعية في الأغلب ، فلا يستقل بنفسه في الاستعمال بغير منعوته : مثل كلمة : «يقق» في مثل : هذا الورق أبيض يقق» أي : خالص البياض ، وكذا غيره مما يلازم التبعية ... ،
وليس من اللازم في التابع ولا فى المتبوع أن يكون لفظا مفردا ؛ فقد يكون مفردا ؛ وقد يكون جملة ، أو شبه جملة ، على حسب التقييد والتفصيل الموضح في أبواب التوابع الأربعة.
ويصح الفصل بين النعت ومنعوته بكلمة : «كان» الزائدة بلفظ الماضى ؛ مثل : سعيت لزيارة صديق كان مريض . كما سبق في باب كان ، ج 1.. ومن أمثلة الفصل بين التوكيد والمؤكد (بفتح الكاف المشددة) قوله تعالى : (ولا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) ، فكلمة : «كل» مرفوعة ؛ لأنها توكيد لنون النسوة (الفاعل) وليست توكيدا للضمير المنصوب المتصل بالفعل : «آتيت» والصحيح عدم جواز الفصل بين التوكيد والمؤكد إذا كان لفظ التوكيد هو كلمة : «كل» التي تليها كلمة : «أجمع» لتقويتها فى التوكيد ، وما يقع بعد «أجمع» من ألفاظ التوكيد الملحقة التى تساق لتقوية التأكيد . وستجيء في ص 517 ..
كذلك يصح الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بكلمة : «كان» الزائدة بلفظ الماضي ، مثل : الصديق الحق مخلص في الشدة كان والرخاء. ويصح الفصل بينهما بالنداء ؛ كما في قوله تعالى : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا - وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، وَمِنْ ذُرِّيَّا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، وَأَرِنا مَناسِكَنَا ، وَتُبْ عَلَيْنا ؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - رَبَّنَا - وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ...) والأصل من غير الفصل بالنداء : (إنك أنت السميع العليم ، واجعلنا مسلمين لك ...) . (إنك أنت التواب الرحيم ، وابعث فيهم رسولا منهم) فجاء النداء . وهو «ربنا» - وفصل بين المتعاطفين مرتين في آخر الآيات. ومن أمثلة الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... ) بنصب كلمة : «أرجل» ؛ عطفا على : «وجوه».
وهناك حالتان يجب فيهما . طبقا للأرجح . الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، ستذكران في ص 631 وما بعدها (من باب العطف) ومعهما حالتان أخريان يستحسن فيهما الفصل وأن ما عدا الحالات السالفة يجوز فيه الفصل بشرط ألا يكون الفاصل طويلا . وفي ص 631 البيان ...
ومن أمثلة الفصل بين البدل والمبدل منه قوله تعالى : (وقُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ، نِصْفَهُ ....)
وقد أشرنا . في ص 435 . إلى أن البصريين لا يجيزون أن يتقدم معمول التابع على المتبوع ، وخالفهم
الكوفيون ؛ فيجيزون أن يقال : حضر طعامك رجل يأكل ؛ بنصب كلمة : «طعام» المعمولة للفعل : «يأكل» وقد وافقهم الزمخشرى فى قوله تعالى : ( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) فجعل الجار ومجروره متعلقين بكلمة «بليغا». وهذا رأى حسن ، لما فيه من تيسير.
من كل ما تقدم يتضح جواز الفصل بين التابع ومتبوعه بغير الأجنبى المحض. أما الأجنبى المحض فلا يصح الفصل به ؛ ففى مثل : مررت برجل عاقل على فرس أبلق ... لا يصح أن يقال : مررت برجل على فرس عاقل أبلق ... وهكذا :
والصحيح أن العامل فى التابع هو العامل فى المتبوع ، ولا تختلف التوابع فى هذا ... ويتحتم أن يكون المتبوع اسما إذا كان التابع نعتا ، أو توكيدا معنويا ، أو عطف بيان. أما إن كان التابع توكيدا لفظيّا ، أو عطف نسق ، أو بدلا ، فقد يكون المتبوع اسما أو غير اسم.
وكل ما تقدم إنما هو خاص بالتابع والمتبوع من ناحيتهما اللفظية. أما حكمهما من ناحيتهما المعنوية فقد يتفقان تماما فى معناهما ؛ كبدل الكل من الكل ، وقد يختلفان تماما ، كما فى حالة العطف بالحرف : «لا» وقد يتفقان مع تفاوت كبير ؛ كالنعت الذى للتوضيح ... وفيما سبق يقول ابن مالك :
يتبع فى الإعراب الاسماء الأول *** نعت ، وتوكيد ، وعطف ، وبدل
يريد : أن هذه الأربعة تتبع فى إعرابها الأسماء الأول ، أى : الأسماء التى سبقتها وتقدمت عليها ، وهى الأسماء المتبوعة. واقتصر على الأسماء دون غيرها لأن هذه هى الأكثر.
والتوابع الأربعة فضلات يصح الاستغناء عنها ؛ إذ ليس واحد منها يؤدى فى جملته معنى أساسيا تتوقف عليه فائدتها الأصيلة ، إلا النعت ؛ فإنه قد يتمم - أحيانا - الفائدة الأساسية على الوجه الذى سيجىء فى ص 440.
ونكرر ما سبقت الإشارة إليه (فى آخر هامش ص 434 وتفصيله فى ص 469) وهو أن كل تابع من هذه التوابع الأربعة مغاير كل المغايرة لنوع التابع الآتى فى ص 469.
.ا - النعت. (ويسمى أيضا : الصفة ، أو : الوصف)
1) «التابع» الأصيل هنا : لفظ متأخر دائما ، يتقيد فى نوع إعرابه ، بنوع الإعراب فى لفظ معين متقدم عليه ، يسمى : «المتبوع» - كما سيأتى - بحيث لا يختلف اللاحق عن السابق فى ذلك النوع. فإذا كان النوع الإعرابى فى اللفظ المعين السابق ، هو : الرفع، أو النصب ، أو الجر ، أو الجزم ، وجب أن يكون الثانى مسايرا له فى هذا ؛ سواء أكان النوع الإعرابى فى الأول لفظيّا ، نحو : أقبل الأخ الوفىّ. أم : تقديريّا ؛ نحو : أقبل الفتى الوفىّ ، أم محليا ؛ نحو : أقبل سيبويه الوفىّ. فلفظ : «الوفى» متقيد بالرفع (فى الأمثلة الثلاثة) بحالة لفظ خاص قبله. ونقول : أكبرت الأخ الوفىّ - أكبرت الفتى الوفىّ - أكبرت سيبويه الوفىّ بنصب : «الوفى» فى الأمثلة الثلاثة ؛ مسايرة لذلك اللفظ الخاص. كما نقول قدرت فى الأخ الوفىّ مروءته - قدرت فى الفتى الوفىّ مروءته - قدرت فى سيبويه الوفىّ مروءته ... ، بجر : «الوفى» فى الأمثلة الثلاثة أيضا ؛ مجاراة لذلك اللفظ السابق.
تعريفه :
تابع يكمل متبوعه (1)، أو سببىّ (2)المتبوع ، بمعنى جديد يناسب السياق ، ويحقق الغرض. وأشهر الأغراض الأساسية التى يفيدها النعت ما يأتى (3).
(1) الإيضاح (4)
ملاحظة هامة : النعت إنما يوضح متبوعه . ويخصصه كذلك . بأمور عرضية يدل عليها معنى النعت ، وتكون مما يطرأ على الذات ، كالعلم ، والفهم ، والذكاء ... أما توضيح الذات نفسها بلفظ يدل عليها وتكون
هي المرادة منه مباشرة ، لا أن المراد أمر عرضى يطرأ عليها . فمن اختصاص عطف البيان ، والتوكيد اللفظي وكذا التوكيد المعنوى بالنفس والعين ، فإن كل واحد من هذه التوابع الثلاثة هو عين الأول «المتبوع» - كما سيجيء فى أبوابها ص 525 و 538 و 542 و 501 و 503 . أما التوكيد المعنوى بلفظ :
«كل» أو : «جميع» أو : «عامة» فإن المراد منه هو : «إفادة الشمول» ، وليس الدلالة على الذات نفسها . والبيان في ص 509 ..
1) لابد فى المتبوع هنا - وهو المنعوت - أن يكون اسما ، كما أشرنا. وقد يكون هذا الاسم مضافا ؛ كالكنية ولها حكمها الخاص الذى يجىء بيانه فى ص 444.
2) السببى هو : الاسم الظاهر المتأخر عن النعت ، المشتمل على ضمير يعود على المتبوع المتقدم ، ويدل على ارتباطه به بنوع من الارتباط ؛ كالبنوة ، أو الأخوة ، أو الصداقة .... (انظر ص 452).
3) وما عداها من الأغراض الأخرى - كالتفصيل ، والإبهام ... قليل لا أهمية له ؛ بل إنه داخل فيما سيأتى.
4) الإيضاح : إزالة الاشتراك اللفظى الذى يكون فى المعرفة ، ورفع الاحتمال الذى يتجه إلى مدلولها ومعناها ؛ فكلمة مثل : «أحمد أو : محمود» أو : غيرهما من المعارف ... قد يشترك فى التسمية بها أكثر من شخص ، فهى - مع أنها معرفة تدل على معين - قد تحمل أحيانا نوعا من الإبهام ، أو الإجمال ، يحتاج إلى مزيد بيان وإيضاح ؛ فيجىء النعت لتحقيق هذا الغرض ؛ فنقول : أحمد العالم محترم ، ومحمود المحسن محبوب.
أشرق النور فى العوالم لمّا *** بشّرتها بأحمد الأنباء
اليتيم ، الأمّىّ ، والبشر المو *** حى إليه العلوم والأسماء
أشرف المرسلين ، آيته النط *** ق مبينا ، وقومه الفصحاء
ونحو : فتح مصر عمرو بن العاص ، الصائب رأيه ، المحكم تدبيره ....
فالكلمات التى تحتها خط (فيما سبق) نعوت توضح منعوتها المعرفة.
(2) التخصيص (1)إن كان المتبوع نكرة ؛ كقول الشاعر :
بنىّ ، إن البرّ شىء هيّن *** وجه طليق ، وكلام ليّن
ونحو : كم من كلمة خفيف وزنها ، أودت بجماعة وفير عددها!!.
1) مدلول النكرة (كرجل ، وشجرة ، وكوكب ...) يشمل أفرادا كثيرة قد يصعب حصرها ؛ فإذا وصفت أمكن تقليل أفرادها ، وتضييق عدد ما تشمل عليه تضييقا نسبيا ، (أى : بالنسبة لحالتها قبل النعت) ؛ فكلمة : رجل ، تشمل مالا يعد من الرجال ، عالمهم ، وجاهلهم ، غنيهم ، وفقيرهم ، صحيحهم ومريضهم ... و ... و ... ، لكن إذا قلنا هذا رجل عالم ، تخصصت الكلمة بنوع معين من الرجال دون غيره ، بعد أن كانت تشمله ، وتشمل أنواعا كثيرة معه. (راجع ص 23) والنعت يخصص متبوعه - كما يوضحه - بأمور عرضية مما يطرأ على الذات ، طبقا للملاحظة السابقة فى آخر رقم 4 من هامش الصفحة السالفة.
(3) مجرد المدح (1)؛ كقولهم : من أراد من الملوك والولاة ، أن يسعد أمته ، ويقوى دولته - فليسلك مسالك الخليفة العادل عمر بن الخطاب.
ونحو : رضى اللّه عن هذا الخليفة الشامل عدله ، الرحيم قلبه ...
(4) مجرد الذم (2)؛ كقولهم : من أراد من الولاة أن يملأ النفوس حنقا ، والقلوب بغضا - فلينهج نهج والى الأمويين الحجّاج بن يوسف ، الطاغية.
ونحو : كان الحجاج الوالى القاسى قلبه ، الطائش سيفه ، الجامح هواه ...
(5) الترحّم (3)؛ نحو : ما ذنب البائس الجريح قلبه يقسو عليه الزّنيم (4)، والطائر المهيض (5)جناحه يعذبه الشرّير؟ ...
(6) التوكيد ؛ نحو : كان خالد بن الوليد يضرب خصمه الضّربة (6)الواحدة (7)فتقضى عليه.
ونحو : أعجبت بخالد الواحدة (8)ضربته ، الفريدة (9)طعنته (10)
فالنّعت تابع متمّ ما سبق *** بوسمه ، أو وسم ما به اعتلق
(بوسمه : أى : بزيادة سمة عليه ، وهى الزيادة المعنوية الناشئة من النعت ، والمنصبة على المنعوت.
«اعتلق» : بمعنى اتصل به بعلاقة ، والذى يتصل بالنعت بعلاقة هو : سببيه. فالمراد : أن النعت تابع يتمم المنعوت الذى سبقه ، أو : يتمم ما اتصل بالمنعوت.
...1) يتجرد النعت للمدح الخالص أو الذم الخالص ، حين يكون معناه اللغوى أو المراد الأصلى منه غير مقصود ، وتقوم القرينة الدالة على أن المقصود أمر آخر ؛ هو : المدح أو الذم ؛ فشهرة عمر بالعدل ، والحجّاج بالطغيان ؛ شهرة لا تكاد تخفى على أحد ، جعلت القصد من كلمتى : «العادل» و «الطاغية» فى المثالين ، إنما هو أمر آخر غير معناهما اللغوى الأصيل ؛ ذلك الأمر هو : المدح فى الأول ، والذم فى الثانى ، ولو لا هذا لكان مشتملا على لفظ لا يفيد معنى جديدا ، وهذا معيب بلاغة.
2) يتجرد النعت للمدح الخالص أو الذم الخالص ، حين يكون معناه اللغوى أو المراد الأصلى منه غير مقصود ، وتقوم القرينة الدالة على أن المقصود أمر آخر ؛ هو : المدح أو الذم ؛ فشهرة عمر بالعدل ، والحجّاج بالطغيان ؛ شهرة لا تكاد تخفى على أحد ، جعلت القصد من كلمتى : «العادل» و «الطاغية» فى المثالين ، إنما هو أمر آخر غير معناهما اللغوى الأصيل ؛ ذلك الأمر هو : المدح فى الأول ، والذم فى الثانى ، ولو لا هذا لكان مشتملا على لفظ لا يفيد معنى جديدا ، وهذا معيب بلاغة.
3) إظهار الرحمة والحنان لغيرك.
4) اللئيم المعروف بلؤمه وشره.
5) المكسور.
6) إنما كان النعت فى هذا المثال - وأشباهه - للتوكيد ، لأن صيغة «فعلة» التى فيه تدل على المرة الواحدة من غير حاجة إلى كلمة أخرى. فإذا جاء بعدها كلمة : «الواحدة» لم تفد معنى جديدا ، وإنما تؤكد المعنى القائم. ومثلها كلمة : الفريدة ؛ لأنها بمعنى : المنفردة ، أى : الواحدة. وكذلك ما أشبهها من الكلمات الأخرى.
7) إنما كان النعت فى هذا المثال - وأشباهه - للتوكيد ، لأن صيغة «فعلة» التى فيه تدل على المرة الواحدة من غير حاجة إلى كلمة أخرى. فإذا جاء بعدها كلمة : «الواحدة» لم تفد معنى جديدا ، وإنما تؤكد المعنى القائم. ومثلها كلمة : الفريدة ؛ لأنها بمعنى : المنفردة ، أى : الواحدة. وكذلك ما أشبهها من الكلمات الأخرى.
8) إنما كان النعت فى هذا المثال - وأشباهه - للتوكيد ، لأن صيغة «فعلة» التى فيه تدل على المرة الواحدة من غير حاجة إلى كلمة أخرى. فإذا جاء بعدها كلمة : «الواحدة» لم تفد معنى جديدا ، وإنما تؤكد المعنى القائم. ومثلها كلمة : الفريدة ؛ لأنها بمعنى : المنفردة ، أى : الواحدة. وكذلك ما أشبهها من الكلمات الأخرى.
9) الوحيدة.
10) وفى تعريف النعت بنوعيه يقول ابن مالك :
(7) وقد يتمم النعت الفائدة الأساسية بالاشتراك مع الخبر. مع أن الأصل فى الخبر (1)أن يتمم هذه الفائدة وحده. لكنه فى بعض الأحيان لا يتممها إلا بمساعدة لفظ آخر كالنعت ؛ كقوله تعالى يخاطب المعارضين : ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ... ) ، أى : ظالمون. وقوله تعالى : ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ... ) (2)
ولا خير فى رأى بغير رويّة *** ولا خير فى رأى تعاب به غدا
إذ لا فائدة من قولنا : لا خير فى رأى ... بل لا يصح أن يقال هذا إلا مع التكملة ، وهى هنا النعت ؛ (وهو : شبه الجملة فى الشطر الأول ، والجملة الفعلية فى الشطر الثانى).
ومن شبه الجملة الواقع خبرا مفتقرا إلى النعت بعده ليتمم به المعنى الأساسى قوله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ؛ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ، وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ... ) فلا يمكن أن يصح المعنى الأساسى هنا بغير النعت وما يتصل به.
وقول الشاعر :ونحن أناس لا توسّط عندنا *** لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وقول الآخر :
ونحن أناس نحبّ الحديث *** ونكره ما يوجب المأثما
إذ لا تتحقق الفائدة بأن يقال : أنتم قوم - نحن أناس ... ؛ لأن هذا معلوم .
بداهة من القرائن العامّة المحيطة بالمتكلم (1) ...
والبرق الخلب : الذى لا مطر معه. ومثل جملتى : «يفاد ، ويصان» فى قول الشاعر :
ليس الغنى مالا يفاد ويقتنى *** إن الغنى خلق يصان عن الدنس
ينقسم النعت باعتبار معناه إلى : نعت حقيقى ، وإلى نعت سببىّ (2).ا - فالحقيقىّ هو : ما يدل على معنى فى نفس منعوته
الأصلى (3)، أو فيما هو بمنزلته وحكمه المعنوى.
وعلامته : أن يشتمل على ضمير مستتر - أصالة ، أو تحويلا - يعود على ذلك المنعوت.
ولبيان هذا نسوق الأمثلة التالية :
يقول بعض الشعراء فى وصف نوع من حكم الملوك إنه :
نكد خالد ، وبؤس مقيم *** وشقاء يجدّ منه شقاء
فكلمة : «خالد» نعت حقيقى ، منعوته الأصلى هو : «نكد». وهذا النعت يؤدى معناه فى نفس منعوته الأصلى مباشرة ، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه. وكلمة : «مقيم» نعت حقيقى ، ومنعوته الأصلى هو : بؤس» وهذا النعت يؤدى معناه فى نفس منعوته الأصلى مباشرة ، ويشتمل على ضمير مستتر يعود إليه ...
1) ومثل كلمة : «خلّبا» فى قول الشاعر : لا يكن وعدك برقا خلّبا *** إن خير القول ما الفعل معه
2) تفصيل الكلام على السببى فى ص 452 - وسيجىء فى الزيادة ص 456 تقسيم معنوى آخر.
3) المراد بنفس المنعوت ما ليس سببيا له. ويلاحظ ما سبق (فى رقم 1 من هامش ص 438) من أن النعت لا يتغرض للذات فى صميمها ، وكيانها الأساسى ، وإنما يختص بالأمور العرضية التى تطرأ عليها.
وتقول : استمعت إلى خطيب فصيح اللسان ، عذب البيان ، قوىّ الحجة. أو : استمعت إلى خطيب فصيح لسانا ، عذب بيانا ، قوىّ حجة.
فكلمة : «فصيح» نعت حقيقى ، والمنعوت هو : خطيب ، وليس منعوتا أصليّا ؛ ولكنه بمنزلة الأصلى وفى حكمه ، لأن الجملة كانت فى أساسها الأول : استمعت إلى خطيب فصيح لسانه (1)... فالفصيح هو اللسان لا الخطيب. لكن جرى على الجملة تغيير اقتضى أن يترك الضمير البارز مكانه ، وينتقل إلى النعت ، ويستتر فيه ، ويصير مسندا إليه (2)، فاعلا ، ويعرب الاسم الظاهر بعد النعت مضافا إليه مجرورا ، ويصحّ أن يعرب تمييزا منصوبا ، إن كان نكرة. أو منصوبا على التشبيه بالمفعول به إن كان نكرة أو معرفة. وصارت كلمة : «فصيح» - وهى النعت - مشتملة على ضمير مستتر محوّل (3)، إليها من مكان آخر ، وبسبب انتقال هذا الضمير إلى مكانه الجديد صار النعت يدل على معنى فى المنعوت بعد أن كان يدل على معنى فى شىء آخر له صلة بالمنعوت. فالمنعوت فى الحالة الجديدة صار منعوتا بعد تحويل وإسناد جديدين ، حين تمّا اتجه المعنى إليه ، مع أنه ليس المقصود فى الحقيقة بالنعت. لكن الصلة بين هذا النعت والاسم الظاهر بعده قوية ، ومن أجلها كان النعت بمنزلة الاسم الظاهر ، وفى حكمه المعنوى. ومثل هذا يقال : فى عذب البيان ، وقوى الحجة ...
1) لأن الأصل أن ترفع الصفة المشبهة فاعلها ... فهى محتاجة إليه كالفعل أشد من احتياجها إلى غيره.
2) مجازا ؛ وذلك للسبب الذى تكرر إيضاحه فى إضافة اسم الفاعل لفاعله (ص 242 و267 و292 وفى إضافة اسم المفعول ص 275 و280 والصفة المشبهة ص 312) ومن ثم كانت تسمية النعت فى هذه الحالة نعتا حقيقيا هى تسمية «مجازية» للسبب الذى شرحناه فى الأبواب المذكورة ، وهو جريانه على غير من هو له ؛ إذ حول فيه الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف ، وصار الظاهر مجرورا بالإضافة. ويجوز نصبه تمييزا إن كان نكرة. كما يجوز نصبه على التشبيه بالمفعول به إن كان نكرة أو معرفة. أما النعت الحقيقى الأصلى فيجرى فيه الضمير على الموصوف الذى هو له مباشرة ، فليس فيه رائحة مجاز، أى : أن النعت يرفعه أصالة. أما فى الأخرى فيرفعه بعد التحويل.
3) أى : منقول ...
الأغلب مطابقته للمنعوت (1)وجوبا فى : التذكير والتأنيث ، وفى التعريف والتنكير ، وفى الإفراد وفروعه ، وفى حركات الإعراب الثلاث. نحو : هذا خطيب فصيح - هذان خطيبان فصيحان - هؤلاء خطباء فصحاء - هذه خطيبة فصيحة - هاتان خطيبتان فصيحتان ... هؤلاء خطيبات فصيحات ... وكذا الباقى.
وبناء على هذا الأغلب لا بد أن يطابق النعت الحقيقى منعوته فى أربعة (2)أمور تجتمع فيه من العشرة السالفة (3)، وأن يكون رافعا ضمير الموصوف ، أصالة أو تحويلا. بالطريقة التى شرحناها.
ا - قد يكون المنعوت كنية. وقد أوضحنا - فيما تقدم (1)- أن تركيبها إضافى ولكنها معدودة من قسم العلم الذى معناه إفرادىّ ؛ فكل واحد من جزأيها لا يدل بمفرده على معنى يتصل بالعلمية. فإذا وقع بعدها تابع - كالنعت فى قولنا : جاء أبو علىّ الشجاع - فإن النعت وهو هنا كلمة : «الشجاع» يعتبر فى المعنى نعتا للاثنين معا ؛ (أى : للمضاف والمضاف إليه). ولا يصح أن يكون نعتا لأحدهما دون الثانى ، وإلا فسد المعنى. لكنه يتبع فى الإعراب المضاف وحده ؛ فلفظه تابع فى حركة إعرابه للمضاف ، وأما معناه فواقع على المضاف والمضاف إليه (2)معا. وهذا الحكم يسرى على النعت بنوعيه ؛ الحقيقى والسببى - وستجىء له إشارة فى السببى ، فى رقم 2 من هامش ص 452.
وكذلك يسرى على العطف ؛ (طبقا لما سيجىء فى بابه ، رقم 9 من ص 661).
وعلى التوكيد (كما فى ب ص 507).
وعلى البدل (كما فى رقم 3 من هامش ص 666) ..
ب - هناك منعوتات معارف تقتضى أن يكون نعتها معرفة أيضا ، ولكن من نوع معين من المعارف لا يصلح لها غيره ، مثل كلمة : «أىّ ، وأيّة» عند ندائهما ؛ فإنهما يتعرفان بالنداء ، ولا يوصفان إلا باسم معرف «بأل» أو باسم موصول ، أو باسم إشارة مجرد من كاف الخطاب ؛ نحو : يأيها الوفىّ ما أنبلك - يأيتها التى أحسنت ... - يأيهذا الوفىّ ... ومثل اسم الإشارة ، فإنه لا يوصف مطلقا - منادى وغير منادى - إلا بمعرفة ، مبدوءة «بأل» ؛ نحو : يا هذا الناقد تلطف.
«ولا بد من وصف «أىّ وأية» عند ندائهما ، إما باسم تابع فى ضبطه لحركتها اللفظية الظاهرة وحدها ، - (ويجيز بعض النحاة النصب مراعاة للمحل. ورأيه مردود) - معرف «بأل» الجنسية فى أصلها ، وتصير بعد النداء للعهد الحضورى. وإما باسم موصول مبدوء ب «أل». وإما باسم إشارة مجرد من كاف الخطاب. ويتحتم فى الرأى الأشهر والأولى أن يكون اسم الموصول واسم الإشارة تابعين فى حركتهما لحركة المنادى الشكلية الظاهرة ، (أو المحلية ؛ طبقا للرأى السالف المردود) ، فيكون كل منهما فى محل رفع فقط ؛ تبعا لصورة المنعوت المنادى ؛ نحو : يأيها العلم الخفاق تحية ، ويأيتها الراية العزيزة سلمت على الأيام ، أو : يأيها الذى يخفق فوق الرءوس تحية ، ويأيها التى ترفرفين سلمت ... ونحو :
أيها ذا الشاكى وما بك داء *** كن جميلا تر الوجود جميلا
«فإن كانت : «أل» غير جنسية ؛ بأن كانت زائدة فى أصلها ولكنها صارت بعد النداء للعهد ، أو للمح الأصل ، أو للغلبة ، أو ... ، لم يصح النعت بما دخلت عليه ، فلا يقال : يأيها السيف ، ولا يأيها الحرب ... لرجلين اسمهما سيف ، وحرب. ولا : يأيها المحمدان ... أو المحمدون ... وكذلك لا يقال : يأيها ذاك العالم ؛ لاشتمال الإشارة على كاف الخطاب ؛ إذ لا يصح اشتمال الجملة الواحدة - فى غير الندبة - على خطابين لشخصين مختلفين (طبقا لما فى ح 4 رقم 6 من هامش ص 31 عند الكلام على القسم الرابع : «المضاف»). «وإذا وصفت «أى وأية» باسم الإشارة السالف فالأغلب وصفه أيضا باسم مقرون «بأل» كالبيت المتقدم ...» ا ه ، المنقول الموجز.
... -.1) انظر الكلام على الكنية ونعتها - ج 1 م 23 ص 277 باب : «العلم». وقد سلف هنا فى «ج» من ص 167 حكم النعت بعد المركب الإضافى ، ومنه العلم الكنية.
2) انظر الكلام على الكنية ونعتها - ج 1 م 23 ص 277 باب : «العلم». وقد سلف هنا فى «ج» من ص 167 حكم النعت بعد المركب الإضافى ، ومنه العلم الكنية.
3) بهذه المناسبة ننقل بعض ما جاء فى الموضع المذكور خاصا بكلمة : «أىّ وأيّة» عند ندائهما من وجوب إفرادهما ؛ سواء أكانت صفتهما مفردة أم غير مفردة ؛ نحو : يأيها الناصح اعمل بنصحك أولا - يأيها المتنافسان ترفّعا عن الحقد - يأيها الطلاب أنتم ذخيرة البلاد ... و ... و ...
«أما من جهة التأنيث والتذكير فالأفضل الذى يحسن الاقتصار عليه عند النداء - وإن كان ليس بواجب - هو أن تماثل كل منهما صفتها. فمثال التذكير ما سبق. ومثال التأنيث : يأيتها الفتاة أنت عنوان الأسرة - يأيتها الفتاتان أنتما عنوان الأسرة - يأيتها الفتيات أنتن عنوان الأسرة. ويجوز فى «أى» عدم المماثلة لنعتها المؤنث ؛ فيصح أن تستعمل معه ومع نعتها المذكر بصورة واحدة خالية من تاء التأنيث ، ولا يصح هذا فى «أية» المختومة بالتاء ؛ فلابد من تأنيث صفتها المؤنثة.
ح - يستثنى من المطابقة الحتمية أمور :
منها : بعض ألفاظ مسموعة (1)لا مطابقة فيها فى الجمع ؛ فالنعت جمع ، والمنعوت مفرد ؛ منها قولهم : هذا ثوب أخلاق - وبرمة أعشار - ونطفة أمشاج (2)... و ...
ومنها : الألفاظ التى تلزم - فى الأغلب - صيغة واحدة فى التذكير والتأنيث ، .
كصيغة : «فعول» بمعنى : «فاعل» ؛ مثل صبور ؛ بمعنى : صابر : فهذه الصيغة - فى الأغلب - لا تلحقها علامة تأنيث ، وإنما تلازم التذكير ؛ إفرادا ، وتثنية ، وجمعا - بالشروط والتفصيلات الآتية فى باب «التأنيث (1)» - تقول : هذا رجل صبور - هذه فتاة صبور - هذان رجلان صبوران - هاتان فتاتان صبوران ، هؤلاء رجال صبر - وفتيات صبر.
ومن تلك الألفاظ : المصادر التى تقع نعتا ، ويغلب عليها الإفراد والتذكير ؛ طبقا للبيان الخاص بها ، وسيجىء (2)...
ومنها : أن يكون المنعوت جمع مذكر غير عاقل (3)
وقد اشترطنا أن يكون المنعوت جمع مذكر غير عاقل ، لأن هذا هو المفهوم من النص الصريح الوارد في حاشية ياسين أول باب : «النعت» . ج 2 . وهو أيضا المفهوم من أمثلته ، حيث قال ما نصه :
(بقى أشياء مستثناة من المطابقة . أى : من مطابقة النعت وجوبا للمنعوت في الجمع . كما بيناه في حواشى الألفية. ومن ذلك صفة مذكر ما لا يعقل ؛ قال ابن الحاجب في أمالي القرآن : «أنت فيها بالخيار ؛ إن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث ؛ وإن شئت عاملتها معاملة المفرد المؤنث ؛ فتقول : هذه الكتب الأفاضل ، والفضليات ، والفضل ، والفضلى. فالأفاضل على لفظه في التذكير . «والفضليات والفضل» : إجراء له مجرى جمع المؤنث ؛ لكونه لا يعقل. و «الفضلى» إجراء له مجرى الجماعة. وهذا جار في الصفات والأخبار ، والأحوال ؛ ولذلك جاء : «أخر» نعتا للأيام . يعنى في قوله تعالى : (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) جمع : أخرى . ولو لا ذلك لم يستقم. ولذلك لو قلت : «جاءني رجال ورجال أخر » لم يجز حتى تقول : أواخر ، أو آخرون ؛ لأنه ممن يعقل. . يريد : أن مفرده هو «آخر» للعاقل ....) اه- كلام ابن الحاجب- .
ذلك هو نص كلامه ، ومفهومه واضح. لكن المفهوم الواضح . من بعض المراجع الأخرى أن الحكم السالف يسرى كذلك على الجموع الدالة على المؤنث إذا كان مفردها مؤنثا لا يعقل ؛ سواء أكانت تلك الجموع للتكسير أم كانت مختومة بالألف والتاء المزيدتين ؛ نحو: السفن جارية ، أو : جاريات ، أو : جوار. والسفينات جارية ، أو جاريات ، أو جوار ... وهكذا ورد الحكم السالف في تلك المراجع خاليا من التقييد بالمذكر ، مقتصرا على أنه جمع لما لا يعقل ؛ فيشمل الجموع المختلفة لغير العاقل ؛ تكسيرا كانت أم غير تكسير.
ومما تقدم يتبين خطأ الرأى الذى يوجب الجمع في «فعيلاء» مؤنث «أفعل» إذا كانت نعتا لجمع مالا يعقل في مثل : عندى ثلاثة أثواب بيض ، وأربعة حمر ، فمن الخطأ . طبقا لذلك الرأى . أن يقال : بيضاء ، حمراء. وقد تصدى لهذه المسألة بعض المحققين القدامى وانته في تحقيقه إلى أن الإفراد ليس خطأ ، وأيد رأيه بالأمثلة الواردة المسموعة ، وبكلام فريق آخر من النحاة السابقين. وإن كان الأفصح عند هؤلاء المحققين هو الجمع كقوله تعالى : (وَغَرابِيبُ سُودٌ) ولكن الأفصح لا يمنع استعمال الفصيح وغيره مما هو جائز. وقد بحث المجمع اللغوى القاهرى هذه المسألة ، وأبدى فيها رأيا حاسما ؛ هو الأخذ بما قال المحققون من الجواز ، وتصحيح النعت بصيغة «فعلاء» مؤنث «أفعل » إذا كان منعوتها جمعا لما لا يعقل. وقراره هذا مسجل في ص 537 من مجموعة محاضر جلساته في الدورة الرابعة عشرة . ومثل هذا يقال في وقوع تلك الصيغة خبرا وحالا ، ونحوهما.
أما الجموع التي يكون مفردها مذكرا عاقلا فحكمها ما يأتي :
ا . إن كانت جموع تكسير لمذكر عاقل جاز في نعتها أمران ؛ أحدهما : أن يكون النعت جمع تكسير مناسبا ، أو جمع مذكر سالما ، نحو : ما أنفع العلماء الأعلام ، أو : ما أنفع العلماء العاملين. والآخر : أن يكون مفردا مؤنثا مناسبا ؛ نحو : ما أعظم الرجال المكافحة في ميادين الإصلاح.
ب . إن كانت جمع مذكر سالما أصليا فنعته جمع مذكر سالم ، أو جمع تكسير للمذكر ؛ نحو إن المصلحين الجديرين بالإكبار هم الذين يرفعون شأن بلادهم ، ويبتغون بالإصلاح رضا اللّه أو إن المصلحين العظماء هم الذين ...
ج . إن كانت جمع مؤنث سالما . وسيجيء المراد من هذا المجموع المؤنث . للعقلاء فالتحقيق أنه يجوز فى نعته - وكذا فى خبره وحاله ... و ... و ... - أن يكون مفردا مؤنثا ، أو جمعا للتكسير مؤنثا ، أو جمعا مختوما بالألف والتاء المزيدتين للتأنيث ؛ فقد جاء فى تفسير البيضاوى لقوله تعالى : ( لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) ما نصه :
«مطهرة» ، وقرئ : «مطهرات» وهما لغتان ، فصيحتان ، ويقال : النساء فعلت ، وفعلن ، وهن فاعلة ، وفواعل ، قال الشاعر :
وإذا العذارى بالدخان تلفعت *** واستعجلت نصب القدور فملّت ...) ا ه البيضاوى
وتعليقا على هذا جاء فى حاشية الشهاب على البيضاوى ما نصه :(«قوله : هما لغتان فصيحتان» ، يعنى أن صفة جمع المؤنث السالم والضمير العائد إليه مع الفعل يجوز أن يكون مفردا مؤنثا ، ومجموعا مؤنثا ؛ فتقول : النساء فعلت والنساء فعلن ، ونساء قانتات ، ونساء قانتة»). ا ه الشهاب على البيضاوى. وجاء فى تفسير النسفى بعد تلك الآية ما نصه : (لم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان) ا ه النسفى.
والمجموع المؤنث يشمل جمع التكسير للمؤنث ، كما يشمل المجموع بالألف والتاء المزيدتين. والبيت السابق منسوب فى ديوان الحماسة (ج 1 ص 213) للشاعر : سلمى بن ربيعة. وجاء فى تفسير «أبو السعود» للآية مثل ما فى البيضاوى ، وزاد عليه بعد قوله : «وهما لغتان فصيحتان» ما نصه : «الجمع على اللفظ ، والإفراد على تأويل الجماعة ..» ا ه
هذا حكم نعت الجمع المؤنث للعقلاء ، وينطبق على غيرهم انطباقا أتم وأقوى. أى : أن هذا الحكم ينطبق على الجمع الذى مفرده مؤنث مطلقا ، - عاقلا وغير عاقل - بالرغم من أن الشائع بين كثير من النحاة أن المطابقة واجبة بين النعت ومنعوته ، إذا كان جمعا مفرده مؤنث عاقل ، ولا قوة لرأيهم أمام النص الصريح السالف. وأمام نصر قوى آخر ؛ فقد قرأ بعض القراء آية سورة «النساء» وهى قوله تعالى : ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ... ) مكان : «اللاتى». (راجع التفصيل فى ج 1 م 26 ص 343 باب : الموصول).
؛ فيجوز فى نعته1) ج 4 ص 441 م 169. وفى ذلك الموضع نص قرار أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة يبيح زيادة تاء التأنيث فى آخر صيغة «فعول» بمعنى «فاعل». وقد سجلناه هناك.
2) فى رقم 7 من ص 460 و «ا» من ص 464.
3) المراد هنا بجمع المذكر لغير العاقل ما يشمل : «جمع التكسير للمذكر غير العاقل» ، (أى : جمع التكسير الذى يكون مفرده مذكرا غير عاقل ؛ مثل : كتب - أقلام - مياه ...) وما يشمل أيضا : «الملحق بجمع المذكر السالم» مما يكون مفرده مذكرا غير عاقل أيضا ... مثل : أرضون جمع أرض ، ووابلون ، جمع وابل ؛ بمعنى : مطر غزير ، وعلّيّون ، جمع : علّى للمكان العالى ... فلا يدخل فيما سبق جمع المذكر السالم الأصيل ؛ لأن مفرده عاقل - فى الأغلب -.
الحقيقى أن يكون مفردا مؤنثا ، وجمع مؤنث سالما ، وجمع تكسير للمؤنث ، كما يجوز أن يكون جمع تكسير للمذكر ، إن لاحظنا فى المنعوت مفرده المذكر
غير العاقل ، نحو : اقتنيت الكتب الغالية ، أو : اقتنيت الكتب الغاليات ، أو الغوالى. ومثل : اقتنيت الكتب الأحاسن ، جمع الأحسن (1)
(راجع حاشية ياسين فى هذا الموضع).
...ومنها : أن يكون المنعوت «اسم جنس جمعيّا» يفرق بينه وبين واحده بالتاء المربوطة الدالة على الوحدة ؛ مثل : تفّاح وتفاحة ؛ فيجوز فى صفته - كما سبق عند تفصيل الكلام عليه (2)- إما الإفراد مع التذكير على اعتبار .
اللفظ ؛ لأنه جنس ، أو الإفراد مع التأنيث على تأويل معنى الجماعة ؛ نحو قوله تعالى : ( أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ... ) ، وقوله تعالى : ( أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ) وإما جمع الصفة جمع تكسير ، أو جمع مؤنث سالما ؛ نحو قوله تعالى : ( السَّحابَ الثِّقالَ .. ) وقوله تعالى : ( وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ... )
ومثل النعت فيما تقدم : الخبر ، والإشارة إليه ، والضمير العائد عليه ...
هذا ، ولا يصح أن يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء المربوطة للتأنيث ؛ فلا يقال - فى الغالب - للمفردة المؤنثة : حمامة - بطة - شاة ... ولا يقال للمفرد المذكر : حمام - بط - شاء ... منعا للالتباس فى كل ذلك ، وإنما يلزم مفرده صورة واحدة فى التأنيث والتذكير يجىء بعدها النعت الدال على النوع ؛ فيقال : حمامة أنثى وحمامة ذكر ... و ...
ومنها : أن يكون المنعوت معرفا بأل «الجنسية» (1)؛ فيجوز نعته بالنكرة المختصة (2)؛ (لتقارب درجتهما) أو بما يقوم مقامها ؛ وهو الجملة (3).. ومن الأمثلة قولهم : ما ينبغى للرجل مثلك أن يفعل كذا ؛ ... لأن كلمة : «مثل» لا تتعرف إلا بالطريقة الموضحة فيما سلف (4). وكقوله تعالى : ( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ) ، فجملة : نسلخ المكونة من المضارع وفاعله - تصلح صفة (5)والموصوف هو : «الليل» المعرف «بأل» الجنسية. ومثل جملة «يسبّ (6)» فى قول الشاعر :
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبنى *** فأعفّ ، ثم أقول لا يعنينى
ومنها : النعت إذا كان اسم عدد ، وكان منعوته فى الأصل (7)معدودا محذوفا
1) فى ص 308 ج 1 م 30 تفصيل الكلام عليها.
2) هى التى قل شيوعها وإبهامها ؛ بسبب إضافتها ، أو : إعمالها ، أو : نعتها ، أو : شىء آخر يقلل إبهامها وعمومها.
3) السبب فى ص 28 و479.
4) فى رقم 4 من هامش ص 24.
5) وكذلك تصلح حالا - طبقا لما مر فى باب : «أل» ح 1 وفى باب الحال وصاحبه.
6) وكذلك تصلح حالا - طبقا لما مر فى باب : «أل» ح 1 وفى باب الحال وصاحبه.
7) انظر الكلام على حذف المنعوت فى ص 493.
أو مذكورا ؛ فالمحذوف نحو : اشتريت عدة كتب ، قرأت منها فى هذا الأسبوع ثلاثا أو ثلاثة ؛ فيجوز فى النعت أن تلحقه تاء تأنيث وأن يتجرد منها ؛ أى : كتبا ثلاثا ، أو ثلاثة (1)، ومثال المذكور : قرأت كتبا ثلاثا أو ثلاثة.
ومنها : النعت إذا كان منعوته تمييزا منصوبا مفردا لأحد الأعداد المركبة ، أو : العقود ، أو : المعطوفة ؛ فيجوز فى النعت الإفراد ، مراعاة للفظ المنعوت (التمييز) كما يجوز فيه الجمع ؛ مراعاة لمعنى المنعوت فإنه يتضمن اسم العدد ؛ تقول : هنا خمسة عشر رجلا عالما ، أو علماء ، وعشرون طالبا ذكيّا ، أو أذكياء ، وثلاثة وعشرون كاتبا ، أو كتبة (2).
ومنها : أفعل التفضيل إذا كان مجردا من «أل» والإضافة ، أو كان مضافا لنكرة ؛ فإنه فى هاتين الصورتين يلتزم الإفراد والتذكير - بالإيضاح الذى سبق فى بابه (3)- : تقول : استمعت لخطيب أفصح من غيره - لخطيبين أفصح من غيرهما - لخطباء أفصح من غيرهم - لخطيبة أفصح من غيرها. لخطيبتين أفصح من غيرهما - لخطيبات أفصح من غيرهن ؛ كما تقول : استمعت لخطيب أفصح خطيب - لخطيبة أفصح خطيبة .... وكذلك باقى الصور من غير تغيير فى كلمة «أفصح» التى هى نعت واجب الإفراد والتذكير مهما كان المنعوت ، - بشرط مراعاة الإيضاح المشار إليه (4)...
ومنها : أن يكون المنعوت منادى نكرة مقصودة ؛ فيجوز فى نعته أن يكون معرفة أو نكرة ؛ بالتفصيل الذى سبق فى مكانه (5).
د - قد يكون النعت مجرورا لمجاورته لفظا مجرورا ، لا لمتابعة المنعوت. ويذكرون لهذا مثالا كثر ترديده حتى ابتذل ، وهو : (هذا جحر ضبّ
خرب). يعربون كلمة : «خرب» صفة «لجحر» ، لا لضب ؛ كى لا يفسد المعنى ، ويجرّون النعت تبعا للفظ : «ضبّ» الذى يجاوره. وقد أوّلوه تأويلات أشهرها : أن الأصل : هذا جحر ضبّ خرب جحره ، ثم طرأ حذف وغير حذف ... ، ويطيلون الكلام والجدل.
والحق أن هذا النوع الغريب من الضبط بسبب «المجاورة» والنوع الآخر الذى سببه : «التوهم» جديران بالإهمال ، وعدم القياس عليهما ، بل عدم الالتفات إليهما مطلقا - كما قال بعض المحققين ممن سجّلنا رأيهم -. وقد أشرنا إلى هذا مواضع مختلفة من أجزاء الكتاب (1).
ه - تقدم أن المطابقة الواجبة بين «النعت الحقيقى» ومنعوته تشمل الإفراد وفروعه التى هى : «التثنية والجمع». والمراد هنا : التثنية والجمع الاصطلاحيّان عند النحاة ؛ بأن يكون المثنى مختوما «بالألف والنون» ؛ أو : بالياء والنون ، ويسمى «المثنى غير المفرّق». وأن يكون جمع المذكر السّالم - مثلا - مختوما «بالواو والنون» ، أو الياء والنون ، ويسمى «جمع المذكر غير المفرق» أيضا أما المثنى المفرّق ، مثل : محمد ومحمد - العاقل والعاقل ، وجمع المذكر المفرق ؛ مثل : محمد ومحمد ومحمد ، العاقل والعاقل والعاقل - فلهما حكم آخر ؛ يجىء الكلام عليه عند تعدد النعت (2)...
ويدخل فى حكم المفرد كل اسم دالّ على مفرد حقيقة ، ولفظه على صورة المثنى ، أو الجمع ، مثل الأعلام : حمدان - محمدين - خلدون - سعادات - مكارم ... فيجب فى النعت أن يطابقه فى الإفراد. أى : أنه إذا سمى بالمثنى أو بالجمع فالمسمى مفرد فى معناه ، ويجب أن يكون نعته الحقيقى مفردا مثله.
هو الذى يدل على معنى فى شىء بعده ، له صلة وارتباط بالمنعوت ؛ نحو : هذا بيت متسع أرجاؤه ، نظيفة غرفه ، بديعة فرشه.
وعلامته : أن يذكر بعده اسم ظاهر - غالبا (1)- مرفوع به ، مشتمل على ضمير يعود على المنعوت مباشرة ، ويربط بينه وبين هذا الاسم الظاهر الذى ينصبّ عليه معنى النعت. كما فى الأمثلة السالفة ... (متّسع .. - نظيفة .. - بديعة .. -).
وحكمه : أنه يطابق المنعوت فى أمرين معا :
(1) حركة الإعراب ، - وما ينوب عنها -.
(2) التعريف والتنكير.
ويطابق سببيّه فى أمر واحد ؛ هو : التذكير ؛ والتأنيث. وحكم النعت فى هذا التذكير والتأنيث حكم الفعل الذى يصح أن يحل محله ويكون بمعناه ؛ فإذا أمكن أن يوضع مكان النعت فعل بمعناه مسند للسببى ، وصحّ فى هذا الفعل التأنيث والتذكير ، أو وجب أحدهما - كان حكم النعت كذلك (2).
أما من جهة إفراد النعت السببىّ ، وتثنيته ، وجمعه :
ا - فيجب إفراده إن كان السببى غير جمع ، بأن كان مفردا ، أو مثنى ؛ إذ لا تتصل بالنعت السببى علامة تثنية ؛ فحكمه فى هذا أيضا كحكم الفعل الذى يصلح لأن يحل محله.
ففى مثل : (يعجبنى الحقل الناضر زرعه) ؛ ... يجب فى كلمة «الناضر»
1) والاسم الظاهر هو : «السببىّ». ومن غير الغالب أن يرفع ضميرا بارزا ؛ نحو : جاءنى خادم امرأة مكرمته هى - جاءتنى خادمة رجل مكرمها هو - فمكرمة - فى المثال الأول - بالرفع صفة للمضاف (خادم) وقد جرى الضمير المنفصل المرفوع على غير من هو له ؛ لأن الخادم ليس هو المكرم فى الحقيقة ، وإنما المكرم هو : المرأة. لذلك وجب إبراز الضمير المرفوع ؛ لعودته على غير من هو له : إذ لو لم يبرز لحصل اللبس فى صور كثيرة بسبب أن الوصف فى ظاهره للمضاف إليه ، والغرض كونه للمضاف. (وقد سبق إيضاح الكلام على الضمير الجارى على غير صاحبه فى ج 1 ص 335 م 35 عند الكلام على أقسام الخبر). ومثل هذا يقال فى المثال الثانى.
2) يجب عند تطبيق هذه القاعدة ملاحظة أمرين ؛ أولهما : الحكم الخاص بالنعت الذى منعوته كنية. وقد أوضحنا هذا الحكم فى : «ا» من ص 444، وثانيهما : الحكم الخاص بالنعت. إذا كان صفة مشبهة. وقد سبق إيضاحه فى ص 303.
الرفع ؛ تبعا للمنعوت (1)وهو : (الحقل) ؛ كما يجب فيها التعريف تبعا له أيضا. ولو كان المثال : (يعجبنى حقل ...) ؛ لوجب أن يقال فى النعت : ناضر زرعه ؛ بالرفع ، وبالتنكير ؛ تبعا للمنعوت.
وفى مثل : (هذا رجل عاقلة أخته ، وهذه فتاة محسنة أختها) - يجب (2)الإفراد والتأنيث فيهما ؛ مراعاة للسببى (3)؛ بالرغم من أن كلمة : «عاقلة» هى نعت لرجل ؛ المذكر. إذ لو حل مكان النعت فعل لوجب تأنيثه (4)؛ فنقول : هذا رجل عقلت أخته - هذه فتاة أحسنت أختها.
ويجب التذكير والإفراد فى مثل : هذا رجل محسن أخوه - وهذه فتاة محسن أخوها ، بالرغم من أن كلمة : «محسن» الثانية. هى نعت ، للفتاة - لأنه لو حل الفعل محل النعت لوجب تذكيره ، فنقول : هذا رجل أحسن أخوه - هذه فتاة أحسن أخوها.
أمّا فى مثل : هذا حقل ناضر زروعه ... ، فيصح ناضر ، أو ناضرة ؛ لأنه لو حل مكان النعت فعل لقلنا : هذا حقل نضرت زروعه ، أو نضر زروعه ؛ بوجود علامة التأنيث أو بعدمها.
ونقول عند إفراد السببى وتثنيته : هذا زميل مجاهد أبوه - هذان زميلان مجاهد أبواهما - هذه زميلة مجاهد أبوها - هاتان زميلتان مجاهد أبواهما ... فلا يتصل بالنعت علامة تثنية ؛ إذ الفعل الصالح لأن يحل محله لا يصح أن يتصل به - فى الأغلب - علامة تثنية.
وهكذا يكون إحلال الفعل محل النعت السببى ، وإسناده للسببى - مرشدا إلى الطريقة التى تراعى فى النعت من جهة تذكيره ، وتأنيثه ، وإفراده ؛ تبعا للسببى المذكر أو المؤنث ، المفرد أو المثنى.
ب - فإن كان السببى مجموعا جمع تكسير جاز فى النعت أمران ؛ إما إفراده ، وإمّا مطابقته للسببى ، نحو : هؤلاء زملاء كرام آباؤهم ، أو : هؤلاء
زملاء كريم آباؤهم. فإن كان مجموعا جمع مذكر سالما ، أو : جمع مؤنث سالما فالأفصح إفراد النعت وعدم جمعه (1)، نحو : هؤلاء زملاء كريم والدوهم - هؤلاء زميلات كريمة والداتهن ...
أما تعريف النعت أو تنكيره ، وحركة إعرابه وما ينوب عنها - فيتبع فى هذا كله المنعوت من غير تردد ، - كما أسلفنا -.
ا - انقسام النعت باعتبار معناه إلى قسمين : حقيقى وسببى.
ب - النعت الحقيقى هو : ما يدل على معنى فى نفس متبوعه الأصلى ، أو فيما هو فى حكمه. وإن شئت فقل : هو ما أسند إلى ضمير مستتر أصالة أو تحويلا ، يعود إلى المنعوت.
وحكمه : أن يتبع المنعوت فى أربعة أشياء :
(1) حركات الإعراب ، - وما ينوب عنها -.
(2) الإفراد وفروعه.
(3) التعريف والتنكير.
(4) التذكير والتأنيث ...
ح - النعت السببى : ما رفع اسما ظاهرا - فى الغالب - يقع عليه معنى النعت ، وبه ضمير يعود على المنعوت مباشرة.
وحكمه : أن يتبع المنعوت فى أمرين محتومين ؛ هما :
حركات الإعراب - وما ينوب عنها - ، والتعريف والتنكير ...
أما التذكير والتأنيث فيتبع فيهما السببى ؛ وجوبا فى بعض حالات ، وجوازا فى غيرها(2).
وأما التثنية فلا يثنى.
وأما الجمع فيجوز جمعه وإفراده فى كل الحالات تبعا للسببى ، ومطابقة له.
1) إلا إذا راعينا اللغة التى تجيز أن يتصل بالفعل علامة تثنية أو جمع، تبعا للفاعل. المسند إليه أو لنائب الفاعل. فبمقتضى هذه اللغة يجوز أن يكون النعت مثنى ، أو مجموعا ؛ مطابقا سببيه فيهما. ومن الخير العدول عن هذه اللغة ؛ لما أبديناه عند الكلام عليها (فى باب الفاعل ج 2 م 66 ص 70).
2) إلا إذا راعينا اللغة التى تجيز أن يتصل بالفعل علامة تثنية أو جمع، تبعا للفاعل. المسند إليه أو لنائب الفاعل. فبمقتضى هذه اللغة يجوز أن يكون النعت مثنى ، أو مجموعا ؛ مطابقا سببيه فيهما. ومن الخير العدول عن هذه اللغة ؛ لما أبديناه عند الكلام عليها (فى باب الفاعل ج 2 م 66 ص 70).
إلا أن الإفراد أفصح وأقوى (1)حين يكون السببى جمع مؤنث سالما ، أو جمع مذكر سالما.
د - فحكم النعت بنوعيه من جهة المطابقة وعدمها هو : المطابقة الحتمية فى أمرين :
أحدهما : حركات الإعراب - وما ينوب عنها - ، والآخر : التعريف والتنكير. أما التذكير والتأنيث فحكمه فيهما حكم الفعل الذى يصلح أن يحل محله. وأما الإفراد وفروعه ، فالحقيقى يطابق فيها جميعا. والسببى يطابق - حتما - فى الإفراد ، ولا يصح أن يطابق فى التثنية. ويجوز فى جمع التكسير المطابقة وعدمها ، وأما فى غيره فالأحسن الإفراد (2)
وليعط فى التّعريف والتّنكير ما *** لما تلا : كامرر بقوم كرما
وهو لدى التّوحيد والتّذكير أو *** سواهما كالفعل : فاقف ما قفوا
(ما لما تلا ؛ أى : ما ثبت للذى تلاه النعت. والذى تلاه النعت هو المنعوت. «اقف» : اتبع. «ما قفوا» : ما اتبعوه. أى : اتبع ما اتبعه العرب فى ذلك).
يريد : أن النعت يعطى فى التعريف والتنكير حكم ما تلاه : فهو فيهما كالمنعوت ، وضرب لهذا مثلا : هو امرر بقوم كرماء ، فكرماء نعتا ؛ لأن المنعوت وهو «قوم» ، نكرة أيضا.
أما حكم النعت لدى التوحيد ، (أى : عند الإفراد). وعند التذكير وسواهما من فروعهما - فهو حكم الفعل ؛ فاتبع فى ذلك ما اتبعه العرب فى أمر النعت المذكور ، أو فى أمر الفعل مع تطبيقه على النعت. وكلامه هذا يحتاج لتفصيل ضرورى ... وقد عرضناه فى الشرح.
.... .ينقسم النعت باعتبار معناه أيضا إلى ما يأتى :
(1) نعت تأسيسى ، (أو : مؤسّس) وهو الذى يدل على معنى جديد لا يفهم من الجملة بغير وجوده ، نحو ؛ راقنى الخطيب الشاعر. فكلمة : «الشاعر» نعت أفاد معنى جديدا لا يستفاد إلا من ذكرها.
(2) نعت تأكيد : (أو : مؤكّد) ؛ وهو الذى يدل على معنى يفهم من الجملة بدون وجوده ، نحو : تخيرت من الأطباء النّطاسىّ البارع. فالبارع نعت مفهوم المعنى من كلمة : «النطاسىّ» التى بمعناه ، ومن الجملة قبله أيضا ؛ لأن التخير ، لا يكون - فى الأغلب - إلا للبارع.
(3) نعت التوطئة ، أو التمهيد ؛ بأن يكون النعت جامدا ، وغير مقصود لذاته ، والمقصود هو ما بعده ، وإنما ذكر السابق ليكون توطئة وتمهيدا لنعت مشتق بعده يتجه القصد له ، نحو : استعنت بأخ أخ مخلص. فكلمة : «أخ» الثانية نعت غير مقصود لذاته ، وإنما المقصود هو المشتق الذى يليه ، ولذا يسمى النعت الجامد هذا بالنعت الموطّئ (1)
وصحح فريق آخر أن تكون بدلا مطابقا ، مستدلا بقوله تعالى : (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) فالثانية عنده بدل كل (انظر ص 676 و677)
وصحح آخرون أن تكون توكيدا لفظيا (طبقا للبيان الذى فى رقم 2 من هامش ص 525) أو : عطف بيان ، أو بدل بعض ... و ... و ... ولكل أدلته الجدلية العنيفة ، وردوده القوية التي يحتج بها على غيره ... نشهد هذه الجدليات ملخصة فى آخر باب : «لا» النافية للجنس (ج 1 من كتابى : التصريح ، والصبان ، ومختصرة فى حاشية : الخضرى).
وصفوة ما نستخلصه من تلك المناقشات الدقيقة : جواز تلك الإعرابات كلها ، وأن الأحسن إعراب الثانية نعتا موطئا ؛ لخلوه من شوائب الضعف التي تشوب سواه ... (انظر ما يتصل اتصالا قويا بهذا في رقم 2 و 4 و ... من هامش ص 643 . حيث الكلام على عطف البيان ...).
- كما سلف هنا. وسبقت له الإشارة1) فى مثل هذا التركيب يختلف النحاة فى إعراب الكلمة الثانية (وهى : «أخ» ونظائرها الواقعة موقعها من مثل هذا الأسلوب). فكثرتهم لا تجيز إعرابها توكيدا لفظيا ، ولا بدلا مطابقا ، بحجة أن إعرابها توكيدا لفظيا سيجعلها مقيدة بالنعت ، مع أن الكلمة الأولى المتبوعة مطلقة خالية من التقييد ، وإذا لا تصلح الثانية توكيدا لفظيا للأولى ، لأنها ليست مرادفة لها ، وكذلك لا تصلح بدلا مطابقا ، لأنها ليست مساوية للأولى ، ولأن النعت - لأهميته - مقدم فى الترتيب على البدل - كما سبق فى ص 435 -
فى ح 1 باب : «لا» وستجىء فى رقم 6 من ص 445.
(2) تقسيم النعت باعتبار لفظه :
ينقسم النعت باعتبار لفظه إلى مفرد ، وجملة ، وشبه جملة.
ا - الأشياء القياسية التى تصلح أن تكون نعتا مفردا (1)هى :
الأسماء المشتقة (2)العاملة ، أو ما فى معناها (3). (والمقصود بالعاملة : اسم الفاعل - صيغ المبالغة - الصفة المشبهة - اسم المفعول (4)- أفعل التفضيل. أما غير العاملة - كاسم الزمان ، واسم المكان ، واسم الآلة - فلا تقع نعتا).
والمقصود بما فى معناها : كل الأسماء الجامدة التى تشبه المشتق فى دلالتها على معناه ، والتى تسمى : الأسماء المشتقة تأويلا. فإنّها تقع نعتا أيضا. وأشهرها :
(1) أسماء الإشارة غير المكانية ؛ مثل : «هذا» وفروعه ، وهى معارف فلا تقع نعتا إلا للمعرفة ؛ نحو : استمعت إلى الناصح هذا. أى : إلى الناصح المشار إليه ؛ فهى تؤدى المعنى الذى يؤديه المشتق (5).
أما أسماء الإشارة المكانية (مثل : هنا - ثمّ) ... فظروف مكان ، لا تقع بنفسها نعتا ؛ لأن مهمتها تختلف عن مهمة النعت : ولكنها تتعلق بمحذوف يكون هو النعت : مثل : أسرع العطاش إلى ماء هنا ، أى : موجود هنا - أو نحو هذا التقدير - ومن التيسير المقبول أن يقال للاختصار : «الظرف نعت» ...
كما سبق إيضاح هذا فى مواضع مختلفة (6)...
(2) ذو ، المضافة (7)، بمعنى : صاحب كذا - فهى تؤدى ما يؤديه المشتق
1) أما النعت بغير المفرد فيأتى فى : «ب وج» ص 472 و476. هذا والمشتقات هى : ما أخذت من المصدر للدلالة على معنى وصاحبه. وقد سبق تفصيل الكلام عليها وعلى أنواعها وأحكامها ... فى هذا الجزء ص 37 و182 وما بعدهما.
2) أما النعت بغير المفرد فيأتى فى : «ب وج» ص 472 و476. هذا والمشتقات هى : ما أخذت من المصدر للدلالة على معنى وصاحبه. وقد سبق تفصيل الكلام عليها وعلى أنواعها وأحكامها ... فى هذا الجزء ص 37 و182 وما بعدهما.
3) قال الدمامينى : (المتبادر من هذا أنه يشترط فى النعت كونه مشتقا ، أو مؤولا به ، وهو رأى الأكثرين. وذهب جمع محققون - كابن الحاجب - إلى عدم الاشتراط ، وأن الضابط هو دلالته على معنى فى متبوعه ؛ كالرجل الدال على الرجولية ...) ا ه. راجع حاشيتى الصبان والخضرى ، لكن المثال المعروض بالدلالة التى ذكروها هو نوع من المؤول بالمشتق ؛ فلا جديد فى رأيهم.
4) وما بمعناه ؛ كفعيل فى مثل : أمين ؛ بمعنى : مأمون ، وجريح «مجروح».
5) انظر «ج» من ص 465 - وانظر ص 449 ج 1.
6) فى ج 1 ص 346 م 35 وفى ج 2 ص 201 م 78 وص 328 م 89.
7) والأغلب أن تكون إضافتها لاسم جنس ظاهر غير مشتق. أما إضافتها لغيره فشاذة (مقصورة - - على السماع) كأن تضاف للعلم أو للضمير العائد على اسم الجنس، أو للجملة ... (راجع الصبان عند الكلام عليها فى الأسماء الستة - ج 1).
من المعنى. «وتكون نعتا للنكرة» (1)؛ نحو : أنست بصحبة عالم ذى خلق كريم ، ومثل «ذو» فروعها : (ذوا ... - ذوى ... - ذوو ... - ذوى ... - ذات - ذاتا - ذوات ...).
(3) الموصولات الاسمية المبدوءة بهمزة وصل ؛ مثل : الذى - التى - اللائى ... و ... ، بخلاف : «أىّ» الموصولة (2).
أما «من» ، و «ما» ففى النعت بهما خلاف ، والصحيح جوازه - كما سيجىء (3)- ولما كانت الموصولات معرفة وجب أن يكون منعوتها معرفة. ومن الأمثلة : الضعيف الذى يحترس من عدوه ، أقرب إلى السلامة من القوىّ الذى ينخدع ، أو يستهين. والتأويل : الضعيف المحترس من عدوه ، أقرب إلى السلامة من القوى المنخدع ... فمعناها معنى المشتق ...
(4) الاسم الجامد الدالّ على النسب قصدا (4). وأشهر صوره أن يكون فى آخره ياء النسب ، أو : أن يكون على صيغة : «فعّال ، أو غيرها من الصيغ (5)الدالة على الانتساب قصدا كما تدل ياء النسب ، فهو يؤدى المعنى الذى يؤديه لفظ : «المنسوب لكذا» ، نحو : ألمح فى وجه الرجل العربىّ كثيرا من أمارات الصراحة ، والشجاعة ، والكفاح. أى : المنسوب إلى العرب. ومثل : اشتهر الرجل اليونانى بالنشاط والهجرة إلى حيث يتسع الرزق أمامه ، وفى بلادنا
1) هذه عبارة التصريح على التوضيح ، ولم أرها لغيره. لكن فى بعض المراجع الأخرى ما يفيد وقوعها نعتا للمعرفة أيضا.
2) «أىّ» : الموصولة معرفة ، وهى لا تقع نعتا ، أما «أىّ» التى تقع نعتا فهى نكرة ، ومنعوتها نكرة بالتفصيل الذى سبق عند الكلام عليها فى باب الإضافة ص 111 و113 وما بعدهما ، والذى يجىء أيضا فى ص 468.
3) فى ص 466.
4) إذا لم يكن النسب مقصودا لم يكن الاسم بمعنى المشتق ، ويظل على جموده الكامل ، فلا يصلح نعتا ، كمن اسمه ؛ بدوىّ ، أو مكىّ ...
5) ومنها صيغة : «فاعل» للمنسوب إلى شىء معين. مثل : «سائس» ، الذى ينسب اليوم لمن يسوس الخيل ، ويتولى شئونها. ومثل : لابن ، وتامر ، لمن يشتغل باللبن والتمر ، ويتولى شئونهما ... - كما سيجىء فى باب النسب - ج 4 -
جماعة منهم تمارس الحرف والصناعات المختلفة. فتجد بينهم التاجر ، والبقّال ، واللّبان ، والنجار ، والحداد ... و ... أى : المنسوب للتجارة ، والبقل ، واللبن ، والنّجر (النّجارة) ، والحديد ... وإنما ينسب إليها لأنه يلازم العمل فيها والتفرغ لها (1)
وانعت بمشتقّ ؛ كصعب : وذرب .. *** وشبهه : كذا ، وذى ، والمنتسب
(رجل ذرب : حادّ اللسان فى الخير والشر. أو الحاد مطلقا فيما يتناوله من الأمور. «المنتسب» هنا : المنسوب الذى يفيد النسبة إلى غيره).
...وهذا النوع من الأسماء الجامدة يصلح نعتا للنكرة وللمعرفة ؛ ولا بد أن يطابقهما تنكيرا ، وتعريفا. تقول : ألمح فى وجه الرجل العربىّ النبل ... أو : ألمح فى وجه رجل عربى النبل -.
(5) المصغر : لأنه يتضمن وصفا فى المعنى ؛ فهو فى هذا كالنسب ، ومن ثمّ يلحقان بالمشتق ، نحو : هذا طفل رجيل ، فى المدح ، وهذا رجل طفيل ، فى الذم.
(6) الاسم الجامد المنعوت بالمشتق : نحو : اقتديت برجل رجل شريف وهذا النوع من النعت هو المسمى «بالنعت الموطّىء» - ، وقد سبق إيضاحه (2)- ومنه قولهم الوارد عنهم : ألا ماء ماء باردا ...
(7) المصدر : بشرط أن يكون منكرا (3)، صريحا (4)، غير ميمىّ ، وغير دال على الطلب (5) ، وأن يكون فعله ثلاثيّا ، وأن يلتزم صيغته الأصلية من ناحية .
1) وفى النعت بالمشتق وشبهه يقول ابن مالك :
2) فى رقم 3 من ص 456 وفى ج 1 باب «لا» النافية للجنس.
3) انظر «ا» من الزيادة الآتية فى ص 464 لأهميتها ، ولم يذكر كثرة النحاة هذا النص الذى صرح به بعضهم «كالخضرى». والأمثلة الكثيرة المسموعة عن العرب تؤيد أصحاب النص.
4) أى : غير مؤول. وقد يمكن الاستغناء عن هذا الشرط وعن الذى يليه (وهو : كونه : غير ميمىّ) ، بذكر كلمة : «المصدر» مطلقة من كل قيد ، والاكتفاء بها ؛ اعتمادا على ما سبق (فى هامش ص 181) وهو أن المصدر إذا أطلق لفظه (أى خلا من التقييد) كان المراد منه «المصدر الأصلى الصريح» وحده ، دون المبين للنوع ، أو للعدد ، ودون المؤول ، والميمى. لكن التقييد هنا أدق وأنفع. (5) إذا كان دالا على الطلب (نحو : قياما للضيف ؛ بمعنى : قم للضيف) لم يصح النعت به كما سيجىء فى رقم 2 من ص 466 -.
الإفراد والتذكير وفروعهما ؛ (والأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد والتذكير ، فإن كانت كذلك فى أصلها لم يجز تثنيتها ، ولا جمعها ، ولا تأنيثها ، ولا إخراجها عن وزنها الأول) (1)
وبايعت ليلى فى الخلاء ولم يكن *** شهود على ليلى ، عدول مقانع
المفرد : عدل ، بمعنى : عادل.
... تقول : رأيت فى المحكمة قاضيا عدلا ، وشهودا صدقا ، ونظاما رضا ، وجموعا زورا (2)بين المتقاضين ... تريد : قاضيا عادلا - وشهودا صادقين ، ونظاما مرضيّا ، وجموعا زائرة بين المتقاضين ...فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق ، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت ، ثم حذف وحلّ المصدر محله ، وأعرب نعتا مكانه. والأصل : قاضيا صاحب عدل - شهودا أصحاب صدق - نظاما داعى رضا - جموعا أصحاب زور ، (أى : أصحاب زيارة) ، والداعى للنعت بالمصدر مباشرة وترك المشتق ، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف - أن النعت بالمصدر أبلغ وأقوى ؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت. أى : هو نفس المعنى ؛ مبالغة.
وقد اختلف رأى النحاة فى وقوع المصدر نعتا ؛ أقياسىّ هو أم مقصور على السماع؟ وأكثرهم يميل إلى قصره على السماع ، مع اعترافهم بكثرته فى الكلام العربى الفصيح (3)، وأنه أبلغ فى أداء الغرض من المشتق (4)
إنه تناقض لا يدفعه إلا القول بقياسية النعت بالمصدر بشروطه السالفة. ويقول ابن جنى - فى كتابه المحتسب ، ج 2 ص 46 - إن النعت بالمصدر مباشرة من غير تقدير شىء محذوف أبلغ وألطف من النعت بغير المصدر ، ويؤيد كلامه بالأدلة ، ويعرض الشواهد الكثيرة عليه ؛ ولأنك تجعل المنعوت هو المصدر نفسه مبالغة - وأطال الكلام فى هذا.
وفى النعت بالمصدر يقول ابن مالك بيتا سنعيده فى ص 475 (بعد أن تكلم ، على النعت بالجملة ، وسيأتى النعت بها فى ص 472).
ونعتوا بمصدر كثيرا *** فالتزموا الإفراد والتّذكيرا
أى : نعت العرب بالمصدر كثيرا فى أساليبهم ، ولم يخرجوا المصدر عن صيغته الملازمة للإفراد والتذكير ، فهو يلازمها دائما ، ولو كان المنعوت غير مفرد وغير مذكر ، تقول : هذا أمر رضا - هذان أمران رضا - هذه أمور رضا - هذه حالة رضا ، هاتان حالتان رضا - أولئك حالات رضا ...
. وهذا الاعتراف .1) إلا فى حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعا بالتأنيث أصلا ؛ نحو : رحمة - شفقة - فإن تاء التأنيث ملازمة لهما. أو أن يشيع الوصف بالمصدر ، ويشتهر استعماله نعتا ، فيجوز تثنيته وجمعه قياسا ؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر :
2) الزور هنا : الزيارة.
3) وفى مقدمته القرآن الكريم - ولا سيما سورة الجن - ومما ورد فى غيرها كلمة : «بور» ، بمعنى «هلاك» فى قوله تعالى : ( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) أى : هلاكا ، بمعنى : هالكين وهو فى أصله مصدر يوصف به المفرد ، والمثنى والجمع ، والمؤنث ، والمذكر مع تأويله فى كل ذلك بالمشتق (اسم الفاعل ...) وقيل إنه جمع : «بائر» ؛ مثل : «حائل وحول» فيكون على هذا مشتقا لا مصدرا مؤولا بالمشتق. أما فى سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر فى قوله تعالى : ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ... ) أى عجيبا - وكلمة ؛ «عجب» مصدر - وفى قوله تعالى : ( ماءً غَدَقاً .. ) أى كثيرا وفى كلمة : «صعدا» بمعنى صعود فى قوله تعالى : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً. ) والصّعد : هو الصعود بمعنى : المشقة ، وجاء كذلك فى قوله تعالى : فى إخوة يوسف : ( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... )
4) فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب : المبالغة ، أو : من مجاز الحذف ، أو المجاز المرسل ، وأن الثلاثة قياسية. فهل يتناقض علماء لغة واحدة؟ وهل يقول البلاغيون إن النعت بالمصدر أبلغ من النعت بالمشتق فى الوقت الذى يقول فيه بعض النحاة إن النعت بالمصدر - مع كثرته لا يصح قياسا؟ وكيف يقولون ذلك والقرآن الكريم أفصح الكلام مشتمل عليه عدة مرات؟ ...
بالكثرة (1)يناقض أنه مقصور على السماع. فالأحسن الأخذ بالرأى الصائب الذى يجعله قياسيّا (2)- بشروطه - ولا خوف من اللبس المعنوى أو خفاء المراد ؛ لأن القرائن والسياق يزيلان هذا كله ، ويبقى للنعت بالمصدر مزيته السالفة التى انفرد بها دون المشتق.
(8) اسم المصدر إذا كان على وزن من أوزان مصدر الثلاثى ؛ ككلمة «فطر» اسم مصدر للفعل : «أفطر» ، وهى بمعنى : مفطر ، أو صاحب إفطار : تقول : هذا رجل فطر ، ورجلان فطر ، ورجال فطر ...
(9) العدد ، نحو : قرأت كتبا سبعة ، وكتبت صحفا خمسة (3)
ملاحظة : - بمناسبة إعراب العدد - أحيانا - نعتا كالوارد هنا نذكر بعض مواقعه الإعرابية الأخرى فقد ذكرنا فى الجزء الثانى - باب : الحال ، آخر المسألة84. الحكم الثالث ، ونصه : من الألفاظ التى - وقعت حالا : «(العدد من ثلاثة إلى عشرة ، مضافا إلى ضمير المعدود ؛ نحو : مررت بالإخوان ثلاثتهم أو : خمستهم ، أو : سبعتهم ... ، على تأويل : مثلثا إياهم ، أو : مخمسا ، أو : مسبعا ... ، ويجوز إتباعه لما قبله فلا يعرب حالا ، وإنما يعرب توكيدا معنويا بمعنى : جميعهم ، ويضبط لفظ العدد بما يضبط به لفظ التوكيد. والصحيح أن هذا ليس مقصورا على العدد المفرد ، بل يسرى على المركب نحو : جاء القوم خمسة عشرهم ، بالبناء على الفتح فى محل نصب ، أو محل غيره على حسب حالة الجملة - وبالرغم من أن العدد المركب مبنى هنا فهو مضاف إلى الضمير») ا ه. وجاء فى حاشية «ياسين» على التصريح ، أول باب : التوكيد خاصّا بهذه المسألة ما نصه : «(إذا قيل : جاءنى القوم ثلاثتهم بنصب «ثلاثتهم» فهو حال ، وإن رفع فهو توكيد ، قاله الرضى. ولا يؤكد بثلاثة وأخواتها إلا بعد أن يعرف المخاطب كمية العدد قبل ذكر لفظ التوكيد وإلا كان مبتدأ) ا ه وانظر البيان الذى فى ص 511.
.(10) بعض ألفاظ أخرى جامدة مؤولة بالمشتق ، معناها بلوغ الغاية فى 1.
1) ولا سيما التى تؤيدها البلاغة ...
2) وبهذا الرأى أخذ مؤتمر المجمع اللغوى الذى انعقد بالقاهرة فى فبراير سنة 1971 ، وسجل قراره بين ما اتخذه من قرارات حاسمة محررة.
3) يكون العدد هنا صفة إذا أريد تحقيق غرض من أغراض النعت. ويصح أن يكون بدلا إذا أريد به تحقيق غرض من أغراض البدل المذكورة فى بابه الآتى - ص 666 وص 667 وإذا ذكر المنعوت المعدود جاز فى النعت مطابقته فى التأنيث والتذكير وعدم مطابقته. وكذلك لو حذف المعدود المنعوت - كما أشرنا فى ص 449 ، وكما يجىء فى ج 4 باب العدد - م 165 ص 501.
الكمال أو النقص ، كلفظة : «كلّ» (1)مثل : عرفت العالم كلّ العالم. و ...
(11) الجامد الذى يدل دلالة الصفة المشبهة مع قبوله التأويل بالمشتق. (2)ومن أمثلته : فلان رجل فراشة الحلم ، فرعون العذاب ، غربال الإهاب.
فكلمة : فراشة ، وفرعون ، وغربال ... تعرب نعتا بالمشتق ، لأنها بمعنى : أحمق ، وقاس ، وحقير.
ا - سبق (1)أن المصدر يقع نعتا بشرط أن يكون منكرا ... و ... و ...
لكن ورد فى الأساليب المسموعة وقوع المصدر نعتا مع أنه مبدوء بأل المعرّفة ، أو مضاف لمعرفة. ومن الأول كلمة : «الحق» (2)فى مثل قول الشاعر :
إن أخاك الحقّ من يسعى معك
ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن الثانى قولهم : مررت برجل حسبك (3)من رجل ، أو شرعك من رجل ، (وهما مصدران بمعنى : كافيك ...) أو : همّك من رجل ، (بمعنى : مهمك) ، أو : نحوك من رجل (بمعنى : مماثلك ومشابهك) فهذه المصادر كان حقها أن تتعرف بأل ، وأن تكتسب التعريف من المضاف إليه ، ولكنها لم تتعرف (4)؛ بسبب أنها بمعنى المشتق الذى لا يستفيد التعريف - وقد سبق التفصيل فى أول باب الإضافة (5)-.
ومن الأمثلة لهذا المشتق الذى لا يكتسب التعريف قوله تعالى : ( هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) ، فقد وصف «عارض» ، بكلمة : «ممطر» المضافة إلى الضمير ؛ فلم تكتسب منه التعريف ؛ إذ لو اكتسبت منه التعريف لم يصح وقوعها نعتا للنكرة : (عارض) وكقول الشاعر :
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم
لاقى مباعدة منكم وحرمانا
فقد دخلت «رب» على اسم الفاعل المضاف إلى الضمير ، ودخولها عليه دليل على أنه لم يكتسب التعريف من المضاف إليه ؛ لأن «رب» لا تدخل - فى الأغلب -
إلا على النكرات ، ومثل قول امرئ القيس فى وصف حصانه :
وقد أغتدى والطير فى وكناتها *** بمنجرد ، قيد الأوابد ، هيكل
«فقيد» مضاف لمعرفة ، ولم يكتسب منها التعريف ؛ بدليل وصف النكرة (منجرد)به (1)...
ب - كذلك ورد فى الأساليب المسموعة بعض أمثلة وقع النعت فيها من أنواع غير التى سلفت ، كأن يكون مصدرا لغير الثلاثى ؛ نحو : الحازم لا يعالج الأمر علاجا ارتجالا ، أو دالّا على المقدار ، نحو : اشتريت من الفاكهة الخمس الأقق ، أو دالّا على جنس الشىء المصنوع ، نحو : لبست الثوب الحرير ، أو دالّا على بعض الأعيان التى يمكن تأويلها ، نحو : حصدت الحقل القمح ، أى : المزروع قمحا ، والأحسن الأخذ بالرأى السديد الذى يمنع القياس على هذه الأشياء ؛ ضبطا للأمور ؛ ومنعا للخلط بينها وبين غيرها مما ليس نعتا.
ج - (1) من الأسماء ما يصلح أن يكون : «نعتا» فى بعض الأساليب ؛ لاستيفائه شروط النعت ، و «منعوتا» فى أخرى ؛ لاستيفائه شروط المنعوت كذلك ، فحكمه مختلف على حسب الدواعى الإعرابية : كأسماء الإشارة ؛ نحو : احتفيت بالمصلح هذا ، أو : بهذا المصلح. غير أنّ اسم الإشارة ... - المنادى أو غير المنادى - لا يصح وصفه باسم إشارة(2).
واسم الإشارة معرفة ؛ فلا يكون نعتا إلا للمعرفة ؛ وإذا وقع منعوتا وجب أن يكون نعته مقرونا بأل ، (والأحسن أن يكون هذا المقرون مشتقّا ؛ فإن كان جامدا فالأفضل اعتباره بدلا (3)أو عطف بيان). ووجب أيضا أن يطابق منعوته فى الإفراد والتذكير وفروعهما مع عدم تفريق النعوت (4)، وألّا يفصل منه
مطلقا (1)، وألا يقطع (2)منه فى إعرابه (3).
ومن هذه الأسماء الصالحة للأمرين أسماء الموصولات ... حتى («من» و «ما») فى الرأى الصحيح (4)، نحو : وقف من خطب الفصيح ، واستمع الحاضرون إلى ما قيل الرائع. أو : وقف الفصيح من خطب ، واستمع الحاضرون إلى الرائع ما قيل).
(2) ومن الأسماء ما لا يصلح أن يكون نعتا ، ولا منعوتا ؛ كالضمير ، والمصدر الدال على الطلب (5)؛ (نحو : سعيا فى الخير ، بمعنى : اسع فى الخير) ، وكثير من الأسماء المتوغلة فى الإبهام (6)، كأسماء الشرط ، وأسماء الاستفهام ، و «كم» الخبرية ، و «ما» التعجبية ، وكلمة : الآن الظرفية ، وكثير من الظروف المبهمة ، مثل : قبل ، وبعد ... ، ويستثنى من الأسماء المتوغلة فى الإبهام بعض ألفاظ تقع نعتا ؛ منها : غير ، وسوى ... و «من» و «ما» النكرتان التّامتان.
(3) ومنها : ما يصلح أن يكون منعوتا ، ولا يصلح أن يكون نعتا ، كالعلم ، مثل : إبراهيم ، علىّ ، فاطمة ... وكالأجناس الباقية على دلالتها الأصلية ، كرجل (7)
وقد تضاف كلمة : «رجل» إلى كلمة : «صدق». أو : «سوء» ؛ فتكون بمعنى ؛ المشتق ؛ مثل : إنى أحرص أن أعرف رجلا رجل صدق ، أي : صالحا ، وأتحاشى رجلا رجل سوء ، (أى : فاسدا) ، وليس المراد بالصدق هنا : صدق اللسان ، ولا بالسوء الشر ، إنما المراد بالأول : الكمال والصلاح وبالثاني : الفساد ، ويكون النعت هنا من نوع نعت : «التوطئة» (انظر رقم 3 من ص 456).
، ونمر ، وفيل.1) كما سبق فى ص 435 وكما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 487.
2) سيجىء القطع وبيان أحكامه فى ص 486 و488.
3) أما كونه جنسا لا وصفا فأمر غالب لا لازم.
4) كما سبق فى رقم 3 ص 459 (راجع الهمع ج 2 ص 118. باب النعت.) وفى هذا الرأى بعض تيسير.
5) لهذا إشارة فى رقم 5 من هامش ص 460.
6) سبق شرحها فى هذا الجزء ص 24 و66 ، وفى ج 2 ص 224 م 79.
7) يجوز أن يكون العلم نعتا وكذلك اسم الجنس إذا خرجا عن دلالتهما الأصلية ، وأريد بهما معنى اشتهرا به ؛ كدلالة حاتم على : الكرم ، والرجل على : الكامل ، والنمر على : الغادر ... و ... فعلى هذا القصد مع ما يؤيده من قرينة يصح تأويلهما بالمشتق ، ووقوعهما نعتين.
(4) ومنها ما يصلح أن يكون نعتا ، ولا يصلح أن يكون منعوتا ؛ وهى ألفاظ مضافة ، معناها الدلالة على بلوغ الغاية فى معنى المضاف إليه. ومن أشهرها : «كلّ» (1)
هذا ، ولفظ «كل» مفرد مذكر دائما . كما قلنا في رقم 2 من هامش ص 72 . ولكن ما بعده من خبر ،
أو ضمير ، أو غيرهما مما يحتاج إلى مطابقة أحيانا . قد يطابق لفظه ، أو لا يطابقه ، تبعا للبيان الآتي في ص 513 والذى يتممه ما فى ص 63 وما فى «ج» من ص 167.
؛ نحو : أنت الأمين كلّ الأمين ، وذاك هو الخائن كلّ الخائن ، بمعنى : المتناهى فى الأمانة ، أو الخيانة ، ومثل قول الشاعر :ليس الفتى كلّ الفتى *** إلا الفتى فى أدبه
وقول الآخر :
إن ابتداء العرف (2)مجد سابق *** والمجد كلّ المجد فى استتمامه
والفصيح الذى يحسن الاقتصار عليه أن يكون المضاف إليه اسما ظاهرا ، نكرة أو معرفة ، على حسب المنعوت ، وأن يكون هذا الاسم الظاهر مماثلا للمنعوت فى لفظه ومعناه معا - وهذا هو الأغلب - أو مماثلا لشىء له صلة معنوية قوية به ، فمثال الأول قول الشاعر :
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركمو *** يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
فكلمة : «كل» نعت للناس. ومثال الثانى قول الآخر :
وإن كان ذنبى كل ذنب فإنه *** محا الذنب كلّ المحو من جاء تائبا
فكلمة «كلّ» الثانية نعت لذنب.
وإذا وقعت كلمة : «كل» نعتا صارت من الجامد المؤول بالمشتق ، وصار معناها : «الكامل» فى كذا ، وهو معنى يختلف عن معناها الآتى فى التوكيد (3)-.
ومنها : جدّ ، وحقّ ؛ نحو : سمعنا من الخطباء كلاما بليغا جدّ بليغ ، وأصغينا لهم إصغاء حقّ إصغاء (1).
ومنها : «أىّ» (2)بشرط أن يكون المنعوت بها نكرة ، وكذلك المضاف إليه ، نحو : الذى بنى الهرم الأكبر عظيم أىّ عظيم. وقد سبق (3)بيان رأى آخر حاسم لا يشترط هذا ، وأوضحنا هناك بإسهاب ما يشترط لوقوعها نعتا ، وما تؤديه حينئذ من المعنى الدقيق ، ورأى النحاة فى عدم حذف منعوتها ، أو فى صحة حذفه.
ومما يصلح نعتا ولا يصلح منعوتا الاسم المعرف «بأل العهدية» (4)لأنه يشبه الضمير ، ويقع موقعه ؛ نحو : أكرمت عالما تقيّا فنفعنى العالم. التقدير : فنفعنى ... ، والفاعل ضمير مستتر ، فكلمة «العالم» الثانية حلّت محل الضمير الفاعل المستتر (5)...
1) سبق أن قلنا - فى : «ا» من ص 464 - أن كلمة : «الحق» من المصادر المسموعة التى وقعت نعتا وهى معرفة ؛ فلم يتحقق التنكير الذى هو شرط النعت بالمصدر (طبقا لما تقدم فى رقم 3 من هامش ص 460) وعلى هذا يجوز النعت بها وهى معرفة أو نكرة.
2) انظر ص 111 و112 وما بعدها ، خاصّا بكلمة : «أىّ النعتية» ؛ لأهميته من ناحية الاستيفاء ، وقوة الاستدلال الحاسم. وقد سبق الكلام عليها أيضا فى ج 1 م 26 ص 263 باب : «الموصول» عند الكلام على : «أى الموصولة» ؛ كما سبق فى ج 2 م 75 ص 173 عند الكلام على : «حذف المصدر الصريح».
3) فى ص 111 وما يليها.
4) فى ج 1 م 30 ص 304 تفصيل الكلام على : «أل» وأنواعها التى منها : «أل العهدية». والمعروف بالعهدية لا ينعت. (طبقا لما جاء فى التصريح وحاشيته عند الكلام عليها - ج 1 باب : المعرف بالأداة - بحجة أنه يشبه الضمير ويقع موقعه ..) كما يعللون.
5) ومما يصلح نعتا ولا يصلح منعوتا : «المشتق العامل» ؛ فيمتنع (على الصحيح) أن يتقدم نعته على المعمول ؛ أى : لا يصح أن يفصل النعت - باعتباره نعتا - بين العامل المشتق ومعموله. أما باعتباره شيئا آخر - كالحال ، مثلا - فلا مانع - وكذلك لا مانع من اعتباره نعتا للمشتق إذا تقدم هذا المعمول فاصلا بين المشتق ونعته - راجع التصريح ، باب : الحال - ومجىء الكلام من النكرة -.
«ملاحظة» : الأتباع - بفتح الهمزة - (1):
نرى فى بعض الأساليب الواردة عن العرب كلمة زائدة ، لا تنفرد بنفسها فى جملة ، دون أن تسبقها - مباشرة - فى هذه الجملة كلمة أخرى مسموعة (2)تماثلها فى وزنها ، وفى أكثر حروفها الهجائية (أى : أنه ليس لهذه الكلمة المتأخرة الزائدة ، المسموعة فى الأسلوب الوارد استقلال بنفسها فى جملة ما ، ولا استغناء عن كلمة سابقة توافقها فى وزنها وفى أكثر حروفها). وأيضا ليس لهذه الكلمة الزائدة المسموعة (3)معنى تجلبه ، ولا حكم إعرابىّ خاصّ بها (4)توصف معه بأنها مبتدأ ، أو فاعل ، أو نعت ، أو مفعول ، أو غير ذلك ... ، أو أنها معربة أو مبنية ؛ فهى - لكل ما تقدم - خارجة عن نطاق الاستقلال بنفسها ، وصوغها ، خالية من معنى لغوىّ تؤديه ، وبعيدة من الاتّصاف بالإعراب أو البناء ، أو التأثر بالعوامل. وإنما تزاد لمجرد التمليح ، أو السخرية ، أو المدح ، أو محض التّصويت والتنغيم. وتسمّى هذه الكلمة الزائدة الواردة فى الأسلوب السّماعىّ هى ونظائرها : «الأتباع» - بفتح الهمزة - جمع : «تبع» - بمعنى التابع (5)- ويراد به : كل لفظ مسموع ، لا يستقل بنفسه فى جملة ، وإنما يجىء بعد كلمة تسبقه مباشرة (بغير فاصل) فيسايرها فى وزنها ، وفى ضبط آخرها ، ويماثلها فى أكثر حروفها ، دون أن يكون له معنى خاص ينفرد به فى هذه الجملة ، ولا نصيب فى الإعراب أو البناء ؛ مثل «بسن» فى قولهم : «محمد
1) ولا مانع من كسرها ، فتكون الكلمة مصدرا ، لا جمعا (وانظر رقم 2 من هامش الصفحة الآتية).
2) يشترط - فى الرأى الصحيح - أن تكون هذه الكلمة الزائدة مسموعة فى أسلوب وارد عن العرب ؛ فليست زيادتها مباحة فى غيره. كما أن زيادة غيرها من الكلمات الأخرى غير الواردة عن العرب ممنوعة. فالأمر مقصور على زيادة كلمة معينة مسموعة فى تركيب معين مسموع كذلك. ولا يباح القياس هنا ؛ منعا لخلق كلمات لم يعرفها العرب ، وإبعادا للآثار اللغوية السيئة المترتبة على وضع ألفاظ جديدة من غير الطريق السديد المعد لذلك الوضع الجديد كطريق التعريب ، ونحوه ...
3) يشترط - فى الرأى الصحيح - أن تكون هذه الكلمة الزائدة مسموعة فى أسلوب وارد عن العرب ؛ فليست زيادتها مباحة فى غيره. كما أن زيادة غيرها من الكلمات الأخرى غير الواردة عن العرب ممنوعة. فالأمر مقصور على زيادة كلمة معينة مسموعة فى تركيب معين مسموع كذلك. ولا يباح القياس هنا ؛ منعا لخلق كلمات لم يعرفها العرب ، وإبعادا للآثار اللغوية السيئة المترتبة على وضع ألفاظ جديدة من غير الطريق السديد المعد لذلك الوضع الجديد كطريق التعريب ، ونحوه ...
4) إلا فى بعض المركبات التى تعرب حالا مبنية ؛ كقولهم : تفرق الأعداء «شغر بغر» ... و ... (طبقا للبيان المفصل الذى سبق فى ج 2 باب : الحال ، م 84 ص 366).
5) التّبع - محركة - : (التابع) - والتّبع - يكون واحد أو جمعا. ويجمع على أتباع. ا ه قاموس. ثم قال : «(والإتباع فى الكلام مثل : حسن بسن)». ا ه ؛ فلا مانع من كسر الهمزة ؛ فتكون الكلمة مصدرا فى حالة الكسر ، لا جمعا.
حسن بسن». ومثل : «نيطان ، ونفريت» فى قولهم : اللصّ شيطان نيطان ، أو : اللصّ عفريت نفريت ... وعند إعراب هذا اللفظ الزائد نقول : إنه تابع للكلمة التى قبله مباشرة ، أى : من أتباعها فى الوزن ، وضبط الآخر ، والمشاركة فى معظم الحروف الهجائية ، دون أن يكون لهذه التبعية العارضة بوصفها السالف علاقة بالتوابع الأصيلة الأربعة المعروفة (وهى : النعت - التوكيد - العطف بنوعيه - البدل) كما سبقت الإشارة (1)؛ إذ لا يجرى شىء من أوصاف هذه التوابع الأربعة الأصيلة وأحكامها على التابع العارض المذكور فيما سبق ؛ حيث يقتصر حكمه على أمر واحد ، هو : أنه مثل الكلمة التى قبله مباشرة فى وزنها ، وأكثر حروفها ، وضبط آخرها ، دون بقية أحكامها النحوية ، أو غير النحوية (2)
وقد ظهر هذا الكتاب سنة 1961 مطبوعا ، وحققه وشرحه الأستاذ عز الدين التنوخي عضو مجمع اللغة العربية بدمشق. وكتب في صدره مقدمة نافعة تتضمن أظهر آراء المؤلف ، يعنينا منها ، ويتصل بموضوعنا قوله حرفيا - في ص 7 - :
" (الظاهر من بحث المصنف فيما بقى من خطبة كتابه ، وفيما جرى عليه فى الأبواب ، أن المعول عنده في التفريق بين «الإتباع والتوكيد» إنما هو على معنى التابع مع إمكان إفراده فى الكلام ؛ ذلك أن التابع . أو اللفظة الثانية . إن لم يكن له معنى في نفسه ، أو كان له معنى المتبوع ، ولم يجيء إلا ليتد (أى : يقوى) ما قبله ويقويه ، ثم لا يتكلم به منفردا . كان «إتباعا». وإن كان يشارك اللفظة الأولى . أو المتبوع . فى المعنى فأفاد في تقويتها ، وأمكن إفراد التابع فى الكلام كان : «توكيدا». وبذلك يتبين لنا أن المعول عليه عند المصنف إنما هو التابع من حيث المعنى أو عدمه مع إمكان إفراده ، وليس المعول على الواو ، كما ذهب إليه الكسائي. وأبو عبيد في غريب الحديث. فإن قولهم مثلا «قسيم وسيم» ليس من «الإتباع» عند أبي الطيب ، بل هو في باب «التوكيد» ؛ فإن التابع : «وسيم» يمكن إفراده. ومجيئه على حدة ؛ لقولهم رجل وسيم. وقولهم : «شر بر» من التوكيد عند أبى الطيب مع أنه بلا واو. و «حظيت المرأة وبظيت من «الإتباع» عند المصنف مع وجود الواو ؛ لأن «بظيت» لا معنى لها وسدها ، ولا تجىء فى الكلام وحدها وإنما تجىء أبدا تابعة لفعل : «حظيت» ؛ ولاتباعها كانت من «الإتباع». ومنه : «أقبل الحاجّ والداجّ» فهو من الإتباع عند شيخنا الحلبى - المصنف - مع وجود الواو : لأن «الداج» مع وجود الواو من الإتباع ؛ إذ لا صلة بين الحج والدّجّ ، ولا يفرد عند التكلم فلا يقال : «أقبل الداجّ» وإنما يقال : «أقبل الحاجّ والداجّ» فهى تابعة أبدا.
" (ومن أقوال المصنف تعليقا على أمثلة «الإتباع والتوكيد» ونذكره للاستدلال ، وعلى سبيل المثال ، قولهم : «لا بارك اللّه فيه ولا تارك» - فى باب الإتباع الذى أوله التاء ، وعلق عليه بقوله : فهو وإن كان (تارك) مأخوذا من الترك ، لا معنى له فى هذا الموضع إلا الإتباع ... أى : لا صلة في المعنى بين بارك وتارك ، ولا يجيء (لا تارك اللّه فيه) ولو أمكن إفراد هذا التابع لكان من باب التوكيد ...) ". ا ه. من المقدمة.
وكل ما سبق حسن ، لكن كيف يكون للكلمة التابعة معنى المتبوعة . كما جاء في أول هذا الكلام . وتسمى تابعة على الوجه المراد من التابع هنا لا التابع الأصيل الذى يدخل فى التوابع الأربعة الأصيلة التي سبقت في ص 434؟ هذا غير مفهوم ولا مقبول بناء على الضوابط العامة.
...1) فى آخر هامش ص 434.
2) ما تقدم فى تعريف هذا «التابع» وحكمه هو ما تخيرناه من عدة آراء مضطربة فى تعريفه وأحكامه. فلقد كثر الكلام فى كل ذلك قديما ، ووضعت كتب خاصة فى «الإتباع» تتقارب أحيانا وتتباعد أخرى. ومن أشهر الكتب المؤلفة فيه وأحسنها : كتاب : «الإتباع» للإمام أبى الطيب عبد الواحد ابن على اللغوى الحلبى المتوفى سنة 351 ه وعليه اعتمدنا فى أكثر ما نقلناه.
ب (1)
وقد سبق (فى ج 1 - م 1 هامش ص 15 وهامش ص 338 م 27) أن الجملة الواقعة نعتا ، أو صلة أو
خبرا ، أو غير ذلك ... تسمى جملة باعتبار أصلها الأول حين كانت تؤدى معنى مفيدا مستقلا. أما بعد أن صار لها محل فلا تؤدى معنى مستقلا ، ولا تسمى جملة...
- النعت بالجملة :الجملة التى تصلح نعتا (2)لابد أن تجمع الشروط الأربعة الآتية :
(1) أن يكون منعوتها نكرة محضة ، مثل كلمتى «فارس وشجاع» فى قولهم : «أقبل فارس يبتسم ، وانتصر شجاع لا يخاف ، ويتحقق هذا بخلوها من «أل الجنسية» ، ومن كل شىء آخر يخصّص ويقلّل الشيوع ؛ كالإضافة ، والنعت ، وسائر القيود التى تفيد التخصيص (3).
والنكرة غير المحضة : هى التى لم تتخلص مما سبق ؛ بأن يكون المنعوت إمّا : مشتملا على «أل الجنسية» التى تجعل لفظه معرفة ، ومعناه نكرة ، كقول الشاعر :
ولقد أمرّ على اللئيم يسبنى *** فأعفّ ، ثمّ أقول : لا يعنينى
فجملة : «يسب» ، يصح إعرابها نعتا فى محل جر ؛ مراعاة للناحية المعنوية ، والمنعوت هو كلمة : «اللئيم» ، ويصح أن يكون حالا فى محل نصب ؛ مراعاة ؛ لوجود «أل الجنسية» (4).
وإما : مقيدا بقيد يفيد التخصيص ؛ نحو : استمعت لمحاضرة نفيسة ألقاها عالم كبير زار بلادنا. فالنكرة هنا : (محاضرة - عالم) غير محضة ؛ لأنها مقيدة بالنعت بعدها (وهو : نفيسة - كبير) ولذلك يصح إعراب الجملة الفعلية : (ألقى -) (زار -) نعتا بعد كل واحدة منهما (5)
وقد سبق (فى ج 1 - م 1 هامش ص 15 وهامش ص 338 م 27) أن الجملة الواقعة نعتا ، أو صلة أو
خبرا ، أو غير ذلك ... تسمى جملة باعتبار أصلها الأول حين كانت تؤدى معنى مفيدا مستقلا. أما بعد أن صار لها محل فلا تؤدى معنى مستقلا ، ولا تسمى جملة...
...ومما يلاحظ أن المنعوت إذا كان نكرة غير محضة ، فإن الجملة بعده - وكذا
1) سبقت «ا» فى ص 458 حيث الكلام على النعت المفرد ، ويجىء النعت بشبه الجملة فى «ج» ص476. وفى ص 480 «و» الرأى فى الجملة من ناحية أنها نكرة ، أو معرفة.
2) (2 و2) فى هامش الصفحة الأولى بيان واف للمراد من القيد.
3) للحكم السابق بيان فى ج 1 ص 195 م 14 وفى ج 2 باب الحال م 84 ص 311.
4) وينطبق هذا على قوله تعالى لنبيه فى شأن الكافرين : ( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ... ) فكلمة : «أحد» نكرة غير محضة ؛ لأنها موصوفة بالجار مع مجروره بعدها. ويليهما جملة فعلية تصلح أن تكون نعتا أيضا.
5) سبقت «ا» فى ص 458 حيث الكلام على النعت المفرد ، ويجىء النعت بشبه الجملة فى «ج» ص476. وفى ص 480 «و» الرأى فى الجملة من ناحية أنها نكرة ، أو معرفة.
شبهها (1)- لا تتعين نعتا. وإنما يجوز أن تكون نعتا ، وأن تكون حالا والمنعوت يصير صاحب الحال ، (وقد سبق (2)بيان هذا بإسهاب ...).
(2) أن يكون المنعوت مذكورا ؛ نحو : إن رجلا يصاحب الأشرار لا بد أن يحترق بأذاهم ، وقول الشاعر :
إن فى أضلاعنا أفئدة *** تعشق المجد ، وتأبى أن تضاما
ويجوز حذف المنعوت بشرط أن يكون مرفوعا ، وبعض اسم متقدم عليه مجرور بالحرف : «من» ، أو : «فى» ، والنعت جملة أو شبهها ؛ مثل : (نحن - الشرقيين - أصحاب مجد تليد ؛ منّا (3)سبق إلى كشف نظريات العلوم الكونية ، ومنا استخدمها فى الاختراع والابتكار ، ومنا اهتدى قبل غيره إلى مجاهل كوكبه ، ومنا هدى البشرية إلى أقوم السبل لإسعادها ؛ فليس فينا إلا كشف ، أو : اخترع ، أو : اهتدى ، أو : هدى ...) تريد : منّا فريق سبق ، - منا فريق استخدم ، - منا فريق اهتدى - منا فريق هدى ، - ليس فينا إلا فريق كشف ... (وسيجىء الكلام مفصلا على مواضع حذفه ، قريبا) (4).
(3) أن تكون الجملة النعتية خبرية ؛ كبعض ما سبق ، وكالتى فى قول الشاعر :
ولا خير فى قوم تذلّ كرامهم *** ويعظم فيهم نذلهم ، ويسود
فلا تصلح الإنشائية (بنوعيها الطلبى وغير الطلبى) ، فلا يصح : رأيت مسكينا عاونه ، وشاهدت محتاجا هل تساعده؟ أو : لا تهنه ... ، ولا يصح هذا كتاب بعتكه ؛ تريد : إنشاء البيع الآن (وقت النطق) ، والموافقة عليه ، لا أنك تخبر بأن البيع حصل قبل النطق (5)
«مقول» تكون الجملة الإنشائية مفعولا له. وسيجيء بيان هذا في هامش ص 475.
.1) كما سيجىء فى ص 476 - وانظر «ا» فى ص 477. حيث البيان الخاص بهذا.
2) فى مواطن متفرقة ، والأصيل منها فى باب المعارف (ج 1 ص 145 م 17).
3) مع إعراب الجار والمجرور فى هذه الأمثلة وأشباهها - هو الخبر ؛ لتكون الجملة الفعلية نعتا - وكذا شبهها -.
4) ص 493.
5) هذا الشرط هام ، لأن النعت يفيد منعوته إيضاحا ، أو تخصيصا ، أو ... أو .. - كما سبق أول الباب - فلابد أن يكون حاصلا من قبل. والمعنى الإنشائى غير حاصل ، ولا معلوم من قبل ، إذ لا وجود له فى الخارج الواقعى قبل النطق. فكيف يفيد الإيضاح ، أو التخصيص ، أو غيرهما؟ وما ورد مخالفا لهذا الشرط فهو سماعى لا يقاس عليه. وبعضهم يؤوله بحذف مشتق من القول ؛ مثل كلمة :
(1)اشتمال الجملة الخبرية على ضمير يربطها بالمنعوت (2)
وفى الأمثلة الآتية صور للنوعين.
، ويطابقه فى الإفراد والتذكير وفروعهما (3)، ويجعل الكلام والمعنى متماسكين متصلين : ولذا يسمّى : «الرابط» ، والأغلب أن يكون مذكورا - سواء أكان بارزا ؛ أم مستترا (4)- فالمذكور البارز كالأمثلة السالفة ؛ وقوله تعالى : ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ) ، ومثل : نصيحة يتبعها عاقل قد تجلب خيرا غامرا ، وتدفع بلاء قاتلا. وقول الشاعر :كلّ بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السّرج (4)
والمستتر كقول الشاعر :
وكلّ امرئ يولى الجميل محبّب *** وكل مكان ينت العز طيّب
وقول الآخر :
وإذا أراد اللّه نشر فضيلة *** طويت (5)أتاح لها لسان حسود
وقد يكون محذوفا (6)إذا كان معروفا بقرينة من السياق ، أو غيره ، ولا لس فى حذفه ، كقول القائل :
وما أدرى أغيّرهم تناء *** وطول الدّهر ، أم مال أصابوا .
1) جمع : سراج ، وهو المصباح المضىء.
2) سواء أكان اشتمالها عليه مباشرا أم كان فى شىء من مكملاتها وتوابعها ؛ كالذى فى قول الشاعر : لا أذود الطير عن شجر *** قد جنيت المر من ثمر
3) إذا كان المبتدأ ضميرا للمتكلم والخبر منعوتا بجملة فعلية ، جاز فى الضمير الرابط أن يكون للمتكلم أو للغائب ؛ نحو : أنا صادق أحب الإنصاف ، أو يحب الإنصاف. وكذلك إن كان المبتدأ ضميرا للمخاطب ؛ نحو : أنت صادق تحب الإنصاف ، أو يحب الإنصاف ، ومراعاة التكلم أو الخطاب أحسن - كما سبقت الإشارة فى ج 1 م 35 ص 425 باب المبتدأ والخبر -.
4) لأن المستتر مذكور ، ولكنه غير ظاهر فى الكلام. بخلاف المحذوف ؛ فإنه غير موجود مطلقا. وبين المستتر والمحذوف جملة فوارق وآثار أوضحناها فى باب : الضمير - ج 1 م 18 ص 146.
5) الرابط ضمير مستتر تقديره : هى ، نائب الفاعل.
6) سيجىء تفصيل لحذفه فى «ج» من ص 478.
التقدير : أصابوه. ومثل : «وما شىء حميت بمستباح» (1). أى : حميته. وقول الآخر :
قال لى : كيف أنت؟ قلت : عليل
(سهر دائم) (وليل طويل) *** أى : أنا عليل ؛ سهره دائم ، وليله طويل (2)
ونعتوا بجملة منكّرا *** فأعطيت ما أعطيته خبرا
يريد : أن العرب نطقوا بالجملة نعتا للمنكر ، (أى : أن المنعوت بها منكر ، لابد من تنكيره) ، وإذا وقعت نعتا فإنها تعطى من الحكم ما أعطيته وهى خبر. يشير إلى ضرورة الرابط الذى يربطها بالمنعوت. وليس المقصود أنها تأخذ ، وهى نعت - جميع الأحكام التى تستحقها إذا وقعت خبرا. ذلك أن الجملة التى تعرب خبرا تصلح أن تكون إنشاء طلبيا وغير طلبى ، (على الصحيح فيهما) ، مع أن جملة النعت لا تصلح أن تكون إنشاء طلبيّا أو غير طلبى ، ولذا تدارك الأمر فقال :
وامنع هنا إيقاع ذات الطلب *** وإن أتت فالقول أضمر تصب
أى : امنع هنا (فى باب النعت ، لا فى باب الخبر) ، وقوع الجملة الطلبية ، وهذا تقييد قد يؤدى إلى غير المراد ؛ إذ قد يفهم منه أن الجملة الإنشائية غير الطلبية تقع نعتا ، مع أنها كالطلبية لا تصلح نعتا ؛ إذ الجملة الإنشائية بنوعيها الطلبى وغير الطلبى لا تصلح هنا - كما أشرنا - أما الذى يصلح فهو ما عداهما. ولم يبق من الجمل بعدهما إلا الجمل الخبرية. ثم هو يقول : إن ورد فى الكلام القديم جمل إنشائية وقعت نعتا - وهذه لا يصح محاكاتها ، ولا القياس عليها ؛ لندورها ، ومخالفتها الغرض من النعت - فأوّلها. والتأويلات مختلفة ، أشهرها إضمار «قول» محذوف هو النعت ، تكون الجملة الإنشائية معقولا له. ففى مثل : أكلت فاكهة ؛ هل ذقت السكر؟ (وليس هذا من الكلام القديم المسموع) يقدرون أن الأصل : أكلت فاكهة ؛ هل ذقت السكر؟ (وليس هذا من الكلام القديم المسموع) يقدرون أن الأصل : أكلت فاكهة مقولا فيها : هل ذقت السكر؟ فكلمة : «مقولا» المحذوفة هى النعت. والجملة الإنشائية بعدها فى محل نصب مفعول به للقول. ومثل : لمست ماء هل لمست الثلج؟ أى : لمست ماء مقولا فيه : هل لمست الثلج؟ ... أما الأمثلة المسموعة فمنها البيت الذى يرددونه ؛ وهو :
حتى إذا جنّ الظلام واختلط *** جاءوا بمذق. هل رأيت الذّئب قط.؟
(قاله رجل استضافه قوم ، وطال انتظاره للطعام حتى دخل الليل ؛ فقدموا له المذق «وهو اللبن المختلط بالمياه التى تغير لونه». وهو يصف هذا التغيير فى اللون بأنه صار فى لون الذئب).
ثم قال ابن مالك بعد ذلك بيتا سبق شرحه فى مكانه المناسب (ص 462) هو :
ونعتوا بمصدر كثيرا *** فالتزموا الإفراد والتّذكيرا
... اوقد يغنى عنه وجوده فى جملة معطوفة (1)بالفاء ، أو : بالواو ، أو : ثم - على الجملة النعتية الخالية منه ؛ نحو : مررت برجل تقصف الرعود ، فيرتجف ؛ أو : ويرتجف - أو : ثم يرتجف. التقدير : «هو» فى كل ذلك.
ج - النعت بشبه الجملة (2):
وشبه الجملة (الظرف ، والجار مع مجروره) ، يصلح أن يكون نعتا بشرطين :
أولهما : أن يكون تامّا ، أى : مفيدا. وإفادته (3)تكون بالإضافة ، أو بتقييده بعدد ، أو غيره من القيود التى تجعله يحقق غرضا معنويّا جديدا ؛ فلا يصح أقبل رجل عنك - ولا أقبل رجل عوض ...
ثانيها : أن يكون المنعوت نكرة محضة (4)، مثل : أقبل رجل فى سيارة - أقبل رجل فوق الجبل. وقول الشاعر :
وإذا امرؤ أهدى (5)إليك صنيعة
من جاهه (6)فكأنها من ماله
فإن كانت النكرة غير محضة ؛ (بسبب اختصاصها بإضافة ، أو غيرها مما يخصصها) ؛ فشبه الجملة يصلح نعتا وحالا (7). نحو : هذا رجل وقور فى سيّارة - أو : هذا رجل وقور أمامك ... ، فهو كالجملة فى هذا الحكم (8).
1) راجع الصبان ج 1 باب المبتدأ عند الكلام على الخبر الجملة ، ورابطه).
2) سبقت : «ا» فى ص 458 حيث الكلام على النعت المفرد. وكذلك سبقت : «ب» فى ص 472 حيث الكلام على النعت بالجملة.
3) تكرر معنى الإفادة فى عدة مواضع من الكتاب (فى ج 1 باب الموصول ص 272 م 27 ، باب المبتدأ والخبر ص 346 م 35 ج 2 ، باب الحال ص 294).
4) انظر «ا» من الزيادة والتفصيل ، حيث البيان الخاص بعدم اشتراط المحضة.
5) الجملة الفعلية نعت ، ومنعوتها نكرة.
6) الجار ومجروره نعت ، والمنعوت : صنيعة.
7) كما سبق فى ص 473.
8) تكرر بيان هذا ، أما تفصيله ففى مكانه المناسب ج 1 ص 145 م 17.
(ا) يجوز - عند عدم المانع - اعتبار شبه الجملة بنوعيه (الظرف ، والجار مع مجروره) صفة بعد المعرفة المحضة ؛ على تقدير متعلّقه معرفة. وقد نص «الصبان» على هذا فى - ج 1 أول باب : «النكرة والمعرفة» حيث قال : " (أسلفنا عن الدمامينى جواز كون الظرف - ويراد به هنا شبه الجملة بنوعيه - بعد المعرفة المحضة صفة ، بتقدير متعلّقه معرفة) " ا ه.
أى : أن التعلّق المعرفة سيكون هو الصفة لمطابقته الموصوف فى التعريف. هذا ولا مانع أن يكون شبه الجملة نفسه - بنوعيه - هو الصفة إذا استغنينا عن ذكر المتعلّق اختصارا وتيسيرا أو تسهيلا ، (طبقا لما سبق (1)) بالإيضاح والشرط المسجلين هناك.
وإذا كان شبه الجملة - بنوعيه - بعد المعرفة المحضة صالحا لأن يعرب صفة على الوجه السالف ، وهو صالح أيضا لأن يكون حالا بعدها ؛ كصلاحه للحالية والوصفية بعد النكرة غير المحضة ، - أمكن وضع قاعدة عامة أساسية هى : «شبه الجملة - بنوعيه - يصلح دائما أن يكون حالا أو صفة بعد المعرفة المحضة وغير المحضة (2)، وكذلك بعد النكرة ، بشرط أن تكون غير محضة (3)» ؛ أو يقال :
«إذا وقع شبه الجملة بعد معرفة أو نكرة ، فإنه يصلح أن يكون حالا أو صفة إلا فى صورة واحدة ، هى : أن تكون النكرة محضة فيتعين أن يكون صفة ، ليس غير».
وجدير بالملاحظة أن جواز الأمرين فيما سبق مشروط بعدم وجود قرينة توجب أحدهما دون الآخر أو توجب غيرهما ، حرصا على سلامة المعنى ، فإن وجدت القرينة وجب الخضوع لما تقتضيه ، كالشأن معها فى سائر المسائل الأخرى.
(ب) من أدوات الاستثناء ما يكون فعلا فقط ؛ وهو : «ليس ، ولا يكون» ومنها ما يصلح (1)أن يكون فعلا تارة ، وحرف جر تارة أخرى ؛ وهو «خلا ، وعدا ، وحاشا». والنوع الأول - وهو الذى يكون فعلا فقط - يصح وقوع جملته الفعلية نعتا ؛ بالتفصيل الذى سبق بيانه (فى ج م 83 ص 333 باب : الاستثناء) أما النوع الثانى الذى يصلح للفعلية والحرفية فلا يكون نعتا.
(ح) يحذف الرابط فى الجملة النعتية بشرط أمن اللّبس - كما سبق - والمحذوف قد يكون مرفوعا مثل : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أى : هو الرحمن هو الرحيم ... (2)أو منصوبا كالأمثلة السالفة (3). وقد يكون مجرورا «بفى» إذا كان المنعوت بالجملة اسم زمان ؛ كقوله تعالى : ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ) ، أى لا تجزى فيه ... فلا يصح الحذف فى مثل : زرت حديقة رغبت فيها ؛ إذ المنعوت ليس اسم زمان ؛ فلا يتضح المحذوف ؛ أهو : رغبت فى هوائها - أم فى رياحينها - أم فى فواكهها ، أم فى جداولها؟ ولا يتضح أهو : رغبت فيها. أم رغبت عنها؟.
وقد يكون مجرورا «بمن» بشرط أن يكون فى أسلوب تتعين فيه ؛ سواء أكان الضمير عائدا على ظرف زمان أم على غيره ؛ نحو : مرّ صيف قضيت شهرا على السواحل ، وشهرا فى الريف. أى : قضيت شهرا منه على السواحل ، وشهرا منه فى الريف ... ومثل : اشتريت فاكهة ، نوع بعشرين ، ونوع بثلاثين ، أى : نوع بعشرين منها ، ونوع بثلاثين منها ..
فإن لم يكن الحرف «من» متعيّنا فى الاسلوب لم يجز حذفه ؛ لئلا يحدث لبس ؛ نحو : نفعنى شهر صمت منه ، فلو حذف الجار والمجرور لورد على الذهن احتمالات متعددة ؛ منها : صمته ، وهو معنى غير المقصود.
(د) يرى بعض النحاة أن : «أل» قد تغنى عن الضمير الرابط إذا دخلت
على الجملة الاسمية الواقعة نعتا ؛ نحو : رأيت كتابا ؛ الورق ناعم مصقول ، والطباعة جيدة نظيفة (1)؛ والغلاف متين جذاب ، فكأنك قلت : رأيت كتابا ورقه ناعم مصقول ، وطباعته ... وغلافه ... وهذا رأى حسن ، مستمد من أمثلة كثيرة مسموعة تبيح القياس عليها بشرط أمن اللبس.
(ه) لا تربط الجملة الواقعة نعتا إلا بالضمير أو بما يقوم مقامه فى الربط ، ويغنى عنه ، وهو «أل» كما مرّ فى : «د» ولا تصلح الواو التى تسبق - أحيانا - الجملة الواقعة نعتا أن تكون للربط ، فإنها واو زائدة تلتصق بهذه الجملة ؛ لتقوى دلالتها على النعت ، وتزيد التصاقها بالمنعوت دون أن تصلح وحدها للربط ، ويسمونها لذلك : «واو اللصوق» ، ومن أمثلتها ، فى القرآن الكريم قوله تعالى : ( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) ، والأصل : «إلا لها كتاب معلوم» زيدت الواو للغرض السالف ، ولا تفيد شيئا أكثر منه (2). وكذلك قوله تعالى : ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. ) فقد زيدت الواو قبل الجملة الاسمية الواقعة نعتا. ومن الأمثلة قول عروة بن الورد :
فيا للناس كيف غلبت نفسى *** على شىء ويكرهه ضميرى
فالواو زائدة قبل الجملة المضارعية النّعتية. وهى فى كل صورها التى تتعين فيها للإلصاق لا تصلح وحدها أن تكون رابطا - كما أسلفنا -.
وقد اختلف النحاة : أزيادتها قياسية (3)أم سماعية؟ والأرجح عندهم - برغم مجيئها فى القرآن - أنها سماعية ، وهذا عجيب منهم ؛ لأن معناه أن بعض التراكيب القرآنية لا يصح محاكاته ، ولا صوغ أساليبنا على نهجه ، مع اعترافهم جميعا بأن القرآن أسمى لغة بيانية ، وأعلى كلام بليغ. نعم قد يكون الأنسب اليوم الوقوف بزيادة هذه الواو عند حدّ السماع ؛ تجنبا لإساءة فهمها ، والخلط بينها وبين الأنواع الأخرى ، ولا ضرر ولا تضييق فى الأخذ بهذا الرأى (4). ولكن الأنسب لا يحرّم غيره مما هو صحيح مباح.
وقد يكون الأنسب فى عصر ليس بالأنسب فى آخر ؛ وكلاهما صحيح مباح.
(و) الجملة لا تقع نعتا إلا للنكرة. فما حكم الجملة نفسها من حيث التعريف والتنكير؟.
أجابوا : «يجرى على الألسنة كثيرا أنها نكرة. ولكنها تؤول بالنكرة ، قال الرضىّ ؛ لأن التعريف والتنكير من خواص الأسماء. والجملة من حيث هى جملة ليست اسما ، وإن كانت تؤول به ، فنحو : جاء رجل قام أبوه ، أو أبوه قائم ... - فى تأويل : جاء رجل قائم أبوه. ونحو : جاء رجل أبوه محمد ، فى تأويل : كائن ذات أبيه ذات محمد (1).
ويقول شارح المفصل (2)ما ملخصه : (إن وقوع الجملة نعتا للنكرة دليل على أن الجملة نفسها نكرة ، إذ لا يصح أن توصف النكرة بالمعرفة (3)...) ا ه.
سواء أكانت نكرة أم مؤولة بالنكرة وفى حكمها ، فالخلاف شكلى لا أثر له. والمهم المتفق عليه أنها لا تكون نعتا إلا للنكرة.
(ز) يقول الكوفيون : إذا وقع بعد الجملة الواقعة نعتا لنكرة ، جملة أخرى مضارعية ، مترتبة على الجملة النعتية كترتب جواب الشرط على الجملة الشرطية - إذا وقع هذا صح فى المضارع الجزم جوابا للنعت مع جملته ؛ حملا له على المضارع المجزوم فى الجملة الواقعة جوابا للشرط. ففى مثل : كل رجل يعمل الخير يرتفع شأنه ... يجيزون جزم المضارع : «يرتفع (4)».
لكن رأيهم فى هذا الجزم ضعيف ؛ إذ لا تؤيده الشواهد القوية الكثيرة ، التى تسوّغ القياس عليه. فالأحسن إهماله والاقتصار فيه على المسموع ... (5).
1) راجع الصبان.
2) ج 3 ص 141.
3) سبقت إشارة لبعض ما ذكر (فى رقم 2 من هامش ص 28 وفى رقم 1 من هامش 472) وأيضا (فى ج 2 ص 294 م؟ باب النكرة والمعرفة) وكذا (فى ج 1 ص 142 م 17).
4) وفاعله ضمير مستتر تقديره : هو. والجملة من الفعل والفاعل فى محل رفع خبر المبتدإ : (كل).
5) سبقت الإشارة لهذا فى باب : «الموصول» (ج 1 م 27 ص 383 عند الكلام على صلة الموصول والرابط) وله هناك قصة طريفة تؤيده. وسيجىء البيان فى ج 4 ص 437 م 157 عند الكلام على جواب الشرط).
ا - تعدّد النعت فى الحالات التى يكون فيها عامله واحدا :
(1)إذا تعدد النعت ، والمنعوت غير متعدد - لأنه واحد - وجب تفريق النعوت (1) ، مسبوقة بواو العطف (2)أو غير مسبوقة ، إلا الأول ، فلا يسبق بها. نحو : لا شىء يقبح فى العين كرؤية عالم مختال ، مغرور ، أو : عالم زرىّ وضيع ، ويصح : كرؤية عالم مختال ومغرور ، أو : عالم زرىّ ووضيع (3)
لا يدرك المجد إلا سيد فطن *** لما يشق على السادات ، فعّال
...وتمتنع واو العطف إذا كان المعنى المراد لا يتحقق بنعت واحد ، ولا يستفاد إلا من انضمام نعت إلى آخر فينشأ من مجموعهما المعنى المقصود ؛ نحو : الفصول أربعة : أطيبها الربيع البارد الحارّ ، أى : المعتدل فى درجة حرارته وبرودته ، ولا يجوز البارد والحارّ ؛ لأن المعنى المراد - وهو : الاعتدال - لا يؤخذ إلا من اشتراك الاثنين فى تأديته ، وانضمام كل منهما إلى الآخر ؛ فكلاهما جزء يتمم نظيره ،
1) أى : ذكرها واحدا واحدا ؛ على غير صورة المثنى والجمع ؛ إذ يمتنع أن يكون النعت مثنى ، أو جمعا ، والمنعوت واحدا. وسيتكرر هنا لفظ «المفرّق» ، و «التفريق» مرادا به هذا التعدد على صورة فردية ، ليس فيها علامة التثنية أو الجمع الاصطلاحيين. فإن كانت الكلمة دالة على التثنية أو على الجمع بدون تفريق الأفراد أو بتفريق فهى المتعددة. فعندنا كلمتان اصطلاحيتان ؛ هما : «تفريق ، وتعدد». فالتفريق خاص بذكر الأفراد واحدا فواحدا ، والتعدد يكون مثله أو بذكرها على هيئة التثنية أو الجمع. (وانظر ما يختص بالنعت المتعدد لواحد لأهميته ، ص 488).
2) ويجوز اختيار حرف عطف غير «الواو» ، يناسب السياق ، إلا : «حتى» ، و «أم». - كما سيجىء فى ص 497 وفيها بيان مفيد يختص بعطف النعوت ، وإذا وقع النعت بعد الواو أو غيرها من حروف العطف المناسبة ، فإنه يترك اسم النعت وأحكامه ويصير معطوفا يجرى عليه اسم المعطوف وكل أحكامه - كما سيجىء فى ص 498 -.
3) ومن التعدد بغير عطف ، النعت بكلمتى : «فطن» وفعّال فى قول المتنبى :
ويلازمه فى تكوين المعنى الكامل المقصود منهما معا. والكلمتان هنا بمنزلة كلمة واحدة ذات شطرين ؛ لا يصح أن يفصل بين شطريها حرف عطف أو غيره. ومثل : شرب المريض الدواء الحلو المرّ ، أى : المتوسط فى حلاوته ومرارته. ومثل : اشتريت صوفا ناعما خشنا ، ومثل : هذا زجاج صلب هشّ ...
أى : أن النعت المتعدد المختلف فى لفظه ومعناه معا ، أو : فى أحدهما ، يجب أن تفرقه بالعطف إذا كان المنعوت متعددا. أما إذا ائتلف النعت (اتفق معناه ولفظه) فلا تفرقه. (فرقه عاطفا : أى : حالة كونك عاطفا ، مستعملا فى التفريق حرف العطف ، وهو هنا : الواو ، ليس غير - كما شرحنا ، وكما يأتى فى ص 497).
وإذا تعدد النعت والمنعوت متعدد بغير تفريق ، وبغير أن يكون اسم إشارة ، فإن كانت النعوت متحدة فى لفظها ومعناها معا وجب عدم تفريقها ، وأن تكون مثناة أو جمعا على حسب منعوتها. نحو : ما أعجب الهرمين القديمين!. ولا يصح : ما أعجب الهرمين القديم والقديم. ونحو : ما أجمل الزهرات اليانعات ، ولا يصح : اليانعة ، واليانعة ، واليانعة ...فإن كانت النعوت مختلفة فى لفظها ومعناها معا أو فى أحدهما وجب التفريق بالواو العاطفة ؛ فمثال الاختلاف فى اللفظ والمعنى قول الشاعر :
بكيت ، وما بكا رجل حزين *** على ربعين ؛ مسلوب (2)
كما فى صفحة 465 ، وفى رقم 1 من هامش ص 483 ، وكما سيأتى فى بابه - ص 551 و552.
، وبالوقول أحد المؤرخين ... ولما انتهت الموقعة بهزيمة الأعداء بحثنا عن قادة جيشهم ، فعرفنا القادة ؛ القتيل ، والجريح ، والأسير ، والمذهول من هول ما رأى وسمع ...
ومثال الاختلاف فى اللفظ دون المعنى : أبصرت سيارتين : ذاهبة ومنطلقة - قاومت طوائف ؛ باغية ، ومعتدية ، وظالمة.
ومثال المختلفة فى المعنى دون اللفظ : نصحت رجلين هاويا وهاويا (2). ).
فإحدى الكلمتين فعلها : «هوى» بمعنى : «أحبّ» والأخرى فعلها : «هوى» بمعنى سقط على الأرض. ولا بد من قرينة تدل على هذا الاختلاف المعنوى. ومثل : عرفت رجالا ؛ كاسية ، وكاسية ، وكاسية ، بمعنى : كاسية غيرها ، وبمعنى : مكسوة ، وبمعنى : غنية.
وإذا كان المنعوت المتعدد اسم إشارة لم يجز فى نعته المتعدد التفريق لأن نعت أسماء الإشارة لا يكون مختلفا عنها فى المطابقة اللفظية ؛ فلا يصح مررت بهذين الطويل والقصير على اعتبارهما نعتين (1).
(3) إذا تعدد النعت والمنعوت متعدد متفرق فإن كانت النعوت متحدة فى ألفاظها ومعانيها وجب عدم تفريقها ؛ مثل : سافر محمود ، وعلى ، وحامد المهندسون. وإن كانت مختلفة وجب أحد أمرين.
إمّا تقديم المنعوتات المتفرقة كلها متوالية ، يليها النعوت كلها متوالية متفرقا أيضا ومرتبة ؛ بحيث يكون النعت الأول للمنعوت الأخير ؛ والنعت الثانى للمنعوت الذى قبل الأخير ، وهكذا ، حتى ينته الترتيب بأن يكون النعت الأخير للمنعوت الأول (فملخص هذه الطريقة : أن يكون كل نعت مقصورا على أقرب منعوت إليه).
وإما : وضع كل نعت عقب منعوته مباشرة.
فعلى الطريقة الأولى نقول : ما أعظم الثمار التى نجنيها من الكتب ، والصحف ، والمجلات ، والإذاعة ، والمؤلفين ... البارعين ، المختارة ، الرفيعة ، الصادقة ، النافعة ، ... فكلمة «البارعين» نعت للمؤلفين ، وكلمة «المختارة» : نعت للإذاعة و «الرفيعة» : نعت للمجلات ، و «الصادقة» : نعت للصحف ، و «النافعة» : نعت للكتب.
1) أما على اعتبارهما بدلا ، أو عطف بيان فقد يصح ، لما أشرنا إليه - فى رقم 1 من هامش ص 482 - من أن الأفضل فى النعت الاشتقاق ، بخلاف البدل والبيان. مع ملاحظة أن المعنى يختلف فى كل اعتبار ، إذ فائدة النعت غير فائدة البدل ، أو العطف ...
وعلى الطريقة الثانية نقول : ما أعظم الثمار التى نجنيها من الكتب النافعة. والصحف الصادقة ، والمجلات الرفيعة ، والإذاعة المختارة ، والمؤلفين البارعين. وللمتكلم أن يختار من الطريقتين ما يراه أنسب للمقام بشرط أمن اللبس ، بحيث يتعين كل نعت لمنعوته ، دون اشتباه.
مما يتصل بهذه الحالة : نعت معمولين عاملهما واحد ... والحكم - كما سطروه - هو : أنه إذا اتحد عمله ونسبته المعنوية إليهما فى المعنى جاز الإتباع والقطع بشرطه (1)؛ كقام محمود وعلىّ العاقلان ، أو العاقلين. وإن اختلف العمل والنسبة ؛ - كأكرم محمود عليّا العاقلين - وجب القطع. وكذا إن اختلفت النسبة المعنوية دون العمل ؛ كأعطيت الولد أباه العاقلان (2).
وإن اختلف العمل دون النسبة ؛ - نحو : مخاصمة الأخ أخاه النبيلان مؤلمة - وجب القطع على الرأى الأغلب.
فملخص الرأى أنه يجب القطع فى جميع الصور إلا واحدة يجوز فيها القطع وعدمه ؛ هى : التى يتحد فيها عمل العامل ، ونسبته المعنوية إليها.
ومن أمثلة القطع الجائز ما ورد فى كلام فصحاء العرب (3)، ومنه قول حاتم الطائى :
إن كنت كارهة معيشتنا *** هاتا (4)فحلى فى بنى بدر
الضاربون لدى أعنتهم *** والطاعنون وخيلهم تجرى
وقول الخرنق القيسية :
لا يبعدن (5)قومى الذين همو *** سمّ العداة ، وآفة الجزر
النازلين بكل معترك *** والطيبين معاقد الأزر
1) شرط القطع (وتفصيل الكلام على : «القطع» معروض فى الصفحة التالية ، وما بعدها) هو أن يكون المنعوت متعينا بدون النعت ، كما سيجىء فى ص 488.
2) إن المعمولين مفعولان ، ولكن أحدهما بمنزلة الفاعل فى المعنى لأنه الآخذ ، والآخر بمنزلة المفعول ؛ لأنه المأخوذ.
3) راجع الكامل للمبرد (ج 3 ص 8).
4) هذه.
5) لا يبعدن : لا يهلكن. وهذا دعاء لهم بالسلامة وطول العمر.
ب - تعدد النعت ، والمنعوت ، والعامل ، وما يترتب على هذا من الإتباع (1)
ا . في مثل : جاء محمد العالم ، . بالرفع . يصح إعراب كلمة : «العالم» نعتا مرفوعا ؛ كالمنعوت ، وعلامة
رفعه الضمة. ويصح لسبب بلاغي (سنعرفه في آخر هذا الهامش ، وفى ص 492) . أن يقال : جاء محمد العالم. بالنصب - ولا يجوز الجر - وفي هذه الحالة تعرب كلمة : «العالم» : مفعولا به لفعل محذوف تقديره : أمدح ، أو : أخص ، أو ما شاكل ذلك مما يناسب الغرض. وبهذا الإعراب الجديد تنتقل الكلمة من حالة النعت التي كانت عليها إلى حالة أخرى مخالفة لها ، ولا تسمى فيها نعتا ، فقد انقطعت صلتها بالنعت ؛ ولهذا يسمونها «نعتا مقطوعا» أو «منقطعا». يريدون ، أنها كانت فى أصلها الأول نعتا ، ثم انقطعت منه ، وانصرفت عنه إلى شيء آخر ؛ فتسميتها الآن : «نعتا» فقط تسمية غير حقيقية. وكذلك المنعوت. وإنما يصح تسميتها : «نعتا منقطعا» باعتبار الماضي ؛ إذ كانت نعتا في أول أمرها ، ثم انقطعت عنه الآن. وضبطها الجديد وتغيير إعرابها السابق هما دليلان على القطع الذي قصد منه تحقيق الغرض البلاغى المشار إليه . فلابد فى القطع من ضبط جديد ، وإعراب جديد كذلك ، بحيث يختلفان عن الضبط والإعراب السابقين قبل إحداثه.
ب . وفى مثل : رأيت محمدا العالم - بالنصب - ، نعرب كلمة : «العالم» نعتا منصوبا ؛ تبعا لنصب المنعوت ، ويجوز : رأيت محمدا العالم . بالرفع ، وفى هذه الصورة الجديدة التي يدعو لها داع بلاغى ، لعرب كلمة : «العالم» خبرا ، لمبتدأ محذوف ، والتقدير - مثلا - : هو العالم ولا يصح إعراب «العالم» المرفوعة نعتا مطلقا. لكن يصح تسميتها : «نعتا مقطوعا» ، أو : «منقطعا» ، لما بيناه ، ولا يصح القطع إلى الجر.
ج . وفى مثل : انتفعت من محمد العالم ، - بالجر - نعرب «العالم» نعتا مجرورا. ولكن يجوز - لسبب بلاغي - إبعاده عن النعت ؛ بأن نرفعه ، أو ننصبه . ؛ فنقول : انتفعت من محمد العالم ، أو : العالم ، على اعتباره في حالة رفعه خبرا المبتدأ محذوف ، وفى حالة نصبه مفعولا به لفعل محذوف ؛ فيكون الضبط والإعراب الجديدان دليلين على القطع . كما تقدم . ولا يجوز القطع إلى الجر مطلقا.
فموجز القول :
1 . أن النعت يتبع منعوته في نوع إعرابه.
2 . ويجوز . لسبب بلاغي . أن يتخلى النعت عن مهمته ليعرب شيئا آخر تشتد الحاجة إليه ، ويخالف
نوع إعراب المنعوت.
3 . في هذه الحالة التي يتخلى فيها ينصب باعتباره مفعولا به لفعل محذوف ، بشرط أن يكون المنعوت السابق مرفوعا ، أو مجرورا. وقد يرفع باعتباره خبرا لمبتدأ محذوف ، بشرط أن يكون المنعوت السابق منصوبا أو مجرورا ، أي : أن المنعوت السابق إن كان مرفوعا فالواجب نصب النعت المقطوع ، وإن كان منصوبا فالواجب رفع النعت المقطوع ، وإن كان مجرورا جاز في النعت المقطوع الرفع أو النصب فلابد عند القطع من اختلاف نوع حركة النعت المنقطع عن نوع حركة المنعوت السابق ؛ منعا للبس بين الغرض القديم والجديد ، واسترشادا بالضبط والإعراب الجديدين على القطع.
أما السبب البلاغي للقطع فيكاد ينحصر فى توجيه الذهن إلى النعت المنقطع ، وتركيزه فيه ؛ وإبراز معناه لأهمية خاصة تستدعى هذا التوجيه. ولا سيما إذا تعددت النعوت وطالت الجملة. (راجع مجمع البيان لعلوم القرآن ، ج 1 ص 6). بل إن القطع بحكمه وحكمته يظل باقيا إذا تعددت النعوت وفصل بينها بحرف عطف فصارت بعد هذا الفصل بالعاطف معطوفات لا نعوتا . كما سيجيء فى رقم 10 من ص 661 .
وإذا كان النعت المنقطع فى أصله مسوقا لغرض المدح ، أو الذم ، أو الترحم ، فإن عامله المحذوف بعد القطع لا يصح ذكره ؛ لأنه من العوامل الواجبة الحذف ، سواء أكان مبتدأ ، أم فعلا . كما سيجيء في ص 490 . أما إن كان النعت المنقطع مسوقا لغرض آخر غير ما سبق فإن عامله يجوز حذفه وذكره. ومن الأغراض الأخرى : أن يكون القصد من القطع تقوية التخصيص إذا كان وقوعه بعد نكرة ؛ نحو : مررت بعصفور في عشه مغرد ، أو مغردا. أو تقوية الإيضاح إذا كان وقوعه بعد معرفة ؛ نحو : طربت للبحترى الشاعر أو الشاعر...
وقد تقدم في ص 437 بيان الغرض الأساسي الأصيل من النعت. وكذلك سبق بيان لكل هذا بمناسبة
أخرى في باب المبتدأ والخبر ج 1 ص 375 وسيجيء له مناسبة أخرى في هذا الباب).
والقطع:1) المراد بالإتباع هنا : أن يكون النعت مماثلا للمنعوت فى رفعه ، ونصبه ، وجوه. أما القطع فنمهد لتوضيحه بالأمثلة الآتية - وأما أحكامه الخاصة بالنعت فستجىء فى ص 488 :
(1) إذا تعدد النعت بغير تفريق ، وتعدد المنعوت ، والعامل ، وكانت المنعوتات المتعددة ، متفرقة ، متحدة فى تعريفها وتنكيرها (1)والعوامل المتعددة متحدة فى معناها ، وعملها ، - جاز فى النعوت الإتباع والقطع ؛ نحو حضر الصديق ، وحضر الضيف الطبيبان. أو : الطبيبين. ونحو : نظرت القمر وأبصرت المرّيخ المستديرين ، أو المستديران. ولا فرق فى هذه العوامل بين المتحدة فى ألفاظها والمختلفة - كما فى المثالين - لأن المهم أن يتفقا معنى وعملا.
ويجب القطع إن اختلفت العوامل معنى ، أو عملا ، أو هما معا. فمثال الاختلاف المعنوى فقط : أقبل الضيف ، وانصرف الزائر السائحين ، ونحو : جمدت عين الحزين وجمدت عين القاسى المشاهدتين الماسأة. (إذا كانت «جمدت» الأولى بمعنى : جفت دموعها بسبب البكاء الكثير. والثانية بمعنى : لم تبك ؛ من القسوة).
ومثال اختلافهما فى العمل فقط : مررت بالضيف ولاقيت الزائر الغريبان.
1) لامتناع أن تكون النكرة نعتا للمعرفة أو المعرفة نعتا للنكرة. ويشترط كذلك ألا يكون أول المنعوتات اسم إشارة ، نحو : جاء هذا وجاء على. فلا يصح العاقلان : لأن ، نعت اسم الإشارة لا يفصل منه - كما سبق فى هامش ص 435 وفى «ج» من ص465. .
ومثال اختلافهما فى المعنى والعمل ؛ قابلت الرسول وسلمت على الزميل الظريفان(1)
ونعت معمولى وحيدى معنى *** وعمل - أتبع بغير استثنا
يريد : أتبع بغير استثناء نعت معمول عاملين وحيدين فى معنى وفى عمل معا ، أى : متحدين فيهما.
.أحكام خاصة بالقطع فى هذا الباب :
لا يصح القطع مطلقا ، إلا بعد تحقق شرط أساسى ؛ هو : أن يكون المنعوت متعينا بدون النعت ؛ سواء أكان النعت واحدا أم أكثر. وعلى هذا الأساس تقوم الأحكام الآتية :
(1) لا يجوز القطع (2)إذا كان النعت وحيدا (3). والمنعوت نكرة محضة ؛ لشدة حاجتها إليه ، لتتخصص به. نحو : كرّمت جنودا أبطالا.
(2) إذا تعدّد النعت لواحد ، وكان المنعوت نكرة محضة وجب إتباع النعت الأول لها ؛ لتستفيد به تخصيصا هى فى شدة الحاجة إليه ، ولا يجوز قطعه. أما ما عداه فيجوز فيه الإتباع والقطع ؛ نحو : أقبل رجل شجاع ، أمين تقىّ ؛ فيجب رفع كلمة : «شجاع» إتباعا للمنعوت : (رجل) لأنه نكرة محضة. ويجوز فى كلمتى : «أمين» و «تقىّ» الرفع إتباعا للمنعوت ، أو : النصب على القطع باعتبار كل منصوب منهما مفعولا به لفعل محذوف.
والإتباع هنا واجب فى النعت الأول وحده ؛ ليقع به التخصيص - كما قلنا - ويجوز فى الباقى الأمران ، سواء أكان المنعوت قد تعين مسماه أم لم يتعين ؛ لأن المقصود من نعت النكرة هو تخصيصها ، - لا تعيينها - وقد تحقق التخصيص بإتباع النعت الأول لها.
أى : إن كثرت وتعددت النعوت التى تجىء بعد منعوت - غير معين ، لأنه غير معرفة - محتاج إليهن فى تعيين مسماه ، أتبعت له ، أى : وجب إتباعها فى نوع حركته الإعرابية : ثم قال :
واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا *** بدونها - أو بعضها ، اقطع معلنا
أى : إن كان المنعوت معينا بدونها كلها فاقطع أو اتبع النعوت كلها. وكذلك إن كان معينا ببعضها فقط فأتبع أو اقطع هذا الجزء فقط ، وأتبع ما عداه.
ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان حركة النعت المقطوع وعامله فقال :
وارفع أو انصب إن قطعت ، مضمرا *** مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
يعنى أن المقطوع يرفع أو ينصب ؛ فالرفع ، على إضمار مبتدأ ، خبره المقطوع. والأكثر أن يكون هذا المبتدأ المحذوف ضميرا ، والنصب على تقدير عامل محذوف ينصبه (كالفعل مثلا) والنعت المقطوع يعرب مفعولا به لهذا العامل. والعامل فى الحالتين (مبتدأ كان أو فعلا) لن يظهر ، لأنه محذوف وجوبا ، واقتصر على هذا من غير أن يذكر التفصيل الذى سردناه.
إذا تعددّت النعوت لواحد معرف فإن تعين مسماه بدونها كلها جاز إتباعها جميعا ، وقطعها جميعا ، وإتباع بعضها وقطع بعض آخر (2)، بشرط تقديم النعت التابع على النعت المقطوع ؛ نحو : عرفت الإمام أبا حنيفة ، المجتهد ؛ الذكىّ ، العبقرىّ ... فيصح فى النعوت الثلاثة النصب على الإتباع ، والرفع على القطع ، ويجوز النصب على الإتباع فى بعض منها ، والرفع على القطع فى غيره ، وفى هذه الحالة الأخيرة يجب تقديم النعت التابع على المقطوع.وإن لم يتعين مسماه إلا بالنعوت كلها مجتمعة وجب إتباعها ، وامتنع القطع ؛ نحو : غاب المصرىّ حافظ ، الضابط ، الشاعر ، النّاثر ، بالرفع ؛ تبعا للمنعوت : «حافظ» إذا كان هناك ثلاثة (3)غيره كل منهم اسمه : «حافظ» ، وأحدهم ضابط فقط ، والآخر شاعر فقط ، والثالث ناثر فقط ، فلا يتعين الأول تعيينا يميزه من هؤلاء الثلاثة إلا بالنعوت المتعددة مجتمعة ، وإتباعها له.
وإن تعيّن ببعضها دون بعض وجب إتباع الذى يتعين به ، وجاز فى غيره الإتباع والقطع ، مع وجوب تقديم التابع على المقطوع (3) ... ه.
(4) إذا لم يتعدد النعت وكان المنعوت معرفا معلوما بدونه جاز فى النعت الإتباع والقطع ، نحو : أنت الشريك الوديع ، برفع كلمة : «الوديع» ؛ إتباعا ، أو نصبها على القطع. - والمنعوت هنا متعين ؛ بسبب الخطاب -
ولا يجوز القطع إن كان النعت للتوكيد (1)، أو : كان من الألفاظ التى أكثرت العرب من استعمالها نعتا بعد كلمات معينة (2)، ... أو كان نعتا لاسم إشارة ؛ نحو : أهلك اللّه بعض الأمم بالرجفة الواحدة - جاء القوم الجمّاء الغفير (3)- امتدحت هذا الوفىّ.
ومن الأمثلة لهذه الثلاثة أيضا : «وقال اللّه لا تتّخذوا إلهين اثنين» (4)- يسرنى رؤية الشّعرى العبور (5)- ما أكبر تقديرنا لهذا النابغ.
(5) قلنا (6)إن النعت المقطوع لا بد أن يخالف فى حركته حركة المنعوت السابق ؛ فإن كان المنعوت مرفوعا وأردنا قطع النعت لداع بلاغى قطعناه إلى النصب
1) وقد شرحناه - فى رقم 6 من ص 439 - ؛ لأن القطع ينافى التوكيد.
2) المراد : أن هناك كلمات يشيع استعمالها نعتا لمنعوتات خاصة معينة فى الغالب ؛ ككلمتى «العبور» و «الغفير» فى الأساليب الفصيحة الشائعة ؛ حيث يقول العرب : «جاء» القوم الجمّاء الغفير ، وسرتنى الشّعرى العبور» فقد وقعت الكلمتان - وما أكثر وقوعهما - نعتين لمنعوتين معينين ، قل أن يستعملا نعتا لغيرهما. فليس المراد أن تلك المنعوتات لا تستعمل إلا منعوتة ، ولا أن نعتها لا يكون إلا من بين تلك الكلمات ، وإنما المراد أن تلك الألفاظ إذا وقع بعدها وصف أو ما يشبهه فهو نعت لها ، لا أنها يلزم لها النعت دائما.
3) الجماء ، مؤنث الأجم ، بمعنى الكثير. الغفير : الذى يستر الأرض ويغطى وجهها بكثرته. وهذا تعبير قديم سبق أن شرحناه. وتناولنا نواحى التأنيث والتذكير والإعراب وغيره فى ج 2 ص 278 م 84 (باب الحال).
4) النعت هنا للتوكيد ؛ لأنه يدل على التثنية ، وهى مفهومة من المنعوت ، فهو يؤكدها.
5) لأن العرب تكاد تقتصر فى استعمال «العبور» نعتاء الحالة التى يكون المنعوت فيها هو كلمة : الشعرى.
6) ص 486 و488 وفيهما الشروط والتفاصيل لذلك.
مفعولا به لفعل محذوف ، تقديره : أمدح أو أذم ، أو ... على حسب السياق ، وإن كان المنعوت منصوبا وأردنا قطع النعت قطعناه إلى الرفع على اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف ، تقديره - مثلا - : هو. ولا يجوز القطع إلى الجر مطلقا فيهما. وإذا. كان المنعوت مجرورا واقتضى المقام القطع قطعناه إلى الرفع أو النصب على الإعرابين سابقين. ولا بد فى جميع حالات القطع أن يكون المنعوت متعيّنا. - كما قلنا -.
وإذا تعددت النعوت ، وكان المنعوت المتعيّن مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا - جاز فيها عند قطعها أن يكون بعضها منقطعا إلى الرفع ، وبعض آخر إلى النصب ، إذ ليس من اللازم أن تنقطع النعوت كلها إلى الرفع فقط ، أو إلى النصب فقط ؛ وإنما اللازم ألا تنقطع إلى الجر ، وألا يتفق نوع حركتها مع نوع حركة المنعوت (1)السابق ، نحو : ما أسفت لشىء قدر أسفى للزميل المتعلم ، المتكاسل ، الخامل ، المستهين ... فيجوز فى هذه النعوت قطعها إما إلى الرفع فقط ، وإما إلى النصب فقط. وإما توزيعها بين هذا وذاك.
وإذا كان النعت المقطوع مرفوعا لأنه خبر مبتدأ ، أو منصوبا لأنه مفعول به لفعل محذوف - فإن هذا المحذوف واجب الحذف لا يصح ذكره بشرط أن يكون النعت فى أصله لإفادة المدح ، أو : الذم ، أو : الترحم ، فإن كان فى أصله لغرض آخر جاز حذف العامل وذكره (2). وقد سردنا أول الباب (3)الأغراض المختلفة التى يؤديها النعت.
(6) مما تجب ملاحظته أن جملة النعت المقطوع (وهى : الجملة المكونة من المبتدأ المحذوف وخبره الذى كان فى أصله نعتا ، أو من الفعل المحذوف وفاعله) - جملة مستقلة مستأنفة. وقد تسبقها «الواو» أحيانا ، وهذه «الواو» زائدة للاعتراض قبل النعت المقطوع ؛ سواء أكان مقطوعا إلى الرفع ، أم إلى النصب.
ويرى بعض النحاة أن هذه الجملة المشتملة على النعت المقطوع ليست مستقلة ولا مستأنفة ، وإنما هى «حال» إذا وقعت بعد معرفة محضة ، و «نعت» إذا وقعت بعد نكرة محضة ، وتصلح للأمرين إذا وقعت بعد نكرة مختصة ، فشأنها كغيرها من الجمل التى تعرب «حالا» بعد المعارف المحضة ، و «نعتا» بعد النكرات المحضة ، وتصلح للأمرين بعد النكرة المختصة. والرأى الأول (1)أقوم وأحسن.
(7) سبب القطع بلاغىّ محض - كما قلنا (2)- هو التشويق ، وتوجيه الأذهان بدفع قوىّ إلى النعت المقطوع ؛ لأهمية فيه تستدعى مزيدا من الانتباه إليه ، وتعلق الفكر به ، وأنّه حقيق بالتنويه وإبراز مكانته. وجعلوا الأمارة على هذا كله إضمار العامل ، وتكوين جملة جديدة ، الغرض منها : إنشاء المدح أو الذم أو الترحم ، .. أو ... فهى جملة إنشائية من نوع الجمل الإنشائية غير الطلبية (3).
وإذا كان سبب القطع بلاغيّا - ولا بدّ من قيام هذا السبب - فمن البلاغة أيضا ألا نلجأ إلى استخدام القطع مع من يجهله ؛ فيحكم بالخطأ على الضبط الحادث بسببه.
ا - قد يحذف النعت - أحيانا حذفا قياسيّا - إن كان معلوما بقرينة تدل عليه بعد حذفه ؛ كقوله تعالى : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ؛ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ، وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) ، والأصل : «كل سفينة صالحة» ؛ بقرينة قوله : (أن أعيبها ؛ فهى تدل على أنها قبل هذا خالية من العيب ، أى : صالحة للانتفاع بها ، وبقرينة أخرى ؛ هى : أن الملك الغاصب لا يغتصب ما لا نفع فيه.
ومثل قول شاعر أخذ نصيبه من غنائم الحرب فلم يرض به :
وقد كنت فى الحرب ذا تدرا (1)*** فلم أعط شيئا ولم أمنع
والتقدير : فلم أعط شيئا نافعا ؛ بدليل قوله : ولم أمنع ، وبدليل الأمر التاريخىّ المعروف ، وهو أنه أخذ - فعلا - نصيبا ، ولكنه لم يقنع به.
ومثل قول الشاعر يصف فتاة بالجمال :
وربّ أسيلة (2)الخدّين بكر *** مهفهفة (3)، لها فرع ، وجيد
المراد : لها فرع فاحم (4)، وجيد طويل ، والقرينة : أن مدح الفتاة بالجمال لا يكون بأمر عامّ يشاركها فى مثله آلاف من نظيراتها ، فليس من المدح وصفها بمجرد فرع لها ، وجيد ، فهذان أمران ملازمان كل فتاة ، وإنما يكون المدح بأوصاف وبمزايا خاصة تتحقق فى كل منهما ؛ كشدة سواد الشعر ، أو نعومته ، أو طوله ... أو ... وكطول الجيد باعتدال ، أو استدارته ، وعدم غلظه كذلك (5)...
ب - حذف المنعوت (6):
يجب حذف المنعوت فى كل موضع اشتهر فيه النعت اشتهارا يغنى عن المنعوت غناء تامّا ؛ بحيث لا يتجه الذهن إليه ؛ نحو : جاء الفارس. والأصل : جاء الرجل الفارس ؛ أى : راكب الفرس. ومثل : جاء الصاحب ، أى : الرجل الصاحب. فلا يجوز فيهما وفى أشباههما أن يقال : جاء الرجل الفارس ، ولا جاء الرجل الصاحب. والنعت فى الحالة السالفة لا يسمّى نعتا ، وإنما يحل محل المحذوف فى إعرابه فاعلا ، أو مفعولا ، أو غيرهما ... مما كان عليه المحذوف قبل حذفه.
1) قوة ، وعدة حربية.
2) مصقولة ناعمة ...
3) رشيقة ، ضامرة البطن ، دقيقة الخصر.
4) أى : شديد السواد ، كلون الفحم.
5) ومن أمثلة حذف النعت قوله عليه السّلام : «(لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد.)» أى : لا صلاة كاملة ، وقول بعض العرب عن عمر : (كان واللّه رجلا ...) يريد : رجلا عظيما ... وعن على : (سمعته يخطب فكان الخطيب ..) يريد : الخطيب البارع. . أو ما شاكل هذا.
6) أشرنا فى ص 473 إلى حذف المنعوت ، وقلنا إن بسط الكلام عليه هنا.
ويجوز حذفه أيضا - كما أوضحنا (1)- إن كان مصدرا مبيّنا نابت عنه صفته ؛ نحو : جلست أحسن الجلوس ، وأصغيت أىّ (2)إصغاء ؛ بمعنى : جلست جلوسا أحسن الجلوس ، وأصغيت إصغاء أىّ إصغاء ، والأكثر أن تضاف هذه الصفة لمصدر كالمصدر المنعوت المحذوف.
ويجوز بكثرة حذف المنعوت - (سواء أكان النعت مفردا ، أم جملة ، أم شبه جملة) - بشرط أن يصلح النعت لأن يحل محل المنعوت المحذوف ؛ فيعرب إعرابه. فلا يصح حذف المنعوت إن كان فاعلا ، أو مفعولا ، أو مجرورا ، أو مبتدأ. - وكان النعت جملة أو شبهها ؛ لأن الجملة وشبهها لا تقع شيئا مما سبق ، فلو حذف المنعوت وهو أحد الأشياء السالفة لم يوجد فى الكلام ما يصلح أن يحل محله فى إعرابه ، ولهذا لا يصح حذفه إذا كان الأمر على ما وصفنا (3).
أمّا إن كان المنعوت واحدا مما سبق والنعت مفردا ، فيجوز حذف المنعوت ، لوجود ما يصلح أن يحل محله فى إعرابه ، وهو : المفرد. ويشترط لحذفه أيضا أن يكون معلوما. ومن وسائل العلم به اختصاص معنى النعت به وقصره عليه ، مثل : أعجبت براكب صاهلا ، أى : براكب فرسا صاهلا ؛ لأن الصهيل مختص - فى اللغة - بالخيل. وبسبب هذا الاختصاص الصريح يكون الحذف واجبا عند بعض النحاة - لا جائزا ، ورأيهم سديد.
ومن وسائل العلم به أيضا أن يتقدم على النعت ما يدل على المنعوت المحذوف
1) فى ص (110 و111 حيث البيان والتفصيل المفيد) و468.
2) هذا التعبير صحيح حيث وقعت فيه «أىّ» نعتا مضافا لمصدر. فيجوز حذف المنعوت. وقد سبق الكلام عليه وعلى ما يصلح للنيابة عند حذف المصدر المؤكد والمبين (وهو مسجل فى موضعه من الجزء الثانى ص 173 م 75 عند الكلام على حذف المصدر الصريح. وفى ج 1 ص 262 م 26 باب الموصول ، عند الكلام على : «أى».) أما إن كان المضاف إليه غير مصدر فقد سبق حكمه فى ص 111 وما بعدها.
3) يعبرون عن هذا : بأن النعت يكون صالحا لمباشرة العامل ، فيكون مفردا إن كان المنعوت فاعلا ، أو مفعولا به ، مثلا ... ، وجملة مشتملة على الرابط إن كان المنعوت خبرا.
الذى يحقق المعنى المراد ؛ نحو : ألا ماء ، ألا باردا (1)؟.
أو : وجود عامل نحوى يحتاج إلى المنعوت المحذوف ليكون معموله الذى يمّ به المعنى الأنسب ، حيث لا يستطيع العمل المباشر فى النعت ، ولا يجد النعت عاملا آخر ؛ كقوله تعالى : ( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ؛ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) ، والتقدير : فليضحكوا ضحكا قليلا ، وليبكوا بكاء كثيرا ... فالفعلان فى جملتى : (يضحكوا - يبكوا) محتاجان لمعمولين يتممان هذا المعنى الأنسب ، ولا يستطيع فعل منهما أن يؤثر فى النعت الذى بعده مباشرة إلا من طريق منعوت محذوف يستقيم به المعنى. ولا يجد كل من النعتين (قليلا - وكثيرا) عاملا له إلا الفعل اللازم قبله ، ولكن اتصاله به مباشرة غير سائغ لغويّا ؛ فلم يكن بد من تقدير المنعوت المحذوف على الوجه السالف ...
وأيضا : يحذف جوازا إن كان النعت جملة أو شبهها وكان المنعوت مرفوعا وبعضا من اسم متقدم عليه ، وهذا الاسم المتقدم مجرور «بمن» أو «فى» نحو : الأحرار الوطنيون لا ينكر فضلهم أحد ؛ فمنهم أنفق ماله فى سبيل وطنه ، ومنهم أفنى عمره مناضلا فى الحفاظ على حريته ، ومنهم قضى نحبه دفاعا عنه. والأصل ؛ فمنهم فريق أنفق ... ومنهم فريق أفنى عمره ... ومنهم فريق قضى نحبه ... ومثل قولهم : لما مات عمر بن عبد العزيز لم يكن فى الناس إلا بكى أو صرخ ، أو صرع حزنا ، أو انعقد لسانه ، أو زاغ بصره ... والتقدير : لم يك فى الناس إلا إنسان بكى ، أو إنسان صرخ ، أو إنسان صرع ، أو إنسان انعقد لسانه ، أو إنسان زاغ بصره ...
فالمنعوت فى الأمثلة السابقة كلها محذوف ، وهو مرفوع ، وبعض من كل مجرور بالحرف «من» أو : «فى» ؛ ذلك لأن الضمير : «هم» المجرور بمن
1) من هذا النوع قوله تعالى فى نبيه داود : ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ) أى : دروعا واسعات طويلات تصل إلى الأرض. فالسابغات فى أصلها ليست نعتا مختصا بشىء معين دون غيره ، وإنما تصلح لوصف كل واسع طويل. غير أن تقدم كلمة : «الحديد» قبلها جعل المراد منها فى هذا الساق مختصا بموصوف معين هو : الدروع.
فى الأمثلة الأولى «كلّ» والمنعوت (فريق) بعض منه ، والناس المجرور «بفى» فى الأمثلة الأخيرة «كل» والمنعوت المحذوف «إنسان» ، بعض منه (1)
وما - من المنعوت والنّعت - عقل *** يجوز حذفه ، وفى النّعت يقل
يريد : ما عقل (أى : علم بدليل) ، من النعت أو المنعوت يجوز حذفه. وليست درجة حذفهما متساوية فى الكثرة ، فإن حذف المنعوت أكثر من حذف النعت.
...قد يحذفان معا - وهذا قليل (2)- إذا قامت القرينة الدالة عليهما ؛ كقوله تعالى : فى الأشقى الذى يدخل النار : ( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ) ، أى : لا يحيا حياة نافعة (3). وكقولك للمتعلم الذى لا ينتفع بعلمه : هذا غير متعلم ، أى : غير متعلم تعلما مثمرا ...
إن كانت النعوت المتعددة مفردة جاز تقديم بعضها على بعض من غير ترتيب محتوم ، فالأمر فيها للمتكلم ؛ يقدم ما يشاء ويؤخر ، على حسب ما يرى من أهمية. وكذلك إن كانت جملا ، أو أشباه جمل ؛ نحو : (راقنى الورد النّاضر ، العطر ، البهّ - أقبل رجل (وجهه متهلل) (ثغره باسم). - أبصرت رجلا فى سيارة ، على أريكة -.
أما إذا اختلفت أنواعها فالأغلب تقديم المفرد على شبه الجملة ، وشبه الجملة على الجملة ؛ نحو : هذا عصفور حزين ، على شجرة ، يشكو ما أصابه ... وقوله تعالى : ( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ ...) ،
وقد تتقدّم الجملة أيضا على غيرها كقوله تعالى : ( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ... ) (1)
بغى وللبغى سهام تنتظر *** أنفذ فى الأكباد من وخز الإبر
وهذا النوع من التقدم فصيح يجوز القياس عليه ؛ لوروده فى أبلغ الكلام - وهو القرآن - ولكن الأول أكثر.عطف النعوت المختلفة المعانى بعضها على بعض :
يجوز عطف النعوت بعضها على بعض مع ملاحظة ما يأتى :
(1) أن تكون النعوت المتعددة مختلفة المعانى وليست جملا (2)؛ فلا يصح العطف فى مثل : هذا رجل غنىّ ثرىّ ؛ لأن الثرىّ بمعنى الغنىّ ، ولو عطف عليه لعطف الشىء على آخر بمعناه ، والعطف يقتضى المغايرة المعنوية ، غالبا (3)
ويحسن العطف عند تباعد المعانى المختلفة ، كقوله تعالى : ( هُوَ الْأَوَّلُ ، وَالْآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ ، وَالْباطِنُ بخلافها إذا تقاربت ؛ كقوله تعالى : ( هُوَ اللّهُ ، الْخالِقُ ، الْبارِئُ ، الْمُصَوِّرُ).
. ولا فرق فى منع العطف فى النعوت المتفقة المعانى بين أن تكون كلها تابعة فى إعرابها للمنعوت ، وأن تكون مقطوعة ، وأن يكون بعضها تابعا وبعضها مقطوعا.أما إذا كانت النعوت المتعددة جملا (4)فالأفضل عطفها ؛ ولا يشترط اتفاقها فى المعنى أو اختلافها ؛ نحو : أحترم رجلا يترفع عن الصغائر ، ويتوقى مواطن السوء ، ويجنّب نفسه الهوان.
(2) ألّا يكون حرف العطف هو : «أم» ، أو : «حتى» ؛ إذ لا تعطف النعوت بواحد منهما (5).
(3) وإذا كانت النعوت مختلفة المعانى والمنعوت مثنى أو جمعا ، وجب - فى الأكثر - العطف بحرف الواو دون غيره - كما سبق (6)- نحو : تحدث الفائزان ؛ .
1) وقول الشاعر فى ظالم :
2) أما شبه الجملة ففى حكم المفرد إذا كان متعلقه مفردا.
3) الا إذا كان العطف للتفسير الذى يراد به إيضاح الغامض ، أو المجهول ، كما قد يحصل - أحيانا - ولا غامض ولا مجهول هنا.
4) أما شبه الجملة ففى حكم المفرد إذا كان متعلقه مفردا.
5) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 2 من هامش ص 481.
6) فى ص 482.
العالم والمخترع - احترمت المتعلمات ، الناثرة ، والشاعرة ، والخطيبة ، والماهرة فى عملها ، والمتفننة فى نظامها. فإن كان المنعوت واحدا لم تجب «الواو» وصح أن يجىء الحرف المناسب أو لا يجىء.
وحرف العطف الذى يستخدم هنا يؤدّى - مع العطف - معنى من المعانى التى اختص بتأديتها على الوجه المشروح فى باب : «العطف» من أن الواو تفيد كذا ، والفاء كذا ، وثم ... و ...
وعند ما يتم عطف النعوت تصير «معطوفات» ، يجرى عليها اسم «المعطوف» وأحكامه الآتية فى بابه ، وتتخلى عن اسم : «النعت» وأحكامه الخاصة به (1).
لا يجوز تقدم النعت على المنعوت مع بقاء إعرابه نعتا كما كان قبل التقدم (2). فإذا تقدم زال عن كل منهما اسمه ؛ فإن كانا معرفتين ، وكان النعت صالحا لمباشرة العامل وجب عند تقدمه إعرابه على حسب حاجة الجملة ، ويصير - فى الغالب - : «مبدلا منه» ، ويعرب المنعوت بدلا. ففى مثل : (استعنت بمحمد الماهر فى تذليل العقبات ؛ فأعاننى ، وشاركه فى هذا علىّ الصديق) - نجد كلمتى : «الماهر» و «الصديق» نعتين ، وهما متأخرتان ، فإذا تقدمتا وقلنا : بالماهر محمد ، والصديق علىّ - صارتا بدلين ، وصار المنعوتان السابقان مبدلا منهما.
فإذا كانا نكرتين فالغالب - إن لم يوجد مانع آخر - نصب النعت على الحال عند تقدمه ، ويزول عنه اسم النعت ؛ كما يزول عن المنعوت اسمه ، ويصير
اسمه الجديد : «صاحب الحال» ؛ ففى مثل : (أينع زهر رائع. وفاح عطر جميل ...) نقول : أينع رائعا زهر ، وفاح جميلا عطر (1)...
1) سبقت الإشارة (فى ج 2 م 85 - هامش ص 374 - باب : «الحال») إلى أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا - فى الغالب - أى : ما لم يمنع مانع ؛ ذلك أن المنعوت النكرة قد يكون - أحيانا - كالمنعوت المعرفة فى إعراب نعته المتقدم بحسب العوامل مع إعراب المنعوت بدلا أو عطف بيان ؛ نحو : مررت بصارخ طفل ، واستمعت إلى خطيب غلام ... والأصل قبل تقديم النعت : مررت بطفل صارخ ، واستمعت إلى غلام خطيب. فنعت النكرة المتقدم عليها إنما يعرب حالا فى الغالب وليس بالواجب المطرد فى جميع الاستعمالات - على الأصح - وبهذا تخرج بعض الصور الممنوعة ؛ كالتى ذكرناها. وكالتى فى قولنا : جاء رجل أحمر ، ونحوه مما ليس منتقلا ؛ لأنه من الصفات الثابتة ... - راجع الصبان آخر باب النعت -.
ا - قد يقتضى المعنى أن يقع قبل النعت المفرد : «لا» النافية ، أو : «إمّا». وعندئذ يجب تكرار هذين الحرفين ، مع اقترانهما بالواو العاطفة التى تعطف ما بعدهما على النعت الذى قبلهما ؛ نحو : زاملت أخا لا غادرا ، ولا خائنا ... - تخيّر مصيفا ؛ إما ساحليّا ، وإما جبليّا (1)...
ب - يجوز نعت النعت عند سيبويه ، ويمنعه آخرون. والحق أن النعت قد يحتاج إلى نعت أحيانا ؛ مثل : هذا ورق أبيض ناصع ، (أى : شديد البياض) ، فالورق يشتمل مدلوله على جسم ولون مطلق ، والنصاعة إنما هى تحديد للونه ... ونحو : هذا وجه مشرق أىّ إشراق!! ناضرة وجنتاه كاملة النّضرة.
بل إن من النعت ما لا يسمى نعتا إلا إذا كان موصوفا ؛ وهذا هو : النعت «الموطّىء» - وقد سبق الكلام عليه (2)- ومن أمثلته الواردة : ألا ماء ماء باردا.
ح - إذا وقع النعت بعد المركب الإضافى (نحو : أقبل رسول الصديق العالم - هذا نجم الدين المضىء ...) ، فأين المنعوت؟ أهو المضاف إليه ، أم المضاف؟.
سبقت الإجابة مفصلة فى مكانها الأنسب ، (وهو «ج» ص 167 من باب : «الإضافة»).
د - سبق الكلام (3)على أحكام جليلة خاصة بالتوابع ، ومنها : حكم الفصل بين التوابع ومتبوعاتها ، كالفصل بين النعت والمنعوت.
ب - التوكيد (1)
التوكيد قسمان : معنوى ، ولفظى (2).
القسم الأول ؛ المعنوى (3):
إذا سمعنا من يقول : «وصل أحد العلماء إلى القمر» ، خطر بالبال عدة احتمالات ؛ منها : أنه وصل إلى قرب القمر ، دون الوصول إلى جرمه وذاته الحقيقية ، أو : أنه وصل إلى مداره ، أو إلى أسراره العلمية والفلكية ... ونتوهم أن المتكلم أراد أن يقول : - مثلا - وصل أحد العلماء إلى قرب القمر ، أو إلى مدار القمر. أو إلى أسرار القمر ... فحذف المضاف سهوا ، أو خطأ ، أو لأن حذفه هنا يؤدى إلى المبالغة أو المجاز (4)، وكلاهما أبلغ وأقوى فى تأدية المعنى من الحقيقة. هذا بعض ما يخطر بالبال عند سماع تلك العبارة ...
فلو أنه قال : وصل أحد العلماء إلى القمر نفسه ، لزالت - فى الأغلب (5)- تلك الاحتمالات وغيرها ، ولم يبق مجال لتوهم المبالغة ، أو المجاز بالحذف ، أو السّهو
1) وبسمى أيضا : التأكيد. والأول أشهر فى استعمال النحاة. (كما سيجىء فى ص 504). وسنعرض هنا لتوكيد «الاصطلاحى» الذى يقتصر عليه النحاة ، دون الأنواع الأخرى التى قد تفيد التوكيد ؛ (مثل إنّ ، وأنّ ، والحرف الزائد ، وكالقسم وغيره.) ولكنها لا تسمى توكيدا نحويا اصطلاحيا.
2) مدلول التوكيد اللفظى ، وكذا مدلول التوكيد المعنوى بالنفس والعين ، هو ذات المؤكّد. أى : أن التابع هو عين المتبوع وذاته ، وليس أمرا عرضيا مما يطرأ على المتبوع. أما التوكيد المعنوى بلفظ : «كل وجميع» فإن المراد منهما هو إفادة الشمول ... و ... (راجع الإشارة الخاصة بهذا فى هامش ص 438، بعنوان : «ملاحظة هامة».).
3) سيجىء القسم الثانى اللفظى فى ص 525.
4) مجاز بالحذف ، أو : مجاز مرسل.
5) قلنا : فى «الأغلب» ... لأن الأمر قد يحتاج فى إزالة كل الاحتمال إلى تعدد التوكيد المعنوى.
أو غيره ؛ ولتركّز الفهم فى معنى حقيقى واحد : هو الوصول إلى جرم القمر ذاته ، بسبب كلمة : «نفس» التى منعت أن يكون هناك لفظ محذوف كالمضاف - مثلا - تنشأ عن ملاحظته وتخيله احتمالات مختلفة.
كذلك إذا سمعنا من يقول : «حفظت ديوان المتنبّى» فقد يخطر على البال سريعا أنه حفظ أكثره ، أو أحسنه ، أو حكمه ... وأنه لم يقصد الشمول الحقيقى حين قال : «حفظت ديوان المتنبىّ» ؛ وإنما قصد : حفظت أكثر ديوان المتنبىّ ، أو أحسن ديوان المتنبىّ ، أو أحكم ديوان المتنبىّ ... فحذف المضاف سهوا ، أو : خطأ ، أو لما فى حذفه هنا من مبالغة ، أو مجاز ، وكل منهما فى تأدية المعنى أبلغ وأقدر. فلو أنه قال : «حفظت ديوان المتنبىّ كلّه» ما ترك - فى الأغلب - حول الشمول الكامل مجالا لشىء من تلك الاحتمالات ، ولا لتخيّل شىء محذوف ؛ كالمضاف ، ولا لمبالغة ، أو مجاز ، أو نسيان ، ونحوه ؛ بل يتّجه الفهم إلى معنى واحد ؛ هو : حفظ الديوان كاملا غير منقوص. وقد نشأ هذا التركيز والاقتصار فى الفهم على المعنى الواحد من كلمة : «كلّ».
فكلمة : «نفس» فى المثال الأول وما شابهه ، وكلمة : «كلّ» فى الثانى وما شابهه ، - تسمى : «توكيدا معنويّا» ؛ فهو :
«تابع (1)يزيل عن متبوعه ما لا يراد من احتمالات معنوية تتجه إلى ذاته (2)
1) سبق - فى ص 434 - بيان معنى التابع. وأحكامه العامة ، وترتيبه مع نظرائه ، وكل ما يتصل به. ومن أهم أحكامه : أنه مثل متبوعه فى حركات الإعراب ، وجواز الفصل بينه وبين المتبوع على لوحه المشروح هناك ، بشرط ألا يكون المتبوع موصولا ؛ فإنه لا يصح الفصل بتابع بين الموصول وصلته مطلقا ... (طبقا لبيان التفصيلى. فى ج 1 م 27 ص 342 باب : الموصول) وأن النعت يجوز قطعه (كما تقدم فى بابه - ص486. ) كذا عطف البيان ؛ كما سيجىء عند الكلام عليه فى بابه ص 542 وكذلك عطف النسق فى الرأى الصحيح - وسيجىء فى ص 555 - أما التوكيد بنوعيه فلا يجوز القطع فيه مطلقا ؛ حتى كلمة : «كل» حين تصير نعتا فى بعض حالاتها التى تجىء فى ص 514 وقد أشار الصبان فى آخر «باب البدل» إلى رأى يجيز فى التوكيد القطع وهو رأى جدير بالإهمال. وأما البدل فيصح فيه القطع على الوجه الذى يأتى فى بابه (ص 677 «ه»).
2) المراد بالذات هنا : حقيقة الشىء الأصلية ، وجملته كاملة ؛ فتشمل الذات الحسية ؛ كالجسم ، وباقى المحسوسات ، كما تشمل الحقائق المعنوية المحضة ؛ كذات العلم ، وذات الفهم ، وذات الأدب ... - انظر ما يتصل بهذا فى رقم 4 من هذا الهامش -.
مباشرة ، أو إلى إفادته العموم والشمول المناسبين لمدلوله» (1)...
وإن شئت فقل : تابع يدلّ على أن معنى متبوعه حقيقى ؛ لا دخل للمبالغة فيه ، ولا للمجاز ، ولا للسّهو ، أو النسيان ، ونحوهما ...
فالغرض من التوكيد المعنوىّ هو إبعاد ذلك الاحتمال وإزالته ؛ إما عن ذات المتبوع ، وإما عن إفادته التعميم الشامل المناسب (2)لمدلوله ، فإن لم يوجد الاحتمال لم يكن من البلاغة التوكيد.
ألفاظه الأصلية سبعة ، وقد تلحق بها - أحيانا - ألفاظ فرعية أخرى سنعرفها (3). والسبعة الأصلية ثلاثة أنواع :
الأول : نوع يراد منه إزالة الاحتمال عن الذات فى صميمها (4)، وإبعاد الشك المعنوى عنها. وأشهر ألفاظه الأصلية : نفس (5)
ويزيد بعض النحاة توضيح هذا .كما جاء في الخضرى عند الكلام على التوكيد بالنفس أو العين . بقوله : «(مرادا بهما جملة الشيء وحقيقته ، وإن لم يكن له نفس ولا عين حقيقة. فإن أريد بالنفس : «الدم» ، وبالعين : «الجارحة ، كسفكت زيدا نفسه ، وفقأت زيدا عينه ، لم يكونا توكيدا ؛ فهما في المثال بدل بعض ..)» اه. .
-انظر ما يتصل بهذا فى رقم 2 من هامش الصفحة السابقة ..
، وعين (6)ويزيد بعض النحاة توضيح هذا .كما جاء في الخضرى عند الكلام على التوكيد بالنفس أو العين . بقوله : «(مرادا بهما جملة الشيء وحقيقته ، وإن لم يكن له نفس ولا عين حقيقة. فإن أريد بالنفس : «الدم» ، وبالعين : «الجارحة ، كسفكت زيدا نفسه ، وفقأت زيدا عينه ، لم يكونا توكيدا ؛ فهما في المثال بدل بعض ..)» اه. .
-انظر ما يتصل بهذا فى رقم 2 من هامش الصفحة السابقة ..
. ومن الأمثلة قول أحد الرّحالين : (... رأيت الساحر الهندىّ نفسه - وهو المعروف بالأعيبه وحيله - يقبض على الجمرة عينها بأصابعه العارية ، ويظل كذلك دقائق كثيرة ...) ، فكلمة : «نفس» أزالت - فى الأغلب - الشك والمجاز عن ذات الساحر ، فلم1) المراد من العموم المناسب للمدلول هنا : يشمل إزالة الاحتمال عن التثنية المقصودة حقيقة ، لا مجازا ، كما يشمل إزالة الاحتمال عن الجمع المقصود حقيقة ، لا مجازا. (ثم انظر «ب» من ص 507).
2) المراد من العموم المناسب للمدلول هنا : يشمل إزالة الاحتمال عن التثنية المقصودة حقيقة ، لا مجازا ، كما يشمل إزالة الاحتمال عن الجمع المقصود حقيقة ، لا مجازا. (ثم انظر «ب» من ص 507).
3) فى ص 517.
4) أى : فى حقيقتها المادية (وهى المحسوسة - غالبا -) لا فى أمر عرضى مما يطرأ عليها.
5) ليس المقصود هنا من «نفس» الشىء أو : «عين» الشىء مقصورا على حقيقته المادية المحسوسة (أى : التى ندركها بإحدى الحواس) وإنما المقصود عام يشمل تكوينه المادى المحسوس كما يشمل تكوينه الذاتى الأصيل غير المحسوس بإحدى الحواس، مثل : العلم - الفهم - الصدق.
6) ليس المقصود هنا من «نفس» الشىء أو : «عين» الشىء مقصورا على حقيقته المادية المحسوسة (أى : التى ندركها بإحدى الحواس) وإنما المقصود عام يشمل تكوينه المادى المحسوس كما يشمل تكوينه الذاتى الأصيل غير المحسوس بإحدى الحواس، مثل : العلم - الفهم - الصدق.
تترك مجالا لتوهم أن المقصود شىء آخر غيرها ؛ كخادمه ، أو صبيه ، أو : أداته. أو شبيهه ... وإنما المقصود هو ذاته ، دون مبالغة ، أو مجاز ، ودون إرادة شىء سواها. وكذلك كلمة : «عين» فإنها أفادت النص على الذات ، وأبعدت عنها - فى الأغلب - كل احتمال يقوم على تلك المبالغة ، أو المجاز ، أو إرادة معنى لا يتصل بصميمها مباشرة. وهذا معنى قولهم : إن التوكيد بالنفس أو بالعين يقصر المعنى الحقيقى على الذات وحدها ، ويركزه فيها ، ويزيل - فى الأغلب - كل احتمال عنها آخر.
وإذا وقعت كلمة : «عين ، أو نفس» ، تابعة على هذا الوجه ، سميت فى اصطلاح النحاة «توكيدا». أو : تأكيدا : أو «مؤكّدة» - بكسر الكاف - والأول هو الأشهر ، وسمى متبوعها : مؤكّدا - بفتح الكاف - وهذا هو الشأن فى جميع ألفاظ التوكيد.
إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكّد ، وأن تكونا مثله فى الضبط الإعرابى ، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور - حتما - يطابق هذا المؤكّد فى التذكير والإفراد وفروعهما ؛ ليربط بين التابع والمتبوع. تقول : صافحت الوالى نفسه - صافحت الواليين أنفسهما - صافحت الولاة أنفسهم - صافحت الوالية عينها - صافحت الواليتين أعينهما - صافحت الواليات أعينهن. وهذا الضمير لا يجوز حذفه ولا تقديره (1)
بالنّفس ، أو بالعين الاسم أكّدا *** مع ضمير طابق الموكّدا
وهذا الضمير لا بد من ذكره هنا وفى كل نوع من أنواع التوكيد المعنوى الآتية. ولا يصح حذفه مطلقا فى حالة هذا التوكيد.
...فإن لم يتقدم المتبوع ، أو لم يوجد الضمير المضاف إليه ، المطابق - لم يصح إعرابهما توكيدا ، بل يجب إعرابهما شيئا آخر على حسب الجملة ، (مبتدأ ، أو خبرا ، أو بدلا ، أو عطف بيان ، أو مفعولا به ، أو غيره (2)..). ومن أمثلة المفعول به :
من عاتب الجهال أتعب نفسه
ومن لام من لا يعرف اللوم أفسدا
ومما يلاحظ أن المطابقة ، حين يكون المؤكّد بهما جمعا تقتضى أن يجمعا جمع تكسير للقلة على وزن : «أفعل» ، فقط ، ومنع أكثر النحاة الجموع الأخرى التى للقلة والكثرة ، فلا يصح : جاء الولاة نفوسهم ، ولا عيونهم ...... وبناء على هذا الرأى لا بد أن تكون صيغتهما على وزن «أفعل» مع إضافتهما لضمير الجمع (1).
أما إذا كان المؤكّد مثنى فالأفصح جمعهما على وزن القلة السابق وهو : «أفعل» فيقال أنفسهما - أعينهما. لكن يصح إفرادهما وتثنيتهما ؛ فيقال : نفسهما - عينهما - أو : نفساهما - عيناهما (2)
وبهذه المناسبة نذكر ضابطا لغويا مفيدا - (سبق تسجيله فى ج 1 م 9 بهامش ص 110) - مضمونه : أن كل مثنى فى المعنى ، مضاف إلى متضمّنه (بكسر الميم الثانية المشددة ، وصيغة اسم الفاعل ، أى : إلى ما اشتمل على المضاف) يجوز فيه الإفراد ، والتثنية ، والجمع ؛ نحو : قوله تعالى : ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما. ) ونقول : تصدقت برأس الكبشين - أو : رأسى الكبشين - أو رءوسهما. وإنما فضل الجمع على التثنية لأن المتضايفين كالشىء الواحد ؛ فكرهوا الجمع بين تثنيتهما ، ولأن المثنى جمع فى المعنى. وفضل الجمع على الإفراد لأن المثنى جمع فى المعنى ، والإفراد ليس كذلك ، فهو أقل منه دلالة على المثنى.
هذا ما نقله بعض النحاة - كالصبان ، ج 3 والخضرى ج 3 ، فى أول باب التوكيد منهما - وينطبق ما تقدم على : «النفس والعين» المستعملتين فى التوكيد ؛ خضوعا للسماع الوارد فيهما ، لا تطبيقا للضابط السالف ؛ فقد قال الصبان فى الموضع المشار إليه : إن إضافتهما ليست لمتضمّنهما ، بل إلى ما هو بمعناهما ؛ لأن المراد منهما «الذات». وفى ص 145 م 11 من الجزء الأول أيضا ضابط آخر لشارح المفصل فيه بعض المخالفة لما هنا.
. ومهما كان وزن الصيغة فى التثنية فلابد من إضافتهما إلى ضمير المثنى ؛ ليطابق المؤكّد (3)واجمعهما «بأفعل» إن تبعا *** ما ليس واحدا تكن متّبعا
أى : إن كانا تابعين (مؤكّدين) لغير الواحد ؛ وهو المثنى والجمع - فجىء بهما مجموعين على صيغة : «أفعل» لتكون متبعا للنهج الصحيح.
... .1) وفريق من النحاة يجيز فى كلمة : «عين» المستعملة فى التوكيد جمعها للقلة على «أعيان» لكن الكثير الفصيح هو وزن : «أفعل» ويحسن الاقتصار عليه ؛ متابعة للمطرد فى كلام العرب.
2) يفهم مما سبق صحة الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، فى كلمتى : «النفس والعين» إذا وقعت إحداهما توكيدا للمثنى. ولا بد من إضافتهما للضمير ...
3) وفى هذا يقول ابن مالك :
هذا ، ويصح التوكيد بالنفس والعين معا ، ولكن بغير حرف عطف (1)، ويجرى عليهما مجتمعين من حكم الإضافة للضمير المطابق ، وتقدم المتبوع ، ومسايرته فى الضبط الإعرابى ، وباقى أحكام التابع - ما يجرى على إحداهما منفردة ؛ نحو : قابلت الوالى نفسه عينه - قبض الساحر على الجمرة نفسها عينها. ويجب - فى الرأى الأقوى - عند اجتماعهما تقديم النفس على العين (2)...
ا - تنفرد كلمتا : «نفس» ، و «عين» دون بقية ألفاظ التوكيد المعنوى (1)
وفي ص 512 بعض أحكام عامة تنطبق علی النفس والعين.
، بجواز جرهما بالباء الزائدة ؛ تقول : (ذهب الوالى نفسه ، أو بنفسه ، لمحاربة الخوارج) - (أبصرت الوالى نفسه ، أو بنفسه ، يحارب الخوارج) - (نظرت إلى الوالى نفسه ، أو بنفسه ، وهو فى الميدان) ... فكلمة ؛ «نفس» توكيد مجرور بالباء الزائدة فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالة المتبوع. ويصح فى الأمثلة السالفة - وضع كلمة : «عين» مكان : «نفس» فلا يتغير الحكم ، وتعرب مع حرف الجر مثلها ؛ توكيدا مجرورا فى لفظه ، ولكنه فى المحل تابع للمؤكّد (أى : للمتبوع) (2).ب - إذا كان المتبوع (المؤكّد) كنية لوحظ فى معنى التوكيد وإعرابه ما سبقت الإشارة إليه (فى : «ا» من ص 444) سواء أكان بلفظ : «نفس ، أو عين أو غيرهما ، مما يصلح من ألفاظ التوكيد المعنوى.
1) سبقت الإشارة لهذا - فى ج 2 م 90 ص 456 ، باب : «حروف الجر» - وسيجىء (فى ص 521) عند الكلام على ألفاظ الشمول دخول هذه الباء على «أجمع» ولكنها هناك الباء الزائدة وجوبا ، اللازمة ؛ كالداخلة على «أفعل» فى التعجب من جهة وجوب زيادتها ، وعدم مفارقتها. أما «الباء» الزائدة هنا فدخولها جائز، وبقاؤها غير لازم.
2) سبقت الإشارة لهذا عند الكلام على زيادة «الباء» الجارة (ج 2 ص 458 م 90 باب حروف الجر). كما سبق بيان بعض المراجع لهذا ، ومنها : «المغنى» (- ج 1 عند الكلام على «الباء» المفردة) و «الصبان» عند الكلام عليها فى باب : «حروف الجر».
نوع يراد به إزالة الاحتمال والمجاز عن التثنية ، وإثبات أنها هى - وحدها - المقصودة حقيقة. وله لفظان : «كلا» للمثنى المذكر ، و «كلتا» للمثنى المؤنث ، نحو : أفاد الخبيران كلاهما ، ونفعت الخبيرتان كلتاهما. فلو لم تذكر «كلا» و «كلتا» لكان من المحتمل اعتبار التثنية غير حقيقية ، وأن المقصود بالخبيرين أحدهما ، وبالخبيرتين إحداهما ... فمجىء «كلا» بعد المثنى المذكر ، و «كلتا» بعد المثنى المؤنث - يكاد يقطع فى أصالة التثنية بفهم لا شك فيه ولا احتمال ، ويدل - فى الأغلب - على أن المراد هو الدلالة على التثنية الحقيقية التى تنصبّ على اثنين معا ، أو اثنتين معا (1).
لابد عند استعمالهما فى التوكيد أن يسبقهما «المؤكّد» ، وأن يكون ضبطهما كضبطه ، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور يطابقه فى التثنية - ليربط بينهما - كما فى الأمثلة السالفة. وهذا الضمير لا يصح حذفه ولا تقديره. فإذا تحققت الشروط ، وصارتا للتوكيد وجب إعرابهما إعراب المثنى (2)، فيرفعان بالألف ، وينصبان ويجران بالياء المفتوح ما قبلها ، المكسور ما بعدها ؛ نحو : أفادنى الوالدان كلاهما - أحببت الوالدين كليهما - دعوت اللّه للوالدين كليهما. نفعتنى الجدّتان كلتاهما - أطعت الجدّتين كلتيهما - استمعت إلى نصح الجدتين كلتيهما.
ولما كان الغرض من التوكيد بكلا وكلتا هو ما سلف ، كان من المستقبح بلاغة (3)أن يقال : تخاصم الرجلان كلاهما ، والمرأتان كلتاهما ، حيث لا مجال
1) ولا فرق بين أن تكون التثنية على سبيل التفريق - وهذه لا تسمى تثنية اصطلاحا - أو على غير سبيله ؛ نحو : فاز الأول والثانى كلاهما ، وفازت الأولى والثانية كلتاهما - وفاز السابقان كلاهما وفازت السابقتان كلتاهما.
2) هما من الألفاظ الملازمة للإضافة ، الملحقة فى إعرابها بالمثنى. وقد سبق تفصيل شامل فى إعرابهما. ومن المفيد الرجوع إليه (فى ص 98 وما بعدها ، وفى الجزء الأول ص 79 م 9 عند الكلام على المثنى وملحقاته). من ذلك التفصيل تتبين أمور هامة ؛ فى مقدمتها : أنه لا يصح إعرابهما توكيدا إلا بعد تحقق الشروط الخاصة بهذا. لكن لا يلزم من تحقق الشروط إعرابهما توكيدا ؛ فقد يعربان توكيدا أو لا يعربان على حسب ما تقضى به الدواعى الأخرى.
3) يغالى بعض النحاة فلا يجيزه مطلقا.
لاحتمال التخاصم من أحدهما دون الآخر ؛ لأن التخاصم لا يتحقق معناه إلا بوقوعه من اثنين حتما ؛ فلا فائدة من صيغة التوكيد هنا ، ومثله : تقاتل اللصانّ ، وتحارب العدوان ، وأشباه هذا من كل ما يخلو من الاحتمال ، ويدل على «المفاعلة» الحقيقية ، أى : المشاركة الحتميّة بين شيئين ...
نوع يراد منه إفادة التعميم الحقيقى المناسب لمدلوله المقصود ، وإزالة الاحتمال عن الشمول الكامل. وأشهر ألفاظه ثلاثة : (كلّ - جميع - عامّة). وأقواها فى التوكيد ، وأكثرها أصالة ، هو : كلّ ، ثم جميع ، ثم عامة - نحو : قرأت ديوان المتنبى كلّه ، واستوعبت قصائده كلّها. فلو لم نأت بكلمة : «كلّ» لكان من المحتمل أن المراد من المقروء ومن المستوعب ، هو : الأكثر ، أو الأقل ، أو النصف ، أو غير ذلك ؛ إذ ليس فى الكلام ما يدل على الإحاطة الكاملة ، والشمول الوافى. فمجىء لفظ : «كلّ» (1)منع - فى الأغلب - الاحتمالات ، وأفاد الإحاطة والشمول بغير مبالغة ولا مجاز (2)...
ومثل هذا : غردت العصافير جميعها لاستقبال الصبح. فلو لم تذكر كلمة : «جميع» لكان من المحتمل أن المراد هو تغريد أكثرها ، أو بعض منها ... إذ ليس فى الكلام ما يقطع بالدلالة على الإحاطة والشمول ، فلما جاءت كلمة : «جميع» أزالت - فى الأغلب - الاحتمال ، وأفادت العموم القاطع.
ومثلها كلمة : «عامة» (والتاء فى آخرها زائدة لازمة لا تفارقها فى إفراد ، ولا فى تذكير. ولا فى فروعهما. وهى للمبالغة ، وليست للتأنيث) ، تقول : حضر الجيش عامّته - حضر الجيشان عامّتهما - حضر الجيوش عامّتهم - حضرت الفرقة عامّتها - حضرت الفرقتان عامّتهما - حضرت الفرق عامّتهن ...
حكمها :
لابد فى استعمال كل لفظ من هذه الثلاثة فى التوكيد أن يسبقه المؤكّد ، وأن
1) «كل» المستعملة فى التوكيد قد تفيد الدلالة على «الكل المجموعى» أو : «الكل الجميعى» طبقا للبيان الآتى فى رقم 6 من هامش ص 512 وهى فى الحالتين تختلف فى معناها وحكمها عن كلمة : «كل» المستعملة نعتا. والتى سبق الكلام عليها فى رقم 4 من ص 466.
2) انظر «الملاحظة» التى فى ص 515 بشأن المراد من «الشمول» وأحواله فى الألفاظ الدالة عليه ؛ مثل : كل - جميع - عامة ...
يكون المؤكّد مماثلا له فى ضبطه ، ومضافا إلى ضمير مذكور حتما ، يطابقه فى الإفراد والتذكير وفروعهما ؛ ليربط بينهما ، وأن يكون المؤكّد ، إما جمعا له أفراد (1)، وإما مفردا يتجزأ بنفسه ، أو بعامله (2). فمثال الجمع المؤكّد : حضر الزملاء كلهم ، أو : جميعهم ، أو عامتهم - كرّمت الزميلات كلّهن - أو جميعهن ، أو عامتهن ، ومنه قول الشاعر :
لولا المشقّة ساد الناس كلّهم *** الجود يفقر ، والإقدام قتّال
ومثال المفرد الذى يتجزأ بنفسه : قرأت الكتاب كلّه ، أو : جميعه ، أو : عامّته. ومثال المفرد الذى يتجزأ بعامله اشتريت الحصان كله ، أو : جميعه ، أو : عامته.
لما سبق كان من المستقبح أن يقال : جاء الأخ كله - مثلا - لعدم الفائدة من التوكيد ؛ إذ يستحيل نسبة المجىء إلى جزء منه دون آخر (3)
و «كلّا» اذكر فى الشّمول و «كلا» *** «كلتا» ، «جميعا» بالضّمير موصلا
واستعملوا أيضا ككلّ : «فاعله» *** من : «عمّ» فى التوكيد ، مثل : النّافله
يريد : اذكر عند إرادة الشمول لفظة التوكيد الدالة على الشمول ، وهى «كل» و «كلا» و «كلتا» (وهذان لإفادة الشمول فى المثنى) و «جميعا» ، ولا بد من وصل لفظ التوكيد بالضمير المطابق. ثم قال بعد ذلك إن العرب استعملت فى الدلالة على الشمول لفظا آخر يفيد ما يفيده لفظ «كل» ؛ وهذا اللفظ الآخر على وزن : «فاعلة» من الفعل : عمّ ، وهو : عامة (لأنها من غير ملاحظة الإدغام - على وزن : فاعلة) ، وأراد بقوله : «مثل النافلة» ، أنها على مثال : «نافلة» فى الوزن ، وفى ثبات التاء فى جميع الأحوال ، تذكيرا ، وتأنيثا ، وإفرادا ، وغير إفراد. فهذه التاء لازمة لا تتغير بحال.
... ومال أكثر النحاة إلى منع هذا وأمثاله ، ولم يكتفوا باستقباحه. ل.1) ما الحكم فى فاعل «نعم وبئس» ونظائرهما إذا كان مقترنا بالأداة التى تفيده «العموم» ، وهى : «أل الجنسية ، أو العهدية»؟ أيجوز توكيده بأحد تلك الألفاظ الدالة على الشمول الكامل والعموم الحقيقى؟ الإجابة عن هذا السؤال الهام مفصلة فى «ا» ص 369 ثم ص 374 وهامشيهما.
2) المراد بما يتجزأ بنفسه : ما يتكون من جملة أجزاء يمكن أن يستقل كل جزء منها وحده بتحقيق الفائدة منه من غير توقف على انضمامه إلى المجموع ؛ كالفضة - مثلا - فإنها تتكون من أجزاء كل جزء منها ينفع - بنفسه - فى شىء مطلوب ، وكذلك المال ، فإنه يتكون من دراهم ودنانير ، كل درهم أو دينار يؤدى منفعته من غير حاجة إلى انضمامه لنظير له. أما الذى يتجزأ بعامله فهو الذى له أجزاء لا ينفع الواحد فى أداء مهمته الأساسية إلا باتصاله بجزء آخر ؛ لأن أجزاءه متماسكة متصلة ، لا يصلح واحد منها لتحقيق الفائدة الأصيلة إلا حين يكون متصلا بباقى نظرائه. لكنه يتجزأ باعتبار آخر خارج عن ذاته الأصلية ، وذلك الاعتبار حين يقع عليه أثر عامل نحوى ومعناه ، ويكون هذا المعنى مما يتجزأ. خذ - مثلا - الحصان ؛ فإنه لا يمكن أن يتجزأ أجزاء يؤدى كل منها عمله الأصلى بعد التجزىء ، فإذا قلت : اشتريت الحصان ، أو بعت الحصان ... فإن الحصان معمول للفعل : اشترى ، أو : باع ، وكل من الشراء والبيع يتجزأ ؛ إذ يمكن شراء نصف الحصان ، أو ربعه ، أو ثلثه ... و ... وكذلك بيعه ، فالعامل - كما نرى - يتجزأ ؛ لهذا يصح أن يقال : اشتريت الحصان كله ، واستأجرت الخادم كله. والساقية كلها ، والسيارة كلها ...
3) وفى ألفاظ الشمول الخمسة الأصلية يقول ابن مالك :
وكل واحد من الألفاظ الثلاثة لا يفيد اتحاد الوقت عند وقوع المعنى على أفراده (1)؛ ففى مثل : حضرت الوفود كلها - يصح أن يكون حضورها فى وقت واحد ، أو فى أوقات متباينة ، ومثل : غاب الجنود كلهم ... ، يصح أن يكون الغياب فى وقت واحد ، أو فى أوقات متعددة. وهكذا ، فهى فى معناها تفيد العموم المطلق من غير زيادة محتومة عليه ، أما ما زاد عليه فلا يفهم إلا بقرينة أخرى.
ويلحق بهذا النوع : ألفاظ العدد التى تفيد العموم (2)تأويلا ، لا صراحة ؛ وهى الأعداد المفردة (وتتركز فى 3 و10 وما بينهما) فهذه الأعداد قد تضاف أحيانا إلى ضمير المعدود ، نحو : مررت بالإخوان ثلاثتهم ، أو خمستهم أو سبعتهم ، أو ... ، بالنصب فى كل ذلك على الحال (3)؛ بتأويل : مثلّثا إياهم ، أو : مخمّسا ، أو مسبعا ...
ويصح إتباع اسم العدد لما قبله فلا يعرب حالا ، وإنما يعرب توكيدا معنويّا ؛ بمعنى : جميعهم ، ويضبط لفظ العدد بما يضبط به التوكيد المعنوى ، والصحيح أن هذا ليس مقصورا على العدد المفرد (كما يقول كثير من النحاة) ، بل يسرى على العدد المركب أيضا ؛ نحو : جاء القوم خمسة عشرهم (4)بالبناء على فتح الجزأين فى محل نصب. على الحال ، أو فى محل آخر يطابق فيه المتبوع (5).
1) وله فى هذا نظائر ستجىء فى ص 517.
2) ما سنذكره سبق تدوينه فى باب الحال ج 2 ص 297 م 84 - عند الكلام على الحال المعرفة - ويجىء كذلك فى ج 4 ص 397.
3) وهى من المواضع التى تقع فيها الحال معرفة.
4) وهى من المواضع التى تقع فيها الحال معرفة.
5) انظر ما يتصل بهذا ويوضحه ويبين مواقعه فى رقم 6 من هامش ص 512 بعنوان «ملاحظة».
ا - فى مثل قوله تعالى : ( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) ، تعرب كلمة : «جميعا» حالا ، ولا يصح إعرابها توكيدا ؛ لعدم وجود الضمير الرابط.
وفى قراءة من قرأ قوله تعالى : (إنا كلا فيها) ، لا يصح إعراب : «كلّا» توكيدا ، لعدم وجود الضمير ، وإنما تعرب بدلا من الضمير «نا» اسم : «إنّ» بدل كل من كل. وهذا هو الإعراب الأحسن ؛ إذ لا ضعف فيه ، ولا مانع يمنع من إبدال الاسم الظاهر من الضمير الحاضر (1)بدل كل من كل ... - (كما سيجىء فى باب البدل (2)ومنه : قمتم ثلاثتكم). وبدل الكل من الكل لا يحتاج لرابط من ضمير أو غيره.
ب - إذا اجتمع أكثر من مؤكد معنوىّ - بشرط وجود داع بلاغىّ (3)، يقتضى هذا الاجتماع - تقدمت (4)النفس على العين ، ويستحسن تأخير كلمة : «كل» عنهما ، ويليها كلمة : «جميع» ثم كلمة : «عامة» وإذا تعددت ألفاظ التوكيد فهى للمتبوع وحده (5)، ولا يصح - فى الرأى الأنسب - اعتبار واحد منها توكيدا للتوكيد. وهذا حكم عامّ فى جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة بها.
ح - قد تقع ألفاظ التوكيد المعنوى السبعة (وهى : نفس - عين - كلا - كلتا - كلّ (6)- جميع - عامة) معمولة لبعض العوامل ، ولا تعرب توكيدا - لعدم وجود المؤكّد - ؛ فتعرب على حسب حاجة ذلك العامل ، فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ ، أو خبرا ... و ... وبالرغم من امتناع إعرابها توكيدا -
1) أى : ضمير المتكلم أو المخاطب.
2) ص 682.
3) هذا الداعى هو إزالة الاحتمالات إزالة لا تتم إلا بهذه الكثرة. فإن كانت تتم بغيرها فلا داعى لتعدد التوكيد.
4) وجوبا أو استحسانا : تبعا للخلاف الذى سبق فى رقم 2 من هامش ص 506.
5) كما سيجىء فى رقم 4 من ص 503 وما قبلها مباشرة. ومنها نعلم أيضا عدم صحة مجىء حرف عطف قبل التوكيد مادام توكيدا ، وإلا صار معطوفا.
6) «ملاحظة» : قد تكون كلمة «كل» للتوكيد من غير أن تفيد الشمول والعموم الحقيقى ، كما فى قوله تعالى (ولقد آتيناه آياتنا كلها) ، فإن اللّه لم يطلعه على جميع آياته. وهذا لأن كلمة «كل» - كما يذكرون - قد يراد منها الكل المجموعى كالآية ، وقد يراد منها الكل الجميعى الذى يشمل الأفراد ، فردا فردا (كما سيجىء فى رقم 2 من هامش 517).
تظل فى حالتها الجديدة تؤدى معنى التوكيد كما كانت تؤديه من قبل ، مع أنها فى حالتها الجديدة لا تسمى فى اصطلاح النحاة توكيدا ، ولا تعرب توكيدا. وهذا كثير فى : «جميع» ، و «عامة» ؛ نحو : الزائرون انصرف جميعهم ، أو : عامتهم - الزائرون رأيت جميعهم ، أو : عامّتهم - الزائرون مررت بجميعهم ، أو بعامّتهم ...
أما : «كلّ» فيكثر وقوعها - عند فقد المؤكّد - بعد عامل الابتداء ، فتكون مبتدا ، ويقل وقوعها بعد غيره ؛ فمثال الأول : الحاضرون كلّهم نابه. ومثال الثانى قول الشاعر :
يميد (1)إذا والت عليه دلاؤهم *** فيصدر عنه كلّها ، وهو ناهل
وهذا من القليل الذى لا يحسن محاكاته ، لوقوعها فاعلا مع إضافتها للضمير (2).
ومن الأمثلة للثانى : الحاضرون تكلم كلّهم - الحاضرون سمعت كلّهم ، وأعجبت بكلهم ...
وكلمة : «كلّ» فى لفظها مفردة مذكرة دائما (3)، وإذا وقعت مبتدأ ، وأضيفت إلى نكرة - وجب فى الأغلب عند المطابقة مراعاة معنى النكرة فى خبر : المبتدأ : «كلّ» ؛ كقوله تعالى : ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) ،وقوله تعالى : ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) وقول جرير :
وكل قوم لهم رأى ومختبر *** وليس فى تغلب رأى ولا خبر
1) يميد ، أى يضطرب : والضمير عائد على ماء البئر.
2) وهناك سبب آخر ؛ هو أنه قد يحدث لبسا فى بعض الصور التى يحذف فيها المؤكّد الضمير (وسيأتى فى ص 522) مثل : الأسرة أكرمت كلها : أى : أكرمتها.
3) ولهذا إشارة فى رقم 2 من هامش ص 71 حيث تفصيل الكلام على إضافة «كل وما يترتب على هذا من تعريفها أو عدم تعريفها ، وحالة النعت بعد المضاف إليه ، أيكون للمضاف أم للمضاف إليه؟.
فإن أضيفت لمعرفة لم يلزم اعتبار المعنى ، وإنما يصح اعتباره أو اعتبار لفظ «كلّ» المفرد المذكر ؛ كقوله تعالى : ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً. ) وقوله عليه السّلام : «كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته» ونحو : كلكم هداة للخير ، وكلكم داعون إليه. وقول الشاعر :
كلّ العداوات قد ترجى إزالتها *** إلا عداوة من عاداك من حسد
وقول الآخر :
كل المصائب قد تمر على الفتى *** وتهون غير شماتة الحساد
وقد تقع بدلا كالتى فى الآية السابقة - ، فى ص 512 - على قراءة من قرأها (إنا كلّا فيها). وقد سبق أن قلنا (1)ما نصّه :
«إنها تقع نعتا بشرط إضافتها إلى اسم ظاهر ، مماثل للمنعوت فى لفظه ، وفى معناه معا - وهو الأغلب - أو مماثل لشىء له صلة معنوية قوية به ، فمثال الأول قول الشاعر :
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركمو *** يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
فكلمة : «كل» نعت للناس. ومثال الثانى قول الآخر :
وإن كان ذنبى كلّ ذنب فإنه *** محا الذنب كلّ المحو من جاء تائبا
فكلمة : «كلّ» - فى الشطر الثانى - نعت للذنب ، وهى مضافة إلى ما له صلة معنوية بالمنعوت.
«وإذا وقعت كلمة : «كل» نعتا صارت من الجامد المؤول بالمشتق ، وصار معناها : «الكامل» فى كذا (2)... وهو معنى يختلف عن معناها فى التوكيد». ا ه.
ولا يجوز فيها القطع فى حالتى استعمالها نعتا أو توكيدا - كما سبقت الإشارة
لهذا (1)- ولا داعى للأخذ بالرأى الذى يبيح استعمالها توكيدا فى الصورة السالفة التى تضاف فيها لاسم ظاهر مماثل لما قبلها على الوجه الذى شرحناه (2)، لأن فى الأخذ به خروجا على الكثير الفصيح من كلام العرب الذى يضيفها عند التوكيد إلى ضمير مطابق للمؤكّد (المتبوع) - أما المضافة للظاهر فلها معنى آخر ، وتأويل مغاير ، كما رأينا.
«ملاحظة» : يقول الصبان فى هذا الموضع من باب : «التوكيد» ما نصّه :
(«اعلم أنّ «كلّا» وشبهها فى إفادة شمول كل فرد ، إن كانت داخلة فى حيّز النفى - بأن أخّرت عن أداته لفظا ؛ (نحو : «ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه ...» ، وما جاء كل القوم ، وما جاء القوم كلّهم ، ولم آخذ كلّ الدراهم ، ولم آخذ الدراهم كلّها ...) أو رتبة ؛ (نحو : كلّ الدراهم لم آخذ ، والدراهم كلها لم آخذ ...) توجّه النفى إلى الشمول خاصة ، وأفاد سلب العموم. وإلا بأن قدّمت على أداته لفظا ورتبة توجّه النفى إلى كل فرد ، وأفاد عموم السّلب ؛ كقوله عليه الصلاة والسّلام : «... كل ذلك لم يكن ...». وكالنفى النهى. قال التفتازانى : «والحقّ أن الشق الأول أكثرىّ لا كلىّ ؛ بدليل قوله تعالى : ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. ) وقوله : ( وَاللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. ) - وقوله : ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. ) ا ه. كلام الصبان.
وأما «كلا» و «كلتا» فيكثر - عند فقد المؤكّد - وقوعهما بعد عامل الابتداء ، ويقل بعد غيره (فهما من هذه الناحية مثل : «كلّ») ؛ فمثال الأول : الحاضران كلاهما (3)نابه - الحاضرتان كلتاهما نابهة ... ومثال الثانى ما قاله بعض الأعراب وقد خير بين شيئين : «كليهما وتمرا». يريد : أعطنى كليهما وتمرا (4). وفى هذه الصور وأشباهها يفيدان معنى التوكيد ، لكن لا يصح إعرابهما توكيدا.
وأما «نفس» و «عين» فالصحيح - عند فقد المؤكّد وقوعهما معمولين
د - فى جميع أنواع التوكيد المعنوى لا يصح اتحاد توكيد المتعاطفين إلا إذا اتحد عاملاهما معنى ، فلا يقال غاب المسافر ، وحضر الغائب كلاهما. فإن اتحد معنى العاملين صح اتحاد توكيد المتعاطفين ، ولو كان لفظ العاملين مختلفا ؛ نحو : ذهب المسافر ، وانطلق الصانع كلاهما.
ه - يجوز الفصل بين المؤكّد والمؤكّد بغير أجنبى محض من العامل ؛ طبقا للبيان الشامل الذى سلف (5)- ومنه قوله تعالى : ( وَلا يَحْزَنَّ ، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ ، كُلُّهُنَّ ... ) ، وقد اختلفت النحاة فى الفصل بالحرف : «إمّا» ، والأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيحه فيقول : سأسعد بالقوم إمّا كلّهم ، وإما بعضهم ...
و - سبقت الإشارة (6)إلى أنه لا يجوز - فى أصح الآراء - قطع التوكيد مطلقا (7)حتى كلمة : «كل» إذا صارت نعتا وجب إتباعها ، وعدم قطعها.
ألفاظ التوكيد الملحقة (1)بالثلاثة :
هناك ألفاظ ملحقة بالثلاثة السالفة الدالة على الإحاطة والشمول ، وهذه الملحقة هى : أجمع - جمعاء - أجمعون - جمع -.
وإنما سميت ملحقة لأن الكثير الفصيح فى استعمالها أن تقع مسبوقة بلفظة : «كلّ» التى للتوكيد أيضا ، ومطابقة لها ، ومقوّية لمعناها (2)؛ وذلك بأن تقع : «أجمع» بعد : «كلّ» ، و «جمعاء» بعد : «كلها» ، و «أجمعون» بعد : «كلهم» ، و «جمع» بعد : «كلهن» ، مثل : حصدت الحقل كلّه أجمع - - سافرت الأسرة كلها جمعاء - أقبل الضيوف كلهم أجمعون - أقبلت الفتيات كلّهن جمع (3)
وبعد كلّ أكّدوا بأجمعا *** جمعاء ، أجمعين ، ثمّ جمعا
أى : بعد لفظة : «كل» التى للتوكيد استعمل العرب الألفاظ التى تجىء بعدها لتقوية التوكيد بها ، وسرد تلك الألفاظ .. علما بأن كل واحد منها يستعمل مع مؤكّد (متبوع) يخالف ما يستعمل مع الآخر ...
...ومن الجائز - مع قلته (4)وفصاحته - أن تستقل كل واحدة من هذه الألفاظ الملحقة ، فتقع توكيدا غير مسبوقة بكلمة : «كل» التى أوضحناها. نحو : استوعبت النصح أجمع - استظهرت القصيدة جمعاء - صافحت الزائرين أجمعين (5)- أكرمت الزائرات جمع.
ولا تدل كلمة : «أجمعين» وأخواتها على اتحاد الوقت عند وقوع .
1) وهى التى أشير لها فى ص 503 - والثلاثة السالفة موضحة فى ص 509.
2) وقد تزيل عنها احتمال عدم الشمول الكامل ، لأن لفظة : «كل» قد يراد منها : «الكل المجموعى» وليس «الكل الجميعى» على الوجه السابق الموضح لهما ، فى رقم 6 من هامش ص 512.
3) وفيما سبق يقول ابن مالك :
4) قلة نسبية ، وليست قلة ذاتية تمنع القياس ، فهى قلة بالنسبة للصورة الأخرى التى لا استقلال فيها. (راجع رقم 2 من هامش ص 79 حيث إيضاح القلة بنوعيها).
5) من الجائز إعراب : «أجمعين» حالا ، ولكن المعنى يختلف عن إعرابها توكيدا ، فعلى إعرابها حالا يكون المعنى «مجتمعين» أى : فى حالة اجتماعهم ، وعدم تفرقهم. وعلى إعرابها توكيدا يكون المعنى على الشمول والإحاطة ، وأن الإكرام شملهم فردا فردا. فبين المعنيين فرق واضح ، ومن الواجب عند الإعراب ملاحظة المعنى المراد دائما ، لأن الإعراب لا بد أن يجارى المعنى المقصود.
المعنى على الأفراد ؛ فهى مثل : «كل» وأخواتها ، فى إفادة العموم المطلق دون زيادة عليه (1). فإذا قلنا : قابلت الزائرين أجمعين فقد تكون المقابلة فى وقت واحد أو فى أوقات مختلفة.
والفصيح الذى يحسن الاقتصار عليه عدم تثنية : «أجمع» و «جمعاء» ، فلا يقال : أفادنى الكتابان أجمعان ، ولا أنشدت القصيدتين جمعاوين ، لأن أكثر العرب استغنوا «بكلا» و «كلتا» عن تثنية أجمع وجمعاء (2)
ودون كلّ قد يجىء أجمع *** جمعاء ، أجمعون ، ثمّ جمع
ثم يذكر - بعد بيت آخر - الحكم بمنع تثنية «أجمع» ، وجمعاء ، استغناء عن تثنيتهما بكلا وكلتا :
واغن بكلتا فى مثنّى ، وكلا *** عن وزن «فعلاء» ووزن «أفعلا»
(اغن بمعنى : استغن). وسيجىء هذا البيت لمناسبة أخرى فى ص 522.
...وهناك ألفاظ أخرى للتوكيد ، تجىء - مجتمعة أو غير مجتمعة - مرتبة وجوبا بعد «أجمع» وفروعها ، وهى بمعناها ، وتعد من الملحقات أيضا مثلها ، وتفيد فائدتها فى تقوية معنى : «كلّ» - إن وجد فى الكلام لفظ : «كل» (3)- وإزالة الاحتمال عن شمولها ؛ فيجىء بعد «أجمع» لفظ بمعناه وفائدته ؛ هو : «أكتع» ، وإن شئنا الزيادة جئنا بعد «أكتع» ، بلفظ : «أبصع» ، ثم إن شئنا الزيادة جئنا بلفظ : «أبتع» أخيرا. ونأتى بعد : «جمعاء» ، بلفظ : كتعاء ، ثم بصعاء ، ثم بتعاء. ونأتى بعد : أجمعين ، بلفظ : (أكتعين ، ثم أبصعين ، ثم أبتعين) - مجموعة جمع مذكر سالما -. وبعد : «جمع» بلفظ : (كتع - بتع - بصع ...) مجموعة على وزن : «فعل» (4)فالمثال الذى يجمع لفظ التوكيد الأصلى هو : «كلّ» ويليه ملحقاته المختلفة - كاملة أو غير كاملة - مرتبة على الترتيب السالف وجوبا ، وهو : سافر الوفد كله ، أجمع ، أكتع ، أبصع ، أبتع - سافرت .
الكتيبة كلها جمعاء ، كتعاء ، بصعاء ، بتعاء - حضر المدعوون كلهم ، أجمعون ، أكتعون ، أبصعون ، أبتعون ، وحضرت المدعوات كلهن جمع - كتع - بصع - بتع. ويقاس على هذا غيرها من الصور التى تستعمل فى الإفراد والتذكير وفروعهما.
ويجب ملاحظة ما يأتى :
(1) أن جميع ألفاظ التوكيد الملحقة بالثلاثة الأصلية لا تضاف مطلقا (لضمير ولا لغير ضمير (1)) بخلاف ألفاظ التوكيد المعنوى الأصلية مثل : «كلّ» وسواها ؛ فلابد من إضافتها لضمير مطابق للمؤكّد ، كما عرفنا.
(2) أنّ جميع ألفاظ التوكيد المعنوى الأصلية والملحقة - معارف ، فأما الأصلية فإنها معارف بسبب إضافتهما إلى الضمير الرابط ؛ فهى تكتسب منه التعريف. وأما الملحقة فإنها معارف بالعلمية ، لأن كل لفظ منها هو «علم جنس» يدل على الإحاطة والشمول ؛ ولهذا لا يجوز نصبه على الحال - فى الرأى الصحيح (2)- ويجب منع الصرف فى : «أجمع» و «جمعاء» و «جمع» ، وكل ما كان من تلك الملحقات على وزن : فعل (3).
(3) أن ألفاظ التوكيد الملحقة إذا اجتمعت وجب ترتيبها على الوجه السابق ، وقبلها - فى الغالب - لفظة : «كلّ» ، ويجب إعراب لفظة : «كلّ» توكيدا للمؤكّد الذى قبلها - وكذلك بقية ما بعدها من الملحقات التى تجىء لتقويتها ، وإزالة الاحتمال عن شمولها ؛ فتعرب كل واحدة منها توكيدا معنويّا للمؤكّد (المتبوع) وليس التالى توكيدا للتوكيد الذى سبقه - فى الرأى الأنسب (4)
وهناك رأى يجعل لفظ التوكيد بعد كلمة : «كل» تأكيدا لها ، وتقوية لإفادتها الإحاطة والشمول. وقد
أشار إليه بعض الباحثين (ومنهم صاحب مجمع البيان فى علوم القرآن ج 1 ص 399) لكن الرأى الأول أحسن وأنسب.
-1) إلا كلمة : «أجمع» المسبوقة بالباء الجارة الزائدة لزوما (فى مثل : حضر الضيوف بأجمعهم) كما سيجىء فى ص 521.
2) إلا على رأى يجيز تأويله بالمشتق ، وليس بين الأعلام الجنسية ما يصح جمعه جمع مذكر سالما إلا ما كان منها دالا على الشمول التوكيدى ، نحو : «أجمع» وملحقاته ، فيقال ؛ «أجمعون وأجمعين» ... لأنه فى أصله مشتق (صفة) فهو فى أصله أفعل تفضيل أصالة (كما جاء فى الصبان ، ج 1 باب المعرب والمبنى عند الكلام على جمع المذكر).
3) كما سيجىء فى باب الممنوع من الصرف ج 4 ص 194 م 147.
4) راجع الأشمونى ، وانظر ما يتصل بهذا فى «ب» من ص 512.
ولا يصح عطف هذه الملحقات بعضها على بعض. أو على شىء قبلها ما دامت مستعملة فى التوكيد ؛ لأن جميع ألفاظ التوكيد المعنوى - الأصلية والملحقة - لا يصح أن يسبقها عاطف ؛ - كما سلف (1)-.
وكذلك لا يصح - فى الرأى الأصح - الفصل بين كلمة : «كل» وما يليها من هذه الألفاظ الملحقة المستعملة فى التوكيد - كما تقدم (2)-
(4) عرفنا (3)أن جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة إذا تعددت كانت توكيدا للمتبوع وحده ولا يصح أن يكون أحدها توكيدا للتوكيد -.
ا - من الأساليب الصحيحة - كما سبقت الإشارة (1)- جاء القوم بأجمعهم (بفتح الميم ، أو ضمها). فكلمة : «أجمع» هذه من ألفاظ التوكيد القليلة ، ولا بد أن تضاف إلى ضمير المؤكّد ، وأن تسبقها الباء الزائدة الجارة. وهى زائدة لازمة لا تفارقها. وتعرب كلمة : «أجمع» توكيدا مجرور اللفظ بالباء الزائدة اللازمة ، فى محل رفع ، أو نصب ، أو جر ، على حسب حالة المؤكّد (المتبوع). وهذا الإعراب أوضح وأيسر من إعرابها بدلا من المتبوع ، مجرورة اللفظ بالباء فى محل رفع ، أو : نصب ، أو : جر ؛ لأن صاحب هذا الإعراب لا يجعل «أجمع» هنا من ألفاظ التوكيد ، برغم أنها - عنده - تؤدى معناه وتضاف إلى ضمير مطابق للمؤكّد.
ب - تتلخص أهم الأحكام السابقة الخاصة بألفاظ التوكيد المعنوى فيما يأتى :
(1) وجوب تقدم المؤكّد (المتبوع). ومماثلة التوكيد له فى الضبط
(2) وجوب إضافة لفظ التوكيد إلى ضمير مطابق للمؤكّد إذا كان لفظ التوكيد أساسيّا ، لا ملحقا. وهذا الضمير لا يصح حذفه ولا تقديره.
(3) وجوب تطبيق أحكام التابع التى سبق بيانها ، (فى ص 435).
على ألفاظ التوكيد.
(4) امتناع وجود عاطف يدخل على لفظ التوكيد إذا أريد بقاؤه للتوكيد.
(5) عدم قطعه.
(6) إذا تعددت ألفاظ التوكيد كانت لتوكيد المتبوع وحده وروعى فى تقديم بعضها عن بعض ترتيب خاصّ.
(7) جميع ألفاظ التوكيد الأصلية والملحقة معارف.
1) فى هامش ، ص 507 ورقم 1 من هامش ص 519 وفى الجزء الثانى - باب «حروف الجر» م. 9 ص 456 -
ألفاظ التوكيد المعنوى معارف (1)بذاتها ، أو بإضافتها إلى الضمير المطابق للمؤكّد. (المتبوع). والنكرة تدل على الإبهام والشيوع ؛ فهما متعارضان تعريفا وتنكيرا.
لكن يجوز - فى الرأى الأصح - توكيد النكرة إذا أفادها التوكيد شيئا من التحديد والتخصيص ؛ يقربها من التعريف نوعا. وإلا لا يجوز ، لأنه لا فائدة منه.
وتتحقق استفادتها من التوكيد إذا اجتمع فيها أمران :
أولهما : دلالتها على زمن محدود بابتداء وانتهاء معينين معروفين ، كيوم وأسبوع ، وشهر ... ، أو على شىء معلوم المقدار ؛ كدرهم ، ودينار ... وثانيهما : أن يكون لفظ التوكيد من ألفاظ الإحاطة والشمول التى عرفناها ؛ تقول عملت يوما كلّه - وسافرت أسبوعا جميعه - وتنقلت شهرا عامّته ... وتبرعت بدينار كلّه ... وكقول الشاعر (2):
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب *** يا ليت عدّة حول كلّه رجب
وعلى أساس ما تقدم لا يصح : عملت زمنا كله - ولا أنفقت مالا كله ؛ لأن النكرة غير محدودة الوقت ، ولا معلومة المقدار. كما لا يصح ؛ عملت يوما نفسه ، أو عينه ؛ لأن لفظ التوكيد ليس من ألفاظ الإحاطة والشمول (3)
وإن يفد توكيد منكور قبل *** وعن نحاة البصرة المنع شمل
ثم سرد بعد هذا بيتا سبق تسجيله وشرحه فى مكانه الأنسب (ص 518) هو :
واغن بكلتا فى مثنّى ، وكلا *** عن وزن : «فعلاء» ووزن : «أفعلا»
....حذف المؤكّد (المتبوع) توكيدا معنويّا :
منعت جمهرة النحاة حذف المؤكّد (المتبوع) بحجة أن الحذف مناف
للغرض من توكيده توكيدا معنويّا. وأجاز آخرون الحذف ، بشرط أن يكون المؤكّد (المتبوع) ضميرا رابطا فى جملة الصلة ، أو : الصفة ، أو : الخبر ؛ نحو : جاء الذى أكرمت نفسه ، أى : أكرمته نفسه - جاء قوم أكرمت كلّهم ، أجمعين ، أى : أكرمتهم كلّهم أجمعين - الأسرة أكرمت (1)كلّها أجمعين ، أى : أكرمتها كلها أجمعين ، وحذفه - عند هؤلاء - فى الصلة أكثر من الصفة ، وفى الصفة أكثر من الخبر.
والأحسن الاقتصار على الرأى الذى يمنع الحذف جهد الاستطاعة ، لأن حجتهم أقرب إلى العقل والسّماع ، ورأيهم أبعد من اللبس والشك ، ولم يستند الموافقون على الحذف - إلى الأدلة والأمثلة المأثورة التى تكفى لتأييد رأيهم.
توكيد الضمير المرفوع المتصل والمنفصل توكيدا معنويّا ...
ا - إذا أريد توكيد الضمير المتصل ، المرفوع ، (المستتر أو البارز) توكيدا معنويّا يزيل الاحتمال عن الذات ، جىء بلفظ التوكيد الذى يحقق هذا الغرض ؛ وهو : «نفس» أو «عين» ، بشرط أن يفصل بينه وبين المؤكّد إما ضمير منفصل مرفوع يعرب توكيدا (2)لفظيّا مناسبا للضمير السّالف ، (أى : للمؤكّد) ، وإما فاصل آخر ليس ضميرا ، نحو : أسرع أنت نفسك للصارخ. ونحو : رغبت أنت نفسك فى الخير - رغبتما أنتما أنفسكما فى الخير - رغبتم أنتم أنفسكم فى الخير - رغبتن أنتن أنفسكن فى الخير. ويجوز : (رغبت - حقّا - نفسك فى الخير) - (رغبت يوم الجمعة نفسك أن تسافر) - (رغبتما - حقّا - أنفسكما فى الخير) .. وهكذا. فالفصل واجب ، ولكن الفصل بالضمير المنفصل أحسن وأفصح (3)...
1) راجع ما سبق خاصّا بهذا المثال فى رقم 2 من هامش ص 513 ومن المراجعة يتبين أن هذا الأسلوب صحيح ، ولكن إعراب كلمة : «كل» مختلف باختلاف الرأيين ؛ فهو هنا لا يحتمل إلا التوكيد المفيد للشمول ، بسبب وجود كلمة «أجمعين» بعده الدالة على الكل «الجميعى» لا المجموعى ، وقد أوضحنا نوعى «الكل» فى رقم 6 من هامش ص 512.
2) انظر إعرابه فى ص 530.
3) وقد يكون من فائدة الفصل على الوجه السالف منع احتمالات معنوية غير مقصودة فى بعض الصور ، ففى مثل : خرجت البقرة ، عينها ، أو نفسها - قد يخطر بالبال أن المراد هو خروج عينها التى تبصر بها ، وخروج نفسها التى بها حياتها ، وهى : الروح ، فإذا جاء الفاصل منع هذا الاحتمال ، أو أضعف شأنه - وهذا صحيح - ويقولون : حملت الصور الأخرى التى لا احتمال فيها - على هذه!! والحق أن السبب هو استعمال العرب ليس غير.
وعلى أساس ما سبق لا يصح : " تكلم المحمدون هم أنفسهم" على اعتبار الضمير : (هم) توكيدا ، لأن المؤكّد (المحمدون) ليس ضميرا متصلا مرفوعا ، وإنما هو اسم ظاهر لا يؤكده الضمير توكيدا معنويّا (1)والاسم الظاهر أقوى فى الدلالة من الضمير ؛ إذ لا يحتاج إلى مرجع يفسره ، بخلاف الضمير.
أما فى نحو : " المحمدون أكرمتهم هم أنفسهم" فالفصل جائز لا واجب ؛ لأن المؤكّد ضمير متصل ، ولكنه ليس مرفوعا ؛ فيؤكّد الضمير بالضمير ، ويجوز : المحمدون أكرمتهم أنفسهم بغير توكيد بالضمير. وأما فى نحو : المحمدون قاموا كلّهم ، فالفصل جائز أيضا لا واجب ؛ لأن لفظ التوكيد وهو : «كل» ليس : «النفس» أو «العين» (2)
وإن تؤكّد الضّمير المتّصل *** بالنّفس والعين فبعد المنفصل
عنيت ذا الرّفع ، وأكّدوا بما *** سواهما ، والقيد لن يلتزما
يقول : إذا أردت أن تؤكد الضمير المتصل بواحد من لفظى التوكيد : «النفس» أو «العين» صح التوكيد بأحدهما بعد أن يسبقه التوكيد اللفظى بضمير منفصل يفصل بين التابع والمتبوع. ولما كان البيت السابق لا يبين نوع الضمير المتصل الذى يراد توكيده ، أهو مرفوع ، أم غير مرفوع - تدارك الأمر فى البيت الذى يليه فقال : «عنيت ذا الرفع» ، أى : قصدت بالضمير المتصل صاحب الرفع ، أى الضمير المتصل المرفوع.
وأوضح بعد ذلك جواز التوكيد المعنوى بلفظ آخر مناسب ، غير لفظتى «نفس» و «عين» ، وبفاصل غير ذلك الضمير المنفصل ... و ... أو بلا فاصل ، فالتقييد بالنفس والعين لازم عند توكيد الضمير ، وكذا التقييد بالفاصل غير لازم ما دام المتبوع ليس ضمير رفع متصل.
...ب - وإذا أريد توكيد الضمير المرفوع المنفصل ، بالنفس» أو : «بالعين» ، فحكمه حكم توكيد الاسم الظاهر بهما ؛ كلاهما لا يحتاج إلى .
فاصل ؛ تقول : أنت نفسك سافرت - أنتما أنفسكما سافرتما - أنتم أنفسكم سافرتم ... وهكذا ...
القسم الثانى التوكيد اللفظىّ (1):
هو تكرار اللفظ السابق بنصّه (2)
وشىء آخر قاله النحاة فى ج 4 : «باب تابع المنادى» عند بيت ابن مالك :
فى نحو : سعد سعد الاوس ينتصب *** ثان وضمّ وافتح اوّلا تصب
إن ضميّت. كلمة : «سعد» الأولى كانت الثانية منصوبة ، على اعتبارها توكيدا لفظيا ، أو مفعولا به لفعل محذوف ، أو بدلا ، أو عطف بيان ، أو منادى ... ثم قالوا : كيف تعرب توكيدا لفظيا مع اتصالها بما لم يتصل به المتبوع (وتقدم مثل هذا الاعتراض فى رقم 1 من هامش ص 456) ومع اختلاف جهتى التعريف بينهما؟ إذ تعريف المتبوع هنا بالعلمية ، أو بالنداء - على الخلاف فى ذلك - وتعريف التابع بالإضافة ، لأنه لا يضاف حتى يجرد من العلمية ..؟ أجابو : قد يكتفى فى التوكيد اللفظى بظاهر التعريف ، وإن اختلفت جهته ، وتباين المعرف ، أو اتصل به شىء (راجع حاشية الخضرى عند البيت السالف. وستجىء الإشارة لهذا أيضا فى ج 4 رقم 2 من هامش ص 40) وللبحث صلة بما سيجىء فى القسم الأول من أحكام البدل - ص 676 وبالقاعدة الهامة التى فى ص 679 وتختص بعدم اتصال البدل بعامله.
، أو بلفظ آخر مرادف (3)ومن هذا النوع - عند الفراء - الحرفان : ما ، وأنّ المصدريتان ؛ فى قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ...).
له.والمؤكّد (المتبوع) ، قد يكون اسما ، نحو : الشمس الشمس أمّ الأرض. وقد يكون فعلا ؛ نحو : تتحرك تتحرك الأجرام السماوية ، وقد يكون حرفا ؛ نحو : نعم نعم أيها الداعى إلى الهدى. وقد يكون جملة فعلية ، أو : اسمية ؛ نحو : (الخير محمود المغبّة - تواتيك عواقبه). (الخير محمود المغبّة - تواتيك عواقبه). وقد يكون اسم فعل ؛ نحو :
1) تقدم القسم الأول (المعنوى) فى ص 501. وفى رقم 2 من هامش تلك الصفحة بيان المدلول الحقيقى للتوكيد اللفظى.
2) ولا يضر أن يدخل على نصه بعض تغيير يسير ، كقوله تعالى : ( فَمَهِّلِ ) الكافرين أمهلهم رويدا». فكلمة : «أمهل» توكيد لفظى للفعل السابق. والضمير : «هم» عائد على : «الكافرين» لا محل له من الإعراب (انظر ا» من الأحكام التى فى ص 527) ومن هذه الآية يفهم أيضا أنه يجوز فى التوكيد اللفظى الفصل بين المؤكّد والمؤكّد.
3) المرادف هو : لفظ يؤدى معنى لفظ آخر تماما ، ويخالفه فى حروفه ، فمن الأسماء الفضة واللجين - الذهب والتبر - ... ومن الأفعال قعد وجلس ... ، ومن الحروف : نعم وجير ... ، ومن المرادف قولهم : أنت حقيق قمن .. ومعنى كل من الكلمتين : جدير.
هى الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشى وغدرى
ومثال التوكد اللفظى بالمرادف : الذهب التبر مختبىء فى صحارينا ... هذا ، وفى جميع صور التوكيد اللفظى وحالاته لا يصح تكرار اللفظ السابق (وهو : المؤكّد) ، أكثر من ثلاث مرات ؛ كقول الشاعر :
ألا حبّذا ، حبّذا ، حبّذا *** صديق تحملت منه الأذى
وقول الآخر :
ألا ، يا اسلمى ، ثم (1)اسلمى ، ثمّت (2)اسلمى *** ثلاث تحيّات ، وإن لم تكلّمى (3)...
الغرض منه :
الغرض من التوكيد اللفظىّ (4)؛ أمور ؛ أهمها : تمكين السامع من تدارك لفظ لم يسمعه ، أو سمعه ولكن لم يتبينه. وقد يكون الغرض التهديد ؛ كقوله تعالى فى خطاب المعاندين بالباطل : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ. )
وقد يكون التهويل : كقوله تعالى : ( وَما أَدْراكَ (5)ما يَوْمُ الدِّينِ (6)؟ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ) ؟.
وقد يكون التلذّذ بترديد لفظ مدلوله محبوب مرغوب فيه ، نحو : (الصحة ، الصحة!! ، هى السعادة الحقّة الحقّة) - (الجنة الجنة!! ما أسعد من يفوز بها.) - (الأمّ ، الأمّ!! أعذب لفظ ينطق به الفم (7)
وما من التّوكيد لفظىّ يجى *** مكرّرا : كقولك : ادرجى ادرجى
أى : والذى هو لفظى من التوكيد يجىء مكررا ... فالتوكيد اللفظى عنده هو ما يجىء مكررا سواء أكان تكراره باللفظ والمعنى معا أم بالمعنى مع اختلاف اللفظ.
.) .. .1) إذا كان التوكيد اللفظى جملة مكررة جاز أن تكون مسبوقة بحرف العطف «ثم» أو «الفاء» وعندئذ لا يكونان حرفى عطف ، وإنما يخضعان للحكم الخاص بهذه الصورة ، وهو مدون فى «ه» من ص 536 وبهامشها هذا البيت لمناسبة هناك.
2) إذا كان التوكيد اللفظى جملة مكررة جاز أن تكون مسبوقة بحرف العطف «ثم» أو «الفاء» وعندئذ لا يكونان حرفى عطف ، وإنما يخضعان للحكم الخاص بهذه الصورة ، وهو مدون فى «ه» من ص 536 وبهامشها هذا البيت لمناسبة هناك.
3) أى : وإن لم تتكلمى.
4) الفرق بينه وبين النعت موضح فى الملاحظة الهامة (رقم 2 من هامش ص 438).
5) ما أعلمك؟ ما أخبرك؟ - أدرى : فعل ماض ، فى هذا البيت وهى فى الآيتين بعده توكيد لفظى لبعض الحروف والأسماء والأفعال والجمل ، فراجع الحكم فى ص 527 وص 537 وما بعدهما.
6) يوم الجزاء والحساب ، وهو يوم القيامة.
7) وقد اقتصر ابن مالك فيما سبق على تعريف التوكيد بقوله :
هذا ، والأغراض السالفة هى أهم ما يميز التوكيد اللفظى بالمرادف من عطف البيان - كما سيجىء فى بابه (1)...
للتوكيد اللفظى أحكام تختلف باختلاف نوع المؤكّد (المتبوع) من ناحية أنه اسم ، أو فعل ، أو حرف ، أو جملة ، أو اسم فعل ، وتتلخص هذه الأحكام فيما يأتى ، (والأول منها عام ينطبق على جميع أنواع التوكيد اللفظى ، ولا يختلف فيه نوع عن نوع) :
ا - اللفظ الذى يقع توكيدا لفظيّا ، ممنوع من التأثر والتأثير ، (أى : لا تؤثر فيه العوامل ؛ - فلا يكون مبتدأ ، ولا خبرا ، ولا فاعلا ، ولا مفعولا به ، ولا غيره ... ؛ فليس له موضع ، ولا محل من الإعراب ، مطلقا - وكذلك ليس له تأثير فى غيره مطلقا ؛ فلا يحتاج لفاعل ، أو مفعول ، أو مجرور ، أو غيره (2)...) وإنما يقال فى إعرابه : «إنه توكيد لفظى لكذا.» ؛ فهو تابع له فى ضبطه الإعرابىّ ، من غير أن يكون كالمتبوع فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ ، أو غير ذلك .. ومن غير أن يكون له محلّ من الإعراب ، أو معمول ... ولا فرق فى هذا الحكم بين أن يكون لفظ التوكيد اسما ، أو فعلا ، أو حرفا ، أو جملة ، أو اسم فعل ؛ ففى مثل : إن الشمس إن الشمس قاتلة للجراثيم ، تعرب : «إنّ» الثانية «توكيدا لفظيّا» ، وليس لها عمل ولا محلّ. كما تعرب «الشمس» الثانية «توكيدا لفظيّا» وليس لها عمل ولا محلّ ، وليست معمولة. و «قاتلة» خبر «إن» الأولى ، التى لها العمل وحدها ، وهى التى تحتاج إلى الاسم والخبر ، دون الثانية.
1) إيضاح الفرق بينهما فى ص 542. وسيجىء فى رقم 1، 2 من هامش ص 667 ما يفيد التشابه الظاهرى - أحيانا - بين ألفاظ بدل الكل ، وعطف البيان ، والتوكيد اللفظى ، وطريقة التفريق بين كل منها.
2) سبق هذا الحكم لمناسبة أخرى فى باب : «التنازع» (ج 2 ص 179 «د» م 73) ويعارضه رأى آخر مدون هناك ، ثم بيان الفيصل فى الأمر - وله إشارة أيضا فى ج 2 م 66 ص 70 -.
ويصح أن يقال - كما سيجىء (1)- : إن الشمس إنها قاتلة للجراثيم. فكلمة «إن» الثانية توكيد لفظى لا عمل لها ولا محلّ ، و «ها» ضمير عائد على الشمس ، مبنى على السّكون ، لا محل له من الإعراب ؛ فليس اسما ل «إنّ» ، ولا لغيرها ، ولا عاملا ، ولا معمولا لشىء مطلقا ؛ وإنما هو مجرد رمز يحاكى (2)اسم «إن» الأولى ، ويعرب توكيدا لفظيّا له (3)... وهكذا كل رمز آخر يشبهه.
ومن الواجب مراعاة ما سبقت (4)الإشارة إليه ، وهو : أن المؤكّد (المتبوع) لا يصح تكراره أكثر من ثلاث مرات.
ب - إن كان المؤكد (وهو : المتبوع) اسما :
(1) فإن كان اسما ظاهرا (ومثله : اسم الفعل). فتوكيده اللفظىّ يكون بمجرد التكرار ، نحو : النجوم النجوم معلقة فى الفضاء ، والشمس واحدة منها ، والأرض الأرض كالحصاة الصغيرة بين آلاف من الكواكب الأخرى. فكلمة : «النجوم» الثانية ، وكذلك كلمة : «الأرض» الثانية - توكيد لفظىّ ، وكلتاهما تضبط كالأولى ، لأنها تابعة لها فى الضبط فقط ، من غير أن يقال عن الثانية إنها مبتدأ ، أو خبر ؛ أو فاعل ، أو غيره مما له موقع إعرابى ... ويستثنى من هذا الحكم الأسماء الموصولة ، فإنها لا تؤكّد توكيدا لفظيّا إلا بإعادة لفظها وصلته معه ، فلا يجوز تكرار اسم الموصول وحده دون تكرار صلته. نحو : الذى سمك السماء. الذى سمك السماء - قادر على دكّ عروش الظالمين ...
هذا ، والأغلب أن الاسم الظاهر لا يكون توكيده اللفظى ضميرا - لما سبق بيانه (5)-.
1) فى رقم 3 من ص 532.
2) يقولون فى إعراب هذا إنه جاء بقصد محاكاة الاسم السابق ، فما المراد بالمحاكاة من الناحية الإعرابية؟ أهى التوكيد اللفظى أم شىء غيره؟ فإن كانت هى التوكيد اللفظى فكيف نوفق بينها وبين ما نصوا عليه (فى هذا الباب - وغيره - ص 524) من أن الضمير لا يؤكد الاسم الظاهر ، إذ الاسم الظاهر أوضح منه ، لعدم حاجته إلى مرجع يفسره؟ أهذه الحالة مستثناة ، والقاعدة السالفة أغلبية؟
3) ومثله الضمير : «هم» فى قوله تعالى : ( فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) - انظر رقم 2 من هامش ص 525 -.
4) فى ص 526.
5) فى ص 524 وانظر رقم 2 من هذا الهامش.
(2) وإن كان المؤكّد (وهو المتبوع) ضميرا متصلا - مرفوعا ، أو غير مرفوع - فمن الممكن توكيده توكيدا لفظيّا بضمير يماثله فى معناه لا فى لفظه ؛ فيكون توكيده بالضمير المنفصل المرفوع المناسب له فى الإفراد والتذكير وفروعهما ؛ نحو : أرأيت أنت (1)الخير وافى خاملا - يفرحك أنت وصول الحق إلى صاحبه - هل لك أنت فى عمل الخير فتؤجر؟. ونحو : أرأيتما أنتما ... أرأيتم أنتم .. أرأيتن أنتن .... (2)ففى الأمثلة السالفة وقع الضمير المنفصل المرفوع (أنت وفروعه) ، توكيدا لفظيّا لضمير قبله متصل ، مرفوع ، أو : منصوب ، أو مجرور ؛ وفى كل حالة من الثلاث يعرب الضمير «أنت» ، وفروعه - توكيدا لفظيّا مبنيّا على الفتح أو غيره ، ولا يقال فيه إنه مبنى فى محلّ رفع ، أو : نصب ، أو : جر ، إذ ليس للتوكيد اللفظىّ محل إعرابىّ ، لأن المحل الإعرابى لا يكون إلا للمبتدأ ، أو الخبر ، أو الفاعل ، أو غيرها مما له موضع إعرابى لا يقوم على التوكيد اللفظىّ.
ومن الضمير المرفوع المتصل ما هو بارز كالأمثلة السابقة ، وما هو مستتر كالفاعل لكل من الأفعال الآتية فى قوله عليه السّلام : «كل واشرب ، والبس فى غير مخيلة (3)ولا كبر» ... فكل فعل من هذه الأفعال له فاعل ضمير مستتر مرفوع ، تقديره : أنت. فإذا أريد توكيد هذا الفاعل المستتر توكيدا لفظيّا فتوكيده بالضمير المرفوع البارز «أنت» ، وهو غير الفاعل المستتر. فنقول : كل أنت ، واشرب أنت ، والبس أنت ، «فأنت» الضمير الظاهر هو توكيد لفظى للمستتر ، ومثله قول الشاعر :
إذا ما بدت من صاحب لك زلّة *** فكن أنت محتالا لزلّته عذرا
فالضمير : «أنت» البارز توكيد لاسم : «كان» المستتر ، وتقديره : أنت ، أيضا.
والضمير : «أنت» المؤكّد ، هو فى أصله أحد ضمائر الرفع البارزة فحقه أن يؤكّد الضمير المرفوع فقط ، لكنه - على الرغم من هذا - يكون أحيانا
1) وهذا كقوله تعالى ( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْراً ، وَأَعْظَمَ أَجْراً ) حيث وقع الضمير المنفصل المرفوع : «هو» توكيدا لفظيا للضمير المتصل المنصوب ، وهو الهاء فى آخر الفعل «تجدوه»
2) ومثل «هم» المؤكدة لواو الجماعة فى قوله تعالى : ( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. )
3) اختيال - كبر.
كثيرة توكيدا لفظيّا لضمير غير مرفوع كما علمنا ، فيخالف بهذا ما يناسب أصله الأول ، ولكن هذه المخالفة مقبولة ، وقياسية قوية.
(3) وإن كان المؤكّد (وهو : المتبوع) ضميرا متّصلا - مرفوعا ، أو غير مرفوع - وأريد توكيده بضمير يماثله فى اللفظ والمعنى معا ، وفى الاتصال ، وفى النوع الإعرابىّ (1)- فلابد أن يعاد مع التوكيد اللفظ الذى يتصل - مباشرة - بالمؤكّد (المتبوع) ، أى : أنه لا بد من تماثل الضميرين (التابع والمتبوع) فى اللفظ ، وفى المعنى ، وفى الاتصال ، وفى أن يسبق كل ضمير منهما - مباشرة - لفظ يماثل الذى يسبق الآخر فى نصّه ومعناه ، نحو : (انساب حولى صوت غنائى ساحر ؛ فجعلت جعلت ، أسمعه أسمعه ، وأصغى إليه إليه ؛ فامتلأت النفس سرورا). ولا يصح إعادة المؤكّد (المتبوع) وحده لأن هذا يخرجه عن الاتصال.
ففى الأمثلة المذكورة أريد توكيد الضمير المتصل المرفوع ، وهو : «التاء» التى فى آخر الفعل الأول : «جعل» فأكدنا هذا الضمير بمثله فى كل ما أوضحناه ، وهو «التاء» الثانية التى هى كالأولى فى لفظها ، وفى أنها ضمير ، متصل ، للرفع ، مسبوق بفعل كالفعل الذى سبق المؤكّد (المتبوع). وكذلك أريد توكيد الضمير المتصل المنصوب ؛ وهو : «الهاء» فى آخر الفعل الأول : «أسمع» فأكدناه «بالهاء» الثانية التى تماثله فى لفظه ، ومعناه ، واتصاله ، ووقوعه بعد فعل كالفعل الذى سبق المؤكّد (المتبوع). وكذلك أريد توكيد الضمير المجرور ، وهو : «الهاء» التى بعد «إلى» الأولى ، فأكّدناه بالهاء الثانية التى تماثله فى لفظه ومعناه ، واتصاله ، ووقوعه بعد حرف جو يماثل الحرف الذى قبلى المؤكّد (المتبوع) تمام المماثلة ... (هذا ، وكل لفظ تكرر - بعد الأول - لا يكون له محل إعرابى كما سبق) (2)
ولا تعد لفظ ضمير متّصل *** إلّا مع اللّفظ الّذى به وصل
ثم يقول فى آخر الباب :
- ومضمر الرّفع الّذى قد انفصل *** أكّد به كلّ ضمير اتّصل
ولم يذكر ابن مالك بقية التفاصيل.
.... .1) المراد : أن يكونا معا من نوع واحد ، كأن يكونا من ضمائر الرفع التى للمتكلم ، أو التى للمخاطب ، أو الغائب ، مع ملاحظة أن الضمير الذى للتوكيد اللفظى لا يعرب شيئا ، ولا محل له ، - كما شرحنا -.
2) فى «ا» ص 527 وما بعدها ، وفى توكيد الضمير المتصل توكيدا لفظيا ، ووجوب أن يعاد معه عند توكيده الاسم الظاهر المتصل به - يقول ابن مالك :
(4) وإن كان المؤكّد (المتبوع) ضميرا منفصلا مرفوعا أو منصوبا (1)فتوكيده اللفظى يكون بتكراره بغير شرط. (أى : أن توكيده يكون بضمير يماثله لفظا ومعنى) فمثال المرفوع : أنت أنت مفطور على حب الخير. ومثال المنصوب قول الشاعر :
وإيّاك إيّاك المراء (2)، فإنه *** إلى الشّرّ دعّاء ، وللشّرّ جالب
ويتضح من هذا أن المنفصل المنصوب لا يصح توكيده بالمنفصل المرفوع ، فلا يقال إياك أنت أكرمت ، ولا ما أكرمت إلا إياك أنت ، على اعتبار كلمة : «أنت» للتوكيد فى الصورتين.
ح - إن كان المؤكّد فعلا - ماضيا أو مضارعا (3)- فإن توكيده اللفظى يكون بتكراره وحده دون تكرار فاعله (4)ولا يكون للفعل المؤكّد (التابع) فاعل ؛ إنما الفاعل للأول (المتبوع) كقول أعرابى ، وقد سئل : أتقول الحق؟ فأجاب : (وهل يقول يقول غيرى الحق؟ وأنا من معشر ولد ولد الحق معهم ، ولم يفارقهم). فلفظة : «يقول» الثانية ، ومثلها : «ولد» الثانية - لا محل لها من الإعراب.
د - وإن كان المؤكّد حرفا :
(1) فإن كان حرف جواب (5)
وحروف الجواب نوعان : ما يجاب به للموافقة علی الشيء المسئول عنه وأنه ثابت واقع ومحقق، مثل نعم - أجل- جير - إي ... ، وما يجاب به لبيان عدم الموافقة عليه ، وأنه غير واقع ، مثل : لا - بلی.
- يفيد الإثبات أو النفى - فتوكيده اللفظى يكون بتكراره فقط ؛ كقول أعرابى لأخيه الحزين : (فيم الأسف على مافات1) ولا وجود لضمير منفصل مختص بالجر.
2) المجادلة بالباطل.
3) أما فعل الأمر فلا يمكن توكيده وحده بغير فاعله - فى الأصح -
4) إذ لو تكرر الفاعل مع فعله لخرج الأمر من توكيد الفعل وحده توكيدا لفظيا إلى توكيده مع فاعله ، فتدخل المسألة فى توكيد الجملة الفعلية كلها بجملة فعلية كاملة. ومن آثار هذا الفرق أن المضارع المنصوب أو المجزوم إذا أريد توكيده وحده توكيدا لفظيا وجب أن يكون المضارع الذى يؤكده منصوبا أو مجزوما مثله ، ففى مثل : لم يتهاون الحازم ، ولن يهمل ... نقول : لم يتهاون يتهاون الحازم ، ولن يهمل يهمل ، بجزم المضارع : «يتهاون» الثانى ، تبعا للأول ، وينصب المضارع الثانى : «يهمل» تبعا للأول أيضا. أما عند اعتبار الثانى مع فاعله هما جملة مؤكّدة فلا يصح متابعته للأول فى الجزم ولا النصب ، ومما يوضح هذا ما سيجىء (فى ص 645) من بيان الفرق بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الفعلية.
5) سيجىء فى الزيادة والتفصيل (ص 535) بيان يفيد أن هذا الحكم ليس مقصورا على حروف الجواب وحدها ، وإنما يشمل بعض حروف أخرى.
وليس على الأرض باق؟ نعم نعم. ليس فى طول الحزن إلا إطالة الشقاء ، واستدامة العذاب) ... وقول آخر ، وقد سئل : لم تحاذر فلانا وهو يصادقك؟ فأجاب : (لا. لا ؛ فليس المنافق بالصديق. ورب أصداقة ظاهرة ، باطنها عداوة كامنة ، وهى أشد ضررا ، وأعمق خطرا من العداوة السافرة) ...
(2) وإن كان المؤكّد حرفا غير جوابىّ وقد اتصل به ضمير - فتوكيد هذا الحرف لا يكون بتكراره وحده ، وإنما يكون بتكراره ومعه الضمير المتصل به. ويجب الفصل بين المؤكّد والمؤكّد بفاصل مّا ؛ نحو : لك (1)لك منزلة الشقيق البارّ ؛ وبك بعد اللّه بك أستعين ... وكقول الشاعر :
أيا من لست أقلاه (2)*** ولا فى البعد أنساه
لك اللّه على ذاكا *** لك اللّه لك اللّه
(3) وإن كان المؤكّد حرفا غير جوابىّ - أيضا - وقد اتصل باسم ظاهر فتوكيده اللفظى يكون بتكراره ومعه الاسم الظاهر ، أو ضمير هذا الاسم الظاهر ، - وإعادة الضمير أفصح - ، وفى الحالتين يجب الفصل بين الحرفين ؛ المؤكّد والمؤكّد. ويصح فى الفصل الاكتفاء بذلك الاسم الظاهر ، نحو : (إن العاقل الكريم ، إن العاقل الكريم ، أحرص على إماتة الحقد من تنمية أسبابه) أو : (إن العاقل ، إن العاقل أحرص على إماتة الحقد ...) ، أو : (إن العاقل إنه أحرص على إماتة الحقد ...) ومثل : (آفة النصح أن يكون جهارا ، فليت الناصح الحكيم ليت الناصح الحكيم لا يعلنه) ، أو : (ليت الناصح لا يعلنه) ، أو : (ليت الناصح ليته لا يعلنه) ومن أمثلة الفصل بالاسم الظاهر وحده قول الشاعر :
فتلك ولاة السوء قد طال ملكهم
فحتّام (3)حتّام العناء المطوّل؟
ولو كان الحرف المؤكّد داخلا على مضاف فالحكم السابق أيضا فيتكرر المؤكّد (المتبوع) ومعه الاسم المضاف والمضاف إليه أو ضمير المضاف إليه : والأحسن إعادة الضمير مع الفصل بينهما فى الحالتين. نحو : الكريم يود الكريم ، واللئيم يودّ الناس على رجاء الفائدة. على رجاء الفائدة ، أو : على رجاء الفائدة على رجائها (1)
كذا الحروف غير ما تحصّلا *** به جواب ، كنعم ، وكبلى
يشير بقوله : «كذا» إلى ما سبق فى بيت قبل هذا من أن توكيد الضمير المتصل لا يكون إلا بإعادته وإعادة الاسم الذى اتصل به. وكذا الحروف لا يعاد لفظها - إن كانت لغير الجواب - إلا بإعادة الاسم الظاهر المتصل بها - أو الضمير - ، أما حروف الجواب فتعاد وحدها. ثم ختم الباب ببيت سبق تسجيله وشرحه فى مكانه الأنسب (ص 530) وهو قوله :
ومضمر الرّفع الّذى قد انفصل *** أكّد به كلّ ضمير اتّصل
...(2)وإن كان المؤكّد حرفا غير جوابى - أيضا - وقد دخل على حرف آخر فالتوكيد اللفظى يكون بتكرار الأول مع ما دخل (3)عليه. ومن أمثلة هذا دخول «يا» على «ليت» فى قول الشاعر (4): ويا ليتنى ثم (4) يا ليتنى *** شهدت وإن كنت لم أشهد
هذا ، وتوكيد الحروف توكيدا لفظيّا على غير الوجه السالف ضعيف ، بل شاذ ، لا يصح القياس عليه ، كقول القائل :
إن إنّ الكريم يحلم ما لم *** يرين من أجاره قد أضيما
فقد تكرر الحرف : «إنّ» بغير فصل ولا إعادة شىء. ومثل قول الآخر :
1) فى توكيد الحروف يقول ابن مالك :
2) انظر ما يختص بالعطف فى (ه) ص 536.
3) إلا فى مسألة يجىء بيانها فى باب «البدل» - ص 679 - حيث يصح إعادة حرف الجر ، وعدم إعادته ؛ طبقا للتفصيل المدون هناك.
4) هو مالك بن أعين الحجازى ، المتوفى سنة 248 ه - كما فى معجم الشعراء للمرزبانى حرف العين ، ص 268. -
5) الضمير : للمطايا.
6) أصلها : «كأن» المشددة النون ، ثم خففت نونها.
7) بحبل.
فقد تكرر الحرف «كأنّ» من غير إعادة شىء معه ، ولكن وجد فاصل بين الحرفين. وهو : «واو» العطف ، فكان الضعف هنا أخف منه فى البيت السابق (1). ومثل قول الآخر يشكو حاله وحال أتباعه :
فلا واللّه لا يلفى (2)لما بى *** ولا للما بهم أبدا دواء
فقد تكرر الحرف اللام (للما) بغير فصل ولا إعادة شىء. والتوكيد هنا واضح الثقل ؛ لأن الحرف فردى ؛ فتكراره مباشرة يزيد ثقله ويوضحه (3).
وأخف منه فى الثقل لاختلاف الحرفين مع منعهم إياه إلا فى المسموع ، قول الشاعر :
فأصبحن لا يسألنه عن بمابه *** أصعّد فى علو الهوى أم تصوّبا
فقد أتى «بالباء» بعد «عن» وهما يستعملان فى معنى واحد ؛ إذ يقال سألت به ، وسألت عنه (4).
والحق أن هذه الأمثلة ثقيلة ، فوق أن الدافع إلى أكثرها قد يكون الضرورة الشعرية. فاستبعادها أفضل.
1) سيجىء فى الزيادة - ص 535 - أن حرف العطف يعتبر من الفواصل المبيحة للتكرار مباشرة. لكن حرف العطف الفردى - كالواو والفاء - يعتبر مسوغا مشوبا بالضعف. وإذا وقع حرف العطف فاصلا فى التوكيد صار مهملا لا يعطف ، ولا أثر لوجوده غير الفصل - طبقا للبيان الآتى فى «ه» من ص 536.
2) لا يلقى : لا يوجد.
3) فى كتاب معانى القرآن للفراء أمثلة متعددة لتكرار الحرف الفردى وغير الفردى ج 1 ص 67.
4) ومن المسموع اجتماع : «كى» و «أن» المصدرية وقبلهما «اللام» فى مثل : عاونت الضعيف لكى أن تشيع المودة بين الناس ، فقد أجازوا أن تكون اللام جارة و «كى» جارة ، توكيدا لها. كما أجازوا أن تكون «كى» مصدرية ، و «أن» مصدرية توكيدا لها. وما سبق بالرغم من إباحته - غير مستحسن. وسيجىء التفصيل فى ج 4 باب إعراب الفعل.
عرفنا أن توكيد الحروف الجوابية توكيدا لفظيّا لا يتطلب أكثر من تكرار الحرف ، وأشرنا (1)إلى أن هذا الحكم ينطبق على بعض حروف أخرى ؛ فقد قالوا (2): لا يشترط شىء عند توكيد الحرف توكيدا لفظيّا إن كان الحرف للجواب كقول الشاعر :
لا - لا - أبوح بحبّ بثنة إنها *** أخذت علىّ مواثقا وعهودا
وكذلك إن كان مفصولا من المؤكّد بسكتة (3)؛ كقول الشاعر :
لا ينسك الأسى تأسّيا ؛ فما *** ما من حمام أحد معتصما (4)
أو : كان مفصولا بجملة اعتراضية ؛ نحو : إنّ - وأنت تعرف ما أقول - إن شر الإخوان من يخذل أخاه عند الشدائد.
أو : كان مفصولا بعاطف (5)كقول الشاعر :
ليت شعرى!! هل ، ثم هل آتينهم *** أم يحولنّ دون ذاك حمام؟
ه - وإن كان المؤكّد جملة اسمية أو فعلية جاز تكرارها بعطف صورىّ أو بغير عطف. والأكثر أن يكون بالعطف الصّورىّ ، وأن يكون العاطف المهمل هو الحرف «ثمّ» (1)- غالبا -. ومن الأمثلة قوله تعالى : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ) وقوله تعالى : ( وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ، ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ) (2)
ألا يا اسلمي ، ثم اسلمي ، ثمت اسلمي ...
... وقولهم للتّقىّ : (الثواب عظيم ، الثواب عظيم). وللشقى : (الحساب عسير ، الحساب عسير).ومما تجب ملاحظته أن العاطف هنا مهمل - لا يعطف مطلقا ، فهو صورىّ ، أى : فى صورة العاطف وشكله الظاهر ، دون حقيقته (3)..
ويجب ترك العطف بين الجملتين إذا أوقع فى لبس ، نحو : عاقب الحاكم اللصوص ، عاقب الحاكم اللصوص ، فلو قلنا ؛ عاقب الحاكم اللصوص ثم عاقب الحاكم اللصوص - لوقع فى الوهم أن العقاب تكرر ، وأنه مرتان ، إحداهما بعد الأخرى. مع أن المراد : مرة واحدة.
و - نعيد هنا ما قلناه فى مناسبة سابقة (4)، وهو أن توكيد المصدر لعامله نوع من التوكيد اللفظىّ ، فيؤكد نفس عامله إن كان مصدرا مثله ، ويؤكد مصدر عامله الذى ليس بمصدر ، ليتحد المؤكّد والمؤكّد معا فى نوع الصيغة ؛ تطبيقا لشرط التوكيد اللفظى - ومنه التوكيد بالمصدر الذى نحن فيه - فمعنى
1) الأكثر أن العاطف هو «ثم» وليس بالواجب المتعين فى رأى «الرضى» الذى يبيح مجىء «الفاء» مكان «ثم» ؛ مستدلا بقوله تعالى : ( أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ... ) إذ التقدير عنده : (أولى لك فأولى لك) ؛ فكلمة : «أولى» الثانية مبتدأ حذف خبره ، والجملة الاسمية من هذا المبتدإ وخبره المحذوف توكيد لفظى للجملة الاسمية التى قبل الفاء المهملة. أما غير الرضى فيوجب الاقتصار على الحرف : «ثم» ويقول إن الآية السابقة كاملة هى : (أولى لك فأولى ، ثم أولى لك فأولى) فما بعد الفاء جملة اسمية معطوفة عطفا حقيقيا على الجملة الاسمية قبلها ، والجملة بعد الحرف «ثم» المهمل توكيد لفظى للجملة قبلها. ورأى الرضى أحسن.
2) ومثل قول الشاعر - وقد سبق فى ص 526 -
3) كما سيجىء فى بابه ، عند الكلام على : «الفاء» ، وكذا فى ص 578 و ... عند الكلام على : «ثم».
4) فى باب (المفعول المطلق ج 2 ص 169 م 74) عند الكلام على تقسيم المصدر بحسب فائدته المعنوية.
قولك : عبرت النهر عبرا ... هو : عبرت النهر ، أوجدت عبرا عبرا. وهذا رأى كثرة النحاة (1).
حذف المؤكّد (المتبوع) فى التوكيد اللفظىّ (2).
لا يكاد يوجد خلاف فى منع حذف المؤكّد توكيدا لفظيّا ، لأن حذفه مناف - حقّا - لتكراره.
1) لكن سيترتب على الأخذ بقولهم هذا صحة حذف المؤكّد فى التوكيد اللفظى ، وهذا الحذف ينافى الغرض من التوكيد اللفظى. وفوق هذا فعامله محذوف أيضا ؛ ففى الكلام حذف كثير. فهل يجاب بأنه مع حذفه ملاحظ يدل عليه العامل المذكور الذى يشاركه فى الاشتقاق ، وهو : «عبرت» فهو محذوف كالمذكور - كما قالوا -؟
2) هناك مسائل يحذف فيها عامل المصدر الذى يجىء المصدر لتوكيده. وقد انعقد للحذف بحث مستفيض ، عنوانه : حذف عامل المصدر ... فى المكان المناسب له ، وهو باب : «المفعول المطلق» ج 2 ص 178 م 176.
العطف نوعان : عطف بيان ، وعطف نسق (1)، وفيما يلى بيانهما :
(1) قال أحد المؤرخين : (طرق الحسين بن علىّ - رضى اللّه عنهما - باب سيد كريم فى قومه ؛ هو : «امرؤ القيس الكلبىّ ، وخطب بنته : «الرّباب» فرحب به أبوها ، وملأت الفرحة جوانب نفسه ؛ لعلمه أن هذه المصاهرة ستربطه ببيت الرسول : «محمد» عليه السّلام ، وتسجل له شرفا خالدا على الأيام ... وتمّ الزواج ، وأنجبت الرّباب ، فكان من ذريتها : الأدبية المتفقهة «سكينة» إحدى شهيرات النساء فى الصدر الأول ، والتى قيل فيها (2):
كانت «سكينة» تملأ الدّنيا ، وتهزأ بالرواة *** روت الحديث ، وفسّرت
آى الكتاب البينات
......)
فلو أن المؤرخ قال : طرق «الحسين» باب سيد كريم لتساءلنا : من هو «الحسين»؟ ولشعرنا أن هذا الاسم - برغم أنه معرفة بالعلمية - يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتبيين يزيل عن حقيقة صاحبه ، وعن ذاته (3)شائبة الإبهام ،
1) سيجىء فى ص 555.
2) القائل هو الشاعر : أحمد شوقى.
3) المقصود بصاحبه ، أو بذاته المستقلة ، أو بحقيقته ، شىء واحد ؛ هو : ذاته الأصلية بكيانها الحسى ، أو المعنوى ، لا الأوصاف العارضة التى تطرأ على تلك الذات ، ولا يمكن أن تستقل بنفسها منفصلة عن تلك الذات. (راجع إيضاح هذا فى ص 542 و543 وهامشهما ، وكذلك رقم 2 من هامش ص 438).
إذ لا ندرى أهو الحسين بن على ، أم غيره ؛ لاشتراك هذا الاسم بين أفراد متعددة ، كل منها يسمى : «الحسين». لكن حين قيل : «الحسين بن علىّ» زالت تلك الشائبة بسبب كلمة : «ابن» الجامدة (1)التى وضحت المقصود ، وعينت المراد ، والتى معناها هنا معنى : «الحسين» ؛ لأن «الحسين» المقصود هو «ابن على» ، «وابن علىّ» المقصود هو : «الحسين» فالمراد من الكلمتين ذات واحدة ، ولكن الثانية أوضحت الأولى - كما قلنا - مع أنها تخالفها لفظا ، لا معنى وذاتا.
وكذلك خطب : «بنته» فإن كلمة : «بنت» هنا معرفة ؛ بإضافتها إلى الضمير ، لكنها - بالرغم من تعريفها - مغشّاة بشىء من الشيوع والإبهام يجعلنا لا ندرى حين نسمعها : أىّ بنات الرجل هى؟ أتكون ذات «الرّباب» أم ذات غيرها؟ ... فلما قال : «الرباب» - تحدد الغرض ، وتعينت ذات واحدة دون غيرها ؛ بسبب كلمة : «الرباب» الجامدة التى أزالت الإبهام ، وأوضحت المراد ، وبينته بمعناها الذى هو معنى : «البنت» ؛ لأن حقيقة البنت المقصودة هنا فى الكلام هى حقيقة «الرباب» وذات «الرباب» المقصودة هى ذات البنت التى يدور بشأنها الكلام. فهما مختلفتان لفظا ، مع اتفاقهما معنى وذاتا.
ومثل هذا يقال فى كلمة «الرسول» السالفة. فما حقيقة الرسول المراد؟ وما ذاته؟ إنّ كلمة : «الرسول» - برغم تعريفها هنا «بأل» تحتاج إلى تعيين أكمل وإيضاح أشمل ؛ لانطباقها على عدد من الأفراد. فلما جاء اسم : «محمد» (2)تم به التعيين الذاتى ، وزال ما قد يحوم حول مدلول «الرسول» من شيوع وإبهام ؛ بفضل كلمة : «محمد» التى عينت ذاته ؛ لأنها بمعناها تماما ، والمراد منهما ذات واحدة.
ومثل هذا كلمة : «الأدبية». فهذه الكلمة - برغم تعريفها هنا «بأل» - لا تدل دلالة دقيقة على ذات واحدة معيّنة دون غيرها ، وإنما تصدق على أديبات متعددات ، فلما جاء بعدها كلمة بمعناها ، هى : «سكينة» الجامدة تركز المراد : فى ذات أديبة واحدة معينة ، لا ينصرف الذهن إلى سواها ، وهى الذات
المقصودة التى تدل عليها كل واحدة من الكلمتين.
فنلحظ مما سبق أن كل كلمة من الكلمات التى عرضناها (وهى : «ابن» - الرباب - محمد - سكينة ...) جامدة ، قد أزالت عن المعرفة التى قبلها ما يشوبها من غموض ، وشيوع ، وأوضحت المقصود منها إيضاحا لا يكاد يترك أثرا لإبهام أو اشتراك ، وهى فى الوقت نفسه بمعنى تلك المعرفة دون لفظها فمدلولهما ذات واحدة ، بالرغم من اختلاف لفظهما.
(2) كتب أحد الأدباء إلى خطيب :
(عرفتك قبل اليوم عذب الكلام ، حلو الحديث ، وسمعتك الليلة خطيبا بارعا عبقريّا ... ولقد أصغيت إلى ما قلت ؛ فإذا كلمة ، «خطبة» استهوت الأفئدة ، وأداء ، «تمثيل» خلب الألباب ، وجرس ، «نغم» جسّم المعانى ، وكشف للعيون دلالات الألفاظ ؛ حتى كدنا نراها بيننا تروح وتغدو ..).
فلو أن الكاتب كتب : «أصغيت إلى ما قلت فإذا «كلمة» ...» لذهبت بنا الظنون ، مذاهب عدة فى الذات المرادة من هذه الكلمة المصوغة بصيغة النكرة. أهى ذات كلمة واحدة؟ أهى شعر أم نثر؟ أخطبة أم مقالة ... ولكن الكاتب أزال كثيرا من الظنون حين قال بعد ذلك : «خطبة» ومعناها هنا ، والمراد من ذاتها هو معنى : «كلمة» وذاتها ؛ فتحدّد المراد من : كلمة» بعض التحديد ، وحصرت النكرة فى دائرة أضيق من الدائرة الأولى الواسعة الإبهام والشيوع ، وصارت النكرة مختصّة بعد أن كانت مطلقة كاملة الإبهام والشيوع. وكذلك كلمة : «أداء» ؛ فإنها نكرة مطلقة ، قد يراد منها ذات الأداء البلاغىّ فى تكوين الأسلوب ، أو : ذات الأداء فى الثبات ، وعدم الاضطراب ، أو : ذات الأداء فى استيفاء المعانى ... أو .. ؛ فجاءت بعدها كلمة : «تمثيل» التى هى بمعناها هنا ، فحددت - بعض التحديد - - المراد من حقيقة الأداء وذاته ، وقللت الاحتمالات فى فهم المراد من تلك النكرة ، أو : بعبارة أخرى : خصّصتها ، وقيدت شمولها بعض التقييد. ومثلها كلمة : «نغم» بعد النكرة : «جرس».
فكل كلمة من الثلاث : (خطبة - تمثيل - نغم) - وأمثالها - هى كلمة
جامدة ، وقد خصّصت النكرة التى قبلها بعض التخصيص ، وحددت شيوعها وإبهامها بعض التحديد. وهى فى الوقت نفسه بمعناها ، دون لفظها ؛ فالمراد منهما ذات واحدة.
وكل واحدة من هذه الثلاث ، ومن الأربعة التى سبقتها فى المثال الأول - ونظائرها - تسمى : عطف بيان ، ويقولون فى تعريفه :
إنه تابع (1)جامد - غالبا - يخالف متبوعه (2)فى لفظه (3)
(راجع حاشية الصبان ج 3 عند آخر بيت في باب : «تابع المنادي». وستجيء إشارة لهذا في ج 4 ص 41 م 130.
، ويوافقه فى معناه المراد منه الذات (4)، مع توضيح الذات إن كان المتبوع معرفة ، وتخصيصها (5)إن كان نكرة(6)...1) ولا بد فى هذا التابع : (عطف البيان) أن يكون اسما ظاهرا ؛ - كما يأتى فى رقم 2 ، وطبقا للبيان الآتى فى ص 550. وقد سبق شرح معنى «التابع» وبيان أحكامه العامة وترتيبه مع نظرائه ... أول باب النعت ، (ص 434). ومن أحكامه المدونة هناك جواز الفصل بين التابع والمتبوع بشىء مما أوردناه مفصلا ، بشرط - ألا يكون المتبوع أحد الموصولات ؛ إذ لا يجوز الفصل بين الموصول وصلته بتابع مطلقا - كما أشرنا هناك ، وكما هو مبين تفصيلا فى موضعه الخاص ج 1 م 27. ص.341. .
2) والصحيح أن متبوعه لا يكون ضميرا ؛ فإن جاء ضميرا وجب إعراب التابع بدلا. وليس عطف بيان - كما سبق فى رقم 1، وكما سيجىء فى رقم 5 من هامش ص 543 ، وفى ص 550 -.
3) لابد من المخالفة اللفظية ؛ فلو اتحدا لفظا ومعنى لم يصلح أن يكون عطف بيان ؛ لأن الشىء لا يوضح نفسه ، ولا يبينها.
4) لأن معناه ومدلوله هو الذات نفسها لا أمر عرضى طارئ عليها - كما أوضحنا فى ص 521 و423 -
5) سبق فى أول باب النعت - ص 438 - وفى غيره معنى إيضاح المعرفة ، وتخصيص النكرة ، بما ملخصه أن المعرفة تدل على معين. ولكنها - بالرغم من ذلك - قد يصيبها شىء من الشيوع بسبب تعدد مدلولها. فأحمد ، ومحمد ، وعلى ، والنابغة ... معارف ، لكن مدلول كل منها متعدد يحتاج أحيانا - إلى ما يزيل عنه الإبهام والشيوع، ويوضح المراد دون غيره. وهذا هو : «الإيضاح والموضح». أما النكرة فمدلولها شائع كامل الشيوع. نحو رجل ، طائر ، حيوان ... فما يجىء لتحديد شيوعها وتقليله يسمى : «المخصص» إلا أن الإيضاح والتخصيص يكونان فى النعت بأمور معنوية عرضية طارئة على الذات ، دون الذات نفسها ، بخلافهما فى عطف البيان ؛ فينصبان على الذات نفسها - كما شرحنا ، وكما سيجىء هنا ، ثم فى رقم 2 من هامش ص 544 -
6) وقد يكون للمدح مثل : «البيت» فى قوله تعالى : ( جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ... )
أوجه التشابه والتخالف بين عطف البيان (1)والتوابع الأخرى :
من التعريف السابق يتبين أن عطف البيان يشبه بعض أنواع النعت الحقيقى فى إيضاح المتبوع أو تخصيصه ، على الوجه المشروح فى باب النعت (وقد يشبهه فى القطع) - كما أسلفنا - والفارق بينهما أن النعت الحقيقى لا بد من اشتماله على ضمير مستتر يعود على المنعوت ، وأن الغالب على النعت الحقيقى : «الاشتقاق» وأنه لا يوضح ولا يخصص الذات الأصلية لمنعوته بلفظ يدل عليها مباشرة ، وتكون هى المرادة منه ، وإنما يوضح منعوته بصفة عرضية وأمر طارئ على الذات ، كالفهم ، والحسن ، والطول ، والقصر ...
أما عطف البيان فإنه يوضح أو يخصص الذات نفسها ، لا بأمر عرضى طارئ عليها (2): وإنما بلفظ يدل عليها مباشرة وهو عين معناها ، فهو بمنزلة التفسير للأول باسم آخر مرادف له يكون أشهر منه فى العرف والاستعمال من غير أن يتضمن حالة من الحالات العرضية التى تطرأ على الذات وتوصف بها. ولهذا يغلب أن يكون عطف البيان جامدا - أى : غير مشتق - فيكون كالعلم المجرد ، والكنية. فلا ضمير فيه ؛ لأن الغالب عليه الجمود - كما سبق - ومن الجائز ألا يتحقق فيهما هذا الفارق الأغلبى إذ يصح - بقلة - وقوع النعت جامدا مؤولا بالمشتق ، ووقوع عطف البيان مشتقّا ، ولكن الأولى مراعاة الأغلب الأفصح.
كما يتبين أن عطف البيان قد يشابه التوكيد اللفظىّ بالمرادف فى بعض الصور مثل : (تبر ذهب) فى أن كلا منهما كمتبوعه فى معناه ، دون لفظه. إلّا أن الغرض من عطف البيان هو : الإيضاح أو التخصيص (3). أما الغرض من التوكيد اللفظىّ - بتكرار اللفظ أو مرادفه - فأمر آخر ، أوضحناه فى بابه (4)، وعلى
1) إذا كان المتبوع كنية لوحظ فى عطف البيان ما سبقت الإشارة إليه فى «ا» من ص 429.
2) سبقت الإشارة الموضحة لهذا فى النعت فى رقم 2 من هامش ص 438 -.
3) بمعناهما السالف فى رقم 5 من هامش الصفحة الماضية ، والذى سيجىء أيضا فى رقم 2 من هامش ص 544 (وراجع ص 71 ج 3 من شرح المفصل).
4) ص 525 ، وبينهما فروق أخرى ستجىء فى ص 550 منها أن عطف البيان لا يكون فعلا ولا جملة ... وغير هذين مما سنذكره ...
ملاحظة هذا الغرض الذى تدل عليه القرائن يتعين أحدهما فى موضع لا يصلح له الآخر.
أما المشابهة بين عطف البيان وبدل الكل من الكل (1)(من ناحية معناهما ، وإعرابهما ، وقطعهما (2)وجمودهما ، دون لفظهما). فغالبة (3)، ويصح فى أكثر حالاتهما أن يحل أحدهما محل الآخر من غير أن يتأثر الكلام بهذا التغيير - كما سيجىء فى باب البدل - نحو : ما أعجب ملكة النحل ؛ (اليعسوب). تدير مملكتها بحزم ومهارة ، وتراقب رعيتها بيقظة واهتمام ، ولا تستقر فى قصرها (خليّتها) ، إلا فترات قصيرة للراحة والهدوء.
فكلمة : «اليعسوب» ، عطف بيان ، أو بدل كل من كل ، من النحلة ، وكلمة : «خلية» عطف بيان ، أو بدل كل من كل ، من : قصر (4)....
عطف البيان تابع يطابق متبوعه (5)فى أربعة أمور محتومة (6)، ولا بدّ أن يكون اسما ظاهرا (7)فى جميع أحواله :
أولها : فى ضبطه الإعرابىّ (من ناحية الرفع ، والنصب ، والجر). ويجوز فيه القطع (8)؛ كالنعت.
وثانيها : فى تعريفه وتنكيره (9)
ويلاحظ أن التمثيل جاء بنكرة مختصة ، وأن الكلام خلا من النص على اشتراط اختصاصها ، كما يلاحظ أن الرأى السالف أحد آراء متعددة أشرنا إليها فى هامش ص 456 حيث يصح فى المثال الذى عرضه «ياسين» أن يكون عطف بيان ، وأن يكون غير ذلك ؛ طبقا لما هو مدون هناك.
.1) وهو الذى يكون فيه التابع مطابقا فى المعنى لمتبوعه تمام المطابقة ... مع اختلافهما لفظا - فى الغالب - كما سيجىء فى بابه. وتفصيل الكلام عليه فى ص 546.
2) مع مراعاة ما يختص بقطع البدل ، وسيجىء فى «ه» من ص 677.
3) راجع التحقيق فى ص 549 ، 550.
4) نعيد هنا ما سبقت الإشارة إليه (فى رقم 1 من هامش ص 527) وهو أن التشابه الظاهرى قد يقع - أحيانا - بين ألفاظ بدل الكل ، وعطف البيان ، والتوكيد اللفظى طبقا للبيان الآتى فى رقمى 1 ، 2 من هامش ص 643 وفيهما طريقة التفريق.
5) ويلاحظ ما سبق فى رقم 2 من هامش ص 541 وما سيجىء فى ص 550 وهو أن متبوعه لا يكون ضميرا - فى الرأى الأصح - فإن جاء ضميرا وجب إعراب التابع بدلا - وسيجىء هنا أيضا -.
6) وتجرى عليه فوق ذلك جميع الأحكام العامة المشتركة التى تجرى على التوابع الأربعة والتى سبقت الإشارة لها فى هامش ص 434 م 114.
7) راجع الملحوظة الخاصة ببيان هذا فى ص 550.
8) سبقت الإشارة لهذا فى هامش ص 502 أما بيان القطع وأحكامه ففى ص 486 و488.
9) الصحيح أن هذا هو الأغلب ، إذ عطف البيان قد يكون نكرة كالمتبوع ، ومن أمثلته قوله تعالى : ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ... ) ؛ وقوله تعالى : ( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ ، صَدِيدٍ ) ويصح تخالفهما تعريفا وتنكيرا بشرط أن يكون التابع هو المعرفة ، ليتحقق الغرض من «عطف البيان» وقد نص على صحة التخالف بعض النحاة - ومنهم الرضى ، كما جاء فى «الصبان» آخر هذا الباب - ولكنهم لم يقيدوا المخالفة بتعريف التابع أو تخصيصه ، وهذا الإطلاق غير مفهوم ، إلا عند من يقول : «إن النكرة تخصص متبوعها» والتخصيص نوع من البيان والإيضاح - طبقا للبيان الذى يجىء فى رقم 2 من هامش الصفحة التالية. غير أن تمثيل الرضى ، هناك (فيما نقله عنه الصبان لجواز وقوع عطف البيان نكرة) قد يدل على أنه يقصد النكرة المختصة. وهذا هو الأحسن. ويؤيده ما ورد فى حاشية «ياسين» فى باب «البدل» عند الكلام على منع بدل الاسم الظاهر من الضمير بدل كل من كل ؛ بحجة نقصان الاسم الظاهر فى تعريفه عن الأول (المتبوع) حيث قال ما نصه : (أما نقصان تعريف الثانى عن تعريف الأول فلا يضر ؛ كما فى إبدال النكرة الموصوفة من المعرفة ؛ نحو : مررت بمحمد رجل عاقل ، إذ رب نكرة تفيد ما لا تفيده المعرفة ، وإن اشتملت المعرفة على فائدة التعريف التى خلت عنها النكرة) ا ه.
وثالثها : فى تذكيره وتأنيثه.
ورابعها : فى إفراده ، وتثنيته ، وجمعه.
أى : أنه لا بد أن يطابقه فى أربعة أمور من عشرة (1)... كما فى الأمثلة التى سلفت (2)
العطف. إمّا ذو بيان ، أو نسق *** والغرض الآن - بيان ما سبق
انظر الكلام على معنى «أو» المراد منها «إما» فى ص 615 -.
والذى سبق فى التقسيم هو «ذو البيان» أى : صاحب البيان ويقول فى تعريفه :
فذو البيان تابع شبه الصّفه *** حقيقة القصد به منكشفه
يريد : أن عطف البيان تابع ، يشبه الصفة (النعت) فليس هو الصفة ؛ لأن بينهما فوارق متعددة ، منها : أن عطف البيان يبين حقيقة متبوعه ، ويكشف ذاته المقصودة. أما النعت فيبين معنى عارضا فى متبوعه ، أو فى سببيه ، ففى مثل «كلمت الرجل العالم» - تبين كلمة : «العالم» ، (وهى : النعت) معنى من المعانى العارضة التى تتصف بها ذات العالم ، فقد تتصف بالعلم ، أو : بالأدب ، أو : بالاختراع ... أو ... أما عطف البيان فلا يبين صفة من الصفات التى تطرأ على الذات ، وإنما يبين الذات نفسها. سواء أكانت ذاتا حسية. أم معنوية ؛ أى : يبين ما يسمى : حقيقة الشىء ، ومادته الأصيلة - كما شرحناها من قبل - فى ص 542 - فنقول كلمت الرجل ، إبراهيم فكلمة : «إبراهيم» بينت ذات الرجل ، وحقيقته الأصيلة ، لا وصفا طارئا من أوصافه ، ولذا تسمى «عطف بيان» ، لأنها بينت الحقيقة المقصودة ، أو ذات الحقيقة ، ثم قال فى حكمه :
فأولينه من وفاق الأوّل *** ما من وفاق الأول النّعت ولى
أى : أعطه من موافقة الأول (المتبوع) مثل ما تولاه النعت من موافقة منعوته ، وهو الأمور السابقة. (فمعنى : أولينه : أعطه ، ومعنى : ولى : تولى وأخذ) ، ثم نص على أن عطف البيان ومتبوعه يتماثلان تعريفا وتنكيرا ، وأنهما يكونان من هذا النوع ، أو ذاك ، ولا يقتصران على أحدهما :
فقد يكونان منكّرين *** كما يكونان معرّفين
وهو بهذا النص الصريح يرد على من يقول : إن عطف البيان لا يكون إلا معرفة ؛ بحجة أن الغرض منه البيان والإيضاح ، وهما من شأن المعرفة لا النكرة ؛ إذ النكرة مجهولة ، والمجهول لا يبين المجهول وأن ما نتوهمه من النكرات عطف بيان فليس به ؛ ولكنه بدل كل من كل ... و ... والرأى الراجح المقبول أنه يكون نكرة أيضا ، لأن النكرة تخصص متبوعها ، والتخصص نوع من البيان والإيضاح. كما سبق فى رقم 4 من الهامش السابق ؛ فعندهم أن الأخص قد يبينه ويوضحه ما ليس بأخص. هكذا يقولون. وهو مقبول أحيانا لانطباقه على بعض الصور الواردة والأساليب الصحيحة ؛ مثل : «يا إحسان رجل» إذا كان «إحسان» - أو ما ماثله علم من الأعلام المشتركة بين الذكور والإناث ، فلو لم يذكر بعده كلمة : «رجل» التى توضح ذاته لوقع لبس فى حقيقته ؛ أهو رجل أم امرأة ... أو ...
... وقد يقع عطف البيان بعد أى (بفتح الهمزة .وسكون الياء) ، التى هى حرف تفسير (1)
وقد يتعين أن يكون ما بعد «أى» بدلا وليس عطف بيان ، ذلك أن عطف البيان لا يكون متبوعه ضميرا - (كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 542 وفى رقم 1 من هامش ص 543 وكما سيجىء فى ص 533 -) فإذا وقع المتبوع ضميرا وجب إعراب التابع بدلا ، لا عطف بيان. (راجع حاشية ياسين فى باب النسب عند الكلام على النسب إلى ما حذفت فاؤه ، أو عينه ...).
«ويقول صاحب المغنى» عند الكلام عليها ما نصه الذى نقلناه - فى رقم 1 من هامش ص 556 - وهو : (وتقع تفسيرا للجمل أيضا ؛ كقول الشاعر : :
وترميننى بالطرف ، أى : أنت مذنب .. ا ه. والجملة التفسيرية بعدها لا محل لها من الإعراب.
، فلا يتغير من حكمه شىء ؛ نحو : هذا الخاتم لجين ، أى : فضة. وفى هذه الصورة يتعين عطف البيان أو بدل الكل ؛ إذ لا يقع سواهما بعد : «أى» التفسيرية.1) انظر رقم 1 من هامش ص 556 ورقم 4 من هامش 547 - ويصح إعراب ما يقع بعد «أى» التفسيرية «بدل كل» إلا فى المسائل التى يفترقان فيها (وسيجىء فى باب البدل).
الارتباط بين عطف البيان وبدل الكل من الكل (1):
أشرنا (2)إلى أن المشابهة غالبة بين عطف البيان وبدل الكل من الكل ، فى ناحية معناهما ، وإعرابهما ، وقطعهما (3)، وجمودهما ، دون حروفهما ، والأحسن القول بأن المشابهة بينهما كاملة فيما سبق ، لا غالبة ؛ إذ التفرقة بينهما قائمة على غير أساس سليم ، فمن الخير توحيدهما ، لما فى هذا من التيسير ، ومجاراة الأصول اللغوية العامة. أما الرأى الذى يفرّق بينهما فى بعض حالات فرأى قام على التخيل ، والحذف ، والتقدير ، من غير داع ، ومن غير فائدة ترتجى. ومن السداد إهماله وإغفاله (4)...
على أنا نشير هنا إلى بعض الصور التى يتحتم فيها العطف البيانى بناء على ذلك الرأى ؛ ويمتنع بدل الكل ، ، مرددين بعد ذلك عدم الالتفات إلى الرأى السالف. منها (5):
(1) أن يكون التابع مفردا ، معرفة ، منصوبا ، والمتبوع منادى ، مبنيّا على الضم مثل : يا صديق عليّا (6). فيجب عندهم إعراب : «عليا» عطف بيان ، ولا يصح إعرابه بدل كل ؛ لأن البدل لا بد أن يلاحظ معه فى التقدير تكرار العامل الذى عمل فى المتبوع ، بحيث يصح أن يوجد هذا العامل قبل التابع وقبل المتبوع معا ، من غير أن يترتب على هذا التكرار فساد فى المعنى ، أو مخالفة لضابط نحوىّ. فإن ترتب عليه فساد لم يصح إعراب الكلمة «بدل
1) قد يكون من المستحسن تأخير مبحث الارتباط بين عطف البيان وبدل الكل إلى ما بعد الانتهاء من البدل ، ولكنا فى التقديم سايرنا ابن مالك حيث تعرض لهذا الارتباط وللموازنة فى باب عطف البيان.
2) فى ص 543. وانظر ص 549 و550.
3) انظر ما يختص بقطع البدل فى «ه» ص 677.
4) انظر رقم 1 من هامش ص 533 حيث الرأى السديد لبعض الثقات.
5) انظر الزيادة والتفصيل - ص 549 - حيث بيان الضابط العام الذى يشمل كل الصور الممنوعة عندهم.
6) وهذا الإعراب بالنصب جائز فى النداء - بشروط تذكر فى بابه ، ج 4 - على اعتبار «عليا» - المنصوبة عند استيفاء الشروط - تصلح «بدلا» من كلمة «صديق» المبنية لفظا ، المنصوبة محلا ، لأنها منادى مبنى على الضم فى محل نصب.
كل» ووجب الاقتصار على إعرابها «عطف بيان» فقط. وهذا معنى قولهم : «إن البدل على نية تكرار العامل». فتقدير الكلام فى المثال السالف : يا صديق يا عليا ؛ بتكرار العامل ، وهو «يا» ووجوده قبل المتبوع حقيقة ، وقبل التابع تخيلا. وهذا التكرار يؤدى إلى خطأ النصب فى كلمة «عليّا» المذكورة ، لأنها فى التخيل : منادى مفرد علم ؛ فيجب بناؤها على الضم ؛ طبقا لأحكام المنادى ، ولا يجوز نصبها. إلا على اعتبارها عطف بيان (1)؛ لأن عطف البيان لا يلاحظ فيه تكرار العامل ، ولا أنه مقدّر قبل التابع ، وإنما يكتفى بوجوده قبل المتبوع فقط. فإعراب الكلمة المذكورة : (عليّا) بدلا ، يؤدى عندهم إلى فساد نحوىّ يجب توقيه ، بالعدول عن البدل إلى عطف البيان ، أو غيره إن أمكن.
(2) أن يكون التابع خاليا من «أل» ، والمتبوع مقترنا بها مع إعرابه مضافا إليه ، والمضاف اسم مشتق ، إضافته غير محضة (2)؛ نحو : نحن المكرمو النابغة هند ؛ فيجب - عندهم - إعراب «هند» عطف بيان ، لا بدلا ؛ لأن البدل على نية تكرار العامل ، وملاحظة وجوده قبل التابع كوجوده قبل المتبوع ، - كما أسلفنا - وعلى هذا يكون الأصل المتخيّل للمثال هو : نحن المكرمو النابغة ، المكرمو هند ، فلو أعربنا كلمة : «هند» التى فى المثال الأصلى بدلا لأدى الإعراب إلى فساد ؛ هو : أن يكون المضاف مشتقّا مقترنا «بأل» ، والمضاف إليه غير مقرون بها ؛ لأن الإضافة غير محضة ؛ يمتنع فيها مثل هذا ، إلا بوجود بعض المسوغات (3)التى تصححها. والجملة هنا خالية من كل مسوغ - فى رأيهم -.
ولا سبيل عندهم للفرار من الفساد إلا بإعراب «هند» عطف بيان ، لا بدلا ؛ إذ عطف البيان لا يشترط فيه صحة تكرار العامل (4)
وصالحا لبدليّة يرى *** فى غير نحو : يا غلام يعمرا
ونحو : بشر تابع البكرىّ *** وليس أن يبدل بالمرضىّ
يريد : أن عطف البيان يصلح للبدلية فى غير الصورة التى تشبه فى تركيبها : يا غلام يعمر - علم شخص - والألف الأخيرة زائدة للشعر -) حيث وقعت «يعمر» منصوبة مراعاة لمحل المنادى المبنى على الضم فى محل نصب. فلو أعربت : «يعمر» بدلا - لكان التقدير : يا غلام يا يعمر ؛ على نية تكرار العامل ؛ فتنصب الكلمة مع أن نصبها مع ندائها غير جائز ؛ فيتعين إعرابها عطف بيان ، فرارا من هذا الخطأ.
ويشير إلى المسألة الثانية بكلمة «بشر» التابعة لكلمة : «البكرى» فى قول الشاعر «المرار الفقعسى):
أنا ابن التارك البكرىّ بشر *** عليه الطير ترقبه وقوعا
فالتابع هو : «بشر» والمتبوع هو : «البكرى» المضاف إليه ، المقترن «بأل» والمضاف الذى إضافته غير محضة هو : التارك (من إضافة الوصف لمفعوله) فيتعين عندهم إعراب كلمة : «بشر» ، عطف بيان ، إذ لو أعربت «بدلا» لكان التقدير على نية تكرار العامل هو : «أنا ابن التارك البكرى ، التارك بشر» ، فيضاف الوصف المقرون بأل إلى غير المقرون بها وغير الصالح هنا ، وأن يكون مضافا إليه. وهذا غير جائز فى الإضافة غير المحضة. وللفرار من هذا تعرب عندهم : «بيانا».
...1) وهو منصوب مراعاة لمحل المنادى المتبوع ، لأن كلمة : «على» مبنية على الضم فى محل نصب - كما قلنا.
2) سبق شرحها وتفصيل الكلام عليها فى هذا الجزء (ص 1 و3. وما بعدهما).
3) سبق بيان هذه المسوغات فى ص 12.
4) وفى صلاحية عطف البيان لأن يكون «بدل كل من كل» إلا فى الصورتين السالفتين - وأشباههما - يقول ابن مالك :
هذا رأى المانعين. وفيه ما فيه من إرهاق وتعسير بغير طائل ؛ لأن المعنى واضح على البدلية ؛ كوضوحه على عطف البيان ، وليس أحدهما أبلغ من الآخر ، ولا أكثر تداولا واستعمالا ، ولا مخالفا لأصل لغوى واقعىّ. ففيم الحذف ، والتقدير ، والنية ، والملاحظة ...؟ وبخاصة مع ما سجله النحاة فى هذا الباب - وغيره - من أنه قد يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل ؛ أى : قد يغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى المتبوع (1). وذكروا لتأييد هذا أمثلة كثيرة فصيحة. فليس من ضرر مطلقا ألا يصلح العامل فى بعض المواضع لوقوعه قبل التابع ، كهذا الموضع. إنما الضرر فى عدم صحة وقوعه قبل المتبوع وحده. فلم العناء؟ وفيم التعسير؟ .
1) راجع حاشية الأمير ج 1 فى الكلام على الحرف : «رب» ووجوب تنكير مجروره. وكذلك «الهمع» ج 1 ص 215 عند الكلام على : «لدن» ، والصبان : ح 4 - باب عوامل الجزم - عند الكلام على نوع فعلى الشرط والجواب ، بل إن الصبان (ج 2 باب الإضافة ، عند الكلام على «أىّ») ينقل النص التالى : «إنا نقول : يغتفر كثيرا فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل» فيصرح بأن هذا الاغتفار كثير.
نعم قد تكون التفرقة بينهما سائغة فى بعض صور ، ولكن من ناحية أخرى دقيقة غير تلك التى تصدى لها المانعون ؛ هى أن لعطف البيان غرضا معنويّا هامّا ؛ هو : إيضاح الذات نفسها ، أو تخصيصها على الوجه الذى شرحناه (1)أما بدل الكل فله غرض آخر يختلف عن هذا تماما ؛ هو الدلالة على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه فى المعنى ؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة ، وفرد معين واحد فى حقيقته - كما سيجىء فى بابه - ولا يضر أن يختلفا فى المفهوم بعض الاختلاف اليسير ما دامت حقيقة الذات المقصودة واحدة ؛ كالاختلاف الذى فى نحو عرفت سعيدا أخاك (2)، ولا شأن لبدل الكل بالإيضاح والتخصيص ، فحيث اقتضى المقام إيضاح حقيقة الذات أو تخصيصها - والإيضاح والتخصيص هنا ذاتيان ، (أى : يقعان وينصبان على الذات) - فاللفظ عطف بيان ليس غير ، بشرط أن تجتمع فيه بقية الشروط الواجبة فى عطف البيان ، ومنها : مطابقته للمتبوع فى الأمور الأربعة السالفة ؛ ولهذا كانت كلمة : «سيد» الثانية عطف بيان فى قول الشاعر:
إذا سيد منّا مضى لسبيله *** أقام عمود الدين آخر سيد
وحيث اقتضى المقام الدلالة على ذات المتبوع نفسها بلفظ آخر يساويه تماما فى المدلول فاللفظ «بدل كل من كل» ، وبخاصة إذا فقد اللفظ شرطا من شروط عطف البيان.
هذه هى ناحية التفرقة الحقة التى يجب الاقتصار عليها ؛ نزولا على أحكام اللغة ، وتقديرا لخصائصها ، وكشفا لأسرارها ، بل إن هذه التفرقة نفسها قد يمكن رفضها (3)
(راجع الصبان آخر باب عطف البيان).
.1) فى ص 542 وفى رقم 2 من هامش ص 544. وانظر البيان كاملا فى ص 679.
2) فذات «الأخ» هى ذات «سعيد» ؛ إلا أن كلمة «أخ» تشعر فى الوقت نفسه بمعنى زائد ، هو : «الأخوة» التى لا تشعر بها كلمة «سعيد» ، ولكن هذا المعنى الزائد غير مقصود مطلقا فى عطف البيان ، إذ لو قصد لصارت الكلمة نعتا مؤولا بالمشتق. والفرق كبير فى المعنى والحكم بين النعت وعطف البيان.
3) وهى تفرقة دقيقة لا تكاد تدرك ، وغير مقصودة - كما أوضحنا فى هامش الصفحة السالفة. ومن الممكن الاكتفاء بجعل عطف البيان وبدل الكل قسما واحدا. ويكفى أن علما محققا كالرضى يقول ما نصه : «أنا إلى الآن لم يظهر لى فرق جلى بين بدل الكل من الكل وعطف البيان ، بل ما أرى عطف البيان إلا البدل ؛ كما هو ظاهر كلام سيبويه ... و ...».
ملحوظة : مما يمتاز به عطف البيان من بدل الكل أن عطف البيان لا يكون ضميرا (1)، ولا تابعا لضمير ، ولا مخالفا لمتبوعه فى تعريف وتنكير (2)- على الرأى الصحيح - ولا يقع جملة ، ولا تابعا لجملة (3)، ولا فعلا ، ولا تابعا لفعل ، ولا يكون ملحوظا فى النية إحلاله محل الأول - كما شرحنا - ، ولا يعد متبوعه فى حكم الطّرح. ولا يعدّ فى جملة أخرى مستقلة عن جملة متبوعه (4). بخلاف بدل الكل فى جميع هذا.
1) سبقت الإشارة لهذا فى رقم 5 من هامش ص 541 وفى رقم 5 من هامش ص 543.
2) ولما كان الأغلب فى عطف البيان - كما فى ص 543 - موافقته لمتبوعه فى التعريف والتنكير امتنع إعراب مخصوص «حبذا» عطف بيان ؛ لورود أمثلة كثيرة منه نكرة وقد ذكرنا بعضها فى رقم 2 من هامش ص 381.
3) أى : لا يصح أن يكون متبوعه جملة مع أن البدل يصح أن يكون بدل جملة من جملة كما سيجىء فى ص 677.
4) انظر أمثلة الحالة الأولى الآتية فى الزيادة.
الذين يمنعون البدل فى المسألتين السالفتين ، وفى بعض مسائل أخرى ، ويحتمون أن تكون عطف بيان - يضعون لهذه المسائل كلها ضابطا عامّا ينطبق عليها جميعا. وسنعرضه فيما يلى ؛ ليتبين ما فيه من إرهاق وإعنات لا داعى لهما.
يقولون : يصح فى عطف البيان - إذا قصد به ما يقصد ببدل الكل - أن يعرب «بدل كل» ، إلا فى حالتين :
أولاهما : ألّا يمكن الاستغناء عن عطف البيان لمانع يحول دون صحة بدل الكل.
وثانيتهما : ألّا يمكن إحلال عطف البيان - لو صار بدلا - محل متبوعه لمانع يحول دون البدلية ، ودون وضع البدل مكان المبدل منه ...
(1) ومن أمثلة الحالة الأولى أن يكون الاسم (التابع) ؛ واقعا بعد جملة تعرب خبرا ، أو : صلة ، أو : نعتا ، وليس فيها رابط يربطها بالمبتدأ ، إنما الرابط ضمير - أو نحوه - فى ذلك الاسم التابع ؛ فمثاله بعد الجملة الواقعة خبرا : هند حضر صالح ولدها. فلو أعربنا كلمة : «ولد». بدل - والبدل عندهم على نية تكرار العامل - لكان التقدير : هند حضر صالح ، حضر ولدها ؛ فتخلو جملة الخبر من الرابط ؛ لأن الضمير المتصل بالاسم صار فى جملة أخرى مستقلة عن الجملة الخبرية ؛ إذ الكلام جملتان : الأولى هى الخبر ، ولا رابط فيها ، والثانية مستقلة عن الأولى ، استئنافية ، والضمير الذى بها لا يربط الأولى بمبتدئها.
ومثال الجملة الواقعة صلة : أجاد الذى تكلم علىّ خاله. فلو أعربنا كلمة : خال «بدلا» لكان التقدير : أجاد الذى تكلم علىّ تكلم خاله ؛ فتكون الجملة الثانية مستقلة عن الجملة الأولى ، وتصير الصلة خالية من الرابط ؛ فلا تصلح أن تكون صلة.
ومثال الجملة الواقعة نعتا : أجاد رجل تكلم علىّ خاله ؛ فإعراب كلمة «خال» بدلا يقتضى تكرار العامل ، وأن الأصل : أجاد رجل تكلم علىّ
تكلم خاله ؛ فتكون الجملة الأولى الواقعة نعتا (وهى تكلم علىّ) خالية من الرابط الذى يربطها بالمنعوت ؛ وهذا غير جائز. أما الضمير المتأخر فإنه فى جملة مستقلة بنفسها لا يصلح رابطا فى الأولى ... لاستقلال كل جملة بكيانها.
وفى الحق أن المعنى وسلامة الأسلوب لن يتغيرا بإعراب الاسم بدل كل أو عطف بيان فى صورة من الصور السابقة الممنوعة عندهم.
(2) ومن أمثلة الحالة الثانية التى لا يصح فيها إحلال البدل محل المبدل منه ما تقدم من أن يكون التّابع مفردا معرفة منصوبا والمتبوع منادى ، مبنى على الضم. أو : أن يكون التابع خاليا من «أل» والمتبوع مقترنا بها ... بالصورة التى شرحناها - وهذان هما الأمران المعروضان أولا فى ص 546 وما بعدها -.
ومن أمثلة الأمر الثانى أيضا : أن يكون المتبوع منادى والتابع اسم إشارة ، أو مقرونا «بأل» : نحو : يا إبراهيم هذا ، أو يا إبراهيم الحسين ، إذ يترتب على إحلال البدل محل المبدل منه فى المثال الأول صحة : «يا إبراهيم يا هذا» ، مع أن الفصيح أن يكون لاسم الإشارة تابع مقرون «بأل». ويترتب على إحلاله فى المثال الثانى صحة : «يا إبراهيم يا الحسين» ، مع أن دخول «أل» على المنادى ممنوع.
وكل هذا ، وكل ما يأتى مما هو ممنوع عندهم ، إنما يقوم على أساس توهمهم أن البدل لا بد أن يكون على نية تكرار العامل. أى على أساس أن يصح وقوع البدل مكان المبدل منه.
ومنها : أن يكون التابع مثنى أو جمعا ، مع التفريق فيهما بالعاطف ، والمتبوع غير مفرق ؛ كقول الشاعر :
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا *** أعيذكما باللّه أن تحدثا حربا
فيتعين كونهما عطف بيان ؛ لأن التقدير على البدلية : يا عبد شمس ونوفلا ، بنصب كلمة «نوفلا» مع أن المعطوف المفرد فى النداء لا يجوز نصبه ، وإنما يجرى عليه حكم المنادى المستقل (1)
لم أهتد إلى من تعرض لهذا. ويبدو أنهم يعتبرونه «كلّا» إذا نظروا له من جهة المعطوفات عليه التي تشمل كل أنواع المبدل منه كاملة. و «بعضا» إذا نظروا إليه من غير اعتبار للمعطوفات التي تحصر تلك الأنواع. ومثل هذا يقال في بعض الحالات الآتية المستثناة (انظر ص 667 و 677 )..
.1) لقد صرحوا أن كل عطف بيان يصلح «بدل كل من كل» ، واستثنوا من هذا الحكم مسائل ، منها المسألة التى جاء هذا البيت شاهدا لها. لكنى ألاحظ أن كلمة : «عبد» من : «عبد شمس» هى بدل بعض من : «أخوينا» فلا يقع فيها اللبس بين عطف البيان وبدل الكل ؛ لأنها لا تصلح بدل كل. فما المراد من بدل الكل؟ أيكون اللفظ وحده هو البدل الكلى أم هو مع ما عطف عليه ، ويؤيد هذا خلوه من الضمير ؛ كالشأن فى بدل الكل؟ لو صح هذا الاعتبار فلم يعربونه بدل بعض ، ويدخلونه فى حكمه؟
ومنها : أن يكون المنادى «أىّ» الموصوفة بما فيه «أل» بعدها» وتابعه خال من «أل» ، نحو : يأيها القائد سعيد. فلو أعربت كلمة : «سعيد» بدلا لكان التقدير : يأيها القائد يأيها سعيد ، وهذا خطأ ؛ لأن تابع «أىّ» فى النداء لا بد أن يكون مقرونا «بأل» أو اسم إشارة له تابع مقرون بها ....
ومنها : أن يكون اسم الإشارة المنادى - أو غير المنادى - متبوعا بما فيه «أل» والتابع خال منها ، ولا يوجد ما يغنى عنها ؛ نحو : يا ذا الرجل غلام حامد ، أو جاء هذا الرجل حامد. فلو أعرب : «غلام» أو «حامد» بدلا لكان التقدير : يا ذا الرجل يا ذا غلام حامد - وجاء هذا الرجل جاء هذا حامد ، وتابع اسم الإشارة لا يكون مجردا من «أل».
ومنها : أن يكون المتبوع مضافا إليه والمضاف هو : «كلا» أو «كلتا» والتابع مثنى مفرق ؛ نحو : أسرع كلا المتنافسين محمود وحامد - أسرعت كلتا المتنافستين فاطمة وزينب - فلو أعرب التابع : (وهو : محمود وفاطمة) بدلا لكان تقدير الكلام : (أسرع كلا المتنافسين ، أسرع كلا محمود وحامد) - (أسرعت كلتا المتنافستين ، أسرعت كلتا فاطمة وزينب) ، فيترتب على نية تكرار العامل إضافة كلا وكلتا للمثنى المفرق ؛ وهما لا يضافان إليه إلا شذوذا.
ومنها : أن يكون التابع مثنى مفرقا ، أو جمعا مفرقا كذلك ، والمتبوع مثنى أو جمعا غير مفرق فى الصورتين ، وهو مضاف إليه والمضاف هو : «أىّ». نحو : (بأى الزميلين جعفر وحسن مررت) ، فلو أعرب «جعفر» وما عطف عليه بدلا من الزميلين لكان التقدير : بأى الزميلين ، بأى جعفر وحسن
مررت ؛ وهذا ممنوع ؛ لما فيه من إضافة : «أىّ» للمفرد المعرفة ، وهى لا تضاف إليه إلا بالشروط التى عرفناها عند الكلام عليها فى باب «الإضافة (1)» ، وهى غير متحققة هنا. ولا يتغير الحكم بإحلال الجمع لمحل المثنى فى مواقعه السّالفة ...
ومنها : أن يضاف «اسم التفضيل» إلى عامّ ، وبعده تابعه ذو قسمين ؛ أحدهما لا يكون المفضل بعضا منه ؛ نحو : الرسل أفضل الناس الرجال والنساء ، فلو أعرب التابع بدلا لكان التقدير : الرسل أفضل النساء ؛ لأن اسم التفضيل إذا بقى على دلالته من التفضيل والزيادة على المضاف إليه وجب أن يكون بعضا من هذا المضاف إليه - كما سبق فى بابه - ولهذا أخطأ من قال : أنا أشعر الإنس والجن ، إذا أراد التفضيل على الوجه السالف.
إلى هنا انتهت صور من أشهر الأمثلة للنوع الثانى ، وهى - كنظيرتها من صور النوع الأول - خيالية ، مصنوعة ، أساسها توهم أن البدل لا بد أن يكون على نية تكرار العامل ، وهذه دعوى لا تستند إلى أساس قوى. والعرب - أصحاب اللغة - لا تدرى من أمرها شيئا ؛ ولن يترتب على إهمالها ، وعدم التمسك بها فساد فى المعنى ولا فى التركيب (2)
وراجع ما سبق في ص 546 ، ثم الرأي الحاسم الذي في رقم 3 من هامش ص 549.
؛ فالجهد فيها ضائع لا محالة.عطف النسق (1)
والنسق : اصطلاح كوفى ، وقد اشتهر حتى لا يكاد غيره يذكر. وسيبويه وكثير من البصريين يعبرون عنه فى كلامهم : «بالشركة» ، وعلينا اليوم أن نساير المشهور ؛ توحيدا للاصطلاح ، وانتفاعا بمزايا هذا التوحيد.
هو : تابع (2)
«ملاحظة» : التابع هنا - وهو المعطوف ، مفردا أو غير مفرد - قد يتعدد ، ويتعدد معه حرف عطف لا يفيد الترتيب ، نحو : قرأت الكتاب ، والرسالة ، والمجلة ، والخطاب ، ... فيكون - (فى غير الحالة التى يفيد فيها حرف العطف الترتيب ، وستأتى) - المعطوف عليه واحدا فقط ، هو الأول دائما ؛ مهما تعددت المعطوفات وقبل كل منها حرف عطف غير مرتّب ، كالمثال السالف ؛ فإن المعطوفات المتعددة هى : الرسالة - المجلة - الخطاب ... وقبل كل واحد حرف عطف لا يفيد الترتيب ، والمعطوف عليه واحد ، هو : الكتاب.
ومثل قول المتنبى يفتخر :
الخيل والليل والبيداء تعرفنى *** والسّيف والرّمح والقرطاس والقلم
فالمعطوف عليه هو الأول (أى : الخيل) وما جاء بعده هو المعطوفات : (الليل - البيداء - السيف - الرمح - القرطاس - القلم) وقبل كل معطوف هنا حرف العطف : الواو - ومن الجائز أن يكون حرف العطف غير الواو أيضا بالشروط الخاصة بكل حرف. ولا يجوز أن يتعدد حرف العطف لمعطوف واحد ، لأن حرف العطف لا يدخل مباشرة على حرف عطف آخر. ومن أمثلة المعطوفات المتعددة - وكل منها جملة - والمعطوف عليه هو الأول قوله تعالى ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. ) وهناك حالة لا يكون فيها عطف المعطوفات المتعددة على الأول ، وهى الحالة التى يقع فيها أحد هذه المعطوفات بعد حرف عطف يفيد الترتيب (مثل : الفاء ، وثم) فيكون المعطوف عليه هو الذى قبل العاطف مباشرة ؛ مثل ؛ (أقبل صالح ، وحامد ، وخليل ، فمحمد ، ثم إبراهيم.) فحامد وخليل معطوفان على الأول : «صالح» ، أما محمد فمعطوف على : «خليل» ، وأما إبراهيم فمعطوف على : «محمد». ومن الأمثلة قول على رضى اللّه عنه : (من نظر فى عيوب الناس فأنكرها ، ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه). فالجملة من الفعل : «أنكر» وفاعله ، معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. أما الجملة الفعلية الثانية - المكونة من الفعل : «رضى» ، وفاعله - فمعطوفة على الجملة الفعلية المكونة من الفعل : «أنكر» وفاعله. ومثل هذا يقال فى الجمل الفعلية المعطوفة بالفاء فى قوله تعالى : ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ؛ فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ، فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً. ) وفى الشطر الأول من قول الشاعر :
نرى الشىء مما نتّقى فنهابه *** وما لا نرى - مما يقى اللّه - أكبر
وجدير بالملاحظة : أنه إذا جاء بعد العاطف المرتّب ومعطوفه عاطف آخر لا يفيد الترتيب - كالواو - فإن معطوفه يكون معطوفا على المعطوف بحرف العطف المرتّب الذى قبله مباشرة. (وبعبارة أخرى : يجب أن يكون المعطوف بالعاطف المفيد للترتيب هو المعطوف عليه للمعطوف بعاطف يليه مباشرة. ولا يصح العطف مطلقا على معطوف عليه قبل العاطف المفيد للترتيب) ؛ ففى مثل : أقبل سالم ، وصالح ، ومحمود ، وحامد ، ثم حسين ، وأمين ... ، يتعين أن يكون «أمين» معطوفا على «حسين» ولا يصح عطفه على غيره. أما «حسين» فمعطوف على «حامد» حتما. وأما كل ما قبله فمعطوف بالواو على «سالم». وما سبق هو المراد من قول الصبان فى آخر باب : العطف : (إن المعطوفات إذا تكررت تكون على الأول على الأصح ، وذلك مقيد بما إذا لم يكن العاطف مرتّبا ؛ فإن كان مرتّبا فالعطف على ما يليه ؛ كما نقل عن الكمال ابن الهمام : أنه إذا عطف بمرتب أشياء ثم عطف بغير مرتب شىء فهو على ما يليه ، كما يؤخذ من كلام المغنى فى أول الجملة الرابعة من الجمل التى لا محل لها ..) ا ه كلام الصبان ، ومثله فى التصريح ، وغيره. ومن الأمثلة لهذا قول الشاعر القديم (عروة بن أذينة) :
بيضاء باكرها النعيم فصاغها *** بلباقة ؛ فأدقّها ، وأجلّها
منعت تحيتها ؛ فقلت لصاحبى *** ما كان أكثرها لنا ، وأقلّها
يتوسط بينه وبين متبوعه حرف من حروف1) النسق - بفتح السين وسكونها - مصدر نسقت الكلام أنسقه (بفتح السين فى الماضى ، وضمها فى المضارع) بمعنى : واليت أجزاءه ، وربطت بعضها ببعض ، ربطا يجعل المتأخر متصلا بالمتقدم. وكان الأفضل الاقتصار على كلمة : «النسق» بمعنى : «المنسوق» من إطلاق المصدر على المفعول. أى : الكلام المنسوق بعضه على بعض.
2) سبق - فى أول باب : النعت ، م 114 ص 434 - معنى التابع ، وترتيبه مع تابع آخر ، وسرد أحكامه العامة الجليلة - ومنها جواز الفصل أو امتناعه بينه وبين المتبوع ، وأن البناء لا ينتقل من المتبوع إلى التابع مطلقا.
عشرة (1)
وليس من حروف عطف النسق - عند أكثر النحاة - الحرف : «أى» - بفتح الهمزة ، وسكون الياء - الذى هو حرف تفسير ، يعرب ما بعده بدل كل ، أو عطف بيان - كما سبق الإيضاح فى بابه - وليس هناك حرف يدخل على عطف البيان - أو البدل ، ويتركه على اسمه وحكمه الإعرابى إلا «أى» ؛ فكلاهما يظل على اسمه وحكمه الإعرابى ، كما كان قبل دخول «أى» عليه. والكوفيون يعدون هذا الحرف من حروف عطف النسق ، ومعناه : «التفسير» ؛ كمعنى واو العطف أحيانا ؛ فيزاد عددها واحدا. ورأيهم حسن وواضح ، لا ضرر فى الأخذ به ، بل إنه يبعدنا أحيانا عن مشكلات تحوية لا سبيل للتغلب عليها إلا بالتأويل والتكلف ؛ منها : أن عطف البيان - كما سبق فى رقم 1 من هامش ص 541 وفى ص550. لا يكون متبوعه ضميرا ؛ فإذا جاءت أمثلة فيها المتبوع ضميرا وجب اعتبار التابع بعد «أى» بدلا وليس عطف بيان.
(راجع حاشية ياسين على التصريح فى باب : «النسب» عند الكلام على النسب إلى ما حذفت فاؤه أو عينه).
وجاء في «المغنى» عند الكلام عليها ما نصه : وتقع تفسيرا للجمل أيضا ؛ كقول الشاعر : «وترمينني بالطرف ، أي : أنت مذنب ...» ا ه- والجملة التفسيرية بعدها لا محل لها من الإعراب.
، كل منها يسمى : «حرف العطف» ، ويؤدى معنى خاصّا. ب.1) وبعضها قد يكون حرف عطف فى الصورة لا فى الحقيقة وهو الحرف : «الفاء» والحرف : «ثم» طبقا للبيان الآتى فى صفحتى (576 و578).
وفيما يلى هذه الحروف ، ومعانيها ، وأحكامها (1):
معناها : إفادة «مطلق الاشتراك والجمع» فى المعنى بين المتعاطفين (2)إن كانا مفردين (3)
والعطف بالواو إذا كان المعطوف غير مفرد ، قد يفيد مطلق التشريك ، نحو : نبت الورد ونبت القصب ... ، أو لا يفيد ؛ نحو : حضرت الطيارة ، ولم تحضر السيارة. أما نحو : ما قام على ولكن محمود ... فليس من عطف المفردات ؛ وإنما هو من عطف الجمل ، وقد حذف الفعل ، كما سيجي في ص 616 ..
وقد تكون الواو للعطف والمعية معا فتفيد الأمرين مجتمعين ؛ وهى «الواو» التي ينصب المضارع بعدها بأن المصدرية المضمرة وجوبا ؛ فإنها تجمع الأمرين : العطف والدلالة على المصاحبة والاجتماع ، أي : الدلالة على أن المعنى بعدها مصاحب في تحققه وحصوله للمعنى قبلها ؛ فزمن تحققهما واحد (وسيجيء بيان هذا في مكانه الأنسب ج 4 باب النواصب .).
.====
1) فى ص 656 بعض أحكام أخرى عامة ومهمة - غير التى سنبدأ بها هنا - ومنها الحكم الثالث ، حكم الضمير العائد على المتعاطفين معا ، من ناحية مطابقته لهما ، أو لأحدهما. وكذلك حكم القطع فى «عطف النسق»
2) هما المعطوف (وهو الذى بعد حرف العطف مباشرة) والمعطوف عليه ، وهو المتبوع ، ولابد أن يسبق حرف العطف ؛ وقد يكون المعطوف عليه محذوفا - ولا سيما إذا كان العاطف هو : الواو - طبقا لما يأتى فى ص 639.
3) المفرد فى باب العطف هو : ما ليس جملة ولا شبه جملة ؛ فهو كالمفرد فى باب الخبر والنعت ، والحال .. ، ويدخل فى عطف المفرد هنا عطف الفعل وحده بغير مرفوعه على فعل آخر وحده .. بخلاف عطف الفعل مع مرفوعه على فعل آخر مع مرفوعه فهو عطف جمل. وسيجىء البيان الخاص بهذا فى ص 642 م 121.
والمراد من «الاشتراك المطلق والجمع المطلق» أنها لا تدل على أكثر من التشريك فى المعنى العام ؛ فلا تفيد الدلالة على ترتيب زمنى بين المتعاطفين (1)وقت وقوع المعنى ، ولا على مصاحبة ، ولا على تعقيب (2)، أو مهلة ، ولا على خسّة ، أو شرف (3)...
وهى إنما تتجرد للاشتراك المطلق حيث لا توجد قرينة تدل على غيره ، وحيث لا تقع بعدها «إمّا» الثانية. فإن وجدت قرينة وجب الأخذ بما تقتضيه ، وإن وقعت بعدها «إمّا» الثانية كانت الواو لمعنى آخر غير التشريك والجمع - وسيجىء التفصيل (4)-.
ففى مثل : وصل القطار والسيارة - تفيد الواو مجرد اشتراك المعطوف (وهو : السيارة) مع المعطوف عليه ؛ (وهو : القطار) فى المعنى المراد ، وهو : «الوصول» من غير أن تزيد على هذا شيئا آخر ؛ فلا تدل على : «ترتيب» زمنىّ بينهما يفيد أن أحدهما سابق فى وقته ، وأن الآخر لاحق به ، ولا على : «مصاحبة» تفيد اشتراكهما فى الزمن الذى وقع فيه اشتراكهما فى المعنى (5)، ولا على «تعقيب» يدل على أن المعنى تحقّق فى المعطوف بعد تحققه فى المعطوف عليه مباشرة ، من غير انقضاء وقت طويل بينهما ، ولا على : «مهلة» تدل على أن تحققه كان بعد سعة من الوقت ، وفسحة فيه (6)
زاد الوشاة ، ولا واللّه ما تركوا *** قولا ، وفعلا ، وبأساء ، وتهجينا
فلم نزد نحن فى سرّ وفى علن *** على مقالتنا : «اللّه يكفينا» -
... -1) الترتيب الزمنى : تقدّم أحدهما على الآخر وقت وقوع المعنى. والمصاحبة : تقتضى اشتراكهما فى المعنى فى وقت واحد. (أى : انطباق المعنى عليهما معا فى زمن واحد). والتعقيب : وقوع المعنى على المعطوف بعد وقوعه على المعطوف عليه مباشرة ، (أى بغير مهلة ، ولا انقضاء وقت طويل عرفا) ...
2) الترتيب الزمنى : تقدّم أحدهما على الآخر وقت وقوع المعنى. والمصاحبة : تقتضى اشتراكهما فى المعنى فى وقت واحد. (أى : انطباق المعنى عليهما معا فى زمن واحد). والتعقيب : وقوع المعنى على المعطوف بعد وقوعه على المعطوف عليه مباشرة ، (أى بغير مهلة ، ولا انقضاء وقت طويل عرفا) ...
3) فالمتأخر - وهو المعطوف - قد يكون أشرف أحيانا من المتقدم (وهو المعطوف عليه) كقوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ) .
4) فى ص 612.
5) أى : أنها لا تفيد اشتراكهما فى الزمن والمعنى معا ، وإنما تقتصر على الاشتراك فى المعنى وحده.
6) ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر :
ففى المثال السابق قد يكون وصول القطار أوّلا وبعده السيارة ، وقد يكون العكس ، وقد يكون الزمن بين وصول السابق واللاحق طويلا أو قصيرا ، وقد يكون وصولهما اصطحابا معا (أى : فى وقت واحد) ، فلا سبق لأحدهما ولا زمن بين وصولهما. فكل هذه احتمالات صحيحة ، لا يزيلها إلا وجود قرينة تدل على واحد منها دون غيره. كأن يقال : وصل القطار والسيارة قبله ، أو بعده ، أو معه ...
فمن أمثلة الترتيب والمهلة - بقرينة - قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ ... ) ، فقد أفادت الواو الاشتراك ، والترتيب الزمنى ، والمهلة ؛ فعطفت المتأخر كثيرا فى زمنه (وهو : إبراهيم) على المتقدم فى زمنه ، (وهو : نوح) ، وكانت إفادتها الترتيب والإمهال مستفادة من قرينة خارجية يجب احترامها ، هى التاريخ الثابت الذى يقطع بأن زمن إبراهيم متأخر كثيرا عن زمن نوح ، ولو لا هذه القرينة ما أفادت الواو الترتيب الزمنى ، وفسحة الوقت. وهذه الفسحة - أو المهلة - يقدّرها العرف بين الناس ، فهو - وحده - الذى يحكم على مدة زمنية بالطول ، وعلى أخرى بالقصر ، تبعا لما يجرى فى العرف الشائع.
ومن الأمثلة أيضا قوله تعالى مخاطبا النبى محمدا عليه السّلام : (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك اللّه العزيز الحكيم) ، فالواو قد أفادت الاشتراك والجمع فى المعنى المراد ؛ وهو : الإيحاء ، وأفادت - أيضا - الترتيب الزمنى والمهلة بعطف المتقدم فى زمنه على المتأخر كثيرا فى زمنه بقرينة خارجة عنهما ، هى : «من قبلك» فهذا النص صريح فى أن «المعطوف» سابق فى زمنه على «المعطوف عليه» ولو لا هذه القرينة لاقتصرت الواو على إفادة الجمع المطلق فى المعنى ، والاشتراك المجرد فيه ، دون إفادة ترتيب زمنىّ ، وأما المهلة فقد دلّ عليها التاريخ.
وكقوله تعالى فى نوح عليه السّلام حين ركب السفينة هو وأصحابه المؤمنون ، فرارا من الغرق بالطوفان : ( فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ ... ) فالواو تفيد الجمع
والاشتراك فى المعنى ؛ وتفيد معه الاتحاد فى الزمن بين المعطوف ؛ (أصحاب ...) والمعطوف عليه : (الهاء) فقد نجا نوح وأصحابه فى وقت واحد - معا - بدليل النصوص القرآنية الأخرى (1)
أى : استقرت السفينة بمن فيها بعد كل ما سبق على جبل معروف : يسمى : «الجودى».
وروايات التاريخ القاطع ؛ فلا ترتيب ولا مهلة. ومن أمثلة الترتيب والتعقيب ؛ جرى الماء وأروى الزروع.وإذا فقدت القرينة الدالة على الترتيب الزمنى أو على المصاحبة فالأكثر اعتبارها للمصاحبة ، ويلى هذا اعتبارها للترتيب ؛ فيكون المعطوف متأخرا فى زمنه عن المعطوف عليه. ومن النادر العكس ، - ويراعى فى هاتين الحالتين عدم التعقيب إلا بقرينة.
وإن وقعت «واو» العطف قبل : «إمّا» الثانية لم تفد معنى الجمع والتشريك ، وإنما تفيد معنى آخر يقتضيه المقام الذى لا يسايره معنى الجمع ؛ كالتخيير (2)؛ مثل : استرض إما مشيا وإما ركوبا ... ، وقد تكون للتخيير مباشرة بغير «إما» ؛ نحو : سافر الآن بالقطار والطائرة. وقد يكون معناها التقسيم ؛ نحو : الكلمة اسم ، وفعل ، وحرف.
ا - من أحكام «واو» العطف ، التى تشارك فيها بعض أخواتها (3)، أنها تعطف المفردات - كبعض الأمثلة السابقة - والجمل (4)
فلا الصبح يأتينا ، ولا الليل ينقضى *** ولا الريح مأذون لها بسكون
ومثال الفعلية قوله تعالى : ( قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ... ) وقول الشاعر :
إذا صار الهلال إلى كمال *** وتمّ بهاوه فارقب محاقه
.1) القصة كاملة فى سورة هود ، وفيها النص على نجاة نوح ومعه ركاب السفينة ، حيث قال تعالى : ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. )
2) معناه فى ص 604 - وسيجىء الكلام على «إما» ومعانيها فى ص 612 -.
3) أنها قد تتجرد للاستئناف المحض ، ولا تصلح لغيره - وكذلك «الفا» و «ثم».
4) بنوعيها. فمثال الجملة الاسمية قولهم : (لا فقر أشدّ من الجهل ، ولا مال أنفع من العقل ، ولا حسب كحسن الخلق ...) وقوله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) ، وقول الشاعر المسهد :
وأشباهها (1)
لأنت أحلى من لذيذ الكرى *** ومن أمان ناله خائف
ومثل الآية التى فى ص 559 ؛ وهى (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك اللّه العزيز الحكيم ...)
ومثال عطف الظرف على ظرف آخر قوله تعالى : ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ؛ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ. )
. وأنها يجوز حذفها مع معطوفها بشرط أمن اللبس (2)، مثل قول الشاعر :إنى مقسّم ما ملكت ، فجاعل *** قسما لآخرة ودنيا تنفع
أى : وقسم دنيا. يريد : وقسما لدنيا .. ومن هذا قولهم : راكب الناقة طليحان (3)
وحذف حرف العطف مع معطوفه ليس مقصورا على الواو مع معطوفها ، وإنما يشاركها فيه «أم» (كما سيجىء فى «ب» ص 596 ، وفى ص 636) وكذا «الفاء» مع معطوفها كقوله تعالى فى أحكام الصوم : ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. )
الأصل : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر - كما يجىء فى رقم 5 من هامش ص 575 -.
وإلى هذا يشير ابن مالك فى آخر الباب بقوله :
والفاء قد تحذف مع ما عطفت *** والواو إذ لا لبس ، وهى انفردت :
بعطف عامل مزال قد بقى *** معموله ؛ دفعا لوهم اتّقى
مزال : قد حذف من موضعه وأزيل منه. (راجع ص 636).
يقول : إن الفاء قد تحذف مع معطوفها ، وكذلك الواو مع معطوفها ، بشرط ألا يترتب على الحذف فى الحالتين لبس. وتنفرد الواو بأنها تعطف عاملا محذوفا قد بقى معموله على الوجه الذى سنشرحه فى ص 563 التالية. ويريد بقوله : «دفعا لوهم ...» بيان العلة فى الحذف والتقدير ؛ وأنها دفع لوهم يقودنا للوقوع فى خطأ.
. والأصل : راكب الناقة والناقة طليحان. (أى : .1) فمثال عطف الجار مع مجروره على مثلهما قول الشاعر :
2) كما سيجىء فى ص 636. وكذلك يصح حذفها وحدها دون معطوفها طبقا لما فى ص 641. كما يصح حذف المعطوف عليه قبلها بالطريقة الموضحة فى ص 639 - والتى أشرنا إليها فى رقم 2 من هامش الصفحة الآتية -
3) ومثل هذا كل مبتدأ مضاف أخبر عنه بخبر مطابق فى التثنية ، أو الجمع ، للمضاف مع المضاف إليه من غير عطف. (وقد سبق إيضاح هذا لمناسبة أخرى فى الجزء الأول ص 497 م 37 باب المبتدأ والخبر).
متعبان) (1)
وليس مما نحن فيه مثل قوله تعالى : ( وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ...) ، وقول حسان بن ثابت :
إنّ شرخ الشباب والشعر الأس *** ود ما لم يعاص كان جنونا
لأن الكلام قائم هنا على حذف الخبر ، إذ المراد : واللّه أحق أن يرضوه ، ورسوله كذلك - إن شرخ الشباب ما لم يعاص كان جنونا والشعر الأسود كذلك. فهو نظير قول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض. والرأى مختلف
أى : نحن راضون بما عندنا ، وأنت راض بما عندك ... (راجع كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن ج 1 ص 175 و197).
..ب - وتنفرد الواو بأحكام نحوية تكاد تستأثر بها (2):
منها : أنها الحرف المختص بعطف اسم على آخر حين لا يكتفى العامل فى أداء معناه بالمعطوف عليه ؛ نحو : تقاتل النمر والفيل ؛ فإن العامل : (تقاتل) لا يتحقق معناه المراد بالمعطوف وحده ؛ فلو قلنا : «تقاتل النمر» ، ما تمّ المعنى ؛ لأن المقاتلة لا تكون من طرف واحد ؛ وإنما تقتضى معه وجود طرف آخر - حتما - كى يتحقق معناها. وكذلك : تنازع الظالم والمظلوم ، فإن المنازعة لا تقع إلا من طرفين .. ، وكذلك تصالح الغالب والمغلوب. »
1) ومن تلك الأحكام : أن الضمير - ونحوه مما يحتاج للمطابقة - بعدها تجب مطابقته - فى الأصح - للمعطوف والمعطوف عليه معا ؛ ولا يراعى فيه حالة المعطوف وحده ؛ يقال : جاء السائل والغريب فعاونتهما. وفازت فاطمة وسعاد وعائشة فهنأتهن ... وهكذا ... (انظر رقم 4 من هامش ص 605 حيث الإيضاح ، وبيان المرجع ، ثم رقم 3 من ص 657.
2) ومنها : أنها يجوز حذفها وحدها ، كما يجوز حذف المعطوف عليه وحده دون حذفها فتصلح فى هذه الصورة لأن تكون عاطفة أو غير عاطفة (بمعنى : ربّ) كما سبقت الإشارة فى رقم 2 من هامش الصفحة السابقة وسيأتى الإيضاح فى مكانه المناسب ص 639 و641. وله بيان فى ج 2 - باب حروف الجر عند الكلام على : رب»
ومثل : (سكنت بين النهر والحدائق (1)
(يجوز أن يقال المال بين محمود وبين على ؛ بزيادة «بين» الثانية للتأكيد ، كما قاله ابن برىّ وغيره ، وبذلك يرد على منع الحريرى تكرارها - راجع حاشية «ياسين» على التصريح ، ج 2 أول باب العطف وكذلك حاشية الصبان ج 2 فى ذلك الباب عند الكلام على واو العطف -).
ومن المسموع فى هذا قول على بن أبى طالب - كما جاء فى كتاب «سجع الحمام ، فى حكم الإمام» ونصه : «للمؤمن ثلاث ساعات ... وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها) ا ه. ويؤيد ما سبق أيضا ، ما ورد من نصوص فصيحة ، نثرية وشعرية ، وأدلة أخرى سجلناها هناك.
- ومثل : تضيع الكرامة بين الطمع والبخل) ، لأن معنى «بين» لا يتحقق بفرد واحد تضاف إليه (2)قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
إن التقدير : بين أماكن الدخول وحومل (الدخول وحومل : موضعان) وقيل إن الرواية هى : بين الدخول وحومل. فلا تقدير.
، وهكذا غيرها من الكلمات التى تؤدى معنى نسبيّا (3)؛ مثل : تشارك - تعاون - اختصم - اصطفّ - (4)صبرت على ما كان بينى وبينه *** وما تستوى حرب الأقارب والسّلم
ومثلها : «تساوى» بشرط أن يكون معناها - كسابقتها - إفادة التساوى بين شىء وآخر.
هذا ، وقد تقع الواو بعد كلمة : «سواء» التى تفيد التسوية ولكن بشرط أن تقع بين اسمين ، وألا توجد همزة التسوية ، نحو : سواء علىّ الأخ والصديق الوفى. وهذا رأى سيبويه ، أما الكلام على التسوية والمراد منها ففى ص 585.
...ومنها : اختصاصها بعطف عامل قد حذف وبقى معموله. نحو : (قضينا فى الحديقة يوما سعيدا ؛ أكلنا فيه أشهى الطعام ، وأطيب الفاكهة ، وأعذب الماء) فكلمة : «أطيب» معطوفة على : «أشهى» ، أى : أكلنا أشهى .
1) يصح أن يقال : سكنت بين النهر وبين الحدائق ، بتكرار «بين» إذا كان المتعاطفان اسمين ظاهرين كما فى المثال ، والغرض من التكرار هو تأكيد المعنى وتقويته. وهذا للتكرار جائز مع العطف ، بشرط أن تكون الأولى مضافة لاسم ظاهر مفرد (أى : لا يدل على تعدد) فإن أضيفت لضمير دال على الإفراد وجب التكرار مع عطف المكررة بالواو ؛ طبقا لما فصلناه فى ج 2 ص 268 م 79 حيث جاء فيه ما نصه :
2) لهذا قالوا فى بيت امرئ القيس :
3) هو المعنى الذى لا يتحقق إلا بنسبته إلى اثنين (أو أكثر) يشتركان فيه ؛ ويقع عليهما.
4) ومثل «استوى» فى قول الشاعر يصف حاله مع أحد أقاربه :
الطعام ، وأكلنا أطيب الفاكهة. أما كلمة : «أعذب» فلا يصح - فى الرأى الأغلب - عطفها على أشهى ، إذ لا يصح أن يقال : أكلنا أعذب الماء ؛ لأن أعذب الماء لا يؤكل ، وإنما يشرب ، ولهذا كانت كلمة : «أعذب» معمولة لعامل محذوف ، تقديره : شرب ، أى : وشربنا أعذب الماء ، والجملة بعد الواو معطوفة على الجملة التى قبلها وهى : أكلنا - ؛ فالعطف عطف جملة على جملة.
ومثل : (اشتد البرد القارس فى ليلة شاتية ، فأغلقت الأبواب والنوافذ ، وأوقدت نارا للدفء ، والملابس الصوفية) ؛ فلا يصح عطف كلمة : «الملابس» على «الأبواب» ولا على «نارا» لفساد المعنى على هذا العطف ؛ إذ لا يقال : أغلقت الملابس الصوفية ، ولا أوقدت الملابس ، وإنما هى معمول لعامل محذوف تقديره : ولبست الملابس الصوفية ، أو أكثرت الملابس الصوفية ، أو نحو هذا مما يناسب الملابس ، والجملة بعد الواو معطوفة على جملة : أغلقت. فالعطف عطف جملة على جملة ، لا عطف مفرد على مفرد - كما سبقت الإشارة (1)-.
ولا فرق فى المعمول الباقى بين المرفوع ؛ نحو : قوله تعالى : ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، ) والمنصوب ؛ نحو : قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا (2)الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ... ) ، والمجرور نحو قولهم : «ما كلّ سوداء فحمة ، ولا بيضاء شحمة ، والأصل فى المثال المرفوع : (اسكن أنت وليسكن زوجك الجنة) ؛ إذ لا يصح عطف «زوج» على الضمير المستتر الفاعل ؛ وإلا كان فاعلا مثله حكما ؛ فيترتب على هذا أن يقال : اسكن زوجك ، بوقوع الاسم الظاهر فاعلا للأمر ؛ وهذا لا يصح (3). كما أن الأصل فى المنصوب : (تبوّءوا الدار ، وألفوا الإيمان) ؛ لأن الإيمان لا يسكن - والأصل فى المجرور : (ما كلّ سوداء فحمة ولا كلّ
بيضاء شحمة) لئلا يترتب على العطف المباشر من غير تقدير المحذوف ، عطف شيئين على معمولى عاملين مختلفين بحرف عطف واحد ، وهذا ممنوع. والعاملان هما : (ما (1)- وكلّ) والمعمولان هما : (بيضاء ، وشحمة) (2).
هذا ما يقوله كثير من النحاة. ولكن الصحيح أن الواو العاطفة لا تختص بهذا الحكم وحدها ، وإنما تشاركها فيه «فاء» العطف - كما سيجىء عند الكلام عليها (3)- مثل : أحسن بدينار فصاعدا ... أى فاذهب صاعدا بالعدد (4)...
ومنها جواز حذفها عند أمن اللبس (5)؛ نحو : زرت أقاربى فى الصعيد ، وقابلت منهم : العم ، العمة ، الخال ، الخالة ، أبناءهم ... أى : العم والعمة ، والخال والخالة ، وأبناءهم. ومثل : قرأت اليوم : الصحف اليومية - المجلات - الرسائل - المحاضرات .. أى : الصحف اليومية - والمجلات ، والرسائل ، والمحاضرات ...
ومثل هذا يقال فى سرد الأعداد ، نحو : من الأعداد عشر ، - عشرون - ثلاثون - أربعون ...
ومنها : عطف الشىء على مرادفه لتقوية معناه وتأكيده (6)كقولهم : الصمت والسكوت عن غير السداد سداد. وقولهم يعود البغى والطغيان وبالا على صاحبه ، فالمعطوف وهو : «السكوت» بمعنى المعطوف عليه : «الصمت» وكذلك الطغيان والبغى ... ومن هذا قوله تعالى : ( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ ) ، فكلمة ؛ «بثّ» معطوف عليه ؛ وكلمة : «حزن» معطوف مرادف له فى المعنى.
1) على اعتبار «ما» حجازية تعمل عمل : «ليس».
2) سبق هذا المثال فى آخر باب الإضافة ص 161 لمناسبة هناك : وسيعاد موضحا فى آخر هذا الباب ص 638.
3) فى ص 575.
4) سبق إيضاح هذا فى مكانه الأنسب ج 2 ص 304 م 86 باب الحال وحذف عامله.
5) الصحيح أن «الفاء» تشاركها فى هذا الحكم. وكذا : «أو» ، (كما سيجىء فى ص 575 و611 و5. غير أن حذف الواو هو الأكثر.
6) قد تشاركها : «أو» فى هذا أحيانا ؛ كقوله تعالى : ( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ... ) فالخطيئة هى الإثم - ولهذا إشارة تجىء فى «د» من ص611. .
ومثل النّأى والبعد (1)
حيّيت من طلل تقادم عهده *** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ...
فى قول الحطيئة :ألا حبذا هند وأرض بها هند *** وهند أتى من دونها النّأى والبعد (2)
تال بحرف متبع عطف النّسق *** كاخصص بودّ وثناء من صدق
يقول : إنه هو التالى لحرف متبع ما بعده لما قبله ، أى : مشرك للثانى مع الأول فى الحكم الإعرابى. وساق مثلا للتشريك فى الحكم هو : اخصص من صدق بود وثناء ، فحرف العطف هو : الواو ، والتالى المشارك فى الحكم هو : «الثناء». ومعنى : «تال بحرف متبع» : أنه تال (تابع) بسبب حرف يتبع ما بعده لما قبله : فليس منه «أى» المفسرة ، لأنها لا تتبع ما بعدها لما قبلها - إلا على الرأى الذى يعتبرها حرف عطف كالواو ، وهو الرأى الكوفى الحسن الذى أشرنا إليه (مفصلا فى رقم 1 من هامش ص 556). ثم ساق بيتين ضمنهما أكثر حروف العطف التى سنشرحها فى المكان الأنسب ؛ هما :
فالعطف مطلقا بواو - ثمّ - فا - *** حتّى - أم - او ؛ كفيك صدق ووفا
وأتبعت لفظا فحسب : بل - ولا ... لكن ؛ ...
ثم عاد للكلام على أحكام الواو فقال :
فاعطفه بواو سابقا ، أو لاحقا *** فى الحكم ، أو مصاحبا موافقا
واخصص بها عطف الّذى لا يغنى *** متبوعه ، كاصطفّ هذا وابنى
واقتصر على ما سبق ، ولم يذكر بقية أحكام الواو.
.ا - ومما انفردت به الواو غير ما سبق :
(1) عطف العام على الخاص (1)؛ نحو : زرت القاهرة ، والحواضر الكبرى. وقوله تعالى : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي ، وَلِوالِدَيَّ ، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ؛ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمُؤْمِناتِ. )
(2) وقوعها بعد كلام منفى ، عاطفة مفردا. وبعدها «لا» النافية ؛ نحو : شجاع النفس لا يحب الجبن ، ولا الكذب ، ولا الرياء (أى : لا يحب كل واحدة من الصفات المذكورة). فتكرار «لا» يفيد أن النفى واقع على كل واحدة وحدها من غير توقف على غيرها. ولو لم تتكرر (2)«لا» لتوهمنا أنه مقصور على حالة اجتماعها مع غيرها (3). فإن لم يوجد نفى قبلها ، أو قصدت المعية لم يصح مجىء «لا» (4).
(3) وقوعها بعد نهى عاطفة لمفرد ، وبعدها : «لا» النافية ؛ التى تؤكد الغرض السالف ؛ نحو : لا تصدق الحلّاف ، ولا النمّام ، ولا الحاسد.
(4) جواز الفصل بينها وبين معطوفها بظرف ، أو جار مع مجروره (5)، نحو : أينعت حديقتان ؛ حديقة أمام البيت ، وخلفه حديقة (6) ، ومثل قوله
1) وأما عكسه وهو : «عطف الخاص على العام» فتشاركها فيه «حتى» - كما سيجىء فى «ب» ص 584 - نحو قوله تعالى : ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. ) ونحو : لا يأمن الناس الأيام حتى الملوك. (والصلاة الوسطى : هى صلاة وسط النهار. والمراد بها : الظهر والعصر). وكل ما سبق مشروط بألا يتطلب المعنى حرفا آخر يفيد الترتيب أو غيره ... - انظر ما يتصل بهذا فى آخر رقم 8 من ص 660.
2) راجع «التصريح» عند الكلام على : «لكن» العاطفة ، ثم «المغنى» عند الكلام على «الواو».
3) لهذا بيان هام (فى ج 1 م 5 هامش ص 62 أول الكلام على موضوع : «الحرف»). ويتضمن - فيما يتضمن - النص على زيادة «لا» النافية ، والغرض من زيادتها ، ومعناها ، وإعرابها .. ،
4) صرح بهذا «الصبان» ولم يذكر خلافا. لكن سيجىء فى رقم 5 ما يعارضه.
5) والأخذ بهذا الرأى فى «الواو» أنسب من الأخذ برأى آخر يمنع الفصل مطلقا فى غير الضرورة الشعرية بين المعطوف وحرف العطف : «الواو» أو : «الفاء» ؛ أما غير هذين الحرفين من أدوات العطف فالرأيان متفقان على جواز الفصل بالظرف أو بالجار مع مجروره. (راجع الهمع ج 2 آخر باب العطف ، ص 141).
تعالى : ( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ) ...
(5) عطف العقد (1)
أما «النيف» فكل عدد يكون ترتيبه المتسلسل بين عقدين؛ ومنه : أحد عشر. - اثنان وعشرون - ثلاثة و ثلاثون - ، خمسة وأربعون ... و ...
على النّيّف ، نحو : واحد وعشرون ... - سبعة وثلاثون ... - خمسة وأربعون ... و ...(6) اقترانها بالحرف : «لكن» ؛ كقوله تعالى : ( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ، وَلكِنْ رَسُولَ (2)اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ) .
(7) وقوعها قبل الحرف «إما» المسبوق بمثله فى كلام قبله ؛ نحو : المنّ بالمعروف إما جهالة ، وإما سوء أدب.
(8) العطف بها فى أسلوب الإغراء والتحذير ؛ نحو : الرفق والملاينة جهد طاقتك ، وإياك والعنف ما وجدت سبيلا للفرار منه.
(9) عطف النعوت المتعددة المفرّقة التى منعوتها متعدد غير مفرّق : نحو : تنقلت فى بلاد زراعية وصناعية وتجارية ... والواقع بعد هذه «الواو» يسمى معطوفا ، ولا يصح تسميته - الآن - نعتا.
(10) عطف المفردات التى حقها التثنية أو الجمع ، نحو قول الحجاج وقد مات
1) العقد هو : العدد الذى يجىء ترتيبه عاشرا بين الأرقام المتسلسلة المرتبة قبله. وتنحصر العقود فى لفظ : عشرة - عشرين - ثلاثين - أربعين - خمسين - ستين - سبعين - ثمانين - تسعين - والصحيح تسمية : «مائة» و «ألف» ومركباتهما «عقدا» أيضا ...
2) الواو هى العاطفة ، أما : «لكن» فحرف استدراك محض ، - ومعناه وأحكامه فى صفحة 616 - وكلمة : «رسول» بالنصب ، خبر «كان» المحذوفة ، والجملة من «كان» ومعموليها معطوفة بالواو على الجملة الفعلية قبلها. وهذا على الرأى الأشهر القائل إن كلمة : «لكن» الاستدراكية المحضة ، المسبوقة بالواو - لا يقع بعدها إلا الجملة دائما ، ولا تكون عاطفة ؛ وإنما العاطف الواو. أما على رأى من يجيز وقوع المفرد بعدها فالواو حرف عطف وكلمة : «رسول» معطوفة على كلمة : «أبا» (انظر ص 616).
محمد ابنه ، ومحمد أخوه : «محمد ومحمد فى يوم واحد». وقول الشاعر الفرزدق :
إن الرزية لا رزية بعدها *** فقدان مثل محمد ومحمد
وقول الآخر :
أقمنا بها يوما ، ويوما ، وثالثا *** ويوما له يوم التّرحّل خامس
يريد : أياما ثمانية ...
(11) عطف السببى على الأجنبى فى : «الاشتغال» ؛ نحو : محمدا أكرمت عمرا وأخاه (1). ومثل : محمد مررت بأخيك وأخيه (2).
(12) عطف كلمة : «أىّ» على مثلها (3)، كقول الشاعر :
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن *** أيّى وأيّك فارس الأحزاب
(13) عطف الظرف : «بين» على نظيره ، مثل : المال بينى وبين أهلى (4).
(14) عطف السابق فى زمنه على اللاحق ، نحو قوله تعالى : ( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. )
(16) المتعاطفان بالواو لا يختلفان بالسلب والإيجاب إذا كانا مفردين فلا يصح : لا الشمس طالعة والقمر.
(17) وجوب الفصل بها مع إهمالها بين كلمتين معينتين ينشأ منهما مسموع من التركيب المزجىّ (من أمثلته : كيت وكيت - ذيت وذيت ..) بالتفصيل والبيان الآتيين فى الموضع الأنسب - ج 4 باب : «كم» م 168 ص 540 -
(18) جواز عطفها عاملا قد حذف وبقى معموله على الوجه المشروح فى ص 615.
ب - يرى الكوفيون من خصائص الواو وقوعها زائدة ؛ كالتى فى قوله تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً. حَتَّى إِذا جاؤُها ،
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها : سَلامٌ عَلَيْكُمْ .. ) فالواو التى قبل : «فتحت» زائدة عندهم (1). ومثل قوله تعالى : ( فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ. لِلْجَبِينِ ... ) أى : تلّه للجبين (2).
والبصريون يؤولون الآيتين وشبههما - بتأويلات منها : أن الواو عاطفة أصلية وجواب «إذا» و «لما» محذوف ... لكن التأويل عسير فى قول الشاعر :
ولقد رمقتك فى المجالس كلها *** فإذا وأنت تعين من يبغينى
والمراد : فإذا أنت. وقول الآخر :
فما بال من أسعى لأجبر عظمه *** حفاظا ، وينوى من سفاهته كسرى
أى : ينوى من سفاهته.
وإنما كان التأويل هنا عسيرا لأن ما بعد إذا «الفجائية» لا يقترن بالواو. ولأن جملة (ينوى) على تأويلها بأنها حالية هى جملة مضارعية مثبتة ، وصاحب الحال هو «من» والجملة المضارعية المثبتة لا تقع حالا مقترنة بالواو إلا على تقديرها خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هى الحال .. فهى محتاجة للتأويل والحذف. ولا داعى لهذا أو لغيره من التأويلات. فمذهب الكوفيين أوضح وأقل تعسفا ، والأخذ به هنا أيسر (3)، لكن الأفضل التخفّف من الزائدة قدر الاستطاعة ، والبعد عن استعمالها ؛ فرارا من اللبس ، ومن التأويل بغير داع.
ح - هل «الواو» الواقعة بعد «بل» نوع من الزائدة؟ مثل : الصالح أمين ،
1) مستدلين بالآية الأخرى الخالية من الواو - وكلتاهما فى سورة : «الزمر» - ، ونصها : (... وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ، حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ...)
2) بمعنى صرعه وألقاه على الأرض حتى لمسها جبينه. والقصة عن إبراهيم حين أراد أن يحقق رؤيا منامية ؛ مضمونها أنه يذبح ابنه. ففهم منها أن هذا إيحاء من اللّه يجب تنفيذه ؛ فهمّ به ، ورضى الولد بقضاء اللّه. ولكن اللّه أوحى إلى نبيه تركه ، والتضحية بدله بشىء آخر.
3) علما بأن اللفظ الزائد (حرفا أو غير حرف) إنما يزاد لغرض مقصود - طبقا لما شرحناه فى ج 1 م 5 - الزيادة والتفصيل - عند الكلام على الحرف.
بل ومحسن .. الجواب فى «ح» من ص 628.
د - تختص همزة الاستفهام دون باقى أخواتها بالدخول على أحد ثلاثة من حروف العطف ولا تدخل على غير هذه الثلاثة ، هى : (الواو - الفاء - ثم) فمثالها قبل الواو قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا؟ ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ؛ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ ... ) ؟، وقبل «الفاء» (1)قوله تعالى فى المشركين : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ، أَفَلا تَعْقِلُونَ ... ) ، وقبل «ثمّ» (2)قوله تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ؟ أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... ) ؟ ...
ولا بد أن يكون المعطوف بعد الثلاثة جملة.
وقد اشتهر للنحاة فى هذا رأيان (3).
أولهما : وهو رأى جمهورهم - أن الهمزة تركت مكانها بعد حرف العطف ، وتقدمت عليه ؛ تنبيها على أصالتها فى التصدير - كما يقولون - فالجملة بعد العاطف معطوفة على الجملة التى قبله وقبل الهمزة. ما لم يمنع من هذا العطف مانع (كأن تكون إحدى الجملتين إنشائية والأخرى خبرية ؛ عند من يمنع العطف بين الجملتين المختلفتين خبرا وإنشاء ؛ مثل هذه الصورة. فتكون الجملة عنده بعد حرف العطف معطوفة على أخرى محذوفة مماثلة لها فى الخبرية أو الإنشائية ...).
ثانيهما : وهو رأى الزمخشرى - أن الجملة بعد العاطف معطوفة على جملة محذوفة موقعها بين الهمزة والعاطف. والأصل مثلا ، أنسوا ولم يتفكّروا؟ - أأغمضوا عيونهم ولم ينظروا؟ - أقعدوا ولم يسيروا ...؟ - أكفرتم ثم إذا وقع
آمنتم به ..؟ والرأى الأول أشهر. وبالرغم من ذلك فإن كلا الرأيين معيب ؛ لقيامه على الحذف والتقدير ، أو التقديم والتأخير ، ولعدم انطباق كل منهما على بعض الصور الأخرى التى يدور حولها وحول ما سبق جدل طويل واعتراضات مختلفة (1).
فما السبب فى هذا التكلف ؛ والالتجاء إلى الحذف ، والتقدير ، والتقديم ، والتأخير - وعندنا ما هو أوضح وأيسر ، وأبعد من التأويل؟ ؛ وذلك باعتبار الهمزة للاستفهام ، وبعدها «الواو» و «الفاء» ، و «ثم» حروف استئناف داخلة على جملة مستأنفة. وقد نص النحاة على أن كل واحد من هذه الثلاثة يصلح أن يكون حرف استئناف.
ولا مانع أيضا أن تدخل الهمزة - هنا - على حرف العطف مباشرة ؛ مسايرة للنصوص الكثيرة الواردة فى القرآن وغيره ، ولن يترتب على أحد هذين الرأيين إخلال بمعنى ، أو تعارض مع ضابط لغوى.
«ملاحظة» فى غير الهمزة من أدوات الاستفهام يجب تقديم حرف العطف وتأخير أداة الاستفهام عنه ، لأن هذا هو قياس جميع الأجزاء فى الجملة المعطوفة ، نحو : قوله تعالى : ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) - وقوله تعالى : ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) ...
1) نراها فى بعض المراجع ، كالمغنى وحواشيه ، باب الهمزة.
معناها الغالب هو الترتيب بنوعيه" المعنوىّ والذّكرىّ" مع التعقيب فيهما وإفادة التشريك. والمراد بالترتيب المعنوى : أن يكون زمن تحقق المعنى فى المعطوف متأخرا عن زمن تحققه فى المعطوف عليه ؛ نحو : (نفعنا بذر القمح للزراعة ، فإنباته ، فنضجه ، فحصاده،) ... و ... فزمن البذر سابق على زمن الإنبات ، والنضج ، وما بعده.
والمراد : بالترتيب الذّكرى : أن يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما فى كلام سابق ، وترتيبهما فيه ، لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما ، كأن يقال لمؤرخ : حدثنا عن بعض الأنبياء ؛ كآدم ، ومحمد ، وعيسى ، ونوح ، وموسى - عليهم السّلام - فيقول : أكتفى اليوم بالحديث عن محمد ، فعيسى. فوقوع «عيسى» بعد الفاء لم يقصد به هنا الترتيب الزمنى التاريخى ؛ لأن زمن عيسى أسبق فى التاريخ الحقيقى من زمن محمد ، وإنما قصد مراعاة الترتيب الذّكرى (أى : اللفظىّ) الذى ورد أولا فى كلام السائل ، وتضمن ذكر «محمد» قبل «عيسى» (1)
ومن الترتيب الذكرى : «الترتيب الإخبارى» ؛ وهو الذى يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات بغير ملاحظة ترتيب كلامی سابق ، ولا ترتيب زمنى حقيقى ، وإنما يقصد منه . بشرط وجود قرينة . ذكر المعلومات واحدة بعد واحدة ، فالفاء . فى هذا . كالواو التى لمطلق الجمع ؛ نحو : تغير الجو ، واشتدت الرعود ، فالبروق . فتراكم المياه في المنحنيات ، فالأمطار ... ونحو : هذا عالم فأبوه ، فجده...
.والمراد بالتعقيب : عدم المهلة - ويتحقق بقصر المدة الزمنية التى تنقضى بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف - ؛ نحو : وصلت الطيارة فخرج المسافرون. وأول من خرج النساء فالرجال .. فخروج المسافرين -
1) ويدخل فى الترتيب الذكرى «عطف المفصّل على المجمل» ؛ كقوله تعالى : ( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ ، فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. ) وقوله تعالى : ( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً. ) وقوله تعالى : ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها : فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ. )
وقصر الوقت متروك تقديره للعرف الشائع ؛ إذ لا يمكن تحديد الوقت القصير أو الطويل تحديدا عامّا يشمل كل الحالات. فقد يكون الوقت قصيرا فى حالة معينة ، ولكنه يعدّ طويلا فى أخرى.
وبمناسبة إفادتها الترتيب نشير إلى قاعدة عامة سبقت (1)؛ هى : أن «المعطوفات» المتعددة تقتضى أن يكون لها جميعا «معطوف عليه» واحد ، هو : الأول الذى يسبقها كلها ، وقبل كل معطوف حرف عطف خاص به. لكن إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب ؛ (مثل : «الفاء» و «ثم» وجب أن يكون المعطوف عليه هو السابق عليهما مباشرة ، ولو لم يكن هو الأول : نحو : تكلم فى النادى الرئيس والوكيل والمحاضر ، فالناثر ثم الشاعر. فالوكيل والمحاضر معطوفان على الرئيس ، أمّا كلمة : «الناثر» فمعطوفة على : «المحاضر» وأمّا كلمة : «الشاعر» فمعطوفة على «الناثر» (2)...
وتفيد - كثيرا - مع الترتيب والتعقيب ، «التسبب» ؛ أى الدلالة على السببيّة (3)؛ (بأن يكون المعطوف متسببا عن المعطوف عليه) ويغلبب هذا فى شيئين ؛ عطف الجمل ، نحو : رمى الصياد الطائر فقتله (4)
وربّتما استحال السّعد نحسا *** فذاق المعتدى مما أذاقه
، وفى المعطوف المشتق ، نحو : أنتم - أيها الجنود - واثقون بأنفسكم ، فهاجمون على عدوكم ، ففاتكون به. فمنتصرون عليه ...ومن أحكام الفاء (5): -
1) فى أول الباب فى رقم 2 من هامش ص 555 حيث البيان المفيد.
2) فإن جاء بعد ذلك عاطف لا يفيد الترتيب كان ما بعده معطوفا على الذى قبل العاطف مباشرة ، طبقا للبيان الهام الذى فى هامش ص 555.
3) ولكنها لا تسمى اصطلاحا فى هذه الحالة «فاء السببية» إلا إذا دخلت على مضارع منصوب «بأن المصدرية» المضمرة التى تنصبه بشروط معينة مدونة فى موضعها الأنسب (وهو : باب : «إعراب الفعل» ، أول الجزء الرابع ، ص 65 ، م 149).
4) ومثل قول الشاعر :
5) أنها قد تتجرد أحيانا للاستئناف المحض ولا تصلح لغيره - وكذلك : «الواو» ، وثم -
أنها لا تنفصل من معطوفها بفاصل (1)اختيارا ، فلابد من اتصالهما فى غير الضرورة الشعرية. وأنها تعطف المفردات (2)والجمل كما فى الأمثلة السالفة (3)، وأنه يجوز حذفها بقرينة - كما أن «الواو» و «أو» (4)كذلك - نحو : قطعت سنوات التعلم ؛ الأولى ، الثانية ، الثالثة ، الرابعة ... ونحو : أنفقت المال درهما - درهمين - ثلاثة - وأنها قد تحذف مع معطوفها ؛ كالآية التى سلفت (5).
وتختص الفاء (6): بأنها تعطف جملة لا تصلح صلة ، ولا خبرا ، ولا نعتا ؛ ولا حالا - على جملة تصلح لذلك ، والعكس ، بأن تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء على جملة لا تصلح. (وسبب عدم الصلاحية فى الصور السالفة كلها : خلو الجملة من الرابط ، ووجوده فى الجملة الصالحة) (7).. فمثال عطفها جملة لا تصلح صلة على جملة أخرى تصلح : (الذى عاونته ففرح الوالد - مريض) ومثال العكس : (التى وقف القطار فساعدتها على النزول - عجوز ضعيفة).
1) كما سيجىء فى رقم 4 من ص 658. وقد سبق - فى رقم 5 من هامش ص1. رأى يجيز الفصل بالظرف أو الجار مع مجروره بين الفاء ومعطوفها. ولكن الرأى الذى يمنع الفصل - فى غير الضرورة الشعرية - هو الصحيح إذا كانت أداة العطف هى «الفاء» ، والاقتصار عليه واجب.
2) المراد من المفرد فى باب العطف مدون فى رقم 3 من هامش ص 557 وله تكملة مفيدة فى ص 642.
3) فى ص 573 وهامشها ... ، ويجوز عند عطفها الجمل أن تسبقها همزة الاستفهام - إن اقتضى المعنى ذلك - على الوجه المشروح فى «د» من ص 570 فهى «كالواو» ، و «ثم» فى هذا ، ولا يقع من حروف العطف بعد همزة الاستفهام مباشرة غير أحد هذه الثلاثة.
4) انظر «ج» من ص 611 ثم ص 641.
5) فى رقم 3 من هامش ص 561 وهى قوله تعالى : ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ) أى : فأفطر ، فعدة من أيام أخر ، وفى ص 636 أمثلة أخرى. وكذلك يصح حذف المعطوف عليه قبلها ، طبقا للبيان الذى فى ص 639.
6) ومما تختص به الفاء : أنها حرف العطف الوحيد الذى يصلح للدخول على الفعل المطاوع لأصله ؛ نحو : فتحت الباب - فانفتح - علمت الراغب فتعلم ، ولا يصح مجىء غيره من حروف العطف - طبقا للبيان الهام الخاص بأحكام المطاوعة - ج 2 م 66 ص 98.
7) وقد سبق هذا فى مكانه من الأبواب الخاصة بتلك الجمل.
ومثال عطفها جملة لا تصلح خبرا على أخرى تصلح : (الحديقة يرعاها البستانى فيكثر الثّمر). ومثال (العكس : الحديقة أهمل البستانىّ فقلّ ثمرها).
ومثال عطفها جملة لا تصلح نعتا على أخرى تصلح : (هذا حاكم سهر على خدمة رعيته ؛ فسعدت الرعية). ومثال العكس : (هذا حاكم شكا الناس فأزال أسباب الشكوى).
ومثال عطفها جملة لا تصلح حالا على أخرى تصلح : (أقبل المنتصر يتهلل وجهه فتنشرح القلوب) ومثال العكس : (أقبل المنتصر تنشرح القلوب فيتهلل وجهه).
هذا ، والفاء كالواو فى أنها تعطف عاملا قد حذف ، وبقى معموله ؛ نحو : اشتريت الكتاب بدينار فصاعدا (1)، والأصل - مثلا - : فذهب الثمن صاعدا.
«ملاحظة» : من الفاء العاطفة للمفرد : «فاء السببية ، التى ينصب بعدها المضارع بأن المستترة وجوبا ، فالمصدر المؤول بعدها مفرد معطوف بها على مفرد قبلها - كما سيجىء فى مكانه (2)....
وهناك نوع من الفاء يسمى : «فاء الفصيحة» ، سيجىء الكلام عليه (3). ونوع آخر تكون الفاء فيه - فى بعض الآراء - حرف عطف صورة لا حقيقة ؛ فشكلها وظاهرها أنها عطف ، مع أنها فى الحقيقة والواقع مهملة وليست عاطفة ، وقد سبق الكلام على هذا النوع (4).
بقى حكم الضمير العائد على المتعاطفين بعد الفاء العاطفة من ناحية المطابقة وعدمها وسيجىء البيان (5)...
ومعناها الترتيب مع عدم التعقيب ، (أى : الترتيب مع التّراخى) ؛ وهو : انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على
المعطوف. وتقدير المدة الزمنية الطويلة متروك للعرف الشائع - كما رددنا (1)- ؛ فهو وحده الذى يحكم عليها بالطول أو القصر ، ولا يمكن وضع ضابط آخر يحددها ؛ لأن ما يعتبر طويلا فى حادثة معينة قد يكون قصيرا فى غيرها ؛ فمردّ الأمر للعرف. ومن الأمثلة : زرعت القطن ، ثم جنيته .. - دخل الطالب الجامعة ثم تخرّج ناجحا - كان الشاب طفلا ثم صبيّا ، ثم غلاما ؛ ثم شابّا فتيّا.
ومن أحكامها :
أنها تعطف المفردات والجمل ، كما فى الأمثلة السالفة (2)
و «الفاء» للترتيب باتّصال *** و «ثمّ» للتّرتيب بانفصال
«اتصال» : أى : بغير مهلة زمنية. «بانفصال» : بمهلة زمنية ، (والمهلة هى ما يعبرون عنها بالتراخى. وعدم المهلة هو التعقيب) - وقد أوضحناهما فى ص 573 و574 - ثم قال فى الفاء :
واخصص بفاء عطف ما ليس صله *** على الّذى استقرّ أنّه الصّله
يريد : تختص الفاء بأنها تعطف جملة لا تصلح أن تكون صلة ؛ لخلوها من الرابط - على جملة أخرى تصلح صلة لاشتمالها على الرابط ، ولهذا الحكم أشباه وتفصيلات شرحناها (فى ص 575) وسيذكر فى آخر الباب ص 636 اختصاص آخر لها أشرنا إليه من قبل (فى رقم 3 من هامش ص 561) هو أنها - كالواو - يجوز حذفها مع معطوفها.
.. وقد تدخل عليها تاء التأنيث (3)لتفيدها التأنيث اللفظىّ ؛ فتختص بعطف الجمل ، نحو : من ظفر بحاجته ثمّت قصّر فى رعايتها كان حزنه طويلا ، وغصّته شديدة.ومنها : - وهذا قليل جائز - أنها قد تكون بمعنى واو العطف ، فتفيد مطلق الجمع والاشتراك من غير دلالة على ترتيب ، بشرط وجود قرينة ؛ نحو : لما انقضى الليل ، واستنار الكون ، ثم طلعت الشمس ، واقترب ظهور الفجر سارع الناس إلى أعمالهم (4)
كلامنا لفظ ، مفيد ؛ كاستقم *** واسم ، وفعل ، ثم حرف ، الكلم
قال الأشمونى ما نصه : «ثم» في قوله : «ثم حرف ... ، بمعنى الواو ؛ إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام. وبكفي في الإشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسيمية ترتيب الناظم لها فى الذكر على حسب ترتيبها فى الشرف ، ووقوعه طرفا. ا ه
.. ه-ويدخل فى هذا القليل الجائز أن تكون للترتيب الذّكرى الإخبارىّ ، (وهو : الذى سبق إيضاحه (1)فى «الفاء») نحو : بلغنى ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس أعجب. أى : ثم أخبرك أن الذى صنعته أمس أعجب.
ومنه قول الشاعر :
إن من ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جدّه ...
ومنها : أنها تكون بمعنى «الفاء» أحيانا فتفيد الترتيب مع التعقيب بقرينة ؛ نحو شرب العاطش ثم ارتوى.
ومنها : أن إفادتها الترتيب توجب - عند تعدد المعطوف عليه قبلها بتفريق - أن يكون معطوفها تابعا لما قبلها مباشرة من المعطوفات ؛ طبقا للبيان الذى تقدم (2)؛ ففى مثل : قرأت الآية ، والقصيدة ، والخطبة. والرسالة ثم النشيد ... يتعين أن يكون النشيد معطوفا بها على الرسالة ، كما يتعين أن يكون كل واحد من المعطوفات الأخرى التى قبلها معطوفا على الآية.
ومنها : أنها قد تكون أحيانا حرف عطف فى الصورة الظاهرة دون الحقيقة الواقعة ؛ فشكلها الظاهر هو شكل العاطفة ، ولكنها لا تعطف مطلقا ، وقد سبق (3)الكلام على هذا النوع.
ا - أشار النحاة إلى وهم يقع فيه من يعرب : «ثمّ» حرف عطف فى قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ... ) لأن «ثم» لا تصلح عاطفة هنا ؛ إذ إعادة الخلق لم تقع ، وإذا لم تقع فكيف يقرون برؤيتها؟ لهذا كانت «ثمّ» للاستئناف فى الآية. ويؤيد كونها للاستئناف فى الآية قوله تعالى بعد ذلك : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ. ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) ؛ فمن المستحيل أن يسيروا فينظروا بدء الخلق ثم إنشاء النشأة الآخرة. والاستئناف أحد المعانى التى تؤديها ثلاثة من الأحرف ؛ هى : (الواو ، والفاء ، وثمّ) ، وحين يكون الحرف للاستئناف لا يكون للعطف.
قال الفيروزبادى صاحب «القاموس المحيط» فى كتابه الآخر المسمى : «بصائر ذوى التمييز» عند الكلام على معانى «ثمّ» (1)- ما نصه : (تكون للابتداء كقوله تعالى فى سورة فاطر : ( وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، إِنَّ اللّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) ا ه.
وسيجىء فى الجزء الرابع - عند الكلام على «واو المعية» ، باب إعراب الفعل ، (2)- ما يؤيد وقوع «ثم» للاستئناف ، ويزيد الحكم بيانا ووضوحا.
ب - «ثم» تصلح للوقوع بعد همزة الاستفهام مباشرة إذا كان المعطوف بها جملة ، واقتضى المعنى الاستفهام على الوجه المشروح فى «ء» من ص 570 فهى كالواو والفاء (3)فى هذا. ولا يقع بعد الاستفهام مباشرة من حروف العطف غير هذه الثلاثة.
ح - ما حكم الضمير بعد «ثم» إذا كان عائدا على «المتعاطفين» أيطابقهما أم لا يطابق؟ الجواب فى رقم 3 من ص 657.
معناها الدلالة على أن المعطوف بلغ الغاية فى الزيادة أو النقص بالنسبة للمعطوف عليه (1)؛ سواء أكانت الغاية حسية أم معنوية ، محمودة أم مذمومة ؛ نحو : لم يبخل الغنىّ الورع بالمال حتى الآلاف ، ولم يقصّر فى العبادة حتى التهجّد (2). ومثل : حبس البخيل أمواله حتى الدّرهم ، وارتضى لنفسه المعايب حتى الاستجداء.
ولا تكون عاطفة إلا باجتماع شروط أربعة (3):
ا - أن يكون المعطوف بها اسما (فلا يصح أن يكون فعلا ، ولا حرفا (4)، ولا جملة (5)
ملأنا البر حتى ضاق عنا *** وبحر الأرض نملؤه سفينا
فواعجبا!! حتى كليب تسبنى *** كأن أباها نهشل أو مجاشع
ونهشل ومجاشع من آباء الفرزدق - فيقول المغنى ، ج 1 عند الكلام على «حتى» ما نصه : (لابد من تقدير محذوف قبل «حتى» فى هذا البيت يكون ما بعد حتى غاية له ، أى : فواعجبا «يسبنى الناس حتى كليب تسبنى ..). ا ه.
(كما سيجىء فى باب إعراب الفعل ... - ج 4 ص 314 م 149 حيث تفصيل الكلام على «حتى» الابتدائية - و «حتى» التى ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا. أما (الجارة ففى ج 2 م 90 - ص 545).
) ، نحو : استخدمت وسائل الانتقال حتى الطيارة ، فلا يجوز1) بمعنى أن المعطوف عليه لو استمر متجها فى صعوده أو فى انخفاضه لكان غاية ما يصل وينته إليه - من شرف أو خسة ، أو قوة أو ضعف ، ... أو نحو هذا من كل ما يفيد زيادة ونقصا - هى الدرجة التى وصل إليها المعطوف. (وكل هذا بحسب التخيل العقلى المحض ، لا الواقع ؛ لأن الواقع الخارجى قد يعارضه - انظر رقم 2 من هامش ص 582 -.
2) الصلاة بالليل.
3) زاد بعضهم شرطا آخر ؛ هو : أن يكون المعطوف بها مشتركا مع المعطوف عليه فى معنى عاملها ؛ فلا يصح : صمت الأيام حتى يوم عيد الفطر : لأن يوم عيد الفطر لا يباح صومه شرعا.
4) لأن الحرف - فى الغالب - لا يدخل على نظيره فى اللفظ والعمل إلا فى التوكيد اللفظى ، أو فى الضرورة الشعرية.
5) إذا دخلت «حتى» على جملة فعلية فعلها ماض أو على جملة اسمية ، فهى حرف ابتداء ، وهى : - كما قال الخضرى ج 2 باب العطف عند الكلام على : «حتى» - الداخلة على جملة مضمونها غاية (أى : نهاية) لشىء قبلها ؛ مثل قول الشاعر :
العطف فى نحو : صفحت عن المسىء حتى خجل ، وتركته لنفسه حتى ندم. ولا فى قول المعرى :
وهوّنت الخطوب علىّ ، حتى *** كأنى صرت أمنحها الودادا
ب - أن يكون الاسم المعطوف بها اسما ظاهرا لا ضميرا ، وصريحا لا مؤولا ؛ فلا يجوز اعتبارها حرف عطف فى مثل : انصرف المدعوون حتى أنا. وقد ارتضى بعض المحققين الاستغناء عن هذا الشرط ، وأجاز المثال السالف ، وأشباهه. وفى الأخذ برأيه توسعة وتيسير. كما لا يجوز اعتبارها عاطفة فى مثل : «أحب المقالات الأدبية حتى أن أقرأ الصحف» ؛ لما يترتب على هذا من وقوع معطوفها مصدرا مؤولا. وهذا لا يصح.
ح - أن يكون المعطوف بعضا حقيقيّا (1)من المعطوف عليه ، أو شبيها بالبعض (2) ، أو بعضا بالتأويل (2)
ألقى الصحيفة كى يخفف رحله *** والزاد حتى نعله ألقاها
برواية من نصب كلمة : «نعل» على اعتبار أن ما قبلها وهو (ألقى الصحيفة ... والزاد) فى تأويل : ألقى عنه الحمل الثقيل. ونعله بعض ما يثقله ؛ فيكون معطوفا على «الصحيفة». وهناك روايات فى ضبط تلك الكلمة لا تعنينا هنا.
. فمثال البعض الحقيقى : بالرياضة تقوى .1) البعض الحقيقى - هنا - إما أن يكون جزءا من الكل بحيث لا يوجد الكل الكامل بغيره ؛ نحو : أفاد الدواء الجسم حتى الإصبع ، وإما أن يكون فردا فى مجموع ؛ نحو : سهر الجيش حتى القائد ، وإما أن يكون نوعا من جنس يشمل أنواعا كثيرة ؛ نحو : النبات نافع حتى المتسلق. (2) هو العرض الملازم للكل من غير أن يدخل فى تكوين ذاته الأصلية ؛ كالجمال والعلم ، واللون ، والخلق ، والصوت ، نحو : راقنى الخطيب حتى ابتسامته ...
2) أى : بتقدير أنه كالبعض ، وافتراض ذلك. والمراد به : ما يصاحب «الكل» ويرافقه فى أحيان كثيرة دون أن يكون جزءا حقيقيا منه ، ولا ملازما له ملازمة دائمة ... نحو : حضر القطار فنزل المسافرون ، حتى الحقائب. وهذا يقتضى أن يكون البعض التأويلى ملاحظا فى نفس المتكلم عند النطق بالكل ، وداخلا فى نيته وتقديره أنه بمنزلة البعض ؛ لأهميته وشدة اتصاله. ومن أمثلته التى عرضها النحاة قول شاعر يصف هاربا من ملكه الذى أمر بقتله :
الأعضاء حتى الرّجل ، ومثال الشبيه بالبعض : أعجبنى العصفور حتى لونه (1). ومثال البعض بالتأويل : تمتعت الأسرة بالعيد حتى طيورها.
د - أن تكون الغاية الحسية أو المعنوية محققّة لفائدة جديدة ، فلا يصح : قرأت الكتب حتى كتابا ، ولا سافرت أياما حتى يوما ...
منها : أنها لمطلق الجمع - كواو العطف عند عدم القرينة ؛ فلا تفيد الترتيب الزمنى بين العاطف والمعطوف فى الحكم - نحو : أدّيت الفرائض الخمس حتى المغرب ، ووفيت أركان كل صلاة حتى الركوع (2)، وكقول الشاعر :
رجالى - حتى الأقدمون - تمالئوا *** على كل أمر يورث المجد والحمدا
ومنها : إعادة حرف الجر وجوبا بعد «حتى» إذا عطف بها آخر شىء ، والمعطوف عليه مجرور بمثل ذلك الحرف ، ويلتبس المعنى بعدم إعادته ؛ نحو : سافرت فى الأسبوع الماضى حتى فى آخره ، إذا كان المراد السفر فى أوقات متقطعة من الأسبوع ، وبعضها فى آخره. فلو لم تذكر كلمة : «فى» مرة ثانية بعد : «حتى» لكان من المحتمل فهم المراد بأنه السفر المتصل من أول الأسبوع إلى آخر لحظة فيه. وهذا غير المقصود ، فمن الواجب أن يعاد بعدها حرف الجرّ إذا كان «المعطوف عليه» مجرورا بمثيله ؛ لكيلا تلتبس بالجارة. فإن تعيّن (3)العطف بحيث يمتنع اللبس المعنوى كانت الإعادة جائزة لا واجبة ، نحو : فرحت بالقادمين حتى أولادهم ، وقول الشاعر :
1) ولا يصح : حتى : نظيره ، أو فرخه ، كما لا يصح أعجبتنى الأخت حتى جارها.
2) قالوا : لا يعتبر إلا الترتيب الذهنى من الأضعف إلى الأقوى ، أو بالعكس ولا يعتبر الترتيب الخارجى ؛ لجواز أن تكون ملابسة الفعل لما بعدها سابقة على ملابسته للأجزاء الأخرى ، أو فى أثنائها ، أو معها فى زمان واحد ؛ نحو مات كل أب للناس حتى آدم - ومات الناس حتى الأنبياء - وجاءنى القوم حتّى علىّ ، إذا جاءوا كلهم مجتمعين وعلى أقواهم أو أضعفهم. ويؤيد ما سبق قوله عليه السّلام : «كل شىء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس». لأن تعلق القضاء والقدر بهذين لا يتأخر عن غيرهما ، فالمراد من كل ما سبق أنها تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها فى الذهن حتما ، أى : تدريجها من الأضعف إلى الأقوى وعكسه ، ولو كان هذا مخالفا لما فى خارج الذهن وللواقع (راجع الخضرى والصبان ، ورقم 1 من هامش ص 580).
3) ضابط تعين العطف وعدم تعينه هو : أنه متى صح إحلال الحرف «إلى» محلها كانت محتملة للأمرين ، وإلا تعينت للعطف.
جود يمناك فاض فى الخلق حتّى *** بائس دان بالإساءة دينا
ومنها : أن استعمالها عاطفة أقل من استعمالها جارة ، فيراعى هذا فى كل موضع يصلح فيه الأمران ؛ نحو : قرأت الكتاب حتى الخاتمة ، فيجوز نصب «الخاتمة» باعتبارها معطوفة «بحتى» على : «الكتاب». ويجوز جرها باعتبار «حتى» حرف جر ، والأحسن الجرّ ، لأن العطف بالحرف : «حتّى» أقل فى كلام العرب (1)
بعضا بحتّى اعطف على كلّ ، ولا *** يكون إلّا غاية الّذى تلا
أى : اعطف بحتى بعضا على كل (فالمعطوف جزء من المعطوف عليه) ولا يكون المعطوف إلا غاية الذى تلاه. (والذى تلاه المعطوف أى : جاء بعده المعطوف هو : المعطوف عليه). يريد ؛ أن المعطوف لا بد أن يكون غاية للمعطوف عليه فى الزيادة أو النقص بحيث نتخيل المعطوف عليه يستمر فى زيادته أو نقصه حتى يصل فى درجته للمعطوف.
(كما أوضحنا فى رقم 1 من هامش ص 580).
من استعمالها جارة(2). .1) وفيما سبق خاصا بالحرف : «حتى» يقول ابن مالك :
2) وبسبب هذه القلة لا يوافق الكوفيون على استعمالها حرف عطف مطلقا ... ويستثنى من الحالة السابقة التى يكون فيها الجر أحسن ، صورة : «الاشتغال» فى مثل : صافحت القوم حتى طفلا صافحته ، من كل اسم وقع تاليا «حتى» وبعده فعل مشتغل بنصب ضمير ذلك الاسم ، كالمثال السالف. فكلمة : «طفلا» تعرب معطوفة بالحرف «حتى» والمعطوف عليه هو : القوم. والفعل : «صافح» الثانى ، توكيد للأول. فإن اشتغل برفع الضمير نحو : حضر القوم حتى طفل حضر ، امتنع النصب ، وصح الرفع فى هذا المثال. وإنما كان النصب أحسن فى الحالة الأولى لتكون بين الضمير ومرجعه مشابهة فى الإعراب.
ا - ومن أحكامها أنها لا تعطف نعتا على نعت كما تقدم (1). وأنها لا تقع فى صدر جملة تعرب خبرا (2).
ب - أشرنا (3)إلى أن «حتى» العاطفة - كالواو - لمطلق الجمع عند عدم القرينة ، لا للترتيب الزمنى فى الحكم ، نحو : مات كل الأنبياء حتى نوح. واستدلوا على هذا بأمثلة مختلفة ؛ منها قوله عليه السّلام : «كل شىء بقضاء وقدر حتى العجز ، والكيس» إذ لا يتأخر تعلق القضاء والقدر بهما عن غيرهما. لكنها - فى مثل هذه الحالة - تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا ؛ أى : تفيد تدريجها من الأضعف إلى الأقوى وعكسه طبقا للبيان والتفصيل السالفين (4).
وتكون كالواو أيضا فى عطفها الخاص على العامّ. وفى وجوب مطابقة الضمير العائد على المتعاطفين بعدها لهما (5)...
5 - أم : نوعان (1)؛ متصلة ، ومنقطعة ، (أو : منفصلة).
النوع الأول : «المتصلة» ، هى المسبوقة بكلام مشتمل على همزة التسوية (2)
أكرّ على الكتيبة لا أبالى *** أحتفى كان فيها أم سواها
(وانظر رقم 3 من هامش ص 588 ورقم 3 من هامش ص 593) فكلمة : «أم» توسطت بين جملتين معناهما مختلف ، وقبلهما «همزة التسوية» التى تدل على أن المعنيين المختلفين منزلتهما واحدة عند المتكلم ، وفى تقديره ؛ فيتساوى عنده اعتدال الجو وانحرافه ، ويتساوى عنده الإعنات والشقاء ، والإكبار والتقدير. وكذلك الموت فى كتيبة يهجم عليها ، أو فى غيرها.
ومما تجب ملاحظته أنها لا تحتاج إلى جواب محتم ، ومن الجائز - لا الواجب - أن يكون لها جواب أحيانا - كما سيجىء فى ص 594 - وأن التسوية مستفادة من كلمة «سواء» أو مما يدل دلالتها ؛ مثل : «لا أبالى». وليست مستفادة من الهمزة ، وإنما فائدة الهمزة هى تقوية التسوية ، وتأكيدها. ويصح الاستغناء عن هذه الهمزة بقرينة تدل عليها - كما سيجىء فى ص 596 -.
، أو على همزة استفهام يراد منها ومن «أم» التعيين (ويكون معناهما فى هذه الحالة هو : «أىّ» الاستفهامية) (3). فالمتصلة قسمان (4)، ولكل منهما علامة تميزه من الآخر :ا - علامة «أم» المتصلة بهمزة التسوية أن تكون متوسطة بين جملتين خبريتين ، قبلهما معا همزة التسوية (5)، وكلتا الجملتين صالحة لأن يحل محلها هى والأداة التى تسبقها (6)مصدر مؤول من هذه الجملة ؛ فهما جملتان فى تأويل مفردين - وبين هذين المفردين «واو» عاطفة تغنى عن «أم» ؛ كقولهم : على
1) وكلاهما لا يعطف نعتا على نعت. (طبقا لما تقدم فى رقم 2 من هامش ص 481).
2) سميت همزة التسوية لوقوعها بعد لفظ : «سواء» ، أو «لا أبالى» .. ، أو ما يشبههما فى دلالته على أن الجملتين المذكورتين بعده متساويتان فى حكم المتكلم - أى : فى تقديره لأثرهما - لا فرق عنده بين أن يتحقق معنى هذه أو معنى تلك ؛ إذ لا تفضيل لأحدهما على الآخر ؛ فالأمران سيان عنده ؛ نحو : لن أتخلف عن عملى : سواء علىّ أكان الجو معتدلا أم منحرفا ، ونحو : لن يتخلى الشريف عن حريته ؛ سواء عليه أيلقى الإعنات والشقاء أم يلقى الإكبار والتقدير. ومثل قول الشاعر :
3) طبقا للإيضاح الآتى فى «ب» من ص 589.
4) يجوز حذف «أم المتصلة» مع معطوفها ؛ طبقا للبيان الآتى فى ص 636 ، كما يجوز حذف المعطوف عليه قبلها ، بالإيضاح الذى فى ص 639.
5) إذا كانت إحدى الجملتين منفية وجب تأخيرها عن «أم» كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 591 وفى ص 594 -.
6) الأداة هنا هى : «الهمزة» فى الجملة الأولى ، و «أم» فى الجملة للثانية.
العقلاء أن يعملوا برأى الخبير الأمين ، فإن العمل برأيه غنم ؛ سواء أيوافق الرأى هواهم أم يخالفه). والتقدير : موافقة الرأى هواهم ومخالفته سواء. ومثل : (سؤال الناس مذلة وهوان ؛ سواء أكان المسئول قريبا أم كان غريبا). أى : سواء كون المسئول قريبا وكونه غريبا. فقد حل محل الجملة الفعلية الأولى فى المثالين ومعها همزة التسوية ، مصدر مؤول من الهمزة والجملة معا ؛ هو مصدر الفعل (1)المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه (فاعلا كان ، أو اسما لناسخ ...) وحل محل الجملة الفعلية الثانية فى المثالين ومعها «أم» مصدر مؤول هو مصدر الفعل المذكور فيها مع إضافته إلى مرفوعه كذلك ، وجاءت «الواو» بدلا من «أم» فى المثالين ؛ لتعطف المصدر الثانى المؤول على نظيره المصدر الأول. ويعرب المصدر الأول على حسب حاجة الجملة .. فيعرب فى المثالين السالفين خبرا ، مبتدؤه كلمة : «سواء» ، أو العكس. وقد يعرب فى غيرهما مفعولا به ، أو ... أو ... على حسب الموقع ... ويعرب المصدر المؤول الثانى معطوفا على الأول بالواو.
والجملتان إما فعليتان كما رأينا - وهو الأكثر ، ومنه قوله تعالى : ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) ، والتقدير : إنذارك (2)وعدمه سواء. وقوله تعالى : ( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) ، والتقدير : جزعنا وصبرنا سواء (3)
(أعرب الجمهور لفظ «سواء» . في الآية . خبرا مقدما ، عن الجملة التي بعده لتأويلها بمصدر.
أي : جزعنا وصبرنا سواء علينا ، أو عكسه . وهو إعراب «سواء» مبتدأ والمصدر المؤول خبره ؛ لأن الجار والمجرور المتعلق بلفظ «سواء» يسوغ الابتداء به - وجعلوه (أى : لفظ سواء) من مواضع سبك الجملة بلا سابك ؛ كهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، مما أضيف فيه الظرف إلى الجملة - وقد سبقت الإشارة إليه فى باب الإضافة ص 28 و1. وكقولهم : تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه ، مما أخبر فيه عن الفعل بدون تقدير : «أن». ولا يرد أن : «سواء» لاقتضائها التعدد تنافى : «أم» التى لأحد الشيئين ؛ لانسلاخ «أم» عن ذلك ، وتجردها للعطف والتشريك كما انسلخت الهمزة - فى الآية ونظائرها - عن الاستفهام ، واستعيرت للإخبار باستواء الأمرين فى الحكم ، بجامع استواء المستفهم عنهما فى عدم التعيين ، فالكلام معها خبر لا يطلب جوابا ؛ ولذا لم يلزم تصدير ما بعدها. فجاز كونه مبتدأ مؤخرا. وعلى هذا يمتنع بعدها العطف «بأو» لعدم انسلاخها عن : الأحد ، (أى : عن أحد الشيئين) ك «أم». التى انسلخت عنه - ولذا لحن فى المغنى قول الفقهاء : «سواء كان كذا أو كذا». ، وصوابه : «أم». لكن نقل الدمامينى عن السّيرافى ، أن «أو» لا تمتنع فى ذلك إلا مع ذكر الهمزة لا مع حذفها. قال وهذا نص صريح يصحح كلام الفقهاء - راجع أيضا رأى سيبويه فى «ب» من ص 1. فى نهاية الكلام على : «أو» العاطفة - أما التنافى المذكور فيتخلص منه بما اختاره الرضى من أن «سواء» خبر مبتدأ محذوف : أى : الأمران سواء ، والهمزة. بمعنى : «إن» الشرطية. لدخولها على أمر غير متيقن ، وحذف جوابها لوجود ما يدل عليه ، وجىء بها لبيان الأمرين ؛ أى : إن قمت أو قعدت فالأمران سواء ؛ «فأم» للأحد ، مثل : «أو» فى أن الأصل فيها أن تكون لأحد الشيئين ، أو الأشياء ، - كما سيذكر فى «ا» ص 611 وفيها بعض حالات مستثناة هناك - والجملة غير مسبوكة ونقل عن السيرافى مثله)» ا ه.
وواصل الخضرى كلامه قائلا ؛ «(وإذا تأملت ذلك علمت أنه على إعراب الجمهور لا تصح «أو» مطلقا
، لما فاتها من التسوية إلا أن يدعى انسلاخها عن «الأحد» مثل «أم». أما على إعراب «الرضى» فتصح مطلقا ؛ فلا وجه لقصر جوازها على عدم الهمزة ؛ إذ المقدر كالثابت على أن التسوية كما قاله المصنف مستفادة من «سواء» لا من الهمزة. وإنما سميت همزة التسوية لوقوعها بعد ما يدل عليها ، وحينئذ فالإشكال في اجتماع : «أو» مع «سواء» لا الهمزة. )» اه. بتصرف يسير في بعض كلمات أزيل غموضها ...
ومثل هذا في حاشية الصبان مع اختلاف يسير فى القاعدة والأفضل الأخذ بما جاء في الخضرى لأنه يسايرا أكثر الكلام المأثور. ويدل دلالة واضحة على إباحة استعمال : «أو في كل» الحالات.
قد صحح اجتماع «أو» وهمزة التسوية بعض المحققين ، مخالفا فى هذا رأى سيبويه المشار إليه - الآتي في «ب» من ص 611 - ومنهم صاحب حاشية الأمير على «المغنى» ج 1 عند الكلام على «أم» المتصلة ، والعطف بالحرف : «أو» بعد الهمزة. هذا إلى قراءة بعضهم قوله تعالى : «سواء عليهم أأنذرتهم أو لم تنذرهم»). بدلا من : «أم لم تنذرهم» .. ولا يقال إن هذه القراءة . عند بعضهم . شاذة ؛ لأن ما يجوز في القرآن الكريم يجوز في غيره من باب أولى ، كما نص عليه الثقات ، أما إعراب «الرضى» فمع وضوحه ويسره حين تكون الجملتان فعليتين يحتاج إلى تأويل وتقدير محذوفات حين تكون الجملتان اسميتين أو مختلفتين.
مثلا - وأنها على حسب هذا التضمن مبتدأ والمصدر المؤول بعدها فاعله ، أو أنها خبر مقدم ... كما جاء في كتاب : العكبرى ، المسمى «إملاء ما منّ به الرحمن». لكن فى كلام الخضرى السابق الكفاية.
وجاء مجمع اللغة العربية - بالقاهرة فأصدر قرارا حاسما في الاستعمالات السالفة ، وسجل قراره في ص 227 من كتابه الذى أخرجه سنة 1969 باسم : «كتاب فى أصول اللغة» ونص قراره تحت عنوان («استعمال : «سواء» مع «أم» ومع «أو» بالهمزة وبغيرها ،-
يجوز استعمال «أم» مع الهمزة وبغيرها وفاقا لما قرره جمهرة النحاة ، واستعمال «أو» مع الهمزة وبغيرها كذلك على نحو التعبيرات الآتية : سواء على أحضرت أم غبت - سواء على حضرت أم غبت - سواء على أحضرت أوغبت . سواء على حضرت أوغبت. والأكثر فى الفصيح استعمال الهمزة» و «أم» في أسلوب
«سواء» ا ه.
وإما اسميتان كقول الشاعر :1) فإن لم يكن فى الكلام فعل أغنى عنه مشتق آخر من المشتقات ؛ كاسم الفاعل ، واسم المفعول ... ؛ فيصاغ المصدر المؤول عندئذ من المشتق مع مرفوعه. ويوضح هذا النوع من الإضافة والسبك ما سبق فى ص 28 و84 وكذلك ما سبق فى ج 2 ص 55 م 65 وفى ج 1 ص 395 م 29 آخر باب الموصول حيث الكلام فى كل ذلك على المصدر المؤول من غير سابك. (انظر رقم 2 و3 التالبين).
2) من الممكن بعد همزة التسوية سبك المصدر المؤول بدون حرف سابك ؛ طبقا للبيان الذى تقدم فى موضعه المناسب. (وهو حروف السبك - ج 1 م 29 ص 473 وج 2 م 91 ص 256).
3) فى تأويل هذا المصدر وباقى الأمثلة المشابهة ، وإعراب الآية معه ، جدل طويل احتوته المطولات. وقد لخصه «الخضرى» فى حاشيته تلخيصا نافعا ، وإنا نسوقه هنا لفائدته النحوية واللغوية. قال :
ولست أبالى بعد فقدى مالكا *** أموتى ناء أم هو الآن واقع
والتقدير : لست أبالى نأى (1)موتى ووقوعه الآن. وإما مختلفتان بأن تكون الأولى (وهى المعطوف عليها) فعلية : والثانية (وهى المعطوفة) اسمية كقوله تعالى عن الأصنام : ( سَواءٌ عَلَيْكُمْ ، أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ) ، والتقدير : سواء عليكم دعاؤكم إياهم وصمتكم. أو العكس ، نحو : لا يبالى الحرّ فى إنجاز العمل أرئيسه حاضر أم يغيب. والتقدير : لا يبالى الحرّ حضور رئيسه وغيابه (2). والمصدر المؤول هنا مفعول به ... والجملة بمعنى : سواء على الحرّ أرئيسه حاضر أم غائب.
وليس من اللازم أن تكون همزة التسوية مسبوقة بكلمة «سواء» فقد يغنى عنها ما يدل دلالتها فى التسوية ؛ نحو : «ما أبالى» ... أو ما يشبهها من هذه الناحية (3)إنما اللازم أن تكون مسبوقة بكلمة : «سواء» أو بما يؤدى
1) أى : بعد مجيئه ، وتأخر زمنه.
2) العطف فى الآية يؤيد الرأى الأرجح الذى يبيح عطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس. بالطريقة الموضحة هناك (انظر ص 655).
3) يرى بعض النحاة أن الهمزة بعد : (ليت شعرى - لا أعلم - ما أدرى ...) لطلب التعيين فقط ، لأن تلك الألفاظ ليست فى حكم : «لا أبالى» التى تكون بعدها الهمزة للتسوية ؛ فكأن القائل يريد : لا أدرى جواب هذا الاستفهام ... ويخالفهم آخرون ؛ فيرون الألفاظ السالفة كلها خاضعة لحكم واحد هو اعتبار الهمزة بعدها للتسوية. والحق أن المراد من هذه الألفاظ يتوقف على القرينة - وأهمها السياق - فهى التى تحدد الغرض ؛ فيتعين نوع الهمزة ، أهى للتسوية أم للتعيين. فإن لم توجد القرينة فالرأى الأول هو الأصح. هذا ، وسيبويه يجيز العطف «بأم» و «بأو» بعد «ليت شعرى ، وما أدرى» إذا سبقتهما الهمزة. ولرأيه تكملة تجىء فى «ج» من 605 وفى «ب» من ص 611.
معناها ؛ كما فى بعض الأمثلة السابقة.
هذا ، ولا شأن لهمزة التسوية بالاستفهام فقد تركته نهائيّا وتمحضت للتسوية.
حكم هذا القسم :
مما سبق يتبين أن «أم» المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية لا تعطف إلا جملة على جملة وكلتا الجملتين خبرية بمنزلة الفرد ، لأنها صالحة مع الأداة لأن يحل محلها مصدر مؤول. ولا شأن لها بعطف المفردات إلا نادرا ؛ لا يقاس عليه ، ومن صور هذا النادر القليل الذى لا يقاس عليه أن تتوسط بين مفرد وجملة (1)؛ كقول القائل :
سواء عليك النّفر (2)أم بتّ ليلة *** بأهل القباب من عمير (3)بن عامر
ب - وعلامة : «أم» المسبوقة بهمزة التّعيين أن تكون متوسطة بين شيئين ، ينسب لواحد غير معين منهما أمر يعلمه المتكلم. ولكنه لا يعلم - على وجه التعيين - صاحبه منهما ، وقبلهما معا همزة استفهام ، يراد منها ومن «أم» تعيين أحد هذين الشيئين (4)، وتحديد المختص منهما بالأمر الذى يعرفه المتكلم ، ويسأل
1) راجع حكم عطف الجملة على المفرد فى مكانه (ص 659) ويضعف أن يكون العطف فى البيت عطف ماض على مصدر (انظر ص 650 وما بعدها). وأحسن من هذين أن تكون الجملة بعد «أم» فى تأويل مصدر معطوف على المصدر السابق عطف مفردات ، وأن تكون «أم» العاطفة بمعنى الواو ؛ طبقا لما سبق فى ص 585 وما بعدها.
2) الرحيل.
3) فى رواية أخرى : «نمير» - بالنون - طبقا للوارد فى كتاب : - «معانى القرآن» للفراء ، ج 1 ص 401.
4) يكون المراد من التعيين إما طلب تعيين أحد شيئين مجسمين ، وتخصيص الأمر المعلوم للمتكلم بأحد هذين الشيئين المجسمين ؛ كما فى مثال : أعمك مسافر أم أخوك؟ فالحكم المعلوم هو : السفر ، والمجهول المراد تعيينه هو الشخص (أى : الذات) الذى ينسب له الحكم السالف. وإما طلب تعيين أحد أمرين معنويين وتخصيصه بذات معلومة ، نحو : أسفر أخيك أنفع أم إقامته ، فالحكم - أى : السفر - هو المجهول. والشخص (أى الذات) هو المعروف. هذا ، ويصح الاستغناء عن هذه الهمزة على الوجه المبين فى ص 596.
عن صاحبه الحقيقىّ ؛ ليعرفه على وجه اليقين ، لا التردد والشك ؛ نحو : أعمّك مسافر أم أخوك؟ فقد وقعت «أم» بين شيئين ، هما : «عم» و «أخ» وقبلهما همزة استفهام (1)
هل اللّه عاف عن ذنوب كثيرة *** أم اللّه - إن لم يعف عنها - يعيدها؟
يريد المتكلم بها و «بأم» أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينا قاطعا يدل على المسافر منهما دون الآخر. فالمتكلم يعلم يقينا أن أحدهما مسافر ؛ لكن من منهما؟ هذا هو ما يجهله المتكلم ، ويريد أن يعرفه بغير تشكك فيه ؛ إذ لا يدرى ؛ أهو : العم أم الأخ؟ ؛ ومن أجله يطلب من المخاطب أن يعيّن له المسافر تعيينا مضبوطا ، ويحدده تحديدا يؤدى إلى كشف حقيقته وذاته ، فيمكن بعد هذا إسناد السّفر إليه وحده ، ونسبته إليه ، دون غيره. فالسفر المجرد - ليس موضع السؤال ، لأنه غير مجهول للمتكلم ، إنما المجهول الذى يسأل عنه ويريد أن يعرفه - هو تعيين أحدهما ، وتخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر.ومن الأمثلة أيضا : أعادل واليكم أم جائر؟ فقد وقعت «أم» بين شيئين ؛ هما : عادل وجائر ، وقبلهما معا همزة الاستفهام التى يريد المتكلم بها وبأم استبانة أحد هذين الشيئين ، وتحديده ، وتعيينه ، ليقتصر المعنى عليه ، وينسب إليه وحده. ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليا ، ولا يشك فى وجوده ، ولكن الذى يجهله ويريد أن يعرفه من المخاطب هو : تعيين هذا الوالى ، وتحديد أمره ؛ بحيث يكون واحدا محددا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقا. وتسمى هذه الهمزة : «بالمغنية عن كلمة : أىّ» - لأنها مع «أم» يغنيان عن كلمة : «أىّ» فى طلب التعيين ، وليست الهمزة وحدها - فمعنى ؛ أعمك مسافر أم أخوك؟ هو : أيّهما المسافر؟ ومعنى أعادل واليكم أم جائر : أىّ الأمرين واقع ومحقق؟
حكم هذا القسم :
يشترط فى : «أم» هذه - كما سبق - أن تتوسط بين الشيئين اللذين يراد ؟
1) قال الصبان - فى باب العطف عند آخر الكلام على همزة التسوية وما يتصل بها ما نصه : («وقد تكون «هل» بمعنى «الهمزة» فيعطف «بأم» بعدها ؛ كحديث : «هل تزوجت بكرا أم ثيبا»؟). ا ه كلام الصبان. هذا وفى شعر الحسن بن مطير (وهو أموى من شعراء الحماسة ، يحتج بكلامه) قوله :
تعيين أحدهما ؛ فيقع قبلها واحد منهما ، ويقع بعدها الآخر (1)؛ كما فى الأمثلة (2)
و «أم» بها اعطف إثر همز التّسويه *** أو همزة عن لفظ «أىّ» مغنيه
(إثر : بعد) والهمزة المغنية عن لفظ : «أىّ» هى الهمزة التى يقصد بها وبأم التعيين على الوجه الذى شرحناه. وهذه الهمزة لا تغنى وحدها عن «أىّ» ، وإنما تغنى بشرط انضمام «أم» إليها ؛ فهما معا يغنيان عن «أى» التى تسد مسدهما.
.ولما كان التعيين والتحديد هما الغرض من الإتيان «بأم» هذه ومعها همزة الاستفهام التى قبلها - وجب أن يجىء الجواب مشتملا على ما يحقق الغرض ؛ فيتضمن النص الصريح بذكر أحد الشيئين وحده. فيقال فى المثال الأول : (العم ...) مع الاقتصار على هذا. أو : (الأخ ...) مع الاقتصار عليه. ويقال فى المثال الثانى : (عادل) كذلك ، أو : (جائر).
ولا يصح أن يقال فى الإجابة عن السؤالين وأشباههما : نعم ، أو : لا ، لأن الإجابة بأحد هذين الحرفين - أو بأخواتهما من أحرف الجواب - لا تفيد تعيينا ، ولا تحديدا ، وإنما تفيد الموافقة على الشىء المسئول عنه أو المخالفة. وهذه الموافقة أو المخالفة لا تحقق الغرض المقصود من استعمال «أم» المتصلة المسبوقة بهمزة الاستفهام على الوجه الذى شرحناه (3).
ولهذا القسم من قسمى «أم» المتصلة صور مختلفة ؛ منها :
(1) أن تقع بين مفردين متعاطفين بها ، وبينهما فاصل لا يسأل عنه المتكلم - وهذه الصورة هى الغالبة - كأن يقول قائل لآخر : شاهدت اليوم سباق السبّاحين ؛ أمحمد هو الذى فاز أم محمود؟ فالمراد من السؤال تعيين واحد من الاثنين ، وقد توسط بينهما أمر ليس موضوع الاستفهام ، لأنه أمر معروف .
1) وإذا كان أحد الشيئين منفيّا تعين تأخيره عن «أم» دون الآخر - كما سبق فى رقم 5 من هامش 585 وسيجىء هذا فى أول ص 594 -.
2) وفى «أم» المتصلة بنوعيها يقول ابن مالك :
3) قد يجاب بالحرف : «لا» - أو غيره مما يفيد جوابا منفيا - إذا كان المقصود من «لا» نفى وقوع أحد الشيئين ، أو الأشياء. وإظهار خطأ السائل فى اعتقاده ثبوت أحد الشيئين ، أو الأشياء. وقياسا على حالة النفى السابقة ، يرى بعض النحاة أن يجاب بالحرف : «نعم» - أو غيره مما يفيد جوابا مثبتا - إذا كان المقصود إثبات وقوع كل من الشيئين أو الأشياء ، وإظهار خطأ السائل فى اعتقاده ثبوت شىء واحد فقط.
للمتكلم ، وهو الفوز ، أما المجهول الذى يريد أن يعرفه فهو الفائز.
وقد تقع بين مفردين تعطفهما ، مع تأخر شىء عنهما لا يسأل عنه المتكلم ؛ تقول فى المثال السالف : أمحمد أم محمود هو الذى فاز؟ وكأن يقول قائل : كتاب «العقد الفريد» كتاب أدبى نفيس ، فتقول : نعم سمعت اسمه يتردد كثيرا. ولكن أغال أم رخيص كتاب «العقد الفريد»؟ فأنت تسأل عن غلوّه ورخصه ، وتطلب بسؤالك تعيين أحدهما ، ولست تسأل عن الكتاب ذاته ، فإنك تعرفه ...
ومن الأمثلة السالفة يتبين أن الذى يلى الهمزة مباشرة هو واحد مما يتجه إليه الاستفهام ، يراد معرفته وتعيينه ، أمّا الذى لا يتجه إليه الاستفهام فيتوسط أو يتأخر (1). وهذا الحكم هو الأكثر والأولى ، ولكنه ليس بالواجب ؛ فليس من المحتم أن يلى الهمزة أحد الأمرين اللذين يتجه إليهما الاستفهام لطلب التعيين. بل يصح - عند أمن اللبس - أن يقال : أكتاب «العقد الفريد» غال أم رخيص؟ وهذا - بالرغم من صحته - قليل ، ودرجته البلاغية ضئيلة ومراعاة الأكثر هى الأحسن ...
(2) ومنها : أن تقع بين جملتين ليستا فى تأويل مصدر (2)، وتعطف ثانيتهما على الأولى ، وهما ، إمّا فعليتان ، نحو : أزراعة مارست ، أم زاولت التجارة؟ وإما اسميتان ، نحو : أضيفك مقيم غدا أم ضيفك مسافر؟ وإما مختلفتان ، نحو : أأنت كتبت رسالة لأخيك الغائب أم أبوك كاتبها؟
(3) ومنها : أن تقع بين مفرد وجملة ؛ كقوله تعالى : ( وَإِنْ (3)أَدْرِي
1) لزيادة الإيضاح قالوا : إن الشرط الذى يغلب تحققه فى الهمزة المعادلة «أم» - كما سبق - هو أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين واحد منهما ، وأن يلى الآخر «أم» ليفهم السامع من أول الأمر نوع الشىء الذى يطلب المتكلم تعيينه. تقول إذا استفهمت بالهمزة عن تعيين المبتدأ دون الخبر : أعلى قائم أم سعيد ، وإن شئت قلت : أعلى أم سعيد قائم. فقد توسط الخبر (وهو قائم) أو تأخر ؛ بسبب أنه غير المسئول عنه بالهمزة. وتقول إذا استفهمت عن تعيين الخبر دون المبتدأ : أقائم سعيد أم قاعد ، وإن شئت قلت : أقائم أم قاعد سعيد؟ فقد توسط المبتدأ (وهو : سعيد) أو تأخر بسبب أنه غير المسئول عنه. والحكم على المتقدم أو المتأخر بأنه المبتدأ وعلى الآخر بأنه الخبر خاضع للقرينة ؛ كالتعريف أو التنكير هنا .. فما كان منهما معرفة فالأحسن اعتباره هو المبتدأ ولو كان متأخرا واعتبار النكرة هى الخبر ، فإن كانا معرفتين فأقواهما فى درجة التعريف هو المبتدأ ... وما سبق هو الأغلب الأفصح. أما غيره - وهو جائز عند أمن اللبس - مع ضعف درجته البلاغية - فأن يقع بعد الهمزة مباشرة ما ليس من الأمرين المراد تعيين أحدهما.
2) لعدم وجود ما يقتضى سبك الجملة ، وتأويلها بالمصدر.
3) إن حرف نفى ، بمعنى : «ما».
أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ، أَمْ يَجْعَلُ (1)لَهُ رَبِّي أَمَداً ) .
فملخص ما يقال فى «أم المتصلة» أنها تنحصر فى قسمين ؛ قسم مسبوق بهمزة التسوية ، ولا تعطف فيه إلا الجمل التى هى فى حكم المفرد ، (لأن كل جملة منها مؤولة بالمصدر المنسبك) ، وقسم مسبوق بهمزة استفهام يطلب بها وبأم التعيين ، وتعطف فيه المفردات حينا والجمل حينا آخر ، أو المفرد والفعل (2).
وإنما سميت «أم» فى القسمين : «متصلة» لوقوعها بين شيئين مرتبطين ارتباطا كلاميّا وثيقا ، لا يستغنى أحدهما عن الآخر ، ولا يستقيم المعنى إلا بهما معا. لأن التسوية فى النوع الأول وطلب التعيين فى النوع الثانى - لا يتحققان إلا بين متعدد ، وهذا التعدد لا يتحقق إلا بما قبلها وما بعدها مجتمعين.
وتسمى كذلك فى هذين القسمين : «أم المعادلة» للهمزة ؛ لأنها فى القسم الأول تدخل على الجملة الثانية المعادلة للجملة الأولى فى إفادة التسوية ، وهذه الجملة الثانية هى التى تفيد المعادلة فى التّسوية (3)، وليست «أم». غير أن «أم» تعتبر معادلة للهمزة بسبب الدخول على الجملة المعادلة للأولى التى دخلت عليها الهمزة - ولا دخل للهمزة ولا «أم» فى إفادة التسوية المباشرة.
ولأنها فى النوع الثانى تعادل الهمزة فى إفادة الاستفهام.
1) الفعل : «يجعل» معطوف على الاسم المشتق الذى يشبهه ، وهو : «قريب» وكلمة : «أم» متوسطة بينهما ، فليس فى الكلام عطف جملة على مفرد - وسيجىء الكلام على مثل هذا العطف فى ص 649 - ولا يصح أن تكون الجملة (من المضارع «يجعل» وفاعله) هى المعطوفة على زعم أنه يمكن تأويلها بمفرد يعطف على مفرد - كالذى سيجىء فى رقم 6 من ص 659 - لا يصح هذا ، لأن «أم» التى للتعيين لا يصح تأويل إحدى جملتيها بمفرد ؛ إذ لا يوجد سابك ، أو نحوه ، كما تقدم فى رقم 2 من هامش الصفحة السابقة ، وكما سيجىء فى ص 595.
2) نقول : «الفعل». مراعاة لما سبق فى رقم 1 من هذا الهامش.
3) أى : أن الكلام مشتمل على جملتين متعادلتين (متساويتين) من ناحية المراد من كل واحدة. فكأنهما كفتان متساويتان فى ميزان واحد ، لا ترجح إحداهما الأخرى. أو أنهما نصفان لشىء واحد ؛ فلابد أن يكونا متساويين. - انظر رقم 2 من هامش ص 585.
ويجب فى النوعين أن يتأخر عنها المنفىّ ؛ - كما أشرنا (1)- مثل : سواء علىّ أغضب الظالم أم لم يغضب. ولا يصح : سواء علىّ ألم يغضب الظالم أم غضب (2). وفى مثل : أمطر نزل أم لم ينزل؟ لا يصح : ألم ينزل مطر أم نزل؟
الفرق بين قسمى «أم» المتصلة :
تختلف «أم» التى بعد همزة التسوية عن «أم» التى يراد بها وبهمزة الاستفهام التعيين فى أربعة أمور :
أولها : أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابا حتميّا (3)، لأن المعنى معها على الإخبار ؛ وليس على الاستفهام ؛ فقد تركت الاستفهام إلى الإخبار بالتسوية ؛ بخلاف الأخرى ، فإنها باقية على الاستفهام. فتحتاج للجواب.
ثانيها : أن الكلام مع الواقعة بعد همزة التسوية قابل للتصديق والتكذيب (4)
ومما يلاحظ : أن مجموع : ما أدرى أشاعر خطيبنا أم ناثر ؟ هو كلام خبرى محتمل للتصديق والتكذيب ، ولكنه من غير الجملة التى فى صدره وهى : . ما أدرى» - يكون انشائيا - لأنه استفهام.
إذ هو خبر - كما أسلفنا - بخلاف الأخرى ؛ فإن الكلام معها إنشائى ؛ لا دخل للتصديق والتكذيب فيه ؛ لبقاء الاستفهام على حقيقته فى الغالب.ثالثها : أن الواقعة بعد همزة التسوية لا بد أن تقع بين جملتين - ومن النادر الذى لا يقاس عليه ألا تكون كذلك ، كما سبق (5)- أما الأخرى فقد تكون بين
1) فى رقم 5 من هامش ص 585 وفى رقم 1 من هامش ص 591.
2) فى رقم 5 من هامش ص 585 وفى رقم 1 من هامش ص 591.
3) المراد : أنها لا تستحق الجواب استحقاقا لازما ، ولا مانع أن يكون لها جواب ، لأن الخبر - وهو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته ، بخلاف الإنشاء - يجوز أن يجاب ، «بنعم» تصديقا له ، أو : «بلا» تكذيبا له ، لكن هذا جائز لا واجب - كما سبقت الإشارة فى رقم 2 من هامش ص 585.
4) ذلك أن جملة مثل ، سواء علىّ أرضى أم سخط ، أو : لست أبالى أرضى الحقود أم سخط - وأشباهها - تقبل التصديق والتكذيب ؛ لأنها خبر بخلاف جملة مثل : أسعد مقبل أم على؟ أو : ما أدرى أشاعر خطيبنا أم ناثر؟
5) فى ص 589.
الجمل أو المفردات ، أو بين مفرد وجملة.
رابعها : أن الجملتين اللتين تتوسطهما «أم» الواقعة بعد همزة التسوية لابد أن تكونا فى تأويل مفردين ؛ لأن كلا منهما فى تأويل مصدر منسبك.
بخلاف اللتين تتوسطهما «أم» الأخرى ، فلا يصح تأويل واحدة منهما بمفرد ؛ لعدم وجود سبك ولا غيره مما يجعلها فى حكم المفرد (1)...
1) انظر رقم 6 من ص 659.
ا - يصح فى الأسلوب المشتمل على «أم» المتصلة الاستغناء عن الهمزة بنوعيها إن علم أمرها ، ولم يوقع حذفها فى لبس. فمثال حذف همزة التسوية : (سواء على الشريف راقبه الناس أم لم يراقبوه ؛ فلن يرتكب إثما ، ولن يقع فى محظور). والأصل : أراقبه الناس .. ، ومثال حذف الأخرى قول الشاعر :
لعمرك ما أدرى - وإن كنت داريا - *** بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
يريد : أبسبع أم بثمان؟ وتظل حالات : «أم» وأحكامها بعد حذف الهمزة كما كانت قبل حذفها (1)
وربّما أسقطت الهمزة إن *** كان خفا المعنى بحذفها أمن
(أسقطت : حذفت.) يريد : قد تحذف الهمزة بشرط ألا يؤدى حذفها لخفاء المعنى ، والوقوع فى اللبس.
.ب - من النادر الذى لا يقاس عليه أن تحذف «أم» المتصلة مع معطوفها كقول الشاعر :
دعانى إليها القلب ، إنى لأمره *** سميع ؛ فما أدرى أرشد طلابها ..؟
يريد : أم غىّ. وقول الآخر :
أراك فلا أدرى أهمّ هممته؟ *** وذو الهمّ قدما خاشع متضائل ...
يريد : أهمّ أم غيره (2)...؟
وقيل : إن الهمزة للتصديق فلا تحتاج لمعادل. - وستجىء إشارة للحذف فى ص 637 -
ويجوز حذف المعطوف عليه قبلها - كما سيجىء فى موضعه المناسب ص 639 -
ح - سبقت الإشارة (فى ص 588 ورقم 3 من هامشها) إلى أن الهمزة الواقعة بعد: «لا أبالى» هى للتسوية بخلاف الواقعة بعد : (لا أدرى ، أو لا أعلم ، أو ليت شعرى) فإنها للتعيين على الأرجح ، وأن سيبويه يجيز العطف بأو وأم بعد هذه الألفاظ إذا سبقتها الهمزة (3).
النوع الثانى - «أم» المنقطعة ، (أو : المنفصلة) :
تعريفها : (هى التى تقع - فى الغالب - بين جملتين مستقلتين فى معناهما ، لكل منهما معنى خاص يخالف معنى الأخرى ، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر ؛ فليس بين المعنيين ما يجعل أحدهما جزءا من الثانى. وهذا هو السبب فى تسمية : «أم» بالمنقطعة ، أو : بالمنفصلة ، وفى أن يكون معناها - فى غير النادر - الإضراب دائما (1)
وقد يكون المراد به : الانتقال من غرض باق على حاله إلى آخر يخالفه. ويسمى : «الإضراب الانتقالي»
؛ نحو : فاز من حاسب نفسه ، وتدارك عيبه ، أم حسب المرء أن المجد سهل إدراكه ، قريب مناله ... والأول هو الأكثر . (وسيجيء تفصيل الكلام على الإضراب بنوعيه في ص 623 ..
فتكون فى هذا بمعنى : «بل (2)». وقد تفيد معه معنى آخر أحيانا (3).علامتها :
ألا تقع - مطلقا (4)- بعد همزة التسوية ، ولا بعد همزة الاستفهام التى يطلب بها ، و «بأم» التعيين - وقد شرحناهما (5)- وإنما تقع بعد نوع مما يأتى :
(1) الخبر المحض ؛ كقوله تعالى فى الكفار : ( " وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ " .... ) أى : بل يقولون افتراه ، فقد وقعت «أم» بين جملتين هما : (هذا سحر مبين) ، و (يقولون افتراه) وكل واحدة منهما مستقلة بمعناها عن الأخرى ، ومن الممكن عند الاكتفاء بها أن تؤدى معنى كاملا. و «أم» هنا بمعنى : «بل» الدالة على الإضراب المحض الذى لا يشاركه معنى آخر.
1) قد يكون المقصود به هنا : إبطال الحكم السابق ، ونفى مضمونه ، والقطع بأنه غير واقع ، والحكم على مدعيه بالكذب ، والانصراف عن ذلك الحكم إلى حكم آخر يجىء بعدها. وهذا هو : «الإضراب الإبطالى» ، نحو : سمعت ترجيع بلبل صداح ، أم أصغيت لإيقاع موسيقى بارع تبينت الناس حوله مجتمعين.
2) «أم» مثل «بل» فى الإضراب المجرد. لكنهما يختلفان بعد ذلك فى أمور ؛ منها : أن الذى بعد «بل» يقين غالبا ، أما الذى بعد «أم» فظن وشك - على الوجه المشروح فى رقم 3 من هامش ص2. (وسيجىء الكلام على «بل» فى ص 623) - وفى رقم 2 من هامش ص 624.
3) كما سيجىء فى : «ب» ص 600.
4) أى : لا لفظا ولا تقديرا.
5) فى ص 585 وما بعدها.
(2) وقد تقع بعد أداة استفهام غير الهمزة ، كقوله تعالى : ( هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ... ) (1)والشأن فى هذه الآية كسالفتها. فى الدلالة على الإضراب المحض.
(3) وقد تقع بعد همزة ليست للتسوية ولا لطلب التعيين ، وإنما هى لنوع من الاستفهام غير الحقيقى ، معناه : الإنكار والنفى ؛ كقوله تعالى فى الأصنام ، ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ... ) فالاستفهام هنا غير حقيقى (2)والمراد منه ما سبق.
(4) وقد تقع بعد همزة استفهام غير حقيقى أيضا ، ولكن يراد منه التقرير ، أى : الحكم على الشىء بأنه ثابت مقرر ، وأمر واقع ؛ كقوله تعالى فى المنافقين : ( أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، أَمِ ارْتابُوا ، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ... ) (3).
فكلمة «أم» فى جميع الأنواع السالفة منقطعة بمعنى : «بل».
ومن الأمثلة للإضراب المحض (4): (هذا صوت مغنية بارعة ، أم هذا صوت مغنّ مقتدر ، فقد تبينت لحيته وشاربه.) هنا وقعت «أم» بين جملتين تفيد الأولى منهما أن الصوت لمغنية ، وتدل الثانية على أن المتكلم أضرب ، - أى : عدل - عما قرره أوّلا ، وتركه إلى معنى آخر ، هو أن الغناء لرجل ، لا لمغنية. والذى يدل على إضرابه وعدوله عن المعنى الأول إلى الثانى ، هو ذكر
1) قلنا : إن المنقطعة لا يفارقها الإضراب إلا فى النادر ، ولكنها قد تفيد معه استفهاما حقيقيا أو غير حقيقى ؛ (طبقا لما سيجىء فى : «ب» من ص 600) و «أم» هنا فى الآية لا تفيد استفهاما حقيقيا أو غير حقيقى. لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام. - كما سيجىء فى ص1. .
2) الاستفهام الحقيقى : هو الذى يقصد به السؤال عن شىء مجهول للمتكلم حقيقة ، ويريد أن يعرفه.
3) وكقوله تعالى فى المعارضين : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها. )
4) فى ص 600 أمثلة أخرى غير الآتية.
اللحية والشارب ، فهما قرينة على الإضراب. وأداة الإضراب هى : «أم».
ومن الأمثلة : (استيقظت فى الصباح الباكر فرأيت ورق الشجر مبتلا فقد سقط المطر ليلا ، أم تكاثر الندى عليه ؛ فإنى أجد الطرق والمسالك جافة ؛ لا أثر فيها للمطر). فهنا وقعت «أم» بين جملتين ؛ الأولى منهما تفيد أن بلل الورق من سقوط المطر ، وتدل الثانية منهما على أن سبب البلل شىء آخر ؛ هو : النّدى ، فعدل المتكلم على المعنى الأول ، وانصرف عنه إلى الثانى ؛ بدليل يؤيده ؛ هو : جفاف الطرق والمسالك. والأداة المستعملة فى الإضراب هى : «أم» (1)
وبانقطاع ، وبمعنى : «بل» وفت *** إن تك ممّا قيّدت به خلت
يريد : أن «أم» تكون منقطعة إذا خلت مما قيدت به فى النوع السابق ، إذ قيدت فيه بأن يسبقها همزة التسوية : أو همزة مغنية عن لفظ «أىّ» فإذا خلت من هذا التقييد وفت بالانقطاع. بمعنى وفّت به ، وكانت كافية فيه ، مفيدة له. وإذا أفادت الانقطاع كانت بمعنى «بل» ؛ أى : لزم ، وترتب على ذلك أن تكون بمعنى : «بل» (وهذا معنى قولهم : العطف فى قول ابن مالك : «وبمعنى بل» هو عطف شىء لازم على ملزومه).
....الرأى الراجح أن «أم» المنقطعة ليست عاطفة ، وإنما هى حرف ابتداء يفيد الإضراب ، فلا تدخل إلا على الجمل ، أما الرأى المرجوح فإنها حرف عطف لا يعطف إلا الجمل. والأخذ بالرأى الأول أنسب وأيسر.
1) وفى «أم» المنقطعة يقول ابن مالك :
ا - من نوع المنقطعة «أم» الواقعة بعد همزة الاستفهام الحقيقى ، بشرط أن يكون ما بعدها نقيض ما قبلها : نحو : أفاكهة عندك أم لا؟ لأن المتكلم لو اقتصر على الجملة الأولى لكان المعنى المستقل كافيا مستغنيا عن معنى الجملة الثانية - كالشأن فى : «أم» المنقطعة - ، ولكان الجواب : نعم ، أو : لا ، ونحوهما ، على حسب المراد من غير حاجة إلى المعنى الثانى. وإنما ذكر ما بعدها لبيان أن المتكلم عرض له ظنّ الانتفاء فاستفهم عنه ، ضاربا عن الثبوت ، ولو لا ذلك لضاع قوله : «أم لا» بغير فائدة (1)فإن لم يكن الثانى نقيض الأول ؛ نحو : أفاكهة أكلت أم خبزا ، كانت «أم» محتملة للاتصال والانقطاع ، فإن كان السؤال عن تعيين المأكول مع تيقن وقوع الأكل على أحدهما فمتصلة - طبقا لما شرحناه (2)عند الكلام عليها -. وإن كان السائل قد عرض له الظن بأن المأكول هو الخبز بعد ظنه أن المأكول هو الفاكهة ، فاستفهم عن الثانى مضربا عن الأول فهى منقطعة. فالاحتمال إنما يقع عند عدم القرينة الدالة على أحدهما ، وهى القرينة التى تعين الاتصال وحده ، أو الإضراب وحده ، فإذا وجدت وجب الأخذ بها ، وامتنع الاحتمال (3).
ب - قلنا (4)إن : «أم» المنقطعة لا يفارقها معنى الإضراب ، إلا نادرا ... لكنها قد تفيد معه استفهاما حقيقيّا ، وفى هذه الصورة تفيد الإضراب والاستفهام الحقيقى معا من غير وجود همزة استفهام معها. كأن ترى كوكبا يضطرب ويهتز فتقول : هذا كوكب المرّيخ. ثم تعدل عن هذا الرأى لسبب يداخلك ، فتقول : «هذا كوكب المرّيخ. أم هو كوكب سهيل ؛ فإن هذه أمارات سهيل التى تعرفها أنت»؟ فقد قررت أولا أن هذا هو المرّيخ ، ثم عدلت عنه إلى كوكب آخر أردت أن تستوثق من اسمه ؛ فكأنك قلت : بل أهو كوكب سهيل؟ ومثل هذا قول العربى حين رأى أشباحا بعيدة حسبها إبلا ، ثم عدل عن رأيه إلى رأى آخر؛
هو : أنها شاء (1)، وأراد أن يستوثق من رأيه الجديد ، فقال : (إنها لإبل ، أم شاء)؟ يريد : إنها لإبل ، بل أهى شاء؟ والهمزة داخلة على مبتدأ محذوف ، لأن «أم» المنقطعة لا تدخل - فى الغالب - إلا على جملة - كما أسلفنا (2)-.
وقد تفيد مع الإضراب استفهاما إنكاريّا (3)بغير أن تسبقها أداة استفهام ؛ كقوله تعالى : ( أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) ، أى : بل أله البنات ولكم البنون؟ لأنها لو كانت للإضراب المحض الذى لا يتضمن الاستفهام الإنكارى لكان المعنى محالا ، إذ يترتب عليه الإخبار بنسبة البنات إلى المولى جل شأنه.
وقد تتجرد للإضراب المحض الذى لا يتضمن استفهاما مطلقا ؛ لا حقيقيّا ولا إنكاريّا ؛ كالأمثلة الأولى (4)التى منها قوله تعالى : ( هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ) ، أى : بل هل تستوى الظلمات ؛ ولا يصح أن يكون التقدير : بل أهل تستوى الظلمات ، لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام - كما أسلفنا (5)
فليسمعنّ النضر إن ناديته *** أم كيف يسمع ميّت لا ينطق
. -ومثل الآية فى الإضراب المحض قول الشاعر :
فليت سليمى فى الممات ضجيعتى *** هنالك أم فى جنة (6)أم جهنم .
1) جمع شاة ، وهى الواحدة من الغنم ، تقال للمذكر والمؤنث. ويرى بعض النحاة : أن كلمة : «شاء» جمع لا واحد له من لفظه. ولا داعى للعدول عن الرأى الأول.
2) فى ص 597.
3) الاستفهام الإنكارى ويسمى : «الإبطالى» هو : ما كان مضمونه غير واقع ، ولا يمكن أن يحصل ، ومدعيه كاذب ، وهو بمعنى النفى ، فأداته بمنزلة أداة النفى ، والكلام الذى دخلت عليه منفى ، كقوله تعالى : ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) - وقد سبقت الإشارة إليه فى ج 2 ص 234 م 81.
4) وبعضها فى صفحتى 598 و599.
5) فى رقم 1 من هامش ص 598 .. ومثل هذا يقال فى بيت قتيلة بنت النضر ترثى أباها المقتول :
6) لما كانت «أم» المنقطعة غير عاطفة فى الرأى الأرجح ، وأنها حرف ابتداء للإضراب - - لا يدخل إلا على جملة ، وجب إعراب «فى جنة» متعلقة بمحذوف ، والتقدير : ليتها ضجيعتى فى جنة ، ووجب لهذا أيضا تقدير الحرف : «فى» قبل «جهنم». هذا ، وفى بعض الروايات : «فى المنام» بدلا «من الممات» التى هى أكثر مسايرة لمعنى لبيت وما فى آخره من جنة وجهنم.
أى : بل فى جهنم ، ولا يصح التقدير : بل أفى جهنم ، إذ لا معنى للاستفهام هنا ؛ لأن الغرض من الكلام التمنى.
وقد تتجرد - نادرا - للاستفهام الخالى من الإضراب كقول الشاعر :
كذبتك عينك ، أم رأيت بواسط (1)*** غلس الظّلام من الرّباب خيالا
إذ المراد : هل رأيت؟ وهذا أقلّ استعمالاتها. ومن المستحسن عدم القياس عليه ؛ لغموض المراد معه.
ح - يجوز أن تجاب «أم» المنقطعة. وجوابها يكون بحرف من أحرف الجواب ؛ مثل : نعم ، أو : لا ، أو : أخواتهما ... ففى نحو قوله تعالى فى الأصنام : ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ، أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ... ) يكون الجواب عند عدم الموافقة وعدم التصديق «لا» ، أو ما يدل دلالتها. وفى مثل : قوله تعالى : ( أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) يكون الجواب عند المخالفة : «لا» أو ما يدل دلالتها.
وإذا تكررت «أم» المنقطعة متضمنة فى كل مرة استفهاما ، بحيث تتوالى بها الاستفهامات - كان الجواب للأخير ؛ مراعاة للانصراف إليه ، لأن المتكلم أضرب عما سبقه ، وانصرف إليه تاركا ما قبله.
د - تقسيم «أم» إلى المتصلة والمنقطعة هو المشهور (2). وزاد بعضهم نوعا ثالثا ؛ هو الزائدة ؛ كقول الشاعر :
يا ليت شعرى ولا منجى من الهرم *** أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم
وهذا نوع لا يقاس عليه.
ه - حكم الضمير الواقع بعد «أم» العائد على المتعاطفين - من ناحية المطابقة وعدمها - موضح فى رقم 3 من ص 656
حرف يكون فى أغلب استعمالاته عاطفا ؛ فيعطف المفردات والجمل. فمن عطفه المفردات قول أحد الأدباء : طلع علينا فلان طلوع الصبح المنير ، أو الشمس المشرقة ، وأقبل كالدنيا المواتية ، أو السعادة المرتجاة.
فقد عطف الحرف «أو» كلمة : الشمس ، على كلمة : الصبح ، كما عطف كلمة : السعادة ، على كلمة : الدنيا ، وكل هذه المعطوفات وما عطفت عليه مفردات (1)
ولهذا جزم مثله. ولو كان العطف عطف جمل ما صح جزم المعطوف - وسيجىء البيان فى ص 645 -.
ومن عطف المفردات دخول «أو» على المضارع المنصوب بأن مضمرة ، أو ظاهرة فيكون المصدر المؤول من «أن وما دخلت عليه» معطوفا على شىء قبلها.
(وسيجىء تفصيل الكلام على «أو» التى ينصب بعدها المضارع بأن فى باب : «النواصب» ج 4 م 149 ص 307).
، وأداة العطف هى : «أو».ومثال عطفه الجمل قول الشاعر :
أعوذ باللّه من أمر يزيّن لى *** شتم العشيرة ، أو يدنى من العار
فالجملة المضارعية المكونة من الفعل : «يدنى» وفاعله ، معطوفة على نظيرتها السابقة : (المكونة من المضارع : يزيّن وفاعله) والعاطف هو : «أو» (2)
لعل انحدار الدمع يعقب راحة *** من الوجد ، أو يشفى نجىّ البلابل
(النجىّ : الحديث الخفىّ سرّا - البلابل : الهموم).
... معناه :لهذا الحرف معان واردة قياسية ، يحددها السياق وحده ، فيعين المعنى المناسب لكل موضع ، ومن ثمّ اختلفت المعانى القياسية للحرف : «أو» باختلاف التراكيب والقرائن ، وبما يكون قبله من جملة طلبية أمريّة (3)، أو غير أمرية ، أو جملة خبريّة على الوجه الّذى يجىء (4):
ا - فمن معانيه : «الإباحة» ، و «التخيير» ، بشرط أن يكون الأسلوب قبلهما مشتملا على صيغة دالة على الأمر (5). فمثال الإباحة : تمتع بمشاهدة
1) ومن عطف المفردات عطف الفعل وحده - دون فاعله - على الفعل وحده كذلك ؛ نحو : إن تنصر ضعيفا فعمل مشكور ، أو تتركه فإساءة منكرة. فالمضارع «تترك» معطوف وحده على المضارع «تنصر».
2) ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر :
3) سبب الاقتصار على «الأمر» أن الإباحة والتخيير لا يتأتيان فى الاستفهام ولا فى باقى الأنواع الطلبية - على الرأى الراجح - وفى كثير من المراجع : «الطلب». بدلا من «الأمر» ، لكن فى حاشية ياسين ما يمنع هذا. ولا فرق بين معنى الأمر الذى تدل عليه صيغة فعل الأمر ، والذى تدل عليه أداة أخرى ؛ مثل : لام الأمر الداخلة على المضارع. ولا فرق كذلك بين الأمر الملفوظ والملحوظ - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 605 -
4) سبب الاقتصار على «الأمر» أن الإباحة والتخيير لا يتأتيان فى الاستفهام ولا فى باقى الأنواع الطلبية - على الرأى الراجح - وفى كثير من المراجع : «الطلب». بدلا من «الأمر» ، لكن فى حاشية ياسين ما يمنع هذا. ولا فرق بين معنى الأمر الذى تدل عليه صيغة فعل الأمر ، والذى تدل عليه أداة أخرى ؛ مثل : لام الأمر الداخلة على المضارع. ولا فرق كذلك بين الأمر الملفوظ والملحوظ - كما سيجىء فى رقم 1 من هامش ص 605 -
5) ومنه ما في الزيادة ص 611.
آثار الفراعين فى «الصعيد الأعلى (1)» ، أو : «الجيزة» (2)، وانعم بشتاء «أسوان» (3)، أو : «حلوان» (4).
ومعنى الإباحة : ترك المخاطب حرّا فى اختيار أحد المتعاطفين (5)فقط ، أو اختيارهما معا ، والجمع بينهما إذا أراد ...
ففى المثال السالف يصح أن يختار زيارة آثار «الصعيد الأعلى» فقط ، أو آثار «الجيزة» فقط ، أو يجمع بين زيارتهما من غير أن يقتصر على واحدة. وكذلك أن ينعم بشتاء «أسوان» وحدها ، أو «حلوان» وحدها ، أو ينعم بالشتاء فى هذه وفى تلك. فالإباحة تترك للمخاطب كامل الحرية فى أن يختار أحد المتعاطفين ، ويقتصر عليه ، وفى أن يجمع بينهما.
ومثال التخيير : من أتم دراسته الثانوية العلمية فليدخل كلية الطب أو الهندسة ، لإتمام تعلمه بالجامعة.
ومعنى التخيير : ترك المخاطب حرّا يختار أحد المتعاطفين (6)فقط ، ويقتصر عليه ، دون أن يجمع بينهما ؛ لوجود سبب يمنع الجمع (7)، ففى المثال السالف يدخل الطالب ليتعلم فى إحدى الكليتين المذكورتين دون الأخرى. وليس له أن يدخلهما معا للتعلم ؛ لوجود ما يمنع الجمع ؛ وهو أن القوانين الجامعية الحالية تحرّم هذا ، وتمنعه.
ومن أمثلة التخيير أن يقول الوالد لابنه : هاتان أختان نبيلتان ؛ فتزوج هذه أو تلك. فمعنى «أو» هنا : الترخيص له بزواج إحداهما فقط ، ولا يجوز التزوج بالاثنتين ، لوجود سبب يمنع الجمع بينهما ؛ هو أن الدين يحرّم الجمع بين الأختين فى الحياة الزوجية القائمة(8).
وقد سبق أن الواو العاطفة تكون أحيانا مثل «أو» فى إفادة التخيير ؛ كالذى فى قول الشاعر :
1) الأقاليم الجنوبية من البلاد المصرية
2) بلد من ضواحى القاهرة إلى الجنوب منها.
3) بلد من ضواحى القاهرة إلى الجنوب منها.
4) بلد مصرى على الحدود المصرية الجنوبية.
5) هما : المعطوف والمعطوف عليه.
6) هما : المعطوف والمعطوف عليه.
7) لا فرق فى هذا بين المانع العقلى ، أو العرفى المأخوذ به ، أو الشرعى ...
8) بل إنه يحرم - عند أبى حنيفة - مجرد العقد على الأخت الثانية إذا سبقتها الأولى إلى عقد الزواج مع هذا الرجل ولم يطلقها.
وقالوا : نأت ؛ فاختر لها الصبر والبكا *** فقلت : البكا أشفى - إذا - لغليلى
والدليل على الاختيار المجرد ، وعدم الجمع .. : هو إجابة السامع ، وأن البكا والصبر لا يجتمعان فى وقت واحد ، ولا يتلاقيان معا.
ومما تقدم يتبين أن الإباحة والتخيير لا يكونان إلا بعد صيغة دالة على الأمر (1)دون غيره ، كما يتبين وجه الشبه والتخالف بين الإباحة والتخيير ؛ فهما يتشابهان فى أن كلا منهما يجيز للمخاطب أن يختار أحد المتعاطفين. ويختلفان فى أن التخيير يمنع الجمع بين المتعاطفين ، أما الإباحة فلا تمنع.
ب - ومن معانيه : الشك من المتكلم فى الحكم ، بشرط أن يكون قبل «أو» جملة خبرية (2)؛ نحو : قضيت فى السباحة ثلاثين دقيقة ، أو أربعين.
ح - ومن معانيه : الإبهام (3)من المتكلم على المخاطب ، بشرط أن يكون قبله جملة خبرية أيضا : كمن يسأل : متى تسافر لأشاركك؟ فإذا كنت لا ترغب فى مصاحبته أجبت : قد أسافر يوم الخميس أو الجمعة ، أو السبت ... ، وإذا سألك : أين كنت يوم الأحد - مثلا -؟ أجبت : كنت فى البيت ، أو المتجر ، أو الضيّعة ، تقول هذا عند الرغبة فى إخفاء المكان عنه. فالشك والإبهام إنما يقعان لغرض مقصود ، حيث تكون «أو» بعد جملة خبرية (4).
د - وهناك معان أخرى غير التى سبقت فى : (ا ، ب ، ح) ولا يشترط بعد «أو» التى للشك أو الإبهاء ، أن يكون مفردا ؛ مثل : أبصرت ثعلبا أو ذئبا يجرى ، ونحو : محمد أو على أو محمود لم أقابله. فإن كانت «أو» للتنويع (أى : لبيان الأنواع والأقسام كالتى ستجىء فى : «د») فالغالب - وقيل : الواجب - فى الضمير بعدها المطابقة ؛ كالضمير بعد واو العطف ؛ - وقد سبق فى رقم 1 من هامش ص562. كقوله تعالى : ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما. )
(راجع : شرح التصريح ، وحاشية ياسين في الجزء الأول ، «باب : ظن» عند الكلام على : «زعم»
حيث نص على وجوب المطابقة وأن هذا الوجوب هو الحق - وكذا في حاشية ياسين في «باب النسب» إلى ما حذفت فاؤه أو عينه ، والمغنى ج 2 في مبحث الجملة الثانية وهى المعترضة - إحدى الجمل التي لا محل لها من الإعراب . في الموضع الرابع من مواضعها).
لكن جاء في الجزء الأول من كتاب : «معانى القرآن» للفراء . طبعة دار الكتب سنة 1955 م في أول سورة النساء ، عند قوله تعالى : (وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ، أَوِ امْرَأَةٌ ، وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ...) ما نصه :
(لم يقل : «ولهما» وهذا جائز إذا جاء الحرفان فى معنى (أى : حكم) واحد «بأو» أسندت التفسير إلى أيهما شئت. وإن شئت ذكرتهما فيه جميعا ، تقول في الكلام : من كان له أخ أو أخت فليصله ، تذهب إلى : «الأخ» ، و «فليصلها» تذهب إلى : «الأخت» وإن قلت : «فليصلهما» فذلك جائز. وفي قراءتنا : «إن يكن غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بهما» وفى إحدى القراءتين (فاللّه أولى بهم) ذهب إلى الجمع ؛ لأنهما اثنان غير موقتين. وفى قراءة عبد اللّه (والذين يفعلون منكم فآذوهما ..) فذهب إلى الجمع لأنهما اثنان غير موقتين ، وكذلك في قراءته (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما) اه».
ولعل الأخذ بهذا الرأى أنسب لقوته وتيسيره هذا ، وللمسألة السالفة اتصال بما سيجيء في رقم 3 ص 658.
1) قلنا فى رقم 3 من هامش ص 603 : إنه لا فرق بين الأمر بصيغته الخاصة الصريحة ، وهى صيغة «فعل الأمر» وأداة أخرى تؤدى معناه ؛ كلام الأمر الداخلة على المضارع. ولا فرق كذلك فى الأمر بين أن يكون ملفوظا ، ومقدرا ملحوظا. ومثال المقدر قوله تعالى للحجاج : ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ، أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ نُسُكٍ ) أى : فلتقدّم فدية من صيام ، أو صدقة ، أو نسك ...
2) الخبر : هو الذى يحتمل الصدق والكذب لذاته - كما سبق فى رقم 2 من هامش ص 594 -.
3) المراد به : أن يخفى المتكلم الحقيقة المعروفة له ، ويكتمها عن المخاطب بطريقة خاصة. قد يكون القصد منها عدم إثارته ، أو إقلاقه ، أو الكذب عليه ... فالحكم عند الإبهام معلوم للمتكلم دون المخاطب ؛ بخلاف الشك ؛ فإن المتكلم والمخاطب مستويان فى شأن الأمر المشكوك فيه. (والشك : هو ما ينشأ فى النفس من تعارض دليلين فى أمر واحد ، بغير ترجيح لأحدهما. وقد سبق إيضاحه فى ج 2 ص 5 م 60).
4) «ملاحظة» : الغالب الفصيح - بل قيل : الواجب - فى الضمير ونحوه مما يحتاج للمطابقة -
لتحقق هذه المعانى الأخرى أن تكون : «أو» مسبوقة بنوع معيّن من الجمل ، فقد يتحقق المعنى والجملة السابقة طلبية مطلقا ، أو خبرية.
ومن هذه المعانى : التفصيل (1)بعد الإجمال (أى : التقسيم ، وبيان الأنواع) ؛ نحو : الكلمة : اسم ، أو فعل ، أو حرف. والاسم : مشتق ، أو جامد. والفعل : ماض ، أو مضارع ، أو أمر ... ؛ ومن هذا النوع قول القائل : اجتمع فى النادى ثلاث طوائف ممن يمارسون أعمالا حرة مختلفة يحبونها. فسألتهم
1) وهى فى هذا المعنى مثل «إما» التى يأتى الكلام عليها فى ص 612 وقد طال الجدل بين بعض النحاة فى معنى : «التقسيم والتفصيل» ؛ أهما مترادفان ، معناهما واحد ، أم لكل منهما معنى خاص؟ وكذلك بين : «التقسيم والتفريق» ... ولا داعى اليوم للرجوع إلى هذا الجدل ، ولا إلى ما يذكرونه من أن التفصيل تبيين للأمور المجملة بلفظ واحد ؛ كواو الجماعة فى المثال الثانى ، وفى قوله تعالى : ( وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ) أى : قالت اليهود : كونوا هودا ، وقالت النصارى كونوا نصارى ، ولا ما يذكرونه من أن التقسيم تبيين لما دخل تحت حقيقة واحدة ، ففى الآية جمعت اليهود والنصارى فى لفظ واحد ؛ وهو الضمير (واو الجماعة) الذى هو فاعل الفعل : «قال» وهو الفعل الذى جمع فى لفظه ما نطق به اليهود والنصارى ... إلى غير هذا مما أثاروه من جدل عنيف يغنينا عنه الرأى القوى الذى لا يفرق بينهما ، ويرى أن المسألة هنا اصطلاحية محضة ؛ فلا ضرر فى توحيد معناهما وجعلهما مترادفين.
ما أفضل الأعمال الحرة للشباب؟ قالوا : أفضلها الزراعة ، أو التجارة ، أو الصيدلة ، فالجملة الفعلية : (قالوا) جملة خبرية ، مكونة من الفعل : «قال» الدال على القول ، من غير تفصيل للكلام الذى قيل ، ومن الضمير : (واو الجماعة) العائد على الطوائف المعدودة بالثلاث (1)، وهو ضمير مجمل يدل على مرجعه دلالة خالية من التفصيل. وبسبب الإجمال فى دلالة الفعل وفى الضمير جاء بعدهما التفصيل الذى يعدّد طوائفهم ، وأنهم زراعيون. وتجاريون ، وصيادلة ، كما يبين كلام كل طائفة ؛ أى : قال الزراعيون : أفضلها الزراعة ، وقال التجاريون : أفضلها التجارة ، وقال الصيادلة ؛ أفضلها الصيدلة.
ومن هذه المعانى أيضا : الإضراب (2)، ومن أمثلته : أن يتهيأ المرء للخروج ، وتبدو عليه أماراته ، ثم يعدل عنه ، قائلا : (أنا أخرج. أو أقيم). فينطق بالجملة الأولى ، ولا يلبث أن يغيّر رأيه ، وينصرف عما قرره ، فيسارع إلى إردافها بقوله : أو : «أقيم» ويجلس جلسة المقيم ، فيكون جلوسه قرينة على أن معنى «أو» هو : الإضراب. فكأنه قال : (أخرج ، لا ، بل أقيم). ومثله قول القائل : (أقيم فى البيت ، أو أخرج ؛ فإن ورائى عملا لا مناص من إنجازه الآن فى الخارج). فقد أخبر بالإقامة فى البيت ، ثم بدا له أن ينصرف عن هذا الرأى ويخرج ، فكأنه قال : «لا. بل أخرج الآن» ومثل قول الشاعر يتغزل :
بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضحا *** وصورتها. أو أنت فى العين أملح
يريد : بل أنت أملح.
ويحسن فى الأسلوب المشتمل على : «أو» التى تفيد الإضراب أن يحتوى أمرين معا ؛ أولهما : أن يسبقها نفى أو نهى (3). وثانيهما : تكرار العامل ، نحو :
1) يعود على الطوائف باعتبار المعنى ، إذ المراد من الطوائف هنا : أفرادها من الرجال.
2) سبق شرحه فى رقم 1 من هامش ص 597.
3) ويترتب على هذا ما يأتى فى : «ا» من الزيادة والتفصيل ص 611. ويرى بعض النحاة أن وجود النفى أو النهى قبلها شرط أساسى فى إفادتها الإضراب. ويرى آخرون أنه ليس بشرط. ومن هؤلاء : الفراء ، مؤيدا رأيه بقوله تعالى : ( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. ) أى : بل يزيدون ، لأن «أو» هنا للإضراب ، فلا تصلح لمعنى آخر كالشك. لأن الشك ونحوه محال على اللّه ، والحق : أن تقدم النفى والنهى مستحسن فقط.
(ما زارنى عمى ، أو : ما زارنى أخى). (ولا يخرج حامد ، أو : لا يخرج إبراهيم). والمراد : بل ما زارنى أخى - بل لا يخرج إبراهيم. ونحو : (لا ترجىء عملك الناجز ، أو : لا تهمل عملك). ونحو : (ليس المنافق صاحبا ، أو : ليس مأمونا على شىء.) .. والمراد : بل لا تهمل - بل ليس مأمونا ...
وإذا كانت «أو» للإضراب فالأحسن اتباع الرأى الذى يعتبرها حرفا لمجرد الإضراب لا للعطف ، فما بعدها جملة مستقلة عما قبلها. شأنها فى هذا شأن «أم» المتجردة للإضراب وحده ؛ فليست عاطفة - فى الرأى الراجح ، كما أسلفنا (1)-
ويرى فريق آخر أنهما مع الإضراب يعربان حرفى عطف ، فما بعدهما معطوف على ما قبلهما ... والخلاف شكلى ، ولكنّ الأول أوضح وأنسب.
وقد يكون معنى الحرف : «أو» الدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع (2)بين المتعاطفين ؛ فكأنه الواو العاطفة فى هذا ، وبصح أن يحل محله الواو (3)
وإذا رحمت فأنت أمّ أو أب *** هذان فى الدنيا هما الرحماء
وقالوا لنا : ثنتان لا بدّ منهما
صدور رماح أشرعت (4)، أو سلاسل (5)
ويرى المرزوقى (شارح ديوان الحماسة - ج 1 ص 46 من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، بالقاهرة) أن : «أو» هنا للتخيير ، وأن المراد من قول الشاعر فى صدر البيت :
«لابد منهما» أنه لا بد منهما على طريق التعاقب ، لا على طريق الجمع بينهما. وهذا المعنى مقبول ، ولكن الأول أقوى منه ، وأنسب ، إذ لا معنى للتخيير بين القتال والأسر ، لأن الأسر نتيجة من نتائج القتال ، ومسبب عنه. هذا إلى أن صدر البيت يؤيد هذا فى صراحة حيث يقول «لابد منهما».
ونحو : جلس الضيف بين صاحب الدار أو ابنه. أى : جلس بين صاحب الدار وابنه : لأن كلمة : «بين» إذا أضيفت لاسم ظاهر اقتضت - فى الغالب - .
1) فى ص 599.
2) سبق شرحه فى ص 558. وانظر رقم 3 من هامش الصفحة الآتية.
3) ومما يصلح لهذا قول شوقى فى قصيدة يخاطب ويصف فيها الرسول عليه السّلام :
4) وجّهت وصوّبت نحو العدو ، يقصد الطعن بها فى صدور الأعداء.
5) يريد السلاسل التى تقيد الأسرى. وهذا كناية عن هزيمة الأعداء ، ووقوعهم فى الأسر ، وتقييدهم بهذه السلاسل.
أن يكون ما بعدها متعدد الأفراد ، وهذا التعدد لا يتحقق «بأو» إلا إذا كانت بمعنى الواو الدالة على الجمع والمشاركة ....
ومثل قول الشاعر :
وقد زعمت ليلى بأنى فاجر *** لنفسى تقاها ، أو عليها فجورها
وقول الآخر يمدح أحد الخلفاء :
نال الخلافة أو كانت له قدرا *** كما أتى ربّه موسى على قدر
فلابد من محاسبة النفس على التقى والفجور معا ، دون الاقتصار على أحدهما ولا تتحقق الخلافة إلا مع قضاء اللّه وقدره (1)..
وملخص ما سبق (2)من معانى «أو» ، أن هذه المعانى المتعددة القياسية خاضعة فى إدراكها للسياق والقرائن خضوعا تامّا ؛ كى يتميز ويتحدد كل نوع منها ، وأن التخيير والإباحة (3)
الفرق أن «أو» التى بمعنى واو العطف لا بد فيها من الجمع كالواو ، ولا يصح الاقتصار على واحد ، بخلاف الجمع فى حالة الإباحة فإنه جائز.
لا يكونان إلا بعد أمر ، وأن الشك والإبهام لا يكونان إلا بعد جملة خبريّة. أما المعانى الأخرى التى تخالف ما سبق (كالتفصيل ، والإضراب ، ومعنى الواو ...) فتكون بعد الجمل الخبرية ، والطلبية ، و .... والأفضل فى الإضراب أن يسبقه نفى أو نهى. وأن يتكرر العامل معه (4)خيّر ، أبح ، قسّم بأو ، وأبهم *** واشكك ، وإضراب بها أيضا نمى
(نمى ، أى : نسب إليها ، بمعنى أنها تؤديه) وقد تضمن البيت ستة معان ؛ هى : (التخيير - الإباحة - التقسيم - الإبهام - الشك - الإضراب). وسيجىء فى البيت التالى معنى سابع ؛ هو : أنها تكون بمعنى الواو.
وربّما عاقبت الواو إذا *** لم يلف ذو النّطق للبس منفذا
(يلف : يجد. ذو النطق : المتكلم). يقول : «أو» تعاقب الواو (أى : يصح أن تحل محلها وتؤدى معناها - وهو مطلق الجمع والاشتراك) بشرط ألا يجد المتكلم منفذا للالتباس ، أى : بشرط ألا يكون استعمالها موقعا فى اللبس ؛ بسبب خفاء معناها المراد ، وعدم إدراك السامع أنها بمعنى الواو.
... .1) ورد «قليلا فى المسموع وقوع «أو» بعد «هل» - ولقلته لا يقاس عليه - ومنه ما جاء فى صحيح مسلم (ج 12 ص 106 كتاب : الجهاد.) وهو حديث يتضمن ما دار من كلام بين هرقل وأبى سفيان ، جاء فيه ما نصه عن المسلمين : «هل يزيدون أو ينقصون ...».
2) انظر ما يزيد عليه فى ص 611 وفيها إشارة إلى أن الصلة والارتباط بين حرفى العطف. «أو - وأم» معروض فى ص 588.
3) إذا كانت «أو» للإباحة جاز للمخاطب أن يختار أحد المتعاطفين ويقتصر عليه. وجاز له أن يجمع بينهما ، ويختارهما معا - كما شرحنا فى ص 604 - وإذا جاز الجمع فى حالة «أو» التى للإباحة فما الفرق بينه وبين الجمع فى حالة «أو» التى بمعنى «واو» العطف؟
4) وفى معانى : «أو» يقول ابن مالك :
ا - الأصل فى «أو» أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء (1)لكنها إذا وقعت بعد نفى أو نهى كانت للنفى العام الذى يشمل كل فرد مما فى حيّز النفى قبلها وبعدها ، وللنهى العام الذى ينصبّ على كل فرد كذلك : فمثالها بعد النفى : (لا أحب منافقا أو كاذبا). ومثالها بعد النهى قوله تعالى : ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (2)
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر *** حاليك فى السّرّاء والضّرّاء
فلرحمة المتوجعين حزازة *** فى القلب مثل شماتة الأعداء
...ب - يقول سيبويه : إذا ذكرت همزة التسوية بعد كلمة : «سواء» فلابد من مجىء «أم» العاطفة ، لا فرق فى هذا الحكم بين أن يكون بعد الهمزة اسمان أو فعلان ؛ نحو : (سواء علىّ أمقيم ضيفى أم هو مرتحل - سواء علىّ أبقى الضيف أم ارتحل) ، فإن كان بعد : «سواء» فعلان بغير همزة التسوية عطف الثانى منهما على الأول بالحرف : «أو». نحو : (سواء علينا رضى العدو أو سخط.) ورأيه هذا مخالف لما نقلناه - فى رقم 3 من هامش ص 588 وما يتصل بها - عن بعض المحققين الذين يجيزون مجىء «أم» والصواب معهم. وفى تلك الصفحة أيضا بيان الصلة والارتباط بين الحرفين : «أو» و «أم»
وإن كان بعدها اسمان بغير همزة التسوية عطف الثانى على الأول بالواو ، ولو كان الاسمان مصدرين ؛ نحو سواء علىّ حمزة وعامر ، ونحو : سواء علينا اعتدال الجو وانحرافه(3)....
ح - يصح حذف «أو» عند أمن اللّبس (4)؛ نحو : وسائل السفر متنوعة ؛ يتخير منها كل امرئ ما يناسبه ؛ فسافر بالطيارة - القطار - الباخرة - السيارة ...
د - وقد تعطف الشىء على مرادفه (5)كقوله تعالى : ( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ... ) فالإثم هو : الخطيئة ....
1) سبقت الإشارة لهذا الرأى مع تفصيلات أخرى فى رقم 3 من هامش ص 586 لمناسبة هناك.
2) ومن أمثلة وقوعها فى حيز النهى قول الشاعر - فى البيت الأول - :
3) راجع الجزء الثانى من الهمع باب العطف ؛ عند الكلام على «أو».) وقد سبقت الإشارة لرأيه فى ج من ص 596.
4) كما سبقت الإشارة فى ص 575 وكما سيجىء فى ص 641.
5) وقد سبقت الإشارة لهذا فى رقم 6 من هامش ص 565.
يرى بعض النحاة أن كلمة : «إمّا» الثانية فى مثل «امنح السائل إمّا درهما وإمّا درهمين» - حرف عطف بمعنى : «أو» ، وأنها تشارك «أو» فى خمسة من معانيها (1). هى :
التخيير والإباحة» ، بشرط أن تكون «إمّا» الثانية مسبوقة بكلام يشتمل على أمر.
«والشكّ والإبهام» ، بشرط أن تكون مسبوقة بجملة خبرية.
«والتفصيل (2)» بعد الخبر أو الطلب.)
ولا تكون «إمّا الثانية» عند هؤلاء - للإضراب ، ولا بمعنى «واو» العطف ؛ فبهذين المعنيين تختص : «أو» دونها.
والمعانى الخمسة السابقة هى لكلمة : «إمّا» الثانية ، وتشاركها الأولى فيها وتسايرها ؛ لأنهما حرفان (3)متلازمان - فى الأغلب - معنى واستعمالا (4)، غير أن الأولى لا تكون للعطف مطلقا - كما سنعرف -
فمن أمثلة الشك : احتجبت الشمس وراء الغمام إمّا ساعتين ، وإمّا ثلاثا. ومن الإبهام قوله تعالى : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ. إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (5). والتخيير كقوله تعالى : ( إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) ؛ والإباحة ، نحو : إمّا أن تزرع فاكهة وإمّا قصبا. والتفصيل ، كقوله تعالى فى الإنسان : ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ؛ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. )
وإذا كانت «إمّا» الثانية عندهم حرف عطف «فالواو» التى قبلها زائدة لازمة لها. والأولى لا عمل لها فى عطف أو غيره.
ويرى آخرون : أنّ «إما» الثانية والأولى متشابهتان فى الحرفية ، وفى تأدية
1) سبق شرح المراد من كل معنى من الخمسة عند الكلام على : «أو» ص 603 - وما بعدها -.
2) انظر معنى «التفصيل» فى رقم 1 من هامش ص 606.
3) راجع حاشية الأمير على المغنى - ج 1 - عند الكلام على الحرف : «إما».
4) راجع البيان والتفصيل فى «ا» من ص 614.
5) يتعين الإبهام فى الآية ؛ مراعاة لما سبق فى تحديد معناه - رقم 3 من هامش ص 605 -.
معنى من تلك المعانى الخمسة ، وأن كلا منهما ليس حرف عطف ، لأن الأولى لا يسبقها معطوف مطلقا ، ولأن الثانية تقع دائما بعد الواو العاطفة بغير فاصل بينهما. ومن المقرر أن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرة (1)، إذ لا يصح أن يتوالى حرفان للعطف من غير فاصل. والفريقان متفقان على أن الأولى ليست عاطفة (2)وأنها حرف - لا خلاف فى حرفيته - يفصل بين عامل قبله ومعمول يليه (3). ولكن الخلاف فى الثانية.
والرأى الأرجح الذى يجدر الأخذ به هو : أن الثانية كالأولى فى المعنى والحرفية ، وفى أنها ليست حرف عطف لأن العاطف هو الواو (4).
1) كما ستجىء الإشارة فى ص 620.
2) للسبب السالف ؛ وهو أنها لا يسبقها عاطف مطلقا.
3) لهذا يعرب ما بعد «إما» ، الأولى على حسب حاجة العوامل التى قبلها ؛ فقد يكون فاعلا فى مثل : غاب إما حامد وإما محمود. وقد يكون مفعولا به فى مثل : يركب المسافر إما قطارا وإما سيارة ، وقد يكون حالا فى مثل قوله تعالى : ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. ) وقد يكون بدلا كما فى قوله تعالى : ( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ .... ) وهكذا.
4) انظر ما يتصل بهذه «الواو» التى قبل «إما» الثانية فى ص 560.
ا - ليس من اللازم أن تتكرر «إمّا» ، ولكن الأغلب تكرارها ، فقد تحذف الثانية ؛ لوجود ما يغنى عنها. ويغلب أن يكون أحد شيئين : (وإلّا) - (أو).
فمثال الأول : إما أن يتكلم المرء ليحمد وإلا فليسكت. ومنه قول الشاعر :
فإمّا أن تكون أخى بصدق *** فأعرف منك غثّى من سمينى
وإلّا فاطّرحنى واتّخذنى *** عدوّا أتّقيك وتتّقينى
ومنال الثانى قول الشاعر :
وقد شفّنى ألّا يزال يروعنى*** خيالك إمّا طارقا أو (1)معاديا
وقد يستغنى عن الأولى اكتفاء بالثانية كقول الشاعر :
تلمّ بدار قد تقادم عهدها *** وإمّا بأموات ألمّ خيالها
أى : إمّا بدار ... والفراء يقيس هذا الاستغناء ، فيجيز : فيضان النّهر معتدل وإمّا خطير.
و «إمّا» السالفة تختلف عن «إمّا» المركبة من : «إن» الشرطية التى تجزم فعلين ، ومن : «ما» الزائدة ، فى مثل : إمّا يعدل الوالى تجتمع حوله القلوب. أى : إن يعدل ... كما تختلف اختلافا واسعا عن «أمّا» الشرطية التى سيجىء الكلام عليها (2)فى باب خاص بها.
ب - من اللّهجات النّادرة أن يقال «أيما» بدلا من «أمّا» ، وكذلك
1) ومن هذا جاء بيت ابن مالك فى أول باب العطف من الألفية - رقم 2 من هامش ص 544 ونصه : «العطف إما ذو بيان أو نسق ...» وكذلك وردت فى كلام من يحتج بكلامهم ؛ ومنهم خالدين صفوان (أموى ، توفى حول سنة 133 ه.) فقد جاء على لسانه فى قصة أحد الملوك ما نصه : (إما أن تقيم فى ملكك فتعمل بطاعة ربك ... أو تضع تاجك وتلبس أمساخك وتعبد ربك فى هذا الجبل ..) والقصة كاملة فى كتاب «الجمان فى تشبيهات القرآن» لابن ناقيا البغدادى. - ص 306 -
2) فى ج 4 ص 470 م 161.
حذف واو العطف قبل «إمّا» الثانية (1)
ومثل «أو» فى القصد «إمّا» الثانيه *** فى نحو : إمّا ذى ، وإمّا النّائيه
أى : اقصد - مثلا - إما هذه البلدة وإما النائية. أى. البعيدة.
، وقد اجتمع النّادران فى قول الشاعر :يا ليتما أمّنا شالت (2)نعامتها *** أيما إلى جنّة ، أيما إلى نار
ومن المستحسن اليوم عدم محاكاة هذه اللغات القليلة.
ح - الفرق بين «إمّا» و «أو» فى المعانى الخمسة السالفة أن «إمّا» مكررة ؛ فيدل الكلام معها من أول النطق بها على الغرض الذى جاءت من أجله ؛ أهو شك ، أم تخيير ، أم غيرهما. بخلاف «أو» فإن الكلام معها يدل أوّلا على الجزم واليقين ، ثم تجىء «أو» فتدل على المعنى الذى جاءت من أجله.
د - حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون فى رقم 3 من ص 657
حرف عطف معناه الاستدراك (1)؛ نحو : ما صاحبت الخائن لكن الأمين ؛ «فالأمين» معطوف على «الخائن».
ولا يكون عاطفا إلا باجتماع شروط ثلاثة :
أولها : أن يكون المعطوف به مفردا (2)، لا جملة ، مثل : ما قطفت الزهر لكن الثمر. فإن لم يكن مفردا وجب اعتبار «لكن» حرف ابتداء واستدراك معا ، وليس عاطفا ، ووجب أن تكون الجملة بعده مستقلة فى إعرابها عن الجملة التى قبله ، نحو : ما قطفت الزهر لكن قطفت الثمر .... فكلمة : «لكن» حرف ابتداء واستدراك معا ، ولا يفيد عطفا ، والجملة بعدها مستقلة فى إعرابها ؛ لأن «لكن» الابتدائية لا تدخل إلا على جملة جديدة مستقلة من الناحية الإعرابية (3)
وما نيل المطالب بالتمنى *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وقول الآخر يصف حياته :
حياة مشقات. ولكن - لبعدها *** عن الذلّ - تصفو للأبىّ وتعذب
. ثانيها : ألا يكون مسبوقا بالواو مباشرة ؛ نحو : ما صافحت المسىء لكن المحسن. فإن سبقته الواو مباشرة لم يكن حرف عطف واقتصر على أن يكون حرف استدراك وابتداء كلام ، ووجب أن تقع بعده جملة (فعلية أو اسمية) تعطف بالواو على الجملة التى قبلها ؛ فمثال الفعلية : ما صافحت المسىء ولكن صافحت المحسن ، وقول الشاعر :إذا ما قضيت الدّين بالدّين لم يكن *** قضاء ؛ ولكن كان غرما على غرم ...
1) الاستدراك : «تعقيب الكلام بإزالة بعض الخواطر والأوهام التى ترد على الذهن بسببه». وهو يقتضى أن يكون ما بعد أداة الاستدراك مخالفا لما قبلها فى الحكم المعنوى ؛ نحو : ما قطفت الزهر. فمعنى هذه الجملة نفى القطف عن الزهر. فقد يتسرب إلى الذهن من هذا المعنى أن الثمر لم يقطف أيضا ، فلإزالة هذا الوهم واستبعاده نأتى بأداة تبعده ، مثل : «لكن» ؛ فنقول : ما قطفت الزهر ، لكن الثمر. فكلمة : «لكن» أداة من أدوات الاستدراك. أزالت ذلك الوهم ، وأثبتت أن الثمر قطف (وقد سبق إيضاحه وتفصيل الكلام عليه فى ج 1 ص 472 م 51. وفى رقم 2 من هامش ص 428 م 35 -) كما سبق هناك أن الحرف الدال على «الاستدراك» (وهو : «لكن» بنوعيها ، مشددة النون وساكنتها) لا تقع فى صدر جملة تعرب خبرا ...
2) طبقا للرأى الأقوى والأشهر.
3) ومن أمثلة الجملة الفعلية بعدها قول الشاعر :
ومثال الاسمية :
وليس أخى من ودّنى رأى عينه *** ولكن أخى من ودنى وهو غائب
«فالواو» حرف عطف. «لكن» ، حرف استدراك وابتداء كلام. والجملة بعدها معطوفة بالواو على الجملة التى قبلها (1).
ثالثها : أن تكون مسبوقة (2)بنفى ، أو نهى ؛ كما فى الأمثلة السابقة. ونحو : لا تأكل الفاكهة الفجّة لكن الناضجة. فإن لم تسبق بذلك كانت حرف ابتداء واستدراك لا عاطفة ، ووجب أن يقع بعدها جملة مستقلة فى إعرابها ، نحو : تكثر الفواكه شتاء ، لكن يكثر العنب صيفا.
ويؤخذ مما سبق أن الحرف «لكن» حرف استدراك دائما ؛ سواء أكان عاطفا أم غير عاطف. وأنه لا يعطف إلا بشروط ثلاثة مجتمعة ، فإن فقد منها شرط أو أكثر لم يكن عاطفا ، ووجب دخوله على الجمل ، واعتباره حرف استدراك وابتداء معا.
والاستدراك يقتضى أن يكون ما بعد أداته مخالفا لما قبلها فى حكمه المعنوى ؛ كما فى الأمثلة السالفة ، وكما فى نحو : (لا أصاحب المنافق لكن الشهم. - لا تجالس الأشرار لكن الأخيار). فمعنى الجملة التى قبل «لكن» منفى ، أو منهى عنه ، وهذا المعنى فى الجملة التى بعدها مثبت وغير منهى عنه ؛ فهما مختلفان فيه نفيا وإيجابا ، ونهيا وغير نهى.
ولما كان الكلام قبل «لكن» العاطفة منفيّا دائما ، أو منهيّا عنه ، وجب أن يكون ما بعدها مثبتا دائما ، وغير منهى عنه (3)
وفيما سبق يقول ابن مالك بيتا يشتمل بإيجاز على حكم : «لكن» و «لا» العاطفتين (وسيجىء الكلام على «لا»).
وأول «لكن» نفيا ، او نهيا. «ولا» *** نداء ، او أمرا ، او اثباتا تلا
«أول لكن نفيا» : اجعلها والية نفيا وواقعة بعده ، وذلك بأن يتقدم النفى وتليه لكن ، أي تجيء بعده. هذا كل ما تعرض له البيت وهو تعرض مبتور ، أما باقيه فليس خاصا بلكن.
حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها ، موضح في رقم 3 ص 657.
، فالمعنى بعدها مناقض للمعنى قبلها (4) ... 7.1) لهذا إشارة فى رقم 2 من هامش ص 568.
2) وهذا الشرط هو الأرجح والأقوى.
3) أما غير العاطفة ، أو «لكنّ» المشددة فقد يكون الأول فيهما هو المثبت ، والمتأخر هو المنفى ، أو العكس - كما سبق فى ج 1 من ص 571 - فالذى تجب مراعاته مع أداة الاستدراك («لكنّ» - ولكن) هو مخالفة ما قبلها لما بعدها فى الحكم نفيا وإيجابا ، وغيرهما.
حرف عطف يفيد نفى الحكم عن المعطوف بعد ثبوته للمعطوف عليه ؛ نحو : يفوز الشجاع لا الجبان. فكلمة : «لا» حرف عطف ونفى. و «الجبان» معطوف على الشجاع ، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو : فوز الشجاع ، وقد نفى الفوز عن المعطوف (الجبان) بسبب أداة النفى : «لا». ومثل هذا يقال فى «لا» التى فى الشطر الثانى من قول الشاعر :
القلب يدرك ما لا عين تدركه *** والحسن ما استحسنته النفس لا البصر
فهى حرف عطف ونفى ، و «البصر» معطوف على النفس ، والحكم الثابت للمعطوف عليه هو نسبة الاستحسان إلى النفس (أى : إسناده إليها) مع نفى هذا الاستحسان عن البصر.
ولا يكون هذا الحرف عاطفا إلا باجتماع خمسة شروط :
أولها : أن يكون المعطوف مفردا - لا جملة (1)- كالأمثلة السالفة ، وكقول الشاعر :
قل لبان بقول ركن مملكة *** على الكتائب يبنى الملك ، لا الكتب
«فالكتب» معطوفة على : «الكتائب» ، وهذا المعطوف ليس جملة. فإن لم
1) الجملة الممنوعة هنا هى التى ليس لها محل من الإعراب. قال الصبان (يشترط فى «لا» العاطفة إفراد معطوفها ، ولو تأويلا ؛ فيجوز : قلت علىّ قائم ، لا علىّ «قاعد» ؛ أخذا من قول الهمع : ولا يعطف بها جملة لا محل لها على الأصح ...) ا ه. يريد أن المعنى : على قائم لا قاعد ، فالجملة المعطوفة بمنزلة خبر مفرد. ومما يلحق بالمفرد : شبه الجملة إذا اعتبرنا متعلقه مفردا ، نحو : حساب العمر بالأعمال لا بالأعوام ، وعند اللّه حسن الجزاء ، لا عند الناس. وقولهم : «سموّ المرء بالعمل لا بمجرد الأمل».
يكن المعطوف مفردا لم يصح اعتبار «لا» عاطفة ؛ وعندئذ يجب اعتبارها حرف نفى فقط ، والجملة بعدها مستقلة فى إعرابها ، ليست معطوفة ؛ نحو : تصان الممالك بالجيوش والأعمال ، لا تصان بالخطب والآمال.
ثانيها : أن يكون الكلام قبله موجبا لا منفيّا ويدخل فى الموجب - هنا - الأمر والنداء ؛ كقول بعضهم : (الملق وضاعة لا وداعة ، وخسّة لا كياسة. فكن أبيّا لا ذليلا ، مصونا لا متبذّلا. يابن الغرّ البهاليل (1)لا السّفلة (2)الأوغاد (3): إن الكرامة فى الإباء ، والعزة فى التّصون ، ولا سعادة بغير عزة وكرامة ...)
ثالثها : ألا يكون أحد المتعاطفين داخلا فى مدلول الآخر ، ومعدودا من أفراده التى يصدق عليها لفظه (اسمه) ؛ فلا يصح : مدحت رجلا لا قائدا ؛ لأن الرجل (وهو المعطوف عليه) ينطبق على أفراد كثيرة تشمل المعطوف (وهو القائد) وتشمل غيره ، ولا يصح أكلت تفاحا لا فاكهة ، لأن الفاكهة (وهى المعطوف) تشمل المعطوف عليه (وهو : التفاح) ويصدق اسمها عليه ... وهكذا. لكن يصح : مدحت رجلا لا فتاة وأكلت فاكهة لا خبزا ؛ إذ لا يصدق أحد المتعاطفين على الآخر (4)
وأول «لكن» نفيا ، او نهيا. و «لا» *** نداء ، او أمرا او اثباتا تلا
وقد سبق شرح الجزء الخاص بالحرف : «لكن». أما الخاص بالحرف «لا» فتقدير كلامه : «لا» ، تلا نداء ، أو أمرا ، أو إثباتا : فكلمة : «لا» مبتدأ - ولا يصح أن يكون معطوفا على : لكن ، منعا لفساد المعنى - خبره الجملة الفعلية المكونة من الفعل «تلا» وفاعله. يريد : أن حرف «لا» العاطف يتلو النداء ، أو الأمر ، أو الإثبات. ويجىء بعد واحد من هذه الأشياء ، ولا يكون عاطفا إلا إذا وقع بعد أحدها. وفى البيت قصور ونقص.
... .رابعها : ألا تقترن كلمة «لا» بعاطف - لأن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف (1)مباشرة - فإن اقترنت به كان العطف به وحده وتمحضت هى للنفى الخالص (2)
«ملاحظة» : النفى التأسيسى هو الذى تجلبه الأداة الخاصة بالنفى ، ولا يكون في الكلام ما يدل على
هذا النفي ويشعر به سواها ؛ كالمثال الأول : جاء على لا محمود). فلو لا الحرف النافى : «لا» ما وجد في الجملة ما يدل على معنى النفي. أما النفى التأكيدى فلا تجلبه معها أداة النفى ؛ وإنما يكون موجودا قبل مجيئها ؛ فتجيء هي لتوكيده وتقويته ؛ كالمثال الثاني : (ما جاء على ولا محمود) فنفى المجيء عن محمود مفهوم بغير مجيء حرف النفى «لا» وبدون ذكره ، فلما جاء الحرف أكده وقواه.
، نحو : أسابيع الشهر ثلاثة ، لا بل أربعة ، فالعاطف هو «بل» (3)تفيد كلمة : «بل» الإضراب عن الحكم السابق ، كأنه لم يكن ، والسكوت من غير حكم على صاحبه مع إثبات هذا الحكم السابق لما بعدها ؛ فالذي سافر فى المثال السالف هو الوالد ، أما الأخ فمسكوت عنه لا يتحدث عنه بشيء من سفر أو غيره - كما سيجيء تفصيل هذا عند الكلام على «بل» (ص 623 و ...) - وقياسا على هذا يكون المراد في المثال : أسابيع الشهر أربعة .. ؛ إلا أن وجود : «لا» يجعل الحكم منفيا صراحة لا مسكوتا عنه. وفى هذا يقول الصبان ما نصه :
(اعلم أن «لا» بعد الإيجاب هي لنفي الإيجاب ، وصيرورته نصا في النفي ، بعد صيرورته بحرف الإضراب
خامسها : ألا يكون ما يدخل عليه مفردا صالحا لأن يكون صفة لموصوف
1) طبقا لما تردد من قبل ، ومنه البيان الذى فى ص 613.
2) ونفيها الخالص قد يكون تأسيسا ؛ كالذى فى نحو : جاءنى على ، لا بل محمود. وقد يكون تأكيدا كالذى فى نحو : ما جاء علىّ ولا محمود. فالعاطف هو «بل» و «الواو» فى الصورتين ، والمعطوف فيهما هو محمود. والمعطوف عليه هو علىّ. أما كلمة «لا» فيهما فلمجرد النفى المحض ، تأسيسا فى المثال الأول ، وتأكيدا فى الثانى.
3) فى مثل : سافر الأخ بل الوالد - ونحوه من كل كلام موجب ، والمعطوف مفرد ... -
4) ومن صور اقترانها بالعاطف : ما جاءنى محمد ولا على. وهى فى هذه الصورة زائدة ، توافق نوعا من الزيادة الموضحة فى البيان الهام الذى سبق فى ج 1 م 5 ص 62 أول الكلام على الحرف ، وسبقت الإشارة إليه فى رقم 3 من هامش ص 567 ؛ متضمنة أنه يحوى الكلام على زيادة «لا» النافية ، والغرض من زيادتها ، ومعناها ، وإعرابها ....
مذكور ، أو لأن يكون خبرا (1)
فإن أنتمو لم تحفظوا لمودتى *** ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
، أو حالا. فإن صلح لشىء من هذا كانت للنفى المحض ، وليست عاطفة ، ووجب تكرارها ؛ فمثال المفرد الصفة : هذا بيت لا قديم ولا جديد. فكلمة : «لا» نافية - «وقديم» نعت لبيت. ومثال الخبر : الغلام لا صبىّ ولا شابّ ، والشابّ لا غلام ولا كهل ... (2)فإن أنتمو لم تحفظوا لمودتى *** ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
. ومثال الحال. عرفت العاطل لا نافعا ولا منتفعا ...ا - اختلف النحاة فى وقوع «لا» العاطفة بعد الدعاء والتحضيض ، نحو : (أطال اللّه عمرك لا عمر الأعداء ، وحرستك عنايته لا عناية الناس) ... ونحو : (ألا تكرّم النّابه لا الخامل ، وهلا تقدّر الذكىّ لا الغبىّ.) .. والأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيح هذا ؛ تيسيرا وموافقة للمأثور.
ويزيد بعضهم فيبدى اطمئنانه لصحة وقوع «لا» العاطفة بعد الاستفهام أيضا ، نحو : أفرغت من كتابة الرسالة لا الخطبة؟ ولا بأس بهذا الاطمئنان.
ب - إذا كانت «لا» عاطفة فقد يجوز حذف المعطوف عليه ، نحو : عودت نفسى أن أتكلم ... لا شرّا ، وأن أنفع ... لا قليلا (1)... والأصل : أن أتكلم خيرا لا شرّا - وأن أنفع كثيرا لا قليلا.
ح - لا يجوز تكرار «لا» العاطفة ؛ فلا يقال : حضر هاشم ، لا محمود - لا أمين - لا حامد - ، بل يجب الإتيان بالواو العاطفة قبل المكرر ، ليكون العطف بهذه الواو وحدها ، وتقتصر «لا» على توكيد النفى ، دون أن تكون عاطفة.
د - حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين ، من ناحية المطابقة وعدمها مدون فى رقم 3 من ص 657
1) لهذا إشارة فى ص 639.
حرف يختلف معناه وحكمه باختلاف ما يجىء بعده من جملة أو مفرد.
ا - فإن دخل على جملة فهو حرف ابتداء فقط ، ومعناه إما : «الإضراب الإبطالى» ، وإما : «الإضراب الانتقالى». فالإبطالى (1): هو الذى يقتضى نفى الحكم السابق ، فى الكلام قبل «بل» ، والقطع بأنه غير واقع ، ومدعيه كاذب ، والانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجىء بعدها. نحو : الأجرام السّماوية ثابتة ، بل الأجرام السماوية متحركة. فالحرف «بل» (بمعنى «لا» النافية) أفاد الإضراب الإبطالى الذى يقتضى نفى الثبات ونفى عدم الحركة عن الأجرام السماوية ؛ لأن هذا الثبات أمر غير حاصل ، ومن يدعيه كاذب ، فكأن المتكلم قال : (الأجرام السماوية ثابتة. لا ، فالأجرام السماوية متحركة وليست ثابتة) ؛ فأبطل الحكم الأول ونفاه ، وعرض بعده حكما جديدا. ومن الأمثلة قوله تعالى فى المشركين : ( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً - سُبْحانَهُ - بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ) ، أى : بل هم (2)عباد مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق ، ونفاه ، وأثبت حكما آخر بعده ؛ فكأن الأصل : (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لا ؛ فإن الذين اتخذهم هم عباد مكرمون). ومثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول عليه السّلام : (أم يقولون به جنّة (3). بل جاءهم بالحق).
والانتقالىّ هو : الذى يقتضى الانتقال من غرض قبل الحرف : «بل» إلى غرض جديد بعده ، مع إبقاء الحكم السابق على حاله ، وعدم إلغاء ما يقتضيه. كقوله تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (4)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ، بَلْ تُؤْثِرُونَ (5)الْحَياةَ الدُّنْيا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ... )
فالغرض الذى يدور حوله الكلام قبل : «بل» هو : الطاعة ، (بالطهارة من الذنوب ، وبعبادة اللّه ، وبالصلاة ..) ، والغرض الجديد بعدها هو حب
1) سبقت الإشارة إلى معناه فى رقم 1 من هامش ص 597.
2) الدليل على أن الحرف : «بل» داخل على جملة اسمية ، المبتدأ فيها محذوف - هو : رفع كلمة : «عباد» إذ لا وجه لإعرابها وهى مرفوعة غير ما سلف ، وهو الذى يقتضيه المعنى أيضا. ومثل هذا يقال فى كلمة : «أحياء» المرفوعة فى قوله تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً. بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ...) ، أى : بل هم أحياء.
3) جنون.
4) تطهّر.
5) تفضلون وتختارون.
الدنيا ، وتفضيل الآخرة عليها ... وكلا الغرضين مقصود باق على حاله. وكقوله تعالى : ( وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ (1)... )
وكقولهم : (ليس من المروءة أن يتخلىّ الشريف عن أصدقائه ساعة الشدّة : بل يقيهم بماله ، ويدفع عنهم بنفسه).
وحكم الحرف : «بل» الداخل على الجملة أنه حرف ابتداء محض يفيد الإضراب (2)
هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ *** أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟
كأنه قال : بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده قوله بعده :
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته *** إثر الأحبة يوم البين مشكوم
- مشكوم : مجازى ...
ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام وهو : «هل» فى قوله : أم هل كبير بكى .... حتى كأنه قال : بل هو كبير ... ترك الكلام الأول وأخذ فى استئناف مستأنف.
وقد توالت «أم» هذه فى هذا الموضع من هذه السورة ؛ قال تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) أى : بل أيقولون ذلك. وقوله تعالى : ( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا ، أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ؟ ) أى : بل أهم قوم طاغون؟ .. أخرجه مخرج الاستفهام ، وإن كانوا عنده تعالى قوما طاغين ؛ تلعّبا بهم وتهكما عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذى لا يشك فى جهله : أجاهل أنت؟ توبيخا له ، وتقبيحا عليه. ومعناه : إنى قد نبهتك على حالك فانتبه لها ، واحتط لنفسك منها ، قال صخر :
أرائح أنت يوم البين أم غادى *** ولم تسلم على ريحانة الوادى
ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به ؛ ولكنه يقبح هذا الرأى لها ، وينعاه عليها ،») ا ه.
- كما أسلفنا - ولا يصح اعتباره حرف عطف ولا شيئا آخر غير الابتداء ، فالجملة بعده مستقلة فى إعرابها عما قبلها ، ولا يصح إعرابها خبرا ولا غير خبر عن شىء سابق عليه (3)... .1) غفلة ، أو انهماك فى الباطل ، ووصفت القلوب بهذا مسايرة لاعتقاد العرب أن القلب هو مقر العقل والغرائز ، ومصدر الخير والشر.
2) سبقت إشارة - فى رقم 2 من هامش ص 597 - إلى فروق بين «أم» المنقطعه حين تكون للإضراب ، و «بل» - منها : أن الذى بعد «بل» يقين غالبا ، أما الذى بعد «أم» فظنّ .. ، جاء فى كتاب : «المحتسب» لابن جنّى - ج 2 ص 291 - فى الآية الكريمة من سورة الطور : ( أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ. ) وقراءة من قرأها : (بل هم قوم طاغون) ما نصه :(«قال أبو الفتح : هذا هو الموضع الذى يقول أصحابنا فيه : إن «أم» المنقطعة بمعنى : «بل» ، للترك والتحول ، إلا أن ما بعد «بل» متيقن ، وما بعد «أم» مشكوك فيه ، مسئول عنه ، كقول علقمة بن عبدة :
3) يقول السيوطى فى الهمع - ج 1 ص 96 - ما نصه خاصا بالخبر : «لا يسوغ الإخبار بجملة ندائية ؛ نحو : زيد يا أخاه ، ولا مصدرة بلكن ، أو : بل ، أو : حتى .. - بالإجماع فى كل ذلك».
ب - وإن دخل على مفرد فحكمه أنه : حرف عطف ؛ يختص بعطف المفردات وحدها. أما معناه هنا فيختلف باختلاف ما قبله من كلام مثبت ، أو مشتمل على صيغة أمر ، أو كلام منفى ، أو مشتمل على صيغة نهى.
(1) فإن تقدم على : «بل» كلام موجب أو صيغة أمر (1)
رأيان بينهما خلاف واسع. والأحسن التيسير بقبول الرأى الذى يلحقها - كما سيجيء في هامش ص 627 -.
- نحو : (أعددت الرسالة بل القصيدة - لبست المعطف بل الثياب) - (عاون المحتاج بل الضعيف - ساعف الصديق بل الصارخ). - كان معنى «بل» أمرين معا ، أساسيين :أولهما : الإضراب عن الحكم السابق ؛ بنفى المراد منه نفيا تامّا ، وإبطال أثره كأن لم يكن ، وسلبه عن صاحبه ، وترك صاحبه مسكوتا عنه مهملا ؛ أى غير محكوم عليه بشىء مطلقا بمقتضى هذا الكلام الذى أزال عنه الحكم السالف ، وتركه بغير حكم جديد يقع عليه. وإن شئت فقل : إنّ الكلام السابق على «بل» صار كأنه لم يذكر (2)
ليس في الكلام ما يدل على حكم جديد بعد الحكم المسلوب الذي نفيناه. فكل واحد منها بمنزلة كلمة
مفردة نطقنا بها وحدها من غير أن نسند إليها شيئا.
.ثانيهما : نقل الحكم الذى قبل «بل» نقلا تامّا إلى ما بعدها من غير تغيير شىء فى هذا الحكم الذى أزيل عما قبلها ، واستقر لما بعدها ، ففى الأمثلة السابقة يقع الإضراب على إعداد الرسائل ، فينفى الإعداد لها ، ولكنه يثبت للقصيدة بعدها. ويقع الإضراب على لبس المعطف ، فلا يلبس ، وإنما ينتقل اللّبس إلى الثياب. وكذلك ينصبّ الإضراب على معاونة المحتاج ؛ فلا يحصل ؛ وإنما تنتقل المعاونة إلى الضعيف وتثبت له. وأيضا تلغى المساعفة للصديق ولكنها تثبت للصارخ ، وهكذا.
(2) وإن تقدم على «بل» كلام منفى ، أو مشتمل على صيغة نهى ، نحو :
(ما زرعت القمح بل القطن - ما أسأت مظلوما بل ظالما) - (لا يتصدر مجلسنا جاهل بل عالم - لا تصاحب الأحمق بل العاقل) - لم يكن معنى «بل» الإضراب ، وإنما المعنى أمران معا.
أولهما : إقرار الحكم السابق ، وتركه على حاله من غير تغيير فيه.
ثانيهما : إثبات ضدّه لما بعد «بل» ..
ففى المثال الأول : حكم منفىّ ، قبل كلمة «بل» هو نفى زراعتى القمح ، وأقررنا هذا الحكم المنفىّ ، وتركناه على حاله ، وفى الوقت نفسه أثبتنا بعدها حكما آخر ، هو ، زرع القطن ... ، وأيضا نفينا قبلها حكما ؛ هو وقوع الإساءة على المظلوم ، وأثبتنا بعدها وقوعها على الظالم. وكذلك نهينا قبلها عن تصدر الجاهل لمجلسنا ، وأمرنا بعدها بهذا التصدر للعالم. ونهينا عن مصاحبة الأحمق ، وأمرنا بها للعاقل ، وهكذا ...
فالحكم الأول فى كل الأمثلة السالفة - ونظائرها - باق على حاله ، لم يقع عليه إضراب ، أو تغيير ، والحكم بعد «بل» مضاد لما قبلها ، فالحكمان متضادان ؛ ما ينفى أو ينهى عنه قبل «بل» يثبت أو يؤمر به بعدها (1)
و «بل» ك «لكن» بعد مصحوبيها *** كلم أكن فى مربع ، بل تيها
(المراد بالمصحوبين : النفى والنهى ، «والمربع» : المكان الذى ينزل فيه القوم زمن الربيع. والتيها : هى التيهاء ؛ (أى : الصحراء) يقول : إن «بل» بعد النفى مثل «لكن» فى أنها تقرر ما قبلها ، وتتركه على حاله ، وتثبت ضده لما بعده ، فلا تفيد معهما إضرابا. لكنها بعد الكلام الموجب وبعد صيغة الأمر تفيد الإضراب عن الأول ، وتنقل حكمه إلى الثانى ، حتى يصير الأول مسكوتا عنه مهملا. وفى حالتى الإيجاب والأمر يقول ابن مالك متمما كلامه السالف عن «بل» :
وانقل بها للثّان حكم الأول *** فى الخبر المثبت والأمر الجلى
أى : الصريح فى دلالته على الأمر ؛ كفعل الأمر ، والمضارع المسبوق بلام الأمر. وهذا عند ابن مالك ومن وافقه. وهناك من يلحق التمنى ، والترجى ، والعرض ، والتحضيض .. - بالصريح كما قلنا فى رقم 2 من هامش ص 625 وقد سبق الكلام على «لكن» فى ص 616.
...1) فى حكم «بل» يقول ابن مالك :
ا - لا يجوز العطف بالحرف «بل» ، بعد كلام فيه استفهام ؛ فلا يصح أحفظت قصيدة بل خطبة؟
ب - تقع «لا» النافية قبل «بل» (1)بنوعيها ؛ العاطفة (وهى المستوفية للشروط (2)؛ وفى مقدمتها الدخول على المفرد) وغير العاطفة (وهى غير المستوفية للشروط ؛ كالداخلة على الجملة) فإذا دخلت على العاطفة المسبوقة بكلام مثبت ، أو بصيغة أمر - كان معنى «لا» النافية : تقوية الإضراب المستفاد من «بل» ، وتوكيده. وإن دخلت على العاطفة المسبوقة بنفى أو نهى كان معنى «لا» تقوية النفى والنهى المستفادين من «بل». فمثالها بعد كلام مثبت قول الشاعر :
وجهك البدر ، لا ، بل الشّمس لو لم *** يقض للشمس كسفة وأفول
ومثال وقوعها بعد النفى : ما عاقنى البرد ، لا بل المطر.
ومثالها بعد النهى : لا تغفل الرياضة ، لا بل طول القعود.
وإن دخلت على غير العاطفة كان معناها تقوية الإضراب المستفاد من : «بل» وتوكيده ؛ كقول الشاعر :
وما هجرتك ، لا ، بل زادنى شغفا *** هجر ، وبعد تراخ لا إلى أجل
ح - ورد قليلا فى المسموع الفصيح (3)زيادة «الواو» بعد «بل» كالتى فى قول علىّ رضى اللّه عنه : «إنما يحزن الحسدة أبدا ؛ لأنهم لا يحزنون لما ينزل بهم من الشر فقط ، بل ولما ينال الناس من الخير» ا ه (4).
والأحسن عدم القياس على هذا ، لندرته البالغة.
د - حكم الضمير بعدها إذا كان عائدا على المتعاطفين من ناحية المطابقة وعدمها مدون فى رقم 3 ص 657.
من كل ما تقدم من الكلام على أدوات العطف يتبين :
(1) أنها حروف.
(2) وأنها فى أغلب الحالات - تشرك المعطوف مع المعطوف عليه فى الضبط الإعرابىّ (1)(رفعا ، ونصبا ، وجرّا ، وجزما) وهذا هو التشريك اللفظى.
أما من جهة التشريك المعنوى فبعضها يشركه أيضا فى معنى المعطوف عليه ؛ وينحصر هذا فى أربعة حروف : (الواو - الفاء - ثمّ - حتى) ؛ فهذه الأربعة تشرك المعطوف مع المعطوف عليه فى المعنى ، كما تشركه فى اللفظ إشراكا إعرابيّا - فى الغالب - كما أسلفنا.
وبعضها يشركه فى اللفظ دون المعنى ، فيثبت للمعطوف ما انتفى عن المعطوف عليه ، وهو : (بل - لكن) ، أو العكس ، فيثبت للمعطوف عليه ما انتفى عن المعطوف ، وهو : (لا).
وبعض ثالث هو (أو (2)- أم) يشركان فى اللفظ كما يشركان فى المعنى ولكن بشرط ألّا يقتضيا إضرابا (3).
1) وهناك حالات لا تشريك فيها فى الضبط الإعرابى ، كعطف الماضى على المضارع وعكسه. وعطف أحدهما على المشتق والعكس. كما سيجىء فى ص 642 و649 و ....
2) وتشبهها «إما» من وجوه أوضحناها عند الكلام عليها - فى ص 612 -. لكن الصحيح اعتبارها غير عاطفة.
3) قالوا فى بيان هذا التشريك المعنوى. (إن القائل : أمحمد فى الدار أم محمود - يعرف أن الذى فى الدار هو أحد المذكورين ، ولكنه لا يعلم - على وجه التعيين - من هو. فالذى بعد «أم» مساو للذى قبلها فى صلاحه لثبوت الاستقرار فى الدار وانتفائه. وحصول المساواة إنما هو بواسطة «أم» فقد أشركتهما فى المعنى كما أشركتهما فى اللفظ. وكذلك : «أو» تشرك ما بعدها لما قبلها فيما جاءت لأجله من شك ، أو تخيير ، أو غيرهما. فإن اقتضيا إضرابا كانا مفيدين للتشريك فى اللفظ لا فى المعنى ...) - راجع : «شرح التصريح» ، أول باب : «العطف» -.
(3) وأن المتعاطفين إذا تكررا كان «المعطوف عليه» واحدا هو الأول. إلا إذا كان حرف العطف يفيد الترتيب (مثل : الفاء ، وثم) ، فإن «المعطوف عليه» واحد ، هو ما قبل حرف العطف مباشرة (1).
1) ويترتب على هذا أنه لو جاء بعد العاطف المفيد للترتيب وبعد معطوفه عاطف آخر لا يفيد الترتيب - كالواو - لوجب أن يكون المعطوف عليه لهذا العاطف الذى لا يفيد الترتيب هو المعطوف الذى قبله مباشرة والذى أداة عطفه مفيدة للترتيب. (طبقا للبيان الذى فى رقم 2 من هامش ص 555 ورقم 3 من هامش ص 649.
يجوز عطف الاسم الظاهر على مثله أو على الضمير ، ويجوز عطف الضمير على مثله أو على اسم ظاهر. لكن بعض هذه الصور يكون فيه الفصل بين المتعاطفين واجبا ، وبعض آخر يكون الفصل فيه مستحسنا راجحا ، وفى غير ما سبق يكون جائزا (1)....
فأما الفصل الواجب ففى حالتين ، سبقت إحداهما (2). وملخصها : أنه إذا عطف على المبتدأ الذى خبره نوع من الأنواع المقرونة بالفاء - وقد ذكرت هناك - أو على ما يتصل به من صلة ، أو صفة ، أو نحوهما ... وجب تأخير المعطوف عن الخبر ، إذ لا يجوز الفصل بين هذا الخبر ومبتدئه بالمعطوف ؛ ففى مثل : الذى عندك فمؤدب - لا يصح أن يقال : الذى عندك والخادم فمؤدب ، أو فمؤدبان ، وهكذا ...
والحالة الثانية التى يجب فيها الفصل - تبعا لأرجح الآراء - هى التى يكون فيها المعطوف عليه مصدرا له معمولات ؛ فلا يجوز العطف عليه إلا بعد استيفائه كل معمولاته ، نحو : ما أحسن تقدير الأمة العاملين المخلصين لها ، وإكبارهم.
1) ملاحظة : من الحالات الجائزة بعض صور بليغة تقدمت فى ص 435 ويشترط فى الفصل الجائز ألّا يكون بفاصل طويل ، ولم يحدد النحاة هذا الطول الذى يسترشد فيه بما جاء فى كتاب : «المحتسب» ، لابن جنى - ج 2 ص 297 - حيث الكلام على معطوف مفصول من المعطوف عليه بثلاث جمل ، ونص كلامه فى هذا العطف :(«قال أبو حيان : هذا بعيد ؛ لطول الفصل بجمل ثلاث ؛ وبعيد أن يوجد مثل هذا التركيب فى كلام العرب ، نحو : أكلت خبزا ، وضربت فلانا ، وإن يجىء فلان أكرمه ، ورحل إلى بنى فلان - و «لحما» ؛. فيكون «ولحما» معطوفا على «خبزا» ، بل لا يوجد مثله فى كلام العرب». ا ه.
2) تفصيلها الذى لا غنى عن الرجوع إليه ، وبيان فروعها المختلفة - فى ج 1 م 41 ص 391 (باب المبتدأ والخبر).
وأما الحالتان اللتان يستحسن فيهما الفصل ويرجح (1).
فالأولى : أن يكون المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا ، سواء أكان مستترا أم بارزا ؛ فيستحسن عند العطف عليه فصله بالتوكيد (2)اللفظى أو المعنوىّ أو بغيرهما أحيانا. فالفصل بالتوكيد اللفظى يتحقق بضمير مرفوع منفصل مناسب (3)نحو : (لقد كنت أنت ورفاقك طلائع الإصلاح ، وكنتم أنتم والسباقون إليه موضع الإعجاب والتقدير). فكلمة : «رفاق» معطوفة على : «التاء» وهى الضمير المتصل المرفوع البارز بعد توكيد لفظه بالضمير المرفوع المنفصل : «أنت». وكذلك كلمة : «السباقون» معطوفة على الضمير البارز (التاء والميم) ، فى «كنتم» بعد توكيده توكيدا لفظيّا بالضمير المرفوع المنفصل : «أنتم».
ومثال العطف على الضمير المتصل المرفوع المستتر مع الفصل : انتفع أنت وإخوانك (4)
وهناك إعراب آخر يفضله النحاة علی هذا ، وقد سبق في ص 564 حيث البيان و الإضاح ، ويجی أيضا في ص 638.
بتجارب السابقين.والفصل بالتوكيد المعنوى يتحقق بوجود لفظ من ألفاظه بين المتعاطفين ؛ ومن الأمثلة قول الشاعر :
ذعرتم أجمعون ومن يليكم *** برؤيتنا ، وكنا الظافرينا
ويغنى عن التوكيد بنوعيه - كما أسلفنا - وجود فاصل آخر أىّ فاصل بين المتعاطفين ؛ كالضمير «ها» فى قوله تعالى فى المؤمنين الصالحين : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ ... ) ومثل «لا» النافية
1) عند البصريين. أما الكوفيون. فلا يتمسكون بالفصل ولا يرون فى خلوّ الكلام منه عينا ولا ضعفا.
2) راجع حاشية التصريح ج 3 باب : العطف ، عند الكلام على عود الخافض ...
3) لا فرق فى هذا بين أن يكون المعطوف اسما ظاهرا أو ضميرا.
4) كلمة : «إخوان» ، معطوفة على الفاعل المستتر وتقديره : «أنت». أما كلمة «أنت» ضمير المخاطب المذكورة فتوكيد لفظى للفاعل المستتر ؛ ولا يصح إعرابها فاعلا : لأن فعل الأمر للواحد لا يرفع ضميرا بارزا. ولا يصح إعرابها بدلا من الفاعل المستتر : لأن الضمير لا يبدل من الضمير - كما فى ب من ص 683 -
فى قوله تعالى : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ) ، وقد اجتمع الفصل بالتوكيد اللفظى وبحرف النفى «لا» فى قوله تعالى : ( وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ... ) ،
ومن غير المستحسن فى النثر - مع جوازه - العطف على الضمير المستتر المرفوع بغير فاصل على الوجه السالف ، نحو : (قاوم ونظراؤك أعوان السوء) ، فقد عطفت كلمة : «نظراء» على الفاعل الضمير المستتر : (أنت) بغير فاصل ؛ ومنه العبارة المأثورة (1): «مررت برجل سواء والعدم». أى : متساو هو والعدم ، فكلمة ، «سواء» اسم بمعنى المشتق ، وهى متحملة للضمير المرفوع. والعدم (بالرفع) معطوفة على الضمير المستتر بغير فاصل بينهما (2). أما الشعر فقد يجوز فيه عدم الفصل ، اضطرارا ؛ مراعاة لقيوده الكثيرة التى قد تقهر الشاعر على ترك الفصل .. ومن الأمثلة قول جرير يهجو الأخطل :
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه *** ما لم يكن وأب له لينالا
فقد عطف كلمة «أب» على اسم «يكن» المرفوع المستتر بغير فاصل بينهما (3)
وإن على ضمير رفع متّصل *** عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
أو فاصل مّا. وبلا فصل يرد *** فى النّظم فاشيا. وضعفه اعتقد
وملخص البيتين : افصل بالضمير المنفصل بين المتعاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا. ولا يتعين أن يكون الفصل بالضمير وإنما يكفى الضمير أو غيره. ثم بين أن عدم الفصل فاش (أى : كثير) فى الشعر ، وأنه مع كثرته ضعيف لا يقاس عليه.
لكن كيف يكون كثيرا وفاشيا والقياس عليه ضعيف؟ إن الكثرة تعارض الضعف ؛ ولذا كان القياس هنا سائغا فى الشعر بغير ضعف ، خلافا لابن مالك.
.ومثله قول الآخر :
مضى وبنوه ، وانفردت بمدحهم *** وألف إذا ما جمّعت واحد فرد
فقد عطف كلمة : «بنوه» على الضمير المرفوع المستتر فى : «مضى» بغير فاصل. .
والثانية : أن يكون المعطوف عليه ضميرا مجرورا بحرف أو بإضافة ؛ فيستحسن عند أمن اللبس إعادة عامل الجر مع المعطوف ، ليفصل بين المتعاطفين ، فمثال المعطوف المجرور بحرف جر (1)معاد : ما عليك وعلى أضرابك من سبيل إن أديتم الواجب. فكلمة : «أضراب» معطوفة على الضمير الكاف المجرور بالحرف : «على». وقد أعيد هذا الحرف مع المعطوف. والأصل ما عليك وأضرابك ، ومثل هذا قوله تعالى عن نفسه : ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ (2)ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) .
فكلمة : «الأرض» معطوفة على الضمير : «ها» المجرور باللام ، وقد أعيدت اللام مع المعطوف : والأصل : فقال لها والأرض. ومثله إعادة اللام فى قول الشاعر :
فما لى وللأيام - لا درّ درّها -
تشرّق بى طورا ، وطورا (3)تغرّب
ومثال إعادة عامل الجر وهو اسم مضاف (4)قوله تعالى : ( قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ ... ) فكلمة : «آباء» معطوفة فى الأصل على الضمير المضاف إليه ، وهو : «الكاف الأولى» ، فأعيد المضاف وهو : «إله» وذكر قبل المعطوف. وأصل الكلام : نعبد إلهك وآبائك ...
هذا هو الكثير. وترك الفصل جائز أيضا ، ولكنه لا يبلغ فى قوته وحسنه البلاغىّ درجة الكثير. ومن هذا قراءة قوله تعالى : ( وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. ) والتقدير : الذى تساءلون به وبالأرحام. أى : تستعطفون به وباسمه ، وبالأرحام ؛ بعطف كلمة : «الأرحام» على الضّمير المجرور بالباء. وكقول الشاعر :
1) الرأى المختار أنه إذا أعيد عامل الجر فالمعطوف هو الجار والمجرور معا ، وليس المجرور على المجرور ، لئلا يلزم إلغاء عامل ، أى : تركه زائدا مهملا ، لا أثر له إلا مجرد الفصل. ومن الأمثلة - أيضا - لإعادة الجار فى المعطوف ، اللام فى قوله تعالى : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ ، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. )
2) الرأى المختار أنه إذا أعيد عامل الجر فالمعطوف هو الجار والمجرور معا ، وليس المجرور على المجرور ، لئلا يلزم إلغاء عامل ، أى : تركه زائدا مهملا ، لا أثر له إلا مجرد الفصل. ومن الأمثلة - أيضا - لإعادة الجار فى المعطوف ، اللام فى قوله تعالى : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ ، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. )
3) سبق هذا البيت للمناسبة السالفة فى ج 2 م 80 ص 246.
4) إنما يعاد العامل الاسمى (وهو المضاف) بشرط ألا توقع إعادته فى لبس ، فإن أوقعت فى لبس لم يجز إعادته ، نحو : جاءتنى سيارتك وسيارة محمود ، وأنت تريد سيارة واحدة مشتركة بينهما. وهذا المنع إذا لم توجد قرينة تزيل اللبس.
اليوم قد بتّ (1)تهجونا وتشتمنا *** فاذهب ، فما بك والأيام من عجب
أى : وبالأيام. وقول بعض العرب : ما فى الدار غيره وفرسه ، بجر كلمة : «فرس» المعطوفة على الهاء من غير إعادة الجار وهو الاسم المضاف (2)
وعود خافض لدى عطف على *** ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندى لازما : إذ قد أتى *** فى النّثر والنّظم الصّحيح مثبتا
يقول : جعل عود الخافض على المعطوف الذى وصفناه - أمرا لازما عند النحاة ، ولكنه ليس بلازم فى رأيى وحكمى ؛ لأن عدم إعادته أمر ثابت تحقق فى النظم والنثر للواردين عن العرب. أى : أمر تؤيده الأمثلة الصحيحة نظما ونثرا ، وتثبت أن إعادته ليست باللازمة.
. .حذف بعض حروف العطف مع معطوفها :
من حروف العطف ثلاثة يختص كل منها بجواز حذفه مع معطوفه بشرط أمن اللبس. - كما سبق عند الكلام عليها (1)- وهذه الثلاثة هى : الواو ، والفاء ، وأم المتصلة. فمثال حذف الواو مع معطوفها لدليل : أنقذت الغريق ولم يكن بين الموت إلا لحظات. أى : لم يكن بين الموت وبينه ....
وقول الشاعر :
إنى مقسّم ما ملكت ؛ فجاعل *** قسما لآخرة ، ودنيا تنفع ...
يريد : وقسم - دنيا ، أى : وقسما لدنيا .. ومثل قول الآخر :
فما كان بين الخير لو جاء سالما *** أبو حجر (2)إلّا ليال قلائل
أى : بين الخير وبينى. ومما يصلح لهذا أيضا قول بعض العرب : (راكب الناقة طليحان (3)) ، والتقدير : راكب الناقة والنّاقة طليحان.
ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل قوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ (4)- أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ (5)مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ) ، الأصل : فضرب فانبجست (6). وقوله تعالى :
1) ص 557 و574 و586 - مع ملاحظة أر المحذوف قد يترك معمولا مذكورا فى الكلام أحيانا (كبعض الأمثلة التى فى ص 563 «ا» و576 وغيرهما من الأمثلة المعروضة عند الكلام على أحكام تلك الأحرف) أو لا يترك معمولا له ؛ كالأمثلة المعروضة هنا.
2) كنية رجل اسمه : النعمان بن الحارث.
3) أصابهما التعب والإعياء. (وقد سبقت الإشارة هذا فى ص 562).
4) طلبوا منه الماء للسقى.
5) تفجرت.
6) هذه الجملة الفعلية المكونة من الفعل : «انبجس» وفاعله ، معطوفة على الجملة الفعلية المكونة من الفعل : «ضرب» المحذوف. وإنما لم يكن العطف على الأول (أوحينا) لما سبق تقريره رقم 2 من هامش ص 555 وفى رقم 3 من هامش ص 649) من أن المعطوفات المتعددة يكون معطوفها واحدا هو الأول. إلا إذا كان حرف العطف يقتضى الترتيب ، فيكون المعطوف عليه هو ما قبله مباشرة.
( وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ، فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ... ) ، أى : فضرب فانفجرت ، وتسمى هذه الفاء المذكورة فى الكلام ، والتى تعطف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها : «فاء الفصيحة (1)».
ومثال حذف «أم» المتصلة ومعها معطوفها بدليل - وحذفهما ، قليل - قول الشاعر :
وقال ، صحابى : قد غبنت ، وخلتنى
غبنت. فما أدرى أشكلكم (2)شكلى؟ ...
والأصل : أشكلكم شكلى أم غيره ،؟ وكقول الآخر :
دعانى إليها القلب ، إنى لأمره
سميع ؛ فما أدرى : أرشد طلابها؟
والتقدير : أرشد طلابها أم غىّ (3)؟
تنفرد الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقى معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور ، فمثال المعمول المرفوع قوله تعالى لآدم : ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) فكلمة : «زوج» فاعل بفعل محذوف ، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور معطوفة على الجملة الأمرية المكونة من فعل الأمر : «اسكن»
1) وهذا النوع هو الذى سبقت (فى ص 576) الإشارة والإحالة على ما جاء خاصا به هنا. وسميت «فاء الفصيحة» لأنها أفصحت ، (أى : بينت) وكشفت عن المحذوف ، ودلت عليه وعلى ما نشأ عنه. ولأنها - أحيانا - تفصح عن جواب شرط مقدر ؛ ففى الآية الأولى دلت الفاء على المحذوف وعلى أن الضرب كان سببا فى الانبجاس. أو يقال : إن كان موسى قد أطاع الأمر وضرب الحجر فما ذا تم بعد ذلك؟ فالجواب : انبجست منه اثنتا عشرة عينا.
2) طريقكم.
3) وقيل إن الهمزة للتصديق ، فلا تحتاج إلى معادل.
وفاعله. والتقدير : اسكن أنت ، وليسكن زوجك (1). والسبب فى هذا أننا لو أعربنا كلمة : «زوج» معطوفة بالواو على الفاعل المستتر لفعل الأمر لكان العامل فى المعطوف (زوج) هو العامل فى المعطوف عليه ، أى : فى الفاعل المستتر. فيكون الفعل : «اسكن» عاملا فى فاعله ، وفى كلمة : «زوج» ، فهو الذى رفع كلمة «زوج» وهى بمنزلة الفاعل بسبب عطفها على الفاعل ويترتب على هذا أن يكون فاعل الأمر اسما ظاهرا مع أن فعل الأمر لا يرفع الظاهر.
هذا تعليلهم. وهو تعليل مرفوض ، يعارضه ما يرددونه كثيرا من أنه : «قد يغتفر فى التابع مالا يغتفر فى المتبوع» ، أو : «قد يغتفر فى الثوانى مالا يغتفر فى الأوائل». فإذا امتنع أن يقع الاسم الظاهر فاعلا لفعل الأمر مباشرة فلن يمتنع أن يكون المعطوف على هذا الفاعل اسما ظاهرا ، لأنه تابع أو ثان ينطبق عليه ما سبق من التوسع والتيسير ؛ فلا داعى للتكلف والتقدير ...
ومثال المعمول المنصوب قوله تعالى فى أنصار الدّين ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ... ) ، ومعنى تبوّءوا الدار أعدّوها للسكنى. وهذا المعنى مناسب للدار ؛ لكنه غير مناسب للإيمان ، إذ لا يقال على سبيل الحقيقة : هيئوا الإيمان للسكنى ؛ ومن ثم أعربت كلمة : «الإيمان» مفعول لفعل محذوف تقديره : «ألفوا» وهذه الجملة الفعلية المحذوفة معطوفة بالواو على الجملة الفعلية التى قبلها. ومنه قول الشاعر :
إذا ما الغانيات برزن يوما *** وزجّجن الحواجب والعيونا
أى : وكحلن العيون ؛ لأن التزجيج (وهو ترقيق الحاجب بأخذ بعض الشعر منه كى يصير منحنيا كالقوس) لا يصلح للعيون.
ومثال المعمول المجرور قولهم : ما كلّ سوداء فحمة ، ولا بيضاء شحمة. فكلمة : «بيضاء» مجرورة بمضاف محذوف معطوف على «كلّ» ، والأصل «ولا كلّ بيضاء شحمة». والداعى للتقدير هنا هو الفرار من العطف على معمولى عاملين مختلفين.
1) قد سبق (فى رقم 3 من هامش ص 564) إعراب آخر لبعض النحاة ، بمقتضاه تكون ... «زوجك» معطوفة على الضمير المستتر الفاعل. وأنه لا يصح إعرابه بدلا من الفاعل المستتر ، وتجىء له مناسبة فى ص 657.
وإيضاح (1)هذا أن كلمة : «سوداء» مضاف إليه فهى معمول ، عامله هو المضاف ؛ (لفظة : «كلّ» المذكورة) وأن «فحمة» خبر «ما» الحجازية فهى معمول ، عامله : «ما» ، فالعاملان مختلفان ، وكذلك المعمولان. فلو عطفنا «بيضاء» على «سوداء» ، و «شحمة» على «فحمة» لزم العطف بعاطف واحد (هو : الواو) على معمولين مختلفين لعاملين مختلفين - كما يقولون - وهذا لا يبيحه كثرة النحاة ... إذ يجب أن يكون العامل فى المتعاطفين واحدا ، لا أكثر. وهذا الرأى أحق بالاتباع (2)
«والفاء» قد تحذف مع ما عطفت *** «والواو» ، إذ لا لبس. وهى انفردت :
بعطف عامل مزال قد بقى *** معموله ؛ دفعا لوهم اتّقى
(عامل مزال ، أى : أزيل عن مكانه ، والمراد حذف) وقد بين فى البيت الثانى أن الداعى لتقدير المحذوف دفع وهم لا يستقيم الأمر إلا بدفعه وإزالته.
...ملاحظة : من موضوعات الحذف الهامّة : «حذف الموصول» وقد سبق تفصيل الكلام عليه (3).
يصح عند أمن اللبس - حذف المعطوف عليه وحده إذا كانت أداة العطف هى : [الواو ، أو : الفاء ، أو : أم المتصلة ، أو : «لا» العاطفة (4)..]
فمثال حذفه مع بقاء الواو (5)أن يقول قائل : مرحبا بك. فتجيب : وبك وأهلا وسهلا ؛ أى : ومرحبا بك وأهلا وسهلا. فالجار والمجرور : (بك) متعلقان بكلمة : مرحبا» المحذوفة. «وأهلا» : الواو حرف عطف ، «أهلا» ، معطوفة على : «مرحبا» المحذوفة ، فالمعطوف عليه محذوف. و «سهلا» «الواو» حرف عطف. «سهلا» معطوفة على «مرحبا» المحذوفة فالمعطوف عليه هو المحذوف (6).
1) سبق - فى ص 159 - بيان شاف لهذا فى باب الإضافة ، عند الكلام على حذف المضاف ، وله مناسبة أخرى فى ص 564.
2) وفى مواضع الحذف السالفة يقول ابن مالك مقتصرا على بعضها :
3) فى الجزء الأول م؟ بعنوان : حذف الموصول الأسمى
4) انظر : «ب» من ص 622.
5) انظر «الملحوظة» التى فى الصفحة الآتية متعلقة بصورة من صور حذف المعطوف «بالواو» ، مع بقاء الواو.
6) ومن الأمثلة أيضا لحذف المعطوف عليه مع بقاء حرف العطف (الواو) قوله تعالى : ( أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ..؟ ) أى أنسى ولا يذكر ...؟ فالمعطوف عليه المحذوف هو الفعل : نسى.
ومثال الحذف مع بقاء الفاء قوله تعالى ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ) والتقدير : أمكثوا فلم يسيروا (1)
وحذف متبوع بدا هنا استبح *** وعطفك الفعل على الفعل يصح
... ومثال الحذف مع بقاء «أم» المتصلة قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ... ) والتقدير : أعلمتم أن دخول الجنة يسير أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.ومثال الحذف قبل «لا» العاطفة : (عاهدت نفسى أن أعمل الخير ... لا قليلا ، وأن أقول الحق .. لا بعض الأوقات) والأصل : أن أعمل الخير كثيرا لا قليلا ، وأن أقول الحق كل الأوقات لا بعض الأوقات.
«ملحوظة» - من أمثلة حذف المعطوف عليه مع بقاء حرف العطف : «الواو» ، ما سجله ابن جنى فى كتابه المسمى : «تفسير أرجوزة أبى نواس فى تقريظ الفضل بن الربيع (2)». قال عند شرحه بيت أبى نواس :
(وبلدة فيها زور *** صعراء تحظى فى صعر)
ما نصه الحرفى : «(قوله : وبلدة)» .. قيل فى هذه الواو قولان ، أحدهما : أنها للعطف ، والآخر : أنها عوض من «ربّ» ؛ فكأنهم إنما هربوا من أن يجعلوها عاطفة لأنها فى أول القصيدة ، وأول الكلام لا يعطف. ولا يمتنع العطف على ما تقدم من الحديث والقصص ؛ فكأنه كان فى حديث ، ثم قال : وبلدة. فكأنه وكل الكلام إلى الدلالة فى الحال. ونظير هذا قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... ) فالضمير (الهاء) يراد به القرآن ، وإن لم يجر للقرآن ذكر. .
1) قد سبق إيضاح الكلام على الحذف فى هذه الآية وأشباهها (من هامش ص 571) وأن فيها رأيين ؛ أحدهما : يرى الفاء قد عطفت جملة فعلية مذكورة على أخرى محذوفة بعد الهمزة فى مكانها الأصلى. والثانى : يرى أن الهمزة تقدمت من تأخير ، للتنبيه على أصالتها فى التصدير ، ومحلها الأصلى بعد الفاء. والتقدير : فألم يسيروا ... والجملة بعد العاطف معطوفة على أخرى مماثلة لها خبرا وإنشاء ، محذوفة ، ومكانها قبل الهمزة والعاطف. وفى الحذف المذكور يقول ابن مالك بيتا نصفه الأول هو الذى يتصل بالحذف ، ونصفه الثانى يتعلق بقاعدة أخرى سيذكر معها فى ص 644.
2) ص 9 من الطبعة التى أخرجها وحققها الأستاذ بهجة الأثرى.
وكذلك قوله تعالى : ( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) يعنى الشمس ؛ فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر. وهذا فى كلام العرب واسع فاش)» ا ه كلام ابن جنى (1)
بقي أن نسأل : هل هناك ما يمنع من صحة اعتبار «الواو» للاستئناف في بيت أبي نواس؟ لا أری مانعا.
...أشرنا من قبل (2)إلى أنه يجوز حذف العاطف وحده ولا يكون هذا إلا فى الواو ، والفاء ، وأو. فمثال الواو قوله عليه السّلام : «تصدق رجل ، من ديناره ، من درهمه ، من صاع برّه ، من صاع تمره ...» ، وما نقل من قول بعض العرب : أكلت خبزا ، لحما ، تمرا ، وقول الشاعر :
كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ ممّا *** يغرس الودّ فى فؤاد الكريم
ومثال الفاء : قرأت الكتاب بابا بابا ، وادخلوا الغرفة واحدا واحدا.
والتقدير بابا فبابا ، وواحدا فواحدا.
ومثال «أو» قولهم : أعط الرجل درهما ، درهمين ، ثلاثة ...
ورد فى المسموع تقديم «المعطوف» بالواو - دون غيرها - على المعطوف عليه ، وهو تقديم شاذ - لا يجوز القياس عليه (3)- ومنه قول الشاعر :
وأنت غريم لا أظن قضاءه *** (ولا العنزىّ القارظ - الدهر -) جائيا
أى : جائيا هو ، ولا العنزى. وقول الآخر (4):
أيا نخلة من ذات عرق *** عليك ورحمة اللّه السّلام
وعطف الجملة على الجملة (1).
ا - عطف الفعل وحده على الفعل كذلك :
عرفنا فيما سبق أن عطف الاسم وحده على الاسم يعدّ من عطف المفردات (2)بعضها على بعض ، كقول الشاعر :
وكلّ زاد عرضة للنفاد *** غير التقى ، والبرّ ، والرشاد
وكما يجوز عطف الاسم وحده على نظيره فى الاسمية عطف مفردات - يجوز عطف الفعل - وحده من غير مرفوعه (3)- على الفعل وحده عطف مفردات أيضا ؛ نحو : «إذا تعرض وتصدّى المرء لكشف معايب الناس مزّقوه بسهام أقوالهم وأعمالهم. وهى سهام لن يستطيع أو يقدر أحد على احتمالها (4)». فالفعل : «تصدّى» معطوف وحده على الفعل : «تعرض» وكذا الفعل : «يقدر» معطوف وحده على الفعل «يستطيع (5)» وكل هذا من عطف المفردات ؛ إذ لم يشترك الفاعل - هنا - مع فعله فى العطف. فلو اشترك معه لكان العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية (6)...
ويشترط لعطف الفعل على الفعل أمران :
1) أما عطف الاسم المفرد على الجملة والعكس ، فيجىء فى رقم 6 من ص 659.
2) سبقت (الإشارة فى رقم 3 من هامش ص 557) إلى أن المفرد هنا : ما ليس جملة ، ولا شبه جملة.
3) لأن الفعل مع مرفوعه جملة ، سواء أكان مرفوعه فاعلا أم نائب فاعل ...
4) راجع ما يتصل بهذا فى الزيادة ص 645. وبيان نوع العطف فيه.
5) بدليل نصب المضارع المعطوف (وهو : يقدر) إذ لو كان العطف جملة على أخرى لوجب رفع هذا المضارع - وسيجىء الإيضاح فى ص 645 -.
6) والفرق كبير - لفظيا ومعنويّا - بين عطف الفعل وحده على الفعل وحده وعطف الجملة الفعلية على الفعلية - كما سيجىء هنا -
أولهما : اتحادهما فى الزمن (1)؛ بأن يكون زمنهما معا ماضيا ، أو حالا ، أو مستقبلا ؛ سواء أكانا متحدين فى النوع (أى : ماضيين ، أو : مضارعين (2)) أم مختلفين ؛ فلا يمنع من عطف أحدهما على الآخر تخالفهما فى النوع (3). إذا اتّحدا زمانا. فمثال اتحادها زمانا ونوعا ، قوله تعالى : ( وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ... ) (4). وقول الشاعر فى مدح عالم :
سعى وجرى (5)للعلم شوطا يروقه
فأدرك حظّا لم ينله أوائله
ومثال اتحادهما زمانا مع اختلافهما نوعا : عطف الماضى على المضارع فى قوله تعالى بشأن فرعون : ( يَقْدُمُ (6)قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) ، فالفعل : «أورد» ماض ، معطوف بالفاء على الفعل المضارع : «يقدم» وهما مختلفان نوعا ، لكنهما متحدان زمانا ؛ لأن مدلولهما لا يتحقق إلا فى المستقبل (يوم القيامة) (7)...
ومثال عطف المضارع على الماضى قوله تعالى : ( تَبارَكَ الَّذِي إِنْ
1) كما سبق فى الجزء الأول عند الكلام على زمن المضارع - أما اختلافهما فى الزمن فقد يجعل العطف عطف جملة على جملة ، بشرط الاتحاد خبرا وإنشاء ، كما سيجىء فى عطف الجملة الفعلية ص 630.
2) أما فعل الأمر بدون فاعله فلا يكون معطوفا ، ولا معطوفا عليه ؛ لأنه لا يفارق فاعله ، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر ، لا لفظا ولا تقديرا ؛ كأفعال الأمر التى فاعلها ضمير ظاهر أو مستتر فى الآية الكريمة الآتية ، وهى : ( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا. ) ( رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ. رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) - كما سيجىء الإشارة فى رقم 1 من هامش ص649 - ويفهم من كلام «الصبان» جواز عطف فعل الأمر وحده ، وهذا بعيد. والرأى الأول هو السديد.
3) راجع ما يتصل بهذه المسألة الهامة فى ج 1 ص 39 م 4.
4) انظر الزيادة ص 645 كى يتضح منها أن العطف هنا عطف فعل وحده على فعل وحده ، لا جملة فعلية على جملة فعلية.
5) يصلح العطف هنا أن يكون عطف فعل ماض وحده على نظيره ، وأن يكون عطف جملة ماضوية على نظيرتها (انظر البيان فى ص 645).
6) يتقدم.
7) ومثل هذا قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللّهُ ... )
شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ ، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ... ) فالفعل : «يجعل» مضارع مجزوم ؛ لأنه معطوف على الفعل الماضى : «جعل» المبنى فى محل جزم (1)؛ لأنه جواب الشرط. وصحّ العطف لاتحاد زمانيهما الذى يتحقق فيه المعنى (2)، وهو الزمن المستقبل ...
ثانيهما : اتحادهما إن كانا مضارعين فى العلامة الدالة على الإعراب - (من حركة أو سكون ، أو غيرهما) - ويتبع هذا اتحاد معنيهما فى النفى والإثبات ؛ فإذا كان «المعطوف عليه» مضارعا مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجزوما ، وجب أن يكون المضارع «المعطوف» ، كذلك. وأن يكون معنى المعطوف كالمعطوف عليه فى النفى والإثبات ؛ فكما يتبعه فى علامات الإعراب يتبعه فيهما معنى. فمثال المرفوعين : يفيض فيغدق نهرنا الخير على الوادى.
ومثال المنصوبين : لن يفيض النهر فيغرق الساحل. ومثال المجزومين : لم يفض نهرنا فيغرق ساحله (3)
وحذف متبوع بدا هنا استبح *** وعطفك الفعل على الفعل يصح
(بدا - ظهر ، والمراد أنه مذكور فى الكلام) (استبح - اجعله مباحا). (يصح : أصلها : يصحّ ، - بالتشديد مع التسكين - وخففت الحاء الساكنة لوزن الشعر).
.... .1) طبقا للقاعدة الخاصة بهذا (فى باب الجوازم - ج 4 م 157 ص 347) وتقضى بأن الماضى الواقع فى جواب الشرط يكون مبنيّا فى محل جزم ، وأنه وحده الجواب ، لا الجملة الفعلية المركبة منه ومن فاعله معا.
2) كان الزمن مستقبلا مع أن المعطوف عليه فعل ماض - وهو فعل الشرط - لأن أداة الشرط الجازمة تقتضى حتما أن يكون زمن فعلى الشرط والجواب مستقبلا ؛ فإذا كان أحدهما فعلا ماضيا فى لفظه وجب أن يكون زمنه مستقبلا.
3) وقد اكتفى ابن مالك فى الكلام على عطف الفعل على الفعل بالشطر الثانى من البيت الذى سبق عرضه فى ص 640 لمناسبة أخرى تضمنها صدره ؛ يقول :
نصب المضارعين معا ، أو جزمهما معا بغير تكرار الناصب والجازم قبل الفعل المضارع المعطوف ، دليل قاطع على أن العطف عطف فعل وحده بغير مرفوعه على فعل وحده كذلك ، وليس عطف جملة على جملة ؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الفعلية بغير تكرار أداة النصب أو الجزم يستلزم - حتما - أن يكون المضارع المعطوف غير منصوب ولا مجزوم ؛ إذ نصبه أو جزمه يوجب أن يكون عطف فعل وحده على فعل كذلك.
أما رفع المضارعين معا - فى مثل : يشتدّ البرد فتهاجر طيور كثيرة إلى بلاد دافئة - فلا دليل معه على أن العطف عطف مضارع مفرد على نظيره المفرد ، أو عطف جملة مضارعية على جملة مضارعية (أى : عطف مضارع مع فاعله ، على مضارع مع فاعله) ، فمثل هذا الكلام صالح للأمرين عند عدم القرينة التى تعينه لأحدهما (1)
وإنى لمشتاق إلى ظل صاحب *** يرقّ ويصفو إن كدرت عليه
... وكذلك العطف فى قول الشاعر :قد ينعم اللّه بالبلوى - وإن عظمت - *** ويبتلى اللّه بعض القوم بالنعم
فيصح أن يكون المعطوف هنا جملة مضارعية هى : «يبتلى اللّه» ، والمعطوف عليه جملة مضارعية كذلك ، هى : «ينعم اللّه» ؛ ويصح أن يكون المتعاطفان مفردين هما المضارعان ، ومثل هذا يقال فى الماضى فى نحو : (إذا تعرض وتصدّى المرء لكشف معايب الناس مزّقوه بسهام أقوالهم وأفعالهم ... (2)
قد هوّن الصبر عندى كلّ نازلة *** وليّن العزم حدّ المركب الخشن
). حيث يجوز الأمران ، لعدم وجود قرينة تعين نوع العطف ؛ أهو عطف فعل ماض وحده على ماض وحده أم عطف جملةماضوية على جملة مثلها؟ بخلاف العطف فى قوله تعالى عن الكافرين : ( وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ... ) حيث يتعين أن يكون عطف جملة ماضوية على جملة ماضوية ، لوجود فاعل غير مستقل هو الضمير المتصل - لكل فعل ماض منهما (1)...
ومما سبق يتبين الفرق اللفظى بين عطف الفعل على الفعل وعطف الجملة الفعلية على الفعلية (2)، وهو فرق دقيق خفى على بعض العلماء المشتغلين بالنحو قديما ، فقد نقل عن أحدهم قوله : إنى لا أتصور لعطف الفعل على الفعل مثالا ؛ لأن نحو : قام علىّ وقعد حامد (3)- يكون فيه المعطوف جملة لا فعلا ، وكذا : قام وقعد علىّ ، لأن فى أحد الفعلين ضميرا ؛ فيكون فاعلا له ، ويكون الاسم الظاهر فاعلا للآخر ؛ ففى الكلام جملتان معطوفتان. فقيل له : ماذا ترى فى مثل : يعجبنى أن تقوم وتخرج ؛ بنصب المضارعين ، وفى مثل : لم تقم وتخرج ؛ بجزمهما. وفى مثل : يعجبنى أن يقوم محمود ويخرج حليم ، وفى مثل : لم يقم محمود ويخرج حليم ...؟ فالفعل فى الأمثلة
1) ولهذا السبب نفسه يتعين أن يكون العطف عطف جملة مضارعيه على جملة مضارعيه فى قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ؛ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .. ) - لوجود فاعل غير مستقل هو ضمير متصل لكل من المضارعين : ينفقون ويتبعون. وفى الآية أنواع أخرى من العطف.
2) ستجىء لهذا إشارة فى «البدل» أيضا ، ص 661.
3) وقد اجتمع عطف الفعل وحده على الفعل وحده ، وعطف الجملة المضارعية على المضارعية فى قوله تعالى يخاطب المؤمنين الأولين فى أمر أهل النفاق والغدر ونقض العهود ؛ فيقول : ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ ، وَيُخْزِهِمْ ، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ. ) ( وَيَتُوبُ اللّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ... ) فقد جزمت الأفعال : (يخز - ينصر - يشف - يذهب) لأنها معطوفة على المضارع «يعذب» المجزوم فى جواب الأمر. أما المضارع «يذهب» فمرفوع ؛ لأنه مع فاعله معطوف على المضارع «يعذب» مع فاعله ، فهو عطف جملة مضارعية على مضارعية ، ولا يصح أن يكون عطف مضارع وحده على مضارع وحده ؛ وإلا وجب أن يكون المعطوف مجزوم اللفظ كالمعطوف عليه. هذا ، ويصح أن تكون الواو للاستئناف ، لا للعطف.
السالفة منصوب أو مجزوم ؛ فما الذى نصبه أو جزمه؟ فلولا أن العطف للفعل وحده لم يمكن نصبه أو جزمه ...
ومما هو جدير بالملاحظة أن الفرق اللفظى فى عطف الفعل على الفعل ، يترتب عليه فرق معنوى كبير من ناحية النفى والإثبات. فالفعل إذا كان هو «المعطوف» وحده فإنه يتبع الفعل «المعطوف عليه» فيهما ؛ كما يتبعه فى الإعراب ؛ طبقا لما سبق (1)وهذه التبعية فى النفى قد تفسد المعنى المراد - أحيانا - لو جعلنا الكلام عطف جمل ؛ فعطفنا كل فعل مع فاعله على الآخر مع فاعله ، أى : أن المعنى قد يختلف كثيرا باختلاف نوعى العطف ، أهو عطف فعل وحده على آخر ، أم جملة فعلية على مثيلتها الجملة الفعلية؟ يتضح هذا من المثال التّالى : لم يحضر قطار ويسافر يوسف. بعطف «يسافر» على «يحضر» عطف فعل مفرد على نظيره المفرد ، فيكون «يسافر» مجزوما. والمعنى نفى حضور القطار ، ونفى سفر يوسف أيضا ، فالحضور لم يتحقق ، وكذلك السفر ، فالأمران لم يتحققا قطعا.
أما إن كان الفعل : «يسافر» مرفوعا فيتعين أن يكون العطف عطف جملة فعلية على جملة فعلية ؛ تحقيقا لنوع من الربط والاتصال بينهما. ويتعين أن يكون المعنى عدم حضور القطار. أما يوسف فسفره يحتمل أمرين باعتبارين مختلفين ، فعند اعتبار الجملة الثانية مثبتة لم يتسرب إليها النفى من الأولى يكون يوسف قد سافر. وعند اعتبارها منفية لتسرب النفى إليها من الأولى يكون مقيما لم يسافر. والقرينة هى التى تعين سريان النفى من الأولى إلى الثانية ، أو عدم سريانه (2).
ومن أمثلة فساد المعنى الذى يترتب على عطف الفعل وحده على الفعل وحده
1) فى ص 642.
2) ويصح أن تكون الواو للاستئناف ؛ فالجملة بعدها مستقلة ، لا علاقة لها بما قبلها فى الإعراب ... ولا فى النفى والإثبات. ويصح أن تكون الواو للحال والمضارع بعدها مرفوع عند من يجيز الربط بها وحدها - كما تقدم فى باب الحال ، ح2. فالجملة بعدها فى محل نصب ، ولا يسرى إليها النفى من الأولى. ولا يصح الالتجاء إلى أحد هذه الأوجه - أو غيرها - إلا إذا وافق المعنى ، وساير السياق.
ومما سبق يتبين أن عطف الفعل على الفعل يوجب سريان النفى من المتبوع إلى التابع ، فهما يشتركان فى النفى كما يشتركان فى الإثبات ؛ وفى علامات الإعراب. بخلاف عطف الجملة على الجملة ؛ فإن النفى فيه لا يسرى من المتبوع إلى التابع إلا بقرينة.
ب - عطف الفعل وحده (1)على ما يشبهه ، والعكس :
يجوز عطف الفعل الماضى بغير مرفوعه ، وكذا المضارع بغير مرفوعه (2)- على اسم يشبههما فى المعنى ، كما يجوز العكس. والاسم الذى يشبههما هو اسم الفعل - فى بعض حالاته (3)- والمشتقات العامة ، (ومنها : اسم الفاعل ، واسم المفعول ... ،) وكذلك يجوز عطفهما على المصدر الصريح أيضا ، فمثال عطف الماضى على اسم الفعل الماضى : هيهات وابتعدت الغاية أمام العاجز. والعكس نحو : افترق وشتان ما بين الكمال والنقص.
ومثال عطف الماضى على اسم الفاعل : هذا مصاحبنا بالأمس وأعاننا على تحقيق بغيتنا (4)
فالفعل : «أثار» معطوف على : «المغيرات» وليس معطوفا على كلمة : «العاديات» التي في أول الكلام
(وَالْعَادِياتِ ضَبْحاً ، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ...)
وكقوله تعالى في آية أخرى :
(إِنَّ الْمُصَّدِقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ...)
. والعكس نحو : هذا أعاننا بالأمس ومصاحبنا فى احتمال المشتقات. ومثال عطف المضارع على اسم الفاعل أنت مشاركنا فى الخير ، وتستجيب لندائنا (5)فالفعل المضارع «يقبض» معطوف على اسم الفاعل : «صافات». (ومعنى صافات : ناشرات أجنحتهن فى الجو - ومعنى يقبضن : يجمعن الأجنحة إلى الأجسام ، ولا ينشرنها).
فكأنه قال : وقابضات ... ، وقول المعرى :
كتابك جاء بالنّعمى بشيرا *** ويعرض فيه عن خبرى سؤال ...
فالفعل : «يعرض» معطوف على «بشيرا» (بمعنى ؛ مبشر) فكأنه قال : جاء بشيرا وعارضا ، ومثله : عطف المضارع على الصفة المشبهة فى قوله تعالى لمريم : ( إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ، وَكَهْلاً ... )
حيث عطف المضارع : «يكلم» على : «وجيها» ، فكأنه قال : وجيها ، ومكلما ...
، والعكس : أنت تستجيب لندائنا ومشاركنا فى الخير ؛1) ولا يجوز عطف فعل الأمر وحده عطف مفردات - كما أوضحناه فى رقم 2 من هامش ص643. ؛ إذ لا يترك أحدهما الآخر ، ولا ينفصل منه مطلقا.
2) ولا يجوز عطف فعل الأمر وحده عطف مفردات - كما أوضحناه فى رقم 2 من هامش ص643. ؛ إذ لا يترك أحدهما الآخر ، ولا ينفصل منه مطلقا.
3) لأنه لا يشبههما فى بعض آخر من حالاته ؛ كجموده الدائم الذى يعم جميع أنواعه ، وكقبوله بعض علامات الأسماء (مثل : التنوين) وكمخالفته أحيانا - الفعل الذى بمعناه فى التعدى واللزوم ... إلى غير هذا مما هو مدون فى الباب الخاص به بالجزء الرابع (باب أسماء الأفعال 141 ص 108).
4) ومنه قوله تعالى فى الخيل وعدوها : ( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً )
5) ومنه قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ، وَيَقْبِضْنَ ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ. )
ومنه قوله تعالى : ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ... ) (1)
بات يعشّيها بعضب باتر *** يقصد فى أسوقها وجائر
أى : بات يعشى إبله - لا زوجته ، كما قال الصبان والخضرى - بضربها بالعضب (وهو : السيف البتار) يوجهه إلى سيقانها ، لينحرها للآكلين ، بدلا من أن يعشيها بالعلف.
(والأسوق ، جمع : ساق - ويقصد أى : يعدل بينها بالضرب ، وهو من القصد ، بمعنى : الاعتدال - وجائر ، أى : ظالم).
وقد عطف كلمة : «جائر» على المضارع : «يقصد» وهو عطف الاسم المشتق على الفعل. ويقول «الصبان والعينى» : إن الذى سهل العطف كون «جائر» بمعنى : يجور. ويقول الخضرى : إن كلمة : «جائر» معطوفة على : «يقصد» الواقعة هنا فى محل جر ، صفة ثانية لعضب ، فى تأويل «قاصد» ؛ لأن الأصل فى الوصف الإفراد ، وليست حالا بدليل جر المعطوف عليه ...
هذا كلامه. وفيه بعض تساهل ؛ لأن النعت هنا هو جملة فعلية مركبة من المضارع : «يقصد» وفاعله معا. فكيف تكون كلمة : «جائر» معطوفة على الجملة الفعلية مع أن المطلوب هو عطف الاسم المشتق وحده على الفعل وحده؟ فلعل غرضه أن المعطوف عليه هو الفعل «يقصد» وحده.
ومثال عطف الماضى على المصدر الصريح : إنى سعيد بإنقاذ الغريق ، وقدّمت له الإسعاف المناسب. .
1) ومنه قول الشاعر :
ومثال عطف المضارع على المصدر الصريح. الكدح وأدرك غابتى خير من الراحة مع الإخفاق (1)
وفيما سبق يقول ابن مالك فى عطف الفعل على الفعل ، وعلى اسم يشبهه ، أو العكس :
واعطف على اسم شبه فعل فعلا *** وعكسا استعمل تجده سهلا
... ا1) عطف المضارع على المصدر الصريح يقتضى نصب هذا المضارع بأن مضمرة أو مظهرة على التفصيل الذى سيجىء فى مكانه من آخر باب إعراب الفعل. ج 4
ما إعراب الفعل إذا عطف على اسم يشبهه؟ كالفعل : «أثار» المعطوف على «المغيرات» فى : الآية السابقة ، وهى قوله تعالى : ( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ) ، وكالفعل : أقرض فى قوله تعالى فى الآية الأخرى : ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ ، وَأَقْرَضُوا اللّهَ ... ) فإنه معطوف على المصّدّقين.
وكذلك ما إعراب الاسم الذى يشبه الفعل إذا كان معطوفا على الفعل كالأمثلة التى عرضناها هناك (1)؟
لم أجد رأيا صريحا شافيا فى هذا ، ورأيت اعتراضات كثيرة ، ودفاعا لم تنته إلى حكم حاسم. ومن هذه الاعتراضات : كيف يعطف الفعل «أثار» على : «المغيرات» والمعطوف عليه مجرور مع أن المعطوف فعل ، والفعل لا يدخله الجر؟ وقد سبق (2)أن أول الآيات هو : ( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ... ) .
قال الفخر الرازى فى تفسيره : إن الفعل هنا معطوف على فعل محذوف حلّ محله فى معناه الاسم المشتق من مصدره ، والأصل : فأغرن صبحا فأثرن نقعا ....
وهذه الإجابة تخرج المسألة من وضعها الأصلى وتنقلها إلى وضع آخر لا علاقة لنا به ، إذ تجعلها عطف فعل على فعل أو مشتق على مشتق. وهذا غير موضوع البحث ... ولو أخذنا به لكان حسنا ، وناجحا فى التغلب على كل اعتراض ، وخاليا من العيب. ورأيت مثله فى تفسير الزمخشرى ، وفى بعض الحواشى الأخرى.
أما إذا لم نأخذ به ، وتمسّكنا بذلك النوع من العطف الذى لم أجد لحكمه نصّا واضحا صريحا يتناول المتعاطفين تفصيلا ... - فإن الغموض يظل باقيا والاعتراضات قائمة ، ما لم نجعل المعطوف غير تابع للمعطوف عليه فى الإعراب ، وتكون فائدة العطف هى الربط المجرد بين معنى الجملتين ؛ كالذى سبق فى عطف الماضى على المضارع وعكسه - بالإيضاح الذى سلف (3).
ح - عطف الجملة على الجملة.
يجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها الاسمية ؛ نحو : الرياضة نافعة ، والمداومة المحمودة عليها لازمة. وقولهم : «الرأى الصادق أمانة ، وكتمانه عند الحاجة إليه خيانة :» وقول الشاعر :
الصدق يألفه الكريم المرتجى *** والكذب يألفه الدّنىّ الأخيب (1)
وإنّ سبيل الحرب وعر مضلة *** وإن سبيل السّلم آمنة سهل
فالشطر الثانى من البيت معطوف على الشطر الأول ، والآية الثانية معطوفة على الأولى.
كما يجوز عطف الفعلية على الفعلية (2)
رقّت حواشيها ، ورقّ نسيمها *** وبدت محاسنها ، وطاب زمانها
وكأنّ أيام الصّبا أيامها *** وكأن أزمان الهوى أزمانها
كما اجتمع عطف الماضوية على الماضوية ، والمضارعية على المضارعية فى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ، لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ، وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ .... )
- بشرط اتفاقهما خبرا أو إنشاء - ولو اختلف زمان الفعلين فيهما (3)؛ فمثال اتحاد الزمن فيهما : وصلت الطائرة وفرح المسافرون بالوصول سالمين (4)- يفرح المنتصر ويفرح أهله وأعوانه (5).... )1) فالجملة الاسمية المكونة من المبتدأ : (الكذب) ومن خبره الجملة المضارعية بعده ، معطوفة على الجملة الاسمية التى فى صدر البيت وقد تكون الجملة الاسمية مصدرة بحرف ناسخ فى المتعاطفين ، أو فى أحدهما ؛ كقوله تعالى فى المرسلين : ( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ... ) وقول قيس بن زهير :
2) سبق فى ص 643 بيان الفرق الهام اللفظى والمعنوى بين عطف الفعل وحده على الفعل وحده وعطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية - وكما فى آخر رقم 3 من هامش الصفحة التالية - وقد اجتمع عطف الجملة الفعلية الماضوية على نظيرتها الفعلية الماضوية وكذلك الجملة الاسمية على نظيرتها الاسمية فى قول الشاعر يصف روضته :
3) ولا يمنع من عطفهما كذلك أن تكون إحداهما موجبة (مثبتة) ، والأخرى منفية ؛ كالتى فى رقم 3 من هامش الصفحة الآتية.
4) وقوله تعالى : ( الَّذِينَ آمَنُوا ، وَهاجَرُوا ، وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّهِ. وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. )
5) وقوله تعالى : ( .... تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. )
كل واشرب ، والبس ، فى غير مخيلة (1)ولاكبر (2)
إذا ما فعلت الخير فاجعله خالصا *** لربك ، وازجر عن مديحك ألسنا
وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ ، وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ، وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ) ومثل قول الشاعر : - وهذا من عطف الجملة - الأمرية على المضارعية التى توافقها زمنا - :
لا تنظرنّ لملبس ، وانظر إلى *** ما تحته من فطنة وبيان
...ومثال اختلاف الزمن : وصل اليوم الغائب ويسافر غدا - يحاسب المرء على عمله يوم الحساب ، ورأى المسىء عاقبة ما كان منه.
أما الجملة الفعلية الأمريّة (3)- أو غيرها من الجمل الإنشائية الأخرى - فلا تعطف إلّا على جملة فعلية متّحدة معها فى الزمن ، نحو قوله تعالى للصائمين : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) ، وقوله تعالى : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ... )
وبهذه المناسبة نذكر أن النحاة اختلفوا فى جواز عطف الجملتين المختلفتين إنشاء وخبرا ، وعطف الجملة الاسمية على الفعلية والعكس.
فأما عطف المختلفتين إنشاء وخبرا فالأحسن اتباع الرأى الذى يمنعه (4): لوضوح هذا الرأى ، وبعده من التكلف ، وخلوه من الحذف والتقدير : .
1) اختيال ، وكبر.
2) وقول الشاعر :
3) لابد فى فاعل فعل الأمر أن يكون ضميرا متصلا - مستترا ، أو بارزا - ، فلا يمكن فى الرأى الأصح - أن يستقل بنفسه عن فعله. لهذا لا يصح عطف فعل الأمر وحده بغير فاعله ، على فعل الأمر وحده بغير فاعله ؛ بل يتعين أن يكون العطف بينهما عطف جملة فعلية أمرية على جملة فعلية أمرية ؛ ومنه قوله تعالى : ( رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ، وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ) وقوله تعالى : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ .. ) وقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .. ) طبقا للبيان السابق فى رقم 2 من هامش ص 643 ورقم 1 من هامش من ص 649 -
4) وهو رأى البلاغيين وكثير من النحاة.
فلا يصح عطف الثانية على الأولى فى مثل : داوم على الطاعات ، وداوم لك. ولا فى مثل : هدأ البحر وانزل للعوم فيه.
وأما عطف الاسمية على الفعلية والعكس فجائز (1)- فى أرجح الآراء - إن لم يختلفا خبرا وإنشاء ؛ فيصح عطف الثانية على الأولى فى مثل : أحب الزراعة ، والصناعة تفيدنى (2)
وفي الآية شاهد آخر هو عطف الجملة الفعلية المنفية (لا يؤذن لهم ...) على الجملة الفعلية الموجبة (نبعث-) كما سبقت الإشارة.
ومما يصلح شاهدا لعطف الجملة الاسمية المنفية على الفعلية المنفية قوله تعالى في سورة السجدة :
(قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانهُمْ ، وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ...) فالجملة الاسمية المنفية : «لا هم ينظرون» معطوفة على الفعلية المنفية : «لا ينفع» .
. ومثل : الصناعة مفيدة لنا وأحبّ الزراعة. ومن الأمثال المأثورة : (للباطل جولة ، ثم يضمحلّ) ؛ فالجملة المضارعية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. و .. و ...أما عطف الجملة على المفرد ، والعكس فسيجىء (3)...
1) انظر رقم 2 من هامش ص 586.
2) ومن هذا قوله تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ، ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) حيث عطف الجملة الاسمية (لا هم يستعتبون) على الجملة الفعلية (لا يؤذن لهم) ولا يصح عطفها على الجملة الفعلية الأولى (وهى : نبعث من كل أمة ...) مراعاة للقاعدة التى سبقت (فى ص 555 و628 وفى رقم 3 من هامش ص 649) والتى تقضى عند تعدد المعطوفات عليها ... أن يكون المعطوف عليه هو الذى قبل العاطف مباشرة إذا كان العاطف مما يفيد الترتيب مثل : «ثم».
3) فى ص 659.
بعض أحكام - فى العطف - عامة متفرقة (1).
(منها : - شرط صحة العطف - تقدير العامل بعد العاطف - الضمير العائد على المتعاطفين - الفصل بين الفاء والواو ومعطوفهما - تقدم المعطوف - عطف الجملة على المفرد والعكس ، وقد سبق (2)بيان المراد من المفرد - العطف على التوهم - المغايرة بين المتعاطفين - معنى المعطوف وحكمه إذا كان المعطوف عليه كنية - جواز القطع فى عطف النسق - عطف الزمان على المكان ، وعكسه).
(1) يشترط لصحة العطف أن يكون المعطوف صالحا بنفسه ، أو بما هو بمعناه لمباشرة العامل المذكور - أى : للوقوع بعده مباشرة ، من غير أن يمنع من ذلك مانع نحوىّ (3)- فمثال الأول : دخل سعيد وسليم ؛ إذ يصح دخل سليم. والثانى قام سعيد وأنا ، فالضمير «أنا» لا يصلح فاعلا للفعل : «قام» (4)ولكن «تاء» المتكلم التى هى ضمير بمعناه تصلح ؛ فتقول : قمت.
فإن لم يصلح المعطوف ولا شىء بمعناه لمباشرة العامل المذكور أضمر له عامل مقدّر يناسبه ، وصار مع عامله المقدر جملة معطوفة على الجملة السابقة ، (أى : صار الكلام عطف جمل.) وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع الذى يعرب فاعلا لمضارع مبدوء بالهمزة أو بالنون أو بتاء المخاطب ، أو بتاء التأنيث ، وكالمعطوف على الفاعل المستتر لفعل الأمر ، ومن الأمثلة لكل ما سبق : أتعاون أنا والجار - نتعاون نحن والجيران - تتعاون أنت والجار - تتعاون فاطمة والجار - اسكن أنت وزوجك الجنة. فكل معطوف من هذه المعطوفات لا يصلح لمباشرة العامل (إذ لا يقال : أتعاون الجار - نتعاون الجيران - تتعاون
الجار - : تتعاون الجار - اسكن زوجك ...) فلما كان المعطوف غير صالح لمباشرة العامل المذكور فى الكلام وجب أن يقدّر له عامل آخر يناسبه ؛ كأن يقال : أتعاون أنا ويتعاون الجار ... اسكن أنت وليسكن زوجك الجنة ...
هذا كلام كثير من النحاة ، وفيه تعقيد وتكلف لا داعى له ، ولا يتفق مع قولهم : «قد يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل» ... (وردّدوا هذه القاعدة هنا وفى أبواب أخرى) (1)فمن الخير الأخذ بها والعطف المباشر على الفاعل المستتر ، وعدم الالتفات هنا إلى التقدير ، والحذف والتضييق بغير فائدة أو دفع ضرر إلا مجاراة الخيال (2).
(2) لا يشترط من الوجهة المعنوية (3)صحة تقدير العامل بعد العاطف ، فمن الصحيح أن تقول : تخاصم المأمون والأمين ، مع أنه لا يصح من الوجهة (4)المعنوية أن يقال تخاصم المأمون وتخاصم الأمين ، إذ الفعل : «تخاصم» لا يقع إلا من متعدد ؛ فلا يكتفى بأن يقع بعده واحد. ولا تعدد هنا بعد كل فعل من الفعلين.
(3) كل ضمير يعود على المعطوف والمعطوف عليه معا يجب مطابقته : لهما ؛ بشرط أن تكون أداة العطف هى : «الواو» ، أو «حتى» ؛ نحو العم والأخ حضرا - الجسم حتى الأظافر اعتنيت بنظافتهما (5)....
فإن كان حرف العطف هو : «الفاء» ، أو «ثم» وكان الضمير فى الخبر عائدا على المعطوف والمعطوف عليه جاز حذف الخبر من أحدهما ؛ نحو : محمود فحامد قام ، ويجوز تقديم الخبر على الحذف من الثانى ؛ نحو : محمود قام فحامد ، ويجوز مطابقة الضمير بغير حذف ، نحو : محمود فحامد قاما ... و «ثم» كالفاء فيما سبق.
1) وكذلك لا يتفق مع قولهم الآتى - فى رقم 2 - إنه لا يشرط صحة تقدير العامل بعد العاطف ...
2) سبقت إشارة لهذا فى ص 638.
3) بهذا التقييد تختلف هذه الحالة عن سابقتها التى فى رقم3. كما أشرنا هناك -.
4) بهذا التقييد تختلف هذه الحالة عن سابقتها التى فى رقم3. كما أشرنا هناك -.
5) لما تقدم إشارة فى «ب» ص 584.
فإن لم يكن الضمير فى الخبر وجبت المطابقة ، نحو : جاءنى الوالد والعم فقمت لهما ، وأقبل علىّ وسليم وهما صديقان ....
وأما : «لا» ، و «بل» ، و «أو» (1)، و «أم» ، و «لكن» ، و «إما» (عند من يعتبرها عاطفة) ، فمطابقة الضمير معها وعدم المطابقة راجعة إلى قصد المتكلم ، فإن قصد أحد المتعاطفين - وذلك واجب فى الإخبار - وجب إفراد الضمير ؛ نحو : الأخ لا الصديق جاءنى - الأخ بل الصديق خرج - أمسعود أم منصور زارك؟ إسماعيل أو فاطمة حيّانى ، إذ المعنى : حيّانى أحدهما. ويراعى تغليب المذكر. أما فى غير الإخبار فتقول : زارنى إما العم وإما الخال فأكرمته - أصديقا قابلت أم عدوّا فتركته - ما جاءنى أحمد لكن سليم فاستقبلته خير استقبال.
وإن قصدتهما معا وجبت المطابقة ؛ نحو : حسن لا حسين جاءنى مع أنى دعوتهما - وعاصم أو سليم دعانى حين ذهبت إليهما ... (وقد سبقت الإشارة لهذا).
(4) لا يجوز الفصل بين الفاء ومعطوفها إلا فى الضرورة الشعرية (2)، فلا يقال : فلان ورّثه أبوه مالا ففى القوم جاها. وإنما يقال : فلان ورّثه أبوه مالا فجاها فى القوم. ويصح الفصل بين غيرها ومعطوفه بالظرف أو الجار والمجرور (ويدخل القسم فى هذا) ، نحو : تعبت ثم عندك جلست - نزل المطر ثم واللّه طلعت الشمس - ما أهنت أحدا لكن فى البيت المسىء ...
أما الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فقد سبق (3)بيانه.
(5) لا يتقدم المعطوف على المعطوف عليه إلا شذوذا فيقتصر فيه على المسموع ، وقيل يجوز فى الضرورة الشعرية. والأولى إهمال هذا الرأى ؛ ومنه قول القائل :
أيا نخلة من ذات عرق *** عليك - ورحمة اللّه - السّلام
يريد : عليك السّلام ورحمة اللّه ... وقد سبقت الإشارة لهذا (1)
أما عطف الفعل أو علی ما يشبهه، والعكس، وعطف الجملة علی الجملة - فقد تقدم في ص 642.
.(6) قد تعطف الجملة على المفرد - أحيانا - أو العكس ، إذا كانت الجملة فى الحالتين بمنزلة المفرد ؛ لأنها مؤولة به ، كأن تكون : نعتا ، أو : حالا ، أو : خبرا ، أو : مفعولا لظن وما فى حكمها ...
فمن عطف المفرد على الجملة ما ورد من مثل : ألفيت الشجاع يهزم خصمه وفاتكا به. فكلمة : «فاتكا» منصوبة ؛ لأنها معطوفة على الجملة الفعلية (المركبة من المضارع «يهزم» وفاعله) وهذه الجملة بمنزلة المفرد المنصوب ، لأنها المفعول الثانى للفعل : «ألفى». ومن هذا كلمة : «مصدقا» الثانية فى قوله تعالى : ( وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ، وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ... ) فالجملة الاسمية : (فيه هدى) فى محل نصب ، حال من الإنجيل ، وكلمة : «مصدقا» التى بعدها معطوفة عليها ، منصوبة ؛ مراعاة لمحل المعطوف عليه ... (2)ومثل هذا قول الشاعر :
وجدنا الصالحين لهم جزاء *** وجنات وعينا سلسبيلا
فالجملة الاسمية (لهم جزاء) فى محل نصب ، لأنها المفعول الثانى للفعل : «وجد» وقد روعى هذا المحل فجاء المعطوفان (جنات وعينا) منصوبين تبعا لذلك المحل (3).
ومن عطف الجملة على المفرد قوله تعالى : ( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً (4)أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) ، أى : قائلين (5).
ومن عطف المفرد على شبه الجملة قوله تعالى ( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً ، أَوْ قائِماً ) فقاعدا عطف على «لجنبه» ؛ لتأويل شبه الجملة بمفرد ، هو : مجنوب.
1) فى رقم 3 من هامشى ص 556 و641
2) راجع مجمع البيان ، لعلوم القرآن (ح 3 ص 340 و402). وقد عرض «الهمع» لبعض هذه الأحكام فى آخر باب : عطف النسق (ج 2 ص 140)
3) راجع مجمع البيان ، لعلوم القرآن (ح 3 ص 340 و402). وقد عرض «الهمع» لبعض هذه الأحكام فى آخر باب : عطف النسق (ج 2 ص 140)
4) ليلا.
5) مستريحون وقت القيلولة : وهى وسط النهار عند اشتداد الحر.
ومن عطف شبه الجملة على المفرد قولهم : لا يصح مخالفة القاعدة المطردة إلا شذوذا أو فى ضرورة (1).
(7) هناك نوع من العطف ، يرتضيه بعض النحاة ، ويسميه : «العطف على التوهم». ومن أوضح أمثلته عندهم - العطف «بفاء السببية» على معطوف مأخوذ من مضمون الجملة التى قبلها. ذلك أن «فاء السببية» تقتضى عطف المصدر المؤول بعدها على مصدر صريح قبلها ، وهذا المصدر الصريح قد يكون مذكورا صراحة قبلها ؛ نحو : ما الشجاعة تهورا فتهمل الحذر ، وقد يكون غير مذكور فيتصيد ؛ نحو : ما أنت مسىء فنسىء إليك. أى : ما تكون منك إساءة يترتب عليها أن نسىء لك.
فإن لم يوجد قبل فاء السببية مصدر صريح ولا ما يصلح أن يتصيد منه المصدر - (الجملة الاسمية التى يكون فيها الخبر جامدا ؛ نحو : ما أنت عمر فنهابك) - فبعض النحاة يمنع نصب المضارع ، وبعض آخر يجيز تصيد مصدر من مضمون الجملة السابقة التى فيها الخبر جامدا ؛ ويكون الكلام عطف جملة على جملة ، ومن لازم معناها ؛ كأن يقال فى المثال السالف : ما يثبت كونك عمر ، فهيبتنا إياك (2)...
(8) يقول النحاة : إن «المغايرة» هى الأصل الغالب فى عطف النسق بين المتعاطفين. يريدون : أن يكون المعطوف مغايرا المعطوف عليه فى لفظه وفى معناه معا ؛ فلا يعطف الشىء على نفسه. هذا هو الأصل الغالب ، لكن العرب قد
1) جاء فى التوضيح (لابن هشام ، آخر باب : «الإدغام» ، نهاية الجزء الثانى) ما نصه : (قد يفك الإدغام فى ذلك شذوذا ... أو فى ضرورة ..) ا ه وهنا جاء فى الحاشية على التصريح ما نصه : (يمكن أن يكون قوله : «فى ضرورة» معطوفا على : «شذوذا» على تقدير الحالية أيضا ، والتقدير : وقد يفك الإدغام فى غير ذلك ، حالة كون ذلك شاذا ، أو كائنا فى ضرورة. وقال الدنوشرى : (قوله : «فى ضرورة» - معطوف على قوله : «شذوذا». وينظر أهذا العطف صحيح أولا؟ ا ه والظاهر الصحة وهو عطف على المعنى ؛ لأن قوله : «شذوذا» فى معنى : «فى شذوذ» ا ه المنقول عن الحاشية
2) لهذا إشارة فى ج 1 ص 552 م 49 أما الإيضاح الكامل ففى مكانه الأنسب وهو الكلام على : «فاء السببية» من باب : «إعراب الفعل» ونواصب المضارع - ج 4 ص 337 م 149 -.
تعطف - لغرض بلاغىّ - الشىء على نفسه إذا اختلف اللفظان ؛ كقولهم ... «وألفى قولها كذبا ومينا» فقد عطفوا المين على الكذب (ومعناهما واحد ، واللفظان مختلفان) لغرض بلاغىّ هو تقوية معنى المعطوف عليه وتأكيده. وهذا النوع من العطف - على قلته - قياسى (1)...
وقد يعطفون الخاص على العامّ وعكسه لغرض بلاغى كذلك ؛ فمن الأول قوله تعالى فى سورة البقرة : ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ، وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ... ) فقد عطف «الصلاة الوسطى» - ومن معانيها : صلاة العصر ... - على «الصلوات» ، والمعطوف خاص ؛ لأنه نوع بعض المعطوف عليه العام الذى يشمله مع غيره من الأنواع الأخرى.
ومن الثانى قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... ) فقد عطف الجملة الفعلية : «ظلموا» على الجملة الفعلية : «فعلوا» والمعطوف هنا عام ، والمعطوف عليه خاص ؛ لأنه داخل فى مضمون المعطوف الذى يشمله وغيره ... (2)
(9) إذا كان المعطوف عليه كنية لوحظ فيه وفى المعطوف ما سبقت الإشارة إليه فى «ا» من ص 444.
(10) الصحيح جواز «القطع (3)» فى المعطوف عطف نسق ؛ كما أشرنا من قبل (4)- وهو كثير فى المعطوفات المتعددة التى كانت فى أصلها نعوتا ، ثم فصل بينها بحرف العطف ؛ فصارت معطوفات بعد أن كانت نعوتا. وحجة القائلين بصحته وقوعه فى أفصح الكلام. ومن الأمثلة كلمة : «الصابرين» من قوله تعالى فى سورة البقرة : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ،
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ، وَالْيَتامى ، وَالْمَساكِينَ ، وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ... ) فقد نصبت كلمة : «الصابرين» بسبب «القطع» ولو كانت معطوفة لرفعت كسائر المعطوفات المرفوعة التى قبلها ، ومثل كلمة : «المقيمين» من قوله : فى سورة النساء : ( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ، وَالْمُؤْمِنُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) ، ومثل كلمة : «القائلون» فيما أنشده الكسائى لبعض فصحاء العرب :
وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم *** إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ، ولما يظعنوا أحدا *** والقائلون لمن دار نخليها؟
ومثل : ما أنشده الفراء لبعضهم كذلك :
إلى الملك القرم (1)وابن الهمام *** وليث الكتيبة فى المزدحم
وذا الرأى حين تغمّ الأمور *** بذات الصليل (2)، وذات اللجم (3)
فقد نصب كلمتى : «ليث» و «ذا» على الاعتبار السابق (4)...
(11) هل يصح عطف الزمان على المكان وعكسه؟ الأحسن الأخذ بالرأى الذى يجيزه عند أمن اللبس ؛ نحو قابلتك أمام بيتك هذا ويوم الخميس أو : قابلتك يوم الخميس وأمام بيتك (5)
«(هل يجوز عطف الزمان على المكان وعكسه؟ قال في المغنى : أجاز الفارسي في قوله تعالى : (وَأُتَّبِعُوا
في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ.) . أن يكون «يوم القيامة» معطوفا على محل هذه. اه. قال الدماميني : إن أريد بالدنيا الأزمنة السابقة ليوم القيامة فلا إشكال في عطفه عليها ؛ لأن كلا منهما زمان. وإن أريد بها هذه الدار من حيث هي مكان ، ففيه عطف زمان على مكان ، وفى الكشاف ما يقتضى منعه ؛ فإنه لما تكلم في تفسير قوله تعالى : . (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ، وَيَوْمَ حُنَيْنِ ...) . قال : فإن قلت : كيف عطف الزمان على المكان ، وهو يوم حنين على المواطن؟ قلت معناه : وموطن يوم حنين ، أو : في أيام كثيرة ، ويجوز أن يراد بالمواطن : «الوقت» ؛ كمقتل الحسين ، ا ه .
ووجهه بعض الأفاضل بأن الفعل مقتض لظرف الزمان اقتضاءه لظرف المكان ؛ فلا يجوز جعل حدهما تابعا للآخر ؛ فلا يعطف عليه كما لا يعطف المفعول فيه على المفعول به ، ولا المفعول على الفاعل ، ولا المصدر على شيء من ذلك ، وبأن ظرف الزمان ينتصب على الظرفية مطلقا ، بخلاف ظرف المكان ؛ فإنه يشترط فيه الإبهام. فلما اختلفا من هذه الجهة لم يجز عطف أحدهما على الآخر. ولعدم سماع عطف أحدهما على الآخر.
«لكن جوزه بعضهم ؛ لاشتراكهما في الظرفية ؛ تقول ضربت زيدا يوم الجمعة وفي المسجد ، أو : في المسجد ويوم الجمعة ؛ ... وعليه جرى ابن المنير فى الانتصاف مناقشا به صاحب الكشاف)» ، انته كل ما قاله الصبان فيما سبق حرفيا ، وأردفه بأنه نقله باختصار.
وهذا الرأى الأخير هو الأنسب. إلا أن المثال الذى ساقه خال من بيان الطريقة في إعرابه. ثم هو لا يخلو من لبس ؛ إذ لا دلالة معه على أن الضرب الذى وقع يوم الجمعة ، أهو الذى وقع في المسجد أم هو ضرب
آخر. فلابد من قرينة.
1) السيد العظيم.
2) ذات الصليل : السيوف.
3) ذات اللجم : الخيول.
4) راجع تفسير القرطبى فى آيتى «البقرة والنساء» ، وكتاب : «مجمع البيان لعلوم القرآن» للطبرسى - ج 1 ص 6 - حيث الأمثلة السابقة وغيرها ، وإيضاح لحكم القطع فى عطف النسق.
5) عرض لهذه المسألة «الصبان» فى الجزء الثانى من حاشيته ، آخر باب : «الظرف» قائلا ما نصه الحرفى :
د - البدل (1)
لو سمعنا من يقول : «عدل الخليفة» - لفهمنا المراد ، وكادت الفائدة المعنوية تتمّ ، لو لا ما يشوبها من بعض النقص الواضح ؛ إذ تتطلع النفس إلى معرفة هذا الخليفة ، واسمه ، وتتعدد الخواطر بشأنه ؛ أأبو بكر هو ، أم عمر ، أم عثمان ، أم علىّ ... و ...؟.
فلو أن المتكلم قال : عدل الخليفة «عمر» - مثلا - ما شعرنا بذلك النقص المعنوى ؛ لأن «عمر» هو المقصود الأساسى بالحكم الذى فى هذه الجملة ، (أى : هو الذى ينسب العدل إليه) ، فليس لفظ «الخليفة» هو المقصود الأصيل بهذا الحكم ، وبهذه النسبة.
وكذلك لو قلنا : اتسع مجال الحضارة فى زمن : «ابن الرشيد» ، لكانت الجملة مفيدة. لكن السامع - بالرغم من هذه الإفادة - يشعر بنقص معنوى كبير تدور بسببه أسئلة متعددة : من ابن الرشيد هذا؟ ما اسمه؟ ما زمنه؟ ... أهو الأمين ، أم المأمون ، أم غيرهما ...؟
فإذا قلنا : اتسع مجال الحضارة فى زمن ابن الرشيد المأمون - اكتملت الإفادة من هذه الناحية المعينة ، وزال النقص بسبب ذكر : «المأمون» ، الذى هو المقصود الأصيل من الحكم السابق ، ومن نسبة اتساع المجال إليه.
فكلمة : «عمر» تسمى : «بدلا» ، وكذلك كلمة : «المأمون» ، وأشباههما من كل كلمة تكون هى المقصودة فى الجملة بالحكم بعد كلمة سبقتها ؛ لتمهد الذهن للمتأخرة عنها ، وتوجه الخاطر إليها ، وليس بين الكلمتين
1) هذا هو الاسم المشهور. ويرد - - أحيانا - فى بعض المراجع القديمة ، وعلى لسان بعض النحاة الأوائل باسم : «الترجمة ، أو : التبيين ، أو : التكرير» .. ولا قيمة لهذا الاختلاف القائم على مجرد الاصطلاح المختلف - أحيانا - باختلاف العصور.
رابط لفظى يتوسط بالربط بينهما. ولهذا يقولون فى تعريف البدل :
«إنه التابع (1)المقصود وحده بالحكم المنسوب إلى تابعه ، من غير أن تتوسط - فى الأغلب (2)
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ .... ) وقوله تعالى ( رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا .... )
فقد أعيدت اللام مع كلمتى : «من وأوّلنا» وهذه الإعادة فى البدل أمر جائز ، لا واجب ، وهى مختصة بحروف الجر وحدها. وسيجىء لها بيان مناسب فى ص 655.
- واسطة لفظية بين التابع والمتبوع».ومن هذا التعريف يتضح الفرق بين البدل والتوابع الأخرى : فالنعت والتوكيد وعطف (3)البيان ، ليست مقصودة بالحكم ، وإنما هى مكملة له بوجه من الوجوه التى سبقت فى أبوابها. وعطف النسق لا بد فيه من الواسطة ، وهى أداة العطف. هذا إلى أن ما بعد هذه الأداة قد يكون مخالفا فى الحكم لما قبلها فلا يكون مقصودا به ، وقد يشاركه فى الحكم ولكنه لا ينفرد به. فلا يكون هو المقصود وحده (4)
ويقول ابن مالك فى تعريف البدل :
التّابع المقصود بالحكم بلا *** واسطة هو المسمّى : «بدلا»
...والأغلب فى «البدل» أن يكون جامدا ، ومن القليل الجائز أن يكون مشتقّا (5). فإذا أمكن إعراب المشتق شيئا آخر يصلح له ، كان أولى (6).
1) سبق فى أول باب النعت ص 434 بيان معنى التابع والمتبوع ، والأحكام المهمة الخاصة بالتابع ، ومنها ؛ الفصل بينه وبين المتبوع إلا إن كان المتبوع أحد الموصولات ؛ إذ لا يفصل بين الموصول وصلته بتابع مطلقا - طبقا للبيان الذى سبق فى ج 1 م 27 ص 348 باب الموصول - ومنها : عدم انتقال البناء من المتبوع إلى التابع مطلقا.
2) يلاحظ أن عدم الواسطة اللفظية فى البدل هو الأغلب ، لأن البدل من المجرور يجوز أن يكون بواسطة إعادة العامل وهو حرف الجر الداخل على البدل منه ، كاللام الجارة فى قوله تعالى :
3) الموازنة بين البدل وعطف البيان مدونة فى ص 546.
4) ويتضح من التعريف السابق أيضا : أن الحرف وحده لا يقع بدلا ؛ لأنه لا يصلح للحكم. فالبدل والمبدل منه إما اسمان معا ، وإما فعلان معا ، وإما اسم وفعل ، وإما جملتان معا ، وإما أحدهما جملة والآخر غير جملة ... كل ذلك على حسب البيان الذى سيجىء ،
5) راجع الصبان - ج 2 أول باب : الإضافة ، عند الكلام على : «الإضافة غير المحضة».
6) يتصل بهذا ويوضحه ما سبق فى : «ج» من ص 464 وما سيجىء فى ح 4 م 130 أحكام تابع المنادى ، ووصف اسم الإشارة :.
الغرض الأصيل هو - فى الغالب - تقرير الحكم السّابق وتقويته بتعيين المراد ، وإيضاحه ، ورفع الاحتمال عنه. لأن هذا الحكم ينسب أوّلا للمتبوع فيكون ذكر المتبوع تمهيدا للتابع الذى سيجىء ، وتوجيها للنفس لاستقباله بشوق ولهفة. فإذا استقبلته وعرفته استقبلت معه الحكم وعرفته أيضا ؛ فكأن الحكم قد ذكر مرتين ؛ وفى هذا تقوية للحكم وتوكيد (1)
وقال الزمخشري في المفصل : «مرادهم بكون البدل في نية طرح الأول - أى : فى نية طرح المبدل منه - هو أنه مستقل بنفسه ، لا متمم لمتبوعه ؛ (فليس كالتأكيد ، والصفة ، والبيان)- لا إهدار الأول- ألا ترى أنك لو أهدرت الأول في نحو : محمد رأيت غلامه رجلا صالحا . لم يستقم كلاما » ا ه. كلام صاحب المفصل نقلا عن حاشية الصبان آخر عطف البيان . . ثم قال الصبان بعد المثال السالف : بخلافه في البيان. اه.
ويؤيد هذا ما سيجيء في رقم «و» من ص 678 .
. ولأجل تحقيق هذا الغرض لا يصح أن يتحد لفظ البدل والمبدل منه إلا إذا أفاد الثانى زيادة بيان وإيضاح ؛ فلا يصح فى مثل : يا سعد سعد أنت زعيم موفق - إعراب : كلمة «سعد» الثانية بدلا (2).أولها : بدل كلّ من كل (3)
وإذا كان المبدل منه كنية لوحظ فيه وفى «البدل» ما سبق في «ا» من ص 444.
، ويسمى «بدل المطابقة» ، أو : «بدل المطابق من مطابقه». وضابطه : أن يكون الثانى مطابقا - أى : مساويا -1) لهذا يقولون إن البدل فى حكم تكرير العامل. أما قولهم : إن المبدل منه فى حكم المطروح (أى : المهمل الذى يمكن الاستغناء عنه) فالمراد منه أن هذا شأنه - الغالب - من جهة المعنى لا من جهة اللفظ - بدليل صحة : ضربت الرجل يده ، إذ لو لم يعتد بالرجل أصلا ما كان للضمير مرجع (راجع شرح التصريح).
2) (راجع حاشية الصبان فى آخر باب تابع المنادى. وسيجىء إشارة لهذا فى «ج» من ص 677 وفى ج 4 ص 41 م 130) وكذلك لا يصح أن يكون البدل أو المبدل منه حرفا - كما تقدم -.
3) من بدل الكل نوع اسمه : «بدل التفصيل» سيجىء فى ص 684 وله بعض أحكام فى «ه» من ص 677.
للأول فى المعنى تمام المطابقة مع اختلاف لفظيهما فى الأغلب (1)
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ...) وقوله تعالى : في سورة الشورى : ﴿وَإِنَّكَ . لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...) وبسبب توافق اللفظين يتشابه بدل الكل والتوكيد اللفظى فى الصورة اللفظية الظاهرة ، وقد يصعب التفريق بينهما أحيانا في الصورة اللفظية الظاهرة. غير أن الصعوبة تزول ويتيسر تمييز أحدهما من الآخر بأمرين مجتمعين معا :
أولهما : الغرض المعنوى الذي ينفرد بتأديته كل منهما ، وهذا الغرض ترشد إليه وتعينه القرائن وتحدده.
وثانيهما : الأحكام الأخرى التي يختص بها كل منهما دون صاحبه...
وقد يكون «البدل» عاما فى ظاهره ولكنه خاص فى المراد منه ؛ كما في الاستثناء التام غير الموجب حيث يجوز في المستثنى النصب والبدل ، نحو : ما تخلف السباقون إلا واحدا ، أو واحد فإذا تقدم المستثنى «البدل» فإن الحكم يتغير ؛ فيزول عنه اسمه ، ويعرب على حسب حاجة الجملة ؛ ويفقد المستثنى منه الذي تأخر اسمه ، ويعرب «بدلا» من الاسم السابق ، ويصير الكلام : ما تخلف إلا واحد السباقون فالسباقون : «بدل» من واحد ، وهو بدل «كل من كل» ؛ لأن المتأخر عام أريد به خاص - كما أسلفنا - وبيان هذه المسألة وتفصيل الكلام عليها مدون فى مكانها المناسب ؛ وهو باب الاستثناء ح 2 - رقم 4 من هامش ص 298 م 81 ، عند الكلام على المستثنى بإلا. .
فهما واقعان على ذات واحدة ؛ وأمر واحد - نحو : (أشرقت الغزالة ، الشمس ؛ فأنارت الدنيا) ، فالشمس بدل كل من كل ، والمبدل منه : هو الغزالة ، ومعنى الثانى - هنا - معنى الأول تماما. ومثله : (الدينار من تبر ؛ ذهب ، والدرهم من لجين فضة) ، فكلمة : «ذهب» بدل مطابق من «تبر» ، وكلمة : «فضة» بدل مطابق من : «لجين». وهذا النوع من البدل لا يحتاج لرابط يربطه بالمتبوع (2)..ومن الأمثلة أيضا : قوله تعالى : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ...) ، فكلمة : «صراط» الثانية بدل كل من كل من الأولى لأن صراط الذين أنعم اللّه عليهم هو عينه الصراط المستقيم ؛ فالكلمتان بمعنى واحد تماما. وقول الشاعر :
1) الأغلب اختلافهما فى اللفظ. وقد يتفقان بشرط أن يفيد الثانى زيادة بيان وإيضاح - كما تقدم فى الصفحة السالفة ، وكما يجىء فى : «ج» ص 677 - ومن أمثلة اتفاقهما قوله تعالى :
2) الأمثلة الثلاثة السالفة صالحة لبدل الكل ، ولعطف البيان ، وللتوكيد اللفظى بالمرادف. وإنما تكون التفرقة بينها بالغرض المراد تحقيقه من كل ، طبقا لما سلف من الأغراض المدونة فى أبوابها وبملاحظة الفوارق والأحكام التى تميز كل نوع ، وتختص به - كما سبقت الإشارة هنا فى رقم 1 -
إن النجوم نجوم الأفق أصغرها *** فى العين أذهبها فى الجو إصعادا
فكلمة : «نجوم» الثانية بدل كل من كل ، من الأولى ، لأن المراد من نجوم الأفق هو عين المراد من كلمة : «نجوم» الأولى. ومثل هذا قول الآخر :
إن الأسود أسود الغاب همتها *** يوم الكريهة فى المسلوب لا السّلب (1)
وقد تقدم الارتباط بين بدل الكل وعطف البيان (2)....
ثانيها : بدل بعض من كل ، (أو : بدل جزء من كل). وضابطه : أن يكون البدل جزءا حقيقيّا (3)من المبدل منه (سواء أكان هذا الجزء أكبر من باقى الأجزاء ، أم أصغر منها ، أم مساويا) وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه ؛ فلا يفسد المعنى بحذفه .... (4)نحو : أكلت البطيخة ثلثها ، والبرتقالة ثلثيها. ونحو : اعتنيت بوجه الطفل ، عينيه. ونظفت فمه ، أسنانه.
والأعمّ الأكثر أن يشتمل هذا البدل على رابط يربطه بالمتبوع ، وأهم الروابط هو «الضمير» (5)فإن كان الرابط الضمير وجب أن يطابق المتبوع فى الإفراد والتذكير وفروعهما (6).... ومن الجائز - مع قلته - الاستغناء عن هذا الضمير فى إحدى حالات ثلاث.
1) الغنيمة التى يأخذها الغالب من المغلوب.
2) فى ص 546.
3) جزء الشىء هو الذى يدخل فى تكوين هذا الشىء دخولا أساسيّا ، لا عرضيّا ، بحيث لا يوجد الكل كاملا بغير جزئه ، كالرأس ، أو العنق ، أو : القلب ، ... بالنسبة للإنسان ، وكالعين ، أو : الفم أو : الجبهة .. بالنسبة للوجه ، وكالشفتين ، أو : الأسنان ... بالنسبة للفم ... و ... أما الأمور العرضية والأوصاف الطارئة ... فكالعلم ، أو الفهم ، أو : البياض ، أو : الحمرة. وبسبب الجزئية الأصيلة اختلف بدل «البعض» عن «بدل» الاشتمال - كما سيجىء فى ص 670.
4) يشترط لصحة بدل البعض - كما يقول الصبان - صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه فيصح جدع السارق أنفه ، ولا يصح : قطع السارق أنفه ؛ لأنه لا يقال : قطع السارق. على معنى قطع أنفه ، وإرادة هذا المعنى. فلابد فى البدل الجزئى من دلالة ما قبله دلالة إجمالية. يوضح هذا صاحب «الهمع» بأنه لو حذف البدل لأمكن الاهتداء إليه مما قبله من غير أن يختل الكلام بحذفه - وقد أشرنا لهذا فى : «و» من ص4. .
5) لأنه أقوى فى الإيضاح ، وكشف المراد ، وإبعاد اللبس ، وهذه أسمى خصائص اللغة.
6) ولا فرق بين أن يتصل الضمير بالبدل مباشرة - كالأمثلة المتقدمة - وأن يتصل بلفظ آخر له صلة بالبدل ؛ نحو : احتفيت بالفائزين ؛ ثلاثة منهم.
ا - وجود «أل» التى تغنى عنه فى إفادة الربط ، وتقوم مقامه عند أمن اللبس ، نحو : إذا رأيت الوالد فقبّله ، اليد ، أى : فقبّله يده ، أو اليد منه (1)...
ب - أن يكون البدل بعضا والمبدل منه هو المستثنى منه فى كلام تام غير موجب ، (حيث يصح فى المستثنى : إمّا النصب على الاستثناء ، وإما الإتباع على البدلية من المستثنى منه - كما تقدم فى باب المستثنى - (2)) ؛ نحو : ما تعب السباحون إلا واحدا أو واحد ؛ فوجود «إلا» يغى عن الرابط ؛ لدلالتها على أن المستثنى بعض من المستثنى منه (3).
ح - أن يجىء بعد البدل سرد بقية أجزاء المبدل منه ، بحيث يكون سردها وافيا يشملها جميعا ، ويستوفى كل أجزاء المتبوع ؛ مثل : الكلمة أقسام ثلاثة ؛ اسم ، وفعل ، وحرف ، فلفظة : «اسم» بدل بعض من ثلاثة ، أو من أقسام. وهذا البدل خال من الرابط ؛ لأن البدل وما بعده قد جمع كل أجزاء المبدل منه ، وذكرت فى الكلام مستوفاة (4)
«ملاحظة» إذا كان المبدل منه متعددا والبدل غير واف بالعدد تعين قطع البدل بالتفصيل الذي سنذكره
في «ه» من ص 677 . (راجع الصبان في أول باب عطف البيان).
. ومن الأمثلة قول الشاعر :أداوى جحود القلب بالبر والتقى *** ولا يستوى القلبان : قاس وراحم
فكلمة : «قاس» بدل خال من الرابط ؛ لأنه مع ما بعده يشتمل على كل ما للمبدل منه. وليس للمبدل منه هنا سوى هذين النوعين.
ثالثها : بدل الاشتمال ، ولتوضيحه نسوق المثال التالى :
إذا قلت : أعجبتنى الوردة ، جاز للسامع أن ينسب الإعجاب إلى لونها أو رائحتها ، أو تنسيق أوراقها - أو ... لأن الإعجاب يحتمل هذه المعانى العرضية مفردة ، ومجتمعة ، ويشتمل عليها ضمنا. فإذا قلت : أعجبتنى الوردة رائحتها .. ، تعيّن معنى واحد من تلك المعانى العرضية التى يتضمنها العامل :
(أعجب) ، واتجه القصد إلى هذا المعنى دون باقى المعانى التى يشتمل عليها العامل إجمالا ، والتى تنطبق على الوردة وتتصل بها ، من غير أن يدخل واحد منها فى ذات الوردة ، وفى تكوينها المادىّ (الجسمى) ، أى : من غير أن يكون واحد منها جزءا حقيقّا أساسيّا لا توجد الوردة إلا به ، فليست رائحة الوردة جزءا أصيلا فى تكوينها المادىّ يتوقف عليه وجود الوردة ، وليس لونها ، أو تنسيق ورقها جزءا أساسيّا كذلك ، وإنما هى أمور عرضية طارئة على ذاتها المادية ، قد تلازم الذات أولا تلازمها. وبقاء الذات أو فناؤها ليس متوقفا عليها ؛ فمن الممكن أن توجد الوردة وأن تبقى من غير أن يكون لها رائحتها ، أو لونها ، أو تنسيق ورقها ، أو غير هذا من المعانى والأوصاف الطارئة التى تندمج تحت لفظ العامل : «أعجب».
فالرائحة فى الأسلوب السابق هى التى تسمى : «بدل اشتمال» و «المبدل منه» هو : «الوردة» ، والعامل هو : «أعجب». ويقولون فى بدل الاشتمال :
«إنه تابع يعيّن أمرا عرضيّا ، ووصفا طارئا من الأمور والأوصاف المتعددة التى تتصل بالمتبوع ، ويشتمل عليها معنى عامله إجمالا بغير تفصيل (1)».
ومن هذا التعريف يتبين أن بدل الاشتمال مقصود لتعيين أمر فى متبوعه ، وأن هذا الأمر عرضىّ طارئ ، وليس جزءا أصيلا من المتبوع (2). وأن أساس الاشتمال وموضعه الحق هو «العامل» بمعناه ، لا التابع ولا المتبوع.
ومن الأمثلة لهذا البدل : بهرنى عمر عدله - راقنى معاوية حلمه - سرتنى عائشة علمّها ودينها. فالكلمات : عدل : حلم - علم ... بدل اشتمال كل واحدة منها تعيّن أمرا خاصّا فى المتبوع. وهو أمر عرضىّ لا يدخل فى تكوين الذات تكوينا ماديّا أصيلا. وهذا الأمر العرضىّ الطارئ يندرج
مع أمور عرضية أخرى تحت العامل ، ويشتمل عليها معنى هذا العامل إجمالا. ولا بد فى بدل الاشتمال من ضمير يطابق المتبوع فى الإفراد والتذكير وفروعهما ، وهذا الضمير قد يكون مذكورا كما فى الأمثلة السالفة ، وقد يكون مقدرا ؛ كقوله تعالى : ( قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (1)، النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ) ، والتقدير : «النار فيه». فحذف الجار والمجرور ، والمجرور هو الضمير الرابط ، ويصح أن يكون التقدير : ناره ذات الوقود. ثم حذف الضمير ، ونابت عنه «أل» فى الربط (2).
وبدل الاشتمال - كبدل البعض - لابد لصحته من صحة الاستغناء عنه بالمبدل منه وعدم فساد المعنى بحذفه (3)
وثانيهما : حسن الكلام واستقامته على تقدير حذفه ، وافتراض أن البدل غير مذكور ، ولهذا امتنع : «أسرجت عليا فرسه لأنه - بالرغم من فهم معناه في الحذف - لا يستعمل مثله ، ولا يحسن.
فلو ورد مثل هذا الكلام لكان بدل غلط ؛ فبدل الاشتمال كبدل الجزء في هذا ، - كما أشرنا في ص 678-.
.رابعها : البدل المباين للمبدل منه - ويسمى : «بدل المباينة» - وهو ثلاثة أنواع لا بد فى كل منها أن يكون هو المقصود بالحكم (4)، وأن يقوم دليل (أى : قرينة) يوضح المراد منه ، ويمنع اللبس (5). وهذا القسم بأنواعه الثلاثة لا يحتاج إلى ضمير - أو غيره - يربطه بالمتبوع.
ا - بدل الغلط : وهو الذى يذكر فيه المبدل منه غلطا لسانيّا ، ويجىء البدل بعده لتصحيح الغلط. وذلك بأن يجرى اللسان بالمتبوع من غير قصد ،
1) أصل الأخدود : الشق أو الحفرة فى الأرض. ويراد به هنا : شق أحدثه قبل الإسلام بعض الملوك الطغاة فى الفرس واليمن والشام ليحرقوا فيه من يخالفهم ، ويخرج من دينهم إلى النصرانية ، أو غيرها من الأديان السماوية.
2) ما الداعى لأن يقال : حذف الضمير ، ونابت عنه «أل» فى الربط؟ أليس الأفضل أن نتبع الرأى الذى يجعل الرابط هو الضمير ؛ وأنه قد يصح الاستغناء «بأل» أو غيرها ، كما سبق البيان فى ص 669؟ على أن هذا الاختلاف شكلى يسير.
3) لهذا بيان فى حاشية : «ياسين» على التصريح» ، مضمونه : أنه يشترط فى بدل الاشتمال تحقق أمرين ، أحدهما : إمكان فهم معناه عند حذفه ؛ ومن ثم كان «أعجبنى علىّ أخوه» ، بدل إضراب ، لا بدل اشتمال ، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول.
4) وهذا هو الشأن فى كل نوع من أنواع البدل.
5) انظر ما يختص بمنع اللبس فى الصفحة الآتية.
ثم ينكشف هذا الغلط والخطأ للمتكلم سريعا ؛ فيذكر البدل ، ليتدارك به الخطأ اللّسانىّ ويصححه. فالغلط إنما هو فى ذكر المبدل منه ، لا فى البدل ، نحو : (أعظم الخلفاء العباسيين : «المأمون» بن «المنصور» ، «الرشيد».) فالحقيقة : أن «المأمون» هو ابن «الرشيد» ، ولكن المتكلم جرى لسانه بالخطأ ، فذكر أنه ابن المنصور ؛ فأسرع وأصلح الخطأ بذكر الصواب ، قائلا : «الرشيد». فالرشيد ؛ بدل من المتبوع ، الذى ذكر خطأ لسانيّا. وليس «الرشيد» هو : الغلط ؛ وإنما هو تصحيح للغلط الكلامى السالف الذى ذكر بغير قصد ولا تنبّه. فكلمة : «الرشيد» بدل من «المنصور» بدل غلط ، أى : بدلا مقصودا من شىء غير مقصود ذكر غلطا - كما أوضحنا - ولا يحتاج هذا البدل إلى ضمير يربطه بالمتبوع (1)ولا ورود لهذا النوع فى القرآن الكريم منسوبا إلى اللّه (2)...
ب - بدل النسيان : هو الذى يذكر فيه المبدل منه قصدا ، ويتبين للمتكلم فساد قصده : فيعدل عنه ، ويذكر البدل الذى هو الصواب ؛ نحو : (صليت أمس العصر ، الظهر ، فى الحقل) ، فقد قصد المتكلم النص على صلاة العصر ، ثم تبين له أنه نسى حقيقة الوقت الذى صلّاه ، وأنه ليس العصر ؛ فبادر إلى ذكر الحقيقة التى تذكّرها ؛ وهى : «الظهر» فكلمة : «الظهر» بدل مقصود من كلمة ؛ «العصر» بدل نسيان. والفرق بين هذا البدل وسابقه أن الغلط يكون من اللسان ، أما النسيان فمن العقل.
وهذا النوع كسابقه لا يحتاج إلى ضمير يعود على المتبوع ، ولا إلى رابط آخر (3).... ولا ورود لهذا النوع فى القرآن الكريم منسوبا إلى اللّه (4)...
ح - بدل الإضراب (5): وهو الذى يذكر فيه المبدل منه قصدا ، ولكن
1) انظر الملاحظة التى فى ص 672.
2) انظر الملاحظة التى فى ص 672.
3) إذ يستحيل وقوع «الغلط والنسيان» من المولى - جل شأنه - ويستحيل نسبة أحدهما إليه ؛ لبطلان هذه النسبة بداهة.
4) إذ يستحيل وقوع «الغلط والنسيان» من المولى - جل شأنه - ويستحيل نسبة أحدهما إليه ؛ لبطلان هذه النسبة بداهة.
5) يسمى أيضا : بدل «البداء» - بفتح الباء والدال - أى : الظهور. لأن المتكلم بعد أن ذكره أولا - بدا له (أى : ظهر له) أن يذكر الثانى. والإضراب المقصود هنا هو : الإضراب الانتقالى - وقد سبق شرحه فى ص623. .
يضرب عنه المتكلم (أى : ينصرف عنه ويتركه مسكوتا عنه) من غير أن يتعرض له بنفى أو إثبات - كأنه لم يذكره - ويتجه إلى البدل. نحو : سافر فى قطار ، سيارة. فقد نصّ المتكلم على القطار أولا ، ثم أضرب عنه تاركا أمره ، ونصّ على السيارة بعد ذلك ، فهى بدل مقصود من القطار. ولا يحتاج هذا البدل إلى ضمير يعود إلى المتبوع ، ولا إلى غيره من الروابط ... (1)
مطابقا ، أو : بعضا ، او ما يشتمل *** عليه يلفى ، أو : كمعطوف ببل
(تقدير البيت : يلفى البدل مطابقا ، أو بعضا ، أو ما يشتمل عليه ، أو كمعطوف ببل) وقد تضمن هذا البيت بدل المطابقة بالنص الصريح وهو : «مطابقا». وبدل البعض بالنص الصريح ، وهو : «بعضا» كما تضمن بدل الاشتمال بقوله : «أو ما يشتمل عليه.» (وكلمة : مطابقا مفعول ثان ليلفى).
يريد : أو : شيئا يشتمل على البدل اشتمالا معنويا (وهو يريد : العامل والمتبوع على الوجه الذى شرحناه). ويريد بالمعطوف بالحرف الذى يشبه «بل» : بدل المباينة ؛ لأنه بأنواعه الثلاثة لا يخلو من الإضراب الانتقالى لا الإبطالى. (وقد سبق شرح الاثنين عند الكلام على «بل» العاطفة - ص 623 - وأوضحنا أن الانتقالى هو الذى يفيد الانتقال من غرض إلى غرض آخر) ويبين ابن مالك المراد من شبيه «بل» فيقول :
وذا للاضراب اعز إن قصدا صحب *** ودون قصد غلط به سلب
(ذا ، أى : هذا الذى يشبه : «بل» - اعز : انسب).
يريد : انسب الذى يشبه «بل» إلى الإضراب إن صحبه القصد ، وكان المتكلم مريدا له ، (والإضراب هنا هو : الإضراب الانتقالى). وإن لم يقصده المتكلم فهو «بدل غلط». وقد بين بعد هذا أن البدل نفسه ليس بموضع الغلط ، وإنما جاء ليسلب الغلط ويزيله. (والتقدير : وغلط دون قصد سلب بالبدل). واقتصر ابن مالك على نوعين من البدل المباين : هما : «الغلط» ، والإضراب» ، وترك «النسيان» ولكن البيت التالى المشتمل على مثال لكل نوع - قد يتسع للنسيان ، قال :
كزره خالدا ، وقبّله اليدا *** واعرفه حقّه ، وخذ نبلا مدى
(خالد : اسم رجل - النّبل ، جمع : نبلة ، وهى : السهم الذى يصاد به الطيور وغيرها من الناس وسائر الحيوان. المدى ، جمع مدية ، وهى : السكين.) «فخالد» بدل كل من الهاء التى فى الفعل قبله مباشرة. و «اليد» : بدل جزء من الهاء التى قبله فى الفعل (أى : يده ، أو اليد منه) و «حق» بدل اشتمال من الهاء التى قبله مباشرة ، ومدى : بدل غلط ، أو نسيان ، أو إضراب ، من «نبلا». فالبدل هنا يحتمل الثلاثة.
.1) وفى الأقسام الأربعة السابقة يقول ابن مالك :
والأحسن عدم الالتجاء إلى هذا النوع من البدل قدر الاستطاعة ؛ لأن احتمال اللبس فيه كبير (1)....
«ملاحظة» : سبق أن أنواع البدل المباين الثلاثة تحتاج إلى قرينة توضح وتمنع اللبس. وأحسن منها أن يتقدم على كل نوع - مباشرة - حرف العطف «بل» المفيد للإضراب. لأن وجود هذا الحرف يؤدى إلى إعراب ما بعده معطوفا لا بدلا. وبهذا يمتنع احتمال أنه نعت ، ذلك الاحتمال الذى قد يتسرب إلى الوهم قبل مجىء الحرف : «بل» وبمجيئه تنتقل المسألة من البدل إلى العطف.
1) سبق تفصيل الكلام عليه فى ص 623 من «باب العطف».
ا - المشهور من أنواع البدل هو الأربعة التى شرحناها. وزاد بعض النحاة نوعا خامسا سماه : «بدل الكل من البعض» ، واستدل له بأمثلة متعددة تؤيده ، منها قوله تعالى فى التائبين الصالحين : ( ... فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ، جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ...) ، فجنات بدل كل من الجنة ، والأولى جمع ، والثانية مفرد ، ولهذا كان البدل كلّا والمبدل منه بعضا. ومنه قول الشاعر :
رحم اللّه أعظما دفنوها *** بسجستان طلحة الطلحات
فكلمة : طلحة «بدل كل» من «أعظم» التى هى جزء من «طلحة» ، وكذلك قول الشاعر :
كأنى غداة (1)البين (2)يوم تحمّلوا (3)
لدى سمرات (4)الحىّ ناقف حنظل (5)
فكلمة «يوم» بدل كل من «غداة» مع أنه يشملها ، وهى جزء منه (6)...
البدل أحد التوابع ؛ فلابد أن يوافق متبوعه فى حركات الإعراب ، وفى بعض الأشياء المشتركة التى سبق النص عليها (7). أما موافقته إياه فى غير ذلك فيجرى فيها التفصيل الآتى:
(1) فمن جهة التنكير والتعريف لا يلزم أن يوافق متبوعه فيهما ؛ فقد يكونان
1) أول النهار.
2) الفراق.
3) سافروا وارتحلوا.
4) جمع «سمرة» - بفتح فضم ، ففتح - وهى شجرة الطلح (نوع من شجر الموز).
5) أى : جامع حنظل. وجامعه تدمع عيناه.
6) قال صاحب الهمع - ج 2 ص 127 - ما نصه : «والمختار - خلافا للجمهور - إثبات بدل الكل من البعض ؛ لوروده فى الفصيح» ا ه. وسرد لتأييد رأيه الأمثلة السالفة.
7) فى ص 434.
وقد تبدل النكرة من المعرفة ، كقوله تعالى : ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ... ) (2)والمفهوم من كلامهم أن تكون هذه النكرة مختصة - لا محضة - لأن النكرة المختصة الخالية من فائدة التعريف - نحو : مررت بمحمد رجل عاقل - قد تفيد ما لا تفيده المعرفة المشتملة على فائدة التعريف (3). ومما يؤيد هذا أن الغرض من البدل - كما عرفناه فيما سبق - لا يتحقق بالنكرة المحضة.
(2) ومن جهة الإفراد والتذكير وفروعهما ، فإن بدل الكل من الكل يطابق متبوعه فيها جميعا ... ما لم يمنع مانع من التثنية أو الجمع ، كأن يكون أحدهما مصدرا لا يثنى ولا يجمع ؛ كالمصدر الميمى (4)؛ مثل : قوله تعالى فى الآية السالفة : ( مَفازاً ، حَدائِقَ ... ) وكقصد التفصيل ، فى قول الشاعر :
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة *** ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت (5)
وأما غيره من أنواع البدل فلا يلزم موافقته فيها (6).
والغالب أن البدل يرتبط به ما بعده ويعتمد عليه ؛ فيطابقه فى حالتى التذكير
والتأنيث وغيرهما ؛ نحو : إن الغزال عينه جميلة ، وإن الفتاة جفنها فاتر ، بتأنيث خبر «إن» فى المثال الأول ، وتذكيره فى الثانى ، ولو لا أن الملاحظ هو البدل لوجب التذكير فى الأول والتأنيث فى الثانى. ولا بد فى مراعاة ذلك الغالب من عدم وجود قرينة تمنع منه ، وتدل على غيره (1). ومن غير الغالب قول الشاعر :
إنّ السيوف غدوّها ورواحها *** تركت هوازن مثل قرن الأعضب (2)
فقد جاء الفعل «ترك» مؤنثا مراعاة للمبدل منه ، (وهو اسم «إن» لا للبدل.
ح - قلنا (3)- إنه قد يتحد (4)لفظ البدل والمبدل منه إذا كان فى لفظ البدل زيادة بيان وإيضاح ؛ كقراءة من قرأ قوله تعالى : ( وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً (5)كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا ... ) بنصب كلمة : «كلّ» الثانية ؛ فقد اتصل بها معنى زائد ، ليس فى المبدل منه ؛ هو بيان سبب الجثو ، وهو استدعاء كل أمة لتقرأ كتابها. ومن الأمثلة : شاهدنا الجنود ، فرحة ، الجنود التى انتصرت على أعدائها ، ورأينا الأمة تخرج لاستقبالهم ، الأمة التى أنجبتهم ...
د - قد يحذف المبدل منه ويستغنى عنه بالبدل بشرط أن يكون المبدل منه فى جملة وقعت صلة موصول ؛ نحو : أحسن إلى الذى عرفت المحتاج ، أى : الذى عرفته المحتاج. فكلمة : «المحتاج» يصح أن تكون بدلا من الضمير المحذوف (6)....
ه - يصح الإتباع والقطع فى البدل إذا كان المبدل منه مذكورا مجملا ، مضمونه أفراد وأقسام متعددة ، تذكر بعده مفصّلة - بأن يشتمل الكلام بعده على جميع أقسامه كاملة - نحو : مررت برجال ، طويل ، وقصير ،
1) والأحسن التعبير عن هذا المعنى بأسلوب آخر لا يوهم ولا يوقع فى لبس.
2) الحيوان المكسور قرنه.
3) فى ص 667 وهامشها.
4) راجع فى الحكم الثالث : «ج» وما بعده «الأشمونى». آخر باب : «البدل».
5) قاعدة معتمدة فى القعود على ركبتيها.
6) يصح فى كلمة : «المحتاج» النصب على البدلية من الضمير المحذوف ، والجر على البدلية من اسم الموصول ، والرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو.
وربعة (1)... بالرفع ، أو النصب ؛ أو الجر فى هذا المثال.
فإن كان الكلام غير مستوف أقسام المبدل منه تعين فى البدل القطع (2)نحو : مررت برجال طويلا وقصيرا ، أو : طويل وقصير ، بالرفع أو النصب فى الكلمتين. إلا عند نية معطوف محذوف ، فلا يتعين القطع وإنما يصح الأمران - كما صح فى الأول - وهما : البدل والقطع. ومن الأمثلة لهذا قوله عليه السّلام : «اجتنبوا الموبقات ، الشرك والسحر» بنصبهما. والتقدير : وأخواتهما .... بدليل ذكر هذا المعطوف فى حديث آخر.
فإن كان البدل خاليا من التفصيل جاز فيه الأمران أيضا : الإتباع والقطع ؛ نحو : فرحت بعلىّ أخوك أو أخاك على القطع فيهما. أو : أخيك على البدل ... وسيجىء - فى ص 684 وما بعدها - إيضاح آخر لبدل التفصيل ، وأنه نوع من بدل الكل.
أما تفصيل الكلام على القطع وطريقته فقد سبق فى باب النعت. ومن المستحسن التخفف من استعماله قدر الاستطاعة.
و - يشترط (3)فى بدل البعض وبدل الاشتمال أن يصح فى كل منهما الاستغناء بالمبدل منه ، وعدم فساد المعنى أو اختلال التركيب لو حذف البدل ، أو اتصل به عامله اتصالا لفظيّا ظاهرا ومباشرا ، فلا يجوز : (قطعت اللص أنفه ، ولا لقيت كل أصحابك أكثرهم ، ولا أسرجت القوم دابتهم ،) لعدم صحة الاستغناء بالمبدل منه عن البدل. وكذلك لا يصح مررت بمحمد أبيه ، إذ لا يصح أن يقال فى هذا المثال - وأشباهه - عند إظهار عامل
1) متوسط بين الطويل والقصير.
2) لكيلا يكون بدل بعض من كل مع خلوه من الرابط ، ومما يغنى عن الرابط - كما سبق فى ص 644 وفى رقم 4 من هامشها.
3) الشرط الآتى هو ما سبقت الإشارة إليه فى رقم 4 من هامش ص 668 عند الكلام على «بدل البعض» نقلا عن الصبان ، وكذا فى ص 669 عند الكلام على «بدل الاشتمال» نقلا عن ياسين وقلنا فى الموضعين السالفين إن مجال الكلام عليه سيكون هنا. ويتصل بهذا ما فى رقم 1 من هامش ص 666.
البدل - وهو مررت ، أو الباء - وتسليطه على البدل مباشرة : مررت أبيه ، بتعدية الفعل اللازم ، كما لا يقال مررت بأبيه ، من غير مرجع للضمير.
ز - الأغلب أن البدل على نية تكرار العامل (1)، وليس على تكراره حقيقة. بيان هذا : أن العامل فى «البدل منه» هو العامل فى «البدل» لكن هذا العامل المشترك بينهما واجب الإظهار والتلفظ به قبل المتبوع وحده. ولا يصح إعادته وتكراره ظاهرا صريحا قبل التابع. وإنما يكفى تخيل وجوده قبل البدل مباشرة. وملاحظة أنه موجود قبله فى النية والتقدير ؛ لا فى الحقيقة والواقع. مع استقامة الأسلوب ، وسلامة المعنى بغير حاجة إلى إعادته وتكراره صريحا ظاهرا فى الكلام.
والسبب فى منع التكرار الحقيقى - لا الخيالى - أنه يؤدى إلى تأثير العامل المتكرر فى «البدل» تأثيرا جديدا يزحزحه عن «البدلية» ويدخله فى عداد معمولات أخرى لا تصلح «بدلا» ؛ ففى مثل : نظف الرجل فمه أسنانه ، يكون المبدل منه هو «الفم» ، والبدل هو : «أسنان» وعاملهما هو : «نظّف» المذكور صريحا قبل المتبوع. وتخيلا وتقديرا - دون تكراره - قبل التابع ، وعلى أساس هذا التخيل المجرد ، والتقدير المحض يصح أن نفترض أن أصل الكلام هو : نظّف الرجل فمه - نظف الرجل أسنانه. وهذا الافتراض لم يفسد المعنى ولا التركيب ، وإنما أدّى إلى توضيح المراد : فلو اعتبرنا العامل الثانى ، الملاحظ تخيلا وتقديرا - وهو هنا : «نظّف» - عاملا معادا حقيقة ، وتكرارا للأول لأدى هذا إلى إيجاد تركيب جديد ، خال من البدل ، ولوجب إعراب كلمة : «أسنان» شيئا آخر غير البدل ؛ فتكون هنا على الاعتبار الجديد «مفعولا به» ، ولا تصلح بدلا ، ويترتب على هذا التغيير الإعرابى تغيير معنوى معروف ينشأ من الفرق المعنوى بين البدل ، والمفعول به ، إذ لكل منهما مهمة تختلف عن مهمة الآخر.
ويستثنى من الحكم السالف صورة يصح فيها الأمران ؛ إما تكرار العامل تكرارا لفظيّا ، وإعادة التلفظ به مرة ثانية ، وإما الاكتفاء بتخيل وجوده قبل البدل
1) سبق إيضاح المراد من أن البدل فى حكم تكرار العامل ، وأن المبدل منه فى حكم المطروح (فى رقم 1 من هامش ص 664 - وله إشارة موجزة فى ص 547).
والاقتصار على ملاحظته فى النية والتقدير (1). وهذه الصورة الجائزة - لا الواجبة ، كما أسلفنا (2)- هى التى يكون فيها العامل حرفا من حروف الجر ؛ كاللام الجارة فى قوله تعالى : ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ... ) ، وفى قوله تعالى : ( رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ، تَكُونُ لَنا عِيداً ، لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ... ) ومثل : «من» فى قوله تعالى : ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً ... ) ؛ فقد تكررت اللام وأعيدت صريحة فى الآية الأولى (... لكم - لمن ..) ، وكذلك فى الآية الثانية (.. لنا - لأولنا) كما تكررت «من» فى الآية الثالثة ( مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ ... ) وهكذا ...
لكن ما إعراب حرف الجر المكرر؟ وما إعراب الاسم المجرور بعده؟ قيل : إن حرف الجر المكرر أصلىّ ، باق على عمله ، وإنه هو الذى جر الاسم الواقع «بدلا» بعده. دون الحرف الأول المتقدم ، ودون حرف آخر مقدر ، أو ملحوظ متخيل. بحجة أنه لا داعى للتقدير فى هذه الصورة مع وجود عامل مذكور ، منطوق به صراحة ؛ فإن التخيل أو التقدير إنما يكون فى غير هذه الصورة التى ظهر فيها العامل المتكرر ، ووقع تحت الحسّ ؛ فلا يمكن إغفاله ، ولا إنكار وجوده. ولا المطالبة بأن يكون العامل فى المبدل منه هو العامل فى البدل ، إذ لا داعى للتمسك بهذا الحكم حين يكون العامل المتكرر حرف جر ، بعده البدل مباشرة.
بقى الاعتراض بشىء آخر ، هو أن حرف الجرّ الأصلىّ لا يجر البدل ؛ لأن عمله مقصور على شىء واحد ؛ هو جر الاسم جرّا مجردا ، لا يصح معه اعتبار ذلك الاسم المجرور بدلا أو غير بدل.
قد يندفع هذا الاعتراض بواحد من ثلاثة :
أولها : وهو أقواها وأحسنها - صحة اعتبار المجرور فى هذه الصورة وحدها «بدلا» ؛ بالرغم مما هو مقرر أن التوكيد اللفظىّ لا يؤثر فى غيره ، ولا
يتأثر به ؛ فلا يصلح عاملا ولا معمولا (1).
ثانيها : اعتبار العامل المتكرر توكيدا لفظيّا محضا (أى : لا يؤثر ولا يتأثر ؛ طبقا لما سبق تقريره). وأن الاسم المجرور بعده مجرور بالعامل الأول الذى له التأثير فى المبدل منه ؛ فهو - أى : العامل الأول - وحده - مؤثر فى التابع والمتبوع معا ، عملا بالرأى الذى يقول : إن البدل ليس على نية تكرار العامل ، وإنما العامل فى المبدل منه وفى البدل واحد ، لا تكرار له ، ولا تخيل لإعادته.
ثالثها : اعتبار البدل على نية تكرار العامل ، وأن حرف الجر المتكرر هو توكيد لفظىّ محض ، وليس تكرارا للعامل المتقدم. وبالرغم من وجوده مكررا واعتباره توكيدا لفظيّا خالصا يكون الجر بعده بعامل آخر غير ظاهر ولكنه ملحوظ فى النية والتقدير.
ولا شك أن الآراء الثلاثة يشوبها الضعف ؛ لمخالفة كل منهما للضوابط العامة ، ولاعتمادها على النية ، والتقدير ، والتأويل ، ولكن الأول أخفها ضعفا ؛ ولذا كان أنسبها قبولا.
1) بيان هذا فى «ا» ص 527 حيث الكلام على أحكام التوكيد اللفظى.
ا - يجوز إبدال الظاهر من الظاهر ؛ كالأمثلة السابقة بأحكامها المختلفة. ويصح إبدال الظاهر من ضمير الغائب بدل كل ، أو بعض ، أو : اشتمال ، أو مباينة (1). نحو : وقفت أمام الدار أترقب القادمين. فلما أقبلوا الضيوف صافحتهم فى بشر وابتهاج. فكلمة «الضيوف» بدل كل من كل : «هو الفاعل (2)، واو الجماعة». ونحو : وقفت أترقب الأضياف الخمسة فأقبلوا أربعة منهم ... فكلمة «أربعة» بدل بعض ، أى : من الفاعل (3)«واو الجماعة». أو : فأقبلوا حقائبهم .. «فحقائب» بدل اشتمال من الواو ... أو : فأقبلوا حقائبهم. على اعتبار أن «حقائب» بدل غلط ، أو نسيان ، أو إضراب - فالبدل بأنواعه المختلفة يقع صحيحا من ضمير الغائب ، ولا مانع يمنع منه.
فإن لم يكن الضمير لغائب بأن كان لحاضر (أى : لمتكلم ، أو لمخاطب) جاز مجىء البدل منه بشرط أن يكون الاسم الظاهر إمّا بدل كلّ من كلّ يفيد الإحاطة والشمول والبيان كقوله تعالى : ( رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ... ) (4)، فكلمة «أول» بدل «كل» من الضمير «نا» المجرور باللام ، ولذلك أعيد جوازا مع البدل عامل الجر ، وهو هنا : «اللام» ، مجاراة للمبدل منه. ومثله : تسابقتم ثلاثتكم. فكلمة : «ثلاثة» بدل كل من كل ، من التاء (5)....
1) فى ص 671 تفصيل الكلام على «البدل المباين».
2) وهذا على اعتبار واو الجماعة ضميرا فاعلا ، طبقا للرأى الأغلب ، وليست مجرد حرف يعتبر علامة للجمع.
3) وهذا على اعتبار واو الجماعة ضميرا فاعلا ، طبقا للرأى الأغلب ، وليست مجرد حرف يعتبر علامة للجمع.
4) لأن معنى : (لأولنا وآخرنا ...) هو : لجميعنا ، على عادة العرب من ذكرهم طرفى الشىء ، يريدون بهما : جميعه كاملا. ومن هذا قولهم : «سبحان اللّه بكرة وأصيلا» ... أى : كل وقت : - وقد سبقت الآية لمناسبة أخرى فى هامش ص 664 وفى ص 680.
5) سبقت الإشارة لهذا فى ص 511 و680.
وإما بدل بعض من كل ؛ كقول المريض بأذنه مثلا : عالجنى الطبيب أذنى. فكلمة «أذن» بدل بعض من كل ، (هو : ياء المتكلم) ونحو أعجبتنى أسنانك. فكلمة : «أسنان» بدل بعض من ضمير المخاطب (التاء).
وإما بدل اشتمال كقول الشاعر :
بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فكلمة : «مجدنا» بدل اشتمال من ضمير المتكلمين : «نا» ؛ ونحو : أرضيتنى كلامك ، «فكلام» بدل اشتمال من ضمير المخاطب (التاء).
ب - ولا يجوز إبدال ضمير من ضمير ، ولا ضمير من ظاهر (1)، فالضمير : أنت فى مثل «قمت» أنت ، ورأيتك أنت ، ومررت بك أنت - يعرب توكيدا لفظيّا ، وكذلك يعرب الضمير «إياك» فى مثل : رأيتك إياك. ولا يصح فى مثل : رأيت محمدا إياه ، إعراب الضمير «إياه» بدلا من الاسم الظاهر ؛ لأن هذا التركيب فاسد فى رأى النحاة ؛ إذ لم يسمع له عن العرب نظير (2)
ومن ضمير الحاضر الظّاهر لا *** تبدله إلّا ما إحاطة جلا
أو اقتضى بعضا أو اشتمالا *** كإنّك ابتهاجك استمالا
(إحاطة جلا : أى : جلا وأظهر إحاطة).
يقول : لا تبدل الظاهر من ضمير الحاضر إلا إذا أظهر البدل إحاطة (أى : دل عليها بأن كان بدل كل من كل) أو : اقتضى بعضا. (أى : دل على البعضية) أو : دل على اشتمال ، وساق مثالا لبدل الاشتمال هو : إنك ابتهاجك استمال القلوب إليك ، وجذبها نحوك.
...... .قد يكون «المبدل منه» اسم استفهام ، (ويسمى : «المضمّن معنى همزة الاستفهام» (1)
ومثل هذا يقال فى الغرض من «إن الشرطية التفصيلية وليس لهذه علاقة بهمزة الاستفهام فلا تسبقها هذه الهمزة. وسيجيء في آخر ص 685 أن البدل المضمن (بدل التفصيل) نوع من بدل الكل.
) وقد يكون اسم شرط (ويسمى : المضمن معنى حرف الشرط. «إن») فإذا اقتضى الأمر بدلا يفصّل ذلك المضمون المعنوى المجمل ظهر فى الحالة الأولى مع البدل حرف الاستفهام : «الهمزة» ، وفى الحالة الثانية حرف الشرط : «إن» ليوافق البدل المبدل منه فى تأدية المعنى. وهذا بشرط ألا يظهر حرف الاستفهام ولا حرف الشرط مع المبدل منه ...والاستفهام الذى يتضمنه المتبوع قد يكون عن الكمية (2)، أو عن الذات ، أو عن معنى من المعانى. فمثال الاستفهام عن الكمية : كم كتبك؟ أمائة أم مائتان؟ «فمائة» بدل من «كم» بدل تفصيل للمعنى العددىّ.
ومثال الاستفهام عن الذات : من شاركت؟ أكاملا أم منصورا؟ «فكاملا» بدل تفصيل من كلمة : «من».
1) معنى تضمنه همزة الاستفهام : أنه اسم استفهام يؤدى معنى همزة الاستفهام ، وأنه - وهو لفظ واحد - يشمل كثيرا من الأنواع والأفراد غير المذكورة فى الكلام صراحة ؛ فهو يحتويها إجمالا من غير أن تذكر بعده مفصلة صريحة. فإذا أريد بعد الإجمال الذى ينطوى عليه المبدل منه ، النص الصريح على بعض أنواع أو أفراد مما يدخل فى الإجمال ، جىء بهذا المطلوب مذكورا صريحا فى «البدل» بعد الهمزة مباشرة من غير فاصل بينهما) وهذا المذكور بعد الهمزة ليس إلا نوعا أو فردا يدخل ضمنا لا صراحة فى اسم الاستفهام (المبدل منه).
2) أى : عن عدد. وكذا ما يتصل بالعدد من المقادير.
ومثال الاستفهام عن المعنى : ما تقرأ؟ أجيدا أم رديئا؟ فجيدا بدل تفصيل من : «ما».
وإنما تضمّن البدل همزة الاستفهام ليوافق متبوعه الذى هو اسم يتضمن معنى همزة الاستفهام من غير تصريح بأداة الاستفهام الحرفية - كما أسلفنا - ؛ فلا تجىء الهمزة فى مثل : هل أحد جاءك ؛ محمد أو على ، بسبب التصريح بحرف الاستفهام.
والشرط الذى يتضمنه المتبوع قد يكون للعاقل أو غيره ، وللزمان أو المكان. فمثال الشرط للعاقل : من يجاملنى - إن صديق وإن عدوّ - أجامله. فكلمة : «صديق» بدل تفصيل من كلمة «من» الشرطية. وإن» الشرطية الظاهرة فى الكلام ليس لها من الشرط إلا اسمه ؛ فلا تجزم ، ولا تعمل شيئا ، وإنما تفيد مجرد التفصيل ؛ ولذا تسمى : «إن التفصيلية».
ومثال الشرط لغير العاقل : ما تقرأ ، إن جيّدا وإن رديئا ، تتأثر به نفسك. فكلمة : «جيدا» بدل من كلمة : «ما» و «إن» المذكورة فى الجملة لا أثر لها إلا فى إفادة التفصيل ، كما سبق.
ومثال الشرط الدالّ على الزمان : متى تزرنى - إن غدا وإن بعد غد - أسعد بلقائك. فكلمة «غدا» بدل من «متى» ، وكلمة : «إن» للتفصيل.
وإنما قرن البدل فى كل ما سبق بالحرف : «إن» ليكون موافقا لاسم الشرط المتبوع الذى يتضمن معنى هذا الحرف من غير أن يذكر صريحا (1)
وبدل المضمّن الهمز يلى *** همزا كمن ذا. أسعيد أمّ على
أى : أن البدل من المضمن همزة الاستفهام لا بد أن تسبقه الهمزة ، كالمثال الذى ساقه.
.فلا يصح مجىء «إن» فى مثل : إن تساعد أحدا محمدا أو عليّا أساعده. هذا وبدل التفصيل (2)نوع من بدل الكل من الكل لا يحتاج إلى رابط. .
1 - يبدل الفعل من الفعل بدل كل من كل بشرط اتحادهما فى الزمان ولو لم يتحدا فى النوع (1)، وأن يستفيد المتبوع من ذلك زيادة بيان ؛ كقوله تعالى (2): ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ. ) فالفعل : «يضاعف» بدل كلّ من الفعل : «يلق» لأن مضاعفة العذاب هى البيان الذى يزيد معنى الفعل : «يلق» وضوحا ، ويكشف المراد منه.
وجزم الفعل : «يضاعف» دليل على أنه البدل وحده دون فاعله ، وأن البدل بدل مفردات ، لا جمل (3)
وكذلك حين يكون العطف عطف مضارع وحده على مضارع وحده حيث يكون المعطوف تابعا للمعطوف عليه في رفعه ، ونصبه وجزمه . .. كما سبق الإيضاح في ص 642 وما يليها ، ولا سيما ص 643 .
.2 - ويبدل الفعل من الفعل للدلالة على الجزئية : إن تصلّ تسجد لله يرحمك. فالفعل : «تسجد» بدل من تصلّ ، والسجود جزء من الصلاة لا تتحقق إلا به.
3 - ويبدل الفعل من الفعل بدل اشتمال ؛ مثل : إنى لن أسىء إلى الحيوان
1) فيصح : إن جئتنى تزرنى أكرمك. ويجرى عليهما فى البدل ما يجرى عليهما فى العطف مما سردناه فى ص 642 وما يليها.
2) فى العاصى الذى أتى نوعا من المحرمات والكبائر المذكورة قبل هذه الآية مباشرة.
3) لأن المضارع فى الجملة الفعلية إذا كانت هى التابعة بجزأيها معا ، لا يصح نصبه ولا جزمه تبعا لمضارع منصوب ، أو مجزوم فى الجملة المتبوعة ؛ فإذا كانت الجملة المضارعية كلها هى التابعة (أى : هى البدل ، أو المعطوفة بالحرف ، أو ....) وجب استقلال مضارعها بنفسه فى إعرابه ، فلا يتبع إعراب المضارع فى الجملة المتبوعة. ولا يصح نصبه أو جزمه تبعا للمضارع الذى فى الجملة المتبوعة إلا حين يكون البدل بدل فعل مضارع وحده من مضارع وحده أيضا.
الأليف ، أزعجه. فالفعل «أزعج» بدل اشتمال من «أسىء». ومثله :
إنّ علىّ اللّه أن تبايعا (1)*** تؤخذ كرها أو تجىء طائعا
فالفعل : «تؤخذ» بدل اشتمال من : «تبايع» ، لأن الأخذ كرها هو صفة من صفات كثيرة تشملها المبايعة.
4 - ويبدل الفعل من الفعل للإضراب ، أو الغلط ، أو النسيان ، فى مثل : إن تطعم المحتاج ، تكسه ثوبا ، يحرسك.
والذى يدل فى كل ما سبق - وأشباهه - على أن البدل بدل مفردات لا بدل جمل ، هو مشاركة الفعل التابع لمتبوعه فى نصبه أو جزمه (2)
وفى بدل الفعل من الفعل يقول ابن مالك من غير تفصيل
ويبدل الفعل من الفعل كمن *** يصل إلينا يستعن بنا يعن
.ب - أما الجملة فتبدل من الجملة بدل كل من كل - على الصحيح - بشرط أن تكون الثانية أوفى من الأولى فى بيان المراد ، وتأديته ... نحو : اقطع قمح الحقل ، احصده.
وتبدل بدل «جزء من كل» لإفادة البعضية ؛ كقوله تعالى : ( أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ؛ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) ، فجملة : «أمدّكم» الثانية أخص من الأولى ؛ لأن «ما تعلمون» يشمل الأنعام ، والبنين ، والجنات ، والعيون ، وغيرها.
وتبدل بدل اشتمال ؛ كقول الشاعر :
أقول له ارحل. لا تقيمنّ عندنا *** وإلا فكن فى السّرّ والجهر مسلما
فجملة : «لا تقيمن» بدل اشتمال من جملة «ارحل» ؛ لما بينهما من المناسبة ؛ إذ يلزم من الرحيل عدم الإقامة.
وتبدل بدل غلط ؛ مثل : اجلس ، قف ... و .... ن
ولا يشترط فى بدل الجملة بأنواعه المختلفة ولا فى بدل الفعل من الفعل أن يشتمل على ضمير ؛ إذ من المتعذر أن يعود ضمير على جملة ، كما يتعذر فى. بدل الفعل وحده من الفعل.
هذا وقد أشرنا إلى أن الفعل التابع يتبع المبدل منه فى إعرابه لفظا وتقديرا. أما الجملة فتتبع المتبوعة فى محلها إن كان لها محل. فإن لم يكن للمتبوعة محل فتسمية الجملة الثانية بالتابعة هى تسمية مجازية ، أساسها التوسع فقط .... وقد تبدل الجملة من المفرد ، والعكس ، بدل كلّ من كلّ - وهذان النوعان نادران - كقول الشاعر :
إلى اللّه أشكو بالمدينة حاجة *** وبالشام أخرى كيف يلتقيان
فجملة : «كيف يلتقيان» بدل من : «حاجة» ؛ لأنّ كيفية الالتقاء هى الحاجة التى يشكو منها. وإنما صح البدل هنا لأن الجملة بمنزلة المفرد (1)إذ التقدير : إلى اللّه أشكو هاتين الحاجتين تعذّر اجتماعهما ؛ فلابد من تأويل الجملة بالمفرد ليمكن إعرابها بدلا. ومثال العكس : «الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عوجا قيّما) ، فكلمة : قيّما» بدل من جملة : «لم يجعل عوجا» ، لأنها فى معنى المفرد ، أى : جعله مستقيما.
1) من الممكن فهم هذا على ضوء ما مر فى ص 635.