ماوراء الفقه جلد 4

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان‌: ماوراء الفقه / محمد صدر

ناشر: دار الأضواء

مکان نشر: لبنان - بیروت

زبان: عربی

موضوع:فقه جعفر، قرن 14، مسائل مستحدثه

زبان:عربی

تعداد جلد:10ج

اشارة

ماوراء الفقه / محمد صدر

فصل مصاعب البحث الفقهی مصرفیا

اشارة

بالرغم من أنه ثبت فی الدین،بأنه ما من واقعة إلاّ و لها حکم،الأمر الذی ینتج أن کل القضایا المعروضة و المشکلات الموجودة،علی الصعید البشری بمختلف حقوله و اختصاصاته مشمولة لأحکام الشریعة الإسلامیة لا محالة.حتی المصارف بکل أقسامها و کل إشکال الاقتصاد فی العالم،له أحکام موجودة و مفهومة فی الشریعة.

إلاّ أنه مع ذلک توجد بعض العقبات تحول دون توفر و تیسر التطبیق الفقهی علی الفعالیات المصرفیة من عدة جهات:

الجهة الأولی:انفصال البحث الفقهی عن البحث المصرفی

و ابتنائه علی الطریقة القدیمة فی البیان،و التی کانت نافعة بکل تأکید فی القرون السابقة إلاّ أنها أصبحت غیر مواکبة للفهم المعاصر،الأمر الذی أوجب صعوبة فهمها للجیل الحاضر و فهم الجیل المعاصر لها.

و لیس هذا ذنب الفکرة،و إنما هو ذنب الأسلوب و البیان و الاصطلاحات،مما یعقد نسبیا علی کل منهما تفهم الجانب الآخر کما هو أهله.

مضافا إلی شیء آخر ینبغی الالتفات له،و هو عدم إمکان الطاقة البشریة علی استیعاب کل الحقول الشرعیة،من حیث الاحتکار و العلوم و الاختصاصات.

و هذا ینتج ضرورة تخصص الأفراد بنوع معین من الحقول و الاختصاصات.و هذا ینتج بدوره أن المختص بأی حقل،لا بد و أن یکون بعیدا نسبیا عن التعمق فی الحقول الأخری،و من المستطاع القول:بأنه لا یفهمها کما یقصدها ذووها المتخصصون بها.

و هذه ظاهرة شاملة لکل الحقول،فمن تخصص بالریاضیات لا یمکنه فهم الفلسفة و بالعکس.و من تخصص فی الطب لا یمکنه فهم الفیزیاء و هکذا،ما عدا ما یعود إلی اختصاصه من العلوم الأخری،لأن العلوم کما أشرنا فی فصل سابق،فی تداخل کبیر،و الاختصاصی یفهم مقدار الارتباط دون سائر التفاصیل الخارجة عن اختصاصه.

و لیس الفقیه بمستثنی عن هذه القاعدة.فبسبب اختصاصه الفقهی، یصعب علیه الاستیعاب الواسع للعلوم الأخری لا محالة.إلاّ ما ارتبط فی حدود اختصاصه من العلوم.

إلاّ أن هذا لا یشکل عذرا معقولا للفقیه فی عدد من الحالات،لأننا بعد أن نعرف أنه ما من واقعة إلاّ و لها حکم،تکون سائر العلوم مربوطة بالفقه بشکل و آخر،لأن العلوم عبارة عن مجموعة من الوقائع و الحالات و الأفکار المشمولة لأحکام الشریعة لا محالة.إذن فعلی الفقیه الالتفات إلیها،و الأخذ بما هو مرتبط باختصاص منها علی الأقل.و لا یجوز الإعراض عنها تماما.

یضاف إلی ذلک أن الدراسة الفقهیة کانت و لا زالت بعیدة عن العلوم الحدیثة،بحیث تختص التربیة العلمیة بما یختص بالدین من علوم و لا تعم العلوم الأخری.فلا یکون للعلوم الأخری أی تعرض من قریب أو بعید،أو قلیل أو کثیر عن التربیة العلمیة الدینیة إلاّ ما استطاع الفرد تحصیله من الکتب و المصادر المتوفرة،کاهتمام شخصی لا أقل و لا أکثر.

و هذا أیضا لیس موردا قابلا للعذر،لأن الزعم بأن هذه العلوم أجنبیة عن العلوم الدینیة غیر صحیح لا محالة.بعد أن عرفنا و عرف کل فقیه بأنه ما من واقعة إلاّ و لها حکم.إذن فکل العلوم علی الإطلاق فهی مجال فقهی فی

حقیقة الأمر،غیر أن بعض تفاصیلها لا ینبغی التعمق فیها،لاتضاح أمرها من البحث فی تفاصیل أخری أحیانا.

و المهم،بعد کل هذا الکلام،أنه أصبح من الصعب علی الفقیه المتخصص النظر فی العلوم الأخری بشکل معمق و موسع کالاقتصاد و علم الاجتماع و القانون و الفلک و غیرها.

و من هنا لم یکن عمل بعض أساتذتنا حین أراد أن یتصور بنکا لا یتعامل بالربا و هو المحرم شرعا،و یطبق تفاصیل أعمال البنوک علی القواعد الفقهیة،لم یکن ذلک عملا سهلا و لا قریبا من المتناول فی حدود الفهم الذی یعیشه الفقهاء عادة،و یکفی أنه أول من تعرض لهذا الشکل من أشکال الفقه تماما.و سیأتی فی بعض الفصول الآتیة التعرض لبعض تفاصیله بعونه تعالی.

الجهة الثانیة:من مصاعب البحث الفقهی عن المصارف،أنه بالرغم

من أننا حین ننظر إلی المصارف من(الخارج)سنجدها متشابهة تماما،إلاّ

أنها لیست کذلک

نعم،هناک بعض التعلیمات المتفق علیها فی أغلب المصارف أو جمیعها،و هی عدیدة،إلاّ أن هذا لا یعنی أن جمیع المصارف تسیر علی طبق نظام واحد بکل التفاصیل.

فإن المصارف تختلف،حسب فهمی بأنواعها،و بأماکنها و بأزمانها لو صح التعبیر کما سیتضح.فهنا حقول ثلاثة من الفروق علی الأقل.

الحقل الأول:الفرق فی الأنواع و خاصة إذا لاحظنا المؤسسات المالیة بشکل عام.فهناک المصارف المرکزیة و الخزینة العامة و المصارف التجاریة و المصارف المتخصصة کالزراعیة و الصناعیة،و البورصة و غیرها من المؤسسات،مما قد یکون مرتبطا بحکومة أو مرتبطا بشرکة أو فرد.

و لیست هذه الأنواع ذات نظام واحد لا محالة،بل لکل نوع نظامه و شکل معاملته الاقتصادیة و أهدافه و غیر ذلک.

الحقل الثانی:الفرق فی مکان المصارف و المؤسسات،فإن لکل شعب ثقافته و فلسفته فی الحیاة،مضافا إلی حاجاته و متطلباته،الأمر الذی یقتضی التکیف للبنوک فی کل مکان حسب المجتمع الذی تعیش فیه،من حیث قناعات أفراده أولا،و سد احتیاجاته ثانیا،و الانسجام مع فلسفته الحیاتیة کأن یکون اشتراکیا أو رأسمالیا أو غیره.

إذن،فالمکان مؤثر فی اختلاف أنظمة البنوک لا محالة.و مع الاختلاف یصعب الاستیعاب بطبیعة الحال.

الحقل الثالث:الفرق فی الزمان،فان ما یکون صحیحا و متبعا یوما ما، لا یکون صحیحا و لا متبعا فی یوم آخر بعده.

و ذلک لاختلاف قناعات الأفراد المشرفین علی أی بنک فی تذلیل مشاکلة و شکل تفاصیله.و تطور ذلک و اختلافه خلال السنین زیادة و نقیصة، و خاصة مع اختراع الأجهزة الحدیثة التی تساعد علی إنجاز المعاملات فی البنوک.

إذن،مما یکون نظاما مسجلا للمصرف فی یوم ما لا یکون کذلک فی الزمان الذی بعده.و لا یمکن للفرد أن یترک ما یأتی من المستقبل من آراء و أنظمة و تطبیقات.

و مع وجود هذه الحقول من الفروق،لا یکون البحث الفقهی بالشکل المتوقع و الموسع ممکنا بطبیعة الحال.إلاّ أننا سننال ما هو الممکن علی أی حال بالشکل الذی یناسب مع هذا الکتاب.

الجهة الثالثة:من مصاعب البحث الفقهی بهذا الصدد،أنه لا بد من

أجل ترکیز البحث و إنتاجه الصحیح،أن یکون هناک فهم محدد و متناسق

للنظریة العامة التی یسیر علیها النظام

و الذی فی محل حدیثنا نظام المصارف.

و بدون ذلک سیکون الحدیث مشوشا و غیر محدد.و قائم علی مجرد

الاحتمال.کأن یقال:إن کان المراد کذا،فالحکم کذا.و إن کان المراد کذا فالحکم کذا.و لا یکون هناک ترکیز علی المقدار المتوقع علمیا.

و الملاحظ أننا إذا تابعنا أنظمة المصارف،وجدناها تسیر کواقع مسلّم به اجتماعیا بغض النظر عن إعطاء صیغ محددة لواقع المعاملات الجاریة فیها، من حیث التکییفات القانونیة المحتملة لها.

فإن المهم عند الناس هو النتیجة،و هی استفادة الأرباح،مهما کان التکییف القانونی أو الفقهی.سواء فی ذلک مؤسسی المصرف أو العاملین فیه أو المتعاملین معه.

و سیأتی فی الفصول الآتیة أمثلة عدیدة للتکییفات الفقهیة.التی لو کان الأمر محددا و مفهوما من زاویة المتعاملین فی المصارف،لکننا فی غنی عن الکثیر منها.

و نذکر هنا بعض الأمثلة للتوضیح:

المثال الأول:الحساب الجاری.فهل یفهمون منه أنه إیداع لدی المصرف،و الودیعة لها أحکامها فقهیا.

أو هو إقراض للمصرف،و القرض له أحکامه الأخری.أو هو نوع من الحوالة بین شخصین یکون المحول علیه هو المصرف.و الحوالة لها أحکامها أیضا.

المثال الثانی:ودائع التوفیر.هل هی بنحو الإقراض أو الإیداع أو الأمانة أو العاریة.و مع إجمال التکییف القانونی یصعب التکییف الفقهی لا محالة.

و من الطریف أن المصادر المصرفیة تعبر تارة بالودیعة،کما هو الاسم العام لها،و أخری بالدین،حتی قالوا:الودائع الدائنة.مع العلم أن الودیعة شیء و الدین شیء آخر.فکیف نستطیع أن نمزج بینهما.

المثال الثالث:التحویل الخارجی للاستیراد إلی بنک یسمی بالبنک

(المراسل)و هناک البنک(الوسیط)الذی قد یقوم بالمهمة بدل المراسل من دون أن یکون له دین مع المصرف الذی فتح المعاملة.

و احتمالات التکییف القانونی فی التعامل بین الشخص المستورد و مصرفه و المصرف الوسیط و المصرف المراسل و المستفید و هو بائع البضائع،أن احتمالات التکییف القانونی،فضلا عن الفقهی عدیدة،کما سیأتی.و خاصة و هی لیست علاقة بین اثنین و إنما بین متعددین،بعضهم شخصیات حقیقیة و بعضها معنویة.

و المهم أن التکییف لو کان محددا فی نظر المصرفیین،لکان هو المحک،فی التقییم الفقهی.و سیکون تقییما واضحا و محددا،و أما لو کان مجملا و غیر واضح من أساسه،و لم ینطق به أهله،کما هو المطلوب.فما ذا سیکون عمل الفقیه غیر عرض الاحتمالات و الاطروحات الممکنة.

و السر فی ذلک ما قلناه من أنهم اکتفوا بالواقع علی واقعه،و لیس فی التفلسف و التکییف أی أثر فی هذا الواقع،و فی نتائجه المتوخاة لهم.

الجهة الرابعة:من مصاعب البحث فی هذا الصدد:

قلة المصادر لمن یرید أن ینظر إلی المصارف من(الخارج)

فإن مهام المصارف مختلفة و آثارها فی المجتمع متعددة،کما سنحمل عن ذلک فکرة فیما بعد.

و کل مهمة من مهامها هی باب عملی و نظری متکامل نسبیا لو صح التعبیر،و یحتاج إلی مصدر متکامل نسبیا،و إلاّ بقیت الفکرة عنه غائمة نسبیا،و مهما کان الوضوح النسبی متحققا.

بل حتی أکثر العاملین بالمصرف،قد لا یعرف الواحد منهم غیر عمله أو عمل من یتصل بهم من الموظفین،و لا یتسنی له الاستیعاب فی الاطلاع علی فعالیات المصرف ککل.فلو سألته عن التفاصیل لم یعطک إلاّ المعلومات التی یعمل فی ضمنها.

و أما بلحاظ ما قلناه من تعدد أنظمة المصارف التی عرفناها فیما سبق من أنواعها و اختلاف أمکنتها و أزمانها،فالفرد منهم یبقی بکل وضوح جاهلا، بسائر الأنظمة المطبقة فی غیر مصرفه من المصارف.و لو کان محیطا بکل ما یجری فی مصرفه من المعاملات.

و مع قلة المصادر،کیف یمکن الاطلاع،علی التفاصیل المطلوبة، و التعمیقات المرادة من أعمال المصارف و معاملاتها،إلا بزیادة من الجهد المقرون بعون اللّه سبحانه و تعالی.و هذا العون هو الذی یذلل کل العقبات المنظورة و المشاکل الموجودة،إن شاء اللّه تعالی.

و المهم أن یبذل الفرد کل إمکانه،و لم یکلف اللّه سبحانه نفسا إلاّ بمقدار وسعها،فإن وجد هناک نقص،فیبقی تصحیحه أو إکماله إلی فرصة قادمة إن توفرت لی أو لغیری بإرادته سبحانه.

فهذه أهم جهات الصعوبة فی البحث الفقهی مصرفیا،و هناک جهات أخری أقل منها تأثیرا لا حاجة إلی استعراضها.

فصل تقییم المصارف ککل

اشارة

فمن الناحیة الموضوعیة،فإن التقییم ینبغی أن یشمل کلا من نقاط القوة و نقاط الضعف.و لیس فی البشریة ما هو کامل من جمیع الوجوه.و کل شیء علی وجه البسیطة فیه نقاط قوة و نقاط ضعف.

و أملی أن یکون النقد بناء لطلب الإصلاح ما استطعت إلی ذلک سبیلا، و الأمر علی أی حال یبقی بید المصرفیین أینما کانوا لعلهم یرون فی هذا الأداء ما کانوا قد غفلوا عنه حینا من الدهر.غیر أننا سننحو بنقاط القوة منحی اجتماعیا و بنقاط الضعف منحی فقهیا،کما هو المناسب مع هذا الکتاب.

و علی أی حال،فلو کان نظام المصارف کاملا تماما،لما احتاج إلی تغییر و تطویر،و لما واجه شیئا من المشاکل مع أن مصادرهم طافحة و واضحة، بالحاجة إلی التطویر و بمواجهة المشاکل غیر أن التطویر عندهم مرتبط ارتباطا وثیقا بالاتجاه الاقتصادی للدولة،من ناحیة،و بأنظمة المصارف الخارجیة أو العالمیة،من ناحیة أخری.

نقاط القوة:

و نقاط القوة فی المصارف اجتماعیا و اقتصادیا،بمستوی فهم الرأی العالم المعاصر،أوضح من الشمس و أبین من الأمس.إذ لا یبعد القول إن کل أشکال الفعالیات الاقتصادیة مبنیة علیها فی العالم کله سواء فی داخل أی دولة أو فیما بین الدول.لا تستثنی من ذلک حتی التعالیم الحکومیة

الاقتصادیة أو السیاسیة الاقتصادیة،فإنها تمر و تری النور و التطبیق عن طریق المصارف نفسها.

و تبدأ الفائدة الأولی أو البدائیة لو صح التعبیر من المصارف،من عدم إمکان حفظ الأموال فی المنازل و المؤسسات عادة لاحتمال سرقتها أو احتراقها أو إصابتها بأی حادث آخر.فتقوم المصارف بحفظها عن أصحابها مهما زادت کمیتها و اتسع نطاقها.

مضافا إلی جانب آخر لا یقل أهمیة،و کان یأخذه الأقدمون بنظر الاعتبار کثیرا،و هو أن السفر بالأموال یجعلها عرضة للتلف أکثر بکثیر من حالة حفظها فی مظانها الأصلیة.و هذا المعنی و إن تضاءل إلی حد کبیر فی العصور المتأخرة،إلاّ أن هذا لا یعنی انعدام الاحتمال بالمرة،إذ لا شک أن المال قد خرج من محل حفظه،و الطامعون بالمال کثیرون لو علموا به،و هم علی استعداد فی سبیل الحصول علیه أن یعملوا کل شیء.

و هنا تأتی فائدة المصارف،حیث استطاعت أن تقضی علی هذه الظاهرة تماما إلاّ فی الأموال البسیطة نسبیا.و أما الأموال المهمة فیتم تحویلها مصرفیا دائما.و لا یتم السفر بها بأی حال من الأحوال.

و الفائدة الثالثة:التی تندرج فی هذا الصدد هی صعوبة عد الأموال مع کثرتها،کالملیون و الأکثر و الأقل من العملات،فإن هذا خارج عن الطاقة البشریة أحیانا و یحتاج إلی زمان طویل،بینما توفر المصارف دفع الثمن بدون کل هذا التکلف،لأنها إنما تتصرف غالبا بالأرقام المکتوبة فی الأوراق و لیس بالعملات نفسها إلاّ قلیلا.

و الفائدة الرابعة:التی یراها الرأی العام للمصارف،هی الفائدة الربویة،و هی مضمونة لکل من المصرف نفسه و للمودعین فیه،بل إن الاستثمار الأکبر للمصرف إنما هو عن هذا الطریق و عن طریق التسلیف، و المشارکة فی المشاریع الزراعیة و الصناعیة و التجاریة و غیرها.

و مهما کانت الفوائد قلیلة نسبیا،لو قورنت بأرباح المرابین القدماء

و فوائدهم.فإن الربا قابل للتضاعف لأن الفوائد إذا لم تدفع کانت علیها فوائد أیضا.

و من نقاط القوة فی هذا الصدد،أن المصارف تعطی من الفوائد أکثر مما تأخذ.ففی الوقت الذی تکون الأرباح فیه للمودعین قد تصل إلی 6%أو 7%أحیانا لا تأخذ من المستلفین أکثر من 5،1 إلی 5،2 بالمئة علی أقصی تقدیر.

و هذا شکل من أشکال الترغیب الاقتصادی للتعاون مع المصارف، مهما جرّ من الخسارة علی المصرف.إلاّ أن کثرة الاستلاف بالنسبة إلی الإیداع هو الذی یحفظ للمصرف أرباحه،مضافا إلی طرق أخری من الاسترباح علی ما سوف یأتی.

و الفائدة الخامسة:التسهیل لکثیر من الأعمال التجاریة و غیرها،حتی لمن لیس لدیه رأس مال فعلی،إذ یمکن الاستلاف علی المکشوف،و هو ما یعطی من المال لمن لا یکون لدیه رصید فی المصرف.لأن الرصید یکون کالغطاء لدینه،فإذا لم یوجد کان مکشوفا من الغطاء.

الفائدة السادسة:ازجاء الحاجات الحکومیة،کدفع الرواتب و التحویلات الداخلیة و الخارجیة،و رصید الخزینة العامة،و التعاون مع الوزارات عامة و خاصة المالیة و الاقتصاد فی جمیع الأعمال.

الفائدة السابعة:التسهیلات الممنوحة بالاتصال الاقتصادی-لو صح التعبیر-مع من یکون خارج القطر،سواء علی مستوی التجارة و الاستیراد أو علی مستوی وفاء الدیون المستحقة أو غیرها.بدون حاجة أن یغادر الفرد بلده.

الفائدة الثامنة:تبدیل العملات ببعضها البعض للمسافرین إلی الخارج بقصد الدراسة أو الاستشفاء أو غیرها.و هذا التبدیل هو العمل الذی تقوم به(البورصة)أیضا،ان اعتبرناها شکلا من أشکال المصارف علی أی حال.

إلی غیر ذلک من الفوائد،التی یرجع مجموعها إلی الاعتماد الکلی من الاقتصاد الداخلی و الخارجی و العالمی علی المصارف.مما یطول شرحه، و قد یکون فیما یأتی من الحدیث ما یلقی بعض الضوء علی ذلک.

نقاط الضعف

و بالرغم من هذه الأهمیة الکبری للمصارف فی عالم الیوم،فإن وضعها العام یحتوی علی عدد من نقاط الضعف من الناحیة الفقهیة.و قد سبق أن ألمحنا إلی بعضها خلال أحادیثنا السابقة،و هناک نقاط أخری،لا بد من سردها.و أرجو-کما سبق-أن یکون من النقد البناء الذی یتوخی صفة التکامل فی کل جهات المجتمع بما فیها هذه الجهة المهمة فیه،و هی المصارف.

و نحن نذکر مجموع النقاط،حتی التی عرفناها فیما سبق،لکی یمکن ضبطها فی قائمة واحدة.

النقطة الأولی:و هی الأهم:تعاملها بالفائدة الربویة،و هی محرمة بضرورة الدین و إجماع علماء المسلمین و نص الکتاب الکریم و السنة الشریفة علی ذلک.

و سنتعرض فی بعض الفصول القادمة لما إذا کان یمکن إلغاء الفائدة أو تکییفها بشکل لا تکون معه حراما من الناحیة الفقهیة.

النقطة الثانیة:ذکرنا فی الفصل الذی تحدثنا فیه عن الشخصیة المعنویة أن مثل هذه الشخصیة لا بد و أن ترجع إلی الشخصیة الحقیقیة،و أما ما کان منها لا یرجع إلی ذلک فی الخط الطویل علی الإطلاق،فهذا مما لا یمکن أن یکون له صلاحیة التعامل فی المجتمع من الناحیة الفقهیة.

و المصارف لا یتعین فیها ذلک فقد تکون ذات شخصیة حقیقیة و قد لا تکون.و المهم-علی العموم-أنها إنما تکون صالحة للتعامل فقهیا إذا

اعتمدت علی الشخصیة الحقیقیة.و إنما تسجل هذه النقطة من زاویة عدم وجودها فی عدد من المصارف.

و بحسب فهمی،فإن هذا هو السبب الرئیسی لیصبح المال المتداول فی المصرف من قبیل ما یسمی فقهیا(مجهول المالک)،و ان کان قد یکون هناک أسباب أخری إلی جنبه.مما لا حاجة إلی التوسع فیه الآن.

النقطة الثالثة:عدم اهتمام کثیر من المتعاملین،بما فیها المصارف، بماهیة أو نوعیة الأموال الواصلة إلیها نقدا أو ذهبا أو غیره.مع أن هذا مهم فقهیا،إذ قد یکون المال مسروقا أو مغصوبا أو لم تدفع ضرائبه الدینیة أو غیر ذلک.

و عدم ثبوت ذلک قانونیا أو فقهیا،مما یسبب جریان أصالة الید ظاهرا، و هی المثبتة للملکیة.فهذا و إن کان کافیا فی کثیر من الأحیان،إلاّ أنه مع التوسع فی التعامل مع الناس،و تحصیل العلاقة الاقتصادیة مع آلاف أو ملایین الناس.نعلم إجمالا أن بعض هذه الأموال محرمة شرعا عند أصحابها،و العلم الإجمالی منجز کما هو ثابت فی علم أصول الفقه.

النقطة الرابعة:عدم اهتمام کثیر من المتعاملین،بما فیها المصارف، بالوجوه المتوقع صرف الأموال فیها،مما هو مسحوب منها بشکل أو بآخر.

و من الصحیح أن کثیرا من هذه الأموال تصرف فی صالح المجتمع، و الاستثمار و زیادة الدخل الفردی العام.إلاّ أن عددا من الأموال تصرف بلا شک فی أهداف غیر مشروعة أو أسالیب غیر صحیحة،قانونیا أو فقهیا.فقد یکون أحیانا من قبیل الإعانة علی ذلک من حیث لا یعلم الفرد.

و لعل من الصحیح أننا لا یجب أن نفحص نوایا الأفراد و أهدافهم عند ما یتصرفون فی أموالهم،ما لم یثبت وجود الجریمة.إلاّ أننا نکرر نفس المعنی الذی سبق فی النقطة السابقة.و هو أننا إذا تعاملنا مع ملایین الأفراد نعلم إجمالا بأن بعضهم سیء النیة فی التصرف بأمواله.إلاّ إذا أحسنّا الظن

بالناس أکثر من اللازم جدا.هذا مضافا إلی تحدیدات معینة لوجوه الصرف فی الباطل،مما لا یمکن سرده الآن.

النقطة الخامسة:ان المصارف فی الأعم الأغلب تتعامل بالأرقام و لیس بالأموال.و سیأتی لذلک فی بعض الفصول الآتیة أمثلة عدیدة،و نمثل له الآن:

فمن أمثلته أن الحوالة المصرفیة من أی بائع إلی أی مشتری یکون لهما معا رصید فی المصرف،هو حذف جزء من رصید المشتری و نقله أو توصیله إلی رصید البائع.و ذلک بالأرقام المکتوبة فی سجلاتهم.و لیس فی ذلک دفع مالی علی الإطلاق.

فهنا حتی لو اعتبرنا الشیکات و الکمبیالات من قبیل الأوراق المالیة ذات الاعتبار فقهیا،و هذا ما سوف نبحثه فیما بعد،فإنه فی مثل الصورة المشار إلیها،لا یکون هناک أیة أوراق مالیة لا من قبیل النقد و لا غیره.سوی رقم مسجل فی سجل الحسابات.

و سیأتی فیما بعد،فیما إذا کان لهذه النقطة الخامسة أثر سیء من الناحیة الشرعیة أو الفقهیة.أو أنه یمکن تکییفها بالشکل الموافق مع الشریعة.

إلاّ أن هذه النقطة لیست دائمة الثبوت،إذ أحیانا یکون التعامل بالنقد و أحیانا بالأوراق المالیة.و لکل حکمة فی الشریعة،و سنعرض له فیما بعد.

إلاّ أن کون هذه النقطة محل إشکال شرعا یجعل المعاملات المختصة بها محل إشکال أیضا،مما یجعل الأموال الناتجة عنها حتی عند الأفراد أحیانا محل إشکال أیضا.

النقطة السادسة:ما أشرنا إلیه فیما سبق،من عدم التکییف الفقهی و القانونی المحدد للمعاملات فی عدد من الموارد.مع أننا فقهیا نحتاج إلیه للبت بصحة المعاملة أو عدمها.و قد سبق أن تحدثنا عن ذلک فلا نعید.

النقطة السابعة:قیام أغلب بل کل معاملات المصرف کمصرف،علی شکل جدید لم یکن فیما سبق،أی فی العصور المتقدمة کصدر الإسلام و ما بعده.الأمر الذی یجعل إقرار هذه المعاملات و صحتها شرعا لیس بذلک الوضوح.

فهل تستطیع أن تقول:إن کل معاملة مستحدثة مهما کان مضمونها صحیحة شرعا ما دامت غیر مخالفة لما هو ثابت فقهیا و شرعا.أو أننا نحتاج فی صحة المعاملة علی أنها کانت موجودة فعلا فیما سبق.أو أننا نحتاج فی التصحیح إلی إرجاع المعاملات الجدیدة إلی بعض المعاملات القدیمة، بشکل من أشکال التکییف الفقهی،کما حاول بعض أساتذتنا أن یفعل،و هو الأسلوب المشهور بین الفقهاء المتأخرین حین یریدون أن ینظروا فی صحة المعاملات المصرفیة.

فإن صح لهم طریق ما فی تکییف المعاملة أفتوا بصحتها و إلاّ أفتوا ببطلانها.

إلاّ أنه تقف دون ذلک عقبة مهمة،و هو أن التکییف یلزم أن یکون موافقا أو غیر مخالف علی الأقل مع مقاصد المتعاملین فعلا فی أمثال هذه المعاملات.

و أما إذا کان حفظ التکییف تحمیلا علیهم،بما لا یفهمون و لا یقصدون،کان فی نفسه صحیحا،إلاّ أنه غیر منطبق علی الواقع بحال.و هذا إشکال سار فی الأغلب مما قاله الفقهاء فی هذا الصدد،بما فیهم سیدنا الأستاذ و بعض أساتذتنا.

و قد التفت بعض أساتذتنا إلی ذلک فی بعض الموارد فاشترط فی صحة المعاملة أن یقصد المتعامل هذا الشکل الذی یراه الفقیه فی التکییف الفقهی،و لیس القصد الاقتصادی العام فی المصرف،لتصح المعاملة.

و بهذا المنحی الفقهی تکون هذه النقطة السابعة من نقاط الضعف مندرجة فی النقطة التی قبلها.لأن المعاملات الجدیدة تکون متوقفة علی

التکییف الفقهی.و المهم هو هذا التکییف المذکور فی النقطة السابقة.

و أما علی منحی فقهی آخر،و هو قبول المعاملات الجدیدة بحد ذاتها، و عدم رفضها لمجرد أنها لم تکن معروفة فیما سبق.بلا حاجة إلی تکییف فقهی.فتکون هذه النقطة مستقلة عن النقطة التی قبلها.کما هو واضح لمن یفکر.

و أما ما هو الصحیح من هذین المنحیین الفقهیین،فهو ما یأتی فی الفصل القادم إن شاء اللّه تعالی.و سنری أن تصحیح المعاملات المصرفیة قد یتوقف علی کلا المنحیین،علی اختلاف الحالات.و إن کان المنحی المشهور هو الأغلب،و خاصة بعد وجود النقطة السابقة من نقاط الضعف کواقع لا مناص منه.

و علی أی حال،فهذه أعداد من نقاط القوة و نقاط الضعف فی المصارف.و مهما تکن نقاط القوة بالغة الأهمیة،أعنی مهما کان للمصارف التأثیر الکبیر علی المجتمع.فإن تصحیح تصرفاتها المالیة و المعاملیة شرعا و فقهیا،متوقف علی تذلیل هذه العقبات أعنی نقاط الضعف السابقة إلی أقصی حد ممکن،مضافا إلی بعض الإشکالات الخاصة ببعض الموارد دون بعض،غیر أن ما ذکرناه فی هذه النقاط یعتبر کأنه أعم التساؤلات و أوسعها.

فصل التکییف الفقهی العام للمصارف

اشارة

و نقصد به تقدیم فهم فقهی متکامل،إلی أکبر حد ممکن،و متیسر عن المصارف کمجموع،بعض النظر عن أشکال المعاملات الجاریة فیها،أو قل:عند النظر إلی المصرف کمؤسسة مستقلة اجتماعیا و اقتصادیا.و أما من حیث تعدد الاختصاص فیها،فهذا مما یمکن أن ندرجه فی هذا الفصل أیضا.کل ما فی الأمر أن بعض الاختصاصات تحتاج إلی تکییف فقهی مستقل أو إلی تفریع علی تکییف معین.

و یقع الکلام فی هذا الفصل ضمن جهات:

الجهة الأولی:فی الحاجة إلی التکییف

اشارة

إذ قد یقال:إنه لا حاجة إلی التکییف بعد أن نعرف أنه یمکن أن یقال فقهیا:بصحة المعاملات التجاریة فی المصرف علی العموم،فیصبح المصرف مؤسسة لا تجری فیه إلاّ المعاملات الصحیحة.لأن المعاملة إما أن تکون من جنس المعاملات القدیمة و المجازة إسلامیا،فهو المطلوب،و إما أن تکون من المعاملات الجدیدة،و المعاملات الجدیدة التی لا دلیل علی مخالفتها للقواعد الفقهیة صحیحة شرعا.فتکون کل المعاملات صحیحة شرعا.و معه فیمکن إمضاء حال المصرف علی واقعه و بکل تفاصیله.

و ینبغی هنا الالتفات إلی أن النظر فی هذه الجهة إلی النقطتین الأخیرتین من نقاط الضعف التی ذکرناها فی الفصل السابق بغض النظر عن النقاط التی تسبقها.فکأننا نفترض أنها غیر موجودة تسهیلا للبحث النظری.

و معه ینحصر الآن النظر فی أن المعاملات الحدیثة،و التی لم یکن لها وجود فیما سبق هل هی صحیحة فقهیا و شرعیا أم لا.

و البحث هنا سیکون مشابها إلی حد ما للبحث الذی ذکرناه فی فصل سابق،عن تبریر قیام المؤسسة التی لا ترجع إلی شخصیة حقیقیة.و إن کان له منحاه الخاص هنا بطبیعة الحال.

و المدعی هنا ینبغی أن یعرض بهذا الشکل:أن کل معاملة جدیدة لم یقم الدلیل علی بطلانها فهی صحیحة شرعا.

و معه یقع الکلام هنا فی مستویین:

أولا فیما یمکن أن یکون دلیلا علی البطلان.

و ثانیا:فیما یمکن أن یکون دلیلا علی الصحة.

و نبحثه الآن بشیء من الترکیز محیلین الإطالة إلی موضعها من الفقه نفسه.

المستوی الأول:فیما یمکن أن یکون دلیلا علی البطلان:

اشارة

و هی أدلة عدیدة نذکر أهمها،بحیث لو لم تتم لکان غیرها أولی بالبطلان.

الدلیل الأول:قوله تعالی وَ لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ

و الأموال التی یأکلها المتعاملون بینهم عن طریق المعاملات الجدیدة،إنما هو أکل بالباطل،فیکون منهیا عنه بنص الآیة الکریمة.

إلاّ أن هذا الدلیل غیر تام لأنه متوقف علی إثبات صغراه،و هو کون الأموال المأخوذة بهذه المعاملات باطلة و هو إنما یکون مع إثبات بطلان هذه المعاملات فی المرتبة السابقة علی الآیة.فإن الآیة الکریمة،تنهی عما کان باطلا فی نفسه،و کون هذه المعاملات کذلک أول الکلام.فإنه متوقف علی عدم وجود دلیل علی الصحة!لوضوح أنه لو کان موجودا لما کانت باطلة، و لما کان أکل المال علی أساسها أکلا بالباطل یندرج فی إطلاق الآیة الکریمة.و هذا ما یأتی فی المستوی الثانی بعونه تعالی.

الدلیل الثانی:الارتکاز المتشرعی

إذ لا شک أن المتشرعة کمتشرعة، ینفرون من المعاملات غیر المتعارفة بینهم و غیر واضحة الإمضاء شرعا.و هو دلیل علی بطلانها.

و هذا النفور صحیح فی الجملة،إلاّ أنه لا یکون دلیلا علی البطلان لعدة جهات:

أولا:أنه إنما یکون حجة،لو استطعنا أن نضمن وجوده فی زمن المعصومین علیهم السلام،لکی نضمن إمضاءه من قبلهم.و هذا متعذر، لعدم توفر هذه المعاملات یومئذ إطلاقا و لم تکن تخطر علی بال أحد مهما کانت صفته.

ثانیا:أنه ربما کان مبتنیا علی نحو من الاحتیاط،لا علی نحو الجزم بالبطلان.

ثالثا:أنه ربما کان مبتنیا علی فتاوی بعض العلماء الناتجة من دلیل قابل للمناقشة کالدلیل الأول السابق و الثالث الآتی:و حیث یثبت عدم صحتهما،تکون هذه الفتوی مما لا دلیل علیها،فیکون الارتکاز الناتج منها مما لا دلیل علی صحته.

الدلیل الثالث:ان المعاملات عموما بل الحقائق أیّا کانت تحتاج فی

إثبات صحتها و صدقها إلی الدلیل

و ما لا دلیل علیه فهو غیر صحیح.و هذه المعاملات الجدیدة مما لا دلیل علی صحتها فتکون باطلة.

إلاّ أن هنا فرع ما سنقوله فی المستوی الثانی.إذ لو استطعنا هناک أن نقیم دلیلا علی الصحة،فهو المطلوب.و إلاّ کان هذا الدلیل صحیحا.لأن مجرد عدم الدلیل علی البطلان لا یکفی دلیلا علی الصحة،ما لم تثبت الصحة بدلیل مستقل.

المستوی الثانی:فیما یمکن أن یکون دلیلا علی صحة المعاملات الجدیدة

اشارة

و هی عدة أدلة نذکر أهمّها:

الدلیل الأول:قوله تعالی إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ

و المعاملة أیا کانت حاصلة بالتراضی و قناعة الطرفین علی أی حال.و هذا وحده کاف فی الصحة.

و یمکن أن یجاب عن ذلک بعدة أجوبة منها:

أولا:أن هذا متوقف علی أن نفهم من الآیة أن العلة المنحصرة و الوحیدة شرعا فی الصحة هو التراضی.فکلما تراضی علیه الطرفان کان صحیحا،ما لم یدل دلیل علی البطلان.و المعاملات التی نتحدث عنها من هذا القبیل.

إلاّ أنه لا شک أن هناک قیدا فقهیا ارتکازیا حاصلا علی إطلاق الآیة، و هو أن تکون المعاملة التی تراضی عنها الطرفان صحیحة شرعا،و مفهومة الصحة فی المرتبة السابقة،و لا یکفی التراضی وحده فی الصحة.

و بتعبیر آخر:أن الآیة الکریمة أخذ فی منطوقها عنوانین:(الباطل) و(التراضی).فإذا شککنا فی معاملة،فی اندراجها فی أی من الطرفین،کان من التمسک بالعام فی الشبهة المصداقیة.فتأمل.

و بتعبیر آخر:أن فی الآیة الکریمة قرینة متصلة لفظیة علی عدم کفایة التراضی فی الصحة،لأن(الباطل)قد یکون مما تراضی عنه الطرفان،و هو مع ذلک باطل و فاسد.و لیس الباطل منحصرا فی صورة الإکراه و عدم الرضا، و إن کان هو الغالب.و إذا تم ذلک،کان التمسک بالصحة فی صورة مطلق التراضی تمسکا بالعام فی الشبهة المصداقیة،لأنه یتوقف علی إثبات الصحة فی المرتبة السابقة.

ثانیا:ان عددا من معاملات المصرف لیست تجارة،عرفا أو فقهیا کالسحب و الإیداع و الحوالة.بل هناک من المعاملات الحدیثة خارج المصرف لیست تجارة أیضا.کالتأمین.

و إنما تکون مشمولة للآیة الکریمة،إذا کانت تجارة،لأنها تقول:إلاّ أن تکون تجارة.و معه لا یمکن الاستدلال بهذه الآیة علی صحة مثل هذه المعاملات.

و قد یخطر فی الذهن:أن الإیداع و السحب،شکل من أشکال التجارة لوجود الفائدة الربویة فیه.

و جوابه أن هذا فی الحقیقة یزید فی الطین بلّة،لأن الفائدة الربویة و المعاملة الربویة باطلة شرعا.و قلنا قبل قلیل أننا نتحدث فی هذه الأدلة بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التی منها وجود هذه الفائدة.

نعم،لا یشمل هذا الوجه ما کان تجارة عرفا،کالتسلیفات المکرسة للتجارة و الصناعة و نحوها،بغض النظر عن فوائدها.

الدلیل الثانی:ما ورد فی السنة المعتبرة و المجمع علی العمل بها بین الفقهاء و هی قوله علیه السلام:(المؤمنون عند شروطهم).و هذه المعاملات الحدیثة شکل من أشکال الشروط عرفا فیجب الوفاء بها کما لو أنها معاملات صحیحة لازمة،حسب الفهم من الظرف(عند)المأخوذ فی الحدیث و الذی لا مجال للتوسع فی فهمه الآن.

و هذا المقدار صحیح إلاّ أن للخبر المعتبر عبارة أخری تابعة،تکون قرینة متصلة علی فهمه.و هو أنه یقول:إلاّ شرطا أحل حراما أو حرّم حلالا.

و بغض النظر عن الفائدة الربویة التی تندرج فی هذا الاستثناء،فإن المعاملة فی نفسها تحتاج إلی دلیل علی الصحة لنحرز أنها لم تحلل حراما و لم تحرم حلالا بنفسها أو بلوازمها و هو التصرف فی المال،الذی کانت المعاملة سببا له.و معه یکون التمسک بالحدیث تمسکا بالعام فی الشبهة المصداقیة،ما لم یکن دلیل مسبق علی صحتها،و إذا تم لدینا ذلک الدلیل استغنینا به عن هذا الدلیل.

الدلیل الثالث:السیرة علی التعامل بهذه المعاملات التی نتکلم عنها، و السیرة حجة.فتکون هذه المعاملات صحیحة.

إلاّ أنها سواء أردنا بها السیرة العقلانیة أو سیرة المتشرعة،لا ترقی إلی زمان المعصومین علیهم السلام لنستطیع أن نقول بحجیتها،لأنها معاملات حدیثة لم تکن یومئذٍ إطلاقا.

و تزید سیرة المتشرعة علی صاحبتها،بما سمعناه من أن الارتکاز

المتشرعی هو علی التنفر و الانزجار من أمثال هذه المعاملات.و نحن قد سبق أن ناقشنا ذلک کدلیل علی البطلان،إلاّ أنه لا یمکن أن یکون دلیلا علی الصحة علی أی حال أیضا.

فهذه هی أهم الأدلة علی الصحة بعد ذکر الأدلة علی البطلان.و لم یتم شیء منها علی الإطلاق.و المهم الآن هو عدم إتمام الدلیل علی الصحة، لأننا نحتاج فی صحة المعاملة إلی الدلیل و إلاّ لم یمکن القول بصحتها و إن لم یکن الدلیل علی فسادها موجودا.و هذا بنفسه هو مضمون الدلیل الثالث من أدلة الفساد،و هو بهذا المعنی تام و صحیح علی أی حال.

فهذا هو الکلام فی الجهة الأولی من هذا الفصل.و نتیجتها أننا نحتاج فی تصحیح المعاملات المصرفیة غالبا إلی تکییف فقهی،بشکل نفهم به المعاملات الجدیدة بصفتها منطبقة علی المعاملات القدیمة و مصداقا لها، لکی تکون صحیحة.و إلاّ فبصفتها معاملة مستحدثة و جدیدة مما لا دلیل علی صحتها.

و هذا یشمل کثیرا من معاملات المصرف،کالإیداع بکل أشکاله، و السحب و استعمال الأوراق المالیة کالشیکات و الکمبیالات إلی غیر ذلک.

فکلها تحتاج إلی تکییف فقهی،و هذا ما سنناقشه فی الجهات التالیة.

نعم،ما صدق علیه عنوان بعض المعاملات الفقهیة،کالتجارة و الحوالة و الإجارة و الضمان و نحوها أمکن تصحیحه،فی حدود نقاط الضعف التی نتحدث عنها کما أسلفنا.

الجهة الثانیة فی تکییف فائدة المصارف بحیث لا

اشارة

تکون فائدة ربویة

و إذا تم ذلک أصبح لدینا فسحة مجال کبیرة و مهمة فقهیا،فی جواز التعامل مع المصارف،لأنها عندئذ لا تکون متعاملة بالربا،فبطلان معاملاتها من هذه الناحیة غیر موجود.

و لهذا التکییف عدة أسالیب نذکر أهمها

الأسلوب الأول:

و هو المتداول عادة بین الفقهاء المتأخرین و المعاصرین بما فیهم سیدنا الأستاذ و غیره.

و هو أن الأموال المتداولة فی المصارف الیوم عادة هی من الأموال المسماة فقهیا بمجهول المالک،فلا یکون أخذ الفائدة من الربا حقیقة، فیکون أخذها حلالا من هذه الناحیة.

و أما سبب کون الأموال من مجهول المالک،فإن النقطة المهمة فیه، هو الاعتقاد بتوفر نقطة الضعف الثانیة التی ذکرناها فی الفصل السابق.و نوکل التفاصیل إلی محلها.

و علی أی حال فالأمر من الناحیة الفقهیة صحیح.و هو شامل للمصارف التی تتکون من رأس مال حکومی من دولة واحدة أو عدة دول.

و یتبعها فی الحکم بالجواز المصارف التی یملکها غیر المسلمین،سواء فی بلاد إسلامیة أو غیرها.

فإن الإیداع فیها و السحب منها و التعامل معها بالمعاملات السائرة فیها لا مانع منه فقهیا،مع بعض الإشکالات الجانبیة التی لا حاجة إلی سردها.

و لیس معنی ذلک صحة المعاملات فیها لیکون ذلک سببا للسؤال:بأنه کیف أصبحت المعاملات الجاریة فی مصارف الأجانب صحیحة و المعاملات الجاریة فی مصارف المسلمین باطلة و إنما الأمر منحصر فقهیا،علی جواز الحصول علی ما تدفعه تلک المصارف من أموال.حتی المصارف التابعة للحکومات المسلمة کما قلنا.

نعم،لو کان فی التعامل مع بعض المصارف محذور شرعی ثانوی، کالتأیید للباطل أو جلب الربح له،الأمر الذی یسبب صرفه للباطل أو لأجل منفعة الکافرین،کان التعامل حراما،و لکن هذا شیء آخر غیر أصل المسألة الفقهیة بشکلها المعاملی التجریدی.

و هذا التحلیل الفقهی لا یشمل ما إذا کان رأس مال المصرف مملوکا

لفرد أو عدة أفراد من الأشخاص(الحقیقیین)،فإنه عندئذ یکون تعاملا بالربا حقیقة و هو حرام.ما لم نضع له بعض التکییفات التی نسمعها فی الأسالیب الآتیة.

الأسلوب الثانی:إن الدفع إلی المصرف إن کان من قبیل الإقراض،

کانت الفائدة علیه محرمة.

و لکنهم یسمونه إیداعا و الإیداع لا یندرج ضمن حکم الربا،فمن الممکن القول عندئذ أن المودع بصفته قد أفاد المصرف بإیداعه هذا فإنه یجعل له بإزائه مالا،و کلما استمر الإیداع،مع أنه یستطیع سحبه کان مستحقا لمال آخر.

و هذا المال یمکن أن نعتبره تبرعا من المصرف للمودعین،أو نتیجة (جعالة)یعنی أن یقول المصرف بلسان حاله:من أودع عندی مالا فله کذا من العطاء.

و عندئذ لا یفرق أن یکون العطاء بنسبة مئویة أو عطاء محددا،لا یفرق ذلک من الناحیة الفقهیة.

و هذا یشمل کل أنواع الإیداع فی المصارف ذات الفائدة،و هی الودائع الثابتة و التوفیر،و أما الحساب الجاری،فهی ودائع لیس علیها فوائد فهی جائزة بالأصل من هذه الناحیة فقهیا،و لا نحتاج إلی هذا التخریج.إلاّ أن هذا غیر تام لعدة وجوه:

أولا:ان الإیداع و إن سموه إیداعا،إلاّ أن النیة الأساسیة فیه هی الإدانة للمصرف فیصبح المودع دائنا و المصرف مدینا.إلاّ أن نرید من الدین مطلق شغل الذمة.و هذا من نتائج ما قلناه من إجمال أو ضعف التکییف الفقهی عندهم.

و إذا کان دینا أو قرضا،کانت الفائدة علیه محرمة.

ثانیا:أنه لیس إیداعا بالمعنی الفقهی فإن من أحکام الودیعة المحافظة علی ذات المال.و المفروض أنه یکون للمصرف جواز التصرف فی المال و تبدیل عینه مع ضمان بدله.

و قد یقال:إنه من قبیل ما یسمی فقهیا بالعاریة و یسمی عرفا بالاستعارة.و هی مما یجوز التصرف فیه بالعین فی الزمان المحدد لها.إلا أن هذا غیر صحیح.لأن التصرف بالعین لا یعنی جواز بیعها و تبدیلها،بل التصرف بها حال وجودها،و أما أمثال هذه التصرفات فهی غیر مندرجة فی العاریة.

و لذا لا تصح العاریة فیما یکون استهلاکه بإتلافه کالطعام إذ معه لا یمکن إرجاع العین.

و بتعبیر آخر:تشترک الودیعة و العاریة بوجود حفظ العین إجمالا و إرجاعها،أو قل:حرمة إتلافها.و لیس هذا مفروضا فی المال المودع فی المصرف.کما یشترکان بحفظ ملکیتها إلی صاحبها فلا یکون المصرف مالکا للودائع و هذا علی خلاف المقصود حتما فی المعاملات المصرفیة.کل ما فی الأمر أنه یملکها مع ضمان بدلها کالدین تاما.فلا تکون ودیعة و لا عاریة.

ثالثا:الجعالة التی فرضناها،و التی أکد علیها بعض أساتذتنا فی عدة تکییفات فقهیة،لیس لها أثر أصلا.لأن المعاملة-أیة معاملة-إنما تصح مع قصدها و بیانها باللفظ،الذی هو العقد أو الفعل الذی هو المعاطاة.و من الواضح أنهم لم یقصدوا الجعالة بأی شکل من الأشکال.

رابعا:أن هذا الأسلوب لو تم،و غضضنا النظر عما سبق،فإنه یصحح الفائدة التی یدفعها المصرف إلی المودعین،و أما تلک التی یأخذها من المستلفین،فتبقی خارجة عن هذا الأسلوب.

إلاّ أن نقول فی هذه الفوائد أیضا بنفس الأسلوب:إن الإسلاف و الاستلاف لیسا بمعنی القرض لتکون الفائدة علیهما ربویة محرمة.

غیر أنه یرد علیه مثل الإیراد الأول السابق،و هو أن الاسم و إن کان استلافا إلاّ أنه أدانه للمصرف،یکون فیها المصرف دائنا هذه المرة و المستلفین مدینین.

کما یرد علیه مثل الإیراد الثانی و هو أن السلف فی الفقه،هو البیع مع

دفع الثمن و تأجیل المثمن.و هو مما لا ینطبق علی المورد لیکون له حکمه.

الأسلوب الثالث:ما ذکره بعض أساتذتنا من أن الفائدة إن کانت

علی المال المقترض کانت حراما

(1)

إلاّ أننا نعتبرها فی هذا الأسلوب من التکییف علی الإقراض کعملیة اختیاریة یقوم بها المالک.

أقول:و هذا المعنی یشمل کلا شکلی التعامل،أعنی سواء کان المصرف مدینا،فی صورة الودائع،أو دائنا فی صورة السلف.

و اعترض علیه باعتراضین بتقریب منا:

الأول:یشبه ما قلناه(أولا)عن الأسلوب الثانی،و هو أننا یجب أن یکون تابعین لقصد المتعاملین،و لا نحمل علیهم ما لا یقصدون.و من الأکید عقلائیا و مصرفیا أن الفوائد:مال مدفوع بإزاء المال المقترض لا بإزاء عملیة الاقتراض.

الثانی:ان المال المدفوع کأجرة أو کجعالة علی عملیة القرض،غیر صحیح فقهیا.لأن ما یکون قابلا لذلک إنما هو العمل الذی له مالیة عقلائیة.

و الإقراض لیس له مالیة زائدة عقلانیا علی المال المقترض نفسه.

و هذا الاعتراض لا یخلو من مناقشة علی أی حال،لأن الإقراض من قبیل قضاء الحاجة و السعی فی مصلحة الفرد،فإن لم یقصد بها المجانیة، استحق علیها الأجرة کائنة ما کانت.فالصحیح فی الجواب هو الوجه الأول من حیث أنهم لم یقصدوا الجعالة و لا جعل الفائدة علی عملیة الإقراض.

الأسلوب الرابع:ما ذکره قدس سره أیضا من إمکان تحویل معاملة

القرض إلی بیع

(2) بإیضاح منا:

فبدلا من أن نعتبر الإیداع و التسلیف قرضا،یمکن أن نعتبره بیعا للنقد


1) 1) البنک اللاربوی،ص 164،و ما بعدها.

2) 2) نفس المصدر:ص 173. [1]

بعضه ببعض.بعد أن نعرف أن النقد المتداول لیس من الذهب و الفضة و لیس من المکیل و الموزون لیصدق علیه حکم الربا.

و معه فمن الممکن القول:بأن بیع مئة دینار حاضرة أو مدفوعة،بمئة و عشرین دینار مؤجلة إلی شهر مثلا.

و هنا یصدق علی کل من الإیداع و التسلیف،و إن لم یذکره قدس سره، غیر أن الإیداع یکون فیه المصرف مشتریا و التسلیف یکون فیه المصرف بائعا.إلاّ أنه یرد علی هذا عدة وجوه نذکر أهمها:

أولا:أنه خلاف مقصود المتعاملین،لأن مقصودهم لیس هو البیع بکل تأکید.و المعاملة کما قلنا تحتاج فی إیجادها إلی القصد مع البیان أو الإبراز بقول أو فعل و کلاهما غیر متحقق لا القصد و لا البیان من قبل المتعاملین.

ثانیا:أن هذا یتوقف علی أن لا تکون النقود الحالیة من قبیل السندات للذهب و الفضة المذخورة فی المصرف.فإنها إن کانت هکذا کان تبادلها تبادلا للذهب و الفضة فی الواقع.

إلاّ أننا عرضنا هذا المعنی فی الفصل الذی تحدثنا فیه عن المال، و قلنا فی النتیجة أن النقود الحالیة معزولة عن غطاء الذهب و الفضة تماما.

فهذا الاعتراض غیر وارد.

ثالثا:ما ذکره قدس سره بإیضاح منا:من أن هذا الأسلوب لا یبرر زیادة الفائدة علی المقدار المشترط.إذ المفروض عملیا فی المصارف أنها تزید بمدة الزمن.و أما فی مثل هذا العقد أو البیع الذی ذکرناه،فلا یستحق البائع أکثر من الفائدة المحددة فیه.

و أجاب علیه:بأنه یمکن أن یشترط البائع علی المشتری ضمن عقد البیع مضافا إلی زیادة السعر أنه إذا أجل المجیء به عن المدة المشترطة، فإنه یدفع کذا و کذا من المال.سواء کان بنحو التحدید أو بنحو الکسر العشری.و بهذا یضمن وجود الفائدة و حلیتها.و الشرط الواقع فی عقد البیع یکون ملزما،و لیس هو شرطا فی القرض لیکون ربویا.

و قد نفی أن یکون هذا من قبیل أخذ العوض علی الأجل،و لم یوضح وجهه الفقهی.و الکلام فیه موکول إلی الفقه.و العمدة فی الجواب هو الأول.

الأسلوب الخامس:تحویل القرض الربوی إلی عملیة بیع بأسلوب آخر

غیر ما سبق.و هو المشهور بین الفقهاء المتأخرین.و من العجیب غفلة بعض أساتذتنا عنه،مع أنه کان بصدد الاستیعاب.و منه سیدنا الأستاذ (1)

مستحدثات المسائل:ص 4.

.

و حاصل الفکرة:أننا نعتبر القرض غیر ربوی،یعنی خال من الفائدة.

و تکون الفائدة مدفوعة کثمن لشیء ما غالبا ما یکون بسیطا،کعلبة ثقاب أو مسبحة رخیصة و نحوها (2).

و قد کان بعض التجار المتشرعة عند ما یطمعون بالفائدة الربویة یعملون بهذا الأسلوب،و یفتیهم مشهور الفقهاء بالجواز.و فی الأغلب أنه کان الدائن حین یدفع علبة الثقاب یقبضها المدین و یدفع ثمنها ثم یرجعها إلی الدائن کشیء رخیص یمکن التنازل عنه.و خاصة بعد حصول النتیجة و أخذ الفائدة.

و الفکرة النظریة هنا شاملة للإیداع و التسلیف فی المصرف معا کما هو واضح.

و یمکن أن یتکرر بیع العلبة فی کل شهر أو فی کل سنة،أو فی أی موعد یراد به استحصال الفائدة الربویة.

کما یمکن أن نعتبر المعاملة باطلة أساسا لأنها ربویة،غیر أن المدین یتصرف بما وصل إلیه بالإباحة.و الدائن یحصل عن رأس المال مع فوائده ببیع علبة الثقاب بکل المال دفعة واحدة،و لو بلغ آلاف الدنانیر.

غیر أن اعتبار المعاملة باطلة أساسا،بلا موجب بعد عدم اشتراط


1) 1)

2) 2) و کذلک قیمة الورق المسجل علیه المعاملة أو أجرة التسجیل و نحو ذلک.

الفائدة فیها.إلاّ أن الطریقة تفید فی الربا فی البیع یعنی مقایضة الذهب بالذهب و الفضة بالفضة،و المکیل و الموزون بأمثالها،فإننا نجعل الزیادة عندئذ بإزاء الشیء الآخر کعلبة الکبریت.و هو مما یفتی المشهور بجوازه.

و هو الصحیح مع قصد المعاملة بعنوانها و کونها جدیدة لا لمجرد الحصول علی الربح الحرام.إلاّ أننا علی أی حال نکون قد خرجنا عن الحدیث عن معاملات المصارف.

فالمهم الآن هو الوجه الأول أو الرئیسی فی هذا الأسلوب.و هو غیر منطبق علی معاملات المصارف أیضا لوضوح عدم قصدهم للبیع،کما هو واضح أولا.و عدم استعمالهم أی شیء یقوم مقام علبة الکبریت ثانیا.إلاّ أن انطباقه علی من یقصده و یستعمله أمر ممکن علی أی حال.

فهذا هو الکلام فی الجهة الثانیة فی هذا الفصل،و قد أنتجت عدم إمکان تبریر الفائدة الربویة بالأسالیب التی ذکرناها.و قد ذکر بعض أساتذتنا وجوها أو أسالیب أخری تعتبر أبعد فقهیا مما سبق أن ذکرناه،و لذا أعرضنا عن عرضها.

الجهة الثالثة:فی تکییف العمل الرئیسی للمصرف ککل و هو الإیداعات و التسلیفات.من الناحیة الفقهیة

اشارة

و ینبغی قبل أن ندخل فی تفاصیل التکییف أن نلتفت إلی عدة نقاط:

النقطة الأولی:أننا حین ندخل فی التکییفات،ینبغی أن نغض النظر

عن نقاط الضعف

التی سطرناها فی الفصل الذی تحدثنا فیه عن تقییم المصارف ککل.فإن صادف بعض هذه التکییفات أن أزالت نقطة أو أکثر من نقاط الضعف فهو المطلوب و إلاّ کانت النقاط الأخری غیر منظورة.

و هذا ینتج أن هذه التکییفات إنما تصدق أو تصح،فیما إذا کان الحال خیالیا عن نقاط الضعف تلک.و إلاّ لم تصدق بطبیعة الحال.و کانت هذه التکییفات مجرد مرحلة فکریة معینة أو نظریة غیر منطبقة علی واقع المصارف.

النقطة الثانیة:سبق أن ذکرنا إجمالا و نکرر الآن لیتضح فی ذهن

القاری أن التکییفات عموما إذا کانت مخالفة لمقاصد المتعاملین عملیا،

فإنها لا یمکن أن تصدق

و إنما تصدق فقط فی صورة العلم بها و تنفیذها و قصدها.

النقطة الثالثة:أن التکییف یعرض کأطروحة محتملة و لیس کشیء ناجز

إلاّ بعد توفر القرائن و الأدلة الکافیة علی ما هو حجة منها.

و معنی الأطروحة،هو إیجاد فکرة متکاملة عن حقل ما من حقول المعرفة،یتصف هذا الحقل بأنه من الصعب الحصول علی أمر جزمی بصدده.فنقول:إنه لعله کذا و کذا،و هذه هی الأطروحة.ثم نحاول جمع القرائن و الدلائل علی صحتها مهما أمکن.و قد یکون للمفکر أن یطرح عدة أطروحات محتملة یحاول أن یقیم علیها الدلائل.و أی من هذه الأطروحات صحت فقهیا و قامت علیها الدلائل التی تکون حجة و معتبرة شرعا،کانت هی الصحیحة،و إن لم یتم شیء من الأطروحات،کان معنی ذلک بطلان التکیف الفقهی للواقع الحاضر،و أن الواقع یخالف الفقه بقلیل أو بکثیر.

النقطة الرابعة:أن اختلاف الفتوی الفقهیة بین الفقهاء لها الأثر الکبیر فی تغییر الأطروحة و اختلاف تفاصیلها طبقا لما یراه أی فقیه من الحکم الذی تم الدلیل عنده فیها.و لا یستطیع أن یدمج بها حکما لیس بحجة،و إن کان أقرب إلی تذلیل المشکلة،لأنه عندئذ یفسد حجیة جمیع الأطروحة.

و لکن الفقیه الذی یری صحة ذلک الحکم و قیام الحجة علیه،یری الأطروحة تامة من تلک الزاویة.

و علی أی حال فالاختلافات بین الفقهاء فی الفقه کثیرة جدا،نتیجة لاختلافهم فی فهم الکتاب الکریم و السنة الشریفة و فی تطبیق القواعد العامة علی الفروع الفقهیة مما یجعل لذلک انعکاسا مهما،علی مجال حدیثنا لا محالة.

النقطة الخامسة:إن أی مصرف معین أو إن المصارف ککل إنما هی تکوین نظری

لو صح التعبیر تفتق عنه ذهن البشر فی العصور المتأخرة لیکون أسلوبا من أسالیب النفع لجماعة من الناس المرتبطین بالمصرف بشکل و آخر.

و هذا الأسلوب النظری،إذا لاحظناه تجریدیا أو نظریا،لم نجده متعینا لا یمکن غیره،بل یمکن بطبیعة الحال لمن أوتی فکرا و اختصاصا أن یطرح عدة إشکال أو أطروحات لإعمال البنوک،قد تکون مغایرة بقلیل أو بکثیر مما هو علیه الآن.و قد تکون فی نفس الوقت أقل صعوبة من الناحیة الفقهیة.

و من هنا یمکن أن نفهم من أی أطروحة مستویین من التفکیر:

المستوی الأول:بصفتها صالحة لتبریر الواقع علی واقعه،و هو الحال الجاری،فی المصارف حالیا.فقد تصلح الأطروحة أو التکییف الفقهی لذلک و قد لا تصلح.

المستوی الثانی:أننا ننظر إلی الأطروحة بصفتها اقتراحا فقهیا إلی تغییر الواقع طبقا للأطروحة،لیکون التصرف المالی أقل صعوبة.من الناحیة الشرعیة،و أضمن للحلیة و الجواز.

و قد تکون بعض الأطروحات عاجزة عن تنفیذ المستوی الأول،و لکنها قادرة علی تنفیذ المستوی الثانی.و ان کان الأول منعقدا علی ازجاء المستوی الأول مهما أمکن.لأنه هو الأقرب و الأنسب من الناحیة العملیة.

النقطة السادسة:یختلف الحال فی الأطروحات أو التکییفات فی إمکان

الصدق و التطبیق و عدمه فی أمور عدیدة

نشیر إلی المهم منها:

أولا:فی کون المصرف الذی نتحدث عن تکییفه هل هو وحده فی المجتمع أو توجد مصارف أخری مستقلة.

ثانیا:ان النفوس فی المجتمع هل هی طامعة بأقصی مقدار من الربح و بأی وجه کان.أو أن لدیها شیء من القناعة أو أخذ الآخرین بنظر الاعتبار أو أخذ الشریعة بنظر الاعتبار.

لأن التکییف وحده،أمر نظری لا یکون قابلا للعمل إلاّ من خلال النفوس التی تقوم بتنفیذه،الأمر الذی یجعل الأمر مختلفا تماما ما بین الاتجاهات و القناعات الموجودة لدی الناس.

ثالثا:إن المصرف الذی نتحدث عن تکییفه هل هو قائم بأمر الولی العادل أو أن المجتمع کله کذلک،أو لا.فإن له دخلا فی مشکل التطبیق و قابلیته أساسا.

رابعا:هل أن هذا المصرف قائم بآراء المشرفین علیه أو مالکیة و لیس للسلطة سیطرة علیه،کما فی بعض دول العالم.أو أن السلطة مسیطرة علیه فعلا مع أخذ نوعیة هذه السلطة کما لو کانت رأسمالیة مثلا أو غیر ذلک.فإن ذلک له الدخل العظیم فی قابلیة التکییف للتطبیق بطبیعة الحال.و لا حاجة إلی الدخول فی صور ذلک و احتمالاته.

النقطة السابعة:أشرنا فی العنوان أن التکییف إنما هو خاص بالعمل

الرئیسی للمصارف المتعارفة

و هو الإیداع بمختلف أقسامه و السحب بمختلف أغراضه.

و هذا یعنی أنه تبقی عدة أمور من فعالیات المصرف لا نکون قد استوفیناها من هذه التکییفات.و هذا مما یأتی الکلام عنها فی فصل آتٍ.

و یعنی هذا أیضا اختصاص هذه التکییفات بالمصارف التی تحتوی علی الإیداع و السحب.فإن المصارف أو المؤسسات المالیة من هذه الناحیة علی ثلاثة أنواع:

النوع الأول:المصارف التی فیها إیداع و سحب.و هی المصارف التجاریة فقط.

النوع الثانی:المصارف التی فیها سحب و لیس فیها إیداع.و إنما یعتمد رأس مالها علی القیمة الأساسیة الأولیة له من دون أن یکون هناک إیداعات تضاف إلیه.کالمصرف العقاری و الصناعی و الزراعی و الرهون.

النوع الثالث:المؤسسات المالیة الخالیة من الإیداع و التسلیف معا کسوق البورصة و الخزینة العامة.

و التکییفات الآتیة تشمل بشکل رئیسی النوع الأول بطبیعة الحال.و قد تشمل النوع الثانی من زاویة تکییف السحب خاصة.و أما الحدیث عن النوع الثالث فهو خارج عن هذا الفصل و لعلنا نتعرض لبعض أنواعه،فی فصل آتٍ.

فهذه هی الملاحظات التی ینبغی أن نأخذها بنظر الاعتبار قبل الدخول فی التکییفات.

فی بیان التکییفات علی نحو الأطروحات

اشارة

و الآن حان الوقت فی الدخول فیها.و نجعل کل تکییف بعنوان أطروحة لأنها أسهل فهما و خاصة بعد أن ألمحنا إلی معناها قبلا.

الأطروحة الأولی:ما ذکره بعض أساتذتنا من أن المصرف یکون

وسیطا فی عملیة مضاربة بالمعنی الفقهی بین المودعین و المستثمرین

(1)

و فکرة المضاربة فقهیا تقوم علی أساس أن شخصا ما یعطی لشخص آخر مقدارا من المال لیعمل به و یکون له قسط من الربح.فهی عمل تجاری یکون رأس المال فیه من شخص و العمل من شخص آخر.و الربح بینهما بحسب ما یتفقان علیه من نسبة.

و لا یفرق فقهیا بین عدة صور:

الصورة الأولی:أن یکون صاحب المال واحدا و العامل واحدا أیضا.

الصورة الثانیة:أن یکون صاحب المال متعددا و العامل واحدا.کما لو دفع جماعة أموالهم لواحد لیعمل به.و یکون الربح بینهم،فیما یخص صاحب المال،بنسبة ما دفعوا من أموالهم.

الصورة الثالثة:أن یکون صاحب المال واحدا و العامل متعددا.و هذه


1) 1) البنک اللاربوی،ص 20 و ما بعدها.

تکون مضاربات متعددة ما لم نعتبر للمال وحدة عرفیة،کعمل المتعددین فی محل واحد أو تجارة واحدة.

و یکون الربح العائد إلی عامل المضاربة مقسما بین هؤلاء المتعددین بالتساوی إلاّ أن یتفقوا فی عقد المضاربة علی خلافه.

الصورة الرابعة:أن یکون کلا من صاحب المال و العامل متعددا.

و هذه الصورة أیضاً تکون مضاربات متعددة کلها من الصورة الأولی أو الثانیة، إلاّ أن نفرض شکلاً من أشکال الوحدة فی المال.کما لو اتفق جماعة علی أن یخلطوا أموالهم و یدفعوها إلی جماعة لیتاجروا بها.فیکون لکل من أصحاب الأموال سهماً فی تلک التجارة أو التجارات.کما یکون لکل من العاملین سهماً یخصه مع حصوله الربح،کما هی العادة الغالبة.

و المهم الإلماع إلی أن المضاربة فی المصرف إنما تکون من الصورة الرابعة،لوضوح کثرة المودعین و المستثمرین معاً.

و حیث یرید المؤلف أن تکون أطروحته مطابقة لما علیه المصارف الیوم،فقد أجری لکل من الودائع الثلاث:و هی:الودائع الثابتة و التوفیر و الحساب الجاری صیغته الاعتیادیة،علی أنها یمکن أن تستعمل جمیعاً فی المضاربة المقترحة،مضافاً إلی الرأس المال الأصلی للمصرف.

غیر أنه فضّل الودائع الثابتة کنموذج لمال المضاربة،حیث یمکنه أن یبقی غیر مسحوب لمدة ستة أشهر أو سنة،حسب الاتفاق،ریثما یحصل أو یرد ربح مضاربات المستثمرین.

و أما ودائع التوفیر فاقترح عزل قسم معها لأجل جعلها تحت الطلب توفیراً للسحب الموجود باستمرار.و استثمار الجزء الباقی فی المضاربة.غیر أنه قرر أن هذا القسم لا یعدو أن یکون بمقدار عشرة بالمئة من مجموع إبداع التوفیر.

و أما الودائع المتحرکة باستمرار أو الحساب الجاری.فهو لا یمکن أن

یدخل هذه المضاربة.و إنما اقترح أن یستعمل جزء منها فی مضاربة مستقلة یکون المصرف فیها هو صاحب المال.و یبقی الباقی موفرا لسرعة السحب تحت الطلب.

فهذا حاصل فکرة الأطروحة بغض النظر عن التفاصیل.

و یمکن مناقشة هذه الأطروحة بعدة وجوه:

الوجه الأول:إن هذه الأطروحة خاصة بالبنوک التجاریة و لا تعم أنواع البنوک الأخری،بل لم یرد أی ذکر لأنواع البنوک فی کلامه.

و ذلک:لوضوح أن المصرف الذی یکون بطبیعته تجاریا یکون فیه إیداع و سحب،بخلاف البنوک الأخری فإنها لیس فیها إیداع.و بدونه لا تصح الأطروحة،لأن المودعین فیها یمثلون أصحاب رأس المال.و لا یمکن للمضاربة أن تتم بدون وجوده کما هو معلوم.

الوجه الثانی:إن هناک من الإیداعات فی المصارف لیس لها فائدة ربویة إطلاقا.و هی قسمان:الحساب الجاری و الودائع الحقیقیة،و هی الودائع العینیة التی تتقبلها بعض المصارف لأجل حفظها لقاء أجور معینة.

و کلا النوعین یمکن إبقاؤه علی حاله أو فهمه النظری فی المصرف الاعتیادی لکونه مما لا یناله الحرام.فإدخاله فی ضمن الأطروحة الإصلاحیة،بلا موجب.

الوجه الثالث:أن الإیداع و الاستلاف فی المصرف موجودان باستمرار.

و هو العمل الیومی له مضافا إلی السحب فکیف یمکن انطباق هذه التجارة علی مفهوم المضاربة الفقهی و شرائطه التی منها:حفظ نسبة معینة من الربح للعامل.و عدم جواز تحمیل الخسارة علیه.و تأجیل تقسیم الربح إلی نهایة الموعد.

و الفائدة فی المصرف لا تمثل نسبة الربح علی الإطلاق.و إنما تمثل نسبة معینة من رأس المال الذی هو الودیعة.و إن اعتبرناها من الربح لم تکن

بمقدار مشارکة المودع فی الأموال المستثمرة.و لا یذکر فی المصرف أیة نسبة معینة من الربح،مع أن ذلک فی المضاربة ضروری فی الفقه،إذ لو لم نذکرها لم تکن مضاربة.فإن اعتبر له أجرة محددة فتسمی(بضاعة)و لم تکن مضاربة.و إن لم یحدد له أیة أجرة کانت المعاملة باطلة.

و إذا زاد الربح فی المضاربة وجب إیصاله إلی المودع،الذی هو صاحب رأس المال و لم یکن للمصرف إلاّ أجور الوساطة.مع العلم أن المؤلف یجعل الفائض کله ربما للمصرف بعنوان رضا المودعین بذلک.

و إذا حصلت الخسارة فالحکم الفقهی للمضاربة وجوب أن یتحملها صاحب المال،و هذا یعنی عدم دفع أیة فائدة إلی المودعین.بل أکثر من ذلک بمعنی أن ودائعهم قد تضیع کلها أو بعضها بعنوان أن المستثمرین قد خسروا فی أعمالهم.

فی حین أن المؤلف قد اقترح أن یضمن المصرف نفسه مقدار الخسارة لو وجدت.حفاظا علی ما یجری فی المصارف الاعتیادیة من ضمان الودائع و أرباحها لأصحابها.

مع العلم أنه مع حصول الخسارة،فقد یکون المصرف،ضامنا لرأس المال،و لکن لماذا یضمن الفوائد،علی أن ضمانه لأصل المال بلا موجب فقهیا.

هذا و تکرر السحب و الإیداع یقتضی أن لا یکون هناک تعین عرفی لأصحاب الأموال عن المستثمرین،لاختلاف أشخاصهم باستمرار.فإذا سحب المودع ودیعته خلال شهر واحد،فلا یمکن إعطاؤه أیة فائدة،لأن أرباح المضاربة لدی المستثمرین لم تظهر أو لم تصل إلی حد الآن.و إن کان المودع قد أودع ماله فی التوفیر.هذا من الناحیة الفقهیة.

إذن،فهناک اختلافات أساسیة مع حکم المضاربة فقهیا.

الوجه الرابع:أن وساطة المصرف فی المضاربة إنما یصدق فی

الأموال المودعة،لا فی رأس ماله الأصلی،إذ فی هذا المال الأصلی یکون المصرف هو صاحب المال و المستثمرین عمال مضاربة.

و هذا یعنی أن الأطروحة تضمنت للمصرف ثلاث حالات لا حالة واحدة.

الأولی:هی الوساطة بین المودعین و المستثمرین کوکیل فی مضاربة.

و هو الوضع(الرسمی)المسجل فی الأطروحة.

الثانیة:أن المصرف یکون عامل مضاربة.و ذلک فی الودائع المتحرکة کما ذکره و أشرنا إلیه.

الثالثة:أن یکون المصرف صاحب المال و ذلک فی استعمال رأس ماله الأصلی فی المضاربة.

و هذه الحالات الثلاث تجعل الأطروحة مجملة غیر ذات ترکیز خاص أو وجه محدد.کما هو المفروض و المدعی للمؤلف.کما سیکون الحساب فی قصد المعاملة و توفیر شروط المضاربة لکل منها و تقسیم الأرباح أمرا مشکلا جدا.

الوجه الخامس:إن الاستلاف من المصرف،حتی و إن کان المصرف تجاریا،لا ینحصر أن یکون للتجارة بل قد یکون للزراعة أو الصناعة أو البناء أو الاستهلاک الشخصی.کما قد یکون المستلف یعطی ماله مضاربة لشخص آخر.فلا یکون هو عاملا بل صاحب رأس المال فی المضاربة.

و کل هذه الأشکال من الاستلاف لا یمکن أن تکون من المضاربة فقهیا.و اختص بعضها باسم معین فی الفقه کالمزارعة إذا کان المال مصروفا فی الزراعة و المساقاة إذا کان المال مصروفا فی السقی و العنایة بالزرع.

و من المعلوم أن کون المصرف تجاریا لا ینحصر بأسلوب التجارة التقلیدی،بل یعم کل موارد الاستثمار.و لم یتعرض لهما المؤلف إطلاقا.

الوجه السادس:ان هذه الأطروحة،طبقا لغالب التکییفات الفقهیة، تحتاج إلی قصد لعنوان المضاربة من قبل المودع و المستثمر و المصرف نفسه

علی السواء.و أما من دون أی قصد لعنوان المعاملة لا تکون المعاملة متحققة.

و من المعلوم أن المصارف الحالیة بکل أنواعها لا تقصد ذلک.و إذا تأسس بعض المصارف علی غرارها جری الناس فیها علی نفس الاعتیاد،من دون قصد إلی تکییف معین،فهل یجب فقهیا إعلان ذلک لکل مودع و مستثمر أن المصرف لا یتعامل إلاّ بالمضاربة.

الوجه السابع:یمکن أن یقال من الناحیة الشکلیة،أن هذه الأطروحة لا تخلق مصرفا،و إنما تخلق شرکة مساهمة للمضاربة،فالمودعون هم المساهمون برأس المال،و المستثمرون هم العمال المضاربون.

غیر أنها شرکة مفتوحة قابلة لزیادة الأسهم و نقصانها باستمرار.و هذا أمر ممکن فی الشرکات المساهمة فی عالم الیوم.و بیع الأسهم أمر جار دائما و سنتکلم عنه فی حینه.

غیر أن هذا الوجه،یتضمن تغییرا لعنوان الأطروحة،و لیس مناقشة لأحکامها.فإن المفروض فیها أن تکون أطروحة لمصرف علی الشکل المفهوم اعتیادیا،لا أطروحة لشرکة مساهمة.

و قد یخطر فی البال-دفاعا عن الأطروحة-أن الشرکات المساهمة تستشمر المال بنفسها لأنها تقسمه بین المستثمرین.إذن فالمؤسسة التی تعطی المال للآخرین لکی یستثمرونه،هی مصرف و لیست شرکة مساهمة.

و جوابه:أن المهم فی نظر الشرکة هو الاستثمار و الاسترباح مهما اقتضت المصلحة و فی حدود اختصاصات معینة بطبیعة الحال فإذا اقتضت المصلحة إعطاء المال للآخرین بفوائد لم تأل عن ذلک جهدا.مضافا إلی أن الأطروحة نفسها اعتبرت المصرف بنفسه عاملا فی المضاربة فی ودائع الحساب الجاری.شأنه شأن ما قلناه عن الشرکة المساهمة قبل قلیل.

فهذه أهم الوجوه التی یمکن أن تناقش فیها الأطروحة ککل،و الفصل

الآن معقود کله للنظر إلی المصرف ککل،و نوکل التفاصیل إلی فصل آخر آت.

الأطروحة الثانیة:أننا بدلا من أن نتصور المصرف وسیطا فی عقد

مضاربة،و تکیّف تصرفاته علی هذا الأساس.یمکن أن نتصوره صاحب المال

فی عقد مضاربة و المستثمرون عماله فی هذا العقد

و هو بالطبع یستعمل رأس ماله الأصلی،مع الأموال المودعة لدیه بأی شکل من أشکال الإیداع،کرأس مال مضاربة.و لیس من وظیفة المودعین أن یکونوا أرباب أموال فیها.و إنما الإیداع موکول إلی بعض التکییفات الفقهیة.

أولا:أنه بنحو القرض و الفائدة إنما تکون لقاء ما فعله المودع من حیث یعلم أو لا یعلم من إفادة المصرف فی توسیع أمواله التی یستثمرها.فهی تعتبر أجرا علی ذلک.

و القرض یملکه المقترض و یتصرف فیه تصرف المالک،فإذا ملکه المصرف استطاع أن یستثمره بالمضاربة.

ثانیا:أنه بنحو الإیداع أو الاستعارة،مع اشتراط أمرین:أحدهما:

عدم انحفاظ المال و إنما تنحفظ المالیة فقط،لأنها هی المهمة عرفا و اقتصادا.ثانیهما:أن یأذن المودع للمصرف أن یتصرف فی مالیة هذه الودیعة قبل سحبها تصرف المالک فی ملکه،أی بحسب ما یری المصرف من المصلحة.

و أما الفائدة،فتکون کما أشرنا إلیه فی الفقرة أولا.

ثالثا:ان یکون بنحو الهبة المعوضة أو المضمونة.فبالهبة یملک المصرف ما وصل إلیه من المال و یستعمله کما یشاء،و المفروض أن یستعمله فی المضاربة.و بالضمان یکون للمودع حق السحب متی أراد أو تحت شروط معینة.

فإن لم توجد للإیداع فائدة،فهو المطلوب فقهیا،کما فی الحساب

الجاری،و أما إذا کان له فائدة کیفناها فقهیا بالشکل السابق أو نحوه،مع العلم أن الإرجاع بزیادة لیس حراما فی غیر القرض.فتکون الفقرة ثانیا و ثالثا خالیة من الإشکال أساسا.

و هذه الأطروحة تحتوی علی بعض نقاط القوة،بالنسبة إلی الأطروحة الأولی و ذلک من عدة وجوه:

الوجه الأول:اننا هنا،لا نحتاج إلی أی تکییف للودائع الخالیة من الفائدة،ضمن الأطروحة،بخلاف الأولی،فإن الأموال حین تستثمر فی المضاربة،یستحق المودعین أن یحصلوا علی نسبتهم منها.

الوجه الثانی:ان هذه الأطروحة تبرر الفوائد التی یأخذها المصرف من المستلفین علی أساس کونها جزءا من الأرباح التی تخصه فی عملیة المضاربة،بصفته صاحب المال،و إن کانت کسرا ضئیلا من الأرباح أحیانا.

فی حین اعتبرتها الأطروحة السابقة أجورا علی وساطة المصرف بین أرباب المال و المستثمرین.

الوجه الثالث:ان الأطروحة الأولی وزعت عمل المصرف کما عرفنا، تارة وسیطا و تارة عامل مضاربة و ثالثة صاحب رأس المال.و هو مما یلقی جوا من التشویش کما ذکرنا،و أما هنا فقد أصبح المصرف صاحب رأس المال فقط.

الوجه الرابع:إذا حصلت الخسارة لدی المستثمرین،استطاع المصرف أن یضمن للمودعین ودائعهم.لأن تلک الخسارة غیر مربوطة بهم علی الإطلاق فی هذه الأطروحة.فی حین کان اللازم علی الأطروحة السابقة عدم ضمانها لهم فقهیا بصفتهم أصحاب رأس المال.

نعم،إذا حصلت الخسارة فطبقا لهذه الأطروحة لا یستحق المصرف فوائده من المستلفین.إلاّ أن احتمال الخسارة ضئیل جدا فی مجموع الأعمال علی أی حال.

الوجه الخامس:ان المصرف لا یکون شرکة مساهمة لأنه إنما یکون کذلک إذا ساهم المودعون بالمضاربة،و لیس الآن کذلک.

الوجه السادس:أن هذه الأطروحة تعم سائر المصارف التی یکون فیها تسلیف،سواء کان فیها إیداع أو لم یکن.بخلاف السابقة،فإنها تختص بالمصارف التی تقبل الإیداع،غیر أن المال المستلف هنا ینبغی أن یصرف فی التجارة.

هذا،و ربما تکون هذه الأطروحة أقوی من سابقتها فی بعض التفاصیل من أعمال المصرف التی تأتی فی الفصل الآتی:

و لکن علی الرغم من ذلک فإن عددا من الوجوه التی وردت إشکالا علی الأطروحة الأولی ترد فی هذه الأطروحة أیضا.و هی مشروحة فیما سبق، فنشیر إلیها الآن فقط.

أولا:ان معاملة المضاربة تحتاج إلی قصد و هو غیر متحقق.

ثانیا:أنه لا یشمل صرف المال المستلف بالزراعة و الصناعة و البناء و نحوها من غیر إشکال التجارة التقلیدیة.

ثالثا:إذا زادت الأرباح لدی المستثمرین لم یکن للمصرف إلاّ فوائده التقلیدیة عادة،مع أنه من الناحیة الفقهیة یستحق کسرا أکبر.

و بتعبیر آخر:أنه یستحق کسرا عشریا من الربح لا کسرا من رأس المال،و هو علی خلاف ما هو المتعارف فی المصارف.

و یمکن تلافی أکثر هذه الإشکالات باشتراط خلافها فی تأسیس مصرف قائم علی الأطروحة الثانیة،بخلاف الأولی،فإن أکثر الإشکالات لا یمکن تلافیها بهذا الشکل،کما هو واضح لدی استعراضها.

الأطروحة الثالثة:ان المصرف هو صاحب رأس المال.فإن کان

الاستثمار تجاریا کان مضاربة

و کان لا بد فقهیا من تطبیق أحکامها علیه و إن کان زراعیا قلنا إنه مزارعة أو مساقاة مع تطبیق أحکامها أیضا.

هذا و تکون الصناعة أو المؤسسات الإنتاجیة أو الاستثمار عن طریق البناء أو مطلق المال غیر المنقول،هذا کله یکون مندرجا فی المضاربة،لأنه لا فرق من الناحیة الفقهیة بین التجارة التقلیدیة و بینها.

و کذلک لو کان الاستلاف لجعل مضاربة جدیدة أو تأسیس مصرف جدید فإن المستلف یکون بمنزلة العامل فی المضاربة،غیر أنه لا یقوم بالعمل بالمباشرة.و یکون صاحب المال الرئیسی هو المصرف الذی نتحدث عن تکییف حکمه.

و بهذا نکون قد دفعنا إشکالا رئیسیا کان واردا علی الأطروحتین السابقتین.و تبقی الإشکالات الواردة علی الأطروحة الثانیة مشروطة باشتراط خلافها کما أشرنا تماما هناک.و بهذا لا تکون أی الإشکالات واردة علی هذه الأطروحة.غیر أنها تحتاج فی بعض تفاصیلها إلی إیضاح.

أولا:ان کان الاستلاف للاستهلاک الشخصی لم یندرج فی الاسترباح و لم یجز علیه أخذ الفائدة شرعا.نعم،للمصرف أخذ الأجور لقاء تسجیله و نحو ذلک.و ان کان ذلک بمقدار الفوائد التی تأخذها المصارف عادة.

ثانیا:إن الإیداعات لها نفس التکییف الفقهی الذی سبق فی الأطروحة الثانیة.

ثالثا:للمصرف فی کل هذه الأطروحات أن یأخذ أکثر من حصة الفائدة الاعتیادیة من المستلفین،لأنه یشارکهم فقهیا فی نسبة معینة من الأرباح قد لا تکون قلیلة.إلاّ أن هذا الأسلوب یکون مانعا من تحول الناس علی المصرف و رغبتهم فیه،الأمر الذی یجعله مجبورا أن یکون سواسیة مع الغیر.

رابعا:کل نقاط القوة التی للأطروحة الثانیة بإزاء الأولی،توجد لهذه الأطروحة الثالثة بإزاء الأولی أیضا.و أما قوتها علی الثانیة فباندفاع الإشکال الرئیسی الذی قلناه،من عدم انحصار الاستثمار بالمضاربة.

و قد بقیت هناک للمصارف أعمال و شرائط کثیرة،تأتی فی فصل قادم إن شاء اللّه.

الأطروحة الرابعة:اننا هنا نغض النظر عن عنوان معاملة المضاربة

و غیرها مما قلناه فی السابق.و نرید الآن تکییف أعمال المصارف فقهیا علی

ما هی علیه الآن من ترتیب و نشاط بدون أن نجعل لها قوالب جدیدة

فهل فی الإمکان ذلک أم لا؟ أشرنا فیما سبق أن هناک بعض الأسالیب الفقهیة المحتملة لأجل إنتاج هذه النتیجة نذکرها هنا باختصار:

الأسلوب الأول:الاستدلال بالسیرة علی صحة المعاملات الجدیدة المستحدثة فی العصور المتأخرة.بمقدار ما یفهمها أصحابها و العاملون علیها.

و قد سبق أن هذا الأسلوب لیس بصحیح،لأن السیرة إنما تکون حجة، فیما إذا کانت متصلة بزمن المعصومین علیهم السلام دون ما إذا کانت متأخرة کهذه السیرة.

الأسلوب الثانی:تبریر الفائدة الربویة ببعض الأسالیب السابقة التی بحثناها فی الجهة الثانیة من هذا الفصل.فإن تمت أمکن تکییف أعمال المصارف کما هی،و لکننا أسلفنا أنها غیر تامة.

نعم سبق هناک بعنوان الأسلوب الخامس،ما یمکن فیه التحایل علی حرمة الفائدة الربویة،لکنه أسلوب منوط بالتطبیق و القصد.فإن تم قصده و تطبیقه فالظاهر الجواز.إلاّ أنه غیر مطبق فی المصارف من الناحیة العملیة.

و قد ذکر الفقهاء أسالیب أخری للتخلص من الربا،و لکنها تحتاج إلی قصد بطبیعة الحال،و أن یکون القصد جدیا،إلی المعاملة التی سنذکرها لا لمجرد التخلص من الربا،و إلاّ فمجرد اللفظ لا یکون سببا للتحلیل.و یعتبر کل واحد منها أسلوبا من هذه الأسالیب فی هذه الأطروحة.

أولا:أن یهب الدائن المال الذی یرید إقراضه،و یقبل الموهوب له أو المدین.لکن بشرط التعویض إجمالا.و عند الوفاء یهب المدین المال من جدید زائدا علی ما سبق.

ثانیا:ان یقرض الدائن المال للمدین اعتیادیا.ثم عند الوفاء یهب المدین المال مع فائدته للدائن.ثم یبرؤه الدائن من دینه السابق.

ثالثا:أن یتم القرض أولا کما سبق،ثم عند الوفاء،یقرض المدین المال للدائن مع الفائدة،ثم یبرئ أحدهما ما فی ذمة الآخر من الدین.

رابعا:أن یتم القرض و الوفاء اعتیادیا و تکون الفائدة هبة جدیدة أی بعد القرض الذی یعتبر لا فائدة علیه.

خامسا:أن یکون کلا المالین لهما معاملة بیع،فیبیع المدین علی الدائن علبة کبریت بألف دینار مثلا بیعا جدیا،و له أن یشترط الدائن فیه أن یبیع بعد شهر مثلا علی المدین علبة کبریت بألف و مائة دینار مثلا.و عند انتهاء المدة یطبقان ما اشترطاه.کما یمکن أن تکون المعاملة الثانیة بدون شرط.

و لهم أن یفکروا مع حسن الذوق الفقهی بأسالیب أخری للتخلص من الربا.و إذا کان القصد هو ذلک کان القصد إلی المعاملة جدیا،لأنه ینتج فی الدنیا حلیة المال و فی الآخرة عدم العقوبة علی الحرام.

و مع قصد هذه الأمور قصدا جدیا،یمکن تطبیق نفس الفکرة فی الإیداع و التسلیف معا،فترتفع الحرمة من هذه الناحیة،بغض النظر عن بعض النقاط التی سبق أن سمعناها فی الفصل السابق.

هذا و لا ینبغی أن ننسی الإشارة إلی ما ألمح إلیه بعض أساتذتنا من أن من أسباب زیادة دخل المصرف هو أن یوزع قسما من أمواله فی مصارف أخری بدلا من أن یوزع جملتها علی المستثمرین.لکن ینبغی أن تکون هذه المصارف مما یمکن أخذ الفائدة منه فقهیا و شرعیا،و هی المصارف الحکومیة و المصارف التی یملکها الکفار و المشرکون کما سبق أن ذکرنا.

و عندئذ سیکون الفرق بین ما یأخذه من أرباح منها و من المستثمرین و بین ما یدفعه إلی المودعین،ربحا للمصرف لا محالة.

فصل فی تفاصیل أعمال المصارف

اشارة

و ینبغی التقدیم فی هذا الفصل بعدة أمور:

الأمر الأول:أنه کما بدأنا الفصل السابق،بغض النظر عن نقاط الضعف التی عرفناها فی الفصل الأسبق،کذلک،ینبغی أن نفعل الآن إلا فی حدود ما نستطیع فی هذا الفصل،تلافی بعض تلک النقاط.و المهم أن النقاط التی لم یتم تلافیها ینبغی غض النظر عنها مؤقتا.

الأمر الثانی:فی تذلیل عقبة معینة،أو الجواب علی سؤال معین، ینبغی الجواب علیه جهد الإمکان قبل الدخول فی تفاصیل هذا الفصل.

و ذلک:أننا ذکرنا فیما سبق أن التعامل یکون أحیانا فی المصارف بالأرقام لا بالأموال لا العینیة و لا النقدیة.و قد یکون ذلک من طرف واحد، و قد یکون ذلک من کلا الطرفین،کما فی سوق البورصة.

و قد مثلنا له أن شخصین لهم حساب جاری أو غیره من أشکال الودائع فی المصرف،فیکون لأحدهما دین علی الآخر أو خصم کمبیالة و نحوها، فیتم نقل رقم من حساب أحدهما إلی حساب الآخر.و یعتبر الدین مؤدی قد برأت الذمة منه.

و فی سوق البورصة یتم التبادل بین العملات،لا نقدا و إنما بالأوراق التی سجلت علیها أرقام الحسابات لا أکثر.

فهل هذا صحیح و مجزیا فقهیا أو لا.فإن لم یکن مجزیا تعین الدفع

الفعلی،و لو بسحب المبلغ من البنک و إعطائه للآخر،ثم یودعه الآخر فی البنک بدوره،فتکون العملیة المصرفیة أطول نسبیا.علی أنه من الصعب تنفیذها بالنسبة إلی الأعداد الضخمة من الأموال کمئات الآلاف أو الملایین، لو تحدثنا عن الشرکات الکبیرة أو الدول.فهذه عقبة لا بد من تذلیلها.

و حاصل الکلام فی ذلک أننا لو تجاوزنا الذهب و الفضة التی هی الأساس فی مالیة الأموال کما سبق فی فصل سابق بقی لدینا من الدوال علی المالیة أو قل من الأوراق المالیة ثلاثة مستویات:

المستوی الأول:النقود بما فیها من أوراق و معدن.

المستوی الثانی:الأوراق المالیة المتداولة فی المصارف کالشیکات و السندات.

المستوی الثالث:القوائم أو البطاقات التی تحتوی علی حسابات قد تکون ذات حقل أو اختصاص معین و قد لا تکون.

و یتمیز المستوی الأول عن المستویین الآخرین بالنظر إلیه عرفا بأنه یمثل المالیة نفسها بغض النظر عن شخصیته الخاصة کما فی الذهب تماما حیث عرفنا أن النظر إلیه عرفا هو ذلک أیضا و حیث نسحب الذهب من الساحة الاقتصادیة انتقلت النظرة العرفیة إلی هذا المستوی الأول و هو النقود.

و یختلف المستوی الثانی عن الثالث باستقلال أوراقه بالدلالة علی حساب محدد و مالیة معینة.فمثلا لا یمکن أن یکتب فی الشیک أکثر من رقم واحد فی حین أن البطاقة تحتوی علی أرقام متعددة.

و قد یقال إن المستوی الثانی له خصیصة المستوی الأول بالنظر العرفی باعتبار أنه یمثل المالیة الخالصة فکما یمکن التداول سوقیا بالمستوی الأول یمکن التداول بالمستوی الثانی أو بتعبیر آخر کما المستوی الأول صحیح و مجز فقهیا فکذلک یکون المستوی الثانی لتماثل النظرة العرفیة إلیهما.

و لکن قد یقال بأن هذا لا یتم لوضوح أن الأوراق المالیة المصرفیة لا

یمکن تداولها سوقیا و إنما یتم تداولها فی حدود معینة و فی المصارف خاصة الأمر الذی یجعلها أقل دلالة علی المالیة الخالصة من النقود و جواب ذلک من وجوه منها:

1-ان المهم هو الدلالة علی المالیة لکی تکون الورقة و المالیة مجزیة فقهیا مهما کانت حقیقتها.

2-اننا ینبغی أن نسیر مع الشروط العرفیة للأوراق المالیة و الشرط العرفی للأوراق المصرفیة هو تداولها فی خصوص المصارف علی حین لا یوجد ذلک کشرط للمستوی الأول من النقود.

3-إن المصارف عرفا سوق من الأسواق.لأن السوق لا تختص لمن یعرض بضاعته و إنما تعم کل من له مصلحة فی تبادل اقتصادی معین و یدعم ذلک أن السوق للمشتریات الضخمة لا یمکن أن یکون کالسوق البسیطة الأمر الذی یجعلها محتاجة إلی حساب المصارف و هو ینتج کون المصارف جزءا من السوق لا محالة.

و معه فإذا اشترطنا فی الأوراق المالیة أن تکون متداولة فی السوق کفی تداولها فی المصارف لأنها جزء من السوق کما عرفنا.

بقی علینا النظر إلی المستوی الثالث و هو القوائم أو البطاقات التی تحتوی علی أرقام عدیدة و هی لیست أوراق مالیة عرفا و لا یمکن تداولها بطبیعة الحال و بهذا تفترق عن المستویین السابقین فتکون أصعب تکییفا من الناحیة الفقهیة و ما یمکن أن یقال فی تکییف إجزائها الفقهی و صحتها هو أن نلتفت إلی أن الأوراق المالیة من القسم الثانی علی الأقل إنما تکون صحیحة و مجزیة فی المعاملات عرفا لأنها مربوطة بالنقد علی المستوی الأول بحسب أسبابها و مسبباتها.

أما بحسب الأسباب فلأن الفرد قد لا یستطیع أن یسحب شیکا إلاّ إذا کان هناک حساب مودع فی المصرف فلولا وجود هذا الحساب لم یمکن سحب الشیک.

و أما من ناحیة المسببات فلأن الشیک یؤول أمره فی النتیجة إلی إمکان سحب النقد من المصرف فإنه إن أعطی الساحب نقدا فهو المطلوب فقهیا و إن سجل فی حسابه کذلک فالتسجیل یمکن تحویله إلی نقد فی الوقت الذی یرغب فیه صاحبه.

و هذه النکتة الموجودة فی الشیکات متحققة فی القوائم المالیة لأنها تعود إلی النقد بحسب أسبابها و مسبباتها فینبغی أن تکون صحیحة و مجزیة فقهیا کما هی صحیحة عرفا.

و قد یقال بالفرق بین الشیکات و القوائم المالیة من حیث أن الشیکات مربوطة بالنقد فی أسبابها و مسبباتها دون القوائم المالیة لأن تلک القوائم قد تکون ثمنا لعروض مدفوع و لیس للنقد فهی غیر مربوطة بالنقد من أحد الطرفین أما فی أسبابها و أما فی مسبباتها و جواب ذلک من وجهین:

1-ان المهم عرفا هو وجود الغطاء المالی أو الاقتصادی و هذا صادق بالنسبة إلی المستویات السابقة کلها إذ لو لا هذا الغطاء لم یکن حتی للمستوی الأول أیة قیمة اقتصادیة.

و من المعلوم أن الغطاء لا ینبغی أن یکون مقتصرا عرفا علی النقد و إنما یشمل العروض أیضا.

و معه فما دام للأوراق المالیة غطاء أما من النقد أو العروض بحسب أسبابها أو مسبباتها فهو کاف للاعتبار المالی عرفا و فقهیا.

2-إن المهم عرفا هو النظر إلی مالیة المال و لیس إلی شخصه فکل ما یمثل المالیة یکون مقبولا اقتصادیا و سوقیا و من المعلوم أن العروض یمثل المالیة نحوا من الأنحاء إذ لو لم یکن لها مالیة لما أمکن تداولها عرفا و لم تطبق علیها مختلف المعاملات و هذه المالیة هی التی تصحح دفع الأوراق المالیة بإزائها.و لا حاجة لنا الآن إلی أن نتصور المالیة تصورا خالصا تذوب فیه الشخصیة تماما.لوضوح أن العروض لیس کذلک.و إنما یتداوله الناس لأجل خصائصه الشخصیة لا لمالیته.

و القوائم المالیة ما دامت ذات غطاء من المالیة،و لو بالمعنی المتحقق فی العروض،یکون کافیا،لصحتها عرفا.و خاصة إذا التفتنا أنها فی مرحلتها الأولی أو فی حین تسجیلها مربوطة بالعروض،إلاّ أنها تؤول إلی النقد فی المراحل المتأخرة،إذن یمکن للمالک،أن یسحب قیمتها من المصرف نقدا متی شاء کالشیکات تماما،فلا ینبغی أن یختلف حسابها من الشیکات فقهیا.

و قد یخطر فی البال:ان المعاملات الضخمة عموما إنما هی بالأرقام مهما تحددت و کثر أشخاصها،یعنی لو بیعت العروض عشر مرات لکان کل ذلک بالأرقام فی خصوص المستوی الثالث،و یقل استعمال المستوی الثانی.

أما المستوی الأول،و هو النقد فلا یفکر فیه أحد.

الأمر الذی ینتج أن تحول القوائم المالیة إلی نقد،أمر غیر متحقق فکیف یمکن أن یقال بصحتها و إجزائها فقهیا.

و جواب ذلک من وجهین:

أولا:ان المهم عرفا هو إمکان التحول إلی نقد،متی أراد الطرف.

و هذا یتحقق باستمرار.کل ما فی الأمر أن الأفراد لا یفکرون فی ذلک من أجل سهولة التعامل لا غیر.

ثانیا:ان المهم عرفا هو تحقق المالیة بالمعنی التجریدی أو العام،و هو متحقق فی کل المستویات الثلاثة السابقة،حتی الأرقام المکتوبة فی القوائم أو البطاقات المالیة،لدلالتها علی مقادیر من المال لا محالة.

الأمر الذی ینتج أن المالیة متناولة فی المعاملات باستمرار،مهما طالت،و لو إلی عشر مرات أو مئة مرة.

هذا و یمکن أن یستدل بالسیرة علی صحة الأوراق المالیة أعنی المستوی الثانی و الثالث و ذلک فی وجهین:

الوجه الأول:لا شک أن السیرة قائمة فی السوق علی تداول هذه

الأوراق المالیة و السیرة حجة فقهیا کما سبق أن قلنا و هی تنتج اعتبار هذه الأوراق المالیة و صحة التداول بها.

و جواب ذلک أننا قلنا أیضا إن السیرة إنما تکون حجة إذا کانت متحققة فی زمن المعصومین سلام اللّه علیهم لیکون عملهم بها أو سکوتهم عنها هو الحجة و لا شک أن هذه السیرة التی نتحدث عنها لم تکن متحققة یومئذ فلا تکون حجة بهذا المقدار من البیان إلاّ أن ترجع إلی الوجه الآتی.

الوجه الثانی:أن نلتفت إلی شکل من أشکال الأوراق المالیة غیر النقد الذی کان متداولا فی العصور السابقة.و یمکن أن یقال إنها أکثر من شکل واحد.

الشکل الأول:الأوراق الدالة علی الاعتراف بالدین من قبل المدین سواء کان الدین لقرض أو بیع أو أو غیره فإنها کانت حجة عرفا فی اقتضاء الدین من المدین مع حلول أجله.

الشکل الثانی:الوصولات التی کانت تکتب عند الدفع و هی أیضا شکل من أشکال الورق المالی إذ لولاها یمکن إنکار القبض مع القبض مجددا و لو بالمرافعة القضائیة.

إذن ینتج من ذلک أن الأوراق المالیة کانت موجودة فی صدر الإسلام و علیها السیرة العرفیة و العقلانیة و هو مما یصحح فقهیا بعد التجرید عن الخصوصیة کل المستویات الثلاثة السابقة للأوراق المالیة.

و لا یبقی إلاّ إشکال فقهی واحد عن ذلک و هو أنه قد ثبت فی بعض النصوص و الفتاوی النهی عن الاعتماد عن الکتابة و إسقاط حجیتها شرعا الأمر الذی یعود بنا إلی الإشکال الفقهی السابق و تفصیل الاستدلال علی ذلک لیس هذا محله.

و جوابه مختصرا من عدة وجوه نذکر منها:

أولا:ان المراد لذلک الکتابات المحتملة التزویر أو غیر المحرزة

الصحة دون الکتابات المعلومة الصدق.و لا أقل من احتمال ذلک فقهیا الأمر الذی یجعل الإجماع علی عدم حجیة الکتابة-لو کان-مختصا بغیر هذه الصورة و أما السنة الدالة علی ذلک فهی قابلة للمناقشة أما سندا و إما دلالة مما لا حاجة إلی تفصیله.

ثانیا:یمکن الاستدلال بما دلّ من السنة المتواترة فی مختلف المجالات باعتماد الأئمة علیهم السلام و أصحابهم علی الکتابات فی الوقفیات و الوصایا و الإقرارات و الوصولات و غیرها الأمر الذی یجعل احتمال عدم حجیة الکتابة بشکل مطلق مما لا دلیل علیه فقهیا،فهذا هو الکلام فی الأمر الثانی فی حجیة الأوراق المالیة من مستویاتها الثلاثة و قد نتج صحة حجیتها فقهیا فی حدود المستوی الفکری المعروض فی هذا الفصل.

الأمر الثالث:قد ترد علی التعامل بالأرقام المصرفیة أشکال آخر فقهیا و هو عدم تحقق المعاطاة الأمر الذی ینتج عدم صحة المعاملة أساسا.

فإن المعاملة إنما تصح کما عرفنا فی بعض الفصول السابقة بأحد سببین:

إما العقد اللفظی المحتوی علی الإیجاب و القبول و إما المعاطاة یعنی بدون عقد و قد اشترطنا فی المعاطاة أن یکون هناک تعاط أو قبض من أحد الطرفین علی الأقل فلو حصل ذلک حصلت المعاطاة و صحت المعاملة و أما لو لم یحصل فالمعاطاة غیر حاصلة و العقد اللفظی غیر حاصل کما هو الموجود سوقیا فی عصورنا الحاضرة فتکون المعاملة باطلة.

و من المعلوم فی کثیر من الأحیان أن التعاطی لا یکون متحققا من کلا الطرفین.أما العروض فلأنه یشتری و یباع و هو فی مخزنة لا یتحرک و لا یقبض و أما الثمن فلأنه لا یقبض أیضا و إنما یسجله موظفو المصارف فی حساب البائع فکیف تتحقق المعاطاة.

و جواب ذلک یکون علی مستویات منها:

المستوی الأول:إن المتعاملین،کالبائع و المشتری مثلا یتحدثان

و یتفقان علی إیجاد المعاملة بلا شک،و هو المسمی بالمقاولة فی لغة الفقهاء.

فنقول هنا فقهیا:إن هذا الحدیث کاف فی صدق العقد.و لا دلیل علی أکثر من ذلک.

إذ یصدق علیه أنه (تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ) و (أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ) و غیر ذلک من العمومیات.

و أما الدلیل علی لزوم العقد الذی تعبد الفقهاء بلزومه،فالأمر المهم منه هو الإجماع و الخبر المعتبر القائل:إنما یحلل الکلام و یحرم الکلام.

أما الإجماع،فهو أولا:لم یثبت وجوده أساسا،و إن ثبتت الشهرة بالتأکید.و ثانیا:ان القدر المتیقن منه هو حصول اللفظ أیا کان دون العقد (الرسمی)الذی اشترطوه.و من المعلوم فی القواعد أن الإجماع لا یکون حجة أکثر من القدر المتیقن.

و أما الخبر المعتبر،فمن الواضح أن(المقاولة)أیضا هی من نوع الکلام،و هو یصدق علیها بلا حاجة إلی ما هو أکثر من ذلک.

المستوی الثانی:أنه یمکن أن یقال إن التعاطی من طرف واحد متحقق فعلا.فإنه کما یحدث فی دفع الثمن نقدا کذلک یحدث فی دفع الورق المالی کالشیک.

و کذلک یحدث فی صورة أخری هی المهم فی هذا المستوی و هو أن موظفو المصرف یسجلون الرقم الجدید فی حساب البائع.فهنا یمکن أن یعتبر هذا التسجیل من قبیل التعاطی من أحد الطرفین و أن الموظفین یعملون ذلک بالوکالة أو الإذن من قبل البائع.فإذا تم ذلک تم التعاطی لا محالة.و هو کاف فی حصول المعاطاة.

المستوی الثالث:اننا لو تنزلنا عن المستویین السابقین لم یحصل البیع لعدم العقد و المعاطاة معا،و لکن یمکن القول:إنه لا ضرورة إلی حصول البیع،بل یکفی حصول(الإباحة)و ذلک أن یحصل من البائع دلالة حالیة أو

مقالیة تدل علی الإذن للمشتری بالتصرف بما وصل إلیه من العروض بکل أنحاء التصرف،کتصرف المالک فی ملکه،و کذلک إیجاد نیة التملک علیه و هو اعتباره ملکا له بالمقصد إلی ذلک مع بیانه بقول أو فعل.و هو ما یحصل عملیا و إن لم یتم القبض.کما لو اعتبره ملکا له.ثم أراد بیعه.فیکون التصدی للبیع بیان لهذا القصد.و هذا یکفی فی حصول الملکیة الحاصلة فی طول الإباحة المشار إلیها.

الأمر الرابع:تنقسم الأموال المتداولة فی المصارف من ناحیة حکمها الفقهی إلی عدة أقسام و لکل قسم نتائجه أیضا:

القسم الأول:المال المحکوم فقهیا بالملکیة الشخصیة للفرد أو الشرکة التی تمتلک المصرف أو قل:التی تمتلک رأس المال.

و هذا یحدث فیما إذا لم یکن فی تصرفاتها المعاملیة أیة مخالفات شرعیة.و یکون حکم التعامل معه اعتیادیا کأی تاجر آخر.و المال المقبوض منه بالمعاملات الصحیحة یعود بالملکیة لمالکه الجدید.

القسم الثانی:مال حرام کله شرعا أو کثیر منه بنسبة مجهولة.و هذا یحدث فیما إذا کان المصرف ملکا لفرد أو شرکة متکونة من أفراد یتعاملون بالربا.و المال الحاصل بذلک حرام و التعامل مع مثل هذه الشرکة حرام شرعا.

القسم الثالث:مال مجهول المالک باصطلاح الفقهاء.و هذا یحدث فیما لو کان مالک رأس المال عملیا هو حکومة من الحکومات المسلمة، و لیس للأفراد شرکة فیه.

و التعامل مع مثل هذا المصرف جائز عملیا،و المال المقبوض منه حلال بشرط أن یقبض قبضا شرعیا بمعنی أن یقصد الفرد قبض المال عن الولی العادل الذی یکون ولیا شرعیا عن المالک المجهول.و عبارته أن یقول:

أقبضه عن الحاکم الشرعی.ثم یقول:أتملکه لنفسی.و هذا القبض هو

الذی ذهب إلیه بعض أساتذتنا و کاتب هذه الحروف و لم یذهب إلیه سیدنا الأستاذ.

و هذا شامل للنقد و العروض بکل أشکاله بشرط دخوله تحت یده و سلطته لیتم القبض و یصح القصد.کما یشمل الشیکات و الأسهم و نحوها من الأوراق المالیة.

و أما مجرد نقل رقم معین من حساب أحد إلی آخر،فهذا لا یحتاج إلی هذا القصد.و إنما یحتاج إلیه ما یتم قبضه من المصرف من المالیات.

القسم الرابع:الأموال المتداولة فی مصارف یملکها الکفار و المشرکون.و هذا یحدث فیما إذا کان المصرف فی بلد کل ساکنیه أو أکثرهم من هذا النوع.أو إذا علمنا أن رأس المال ملک لأفراد أو حکومات من هذا القبیل.

و حکمه،کما أشرنا فی مناسبة سابقه،جواز التعامل معه،ما لم یحصل عنوان ثانوی محرَّم کتأیید الکفر و نحوه.و المال المأخوذ منه یکون ملکا للقابض بقصد التملک المدلول علیه بقول أو فعل.سواء کان نقدا أو عروضا أو أوراقا مالیة.و سواء کان من رأس المال أو الفائدة الربویة.

و یبقی نفس الحکم فیما لو کان المتعاملون مع مثل هذا المصرف من الکفار و أما لو کان منهم مسلمون فستکون نسبة غیر معینة من المال من قبیل (مجهول المالک)فلا بد من تطبیق القصد الفقهی السابق الخاص به،علی ذلک المال باعتبار تلک النسبة المجهولة علی واقعها.

الأمر الخامس:فی منهجه هذا الفصل الذی عقدناه للحدیث عن تفاصیل أعمال المصارف.کما یتضح فی عنوانه،و کانت هذه الأمور الخمسة من قبیل المقدمات له.

و بالرغم من أن أعمال المصرف کثیرة و متعددة بحیث یصعب برمجتها تحت عناوین عامة علی الأغلب.و المهم فیما یلی هو الحدیث عن کل عمل

بعنوان مستقل.إلاّ أن محاولة إعطاء منهجیة و لو تقریبیة شیء حسن و لو لمجرد الاطلاع.

هذا و ینبغی الإلماع هنا،إلی أن هذا الکتاب لا ینبغی أن یستوعب کل التفاصیل،فإن ذلک من وظیفة کتاب خاص بها و لیس من وظیفة فصل فی کتاب،کما هو الحال الآن.کل ما فی الأمر أننا ینبغی أن نتعرض لعدد مهم من أعمال المصرف حسب أهمیتها،مما یلقی بعض الضوء تجاه الأمور الأخری التی قد نحذفها.

و ینبغی بطبیعة الحال أن نأخذ ما قلناه عن المصارف قبل ذلک.إلاّ نقاط الضعف السابقة فی فصل سابق.فإننا هنا کما سبق أیضا نتکلم بغض النظر عنها إلاّ ما أمکن تلافیه من هذه النقاط.

کما ینبغی الإلماع إلی أن أی عمل من أعمال المصارف،له جهة نظریة وجهة عملیة.تتکفل الجهة النظریة قضیة سبب تأسیسه و فائدة المصرف و غیره منه.و تتکفل الجهة العملیة أسلوب تنفیذ العمل من مراجعة الموظفین و أخذ تواقیعهم علی الاستمارات و نحو ذلک.

و بالتأکید فإن هذا الکتاب یتجه إلی البحث عن الجهة النظریة دون العملیة.لوضوح أن الجهة العملیة إنما خططت لأجل إنجاح الجهة النظریة فقط و إنجازها بأسهل و أدق شکل ممکن.

أما الجهة النظریة فهی التی تلتقی مع الفقه حینا و مع القانون حینا.

و هی التی یهم التعرض إلیها هنا،إلا ما کان من بعض الأسالیب العملیة التی تدلنا علی بعض الأفکار النظریة فقد نحتاج إلی التعرض إلیها.

و یمکن تلخیص أهداف المصرف النظریة،بعد التجاوز عن معنی التجارة و الاسترباح الذی هو بالتأکید الهدف الأساسی له.یمکن تلخیصها بما یلی:

أولا:خدمة الأهداف الاقتصادیة لأفراد المجتمع،و تقدیم التسهیلات لهم من جمیع الجهات الممکنة،و فی مختلف مشاریعهم و أعمالهم.

ثانیا:خدمة الدولة فی إعمالها الاقتصادیة،مهما کان هدفها.

ثالثا:خدمة من یکون فی داخل حدود الدولة من أفراد ذوی جنسیات مختلفة و تقدیم ما یمکن من التسهیلات لهم.

رابعا:أخذ المصارف التی فی خارج الدولة بنظر الاعتبار و التعاون معها،و أداء ما ینفعها أحیانا،مهما أمکن.

خامسا:التقلیل من الخسائر إلی أقصی درجة ممکنة فی معاملاتها.

فإن احتمالات الخسائر موجودة و أسبابها عدیدة،و لها طرق من التلافی و الاطمئنان و لو بجعل قسم من الأموال المصروفة علی ذمة العمیل،إلی غیر ذلک.و لعلنا نحمل فکرة عن بعض ذلک فیما یلی من البحث.

و یراد من الخسائر قلة الربح و لیس ضمور رأس المال بطبیعة الحال، فإن ذلک یبدو أمرا غیر محتمل.

سادسا:التوسع فی أسالیب الاسترباح إلی أکبر حد ممکن مما هو مناسب مع وضع المصرف من وجهة نظر الذین یفکرون فی قواعده و أسالیبه، و تتخذ لذلک عادة عدة أسالیب خارج أعمالها التقلیدیة من الإیداع و التسلیف.

کخصم الکمبیالات و شراء الأسهم و مصادرة بعض إشکال الأموال،کالمال المجمد لمدة طویلة کست عشرة سنة حسب قانون المصارف فی العراق،و غیر ذلک مما قد نحمل فکرة عن بعضه فی المستقبل.

سابعا:التوثق من المستلفین،بحیث یضمن إعادتهم لما استلفوه مع فوائده،سواء کان لهم رصید،أم کان استلافهم مکشوفا لا رصید له.و ذلک:

عن طریق خطابات الضمان،(الکفالات)و نحو ذلک.

ثامنا:الترغیب للمجتمع بالتعامل مع المصرف،لوضوح أنه کلما زاد المتعاملون معه زادت أرباحه.و لهذا الترغیب عدة أسالیب أهمها و أوضحها جعل یانصیبات لمن یشارک فی الإیداع أو غیره.و منها جعل وثائق تأمین لکل مشارک حتی من الجهات غیر المتعلقة بالمصرف کالغرق و الحریق.

هذا.و یمکن إدراج أعمال المصارف ضمن العناوین العامة التالیة، لکی نتحدث عن منهج الفصل الذی قلناه قبل قلیل و هو منهج تقریبی کما قلنا:

أولا:الإیداعات بأقسامها الثلاثة:الودائع الثابتة و التوفیر و الحساب الجاری.

ثانیا:التسلیف للأفراد،سواء عن رصید سابق أو علی المکشوف.

ثالثا:الاعتمادات المستندیة التی تخص الاستیراد الخارجی.

رابعا:شراء الأسهم و السندات للمصارف الأخری و الشرکات،و بیعها.

خامسا:خطابات الضمان التی یصدرها المصرف للأفراد.

سادسا:مصادرة بعض أشکال المال،کما سبق مثاله و له أمثلة أخری.

علی ما یأتی.

هذا و نتکلم عن أهم أعمال المصرف ضمن عناوین مستقلة،نعتمد فی کل منها الحدیث أولا عن العمل المصرفی فی ذلک الفرع لو صح التعبیر، مأخوذا من مصادر مصرفیة موثوقة،ثم نعلق علیه،ما ینبغی من التعلیق الفقهی المناسب.

فی ذکر عناوین أهم أعمال المصرف

الودائع النقدیة

اشارة

و هی عبارة (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ص 35 ج 2.

عن مبالغ نقدیة یودعها أحد الأشخاص الحقیقیین أو المعنویین لدی المصرف،و واجبة الدفع عند الطلب أو بعد إنذار أو فی تاریخ استحقاق معین لقاء فائدة معینة أو بدونها حسب الاتفاق.

و هی علی نوعین:

1-الودائع الوقتیة:

و هی المبالغ التی تودع لدی المصرف لمدة غیر


1) 1)

محدودة،للمودع الحق بسحبها حیث الطلب،دون أن تمنح له أیة فائدة علیها.

2-الودائع الثابتة:

و هی المبالغ التی تودع لدی المصرف لمدة ثابتة و لقاء فائدة بنسبة معینة تمنح حسب شروط الاتفاق مع المودع.

و إذا لم یتم سحب الودیعة الثابتة عند استحقاقها،فلا تحتسب أیة فائدة علی المبلغ للمدة التی تلی تاریخ الاستحقاق لغایة تاریخ السحب،و لکن یستمر المصرف باحتساب الفوائد علی الودائع الثابتة عند استحقاق أجلها دون مراجعة المودع عند ما یکون المودع قد سبق أن خول المصرف تمدید أجل الودیعة تلقائیا لنفس فترة الإیداع.

رهن الودیعة

یجوز للمصرف قبول رهن الودیعة توثیقا للتسهیلات المصرفیة أو السلف التی تمنح للعملاء (1)

المصدر:ص 45.

.علی أن یکون مخوّلا من قبل الراهن باستقطاع دین المصرف و فوائده من مبلغها عند استحقاق السلفة أو التسهیلات،و عدم دفعها.

و من الواضح أن هذا الحکم شامل لکلا شکلی الودیعة:الوقتیة منها و الثابتة.و یبدو أنه لا یختلف الحال بین أن یرهن الودیعة الثابتة خلال مدتها أو بعد انتهائها ما دامت الودیعة ملکه.ما لم تذهب واردا للدولة إذا لم یراجعها إلی مدة ست عشرة سنة.

کیفیة الإیداع
اشارة

و یمکن الإیداع نقدا أو بموجب شیک أو حوالة أو بنقل من حساب آخر لدی المصرف بتخویل تحریری من المودع لقاء تنظیم مستند تسویة للإیراد لقید المبلغ فی حساب الودیعة المختص.


1) 1)

و من جملة الودائع التی یقبلها المصرف:

ودائع التوفیر

و لم أجد له فی مصادرهم تعریفا معینا فقد أخذوه علی سجیته و اشترطوا (1)

المصدر:ص 9.

فی المودع أن یکون شخصا حقیقیا لا معنویا باستثناء بعض اللجان ذات الأغراض الاجتماعیة.

و یتم (2)إیداع المبالغ بحساب التوفیر نقدا أو بموجب شیکات أو حوالات و ما شابهها و ذلک من قبل صاحب الحساب أو من قبل الغیر.و یجوز أن یتم الإیداع عن طریق نقل المبالغ من حسابات أخری لدی نفس المصرف أو من المصارف الأخری سواء کانت تلک الحسابات تعود لنفس صاحب الحساب أو لغیره.

و السحب یمکن أن یکون نقدا،کما یمکن أن یکون عن طریق نقل مبالغ من حساب التوفیر.إلی حساب آخر،کما یکون قابلا للرهن أیضا.

و المعروف أن فرق التوفیر عن غیره من الودائع أنه مما یمکن سحبه متی شاء المودع،مع وجود فوائد علیة علی حین تکون الودائع الثابتة مشروطة بانقضاء مدة معینة مع الفوائد،و تکون ودائع الحساب الجاری بدون فوائد.و سنناقش هذه الفروق بعد قلیل.

و قالوا (3)عن الفوائد المدفوعة عن التوفیر:إن الفائدة تحتسب علی أساس الرصید الأقل فی الحساب خلال کل شهر.و إذا سحب الرصید المتبقی فی أی یوم فتدفع الفائدة علیه لغایة الشهر الذی یسبق الشهر الذی تم فیه السحب.


1) 1)

2) 2) المصدر:ص 15.

3) 3) المصدر:ص 21.

ودائع الحساب الجاری

عرفت (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ج 1 ص 3 ط 1.

المادة(401)من قانون التجارة رقم(149)لسنة 1970 المعدل:الحساب الجاری بأنه:عقد یتفق بمقتضاه شخصان (2)علی أن یقیدا فی حساب عن طریق مدفوعات متبادلة و متداخلة الدیون الناشئة عن العملیات التی تتم بینهما من تسلیم نقود أو أموال أو أوراق تجاریة قابلة للتملیک و غیرها.و أن یستعیضا عن تسویة هذه الدیون عن کل دفعة علی حدة بتسویة نهائیة ینتج عنها رصید الحساب عند غلقه.

و تنقسم الحسابات الجاریة إلی ثلاثة أنواع:

أولا:الحسابات الجاریة الدائنة.و هی الاعتیادیة التی یقوم أصحابها بالإیداع فیها و السحب منها بحدود الرصید الدائن و لا یسمح بتجاوزه.

ثانیا:الحسابات الجاریة المدینة(الحسابات المکشوفة).

و هی الحسابات الجاریة التی یمکن لأصحابها بالسحب منها بمبلغ أکثر من المبالغ المودعة فیها و یقتصر استعمال هذه الحسابات علی الأشخاص الذی یقرر المصرف منحهم الاعتمادات(التخصیصات)المکشوفة ممن یعتمد علی کفاءتهم المالیة.

ثالثا:الحسابات الجاریة غیر المقیمة،یعنی التی لا یقیم المودع لها فی البلاد باستمرار.بإزاء القسمین السابقین اللذین یعطیان للمقیم.

و لبعض هذه الأنواع انقسامات أخری فرعیة و أحکام متعددة کأخذ الرهن علی الحساب المکشوف و غیره.مما سوف نتعرض إلی المهم منها بعد ذلک.

و لکننا الآن استطعنا أن نحصی الأنواع الأساسیة من الإیداعات فی


1) 1)

2) 2) و هما المودع و المصرف.

المصارف.و لا ینبغی أن نتعداها قبل أن نحسب حسابها الفقهی أولا لندخل بعد ذلک إلی تفاصیل أخری.

فی بیان بعض الأمور المتعلقة بالتکییف العام للمصارف
اشارة

و فی الفصل السابق الذی عقدناه لفهم التکییف العام للمصارف،ما یفی بکثیر مما نرید أن نقوله الآن،نذکره فیما یلی مختصرا مع بعض الإضافات،ثم نحاول أن نستنتج النتائج الفقهیة المطلوبة.ضمن الأمور التالیة:

الأمر الأول:سبق أن قلنا إن التکوین المصرفی لو صح التعبیر،إنما

هو تکوین تشریع اعتباری

یمکن قبوله کواقع حاضر فعلا،فلو أمکن تغییر بعض التشریعات أو کلها،و هی لا شک متغیرة و متطورة بتغیر الأزمان و بتغیر الإیدیولوجیات لدی الناس،أنتج الأمر صفات أخری من أوصاف المصارف.

و هذا ینتج فی مقامنا هذا،أن الفرق بین الإیداعات إنما هو فرق تشریعی و لیس فرقا منطقیا أو عقلیا.رأی مشرعوه أو مؤسسوه أن من الأصلح هو ذلک دون غیره.فلو تغیّرت بعض التشریعات لما بقی هذا الفرق قائما، فإما أن تتشاکل أو تکون هناک فروقات أخری.أو أن تتعدد أشکال الودائع أکثر من ثلاثة.کل ذلک ممکن منطقیا علی أی حال.

و لکننا هنا ینبغی أن ننظره کواقع مطبق فی المجتمع،و نحاول فهمه من الناحیة الفقهیة.

الأمر الثانی:سبق أن حللنا معنی الودیعة المصرفیة فقهیا،من عدد من

الجهات،نذکر ما سبق باختصار

و ما یستجد نذکره بمقدار الحاجة إلی الإیضاح.

فما یمکن أن یکون تکییفا فقهیا للودائع علی العموم ما یلی:

أولا:إنفاذ الواقع علی واقعه،یعنی قبول وجهة النظر المصرفیة فی فهم الودائع،قبولا فقهیا.

و قد سبق أن ناقشناه بوجهین

1-عدم إمکان التمسک بالسیرة فی هذا الصدد.

2-إجمال العبارة المصرفیة و عدم تحدیدها الفقهی،من حیث کونها ودیعة أو دینا.و قد سبق إیضاحه.

ثانیا:إن المال مدفوع لکی یدفعه المصرف لآخرین لیکونوا عمالا فی مضاربة،بصفته وسیطا بین الطرفین.کما هو مقتضی الأطروحة الأولی السابقة.

ثالثا:أن المال مدفوع لیکون ملکا للبنک،و یکون هو صاحب رأس المال فی مضاربة یؤسسها مع المستلفین و المستفیدین.کما هو مقتضی الأطروحة الثانیة السابقة.

رابعا:إن المال مدفوع لیکون ملکا للبنک،و یکون هو صاحب رأس المال فی معاملات مختلفة أهمها من حیث العناوین الفقهیة:المضاربة و المزارعة و المساقاة و الإجارة مضافا إلی الاسترباح التجاری المباشر،الذی یمکن إدراجه فی هذا المجال أیضا.و هذا هو مقتضی الأطروحة الثالثة السابقة.

و قد سبق أن عرفنا نقاط القوة و الضعف فی جمیع هذه الأطروحات الثلاث.

خامسا:إن المال المودع مدفوع بنحو الودیعة بالاصطلاح الفقهی.إلاّ أن هذا المعنی ینافی ملکیة المصرف له،لأن الودیعة لا یملکها الودعی.

سادسا:إن المال المودع مدفوع بنحو الاستعارة بالاصطلاح الفقهی.

و یرد علیه نفس الإشکال.و جوابه هنا إمکان الإذن للمصرف بالتصرف کما سبق.

سابعا:إن المال مدفوع قرضا للمصرف،و بذلک یملکه المصرف و یستطیع التصرف فیه.و هذا هو المفهوم تقلیدیا لدی المصرفیین و المجتمع.

و نقطة ضعفه الرئیسیة فقهیا هی الفائدة الربویة،التی سنتکلم عنها بعد قلیل.

و بهذا یتضح أن الفهمین المتداولین اجتماعیا للإیداع،و هی(الودیعة) و(القرض)لا یخلوان من صعوبة فقهیا.بخلاف بعض التکییفات الأخری، و هی إنما تصح إذا قصدها المتعاملون،کما عرفنا فیما سبق،دون ما إذا لم تکن مقصودة.

الأمر الثالث:فی تفسیر الفائدة المصرفیة:

و قد عرفنا لها فی الفصل السابق بعض التکییفات،فنسردها هنا مختصرا مع بعض الإضافات:

أولا:أنها فائدة ربویة فعلا علی المال المقترض.فتکون محرمة شرعا.

إلاّ أن هذا یتوقف علی عدة أمور:

1-أن یکون القصد بالمعاملة المصرفیة هو القرض دون غیره،مما سمعناه قبل قلیل.إذا الودیعة مثلا لا معنی للفائدة فیها و لا تکون محرمة،لو کان الإیداع المصرفی ودیعة فقهیة فعلا.

2-أن لا یکون المقصود بالفائدة بعض الأمور التالیة:

3-أن یکون المال ملکا لشخص أو أشخاص من المسلمین معیّنین، یتعاملون بالربا.و أما إذا کان المال مجهول المالک أو ملکا للکافرین، فلا حرمة فیه.

ثانیا:إن المال المدفوع کفائدة إنما هو تشجیع من المصرف إلی المودعین (1)

کما صرّحت به بعض المصادر المصرفیة.انظر ص 9 من:(کراس بعنوان:مصرف الرافدین).

لأجل حثهم علی الإیداع و تکثیر أعدادهم ما أمکن.فهو هبة لأجل هذا التشجیع.فلا تکون حراما شرعا.

و هذا إن صح فی الفائدة المدفوعة إلی المودعین،لا یمکن صحته فی الفائدة المأخوذة من المستلفین،لوضوح عدم قصد المستلفین تشجیع


1) 1)

المصرف علی الدفع.نعم،لو قصدوا ذلک بصراحة و بشکل جدی لا لمجرد التحایل،کان ذلک جائزا.

ثالثا:إن الفائدة مال مدفوع کأجور علی عملیة الإقراض،بصفتها قد أدت نفعا للمقترض.و قد عرفنا عدم صحتها.

رابعا:إن هذه الفائدة نکیّفها بصفتها ربحا فی بیع،کما وصفناه فی الفصل السابق بأکثر من أسلوب.و قد عرفنا أنها جمیعا قابلة للمناقشة.

خامسا:إن الفائدة أصبحت حلالا بأحد أسالیب التخلص من الربا التی سبقت أیضا مع مناقشاتها.و قد عرفنا علی أی حال أنها صحیحة فی أنفسها، و لکنها تحتاج إلی قصد جدی.

الأمر الرابع:أن هناک أکثر من شکل للتعامل المصرفی،یعتبر خالیا من الفائدة

فهو من هذه الناحیة لا إشکال فیه فقهیا أولا:الحساب الجاری،فإن القصد منه،کما عرفنا فی هذا الفصل إنما هو تمشیة مجموعة معاملات تتم بین المودع و المصرف،لأجل إزالة الدفع و الأخذ المتکرر فیها،کما هو واضح من تعریفه.و لیس المقصود منه هو أخذ الفائدة.و لذا لا تدفع المصارف عنها أیة فائدة و إن کان هو الشکل الأهم من أشکال الإیداع تجاریا.

ثانیا:الودائع النقدیة الثابتة للأشخاص الحکمیین (1)

المصدر:ص 11.

و التی تقل مدتها عن الشهر الواحد.

ثالثا:یوقف سریان الفائدة (2)عند نقل الرصید من حساب التوفیر و ذلک عند الوفاة أو غلق الحساب أو وقوع الحجز التنفیذی علی صاحبه أو عند دفعه إلی الجهة الحاجزة مباشرة.


1) 1)

2) 2) دلیل المعاملات المصرفیة:ج 2 ص 21.

رابعا:سمعنا فی حساب التوفیر أیضا أن الفائدة تدفع علی أساس الرصید الأقل فی الحساب.و هذا یعنی أن الجزء الآخر،أو قل المسحوب لیس علیه فائدة.فلو کان حسابه ألفا و سحب نصفه کانت الفائدة علی الخمسمائة المتبقیة لا علی الخمسمائة المسحوبة.

و قد توجد موارد أخری أحیانا.

الأمر الخامس:فی حقیقة الحساب المکشوف

و إنما یسمی مکشوفا لأنه بدون رصید،و یعتبر الرصید(غطاء) للمعاملات،و کل ما لم یکن له غطاء فهو مکشوف.فالحساب المکشوف هو الذی لا غطاء له و لا رصید له.

و إنما هو مجرد تخویل أو اعتماد أو إذن من المصرف للعمیل بأن یتصرف بهذا المقدار من المال الذی لم یکن قد أودعه فیما سبق و لم یسبق له ملکه.

و من هنا کان هذا النحو من الحساب یعتبر مخاطرة قد تذهب علی البنک بجزء منه أو به کله.و لذا لا یعطیه البنک إلاّ عند الثقة العالیة التی تثبت بالتجربة أو بخطابات الضمان(الکفالات).أو یعطیها لقاء رهون معینة کأملاک منقولة أو غیر منقولة،و حساب جاری دائن أو حساب توفیر أو نحو ذلک.

و یسمی الحساب المکشوف حسابا مدینا،لأن العمیل یکون مدینا فیه للبنک بخلاف الحساب الاعتیادی.فإن العمیل یکون فیه دائنا عند ما أودع أمواله بالحساب الجاری.

فمتی من الناحیة الفقهیة یصبح الفرد بالحساب المکشوف مدینا للمصرف.فیه احتمالان:

الاحتمال الأول:أنه یصبح مدینا عند فتح هذا الحساب.و أخذ الاعتماد أو الإذن بالتصرف بهذا المقدار من المال أیّا کان.

الاحتمال الثانی:أنه لا یصبح مدینا إلاّ بالسحب و القبض.و من

المعلوم أن القبض شرط فی صحة القرض شرعا.فلو لم یحصل ذلک لم یصبح العمیل مدینا.

و لکل من الاحتمالین بعض الوجوه الفقهیة نذکر بعضها:

فمن الوجوه المثبتة للاحتمال الأول:

الوجه الأول:أن المصرف بشخصیته المعنویة خوله عمیله بمقدار مجموع حسابه المکشوف و أعطاه علیه سندا قانونیا،هی ورقة الاعتماد.فهو و إن لم یقبض المال إلاّ أنه قبض هذه الورقة المالیة الدالة علیه.و هذا یکفی فی اعتبار قبض المال کله عرفا.

إلاّ أن هذا الوجه غیر تام لإمکان المناقشة بالشخصیة المعنویة،کما سبق أن شرحنا فی الفصل الخاص بها،و المناقشة فی کون ورقة الاعتماد ورقة مالیة کالشیک مثلا.و إنما هی ورقة إثبات قانونی للحساب المکشوف لا أکثر.

الوجه الثانی:إن السیرة العقلائیة و السوقیة قائمة علی اشتغال ذمة العمیل بالحساب المکشوف.و السیرة حجة فقهیا.

و جوابه:أولا:أنها سیرة متأخرة عن صدر الإسلام فلا تکون حجة، کما کررنا فی أمثالها مرارا.

و ثانیا:أن السیرة لا تقتضی ذلک بل تقتضی اشتغال الذمة بعد السحب،و هو الاحتمال الثانی.بدلیل علی أن العمیل إذا لم یستخدم حسابه المکشوف و ألغاه قبل استخدامه لم یکن مطلوبا أن یدفع للمصرف أیة مبالغ.

فی حین لو کان قد سحب منه شیئا و ألغاه.کان مسئولا عن المبالغ التی سحبها لا محالة.

و أما فی الاحتمال الثانی:فلو تم السحب و القبض،فلا إشکال فقهی من هذه الناحیة.

و إنما الإشکال یبدأ إذا لم یکن هناک قبض بل اکتفی المصرف

بالترحیل (1)

الترحیل:اصطلاح مصرفی یقصد به نقل الحساب من حساب شخص لآخر أو من شکل لآخر من شخص واحد کنقل المال من التوفیر إلی الحساب الجاری له و بالعکس.

من حساب لآخر.و اعتبره علی ذمة الحساب المکشوف.فهل یعتبر هذا کافیا فی القبض فقهیا أم لا.

و قد سبق فی الأمر الثانی من هذا الفصل أن بحثنا ما یشبه هذه الحالة.

و عرفنا أنه مع استعمال الشیک و نحوه من الأوراق المالیة،یکون القبض لا إشکال فیه.و إنما الأشد إشکالا من الناحیة الفقهیة هو الاکتفاء بالترحیل لو تم من قبل موظفی المصرف بدون قبض العمیل.

و قد قلنا هناک أن المهم هو مالیة المال،و القوائم و البطاقات المالیة، تمثل هذه المالیة لا محالة،أو قل تمثلها الأرقام نفسها.و الموظف فی المصرف عند الترحیل إنما یعمل ذلک برضی و إذن أو قل:بوکالة عن العمیل.فیقبض المالیة بالمعنی العام بالوکالة عنه.و بهذا یتم القبض.و هذا یکفی فتأمل.

الأمر السادس:فی نقل حساب إلی حساب آخر:

و هذا یتصور علی أشکال عدیدة لأن الودائع کما عرفنا عدة أنواع.کما أن النقل یمکن أن یکون من حساب الشخص إلی حساب شخص آخر له أیضا کالنقل من حساب جار إلی التوفیر أو بالعکس.أو من الحساب الجاری المکشوف إلی الاعتیادی منه.و قد نصت المصادر علی إمکان أن یکون للفرد الواحد نوعین من الحساب الجاری،فضلا عن نوعین من الودائع کالتوفیر و الجاری.

کما یمکن أن یکون النقل من حساب شخص إلی حساب شخص آخر،نتیجة لوجود معاملة بینهما أو کونه وارثا أو غیر ذلک.

کما یمکن أن یکون النقل من مصرف إلی مصرف،و هذا إنما یتم فی الحوالات الداخلیة و الخارجیة،و سیأتی الکلام عنها.

و النقل الذی نتحدث عنه یمکن أن یتم بعدة طرق:


1) 1)

الأول:أن یتم السحب نقدا و القبض من الحساب الأول.ثم الإیداع بالحساب الثانی.و هذا لا إشکال فیه فقهیا،من هذه الناحیة یعنی أنه أوضح فی صحته من الطریقین الآتیین.

الثانی:أن یتم السحب و الإیداع عن طریق الشیکات،أو أیة ورقة مالیة معدة للدلالة علی المال بحیالها.و قد قلنا فی الأمر الثانی من هذا الفصل کونه جائزا.

الثالث:أن یتم النقل من حساب إلی الآخر عن طریق الترحیل من قائمة إلی قائمة بدون شیک (1)

کما یحدث فی النقل من التوفیر أو الودائع الثابتة إلی الجاری لنفس الشخص،و ما یحدث فی الحوالات الهاتفیة و البرقیة،و غیر ذلک من الأسالیب،و لا ینحصر مصرفیا بالشیک.

.و صحته الفقهیة تتوقف علی مثل التقریب الذی قلناه قبل قلیل فی آخر الأمر الخامس فراجع.

فإذا لم یتم و کان الحساب بین شخصین.لم تبرأ ذمة المدین إلاّ بالإبراء بعد حصول الترحیل.إلاّ أن تعتبر قناعة الدائن عرفا بسقوط دینه عن الآمر،أو قل:ببراءة ذمة المدین.کافیة فی براءتها شرعا کما لا یبعد.

الأمر السابع:فی تعلق الحقوق الشرعیة بالودائع المصرفیة،و إمکان

دفعها بها

و هذه قضیة تعم بها البلوی بین المتشرعة فی عصورنا الحاضرة، یعنی أنها تحدث کثیرا بینهم.

الکلام الآن إنما هو بالإیداع و السحب من المصرف الحکومی الموجود فی مجتمعنا کمصرف الرافدین.و لیس بالتعامل مع مصرف شخصی أو شرکة مساهمة ربویة.و الذی قلنا إن التعامل معها محرم شرعا.

و یقع الکلام تارة عن استحقاق الحقوق الشرعیة و تعلقها،و أخری عن إمکان أدائها فی مرحلتین:

المرحلة الأولی:استحقاق الحقوق الشرعیة من الودائع المصرفیة و الودائع إما أن تکون حقیقیة أو أن تکون مالیة فإن کانت حقیقیة و هو ما یودع


1) 1)

فی المصرف لأجل حفظه لقاء أجر معین فقد یستحق الزکاة إذا کان من أنصبتها و هو الأنعام الثلاثة و الذهب و الفضة.

و هنا لا إشکال فی وجود الزکاة عند اجتماع شرائطها لأن الودیعة لا تخرج عن ملک المالک حال کونها تحت ید المصرف فإذا حال الحول علیها وجبت الزکاة.

و إذا کانت الودائع مالیة کالودائع التی تحدثنا عنها قبل قلیل فیقع السؤال ما إذا کانت تستحق الخمس أو لا؟ و یمکن أن نتصور استحقاق الخمس فی هذا المورد فی عدة أشکال:

الشکل الأول:الخمس الواجب فی هذا الخامات الطبیعیة و نحوها کالغوص و المعدن و الکنز.

الشکل الثانی:الأموال التجاریة بعد انتهاء عام من العمل التجاری.

الشکل الثالث:فاضل المئونة عن قوته و قوت عیاله عن سنة کاملة.

و الإیداع المصرفی بالنسبة للشکلین الأخیرین واضح و أما بالنسبة للشکل الأول فالإیداع إنما یتم بعد تحویل الخامات إلی نقود أو بیعها بتعبیر أصح.و بیعها ممنوع قبل دفع خمسها إلا أنه لو باعها و أودع قیمتها فی المصارف بقی فی ذمته الخمس الذی فوته علی مستحقیه.

و المهم فی هذه الأشکال کلها هو السؤال عما إذا کان المال المودع فی المصرف مما یستحق الخمس أو لا؟ و قد یکون من نتائج ذلک أننا إذا نفینا وجوب الخمس أمکن تهرب الفرد من دفعه إلی الأبد و ذلک بإیداع أمواله فی المصرف فلا تستحق الخمس.

و من نتائجه أیضا أنه لو دفع الخمس بشیک مصرفی أو بترحیل من حساب إلی آخر فإن هذا الدفع لا یکون مجزیا و هذا ما نقوله فی المرحلة الثانیة.

و یمکن أن یکون من نتائجه أننا إذا قلنا بعدم استحقاق الخمس لا

یجوز إیداع المال فی المصرف لأن فیه تفویتا لاستحقاق الخمس کما لا یجوز إیداع مقدار الخمس المعزول فی المصرف لا فی حساب الدافع و لا فی حساب المستحق لأنه لیس قبضا شرعیا فهل الأمر کذلک أو لا؟ و ما یمکن أن یقال فی الاستدلال علی صحة کل هذه الوجوه مصرفیا عدة وجوه نذکر أهمها:

الوجه الأول:أن الفرد و إن أودع ماله فی المصرف إلاّ أنه لم یضیّع و ذلک لاشتغال ذمة المصرف به بأحد أشکال التکییف السابقة و خاصة علی ما هو المشهور من کونه قرضا.

و یترتب علی ذلک السؤال عن وجوب الخمس فی المال الموجود فی ذمة المدین فإن قلنا بوجوبه وجب هنا أیضا إلاّ أن الصحیح هو التفصیل بینهما إذا کان الدین حالا أو غیر حال فیجب الخمس فی الأول دون الثانی.

إلاّ أن هذا الوجه لا یخلو من مناقشة لأنه یتوقف علی أن یکون للمصرف ذمة یتعامل بها مع الناس و هذا یتوقف علی وجود الشخصیة المعنویة للمصرف و قد سبق أن بحثنا ذلک فی الفصل السابق.

الوجه الثانی:أن الفرد و إن أودع أمواله فی المصرف إلاّ أن العرف یری أنه لا زال مالکا لها و لم تنقص مالیته فی شیء و الدلیل علی ذلک عرفا أنه یستطیع أن یسحب منها متی شاء و إذا کان مالکا لتلک الأموال و اجتمع فیها شرائط الخمس وجب دفعه.

إلاّ أن هذا الوجه قابل للمناقشة أیضا لأن العرف و إن کان یری ملکیة الفرد لودائعه المصرفیة،إلاّ أن حجیة هذا الرأی العرفی متفرع علی حجة السیرة التی قلنا فی مثلها قبل ذلک ان کل سیرة متأخرة عن صدر الإسلام لا تکون حجة.

الوجه الثالث:أن أموال الفرد المودع و إن اختلطت بسائر أموال المصرف إلاّ أن علیها الدلیل المحدد لها و الدال علی صحتها و ذلک عن

طریق الأوراق المالیة و القوائم(البطاقات)الموجودة فی المصرف.و قلنا فی ما سبق أن هذه القوائم تدل علی ملکیة المالیة بمعناها العام و انتسابها إلی فرد معین بصفته مالکا،إذن فالأموال المودعة لم تضع و إنما بقی لها وجود عرفی أولا و دلیل مادی ثانیا و هذا یکفی فی الملکیة.

و إذا بقیت الملکیة أمکن أن تجتمع شرائط الخمس فیکون دفعه واجبا.

و بذلک یمکن أن یجاب علی الحالات السابقة فلو أودع أمواله التجاریة أو أمواله الشخصیة وجب الخمس عند شرائط وجوبه اعتیادیا و لم یکن الإیداع شکلا من أشکال التهرب عن دفع هذه الفریضة الدینیة و من هنا لم یکن الإیداع حراما لأنه لیس مقدمة للحرام و إنما الحرام عدم دفع الخمس مع استحقاقه لشرائطه سواء کان من الأموال المودعة فی المصارف أو غیرها.

و لا یختلف فی ذلک الودائع الثابتة و التوفیر و الحساب الجاری الدائن من حیث أنها جمیعا تشترک فی حصول الإیداع الفعلی للأموال المملوکة (1)

لا یفرق فی ذلک بین أن تکون مودعة طیلة العام أو بعضا منه،بشرط أن تکون مسحوبة مع القصد.أما الإیداع فلا یحتاج إلی قصد،بل تبقی المالیة الکلیة مقترنة بعنوانها السابق.

بخلاف الحساب الجاری المکشوف حیث عرفنا أنه لا یصبح مملوکا قبل قبضه الأمر الذی ینتج أن القرار المصرفی باعتماد الحساب إذا کان صادرا و لم یکن مسحوبا لم یجب فیه الخمس لعدم تحقق الملکیة الشرعیة له أساسا.

و مما یترتب علی ما قلناه أن الإیداع المصرفی لا یغیر العناوین الشرعیة للأموال و إن کان یترتب علیه زوال ذاتها و شخصیتها إلا أن العنوان کما هو متعلق بالشخص کذلک هو متعلق بالمالیة و قد عرفنا أن المالیة فی المصرف محفوظة فبعد زوال شخصیتها بالإیداع تبقی هناک مالیة کلیة معنونة بالعناوین الشرعیة الاعتیادیة کحق السادة و حق الإمام و رد المظالم و الکفارات و أجور العبادات و غیر ذلک.

نعم لا یتعین بالقبض عند السحب واحد منها إلاّ إذا کان هو المودع


1) 1)

دون غیره بحساب مستقل و أما إذا أودع الفرد عدة وجوه شرعیة بحساب واحد فیحتاج فی تعیینه بعد السحب و القبض إلی القصد یعنی أن یقبضه الفرد بصفته حق الإمام أو حق السادة مثلا.

و ینتج مما قلناه أیضا أن دفع أجور العبادات مثلا عن طریق الشیکات أو ترحیل الحساب یکون مبرئا لذمة الدافع و شاغلا لذمة المدفوع إلیه بصفته أجیرا علی إیجاده لبعض العبادات،و إن لم یقبض النقد فعلا و سنزیده إیضاحا عند الحدیث عن المرحلة الثانیة بعد قلیل.

و ینتج عن ذلک أن الفرد إذا قبض المال المسحوب و لم ینو علیه شیئا من الوجوه الشرعیة لم ینطبق علیه شیء منها و بقی مجهولا للمالک و تعتبر الحقوق الشرعیة بکاملها غیر مسحوبة من المصرف.

و القصد إلی تطبیق العناوین الشرعیة علی المال المصرفی کما یمکن أن یکون علی النقد المقبوض کذلک یمکن أن یکون علی الأوراق المالیة کالشیکات و السندات و کذلک علی الترحیل من حساب إلی آخر مع تحقق القصد الجدی من قبل الموظف الکاتب أو صاحب الحساب الذی یعتبر کالموکل له.

المرحلة الثانیة:من الحدیث عن الحقوق الشرعیة فی الودائع المصرفیة هو الحدیث عن مرحلة الدفع إلی المستحقین فإن الفرد تارة یسحب من المصرف نقدا و یقبضه قبضا شرعیا یخرج به عن کونه مجهولا للمالک و یعطی إلی المستحق فیرتفع الإشکال من هذه الناحیة و أخری یدفع بإشکال أخری کما یلی:

أولا:الدفع بالأوراق المالیة کالشیکات.

ثانیا:الدفع بالترحیل من حساب الدافع إلی حساب المستحق بنیّة کونه معنونا بأحد العناوین الشرعیة السابقة.

ثالثا:قد یوجب الدفع إلی المستحق فتح حساب جدید له کما لو کان

المستحق من الفقراء أو ما یصرف فی سبیل اللّه أو غیر ذلک.

و قد نتج مما قلناه فی المرحلة الأولی أن کل هذه الأسالیب تکون مجزیة شرعا مع قصد العنوان إلی جانب قصد القربة فإن مثل هذا الدفع یعتبر عبادة یجب قصد القربة فیها و یترتب علی ما قلناه إن المال المودع بصفته حسابا جاریا مثلا لو کان کله معنونا لأحد العناوین الشرعیة کحق السادة أو حق الإمام و استعمله الفرد فی الاسترباح التجاری کان کله لمستحق المال الأصلی و لیس للفرد العامل فیه شیء سوی أجور العمل أحیانا نعم بالنسبة إلی الفائدة الربویة التی یدفعها المصرف لا یمکن أن تدخل تحت شیء من الحقوق الشرعیة مهما فسرناها بأحد التفسیرات السابقة و یبقی الحق الشرعی متعلقا بمقدار رأس المال المودع فقط.

و معه فقد یقال إنه یجوز للفرد قصد التملک علی الفوائد المقبوضة عن الحقوق الشرعیة المودعة بصفتها مجهولة المالک و التصرف فیها تصرفا شخصیا أو ملکیا.و لا یبعد أنه لا یمکن أن یقصد بها العنوان الشرعی إذا کانت زائدة عن رأس المال فلو کان الحق الشرعی مائة و الفائدة عشرین و أراد سحبها و قبضها جمیعا لم یکن له أن ینوی العنوان الشرعی علی کل الکمیة لأن العشرین الزائدة فی المثال لا ینطبق علیها العنوان الشرعی.

الأمر الثامن:یترتب علی ما قلناه فی الأمر السابق،من أن المالیة

الکلیة تبقی ثابتة و مملوکة لمالکها أو معنونة بالعنوان الشرعی الذی کانت له و کان لها قبل الإیداع.

و یترتب علی ذلک جمیع الأمور التی تترتب علی الملکیة.ما دامت ثابتة و مستمرة بعد الإیداع.نذکر منها:

أولا:حصول القبض فیما یشترط فیه القبض من المعاملات کالسلف و القرض بمجرد الترحیل من حساب أحدهما إلی الآخر.غیر أن الترحیل یجب أن یکون فوریا فیما یجب فیه التقابض فی المجلس.

ثانیا:وجوب الحج لو کان له مال مملوک مودع فی المصرف بعنوان کونه استطاعة فعلیة إذا کانت الشرائط الأخری للاستطاعة متحققة.

ثالثا:إجزاء دفع زکاة الفطرة بالدفع عن الطرق المصرفیة.

رابعا:اشتغال الذمة بالقرض بل مطلق الدین بین شخصین فی أیة معاملة تقع عن هذا الطریق و إمکان الوفاء به أیضا.

خامسا:دفع مهر الزوجة و بدل الخلع و نحوه منه.

سادسا:ان المال الکلی المودع فی المصرف ینقسم میراثا بین الورثة و لا یجوز لأحدهم أو لغیرهم السیطرة علیه بصفته(مجهول المالک).

إلی غیر ذلک من النتائج الفقهیة،و قد سبق جملة منها قبل قلیل أیضا و المهم أنه طبقا لهذه النظریة یکون المال المودع کالمال الموجود فعلا،من الناحیة الفقهیة،فی التعامل بین الأفراد غیر المصرف نفسه.

الأمر التاسع:فی تقییم و تکییف الحساب الجاری فقهیا

و المزیة الرئیسیة لهذا الحساب،و الذی أسس من أجله کونه غطاء لعدة عملیات تجاریة بین المصرف و صاحب الحساب أو بینه و بین شخص آخر أو أشخاص.و بعد تنفیذ کل العملیات التجاریة مهما طالت یصفو الباقی من الحساب لصاحبه إن بقی منه شیء.

و قد لا تنتهی العملیات بل یبقی الحساب جاریا،باستمرار سنین متعددة،و ربما إلی أمد غیر محدود.

و لا یختلف عن ذلک الحساب الجاری مع الرصید أو المکشوف من تلک الناحیة.کل ما فی الأمر أن الحساب المکشوف یحتاج إلی تغطیة من قبل صاحبه و استیفاء بعد انتهاء العملیات إن بقی منه شیء أو خلالها تدریجا.

و لیس علی الحساب الجاری الدائن فائدة.و هذه هی نقطة القوة فقهیا أو شرعیا فی هذا النوع من الإیداع من باقی الإیداعات التی یکون علیها فوائد ربویة.

إلاّ أن النقطة القابلة للمناقشة هو صفة الجریان فیه.فالفکر التقلیدی المصرفی هو اعتبار مجموع المعاملات تابعة لهذا الحساب،و ان هذه المعاملات بمنزلة المعاملة الواحدة ما دام حسابها واحدا.مع العلم أن هذا المسلک لا یکاد یصح فقهیا بل المعاملات ذات استقلال ذاتی لا محالة سواء کانت بیعا أو قرضا أو إجارة،و لا مجال لتصور وحدة بین المعاملات و لا بین أثمانها.فلکل معاملة عوضها المالی لا محالة و قد یکون هو جزءا من الحساب الجاری أو غیره.

و المهم إن الأطراف یجب أن تأخذ ذلک بنظر الاعتبار فتکون لکل معاملة استقلالها،و العوضین فیها.و لا یمکن أن یکون هناک أی تداخل أو وحدة بین الأعواض و الأثمان بین مجموعة من المعاملات بدون تمییز أو فی نفس الوقت.

نعم،لو أخذنا ذلک بنظر الاعتبار أمکن التحویل علی الحساب الجاری کثمن لکل معاملة تحصل لدیه فإذا بقی منه باقٍ کان لصاحبه.و فی ذلک، أعنی فی هذا الإیداع،شکل من أشکال الاحتیاط للمعاملات التجاریة ککل، لأنها ستکون برصید مضمون علی أیة حال.

هذا إذا کان الحساب الجاری دائنا و له رصید،أما إذا کان مکشوفا، ففیه عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولی:ان اعتماد مثل هذا الحساب من قبل المصرف،لا یجعل الفرد مالکا للحساب الذی ینسب إلیه،من الناحیة الفقهیة،ما لم یکن یصدر الأمر به من الولی العادل أو من یخوّله.

و قد یقال:إننا کما قلنا بملکیة الإیداعات بصفتها مالیة کلیة مدلولا علیها من قبل الفرد لما أودعه،کذلک یمکن القول بملکیة الحساب المکشوف بعد أن خوّله المصرف ذلک بنفس الصفة المالیة الکلیة،فقهیا، و إن لم یرتبط بالولی العادل.

و جوابه:أنه إن لم یرتبط بالولی العادل،فسوف یدخل المطلب الفقهی

فیما ناقشناه من وجود الشخصیة المعنویة فی فصل سابق.

الملاحظة الثانیة:یترتب علی ذلک أن الحساب إنما تتم ملکیته مع القبض الأمر الذی ینتج عدم إمکان المعاملة علیه بین الناس.لأن المشتری مثلا لا یملکه قبل قبضه لیجعله ثمنا لأی شیء.

نعم لو قبض هو المال قبضا شرعیا و دفعه إلی البائع فلا إشکال.و أما لو أعطی البائع شیکا علی المصرف لیقبض.فإذا تم القبض لم یکن هذا المال المقبوض ثمنا للعروض،بل من قبیل المال المجهول المالک المستقل عن ملک المعاملة.نعم له أی البائع أن یقبض هذا قبضا شرعیا،ثم یبرئ ذمة المشتری بصفته قد قبض مقدار دینه.

کما أن للمشتری أن یشترط علیه فی المعاملة الإبراء عند حصول القبض.و لو کان هذا الأمر متعارفا و مفروضا،کان بمنزلة الشرط،فلا یجب علی المشتری تکرار الدفع.

الملاحظة الثالثة:أن الحساب الجاری المکشوف بصفته غیر مملوک لا یترتب علیه أثر أو حکم الإیداع بما فیه الحساب الجاری الدائن الذی عرفنا تفاصیله قبل قلیل.

فالدفع من الحساب المکشوف لا یبرأ الذمة من الدین و لا من الحقوق الشرعیة،و لا یوجب الاستطاعة للحج،و لا ینتقل إلی الورثة.و لا غیر ذلک من الآثار.

و أما إذا تم قبضه قبضا شرعیا،فهو یصبح ملکا،و تترتب علیه الأحکام الملکیة،إلاّ أنه یخرج عن کونه حسابا جاریا مکشوفا.کما هو واضح.

و یمکن التلخیص بأن ما یترتب علیه الأثر من حساب المصرف هو الإیداع،و الحساب المکشوف لیس إیداعا،کما هو معلوم أیضا.و إنما هو اعتماد بمبادرة من المصرف نفسه.

الملاحظة الرابعة:قیل فی بعض المصادر (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ج 1 ص 42.

أنه إنما یتم اعتماد

1) 1)

الحساب الجاری:بعد استحصال توقیع العمیل علی استمارة عقد الحساب الجاری المکشوف بمبلغ یعادل مبلغ الاعتماد المخصص مضافا إلیه 20% بالنسبة لجمیع أنواع الاعتمادات المکشوفة.

و هذا یعنی أن المصرف یأخذ توقیع العمیل علی أنه مدیون للمصرف بألف و مئتین مثلا.و لکن الاعتماد هو ألف دینار فقط.و تکون المائتین ربحا خالصا للمصرف.

و یمکن القول فی حدود نوع المصارف التی نتکلم عنها،و التی تتصف موجوداتها فی الغالب،بکونها أموالا مجهولة المالک من الناحیة الفقهیة،بأن هذه النسبة من الربح لیست من الفائدة الربویة فقهیا.بدلیل فقهی قد یفهمه الفقیه من مجموع ما قلناه.

الملاحظة الخامسة:لا یفرق من الناحیة الفقهیة،فی الحساب المکشوف بین کون جمیعه مکشوفا أو بعضه.أو أن یکون للفرد حسابان جاریان فی مصرف واحد أحدهما دائن و الآخر مکشوف.

إذ-علی أی حال-یکون لکل منها حکمه الفقهی الذی عرفنا.

فبمقدار ما هو مودع فی المصرف قبلا،یشمله حکم الملکیة،و بمقدار ما هو مکشوف یشمله حکمه.

نعم،لو أدی الفرد إلی المصرف بعض أو کل حسابه المکشوف،و کان لا زال التعامل علیه قائما،أو مدته غیر منتهیة،کان ما یوجده الفرد من المعاملات علی ما أباه بعد أدائه صحیحا و تترتب علیه الملکیة.

إلاّ أن هذا فیه نقطة ضعف مصرفیة،و هو أن ما یؤدیه یعتبر ملکا للمصرف و لیس للمدین لیکون متداولا فی المعاملات و المصرف لا یزال یعتبر ما یملکه الفرد هو حسابه المکشوف دون غیره إن بقی منه شیء.

نعم،لو کان قد دفع أکثر مما استوفی من حسابه المکشوف،فلا إشکال مصرفیا و لا فقهیا،علی ما قلناه،بأنه یعامله معاملة المال المملوک.

الملاحظة السادسة:سمعنا تقسیم الحساب الجاری إلی مقیم و غیر مقیم،نسبة إلی من فتح الاعتماد له.فإنه قد یکون مقیما فی البلد،و قد لا یکون.و هذا بمجرده لا یشکل فرقا من الناحیة الفقهیة.و أما تحویل ذلک علی مصرف خارجی مراسل،فسیأتی هذا عند الحدیث عن الاعتماد المستندی.

الملاحظة السابعة:لو کان المصرف شخصیا أو شرکة مساهمة من عدة أفراد،فقد یقال:إن الفائدة المستوفاة علی الاعتماد المکشوف لیس ربویا، لعدة أسباب مجتمعة:

أولا:إن التوقیع علی الفائدة قبل القبض.و قلنا إن الفرد لا یملک هذا المال إلاّ بالقبض.

ثانیا:أن القرض مشروط فقهیا بالقبض فی المجلس،و لم یحصل ذلک،إذن فعقد القرض غیر موجود علی الإطلاق لتکون الفائدة ربویة.

ثالثا:أنه لو سحب من الحساب المکشوف و تصرف فیه کان مدیونا للمصرف،بضمان الغرامة لا بالقرض،و فی مثل ذلک،و إن لم تکن هذه الزیادة مشروعة للمصرف،إلاّ أنها لیست ربویة علی أی حال.

و یمکن أن یجاب عن ذلک بأن ما قلناه من عدم ملکیة الحساب المکشوف للفرد الذی أصدر له الاعتماد،إنما هو فی المصارف التی تکون أموالها مجهولة المالک.و أما المصارف الشخصیة التی حررنا الحدیث عنها فی هذه الملاحظة فیمکن أن یکون قرضا مملوکا بغض النظر عن فائدته،لأنه مشمول للفکرة الفقهیة السابقة،و هو أنه یمثل مالیة کلیة مدلول علیها بدال معین و هو ورقة الاعتماد،و صادرة بإذن مالک المال و هو صاحب المصرف أو من یخوله فعلا.

و من هنا یکون قرضا و یکون تسجیل ورقة الاعتماد فوریا بمنزلة القبض فی المجلس.و لکنه إذا کان ربویا کان باطلا و الفائدة علیه محرّمة.

و یترتب علی بطلان المعاملة:

أولا:عدم استحقاق الفائدة.

ثانیا:أنه إذا تم السحب و التصرف ببعضه کان ذلک من ضمان الغرامة،کما قلنا قبل قلیل.

و هذا التسلسل الفکری ینتج أن الحساب المکشوف لو کان من قبل مصرف شخصی و لم یکن علیه فائدة أو استطاعوا أن یکیفوا فائدته بأحد الطرق التی عرفناها فی فصل سابق.کان حسابا شرعیا صحیحا.

الأمر العاشر:ذکرنا عددا من أحکام الودائع مصرفیا،بالرغم من أن لها

أحکاما عدیدة

سیأتی المهم منها إن شاء اللّه تعالی.لکننا تعرضنا فی ما سبق لحکم مهم واحد و هو رهن الودیعة.و من المعلوم أن المال المرهون له أقسام متعددة منها الودائع بأقسامها،غیر الحساب المکشوف لأنه لیس بودیعة.

و منها الشیکات و السندات،و المملوکات المنقولة و غیر المنقولة.کما أن أسباب الرهن عدیدة أهمها کون الفرد مدیونا للمصرف بمال.

و هذا یقتضی أن تتحدث عنه فی عنوان مستقل فی فرصة قادمة،لندخل فی تفاصیله المهمة علی مهل و علی بصیرة من أمرنا.

«المودع»

تعتبر المهم من الشروط المتعلقة للإیداعات علی اختلافها مشترکة بینها.نذکر منها ما هو الأقرب للمفهوم الفقهی و أما الشرائط الأخری،فهی تهم الجانب المصرفی و لا تهم الفقیه.

قالوا فی التوفیر (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ج 2 ص 11.

:أن یکون فاتح الحساب قد أکمل الثامنة عشرة من عمره و أن یکون کامل الأهلیة و لا یوجد مانع قانونی یتعلق بشخصه یمنعه من فتح الحساب و أن یعرف نفسه لدی المصرف إما بواسطة شخص معروف أو بموجب هویة تعریف مقبولة لدی المصرف.

1) 1)

ثم قالوا (1)

المصدر:ص 12.

:یجوز فتح الحساب باسم القاصر ناقص الأهلیة أو عدیمها من قبل الولی الجبری من دون حاجة لتقدیم أی مستند یثبت ولایته.کما یجوز ذلک للوصی المختار و المنصوب و القیم بعد تقدیمهم المستندات الشرعیة الثبوتیة المتعلقة بحجة الوصایة أو القیمومة حسب مقتضی الحال.

و یحق للقاصر تدویر حسابه و تشغیله عند بلوغه سن الثامنة عشرة من عمره.

و مثله تقریبا قالوا فی الحساب الجاری غیر أنهم ذکروا أن التوفیر لا یعطی للشخص المعنوی،بخلاف الجاری.

کما قالوا (2)فی الجاری المکشوف بأنه یجب أن یکون ممن یثق المصرف بکفاءته المالیة.

و بهذا تتلخص الشرائط الآتیة:

1-أن یکون قد أکمل الثامنة عشرة.

2-أن یکون کامل الأهلیة.

3-أن لا یوجد مانع قانونی یتعلق بشخصه یمنعه من فتح الحساب.

4-أن یعرف نفسه لدی المصرف بهویة مقبولة أو بشخص معروف.

5-أن یکون شخصا حقیقیا لا معنویا بالنسبة إلی حساب التوفیر.

6-أن یکون ممن یثق المصرف بکفاءته.المالیة بالنسبة إلی الحساب الجاری المکشوف.

و لنا کلمة حول کل واحد من هذه الشروط:

أولا:حول مقدار عمر المودع.و المهم بلوغه سن الرجال أو النساء و خروجه من حد الطفولة لکی یتصدی بنفسه لإنجاز المعاملة و تکون ولایة الولی ساقطة عنه.


1) 1)

2) 2) المصدر:ج 1 ص 42.

و القانون الوضعی یعتبر هذه السن هی سن الثامنة عشرة.أما الفقه الإسلامی و بإجماع علماء الإسلام بمذاهبه الرئیسیة،فیعتبرها دون ذلک.و قد تحدثنا عن ذلک فی فصل خاص بسن التکلیف من کتاب الصوم فراجع.و إذا بلغ الفرد سن التکلیف الشرعی و کان رشیدا جازت له المعاملات جمیعا و ارتفع عنه القصور و سقطت عنه الولایة ما لم یکن قاصرا من جهة أخری کما لو کان سفیها أو مجنونا.

ثانیا:قالوا:أن یکون المودع کامل الأهلیة.و یراد به طبعا الأهلیة الاعتیادیة و لیس المستوی العالی فی التسلط علی فهم السوق و المعاملات.

و هذا ضروری فقهیا أیضا،لأن انعدام الأهلیة الاعتیادیة،معناه کون الفرد سفیها.و السفیه محجور علیه شرعا یعنی لا تجوز معاملاته علی أمواله إلاّ بإذن ولیه.

إلاّ أن السفه قد یحدث بسبب الخلقة،و هو القصور المتعارف.و قد یحدث نتیجة للبعد عن المجتمع بشکل مکثف بسبب المرض أو الانطوائیة فی الطبع أو ظلم الوالدین أو غیر ذلک بحیث ینشأ الطفل غیر قادر علی التعامل بین الناس و ان کانت قواه العقلیة کاملة،فهو سفیه من الناحیة العملیة،و لا ترتفع الولایة عنه،فی حدود ما هو قاصر عنه،إلاّ بعد ارتفاع القصور الناشئ من التدرب التدریجی علی المعاملات.

ثالثا:عدم المانع القانونی.و هذا المانع یحدث فی القانون فی حالات عدیدة.کما لو کان الفرد مسجونا أو محکوما بالأعدام أو معارضا للدولة أو محجورا علی أمواله بسبب ما.

و هذا مما یتوخاه الفقیه أیضا من الناحیة الشرعیة،فی الحدود التی تعتبر مانعا شرعیا عن ذلک کالمفلّس و العبد.

رابعا:فی التعرف علی شخص المودع،و المهم اقتصادیا لیس مجرد التعرف علی اسمه أو نسبه،و إنما المهم التوثّق منه،من النواحی النفسیة و الاجتماعیة،فلو کان شخصا مشهورا بالإسفاف أو التحایل أو السرقة،

فالمفروض أن المصارف لا تقبل منه إیداعا.و یتضح ذلک عملیا بعجزه عن التعریف و التوثیق من قبل الآخرین.

و هذا الشرط و إن لم یکن فقهیا،لوضوح جواز المعاملات بالنسبة إلی جمیع الناس الأسویاء،إلاّ أنه شرط ضروری للمصارف.إلاّ أنه لا ینفّذ شرعا إلا باشتراط الولی العادل أو من یخوّله فی هذا المجال خصوصا أو عموما.

خامسا:فی اشتراط کونه شخصا حقیقیا لا معنویا،أما الشخص الحقیقی فلا إشکال فی قبول إیداعه،بعد اجتماع شرائطه الأخری.و أما نفی کونه شخصا معنویا،فهو لیس شرطا فقهیا،إلاّ أن یعود إلی فهم معین قلناه فی فصل سابق من الحدیث عن المصارف من أن الشخص المعنوی غیر موجود فقهیا إلاّ إذا رجع الأمر إلی الولی العادل.و بدونه لا یمکن تصور الشخص المعنوی شرعا.و لیس کل جماعة اتفقت علی شیء فقد أوجدت شخصا معنویا.

أما إذا حصل الشخص المعنوی بشکله الشرعی،فلا بأس من قبول ودائعه،بأی نوع کان،من الناحیة الفقهیة.

سادسا:بالنسبة إلی الوثوق بکفاءته المالیة،فهذا مما یشترطه المصرف دفعا لاحتمالات الخسارة و العجز عن الأداء.

و هو ضروری أیضا اقتصادیا و إن لم یکن شرطا فقهیا،إلاّ أن للمصرف أن یرفض هذا التعامل مع من لا یثق به،لأنه بصفته طرفا للمعاملة باختیاره أن ینجز المعاملة و أن لا ینجزها،و لیس مکرها علیها و إلاّ بطلت المعاملة.

فللمصرف حریة الرفض فی التعامل مع من لا یثق بکفاءته المالیة.أو أن یصدر هذا الاشتراط من الولی العادل.

فهذا هو حاصل الکلام عن المودع.

الشیکات

و هو ورقة مالیة مصرفیة یتم التداول و التبادل بها عادة بدل العملات،

بصفتها دالّة علی العملات،و قابلة للتبدیل بها فی أی وقت.

و قد عرّفوه (1)

انظر النشرة الفصلیة لمصرف الرافدین العدد الأول السنة السادسة.عن: دلیل المصطلحات المصرفیة الموحدة الصادر عن اتحاد المصارف العربیة.

:بأنه أمر مکتوب صادر من الساحب(العمیل)إلی المسحوب علیه(المصرف)بدفع مبلغ محدد إلی طرف ثالث(المستفید)من حساب الساحب.و یجب أن یشتمل الشیک علی عناصر و بیانات محددة بالقانون.

و هی ورقة خاصة مصرفیا بالحساب الجاری و لا تشمل باقی الودائع، و هی تشمل الجاری المکشوف أیضا.

و یراد بالعمیل الوارد عنوانه فی التعریف،من یکون له فی المصرف حساب جاری،و أما المستفید فقد عرّفوه (2):بأنه حامل الورقة التجاریة تظهیرا أو تحریرا و الذی یحق له تسلم المبلغ المذکور فیها.

و عرّفوا التظهیر،بأنه التوقیع علی ظهر الورقة التجاریة للتوکیل أو الضمان أو نقل الحق.

و قد قسموا الشیکات إلی عدة أقسام أهمها:

الشیک المصدق أو المعتمد،و قد عرفوه (3):بأنه الشیک الذی یؤشر علیه المصرف ملتزما بدفعه،و یقوم المصرف عادة فی هذه الحالة بحجز و قید الشیک من حساب الساحب.

الشیک المسطّر (4):و التسطیر عبارة عن وضع خطین متوازیین علی وجه الشیک و الغرض من التسطیر هو التحقق من دفع قیمة الشیک إلی مالکه الحقیقی خصوصا فی حالة سرقته أو ضیاعه.و الشیک المسطر لا یجوز لحامله أن یقبض قیمته نقدا من المصرف المسحوب علیه.و إنما یقیّد فی الحساب الجاری للمستفید.


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه.

3) 3) المصدر العدد الثالث السنة 1984.

4) 4) المصدر نفسه.

الشیک المصرفی (1)

المصدر نفسه.

:شیک مسحوب من مصرف علی مصرف آخر.

یعنی لیس صادرا من فرد بل من مصرف ذو حساب عند مصرف آخر.

الشیکات المتقاطعة (2):و هی الوسیلة التی یلجأ إلیها بعض العملاء فی إظهار أرصدة رمزیة فی مقابل السحب علی حسابین للعمیل فی مصرفین مختلفین.

إلی غیر ذلک من الأنواع التی لا تهم فقهیا.

و الشیک و إن کان من جانب أسبابه خاصا بالحساب الجاری،بمعنی أن المصرف لا یزود بالشیکات إلاّ صاحب الحساب الجاری،دون غیره من المودعین إلاّ أنه من ناحیة نتائجه یعتبر ورقة مالیة،لا تقصر عن النقد الاعتیادی فمثلا:

1-یمکن الإیداع فی المصرف عن طریقه سواء فی جار آخر أو توفیر أو أیة ودائع أخری.

2-التعامل بین المصارف أنفسها.

3-التعامل بین الدولة و المصرف.

4-التعامل بین الأفراد کثمن فی معاملة بیع أو قضاء دین أو غیر ذلک.

5-التعامل بین الفرد العمیل و المصرف نفسه کدفع الفوائد إلی غیر ذلک.

و الشروط أو الحدود المعتبرة للشیک مما ذکرناه و لم نذکره أحکام تعبدیة،یمکن نظریا من الناحیة الاقتصادیة تغییرها بدون ضرر اقتصادی غالبا.

فمثلا:کما یمکن نظریا السحب من الحساب الجاری بالشیک کذلک یمکن السحب من أیة ودیعة أخری.و کما یمکن أن یسحب العمیل من المصرف بالشیک کذلک یمکن أن یسحب المصرف من عمیله و خاصة إذا کان


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه.

شرکة أو دائرة حکومیة.و إن کنت أعلم أنها ستکون فکرة نشازا فی السوق الحاضرة،إلاّ أنّه من الناحیة النظریة لا مانع منها.

و کما یمکن أن نحصل علی نتیجة التظهیر و هی إقامة الدلیل علی رصا صاحب الحساب و تنفیذه للمعاملة،بالتظهیر نفسه،کذلک یمکن أن نحصل علیها بطرق أخری کالتوقیع فی وجه الشیک أو غیر ذلک.و یکفی أن نلتفت بهذا الصدد إلی أن المصرف لا یسلّم مبلغ الشیک و لو أخذ الإذن أو الطلب من صاحب الحساب مشافهة إلاّ أن یتم تظهیر الشیک.مع العلم أن الکلام منه لا یقتصر فی الدلالة عن توقیعه نفسه فی إنجاز المطلوب.

و الظاهر أنه لا یمکن السحب من الحساب الجاری إلاّ بشیک حتی من قبل الفرد نفسه صاحب الحساب،بأن یکون هو العمیل و(المستفید)نفسه.

و کذلک فإن شکل الشیک و حکم تسطیره و غیر ذلک،من الأحکام المتفق علیها کواقع معاش،یمکن تغییره نظریا.و لا یبعد أن تکون بعض التغییرات أشد ضمانا من الحال الموجودة لو دقق الإنسان فی تفکیره.

کما أن بعض الشرائط التی اعتبروها فی الشیکات لا دخل لها أصلا من الناحیة الاقتصادیة و لا من الناحیة الشکلیة،أو الاستیثاق من الأمر.

کاشتراط نظافة الورقة من الحبر و غیره من الأوساخ و کونه غیر ممزق إطلاقا أو أنه یجب إسقاطه بعد تاریخ معین.إلاّ أن یکون المراد انتهاء الحساب الجاری نفسه.

و الشیک کأی شیء آخر یمکن بیعه و شراؤه،إما بقیمته أو أقل،فیما إذا کان للمشتری مصلحة فی ذلک.و قد یمکن بیعه بأکثر مع بعض المصالح للبائع أو المشتری.و إن لم یحدث عملیا ذلک علی الظاهر.

و الشیک الذی یمکن بیعه لیس هو الورقة الخام و إنما هو الورقة الموقعة لأمر شخص معین لشخص آخر هو المستفید،فبدلا من أن یکون المستفید هو البائع سیکون هو المشتری.و لا حاجة إلی شطبه و تغییره بعد کونه جامعا للشروط،فیمکن السحب به و دفعه إلی الآخر.

نعم،لو کان الشیک لأجل التسجیل فی الحساب،کالمسطر،و لم یمکن سحبه نقدا،احتاج بیعه إلی عمل إضافی لکی یسجّل فی حساب المشتری بدلا من حساب البائع.

فهذه هی أهم أحکام الشیک مما هو المهم فقهیا.و تبقی سائر التفاصیل علی کثرتها أمور غیر مربوطة بغیر المصرف نفسه،و لیس لها أی أثر فقهی.

و تعلیقنا علی ذلک بعدة أمور:

الأمر الأول:سبق أن تکلمنا عن الجهة الأهم فقهیا من الشیکات، و هی حجیتها الشرعیة بصفتها أوراقا مالیة شأنها فی ذلک شأن الأوراق النقدیة فی حدود استعمالاتها.

کل ما فی الأمر أننا هناک تکلمنا حول ذلک بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التی ذکرناها فی فصل سابق.و هذا ما یجب أن تأخذه بنظر الاعتبار الآن أیضا.

و إذا تمت حجّیته بصفته ورقة مالیة،أمکن تنفیذ أیة معاملة به مما تنفذه المصارف عادة به.و خاصة بعد أن عرفنا أیضا أن الإیداعات لا تعنی زوال ملکیة المالک،بل تبقی المالیة الکلیة المدلولة علیها بالقوائم و الشیکات و السندات و غیرها،مملوکة للفرد یمکنه استعمالها بأی شکل.

و أما تنفیذ المعاملات بها بمقدار أوسع مما تفعله المصارف،فهو من الناحیة النظریة ممکن،ما دام الشیک جامعا للشرائط لدیهم،و خاصة الشرائط الرئیسیة(و هی التی تؤثر فی الضرر الاقتصادی عند زوالها)إلاّ أن ذلک متعذر عملیا،لأن التعامل بها محدود فی حدود المصارف و لا مجال لها بغض النظر عنها.

نعم،یمکن إصدار قانون یوسع مفهوم الشیکات من هذه الناحیة أو من أیة ناحیة أخری قد تکون منظورة.فقد تصبح عندئذ نافذة فقهیا أیضا.إلاّ أن هذا غیر موجود من الناحیة العملیة.

الأمر الثانی:إذا کان الشیک مسحوبا علی فرع آخر للمصرف أو فروع و مصارف أخری.قالوا:فیرسل إلی شعبة المقاصة،أما إذا کان مسحوبا علی فرع المصرف فی مدینة غیر مدینة المصرف الذی قدم إلیه فیرسل إلی الشعبة المختصة فی المصرف لإرساله برسم التحصیل أو لابتیاعه حسب الأحوال.

و هذا یعنی من زاویة فهمهم عدة أمور:

أولا:إذا کان المسحوب علیه أو بالأصح المسحوب منه مصرف آخر غیر المصرف الذی یحتوی علی الحساب الجاری للساحب.فیعتبرونه من المقاصة،و هی الدین المتقابل الذی یسقط من الذمتین معا،و هو الذی یسمی فقهیا بالتهاتر.

و المقاصة هنا،باعتبار أنه حین یسحب الشیک یصبح الساحب مدینا للمصرف الذی سحب منه.و هو فی الوقت نفسه دائن بحسابه الجاری لمصرفه الأول.و قد یکون المصرف المسحوب علیه دائنا ببعض الحسابات من ذلک المصرف،فیعتبر ما یدفعه بالشیک قضاء لذلک الدین.و هو الذی یسمیه المصرفیون بالمقاصة.

فإن لم یکن للمصرف المسحوب علیه علی الآخر دین،اعتبر نفسه دائنا له بهذا المبلغ المدفوع بالشیک،حتی یتیسر إسقاطه و وفاءه بشکل و آخر.

ثانیا:إذا کان المسحوب علیه فرع من فروع المصرف،لا مصرف آخر،فیقومون اعتیادیا بدفعه،برسم التحصیل و هی العمولة التی یأخذها الفرع المسحوب علیه علی الدفع.

ثالثا:قد یعتبر الفرع المسحوب علیه أداؤه لقیمة الشیک شکلا من أشکال الشراء للشیک.فإذا تم شراؤه بهذا النحو أمکن تقدیمه إلی الفرع الآخر الذی یضم الحساب الجاری و السحب منه بقیمته و هو ما یسمی بإعادة الخصم بلغة المصرفیین.

و سنتابع الحدیث الفقهی عن نفس المسألة فی الأمر الآتی،من وجهة نظر أخری.

الأمر الثالث:قال بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی،ص 157. [1]

:و الشیک قد یکون مسحوبا علی نفس المرکز أو الفرع الذی یقوم بتحصیله لحساب المستفید،و قد یکون مسحوبا علی فرع آخر من فروع البنک.و قد یکون مسحوبا علی بنک آخر.

ففی الحالة الأولی نواجه فی عملیة تحصیل الشیک حوالة واحدة من محرر الشیک لدائنه أی المستفید من الشیک علی البنک المدین للمحرر یعنی محرر الشیک و هو الساحب صاحب الحساب الجاری.

و فی الحالة الثانیة:لا توجد إلاّ حوالة واحدة أیضا لأن مرکز البنک و کل فروعه لها ذمّة واحدة قانونا لوحدة المالک و المدین.

و أما فی الحالة الثالثة،.فإن معنی ذلک:أن البنک الأول(الذی یحتوی علی الحساب الجاری للساحب)قد أصبح لتحریر الشیک علیه مدینا للمستفید من الشیک بقیمته قد أحال المستفید من الشیک(ضمنا أو إجازة) علی البنک الآخر-مدینا کان البنک الآخر للأول أو بریئا-و هذه حوالة ثانیة.

فعملیة التحصیل حینئذ تتم خلال حوالتین.

و یمکن تکییف العملیة نفسها علی أساس:حوالة و بیع.أما الحوالة فهی حوالة صاحب الشیک للمستفید علی البنک المسحوب علیه و بموجب هذه الحوالة یصبح المستفید مالکا لقیمتها فی ذمة البنک المحول علیه.

و أما البیع فیمارسه المستفید نفسه بعد أن أصبح مالکا لقیمة الشیک فی ذمة البنک المسحوب علیه.إذ یبیع ما یملکه فی ذمة ذلک البنک بإزاء مبلغ نقدی یتسلمه من البنک الذی دفع إلیه الشیک لتحصیله.و یکون هذا من بیع الدین.


1) 1)

و سواء کیّفنا العملیة فقهیا علی أساس أنها حوالتان أو حوالة بدین ثم بیع الدین،فإن کل ذلک صحیح و جائز شرعا.

و لنا علی ذلک بعض التعلیقات:

أولا:أن ما قاله یتوقف علی وجود شخصیة معنویة للمصرف بماله الذی یتحدث عنها.و قد سبق الکلام فیه فی فصل سابق.

ثانیا:إن ما قاله یتوقف علی صحة التعامل بالشیکات دون النقود.و هو ما وافقنا علیه فقهیا،إلاّ أنه لم یبحث عنه فی کتابه عن ذلک إطلاقا،و إنما أخذ الأمر علی سذاجته.

ثالثا:أن الحوالة بکل إشکالها الثلاثة التی ذکرها،إنما تصح فیما إذا کان الرصید عبارة عن الحساب الجاری الدائن،و هو الاعتیادی.و لا یصح فقهیا مع الحساب المکشوف.و هو مما لم یشر إلیه إطلاقا.

و أما احتمال أن یکون الإیداع الذی کون الرصید هو من نوع آخر غیر الحساب الجاری،فهو غیر محتمل،لما عرفناه من أن المصارف لا تحوّل بالشیکات علی غیر الحساب الجاری.

رابعا:ان کل ما ذکره یتوقف علی أن یکون الإیداع مع دفعه للمصرف،یصبح ملکا للمصرف بصفته دینا علیه،و هذا یمثل أحد الفهمین للإیداع الذی یمکن تصیّدها من المصادر المصرفیة.و الفهم الآخر هو کونه إیداعا یبقی علی ملک صاحبه.و هذا هو الذی یفهم من عبارة الإیداع المستعملة فی مصادرهم.و هو الفهم الفقهی الذی دعمناه و أیدناه فی حدود المصارف التی تستعمل الأموال المجهولة المالک عادة (1)

نعم إذا کان المصرف مؤسسا بأمر الولی العادل و لم یکن یتعامل بالربا و قصد القرض، صح و ترتب علیه حکمه.و هو ملکیة المصرف للمال،مع وجوب أدائه فی أجله أو عند المطالبة مع إهمال الأجل.

.فإن خروجه عن ملکیة المالک إلی ملکیه المصرف یتوقف علی بعض الوجوه غیر الصحیحة فقهیا،و قد حملنا عن ذلک فکرة فیما سبق.

1) 1)

خامسا:أن هذه المعاملة هی حوالة أو بیع أو حوالتان أو حوالة و بیع بمختلف الأصناف،یتوقف علی قصدها،لأن المعاملة فقهیا،کما عرّفنا أکثر من مرة،یتوقف علی وجود قصدها مع بیانها بقول أو بفعل،و من الواضح أنه من الناحیة العملیة لا یقصدها المتعاملون عادة فی المصارف.

إلی مناقشات أخری لا حاجة إلی الإفاضة بها.

و بناء علی ما قلناه فإن الفرد الساحب یملک الرصید المودع فی الحساب الجاری.و عند السحب لأمره للمستفید فإنه یدفع للمستفید قسما من أمواله فی الحقیقة.

فإن کان المسحوب علیه هو المصرف الحاوی علی الحساب فهو و إن کان فرعا علیه،فقد یکون لهما ذمة واحدة،کما عبر بعض أساتذتنا مما سمعناه فالأمر کذلک تماما یعنی کأنهما مصرف واحد فقهیا.و هذا یحدث فی عدة حالات منها کون المصرفین مملوکان لشخص واحد حقیقی و منها:أنهما مملوکان لشرکة مساهمة بعینها.و منها:أنهما حکومیان تعتبرهما الدولة مصرفا واحدا.بغض النظر عن بعض المناقشات السابقة.

و قد یحدث أن یکون المصرف فرعا إلاّ أن له ذمة ثانیة،کما لو کانا مملوکین لشخصین،و لکن أحدهما اختار أن یعمل تحت رعایة الآخر و سیطرته مختارا أو مضطرا لا بمعنی کونه مکرها أو مجبورا.فتکون لهما ذمتان.و هما من الناحیة الفقهیة مصرفان لا مصرف واحد.و هو مما لم یأخذه بعض أساتذتنا بنظر الاعتبار.

و أما إذا کان السحب من بنک آخر،فی البلدة أو فی خارجها،فإن هذا مما لا دخل له فقهیا أصلا،فإن قلنا بوجود الشخصیة المعنویة للمصرف أساسا.أصبح المصرف المسحوب علیه دائنا للمصرف الآخر بمقدار قیمة الشیک.فإن کان فارغ الذمة تجاهه أمکنه سحبه منه بالشیک نفسه،کما قلنا من إعادة الخصم.

و إن کان مدیونا له أمکن له اعتبار ما یدفعه وفاء لما علیه من المال.

و إن کان دائنا له ازداد المال الدائن بذلک،و لهما أن یتفقا بالوفاء بشکل من الأشکال.و لیس فی هذا المقام مقاصة بالمعنی الفقهی.و إنما إذا کان مدیونا فهو وفاء لما فی ذمته.

و أما إذا لم نقل بوجود الشخصیة المعنویة للمصارف،کان للمستفید قبض المال مجهولا للمالک.و لا یوجد نظر فقهی حینئذ إلی الحساب بین المصرفین.

لا یختلف فیما قلناه فی مختلف أنحاء المعاملة بین الساحب و المستفید،من بیع أو إجارة أو أداء دین أو تبرع أو أی وجه آخر،و سیکون هذا أحد المنطلقات فی فهم التحویل الخارجی بین المصرف و البنک المراسل،فإن الفکرة الفقهیة تکاد أن تکون واحدة.

«الرهون»

یمکن لأی مصرف یعطی التسلیفات،أن یأخذ الرهون.و تؤخذ الرهون عادة علی الأموال المدفوعة من قبل المصرف،للأشخاص الحقیقیین،کسلف أو قروض،و خاصة مع الشک فی أمانة المستلف أو فی کفاءته المالیة.

و کذلک یؤخذ الرهن مصرفیا علی الحساب الجاری المکشوف بمجرد اعتماده،و إن لم یسحب من العمیل أی شیء تحسّبا من السحب الذی سیحدث بطبیعة الحال.

و یقبل المصرف رهنا أی شیء یکون له مالیة کافیة فی نظره،و من هنا أمکن أن تکون الأشیاء التالیة رهنا عنده:

أولا:الأموال غیر المنقولة کالدور و البساتین.

ثانیا:الأموال المنقولة کالبضائع التجاریة و الصناعیة.

ثالثا:الحلی الذهبی و الأحجار الکریمة.

رابعا:الأسهم و السندات المملوکة للمدین.

خامسا:الودائع المالیة المسبقة بمختلف إشکالها من الحساب الجاری الدائن و التوفیر و الإیداعات الثابتة و الوقتیة.

سادسا:الودائع المالیة یطلبها المصرف لتکون رهنا بعد حصول الدین (و لیست مسبقة)و تسجل علی أحد أشکال الودائع السابقة.

سابعا:الضمان من قبل مؤسسات مالیة کمصارف أو مؤسسات أو شرکات للمدین.بمعنی أنه لو لم یدفع دینه تقوم هی بدفع الدین.و سیأتی للضمان عنوان مستقل.و الآن نتکلم عن الرهون.

ثامنا:مما لم أجده فی المصادر المصرفیة مما یمکن أن یکون رهنا هو الشیکات الموقّعة و التامة الشروط غیر المسحوبة (1)

ما دامت باقیة علی قوتها:فإنها تسقط بموت الساحب.

،إذا کان المدین هو (المستفید).

و نحن هنا ننظر فی الأمر فقهیا بغض النظر عن نقاط ضعف سابقه، و نقصر النظر علی فکرة الرهن و أحکامها.

و الرهن لیس به بأس فقهیا بل هو من حق الدائن لا محالة.و کل ما فیه مالیّة شرعا أمکن رهنه.و یکون مقدار الرهن بالمقدار المقنع للمرتهن (الدائن)و هو عادة أکثر قیمة أو مالیة من القرض،تحسبا لاختلاف قیمته السوقیة خلال الزمان علی الأغلب (2).


1) 1)

2) 2) و بالطبع فإن ما لا مالیة له لا یمکن و لا یجوز شرعا،جعله رهنا.و هی عدة أنواع: أولا:ما لا مالیة له لکونه قلیلا جدا کعود ثقاب،أو حبة حنطة. ثانیا:ما لا مالیة له لکونه خالیا من المنفعة العقلائیة.کالوحل و أجناس من الحشرات. ثالثا:ما لا مالیة له لکونه ساقطا شرعا عن المالیة،کالخمر و الخنزیر و بعض الکلاب. و کذلک الفرد الحر من البشر. رابعا:ما لا یجوز مقابلته بالمال،و إن کان له مالیة بالأصل.و هو ما قصد به الحرام، کشراء العنب لجعله خمرا و شراء السلاح لقتل المؤمن أو الخشب لجعله صنما و غیر ذلک. و أما باقی ما علی وجه الأرض فهو له مالیة من المملوکات و المباحات،کما سبق فی فصل سابق،یدخل فی ذلک مما سبق:الأموال المنقولة بما فیها الحلی،و غیر المنقولة.

بقیت الإشارة إلی أمور:

الأمر الأول:لو قلنا بأن الودائع فی المصرف ضائعة و خارجة عن ملک أصحابها و قد تحوّلت إلی مجهول المالک و نحو ذلک من التخریجات الفقهیة، لم یکن جعلها رهنا.

و کذلک لو قلنا بالفهم التقلیدی المصرفی و الذی سمعنا أن بعض أساتذتنا وافق علیه،و هو کون الودائع قرضا للمصرف.إذ حینئذ لا معنی لجعلها رهنا لأنها ملک للمصرف.و الرهن إنما یکون من أملاک الراهن لا من أملاک غیره و خاصة إذا کانت من أملاک المرتهن(الدائن)نفسه.

إلاّ أن یراد فی مثل ذلک حجز هذه الدیون من أجل جعلها مقاصة عند عدم الدفع.و هنا أمر ممکن إلاّ أنه لا یکون رهنا اصطلاحیا.

و لکننا فی حدود الفکرة التی مشینا علیها سابقا،و قلنا:بأن الودائع تبقی ملکا للمالک،و هی موجودة بمالیتها الکلیة و غیر ضائعة فی حسابات المصرف.إذن یمکن جعلها رهنا بدون إشکال فقهی معتد به.

الأمر الثانی:بالفهم الذی قلناه عن الودائع،فإنها یمکن أن تکون رهنا حتی عند شخص آخر حقیقی أو معنوی أو مصرف آخر،حین یصبح أی منهم دائنا لصاحب الودیعة.إلاّ أن هذا المعنی غیر مسطور فی المصادر المصرفیة.و إن کان ممکنا من الناحیة الفقهیة و یمکن تسجیله بورقة رسمیة.

الأمر الثالث:بالنسبة إلی الرهن علی الحساب الجاری المکشوف قبل سحبه.لا یخلو من إشکال فقهی.حیث قلنا بأنه لیس قرضا حقیقیا قبل سحبه و جعل الرهن قبل حصول القرض لا معنی له.

و أما بعد سحبه،فهو لیس قرضا أیضا لعدم قصد معاملة قرض جدیدة فی کل سحب.و إن کان الساحب مدینا للمصرف من باب ضمان الغرامة.

و هذا الضمان لا رهن علیه فقهیا.

الأمر الرابع:یوجد إشکال فقهی معین فی رهن الودائع المصرفیة لا بد من عرضه و محاولة الجواب علیه.

من حیث أن المصرف الواحد له ذمة واحدة و الفرد المدین له ذمة واحدة.فلا یجوز التفریق بین أنواع الحساب بمجرّد الاعتبار.فلو أودع شخص فی التوفیر مثلا،ثم أخذ سلفة من المصرف بمعاملة أخری أو سجل له المصرف اعتماد حساب مکشوف.فإن کل ما یسحبه إنما یکون من نفس الأموال التی کان قد أودعها.و لیس أن إیداعه مستقل عن استلافه،لأن الذمّة واحدة کما قلنا،لکل من المصرف الدائن و العمیل المدین.

و من نتائج ذلک أیضا فقهیا عدم إمکان أن یکون للفرد الواحد فی المصرف الواحد،حسابان جاریان أحدهما دائن و الآخر مدین.و قد نصّت المصادر المصرفیة علی إمکانه،فی نظرهم.و هذا انطلاق من حجّیة التعدد الاعتباری بهذا المقدار.فهل لهذه الحجیّة واقعیة فقهیة أم لا لا؟ و من نتائج ذلک أیضا عدم إمکان وجود حسابین من نوع واحد لشخص معین فی مصرف معین،کحسابین جاریین دائنین أو توفیرین بل مطلق الودائع،و إن اختلفت أسماؤها و أسالیبها و معاملاتها لأنها جمیعا ترجع إلی ودیعة واحدة و شخص واحد فی مصرف واحد.

و ما یمکن أن یقال فی تبریره:أن المالیة إنما هی من الأمور الاعتباریة العقلائیة.فکل اعتبار عقلائی آخر إنما یعتبر من سنخ المالیة بطبعه.الأمر الذی ینتج إمکان تأثیره علیه،و فاعلیته فیه.

و القرار المتخذ بفرز حسابین مستقلین لمالک واحد،أیضا قرار عقلائی.فیمکن أن یکون حجة فی تأثیره فی فرز المالیة التی هی بدورها عقلائیة.و هو المطلوب.

و جوابه:أن هذا وحده لا یکفی لعدة وجوه نذکر بعضها:

أولا:أنه لم یثبت وجود قرار عقلائی عام یقول بإمکان تقسیم المالیة الواحدة تقسیما اعتباریا صرفا.

نعم،قد تمیل المؤسسات و المصارف إلی تحقیقه،إلاّ أنه لیس کل ما أثبتته المصارف هو سیرة عقلائیة لیکون حجة فقهیة.

ثانیا:أننا لو سلمنا کون ذلک سیرة،بغض النظر عن الوجه الأول،إلاّ أنه ثابت فی الوقت الذی یکون للأموال تمییز واضح کما لو کان کل مال فی بلد کبساتین أو دارین أو قطیعین من الأغنام أو الأبقار متباعدین بطبعهما.فقد یعتبر العقلاء لکل منهما نحوا من الاستقلالیة عن الآخر،و إن کان المالک واحدا:و أما المال المودع فی مصرف واحد فلیس له هذا التمییز الواضح لیکون مشمولا بالسیرة.

ثالثا:أننا ینبغی أن نلتزم من السیرة بمقدار ما یوافق علیه العقلاء،أما أن نأخذ بعض القضایا من السیرة ثم نحاول أن نطبقها تطبیقا منطقیا،فهذا من شأنه علی الأغلب أن یخرج المورد عن موافقة السیرة.و من هنا یکون مما لا سیرة علیه.

و فی أصل التقریب قلنا إن الفصل یبین المالین مما علیه السیرة و هو من سنخ المالیة فیکون حاکما علیها.و حکومته علیها لا ینبغی أن نأخذها من العقل بل من العقلاء.و أسلوب الاستدلال یقتضی أخذه من العقل خاصة.

و هو لا یکفی لإنتاج الدلیل.

و معه فهذا الإشکال وارد فقهیا،و من المتعذر تجشم ردّه.و إن کان المظنون صحة السیرة.إلاّ أن هذا المقدار من الظن لیس بحجة.

الضمان

و هو متحقق فی المصارف علی مختلف الأشکال.و هو بمجرده لا إشکال فیه فقهیا.و فکرته العامة أن شخصا ما یتعهد بدفع الدین علی تقدیر عدم دفع المدین و یسمی بالکفالة أیضا.

و هو موجود علی مختلف المستویات نذکر أهمها:

المستوی الأول:ما عرفناه من أن المصرف قد یأخذ ضمانات

و تعهدات علی الحساب الجاری المکشوف،من قبل مصارف أخری وطنیة أو أجنبیة أو مؤسسات أو شرکات.

المستوی الثانی:الشیک المعتمد أو المصدّق،الذی سمعنا عنه أیضا، و هو ما یتعهد المصرف بدفعه،و هو نحو من الضمان و الکفالة،بهذا المعنی.

و إذا تم الدفع أمکن للمصرف استیفاء قیمته من حساب الساحب.

المستوی الثالث:خطابات الضمان.و هو التعهد الذی قد یصدره المصرف لصالح جهة معینة بدفع مبلغ معین لدی الطلب نیابة عن طالب الضمان،عند عدم قیام الطالب بالتزامات معیّنة فی صالح المستفید.

و هذا یکون عادة تجاه المقاولات التی یکون فیها غرامات جزائیة علی التأخیر أو الغش أو نحوها.فیتعهد المصرف بدفعها بطلب من المقاول نفسه.

ثم یستردها من حسابه.

المستوی الرابع:الاعتماد المستندی.و هو (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ج 4 ص 8.

عقد یتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد لصالح المستفید بناء علی طلب الأمر بفتح الاعتماد.

بضمان مستندات تمثل بضاعة منقولة أو معدّة للنقل.

و هو نوع من الکفالة للمصدر الخارجی.و سنعقد لهذا النوع من المعاملة عنوانا مستقلا بعونه تعالی.

و کل أنواع الضمان لا تمر علی المصرف بالمجان،بطبیعة الحال،بل لا بد أن یستوفی المبلغ من الآمر بإصدار الضمان،و لم یوجد فی المصادر الإشارة إلی الربح الذی تستوفیه المصادر علی هذه الکفالة أو الضمان.و قد تکون من هذه الناحیة مجانیّة،کل ما فی الأمر التسهیل علی الجهة المستفیدة المضمون لصالحها،بأن تطمئن أوّلا،و یمکنها تسلّم المبلغ فی وقته تماما فیما إذا کان طالب الضمان مسافرا أو غیر ذلک بحیث لا یتیسّر له الدفع الفوری.فضلا عما إذا کان مشاکسا أو سارقا.


1) 1)

و قد أشار بعض أساتذتنا (1)

انظر مثلا ص 133.و غیرها من البنک اللاربوی.

إلی أن أمثال هذه الضمانات جائزة فقهیا، و هذا صحیح.إلاّ أنه أشار إلی أنه لا یجب الوفاء به من قبل المصرف إلاّ إذا وقع فی ضمن معاملة ملزمة،أو لازمة،بالاصطلاح الفقهی کالبیع أو الإجارة أو القرض.

و هذا و إن کان هو المشهور بین الفقهاء أیضا،انطلاقا منهم بأن الوعد ما لم یقع ضمن المعاملة یکون ابتدائیا و الوعد الابتدائی لا یجب الوفاء به بل یستحب.

إلاّ أن هذا قابل للمناقشة من حیث أن الوعد الابتدائی،و إن کان لا یجب الوفاء به إلاّ أن ذلک فی أمثال الوعود الاعتیادیة التی تقع بین الناس.

و أما التعهدات ذات المسؤولیة المتکاملة و التی تشبه عرفا و عقلائیا أیة معاملة أخری.فیمکن أن یقال:إنها لیست من الوعد الابتدائی،بل تکون مشمولة للعمومات الملزمة کقوله علیه السلام:المؤمنون عند شروطهم.و غیره.

و أما جواز أخذ العمولة أو الربح تجاه هذه الضمانات أو التعهدات،فهو ناتج عن عدم کون هذا الربح ربویا.فإن لم یکن ربویا کان جائزا فقهیا.

فقد یقال إنه ربح ربوی و ذلک بتقریب معین:

و هو أن نقول:إن المال الذی یدفعه المصرف إنما هو إقراض لطالب الضمان،و وفاء هذا الرجل لدینه إذ لو صحبته الزیادة کان ذلک من الفائدة الربویة.

أقول:کون المال المدفوع من المصرف قرضا لهذا الرجل،واضح فقهیا،إلاّ أن کون الفائدة ربویة مما یمکن المناقشة فیه:

أولا:یتوقف ذلک علی وجود الشخصیة المعنویة و هذا مما سبق أن بحثناه و نفیناه.

ثانیا:یتوقف علی قصد القرض من قبل المصرف و هو و إن کان راجحا.إلاّ أن له وجوها أخری کالوفاء بدل المدیون.فإن طالب الضمان


1) 1)

مدین لجهة أخری هی المستفیدة،و لأی فرد أن یقضی دین فرد آخر بطلبه أو بدون طلبه.و لیس هذا من الإقراض فی شیء و إذا لم یکن إقراضا کان الربح علیه جائزا.

ثالثا:ان هذا یندرج فی الأجر علی قضاء الحاجة للغیر لا بقصد المجانیة.و هو أمر جائز ما لم ینص علی خلافه أعنی حرمته،و هی الفائدة الربویة.و أما إذا لم نعلم بکونها ربویة،أو کانت لها وجوه أخری من الفهم الفقهی،لم تکن محرمة.

و علی أی حال فهی تختلف عن الفائدة الربویة بأمور منها:

أولا:إن هذا الضمان غیر أکید الدفع،و إنما یدفع علی تقدیر عدم دفع المدیون.بخلاف القرض الذی تحرّم فیه الفائدة الربویة،فإنه مستحق بکل صورة.

ثانیا:إن الذی یقبض المال من الضامن و هو المصرف،هو المستفید، فی حین أن الذی یدفع الأجر هو الآخر،أعنی المضمون له أو طالب الضمان.فی حین یکون الدائن فی القرض آخذا لدینه و فائدته.

و لذا نص الفقهاء علی هذا النحو من الضمان،و لم یشیروا إلی حرمة أخذ الأجرة علیه،و مقتضی الأصل الجواز،کما أن مقتضی العمومات،مع عدم قصد المجانیة هو لزوم الأجرة.

نعم أشرنا إلی أن المصارف قد تعمل ذلک مجانا بدون عمولة،فیکون الإشکال من هذه الناحیة مرتفعا من أساسه.

الکمبیالات
اشارة

الکمبیالة هی ورقة تسجیل الدین فی المصرف:و قد عرفوه فی المصادر المصرفیة (1)

النشرة الفصلیة لمصرف الرافدین العدد الأول من السنة السادسة 1986.

:بأنه صک(سند)یحرره شخص یسمی(الساحب)بأمر

1) 1)

فیه شخص آخر یسمی(المسحوب علیه)بأداء مبلغ من النقود فی تاریخ معین أو بالاطلاع لأمر أو لأمر شخص ثالث یسمی المستفید.

و إذا کانت الکبیالة داخلیة سمیت(سفتجة)و علی أی حال فکلا الاسمین غیر عربیین فی الأصل بالرغم من تعریب أکثر الاصطلاحات المصرفیة.و من هنا سمیت أیضا(سندات السحب)و لم یصبح متعارفا لحد الآن.

و الساحب المحرر للکمبیالة هو الدائن.یأمر بها أو من خلالها المسحوب علیه و هو المدیون بالأداء فی تاریخ معین متفق علیه أو عند الاطلاع علی الکمبیالة.و هو فقهیا یحمل معنی(عند المطالبة)إذ أن إرسال الورقة للاطلاع نحو من المطالبة.و خاصة و هو یعلم أنه ملزم بها قانونا عند الاطلاع.

و سمیت فی التعریف بالصک لأنها تشبهه من حیث کونها ورقة مالیة.

و إلاّ فالصک بالأصل هو(الشیک)الذی تحدثنا عنه فیما سبق.و لذا کان الأولی إبداله بلفظ السند لأنه یحمل معنی الاستیثاق من الأمر المطلوب.

و تسجیله تسجیلا قانونیا أو إقامة دلالة واضحة علیه.و لذا سمیت سندات السحب.

و هناک الکمبیالة المخصومة:و قد عرفت (1)

المصدر نفسه.

:بأنها الورقة التجاریة التی قام المصرف بشرائها قبل تاریخ الاستحقاق مقابل دفع قیمتها الحالیة(القیمة الاسمیة بعد خصم الفوائد و العمولات).

و الخصم عندهم هو التقلیل من القیمة،فإذا بیعت الکمبیالة علی المصرف بأقل من قیمتها الاسمیة کان ذلک خصما.و هذا أمر موجود فی المصارف باستمرار یربح من الدائن و هو بائع الکمبیالة وفاء حاجته الوقتیة للمال،و یربح المصرف منها الفرق بین القیمتین:الاسمیة و الحالیة أو قل:


1) 1)

الأصلیة و المخصومة.و سیأتی عن قریب الحدیث عن إمکان ذلک فقهیا.و إذا دفع المصرف قیمة هذه الورقة التجاریة،فی أجلها بقیمتها الکاملة أو قبله بالخصم،فإنه یستوفی ما یدفعه للدائن من حساب المدین إن وجد أو یطالبه به شخصیا.

و هناک الکمبیالة المعاد خصمها:و هی الکمبیالات (1)

المصدر نفسه.

المخصومة التی یعید المصرف خصمها لدی المصرف المرکزی توفیرا للسیولة.

و هذا یعنی أحد الطرق التی یستطیع المصرف سداد ما دفعه إلی الدائن.و هو إعادة خصم الکمبیالات لدی المصرف المرکزی.غیر أن هذا الخصم لن یکون بأقل من قیمتها التی دفعها المصرف إلی الدائن.فیکون معنی الخصم هنا هو(دفع)القیمة و لیس التقلیل منها.

و السیولة هو توفر النقد لدی المصرف.لوضوح أنه مع کثرة الدفع تقل السیولة،و بإعادة الخصم تتوفر السیولة تارة أخری.

و الکمبیالات أوراق مالیة رسمیة،یمکن من خلالها الإیداع و السحب فی المصارف،تماما کالشیکات من هذه الناحیة.فلو طالب الدائن تسجیل قیمتها بدلا من دفعها نقدا.و تسجیلها فی حسابه الجاری أو بعض إیداعاته کالتوفیر أو غیره أمکن ذلک و اعتبرت الورقة مخصومة أو مدفوعة.

و هناک ما یسمی بکمبیالة المجاملة،و قد عرفوها (2)بأنها:اتفاق بین شخصین علی أن یسحب أحدهما علی الآخر و یقوم الساحب بخصم الکمبیالة لدی المصرف الذی یتعامل معه.و فی هذا النوع من الکمبیالات یبدو المسحوب علیه فی الظاهر کما لو کان مدینا للساحب و یقبل الکمبیالة المسحوبة علیه.بینما فی الواقع و حقیقة الأمر لیس للساحب قبله أی دین.


1) 1)

2) 2) المصدر السابق.

فهذا هو المهم من أحکام الکمبیالة مصرفیا

فی بیان بعض الأمور المتعلقة بأحکام الکمبیالات

و لا بد من بیان أحکامها الفقهیة،ضمن أمور:

الأمر الأول:قال سیدنا الأستاذ :الکمبیالات المتداولة بین التجار

فی الأسواق،لم تعتبر لها مالیة کالأوراق النقدیة

(1)

بل هی مجرد وثیقة و سند لإثبات أن المبلغ الذی تتضمنه دین فی ذمة موقّعها لمن کتبت باسمه.

قال:و لذا لو ضاعت الکمبیالة أو تلفت عند البائع لم یتلف منه مال و لم تفرغ ذمة المشتری بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقدیة و تلفت عنده أو ضاعت.

و لنا علی ذلک عدة تعلیقات:

أولا:أنه واضح من هذه العبارة أن الذی یوقع الکمبیالة هو المدین لمصلحة الدائن.و هو أمر ممکن فی التصور:إلا أنه خلاف الواقع الذی جرت علیه المصارف.فإنها تعتبر الکمبیالة صادرة بأمر و توقیع الدائن و لیس المدین،کما اتضح مفصلا فیما سبق.عند معرفة تعریفها المصرفی فراجع.

ثانیا:لا شک أن الکمبیالة تعتبر سندا علی الدین،کما قال.و لکن محاولة إبعادها عن فکرة الورق النقدی،فی حدود فاعلیتها المصرفیة طبعا و مدی تأثیرها.أمر غیر صحیح کما سنسمع.

و لاستدلال علی ذلک:بأنها لو تلفت لم یتلف منه مال.لا یخلو من مناقشة.لأن المهم سوقیا هو إمکان التبدیل یعنی إمکان استحداث بدل ضائع عن الکمبیالة الضائعة.فإن أمکن استحداث البدل لم یخسر الفرد مالا لا فی الکمبیالة و لا فی النقد لغرض إمکان الحصول علی البدل.و المهم هو المالیة الکلیة التی تدل علیها الورقة أیا کانت،و هی محفوظة فی البدل کما کانت محفوظة فی الضائع.

و إن لم یمکن التبدیل کان الفرد فاقدا للمالیة فی کل من النقد


1) 1) مستحدثات المسائل:ص 24.

و الکمبیالة.أما النقد فواضح-و أما الکمبیالة فباعتبار فقدانه السند القانونی الدال علی الدین و الذی یکون سببا لإمکان السحب من الحساب المصرفی.

و أصبح الآن یمکن للمدین أن یتمرد علی الدائن.

کل ما فی الأمر أن السید الأستاذ أخذ بنظر الاعتبار کون هذا التمرد حراما شرعا،و أن ذمة المدین تبقی مشغولة ما لم یدفع.و هذا صحیح.إلاّ أننا لو نظرنا من الناحیة القانونیة لم نجد دلیلا علی الدین حتی من الناحیة الشرعیة.و یمکن للمدین أن یقسم بالیمین أمام القاضی الشرعی ببراءة ذمته و یمکن أن تثبت دعواه بذلک.هذا إذا لم یکن متشرعا طبعا.

إذن،فقدان هذه الورقة المالیة،بمنزلة فقدان المال،کل ما فی الأمر أن المصارف قد تکون علی استعداد لإعطاء بدل ضائع للکمبیالة فی حین لا تکون علی استعداد لذلک فی الورق النقدی.و هذا هو سر الاختلاف بینهما لیس إلاّ.

ثالثا:قال سیدنا الأستاذ ضمن هذه العبارة (1)

المصدر و الصفحة.

:فالمشتری عند ما یدفع کمبیالة للبائع لم یدفع ثمن البضاعة.

و هذا منه کأثر لعدم اعتبار الکمبیالة کالنقد و إلاّ علی المالیة.و قد سبق أن أشرنا،و سنعید فکرته إجمالا بعد قلیل،أن فکرة النقود المالیة اقتصادیا متحقق فی الأوراق المالیة فی حدود فاعلیتها و تأثیرها،أو قل:فی حدود قبولها المصرفی.و عرفنا قبل لحظة عدم ورود الإشکال علیه.

الأمر الثانی:من الحدیث عن الکمبیالة

أنها بصفتها ورقة مالیة و قابلة للتبدیل مصرفیا و سوقیا،تمثل فی حدود فاعلیتها کما قلنا:المالیة الکلیة.

و معه تکون مبرأة للذمة کالنقد تماما و تصلح للتعامل بها فی مختلف المعاملات کالبیع و الإجارة و مهر الزوجة و غیرها.

و إذا تمت لدینا کمبیالة المجاملة،و سیأتی الکلام عنها،فسوف یمکن


1) 1)

أن تکون مسیطرة علی السوق کالشیک تماما.بل هی تملأ المجال الذی لا یسیطر علیه الشیک،و هو صورة وجود الحساب الجاری،الذی یختص بها الشیک کما عرفنا،و لکن الکمبیالة أوسع من ذلک.و لعلها تشمل مورد الحساب الجاری و غیره.فالحساب الجاری یعمل فیه کلا الشکلین من الأوراق المالیة،و تشمله الکمبیالة مع سائر الإیداعات بل بدون إیداع أیضا.

و قد یقال:إن هذا الاتجاه الاقتصادی واضح فی الشیک إلاّ أنه غیر واضح فی الکمبیالة.لوجود فرق أساسی بینهما،فبینما الشیک یکون مسحوبا من حساب موقعه،أو المسحوب لأمره.نری الکمبیالة تکون مسحوبة من حساب المدین علی حین یکون موقعها هو الدائن.

و هذا معناه أن شخصا ما یتصرف فی حساب شخص آخر،و یأمره بالدفع منه.و هذا غیر صحیح فقهیا.

و جوابه:من وجوه نذکر منها:

أولا:أن هذا إنما لا یکون صحیحا فیما إذا لم یکن الفرد الآخر بالدفع دائنا.لوضوح أن الدائن له حق فی استیفاء دینه،فهو لیس تصرفا فی حساب المدیون بدون حق.بل باعتبار الدین.

ثانیا:أن القضیة الاقتصادیة لو صح التعبیر و إن کانت ترسو علی المدین بصفته مدینا طبعا،إلا أن السحب بالکمبیالة لیس من حساب المدین مباشرة بل من الأموال العامة للمصرف.و هذا هو الذی یعطیها قوتها السوقیة.

ثالثا:إن طریقة التعبیر فیما هو مکتوب فی وجه الکمبیالة لا أثر له من الناحیة الاقتصادیة،و إن کان قابلا للمناقشة،و قابلا للتغییر نظریا،کما قلنا فی کثیر من أمثاله من أحوال المصارف.

غیر أن المهم فیها لیس إلاّ کونها سندا مثبتا للدین بین شخصین أو جهتین أو نحو ذلک،مهما کانت عبارتها.و بذلک تکتسب الأهمیة الاقتصادیة لا أکثر و لا أقل.

الأمر الثالث:فی حکم خصم الکمبیالة فقهیا بأقل من قیمتها

و ینبغی أن یختص الحدیث الآن عن الکمبیالة الدالة علی دین واقعی لا عن کمبیالة المجاملة.

قال سیدنا الأستاذ (1)

مستحدثات المسائل:ص 25.

عنه:فیجوز للدائن أن یبیع دینه المؤجل الثابت فی ذمة المدین بأقل منه حالا.کما لو کان دینه مائة دینار فباعه بثمانیة و تسعین دینارا نقدا.

نعم لا یجوز علی الأحوط لزوما بیعه مؤجلا لأنه من بیع الدین بالدین.

و بعد ذلک یقوم البنک أو غیره بمطالبة المدین(موقع الکمبیالة)بقیمتها عند الاستحقاق.

و لنا علی ذلک عدة تعلیقات:

أولا:أن الظاهر من هذه العبارة،کما فی عبارة سابقه أن الموقع علی الکمبیالة هو المدین لا الدائن.و هو علی خلاف نص المصادر المصرفیة.

و فی بعض عبارات سیدنا الأستاذ (2):أن الکمبیالات تختلف،فقد یوقعها الدائن و قد یوقعها المدین.و لم أجد ذلک فی المصادر المصرفیة.و ظاهرها- علی أی حال-اختصاص حق التوقیع بالدائن یأمر به المدین بالدفع فی موعد معین أو بالاطلاع.

ثانیا:إن ما قاله موقوف علی ثبوت الشخصیة المعنویة للمصرف.فإن کانت ثابتة فهو المطلوب،و إلاّ کان ما قاله غیر تام لانعدام المشتری للکمبیالة عندئذ و قد سبق الکلام فیه.

ثالثا:لا ینحصر التکییف الفقهی لخصم الکمبیالة من المصرف،بکونه بیعا لها علیه،و ان کان یصطلح بذلک اقتصادیا أو مصرفیا أیضا.فإن قصد البیع فلا إشکال.


1) 1)

2) 2) المصدر:ص 30.

و إذا حصل ذلک أنتج أن المصرف أصبح دائنا للمدین بدل(الدائن) الأصلی،بالقیمة الأصلیة للدین.بغض النظر عن الإشکالین السابقین.

إلاّ أن هذا کما أشرنا لیس تکییفا منحصرا لإمکان تقدیم بعض التکییفات الأخری کما لو کان المصرف مؤدیا لما فی ذمة المدین من الدین لدائنه.و حیث أنه عمل ذلک لا مجانا للمدین جاز له أخذ ما دفعه منه.

فإن کان ذلک الأداء فی الوقت المحدد،فهو المطلوب.و إن کان فی وقت سابق و بقیمة أقل،کان معناه فقهیا أن المصرف لم یوفه کل الدین و لکن الدائن أعرض عن الباقی أو أبرأ ذمة المدین منه.

و هنا تکییف آخر هو أن توقیع الکمبیالة بعلم المدین معناه توکیل المصرف بالوفاء عن المدین.فإن کان فی الوقت فهو المطلوب.و إن کان أسبق منه فالأمر کما قلناه فی التکییف السابق.

و هنا تکییف ثالث و هو أن المصرف تبرع بوفاء دین المدین،و هو أمر جائز قانونا و شرعا.و تکییف رابع:و هو أن المصرف جعل جعالة للدائن أنه إذا أبرأ ذمة المدین فإنه یعطیه هذا المقدار من المال.و قد أبرأه و أخذ المال بالقرض.

فإن کان الوفاء بوقته و بمقداره،فمعناه کون الجعالة مساویة للدین،و إن کان قبله کان معناه کون الجعالة أقل.و أن الباقی ذهب بالإبراء.

و هذه التکییفات تحتاج إلی قصد لا محالة،کما قلنا فی أمثالها مکررا.

و المصرف لا یقصدها بطبیعة الحال.

و الظاهر أن المصرف یقصد أمرا آخر،غیر هذه التکییفات الخمسة، و هو شراء ورقة الکمبیالة نفسها التی یکون ثمنها بثمن ما هو مسجل فیها من المال.فقد یشتریها بمقداره و قد یشتریها بأقل.و هو أمر سائغ شرعا أیضا علی أی حال.

رابعا:ما أشار إلیه سیدنا الأستاذ من منع البیع مؤجلا.لأنه بیع دین

بدین.یتوقف علی أن یکون خصم الکمبیالة من قبیل بیع الدین.فإن کان بتکییفات أخری لم یصح الحکم.کما لو کان من قبیل الجعالة لأجل الإبراء و غیره.

خامسا:لم یقل سیدنا الأستاذ بأن أجل شراء الکمبیالة هل هو أقل من موعد الدین المسجل فیها أو مساو له أو أکثر.

فإن کان أقل أو مساو،فلا إشکال فیه،لأن المعاملة فی الحقیقة تحدث یوم الدفع و لیس فی یوم البیع،لأنه لیس بیعا لفظیا کما هو معلوم بل هو بالمعاطاة،و هو لا یحدث إلاّ بالدفع.و معه لا یکون له أی أجل،هذا بغض النظر عن الإشکالات السابقة.

و لو کان الأجل أطول أو أبعد من أجل الدین،کان الاحتیاط صحیحا فی حدود التکییف الذی فهمه سیدنا الأستاذ،دون بعض التکییفات الأخری، کما هو واضح لمن یفکر.

علی أن هذا النوع من بیع الکمبیالات لم أجده فی المصادر المصرفیة،فلعلهم لم یلتزموا بمثل هذا الأسلوب.

الأمر الرابع:فی تقییم کمبیالة المجاملة فقهیا

قال عنها سیدنا الأستاذ (1)

المصدر:ص 25.

:فلا یجوز للدائن(الصوری)بیع ما تتضمنه الکمبیالة،لانتفاء الدین واقعا و عدم اشتغال ذمة الموقع للموقع له (المستفید).بل إنما کتبت لتمکین المستفید من خصمها فحسب.و لذا سمیت(کمبیالة مجاملة).

و واضح أن عملیة خصم قیمتها فی الواقع إقراض من البنک للمستفید، و تحویل المستفید البنک للدائن علی موقعها.و هذا من الحوالة علی البریء.

و علی هذا الأساس فاقتطاع البنک شیئا من قیمة الکمبیالة لقاء المدة الباقیة محرم لأنه ربا.


1) 1)

و لنا علی ذلک عدة مناقشات بعضها من قبیل المناقشات فی الأمر السابق:

أولا:أنه یتوقف علی وجود الشخصیة المعنویة التی تکلمنا عنها.

ثانیا:أنه یدل علی أن السید الأستاذ یعتقد أن الموقع هو المدین لا الدائن.و هذا ما تکلمنا حوله أیضا.

ثالثا:أن ما ذکره من عدم جواز خصم الکمبیالة،متفرع علی أن یکون التکییف الفقهی للخصم هو دفع دین المدین،و حیث انتفی الدین لم یجز الخصم.

و أما علی بعض التکییفات الأخری السابقة،و خاصة فیما قلناه من أنه هو المقصود الواقعی للمصرف،و هو شراء نفس الورقة بصفتها ورقة مالیة ذات قیمة،فهذا أمر ممکن و لا إشکال فیه.

رابعا:قوله:و تحویل المستفید البنک للدائن علی موقعها،عبارة مجملة من حیث من هو المحوّل و المحوّل.و لعل فی العبارة خطأ مطبعیا.

و الصحیح منها فی حدود الفهم الذی قدمه هو أن المصرف یقرض المستفید المال الذی یدفعه إلیه و یأخذ قرضه هذا من المدین أو المسجل فی الکمبیالة مدینا.فهو تحویل من الدائن فیها للبنک علی المدین.و الدائن هو المستفید علی أی حال و لیس شخصا آخر،و المدین هو الموقّع باعتقاد السید الأستاذ کما سبق فی أمثاله،و لیس شخصا آخر.

فکان الأحری أن یقول:و تحویل المستفید(الدائن)للبنک علی موقعها (المدین).

خامسا:إذا تم التکییف الذی قاله لم یکن فی خصم الکمبیالة عن قیمتها الاسمیة إشکال.لأن المصرف له أن یقرض المستفید نفس القیمة الاسمیة و له أن یقرضه الأقل.

و إنما الإشکال فی أن یرجع المصرف علی المدین فیأخذ کل القیمة

الاسمیة،بعد أن اشتراها بأقل.لأنه-فی حدود هذا التکییف-یکون علی المدین أن یفی ما فی ذمة الدائن المستفید لمدینه الواقعی و هو المصرف.فلا بد أن تتساوی الکمیتان و إلاّ کان ربا.

و الحرمة هنا تتوقف علی وجود الشرط السابق أولا.لوضوح عدم الحرمة فی الفائدة التبرعیة.و ثانیا:أن یقصد بها الفائدة،لا أمرا آخر کما لو قصدنا من الزیادة أجرة للمصرف علی إعانة المستفید اقتصادیا أو نحو ذلک.

و قد حاول السید الأستاذ بعد ذلک ذکر تکییف آخر فقهی یبرر جواز هذه الفائدة.و نحن فی غنی عنه بعد کل هذه المناقشات.

الأمر الخامس:من الحدیث عن الکمبیالة أنه لا فرق فی شراء الکمبیالة بین المصرف و غیره.

فکما یمکن للمصرف أن یخصمها بقیمتها أو بأقل.کذلک یمکن لغیره نفس الشیء.ثم یقدمها للمصرف فیخصمها بقیمتها أو أقل.مع تحقق الفرق بین القیمتین له.

فإن کیفنا هذه المعاملة علی غیر معنی القرض فلا إشکال فیها.و إن کانت قرضا،لم تکن من الفائدة المشروطة،لوضوح أن المصرف لم یکن مسبوقا بالبیع الذی حصل بین الشخصین.

فلو کان هناک إشکال،فهو فی استیفاء المصرف فی النهایة من المدین.و أما المعاملة بین الشخصین خارج المصرف فلا إشکال فیها.

الأمر السادس:من المعقول جدا،بغض النظر عن بعض الإشکالات

السابقة،أن یرجع المصرف علی المدین فیأخذ دینه منه لقاء ما أعطاه

للدائن

و معه لا یبقی للکمبیالات المعاد خصمها أو المخصومة مرتین،من فائدة إلاّ فی حدود عدم إمکان السیطرة علی المدین و استیفاء الدین منه،لهربه أو عجزه عن الدفع أو لغیر ذلک من الأسباب.و عندئذ ستقل السیولة النقدیة

للمصرف،لکثرة ما یخصم من الکمبیالات،فیرجع علی المصرف المرکزی لاستیفائها.

و من الواضح أنه إذا کان الخصم الأول أقل من القیمة الاسمیة،أنه سیکون بقدر هذه القیمة فی الخصم الثانی لو تمت موافقة المصرف المرکزی علی ذلک.

و بتعبیر آخر،فإن نسبة الخصم غیر معلومة رسمیا و لا مسجّلة،فلا یکون للمصرف المرکزی دلیل علی أنها قد خصمت بأقل من قیمتها الاسمیة،فیکون مسئوولا عن دفع القیمة الاسمیة کلها.

نعم،لو کانت النسبة معلومة،کما لو کانت مسجلة رسمیا بالکمبیالة أو وصل خاص بها،فإن للمصرف المرکزی الرفض بدفع أکثر مما کان المصرف الأول قد دفعه.فإنه لیس مسئولا عن دفع الربح له تبرعا.

الأمر السابع:فی أخذ العمولة علی الکمبیالة:

اتفق سیدنا الأستاذ (1)

مستحدثات المسائل:ص 20.

و بعض أساتذتنا علی نفس المضمون بهذا الصدد تقریبا،حیث منعا عن تحصیل الفوائد الربویة للکمبیالة.و اتفقا أن موقعها هو المدین.

و هذا المدین إما أن یکون له حساب جار دائن فی المصرف و إما أن یکون له حساب مدین(علی المکشوف)و إما أن لا یکون له أی حساب.

ففی الحالة الأولی:تارة یشیر موقع الکمبیالة فیها بتقدیمها إلی البنک عند الاستحقاق،لیقوم البنک بخصم قیمتها من حسابه الجاری و ترحیلها إلی حساب الدائن المستفید.أو دفعها له نقدا.

قال سیدنا الأستاذ:فمرد ذلک:إلی أن الموقع أحال دائنه علی البنک.


1) 1)

و بما أن البنک مدین له،فالحوالة نافذة من دون حاجة إلی قبوله،و علیه،فلا یجوز للبنک أخذ عمولة لقاء قیامه بتسدید دینه.

و أخری:یقدم المستفید کمبیالة إلی البنک غیر محوّلة علیه،و یطلب من البنک تحصیل قیمتها.فعندئذ یجوز للبنک أخذ عملة لقاء قیامه بهذا العمل.

و هنا حالة ثالثة و هی ما إذا کانت الکمبیالة محوّلة علی البنک،و لکنه لم یکن مدینا لموقّعها،فحینئذ یجوز للبنک أخذ عمولة لقاء قبوله هذه الحوالة.

أقول:و هذه الحالة الثالثة شاملة لصورتین مما سبق.أعنی:إما أن لا یکون للمدین حساب مصرفی أصلا.و إما أن یکون له حساب مدین مکشوف.و یجمعهما صورة:ما إذا لم یکن له حساب دائن.

و قد برر بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی،ص 121. [1]

عدم الجواز فی الحالة الأولی بأن:البنک بتحویل محرر الکمبیالة علیه مدین للمستفید بقیمة الکمبیالة بدون حاجة إلی قبوله.لأن المحرر له رصید دائن فی البنک و التحویل من الدائن علی مدینة ینفذ دون حاجة إلی قبول الدین،و إذا أصبح البنک مدینا،فلا مبرر لأخذه عمولة علی وفاء دینه.

و استثنی من ذلک حالة واحدة (2)،لأجل التکییف الفقهی لأخذ العمولة فی هذه الصورة و هو:فی حالة اشتراط البنک علی عملائه الدائنین منذ البدء أن لا یحولوا علیه بدون إذنه،فیمکن حینئذ أن یتقاضی عمولة لقاء إسقاط هذا الشرط.

أقول:و هذا کله یتوقف علی بعض الأمور التی سیقت فی أمثاله.

و حاصل النتیجة السابقة:أن الکلام واقع الآن فی المصارف التی تتعامل فی الأموال من مجهولة المالک بالاصطلاح الفقهی.و قلنا فی مثله أن الأموال


1) 1)

2) 2) المصدر و الصفحة.

المودعة فی المصرف تبقی ملکا لصاحبها و لا تصبح قرضا للمصرف و لا ملکا له.فلیس الأمر من قبیل تحویل الدائن علی المدین فی أی صورة من الصور الثلاث السابقة.و إنما یدفع المصرف بالکمبیالة إلی الدائن من أموال المدین نفسه لا من أموال المصرف.و معه یکون أخذ العمولة جائزا من هذه الناحیة لأنه من قبیل قضاء حاجة الآخرین.و لیس من قبیل دفع المدین لدیه أحیانا کما قال سیدنا الأستاذ و غیره.

الأمر الثامن:فی تصدیق الکمبیالة

فإن المصرف،کما یمکنه أن یصدق الشیک بمعنی أنه یتعهد بدفعه،کذلک یمکنه أن یصدق للکمبیالة، بنفس المعنی.

و الفرق عملیا بین التصدیق و عدمه هو الاطمئنان النفسی للمستفید،و لا أحسب أن له أثرا عملیا أکثر من ذلک.فإن المصرف یدفع الشیک و الکمبیالة علی أی حال سواء کانت مصدّقة أم لا.کما أنه عند حصول المانع،کالحجز علی أموال الدائن أو غلق حسابه أو نحو ذلک،لا یدفعها علی أی حال، حتی و إن کانت مصدقة فالأمر نفسی أکثر من أن یکون اقتصادیا.

قال بعض أساتذتنا (1)

المصدر السابق:ص 122. [1]

عن هذه الصورة:و هذا القبول(التصدیق و التعهد)جائز شرعا لا علی أساس ضمان الدین بل علی أساس أنه تعهد بوفاء المدین بدینه.و ینتج من الناحیة الشرعیة:أن المدین إذا تخلف عن الوفاء أمکن أن یرجع المستفید بالکمبیالة إلی البنک المتعهد لقبض قیمتها.

و أما إذا کان المدین مستعدا للوفاء فلا یجوز لدائنه أن یرجع علی البنک المتعهد رأسا و یلزمه بأداء الدین.

أقول:و هذا منه أعنی بعض أساتذتنا،مبنی علی رأیه بأن المال المودع فی المصرف قرض له یملکه المصرف.و أما بناء علی ما قلناه من أنه ملک للمودع فیکون الدائن مخیّرا بین الرجوع علی المدین رأسا أو یرجع علی


1) 1)

المصرف.لأنه یأخذ علی أی حال من أحوال المدین نفسه.و إذا رجع علی أحدهما لم یجز له الرجوع علی الآخر لأنه یکون قد استوفی دینه مرتین و هو مما لا حق له فیه.

و یجوز للمصرف أخذ العمولة علی هذا الدفع،فی کلتا صورتی التعهد و عدمه.

هذا إذا کان للمدیون إیداع فی المصرف بأی شکل من أشکاله.لیعود التکییف الفقهی بأن المصرف یأخذ من إیداعات المدین رأسا و یدفع إلی الدائن.لأنه یعطی من ممتلکاته ثم یقتصها من المدین.

و أما لو کان الحساب مکشوفا،فالأمر یختلف عن سابقه،لما قلناه من أن الفرد لا یکون مالکا للحساب المکشوف بمجرد صدور الاعتمادیة.بل یملکه بعد سحبه.فلو وفی المصرف ذمة المدین بالکمبیالة من المکشوف لم یکن قد دفع من أموال الدائن.

و فی مثله ینبغی لحفظ الترتیب الاقتصادی:أن یبرأ الدائن مدینة من الدین،بعد أن قبض بمقداره من المصرف أو أقل منه بخصم الکمبیالة قبل وقتها.لأنه قد رضی بذلک وفاء له.و یمکن للمصرف استیفاء ما دفعه إلی المدین لا من الحساب المکشوف للدائن بل من الأموال التی سیدفعها هذا الدائن عند تغطیة الحساب المکشوف.

فهذا هو أهم ما ینبغی بیانه فقهیا عن الکمبیالة.

منح الائتمان

قال المصرفیون (1)

مصرف الرافدین:نشأته تشکیلاته اختصاصاته.ص 28.

:تعتبر عملیة الائتمان الرکن الثانی من أعمال المصرف التجاریة(یعنی الإیداع بأنواعه).و تتفرع عنها جمیع أنواع التسهیلات الائتمانیة التی تقدمها المصارف التجاریة.

1) 1)

و یراعی المصرف عند القیام بهذه المهمة تصنیف المستفیدین من التسهیلات الائتمانیة،حسب طبیعتهم القانونیة(أشخاص طبیعیین و أشخاص معنویین)من جهة،و حسب طبیعة النشاط الاقتصادی الذی یمارسونه من جهة أخری،لکی یکونوا مؤهلین للاستفادة من أنواع الائتمان المختلفة التی یقدمها المصرف.

فی بیان أقسام الائتمان الذی یقدمه المصرف

و یقسم الائتمان الذی یقدمه المصرف إلی نوعین رئیسیین:

أولا:الائتمان النقدی:

یکتسب هذا النوع من الائتمان من حقیقة أن العملیات التی تتم بموجبه تنشئ تعهدا فوریا(آنیا)بالدفع من قبل المصرف بصیغة نقد یوضع تحت تصرف المستفید من الائتمان(العملاء).

و یشتمل الائتمان النقدی علی نوعین

رئیسیین من العملیات الائتمانیة:

أ-التسهیلات المصرفیة:

تتخذ التسهیلات المصرفیة صیغة اعتمادات(تخصیصات)بحدود معینة تتلاءم مع الکفاءة المالیة و طبیعة النشاط الاقتصادی للمستفید من التسهیلات.

و تتمیز هذه التخصیصات بصفة الدیمومة الاستمراریة.طالما أن المستفید من التسهیلات ملتزم بالأسس التی قامت علیها العلاقة التعاقدیة بینه و بین المصرف.

و تنقسم هذه التسهیلات إلی عدة أقسام منها:التسهیلات فی الحساب الجاری المکشوف.و تسهیلات خصم الکمبیالات و تسهیلات خطابات الضمان(الکفالات).و تسهیلات ابتیاع الحوالات المستندیة(للتصدیر).

ب-التسلیفات للأغراض التجاریة :

(1)

بما فی ذلک:التسلیف لقاء الاعتمادات المستندیة الصادرة للاستیراد


1) 1) و یتمیز هذا النوع من الائتمان النقدی(و هو التسلیف)بکونه یمنح لأغراض و فترات زمنیة محددة.و لا یکتسب صفة الاستمرار و الدیمومة،کما هو الحال فی التسهیلات المصرفیة.و إنما ینتهی الغرض الذی منح من أجله.

و التسلیف لقاء الاعتمادات المستندیة الواردة للتصدیر و التسلیفات الشخصیة.و غیرها.

ثانیا:الائتمان التعهدی:

و یتمیز عن الائتمان النقدی بکونه لا ینشئ تعهدا فوریا(آنیا)بالدفع من قبل المصرف و إنما یمثل تعهدا مؤجلا بالدفع.یعبر عنه بصیغة أرقام فی السجلات قابلة للتحول إلی نقد متی ما دعت الضرورة إلی ذلک.

فی بیان أهم العملیات المصرفیة التی یقوم بها المصرف ضمن مفهوم الائتمان التعهدی

و أهم العملیات المصرفیة التی یقوم بها المصرف ضمن مفهوم الائتمان التعهدی هی:

1-إصدار خطابات الضمان(الکفالات المصرفیة):

و هو تعهد بالدفع یصدر عن المصرف بناء علی طلب(الآمر)بدفع مبلغ معین أو قابل للتعیین لصالح طرف آخر هو(المستفید).و یقوم المصرف بإصدار خطابات الضمان علی أساس تخصیصات مقررة مسبقا کتسهیلات مصرفیة أو بدونها أو محسوبة علی تحصیصات أحد المتعاملین لصالح متعامل آخر.

2-فتح الاعتمادات المستندیة(للاستیراد):

و یقوم هذا النوع من الائتمان التعهدی لتمویل عملیات التجارة الخارجیة فی جانبها المتعلق بالاستیراد.

3-قبول الحوالات(السفاتج)المستندیة:

و ینصرف هذا النوع من الائتمان التعهدی إلی تحویل جانب الاستیراد من عملیات التجارة الخارجیة أیضا.حیث قد یتم استیراد البضائع علی أساس السحب المستندی(الحوالة المستندیة)و الذی یتمثل بقیام المصدر

الأجنبی بتصدیر البضاعة لقاء حوالات(سفاتج)مسحوبة علی المستورد تستحق فی مدة معینة.و التی قد یشترط ضمان دفعها عند استحقاقها من قبل المصرف.

و فی مثل هذه الحالة یقوم المصرف بإجراء ذلک لقاء ضمانات معینة یستحصلها من عمیله(المستورد)و التی قد تختلف من حالة إلی أخری.

نقد الائتمان المصرفی فقهیا

اتضح من هذا الموجز الذی لخصناه من المصادر المصرفیة،أن الائتمان بکل أنواعه إنما هو من أشکال القرض.و إنما یسمی ائتمانا باعتبار التوقع بأن المقترض سیکون أمینا علیه و یرجعه فی الوقت المحدد و حسب القانون المصرفی.

و إنما یسمی تسلیفا لأن السلفة تتضمن معنی القبض فوریا مع الإعطاء متأخرا.و هذا المعنی کما هو محفوظ فی السلف فی البیع،لأنه یتضمن قبض الثمن فوریا و تأجیل المثمن،کذلک هو محفوظ فی القرض أیضا.

و یسمی القرض المصرفی تسهیلا أیضا،لما فیه من التسهیل علی الناس فی تمشیة معاملاتهم و أعمالهم،و هذا مما یحدث بلا شک.

و یسمی اعتمادا أیضا،لأن القرض یقتضی الاعتماد علی المقترض فی إرجاع القرض،کما اقتضی کونه أمینا علیه کما سمعنا.

و یسمی تخصیصا باعتبار أنه یتضمن معنی عزل مقدار معین من المال قلّ أو کثر،و اختصاص المقترض به.

و لغة المصرفیین تتراوح بین استعمال هذه المصطلحات،و قد تخص بعضها فی بعض الجوانب،إلاّ أنها من الناحیة اللغویة أو العامة سواء.

و کذلک هی من الناحیة الفقهیة سواء،و هذا هو المهم هنا،فإن لها جمیعا حکم القرض،علی تفصیل نشیر إلیه بعد قلیل.

و قد عرفنا أن الائتمان المصرفی علی قسمین رئیسیین:أحدهما یدفع نقدا،و الآخر یصدر به تعهد بالصرف عند الحاجة.

و ینبغی أن یقع الکلام فیها بغض النظر عن بعض ما تحدثنا عنه فی فصل سابق من نقاط الضعف.منها الشخصیة المعنویة للمصرف،و منها الفائدة الربویة المحرمة شرعا،و غیر ذلک مما سبق،فإن کان القاری قد تابع کل ذلک سهل علیه استیعاب المقصود.

و علی ذلک،فمن الواضح فقهیا أن الائتمان النقدی،هو من القرض الذی یجب علی المدین إرجاعه فی حدود الشروط المعتبرة،و لا یجوز أخذ الفائدة علیه شرعا.

و لا فرق کما عرفنا فیما سبق بین أن یکون المدفوع نقدا(فورا)من النقد أو الأوراق المالیة أو من الترحیل إلی الحساب.فإن کل ذلک مجزئ فقهیا،کما سبق.

و قد یخطر فی الذهن:أن من جملة التکییفات الفقهیة للائتمان هو أن یکون هبة للمستفید و لیس قرضا.إلاّ أنه من قبیل الهبة المعروضة.و بذلک قد یقال:بجواز أخذ الفائدة علیه لأنه لیس من قبیل الربا القرضی لأنه من نوع الهبة.و لا من الربا البیعی،لأن النقد الفعلی لیس من قبیل الذهب و الفضة و لا یمکن تبدیله به مصرفیا.

إلاّ أن هذا الوجه یستمد قوته من عبارة(منح الائتمان)علی اعتبار أن المنح هو الهبة.و المصادر المصرفیة،و إن عبّرت بذلک إلاّ أنه من الأکید أنهم لا یقصدون بهذا اللفظ معنی الهبة،و لا یقصدون بالائتمان نفسه معنی الهبة أیضا،یعنی لا یعتبرونه معاملة هبة،بل معاملة قرض.و قد سبق أن المعاملات تابعة للمقصود.

علی أن الهبة المعوضة باشتراط الفائدة خلال العقد أو المعاملة،لا تخلو من إشکال شرعی لشبهها بالربا.فتأمل.

هذا کله فیما إذا کان الائتمان نقدیا أو فوریا.

و أما إذا کان تعهدیا أو مؤجلا.فهو من هذه الناحیة یشبه الحساب الجاری،من حیث فقدان القبض الفوری فیه.و هذه الناحیة مهمة فقهیا،لما قلناه فی الحساب الجاری من أن المال لا یکون ملکا لمن صدر القرار فی حقه بمجرد صدور القرار:

فی نوع المصارف التی تتحدث عنها.و إنما یصبح ملکا فیما إذا قبضه الفرد قبضا شرعیا،و بمقدار ما یقبض سیصبح مدینا للمصرف به،فی حدود المستوی الفکری الذی سلکناه.سواء کان هذا فی الحساب الجاری المکشوف أو الائتمان التعهدی أو خطابات الضمان أو غیرها مما یکون علی غرارها.

إذن،فالمهم فی حصول القرض هو قبض العمیل،سواء کان القبض فوریا أو مؤجلا،فمتی حصل القبض حصل القرض.

فی بیان بعض الأمور المتعلقة بالائتمان المصرفی

فإذا تم لدینا ذلک،أمکننا أن ندخل فی المهم من التفاصیل خلال الأمور التالیة:

الأمر الأول:عدّ المصدر المصرفی التسهیلات المصرفیة من جملة

أقسام الائتمان النقدی:التسهیلات المصرفیة

مع أن هنا فکرتین لا بد من الالتفات إلیهما،من حیث أن الائتمان النقدی-کما سمعنا-یتضمن فوریة الدفع،فی حین أن أکثر هذه التسهیلات التی عددناها نقلا عن المصدر، لیست نقدیة و لا فوریة،کالحساب المکشوف و خطابات الضمان، و الاعتمادات المستندیة الصادرة و الاعتمادات المستندیة الواردة.

و لا فرق فی فکرتها الأساسیة بین هذه الأمور،من حیث أنها مؤجلة الدفع و بین الائتمان التعهدی الذی هو بدوره مؤجل الدفع.فما ذا یقول المصرفیون حول ذلک؟ و هذا و قد تکلمنا عن بعض التفاصیل فیما سبق کالحساب الجاری المکشوف و خصم الکمبیالات،و نخصص الأمور الآتیة للعناوین الأخری التی سمعناها قبل قلیل.

الأمر الثانی:حول خطابات الضمان(الکفالات):

و هی تعهدات مکتوبة و مسجلة،تصدرها المصارف و غیر المصارف، بالدفع لمقدار معین من المال بإزاء شرط معین کتخلف المدین عن دینه،أو تخلف المقاول عن عمله و نحو ذلک.و کما هو واضح فإنه لیس دفعا فوریا و إنما هو دفع علی تقدیر حصول الشرط.

و حسب فهمی فإن خطابات الضمان أوراق مالیة،کأی ورقة مالیة أخری،قابلة للبیع و الشراء من قبل المصرف و غیره ما دامت نافذة المفعول.

کل ما فی الأمر أن الضمان الذی تحتویه سیتحوّل من البائع إلی المشتری ان کان هو غیر المصرف الذی أصدره.و أما نفس المصرف فیمکن أن یشتریه بأقل من قیمته الاسمیة،کما یشتری الکمبیالة تماما و یرجع علی المدین باستیفائه کاملا.و لا أعلم ما إذا کان ذلک أسلوبا جاریا فی المصارف أم لا.

و لم تذکر المصادر أیضا ما إذا کانت هذه الأوراق المالیة،تعتبر وثیقة للإیداع بالحساب الجاری أو التوفیر أو غیرها.و علی ما فهمناه فإنه یمکن ذلک علی أی حال.

و أما إذا حصل الشرط الذی یتوقف علیه الدفع.فسوف یحصل الدفع، عندئذ یمکن تسجیل الرقم فی الحساب و لیس دفعه نقدا.

و قد قسم بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی:ص 128. [1]

خطابات الضمان إلی قسمین،و لم أجد ذلک فی المصادر المصرفیة المتوفرة:

القسم الأول:خطابات ضمان ابتدائیة و هی تعهدات موجهة إلی المستفید،لضمان دفع مبلغ من النقود من قیمة العملیة التی یتنافس طالب خطاب الضمان للحصول علیها.

و یستحق الدفع عند عدم قیام الطالب باتخاذ الترتیبات اللازمة عند رسو العملیة علیه.


1) 1)

القسم الثانی:خطابات ضمان نهائیة،و هی تعهدات لجهة ما لضمان دفع مبلغ من النقود یعادل نسبة أکبر من قیمة العملیة التی استقرت علی عهدة العمیل.

و یصبح الدفع واجبا عند تخلف العمیل عن الوفاء بالتزاماته المنصوص علیها فی العقد النهائی للعملیة بین العمیل و الجهة التی صدر خطاب الضمان لصالحها.

و الفرق الرئیسی فی نظره بین القسمین هو أن الخطابات النهائیة واقعة فی ضمن معاملة،إلاّ أن الابتدائیة لیست کذلک.و لذا سمی القسم الثانی بأنه نهائی لأنه یراه ملزما بخلاف القسم الأول الذی لا یراه ملزما.

و شرح الأمر فی جانب النهائی بما مؤداه مختصرا:أن جهة ما قد تتعاقد مع مقاول علی إنجاز عمل ما.و حیث کان التخلف و التقصیر منه محتملا.

فکان من جملة طرق إلزامه بالالتزام التام هو أن یؤخذ من المقاول کمیة من المال لدی الجهة المتعاقدة معه لکی تکون ملکا لها عند تخلفه عن الشروط.

و بدلا من تجمید کمیة من المال تتجه النیّة إلی الخطاب التعهدی من المصرف لیدفع إلی الجهة فی صورة التخلف عن الشروط کمیة المال و یستوفیها من المقاول.

و قال (1)

المصدر:ص 13. [1]

:و علی هذا الأساس یعتبر خطاب الضمان من البنک تعهدا بوفاء المقاول بالشرط و ینتج عن هذا التعهد نفس ما ینتج عن تعهد طرف ثالث بوفاء المدین بدینه.

و لما کان تعهد البنک و ضمانه للشرط بطلب من الشخص المقاول فیکون الشخص المقاول ضامنا لما یخسره البنک نتیجة لتعهده.فیحق للبنک أن یطالبه بقیمة ما دفعه إلی الجهة التی وجه خطاب الضمان لفائدتها.

و یصح للبنک أن یأخذ عمولة علی خطاب الضمان هذا لأن التعهد


1) 1)

الذی یشتمل علیه هذا الخطاب یعزز قیمة التزامات الشخص المقاول و بذلک یکون عملا محترما یمکن فرض جعالة علیه أو عمولة من قبل ذلک الشخص.

و نعلّق علی هذا الحدیث فقهیا،قبل التعرض إلی حدیثه عن الضمان الابتدائی.

أولا:أن هذا الحدیث یتوقف علی وجود الشخصیة القانونیة أو المعنویة،التی کررنا الحدیث عنها.

ثانیا:ان المعاملة حاصلة بین المقاول و الطرف الأول و لیس مع المصرف أیة معاملة.حتی یکون المصرف ملزما من هذه الناحیة بالوفاء أو حتی بالتوقیع علی خطاب الضمان أساسا.

فحال الخطاب النهائی حال الابتدائی،غیر واقع فی معاملة کشرط لکی یجب الوفاء به من هذه الناحیة.و سیأتی ما هو الصحیح فی ذلک.

ثالثا:و حسب فهمی فان المستفید من خطاب الضمان هو الذی یطلبه و الظاهر أن المصارف تصدره بطلب من أی من الطرفین طلبه فی أیة مقاولة.

فلو فرض أن الطرف الأول فی المقاولة هو الذی طلبه،کان الاستدلال السابق غیر تام.لأن المقاول لم یوقع علی الخطاب لیکون ملزما بدفعه إلی المصرف بعد ذلک.إلاّ أن یضطر إلی التوقیع علیه اضطرارا.

رابعا:بالنسبة إلی الجعالة التی فرضها المؤلف،فإن الجعالة فقهیا لیست مجرد أجرة،و قد سبق تفسیرها فی بعض الفصول السابقة.و ملخص الفکرة الآن:أن یفترض أن المقاول أو المستفید یقول:من ضمن لی حقوق جزاء التخلف فی هذه المقاولة فأنا أعطیه کذا.فیقبل المصرف إیجاد هذا الضمان فیستحق علیه المقدار المذکور فی الجعالة.

و ملخص المراد:أن الجعالة معاملة مستقلة فقهیا تحتاج إلی قصد و بیان کسائر المعاملات.و المفروض عدم تحققه بالمرّة.

و سیأتی ما هو الصحیح بعد الانتهاء من بیان الخطاب الابتدائی.

فقد قال عنه:إنه یجوز للبنک إصداره و الوفاء بموجبه و لکنه غیر ملزم له.لأن طالب الضمان الابتدائی لم یرتبط بعد بعقد مع الجهة التی تجری المناقصة أو المزایدة.فهو وعد ابتدائی غیر ملزم.

أقول:و قد سبق فی مثله أن قلنا:إن الفقهاء و إن اتفقوا علی عدم وجوب الوفاء بالوعود الابتدائیة،إلاّ أن ذلک غیر شامل للوعود التی هی بمنزلة المعاملات،و التی لا بد عرفا من الوفاء بها.فإنها تکون مشمولة للعمومات الملزمة.کقوله:المؤمنون عند شروطهم و غیرها.

و هذا هو الصحیح فی الإلزام بالوفاء مصرفیا لمثل هذا الخطاب التعهدی سواء کان فی الخطاب النهائی أو الابتدائی.کما أن أخذ الأجرة لیست من جهة الجعالة،بل من جهة إیجاد النفع لأحد الطرفین المتعاملین أو کلیهما لا مجانا،یعنی بنیة و قصد أخذ الأجرة.فیستحق المصرف الأجرة علی ذلک.

بقی أن نشیر إلی أن هذا المال المدفوع من المصرف،یعتبر مصرفیا و فقهیا،قرضا یستوفیه المصرف من الطرف الثانی(المقاول).و لکنا قلنا إنه لا یکون قرضا إلاّ بعد دفعه.

الأمر الثالث:حول ما قالته المصادر المصرفیة من وجود التسهیلات

بابتیاع الحوالات المستندیة(للتصدیر)

(1)

یخصص المصرف هذه التسهیلات لمساعدة المصدّرین فی تمویل و تسویق عملیات تصدیر البضائع التی یتعاملون بها.و یتم الابتیاع علی أساس نسب معیّنة من مبلغ الحوالة المستندیة تقرر من المصرف سلفا.

و معنی ابتیاعها:صرفها للمستفید و دفع ما سجل فیها من قیمة.

و تحسب أو تسحب القیمة من حساب المصدّر و من الواضح أن المصرف


1) 1) مصرف الرافدین:ص 30.

یشتریها بأقل من قیمتها الاسمیة،و یکون الفرق له،حسب النسبة التی یقررها المصرف نفسه.

و سیأتی الکلام عن الاعتمادات المستندیة مفصلا،و نخص الکلام هنا بما إذا کانت هذه الفائدة المصرفیة ربویة أم لا؟ و الصحیح أنها لیست ربویة،لأن الربا إنما یکون فی وفاء القرض بزیادة،و هنا لم یحدث ذلک إطلاقا.کما لم یحدث تفاضل بین کمیتین من الذهب بعد أن قلنا فی فصل سابق أن کل النقود و الأوراق المالیة فی عصرنا الحاضر،لا دلالة لهما علی الذهب علی الإطلاق.و معه فلا الحوالة المستندیة دالّة علی الذهب و لا المال المعوض به لیکون من الربا البیعی.

و هنا ینبغی أن نلتفت إلی عدة أمور موجزة:

منها:أنه لا فرق فی شراء المصرف للورقة بین شرائها نقدا أو بورقة مالیة أخری أو بالترحیل فی الحساب.فإن کل ذلک مما سبق أن عرفنا جوازه الشرعی.

و منها:أنه فرق بین بیع الورقة علی نفس المصرف أو علی مصرف آخر أو علی فرع آخر،فإنها من الناحیة الفقهیة سواء فی الجواز.

و منها:أن الربا و ان لم یحدث للعمیل کما أشرنا قبل قلیل،و لکن قد یقال إنه یحدث للمصرف نفسه لأنه حین یشتری الحوالة فإنه یقرض العمیل هذا المقدار من المال،ثم یستوفیه منه بأکثر.

و هذا له أحد جوابین:

أولا:أن التعامل بالأموال المجهولة المالک لا یکون من الربا ما دامت علی هذه الصفة و لم تقبض قبضا شرعیا.

ثانیا:أن نعتبر شراء الورقة هو شراء حقیقی للورقة بما لها من مالیة اسمیة و لیس إقراضا،کل ما فی الأمر أن هذه المالیة الاسمیة لا یمکن أن یحصل لها مصداق أو تحقق إلاّ بدفع العمیل لمالیتها.فتأمّل.

و منها:أنه لا فرق فقهی بین بیع الورقة علی مصرف أو علی شرکة أو علی فرد معین،کل ما فی الأمر أن حق الاستیراد سیکون للمشتری و لیس للبائع،إلاّ أن المصرف یستوفی القیمة الاسمیة من البائع لا محالة.و یکون الربح للمشتری لا للمصرف فی مثل ذلک:بمعنی أنه استورد البضائع بقیمة أقل من القیمة الاسمیة للورقة و لا أعلم ما إذا کان هذا معمولا علیه فی المصارف أم لا.

و المسألة فی مثلها تکون أبعد عن احتمال الربا،و أقرب إلی البیع الحقیقی،فالإشکال الفقهی فیه غیر موجود.

الأمر الرابع:التسلیف لقاء الاعتمادات المستندیة الصادرة

(للاستیراد).

یساهم (1)

مصرف الرافدین:ص 30.

المصرف عن طریق هذا النوع من التسلیفات فی تمویل الاعتمادات المستندیة الخاصة بالاستیراد.حیث یقوم المصرف بمساعدة المستورد فی تخلیص مستندات شحن هذه الاعتمادات فی خلال تسلیفه نسبا معینة من صافی مبالغ مستندات الشحن عن طریق خصم الکمبیالات أو منح السلف من الحساب المکشوف.

و کما اتضح فإن الاحتمالات فی هذه المعاملة المصرفیة ثلاثة:

الأول:عن طریق خصم الکمبیالات.و قد عرفنا حکمها الفقهی سابقا.و هذه الکمبیالات هی التی تکتب علی الاستیراد أو علی غیرها.

الثانی:عن طریق الحساب المکشوف.و قد عرفنا حکمه.

الثالث:عن طریق التسلیف الاعتیادی نقدا أو عن طریق قبول الحوالات لدائنیه علی المصرف.

و هذا من قبیل القرض الاعتیادی فیشمله حکمه فقهیا.و الدفع النقدی


1) 1)

واضح بکونه قرضا.و الحوالة یدفعها المصرف قرضا إلی المدین و یدفعها عملیا إلی الدائن بالوکالة عن مدینة.

الأمر الخامس:التسلیف لقاء الاعتمادات المستندیة الواردة

(للتصدیر)

یخصص هذا النوع من الائتمان لمساعدة المصدّرین فی توفیر السیولة النقدیة اللازمة لتلافی مصروفات تهیئة البضاعة للتصدیر و تغطیة تکالیف شحنها.

و یتم ذلک عن طریق تسلیفهم مقدما بنسب معینة من مبالغ الاعتمادات الواردة لأغراض التصدیر.

و من الواضح أن هذه الاعتمادات هی الأثمان الواردة،للبضاعة المشتراة.فیقوم المصرف بدفع قسم أو نسبة منها،قبل قبضها أو وصولها إلی المصرف لتغطیة السیولة النقدیة للمصدرین.و یأخذ علی ذلک فائدة.

و هل هذه الفائدة ربویة.هنا وجهان فقهیان لذلک الوجه الأول:أن الاعتمادات الواردة هی ملک للمصدر(العمیل) بطبیعة الحال.فإذا اقتطع المصرف قسما منها و أعطاها له مقدّما،کان قد دفع إلیه شیئا مما یملکه فعلا.فیکون للمصرف الحق أخذ العمولة علی هذا الدفع المعجّل.فلا یکون من الفائدة الربویة.

إلاّ أن هذا الوجه لا یخلو من خدشه لوضوح أنه عند هذا الدفع المقدّم قد لا تکون الحوالات الخارجیة قد وصلت فعلا.و إلاّ لما احتاج إلی هذا الدفع.إذن،فلا یکون للعمیل مال مملوک له فی المصرف بمثل قیمة البضائع المصدّرة.لیکون هذا الدفع المقدم منها.و معه یکون هذا المقدار من المال تسلیفا أو قرضا مستقلا.

و إنما عبّروا أنه من ضمن الاعتمادات الواردة لقدرة المصرف استیفائه منها عند وصولها.فهو منها مجازا لا حقیقة.

الوجه الثانی:أن هذا التسلیف إذا کان عن طریق الحساب المکشوف، تحسبا لوصول أثمان البضائع بعد ذلک.فقد قلنا عن الحساب المکشوف أنه لا یملکه الفرد بمجرد إصدار القرار به.و معناه أنه لا یکون قرضا بمجرد ذلک،فلا تکون الفائدة ربویة.

و الدلیل علی أنه من قبیل الحساب المکشوف:أن العمیل لو کان له حساب جار دائن لما احتاج إلی هذا التسلیف فیتعین أن یکون التخصیص له تخصیصا مکشوفا.

و جوابه:أننا کما قلنا أن العمیل لا یملک المال بمجرد التخصیص أو الاعتماد.و لکننا قلنا أیضا أنه یملکه عند السحب.و من المعلوم أنه سوف یسحبه و یستفید منه قبل وصول ثمن البضاعة.و عند ما یسحبه یکون قرضا، و تکون الفائدة ربویة.

إلاّ أن الذی یهون الخطب أمران فقهیان:

الأمر الأول:أنه عند سحب العمیل لمقادیر من حسابه المکشوف لا یکون قصد القرض موجودا.و إنما-لو کان موجودا-فذلک عند اعتماد الحساب نفسه.و القرض من جملة المعاملات التی تحتاج إلی قصد و بیان کما سبق مکررا.فإذا لم یتم القصد لا تکون المعاملة موجودة.فلا یکون ما یسحبه قرضا.فلا تکون الفائدة علیه فائدة علی القرض.

الأمر الثانی:أن الأموال فی المصارف الغالبة الوجود فی المجتمع و التی نتحدث عنها،إنما تتداول الأموال المجهولة المالک.و قلنا إن التعامل بمثل هذه الأموال لا یکون مشمولا لحکم التعامل بالأموال المملوکة،کحرمة الفائدة الربویة.و إنما إذا کانت تحرم فمن جهة فقهیة أخری.

فهذا هو الحدیث فی الأمر الخامس من التعلیق الفقهی علی(منح الائتمان)و به ینتهی الحدیث عن أهم أقسام(الائتمان النقدی).

و أما الائتمان التعهدی فمنها-کما عرفنا-خطابات الضمان،و قد تحدثنا

عنها.و فتح الاعتمادات المستندیة.و هذا ما سنتحدث عنه مع قبول الحوالات المستندیة.إذ یندرج کل ذلک ضمن الاعتمادات للتجارة الخارجیة.و سنعقد لها موضوعا مستقلا.

الودائع الحقیقیة:

اشارة

یقوم المصرف (1)

مصرف الرافدین:ص 25.

،فیما یقوم به من خدمات اقتصادیة،بحفظ النقود و المعادن الثمینة و الأسهم و السندات و الرزم و الممتلکات الأخری سواء عرفت محتویاتها أم لم تعرف.و کذلک تأجیر خزائن الإیداع الخاصة للغیر.

و هذا یعنی أمرین:

الأول:ان هذه الأمور یحفظها المصرف بعینها بدون تشغیل حتی و إن کان نقودا أو ذهبا أو أی شیء آخر.و لا أعلم ما إذا کان هذا المعنی شاملا لغیر المنقول أیضا،و إن کان نظریا شاملا له أیضا.

و هو انما یحفظها نیابة عن أهلها،عن الحوادث المحتملة کالسرقة و الحرق و غیرها.إذ قد تکون فی المصرف أبعد احتمالا منها فی المنزل.

الثانی:أن المصرف یقوم بهذا العمل لقاء أجور معینة.

و هو من الناحیة الفقهیة یعنی أمرین أیضا:

الأمر الأول:أن هذه المعاملة هی الودیعة بالاصطلاح الفقهی تماما.

و هی تبقی فی ملک صاحبها و یجب علی من تکون عنده(الودعی)حفظها لوقت انتهاء المدّة.فإذا انتهت وجب علیه إرجاعها.فإن قصّر کان غاصبا، و ان ترک صاحبها عندئذ المطالبة بها لم یکن غاصبا و بقیت عنده أمانة شرعیة باصطلاحهم یجب علیه إرجاعها فورا ففورا.

و أما قبل انتهاء المدة فلا یجب إرجاعها حتی لو طالب بها صاحبها.إذ یجب علیه الالتزام بالمعاملة التی اشترط فیها المدة المحددة.


1) 1)

و الودیعة کما تحصل باللفظ تحصل بالمعاطاة أیضا.کما سبق أن تکلمنا فی الفصل الخاص بالمعاطاة.إلاّ أنه یجب ذکر المدّة.فإن لم تذکر المدة و بقیت مجهولة أو إلی حین المطالبة بطلت معاملة الودیعة و کانت هذه أمانة شرعیة لکن لا یجب إرجاعها فورا للعلم برضا صاحبها بالاستمرار عند الودعی.و إنما یجب إرجاعها کما سبق عند عدم إحراز ذلک أو الوثوق به.

و علی أی حال،فإذا کانت هذه الودائع معلومة الأمد،کانت ودیعة حقیقیة فقهیا.و إن لم تکن معلومة،کانت أمانة شرعیة،لا بید الشخصیة المعنویة للمصرف بل بید المشرفین علیه کأشخاص حقیقیین.لا أقل ممن یوقع عقد المعاملة أو مدیر المصرف.

و قد أشار بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی:ص 98.

إلی أنها ودائع بالمصطلح الفقهی،إلاّ أنه لم یفصل هذا التفصیل.

الأمر الثانی:وضوح أن هذه التی یأخذها المصرف لیست فائدة ربویة، و إنما هی أجور جائزة شرعا علی عمل نافع اجتماعیا و اقتصادیا.حتی و إن کانت هذه الودائع نقودا،لعدم وجود نیّة القرض أو قصد تملک المصرف لهذه الودائع فی أذهان المصرفیین.

و علی ما قلناه من أن(الودعی)هذا لیس هو المصرف کشخصیة معنویة بل المشرفین علیه.و هذا فی حدود النوع الذی نتحدث عنه باستمرار هنا.

فعلیه تکون العمولة ملکا للمشرفین بالخصوص،و بالأخص للشخص المتولی الکفالة أو طرف معاملة الودیعة أو متولی الحراسة،و هذا یختلف باختلاف فهم المصرفیین أنفسهم.

الاکتتاب:

لم أجد هذا العنوان فی المصادر المصرفیة المتوفرة.و بالرغم من أنه لا یعنی عادة أکثر من جمع المال من عدد من الناس لهدف معین عام أو


1) 1)

خاص.إلاّ أن بعض أساتذتنا قدم له معنی مصرفیا معینا:

قال (1)

المصدر نفسه:ص 127. [1]

:قد یقوم المصرف بدور الوسیط فی عملیات اکتتاب الأسهم لبعض الشرکات.فإن الشرکة المصدرة للأسهم،قد تتفق مع البنک علی أن یتولی نیابة عنها إصدار أسهمها و یقوم الاتفاق بین الشرکة و البنک علی أساس إحدی الطریقتین التالیتین:

الأولی:إصدار الأوراق بدون ضمان.و فی هذه الحالة لا یکون البنک مسئولا عن تغطیة الإصدار کاملا.و إنما یتقاضی عمولة فقط لقاء ما استطاع تصریفه من الأسهم.

الثانیة:إصدار الأوراق بضمان.و فی هذه الحالة،یکون البنک ملزما بأن یشتری لحسابه الخاص الأوراق التی لم یتم الاکتتاب فیها.

و لم یوضح المؤلف أن المصرف إذا اشتری الأسهم فستکون الأرباح له أو لا.إلاّ أن هذا واضح علی القاعدة و یکون من أسباب الاستفادة للمصرف لا محالة کما هو فائدة للشرکة أیضا.

قال (2):و کل هذا جائز شرعا إذا کان ترکیب الشرکة صحیحا من الناحیة الشرعیة(هدفا و عملا).و یکون البنک فی الحالة الأولی مجرد وکیل فی تصریف الأسهم.و یکون بإمکانه أخذ أجرة أو جعالة لقاء عمله و کلفة الشرکة فیه.

و فی الحالة الثانیة:یمکن أن یفترض کون البنک أجیرا من الشرکة علی ممارسة عملیات الاکتتاب مع شرط فی عقد الإیجار یفرض علی البنک أن یشتری ما تبقی من أسهم عند غلق الاکتتاب.و هو شرط جائز و نافذ و إن لم یکن لدی الطرفین فی البدایة فکرة محددة عن عدد ما یبقی من الأسهم دون تصریف.


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه:ص 128. [2]

أقول:و من الصحیح فی هذه المعاملة بین المصرف و الشرکة أمران رئیسیان فقهیا:

الأول:أن هذه أجرة محللة علی عمل اقتصادی عقلائی یکون المصرف مستحقا لها بطبیعة الحال.و لیست فائدة ربویة.

الثانی:أنه مع ضمان المصرف للأسهم المتبقیة،یکون ملزما بدفع أثمانها إلی حساب الشرکة،و یکون مساهما ضمنا فیها بطبیعة الحال إلاّ أن یشترطوا خلاف ذلک.

إلاّ أن ما قاله بعض أساتذتنا مما سمعناه قد ترد علیه بعض المناقشات:

أولا:أنه یتوقف علی وجود الشخصیة المعنویة للمصرف،و قد تکرر الحدیث عنها کثیرا.و الظاهر أنه یؤمن بوجودها،و قد سبق أن تکلمنا عنها فی فصل خاص بذلک فراجع.

ثانیا:انه کرر هنا مفهوم معاملة(الجعالة)و قد سبق أن قلنا فی مثله:

أن الأمر فی أی معاملة یحتاج إلی قصد.فإن قصدوا الجعالة فهو المطلوب.

و إلاّ لم یکن جعالة.و استحق المصرف الأجرة باعتباره قائما بالعمل المفید للشرکة لا مجانا کما قلنا فی أمثاله.

نعم،لا یستحق الأجرة فی الأسهم التی یشتریها هو،إذا کانت المشارکة ستکون له،بل مطلقا علی الأحوط.لأنه إنما یؤدی بذلک شرطا ملزما بالمعاملة،و فی مثله لا تستحق الأجرة.

بیع و شراء الأسهم

ینبغی أن نلتفت أولا إلی أن هناک فی لغة المصرفیین اصطلاحان قد یردان متعاطفین بحرف العطف و هما:الأسهم و السندات.فهل هما بمعنی واحد أو معنیان؟ و السهم لا یعنی فی الأصل اقتصادیا إلاّ ما یملکه الفرد الحقیقی أو المعنوی فی مؤسسة ما من مصارف أو شرکات أو صنادیق مالیة أو غیر ذلک.

و هو معنی لغوی صحیح مأخوذ من سهم الوارث من ترکة مورثه المیت.

إلاّ أن الأمر تطور عن ذلک بمقدار ما،حیث أصبحت الشرکات تطبع أوراقا مالیة ذات قیمة محددة،یکون مشتریها مشارکا بتلک الشرکة بهذه الحصة.فتسمی الورقة سهما،و یقوم الفرد بشراء السهم أی الورقة نفسها.

و السهم واقعیا و اقتصادیا إنما هو الثمن الذی یدفعه مساهمة فی الشرکة.

و إذا اشتری الفرد عدة أوراق کان له عدة أسهم.باصطلاحهم.و إن کان فی الواقع:أن جمیع ما یملکه فی الشرکة أو قل:فی رأس مالها،هو سهم واحد لأن مالکه فرد واحد.و لا معنی منطقیا أن یکون للفرد الواحد عدة أسهم،إلاّ أن الحساب حالیا هو علی ذلک تسهیلا لحساب توزیع الأرباح علی الأسهم عند وجودها.و هذا حساب نافع من هذه الناحیة و لیس بمضر إطلاقا.و إن کان یحتوی علی مجاز فی التعبیر منطقیا.

و هناک مجاز آخر فی الفهم الاقتصادی هنا،و هو أن ورقة السهم إن لم یوجد لها مشتری.لم تکن سهما علی الإطلاق.و إن کنا نسمیها سهما مجازا.و إنما تصبح سهما اقتصادیا حقیقیا بالشراء.

فهذه هی الأسهم.

و أما السندات فهی جمع السند و السند هو کل ورقة دالة دلالة کافیة أو قل:(رسمیة)علی معاملة ما کسند الملکیة و سند الإیجار أو علی مالیة معینة کالکمبیالة و الشیک و الأسهم التی تحدثنا عنها قبل قلیل و غیر ذلک.فمن الناحیة الاقتصادیة فإن کل الأوراق المالیة هی سندات بمعنی عام.

و علی الأخص،قد تسمی أو کثیرا ما تسمی الأوراق الدالة علی الأسهم سندات.فیقال:سندات الأسهم أو:الأسهم و السندات.و یکون المعنی هنا أوضح مما سمعناه فی الأسهم لأن السهم یکون هو المال المدفوع و الورقة تکون سندا دالاّ علی تحقق ذلک المال و علی مشارکته فی رأس مال الشرکة.فیکون المجاز الذی أشرنا إلیه هناک مرتفعا.

و شراء الأسهم یمکن أن یراد به أحد معنیین کلاهما صالح للانطباق علیه تماما.

المعنی الأول:ما أشرنا إلیه من شراء السهم لأول مرة،کمشارکة فی رأس مال الشرکة أو المؤسسة التی أصدرته.

و من الواضح أن الحالة السابقة علی هذا الشراء هو أن الورقة لم یکن لها مشتر و من هنا لا قیمة لها من الناحیة الاقتصادیة.

المعنی الثانی:شراء السهم من صاحبه الذی کان مشارکا فی رأس مال الشرکة،من قبل شخص آخر.

و الحال السابقة علیه:أن ورقة السهم کانت مشتراة و مشارکة فعلا فی الإسهام بالشرکة،إلاّ أنها أصبحت مشتراة مرة ثانیة،و أصبح المشتری الجدید الآن هو المشارک دون البائع،و الربح یستحقه المشتری بطبیعة الحال من الآن فصاعدا.

و یختلف المعنیان من جهة أخری مهمة.و هی:أن الشرکة عند بیع الأسهم لأول مرة لا تستطیع أن تفرض قیمة أکثر مما هو مسجل فی ورقة السهم نفسها.کما أنها لا ترضی بقیمة أقل.بخلاف المعنی الثانی،فإن قیمة البیع تتحدد بحدود نجاح الشرکة و فشلها،فکلما کانت أکثر نجاحا کان السهم الواحد منها أغلی حتی قد یباع بأضعاف مضاعفة من قیمته الاسمیة.

و أما بیعه بأقل من قیمته علی تقدیر ضمور الشرکة أو فشلها،فهو أمر ممکن و لو من باب أن الفرد یحصل هذا المقدار القلیل من المال نسبیا خیر له من أن یخسر کل شیء.و ستکون خسارات الشرکة بعدئذ علی المشتری لا علیه.

هذا و لکنی لا أعلم عن حصول ذلک فی الأسواق الاقتصادیة و عدمه.

هذا،و قد أصبح من الواضح أن کلا المعنیین من الشراء،لا یعنی أکثر من دفع المال لأجل المشارکة فی رأس مال الشرکة أو المؤسسة أو المصرف،

و لیس شراء حقیقیا فالسلع الاستهلاکیة العادیة لغیر الورقة نفسها التی لا تعتبر بقیمتها الذاتیة لولا الغطاء المالی الذی تحتویه.

فالمصارف أو الأفراد أو المؤسسات التی تشتری الأسهم فی مؤسسات أخری،إنما ترید المشارکة فی رأس مالها،و یکون لها قسم من أرباحها بالنسبة المئویة بطبیعة الحال.

هذا کله فی شراء الأسهم.و أما بیعها فلا یعنی أکثر من ذلک.فإن لکل شراء بیع بطبیعة الحال.و المعاملة دائما تتکون من بائع و مشتر.فإذا کان لسندات الأسهم مشترون إذن فلها باعة أیضا.

و یمکن تقسیم البیع کما قسمنا الشراء إلی معنیین:

المعنی الأول:یقابل المعنی الأول للشراء.و هو أن الشرکة أو المؤسسة أو المصرف تبیع أسهمها من أجل تحصیل المشارکین فی رأس المال.أو قل:لأجل توسیع رأس مالها.

المعنی الثانی:یقابل المعنی الثانی للشراء،و هو أن الفرد الحقیقی أو المعنوی قد یکون مالکا لسهم أو عدة أسهم فیبیعها جمیعها أو بعضها علی شخص آخر بنفس قیمتها الاسمیة أو أکثر أو أقل.

و علی أی حال،فما یکون حکم الشراء فقهیا للأسهم یکون هو حکم البیع،لأنها تعتبر معاملة واحدة.

و لکل من المعنیین حکمه الفقهی المستقل،بعد الالتفات إلی أن الشراء و إن کان ظاهرا لهذه الورقة،إلاّ أنه فی الحقیقة لمالیتها التی هی جزء من رأسمال مؤسسة أو شرکة أو نحوهما.

و معه فالشراء بالمعنی الأول لیس شراء علی الإطلاق،و إنما هو مساهمة من المشتری فی رأس المال.و هو یملک الورقة کسند مالی علی هذه المشارکة لا أکثر و لا أقل.

و هذا أمر جائز شرعا إذا کانت المؤسسة أو الشرکة و نحوهما مما لا إشکال علیها من الناحیة الشرعیة.

و أما بالمعنی الثانی فهو فی الحقیقة لیس شراء للورقة و إنما هو شراء لمالیتها یعنی للجزء الذی یشترک به البائع فی الشرکة المساهمة.

و من هنا یمکن أن یقال فقهیا:إن هذه المعاملة تکون مشمولة بحکم الربا إذا کان رأس مال الشرکة من الذهب و الفضة فشراؤه بأحد هذین المعدنین یوجب شرعا التساوی بینهما و لا یجوز التفاضل.و هذا صحیح بهذا المقدار.

إلا أن ذلک من الناحیة العملیة غیر صحیح أو لیس له تطبیق،لأن رؤوس الأموال لیست من الذهب و لا من الفضة و لیست أقیامها المدفوعة بإزائها منهما أیضا.فالتفاضل جائز عملیا فی مثل عصورنا الحاضرة،تماما کما قلنا فی سائر الأوراق المالیة.و النقود المتداولة سوقیا أیضا.

و قالت المصادر المصرفیة (1)

مصرف الرافدین:ص 55.

:إن المصارف تقوم بشراء و بیع الأسهم و السندات لحساب الغیر.و أنها تقوم أیضا بشراء و بیع و تحصیل و تأدیة أ قیام الأسهم و السندات و العملات و أی من وسائل الدفع و أوراق الائتمان نیابة عن المصارف و المؤسسات المالیة الخارجیة.

أقول:فی حدود الحدیث عن الأسهم فإن المصارف تقوم بشرائها و بیعها نیابة عن الغیر سواء کان هذا الغیر فردا حقیقیا أو أفرادا أو کان فردا معنویا من داخل البلاد أو من خارجها.

و معنی شرائها عن الغیر ما سمعناه عند الحدیث عن الاکتتاب،حیث یعطی المصرف تسهیلا للغیر بدفع قیمة الأسهم بدلا عنهم فی حالة شرائهم أو بیعها و قبض أقیامها بدلا عنهم و یأخذ نسبة من الربح کعمولة.


1) 1)

و مهما کان تفسیر البیع و الشراء،مما سبق،فإن ما یقوم به المصرف من ذلک،إنما هو إنجاز لحاجات و مصالح.الآخرین،یستحق علیه الأجر.و هی لیست من الفوائد الربویة کما هو واضح.

و قولهم:إن المصارف تقوم بشراء و بیع و تحصیل و تأدیة أ قیام الأسهم و السندات إلخ.فإن التحصیل یکون عند البیع و یراد به أخذ الثمن،و التأدیة تکون لدی الشراء بدفعه.فهذه المقولة إیضاحا للعبارة.

هذا هو الحدیث عن الأسهم.

و أما السندات،فهی کما عرفنا علی أشکال مختلفة،فیکون کل قسم منها مشمولا لحکمه الخاص به.و قد عرفناه کله تقریبا کالشیکات و الکمبیالات و الأسهم و غیرها.فإن بقی شیء فسیأتی عند الحدیث عما یناسبه.

الاعتمادات المستندیة:
اشارة

عرفت المصادر المصرفیة (1)

انظر دلیل المعاملات المصرفیة:ج 4 ص 8.

الاعتماد المستندی:

أولا:الاعتماد المستندی عقد یتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد لصالح المستفید،بناء علی طلب الآمر بفتح الاعتماد مستندات تمثل بضاعة منقولة أو معدّة للنقل.

ثانیا:عقد الاعتماد المستندی مستقل عن العقد الذی فتح الاعتماد بسببه و یبقی المصرف أجنبیا عن هذا العقد.

و حیث أن الاعتماد المستندی خاص بالاستیراد الخارجی فلا بد أن یتحقق عندنا مصرفان أحدهما داخلی و الآخر خارجی.و قد تتحقق عندنا ثلاثة مصارف أحدها داخلی و اثنان خارجیان.و المراد من الداخلی:ما کان فی بلد الاستیراد،و من الخارجی:ما کان فی بلد التصدیر.


1) 1)

فإذا التفتنا إلی ثلاثة مصارف و مستورد و مصدر،کانت الأطراف فی الاعتماد المستندی خمسة (1)

انظر:المصدر السابق ص 9.

:

1-الآمر بفتح الاعتماد(الجهة المستوردة).

2-المصرف الفاتح للاعتماد(المصدّر للاعتماد).

3-البنک المراسل(بالفتح):(المبلغ للاعتماد).

4-المستفید من الاعتماد و هو(المصدر أو المجهز).

5-بنک التغطیة أو الوسیط و هو الذی یقوم بتغطیة دفوعات اعتمادات المصرف الفاتح للاعتماد(المصدر للاعتماد)عند ما لا یکون لدیه حساب جار بنفس عملة الاعتماد مع المصرف المراسل(المبلغ للاعتماد).و فی هذه الحالة یوسط المصرف المصدر للاعتماد مصرفاً آخر له حساب جار معه بنفس عملة الاعتماد بقبول سحوبات البنک (المبلغ للاعتماد)عند تقدیم مستندات الشحن مطابقة لشروط الاعتماد.

و إذا لم یدفع البنک الوسیط کل المال المطلوب أو بعضه،کان علی البنک المراسل(المصدّر-بالکسر-)إیفاء ذلک کله و تغطیته تماماً.

و تستقر کل المصارف التی تدفعها هذه البنوک أو أی منها کان علی المشتری و هو المستورد.لأن البنک المراسل أو الوسیط یدفع للمصدر، و یستوفی ما دفعه من المصرف الفاتح للاعتماد الموجود فی بلد المستورد، عن طریق حسابه الجاری لدیه،کما أشرنا،فإذا تم ذلک استوفی المصرف الفاتح للاعتماد من المستورد(المشتری)ما دفعه من حسابه الجاری أو نقداً.

و کل ذلک لن یکون بدون فوائد بطبیعة الحال.

و ینبغی أن ندقق ذلک فقهیاً،قبل الدخول إلی بعض التفاصیل.علماً بأن أکثر ما تکلم به المصرفیون حول الاعتماد المستندی أمور مربوطة


1) 1)

بالاطمئنان علی سیر المعاملة من مختلف جهاتها،و عدم تهدید المصرف الفاتح للاعتماد بالخسارة المحتملة.و هو أمر خارج عن النطاق الفقهی.

و من الناحیة الفقهیة قال بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی:ص 132. [1]

:و قیام البنک(یعنی الفاتح للاعتماد)بهذا الدور هو عمل جائز شرعاً کما أن تسدیده فعلاً للثمن عن المشتری(المستورد)جائز أیضاً.سواء سدّده من رصید المشتری الموجود لدیه أو سدده من ماله الخاص.و فی هذه الحالة یصبح المشتری مدیناً للبنک بقیمة البضاعة التی سددها.

أقول:و کذلک بالنسبة إلی الدور الذی یلعبه المصرف المراسل و المصرف الوسیط،فإنه جائز شرعاً،بغض النظر عن الفائدة الربویة،و بعض النقاط الأخری التی سبق أن غضضنا النظر عنها فی أول هذا الفصل.

و لکن الأهم فقهیاً أن فتح الاعتماد لیس معاملة قرض.شأنه شأن الحساب الجاری المکشوف تماماً،حیث قلنا هناک إن العمیل لا یملکه قبل أن یقبضه.فکذلک الحال فی المقام.

نعم،یختلف هذا الاعتماد عن ذلک الحساب.أن ذلک الحساب مما یقبضه العمیل نفسه،و أما هذا الاعتماد فلا یقبضه العمیل بل البائع.و من الواضح أن هذا یمکن تخریجه فقهیاً بالوکالة-لو تمت بعض الجهات السابقة.فالمصرف الفاتح للاعتماد یتوکل عن الوکیل(المصرف الفاتح للاعتماد)فی الدفع الفعلی ثم یرجع به علیه،ثم یرجع هذا المصرف علی المشتری.

و بذلک تبرأ ذمة المشتری.و لکن إذا أخذنا بعض النقاط بنظر الاعتبار بما فیها کون المال مجهول المالک.فإنما تبرأ ذمة المشتری باعتبار إعراض البائع عن دینه بعد أن قبض بمقداره.

و الحساب الجاری للمصرف المراسل أو الوسیط الذی یملکه المصرف


1) 1)

الفاتح للاعتماد،ان کان حساباً دائناً.فلا إشکال من هذه الناحیة فقهیاً،لأنه مال مدفوع سلفاً،و قلنا إن الأوراق المالیة و القوائم المالیة کافیة فی التعامل، فیکفی أن یرحّل من هذا الحساب الجاری إلی حساب البائع و تکون الذمة بریئة.

و ان کان هذا الحساب الجاری مکشوفاً.و لا أعلم ما إذا کانت المصارف لبعضها البعض تؤسس حساباً جاریاً مکشوفاً.إلاّ أننا من الناحیة الفقهیة نقول:إنه إذا کان کذلک أمکن الدفع منه،إلاّ أنه لا یملکه البائع (المصدّر)و لا تبرأ ذمة المشتری(المستورد)إلاّ بالقبض بما یشمل معنی القبض بالأوراق المالیة أو الترحیل.

و إذا لم یکن بینهما أعنی المصرفین حساب أصلاً،أصبح المصرف الدافع(الوسیط أو المراسل حسب الحالات)دائناً للمصرف الفاتح للاعتماد، فإذا وفاه أصبح دائناً للمشتری-إن وجد-و یدفع إلی ذلک المصرف.

هذا و لا تختلف المعاملة فی أی بلاد اللّه من فکرة الاستیراد أو التصدیر کل ما فی الأمر أن البلد الذی فیه المشتری یصبح مستورداً و البلد الذی فیه البائع یصبح مصدراً.و الفکرة واحدة علی أی حال.

و قد ذکر بعض أساتذتنا (1)

المصدر نفسه،ص 133.

ثلاثة إشکال من الفوائد یمکن أن تصل إلی هذه المصارف المتعاملة بالاستیراد و التصدیر.

أحدها:ما یعتبر أجراً علی نفس ما قام به البنک من تعهد بدین المشتری(فتح الاعتماد)و اتصال بالمصدر و مطالبته بمستندات الشحن.

و إیصالها إلی المشتری.و نحو ذلک من الخدمات العملیة.و هذا الأجر جائز شرعاً.

ثانیهما:ما یعتبر فائدة علی المبلغ غیر المغطی من قیمة البضاعة التی دفعها المصرف(الفاتح للاعتماد)إلی المصدّر و علی أساس أن هذا المبلغ


1) 1)

یعتبر قرضاً من البنک فیتقاضی علیها فائدة یحددها الزمن الذی یتخلل بین دفع ذلک المبلغ و تسدید المشتری قیمة البضاعة.و هذه فائدة ربویة محرمة شرعاً.

و قبل أن ندخل فی الشکل الثالث للفوائد،یحسن أن نعلق علی هذا الشکل الثانی بعد أن نعرف أن ما قاله فی الشکل الأول صحیح تماما.و نری هنا فی الشکل الثانی ما إذا کانت الفائدة ربویة أم لا؟ و ینطلق التشکیک فی ذلک من زاویة ما عرفناه من أن مجرد الاعتماد لا یکون قرضاً من الناحیة الفقهیة.و لعلنا نفهم من عبارته السابقة ذلک ضمناً حین قال(علی أساس أن هذا المبلغ یعتبر قرضاً).حیث لم یقل أن هذا الأساس صحیح أم خاطئ.

و المهم أنه إذا لم یکن قرضاً ما لربح علیه لیس ربحاً علی قرض.فلا یکون ربویاً.إذن فالفائدة المستوفاة بدل الاعتماد من حیث صدوره إلی یوم الدفع،ان أخذها المصرف،لم تکن فائدة ربویة.و أعنی به المصرف الفاتح للاعتماد.

و إن صادف أن المصرف رفع هذا القرار-و لو-بالترحیل-قبل أن یقبضه البائع.فهو مشمول لنفس الحکم أیضاً فقهیاً.

نعم،إذا قبضه البائع ثم دفعه المصرف الفاتح للاعتماد.ثم استوفاه من المشتری،کانت الفائدة بین الدفع و الاستیفاء ربویة و هو ما أشار إلیه بعض أساتذتنا فی عبارته السابقة.

غیر أن بعض المبانی الفقهیة التی لا تکتفی بالترحیل أو بالأوراق المالیة غیر النقد،لا یمکنها الاعتراف بکون الفائدة ربویة.لأن أغلب معاملات المصارف عن هذا الطریق.

کما أنه من زاویة أن المصارف المتعاملة إما أجنبیة کافرة و إما متعاملة بالأموال المجهولة المالک.مضافاً إلی نقاط ضعف أخری سابقه.فقد یقال

فقهیاً إن الفائدة لیست ربویة-بل الصحیح فی مجهول المالک هو ذلک.

و أما المصارف الکافرة،فأخذ الربا منها جائز.و أما دفعه إلیها،کما یحدث فی الاعتماد المستندی،فهو باقٍ علی الحرمة.

فإن تکلمنا فی حدود التکلیف الشرعی لبلادنا المسلمة،کان البیع أو التصدیر جائزاً،لأن المشتری الکافر هو الذی سیدفع الفائدة.و أما الشراء أو الاستیراد.فمن یدفع الفائدة لیس هو المشتری المسلم مباشرة لتکون الحرمة فی ذمته،و إنما هو المصرف الفاتح للاعتماد یدفعها للمصرف المراسل أو بنک التغطیة(الوسیط).ثم یستوفی ما دفعه من المالک.

و نفس الکلام تقریباً،فیما إذا کان کلا البلدین(المستورد و المصدر) مسلمین و المصارف مسلمة،إذا لم تکن من القطاع الخاص أو الشخصی أو الشرکة المساهمة،بل کانت حکومیة من کلا الجانبین.أما لو کانت شخصیة أو شرکة مساهمة،فالأمر یختلف إلی حد بعید.و إن کان سیدنا الأستاذ (1)

انظر مستحدثات المسائل ص 5.

یعتبر أموال المصارف المختلفة من القطاعین العام و الخاص من الأموال المجهولة المالک فیجوز التعامل معها کالمصارف الحکومیة.و هذا أقرب إلی القاعدة،و إن کان فی النفس منه شیء.

و الشکل الثالث من الفوائد التی یتحدث عنها بعض أساتذتنا.و هو الفائدة التی یأخذها البنک المراسل أو بنک التغطیة من المصرف الفاتح للاعتماد قال:و هی فوائد علی المبالغ المستحقة طیلة الفترة التی تسبق تحصیلها فی الخارج من قبل البنک المراسل.أقول:و لم یذکر البنک الوسیط.مع أننا قد نحتاج إلیه فیما إذا لم یکن للمصرف الفاتح للاعتماد حساب جار مع البنک المراسل.

أما لماذا لا یجعل البنک الفاتح للاعتماد بنک التغطیة أو الوسیط هو المراسل رأساً.فهذا راجع إلی علاقات المصارف بعضها ببعض من حیث قد


1) 1)

یکون مصرف عمیلاً لمصرف آخر فی البلد الآخر،و قد لا یکون فالمصرف الفاتح للاعتماد إنما یفتحه لمصرفه العمیل فیکون هو المراسل.و حیث لا یکون له عنده حساب جار فی ذلک الحین،لزم الاعتماد علی بنک آخر یکون للبنک المراسل عنده حساب جار یمکنه السحب منه لیدفع إلی البائع فیکون هو بنک التغطیة.

نعود إلی الحدیث عن الفائدة بشکلها الثالث:

قال:و یمکن تخریج هذه الفوائد و تفسیرها فقهیاً علی أساس الشرط فی عقد البیع بمعنی أن المصدّر فی عقده مع المستورد یشترط علیه دفع مبلغ معین من المال عن کل یوم یسبق تحصیل الثمن.فیصبح المستورد و البنک الممثل له(الفاتح للاعتماد)ملزماً بدفع المبلغ المشترط و لیس ذلک من الزیادة الربویة المحرّمة،لأن الإلزام بدفع ذلک المبلغ إنما هو بحکم عقد البیع لا بحکم عقد القرض.و ما هو المحرم جعل شیء فی مقابل تأجیل القرض حدوثاً أو بقاء الإلزام بدفع شیء یحکم الشرط فی ضمن البیع.

و لنا علی ذلک عدة نقاط،بغض النظر عن نقاط سابقه:

النقطة الأولی:أن هذا التکییف الفقهی موقوف علی قصده،لنصدق فعلاً أنه شرط فی معاملة بیع.و أما بدون قصده فلا یتحقق.

و قد یقال:إنه مقصود ارتکازاً و إن لم یکن کذلک صراحة.لأن المفروض بالبنک المراسل أن یأخذ الفوائد.

و جوابه:أن هذا مقصود للبنک المراسل لا للبائع.و أما البائع فهو أجنبی عن المشتری(المستورد)و ما سیدفعه إلی المصارف من فوائد.

النقطة الثانیة:أنه لم یحدث أی بیع بالمعنی الفقهی بین المستورد و المصدّر.فإن البیع و أمثاله من المعاملات إنما یحدث بأحد طریقین:أولاً:

بالعقد اللفظی.و هو لم یحدث لأن هذین الشخصین لم یتواجها علی الإطلاق.و ثانیاً:بالمعاطاة.و هی إنما تحصل بالقبض و لو من أحد الطرفین

فی حین أن المفروض أن الشرط المشار إلیه یحصل قبل إرسال(شحن) البضاعة و قبل قبض الثمن.و یومئذ لم تکن المعاملة(المعاطاة)حاصلة.

نعم،لو حصل ذلک صدفة،کما لو تکلما أعنی المستورد و المصدر تلفونیاً و اتفقا علی التصدیر،کانت هذه النقطة من الأشکال غیر واردة.إلا أنه لیس أمراً غالباً،لأن التصدیر قد یکون تلقائیاً فی کل زمن محدد متفق علیه بینهما سلفاً أو فی غیر ذلک من الحالات.

النقطة الثالثة:أنه کما أن الشرط المشار إلیه غیر مقصود.کذلک فإن الفائدة الربویة مقصودة فعلاً.فإذا قصدنا النظر علی هذا المقدار من التفکیر الفقهی،کانت الفائدة ربویة لا محالة.

إلاّ أننا عرفنا بعض المبانی الفقهیة قبل قلیل،مما یجعل الاحتمال الفقهی بأن لا تکون هذه الفائدة ربویة،راجحاً.و لا نکرر ذلک.و نوکله إلی فطنة القاری.فهذا هو الحدیث عن الأفکار الأساسیة فی الاعتماد المستندی.

بعض التفاصیل المهمة

ینبغی فیما یلی أن نلم ببعض تفاصیل الاعتمادات المستندیة التی تتعرض لها المصادر المصرفیة،تلک التفاصیل التی لها من الناحیة الفقهیة أهمیة.و هی عدة أمور نذکر کل واحدة منها و نعلّق علیه فقهیاً ثم نذکر الذی یلیه:

الأمر الأول:قالوا هذا و یجب الملاحظة بأن یکون لطالب فتح

الاعتماد(المستورد)حساب جار لدی المصرف،و معروفاً لدی المصرف

(1)

و ذلک لتغطیة کلفة فتح الاعتماد و فی حالة عدم وجود حساب جار لدیه یجب أن یدفع نقداً کتأمینات بنسبة 100%مئة بالمئة من الاعتماد.

و قال فی المصدر المصرفی (2):بعد تحدید نسبة التأمینات من قبل


1) 1) دلیل المعاملات المصرفیة:ج 4 ص 23.

2) 2) المصدر السابق:ص 25.

المدیر.إلخ.و هذا معناه أن نسبة التأمینات قد تکون أقل من مئة فی المائة.

و بعد ضم إحدی هاتین العبارتین إلی الأخری نعرف أن ذلک إنما یحدث مع وجود الحساب الجاری لفاتح الاعتماد(المستورد).کما نعرف أن وجود هذا الحساب لا یکفی وحده للتغطیة،و إن کان قد یکون أکثر من حساب الاعتماد کله.و إنما لا بد من وجود تأمینات تقتطع من حسابه أو یدفعها نقداً.

و ستکون التأمینات أیاً کان مقدارها جزءاً من مجموع حسابات یقوم بها المصرف منها الثمن المدفوع للبضاعة،فوائده،و الأجور الأخری.

فمن الناحیة الفقهیة لا یمکن اعتبار هذه التأمینات و إن دفعت مئة بالمئة،دفعاً للثمن فعلاً من قبل المشتری فی عملیة أو معاملة بیع فعلیة بینه و بین المصدّر.لأن التأمینات قد تدفع قبل الاتصال بالمصدر أصلاً.کما أن الثمن لا یکون ثمناً ما لم یقبضه البائع تماماً و لو بالترحیل لحسابه فعلاً.و هذا لا یکون قبل أن یفعل البنک المراسل أو بنک التغطیة ذلک.و أما مجرد دفع الحساب للمصرف الفاتح للاعتماد،فلا یکون دفعاً للبائع و لا لوکیله.

نعم،قد یکون ذلک من الناحیة الفقهیة،توکیلاً للمصرف من قبل المستورد بأن یدفع الثمن فی وقته.کما أن رضا المصدّر بمثل هذه المعاملة توکیل من قبله للمصرف الذی یقبض منه الثمن فی أن یقوم مقامه فی إزجاء المعاملة و قبض الثمن.

و معه فما یخطر علی البال:من أننا حین نفینا حصول المعاطاة فی هذا البیع فی أول زمان فتح الاعتماد لم یکن صحیحاً،لأن هذه التأمینات إذا دفعت فقد حصل قبض للثمن،یعنی التعاطی من طرف واحد.و هذا یکفی فقهیاً فی حصول المعاطاة.

و قد ظهر جوابه مما قلناه بعدة وجوه منها:

أولاً:أن المعاملة تتقوم بالقصد کما قلنا.و القصد فی هذه التأمینات هو کونها تأمینات لدی المصرف الفاتح للاعتماد و لیس کونها جزءاً من الثمن.

ثانیاً:أن المصرف عند فتح الاعتماد لا یکون وکیلاً عن البائع

(المصدّر)لیکون الثمن قد وصل إلی وکیله،و تمت المعاطاة من طرف واحد.بل کل ما فی الأمر أنه وکیل عن المشتری(المستورد)فی دفع الثمن الذی لم یدفعه لحد الآن(فی أول فتح الاعتماد).

إذن،فمعاملة فتح الاعتماد بمجردها لیست معاملة بیع من الناحیة الفقهیة،و إن کان یمکن و یجوز فقهیاً أن تصبح کذلک فی المدی القریب أو البعید،أعنی حین وصول إحدی طرفی المعاملة(أعنی الثمن أو المثمن)إلی صاحبه أو وکیله.أو وصولهما معاً لتحصیل المعاطاة التی یصدق علیها البیع.

الأمر الثانی:قالت المصادر المصرفیة :یقوم المستورد فاتح الاعتماد

أحیاناً بإجراء تعدیل أو تعدیلات عدیدة علی الاعتماد الذی طلب من

المصرف فتحه خلال فترة نفاذه

(1)

و قالوا (2):إن التزاماً کهذا لا یمکن تعدیله أو إلغاؤه بدون موافقة البنک المصدر و البنک المعزز(الوسیط)ان وجدوا المستفید و یعتبر القبول الجزئی للتعدیلات الواردة فی إشعار التعدیل غیر نافذ المفعول بدون موافقة کل الأطراف المذکورة أعلاه.

أقول:التغییر إما أن یکون بتقلیل الاعتماد(الثمن)أو بزیادته أو بتقلیل البضاعة المصدرة أو زیادتها.و فی الغالب،فإن تقلیل أحدهما یقتضی التقلیل فی الآخر و الزیادة فی أحدهما تقتضی الزیادة فی الآخر،ما لم تختلف قیمة السوق اختلافاً ملحوظاً.

کما أن إلغاء الاعتماد خلال نفاذه،أمر ممکن.و سنشیر إلی حکمه الفقهی.

و هذه الأمور تعنی من الناحیة الفقهیة عدة أمور:


1) 1) المصدر السابق:ص 28.

2) 2) المصدر السابق:ص 29.

أولا:أن إلغاء الاعتماد کلیا ان کان من أحد الطرفین أعنی المستورد أو المصدر،فهو فقهیا فسخ للبیع.

فإن کان البیع لم یحصل فعلیا،کما سبق أن أشرنا،فهو إعراض عن حصوله و المرء لا یجوز أن یکون مکرها علی الشراء أو البیع علی أی حال.

و إن کان قد حصل البیع فعلا بقبض أحد الطرفین ما ملکه بهذه المعاملة،أو کلاهما،فهذا یحتاج إلی أحد أسباب الفسخ لیکون جائزا و نافذا،و إلا فمعاملة البیع بدون خیار الفسخ،لا مجال لفسخها إلاّ بالمقابلة.

و المقابلة هی الاتفاق علی الفسخ فإن حصلت،کان الفسخ نافذا.و إن لم تحصل،کان لا بد من تکییفه بوجود شرط ضمنی للتسلط علی الفسخ من أحد الطرفین أو کلیهما فی البیع.فإن قلنا به،و هو أمر ممکن علی تقدیر حصول البیع فعلا،و المتسالم علی صحته سوقیا و لو ارتکازا.فهو المطلوب.

و إلاّ کان هذا الفسخ بإلغاء الاعتماد باطلا فقهیا.

و إن کان الفسخ حاصلا،بسبب آخر غیر المستورد و المصدّر،کحصول المقاطعة بین الدولتین أو المصرفین.فهذا معناه الحیلولة دون القبض.و مع الحیلولة کان للطرف المتضرر الفسخ لا محالة.و إن کان القبض حاصلا من الطرفین،فقد تمت المعاملة،و لا مجال للفسخ.

و لا ینبغی أن یفوتنا القول:إلی أنه عند الفسخ بإلغاء الاعتماد،لا بد من إرجاع ما وصل من الطرف الآخر.و استحقاق المصارف التی تصدّرت للمعاملة،ما تأخذه من أجور خلال نفاذ هذه المعاملة.

ثانیا:ان کان تغییر الاعتماد یتضمن التقلیل من الثمن بدون تغیر القیمة السوقیة.فهذا معناه الفسخ فی جزء من المعاملة إن کانت قد حصلت.و معه یکون للبائع حق الفسخ إذا عرف بالأمر أو أن یستمر بما هو موجود من المعاملة.

ثالثا:لو حصل التقلیل من قبل المصدّر.فإن کان بقصد الفسخ کان للمشتری(المستورد)نفس الموقف الذی شرحناه للبائع فی الفقرة(ثانیا).

و إن کان باعتبار غبن حق الطرف الآخر أو السرقة منه وجب علیه إرسال الباقی فإن لم یرسله جاز للطرف الفسخ فی الجمیع أو المطالبة بما یقابلها من الثمن إن دفعه.

رابعا:لو کان تغییر الاعتماد بتقلیل الثمن بسبب تغیّر القیمة السوقیة إما باعتبار رخص البضاعة أو غلاء العملة بالنسبة إلی العملة فی البلد الآخر.

و کذلک لو کان التغییر تقلیلا فی البضاعة المصدرة باعتبار زیادة قیمتها سوقیا.

فهذا کله مما لا حق للطرفین القیام به إلاّ باتفاقهما من جدید.و هذا یعود إلی فسخ المعاملة السابقة و إیجاد معاملة جدیدة.و إذا قلل أحد الطرفین بأی سبب کان للآخر فسخ البیع أساسا.کما جاز له التقلیل من طرفه بالنسبة بحسب القیمة السوقیة التی حصلت فیها المعاملة.

خامسا:لو کان تغییر الاعتماد بزیادة الثمن،یعنی زیادة الاعتماد نفسه.

فهذا معناه فقهیا البدء بمعاملة جدیدة لشراء بضاعة جدیدة.و هی لا تنفذه إلاّ بموافقة الطرف الآخر.

سادسا:لو کان التغییر بزیادة البضاعة.فهذا معناه أن البائع قد یرسل إلی المشتری بضاعته لاحتمال تقبّله لها.و دفعه الثمن کاملا.و هو متوقف علی موافقة المشتری بطبیعة الحال.

و علی العموم فإن التغییرات التی یقوم بها المصدّر،لا ترتبط بالاعتماد المستندی الذی فتحه(المستورد).بل من المتعذر مصرفیا القیام به بعد ضبط الحساب المصرفی من جمیع الجهات،إلاّ أن تسجیله کاحتمال فقهی قابل للحصول فی بعض الظروف لا غبار علیه.

الأمر الثالث:من خصائص الاعتماد المستندی

قالت المصادر المصرفیة أن الدفع تارة یکون مقدما و أخری یکون مؤخرا،و الدفع المؤخر أو المؤجل تارة یکون مضمونا من قبل المصرف و أخری لا یکون مضمونا.فیحسن بنا الآن أن نحمل فکرة موجزة نسبیا عن ذلک.لنحاسبها حسابا فقهیا،بالمقدار الممکن و المناسب للمقام.

أما عملیات الدفع المقدم (1)

المصدر السابق:ص 32.

،فإنه یحدث أحیانا أن یتفق مستورد مع مصدّر بفتح اعتماد مستندی لصالح الأخیر ینص علی دفع نسبة معینة من مبلغ الاعتماد مقدما(15%أو 20%).یقوم البنک المراسل بدفعها إلی المصدّر حال تبلغ الأخیر بالاعتماد.و ذلک لمساعدته فی تحضیر و شحن البضاعة المتعلقة بالاعتماد.

و الصفة الغالبة لضمان إعادة المبلغ فی حالة عدم شحن البضاعة المتفق علیها أو الإخلال بالتعاقد،هو أن یطلب المستورد من المجهز تقدیم خطاب ضمان(کفالة)لصالحه عن طریق المصرف بمبلغ الدفع المقدم.

و الدفع المقدم منوط باستیفاء المبلغ من فاتح الاعتماد بسنبة 100%.

أما الدفع المؤجل فقد قالوا:إنه یفید المستورد فائدة کبیرة،إذ یکون خلال هذه المدة المشترطة قد تصرف فی البضاعة المستوردة تصرفا تاما أی أنه یبیع أو یرهن البضاعة و یسدد مبلغها فیما بعد.مضافا إلی أنه قد ضمن عدم الغش و التلاعب فیها.

هذا.و یتم الدفع الآجل بطریقتین حسب مسئولیة المصرف الفاتح للاعتماد و قد ذکروا لکلا الطریقتین بعض الشرائط غیر المهمة فقهیا.

و علی أی حال،فالاتفاق بین الطرفین:البائع و المشتری،بتأجیل الثمن أو تقدیمه،أو الاتفاق علی أی مدة تخص الثمن أو البضاعة أو جزءا منهما.فکل ذلک جائز شرعا و نافذ،و إذا تم الاشتراط لم یجز العمل علی خلافه.

و أما ضمان المصرف الفاتح للاعتماد،للدفع المؤجل،فهو مما یندرج فی خطابات الضمان التی سبق أن بحثناها.و علی العموم فإنه عمل جائز شرعا،و یستحق علیه أجرا،و لا یکون الفرد مطلوبا به قبل دفعه کما قلنا فی الحساب الجاری المکشوف.فإن تم دفعه کانت الفائدة علیه ربویة،ما لم


1) 1)

تتدارکها بعض الوجوه الفقهیة التی سبقت أمثالها.و نوکلها الآن إلی فطنة القاری.

الأمر الرابع:أن المصرف یقوم بأمرین آخرین یندرجان فی مجال

الاعتماد المستندی:

أحدهما:التسلیف لقاء الاعتمادات المستندیة الصادرة للاستیراد.

و قد سبق لهذا العنوان أن ذکرناه،و المهم فیه:أن المصرف یدفع التسهیلات الکافیة لشحن البضائع و استلامها من قبل المشتری إن کان حساب الشحن علیه،کما هو الغالب.

قالوا (1)

مصرف الرافدین:ص 31.

:حیث یقوم المصرف بمساعدة المستورد فی تخلیص مستندات شحن هذه الاعتمادات من خلال تسلیفه نسبا معینة من صافی مبالغ مستندات الشحن عن طریق خصم الکمبیالات أو منح السلف فی الحساب المکشوف.

و التسهیلات المدفوعة مصرفیا فی هذا المجال قد تکون مربوطة باعتماد مستندی و قد لا تکون،و إنما کانت التجارة المستوردة عن طریق شخصی أو عن طریق مصرف أو مؤسسة أخری.و یراد من المصرف التسهیل فی تأمین مصاریف الشحن و التحمیل.فیقوم بذلک و یأخذ علی ذلک الفوائد.

و هی بحسب الظاهر فائدة ربویة لو لا وجهین سبق أن قررناهما من الناحیة الفقهیة نشیر إلیها الآن:

الأول:أنه فی حدود المصارف التی تتعامل بالأموال المجهولة المالک،فإنه یمکن أن یقال فقهیا إن الفائدة لیست ربویة.

الثانی:ما عرفناه فی أمثاله من أن الاعتماد أیا کان سببه لا یکون ملکا للفرد إلاّ بعد قبضه.و الفائدة مشترطة عند صدور الاعتماد.و هو لیس معاملة قرض فقهیا،لأن هذه المعاملة تنتج ملکیة المقترض و هذه لا تنتجها.و أما


1) 1)

حین القبض فلا توجد معاملة أخری لنعتبرها معاملة قرض.إذن فمعاملة القرض غیر موجودة فقهیا لتکون الفائدة من ربا القرض.إذن فهی لیست فائدة ربویة.

هذا،و الأمر الآخر الذی تقوم به المصارف فی هذا الصدد:هو الحوالات إلی الخارج بمختلف العملات،لأجل إزجاء أو تطبیق الاعتمادات المستندیة أو غیرها.و هذا ما سنتکلم فیه بعد.

ثانیهما:من الأمرین اللذین یقوم بهما المصرف فی هذا الصدد:

خزن البضائع علی حساب المستورد عند وجود الاعتماد المستندی لدیه لقاء أجر معین.و قد یقوم بحفظها علی حساب المصدّر،کما قال السید الأستاذ (1)

انظر:مستحدثات المسائل:ص 10.

،کما إذا أرسل البضاعة إلی البنک دون عقد أو اتفاق مسبق، فعندئذ یقوم البنک بحفظها إلی حین شرائها من قبل الآخرین.

و کلا الأمرین جائز فقهیا و شرعیا و لا غبار علیه.و لیست الفائدة ربویة بطبیعة الحال.

الأمر الخامس:عرفنا قبل قلیل من سیدنا الأستاذ أن هناک نوعا آخر من

الاعتماد

کما یعبر هو و اللفظ له (2)و هو أن المصدر یقوم بإرسال قوائم البضاعة کما و کیفا إلی البنک أو فرعه فی ذلک البنک دون معاملة مسبقة مع الجهة المقابلة.و البنک بدوره یعرض علی الجهة المقابلة فإن قبلتها طلبت من البنک فتح اعتماد لها.ثم یقوم بدور الوسیط إلی أن یتم تسلیم البضاعة و قبض الثمن.

و هذه الارسالیة،قد تکون لاحتمال قبول جهة محددة له.و قد تکون لاحتمال بیعه علی بعض التجار أو المؤسسات کائنا من کان.و هذا معناه


1) 1)

2) 2) المصدر:ص 7.

کون المصرف سمسارا للمصدر.و له قانونا و شرعا أن یأخذ علی سمسرته هذه الأجور.

إلاّ أن هذا الأسلوب لیس من قبیل الاعتماد المستندی لعدم وجود هذه المعاملة مع أی مستورد کما هو مفروض.فقول سیدنا الأستاذ إنه نوع آخر من الاعتماد لیس بصحیح.

فی الحوالات و أقسامها
الحوالات الداخلیة:

من الخدمات التی تقوم بها المصارف:حوالات الکمبیالات المالیة بین شخصین أو مؤسستین و نحو ذلک.

و الحوالات تنقسم إلی حوالات داخلیة و حوالات خارجیة.و الفرق الأساسی فقهیا بین هذین النحوین من الحوالات،هو أن التحویل الداخلی لا یکون إلا بنفس العملة،و أما التحویل الخارجی،ففی الأغلب یکون بین عملات متعددة،و الآن نتحدث أولا عن الحوالات الداخلیة لکی نصل بعدها إلی الحدیث عن الحوالات الخارجیة فی عنوان آتی بعونه تعالی.

و الحوالة بمعناها العام یمکن أن نتصورها علی عدة معان:

المعنی الأول:تحویل المدین دائنه علی مدینة،فلو کان(ألف)مدینا ل(باء)و دائنا ل(جیم)و حلّ وقت کلا الدینین أمکن لألف تحویل باء علی جیم لیأخذ منه دینه.و بهذا الدفع تفرغ کلا ذمتی ألف و جیم.و هذه هی الحوالة الفقهیة الاصطلاحیة.

و المهم وجود الدین دون النظر إلی سببه،یعنی سواء کان ناشئا من القرض أو من البیع أو الإجارة أو أیة معاملة أخری.

المعنی الثانی:تحویل المدین دائنه علی بریء.بأن یحول-فی المثال- ألف لباء علی جیم،من دون أن یکون جیم مشغول الذمة لألف.و هی الحوالة علی بریء.

فإذا رضی جیم و دفع من کیسه،أصبح دائنا لألف،و أمکنه أن یرجع علیه باستیفاء الدین.

المعنی الثالث:نفس المعنی الثانی،لکنه منظور إلیه من زاویة جیم (البریء)حیث یقوم اختیارا بتکفل دین ألف تجاه باء،فتفرغ ذمة ألف و تشتغل ذمة جیم.و هذا هو الضمان.فإذا دفعه کان دائنا لألف کما فی الصورة الثانیة أو المعنی الثانی.و هذا هو معنی الضمان.

و لیس للدائن(باء)أن یرجع علی المدین الأول(ألف)بل لا بد أن یرجع علی الضامن(جیم)فإن رجع باء علی ألف.کان له رفض الدفع و أمر دائنه بالتحول إلی جیم.کما أن له أن یدفع فتفرغ بذلک ذمة جیم و ترتفع مسئولیته هو أیضا.

و هذه المعانی الثلاثة قد تحصل فی بعض أعمال المصارف،کما سبق أن سمعنا نماذج متفرقة منها و ستسمع الباقی.و بتعبیر أصح:أنه یمکن تکییف بعض أعمال المصارف طبقا لهذه المعانی.إلاّ أنها علی أی حال لیست مقصودة بالذات أو بالصراحة للمتعاملین فی المصرف.و من هنا أمکن أن نقدم معانی أخری للحوالة من وجهة نظر مصرفیة،قد تکون بعضها دون تلک المعانی بالدقة بنفس الترقیم.

المعنی الرابع:تحویل المدین دائنه علی المصرف لا بصفته مدینا و لا بصفته بریئا بل بصفته أمینا علی أموال المدین.

ففی المثال السابق لو کان لدی(جیم)مقدارا من الأموال المودعة أو المؤمنة لدیه من ألف بدون أن یتصرف فیها.کان للمدین(ألف)أن یأمر الدائن(باء)أن یذهب إلی(جیم)لکی یعطیه من تلک الأموال.

و هذا یتم فی المصرف بناء علی ما اخترناه من الإیداعات فی المصرف،إذا کان من النوع المألوف الذی یتعامل بمجهول المالک،لا تدخل فی ملکیة المصرف بل تبقی ملکا لصاحبها.فهو إنما یدفع للدائن من

أموال المدین نفسه.فهو یتقمص شخصیة(جیم)فی المثال.مع فرق الإذن له بالتصرف بالودیعة.

و لیس الأمر کذلک إذا کان للفرد حساب مکشوف لما قلناه من عدم ملکیته له ما لم یقبض بل هو عندئذ من المعنی الثانی،و هو الحوالة علی بریء.

المعنی الخامس:إن الحوالة لا تعنی أکثر من إخراج المال من حوزة المصرف أو الفرع،و دفعها إلی مصرف أو فرع آخر فی بلد آخر أو قطر آخر، و ذلک لصالح الشخص المستفید.

هذا،بغض النظر عما أشار إلیه بعض أساتذتنا فی بعض کلامه،من أن للفروع المتعددة للمصرف ذمة واحدة و کیانا واحدا،و لیس ذمما متعددة کالمصارف المتعددة،و قد سبقت منا بعض المناقشات لهذه الفکرة و لا نعید.

المعنی السادس:أن الحوالة لا تعنی أکثر من أمر المستفید أو تنبیهه للمجیء إلی المصرف لأخذ کمیة من المال.و هذا الأمر قد یصور من المحوّل(المدین)و قد یصدر من المصرف نفسه و قد یصدر من مصرف آخر هو المصرف المراسل فی معاملات الاعتمادات المستندیة.و نحو ذلک.

و أحد هذین الأخیرین هو الأقرب،بحسب فهمی،إلی مفهوم الحوالة المصرفیة،من الناحیة العملیة.و هی معانی عملیة تطبیقیة أکثر من کونها نظریة.کما هو واضح.و من هنا نری أنه یختلف الاصطلاح المصرفی للحوالة عن المصطلح الفقهی اختلافا جذریا.

و قد قام بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی ص 113 و ما بعدها.

بتقدیم عدة تکییفات فقهیة لتفسیر الحوالة المصرفیة.و یحسن بنا أن نسردها و نناقشها،و لکن بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التی سبق لنا أن غضضنا النظر عنها.و قد نذکر هذه الوجوه بالمضمون لا باللفظ.

1) 1)

أولا:تکییف الحوالة المصرفیة،علی أنها حوالة بالمعنی الأول الذی ذکرناه.و هی تتوقف علی أن یکون المصرف مدینا للمدین(ألف)بالإیداعات أو الحساب الجاری.لیحول مدینة(باء)علیه،و یمثل هو شخصیة(جیم)فی المثال السابق.

ثانیا:نفس الافتراض النظری،لکن المبادرة کانت من المدین أولا.

و هنا تکون المبادرة من المصرف.فهو الذی یدفع أو یرغب بدفع ما علیه من دین لعمیله(ألف)،إلی(باء)أعنی أن المصرف یدفع بعض ما بذمته لیوفی ما فی ذمة عمیله.و عندئذ تحصل المقاصة بین الدینین.

إلاّ أن هذا کسابقة متوقف علی افتراض أن الإیداعات ملک للمصرف لا للعمیل.و قد قلنا إنها للعمیل لا للمصرف.هذا أولا.

و ثانیا:ان افتراض کون المبادرة من المصرف خلاف الواقع،بعد الاعتراف بوضوح أن الحوالة تمت بأمر المدین(العمیل-ألف).

ثالثا:أن تغییر وجهة المبادرة من العمیل إلی المصرف لیس له أثر فقهی فیما أعلم.

رابعا:أن شیئا مهما أصبح مهملا فی کلا الوجهین الأخیرین،و هو أن الحوالة إنما تتم بین مصرفین،لا فی مصرف واحد.و من الوضوح فی الوجهین السابقین کونه مصرفا واحدا.و هو خلاف الواقع مصرفیا أو عملیا.

(فهذه أربع مناقشات للوجه الثانی).

ثالثا:أن المدین یأمر دائنه بالاستلام من المصرف فیصبح المصرف بموجب هذه الحوالة مدینا للمستفید(الدائن)و هو بدوره قد یحیل المستفید علی بنک آخر(مراسل)له فی البلد الذی یقیم فیه المستفید.فتتم بذلک حوالة ثانیة یصبح بموجبها البنک المراسل مدینا للمستفید.

و هذا الوجه یتکفل شرح الحوالة سواء من مصرف واحد أو مصرفین.

و لکنه لم یتکفل بیان کیف أن التحویل علی المصرف یجعل المصرف مدینة

للمستفید.إذ لم یتضح من هذا الوجه کون المصرف دائنا أو مدینا أو فارغ الذمة بالنسبة إلی المحوّل(المدین)کما لم یتضح کون المعاملة بین المصرفین کیف تتم،یعنی أن المصرف المراسل هل هو یحتوی علی حساب جار للمصرف الأخر أو المحوِّل أم لا.و بتعبیر آخر هل هو مشغول الذمة تجاه المصرف الآخر أو فارغ الذمة،فإن کل هذه الاحتمالات تختلف فقهیا اختلافا غیر قلیل.

رابعا:یشبه ما قلنا(ثانیا)من حیث أن المبادرة من المصرف لا من الآمر بالتحویل(المدین).قال (1)

المصدر السابق،ص 114. [1]

بل البنک المأمور بالتحویل نفسه بوصفه مدیونا للآمر(المدین)بما له من رصید دائن فی ذلک البنک،فیحیله علی مراسلة فی بلد إقامة المستفید،فیصبح البنک المراسل هو المدین للآمر بالتحویل،فیقوم الآمر بالتحویل بدوره بإحالة دائنه المقیم فی بلد البنک المراسل علی ذلک البنک و یکلف البنک الذی یتعامل معه بتبلیغه ذلک.

و قوله:فیحیله یعنی به المدین،یعنی یحول الأمر الصادر إلیه منه إلی المصرف المراسل،فکأن المصرف المراسل أصبح مأمورا بوفاء دینه.کما یحتمل من قوله یحیله أن المصرف یحیل المستفید علی المصرف المراسل بدلا من إحالته علی نفس المصرف،أو قل:علی نفسه.

و مزیة هذا الوجه عن الوجه الثانی هو وجود مصرفین،کواسطة بین الدائن و المدین،بخلاف الوجه الثانی الذی کان فیه الواسطة مصرفا واحدا.

کما أن هذا الوجه یفرق عن الثالث بکون المبادرة من المصرف لا من المدین.و الوجه الثالث مبنی علی أنها من المدین لا من المصرف.

و یرد علی هذا التصور الوجوه الثلاثة الأولی التی أوردناها فی مناقشة الوجه الثانی.مضافا إلی مناقشة الوجه الثالث.إذ من الواضح أن التحویل علی البریء لا یجعل البریء مشغول الذمة،و لا ملزما بالدفع فإن رضی


1) 1)

بذلک،کان من الضمان لا من الحوالة.فتأمل.و لم یتضح من الوجه کونه مشغول الذمة أو بریئا،کما شرحنا فی مناقشة الوجه الثالث.

و علی أی حال ففی حدود الفهم المصرفی للحوالة تکون هنا عدة صور مأخوذة عن احتمال أن یکون للمدین حساب جار دائن أو لا.و احتمال أن یکون للمصرف حساب جار دائن علی المصرف المراسل أو لا.

فإن کان کلا الحسابین ثابتین و متحققین،کانت الحوالة أقرب للمفهوم الفقهی.و تکون بمبادرة من المدین(العمیل)لا من المصرف عادة.خلافا لما افترضه بعض أساتذتنا.و یکون الدفع مبرئا لذمة کلا المدینین،أعنی العمیل و المصرف المراسل،بمقدار الدین و نتیجة التقلیل أو السحب من الحساب الجاری الدائن للمصرف و للعمیل نفسه.

و أما فی غیر هذه الصورة،و هو إذا لم یکن لکل منهما حساب جار دائن (1)

سواء کان هناک حساب جار مدین(مکشوف)أو لا.لأننا قلنا بعدم کون ذلک الحساب ملکا للعمیل.

أو کان لأحدهما دون الآخر،و عندئذ:ففی صورة وجود الحساب الدائن یکون من التحویل علی مدین،و فی صورة عدمه یکون من التحویل علی بریء و یشمل کل واحد حکمه.

إلاّ أن الذی یهون الخطب فقهیا عدة أمور:

أولا:أن الحساب الجاری الدائن ملک للمودع،سواء کان هو العمیل أو المصرف،لا ملک للمصرف الذی یحتویه کما سبق.

ثانیا:أن هذا یتوقف علی فکرة الشخصیة المعنویة للمصرف و قد سبق الکلام حولها.

ثالثا:أن هذا یتوقف علی أن لا تکون الأموال المتداولة فی المصارف من قبیل مجهول المالک.و هی فعلا هکذا.


1) 1)

و هذا و نحوه یجعل التعامل أقل إشکالا من الناحیة الشرعیة،و لیس فیه إلاّ قبض المستفید للمال من المصرف قبضا شرعیا،و إبراء ذمة مدینة بعد أن قبض مقدارا یعادله من المال.

ثم،ان هذه التخریجات النظریة لا تختلف مضامینها باختلاف الأسالیب العملیة التی تنفذ بها المصارف حوالاتها،یعنی سواء کانت عن طریق الشیکات أو الکمبیالات أو نقدا أو غیر ذلک من الطرق،و هی متعددة عملیا علی أی حال.و قد تحدثنا عن عدد منها فیما سبق أیضا،بغض النظر عن الحوالة.

أخذ العمولة علی التحویل

اتفق السید الأستاذ و بعض أساتذتنا علی جواز أخذ المصرف عمولة علی التحویل،و تکلم کل منهما حسب وجهة نظره الفقهیة فی ذلک.

و نقتصر الآن علی ذکر التبریر الفقهی بناء علی ما اخترناه،و ذلک انطلاقا من عدد من الوجوه نذکر بعضها.

الوجه الأول:ان لم یکن للعمیل المدین حساب جار دائن أو ودائع فی المصرف،کان المصرف قد قضی حاجته بهذا الدفع إلی الدائن لا مجانا أی بنیته أخذ الأجرة.فیستحقها لا محالة.

و نفس الموقف هو موقف المصرف المراسل لو لم یکن یحتوی للمصرف الأول أو للمدین حساب جاری دائن أو ودائع.

الوجه الثانی:ان کان للعمیل حساب جار دائن أو ودائع فی المصرف.

کان هذا الحساب ملکه،کما قلنا لا ملکا للمصرف.فیکون المصرف بدفعه المال للدائن بالوکالة عنه قاضیا لحاجة المدین فیستحق الأجرة.و خاصة و هو یعملها إجابة لأمره.

الوجه الثالث:إذا کان المصرف یتعامل بالأموال المجهولة المالک.

کان قضاء الدین عن المدیون،من قبیل قضاء الحاجة لا مجانا،من قبل

موظفی المصرف،فیستحقون علیه الأجر المفروض.

هذا و لا یفوتنا أن نتحدث فی نهایة الحدیث عن الحوالة الداخلیة و أجورها،عن أمرین ینبغی التنبه إلیهما:

الأمر الأول:انه بناء علی ما ذکرناه من الاکتفاء بالمالیة الکلیة المدلول علیها بالأوراق المالیة و القوائم المصرفیة،فإن الترحیل من حساب شخص إلی آخر یکفی فی وفاء دینه.فضلا عن استعمال الأوراق المالیة کالشیکات.

الأمر الثانی:أن الأحکام الفقهیة للحوالة هی هی،سواء کانت فی داخل البلد الواحد أو فی بلدین أو فی قطرین.لا تفریق بینهما إلا من ناحیة واحدة هی أن التحویل فی القطر الواحد یکون بعملة واحدة،و فی الأقطار المتعددة یکون بعملات متعددة.و سنعرف تفاصیل ذلک بعد قلیل.و المهم أن نلتفت الآن إلی أننا لا حاجة إلی تکرار حکم الحوالة مرة أخری.و إنما نقتصر علی موارد الفروق بینهما فقط.

الحوالة الخارجیة

قلنا قبل قلیل أننا سنشیر فی هذا العنوان،فقط،إلی ما تتمیز به هذه الحوالة عن الحوالة الداخلیة مع الإشارة إلی أحکامها الفقهیة.و أهم ما تتمیز به هذه الحوالة فقهیا عدة أمور:

الأمر الأول:اختلاف العملات بین البلدان،مع کون کلتا العملتین لیستا من الذهب أو الفضة.

الأمر الثانی:صورة ما إذا کان بعض عملات البلاد الخارجیة مکوّنة من الذهب و الفضة.

الأمر الثالث:ان التحویل تارة یکون من أو إلی بلد إسلامی یعنی تسکنه أغلبیة مسلمة.و أخری یکون ذاک البلد الآخر،بلدا کافرا،یعنی تسکنه أغلبیة غیر مسلمة.مع الالتفات فقهیا إلی أن الکتابیین فی هذه العصور

کغیرهم من الفرق الکافرة،فی الحکم الاقتصادی الفقهی،و لا یختلفان حکما إلاّ تحت شرائط معینة غیر متوفرة فعلا.

أما الحدیث عن الأمر الأول فإن کانت العملات المتداولة بین البلاد لیست من الذهب أو الفضة،سواء کانت من الورق أو المعدن أو الأوراق المالیة الدالة علیها،فلا إشکال فی تبادلها،و لیس للمکان دخل فقهی من هذه الناحیة.و لیس ثمة کلام حول التبادل أکثر مما سبق.

سوی الإشارة إلی أن الأسواق العالمیة تتقید بالأقیام التی تصل إلیها العملات یومیا زیادة أو نقیصة.و هذا التقید فیه نقطتا ضعف:

النقطة الأولی:أن هناک فرقا کبیرا بین السعر الرسمی للعملة و السعر المتخذ فی السوق السوداء.الأمر الذی ینتج من الناحیة المنطقیة أن العملة الواحدة،تباع بأکثر من سعر واحد،و هی قابلة للمعاملة و الاتفاق بین الطرفین فی مقدار التبادل کأیة سلعة أخری.غیر أن المصارف تتقید بالأسعار الرسمیة التی تصدرها البنوک المرکزیة أو الحکومات المحلیة لکل منها.

النقطة الثانیة:أن التسعیر من الناحیة الفقهیة لیس بحجة ما لم یقترن بإذن أو أمر من الولی العادل.غیر أن العمل به جائز علی أی حال ما لم یکن فیه بعض المضاعفات المعنویة أحیانا،و الغالب عدم وجودها بطبیعة الحال.

و أما العمل بالسوق السوداء فهو مخالف لمقتضی التسامح الشرعی و الإنسانی.

لأن مقتضی الأخلاق الإسلامیة هو التسامح إلی أکبر حد ممکن فی الاقتصاد و غیره،و عدم التعنّت لأجل جلب أکبر مقدار من الربح.الأمر الذی یجعل العمل بقیام السوق السوداء أمرا مرجوحا تماما،و إن کانت المعاملات صحیحة و لا یمکن التفوّه ببطلانها فقهیا علی أی حال.

إذا عرفنا هاتین النقطتین أمکننا أن نعرف أنه لا یفرق فی حکم تبادل العملات هذا بین المصارف و سوق البورصة المخصص لتبادلها.

غیر أن ما یتم فی سوق البورصة هو التبادل المباشر بین العملات،و ما یتم فی المصارف،قد یکون هو ذلک.فیما إذا أراد العمیل المبادلة المباشرة

بینهما،و قد یکون هو التحویل إلی بلد آخر بعملته الخاصة به بالقیمة الرسمیة التی یعمل علیها المصرف.و قد یکون بأسالیب مصرفیة أخری کشیکات المسافرین التی سوف نشیر إلیها فیما بعد.

کما أن حکم تبادل العملات هذا لا یفرّق فیه بین ما إذا کان کلا نوعی العملة المتبادل بینهما من غیر الذهب و الفضة أو کان أحدهما من أحدهما و الآخر من غیرهما.بل حتی لو کان إحدی العملتین من أحدهما و الأخری من الآخر،یعنی إحداهما من الذهب و الآخر من الفضة،بناء علی فتوی بعض أساتذتنا (1)

البنک اللاربوی ص 147. [1]

من الجواز حتی فی هذه الصورة،و هو حکم أقرب إلی ظواهر الأدلّة المعتمدة فعلا و إن کان خلاف المشهور جدا.

کما أن هنا حکما آخر مرتبط بهذا المقام قلما یلتفت إلیه الناس،و هو إمکان شراء السلع بغیر عملة البلد بالسعر الذی لها فی البلد لا فی البلد الآخر.

فلو أردنا أن نشتری فی بلدنا طنا من الإسمنت مثلا.فبدلا أن نشتریه بالدینار یمکننا أن نشتریه بالین الیابانی مثلا.و هذا جائز فقهیا،ما دام ألین عملة متداولة فی أحد أسواق العالم،و لا ضرر فی التعامل به.

و المهم الآن أن نلتفت فی معاملتنا هذه إلی احتمالین:

الاحتمال الأول:أن ننظر إلی قیمة طن الإسمنت فی البلد الذی یتعامل بالین و نبیعه به ما دمنا نتعامل بهذه العملة.

الاحتمال الثانی:أن ننظر إلی قیمة الدینار بالین فنبیع الإسمنت بقیمته بالدینار مبدلا بالین،و ان اختلفت عن القیمة بالاحتمال الأول.و هذا الاحتمال هو الذی ینبغی أن نلتفت إلیه،کما قلنا.و هو أیضا لا غبار علیه فقهیا.

أولا:لأننا بعنا الإسمنت بقیمته المحلیة علی أی حال.یعنی بقیمته بالدینار فی المثال.


1) 1)

ثانیا:أننا تعاملنا بغیر العملة المحلیة.

ثالثا:أننا حسبنا قیمة العملة الخارجیة بحساب العملة الداخلیة.

و کل ذلک جائز شرعا،کما أن بعض الاحتمالات الأخری ممکن فقهیا علی أی حال.و لا حاجة إلی الدخول فی تفاصیلها.

فهذا هو الحدیث عن الأمر الأول و هو ما کانت العمولة أو بعضها أعنی أحد الطرفین من غیر الذهب.

و أمّا الحدیث عن الأمر الثانی و هو ما إذا کان کلا الطرفین من هذین المعدنین فیشترط فقهیا و شرعا التساوی بینهما وزنا،حتی لو کان أحدهما من الذهب و الآخر من الفضة علی المشهور إلاّ أن الصحیح وفاقا لبعض أساتذتنا هو الفتوی بالجواز کما علمنا.و ینبغی أن یقع الکلام هنا فی عدة مراحل:

المرحلة الأولی:أن یقال:إن فتوی بعض أساتذتنا بدعم الجهة الاقتصادیة تماما لوضوح أن الفضة لن تکون بقیمة الذهب بل هی أرخص منه جدا و فی صدر الإسلام حین صدر تشریع النقدین(الذهب و الفضة)بالتساوی بینهما،کانت الفضة أرخص عشر مرات من الذهب،و کان یسام الدینار الذهبی الواحد یومئذ بعشرة دراهم فضیة.فکیف یمکن التصور بحرمة تبدیل الذهب بالفضة بوزن واحد.و هل هو إلاّ خسارة علی بائع الذهب.

و یمکن أن یجاب ذلک بعدة وجوه منها:

الوجه الأول:یمکن أن یقال:إن المراد بحرمة التبدیل مع عدم التساوی و جوازه معه:التساوی فی الوزن مع التساوی فی القیمة.بمعنی أننا ینبغی أن نلحظ کلتا الجهتین لدی المعاملة.و هذا له عدة معان منها:أننا ینبغی أن نلحظ التساوی من کلا جهتی القیمة و الوزن معا.و معه یختص حرمة التبادل بالذهب مع الذهب أو الفضة مع الفضة.أما مع اختلافهما فالشرط غیر متحقق و هو التساوی فی القیمة.

و منها:أن شرط التساوی فی الوزن،إنما یکون نافذا مع التساوی فی

القیمة ففی السوق التی تعتبر الذهب أغلی عشر مرات من الفضة،کما کان فی صدر الإسلام،یمکن اعتبار الدینار الواحد بإزاء العشرة دراهم متساویین، فإن المهم هو التساوی فی القیمة و هو متحقق.نعم تکون الزیادة فی الوزن أکثر من مقدار التساوی فی القیمة حراما.

إلاّ أن هذا الوجه بکلا احتمالیة خلاف ظاهر الأدلة علی أی حال.

الوجه الثانی:أن المهم فقهیا هو تمام الدلیل علی الحرمة.و الفقیه لا تهمة الجهة الاقتصادیة بعد ذلک.فإن أفتی أی فقیه بحرمة تبدیل الذهب بالفضة مع التساوی وزنا.فهذا له أمثال فی الفقه.فإن کل متساویین فی النوع لا یجوز التفاضل بینهما فی الوزن،و إن تفاضلا فی الجودة.فلا یجوز بیع کیلو من التمر الجید بکیلوین من التمر الردیء.و هذا منصوص فی الأدلة الصحیحة.و سنحاول أن نلقی علیه بعض الضوء فی الوجه الآتی.

الوجه الثالث:أن المصالح و المفاسد فی الأحکام الشرعیة الإسلامیة لا تنحصر فی الجانب الاقتصادی،بل تشمل جوانب أخری نفسیة و عقلیة و أخلاقیة و ثقافیة و غیر ذلک من أمور الدنیا و الآخرة.و إذا لم یستقم فی تفکیرنا الحکم اقتصادیا فهذا لا یعنی عدم صحته،لوجود مصالح أخری فیه قد نعلمها و قد نجهلها،و یکفینا الآن باختصار التسلیم بحکمة المشرع للتعالیم الإسلامیة و علمه بواقع الأشیاء مع جهلنا لکثیر أو-فی الواقع-لأکثر الواقعیات.الأمر الذی یسدّ فم الاعتراض،تماما.

و نتیجة هذه المرحلة من الکلام:أن هذه الخطوة و هی تبدیل النقدین بالتفاضل و الزیادة ببعضهما البعض غیر جائز.یعنی أنها خطوة ینبغی أن تسقط عن المیدان الاقتصادی.

إلاّ أنّ هذا لا یغیّر فی اقتصاد عالم الیوم شیئا لوضوح أن أکثر العملات فی العالم لیست من الذهب و الفضة.لا أقل أن الأعم الأغلب من التبادل هو فی غیرهما أو أن أحد العوضین-لا أقل-لیس معهما.فلا یسبب أیة مشکلة علی أی حال.

المرحلة الثانیة:قد یقال:بأن الحکم الذی عرفناه من حرمة التبدیل بین النقدین.بغیر التساوی خاص بغیر النقود المتداولة،کالسبائک أو الحلی.

و أما النقود،فهی بصفتها ملحوظة جهتها المالیة الخالصة دون ماهیتها الشخصیة،کما قلنا فی فصل سابق أولا.و ثانیا:تلحظ بصفتها قیمة للأشیاء،فالعرف یری فیها السلع أکثر مما یراها بذاتها.

و علی أی حال فالفرق العرفی قائم بین النقود و غیرها مما کان من الذهب و الفضة.و معه فالحکم قد یکون خاصا بغیرها.

إلاّ أن هذا الوجه إنما یتم فیما لو لم تشمل الأدلة النقود و لو بالإطلاق أو العموم.و لکنها شاملة لها علی أی حال،و فیه حق لحاظ العملة بصفتها الذاتیة.و هو لحاظ من جهة تشریعیة لا من الجهة الاقتصادیة.

إلاّ أن الحدیث إنما یختص بما دلّ الدلیل علی حرمته،و هو الدنانیر بمثلها و الدراهم بمثلها،دون مبادلة الدراهم بالدنانیر کما قلنا.

و ما قد یخطر علی البال،من التفریق فقهیا بین النقود القدیمة و النقود الحدیثة من بعض الوجوه.

منها:أن تلک الدراهم و الدنانیر کانت من تأسیس دولة تتسمی بالإسلام،أما الآن فنحن نتکلم عن عملات أجنبیة فی بلدان کافرة أو نحوها.

و منها:أن تلک العملات کانت مسماة بالدنانیر و الدراهم.و هی التی وردت فی موضوعات الأدلة.و أما عملات الیوم من ذهبیة أو فضیة فلیست مسماة بهذه الأسماء فلا یشملها الحکم.

إلاّ أن هذین الوجهین غیر تامّین فی حدود ما ثبتت حرمته،لإمکان التمسک بالإطلاق أو العموم فی الأدلة المعتبرة.و عدم کون هذین الوجهین مما ینبغی التفریق به بین الموارد.و تفصیل الکلام موکول إلی الفقه.

المرحلة الثالثة:أنه لا إشکال أن من نقاط القوة فی العملات المصنوعة من النقدین عدم إمکان التضخم فی العملة آنئذ.

لأن التضخم عبارة عن رخص العملة بإزاء العملات الأخری مما یسبب زیادة الأقیام السوقیة للسلع.و هذا إنما یتصور و یحدث فی العملات الورقیة و المعدنیة العادیة التی لیس لها فی حد ذاتها أیة قیمة مهمة.و بمعنی أدق أن قیمتها الذاتیة لا تعادل جزءا من ألف أو أقل من قیمتها الاعتباریة أو السوقیة.

فإذا کانت العملة هکذا،أمکن تضخمها،من أجل رخص القیمة الاعتباریة التی تتکفلها العملة.فإنها مهما رخصت لن تکون عادة بمقدار قیمة المادة التی صنعت منها علی أی حال،و لو وصلت أیة عملة عادیة إلی هذا المستوی أعنی أصبحت بمقدار قیمة مادتها.کانت ساقطة بالمرة عملیا،لولا القانون الذی یدعمها عملیا إن وجد.

و التضخم من أشد الأسواء الاقتصادیة لأی بلد،و السبب الرئیسی له هو کثرة الدیون التی تثقل کاهل الدولة.و هذا خارج عن صدد کلامنا الآن.و قد عرفنا أن السبب الرئیسی هو کون العملة من غیر الذهب و الفضة،فلو کانت العملة منهما علی ما سنذکر لم یمکن التضخم،أو کان خفیفا جدا و بنسبة ضئیلة یمکن تجاوزها أو القضاء علیها.

و ذلک:لأن العملة المعمولة من الذهب و الفضة،تحفظ قیمتها الذاتیة فی داخلها لو صح التعبیر.فإنها مهما رخصت لا یمکن أن تنزل قیمتها عن قیمة مادتها،عن قیمة الذهب نفسه و هو مما لا یمکن أن تسقط قیمته فی العالم علی أی حال.

نعم،توجد نقطتا ضعف فی الدنانیر و الدراهم المصنوعة من هذین المعدنین(النقدین):

النقطة الأولی:کونها فی الأغلب لیست من نفس المعدن بشکل خالص،بل تخلط عادة بمواد أخری رخیصة،بشکل قد یکون معروف النسبة و قد لا یکون.الأمر الذی یجعلها عرضة للاشتباه تارة و للتضخم النسبی أخری.و لو کانت من المعدن الخالص أعنی الذهب فی الدنانیر و الفضة فی الدراهم،لما حصل فیها ذلک.

النقطة الثانیة:أنها مهما کانت صفتها فی النقطة الأولی أعنی خالصة أم لا.فإنها تختلف قیمتها بین آونة و أخری.فإن الذهب نفسه تختلف قیمته، و کذلک نسبة قیمة الذهب إلی الفضة أیضا.و هذا أوضح و أکثر فی العملات المخلوطة منها فی الخالصة.

إذن،فهذه العملات کسائر العملات فی اختلاف أقیامها السوقیة.إلاّ أنها مع ذلک لیست کسائرها من حیث سقوط قیمتها أقل من مادتها.لأن مادتها ذات قیمة ذاتیة لا یمکن أن تزول.

و بتعبیر آخر:ان کل العملات ذات قیمة ذاتیة بطبیعة الحال.غیر أن أ قیام سائر العملات رخیصة جدا و تافهة.فی حین لا یمکن أن تکون عملات النقدین کذلک.إذ لا یمکن أن تنزل قیمة الدنانیر عن قیمة الذهب نفسه.

و الحاوی علیها حاو علی الذهب علی أی حال.

بقیت نقطتان لا بد من الإشارة إلیهما:

النقطة الأولی:أنه هل یمکن زیادة القیمة الاعتباریة للعملات المعمولة من النقدین علی قیمتها الذاتیة.و بعبارة واضحة:أن المثقال من الذهب أرخص من الدینار الذهب.هل یمکن ذلک.و أما العکس و هو أن یکون الدینار أرخص من وزنه من الذهب.فهذا غیر محتمل.و هو الذی قلنا إنه یمنع من التضخم منعا حقیقیا.

إلاّ أن زیادة قیمة الدینار علی مقداره من الذهب أمر ممکن.و یمکن قیاسه بالورق الذی أصبح العملة المتعارفة فی عصورنا الحاضرة.فکما یمکن إعطاء قیمة اعتباریة للورق أغلی من قیمته الذاتیة.فکذلک یمکن بالنسبة إلی الذهب و الفضة یمکن إعطاؤهما قانونا قیمة اعتباریة تربو علی القیمة الذاتیة.

إلاّ أن هذا تابع للقانون.یعنی أنه مشترط بصدور قانون بخصوصه، و إلاّ لم یمکن ذلک علی طبیعته،کما کان الحال فی صدر الإسلام.حیث

کانت الدراهم و الدنانیر معروضة فی السوق کأی شیء آخر قابل للزیادة و النقص.

النقطة الثانیة:ان نقطة الضعف الرئیسیة فی العملات المعدنیة هو ثقل حملها،حتی کانوا یجعلونها فی صرر و أکیاس کبیرة أو صغیرة حسب عددها، و یتعاملون بها علی هذا الشکل،و مع کثرتها کان عدّها یستغرق زمنا مهما، الأمر الذی کان بعض الناس یتکفل هذا الأمر کصنعة له،و هو أنه یزن الذهب و الفضة أو یعدهما لیدفع المشتری إلی البائع ما یطلب من الثمن فی حین أن العملات الورقیة لیست کذلک.فهی أخف وزنا و أسهل عدا.إلاّ أن الذی یهون الخطب:هو التعامل المصرفی.أعنی الأوراق المالیة المصرفیة علی اختلافها و قوائم الودائع و الحسابات الجاریة.فلو کانت هذه الأمور تمثل الذهب حقا لما أمکن التضخم.فی حین أنها فی عصورنا الحاضرة تمثل الدینار،و الدینار لا یمثل الذهب،بأی حال.إذن فهی لا تمثل الذهب بأی حال،و تکون أقیامها مربوطة بأقیام ما تمثله فی رخصها و غلائها،أو بتعبیر أدق،فی صرفها فی السوق الخارجیة،أو أسواق البورصة.

المرحلة الرابعة:من الکلام عن تبادل العملات.أن المالیة یمکن أن نتصور لها عدة معان یهمنا منها الآن بعض تلک المعانی لننطلق منه إلی استنتاجات معینة کما سنسمع.و لکن ینبغی تعداد المعانی کلها إجمالا:

أولا:المالیة(الجزئیة)المتمثلة فی العروض أیا کان،و المراد من کونها جزئیة أنها لیست کلیة ذات مفهوم عام.بل ما دام فرد معین مالکا لشیء معین من العروض فهو مالک لمالیته.

ثانیا:المالیة(الجزئیة)للنقد أیا کان.بنفس التفسیر لمعنی الجزئیة، بعد تبدیل العروض بالنقد.

ثالثا:المالیة الکلیة أو العامة الشاملة لموجودات الطبیعة،و ان لم تدخل تحت العمل البشری.و قد سبق أن برهنا علی وجود المالیة لها إجمالا.

و مفهوم المالیة هذا کما یشمل موجودات الطبیعة یشمل ما تحت حیازة الأفراد أیضا.و من هنا کانت کلیة أو عامة.

رابعا:المالیة الخاصة بعملة معینة،کقیمة الدینار مثلا بإزاء العملات الأخری،و فرقه عن الثانی.إن ذلک المعنی کانت عبارة عن مالیة دینار أو مجموعة دنانیر لشخص معین یملکها فهو یملک مالیتها أیضا.و أما هنا فالمراد قیمة الدینار ککل بإزاء العملات الأخری.

خامسا:المالیة الشاملة لکل الأشیاء التی تحت الحیازة من العروض فی العالم.و بهذا یختلف عن المعنی الأول.و بهذا المعنی یمکن أن نقول:إنه حصل رخص عام أو غلاء عام فی العالم.یعنی بقیاس مجموع العروض إلی مجموع العملات.

سادسا:المالیة الشاملة للعروض و العملات معا.أو قل:المالیة التی لم یحدد فیها عملة معینة أو عروض معینة.

و هذا المعنی لا یمکن تحدیده إلاّ بالقیاس إلی شیء معین.کل ما فی الأمر أنه یمکن تجریده منطقیا إلی معنی کلی.فمن ملک ثوبا مثلا قیمته مئة دینار فقد ملک کل ما یوازیه فی المالیة من أی شیء من العروض أو النقود.

فیمکن أن یقال:إنه مالک لهذا الثوب أو مالک لمائة دینار أو مالک لکذا دولار أو مالک لکذا ین أو لکذا فرنک و هکذا.یعنی مالک ما یعادل مئة دینار من کل العملات أو العروض.بدلیل علی أنه یمکن التبادل أو المقایضة بینهما متی شاء و فی أی مکان شاء.و لو اختلف معنی المالیة فی الأشیاء لما أمکن التبدیل بطبیعة الحال.

سابعا:نفس المعنی السادس،لکن بإسقاط العروض من نظر الاعتبار.

و قصر النظر علی النقود بصفتها تمثل المالیة و غیر منظور إلی صفاتها الشخصیة،کما عرفنا مکررا.

ففی المعنی السابق،کنا نقول:إن المالک لهذا الثوب مالک لمائة دینار

أو مالک لکذا دولار و کذلک هو مالک لرأس من الغنم أو لمجموعة من الکتب و هکذا.یعنی مالک لأقیامها بطبیعة الحال.و أما فی هذا المعنی فلا ننظر لغیر النقود و هذا المعنی هو محل الشاهد الآن أعنی فی هذه المرحلة من الکلام، فالشیک الذی بمئة دینار.و ان کان هو شکلیا کذلک.إلاّ أنه یقدر بکذا دولار و کذا ین و کذا فرنک و هکذا.بمعنی أنه یمثل فعلا المالیة العامة المنتشرة فی العملات کلها،و فی الذهب أیضا بصفته ممثلا للمالیة لا للعروض.لأنه کما قلنا أساس مالیة الأشیاء.

و هذا معناه أننا إذا عرفنا شیئا من الأوراق المالیة أو من النقود ببعضها البعض،فإننا لم نفعل شیئا سوی التبادل بین ممیزاتها الشخصیة دون مالیتها العامة.لأن هذا المعنی من المالیة محفوظ و سار فی الجمیع.نعم،ما دلنا بین جزئیات أو تطبیقات أو مصاریف هذه المالیة،و أما المالیة بهذا المعنی العام،فهو لا زال موجودا بنفسه.

و هذا المعنی من المالیة،قد یکون وجدانیا و صحیحا،إلاّ أن المهم أنه یتوقف علی صحة فهمه سوقیا.لأن المالیة دائما هی بنت السوق و ناتجة منه فما فهمه السوقیون کان مالا و ما رفضوه،لم یکن من حقنا اعتباره مالا،و ان کان فی التجرید العقلی کذلک.

و الظاهر کون هذا المعنی للمالیة تجریدیا عقلیا،و لیس سوقیا.فمن باب المثال:أن الشیک الذی یساوی مئة دینار.بنظرة أهل السوق،أو قل المصرفیون بصفتهم یمثلون الاقتصاد السوقی،ینظرونه بهذه الصفة،أی بمئة دینار.و لا یلحظون أنه یحمل مالیة تساوی کذا دولار و کذا دولار و کذا فرنک.و لذا یعتبرون التبادل حاصلا عند المعاملة بینه و بین غیره.فی حین لو تم هذا المعنی من المالیة،کانت المبادلة غیر متحققة لانخفاض المالیة نفسها فی کل الأعواض و الأقیام.

و هذا یعنی أن السوق ینظر بدرجة ما إلی ذات العملات لا إلی مالیتها الخالصة أو التجریدیة.

و بتعبیر أوضح:أن للعملات شکلین من النظر:

الشکل الأول:أنها لو قیست إلی العروض،لا حظ العرف السوقی فیها جهتها المالیة.و لم یعتبرها عروضا أو حالها العروض.بل اعتبرها ثمنا للعروض.

الشکل الثانی:ان العملات إذا قیست إلی بعضها البعض،لاحظ العرف السوقی ذاتیتها إلی جنب مالیتها،فهذا دینار و هذا دولار و هذا فرنک، یعنی أنها تختلف فی ذاتیتها و ان اتفقت فی المالیة.

و قد سمعنا قبل فترة أن الشریعة نظرت إلی الدراهم و الدنانیر فی النقدین بصفتها الذاتیة بهذا المعنی.و من هنا صدر الحکم بتحریم التبادل المتفاضل فی الوزن إذا کان العوضان من الذهب أو من الفضة.و لو کان النظر إلی المالیة الخالصة أو الکلیة للدراهم و الدنانیر،لم یکن هذا الحکم بممکن الصدور.

إلاّ أننا عرفنا الآن أن الشارع الإسلامی قد تابع السوق فی النظر إلی المالیة عند قیاسها إلی العروض،کما عرفنا.

فهذا هو الکلام فی الأمر الثانی و هو صورة ما إذا کانت العملات من الذهب و الفضة.و قد عرفنا أن المهم فیها التساوی فی الوزن مع غض النظر عن القیمة.و إلاّ کانت المعاملة باطلة.و قد عرفنا فی أول هذا الأمر الثانی المبررات الکافیة لذلک.

الأمر الثالث:فی اختلاف البلدان من حیث کونها إسلامیة أو غیر إسلامیة.

و هذا الأمر لیس مفصلا.بعد أن عرفنا أن أهل الکتاب و غیرهم سیان فی عصورنا هذه،من حیث الحکم الفقهی الاقتصادی،و هو صحة معاملاتهم مع جواز أخذ الربا منهم،نعم،لا یبعد القول بحرمة إعطاء الربا لهم اختیارا.

و معه تکون المعاملات المصرفیة فقهیا من الناحیة النظریة علی عدة أقسام:

القسم الأول:إذا کان المال ملکا شخصیا لفرد مسلم أو جماعة،کان التعامل الربوی علیه محرما،و المعاملة باطلة،و أخذ الفائدة غیر جائز.

القسم الثانی:إذا کان المال ملکا شخصیا لفرد کافر،أو جماعة،کان التعامل الربوی علیه جائزا،و المعادلة صحیحة و أخذ الفائدة من قبل المسلم جائزة فی فرض أن التعامل بین مسلم و کافر.

و أما التعامل بین کافرین،فالسؤال لا یتوجه منهم إلی المسلمین لنجیبهم بأی شیء.و مقتضی القاعدة أن الکفار مکلفون بالفروع علی ما هو الصحیح،فیکون تعاملهم بالربا محرما.

و أما دفع الربا من المسلم إلی الکافر،فهو غیر جائز علی القاعدة فی الفقه.بل لعل فیه أکثر من محذور شرعی واحد.

نعم،لا یبعد أن تکون مصارفهم من قبیل المال المجهول المالک فیشمله الحکم الذی سنتحدث عنه.فالحکم بالحرمة خاص بما إذا کان المصرف لشخص أو أشخاص.

القسم الثالث:إذا کان المال من مجهول المالک،فمقتضی القاعدة کون المعاملة اسمیة،و الربا فیه لیس بربا حقیقی،و ان کان له صورة ذلک.

الأمر الذی یهوّن الخطب علی المودعین و أصحاب الحسابات الجاریة.کل ما فی الأمر أن المال یجب أن یقبض قبضا شرعیا لیکون مملوکا.و بتعبیر آخر:

لیتحول المال من مجهول المالک إلی الملک الشخصی.

و لعل الحکم نفسه بالنسبة إلی المستلفین.أعنی فی الفوائد التی یدفعونها،لأن المعاملة ما دامت اسمیة،فهی لا تنتج ربا حقیقیا،إذن فدفع الفائدة جائز إلی المصرف.

و هی أیضا بالتأکید لیست تبذیرا لتکون محرمة بهذا العنوان،لأنها

ستکون سببا للاسترباح و التسهیل المصرفی.بعد أن علم المجتمع کله أن المصارف لا تتعامل بغیر الفوائد.

نعم،لو وجد هناک إقراض غیر ربوی،کاف للفرد أو الأفراد بإنجاز هدفهم الاقتصادی،کان التحول علی الفائدة الربویة المشار إلیها مشکلا شرعا،و له باعتبار کونها تبذیرا.

و بهذا یتم الحدیث فی الأمر الثالث،و بهذه الأمور الثلاثة تعرف حکم الحوالات الخارجیة التی ذکرنا عنوانها،لأنها لا تتم إلاّ بتبدیل العملات ببعضها البعض (1)

بما فیها طریقة استعمال شیکات المسافرین.

.کما نعرف حکم سوق البورصة من زاویة تکفله لهذا التبدیل أیضا.کما نعرف حکم التبدیل بین العملات مهما کان مصدره أو مکانه أو هدفه.فإنه من الناحیة الفقهیة لا یختلف علی أی حال.

الودائع الموقوفة

قالت المصادر المصرفیة (2):إذا بقی رصید حساب التوفیر موقوفا بدون تحریک مدة أحد عشر شهرا کاملا اعتبارا من أول السنة المالیة،فإنه یطلب إلی صاحب الحساب تحریک حسابه خلال مدة أسبوع واحد.و عند انتهاء مدة الأسبوع دون مراجعة.فإن رصید الحساب ینقل فی نهایة السنة المالیة إلی حساب خاص یسمی(حسابات التوفیر غیر المتحرکة)و بعد هذه الفترة تراعی فترة مرور الزمان البالغة(ستة عشر عاما)استنادا لتاریخ آخر حرکة سحب أو إیداع.و بعدها یحول الرصید إیرادا إلی خزینة الدولة.

و قالوا (3):یستوفی المصرف سنویا العمولة المقرّرة فی جدول أسعار العملیات المصرفیة علی أرصدة الودائع غیر المتحرکة التی تزید عن مبلغ معین،و التی لم تجر علیها أیة عملیة سحب أو إیداع خلال السنة.


1) 1)

2) 2) دلیل المعاملات المصرفیة:ج 2 ص 30.

3) 3) المصدر نفسه:ص 31.

و کما الحال فی التوفیر،یکون الحال فی الحساب الجاری،الذی یعتبر أهم الودائع،من وجهة نظر مصرفیة.

حیث قالت المصادر المصرفیة (1)

دلیل المعاملات المصرفیة:ج 1 ص 56.

:تعتبر الودائع و الأمانات العینیة لدی المصارف،و الدیون التی بذمتها،و التی مضی خمسة عشر عاما علی آخر حرکة سحب أو إیداع جرت علیها بحکم الودائع غیر المطالب بها،علی المصرف أن یقوم بالتحریات اللازمة لتسلیم الودائع غیر المطالب بها إلی أصحابها خلال سنة واحدة،من تاریخ انتهاء المدة المذکورة.و عند عدم تمکنه من الاهتداء إلی أصحابها بعد انتهاء فترة السنة،فعلیه تسلیمها إلی الخزینة العامة لقیدها إیرادا نهائیا.

و قالوا (2):بالنسبة للحسابات التی ینطبق علیها ما جاء فی الفقرة) أعلاه(یعنی مضی علیها سنة واحدة)و التی تکون أرصدتها عشرة دنانیر فأقل تنقل إلی بطاقات خاصة أو أکثر و تخضع إلی العمولة المقطوعة المقررة فی جدول أسعار العملیات المصرفیة.و هی حالیا دیناران،أو کامل الرصید و غلق الحساب إذا کان أقل من دینارین و تستوفی العمولة فی نهایة کل سنة مالیة عن خدمات الإشراف و المتابعة.

أقول:إن المهم فقهیا من هذا الکلام کله،عدة أمور:

الأمر الأول:أنه بعد مضی ست عشرة سنة،بما فیها مدة التحری و الفحص عن صاحب الإیداع،إذا لم یجده المصرف أو یعرف عنه خبرا یکون الإیداع واردا نهائیا للخزینة العامة.

لا یفرق فی ذلک الحساب الجاری عن التوفیر عن الأمانات العینیة (الودائع الحقیقیة)عن سائر الدیون الأخری.

الأمر الثانی:ان کانت الإیداعات عشرة دنانیر فأقل،فإن هذا الأخیر


1) 1)

2) 2) المصدر نفسه:ص 57.

یشملها،خلال سنة واحدة فقط.فتکون إیرادا للدولة.

الأمر الثالث:بالنسبة إلی الحسابات الموقوفة سنة فأکثر قبل مصادرتها، فإن المصرف یأخذ علیها عمولة معینة،لقاء حفظه لها و إشرافه علیها.

فلا بد من فحص هذه الأمور فقهیا واحدا واحدا.

الأمر الأول:لا شک أن الحکم الفقهی الأولی لمثل هذه الحرکة، أعنی مصادرة المال بعد ستة عشر عاما،هو عدم الجواز،لوضوح أن المال مع تقادم تاریخه لا یخرج عن ملک صاحبه.و ما دام ملکا له فیحرم الاستیلاء علیه و مصادرته.

غیر أننا یمکن أن نطرح عدة وجوه فقهیة تبرر المصادرة،فإن تمت أو تم بعضها،جازت؟؟؟ هذه الحرکة المصرفیة،و إلاّ بقیت علی الحکم الأولی الذی أشرنا إلیه،و هو الحرمة.

الوجه الأول:الإعراض.أعنی شمولیة هذه الأموال لحکم الإعراض فقهیا،الذی یکون سببا کما هو الصحیح للخروج عن الملکیة.فإن تأکد بأن صاحب المال قد أعرض عنه،جاز له الاستیلاء علیه و التصرف به بما شاء.

فإن أراد أبقاه ملکا له،و ان أراد دفعه إلی خزینة الدولة،و ان شاء تصرف أیة تصرفات أخری،کما لو کتبها إیرادا لبعض المشرفین علی المصرف.کل ذلک ممکن فقهیا.

إلاّ أن هذا إنما یتم بعد إحراز الإعراض،و یمکن أن نفهم حصول الإعراض بأحد أسالیب:

الأسلوب الأول:من مجرد طول المدة،فإن ست عشرة سنة زمن طویل کاف جدا للوثوق بأن صاحب المال لو کان یریده أو یحتاجه لجاء إلیه و طالب به أو حرّکه مصرفیا بشکل و آخر.و حیث أنه لم یحرّکه خلال هذه المدة الطویلة،فیدل علی إعراضه عنه أو قل:عدم حاجته إلیه.

و بحسب فهمی فإن هذا الأسلوب هو الذی یخطر فی أذهان المصرفیین

حین قرروا مصادرة المال بعد هذه المدة المشار إلیها.

و لعمری أنها مدة توجب الوثوق أو الظن علی أقل تقدیر بهذه النتیجة، إلاّ أنها مع ذلک لا تکون حجة لوجود احتمالات أخری نافیة لحصول الوثوق بالإعراض.کاحتمال نسیان صاحب المال لإیداعه،أو کونه مسافرا أو مسجونا أو ممنوعا بأی مانع،بحیث لو ارتفع عن المانع لأراد أمواله.و ورود هذا الاحتمال وجدانی،و هو مما یجعل الظن بالإعراض الکامل لیس بحجة.

الأسلوب الثانی:اطلاع الفرد،علی نظام المصرف القاضی بالمصادرة بعد انتهاء المدة المرمی إلیها.

فلو عرف الفرد المودع هذا المعنی،و مع ذلک أهمل حسابه طیلة المدة،کان هو المضیع له،و جاز للمصرف الاستیلاء علیه.

بل الأمر أوضح من ذلک فإن وجود هذه المواد فی النظام المصرفی، تعنی شرطا ضمنیا عند الإیداع بأن الأموال ستکون ملکا للدولة عند انتهاء المدة.فالمودع لدی الإیداع یقبل هذا الشرط الضمنی.إذ لو کان حریصا علی أمواله حتی ضد هذا الشرط لما أودعها أو لراجع علیها و تعامل بها.

و حیث تحقق الشرط کان للمصرف مصادرتها.

و هذا الأسلوب بهذا المقدار صحیح فقهیا و واضح.إلاّ أنه موقوف علی علم الفرد المودع بهذا النظام المصرفی.فی حین أن أغلب الأفراد فی المجتمع لا تعلم به علی الإطلاق بل نسبة ضئیلة لا تتجاوز موظفی المصرف إلاّ قلیلا هی العالمة به فکیف یکون هذا الأسلوب نافذ المفعول.

الأسلوب الثالث:الفحص المصرفی خلال السنة الأخیرة من الستة عشر عاما فإنهم إن فحصوا عنه و وجدوه رجع صاحب الحساب إلی حسابه.

و إلاّ کان معناه أنه غیر موجود بالمرة.

إلاّ أن هذا الأسلوب إنما یؤثر فی جواز مصادرة المال فقهیا،فی حالة واحدة،و هی ما إذا فحصوا عنه و وجدوه،و أعلموه بکتاب و نحوه،و مع ذلک لم

یأت و لم یحرک حسابه و لم یراجع المصرف.فمثل هذا الفرد یکون هو المضیع لحسابه و المعرض عنه،فیکون من حق المصرف مصادرته.

و أما لو لم یحصل ذلک،کما لو فحص المصرف و لم یتعرف علی صاحب الحساب.فهذا لا یعنی إحراز الإعراض و لا الخروج عن ملکیته أو ملکیة وریثه.فلا یکون هذا الأسلوب مؤثرا.

الوجه الثانی:شمول حکم اللقطة للودائع الموقوفة.

فإن اللقطة فقهیا هی ما یجده الفرد فی مکان عام کالشارع أو المسجد مثلا من الأشیاء التی لها مالیة قلت أو کثرت.و لا یعلم صاحبها.فحکمه الفقهی هو وجوب الفحص عن صاحبها.إلی حین الیأس عن معرفته أو إلی تمام السنة.فإذا حصل الیأس قبل انتهاء السنة أمکن التوقف عن الفحص و لکن یجب الانتظار إلی نهایة السنة.فإذا انتهت أمکن تملک المال أو التصدق به عن صاحبه إجمالا.

فقد یقال:إن الودائع الموقوفة مشمولة لحکم اللقطة،لأنها تشبهها من حیث تعذر التعرف علی صاحبها و الفحص عنه لمدة سنة.و السنة هنا شرعیة کما هی قانونیة.فیمکن تطبیق نتیجة اللقطة و هو جواز التملک للمال بعد نهایة السنة.یعنی أن المصرف یتملک المال و یجعله إیرادا للدولة،أو یتصرف به ما یشاء.

إلاّ أن هذا الوجه غیر صحیح أساسا،لوجود فروق أساسیة بین اللقطة و الودائع الموقوفة.لوضوح أولا:أن اللقطة مجهولة المالک من أول قبضها بخلاف هذه الودائع فإنها فی أولها کانت معلومة المالک.و ثانیا:أن اللقطة لم یدفعها صاحبها إلی الملتقط إطلاقا،بخلاف الودائع فإنما دفعها صاحبها اختیارا أول الأمر.و ثالثا:أننا لا نحمل أیة فکرة محددة أو مجملة عن صاحب اللقطة،و لکننا نحمل فکرة محددة بل تفصیلیة عن صاحب الودائع و ان غاب عنا مدّة طویلة.

الوجه الثالث:شمول حکم مجهول المالک للودائع الموقوفة.

فإننا قلنا إن الأموال المودعة فی المصارف المتعارفة إنما هی أموال مجهولة المالک،و حکم المال المجهول المالک فقهیا،هو إمکان قبضه قبضا شرعیا،فیکون ملکا لمن قبضه.

و المهم الآن لیس هو الحدیث عن الساحب بل الحدیث عن المصرف نفسه،فله أن یطبق حکم مجهول المالک علی الکمیة الموقوفة من الأموال و تصبح ملکا له و یطبق علیها ما یشاء.

إلاّ أن هذا الوجه لیس بصحیح إلاّ فی حدود الأموال التی تکون من حین إیداعها مجهولة المالک.و أما بدون ذلک،کما هو المفروض،أعنی حین تکون الودائع مملوکة لأصحابها من أول الأمر.فهذا الوجه غیر تام.لأن النظر لیس إلی تکلیف الساحب فقهیا،بل إلی تکلیف المصرف نفسه و من هذه الزاویة لا تکون الأموال مجهولة المالک لأننا نعلم إجمالا أن هذا الفرد الغائب ممن یملک فی الودائع شیئا.و هذا یکفی فی لزوم بقاء تلک الکمیة علی ملکه.

و لو تنزلنا جدلا عن ذلک،و فرضنا المال مجهول المالک بقیت إمامنا نقطتان فقهیتان إحداهما کبری و الأخری صغری بالاصطلاح المنطقی.

أما الکبری:فإن الأموال مجهولة المالک لا یجوز و لا ینفذ قبضها قبضا شرعیا إلاّ بإجازة الولی العادل.فإن حصلت جاز القبض و أصبح نافذا،و إلاّ فلا.

و أمّا الصغری:فإن المصارف لا تطبق هذه الکبری بطبیعة الحال.الأمر الذی یجعل المصادرة غیر جائزة شرعا.

و علی أی حال،فإذا تم أحد هذه الوجوه أو کان له تطبیق من حیث الجواز الفقهی للمصادرة،کما ذکرنا خلالها،فهو المطلوب.و إلاّ بقیت علی الأصل الأولی من الحرمة.لا یختلف فی ذلک مضی المدة و لا کمیة المال کالدینارین و العشرة دنانیر و نحوها.فإنهما جمیعا من استحقاق مالکیها مهما طال الزمن ما لم تصدق فقهیا بعض الوجوه السابقة.

نعم یستثنی من ذلک:الحساب الجاری المکشوف لو فرض أنه مضت علیه المدة المشار إلیها.فإن للمصرف أن یصرف النظر عنه و یلغیه.لأننا قلنا فیما سبق أنه لا یدخل فی ذلک صاحبه إلاّ بالمقدار المسحوب.فإذا لم یکن مسحوبا أمکن إلغاؤه فی أی وقت.

و بهذا نکون قد مررنا علی حکم الأمر الثانی من الأمور الثلاثة السابقة التی لا زلنا نتحدث عنها.

الأمر الثالث:ما عرفناه من أن المصرف یأخذ عمولة معینة علی الودائع الموقوفة.و السرّ فی ذلک حسب فهمی:أن الودائع ما دامت متحرکة أمکن استفادة المصرف منها أکثر اقتصادیا.و أما إذا أصبحت موقوفة،فقد تتضاءل الاستفادة منها،و تصبح مصدرا للضیق أکثر مما هی مصدرا للفائدة.و من هنا یصبح ذلک سببا لأخذ العمولة.بعد أن کان لا یأخذ علیها شیئا و هی متحرکة.

و المهم فقهیا أن هذا جائز شرعا و من حق المصرف المطالبة بالعمولة، فی الحدود التی یعتبرها المصرف ضروریة.

الیانصیب المصرفی

یمکن أن نقسم المحفزات المصرفیة للادخار،یعنی ترغیب الجمهور علی الإیداع فی المصرف،إلی ثلاثة أقسام:

القسم الأول:إیجاد الفوائد علی الادخار أو الإیداع،بمختلف النسب التی یقررها المصرف.و هذا ما تحدثنا عنه سابقا.

القسم الثانی:التأمین المجانی علی الحیاة.و لعلنا نشیر إلی بعض تفاصیله و إلی حکمه الفقهی فیما بعد.

القسم الثالث:الیانصیب المجانی للمودعین،و هو ما نتحدث عنه الآن.

حیث قالت بعض المصادر المصرفیة (1)

مصرف الرافدین(کراس تعریفی):ص 11.

،و ننقله حرفیا لیری القاری الکریم مدی التحفیز و الإغراء علی الإیداع فی هذا الیانصیب:

مشروع الیانصیب المجانی لأصحاب الحسابات الجاریة و التوفیر و یتضمن:

جوائز نقدیة و عینیة مجموع مبالغها 98500 دینارا سنویا.توزع علی ثلاث سحوبات فی السنة.یجری السحب فی 15 شباط،7 و 15 حزیران و 15 تشرین الأول من کل عام.و توزع فی کل سحبة الجوائز التالیة:

سیارة صالون جدیدة للرقم الفائز من الحسابات الجاریة و التوفیر التی لا یقل رصیدها عن 500 دینار خلال فترة السحبة.

500 دینار نقدا لأول رقم فائز من الحسابات الجاریة و التوفیر بغض النظر عن رصید الحساب.

30 جائزة نقدیة مبلغ الجائزة الواحدة 1000 دینار و بما یعادل الرصید الأقل فی الحساب للحسابات الجاریة و التوفیر التی لا یقل رصیدها عن 25 دینارا خلال فترة السحبة.

جوائز علی شکل بطاقات سفر بالطائرة(درجة سیاحیة نافذة لمدة شهر واحد)ذهابا و إیابا إلی إحدی العواصم العربیة التی یختارها أصحاب الحسابات الفائزة.

هذا،و ینبغی أن نلتفت أولا إلی أن احتمال حصول الفرد منهم علی جائزة ضئیل إلی درجة یحصل الاطمئنان بعده.فإذا کان المودعون بالحساب الجاری(الدائن و المدین)و التوفیر معا ملیون فردا.و کانت الجوائز کلها إجمالا خمسون جائزة.نقسم الملیون علی خمسین فی عملیة ریاضیة بسیطة.و تکون النتیجة هی درجة احتمال حصول الجائزة للفرد الواحد.


1) 1)

و النتیجة هی احتمال واحد من عشرین ألف احتمال و هو ما قلناه من أنه یحصل الاطمئنان بعدمه.فلو احتملت أن صدیقک جاء من سفره و لکن بمقدار واحد من عشرین ألف من الاحتمال،فإنک لا تذهب إلی زیارته طبعا ما لم یکن الاحتمال أضعاف ذلک.و هذا إشکال وارد علی کل یا نصیب لا محالة.

فکیف إذا کان المودعون أکثر من ملیون،و کانت الجوائز أقل من خمسین،کما هو ظاهر العبارة التی نقلناها.

و ظاهر کلامهم أن هذا الیانصیب لا یکون باختیار المودعین و لا بشراء بطاقات معدّة لذلک.و إنما هو عمل یقوم به المشرفون علی المصرف تلقائیا آخذین بنظر الاعتبار أرقام حسابات المودعین،و لیس أرقام بطاقات الیانصیب کما فی الیانصیبات الاعتیادیة.

و من هنا لا یکون مثل هذا الیانصیب مشمولا للإشکالات الفقهیة التی یواجهها سائر أشکال الیانصیب.فلو فرضنا فقهیا-کما علیه مشهور المتأخرین من الفقهاء-أننا قلنا بحرمة شراء بطاقات الیانصیب أو حرمة المطالبة بالجائزة.لا یکون ذلک شاملا للیانصیب المصرفی،لخلوّه من البطاقات أساسا.کما أن الرقم الفائز لا یحتاج إلی مطالبة صاحبه بل هم یلحقونه بحسابه تلقائیا من دون أن یعلم.إلاّ أنهم قد یرسلون إلیه کتابا تنبیها له علی ذلک.و لو أراد أخذه نقدا لم یکن لهم مانع من ذلک.

و فی حدود المصارف التی نتحدث عنها،و هی المصارف التی تتعامل بالأموال المجهولة المالک،فللفرد شرعا یجوز أن یأخذ الجائزة أو یسمح لهم بالإیداع فی حسابه أو یودعها بنفسه أعنی بطلبه.کل ذلک جائز.مع قبض المال قبضا شرعیا.

نعم،شعور الفرد باستحقاق هذه الجائزة أمر خارج عن حیّز الشریعة، فهو أمر غیر شرعی،إلاّ أن وصولها إلیه،تلقائیا،أمر لا غبار علیه.

و کذلک الحال فی المصارف التی یملکها الکفار.مع الفرق فی شکل

قبض المال.فإنه هنا لا یجب القبض الشرعی بل یکفی حیازته بنیة الملکیة المدلول علیها بوضع الید.و هذا ما یحصل تلقائیا لأی فرد.و لا یجب أکثر من ذلک.

و بتعبیر آخر:إن حکم مال الجائزة من أی نوع من المصارف تابع لحکم أو قل:هو نفسه حکم المال المقبوض من المصرف،مهما کان سببه کالسحب من الإیداعات أو غیرها،و لیس للجائزة حکم إضافی.

هذا غیر الشعور بعدم استحقاق الجائزة الفائزة کما أشرنا.و هذا الشعور ینبغی أن یشمل عدم استحقاق الفوائد المصرفیة أیضا.إلاّ أنه لا یجب أن یشمل الأموال المودعة أو المستحقة علی المصرف،فإن الشعور باستحقاقها شرعا لا غبار علیه،و خاصة بعد أن قلنا إن الفرد مالک للمالیة(الکلیة) المسجلة له فی المصرف.

أثر الموت مصرفیا

لا یوجد-حسب تتبعی-فی المصادر المصرفیة ذکر لاحتمال أو لافتراض موت العمیل،فی أی شکل من أشکال التعامل المصرفی.إلاّ فی مورد واحد هو التأمین علی الحیاة،و من هنا کان إلقاء الضوء،علی هذا الجانب لا یخلو من صعوبة.

غیر أنه من الأکید مصرفیا،أنهم یشترطون حیاة موقع الشیک و موقع الکفالة المصرفیة.الأمر الذی ینتج سقوطهما بالموت.

و هو شرط مصرفی غیر فقهی،لأن مقتضی القاعدة فی الأوراق المالیة أیا کانت أنه إذا مات صاحبها فإنها ترجع إلی ورثته.کما یعود أصل المال المودع،بأی نوع من أنواع الودیعة إلی الورثة أیضا.

و علی أی حال فهنا ینبغی أن نتذکر ما قلنا سابقا،من أن النظام المصرفی نظام نظری قائم علی ترتیبات تشریعیة قابلة للتغییر،حسب ما یری

المشرعون له من المصلحة.و هذا النظام،أعنی هذه الفقرة المتعلقة بالموت،خاضعة لهذا المعنی أیضا.

و المهم الآن الحدیث عن انتقال أصل المال المودع إلی الورثة.و من المعلوم رسمیا أن المصارف-کسائر دوائر الدولة-تعتمد علی القسامات الشرعیة الصادرة من المحاکم الشرعیة.

و أما من الناحیة الفقهیة أو الشرعیة،فهو یختلف باختلاف وجهات النظر الفقهیة:

أولا:إن قلنا فقهیا،کما قد یخطر فی أذهان بعضهم،أن المال المودع فی المصرف مال ضائع شرعا،بمنزلة التالف.و المال المسحوب منه مال مجهول المالک.فإذا تم قبضه قبضا شرعیا کان لمن قبضه.

فهذا الاتجاه،ینتج نتائج عدیدة منها:عدم انتقال المال بالإرث لأنه بعد إیداعه فی المصرف لم یبق ملکا للمودع بل ضاع من مجموع أموال المصرف.فإذا مات المودع،بأی شکل من أشکال الودیعة،انتقل ما یملکه إلی ورثته و حیث أن الودیعة غیر مملوکة،فإنها لا تنتقل أصلا إلی الورثة.

و إذا استطاع أی وارث بسبب قانونی کالقسام الشرعی إن یسحب أی کمیة من المال بصفته أحد الورثة،فسوف یکون کله بمقدار ما یسحب و یقبضه قبضا شرعیا.فیدخل فی ملکه بغض النظر عن کونه مندرجا فی حصته من الإرث أو مأخوذا من حصص الورثة الآخرین.

و لعل هذا هو المسلک التقلیدی للفقهاء.و لذا قلّ من یشیر منهم إلی حالة موت المودع،لکی لا یتورط بمثل هذه الفتوی.

فینتج ما یکون مخالفا لمصلحة الورثة.

ثانیا:إذا قلنا فقهیا،بأن الودیعة المصرفیة،مهما کانت فهی ملک المودع،و کذلک الأوراق المالیة التی تعود إلیه.و لکن نقطة الضعف فی نظر بعض الفقهاء إنما هو فی السحب.فإن کل مال مسحوب إنما هو مجهول

المالک،و لیس عین المال المودع طبعا.و لذا لا یمکن اعتباره من المیراث.

و لکل من سحبه و قبضه قبضا شرعیا،کان له تملکه بغض النظر عن حصة الورثة بل بغض النظر عن کونه وارثا أم لا.

فلو استطاع فرد ما تزویر قسام شرعی علی المصرف.أمکنه أن یسحب و یکون المال حلالا له شرعا.بصفته من الأموال المجهولة المالک المقبوضة قبضا شرعیا.

و تکاد أن تکون هذه النتیجة أکیدة فقهیا،فی نظر العدید من الفقهاء.

و إن کنا قد بینّاها الان بشکل مکثف.

ثالثا:طبقا لما قلناه فقهیا،من أن المالیة الکلیة المودعة فی المصرف و المدلول علیها بالأوراق المالیة و القوائم المصرفیة،هی ملک للمودع.و قد استنتجنا من ذلک عدة نتائج نذکر بعضها مختصرا:

أولا:کفایة وفاء الدین بمثل هذه الملکیة.

ثانیا:تعلق الحقوق الشرعیة بهذه الملکیة.

ثالثا:کفایة إعطاء الحقوق الشرعیة إلی مستحقها عن طریق هذه المالیة الکلیة.

رابعا:أننا إذا أودعنا أموالا ذات عناوین شرعیة معینة،کحق الإمام أو حق السادة أو ردّ المظالم أو الکفارات أو غیرها،کان ذلک ثابتا أیضا فی المالیة الکلیة المتحققة فی المصرف.

کل ما فی الأمر أننا یجب أن نلحظ هذه العناوین لدی القبض،حتی تستوفی مدلولاتها،و لا یجوز لنا شرعا التخلف عن ذلک،و إلاّ کنا مقصرین تجاه الأحکام الشرعیة لهذه الأموال.و بتعبیر أوضح:نکون قد عملنا حراما.

خامسا:حرمة السرقة من الأموال المودعة فی المصرف إذا کانت لغیره و بدون إذنه.و لا یجری علیها إذن الولی العادل بالجواز و إن کانت مجهول المالک،لأنها سرقة و ذاک الإذن یختص بمجهول المالک الذی لم یعنون بأی عنوان.

و مما یترتب علی وجود الملکیة الکلیة أو المالیة الکلیة المتحققة فی الإیداعات المصرفیة،غیر الحساب المکشوف-کما سبق-إمکان تحقق الشرکة فیها بین شخصین أو أکثر.

فلو اقتصرنا علی وجهات النظر الفقهیة السابقة أمکن للشریک أن یسحب کل أموال شریکه.و یکون ملکه حلالا،بعد أن کان من الأموال المجهولة المالک المقبوضة قبضا شرعیا.

أما بناء علی ما قلناه،فالشرکة کما هی متحققة فی المالیة العلنیة المودعة فی المصرف،کذلک هی قائمة أو متحققة فی المال المسحوب.

و یجب علی کلا الشریکین تطبیق حکم الشرکة فیه.بأن لا یقبض منه أکثر من حصته.

و المال المسحوب فعلا،و ان کان مجهول المالک.إلاّ أنه یمکن أن ننوی علیه خلال القبض الشرعی کونه ملکا لأحد الشریکین بعینه.فیکون إیداعه ناقصا طبعا بهذا المقدار.کما یمکن أن ننوی کون المقبوض مالکا مشترکا بین الشریکین،فیحتاج فی تمییز الحصتین إلی فرز و تقسیم باتفاقهما.

لما علیه الفتوی فقهیا فی المال المشترک.

و فی جملة الأسباب الموجبة للشرکة غالبا هو الموت لأنه یجعل المال مشترکا بین الورثة ان کانوا أکثر من واحد.لا یفرق فی ذلک بین المال المنقول و غیر المنقول و کذلک الأموال المودعة فی المصارف.فإنها جمیعا تنقسم بین الورثة حسب شرائط الإرث التی منها أداء الدیون و الواجبات الشرعیة التی یجب قضاؤها.و سیأتی الکلام عن ذلک فی کتاب الإرث بعونه سبحانه.

و هی تنقسم بینهم حال وجودها الکلی فی المصرف،فبدلا من أن تکون ملکا لشخص واحد ستکون ملکا لعدیدین حسب النسب المعینة للإرث.

و المال المسحوب یکون حکمه کما قلناه فی المال المشترک قبل قلیل.

إذ یجب أن یطبق علیه حال القبض حکم هذا الاشتمال و النسب المملوکة للورثة فیه.

فإن قصدنا وارثا معینا کان المال له حتی تنتهی حصته فإذا انتهت لم یجز له قبض الباقی،و کان من السرقة المحرمة.و ان قصدنا کون المال مشترکا بین اثنین،کان من المال المشترک الذی یحتاج إلی قسمة کما أشرنا.و هکذا.

و المهم فقهیا أنه یجب أن لا یختلف القبض عن حال الملکیة لدی الإیداع.فیتم القبض بنفس تلک النسبة المملوکة.و لا یجوز الاختلاف عنها.

و مما یرتبط فقهیا بهذا الصدد:أن المیراث المحتسب لا یجب فیه الخمس و أما المیراث غیر المحتسب فیجب فیه الخمس.

و یراد بالمیراث المحتسب:المیراث المتوقع عادة و المتحقق کثیرا بین الناس.و یحدد فقهیا بما إذا کان المیت أحد الوالدین أو أحد الذریة أو أحد الزوجین،أو أحد الأجداد المباشرین علی الأقرب.و أما غیرهم من المورثین کالخال و العم بل و الأخ و الأجداد الآخرین و غیرهم،فهو من المیراث الذی یجب فیه الخمس لأنه غیر محتسب.

و تطبیق ذلک فی محل کلامنا،هو أن المال إذا لم یکن الخمس فیه واجبا،فهو ما سبق أن تحدثنا عنه.و أما ان کان الخمس واجبا فیه،کانت المالیة الکلیة المودعة منقسمة إلی المال الموروث و المال المملوک لمستحقی الخمس.و یجب تطبیق السحب علی ذلک.لا یفرق فی ذلک بین ما إذا کان بعض الورثة ممن یجب علیه الخمس أو کلهم.

فإن کان الخمس واجبا فی الجمیع،کان خمس المالیة یعنی 20%منها مستحقا للخمس.و أما لو کان بعض الورثة ممن یجب علیهم الخمس و بعضهم لا یجب کالأخ و الزوج.کان الخمس ثابتا فی حصة الأخ أساسا، أعنی قبل سحبها،و یملک أربعة أخماس حصته الشرعیة،فلو کان یملک شرعا ثلث الترکة مثلا،کان له فی مثل هذه الحالة شرعا أربعة أخماسها یعنی

4/15 من المجموع.و یجب تطبیق السحب علی ذلک،کما قلنا فی مثله.

مجمل فعالیات المصرف

ذکرت بعض المصادر المصرفیة (1)

مصرف الرافدین:نشأته تشکیلاته اختصاصاته ص 24.و ما بعدها.

قائمة مفصلة بمجمل ما یقوم به المصرف من أعمال.نذکرها الآن کلها بلفظها.ثم نحاول بعد ذلک أن نشیر إلی ما سبق أن ذکرناه و نذکر ما لم یسبق لنا التعرض له بشیء أکثر تفصیلا بعونه تعالی:و القائمة هی:

1-قبول الودائع النقدیة الواجبة الدفع عند الطلب.أو فی تاریخ استحقاق معین.أو بإنذار أو بدونه أو بالحساب الجاری أو التوفیر أو غیره.بفائدة أو بدونها.و إصدار شهادات الودائع و دفع بدلات الشیکات أو الأوامر الصادرة عن المصرف من المودع.

2-الإقراض و التسلیف عن طریق منح التسهیلات الائتمانیة النقدیة لعملائه لأغراض النشاطات المختلفة،لقاء رهن العقار أو المنقول أو بکفالة شخص ضامن أو بدون أی ضمان.

3-أ-إقراض الأفراد المستهلکین مبالغ لقاء رهن أموال لا یتسرب إلیها التلف بسرعة و یسهل حفظها و تحدد بتعلیمات أوصاف الأموال التی لا تقبل تأمینا للقرض.

ب-تسلیف منتسبی الدولة من الموظفین و العمال و المتقاعدین منهم و العمال المشمولین بقانون التقاعد و الضمان الاجتماعی، و المتقاعدین منهم و کذلک المشمولین بصنادیق تقاعد خاصة أو صنادیق أو ضمان خاصة تنظم خدماتهم و کذلک متقاعدیهم المشمولین بأحکام صنادیقهم التقاعدیة الخاصة.و تحدید تعلیمات لشروط التسلیف لکل فئة.

ج-یستوفی المصرف ماله من حقوق ناشئة بموجب الفقرتین(أ-ب)


1) 1)

أعلاه وفقا للأحکام المقررة فی القانون.و بموجب التعلیمات التی یصدرها المصرف.

4-استثمار الأموال فی مختلف الأوجه.کخصم و شراء الأوراق التجاریة و سندات القرض و الأوراق المالیة و التجاریة و الصناعیة علی اختلافها و إعادة خصمها.

5-منح الائتمان التعهدی کإصدار خطابات الضمان و فتح و إصدار الاعتمادات المستندیة بضمان أو بدونه أو بتأمینات نقدیة أو بدونها.

و قبول أو ضمان الأوراق التجاریة.

6-التسلیف علی عملیات التصدیر و علی مستندات الشحن و أوامر تسلیم الأموال علی اختلاف أنواعها.

7-تحویل المبالغ داخل القطر و إصدار السندات،للأمر و الشیکات و اعتمادها.

8-تحصیل بدل الأوراق و مستندات الشحن و سائر أنواع الأوراق و السندات الأخری لحساب أصحابها.

9-شراء و بیع حوالات الخزینة و سندات الحکومة العراقیة و کذلک شراء و بیع السندات و حوالات الخزینة و الأوراق المالیة العربیة و الأجنبیة.

10-شراء و بیع و استیراد و تصدیر السبائک و المسکوکات الذهبیة و المعادن الثمینة الأخری.

11-شراء و بیع الأوراق النقدیة و أی من وسائل الدفع المحررة بالعملات الأجنبیة أو التسلیف علیها.و کذلک القیام بجمیع عملیات التحویل الخارجی.

12-شراء و بیع الأسهم و السندات لحساب الغیر.

13-حفظ النقود و المعادن الثمینة و الأسهم و السندات و الرزم و الممتلکات

الأخری سواء عرفت محتویاتها أم لم تعرف.و کذلک تأجیر خزائن الإیداع الخاصة للغیر.

14-القیام بأعمال الأمین أو الوکیل و تعیین الوکلاء.

15-تأسیس المستودعات العامة و الخاصة لخزن البضائع لحساب المصرف أو لحساب الغیر.

16-فتح و حفظ الحسابات لدی مصارف خارجیة و مؤسسات مالیة.و تعیین وکلاء منها و مراسلین له فی الخارج.و له أن یفتح له و یحتفظ لها بحسابات لدیه و کذلک العمل بصفة مراسل أو وکیل لها.

17-شراء و بیع و تحصیل و تأدیة أ قیام الأسهم و السندات و العملات و أی من وسائل الدفع و أوراق الائتمان.نیابة عن المصارف و المؤسسات المالیة الخارجیة.

18-التعامل بالعملات الأجنبیة مع المصارف و الأسواق المالیة العربیة و الدولیة.

19-المساهمة فی القروض المصرفیة العربیة و الدولیة،ذات الطبیعة التجاریة.

20-المساهمة فی المصارف العربیة و الإقلیمیة.و له أن یؤسس أو یساهم بشرکات خارج العراق تتعاطی أعمال الصیرفة.

21-القیام بجمیع الخدمات و الأعمال المصرفیة الأخری التی تقوم بها المصارف التجاریة.

فهذه هی القائمة بلفظها،و من الواضح أنها-علی سعتها-لا تستوعب کل فعالیات المصرف.بدلیل الفقرة الأخیرة(21)منها.و قد قال أیضا فی التقویم لذکر هذه القائمة:و قد فصل النظام الداخلی الجدید لمصرف الرافدین.الأعمال المصرفیة التی یمارسها و منها.کذا و کذا یعنی ما ذکره من القائمة التی نقلناها و هذا واضح أنه لم یستوعب کل ما فی النظام الداخلی

من الأعمال.و إنما اقتصر علی ذکر ما یستجلب النظر و الرغبة للمراجعین.

و بقی الباقی ضمن أسوار الدولة.

و نحن نعلق علی کل فقرة منها ضمن أمور من دون أن نعید نقلها.فإن أراد القاری التأکد من ذلک فلیراجعها.

لیکون مرورنا علی هذه الفقرات شکلا من أشکال الفهرس لما سبق أن قلناه.و لنتأکد تماما علی أننا مررنا علی کل الأنظمة المصرفیة،أو کل المهم و الرئیسی منها علی أقل تقدیره.

الأمر الأول:ذکرت الفقرة الأولی أنواع الودائع و کلها مما سبق أن ناقشناه مفصلا.و ذکرت أیضا شهادات الودائع و هی بیانات یصدرها المصرف دالة علی وجود الودیعة لدیه.و هذا غیر مهم فقهیا.و هو محکوم بالجواز بطبیعة لحال.

کما ذکرت الفقرة دفع بدلات الشیکات،یعنی صرفها و دفع أقیامها إلی المستفید،و قد سبق الکلام فیه.

الأمر الثانی:ذکرت الفقرة الثانیة الإقراض و التسلیف،و هما بمعنی واحد عملیا.و ذکرت حق المصرف فی طلب الرهن علیه أو الکفالة أو بدون شیء من ذلک.

و قد ذکرنا سابقا کل ذلک.إلاّ المطالبة بکفالة شخص معین علی ما أتذکر.و هو شیء من حقه و جائز علی القاعدة شرعا.

الأمر الثالث:تعرضت الفقرة الثالثة إلی تعداد مختلف أنواع الناس الذین یتم إقراضهم من أفراد عادیین و عمال و موظفین و متقاعدین.و تعدادهم غیر مهم فقهیا لأنهم من هذه الناحیة سواسیة کأسنان المشط أمام الشریعة المقدسة.

و الرهون التی ذکرها فی الفقرة(أ)لها نفس الحکم للرهون المشار إلیها فی الفقرة السابقة و قد سبقت.

الأمر الرابع:یشیر إلی الشیکات و الکمبیالات و نحوها من الأوراق المالیة.فإن سندات القرض هی الکمبیالات و الأوراق التجاریة،هی الشیکات،و ان کانت فی نفس الوقت تستخدم لمختلف الأغراض الصناعیة و الزراعیة و غیرها.و لا یخفی أن الفقرة قد کررت لفظ الأوراق التجاریة مرتین!!.

و الخصم-کما عرفنا-هو الشراء بأقل من القیمة الاسمیة لیکون الفرق للمصرف.و إعادة الخصم هو بیعها علی مصرف آخر لاستیفاء قیمتها.و کله سبق أن تحدثنا عنه.

الأمر الخامس:تتعرض الفقرة الخامسة إلی الائتمان التعهدی و خطابات الضمان و الاعتمادات المستندیة.و کلها سبق الکلام عنها مفصلا.

و نقول فی نهایة الفقرة:و قبول و ضمان الأوراق التجاریة.و القبول یعنی الموافقة علی صحة الورقة و قابلیتها للصرف.و أما الضمان فهو التعهد أو الکفالة المصرفیة بالدفع علی تقدیر عدم دفع الطرف الآخر للمستفید.و هو ما یسمی بالشیک المصدق أو الکمبیالة المصدقة.و قد سبق الحدیث عن کل ذلک.

الأمر السادس:التسلیف علی عملیات التصدیر.هو التسهیلات التی یدفعها المصرف بهذا الصدد.

و التسلیف علی مستندات الشحن،عبارة أخری عن الاعتماد المستندی.غایة الفرق بینهما أن الاعتماد المستندی یفتح عادة قبل الاستیراد و الشحن.و هذا التسلیف المشار إلیه هنا یکون بعد وصول مستندات الشحن لو عجز المستورد عن الاستمرار بالعملیة،و اضطر إلی الاستلاف من المصرف.

ثم ذکرت الفقرة:أوامر تسلیم الأموال علی اختلافها.و هذا حسب فهمی لا یکون إلاّ بالشیک نفسه.و علی أی حال فهذا التسلیم یکون نوعا من

التسلیف إذا کان علی المکشوف.و قد تحدثنا عن فکرة التسلیف ککل فیما سبق مما یشمل کل ذلک.

و أما إذا کان الأمر بالتسلیم بعد دفع المبلغ،فهو الحوالة،و قد تحدثنا عنها أیضا.

الأمر السابع:ذکرت الفقرة السابعة عدة أمور:هو تحویل المبالغ داخل القطر.و قد تکلمنا عن الحوالة.

و إصدار السندات للأمر.و هی سندات أسهم الشرکات،حیث تطلب الشرکات من المصرف إصدار السندات لأسهمها.و قد تکلمنا عن ذلک بقسمیه و هی السندات المضمونة من قبل المصرف و غیر المضمونة عنده.

ثم ذکرت الفقرة:إصدار الشیکات و اعتمادها.و إصدار الشیکات، مفروض فی الحساب الجاری بقسمیه فی کل بنک.و قد تکلمنا عنها مفصلا.

و أما اعتماد شیکات فهو النظر إلیها نظرة رسمیة،سواء فی صرفها أو شرائها أو التحویل بها هنا أو غیر ذلک.

الأمر الثامن:تحصیل بدل أوراق و مستندات الشحن،یعنی الدفع مصرفیا بدل المستورد الذی قد یکون عاجزا عن الدفع قبل تصریف بضاعته.

و هذا شکل من أشکال التسلیف،لأنه علی المکشوف بالتأکید.إذ لو کان للعمیل حساب جار دائن لما نسبت العملیة إلی المصرف نفسه.

و أشارت الفقرة إلی سائر الأوراق و السندات الأخری.أقول و هو لا یختلف فقهیا عن سندات الشحن التی عرفناها.

الأمر التاسع:تتعرض إلی حوالات الخزینة و سندات الحکومة العراقیة و غیرها و هذا ما ینبغی غض النظر عنه فعلا.

الأمر العاشر:شراء و بیع و استیراد و تصدیر السبائک و المسکوکات الذهبیة و غیرها.

و الاستیراد یکون بالشراء و التصدیر یکون بالبیع.إلاّ أنه یراد بالشراء

و البیع أولا ما یحدث داخل القطر من هذه المعاملات.

و هذا معناه أن المصرف یقوم بذلک کتاجر اعتیادی متسبب إلی استرباح أمواله.و هذا أمر جائز شرعا و المعاملات علیه صحیحة،بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التی سبق أن غضضنا النظر عنها.و التی منها الکلام عن الشخصیة المعنویة للمصرف،و اختلاط الأموال بالفوائد الربویة.

و الاستیراد و التصدیر إنما یکون بالحوالات بواسطة بنک مراسل فی الخارج،کما عرفنا و قد تکلمنا عن ذلک مفصلا.

و لم تقل هذه الفقرة أن طرف المعادلة هل هو فرد أو شرکة أو مصرف مثله.و الظاهر أن کل ذلک مقبول لدیهم.

الأمر الحادی عشر:أشارت الفقرة إلی شراء و بیع الأوراق النقدیة فی القطر بالعملات الأجنبیة.و هذا بمجرده لا إشکال فیه فقهیا سواء کان بالسعر الرسمی أو بغیره.و المصارف ملتزمة بالسعر الرسمی طبعا.

إلاّ أن هذه المعاملة تکون عادة لحساب الغیر لا لحساب المصرف نفسه.و معه فقد یأخذ المصرف علیها أجورا و عمولة.فإن کان وسیطا بین المشتری و البائع أخذها علی الوساطة فإنها شکل من قضاء حوائج الآخرین یستحق علیها الأجور.

و إن کان المصرف هو البائع أو المشتری لا معنی لأخذ الأجرة علی معاملات نفسه،إلاّ أن تضاف إلی القیمة خارج التسعیر الرسمی.

و أشارت الفقرة إلی التسلیف بالعملات الأجنبیة.و هو مما لا إشکال فیه فقهیا بمجرده،و یستحق الأجرة إن کان القرار إرجاعها بعملة أخری.و أما لدی إرجاعها بنفس العملة،فإن کان المصرف وسیطا بین الدائن و المدین استحق الأجرة أیضا.و إن کان هو طرف المعاملة لم یستحقها،و کانت من قبیل الفائدة الربویة لو کان المصرف دائنا،اللهم إلاّ أن نقول بالجواز باعتبار تسجیلها بالأوراق و القوائم و نحو ذلک.و هذا صحیح إلاّ أن المستحق للأجرة عندئذ هو الموظف و لیس المصرف.

و أشارت الفقرة إلی القیام بجمیع عملیات التحویل الخارجی.و قد تکلمنا عنه مفصلا.

الأمر الثانی عشر:تکلمنا عن هذه الفقرة أیضا و هی بیع و شراء الأسهم و السندات لحساب الغیر.و قد یکون هذا الغیر فردا أو شرکة أو مؤسسة باکتتاب أو غیره.

الأمر الثالث عشر:تکلمت هذه الفقرة عن(الودائع الحقیقیة)أو العینیة علی اختلافها.و هو أمر جائز و الأجرة علیه صحیحة.و قد سبق الکلام عنها.

و ذکرت الفقرة:إیجار صنادیق أو خزائن الإیداع الخاصة بالغیر.و هی خزائن ذات أرقام تعطی مفاتیحها لأصحابها لکی یودعوا فیها ما یشاؤون إیداعا عینیا غیر متحرک.و یأخذ المصرف علی ذلک أجورا.و قد ذکرت بعض المصادر المصرفیة (1)

انظر:مصرف الرافدین:کراس تعریفی ص 11

أنّها علی أربعة أحجام لکل حجم أجرة الخاص به.

الأمر الرابع عشر:القیام بأعمال الأمین أو الوکیل.و یراد بالأمین و الوکیل شیء واحد.و هو القیام ببعض الأعمال المصرفیة أو المعاملات المالیة أو غیرها بالنیابة عن الغیر.

و هذا لا یکون طبعا بتصدی المصرف للمعاملة عن الغیر بدون توکیل رسمی،فإن حصل التوکیل،فلا إشکال فقهیا بعض النظر عن بعض نقاط الضعف السابقة.

و نفس الحکم شامل لتوکیل الوکلاء عن المصرف سواء کانوا أفرادا أو مؤسسات أو مصارف.

کل ما فی الأمر أن المصرف ان أصبح وکیلا أخذ الأجرة عن إعماله بالوکالة.و أما إذا أصبح موکلا کان اللازم دفع الأجرة.و متی جازت الوکالة فقهیا جازت الأجرة أیضا.إذ لم یعتبر فی الوکالة فقهیا أن تکون مجانیة.

.


1) 1)

الأمر الخامس عشر:فی تأسیس المستودعات العامة و الخاصة.

و المستودعات العامة هی التی تکون تابعة لجهة عامة کالدولة أو وزارة معینة أو مؤسسة کبیرة،و المستودعات الخاصة هی التابعة لجهة خاصة کفرد أو جماعة محدودة.

و المهم أن المصرف یستفید من تأسیس المستودعات.فإن کانت له أخذ الأجور فی الإیداع فیها.و ذلک من قبیل(الودائع الحقیقة).فإنها قد لا تکون نقودا أو حلیا بل قد تکون أمورا ضخمة کالشاحنات مثلا.

و کذلک یحتفظ بها بالرهونات التی یأخذها علی التسلیف.و أخذ الأجرة علی حفظ العین المرهونة من قبل الدائن(المرتهن)غیر جائز شرعا،فإنه یکون إضافة إلی الدین المستوفی فیکون ربویا.

و أما إذا بنی المصرف المستودعات لحساب الغیر،یعنی أنها تکون للغیر،و لکنها تبنی بتسهیلات مصرفیة.و هذا یعنی أنه نوع من التسلیف و القرض لصاحب المستودع.فیشمله ما قلناه من حکم التسلیف.

الأمر السادس عشر:فتح الحسابات لدی المصارف الخارجیة و المؤسسات المالیة الخارجیة و بالعکس أعنی فتح المصارف و المؤسسات الخارجیة الحساب فی المصرف.

و هنا کله یکون إما بالحساب الدائن أو المدین.و هو من الناحیة الفقهیة،حکمه حکم الحساب المنسوب للأفراد إن تمت الشخصیة المعنویة للمصرف و التی سبق أن تکلمنا حولها.

و أشارت هذه الفقرة أیضا إلی إمکان تعیین مصارف خارجیة تکون مراسلة له و بالعکس یعنی أن یکون هو مراسلا لها.و هذا أمر مربوط بالمصرف.و أما أهمیته الفقهیة فهی تنتج عن التنفیذ و التطبیق للاعتمادات المستندیة للاستیراد و نحو ذلک مما یستفاد من المراسلة فی المصارف.و کل ذلک تحدثنا عنه.

الأمر السابع عشر:شراء و بیع و تحصیل و تأدیة الأقیام لأیة ورقة مالیة.

و التحصیل عندهم هو الأخذ و التأدیة هو الإعطاء.و الأخذ یکون مع البیع و التأدیة تکون مع الشراء.و قد تکون لها موارد أخری.و کل ما فی هذه الفقرة سبق الحدیث عنه.

إلاّ أن النقطة الرئیسیة فی هذه الفقرة هو الترکیز علی أن المصرف یقوم بهذه الأمور بدلا أو نیابة عن المصارف و المؤسسات الخارجیة،و یأخذ علی ذلک فروق البیع و الأجور.

و لم یبق من الناحیة الفقهیة بعد تغطیة ما سبق إلا إمکان توکل المصرف عن المصارف الأخری فی إنجاز هذه المعاملات.و هو ما یمکن أن تعرفه من الأمر السادس عشر السابق.

الأمر الثامن عشر:التعامل بالعملات الأجنبیة.و هو من الناحیة الفقهیة لا یختلف عن التعامل بالعملات الداخلیة.و قد سبق أن تکلمنا عن النقود فی فصل سابق تحدثنا فیه عن المال.

و أما کون الطرف الآخر هو فرد أو مؤسسة أو مصرف عربی أو أجنبی أو دولی فهو مما یعرف حکمه مما قلناه فی الأمر السادس عشر.

الأمر التاسع عشر:المساهمة فی القروض المصرفیة العربیة و الدولیة.

و من الناحیة الفقهیة یشملها حکم أی قرض مما عرفناه.و أما من ناحیة کون الطرف الآخر مصرف عربی أو دولی،فیشمله ما أشرنا إلیه فی الأمر السادس عشر کما قلنا فی الأمر السابق.

الأمر العشرون:المساهمة فی المصارف العربیة و الإقلیمیة.یعنی برأس المال.و له أن یؤسس أو یساهم بشرکات صیرفیة خارج العراق.یعنی- أین کان محلها و بأی عنوان کان اسمها.

و هذا أمر لا یزید من الناحیة الفقهیة علی تأسیس المصرف نفسه.فإن تأسیس هذا المصرف أو ذاک أو المساهمة فی رأس مال مصرف معین أو شرکة صیرفیة.له نفس الحکم الفقهی.و قد سبق الحدیث عنه فی الأمر

السادس عشر من هذه الأمور و فی الفصل و عقدنا له فصلا کاملا تحدثنا فیه عن الشخصیة المعنویة فراجع.

و أما الفقرة الحادیة و العشرین من هذه القائمة.فلم تعط تحدیدا لعمل معین یقوم به المصرف و إنما تتحدث إجمالا عن الأعمال التی یقوم بها المصرف،و من هنا لا ینبغی إلا القول الإجمالی،بأن لکل عمل من الأعمال حکمه الفقهی لا محالة،سواء سبق أن عرفناه أم لم نعرفه.

و بمرورنا علی هذه القائمة یتبرهن علی أننا تحدثنا عن کل أعمال المصرف الرئیسیة،و حاولنا أن نعطی لکل منها تکییفه الفقهی و حکمه الشرعی.و خاصة بعد ضم ما قلناه فی الفصلین السابقین علی هذا الفصل من الکتاب،یکون الحدیث عن المصارف تاما و الحمد للّه رب العالمین.

و أما الحدیث أکثر من هذا المقدار عن المصارف فهو و إن کان قد یحتاجه المجتمع،إلا أنه یحتاج إلی کتاب مستقل،و هو خارج عن خطة هذا الکتاب.

کتاب الحجر

تمهید

الحجر هو المنع و یضاهی الحظر غیر أن الاصطلاح الفقهی جاز علی أن الحظر فی الأفعال و الحجر فی الأموال.و یراد بالمنع:المنع الشرعی بالخصوص.

و من هنا کان الحظر فی الأفعال یعطی معنی الحرمة،فإن الفعل إنما یکون محظورا و ممنوعا إذا کان حراما.فی حین أن الحجر فی الأموال یعطی عدم نفوذ المعاملة علی المال من قبل المتعامل المحجور علیه ما دام الحجر موجودا.و إلاّ فالتصرفات الخارجیة غیر المتلفة بل و المتلفة أحیانا،باختلاف الموارد،قد لا تکون حراما فی الحجر.

و بالطبع فإن موارد الحجر فی الشریعة کثیرة.و المهم أنهم یقصدون بالحجر،صورة وجود المقتضی مع وجود المانع عن التصرف لا صورة عدم وجود المقتضی أصلا.

و یتضح ذلک بالالتفات إلی أن هذا الأمر یمکن تقسیمه إلی ثلاثة أقسام یکون واحد منها هو الحجر.

القسم الأول:وجود المقتضی للتصرف کالملکیة،مع عدم المانع عنها و هو الحجر،کما لو باع الفرد شیئا یملکه.

القسم الثانی:عدم وجود المقتضی للتصرف أصلا.إما لسقوط المال عن المالیة کحبة الحنطة و الخمر و الخنزیر.فهذا من أصله لا یجوز بیعه لا لوجود المانع،فلا یجوز حتی فی صورة الاختیار.

القسم الثالث:وجود المقتضی کالملکیة،مع وجود المانع،و هو الحجر.فقد یملک الفرد شیئا أو ثروة و لکنه ممنوع من التصرف فیها.و هذا هو المسمی بالحجر و مؤداه أنه لولا هذا المنع لأصبح له حق التصرف کغیره من الناس.

و الحجر،و إن خصه الفقهاء عادة ما یذکرونه فی کتاب الحجر،بینما یذکرون الأسباب الأخری فی کتب منفصلة.إلاّ أننا وجدنا أن الفکرة الفقهیة، و هی المنع من التصرف واحدة فی کل الأحوال الآتیة،یعنی تحقق الحجر.

و لیس الحجر خاصا بصفة خاصة هی الجنون أو الفلس.و من هنا جعلنا العنوان عاما لعدد من الموارد.

و یمکن تقسیم الحجر،بأن المنع من التصرف قد یکون لمانع فی العین أی المال الذی یراد إیجاد المعاملة علیه.و قد یکون لمانع موجود فی المالک.

و المانع المتحقق فی المال علی قسمین اما أن یکون ممکن الارتفاع کالرهن و إما غیر ممکن الارتفاع کالوقف.

و المانع المتحقق فی المالک،اما لصفة اقتصادیة کالمفلس و إما لصفة صحیة کالمریض فی مرض الموت و إما لصفة عقلیة کالمجنون و السفیه و إما لصفة اجتماعیة کالرق و هو العبد المملوک.و إما باعتبار عمره و هو الصغیر القاصر.

فإذا ضممنا أسباب الحجر هذه إلی بعضها کانت سبعة و هی الأسباب الرئیسیة فقهیا،و إن کان قد یوجد غیرها فی موارد مخصوصة لا حاجة إلی التعرض إلیها.

و نحن بعد استثناء صفة العمر التی سبق أن تکلمنا عنها فی فصل عقدناه عن(التکلیف)نؤکد کل سبب من هذه الأسباب فی فصل مستقل، بنفس الترتیب الذی سمعناه الآن.

فصل الرهن

اشارة

یعطی الرهن فی اللغة عدة إفادات:

الأول:إلزامه به و حبسه علیه،و منه قوله تعالی کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَةٌ و قوله عز و جل کُلُّ امْرِئٍ بِما کَسَبَ رَهِینٌ ،أی محتبس بعمله.

الثانی:الکفالة.و منه قوله:(رهن لها بالرّی غیر الکاذب).و قوله:

(إن کفی لک رهن بالرضا)أی أنا کفیل لک.

الثالث:الإقامة و الإدانة.قال الشاعر:

الخبز و اللحم لهم راهن و قهوة راووقها ساکب

أی دائم و مقیم.

و منه رهن الشیء رهنا:دام و نبت و راهنه فی البیت دائمة و ثابتة.و أرهن له الشر أدامه و أثبته له حتی کف عنه.و أرهن لهم مالهم:أدانه لهم.

و أری أن هذا المعنی یعود إلی المعنی الأول،لأن الشیء المحتبس.

علی شیء آخر دائم له عادة و مقیم علیه.

و الراهن الثابت و أرهنه للموت أسلمه.و إنه لرهین قبر و بلی و أرهن المیت قبرا:ضمنه إیاه.و کلها تعود إلی نفس المعنی العام،غیر الکفالة:

و منه الزمان الراهن أی الثابت و الحاضر.

بل یمکن إرجاع معنی الکفالة إلیه،علی معنی أنها إن حصلت کانت مستمرة و لازمة و ثابتة،کما أنه یمکن أن یقال:إن معنی الکفالة من استنتاج

اللغویین و لیس منصوصا فی النصوص الأولی.و ما نقلوه علیه من الشواهد، یمکن إرجاعه إلی المعنی الآخر.

و أما المعنی المعاملی للرهن فیمکن أن یکون معنی مستقلا فی نفسه، و قد کان مستعملا فی العصور العربیة الأولی.فلا حاجة إلی إعادته إلی بعض المعانی اللغویة التی سمعناها للمادة.و هذا هو ظاهر کلام اللغویین أیضا.بل اعتبروا المعنی المعاملی هو المعنی الرئیسی و الأهم للرهن.

إلی جانب ذلک،یمکن إرجاع المعنی المعاملی إلی بعض المعانی السابقة.کالحبس فإن العین المرهونة محبوسة علی معنی معین بطبیعة الحال.و کالکفالة.فإن العین المرهونة تکون کفیلة بأداء الدین حین یعجز أو یرفض المدین.و کالدوام و الثبوت،فإن الرهن عادة یدوم بدوام الدین.

و إرجاعه إلی هذه المعانی لا یعنی کونه مجازا فی معناه المعاملی بل إما أن یکون موضوعا له باستقلاله،کما هو ظاهر اللغة أو قد زالت الکلفة المجازیة حتی أصبح استعماله حقیقیا منذ زمن بعید.

و علی أی حال،فالمعنی الفقهی لمعاملة الرهن یفید الاستیثاق،یعنی جعل الوثیقة علی الدین.و هی ما تفید الدائن الوثوق النفسی بوفاء الدین فی موعده حتی لو عجز أو رفض المدین أداء الدین.

و معنی الرهن منفصل عن معنی الدین.فالدین هو المال الذی تشتغل به الذمة،سواء کانت علیه وثیقة أم لم تکن.و من هنا قد یکون الرهن معاصرا زمانا مع الدین.کما لو أخذ الدائن رهنا فی الوقت نفسه.و قد یکون منفصلا عنه زمانا.کما لو أخذ الدائن علی دین سابق لم یحن موعده.سواء کان سببه القرض أو البیع أو أیة معاملة أخری.

و الرهن فی الفقه قد یکون بمعنی الوثیقة المدفوعة لکفالة الدین.و قد یکون بمعنی المعاملة أو العقد الذی یجعل العین رهنا أو وثیقة.و الراهن هو المدین و هو المالک للعین المرهونة و المرتهن هو الدائن و هو الذی له حق الارتهان فی العین المرهونة.

و المهم فی الدین هو أن یکون فی الذمة.فلا یؤخذ الرهن علی ما هو فی الخارج کالعاریة و الودیعة.و لا یفرق ما فی الذمة بین أن یکون نقدا أو غیره،و بتعبیر فقهی لا یفرق بین أن یکون مثلیا أو قیمیا.فمن کان دائنا بقطیع غنم مثلا أو بطن من الحنطة مثلا أمکن له أخذ الرهن.

و من هنا أمکن فی بیع السلف،و هو ما تم فیه دفع الثمن مع تأجیل العروض.أمکن أخذ الرهن علی العروض المؤجل.کما أمکن فی بیع النسیئة،و هو ما تم فیه دفع العروض مع تأجیل الثمن.أمکن أخذ الرهن علی الثمن.غیر أن الرهن التقلیدی فقهیا یؤخذ علی القرض.و هو أمر غیر متعین بخصوصه نظریا و إنما هو مجرد مثال و سیأتی إیضاح ذلک فی العناوین التالیة،مع الإلماع إلی المجال النظری الذی یمکن استنتاجه منه.

الرهن معاملة مستقلة

قد یطرح السؤال عما إذا کانت معاملة الرهن معاملة مستقلة،أو أنها إنما تکون فی ضمن غیرها من العقود.

و أثر ذلک أنها إذا لم تکن مستقلة،و أرید جعل الرهن علی القرض مثلا کان اللازم اشتراطه فی عقد القرض.و لو أرید جعل الرهن علی السلف أو النسبة کان اللازم جعله فی عقد البیع و هکذا.

و إذا غفل المتعاملون عن ذلک خلال هذه المعاملات،لم یکن تلافیه بعد ذلک استقلالا.

و أما إذا کان الرهن معاملة مستقلة،أمکن جعل تلک المعاملات التی مثّلنا بها خالیة من الرهن عمدا أو سهوا،ثم یعتمدان عقد الرهن علی ما یشاءان من الأموال فی زمن متأخر.کما لو قال:رهنتک داری علی الدین الذی فی ذمتی من القرض أو من السلف أو غیره باختلاف الموارد.

و لا یعنی استقلالیة المعاملة انفصالها عن المعاملة الأصلیة،بل یمکن جعل الرهن فی نفس معاملة القرض.و عندئذ تکون من قبیل إیجاد معاملتین بعقد واحد.

کما لا یعنی عدم استقلالیتها عدم إمکان انفصالها،عن المعاملة الأصلیة.غیر أنها لو انفصلت کان اللازم إدخالها ضمن معاملة أخری کالبیع و الإیجاز و غیرها لیکون الرهن لازما.

و من آثار الاستقلالیة و عدمها أنها إذا لم تکن هناک معاملة أصلیة موجبة للدین أصلا،بل کان الدین حاصلا من الإتلاف بغصب أو بتعدٍ و تفریط أو نحوه،و أرید أخذ الرهن علیه.عندئذ یمکن أخذه بمعاملة مستقلة لو کان مستقلا.و فی ضمن معاملة لازمة لو لم یکن کذلک.

و من هنا یمکن أن نلتفت إلی أن فکرة الرهن مربوطة بالدین الذی تشتغل به الذمة،و لا معنی له بدونها،و لکنه غیر مربوط بمعاملة سابقه أو أصلیة،فیمکن أخذ الرهن علی الدین سواء کان ناشئا من معاملة سابقه أو أصلیة حالیة أو لم تکن أصلا،بل کان الدین ناتجا بأسباب أخری.

و علی أی حال فظاهر الفقهاء و الأخبار الصحیحة کون الرهن معاملة مستقلة.و دلیل ذلک موکول إلی الفقه.

و هی من المعاملات التی تکفی فی بیانها و إبرازها المعاطاة.فإذا دفع شیئا علی أنه رهن شمله أحکام الرهن لا محالة.

الحجر فی الرهن

بالرغم من أن العین المرهونة ملک للراهن(المدین)فإنه لا یستطیع أن یتصرف بها تصرفا معاملیا إلاّ بإجازة المرتهن.حتی المعاملات التی لا تخرجها عن ملکیته کالعاریة و الودیعة فضلا عما یخرجه کالبیع و الهبة.

و الحکمة فی ذلک واضحة،و هو بقاء الاستیثاق من الدین إلی غایة أجله.إلاّ أن یقبل المرتهن الدائن بعدم الاستیثاق.بل الأمر أکثر من ذلک، إذ المفروض أن تبقی العین تحت إشرافه و تصرفه بحیث لا یمنع عنها لو أراد استیفاء دینه منها فی المستقبل.فإذا دفعها الرهن بإجارة أو عاریة أو نحوها، مما لا یخرج العین عن الملکیة،لم ینفذ منها ما ینافی حق المرتهن الذی یفترض کونه أسبق زمانا بطبیعة الحال.

حق الرهانة

حق الرهانة الذی یحصل بمعاملة الرهن،هو حق متحقق إلی جانب الدائن المرتهن.و من هنا کان له إسقاطه،کما أنه مخول بالإجازة و عدمها فیما یعمله المالک الراهن من تصرف فی العین المرهونة،کما عرفنا.و إن لم یکن للمرتهن حق التصرف ابتداء لأن العین لیست ملکه علی أی حال.فإن باعها مثلا کان فضولیا،فلا ینفذ إلاّ بإذن المالک لوجود حق الملکیة له.

و حق الرهن من جانب الراهن المدین(واجب).فإن طبیعة الحق یقابله الواجب.و هو من یکون فی ذمة من یجب علیه تطبیق ذلک الحق و احترامه.

و من یجب علیه تطبیق حق الرهانة أولا و أصلا،انما هو الراهن.و إن کانت الحقوق عموما موجودة فی ذمة المجتمع ککل،یحترمها کل فرد من زاویته مع علمه بها.

التصرف فی العین المرهونة

و هذا التصرف،و أعنی به التصرف غیر المعاملی،کسکنی الدار و زرع الأرض و رکوب الدابة أو السیارة المرهونة.هذا التصرف قد یکون من الراهن و قد یکون من المرتهن.و لا بد فقهیا من النظر فی جوازه من أی منهما.

أما تصرف الراهن بصفته مالکا،فلا إشکال فیه بما لا ینافی حق المرتهن.

و مثال منافاته لحقه کون التصرف موجبا لإنقاص قیمة العین علی الدین.أو إذا طلب المرتهن العین لتکون تحت یده لا تحت ید الراهن،و من حقه ذلک،لم یجز للراهن حجبها عنه.

و أما تصرف المرتهن فی العین المرهونة.فبالأساس فیه إشکالان رئیسیان:

الإشکال الأول:أن المرتهن غیر مالک،فإذا أراد أن یتصرف یجب علیه أن یأخذ الإذن من المالک.و لا تکفی معاملة الرهن لذلک،إلاّ بتصرف

واحد و هو بیعها عند التعذر.و هو تصرف مفروض فی نفس المعاملة و أما غیره فلا.و کذلک لا یکفی جعل العین تحت یده للإذن بذلک أو للحکم بجوازه شرعا.إذ لا ملازمة بین الأمرین.

الإشکال الثانی:إن تصرف المرتهن یحتوی علی شکل من أشکال الربا.لأنه سوف یستوفی الدین کاملا،کما هو المفروض،من العین أو من خارجها.یضاف إلیه المنافع التی استوفاها من العین خلال ذلک و التی لها قیمتها السوقیة بطبیعة الحال.و لذا تکون مضمونة علی من استوفاها غصبا.

إذن،فهذه المنافع تکون مقبوضة للدائن أکثر من دینه،و هو معنی کونه شکلا من أشکال الربا.

إلاّ أن هذا الإشکال إنما یتسجل فیما لو کان التصرف مشترطا فی عقد الرهن و لو ضمنا.و أما لو لم یکن کذلک،کان هذا الإشکال مندفعا لوضوح أن دفع الزیادة علی الدین اختیارا و بدون اشتراط لیس من الربا بل هو مستحب فی أکثر الأحیان.

إلاّ أن کلا الإشکالین و إن کانا واردین نظریا إلاّ أنهما من الناحیة العملیة،لا أثر لهما،لأن إذن المالک یمکن تحصیله بالاستئذان منه.نعم لو لم یأذن،کانت حرمة التصرف متحققة.

کما أن الإشکال الثانی غیر وارد لوجود النصوص الصحیحة الصریحة بجواز الانتفاع بالعین المرهونة من قبل المرتهن.

منها:صحیحة إسحاق بن عمار (1)

-الوسائل:کتاب الرهن باب 8 حدیث 1. [1]

قال:سألت أبا إبراهیم علیه السلام عن الرجل یرهن العبد أو الثوب أو الحلی أو متاع البیت،فیقول:صاحب

1) 1)

المتاع للمرتهن.أنت فی حل من لبس هذا الثوب فالبس الثوب و انتفع بالمتاع و استخدم الخادم.قال هو له حلال إذا أحله.و ما أحب أن یفعل.

الحدیث.

و هی دالة علی عدة أمور:

الأمر الأول:اختصاص جواز تصرف المرتهن بالإذن.فلو لم یأذن المالک لم یجز التصرف.و قد ذکرنا أن هذا علی القاعدة أیضا لکونه مالکا.

الأمر الثانی:ان هذا حاصل بعد معاملة الرهن،لأنه قال:یرهن العبد أو الثوب.فیقول:و الفاء للترتیب.و هو واضح بأن هذا القول خارج المعاملة.و الجواز عندئذ واضح.و أما مع الاشتراط فی المعاملة فالروایة غیر متعرضة لحکمه.

الأمر الثالث:ان التصرف و إن کان جائزا إلاّ أنه مرجوح أو مکروه لأنه قال:و ما أحب أن یفعل.و الحکمة فیه کون الدائن یستفید أکثر من حقه من استیفاء الدین.و هو یشبه فکرة الربا أخلاقیا علی الأقل.

و أما فی صورة اشتراط التصرف فی ضمن المعاملة،فیبقی تحت الحرمة،لأنه من الربا.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی بترکه.

هذا فی المالیة الضمنیة التی قد لا تکون ملحوظة عرفا،و الناتجة من التصرف.و أما الریع الفعلی کحاصل الأرض المرهونة،فهو شرعا للمالک الراهن،و لا یجوز اشتراطه للمرتهن و إلاّ کان ربا فعلیا محرما.نعم التبرع به إلی المرتهن،أو قل:تصرف المرتهن به بإذن الراهن المالک جائز شرعا.

ففی صحیحة إسحاق بن عمار (1)

المصدر:باب 15 حدیث 3. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام(فی حدیث):أنه سأله عن رجل ارتهن دارا لها غلة.لمن الغلة.قال:لصاحب الدار

1) 1)

یعنی:أنها للمالک الراهن المدیون،و لیس للمرتهن الدائن.و هو أمر مطابق للقاعدة،من حیث أن الفرع مملوک لصاحب الأصل و الربح مملوک لصاحب رأس المال.فإن أخذ المرتهن منه شیئا أمکن احتسابه من الدین نفسه،کما وردت بذلک نصوص أخری.و هو علی القاعدة بصفته مالا مدفوعا من المدین،لا بقصد الهبة و التبرع.

فإن أخذها المرتهن بالإذن أو بدونه فإن کان قبل موعد الدین اشتغلت ذمته به،و عند حصول الموعد،أمکن التهاتر بین الدینین و(یرجع بالفضل) کما ورد فی عدد من الروایات.یعنی تکون الزیادة لصاحبها.

و إن کان أخذ المرتهن الریع بعد الموعد أمکنه احتسابه من الدین بإذن صاحبه لا بدونه.لأن للمالک حق تعیین الوفاء بأی مال یشاء و لیس ذلک من حق الدائن.فإن أخذه بدون إذنه اشتغلت ذمته به،و فعل حراما،و أمکن حصول التهاتر بین الذمتین.

الرهن أخلاقیا

ینشأ الاتجاه إلی الرهن من قبل الدائن بسبب عدم الثقة بأداء دینه،إما لاحتمال افتقار المدیون و عجزه عن الأداء،و إما لاحتمال إنکاره له و سرقته إیاه لو صح التعبیر.

و أما مع الوثوق و الاطمئنان من کلا الجانبین،فإنه لا یحصل أی اتجاه إلی الرهن أو رغبة فیه.إلاّ أن یکون الدائن محتاطا علی ماله حتی بالاحتمالات الضعیفة جدا.

بل إن عدم الاحتمال الثانی یعنی الوثوق بشخص المدیون یکفی غالبا عن الاحتمال الأول.إذ لو کان له الوثوق الکافی لحاول دفع الدین بکل صورة أو مهما أمکنه.

بل ان الاتجاه إلی الرهن مطلقا،یعنی سواء لدفع الاحتمالات المهمة أو الضعیفة،إنما هو ناشئ أخلاقیا من حب الدنیا و الحرص علی المال،

و هو أمر مرجوح أخلاقیا إذ لو لم یکن الدائن کذلک لأمکن صبره علی المدین حتی مع عجزه بل لأمکن إبراء ذمته منه و هبته له،قلّ الدین أو کثر.

و هنا ینبغی التحدث فی بعض الأمور:

الأمر الأول:أشیر فی القرآن الکریم إلی تسبب الشک بالمدیون و عدم الوثوق به أو بماله للرغبة بالرهن.قال سبحانه وَ إِنْ کُنْتُمْ عَلی سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا کاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ.فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُکُمْ بَعْضاً فَلْیُؤَدِّ الَّذِی اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْیَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ 283/2.

و هذا یعنی:

أولا:ان الاستیثاق من الدین یکون بأحد أسلوبین:

أولهما:کتابة الدین و الإشهاد علیه.کما هو مشروح بالآیة السابقة علی هذه الآیة و هی أطول آیات القرآن الکریم.

ثانیهما:الارتهان علی الدین.

و الآیة و إن کانت دالة علی أنه إنما یصار إلی الأسلوب الثانی بعد تعند الأول،إلاّ أن هذا لا یحتمل فقهیا أن یکون حکما إلزامیا لو صح التعبیر.

فللدائن أن یختار أحد الأسلوبین بدون حرج.نعم،هو طریق أخلاقی.لأن الأسلوب الأول یرجع إلی الوثاقة بالمدین،و بالشهود،و هو أولی أخلاقیا من أخذ الرهن مع الشک بالآخرین من المؤمنین.

ثانیا:ان کلا الأسلوبین یمکن الاستغناء عنهما مع وجود الاستیثاق و تحقق الثقة بین المتعاملین.و هو قوله تعالی فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُکُمْ بَعْضاً یعنی وثق به و اطمأن إلیه.و قوله فَلْیُؤَدِّ الَّذِی اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ یعنی بدون رهن مع حصول الثقة.و الأمانة أعم مما فی الذمة و ما فی الخارج.

و یجب علی المدین دفع أمانته-و إلاّ کان خلاف تقوی اللّه تبارک و تعالی.و لذا قال سبحانه وَ لْیَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ یعنی یدفع الأمانة أو الدین و عدم غمطها علی صاحبها.

الأمر الثانی:و هنا الالتفات إلی شرح السنة الشریفة لهذا الأمر الأخلاقی.

ففی مرسلة مروک بن عبید (1)

الوسائل کتاب الرهن:باب 2 حدیث 1. [1]

عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:من کان الرهن عنده أوثق من أخیه المسلم فاللّه منه بریء.أقول و تؤیدها سندا الروایة الآتیة.

فالأهم هو الوثوق بالمسلم أو المؤمن،مع الاستغناء عن الرهن.بل حتی لو أخذ الدائن الرهن،فلیکن وثوقه بالمدیون أکثر من وثوقه بالرهان.

لأن احتمالات تلفه و عدم إمکان استیفاء الدین منه موجودة أیضا.و لا شک أن الوثاقة الشخصیة للمؤمن أعظم عند اللّه من کل الاحتمالات.

الأمر الثالث:مع التنزل عن هذا الحکم الأخلاقی،و الالتفات إلی السوق بشکل کامل فإن أخذ الرهن جائز علی أی حال.

و به وردت روایة علی بن سالم (2)عن أبیه قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن الخبر الذی روی:ان من کان بالرهن أوثق منه بأخیه المؤمن فأنا منه بریء.قال:ذلک إذا ظهر الحق و قام قائمنا أهل البیت.

و هذا یعنی أن أخذ الرهن قبل قیام القائم جائز،و ذلک فی أیامنا هذه.

نعم قد یصبح غیر جائز بعد یومئذ و هو خارج من تکلیفنا الشرعی المعاصر.

نعم،یبقی الحکم مرجوحا أخلاقیا بلا إشکال،و منوطا بالدرجات المتکاملة من الإیمان و التقوی.

و ینبغی الإلماع إلی أن الروایة الأخیرة قالت:فأنا منه بریء.و التی قبلها قالت:فاللّه منه بریء.و هذا یعنی أن إحدی الروایتین قد نقلت بالمضمون لا بالدقة،و هذا لیس به بأس شرعا.

و کلتا الروایتین ضعیفة السند،إلاّ أن ما قلناه مطابق للقاعدة،سواء ما


1) 1)

2) 2) المصدر:حدیث 2. [2]

قلناه علی المستوی السوقی أو علی المستوی الأخلاقی.

الأمر الرابع:أنه یمکن الاستیثاق من الدین أیا کان سببه بأحد طرق یکون الارتهان واحدا منها و لیس هو الطریق المنحصر:

الأول:أخذ الرهن علی الدین.

الثانی:کتابة الدین و الإشهاد علیه کما علمنا القرآن الکریم.و قد سمعناه.

الثالث:ضمان الدین.بحیث ینتقل إلی ذمة الضامن کما سوف یأتی الرابع:کفالة الدین الدین:بحیث لا ینتقل إلی ذمة الکفیل.بل یتعهد الکفیل بالدفع علی تقدیر عدم دفع المدین،اما بتعهد ابتدائی أو قل:

بمعاملة مستقلة.و إما ضمن معاملة لازمة أخری و یمکن تعدد الکفلاء و زیادة الوثوق بذلک.

الخامس:أخذ بعض الأموال أو العروض من المدیون لا بعنوان الرهن بل بعنوان العاریة أو الودیعة.فإن لم یؤد المدین دینه فی وقته المحدد،کان للدائن الاستیفاء من هذه العین بإذن مالکها و ان أبی کفی إذن الحاکم الشرعی.

و کلما کانت قیمة العین المرهونة أو المودعة أکثر کان الاستیثاق من الدین أکثر.تحسّبا من قیمة السوق عند موعد الاستیفاء أو تلف بعض العین خلال المدة.

و لا أقل أن تکون قیمة العین المرهونة بمقدار الدین.و أما إذا کانت قیمتها أقل من الدین،فهذا راجع إلی أن بعض الدین لا رهن علیه برضاء الدائن.و هذا لا ضیر فیه فقهیا.و ان کان رجوع المعاملة إلی ارتهان کل العین بإزاء کل الدین،بدون لحاظ التجزئة و التبعیض.

فصل الوقف

اشارة

الوقوف فی اللغة:خلاف الجلوس یقال:وقف بالمکان وقوفا فهو واقف.

و بحسب فهمی،فإن الوقوف له جهتان أو لحاظان:

أحدهما:أن یکون خلاف الجلوس کما ذکرنا و ذکر اللغویون.

ثانیهما:أن یکون خلاف المشی و الحرکة.فالواقف هو غیر الماشی و المنتقل من مکان إلی مکان.و هذا واضح و إن لم یشر إلیه اللغویون.

و هذا الثانی هو الذی أصبح منشأ لعدد من المعانی التی أشیر إلیها فی اللغة.

منها:التوقیف فی اللغة و فی الشریعة یعنی حبسها عن التغیر بالآراء.

و منها:الواقف خادم البیعة لأنه وقف نفسه علی خدمتها.علی معنی أنه لا یتجاوزها إلی غیرها.

و منها:وقوف الحاج بالمواقف یعنی ثبوته فیها و عدم تجاوزها.

و منها:أن الوقّاف الذی لا یستعجل فی الأمور.و هو فعال من الوقوف و مناسبته مع عدم التحرک واضحة.

و منها:وقفت علی الشیء أی عرفته أو علمت بخبره.علی معنی أن الذهن اقتصر علی التفکیر به و لم یتعده إلی غیره.أو علی معنی أن من یصل

إلی الشیء و یقف علیه و لا یتجاوزه،فإنه یعرفه لا محالة.

و کذلک:الوقاف هو المحجم عن القتال کأنه یقف نفسه عنها و یعوقها.

و علی هذا المعنی نفهم قوله تعالی وَ لَوْ تَری إِذْ وُقِفُوا عَلَی النّارِ یعنی:جعلوا ثابتین فیها أو أمامها لا یتجاوزونها إلی غیرها أو إلی النجاة منها.

بل ان هذا المعنی للوقوف،أعنی مقابل المشی و التحرک هو المتعین.

و أما ما یقابل الجلوس فهو القیام.و ان کان قد یستعمل أحدهما فی محل الآخر أحیانا.

و الوقف المعاملی،معنی لغوی و فقهی،أشار إلیه اللغویون حیث قالوا:وقف الأرض علی المساکین.و فی الصحاح:للمساکین وقفا:حبسها.

و وقف الدابة و الأرض و کل شیء.فأما أوقف فی جمیع ما تقدم من الدواب و الأرضین و غیرهما فهی لغة ردیئة.

و الملحوظ فی هذا الوقف نفس المعنی المشار إلیه،علی معنی منع العیر کالموقوفة عن التحرک.یعنی التحرک المعاملی و الانتقال بالملکیة بین الناس حتی بالإرث أحیانا.

و مما سمعنا من الاشتقاق یکون المالک الموجه لمعاملة الوقف واقفا و لا یقال:موقف.لأن فعله ثلاثی و لیس رباعیا إلاّ علی لغة ردیئة کما سمعنا.

و تکون المعاملة نفسها وقفا،کما أن العین تسمّی وقفا أحیانا.و لا شک أن أصله مجاز من استعمال اسم المصدر فی الذات.

و لکن استعماله کثیر بحیث لا یبعد تحوله إلی الحقیقة.و الأولی کون العین موقوفة.أی منفعلة بالوقف.

و یکون للوقف طرف آخر لا محالة هو المستفید من ریع العین الموقوفة.إذ بدونه لا معنی للوقف بل لا یصح علی الأقرب.و هذا هو

الموقوف علیه أو الموقوف له.و إن مشی الفقهاء علی استعمال:الموقوف علیه.

و الموقوف علیه قد یکون معنی نوعیا،کالفقراء أو العلماء أو أهل مدینة معینة کالبصریین أو النجفیین أو ذرّیة قبیلة معینة کبنی تمیم أو الهاشمیین أو غیر ذلک.

و قد یکون الموقوف علیه شخصیا کواحد معین بالاسم.أو هو و ذریته مهما تناسلوا.

و الفرق بین هذا المعنی و سابقه:ان الموقوف علیه فی المعنی الأخیر یکون موجودا عند الوقف و ذریته بعضها حاضرة و بعضها مستقبلة.و المعنی السابق أن الأب الأعلی یکون ماضیا،و الذریة حالیة و مستقبلیة،کالهاشمیین و فی مثله لا یکون الوقف علی الجد بل علی الذریة.

الوقف عقد أو إیقاع

شرحنا معنی العقد و الإیقاع فی هذا الکتاب مرارا.و المهم الآن هو التساؤل عن کون الوقف عقدا أو إیقاعا.

فقد یقال إنه عقد دائما و قد یقال:إنه إیقاع فی الوقف العام و عقد فی الوقف الخاص کما هو المشهور و قد یقال:إنه إیقاع دائما.

و تقریب الرأی الأول ینطلق من کون الوقف ذو طرفین لا محالة،و هما الواقف و الموقوف علیه،و کلما کانت المعاملة ذات طرفین کانت عقدا.کما أنه کلما کانت ذات طرف واحد کانت إیقاعا.

و من هنا أفتی (1)

و قد تکون هذه الفتوی بعنوان الاحتیاط أو الأخذ بالمشهور لمن یراه حجة.

قسم من الفقهاء بکونه عقدا أی بلزوم(القبول)من قبل الموقوف علیه.فإن کان الوقف خاصا لزم قبول الموقوف علیه.و ان کان

1) 1)

الوقف عاما لزم قبول الحاکم الشرعی الذی هو ولی الجهة الموقوف علیها کالفقراء أو المحتاجین أو غیرهم.

إلاّ أن هذا التقریب غیر تام،لأن العقد لیس هو کل معاملة ذات طرفین مطلقا،بل کل معاملة ذات طرفین و یلزم أخذ رضاهما معا.فمثلا:أن العتق ذو طرفین هما:المالک و العبد أو العتق و المعتق.و مع ذلک فهو إیقاع لأن اللازم هو رضاء المالک بالعتق دون العبد.

فإذا تم الدلیل فی الوقف بالاکتفاء برضاء الواقف دون غیره،علی ما سیأتی.لم یکن لزوم لأخذ القبول من قبل الموقوف علیه،إذا کان عاما أو سواء کان عاما أو خاصا کما سیأتی.

و أما تقریب الرأی القائل بکون الوقف إیقاع مطلقا أو دائما فانطلاقا من مرحلتین من التفکیر:

المرحلة الأولی:عدم وجود الإشارة فی کل أخبار الوقف علی الإطلاق إلی وجود القبول.و إنما هی واضحة فی الاقتصار علی الإیجاب،الذی هو إنشاء الوقف و اعتباره.

لا یختلف فی ذلک الوقف العام عن الخاص.فإن کل ذلک مما ورد فی الروایات المستفیضة و عدد منها معتبر سندا،و لا أثر للزوم القبول فیها.و کل معاملة لا قبول فیها فهی إیقاع.

المرحلة الثانیة:أنه إذا نوقش عن دلالة الروایات علی انعقاد الوقف بالإیجاب وحده،و لو من باب القول:بأن إهمال ذکر القبول باعتبار وضوحه:

و إن کان هذا التقریب مجازفة باطلة.إلاّ أنها لو تمت احتجنا معها إلی الدلیل علی عدم لزوم القبول،من حیث قد لا یکفی عدم الدلیل علی لزومه.

و الدلیل علی عدمه عدة أمور یکفینا منها:أصالة عدم الاشتراط التی تنقح موضوع تمامیة المعاملة(أعنی السبب)بمجرد الإیجاب.و إذا تم السبب ترتب علیه المسبب و هو الوقف.و لا یعارضه أصل عدم ترتب الأثر لکونه متأخرا رتبة.و بقیة الکلام عن ذلک موکول إلی الفقه.

و أما تقریب الرأی القائل بالتفصیل بمعنی الحاجة إلی القبول فی الوقت الخاص دون العام.

فهو ان الوقف العام یبقی علی القاعدة التی عرفناها قبل قلیل من عدم الحاجة إلی القبول.و إنما یکون هذا الفقیه القائل بالتفصیل محتاجا إلی الاستدلال علی لزومه فی الوقف الخاص.

و یمکن بیانه بعدة وجوه نذکر بعضها:

الوجه الأول:ان احتیاج الوقف الخاص إلی القبول هو المشهور، و الشهرة حجة.إذن،فالحاجة إلی القبول ثابتة.

إلاّ أن وجود هذه الشهرة محل تأمل،و خاصة مع إمکان استفادة عدم الحاجة إلی القبول من نفس الروایات.إذ لو کان ذلک معتبرا لورد و لو فی خبر ضعیف و لم یرد.

الوجه الثانی:قیاس الوقف الخاص،بالمعاملات الاعتباریة ذات الطرفین کالبیع و الإجارة و الهبة و غیرها،و هی مما یعتبر فیها القبول بلا إشکال.إذن فالوقف مثلها.

إلاّ أن هذا إن أرید إخراجه من حیز القیاس الذی لا نقول به.فإنما یدعی استفادته من أدلّة تلک المعاملات.بعد التجرید عن خصوصیاتها الخاصة.فیکون القبول مشروطا فی کل معاملة ذات طرفین إلاّ و ما خرج بدلیل.

و جوابه:أنه بعد إمکان القول بأن الوقف قد خرج بالدلیل بعد ما استعدناه من الروایات من عدم الحاجة إلی القبول.

یضاف إلی ذلک:ان هذا التجرید عن الخصوصیة غیر عرفی،لأن احتمالها قائم عرفا بلا إشکال.و محاولة استفادة القاعدة العامة لکل معاملة ذات طرفین،عهدتها علی نوعیها،فلا یوجد فی مقابل أصالة عدم اشتراط القبول أی دلیل معتبر.

الوجه الثالث:أننا إذا قلنا بملکیة الموقوف علیه الخاص،للعین الموقوفة،کما هو المشهور.أمکننا أن نعم کبری عقلائیة و لعلها اجتماعیة تقول:لا یجوز أن یدخل شیء فی ملک أحد بغیر اختیاره و قصده إلاّ ما خرج بدلیل.إذن فالعین الموقوفة لا تدخل فی ذلک الموقوف علیه إلاّ باختیاره و رضاه و هو معنی القبول أو مؤداه.

و هذا الوجه موقوف علی استفادة الملکیة للوقف الخاص من الأدلة.

و هو محل إشکال.و بدونها لا یبقی مجال لهذا الوجه لعدم انطباق الکبری العقلائیة عندئذ.إذ من الواضح عقلائیا و شرعا جواز أن نعمل فی مصلحته فرد آخر عملا و ان لم یکن راضیا به.بعد أن یکون فی مصلحته حقیقة و من جمیع الوجوه بدون ریب.نعم لو أدّی ذلک إلی مضاعفات ثانویة کان حراما.

إلاّ أننا لا نتکلم الآن حول العناوین الثانویة.

و فی الوقف علی شخص یکون الواقف قد عمل عملا فی مصلحة الموقوف علیه تماما بلا ریب.و لا یدخل فی ملکه علی الفرض.و کل فرد لا یرید ذلک یمکنه التنازل عن حصته للآخرین.و علی أی حال،فلزوم القبول مما لا دلیل علیه مطلقا.

فک الملک

معاملة الوقف تلازم خروج العین الموقوفة عن ملکیة الواقف الذی کان مالکا إلی لحظة الوقف.و قد عبر عند الفقهاء بنک الملک.یعنی فصله عن المالک.و قد یکون ربطا للملکیة بالموقوف علیهم إذا کان وقفا خاصا و قد لا یکون.

فلا یجوز إبقاؤها أو بعضها فی ملکه و لا الشرکة فیها و لا الشرکة فی ریعها.ما لم یکن الوقف عاما کالهاشمیین و کان هاشمیا فیأخذ سهما من سهامهم کما لا یجوز اشتراط جرح العین الموقوفة علیه فی أمد محدد أو علی ورثته.

و قد ورد التعبیر عن ذلک بأنه بمنزلة العتق.فإن العبد بعد عتقه یخرج من ملکیة مولاه.

روی طلحة بن زید (1)

کتاب الوقوف و الصدقات:باب 11 حدیث 3.

عن جعفر عن أبیه علیهما السلام قال:من تصدق بصدقة ثم ردت علیه فلا یأکلها لأنه لا شریک للّه عز و جل فی شیء مما جعل له.إنما هو بمنزلة العتاقة لا یصلح ردها بعد ما یعتق.

و هذه الروایة تدلنا علی أمرین مهمین:

الأمر الأول:ان الوقف بمنزلة الصدقة،و الصدقة إنما یأخذها اللّه عز و جل بنص القرآن الکریم و ان استفاد منها الطرف الآخر.و ما کان للّه لا یجوز الشرکة به لأنه من الشرک باللّه تبارک و تعالی،من الناحیة الاقتصادیة.

الأمر الثانی:أن الوقف بمنزلة العتق للعبد:فکما لا یمکن الرجوع بالعتق أو فسخه بضرورة الدین،کذلک لا یمکن فسخ الوقف أو الرجوع عنه.

و علی أیّ حال فالأمر واضح فقهیا.

و لعل هذا النحو من العتق هو المستفاد من وصف البیت الحرام بالعتیق.فإنه لیس المراد به:القدیم أو البالی.و إنما المراد به:الحر من دنس ملکیة المخلوقات له.و إنما هو ملک للّه عز و جل.و قد جعله مثابة للناس و أمنا و مطافا و مصلّی.

و قد ورد فی ذلک خبر (2)عن أبی جعفر علیه السلام قال:قلت له:لم سمی اللّه البیت العتیق.قال:هو بیت حر عتیق من الناس لم یملکه أحد.

و فی خبر آخر (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی حدیث یذکر فیه غرق قوم نوح قال:و إنما سمّی البیت العتیق لأنه أعتق من الغرق.

و فی خبر آخر (4)عن البخاری و غیره عن عبد اللّه بن الزبیر قال:قال


1) 1)

2) 2) تفسیر المیزان ج 17 ص 378. [1]

3) 3) المصدر و الصفحة.

4) 4) المصدر:ص 379. [2]

رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):«إنما سمی اللّه البیت العتیق لأن اللّه أعتقه من الجبابرة فلم یظهر علیه جبار قط».

فهذه الروایات متفقة علی أن المراد من صفة العتیق هو التحرر من بعض القیود و أشکال السلطة علیه،و لیس هو صفة القدم و ان کانت ثابتة له علی أی حال و تمام الکلام فی محله.

ملکیة الوقف الخاص

یحسن التعرض إلی هذا الموضوع بالمقدار المناسب،لیتضح لنا وجهه مضافا إلی تفاصیل عن الوقف لم نکن قد عرفناها فیما سبق.

لا شک أن مقتضی القاعدة الأولیة عدم ملکیة الموقوف علیهم للوقف الخاص.و إنما تقتصر ملکیتهم علی ریعة و منافعه.

و ذلک:لأن عدم الملکیة هو مقتضی الاستصحاب،باعتبار أنهم لم یکونوا مالکین قبل الوقف أو قبل ذهاب البطن السابق.فالآن کما کان.

و لا یدل علی ذلک مفهوم الوقف المقید حبسه و اختصاصه بهم.لأن ذلک لا یلازم الملکیة و إنما یلازم جواز الاستفادة فقط.

کما لا یدل علی ذلک مفهوم الصدقة الذی طبق علی معنی الوقف فی الروایات العدیدة.من زاویة أن الصدقة یملکها الفقیر المدفوع إلیه فکذلک الموقوف علیه.

و جوابه:أن الأخبار الخاصة بمفهوم الصدقة لا دلیل علی شمولها للوقف و إن أوردها صاحب الوسائل فی باب الوقف.و أما الأخبار التی أخذت مفهوم الوقف و الصدقة،فهذا لا یعنی أکثر من إخراجها من ملک المالک (الواقف)کالصدقة،و التصدّق أیضا بریعها و فوائدها.کما أنها تکون مقبوضة للّه عز و جل کالصدقة.و لیست الروایات فی مقام بیان ملکیة الموقوف علیهم انطلاقا من عنوان الصدقة.بل لعلها دالة علی خلاف ذلک کما سیأتی.

کما لا یدل علی ذلک جواز تصرف الموقوف علیهم بالعین الموقوفة، کالإیجار و المزارعة و المساقاة و نحو من التصرفات التی لا تخرج العین عن الملکیة.

و الوجه فی عدم دلالته علی الملکیة:أن جواز هذه التصرفات کما یمکن أن یکون بالملکیة یمکن أن یکون بالولایة.و لا شک من ثبوت الولایة للموقوف علیهم علی الوقف.

و لکن أهم دلیل علی ملکیة الموقوف علیهم للعین الموقوفة،هو ما ورد فی جواز بیعهم إیّاها فی بعض الظروف و أکلهم ثمنها بدون بدل.کما هو ظاهر الروایة المعتبرة.

فمن ذلک صحیحة علی بن مهزیار (1)

الوسائل:کتاب الوقوف و الصدقات باب 6 حدیث 6. [1]

.قال:و کتبت إلیه:أن الرجل ذکر أن بین من وقف علیهم هذه الضیعة اختلافا شدیدا.و أنه لیس یأمن أن یتفاقم ذلک بینهم بعده.فإن کان تری أن یبیع هذا الوقف و یدفع إلی کل إنسان منهم ما وقف له من ذلک أمرته.فکتب إلیه بخطه و أعمله:أن رأیی له إن کان قد علم الاختلاف ما بین أصحاب الوقف أن یبیع الوقف أمثل:فإنه ربما جاء فی الاختلاف تلف الأموال و النفوس.

غیر أن هذه الصحیحة لیست واضحة فی المطلوب.

أولا:ان ملکیة الوقف إن قلنا بها فهی ملکیة لکل أجیال الموقوف و بطونهم.و لا یجوز اختصاص إحدی البطون به.و هو البطن الموجود علی الفرض.

و ظهور الروایة فی تقسیم ثمن المبیع علی البطن الموجود،غیر واضح، لأنه متحقق فی کلام السائل لا فی کلام الإمام علیه السلام،لیکون حجة، فتأمل.


1) 1)

ثانیا:ان غایة ما تدل علیه الصحیحة هو إجازة بیع الوقف من قبل الإمام علیه السلام بالولایة لا بالفتوی.لأنه قال:ان رأیی له.و هی عبارة واضحة فیما قلناه.فلا یکون الحکم عاما.

ثالثا:ان غایة ما تدل علیه:أن ثمن الوقف لیس بوقف و أنه یدخل فی ملکیة الموقوف علیهم.و هذا لا یلازم کون المثمن و هو العین الموقوفة ملکا.

لاحتمال:أنهم باعوه بالولایة لا بالملکیة،و یصرف ثمنه فیهم لانحصاره علیهم شرعا.و لا دلیل من الروایة علی خلاف ذلک.

رابعا:ما ذکره بعضهم من التلازم بین الوقف و عدم جواز البیع.و هذا واضح فقهیا،إلاّ أنه قال:أنه یمکن الأخذ بضد النقیض یعنی إثبات انتفاء الوقف مع ثبوت جواز البیع.

أقول:من الممکن القول عندئذ إن العین بعد أن خرجت من الوقف فی ظرف الاختلاف الشدید بین الموقوف علیهم.دخلت فی ملکهم لانحصار الحق بینهم،فجاز لهم بیعها.و من هنا لا یکون جواز البیع دالا علی ملکیة الوقف.

إلاّ أن الأوضح من هذه الصحیحة علی الملکیة روایة أخری هی حسنة جعفر بن ضأن (1)

المصدر:حدیث 8. [1]

فی روایة مطوّلة عن أبی عبد اللّه علیه السلام یقول الراوی فیها:قلت:فللورثة من قرابة المیت أن یبیعوا الأرض ان احتاجوا و لم یکفهم ما یخرج من الغلة.قال:نعم.إذا رضوا کلهم،و کان البیع خیرا لهم باعوا.

و الوجه فی أفضلیة هذه الروایة عن سابقتها کونها أناطت جواز البیع بمجرد قصور الوارد المالی،من دون حصول ضرورة حقیقیة لا اجتماعیة و لا اقتصادیة.

کما أنها لا یرد علیها المناقشتان الأولیتان علی تلک الروایة لوضوحها


1) 1)

فی تقسیم المال علی الورثة أنفسهم،و إلاّ لما أنقذهم البیع من الناحیة الاقتصادیة.کما أن ظاهرها الفتوی لا الحکم المولوی من قبل الإمام علیه السلام.

إلاّ أنها یرد علیها الإیرادان الأخیران مما سبق،مضافا إلی إمکان المناقشة فی سندها من حیث أن راویها الأخیر لم یوثق.و عمل المشهور بها بحیث یکون جابرا للضعف لم یثبت.

و نحن إنما استهللنا بهاتین الروایتین للانطلاق منها إلی فهم ملکیة الموقوف علیهم للعین الموقوفة.من باب تسلطهم علی البیع أحیانا.و قد ورد أنه(لا بیع إلاّ فی ملک)فلا بد أن تکون هذه العین مملوکة.و قد عرفنا جوابه.

مع أن قوله:لا بیع إلاّ فی ملک.لا یراد به ملکیة العین،بل ملکیة البیع أی التسلط علیه و صدوره منه بشکل جائز شرعا.و لذا قد یباع بالولایة الخاصة و الولایة العامة من دون وجود الملک.نعم،أغلب موارد ملکیة البیع متفقة مع ملکیة العین.لأن الوکیل و الولی الخاص یعتبر بمنزلة المالک.إلاّ أن هذا لیس دائمیا کتصرف الولی العام فی الأموال العامة کحق الإمام أو مجهول المالک أو غیره،و غیر ذلک من الموارد.

و لو قلنا بضرورة ملکیة العین لأمکن القول-کما سبق-بتحول العین الموقوفة إلی الملک بالسبب المجیز للبیع،و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

و علی أی حال،فلا دلیل علی ملکیة الموقوف علیهم للعین الموقوفة، و لا یحتاج الموضوع إلی الحدیث أکثر من ذلک،بعد أن کان موافقا للارتکاز المتشرعی و العرفی،بامتناع ملکیة الوقف بعنوانه،و التنافی بینه و بین الملکیة.

بیع الوقف

و یحسن بنا أن نقف وقفه عند بیع الوقف الذی سمعنا عنه شیئا فیما سبق.

لا شک أن القاعدة الأولیة فی الوقف هو عدم جواز بیع العین الموقوفة و هذا ثابت بضرورة الدین مضافا إلی السنة و الإجماع و الارتکاز.و هذا شامل لکل معاملة منتجة لانتقالها عن الموقوف علیهم لا خصوص البیع.کالهبة و جعلها أجرة فی إیجار أو مزارعة أو غیر ذلک.

بل و حتی الأعراض المخرج للعین عن الملکیة غیر مؤثر هنا،علی الأقوی.و سببه ما قلناه من کونها لیست ملکا و الإعراض تأثیره خاص بالملک.

و لو تنزلنا و قبلنا تأثیر الإعراض،فلا إشکال من عدم جواز حیازتها من قبل غیر الموقوف علیهم.

فالقاعدة العامة هی التصاق العین الموقوفة بالموقوف علیهم بحیث لیس لهم و لا لغیرهم إخراجها عن سلطتهم و ولایتهم،أو ملکیتهم-إن قلنا بها- بمعنی أن الشریعة لم تجعل سببا مشروعا لذلک.فإن حصل فهو غصب حرام.و لعل حرمة غصب الوقف أشد من حرمة غیره،کما علیه الارتکاز العرفی و المتشرعی.

فإن خرجنا عن هذه القاعدة فبدلیل خاص یکون حجة فی مورده.فلو دل دلیل علی جواز البیع لم یکن دلیل علی صحة مطلق المعاملات المنتجة لخروج الوقف عن الموقف علیه کما مثلنا.و لو ذکر فی الأدلّة سببا للجواز لم یجز أن نتعداه إلی غیره.

و الروایة الوحیدة المعتبرة سندا و الواضحة نسبیا فی الدلالة.هی صحیحة علی بن مهزیار السابقة التی رویناها قبل صفحتین و فیها یقول:فکتب السید بخطه:و أعلمه أن رأیی له ان کان قد علم الاختلاف ما بین أصحاب الوقف أن یبیع الوقف أمثل:فإنه ربما جاء فی الاختلاف تلف الأموال و النفوس.

و القدر المتیقن من صورة الجواز هو حدوث الاختلاف بین الموقوف علیهم بشکل یحتمل فیه تلف الأموال و النفوس.فإن لم یکن الاختلاف بهذه الدرجة لم یدخل فی القدر المتیقن.

نعم،یمکن أن یستفاد منها بعض الموارد الأخری،نذکرها باختصار مع شیء من مناقشاتها إن وجدت.

أولا:أن یکون البیع أمثل:بحیث یکون هذا سببا کافیا للبیع و قد نصت علیه الروایة.

إلاّ أنه لا یمکن الأخذ به علی سعته.لورود عدة مناقشات علیه،منها:

تقییده بشرطیة وجود الاختلاف.فإنه قال:ان کان قد علم الاختلاف ما بین أصحاب الوقف أن یبیع الوقف أمثل.فیکون تجریده من هذا الشرط خلاف نص الروایة.

ثانیا:جواز البیع عند حصول الاختلاف،و إن کان قلیلا.لأنه یقول:

إن کان علم الاختلاف.و هو یشمل القلیل و الکثیر.

و یرده:أنه مقید بما بعده من التعلیل بخوف تلف الأموال و النفوس.

فیکون کالقرینة المتصلة علیه.و لا أقل من عدم إمکان إحراز الإطلاق.

ثالثا:جواز البیع عند حصول الاختلاف الذی تتلف فیه الأموال دون النفوس.

و هذا الوجه إن صدقت علیه الضرر أو الضرورة فسنبحثه فیما یأتی.

و أما بدون ذلک فالنص مفید بخوف تلف الأموال و النفوس معا.فلا یمکن الاقتصار علی الأموال.

رابعا:جواز البیع عند حصول الاختلاف الذی تتلف فیه النفوس دون الأموال.

و هنا یکون الوجدان الفقهی المتشرعی أقرب إلی فهم التعمیم من الوجه السابق.لأن ضم النفوس إلی الأموال مهم إلاّ أن ضم الأموال إلی النفوس لیس بتلک الأهمیة.فإن المهم هو الخوف علی النفوس،و لیس للخوف علی الأموال تلک المنزلة و إن کانت مهمة.و معه یمکن حمل ضم الأموال إلی النفوس علی الفرد الأغلب.أو بأی وجه آخر،بحیث نفهم منه کفایة خوف تلف النفوس فی جواز البیع.

خامسا:جواز البیع عند الضرر أو الضرورة البالغة و ان لم یحصل الاختلاف،کالفقر المدقع مع عدم وجود أی ریع للعین الموقوفة،بحیث یتعین دفع الفقر فی بیعها.أو تهدید ظالم بالبیع و بدونه فسوف یکون الموقوف علیهم مهددین بالهلاک،أو یقع علیهم ضرر مالی عظیم،و نحوه إلی غیر ذلک من الأمثلة.

و استفادة هذا المورد من الصحیح ممکن تماما لوجود التعلیل الذی یقول:فإنه ربما جاء فی الاختلاف تلف الأموال و النفوس.و التعلیل یمکن التمسک به علی سعته.و معناه:أن کل سبب یحتمل فیه تلف الأموال المهمة أو تلف النفوس-و لو واحدا من المؤمنین-أو وقوع ضرر عظیم علیه دون الموت.بل کل ما یکون داهیة عظیمة عرفا،و لا یمکن دفعها إلاّ ببیع العین الموقوفة فإنه یجوز بیعها تماما.

و لا یبعد أن یکون الظن بذلک کافیا،فإنه یمکن القول:إن قوله(ربما جاء)احتمال طریقی و لیس استقلالیا،کقوله تعالی فَمَنْ شَهِدَ مِنْکُمُ الشَّهْرَ .کطریق إلی ثبوت الشهر نفسه إلاّ أن فهم الطریقة من الاحتمال خلاف الظاهر.

إلاّ أن من الأکید اشتراط وجود أسباب الظن بالضرر العظیم،و لیس مجرد ظن عقلی.لأن الروایة واردة فی صورة وجود أحد أسبابه و هو الاختلاف بین الموقوف علیهم المتحقق فعلا.فلا یمکن التعدی منه إلی غیره.

و بهذا تکون هذه الصحیحة أوضح فی الجواز من أدلة رفع الضرر أو الجواز مع الضرورة.لاحتمال أن تکون تلک الأدلة واردة فی التکلیفی دون الوضعی.و عموم هذه الصحیحة لصورة الظن بالضرر قبل وقوعه مع اختصاص تلک الأدلّة بصورة الوقوع.

شرط الواقف

لا شک بوجوب التقید بما یشترطه الواقف من الشروط للتصرف فی

العین المرهونة،علی الموقوف علیهم و غیرهم.إلاّ شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.و قد ورد فی الروایات المعتبرة قولهم علیهم السلام:الوقوف (تکون)علی حسب ما یوقفها أهلها،إن شاء اللّه تعالی (1)

الوسائل:کتاب الوقف،حدیث:1-2. [1]

.

و أهلها عبارة أخری عن مالک العین الذی هو الوحید الذی یجوز له الوقف إما بالمباشرة أو بالوکالة أو بالولایة أو الإجازة و نحوها.و کله یعود إلی طرف المالک.

کل ما فی الأمر أن المالک قد یکون واحدا و قد یکون متعددا فی العین المشترکة،فللشرکاء أن یقفوا العین وقفا واحدا أو وقوفا متعددة.و یکون الوقف علی أی حال علی حسب ما یقفه المالک.

و لا یمکن التمسک بإطلاق قوله:أهلها.لغیر المالک،بحیث یکون للغیر حق الوقف أو جوازه.بعنوان کونه أخو المالک أو زوجته أو غیر ذلک.

و هذا واضح فقهیا.

کما أن قوله:علی حسب شامل لصفات العین و تحدیداتها.کما هو شامل لإشکال التصرف الاقتصادی بها،کما هو شامل لتعیین المصرف أو الجماعة التی یجب أن یصرف الوارد علیهم.أو بلحاظ(المصرف)ینقسم الواقف إلی العام و الخاص.فإن کان الموقوف علیهم أو بعضهم مسمین بأعیانهم کان وقفا خاصا.و إن کانوا بعنوان عام کالفقراء أو الهاشمیین کان وقفا عاما.

و بعض الشروط غیر نافذة بطبیعة الحال.کالشروط المخالفة لمقتضی العقد،کشرط جواز البیع مطلقا.و کالشروط التی تحل الحرام أو تحرم الحلال،کصرف الریع فی المحرمات الخاصة أو العامة.و کالشروط التی توجب مباحا-لو صح التعبیر-کالشرط بأن یفعل فلان کذا أو أن یتصدق بدرهم من الموقوف علیهم أو غیرهم،بحیث یصبح الفعل ملزما بعد أن کان


1) 1)

جائزا،فإنه شرط غیر نافذ،فإن کان قیدا لحصول الوقف بطل العقد من أصله.

و نفوذ شرط الواقف و ان کان من الناحیة الفقهیة لیس إلاّ تعبّدا بالدلیل المعتبر و تطبیقا له.إلاّ أنه من الناحیة النظریة یعنی:إمکان أو جواز أن یکون للفرد المالک الرأی أو التصرف فی العین المملوکة إلی ما بعد خروجها عن ملکیته بل إلی ما بعد وفاته بل إلی یوم القیامة.

فإن الوقف یستمر،مع انحفاظ شرائطه إلی یوم القیامة إلی یوم یرث اللّه الأرض و من علیها کما ورد فی الروایات.أو إلی حصول سبب بطلان الوقف أحیانا کالبیع الذی سمعناه أو غیره.

و المهم أن الوقف و إن خرج من ملک المالک الواقف،کما سمعنا،بل و إن مات الواقف.فإن شرطه یکون نافذا فیه.و هذا معناه نظریا-لا فقهیا- إمکان الأخذ برأیه فی العین التی کانت مملوکة له إلی الأبد.

و مثل ذلک له مصادیق محدودة فی الشریعة.کالاشتراط فی المعاملة الملزمة للبیع أو الإجارة،بحیث یکون الشرط نافذا مع خروج العین أو المنفعة عن الملکیة.

و مثله:تسلط المالک علی الخیار،بأی سبب من أسبابه،مع القبول بالنقل فی الفسخ.و انه مع التسلط علی الخیار کانت العین ملکا للآخر،و مع ذلک کان صاحبه مسلطا علی الخیار بسبب یمت إلی ملکیته السابقة للعین بصلة.

و مثله:تسلط المیت علی الإیصاء بثلثه.فإنه من الناحیة الفقهیة العملیة یعتبر مالکا (1)

سیأتی عن قریب بعض الإیضاح حوله.

للثلث الموصی به إلی ما بعد موته أو قل:فی حال موته.

و یجب تنفیذ الوصیة (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَی الَّذِینَ یُبَدِّلُونَهُ) .

و هو نظریا من باب عدم جواز التصرف بملک الغیر بدون إذنه.


1) 1)

و مثله ملکیة المقتول للدیة لو قلنا بنفوذ وصیته فیها،معلقا علی القتل أو بعد حصول سببه،کما هو الأصح فی الثانی.

غیر أن مقتضی القاعدة الأولیة هو اختصاص حق الفرد المالک بالعین المملوکة،حال وجود الملک.و انقطاع ذلک تماما من جمیع وجوهه مع انتهاء الملک.إلاّ ما خرج بدلیل معتبر.و قد عرفنا أن کل الأمثلة الفقهیة السابقة، بما فیها شرط الواقف،مما خرج بدلیل معتبر فعلا.

و من الطریف القول أن مقتضی القاعدة التی أشرنا إلیها،و ان کان عقلیا،إلاّ أن سیرة العقلاء لا یبعد أن تکون علی خلافه فی غیر المتدینین، حیث یجد الرأسمالیون لأنفسهم الحق فی تعیین وارثهم.کإخراج بعض الذریة عن المیراث،و اختصاص بعضهم بها أو بالقسط الأکبر منها.أو حرمان کل الورثة من الترکة و الإیصاء بها جمیعا للغیر من أفراد أو مؤسسات.و کل ذلک إنما یحصل بعد الموت،الأمر الذی یدل علی أنهم یرون نفوذ الشرط فیما کان مملوکا بعد خروج الملک بحصول الموت.

و احتمال کونهم یرون استمرار الملک نفسه إلی ما بعد الموت،مما یسبب ترتیب الأثر و هو نفوذ الشرط و الوصیة.هذا الاحتمال مما لا دلیل علیه علی الأقل،إذ لا أثر للملکیة عندئذ غیر نفوذ هذه الشروط.و هذا کما یمکن تفسیره باستمرار الملکیة،یمکن أیضا بما قلناه من الاعتقاد بحق المالک بالتصرف-إجمالا-بالعین،حتی بعد انتفاء الملک.

و علی أی حال،فما دامت المسألة أقرب إلی الفهم العقلانی،فلیس من المستنکر علی الشریعة أن تقوم به.و لا یحتمل أن یکون للحکم العقلی الأولی بالمنع کما أشرنا أثر یذکر و إن کان کل مورد استثناء یحتاج إلی دلیل خاص.و إلاّ فإن الأصل یقتضی نفیه بمعنی عدم نفوذ شروط الملک بعد انتفاء الملک إلاّ ما خرج بدلیل معتبر.

ملحقات الوقف

توجد فی الشریعة معاملات مشابهة للوقف،غیر أنها تختلف عنه بکون

الوقف مؤبدا إلی أن یرث اللّه الأرض و ما علیها.أو إلی حین تلف العین تماما،إذا لم تکن من الأعیان غیر المنقولة.

و وجه المشابهة هو المنع من کل المعاملات الناقلة عن الملکیة،سواء من قبل الواقف أو الموقوف علیه.

و هو لا یعد وقفا،لکونه ناقدا للتأبید،و تبقی العین بذاتها ملکا للواقف و لا تنفصل عن ملکه،کما هو الحال فی الوقف.و إنما یملک الموقوف علیه المنفعة أو الانتفاع فقط،لو قلنا بالملکیة:و یکون له الریع بمقدار شرط الواقف.

و المصطلح الفقهی و العمل المتشرعی انها علی أربعة أقسام:

القسم الأول:الحبس.و هو حجز العین عن النقل لمدة محدودة.مع تسبیل منفعتها خلال المدة لشخص أو جهة عامة.

القسم الثانی:السکنی.و تفید إسکان شخص فی مسکن لمدة معینة مجانا.

القسم الثالث:العمری.و تفید تقیید عین بشخص أو غیره مدة عمر شخص معین هو الموقوف علیه أو غیره.و نسبتها إلی العمر سمیت:

العمری.

القسم الرابع:الرقبی.و تفید حجز العین لمدة معینة،کالحبس،بل هی الحبس فقهیا و لا فرق بینهما عملیا.

و إنما سمیت بذلک من باب ارتقاب انتهاء المدة أو من باب رقبة الملک،و کل هذه الأقسام تشترک مع الوقف بعدد من شرائطه.ککون الإیجاب من الواقف.و المعاملة مشروطة بالقبض.و لا یجوز نقل العین بمعاملة إطلاقا ما دام زمنها ساری المفعول.غیر أنه لا تخرج العین عن ملک الواقف،و إنما یخرج من ملکه متعلق المعاملة و هی المنفعة.

و اللفظ للحبس:حبست و للسکنی:أسکنت و للعمری:أعمرت و للرقبی:أرقبت.

و متی اشترطنا فی الوقف القبول اشترطنا فیها.إلاّ أن الصحیح أنه موقوف علی القول بملکیة الموقوف له.فإن لم یکن مالکا لم یحتج الأمر إلی قبوله و لو کان خاصا فضلا عما إذا کان عاما.و نفس الحکم باحتمالیه شامل لهذه الملحقات.

و لعل من واضح القول أن نشیر إلی أنه لا فرق فی الوقف و ملحقاته بین تعلقه بالأملاک المنقولة،ککتاب أو ثوب أو عبد،أو غیر المنقولة:کالدار أو المسجد أو البستان.کما لا فرق فی الموقوف علیهم بین الفرد أو الذریة أو القوم أو المسجد أو الجهات العامة،کالفقراء و الهاشمیین،و أهل بلد معین إلی غیر ذلک.

فصل المفلس

اشارة

المفلس

قالوا فی اللغة (1)

لسان العرب. [1]مادة:فلس

:أفلس الرجل:صار ذا فلوس بعد أن کان ذا دراهم یفلس إفلاسا:صار مفلسا کأنما صارت دراهمه فلوسا و زیوقا.کما یقال:

أخبث الرجل إذا صار أصحابه خبثاء،و اقطف صارت دابته قطوفا.

و أفلس الرجل:إذا لم یبق له مال یراد به:أنه صار إلی حال یقال فیها:لیس معه فلس.کما یقال:أقهر الرجل صار إلی حال یقهر علیها، و أذل الرجل صار إلی حال یذل فیها.و قد فلّسه الحاکم تفلیسا:إذا نادی علیه أنه أفلس.

و قال المحقق الحلی فی الشرائع (2):المفلّس هو الفقیر الذی ذهب خیار ماله و بقی فلوسه.و المفلّس هو الذی جعل مفلسا.أی منع من التصرف فی أمواله.

قال:و لا یتحقق الحجر علیه إلاّ بشروط أربعة:

الأول:أن تکون دیونه ثابتة عند الحاکم.

الثانی:أن تکون أمواله قاصرة عن دیونه،و یحتسب من جملة أمواله معوضات الدیون.


1) 1)

2) 2) شرائع الإسلام:ص 78. [2]

الثالث:أن تکون حالّة.

الرابع:أن یلتمس الغرماء أو بعضهم الحجر علیه.و لو ظهرت أمارات الفلس لم یتبرع الحاکم بالحجر و کذا لو سأل هو الحجر.

أقول:المهم أن الفلس بفتحتین هو الفقر أو الفقر المدقع،و هو الشدید المجحف.و المفلس.محققا بکسر اللام هو الفقیر.و بفتح اللام المشددة هو من أوجدت به هذه الصفة خارجا عن إرادته کأن شخصا سرق کل أمواله أو حجزه عنها.

فإذا حکم الحاکم العادل بالحجر أو الحجز علی أموال شخص،امتنع تصرفه شرعا فی أمواله،کما سنوضح،فیحصل له نفس الحال،أی کأنه فقیر لا یملک شیئا لأن الحجر یشمل کل الثروة علی ما سنسمع.

الفهم المشهور

الفهم التقلیدی أو المشهور بین الفقهاء العملیة التفلیس.هی أن الفرد، کالتاجر مثلا،إذا زادت دیونه المستحقة،علی ثروته جاز للدائنین(الغرماء) أن یرفعوا أمره إلی الحاکم.و یطلبوا منه الحکم بتفلیسه.و عندئذ یفحص الحاکم عن حاله،فإذا ثبت عنده بالحجة الشرعیة صدق الغرماء بمعنی أن دیونه قد زادت فعلا علی کل ممتلکاته جاز له الحکم بالتفلیس.فإذا حکم بتفلیسه لم یجز له،أی الفرد المفلس،أن یتصدق فی أمواله تصرفا أو متلفا أو ناقلا،فتبطل کل المعاملات المنتجة لخروج شیء عن ملکه.ثم یقوم الحاکم أو من یعینه لهذه المهمة بتوزیع ثروته علی الغرماء،فیأخذ کل واحد منهم أقل من الدین الذی یطلبه،و هذا معلوم لأن ثروته لا تسع کل دیونه،ثم یحکم الحاکم برفع الفلس عنه و تعود له صفة حریة التصرف شرعا من دون أن یملک شیئا غیر مستثنیات الدیون،کما سنذکر،و نتیجة هذه العملیة استیفاء الغرماء و عدم استحقاقهم المطالبة بما فاتهم من الدین،و هو شکل من أشکال الربح له.

و هذا یعنی عدة أمور:

الأمر الأول:أن تزید دیونه المستحقة علی ثروته،فلو کانت مساویة لها أو أقل منها،لم یجز تفلیسه.

الأمر الثانی:أن التفلیس من حق الغرماء و لا یکون إلاّ بطلبهم،و أما لو صبروا علی الدیون و أعرضوا عنه،کان لهم ذلک،و لم یجز للحاکم تفلیسه.

الأمر الثالث:التفلیس یکون بطلب الغرماء من الحاکم.و لا یجوز له ذلک قبل الطلب.

الأمر الرابع:أن تکون الدیون حالّة و مستحقة فعلا.و أما الدیون المؤجلة التی لم تستحق فلا یجوز إدخالها فی الحساب.

الأمر الخامس:أن تکون الدیون ثابتة بحجة شرعیة لدی الحاکم،لا بمجرد دعوی الغریم و نحوها.

الأمر السادس:إذا وجد بعض الغرماء عینه کان أحق بها.بمعنی العین المشتراة منه أو المستعارة منه أو نحوها.

الأمر السابع:أن التفلیس لا یکون إلاّ بصدور حکم من الحاکم العادل.و لا یکون بمجرد حصول الشرائط السابقة.

الأمر الثامن:أن الثروة تقسم بعد الحکم بین الغرماء بالنسبة،فلو کانت الدیون ضعف الثروة أخذ کل غریم نصف دینه.

الأمر التاسع:أن الغریم لیس له أن یطالب بإتمام دینه حتی بعد رفع الفلس.بمعنی أن هذه العملیة تبرئ ذمة المفلس من دین الغرماء الذین قبضوا بعض حقوقهم.

الأمر العاشر:أنه لا بد للحاکم من أن یحسب مقدار ممتلکات المدیون کلها بالحجة الشرعیة،بما فیها مستثنیات الدین لیثبت أنها بمجموعها أقل من الدین.

و کلام الفقهاء باستثناء مستثنیات الدین هنا غیر واضح.و إن لم تؤخذ

بنظر الاعتبار کان اللازم إدخالها فی الثروة و توزیعها علی الغرماء.و إن أخذناها بنظر الاعتبار کان اللازم عدم احتسابها من الثروة و إخراجها من حقوق الغرماء.و الأقرب إلی الفهم الفقهی التقلیدی هو الأول.حتی کأن مستثنیات الدین غیر موجودة فی حق المفلس.و سیأتی الکلام عنها.

الأمر الحادی عشر:

أنه خلال حالة التفلیس تصرف للمفلس و عائلته من أمواله بمقدار الضرورة فی الطعام و اللباس و غیره،و لا یجوز أکثر من الضرورة،و الصرف یکون بإشراف الحاکم.

الأمر الثانی عشر:أنه خلال التفلیس لا یجوز للمفلس،إتلاف بعض أمواله أو بیعها أو هبتها،أو القیام بأی معاملة توجب خروج بعض ثروته عن ملکه لتعلق حق الغرماء بها.قال سیدنا الأستاذ بجواز ذلک مع إجازتهم.

و هذا معناه ضرورة إجماعهم علی ذلک،لوضوح وجود الحجة لکل واحد منهم فی الثروة.

و أما إذا کانت المعاملة مما لا ینافی حق الغرماء کالاقتراض لم یکن محجورا عنها،و جاز له إیجادها.

الأمر الثالث عشر:إذا قسمت الدیون ارتفعت حالة الفلس تلقائیا،کما هو المفهوم من کلام الفقهاء.و ان کان احتمالنا احتیاج الرفع إلی حکم الحاکم وارد أیضا،شأنه شأن الحکم بالتفلیس نفسه.

الأمر الرابع عشر:أنه یحصل للمیت إذا نقصت ثروته عن دیونه ما یحصل للحی من تقسیمها بین الغرماء بالنسبة،بدون حاجة إلی حکم الحاکم و لا یسمی مفلسا اصطلاحا.فهنا مجمل الفهم التقلیدی المشهور للتفلیس، بغض النظر عن التفاصیل الزائدة.و بعض هذه الأمور مسلم فقهیا،حتی یمکن دعوی الاجتماع علیه.و بعضه مشهور و بعضه غیر واضح من العبائر کما أشرنا.

النظر إلی الروایات

أما إذا نظرنا إلی الروایات،و خاصة المعتبرة منها،لم نجد من هذه التفاصیل إلاّ أقل القلیل.فإن کان ثمة دلیل علی بعض الأمور السابقة،فإنما هو الإجماع لو تم إحرازه فی بعضها أو الشهرة إن قلنا بحجتها.و نذکر فیما یلی بعض الروایات لیجد القاری بوضوح الفرق فی الاتجاه الفکری بینها و بین ما سبق.

منها:حسنة أبی بصیر (1)

الوسائل:کتاب الحجر باب 5 الحدیث 4. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام:أنه سئل عن رجل کانت عنده مضاربة و ودیعة و أموال أیتام و بضائع و علیه سلف لقوم فهلک و ترک ألف درهم أو أکثر من ذلک و الذی علیه للناس أکثر من ذلک فقال:

یقسّم الذین ذکرت کلهم علی قدر حصصهم أموالهم.

و صحیحة أبی ولاد (2)قال:سألت أبا عبد اللّه علیه السلام:عن رجل باع من رجل متاعا إلی سنة فمات المشتری قبل أن یحل ماله و أصاب البائع متاعه بعینه.له أن یأخذه إذا خفی(حق)له.قال:فقال:إن کان علیه دین و ترک نحوا مما علیه،فلیأخذه ان أخفی(حق)له،فإن ذلک حلال له.و لو لم یترک نحوا من دینه فإن صاحب المتاع کواحد من له علیه شیء یأخذ بحصته و لا سبیل له علی المتاع.

و مصححة جمیل (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی رجل باع متاعا من رجل فقبض المشتری المتاع و لم یدفع الثمن.ثم مات المشتری و المتاع قائم بعینه.فقال:إذا کان المتاع قائما بعینه رد إلی صاحب المتاع.و قال:لیس للغرماء أن یحاصوه(یخاصموه به).

و صحیحة عمر بن یزید (4)عن أبی الحسن علیه السلام قال:سألته عن


1) 1)

2) 2) المصدر:الحدیث 3. [2]

3) 3) المصدر:حدیث 1. [3]

4) 4) المصدر:حدیث 2. [4]

الرجل یرکبه الدین فیوجد متاع رجل عنده بعینه.قال:لا یحاصه الغرماء.

فهذا کل ما ورد من الروایات المربوطة بالموضوع.و هی أربع روایات فقط،کما هو معلوم.و لا غرابة فی قلة عددها لقلة حوادث الإفلاس فی المجتمع!! غیر أن ثلاث روایات منها واردة فی مورد الموت،فیحتاج شمولها للحی إلی شکل من أشکال التجرید عن الخصوصیة،بحیث نفهم منها مطلق الدین المستوجب للثروة فإن أمکن،و إلاّ بقی المفلّس من الأحیاء لا دلیل فی مورده هذه الروایة الواحدة مع الإجماع و الشهرة ان ثبتا.

و هذا التجرید لا یخلو من صعوبة عرفیة و فقهیة،لعدة فروق بین الحی و المیت واضحة للعیان مما یمت إلی المقام بصلة،من حیث أن الحی یحتاج إلی أمواله بخلاف المیت،کما أن الحی یمکن أن یمانع عن تقسیم ثروته فی دیونه بخلاف المیت،کما أن الحی یحتمل أن یتصدی لأداء دینه باختیاره دون المیت.إلی غیر ذلک من الفروق التی تمنع فقهیا تعمیم الحکم من المیت للحی.

و یحسن بنا الآن المرور علی الإشارة المختصرة إلی الدلیل علی کل واحد من الأمور السابقة،بلحاظ ما عرضناه من أدلة.و یرجع القاری إلی عناوین هذه الأمور إلی ما سبق.

الأمر الأول:هو الأحوط و لعله هو رد التسالم بین الفقهاء.و مقتضی الاستصحاب،إذ کان الفرد ممن لا یجوز الحجر علیه،فیبقی هذا الحکم إلی حد مساواة دیونه إلی ثروته.نعم،ثبت الجواز فیما إذا زادت دیونه علی الثروة.

و أما قوله فی الروایة:و لو لم یترک نحوا من دینه،فالاستدلال به غیر خال من مناقشات أوضحها ما قلناه من ورودها فی المیت و عدم إمکان شمولها الحی.

الأمر الثانی:هو الأحوط و علیه التسالم الفقهی.أعنی حصول الطلب

من الغرماء.کما هو مقتضی استصحاب حرمة الحجر علیه قبل الطلب.و لم تشر إلیه الروایات إطلاقا.

و مقتضی القاعدة:أن کل من زادت دیونه علی ثروته و ثبت مطالبة الغرماء بدیونهم المستحقة.کان مفلّسا.بلا حاجة إلی طلبهم الحجر.یکفی مطالبتهم بالدیون.و الحجة علی هذه الکبری إن عمت،کما هو غیر بعید، قاطعة للاستصحاب.

الأمر الثالث:علی القاعدة لعدم کون الحاکم من الدائنین علی الفرض فلا حق فی الثروة.و لا ولایة له علی الغرماء مع حضورهم و اختیارهم.و لا أقل من الاحتیاط.

الأمر الرابع:علی القاعدة لأن الدیون غیر المستحقة لیست دیونا فعلیة.و بتعبیر آخر:أنه مع النظر إلی هذا الزمان لیس دینا علی الإطلاق.

و إنما یحتوی علی مقتضی الاستحقاق بعد حین.

الأمر الخامس:علی القاعدة.مع العلم أن الحجة قد تکون اعتراف المدیون،و قد تکون البینة،إلی غیر ذلک.

الأمر السادس:دلت علی ذلک صحیحة عمر بن یزید و هی الوحیدة التی وردت فی الحی من الروایات الأربع السابقة.فالحکم ثابت.

الأمر السابع:هو مقتضی الاحتیاط.إلاّ أنه لا أثر له فی الأدلة.

و سیأتی فی کتاب القضاء إن حکم القاضی الشرعی لا أثر له فی الأدلة فی أی مورد إطلاقا.کل ما فی الأمر أن الجریمة الثابتة شرعا تعتبر موضوعا لحکم شرعی بجواز أو وجوب إنزال العقوبة علی المجرم بدون توسط الحکم.

و ان أکد علیه الفقهاء کثیرا.

إذن،فالمورد مندرج ضمن هذا الاتجاه،و هو أقل احتیاطا من الجرائم الاعتیادیة لأن تلک الموارد فیها احتیاط فی الدماء،لأن العقوبات تحتوی علی الدم،بخلاف الموارد المالیة،فإن احتاط بعض الفقهاء،هناک بتوسط صدور

الحکم،لم یکن ذلک شاملا لمحل الکلام،إلاّ باحتیاط أقلّ،أو قل:احتیاط استحبابی.و مقتضی الأصل عدم وجوبه،ما لم یثبت الإجماع.

الأمر الثامن:هو علی القاعدة لعدم إمکان المدیون من الإیفاء أکثر من ثروته،و هو أیضا مقتضی العدالة بین الغرماء.فلا محیص عنه.مضافا إلی ظهور صحیحة عمر بن یزید و غیرها فی ذلک.

الأمر التاسع:هو أمر علی خلاف القاعدة،و لا أثر له فی الأدلة.فإن ثبت علیه الإجماع.و إلاّ کان من حق الغرماء مطالبته بالباقی تدریجا و من دون تفلیس.و مقتضی الاستحباب اشتغال ذمته بالدیون حتی بعد فک التفلیس.

الأمر العاشر:مستثنیات الدین هی الأموال التی لا یجب دفعها فی الدین و إن طالب الدائن بدینه.و لا یجب بیعها بهذا السبب،و منها الدار و الخادم و الدابة و الثیاب و إن کانت للتحمل و نحوها مما دلّ علیها الدلیل.

و سیأتی الکلام عنها فی کتاب القرض.

و المهم الآن السؤال عما إذا کانت مستثناة عن الدفع إلی غرماء المفلس کما هی مستثناة من الدفع فی أی دین.أو أن حالة الفلس یجعل من اللازم وضع ثروته کلها فی الدین بدون استثناء.

مقتضی ظاهر الاتجاه التقلیدی فی الفقه هو الثانی،أعنی عدم الاستثناء.و مقتضی إطلاق أدلة الاستثناء و هو شمولها لکل دین حتی فی حالة الفلس.و هی الحجة فی المقام.و لم یثبت إجماع أو شهرة تنفی ذلک أو تعارضه.

و إذا ثبت ذلک،حصلت عندنا فی موضوع الحکم بالتفلیس بعض الوجوه:

أولا:أن نحسب حساب الثروة الزائدة عن مستثنیات الدین،فهی التی یجب أن تکون أقل من الدیون،و هی التی توزع بین الدائنین.

ثانیا:أن تحسب حساب کل الثروة مع المستثنیات.و لم یجز الحجر

علی المدیون إلاّ إذا تجاوزت ثروته کل ذلک.و لکن لا یجب الدفع إلا ما زاد عن المستثنیات.

و الثانی هو مقتضی استصحاب عدم جواز الحجر علیه قبل ذلک.إلاّ أن الأول هو مقتضی أدلة الاستثناء إذا فهمنا منها الاستثناء من جمیع الوجوه.

کما أنه هو الأوفق بصالح الدائنین.إلاّ أن هذا الفهم من أدلة الاستثناء لا یخلو من صعوبة و تحمل.فالمصیر إلی الوجه الثانی أولی.

و أما بحسب الفهم التقلیدی،فهم یحسبون کل الثروة،و یوزعونها جمیعا بدون استثناء.و من هنا حجروا علی کل الثروة إذ لو کانت مستثنیات الدین خارجة،لما کان هناک وجه للحجر علیها،فلو باع بعضها أو وهبه صحت المعاملة.

کما أنه،من هذه الزاویة،أصبح الصرف علی حیاته الضروریة بإشراف الحاکم،و بمقدار الضرورة یوما فیوما،خلال أیام الحکم بالتفلیس.

و علی أی حال،فما دام الإجماع و الشهرة لم یثبتا فی هذا الصدد،لقلة من تعرض من الفقهاء لمستثنیات الدین عند التفلیس.إذن فالحکم ما ذکرناه.

الأمر الحادی عشر:هو مقتضی الاتجاه الفقهی التقلیدی،کما أشرنا.

و أما بناء علی ما ذکرناه من خروج مستثنیات الدین عن حق الغرماء.فلا حاجة إلی هذا التکلف.فضلا عما إذا قلنا بعدم الحجر علیها أساسا لعدم تعلق حق الغرماء بها شرعا.

الأمر الثانی عشر:لا شک أن مؤدی الحجر علی المفلس هو منعه من أی تصرف یفوّت علی الغرماء حقوقهم أو شیئا منها مهما کان قلیلا.و هذا واضح فقهیا و ثابت بالضرورة.

إلاّ أن إثبات المنع من المعادلات حتی من الخارج عن هذه الحدود، کمستثنیات الدین،إن قلنا بها،و کوجبات طعامه التی اعترف الفقهاء بدفعها

إلیه و تمکینه منها.فإن أراد بیع شیء من ذلک فما الذی یمنع عنه.و ما الحاجة إلی إذن الغرماء ما دام لا یفوت حقوقهم.

و مقتضی التمسک بالمطلقات نفوذ بیعه.و الدلیل المقید لها و هو دلیل الحجر،لیس مردودا بین الأقل و الأکثر،لیکون التمسک بالعام ممنوعا،بل هو الأقل لا محالة،و هو ما ینافی حقوق الغرماء.و لیس فیما خرج عنها أی حجز.و لذا أفتی الفقهاء بجواز قبول المفلّس الهبة و نحوها من المعاملات غیر المنافیة.

الأمر الثالث عشر:مقتضی القاعدة ارتفاع الفلس تلقائیا بعد تقسیم الدیون لارتفاع موضوعه.و أما الحاجة إلی الحکم،فاحتماله ضعیف فقهیا و خاصة بعد ما قلناه فی الأمر السابع.

الأمر الرابع عشر:بالنسبة إلی دیون المیت.فمن المعروف فقهیا أن الفرد إذا مات وجب إخراج مصاریف الدفن أولا من أصل المال،ثم توفی دیونه و ما فاته من الواجبات العبادیة،بما فیها الواجبات المالیة.ثم یبقی الباقی یقسم بین الورثة.

و المهم الآن أن نعرف أن الدیون مقدمة علی حقوق الورثة.فیجب البدء بالغرماء و إیفاءهم حقوقهم.فإن بقی شیء من الترکة کان للورثة.و إن لم یبق شیء لم یکن لهم أی حق.

و عدم بقاء شیء منها یکون فی صورتین:فی صورة مساواة الدیون مع الترکة و صورة زیادتها علی الترکة.

و مع حصول هذه الزیادة یکون حال المیت حال المفلّس.أو بتعبیر آخر یکون حال غرمائه حال غرماء المفلس.من حیث أنه یجب القسمة بینهم بالنسبة و یصل إلی کل واحد منهم أقل من مجموع دینه.

و قد نصت الروایات السابقة علی ذلک.و أنه إن وجد بعض الدائنین عینا کانت له أخذها.إلاّ فی صورة واحدة هی أن المیت لم یکن لدیه إلاّ

هذه العین.عندئذ تباع و تقسم بین الغرماء و یأخذ صاحب العین من دینه ما یخصه من النسبة.

و هذا هو المفهوم من قوله علیه السلام فی صحیحة أبی ولاد:(و لو لم یترک نحوا من دینه فإن صاحب المتاع کواحد ممن له علیه شیء یأخذ بحصته لا سبیل له علی المتاع.) و من جهة أخری فإنه من المؤکد أنه لیس من الغرماء المطالبة بباقی الدین.أما المیت فلسقوطه عن التکلیف و أما الورثة فلأن ذمتهم فارغة.

و هذا و إن لم تنطق به الروایات بصراحة،إلاّ أنه مقتضی القاعدة،و لا یبعد أنه یستفاد من بعض الإطلاقات المقامیة لهذه الروایات.

و هذا هو الذی حدا بالفقهاء تعمیم هذا الحکم إلی المفلّس الحی.

و قد ناقشنا بإمکان هذا التعمیم،و تحدثنا عنه فی الأمر التاسع باختصار.

فصل مرض الموت

ما هو مرض الموت

قال المحقق فی الشرائع (1)

الشرائع:ج 2 ص 215. [1]

:کل مرض لا یؤمن معه من الموت غالبا فهو یخوف کحمّی الدق و السل و قذف الدم و الأورام السودائیة و الدمویة و الإسهال المنتن،و الذی یمازجه دهنیة،أو براز أسود یغلی علی الأرض و ما شاکله.

و أما الأمراض التی الغالب فیها السلامة،فحکمها حکم الصحة، کحمی یوم و کالصداع عن مادة و عن غیر مادة،و الدمل و الرمد و السلاق.و کذا ما یحتمل الأمرین کحمی العفن و الزحیر و الأورام البلغمیة.

و لو قیل:یتعلق الحکم بالمرض الذی یتفق به الموت،سواء کان مخوفا فی العادة أو لم یکن،لکان حسنا.

أما وقت المراماة فی الحرب و الطلق للمرأة و تزاحم الأمواج فی البحر، فلا أری الحکم یتعلق بها لتجردها عن إطلاق اسم المرض.

أقول:و هذا یعنی أننا یمکن أن نلحظ الأمر علی عدة مستویات:

المستوی الأول:المرض المنتج للموت عادة بشکل قریب کشهر أو دونه.


1) 1)

المستوی الثانی:المرض المنتج للموت عادة خلال مدة أطول کسنة و نحوها.

المستوی الثالث:المرض الذی یظن أو یحتمل ترتب الموت علیه بزمن قریب أو بعید.

المستوی الرابع:المرض الذی لا یترتب علیه الموت عادة،بحیث لو مات الفرد حال وجوده لکان الراجح أن له سببا آخر غیره.

و لا یفرق المرض بین أن یکون له سبب خارجی ملحوظ کالجرح أو الحرق أو السقوط،أو لم یکن کذلک.

و کل هذه المستویات الأربعة،إما أن تکون منتجة للموت فعلا،أو قل:مقترنة به و إما أن لا تکون کذلک.بل تزول بسبب و آخر و یبقی الفرد حیا.

فإن زال المرض و بقی الفرد حیا،فهو لیس مرض الموت قطعا.و ان مات الفرد خلال وجود المرض فالمستویات الأربعة تختلف.فالمستوی الرابع لیس من مرض الموت قطعا.

و کذلک المستوی الثانی،و إن علمنا انتساب الموت إلی نفس المرض.

إلاّ أنه لیس من الفقه العرفی و لا العملی أن یقال:إن الموت مستمر فی مرض الموت سنة أو أکثر،نعم،إذا ثقل حاله بسبب نفس المرض أو بسبب آخر و ترتبت علیه الوفاة،کان منذ ذلک الحین فی مرض الموت.

و من هذا الأخیر نعرف حال المستوی الأول و الثالث.أما الأول،فهو یعنی أنه فعلا فی مرض الموت،مع ترتب الوفاة علی الفرض.نعم،لو علمنا أن الوفاة کانت بسبب آخر غیر مربوط بما یعانیه أصلا.احتمل ذلک فقهیا أن المعاناة الأولی لیست من مرض الموت.و هو کذلک بالدقة العقلیة.

غیر أنه لا یبعد أن یکون النظر العرفی إلی مجموع المعاناة کالمرض الواحد، فیکون کله من مرض الموت،ما دام مندرجا فی المستوی الأول.أعنی قد حصلت الوفاة فی مدة قصیرة نسبیا.

و أما المستوی الثالث،فما دام الظن حاصلا بانتساب الموت إلی ذلک المرض،و لم تکن المدة طویلة،فهو مرض الموت عرفا.کذلک لو کان السبب مرضا آخر فی مدة قصیرة کما أسلفنا قبل قلیل.

و أما لو طالت المدة،أخذنا وقت الاشتداد و ثقل الحال،کمرض للموت عرفا،و أما ما قبله فلا یکون کذلک،و ان کان سبب الموت موجودا بالدقة العقلیة أو الطبیة.

إذن،فما ذهب إلیه المحقق الحلی مما سمعناه من أنه:یتعلق الحکم بالمرض الذی یتفق به الموت.صحیح،لکن بشرط أنا لا نتخلل مدة طویلة تفصله عن التسبیب العرفی.

و أما قوله:سواء کان مخوفا فی العادة أو لم یکن.لا بد أن یراد منه المخوف القطعی و المخوف الظنی لیکون الأمر صحیحا.و أما إذا لم یکن مخوفا علی الإطلاق علی النفس کوجع العین أو وجع الأسنان،فهو لیس من مرض الموت و إن حصل الموت،لعلمنا عادة بحصوله بسبب آخر،نعم لو اشتد نفس المرض و أدی إلی الوفاة خلال مدة غیر طویلة،کان مرض الموت.

و المرض أمر عرفی مفهوم.و من الواضح أنه لا یشمل أسبابه،کالتی عددها المحقق الحلی مما سمعناه(کالمراماة فی الحرب و الطلق للمرأة و تزاحم الأمواج فی البحر)فإن سبب المرض لیس بمرض.

نعم،لا شک أن هذه الأسباب مهما کانت شدیدة،فهی لیست قاتلة، و إنما القاتل بالشکل المباشر هو الحالة الصحیحة الردیئة المنتجة لها.فقد یقال:

إنها هی مرض الموت.

إلاّ أنه ینبغی التفصیل بین ما إذا أنتجت تلک الأسباب حالة مرض عرفا أو لم تنتج.فإن أنتجت ذلک کالمثخن بالجراح أو الخارج من الغرق بمال ثقیل،فهو من مرض الموت.و إن لم تنتج ذلک کالموت السریع بالجراح أو

الغرق أو الطلق أو غیرها،فهو عرفا لیس مرضا کما أشار المحقق،فلا یکون من مرض الموت.

فهذه فکرة کافیة عن مرض الموت.

و لا یفوتنا الالتفات إلی بعض الأمور:

الأمر الأول:أنه یفترض فقهیا،کما هو الأغلب،أن المریض مرض الموت،یستطیع أن یتکلم بفهم و إدراک کافیین.و أما لو لم یکن کذلک،کما لو انقطع کلامه لسبب المرض أو الاحتضار.فالأمر یختلف فقهیا.و قد تلحقه أحکام أخری،فمثلا أن الخرف حال الشیخوخة ملحق بالجنون أو بالسفه فقهیا،کما سنعرف فی الفصل الآتی.

الأمر الثانی:ان ما یسمی بصحوة الموت أمر صحیح و مجرب فی کثیرین وجدانا.و ان لم یحصل للجمیع لسبب ما کالغرق أو الحرق أو الذبحة الفجائیة أو القتل السریع لو صح التعبیر.

و علی أی حال،فإن حصلت،فهی حاصلة خلال مرض الموت بلا إشکال و یشملها حکمه الآتی.و یکون الفرد خلالها ناطقا مفکرا بشکل طبیعی عرفا،تماما کما قلنا فی الأمر الأول.

و قد ورد فی بعض الروایات أن هذه الصحوة إنما ییسرها اللّه عز و جل للفرد لأجل إعطائه فرصته الوحیدة.أقول:یعنی لمن فاته الإیصاء قبل ذلک.

إلاّ نقطة الضعف أن الکثیرین قد یحسبونها تحسنا حقیقیا فی حال المریض، بل یحسبها المریض نفسه کذلک،فیترک الوصیة و یشتغل بما یناسبه من أمور الدنیا.إنا للّه و إنا إلیه راجعون.

الأمر الثالث:سبق من تعریفنا لمرض الموت:أننا إنما نعلم غالبا أنه کذلک،فیما إذا ترتبت علیه الوفاة فعلا.و أما قبل ذلک،فلا یتعین فی أغلب الحالات تحقق الوفاة،و من ثم لا یتعین کونه مرض الموت.

إذن،فما یأتی من الحکم من حیث کونه منوطا بمرض الموت،لا

یمکن أن نعرف انطباقه إلا بعد حصول الوفاة.و معه فالمعاملات المحاباتیة التی سنشیر إلیها،و التی یحتمل بطلانها فی أکثر من ثلث الثروة،کما سیأتی.ینبغی أن تبقی موقوفة،لا نجزم بصحتها إلی أن یحصل الموت.أو بتعبیر أدق:إلی أن تحرز کونها فی مرض الموت.و ذلک بحصول الوفاة فعلا،فی مدی قریب نسبیا کما سبق.

حکم مرض الموت

قال مشهور الفقهاء:إن منجّزات المریض المحاباتیة تخرج من الثلث إلاّ مع رضاء الورثة بالزائد.

و یقصدون بالمنجزات:المعاملات التی یقوم بها المریض علی أن تکون نافذة و مؤثرة حال حیاته،غیر مؤجلة بعد وفاته و إلاّ کانت من قبیل الوصیة.فإذا استثنینا مفهوم الوصیة،کانت باقی معاملات عادیة غیر منوطة بموته،و هذا هو المقصود بالمنجزات.

و المحاباتیة:هی المعاملات التی تحتوی علی المحاباة.و هی ما أخذ الفرد بنظر الاعتبار الطرف الآخر إکراما له أو حبا به أو خوفا منه بدرجة دون الإکراه و نحو ذلک.فباعه بثمن أقل من السوق أو اشتری منه بثمن أعلی و کذلک لو وهب شیئا أو أعتق عبده.و من الناحیة الفقهیة،فإن کل معاملة فیها خسارة بدون تعویض فهی معاملة محاباتیة.

و إذا اتضح ذلک عرفنا معنی الفتوی المشهورة:أن المعاملات العادیة التی یقوم بها المریض بمرض الموت،غیر المنوطة بموته،إن کانت تحتوی فی نتائجها علی خسارة بدون تعویض،فهی تحسب من ثلثه،یعنی من ثلث ثروته،و لا یجوز له إیجاد المعاملات فیما خرج عن هذا الحد،إلاّ إذا أحرز رضا الورثة.

فمن الناحیة العملیة،یصبح المریض مرض الموت،کالمیت،من الناحیة الفقهیة،لا حق له فی أن یتصرف بأکثر من الثلث.فکما أن الوصیة لما بعد الموت تختص به،کذلک المعاملات المحاباتیة للمریض.

و فی الواقع، فإن هذا الحکم لیس قیاسا علی حکم المیت من باب المشابهة أو الأول و المشارقة.بل له دلیله الخاص،و قد أفتی به المشهور.

و قد خالف به جماعة منهم السید الأستاذ.و قالوا:إن المریض مرض الموت کغیره من الأحیاء تنفذ معاملاته فی کل ثروته لا فی ثلثه فقط.

مختصر الدلیل

و هذا الذی أفتی به السید الأستاذ هو الصحیح،و لا أرید أن أثقل علی القاری بالدلیل.إلاّ أنی أذکر ملخصه:

إن صحة المعاملات مطلقا،یعنی سواء کانت محاباتیة أم لا.من المریض مرض الموت هو مقتضی أصالة الصحة فی المعاملات،المقررة بالعمومات الواردة فی الکتاب و السنة مثل أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ و تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم و غیرها.

و هذه العمومات شاملة للمریض و غیره،لا نخرج عنها إلاّ بدلیل خاص.و بهذا الصدد وردت طائفتان من الروایات:

الطائفة الأولی:تنص علی صحة المعاملات مطلقا ما دامت الروح فی الجسد.

و هی مجموعة روایات مستفیضة و منها ما هو معتبر.کموثقة أبی بصیر (1)

الوسائل کتاب الوصایا:باب 17 حدیث 2. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام و فیها:أن لصاحب المال أن یعمل بماله ما شاء ما دام حیا إن شاء وهبه و إن شاء تصدق به و إن شاء ترکه إلی أن یأتیه الموت.فإن أوصی به فلیس له إلا الثلث.إلاّ أن الفضل فی أن لا یضیع من یعوله و لا یضر بورثته.

و هذه الطائفة کالنص فی مورد المرض،و لیست شاملة له بالإطلاق.لأن التشکیک فی صحة المعاملة لیس فی الأوقات الاعتیادیة،لیکون السؤال


1) 1)

عنها،بل فی أوقات استثنائیة،و لعل أوضحها علی الإطلاق هو حال مرض الموت.

بل إن بعض هذه الروایات وارد فعلا فی خصوص المرض کصحیحة عمار الساباطی (1)

المصدر:حدیث 10. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام فی الرجل یجعل بعض ماله لرجل فی مرضه.فقال:إذا أبانه جاز.

و المقصود من المرض مرض الموت،للتسالم علی الصحة فی غیره.

و قوله:إذا أبانه،یعنی فصله عن ملکه فی مقابل الوصیة به،بعد موته،و لذا ورد فی روایة أخری(إذا أبان به فهو جائز و إن أوصی به فهو من الثلث).

إذن،فهذه الطائفة واردة فی خصوص محل کلام الفقهاء أعنی المعاملات المنجزة المحاباتیة.و فتوی الروایات بالجواز و فتوی المشهور بالمنع.

الطائفة الثانیة:و هی التی تقول کما یقول المشهور من المنع.کموثقة سماعة (2):قال سألت أبا عبد اللّه علیه السلام عن عطیة الوالد لولده فقال:أما إذا کان صحیحا فهو ماله یصنع به ما شاء.و أما فی مرضه فلا یصلح.

و حسنة عقب بن خالد (3)عن أبی عبد اللّه علیه السلام.قال:سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوکا له لیس له غیره فأبی الورثة أن یجیزوا ذلک.کیف القضاء فیه:قال:ما یعتق منه إلاّ ثلثه.

فإن حصلت عندنا هاتان الطائفتان،و کلاهما واردان مورد مرض الموت،و الأولی تفید الجواز و الثانی تفید المنع.و مقتضی القاعدة هو إیقاع التعارض بینهما و به تسقط الدلالة فیها معا عن الحجیة،و یکون المصیر عندئذ إلی(العموم الفوقانی)-باصطلاحهم-و هو هنا ما أشرنا إلیه من الأدلة


1) 1)

2) 2) المصدر:حدیث 11. [2]

3) 3) المصدر:حدیث 13. [3]

العامة الدالة علی صحة المعاملة.و الشاملة لمنجزات المریض المحاباتیة أیضا.

کما یمکن إیقاع المعارضة بین الروایات المانعة،و بین صحیحة عمار الساباطی السابقة،و الرجوع إلی ما دل علی صحة المعاملة ما دامت الروح فی الجسد،کعام فوقانی.مثل موثقة أبی بصیر و غیرها مما قلنا إنه مستفیض.

فهذا هو مجمل الدلیل علی صحة المعاملات الحاصلة فی مرض الموت،و إن کانت محاباتیة،وفاقا لسیدنا الأستاذ و تمام الکلام لا یسعه هذا المقام.

فصل القصور العقلی

اشارة

ینقسم القصور العقلی إلی مراتب کثیرة و أشکال متنوعة،غیر أن المهم فقهیا منها اثنان:الجنون و السفه.و قد یتضح من خلال الحدیث بعض الأقسام الأخری مع أحکامها.

الجنون

قال ابن منظور (1)

لسان العرب: [1]مادة جنن.

:جنّ الشیء یجنه جنّا:ستره.و کل شیء ستر عنک فقد جن عنک.و جنّ اللیل یجنه جنی و جنونا و جنّ علیه یجن بالضم جنونا و أجنة:ستره.و به سمی الجن لاستتارهم و اختفائهم عن الأبصار.و منه سمی الجنین لاستتاره فی بطن أمه.

قال:و الجنن بالفتح هو القبر لستره المیت.و الجنن أیضا الکفن لذلک.و أجنة کفنه.

قال:و الجنان بالفتح:القلب لاستتاره فی الصدر.و قیل:لو عین الأشیاء و جمعه لها.و قیل:الجنان روع القلب،و ذلک أذهب فی الخفاء، و ربما سمی الروح جنانا لأن الجسم یجنّه.و قال ابن درید سمیت الروح جنانا لأن الجسم یجنها.فأنّث الروح.و الجمع أجنان.

قال:و الجنة بالضم:ما و أراک من السلاح و استترت به منک.و الجنّة.


1) 1)

السترة.و الجمع:الجنن.یقال:أستجن نجنه أی استتر نستره.و قیل:کل مستور جنین.حتی أنهم لیقولون:حقد جنین وضعن جنین.

و قال:جن الرجل جنونا و أجنة اللّه،فهو مجنون.و لا تقل:مجن.

اللیث:الجنّة:الجنون أیضا.و فی التنزیل العزیز:أم به جنة.

قال:و فی الحدیث:اللهم إنی أعوذ بک من جنون العمل.أی من الإعجاب به.و یؤکد هذا حدیثه الآخر:أنه رأی قوما مجتمعین علی إنسان.

فقال:ما هنا؟فقالوا:مجنون.قال:هذا مصاب.إنما المجنون الذی یضرب بمنکبیه و ینظر فی عطفیه و یتخطی فی مشیته.

أقول:ذکروا:أنه سمی مجنونا لاستتار عقله،و ان الفعل منه مبنی للمفعول،لانتسابه إلی اللّه عز و جل.فیقولون:جن بالضم یجن و لا یقولون:

جن یجن.علی هذا المعنی.

إذن،فالمجنون هو ذهاب العقل.و قد عرفوه فی القانون (1)

الموسوعة العربیة المیسرة:ج 1.ص 651.

:أنه هو الاضطراب أو النقص العقلی الذی یعفی صاحبه من بعض النتائج القانونیة لأفعاله.

قالوا (2):و یختلف مفهوم الجنون الجنائی و المدنی عن المفاهیم المستخدمة فی الطب العقلی مثل:عصاب و ذهان.فالمجنون قانونا هو الذی یجهل طبیعة أفعاله و یعجز عن التمییز بین الخطأ و الصواب.

و قالوا (3):الذهان:مرض عقلی وظیفی أو عضوی،یعجز المصاب به عن التوافق بصورة واقعیة مع بیئته.أهم إعراضه:العجز عن التقدیر الصحیح للواقع الخارجی،کما فی الهلوسات و الهذیانات و الانحرافات البالغة فی الحالة المزاجیة الانفعالیة،کما فی الهوس و الاکتئاب.عدم التعبیر الخارجی


1) 1)

2) 2) المصدر و الصفحة.

3) 3) المصدر:ص 846.

عن الانفعال.أو عدم مطابقة هذا التعبیر للواقع.الاختلال فی الشعور بالذاتیة فی الحکم العقلی.

و من الأمراض الذهانیة العضویة،أی الناشئة عن إصابة المخ:الشلل الجنونی العام.ذهان الشیخوخة و الصرع فی مراحله الأخیرة المهملة.

و الأمراض الذهانیة الخالیة من الإصابات العضویة،کالذهان الهذائی (بارانویا)و الفصام(شیزوفرینیا).و ذهان الضرس و الاکتئاب یعد من الأمراض الوظیفیة.

قالوا (1)

المصدر و الصفحة.

و أهم أعراض الهوس أو(المانیا)تضخم الأفکار و تهیجها و انتقالها السریع من موضوع إلی آخر دون التمییز بین قیم المعانی.و سرعة تداعی المعانی،مع المیل إلی النکتة الملائمة للموقف و التفوه بألفاظ بذیئة.

و أفکار العظمة و الاستعلاء.و الإحساس المفرط بالانبساط و المرح و ازدیاد النشاط الحرکی و الاندفاع إلی تحقیق أیة فکرة تخطر.و یکون تفکک النشاط الحرکی العنیف موازیا لتفکک النشاط الذهنی الهائج.

أما أعراض الاکتئاب،فشبیهة بأعراض الملانخولیا أو المرض السوداوی کالانهباط و خفض النشاط الحرکی و انعدام الاهتمام بالعالم الخارجی و الأرق و نقص الغذاء.و سیطرة أفکار عدم الجدارة الذاتیة و الخطیئة و الانتحار.

و یعد ذهان الهوس و الاکتئاب من الأمراض العقلیة الوظیفیة.و ترجع البحوث الأخیرة تأثیر الاضطرابات الفسیولوجیة التی تحدث فی الدماغ المتوسط (2).

و قالوا عن العصاب:إنه مجموعة نفیسة تصحبها أحیانا مظاهر جسمیة شاذة،کما فی الهستیریا التحولیة.


1) 1)

2) 2) العبارة الأخیرة ناقصة فی المصدر و المعنی مفهوم،المصدر:ص 1213.

ینشأ العصاب عن الصراع اللاشعوری بین دوافع متعارضة بین تحریم الرغبات الجنسیة و إرضائها.و خاصة فی الطفولة.

و العرض العصابی،محاولة شاذة لتحقیق التکیف و التوتر و القلق.

و أهم الأعراض العصابیة النفسیة:المخاوف الشاذة و الحصر النفسی و الأفکار الثابتة،و الشک المرضی،و الوسواس و الهجاس و الاندفاعات القهریة.و یشعر العصابی بشذوذ حالته و یطالب بالعلاج.و یظل محتفظا بقدر من الاستبصار بخلاف الذهانی(المصاب بمرض عقلی).

و یختلف العصاب عن المرض العصبی.بأن الأول نفسی المنشأ،بینما الثانی عضوی المنشأ ناتج عن إصابة محدودة فی المراکز العصبیة.

هذا ما قالوه:و لنا أن نعلق علی ما سبق بعدة أمور:

الأمر الأول:فی الفهم الأخلاقی للجنون.نقدم الکلام عنه لکی نلحقه بالمعنی الفقهی بعد ذلک،لیکون أقرب إلی حکمه فی حدیثنا.

و بالإجمال:فإن المجنون بالفهم الأخلاقی هو المبتعد عن الحق.

و علیه أدلّة أخلاقیة بدورها:

أولا:ما ورد:أن العقل ما عبد به الرحمن و عصی به الشیطان و اکتسب به الجنان.

و من المعلوم أن من لا یکون کذلک یکون مسلوب العقل بهذا المعنی.

و کل مسلوب العقل فهو مجنون.

ثانیا:ما ورد من طریق الفریقین،بمضمون الحدیث الذی سمعناه عن ابن منظور حیث قال فیه:هذا مصاب إنما المجنون الذی یضرب بمنکبیه و ینظر فی عطفیه إلخ.یعنی المتکبر.و إنما کان مجنونا لأنه أقام نفسه أعلی مما تستحق.

ثالثا:قوله تعالی لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها أُولئِکَ کَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِکَ هُمُ الْغافِلُونَ .

ثالثا:قوله تعالی لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها أُولئِکَ کَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِکَ هُمُ الْغافِلُونَ .

و من المعلوم أن من کان مستواه الباطنی أو الداخلی کالأنعام،أو أسوأ منها،فلیس له العقل البشری المطلوب من الإنسان و الموهوب له.و من لیس له عقل فهو مجنون.و بالالتفات إلی الآیة الکریمة نعلم أن کل الغافلین عن الحق هم مندرجون تحت هذه الطائلة لا محالة.

رابعا:سمعنا مما سبق أن من صفات المجنون الأساسیة أنه لا یمیز بین الخطأ و الصواب.فإذا علمنا ما هو الحق و الخطأ من الناحیة الأخلاقیة، و علمنا أن کثیرا من الناس لا یعرفونها و لا یمیزونها،عرفنا النتیجة الحتمیة عندئذ.

خامسا:سمعنا أیضا أن من أعراض الذهان(الجنون):العجز عن التقدیر الصحیح للواقع الخارجی.

فإذا علمنا بالفهم الأخلاقی للواقع الخارجی الشامل للدنیا و الآخرة و للجسد و الروح و للنفس و العقل.و علمنا أن کثیرا من الناس لا یمیزونها و لا یهتمون بمتابعتها.فهم عاجزون عن التقدیر الصحیح للواقع الخارجی بمعناه الواسع و الحقیقی.إذن،نعرف ما ینبغی أن نصف أمثال هؤلاء الناس من صفات.

و لا حاجة إلی مزید الکلام فی هذا الفصل.

الأمر الثانی:أن عددا من هذه الصفات التی ذکرت للمجانین،موجودة و موزعة بین کثیر من الناس،بل بین کل الناس.

کل ما فی الأمر أن لها مراتب فی الوضوح.نعم،قد یقال:إنها لو اجتمع عدد منها بشکل واضح و مستمر،کان الفرد مجنونا.

و لا یبدو وضوحها و استمرارها لبعض الوقت فی عدد من حالات الفرد غیر الاعتیادیة،کالغضب و الحزن و الکآبة بل و الحماس و الفرح أحیانا.

و بالجملة،فاتصاف الأفراد العادیین أحیانا ببعض صفات المجانین،یعتبر أمرا طبیعیا و معتادا.

الأمر الثالث:ان من جملة الصفات التی سمعناها للمجانین،تعتبر أحیانا واقعیة و صحیحة.و ذلک یختلف باختلاف حیاة الفرد و قناعاته تجاه نفسه و اتجاه الآخرین.

و یمکن التمثیل لذلک بعدة موارد:

المورد الأول:الشک المفرط،قد یکون له ما یبرره.أما بالنسبة إلی فرد تجاه فرد آخر فهو واضح.و کذلک بالنسبة إلی مجموعة معینة من الناس.

بل من الممکن القول بأن الشک فی أکثر الناس معقول جدا.و قد قیل:إن سوء الظن من حسن الفطن.و لا شک أن المتشرع یشک فی امتثال أکثر الناس لقانونه.و قد سبق لی أن قرأت قبل عدد من السنین مقالة بعنوان:

99%من الناس مجرمون یحاول فیها الکاتب أن یبرز المفارقة الحادة بین الاتجاه النفسی أو المصلحی و بین القوانین و الأعراف الرائدة فی المجتمع.

و مهما کان الفرد ملتزما ظاهرا من الناحیة الاجتماعیة فإنه ینطوی نفسیا علی التمرد و العصیان.

المورد الثانی:الخوف المفرط قد یکون له ما یبرره.و خاصة فی حالة الأفراد الذین یعیشون حیاة مهددة بالخطر من عدد من الجهات.و هو یحصل فی المجتمعات المعاصرة کثیرا.

المورد الثالث:الهاجس النفسی،له ما یبرره أیضا.و قد عرفوا الهاجس بأنه الحدیث الذی یوجد فی النفس و الفکرة التی توجد فی الذهن.

و قالوا:إن الفرد قد یجد فی نفسه حدیثا.فإن کان حقا فهو من الملک و یسمی إلهاما،و إن کان باطلا،فهو من الشیطان و یسمی هاجسا.

إذن فهذه ظاهرة موجودة بین الناس،و لیست خاصة بالمجانین.

المورد الرابع:هنا لک مجموعة من الأوصاف السابقة،لها ما یبررها

بالنسبة إلی من یسلک مسلک الزهد و العباد المعرضون عن الدنیا و المتوجهون بعقولهم و أعمالهم إلی الآخرة.

فقد سمعنا فی اعراض الاکتئاب أن منها:خفض النشاط الحرکی، و انعدام الاهتمام بالعالم الخارجی،و الأرق و رفض الغذاء،و سیطرة أفکار عدم الجدارة الذاتیة و الخطیئة.و هذه الأوصاف مما قد تتصف به هذه الطبقة من الناس.بحسب فهمهم الخاص للواقع الذی یعیشونه.

و لعل من أجل هذه یسمی المجانین:مجاذیب باللهجة المصریة، و یسمون مصحّهم مستشفی المجاذیب.و ذلک:انطلاقا من افتراض أنهم مجذوبون إلی العالم الأعلی بفضل اللّه تعالی.باعتبار أن الناس یرون من الزهاد العباد صفات حقیقیة و مشابهة فی الانطباع الدنیوی لمن یسمی بالمجنون.إذن،فقد یفهمون أن کل من یتصف بهذه الصفات فهو من الزهاد العباد أو من المجذوبین إلی العالم الأعلی.و لیسوا مجانین علی الحقیقة.

المورد الخامس:ان الشعور بالمرح و الفرح المتزائد قد یکون له ما یبرره،و خاصة فی مقتبل العمر.

و بالجملة.فإن هذه الأوصاف ان اعتبرناها حقیقة و صحیحة إذن فالمجانین متصفون بصفات العقلاء کما قلنا هنا،و ان اعتبرناها غیر صحیحة، فالعقلاء متصفون بصفات المجانین،کما قلنا فی الأمر السابق.

و هذا التسلسل الفکری،قد ینتج الشک فی الجنون العقلی لکثیر ممن یحسبهم الناس مجانین لمجرد حصول بعض الصفات لهم و صدور بعض الأعمال منهم.و قد یکونون مظلومین بنظر المجتمع إلیهم.

الأمر الرابع:مهما کان المجال الذی قلناه قبل قلیل.فإن هناک عددا من الناس مجانین فعلا.و مهما کان تعریف الجنون و عوارضه الطبیة و مهما کان عمل المجنون،فإن المهم فقهیا هو الصدق العرفی للمجنون.فإن وافق العرف علی هذا الصدق لحقه حکمه و إلاّ فلا.

فمثلا:حالة الاکتئاب و حالة العصاب التی سبق أن سمعناها لا تعدان

جنونا عرفا إلاّ فی بعض حالاتها المتطرفة.و أما الذهان فهو الجنون بالذات.

و یراد به مرض الذهن کالکباد الذی هو مرض الکبد و القلاب مرض القلب و نحو ذلک.

إلاّ أن الذی یهون الخطب أنه یمکن أن یقال:إن الجنون أو المجنون لا یوجد بخصوصه حکم إلزامی فی الشریعة.إذ أن المهم له حکمان:

الحکم الأول:الحجر علیه فی المعاملات و التصرف فی الأموال و إیکالها إلی ولیه و هذا صحیح.إلاّ أنه تابع لعنوان السفه،لأن المجنون سفیه بطبیعة الحال.فالسفیه و ما فوقه محسوب بحساب واحد فقهیا و موضوعا و حکما.و لیس للمجنون حکم زائد من هذه الناحیة.

الحکم الثانی:سقوط العبادات عنه،و فی الواقع أنها إنما تسقط عنه فیما إذا أصبح غیر مدرک لها أو لوجوبها.فیندرج تحت عنوان القاصر.

و القاصر غیر مکلف بما هو قاصر عنه.و من هنا قال الفقهاء:إن الضابط فی سقوط الصلاة عن المجنون عدم إدراکه لأوقاتها.

و من هنا لو صدق عنوان المجنون عرفا،و لم یکن هذا الفرد قاصرا عن الإتیان بالصلاة أو غیرها من العبادات.وجب علیه الإتیان بها،أو قل:بما یدرکه منها.و یسقط عنه ما لا یدرکه.

و یلحق بذلک سقوط الحد و التعزیر عن المجنون عند حصول القتل أو غیره منه.و ذلک:إن حصل الجرم منه حال جنونه،فهو قاصر عن إدراک حقیقة فعله.و ان حصل من الجرم حال عقله ثم جن لم یبق مورد لإنزال الحد و العقاب علیه،لقصوره عن إدراک حقیقته.

فالمهم هو القصور،و الجنون هو سبب حصوله.و من هنا لو حصل القصور بأسباب أخری لحقته حکمه کشدید أو سریع النسیان مثلا،بحیث یشمل أحکام الشریعة،فإذا نسی وجوب الصلاة أو نسی دخول وقتها لم تجب علیه.و الأمر علی ذلک دائما.

و یمکن القول بأن کل هذه الأحکام حتی الحجر فی المعاملات بسبب

القصور،فإن السفه نحو من أشکال القصور بدوره.فلم یبق أی حکم إلزامی فی الشریعة مترتب علی عنوان المجنون.

نعم،توجد فی الشریعة بعض الأحکام غیر الإلزامیة الواردة بعنوان المجنون،فمثلا:ذکر الفقهاء أنه یکره تمکین المجانین من الدخول فی المساجد.کما لا یبعد القول بکراهة تزویجهم من أی الجنسین کانوا.

و کذلک کراهة مخالطتهم و معاشرتهم بغیر مصلحة ثانویة کالتوصل إلی الاتفاق علیهم أو مداواتهم.إلی غیر ذلک من الأحکام.

و ما قلناه من ضرورة الصدق العرفی للمجنون علی الفرد.إنما هو باعتبار الأحکام الواردة علیه بعنوانه و لو کانت غیر إلزامیة.و أما الأحکام الإلزامیة فقد عرفنا أنها لیست علی عنوان المجنون،لنتوخّی صدقه العرفی، بل علی عنوان القاصر،و هو تابع للقصور الواقعی لا العرفی،فإن کان قاصرا عرفا لا واقعا لم تسقط عنه الأحکام التی سمعناها.و لذا قیل:أخذ ما وهب سقط ما وجب و هی نعمة العقل.

الأمر الخامس:سمعنا تعریف الجنون قانونا أنه:هو الاضطراب أو النقص العقلی الذی یعفی صاحبه من بعض النتائج القانونیة لأفعاله.

و حیث أن المفروض منطقیا أن تکون التعریفات صالحة تماما لبیان المفهوم بدون زیادة و نقیصة أو اختلال،إذن،یمکن أن نسجل علی هذا التعریف نقاط الضعف التالیة:

النقطة الأولی:قوله الاضطراب أو النقص العقلی.هل یراد من الاضطراب غیر النقص.أو یراد منه الاضطراب الناتج عن النقص.فإن أرادوا به غیر النقص فمعناه الاضطراب العقلی غیر المقترن بالنقص.و هذا لا یکون جنونا و لا یسقط الأحکام عن المتصف به.

و إن أرادوا به الاضطراب الناتج عن النقص.إذن فالمهم هو النقص سواء أنتج اضطرابا أم لا.فیکون ذکر الاضطراب زائدا.

النقطة الثانیة:عرفنا أن الموجب لسقوط التکلیف و الأحکام عن

المجنون لیس هو مجرد النقص،بل القصور.أو قل:النقص البالغ إلی درجة القصور.إذ لو لم یکن قاصرا لم تسقط عنه الأحکام.و قد کان یکفی ذکره فی التعریف عما جاء فی بقیة التعریف.

النقطة الثالثة:قوله:یعفی صاحبه.هذا تعبیر عرفی مجازی.لا یفترض وجوده فی التعریفات الدقیقة.فإن الذی یُعفی لیس هو الجنون.

و إنما هو المجتمع أو قل واضع القانون الاجتماعی أو المدنی أو الشرعی.

و هذا واضح.

النقطة الرابعة:قوله:یعفی صاحبه.و هو أیضا تعبیر عرفی مجازی ینبغی الاستغناء عنه فی التعاریف.و ذلک أن الفرد لیس(صاحبا)لصفته و لا یعتبر مالکا لها حقیقة.بل کان الأصح أن یقال:(المتصف به)أو یقال:

(المجنون)یعنی یعفی المجنون.

النقطة الخامسة:قوله:من بعض النتائج القانونیة.و هذا معناه أخذ الحکم فی الموضوع.مع أنه یجب تحقق الموضوع بتمامه قبل ورود الحکم علیه.

فمثلا:لو عرفنا القاتل بأنه من یجب قتله أو المریض بأنه من یجب علاجه،نکون قد أخذنا الحکم فی تعریف الموضوع.

و کذلک الأمر هنا،لأن سقوط النتائج القانونیة بمنزلة الحکم بالنسبة إلی المجنون.فالموضوع هو المجنون و الحکم هو سقوط تلک النتائج.و لا یجوز أن یؤخذ الحکم فی تعریف الموضوع.و إنما المفروض أن نعرف الموضوع من جمیع جهاته قبل ورود الحکم علیه.

الأمر السادس:ان هنا التفاتة جیدة فی التعریف المشار إلیه فی الأمر السابق.و هو عدم سقوط کل النتائج القانونیة بالجنون.و إنما یسقط بعضها فقط.

و هذا صحیح،فی الفقه الإسلامی أیضا،لصدق اشتغال الذمة مالیا

بالنسبة إلیه،فلو کان الفرد مدیونا و حصل له الجنون لم تبرأ ذمته أو أن مجنونا حطّم شیئا لغیره،اشتغلت ذمته به.إلاّ أن اشتغال ذمته لا یعنی وجوب الدفع علیه،لأن هذا الوجوب حکم تکلیفی ساقط عنه لقصوره،و إنما هو أمر موکل إلی ولیه لا محالة.

و الولی ان بلغ الفرد حد التکلیف مجنونا،فهو أبوه و جده لأبیه،فإن مات أخیرهما أمکن إیکال الأمر إلی وصی.فإن لم یوجد شیء من ذلک فالولی هو الحاکم الشرعی.و علی أی حال فالمجنون لا یخلو من وجود الولی.فإن لم یوجد الحاکم الشرعی و لا وکیله فالولایة تعود إلی عدول المؤمنین.و لو واحدا منهم.و باب الولایة موکول إلی محله.

و المجنون محکوم بالملکیة لأمواله.کما یتعلق بأمواله الخمس،و یجب علی ولیه الإخراج إلی المستحق.و أما تعلق حق الزکاة فیه فمحل خلاف بین الفقهاء و الظاهر عدمه.

فالمهم أن المجنون،تسقط عنه بعض الأحکام لقصوره.و تثبت فی حقه بعض الأحکام أیضا.تماما کما قیل فی التعریف.

الأمر السابع:قال بعض الاختصاصیین ما مؤداه:إنه لا تمرض أو تتعطل القوی العقلیة کلها.و المجنون لیس هو من تعطلت کل قواه العقلیة.

و إنما تعطل بعض القوی دائما بینما تبقی القوی الأخری سلیمة کاملة الفعالیة.

و مثل لذلک:أن شخصا ما من أجل مرضه العقلی قد یتخیل أن شخصا مدیون له بمال،و یحسب ذلک الدین بحساب ریاضی صحیح و دقیق.إلاّ أن أصل الدین الظاهر مجرد و هم جنونی.

أقول:إن المدار الأساس فی شمول الأحکام التی عرفناها للمجنون لأی فرد هو قصوره.و علی ما سمعناه الآن لا یکون التصور شاملا لکل الجهات و الاعتبارات،بل یکون فی بعضها دون بعض.فمهما کان القصور تبعه سقوط التکلیف و مهما حصل الفهم و الالتفات من المجنون کان مکلفا فی

ذلک المورد.و إن کان مجنونا عرفا لکونه ملتفا إلی ذلک الشیء و عارفا به.

و معه فسقوط التکلیف عموما عن المجنون،لا یکون إلاّ مع شمول القصور العقلی عن إدراک الواقع کله،و هذا و ان کان قد یحصل فعلا إلاّ أنه لیس هو بنسبة عالیة بین المجانین!! الأمر الثامن:فی الجنون الدوری.

فإن الجنون قد یکون مستمرا،و هو الجنون المطبق،باصطلاح الفقهاء.و قد یکون دوریا أو أدواریا،یزول فترة و یعود فترة.

و بعد ما عرفنا أن شمول الأحکام السابقة له دائرة مدار القصور نعرف أن الفرد الأدواری یکون مشمولا لها حالة جنونه.بینما یکون مشمولا للأحکام الاعتیادیة حالة إفاقته أو عقله.

نعم،تبقی فی الأدواری بعض الفروع الفقهیة الخاصة به.کما لو جن خلال وقت الصلاة قبل تصدیه لأدائها،أو جن خلال یوم الصوم.أو عاد إلیه عقله و هو فی السفر،فهل یجب علیه القصر،و قد سافر مجنونا.أو أدی حال عقله شهادة کان قد تحملها و شاهدها حال جنونه و هو یدعی الآن أنه ناکر لها تماما.إلی غیر ذلک من التفاصیل الموکولة إلی الفقه.

الأمر التاسع:فی الجنون المؤقت.

ذکرنا فی الأمر الثانی أن الأفراد قد یمرون بصفات مؤقتة،غالبة علی أوضاعهم الطبیعیة،لسبب ما،بحیث لو استمر الحال فی الفرد لهو مجنونا قطعا.إلا أن من حسن حظه أنها مؤقتة بساعات أو أیام قلائل،و ربما مؤقتة بدقائق،علی حسب اختلاف الحالات و الأفراد.و هذا مما یتکرر للفرد الواحد،فضلا عن الأفراد.و لذا قلنا هناک:أن اتصاف الأفراد الطبیعیین بصفات المجانین أمر معتاد.

و إنما کررناه لنعرف حکمه الفقهی.فهل یکون الفرد فی تلک الحالة مشمولا لأحکام المجنون أم لا.و معنی شموله لها کون الواجبات ساقطة عنه

فالمحرمات جائزة له و الجرائم مغفورة له لا یجوز معاقبته علیها.لأنها حصلت فی وقت الجنون،لغضب أو غیره.

و قد سبق أن عرفنا المیزان أو المدار فی سقوط التکالیف عن المجنون، و هو القصور فهنا نکرر أیضا:إنه فی الحالة التی یکون الفرد فیها قاصرا عن إدراک واقعة تماما،بدون أن یخدع نفسه أو غیره،کان التکلیف ساقطا عنه تماما،و أما مع وجود الوعی الکافی فالتکلیف متحقق.و هذا أمر راجع إلی الوجدان فی کل حالة.و لیس لها قاعدة عامة.

و مع الشک فی فقدان الوعی،لو صح التعبیر،کان اللازم الحکم ببقائه،بمقتضی الاستصحاب ما لم نعلم أن الفرد فاقد للوعی بالمرة أو نطمئن بذلک،و مقتضی الحکم ببقاء وعیه تحمیله تبعة فعله أو ترکه لواجب أو محرم.

لکننا هنا ینبغی أن نلتفت إلی بعض الأمور:

أولا:أن الذی لم یسقط عن المجنون من الأحکام التی عرفناها لا یسقط عن هذا المجنون المؤقت لا محالة.

ثانیا:ان المجنون حتی الأدواری منه یحتاج إلی ولی یدبر أمره أما هذا المجنون المؤقت،فلا حاجة له إلی ولی إلاّ إذا استمر به الأمر طویلا.

و السر فی عدم الحاجة،هو أنه و ان کان قاصرا فی بعض أعماله التی استکملها،کما أسلفنا،إلاّ أنه بطبعه العام شخص سوی غیر قاصر،و من کان کذلک لا ولایة علیه شرعا.

من هنا نعرف أن القصور المستمر،کما فی الطفل و المجنون،و هو الذی یشکل طبعا عاما للفرد،هو الذی یحتاج إلی ولایة،أو قد شرعت الولایة له فی الشریعة،و أما القصور المؤقت کالإغماء أو النوم الطویل أو الجنون المؤقت الذی تحدثنا عنه،فلا یحتاج إلی ولایة،و لم تشرع فی حقه.

السفه

هو من جملة أشکال القصور العقلی الذی عقدنا له هذا الفصل.

قال ابن منظور السفَه و السفاه و السفاهة:خفة الحلم و قیل:نقیض الحلم.و أصله الخفة و الحرکة.و قیل:الجهل،و هو قریب بعضه من بعض، و قد سفه حلمه و رأیه و نفسه سفها و سفاها و سفاهة:حمله علی السفه.

و فی التنزیل العزیز إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ .

ابن سیده:سَفِه علینا و سَفُه جهل،سفیه و الجمع سفهاء و سفاه.قال اللّه تعالی کَما آمَنَ السُّفَهاءُ أی الجهال.و السفیه الجاهل و الأنثی سفیهة.و سفه نفسه:حسرها جهلا.و قوله تعالی وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَکُمُ الَّتِی جَعَلَ اللّهُ لَکُمْ قِیاماً .قال اللحیانی:بلغنا أنهم النساء و الصبیان الصغار لأنهم جهال بموضع النفقة.

و قول المشرکین للنبی(صلی الله علیه و آله):أ تسفه أحلامنا،معناه أ تجهل أحلامنا.

و قوله تعالی فَإِنْ کانَ الَّذِی عَلَیْهِ الْحَقُّ سَفِیهاً أَوْ ضَعِیفاً .السفیه الخفیف العقل،من قولهم:تسفهت الریاح الشیء،إذا استخفته فحرکته،و قال مجاهد:السفیه الجاهل و الضعیف الأحمق.

و قال:السفه الخفة.و تسفهت الریاح:اضطربت.و تسفهت الریح الغصون.حرکتها و استخفتها.و ناقة سفیهة الزمام إذا کانت ضعیفة السیر.و سافهت الناقة الطریق إذا خفت فی سیرها.

فقد تحصّل من هذه الکلمات اللغویة أن السفه هو الخفة و هو الجهل.

و هو ضد الحلم.

و ظاهر القرآن الکریم،و هو الذی علیه بناء الفقهاء و المتشرعة أنه ضد الرشد.قال تعالی وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَکُمُ الَّتِی جَعَلَ اللّهُ لَکُمْ قِیاماً

وَ ارْزُقُوهُمْ فِیها وَ اکْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً. وَ ابْتَلُوا الْیَتامی حَتّی إِذا بَلَغُوا النِّکاحَ،فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَیْهِمْ أَمْوالَهُمْ .و هی تفیدنا.

أولا:الحجر علی السفهاء و عدم جواز دفع الأموال إلیهم.

ثانیا:جعل الراشدین الأسویاء قائمین أو أولیاء علی أموال السفهاء بجعل و تشریع من اللّه عز و جل.

ثالثا:ان الیتامی بصفتهم أطفالا من جملة السفهاء.

رابعا:لزوم مراقبة حال الیتامی و امتحان رشدهم.لکی لا یبقی المال لدی الولی حتی بعد بلوغ الیتیم و رشده فیکون ذلک ظلما له.بل یجب أن یتخلی الولی عن ولایته فی لحظة ثبوت(الکمال)للیتیم.

خامسا:ان جواز دفع المال إلی الیتامی،بمعنی صیرورتهم أشخاصا عادیین فی التصرف بدون ولایة أحد:منوط بشرطین:

أولا:أن یبلغوا النکاح.و هو بلوغ سن التکلیف فقهیا.و قد سبق فی بعض فصول کتاب الصوم الحدیث عنه.

ثانیا:ان یحصل لهم الرشد.

و هذا معناه أن سفاهة الصبا ترتفع بأمرین بالبلوغ و الرشد.و إذا حللنا الأمر وجدنا:أن الصبا یرتفع بالبلوغ و السفاهة ترتفع بالرشد.کل ما فی الأمر أن الفرد لو أصبح رشیدا حال صباه لم ترتفع عنه الولایة حتی یبلغ.

و الذی یبدو للنظر:أن الحلم و الرشد معنیان متقاربان.فهما بمجموعهما مقابلان للسفه الذی یمثل الخفة الناشئة عن الجهل.

لأن الجاهل یکون خفیفا متسرعا فی الأمور و غیر متدبر فیها،و من هنا یکون کثیر الخطأ فی اجتماعیاته و اقتصادیاته.و هذا هو السفیه فقهیا.فإذا ارتفعت هذه الصفة عنه عاد متأنیا بطیء الحرکة،بمعنی أنه یتأمل الأعمال و یحسب حساب النتائج و العواقب و ینظر واقعه الاجتماعی و الاقتصادی ببصیرة

کافیة.فهذا الحال:إن شئت سمیته الحلم و إن شئت سمیته الرشد و إن شئت سمیته العلم(بصفته نقیضا للجهل المسبّب للخفة)ما شئت فعبر و قد اختار القرآن الکریم و الفقهاء و القانونیون له لفظ:الرشد:دون غیره.

و قد اتضح لنا من خلال الآیة الکریمة المضمون العام لحال السفه و لحال ارتفاعه.فلا نعید.کل ما فی الأمر أننا ینبغی أن نأخذ بعض الأمور بنظر الاعتبار.

الأمر الأول:أن السفیه قد یکون صبیا و قد لا یکون.کما أن الصبی قد یکون سفیها و قد لا یکون.

و السفیه محجور علیه،بمعنی بطلان المعاملات الصادرة عنه أعنی عن قناعاته الشخصیة بغیر إشراف ولیه،و یحتاج إلی هذا الإشراف شرعا و قانونا.

و الصبی ما دام سفیها فماله کذلک.و أما إذا حصلت له حالة التمییز، فالمشهور و الصحیح هو صحة معاملات الصبی الممیز،فی الأمور القلیلة دون الأمور الکبیرة.و لکن هذا لا یعنی ارتفاع الولایة عنه.فإن ارتفاعها منوط بالبلوغ بنص الآیة.و لا یکفی فیه التمییز حتی إذا اعتبرناه رشدا.

غیر أن هذه الولایة لها بعض الاستثناءات بحسب الأدلة المعتبرة،و هو ما قلناه من صحة المعاملات البسیطة.یعنی بقناعات الصبی و من دون مراجعة ولیه،ما دام صبیا ممیزا.

الأمر الثانی:ان بلغ الفرد رشیدا لم یجز حجب الأموال عنه لأنه ظلم له کما أشرنا،و ارتفاع الولایة عندئذ تعنی بطلان المعاملات من الولی(الذی کان ولیا)و إناطتها بالصبی(الذی کان صبیا)فلا وجه لبقائها عند الولی أو تحت إشرافه.

و أما إذا استمر السفه بالفرد،بقیت الولایة و استمر الحجر علیه،حتی یثبت رشده بالامتحان(الاجتماعی و الاقتصادی)فی یوم من الأیام.

و أما إذا بلغ الفرد رشیدا،و ارتفعت عنه الولایة للأب و الجد.ثم عاد

سفیها لمرض أو شیخوخة أو غیر ذلک.فإن ولایة الأب و الجد لا تعود إلیه، و کان ولیّه الحاکم الشرعی.و تستمر ولایته إلی حین ارتفاع السفه.

الأمر الثالث:نعرف من ذلک أن خرف الشیخوخة من أنواع السفه، و تثبت فیها الولایة علی الفرد.و أما إذا کانت شدیدة فهی من أنواع الجنون عرفا و طبیا.و الولایة أیضا فیها ثابتة.و قد ألمعنا فیما سبق إلی عدم الفرق بین السفیه و المجنون من هذه الناحیة.و أن الولایة علی المجنون إنما هی بصفته سفیها.

الأمر الرابع:إذا کان السفه ثابتا باعتبار الصغر أو بدونه،و شککنا بارتفاعه،فالحکم هو ثبوته ما لم نحرز ارتفاعه،طبقا للامتحان المأمور به فی الآیة الکریمة.

و إذا شککنا فی استمرار الصغر یعنی فی البلوغ،کان الحکم هو استمرار الصغر،ما لم نحرز البلوغ بإحدی علاماته.

و کذلک إذا کان الفرد مجنونا دائما أو دوریا أو مؤقتا،و شککنا بارتفاع جنونه فالحکم هو بقاؤه إلی أن یثبت ارتفاعه.

و إذا کان الفرد رشیدا و شککنا بحصول السفه له،فالحکم هو استمرار رشده ما لم یثبت السفه.و من آثاره عدم نفوذ الولایة علیه إلی أن یثبت السفه.

و کذلک إذا کان الفرد عاقلا،و شککنا بحصول الجنون له،بأی أقسامه،فالحکم استمرار عقله و عدم الولایة علیه ما لم یثبت الجنون.

فصل الرّق

اشارة

بعون اللّه عز و جل،سیأتی الحدیث عن تفاصیل الرق و أحکامه فی کتاب العتق.و نخص الکلام الآن عن الحجر علی الرقیق،کما هو مقتضی موضوع(کتاب الحجر)الذی نتکلم فیه بعد التسلیم بالمعرفة الفقهیة أو الإلمام ببعض التفاصیل،لأحکام الرقیق و أوضاعهم فقهیا،لأن إیضاح کل الأمور فی هذا الفصل غیر ممکن،کما أشرنا.

و الشیء المهم الذی نتحدث عنه فی هذا الفصل هو عن ملکیة العبد أولا و عن الحجر علیه إلاّ بإذن مولاه،ثانیا،و مقدار هذا الحجر و حدوده.و یأتی ثالثا إلی حالات تشبث العبد بالحریة،کما یصطلح علیها الفقهاء لجهة أثر ذلک فی الحجر و عدمه.

ملکیة العبد

المشهور بین الفقهاء أن العبد لا یملک شیئا من المال،و أن مولاه کما یملکه هو شخصیا یملک کل ما تحت یده من أموال حتی ثیابه التی یلبسها.

حتی قد یقال فقهیا بوجود المنافاة بین الرق و الملکیة.و ان الحریة هی السبب الأساسی لحصول الملک.

و الدلیل الرئیسی بل الوحید الذی استولوا به علی ذلک قوله تعالی:

ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوکاً لا یَقْدِرُ عَلی شَیْءٍ . وَ هُوَ کَلٌّ عَلی مَوْلاهُ أَیْنَما یُوَجِّهْهُ لا یَأْتِ بِخَیْرٍ الآیة (1)

الآیة الکریمة هکذا ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوکاً لا یَقْدِرُ عَلی شَیْءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ یُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ یَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَکْثَرُهُمْ لا یَعْلَمُونَ. وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلَیْنِ أَحَدُهُما أَبْکَمُ لا یَقْدِرُ عَلی شَیْءٍ وَ هُوَ کَلٌّ عَلی مَوْلاهُ أَیْنَما یُوَجِّهْهُ لا یَأْتِ بِخَیْرٍ هَلْ یَسْتَوِی هُوَ وَ مَنْ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ النحل 75-76. [1]

.

1) 1)

و تقریب الاستدلال بالآیة علی هذا المطلوب،بعد وضوح أن موضوعها هو العبد المملوک نصا.یکون بأحد ثلاثة تقریبات.

التقریب الأول:قوله تعالی لا یَقْدِرُ عَلی شَیْءٍ .إذ لو کان مالکا لشیء من المال قل أو کثر لقدر علی بعض الأشیاء.مع العلم أن الآیة الکریمة نفت قدرته علی أی شیء،کما هو المستفاد من الفکرة فی سیاق النفی.

التقریب الثانی:قوله تعالی وَ هُوَ کَلٌّ عَلی مَوْلاهُ .یعنی:أنه عالة و ثقل علی مولاه.و هذا یدل عدم ملکیته إذ لو کان مالکا لشیء لما أصبح حاله إلی هذه الدرجة من السوء.

التقریب الثالث:قوله تعالی أَیْنَما یُوَجِّهْهُ لا یَأْتِ بِخَیْرٍ .فلو کان مالکا للمال لحصل منه بعض الخیر.و خاصة إذا التفتنا أن من معانی الخیر:

المال.کما فی قوله تعالی إِنْ تَرَکَ خَیْراً الْوَصِیَّةُ -یعنی مالا.و السیاق أیضا نکرة منفیة.فیکون المراد أن العبد لا یأتی بخیر علی الإطلاق و لا یحصل علی أی شیء من المال.فلو کان مالکا للمال لما أصبح حاله إلی هذه الدرجة من التردی.

إلاّ أن کل هذه التقریبات ناشئة من التسلیم بأمور معینة غیر صحیحة:

أولا:التسلیم بأن قوله تعالی عَبْداً مَمْلُوکاً .یعنی کل عبد أو یشمل جنس العبید.و هذا واضح الفساد،فإن الآیة الکریمة واردة مورد المثل ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عن عبد مّا یکون کذلک.و سیاقها واضح فی أن هذا النوع من العبید لیس هو الأکثر نسبة وجوده بین الممالیک.

فإذا کانت الآیة دالة علی الجنس،فإنما تشمل هذا الشکل من العبید

ذوی الحال المتردی،و لیس جنس العبید کله.

ثانیا:التسلیم بأن العبد إنما أصبحت له هذه الصفات المذکورة فی الآیة الکریمة کَلٌّ عَلی مَوْلاهُ أَیْنَما یُوَجِّهْهُ لا یَأْتِ بِخَیْرٍ و نحوها من عدم ملکیته للمال.

إلاّ أن هذا غیر واضح من الآیة،و غیر متعین سیاقها.لوجود عدة محتملات أخری یمکن أن تکون سببا لهذه الحال الردیئة غیر ما ذکروا.و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

الاحتمال الأول:عدم وجود المال عنده عملیا بالشکل الذی ینفعه لحرمان مولاه له.و هذا لا ینتج ما قالوه:من المنع التشریعی للعبد عن الملکیة أو المنافاة بین الرقیة و الملکیة.

الاحتمال الثانی:تردی مستوی العبد النفسی أو العقلی أو الثقافی، بحیث أصبح علی هذه الحال.بحیث حتی لو أعطیت له تجارة فإنه لا یحسنها.

الاحتمال الثالث:أن العبد لا ینتج النتائج الصالحة بالتصرف بالأموال إلاّ بإذن مولاه،لأنه محجور علیه،فسلطة مولاه علیه و عدم إذنه له بالتصرف قد أنتجت ذلک الحال لدیه.

الاحتمال الرابع:ان المجتمع قد یمقت مستوی معین من العبید و یعرض عن المعاملة معهم،الأمر الذی یسبب لحصول تلک النتائج أحیانا، کما قال المتنبی:

أن العبید لأرجاس مناکید

و هذا لا یعنی فی دلالة الآیة أن جنس العبید هو کذلک.

و بأی هذه الاحتمالات أخذنا الاستدلال علی المنع التشریعی لملکیة العبد بالآیة الکریمة.و ان کان الأرجح من هذه الاحتمالات فی ظاهر الآیة،هو الثانی الذی هو مورد المثل،و هو کان فی صحة المناقشة علی أی حال.

ثالثا:التسلیم بأن المراد بسیاق الآیة هو وصف العبد من ناحیة الجانب الاقتصادی الفقهی أو القانونی.

مع العلم أن هناک عدة قرائن داخلیة متصلة بالآیة تدل علی خلاف ذلک،و ان المراد بیان المستوی المعنوی للفرد و لیس المستوی الاجتماعی و الاقتصادی.و هذا لا ینافی أن السلوک الناتج من المستوی المعنوی الردیء ذو مستوی ردیء بدوره أیضا.

و أوضح قرینة علی إرادة المستوی المعنوی أن الآیة الکریمة شفعت المثل بالعبد المملوک بذکر العبد الصالح ذو الحال الجید فقال هَلْ یَسْتَوِی هُوَ وَ مَنْ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (1)

سورة النحل:آیة 76. [1]

.

و من الواضح أن المراد بهذه الصفات الجیدة هو المستوی المعنوی:أو علی الأقل و القدر المتیقن أنه لیس المراد بها المستوی الاقتصادی.فإذا عرفنا أنه إنما تتم المقابلة المطلوبة و المبینة فی الآیة الکریمة بین الشخصین أو الحالین،إذا کانا من سنخ واحد.بحیث یکون کلاهما اقتصادیا أو کلاهما اجتماعیا أو کلاهما معنویا و هکذا.لتیسر للقارئ المعرفة و التشخیص.

فإذا لم یکن المراد بالعبد الجید الصالح جانبه الاقتصادی.فیکون ذلک قرینة متصلة علی أنه لیس المراد من الطرف الآخر و هو العبد الردیء الحال، جانبه الاقتصادی أیضا.

إذن،فالحدیث فی الآیة الکریمة لیس عن الملکیة،و السلوک السوقی، لکی نتوقع دلالته علی نفی الملکیة أو أی شیء یرتبط بذلک.

بل الصحیح أن القرآن الکریم و السنة الشریفة دالان علی ملکیة العبد للمال.


1) 1)

ففی صحیحة محمد بن مسلم (1)

الوسائل أبواب المکاتبة:باب 1 حدیث 2. [1]

قال:سألته عن قول اللّه عز و جل:

فَکاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِیهِمْ خَیْراً .قال:الخیر،ان علمت أن عنده مالا.

و فی صحیحة الحلبی (2)عن أبی عبد اللّه فی حدیث أنه قال فی قول اللّه عز و جل فَکاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِیهِمْ خَیْراً .قال:کاتبوهم إن علمتم لهم مالا، و بهذا المضمون عدة روایات أخری:

و أحد معانی الخیر فی اللغة هو المال،کما أشرنا و هذه الروایات الصحاح تدلنا أن المراد من الخیر فی الآیة هو ذلک.فتصبح الآیة دالة، بمعونة هذه الروایات:أن الملکیة مطلوبة أو مستحبة للعبد إذا کان له مال و هذا معناه الحکم بملکیته للمال،و أنه لیس مال مولاه بل ماله الخاص به، و قد لا یکون هذا المال ناشئا من عطاء مولاه،بل بسبب آخر کهدیة یقبلها أو حرفة یتخذها.

و بهذا المضمون وردت صحیحة محمد بن مسلم (3)عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)فی قول اللّه عز و جل فَکاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِیهِمْ خَیْراً .قال:الخیر:

أن یشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه و یکون بیده عمل یکتسب به أو یکون له حرفة.

إذن-فالعبد یستطیع أن یعمل و أن یملک نتیجة عمله.سواء کان مکاتبا أم لا.و لذا علقت الآیة الکریمة المکاتبة علی وجود المال أو العمل و إناطته به.فهو موجود بدونها أیضا.

خلافا للمشهور الذین قالوا:إن المولی إذا کاتب عبده دفع إلیه مالا و أذن له بالتجارة و اشترط علیه أن یدفع له أقساطا من المال کل شهر أو أیة مدة أخری.حتی یصل المال المدفوع إلی مقدار معین کمائتی دینار مثلا، فیکون حرا.


1) 1)

2) 2) المصدر:حدیث 3. [2]

3) 3) المصدر:حدیث 5. [3]

و علی هذا المسلک،فإن رأس المال للمالک و الربح له أیضا،و إنما هو من باب التسامح مع العبد و القیام بالاستحباب الشرعی یقبل منه هذا المقدار،و لو طالبه بالمال کله جاز له.

و لکن الآیة واضحة الدلالة بخلاف ذلک،نعم.بالنسبة إلی العبید غیر المالکین للمال إذا کاتبهم المولی لزمه أن یدفع إلی العبد مالا لیتجر به.

فیستطیع أن یدفع أقساط المکاتبة.و علی ما قلناه من حصول الملکیة للعبد.

فإن المولی إن قصد الهبة.صار المال للعبد.و من أمواله یدفع الأقساط.

بل الآیة مشعرة بخلاف المشهور من حیث أن الربح و رأس المال کله للمولی،و إن کان تحت ید العبد.فإن المفروض أن العبد بهذه الأقساط یدفع قیمة نفسه لیتحرر.فإذا کان المال للمولی،إذن لم یقبض المولی من العبد ثمن نفسه و لا درهما واحدا.

حاله فی ذلک حال ما لو أعطاه مالا فأمره بالتجارة له،أی للمولی، بدون مکاتبة.

و الآیة مشعرة أن العبد إنما یدفع ثمن نفسه إذا دفع من ماله أو قل:من ملکیته.و لیس من أموال المولی،کما علیه المشهور.و هو من جملة دلالات الآیة الکریمة علی ملکیة العبد.

إذن المولی

أجمع الفقهاء علی أن العبد محجور علیه فی التصرف بغیر إذن مولاه و هو مالکه.فلا یجوز و لا یصح منه بیع و لا شراء و لا نکاح و لا طلاق و لا غیره بدون إذنه.

و هذا ثابت إجمالا،و صحیح علی الأغلب غیر أننا ینبغی أن نلتفت إلی أن التصرفات المتصلة الإناطة بإذن المولی علی ثلاثة أشکال:

الشکل الأول:تصرف العبد بأموال المولی نفسه.مما قل أو کثر.

و هذا منوط بإذن المولی بصفته مالکا للمال.و بمعنی أن العبد کغیره من

الناس یحرم علیه التصرف بأموال مولاه إلاّ بإذنه.

الشکل الثانی:تصرفات العبد المالیة و غیرها مما ینافی حقوق المولی لدیه أو علیه.و حق المولی:الخدمة و وجوب الطاعة و بالنسبة إلی المرأة التمکین الجنسی أیضا.

و هذا أیضا یناط بإذن المولی.فإن أذن لعبده بالتصرف المنافی لحقه، فمعناه أنه قد تنازل عنه،فترتفع المنافاة عندئذ و یجوز التصرف.مثاله فی ذلک مثال الزوجة التی لا یجوز أن تتصرف فیما ینافی حقوق زوجها، کالتمکین الجنسی و غیره.

و بالنسبة إلی العبد،فإن هذین الشکلین یستوعبان أکثر حیاته،بل کلها أحیانا.إلاّ أن هذا لا ینافی أن نفترض فقهیا وجود شکل ثالث من التصرفات المحتملة للعبد أحیانا.

الشکل الثالث:تصرفات العبد المالیة أو غیرها،مما لا یندرج تحت الشکلین السابقین.فمثلا لیس تصرفه تصرفا فی أموال المولی و لا منافیا لحقه و لا أنه قد نهاه عنه أو أمره بعمل آخر إضافی أو منافی.کالعبد إذا سافر مولاه مدة و لم یذکر له أی توجیه.مع افتراض أنه ترک التوجیه نسیانا أو اضطرارا لا إهمالا و تسامحا.

فهل هناک دلیل علی بطلان أعمال و معاملات العبد(فی أموال نفسه) حتی فی هذه الحدود.

لم یرد نص فی الکتاب و السنة علی ذلک،فی غیر النکاح.فالعبد أو الأمة لیس لهما الزواج إلاّ بإذن مولاهما.و أما فی غیر ذلک فلا دلیل علیه فلا یبقی إلاّ الإجماع.و هو دلیل لبی،باصطلاح علماء الأصول،یعنی لیس فیه إطلاق و شمول،فیؤخذ منه بالقدر المتیقن.و هو الشکل الثانی من التصرفات،أعنی المنافیة مع حقوق المولی،و تبقی التصرفات الأخری حرة بالنسبة إلی العبد.فإن بقی شیء فإنما هو الاحتیاط الاستحبابی فقط.

و أما الشکل الأول،فهو یکون من العبد،کما هو من غیره،شکلا من

أشکال السرقة و الغضب و لا إشکال فی حرمته بغیر الإذن.

و یمکن أن نشیر إلی أنه یکفینا فی جواز تصرف العبد من الشکل الثالث:الأصول النافیة کأصالة البراءة و أصالة عدم الشرطیة فی العبادة و المعاملة.مضافا إلی إمکان التمسک بالعمومات المصححة للمعاملات کآیة التجارة عن تراض،و المؤمنون عند شروطهم.فی تصحیح معاملات العبد المستقلة عن مولاه بهذا المعنی.

المتشبث بالحریة

یصبح العبد متشبثا بالحریة فی عدة موارد.کالمکاتب و المدیر و أم الولد و غیرها،کما سیأتی شرحها فی مواضعها.

و قد اصطلح الفقهاء علی العبد بدون ذلک بالقن.و علی مطلق العبد سواء کان متشبثا بالحریة أم لا بالرق.

و المهم الآن،أن التبشث بالحریة،و هو احتمال الحصول علی الانعتاق فی المستقبل،هل یغیر من الأحکام السابقة فیعطی للعبد فرصة أکبر للتصرف بصفته متشبثا بالحریة أم لا؟ و هذا السؤال لا یفرق نظریا،بین الحکم بملکیة العبد للمال و عدمه و إن کان من الناحیة العملیة،سیکون تصرفه أوسع لو حکمنا بالملکیة،مع الحکم بأن المتشبث بالحریة أکثر حریة فی التصرف من القن.

إلاّ أن الصحیح فی هذا السؤال هو النفی.فإن المتشبث بالحریة مملوک علی أی حال فیشمله حکم الممالیک،کما سبق.

نعم،یوجد أحیانا أن یکون العبد قد تحرر نصفه أو جزء منه و بقی جزء آخر تحت الرق.فإذا حصل ذلک،ففی أغلب الموارد التی تکون من هذا القبیل حکم الفقهاء بسریان الحریة إلی الجزء المملوک فیصبح العبد کله حرا،و یؤمر بأداء قیمة جزئه لمالکه.

کما لو کان العبد لشریکیین فأعتقه أحدهما،فتسری الحریة فی الکل، أشکال السرقة و الغضب و لا إشکال فی حرمته بغیر الإذن.

و یمکن أن نشیر إلی أنه یکفینا فی جواز تصرف العبد من الشکل الثالث:الأصول النافیة کأصالة البراءة و أصالة عدم الشرطیة فی العبادة و المعاملة.مضافا إلی إمکان التمسک بالعمومات المصححة للمعاملات کآیة التجارة عن تراض،و المؤمنون عند شروطهم.فی تصحیح معاملات العبد المستقلة عن مولاه بهذا المعنی.

المتشبث بالحریة

یصبح العبد متشبثا بالحریة فی عدة موارد.کالمکاتب و المدیر و أم الولد و غیرها،کما سیأتی شرحها فی مواضعها.

و قد اصطلح الفقهاء علی العبد بدون ذلک بالقن.و علی مطلق العبد سواء کان متشبثا بالحریة أم لا.بالرق.

و المهم الآن،أن التشبث بالحریة،و هو احتمال الحصول علی الانعتاق فی المستقبل،هل یغیر من الأحکام السابقة فیعطی للعبد فرصة أکبر للتصرف بصفته متشبثا بالحریة أم لا؟ و هذا السؤال لا یفرق نظریا،بین الحکم بملکیة العبد للمال و عدمه و إن کان من الناحیة العملیة،سیکون تصرفه أوسع لو حکمنا بالملکیة،مع الحکم بأن المتشبث بالحریة أکثر حریة فی التصرف من القن.

إلاّ أن الصحیح فی هذا السؤال هو النفی.فإن المتشبث بالحریة مملوک علی أی حال فیشمله حکم الممالیک،کما سبق.

نعم،یوجد أحیانا أن یکون العبد قد تحرر نصفه أو جزء منه و بقی جزء آخر تحت الرق.فإذا حصل ذلک،ففی أغلب الموارد التی تکون من هذا القبیل حکم الفقهاء بسریان الحریة إلی الجزء المملوک فیصبح العبد کله حرا،و یؤمر بأداء قیمة جزئه لمالکه.

کما لو کان العبد لشریکیین فأعتقه أحدهما،فتسری الحریة فی الکل،

و یجب علی(العبد)أن یدفع قیمة نصفه للشریک الآخر.

و هذه السرایة ثابتة للعبد برحمة اللّه عز و جل،إلاّ فی مورد واحد،و هو المکاتبة المطلقة.و إنه إذا أدی قسما من المال انعتق منه بالنسبة و بقی الباقی ملکا لمولاه بدون سرایة الحریة فیه.و من هنا وجب علیه القیام بحق المولی بالنسبة إلی الجزء الرق.فلو تحرر نصفه خدمه فی نصف الوقت،هکذا.

و محل الشاهد الآن:أن العبد إذا سرت فیه الحریة،کان حرا و خرج عن حکم العبید بکل تفاصیلها،و أما إذا بقی جزؤه رقا،کان تصرفه بالنسبة إلی جزئه الحر تابعا للأحرار.و بالنسبة إلی جزئه الرق تابعا للإرقاء.

فمثلا هذا المکاتب الذی تحرر نصفه،الذی مثلنا به.ان قلنا فقهیا بعدم ملکیة العبد.یکون مالکا لنصف ما تحت یده من أموال و تجارة.و کان علیه الاستئذان فی النصف العائد لمولاه.و إن قلنا بملکیته،کان العبد مالکا لأمواله کلها علی أی حال،کل ما فی الأمر أنه یجب علیه أن یوفی حق المالک و یطیع أمره و نهیه بنسبة ما فیه من رق.و علی أی حال،فتجارته التی یدفع منها أقساطه للمولی جائزة،لأنها إما تکون له شخصیا أو یکون مأذونا بها من قبل المولی.إذ لا محصل فقهی لمکاتبة العبد بدون الإذن له بالتجارة، و خاصة إذا لم نقل بملکیة العبد فقهیا.

بل لعل نفس إیجاد المکاتبة شکل من أشکال الإذن له بالتجارة کان منعه عن التجارة بعد المکاتبة،بدون أمل حصولها،شکل من أشکال فسخ المکاتبة،و اللّه العالم.

کتاب الإجارة

اشارة

فصل عمل الحر

اشارة

الإنسان إما حر و إما عبد.فالعبد هو المملوک الذی له قیمة سوقیة یباع و یشتری علی أساسها،و الحر هو الفرد الاعتیادی غیر المملوک و لا قیمة سوقیة له و لا یجوز بیعه و شراؤه.

و الفرد الحر إما أن یعمل لنفسه أو لغیره.و إن عمل لغیره فإما أن یعمل مجانا أو بأجرة.فعمله بأجرة هو الذی یصطلح علیه الفقهاء بعمل الحر.فی مقابل عمل العبد.و الفرق الأساسی بینهما هو أن الحر یستطیع أن یؤجر نفسه فی کثیر من الأحیان فی حین لا یستطیع العبد ذلک إلاّ بإذن مولاه،و لو فعل ذلک لم تکن الأجرة له بل لمولاه.

و الحدیث الآن عن عمل الحر.و ینبغی أن یقع الکلام هنا فی عدة مراحل:

المرحلة الأولی:أقسام عمل الحر

و ینبغی أولا أن نعرف متی یصدق عمل الحر.و هو إجمالا یصدق فیما إذا صدق أنه یعمل للغیر و یستحق علیه الأجرة.

و تفصیل ذلک باختصار:أن فی هذا المقام أمور متعددة:

1-المؤجر الذی یکون صاحب العمل عادة.

2-الأجیر أو العامل.

3-الآلة التی یعمل بها بما فیها الأرض أحیانا.

4-المواد التی یستعملها فی البناء و الزراعة أو غیرها.

و بحسب فهمی،فإن الفرد لا یکون أجیرا إلاّ إذا کانت المواد لغیره و أما إذا کانت له،کان العمل له و لا یستحق أجرة من أحد.فمثلا یمکننا أن ننظر إلی عدة صور فی الزراعة کمثال:

الصورة الأولی:أن تکون الأرض و الآلات لشخص و البذر لشخص آخر و هو العامل.

ففی مثله یکون الناتج له و لا یستحق أجرة،و لکن علیه أجرة الأرض و الآلات لصاحبها.

الصورة الثانیة:أن تکون الأرض لشخص الآلات و البذر لشخص و هو العامل.

فهی کالسابقة،سوی أن أجرة الأرض فقط علی العامل.

الصورة الثالثة:أن تکون الأرض و الآلات لشخص و البذر لشخص کالأولی،إلاّ أن العامل هو مالک الأرض.فهو یزرع بذر غیره فی أرض نفسه.

فالناتج یکون لصاحب البذر،و علیه أجرة الآلات و الأرض.

الصورة الرابعة:أن تکون الأرض لشخص و الآلات و البذر لشخص.

کالثانیة.إلاّ أن العامل صاحب الأرض.

فالناتج یکون لصاحب البذر و علیه أجرة الأرض.

الصورة الخامسة:أن تکون الأرض و البذر لشخص و الآلات لشخص آخر و هو العامل.

فالناتج یکون لصاحب الأرض و البذر و علیه أجرة العامل و الآلات.

إلی غیر ذلک من الصور.و نلاحظ أنه من الناحیة الفقهیة و القانونیة أن الناتج لصاحب البذر دائما.و من هنا یکون هو صاحب العمل و الآخر العامل.

و علی صاحب العمل الأجرة،للعامل.بغض النظر عن أجرة الآلات و الأرض التی تکون الأجرة لصاحبها إن استعملها صاحب البذر و هی لغیره.و کلامنا الآن عن أجرة العامل.

و هذا معنی ما قلناه من أن صاحب العمل هو صاحب المواد.(و هو البذر فی المثال)و یکون الآخر عاملا:و للقارئ أن یطبق الأمر علی الصور الخمس السابقة.و إذا تکلمنا عن الصناعة کان صاحب المواد،کالحدید أو الذهب أو البلاستیک هو صاحب العمل.فإن کانت له لم یستحق الأجرة بل هو الذی یدفعها بإزاء الآلات إن کانت لغیره،و إن کانت لغیره،استحق هو الأجرة من صاحبها.

و إذا تکلمنا عن البناء مهما کان حجمه،کان البناء لصاحب المواد.

و الآخر هو العامل.فإن عمل الفرد بالمواد لنفسه لم یستحق أجرة و هکذا.

و لا نستطیع أن نجعل لرأس المال کنقد أو نحوه دورا فی تعیین العامل من صاحب العمل.لأن رأس المال لا یشارک بمجرده بل بعد أن یتحول إلی أرض و مواد و آلات و نحوها.و لکل شخص فلسفته و فرص و شکل الربح الذی یفضله.ککاسب أو تاجر.فقد یفضل أن یکون عاملا و قد یفضل أن یکون صاحب عمل،لکل واحد ربحه بطبیعة الحال.

نعم،یمکن أن نلحظ رأس المال کمادة،إذا کان هو المتحرک بنفسه فی العمل،کما فی المصارف و البورصات.و عندئذ یکون الربح لصاحب المادة أیضا و هو رأس المال نفسه.

و لبعض أنواع العمل فی الفقه أسماء خاصة معتنی بها بشکل خاص.

و ذلک ناتج من أنه کان علیها العمل فی صدر الإسلام.فورد ذکرها فی عدد من الروایات.مما سبب أن یکتب الفقهاء عنها موضوعات مستقلة.و إلاّ فأنواع العمل أکثر من ذلک بکثیر.نشیر الآن إلی عدد من هذه الأنواع،مع تأجیل الحدیث عن عدد منها إلی(کتاب)فقهی مستقل فیما یأتی:

أولا:المضاربة:و هو ما إذا کانت المواد من شخص و العمل من

شخص.و کان جنس العمل هو التجارة.و تکون الأجرة کسرا عشریا من الربح.و أما إذا أعطی العامل أجرة محددة لم تکن مضاربة باصطلاح الفقهاء بالرغم من أنها لا تختلف عنها سوقیا.

ثانیا:المزارعة:و هو ما إذا کانت الأرض و البذر لشخص و العمل لشخص.و جنس العمل:زراعة.و تکون الأجرة أیضا کسرا عشریا من الناتج.و أما إذا أخذ العامل أجرة محددة لم تکن مزارعة باصطلاحهم.

ثالثا:المساقاة.و هو ما إذا کانت الأرض و الزرع لشخص و العمل لشخص،و المطلوب العنایة بالزرع حین وجوده،و الأجر کسر عشری أیضا من الناتج أو الثمرة.و إلاّ لم تکن مساقاة.

و هذه الأقسام من أوضح إشکال(عمل الحر)الذی جعلناه عنوانا للفصل.إلاّ أنها جمیعا خارجة عنه باصطلاحهم.

رابعا:الجبایة:أو العاملون علیها باصطلاح الفقهاء و هنا یکون رأس المال أو المواد مملوکة ملکا عاما أو قل:للدولة.و العمل فی جمعه و توزیعه لأشخاص آخرین.و یأخذون جزءا من الوارد عادة.

و الشیء الرئیسی الواضح الذی یجمعونه هو الزکاة.و لکن قد یکون غیرها مثلها.کالخمس و الخراج و الجزیة،ورد المظالم و غیرها.

خامسا:ولایة الوقف و العمل بالإشراف علیه و تدبیر أموره و توزیع ریعة.

و إذا لم یکن مجانا کان الولی بمنزلة العامل یستحق الأجرة،و التی هی إما کسر عشری من الناتج أو أجرة محددة موجودة بشرط الواقف أو یرجع فیها إلی العرف السوقی.

سادسا:الأجرة:أو قل الأجرة العادیة أو البسیطة التی یستحقها أی عامل اعتیادی کالحمال أو عامل البرید أو عامل الکهرباء أو غیرها.و الأجر یدفع إما ممن یکلفه بالعمل کالمؤسسة أو الشرکة.و عند ذلک لا یستحق من الأفراد أجرا.و إذا لم یکن کذلک،کالعامل المنفرد استحق العمل علی من یکون العمل فی مصلحته.

و بتعبیر آخر:ان العامل یستحق الأجرة ممن یکلفه بالقیام بالعمل أیا کان.سواء کان دولة أو مؤسسة أو فردا.و لا یستحق من غیره أجرة و ان کان عمله مما یعود إلیه بالنفع.فإن العمل الواحد یستحق الفرد علیه أجرة واحدة لا أجرتین من جهتین.

سابعا:الجعالة،و هی-کما سیأتی-سواء کانت خاصة أو عامة،من جعل الأجرة علی القیام بعمل معین.

و المتعارف منها هو الجعالة العامة أعنی التی لا یکون فیها مخاطب معین.و مثاله السائر فقهیا:من رد دابتی فله کذا.و الجعالة الخاصة هی المتوجهة إلی فرد بعینه کما لو قال له:إذا رددت دابتی أعطیتک کذا.أو إن أجرتک علی رد دابتی أعطیتک کذا.

و فرقها عن الأجرة أو الإجارة أمران:

الأمر الأول:أنها خالیة من لزوم القبول بخلاف الإجارة.

الأمر الثانی:أنها غیر ملزمة للعامل القیام بها بخلاف الإجارة.و لکنها علی أی حال لا تعدو نظریا أن تکون عملا یستحق علیه الأجرة.و سیأتی الکلام عنها فی محلها.

المرحلة الثانیة:فی شرائط عمل الحر

یشترط فی عمل الحر عدة شرائط:و هی باختصار:معرفة الأجیر و الأجرة و العمل و ان لا یغیّر شیئا من المشروع.یعنی أن لا یحلل حراما أو یحرم حلالا.و کذلک تحدید المدة ان کان العمل مما له مدة عادة و بالتالی یجب تحدید جمیع هذه الأمور بشکل لا یکون قابلا للتردید.و أما اشتراط اللفظ أعنی العقد اللفظی.فهو غیر موجود لتحققها بالمعاطاة علی الأصح.

فضلا عن صورة تقدم القبول علی الإیجاب و غیر ذلک من الشرائط.

و نتکلم عن هذه الشرائط التی ذکرناها مختصرا بشیء من التفصیل:

الشرط الأول:تحدید الأجیر بواحد أو جماعة معینین.فلو کان هذا

الشرط غیر متحقق:بأن کان الأجیر محددا بین اثنین أو أکثر أو بین جماعتین.لم تصح الإجارة.

الشرط الثانی:تحدید الأجرة.فلو کانت غیر محددة.کما لو کانت غیر مذکورة أو غیر متفق علیها بالمرة،أو کانت مذکورة إجمالا،بشکل قابل للتردید و التفسیر،لم تصح الإجارة،فإن قام الأجیر بالعمل استحق الأجرة السوقیة بصفته عملا غیر تبرعی.

و أما ان کانت الأجرة مجحفة،فالإجارة صحیحة إلاّ أن للعامل حق الفسخ قبل أن یقوم بالعمل.

و ینبغی أن نلتفت إلی أن التحدید السوقی المتفق علیه فی أی یوم، یعتبر مذکورا فی الإجارة و ان کان قد أهمل ذکره فیها بصراحة.

الشرط الثالث:تحدید مقدار العمل إلی الحد العرفی الکافی،فإن کان فیه بعض الاختلاف الیسیر،فلا ینبغی أن یزداد عن المقدار الذی یتسامح به العرف.و من الممکن القول:إن المقدار الزائد المحتمل هل له أجرة إضافیة إذا قام به الفرد وحده أم لا،فإن لم یکن له أجرة کان احتمال ذکره فی المعاملة ممکنا.و إن کان له أجرة مستقلة،کان تحدید المقدار باعتباره ضروریا،و إلاّ بطلت الإجارة.

و بالرغم من أن هاتین القاعدتین متقاربتان إلی حد ما.إلاّ أن الأولی فقهیا هو الأخذ بالأولی.لتخلف الثانیة أحیانا فی موارد.لا حاجة الآن إلی الدخول فی تفاصیلها.

و کل هذه الشرائط تندرج فی قاعدة واحدة،و هی أنها جمیعا أو بعضها إذا لم یتحقق،کانت الإجارة باطلة،فإن قام الأجیر بالعمل لا بقصد التبرع استحق الأجرة السوقیة.و ان قال الفقهاء:إنه لو عمل مع علمه بالبطلان لم یستحق الأجرة.و لا یبعد ذلک مع علمه بذلک مع بنائه علی صحتها تشریعا و ابتناء اعتقاده بالاستحقاق علیها.و أما بدون ذلک فهو یستحق شرعا الأجرة ما دام غیر ناوٍ للتبرع.

الشرط الرابع:أن لا یکون العمل المتفق علیه مفوتا للواجب أو منجزا للحرام أو کان معه شرط ضمنی یحتوی علی ذلک.

فإن کان هذا الشرط غیر متحقق فی الشرط لا فی العمل بطلت الإجارة و حرم إنجازه علی العامل و کان استحقاقه للأجرة کما سبق أن تحدثنا فی الشرط الثالث.

و ان کان هذا الشرط غیر متحقق فی نفس العمل حرم علی العامل إنجازه.و إن أنجزه عمل حراما و لم یستحق علیه أجرة کائنا ما کان.

و کذلک لو کان هذا الشرط متخلفا فی لوازم المعاملة،لا فیها مباشرة فیما إذا کان الحرام لیس فی المعاملة بل فیما یترتب علیها من نتائج مباشرة.

فالحکم نفسه،کما لو کان نفس الفعل المأجور حراما.

الشرط الخامس:تحدید مدة الإیجار إن کان العمل یحتاج إلی هذا التحدید:فإن الأعمال علی قسمین من هذه الناحیة.

القسم الأول:أعمال لا تحتاج إلی تحدید عادة و عرفا.کخیاطة الثوب أو بناء دار و الإیصال إلی بغداد،و غیرها کثیر حیث یکون المهم النتیجة و هی إنجاز العمل دون المدة.

و لکن قد یکون لبعض الأفراد غرض خاص فی تقلیل المدة،أو المنع من التسامح و التمادی فیها.و عندئذ یمکن اشتراطها فی المعاملة.

و المهم أنه إذا لم تشترط المدة فی مثل ذلک لم یکن ذلک مخلا بالمعاملة.

القسم الثانی:أعمال تحتاج إلی تحدید المدة عرفا.لأنها بطبعها لیست ذات مدة معینة،کأمثلة القسم الأول،بل هی قابلة للزیادة و النقصان، فإذا لم تحدد المدة فی المعاملة کانت مجهولة و المعاملة باطلة.

مثال ذلک العمل فی مصنع أو شرکة مدة معینة.أو الأجرة لعمل شخصی متکرر یومیا أو أسبوعیا أو شهریا.و نحو ذلک.

فإن تم العمل بدون تحدید المدة،أو قل:مع بطلان معاملة الإجارة، استحق الأجرة السوقیة،فی حدیث سبق فی الشرط الثالث.

فهذا هو مجمل ما ینبغی أن یقال فی تحدید شرائط عمل الحر الذی هو الأجیر،و صور تخلف هذه الشروط.

المرحلة الثالثة:فلسفة عمل الحر

اشارة

یستبطن عمل الحر نقطة أساسیة و هی کون الفرد الحر،مالک لعمله، بإزاء العبد الذی لا یکون مالکا لعمله،و إنما هو و عمله ملک مولاه.فما معنی ذلک.

لا شک أن أی فرد متسلط بحسب الخلقة علی أعماله،أو بتعبیر أدق علی تحریک جسمه أیا شاء بمقدار تناسب خلقة الجسم من الحرکة.و هو بذلک مختار من ناحیة و مفکر یستطیع أن یحسب حساب النتائج المترتبة علی عمله عادة،و من هنا یستطیع أن ینفع و یضر بأعمال نفسه أو غیره.

و من هنا یصدق أنه مالک لأعماله.و هذا صدق تکوینی وهبه اللّه سبحانه و تعالی لأی إنسان،و لکنه لیس مقصودا من ملکیته عمل الحر، لنقطتین:

أولا:أنه لا یختلف فیه الحر و المملوک.فی حین أن الملکیة المقصودة مما یختلفان فیه بلا إشکال.

ثانیا:أنه جانب خلقی فی الفرد أو الأفراد،و لیس جانبا اقتصادیا.

لتکون الملکیة الاقتصادیة ملحوظة فیه.

و لکن نقطة القوة فی هذا الجانب الخلقی أو التکوینی،هو أنه یصلح أساسا جیدا و متینا للملکیة الاقتصادیة بلا إشکال.إذ یصدق فی حق العامل لغیره:أنه بذل اختیاره و تفکیره و تعبه فی سبیل فرد آخر فیستحق علیه الأجرة.و معنی ذلک أنه لو لم یکن الأمر کذلک،یعنی لو کان واضحا أن الفرد

غیر مختار و لا مفکر،کالأنعام،أو کان مجبورا غیر مختار بالمعنی الفلسفی، علی أن یصبح هنا واضحا عرفا،فإنه لا یستحق أجرة.کالآلة التی لا تستحق أجرة علی عملها.

إذن،فبطلان هذه المناحی الفلسفیة،و وضوح وجود الاختیار و التفکیر للفرد،هو الأساس المتاح و الواضح،للتسالم العرفی لملکیة الفرد لعمله.

إلاّ أن نقطة ضعف نظریة رئیسیة تکتنف القول بملکیة الفرد لعمله.

و ذلک لأن کل الأعمال إما هی داخلة فی الماضی أو هی مندرجة فی المستقبل و لیس للحاضر إلاّ أقل من طرفة عین.و قد صورة القائل ببیت من الشعر:

ما مضی فات و المؤمل غیب و لک الساعة التی أنت فیها

فإذا لم یکن العمل موجودا عملیا،فکیف یکون مملوکا.بخلاف الأعیان القائمة کالأرض أو الدار أو المراد المنقولة،فإنها ثابتة فیمکن ملکیتها.

و الجواب عن ذلک لا ینبغی أن یکون عقلیا دقیّا،و إنما ینبغی أن یکون عرفیا سوقیا.لأن الملکیة التی نتحدث عنها ملکیة عرفیة سوقیة،فینبغی أن یکون موضوعها و هو العمل عرفیا.إذ لو نظرنا نظرا دقیقا تحولیا،فلعلنا لم نستطع أن نجد الثبوت حتی للأعیان التی زعمنا أنها ثابتة طبقا لعدد من المسالک الفلسفیة،کالمثالیة و الحرکة الجوهریة،و نظریة الفناء،و غیرها.

و الحدیث العرفی عن عمل الحر یکون علی قسمین:
اشارة

باعتبار موضوعه أولا أعنی نفس العمل.و باعتبار محموله ثانیا أعنی الملکیة المنطبقة علیه.

القسم الأول:عمل الحر موضوعا

تتعلق الإجارة دائما،بل مطلق الحکم بالملکیة أعنی بملکیة العمل بالحال و المستقبل.أو قل:بالمستقبل خاصة،بعد وضوح:أن الماضی قد خرج عن الاختیار الآن و أصبح فی ذمة التاریخ.بل بعد وضوح:أن الحاضر

أیضا لا یصلح للملکیة و من ثم لا یصلح للأجرة.لعدة أسباب:منها أنه منجز من الناحیة العملیة،فهو یشبه الماضی من هذه الناحیة.و لا أقل أنه قد توفرت له علله التی لا محیص عن وجوده بعدها.و السبب الآخر:أن الحاضر یشکل لحظة واحدة تفوت بعدها بالضرورة.فلا تکاد تشکّل عملا ذا بال قابل للنفع أو الضرر أو استحقاق الأجرة.

فالمهم هو الحکم بملکیة الفرد اقتصادیا لعمله المستقبلی.أو الذی یستطیع أن ینجزه فی المستقبل.

و لا شک عرفا فی ملکیته لعمله بهذا المعنی،إذ بعد التفات العرف إلی قدرة الفرد علی إنجاز العمل،یجد أنه یملک العمل الذی یقدر علیه.

و بتعبیر آخر:إن الفرد و ان لم یکن مالکا لعمله المستقبلی فعلا،إلاّ أنه مالک له بملکیته لعلله و أسبابه و هی قدرته و اختیاره أو أنه متسلط علیه بتسلطه علی ذلک.فإذا بسطنا ذلک تبسیطا عرفیا کان المعنی:أن هذا الفرد بصفته قادرا علی العمل إذن فهو مالک له و یستحق علیه الأجرة.

و بتعبیر آخر:إن العرف یلحظ العمل المستقبلی ذو وحدة أو وحدات معینة:کعمل یوم أو أسبوع أو شهر مثلا.و ینظر إلی هذه الوحدة أو الوحدات کأنها موجودة بوجود نافع بطبیعة الحال و مطلوب و من هذه الناحیة یدفع العرف بإزائه المال أو الأجور.

و القدرة العرفیة لا تتحدد فقط،بالمقدار المشترک بین البشر و هو القدرة علی العمل.و القدرة علی التفکیر.بل یدخل ضمنها(العلم)أو الخبرة و الاختصاص أیضا.فإذا لم یکن الفرد خبیرا،لم یکن قادرا علی إنجاز العمل عرفا.أو قل:لم یکن قادرا علی إنجاز العمل.کالخبیر تماما.و من ثم استحق أقل منه أجرة.

و کذلک تتحد أیضا بظروف عدیدة،کالصحة الجسمیة،و القدرة المالیة،و الظروف الاجتماعیة أحیانا و غیر ذلک.و هنا یختلف باختلاف العمل،و باختلاف العامل أعنی ما إذا کان فردا أو شرکة و البلد الذی یعمل

فیه أعنی ما إذا کان رأسمالیا أو اشتراکیا أو صناعیا أو متخلفا و نحو ذلک.

و علی أی حال،فبعد أن یلحظ العرف الملابسات الممکن لحاظها فی العامل،یحکم بمقدار ما یمکن له إنجازه من العمل فی المستقبل کشیء مملوک للفرد و یمکن إعطاؤه أو تسلیمه للآخرین،و ذلک بإنجازه تدریجا.

هذا:و یمکن إعطاء نظریة أخری قریبة من الفهم العرفی،فی فهم العمل.

و هی:أن المطلوب عرفا دائما هو النتیجة لا العمل نفسه.فإن العمل إنما هو طریق لإنجاز شیء مطلوب کتحویل القماش إلی ثوب أو الأرض إلی بستان و هکذا.و علی ذلک یکون الفرد مستعدا لدفع الأجرة.و لیس العمل ملحوظا بحیال ذاته.

فصاحب القماش یقول للخیاط:اجعل هذا القماش ثوبا.فإذا حصل ذلک استحق الأجرة،بغض النظر عن الأسلوب الذی اتبعه الخیاط فی إنجازه.فمثلا لو استطاع إنجاز ذلک بتسخیر الجن أو بالدعاء و التضرع مثلا کان مستحقا للأجرة و ان لم یعمل شیئا من الخیاطة.لأن المهم لصاحب العمل هو النتیجة،و لیس العمل نفسه.

نعم،العمل هو الطریقة الرئیسیة للإنجاز فی الحیاة الدنیا،و لیس هو تسخیر الجن و لا الدعاء عادة.

و المهم أن الأجرة لیست علی العمل نفسه بل علی النتیجة،إذن،لا بد أن تلحظ للعمل وجودا عرفیا اقتصادیا لنتحدث عن ملکیته،أو مقابلته بالمال أو الأجر.

و قد یخطر فی البال:أن هذا الذی قلناه لیس صحیحا تماما من الناحیة العرفیة،بل ان العمل ملحوظ عرفا بلا إشکال لوضوح إمکان أو ضرورة تقسیمه إلی وحدات،کالعمل الیومی و الشهری.و إذا کانت النتیجة وحدها ملحوظة لم یمکن تقسیمها إلی وحدات.

و جواب ذلک:أن النتیجة أیضا یمکن تقسیمها إلی وحدات.لوضوح أن العمل الیومی ینتج مقدارا من النتائج و العمل الشهری ینتج مقدارا أکثر و هکذا.و الأجر یختلف بمقدار ذلک.

إذن،فهذه النظریة لا غبار علیها عرفا.و لکن یبقی الوجدان العرفی حاکما بأنه یأخذ العمل بنظر الاعتبار و إن أخذ النتیجة أیضا بنظر الاعتبار.فهو یفهمهما معا.و إن کانا متساویین و متوازیین فی إنتاج المطلوب و هو تغییر الواقع،مثل تحویل القماش إلی ثوب.

و معه فنحن نحتاج،إلی ما قلناه أولا من الحدیث عن فهم العمل عرفا کوحدة یستحق فاعلها علیه الأجرة.

القسم الثانی:عمل الحر حکما

أی الحکم علیه بالملکیة.و العرف بحکم الملکیة علی أی شیء إذا توفر فیه هذان العنصران:

أولا:أن یکون سببا للنفع مما قل منه أو کثر.و لیس عشوائیا خالصا أو مضرا تماما.

ثانیا:أن یکون منسوبا إلی شخص ما حقیقی أو حکمی(قانونی)نسبة مشروعة.

و هذان العنصران یتوفران فی عدة أمور:

1-الأعیان المنقولة و غیر المنقولة:فإنها نافعة،و منسوبة إلی أشخاص معینین،کما هو المفروض.

2-الأعمال فإنها نافعة أیضا و منسوبة إلی فاعلیها.

3-الصفات کالتواضع و الکرم و الشجاعة و الذکاء.فإنها نافعة و منسوبة إلی المتصفین بها.

إلاّ أن العرف یحذف الفقرة الثالثة عن الملکیة و عن المقابلة بالمالیة.

و إنما هی خصائص تنفع أصحابها بالمباشرة دون غیرهم إلاّ أحیانا.و لا یدفع العرف بإزائها مالا.

و یقتصر العرف علی الفقرتین الأولیین بالحکم بالمالیة و الملکیة.

فیندرج فی ضمنها العمل.و هو المطلوب.

فصل شرط العمل

اشارة

و یقع الکلام عن ذلک فی مرحلتین فقهیا تارة و نظریا أخری:

المرحلة الأولی:فی الجانب الفقهی

حیث أفتی الفقهاء طبقا للأدلة المعتبرة:أنه لا یجوز أن یتقبّل الفرد شیئا ثم یؤجره لشخص آخر بأکثر من ذلک لیکون الفرق له إلاّ إذا عزم المستأجر الأول شیئا ما و إن قلّ.و ستتضح هذه الفکرة للقارئ تدریجا.و هذا المعنی سار فی المواد المنقولة و غیر المنقولة و الأعمال أیضا.

أولا:فی المواد غیر المنقولة کالبستان أو الدار،لا یجوز أن یستأجره الفرد بمئة مثلا ثم یعطیها لمستأجر آخر بمئة و عشرین.إلاّ أن یغرم علیها مالا أو عملا.کما لو بنی فیها شیئا أو حفر فیها نهرا أو بئرا أو حرث الأرض و نحو ذلک.

ثانیا:فی المواد المنقولة کالفراش و النبات و ظروف الطعام و غیرها،إذا استأجرها الفرد،فلا یجوز أن یعطیها لشخص آخر بأکثر مما أخذها،علی کلام سنشیر إلیه.

ثالثا:فی العمل،فإذا تکلف الفرد عملا بأجرة،مثلا:تقبل خیاطة الثوب بعشرة،فلا یجوز أن یعطیه لآخر بأجرة أقل إلاّ أن ینجز هو شیئا من العمل فیه.

و الحکم إجمالا فی الفکرة ثابت إجماعا ما فی الروایات المعتبرة.إلاّ

أن بعض تفاصیله،قد تکون مستثناة،و قد تکون غیر مجمع علیها.

و یتضح ذلک من الأمثلة التالیة:

المثال الأول:أن یستأجر الدار بمئة و یؤجرها کلها بأکثر من دون أن یسکنها أو یتصرف فیها.هذا لا یجوز.

المثال الثانی:أن یستأجر الدار بمئة و یسکن فی قسم منها و یؤجر نصفها الآخر بأکثر من نصف الأجرة.فهذا لا یجوز(إلاّ أن یحدث فیها حدثا) کما ورد فی الأخبار،یعنی یقوم فیها بعمل ما.

المثال الثالث:أن یتعهد بالقیام بعمل الأرض التی لغیره بحصة معینة من الناتج،الذی هو المزارعة و المساقاة فی الأغلب،و یدفعها إلی أجیر آخر بأقل من تلک الحصة.أو قل:بحصة أو بنسبة معینة من حصته.فهذا جائز.

المثال الرابع:أن یتعهد بالقیام بعمل الأرض،بمال محدد کمائة دینار مثلا،ثم یدفعها إلی أجیر آخر بأقل،لیکون الفرق له.فهذا غیر جائز.

المثال الخامس:أن یتکفل أی عمل آخر غیر الزراعة،و لا یقوم فیه بشیء و إنما یؤجره علی شخص آخر بأکثر.فهذا غیر جائز.

المثال السادس:أن یستأجر شیئا من الأعیان المنقولة کالفراش و اللباس،و یؤجره لغیره بأکثر منه.فهذا مما لا تنص علیه الأدلة بشیء، و مقتضی القاعدة الأولیة جوازه،إلاّ إذا أمکن تعمیم الأدلة الواردة فی غیر المنقول إلی المنقول من باب التجرید عن الخصوصیة و فهم العموم.

و النصوص الواردة من عموم هذه الفکرة کثیرة و لعلها متواترة.نذکر فیما یلی نماذج منها:

صحیحة الحلبی (1)

الوسائل کتاب الإجارة باب 21 حدیث 1. [1]

:قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:أ تقبل

1) 1)

الأرض بالثلث أو الربع،فأقبلها بالنصف.قال:لا بأس.قلت:فأتقبلها بألف درهم و أقبلها بألفین.قال:لا یجوز.قلت:لم؟قال:لأن هذا مضمون و ذلک غیر مضمون.

و حسنة أبی الربیع الشامی (1)

المصدر:باب 20 حدیث 2. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام:قال،سألته عن الرجل یتقبل الأرض من الدهاقین ثم یؤاجرها بأکثر مما تقبلها به و یقوم فیها بحظ السلطان.فقال:لا بأس به.إن الأرض لیست مثل الأجیر و لا مثل البیت.إن فضل الأجیر و البیت حرام.

و إذا قیدنا هذه الأخیرة بسابقها یصبح الحکم:أن الأرض إنما یجوز إجازتها بأکثر فیما إذا کانت الأجرة نسبة عشریة معینة کالثلث أو الربع،لا مقداراً محدداً کمائة أو ألف.

و عن سلیمان بن خالد عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:إنی لأکره أن أستأجر الرحی وحدها ثم أؤاجرها بأکثر مما استأجرتها.إلاّ أن أحدث فیها حدثا أو أغرم فیها غرما.

و صحیحة محمد بن مسلم (2)عن أحدهما علیهما السلام قال:سألته عن الرجل یستکری الأرض بمائة دینار فیکری نصفها.بخمسة و تسعین دینارا و یعمر هو بقیتها.قال:لا بأس.

و عن إسحاق بن عمار (3)عن جعفر عن أبیه أن أباه کان یقول:لا بأس أن یستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفینة،ثم یؤاجرها بأکثر مما استأجرها به،إذا أصلح فیها شیئا.

و صحیحة محمد بن مسلم (4)عن أحدهما علیهما السلام:أنه سئل عن


1) 1)

2) 2) المصدر:باب 22 حدیث 6. [2]

3) 3) المصدر:حدیث 2. [3]

4) 4) المصدر:باب 23 حدیث 1. [4]

الرجل یتقبل بالعمل فلا یعمل فیه.و یدفعه إلی آخر فیربح فیه.قال:لا إلاّ أن یکون قد عمل فیه شیئا.

و صحیحة عنه (1)

المصدر:حدیث 5. [1]

أیضا عن أحدهما علیهما السلام قال:سألته عن الرجل الخیاط یتقبل العمل فیقطعه و یعطیه من یخیطه و یستفضل.قال لا بأس.قد عمل فیه.

و عن علی الصانع (2)قال:قلت لأبی عبد اللّه علیه السلام:أتقبل العمل ثم أقبله من غلمان یعملون معی بالثلثین.فقال:لا یصلح ذلک إلاّ أن تعالج معهم فیه.قال:قلت:فإنی أذیبه.فقال:ذلک عمل فلا بأس.

إلی غیر ذلک من الروایات.

و إذا أردنا أن نقید الروایات الثلاث الأخیرة الخاصة بالعمل بما هو منقول:کالذهب و الثوب.بالروایات الواردة بغیر المنقول کصحیحة الحلبی السابقة،نتج أن العمل حیثما وجد ان کانت إجارته الثانیة بکسر عشری جاز و إن کانت بقیمة مضمونة لم یجز.

إلاّ أن هذا التعمیم غیر ممکن لعدة أمور:

أولا:أن الکسر العشری فی ریع غیر المنقول معقول،و أما فی المنقولات کالذهب و الثوب و نحوه فهو غیر معقول.إلاّ أن یراد إجارتها مرة ثالثة و هکذا.

ثانیا:من احتمال الفرق بین المنقول و غیره،من انخفاض المنفعة فی غیر المنقول و عدم انخفاضها فی المنقول،کما سنوضح فی المرحلة الثانیة من هذا الفصل.و مع احتمال الفرق لا یمکن التعمیم،کما هو ثابت فی علم أصول الفقه.


1) 1)

2) 2) المصدر:حدیث 7. [2]

ثالثا:احتمال الفرق بین المنقول و غیره من ناحیة أخری،و هو أن العمل فی غیر المنقول استثماری بالمباشرة،کالعمل بالزراعة المنتجة للثمرة.و فی المنقول استثماری بالواسطة،یعنی أن الناتج هو تغییر الثوب أو الذهب إلی شکل جدید،و هو واسطة أو سبب إلی الربح أو الاستثمار.و لیس الاستثمار مباشرا فیه.

و هذا الوجه و إن کان لا یخلو من خدشه یطول الکلام بشرحها إلاّ أن النتیجة و هی عدم إمکان التعمیم صحیحة.و معه فالعمل فی غیر المنقول لا یجوز إعطاؤه لعامل آخر لا بنسبة عشریة و لا بقیمة محددة،ما لم ینجز العامل الأول منه شیئا و لو یسیرا،یکون فی مقابل الفرق الذی یحصل علیه.

المرحلة الثانیة:فی الجانب النظری لشرط العمل

اشارة

و یتم الکلام فی ذلک فی عدة مستویات:

المستوی الأول:فی الجواب علی السؤال عن الفرق بین العین

و المنفعة

و توضیح ذلک:أنه لا شک فی جواز أن نشتری العین،یعنی أی عروض سوقی،و نبیعه بأکثر مما اشتریناه به لیکون الربح لنا أو الفرق فی جیبنا.و هذا جائز شرعا من دون أن یشترط فیها أن یعمل الفرد بالعین عملا أو یغرم مالا قبل البیع.

فإذا کان بیع العین لا یشترط بالعمل الإضافی،فلما ذا یشترط ذلک فی المنفعة و العمل کما سمعنا فی المرحلة الأولی.

فإن المهم سوقیا هو المالیة،و هی متحققة و محفوظة فی المنفعة و العمل،کما هی محفوظة فی العین.فإذا انتقلت إلیه المالیة بمعاملة ما جاز له أن یربح علیها لتزداد کمیة المالیة عنده.و ملکیة مالیة العین تکون بالشراء و ملکیة مالیة المنفعة و العمل،یکون بالإجارة.

إذن،فهذا هو التشابه،فما هو الوجه النظری للفرق بین العین

و المنفعة،من حیث أن بیع العین غیر مشروط بالعمل الجدید،مع أن المنفعة مشروطة به.

و لعل أوضح جواب علی ذلک:یکون انطلاقا من ملاحظة تحقق انخفاض العین عرفا باستمرار ما بین المعاملة الأولی و المعاملة الثانیة،أی من حین ما اشتراها إلی حین باعها بأکثر من قیمتها.بخلاف المنفعة و العمل.

فإنهما أمران استقبالیان ینجزان بالتدریج.فهما غیر موجودین عند المعاملة الأولی أکیدا.و إنما یفترض أن تسبب تلک المعاملة إلی وجودها.

و المفروض أیضا أن تلک المعاملة لم تسبب إلی وجود شیء منها و إنما أوکلها الفرد إلی معاملة أخری إلی أجیر أو مستأجر آخر(یعنی بدون أن یعمل فی العین عملا أو یغرم مالا).فإن حصل الطرف علی رأس ماله فهو حقه.

کما لو آجرها بنفس الأجرة.أما لو حصل علی ربح زائد فهو لیس حقه لأنه أخذه بدون مقابل.

و هذه الجهة فی العمل أوضح منه فی المنفعة،کما لو آجر نفسه علی خیاطة الثوب فلم یعمل شیئا إطلاقا،و أعطی الثوب بإجارة أخری مع فرق یکون له.إذن یکون هذا الفرق لا مبرر له إطلاقا،لا من مبادلة عین و لا عمل و لا منفعة.لأنه لم ینجز شیئا من العمل.و قلنا إن العمل غیر متحقق فی المعاملة الأولی لتکون مالیته محفوظة فیه،کالعین.فسوف یأخذ هذا الطرف ربحه مع الراحة و بدون أی مبرر.

و هذا هو نفسه المبرر فی المنفعة،لعدم انخفاض وجودها و من ثم مالیتها فی المعاملة الأولی.فإن أنجز عملا له مالیة أو غرم مالا بین المعاملتین،کان مستحقا لبقیة الربح.

المستوی الثانی:ان الشرط الذی عرفناه للمعاملة الثانیة قد یستلزم

التصرف بمال الغیر،فیجب أن یکون بإذنه.

و هذا لا یتحقق فی العمل و إنما یتحقق فی المنفعة،کما لو استأجر دارا ثم أجرها إلی شخص آخر بدون أن یعمل فیها عملا.فهنا:مقتضی

الإجارة الأولی هو سکنی المستأجر الأول فیها لا غیر.و المفروض أنه لم یحصل و لن یحصل إطلاقا.

و إنما الذی یحصل أمران:أحدهما:العمل الإضافی الذی هو شرط لصحة الإجارة الثانیة.و ثانیهما:سکنی المستأجر الثانی.و کلاهما تصرف بمال الغیر بغیر إذنه،فکیف جاز ذلک.

و الحق.أنه لو کان ذلک تصرفا بغیر إذن المالک کان حراما.بل یجب استئذان المالک فی کل هذه المراحل من العمل.أو اشتراطها فی الإجارة الأولی.أو أنه یحرز رضاه برفض القرائن الموثوقة،أو أن یکون ذلک مما علیه العمل سوقیا،و متعارفا بین الناس،بحیث یعتبر کالشرائط الضمنی المتسالم علی تحققه.

و بدون ذلک،لا یمکن صحة الإجارة الثانیة لسببین:

السبب الأول:إن إشغال المستأجر الثانی للدار بدون إذن مالکها حرام.

السبب الثانی:ان صحة المعاملة الثانیة مشروطة بأن یعمل المستأجر الأول عملا فی الدار،کما لو وجد فیها حائطا متهدما أو صبغها و نحو ذلک.

فإن کان هذا العمل بدون إذن المالک،کان عملا غصبیا،فلا یکون مؤشرا فی جواز المعاملة الثانیة،لأن العمل الغصبی منهی عنه شرعا،فیکون ملحقا بالعدم.و إنما المطلوب فی الشرط إیجاد ما هو جائز شرعا.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی فی ذلک.

و إنما لم تتعرض الروایات لذلک باعتبار إحراز رضا المالک،من عدة وجوه محتملة،منها کون ذلک متعارفا کما قلنا.أو الاشتراط الضمنی فی الإجارة الأولی،أو أن الصرف علی العین سیکون من الکثرة بحیث یکون فی صالح صاحب المال حتما،و یقنعه بالرضا جزما.

و أکثر الروایات واردة فی إجارة الأرض،و من الواضح أن إیجارها مرة ثانیة متعارف علیه سوقیا منذ ذلک الحین و إلی العصر الحاضر.

المستوی الثالث:فی الفرق بین الکسر العشری و الأجر المحدد

فقد نطقت الروایات کما سمعنا بالفرق بینهما.حیث سأل الراوی فی صحیحة الحلبی:أتقبل الأرض بالثلث أو الربع.فأقبلها بالنصف.قال:لا بأس.قلت:فأتقبلها بألف درهم و أقبلها بألفین.قال:لا یجوز.قلت:لم.

قال:لأن هذا مضمون و ذلک غیر مضمون.

إلی روایات أخری بمضمونها.

و هذا الحکم الذی نطقت به الصحیحة له أسلوبین من الحدیث عنه:

الأسلوب الأول:أن یقال فقهیا:إنه لا فرق بین الکسر العشری و بین الأجرة المحددة فی الاشتراط بالعمل.و ذلک:بالتقیید بالروایات الأخری القائلة بلزوم ذلک کقوله:إلاّ أن أحدث فیها حدثا أو أغرم فیها غرما.

و معناه:أن هذا الشرط إذا لم یحصل،لم تصح المعاملة الثانیة حتی لو کانت بکسر عشری.و أما لو کانت بکمیة محددة فالصحیحة منعت عنه،إلاّ أنه یمکن تقیید المنع بنفس الشرط أو الروایات الدالة علیه،فیکون المضمون هو الجواز فی کلا الصورتین مع تحقق الشرط و بطلانهما مع عدمه.

إلاّ أن هذا الأسلوب یواجه بعض الإشکالات:أوضحها:أنه بعد التقیید من الطرفین لا یبقی أی فرق بین الکسر العشری و القیمة المحددة.

فی حین أن الصحیحة نصت علی الفرق بینهما.و ان أحدهما جائز و الآخر غیر جائز.

و هذا معناه أننا یجب أن نقتصر علی أحد التقییدین:فأما أن نقید الجواز و یبقی المنع علی إطلاقه.و معناه أن المعاملة الثانیة إنما تصح بشرطین:أحدهما:کون الأجرة کسرا عشریا.و الثانی:أن یعمل فی الأرض عملا.و تبقی سائر الصور تحت المنع و هذا هو الأرجح و الأحوط.

و أما أن نقید المنع بالشرط،و أن المعاملة الثانیة إنما تبطل بشرطین:

أحدهما:إذا کانت الإجارة بکمیة محددة من المال.ثانیهما:إذا لم یعمل

فی الأرض عملا.و تبقی سائر الصور تحت الجواز.

و قد أشرنا إلی أن التقیید الأول هو الأولی.و شرحه یثقل علی القاری و یخرج بالکتاب عن غرضه،فیبقی موکولا إلی الفقه.

و قد نطقت الروایات بشرط العمل قبل الإیجار الثانی،فی الأرض و الدار و الحانوت و السفینة و الرحی.الأمر الذی یجعله عاما لکثیر من الأشیاء بعد التجرید عن الخصوصیة،و خاصة غیر المنقول منها.

و علی أی حال یبقی السؤال الذی عقدنا له هذا المستوی الثالث من الکلام،عن الفرق بین الکسر العشری و الأجر المحدد،حیث منعت الروایات عن الإجارة الثانیة بالأجر المحدد و أجازت فی الکسر العشری.

فلما ذا کان ذلک.

و یقع الکلام من ناحیتین من حیث أننا تارة نأخذ بما قلناه من التقیید للجواز فی الکسر العشری بصورة إیجاد العمل.و أخری لا نأخذ بذلک،بل نعتبر الحکمین مطلقین علی حالهما.

الناحیة الأولی:إذا أخذنا بما قلناه من شرط العمل الإضافی.فیکون الجواز منحصرا بما إذا کان الکسر عشریا و بالعمل متحققا.و تبقی سائر الاحتمالات الأخری ممنوعة.

و السر فی اشتراط العمل،قد عرفناه،إذ یکون الحصول علی الربح بدونه جزافیا و بلا مقابل.

و أما السر فی اشتراط الکسر العشری،فهو ما صرحت به الروایات المعتبرة نفسها بقوله:لأن هذا مضمون و ذلک غیر مضمون.یعنی أن الأجرة المحددة مضمونة و الکسر العشری غیر مضمون.

و لیس المراد بالضمان هو الضمان فی الذمة،لأنه علی أی تقدیر کان ثمنا فی معاملة الإیجار فیکون مضمونا.

و انما المراد بالضمان هو ضمان تحققه و وجوده لوضوح أن البستان إذا

لم یحصل منه أی ریع کان الکسر العشری منه منعدما.فلا تکون الأجرة مستحقة علی الإطلاق.مع عدم الریع،فی حین لو کانت الأجرة محددة، فهی مضمونة التحقق حتی مع عدم الریع أصلا.

و کذلک:فإن الکسر العشری یقل و یکثر بقلة و کثرة وارد الأرض.و لیس هناک ضمان قطعی لقلته و کثرته عادة.بخلاف الأجرة المحددة.فهذا هو المراد من العبارة.

و علی أی حال،فإن کانت الأجرة محددة فقد تزید علی وارد البستان کله أو تستوعب کثیرا منه.الأمر الذی ینتج ظلما و إجحافا بالمستأجر الثانی.

بخلاف ما إذا کانت الأجرة کسرا عشریا.إذ عندئذ،تکون النقیصة موزعة بین الشخصین المؤجر و المستأجر فی الإجارة الثانیة،کما أن الزیادة تکون بینهما أیضا.

و المفروض فی هذه الناحیة أننا نخص الجواز فی صورة جواز العمل مع کون الإیجار علی الکسر العشری.لأننا بذلک نکون قد حققنا لکلا الشرطین حکمة وجودهما.کما هو غیر خفی علی القاری.مع شیء من التفکیر.و تبقی الاحتمالات الأخری علی البطلان لعدم تحقق أحد الشرطین أو کلاهما،و من ثم لعدم تحقق وجه الحکمة لمشروعیتها.

الناحیة الثانیة:إذا أخذنا الحکم بالصحة فی صورة کون قیمة الإیجار کسرا عشریا،سواء کان هناک عمل منجز مسبقا أم لم یکن.

و بالرغم من أن هذا لم نختره إلاّ أن فیه تفسیرا لظاهر الروایة کصحیحة الحلبی،باستقلالها قبل التقیید.

و قد ألمعنا خلال الناحیة الأولی إلی الحکمة من جواز الکسر العشری و منع القیمة المحددة.و ذلک لأن هذه القیمة قد تستوعب الناتج کله أو کثیرا.

منه بخلاف الکسر العشری الذی یکون فی مصلحة کلا المتعاملین.اقتصادیا.

و هذا وحده یکفی سرا فی التفریق الاقتصادی بین الصورتین و خاصة

بعد أن نفینا القول بالجواز فی القیمة المحددة إذا کانت مع العمل المسبق.

بل نقول إنها ممنوعة مطلقا،و الکسر العشری جائز مطلقا،کما علیه موضوع الکلام فی هذه الناحیة.

المستوی الرابع:فی الحدیث عن إجارة جزء من العین

حیث دلت الروایات أن الفرد قد یستأجر الدار فیسکن فی قسم منها و یؤجر الباقی.و هنا یجب أن لا تزید قیمة الأجرة علی إیجار المجموع الذی دفع فی المعاملة الأولی.

و مقتضی تقییدها بالروایات الأخری:أن زیادة الأجر هنا یمکن أن یکون جائزا إذا أحدث فی القسم المؤجر عملا جدیدا.لتکون الزیادة بإزاء العمل.

کما أن مقتضی فهمها من زاویة الإیجار بالکسر العشری:أن الفرد لو استأجر عینا ذات ریع کبستان،و حجز نصفها له.و أعطی الباقی فی إجارة ثانیة إلی فرد ثانی.فإن کانت الأجرة محددة لم یجز،و إن کانت بالکسر العشری من الناتج جاز مع إنجاز شیء من العمل،علی ما اخترناه.

و السؤال المعروض هنا،فی هذا المستوی الرابع،أن النصف المؤجر بالإجارة الثانیة یکون قد أجّر بقیمة تزید علی قیمته باستقلاله فی المعاملة الأولی.یعنی:بأزید من نصف القیمة السابقة.مع أن مقتضی القاعدة حسب التسلسل الفکری الذی بینته الروایات لقیمة العین کلها:أن لا یزید إیجار النصف فی المعاملة الثانیة علی نصف القیمة فی المعاملة الأولی:إلاّ إذا أحدث فیه حدثا بطبیعة الحال.و هو مما لم تصرح به الروایات فی النصف.

و جواب ذلک:أن هناک فرقا بین إجارة مجموع العین فی معاملة جدیدة و إیجار جزئها:لأنه مع إیجار الجزء یکون الجزء الآخر موجودا فی تأثیر المعاملة الأولی و تحت تصرف المستأجر الأول:و هذا وحده کاف فی تصحیح أخذ الزیادة.لأن استعمال العین فی الجملة یصدق علیه أنه أحدث فیه حدثا.فتأمل.

و یمکن أن یقال:إن المهم شرعا هو عدم حصول الفرد علی ما یزید

علی قیمة مجموع العین،سواء خرج ذلک من إیجار المجموع أو من إیجار الجزء.لأن هذه الزیادة إذا کانت بدون عمل إضافی ستکون بدون مقابل، کما أسلفنا.

کما یمکن أن یقال:إنه یمکن أن نقید الحکم فی النصف،کما قیدنا الحکم فی المجموع.من حیث أنه إذا عمل فیه عملا جازت الزیادة.

و کذلک إذا کانت القیمة کسرا عشریا من الناتج.أو بالتقیید بکلا هذین القیدین کما اخترناه.

المستوی الخامس:فی مناقشات مع بعض أساتذتنا حول الموضوع

حیث سرد (1)

اقتصادنا ج 2 ص 216.

بعض الروایات التی رویناها،و غیرها،و استنتج منها أخیرا أن (2):الکسب لا یقوم إلاّ علی أساس اتفاق عمل خلال المشروع.

فالعمل المتفق هو المبرر الأساسی الوحید لحصول صاحبه علی مکافأة من صاحب المشروع الذی أنفق العمل لحسابه بدون المساهمة من شخص باتفاق عمل لا مبرر لکسبه.

و یرد علی ذلک إیرادان:

الإیراد الأول:ان مراده من الکسب هو العمل لأجل الحصول علی ربح أو دخل.و هذا واضح.إلاّ أن هذا المعنی أعم مما هو موضوع حدیثه و حدیثنا.لأنه یشمل کل أنواع الاسترباح فی حین أن موضوع المسألة هو خصوص بعض إشکال الإیجار.

و لا شک أن مطلق أشکال الاسترباح غیر منوطة بأی عمل و إنما الشرط،علی تقدیر صحته،فهو خاص بموضوع الحدیث.

الإیراد الثانی:ان من الروایات ما یدل علی أن المبرر لیس هو(العمل


1) 1)

2) 2) المصدر:ص 222. [1]

المتفق)کما یقول.بل هو شیء أعم من ذلک،و هو أن یغرم غرامة مالیة عرفاً،سواء کانت هی العمل بصفته شیئا مالیا أو کان غیره،کما لو أنفق نقدا أو کان فیه بعض عناصر الإنتاج کآلات الزراعة أو التبرع بالبذر و نحو ذلک.

و الروایات واضحة فی ذلک.و ما دلّ علیه یمکن أن نقید به ما دل من الروایات علی أن المطلوب العمل.فیکون المعنی:أن المطلوب هو العمل لا بصفته الذاتیة بل بصفته مالا.

و مما دل علی ما أشرنا إلیه روایة سلیمان بن خالد عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:إنی لأکره أن أستأجر الرحی وحدها ثم أؤاجرها بأکثر مما استأجرتها.إلاّ أن أحدث فیها حدثا أو أغرم فیها غرما.

و الرحی ملحوظة هنا بصفتها شیئا غیر منقول لأنهم کانوا یبنون الطابق الأسفل من الرحی فی الأرض.فیمکن أن یشمل الحکم سائر الأمور غیر المنقولة.

و من الطریف أن بعض أساتذتنا یرویها،بدون عبارتها الأخیرة.(أو أغرم فیها غرما).مع أن صاحب الوسائل یرویها معه.و هو حجة فیما نقل.

و یدل علی ذلک أیضا روایة إسماعیل بن الفضل الهاشمی (1)

الوسائل: [1]أحکام الإجارة باب 21 حدیث 3 و 4. [2]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام.و فی نهایتها یقول الإمام علیه السلام:فقال له:إذا استأجرت أرضا فأنفقت فیها شیئا أو رممت فیها فلا بأس بما ذکرت.

و ما ذکره هو موضوع الکلام فی هذا الفصل و هو أن یستأجر الفرد أرضا ثم یؤجرها علی فرد أو أفراد آخرین.و الروایة واضحة فی أن الترمیم أو العمل وحده لیس شرطا بل النفقة کافیة أیضا.و بهذا المضمون نقید الروایات الأخری،کما قلنا.

الإیراد الثالث:ورد فی صحیحة الحلبی السابقة قوله علیه السلام:

لأن هذا مضمون و ذاک غیر مضمون.


1) 1)

و المراد بالمضمون هو الأجرة المحددة،کما سبق أن عرفنا.و بغیر المضمون الکسر العشری المتفق علیه فی المعاملة.

و قد فهم بعض أساتذتنا:أن العقد إذا کان علی أجرة محددة کان هو عقد الإجارة المصطلحة فقهیا.و إن کان علی کسر عشری کان هو عقد المزارعة المصطلحة عندهم.

مع أنه یقول فیها:أتقبل الأرض بالثلث أو بالربع فأقبلها بالنصف قال:لا بأس.قلت:فأقبلها بألف درهم و أقبلها بألفین قال:لا یجوز قلت:

لم.قال:لأن هذا مضمون و ذاک غیر مضمون.و هذا کل نص بالروایة.

فکلا الشکلین ورد بعنوان:أتقبل.لا بعنوان الإجارة و لا بعنوان المزارعة.و الشیء الوحید الذی یبرر فهمه قدس سره هو أن الفقهاء قالوا:إن المزارعة لا تکون إلاّ بالکسر العشری.و أما إذا کانت الأجرة محددة فلیس مزارعة.

و النتیجة الوحیدة لهذا الحکم،هو أن الأجرة إذا کانت محددة.فلا یجوز أن یقول فی لفظ المعاملة:زارعتک.بل لا بد أن یقول:آجرتک.و لا أقل من الاحتیاط الوجوبی فی ذلک.

و أما العکس فلم یتعرض له الفقهاء.و هو أن تکون المعاملة بعنوان الإجارة مع أن الأجرة هی کسر عشری.فإن الظاهر أن هذا مما لا بأس به.

و خاصة إذا کان الفرد لم یدفع شیئا إلاّ الأرض دون البذور و الآلات.کما هو موضوع الروایة.

و النتیجة:أن الظاهر أن کلا موردی السؤال هو من الإجارة لا من المزارعة.أما فی صورة الأجرة المحددة فواضح و مسلم فقهیا.و أما فی صورة الکسر العشری،فلأن المدفوع هو الأرض وحدها دون أی شیء آخر.و بهذا لا تکون مزارعة،کما هو واضح فقهیا.

الإیراد الرابع:فی نفس الروایة:صحیحة الحلبی فهم بعض أساتذتنا

فی قوله:لأن هذا مضمون و ذاک غیر مضمون:أن المراد من الضمان هنا هو الضمان فی المعاملة.فإن الأجرة المحددة تکون مضمونة بنفس عقد الإجارة،و أما الکسر العشری فلا یکون مضمونا بعقد المزارعة.

و هذا بمجرده لا وجه له،لأن الإلزام و الالتزام المعاملی لا فرق فیه بین الإیجار و المزارعة ما دامت المعاملة صحیحة و ساریة المفعول.إذن فالأجرة بکل إشکالها مضمونة فی أی عقد وقعت.یعنی من زاویة الالتزام به.إذن فهذا الفهم الذی فهمه قابل للمناقشة.

و إنما المفهوم عرفا من(المضمون و غیر المضمون):هو الضمان الواقعی أو التکوینی لو صح التعبیر،کما سبق أن شرحنا.و ذلک:أن الأجرة لو کانت محددة فسوف یمکن دفعها فی أی وقت متأخر عن العقد.و أما لو کانت الأجرة کسرا عشریا من الناتج،فالناتج قد لا یکون موجودا علی الإطلاق.و إذا کان کذلک لا یمکن دفع الأجرة واقعا و تکوینا،و لن تکون مستحقة قانونا و شرعا أیضا.لأن الکسر العشری إنما یکون له وجود عند وجود الواحد الصحیح.و أما مع انعدامه فالکسر ینعدم أیضا.و کذلک فإن الکسر العشری یقل بقلة الناتج و یکثر بکثرته.و هذا و نحوه،معنی قوله:غیر مضمون.لا الضمان المعاملی فی عقد المزارعة،لأن هذا متحقق علی کل حال،و تمام الکلام فی الفقه.

فصل السرقفلیة

اشارة

تعتبر السرقفلیة أحد موضوعات کتاب الإجارة،بالرغم من عدم وجوده فی الکتب الفقهیة السابقة،لا فی العصر الأول و لا فی العصر الوسیط،لأن السرقفلیة بنفسها لم تکن موجودة سوقیا.و لعلها لم تصبح متعارفة إلاّ فی هذا القرن المیلادی أو القرن السابق الهجری.و المهم التعرف علی معناها أولا، و حکمها الشرعی ثانیا.

ما هی السرقفلیة؟ هی اصطلاح سوقی مأخوذ من اللغة الفارسیة،و حاصل فکرتها:أخذ المال لأجل تمکین شخص آخر أن(یقفل)المکان له أو یحجزه لاستعماله.

و من هنا سمیت السرقفلیة.و من المعلوم عادة أن حق إغلاق المکان أو إقفاله إنما یکون لصاحب الید.فیعود المعنی:أن المال مأخوذ لتبدیل الید بالید.

یعنی التخلیة من قبل الآخذ للمال و الأشغال من قبل دافعه.

و العرف السوقی یسمی هذه المعاملة بیعا و شراء،فالوارد الدافع للمال مشتری و الآخر البائع.مع أنهم یعترفون أن ذلک إنما یحدث بین المستأجرین أنفسهم و لیس لأی منهما من رقبة الأرض أو المحل شیء.

و عادة تکون السرقفلیة فی المحال التجاریة.و قد تشمل أمورا تجاریة أخری کالحمامات العامة أو المسارح أو المنتزهات مما هو تابع للقطاع الخاص.

حکم السرقفلیة

یمکن تقسیم الظروف التی یمر بها المالک و المستأجر،إلی عدة تقسیمات،تختلف بعضها عن بعض فی الحکم.

أولا:التقسیم من حیث کون السرقفلیة متعارفة فی هذا البلد أو غیر متعارفة.و الحدیث عن ذلک یعنی أنها هل هی جائزة أساسا و لو لم تکن متعارفة سوقیا؟ ثانیا:التقسیم من حیث إذن المالک للمستأجر بالتخلیة لغیره،و عدمه، إما فی ضمن المعاملة الأولی أو فی إذن مستقل.

و الحدیث عن ذلک یعنی أنها هل السرقفلیة جائزة،حتی من دون إذن المالک،إما مع نهیه أو مع استغفاله و عدم علمه أم لا.

ثالثا:التقسیم من حیث حصول المعاملة فی زمان صدور قانون الإیجار الذی یمنع المالک عن إخراج المستأجر رغما عنه أو زیادة الإیجار علیه.أو أنها حصلت فی زمان سابق علیه،أو فی مکان لا یسری فیه هذا القانون، کما فی قطر آخر.

و الحدیث عن ذلک یعنی أن السرقفلیة هل هی جائزة فی ظل هذا القانون،أو فی ظل تطبیق ما هو مشروع فی الفقه فی جواز الزیادة علی المستأجر و إمکان إخراجه.

فهذه تقسیمات ثلاثة لکل منها احتمالان أو قسمان،و من ضرب بعضها ببعض(2x2x2)تکون النتیجة ثمانیة احتمالات.یحسن بنا أن نفصل المهم منها.

و لا یخفی أن المتحدثین من الفقهاء عن السرقفلیة،أخذوا للجواز أحد الاحتمالین فی بعض التقسیمات الثلاثة فبینما أخذ سیدنا الأستاذ ظرف صدور القانون کأساس لجوازها،أخذنا بالتعلیقة علیه ظرف التعارف السوقی لهذه المعاملة،کأساس للجواز.علی حین أخذ أحد أساتذتنا ظرف إذن المالک

و الشرط علیه ضمن المعاملة کأساس للجواز.

و أما هذا،کبحث ذی صفة تفصیلیة،فینبغی أن نأخذ الأمور من عدد من جوانبه المهمة،بحیث یتحصل فهم الحکم فی الصور الثمانی المشار إلیها،و لو بشکل ضمنی.

و ینبغی أن یقع الکلام فی ضمن عدة مستویات:

المستوی الأول:أن نأخذ من التقسیم الأول أن السرقفلیة غیر متعارفة سوقیا أو أننا نوجدها فی شیء لا تتعارف فیه کدور السکن.و نأخذ من التقسیم الثانی عدم إذن المالک.لا أقل مع جهله بها و استغفاله،إن طرحنا احتمال نهیه جانبا.و نأخذ من التقسیم الثالث ظرف عدم سرایة قانون الإیجار.

و هذا المستوی هو أسوأ المستویات بالنسبة إلی السرقفلیة،إذ لا شک فی حرمتها شرعا عندئذ.و السبب الأهم فیه هو عدم إذن المالک لا حقیقة و لا ضمنا و لا شرطا.

و نقصد بالإذن الحقیقی استئذانه شفاها و نحو ذلک و الإذن الضمنی هو المتحصل من التعارف السوقی لهذه المعاملة کما سیأتی.و الإذن الشرطی هو الإذن الحاصل من الشرط فی ضمن معاملة الإیجار کما سوف نشیر.فإن لم تکن کل هذه الأمور متحققة کانت السرقفلیة حراما بلا إشکال.و لیس لجوازها أی مبرر شرعی.

و معه یکون أخذ المال حراما و التصرف فیه حراما،کما أن تصرف المستأجر الجدید بالمحل المستأجر حرام.

المستوی الثانی:أن نأخذ من التقسیم الأول احتماله الثانی و هو أن السرقفلیة متعارفة سوقیا،و نحن نوجدها فیما هو متعارف فیه من الأملاک کالمحالّ التجاریة.

و بهذا نکون قد أخذنا صورة حصول إذن المالک،بشکل سنشیر إلیه.

و أما فی التقسیم الثالث،فنأخذ بشکل عدم سرایة قانون الإیجار.

و التعارف السوقی إما أن یکون واضحا و عمیقا و إما أن یکون ضعیفا فإن کان ضعیفا لم یکن بمجرده سببا للحصول علی إذن المالک و من هنا قد نحتاج فی تصحیح السرقفلیة إلی إذن المالک الحقیقی کما سنتحدث عنه فی مستویات آتیة.

و إن کان التعارف السوقی للسرقفلیة کثیرا و مرکّزا فهنا یحتوی علی عدة نقاط قوة من الناحیة الفقهیة:

النقطة الأولی:أنه قد یقال إن السرقفلیة معاملة مستقلة و عرفیة و هی بهذه الصفة تکون مشمولة للعمومات المنفذة للمعاملات کقولهم علیهم السلام(المؤمنون عند شروطهم)فتکون هذه العمومات بنفسها دلیلا علی صحة هذه المعاملة.

النقطة الثانیة:ان هذا التعارف السوقی سیصبح بمنزلة أخذ الإذن من المالک لأن الأطراف جمیعا یعلمون بحصول السرقفلیة ابتداء من الإیجار الأول و هذا معناه أن المالک یرضی بهذه النتیجة إذ لو لم یکن راضیا کان علیه الدلالة علی خلاف ذلک بأن ینهی عنه أو یشترط عدمه فی المعاملة.و حیث أنه لم یفعل إذن فهو راض عن السرقفلیة الآتی یأخذها المستأجر.

النقطة الثالثة:أن هذا المقدار من التعارف الواضح یکون بمنزلة الشرط الضمنی فی محاولة الإیجار بأن المستأجر من حقه أن یقوم بالسرقفلیة علی شکلها العرفی.و لا فرق فی الشروط النافذة فی المعاملات فقهیا بین أن تکون مصرحا بها لفظیا أو متفق علیها ضمنا.

و نتیجة لهذه النقاط الثلاث أشرنا قبل قلیل إلی أننا أخذنا السبب الأهم لجواز السرقفلیة هو تعارفها الاجتماعی و لیس وجود قانون الإیجار کما علیه السید الأستاذ.

المستوی الثالث:أن نأخذ من التقسیم الأول السابق صورة عدم کون السرقفلیة متعارفة،و یلحق بذلک کونها متعارفة علی نطاق ضیق.

و نأخذ من التقسیم الثالث صورة عدم نفوذ قانون الإیجار و أما التقسیم الثانی فهو محل السؤال فی هذا المستوی من أن إذن المالک أو الاشتراط فی المعاملة لإیجاد السرقفلیة هل یصححها فقهیا مع العلم أنها غیر متعارفة کما هو المفروض فی هذا المستوی أو أننا نوجدها فی أشیاء لا تتعارف فیها کدور السکن.

أو أن السرقفلیة تبقی حراما حتی مع إذن المالک و الاشتراط فی المعاملة.

و لا شک أن إذن المالک یحلل ما هو مربوط به و هو استخدام المستأجر الثانی للمکان.و أما ما لیس مربوط به من شرائط صحتها فلا یکون له أثر فی جوازها.

أولا:ان المستأجر الأول لا یجوز له بمجرد کون المحل تحت یده أن یأجره علی شخص آخر ما لم یکن هنا الأمر محرز لرضا من قبل المالک بحیث یصبح المستأجر وکیلا عن المالک فی الإجارة الثانیة.

ثانیا:لیس من حق المستأجر أن یأخذ مالا من المستأجر الثانی بإزاء إجارة المکان لأن الأجرة ریع یملکه مالک المحل لا المستأجر و لیس للمالک تشریع الجواز فی ذلک.نعم له هبة المال من یرید.و هذا أمر خارج عن محل الکلام فقهیا.

ثالثا:لیس من حق المالک تشریع الجواز أو عدمه بل و لا الإذن من قبله للمستأجر بأخذ السرقفلیة لأنه لیس موکلا و لا ولیا له من هذه الناحیة لأن المستأجر عادة یأخذ المال بصفته الاستقلالیة لا بصفته ممثلا للمالک أو وکیلا عنه.

إذن ینتج من کل ذلک أن إذن المالک بمجرده من دون أن تکون السرقفلیة متعارفة لا یصلح أن یکون سببا بالحکم بالجواز کما نقلنا عن أحد أساتذتنا.لکن لو اذن المالک للمستأجر الثانی بالتصدق بالمحل أمکن أن یکون بالسرقفلیة وجه فقهی و هو فی صورة ما إذا کان المستأجر الأول قد

اشترط علی المالک عدم إخراجه أو استمرار الإیجار لعدة سنوات و عندئذ فیمکن له خلال هذه المدة التنازل للمستأجر الثانی عن شرطه بإزاء المال المقبوض بعنوان السرقفلیة و أما بدون ذلک کما لو کان الإیجار لمدة سنة مثلا فمن الناحیة الشرعیة یجوز للمالک أن لا یجدد عقد الإیجار للمستأجر الأول و أن یختار أی مستأجر آخر و عندئذ یجب علی المستأجر الأول تفریغ المحل و لا یجوز له أخذ الأجرة علی التفریغ و لیس هناک شرط کما هو المفروض الآن لکی یتنازل عنه بإزاء المال.

و قد اتضح قبل قلیل أن ظرف الإیجار مع المستأجر الثانی هو المالک لا المستأجر الأول إلاّ أن یکون وکیلا عنه أو ولیا و نحوه کما أن المالک هو الذی یملک الإیجار و لیس المستأجر إلاّ أن یهبه المالک له،و لیس من حق المالک تغییر التشریع إلی ما یؤدی إلی جواز ذلک و ان کان فی مصلحته أحیانا فأخذ المستأجر الأول للسرقفلیة ان کان بعنوان الأجرة الإیجار الثانی فهو حرام لأن مالکها هو المالک و ان کان بعنوان تفریغ المحل فهو حرام أیضا لأنه أمر واجب علیه و یحرم علیه البقاء فی المحل بعد انتهاء مدة الإیجار إلاّ فی صورة أشرنا إلیها ضمن هذا المستوی.

المستوی الرابع:أن نأخذ من التقسیم الأول صورة کون السرقفلیة متعارفة و من التقسیم الثالث وجود قانون الإیجار الذی یلزم المالک بعدم إخراج المستأجر و لا الزیادة علیه کما اتفق علیه فی معاملتهم الأولی.

و أما التقسیم الثانی فسیکون ساقطا لأننا تحدثنا فیه عن إذن المالک.

و مع وجود قانون الإیجار لا مجال لإذنه.

و قد یقال فقهیا إن وجود هذا القانون یکفی فی إنجاز شرط ضمنی فی معاملة الإیجار مع المالک بمضمونه یعنی أن الإیجار یستمر إلی سنوات غیر محدودة و بنفس الأجرة.و قد أشرنا قبل قلیل أنه مع وجود هذا الشرط فإن للمستأجر التنازل عن حقه للمستأجر الثانی بإزاء المال المسمی بالسرقفلیة.

إلاّ أن هذا یتوقف علی بعض الأمور لصحته الفقهیة.

أولا:أن یکون قانون الإیجار واضحا فی الأذهان حیث یشکل شرطا ضمنیا،و أما بدون ذلک و خاصة مع عدم علم المالک به أو سیره فی الطریق الشرعی فإنه لا یصلح أن یکون دلیلا علی الاشتراط فی المعاملة.

ثانیا:أننا عرفنا أن طرف معاملة الإیجار لأی مستأجر هو المالک و لیس المستأجر السابق علیه فالمستأجر السابق إن أخذ مال السرقفلیة و تنازل عن حقه الضمنی المفروض قانونا أو عن تفریغ المحل فإنه یبقی للمالک حریة الموافقة فی الاتفاق مع المستأجر الجدید أو عدمه و لا یکون اتفاق المستأجر الجدید مع القدیم ملزما للمالک من هذه الناحیة.

و لا یبعد أن یکون اتفاق المالک مع المستأجر الجدید فی ظرف وجود قانون الإیجار غیر ملزم للمستأجر القدیم بدوره بالتخلیة و ترک المحل.

إذن ینتج عن ذلک أنه فی ظرفیة وجود هذا القانون یکون اللازم فقهیا، اتفاق الأطراف الثلاثة و رضاهم بالإیجار الجدید و هم المالک بصفته طرفا للإیجار و المستأجر القدیم بصفته طرفا للسرقفلیة و المستأجر الجدید بصفته طرفا لهما معا.

سرقفلیة المالک

تکون السرقفلیة عادة من حصة المستأجر السابق و هذا هو الذی سبق أن عرفناه و حاولنا اقتناص حکمه الفقهی.

و لکن أحیانا قد تکون السرقفلیة للمالک نفسه و ذلک فی عدة صور محتملة.

الصورة الأولی:ما إذا أراد المالک أن یؤجر المحل لأول مرة و قد یکون متعارفا بین بعضهم أخذ الأجرة و السرقفلیة من المستأجر فیأخذ مائة مثلا بصفتها أجرة شهریة أو سنویة و ألفا مثلا بصفتها سرقفلیة.و أثر ذلک أن الإیجار فی المواعید المتأخرة سیقتصر علی المائة.

و قد أفتی الفقهاء بجواز ذلک إذ أن هذا المورد یعتبر خالیا أساسا من الإشکالات السابقة إذ من الممکن تبریر هذا المال بعدة وجوه نذکر بعضها:

أولا:أن یکون الإیجار فی الموعد الأول کبیرا یمثل مجموع المال المدفوع أولا و الإیجار فی المواعید المتأخرة قلیلة.

ثانیا:أن تکون الأجرة هی المقدار الأقل و یکون المال الزائد مالا إضافیا مشترطا فی المعاملة اللازمة و هذا لا غبار علیه فقهیا حتی بدون سبب فضلا عما إذا کان له سبب.

و لکن یرد علی کلا الوجهین أن المعاملات تکون تابعة للقصود و لا یمکن تبریرها الفقهی خارجا عن قصود المتعاملین و المالک أخذ هذه الزیادة لا بعنوان الإیجار کما فی الوجه الأول و لا بعنوان الإضافة کما فی الوجه الثانی و إنما فقط أخذها بعنوان السرقفلیة التی تمثل أهمیة المحل تجاریا.

فإن لم یکن للسرقفلیة تبریر فقهی خارج هذه الحدود لم یصلح هذا بمجرده تبریرا کافیا له.

و قد یقال:إن التعارف الاجتماعی لهذا الشکل من السرقفلیة یصلح أن یکون سببا للتبریر الفقهی لجوازها کما قلنا فی صورة أخذ المستأجر لها أحیانا.

إن هذا ناشئ من ضعف الفهم الفقهی:

أولا:إن أخذ المالک للسرقفلیة لم یصبح إلی حد الآن واضحا فی أذهان أهل السوق کأخذ المستأجر السابق لها.

ثانیا:أن الوضوح السوقی أخذناه لتحلیل أخذ المستأجر السابق للمال ممن بعده بصفته سببا لتکون شرط ضمنی فی المعاملة مع المالک لإیجاد السرقفلیة.

و أما المعاملة الأولی مع المالک فهذا الوضوح السوقی لو فرضنا صحته لا یفرض علی المالک أخذ السرقفلیة إذ مع الالتفات إلی هذا

المتعارف کما هو المفروض و عدم ذکره فی المعاملة لا یکون للمالک حق التمسک به ضد المستأجر بصفته أعنی المالک مستحقا للسرقفلیة إذ یقال له:

لو کنت راغبا بها لاشترطتها لفظیا و أنت ملتفت إلیها کما هی العادة و حیث لم تشترطها فهذا یعنی إسقاط حقک منها حتی علی تقدیر صحتها و ثبوتها.

الصورة الثانیة:أن المستحق للسرقفلیة من المستأجر الجدید لیس هو المستأجر السابق بل هو المالک.

و هذا إنما یتم فی بعض الصور و هی ما إذا استطاع المالک أن یعمل فی صالح المستأجر الجدید عملا یتسبب به إلی تخلیة المحل من المستأجر السابق بمال أو سلطة أو غیر ذلک و یکون الفرق بین المالین له أعنی المالک فیقع المال هنا عما إذا کان هذا جائزا فقهیا أم لا.

و هذا یحتوی علی بعض نقاط الضعف التی تجعله أردأ فقهیا من استحقاق المستأجر للسرقفلیة.

النقطة الأولی:أن هذا الشکل غیر متعارف علی الإطلاق فی السوق.

و من ثم فهو یخلو من الدعم العرفی فقهیا.

النقطة الثانیة:أن المالک إذا أخرج المستأجر السابق.فقد عمل عملا لمصلحة نفسه قبل أن یکون عملا لمصلحة المستأجر الجدید و یکفی أن نفهم حول ذلک أن المحل إذا فرغ أمکنه أن یقبل فیه أی مستأجر و بأیة قیمة مقبولة.

النقطة الثالثة:انه من الناحیة الشرعیة:إما أن یکون المستأجر الأول قد اشترط الاستمرار فی الإیجار فی المعاملة لمدة أخری أو لا.

فإن اشترط ذلک،لم یجز للمالک إخراجه،إلاّ أن یتنازل باختیاره،و ان لم یشترط،و کانت مدة الإیجار قد انتهت وجب علیه أن یخرج مجانا.و یحرم علیه إشغال المکان بدون إذن مالکه.

نعم یمکن تصور صحة ذلک للمالک فی صورتین

الصورة الأولی:ما إذا کان المستأجر قد اشترط الاستمرار.و قد توصل المالک إلی إخراجه بالمال.و هذا معناه سوقیا:أن السرقفلیة التی تدفع عادة إلی المستأجر السابق.قد دفعها المالک لا المستأجر الثانی توصلا إلی إرضائه بالتنازل عن حقه المشروع.و هذا الأمر بهذا المقدار صحیح شرعا.

الصورة الثانیة:ما إذا کان الاستمرار هو مقتضی قانون الإیجار.

فیتوصل المالک إلی تنازل المستأجر السابق بالمال.و هو معنی السرقفلیة أیضا.

و الفرق من الناحیة الفقهیة بین الصورتین:عدم جواز إخراج المستأجر إکراها فی الصورة الأولی،لأن له الحق المشروع فی استمرار الإجارة بخلاف الثانیة،فإن حقه غیر ثابت شرعا،فیکون إخراجه بالإکراه ممکنا و جائزا.

و علی أی حال،لا یکون المالک مستحقا لأن یأخذ من المستأجر الجدید مالا علی إخراج القدیم،سواء بذل فی هذا السبیل مالا أو أخرجه إکراها.لأنه کما قلنا قد عمل شیئا فی مصلحته قبل أن یکون فی مصلحة المستأجر الثانی.

نعم،لا یبعد جواز أخذ المال إذا اشترط علی المستأجر الثانی ضمن المعاملة.و هذا شامل لصورة ما إذا کان المالک قد بذل المال أم لا.إلاّ أن کون هذا المال الذی یأخذه المالک عندئذ من نوع السرقفلیة أم لا،سوقیا أو فقهیا لا یخلو عن مناقشة.

الصورة الثالثة:من صور حصول المالک علی المال.

إن المالک قد یستطیع إخراج المستأجر الأول من الملک مجانا أو بالإکراه أو بالمال.و لکنه لا یأخذ أجرة إتعابه هذه من المستأجر الجدید بل من شخص آخر له مصلحة فی ذلک.کما لو کان أبا أو ابنا أو أخا للمستأجر الجدید.أو کان شخصا له مصلحة فی خلو المحل من المستأجر القدیم، کما لو کان معارضا له بالتجارة أو مشاکسا له خلقیا أو نحو ذلک.

و هنا یکون المالک قد خدم هذا الفرد الآخر إلی جنب خدمته لنفسه.

إلاّ أن استحقاقه الشرعی لأخذ المال منه،لا یمکن الفتوی بصحته إلاّ فی صورة اشتراطه فی ضمن معاملة مّا،هی إما الإجارة الجدیدة أو أیة معاملة أخری یقوم بها المالک مع ذلک(المستفید).

و قد یقال:إنه یمکن إیجاد معاملة مستقلة یتفق فیها المالک مع الآخر علی إخراج المالک للمستأجر بإزاء المال.کما قد یصح العکس.و هو أن یقوم الآخر بالإخراج بإزاء مال یأخذه من المالک.بعد أن فهمنا أن کلاهما سیصبح مستفیدا من خروجه.

و معه،لا حاجة فقهیا إلی اشتراط دفع المال فی معاملة أخری،غیر هذه المعاملة.

و تکون هذه المعاملة صحیحة،کأیة معاملة أخری یقوم بها فرد لفرد فی إیجار أیة منفعة له،کالحمال ینقل المتاع فیستحق الأجرة.

و لا یحول دون الجزم بذلک فقهیا إلا أن آخذ المال علی أی حال مستفید فی الجملة من المعاملة،فکیف یأخذ المال علی ما یستفید هو منه.

و خاصة إذا کان الآخذ هو المالک.

إلاّ أنه یمکن أن یقال بإزائه:إن کلا من دافع المال و آخذه،کما هو مستفید،کذلک هو مفید لغیره و من هذه الجهة الثانیة یستحق أخذ المال و المعاملة علیه.إلاّ أن هذا-کما قلنا فی الصورة السابقة-یکون تعنونه بعنوان السرقفلیة عرفیا و فقهیا لا یخلو من مناقشة.و علی أی حال فهو أخفی من الناحیة العرفیة باتخاذه هذا الوصف من السرقفلیة المتعارفة المشهورة.

کتاب الضمان

اشارة

فصل أقسام الضمان

قال ابن منظور:ضمن الشیء و به ضمنا و ضمانا:کفل به.و ضمَّنه إیاه کفّله.یقال:ضمنت الشیء أضمنه ضمانا فأنا ضامن و هو مضمون.

و ضمّنه الشیء تضمینا فتضمّنه عنی:مثل غرمته.

و کل شیء جعلته فی وعاء فقد ضمنته إیاه.اللیث:کل شیء أحرز فیه فقد ضمنته و المضامین إما فی بطون الحوامل من کل شیء کأنهن تضمّنه.

فإن أبا عبید قال:هی ما فی أصلاب الفحول،و هی جمع مضمون.

و یقال:ضمن الشیء بمعنی تضمّنه.و من قولهم مضمون الکتاب کذا و کذا.

و المضمّن من الشعر:ما ضمنته بیتا.و قیل:ما لم تتم قوافیه إلاّ بالبیت الذی یلیه.کقوله:

یا ذا الذی فی الحب یلحی اما و اللّه لو علقت منه کما

علقت من حب رخیم لما لمت علی الحب فدعنی و ما

و الضمن و الضّمان و الضّمنة و الضمانة:الداء فی الجسد من بلاء أو کبر.رجل ضمن:مریض.و الجمع:ضمنیون و ضمیین و الجمع:ضمن.

و الضمانة:الحب.و رجل ضمین:عاشق.و فلان ضمن علی أهله و أصحابه أی کلّ.أبو زید یقال:فلان ضمن علی أصحابه و کل علیهم و هما واحد.

و فهمت ما تضمنه کتابک أی ما اشتمل علیه و کان فی ضمنه.و أنفذته ضمن کتابی أی فی طیه.

أقول:تعرف من ذلک أن المعنی الأساسی للضمان،هو التضمن (1)

بعد إسقاط الفرق بین الثلاثی و الرباعی،کما سمعنا من اللغویین أیضا.فإن المهم هو المادة الثلاثیة و لا یختلف الرباعی عنها کثیرا.لأنه مزید و لیس أصلیا.

.

یعنی أن یکون شیء فی شیء.و المعانی الأخری مقتبسة منه.

فالکتاب متضمن للمعنی،و الظرف متضمن للکتاب و الکلام متضمن للمعنی و الشعر متضمن للبیت من قصیدة أخری.

و کذلک:فإن الفرد متضمن للحب و متضمن للمرض و الرحم متضمن للجنین و الصلب للرجل متضمن للماء.

و أخیرا،و هو محل الشاهد فی هذا الفصل:أن الفرد الرشید یتضمن لذمته و مسئوولیته،و محتوٍ علیها.و بهذا یحصل الضمان بالمعنی الفقهی.

سواء کان المضمون أو متعلق الضمان مالا أو عینا أو حیوانا أو إنسانا،کما سنشیر.

و الکفالة المشار إلیها فی معانی الضمان،لا تخرج عن هذا الفهم فإنها سواء کانت کفالة مال أو کفالة فرد،فإنها مما تخص ذمة و مسئولیة الکافل الذی یکون محتویا علی ذمته و مسئولیته،کما أشرنا.

و یمکن تقسیم الضمان بالاصطلاح الفقهی إلی معانی ثلاثة رئیسیة، و من هنا یمکن القول إن له عدة معانی أو مصطلحات،و لیس معنی واحدا، و إن اشترکت بالمعنی العام الذی أشرنا إلیه.

المعنی الأول:الضمان بمعنی مطلق اشتغال الذمة.فکل من اشتغلت ذمته بشیء فهو له ضامن.

و هذا المعنی من الضمان له أسباب عدیدة منها:


1) 1)

السبب الأول:الإتلاف.فکل من أتلف مال الغیر فهو له ضامن.و هذا یسمی فقهیا بضمان الإتلاف.

السبب الثانی:المعاملة.کضمان المشتری للثمن.أو المقترض للقرض أو المستأجر للأجرة و هکذا.و یسمی فقهیا،بالضمان المعاملی.

السبب الثالث:حکم الشارع المقدس،کضمان الحقوق الشرعیة من الزکاة و الخمس،قبل دفعها لمستحقیها.

السبب الرابع:الجریمة،کالقتل و الجرح و نحوه.فإنه إن کان عمدا، تحمل الفاعل مسئولیة القصاص.و إن کان خطأ تحمل الفاعل مسئولیة الدیة.و یکون ضامنا لها،فقهیا و شرعیا،کما سیأتی فی محله.

المعنی الثانی:الضمان بمعنی اشتغال الذمة عن عمد،و إن کانت لو لا ذلک لکانت بریئة لعدم تحقق أی سبب سابق(فی المعنی الأول)للضمان.

و هو یکون بسببین:

السبب الأول:تحمل الفرد ما فی ذمة غیره من المال.و هو(عقد الضمان)الاصطلاحی فقهیا.و هو معاملة مستقلة،تنتج براءة ذمة المدین(أیا کان سبب الدین کما سیأتی)و اشتغال ذمة الضامن.الذی یضمن بدون سبب سابق.

السبب الثانی:اشتغال الذمة بسبب الحوالة،علی بریء،کما سنشیر إلیه.

و فرق هذا عن سابقه:أن المبادرة إلی إنشاء الضمان و إیجاده فی الأول من قبل الضامن نفسه.و فی هذا السبب من المضمون عنه.و یسمی فقهیا بالحوالة علی بریء.و قد قال عند المحقق الحلی (1)

شرائع الإسلام:ج 2 ص 97. [1]

أنه:بالضمان أشبه.

1) 1)

المعنی الثالث:الضمان بمعنی تعلق العهدة و المسؤولیة بعیب أو عمل خارجی(لا ذمی).

و الذمة مع العهدة متشابهان نسبیا فی الاصطلاح الفقهی و القانونی.

لأنهما معا یتضمنان معنی المسؤولیة،إلاّ أن الذمة هی ضرف المال الکلی و العهدة هی،ضرف المال أو العین الخارجی.

و هنا المعنی الثالث من الضمان له عدة أسباب:

السبب الأول:تحمل الفرد لمسؤولیة عین معینة وصلت إلیه بمعاملة معینة.فیجب علیه إرجاعها عند انتهاء المدة ما دامت موجودة.کما فی العین المستأجرة و المستعارة و الودیعة و الأمانة الشرعیة.

السبب الثانی:تحمل الفرد لمسؤولیة إحضار فرد معین.و هی الکفالة فقهیا.

السبب الثالث:تحمل الفرد لمسؤولیة إحضار شیء آخر غیر الإنسان أو إنجاز أی عمل آخر،بدون أن یکون مسئولا عن ذلک بسبب سابق علی هذا التحمل و التکفل.و هی الجعالة،فقهیا.

إلاّ أن الجعالة إن کانت مع طرف معین،تحمل الطرف المسؤولیة کاملة.و إن کانت عامة یعنی لا تخص مخاطبا معینا،لم یتکفل أحد بالتعیین مسئولیتها.کما لو قال:من أحضر دابتی الضالة فله کذا:فحتی لو بدأ بعضهم العمل فی ذلک فله ترکه.لأنه لیس طرفا للقبول مع الآخر.و من هنا لم یعتبر من هذه الناحیة من أسباب الضمان بشکل منجز.نعم هی من أسبابه الاقتضائیة أو قل:الناقصة.و من هنا عددناها فی ضمنها.

فإن أبیت عن ذلک:فإن الجعالة مع طرف معین واضحة التسبیب للضمان فقهیا.و هو ما یسبب اندراج الجعالة،بالمعنی العام فی أقسام الضمان کما ذکرنا.

و لا تختص الجعالة،بمسؤولیة العین،کالعبد و الدابة،و غیرهما.بل

تشمل-کما أشرنا-العمل أیضا أیا کان اتجاهه و نتیجته،کما لو قال:من زرع أرضی أو من خاط ثوبی فله کذا.

فهذا هو مجمل الأقسام.و هی عدیدة جدا،کما هو واضح.و نحن فی هذا الکتاب نذکر المعنی الثانی و الثالث بما لهما من الأسباب.مع تعرض إلی معنی التعدی و التفریط اللذان یکونان فقهیا من أسباب الضمان کثیرا.

و ما یندرج تحت ذلک:هو الضمان(عقد الضمان)و الحوالة و الکفالة و الجعالة.فنعقد لکل واحدة منها فصلا و إن عقد الفقهاء لکل منها کتابا فقهیا مستقلا.

فصل التعدی و التفریط

التعدی فی اللغة

(1)

قال ابن منظور:العادی:الظالم.یقال:لا أشمت اللّه بک عادیک أی عدوک الظالم لک.قال أبو بکر:قول العرب فلان عدو فلان معناه فلان یعدو علی فلان بالمکروه فیظلمه.

و قوله تعالی فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ باغٍ وَ لا عادٍ .قال یعقوب هو فاعل من عدا یعدو إذا ظلم و جار.و الاعتداء و التعدی و العدوان:الظلم.و قوله تعالی وَ لا تَعاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ .یقول:لا تعاونوا علی المعصیة و الظلم.و عدا علیه عدواً و عَداءً و عُدُواً و عُدْوانا و عِدواناً و عُدْویَ و تَعَدّی و اعتدی،کله ظلمه.و عدا بنو فلان علی بنی فلان أی ظلموهم.

و التعدی مجاوزة الشیء إلی غیره.یقال:عدیته فتعدی:أی:تجاوزه و کذلک قوله وَ مَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ .أی یجاوزها:و قوله عز و جل فَمَنِ ابْتَغی وَراءَ ذلِکَ فَأُولئِکَ هُمُ العادُونَ .أی المجاوزون ما هو لهم و ما أمروا به.

و قالت العرب:اعتدی فلان من الحق و اعتدی فوق الحق،کأن معناه جاز عن الحق إلی الظلم.

فالمحصل:أن تعدی یکون بمعنی ظلم و بمعنی جاوز أو جاز.

و کلاهما یصلحان منشأ للاصطلاح الفقهی الآتی.


1) 1) بعد إسقاط الفرق بین الثلاثی و الرباعی کما قلنا فی أول الفصل السابق.لأن الرباعی من المزید و لیس أصلیا.

التفریط فی اللغة

قال ابن منظور:الفارط:المتقدم السابق،فرط یفرط فروطا.و فرّط إلیه رسوله:قدمه و أرسله.و فرّطه فی الخصومة:جرّأه.و منه قول النبی (صلی الله علیه و آله):«أنا فرطکم علی الحوض أی أنا متقدمکم إلیه».

و قال:و فرّطته:ترکته و تقدمته.و فرط علیه فی القول یفرّط:أسرف و تقدم.و فی التنزیل العزیز:أنا نَخافُ أَنْ یَفْرُطَ عَلَیْنا أو أنّ یطغی.و الفرط:

الظلم و الاعتداء.قال اللّه تعالی وَ کانَ أَمْرُهُ فُرُطاً .أی متروکا ترک فیه الطاعة و غفل عنها.و قال أبو الهیثم:أمر فرط:أی متهاون به و وضیع.

و فی حدیث علی(علیه السلام):لا یری الجاهل إلاّ مفرطا أو مفرّطا.هو بالتخفیف:المسرف فی العمل.و بالتشدید المقصر فیه.و فرط فی الأمر یفرط فرطا أی قصر فیه وضیعة حتی فات.و کذلک التفریط.

أقول:و هذا واضح فی منشأ الاصطلاح الفقهی.بل یمکن أن یقال:

إنه لیس للفقهاء فی التعدی و التفریط اصطلاح خاص.و إنما مشوا به علی المعنی اللغوی.نعم.هم التزموه و کرروه فی مصادرهم حتی کان کالاصطلاح،لأنهم لم یجدوا لفظا أدل علی المعنی منه.

الاستعمال الفقهی

أو قل:الاصطلاح الفقهی.و خلاصة الفکرة:أنه فی کثیر من الأحیان تکون العنایة بالغیر و بأمواله واجبة کالعنایة بالنفس شرعا.فمثلا لو کان عند الفرد شیء مملوک لغیره ککتاب أو فراش أو ثوب مثلا.إما بإجارة أو استعارة مثلا.فیجب علیه أن یعتنی به و یحافظ علیه و لا یتسبب إلی إتلافه.

و مقدار المحافظة علیه:إما أن یقول:هی بالمقدار العرفی الذی یصدق علیه أنه حافظ علیه.أو نقول:إنه بالمقدار الذی لا یصدق معه التعدی و التفریط.أو نقول:إنه بالمقدار الذی یحافظ فیه الفرد علی أموال نفسه عادة.

و هذا الأخیر هو أحوط الإشکال،بل لعله راجع إلی المعانی السابقة علیه.فإن محافظة الفرد علی أمواله لا تکون مکثفة عادة.فإن کان الشیء مما یعتاد عرفا المحافظة المکثفة علیه کالحلی،و کان یعمله الفرد فی أموال نفسه،وجب أن یعمله فی أموال غیره أیضا.و صدق أیضا أنه قد تعدی و فرط به ان لم یعمل ذلک.

بل لعل الحفاظ علی أموال الغیر أحیانا تکون أکثر من أموال الفرد فقد یکون الفرد مهملا لأموال نفسه أو بعضها علی الأقل.و لکن یحرم أن یکون مهملا لأموال الغیر بکل صورة.فلو قلنا له:حافظ علیها کما تحافظ علی أموال نفسک تسبب ذلک إلی إهماله إیاها.بل یجب علیه أن یحافظ علیها أکثر.

و من هنا قلنا:إنه یجب أن یحافظ الفرد علی أموال غیره کما یحافظ علی أموال نفسه عادة.أی بالشکل المعتاد الذی یحافظ به الناس الأسویاء علی أموالهم.و المهمل لیس سویّا من هذه الناحیة.

و التعدی و التفریط،یتضمنان معنی عدم المحافظة بالشکل المطلوب و التسبب إلی الإتلاف لو استمر الإهمال.و التفریط فی اللغة عرفنا أنه هو التقصیر و الضیاع.و من هنا استعمله الفقهاء فی معنی(ترک ما یجب فعله)من أعمال المحافظة و الصیانة.کإعطاء الحیوان علفا.فلو ترک ذلک حتی أضرّ به أو مات،کان الفاعل مفرّطا.و لا یسمی متعدیا.لأنه إنما کان ذلک ناتجا عن إهمال و ترک لا من فعل و نشاط.

و أما التعدی فی اللغة فقد عرفنا أنه هو العدوان و الظلم.و هو یتضمن معنی إیجابیا أعنی الفعل و لیس مجرد الإهمال.کما لو ضرب الزجاج المملوک للغیر فکسره فیکون متعدیا و لا یسمی مفرطا،لأن عمله یحتوی علی فاعلیة و نشاط و لیس من إهمال.و من هذا کان التعدی هو(فعل ما یجب ترکه)تضرب الزجاج فی المثال الذی یجب ترکه و تجنبه لتحصل المحافظة علیه.

و الخلاصة:ان التعدی هو فعل ما یجب ترکه و التفریط هو ترک ما یجب فعله.بحیث یؤدی أی منهما إلی عدم المحافظة علی أموال الغیر و عدم العنایة به.فهما یشترکان فی عدم العنایة و یختلفان فی ناحیة الفعل و الترک.

فالتعدی هو الفعل و التفریط هو الترک.

و هما یصدقان فی موارد عدیدة،قد یمکن حصرها تحت عنوانین رئیسیین:

الأول:المحافظة علی مملوک الغیر من الأعیان الخارجیة.کما فی العین التی وصلت إلی غیر مالکها بإجارة أو أعاره أو أمانة أو غیرها.

الثانی:المحافظة علی العمل المنجز فی مصلحة الغیر.

و هو ینقسم إلی قسمین:

القسم الأول:ما یکون علی مملوک الغیر من الأعیان الخارجیة.إذ یجب علی الفرد أن یقوم بعمل تجاهه کزراعة الأرض أو خیاطة الثوب.و لکنه یجب علیه أن یحسن العمل.فإن أساء فیه و أفسد الأرض أو الثوب کان متعدیا أو مفرطا.

القسم الثانی:ما یکون علی الإنسان نفسه،و هو ما یفعله الأفراد الذین یتصرفون بأجسام الآخرین و أنفسهم کالختان و الطبیب و المضمد و الحجام.بل و حتی سائق السیارة،بل و حتی المضیّف یجب أن یعطی لضیفه طعاما طازجا فلو أعطاه طعاما ردیئا و متعفنا أو مسموما کان مفرطا أو متعدیا.

بل لعل المسألة تتعدی إلی ما وراء ذلک.فکل فرد مسلم یجب أن لا یتسبب أو قل:یحرم علیه أن یتسبب إلی الإضرار بالغیر أو بأمواله.و ان لم یکن مواجها أو مجاورا له.فالغدر و النمیمة و الخیانة و العدوان و الفتنة،و غیر ذلک من أسباب الضرر أو القتل،کله فی التعدی و التفریط سواء شمل ذلک فردا أو أفرادا أو مجتمعا،من الناحیة الجسمیة أو النفسیة أو العقلیة أو المالیة، و من هنا ورد عن النبی(صلی الله علیه و آله) أن المسلمین تتکافؤ دماؤهم و یسعی بذمتهم أدناهم و هم ید علی من سواهم.

و هذا واضح فقهیا و شرعیا.إلاّ أن الفقهاء لم یشملوه بعنوان التعدی و التفریط حتی و ان کان الضرر مالیا،لأسباب:

منها:اختصاص هذا المورد بعناوین أخری کالعدوان و النمیمة و الفتنة و غیرها.التی هی محرمة تحریما مستقلا،أو قل:هی محرمة بذاتها فی الأدلة من دون حاجة إلی إرجاعها إلی معنی التعدی و التفریط.

و منها:أن کثیرا من هذه العناوین لا تعود إلی العدوان المباشر کالنمیمة و الخیانة و الفتنة.و إنما تسبب إلی إغراء شخص آخر بالاعتماد المباشر علی الغیر.فالمسؤولیة الرئیسیة ستقع علی المعتدی نفسه،مهما تحمل المسبب من مسئولیة الحرمة بطبیعة الحال.

بینما التعدی و التفریط الاعتیادی لا یکونان إلاّ بالمباشرة،و لا یضمن غیر المباشر.نعم،لو صدق حصوله من شخصین أو أکثر بالمباشرة.کان الحکم الآتی شاملا لهم جمیعا.

حکم التعدی و التفریط

قسم الفقهاء من یکون تحت یده شیء من أموال الغیر إلی:غاصب و أمین.و قالوا:إن الغاصب یضمن حتی من دون التعدی و التفریط و الأمین لا یضمن إلاّ مع حصول التعدی و التفریط.

فإن سیطرة الفرد علی شیء من أموال الغیر إما أن یکون بسبب مشروع أو بسبب غیر مشروع.فالأول هو الأمین و الثانی هو الغاصب.

و السبب المشروع مثل المعاملات الاعتیادیة المأذون بها فی الشریعة کالإیجار و الودیعة و العاریة و المزارعة و المساقاة و المضاربة و غیر ذلک.فکل ما حصل فی ید الفرد من أموال الغیر بأحد الأسباب المشروعة فهو أمین علیه.

و من ذلک:الوکالة و الولایة و الوصایة أیضا.

و أمثال هؤلاء یجب علیهم ترک التعدی و التفریط.أو قل:یجب علیهم المحافظة علی أموال الغیر کالمحافظة علی أموالهم الخاصة بهم.و إذا فعلوا

ذلک و تلف المال بقدر أو اعتداء الغیر أو أی سبب لم یضمن هؤلاء لصاحب المال عوض ماله،أو درک ماله باصطلاح الفقهاء.یعنی تدارک ما فات عنه و التعویض له عما خسر:فإنه غیر واجب ما دام التعدی و التفریط لم یحصل، و تخرج الخسارة من جیب صاحب المال و تستقر علیه.

نعم،مع حصول التعدی و التفریط من قبل أی شخص من هؤلاء فإنه یضمن درک الخسارة و تشتغل ذمته به أو تستقر الغرامة علیه.یعنی یکون هو الخاسر اقتصادیا دون المالک الذی یجب علیه تعویضه.

و من جملة الأسباب المشروعة،مما لا یدخل تحت تسبب معاملة معینة،الإذن فی التصرف سواء کان صریحا أو بالفحوی أو بالوثوق.و کذلک الأمانة الشرعیة و هی ما وقع فی ید الفرد من دون اختیار مالکه.و کذلک اللقطة:و هی ما یجده الفرد من الأموال الضائعة المجهولة المالک.و سیأتی الکلام عنها مستقلا.

و کل هؤلاء،مشمولون لنفس الحکم،و هو عدم الضمان إلاّ مع التعدی و التفریط.

و إن لم یکن السبب مشروعا،فالفرد غاصب لأموال غیره،کالسارق و اللص و المختلس و المتعدی و الظالم،إلی غیر ذلک من العناوین.فمثل هذا الفرد یشمله حکم الغاصب و هو من کان تحت یده شیء من أموال غیره بدون إذنه أو بالأصح:بدون سبب مشروع.

و المراد بالإذن:السماح بالتصرف سواء کان مباشرا أو معاملیا،یعنی نتیجة للمعاملة.کما سبق شرحه.و یوجد من الأسباب المشروعة مما لا یوجد فیه الإذن کالأمانة الشرعیة و اللقطة.و من هنا کان تعریف الغاصب مساویا مع عدم السبب المشروع.

و یمکن القول:بأن الغاصب و الأمانة متضادان.لأن الکراهة:أعنی کراهة المالک لتصرف الغیر بأمواله.هذه الکراهة إما موجودة أو غیر موجودة.

فإن لم تکن موجودة فالفرد أمین.و إن کانت موجودة فالفرد غاصب سواء

کانت الکراهة و عدمها مکشوفان و مبتنیان لفظیا أو ضمنیا أو فحوی أو لمجرد التعارف الاجتماعی المعلوم.فمثلا إن الفرد یکره أن یسرق ماله و لو کان علی استعداد أن یتنازل عنه و یهبه باختیاره و هکذا.

و بهذا نعرف:أن الکراهة إذا لم تحصل کان الفرد أمینا،سواء حصل الرضا أو لم یحصل،کالأمانة الشرعیة و حیث یکون المالک غافلا عن ماله بالمرّة.

و نعرف أیضا:أن الأصل فی التصرف بأموال الغیر هو الأمانة و لیس الغصبیة.یعنی لا یمکن تطبیق حکم الغاصب ما لم یحرز موضوع الغصب، و یتحقق الغصب.و أما إذا لم یتحقق،لم یشمله حکمه.و عندئذ یتعین أن یشمله حکم الأمین.

و نعرف أیضا:أن التعدی و التفریط من أنواع الغصب،و ان لم یصرح به الفقهاء.کما لو کان الفرد أمینا ثم تعدی أو فرّط.فإنه یکون غاصبا،لأن المهم فی الغصب هو کراهة المالک.و من الواضح إنها متحققة فی التعدی و التفریط.فیکون بمنزلة الغصب.

إلاّ أن هذا تعمیم(ملاکی)لم یعتبره الفقهاء،لأنه الأمین مع تفریطه، لا یصدق علیه الغاصب عرفا،کما یصدق علی السارق و المختلس،و ان کان یشبهه موضوعا و هو وجود الکراهة،و حکما و هو کونه ضامنا للعین التالفة و مسئولا عن دفع بدلها إلی مالکها.

نعم،ما یخص الغاصب من الأحکام لا یکون شاملا للمفرّط و المتعدی و هی قولهم:إن الغاصب یؤخذ بأشق الأحوال.أو الفتوی:أنه یضمن أعلی القیم للعین من یوم الغصب إلی یوم التلف أو إلی یوم الأداء أو الفتوی أنه یجب تعزیره من قبل القاضی الشرعی لأجل أن یتوب و یرعوی و لا یعود إلی الظلم.فهذه الأحکام المتعارفة فقهیا للغاصب،مع صدقه العرفی علی أی فرد.و ان کان بعضها محل اختلاف بین الفقهاء.و تعیین ما هو الصحیح، لیس هذا محله.

هذا.و قد یوجد غاصب حسن النیّة و القصد،کما لو غصب شیئا من شخص آخر بقصد المحافظة علی المال.لأنه کان مقتنعا أنه لو بقی تحت ید مالکه لتلف.فأخذه منه غصبا(أعنی مع تحقق الکراهة و النهی)لأجل الحفاظ علیه.و لم یکن المالک مدرکا لتلک المصلحة،و من هنا کان کارها.

إلاّ أن المستقبل کشف عن صدق نیة الغاصب.

و هذا العمل حرام شرعا،فإن الفرد غیر مکلف بالمحافظة علی أموال الغیر زائدا علی قناعة المالک نفسه و إمکاناته.و لو فعله کان غاصبا لتحقق الکراهة سواء حصل النهی الصریح من المالک أو لم یحصل.و یکون مشمولا للحکم العام للغاصب و هو الضمان حتی مع عدم التعدی و التفریط.

و أما کونه مشمولا للتشددات الفقهیة المتزایدة التی أشرنا إلیها.

کقولهم:الغاصب یؤخذ بأشق الأحوال و نحوها.فالظاهر عدم شموله لها، لأنها معقد الإجماع أو الشهرة لا الدلیل اللفظی،فتکون خارجة عن دائرة القدر المتیقن له.فإن القدر المتیقن من الغاصب الذی یؤخذ بأشق الأحوال هو الغاصب بسوء نیّة،أو قل:هو:الغاصب لمصلحته لا لمصلحة المالک.

فإن کان الفرد غاصبا بحسن نیة أو لمصلحة المالک خرج عن القدر المتیقن، و من ثم لم یجز أخذه بأشق الأحوال.

التعدی و التفریط فی العمل

عرفنا أنه کما یمکن أن یحصل التعدی و التفریط فی المال المملوک للغیر،کذلک یمکن أن یحصلا فی العمل.

و کل عامل اتفق مع المالک بمعاملة معینة،فهو أمین،یشمله حکمه و هو عدم الضمان إلاّ بالتعدی و التفریط.کالخیاط الذی یخیط ثوبک،أو الخباز الذی یخبز طحینک و الفلاح الذی یزرع أرضک و التاجر الذی یتاجر بأموالک.و کذلک الطبیب الذی یداویک و الخاتن و المضمد و غیرهم فإنهم جمیعا طرف لمختلف المعاملات.و قد تصرفوا بالمال أو الجسد بإذن أصحابها.

و أما إذا کان من دون إذن صاحب المال،فهو ضامن،سواء صدق عنوان الغصب أو لم یصدق.یعنی سواء کان الفرد غاصبا للقماش فخاطه ثوبا أو کان أمینا علیه أمانة شرعیة فخاطه ثوبا.

فإن الغاصب یؤخذ بأشق الأحوال.و أما الأمین،فیعتد تصرفه ذلک، من باب التعدی،فإنه و إن کان قد یخیط قماش نفسه،لکنه لا یجوز أن یخیط قماش غیره لأن(المحافظة علی المال،مثل ما یحافظ علی أموال نفسه)لا تشمل جواز الخیاطة،بل یجب علیه أن یحافظ علیه بذاته مع عدم التقطیع و التصرف و إن کانت نتیجته حسنة.

نعم،لو أصبحت النتیجة ارتفاع ثمن المنتوج عن السابق،کارتفاع ثمن الثوب علی القماش،فهل یضمن و أی شیء یضمن؟ هنا لا بد من التفریق بین شکلین من التصرف،فإن مال الغیر قد یمر بمرحلة یکون فیه بمنزلة التالف،کالقماش المقطّع لأجل الخیاطة،الذی یسمی بالفصال أو التفصیل،عرفا.بحیث لو ترکه الفرد مقطعا لم تکن له قیمة أصلا أو تکاد.عندئذ یضمن المتعدی قیمة التقطیع،أعنی الفرق بین القماش کما کان متصلا،و قیمته متقطعا.

و أما الخیاطة التی أصلحت حاله،فهو عمل عدوانی،و بدون إذن المالک،فلا یکون مستحقا علیها الأجرة،و لا تکون بمنزلة أداء قیمة التالف، و ان سبب غلاء قیمته.

إذن فیجب علیه إرجاع الثوب،مع الفرق المشار إلیه.نعم،لو کان قد بذل علیه شیئا کالخیوط و الأزرار کان له قبضه.

و الشکل الآخر من العمل ما لا یمر به المال بمرحلة تشبه التلف بل هو یتصاعد تدریجا بالقیمة،کالذهب و الفضة،عند صیاغتهما،و الطحین حین یعجن و یخبز.ففی مثل ذلک:ان کان هذا العمل تعدیا أو اعتداء کما هو محل الکلام،لم یستحق علیه العامل الأجر،و لکنه لا یضمن شیئا،و إنما

یجب علیه إرجاع العین علی حالها.و لا یضمن له المالک فرق الزیادة لأن عمله المنتج لها لم یکن مشروعا.

و أما الطبیب و المضمون و نحوهما،فهو أمین أیضا،إن تم العمل بإذن الطرف أو بالتعامل معه.فإن نجح،کما هو الغالب،فی عمله،أعطاه الأجرة المحددة.فإن لم یکن قد عین له أجرة أو لم یتفقا علیها،استحق الأجرة السوقیة لأمثاله،و لم یجب الزائد و ان کان یتوقعه العامل أحیانا.و لو کان الطبیب و نحوه قد عین الأجور لأی عمل یقوم به و دخل المریض علیه راضیا بذلک استحق الطبیب نفس الأجرة المعینة.

و ان لم یکن بین الطبیب و نحوه و بین المریض اتفاق،کما لو داواه بغیر إذنه أو مع غفلته أو مع خروجه عن الوعی.فإن کان خارجا عن الوعی أو غافلا،استحق الأجرة،لأن الغالب العرفی هو الرضا بالنتیجة مع الالتفات، مع حسن نیة الفاعل الذی هو الطبیب أو المضمد و نحوهما و (ما عَلَی الْمُحْسِنِینَ مِنْ سَبِیلٍ) .

و أما لو داواه مع التفاته و کراهته،فهو بمنزلة الغصب،لا یستحق علی عمله أی أجر و إن نجح فی نتیجته.و هذا العمل حرام منه لأنه اعتداء علی الغیر المسلم أو المؤمن.نعم لو فرض أن فیه إنقاذا لحیاته،و کان المریض کارها لهذا الإنقاذ.وجب علی الطبیب أو أی فرد آخر إجبار المریض علی التداوی و لکن لا یستحق الأجرة.کل ما فی الأمر:أنه لیس حراما بالمعنی التکلیفی کتصرف الغاصب،بل هو واجب علی أی حال لأن فیه إنقاذ النفس المحترمة.

بقی فرع واحد،مرتبط بمجمل الکلام،و هو خطأ الطبیب و نحوه،مع ارتباطه بالمعاملة و الرضا بالعمل من قبل المریض.و مقتضی القاعدة کونه أمینا لا یضمن إلاّ بالتعدی و التفریط.و المفروض أنه خاطئ و الخاطی لا یصدق علیه التعدی و التفریط.و هو واضح مع کونه ناجحا أو باذلا جهده و وسعه، و رغم ذلک یکون قد أخطأ.

نعم،مع التسامح و التهاون أو التعمد،یصدق علیه التعدی و التفریط، فیضمن.و الضمان هنا یکون للنفس لا للمال.لأن تصرفه فی نفس المریض و لیس فی ماله.فلو مات وجبت القصاص منه.و ان کان الضرر دون الموت، یعنی أقل منه،کان لکل ضرر دیته أو قصاصه،کما سیأتی فی محله.

و یشمل هذا الحکم کل من له تصرف فی النفوس،و إضرار بها علی تقدیر حصول الخطأ.کسائق السیارة و السفینة،و الطائرة و الدابة،کلهم بالنسبة إلی الرکاب.و مثل من أمر شخصا بالصعود إلی جبل أو النزول إلی حفرة أو منجم أو السباحة و نحو ذلک.مما قد یکون خطرا علیه،ان کان کذلک عرفا.

فتسبب ذلک إلی حصول ضرر علیه بالنفس أعنی الموت أو ما دونه من الإضرار.

فإن لم یصدق التعدی و التفریط،لم یضمن الأمر،بالعمل.و کذلک إذا کان القیام بالعمل مرتبط بالمصلحة بنفس الفاعل،بحیث یکون قد فعله باختیاره و ان کان مأمورا من قبل الآخر فی نفس الوقت.

أما إذا کان قد قام بالعمل امتثالا للأمر،أو قهرا علی إرادته،و کان الأمر متعمدا لإضراره،ضمن النتیجة مهما کانت.کما سبق.

فصل عقد الضمان

عرفه المحقق (1)

الشرائع:ج 2 ص 91.

فی الشرائع:بأنه عقد شرّع للتعهد بمال أو نفس.

و قال:و التعهد بالمال قد یکون ممن علیه للمضمون عنه مال و قد لا یکون.

فهنا ثلاثة أقسام.یعنی بها:ضمان المال و الحوالة و الکفالة.و قد شرحناها جمیعا فی الفصل الأول من هذا الکتاب الفقهی.

و من الصحیح أنها جمیعا تندرج فی مفهوم الضمان العام،إلاّ أنه بالتخییر بینهما نعرف أنه لا ینبغی إدراجها فی سیاق واحد لوجود اختلافات مهمة بینها.

فالکفالة تتعلق بالنفس،کما سیأتی.و هی و إن تضمنت معنی الضمان للنفس المکفولة،إلاّ أنها ذات مفهوم عرفی مستقل بصفتها لیست طرفا للمال بل للنفس،فإدراجها فی مفهوم الضمان المالی،أمر غیر عرفی.

و أما الحوالة،فلا تتضمن التعهد المشار إلیه فی التعریف،و ان احتاجت إلی رضا المحال علیه(الضامن).إلاّ أن المبادرة و الإیجاب لیس منه و إنما من المحیل(الدائن).و من هنا لا یصدق علیه أنه تعهد ابتدائی منه،سواء کان فارغ الذمة أو مشغولا.

بقی مندرجا فی التعریف(عقد الضمان)الذی نتحدث عنه فی هذا


1) 1)

الفصل.و هو أن یبادر شخص بریء الذمة فیتعهد بتحمل دین شخص مدین، فتبرأ ذمة ذلک المدین،و تشتغل ذمة الضامن.و القبول هنا من الدائن،کما نطقت به الأدلة،لا من المدین.فصحة عقد الضمان متوقفة علی قبول الدائن و رضاه دون المدین.فلو غضب المدین من ضمان دینه صح العقد.و أما بدون رضا الدائن فلا یتم الضمان.

نعم،لأی شخص أن یبرأ ذمة أی مدین بدون عقد الضمان،بمعنی أنه یدفع ما علیه من الدین إلی دائنه.و لا حاجة إلی رضا الدائن إلا بمقدار قبضه للمال و إن لم یعلم کونه وفاء.

فإذا کان الدین قد دفع،لم یبق مجال لضمانه،لأن الذمة عندئذ تکون قد برئت.و أما إذا کان الدین قائما،فمجال الضمان قائم،سواء کان مؤجلا أو حالا،و سواء کان مطالبا به أو لا،و سواء کان مقداره مجهولا أو معلوما کما نطقت به الأدلّة.

و هذا الضمان یؤثر بغض النظر عن أی دین آخر قد یکون متحققا.کما لو کان المضمون مدینا بدینین لشخصین فضمن أحدهم أحد الدینین دون الآخر.

و کذالک لو کان الضامن مدینا للمضمون عنه.فإن انتقال الدین المضمون إلی ذمة الضامن لا یعنی التهاتر بینهما لاختلاف المتعلق.بل یبقی الضامن مدینا للمضمون عنه بالدین الآخر و مدینا بالدین المضمون للمضمون له.

و کذلک لو کان الضامن مدینا للمضمون له.یعنی کان الدائن دائنا لشخصین،فضمن أحد المدینین المدین الآخر.فیصبح الضامن مشغول الذمة بدینین:أحدهما بالضمان و الآخر بدونه.

و لکن لو کان المضمون له مدینا للضامن بدین آخر،غیر الدین المضمون.بطبیعة الحال.و أصبح الضامن مدینا له بالدین المضمون.

فیصبح أحدهما مدینا للآخر بکمیة من المال.فهذا هو موضوع التهاتر.

فیسقط ما فی کلتا الذمتین.و إن زاد أحدهما علی الآخر رجع الدائن بالزائد فقط.

و کذلک لو کان الضامن مدینا للمضمون عنه بدین آخر،فإنه و إن لم یؤثر بعد عقد الضمان،کما قلنا إلاّ أنه بالدفع،یکون للضامن الرجوع علی المضمون عنه بدینه.فیصبح أحدهما مدینا للآخر،و هو موضوع للتهاتر القهری أیضا.

و لا فرق فی منشأ الدین بین أن یکون بسبب القرض.أو قیمة فی عقد البیع أو الإجارة أو المزارعة أو المضاربة أو أی شیء آخر.فالمهم هو ذمة مشغولة بشیء من المال،بسبب مشروع بل حتی بسبب غیر مشروع کما لو غصب شخص مالا و تلف عنده فاشتغلت ذمته به.

و لا یفرق أیضا فی الدین المضمون بین أن یکون مثلیا أو قیمیا أو مالا خالصا،ما دامت الذمة مشغولة به.و قد سبق فی کتاب البیع أن عقدنا فصلا لإیضاح المثلی و القیمی فراجع.

نعم،لا یمکن أن تختلف ذمة الضامن عن ذمة المدین الأصلی (المضمون عنه).فلو کان المال المضمون مثلیا انتقل مثلیا.و لا یمکن ضمان المثلی بالقیمة و لا العکس.إلاّ بناء علی وجه قلناه فی الفصل المشار إلیه.

کما أن الدین لو کان مؤجلا انتقل مؤجلا و ان کان حالا انتقل کذلک.

و لا یمکن ضمان الدین المحال مؤجلا.نعم یمکن العکس،أعنی ضمان الدین المؤجل حالا.و یرجع ذلک إلی تنازل الضامن الذی أصبح مشغول الذمة عن حقه فی التأخیر مع رضا الدائن بذلک.

و المهم فی الدین المضمون هو اشتغال الذمة.فما دامت الذمة غیر مشغولة فلا معنی للضمان.و یتحقق ذلک فیما لم یکن الإنسان مدینا.و هذا واضح إلاّ أن هنا فروضا لیست بهذا الوضوح.

أولا:إذا کان الفرد مسئولا عن عین خارجیة هی ملک للغیر،کانت

عنده عاریة أو ودیعة أو أمانة شرعیة.فإن العرف و الفقهاء لا یعتبرون ما هو خارجی موجودا فی الذمة.بل یسمون المسؤولیة تجاهه:العهدة و لیس الذمة.

إذن،فهذه العین لیست فی الذمة فلا یمکن ضمانها.

ثانیا:إذا کان الفرد عازما علی إیجاد معاملة یکون فیها مدینا،کالبیع لشیء کلی أو الشراء بثمن کلی.و لم یکن قد باع أو اشتری،فتکفل شخص بأن یدفع ما سیحصل فی ذمته.و أنه هو یدفع ثمن هذا الکتاب أو الفراش مثلا إلی المشتری.لم یصح الضمان.لأن الذمة قبل البیع أو الشراء بریئة لم تشتغل بشیء إلی الآن.و إنما یکون له ذلک إذا حصل البیع.

ثالثا:إذا کان فردان أحدهما مدینا للآخر بمال،بحیث یسقط ما فی الذمتین بالتهاتر.فلا معنی لأن یتبرع شخص بضمان ما فی ذمة أحدهما أو کلیهما،لأن حصول التهاتر قهری و یحصل بشکل أسرع من عقد الضمان.

هذا،و ینبغی أن یکون الضمان منجزا،و لا معنی لأن یکون معلقا أو مشروطا بعدم أداء المعین لدینه فی مدة معینة أو مطلقا.کما لو قال له:إن لم تدفع دیتک إلی شهر دفعته أنا و ضمنته عنک.

فهذا ما یمکن أن نسمیه بکفالة الدین أو الکفالة المالیة.و علیها الفهم الحدیث فی عصورنا الحاضرة،و تقوم بها المصارف و غیرها من المؤسسات.

غیر أنها لا تنتج اشتغال ذمة الضامن أو الکفیل بل یبقی المدین هو المشغول الذمة.فإن دفع الدین فهو المطلوب.و إن عصی أو غاب و نحو ذلک،کان للدائن مطالبة الکفیل.

إلاّ أن هذا غیر موجود فقهیا.و ان فعله الکفیل،لم یجب علیه الوفاء، إلاّ إذا کان ضمن معاملة ملزمة وُجدَت بینه و بین الدائن علی شرط أن یکون کفیلا للمدین.فیصح عندئذ،و تکون النتیجة مطابقة للفهم الحدیث.

إلاّ أن قولنا(لم یجب علیه الوفاء)لا یعنی أنه غیر مشروع،بل هو وعد

یستحب له القیام به.و یستحق علیه الأجر إن لم ینو به التبرع،و قد سبق عنه الحدیث عن المصارف.

و علی أی حال،فإن دفع الضامن بالمعنی الفقهی أو الکفیل بالمعنی الحدیث،أو أی شخص تصدی لإبراء ذمة المدین بالدفع و لو من دون إشعار سابق.فإن نوی أحدهم التبرع بدفع الدین فقد تم الأمر و إن لم ینو التبرع کان له أن یرجع إلی المدین الأصلی(المضمون عنه)فیأخذ منه بمقدار ما دفع،و هذا معنی ما قاله الفقهاء من أن الدین یستقر علی المدین الأصلی.

یعنی أنه لا یرجع إلی الغیر بینما یرجع الضامن علیه أو إذا تعدد الضامنون رجع کل منهما علی سابقه إلی أن تستقر الغرامة علی المدین الأصلی.

و علی أی حال،فللضامن أن یرجع علی المضمون عنه بعد الدفع، بالدین الذی دفعه،و بأجرة الضمان بصفتها عملا نافعا له،قد قام به لا یقصد التبرع.و لا یکون ذلک من الربا،لأن سبب هذا الدین لیس هو بیع المکیل و الموزون.و لا القرض.و إنما فقط أداء ما فی ذمته،و عقد الضمان بمجرده لم یکن سببا لهذا الدین،بل السبب هو الدفع.فله أخذ الأجرة.

فصل الحوالة

اشارة

عرفها المحقق الحلی بأنها:عقد شُرِّع لتحویل المال من ذمة إلی ذمة مشغولة بمثله (1)

الشرائع ج 2 ص 97. [1]

.

و هذا التعریف یحتوی علی إشکالین:

الأول:أنه قدس سره استعمل مادة الحوالة(بقوله:لتحویل)فی تعریف الحوالة،فیلزم الدور المحال منطقیا.و بالنتیجة لا یعرف الحوالة حقیقة من کان جاهلا بها.

و لو قال:لنقل المال أو نحو ذلک لم یکن دورا.و لصح التعریف.

الثانی:ان قید:أن یکون المحال علیه مشغول الذمة غیر وارد إطلاقا.

و قد ذکر بعد نحو سطرین أنه:یصح أن یحیل علی من لیس علیه دین.لکن یکون ذلک بالضمان أشبه.

إذن،فالحوالة تتم علی کلا الاحتمالین،یعنی سواء کان المحال علیه مدینا أو غیر مدین.و لا حاجة إلی التقیید بکونه مدینا.

فالصحیح بتعریف الحوالة:بأنها عقد مُشرع لنقل المال من ذمة إلی ذمة بإیجاب من المدین.یعنی لو کانت بإیجاب من الآخر لکانت ضمانا.

و هذا القید إنما یتضح فی الحوالة علی البریء کما سیأتی.


1) 1)

ثم قال قدس سره (1)

المصدر و الصفحة.

:و یشترط فیها:رضا المحیل و المحال علیه و المحتال و مع تحققها یتحول المال إلی ذمة المحال علیه و یبرأ المحیل،و ان لم یبرأه المحتال علی الأظهر.و سنتعرض إلی شرح هذه العبارة بعد قلیل.

لأننا أولا نتکلم عن الحوالة علی مشغول الذمة(المدین)و نتکلم ثانیا عن الحوالة علی بریء الذمة.

الحوالة علی المدین

و موردها ثلاثة أشخاص بینهما دینان،فلو کان بینهما ثلاثة دیون علی عددهم،أمکن حصول التهاتر (2)بلا حاجة إلی الحوالة،و لکن براءة ذمة أحدهم هو الذی جعل المورد محلا للحوالة.

فزید مدین لسعید و سعید مدین لخالد.و عند ما یطالب خالد سعیدا بدینه یقول له:اذهب فخذه من زید أو قل:یحوّل علیه تحولا شرعیا.و حین یدفع زید الدین لخالد تبرأ کلتا الذمتین،بعد افتراض أن کلا الدینین متشابهان من الجهات الفقهیة الضروریة کالکمیة و النوعیة.

أما دین خالد علی سعید فقد استوفی باعتبار أن زید دفعه باعتبار الحوالة.و أما دین سعید علی زید فقد استوفی فباعتبار أن ما دفعه یحسب علی دینه أو یعتبر استیفاء لدینه لأنه لم یدفعه مجانا.فیکون بدله هو الحکم بسقوط دینه و فراغ ذمته.

بقی إن نلتفت إلی بعض الأمور:

الأمر الأوّل:أن خالد فی المثال هو المحیل و زید هو المحال علیه و سعید(الذی هو طرف للدینین معا)هو المحتال،أو المُحال.و الدین.هو المحال به.و هو الدین الذی فی ذمة المُحال.


1) 1)

2) 2) و مع اتفاقهم علیه اختیارا یحصل بلا إشکال.

الأمر الثانی:أنه لیس بین زید(المحال علیه)و خالد(المحیل)دین.

و إنما هو أعنی زید مشغول الذمة للمحتال بدین آخر غیر المحال به.و من هنا سمیت:حوالة علی مشغول الذمة أو علی المدین.

الأمر الثالث:عرّفنا لمحقق الحلّی:أنه بالحوالة یتحول الدین الذی لخالد إلی ذمة زید الذی کان مدینا لسعید و تبرأ ذمة سعید من دین خالد.

و یصبح زید مدینا لسعید بدینه الأصلی و لخالد بالدین المحال به.

فإذا دفع زید لخالد دینه المحوّل به.یصبح مستحقا لبدله علی سعید، أو دائنا لسعید به،و هو فی نفس الوقت مدینا له بالدین الآخر،فیقع التهاتر القهری،و یسقط کلا الدینین.و هذا وجه فقهی آخر لسقوطهما معا.

الأمر الرابع:عرّفنا المحقق الحلی:أن الحوالة تحتاج إلی رضاء هذه الأطراف الثلاثة جمیعا.

و بهذا قد یقع السؤال:أنه هل هو عقد أو أی شیء آخر.فإن المعاملات عادة علی قسمین:منها:ما لا یحتاج إلا إلی طرف واحد کالعتق و الطلاق.و یسمی إیقاعا.و منها ما یحتاج إلی موافقة طرفین،کالنکاح و البیع و یسمی عقدا.أما ما یحتاج إلی موافقة ثلاثة أطراف،فقد لا یکون عقدا، کما لا یکون إیقاعا.

اللهم إلاّ أن یقال:إن ما لا یکون إیقاعا فهو عقد.و بتعبیر آخر:ان ما یزید طرف المعاملة فیه علی واحد فهو عقد سواء کانوا اثنین أو ثلاثة.

و هذا جدل اصطلاحی.و إلاّ فالأمر واضح بعد مشروعیة الحوالة و صحتها.سواء سمیناها عقدا أو لا.

الأمر الخامس:أنه کما یمکن أن یکون أطراف الحوالة ثلاثة یمکن أن یکونوا أکثر بحیث یکون أحدهم مدینا للآخر إلی عدة أفراد.إلاّ أن الأخیر غیر مدین للأول.و بإحالة المدین الأخیر أو الدائن الأخیر علی المدین الأول،بموافقة الجمیع تبرأ کل الذمم بدفع واحد لتساویها بالکمیة و النوعیة، کما فرضنا فیما سبق.

نعم،یکون هذا أوضح فقهیا مع تعدد الحوالات،بمعنی أن المحال إلیه یحیل المحال(المحتال)إلی المدین الآخر و یحیله هذا إلی الآخر،حتی تمر الحوالة علی جمیع المدینین.فإذا دفع الدین المحال به برئت الذمم جمیعا بدفع واحد.

الأمر السادس:أنه قد یقال:أنه ترجع الحوالة إلی الضمان.لأنها تحتوی علی ضرورة قبول و رضاء المحال علیه.فبالقبول یصبح ضامنا للدین.فلا یفرق عن الضمان فرقا مهما.

قلنا:إن الفرق یمکن فی جهتین اتضحتا مما سبق:

الأولی:کون المحال علیه مدینا أیضا کالمحتال.علی حین یفترض أن یکون الضامن فی عقد الضمان فارغ الذمة.

الثانیة:و هی الأهم فقهیا،ما قلناه من أن المبادرة فی عقد الضمان من الضامن فی حین أن المبادرة فی الحوالة من المحیل.و إن کانت النتیجة متشابهة و هی انتقال الدین من ذمة إلی ذمة.

الأمر السابع:لو حصل الأمر بین هؤلاء الثلاثة أشخاص بشکل عقد الضمان لا بشکل الحوالة حصلت أیضا نفس النتیجة الفقهیة.فلو بادر زید فضمن دین سعید و أداه إلی خالد.فقد برأت کلتا الذمتین بنفس البرهان الفقهی السابق الذی سطرناه عن الحوالة.

و کذلک ل تعدد الضمان بین عدة مدینین،کما ذکرنا فیما لو تعددت الحوالة.حیث تبرأ الذمم بدفع واحد.

الأمر الثامن:تکلمنا فیما إذا کان الدینان متساویین فی الکمیة و النوعیة.و نعرض هنا باختصار ما إذا کان علی خلاف ذلک.

أما إذا تشابها فی النوعیة و اختلفا فی الکمیة.فإن کان الدین المحال به أکثر سقط الدین الآخر کله،و رجع المحال علیه علی المحیل بالزائد.و إن کان الدین الآخر أکثر سقط بالتهاتر بمقدار الدین المحال به،و بقی الباقی فیجب أن یؤدیه المحال علیه إلی المحتال.

و أما إذا تشابه الدینان بالکمیة و اختلفا فی النوعیة.فمرة تکون النوعیة ربویة،و هو المکیل و الموزون،و مرة لا تکون.و علی أی حال فسقوط الدین من الذمة بالوفاء،من غیر نوعه علی خلاف القاعدة إلاّ بالتراضی بین الدائن و المدین.أو باعتبار لحاظ المالیة المطلقة بین الدینین.

فإن لم یکن الجنس ربویا،لم یبق بعد التراضی إشکال فی السقوط.

و أما إذا کان الجنس ربویا فینبغی بعد التراضی من تلک الناحیة،أن یکون المقدار متساویا کیلا أو وزنا،حسب ما هو المتعارف فی السوق من الکیل للمادة أو وزنها.إلاّ أن تطبیقه علی الجهة الاقتصادیة یکون صعبا لاختلاف النوعین فی المالیة عندئذ.إلاّ أن هذا قد یکون منشأ لعدم التراضی بینهما.

و أما مع التراضی فلا إشکال من هذه الناحیة.

الحوالة علی البریء

و هی تتحقق فیما إذا کان هناک دین واحد لا اثنین.بمعنی أن المحال، و هو زید فی المثال السابق لم یکن مدینا لسعید.

و بتعبیر أوضح:أن الدائن یحوّل مدینة أو قل:دین مدینة علی شخص آخر بریء الذمة.مع موافقة الثلاثة أیضا-کالسابق-بما فیهم البریء.فلا یکون هناک تحمیل أو إکراه للبریء بدون رضاه.

فإذا دفع البریء دینه للدائن.فإن کان ناویا للتبرع فقد تم الأمر.و إن لم ینو التبرع،کان له أخذه من المدین.و یستقر الخسران علیه.

و هذا لا یفرق عن عقد الضمان بشیء إلاّ من حیث أن المبادرة فی الضمان من البریء(الضامن)و المبادرة فی الحوالة من الدائن(المحیل) حیث یصبح الضامن محالا علیه و المدین محالا أو محتالا.و لذا قال عنه المحقق:إنه بالضمان أشبه.و خاصة مع قبول المحال علیه(الضامن)و رضاه بطبیعة الحال.و قد أجبنا عنه بأن القبول لا یعنی المبادرة إلی الإیجاب.فإن

فاعل الإیجاب و قائله هو الموجد للمعاملة حقیقة و القابل منفعل بها،و له مجرد التسلیم و الرضا.و إذا اختلف الموقف أمکن القول باختلاف مضمون المعاملة.

فصل الکفالة

ذکر ابن منظور (1)

لسان العرب مادة:کفل.

للکفالة عدة معان ننقل هنا ما یناسب المقام.

قال:و الکافل:العائل.کفله یکفله و کفله إیاه.و فی التنزیل العزیز:

وَ کَفَّلَها زَکَرِیّا .و قد قرئت بالتثقیل و نصب زکریا.و ذکر الأخفش:أنه قرئ:و کفلها زکریا بکسر الفاء.

و الکافل:القائم بأمر الیتیم العربی له.و هو من الکفیل الضمنی.

و کفل المال.و بالمال ضمنه.و کفَل بالرجل یکفُل و یکفِلَ کفلا و کُفُولا و کفالة و کُفُل و کَفِل و تکفَّل به،کله:ضمنه.و أکفَلَه إیاه و کفّله ضمّنه.و کفَلَت عنه بالمال الغریمة.و تکَفَّل بدینه تکفُّلا،أبو زید:اکفَلت فلانا المال إکفالا إذا ضمنته إیاه.و کَفَل هو به کفولا و کَفلا،و التکفیل مثله.قال اللّه تعالی:

فَقالَ أَکْفِلْنِیها وَ عَزَّنِی فِی الْخِطابِ .الزجاج:معناه:اجعلنی أنا أکفلها و أنزل أنت عنها.ابن الأعرابی:کفیل و کافل و ضمین و ضامن بمعنی واحد إلی آخر ما قال.

و قیل فقهیا (2):إن الکفالة هی التعهد کالنفس،أی التزام إحضار المکفول حتی طلبه المکفول له.


1) 1)

2) 2) الشرائع ج 2 ص 99 عن الروضة البهیة للشهید الثانی.

و قد رأینا الآن أن اللغة تجعل التعهد و الضمان فی الکفالة شاملا للنفس و المال.غیر أن الفقهاء اصطلحوا فیها علی ذلک.و سنشیر بعد هذا علی إمکان شمول الکفالة لغیر النفس.

و تکون الحاجة إلی الکفالة عند طلب حضور أو قل:إحضار شخص غائب أو هارب لدین أو أیة مرافعة قضائیة،یکون هو المدعی علیه فیها أو المنکر باصطلاح الفقهاء.

و هذا هو المورد الرئیسی و التقلیدی الذی تتکلم حوله الفقهاء،و قد یمکن شمول الکفالة للاحظار لحاجات أخری،کالقیام بعمل أو لمجرد عاطفة الحب أو عاطفة التشفی أو غیر ذلک من المقاصد.و لا إشکال أن الهدف إن کان حراما کانت الکفالة حراما و تنفیذها حراما،إلاّ أن بطلانها محل إشکال لأن الصحیح أن النهی عن المعاملات لا یوجب الفساد.

و علی أی حال،فالمتعهد و الضامن هو الکفیل و طالب الکفالة هو المکفول له.و هو المکفول لأجله.و فی مصلحته و ان لم یکن طالبا لها بصراحة أحیانا.و أما الشخص الغائب أو الهارب المطلوب،فهو المکفول أو المکفول به.

و هو عقد یکون الإیجاب من قبل الکفیل و القبول من المکفول له،و لا یکون إلا برضاهما.و لا یلزم رضاء المکفول الهارب.و هی عمل یستحق الکفیل علیه الأجر إن تم تنفیذه،إلا إذا قصد المجانیة.

هذا.و قد وردت فی النصوص عدة خصائص للکفالة نذکر أهمها:

النقطة الأولی:أن الکفیل یحبس حتی یأتی بالمکفول.و قد وردت فی ذلک روایة معتبرة (1)

أحکام الضمان من الوسائل باب 9 حدیث 1.

.

و هذا انطلاقا من الفهم المقتضی لاستطاعة الکفیل إحضار الرجل و إن


1) 1)

کان هو محبوسا،کما لو کان عنده أشخاص آخرین یفحصون عنه،أو أن یکون(صاحبه)مشفقا علیه من الحبس فیأتی برجله مختارا لیخلص الکفیل من الحبس.

و أما بدون ذلک،و هو المورد التقلیدی للتصور الفقهی،و هو أن یکون الکفیل محتاجا فی إحضار المکفول إلی الفحص و السفر و النشاط المتزائد أو المتطاول فی الزمان.فهذا المعنی ینافی الحکم بالسجن علی الکفیل.بل ینبغی أن یعطی الکفیل فرصة لأجل الفحص،مهما طال الزمن إلی حین الیأس أو الحضور.

و الواقع أن الروایات لم تحکم بوجوب حبس الکفیل.و إنما تحدثت عن مشروعیته فقط.

النقطة الثانیة:أن الروایات تحدثت عن جعل(شرط جزاء)فی ذمة الکفیل إن لم یُحضِر الرجل المکفول.و فیها ما هو معتبر (1)

المصدر:باب 10 حدیث 2.

.غیر أنها اشترطت أن یذکر الکفیل هذا الجزاء بنفسه عند إیجابه للمعاملة و یقدمه علی ذکره للکفالة.بأن یقول-مثلا-:علیّ کذا من الدنانیر إن لم أجلب فلانا و أنا کفیل به.

و علی أی حال فشرط الجزاء مشروع فی الکفالة.فإن لم یحضره لزمه إعطاؤه إلی المکفول له.

نعم.قد یقال فقهیا:إن سعی الکفیل بالبحث عن المکفول.عمل یستحق علیه الأجرة سواء وجده أم لم یجده.لأنه عمل فی مصلحة المکفول عنه لم یقصد به المجانیة.

و معه فإن اتفقا علی تعیین الأجر و الجزاء معا.تم الأمر.فإن أحضره أخذ الکفیل الأجر و إن لم یحضره دفع الجزاء و لیس له أجر.و إن أمکن القول:بالتهاتر بین الأجر و الجزاء علی تأمل فیه.


1) 1)

و إن لم یتفقا علی أجر کان له أجرة المثل السوقیة لمن یقوم بمثل هذا العمل عادة.و إن لم یتفقا علی الجزاء لم یکن الجزاء مضمونا علی الکفیل أصلا.و استحق الأجر علی أی حال.

النقطة الثالثة:ورد فی الأخبار النهی عن التدخل فی الکفالة.و فی عدد منها قوله علیه السلام (1)

المصدر:باب 7 حدیث 1 و 4.

:ما لک و للکفالات أما علمت أنها أهلکت القرون الأولی.

و هی لا تفید أکثر من الکراهة،لعدم احتمال الحرمة أو البطلان فقهیا.

و هی إما خاصة بالکفالة بالمصطلح الفقهی الذی نتحدث عنه الآن،أو تشمل أیضا کفالة المال بالمعنی الآتی،و الضمان بالمعنی السابق.فإنها جمیعا تندرج فی معنی التعهد فی اللغة،و حمل لغة الروایات علی المعنی اللغوی ضروری،و لا یمکن الحمل علی المصطلح الفقهی لأنه متأخر.

و یدل علی العموم قوله فی روایة (2):لا تتعرضوا للحقوق،فإذا لزمتکم فاصبروا لها:فإن الحقوق معنی یشمل کل ذلک.

النقطة الرابعة:تعرضت الروایات (3)إلی معنی کفالة المال.أو جعل کفیل علی الدین.فما معنی ذلک فقهیا؟ فیه،بالتصور الأولی عدة احتمالات:

الاحتمال الأول:جعل کفیل علی المدین إذا هرب.و هی من الکفالة المؤجلة.و هذا جائز فقهیا.إلاّ أنها قد تکون من الکفالة المعلقة،یعنی أنها معلقة أو مشروطة بهرب المدین،الذی لا زال موجودا لم یهرب لحد الآن، و لا دلیل علی أنه سیهرب أصلا.و التعلیق فی العقود مبطل لها عندهم.فهذا الاحتمال غیر صحیح.مضافا إلی مناقشات أخری له سنعرفها فیما بعد.


1) 1)

2) 2) المصدر:حدیث 3 و 8.

3) 3) المصدر:باب 8 و فیه حدیثان بهذا المضمون.

الاحتمال الثانی:ضمان الدین بالمعنی السابق الذی یتضمن انتقال الدین إلی ذمة الضامن.

و هذا الاحتمال هو الوحید الذی یمکن للفقهاء الأخذ به بعد بطلان الاحتمالات الأخری عندهم،کما سیتضح.

إلاّ أنه خلاف ظاهر النص لأنه ورد عن داود بن سرحان (1)

المصدر:باب 8 حدیث 1.

أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السلام عن الکفیل و الرهن فی بیع النسیئة.قال:لا بأس.

و بیع النسیئة هو الذی یقبض فیه المشتری العروض و یؤجل ثمنه، فالبائع یمکنه أن یستوثق من دفع الثمن بأحد طریقین نطقت بهما الروایة:إما الرهن،و إما الکفیل.و من الواضح من سیاق الکلام أنه لا یعنی أی منهما انتقال عهدة الثمن إلی ذمة الغیر.بل سیرجع البائع علی المشتری نفسه لیأخذ الثمن.فالروایة ظاهرة بإقرار هذه الفکرة من قبل الإمام علیه السلام.

و بتقریب آخر نقول:إنه کما أن الرهن لا یوجب انتقالا لما فی الذمة فکذلک الکفیل،بحسب وحدة السیاق.و ان کان التقریب الأول أقوی فی نظری.

و إذا بطل هذا الاحتمال تعین الأخذ بما یلی و هو:

الاحتمال الثالث:أن تکون کفالة المال معنی آخر غیر الضمان الذی یوجد اشتغال ذمة الضامن.فهذا الکفیل لا تنشغل ذمته،و إنما هو یتعهد بالدفع مع عدم دفع المدین(المشتری)وفاء لما فی ذمة المدین و عمله غیر مربوط بذمته الشخصیة إلاّ لزوم الوفاء بالمعاملة أعنی الکفالة.

و قد أشرنا فی أواخر فصل الضمان إلی ذلک،و قلنا عنه:إنه غیر موجود فقهیا و لا یجب الوفاء به،إلاّ أنه مشروع و یستحب الوفاء به.إلاّ أن هذا موقوف علی عدم اعتبار الروایات الناطقة به فإن لم تکن معتبرة أو کان إعراض المشهور عنها مسقطا لها عن الاعتبار،فالحق مع المشهور.و إلاّ


1) 1)

کانت حجة فی مضمونها،کما أن العرف یوافق علیه أیضا و علیه مسیرته.

النقطة الخامسة:متی تنتهی مدة الکفالة،و هی یبقی الکفیل کفیلا إلی الأبد.

یمکن أن تنتهی مدة الکفالة بأحد أسالیب:

الأول:إنجاز المهمة،أعنی تسلیم المکفول.

الثانی:انتفاء الحاجة إلیها،أعنی مجیء المکفول اختیارا أو تسلیم المدین الأصلی دینه.

الثالث:الیأس من إنجاز المهمة أعنی وجدان المکفول،إذ مع الیأس عن ذلک لا معنی للاستمرار بالفحص،و بتکلیف الکفیل إحضار صاحبه.لأنه یکون من التکلیف بما لا یطاق.و هو غیر معقول و غیر مشروع.و معه تنتفی الکفالة تلقائیا.

نعم،لا بد من حصول الیأس بأمارات و دلائل معقولة و منطقیة توجب الاطمئنان بعدم إمکان حضور الرجل.

الرابع:الفسخ،إذا کانت معاملة الکفالة قابلة للفسخ.و هذا ما لم یرد فی النصوص و لا وافق علیه الفقهاء.الأمر الذی ینتج علی القاعدة کونها لازمة غیر قابلة للفسخ.لا أقل:من استصحاب الصحة لما بعد الفسخ المنتج عدم تأثیره.

إلاّ أنه لا شک مع اشتراط حق الفسخ خلال التعاقد علی الکفالة، یکون الشرط ماضیا و صحیحا للمشترط،فإنه کما ورد:المؤمنون عند شروطهم.

و الشخص الذی نتکلم عن احتمال فسخه للمعاملة هو الکفیل،طبعا، لکون استمرار المعاملة تحمیلا علیه أحیانا و ضد مصلحته.و أما المکفول له، فالکفالة فی مصلحته باستمرار.نعم،لا ینکر أنه مع اشتراط حق الفسخ له فإنه یکون له ذلک.

فصل الجعالة

و هو مثلث الجیم بمعنی الأجر.قال ابن منظور (1)

انظر:لسان العرب: [1]مادة جعل.

.الجُعل و الجِعال و الجعیلة و الجُعالة و الجِعالة و الجَعالة،الکسر و الضم عن اللحیانی.کل ذلک:ما جعل له علی عمله.

و قال:و الجُعل:الاسم بالضم.و المصدر بالفتح.یقال:جَعَل للّه جَعلا و جُعلا.و هو الأجر علی الشیء فعلا أو قولا.

و قوله:فعلا أو قولا راجع اما علی الأجر یعنی کون الأجر بالفعل أو بالقول،یعنی بالمال أو بمجرد التشجیع بالکلام.أو یعود إلی العمل المجعول علیه یعنی:أن یکلف فرد شخصا بأن یقول قولا فیأخذ علیه الجعل أی الأجر.أو یعمل عملا فیأخذ علیه الجعل.لا فرق فی ذلک بین القول و الفعل.

و کلا الاحتمالین وارد فی العبارة،و ان کان الأظهر منها الأول إلا أن الأقرب إلی الفهم الاقتصادی هو الثانی.

و فی الاصطلاح الفقهی استعمل لفظ الجعالة فی سبب حصوله.من حیث أن الجعالة هو الأجر و سببه هو المعاملة التی یستحقه الفرد بموجبها.

إذن،فکل معاملة ذکر فیها جعل الأجر،فهی جعالة.إلاّ أن الفقهاء


1) 1)

خصوا هذا اللفظ و اصطلحوا به علی تلک المعاملة التی لا یکون فیها طرف معین أو مخاطب خاص.کقوله:من خاط ثوبی فله کذا.و من رد عبدی الآبق فله کذا و من زرع أرضی فله کذا.و هکذا.و سنتکلم عن إمکان کونها ذات خطاب مع فرد معین أو جماعة معینین.

و من الواضح أنه عند ما یکون طرف المعاملة واحدا و هو الموجب،و لا یکون له طرف آخر،أنها من الإیقاعات و لیست من العقود.و لا تحتاج إلی قبول.

بقی التعرض إلی عدة أمور:

الأمر الأول:أن أمد الجعالة ینتهی بأحد الأسالیب:

أولا:بحصول نتیجتها.إذا جاء أحدهم بالمفقود مثلا،أو قام بالعمل المطلوب و أتمّه.فلا یبقی إلا استحقاق الأجر.

ثانیا:بانتفاء موضوعها أحیانا،کما لو رجع الحیوان أو العبد المفقود باختیاره لا بسبب البحث عنه.و کما لو حاول فرد القیام بالمطلوب،فغلبه شخص آخر علیه و أنجزه قبله.فتکون الجعالة بالنسبة إلی الآخر منتفیة موضوعا.

ثالثا:الیأس من حصول نتیجتها أحیانا.کما لو فحص شخص عن الحیوان أو العبد المفقود فلم یجده،و أیس من الحصول علیه.

و هذا لا یستحق الأجرة فقهیا علی جهوده.لأن صاحب الجعالة یقول:

من ردّ دابتی فله کذا.و هذا لم یرد الدابة،و إنما أیس منها.فلا یکون له الجُعل المذکور فی الجعالة.و إن کان من الناحیة الأخلاقیة لا بد أن ینفحه صاحب الجعالة بشیء و الأفضل أن تکون هی القیمة السوقیة لمن یقوم بهذا العمل.

رابعا:الفسخ،إذا کانت الجعالة قابلة للفسخ.

و مقتضی القاعدة هو عدم التسلط علی الفسخ.و لم یدل دلیل علی

خلافه.إلاّ أننا لو دققنا النظر وجدناها معادلة بمعنی أنها فی مصلحة الطرف محضا.و کل من کان بهذه المثابة فله أن یتنازل عن حقه و مصلحته.و من هنا یکون للجاعل أن یفسخها علی القاعدة.

نعم،لو علم بأن أحدا قد عمل بالعمل المطلوب،یعنی أخذ به و إن لم یکمله،کان الإرفاق متعلقا عندئذ بالعامل لا بالجاعل.و من هنا کان للعامل أن یعرض عن عمله فی أیة لحظة.و لا یصدق علیه الفسخ،لأنّه لیس طرفا حقیقیا للمعاملة.و أما الجاعل،فلیس من حقه الآن أن یفسخ لأن فیه تفویتا لحق العامل.إذ أن من حقه أن یکمل عمله و یأخذ الأجر المفروض.

و من هنا قال المحقق الحلی (1)

الشرائع:ج 2 ص 139. [1]

:و الجعالة جائزة قبل المتلبس(یعنی تلبس العامل بالعمل)فإن تلبّس،فالجواز باق فی طرف العامل،و لازم من طرف الجاعل إلاّ أن یدفع أجرة ما عمل.

و العبارة تعطی معنی حق العامل فی الفسخ،و قد أشرنا إلی مناقشته.

إلاّ أن یقال فقهیا:إن من یرید العمل یمکنه أن یأتی إلی صاحب الجعالة، فیقول أمامه:قبلت.ثم یذهب للعمل.و من هنا أمکن له الفسخ بعد أن أصبح طرفا للمعاملة.إلاّ أن هذا القول:مجرد احتیاط فقهی لا وجه له.

الأمر الثانی:فی الفرق بین الجعالة و الإجارة.

من الواضح:أن طرف الإجارة شخص محدد،هو الأجیر،و أما الجعالة فطرفها غیر محدد(کلی).

نعم،إذا قلنا بإمکان جعل الجعالة تجاه شخص محدد سیتضاءل الفرق بینهما.و هو ما نبحثه بعد ذلک.

الأمر الثالث:فی الفرق بین الجعالة و الوکالة.

یوجد فی الوکالة تحویل محدد للوکیل بالعمل.و هنا یقال:ید الوکیل


1) 1)

کید الأصیل.و لا یوجد هذا المعنی لا شرعا و لا عرفا فی الجعالة.و لا یکون العامل وکیلا بأی وجه عن الجاعل.و من هنا لو استلزم العمل القیام بمعاملات معینة نیابة عن الجاعل،لم یجز بمجرد حصول الجعالة.

کما لا یجوز أو قل:لا یمکن أن تحصل هناک جعالة للقیام بمعاملة أو أکثر کقوله:من باع داری فله کذا.لأن هذا البیع لا یکون إلاّ من قبل المالک أو من یخوله أو قل:الوکیل.و الجعالة لا تحتوی علی وکالة.فإن باع شخص،کان البیع فضولیا یحتاج إلی إجازة متأخرة عنه.و لا تصلح الجعالة إجازة لأنها متقدمة علی البیع.

الأمر الرابع:تحوی الجعالة علی الإذن بالتصرف بالمال الذی أصبح متعلقا لها.فلو قال:من زرع أرضی فله کذا،جاز له التصرف بالأرض فی حدود إنجاز المطلوب و هکذا.و أما التصرفات الزائدة فتحتاج إلی إذن جدید.

الأمر الخامس:قد تحتوی الجعالة علی نتائج بعض المعاملات کالمضاربة لو قال الفرد:من تاجر بمالی فله کذا أو فله نصف الربح مثلا.

و کالمزارعة،إذا قال:من زرع أرضی فله کذا أو له نصف الثمرة.

و کالمساقاة،لو قال:من اعتنی بزرعی فله کذا أو له نصف الثمرة.و هکذا.

إلاّ أنه من الواضح فقهیا:أن إنتاج بعض المعاملات لنتائج بعض آخر،لا یعنی اندراجها فیها،و لا کونها مشروطة بشرائطها.

و من هنا ذکر المشهور:أن الصلح معاملة مستقلة و أن أنتج نتائج غیره کالبیع و الإجارة و المضاربة و غیرها.و لا یلزم من ذلک اتصافه بشرائطها، و بطلانه عند عدمها.و کذلک الحال فی الجعالة تماما.

و من هنا یمکن أن نعلم أنه یبقی عدة فروق بین الجعالة و بین باقی المعاملات.

أولا:أن طرف تلک المعاملات محدد و هذه طرفها غیر محدد.

ثانیا:أن المرتکز العرفی فی فهم الجعالة یجعلها ذات کیان مستقل، بغض النظر عن نتائجها.

ثالثا:أن الجعالة غیر مشروطة بشروط المعاملة التی تشبهها.فمثلا بینما تکون المضاربة مشروطة بأن یکون الجُعل بالکسر العشری،کثلث الربح أو نصفه مثلا،لا یکون هذا ضروریا فی الجعالة.

رابعا:ان أحکام الجعالة تکون شاملة للمعاملة المعترضة،دون أحکام المعاملة المشابهة کالتسلط علی الفسخ و غیره.

الأمر السادس:هل یمکن أن یکون طرف الجعالة محددا.أو قل:

مخاطبا معینا.أم لا.

و مقتضی القاعدة جوازه،و عدم وجود أی إشکال فیه،لصدق الجعالة أولا،و الدلیل:المؤمنون عند شروطهم و غیره من العمومات.

إلاّ أن الکلام یبقی فی مستویین:

المستوی الأول:فی لفظ الجعالة ذات الطرف المحدد.

فإنه ان قال:من رد دابتی فله کذا.لم یکن لها طرف محدد.

و ان قال:إذا رددت دابتی فلک کذلک.کان لها طرف و لکنها تکون معلقة و مشروطة بأداة الشرط.و المعاملة المعلقة باطلة علی المشهور.

و من هنا لم یکن قوله:(من رد دابتی فله کذا)معلقا.بل العزم به و القصد إلیه فعلی.و إن کانت النتیجة مستقبلیة.

و لکن یمکن أن یقول الجاعل فی مخاطبة شخص محددا.أجعل لک علی رد دابتی کذا.أو:لک علی رد دابتی کذا.أو أعطیک علی رد دابتی کذا أو رد دابتی بکذا.و لا إشکال فیه.و لعله یصح لو قال:تستحق علی رد دابتی کذا.مع قصد الجعالة.

المستوی الثانی:ان هذه الجعالة،و ان کانت ذات طرف محدد،إلاّ أنها تبقی علی أحکام الجعالة ما دام عنوان الجعالة صادق علیها عرفا.

فهی إیقاع،لا تحتاج إلی قبول الطرف و ان کان محددا.و هی غیر

ملزمة له بالعمل.و إذا بدأ العمل لم یکن من الضروری إتمامه،و لکنها عندئذ تکون لازمة من طرف الجاعل.إلی غیر ذلک من الأحکام.

و بذلک تفرق عن الإجارة و الوکالة،و باقی المعاملات التی تنتج الجعالة نتائجها.مضافا إلی الفرق فی قصد المعاملة نفسه،أعنی قصد الجعالة بعنوانها،دون الوکالة و الإجارة،الأمر الذی یعطیها معنی استقلالیا عرفا و شرعا.فإن(العقود تابعة للقصود).و المقصود بالعقود مطلق المعاملات لا خصوص ما توقف علی قبول الطرف الآخر،لنقول:أن الجعالة إیقاع و لیس عقدا.لأن هذا التقسیم:للمعاملة إلی عقد و إیقاع،اصطلاح متأخر لا یمکن حمل النصوص الأولی علیه.

الأمر السابع:معنی الجعالة یتوقف علی ذکر الأجر صراحة فی المعاملة أو الإیجاب.فلو لم یذکر الأجر أصلا،لم تکن جعالة.فلو قال:

من رد عبدی.و سکت بطلت المعاملة.و کذلک لو قال:ردوا عبدی.لم یکن جعالة.

نعم لو ذکر جُعلا إجمالیا،غیر محدد.کما لو قال:من ردّ دابتی أعطیته شیئا أو أعطیته جائزة أو غیر ذلک.صحت الجعالة،لأصالة عدم اشتراط التحدید شرعا.و استحق العامل أجرة المثل السوقیة.

الأمر الثامن:قد یکون من غیر الممکن عرفا أن یقوم بالعمل أکثر من واحد،کخیاطة ثوب واحد،فإن أخذه أحدهم لیخیطه لم یبق مجال للآخرین.

و لکن یبقی التعدد ممکنا علی شکلین:

الشکل الأول:ان یقوم جماعة بزرع الأرض.و کان صاحبها قد جعل علی زرعها أجرا.

ففی مثل ذلک:ان کان قصده فی الجعالة حصول العمل فی الزراعة من قبل أی فرد مهما قل أو کثر.إذن،فقد عملوا جمیعا فی الزراعة، و یستحق کل واحد منهم الأجر المفروض کاملا.

و ان کان المهم فی نظره زراعة الأرض،بغض النظر عن من قام بها.

یعنی سواء کان واحدا أو متعددا.فیستحق الجمیع الأجر المعین فی الجعالة، یقسم بینهم.

و ان کان مقصوده إعطاء الأجر لشخص واحد.حین قال:من زرع أرضی فله کذا.فأول من تصدی لذلک هو المستحق و لا یجوز للآخرین مزاحمته.کما لا یستحقون علی أعمالهم أجورا.

و إن کان مقصوده إعطاء الأجر لشخص واحد إن أتم زراعة الأرض کلها.فلا یستحق فی مثل ذلک أی واحد من الجماعة المشارکین أی أجر شرعا.لأن أی واحد منهم لم یتسن له أن یزرع الأرض کلها.

و تتحدد هذه المقاصد المذکورة نسبة الجاعل أولا.و بظهور لفظه ثانیا.

و بالفهم العرفی للمعاملة ثالثا.و تمام الکلام فی الفقه.

الشکل الثانی:أن یکون العمل قابلا للتکرار.و قد قام به جماعة کل بحیال نفسه.کما لو قال الجاعل:من حاش لی حشیشا أو من کسر لی خشبا أو من جلب لی رملا أو صخرا و نحو ذلک.مما یکون عادة فی المقالع الطبیعیة و من المباحات العامة.و قام بذلک جماعة.فأیهم یستحق الأجر.

و هذا أیضا یختلف باختلاف مقصود الجاعل.فإن قصد فردا واحدا، کان المستحق هو العامل الأول الذی یصل إلیه دون غیره.و ان لم یقصد کمیة معینة أو عددا معینا من العمال،استحق کل واحد منهم الأجرة کاملة.إلی غیر ذلک من المقاصد.

الأمر التاسع:لم یتعرض الفقهاء لإمکان جعل الشروط فی الجعالة، و هو أمر ممکن طبعا فی الشریعة.فلو قال:من زرع لی أرضی خلال شهر.

أو من تاریخ کذا إلی کذا.أو من جلب لی صخرا من منطقة کذا أو من نوع کذا.کل ذلک یکون صحیحا.و إذا لم یقم العامل بالشرط لم یستحق الأجر شرعا و فقهیا.و ان لم یجز أخلاقیا إهماله.

أجد الآن أننا و إن لم نتحدث عن الجعالة کلها،لو صح التعبیر،فلا زال فیها فروع أخری.إلاّ أن الحدیث بهذا المقدار کاف بلا شک،مما یناسب مستوی الحدیث فی هذا الکتاب.و به ینتهی کتاب الضمان.

کتاب العمل

اشارة

تمهید

یعتبر العمل التجاری بالمعنی العام،و هو العمل الذی یستهدف الاسترباح هو العصب الأساسی لحیاة الفرد و المجتمع.

و العمل إما أن یکون تجاریا(أعنی العنایة بالبیع و الشراء)أو زراعیا أو صناعیا أو نقلا(للأفراد أو البضاعة).و لا یختلف فی ذلک أن یکون القائم به فردا أو جماعة أو فردا حکمیا کشرکة أو نحوها.کما لا یفرق بین أن یکون الأجیر أحد هذه الأشکال.و ان کان الافتراض الفقهی الأولی هو قیام الفرد بها.

و المهم هنا لیس هو عمل الفرد لنفسه بل عمل الفرد لغیره.فالعمل التجاری للغیر هو المضاربة و العمل الزراعی هو المزارعة و المساقاة.لأن المطلوب ان کان هو العمل علی إیجاد الزرع فهو المزارعة،و ان کان المطلوب هو العمل علی العنایة بالزرع الموجود فهو المساقاة.

و أما العمل الصناعی و النقل،فلیس له عنوان فقهی مستقل.و الفقهاء عادة یدرجونه بالعمل المأجور الاعتیادی،الذی شرحناه فی فصل:عمل الحر.

إلاّ أنه یمکن أن یقال:إلحاق العمل الصناعی بما یشبه الأعمال السابقة:المضاربة و غیرها.إذ لا فرق فی الاسترباح بین أن یکون فی المحل

أو المعمل أو المزرعة.فلو تعاقد صاحب المعمل مع شخص برأس مال معین،علی الإنتاج الصناعی،کان شکلا من أشکال المضاربة.و ستأتی الإشارة إلیه.

و کذلک لو تعاقد مالک سیارة أو شاحنة أو عدد منها.مع شخص یعمل علیها و یکون الناتج بینهما.و کذلک بالنسبة إلی النقل البحری و الجوی، و سوف لن نغفل الإشارة إلیه بعونه سبحانه.

إلاّ أنه بعد إدراج أمثال هذا التعاقد فی معنی المضاربة،تحفظا علی الاصطلاح الفقهی،بالرغم من اختلافه عنها اختلافات مهمة.!إذن،لا یبقی عندنا من العناوین الفقهیة المندرجة تحت عنوان(العمل التجاری العام) الذی قصدنا به عنوان هذا الکتاب إلا عناوین ثلاثة درج علیها الفقهاء،هی المضاربة و المزارعة و المساقاة:و هذا ما سنقوم بشرحه فی الفصول التالیة.

بالرغم من أن الفقهاء عقدوا لها کتبا فقهیة مستقلة،غیر أن تقارب معناها و اندراجها تحت نتیجة واحدة هی الاسترباح الناتج من العمل،حدا بنا إلی إدراجها فی کتاب واحد بعنوان:کتاب العمل.

فصل المضاربة

اشارة

المضاربة

ضارب (1)

لسان العرب:مادة ضرب.

فلان لفلان فی ماله إذا أتجر فیه و قارضه.«لم تزد المصادر اللغویة علی هذه الکلمات».

و الذی یبدو:أن المضاربة فی الأصل هو المشارکة فی الضرب حیث یفید وزن المفاعلة ذلک کالتفاعل یقال:مضاربة و تضارب و معاسرة و تعاسر و مقاتلة و تقاتل و مهاجمة و تهاجم.یعنی فعل أحدهما بالآخر.فالمضاربة هو ضرب أحدهما الآخر.فکیف أصبحت معنی للتجارة؟ و ما یمکن أن یکون منشأ لذلک عدة أمور:

الأول:أنه مأخوذ من الضرب فی الأرض،و هو المشی أو السیر فیها.

و من المعلوم أن التجارة تعنی ذلک و تلازمه دائما.

إلاّ أن هذا یواجه صعوبة من ناحیة أنه لا یفسر معنی(المفاعلة) الموجود فی المضاربة.لأن التاجر یضرب فی الأرض و یسافر مستقلا عن غیره.

الثانی:أنه مأخوذ من ضرب الفسطاط و الخیمة،من حیث أنهم کانوا یباشرون التجارة فی أماکن من هذا القبیل،إلاّ أن هذا الوجه یواجه نفس الصعوبة السابقة.أو قل:تشبهها فی الفکرة.


1) 1)

الثالث:أنه مأخوذ من ضرب الأیدی،و هو الصفق فی الأسواق،حیث أنهم کانوا إذا اتفقوا علی أیة معاملة یضربون أیدی بعضهم ببعض توکیدا للمعاملة عندهم.و إلی الآن نستعمل معنی الصفقة فی المبیعات.

الرابع:أنه مأخوذ من الضرب بمعنی النوع أو الجنس.و منشأ هذا الاستعمال:أنهم کانوا یصنعون الدراهم و الدنانیر بجعل الذهب و الفضة فی قوالب معدنیة و الضرب علیها حتی تأخذ شکلها الخاص أو المطلوب.و حیث اختلفت أشکال و أحجام القوالب،أصبحت الدنانیر و الدراهم تختلف أیضا.

فسمی کل نوع من ضرب خاص،إشارة إلی طریقة صنعها.و بکثرة التداول و الاستعمال صار الضرب بمعنی النوع أو الجنس.و یستعمل فی غیر الدراهم و الدنانیر أیضا.و منه قول المحقق فی الشرائع:الماء علی ضربین.أی نوعین.

فإذا تم ذلک استطعنا أن نلاحظ أن التاجر قد یرید أن یکون مضاربا لصاحبه بالنوعیة أی بنوعیة المعروضات و المبیعات.بمعنی کونه مماثلا له فیها و من نوعه أو مستواه.

الخامس:أنه مأخوذ من الضرب و هو النوع،کالسابق.مع ملاحظة أن التاجر یرید أن یکون مضاربا أی مماثلا لصاحبه فی المستوی المالی و التأثیر فی السوق أو قل:من نوعیته و طبقته.

السادس:أنه مأخوذ من الضرب بمعناه الاعتیادی.فالتضارب هو أن یضرب أحدهم الآخر.و التجار یفعلون ذلک،لا بالحقیقة بل المنافسة فی التجارة،و محاولة إیجاد الکساد فی الآخرین.

فالضرب من هذه الزاویة مسحوب معناه إلی معنی الإضرار بالآخرین و إیجاد الکساد لهم.

السابع:احتمال أن تکون لفظة المضاربة موضوعة بوضع لغوی مستقل للتجارة.و لا شک أننا نشعر الآن بکون استعمالها حقیقیا مهما کان منشؤها السابق.

و یحسن بنا أن نحمل هنا فکرة کافیة عن المعنی اللغوی للقراض و المقارضة،أیضا،لما لها ارتباط فقهی متین باصطلاح المضاربة،کما سنعرف.

و قال ابن منظور (1)

لسان العرب: [1]مادة:قرض

:المقارضة تکون فی العمل السیء و القول السیء یقصد الإنسان به صاحبه.و فی روایة:من اقترض عرض مسلم.أراد بقوله اقترض امرأ مسلما أی قطعه بالغیب و الطعن علیه و قال منه:و أصله من القرض:القطع.و هو افتعال منه.التهذیب:القراض فی کلام أهل الحجاز:

المضاربة و منه حدیث الزهری:لا تصلح مقارضة من طعمة الحرام.یعنی:

القراض.

قال الزمخشری:أصلها من القرض فی الأرض.و هو قطعها بالسیر فیها.و کذلک هی المضاربة أیضا،من الضرب فی الأرض.

و أقرضه المال و غیره:أعطاه قرضا.و هم یتقارضون الثناء بینهم.

و یقال للرجلین:هما یتقارضان الثناء فی الخیر و الشر أی یتجازیان.قال الشاعر:

یتقارضون إذا التقوا فی موطن نظرا یزیل مواطئ الأقدام

أراد نظر بعضهم إلی بعض بالبغضاء و العداوة.قال الکمیت:یتقارض الحسن الجمیل من التآلف و التزاور.

و قرض فی سیره یقرض قرضا:عدل یمنة و یسرة.و منه قوله عز و جل:

وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ .قال أبو عبیدة:أی تخلفهم شمالا و تجاوزهم و تقطعهم و تترکهم عن شمالها.

أقول:أما أخذ المضاربة من الضرب فی الأرض،و القراض من القرض فیها.فهو الوجه الذی ذکرناه و ناقشناه.

.


1) 1)

و المقارضة کالمضاربة،من صنعة المفاعلة المشتملة علی فعل شخصین أحدهما بالآخر.فبعد التجاوز عن احتمال أن یکون اللفظ موضوعا ابتداء و استقلالا لمعنی التجارة.یبقی منشأ الاحتمال أحد أمور:

الأول:أن المقارضة من تبادل السوء و الضرر بین الأفراد،و من المعلوم أن التجار یفعلون ذلک إذا لم یکن لهم قید قانونی أو اجتماعی.

و هذا یشبه الوجه الخامس الذی قلناه فی المضاربة،من حیث الفکرة.

الثانی:أن المقارضة من تبادل القرض و هو القطع أو العضّ.و هو أیضا راجع إلی تبادل السوء،لکن بتوسط فکرة القطع،کأن أحدهم یقطع تجارة الآخر.

الثالث:أنها مأخوذة من القرض و هو الدین،لأن التجار قد یقرض أحدهم الآخر أموالا أو بضاعة.

الرابع:أنها مأخوذة من تقارض القول الحسن أو النتائج الحسنة،لما تعود به التجارة علی المجتمع من نتائج حسنة و ضروریة.إلی غیر ذلک من الاحتمالات.

یبقی أنه ینبغی أن نشیر إلی بعض النقاط:

النقطة الأولی:أننا سمعنا من کلام اللغة:أنهم فسروا المضاربة بالمقارضة و فسروا المقارضة بالمضاربة.و هذا من التفسیر الذی یلزم به الدور.یعنی أننا بالنتیجة لا نعرف معنی المضاربة و لا المقارضة.

النقطة الثانیة:عرفنا أن المضاربة و المقارضة هی التجارة.و هی تصدق علی تجارة الفرد بأموال نفسه.بل إن صدقها هذا أولی و أقرب من صدقها علی تجارة الفرد بأموال غیره.مع أننا سنسمع أن الفقهاء خصوا کلا اللفظین بهذا الاصطلاح.

النقطة الثالثة:عرفنا أن المضاربة و المقارضة أو القراض،بمعنی واحد فی اللغة،و هو التجارة.إلاّ أن الفقهاء و إن استعملوها بنفس المعنی إلاّ أنهم

فرقوا بین اللفظین بمقدار ما سنتعرض إلیه.

و المضاربة فقهیا:هی التجارة برأس مال الغیر بنسبة معینة من الربح.

و هذا التعریف،کما هو واضح،منظور به من زاویة العامل لا من زاویة صاحب المال.و یبقی الباقی علی نباهة القاری.

قال المحقق (1)

الشرائع:ج 2 ص 118. [1]

:أما لو قال:أخذه فاتجر به و الربح لی کأنه بضاعته و لو قال:و الربح لک کان قرضا.

و هذا یلفتنا إلی أن ربح العامل التجاری یمکن أن یکون علی أقسام:

أولا:أن یکون ربحه کسرا عشریا من الربح و هو المضاربة.

ثانیا:أن یکون الربح کله لصاحب المال.و عمل العامل مجانی أو بأجرة معینة.و هو البضاعة باصطلاحهم.

ثالثا:أن یکون الربح کله للعامل،و قد تنازل عنه صاحب المال،فهو القراض.

و لعل هذا الثالث هو المقصود،قول المحقق(کان قرضا)یعنی قراضا.

إلاّ أن الأرجح أن یکون مقصوده:أن إعطاء رأس المال بهذا الشرط للعامل.

یعنی أن یکون قرضا له،و عقد القرض یقتضی ملکیة المقترض للمال،و هی تقتضی ملکیته للربح کله.و کأن هذا هو السبب الوحید فقهیا لملکیة العامل للربح کله.

إلاّ أن هذا غیر صحیح،لأنه یتوقف علی صحة القاعدة القائلة بأن البدل یدخل فی ملک مالک المبدل.و لا یجوز یعنی لا یمکن شرعا و فقهیا أن یخرج البدل من شخص و یدخل المبدل فی ملکیة شخص آخر.

و تطبیقه فی المقام:هو أننا لو افترضنا بقاء المال علی ملکیة مالکه


1) 1)

الأول،لزم الحکم بخروج هذا المال من المالک إلی المشتری و دخول الأرباح من المشتری إلی العامل.و هو مما لا یجوز.

و بحث هذه القاعدة لیس هذا محله.کما أن توقف المورد علیها بالضرورة،لا یخلو من مناقشة.

و معه،فمن الممکن القول ببقاء ملکیة رأس المال لصاحبه الأول و یکون الربح للعامل.و نتیجته أنه لا یجب أن یعاد إلی صاحبه لو تلف بدون تعد أو تفریط أو مع خسرانه فی التجارة.و یمکن أن یقال إن هذا هو القراض بالاصطلاح الفقهی.یعنی هو المال التجاری الذی یملکه الغیر و یکون الربح کله للعامل.

إلاّ أن الجهة الاقتصادیة فی ذلک ضعیفة،لوضوح تنازل صاحب المال عن أرباحه کلها.و هو أمر لا یکون عادة إلاّ مع حالات استثنائیة،کالحب أو الخوف.فالکلام إذن الآن فی المضاربة التی تقتضی تقسیم الربح بین صاحب المال و العامل.

هذا من حیث الربح.و أما من حیث رأس المال بمقتضی القاعدة أن خسرانه علی المالک و لا یتحمل منه العامل شیئا.و علیه مشهور الفقهاء.فهل له أن یشترط علیه المالک خلاف ذلک.

و الروایات المعتبرة (1)

الوسائل أحکام المضاربة باب 4 ح 1-2.

ناطقة بنفی الضمان عن العامل.إلاّ أنها تعنی أحد أمرین.

أحدهما:نفی الضمان إذا تلف فی غیر طریق التجارة،بدون تعد و لا تفریط.من حیث أن عامل المضاربة أمین علی المال،فلا یضمن إلاّ بالتعدی و التفریط.

ثانیهما:أن مقتضی القاعدة،أعنی بغض النظر عن الشرط عدم تحمیل الخسارة علی العامل،قلت أو کثرت.

و کلا هذین الأمرین صحیحین،و ظهور الروایات منصرف إلیهما،و لیس


1) 1)

فی الروایات ما یدل علی نفی صحة الاشتراط.و مقتضی نفوذ الشروط بالعمومات صحته.

نعم ورد فی بعض الروایات:من ضمّن تاجرا فلیس له إلاّ رأس ماله.

و لیس له من الربح شیء.إلاّ أنها مخدوشة سندا و إن کانت واضحة دلالة من حیث أن تضمین التاجر المضارب یقتضی دفع الربح له.مع احتمال أن یکون التضمین هنا،تضمین التلف و لیس تضمین الخسران.کما هو محل الشاهد:

فیسقط الاستدلال من حیث ظهور الروایة أیضا.

فإذا تم لدینا إمکان تضمین عامل المضاربة للخسارة بالشرط.فذلک یکون علی عدة وجوه،بعد التجاوز عن الوجه الأصلی و هو أن یکون الخسران کله علی المالک.

الوجه الأول:أن یکون الخسران کله علی المضارب.

الوجه الثانی:أن یکون الخسران مقسما بین العامل و صاحب المال بنسبة تقسیم الربح.فمثلا کما أن الربح مناصفة بینهما،کذلک یکون الخسران مناصفة بینهما.

الوجه الثالث:أن یکون الخسران مقسمة بینهما،و لکنها تختلف عن نسبة الربح.علی أن یکون القسط الأکبر علی العامل.

الوجه الرابع:کالوجه الثالث،و لکن علی أن یکون القسط الأکبر علی صاحب العمل.

کل ذلک مما ینبغی الاتفاق علیه و اشتراطه من أول المقاولة علی المضاربة،حسب اختیارهما معا بدون إکراه.

و من المعلوم فقهیا:أن تلف المال یختلف عن خسرانه تجاریا من عدة وجوه:

الأول:أن کلیهما لا یکون مضمونا للعامل علی القاعدة إلاّ أن التلف یضمنه التعدی و التفریط.و الخسران یضمنه بالاشتراط.

الثانی:أن التلف بسبب قلة رأس المال،إذا کان سببا لذلک.أما الخسارة فإن المال إذا خسر ثم ربح انسد الخسران و انجبر کسره بالربح الجدید.و أصبح الربح الجدید من ضمن رأس المال(أی کله للمالک)حتی یکتمل رأس المال مرة أخری.فإن زاد الربح علیه کان بینهما بالنسبة.

و لکن الربح لا یسد النقص الحادث بالتلف.فلو تلف نصفه،بقی رأس المال هو النصف الآخر فقط.و لا یسدده الربح الجدید.حتی لو کان التلف بتعدٍ و تفریط.لأنه عندئذ یکون مضمونا علی العامل من ماله الخاص.

و أی شیء دفعه فهو خارج عما وقع علیه عقد المضاربة.إلاّ أن یتفقا علیه من جدید.

نعم،للعامل،عندئذ أن یختار سداد ما ضمنه من حصته من الربح أو من مال آخر.

هذا،و قد أفتی الفقهاء بما نطقت به الروایات و اقتضته القواعد العامة أیضا،من أن تصرف العامل یجب أن یکون محددا بحدود إذن المالک.فإن أعطاه حریة الرأی و التصرف کان له أن یعمل فی المال ما یراه مصلحة له.

و ان حدد له شرطا معینا،کممارسة التجارة فی بلد معین أو فی نوع من العروض،أو منعه من الذهاب إلی بلد معین أو الشراء من شخص أو جهة معینة.و هکذا.فإن امتثل ذلک و طبقه فذاک.و إن خالف کان بمنزلة المتعدی و المفرط،فیکون ضامنا،بمعنی أن ما یحصل من الخسران بسبب ذلک یکون علیه و فی ذمته،یجب علیه وفاؤه من ماله الخاص.

و مقتضی القواعد الأولیة بطلان المعاملات التی قام بها فیما خرج عن إذن المالک،سواء حصل ربح أو خسران.إلاّ أن تلافی ذلک و استرجاعه من المشترین یکون عسیرا.و من هنا نطقت الروایات بالاقتصار علی الحکم بالضمان،و هو اشتغال ذمة العامل بما یحصل من خسران،و أما إذا حصل الربح لم یکن علیه شیء.

و ینبغی أن نلتفت هنا إلی أن عصیان المالک إذا سبب نقصان رأس

لمال بالخسران التجاری أو بالتلف الاعتیادی.یکون مضمونا علی العامل لأنه تعدٍ و تفریط فیوجب ضمان التلف أیضا.

کما أننا ینبغی أن نلتفت إلی أن بیان رأی المالک للعامل یمکن أن یکون علی أحد شکلین:

الأول:اشتراط ما یرید المالک فی ضمن المقاولة علی المضاربة.

و هذا نافذ،تماما بلا إشکال و یترتب علیه الضمان.

الثانی:إتمام المقاولة بدون شرط،و لکن المالک یشترط علیه بعد ذلک بعض القیود،فهل یکون له نفس الحکم؟ مقتضی الاتجاه التقلیدی للفقهاء هو نفوذ رأی المالک بخصوص الشکل الأول دون الثانی.

إلاّ أن مقتضی القاعدة شمول الحکم لکلا الشکلین.

أولا:لأن تصرف الفرد بمال غیره بدون إذنه حرام و باطل.

ثانیا:أنه من نوع الاعتداء و التفریط بالمال.مما یکون سببا للضمان.

ثالثا:أن الروایات،نصت علی لزوم امتثال أمر المالک و نهیه.و لیست واضحة فی أن یکون هذا الأمر و النهی فی ضمن العقد،و حملها علی ذلک بالتعیین بلا موجب.

و بالجملة.فإن المال عند دفعه إلی العامل المضارب.لا یخرج عن کونه ملکا له:کما لا دلیل علی أنه یصبح مخولا فیه بحیث یسقط عنه حجیة رأی المالک.نعم،لو فوض المالک إلیه الأمر أو سکت عنه کان الأمر إلیه کما هو المتعارف سوقیا.

المضاربة بالمضاربة

یعنی أن یأخذ الفرد مالا تجاریا من غیره لیتجر به و لکنه لا یتجر به و إنما یدفعه إلی غیره،بنسبة أعلی من الربح،و یکون الفرق له.

و هذا غیر جائز لأمرین:

الأمر الأول:أنه تصرف بالمال بدون إذن المالک.إذ یحتاج دفع المال إلی شخص آخر،إلی إذن مالکه الأصلی.و العامل لیس مخولا لا أساسا و لا فی عقد المضاربة بهذا التصرف.

الأمر الثانی:أنه ربح بلا عمل و هو ممنوع فی الشرع الإسلامی،کما عرفنا فی الفصل الذی تحدثنا به عن شرط العمل.

و معنی ذلک،أعنی مع وجود کلا هذین الأمرین.فإنما یمکن أن یدفع العامل مال المضاربة إلی عامل آخر إذا استأذن المالک فی ذلک أولا،و عمل فیه فترة ما و ان کانت قلیلة کأسبوع مثلا.لا مثل الیوم و الیومین اللذین لا أثر لهما عرفا.

و أما لو تخلف الشرط الأول فلم یأذن له المالک أو کان الشرط فی أصل المعاملة هو(المباشرة)فی العمل،یعنی عدم دفعه إلی غیره.لزمه ذلک.و لا یجوز له العصیان حتی لو توفر الشرط الثانی و عمل بالمال.

و کذلک إذا تخلف الشرط الثانی،یعنی لم یکن قد عمل بالمال و أراد دفعه إلی شخص آخر.و لکن المالک أذن له.فالحرمة باقیة.لأن المالک لیس له أن یأذن بما هو غیر مشروع.یعنی أن یأذن له بدفع المال قبل العمل.و أما لو أذن له بدفعه بعد شیء من ممارسة العمل،فهذا معناه توفر کلا الشرطین.

المضاربة بغیر التجارة

یستثنی الاتجاه التقلیدی فی الفقه،علی أن العامل یعمل بالتجارة، و یقصدون بها محاولة الاسترباح عن طریق الشراء و البیع.

و من الواضح فقهیا عدم تحدید السلع المشتراة و المباعة.یعنی سواء کانت مأکولات أو ملبوسات أو مساکن أو بساتین أو آلات أو أی شیء آخر.

کما لا یقتصر هذا الاتجاه الفقهی علی تحدید کمیة المال،فلا یفرق

فیه بین أن یکون بالعشرات أو بالمئات أو بالآلاف أو بالملایین.بعد تطبیق القواعد الشرعیة علیه.

إلاّ أن السؤال هنا هو أن بعض الأعمال لا یصدق علیها معنی أو مفهوم التجارة عرفا،و ان کانت عملا سوقیا یراد به الاسترباح.و أوضحها الصناعات الصغیرة و الکبیرة.و کذلک العمل بوسائط النقل للبشر و البضائع.و کذلک العمل فی استخراج المعادن إلی غیر ذلک.مما لا یعنی بالمباشرة بیع نفس ما اشتراه التاجر.

و الاحتمال الأوّلی فقهیا،حول ذلک أحد الأمرین:

الأول:أن العمل التجاری للغیر فی کل ذلک لیس بصحیح.و إنما یصح فی خصوص ما یسمی تجارة عرفا.

الثانی:أن هذه الأعمال صحیحة للغیر و لکن لا تسمی مضاربة،بل لا بد من إعطائها لفظا آخر.و إنما لم یتعرض بها الفقهاء لأنها لم تکن موجودة فی أزمانهم.

و الذی یبدو لی أن کلا الأمرین غیر صحیحین:

أما الأمر الأول فبطلانه واضح فقهیا.أعنی من الواضح جواز العمل للغیر بأی أسلوب استرباحی خال من عصیان التعالیم الشرعیة.لا یختلف فی ذلک اسمه و عنوانه أعنی مضاربة کان أو غیرها.

و أما الأمر الثانی:فبطلانه مستمد من إمکان التجرید عن الخصوصیة.

لأن النصوص و إن وردت فی التجارة بالمعنی الاعتیادی،إلاّ أنها اختصت به لعدم مساعدة المستوی الاجتماعی یومئذ علی الالتفات لغیره.

بل لا یبعد أننا إذا التفتنا إلی أسالیب العمل التی ذکروها و هی المضاربة و المزارعة و المساقاة.نعرف أنها تشیر إلی إمکان تعدد العمل المتوفر فی المجتمع.کل ما فی الأمر أن العمل الذی کان متوفرا فی صدر الإسلام هو التجارة و الزراعة.و لم یکن للصناعة و المعادن وجود واضح.

غیر أن الصناعة تختلف عن المضاربة الساذجة من بعض الجهات.فإن العامل إن أخذ رأس المال و اشتری به الآلات و الموارد الأولیة و أتم العمل کله به.و بعد انتهاء المدة تقاسما الربح.کان ذلک شبیها بالمضاربة الساذجة.

و لکن قد یکون الأمر مختلفا إلی حد ما،فقد تکون الأدلة من العامل أو قد تکون المواد الخام منه.فما ذا تکون النتائج عندئذ.

و الواقع أن العامل لو اشتری الآلات و المواد الخام و استأجر الأرض و نحو ذلک من رأس المال.کان معناه أنها جمیعا من المالک.إذ لا فرق فقهیا بین ذلک و بین أن یدفعها المالک إلیه خارجا عن رأس المال.

و أما لو کانت الآلات أو الأرض و نحوها للغیر،وجب دفع أجرتها إلیه من رأس المال.فیکون الأمر محسوبا علی المالک أیضا.

و أما إذا کانت هذه الأمور أو بعضها من العامل.کما لو أعطی أحد خشبا إلی آخر لینتجه فی معمله و یبیعه علی شکل أثاث للمنازل أو غیره علی أن یکون الربح بینهما.فهل یجب علی المالک دفع أجرة التصرف فی المعمل مضافا إلی حصة الربح؟فهذا و إن کان محتملا فقهیا و ثابتا أیضا إذا اشترطه العامل فی المعاملة.إلاّ أن الصحیح أنه مع عدم الاشتراط لا یکون له شرعا و عرفا إلاّ قسطه من الربح.

و أما إذا کانت المواد الخام من العامل،و إنما صرف رأس المال الذی أخذه کأجور للعمال و النقل و نحو ذلک.فإن کانت المقاولة تعنی شراء المواد الخام ضمنا لصاحب رأس المال ثم إنتاجها.فهذا معناه أنها محسوبة من أملاکه و یکون الناتج له کالسابق.

و أما إذا بقیت المواد الخام ملکا للعامل،فالناتج کله له،و الربح له و لکن الآخر یستحق علیه المقدار المشترط له من الربح.و بتعبیر أوضح:أن المهم فقهیا:هو النظر إلی هذه المواد الخام.فکل من کان مالکا لها فهو صاحب رأس المال و الناتج له و ان کان الآخر مشارکا معه بشکل و آخر کأجور العمل أو ملکیة المعمل أو غیره.

إلاّ أن هذا فرق اصطلاحی لا ینتج فقهیا إلاّ تمییز من هو الموجب فی مثل هذه المعاملة عن القابل.و قد عرفنا أن الموجب یکون دائما هو صاحب المواد الخام.و الآخر القابل.و أما النتیجة و هی تقسیم الربح بینهما حسب المشترط فی المعاملة فلا یفرق فیه بین الشخصین فقهیا،مهما کانت مساهمة کل منهما فی العمل.

المضاربة علی التعدین

و من فروع ذلک،أعنی المضاربة علی غیر التجارة:المضاربة علی حیازة المباحات العامة علی نطاق ضیق کالاحتطاب و الصید البسیط و نحوه أو علی نطاق واسع کالعمل فی المعادن و الصید علی نطاق واسع و نحوه.

و کلامنا الآن فقهی،یعنی بغض النظر عما تشترطه أو تفعله الشرکات المسؤولة عن المعادن و غیرها،فإن له بابا آخر من الکلام،قد یکون أوسع مما یقتضیه هذا الفصل.

و لا ینبغی أن یفوتنا الالتفات إلی أمرین:

الأمر الأول:أن الفقهاء و ان خصّوا المضاربة بعامل واحد.إلاّ أن الأعمال الموسعة الحدیثة قد تحتاج إلی المئات أو الألوف.فقد یکون کلهم عمال فی مضاربة واحدة،إذا جعل صاحب المال لکل واحد منهم نسبة من الربح.

الأمر الثانی:أن رأس المال فی حیازة المباحات العامة،التی عرفنا حدودها،لا یعدو أن یکون توفیرا للآلات و أجور العمال و النقل.لأن الحیازة بحد ذاتها تکون مجانیة لا تحتاج إلی رأس المال.و إنما تحتاج إلی عمل فی السیطرة علیها و إدخالها تحت الید أو السلطة.

إذا عرفنا ذلک،فإن العامل فی مثل هذه الأعمال،یکون موکلا عادة من قبل صاحب المال فی الحیازة له.فمهما حاز من المعدن أو من غیره،حسب اختلاف الأعمال،سیکون لصاحب المال.و هذا المال المحاز هو الربح

و لکن لا تنتج منه النتیجة الواضحة إلاّ بعد تصفیته أو بیعه.

و المهم فقهیا:هو أن الحیازة للمباحات تکون بالقصد و النیّة.فإن قصد الحائز الحیازة لنفسه کان ما یأخذه له.و ان قصد لغیره،فإن کان موکلا عنه، کان للموکّل.و کذلک إذا کان مأذونا و نحو ذلک.و أما إذا لم یسبق له أیّ اتفاق مع الآخر من هذه الناحیة فدخوله فی المحاز له مشکل فقهیا،و مقتضی الاستصحاب بقاء المال علی الإباحة العامة.

و أما إذا وکل فرد شخصا آخر علی الحیازة،فلم یحز للموکل بل حاز لنفسه.جاز له ذلک و دخل المال فی ملکه.نعم،ان کان قد وضع الموکل له أجرا معینا لم یستحقه عندئذ.

إذا عرفنا ذلک أمکننا أن نعرف ما هو الحکم الفقهی فی مسألتنا و هی أن یکون رأس المال من شخص و العمل علی الحیازة من المعادن أو غیرها من شخص آخر أو من متعددین.

فإن العامل ان اشتغل بقصد تطبیق المعاملة،کفی ذلک فی کون الحیازة لصاحب المال فقهیا.و لو باعتبار استبعاد أو صعوبة أن یحوز العامل لنفسه،کما قد یفکر العامل نفسه.من حیث أن الوضع العام للعمل کله مرکز نحو صاحب العمل.حتی لو نوی الفرد الحیازة لنفسه کان مورد سخریة الآخرین.

إذن فالعمال عادة یحوزون لصاحب المال و تستمر الأعمال علی هذا الأساس.إلاّ أن هذا لا ینافی نظریا جواز حیازة العامل لنفسه مما قل أو کثر من المعدن أو غیره،و لو بآلات صاحب العمل ان أحرز منه الرضا أو السکوت،و یضمن له الأجرة للعمل بها،أو أن یحوز العامل بآلات أخری إن تیسرت،سواء کانت بدائیة أو معقدة.

و لا ینبغی أن یفوتنا بهذا الصدد ما قاله الفقهاء،و هو صحیح،من حکم المعادن بهذا الصدد.إذ یکون لصاحب الأرض إذا ظهر المعدن فی أرضه الحق أن یأخذ منه ما یشاء.و کذلک صاحب الحفرة إلی باطن الأرض.أن

یأخذ منها ما یشاء ما دام یطبق الفرد علی نفسه و أحواله الأحکام الشرعیة المعتادة.

إلاّ أن هذا لا ینافی أن المعدن الزائد یمکن استیلاء الآخرین علیه بعدة طرق.أوضحها أخذهم منه من خارج أرض ذلک الفرد أو من خارج حفرته.

بمعنی أن من حق أی فرد آخر متمکن أن یحفر حفرة أخری غیر بعیدة عن تلک الحفرة و یستغل نفس المعدن.

و هذا معناه أن المعدن فی باطن الأرض لا یملکه أحد بالتعیین،و إنما هو مخلوق لکل أحد (خَلَقَ لَکُمْ ما فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً) و لا یعنی النفوذ إلیه من أیة حفرة إن مالکها یملک ما تحتها من المعدن.بل یملک ما یخرجه منه فقط.

بل الأمر الذی یمکن أن یتعدی ذلک،فلو أخرج الفرد من أرضه أو من حفرته ما استطاع من المعدن.و کان فی المعدن زیادة لم یجز له حجبه عن الآخرین.فلو جاء الآخرون إلی أرضه نفسها و حفرته أیضا فأخذوا منها لم یک له منعهم علیه.

کل ما فی الأمر أن عملهم فیه یتوقف علی إذنه بالدخول فی أرضه و حفرته.و هو إذن مطلوب منه علی أی حال،و إن لم یمکن الفتوی الصریح بوجوبه علیه.

غیر أن المفروض أنهم علیهم أن یستخدموا الآلات الأخری غیر آلاته إذ لا یجب علیه و لا یتوقع منه أن یأذن باستخدامها للآخرین.و إن استعملوها حراما أو بالإذن وجب علیهم دفع الأجرة.کما یجب علیهم دفع أجرة الأرض و الحفرة.

و لو دخل الآخرون الأرض أو الحفرة،حراما و بدون إذن و استخرجوا لأنفسهم،حتی و لو کان بآلات صاحب الأرض،ملکوا الناتج و إن أثموا بهذا التصرف،و کانت علیهم الأجور،کما أشرنا.إلاّ أن منع أمثال هذه التعدیات

مفروض شرعا لما سمعنا من حرمته.و خاصة إذا لم یکن قد استخرج صاحب الأرض من المعدن ما یکفیه.

أما ما لا یتوقف علی إذنه،کمن یعمل خارج تلک الأرض أو الحفرة، فلا حرمة فیه أصلا.

مضاربات أخری

یشمل الحکم النظری الفقهی بمعناه العام الذی قلناه فی المعادن کثیرا من أسالیب حیازة المباحات العامة.فلأی فرد متمکن أن یبذل المال و الآلات لأشخاص آخرین لیقوموا بالحیازة له و یکون الربح أو الناتج بینهم،حسب الشرط.

لا یفرق فی ذلک بین الطیور أو الوحوش أو الأسماک،أو استخراج اللؤلؤ و المرجان من البحر،أو استخراج حطام السفن الغارقة،التی أصبحت بإعراض أصحابها عنها من المباحات العامة.إلی غیر ذلک کثیر.

و الحکم الذی أشرنا إلیه فی المعادن سیکون هنا أوضح و هو أن من حق العامل أن یحوز لنفسه،و ان ما فی البحر و الجو من الخیرات لیس ملک أحد و إنما ملک الجمیع.فمتی لو استعمل العامل آلة الآخرین أو آلات صاحب العمل یمکنه أن یحوز لنفسه،مع إحراز الرضا و ضمان الأجرة.و ان لم یحرز الرضا حرم التصرف إلاّ أن المادة الطبیعیة ستکون ملکه.

و هنا ینبغی أن نلتفت إلی بعض الأمور:

الأمر الأول:أن المادة الطبیعیة إذا دخلت فی ملک العامل تستمر فی ملکه،و لا تخرج عنه بالتصنیع و التصفیة و نحو ذلک،و لو کان ذلک بآلات صاحب العمل.

الأمر الثانی:أن العمال لا حاجة لهم بالحیازة لأنفسهم،بعد أن کانت معاملتهم علی أن لا یکون أجرهم محددا.و إنما هو نسبة معینة من الربح أو من الناتج.کما هو محل الکلام فی باب المضاربة.إذن فما یصیدونه لصاحب

العمل و ان دخل فی ملکه برقیا،إلاّ أنهم سوف لن یخسروا حصصهم منه و یجب علیه شرعا و قانونا أن ینفذ اتفاقه معهم و یوفیهم حقوقهم.

الأمر الثالث:استشکل الفقهاء فی استعمال لفظ المضاربة فی غیرها.

فلو کان العقد أو الاتفاق(بضاعة)باصطلاحهم یعنی بأجرة محددة لا بنسبة من الربح کما عرفنا،لم یجز له أن یأتی بلفظ المضاربة فی العقد.و إنما یجوز ذلک إذا کان الأجر هو النسبة لا المقدار المحدد.

فهنا أعنی فیما تحدثنا عنه من المضاربة فی المعدن و غیره،قد یستشکل الفقیه من شمول معنی المضاربة له،لما قلناه من أنه لیس أسلوبا تقلیدیا یتضمن البیع و الشراء التجاری الاعتیادی.فلا یکون مضاربة.فلا یجوز أن یأتی الفرد بلفظ المضاربة فی العقد أو المقاولة.

إلاّ أن هذا مخدوش من عدة وجوه نذکر أهمها:

الوجه الأول:أن الصراحة فی العقود،و التی اشترطها بعض الفقهاء، لیست ضروریة ما دام القصد معلوما.فلو کانت المضاربة هی التجارة التقلیدیة،و کان استعمالها فی غیرها مجازا.لم یضر ذلک بصحة العقد علی ما تکلمنا حوله من أنواع الاسترباح.

الوجه الثانی:ما سبق أن قلناه من أننا من ملاحظة أدلة المضاربة و المزارعة و غیرها الواردة شرعا نعرف بتجرید الخصوصیة أن المهم هو الاتفاق علی الاسترباح من عمل ما،مهما یکن نوعه.و یمکن القول فقهیا:إن العمل ما لم یکن مزارعة و لا مساقاة و لا إجارة(أی بأجرة محددة)فهو مضاربة بل لا یبعد صدق لفظ التجارة عرفا علی کل أنواع الاسترباح.و إذا صدقت التجارة فهی المضاربة و المقارضة و القراض لغة و عرفا.فتکون صادقة أیضا.و لا یبقی إشکال من استعمال مفهوما أو لفظها فی العقد الذی یتفق علیه.

الوجه الثالث:أن المهم هو بیان المعاملات المشروعة فقهیا،و التی تمت إلی العمل الاسترباحی بصلة،کما هو المراد بیانه فی هذا الکتاب الفقهی (کتاب العمل).سواء سمینا هذه المعاملات مضاربة أو أی شیء آخر.فلو

تنزلنا جدلا و قبلنا المنع عن لفظ المضاربة لا یعنی ذلک المنع عن المعاملة.

و خاصة بعد أن أجاز مشهور المتأخرین،و هو الصحیح،وقوع المعاملات بالمعاطاة أو بأی لفظ حصل،و لا یخل ذلک بصحة المعاملة و لا بکونها مشمولة للأحکام الخاصة بها،ما دامت عرفا من أنواعها (1)

یعنی یصدق علیها البیع أو الإجارة أو المضاربة أو نحوها.

.

الأمر الرابع:من الأمور التی یجب أن نلتفت إلیها فی الحدیث عن المضاربة.

ان المحقق الحلی (2)قال عن عقدها:و هو جائز من الطرفین لکل واحد منهما فسخه،سواء خص المال أو کان به عروض.

و الطرفین فی المضاربة هما:العامل و صاحب المال.و أنصاف المال هو تحویل العروض أو البضاعة إلی نقد.و هو ما یحصل عادة فی أواخر عقد المضاربة،إذ یجب علی العامل أن یبیع و لا یشتری لکی یتم الموعد و المال کله علی شکل نقد.و إنما عبّر المحقق بالعروض و لم یعبر بالبضاعة لما سمعنا منه من أن البضاعة فی هذا الصدد،هو عقد المضاربة حین تکون الأجرة محددة و لیست نسبة من الربح.فالبضاعة هنا هی نوع من المعاملة،و لیست هی العروض.

و المهم الآن فتوی المحقق بجواز عقد المضاربة،لأنهم قسموا المعاملات إلی لازمة و جائزة.فاللازمة هی التی لا تنفسخ إلاّ بخیار الفسخ و الجائزة هی التی تنفسخ اختیارا.و قد تحدثنا عن لزوم المعاملات فی فصل سابق.و معه یکون مراد المحقق أن للعامل و صاحب المال أن یفسخا المضاربة متی شاءا.

و هذا المعنی فیه نقطة ضعف عملیة و نقطة ضعف نظریة:إما النقطة العملیة،فإن مقتضی التدبیر الاقتصادی و السوقی هو الاستمرار علی المعاملة،


1) 1)

2) 2) الشرائع ج 2 ص 165. [1]

مما ینتج مصلحة الطرفین بطبیعة الحال.أما المبادرة إلی الفسخ متی شاء الفرد،فهذا قد یعرض تجارة کبیرة للتلف،و یکون ظلما للطرف الآخر.

نعم،لو حصل سبب مفهوم عرفا و مستساغ اجتماعیا للفسخ،بمعنی أنه حصل إضرار من أحد الطرفین بالآخر.کان التسلط علی الفسخ معقولا.بمعنی أن نقطة الضعف هذه تکون منتفیة.

و أما نقطة الضعف النظریة:فإن الأصل فی المعاملات اللزوم کما قررنا فی الفصل المشار إلیه.و هو شامل للمضاربة،فما هو سبب الخروج عن ذلک فیها.فإن الإجماع فیها غیر محرز،و الشهرة و إن کانت موجودة إلاّ أنها لیست فی مثل ذلک حجة،و خاصة و أن مضمونها لم یرد و لا فی روایة ضعیفة،بل المفهوم من سیاق الروایات کون المضاربة کغیرها من المعاملات التی لا تنتهی إلاّ بأمدها.فالقائل بجوازها یحتاج إلی دلیل.

و لکن اللزوم لو قلنا به لا یعنی امتناع تسلط أحد الطرفین علی الفسخ أحیانا.إذ یمکن ذلک مع الاشتراط أولا.و مع حصول الضرر و الإضرار ثانیا.إذ یمکن تحکیم قاعدة(لا ضرر و لا ضرار)أو (ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ) فی هذا المورد و رفع اللزوم فی هذه الحالة و تمکین المتضرر من الفسخ.

فصل المزارعة

المزارعة

عرفها المحقق الحلی (1)

الشرائع ج 2 ص 124. [1]

بأنها:معاملة علی الأرض بحصة من حاصلها و ینبغی هنا أن نلتفت إلی أمور:

الأمر الأوّل:أن حاصل الأرض یختلف،فقد یکون زراعیا و قد یکون بسبب آخر.فقوله:بحصة من حاصلها لا یعنی بالضرورة:من حاصلها الزراعی.و ان قصد ذلک.فکان لا بد من إیضاحه فی التعریف.بأن نقول مثلا:إن المزارعة:معاملة علی زراعة الأرض بحصة من حاصلها.

و لا یمکن التغاضی عن ذلک اعتمادا علی عنوان المزارعة الذی نرید أن نعرّفه.فإن المفروض فیمن یتوقف فهمه علی التعریف أنه یجهل معنی اللفظ المعرّف،فلا یستعمله فی الفهم إطلاقا.علی أنه یکون من قبیل استعمال اللفظ المعرّف فی التعریف فیلزم الدور.

الأمر الثانی:أن المحقق و مشهور الفقهاء اشترطوا فی المزارعة:أن تکون علی حصة من الناتج بمعنی الکسر العشری کربعه أو نصفه مثلا،حسب الاتفاق و لا یجوز أن یکون بحصة محددة کطن مثلا.و إلاّ لم تکن مزارعة و إنما کان العامل أجیرا فی العمل لا مزارعا و لا یجوز إیراد لفظ المزارعة عند العقد عندئذ.

و تعریف المحقق غیر واضح فی هذه الجهة.فإن قوله بحصة من


1) 1)

حاصلها،یشمل الحصة المحددة و الحصة العشریة.فکان لا بد من ذکر ذلک.

أو التنازل عن أصل الحکم یعنی الالتزام بصحة المزارعة حتی لو کانت بحصة محددة وزنا مثلا.

الأمر الثالث:المزارعة مفاعلة من الزرع.و هی تفید لفظیا:أن أحد الشخصین زرع للآخر.فإن توسعنا قلیلا فهمنا منها التعاون علی الزرع.و أن أحدهما ساعد الآخر فیه.

إلاّ أن المزارعة بالمعنی الفقهی معاملة موجودة من الزمن السابق.و قد أقرها الإسلام و حدد شرائطها.و لیست ذات مصطلح فقهی خاص.و هی لا تعنی مجرد المساعدة کما هو انطباعها اللفظی.

و الملحقات المستعملة فیها عدة أمور:

أولا:الأرض.

ثانیا:البذر.

ثالثا:الآلات.

رابعا:العمل.

و کل منها یمکن أن یکون لهذا أو أن یکون لذاک،کما یمکن الاشتراک فی العمل فتکون احتمالات العمل ثلاثة.

و بضرب 2x2x2x3 ینتج 24 احتمالا.

و المهم فی ذلک أمران:

الأول:أن الناتج یکون لصاحب البذر،بما فیه الزرع و الثمرة.و هو الذی یعطی لصاحبه حصة من الناتج.

الثانی:أن الشخص الآخر یستحق حصة من الناتج بما یقدم من حلقات:أما الأرض و أما الآلات و أما العمل و المشارکة به.و لا یستحق الأجرة المحددة مضافا إلی تلک النسبة.

و یمکن أن نتحدث عن بعض الصور الحاصلة من عملیة الضرب المشار إلیها:

الصورة الأولی:أن تکون الأرض و الآلات من شخص و البذر و العمل من شخص کما هو المشهور التقلیدی فقهیا.

الصورة الثانیة:أن تکون الأرض من شخص و الآلات و البذر و العمل من شخص آخر و هی أبعد الصور عن المزارعة لأنها مجرد إجارة للأرض،بحصة من ناتجها بکسر عشری.

الصورة الثالثة:أن تکون الأرض و العمل من شخص و الآلات و البذر من شخص.فیأخذ صاحب الأرض حصته من صاحب البذر.

الصورة الرابعة:أن یکون البذر فقط لشخص و العناصر الأخری لشخص آخر.و معناه:أن شخصا ما أخذ البذر من شخص و زرعه فی أرض نفسه.فلو لم یعتبر هذا نوعا من الشراء کان الحال حال المضاربة،و یکون صاحب رأس المال فقهیا هو صاحب البذر مع قلة مشارکته فی المعاملة حال التعاقد.

و هذه الصور کلها مع افتراض أن المشارکین شخصان فقط.کما هو المفهوم تقلیدیا فی الفقه.و لکن یمکن التعدد أکثر من ذلک.و لصاحب البذر الناتج علی القاعدة و هو الذی یجب أن یعطی للآخرین لکل منهم حصة عشریة من الناتج.

و ینبغی الالتفات أنه مع التعدد تصح المزارعة إذا کانت المعاملة بین صاحب البذر و الأرض بالکسر العشری من الناتج.و أما صاحب الآلات و القائم بالعمل،فیمکن أن یکون ذا حصة عشریة،أو أجرة محددة.

کما تصح المزارعة إذا کانت لصاحب العمل أجرة عشریة.و إن أخذ الباقی أجورا محددة.

فالمهم هو وجود اثنین من الأساسیین فی المعاملة یقبضان الکسر العشری.و لا دخل لأجر الباقی به.و الأساسیون فیها هو مالک الأرض و مالک

البذر و العامل دون صاحب الآلات.فإن أعطی صاحب البذر أو مالک الزرع، (و هو دائما واحد)إلی أحد صاحبیه کسرا عشریا من الناتج کفی فی صدق المزارعة و صحتها.

أما صاحب الآلات وحده فلا أهمیة له کافیة فی الزراعة بإزاء غیره،فلا تصح المزارعة لو أخذ الباقون الأمر المحدد و أخذ هو الکسر العشری وحده و إن کانت المعاملة أساسا صحیحة غیر أنه لا یکون مزارعة.و إنما یصح فیما إذا أخذ هو الکسر العشری مع کون الآخرین کذلک.أو یکون فرد واحد صاحبه الآلات و الأرض أو العمل مثلا.

و بالرغم من أنه یندر أن تکون الآلات وحدها من فرد معین دون غیرها من الفقرات.و لکن لو کان کذلک،فلا إشکال عرفا قلة شأنها بالنسبة إلی باقی الفقرات.

کما لا إشکال فقهیا فی عدم تشکیل المزارعة بها بمجردها.

لا یبقی عندئذ إلاّ أن نعرف أن مقتضی القاعدة الأولیة هو إمکان استئجار الأرض أو العمل أو أی واحد من الفقرات إما بالأجرة المحددة أو بکسر عشری من الناتج.لا فرق فی ذلک،فی صحة المعاملة،و ان لم تکن مزارعة أحیانا.

و هذا صحیح بالنسبة إلی جمیع الفقرات إلاّ الأرض فقد وردت روایات معتبرة فی إجازتها علی طائفتین:

الطائفة الأولی:تنهی عن إجازة الأرض بأجرة محدودة،و تأمر بإجارتها بکسر عشری من الناتج خاصة.

کصحیحة الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:لا تقبّل الأرض بحنطة مسماة و لکن بالنصف و الثلث و الربح و الخمس لا بأس به. (1)

الوسائل: [1]أحکام المزارعة و المساقاة:باب 16 حدیث 1،و انظر باب 8 حدیث 3.

و هی تامة سندا و دلالة،کما هو واضح.

الطائفة الثانیة:تنهی عن إجارة الأرض بالثمار و تأمر بإجارتها بالذهب أو الفضة یعنی بالدنانیر أو الدراهم.


1) 1)

کروایة أبی بصیر (1)

المصدر:باب 16 حدیث 2. [1]

عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال:لا تؤاجر الأرض بالحنطة و لا بالشعیر و لا بالتمر و لا بالأربعاء و لا بالنطاف و لکن بالذهب و الفضة لأن الذهب و الفضة مضمونان و هذا لیس بمضمون.

و بعد التجرید عن خصوصیة الذهب و الفضة،إلی کل أجرة محدودة، و خاصة بعد التمسک بالتعلیل من حیث أن(الذهب و الفضة مضمونان)إذن فکل مضمون جائز(و هذا لیس بمضمون)فإن الکسر العشری قد یزید و قد ینقص و قد لا یوجد أصلا.و هو معنی کونه غیر مضمون.

ینتج منها جواز الأجرة المحددة و المنع عن الأجر بالکسر العشری.و هو مضمون أو معنی معارض للطائفة الأولی.فیتساقطان عن الاستدلال و نرجع إلی القاعدة الأولیة،التی تقتضی الجواز فی کلا شکلی الإجارة.

و الروایة فی الطائفة الثانیة لا تخلو من خدشة سندا.و تمام الکلام فی الفقه.و علی تقدیر الأخذ بالطائفة الأولی.فهی خاصة بإجارة الأرض وحدها، دون ما إذا کان معها بعض الفقرات الأخری،کالآلات أو العمل أو هما معا.

الأمر الرابع:مما ینبغی أن نلتفت إلیه فی المزارعة.

لا یختلف الحال فی الزرع المستعمل فی المزارعة بین أن یکون صغیرا أو کبیرا أو حتی الشجر.کل ما فی الأمر أنه یجب أن تکون المدة المشترطة کافیة لحصول الناتج لیمکن مقاسمته بین أطراف المزارعة.سواء کان هذا حاصلا فی أشهر،أو فی سنة أو فی عدة سنوات.

فإن کانت هناک عدة مواعید للأثمار خلال مدة المزارعة کانت کلها یجب فیها التقسیم بین الأطراف حسب المشروط.

الأمر الخامس:بعد أن ینتج الناتج یکون ملکا لصاحب البذر أو الغسیل و نحوها.و یکون علیه عدة أمور:منها ضربیة الدولة إن وجدت و أجور العمال و التحمیل و الحقوق الشرعیة کالزکاة،و حصة صاحبه فی المزارعة،کما لو کان


1) 1)

الآخر قدم الأرض و الآلات.فأی من هذه المدفوعات یکون مقدما و أی منها یکون متأخرا.

و هذا السؤال جوهری اقتصادیا.فمثلا لو دفع حصة صاحبه من الأول بالکسر العشری المشترط،أولا کانت أکثر بکثیر مما لو دفعها أخیرا،کما هو واضح.و إن جاز دفعها متأخرا،فمعناه خروج تلک الأموال منهما معا لا علی صاحب البذر وحده.

و هذه الأمور یختلف حالها بین صورة و أخری.فإن کان هناک شرط سابق فی المعاملة علی أن یکون البعض منها أو کلها علی أحدهما أو علی کلیهما عُمل به.فما کان من کلیهما دُفع أولا.و ما کان من أحدهما دُفع بعد التقسیم.

إلاّ الحقوق الشرعیة،فإن حکمها لا یختلف بالاشتراط فی المعاملة.بل تکون علی کل منهما علی حدة.

و أثر ذلک:أن حصة کل منهما إذا لم تکن بالغة للنصاب الأول،فلا تجب الزکاة فی الحاصل.بعد إخراج ما ینبغی إخراجه قبل التقسیم،فإن بلغت النصاب أمکن دفع زکاتها قبل التقسیم أو بعده.

و أما إذا لم یشترط لسائر المصارف شیئا محددا فی المعاملة،فمقتضی القاعدة أنها بذمة صاحب البذر الذی له الزرع و الثمار أیضا،و قد دُفعت المصارف من أجل زرعه.و أما الآخر فغیر مسئول عن ذلک،بل یرید حصته صافیة.

و معنی ذلک:أنه یجب علی صاحب البذر دفع المصارف بعد التقسیم.

بمعنی احتسابها من حصته لا من حصة صاحبه.

فالمحصل:أنه مع حصول النصاب الزکوی لکل حصة تدفع للزکاة من المجموع أو من کلا الحصتین.و أما سائر الأجور فتدفع من حصة صاحب البذر.و لکن لا یبعد أن تکون ضریبة الدولة و ما شابه،إن وجدت،أمکن دفعها من المجموع،أو قل:قبل التقسیم.إلاّ أن یتفقا علی خلاف ذلک.

فهذه هی الفکرة العامة الفقهیة عن المزارعة.

فصل المساقاة

المساقاة

عرفها المحقق الحلی (1)

الشرائع:ج 2 ص 129. [1]

:بأنها معاملة علی أصول ثابتة بحصة من ثمرتها.و یرد علیه:

أولا:أنه یعنی بالأصول الثابتة الأصول النباتیة.غیر أن العبارة غیر واضحة بالمعنی،کما هو المطلوب فی التعریف.لأن کل الأموال غیر المنقولة تعتبر عرفا أصولا ثابتة و لها ثمرة هی أرباحها.فلو قال:علی نباتات ثابتة أو أصول نباتیة ثابتة،لکانت العبارة أوضح.

ثانیا:أن التعریف لم یتکفل بیان شکل العمل فی هذه الأصول الثابتة.

مع أن المساقاة هی العمل أو تؤول إلیه بالضرورة و تستلزمه.فکان الأفضل أن یقول:علی العنایة بأصول ثابتة.إلخ.

و معه یکون التعریف هکذا:إن المساقاة هی معاملة علی العنایة بأصول نباتیة ثابتة بحصة من ثمرتها.

و فرقها عن المزارعة:أن المطلوب فی المزارعة هو إیجاد الزرع.و أما فی المساقاة فالمطلوب هو العنایة بالزرع الموجود،من سقی أو غیره.و إن اشتقوا اسمها من السقی.

و المهم وجود الزرع سواء کان نوعه کبیرا کالأشجار أو صغیرا کالخضر.

و سواء کان عمره قلیلا،کالنبات لیومه أو أسبوعه أو کثیرا،کالأشجار القدیمة


1) 1)

نسبیا.و أما المساقاة علی البذر،یعنی بعد طرحه و توزیعه فی الأرض،و قبل الإنبات،فهو یحمل نفس الفکرة،و لکنه قد یستشکل فقهیا فی إطلاق لفظ المساقاة علیه.من حیث اشتراط وجود الزرع فعلا،لا البذر.إلاّ أن هذا مما لا دلیل علیه،بعد شمول مدلول معنی المساقاة لکل ذلک،و التسالم علی صحة المعاملة فقهیا.و ان البذر یؤول إلی الزرع من قریب.

و الآن ینبغی الالتفات إلی أمور:

الأول:أن المهم فی المساقاة عند الفقهاء هو أن یکون أجر العامل کسرا عشریا من الناتج لتصح المساقاة.فلو خالف ذلک لم یجز و عبادتهم فی ذلک (بطلت المساقاة).و هی لا تعنی عدم جواز المعاملة بالشکل الآخر لا بلفظ المساقاة بل بلفظ آخر.و مقتضی القاعدة العامة جوازه.کما لو اشترط أجرا محددا من مقدار من الناتج أو من النقد أو أی شیء آخر.إلاّ أنها لا تکون مساقاة اصطلاحیة بل إجارة.

الثانی:العمل فی المساقاة هو العنایة بالزرع فیما یؤدی إلی حفظه و نموّه.

و ربّه و إصلاح حاله عموما،کما یعرف أهل الاختصاص و أما إصلاح جدار البستان و تسویق الناتج و نحوها فهو علی صاحب الأرض،ما لم یشترط فی المعاملة.

الثالث:أن المدة یجب أن تکون معلومة و غیر قاصرة علی مقدار احتمال وجود الناتج.

الرابع:لا یختلف فی الناتج النباتی،سواء کان مما یؤکل ثمره کالحمضیات أو ورده کالقرنبیط أو أوراقه کالخمس أو جذره کالبطاطس.

بل لا یفرق فی الناتج بین ما یؤکل و ما لا یؤکل أو ما لا یأکله الإنسان.فلو کان نباتا یستعمل لفوائد غیر الطعام صحت فیه المساقاة،کعلف الدواب و الحناء و الأدویة،و غیر ذلک.

و أما إذا لم یکن للنبات ناتج کالمساقاة علی الأشجار غیر المثمرة أو

الحشائش التی تراد لمنظرها کالثّیل.فلا یمکن صدق المعاملة علیها إلا باعتبار إعطاء قسم من الزرع نفسه إلی العامل أو بأجرة خارجیة،کالنقد،و صدق المساقاة علی مثل ذلک فی اصطلاحهم مشکل،و ان کان لا إشکال فی صحتها أساسا.

الخامس:نُهی فی الشرع عن المغارسة و المحاقلة.و هو محل إجماع، و ورد فیه حدیث نبوی،لا یخلو سنده من خدشة.و الإجماع مدرکی علی أی حال،غیر أن مورد الاحتیاط متحقق.و سنعرف من معناها ما یوجب بطلانها علی القاعدة.

قال المحقق:إذا دفع أرضا إلی رجل لیغرسها علی أن الغرس بینهما، کانت المغارسة باطلة و الغرس لصاحبه.

و قوله:علی أن الغرس بینهما،یعنی أن الناتج لیس لصاحب الغرس أو البذر،بل مقسم بینهما معا.و هذا قد یعنی مخالفة القاعدة الواضحة شرعا و القائلة:بأن الناتج لصاحب الأصل.فیکون الشرط مخالفا للمشروع،فیکون حراما و المعاملة باطلة.

لا یفرق فی ذلک بین البذر و الزرع الصغیر أو الکبیر.و الظاهر أن المراد بالمغارسة الزرع الکبیر،و المحاقلة الزرع الصغیر أعنی هذا النحو من المعاملة علیهما.