شرح شافیة ابن الحاجب جلد 3

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : رضی‌الدین استرآبادی، محمد بن حسن، -686ق.

عنوان قراردادی : الشافیه .شرح

عنوان و نام پديدآور : شرح شافیة ابن الحاجب / تألیف الشیخ رضي الدین محمد بن الحسن الأسترآباذی النحوي مع شرح شواهده للعالم الجلیل عبدالقادر البغدادي صاحب خزانة الأدب؛ حققها و ضبط غریبها و شرح مبهمها الأساتذة : محمد نور الحسن، محمد الزّفزاف، محمد محي الدین عبدالحمید

عنوان دیگر : شرح الرضي علی الشافیة

مشخصات نشر : بیروت : دار الکتب العلمیة، 1402 ق.= 1982 م.= 1359

مشخصات ظاهری : 4ج

يادداشت : عربی.

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیة-- نقد و تفسیر

موضوع : زبان عربی -- صرف و نحو

موضوع : زبان عربی -- صرف

شناسه افزوده : ابن حاجب، عثمان بن عمر، 646 - 570ق . الشافیه.شرح

توضیح : «شرح شافیه ابن حاجب» تألیف رضی‌الدین محمد بن حسن استرآبادی نحوی (686 ق)، شرحی است بر کتاب «شافیه» ابن حاجب که به زبان عربی و در اواخر قرن هفتم قمری، نوشته شده است.در انتهای کتاب، اثر دیگری با عنوان «شرح شواهد ابن حاجب»، اثر عبدالقادر بغدادی (متوفی 1093 ق) صاحب کتاب «خزانة الادب» آمده است.

برخی مباحث کلی کتاب، عبارتند از: صحیح و معتل؛ افعال ثلاثی، رباعی و خماسی؛ احکام تصغیر؛ احکام منسوب؛ جمع مکسر؛ تخفیف همزه؛ احکام اعلال؛ احکام ادغام؛ ابدال و مبحث حروف.

پاورقی‌ها که از طرف محققین کتاب، آقایان محمد نور الحسن، محمد الزفزاف و محمد محیی الدین عبدالحمید می‌باشد، به شرح مبهمات کتاب و توضیح بعضی از واژگان اختصاص یافته است.

فهارس هر جلد، در ابتدای همان جلد آمده است. این فهارس، عبارتند از: فهرست موضوعات، اعلام، کلمات لغوی و شواهد وارد شده در هر جزء و امثالی که در شرح و تعلیقات ذکر شده است.

جزء دوم کتاب، شرح شواهد کتاب شافیه ابن حاجب، اثر ابن حسن جاربردی است که شامل ابیاتی در شرح کتاب شافیه می‌باشد. رضی الدین این شرح را در جزء دوم کتاب، بنا بر درخواست بعضی از افاضل و دوستان خود، جهت استفاده بیش‌تر، اضافه نموده است که شامل 52 بیت می‌باشد.

اشارة

[الفهارس]

فهرس الموضوعات

الصورة

c3

الصورة

c4

الصورة

c5

الصورة

c6

فهرس الأعلام

الصورة

c7

الصورة

c8

الصورة

c9

الصورة

c10

الصورة

c11

الصورة

c12

فهرس الکلمات اللغویة

الصورة

c13

الصورة

c14

الصورة

c15

الصورة

c16

الصورة

c17

الصورة

c18

الصورة

c19

الصورة

c20

الصورة

c21

الصورة

c22

فهرس الشواهد

الصورة

c23

الصورة

c24

الصورة

c25

الصورة

c26

الصورة

c27-1

فهرست الأمثال التي وردت في الشرح و التعلیقات

الصورة

c27-2

بیان صواب الخطأ الواقع في شرح الرضي

الصورة

c28

الصورة

c29

الصورة

c30

استدراک

الصورة

c31

الصورة

c32

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على إمام المتقين ، قائد الغر المحجلين ، سيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإمالة

تعريف الأمالة وسببها

قال : «الإمالة : أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة ، وسببها قصد المناسبة لكسرة أو ياء ، أو لكون الألف منقلبة عن مكسور أو ياء ، أو صائرة ياء مفتوحة ، وللفواصل أو لإمالة قبلها على وجه.

فالكسرة قبل الألف في نحو عماد وشملال ، ونحو در همان سوّغه خفاء الهاء مع شذوذه ، وبعدها فى نحو عالم ، ونحو من الكلام قليل ؛ لعروضها ، بخلاف نحو من دار ؛ للرّاء ، وليس مقدّرها الأصلىّ كملفوظها على الأفصح كجادّ وجوادّ ، بخلاف سكون الوقف».

أقول : «ينحى بالفتحة» أى : تمال الفتحة نحو الكسرة : أى جانب الكسرة ، ونحو الشىء : ناحيته وجهته ، و «ينحى» مسند إلى «نحو» ومعناه يقصد ، والباء فى «بالفتحة» لتعدية ينحى إلى ثانى المفعولين ، وهو المقدم على الأول ههنا ، وإنما لم يقل «ينحى بالفتحة نحو الكسرة ، وبالألف نحو الياء» لأن الإمالة على ثلاثة أنواع : إمالة فتحة قبل الألف إلى الكسرة ؛ فيميل الألف نحو الياء ، وإمالة فتحة قبل الهاء إلى الكسرة ، كما فى رحمة ، وإمالة فتحة قبل الراء إليها ، نحو الكبر ، فإمالة الفتحة نحو الكسرة شاملة للأنواع الثلاثة ، ويلزم من إمالة فتحة الألف نحو الكسرة إمالة الألف نحو الياء ؛ لأن الألف المحض لا يكون إلا بعد الفتح المحض ، ويميل إلى جانب الياء بقدر إمالة الفتحة إلى جانب الكسرة ضرورة ، فلما لزمتها لم يحتج إلى ذكرها.

وليست الإمالة لغة جميع العرب ، وأهل الحجاز لا يميلون ، وأشدهم حرصا عليها بنو تميم ، وإنما تسمى إمالة إذا بالغت فى إمالة الفتحة نحو الكسرة ، وما لم تبالغ فيه يسمى «بين اللفظين» و «ترقيقا». والترقيق إنما يكون فى الفتحة التى قبل الألف فقط.

أسباب الإمالة ليست بموجبة لها

وسبب الإمالة إما قصد مناسبة صوت نطقك بالفتحة لصوت نطقك بالكسرة التى قبلها كعماد ؛ أو بعدها كعالم ، أو لصوت نطقك بياء قبلها كسيال (1)وشيبان ، أو قصد مناسبة فاصلة لفاصلة ممالة ، أو قصد مناسبة إمالة لإمالة قبل الفتحة ، أو قصد مناسبة صوت نطقك بالألف بصوت نطقك بأصل تلك الألف ، وذلك إذا كانت منقلبة عن ياء أو واو مكسورة كباع وخاف ، أو لصوت ما يصير إليه الألف فى بعض المواضع كما فى حبلى ومعزى ؛ لقولك حبليان ومعزيان ، والأولى أن تقول فى إمالة نحو خاف وباع : إنها للتنبيه على أصل الألف ، وما كان عليه قبل ، وفى نحو حبلى ومعزى : إنها للتنبيه على الحالة التى تصير إليها الألف بعد فى بعض الأحوال.

قوله «أو لكون الألف منقلبة عن مكسور» عبارة ركيكة ؛ لأن تقدير الكلام قصد المناسبة لكون الألف منقلبة عن مكسور ؛ إذ هو عطف على قوله «للكسرة» فيكون المعنى أنك تقصد مناسبة صوتك بالفتحة والألف الممالتين لكون الألف عن ياء أو لكون الألف صائرة ياء.

قوله «أو لإمالة قبلها على وجه» يجىء فى موضعه.

اعلم أن أسباب الإمالة ليست بموجبة لها ، بل هى المجوزة لها عند من هى فى لغته ، وكل موضع يحصل فيه سبب الإمالة جاز لك الفتح ؛ فأحد الأسباب الكسرة ، وهى إما قبل الألف أو بعدها ، والحرف المتحرك بالكسر لا يجوز أن يكون هو الحرف الذى يليه الألف ؛ لأنها لا تلى إلا الفتحة ، فالحرف المتحرك بالكسرة إما أن يكون بينه وبين الألف حرف أو حرفان ، والأول أقوى فى اقتضاء الإمالة لقربها ، وإذا تتابع كسرتان كحلبلاب (2)، أو كسرة وياء نحو


1) السيال : اسم جنس جمعى ، واحدته سيالة - كسحابة - وهو شجر له شوك أبيض طويل ، إذا نزع خرج منه اللبن ، أو ما طال من السمر

2) الحلبلاب - بكسرتين بعدهما سكون - : نبت ينبسط على الأرض وتدوم خضرته فى القيظ ، وله ورق أعرض من الكف ، انظر (ح 1 ص 63)

كيزان ؛ كان المقتضى أقوى ، والتى بينها وبين الألف حرفان لا تقتضى الإمالة إلا إذا كان الحرف الذى بينها وبين حرف الألف ساكنا نحو شملال (1)؛ فإن كان متحركا نحو عنبا ؛ أو كان بين الكسرة والألف ثلاثة أحرف لم يجز الإمالة وإن كان أحد الأحرف ساكنا ، نحو ابنتا زيد وفتلت قنّبا (2)؛ بلى إن كان الحرف المتحرك أو حرف الألف فى الأول هاء نحو يريد أن يسفّهنا ، وينزعها ؛ فإن ناسا من العرب كثيرا يميلها ؛ لخفاء الهاء ، فكأنها معدومة ، فكأنه يسفّنا وينزعا ، وإذا كان ما قبل الهاء التى هى حرف الألف فى مثله مضموما لم يجز فيه الإمالة أحد ، نحو هو يضربها ؛ لأن الهاء مع الضمة لا يجوز أن تكون كالعدم ، إذ ما قبل الألف لا يكون مضموما ، ولخفة الهاء أجازوا فى نحو مهارى مهارى ، بإمالة الهاء والميم ؛ لأنك كأنك قلت : مارى ، وكذلك إن كان فى الثانى أحد الثلاثة الأحرف التى بين الكسرة والألف هاء جازت الإمالة لكن على ضعف وشذوذ ، نحو : درهما زيد ، ودرهمان ، وحبرها. فإن كانت الكسرة المتقدمة من كلمة أخرى نظر : فإن كانت إحدى الكلمتين غير مستقلة أو كلتاهما كانت الإمالة أحسن منها إذا كانتا مستقلتين ؛ فالإمالة فى بنا بؤسى وبنّا ومنّا أحسن منها فى لزيد مال ، وبعبد الله.

واعلم أن الإمالة فى بعبد الله أكثر من إمالة نحو لزيد مال ؛ لكثرة لفظ الله فى كلامهم.

وإذا كان سبب الإمالة ضعيفا - لكون الكسرة بعيدة كما فى نحو أن ينزعها ، أو فى كلمة أخرى نحو منّا وإنا ومنها - وكانت الألف موقوفا عليها كان إمالتها


1) تقول : ناقة شملال - كقرطاس - وشمليل - كقنديل - إذا كانت سريعة

2) القنب - بكسر أوله أو ضمه مع تشديد ثانيه مفتوحا - : ضرب من الكتان ، انظر (1 ح ص 62)

أحسن منها إذا كانت موصولة بما بعدها ؛ لما ذكرنا فى باب الوقف فى قلبهم ألف أفعى فى الوقف ياء دون الوصل ، وهو كون الألف فى الوصل يظهر جوهرها ، بخلاف الوقف ، فتقلب إلى حرف أظهر منها ، فلذا كان ناس ممن يميل نحو أن يضربها ومنّا وبنا ومنها إذا وصلوها لم يميلوها ، نحو أن يضربها زيد ، ومنا ذلك ، وأما الكسرة التى بعد الألف فإنما تكون سببا للإمالة إذا وليت الألف وكانت لازمة نحو عابد وعالم ومفاتيح وهابيل ، قيل : والمنفصل فى هذا كالمتصل نحو ثلثا درهم ، وغلاما بشر ، والظاهر أنها أضعف لعدم لزومها للألف ، فهى كالكسرة العارضة للإعراب فى كلمة الألف ، نحو على بابه ، ومن ماله ، فإنه يجوز الإمالة لأجلها ، لكنه أضعف من جواز إمالة نحو عابد وعالم ، ويجوز فى نحو بباب أن تكون الإمالة للكسرة المتقدمة أو للمتأخرة أو لكلتيهما ، وأما إن كانت الكسرة الإعرابية على الراء فهى كالكسرة اللازمة فى كلمة الألف ، نحو عالم ، وذلك لأنها وإن ضعفت بالعروض لكن تكرار الراء جبر وهنها فكأن الكسرة عليها كسرتان ، وذلك نحو : من الدّار ، وفى الدار ، وإن كان بين الألف والكسرة المتأخرة عنها حرف ، نحو : على آخر ، وعلى قاتل ؛ فإن الكسرة لاتؤثر ، وإنما أثرت المنفصلة عن الألف قبل ولم تؤثر بعد لأن الصعود بعد الهوىّ أشق من العكس ، فإن زالت الكسرة التى بعد الألف لأجل الإدغام نحو جادّ وجوادّ فالأفصح أن لا يعتد بها ، فلا تميل الألف لأنها ساقطة فى اللفظ لزوما ، وقد اعتبرها قوم نظرا إلى الأصل ، كما أميل نحو «خاف» نظرا إلى كسرتها الأصلية ، كما يجىء ، فأمالوا نحو جادّ وجوادّ ، رفعا ونصبا وجرّا ، وبعضهم أمالها إذا كانت المدغم فيها مكسورة فقط لصيرورة الحرفين بالإدغام كحرف واحد. فيكون «من جادّ» مثل «من مال» وإن ذهبت الكسرة لأجل الوقف - نحو راع ، وماش - اختلف أيضا فى الإمالة

وتركها ، والأكثر يميلونه ، والفرق بينه وبين الأول أن سكون الوقف عارض يزول فى الوصل ، بخلاف سكون الحرف المدغم ، وإن كانت الكسرة المقدرة فى الوقف فى الراء - نحو من النار ، ومن دار - فجواز الإمالة فيه أقوى لقوة الكسرة على الراء كما ذكرنا ، فصارت لفرط القوة تؤثر مقدرة تأثيرها ظاهرة.

عدم تأثير الكسرة في الألف المنقلبة عن واو

قال : «ولا تؤثّر الكسرة فى المنقلبة عن واو ، ونحو من بابه وماله والكبا شاذ ، كما شذّ العشا والمكاوباب ومال والحجّاج والنّاس لغير سبب.

وأمّا إمالة الرّبا ومن دار فلأجل الرّاء»

أقول : أظن قوله : «ولا تؤثر الكسرة فى المنقلبة عن واو» وهما نشأ له من قول صاحب المفصل «إن إمالة الكبا شاذ» قال : أى الزمخشرى : «أما إمالة الربا فلأجل الراء» هذا قوله ، وقال سيبويه : «ومما يميلون ألفه قولهم : مررت ببابه وأخذت من ماله فى موضع الجر ، شبهوه بكاتب وساجد ، قال : والإمالة فى هذا أضعف ؛ لأن الكسرة لا تلزم ؛ فضعفها سيبويه لأجل ضعف الكسرة لا لأجل أن الألف عن واو ، ولو لم تؤثر الكسرة فى إمالة الألف منقلبة عن واو لم يقل إن الإمالة ضعيفة لضعف الكسرة ، بل قال : ممتنعة ؛ لكون الألف عن واو ؛ قال - أعنى سيبويه - : إنما يمال مال إذا كسرت اللام بعدها ، فتبين أنه لم يفرق فى تأثير الكسرة بين الألف المنقلبة عن واو وبين غيرها ، ولم أر أحدا فرق بينهما إلا الزمخشرى والمصنف.

والعشا : مصدر الأعشى والعشواء ، والكبا : الكناسة ، وهوواوى لتثنيته على كبوان ، والمكا - بوزن العصا - : جحر الضب ، (1)وبمعناه المكو.


1) قال فى اللسان : «والمكو (بفتح فسكون والمكا - بالفتح مقصورا - : جحر الثعلب والأرنب ونحوهما ، وقيل : بحثمهما» ا ه. وقال سيبويه (ح 2 ص 260): «وقد قالوا الكبا ، والعشا ، والمكا ، وهو جحر الضب» ا ه

وأما باب ومال فإنما تشذ إمالتهما فى غير حال جر لاميهما ، قال سيبويه : قال ناس يوثق بعربيتهم : هذا باب ، وهذا مال ، ورد المبرد ذلك ، قال السيرافى : حكاية سيبويه عن العرب لا ترد ، ويمال الحجّاج علما ، على الشذوذ ، وأما إن كان صفة فلا ، وإمالة الحجاج علما والناس أكثر من إمالة نحو «هذا باب ، ومال» وأما إمالة نحو «بالناس» فليست بشاذة لأجل الكسرة.

قال : «والياء إنّما تؤثّر قبلها فى نحو سيال وشيبان»

أقول : الياء : إما أن تكون قبل الألف ، أو بعدها :

فالتى قبلها إنما تؤثر إذا اتصلت بالألف كسيال ، وهو شجر ذو شوك ؛ لأن الحركة بعد الحرف ؛ فالفتحة بعد الياء ، فصارت الياء المفتوحة كالكسرة قبل الفتحة فى نحو عماد ، وتؤثر أيضا إذا اتصلت بحرف الألف : إما ساكنة [نحو شيبان](1)أو متحركة كالحيوان والحيدان ، وإذا كانت الياء التى هى قبل حرف الألف مدغما فيها كالكيّال ، أو كانت قبل الياء التى هى حرف ألف كسرة كالعيان كانت الإمالة أقوى ، ودونها الياء المخففة التى هى حرف الألف الكائنة بعد فتحة كشوك السيّال ، أو بعد ضمة كالهيام ، ودونها الياء الساكنة المتصلة بحرف الألف كشيبان ، ودونها المتصلة بها المتحركة كالحيدان ، وإنما كان نحو الحيدان فى الإمالة دون شيبان - وإن كانت الفتحة متعقبة للياء - لأن الحركة بعد الحرف ، كما تكرر ذكره ، ففتحة ياء حيدان فاصلة بين الياء وفتحة الدال المراد إمالتها ، بخلاف شيبان ؛ فإنه لا حركة فاصلة فى الأول بين الياء وفتحة الياء ، وإنما أثرت الكسرة فى نحو شملال مع أن بينها وبين حرف الألف حرفا ، ولم تؤثر الياء كذلك فى نحو ديدبان (2)وكيذبان (3)؛ لأن ذلك الحرف


1) الزيادة عن الخطية

2) الديدبان : حمار الوحش ، والرقيب ، والطليعة ، قال فى القاموس إنه معرب

3) الكيذبان - بفتح الكاف وسكون الياء بعدها ذال معجمة مضمومة أو مفتوحة - : الكذاب

الفاصل بين الكسرة وحرف الألف يشترط سكونه كما مر ؛ فلم يفصل إذن بين الكسرة والفتحة الممالة ما يضاد الياء من الفتحة والضمة ، وأما فى نحو ديدبان وكيذبان فالفتحة والضمة فاصلتان بين الياء والفتحة المراد إمالتها ، وإذا أضعفت الفتحة (1)حركة الياء فى نحو الحيدان تأثير الياء مع أنها على نفس الياء فكيف إذا كانت على حرف فاصل؟ وأمال بعضهم «يدها» لخفاء الهاء كما ذكرنا فى درهمان.

وإن تأخرت الياء عن الألف ؛ فإن كانت مكسورة كمبايع (2)فالمقتضى للإمالة فى مثله أقوى من المقتضى فى نحو عابد ، وإن كانت مفتوحة أو مضمومة كالمبايع والتّبايع فلا تؤثر ؛ لأن الحركة لشدة لزومها للحرف وإن كانت متعقبة لها تفتّ فى عضدها ، وتشربها شيئا من جوهر نفسها ، وتميلها إلى مخرجها شيئا.

إمالة الألف المنقلبة عن مكسور في الفعل

قال : «والمنقلبة عن مكسور نحو خاف ، وعن ياء نحو ناب والرّحى وسال ورمى»

أقول : قوله «عن مكسور» أى : عن واو مكسور ؛ ليس ذلك على الإطلاق ، بل ينبغى أن يقال : عن مكسور فى الفعل ؛ لأن نحو رجل مال ونال (3)وكبش (4)صاف أصلها مول ونول وصوف ، ومع هذا لا يمال


1) يريد أن الفتحة التى هى حركة الياء فى نحو الحيدان تضعف تأثير الياء فى الأمالة مع أنها حركة الياء نفسها ؛ فهى أقوى على إضعاف تأثيرها إذا كانت على حرف فاصل ؛ فقوله «حركة الياء» حال من الفتحة مثلا

2) مبايع اسم فاعل من المبايعة ، ووقع فى بعض النسخ «كبايع» وهو فعل أمر من المبايعة أيضا

3) يقال : رجل مال ؛ إذا كان كثير المال ، ويقال : رجل نال ؛ إذا كان كثير النوال : أى العطاء ،

4) يقال : كبش صاف ؛ إذا كان كثير الصوف

قياسا ، بل إمالة بعضها لو أميلت محفوظة ، وذلك [لأن الكسرة] قد زالت بحيث لا تعود أصلا : أما فى الفعل نحو خاف فإن الكسرة لما كانت فى بعض المواضع تنقل إلى ما قبل الألف نحو خفت وخفنا أجيز إمالة ما قبل الألف ، والألف المنقلبة عن واو مكسورة فى الاسم والفعل لا تقع إلا عينا ، أما المنقلبة عن الياء فتمال ، سواء كانت الياء مفتوحة أو غيرها فى الاسم أوفى الفعل : عينا أو لاما ، كتاب وغاب وطاب وباع وهاب ورحى ورمى ، وهى إذا كانت عين فعل - فى الأفعال - أولى بالإمالة منها عين فعل فى الأسماء ؛ لأنه ينضم إلى انقلابها عن الياء انكسار ما قبلها فى بعض التصاريف كهبت وبعت ، وإذا كانت لاما كانت أولى بالإمالة منها عينا ؛ لأن التغيير فى الأواخر أولى ، قال سيبويه : وكره بعض العرب إمالة نحو رمى لكراهة أن يصيروا إلى ما فروا منه : يعنى أنهم قلبوا الياء ألفا أولا فلم يقلبوا الألف بعد ذلك ياء ، قلت : وينبغى على هذا أن يكرهوا إمالة نحو باب وعاب وباع وهاب ؛ لحصول العلة المذكورة.

قال : «والصّائرة ياء مفتوحة ، نحو دعا وحبلى والعلى ، بخلاف جال وحال»

أقول : اعلم أن الألف إذا كانت فى الآخر ؛ فإما أن تكون فى آخر الفعل ، أو آخر الاسم

فالأولى جاز إمالتها مطلقا ؛ لأنها إن كانت عن ياء فلها أصل فى الياء وتصير ياء عند اتصال الضمائر بها ، نحو رميت ويرميان ، وإن كانت عن واو فإن تلك الألف تصير ياء مكسورا ما قبلها قياسا ، وذلك فيما لم يسم فاعله ، نحو دعى فى دعا ؛ فهو كالألف الممالة مع كون الألف فى الآخر ، والآخر محل التغيير ، ولذلك لم يمل فى قال وحال مع قولهم : قيل وحيل

والثانية : أى التى فى آخر الاسم إن كانت عن ياء نحو الفتى والرحى جاز إمالتها ؛ لكونها عن ياء وصيرورتها ياء فى التثنية ، وإن كانت عن واو : فإن كانت رابعة فما فوقها جاز إمالتها ؛ لصيرورتها فى المثنى ياء كالأعليان والمصطفيان ، وكذا الألف الزائدة ، كالحبلى ، والذّفرى (1)، والأرطى (2)، والكمّثرى ، والقبعثرى (3)؛ لأنها تنقب ياء فى المثنى ، على ما مضى فى باب المثنتى ، وكذا ألف سكارى وحبالى وصحارى ؛ لأنك لو سميت بها (4)وثنيتها قلبت ألفاتها ياء ، وإن كانت ثالثة لم تمل قياسا ، بل شاذا ، كالمكا والعشا ؛ لأنها تصير ياء كما فى الفعل ، بل تصير فى التصغير ياء قياسا كعصيّة [ولا تؤثر] ؛ لكون سكون ما قبلها يبعدها عن صورة الألف الممالة ، بخلاف نحو دعى وأعليان ، وأما نحو القوى والعلى والضّحى - فى القرآن - فإنما جاز إمالتها لكونها رءوس الآى ؛ فتناسب سائر الكلم التى هى رءوس الآى ، وفيها سبب الإمالة

وقال بعضهم : كل ما كان على فعل - بضم الفاء - جاز إمالة ألفه ؛ إذ لو منعت لكان الثلاثى المطلوب فى وضعه الخفة أوله وآخره ثقيلين ؛ إذ يكون أوله ضمة وآخره ألفا غير ممالة ، وترك إمالتها صريح فى أنها عن واو ؛ فيكون كأن فى أوله ضمة وآخره واو ، ولهذا يكتب الكوفيون كل ثلاثى مقصور مضموم


1) الذفرى - بكسر فسكون مقصورا - : الموضع الذى يعرق من الابل خلف الأذن ، انظر (ح 1 ص 70 ، 195)

2) الأرطى - بفتح فسكون - : شجر ينبت فى الرمل ، واحدته ارطاة ، انظر (ح 1 ص 57)

3) القبعثرى : الجمل الضخم الشديد الوبر ، انظر (ح 1 ص 9 ، 52)

4) لعل المؤلف لاحظ أن الأصل فيما يثنى أن يكون مفردا فقيد تثنية هذه الألفاظ بالتسمية بها ، وإلا فان تثنية الجمع على إرادة الجماعتين غير عزيزة فى كلام العرب

الأول بالياء ، ويثنيه بعض العرب بالياء ، كما مر فى باب المثنى ؛ فتقول : العليان ؛ فعلى هذا لا يختص إمالة مثل هذه الكلم برءوس الآى ، ولا يحتاج فى إمالة العلى إلى أن يعلل بكون واحده العليا ؛ بل يجوز إمالة العلى الذى هو مصدر أيضا ، وقال بعضهم : طلبنا وطلبنا زيد ؛ تشبيها لألفها بألف نحو حبلى حيث كانت أخيرا ، وجوزوا على هذا رأيت عبدا وأكلت عنبا

«قوله والصائرة ياء مفتوحة» احتراز عن نحو قيل وحيل ، قال المصنف : لأن هذا صار ياء ساكنة والساكنة ضعيفة ؛ فهى كالمعدوم ، ولقائل أن يقول : لو كان ضعفها لأجل انقلابها ياء ساكنة لوجب إمالة نحو العصا ؛ لأنها تنقلب ياء متحركة قوية بسبب الإدغام فيها نحو العصىّ فى الجمع والعصيّة فى التصغير.

قوله «دعا وحبلى والعلى» لقولك : دعى وحبليان والعليان

الإمالة للإمالة

قال : «والفواصل نحو والضّحى ، والإمالة قبلها نحو رأيت عمادا»

أقول : اعلم أن الإمالة فى الفواصل هى فى الحقيقة إمالة للإمالة أيضا ، وذلك لأنه يمال الضّحى لإمالة قلى ؛ لتناسب رءوس الآى ؛ فالإمالة للإمالة على ضربين :

أحدهما أن تمال فتحة فى كلمة لإمالة فتحة فى تلك الكلمة أو فيما هو كالجزء لتلك الكلمة ، فالأول على ضربين : إما أن يمال الثانى لإمالة الأول ، نحو عمادا ، أميلت فتحة الدال وقفا ؛ لامالة فتحة الميم ، وجاز ذلك وإن كان الألف ألف تنوين ؛ لأن الأواخر محل التغيير ، ولبيان الألف وقفا كما فى أفعى على ما مر فى بابه ؛ أو يمال الأول لإمالة الثانى ، وذلك إذا كان الثانى فتحة على الهمزة نحو رأى ونأى ، أمال بعضهم فتحتى الراء والنون لإمالة فتحة الهمزة ، وذلك لأن الهمزة حرف مستثقل فطلب التخفيف معها أكثر بتعديل الصوت فى مجموع الكلمة. وأما مهارى فإمالة الميم لأجل خفاء الهاء لا للإمالة. والثانى : أى إمالة فتحة فى كلمة لإمالة فتحة فيما هو كجزء تلك الكلمة نحو قولك : معزانا ،

أملت فتحة نون «نا» لإمالة فتحة الزاى ، وجاز ذلك وإن كانت «نا» كلمة برأسها لكونها ضميرا متصلا ، ولكون الألف فى الآخر وهو محل التغيير ، ولم يمل ألف مال فى ذا مال ؛ لكونه وسطا ، ولكون مال كلمة منفصلة لا كجزء الأول بخلاف «نا» فى معزانا.

وثانيهما أن تمال فتحة فى كلمة لإمالة مثل تلك الفتحة فى نظير تلك الكلمة فى الفواصل ، كقوله تعالى (وَالضُّحى) ، أميل ليزاوج (قلى) ، وسهل ذلك كونه فى أواخر الكلام ومواضع الوقف كما ذكرنا فى نحو أفعى قال : «وقد تمال ألف التّنوين فى نحو رأيت زيدا»

أقول : قال سيبويه : يقال : رأيت زيدا ، كما يقال : رأيت شيبان ، لكن الإمالة فى نحو رأيت زيدا أضعف ؛ لأن الألف ليست بلازمة لزوم ألف شيبان ؛ وسهل ذلك كون الألف موقوفا عليها ، فيقصد بيانها بأن تمال إلى جانب الياء كما فى حبلى ، ولا يقال : رأيت عبدا إلا عند بعضهم - كما مر - تشبيها بنحو حبلى ؛ إذ لا ياء قبل الألف ولا كسرة

قال : «والاستعلاء فى عير باب خاف وغاب وصغا مانع قبلها يليها فى كلمتها ، وبحرفين على رأى ، وبعدها يليها فى كلمتها ، وبحرف وبحرفين على الأكثر»

أقول : يعنى أن حروف الاستعلاء ، وهى ما يرتفع بها اللسان ، ويجمعها قظ خصّ ضغط (1)تمنع الإمالة على الشرائط التى تجىء ، وذلك لمناقضتها


1) قال ملا على قارى فى شرح الجزرية : «قظ : أمر من قاظ بالمكان ؛ إذا أقام به فى الصيف ، والخص - بضم الخاء المعجمة - : البيت من القصب ، والضغط : الضيق ، والمعنى أقم فى وقت حرارة الصيف فى خص ذى ضغط : أى الدنيا بمثل ذلك وما قاربه» ا ه

للإمالة ؛ لأن اللسان ينخفض بالإمالة ويرتفع بهذه الحروف ؛ فلا جرم لا تؤثر أسباب الإمالة المذكورة معها ، لأن أسباب الإمالة تقتضى خروج الفتحة عن حالها وحروف الاستعلاء تقتضى بقاءها على أصلها ؛ فترجح الأصل ، ولا تغلب حروف الاستعلاء أسباب الإمالة فى باب خاف وغاب وصغا ، يعنى فى الألفات التى ينكسر ما قبلها فى بعض التصرفات ، وهى ألفات الفعل إذا كانت عينا فى الماضى الثلاثى ، وهى منقلبة عن واو مكسورة كخاف أو ياء : سواء كانت فى الأصل مكسورة كهاب ، أولا كغاب ، وكذا إذا كانت لاما فى ماضى الفعل الثلاثى : سواء كانت واوا كغزا ، أو ياء كبغى ، وذلك لأنك تقول : خفت وغبت وغزى وبغى ، فأجيزت الإمالة مع حروف الاستعلاء لقوة السبب : أى انكسار ما قبل الألف فى بعض التصرفات ، مع كون ذلك فى الفعل الذى هو أحمل للتصرفات من أخويه ، وكذا الألفات التى تنقلب فى بعض التصرفات ياء ، وهى الألفات الأخيرة : الرابعة فما فوقها : فى الفعل كانت كأعطى ويعطى ، أو فى الاسم كالمعطى والوسطى ؛ لقولك : أعطيا ويعطيان والمعطيان والوسطيان ؛ فتنقلب الألف فى البنية التى فيها الألف من غير تغيير تلك البنية ، وأما الياء فى نحو العصيّة والعصىّ فلا تعتبر ؛ لأنها عرضت فى بناء آخر ؛ فجميع الألفات المذكورة تمال ، ولا تنظر إلى حروف الاستعلاء ؛ لأن انقلاب الألف ياء لغير الإمالة مطردا والبينة باقية سبب قوى للإمالة ، فتجرى عليها مع حروف الاستعلاء أيضا

قوله «قبلها يليها فى كلمتها» كقاعد وخامد (1)وصاعد وغائب


1) يقال : خمدت النار تخمد - من باب قعد - خمودا ؛ إذا سكن لهبها ، ويقال : قوم خامدون لا تسمع لهم حسا ، مأخوذ من خمود النار. وفى التنزيل

وطائف (1)وضامر وظالم ، وكذا إذا كان بعدها يليها فى كلمتها كناقد وعاطس وعاصم وعاضد وعاطل وباخل (2)وواغل (3)

فمتى واغل ينبهم يحيّو

ه وتعطف عليه كفّ

السّاقى

وقد وقع فى الأصول «واغد» بالدال ، وهو تصحيف

، وإذا كانت حروف الاستعلاء قبل حرف الألف فإن كانت مكسورة كالقفاف (4)والغلاب والطّباب (5)والضّباب (6)والصّحاب والخداع والظّماء (7)؛ فلا أثر لحرف الاستعلاء ، [بل تمال الفتحة والألف ؛ لأن الكسرة المقتضية لإمالة الفتحة والألف بعد حرف الاستعلاء] على

1) يقال : طاف به الخيال يطوف طوفا وطوفانا ؛ إذا ألم به فى النوم ، قال تعالى (فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ) ويقال : طاف حول الشى يطوف طوفا وطوفانا ؛ إذا دار حوله ، ورجل طائف وطاف ، أصله طوف على صيغة المبالغة

2) الباخل : البخيل ، وفى اللسان «ذو البخل» يريد أنه للنسب ، وإنما يستقيم قوله هذا إذا سلب منه معنى الحدوث ، وإلا فهو اسم فاعل وليس للنسب ،

3) الواغل : الذي يدخل على القوم فى طعامهم وشرابهم من غير أن يدعوه لذلك ، أو من غير أن يشترك معهم فى النفقة ، قال عدى بن زيد العبادى :

4) القفاف : جمع قف - كخف - وهم الأوباش والأخلاط من الناس ؛ وحجارة غاص بعضها ببعض

5) الطباب : جمع طبة - بكسر أوله وتشديد ثانية - وهى المستطيل من الأرض والثوب والسحاب

6) الضباب - كرحال - : جمع ضب ، وهو حيوان برى يشبه الورل إلا أنه دونه ، والورل حيوان يشبه التمساح ويعيش فى البر

7) الظماء : جمع ظمئان ، كعطاش وعطشان وزنا ومعنى

ما سبق من كون الحركة بعد الحرف ، ولم يذكر سيبويه فى مثله ترك الإمالة ، وذكر غيره أنه ذهب بعضهم إلى امتناع الإمالة ؛ لأجل حروف الاستعلاء ، وإن كانت مكسورة ، قالوا : وهو قليل ، والإمالة أكثر ، وكذا الإمالة فى نحو «قزحا» (1)كثيرة ، وأما إن كانت حروف الاستعلاء متحركة بغير الكسرة كغوالب وصمات (2)وخفاف (3)فإنها تمنع الإمالة ؛ لأنك إنما تتلفظ بالفتحة والألف بعد ثبوت حرف الاستعلاء الطالب للفتح بلا كسر بينها وبين الفتح ، كما كان فى قفاف ، وفى تلك الحال طالب الإمالة - أعنى الكسر - معدوم متوقع ، ومناسبة الصوت لصوت داخل فى الوجود أولى من مناسبته للمتوقع وجوده ، وأما إن كانت حروف الاستعلاء ساكنة قبل حرف الألف بعد الكسرة ، نحو : مصباح ومقلاع ومخدام ومطعان ، فبعض العرب لا يعتد بحرف الاستعلاء لكونه بالسكون كالميت المعدوم فيميل ، وبعضهم يعتد به ؛ لكونه أقرب إلى الألف من


1) القزح - بكسر القاف وسكون الزاى - : بزر البصل ، والتابل الذى يطرح فى القدر كالكمون والكزبرة ، ومراد المؤلف أنه يجوز إمالة ألفه المبدلة من التنوين وقفا فى حالة النصب ؛ لأن الكسرة بعد حرف الاستعلاء ، فلا أثر لحرف الاستعلاء ، ولا يضر الفصل بين الكسرة والألف بحرفين ؛ لأن أحدهما ساكن ؛ فهو نظير شملال ، وفى النسخ الخطية «قرحاء» بالقاف والراء والحاء ممدودا ، وهو تصحيف ؛ لأن أوله مفتوح ، ويدل على أن المراد ما أثبتناه قول سيبويه (ح 2 ص 261) «وقالوا رأيت قزحا ، وهو أبزار القدر ، ورأيت علما ، فيميلون ، جعلوا الكسرة كالياء» ا ه

2) الصمات - كغراب - : الصمت ، وفى الحديث «وإذنها صماتها» أى أن إذن البكر سكوتها

3) الخفاف - كغراب - : الخفيف ، وفعال يشارك فعيلا فى باب الصفة المشبهة كثيرا ؛ إلا أن فى فعال من المبالغة أكثر مما فى فعيل ، ومن ذلك طويل وطوال ، وشجيع وشجاع ، وعجيب وعجاب

الكسرة الطالبة للامالة ، قال سيبويه : كلاهما عربى له مذهب ، وهذا معنى قول المصنف «وبحرفين على رأى» ، جعل فى نحو مصباح حرف الاستعلاء قبل الألف بحرفين : أحدهما حرف الاستعلاء ، والآخر الباء ، والأظهر أن لا يقال : هذا الحرف قبل ذلك الحرف بحرفين ، إلا إذا كان بينهما حرفان ، كما قال سيبويه فى نحو مناشيط (1)

وقد بحثنا طويلا فيما بين أيدينا من كتب اللغة فلم نعثر على ما يكون مفردا قياسيا لمناشيط إلا منشطا - كمكرم - وهو بمعنى النشيط ، أو هو الذى ينشط إبله ، وإن صح أن يكون هذا مفرده كانت الياء فى مناشيط زائدة متولدة من إشباع الكسرة ، مثل دوانيق وخواتيم فى جميع دانق وخاتم ، أو منشطا - كمقعد - وهو مصدر ميمى بمعنى النشاط ، والياء على هذا الوجه فى الجمع زائدة كما كانت على الوجه السابق

. ومعاليق (2): إن حرف الاستعلاء ، بعد الألف بحرفين ، وإن كان حرف الاستعلاء بعد الألف وبينهما حرف كنافخ ونابغ ونافق (3)وشاحط (4)وناهض وغائظ منع من الإمالة ، ولم تؤثر الكسرة ؛ لأن الحرف أقوى من

1) قال سيبويه : «واعلم أن هذه الألفات لا يميلها أحد إلا من لا يؤخذ بلغته ؛ لأنها إذا كانت مما ينصب فى غير هذه الحروف لزمها النصب فلم يفارقها فى هذه الحروف ؛ إذ كان يدخلها مع غير هذه الحروف ، وكذلك إن كان شىء منها بعد الألف بحرفين ، وذلك قولك : مناشيط ، ومنافيخ ، ومعاليق ، ومقاريض ، ومواعيظ ، ومباليغ ، ولم يمنع الحرفان النصب كما لم يمنع السين من الصاد فى صويق ونحوه ، وقد قال قوم المناشيط (يريد بالامالة) حين تراخت ، وهى قليلة» ا ه

2) المعاليق : جمع معلاق - بكسر فسكون - أو معلوق - بضم فسكون - وهما يستعملان فيما يعلق عليه الشىء وفى الشىء المعلق نفسه

3) نافق : اسم فاعل من نفقت السلعة تنفق - من باب نصر ينصر - نفاقا ؛ إذا راجت وغلا سعرها ، أو اسم فاعل من نفق الحيوان ينفق نفوقا - كقعد يقعد قعودا - بمعنى مات

4) الشاحط : اسم فاعل من شحط يشحط - كمنع يمنع ، وكفرح يفرح - شحطا - كمنع ، وشحطا - كفرح ؛ إذا بعد

الحركة ؛ فتصير قوية قائمة مقام قرب الكسرة من الألف ، فلو أملت الألف لكان هناك استفال ظاهر بإمالة الفتحة والألف والكسرة الصريحة بعده إصعاد ، وذلك صعب ، وأما نحو غالب وطالب ففيه إصعاد ظاهر بعده استفال ، وهذا أسهل ، ألا ترى أنهم قالوا : صبقت ، وصقت ، وصويق ، بقلب السين صادا لئلا يصعدوا بعد استفال ، ولم يقولوا : قصوت ، وقصت ؛ فى قسوت وقست

وإن كان بين حرف الاستعلاء المتأخر عن الألف وبينها حرفان كمناشيط ومعاريض (1)ومعاليق ومنافيخ (2)ومباليغ (3)منع أيضا عن الإمالة ، وقال سيبويه : قد قال بعضهم المناشيط بالإمالة حين تراخت وهى قليلة.

قوله : «وبحرفين على الأكثر» إن أراد نحو مناشيط فهو مخالف لقوله «وبحرفين على رأى» فى نحو مصباح ، وإن أراد نحو نافخ وفاسق كما صرح به فى الشرح فغلط ؛ لأنه لا خلاف فى منعه إذن للامالة.

قوله : «قبلها يليها فى كلمتها» إنما قال «فى كلمتها» لأن المستعلى إن كان فى كلمة أخرى قبل لم يؤثر نحو ضبط عالم فتميل ؛ لأن المستعلى لما انفصل صار كالعدم مع أن الاستفال بعد الاصعاد سهل.

قوله : «وبعدها يليها فى كلمتها» اعلم أنه إذا كان المستعلى فى كلمة بعد أخرى نحو عماد قاسم وبمال قاسم فبعضهم لا يجعلون للمستعلى المنفصل أثرا وبعضهم


1) فى الحديث «إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب» قال ابن الأثير فى النهاية : «المعاريض جمع معراض من التعريض ، وهو خلاف التصريح من القول يقال : عرفت ذلك فى معراض كلامه ومعرض كلامه بحذف الألف» ا ه والمعراض أيضا : سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده

2) المنافيخ : جمع منفاخ ، وهو كير الحداد

3) لم نجد هذا الجمع فى كتب اللغة ، ولعله جمع مبلغ مصدرا ميميا من بلغ ، ومعناه البلوغ ، والياء فى الجمع من إشباع الكسرة

يجعل له تأثيرا ؛ فلا يميل نحو أن يضربها قاسم ؛ لجعله مثل فاقد ، وكذا لا يميل نحو بمال قاسم ؛ لجعله مثل فالق ، وكذا لا يميل نحو أن يضربها ملق (1)؛ لكونه مثل مناشيط ، وأبعد من هذا إمالة نحو بمال ملق ، وإنما جعلوا للمنفصل المتأخر أثرا دون المتقدم المنفصل ، لما ذكرنا من أن الإصعاد بعد الاستفال أصعب من العكس ، وإذا كان سبب الامالة قويا ، وذلك لكون الكسرة لازمة لم يعزله المستعلى المنفصل عزله للسبب الضعيف ، أعنى الكسرة العارضة ، فيعزل فى «على مال قاسم» أكثر من عزله فى «عماد قاسم» ؛ لأن كسرة لام «على مال» وهى السبب - ضعيفة لعروضها ، فالمانع الضعيف : أى المستعلى المنفصل ، يستولى عليها لضعفها ، وأما فى نحو «عماد قاسم» و «عالم قاسم» فالسبب - وهو كسرة العين فى الأول واللام فى الثانى - قوى للزومه ؛ فلا يستولى عليه المانع الضعيف.

هذا ، وبعضهم يقول : رأيت عرقا ؛ فيميل مع القاف تشبيها له بفعلى ؛ فهو كالوسطى ، وهذا كما أميل نحو عنبا وعبدا ، تشبيها بألف التأنيث ، وذلك فى حيز الشذوذ ؛ لأن ألف التنوين إمالتها قليلة ، فكيف مع المستعلى فى عرقا؟

أثر الراء في الإمالة

قال : «والرّاء غير المكسورة إذا وليت الألف قبلها أو بعدها منعت منع المستعلية ، وتغلب المكسورة بعدها المستعلية وغير المكسورة ؛ فيمال طارد وغارم ومن قرارك ، فإذا تباعدت فكالعدم فى للمنع والغلب عند الأكثر ؛ فيمال : هذا كافر ، ويفتح مررت بقادر ، وبعضهم يعكس ، وقيل : هو الأكثر»

أقول : اعلم أن الراء حرف مكرر ؛ فضمتها كضمتين ، وفتحتها كفتحتين ، وكسرتها ككسرتين ؛ فصارت غير المكسورة كحرف الاستعلاء ؛ لأن


1) يقال : رجل ملق ؛ إذا كان يعطى بلسانه ما ليس فى قلبه

تكرر الضم والفتح خلاف الإمالة ، فتقول : هذا راشد ، وهذا فراش ، وهذا حمار ، ورأيت حمارا ؛ فيغلب غير المكسورة سبب الإمالة : أى الكسره المتقدمة والمتأخرة ، وكسرة الراء فى اقتضاء الإمالة أقوى من كسرة غيرها ؛ لأنها ككسرتين ؛ فتمنع المستعلى المتقدم فى نحو طارد وغارم ، ولا تمنعه كسرة نحو طالب وغالب ، وتمنع الراء غير المكسورة أيضا كما فى «من قرارك» لكونها أضعف من المستعلى ، كما يجىء ، ولا تمنع الراء المكسورة المستعلى المتأخر عنها فى نحو فارق ؛ لما ذكرنا من صعوبة الإصعاد بعد الاستفال الظاهر ، فقول المصنف إذن «وتغلب المكسورة بعدها المستعلية» ليس على إطلاقه ؛ والراء غير المكسورة أضعف سببا من المستعلية ، فلهذا كان الإمالة فى «لن يضربها راشد» أقوى من الإمالة فى «لن يضربها قاسم» وكان إمالة «عفرا (1)» تشبيها بحبلى أولى من إمالة «علقا (2)» ومن ثم أجاز بعضهم إمالة «عمران» دون «برقان (3)»

واعلم أن إمالة «فى الدار» أقوى من إمالة «فى دار قاسم» وإمالة «جارم (4)

كما النّاس مجروم عليه وجارم

» أولى من إمالة «جارم قاسم» لوجود المستعلى فى الموضعين ،

1) يقال : رجل عفر - بكسر العين المهملة وسكون الفاء - إذا كان خبيثا منكرا ، وأسد عفر ، إذا كان شديدا

2) العلق - بالكسر - : النفيس من كل شيء ، فهو صفة مشبهة ، ويكون مصدر علقه وبه كفرح علوقا وعلقا إذا أحبه

3) برقان - بكسر أوله وسكون ثانيه - : قرية بخوارزم ، وقرية بجرجان ، ويكون البرقان جمع برق - كحمل - وزنا ومعنى ، ويكون البرقان - بالكسر أيضا - الفزع ، والدهش ، والحيرة

4) الجارم : اسم فاعل من جرم النخل والثمر يجرمه - كضرب يضرب - إذا قطعه ، وتقول : فلان جارم إذا كان قدجنى جناية ، قال الشاعر

وإن كان منفصلا ، وإمالة «فى دار قاسم» أقوى من إمالة «فى مال قاسم» ؛ لما ذكرنا من أن كسرة الراء أقوى من كسرة غيرها ، وإمالة «جارم قاسم» أقوى من إمالة «فى دار قاسم» للزوم كسرة الراء فى الأول مع تباعد المستعلى كما كان إمالة «عابد قاسم» أولى بسبب لزوم الكسر وبعد المستعلى من إمالة «فى مال قاسم» وكسرة راء نحو «حضار (1)» ككسرة راء نحو «فى الدار» وإن كانت الأولى بنائية ؛ لأنها تزول بجعله علما لمذكر ، وكسرة راء نحو «بفارّ قبل (2)» ككسرة راء نحو «فى الدار قبل» لأن الحرف المشدد كحرف واحد ، ومن أمال نحو جادّ وجوادّ اعتبارا بكسر الدال المقدرة لم يمل نحو «هذا جار» و «جوار» لما ذكرنا من قوة ضمة الراء وفتحتها فتمنعان الكسرة المقدرة لضعفها.

قوله : «قبلها» كراشد وفراش ، ولا تكون إلا مفتوحة.

قوله : «أو بعدها» قد تكون مفتوحة ومضمومة ، نحو : هذا حمار ، ورأيت حمارا.

قوله «فإذا تباعدت» قد مضى حكم الراء التى تلى الألف قبلها أو بعدها ، وهذا حكم الراء المتباعدة عن الألف ؛ فنقول : إن كانت الراء بعد الألف وبينها وبين الألف حرف كانت كالعدم فى المنع ، وإن كانت غير مكسورة ، نحو : هذا كافر ، ورأيت كافرا : أى لا تمنع منع المستعلى فى نحو نافق ودافق ؛ لأنها ملحقة بالمستعلى ، كما ذكرنا ، فلا يكون لها قوة المستعلى ، ومن ثم كان إمالة «لن


1) حضار - كقطام - : نجم ، قال ابن سيده : «هو نجم يطلع قبل سهيل ، فتظن الناس به أنه سهيل» ا ه. ويكون «حضار» اسم فعل أمر بمعنى احضر

2) فى بعض الأصول نحو «مغار» بالميم والغين المعجمة والصواب «بفار قبل» كما فى سيبويه

يضربها راشد» أقوى من إمالة «لن يضربها قاسم» وبعضهم عكس وجعلها مانعة مع بعدها من الإمالة فى نحو «هذا كافر» كما منع المستعلى البعيد فى نحو نافق ، وكذا إذا تباعدت المكسورة بعدها ؛ فالأولى أنها كالعدم فى الغلبة على المستعلى ؛ فلا تغلب الراء المكسورة القاف فى «بقادر» بل القاف تعمل عملها فى منع كسرة الدال من اقتضاء الإمالة ، وذلك لأن الراء المكسورة بعدت عن الألف ، بخلاف نحو «الغارب (1)» فان الراء غلبت المستعلى لقربها من الألف ، وبعضهم عكس ههنا أيضا ، وجعلها غالبة للمستعلى : أى مجوزة للإمالة ، فيكون كأن بعد الألف ثلاث كسرات وقبلها مستعل واحد ، وإن كانت الراء قبل الألف متباعدة مفتوحة أو مضمومة ، نحو رواقد وبرقات (2)، فيجوز أن تجعل كالمستعلى ؛ فلا تمال كما فى «قوافل» ، ويجوز أن لا تجعل مثله ، لكونها أضعف منه ، فيمال نحو «رواقد» ، وأما إن كانت مكسورة فإنها لا تغلب المستعلى قبل الألف كان المستعلى كرقاب أو بعدها كرواق ؛ أما فى الأول فلأن المستعلى أقرب إلى الألف ، وأما فى الثانى فلما ذكرنا من أن المستعلى بعد الألف فى غاية القوة ، حتى غلب على الراء المكسورة التى هى أقرب إلى الألف منه فى نحو فارض ، فكيف بالمكسورة التى هى أبعد منه؟ فإمالة نحو عفرا وعشرا (3)أولى من إمالة نحو عمران ؛ لأن الآخر محل التغيير.


1) الغارب : الكاهل ، أو ما بين السنام والعنق ، والجمع غوارب ، ومنه ما فى حديث الزبير : «مازال يفتل فى الذروة والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج» ، الغارب : مقدم السنام

2) البرقات : - بضمتين - : جمع برقة - بضم فسكون - وهى أرض ذات حجارة بيض وحمر وسود ، وفى بلاد العرب برق كثيرة تنيف على المائة ذكرها صاحب القاموس (ب ر ق) ، والبرقة أيضا : قلة الدسم فى الطعام.

3) العشر - بكسر أوله وسكون ثانيه - : ورد الابل اليوم العاشر ، قال فى اللسان : «قال الأصمعى : إذا وردت الابل كل يوم قيل : قد وردت رفها (بكسر فسكون) فأذا وردت يوما ويوما لا قيل : وردت غبا ، فأذا ارتفعت عن الغب فالظمء الربع ، وليس فى الورد ثلث ، ثم الخمس إلى العشر ، فأذا زادت فليس لها تسمية ورد ، ولكن يقال : هى ترد عشرا وغبا ، وعشرا وربعا ، إلى العشرين ؛ فيقال حينئذ : ظمؤها عشران ، فأذا جاوزت العشرين فهى جوازىء» ا ه ، وأسماء الأظماء المذكورة كلها بكسر فسكون كما ضبطنا فى «رفه»

إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث

قال : «وقد يمال ما قبل هاء التّأنيث فى الوقف ، وتحسن فى نحو رحمة ، وتقبح فى الرّاء نحو كدرة ، وتتوسّط فى الاستعلاء نحو حقّة»

أقول : لما كان هاء التأنيث يشابه الألف فى المخرج والخفاء ومن حيث المعنى لكون الألف أيضا كثيرا للتأنيث أميل ما قبل هاء التأنيث ، كما يمال ما قبل الألف ؛ لأن ما قبل ألف التأنيث مطرد جواز إمالته لا يمنعه شىء : لا المستعلى كما فى الوسطى ، ولا الراء المفتوحة كالذّكرى ، والألف فى الوقف أقبل للإمالة لقصد البيان ، كما قلنا فى باب الوقف على نحو أفعى ؛ فأميل ما قبل هاء التأنيث ؛ إذ لا يكون إلا فى الوقف ، تشبيها للهاء بالألف الموقوف عليها ، وأيضا الهاء خفية ، فكأن الفتحة فى الآخر ، والآخر محل التغيير ؛ فباجتماع هذه الأشياء حسن إمالة ما قبل هاء التأنيث ، قال سيبويه : إمالة ما قبل هاء التأنيث لغة فاشية بالبصرة والكوفة وما قرب منهما

قوله «وتحسن فى نحو رحمة» أى : إذا لم يكن ما قبل الهاء لا راء ولا حرف استعلاء ، وتقبح فى الراء لأن إمالة فتحتها كإمالة فتحتين ، لتكرر الراء ، فالعمل فى إمالتها أكثر

قوله «وتتوسط فى الاستعلاء» لأنه لما أجرى الهاء مجرى الألف لم يكن كالمشبه به مطلقا ، فلم يمنع المستعلى الإمالة ههنا بالكلية كما منعها هناك ، بل

توسطت الإمالة معه فى الحسن والقبح ، ولم تقبح قبح إمالة فتحة الراء ؛ لأن سلب قبحها - كما قلنا - كون إمالة فتحتها كإمالة فتحتين ، وليست إمالة فتحة المستعلى كذلك ، وليس استقباح إمالة فتحة الراء وتوسط إمالة فتحة المستعلى لكون الراء أقوى فى الاستعلاء من المستعلى ؛ لأنا قد ذكرنا أن المستعلى أقوى منها ، وهى ملحقة بالمستعلى ومشبهة به ، فلا تبلغ درجته ، والمروى عن الكسائى إمالة ما قبل هاء التأنيث مطلقا ، سواء كان من حروف الاستعلاء أو لا ، إلا إذا كان ألفا كالصلاة ، واختار له أهل الأداء طريقا آخر ، وهو إمالة ما قبل الهاء ، إلا إذا كان أحد الحروف العشرة ، وهى قولك «حق ضغاط عص خظا» كالنطيحة والحاقة وقبضة وبالغة والصلاة وبسطة والقارعة وخصاصة والصاخة (1)والموعظة ، وذلك لأن «قظ خص ضغط» من هذه العشرة حروف الاستعلاء ، والحاء والعين شبهتا بالخاء والغين ؛ لكونهما حلقيين مثلهما ، وأما الألف فلو أميلت لأميل ما قبلها ، فكان يظن أن الإمالة للألف لا للهاء ، أو كان أحد حروف أكهر (2)؛ فإنه إذا جاءت قبل الهاء وقبلها إما ياء ساكنة أو كسرة كالأيكة (3)والخاطئة والآلهة والحافرة ؛ أميلت فتحتها ، وكذا إن كان


1) الصاخة : في الأصل اسم فاعل من صخ يصخ - كشديشد - إذا ضرب بشىء صلب على مصمت ، ثم قيل للصيحة : صاخة ؛ لكونها تصم الآذان بشدتها ، وسميت القيامة صاخة بما يتقدمها من صيحة الملك ، ويقال للداهية أيضا : صاخة

2) أكهر : قد جمع فى هذه الكلمة حروفا تمنع من إمالة الفتحة ، ومع هذا فلهذه الكلمة معنى لغوى ؛ فقد تكون فعلا مضارعا ماضيه كهره - كمنع - إذا قهره أو انتهره ، وقرىء قوله تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) بالكاف بدل القاف ، وقد تكون أفضل تفضيل من هذا

3) الأيكة : واحدة الأيك ، وهو الشجر الكثير الملتف ، والأيكة أيضا الغيضة تنبت السدر والأراك ، وقوله تعالى (كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)

بين الكسرة وحروف أكهر حرف ساكن كعبرة ووجهة ، أما إذا كان قبل حروف أكهر ضمة أو فتحة كالتّهلكة والميسرة لم تمل (1)، وكذا إن جاء قبلها ألف كالسفاهة ، وإنما ألحقوا حروف أكهر بحروف الاستعلاء لمشابهة الهمزة والهاء للغين والخاء المستعليين فى كونها حلقية وكون الكاف قريبة من مخرج القاف الذى هو مستعل ، وكذا الراء ؛ لأن فتحتها كفتحتين كما ذكرنا ، وإنما ألحقوها بالمستعلية إذا لم يكن قبلها ياء ولا كسرة لأن ذلك ينقص من مشابهتها للمستعلية ، وأما الألف قبل أكهر فإنما منعت لكونها ضد الإمالة

حظ الحروف والأسماء المبنية من الإمالة

قال : «والحروف لا تمال ؛ فإن سمّى بها فكالأسماء ، وأميل بلى ويا ولا فى إمّا لا لتضمّنها الجملة ، وغير المتمكّن كالحرف ، وذا وأنّى ومتى كبلى ، وأميل عسى لمجىء عسيت»

أقول : يعنى لا تمال الحروف لعدم تصرفها ، والإمالة تصرف ، فنحو إمّا وإلّا وإن كان فيه كسرة لا يمال ، كما لا يمال حتّى وألّا وهلّا ؛ فإن سميت بمثل هذه الحروف كانت كالأسماء : إن كان فيها سبب الإمالة أميلت ، كألف حتّى وألا وهلّا ، لأنها طرف رابعة كألف حبلى ، فتثنيتها على حتّيان وألّيان وهلّيان ، وكذا إن سميت بإلى ؛ لأن الكسرة سبب الإمالة ، مع أن الألف طرف ، ويثنى بالواو نحو إلوان ، كما ذكرنا فى باب المثنى ، وعلى ما ذكره المصنف - وهو أن الكسرة لا تأثير لها مع الألف التى عن الواو - ينبغى أن لا تمال ، ولو سميت بعلى وعدا وخلا الحرفيتين وبأما وألا لم تمل ؛ إذ لا سبب للامالة ، وإنما أميل بلى لجواز السكوت


1) كذا فى. الأصول كلها ، والواجب أن يقول «فأنها لا تمال» لأنه يجب اقتران الفاء بما بعد تالى أما

عليها وتضمنها معنى الجملة ، إذ تقول فى جواب من قال أما قام زيد «بلى» أى : بلى قام ، فصار كالفعل المضمر فاعله نحو غزا ورمى فى الاستعلاء ، فأميل لمشابهته الفعل ، وكذا أميل يالتضمنها معنى الفعل ، وهو دعوت وناديت ، فصارت كالفعل ؛ مع أنه يحذف المنادى ويقدر فى نحو (ياليت) و (ألا يا اسجدوا) فيصير كالفعل المضمر فاعله ، وكذا «لا» أى فى «إمّالا» إذ يحذف الشرط بعدها ، تقول لشخص : افعل كذا ، فيأبى ، فتقول له : افعل هذا إمالا : أى إمالا تفعل ذاك ، وإذا انفردت لا عن إما لم تمل وإن كانت كبلى فى الإغناء عن الجملة ، لكونها على حرفين ، وأمايا فلأن معها الياء وهو سبب الإمالة ، وحكى قطرب إمالة لا من دون إمّا نحو لا أفعل ؛ لإفادتها معنى الجملة فى بعض الأحوال كبلى.

قوله : «وغير المتمكن كالحرف» لأن غير المتمكنة لعدم تصرفها تكون كالحرف ، فان سميت بها كانت كالحروف المسمى بها : إن كان فيها سبب الامالة أميلت ، كإذا ، للكسرة ، وإنما أميل «ذا» فى الإشارة لتصرفها ؛ إذ توصف وتصغر ويوصف بها ، بخلاف ما الاستفهامية فانها لا تصغر ، وأما أنّى ومتى فإنما تمالان - وإن لم يسم بهما أيضا - لاغنائهما عن الجملة ، وذلك لأنك تحذف معهما الفعل ، كما تقول : متى؟ لمن قال سار القوم ، وكذا قوله :

126 - *أنّى ومن أين آبك الطّرب (1)

من حيث لا صبوة ولا ريب

وهو مطلع قصيدة طويلة للكميت بن زيد الأسدى مدح بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل : مدح بها على بن أبى طالب فورى عنه بذكر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم خوفا من بنى أمية. والاستشهاد بالبيت على أن «أنى» قد يستغنى بها عن الجملة ، فيكون التقدير فى البيت أنى آبك الطرب ؛ فحذف الفعل

*

1) هذا صدر بيت من المنسرح ، وعجزه :

فلا تمالان إذن ، إلا فى الاستفهام ، لأنه إنما يحذف الفعل بعدهما فيه بخلاف ما إذا كانتا للشرط.

قوله : «وأميل عسى» إنما ذكر ذلك وإن كان فعلا لئلا يظن به أن عدم تصرفه ألحقه بالأسماء غير المتمكنة فى عدم جواز الامالة ، فقال : الفعل وإن كان غير متصرف فتصرفه أقوى من تصرف الاسم غير المتمكن والحرف ؛ لأنه ينقلب ألفه ياء أو واوا إذا كان يائيا أو واويا عند لحوق الضمائر بها ، وإنما أميل أسماء حروف التهجى - نحو با ، تا ، ثا - لأنها وإن كانت أسماء مبنية كاذا وما لكن وضعها على أن تكون موقوفا عليها ، بخلاف إذا وما ، فأميلت لبيان ألفاتها ، كما قلبت ألف نحو أفعى فى الوقف ياء ، كما مر فى باب الوقف ، والدليل عليه أنها لا تمال إذا كملت بالمد نحو باء وتاء ، وذلك لأنها لا تكون إذن موقوفا عليها ، ولقوة الداعى إلى إمالتها أميلت مع حرف الاستعلاء ، نحو طا ، ظا ، بخلاف طالب وظالم.

قال : «وقد تمال الفتحة منفردة نحو من الضرر ومن الكبر ومن المحاذر»

أقول : «الراء المكسورة قد تمال لها الفتحة التى قبلها بلا فصل ، سواء كانت على الراء كالضّرر أو على حرف الاستعلاء كالمطر أو على غيرهما كالكبر والمحاذر ، وتمال أيضا الضمة التى قبلها نحو من السمر ومن المنقر ، وهو الركية الكثيرة الماء ، ومن السرر (1)، وإذا أملت فتحة الذال فى المحاذر لم تمل الألف التى قبلها ؛ لأن الراء لا قوة لها على إمالة فتحة ما قبلها مع إمالة الألف


1) السرر - بضمتين - : ما تقطعه القابلة من سرة الصبى

التى قبل تلك الفتحة ، بل لا تقوى إلا على إمالة حركة قبلها : متصلة بها كما ذكرنا ، أو منفصلة عنها بحرف ساكن ، كما تميل فتحة من عمر وضمة من عمر وكذا إذا كان الساكن واوا نحو ابن أم مذعور وابن نور ، قال سيبويه : «تميل الضمة وتشمها شيئا من الكسرة ؛ فتصير الواو مشمة شيئا من الياء وتتبع الواو حركة ما قبلها فى الإشمام كما تبعت الألف ما قبلها فى الإمالة ؛ فإن هذا الإشمام هو الإمالة» وقال الأخفش : «الألف لا بدلها من كونها تابعة لما قبلها ، وليس الواو كذا ؛ فإنها قد لا يكون ما قبلها مضموما» فعلى قوله تجىء بالواو صريحة غير مشمة شيئا من الياء بعد الضمة المشمة كسرة ، وما ارتكبه الأخفش يتعذر اللفظ به ولا يتحقق ، وأما قوله «قد لا يكون ما قبلها مضموما» فنقول : أما الفتح فمسلم أنه يجىء الواو الصريح بعده ، كقول ، وأما الكسر والضم المشمّ كسرا فلا يجىء بعدهما الواو الساكنة إلا مشمّة ياء ، وعليك بالاختبار ، وإن كان قبل الراء المكسورة ياء ساكنة قبلها فتحة نحو بغير وبخير فلا يجوز إشمام الفتح شيئا من الكسر ؛ لأن إشمام الفتح الكسر لا يبين إذا كان بعده ياء كما يبين إشمام الضم الكسر إذا كان بعده واو ، نحو من نور ، وقد يمال أيضا لكسرة الراء فتحة ما قبلها وضمته - وإن كانتا منفصلتين فى كلمة أخرى - نحو إن خبط رياح (1)وهذا خبط رياح ، كالمطر والمنقر ، فهو كإمالة الألف والفتحة فى قفا رياح ، ونحو خبط الرّيح أبعد ؛ لكون ساكن بين فتحة الطاء وكسرة الراء ، ونحو خبط فريد أبعد ؛ لكون حرف متحرك بينهما.

واعلم أن المستعلى بعد الراء المكسورة يمنع إمالة ما قبل الراء ، فلا يمال سين السّرق (2)للقاف كما منع فى نحو فارض وفارط ، على ما تقدم ، وأما قبل


1) الخبط - بفتحتين - : ورق العضاه من الطلح ونحوه يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الابل

2) السرق - بفتح فكسر - : مصدر سرق الشىء يسرقه سرقا ؛ إذا أخذه خفية

الراء المكسورة فلا يمنع ، ألا ترى إلى إمالة بالمطر ومن المنقر؟ وذلك لما تكرر من كون الاستفال بعد الإصعاد أسهل من العكس ، وأما غلبة المستعلى قبل الألف الراء المكسورة بعدها ، نحو طارد وقارب وغارب ، فلأن أسباب الامالة إنما تميل الحركة أولا ، ثم إن كان بعدها ألف أو واو ، كما فى عالم ومن نور ، يتبعها فى الامالة ، ففى نحو طارد الفتحة الى المستعلى أقرب منها إلى الراء المكسورة ، فلا جرم استولى عليها المستعلى ولم يخلّها تؤثر فيها الراء ، وأما نحو بالمطر وطرب ، ومن المنقر ؛ فالراء قريبة من الحركة المراد إمالتها ؛ لأن الألف ليست بفاصلة بينهما فاستولت عليها وغلبت المستعلى لقوتها ؛ لأن كسرتها ككسرتين.

واعلم أن الفتحة من دون الألف لا تمال إلا لهاء التأنيث كما مر ، أو للراء المكسورة من بين أسباب الامالة ، لقوتها من بينها بتكررها ، كما مر غير مرة.

تخفيف الهمزة

قال : «تخفيف الهمزة ؛ يجمعه الابدال والحذف وبين بين : أى بينها وبين حرف حركتها ، وقيل : أو حرف حركة ما قبلها ، وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها ، وهى ساكنة ومتحرّكة ؛ فالسّاكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها : كراس ، وبير ، وسوت ، وإلى الهداتنا ، والّذيتمن ، ويقولو ذن لى»

أقول : قوله «يجمعه الإبدال والحذف وبين بين» أى : لا يخرج من هذه الثلاثة ؛ لأن المجموع لا يخرج عن جامعه ، ولو قال يجمع الإبدال والحذف وبين بين لم يفهم منه أنه لا ينقسم إلى غير هذه الثلاثة ؛ لأن الشىء ربما يجمع الشىء ويجمع غيره ، كما أن الاسم يجمع المنصرف وغير المنصرف ويجمع أيضا المبنى

قوله «بينها وبين حرف حركتها» أى : بين الهمزة والواو إن كانت مضمومة ،

وبينها وبين الألف إن كانت مفتوحة ، وبينها وبين الياء إن كانت مكسورة

قوله «أو حرف حركة ما قبلها» يعنى قال بعضهم : بين بين على ضربين : أحدهما ما ذكر ، والثانى أن يكون بينها وبين حرف حركة ما قبلها ، وهذا الثانى على قول هذا القائل أيضا لا يكون فى كل موضع ، بل فى المواضع المعينة ، كما فى سئل ومستهزئون ، على ما يجىء

قوله «وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها» أى : شرط تخفيف الهمزة ، ولا يريد بكونها مبتدأ بها أن تكون فى ابتداء الكلمة ؛ لأنها تخفف أيضا فى ابتداء الكلمة بالحذف فى نحو (قَدْ أَفْلَحَ) والقلب فى (الهدى اتنا) ونحوه ، بل المراد أن تكون فى ابتداء الكلام ، وإنما لم تخفف إذن لأن إبدالها بتدبير حركة ما قبلها كما يجىء ، وكذا حذفها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها ، وكذا المجعولة بين بين البعيد تدبّر بحركة ما قبلها ، وإذا كانت فى ابتداء الكلام لم يكن قبلها شىء ، وأما بين بين المشهور فيقربها من الساكن ، كما يجىء ، والمبتدأ به لا يكون ساكنا ولا قريبا منه ، ولم تخفّف فى الابتداء نوعا آخر من التخفيف غير الثلاثة الأنواع المذكورة ؛ لأن المبتدأ به خفيف ؛ إذ الثقل يكون فى الأواخر ، على أنه قد قلبت الهمزة فى بعض المواضع فى الابتداء هاء ، كهرحت وهرقت وهيّاك ، ولكن ذلك قلب شاذ

ثم اعلم أن الهمزة لما كانت أدخل الحروف فى الحلق ولها نبرة (1)

إنّى لأسمع نبرة من

قولها

فأكاد أن يغشى علىّ

سرورا

كريهة تجرى مجرى التهوع (2)ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها ؛ فخففها قوم ، وهم أكثر

1) النبرة : ارتفاع الصوت ، يقال : نبر الرجل نبرة ، إذا تكلم بكلمة فيها علو ، قال الشاعر

2) التهوع : تكلف القىء ، وفى الحديث : كان إذا تسوك قال : أع أع ، كأنه يتهوع

أهل الحجاز ، ولا سيما قريش ، روى عن أمير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه : نزل القرآن بلسان قريش ، وليسوا بأصحاب نبر (1)، ولو لا أن جبرائيل عليه‌السلام نزل بالهمزة على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما همزنا ، وحققها غيرهم ، والتحقيق هو الأصل كسائر الحروف ، والتخفيف استحسان.

فنقول : إذا خففت فإما أن تكون ساكنة أو متحركة ، وهذه قسمة حاصرة ، فالساكنة تبدل بحرف جركة ما قبلها ، إذ حرف العلة أخف منها ، وخاصة حرف علة ما قبل الهمزة من جنسه ، وحركة ما قبلها إما أن تكون فى كلمة الهمزة أولا ، وفى الأول إما أن تكون الهمزة فى الوسط كرأس وبئر ومؤمن ، أو فى الآخر كلم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرىء ، وفى الثانى فى نحو (الْهُدَى ائْتِنا) و (الَّذِي اؤْتُمِنَ) و (يَقُولُ ائْذَنْ) وإنما لم تجعل بين بين إذ لا حركة لها حتى تجعل بينها وبين حرف حركتها ، ولم تحذف لأنها إنما تحذف بعد إلقاء حركتها على ما قبلها لتكون دليلا عليها ، والحركة إنما تلقى على الساكن ، لا على المتحرك.

تخفيف الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها

قال : «والمتحرّكة إن كان قبلها ساكن وهو واو أو ياء زائدتان لغير الإلحاق قلبت إليها وأدغمت فيها ، كخطيّة ومقروّة وأفيّس ، وقولهم التزم فى نبىّ وبريّة ، غير صحيح ، ولكنّه كثير ، وإن كان ألفا فبين بين المشهور ، وإن كان حرفا صحيحا أو معتلّا غير ذلك نقلت حركتها إليه وحذفت ، نحو مسلة ، وخب ، وشى ، وسو ، وجيل ، وحوبة ، وأبو يّوب ، وذو مرهمّ ، واتّبعى مره ، وقاضوبيك ؛ وقد جاء باب شىء وسوء مدغما أيضا ،


1) النبر : الهمز ، ومصدر نبر الحرف ينبره نبرا إذا همزه ، وفى الحديث : قال رجل للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا نبىء الله ، فقال : لا تنبر باسمى : أى لا تهمز ، وفى رواية فقال : أنا معشر قريش لا ننبر

والتزم ذلك فى باب يرى ، وأرى يرى ؛ للكثرة ، بخلاف ينأى ، وأنأى ينئى. وكثر فى سل ، للهمزتين ، وإذا وقف على المتطرّفة وقف بمقتضى الوقف بعد التّخفيف ؛ فيجىء فى هذا الخب وبرىّ ومقروّ السّكون والرّوم والإشمام ، وكذلك شىّ وسوّ ، نقلت أو أدغمت إلّا أن يكون ما قبلها ألفا إذا وقف بالسّكون وجب قلبها ألفا ؛ إذ لا نقل ، وتعذّر التّسهيل ؛ فيحوز القصر والتّطويل وإن وقف بالرّوم فالتّسهيل كالوصل»

أقول : قد مضى حكم الهمزة الساكنة ، وهى قسم واحد ؛ إذ لا يكون ما قبلها إلا متحركا ؛ لأنه لا يلتقى ساكنان ؛ بلى إن سكّنت للوقف وقبلها ساكن - وذلك مما يجوز كما مضى فى باب التقاء الساكنين - فقد يجىء حكمها ،

وأما المتحركة فعلى قسمين ، وذلك لأن ما قبلها : إما ساكن ، أو متحرك ، فإن سكن ما قبلها فلا يخلو ذلك الساكن من أن يكون مما يجوز تحريكه ، أو لا يجوز ؛ فما لا يجوز تحريكه الألف والواو والياء الزائدتان فى بنية الكلمة إذا كانتا مدتين : أى يكون ما قبلهما من الحركة من جنسهما ، وكذا ياء التصغير ، نحو سائل ومقروء وخطيئة وأفيئس ، وإنما قلنا «الزائدتان فى بنية الكلمة» لأنهما إن كانتا أصليتين كالسّوء (1)والسّىء (2)قبلتا الحركة ؛ لأن فاء الكلمة وعينها ولامها مما لا يمتنع من قبول الحركة وكذا يقبلان الحركة إذا لم يكونا من بنية الكلمة ، نحو اتبعوا أمرهم ، واتبعى أمرهم ؛ إذا الواو والياء كلمتان مستقلتان تحتملان الحركة نحو اخشونّ واخشينّ ، وأجرى مجراهما واو نحو : مسلمو أبيك وياء مسلمى أبيك ؛ لأنهما فى الحقيقة ليستا زائدتين فى بنية الكلمة ؛ لكونهما لمعنى كالتنوين ،


1) السوء - بالضم - : البرص ، وكل آفة

2) السىء - بالكسر - : اللبن يكون فى أطراف الأخلاف

فيحتملان الحركة نحو مصطفو القوم ، ومصطفى القوم ، وكذا إذا لم يكونا مدتين مع كونهما فى بنية الكلمة ، نحو حوأبة (1)وجيأل (2)؛ فإنهما للالحاق فى مقابلة حرف أصلى ، وأما ياء التصغير فإنها وإن لم تكن مدة لكنها موضوعة على السكون ، ولهذا جاز نحو أصيمّ كما مضى فى باب التقاء الساكنين ، والذى يجوز تحريكه ما عدا ما ذكرناه : صحيحا كان كمسألة ، أو حرف علة كالواو والياء للالحاق نحو حوأبة ، وجيأل ، أو الواو والياء للضمير نحو اتّبعوا أمره ، واتبعى أمره ، وكذا إن كانتا علامتى المثنى والمجموع ، كقاتلو أبيك ، وكقاتلى أبيك ، أو كانتا من أصل الكلمة سواء كان حركة ما قبلهما من جنسهما كالسوء والسىء وذو إبل ، وبذى إبل ، وضرب هو أمّه ، وتضرب هى أباه ، وفى أبيه ، وفى أمه ، أو لم تكن كسوأة (3)وجيئة ، فالواو والياء اللتان لا تقبلان الحركة إذا وليهما الهمزة وقصد التخفيف قلبت الهمزة إلى الحرف الذى قبلها وأدغم فيها ، نحو مقروّ ونبىّ وأفيّس وهو تصغير أفؤس جمع فأس

وقول المصنف «زائدتان لغير الإلحاق» يعنى زائدتين فى بنية الكلمة حتى يخرج قاضو أبيك ، واتبعوا أمره ، وإنما لم تحذف إذا كان قبلها حرف علة لا يقبل الحركة ؛ لأن قياس حذفها - كما مر - أن تنقل أولا حركتها إلى ما قبلها لتدل عليها ، وكذا لم تجعل بين بين ، لئلا يلزم شبه ساكنين ، فلما


1) الحوأبة : الضخم من الدلاء والعلاب

2) الجيأل : الضع ، والضخم من كل شىء ؛ قال فى اللسان : «قال أبو على النحوى : وربما قالوا جيل - بالتخفيف - ويتركون الياء مصححة ؛ لأن الهمزة وإن كانت ملقاة من اللفظ فهى مبقاة فى النية معاملة معاملة المثبتة غير المحذوفة ، ألا ترى أنهم لم يقلبوا الياء ألفا كما قلبوها فى ناب ونحوه ؛ لأن الياء فى نية السكون؟ قال : والجيأل الضخم من كل شىء» ا ه

3) السوءة : الفرج ، والفاحشة ، والخلة القبيحة

امتنعا قصد التخفيف بالإدغام وإن لم يقرب مخرج الهمزة من مخرج الواو والياء ، لكنهم اقتنعوا فى الادغام بأدنى مناسبة ، وهو اشتراك الجميع فى صفة الجهر ؛ لاستكراههم الهمزة وانسداد سائر أبواب التخفيف كما مر ، ولهذا قلبوا الثانية للادغام إلى الأولى ، مع أن القياس فى إدغام المتماثلين - كما يجىء فى بابه - قلب الأولى إلى الثانية ؛ لأن حاملهم على الادغام مع تباعد المخرجين قصد تخفيف الهمزة المستكرهة والفرار منها ، فلو قلبوا الأولى إلى الثانية لوقعوا فى أكثر مما فروا منه.

قوله «فى نبى وبرية» قال سيبويه : «ألزمهما أهل التحقيق البدل ، قال : وقد بلغنا أن قوما من أهل التحقيق يقولون : نبىء ، وبريئة ؛ وذلك قليل ردىء» يعنى قليل فى كلام العرب ردىء فيه ، لا أنه ردىء فى القياس ، وهى ثابتة فى القراءات السبع ، ومذهب سيبويه أن النبىء مهموز اللام ، وهو الحق ، خلافا لمن قال : إنه من النباوة : أى الرفعة ، وذلك لأن جمعه نبآء ، وإنما جمع على أنبياء – وإن كان أفعلاء جمع فعيل المعتل اللام كصفى وأصفياء وفعلاء جمع الصحيح اللام ككرماء وظرفاء - لأنهم لما ألزموا واحده التخفيف صار كالمعتل اللام ، نحو سخىّ ، وكذا ألزم التخفيف فى مصدره كالنبوّة ، وجاء فى السبع النبوءة - بالهمز ، ولما رأى المصنف ثبوت النبىء والبريئة مهموزين فى السبع حكم بأن تخفيفهما ليس بلازم ، وكذا ورد فى السبع النبوءة بالهمز ، ومذهب سيبويه - كما ذكرناه - أن ذلك ردىء مع أنه قرىء به ، ولعل القراءات السبع عنده ليست متواترة ، وإلا لم يحكم برداءة ما ثبت أنه من القرآن الكريم ، تعالى عنها

وأما القسم الثانى : أى الواو والياء القابلتان للحركة ؛ فالقياس فيه نقل حركة الهمزة إليهما وحذفها ، وإنما لم تستثقل الضمة والكسرة على الواو والياء فى قاتلو

امّك ، وجازرو ابلك ، وبقاتلى امّك ، وأحلبنى ابلك ؛ لأن الحركتين ليستا فى الأصل لحرفى العلة ، بخلاف نحو قاضى وقاضى ؛ فإن حركات الإعراب وإن كانت عارضة على الحرف لكنها حركاتها ، وليست بمنقولة إليها فهى ألزم من الحركات المنقولة ، قال سيبويه : بعض العرب يدغم آخر الكلمة فى الواو والياء المبدلتين عن الهمزة المفتوحة الكائنة فى صدر كلمة بعدها ، نحو أوّنت وأبوّ يّوب وأرمىّ باك ، فى : أو أنت ، وأبو أيّوب ، وأرمى أباك ، وكذا جميع المنفصلة بشرط كونها مفتوحة ، قال : وإن كانت فى كلمة واحدة حذفوا ، نحو سوة وحوب ، قال : وقد قال بعض هؤلاء فى المتصلة أيضا سوّة وضوّ ، وجيّل ومسوّة ، ومسىّ ؛ جعلوا الواوات والياءات كحروف المد الزائدة فى مقروّ ونبىّ ، وإنما لزم الادغام فى مشيّة لكثرة استعمالها ، وأما الهمزة المكسورة والمضمومة ضمة وكسرة لازمتين أو كلازمتين فلا يدغم فيها فى هذا الباب ؛ لثقله ؛ فلا يقال فى أبو أمك وأبى أمك : أبوّمّك وأبىّ امّك ، ولا فى ذو إبل وذى إبل : ذوّ بل وذىّ بل ولا فى سوءوا ، وأسيئي : سوّوا ، وأسيّى ، لأن الضمة والكسرة كاللازمتين ، وأما مسوء وبمسىء فإن الضمة والكسرة للإعراب ، وهو غير ثابت ، قال : وبعض العرب ينقل فتحة الهمزة أخيرا على الواو والياء قبلها ويحذف ، كما هو القياس ، نحو لن يجيك ، ولن يسوك ، وإذا كانت مضمومة أو مكسورة حذفت الهمزة لاستثقال الضمة والكسرة على الياء والواو ؛ فيقول : هو يجيك ويسوك ، وقد يحذف الهمزة المفتوحة نحو لن يجيك ولن يسوك ، قال : وكذا يحذف الهمزة مطلقا بأى حركة كانت إذا كانت قبلها ألف ؛ لامتناع نقل الحركة إليها ، فيقول : هو يشا ؛ فعلى هذا يقول فى الجزم والوقف : لم يج ، ولم يس ، ولم يش ، وجه وسه وشه ؛ فيقع الجزم والوقف على العين ، وعلى هذا يقول فى المنفصلة : يرم اخوانه ، بحذف الهمزة المكسورة مع كسرتها ؛ لاستثقال الكسرة على الياء قبلها ، ثم يحذف ياء برمى للساكنين ، قال السيرافى : ومما جاء

من الشاذ نقل بعضهم حركة الهمزة المنفصلة إلى آخر الكلمة المتحركة بحركة بنائية ، نحو قال اسحق ، وقال اسامة ، وإن كانت الحركة إعرابية لم ينقل ، فلا يقول : يقول اسحق ، ولن يقول اسامة ؛ احتراما لحركة الاعراب ، قال : وبعضهم يحذف الهمزة من غير نقل الحركة إلى آخر الكلمة ؛ فيقول : قال اسحق ، وقال اسامة ، والأول أجود ، وقال بعضهم : تحذف الهمزة المنفصلة : أى التى فى أول الكلمة إذا وقعت بعد الألف فى آخر الكلمة ، فإن كان بعد الهمزة ساكن سقطت الألف للساكنين ، نحو ما احسن زيدا ، وما امرك ، وإن كان بعدها متحرك بقى الألف نحو ما شدّ : أى ما أشد ، قال :

127 - ما شدّ أنفسهم وأعلمهم بما

يحمى الذّمار به الكريم المسلم (1)

وربما حذف بلا علة ولا ضابط ، نحو ناس ، فى «أناس» ، ومع ألف الأستفهام فى رأيت ، فيقال فى أرأيت : أريت ، وهو قراءة الكسائى فى جميع ما أوله همزة الاستفهام من رأى المتصل به التاء والنون ، وقال أبو الأسود :

128 - أريت امرأ كنت لم أبله

أتانى فقال أتّخذنى خليلا (2)


1) هذا بيت من الكامل لم نقف له على نسبة إلى قائل معين ، ولا على سابقه أو لاحقه ، وقوله «ما شد أنفسهم» تعجب ، والدمار - ككتاب - : ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه ويدفع عنه ، وسمى بذلك لما يجب على أهله من التذمر له ، ويقال : فلان حامى الذمار ، وفلان أمنع ذمارا من فلان ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «ماشد أنفسهم» على أن أصله ما أشد أنفسهم ، فحذف الهمزة ، وذلك ضرورة من ضرائر الشعر

2) هذا بيت من المتقارب ، وقائله أبو الأسود الدؤلى ، وكان من حديثه أنه كان يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة وكان يتحدث إليها ، وكانت جميلة ، فقالت له يوما : يا أبا الأسود ، هل لك فى أن أتزوجك ؛ فإنى صناع الكف ، حسنة التدبير ،

وإنما كثر ذلك فى رأيت وأخواته لكثرة الاستعمال ، ألا ترى إلى وجوب الحذف فى يرى ، وأرى يرى - كما يجىء - وعدم وجوبه فى أخواته من يسأل وينأى؟ فإذا دخلت على رأيت همزة الاستفهام شبهت بهمزة الإفعال ، فتحذف الهمزة جوازا ، وربما حذفت مع هل أيضا تشبيها لها بهمزة الاستفهام ، قال :

129 - صاح هل ريت أو سمعت براع

ردّ فى الضّرع ما قرى فى العلاب (1)

ما على رسم منزل بالجناب

لو أبان الغداة رجع

الجواب

والرسم : ما بقى من آثار الديار لاصقا بالأرض ، والجناب : موضع بعينه ، وقرى : جمع ، والعلاب : جمع علبة - بضم العين وسكون اللام - وهى وعاء من


1) هذا البيت لأسماعيل بن يسار مولى بنى تيم بن مرة تيم قريش من كلمة له أولها :

وربما قدمت الهمزة التى لو بقيت بحالها لكان تخفيفها بالحذف ؛ استكراها للحذف ؛ فيقال فى يسألون : يأسلون ؛ لأن تخفيفها إذن بالقلب لا بالحذف ، قال :

130 - إذا قام قوم يأسلون مليكهم

عطاء فدهماء الّذى أنا سائله (1)

ومثله فى ييأس ياءس.

رجعنا إلى ما أصّلنا ؛ فنقول : وإن كانت الهمزة بعد الألف وقصدت التخفيف لم يجز الحذف إلا على اللغة القليلة التى ذكرنا ، نحو يشا فى يشاء ؛ لأن


1) هذا بيت من الطويل ، ولم نقف له على خبر ، ولا على نسبة ، ولا على سابق أو لاحق ، ودهماء : علم ، يجوز أن يكون لأنسان ، أو لفرس ، وهو خبر مقدم ، والاسم الموصول بعده مبتدأ مؤخر ، وجملة «أنا سائله» لا محل لها صلة ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «يأسلون» على أن أصله يسألون فقدم الهمزة التى هى عين الفعل على فاء الفعل استكراها لتخفيفها بالحذف

الحذف حقه أن يكون بعد نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها ، ونقل الحركة إلى ما قبلها محال ، وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة ؛ للساكنين [ولا متحركة](1)والإدغام ؛ لأن الألف لا يدغم كما يجىء فى بابه ، فلم يبق إلا جعله بين بين المشهور ؛ لأنه وإن كان قريبا من الساكن إلا أنه على كل حال متحرك ، وهذا أمر مضطر إليه عند قصد التخفيف ؛ لانسداد سائر أبواب وجوه التخفيف ، ولم يكن بين بين البعيد ؛ إذ لا حركة لما قبلها.

قوله «وإن كان صحيحا أو معتلا غير ذلك» أى : غير حروف العلة التى تقدم أنها لا تحتمل الحركة ؛ نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت ، وإنما لم تجعل بين بين لئلا يلزم شبه الساكنين ، فلا تجعل الهمزة بين بين إلا فى موضع لو كان مكانها فيه ساكن لجاز ، إلا مع الألف وحدها ، نحو قائل وكساء كما ذكرنا ؛ للضرورة ، ولم يبدلوها حرف علة بلا نقل حركة ولا بعد نقلها ، قال سيبويه : لأنهم كرهوا أن يدخلوها فى بنات الواو والياء ، وجوز الكوفيون وبعض البصريين - كأنى زيد - قلب الهمزة حرف علة من دون نقل الحركة على وجوه مختلفة من غير قياس وضبط ، فقالوا فى رفء مصدر (2)رفأت : رفو ،


1) فى الأصول التى بين أيدينا «وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة للساكنين والادغام - الخ» والصواب ما أثبتناه وذلك لأن الاستدلال على امتناع جميع الفروض التى تحتملها الهمزة ، وقد أبطل إمكان تخفيفها بنقل حركتها إلى ما قبلها بسبب أن ما قبلها غير قابل للحركة ، وبقى الكلام فى تخفيفها بالقلب واوا أو ياء ، وهذا يحتمل وجهين : أولهما أن تكون الواو أو الياء ساكنة ، وثانيهما أن تكون الواو أو الياء متحركة مع إدغام ما قبلها فيها ، وعدم جواز الأول لما يلزم عليه من التقاء الساكنين غير المغتفر ، وعدم جواز الثانى لما ذكره من أن الألف لا يدغم فيها

2) يقال : رفأ السفينة يرفؤها رفئا - من باب منع ؛ إذا أدناها من الشاطىء ، ورفأ الثوب يرفؤه رفئا ، إذا لأم خرقه وضم بعضه إلى بعض ، وأصلح ما وهى

وفى خبء (1): خبو ، وهذا كما قالوا فى الهمز الساكن المتحرك ما قبله نحو رفأت ونشأت : رفوت ونشوت ، وفى خبأت وقرأت : خبيت وقريت ، وهذا عند سيبويه ردىء كله ، وأجاز الكوفيون قياسا قلب الهمزة المفتوحة خاصة ألفا بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها نحو المرأة والكماة ، وحكى سيبويه ذلك ، وقال : هو قليل ، ولا يجوز نقل الحركة فى باب انأطر (2)لإلزامهم نون انفعل السكون

قوله «والتزم ذلك فى باب يرى وأرى يرى» كل ما كان من تركيب رأى سواء كان من الرؤية أو من الرأى أو الرؤيا إذا زدت عليه حرفا آخر لبناء صيغة وسكن راؤه وجب حذف همزته بعد نقل حركتها ، إلا مرأى ، ومرآة ، وذلك لكثرة الاستعمال ، وقد جاء إثباتها فى الشعر نحو قوله :

131 - أرى عينيّ مالم ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات (3)

ألا أبلغ أبا إسحق أنّى

رأيت البلق دهما مصمتات

أرى عينىّ ما لم ترأياه

...... البيت


1) الخبء : مصدر خبأ الشىء يخبؤه - كمنعه يمنعه - إذا ستره ، والخبء أيضا : اسم ما خبأته ، من باب تسمية المفعول بالمصدر ، ومنه قوله تعالى (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

2) انأطر : مطاوع أطره يأطره أطرا - من بابى ضرب ونصر - إذا عطفه فانعطف : أى ثناه فانثنى.

3) هذا بيت نسبه الزجاجى إلى سراقة البارقى من أبيات يقولها للمختار بن عبيد ، ونسبه الجاحظ فى المحاسن والأضداد لرجل من خزاعة ، ولم يعينه ، والأبيات التى نسبت لسراقة هى :

ويكثر حذف الهمزة مع تحرك ما قبلها مع همزة الاستفهام فى نحو أرأيت كما ذكرنا.

قوله : «وكثر فى سل للهمزتين» استعمال اسأل أكثر من استعمال اجأر (1)ونحوه ، فصار تخفيفه بنقل حركة همزته إلى ما قبلها وحذفها ، كثيرا ، بخلاف نحو اجأر ، ولو كان كثرة التخفيف للهمزتين فقط لكان اجأر مثله ، وبعد نقل حركة الهمزة إلى السين وحذفها قال المصنف : يلزم حذف همزة الوصل وإن كان حركة السين عارضة ؛ لأن مقتضى كثرة التخفيف فيه اجتماع الهمزتين ، ولو كانت الهمزة باقية لما بقيت حركتها على السين ؛ فحذفت همزة الوصل وجوبا ، وقال السيرافى : حكى بعض النحاة - يعنى الأخفش - إسل نحو الحمر ، قال : ويفسد


1) اجأر : فعل أمر من جأر يجأر جأرا - من باب منع - وجؤارا أيضا ، إذا رفع صوته مع تضرع واستغاثة ، وفى الحديث : كأنى أنظر إلى موسى له جؤار إلى ربه بالتلبية ،

ما حكاه أنه ليس أحد يقول : أقل ولا أرد ، وفرق بين الحمر وإسل بأن أصل السين الحركة ، كما فى سأل ، ولام التعريف أصلها السكون - ، وقال سيبويه : الفرق بينهما أن همزة لام التعريف : تشبه همزة القطع فى احمرّ بانفتاحها مبتدأة وبثباتها فى الاستفهام نحو آلله ، وفى يا ألله أيضا

قوله «وإذا وقف على المتطرفة» اعلم أنه إذا وقف على المتحركة المتطرفة فإما أن يوقف على مذهب أهل التحقيق أو على مذهب أهل التخفيف ، فالأول مضى حكمه مستوفى فى باب الوقف ، وأما على مذهب أهل التخفيف فإنه تخفف الهمزة أولا ؛ لأن حالة الوصل متقدمة على حالة الوقف ، ونقل الهمزة حاصل حالة الوصل ، فتخفف على ما هو حق التخفيف من النقل والحذف ، فى نحو الخبء ، والقلب والإدغام فى نحو برىء ومقروء ، فيبقى الخب بتحريك الباء كالدم ، ثم يوقف عليه بالسكون المحض ، أو الروم ، أو الإشمام ، أو التضعيف ، ويبقى برىّ ومقروّ مشددتين فيوقف عليهما بالإسكان والروم والإشمام ، ويخفف نحو شىء وسوء فى حال الوصل بالنقل والحذف ، وهو الأصل ، والقلب والإدغام على قول بعضهم ، كما ذكرنا ، ويجوز السكون والروم والإشمام والتضعيف فى الأول ، ويجوز السكون والروم والإشمام ولا يجوز التضعيف فى الثانى

هذا إذا لم يكن ما قبل الهمزة فيه الألف ، فإن كان قبل الهمزة المتطرفة ألف ، وقد ذكرنا أن تخفيف مثلها بجعلها بين بين المشهور ، فإذا خففتها كذلك ثم أردت الوقف عليها فإن راعيت فى الوقف التخفيف الذى كان فى الوصل وأبقيته وهو بين بين لم يجز لك إلا الوقف بالروم ؛ لأن تضعيف الهمزة لا يجوز ، ومع الإسكان المحض والإشمام - وهو الإسكان أيضا - لا يجوز بين بين ؛ لأن بين بين لا يكون إلا بشىء من الحركة ، وإن لم تراع فى الوقف تخفيف الوصل وأردت الوجه المشهور من وجوه الوقف وهو الإسكان أسكنت الهمزة المجعولة بين بين ، وجاز التقاء الساكنين ؛ لأنه فى الوقف ؛ فبطل تخفيف بين بين

بإسكانها ؛ فقصدت تخفيفا آخر ، ولم يتأت الحذف ؛ إذ ذلك إنما يكون بنقل الحركة إلى ما قبل الهمزة ، ولا تنقل الحركة إلى الألف ؛ فلم يبق إلا قلب الهمزة الساكنة ألفا ؛ لكون الألف قبلها بمنزلة الفتحة ؛ فصار نحو لم يقرأ ، ولا يكون مع الإسكان روم ولا إشمام ؛ لأن الحركة كانت على الحرف الذى هذه الألف بدل منه ، لا على الألف حتى ترام أو تشم ، كما قلنا فى الوقف على هاء التأنيث ، وأيضا فالروم بإبقاء بعض الحركة ، والألف الصريحة لا تحتمل ذلك ، وهذا الوجه - أعنى الوقف بالاسكان وقلب الهمزة ألفا - أكثر فى هذا الباب من الوقف بالروم ، والهمزة بين بين ، فإذا قلبتها ألفا وقبلها ألف جاز لك إبقاء الألفين ؛ لأن الوقف يحتمل فيه الساكنان ؛ فيمد مدة طويلة فى تقدير ألفين ، ويجوز حذف أحدهما ؛ لاجتماع المثلين ؛ فيمد مدة قصيرة بتقدير ألف واحدة ، وإن كانت الهمزة منصوبة منونة فليست متطرفة ؛ فلا يجىء فيها هذه الفروع ؛ بل يقلب التنوين ألفا نحو دعاءا ، وعشاءا

تخفيف الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها

قال : «وإذا كان قبلها متحرّك فتسع : مفتوحة وقبلها الثّلاث ، ومكسورة كذلك ، ومضمومة كذلك ، نحو سأل ومائة ومؤجّل وسئم ومستهزئين وسئل ورءوف ومستهزئون ورؤوس ؛ فنحو مؤجّل واو ، ونحو مائة ياء ، ونحو مستهزئون وسئل بين بين المشهور ، وقيل : البعيد ، والباقى بين بين المشهور ، وجاء منساة وسال ، ونحو الواجى وصلا ، وأمّا :

يشجّج رأسه بالفهر واجى

فعلى القياس ، خلافا لسيبويه»

أقول : اعلم أن الحكم المذكور فى المتصل جار فى المنفصل سواء ، وأمثلته قال هذا [غلام] أحمد ، وبغلام أبيك ، وإن غلام أبيك ، وقال إبراهيم ، وبغلام إبراهيم ، وهذا مال إبراهيم ، وإن غلام أختك ،

وبغلام أختك ، وهذا مال أختك ؛ إذا قصدت تخفيفها متصلة كانت أو منفصلة قلبت المفتوحة المكسور ما قبلها كمائة ياء محضة ؛ لتعذر حذفها ؛ إذ لا تحذف إلا بعد نقل الحركة ، ولا تنقل الحركة إلى متحرك ، ويتعذر التسهيل أيضا ؛ إذ تصير بين الهمزة والألف ؛ فلما استحال مجىء الألف بعد الكسرة لم يجوّزوا مجىء شبه الألف أيضا بعدها ، وكذا تقلب المفتوحة المضموم ما قبلها واوا محضة كموجّل ؛ لمثل ما ذكرنا فى مائة ، فبقى بعد المثالين سبعة أمثلة ، وتسهّل كلها بين بين المشهور عند سيبويه ، وإنما لم تخفف بالحذف لتحرك ما قبلها ، ولم تخفف بالقلب كما فى المثالين ؛ لأن القصد التخفيف ، وقد حصل بتسهيلها بين بين ، والأصل عدم إخراج الحرف عن جوهره ، وأما فى المثالين فالقلب كالمضطر إليه كما ذكرنا ، ومعنى التسهيل أن تأتى بها بين الهمزة وبين حرف حركتها ، وتجعل الحركة التى عليها مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تكنها ، فلهذا لم تسهّل الساكن ما قبلها لئلا يكون كالجمع بين الساكنين ، بلى يجوز ذلك إذا اضطر إليه ، وذلك إذا كان قبلها ألف ، لتعذر سائر أنواع التخفيف كما ذكرنا ، ولكون المدفى الألف أكثر منه فى سائر حروف اللين فيصح الاعتماد عليه كالمتحرك ، كما مر فى باب التقاء الساكنين ، وذهب الكوفية إلى أن المسهلة ساكنة ، واحتجّ على تحريكها سيبويه بحجة لا مدفع لها ، وهى أنها تسهّل فى الشعر وبعدها ساكن فى الموضع الذى لو اجتمع فيه ساكنان لانكسر البيت ، كقول الأعشى :

132 - أ أن رأت رجلا أعشى أضرّبه

ريب المنون ودهر متبل خبل (1)

ودّع هريرة إنّ الرّكب

مرتحل

وهل تطيق وداعا أيّها

الرّجل

والأعشى : الذى لا يبصر بالليل ، ويقال للذى لا يبصر بالنهار : أجهر ، والريب أصله قلق النفس واضطرابها والتردد بين أمرين ، والمنون : المنية ، سميت المنية بذلك لأن الله قد مناها : أى قدرها ، ومتبل : مهلك ومبيد ، وخبل : ملتو على أهله ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «أأن» على تخفيف الهمزة الثانية وجعلها بين بين ، وأن همزة بين بين فى حكم المتحركة ، إذ لو لم تكن فى حكم المتحركة لانكسر البيت وبيان ذلك أن بعد الهمزة الثانية نونا ساكنة ؛ فلو كانت الهمزة المخففة فى حكم الساكنة لالتقى ساكنان فى غير القافية ، وذلك مما لا يجوز ؛ وأيضا لما يلزم عليه من تسكين ثانى الوتد المجموع - وهو عين فعولن - فى غير عروض ولا ضرب ، وذلك مما لا يجوز عند كافة علماء العروض


1) هذا بيت من بحر البسيط من لامية الأعشى التى أولها :

وعند الأخفش تسهل السبعة بين بين المشهور ، إلا اثنتين منها : المضمومة المكسور ما قبلها كالمستهزئون ، والمكسورة المضموم ما قبلها كسئل ، قال : تقلب الأولى ياء محضة والثانية واوا محضة ؛ إذ لو سهّلتا لكانت الأولى كالواو الساكنة ، ولا تجىء بعد الكسرة ، والثانية كالياء الساكنة ، ولا تجىء بعد الضمة ، كما لا تجىء الألف بعد الضمة والكسرة ، وهذا الذى ذهب إليه قياسا على مؤجّل ومائة وإن كان قريبا لكن لسيبويه أن يفرق ويقول : المسهّلة المفتوحة لم يستحل مجيئها بعد الضم والكسر لكن لما استحال مجىء الألف الصريح بعدهما منع مجىء شبه الألف أيضا بعدهما ، وأما الواو الساكنة فلا يستحيل مجيئها بعد الكسرة ، بل يستثقل ، وكذا الياء الساكنة بعد الضمة ؛ فلم يمنع مجىء شبه الواو الساكنة بعد الكسرة وشبه الياء الساكنة بعد الضمة.

وذهب بعضهم فى نحو مستهزئون وسئل إلى بين بين البعيد ، ونسب بعضهم هذا القول أيضا إلى الأخفش ، وإنما ارتكب هذا الوجه من التسهيل ههنا من ارتكبه وإن كان بعيدا نادرا فرارا مما لزم سيبويه فى بين بين المشهور من مجىء شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم ، كما مر ، ومما لزم الأخفش من مجىء الواو الصريحة متحركة بالكسر بعد الضم فى سول ، ومن مجىء الياء الصريحة متحركة بالضم بعد الكسر فى مستهزيون ، وذلك

مرفوض فى كلامهم ، وليس بشىء ؛ لأنه لا يلزم سيبويه على ما ذكرنا محذور فى مجىء شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم ، وكذا لا يلزم الأخفش فيما ذهب إليه أمر شنيع ؛ لأن تخفيف الهمزة عارض غير لازم ، فهو مثل رويا (1)، بلا إدغام.

ولا خلاف فى الخمسة الباقية أن فيها بين بين المشهور.

وقد تبدل الهمزة المفتوحة ألفا إذا انفتح ما قبلها ، مثل سال ، وواوا ساكنة إذا انضمت وانضم ما قبلها كرووس ، وياء ساكنة إذا انكسرت وانكسر ما قبلها نحو المستهزيين ، قال سيبويه : وليس ذا بقياس متلئبّ ، بل هو سماعى ، كما قالوا : أتلجت ، فى أولجت ، فلا تقول : أتلغت (2)، فى أولغت ، قال : وإذا كان فى ضرورة الشعر كان قياسا ، قال :

133 - راحت بمسلمة البغال عشيّة

فارعى فزارة لا هناك المرتع (3)

ولقد علمت إذا فزارة

أمّرت

أن سوف تطمع فى الإمارة

أشجع

عزل ابن بشر وابن عمرو

قبله

وأخو هراة لمثلها يتوقّع

وقوله «راحت بمسلمة» أنشد فى الأغانى مكانه «ولت بمسلمة». وقوله «أن سوف تطمع» أن مخففة من الثقيلة ، وابن بشر هو عبد الملك بن بشر بن مروان ، وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة ، وأخو هراة هو سعيد بن


1) فى بعض النسخ «رييا» وهو مخفف «رئيا» من نحو قوله تعالى (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً). والذى أثبتناه وفاقا لبعض النسخ هو تخفيف «رؤيا» وقد ذكروا أنه يجوز الوجهان فى هاتين الكلمتين : الادغام مراعاة لما صارت إليه الهمزة ، وعدم الادغام نظرا إلى عروض الحرف بالتخفيف

2) فى بعض النسخ «أتغلت فى أوغلت» وكلا النسختين صحيح

3) هذا بيت من الكامل يقوله الفرزدق بعد أن عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وولى عمر بن هبيرة الفزارى ، وبعده قوله :

وقال :

134 - سالتانى الطّلاق إذ رأتانى

قلّ مالي ، قد جئتمانى بنكر (1)

تلك عرساى تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر

عرساى : مثنى عرس مضاف إلى ياء المتكلم ، وعرس الرجل - بكسر فسكون - : زوجه ، والهتر - بفتح الهاء وسكون التاء - : مصدر هتره يهتره ؛ إذا مزق عرضه ، وبكسر الهاء وسكون التاء : اسم بمعنى الكذب ، والأمر العجيب ، والساقط من الكلام. والاستشهاد بالبيت فى قوله «سالتانى» على أن أصله سألتاني ؛ فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا على نحو ما ذكرنا فى البيت الذى قبله

وقال :

135 - سالت هذيل رسول الله فاحشة

ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب (2)

سالوا رسولهم ما ليس

معطيهم

حتّى الممات وكانوا سبّة

العرب


1) هذا البيت من الخفيف ، وهو لزيد بن عمرو بن نفيل القرشى العدوى ، وهو أحد الذين برئوا من عبادة الأوثان فى الجاهلية وطلبوا دين إبراهيم وتنسكوا. وقبله :

2) هذا بيت من البسيط لحسان ثابت بن الأنصارى رضى الله عنه من كلمة يهجو فيها هذيلا ؛ لأنهم قدموا على النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيهم أبو كبير الهذلى ؛ فقال أبو كبير للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أحل لى الزنا ، فقال له النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال : لا ، قال : فارض للناس ما ترضى لنفسك ، قال فادع الله أن يذهب ذلك عنى. وقد روى كلمة حسان هذه ابن هشام فى السيرة (ح 3 ص 176 طبعة المكتبة التجارية) وبعده :

وأنشد سيبويه فيما لا يجوز فى غير الشعر إلا سماعا قول الشاعر :

135 - وكنت أذلّ من وتد بقاع

يشجّج رأسه بالفهر واجى (1)

وأمّا قولك الخلفاء منّا

فهم منعوا وريدك من وداج

ولولاهم لكنت كحوت بحر

هوى فى مظلم الغمرات

داجى

وقوله «وداجى» هو مصدر قولك : وادج فلان فلانا بمعنى ودجه كسافر بمعنى سفر ، وتقول : ودجت الدابة ودجا كوعدته وعدا ؛ إذا قطعت ودجها ، وقطع الودج للدابة كالفصد للانسان ، وهوى : سقط ، والغمرات : جمع غمرة ، وهى فى الأصل القطعة من الماء ، وداج : أسود مظلم ، والقاع : المستوى من الأرض ، ويشجج : يدل على المبالغة فى الشج ، والفهر - بكسر فسكون - : الحجر إذا كان ملء اليد ، والواجى : اسم فاعل من وجأت عنقه أجؤها ؛ إذا ضربتها ، ويضرب المثل فى الذل والمهانة بالوتد ؛ فيقال : هو أذل من وتد بقاع ، وفى هذا المعنى يقول الشاعر :

ولا يقيم على ضيم يراد

به

إلّا الأذلّان عير الحيّ

والوتد

هذا على الخسف مربوط

برمّته

وذا يشجّ فلا يرثى له

أحد

والاستشهاد بالبيت فى قوله «واجى» وأصله الواجىء - بالهمز - فلما وقع فى القافية ووقف عليه سكنت الهمزة فخففت بقلبها ياء لانكسار ما قبلها

قال المصنف - وهو الحق - : إن هذا القياس ليس من ذلك ؛ لأن «واج»


1) هذا البيت من الوافر ، وهو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت من كلمة يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وقبله قوله :

آخر البيت ، وهو موقوف عليه ، فكأن آخر الكلمة همزة ساكنة قبلها كسرة كما فى «لم يقرىء» وقياسه التخفيف بجعلها ياء فى الشعر وفى غيره ، بلى إذا كان نحو الواجى فى الوصل كما تقول : مررت بالواجى يا فتى ، بجعل الهمزة ياء ساكنة ، فهو من هذا الباب

وقد أطلق سيبويه وقال : تقلب الهمزة التى تجعل عند أهل التخفيف بين بين ألفا إذا انفتح ما قبلها ، وياء إذا انكسر ما قبلها ، وواوا إذا انضم ما قبلها ، والحق أن يقيّد - كما قال ابن يعيش - فيقال : الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها تقلب ألفا ، والمكسورة المكسور ما قبلها تقلب ياء ، والمضمومة المضموم ما قبلها تقلب واوا ، ولم يقيد ابن يعيش الواو والياء المقلوب إليهما بالسكون ، والأولى أن يقال : ياء ساكنة ، وواوا ساكنة ؛ كما قدمنا ، فعلى هذا لا يقلب نحو لؤم وسئم ، ألفا ، لا فى الضرورة ولا فى غيرها ، وكذا لا يقلب نحو مستهزئون ومائة ياء ساكنة ، ونحو سئل ومؤجل واوا ساكنة

التزام حذف همزة «خذ» و «كل» في التخفيف دون مر

قال : «والتزموا خذ وكل على غير قياس للكثرة ، وقالوا مر ، وهو أفصح من اؤمر ، وأمّا وأمر فأفصح من ومر»

أقول : هذا كان حقه أن يذكر بعد قوله «والهمزتان فى كلمة إن سكنت الثانية وجب قلبها» ؛ لأن أصل خذ وكل ومر أؤخذ وأؤكل وأؤمر ، وكان القياس قلب الثانية واوا لانضمام ما قبلها ، فخففت بغير القلب ؛ وذلك بأن حذفت الثانية لكثرة استعمالها ، وعلى كل حال فالحذف أوغل فى التخفيف من قلبها واوا ، والتزموا هذا الحذف فى خذ وكل ، دون مر ؛ فان الحذف فيه أفصح من القلب ، وليس بلازم ، هذا إذا كان مبتدأ به ، وذلك لكونه أقل استعمالا من خذ وكل ، وأما إذا وقع فى الدرج نحو «وأمر» و «فأمر» و «قلت لك اؤمر» فان إبقاء الهمزة فيه أكثر من الحذف ؛ لأن علة الحذف اجتماع الهمزتين ، ولا تجتمعان

فى الدرج ، وجاز نحو «ومر» و «فمر» أيضا ، على قلة ؛ لأن أصل الكلمة أن تكون مبتدأ بها ، فكأنه حذفت الهمزة [فى الابتداء] أولا ، ثم وقعت تلك الكلمة المحذوفة الهمزة فى الدرج ، فبقيت على حالها

تخفيف ما أوله همزة إذا دخلت عليه أل

قال : «وإذا خفّف باب الأحمر فبقاء همزة اللام أكثر ، فيقال : الحمر ولحمر ، وعلى الأكثر قيل : من لحمر ، بفتح النّون وفلحمر ، بحذف الياء ، وعلى الأقلّ جاء (عادلّولى) ولم يقولوا : اسل ولا أقل لاتّحاد الكلمة»

أقول : يعنى إذا نقل حركة الهمزة التى فى أول الكلمة إلى لام التعريف قبلها ، فتلك اللام فى تقدير السكون ؛ لوجوه : أحدها : أن أصل اللام السكون ، بخلاف نحو قاف قل ، والثانى : كون اللام كلمة أخرى غير التى فى أولها الهمزة ، فهى على شرف الزوال ، فكأنها زالت وانتقلت حركة الهمزة التى نقلت إليها إلى الهمزة ، وبقيت اللام ساكنة ، بخلاف قاف قل ؛ فانها من كلمة الواو ؛ والثالث : أن نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها غير لازم ، فكأنها لم تنقل ، بخلاف نقل حركة واو قل إلى ما قبلها ، وأما سل فحركة السين فيه ليست بلازمة لزوم حركة قاف قل ، ولا بزائلة زوال حركة لام الأحمر ؛ لأنه مثل قل فى جميع الوجوه ، إلا الثالث ؛ فإن نقل الحركة فيه ليس لازما لزوم نقل حركة واو اقول ، لكنه - وإن لم يلزم لزومه - أكثر من نقل حركة همزة الأحمر ؛ ففى الأحمر بقاء الهمزة أكثر ، وفى قل حذف الهمزة واجب ، وفى سل وقع الخلاف : أوجبه المصنف كما ترى ، وهو مذهب سيبويه ، وأجاز الأخفش اسل ، كما تقدم ، وهذا كله فى قل مبنى على أن أصله اقول المأخوذ من تقول قبل نقل حركة الواو إلى القاف ، فأما إن قلنا :

إن قل مأخوذ من تقول المضموم القاف ؛ فليس هناك همزة وصل حتى تحذف الحركة أو تبقى لعروضها

قوله «وعلى الأكثر قيل من لحمر» يعنى على جعل اللام فى حكم الساكن حركوا النون لالتقاء الساكنين ، وحذف ياء «فى» لأجله أيضا ، ولو اعتدّ بحركة اللام سكن النون ، كما فى «من زيد» ولم تحذف ياء فى كما فى «فى دارك»

وحكى الكسائى والفراء أن من العرب من يقلب الهمزة لاما فى مثل هذا ، فيقول فى الأحمر والأرض : اللّحمر ، واللّرض ، ولا ينقل الحركة ، محافظة على سكون اللام المعرفة.

قوله «وعلى الأقل» أى : على جعل حركة اللام كاللازم أدغموا تنوين «عادا» الساكن فى لام «الأولى» كما تقول : من لكّ ، ولو جعلت اللام فى تقدير السكون لحركت النون فقلت : عادن لولى ، ولم يجز الإدغام ؛ إذ لا يدغم الساكن فى الساكن ، وإنما اعتد بحركة اللام - وإن كان على الوجه الأقل - لغرض التخفيف بالإدغام ، بخلاف قوله (سيرتها الأولى) فان التخفيف يحصل ههنا بعدم الاعتداد بحركة اللام ، وهو بحذف ألف (سيرتها) للساكنين.

قوله «لاتحاد الكلمة» كما ذكرنا فى الوجه الثانى.

تخفيف الهمزتين المجتمعتين في كلمة إذا تحركت الأولى فقط

قال : «والهمزتان فى كلمة إن سكنت الثّانية وجب قلبها كآدم وايت وأوتمن ، وليس آجر منه ؛ لأنّه فاعل ، لا أفعل ، لثبوت يؤاجر ؛ وممّا قلته فيه :

دللت ثلاثا على أنّ يوج

ر لا يستقيم مضارع آجر

فعالة جاء والافعال عزّ

وصحّة آجر تمنع آجر

وإن تحرّكت وسكن ما قبلها كسئّال تثبت ، وإن تحرّكت وتحرّك ما قبلها قالوا : وجب قلب الثّانية ياء إن انكسر ما قبلها أو انكسرت ،

وواوا فى غيره ، نحو جاء وأيمّة وأويدم وأوادم ، ومنه خطايا فى التّقدير الأصلىّ ، خلافا للخليل ، وقد صحّ التّسهيل والتّحقيق فى نحو أيّمة ؛ والتزم فى باب أكرم حذف الثّانية ، وحمل عليه أخواته ، وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة فى باب مطايا ، ومنه خطايا على القولين ، وفى كلمتين يجوز تحقيقهما ، وتخفيفهما ، وتخفيف إحداهما على قياسها ، وجاء فى نحو يشاء إلى الواو أيضا فى الثّانية ، وجاء فى المتّفقتين حذف إحداهما ، وقلب الثّانية كالسّاكنة»

أقول : اعلم أن الهمزتين إذا اجتمعتا ، فإما أن يكون اجتماعهما فى كلمة أو فى كلمتين.

فان كان فى كلمة فإما أن تتحرك الأولى فقط ، أو تتحرك الثانية فقط ، أو تتحركا معا ، وسكونهما معا لا يجوز.

فان تحركت الأولى فقط دبّرت الثانية بحركة الأولى : أى قلبت واوا إن انضمت الأولى كأوتمن ، وياء إن انكسرت كايت ، وألفا إن انفتحت كآمن ، وإنما قلبت الثانية لأن الثقل منها حصل ، وإنما دبرت بحركة ما قبلها لتناسب الحركة الحرف الذى بعدها ، فتخف الكلمة ، وإذا دبرت بحركة ما قبلها وليس المتحرك همزة كما فى راس وبير وسوت فهو مع كونه همزة أولى.

قوله «وليس آجر منه» أى : مما اجتمع فيه همزتان والثانية ساكنة ، قال : لأنه من باب فاعل ، لا أفعل ، واستدل على ذلك بأن مضارعه يؤاجر ، لا يؤجر والذى أنشده من قبله - مع ركاكة لفظه - ليس فيه دليل على مدعاه ، أعنى أن يؤجر لا يستعمل فى مضارع آجر ؛ قال «فعالة جاء» يعنى أن مصدر آجر فعالة ، وفعالة مصدر فاعل ككاتب كتابا وقاتل قتالا ، والتاء فى إجارة للوحدة ، وليس بشىء ؛ لوجهين : أحدهما أنا بينا فى باب المصادر أن المرة إنما تبنى فى ذوات الزيادة على المصدر المشهور المطرد ، فيقال : قاتلت مقاتلة واحدة ، ولا يقال : قاتلت قتالة

لأن فعالا ليس بمطرد فى فاعل ، وثانيهما أن إجارة لو كان مصدر فاعل للمرة لجاز آجر إجارا لغير المرة ، ولم يستعمل إجارا أصلا ، وأيضا لم يكن استعمال إجارة إلا للمرة كما لا يستعمل نحو تسبيحة وتقديسة إلا لها.

قوله : «والافعال عز» يعنى لا يستعمل إيجارا ، وذلك ممنوع ؛ لأن فى كتاب العين «آجرت مملوكى أوجره إيجارا فهو مؤجر» وفى أساس اللغة «آجرنى داره إيجارا فهو مؤجر ، ولا تقل : مؤاجر ؛ فإنه خطأ قبيح». قال : «وليس آجر هذا فاعل ، بل هو أفعل ، وإنما الذى هو فاعل آجر الأجير مؤاجرة ، كقولك : شاهره وعاومه» وفى باب أفعل من جامع الغورى «آجره الله تعالى : لغة فى أجره مقصورا» وفى باب فاعل منه «آجره الدار» وهكذا فى ديوان الأدب ، قلت : فآجره الدار من فاعل ممنوع عند صاحب الأساس جائز عند الغورى ، والحق ما فى أساس اللغة ؛ لأن فاعل لا يعدى إلى مفعولين إلا الذى كان يعدى فى الثلاثى إلى مفعول ، كنزعت الحديث ونازعته الحديث ، فآجر المتعدى إلى مفعولين إذن من باب الإفعال ؛ فآجرتك الدار إيجارا ، مثل أكريتك الدار ، وآجرت الأجير مؤاجرة : أى عقدت معه عقد الإجارة ، يتعدى إلى مفعول واحد ، وكأن الإجارة مصدر أجر يأجر إجارة نحو كتب يكتب كتابة : أى كان أجيرا ، قال تعالى : (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ) ، فالإجارة كالزراعة والكتابة ، كأنها صنعة ؛ إلا أنها تستعمل فى الأغلب فى مصدر آجر أفعل ، كما يقام بعض المصادر مقام بعض نحو (تبتّل إليه تبتيلا) والأجير من أجر يأجر

قوله : «وصحة آجر تمنع آجر» أى : صحة آجر فاعل تمنع آجر أفعل ، قال فى الشرح : «أى أن آجر فاعل ثابت بالانفاق ، وفاعل ذو الزيادة لا بد أن يكون مبنيا من أجر الثلاثى لا آجر الذى هو أفعل ، فيبت أجر الثلاثى ، ولا يثبت آجر أفعل» هذا كلامه ، يا سبحان الله!! كيف يلزم من عدم بناء فاعل

من أفعل أن لا يكون أفعل ثابتا؟ وهل يجوز أن يقال : أكرم غير ثابت ؛ لأن كارم غير مبنى منه بل من كرم؟ وإذا تقرر ما ذكرنا ثبت أن أفعل وفاعل من تركيب (أ ج ر) ثابتان ، وكل واحد منهما بمعنى آخر ؛ فأفعل بمعنى أكرى ، وفاعل بمعنى عقد الإجارة

هذا ، وإن سكنت الأولى وتحركت الثانية ، فإن كان ذلك فى صيغة موضوعة على التضعيف ، كسئّال وسؤال ، وجب الإدغام محافظة على وضع الصيغة ، ولا يكون ذلك إلا إذا اتصلت الأولى بالفاء ، وذلك أن الهمزة ثقيلة ، ولا سيما ما ضعّف منها ، فإذا وليت الأولى أول الكلمة خفت ، وأما فى غير ذلك فلا يجوز ، فلا يبنى من قرأ نحو قمدّ (1)ولا فلزّ (2)، ويجوز اجتماعهما مع سكون الأولى وتحرك الثانية فى صيغة غير موضوعة على التضعيف ، وعند ذلك تقلب الثانية ياء ، ولا تدغم ، نحو قرأى ، على وزن سبطر (3)من قرأ ، ولا يخفف بنقل حركة الثانية إلى الأولى وحذفها كما فى مسلة ؛ لأن تلك فى حكم الثانية

فإن تحركتا قلبت الثانية وجوبا ، ثم إن كانت الثانية لاما قلبت ياء مطلقا ، بأى حركة تحركتا ؛ لأن الآخر محل التخفيف ، والياء أخف من الواو ، وأيضا فمخرج الياء أقرب إلى مخرج الهمز من مخرج الواو ؛ فتقول فى مثل جعفر من قرأ : قرأى ، قرأيان ، قرأون. وقرآة ، وقرآتان ، وقرأيات. وإن لم تكن الثانية لاما


1) القمد - كعتل - : القوى الشديد ، أو الغليظ. أنظر (ح 1 ص 53)

2) الفلز - بكسر الفاء واللام بعدهما زاى مشددة - : نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة ، أو هو خبث الحديد ، أو هو الحجارة ، أو جواهر الأرض كلها ، أو ما ينفيه الكير مما يذاب منها ، ويقال فيه : فلز - كهجف ، وفلز - كعتل -

3) السبطر - كهزبر - : الشهم الماضى ، وهو الطويل أيضا ، وهو أيضا الأسد يمتد عند الوثبة

فإن كانت مكسورة قلبت ياء أيضا ، بأى حركة تحركت الأولى : بالفتحة نحو أيمة أينّ ، أو بالكسر كما إذا بنيت من الأنين مثل إجرد (1)قلت : إينّ ، وكذا لو بنيت مثل أكرم منه قلت : أينّ ، مراعاة لحركتها ، ألا ترى أنك تجعلها بين الهمزة والياء فى مثل هذه المواضع ، إذا قصدت تخفيفها وليس قبلها همزة كما فى سئم وسئل ومستهزئين ، وتقول عند الأخفش فى أيّن : أون ، كما ذكرنا من الخلاف فى نحو سئل ، وإن كانت مضمومة جعلتها واوا صريحة مطلقا قياسا على التسهيل ، فتقول فى حكاية النفس من يؤبّ : أوبّ ، ومن يؤم : أوم ، بواو خالصة ، وفى مثل أبلم (2)من أمّ : أومّ ، ولا يوجد مضمومة مكسور ما قبلها فى كلامهم ، ولو جاء إفعل - بكسر الهمزة وضم العين - لقلت من أم : إومّ عند سيبويه بالواو ، وإيم بالياء عند الأخفش كما ذكرنا فى مستهزئون ، وإن كانت مفتوحة فإن كانت بعد كسرة جعلتها ياء كما فى نحو بئر (3)، فتقول فى نحو إصبع من أم : إيم ، وإن كانت بعد ضمة جعلتها واوا ، كما فى جون (4)، فتقول فى تصغير آدم : أويدم ، وإن كانت بعد فتحة قلبتها واوا أيضا عند غير المازنى ، فتقول فى أفعل منك من الأم : أوم ، وكذا أورّ ، من (5)الأر ، وعند المازنى : أيمّ وأيرّ ، ولعله نظر إلى أن القياس على


1) الأجرد - بكسرتين بينهما ساكن كأثمد - : نبت يخرج عند الكمأة ؛ فيستدل به عليها. انظر (ح 1 ص 59)

2) أبلم - بضمتين بينهما سكون - : الخوص ، واحدته أبلمة (أنظر ح 1 ص 56)

3) بئر - بكسر ففتح - : جمع بئرة ، وهى ما خبىء وادخر

4) جون - بضم ففتح - : جمع جونة ، وأصله جؤن وجؤنة ؛ فخففت الهمزة فيهما بقلبها واوا ، والجؤنة : سلة مستديرة مغشاة أدما يجعل فيها الطيب والثياب

5) الأر : مصدر أر يؤر - كشد يشد - ومعناه : السوق ، والطرد ، والجماع ، ورمى السلح ، وإيقاد النار

تسهيلها محال ههنا ؛ إذ الهمزة فى مثله تسهّل بين الهمزة والألف ، وقلب المتحركة ألفا متحركة محال ، فوجب قلبها لاجتماع همزتين : إما إلى الياء ، أو إلى الواو ؛ والياء أخف فقلبت إليه ، وغيره نظر إلى حال التسهيل فقلبها ألفا ، ثم لما كان الألف إذا وجب تحريكها ولم تجعل همزة كما جعلت فى قائل ورداء قلبت واوا كما فى خواتم وخويتم قلبت الألف المنقلبة عن الهمزة واوا ، فقال : أومّ ؛ وأما نحو أو ادم فى جميع آدم فلا يخالفهم فيه (1)المازنى ؛ لأن الهمزة الثانية وجب قلبها فى المفرد ألفا وهو آدم ، فصار كألف عالم وخاتم وحائط ، والهمزة المقلوبة واوا أو ياء وجوبا حكمها حكم الواو والياء ، كما ذكرنا فى أول الكتاب ، ويقول المازنى فى تصغير أيمة : أييمّة ، وفى جمعه أيامّ ، بالياء فيهما ، وكذا يقول هو فى تصغير أيمّ أفعل التفضيل عنده من أم : أييمّ ، بالياء ، وكل ذلك مراعاة للمكبر فيهما والمفرد فى أيامّ ، ويوافقهم فى تصغير آدم على أويدم ، وغيره لا يراعى حال الأصل إذا زال علة القلب فى الفرع ، فيقول : أويمّة وأو امّ ، فى تصغير أيمة وتكسيره ، وإن


1) اعلم أن الجمهور والمازنى جميعا متفقون على أنه يقال فى جمع آدم : أو ادم وفى تصغيره : أويدم ، ولكن الجمهور يقدر أن هذه الواو مقلوبة عن الهمزة ؛ فأصل أوادم عندهم أآدم ، وأصل أويدم أأيدم ، والمازنى يجعل الواو فى الجمع والتصغير منقلبة عن الألف التى فى المفرد والمكبر المنقلبة عن الهمزة ، ومذهب الجمهور فى هذا أرجح ؛ لوجهين : الأول أن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها ما لم يمنع من ذلك مانع ، والأمر الثانى أن قلب الهمزة ألفا فى آدم قد زال مقتضيه فى أوادم وأويدم ، فلا سبيل إلى ادعاء أن هذه الواو منقلبة عن الألف. ثم إن الجمهور قاسوا على أوادم قولهم : محمد أون من على : أى أكثر أنينا ، بجامع أن فى كل منهما همزتين متحركتين فى أول الكلمة وثانيتهما مفتوحة وليست الأولى مكسورة ، ويرى المازنى قلب الثانية ياء لضرب من الاستحسان ، ولا مستند له من المستعمل فى كلام العرب

كانت المفتوحة بعد كسرة قلبت ياء كما فى مائة ، فتقول : إينّ على مثال إصبع من الأنين

وجاء فى الهمزتين المتحركتين فى كلمة وجهان آخران : أحدهما ما ذكره أبو زيد عن بعض العرب أنهم يحققون الهمزتين معا ، قال : سمعت من يقول : اللهم اغفر لى خطائئى ، كخطاياى بمعنى ، وكذا دريئة (1)

ولقد أرانى للرّماح

دريئة

من عن يمينى تارة وأمامى

ودرائئى ، وقرأ جماعة من القراء - وهم أهل الكوفة وابن عامر - (أئمة) بهمزتين ؛ وثانيهما تخفيف الثانية كتخفيف الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها إذا لم يكن همزة سواء ، فيقول فى «أئمة» : أيمة ، يجعلها بين الهمزة والياء كما فى سئم ، وكذا فى نحو أؤمّك ، وغير ذلك

وفى هذين الوجهين - أعنى تحقيقهما وتسهيل الثانية - زاد بعضهم ألفا بين الأولى والثانية ، إذا كانت الأولى مبتدأ بها ؛ لكراهة اجتماع الهمزتين أو شبه الهمزتين فى أول الكلمة ، واجتماع المثلين فى أول الكلمة مكروه ، ألا ترى إلى قولهم : أواصل وأويصل؟ وإذا اجتمع فى كلمة همزتان وبينهما ألف لا تقلب واحدة منهما اعتدادا بالفاصل ، ألا ترى إلى مذهب من أراد الجمع بينهما بلا تخفيف كيف يزيد بعضهم ألف الفصل ، فيقول أائمّة ، حتى لا يكون اجتماع همزتين ، فكيف لا يعتد بالألف الموجودة فاصلا؟

وأما قلب همزة ذوائب واوا على سبيل الوجوب فلكونه أقصى الجموع ، ولكون واحده - أى ذؤابة (2)- مقلوبا همزته فى الأغلب واوا


1) الدريئة : حلقة يتعلم عليها الطعن والرمى ، وهى أيضا كل ما استتر به الصياد ليختل الصيد ، قال الشاعر :

2) الذؤابة : الناصية او منبتها. انظر (ح 1 ص 213)

كما هو قياس التخفيف فى مثله ، ومع هذا كله التزام القلب فى هذا الجمع على غير قياس ، ورآه الأخفش قياسا ، تقلب الهمزة الأولى عنده فى مثله واوا وجوبا ؛ لاجتماع الهمزتين ، والفاصل ضعيف ، وليس بوجه ؛ لأن القياس مع اجتماع الهمزتين تخفيف الثانية لا الأولى

قوله «جاء وأيمة» قد مضى شرحهما فى أول الكتاب

قوله «أويدم وأوادم» أى : فى تصغير آدم وجمعه ، إذا سميت به ، فان لم تسم به فجمعه أدم

قوله «وقد صح التسهيل والتحقيق فى أئمة» أى : فى القراءة ، ولم يجىء فى القراءة قلب الهمزة الثانية فى أئمة ياء صريحة ، كما هو الأشهر من مذهب النحاة ؛ بل لم يأت فيها إلا التحقيق أو تسهيل الثانية ، وقد ذكرنا أن هذين الحكمين لا يختصان عند بعضهم بأئمة ، بل يجريان فى كل متحركتين ، لكن الأشهر عند النحاة قلب الثانية ياء صريحة

قوله «ومنه خطايا فى التقدير الأصلى» أى : من اجتماع الهمزتين فى كلمة ، وذلك أنه جمع خطيئة ، وياء فعيلة تقلب فى الجمع الأقصى همزة ، كما يجىء فى باب الإعلال ، نحو كبيرة وكبائر ، فصار خطائىء عند سيبويه ، فقلبت الثانية ياء ؛ لما ذكرنا أن قياس همزتين فى كلمة قلب الثانية ياء إذا تطرفت ، فصار خطائى ، وليس غرضه ههنا إلا اجتماع همزتين فى خطايا فى الأصل عند سيبويه ، فقلبت ثانيتهما ياء ، وأما قلب الأولى ياء مفتوحة فسيجىء عن قريب ، وأما الخليل فانه يقول أيضا : أصله خطايىء بياء بعدها الهمزة ، لكنه يقلب فيجعل الياء موضع الهمزة والهمزة موضع الياء ، كما مر فى أول الكتاب فى نحو جاء

قوله «والتزم فى باب أكرم حذف الثانية» القياس فيه قلب الثانية واوا

كما فى أويدم ، لكنه خففت الكلمة بحذف الثانية ؛ لكثرة الاستعمال ، كما خففت فى خذ وكل بالحذف ، والقياس قلبها واوا ، ثم حمل أخواته من تؤكرم ويؤكرم عليه ، وإن لم يجتمع الهمزتان

قوله «وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة فى باب مطايا» اعلم أن الجمع الأقصى إذا كان آخره ياء ما قبلها همزة لا يخلو من أن يكون فى مفرده ألف ثانية بعدها همزة أصلية كشائية من شأوت ، أو منقلبة كشائية من شئت أو واو كشاوية من شويت ، أو ألف ثالثة بعدها واو كإداوة وهراوة ، أو ياء كدواية وسقاية ، أو لم يكن مفرده على شىء من هذه الأوجه : سواء كان لامه همزة كخطيئة ، أو لم يكن كبليّة

فالأصل فى جميع جموع هذه المفردات تخفيف الثقيلين وجوبا ، أعنى الياء المكسور ما قبلها والهمزة ، وذلك لكون الوزن وزن أقصى الجموع ، وكون هذين الثقيلين فى آخره الذى هو موضع التخفيف ، وتخفيفهما بأن تقلب الياء ألفا ، والكسرة قبلها فتحة ، وتقلب الهمزة ياء ، وإذا قلبت الياء ألفا جوازا فى نحو مدارى ، مع أن ما قبل الياء ليس همزة ؛ فالوجه وجوب القلب ههنا ؛ لثقل الهمزة ، وإنما قلبت الهمزة ياء دون الواو لكونها أخف منها وأقرب مخرجا إلى مخرج الهمزة منها ، وإنما قلبت فى نحو «حمراوان» واوا فى الأغلب ، لا ياء ، طلبا للاعتدال ؛ لأن الياء قريبة من الألف ، فكأن إيقاع الياء بين الألفين جمع بين ثلاث ألفات ، فاستريح من توالى الأمثال إلى الواو مع ثقلها ؛ لخفة البناء ، أو لعدم لزوم اكتناف الألفين للواو فى المثنى ؛ إذ ألف التثنية غير لازمة ، فلا يلزم الواو العارضة بسببها ، ولما لزمت ألف التثنية فى ثنايان (1)بقيت الياء بحالها ؛ وأما فى الجمع الأقصى فلا


1) الثنايان مما جاء مثنى ولا واحد له ، ومعناه مفرد أيضا ؛ فهو يطلق على حبل واحد تشد بأحد طرفيه إحدى يدى البعير وبالآخر الأخرى ؛ قال فى اللسان : «وعلقت البعير بثنايين غير مهموز ؛ لأنه لا واحد له ، وذلك إذا علقت يديه جميعا بحبل أو بطرفى حبل ، وإنما لم يهمز لأنه لفظ جاء مثنى لا يفرد واحده فيقال ثناء ؛ فتركت الياء على الأصل» ا ه

تقلب واوا ؛ لثقل البناء ، ولزوم اكتناف الألفين ؛ فيلزم الواو لو قلبت إليها ؛ وقد جاء فى جمع هديّة هداوى كما فى حمراوان ، وهذا شاذ ، إلا عند الأخفش ؛ فانه رآه قياسا كما فى حمراوان

وخولف الأصل المذكور فى موضعين : أحدهما إذا كان فى مفرده ألف بعده همزة نحو شائية من شأوت أو من شئت ، فتركت الهمزة والياء بحالهما ، فقيل :

هؤلاء الشّوائى ، مراعاة فى الجمع للمفرد ، كما روعى فى نحو حبالى وخناثى ، كما مر فى باب الجمع ؛ وثانيهما إذا كان فى مفرده ألف ثالثة بعدها واو ، نحو أداوى وعلاوى فقلبت الهمزة ، لكن إلى الواو لا إلى الياء ؛ لمراعاة المفرد أيضا ، وكان على هذا حق ما فى مفرده ألف ثانية بعدها واو ، كشوايا جمع شاوية ، أن يراعى مفرده فيقال : شواوى ، لكن لما كان أصله شواوى ؛ فقلبت الواو التى بعد الألف همزة كما فى أواول ؛ لاكتناف حرفى العلة لألف الجمع ؛ لم يقلب الهمزة بعده واوا ؛ لئلا يكون عودا إلى مافر منه ، فرجع فيه من مراعاة المفرد إلى الجرى على الأصل من قلب الهمزة ياء ، فقيل : شوايا ، فى جمع شاوية ، وكذا فى الجمع الذى فى مفرده ألف بعده الياء كالدّواية والسّقاية لو جمعتا هذا الجمع قيل : دوايا وسقايا ، والياء فى هذا اولى لوجهين : لمراعاة المفرد ، وللجرى على الأصل ، وكذا تقول فى الجمع الذى ليس فى مفرده ألف بعده همزة أو ياء أو واو فقلبت الهمزة ياء والياء ألفا ، كخطايا وبلايا وبرايا فى جمع خطيئة وبليّة وبريّة ، وقد جاء فيه هدية وهداوى ، كما ذكرنا

فاذا تقرر هذا فاعلم أن الألف فى هذه الجموع كلها مجتلبة للجمع ، ولم تكن فى المفرد ، والهمزة بعد الألف فى شواء جمع شائية من شأوت هى الأصلية التى

كانت فى المفرد ، وفى شواء من شئت عارضة فى الجمع عروضها فى المفرد ، والألف التى كانت فى مفرديهما قلبت فى الجمع واوا ، وكذا ألف شاوية قلبت فى الجمع واوا ، أعنى شوايا ، وقلبت واو المفرد التى كانت بعد الألف همزة كما فى أوائل ، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة كما ذكرنا ، والألف التى كانت فى إداوة قلبت فى الجمع همزة كما فى رسائل وقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها ، ثم قلبت الهمزة ياء (1)مفتوحة والياء ألفا ، كما فى سقاية لو قيل : سقايا ، والياء فى خطيئة تقلب همزة عند سيبويه ؛ كما فى صحائف ، فيجتمع همزتان ؛ فتقلب الثانية ياء ، وتقلب الأولى ياء مفتوحة ، كما فى بلايا ونحوها ، وتقلب الياء التى بعدها ألفا ؛ لأن الياء المنقلبة عن همزة على وجه الوجوب حكمها حكم الياء الأصلية ، والهمزة الثانية ههنا واجبة القلب إلى الياء ؛ لكونها متطرفة ، كما سبق تحقيقه فى هذا الباب ، فخطايا كهدايا ، قلبت ياؤهما - أى الحرف الأخير - ألفا ، وقال الخليل : أصله خطايىء بالهمزة بعد الياء التى كانت فى الواحد ، فجعلت الياء فى موضع الهمزة والهمزة فى موضع الياء ، ثم قلبت الهمزة التى كانت لام الكلمة ياء مفتوحة ، فوزنه (2)فوالع ، فقول المصنف «ومنه خطايا على القولين» أى : من باب قلب الهمزة المفتوحة ياء مفتوحة على قول الخليل وسيبويه

واعلم أنه إذا توالى فى كلمة أكثر من همزتين أخذت فى التخفيف من الأول


1) قوله «قلبت الهمزة ياء مفتوحة .. إلخ» ليس بصحيح ؛ فأن الهمزة فى جمع إداوة قلبت واوا حملا على المفرد ، لا ياء ، وهذا أحد الموضعين اللذين خولف فيهما الأصل الذى أصله المؤلف من قبل ، والعجب منه أنه صرح بذكر الموضعين اللذين خولف فيهما هذا الأصل ثم غفل عنه

2) قوله «فوزنه فوالع» ليس صحيحا ؛ بل وزن خطايا فعائل عند سيبويه وفعالى - كعذارى - : عند الخليل والكوفيين ، على اختلاف بينهما فى التقدير ، ولعله من تحريف النساخ

فخففت الهمزة الثانية ، ولم تبتدىء فى التخفيف من الآخر ، كما فعلت ذلك فى حروف العلة فى نحو طوى ونوى ؛ وذلك لفرط استثقالهم لتكرار الهمزة ، فيخففون كل ثانية إذ نشأ منها الثقل ، إلى أن يصلوا إلى آخر الكلمة

فان بنيت من قرأ مثل سفرجل قلت : قرأيأ ، حقّقت الأولى ، وقلبت الثانية التى منها نشأ الثقل ، وإنما قلبتها ياء ، لا واوا ؛ لكونها أقرب مخرجا إلى الهمزة من الواو ، وصححت الأخيرة لعدم مجامعتها إذن للهمزة

وإن بنيت مثل سفرجل من الهمزات قلت : أوأيأ ، على قول النحاة ، وأيأيأ ، على قول المازنى ، كما ذكرنا فى قولك : هو أيمّ منك ؛ فتحقيق الأولى هو القياس ؛ إذ الهمزة الأولى لا تخفف ، كما مر ، وأما تحقيق الثالثة فلأنك لما قلبت الثانية صارت الثالثة أولى الهمزات ، ثم صارت الرابعة كالثانية مجامعة للهمزة التى قبلها ؛ فخففت بقلبها ياء ، كما ذكرنا فى قرأيأ ، ثم صارت الخامسة كالأولى

ولو بنيت منها مثل قرطعب (1)قلت : إيئاء ؛ قلبت الثانية ياء كما فى ايت ، والرابعة ألفا كما فى آمن ، وتبقى الخامسة بحالها كما فى راء وشاء

ولو بنيت منها مثل جحمرش قلت : أاأيىء ، قلبت الثانية كما فى آمن ، والرابعة كما فى أيمة ، وتبقى الخامسة بحالها ؛ لعدم مجامعتها الهمزة

ولو بنيت مثل قذعمل قلت : أوأيىء ؛ قلبت الثانية كما فى أويدم ، والرابعة كما فى قرأى ، وتبقى الخامسة بحالها

تخفيف الهمزة المجتمعتين في كلمتين

فإن اجتمعت الهمزتان فى كلمتين والثانية لا محالة متحركة ؛ إذ هى أول الكلمة ، فإن كانت الأولى مبتدأ بها ، كهمزة الاستفهام ، فحكمهما حكم الهمزتين


1) القرطعب - بكسر فسكون ففتح فسكون - : السحابة ، وقيل : دابة ، انظر (ح 1 ص 51)

فى كلمة إذا كانت الأولى مبتدأ بها كأيمة وايتمن ، فلا تخفف الأولى إجماعا ، وتخفف الثانية كما ذكرنا من حالها فى كلمة سواء ، إلا أن تحقيق الثانية ههنا أكثر منه إذا كانتا فى كلمة ؛ لأن همزة الاستفهام كلمة برأسها ، وإن كانت من حيث كونها على حرف كجزء مما بعدها ، فمن فصل هناك بالألف بين الهمزتين المتحركتين : المحققتين ، أو المسهلة ثانيتهما نحو أيّمة ؛ فصل ههنا أيضا ، ومن لم يفصل هناك لم يفصل ههنا أيضا. قال :

136 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم (1)

أقول لدهناويّة عوهج جرت

لنا بين أعلى عرفة

فالصّرائم

والدهناوية : المنسوبة إلى الدهناء ، وهو موضع فى بلاد تميم ، وأراد ظبية ، والعوهج - كجوهر - : الطويلة العنق ، وجرت : أراد به سنحت ، وعرفة - بضم العين وسكون الراء المهملتين - : القطعة المرتفعة من الرمل ، والصرائم : جمع صريمة ، وهى القطعة من الرمل أيضا ، وبيت الشاهد كله مقول القول ، والوعساء : الأرض اللينة ذات الرمل ، وجلاجل - بجيمين ، أو بمهملتين - : اسم مكان بعينه ، والنقا : التل من الرمل ، وأم سالم : كنية محبوبته مية. والاستشها بالبيت فى قوله «آأنت» حيث فصل بين الهمزتين بألف زائدة

وقال :

137 - حزقّ إذا ما النّاس أبدوا

فكاهة

تفكّر آإيّاه يعنون أم قردا (2)

وإذا كانت الأولى همزة استفهام والثانية همزة وصل ؛ فإن كانت مكسورة أو مضمومة حذفت ، نحو أصطفى وأصطفى ، وإلا قلبت الثانية ألفا ، أو سهلت كما


1) هذا بيت من الطويل من فصيدة طويلة لذى الرمة غيلان بن عقبة ، وقبله قوله :

2) هذا البيت من الطويل ، وهو من كلمة لجامع بن عمرو بن مرخية الكلابى ، والحزق - كعتل - : القصير العظيم البطن الذى إذا مشى أدار أليته ، وأبدوا : أظهروا ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «آإياه» حيث زاد بين همزة الاستفهام والهمزة التى فى أول الكلمة ألفا ، على نحو ما فى الشاهد السابق

تقدم ، وإن لم تكن الأولى ابتداء - وذلك فى غير همزة الاستفهام ، ولا تكون الثانية إلا متحركة كما قلنا - فالأولى : إما أن تكون ساكنة أو متحركة ، وفى كلا الوجهين قال سيبويه : إن أهل التحقيق - يعنى غير أهل الحجاز - يخففون إحداهما ويستثقلون التحقيق فيهما ، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة ، قال : ليس من كلام العرب أن تلتقى الهمزتان فتحققا ؛ فإن كانتا متحركتين فمنهم من يخفف الأولى دون الثانية ؛ لكونها آخر الكلمة والأواخر محل التغيير ، وهو قول أبى عمرو ، ومنهم من يخفف الثانية دون الأولى ؛ لأن الاستثقال منها جاء ، كما فعلوا فى الهمزتين فى كلمة ، وهو قول الخليل ، وقد اختار جماعة وهم قرّاء الكوفة وابن عامر التحقيق فيهما معا ، كما فعلوا ذلك بالهمزتين فى كلمة ، وهو ههنا أولى ، لافتراق الهمزتين تقديرا ، وأما أهل الحجاز فيستعملون التخفيف فيهما معا كما فعلوا ذلك فى الهمزة الواحدة ، فمن خفف الأولى وحدها فكيفيته ما مر من الحذف أو القلب أو التسهيل ، كما مر فى الهمزة المفردة فليرجع إليه ، ومن خفف الثانية وحدها كانت كالهمزة المتحركة بعد متحرك ، فيجىء الأوجه التسعة المذكورة ، فليرجع إلى أحكامها ، فهى هى بعينها ؛ فيجىء فى «يشاء إلى» المذاهب الثلاثة فى الثانية : بين بين المشهور ، والبعيد ، وقلبها واوا ، وفى نحو هذاءأمّك (1)

هذائه الدّفتر خير دفتر

: التسهيل المشهور ، والبعيد ، وقلبها ياء. ونقل عن أبى عمرو حذف أولى المتفقتين ، نحو أولياء أولئك ، و (جاء أشراطها) ، ومن السّماء إن. ونقل عن ورش وقنبل (2)فى ثانية

1) وقع فى جميع الأصول «هذا إمك» وهو من تحريف النساخ والغفلة عن مراد المؤلف ؛ فان غرضه التمثيل لاجتماع همزتين من كلمتين ، و «ذاء» بهمزة مكسورة بعد الألف لغة فى «ذا» اسم الاشارة ؛ قال الراجز :

2) قنبل - كقنفذ - : أصله الغلام الحاد الرأس الخفيف الروح ، وقد لقب به محمد بن عبد الرحمن أحد القراء

المتفقتين قلبها حرف مد صريحا : أى ألفا إن انفتحت الأولى ، وواوا إن انضمت ، وياء إن انكسرت ، وهذا معنى قوله «وجاء فى المتفقتين حذف إحداهما ، وقلب الثانية كالساكنة» ومن خففهما معا - وهم أهل الحجاز - جمع بين وجهى التخفيف المذكورين الآن.

وأما إن كانت الأولى ساكنة نحو اقرأ آية ، وأقرىء أباك السلام ، ولم يردؤ أبوك ؛ ففيه أيضا أربعة مذاهب : أهل الحجاز يخففونهما معا ، وغيرهم يحققون : إمّا الأولى وحدها ، أو الثانية وحدها ، وجماعة يحققونهما معا - كما ذكرنا فى المتحركتين - وهم الكوفيون ، وحكى أبو زيد عن العرب مذهبا خامسا ، وهو إدغام الأولى فى الثانية كما فى سائر الحروف ، فمن خفف الأولى وحدها قلبها ألفا إن انفتح ما قبلها ، وواوا إن انضم ، وياء إن انكسر ، ومن خفف الثانية فقط نقل حركتها إلى الأولى الساكنة وحذفها ، وأهل الحجاز المخففون لهما معا قلبوا الأولى ألفا أو ياء أو واوا ، وسهلوا الثانية بين بين إذا وليت الألف ؛ لامتناع النقل إلى الألف ، وحذفوها بعد نقل الحركة إلى ما قبلها إذا وليت الواو والياء ؛ لإمكان ذلك ؛ فيقولون : اقرا آية ؛ بالألف فى الأولى والتسهيل فى الثانية ، وأقري اباك ؛ بالياء المفتوحة بفتحة الهمزة المحذوفة ، ولم يردو أبوك ، بالواو المفتوحة ، وعليه قس نحو لم تردو امّك ، ولم تردو ابلك ، وغير ذلك ، وكذا إذا كانت الثانية وحدها ساكنة ، نحو من شاء ائتمن ، فلا بد من تحريك أولاهما فيصير من هذا القسم الأخير.

الإعلال

تعريف الإعلال وأنواعه وحروفه

قال : «الإعلال : تغيير حرف العلّة للتّخفيف ، ويجمعه القلب ، والحذف ، والإسكان. وحروفه الألف ، والواو ، والياء. ولا تكون الألف أصلا فى المتمكّن ولا فى فعل ، ولكن عن واو أو ياء»

أقول : اعلم أن لفظ الإعلال فى اصطلاحهم مختص بتغيير حرف العلة : أى

الألف والواو والياء ، بالقلب أو الحذف ، أو الإسكان. ولا يقال لتغيير الهمزة بأحد الثلاثة : إعلال ، نحو راس ومسلة والمراة ؛ بل يقال : إنه تخفيف للهمزة ، ولا يقال أيضا لإبدال غير حروف العلة والهمزة ، نحو هيّاك وعلجّ (1)

وقفت فيها أصيلالا

أسائلها

عيّت جوابا وما بالرّبع

من أحد

والتمثيل بالطجع ، وأصله اضطجع ، فأبدلت الضاد لاما ، ومنه قول الرجز :

لمّا رأى أن لا دعه ولا

شبع

مال إلى أرطاة حقف

فالطجع

فى إيّاك وعلىّ ، ولا لحذفها نحو حر فى حرح ، ولا لإسكانها نحو إبل فى إبل ، ولفظ القلب مختص فى إصطلاحهم بإبدال حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض ، والمشهور فى غير الأربعة لفظ الإبدال ، وكذا يستعمل فى الهمزة أيضا

قوله : «للتخفيف» احتراز عن تغيير حرف العلة فى الأسماء الستة نحو أبوك وأباك وأبيك ، وفى المثنى وجمع السلامة المذكر نحو مسلمان ومسلمين ، ومسلمون ومسلمين ؛ فإن ذلك للاعراب لا للتخفيف ، وقد اشتهر فى إصطلاحهم الحذف الاعلالى للحذف الذى يكون لعلة موجبة على سبيل الاطراد ، كحذف ألف عصا وياء قاض ، والحذف الترخيمىّ والحذف لا لعلة للحذف غير المطرد ، كحذف لام يدودم وإن كان أيضا حذفا للتخفيف

قوله «ويجمعه القلب ، والحذف ، والإسكان» تفسيره كما ذكرنا فى تخفيف الهمزة فى قوله «يجمعه الإبدال ، والحذف ، وبين وبين»

قوله : «وحروفه الألف ، والواو ، والياء» أى : حروف الاعلال ، تسمى


1) هذا التمثيل غير صحيح ، وذلك لأن هياك أصله إياك ، فهو من إبدال الهمزة ، وعلج أصله على ؛ فهو من إبدال الياء ، وهو أحد حروف العلة ، وبعيد أن يكون غرضه المبدل لا المبدل منه ، وخير من هذا أن يمثل بأصيلال ، وأصله أصيلان ، فأبدل النون لاما ، ومنه قول النابغة الذبيانى

الثلاثة حروف العلة ؛ لأنها تتغير ولا تبقى على حال ، كالعليل المنحرف المزاج المتغير حالا بحال ، وتغيير هذه الحروف لطلب الخفة ليس لغاية ثقلها بل لغاية خفتها ، بحيث لا تحتمل أدنى ثقل ، وأيضا لكثرتها فى الكلام ؛ لأنه إن خلت كلمة من أحدها فخلوها من أبعاضها - أعنى الحركات - محال ، وكلّ كثير مستثقل وإن خف

قوله «ولا تكون الألف أصلا فى المتمكن» : أما فى الثلاثى فلأن الابتداء بالألف محال والآخر مورد الحركات الإعرابية ، والوسط يتحرك فى التصغير ؛ فلم يمكن وضعها ألفا ، وأما فى الرباعى فالأول والثانى والرابع لما مر فى الثلاثى ، والثالث لتحركه فى التصغير ، وأما فى الخماسى فالأول والثانى والثالث لما مر فى الثلاثىّ والرباعىّ ، والخامس لأنه مورد الإعراب ، والرابع لكونه معتقب الإعراب فى التصغير والتكسير ، وأما فى الفعل الثلاثى فلتحرك ثلاثتها فى الماضى ، وأما فى الرباعى فلإتباعه الثلاثىّ

وقد ذكر بعضهم أن الألف فى نحو حاحيت وعاعيت غير منقلبة كما مر فى باب ذى الزيادة (1)

(ا) الابدال فى اللغة مصدر قولك : أبدلت الشىء من الشىء ؛ إذا أقمته مقامه ويقال فى هذا المعنى : أبدلته ، وبدل ، وتبدلته ، واستبدلته ، وتبدلت به ، واستبدلت به ، قال سيبويه : «ويقول الرجل للرجل : اذهب معك بفلان ؛ فيقول : معى رجل بدله : أى رجل يغنى غناءه ويكون فى مكانه» ا ه

والابدال فى اصطلاح علماء العربية : جعل حرف فى مكان حرف آخر ، وهو عندهم لا يختص بأحرف العلة وما يشبه أحرف العلة ، سواء أكان للادغام أم لم يكن ، وسواء أكان لازما أم غير لازم ، ولا بد فيه من أن يكون الحرف المبدل فى مكان الحرف المبدل منه

وإذا تأملت هذا علمت أنه لا فرق بين الابدال فى اللغة والابدال فى اصطلاح أهل هذه الصناعة إلا من جهة أن الاصطلاح خصه بالحروف ، وقد كان فى اللغة عاما فى الحروف وفى غيرها

(ب) وللعلماء فى تفسير القلب ثلاث طرق : الأولى - وهى التى ذكرها الرضى هنا - أنه جعل حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض ، وهو على هذا التفسير يشمل تخفيف الهمزة فى نحو بير وسوتم وراس ، ويخرج منه إبدال الواو والياء تاء فى نحو اتعد واتسر. والطريق الثانية - وهى التى سلكها ابن الحاجب - أنه جعل حرف مكان حرف العلة للتخفيف ؛ فهو عنده خاص بأن يكون المقلوب حرف علة ، وأن يكون القلب للتخفيف ، وهو من ناحية أخرى عام فى المقلوب إليه حرف العلة ؛ فيخرج عنه تخفيف الهمزة فى نحو بير وسوتم وراس وخطايا ، ويدخل فيه قلب الواو والياء تاء نحو اتعد واتسر ، وهمزة نحو أواصل وأجوه وأقتت والأول. والطريق الثالثة - وهى التى سلكها غير هذين من متأخرى الصرفيين كالزمخشرى وابن مالك - أنه جعل حروف العلة بعضها مكان بعض ؛ فيخرج عنه تخفيف الهمزة وقلب حرف العلة تاء أو همزة أو غيرهما من الحروف الصحيحة ، ويدخل هذان النوعان عند هؤلاء فى الابدال

(ح) الاعلال فى اصطلاح علماء العربية : تغيير حرف العلة بالقلب أو التسكين أو الحذف قصدا إلى التخفيف

(د) تخفيف الهمزة : تغييرها بحذفها أو قلبها إلى حرف من حروف العلة ، أو جعلها بين الهمزة وحروف العلة

(ه) التعويض فى اللغة : جعل الشىء خلفا عن غيره ، وفى الاصطلاح : جعل الحرف خلفا عن الحرف. وللعلماء فيه مذهبان : أحدهما أنه يشترط كون الحرف المعوض فى غير مكان الحرف المعوض منه ، وهذا ضعيف وإن اشتهر عند الكثيرين ،والثانى أنه يجوز فيه أن يكون الحرف المعوض فى غير مكان المعوض منه ، وهو الغالب الكثير ، نحو صفة وعدة ، ونحو ابن واسم بناء على أنه من السمو ، ويجوز أن يكون المعوض فى مكان المعوض منه ، كالتاء فى أخت وبنت بناء على رأى ، وكالألف فى اسم بناء على أنه من الوسم ، وكالياء فى فرازيق وفريزيق ؛ فانهما فى مكان لأول من فرزدق.

فاذا علمت هذا تبين لك ما يأتى :

أولا : أن بين الابدال والقلب - على الطريق الأولى - العموم والخصوص المطلق ؛ إذ يجتمعان فى إبدال حروف العلة والهمزة ، وينفرد الابدال فى ادكر أو الطجع ونحوهما مما ليس فى حروف العلة والهمزة

ثانيا : أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثانية - العموم والخصوص المطلق أيضا ؛ إذ يجتمعان فى نحو قال وباع وميزان وكساء ورداء واتصل واتسر ، وينفرد الابدال فى تظنى وتقضى وفى أصيلال ونحوها

ثالثا : أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثالثة - العموم والخصوص المطلق أيضا ؛ إذ يجتمعان فى نحو قال وباع وميزان وسيد وميت ، وينفرد الابدال فى نحو دينار وقيراط وعلج وتميمج

رابعا : أن بين الابدال والاعلال عموما وخصوصا وجهيا ، إذ يجتمعان فى نحو قال ورمى ، وينفرد الابدال فى نحو ادكر وازدحم واصطبر واضطجع ، وينفرد الاعلال فى نحو يقول ويبيع ويذكو ويسمو ويرمى ويقضى ، ويعد ويصف ، وعد وصف : أمرين من وعد ووصف

خامسا : أن بين الابدال وتخفيف الهمزة عموما وخصوصا وجهيا ؛ إذ يجتمعان فى نحو راس وبير ولوم ، وينفرد الابدال فى هراق فى أراق ، وهياك فى إياك ، وينفرد تخفيف الهمزة فى نحو مسلة فى مسألة وجيل فى جيأل ، وضو فى ضوء ، وشى فى شىء

سادسا : أن بين الابدال والتعويض على المشهور التباين ؛ إذ يشترط فى الابدال كون المبدل فى مكان المبدل منه ، ويشترط فى التعويض أن يكون العوض فى غير مكان المعوض منه. وعلى غير المشهور يكون بينهما العموم والخصوص المطلق ؛ فكل إبدال تعويض ولا عكس ؛ إذ يجتمعان فى نحو فرازيق ، وينفرد التعويض فى نحو عدة وزنة وابن

سابعا : أن بين الاعلال وتخفيف الهمزة التباين ؛ إذ الاعلال خاص بحروف العلة ، وتخفيف الهمزة خاص بالهمزة بداهة ، ومن أدخل الهمزة فى حروف العلة أو نص عليها فى تعريف الاعلال ؛ فقال : «إنه تغيير حروف العلة أو الهمزة بالقلب أو الحذف أو الاسكان» كان بين الاعلال وتخفيف الهمزة عنده العموم والخصوص الوجهى ؛ إذ يجتمعان فى نحو سال ومقرو ، ونبى على أنه من النبأ ، وينفرد الاعلال فى نحو قال وباع ويقول ويبيع وقل وبع ، وينفرد تخفيف الهمزة فى جعلها بين بين

ثامنا : أن بين الاعلال والقلب - على الطريق الأولى - العموم والخصوص الوجهى ؛ إذ يجتمعان فى نحو قال ، وينفرد الاعلال فى نحو يقول وقل ، وينفرد القلب فى نحو بير وراس ، وهذا على الرأى المشهور. أما على رأى من يجعل الهمزة من حروف العلة فيكون بين القلب والاعلال - على الطريق المذكورة - العموم والخصوص المطلق ؛ إذ ينفرد الاعلال عن القلب فى الحذف والتسكين ، ويكون بينهما - على الطريق الثانية والثالثة - العموم والخصوص المطلق ؛ إذ يجتمعان فى نحو قال ورمى وأواصل واتعد واتسر ، وينفرد الاعلال فى الحذف والاسكان

تاسعا : أن بين الاعلال والتعويض التباين

عاشرا : أن بين القلب - على الطريق الأولى - وتخفيف الهمزة العموم والخصوص الوجهى ؛ إذ يجتمعان فى نحو بير ، وينفرد تخفيف الهمزة فى نحو مسلة ، وينفرد القلب فى نحو قال. أما على الطريق الثانية والثالثة فبينهما التباين ؛ إذ شرط القلب أن يكون المقلوب حرفا من حروف العلة ، وتخفيف الهمزة خاص بها

حادى عشر : أن بين تخفيف الهمزة والتعويض التباين ، وهو واضح


1) لم يذكر المؤلف النسبة بين الابدال والقلب والاعلال وتخفيف الهمزة والتعويض ، وهذه الأشياء بين بعضها وبعض مناسبات وفروق ؛ فيجمل بالباحث معرفة ما بينها من الصلات وما بينها من الفروق ، وسنذكر لك حقيقة كل واحد من هذه الأنواع ثم نبين وجوه الاتحاد والاختلاف فنقول :

مواقع الواو والياء في الكلمات

قال : «وقد اتّفقتا فاءين كوعد ويسر ، وعينين كقول وبيع ، ولامين كغزو ورمى ، وعينا ولاما كقوّة وحيّة ، وتقدّمت كلّ واحدة على الاخرى : فاء وعينا كيوم وويل ، واختلفتا فى أنّ الواو تقدّمت عينا على الياء لاما ، بخلاف العكس ، وواو حيوان بدل من الياء ، وأنّ الياء وقعت فاء وعينا فى يين ،

وفاء ولاما فى يديت ، بخلاف الواو ، إلّا فى أوّل على الأصحّ ، وإلّا فى الواو على وجه ، وأنّ الياء وقعت فاء وعينا ولاما فى ييّبت ، بخلاف الواو إلّا فى الواو على وجه»

أقول : اعلم أن كون الفاء ياء والعين واوا لم يسمع إلا فى يوم ويوح (1)، ولم يسمع العكس إلا فى نحو ويل (2)وويح (3)وويس (4)وويب (5)، واتفقتا أيضا فى كونهما عينا ولاما كقو (6)

سمالك شوق بعد ما كان

أقصرا

وحلت سليمى بطن قوّ

فعرعرا

وبوّ (7)وحىّ وعىّ (8)، وكلاهما قليلان قلة كون العين واللام حلقيين كلحح (9)وبعّ (10)وبخ (11)، وأهمل كونهما

1) يوح ، ويوحى - كطوبى - : من أسماء الشمس ، انظر (ح 1 ص 35)

2) الويل : كلمة يراد بها الدعاء بالعذاب. انظر (ح 1 ص 35)

3) ويح : كلمة رحمة. انظر (ح 1 ص 35)

4) ويس : كلمة تستعمل فى الرحمة ، وفى استملاح الصبى. انظر (ح 1 ص 35) ، والويس أيضا : الفقر ، وما يريده الانسان ، فهو من أسماء الأضداد

5) ويب : كلمة بمعنى الويل. انظر (ح 1 ص 35). وتستعمل أيضا بمعنى العجب ؛ يقال : ويبا لهذا : أى عجبا له

6) القو : موضع بين فيد والنباج ، وهما فى طريق مكة من الكوفة ، وقيل : هو واد بين اليمامة وهجر ، وقيل : منزل ينزله الذاهب من البصرة إلى المدينة بعد أن يرحل من النباج ؛ قال الشاعر :

7) البو - بفتح الباء وتشديد الواو - : الحوار ، وهو ولد الناقة ، وقيل : البو : جلد الحوار يحشى تبنا أو ثماما أو حشيشا ثم يقرب إلى أم الفصيل لترأمه فتدر عليه ، وقيل فى المثل : «حرّك لها حوارها تحنّ»

8) العى - بكسر العين المهملة وتشديد الياء - : مصدر عيى - كرضى - وهو الحصر

9) لحح : بوزن فرح ، يقال : لححت عينه ، إذا لصقت بالرمص والقذى

10) يقال : بع السحاب ، إذا كثر نزول مطره

11) يقال : بخ الرجل ؛ إذ سكنت ثورة غضبه ، ويقال : بخ فى نومه ؛ إذا غط

همزتين ، وندركونهما هاءين ، نحو قهّ (1)وكهّ (2)فى وجهى ، وكون الواو عينا والياء لاما نحو طويت أكثر من كون العين واللام واوين كقوّة ، فالحمل على الأول عند خفاء الأصل أولى ؛ فيقال : إن ذا فى اسم الإشارة أصله ذوى لا ذوو (3)

قوله «الواو تقدمت عينا على الياء لاما» هو كثير : [نحو] طويت ونويت وغويت ، بخلاف العكس : أى لم يأت العين ياء واللام واوا ؛ لأن الوجه أن يكون الحرف الأخير أخف مما قبله ؛ لتثاقل الكلمة كلما ازدادت حروفها ، والحرف الأخير معتقب الإعراب

قوله «وواو حيوان بدل من ياء» عند سيبويه وأصحابه ، أبدلت منها لتوالى الياءين ، وأبدلت الثانية ؛ لأن استكراه التتالى إنما حصل لأجلها ، وأيضا لو أبدلت العين واوا لحمل على باب طويت الكثير ، وظن أنها أصل فى موضعها ؛ لكثرة هذا الباب ، فلما قلبت الثانية واوا صارت مستنكرة فى موضعها ، فيتنبه بذلك على كونها غير أصل ، وقال المازنى : واو حيوان أصل ، وليس فى حييت دليل على كون الثانية ياء ، لجواز أن يكون كشقيت ورضيت ؛ قلبت ياء لانكسار ما قبلها ، لكن سيبويه حكم بما حكم لعدم نظيره فى كلامهم لو جعل الواو أصلا.

قوله «وأن الياء وقعت فاء وعينا فى يين» هو واد ولا أعلم له نظيرا


1) يقال : قه الرجل ، إذا رجع فى ضحكه ، أو اشتد ضحكه ، أو قال فى ضحكه : قه

2) يقال : استنكهت السكران فكه فى وجهى ، إذا طلبت منه أن يخرج نفسه لتشم رائحته فأخرجه ، وهو مثل جلس يجلس جلوسا

3) انظر (ج 2 ص 36) ثم (ج 1 ص 285) فقد أشبعنا الكلام عليها هناك

قوله «إلا فى أوّل على الأصح» يعنى أن فاءه وعينه واوان أيضا على الأصح ؛ كما مر (1)، فالحق أن الواو والياء متفقتان ههنا فى كون كل واحدة منهما فاء وعينا ؛ كل واحدة منهما فى كلمة واحدة فقط (2)، وكون الفاء والعين من جنس واحد قليل نادر فى غير حروف العلة أيضا نحو ببر (3)لالتقاء مثلين مع تعذر إدغام أولهما فى الثانى ، وتقل الكراهة شيئا بوقوع فصل نحو كوكب ، وبحصول موجب الإدغام كما فى أوّل

قوله «وفاء ولا ما فى يديت» أى : أصبت يده ، وأنعمت

قوله «إلا فى الواو على وجه» ذهب أبو على إلى أن أصل واو ويو لكراهة بناء الكلمة عن الواوات ؛ ولم يجىء ذلك فى الحرف الصحيح إلا لفظة ببّه (4)

لأنكحنّ ببّه

جارية خديّه

مكرمة محبّه

تجبّ أهل الكعبه

، وذلك لكونها صوتا ، وذهب الأخفش إلى أن أصله ووو ، لعدم تقدم الياء عينا على الواو لاما ؛ فتقول على مذهب أبى على : ويّيت واوا ، قلبت الواو الأخيرة ياء كما فى أعليت ، وتقول فى مذهب الأخفش : أوّيت ، وقال ثعلب : ووّيت ، ورده ابن جنى ، وهو الحق ، وذلك لأن الاستثقال فى ووّيت أكثر منه فى وواصل ؛ لاجتماع ثلاث واوات

واعلم أن تماثل الفاء واللاء فى الثلاثى قليل ، وإن كانا صحيحين أيضا كقلق وسلس.

قوله «وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما فى ييّيت» مذهب أبى على أن


1) انظر (ج 2 ص 340 و 341).

2) هذه الجملة حال من الواو والياء

3) الببر : ضرب من السباع شبيه بالنمر انظر (ج 2 ص 367)

4) ببة : حكاية صوت صى ، ولقب لعبد الله بن الحارث وقالت أمه هند بنت أبى سفيان وهى ترقصه :

أصل الياء يوى ، فتقول : يوّيت ياء حسنة : أى كتبت ياء ، وعند غيره أصله ييي ، وكذا الخلاف بينهم فى جميع ما هو على حرفين من أسماء حروف المعجم ثانيه ألف ، نحو باتاثا را ، فهم يقولون : بيّيت وتيّيت وثيّيت ، إلى آخرها ، وقال أبو على : بوّيت إلى آخرها ، وعند أبى على جمعها : أبواء وأتواء ، وعند غيره : أبياء وأتياء ، وإنما حكموا بذلك لورود الإمالة فى جميعها ، وليس بشىء ؛ لأنه إنما تمال هذه الأسماء وهى غير متمكنة فألفاتها فى ذلك الوقت أصل ، كألف ماولا ، وإنما يحكم على ألفاتها بكونها منقلبة إذا زيد على آخرها ألف أخرى وصيرت همزة ؛ قياسا على نحو رداء وكساء ، وذلك عند وقوعها مركبة معربة ، فألحقوا إذن ألفاتها بألفات سائر المعربات فى كونها منقلبة ، وهى لا تمال ألفها إذن ، كما مر فى باب الإمالة (1)، فلا دلالة إذن فى إمالتها قبل التركيب على كون ألفاتها بعد التركيب فى الأصل ياء ، وإنما حكم أبو على بكونها واوا وبأن لامها ياء لكثرة باب طويت ولويت ، وكونه أغلب من باب قوّة وحييت ، وأما حيوان فواوه ياء على الأصح ، كما مر ، وما ثانيه ألف من هذه الأسماء وبعده حرف صحيح نحو دال ذال صاد ضاد كاف لام فقبل إعرابها وتركيبها لا أصل لألفاتها ؛ لكونها غير متمكنة فى الأصل ، كما مر ، وأما بعد إعرابها فجعلها فى الأصل واوا أولى من جعلها ياء ؛ لأن باب دار ونار أكثر من باب ناب وغاب ، فتقول : ضوّدت ضادا ؛ وكوّفت كافا ، ودوّلت دالا ، والجمع أضواد وأكواف وأدوال ، وأما جيم وشين وعين فعينها ياء نحو بيت وديك ؛ إذ الياء موجودة ، ولا دليل على كونها عن الواو ، ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فعلا - بضم الفاء ، وفعلا - بكسرها - خلافا للأخفش (2)


1) انظر (ص 26) من هذا الجزء

2) اعلم أن سيبويه والأخفش قد اختلفا فى الياء الساكنة المضموم ما قبلها إذا لم تكن عينا لفعلى ولا عينا لجمع : هل تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء؟ أو تقلب

قلب الواو همزة إذا كانت فاء

قال : «الفاء : تقلب الواو همزة لزوما فى نحو أواصل وأو يصل ، والأول ؛ إذا تحرّكت الثّانية ، بخلاف وورى ، وجوازا فى نحو أجوه وأورى ، وقال المازنىّ : وفى نحو إشاح ، والتزموه فى الأولى حملا على الاول ، وأما أناة وأحد وأسماء فعلى غير القياس».

أقول : اعلم أنهم استثقلوا اجتماع المثلين فى أول الكلمة ، فلذلك قل نحو ببروددن ، فالواوان إذا وقعتا فى الصدر - والواو أثقل حروف العلة - قلبت أولاهما همزة وجوبا ، إلا إذا كانت الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد ، نحو وورى فى وارى ؛ فانه لا يجب قلب الأولى همزة ؛ لعروض الثانية من جهتين : من جهة الزيادة ، ومن جهة انقلابها عن الألف ، ولكون المد مخففا لبعض الثقل ، وإن لم تكن الثانية مدة : سواء كانت منقلبة عن حرف زائد كأواصل وأو يصل ، أو غير منقلبة عنه كأوعد على جورب من وعد ، وكذا إن كانت مدة لكنها غير منقلبة عن شىء كما تقول من وعد على وزن طومار (1): أو عاد ، وجب قلب الأولى همزة ، وكذا إذا كانت الثانية منقلبة عن حرف أصلى ، كما قال الخليل فى فعل من وأيت مخففا : أوى (2)ومن ذلك مذهب الكوفية فى أولى ، فان أصله عندهم وؤلى ، ثم وولى


1) الطومار : الصحيفة. وانظر (ح 1 ص 198 ، 217)

2) أصل أوى وؤى - كقفل - ثم خفف بقلب همزته الساكنة واوا كما تخفف سؤلا : فصار وويا ؛ فاجتمع واوان فى أول الكلمة فوجب قلب أولاهما همزة.

ثم أولى ، وعليه قراءة قالون (عاد لؤلى) (1)بالهمزة عند نقل حركة همزة أولى إلى لام التعريف ، ورد المازنى على الخليل بأن الواو فى مثله عارضة غير لازمة ؛ إذ تخفيف الهمزة فى مثله غير واجب ، فقال : يجوز أوى وووى ؛ لضمة الواو ، لا لاجتماع الواوين ، كما فى وجوه وأجوه

وإن كانت الثانية أصلية غير منقلبة عن شىء وجب قلب الأولى همزة : سواء كانت الثانية مدة كما فى الأولى عند البصرية وأصله وولى ، أو غير مدة كالأول عندهم.

وقول المصنف «إذا تحركت الثانية» هذا شرط لم يشترطه الفحول من النحاة كما رأيت من قول الخليل : أوى ، فى ووى ، وقال الفارسى أيضا إذا اجتمع الواوان أبدلت الأولى منهما همزة كأويصل ، ثم قال : ومن هذا قولهم الأولى فى تأنيث الأول ، ثم قال : وإن كانت الثانية غير لازمة لم يلزم إبدال الأولى منهما همزة كما فى وورى ، وقال سيبويه : إذا بنيت من وعد مثل كوكب قلت : أوعد ، فقد رأيت كيف خالفوا قول المصنف ، وبنى المصنف على مذهبه أن قلب الأولى فى أوى (2)


1) أنظر (ح 2 ص 341)

2) أصل أوى - كفتى - : ووأى - ككوكب - من وأى يئى ، ثم خفف بالقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذف الهمزة ؛ فصار ووى - كفتى - وعند المصنف أن الواوين المجتمعتين فى أول الكلمة إن كانت الثانية متحركة بحركة أصلية وجب قلب الأولى همزة ، وإن كانت الثانية ساكنة أو متحركة بحركة عارضة جاز قلب الأولى همزة وجاز بقاؤها ؛ فيجوز عنده على هذا أن تقول : ووى ، وأن تقول : أوى ، وذلك لأن حركة الواو الثانية عارضة بسبب تخفيف الهمزة ، وخالفه فى ذلك المؤلف المحقق تبعا لمن ذكرهم من فحول النحاة ؛ فأوجب قلب أولى الواوين المصدرتين همزة : سواء أكانت الثانية ساكنة أم متحركة بحركة أصلية أو عارضة بشرط ألا تكون الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد ، كما فى وورى ؛ فيقول فى مثل كوكب من وأيت مخففا : أوى ، لا غير

• كما يجىء فى مسائل التمرين - غير واجب ، وأن واو أولى قلبت همزة وجوبا ، حملا للواحد على الجمع

هذا ، وإنما قلبت الواو المستثقلة همزة لا ياء لفرط التقارب بين الواو والياء ، والهمزة أبعد شيئا ؛ فلو قلت ياء لكان كأن اجتماع الواوين المستثقل باق.

قوله «وجوازا فى نحو أجوه وأورى» كل واو مخففة غير ما ذكرنا مضمومة ضمة لازمة : سواء كانت فى أول الكلمة كوجوه ، ووعد ، ووورى ، أو فى حشوها كأدؤر وأنؤر والنّؤور (1)فقلبها همزة جائز جوازا مطردا لا ينكسر ، وذلك لأن الضمة بعض الواو ، فكأنه اجتمع واوان ، وكان قياس الواوين المجتمعين غير أول نحو طووىّ جواز قلب الأولى همزة ، لكن لما كان ذلك الاجتماع لياء النسبة وهى عارضة كالعدم - كما تقرر فى باب النسبة - صار الاجتماع كلا اجتماع.

هذا ، وإن كان الضم على الواو للاعراب نحو هذه دلوك أو للساكنين نحو اخشوا القوم ؛ لم تقلب همزة ؛ لعروض الضمة ، وإن كانت الواو المضمومة مشددة كالتقوّل لم تقلب أيضا همزة ؛ لقوتها بالتشديد وصيرورتها كالحرف الصحيح

قوله «وقال المازنى وفى نحو إشاح» يعنى أن المازنى يرى قلب الواو المكسورة المصدرة همزة قياسا أيضا ، والأولى كونه سماعيا ، نحو إشاح (2)وإعاء وإلدة (3)وإفادة (4)فى ولدة ووفادة ، وإنما جاء القلب فى المكسورة


1) النؤور - كصبور - : دخان الشحم ، والمرأة النفور من الريبة. أنظر (ح 1 ص 207)

2) الاشاح : الوشاح ، وهو ما ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها

3) الالدة - بالكسر - : هى الولدة ، وهى جمع ولد ، وظاهر عبارة القاموس أن الالدة لا إبدال فيها ؛ لأنه ذكرها فى (أ ل د) وإن كان قد أعادها فى (ول د)

4) الافادة : الوفادة ، وهى مصدر قولهم : وفد عليه يفد وفودا ووفادة ،

أيضا لأن الكسرة فيها ثقل أيضا ، وإن كان أقل من ثقل الضمة ، فاستثقل ذلك فى أول الكلمة دون وسطها ، نحو طويل وعويل (1)؛ لأن الابتداء بالمستثقل أشنع

وأما الواو المفتوحة المصدرة فليس قلبها همزة قياسا بالاتفاق ، بل جاء ذلك فى أحرف ، نحو أناة (2)

وفى التهذيب : فيها فتور لنعمتها» ا ه بتصرف

فى وناة ، وأجم فى وجم (3)

أجم ، على البدل

، وأحد فى وحد ، وأسماء فى اسم امرأة فعلاء من الوسامة عند الأكثرين ، وليس بجمع ؛ لأن التسمية بالصفة أكثر من التسمة بالجمع ، وقال بعض النحاة : أصل أخذ وخذ ، بدلالة اتخذ كاتّصل (4)

تخذت غراز إثرهم دليلا

وفرّوا فى الحجاز

ليعجزونى


1) العويل : رفع الصوت بالبكاء ، وانظر (ج 2 ص 176)

2) قال فى اللسان : «امرأة وناة وأناة وأنية : حليمة بطيئة القيام ، الهمزة فيه بدل من الواو. وقال اللحيانى : هى التى فيها فتور عند القيام والقعود والمشى.

3) الوجوم : السكوت على غيظ ، وقد وجم يجم وجما ووجوما ، وقالوا :

4) يريد أن بعض النحاة لما رأى أن العرب تقول : اتخذ بمعنى أخذ ؛ والمقرر عندهم أن الهمزة لا تقلب تاء ، ولذلك خطأوا المحدثين فى روايتهم «أمرنى رسول الله أن أتزر» تحلل من ذلك بأن ذكر أن أخذ أصله وخذ ، فاتخذ ليس من المقلوب عن الهمزة ، ولكنه عن الواو ؛ وهو رأى غير سديد ؛ لأن اتخذ يجوز أن يكون ثلاثية المجرد تخذ بدليل قول الشاعر وهو جندب بن مرة الهذلى :

ولم يأت فى كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة كما جاء ما أوله واو مضمومة إلا يسار لغة فى يسار لليد اليسرى ، ويقاظ جمع يقظان.

وربما فروا من اجتماع الواوين فى أول الكلمة بقلب أولاهما تاء كما فى توراة وتولج (1)، وهو قليل ، كما يفر من واو واحدة فى أول الكلمة بقلبها تاء نحو تراث (2)وتقوى*

قلب كل من الواو والياء تاء إذا وقع فاء

قال : «وتقلبان تاء فى نحو اتّعد واتّسر ، بخلاف ايتزر»

أقول : اعلم أن التاء قريبة من الواو فى المخرج ، لكون التاء من أصول الثنايا ، والواو من الشفتين ، ويجمعهما (3)

ذو اللّين فاتا فى

افتعال أبدلا

وشذّ فى ذى الهمز نحو

ائتكلا

: «أى إذا كان فاء الافتعال حرف لين : يعنى واوا أو ياء ، وجب فى اللغة الفصحى إبدالها تاء فيه وفى فروعه من الفعل واسمى الفاعل والمفعول لعسر النطق

الهمس ، فتقع التاء بدلا منها كثيرا ،

1) التولج : كناس الوحش ، والمكان الذى تلج فيه ، وأصله وولج - بزنة كوثر - من الولوج

2) التراث : المال الموروث ، وانظر (ج 1 ص 207 - 216)

3) مفاد كلام المؤلف أن الواو من الحروف المهموسة ، وليس كذلك ؛ لأن حروف الهمس هى المجموعة فى قولهم : حثه شخص فسكت ، وليست الواو منها ؛ بل هى من الحروف المجهورة ، ولذلك علل غيره من النحاة بغير هذا التعليل ؛ قال ابن يعيش (ح 10 ص 37): «ولما رأوا مصيرهم إلى تغيرها (يريد الواو) بتغير أحوال ما قبلها ؛ قلبوها إلى التاء ؛ لأنها حرف جلد قوى لا يتغير بتغير أحوال ما قبله ، وهو قريب المخرج من الواو ، وفيه همس مناسب لين الواو» ا ه. وقال أبو الحسن الأشمونى فى شرحه للألفية عند قول ابن مالك

لكنه مع ذلك غير مطرد ، إلا فى باب افتعل ؛ لما يجىء ، نحو تراث وتجاه وتولج وتترى (1)من المتواترة ، والتّلج (2)والتّكأة (3)وتقوى من وقيت ، وتوراة (4)عند البصريين فوعلة من ورى الزند ، كتولج ؛ فان كتاب الله نور


1) قال فى اللسان : «وجاءوا تترى ، وتترى (الأول غير منون والثانى منون) : أى متواترين ، التاء مبدلة من الواو ؛ قال ابن سيده : وليس هذا البدل قياسا ، إنما هو فى أشياء معلومة ، ألا ترى أنك لا تقول فى وزير : تزير ، إنما تقيس على إبدال التاء من الواو فى افتعل وما تصرف منها إذا كانت فاؤه واوا ؛ فأن فاءه تقلب تاء وتدغم فى تاء افتعل التى بعدها ، وذلك نحو اتزن ، وقوله تعالى : (ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا) من تتابع الأشياء وبينها فجوات وفترات ؛ لأن بين كل رسولين فترة ، ومن العرب من ينونها فيجعل ألفها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى ، ومنهم من لا يصرف ، يجعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى ؛ قال الأزهرى : قرأ أبو عمرو وابن كثير تترى منونة ، ووقفا بالألف ، وقرأ سائر القراء تترى غير منونة» ا ه

2) التلج : فرخ العقاب ، وهو مأخوذ من الولوج ، فأصله ولج كصرد

3) التكأة - كتخمة - : العصا ، وما يتكأ عليه ، والرجل الكثير الاتكاء ، وأصله وكأة ، بدليل توكأت

4) اختلف النحويون فى التوراة ؛ فقال البصريون تاؤها بدل من الواو ، وأصلها ووراة على وزن فوعلة ، وذهبوا إلى أن اشتقاقها من ورى الزند ؛ إذا أخرج النار ، وذلك لأن كتاب الله تعالى يهتدى به ، والنار مصدر النور الذى يهتدى به ؛ ونصر هذا المذهب أبو على الفارسى ؛ لأن فوعلة فى الكلام أكثر من تفعلة مثل الحوصلة والجوهرة والدوخلة والحوقلة ، وهو مصدر قياسى لكل فعل على

وعند الكوفيين هما تفعلة وتفعل ، والأول أولى ؛ لكون فوعل أكثر من تفعل

والتاء أقل مناسبة للياء منها للواو ، فلذلك قل إبدالها منها ، وذلك فى ثنتان وكلتا على قول (1)

وإبدال التاء من الواو [فى الأول] أكثر منه فى غيره ، نحو أحت وبنت ، ولو لا أداؤها لشىء من معنى التأنيث لم تبدل من الواو فى الآخر ، فلما كثر إبدال التاء من الواو فى الأول واجتمع معه فى نحو أوتعد واوتصل داع إلى قلبها مطلقا ، صار قلبها تاء لازما مطردا ، وذلك الداعى إلى مطلق القلب حصول التخالف فى تصاريفه بالواو والياء لو لم يقلب ، إذ كنت تقول : ايتصل ، وفيما لم يسم فاعله اوتصل ، وفى المضارع واسم الفاعل والمفعول يوتصل موتصل موتصل ، وفى الأمر ايتصل ، فلما حصل هذا الداعى إلى مطلق قلبها إلى حرف جلد لا يتغير فى الأحوال - وللواو


1) انظر فى الكلام على هاتين الكلمتين (ج 1 ص 221)

بانقلابها تاء عهد قديم - كان انقلابها تاء ههنا أولى ، ولا سيما [و] بعدها تاء الافتعال ، وبانقلابها إليها يحصل التخفيف بالإدغام فيها ، والياء وإن كانت أبعد عن التاء [من الواو] وإبدالها منها أقل ، كما ذكرنا ، لكن شاركت الواو ههنا فى لزوم التخالف لو لم تقلب ، إذ كنت تقول ايتسر ، وفى المبنى للمفعول اوتسر ، وفى المضارع ييتسر ، وفيما لم يسم فاعله يوتسر ، وفى الفاعل والمفعول موتسر وموتسر ، فأتبعت الياء الواو فى وجوب القلب والإدغام فقيل : اتّسر ،

وأما افتعل من المهموز الفاء - نحو ائتزر وائتمن - فلا تقلب ياؤه تاء ؛ لأنه وإن وجب قلب همزته مع همزة الوصل المكسورة ياء ، وحكم حروف العلة المنقلبة عن الهمزة انقلابا واجبا حكم حروف العلة ، لا حكم الهمزة ، كما تبين فى موضعه ، لكن لما كانت همزة الوصل لا تلزم ؛ إذ كنت تقول نحو «قال ائتزر» فترجع الهمزة إلى أصلها ؛ روعى أصل الهمزة ، وبعض البغاددة جوّز قلب يائها تاء فقال : اتّزر واتّسر ، وقرىء شاذا (الّذى اتّمن أمانته)

وبعض أهل الحجاز لا يلتفت إلى تخالف أبنية الفعل ياء وواوا ، فيقول : ايتعد وايتسر ، ويقول فى المضارع : ياتعد وياتسر ، ولا يقول يوتعد وييتسر ، استثقالا للواو والياء بين الياء المفتوحة والفتحة ، كما فى ياجل وياءس ، واسم الفاعل موتعد وموتسر ، والأمر ايتعد وايتسر ، هذا عندهم قياس مطرد

قلب الواو ياء والياء واوا

قال : «وتقلب الواو ياء إذا انكسر ما قبلها ، والياء واوا إذا انضمّ ما قبلها ، نحو ميزان وميقات ، وموقظ وموسر»

أقول : اعلم أن الواو إذا كانت ساكنة غير مدغمة وقبلها كسرة ، فلا بد من قلبها ياء ، سواء كانت فاء كميقات ، أو عينا نحو قيل (1)؛ وأما إذا كانت


1) لا خلاف بين العلماء فى أن أصل قيل قول - بضم القاف وكسر الواو ، وقد اختلفوا فى الطريق التى وصلت بها هذه الكلمة إلى ذلك ، واستمع للمؤلف

لاما فتقلب ياء وإن تحركت كالداعى ؛ لأن اللام محل التغيير ، وإن كانت فاء متحركة مكسورا ما قبلها لم تقلب ياء ، نحو إوزّة ، وأصله إوززة ، وكذا العين نحو عوض ، إلا أن تكون عين مصدر معلّ فعله ، نحو قام قياما ، أو عين جمع معل واحده كديم (1)، كما يجىء بعد ، وإنما لم تقلب المتحركة التى ليست لاما ياء لكسرة ما قبلها لقوتها بالحركة ، فلا تجذبها حركة ما قبلها إلى


1) الديم : جمع ديمة - ككسرة وكسر - وهى المطر الدائم فى سكون ليس فيه رعد ولا برق. انظر (ح 2 ص 104)

ناحيتها ، مع كونها فى غير موضع التغيير ، وكذا إذا كانت مدغمة ، نحو اجلوّاذ (1)، لأنها إذن قوية فصارت كالحرف الصحيح ، وقد تقلب المدغمة ياء ، نحو اجليواذ ، وديوان ، كما تقلب الحروف الصحيحة المدغمة ياء ، نحو دينار

قوله «والياء واوا إذا انضم ما قبلها» إذا انضم ما قبل الياء فان كانت ساكنة متوسطة فلا يخلو : إما أن تكون قريبة من الطرف ، أو بعيدة منه.

فان كانت بعيدة منه بأن يكون بعدها حرفان قلبت الياء واوا ، سواء كانت زائدة كما فى بوطر (2)أو أصلية كما فى كولل ، على وزن سودد من الكيل ، وكذا فعلل يفعلل منه ، نحو كولل يكيلل ، وسواء كانت الياء فاء كموقن وأوقن ، أو عينا نحو كولل ، إلا فى فعلى صفة نحو كيصى (3)وضيزى (4)وفى فعلان جمعا نحو بيضان ، كما يجىء حكمهما ، ولا تقلب الضمة لأجل الياء كسرة ، وذلك لأن الياء بعيدة من الطرف ؛ فلا يطلب التخفيف بتبقيتها بحالها ، بل تقلب واوا إبقاء على الضمة ؛ إذ الحركات إذا غيرت تغير الوزن ، وبإبدال


1) الاجلواذ : مصدر اجلوذ الليل ؛ إذا ذهب ، واجلوذ بهم السير ؛ إذا دام مع السرعة فيه. انظر (ح 1 ص 55 و 118)

2) بوطر : مبنى للمجهول ، ومعلومه بيطرت الدابة ، والياء فيه زائدة للألحاق بدحرج ، والبيطرة : معالجة الدواب ، وانظر (ح 1 ص 3)

3) يقال : رجل كيصى ؛ إذا كان ينزل وحده ويأكل وحده ، وأصله كيصى - بالضم - قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء ، وإنما قلنا : أصله الضم ؛ لأن فعلى - بالكسر - لا يكون وصفا ، وفعلى - بالضم - كثير فى الصفات

4) يقال : ضاز فى الحكم ؛ إذا جار ، وضازه حقه يضيزه ضيزا ؛ إذا نقصه وبخسه ، وقسمة ضيزى : أى جائرة ، وأصلها ضيزى - بالضم - أبدلت الضمة كسرة لما قلنا فى كيصى

الحرف لا يتغير ، والإبقاء على الوزن أولى إذا لم يعارض ذلك موجب لابقاء الياء على حالها مثل قربها من الطرف الذى هو محل التخفيف ، كما فى بيض ، وإذا كانت الضمة التى قبلها من كلمة والياء الساكنة من كلمة أخرى ، نحو يا زيد اوأس ، قال سيبويه : يقول بعض العرب : يا زيد ايأس ، بالياء ، تشبيها بقيل مشمّا ، واستضعفه سيبويه ، وقال : يلزم أن يقال : يا غلام اوجل ، بالواو ، مع كسرة ما قبلها ، ولهم أن يفرقوا باستثقال الواو فى أول الكلمة مع كسرة ما قبلها ، بخلاف الياء المضموم ما قبلها ، إذ ثبت له نظير نحو قيل ؛

وإن كانت قريبة من الطرف بأن يكون بعدها حرف ؛ فإن كان جمع أفعل كبيض وجب قلب الضمة كسرة إجماعا ؛ لاستثقالهم الجمع مع قرب الواو من الطرف الذى هو محل التخفيف ، وحمل فعلان عليه ؛ لكونه بمعناه ، مع أن فعلا أكثر كبيض وبيضان ، وجعل ياء فعلى صفة كحيكى (1)وضيزى كالقريبة من الطرف ؛ لخفة الألف مع قصد الفرق بين فعلى اسما وبينها صفة ، والصفة أثقل والتخفيف بها أولى ، فقيل طوبى فى الاسم وضيزى فى الصفة ، وأما بيع فأصله بيع ، حذفت كسرته ثم قلبت الضمة كسرة ، وبعضهم يقول بوع بتغيير الحرف دون الحركة حملا على قول ، وإن لم تكن القريبة من الطرف شيئا من هذه الأشياء كفعل من البيع وتفعل منه فقد يجىء الخلاف فيها ، وإن كانت الياء المضموم ما قبلها لاما فإنه يكسر الضم نحو الترامى ، وإن كانت متحركة أيضا ، ولا تقلب واوا ؛ لأن آخر الكلمة ينبغى أن يكون خفيفا ، حتى لو كان واوا قبلها ضمة قلبت ياء والضمة كسرة كالتّغازى


1) يقال : امرأة حيكى ؛ إذا كان فى مشيها تبختر واختيال ، قال سيبويه : «أصلها حيكى فكرهت الياء بعد الضمة ، وكسرت الحاء لتسلم الياء ، والدليل على أنها فعلى أن فعلى (بكسر الفاء) لا تكون صفة البتة» اه

وإن كانت الياء المضموم ما قبلها خفيفة متحركة ؛ فإن كانت فاء أو عينا سلمت : سواء كانت مفتوحة كميسّر وهيام (1)وعيبة (2)أو مضمومة نحو تيسّر وعين فى جمع عيان (3)وبيض فى جمع بيوض (4)كما ذكرنا فى باب الجمع ، وإن كانت لاما كسرت الضمة كما ذكرنا ؛ لأن الآخر محل التخفيف

وإن كانت الياء المضموم ما قبلها مشددة سلمت نحو سيّل (5)وميّل (6)وإن كانت أخيرا : فإن كانت الكلمة على فعل كلىّ فى جمع ألوى (7)

ألا ربّ خصم فيك ألوى

رددته

نصيح على تعذاله غير

مؤتل

جاز إبقاء الضمة وجعلها كسرة ، وإن لم يكن كذلك وجب قلب الضمة كسرة ؛ لثقل الكلمة مع قرب الضمة من الآخر نحو سلىّ

حذف كل من الواو والياء إذا وقع فاء

قال : «وتحذف الواو من [نحو] يعد ويلد ؛ لوقوعها بين ياء وكسرة أصليّة ، ومن ثمّ لم يبن مثل وددت - بالفتح - لما يلزم من إعلالين فى يدّ ، وحمل أخواته نحو تعد ونعد وأعد وصيغة أمره عليه ، ولذلك حملت فتحة يسع ويضع على العروض ، ويوجل على الأصل ، وشبّهتا


1) الهيام - كغراب - : أن يصير العاشق هائما متحيرا كالمجنون

2) يقال : رجل عيبة - كهمزة - إذا كان كثير العيب للناس

3) العيان - ككتاب - : حديدة تكون فى متاع الفدان وجمعها عين - ككتب - وقد تسكن العين تخفيفا ، كما قالوا فى رسل : رسل ، انظر (ح 2 ص 127)

4) تقول : دجاجة بيوض وبباضة ، إذا كانت كثيرة البيض ، ودجاجات بيض - بضمتين - انظر (ح 2 ص 128)

5) سيل : جمع سائل اسم فاعل من سال الماء يسيل

6) ميل : جمع مائل اسم فاعل من مال يميل إذا عدل عن الشىء وانحرف

7) يقال : قرن ألوى ؛ إذا كان ملتويا معوجا ، والألوى أيضا : الشديد من الرجال وغيرهم ؛ قال امرؤ القيس :

بالتّجارى والتّحارب ، بخلاف الياء فى نحو ييسر وييئس ، وقد جاء يئس ، وجاء ياءس كما جاء ياتعد ، وعليه جاء موتعد وموتسر فى لغة الشّافعىّ ، وشذّ فى مضارع وجل ييجل وياجل وييجل ، وتحذف الواو من نحو العدة والمقة ، ونحو وجهة قليل»

أقول : اعلم أن الفعل فرع على الاسم فى اللفظ كما فى المعنى ؛ لأنه يحصل بسبب تغيير حركات حروف المصدر ؛ فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من الصورة والمادة ، وكذا اسم الفاعل والمفعول والموضع والآلة ، وجميع ما هو مشتق من المصدر ، وعادتهم جارية بتخفيف الفروع كما ظهر لك فيما لا ينصرف ؛ لأنها لاحتياجها إلى الأصول فيها ثقل معنوى ؛ فخففوا ألفاظها تنبيها عليه ، وفى الفعل ثقل من وجه آخر وهو أن ثلاثيه - وهو أكثره - لا يجىء ساكن العين ، وأنه يجر عيالا كالفاعل ضرورة ، والمفعول والحال والتمييز كثيرا ، وأيضا يتصل بآخر الفعل كثيرا ما يكون الفعل معه كالكلمة الواحدة - أعنى الضمائر المتصلة المرفوعة - والمضارع فرع الماضى بزيادة حرف المضارعة عليه ؛ فلذا يتبع الماضى فى الإعلال كما سنبين ، والأمر فرع المضارع ؛ لأنه أخذ منه على ما تقدم ؛ فعلى هذا صار الفعل أصلا فى باب الإعلال ؛ لكونه فرعا ولثقله ، ثم تبعه المصدر الذى هو أصله فى الاشتقاق كالعدة والإقامة والاستقامة والقيام ، وسائر الأسماء المتصلة بالفعل كاسم الفاعل والمفعول والموضع كقائم ومقيم ومقام على ما سيتبين بعد ، وخفف المضارع لأدنى ثقل فيه ، وذلك كوقوع الواو فيه بين ياء مفتوحة وكسرة : ظاهرة كما فى يعد ، أو مقدرة كما فى يضع ويسع ؛ فحذف الواو لمجامعتها للياء على وجه لم يمكن معه إدغام إحداهما فى الأخرى كما أمكن فى طىّ ، ولا سيما مع كون الكسرة بعد الواو ، والكسرة بعض الياء ، ومع كون حركة ما قبل الواو غير موافقة له كما وافقت فى يوعد مضارع أوعد ، وإنما حذفت الواو دون الياء لكونها أثقلهما ، مع أن الياء علامة المضارعة ، وأن

الثقل حصل من الواو ؛ لكونها الثانية ، ثم تحذف الواو مع سائر حروف المضارعة من تعد وأعد ونعد ؛ طردا للباب ، والأمر مأخوذ من المضارع المحذوف الواو نحو تعد ؛ ولو أخذناه أيضا من توعد الذى هو الأصل لحذفناها أيضا ؛ لكونه فرعه.

وأما المصدر فلما كان أصل الفعل فى الاشتقاق لم يجب إعلاله باعلال الفعل ، إلا إذا كان جزء مقتضى الإعلال فيه ثابتا كالكسرة فى قيام ، أو كان مناسبا للفعل فى الزيادة المصدرة كإقامة واستقامة ، فلهذا جاز حذف الواو من مصدر يعد وإثباتها نحو عدة ووعد ؛ إذ ليس فيه شىء من علة الحذف ولا المناسبة المذكورة ، وإذا حذفت منه شيئا بالإعلال لم تذهل عن المحذوف رأسا ؛ بل تعوض منه هاء التأنيث فى الآخر كما فى عدة واستقامة ، وذلك لأن الإعلال فيه ليس على الأصل ؛ إذ هو إتباع الأصل للفرع ، وإنما كسر العين فى عدة وأصله وعد لأن الساكن إذا حرك فالأصل الكسر ، وأيضا ليكون كعين الفعل الذى أجرى هو مجراه (1)؛ فلهذا لم يجتلب همزة الوصل بعد حذف الفاء ، وإذا فتحت العين فى المضارع لحرف الحلق جاز أن يفتح فى المصدر أيضا ، نحو يسع سعة ، وجاز فى بعضها أن لا يفتح نحو يهب هبة ، وقولهم فى الصّلة صلة بالضم شاذ ، وقد يجرى مصدر فعل يفعل - بضم عينهما - إذا كان اللام حلقيا مجرى مصدر يسع ، نحو ودع (2)


1) هذا الذى ذهب إليه المؤلف غير ما ذهب إليه أكثر النحويين ، فانهم ذكروا أن أصل عدة وعد - بكسر الواو - فحذفت الواو ونقلت كسرتها إلى الساكن بعدها ، وعوضت منها التاء ، يدل على هذا أنهم قالوا : وتره وترا ووترة - بكسر الواو - حكاه أبو على فى أماليه. قال الجرمى : ومن العرب من يخرجه على الأصل فيقول : وعدة ووثبة أى بالكسر

2) يقال : ودع الرجل ، إذا سكن واستقر ولان خلفه ، فهو وادع ووديع

يودع دعة ، ووطؤ (1)يوطؤ طئة وطأة ، وذلك للتنبيه على أن حق واو مضارعه أن تكون محذوفة ؛ لاستثقال وقوعها بين ياء مفتوحة وضمة ، ولكنها لم تحذف تطبيقا للفظ بالمعنى ؛ إذ معنى فعل للطبائع اللازمة المستمرة على حال ، وكذا كان حق عين مضارعه أن تكون مفتوحة ؛ لكون اللام حلقية ، وقولهم لدة أصله المصدر (2)

لم تلتفت للداتها

ومضت على غلوائها

ومن العلماء من نظر إلى عارض الاستعمال فى لدة فحكم بأن حذف الواو منها شاذ ؛ لأنها ليست مصدرا

، جعل اسما للمولود : كقولهم ضرب الأمير : أى مضروبه ، وأما الجهة (3)والرّقة (4)فشاذان ؛ لأنهما ليسا بمصدرين ؛ فليس تاؤهما بدلا من الواو ، وإنما لم يحذف الواو فى نحو يوعيد على مثال (5)يقطين من الوعد لضعف

1) وطؤ - بالضم - : سهل ولان ، فهو وطىء

2) يقال : فلان لدة فلان ، إذا كان مثله فى السن ، قال الشاعر :

3) اعلم أنهم قد قالوا : جهة - بالحذف - وقالوا أيضا : وجهة - بالاثبات - وعلى الثانى جاء قوله تعالى (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها) ومن العلماء من ذهب إلى أن المحذوف واوه مصدر والثابت واوه اسم للمكان الذى يتوجه إليه ، وعلى هذا فلا شذوذ فى واحد منهما ، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا مصدران ، وعليه فالمحذوف واوه قياس والثابت واوه شاذ ، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا اسمان للمكان الذى تتجه إليه ، وعلى ذلك يكون المحذوف الواو شاذا والثابت الواو قياسا ، ومنهم من ذهب إلى أن الجهة اسم للمكان الذى تتجه إليه والوجهة مصدر ، فهما شاذان ، والذى هو شذوذ وجهة على هذا أنه مصدر غير جار على فعله ، إذ المسموع توجه - كتقدس ، واتجه. - كاتصل ، ولم يسمع وجه يجه - كوعد يعد - فلما لم يوجد مضارع محذوف الفاء سهل عليهم إثباتها فى المصدر

4) الرقة : اسم للفضة ، ويقال : اسم للنقد : ذهبا كان أو فضة ، وجمعه رقون

5) اليقطين : كل نبات انبسط على وجه الأرض نحو الدباء والقرع والبطيخ والحنظل ، ويخصه بعضهم بالقرع فى قوله تعالى (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ)

علة الحذف ، وحذفها فى الفعل نحو يعد إنما كان لكونه الأصل فى باب الإعلال كما مر ، وحذف فى يذر حملا على يدع ؛ لكونه بمعناه ، ويدع مثل يسع لكنه أميت (1)ماضيه ، ويجد بالضم عند بنى عامر (2)شاذ ، وحذف الواو منه : إما لأن أصله يجد - بالكسر - أو لاستثقال الواو بين الياء المفتوحة والضمة فى غير باب فعل يفعل - بضم العين فيهما - وإنما حذفت من يضع مضارع وضع - بفتح العين - لكونه مكسور العين فى الأصل ؛ إذ جميع باب فعل يفعل بفتح العين فيهما : إما فعل يفعل - بضم عين المضارع - أو فعل يفعل - بكسر عينه - كما ذكرنا فى أول الكتاب ، ومضارع فعل من المثال الواوى لا يجىء مضموم العين كما مر هناك ؛ فتبين أنه كان يفعل بالكسر ، وأما وسع يسع ووطىء يطأ فقد تبين لنا بحذف الواو أن عينهما كان مكسورا ففتح ؛ لحرف الحلق كما مر ، ولا ثالث لهذين اللفظين ؛ ففتح نحو يوجل أصل ، بدليل بقاء الواو ، وإذا وقع الياء فى المضارع بين ياء مفتوحة وكسرة لم تحذف كالواو ؛ لأن اجتماع الياء بن ليس فى الثقل كاجتماع الواو والياء ، وحكى سيبويه حذف الياء فى لفظين يسر البعير يسره (3)- من اليسر - ويئس يئس ، وهما شاذان ، وبعضهم يقلب الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا ؛ لأن فيه ثقلا ، لكن ليس بحيث يحذف الواو له ، فيقول


1) قد أثبتنا ورود الماضى تبعا للمؤلف فارجع إلى ذلك (ح 1 ص 130)

2) قد بينا القول فى ذلك بيانا شافيا ، وذكرنا خلاف العلماء فى هذا الكلام أهو خاص بيجد أم أن بنى عامر يضمون العين فى كل مثال واوى فارجع إلى ذلك التفصيل فى (ح 1 ص 133)

3) قد بحثنا طويلا عن استعمال هذا الفعل محذوف الفاء فى المضارع متعديا فلم نعثر على نص يفيد ذلك ، وكل ما عثرنا عليه هو قولهم : يسر الرجل يسر - كوعد يعد - فهو ياسر ؛ إذا لعب الميسر

فى يوجل : ياجل ، وبعضهم يقلبها ياء ؛ لأن الياء أخف من الواو ، وبعضهم يستشنع قلب الواو ياء لا لعلة ظاهرة ؛ فيكسر ياء المضارع ليكون انقلاب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة ، وليس الكسر فيه كالكسر فى نعلم وتعلم ، لأن من كسر ذلك لا يكسر الياء ؛ فلا يقول : يعلم

وظاهر كلام السيرافى وأبى علىّ يدل على أن قلب واو نحو يوجل ألفا أو ياء قياس ، وإن قل ؛ قال السيرافى : يقلبون الواو ألفا فى نحو يوجل ويوحل وما أشبه ذلك ، فيقولون : ياجل وياحل ، وقال أبو على : أما فعل يفعل نحو وجل يوجل ووحل يوحل ففيه أربع لغات ، وهذا خلاف ظاهر قول المصنف - أعنى قوله «وشذ فى مضارع وجل كذا وكذا» - فإنه مفيد خصوصية الوجوه المذكورة بهذا اللفظ.

وبعضهم يقلب الياء الواقعة فى المضارع بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا نحو يابس وياءس ، حملا للياء على الواو ، كما حملت فى اتّسر من اليسر ، على ما مر ، ولا يكون ذلك إلا فى المفتوح العين ، كما أن نحو ياحل وياجل كان فيه ، قال سيبويه : وليس ذلك بمطرد ، ولا يكسر الياء ههنا كما كسرت فى ييجل ؛ لأن ذلك فى الواو لقصد عروض علة قلب الواو ياء ، كما مر

قوله «وكسرة أصلية» ليشمل نحو يعد ويقع ؛ فان أصله يوقع ، قال الكوفيون : إنما حذف الواو فى يعد فرقا بين المتعدى واللازم ، وذلك لأنك تقول فى اللازم : يوجل ويوحل ، من غير حذف ، وليس ما قالوا بشىء ؛ إذ لو كان كذلك لم يحذف من وحد يحد (1)ووجد : أى حزن - يجد ، وونم (2)

لقد ونم الذّباب عليه

حتّى

كأنّ ونيمه نقط المداد

الذباب ينم ، ووكف البيت يكف.

1) تقول : وحدت الشىء وحدا ، وأوحدته ؛ إذا أفردته ، وتقول : وحد الشىء يحد حدة ، إذا بان من غيره ، فهو متعد ولازم

2) تقول : ونم الذباب ينم ونيما ، إذ اخرىء ، فونيم الذباب خرؤه. قال الفرزدق :

قوله «ومن ثم لم يبن مثل وددت» يعنى ومن جهة وجوب حذف الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الأصلية لم يبن فعل - بفتح العين - من المضاعف المعتل فاؤه بالواو ؛ إذ كان يلزم إذن أن يكون مضارعه مكسور العين كما ذكرنا فى أول الكتاب ، من أن مضارع فعل مفتوح العين إذا كان مثالا واو يا يفعل بالكسر لا غير ؛ فكان يجب إذن حذف الواو والإدغام ؛ فكان يجتمع إعلالان فى كلمة واحدة.

وقولهم لا يجمع بين إعلالين فى كلمة واحدة فيه نظر ؛ لأنهم يجمعون بين أكثر من إعلالين فى كلمة ، وذلك نحو قولهم من أويت مثل اجرد (1): إىّ (2)، وذلك ثلاث إعلالات ، كما يتبين فى مسائل التمرين ، وكذا فى قولهم إيّاة (3)- مثل إوزّة - من أويت ، وفى قولهم : إيئاة (4)- مثل إوزّة - من وأيت جمع بين إعلالين ، وكذا قولهم : حيىّ على (5)فيعل من حويت ، وغير ذلك مما يكثر


1) الاجرد نبت يدل على الكمأة ، انظر (ح 1 ص 59)

2) أصل «إى» إئوى ، قلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها إثر همزة مكسورة كما فى إيمان ، فصار «إيوى» فهذا إعلال ، ثم قلبت الواو ياء ، لاجتماعها مع الياء وسبق أولاهما بالسكون ، ثم أدغمت الياء فى الياء فصار «إيى» وهذا إعلال ثان ، فلما اجتمع ثلاث ياءات فاما أن تحذف الثالثة نسيا كما قالوا فى تصغير على ونحوه ، وإما أن تعلها إعلال قاض ، وهذا إعلال ثالث ؛ فان جعلت الادغام إعلالا مستقلا كان فى الكلمة أربع إعلالات

3) أصل «إياه» إئوية ، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وقلبت الهمزة ياء لسكونها بعد همزة مكسورة ، فصار «إيواة» ثم قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ، وأدغمت الياء فى الياء فصار إياة

4) أصل «إيئاة» إو أية ، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وقلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة فصار «إيئاة»

5) أصل «حي» حيوى - كدحرج - قلبت الياء الفا لتحركها وانفتاح

تعداده ، ولعلهم قالوا ذلك فى الثلاثى من الاسم والفعل ؛ لأنه لخفته لا يحتمل إعلالا كثيرا ، على أنهم أعلوا نحو ماء (1)وشاء باعلالين ، لكنه قليل ،

واضطرب فى هذا المقام كلامهم ، فقال السيرافى : الإعلال الذى منعنا من جمعه فى العين واللام هو أن يسكن العين واللام جميعا من جهة الإعلال ، وقال أبو على : المكروه منه أن يكون الإعلالان على التوالى ، أما إذا لم يكن كذلك كما تقول فى أيمن الله : من الله ، بحذف الفاء ، ثم تقول بعد استعمالك من الله كثيرا : م الله ، فليس ذلك بمكروه.

ومثل ما منع المصنف من الاعلالين فى يدّ لا يتجنبون منه ، ألا ترى أنك تقول فى أفعل منك من الأمّ : هو أوم أو أيمّ ، على المذهبين (2)تقلب الفاء وتدغم العين وهما إعلالان ، وكذا فى أيمة قلبوا وأدغموا ، وأما نحو قه وشه فليس فيهما إلا إعلال واحد ؛ لأنه مأخوذ من تقى وتشى ؛ فحذفت اللام للوقف

قوله «ولذلك حمل» يعنى لأن الواو تحذف بين الياء والكسرة

قوله «بخلاف الياء نحو ييسر» أى : بخلاف الياء الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الأصلية أو الفتحة

قوله «وقد جاء يئس» أى : بحذف الياء بين الياء المفتوحة والكسرة


1) انظر (ح 1 ص 213) و (ح 2 ص 56 وما بعدها)

2) أصل «أومّ» أو «أيمّ» أأمم - كأحمد - نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبلهما ، ثم أدغم المثلان فصار أأم ، فاجتمع همزتان متحركتان ثانيتهما مفتوحة ؛ فسيبويه والجمهور يقلبون الثانية واوا اعتبارا بنحو أو ادم ، والمازنى يقلب الثانية ياء نظرا إلى أن الياء أخف من الواو ، وليس له مستند من مستعمل كلام العرب ، وهذان هما المذهبان اللذان يعنيهما المؤلف

قلب الواو والياء ألفا إذا وقعتا عينين

قال : «العين ، تقلبان ألفا إذا تحرّكتا مفتوحا ما قبلهما أو فى حكمه ، فى اسم ثلاثىّ ، أو فعل ثلاثيّ ، أو محمول عليه ، أو اسم محمول عليهما ، نحو باب وناب وقام وباع وأقام وأباع واستعام ، واستبان ، واستكان منه ، خلافا للأكثر ؛ لبعد الزّيادة ولقولهم استكانة ، ونحو الإقامة والاستقامة ، ومقام ومقام ، بخلاف قول وبيع ، وطائىّ وياجل شاذّ ، وبخلاف قاول وبايع وقوّم وبيّع وتقوّم وتبيّع وتقاول وتبايع ، ونحو القود والصّيد وأخيلت وأغيلت وأغيمت شاذّ»

أقول : اعلم أن علة قلب الواو والياء المتحركتين المفتوح ما قبلهما ألفا ليست فى غاية المتانة ؛ لأنهما قلبتا ألفا للاستثقال ، على ما يجىء ، والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خفّ ثقلهما ، وإن كانتا أيضا متحركتين ، والفتحة لا تقتضى مجىء الألف بعدها اقتضاء الضمة للواو والكسرة للياء ؛ ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع ، وعدم نحو قيل وبيع ، بضم الفاء ، وقول وبوع بكسرها ، لكنهما قلبتا ألفا - مع هذا - لأنهما وإن كانت أخف من سائر الحروف الصحيحة لكنّ كثرة دوران حروف العلة ، وهما أثقلها ، جوزت قلبهما إلى ما هو أخف منهما من حروف العلة : أى الألف ، ولا سيما مع تثاقلهما بالحركة وتهيؤ سبب تخفيفهما بقلبهما ألفا ، وذلك بانفتاح ما قبلهما ؛ لكون الفتحة مناسبة للألف ، ولوهن هذه العلة لم تقلبا ألفا إلا إذا كانا فى الطرف : أى لامين ، أو قريبين منه : أى عينين ، ولم يقلبا فاءين نحو أودّ وأيلّ ، وإن كانت الحركة لازمة بعد العروض ؛ لأن التخفيف بالآخر أولى ، ولوهنها تقف عن التأثير لأدنى عارض ، كما يكون هناك حرف آخر هو أولى بالقلب ، لكن لم يقلب لاختلال بعض شروط إعلاله ، فلا يقلب إذن الحرف الذى ثبت علة قلبه لعدم قلب ما هو أولى منه بالقلب لو لا اختلال شرطه ، وذلك نحو طوى

وحيى ، كان اللام أولى بالقلب لو انفتح ما قبلها كما فى روى ونوى ، فلما انكسر ما قبلها لم تعل ، فلم تقلب العين ألفا أيضا ، وإن اجتمع شرائط قلبها.

فاذا تقرر ضعف هذه العلة قلنا : الأصل فى تأثير هذه العلة أن يكون فى الفعل ؛ لما ذكرنا من ثقله ، فتليق به الخفة أكثر ، أو يكون فى آخر الكلمة : إما لفظا كربا ، أو تقديرا كغزاة ، وذلك بأن يكون بعد الأخير حرف أصله عدم اللزوم : اسما كانت الكلمة ، أولا ؛ لأن الكلمة تتثاقل إذا انتهت إلى الأخير ، فتليق به الخفة ، وإن كانت علتها ضعيفة.

فنقول : الفعل فى هذا الإعلال على ضربين : أصل ، ومحمول عليه ؛ والأصل ما يتحرك واوه أو ياؤه وينفتح ما قبلهما ، نحو قول وبيع وغزو ورمى والمحمول عليه ما ينفتح الواو والياء فيه بعد حرف كان مفتوحا فى الماضى الثلاثى ، وذلك : إما فى المضارع المبنى للفاعل كيخاف ويهاب ، أو المبنى للمفعول كيخاف ويهاب ويقال ويباع ، أو الماضى مما بنى من ذى الزيادة : أفعل نحو أقام وأبان ، واستفعل نحو استقام واستبان ، أو ما بنى للمفعول من مضارعهما ، نحو يقام ويستبان ، وشذ أعول (1)وأغيلت المرأة واستحوذ (2)وأجود (3)


1) يقال : أعول الرجل والمرأة وأعيلا ؛ إذا كثرت عيالها ، ويقال : أعول أيضا ؛ إذا رفع صوته بالبكاء.

2) استحوذ : غلب واستولى ؛ قال تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ.) ويقال : استحاذ أيضا على ما يقتضيه القياس. كما ورد فى اللسان وقد ذكر عن ابن جنى مثل ما ذكره المؤلف عن سيبويه ، وهو من الحوذ ، وهو السوق فى الأصل.

3) يقال : أجود الفرس فى العدو ، بمعنى أجاد فيه ، ويقال : أجود الشىء ؛ وأجاده إذا جعله جيدا ، ويقال : أجاد الرجل وأجود ؛ إذا صار ذا جواد.

وأطول (1)

صددت فأطولت الصّدود

وقلّما

وصال على طول الصدود

يدوم

واستروح : أى شم الريح ، وأطيب (2)وأخيلت السماء وأغيمت (3)؛ وأبو زيد جوّز تصحيح باب الإفعال والاستفعال مطلقا قياسا ، إذا لم يكن لهما فعل ثلاثى ، قال سيبويه : سمعنا جميع الشواذ المذكورة معلّة أيضا على القياس ، إلا استحوذ واستروح الريح وأغيلت ، قال : ولا منع من من إعلالها ، وإن لم يسمع ، لأن الإعلال هو الكثير المطرد ، وإنما لم تعل هذه الأفعال دلالة على أن الإعلال فى مثلها غير أصل ، بل هو للحمل على ما أعل ، وإنما لم يحمل باب فعل التعجب على الثلاثى ، نحو ما أقومه وما أبيعه ؛ لكونه بعدم التصرف لاحقا بأفعل الاسمى كأبيض وأسود ، أو لجريه مجرى أفعل التفضيل لمشابهته له معنى ، وإنما لم يحمل باب قاول وتقاول وبايع وتبايع وقوّم وتقوّم وبيّن وتبيّن على الثلاثى كما حمل أقوم وأبين واستقوم واستبين عليه لأنا شرطنا كون الساكن الذى قبل الواو والياء المتحركتين منفتحا فى الماضى الثلاثى

فان قلت : أليس قد أعللت اسم الفاعل فى قائل وبائع بقلب الواو والياء ألفا ، مع أن ما قبل الواو والياء ألف ، ومع أنه فى الاسم الذى إعلاله على خلاف الأصل ، والأول فى الفعل


1) تقول : أطول وأطال بمعنى ، قال عمر بن أبى ربيعة :

2) يقال : أطيب الشىء ؛ إذا وجده طيبا. ويقال : أطاب أيضا بمعناه ، وكذا استطيبه واستطابه وطيبه.

3) يقال : أغيمت السماء ، إذا صارت ذات غيم ، وأغامت كذلك ، وغامت وتغيمت وغيمت بمعناه ، ويقال : أغيم القوم ؛ إذا أصابهم غيم ، وأخيلت السماء : تهيأت للمطر ، وذلك إذا أرعدت وأبرقت ، وهذا معنى قول المؤلف فيما سيأتى «إذا صارت خليقة بالمطر»

قلت : هو كذلك ، إلا أن قائلا وبائعا بمعنى الثلاثى ، ويعمل عمله ، وهو من بابه ، بخلاف قاول وبايع.

فان قلت : فأقوم واستقوم من باب آخر غير الثلاثى

قلت : بلى ، إلا أن ما قبل حرف العلة هو الذى كان مفتوحا فى الثلاثى ؛

فالمقصود أن الفرع إذا كان من غير باب الأصل يحتاج فى الإعلال إلى كون الساكن قبل حرف العلة هو الحرف المفتوح فى الأصل قبلها ، وإن كان الفرع من باب الأصل أعلّ ، وإن لم يكن الساكن ذاك المفتوح ، بشرط أن يكون الساكن ألفا لفرط خفته

وأما إعلال قوّم وبيّن وتقوّم وتبيّن فأبعد من إعلال تقاول وتبايع وقاول وبايع ؛ لأن إدغام العين فى البابين واجب

وإنما لم يعل نحو عور وحول لأن الأصل فى الألوان والعيوب الظاهرة باب افعلّ وافعال ، كما ذكرنا فى صدر الكتاب ؛ فالثلاثى - وإن كان أصلا لذوات الزيادة فى اللفظ - لكن لما كان هذان البابان أصلين فى المعنى عكس الأمر ؛ فأجرى الثلاثى مجرى ذى الزيادة فى التصحيح تنبيها على أصالته فى المعنى المذكور.

ولم يعل (1)فى اسودّ واعورّ واصيدّ (2)لأن إعلال نحو أقوم واستقوم


1) ظاهر هذا الكلام يفيد الدور ؛ فانه جعل علة تصحيح الثلاثى نحو عور كونه فرعا فى المعنى عن المزيد فيه نحو اعور. فاذا جعل علة تصحيح المزيد فيه كون ثلاثيه غير معل فقد جعل كل واحد منهما معللا بالآخر ، اللهم إلا أن يقال : إن المزيد فيه فى هذا المعنى هو الموضوع أولا فهو حين الوضع ليس له ثلاثى ألبتة ، فضلا عن أن يكون له ثلاثى معل ، وشرط إعلال المزيد فيه وجود ثلاثى معل له ، فلما أريد وضع الثلاثى بعد ذلك وكان معناه متحدا مع المزيد فيه حمل عليه فى التصحيح.

2) يقال : اصيد الرجل - كاحمر - ، إذا لوى عنقه من كبر ، وأصله من

مع كونه خلاف الأصل إنما كان حملا على الثلاثى المعل ، ولا ثلاثى معلا ههنا ، كما بينا ، ومثله فى إتباع لفظ لفظا آخر فى التصحيح تنبيها على كونه تابعا له فى معناه قولهم : اجتوروا واعتوروا (1)واعتونوا ، بمعنى تجاوروا وتعاوروا وتعاونوا ، وإن لم يقصد فى افتعل معنى تفاعل أعللته ، نحو ارتاد (2)واختان (3)ولما لم يعلّ عور وحول لما ذكرنا لم يعل فرعاه أيضا نحو أعور واستعور ، وقد يعل باب فعل من العيوب نحو قوله : -

138 - أعارت عينه أم لم تعارا (4)

وربّت سائل عنّى حفىّ

وهو لعمرو بن أحمر الباهلى ، و «ربت» هى رب الدالة على التقليل أو التكثير وألحق بها التاء لتأنيث اللفظ ، والحفى : المبادر فى السؤال المستقصى له ، وفى التنزيل العزيز (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها). وقوله «أعارت عينه» هو بالعين المهملة وهو محل الاستشهاد بالبيت على أنه قد يعل باب فعل - بكسر العين - من العيوب


1) يقال : اعتور القوم الشىء ، وتعوروه ، وتعاوروه ، إذا تداولوه بينهم.

2) ارتاد الشىء وراده : طلبه فى موضعه.

3) اختان : خان ، قال الله تعالى (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ). واعلم أن افتعل من الأجوف إما أن تكون عينه ياء أو واوا ، فان كانت عينه ياء أعل : سواء أكان بمعنى التفاعل نحو استافوا وابتاعوا وامتازوا ، أم لم يكن نحو امتار الرجل واكتال واصطاد. وإن كانت عينه واوا : فان كان بمعنى التفاعل صحت عينه نحو ما ذكره المؤلف من الأمثلة ، وإن لم يكن بمعنى التفاعل أعلت عينه نحو اشتار العسل وارتاد واختال ، فاذا علمت هذا تبين لك أن ما ذكره المؤلف من التفصيل خاص بواوى العين.

4) هذا عجز بيت من الوافر ، وصدره قوله :

فيعل فرعاه أيضا ، نحو أعار واستعار

وإنما حمل على الماضى الثلاثى فى هذا القلب ما انفتح واوه وياؤه ولم يحمل عليه ما انضما فيه أو انكسرا كيقوم ويبيع ويقيم ؛ لأن الحامل على النقل فى جميع ذلك مفتوحا كان العين أو مضموما أو مكسورا إتباع الفرع للأصل فى تسكين العين مع الدلالة على البنية ، كما مر فى أول الكتاب (1)، ولا يمكن ذلك بقلب الجميع ألفا.

وأما إذا كانت الواو والياء المتحركتان المفتوح ما قبلهما فى آخر الكلمة فانهما تقلبان ألفا ، وإن كان ذلك فى اسم لا يشابه الفعل بوجه ، نحو (2)ربا وربا قانهما لا يوازنان الفعل ؛ فان وزانه كفتى وعصا فانهما كضرب ، وكمردى (3)

مردى حروب ونور يستضاء

به

كما أضاء سواد الظّلمة

القمر

ومبرى (4)فانهما كاعلم ، فلا كلام فى القلب

وإنما لم يعل نحو النّزوان والغليان للزوم الألف والنون ؛ فأخرجت


1) انظر (ح 1 ص 80 ، 81)

2) الربا - بكسر الراء - : معروف ، والربا - بضم الراء - : جمع ربوة. وهى المرتفع من الأرض ، ووقع فى بعض النسخ «نحو ربا وزنا» وهى صحيحة أيضا وفيها التمثيل للواوى واليائى ، كما أن فيما أثبتناه التمثيل بوجهين من وجوه عدم موازنة الفعل.

3) المردى : الحجر يرمى به ، ويقال : فلان مردى حروب ، إذا كان يرمى به فيها لشجاعته ، وعليه قول أعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب :

4) المبرى - بكسر الميم وسكون الباء - آلة البرى

اللام من التطرف ، فصارت الواو والياء كما فى الجولان والطيران

فان قيل : هلا منع التاء اللازم أيضا فى نحو غزاة وتقاة من إعلال اللام [ومن التطرف](1)كما منعت التاء اللازمة فى [نحو] عنصوة (2)وقمحدوة (3)من قلب الواو ياء.

قلت : لأن الواو المضموم ما قبلها لم تقلب ياء فى موضع إلا متطرفة ، بخلاف قلب الواو والياء ألفا فانه ثبت فى المتوسطة أيضا كثيرا ، كقال ومقال ؛ فلم يعتد بالتاء التى أصلها عدم اللزوم ، بخلاف الألف والنون فانهما على اللزوم.

هذا ، ولمناسبة القلب آخر الكلمة أعل الواو والياء أخيرا هذا الإعلال ، وإن كان قبلهما ألف ، بشرط كون الألف زائدة ؛ لأنها إذن فى حكم العدم ، وذلك نحو كساء ورداء ، وأما إذا كانت أصلا كراى وآى فلا تعلان لكون الفاصل قويا بالأصالة ، وقد تقلب الواو والياء أيضا قريبين من الطرف وقبلهما ألف زائدة ألفا ، بشرط أن ينضم إلى العلة المقتضية للانقلاب مقتض آخر ، وذلك لضعف العلة إذن بسبب فصل الألف بين الواو والياء وبين الفتحة ، وبعدم كونهما فى الطرف ، وذلك المقتضى : إما مشابهة الفعل المعل كما يجىء وأداؤه معناه وعمله عمله كما فى قائم وبائع ، وإما اكتناف حرف العلة لألف الجمع الأقصى فيستثقل لأجل حرفى العلة وكون الجمع أقصى الجموع ، وذلك كما فى بوائع وأوائل وعيائل ، فى جمع بائعة وأوّل وعيّل (4)وإما كون الواو


1) سقطت هذه العبارة من بعض النسخ

2) العنصوة - مثلثة العين ساكنة النون مضمومة الصاد - القليل المتفرق من النبت وغيره ، وبقية كل شىء

3) انظر (ج 2 ص 46 وج 1 ص 261)

4) عيل - فتح العين وتشديد الياء مكسورة ، مثل سيد وميت وهين - وهو - - فيعل من عال يعول ، إذا جار ومال ، وهو واحد العيال ، وهم الذين يعولهم الانسان ، سموا بذلك لأنهم يدعونه بالانفاق عليهم إلى الجور والميل

والياء فى الجمع الأقصى الذى هما فى واحده مدتان زائدتان كعجائز وكبائر ، وذلك لقصد الفرق بين المدتين الزائدتين وبين الواو والياء اللتين كان لهما فى الواحد حركة ، سواء كانتا أصليتين كمقاوم ومعايش ، فى جمع مقامة (1)ومعيشة ، أو زائدتين ملحقتين بالأصل كعثاير وجداول فى جمع عثير (2)وجدول ، فان ماله حركة أصلية أجلد وأقوى. فلا ينقلب

فاذا بعدت الواو والياء من الطرف نحو طواويس (3)لم ينقلبا ألفا ، كما يجىء

فعلى هذا تبين كذلك أن الهمزة فى نحو رداء وكساء وقائل وبائع وأوائل وبوائع وعجائز وكبائر أصلها الألف المنقلبة عن الواو والياء ، فلما احتيج إلى تحريك الألف وامتنع قلبها إلى الواو والياء لأنه إنما فر منهما قلبت إلى حرف يكون أنسب بها بعد الواو والياء ، وهو الهمزة ؛ لأنهما حلقيتان ، وإنما لم تحذف الألف الأولى للساكنين ، كما هو الواجب فى مثله ؛ لكون ألف نحو قائل علامة الفاعل وألف نحو أوائل وعجائز علامة الجمع ؛ ولو حذفت فى نحو رداء لالتبس بالمقصور ، وأما الهمزة فى نحو رسائل فبدل من الألف التى فى الواحد لا من الألف المنقلبة عن الواو والياء.


1) مقامة : هى فى الأصل اسم مكان من قام يقوم ، ثم سمى به مجلس القوم لأنهم يقومون فيه ، ثم سمى به القوم

2) العثير - بوزن درهم والياء زائدة للالحاق - التراب ، وانظر (ج 2 ص 184 و 366)

3) الطواويس : جمع طاووس ، طائر ، وهو أيضا الرجل الجميل ، وهو الفضة والأرض المخضرة ، ووقع فى بعض النسخ «طوى وريس» وهو تحريف شنيع -

هذا ، وإن لم يكن الواو والياء فى الفعل ولا فى آخر الكلمة ، وذلك إذا كانتا فى الأسماء فى غير الطرف ، فههنا نقول : لا يعل من الأسماء هذا الاعلال إلا أربعة أنواع : نوعان منها مشابهان للفعل ، وإنما اعتبر ذلك لما ذكرنا من أن الأصل فى الإعلال الفعل ، وأن هذه العلة ليست بقوية ، فهى بالفعل أولى.

أحد النوعين : ما وازن الفعل نحو باب وناب ، والأصل بوب ونيب ، ورجل مال ونال ، والأصل مول (1)ونول ، بكسر العين ، وكذا كبش (2)صاف ؛ وقولهم الرّوح (3)والغيب (4)والخول (5)والقود شاذ ، وكذا رجل حول : أى كثير الحيلة ، وروع : أى خائف ، ولم يجىء فعل بضم العين أجوف فى الاسم لثقل الضمة ، ونريد بموازنة الفعل ههنا مساواته له فى عدد الحروف والحركات المعينة ، وإن باينه فى تعيين الزيادات وأمكنتها ، فمفعل على وزن يفعل ، وإن كانت زيادته غير زيادته ، وفاعل موازن ليفعل وزيادته غير زيادته ومكانها غير مكانها ، فالاسم الثلاثى : إما أن يكون مجردا [كما ذكرنا] ، أو مزيدا فيه ، وأما الرباعى والخماسى فانه لا يوازن الفعل منهما إلا باب جعفر


1) المول : الكثير المال ، والنول : الكثير النال أى العطاء (أنظر ج 1 ص 149)

2) كبش صاف : كثير الصوف

3) الروح - بالتحريك - : تباعد بين الرجلين ، ومن الطير : المتفرقة الرائحة إلى أو كارها

4) يقال : قوم غيب - بالتحريك - وغيب وغياب ؛ إذا كانوا غائبين الأخيران جمعان ، والأول اسم جمع

5) الخول : ما أعطاك الله من أنعام وعبيد وإماء وغيرهم من الحاشية ، يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث

نحو جهور (1)، والواو والياء لا يكونان فيه إلا للالحاق ؛ لما تبين أن الواو والياء مع ثلاثة أصول لا يكونان إلا مزيدتين ، فلا تعل إذن ، محافظة على بناء الالحاق ؛ فالثلاثى المزيد فيه يشترط فيه أن يكون مع موازنته للفعل مباينا له بوجه ، وذلك كالحرف الزائد الذى لا يزاد فى الفعل كميم مقام ومقام ومستقام ؛ فإنها فى الأصل كيحمد ويحمد ويستخرج ، لكن الميم لا تزاد فى أول الفعل ، أو كالحروف التى تزاد فى الفعل لكن تكون متحركة بحركة لا تحرك فى الفعل بمثلها نحو تباع على وزن تفعل بكسر التاء وفتح العين ؛ فانه يوازن أعلم ؛ لكنه ليس فى الفعل تاء مزيدة فى الأول مكسورة ، وأما نحو تعلم فهى لغة قوم ، ومع ذلك فليست بأصل ، بل للدلالة على كسر العين فى الماضى كما تقدم (2)، وقد يعل لمباينة غير المذكورتين ، نحو قائم وبائع ، فانه يوازن يفعل ، لكن ليس الزائد فى مكان الزائد ، ولا هو إياه ، وكان القياس أن يعل نحو مقول (3)

لسانى وسيفى صارمان

كلاهما

ويبلغ ما لا يبلغ السّيف

مقولى

ومخيط إذهما بوزن اعلم ، لكن الخليل قال : لم يعلا لكونهما مقصورى مفعال ، وهو غير موازن للفعل ، والدليل على أن مفعالا أصل مفعل اشتراكهما فى كثير نحو مخيط ومخياط ومنحت ومنحات.

وقد شذ مما وجب إعلاله قياسا المشورة والمصيدة بفتح الميم ، وقولهم :


1) جهور : اسم موضع ، وبنو جهور : ملوك الطوائف بالأندلس ، والجهور أيضا : الجرىء المقدم الماضى

2) أنظر (ح 1 ص 141)

3) يقال : رجل مقول ومقوال ؛ إذا كان بينا ظريف اللسان حسن البيان وفى الصحاح الكثير القول ، وقد سموا اللسان مقولا ؛ لكونه آلة القول ، قال حسان بن ثابت :

الفكاهة مقودة إلى الأذى ، وأما مريم ومدين (1)فان جعلتهما فعيلا فلا شذوذ ؛ إذ الياء للالحاق ، وإن جعلتهما مفعلا فشاذان ، ومكوزة شاذ فى الأعلام.

وقال المبرد : المزيد فيه الموازن للفعل إنما يعل إذا أفاد معنى الفعل كالمقام ، فانه موضع يقام فيه ، وكذا المقام ، بضم الميم ، موضع يفعل فيه الاقامة ، فعلى ما ذهب إليه مريم ومدين ليسا بشساذين ، وإن كانا مفعلا ، لعريهما عن معنى الفعل ، وكذا نحو تفعل من البيع بكسر التاء ينبغى أن لا يعل ؛ بل يقال : تبيع. وإنما لم يشترط التباين فى الثلاثى واشترط فى ذى الزيادة لأن ذلك فى المزيد فيه لئلا يشتبه بالفعل لو سمى به معلّا ؛ فإنه لو أعل لكان يلتبس بعد التسمية به بالفعل ، بسبب سقوط الكسر والتنوين ، وأما الثلاثى فكسره وتنوينه وإن كان علما يفصله عن الفعل.

وإن لم يكن ذو الزيادة الاسمى مباينا للفعل بوجه نحو أبيض وأسود وأدون منك وأبيع ، ونحو إبيع على وزن إصبع من البيع ونحو تبيع على وزن ترتب منه ؛ فلا يعل شىء منها ليكون فرقا بين الأسماء والأفعال ، والأفعال بالاعلال أولى ؛ لأصالتها فيه ، وأما إعلال نحو أبان على قول من لم يصرفه فلكونه منقولا عن فعل معلّ إلى الاسم ، ومن صرفه فهو فعال ، وليس مما نحن فيه.

وإن لم يوازن الاسم الثلاثى المزيد فيه الفعل لم يعل هذا الاعلال ؛ فعند سيبويه لم يعل هذا الاعلال نحو الطّوفان والحيدان والنّزوان والغليان وحمار حيدى (2)والصّورى (3)لخروج الاسم بهذه الزيادة اللازمة للكلمة عن وزن


1) أنظر (ح 2 ص 391 ، 392)

2) يقال : حمار حيدى ؛ إذا كان يحيد عن ظله من النشاط ، ولم يوصف مذكر بوصف على وزن فعلى إلا بهذه الكلمة ، ويقال : حمار حيد - كميت - بالمعنى السابق

3) الصورى - بفتحات مقصورا - : موضع أو ماء قرب المدينة ، وقال ابن

الفعل ، بخلاف نحو الغارة (1)والقارة (2)والغابة (3)فان التاء وإن أخرجت الكلمة عن وزن الفعل لكن لما كان وضعها على العروض وإن كانت لازمة ههنا لم تكن كجزء الكلمة ؛ فحوكة (4)وخونة شاذان ، ووجهه الاعتداد بالتاء ، مع أن الواو ليست فى الطرف ، وبعض العرب يعل فعلان الذى عينه واو أو ياء ، فيقول : داران من دار يدور ، وهامان من هام يهيم ، ودالان من دال يدول ، وحالان من حال يحول ، وهو شاذ قليل ، وعند المبرد هو قياس ؛ لجعله الألف والنون كالتاء غير مخرج للكلمة عن وزن الفعل.

فان قيل : كيف أخرج التاء الاسم عن وزن الفعل فى يعملة (5)

إذ لا أزال على أقتاد

ناجية

صهباء يعملة أو يعمل جمل

حتى انصرف ولم تخرجه فى نحو غارة فأعل.

1) الغارة : اسم من قولهم : أغار على القوم إغارة ؛ إذا دفع عليهم الخيل

2) القارة : الجيل الصغير ينقطع عن الجبال ، أو هو الصخرة العظيمة ، أو الصخرة السوداء ، والفارة أيضا : قبيلة من العرب ، وفيهم المثل السائر : قد أنصف القارة من راماها

3) فى بعض النسخ الغاية - بالياء المثناة فى مكان الباء الموحدة - وهى صحيحة أيضا.

4) حوكة : جمع حائك ، وهو اسم فاعل من حاك الثوب يحيكه حوكا وحياكة ؛ إذا نسجه ، وقد جاء «حاكة» على القياس

5) اليعملة : النافة النجيبة التى تصير على العمل والسير ، وهم يقولون : أعملت الناقة ؛ إذا ركبتها فى السفر ، وقال الخليل : اليعملة لا يوصف بها إلا النوق ، قال غيره : يقال للجمل : يعمل ، وهو اسم له من العمل ؛ قال الشاعر :

قلت : لأنه لو لم يعتد بالمخرج فى نحو يعملة يظهر أثر الموازنة على المخرج عن الموازنة : أى على التاء ، وذلك الأثر سقوط الجر والتنوين ، بخلاف أثر الإعلال.

ونحو جولان وحيدان عند المبرد شاذ خارج عن القياس ؛ فإن أورد عليه نزوان وغليان ، وقيل : إن اللام بالتغيير أولى ، أجاب بأنه لو قلب لزم الحذف ، فيلتبس فعلان بفعال ؛ إذ يبقى نزان وغلان ، وكذا قال الأخفش فى حمار حيدى والصّورى : إنهما شاذان وجعل ألف التأنيث كالتاء غير مخرجة للكلمة عن وزن الفعل ، والأولى قول سيبويه ، لما ذكرنا.

فان قيل : كيف أعل نحو العياذ واللّياذ باعلال فعله ، ولم يعلّ نحو الطّيران والدّوران والتّقوال والتّسيار باعلال أفعالها ، وكلاهما لا يوازن فعليهما ؛ فان كان جرى المصدر على الفعل وعمله عمله فى نحو عياذ كافيا فى إعلاله فليكن كذلك فى طيران وغليان.

قلت : طلب الكسرة لقلب الواو التى بعدها ياء أشدّ من طلب الفتحة لقلب الواو والياء التى بعدها ألفا ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع ، وقلة نحو بيع ، وعدم نحو قول بكسر الفاء وسكون الواو ، فبأدنى مشابهة بين المصدر وفعله يعل المصدر بقلب واوه ياء لانكسار ما قبلها لقوة الداعى إليه ، وإذا بنيت من غزا ورمى مثل جبروت (1)فالقياس غزووت ورميوت ؛ لخروج الاسم بهذه الزيادة عن


1) الجبروت : الكبر والقهر ، انظر (ح 1 ص 152)

موازنة الفعل ، وبعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين ، وذلك لعدم الاعتداد بالواو والتاء.

ولم يعل نحل النّوال والسّيال (1)والطويل والغيور والقوول والتّقوال والتّسيار والمواعيد والمياسير لعدم موازنة الفعل ، وقيل : للالتباس لو أعل ؛ إذ يلزم الحذف ، ورد بأنه كان ينبغى الاعلال إن كان سببه حاصلا كما فى قائل وبائع وكساء ورداء ، ثم التحريك وجعله همزة كما فى الأمثلة المذكورة.

وثانى النوعين المذكورين : الاسم الذى فيه واو أو ياء مفتوح ، إذا كان مصدرا قياسيا جاريا على نمط فعله فى ثبوت زيادات المصدر فى مثل مواضعها من الفعل ، كإقوام واستقوام ، فلمناسبته التامة مع فعله أعل إعلاله بنقل حركتهما إلى ما قبلهما وقلبهما ألفا ، ولم يعل نحو الطيران والدوران والنزوان والغليان علة فعله مع تحرك حروف العلة فيه وانفتاح ما قبلها لضعف مناسبتهما.

والنوعان الآخران من الأنواع الأربعة من باب الجمع الأقصى ، وهما باب بوائع وعجائز ، وإنما أعلا الإعلال المذكور وإن لم يشابها الفعل لألف الجمع فى أحدهما وقصد الفرق فى الآخر كما تقدم شرحهما

هذا ، ولضعف هذه العلة - أعنى تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما - فى إيجاب القلب ترد الألف إلى أصلها من الواو والياء ، ويحتمل تحركهما وانفتاح ما قبلها إذا أدّى ترك الرد إلى اللبس : فى الفعل كان ، أو فى الاسم ، وذلك إذا لقى الألف حرف ساكن بعدها لو أبقى الألف معه على حالها سقطت والتبس ، فالفعل نحو غزوا ورميا ، فان ألف الضمير اتصل بغزا ورمى معلين ، ولو لم يردوا الألف إلى أصلها لسقطت للساكنين والتبس المسند إلى ضمير المثنى بالمسند إلى ضمير


1) السيال : اسم جنس جمعى واحدته سيالة - كسحابة - وهو شجر له شوك أبيض طويل ، انظر (ص 5 من هذا الجزء)

المفرد أو إلى الظاهر ، وكذا يرضيان ؛ لأنه كان يسقط النون جزما (1)، وأما فى ارضيا فلكونه فرع يرضيان ، والاسم نحو الصّلوات والفتيات ، لو حذفت الألف للساكنين لالتبس الجمع بالواحد ، ونحو الفتيان والرّحيان إذ لو لم يرد لالتبس المثنى بالمفرد عند الإضافة ، وأما نحو الفتيين والرحيين فلكونهما فرعى الفتيان والرحيان ، كما تبين في أول شرح الكافية ، ومع ياء النسب ترد الألف المحذوفة فى نحو عصى ، ورجى المنونين ؛ لزوال الساكنين : أى الألف والتنوين ، وبعد ردها تقلبها واوا لأجل ياء النسب ، كما قلبتها فى العصا والرحى لما نسبت إليهما ، ولا نقول : إن الألف المحذوفة ترد إلى أصلها من الواو والياء ، وإنما لم تحذف الألف للياء الساكنة اللاحقة بها لما ذكرنا فى باب النسب ، وبعد رد جميع الحروف المذكورة وتحريكها لم تقلها ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها ؛ لعروض الحركة عليها ، ولأنه إنما فر من الألف حتى لا يلتبس بعد الحذف ، فكيف يعاد إلى ما فر منه؟ وأما رد الألف إلى أصلها فى نحو هل ترينّ وترضينّ ، والأصل هل ترى وترضى ؛ فليس لخوف الالتباس ، بل للقياس على هل تغزون وترمينّ ، وإنما رد اللام فى نحو ارضينّ ولا ترضينّ وكذا فى نحو اغزونّ وارمينّ ولا تغزونّ ولا ترمينّ لأن الفعل مع النون


1) قول المؤلف جزما معناه قطعا ، وليس المراد به الجزم الذى هو حالة من حالات إعراب الفعل المضارع ، وذلك لأن هذه الحالة لا يقع فيها اللبس على فرض إعلال يرضيان ؛ لأنك كنت تقول فى المسند إلى ضمير الواحد : محمد لم يرض - بحذف لام الفعل للجزم - وكنت تقول : المحمدان لم يرضا - بألف هى ضمير المثنى - فلا لبس حينئذ ؛ فثبت أن جزما لا ينبغى أن يحمل على حالة الاعراب المذكورة ، وصورة الالتباس إنما تقع فى حالة النصب ؛ لأنك تقول : محمد لن يرضى والمحمدان لن يرضا ، والألف فى الأول لام الفعل وفى الثانى ضمير التثنية ، ونريد أن ننبهك إلى أن اللبس حينئذ فى النطق لا فى الرسم

ليس موقوفا ولا مجزوما ، وحذف اللام إنما كان للجزم أو الوقف ، ولم تقلب الياء فى ارضينّ ولا ترضينّ ألفا بعد الرد لكون حركتها عارضة لأجل النون التى هى كلمة مستقلة ، وأيضا لئلا يلزم منه حذف الألف فيؤدى إلى ما فر منه ، وكذا فى نحو ارضونّ وارضينّ يا امرأة ؛ لم تقلبا لعروض الحركة لما ذكرنا فى باب التقاء الساكنين ، ولكون الواو والياء اسمين مستقلين ، فلا يغيران ، ولأن الواو والياء لا تقلبان ألفا إلا إذا كان ما قبلهما من حروف كلمتها مفتوحا ، وههنا الواو كلمة أخرى ، وأيضا لو غيرا بالقلب لحذفا بلا دليل عليهما ، كما كان فى اغزنّ واغزنّ

وإن لم يؤد حذف الألف للساكنين إلى اللبس لم يرد نحو يرضون وتغزين وترضين والمصطفون والمصطفين وغزوا ورموا وغزت ورمت

قوله «تحركتا» أى : فى الأصل فيخرج نحو ضو وشى مخففتين ، حركة لازمة ، ليخرج نحو غزوا ورميا وعصوان وارضينّ وجوزات وبيضات ، عند بنى تميم ، وإنما قلبا فى نحو العصا والرّحى وإن كانت الحركة الإعرابية عارضة ؛ لأن نوعها وإن كان عارضا لكن جنسها لازم ، إذ لا بد لكل معرب بالحركات من حركة ما رفعا أو نصبا أو جرا

قوله «أو فى حكمه» أى : فى حكم الفتح ، نحو أقول وأبيع ومقوم ومبيع قوله «فى فعل ثلاثى» كقال وطال وخاف وباع وهاب

قوله «أو محمول عليه» كأقام وأبان واستقام واستبان ، وقد يكون الفعل الثلاثى محمولا على الثلاثى ، كيخاف ويقال ويهاب ؛ لأن الأصل فى الإعلال الماضى ، والمضارع فرعه فيعتل باعتلاله ، وذلك لأنه هو الماضى بزيادة حرف المضارعة عليه

قوله «أو اسم محمول عليهما» أى : على الفعل الثلاثى كباب ودار وكبش

صاف ، وعلى الفعل المحمول عليه كمقام والاستقامة

قوله «بخلاف قول وبيع» أى : بخلاف ما كان الواو والياء فيه ساكنين مفتوحا ما قبلهما

قوله «وطائى وياجل شاذ» قد ذكرنا حكم طائى فى باب النسب ، وكذا ذكرنا أن نحو ياجل مطرد ، وإن كان ضعيفا ، وكذا ذكرنا أن بعض الحجازيين يقلب الواو الساكنة ألفا قياسا فى مضارع نحو ايتعد وايتسر ، وبعض بنى تميم يقلبون واو نحو أولاد : أى جمع ما فاؤه واو ، ألفا قياسا ، فيقول : آلاد ، وطىء يفتحون ما قبل الياء إذا تحركت بفتحة غير إعرابية وكانت طرفا وانكسر ما قبلها ؛ لتنقلب الياء ألفا ، وذلك لكون الطرف محل التغيير والتخفيف ، وشرط فتحة الياء لتنقل إلى ما قبلها ، وشرط كونها غير إعرابية ؛ لئلا تكون عارضة فيعتد بها ، وشرط انكسار ما قبلها لأن الكسر أخو السكون ، على ما تبين فى باب التقاء الساكنين ؛ فتكون كأنك نقلت الفتح إلى الساكن ، كما فى أقوم ، قال

نستوقد النّبل بالحضيض ونص

طاد نفوسا بنت على الكرم (1)

وإن توسطت الياء بسبب التاء اللازمة نحو ناصاة فى ناصية فقليل غير مطرد

قوله «بخلاف قاول وبايع» أى : بخلاف الثلاثى المزيد فيه ، إذا كان ما قبل الواو والياء ساكنا ، ولم يكن ذلك الساكن حرفا كان مفتوحا فى الثلاثى

قوله «أخيلت السماء» أى : صارت خليقة بالمطر ، وأغيلت المرأة : أى أرضعت على الحبل ، ومثله استصوب واستروح الريح ، وعند أبى زيد التصحيح


1) قد مضى شرح هذا البيت مفصلا (ح 1 ص 124)

قياس فى مثله ، إذا لم يكن له فعل ثلاثى كاستنوق (1)، وعند سيبويه نحو استنوق أيضا شاذ ، والقياس إعلاله طردا للباب كما أعل سائف (2)وخائل (3)فى النسبة ، وإن لم يأت منه فعل معل ؛ طردا لباب فاعل فى إعلاله علة واحدة ، وإذا طرد باب تعد ونعد وأعد فهذا أولى

تصحيح العين عند اعتلال اللام

قال : «وصحّ باب قوى وهوى للاعلالين ، وباب طوى وحيى لأنه فرعه أو لما يلزم من يقاى ويطاى ويحاى ، وكثر الإدغام فى باب حيى للمثلين ، وقد يكسر الفاء ، بخلاف باب قوى ؛ لأنّ الإعلال قبل الإدغام ، ولذلك قالوا يحيى ويقوى واحواوى يحواوى وارعوى يرعوى ، فلم يدغموا ، وجاء احويواء واحويّاء ، ومن قال اشهباب قال احوواء كاقتتال ، ومن أدغم اقتتالا قال : حوّاء ، وجاز الإدغام فى أحيى واستحيى ، بخلاف أحيى واستحيى ، وأمّا امتناعهم فى يحيى ويستحيى فلئلّا ينضمّ ما رفض ضمّه ، ولم يبنوا من باب قوى مثل ضرب ولا شرف كراهة قووت وقووت ، ونحو القوّة والصّوّة والبوّ والجوّ محتمل للادغام»

أقول : قوله «باب قوى» أى : فعل بالكسر مما عينه ولامه واو ، ولا بد من


1) استنوق الجمل : تشبه بالناقة ، وهو مثل يضرب لمن يخلط الشىء بغيره انظر (ح 1 ص 86)

2) يقال : سافه يسيفه فهو سائف ؛ إذا ضربه بالسيف ، ويقال : رجل سائف : أى ذو سيف ، فهو على الأول اسم فاعل ، وإعلاله اصل ، وعلى الثانى للنسبة كلابن وتامر ، وإعلاله بالحمل على الأول ؛ طردا لباب فاعل كما قال المؤلف

3) يقال : خال يخال فهو خائل ، إذا ظن ، ويقال : رجل خائل ، إذا كان ذا خيلاء ، فهو على النسب فى قول أكثر أهل اللغة ؛ والقول فى إعلال اللفظين كالقول فى سائف ، ومنهم من ذهب إلى أن الخائل المتكبر اسم فاعل فاعلا له بالأصل لا بالحمل

قلب الواو ياء ؛ لانكسار ما قبلها ، كما يجىء بعد أن كل واو فى آخر الكلمة مكسور ما قبلها : متحركة كانت أو ساكنة ، قلبت ياء للاستثقال ، والاشتغال باعلال الأطراف أسبق من الاشتغال باعلال الوسط : إما بالقلب ، أو بالادغام ؛ لما عرفت ، فبعد قلب الثانية ياء لو قلبت الأولى ألفا لاجتمع إعلالان على ثلاثى ولا يجوز ، كما مر ، وأما هوى فقد أعللت اللام أيضا بقلبها ألفا ، فلم يكن لك سبيل إلى إعلال العين. حذرا من الإعلالين ، و «قوى» من المضاعف بالواو ، بدليل القوة ، و «حيى» من المضاعف بالياء ، إلا عند المازنى ، وهوى مما عينه واو ولامه ياء ، وكذا طوى ، بدليل طيّان (1)، ولم يعلّ فى حيى بقلب العين عند المازنى ؛ لأن أصله حيو عنده ، أو لأنه مثل طوى كما يجىء

قوله «وباب طوى وحيى» يعنى لم يعلا وإن لم يلزم إعلالان ، لأنهما فرعا هوى ، وذلك لأن فعل - بفتح العين - فى الأفعال أكثر من أخويه ؛ لكونه أخف ، والخفة مطلوبة فى الفعل ، وهو أيضا أكثر تصرفا ؛ لأن مضارعه يأتى على ثلاثة أوجه ، دون مضارعهما

ثم ذكر علة أخرى لتركهم إعلال عين ثلاثة من الأفعال المذكورة ، وهى ما على فعل - بكسر العين - وذلك أن كل أجوف من باب فعل قلبت عينه فى الماضى ألفا تقلب عينه فى المضارع أيضا ، نحو خاف يخاف ، وهاب يهاب ، فلو قالوا فى الماضى : قاى وطاى وحاى لقالوا فى المضارع : يقاى ويطاى ويحاي ، وضم لام


1) طيان : صفة مشبهة من قولهم : طوى يطوى - كفرح يفرح - إذا جاع وخلا بطنه ، كقولهم : شبعان من شبع ، وريان من روى ، وظمآن من ظمىء ، ووجه دلالة طيان على أن لام طوى ياء قلب الواو التى هى العين ياء وإدغامها فى الياء ، وأصله على هذا طويان ، ولو لم تكن اللام ياء لما قبل : طيان ؛ بل كان يقال : طوان ، انظر (ح 1 ص 211)

المضارع إذا كان ياء مرفوض مع سكون ما قبله أيضا ، بخلاف الاسم ، نحو ظبى وآى وراى ، وذلك لثقل الفعل كما ذكرنا ، ويجوز أن يقال فى هوى أيضا مثله ، وهو أن كل أجوف من باب فعل تسكن عينه بقلبها ألفا وجب تسكين عين مضارعه ونقل حركته إلى ما قبله ، نحو قال يقول وباع يبيع وطاح يطيح (1)والأصل يطوح فكان يجب أن يقال يهىّ مشددا فى مضارع هاى ، ولا يجىء فى آخر الفعل المضارع ياء مشددة ؛ لأنه مورد الإعراب مع ثقل الفعل ، وأما فى الاسم فذلك جائز لخفته ، نحو حىّ ، ويجوز كما قدمنا أن نعلل ترك إعلالهم عين طوى وحيى بامتناع إعلال لامهما الذى كان أولى بالإعلال لو انفتح ما قبله ؛ لكونه آخر الكلمة.

قوله «وكثر الإدغام فى باب حيى» قال سيبويه : الإدغام أكثر والأخرى عربية كثيرة (2)، وإنما كان أكثر لأن اجتماع المثلين المتحركين مستثقل ، ويشترط فى جواز الإدغام فى مثله : أى فيما تحرك حرف العلة فيه ؛ لزوم حركة الثانى ، نحو حىّ ، حيا ، حيّوا ، حيّت ، حيّتا ، قال :

129 - عيّوا بأمرهم كما

عيّت ببيضتها الحمامه

جعلت لها عودين من

نشم وآخر من ثمامه (3)


1) انظر (ح 1 ص 81 ، 115)

2) هذه عبارة سيبويه (ح 2 ص 387) وقد استظهر أبو الحسن الأشمونى من عبارة ابن مالك أن مذهبه كون الفك أجود من الأدغام مع اعترافه بكونهما فصيحين ، وقد علل جواز الوجهين فى حيى بأن من أدغم نظر إلى حقيقة الأمر فيه ، وهى اجتماع مثلين متحركين وحركة ثانيهما لازمة ، ومن فك نظر إلى أن حركة الماضى وإن كانت لازمة فيه إلا أنها كالمفارقة ، بسبب عدم وجودها فى المضارع ، ففارق بهذا نحو شدد يشدد ؛ إذ الحركة فى الماضى والمضارع

3) هذا الشاهد من مجزوء الكامل المرفل ، وهو لعبيد بن الأبرص من

وإن كانت حركة الثانى لأجل حرف عارض غير لازم لم يدغم ، كما فى محيية ومحييان ؛ فان الحركة لأجل التاء التى هى فى الصفة ولألف المثنى ، وهما عارضان لا يلزمان الكلمة ، وكذا الحركات الإعرابية ، نحو قوله تعالى : (أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) وقولك : رأيت معييا

وإن كانت الحركة لازمة فى نفس الأمر كما فى حيى ، أو لأجل حرف عارض لازم كما فى تحيية وأحيية جمع حياء (1)جاز الادغام والاظهار ؛ إذ التاء فى مثله لازمة ، بخلاف تاء الصفة ، وكذا يجوز فى جمع عيىّ أعيياء وأعيّاء ؛ للزوم الألف ، والإدغام فى هذا النوع أيضا أولى ، كما كان فى حىّ وأحىّ

وإنما اشترط للادغام فى هذا الباب لزوم حركة الثانى بخلاف باب يردّ ويمسّ ؛ لأن مطلق الحركة فى الصحيح يلزم الحرف الثانى ، إلا أن يدخله ما يوجب سكونه ، كلم يردد ويرددن ، وأما فى المعتل نحو معيية ورأيت


1) الأحيية : جمع حياء ، مثل قذال وأقذلة ، والحياء هو الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع

معييا فيسكن الثانى بلا دخول شىء ، نحو معى ، فلم يروا إدغام حرف فيما هو كالساكن ، وحيث أظهرت الياء سواء كانت واجبة الإظهار كما فى محيية أو جائزته كما فى حيى ، وانكسرت ، فاخفاء كسرها أحسن من إظهاره ؛ ليكون كالادغام ، فان الكسر مستثقل ، وإن انفتحت الأولى ، كما تقول فى تثنية الحيا : (1)حييان ، جاز الإخفاء والتبيين ، والتبيين أولى ؛ لعدم الاستثقال ، ولا يجوز هاهنا الادغام ، لعدم لزوم ألف التثنية ، ومن أظهر فى حيى قال فى الجمع حيوا مخففا كخشوا ، قال :

140 - وكنّا حسبناهم فوارس كهمس

حيوا بعد ما ماتوا من الدّهر أعصرا (2)

لله عينا من رأى من

فوارس

أكرّ على المكروه منهم

وأصبرا

وأكرم لو لاقوا سدادا

مقاربا

ولكن لقوا طمّا من البحر

أخضرا

وقد نسبت هذه الأبيات لأبى حزابة التميمى ، وهو الوليد بن حنيفة ، شاعر من شعراء الدولة الأموية ، وقيل : هى لمودود العنبرى ، وكهمس : أبو حى من العرب. والاستشهاد بالبيت فى قوله «حيوا» بتخفيف الياء مضمومة على لغة من قال فى الماضى : حيى بالفك ، مثلما تقول : رضوا فى رضى ، ورواية الأغانى «وحتى حسبناهم»

قوله «وقد تكسر الفاء» يعنى فى حىّ المبنى للفاعل ، والظاهر أنه غلط نقله من المفصل (3)، وإنما أورد سيبويه فى المبنى للمفعول حىّ وحىّ ،


1) الحيا - مقصورا - : الخصب والمطر ، وتثنيته حييان مثل فتى وفتيان

2) هذا بيت من الطويل ، وهو من شواهد سيبويه (ح 2 ص 387) وهو من كلمة أو لها - فيما رواه صاحب الأغانى - :

3) عبارة جار الله : «وقد أجروا نحو حيى وعيى مجرى قى وفنى ؛ فلم يعلوه ، وأكثرهم يدغم فيقول : حىّ وعىّ - بفتح الفاء وكسرها - كما قيل لى ولى فى جمع

كقولهم فى الاسم فى جمع قرن ألوى : قرون لىّ - بالضم والكسر - (1)

فان قيل : كيف وجب كسر الضم فى غير فعل نحو مسلمىّ وعتىّ وجثىّ وغزوىّ على مثال عصفور من الغزو ، وجاز الوجهان فى فعل؟

قيل : لأن فعلا يلتبس بفعل فجاز إبقاء الضم فيه دلالة على أصل البنية وفى غيره لا يلتبس بنية ببنية ، أو يقال : المجوز لضم فعل قبل الياء خفة البناء ، وقال السيرافى : يجوز أن يقال لىّ : بالكسر فى جمع ألوى ، كبيض فى جمع أبيض ، جعل الياء الساكنة المدغمة كغير المدغمة ، وحىّ فى حىّ كقيل وبيع


1) تقول : قرن ألوى ؛ إذا كان شديد الالتواء

وقالوا فى الاسم : حياة ودواة ونواة ، وشذ غاية وغاى ، وراية وراى ، وآية وثاية ، (1)والقياس غواة أو غياة ، والأول أولى ؛ لأن باب طويت أكثر من باب حيى ، وإنما قلنا بشذوذ ذلك لأن الأولى إعلال الآخر كما فى هوى ونوى

وقال الفراء وجماعة من المتقدمين فى آية : إنه ساكن العين ، والأصل أيّة وأىّ قلبت العين الساكنة ألفا ؛ لفتح ما قبلها كما فى طائى وياجل (2)وعاب ، وهو ههنا أولى ، لاجتماع الياءين وقال الكسائى : آيية ، على وزن فاعلة ؛ فكرهوا اجتماع الياءين مع انكسار أولاهما ؛ فحذفت الأولى

وعلى جميع الوجوه لا يخلو من شذوذ فى الحذف (3)والقلب


1) الثاية : مأوى الأبل ، وعلم بقدر قعدة الأنسان ، وأصلها ثوى لاثيى ؛ لأن باب طوى أكثر من باب حيى ، وكان مقتضى القياس أن تقلب اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولأن الاعلال باللام أولى كما فعلوا فى النوى والحيا ، ولكنهم أعلوا العين بقلبها ألفا على خلاف مقتضى القياس فصار ثايا. وانظر فى الكلام على بقية هذه الألفاظ (ح 2 ص 51)

2) العاب : أصله العيب - بفتح فسكون - فقلبت الياء ألفا اكتفاء بجزء العلة وهو انفتاح ما قبلها ، ومثله الذام والقاب فى نحو (قاب قوسين) ومثله «آد» بمعنى القوة من نحو قوله تعالى (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ) ومثله «رادة» فى قولهم : ريح ريدة ورادة ؛ إذا كانت لينة الهبوب ، ومثله الذان بمنى الذين - بفتح الذال وسكون الياء - وهو العيب ؛ ومن العلماء من زعم أن المقلوب من هذه الألفاظ مفتوح العين ، وأن كل كلمة ن هذه الكلمات قد وردت على لغتين ، وحينئذ يكون القلب مستوفيا علته

3) ليس بك حاجة إلى بيان الوجوه وما يلزم على كل وجه من الشذوذ إذا رجعت إلى ما كتبناه فى (ح 2 ص 51) ولاحظت أن الاعلال باللام أولى منه بالعين ، وأن العين لا تعل إذا كانت اللام حرف علة سواء أعلت بالفعل أم لم تعل ، وأن علة انقلاب الواو والياء ألفا هى تحركهما وانفتاح ما قبلهما ، فأدا طبقت هذه القواعد على الأقوال التى ذكرناها فى الموضع المشار إليه ظهر لك أن كل قول منها لا يخلو من شذوذ.

ويمكن أن يقال : الوجهان أيضا فى غاية وثاية وراية

اللغات في «استحیى» وتخريج العلماء لها

واعلم أن فى استحيا لغتين : لغة أهل الحجاز استحيا يستحيى - بياءين - مستحى مستحيا منه ، على وزن استرعى يسترعى سواء ، ولغة بنى تميم استحى يستحى ، بتحريك الحاء وحذف إحدى الياءين

فمذهب الخليل أنه مبنى على حيى معلّا إعلال هاب وباع ، فكأنه قيل : حاى ، فكما تقول فى باع : استبعت ، تقول فى حاى : استحيت ، وإنما بنى على حاى المرفوض ؛ لأن حق حيى إعلال عينه لما امتنع إعلال لامه ، فاستحى على هذا فى الأصل استحاى كاستباع ، حذفت حركة الياء ؛ إذ لم يوجد فى كلامهم لام الماضى ياء متحركة ساكنا ما قبلها ، فالتقى ساكنان ؛ فحذفت أولاهما ، ثم قلبت الياء الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها كما فى ياجل وطائى ، وكذا تقول فى المضارع : إن حقه يستحيى كيستبيع ، حذفت حركة الياء ؛ إذ لا نظير له فى الأفعال ، ثم حذفت الياء الأولى للساكنين ، والأمر منه استح ، وحق مصدره على هذا استحاءة كاستباعة ، ولا يستعمل ، واسم الفاعل مستح ، والأصل مستحيى فأعل إعلال المضارع ، والمفعول مستحى منه ، وأصله مستحاى حذفت حركة الياء كما فى يستحاى ، وأعل إعلال استحاى ، وقد مر ، وفيما ذهب إليه الخليل ضعف لا يخفى للارتكابات المكروهة

وقال غيره - واختاره المازنى - : إن الياء الأولى فى جميع هذه التصرفات حذفت كما فى أحست وظلت ومست ؛ لأن حق المثلين الإدغام ، فلما امتنع حذفت الأولى ؛ لكونه أشبه شىء بالإدغام ، وقال المازنى : لو حذفت للساكنين لم تحذف فى المثنى نحو استحيا ولقالوا : استحايا كاستباعا

قوله «بخلاف باب قوى» يعنى أن قوى من مضاعف الواو ، بدليل القوة كما أن حيى من مضاعف الياء ، لكنه إنما جاز إدغام حيى بخلاف قوى فلم

يقل قوّ كما قيل حىّ ؛ لأن قلب الواو ياء إعلال فى الطرف ، وإدغام العين فى اللام إعلال فى الوسط ، والأول أولى لما ذكرنا غير مرة ، ولذلك ابتدىء بإدغام أيّمة قبل قلب همزة الساكن ألفا ؛ لانفتاح ما قبله كما ذكرنا فى أول الكتاب ، (1)وأيضا قوى بقلب الواو ياء أخف منه بإدغام الواو فى الواو ، والطريق المؤدى إلى زيادة الخفة أولى بالسلوك مما ليس كذلك

قوله «ولذلك قالوا يحيا» أى : لم يقولوا يحىّ مع أنهم أدغموا فى الماضى ؛ لأن الاعلال قبل الإدغام ، وأيضا الكلمة بالإعلال أخف منها بالإدغام ، ولذلك قيل : يقوى ، لا يقوّ ، وأيضا لا يجوز الإدغام فى يحيى ويقوى ، لعدم لزوم حركة الثانى ، وهو شرط الإدغام فى مثله كما تقدم

قوله «احواوى» هو افعالل من الحوّة (2)وأصله احواوو ، ولم يدغم ، بل أعل ؛ لسبق الاعلال على الادغام ، ولكون الكلمة به أخف ، وكذا يحواوى فى مضارعه ، والحركة فى آخره عارضة ، وكذا ارعوى ، وهو من باب افعلّ كاحمرّ ، وأصله ارعوو كاحمرر ، ومصدر احواوى احويواء كاحميرار ، واحويّاء ، ولم يذكر سيبويه إلا هذا ، فمن قال : احويواء بلا قلب وإدغام فلكون الياء عارضا فى المصدر للكسرة وأصلها الألف فى احواوى ؛ فصارت لعروضها لا يعتد بها كما لا يعتد بواو سوير وقوول ؛ لكونها بدلا من الألف فى ساير (3)وقاول ، وسيبويه نظر إلى كون المصدر أصلا للفعل ؛ فلا يكون الياء بدلا من الألف ، بل الألف فى الفعل بدل من الياء فى المصدر


1) أنظر (ح 1 ص 27)

2) الحوة - بضم الحاء وتشديد الواو - : سواد إلى الخضرة ، أو حمرة إلى السواد. انظر (ح 1 ص 208 ، 232 ، 233)

3) هذه العلة التى ذكرها المؤلف ههنا لعدم إعلال سوير بقلب واوه ياء ثم إدغامها فى الياء ولعدم الادغام فى قوول ؛ هى العلة التى ذكرها سيبويه ، وهى التى

قوله «ومن قال اشهباب» يعنى أن باب افعلال مقصور افعيلال فى بعض الكلمات ، : يقال احميرار واحمرار ، واشهيباب واشهباب (1)، فيقال على ذلك فى احويواء : احوواء ، فيجتمع الواوان كما يجتمع التاءان فى اقتتال ، وإن لم يكن احوواء من باب اقتتال ، وسيجىء فى باب الإدغام أنه قد يدغم نحو اقتتل يقتتل اقتتالا فيقال : قتّال ، فيقال أيضا هنا : حوّاء ، والواوان المدغم إحداهما فى الأخرى لا يستثقلان فى الوسط كما يستثقلان فى الطرف ، فيقال حوّى يحوّى ، بفتح الحاء فيهما ، أو حوّى يحوّى ، بكسر الحاءين (2)، حوّاء نحو قتل يقتل قتالا


1) الشهبة : البياض الذى غلب على السواد ، وقد قالوا : اشهب الفرس اشهبابا واشهاب اشهيبابا ، إذا غلب بياضه سواده ، هذا قول أكثر أهل اللغة ، وقال أبو عبيدة : الشهبة فى ألوان الخيل : أن تشق معظم ألوانها شعرة أو شعرات بيض كمتا كانت أو شقرا أودهما.

2) وجه كسر الحاء فى «حوى» أنه لما قصد الادغام سكن أول المثلين فالتقى ساكنان : الحاء التى هى فاء الكلمة ، والواو التى هى عينها ؛ فحرك أول الساكنين بالكسر الذى هو الأصل فى التخلص من التقاء الساكنين ، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها ، وأما «حوى» بفتح الحاء فوجهه أنه لما أريد الادغام نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبله وحذفت همزة الوصل استغناء عنها.

وإذا بنيت من حيى ورمى مثل احمرّ قلت : احييا وارميا ، والإعلال قبل الادغام.

وإذا بنيت مثل احمارّ منهما قلت : احيايا وارمايا ، وفى المثنى احيييا وارمييا واحياييا وارماييا ، ولا يجوز الإدغام لعروض الحركة فى الأخيرة ، لأجل ألف المثنى ، وتقول فى الجمع : احييوا ، واحيايوا ، فاذا لزمت الحركة - وذلك فيما لم يسم فاعله نحو احييى وارميى واحيويى وارمويى واحيييا واحيييوا واحيوييا واحيوييو - جاز الادغام ، فتقول : أحيىّ وأصله أحيىّ كسرت الياء المضمومة كما فى مسلمىّ ، واحييّا واحييّوا واحيوىّ واحيويّا واحيويّوا ، وفى المضارع : يحييى ويرميى ويحيايى ويرمايى ، ولا يجوز إدغام الواو فى احيويى كما لم يدغم فى سوير ، كما ذكرنا ، وتقول فى اسم الفاعل : محييية ومحيايية ، ولا يجوز الإدغام ؛ لعروض الحركة ، بل إخفاء الكسر أولى من الاظهار كما بينا وتقول فى مصدر احييا : احيياء ، وفى مصدر احيايا احييّاء بالادغام ، ومن لم يدغم فى احويواء لكون الياء بدلا من الألف ينبغى أن لا يدغم أيضا ههنا ، لكنه مستثقل ، ومن أدغم فى اقتتل يقتتل اقتتالا قال ههنا : حيّا يحيّى حيّاء.

قوله «وجاز الادغام فى أحيى واستحيى» من أدغم قال : أحىّ أحيّا أحيّوا واستحىّ استحيّا استحيّوا ، وذلك للزوم الحركة ، ومن لم يدغم قال أحيى أحييا أحيوا ، نحو أرمى أرميا أرموا ، وفى استحيى ثلاث لغات ، هذه أصلها ، وثانيتها الادغام ؛ وثالثتها حذف الياء الأولى كما فى استحى عند بنى تميم ، وتقول فى مضارع أحيا واستحيا : يحيى ويستحيى ، من غير إدغام ، لعدم لزوم الحركة.

قوله «ومن ثم لم يبن من باب قوى» أى : من مضاعف الواو «فعل»

بالفتح كراهة اجتماع الواوين إذا اتصل بالماضى الضمير المرفوع ، وأما فعل - بالضم - فلو بنى منه لحصلت الواوان من دون اتصال الضمير ، إذ لم يكن تقلب الواو التى هى عين لما لم تكن علة القلب فى اللام حاصلة ، كما ذكرنا فى حيى وطوى ، ولم تكن تقلب الثانية ياء لضمة ما قبلها كما فى الأدلى ؛ لأن ذلك فى الاسم كما يأتى ، ألا ترى إلى نحو سرو؟

قوله «ونحو القوّة والصّوّة (1)» جواب سؤال ، كأنه قيل : فإذا لم يبنوا من باب قوى مخافة الواوين ، فلم احتملوا ذلك فى القوة؟ فقال : لأن الإدغام ههنا حاصل ، فخفت الكلمة به ، ولو كان الإدغام مقدما على الإعلال أيضا لم يجز ذلك فى الفعل كما جاز فى الاسم ؛ لثقل الواوين فى الفعل الذى هو ثقيل

صيغ ظاهرها ما يقتضى الإعلال ولكن لم تعل ، وسبب ذلك

قال «وصحّ باب ما أفعله لعدم تصرّفه ، وأفعل منه محمول عليه أو للّبس بالفعل ، وازدوجوا واجتوروا ؛ لأنّه بمعنى تفاعلوا ، وباب اعوارّ واسوادّ للّبس ، وعور وسود ؛ لأنّه بمعناه ، وما تصرّف ممّا صحّ صحيح أيضا كأعورته واستعورته ومقاول ومبايع وعاور وأسود ، ومن قال : عار قال : أعار واستعار وعائر ، وصحّ تقوال وتسيار للّبس ، ومقوال ومخياط للّبس ، ومقول ومخيط محذوفان منهما ، أو [لأنّهما] بمعناهما ، وأعلّ نحو يقوم ويبيع ومقوم ومبيع بغير ذلك ؛ للّبس ، ونحو جواد وطويل وغيور للألباس بفاعل أو بفعل أو لأنّه ليس بجار على الفعل ولا موافق ، ونحو الجولان والحيوان والصّورى والحيدى ؛ للتّنبيه


1) الصوة : جماعة السباع ، وهى أيضا حجر ينصب فى الفيافى والمفازة المجهولة ليستدل به على الطريق ، وتجمع على صوى ، نظير مدية ومدى ، كما جاء فى حديث أبى هريرة (إنّ للأسلام صوى ومنارا كمنار الطّريق) أراد أن للاسلام طرائق وأعلاما يهتدى بها.

بحركته على حركة مسمّاه ، والموتان ؛ لأنّه نقيضه ، أو لأنّه ليس بجار ولا موافق ، ونحو أدور وأعين للإلباس ، أو لأنّه ليس بجار ولا مخالف ، ونحو جدول وخروع وعليب ؛ لمحافظة الإلحاق أو للسّكون المحض»

أقول : قد تبين بما قدمت فى أول هذا الباب علة تركهم إعلال الأشياء المذكورة ، ولنفسر ألفاظ المصنف

قوله «لعدم تصرفه» يعنى أن الأصل فى الإعلال الفعل ؛ لما ذكرنا من ثقله ، ولم يعل باب التعجب نحو ما أقوله وأقول به - وإن كانا فعلين على الأصح - لمشابهتهما بعدم التصرف للأسماء ؛ فصارا كأفعل التفضيل وأفعل الصفة

قوله «وأفعل منه» أى : أفعل التفضيل محمول عليه : أى مشابه لأفعل التعجب ؛ لأن التعجب من الشىء لكونه أفضل فى معنى من المعانى من غيره ، ولذلك تساويا فى كثير من الأحكام كما تبين فى بابيهما ، ولا وجه لقوله «محمول عليه» لأنه اسم ، وأصل الاسم أن لا يعل هذا الإعلال كما ذكرنا ، وقد يعل من جملة الأسماء الأقسام المذكورة كما مر ، وشرط القسم المزيد فيه الموازن للفعل إذا قصدنا إعلال عينه أن يكون مخالفا للفعل بوجه كما تقدم ، وهذا لا يخالف الفعل بشىء ؛ فكان يكفى قوله «أو للبس بالفعل»

قوله «وباب اعوار واسواد للبس» أى : لو قلبت الواو ألفا ونقلت حركتها إلى ما قبلها لكان يسقط همزة الوصل وإحدى الألفين ؛ فيبقى سادّ وعارّ فيلتبس بفاعل المضاعف ، ولا وجه لقوله «للبس» لأنه إنما يعتذر لعدم الإعلال إذا حصل هناك علته ولم يعل ، وعلة الإعلال فيما سكن ما قبل واوه أو يائه كونه فرعا لما ثبت إعلاله ، كما فى أقام واستقام ، ولم يعل عور وسود حتى يحمل اعوارّ واسوادّ عليهما ؛ بل الأمر بالعكس ؛ بلى لو سئل كيف لم يعل اعوار واسواد

وظاهرهما أنهما مثل أقوم ؛ فالجواب أن بينهما فرقا ، وذلك أن العلة حاصلة فى أقوم دون اعوارّ

قوله «وما تصرف ... إلى آخره» أى : لم يعل نحو استعور وأعور وإن كانا فى الظاهر كاستقوم وأقوم ؛ لأن أصلهما ليس معلا حتى يحملا فى الإعلال عليه ، وكذلك عاور ومقاول ومبايع لم يعل إعلال نحو قائل وبائع ؛ لأن إعلال نحو قائل للحمل على فعله المعل ، وأفعال هذه الأشياء غير معلة

قوله «وتقوال وتسيار للبس» يعنى أن نحوه وإن كان مصدرا لفعل معل لم يعل ولم يجر مجراه كما أجرى إقامة واستقامة مجرى أقام واستقام ؛ لئلا يلتبس بعد الإعلال بفعال ، هذا قوله ، والوجه ما تقدم من أن المصدر لا يعل عينه هذا الإعلال إلا أن يكون مصدرا مطردا مساويا لفعله فى ثبوت الزيادة فيه فى مثل موضعها من الفعل ، كإقامة واستقامة ، وليس نحو تقوال وتسيار كذا ، وأما إعلال نحو قيام وعياذ بقلب الواو ياء وإن لم يساو الفعل بأحد الوجهين فلما ذكرنا من أن علة قلب الواو ياء لكسرة ما قبلها أمتن من علة قلب الواو ألفا لفتحة ما قبلها.

قوله «ومقوال ومخياط للبس» يعنى أنه آلة جارية على الفعل فكان سبيله فى الاعلال سبيل الفعل ، لكنه لم يعل للبس بفعال ، والحق أن يقال : لم يثبت فيه علة الاعلال ، وهى موازنة الفعل ، فكيف يعل؟ وليس كل اسم متصل بالفعل يعل هذا الاعلال.

قوله «ومقول ومخيط» هذا يحتاج إلى العذر ؛ لأنه موازن للأمر نحو اذهب واحمد ، وفيه المخالفة بالميم المزيدة فى الأول ؛ فكان الوجه الإعلال ؛ فالعذر أنه مقصور من مفعال ؛ فأجرى مجرى أصله ، ولنا أن لا نقول : إنه فرعه ، بل نقول :

هما أصلان ، ومفعل محمول على مفعال فى ترك الاعلال ؛ لكونه بمعناه ، وهذا

أولى ؛ إذ موافقته لمعناه لا تدل على أنه فرعه.

قوله «بغير ذلك» أى : لم تقلب عينها ألفا كما قلبت فى أصولها لئلا يلتبس وزن بوزن كما تكرر ذكرنا له

قوله «للالباس بفاعل» أى : لو حركت الألف الثانية بعد الاعلال كما فى قائل لالتبس فعال وفعول وفعيل بفاعل ، ولو حذفت الألف بعد قلبها لالتبس بفعل - المفتوح العين والفاء - والحق أن يقال : إنها لم تعل ؛ لأنها ليست مما ذكرنا من أقسام الاسم التى تعل

قوله «ونحو الجولان» هذا عجيب ؛ فإن حركة اللفظ لا تناسب حركة المعنى إلا بالاشتراك اللفظى ؛ إذ معنى حركة اللفظ أن تجىء بعد الحرف بشىء من الواو والياء والألف كما هو مشهور ، وحركة المعنى على فراسخ من هذا ، فكيف ينبه بإحداهما على الأخرى؟ فالوجه قوله «أو لأنه ليس بجار» أى كإقامة واستقامة كما ذكرنا من مناسبته للفعل ، ولا موافق : أى موازن له موازنة مقام ومقام وباب ودار.

قوله «للالباس» أى : بالفعل.

قوله «ولا مخالف» لأن شرط الموازن الموازنة المذكورة مخالفته بوجه حتى لا يلتبس بالفعل.

قوله «لمحافظة الإلحاق» فإن الملحق لا يعل بحذف حركة ولا نقلها ولا حذف حرف لئلا يخالف الملحق به ، فيبطل غرض الإلحاق إلا إذا كان الإعلال فى الآخر فإنه يعل لأن الأواخر محل التغيير ، ولأن سقوط حركة الآخر كالمعزى لا يخل بالوزن كما ذكرنا فى أول الكتاب (1)، وسقوط الحرف الأخير لأجل التنوين كلا سقوط كمعزى لأن التنوين غير لازم للكلمة.


1) انظر (ح 1 ص 58)

قوله «عليب» (1)

غضبت طهيّة أن سببت

مجاشعا

عضّوا بصمّ حجارة من

عليب

ويقال : هو واد فيه نخل ، قال أبو دهبل :

فما ذرّ قرن الشّمس حتّى

تبيّنت

بعليب نخلا مشرفا

ومخيّما

وذلك لأن النخل لا يكون فى رءوس الجبال ؛ فانه يطلب الدف.

وهو عند الأخفش ملحق بجخدب ، وعند سيبويه للالحاق أيضا كسودد ، وإن لم يأت عنده فعلل كما يجىء بعد.

قوله «أو للسكون المحض» هذا هو العذر الحق لا الأول ؛ لأن الواو والياء الساكن ما قبلهما إنما تقلبان ألفا لكون ذلك الساكن مفتوحا فى أصل تلك الكلمة ، ولم يثبت فيما نحن فيه حركة فى الأصل.

قلب كل من الياء والواو همزة إذا وقع عينا

قال : «وتقلبان همزة فى نحو قائم وبائع المعتلّ فعله بخلاف نحو عاور ، ونحو شاك وشاك شاذ ، وفى نحو جاء قولان ؛ قال الخليل : مقلوب كالشّاكى وقيل : على القياس ؛ وفى نحو أوائل وبوائع ممّا وقعتا فيه بعد ألف باب مساجد وقبلها واو أو ياء ، بخلاف عواوير وطواويس ، وضياون شاذّ ؛ وصحّ عواور ، وأعلّ عيائيل لأنّ الأصل عواوير فحذفت وعيائل فأشبع ، ولم يفعلوه فى باب معايش ومقاوم للفرق بينه وبين باب رسائل وعجائز وصحائف ، وجاء معائش بالهمز على ضعف ، والتزم همز مصائب.»

أقول : كل ما فى هذا الفصل قد تقدم ذكره بتعليله ، وقول النحاة فى هذا الباب : تقلب الواو والياء همزة ، ليس بمحمول على الحقيقة ، وذلك لأنه قلبت العين ألفا ثم قلبت الألف همزة ، فكأنه قلبت الواو والياء همزة.


1) العليب ، بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه - : موضع بتهامة. قال جرير :

قوله «بخلاف نحو عاور» يعنى أن اسم الفاعل محمول على الفعل فى الإعلال كما تقدم ؛ فلما صح فعله صح هو أيضا

قوله «ونحو شاك وشاك شاذ» يعنى أن بعض العرب يقلب العين إلى موضع اللام فى بعض أسماء الفاعلين من الأجوف ؛ فيعله إعلال قاض ، قال :

141 - لاث به الأشاء والعبرىّ (1)

فى أيكة فلا هو الضّحىّ

ولا يلوح نبته الشّتىّ

لاث به ..... البيت

فتمّ من قوامها القومىّ

الأيكة : غيضة تنبت السدر والأراك ، والضحى : البارز للشمس ، وهو فعيل من ضحى يضحى - كرضى يرضى - ، ولاث : أصله لائث ، تقول : نبات لائث ، ولاث ؛ إذا التف واجتمع بعضه على بعض ، وأصله من لاث يلوث ، إذا اجتمع والتف ، والأشاء - بالفتح والمد - : صغار النخل ، واحدته أشاءة ، والعبرى : ما لا شوك فيه من السدر. وما فيه شوك منه يسمى الضال ، ويقال : العبرى ما نبت على شطوط الأنهار. والقوام - بالفتح - : الاعتدال ، والقومى : القامة وحسن الطول. والاستشهاد بالبيت فى قوله «لاث» على أن أصله لاوث فقدمت الثاء على الواو فصار لاثو ، ثم قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة ، ثم أعل إعلال قاض.

وقال :

142 - فتعرّفونى ؛ إنّنى أنا ذا كم

شاك سلاحى فى الحوادث معلم (2)

أو كلّما وردت عكاظ

قبيلة

بعثوا إلىّ عريفهم

يتوسّم

وعكاظ : سوق من أسواق العرب قريبة من عرفات كانوا يجتمعون فيها من نصف ذى القعدة إلى هلال ذى الحجة ، والعريف : النقيب ، وهو دون الرئيس الأعلى ، ويتوسم : يتفرس ، وشاك : أصله شاوك فقدمت الكاف على الواو ، ثم


1) هذا بيت من الرجز المشطور ، وهو للعجاج يصف أيكة ، وقبله :

2) هذا البيت من الكامل ، وهو لطريف بن تميم العنبرى. وقبله قوله :

وهذا هو الذى غر الخليل حتى ارتكب فى جميع اسم الفاعل من الأجوف المهموز اللام القلب ؛ فقال : إذا كانوا يقلبون فى الصحيح اللام خوفا من الهمزة الواحدة بعد الألف فهم من اجتماع همزتين أفر ، وهكذا لما رآهم قالوا فى جمع شائع : شواع (1)بالقلب ، قال : فهو فى نحو خطايا ومطايا وجواء وشواء أولى ، والجواب أنهم إنما التجئوا إلى القلب فى لاث وشاك خوفا من الهمزة بعد الألف ، وأما فى نحو جاء فيلزم همزة واحدة بعد الألف ، سواء قلبت اللام إلى موضع العين أولا ، قال سيبويه : وأكثر العرب يقولون : لاث وشاك - بحذف العين - فكأنهم قلبوا العين ألفا ثم حذفوا العين للساكنين ، ولم يحركوها فرارا من الهمزة ، والظاهر أن المحذوفة هى الثانية ؛ لأن الأولى علامة الفاعلية ، ويجوز أن يكون أصل لاث وشاك لوث وشوك مبالغة لائث كعمل فى عامل ولبث فى لابث ،


1) انظر (ح 1 ص 22)

فيكونان ككبش صاف ويوم راح ، وقد مضى البحث فى جاء فى أول الكتاب (1)

قوله «وفى نحو أوائل» يعنى إذا اكتنف حرفا علة ألف باب مساجد قلبت الثانية ألفا ؛ للقرب من الطرف واجتماع حرفى علة بينهما فاصل ضعيف ، ثم تقلب الثانية همزة كما فى قائل وبائع ، على ما تقدم ، سواء كان كلاهما واوا كما فى أواول ، أو كلاهما باء كما فى بيّع وبيايع ، أو الأول واوا والثانى ياء كما فى بوايع جمع بويعة فوعلة من البيع ، أو بالعكس نحو عيايل جمع عيّل ، وأصله عيول ؛ لأنه من عال يعول ، وكان قياس ضياون (2)ضيائن ، بالهمز ، لكنه شذ فى الجمع كما شذ فى المفرد ، وليس ذلك بمطرد ، ألا ترى أنك تقول : بنات ألببه (3)

إليكم ذوى آل النّبىّ

تطلّعت

نوازع من قلبى ظماء

وألبب

وبنات ألبب - على هذا الوجه الأخير - : اسم لعروق متصلة بالقلب تكون منها الرقة ، وقد قالت أعرابية : تأبى له ذاك بنات ألببى ، انظر (ح 1 ص 254) ثم اعلم أن هذا الذى ذكره المؤلف ههنا من أنك تدغم فى الجمع هو ما ذكره فى التصغير ، وظاهر عبارته يفيد أنه ليس لك إلا الادغام فى التصغير والجمع ؛ لأن الفك فى الواحد والمكبر شاذ ، والشاذ لا يلجىء إلى شاذ مثله ، ولكن العلماء قد نقلوا فى الجمع والتصغير جميعا الوجهين : الادغام ، والفك ، وارجع ثانيا إلى الموضع الذى أحلناك عليه من الجزء الأول

بفك الإدغام ، فإذا جمعت قلت بنات الابّه مدغما ، والمسموع من جميع ذلك

1) انظر (ح 1 ص 25)

2) الضياون : جمع ضيون ، والضيون : السنور الذكر ،

3) «بنات ألببه» أجمع العلماء فى رواية هذه الكلمة على الفك ، واختلفوا فى ضبطها ؛ فرواها جماعة بفتح الباء الأولى على أنه أفعل تفضيل من قولهم : رجل لب - كسمح - إذا كان عاقلا ، والضمير عائد على الحى والقبيلة ؛ فكأنه قيل : بنات أعقل هذا الحى ، ورواها قوم بضم الباء الأولى على أنه جمع لب ، نحو قول الكميت :

ما اكتنف ألف الجمع فيه واوان ، وقاس سيبويه الثلاثة الباقية عليه ؛ لاستثقال الياءين والياء والواو كاستثقال الواوين ، وقال الأخفش : القياس أن لا يهمز فى الياءين ، ولا فى الياء والواو ؛ لأن اجتماعهما ليس كاجتماع الواوين ، وأما بوائع جمع بائعة ، فإنما همز لكونه جمع ما همز عينه ، فإذا بنيت اسم الفاعل من حيى وشوى قلت حاى بالياء وشاو كقاض ، وتقول فى جمعهما لغير العقلاء : حوايا وشوايا عند سيبويه ؛ لوقوع ألف الجمع بين واو وياء فى جمع حاى وبين واوين فى جمع شاو ، ولا تتبع جمع شاو واحده (1)كما فعلت فى جمع إداوة إذ لو أتبعت لقلت شواوى ، فكان فرارا إلى ما فرمنه ، على ما ذكرناه فى تخفيف الهمزة ؛ وتقول على مذهب الأخفش : حواى بالياء ، وأما شوايا فلا خلاف فيه لاجتماع الواوين

قوله «بخلاف عواوير وطواويس» يعنى إذا بعدت حروف العلة التى بعد ألف الجمع عن الطرف لم تقلبها ألفا ، سواء كان المكتنفان واوين كطواويس ، أو ياءين كبياييع جمع بيّاع ، أو مختلفين كقياويم جمع قيّام وبواييع جمع بياع على وزن توراب من باع ، لو جمعت الأسماء المذكورة هذه الجموع ، وأما عواور جمع عوّار وهو القذى فلأن أصله عواوير فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة ، قال :

143 - وكحّل العينين بالعواور (2)

غرّك أن تقاربت أباعرى

وأن رأيت الدّهر ذا

الدّوائر

*حنى عظامى وأراه

ثاغرى*

وقوله «تقاربت أباعرى» قيل : معناه دنت من منازلنا ، وهو كناية عن لزوم


1) فى نسخة «ولا تتبع الجمعين واحديهما ، كما فعلت فى جمع إداوة ؛ إذ لو أتبعت جمع حاى واحده لقلت أيضا حوايا ، ولو أتبعت جمع شاو لقلت شوآيا ؛ فكان فرارا - الخ»

2) هذا البيت من مشطور الرجز ، وهو لجندل بن المثنى الطهوى يخاطب فيه امرأته ، وقبله قوله :

وعيائيل بالهمز لأن أصله عيائل ؛ إذ هو جمع عيّل كسيد ، وهو الفقير ، فأشبع الكسرة ؛ قال

144 - فيها عيائيل أسود ونمر (1)

أحمى قناة صلبة ما تنكسر

صمّاء تمّت فى نياف

مشمخرّ

حفّت بأطواد عظام وسمر

فى أشب الغيطان ملتفّ

الحظر

أحمى : مضارع حمى قومه - كرمى - حماية ؛ إذا منعهم ودافع عنهم ، والقناة : الرمح ، والصلبة : الشديدة القوية ، والصماء : التى يكون جوفها غير فارغ ، وتمت : كملت واستوت فى منبتها ، والنياف - ككتاب - : العالى المرتفع ، وأراد جبلا ، وأجود منابت الرماح قمم الجبال ، وأصله نواف فقلبت الواو ياء شذوذا ؛ لأنه ليس بمصدر ولا بجمع ، ومشمخر : اسم فاعل من اشمخر : أى علا وارتفع ، وحفت : أحيطت ، والأطواد : جمع طود ، وهو الجبل ، والسمر : اسم جنس جمعى واحدته سمرة ، وهو نوع من الشحر عظيم طويل ، والأشب - بفتح فكسر - : الملتف الذى لا يمكن الدخول فيه إلا بشدة ، والحظر : يقال : هو بفتح الحاء وكسر الظاء ، وهو الموضع الذى يحيط به الشجر ، ويقال : هو بضمتين ، وهو جمع حظيرة ، والعيائيل : جمع عيل - بتشديد الياء وكسرها - وهو فيعل من عال يعيل إذا تبختر أو من عال الفرس يعيل إذا تكفأ فى مشيه وتمايل ، وذلك لكرمه ، ويقال : اشتقاقه من عال يعيل إذا افتقر ، والنمر - بضمتين - : جمع نمر - بفتح فكسر - وقياسه


1) هذا البيت من مشطور الرجز ، وهو لحكيم بن معية الربعى من بنى تميم ، وقبله قوله :

روعى الأصل فى الجمعين

هذا كله فى الجمع ، وأما إن وقع مثل ذلك فى غير الجمع فإن سيبويه يقلب الثانى أيضا ألفا ثم همزة ، فيقول : عوائر وقوائم ، على وزن فواعل من عور وقام ، وكذا يقول فى مطاء ورماء وحياء وشواء من مطا ورمى وحيى وشوى ، فيصير ثانى المكتنفين فى الجميع (1)همزة ؛ لأنه وإن فات ثقل الجمع إلا أن ضم أوله ألحقه ثقلاما ، قال : لا تقلب الهمزة ههنا ياء مفتوحة ، والياء بعدها ألفا ، كما فعل فى الجمع ، فلا يقال مطايا ورمايا وحيايا وشوايا ؛ لئلا يلتبس ببناء شكاعى (2)

شربت الشّكاعى والتددت

الدّة

وأقبلت أفواه العروق

المكاويا

وحبارى ، ويجوز أن يقال : إن ثقل

1) قوله «فيصير ثانى المكتنفين فى الجميع همزة» غير مستقيم ، وذلك أنه لم يكتنف الألف حرفا علة إلا فى حياى وشواى ، وأما مطاء ورماء فليسا كذلك كما هو ظاهر ، والذى أوقع المؤلف فى ذلك أنه نقل عبارة سيبويه فخلط بين نوعين من الأمثلة ميز سيبويه أحدهما عن الآخر ، وهاك عبارته (ح 2 ص 385) : «وفواعل منهما (يريد : حوى وشوى) بمنزلة فواعل (يريد الجمع) فى أنك تهمز ولا تبدل من الهمزة ياء ، كما فعلت ذلك فى عورت ، وذلك قولك عوائر ، ولا يكون أمثل حالا من فواعل وأوائل ، وذلك قولك : شواء ، وأما فعائل من بنات الياء والواو فمطاء ورماء ؛ لأنها ليست همزة لحقت فى جمع ، وإنما هى بمنزلة مفاعل من شأوت وفاعل من جئت ؛ لأنها لم تخرج على مثال مفاعل ، وهى فى هذا المثال بمنزلة فاعل من جئت ؛ فهمزتها بمنزلة همزة فعال من حييت ، وإن جمعت قلت : مطاء ؛ لأنها لم تعرض فى الجمع» ا ه

2) الشكاعى : نبت دقيق العيدان صغير أخضر وله زهرة حمراء ، والناس يتداوون به. قال عمرو بن أحمر الباهلى - وكان قد تداوى به وشفى - :

الضمة ليس كثقل الجمعية ، فلم يطلب معها غاية التخفيف كما طلبت مع الجمع الأقصى ، بل اقتصر على شىء منه ، وذلك بقلب ثانى المكتنفين ألفا ، ثم همزة ، قال سيبويه : فإن جمعت مطاء قلت : مطاء لا مطايا ؛ لأن الهمزة كانت فى المفرد ولم تعرض فى الجمع ، فهو مثل شواء جمع شائية كما تقدم فى تخفيف الهمزة ، والأخفش والزجاج لا يغيران ثانى المكتنفين فى غير الجمع ، فيقولان : عواور وقواوم ومطاو ورماى وحياى وشواى ؛ لخفة المفرد

قوله «ولم يفعلوه فى باب معايش» أى : فيما وقع بعد ألف الجمع فيه واو أو ياء ليست بمدة زائدة ، سواء كانت أصلية كما فى مقيمة ومقاوم ومريبة ومرايب ، أو زائدة كما فى جداول وعثاير ، فتبقى على حالها : أما الأصلية فلأصالتها ، وأما الزائدة المتحركة فلقوتها بالحركة وكونها للالحاق بحرف أصلى ، وإن كانت الواو والياء مدة زائدة فى المفرد قلبت ألفا ثم همزة ، كما فى تنائف وكبائر ، وقد يهمز معايش ، تشبيها لمعيشة بفعيلة ، والأكثر ترك الهمز ، وكذا قد يهمز المنائر فى جمع منارة ، تشبيها لها بفعالة ، والفصيح المناور ، والتزم الهمز فى المصائب تشبيها لمصيبة بفعيلة ، كما جمع مسيل على مسلان تشبيها له بفعيل أو توهما ، وهى - أعنى مصائب ومنائر ومعائش - بالهمز شاذة

حكم الياء إذا كانت عينا لفُعلی

قال : «وتقلب ياء فُعلى اسما واوا فى نحو طوبى وكوسى ، ولا تقلب فى الصّفة ، ولكن يكسر ما قبلها لتسلم الياء ، نحو مشية حيكى وقسمة ضيزى ، وكذلك باب بيض ، واختلف فى غير ذلك ؛ فقال سيبويه : القياس الثّانى ؛ فنحو مضوفة شاذّ عنده ، ونحو معيشة يجوز أن يكون مفعلة ومفعلة ، وقال الأخفش : القياس الأوّل ؛ فمضوفة قياس عنده ، ومعيشة مفعلة ، وإلّا لزم معوشة ، وعليهما لو بنى من البيع مثل ترتب لقيل : تبيع وتبوع»

أقول : قوله «طوبى» إما أن يكون مصدرا كالرّجعى ، قال تعالى : (طُوبى لَهُمْ) أي : طيبا لهم ، كقوله تعالى (تعسا لهم) ، وإما أن يكون مؤنثا للأطيب ؛ فحقه الطّوبى ، باللام ، وحكمه حكم الأسماء ، كما قال سيبويه : هذا باب ما تقلب فيه الياء واوا ، وذلك إذا كان اسما كالطوبى والكوسى ؛ قال : لأنها لا تكون وصفا بغير الألف واللام ؛ فأجرى مجرى الأسماء التى لا تكون وصفا بغير الألف واللام ؛ لأنها لا تستعمل مع «من» كما هو معلوم ، وأما مع الإضافة فإن المضاف إليه يبين الموصوف ؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه ؛ فلا تقول : عندى جارية حسنى الجوارى ؛ لأن الجوارى تدل على الموصوف ، فلما لم تكن فعلى بغير لام صفة ولم تتصرف فى الوصفية تصرف سائر الصفات جرت مجرى الأسماء ، ولقلة معنى الوصف فى أفعل التفضيل انصرف المجرد منه من «من» إذا نكر بعد العلمية اتفاقا ، بخلاف باب أحمر ؛ فان فيه خلافا كما مر فى بابه (1)

يقال : مشية حيكى ، إذا كان فيها حيكان : أى تبختر ، قال سيبويه : هو فعلى بالضم لا فعلى بالكسر ؛ لأن فعلى لا تكون صفة ، وإما عزهاة (2)


1) قد ذكرنا ذلك فيما مضى ونقلنا لك العبارة التى يشير إليها هنا من شرح الكافية فارجع إليه فى (ح 2 ص 169)

2) العزهاة : الذى لا يطرب للهو. واعلم أن العلماء قد اختلفوا فى مجىء فعلى - بكسر فسكون - صفة ؛ فأثبته قوم ونفاه شيخ هذه الصناعة سيبويه ، وذكر أنه لا يجىء صفة إلا بالتاء (ح 2 ص 321) ، فأما من أثبتوه فقد ذكروا من أمثلته عزهى ، وسعلى ، وكيصى ، وقد رد عليهم أنصار سيبويه بانكار الأولين ، وقالوا : لا نعرفهما إلا بالتاء ، وأما المثال الثالث فلا يلزم أن يكون فعلى - بكسر الفاء - وإنما يجوز أن يكون أصله فعلى - بالضم - فقلبت الضمة كسرة لتسلم الياء ، والألف فى الثلاثة للالحاق : أما فى الأولين فللالحاق بدرهم ، وأما فى الثالث فللالحاق بجخدب -

فهو بالتاء ، وقد أثبت بعضهم رجل كيصى للذى يأكل وحده ، ويجوز أن يكون فعلى بالضم فيكون ملحقا بجخدب ، كما فى سودد وعوطط (1)، ولا يضر تغيير الضمة بالإلحاق ؛ لأن المقصود من الإلحاق - وهو استقامة الوزن والسجع ونحو ذلك - لا يتفاوت به ، وإنما قلبت فى الاسم دون الصفة فرقا بينهما ، وكانت الصفة أولى بالياء لثقلها

قوله «وكذلك باب بيض» يعنى جمع أفعل وفعلاء ، وذلك لثقل الجمع وقد يترك فى باب بيض جمع أبيض الضمة بحالها فتقلب الياء واوا ، وذلك لخفة الوزن

قوله «واختلف فى غير ذلك» أى : فى غير فعل وفعلى الجمع والصفة ، سواء كان على فعل كما إذا بنيت على وزن برد من البيع ، أو على غير وزن فعل ؛ فسيبويه يقلب الضمة كسرة ؛ لتسلم الياء ، ولا تقلب الياء واوا ؛ لأن الأول أقل تغييرا ، والأخفش يعكس الأمر ، مستدلا باتفاقهم على قلب الياء - إذا كانت فاء - واوا لضمة ما قبلها ، نحو موسر ، وأجيب بأن ذلك للبعد من الطرف ، بخلاف ما إذا كانت الياء قريبة من الآخر ، كما فيما نحن فيه

قوله «فمضوفة (2)

وكنت إذا جارى دعا

لمضوفة

أشمّر حتّى ينصف السّاق

مئزرى

شاذ» لأن المضوفة الشدة ، وهى من الضيافة ؛ لأنها تحتاج فى دفعها إلى انضياف بعض إلى بعض ، وهو يائى ؛ لقولهم : ضيّفه

1) اختلف العلماء فى هذه الكلمة فجعلها بعضهم جمع عائط ، وأصله على هذا عوط بطاء واجدة ، مثل حائل وحول ، فزيدت الطاء الثانية كما تزيد فى زيد دالا فتقول : زيدد ، وكما تزيد فى خرج جيما فنقول : خرجج ، ونحو ذلك ، وذهب بعض العلماء إلى أن عوططا مصدر عاطت الناقة تعوط عوطا وعوططا ؛ إذا لم تحمل أول عام تطرق فيه ؛

2) قد وردت هذه الكلمة فى قول أبى جندب بن مرة الهذلى :

حكم الواو المكسور ما قبلها إذا وقعت عينا

قال : «وتقلب الواو المكسور ما قبلها فى المصادر ياء نحو قياما وعياذا وقيما ؛ لإعلال أفعالها ، وحال حولا شاذّ كالقود ، بخلاف مصدر نحو لاوذ ، وفى نحو جياد وديار ورياح وتير وديم ؛ لإعلال المفرد ، وشذّ طيال ؛ وصحّ رواء جمع ريّان ؛ كراهة إعلالين ، ونواء جمع ناو ، وفى نحو رياض وثياب ؛ لسكونها فى الواحد مع الألف بعدها ، بخلاف كوزة وعودة ، وأمّا ثيرة فشاذّ»

أقول : كان حق الواو المتحركة المكسور ما قبلها أن لا تقلب ياء ، إلا فى آخر الكلمة ، نحو رأيت الغازى ، كما أن الياء المتحركة المضموم ما قبلها لا تقلب واوا كالتّرامى والهيام والعيبة ، وذلك لأن اقتضاء الكسرة للياء بعدها كاقتضاء الضمة للواو بعدها ، والواو والياء يتقوّيان بالحركة ، فلا يقدر كسرة ما قبل أحدهما وضم ما قبل الآخر على قلبهما ، وإذا كانا مضعفين فهما أشد قوة نحو اجلوّاذ وبيّع ، واجليواذ وديوان شاذان ، لكنه قد يعرض للواو المتحركة غير المتطرفة المكسور ما قبلها ما يقتضى قلبها ياء ، وهو الحمل على غيره كما فى قام قياما ، ولم يثبت ذلك فى الياء المتحركة غير المتطرفة المضموم ما قبلها ، فبقيت على الأصل

فنقول : قلبت الواو المذكورة ياء لثلاثة أشياء :

أحدها : أن تكون الكلمة مصدرا لفعل معل نحو عاذ عياذا واقتاد اقتيادا ؛ ولا نريد كون الفعل معلّا بهذا الإعلال ، بل كون الفعل أعلّ إعلالا ما ، كما أن الواو فى عياذ قلبت ياء لإعلال عاذ بقلب الواو ألفا ، وتصحيح الواو فى حال حولا شاذ كشذوذ تصحيح الواو فى القود ، بخلاف مصدر نحو لاوذ ؛ لأن فعله مصحح ، ولم يقلب نحو عوض ؛ لأنه ليس بمصدر ، وقوله تعالى (دِيناً)(1)قِيَماً) فى الأصل مصدر


1) قد وصف بقيم فى الآية الكريمة ، والأصل فى هذه الياء الواو ؛ لأنها

وثانيها : أن تكون الكلمة جمعا لواحد أعلت عينه بقلبها ألفا كما فى تارة وتير ، أو ياء كما فى ديمة وديم وريح ورياح ، وشذ طيال جمع طويل ؛ إذ لم تعل عين واحده ، وصح رواء مع أن واحده معلّ العين ، أعنى ريّان ، كما صح هوى وطوى ؛ كراهة الإعلالين ، وصح نواء جمع ناو : أى سمين (1)

أو كالمكسّر لا تؤوب

جياده

إلّا غوانم وهى غير نواء

؛ لأنه لم يعل واو واحده ، ولو أعل أيضا لم يجز إعلال الجمع ؛ لاجتماع إعلالين

وثالثها - وهو أضعفها ، ومن ثم احتاج إلى شرط آخر ، وهو كون الألف بعد الواو الواقعة بعد الكسر - كون الكلمة جمعا لواحد ساكن عينه ، كحياض وثياب ورياض ، وإنما احتيج إلى شرط آخر لأن واو الواحد لم تعل ؛ بل فيها شبه الإعلال ، وهو كونها ساكنة ؛ لأن السكون يجعلها ميتة فكأنها معلة ، وإنما أثر الشرط المذكور لأن كون الواو بين الكسرة والألف كأنه جمع بين حروف العلة الثلاثة ، فيقلب أثقلها : أى الواو ، إلى ما يجانس حركة ما قبلها : أى الياء ، وهذا الشرط - وإن لم يكن شرطا فى الأولين نحو قيم وتيروديم - لكنه يقويهما ، فلهذا جوّز تصحيح حولا ، وإن كان مصدر فعل فعل معلّ ، وجاز ثيرة


1) يقال : نوت الناقة تنوى نيا ونواية ونواية - بفتح النون وكسرها - فهى ناوية من نوق نواء ؛ إذا سمنت ، وكذلك يقال للجمل والرجل والمرأة والفرس ، قال أبو النجم :

مع ثورة لحمله على ثيران ، وصح خوان (1)وصوان (2)؛ لأنه ليس بجمع

قلب الواو ياء إذا اجتمع مع ياء

قال : «وتقلب الواو عينا أو لاما أو غيرهما ياء إذا اجتمعت مع ياء وسكن السّابق ، وتدغم ويكسر ما قبلها إن كان ضمّة ، كسيّد وأيّام وديّار وقيّام وقيّوم ودليّة وطىّ ومرمىّ ونحو مسلمىّ رفعا ، وجاء لىّ فى جمع ألوى - بالكسر والضّمّ - وأمّا نحو ضيون وحيوة ونهوّ فشاذ ، وصيّم وقيّم شاذ ، وقوله فما أرّق النّيّام إلّا سلامها أشذّ»

أقول : قوله «عينا» كما فى طىّ وسيّد وأيّام وديّار وقيّام وقيّوم ؛ إذ أصلها أيوام وقيوام وقيووم ، على فيعال وفيعول ، ولو كانا فعّالا وفعّولا لقيل قوّام وقوّوم

قوله «لاما» كما فى دليّة ، وأصله دليوة

قوله «أو غيرهما» كما فى مرمىّ ومسلمىّ ، إذا الواو فى الأول للمفعول ، والثانى واو الجمع

اعلم أن الواو والياء - وإن لم يتقاربا فى المخرج (3)حتى يدغم أحدهما فى الآخر كما فى ادّكر (4)واتّعد (5)- لكن لما استثقل اجتماعهما اكتفى


1) انظر (ح 1 ص 110 ، 111)

2) الصوان - ككتاب وغراب - : ما تصان فيه الثياب ، وقد قالوا فيه : صيان بقلب الواو ياء على غير قياس

3) مخرج الواو ما بين الشفتين ، ومخرج الياء وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى

4) أصل ادكر اذتكر بوزن افتعل من الذكر ، استثقل مجىء التاء ، وهى من الحروف المهموسة ، بعد الذال وهى من المجهورة ؛ فأبدلت التاء دالا ؛ لأنها توافق التاء فى المخرج وتوافق الذال فى الصفة : أى الجهر ؛ فصار اذدكر ؛ فيجوز فيه حينئذ ثلاثة أوجه : الاظهار ، والادغام بقلب الدال ذالا ، والادغام بقلب الذال دالا ، وأقل الثلاثة الادغام بقلب الدال ذالا

5) أصل اتعد إو تعد فقلبت الواو تاء وأدغمت فى التاء

لتخفيفهما بالإدغام بأدنى مناسبة بينهما ، وهى كونهما من حروف المد واللين ، وجرّأهم على التخفيف الإدغامى فيهما كون أولهما ساكنا ، فان شرط الإدغام سكون الأول ؛ فقلبت الواو إلى الياء ، سواء تقدمت الواو أو تأخرت ، وإن كان القياس فى إدغام المتقاربين قلب الأول إلى الثانى ، وإنما فعل ذلك ليحصل التخفيف المقصود ؛ لأن الواو والياء ليستا بأثقل من الواو المضعفة ، وإنما لم يدغم فى سوير وتبويع ، قال الخليل : لأن الواو ليست بلازمة ، بل حكمها حكم الألف التى هى بدل منها ؛ لأن الأصل ساير وتبايع ، فكما أن الألف التى هى أصل هذه الواو لا تدغم فى شىء ، فكذلك الواو التى هى بدل منها ، ولذلك لم يدغم نحو قوول وتقوول ، وأيضا لو أدغم نحو سوير وتسوير وقوول وتقوول لالتبس بفعّل وتفعّل ، وليس ترك الإدغام فيه لمجرد المد ؛ إذ المد إنما يمنع من الإدغام إذا كان فى آخر كلمة ، نحو قوله تعالى (قالُوا وَأَقْبَلُوا) و (فِي يَوْمٍ) أما فى الكلمة الواحدة فلا ، نحو مغزوّ ومرمىّ ، وذلك لأن الكلمتين بعرض الزوال ، فاجتمع مع خوف زوال المد عدم الاتصال التام ، ولا تدغم أيضا فى نحو ديوان واجليواذ ؛ لأن القلب عارض على غير القياس ، وبزول ذلك فى جمع ديوان وتصغيره نحو دواوين ودويوين ، وتقول فى اجليواذ : اجلواذ [على الأكثر] ولو كان ديوان فيعالا لوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء فيها كما فى أيام ، لكنه فعّال ، قلبت الواو ياء على غير القياس كما قلب فى قيراط ، وجمعه قراريط ، وكذا لا تدغم إذا خففت فى نحو رؤيا ورؤية بقلب الهمزة واوا ، بل تقول : رويا وروية ، وبعض العرب يقلب ويدغم فيقول : ريّا وريّة ، ولا يجوز ذلك فى سوير وبويع على حال ؛ لحصول الالتباس بباب فعّل ، بخلاف نحو ريّا وريّة ، ويقيس عليه بعض النحاة فيقول فى تخفيف قوى : قىّ ، وإذا خففت نحو رؤية ونؤى وأدغمت جاز الضم والكسر ، كما فى لىّ جمع ألوى ، كما ذكرنا ، وكذا إذا بنيت مثل فعل

من وايت وخففت الهمزة بالقلب قلت : وىّ (1)ووىّ ، وكذا فعل من شويت شىّ وشىّ ، وأما حيوة فقلبت الياء الثانية واوا فى العلم خاصة ؛ لأن الأعلام كثيرا ما تغير إلى خلاف ما يجب أن تكون الكلمة عليه ؛ تنبيها على خروجها عن وضعها الأصلى كموهب (2)

قد أخذ تنى نعسة أردنّ

وموهب مبز بها مصنّ

قال سيبويه : «جاءوا به على مفعل لأنه اسم ليس على الفعل ؛ إذ لو كان على الفعل لكان مفعلا» ا ه. يريد أنهم بنوه على مفعل بفتح العين لما ذكر ، ولو انهم جاءوا به على مذهب الفعل لقالوا موهب - بالكسر - كما هو قياس المصدر واسم الزمان والمكان من المثال الواوى ، وقال فى اللسان : «وقد يكون ذلك لمكان العلمية ؛ لأن الأعلام مما تغير عن القياس» ا ه

وموظب (3)

1) أصل وى وؤى - كقفل - فخففت الهمزة بقلبها واوا كما فى لوم وسوت ؛ فصار وويا - بواوين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة - أما ابن الحاجب فيرى فى ذلك عدم وجوب قلب أولى الواوين همزة ؛ لسكون الثانى ، ويجوز عنده بقاء الواوين ؛ لأن الثانية منقلبة عن همزة انقلابا جائزا فحكمها حكم الهمزة ؛ فلا يجب قلبها ياء ، ويجوز قلب الواو الثانية ياء ؛ لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون على مذهب من يقيس من النحاة على قول العرب ريا ورية - مخففى رؤيا ورؤية - وأما المؤلف فانه أوجب قلب أولى الواوين همزة فى هذا ، وحكاه عن الخليل وجمهور النحويين ، وندد على المصنف انفراده باشتراط تحرك ثانية الواوين ، ثم بعد هذا : إما أن لا تقلب الواو الثانية ياء وإما أن تقلب على نحو ما قدمنا ، فاذا علمت هذا تبين لك أن قول المؤلف «وى بضم الواو وكسرها» غير مستقيم على ما ارتضاه هو فيما سبق فى فصل قلب الواو همزة ، وهو مستقيم على أحد الوجهين اللذين يجوز ان عند ابن الحاجب

2) موهب : اسم رجل ، قال أباق الدبيرى :

3) قال فى اللسان : «وموظب - بفتح الظاء - أرض معروفة ، وقال أبو العلاء : هو موضع مبرك إبل بنى سعد مما يلى أطراف مكة ، وهو شاذ كمورق ،

ومكوزة (1)وشمس (2)

وإنّى لمهد من ثنائى

فقاصد

به لابن عم الصّدق شمس

بن مالك -

، ونحو ذلك ، وعند المازنى واو حيوة أصل ، كما ذكرنا فى الحيوان ،

وأما نهوّ فأصله نهوى لأنه فعول من النهى ، يقال : فلان نهوّ عن المنكر : أى مبالغ فى النهى عنه ، وقياسه نهىّ


1) قال فى اللسان : «وكويز ومكوزة اسمان ، شذ مكوزة عن حد ما تحتمله الأسماء الأعلام من الشذوذ ؛ نحو قولهم : محبب ورجاء بن حيوة ، وسمت العرب مكوزة ومكوازا» ا ه. ووجه الشذوذ فى مكوزة أنه لم يعل بالنقل والقلب على نحو ما فى مقالة ومنارة ، وهذا عند غير المبرد ، وأما عنده فلا شذوذ ؛ لأن شرط الاعلال أن يكون الاسم متضمنا معنى الفعل

2) شمس - بضم فسكون - : هو شمس بن مالك ؛ قال تأبط شرا :

قوله «وصيّم وقيّم شاذ» يعنى أن حق الواو إذا جامعت الياء وأولاهما ساكنة قلبها ياء ، وههنا اجتمعت الواوان وأولاهما ساكنة فقلبتا ياءين ، فلذا شذ ، والأولى أن يذكر شذوذ مثله بعد ذكر فصل دلىّ ومرضىّ ، وذلك لأن الواو المشددة - وإن قربت من الحرف الصحيح - لكنها تقلب ياء إذا وقعت فى الجمع طرفا ؛ لثقل الجمع ، وكون الطرف محل التخفيف ، فهى فى قوّم وصوّم لم تقع طرفا ، ومع ذلك قلبت ياء ؛ فهو شاذ ، ووجه القلب فيه - مع ذلك - قربه من الطرف فى الجمع ، ويجىء بعد أن القلب فى مثله قياسى ، وإنما كان النّيّام أشذ لكونه أبعد من الطرف ، قال

145 - ألا طرقتنا ميّة ابنة منذر

فما أرّق النّيام إلّا سلامها (1)

ألا خيّلت مىّ وقد نام صحبتى

وروى عجزه

فما أرّق التّهويم إلّا سلامها

طرقتنا : زارتنا ليلا ، والتخييل : بعث الخيال ، ومى : معشوقة الشاعر ، والتأريق : التسهيد ، والتهويم : أصله النوم الخفيف ، وأراد به هنا النائمين. والاستشهاد بالبيت فى الرواية المشهورة على أن النيام أشذ من صيم ، وذلك لأن الواو فى صوم قريبة من الطرف ؛ فعو ملت معاملة الواو الواقعة طرفا ، كما فى عتى وجثى جمعى عات وجاث ، بخلافها فى النيام فانها بعيدة من الطرف ؛ فلم يكن لمعاملتها معاملة الواو الواقعة طرفا وجه

الإعلال بالنقل

قال : «وتسكّنان وتنقل حركتهما فى نحو يقوم ويبيع ؛ للبسه بباب يخاف ، ومفعل ومفعل كذلك ، ومفعول نحو مقول ومبيع كذلك ، والمحذوف عند سيبويه واو مفعول ، وعند الأخفش العين ، وانقلبت واو مفعول


1) هذا بيت من الطويل ، قائله ذو الرمة ، وروى صدره

عنده ياء للكسرة فخالفا أصليهما ، وشذّ مشيب ومهوب ، وكثر نحو مبيوع ، وقلّ نحو مصوون ، وإعلال تلوون ويستحيى قليل ، وتحذفان فى نحو قلت وبعت وقلن وبعن ، ويكسر الأوّل إن كانت العين ياء أو مكسورة ، ويضمّ فى غيره ، ولم يفعلوه فى لست ؛ لشبه الحرف ، ومن ثمّ سكّنوا الياء ، وفى قل وبع ؛ لأنه عن تقول وتبيع ، وفى الإقامة والاستقامة ، ويجوز الحذف فى نحو سيّد وميّت وكيّنونة وقيّلولة»

أقول : إذا تحرك الواو والياء وسكن ما قبلهما فالقياس أن لا يعلا بنقل ولا بقلب ؛ لأن ذلك خفيف ، لكن إن اتفق أن يكون ذلك فى فعل قد أعل أصله باسكان العين أو فى اسم محمول عليه سكّن عين ذلك الفعل والمحمول عليه ؛ إتباعا لأصله ، وبعد الإسكان تنقل الحركة إلى ذلك الساكن المتقدم ، تنبيها على البنية ؛ لأن أوزان الفعل إنما تختلف بحركات العين ، وإنما كان الأصل فى هذا الإسكان الفعل دون الاسم لكونه أثقل ، على ما مر فى أول الباب ، ويشترط أن يكون الساكن الذى ينقل الحركة إليه له عرق فى التحرك : أى يكون متحركا فى ذلك الأصل ؛ فلذا لم ينقل فى نحو قاول وبايع وقوّل وبيّع ، ونقل فى أقام ويقيم ، فإن لم يسكن فى الأصل لم يسكن فى الفرع أيضا ؛ فلذا صح العين فى يعور وأعور ويعور واستعور ويستعور ، فإذا نقلت الحركات إلى ما قبل الواو والياء نظر : فان كانت الحركة فتحة قلبت الواو والياء ألفا ، لأنه إذا أمكن إعلال الفرع بعين ما أعل به الأصل فهو أولى ، وإن كانت كسرة أو ضمة لم يمكن قلبهما ألفا ، لأن الألف لا تلى إلا الفتح فيبقيان بحالهما ؛ إلا الواو التى كانت مكسورة فانها تقلب ياء ؛ لصيرورتها ساكنة مكسورا ما قبلها ، نحو يطيح وأصله يطوح (1)ويقيم وأصله يقوم ،


1) أنظر الجزء الأول من هذا الكتاب (ص 81 و 115)

فعلى هذا تقول : يخاف ويهاب ويقوم ويبيع ويطيح ويقيم

قوله «للبسه بباب يخاف» يعنى أنه لم يعلا بإعلال ماضيهما مع أن الماضى أصل المضارع ، وذلك بأن يقال : إن الواو والياء متحركان وما قبلهما فى تقدير الفتح بالنظر إلى الأصل الذى هو الماضى ، فيقلبان ألفا ، فيقال : يقام ويباع ، وذلك لأنه لو أعلّا كذلك لالتبسا بباب يخاف

واعلم أن الاسم الذى يحمل على الفعل فى هذا النقل نوعان :

أحدهما : الثلاثى المزيد فيه الموازن للفعل الموازنة المذكورة قبل فى قلب الواو والياء ألفا ، مع مباينته للفعل : إما بحرف زائد لا يزاد فى الفعل كميم مقام ومقام ومقوم ، على وزن مدهن من قام ومقيم ، فانها على وزن يفعل ويفعل وافعل أمرا ويفعل ، أو بحرف يزاد مثله فى الفعل متحرك بحركة لا يحرّك فى الفعل بمثلها ، نحو تباع وتبيع ؛ فان التاء المكسورة لا تكون فى أول الفعل ، إلا على لغة ، وقد ذكرنا الوجه فيه ، وعند المبرد يشترط مع الموازنة والمخالفة المذكورتين شرط آخر ، وهو أن يكون من الأسماء المتصلة بالأفعال ؛ فلذا لم يعل مريم ومدين ، وليسا عنده بشاذين ، فلا يعل عنده تقول وتبيع المبنيان من القول والبيع وغير ذلك ؛ إذ ليس فيهما معنى الفعل ، فان لم يكن مخالفا بما ذكرنا نحو أطول منك وأسود وتقول وتقول وأقول على وزن تنصر وتضرب واقتل ، وكذا أعين وأدور ؛ لم يعلّ الإعلال المذكور لئلا يلتبس بالفعل عند التسمية ، كما مر قبل ، وإنما لم ينقل فى نحو أخونة وأصونة وإن صيره التاء مباينا للفعل كالميم فى الأول لأن التاء وإن كانت ههنا لازمة فوضعها على عدم اللزوم ، فهى ههنا كما فى أسودة تأنيث أسود فى الحية ، فكأن التاء معدوم ، ولم ينقل فى نحو أهوناء وأبيناء لأن ألف التأنيث للزومه وكونه كجزء الكلمة أخرجها عن موازنة الفعل المذكورة كإخراج الألف فى الصّورى والحيدى ، والألف والنون فى

الطّيران والجولان ، كما ذكرنا قبل ، ومن العرب من ينقل كسرة الياء فى أبيناء ؛ فيقول : أبيناء ، لا لمشابهة الفعل ، وإلا نقل فى أهوناء أيضا ، بل لكراهة الكسر على الياء ، وهما مثلان ، كما حذفت الضمة فى نور جمع نوار استثقالا للضمة على الواو ، فأعل بالنقل : فى نحو أبيناء خاصة مع عدم الموازنة المذكورة ، لشدة الاستثقال ، وعدم الإعلال فى نحو أبيناء أكثر ، بل النقل شاذ ، بخلاف نحو نور فى جمع نوار فان الإسكان فيه أكثر لكون الواو المضمومة أثقل من الياء المكسورة حتى عد شاذا فى نحو قوله :

بالأكفّ اللّامعات سور (1)

وهو جمع سوار ،

وأصل مفعول أن يكون مفعلا فيوازن يفعل ، زيدت الواو لما ذكرنا فى بابه (2)

وأنّنى حيثما يثنى الهوى

بصرى

من حيث ما سلكوا أدنو

فأنظور

،

1) قد مضى شرح هذا الشاهد فى (ح 2 ص 127 ، 128)

2) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 189): «وكان قياسه (يريد اسم المفعول) أن يكون على زنة مضارعه ، كما فى اسم الفاعل ؛ فيقال : ضرب يضرب فهو مضرب ، لكنهم لما أداهم حذف الهمزة فى باب أفعل إلى مفعل قصدوا تغيير أحدهما للفرق ؛ فغيروا الثلاثى لما ثبت التغيير فى أخيه ، وهو اسم الفاعل ؛ لأنه وإن كان فى مطلق الحركات والسكنات كمضارعه ، لكن ليس الزيادة فى موضع الزيادة فى الفاعل ولا الحركات فى أكثرها كحركاته ، نحو ينصر فهو ناصر ، ويحمد فهو حامد ، وأما اسم الفاعل من أفعل فهو كمضارعه فى موضع الزيادة وفى عين الحركات فغيروه بزيادة الواو ؛ ففتحوا الميم لئلا يتوالى ضمتان بعدهما واو ، وهو مستثقل قليلا كمغرود وملمول وعصفور ؛ فبقى اسم المفعول من الثلاثى بعد التغيير المذكور كالجارى على الفعل ؛ لأن ضمة الميم مقدرة والواو فى حكم الحرف الناشىء من الاشباع كقوله : أدنو فأنظور» ا ه وقوله «أدنو فأنظور» قطعة من بيت هو :

فلما كان أصله الموازنة أعل بإسكان العين ، ولو لا ذلك لم يعل ، وأما سائر أسماء المفعولين فتوازن أفعالها المبنية للمفعول مع المباينة بالميم المصدرة

واعلم أن أصل مقول مقوول ، نقلت حركة العين إلى ما قبلها ؛ فاجتمع ساكنان ؛ فسيبويه يحذف الثانية دون الأولى ، وإن كان القياس حذف الأولى إذا اجتمع ساكنان والأولى مدة ، وإنما حكم بذلك لأنه رأى الياء فى اسم المفعول اليائى ثابتا بعد الإعلال نحو مبيع ، فحدس أن الواو هى الساقطة عنه ، ثم طرد هذا الحكم فى الأجوف الواوى ، وإنما خولف عنده باب التقاء الساكنين ههنا بحذف الثانى لأن الكلمة تصير به أخفّ منها بحذف الأول ، وأيضا يحصل الفرق بين المفعولين الواوى واليائى ، ولو حذف الأول لالتبسا ، فلما حذف واو مبيوع كسرت الضمة لتسلم الياء كما هو قياس قول سيبويه فى نحو تبيع من البيع ، وأما الأخفش فانه يحذف الساكن الأول فى الواوى واليائى ، كما هو قياس التقاء الساكنين ؛ فقيل له : فينبغى أن يبقى عندك مبوع ، فما هذه الياء فى مبيع؟ فقال : لما نقلت الضمة إلى ما قبلها كسرت الضمة لأجل الياء قبل حذف الياء ، ثم حذفت الياء للساكنين ، ثم قلبت الواو ياء للكسرة ، وفيه نظر ؛ لأن الياء إنما تستحق قلب ضمة ما قبلها كسرة إذا كانت مما يبقى ، لا مما يحذف ، فالأولى أن يقال على مذهبه : حذفت الياء أولا ، ثم قلبت الضمة كسرة ، فانقلبت الواو ياء ، وذلك للفرق بين الواوى واليائى ،

قوله «فخالفا أصليهما» أما مخالفة سيبويه فلأنه حذف ثانى الساكنين ، وأصله وأصل غيره حذف أولهما (1)وأما مخالفة الأخفش أصله فلأن أصله


1) اعلم أن الأصل عند سيبويه فى التقاء الساكنين حذف أولهما إذا كان حرف مد ، وحرف المد هو حرف العلة المسبوق بحركة تجانسه ، نحو لم يخف ولم ببع

أن الياء الساكنة تقلب واوا لانضمام ما قبلها ، وإن كانت الياء مما يبقى ، وقد كسر ههنا ضم ما قبل الياء مع أن الياء مما يحذف

قوله «وشذ مشيب» فى مشوب من شاب يشوب (1)

سيكفيك صرب القوم لحم

معرّص

وماء قدور فى القصاع

مشيب

الصرب : اللبن الحامض ، والمعرص - بعين وصاد مهملتين - : الموضوع فى العرصة ليجف ، ويروى مغرض - بمعجمتين - وهو الطرى ، ويروى معرض - بمهملة ومعجمة - وهو الذى لم ينضج بعد

ومنيل فى منول (2)من نال ينول : أى أعطى ، ومليم فى ملوم (3)، كأنها بنيت على شيب ونيل

1) من ذلك قول السليك بن السلكة السعدى :

2) قد بحثنا طويلا عن شاهد يدل على استعمال هذه الكلمة على الوجه الذى ذكره المؤلف فلم نعثر عليه ، ولكن سيبويه قد حكى أنهم يقولون : غار منيل ومنول انظر (ح 2 ص 363) وقد نقل ابن جنى فى شرحه على تصريف المازنى عن الفارسى تفسير ذلك حيث قال : معناه ينال فيه

3) لم يكن نصيب هذه الكلمة بعد البحث عن شاهد لها أحسن حالا من سابقتها

وليم ، كما شذ مهوب (1)

وتأوى إلى زغب مساكين

دونهم

فلا لا تخطّاه الرّفاق

مهوب

فلا : اسم جنس جمعى واحدته فلاة

من الهيبة ، كأنه بنى على هوب

قوله «وكثر نحو مبيوع ومخيوط» قال :

116 - قد كان قومك يحسبونك سيّدا

وإخال أنّك سيّد مغيون (2)

أكليب ؛ ما لك كلّ يوم

ظالما

والظّلم أنكد غبّه ملعون

أنكد : يعسر الخروج منه ، وغبه : عاقبته ، ومعيون : يروى بالعين المهملة ومعناه المصاب بالعين ، من عانه يعينه ، والقياس أن يقال : هو معين ، والصواب فى الرواية الموافق للمعنى (مغيون) بالغين المعجمة من قولهم : غين عليه ، إذا غطى ؛ وفى الحديث : إنه ليغان على قلبى ، والأصل فيه الغين ، وهو لغة فى الغيم ؛ قال الشاعر :

كأنّى بين خافيتى عقاب

أصاب حمامة فى يوم غين

والاستشهاد بالبيت فى قوله (مغيون) حيث تمم اسم المفعول من الأجوف اليائى ، وهى لغة تميمية ، ومثله قول علقمة :

حتّى تذكّر بيضات وهيّجه

يوم وذاذ عليه الدّجن مغيون

قال سيبويه (ح 2 ص 363): «وبعض العرب يخرجه (يريد اسم المفعول من الأجوف) على الأصل فيقول : مخيوط ومبيوع ، فشبهوها بصيود وغيور ، حيث كان بعدها حرف ساكن ولم تكن بعد الألف فتهمز ، ولا نعلمهم أنموا فى الواوات ؛ لأن الواوات أثقل عليهم من الياءات ، ومنها يفرون إلى الياء ، فكرهوا اجتماعهما مع الضمة» ا ه

وهى لغة تميمية

قوله «وقلّ نحو مصوون» لكون الواوين أثقل من الواو والياء ، ومنع سيبويه ذلك (3) وقال : لا نعلمهم أتموا الواوات ، وحكى الكسائى خاتم


1) من ذلك قول حميد بن ثور الهلالى يصف قطاة :

2) هذا البيت للعباس بن مرداس السلمى يقوله لكليب بن عيينة السلمى ، وقبله :

مصووغ ، وأجاز فيه كله أن يأتى على الأصل قياسا

قوله «وتحذفان فى قلت وبعت» إلى قوله «ويضم فى غيره» مضى شرحه فى أول الكتاب

قوله «ولم يفعلوه فى لست» أى : لم يكسروا اللام مع أنه يائى من باب فعل المكسور العين ، وأحدهما يكفى للكسر كبعت وخفت ؛ فكيف بهما جميعا؟ وذلك لأنه لما لم يتصرّف حذفت الكسرة نسيا ولم تنقل إلى ما قبل الياء ؛ فصار ليس كليت

قوله «ومن ثم سكنوا الياء» أى : لم يقلبوا الياء ألفا لأن ذلك تصرف ، كما أن نقل حركة الياء إلى ما قبلها تصرف ، فلما كان الفعل غير متصرف لم يتصرف فيه بقلب ولا نقل ؛ بل حذفت الحركة نسيا ، والدليل على أن العين كانت مكسورة أن فتحة العين لا تحذف ؛ فلا يقال فى ضرب : ضرب ، كما يقال فى علم : علم ، وباب فعل - بالضم - لا يجىء فيه الأجوف اليائى إلا هيؤ ، وهو شاذ

قوله «وفى قل وبع» عطف على نحو قلت وبعت

قوله «لأنه عن تقول وتبيع» يعنى إنما أعل قل وبع بالنقل (1)لكونهما عن تقول وتبيع


1) هكذا وردت هذه العبارة فى جميع أصول الكتاب ، وأنت لو تأملت فى عبارة ابن الحاجب وفى تعليل الرضى تبين لك أن الصواب أن يقال : إنما أعل قل وبع بالحذف ؛ لأن قول ابن الحاجب «وفى قل وبع» معطوف على قوله «فى نحو قلت وبعت» وهو معمول لقوله «وتحذفان» فكأنه قال : وتحذفان فى قل وبع لأنه عن تقول وتبيع. ثم إن أخذ الأمر من المضارع بعد نقل حركة العين إلى الفاء ليس فيه إلا حذف العين للتخلص من التقاء الساكنين ، وعلى الجملة : ليس فى

قوله «وفى الإقامة والاستقامة» هذا هو النوع الثانى مما تنقل حركة عينه إلى ما قبله ، وضابطه ما ذكرنا قبل من كونه مصدرا قياسيا مساويا لفعله فى ثبوت زيادات المصدر بعينها فى مثل مواضعها من الفعل ، والذى ذكره المصنف من حذف الألف المنقلبة عن الواو والياء فى نحو الإقامة والإبانة مذهب الأخفش ، وعند الخليل وسيبويه أن المحذوفة هى الزائدة ، كما قالا فى واو مفعول ، وقول الأخفش أولى (1)قياسا على غيره مما التقى فيه ساكنان


1) قد رجح ابن الحاجب والرضى هنا رأى الأخفش ، وهما تابعان فى هذا لأبى عثمان المازنى حيث رجح مذهب الأخفش فى مفعول وفى إفعال ؛ إذ يقول فى كتابه التصريف : «وزعم الخليل وسيبويه أنك اذا قلت : مبيع ومقول ؛ فالذاهب لالتقاء الساكنين واو مفعول ، وقال الخليل : إذا قلت مبيوع فألقيت حركة الياء على الباء وسكنت الياء التى هى عين الفعل وبعدها واو مفعول فاجتمع ساكنان ؛ فحذفت واو مفعول ، وكانت أولى بالحذف ؛ لأنها زائدة ، وكان حذفها أولى ، ولم تحذف الياء ؛ لأنها عين الفعل ، وكذلك مقول ، الواو الباقية عين الفعل ، والمحذوفة واو مفعول ، وكان أبو الحسن يزعم أن المحذوفة عين الفعل والباقية واو مفعول ؛ فسألته عن مبيع ، فقلت : ألا ترى أن الباقى فى مبيع الياء ولو كانت واو مفعول لكانت مبوع؟ فقال : إنهم لما أسكنوا ياء مبيوع وألقوا حركتها على الباء انضمت الباء وصارت بعدها ياء ساكنة فأبدلت مكان الضمة كسرة للياء التى بعدها ، ثم حذفت الياء بعد أن ألزمت الباء كسرة للياء التى حذفتها ، فوافقت واو مفعول الباء مكسورة ، فانقلبت ياء للكسرة التى قبلها ، كما انقلبت واو ميزان وميعاد ياء للكسرة التى قبلها ، وكلا الوجهين حسن جميل ، وقول الأخفش أقيس ، فاذا قلت من أفعلت مصدرا نحو أقام إقامة وأخاف إخافة فقد حذفت من إقامة وإخافة ألفا ؛ لالتقاء

قوله «ويجوز الحذف فى نحو سيّد وميّت وكيّنونة وقيّلولة» فيه نظر ، وذلك لأن الحذف جائز فى نحو سيّد وميّت ، واجب فى نحو كيّنونة ، إلا فى ضرورة الشعر ، قال :

147 - يا ليت أنّا ضمّنا سفينه

حتّى يعود الوصل كيّنونه (1)

قد فارقت قرينها القرينه

وشحطت عن دارها الظّعينه

وقرينها : مفعول مقدم على الفاعل ، والقرينة : الزوجة ، وشحطت : بعدت ، والظعينة : المرأة ما دامت فى الهودج ، والمراد هنا المرأة مطلقا ، وكينونة : مصدر كان ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «كينونة» بتشديد الياء مفتوحة فان هذا يدل على أن الكينونة - بسكون الياء - مخفف منه ، ووجه الدلالة على هذا أن الشاعر لما اضطر راجع الأصل المهجور.

اعلم أن نحو سيّد وميّت عند سيبويه فيعل - بكسر العين - وكينونة وقيلولة - عنده كيّنونة وقيّلولة - بفتح العين - على وزن عيضموز (2)إلا أن اللام مكررة فى كيّنونة والتاء لازمة ، ولما لم يوجد فى غير الأجوف بناء فيعل - بكسر العين - ولا فيعلولة فى المصادر حكم بعضهم بأن أصل سيد وميت فيعل - بفتح العين - كصيرف


1) هذا البيت من الرجز أنشده المبرد وابن جنى وابن برى ، وذكر المبرد قبله :

2) العيضموز : العجوز والناقة الضخمة انظر (ح 1 ص 263)

فكسر كما فى بصرى - بكسر الفاء - ودهرى - بالضم - على غير القياس قال سيبويه (1)

تيحان وهيبان ، وقد قال غيره هو فيعل (بفتح العين) ؛ لأنه ليس فى غير المعتل فيعل (بكسر العين) وقالوا : غيرت الحركة ؛ لأن الحركة قد تقلب إذا غير الاسم ، ألا تراهم قالوا : بصرى ، وقالوا : أموى ، وقالوا : أخت ، وأصله الفتح ، وقالوا :

دهرى؟ فكذلك غيروا حركة فيعل ، وقول الخليل أعجب إلى ؛ لأنه قد جاء فى المعتل بناء لم يجىء فى غيره ، ولأنهم قالوا : هيبان وتيحان فلم يكسروا ، وقد قال بعض العرب :

ما بال عينى كالشّعيب العيّن

فانما يحمل هذا على الاضطراد حيث تركوها مفتوحة فيما ذكرت لك ، ووجدت بناء فى المعتل لم يكن فى غيره ولا تحمله على الشاذ الذى لا يطرد ؛ فقد وجدت سبيلا إلى أن يكون فيعلا (بكسر العين) وأما قولهم : ميت وهين ولين فأنهم يحذفون العين كما يحذفون الهمزة من هائر لاستثقالهم الياءات كذلك حذفوها فى كينونة وقيدودة وصيرورة لما كانوا يحذفونها فى العدد الأقل ألزموهن الحذف إذا كثر عددهن وبلغن الغاية فى العدد إلا حرفا واحدا ، وإنما أرادوا بهن مثال عيضموز» ا ه

: لو كان مفتوح العين لم يغير ، كما لم يغير هيّبان (2)وتيّحان (3)

1) قال سيبويه (ح 2 ص 371 و 372): «وكان الخليل يقول : سيد فيعل وإن لم يكن فيعل فى غير المعتل ؛ لأنهم قد يخصون المعتل بالبناء لا يخصون به غيره من غير المعتل ، ألا تراهم قالوا : كينونة ، والقيدود ؛ لأنه الطويل فى غير السماء ، وإنما هو من قاد يقود ، ألا ترى أنك تقول : جمل منقاد وأقود ، فأصلهما فيعلولة ، وليس فى غير المعتل فيعلول مصدرا ، وقالوا : قضاة ؛ فجاءوا به على فعلة فى الجمع ، ولا يكون فى غير المعتل للجمع ، ولو أرادوا فيعل لتركوه مفتوحا كما قالوا :

2) الهيبان : الجبان ، وهو أيضا الراعى ، وزيد أفواه الابل ، والتيس ، والتراب ، وسموا به ، وقد حكى صاحب القاموس أنه ورد مكسورا أيضا ، وهو خلاف عبارة سيبويه

3) التيحان : الذى يتعرض لكل شىء ويدخل فيما لا يعنيه ، وقال

ولجاز الاستعمال شائعا ، ولم يسمع من الأجوف فيعل إلّا عيّن قال :

ما بال عينى كالشّعيب العيّن (1)

وقال الفراء - تجنبا أيضا من بناء فيعل - بكسر العين - : أصل نحو جيد جويد كطويل ؛ فقلبت الواو إلى موضع الياء والياء إلى موضع الواو ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت كما فى طىّ ، وقال فى طويل : إنه شاذ ، قال : وإنما صار هذا الإعلال قياسا فى الصفة المشبهة لكونها كالفعل وعملها عمله ، فإن لم يكن صفة كعويل لم يعل هذا الإعلال ، وقال فى كينونة ونحوها : أصلها كونونة كبهلول (2)وصندوق ، ففتحوا الفاء لأن أكثر ما يجىء من هذه المصادر ذوات الياء نحو صار صيرورة ، وسار سيرورة ، ففتحوه حتى تسلم الياء ؛ لأن الباب للياء ، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء ؛ فقلبوا الواو ياء فى كينونة حملا على صيرورة ، وهذا كما قال فى قضاة : إن أصله قضّى كغزّى ؛ فاستثقلوا التشديد على العين ؛ فخففوا وعوضوا من الحرف المحذوف التاء ، وقول سيبويه فى ذلك كله هو الأولى ، وهو أن بعض الابواب قد يختص ببعض الأحكام فلا محذور من اختصاص الأجوف ببناء فيعل - بكسر العين - وغير الأجوف ببناء فيعل - بفتحها - وإذا جاز عند الفراء اختصاص فعيل الأجوف بتقديم الياء على العين ، وعند ذلك الآخر بنقل فيعل - بالفتح - إلى فيعل بالكسر فما المانع من اختصاصه ببناء فيعل ، وكذا لا محذور من اختصاص مصدر الأجوف بفيعلولة وحمع الناقص بفعلة - بضم الفاء - ، وقول الفراء : إنهم حملوا الواو على الياء لأن الباب للياء ؛ ليس بشىء ؛ لأن المصادر على هذا الوزن قليلة ، وما جاء منها


1) قد سبق شرح هذا الشاهد فارجع اليه (ح 1 ص 150)

2) البهلول : السيد الجامع لكل خير ، والضحاك أيضا

فذوات الواو منها قريبة فى العدد من ذوات الياء أو مثلها ، نحو كينونة ، وقيدودة (1)، وحال حيلولة ، وإنما لزم الحذف فى نحو كينونة وسيدودة (2)دون سيّد وميّت لأن نهاية الاسم أن يكون على سبعة أحرف بالزيادة ، وهذه على ستة ، وقد لزمها تاء التأنيث ؛ فلما جاز التخفيف فيما هو أقل منها نحو سيد لزم التخفيف فيما كثر حروفه ، أعنى نحو كينونة ، ويقل الحذف فى نحو فيعلان ، قالوا : ريحان وأصله ريّحان ، وأصله ريوحان من الرّوح

لغات الأجوف المبنى للمفعول

قال : «وفى باب قيل وبيع ثلاث لغات : الياء ، والإشمام ، والواو ، فإن اتّصل به ما يسكّن لامه نحو بعت يا عبد وقلت يا قول ، فالكسر والإشمام والضّمّ ، وباب اختير وانقيد مثله فيها ، بخلاف أقيم واستقيم»

أقول : قد مضى شرح هذا فى شرح الكافية (3)

قوله «ما يسكن لامه» أى : تاء الضمير ونونه ، فإذا اتصل به ذلك حذفت العين ، ويبقى الفاء مكسورا كسرا صريحا ، وهو الأشهر ، كما هو كذلك قبل الحذف ، ويجوز إشمام الكسرة شيئا من الضم ، كما جاز قبل الحذف ، وضمه


1) القيدودة : مصدر قدت الدابة أقودها كالقيادة والمقادة والتقواد والقود ، وقد جاءت القيدودة وصفا بمعنى الطويلة فى غير صعود

2) السيدودة : مصدر ساد الرجل قومه يسودهم ، ومثله السود والسودد والسيادة ، وقد وقع فى أصول الكتاب «سيرورة» براءين فى مكان الدالين ، وذلك غير متفق مع ما سبق للمؤلف (ح 1 ص 152 ، 153) حيث ذكر فى مصادر الأجوف اليائى الفعلولة ومثل له بالصيرورة والشيخوخة ، وذكر فى مصادر الواوى منه الفيعلولة ومثل له بالكينونة ، وظاهر هذا أن الذى يخفف هو الواوى. والذى يستفاد من عبارة سيبويه التى قدمناها لك قريبا أن الفيعلولة جاءت فى اليائى والواوى جميعا

3) انظر (ح 2 ص 250 ، 251) من شرح الكافية

صريحا كما كان قبل الحذف ، وإذا قامت قرينة على أن المراد به المعلوم أو المجهول نحو قلت يا قول ، وبعت يا عبد ، وخفت يا هول ، جاز الضم الصريح فى الأول والكسر الصريح فى الأخيرين بناء على القرينة ، وإن لم تقم قرينة فالأولى الكسر أو الإشمام فى الأول والضم أو الإشمام فى الأخيرين

قوله «وباب اختير وانقيد» يعنى باب افتعل وانفعل من الأجوف مثل فعل فى جواز الأوجه الثلاثة ؛ لأن الضم والإشمام إنما جاء من ضم ما قبل الواو والياء ، وأما فى أقيم واستقيم وأصلهما أقوم واستقوم فليس ما قبل حرف العلة مضموما ، فلا يجوز إلا الكسر الصريح

شروط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي

قال : «وشرط إعلال العين فى الاسم غير الثّلاثىّ والجارى على الفعل ممّا لم يذكر موافقة الفعل حركة وسكونا مع مخالفة بزيادة أو بنية مخصوصتين فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلىء قلت مبيع وتبيع معلّا ومثل تضرب قلت تبيع مصحّحا»

أقول : قوله «غير الثلاثى» لأن الثلاثى لا يشترط فيه مع موازنة الفعل المذكورة مخالفته

قوله «والجارى على الفعل» أى : وغير الجارى ، ونعنى بالجارى المصدر نحو الاقامة والاستقامة ، واسمى الفاعل والمفعول من الثلاثى وغيره ، ويجوز أن يقال فيهما بالموازنة : أما فاعل فعلى وزن يفعل ، باعتبار الحركات والسكنات ؛ وأما مفعول كمقتول فإن الواو فيه على خلاف الأصل ، والأصل فيه مفعل كيفعل على ما ذكرنا

قوله «مما لم يذكر» لم يحتج إليه ؛ لأنه لا بد لكل اسم قلب عينه ألفا ، سواء كان مما ذكر أو لم يذكر ، من الموافقة المذكورة فى الثلاثى والمزيد فيه ، مع المخالفة المذكورة فى المزيد فيه ، وكذا فى نقل حركة العين المزيد فيه إلى

الساكن الذى قبله ، كما ذكرنا ، إلا فى نحو الاقامة والاستقامة ، فإن فيه قلبا ونقلا مع عدم الموافقة المذكورة ، وذلك لما ذكرنا قبل من المناسبة التامة لفعله ، وإلا فى باب بوائع ؛ فإن فيه قلبا مع عدمها أيضا ، وذلك للثقل البالغ كما مر (1)

قال : «اللّام ؛ تقلبان ألفا إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما إن لم يكن بعدهما موجب للفتح ، كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى (2)بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين وغزو ورمى ، وبخلاف غزوا ورميا وعصوان ورحيان للالباس ، واخشيا نحوه ، لأنّه من باب لن يخشيا ، واخشينّ لشبهه بذلك ، بخلاف اخشوا واخشونّ واخشى واخشينّ»

أقول : اعلم أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما وهما لامان قلبتا ألفين ، وإن لم تكونا فى الاسم الجارى على الفعل ، ولا الموازن له ، كربا وزنى ، أو كانا فيما يوازن الفعل بلا مخالفة له ، كما فى أحوى وأشقى ، وإنما اشترط الجريان أو المشابهة المذكورة فى العين دون اللام لأن اللام محل التغيير فيؤثر فى قلبها العلة الضعيفة : أى تحركها وانفتاح ما قبلها

قوله «إن لم يكن بعدهما موجب للفتح» احتراز عن نحو غزوا ورميا فى الماضى وترضيان وتغزوان فى المضارع ، وعصوان ورحيان فى الاسم ، فإن ألف الضمير فى غزوا ويرضيان وألف التثنية فى عصوان ورحيان إنما ألحقتا بالألف المنقلبة عن الواو والياء فردت الألف التى هى لام إلى أصلها من الواو والياء ؛ إذ لو لم ترد لالتبس المثنى فى الماضى بالمفرد ومثنى المضارع ومثنى الاسم


1) انظر (ص 101) من هذا الجزء

2) كذا فى جميع النسخ المطبوعة من المتن ومن شروح الشافية ، وفى الخطية «وفتى»

بالمفرد ، عند سقوط النون ، فلو قلبت الواو والياء إلى الألف بعد رد الألف إليهما لحصل الوقوع فيما فر منه ، أعنى الالتباس ، وإنما لم يقلب فى اخشيا لكونه فرع يخشيان المؤدى إلى اللبس لو قلبت لامه ، وإنما لم يقلب فى اخشينّ لعروض حركة الياء لأجل النون على ما تقدم ، فالحق أن يقال : لم تقلب حروف العلة المتحركة لأجل إلحاق ألف الضمير فى غزوا ورميا ، وألف المثنى والجمع فى نحو عصوان وصلوات ، ونون التأكيد فى نحو ارضينّ ؛ ألفا ؛ لعروض حركاتها لأجل هذه اللواحق ، فانها وإن كانت أصلها الحركة إلا أنها لو لا هذه اللواحق لم تتحرك ، فحركتها إذن عارضة ، ولا يقلب الواو والياء ألفا إذا تحركتا بحركة عارضة ، ويرضيان ويغزوان وعصوان ورحيان هذه اللواحق كما ذكرنا أوجبت رجوع الألفات إلى أصولها لئلا يلتبس ، ولم يقلب الواو والياء ألفا بعد الرد إلى الأصل لئلا يكون رجوعا إلى ما فر منه

قوله «لشبهه بذلك» يعنى أن النون اللاحق بالفعل من غير توسط ضمير بينهما مثل الألف ، فقولك اخشينّ مثل اخشيا ، وقد ذكرنا ما على هذا الكلام فى آخر شرح (1)الكافية ؛ فالأولى أن عدم القلب فى اخشينّ لأن اللام قد


1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 378): «لما كان النون بعد الضمير البارز صار كالكلمة المنفصلة ؛ لأن الضمير فاصل ، ولما لم يكن ضمير بارز كان النون كالضمير المتصل ، هذا زبدة كلامه (يريد ابن الحاجب) ، ويرد عليه أن المتصل ليس هو الألف فقط بل الياء والواو فى ارضوا وارضى متصلان أيضا وأنت لا تثبت اللام معهما كما تثبتها مع الألف ؛ فليس قوله إذن «فكالمتصل» على إطلاقه بصحيح ، وأيضا يحتاج إلى التعليل فيما قاس النون عليه من المتصل والمنفصل إذا سئل مثلا لم لم تحذف اللام فى اخشيا وارميا واغزوا كما حذفت فى اخش وارم واغز ولم ضمت الواو فى ارضوا الرجل وكسرت الياء فى ارضى الرجل ولم تحذفا كما فى ارموا الرجل وارمى الغرض؟ وكل علة تذكرها فى المحمول عليه فهى مطردة فى المحمول فما فائدة الحمل؟ وإنما يحمل الشىء على الشىء إذا لم يكن المحمول

رد كما ذكرنا هناك (1)فلو قلب لوجب حذفه فلم يتبين رده ، وفى اخشيا لكونه فرع يخشيان ، ولا نقول بعروض الحركة ؛ إذ لو لم يعتد بالحركة فى مثله لم يرد العين فى خافا وخافنّ

قوله «كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى» أمثلة لما تحرك الواو والياء فيه وانفتح ما قبلهما ولم يكن بعدهما موجب للفتح فقلبا ألفين

قوله «بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين» أمثلة لما انفتح ما قبل الواو والياء فيه وسكنا فلم يقلبا

قوله «وغزو ورمى» مثالان لما تحرك واوه وياؤه وسكن ما قبلهما فلم يقلبا ولم يكن كأقوم أى مفتوح حرف العلة فرعا لما انفتح ما قبلها حتى يحمل عليه

قوله «وبخلاف غزوا ورميا» إلى قوله «لشبهه بذلك» أمثلة لما تحرك واوه وياؤه وانفتح ما قبلهما وكان بعدهما موجب لبقائهما بلا قلب

قوله «بخلاف اخشوا واخشونّ واخشى واخشينّ» يعنى أن أصلها اخشيوا واخشيونّ واخشيى واخشيينّ فقلبت الياء ألفا وحذفت ؛ لأن حذف اللام ههنا لا يلبس كما كان يلبس فى يخشيان لو حذفت ؛ فلم يحذف ، وحمل اخشيا عليه ؛ لأنه فرعه وإن لم يلبس. وحمل اخشينّ على اخشيا لمشابهة النون فى مثله للألف ، ولمانع أن يمنع أن أصل اخشوا اخشيوا ، وأصل اخشى اخشيى ، وذلك لأن الواو


1) قال فى شرح الكافية (2 : 376): «وإنما ردت اللامات المحذوفة للجزم أو للوقف فى نحو لتغزون واغزون ولترمين وارمين ولتخشين واخشين لأن حذفها كان للجزم أو للوقف الجارى مجراه ، ومع قصد البناء على الفتح للتركيب لا جزم ولا وقف» ا ه

والألف والياء كل واحد منها فاعل يلحق الفعل كما يلحق زيد فى رمى زيد لا فرق بينهما ، إلا أن اتصال الضمير أشد ، ولا يلزم أن يلحق الفاعل أصل الفعل ، بل يلحقه بعد الإعلال ؛ لأنه ما لم ينقّح أصل الكلمة ولم تعط مطلوبها فى ذاتها لم يلحق بها مطلوبها الخارجى

فان قيل : فلم لم يقل غزات ورمات ، فى غزوت ورميت

قلت : تنبيها على عدم تقدير الحركة فى حرف العلة ، كما ذكرنا فى ذى الزيادة (1)والدليل على أن الضمائر تلحق الكلمات بعد تخفيفها قولهم : رضيوا وغزيوا باسكان العين للتخفيف ، كما قيل فى عصر : عصر ، ولو لحق الواو رضى ورمى مكسور العين وجب حذف الياء للساكنين ؛ لأن الضمة على الياء بعد الكسرة تحذف ، فيلتقى ساكنان : الياء ، والواو ، فاذا كان الضمير يلحق الفعل بعد التخفيف النادر القليل فما ظنك بالتخفيف الواجب المطرد؟ ولو سلم أيضا أن الأصل اخشيوا واخشيى فان الحركة عارضة لأجل الضمير فلا تقلب لأجلها الياء ألفا [كما مرمرارا]

والحق أن يقال : إن أصل اخشوا واخشى اخش لحقته الواو والياء ؛ وأصل اخشونّ واخشينّ اخشوا واخشى لحقته النون فحركت الواو والياء للساكنين ، ولم يحذفا ؛ لأنهما ليسا بمدتين كما فى اغزنّ وارمنّ ، ولا يجوز حذف كلمة تامة ، أعنى الضميرين بلا دليل عليهما ، ولم يقلب الواو والياء ألفا فى اخشونّ واخشينّ ؛ لأن كل واحد منهما كلمة برأسها فلا يغيران بالكلية ، وأيضا حركتهما عارضة للساكنين كما ذكرنا

قلب الواو ياء إذا وقعت لاما

قال : «وتقلب الواو ياء إذا وقعت مكسورا ما قبلها ، أو رابعة فصاعدا ولم ينضمّ ما قبلها ، كدعى ورضى والغازى ، وأغزيت وتغزّيت واستغزيت


1) انظر (ج 2 ص 370)

ويغزيان ويرضيان ، بخلاف يدعو ويغزو ، وقنية وهو ابن عمّى دنيا شاذّ ، وطيّىء تقلب الياء فى باب رضى وبقى ودعى ألفا

وتقلب الواو طرفا بعد ضمّة فى كلّ متمكّن ياء فتنقلب الضّمّة كسرة كما انقلبت فى التّرامى والتّجارى - فيصير من باب قاض ، نحو أدل وقلنس ، بخلاف قلنسوة وقمحدوة ، وبخلاف العين كالقوباء والخيلاء ، ولا أثر للمدّة الفاصلة فى الجمع إلّا فى الإعراب ، نحو عتىّ وجثىّ ، بخلاف المفرد ، وقد تكسر الفاء للاتباع فيقال : عتىّ وجثىّ ، ونحو نحوّ شاذّ ، وقد جاء نحو معدىّ ومغزىّ كثيرا ، والقياس الواو»

أقول : اعلم أن الواو المتحركة المكسور ما قبلها لا تقلب ياء لتقويها بالحركة إلا بشرطين : أحدهما أن تكون لاما ؛ لأن الآخر محل التغيير ، فهى إذن تقلب ياء ، سواء كانت في اسم كرأيت الغازى ، أو فعل : مبنيا للفاعل كان كرضى من الرضوان ، أو للمفعول كدعى ، وسواء صارت فى حكم الوسط بمجىء حرف لازم للكلمة بعدها نحو غزيان على فعلان من الغزو ، وغزية على فعلة منه ، مع لزوم التاء كما فى عنصوة ، أو لم تصر كما فى غازية ، وقولهم مقاتوة فى جمع مقتوىّ شاذ (1)

إنّى امرؤ من بنى فزارة

لا

أحسن قتو الملوك والخببا

وقد قالوا للخادم : مقتوى - بفتح الميم وتشديد الياء آخره - وكأنهم نسبوه إلى المقتى الذى هو مصدر ميمى بمعنى خدمة الملوك ، وقالوا : مقتوين بمعنى خدم الملوك ، مثل قول عمرو بن كلثوم التغلبى :

بأىّ مشيئة عمرو بن هند

نكون لقيلكم فيها قطينا؟

تهدّدنا وأوعدنا رويدا ،

متى كنّا لامّك مقتوينا؟

وقد اختلف العلماء فى ضبطه وتخريجه ؛ فضبطه أبو الحسن الأخفش بضم الميم وكسر الواو ، على أنه جمع مقتو اسم فاعل من اقتوى ، وأصله مقتوو بوزن مفعلل قلبت الواو الأخيرة ياء ؛ لنطرفها إثر كسرة ، ثم يعل ويجمع كما يعل ويجمع قاض ، وأصل اقتوى اقتوو ، قلبت الواو الثانية ألفا ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولم يدغموا كما يدغمون فى احمر ؛ لأن الاعلال مقدم على الادغام ، وذلك كما فى ارعوى ، ويدل لصحة ما ذهب إليه أبو الحسن قول يزيد بن الحكم يعاتب ابن عمه :

تبدّل خليلا بى كشكلك

شكله

فإنّى خليلا صالحا بك

مقتوى

وذهب غير واحد من الأئمة إلى أن مقتوين بفتح الميم وكسر الواو ، ولهم فيه تخريجان ستسمعهما بعد فيما نحكيه من أقوالهم ، وحكى أبو زيد وحده فتح الواو مع أن الميم مفتوحة

قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 153) فى الكلام على مواضع تاء التأنيث : «السادس أن تدخل أيضا على الجمع الأقصى دلالة على أن واحده منسوب كالأشاعثة والمشاهدة فى جمع أشعثى ومشهدى ، وذلك أنهم لما أرادوا أن يجمعوا المنسوب جمع التكسير وجب حذف ياءى النسب ؛ لأن ياء النسب والجمع لا يجتمعان ؛ فلا يقال فى النسبة إلى رجال : رجالى بل رجلى كما يجىء فى باب النسبة إن شاء الله ؛ فحذفت ياء النسبة ثم جمع بالتاء فصار التاء كالبدل من الياء كما أبدلت من الياء فى نحو فرازنة وجحاجحة كما يجىء ، وإنما أبدلت منها لتشابه الياء والتاء فى كونهما للوحدة كتمرة ورومى ، وللمبالغة كعلامة ودوارى ، ولكونهما زائدتين لا لمعنى فى بعض المواضع كظلمة وكرسى ، وقد تحذف ياء النسب إذا جمع الاسم جمع السلامة بالواو والنون لكن لا وجوبا كما فى جمع التكسير ، وإنما يكون هذا فى اسم تكسيره - لو جمع - على وزن الجمع الأقصى كالأشعرون والأعجمون فى جمع أشعرى وأعجمى وكذا المقتوون والمقاتوة فى جمع مقتوى ؛ قال :

متى كنّا لأمّك مقتوينا

والتاء فى مثل هذا المكسر لازمة ؛ لكونها بدلا عن الياء ولو كان جمع المعرب أو جمع المنسوب غير الجمع الأقصى لم تأت فيه بالتاء فلا تقول فى جمع فارسى :

فرسة ؛ بل فرس ، ولا فى جمع لجام : لجمة ؛ بل لجم ، وكأن اختصاص الأقصى بذلك ليرجع الاسم بسبب التاء إلى أصله من الانصراف» ا ه. وقال أيضا فى باب جمع السلامة (ح 2 ص 172) ما نصه : «وحكى عن أبى عبيدة وأبى زيد جعل نون مقتوين معتقب الاعراب ، ولعل ذلك لأن القياس مقتويون - بياء النسب - فلما حذف ياء النسب صار مقتوون كقلون ، وقوله :

متى كنّا لأمّك مقتوينا

الألف فيه بدل من التنوين إن كان النون معتقب الاعراب ، وإلا فالألف للاطلاق ، وحكيا جميعا : رجل مقتوين ، ورجلان مقتوين ، ورجال مقتوين ، قال أبو زيد : وكذا للمرأة والمرأتين والنساء ، ولعل سبب تجرئهم على جعل مقتوين للمثنى والمفرد فى المذكر والمؤنث مع كونه فى الأصل جمع المذكر كثرة مخالفته للجموع ، وذلك من ثلاثة أوجه : كون النون معتقب الاعراب ، وحذف ياء النسب الذى فى الواحد وهو مقتوى ، وإلحاق علامة الجمع بما بقى منه وهو مقتو مع عدم استعماله ، ولو استعمل لقلب واوه ألفا فقيل : مقتى ، ولجمع على مقتون - كأعلون - لا على مقتوون ، وإنما قلنا : إن واحده مقتو المحذوف الياء كما قال سيبويه فى المهلبون والمهالبة : إنه سمى كل واحد منهم باسم من نسب إليه ؛ فكان كلا منهم مهلب ؛ لأن الجمع فى الظاهر للمحذوف منه ياء النسب ، ويجوز أن يقال : إن ياء النسب فى مثل مقتوون والأشعرون والأعجمون حذف بعد جمعه بالواو والنون ، وكان الأصل مقتويون وأشعريون وأعجميون ، وحكى أبو زيد فى مقتوين فتح الواو قبل الياء فى من جعل النون معقب الاعراب نحو مقتوين ، وذلك أيضا لتغييره عن صورة الجمع بالكلية لما خالف ما عليه جمع السلامة» ا ه

وقال أبو الحسن الأخفش فى شرح نوادر أبى زيد (ص 188) : القياس - وهو مسموع من العرب أيضا - فتح الواو من مقتوين فنقول : مقتوين فيكون الواحد مقتى فاعلم ، مثل مصطفى فاعلم ، ومصطفين إذا جمعت ، ومن قال : مقتوين فكسر الواو فانه يفرده فى الواحد والتثنية والجمع والمؤنث ، لأنه عنده مصدر فيصير بمنزلة قولهم : رجل عدل وفطر وصوم ورضى وما أشبهه ، وذلك أن المصدر لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه جنس واحد ، فاذا قلت رجل عدل وما أشبهه فتقديره عندنا رجل ذو عدل فحذفت ذو وأقمت عدلا مقامه فجرى مجرى قوله عزوجل (واسأل القرية) وهذا فى المصادر بمنزلة قولهم : إنما فلان الأسد وفلانة الشمس يريدون مثل الأسد ومثل الشمس ، فاذا حذفوا مرفوعا جعلوا مكانه مرفوعا ، وكذلك يفعلون فى النصب والخفض فأما أبو العباس محمد بن يزيد فأخبرنى أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوة ، فهذا يدلك على أنه فى هذه الحكاية غير مصدر وليس بجمع مطرد عليه باب ، ولكنه بمنزلة الباقر والجامل والكليب والعبيد ؛ فهذه كلها وما أشبهها عندنا أسماء للجميع وليست بمطردة ، وهى - وإن كان لفظها من لفظ الواحد - بمنزلة نفر ورهط وقوم وما أشبهه ، ويقال : مقت الرجل إذا خدم ، فهذا بين فى هذا الحرف» ا ه

ووجه تصحيحه

1) تقول : قتوت أقتو قتوا ومقتى مثل غزوت أغزو غزوا ومغزى ، ومعناه كنت خادما للملوك. قال الشاعر :

إجراؤه مجرى مقتوين كما ذكرنا فى جمع السلامة ، وقالوا : خنذوة (1)بالواو ؛ لئلا يلتبس فعلوة القليل بفعلية الكثير كعفرية (2)ونفرية (3)


1) قال فى اللسان : «والخنذوة (بضمتين بينهما سكون) : الشعبة من الجبل ، مثل بها سيبويه ، وفسرها السيرافى. قال : ووجدت فى بعض النسخ حنذوة (بالحاء المهملة) ، وفى بعضها جنذوة (بالجيم المعجمة) ، وخنذوة بالخاء معجمة أقعد بذلك يشتقها من الخنذيذ (وهو الجبل الطويل المشرف الضخم) وحكيت خنذوة - بكسر الخاء - وهو قبيح ؛ لأنه لا يجتمع كسرة وضمة بعدها واو ، وليس بينهم إلا ساكن ؛ لأن الساكن غير معتد به ؛ فكأنه خذوة (بكسر الخاء وضم الذال) وحكيت : جنذوة وخنذوة وحنذوة (بكسر الأول والثالث وسكون الثانى فى الجميع) لغات فى جميع ذلك ، حكاه بعض أهل اللغة ، وكذلك وجد فى بعض نسخ كتاب سيبويه ، وهذا لا يعضده القياس ولا السماع ، أما الكسرة فانها توجب قلب الواو ياء وإن كان بعدها ما يقع عليه الاعراب وهو الهاء ، وقد نفى سيبويه مثل ذلك ، وأما السماع فلم يجىء لها نظير ، وإنما ذكرت هذه الكلمة بالحاء والخاء والجيم ؛ لأن نسخ كتاب سيبويه اختلفت فيها» ا ه

2) العفرية : الخبيث المنكر ، وأسد عفرية : شديد. انظر (ح 1 ص 255 ، 256)

3) نفرية : إتباع لعفرية ، يقال : عفرية نفرية ، كما يقال : عفريت نفريت

وهبرية (1)ونحوها ، ولو خففت رضى وغزى قلت : رضى وغزى ، كما تقول فى علم وعصر : علم وعصر ، ولا ترد الياء إلى أصلها من الواو مع زوال الكسرة فى التخفيف ؛ لعروض زوالها ، وقالوا : رضيوا وغزيوا ، فاعتد بالكسرة المقدرة من جهة قلب الواو ياء ، ولم يعتدوا بها من جهة إثبات ضمة الياء ، ولو اعتدوا بها من كل جهة لقيل : رضوا وغزوا ؛ استثقالا لضمة الياء بعد الكسرة ؛ فلم يتبين كون الواو لاحقا برضى وغزى المخففين ، وثانيهما : أن تكون عينا فى اسم محمول على غيره ، كما فى قيام وديار ورياض ، على ما مضى

وأما الياء المتحركة المضموم ما قبلها فإن لم تقع لاما ولم تنكسر كما فى هيام وعيبة وعين (2)جمع عيان لم تقلب واوا ، لتقويها بالحركة مع توسطها ، وإن انكسرت كما فى بيع فقد مضى حكمها (3)وإن وقعت لاما فان كان يلزمها الفتح قلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها ؛ لأن الآخر محل التغيير ، وبلزوم الفتح لا يستثقل فى الأخير واو مضموم ما قبلها ، كما لم يستثقل فى هو ، وذلك إما فى الفعل كرمو الرجل زيد ، من الرمى ، وإن خففت ضمة العين لم تتغير الواو ، لعروض التخفيف تقول : رمو الرجل ، كما تقول فى ظرف ظرف ، أو فى الاسم ، وإنما يكون ذلك فيه إذا جاء بعدها زائد لازم موجب لفتح ما قبله كأرموان ، من الرمى على وزن أسحمان (4)فلم يستثقل ، كما لم يستثقل فى عنفوان وأقحوان وقمحدوة لكون الواو كأنها ليست لاما ، وكرموة على وزن فعلة من رميت ، إذا لزم التاء ، وإن لم تلزم قلت رمية ورم ، بقلب الواو ياء والضمة كسرة لكونها


1) هبرية - كشرذمة - : ما طار من زغب القطن ، وما طار من الريش أيضا ، وما يتعلق بأسفل الشعر من وسخ الرأس

2) انظر (ص 87 من هذا الجزء)

3) انظر (ص 86 من هذا الجزء)

4) انظر (ح 2 ص 395)

فى حكم المتطرفة ، وكذا إذا كانت ضمة ما قبل الياء المتحركة على واو وجب قلب الضمة كسرة ، وإن لزم الحرف الذى يلى الياء ، نحو طويان بكسر الواو على وزن فعلان - بضم العين - من طوى ومطوية على وزن مسربة منه (1)؛ لأن نحو قوونا تقلب واوه الأخيرة ياء كما يجىء ، فكيف تقلب ياء طويان واوا؟ وإن لم يلزمها الفتح كالتّجارى والتّمارى قلبت الضمة كسرة ، ولم تقلب الياء واوا ، لاستثقال كون أثقل حروف العلة : أى الواو ، وقبلها أثقل الحركات : أى الضمة ، موردا للإعراب ، وأما بهو الرجل يبهو بمعنى بهى يبهى أى صار بهيّا كما ذكرنا فى أول الكتاب ، فإنما قلبت ياء بهو واوا مع كونه موردا للإعراب ، لما ذكرنا هناك فليرجع (2)إليه ، وكذا تقلب الضمة كسرة إذا كانت الياء التى هى مورد للاعراب مشدّدة نحو رمىّ ، على وزن قمدّ (3)من الرمى

قوله «أو رابعة فصاعدا» تقلب الواو الرابعة فصاعدا المفتوح ما قبلها المتطرفة ياء بشرطين : أحدهما أن لا يجوز قلبها ألفا إما لسكون الواو كما فى أغزيت واستغزيت ، أو للإلباس كما فى يغزيان ويرضيان وأعليان ، على ما تقدم ، وذلك أن قصدهم التخفيف ، فما دام يمكنهم قلبها ألفا لم تقلب ياء ؛ إذ الألف أخف ؛ وثانيهما : أن لا يجىء بعدها حرف لازم يجعلها فى حكم المتوسط ، كما جاء فى مذروان (4)

أحولى تنفض استك مذرويها

لتقتلنى فهأنذا عمارا

وإنما قلبت الواو المذكورة ياء لوقوعها موضعا يليق به الخفة ؛ لكونها

1) المسربة - بضم الراء ، وتفتح - : الشعر الدقيق النابت وسط الصدر إلى البطن ؛ وفى الصحاح : الشعر المستدق الذى يخرج من الصدر إلى السرة ؛ قال سيبويه «ليست المسربة على المكان ولا المصدر ، وإنما هى اسم للشعر»

2) انظر (ح 1 ص 73 ، 76)

3) انظر (ح 1 ص 53)

4) المذروان : طرفا الألية ، وذلك مما لا يستعمل إلا مثنى ، وتقول : جاء فلان ينفض مذرويه ، إذا جاءك باغيا متهددا ، قال عنترة بن شداد العبسى يخاطب عمارة بن زياد العبسى :

رابعة ومتطرفة وتعذّر غاية التخفيف ، أعنى قلبها ألفا ؛ [لسكونها لفظا أو تقديرا] كما ذكرنا ، فقلبت إلى حرف أخف من الواو ، وهو الياء ؛ وقيل : إنما قلبت الواو المذكورة ياء لانقلابها ياء فى بعض التصرفات ، نحو أغزيت وغازيت ، فإن مضارعهما أغزى وأغازى ، وأما فى تغزّيت وتغازيت فإنه وإن لم تقلب الواو ياء فى مضارعيهما : أعنى أتغزّى وأتغازى ، لكن تعزّيت وتغازيت فرعا أغزيت وغازيت المقلوب واوهما ياء ، وهذه علة ضعيفة كما ترى لا تطرد فى نحو الأعليان ، ولو كان قلب الواو ياء فى المضارع يوجب قلبها فى الماضى ياء لكان قلبها ياء فى نفس الماضى أولى بالإيجاب ، فكان ينبغى أن يقال غزيت ، لقولهم غزى ، وأيضا المضارع فرع الماضى لفظا فكيف انعكس الأمر؟ فكان على المصنف أن يقول. ولم يضم ما قبلها ولم يجز قلبها ألفا ، ليخرج نحو أغزى ، وليس أيضا قوله «ولم ينضم ما قبلها» على الإطلاق ، بل الشرط أن لا ينضم ما قبلها فى الفعل نحو يغزو ويدعو ، وأما فى الاسم فيقلب ياء نحو الأدلى جمع الدّلو والتغازى ، وكان الأولى به أن يقول مكان قوله ولم ينضم ما قبلها : وانفتح ما قبلها ، وأن يؤخر ذكر نحو يدعو إلى قوله «وتقلب الواو طرفا بعد ضمة» كما نذكر ،

وقوله «وقنية (1)وهو ابن عمى دنيا (2)شاذ» وذلك لأنك قلبت الواو


1) القنية - بكسر القاف وضمها - : ما يقتنيه الانسان لنفسه لا للتجارة ، ويقال فيه : قنوة - بكسر أوله وضمه ، انظر (ح 2 ص 43). هذا ما ذكره الكوفيون فهى عندهم ذات وجهين ؛ فلا شذوذ فيه ، ولم يحك البصريون إلا الواوى فقنية - بالكسر - شاذ عندهم ؛ لعدم اتصال الكسرة بالواو. وقنية - بضم القاف - : فرع قية - بكسرها - ضموا بعد قلب الواو ياء

2) يقولون : هو ابن عمى أو ابن خالى أو عمتى أو خالتى أو ابن أخى أو أختى دنية ودنيا - بكسر الدال فيهما مع تنوين المقصور وترك تنوينه - ودنيا - بضم الدال غير منون - : أى لاصق القرابة ، وفى معناه هو ان عمى لحا

التى هى لام ياء مع فصل الساكن بينها وبين الكسرة [قبلها] ، ووجه ذلك مع شذوذه كون الواو لاما وكون الساكن كالعدم ، وقنية من الواوى ، لقولك : قنوت ، والأولى أن يقال : هو من قنيت ، لأن لامه ذات وجهين ، ومنه قنيان بضم القاف.

قوله «وطيىء تقلب» قد مضى شرحه فى هذا الباب ، وهذا حكم مطرد عندهم : سواء كان أصل الياء الواو ، كما فى رضى ودعى ، أولا ، نحو بقى.

قوله «وتقلب الواو طرفا بعد ضمة» إلى قوله «كالقوباء والخيلاء» إذا وقعت الواو لاما بعد ضمة أصلية طرفا كما فى الأدلو ، أو فى حكم الطرف : بأن يأتى بعدها حرف غير لازم ، كتاء تأنيث غير لازمة نحو التّغازية أو ألف تثنية كالتّغازيان فى مثنى التغازى ، وكان ذلك فى اسم متمكن ، وجب قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة ، لأن الواو المضموم ما قبلها ثقيل على ثقيل ، ولا سيما إذا تطرفت ، وخاصة فى الاسم المتمكن ، فإنه إذن موطىء أقدام حركات الإعراب المختلفة ، فتقلب الواو ياء ثم تقلب الضمة كسرة ، ولا يبتدأ بقلب الضمة كسرة لأن تخفيف الآخر أولى ، فإذا لم تكن لاما وانفتحت نحو القوباء لم تقلب ياء ، وكذا إذا انضمت فإن سكن ما بعدها نحو الحوول جاز إبقاؤها وجاز قلبها همزة ، وإن تحرك وجب إسكانها كالنّور فى جمع نوار ، وإن انكسرت بقيت بحالها نحو أودّ على وزن أكرم من الود ، وأما قيل - وأصله قول - فلما مر فى شرح الكافية (1)وكذا إذا كانت لاما لكن بعدها حرف لازم كتاء التأنيث فى نحو عنصوة وقمحدوة ، والألف والنون لغير المثنى كافعوان وأقحوان ؛ لم تقلب ياء ، إلا أن تكون الضمة قبل الواو على واو أيضا ، فإنه تقلب الواو ياء لفرط الثقل ، وإن وليها حرف لازم نحو قوية وقويان على وزن سمرة وسبعان ، ولا يدغم ؛ لأن الإعلال قبل


1) قد ذكرنا ذلك قريبا فارجع إليه فى (ص 83 من هذا الجزء)

الإدغام ، وكذا لا تقلب الواو ياء إذا لم تكن الضمة لازمة نحو أبوك وفوك وأخوك ، وكذا خطوات فإن الألف والتاء غير لازمة كتاء تغازية ، لكن ضمة الطاء عارضة فى الجمع ، ويجوز إسكانها ، وكذا لا تقلب إذا كانت فى الفعل كسرو ويسرو ويدعو ؛ وذلك لأن الفعل وإن كان أثقل من الاسم فالتخفيف به أولى وأليق ، كما تكرر ذكره ، ولكن صيرورة الكلمة فعلا ليست إلا بالوزن ، كما تقدم ؛ لأن أصله المصدر كما تقرر ، وهو ينتقل إلى الفعلية بالبنية فقط ؛ فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من المادة والصورة ، فلما كانت الفعلية تحدث بالبنية فقط واختلاف أبنية الأفعال الثلاثية وتمايز بعضها عن بعض بحركة العين فقط ؛ احتاطوا فى حفظ تلك الحركة ، ولذلك لا تحذف إذا لم يتميز بالنقل إلى ما قبلها كما فى قلت وبعت ، بخلاف هبت وخفت وطلت ويقول ويخاف ، على ما تبين فى أول الكتاب ، ولذلك قالوا رمو الرجل ، بخلاف نحو الترامى ، فثبت أنه لا يجوز كسر ضمة سرو ويدعو لئلا يلتبس بناء ببناء ، وكذا لا تقلب ياء إذا كانت فى اسم وتلزمها الفتحة ، نحو هو ، ولم يأت إلا هذا ، وإنما اغتفر ذلك فيه لقلة الثقل ؛ بكونه على حرفين ، ولزوم الفتح لواوه ، والتباسه بالمؤنث لو قلبت. وإنما ذكر الخيلاء مع القوباء - مع أن كلامه فى الواو المضموم ما قبلها دون الياء المضموم ما قبلها - لأن الياء المضموم ما قبلها فى حكم الواو المضموم ما قبلها ، فى وجوب قلب الضمة معها كسرة ، حيث يجب قلب ضمة ما قبل الواو كالترامى والترامية ، على ما قدمنا ، وعدم وجوب قلبها حيث لا يجب قلبها مع الواو ، وقال الفراء : سيراء (1)فى الأصل فعلاء ، بالضم ، فكسر لأجل الياء ،


1) السيراء - بكسر السين وفتح الياء ، وتسكن - : ضرب من البرود ، وقيل : هو ثوب فيه خطوط كالسيور تعمل من القز ، وقيل : برود يخالطها حرير ، وقيل : هى ثياب من ثياب اليمن ، والسيراء أيضا : الذهب ، وقيل : الذهب الصافى ، وقال

كما تقول بيوت وعيون وبييت وعيين ، فى الجمع والتصغير ، قال السيرافى : الذى قاله ليس ببعيد لأنا لم نر اسما على فعلاء - بكسر الفاء - إلا العنباء بمعنى العنب والسّيراء والحولاء (1)بمعنى الحولاء - بضم الحاء -

قوله «ولا أثر للمدة الفاصلة فى الجمع» اعلم أن الواو المتطرفة المضموم ما قبلها فى الاسم المتمكن ، إن كانت مشددة قويت بعض القوة ، ثم : إما أن يجب القلب مع ذاك ، أو يكون أولى ، أو يكون تركه أولى.

فما يجب فيه قلبها شيئان : أحدهما : ما تكون الضمة فيه على الواو أيضا كما تقول غزوىّ على وزن عصفور من الغزو ، ومنه مقوىّ مفعول من القوة ،


1) الحولاء - بكسر الحاء ، وضمها ، مع فتح الواو فيهما - : جلدة خضراء مملوءة ماء تخرج مع الولد ، فيها خطوط حمر وخضر ، وقد قالوا : نزلوا فى مثل حولاء الناقة ، يريدون الخصب وكثرة الماء والخضرة ، وفى القاموس : «والحولاء كالعنباء والسيراء ، ولا رابع لها» ا ه

والثانى جمع على فعول كجاث وجثىّ (1)وعصا وعصىّ ، ومنه قسىّ بعد القلب ، وقد شذ نحوّ جمع نحو ، يقال : إنه لينظر فى نحوّ كثيرة : أى جهات ، وكذا نجوّ جمع نجو ، وهو السحاب ، وبهوّ ، جمع بهو وهو الصدر ، وأبوّ وأخوّ ، جمع أب وأخ ، ولا يقاس عليه ، خلافا للفراء.

وما كان القلب فيه أولى ويجوز تركه : فهو كل مفعول ليس الضمة فيه على الواو ، لكنه من باب فعل بالكسر ، نحو مرضىّ ، فإنه أكثر من مرضو ، إتباعا للفعل الماضى.

وما كان ترك القلب فيه أولى كل مصدر على فعول كجثوّ وعتو ، ومن قلب فلاعلال الفعل ، فان لم تتطرف الواو لم تقلب كالأخوة والأبوة

وندر القلب فى أفعول وأفعولة كأغزوّ وأغزوّة ، وقد جاء أدعوّة وأدعيّة (2)

أداعيك ما مستحقبات مع

السّرى

حسان وما آثارها بحسان

أراد السيوف

ومنه الأدحىّ (3)

أى تبسطه برجلها ثم تبيض فيه ، وليس للنعام عش

وكذا فى الفعول والفعولة ، ويجوز أن يكون الأليّة بمعنى القسم فعولة وفعيلة ، وهو واوى (4)

علىّ أليّة إن كنت أدرى

أينقص حبّ ليلى أم يزيد

-

، لقولهم الألوة بمعناه ، وكذا فى اسم مفعول

1) جاث : اسم فاعل من جثا يجثو ويجثى ، كدعا وكرمى - ومعناه جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه ، والجثى : جمع الجاثى ، وأصله جثوو فقلبت الواو المتطرفة ياء ، ثم قلبت الواو قبلها ياء أيضا لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ، ثم قلبت ضمة الثاء كسرة

2) يقال : بينهم أدعية يتداعون بها - بضم الهمزة وسكون الدال وكسر العين مع تشديد الياء - والأدعوة : مثله ، وهى الأغلوطه ، وذلك نحو قول الشاعر :

3) الأدحى والأدحية - بضم الهمزة أو كسرها مع سكون الدال وكسر الحاء - ويقال : أدحوة ، وهى مبيض النعام فى الرمل ، سميت بذلك لأن النعامة تدحو الرمل :

4) الألية - بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء - : اليمين ، قال الشاعر :

ليس الضمة فيه على الواو ، ولا هو من باب فعل بالكسر ، كمغزو ، ويقال : أرض مسنوّة (1)ومسنّية ، قال :

148 - *أنا اللّيث معديّا عليه وعاديا (2)

وقد علمت عرسى مليكة أنّنى

والبيت من قصيدة طويلة له يقولها وهو أسير عند تيم الرباب يوم الكلاب ، ومطلعها قوله :

ألا لا تلومانى كفى

اللوم مابيا

فما لكما فى اللوم خير

ولا ليا

وعرس الرجل - بكسر فسكون - امرأته ، ومليكة : اسمها ، وهو بضم أوله وفتح ثانيه ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «معديا» حيث جاء به معلا ، وهو من عدا يعدو ، وكان حقه أن يقول : معدوا ، كما تقول دعوته فهو مدعو وغزوته فهو مغزو ، ولكنه شبهه بالجمع فأعله ، ومنهم من يجعله جاريا على عدى المبنى للمجهول : أى فلما أعل فعله أعل هو حملا عليه كما قالوا : مرضى ، لقولهم رضى : بالاعلال.

*

وقد يعل هذا الاعلال الذى لامه همزة ، وذلك بعد تخفيف الهمزة ، كقولهم


1) أصل هذه الكلمة من السانية ، وهى الدلو العظيمة التى يستقى بها ، والسانى الساقى ، وتقول : سنا الأرض يسنوها ؛ إذا سقاها ، وأرض مسنوة ومسنية : اسما مفعول من ذلك. قال فى اللسان : «ولم يعرف سيبويه سنيتها ، وأما مسنية عنده فعلى يسنوها ، وإنما قلبوا الواو ياء لخفتها وقزبها من الطرف» ا ه

2) هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثى ، وصدره قوله :

مخبىّ (1)، والأصل مخبوّ وقد جاء فى جمع فتى مع كونه يائيا فتوّ شاذا (2)، كما شذ نحوّ لعدم قلب الواو ياء.

ويجوز لك فى فاء فعول : جمعا كان ، أو غيره ، بعد قلب الواو ياء ؛ أن تتبعه العين ، وأن لا تتبعه ، نحو عنىّ ودلىء.

ويجوز لك فى عين فعّل جمعا من الأجوف الواوى نحو صوّم وقوّل قلبها ياء ، نحو صيّم وقيّل ، والتصحيح أولى ، وإنما جاز ذلك لكونه جمعا ، ولقرب الواو من الطرف.

ولا يجوز فى حوّل حيّل (3)لكونه مفردا ، وحكم المصنف قبل هذا بشذوذ قلب واو نحو صوّم ياء هذا القلب ، وكلام سيبويه يشعر بكونه قياسا ، وأما قوله :

فما أرّق النّيّام إلّا سلامها (4)

فشاذ ؛ للبعد من الطرف.

قلب كل من الواو والياء همزة إذا وقع طرفا

قال : «وتقلبان همزة إذا وقعتا طرفا بعد ألف زائدة نحو كساء ورداء بخلاف راى وثاى ؛ ويعتدّ بتاء التّأنيث قياسا نحو شقاوة وسقاية ، ونحو صلاءة وعظاءة وعباءة شاذّ»

أقول : إنما تقلب الواو والياء المذكورتان ألفا ثم همزة لما ذكرنا قبل فى قلب الواو والياء [ألفا] لتحركهما وانفتاح ما قبلها ، ثم يجتمع الساكنان ، فلا يحذف


1) أصل مخبى مخبوء اسم مفعول من خبأته مهموز اللام ، فخففت الهمزة فى اسم المفعول بقلبها واوا ، ثم أدغمت فى واو مفعول فصار مخبوا ، ثم أعل شذوذا بقلب الواو ياء : إما حملا له على الجمع ، وإما إجراء له على خبى مخفف خبىء ، على نحو ما ذكرناه فى معدى

2) انظر (ج 2 ص 257 و 258)

3) الحول - كسكر - الشديد الاحتيال

4) (انظر ص 143 من هذا الجزء)

الأول مع كونه مدة ؛ لئلا يلتبس بناء ببناء ، بل يقلب الثانى إلى حرف قابل للحركة مناسب للألف ، وهو الهمزة ، لكونهما حلقيين ؛ إذ الأول مدة لاحظ لها فى الحركة ، ولا سبيل إلى قلب الثانى واوا أو ياء ؛ لأنه إنما فرّ منهما ، ولكون تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما سببا ضعيفا فى قلبهما ألفا ، ولا سيما إذا فصل بينهما وبين الفتحة ألف يمنعه عن التأثير وقوع حرف لازم بعد الواو والياء ؛ لأن قلبهما ألفا مع ضعف العلة إنما كان لتطرفهما ؛ إذ الآخر محل التغيير ، وذلك الحرف نحو تاء التأنيث إذا لزمت الكلمة كالنّقاوة (1)والنّهاية ، وألف التثنية إذا كان لازما كالثّنايان (2)إذ لم يأت ثناء للواحد ، والألف والنون لغير التثنية كغزاوان ورمايان على وزن سلامان (3)من الغزو والرمى ، فإن كانت التاء غير لازمة - وهى التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث فى الصفات - كسقّاءة وغزّاءة لقولهم : سقاء وغزاء ، وتاء الوحدة القياسية نحو استقاءة واصطفاءة ، أو ألف المثنى غير اللازمة نحو كساءان ورداءان ، قلبتا ؛ لكونهما كالمتطرفتين ، وإنما جاز عظاءة وعظاية (4)

وأما قولهم عظاءة وعباءة وصلاءة فقد كان ينبغى لما لحقت الهاء آخرا وجرى الاعراب عليها وقريت الياء بعدها عن الطرف ؛ ألا تهمز ، وأ لا يقال إلا عظاية وعباية وصلاية ؛ فيقتصر على التصحيح دون الاعلال ، وألا يجوز فيه الأمران ، كما اقتصر فى نهاية وغباوة وشقاوة وسعاية ورماية على التصحيح دون الاعلال ، إلا أن الخليل رحمه‌الله قد علل ذلك فقال : إنهم إنما بنوا الواحد على الجمع ، فلما كانوا يقولون عظاء وعباء وصلاء فيلزمهم إعلال الياء لوقوعها طرفا أدخلوا الهاء وقد انقلبت اللام همزة فبقيت اللام معتلة بعد الهاء كما كانت معتلة قبلها ، قال : فان قيل : أو لست تعلم أن الواحد أقدم فى الرتبة من الجمع وأن الجمع فرع على الواحد؟ فكيف جاز للاصل وهو عظاءة أن يبنى على الفرع وهو عظاء؟ وهل هذا إلا كما عابه أصحابك على الفراء فى قوله : إن الفعل الماضى إنما بنى على الفتح لأنه حمل على التثنية ؛ فقيل : ضرب لقولهم : ضربا ، فمن أين جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع؟ ولم يجز للفراء أمن يحمل الواحد على التثنية؟ فالجواب أن الانفصال من هذه الزيادة يكون من وجهين : أحدهما أن بين الواحد والجمع من المضارعة ما ليس بين الواحد والتثنية ؛ ألا تراك تقول : قصر وقصور ، وقصرا وقصورا ، وقصر وقصور ، فتعرب الجمع إعراب الواحد ، وتجد حرف إعراب الجمع حرف إعراب الواحد ، ولست تجد فى التثنية شيئا من ذلك ، إنما هو قصران أو قصرين ، فهذا مذهب غير مذهب قصر وقصور ، أولا ترى إلى الواحد تختلف معانيه كاختلاف معانى الجمع لأنه قد يكون جمع أكثر من جمع كما يكون الواحد مخالفا للواحد فى أشياء كثيرة ، وأنت لا تجد هذا إذا ثنيت ، إنما تنتظم التثنية ما فى الواحد البتة ، وهى لضرب من العدد البتة ، لا يكون اثنان اكثر من اثنين كما تكون جماعة أكثر من جماعة ، هذا هو الأمر الغالب ، وإن كانت التثنية قد يراد بها فى بعض المواضع أكثر من الاثنين فان ذلك قليل لا يبلغ اختلاف أحوال الجمع فى الكثرة والقلة ، فلما كانت بين الواحد والجمع هذه النسبة وهذه المقاربة جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع ، ولما بعد الواحد من التثنية فى معانيه ومواقعه لم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية ، كما حمل الخليل الواحد على الجماعة» ا ه


1) انظر (ج 1 ص 156)

2) انظر (ص 60 من هذا الجزء)

3) سلامان : وردت هذه الكلمة مضبوطة بضبط القلم فى نسخ القاموس بضم السين ، وفى اللسان ضبطت بالفتح بضبط القلم أيضا ، وصرح ياقوت فى المعجم بأنها بفتح السين أو كسرها ، والسلامان : شجر ، واسم ماء لبنى شيبان ، وبطنان : أحدهما فى قضاعة ، والآخر فى الأزد

4) العظاءة - بظاء مشالة مفتوحة وبالمد ، ويقال فيها عظاية بالياء - : دويبة أكبر من الوزغة ، وتسمى شحمة الأرض ، وهى أنواع كثيرة منها الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر ، وكلها منقطة بالسواد ، قال فى اللسان : «قال ابن جنى :

وعباءة (1)وعباية وصلاءة وصلاية (2)بالهمز والياء - وإن كانت التاء فيها أيضا للوحدة كما فى استقاءة واصطفاءة - لكون تاء الوحدة فى المصدر قياسية كثيرة ؛ فعروضها ظاهر ، بخلاف اسم العين ؛ فان ما يكون الفرق بين مفرده وجنسه بالتاء [منه] سماعى قليل : من المخلوقات كان أو من غيرها ، كتمرة وتفّاحة وسفينة ولبنة ، فجاز الهمزة فى الأسماء الثلاثة نظرا إلى عدم لزوم التاء ؛ إذ يقال : عباء ، وعظاء ، وصلاء ، فى الجنس ، وجاز الياء لأن الأصل لزوم التاء ؛ إذ ليست قياسية كما قلنا ؛ فصارت كتاء النّقاوة والنّهاية ، ولكون تاء الوحدة فى اسم العين كاللازمة جاز قلنسوة (3)وعرقوة ، (4)، وإن كان اسم الجنس منهما قلنسيا وعرقيا ، وليس شقاوة وشقاء كعظاية وعظاء ، إذ ليس شقاوة للواحد وشقاء للجنس ، بل كل منهما للجنس ، وقياس الوحدة الشّقوة ، فليس أصل شقاوة شقاء ثم زيدت التاء ، فلهذا ألزمته الواو دون عباءة وعباية نحو غباوة ، وإنما منع وقوع حرف لازم عن القلب فى باب شقاوة وخزاية (5)وباب قمحدوة (6)ولم يمنع فى باب غزيان وغزية فعلان وفعلة - بكسر العين - وإن جعلنا الألف والتاء فيه لازمين أيضا ؛ لقوة علة القلب فى الأخير دون الأولين ، ولذلك قلبت الواو مع فصل حرف صحيح بين الكسرة وبينها فى نحو دنيا.

قوله «بعد ألف زائدة» لأنها تكون إذن كالعدم ، فيكون الواو والياء


1) العباءة والعباية : ضرب من الأكسية واسع فيه خطوط سود كبار

2) الصلاية والصلاءة : مدق الطيب ، انظر (ح 2 ص 130)

3) القلنسوة : من لباس الرأس (انظر ج 2 ص 377)

4) العرقوة : خشبة فى فم الدلو يمسك منها

5) الخزاية : الاستحياء

6) انظر (ج 2 ص 46)

المتحركتان كأنهما وقعتا بعد فتحة ، وأما راى (1)وثاى (2)فالألف - لانقلابها عن حرف أصلى - معتد بها

قوله «ونحو عظاءة وصلاءة وعباءة شاذ» قد ذكرنا ما يخرجها عن الشذوذ ، ولو اتفق غير هذه الثلاثة فى مثل حالها من غير المصادر المزيد فيها لجاز فيه أيضا الوجهان قياسا ، والهمزة فى نحو علباء (3)وحرباء (4)من الملحقات أصلها الألف المنقلبة عن الياء الزائدة للالحاق ؛ بدليل تأنيثهم لمثلها كدرحاية (5)ودعكاية (6)والتاء لازمة كما فى خزاية ، فلذا لم تقلب الياء ، بخلاف حرباءة (7).

قلب الياء واوا والواو ياء في الناقص

قال : «وتقلب الياء واوا فى فعلى اسما كتقوى وبقوى ، بخلاف الصّفة ، نحو صديا وريّا ، وتقلب الواو ياء فى فعلى اسما كالدّنيا والعليا ، وشذ نحو القصوى وحروى ، بخلاف الصّفة كالغزوى ، ولم يفرق فى فعلى من الواو نحو دعوى وشهوى ، ولا فى فعلى من الياء نحو الفتيا والقضيا»

أقول : الناقص إن كان على فعلى - بفتح الفاء - : فإما أن يكون واويا ، أو يائيا ، والواوى لا تقلب واوه ياء ؛ لا فى الاسم كالدّعوى والفتوى ، ولا فى الصفة نحو شهوى مؤنث شهوان ؛ لاعتدال أول الكلمة وآخرها بالفتحة والواو ، فلو قلبت ياء لصار طرفا الكلمة خفيفين ، وأما اليائى منه فقصد فيه التعديل أولا


1) الراى : اسم جنس جمعى واحده راية ، وفى بعض النسخ «زاى» وهى صحيحة أيضا

2) الثاى : اسم جنس جمعى واحده ثاية ، وهى علم صغير (انظر ص 118 من هذا الجزء)

3) العلباء : عصب عنق البعير (انظر ج 2 ص 55)

4) الحرباء : ذكر أم حبين (انظر ج 2 ص 55)

5) الدرحاية : الرجل الكثير اللحم القصير (انظر ج 2 ص 43)

6) الدعكاية : الرجل الكثير اللحم طال أو قصر

7) الحرباء : ذكر أم حبين (انظر ج 2 ص 55)

فعدّل الاسم الذى هو أسبق من الصفة بقلب يائه واوا ، فلما وصل إلى الصفة خلّيت بلا قلب ؛ للفرق

قوله «البقوى» من الإبقاء ، وهو الرحمة والرعاية ، ولا استدلال فى ريّا ؛ لجواز أن يكون قلب واوه ياء لاجتماع الواو والياء وسكون أسبقهما (1)

وإذا كان الناقص على فعلى - بضم الفاء - فلا يخلو : إما أن يكون واويا ، أو يائيا ، وكل واحد منهما إما اسم ، أوصفة ، فالثانى لا تقلب لامه : اسما كان أوصفة ، لحصول الاعتدال فى الكلمة بثقل الضمة فى أولها وخفة الياء فى آخرها ، فلو قلبت واوا لكان طرفا الكلمة ثقيلين ، وأما الواوى فحصل فيه نوع ثقل بكون الضمة فى أول الكلمة والواو قرب الآخر ؛ فقصد فيه مع التخفيف الفرق بين الاسم والصفة ، فقلبت الواو ياء فى الاسم ، دون الصفة ؛ لكون الاسم أسبق من الصفة فعدّل بقلب واوه ياء ، فلما وصل إلى الصفة خلّيت ؛ لأجل الفرق بينهما.

وذكر سيبويه من فعلى الاسمية الدّنيا والعليا والقصيا ، وإن كانت تأنيث الأدنى والأعلى والأقصى أفعل التفضيل ؛ إذ الفعلى الذى هو مؤنث الأفعل حكمه عند سيبويه حكم الأسماء ؛ لأنها لا تكون وصفا بغير الألف واللام ، فأجريت مجرى الأسماء التى لا تكون وصفا [بغير الألف واللام] ؛ كما تقدم فى هذا الباب ، فعلى هذا فى جعل المصنف القصوى اسما والغزوى [والقضيا] تأنيثى الأغزى والأقضى صفة نظر ، لأن القصوى [أيضا] تأنيث الأقصى ، قال سيبويه : وقد قالوا القصوى فلم يقلبوا واوهاياء ، لأنها قد تكون صفة بالألف واللام ، فعلى مذهب


1) نقول : بل يستدل بريا على أن لام الصفة التى على فعلى - بالفتح - إن كانت ياء لم تقلب واوا ؛ للفرق بين الاسم والصفة ؛ وذلك لأن أصله رويا ، بزنة عطشى ولو قلبت لقيل روى - بتشديد الواو - ولما لم تقلب اللام واوا قلبت العين التى هى واو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ؛ فهذا القلب لم يحصل إلا لأنهم لم يقلبوا الياء التى هى لام واوا ، ولو قلبوها لما وجد المقتضى لقلب الواو ياء -

سيبويه الغزوى وكل مؤنث لأفعل التفضيل لامه واو قياسه الياء ؛ لجريه مجرى الأسماء ، قال السيرافى : لم أجد سيبويه ذكر صفة على فعلى بالضم مما لامه واو إلا ما يستعمل بالألف واللام ، نحو الدّنيا والعليا ، وما أشبه ذلك ، وهذه عند سيبويه كالأسماء ، قال : وإنما أراد أن فعلى من ذوات الواو إذا كانت صفة تكون على أصلها ، وإن كان لا يحفظ من كلامهم شىء من ذلك على فعلى ؛ لأن القياس حمل الشىء على أصله حتى يتبين أنه خارج عن أصله شاذ عن بابه ، وحزوى : اسم موضع

وأما فعلى بكسر الفاء من الناقص فلا تقلب واوه ياء ، ولا ياؤه واوا ، سواء كان اسما أو صفة ؛ لأن الكسرة ليست فى ثقل الضمة ، ولا فى خفة الفتحة ، بل هى تتوسط بينهما ، فيحصل لها اعتدال مع الياء ومع الواو ، والأصل فى قلب ياء فعلى - بالفتح - وواو فعلى - بالضم - إنما كان طلب الاعتدال ، لا الفرق بين الوصف والاسم ، ألا ترى إلى عدم الفرق بينهما فى فعلى الواوى المفتوح فاؤه وفعلى اليائى المضموم فاؤه لما كان الاعتدال فيهما حاصلا؟ وأما أمثلة فعلى الواوى بكسر الفاء اسما وصفة واليائى كذلك فعزيزة

قال : «وتقلب الياء إذا وقعت بعد همزة بعد ألف فى باب مساجد وليس مفردها كذلك ألفا ، والهمزة ياء ، نحو مطايا وركايا ، وخطايا على القولين ، وصلايا جمع المهموز وغيره ، وشوايا جمع شاوية ، بخلاف شواء جمع شائية من شأوت ، وبخلاف شواء وجواء جمعى شائية وجائية على القولين فيهما ، وقد جاء أداوى وعلاوى وهراوى مراعاة للمفرد»

أقول : قد مر فى باب تخفيف الهمزة شرح جميع هذا (1)، فلنشرح ههنا ألفاظ المصنف


1) انظر (ص 59 - 62 من هذا الجزء)

قول «فى باب مساجد» أى : فى باب الجمع الأقصى الذى بعد ألفه حرفان

قوله «وليس مفردها كذلك» أى : ليس بعد ألف مفرده همزة بعدها ياء ، احتراز عن نحو شائية وشواء من شأوت أوشئت ، وإنما شرط فى قلب همزة الجمع ياء ويائه ألفا أن لا يكون المفرد كذلك ، إذ لو كان كذلك لترك فى الجمع بلا قلب ، ليطابق الجمع مفرده ، ألا ترى إلى قولهم فى جمع حبلى : حبالى ، وفى جمع إداوة : أداوى (1)، وفى جمع شائية : شواء ، تطبيقا للجمع بالمفرد؟ وسيبويه لا يشترط فى القلب المذكور أن لا يكون المفرد كذلك ، بل يشترط فيه كون الهمزة فى الجمع عارضة ، فقال بناء على هذا : إن من ذهب مذهب الخليل فى قلب الهمزة فى هذا الباب كما فى شواع (2)ينبغى أن يقول فى فعاعل من جاء وساء جياء وسواء جمعى جىّء وسىّء كسيّد ؛ لأن الهمزة على مذهب الخليل هى التى فى الواحد ، وليست عارضة وإنما جعلت العين التى أصلها الواو والياء طرفا ، هذا كلامه ؛ ومن لم يذهب مذهب الخليل من قلب الهمزة إلى موضع اللام يقول : جيايا وسوايا

قان قيل : يلزم سيبويه أن يقول فى جمع شائية من شئت : شوايا ؛ لأن الهمزة فى الجمع عارضة عنده ، كما هى عارضة فى المفرد

قلنا : إنه أراد بعروضها فى الجمع أنها لم تكن فى المفرد همزة ، وهمزة شواء من شئت كانت فى المفرد أيضا همزة ، فلم تكن عارضة فى الجمع بهذا التأويل

ويلزم الخليل أن يقول فى جمع خطيئة : خطاء ؛ بناء على شرط سيبويه ، إذ الهمزة على مذهب الخليل غير عارضة فى الجمع ، ولم يقل به أحد ، فظهر أن الأولى أن يقال : الشرط أن لا يكون المفرد كذلك ، حتى يطرد على مذهب الخليل


1) أنظر (ج 1 ص 31)

2) أنظر (ج 1 ص 22)

وغيره ، فلا يقال : خطاء وجياء وسواء ، على شىء من المذاهب ؛ لأن آحادها ليست كذلك

قوله «مطايا وركايا» جمع مطيّة (1)وركيّة (2)فعيلة من الناقص ، وهما مثالان لشىء واحد ، وأما خطايا فهو جمع خطيئة فعيلة من مهموز اللام ، ففى مطايا كان بعد الألف همزة بعدها ياء ؛ لأن ياء فعيلة تصير فى الجمع الأقصى همزة ، وكذا فى خطايا على المذهبين : أما على مذهب سيبويه فلأنك تقلب ياء فعيلة فى الجمع همزة ، فيجتمع همزتان متحركتان أولاهما مكسورة ، فتقلب الثانية ياء وجوبا ، وأما على مذهب الخليل فلأن أصله خطايىء بياء بعدها همزة ، ثم قلبت الهمزة إلى موضع الياء ، فقوله خطايا «على القولين» أى : على قولى الخليل وسيبويه ، فتقلب على المذهبين الهمزة ياء ؛ والياء ألفا ؛ لأن واحده : أى خطيئة ؛ لم يكن فيه ألف بعده همزة بعدها ياء ، حتى يطابق به الجمع

قوله «وصلايا جمع المهموز وغيره» أى : صلاية وصلاءة ؛ لأن جمع فعالة فعائل بالهمز (3)كحمائل ، فيصير جمع صلاءة بهمزتين كجمع خطيئة عند غير الخليل ، فتقلب الثانية ياء مثلها ، وجمع صلاية صلائى بهمزة بعدها ياء

قوله «فيهما» أى : فى شواء جمع شائية من شئت مشيئة ، وفى جواء جمع جائية من جئت مجيئا ، وكلاهما من باب واحد ؛ إذ هما أجوفان


1) المطية : الدابة ، سميت بذلك لأنها تمطو فى سيرها ، أو لأن الراكب يعلو مطاها ، وهو ظهرها ، فعلى الأول هى فعيلة بمعنى فاعلة ، وعلى الثانى هى فعيلة بمعنى مفعولة ، وأصلها على الوجهين مطيوة ، قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ، ثم أدغمتا

2) الركية : البئر ، فعيلة بمعنى مفعولة من ركاها يركوها ، أى : حفرها

3) الحمائل : جمع حمالة - بزنة سحابة - وهى الدية ، سميت بذلك لأن أقارب القاتل يتحملونها

مهموزا اللام ، فلم يحتج إلى قوله «فيهما» وليس القولان فى شواء جمع شائية من شأوت ؛ إذ لا قلب فيه عند الخليل ؛ لأنه إنما يقلب خوفا من اجتماع الهمزتين

قوله «وقد جاء أداوى» كل ما كان فى واحده ألف ثالثة بعدها واو وجمعته الجمع الأقصى قلبت ألفه همزة ، كما تقلب فى جمع رسالة ، وقلبت الواو ياء ، ثم قلبت الهمزة واوا ، تطبيقا للجمع بالمفرد ، وقد قالوا : هداوى فى جمع هديّة ، قلبوا الهمزة واوا لوقوعها بين الألفين كما فى حمراوان ، وهو عند الأخفش قياسى ، وعند غيره شاذ

مواضع إسكان الواو والياء

قال : «وتسكّنان فى باب يغزو ويرمى مرفوعين ، والغازى والرّامى مرفوعا ومجرورا ، والتّحريك فى الرّفع والجرّ فى الياء شاذّ ، كالسّكون فى النّصب والإثبات فيهما وفى الألف فى الجزم»

أقول : إنما سكن الواو فى نحو يغزو ، وهذا مختص بالفعل ؛ لا يكون فى الاسم ، كما ذكرنا ، لاستثقال الواو المضمومة بعد الضمة ؛ إذ يجتمع الثقلاء فى آخر الفعل مع ثقله ، فخفف الأخير ، وهو الضمة ؛ لأن الحركة بعد الحرف ، وكذا تسكن الياء المضمومة بعد الكسرة ، وهذا أقل ثقلا من الأول ، ويكون فى الاسم والفعل ، نحو هو يرمى ، وجاء الرّامى ، وإنما ذكر الغازى والرامى ليبين أن الياء التى أصلها الواو كالأصلية ، وكذا تسكن الياء المكسورة بعد الكسرة ؛ لاجتماع الأمثال ، كما فى الواو المضمومة بعد الضمة ، والأول أثقل ، وهذا يكون فى الاسم نحو بالرّامى ، وفى الفعل كارمى ، وأصله ارميى

قوله : «والتحريك فى الرفع والجر فى الياء شاذ» أما الرفع فكقول الشاعر :

149 - *موالى ككباش العوس سحّاح (1)

قد كاد يذهب بالدّنيا وبهجتها -

*

1) هذا عجز بيت من البسيط لجرير بن عطية ، وصدره قوله :

وقوم من العرب يجرون الواو والياء مجرى الصحيح فى الاختيار ؛ فيحركون ياء الرامى رفعا وجرا ، وياء يرمى رفعا ، وكذا واو يغزو رفعا ، قال :

150 - كجوارى يلعبن بالصّحراء (1)

ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى

ومعنى مفرداته واضح. والاستشهاد به فى قوله «كجوارى» حيث حرك الياء بالكسر شذوذا

قوله «كالسكون فى النصب» أما فى الواو فكقوله :

151 - فما سوّدتنى عامر عن وراثة

أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب (2)

وأما فى الياء فكقوله :

فلو أنّ واش باليمامة داره

ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا (3)


1) هذا عجز بيت من الكامل لم نعرف قائله ، وصدره قوله :

2) هذا بيت من الطويل لعامر بن الطفيل العامرى الجعدى ، وسودتنى جعلتنى سيدا ، وعامر قبيلة. والاستشهاد به فى قوله : «أن أسمو» حيث سكن الواو فى حال النصب وذلك شاذ

3) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه فى (ح 1 ص 177). والاستشهاد به هنا فى قوله «واش» حيث حذف الياء فى حالة النصب كما تحذف فى حالة

وقوله :

152 - كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق

أيدى جوار يتعاطين الورق (1)

الأملس ، ويقال : هو الخشن الذى فيه الحصى. ويتعاطين : يناول بعضهن بعضا والورق : الفضة ، والمراد الدراهم ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «كأن أيديهن» حيث سكن الياء فى حال النصب كما تسكن فى خال الرفع ، وهو شاذ

قوله «والإثبات فيهما» أما فى الواو فكقوله :

153 - هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا

من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع (2)

وأما فى الياء فكقوله :

154 - ألم يأتيك والأنباء تنمى

بما لاقت لبون بنى زياد (3)


1) نسب ابن رشيق هذا الشاهد إلى رؤبة بن العجاج ، والضمير فى «أيديهن» يرجع إلى الابل ، والقاع : المكان المستوى ، والقرق - ككتف - :

2) ينسب هذا البيت لأبى عمرو بن العلاء ، واسمه زبان ، ويروى على هذا «هجوت» و «لم تهجو» بالخطاب ، ومن الناس من ينسبه لشاعر كان يهجو أبا عمرو بن العلاء ، ويرويه «هجوت» و «لم أهجو ولم أدع». والاستشهاد بالبيت فى قوله «لم أهجو» حيث أثبت الواو ساكنة مع الجازم وذلك شاذ

3) هذا البيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى ، والأنباء : جمع نبأ

فتقدر لأجل الضرورة الضمة فى الواو والياء ليحذفها الجازم ؛ لأن الجازم لا بدّ له من عمل ، وتقديرها فى الياء أكثر وأولى ؛ لأن الضمة على الواو أثقل منها على الياء.

قوله «وفى الألف فى الجزم» أى : إثبات الألف فى الجزم كإثبات الواو والياء فى الجزم كقوله :

155 - *ولا ترضّاها ولا تملّق (1)

إذا العجوز غضبت فطلّق

وترضاها : أصله تترضاها فحذف إحدى التاءين. والاستشهاد به فى هذا اللفظ حيث أثبت الألف مع لا الناهية الجازمة التى تقتضى حذف حرف العلة ، وذلك شاذ

*

وتقدير الضم فى الألف أبعد ؛ لأنها لا تحتمل الحركة

مواضع حذف الواو والياء إذا كانتا لامين

قال : «وتحذفان فى نحو يغزون ويرمون واغزنّ وإغزنّ وارمنّ وارمنّ»

أقول : أصل يغزون يغزو ، لحقه واو الجمع ، فحذف الواو الأولى للساكنين وأصل يرمون يرمى ، لحقه واو الجمع ، فحذف الياء للساكنين ، ثم ضمت الميم لتسلم الواو ؛ إذ هى كلمة تامة لا تتغير ، وأصل اغزنّ اغزوا ، لحقه النون المشدّدة ، فسقطت الواو للساكنين ، وكذا اغزنّ وارمنّ وارمنّ ؛ لأن الأصل


1) هذا بيت من مشطور الرجز ، ينسب لرؤبة ، وقبله :

ارموا وارمى ، ولا تقول : إن الأصل ارميوا وارميى ؛ لأن الفاعل يدخل على الفعل بعد إعلاله ، كما تقدم.

قال : «ونحو يد ودم واسم وابن وأخ وأخت ليس بقياس»

أقول : يعنى حذف اللام فى هذه الأسماء ليس لعلة قياسية ، بل لمجرد التخفيف ؛ فلهذا دار الإعراب على آخر ما بقى ، وأما أخت فليس بمحذوف اللام ، بل التاء بدل من لامه

هذا آخر باب الإعلال ، ولنضف إليه ما يليق به ؛ فنقول :

إذا اجتمع ياءان ؛ فإن لم تكن الأخيرة لاما ، فإن سكنت الأولى أدغمت كبيّع وبيّاع ، وإن سكنت الثانية أو تحركتا فحكم كل واحدة منهما حكمها مفردة كبيت ، وكما إذا بنيت من يين مثل باع قلت : يان ، وإن بنيت مثل هيام (1)قلت : ييان

وإن كانت الأخيرة لاما ، فإن سكنت أولاهما أدغمت فى الثانية كحىّ ؛ وإن سكنت الأخيرة سلمتا كحييت ، وإن تحركتا : فإن جاز قلب الثانية ألفا قلبت نحو حياة ، وإن لم يجز : فإما أن تلزم حركة الثانية ، أولا ؛ فإن لزمت فإن لم يجز إدغام الأولى فى الثانية فالأولى قلب الثانية واوا كما فى حيوان ، وإنما لم يجز الإدغام لأن فعلان من المضاعف نحو رددان لا يدغم ، كما يجىء فى باب الإدغام ، وإنما لم يجز قلب الثانية ألفا لعدم موازنة الفعل كما مر ، وإنما قلبت واوا لاستثقال اجتماع الياءين المتحركتين وامتناع تغيير ذلك الاستثقال بالوجه الأخف من الإدغام أو قلب الثانى ألفا ، وإنما قلبت الثانية دون الأولى لأن استثقال الاجتماع بها حصل ، وإنما جاز قلب اللام واوا مع أن الأخير ينبغى أن يكون حرفا خفيفا


1) الهيام - كسحاب وغراب - : ما لا يتماسك من الرمل ؛ فهو ينهار أبدا ، وكغراب : شدة العشق ، وداء يصيب الأبل من ماء تشربه مستنقعا

لأن لزوم الألف والنون جعلها متوسطة ، كما قالوا فى عنفوان (1)وعنصوة (2)كما مر ، وقال سيبويه : القياس حييان ، فلم يقلب الثانية ، وحيوان عنده شاذ ، وكذا قال فى فعلان من القوّة قووان ، كما يجىء ، وكذا تقول : حيوى كجفلى (3)

نحن فى المشتاة ندعو

الجفلى

لا ترى الأدب فينا ينتقر

يقال : دعى فلان فى النقرى لا فى الجفلى : أى دعى فى الدعوة الخاصة لا فى الدعوة العامة.

وقياس سيبويه حييى ، وكذا تقول على وزن السبعان من حىّ حيوان ، وإنما لم تدغم كما أدغمت فى رددان فقلت : ردّان على ما يجىء فى باب الإدغام ؛ لأن الإعلال قبل الإدغام ، وقياس سيبويه حيّان - بالإدغام - لأنه لا يقلب فى مثله ، وإن جاز الإدغام فلك الإدغام وتركه كحيى وحىّ وحييان - بالكسر - وحيّان ، والإدغام أكثر كما مر (4)؛ إذ هو أخف ، وإن لم تلزم حركة الثانى نحو لن يحيى وجب تصحيحهما مظهرين ، وإخفاء كسرة الأولى أولى

حكم الياءات الثلاثة إذا اجتمعت

وإن اجتمع ثلاث ياءات : فإما أن تكون الأخيرة لاما ، أولا

فإن كانت لاما : فإما أن تكون الأولى مدغمة فى الثانية ، أو الثانية فى الثالثة ، أو لا يكون شىء منهما مدغما فى شىء

فإن كانت الأولى مدغمة فى الثانية : فإما أن يكون ذلك فى الفعل أو الجارى


1) عنفوان الشىء : أوله أنظر (ح 1 ص 251)

2) العنصوة - مثلثة العين - : القليل المتفرق من النبت والشعر وغيرهما ، أنظر (ص 101 من هذا الجزء)

3) فى بعض المطبوعات «كتملى» بالتاء المثناة ، وبعضها «كثملى» بالمثلثة وكلاهما خطأ ، والصواب ما أثبتناه ، والجفلى : الدعوة العامة ، ويقابلها «النقرى» قال طرفة :

4) أنظر (ص 114 من هذا الجزء)

عليه ، أولا ، فإن كان فى أحدهما جعلت الثانية كأنها لم تسبقهاياء ، نحو حيّا وحيّيت ويحيّى ، والمحيّى ، والمحيّى. هو مثل عزّى ، يعزّى ، المعزّى ، المعزّى ، وإنما لم تحذف الثالثة المكسور ما قبلها فى الفعل نسيا نحو يحيّى مع استثقال ذلك كما حذفت فى معيّية إبقاء على حركة العين فى الفعل ؛ إذ بها تختلف أوزان الفعل ، ووزن الفعل تجب مراعاته ، كما مرّ فى تعليل امتناع قلب واو نحو يدعو ياء ، ثم أجرى الجارى على الفعل كالمحيّى مجرى الفعل فى ترك حذف الياء الثالثة نسيا ، وإن لم يكن ذلك فى الفعل ولا فى الجارى عليه فإن جاز قلب الثالثة ألفا - وذلك إذا كانت المشددة مفتوحة والأخيرة طرفا - قلبت ، كما فى إيّاة على وزن إوزّة من أويت ، والأصل إئوية ، ثم إيوية ، ثم إيّية ، ثم إيّاة ، وإن لم يجز ذلك ، وهو لأمرين : أحدهما أن تتوسط الأخيرة مع انفتاح المشددة لمجىء حرف موضوع على اللزوم فى كل موضع ، كالألف والنون التى لغير المثنى ؛ فإذا كان كذا قلبت الثالثة واوا كما تقول إذا بنيت على فيعلان من حيى : حيّوان ؛ لأنه أثقل من حيوان مخففا ، وعند سيبويه حيّيان كما مر ، وثانيهما أن تنضم المشددة أو تنكسر ، فإذا كان كذا كسرت المضمومة وحذفت الثالثة نسيا ؛ لاستثقال الياءات فى الطرف مع انكسار المشددة منها نحو معيّة ، والأصل معيّية ، ونحو حنىّ على وزن كنهبل (1)من حيى ، والأصل حنّيى ثم حنيّى ، وكذا تحذف الأخيرة نسيا وان جاء بعدها حرف لازم ، كما تقول فى تصغير أشويان : على وزن انبجان (2)من الشّىّ أشيويان ، ثم أشيّيان ، ثم أشيّان ، وخالف أبو عمرو فيما وازن الفعل ، وأوله زيادة كزيادته ، فلم يحذف


1) الكنهبل : شجر من أشجار البادية ، انظر (ح 2 ص 359)

2) يقال : عجين أنبجان - بفتح الباء - إذا كان منتفخا ، ولا نظير له فى هذا الوزن إلا يوم أرونان ، وهو الشديد. انظر (ح 2 ص 397)

الثالثة نسيا ، فقال أحىّ فى نصغير أحوى كما مر فى التصغير (1).

وإن كانت الثانية مدغمة فى الثالثة : فإن كان ما قبل الأولى ساكنا لم يغير شىء منها نحو ظبيىّ وقرأيىّ فى النسب ، ورميىّ على وزن برطيل (2)من الرّمى ؛ وإن كان ما قبل الأولى متحركا : فإن كانت الأولى ثانية الكلمة سلمت الياءات ، نحو حيىّ كهجفّ (3)وحيىّ كقمدّ ، (4)والأصل حيىّ - بضم العين - وحيىّ من الحياء ؛ لخفة الكلمة ، وإن كانت ثالثتها جعلت واوا ، سواء كان ما قبلها مفتوحا ، كما إذا بنيت من الرمى مثل حمصيصة ، (5)تقول : رمويّة ، مثل رحويّة فى النسب ، ولم تقلب الياء الأولى ألفا ، أمّا فى النسب فلعروض الحركة ، وأما فى غير النسب فلعدم موازنته للفعل ، وكما إذا بنيت من الرمى على وزن حلكوك (6)قلت رموىّ ، والأصل رميوى ثم رميىّ ، ثم رموىّ ، أو كان ما قبلها مكسورا نحو عموىّ فإنك تفتح الكسر لتسلم الواو ، وإنما قلبت إحدى الياءات فى هذه الأمثلة لاستثقال الياءات ، وإنما لم تقلب الأخيرة كما فى حيوان وإن كان التغيير بالأخير أولى لقوتها بالتشديد ، ولهذا لم تحذف الثالثة [نسيا] كما حذفت فى معيّية ، والحذف والقلب فى ياء النسب أبعد ، لكونها علامة ، وإن كانت الأولى رابعة الكلمة : فإن كانت قبل ياء النسب حذفت ، على الأصح ، كما فى قاضىّ ؛ لاجتماع الياءات مع تثاقل الكلمة وكون


1) أنظر (ح 1 ص 232 ، 233)

2) البرطيل - كقنديل - : الرشوة ، وحجر طويل صلب ينقر به الرحى ، والمعول أيضا

3) الهجف : الظليم المسن ، والجائع أيضا ، انظر (ح 1 ص 28)

4) القمد - كعتل - : الطويل ، والشديد أيضا. انظر (ح 1 ص 53)

5) الحمصيصة : بقلة رملية حامضة ، انظر (ح 1 ص 272)

6) الحلكوك - كقربوس - : الشديد السواد

الأولى آخر الكلمة ، إذ ياء النسب عارضة ، ويجوز قاضوى ، كما مر فى النسب (1)، وإن لم تكن قبل ياء النسب لم تحذف ؛ لأنها ليست آخر الكلمة ، بل تقلب واوا ، كما قلبت وهى ثالثة الكلمة ، تقول على وزن خيتعور (2)من الرمى : ريموىّ ، والأصل ريميوى ؛ قلبت الواو ياء ، وأدغمتها فى الأخيرة ، ثم كسرت الضمة ، وقلبت الياء واوا ، وكذا إذا بنيت مثل خنفقيق (3)من بكى قلت : بنكوىّ

وإن لم يكن شىء منهما مدغما فى شىء ؛ فان كانت الثالثة تستحق قلبها ألفا قلبت ، كما إذا بنى من حيى مثل احمرّ ، قلبتها ألفا نحو احييى ، ثم إن أدغمت كما فى اقتتل قلت : حيّى ، وإن لم تدغم قلبت الثانية واوا ، نحو احيوى ، كما فى حيوان ، وإن لم تستحق كما إذا بنى من حيى مثل هدبد (4)وجندل (5)جاز لك حذف الثالثة نسيا ، لكون الثقل أكثر مما فى معيّية فتقول : حيا وحيا ، بقلب الثانية ألفا لتحركها طرفا وانفتاح ما قبلها ، وجاز لك قلب الثانية واوا كما فى حيوان ، فتسلم الثالثة (6)لزوال اجتماع الياءات ، فيصير حيويا


1) انظر (ح 2 ص 44 ، 45)

2) الخيتعور : السراب ، وكل ما لا يدوم على حالة ، والمرأة السيئة الخلق ، والدنيا ، والداهية

3) الخنفقيق : الداهية ، والسريعة جدا من النوق والظلمان

4) الهدبد : اللبن الخائر ، وانظر (ح 1 ص 49)

5) الجندل : موضع فيه الحجارة ، انظر (ح 1 ص 51)

6) المراد بالسلامة ههنا : ما يقابل الحذف نسيا والأدغام والقلب واوا ؛ فشمل الاعلال كاعلال قاض ، ألا ترى أنه قال : فيصير حيويا : أى فى حالة النصب ، وكذا تقول : الحيوى ، كما تقول القاضى ؛ فإن جاء مرفوعا أو مجرورا منونا قلت : حيو ، بحذف الياء الثالثة

وحيويا ، وكما إذا بنيت من قضى مثل جحمرش (1)قلت : قضيا بحذف الأخيرة نسيا ، وقلب الثانية ألفا ، وقضيو ، بقلب (2)الثانية واوا ، وإنما لم تقلب الثالثة واوا لأن آخر الكلمة بالتخفيف أولى ، وأيضا لو قلبتها إياها لبقى اجتماع الياءين الأوليين بحاله ، وأما الأولى فلم تقلب ؛ لأن الثقل إنما حصل من الثانية والثالثة ، ولم تقلب الأولى فى حيى كجندل ؛ لأنها لم يقلب مثلها ألفا فى الفعل نحو حيى كما مر فكيف تقلب فى اسم لم يوازن الفعل

وإن لم تكن الياء الأخيرة لاما بقيت الياءات على حالها بلا قلب ولا حذف ، كما تقول فى تصغير أسوار (3)أسيّير

حكم الياءات الأربعة إذا اجتمعت

وإن اجتمع أربع ياءات كما إذا بنى من حيى على وزن جحمرش قلت : حيّيى ، أدغمت الأولى فى الثانية فيصيران كياء واحدة وقلبت الثالثة واوا كما قلنا فى المبنى على وزن جندل ، فتسلم الرابعة نحو حيّو ، ويجوز لك حذف الأخيرة نسيا لكونها أثقل منها فى نحو معيّية ، فتقلب الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها نحو حيّا ، كما قلنا قبل. وإذا بنيت مثل (4)

واعلم أن كلام المؤلف ههنا فيما اجتمع فيه أربع ياءات وأنت لو بنيت من

سلسبيل قلت : حيّوىّ ، وإذا

1) الجحمرش : العجوز المسنة ، وانظر (ح 1 ص 51)

2) الياء الثالثة أعلت كاعلال قاض ، فتقول : القضيوى ، ورأيت قضيويا ، وهذا قضيو ، ومررت بقضيو ، ولكون هذا الاعلال من غير موضوع كلام المؤلف وهو مما لا يخفى لم يتعرض لبيانه

3) الأسوار - بالضم والكسر - : قائد الفرس ، والجيد الرمى بالسهام والثابت على ظهر الفرس ، وجمعه أساورة ، وأساور بغير تاء ، والأسوار - بالضم أيضا - : لغة فى السوار

4) السلسبيل : اسم عين فى الجنة ، وهو وصف أيضا ؛ يقال : شراب سلسبيل ؛ إذا كان سائغا سهل المدخل فى الحلق. انظر (ج 1 ص 9 ، 50)

بنيت مثل قرطعب (1)قلت : حيّىّ ، لم تقلب ثانية المشددتين واوا كما فى حيوان ؛ لأنها آخر الكلمة فلا تبدل حرفا أثقل مما كان ، ولم تحذف كما فى معيّية ؛ لأن حذفها حذف حرفين ، واحتمل اجتماعهما ؛ لأن تشديدهما قوّاهما ، وإذا جاز نحو طيّىّ وأميّىّ - على قول - مع أن الأولين آخر الكلمة إذ ياء النسب عارضة فهذا أجوز ، وإذا بنيت مثل قذعمل (2)قلت : حيىّ ، أدغمت الثانية فى الثالثة ، وحذفت الرابعة كما فى معيّية ، وهو ههنا أولى ، ولم تقلب المضعفة واوا لصيرورتها بالتضعيف قويّة كالحرف الصحيح ، فيبقى حيىّ ، وتقول على وزن قذعميلة من قضى : قضيّيّة ، والمازنى لم يجوز من قضي إلا قضوية ، كما فى النسب ، وغيره جوّز مع قضوية قضيّيّة بتشديدين أكثر من تجويز أميّىّ ، والذى أرى أنه لا يجوز إلا قضيّيّة ، بياءين مشددتين ؛ إذ الأخيرتان قويتا بالتضعيف ، فلم تحذفا كما حذفت الثالثة فى معيّية ، والأوليان ليستا فى آخر الكلمة حتى يحذف أضعفهما : أى أولهما الساكن ، كما حذفت فى أموىّ ، فإذا بنيت من شوى على وزن عصفور قلت : شويوى ، ثم قلبت الواوين ياءين وأدغمتهما فى الياءين فصار شيّىّ - بكسر ضمة المشددة الأولى - فيجوز كسر الفاء أيضا ، كما فى عتى ، وقال سيبويه : شووىّ ، قياسا على طووىّ وحيوىّ فى النسب إلى حىّ وطىّ أو شيّىّ ، كما قيل طيّيى ، وكذا إذا بنيت من طوى


1) القرطعب : السحابة. انظر (ح 1 ص 51)

2) القذعمل : القصير الضحم من الابل ، وأصله قذعميل ، والقذعملة الناقة القصيرة الضخمة ، ومثلها القذعميلة ، ويقال : ما فى السماء قذعملة : أى شىء من السحاب ، وما أصبت منه قذعميلا : أى شيئا

على وزن بيقور (1)

لادرّ درّ رجال خاب

سعيهم

يستمطرون لدى الأزمات

بالعشر

أجاعل أنت بيقورا مسلّعة

ذريعة لك بين الله

والمطر؟

قلت : طيووى ، ثم قلبت الواو الأولى ياء وأدغمت الياء الساكنة فيها ، ثم قلبت الواو الثانية ياء وأدغمتها فى الأخيرة ، ثم كسرت الياء المضمومة فتقول : طيّىّ ، وعند سيبويه طيوىّ أيضا كالمنسوب إلى حىّ ، هذا كله فى الأربع ياءات إذا لم تكن الأخيرتان للنسبة ، فإن كانتا لها كالمنسوب إلى حىّ ، وطىّ ، وعلىّ ، وقصىّ ، وتحيّة ، ومحىّ فقد مضى فى باب النسب حكمها (2)وقد مضى أيضا أن ياء التصغير تحذف كما فى أموىّ إن دخلت النسبة على التصغير ، وأما إن دخل التصغير على النسبة لم تحذفها نحو أريّية (3)- بياءين مشددتين - هذا كله حكم الياءات

حكم الواوين إذا اجتمعتا

فأما حكم الواوات فنقول : إن اجتمع واوان فان سكنت ثانيتهما : فإن كانت طرفا لم يمكن أن تكون الأولى مفتوحة ولا مضمومة إلا والثانية منفصلة ، نحو لم يرووا ومروو زيد ؛ لأنهم يستثقلون الواوين بلا إدغام فى آخر الكلمة الذى هو محل التخفيف ؛ فلذلك لم يبنوا مثل قووت وقووت ؛ فلا بد لو كانا فى كلمة من انكسار الأولى لتنقلب الثانية ياء ، نحو قويت ، وإن كانت الأخيرة وسطا جاز اجتماعهما ، نحو قوول ، وإن تحركتا : فإن كان ذلك فى أول الكلمة قلبت الأولى همزة كما فى أواصل ، وإن كان ذلك فى الوسط فإن جاز الإدغام أدغمت ، كما إذا بنيت من القوّة على فعلان - بضم العين - قلت :


1) البيقور : اسم جمع دال على جماعة البقر ، كالباقر ، والبقير ، والباقور ؛ قال الشاعر :

2) انظر فى النسب إلى حى وطى (ح 2 ص 49 ، 50). وفى النسب إلى علىّ وقصىّ (ح 2 ص 22). وفى النسب إلى تحية ومحى (ح 2 ص 45)

3) أريية : تصغير أروية ، وانظر (ح 1 ص 235 ، 236 ، 237)

قوّان عند المبرد ، والأولى أن لا تدغم بل تقلب الثانية ياء كما يجىء فى باب الإدغام ، ومن لم يدغم فى حيى جاز أن لا يدغم فى نحو قووان ؛ بل يقلب الثانية ياء ، ويقلب ضمة ما قبلها كسرة ، كما مر فى هذا الباب ؛ لأن الإعلال قبل الإدغام ، وهذا قول الجرمى ؛ وإن لم يجز الإدغام كما إذا بنيت على فعلان - بفتح العين - من القوة ، قال سيبويه : تقول : قووان ، كما قال من حيى : حييان ، والأولى أن يقال : قويان ؛ لاستثقال الواوين ، فلما لم يجز التخفيف بالإدغام خفف بقلب إحداهما ياء ، وإذا قلبت الياء واوا فى حيوان لكراهة اجتماع الياءين فقلب الثانية ياء فى قووان لكون الواو أثقل أولى ، ولو بنيت على فعلان - بكسر العين - انقلبت الثانية ياء للكسرة ؛ لأن الإعلال قبل الإدغام كما تقدم ، وإن كان ذلك فى الطرف : فإن انفتحت الأولى لزوما قلبت الثانية ألفا كما فى القوى والصّوى (1)ويقوى وأقوى ، وأما فى طووىّ منسوبا إلى طىّ فلعروض فتحة الأولى ، وأما فى قووىّ منسوبا إلى قوى علما (2)فلعروض حركة الثانية ، وإن كانت الأولى مكسورة أو مضمومة قلبت الثانية ياء ، كقوى وقوى - على وزن عضدو فخذ - من القوّة ، وإن سكنت أولى الواوين فإن كانتا فى الوسط سلمتا من القلب كقوول إلا فى نحو قوّل على ما تقدم ، وإن كانتا فى الطرف : فإن كانت الكلمة ثلاثية لم تقلب إلا إذا


1) الصوى : جمع - صوة - كقوة - وهى جماعة السباع ، وهى أيضا حجر يكون علامة فى الطريق ، وانظر (ص 123 من هذا الجزء)

2) إنما قيد قوى بكونه علما احترازا عنه جمعا ؛ فأنه يرد فى النسبة إليه إلى واحده فيقال قوى - بضم القاف وتشديد الواو - وهذا على رأى جمهور النحاة الذين يوجبون رد الجمع إلى واحده عند النسبة إليه ، وأما على رأى من يجيز النسب إلى لفظ الجمع فلا محل لتقييد قوى بكونه علما ، وتكون النسبة إليه حينئذ قووى علما كان أو جمعا

انكسر ما قبلها ، نحو قوّ وقوّ ، وتقول على وزن حبر : قىّ ، وإن كانت الكلمة على أكثر من ثلاثة صحت المفتوح ما قبلها نحو غزوّ ، وانقلبت المكسور ما قبلها ياء وجوبا كغزىّ - على وزن فلز (1)- والمضموم ما قبلها جوازا فى المذكر المفرد نخو غزوّ ، وغزىّ ، كعتوّ وعتىّ ، ووجوبا فى الجمع كدلىّ

حكم الواوات الثلاثة إذا اجتمعت في الآخر

وإن اجتمع ثلاث واوات فإن كانت الأخيرة لاما : فإما أن تكون الأولى مدغمة فى الثانية أو الثانية فى الثالثة أو ليس شىء منها مدغما فى شيء ، ففى الأول تقلب الثالثة ألفا إن انفتح ما قبلها كقوّى والمقوّى ، وياء إن انكسر كيقوّى والمقوّى ، أو انضم كقوّ على وزن برثن (2)من القوة ، وفى الثانى تقلب المشددة ياء مشددة : انفتح ما قبلها كقوىّ - على وزن هجفّ (3)أو قمطر (4)- أو انكسر كقوىّ - على وزن فلزّ - أو انضم كقوىّ - على وزن قمدّ - بكسر ذلك الضم ، ، فيجوز كسر الفاء إتباعا كعتىّ وذلك لثقل الواوات المتحرك ما قبلها بخلاف نحو حيىّ فان الياء أخف ، وكذا إذا كانت أولى الواوات ثالثة الكلمة وتحرك ما قبلها نحو غزوىّ - على وزن حلكوك - فان سكن ما قبلها : فان انفتحت الأولى سلم الجميع ، نحو غزووّ - على وزن قرشبّ (5)أو قرطعب - وإن انضمت أو انكسرت قلبت


1) الفلز - بكسر الفاء واللام وتشديد الزاى - : نحاس أبيض تجعل منه القدور ، أو هو جواهر الأرض كلها ، والرجل الغليظ الشديد والضريبة تجرب عليها السيوف ، وفيه لغتان أخريان : كهجف وعتل ، ومراد المؤلف هنا اللغة الأولى.

2) البرثن : هو للسبع والطير كالأصابع للانسان ، وانظر (ح 1 ص 51)

3) الهجف : الظليم المسن ، وانظر ص 189 من هذا الجزء)

4) القمطر : ما تصان فيه الكتب ، وانظر (ح 1 ص 3 ، 51)

5) القرشب : الضخم الطويل من الرجال ، وانظر (ح 1 ص 61)

المشددة ياء وكسرت الضمة. كمقويّ وغزوىّ - كعصفور - من الغزو ، وإن لم تكن إحداهما مدغمة فى الأخرى قلبت الأخيرة ألفا : إن انفتح ما قبلها ، وياء إن انكسر نحو اقووى على وزن احمرر - فإن أدغمت قلت قوى ، وإن لم تدغم قلبت الثانية ياء على قياس قويان ، وهو ههنا أولى ، فتقول : اقويا يقويى وتقول فى نحو هدبد وجندل من القوة : قوو ، وقوو - بقلب الثالثة ياء - لكسرة ما قبلها ، ولا تدغم الأولى فى الثانية مع لزوم حركة الثانية ، محافظة على بناء الإلحاق ، وأيضا لعدم مشابهة الفعل

هذا والأولى أن لا يبنى من الأسماء المزيد فيها غير المتصلة بالفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل كما يجىء فى أول باب الإدغام

وإن اجتمعت الثلاث الواوات فى الوسط بقيت على حالها نحو قوّول على وزن سبّوح واقووّل كاغدودن (1)، والأخفش يقلب الأخيرة فى اقووّل ياء ، فتنقلب الثانية ياء أيضا ، وسيبويه لم يبال بذلك ، لتوسطها ، وينبغى للأخفش أن يقول فى قوول : قويل ، إلا أن يعتذر بخفة واو المد ، وإنما لم يقلب الأخفش فى نحو اقووول لكون الوسطى كالألف ، لأنها بدل منه ، ألا ترى أنه لم يقلب أوّل واوى وورى همزة وجوبا لمثل ذلك؟

حكم الواوات الأربعة إذا اجتمعت

واذا اجتمع أربع واوات فالواجب قلب الثالثة والرابعة ياء إن كانت الثالثة مدغمة فى الرابعة نحو قوّىّ - على وزن قرطعب - من القوة ، لأنه أثقل من نحو غزووّ ، وإن لم تكن مدغمة فيها قلبت الأخيرة ألفا إن انفتح ما قبلها ، وياء إن انكسر ، وتبقى الثالثة بحالها عند سيبويه نحو قوّو - على وزن جحمرش - ، لأنه إذن كاقووّل وتقول على وزن قذعمل : قووّ ، وعلى وزن اغدودن اقووّى ، والأخفش يقلب الثالثة ياء فتقول قوّى - كجحمرش -


1) اغدودن النبت : طال ، وانظر (ح 1 ص 68 ، 112)

وقوىّ كقذعمل - واقويّا - كاغدودن - لاستثقال الواوات ، فتنقلب القريبة من الطرف ياء ، ولا تقلب الواو الثالثة فى قوّو - كجحمرش - ألفا ، كما لم تقلب واو قوى كما مر ، والله أعلم بالصواب

الإبدال

تعريف الإبدال وأماراته

قال : «الإبدال : جعل حرف مكان حرف غيره ، ويعرف بأمثلة اشتقاقه كتراث وأجوه ، وبقلّة استعماله كالثّعالى ، وبكونه فرعا والحرف زائد كضويرب ، وبكونه فرعا وهو أصل كمويه ، وبلزوم بناء مجهول نحو هراق واصطبر وادّارك»

أقول : الإبدال فى اصطلاحهم أعم من قلب الهمزة ، ومن قلب الواو ، والياء ، والألف ، لكنه ذكر قلب الهمزة فى تخفيف الهمزة مشروحا ، وذكر قلب الواو والياء والألف فى الإعلال مبسوطا ؛ فهو يشير فى هذا الباب إلى كل واحد منها مجملا ، ويذكر فيه إبدال غيرها مفصلا ، ويعنى بأمثلة اشتقاقه الأمثلة التى اشتقت مما اشتق منه الكلمة التى فيها الإبدال ، كترات (1)فإن أمثلة اشتقاقه فى ورث يرث وارث موروث ، وجميعها مشتق من الوراثة ، كما أن تراثا مشتق منها ، وكذا توجّه ومواجهة ووجيه مشتقة من الوجه الذى أجوه مشتق منه ، فإذا كان فى جميع أمثلة اشتقاقه مكان حرف واحد منه حرف آخر عرفت أن الحرف الذى فيه بدل مما هو ثابت فى مكانه فى أمثلة اشتقاقه.

قوله «وبقلة استعماله» أى : بقلة استعمال اللفظ الذى فيه البدل ، يعنى إذا كان لفظان بمعنى واحد ولا فرق بينهما لفظا إلا بحرف فى أحدهما يمكن أن يكون بدلا من الحرف الذى فى الآخر فإن كان أحدهما أقل استعمالا من الآخر فذلك الحرف فى ذلك الأقل استعمالا بدل من الحرف الذى فى مثل ذلك الموضع


1) التراث - كغراب - : المال الموروث ، انظر (ح 1 ص 207)

من الأكثر استعمالا ، كما ذكرنا فى أول الكتاب (1)فى معرفة القلب ، والثعالى والثعالب بمعنى واحد ، والأول أقل استعمالا من الثانى

قوله «وبكونه فرعا والحرف زائد» أى بكون لفظ فرعا للفظ ، كما أن المصغر فرع المكبر ، وفى مكان حرف فى الأصل حرف فى الفرع يمكن أن يكون بدلا منه كما أن واو ضويرب بدل من ألف ضارب ، أو يكون حرف الأصل بدلا من حرف الفرع ، كما أن ألف ماء وهمزته بدلان من الواو والهاء اللذين فى مويه ، فأنت بفرعية لفظ للفظ ومخالفة حرف أحدهما لحرف الآخر لا تعرف إلا أن أحدهما بدل من الآخر ولا تعرف أيّهما بدل من الآخر ، بل معرفة ذلك موقوفة على شىء آخر ، وهو أن ينظر فى الفرع ، فإن زال فيه موجب الإبدال الذى فى الأصل كما زال فى مويه علة قلب الواو ألفا بانضمام ما قبلها ، وعلة قلب الهاء همزة - وهى وقوع الهاء التى هى كحرف العلة بعد الألف التى كالزائدة - عرفت أن حرف الفرع أصل ، وإن عرض فى الفرع علة الإبدال التى لم تكن فى الأصل كما عرض بضم فاء ضويرب علة قلب ألف ضارب واوا عرفت أن حرف الفرع فرع

قوله «وبكونه فرعا» أى : بكون لفظه فرعا «والحرف زائد» : أى الحرف الذى هو مبدل منه زائد كألف ضارب

قوله «وهو أصل» أى : الحرف المبدل منه أصل كواو مويه وهائه ، ولا شك فى انغلاق ألفاظه ههنا

قوله «وبلزوم بناء مجهول» أى : يعرف الإبدال بأنك لو لم تحكم فى كلمة بكون حرف فيها بدلا من الآخر لزم بناء مجهول ، كما أنك لو لم تحكم بأن هاء


1) انظر (ح 1 ص 24)

هراق (1)بدل وكذا طاء اصطبر والدال الأولى من ادّارك لزم بناء هفعل وافطعل وافّاعل وهى أبنية مجهولة ، ولقائل أن يمنع ذلك فى افطعل وافّاعل ، وذلك أن كل ما هو من هذين البناءين افتعل وتفاعل ، وفاء الأول حرف إطباق وفاء الثانى دال أو تاء أوثاء أو غير ذلك مما يجىء فى بابه ، فإن بعد فاء الأول طاء وجوبا وقبل فاء الثانى حرفا مدغما فيه جوازا فهما بناءان مطردان لا مجهولان ، بلى يعرف كون الحرفين فى البناءين بدلين بأن الطاء لا تجىء فى مكان تاء الافتعال إلا إذا كان قبلها حرف إطباق ، وهى مناسبة للتاء فى المخرج ولما قبلها من حروف الإطباق بالإطباق فيغلب على الظن إبدال التاء طاء لاستثقالها بعد حرف الإطباق ومناسبة الطاء لحرف الإطباق والتاء ، وكذا الكلام فى الحرف المدغم فى نحو ادّكر واثاقل.

حروف الابدال

قال : «وحروفه أنصت يوم جدّ طاه زلّ ، وقول بعضهم : استنجده يوم طال وهم فى نقص الصّاد والزّاى لثبوت صراط وزقر ، وفى زيادة السّين ، ولو أورد اسّمع ورد اذّكر واظّلم»

أقول : يعنى بحروف الإبدال الحروف التى قد تكون بدلا من حروف أخر ، فأما الحروف التى هذه الحروف بدل منها فتجىء عند التفصيل.

قوله : «وقولهم استنجده يوم طال» قول صاحب المفصل ، ولم يعد سيبويه فى باب البدل الصاد والزاى ، وعدهما السيرافى فى آخر الباب ، وعد معهما شين الكشكشة التى هى بدل من كاف المؤنث قال :

156 - تضحك منّى أن رأتنى أحترش

ولو حرشت لكشفت عن حرش (2)


1) انظر فى كلمة «هراق» (ح 2 ص 384 ، 385)

2) هذا البيت من الرجز ، وقد استشهد به المؤلف فى شرح الكافية أيضا (الشاهد 956) ولم ينسبه البغدادى فى شرح شواهد الكتابين ، وأحترش : مضارع

وأما التى تزاد بعد كاف المؤنث نحو أكر متكش فليست من هذا ، ولم يعد سيبويه السين كما عدها الزمخشرى ، ولا وجه له ؛ قالوا : وجاء الثاء بدلا من الفاء ، حكى أبو على عن يعقوب ثروغ (1)الدّلو ، وفروغها ، وهو من التفريغ ، وكذا الباء من الميم ، حكى أبو على عن الأصمعى : ما اسبك : أى ما اسمك؟

وقد جاء الحاء فى الشعر بدلا من الخاء شاذا ، قال :

157 - ينفحن منه لهبا منفوحا

لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا (2)

وقال رؤبة :

158 - غمر الأجارى كريم السّنح

أبلج لم يولد بنجم الشّحّ (3)

إنّى على جنابة التّنحّى

وعضّ ذاك المغرم الملحّ

لا أبتغى سيب اللّئيم القحّ

قد كان من نحنحة وأحّ

يحكى سعال الشّرق الأبحّ

ولكنا لم نجد بيت الشاهد فى هذه القصيدة ، ووجدناه فى زيادات الديوان من أبيات هكذا :

فابتكرت عاذلة لا تلحى

قالت ولم تلح وكانت تلحى

عليك سيب الخلفاء البجح

غمر الأجارىّ كريم السّنح

أبلج لم يولد بنجم الشّحّ

بكلّ خشباء وكلّ سفح

والغمر ـ بفتح فسكون ـ : الماء الكثير الساتر ، والأجارى : جمع إجريا ـ بكسر الهمزة والراء بينهما جيم ساكنة وبعد الراء ياء مشددة ـ وهو ضرب من الجرى ، والسنح ـ بكسر فسكون ـ : الأصل ، وأصله السنخ ـ بالخاء ـ فأبدل منها حاء مهملة. وهو محل الاستشهاد بالبيت ، والشح : البخل


1) ثروغ الدلو : جمع ثرغ - بفتح فسكون - وهو ما بين عراقى الدلو ، والثاء فيه بدل من الفاء ، ويقال : فرغ ، وفراغ - ككتاب - وفى القاموس : الفرغ مخرج الماء من الدلو بين العراقى

2) هذا البيت من الرجز المشطور ، ولم نعرف قائله ، وقد أنشده ابن جنى فى سر الصناعة عن ابن الأعرابى ولم ينسبه ، وينفحن - بالحاء المهملة - أصله ينفخن - بالخاء المعجمة - فأبدل الخاء حاء ، واللهب : ما تطاير من ألسنة النيران ، والذاكى : الشديد الوهج. ومقدوح : اسم مفعول ، من قدح الزند ونحوه ، إذا أخرج منه النار ، والاستشهاد بالبيت فى «ينفحن» حيث أبدل الخاء المعجمة حاء مهملة

3) هذا بيت لرؤبة بن العجاج ذكر البغدادى أنه من قصيدة له يمدح فيها أبان بن الوليد البجلى ، وقد رجعنا إلى ديوانه فوجدنا هذه القصيدة ، وأولها

وجاء الراء بدلا من اللام شاذا ، كقولهم فى الدّرع : نثرة (1)ونثلة(2) وذلك لأنهم قالوا : نثل عليه درعه ، ولم يقولوا : نثرها ، فاللام أعم تصرفا ، فهى الأصل ، والفاء تكون بدلا من الثاء ، حكى أبو على عن يعقوب : قام زيد فمّ عمرو ، وقالوا : جدث وجدف(3) والفاء بدل ، لقولهم : أجداث ، ولم يقولوا :

أجداف ، وجاء الكاف بدلا عن القاف ، يقال : عربى كحّ (4)وقحّ وجاء فى


1) النثرة : الدرع السلسلة الملبس ، أو الواسعة ، ومثلها النثلة : الراء بدل من اللام ، قالوا : نثل الدرع ينثلها - من باب ضرب - إذا ألقاها عنه ، ولم يقولوا : نثرها.

2) النثرة : الدرع السلسلة الملبس ، أو الواسعة ، ومثلها النثلة : الراء بدل من اللام ، قالوا : نثل الدرع ينثلها - من باب ضرب - إذا ألقاها عنه ، ولم يقولوا : نثرها.

3) الجدث : القبر ، وجمعه أجدث وأجداث ، وقالوا فيه : جدف ، فأبدلوا من الثاء فاء ، كما قالوا : فوم فى ثوم

4) الكح : هو القح - بالقاف - وهو الخالص من كل شىء ، يقولون : لئيم قح ؛ إذا كان معرقا فى اللؤم ، وأعرابى قح ، إذا لم يدخل الأمصار ولم يختلط بأهلها.

الجمع أقحاح ، ولم يقولوا : أكحاح ، وجاء الكاف بدلا من التاء ، قال :

159 - يا ابن الزّبير طالما عصيكا

وطالما عنّيتنا إليكا

*لنضربن بسيفنا قفيكا

(1)

لهواهمو

فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع

وعليها قرىء قوله تعالى (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ). والاستشهاد بالبيت فى قوله «عصيكا» وقد اختلف العلماء فى تخريجه ؛ فذهب بعضهم إلى أنه من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع ، كما تراهم فعلوا ذلك فى قولهم «لولاى ولولاك ولولاه» وفى قولهم «عساك وعساه» من نحو قول رؤبة.

تقول بنتى قد أنى أناكا

يا أبتا علّك أو عساكا

وذهب أبو الفتح ابن جنى تبعا لشيخه أبى على الفارسى إلى أنه من إبدال الحرف مكان الحرف إبدالا تصريفيا ، قال ابن جنى : «أبدل الكاف من التاء لأنها أختها فى الهمس ، وكان سحيم إذا أنشد شعرا قال : أحسنك والله ، يريد أحسنت» ا ه

*

ويجوز أن يكون وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع ، وتكون العين فى تميم بدلا من الهمزة فى أن وهى عنعنة تميم ، قال :


1) هذا البيت من الرجز المشطور ، أنشده أبو زيد فى نوادره ، ونسبه لراجز من حمير ولم يعينه ، وأنشده صاحب اللسان غير منسوب إلى أحد ، وابن الزبير : أراد به عبد الله بن الزبير بن العوام حوارى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، و «عصيكا» أراد به عصيت ، و «عنيتنا» من العناء وهو الجهد والمشقة ، و «قفيكا» أراد به قفاك فأبدل الألف ياء مع الأضافة إلى الكاف كما تبدلها هذيل عند الأضافة إلى ياء المتكلم ، نحو قول أبى ذؤيب سبقوا هوىّ وأعنقوا

160 - أعن ترسّمت من خرقاء منزلة

ماء الصّبابة من عينيك مسجوم (1)

وإنما لم يعدّ المصنف هذه الأشياء لقلتها وكونها شواذ

قوله «وزيادة السين» قالوا : السين بدل من الشين فى السّدّة والشّدّة ورجل مشدود ومسدود ، والشين أصل ، لكونها أكثر تصرفا ، وقالوا فى استخذ : إن أصله اتخذ من التخذ ، فهى بدل من التاء ، وقيل أيضا : أصلها استخذ فاذن لا حجة فيه ، وبمثله تمسّك الزمخشرى ، لا باسّمع كما قال المصنف ، وإنما لم يعدّ سين نحو اسّمع والذال والظاء فى اذّكر واظّلم فى حروف البدل لأن البدل فى هذه الأشياء ليس مقصودا بذاته ، بل لما كان السين والذال والظاء مقاربة للتاء فى المخرج وقصد الإدغام ولم يمكن فى المتقاربين إلا بجعلهما متماثلين قلبت التاء سينا وذالا وظاء ، لما سيجىء فى باب الإدغام ، فلما كان البدل لأجل الإدغام لم يعتد به.

مواطن إبدال الهمزة

قال : «فالهمزة تبدل من حروف اللّين والعين والهاء ؛ فمن اللّين إعلال لازم فى نحو كساء ورداء وقائل وبائع وأواصل ، وجائز فى أجوه وأورى ، وأمّا نحود أبّة وشأبّة والعألم وبأز وشئمة ومؤقد فشاذ ، وأباب بحر أشذّ ، وماء شاذ»

أقول : قوله «فى نحو كساء ورداء» ضابطه كل واو وياء متطرفتين ، أصليتين كانتا ككساء ورداء ، أولا كعلباء (2)ورداء ، فى ترخيم رداوىّ ،


1) هذا بيت من البسيط ، وهو مطلع قصيدة لذى الرمة غيلان بن عقبة ، وأعن : يروى فى مكانه أ أن - بهمزة استفهام داخلة على أن المصدرية ، ومن رواه أعن فقد أبدل الهمزة عينا ، وترسمت : تبينت ونظرت ، والأصل فيه ترسم الدار : أى تعرف رسمها. وخرقاء : لقب مية صاحبته ، والصبابة : رقة الشوق ، ومسجوم : سائل منسكب. والاستشهاد بالبيت فى «أعن» حيث أبدل الهمزة عينا

2) علباء : انظر (ص 177 من هذا الجزء)

واقعتين بعد ألف زائدة ، فانهما تقلبان ألفين ، ثم تقلب الألف همزة ، كما تقدم.

قوله «وقائل وبائع» ضابطه كل واو وياء هى عين فاعل المعلّ فعله أو فاعل الكائن للنسب كسائف (1)؛ لكونه كاسم الفاعل من ساف يسيف ، فإنه تقلب الواو والياء ألفا ثم تقلب الألف همزة ، كما تبين قبل.

قوله «وأواصل» ضابطه كل واوين فى أول الكلمة ليست ثانيتهما زائدة منقلبة عن حرف آخر ، نحو أواصل وأوعد من وعد على وزن جورب وأوعاد على وزن طومار (2)فانه تقلب أولاهما همزة

قوله «أجوه وأورى» ضابطه كل واو مضمومة ضمة لازمة : فى الأول كانت ، أوفى الوسط ، والتى فى الأول سواء كانت بعدها واو زائدة منقلبة عن حرف كأورى ، أولا كأجوه ، قولنا «ضمة لازمة» احتراز عن ضمة الاعراب ، والضمة للساكنين ، وعند المازنى هذا القلب مطرد فى الواو المتصدرة المكسورة أيضا نحو إفادة وإشاح

قوله «نحو دأبّة» ذكرنا حاله فى باب التقاء الساكنين ، وكذا حال المشتئق فى قوله :

صبرا فقد هيّجت شوق المشتئق (3)

فقد حرك الشاعر الألف بعد قلبها همزة للضرورة ، وحكى الفراء فى غير الضرورة رجل مئل : أى كثير المال ، وقالوا : لبّأ الرجل بالحج ، وعن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم ، وليس ذلك فرارا من الساكنين ، ولكن لتقارب مخرجى الألف والهمزة ، وأنشد قوله :


1) سائف : انظر (ص 112 من هذا الجزء)

2) الطومار : الصحيفة ، انظر (ج 1 ص 198 ، 217)

3) قد مضى شرح هذا البيت فارجع إليه فى (ج 2 ص 250)

161 - يادار سلمى يا سلمى ثمّ اسلمى

فخندف هامة هذا العألم (1)

بسمسم أو عن يمين سمسم

وإنما يذكر النحاة هذين البيتين معا - وإن لم يكونا متصلين - ليبينوا أن الأرجوزة مبنية من أولها على غير التأسيس. والاستشهاد به فى قوله «العألم» بالهمز ، وأصله العالم ؛ فهمزه لئلا يكون بعضها مؤسسا وبعضها غير مؤسس ، وقد همز «الخاتم» فى هذه الأرجوزة أيضا فى قوله :

عند كريم منهمو مكرّم

معلّم آى الهدى معلّم

*مبارك من أنبياء

خأتم*

بالهمز ، وذلك لأن ألف عالم تأسيس لا يجوز معها إلا مثل السّاحم (2)

سجمت العين الدمع وسجمت السحابة المطر ، فالدمع والمطر مسجومان ، وربما قالوا :

دمع ساجم على النسب

اللازم ، فلما قال : اسلمى همز العألم ؛ ليجرى القافية على منهاج واحد فى عدم التأسيس ، وحكى اللحيانى عنهم بأز وأصل ألفه واو ؛ بدليل أبواز ، وقالوا : الشّئمة (3)، أصلها الياء ، كما قالوا : قطع الله أديه : أى يديه فردوا اللام (4)

1) هذا الشاهد من الرجز ، وهو للعجاج ، وليس البيتان اللذان أنشدهما المؤلف متصلين فى الأرجوزة ، والأول منهما مطلعها ، وبعده :

2) الساجم : اسم فاعل من قولك : سجمت الدمع : أى صببته ، ويقولون :

3) الشئمة : الطبيعة ، وأصله الشيمة بالياء فهمز

4) قولهم «قطع الله أديه» هو بفتح الهمزة وسكون الدال ، وأصلها قطع الله يديه ، برد اللام فقلبوا الياء همزة ، قال ابن جنى فى المحتسب : «وقلبت الياء همزة فى قولهم : قطع الله أديه ، يريدون يده ؛ فردوا اللام المحذوفة ، وأعادوا العين إلى سكونها»

وأبدلوا الياء الأولى همزة ، كذا قال ابن جنى ، ويقال : فى أسنانه ألل : أى يلل.

قوله «مؤقد» أنشد أبو على

162 - *لحبّ المؤقدين إلىّ مؤسى (1)

وجعدة إذا أضاءهما الوقود

وهو لجرير بن عطية الخطفى من قصيدة له يمدح بها هشام بن عبد الملك بن مروان ، ومطلعها قوله :

عفا النّسران بعدك

والوحيد

ولا يبقى لحدّته جديد

وقبل بيت الشاهد قوله :

نظرنا نار جعدة هل نراها

أبعد غال ضوءك أم همود

قوله «لحب المؤقدين» رويت هذه العبارة على عدة أوجه : أحدها «أحب المؤقدين» على أنه أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر ، وثانيها «لحب المؤقدين» بلام الابتداء وبعدها أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر ، وأصله لأحب المؤقدين فحذفت الهمزة كما حذفها الشاعر فى قوله.

وزادنى كلفا بالحبّ أن

منعت

وحبّ شىء إلي الانسان ما

منعا

وكما حذفت كثيرا فى خير وشر ، وثالثها «لحب المؤقدان» باللام بعدها فعل تعجب كالذى فى قول الشاعر :

فقلت اقتلوها عنكم

بمزاجها

وحبّ بها مقتولة حين

تقتل

وموسى وجعدة ابنا الشاعر ، والوقود : مصدر وقدت النار وقودا ، ويقال :

هو اسم لما توقد به النار (انظر ح 1 ص 159 ، 160)

*

بهمز واو الموقدين وموسى ، وقرىء (بالسّؤق والأعناق) مهموزا ، قيل :

وجه ذلك أن الواو لما جاورت الضمة صارت كأنها مضمومة ، والواو المضمومة تهمز ، نحو نؤور وغؤور


1) هذا صدر بيت من الوافر ، وعجزه :

قوله «وأباب بحر أشذ» إنما كان أشذ إذ لم يثبت قلب العين همزة فى موضع بخلاف قلب الواو والياء والألف ؛ فانها تقلب همزة ، أنشد الأصمعى

163 - *أباب بحر ضاحك هزوق (1)

قيل : هو العباب - كغراب - وهو معظم الماء وكثرته وارتفاعه ؛ وقيل : هو فعال من أب : أى تهيأ وذلك لأن البحر يتهيأ لما يزخر به ؛ فالهمزة على الأول بدل من العين ، كما أبدلها الشاعر منها فى قوله :

أرينى جوادا مات هزلا

لألنى

أرى ما ترين أو بخيلا

مخلّدا

أراد لعلنى ، وهمزة أباب على الوجه الثانى أصل ، وضاحك : كناية عن امتلاء البحر ، وزهوق : مرتفع ، ويروى هزوق» بتقديم الهاء

*

الهزوق : المستغرق فى الضحك ، قال ابن جنى : أباب من أبّ إذا تهيأ ، قال :

164 - *وكان طوى كشحا وأبّ ليذهبا (2)

فأبلغ بنى سعد بن قيس

بأنّنى

عتبت فلمّا لم أجد لى

معتبا

صرمت ولم أصرمكم ،

وكصارم

أخ قد طوى كشحا وأبّ

ليذهبا

ومن هذا تعلم أن النحاة - ومنهم المؤلف - قد غيروا فى إنشاد هذا الشاهد ، وقوله «طوى كشحا» كناية ، يقولون : طوى فلان كشحه على كذا ؛ إذا أضمره فى قلبه وستره ، ويقولون : طوى فلان كشحه ؛ إذا أعرض بوده ، وأب : تهيأ ، وبابه نصر. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أب» بمعنى تهيأ ؛ فأنه يدل على أن الأباب فى قول الشاعر :

أباب بحر ضاحك زهوق

فعال وهمزته أصلية

*

وذلك لأن البحر يتهيأ للموج ، قال : وإن قلت : هو بدل من العين فهو


1) هذا البيت من بحر الرجز لم نقف على نسبته إلى من قاله ، والأباب :

2) هذا عجز بيت للأعشى ميمون ، وصدره مع بيت سابق عليه هكذا :

وجه ، لكنه غير قوى ، ومن قال : إنه بدل منه ؛ فلقرب مخرجيهما ، ولذا أبدل منه العين ، نحو قوله

*أعن ترسّمت من خرقاء منزلة

...... (1)البيت*

قوله «وماء شاذ» هو شاذ لكنه لازم ، وأصله موه ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثم شبه الهاء بحرف اللين لخفائها ؛ فكأنها واو أو ياء واقعة طرفا بعد الألف الزائدة ، فقلبت ألفا ، ثم همزة ، وقالوا أيضا فى أمواه : أمواء ، لمثل هذا ، قال :

165 - وبلدة قالصة أمواؤها

يستنّ فى رأد الضّحى أفياؤها (2)

قيل : آل أصله أهل ثم أأل - بقلب الهاء همزة - ثم آل - بقلب الهمزة ألفا - وذلك لأنه لم يثبت قلب الهاء ألفا وثبت قلبها همزة ، فالحمل على ما ثبت مثله أولى ، وقال الكسائى : أصله أول ؛ لأنهم يؤولون إلى أصل ، وحكى أبو عبيدة فى هل فعلت؟ : أل فعلت؟ وقيل : إن أصل ألّا فى التحضيض هلّا

مواطن إبدال الألف

قال : «والألف من أختيها والهمزة ؛ فمن أختيها لازم فى نحو قال وباع


1) قد سبق قريبا شرح هذا الشاهد فارجع إليه فى (ص 203 من هذا الجزء)

2) هذا الشاهد من الرجز المشطور ، ولم يتيسر لنا الوقوف على قائله ، وقوله «وبلدة» الواو فيه واو رب ، و «قالصة» اسم فاعل من قلص الماء فى البئر إذا ارتفع ، و «أمواؤها» جمع ماء ، و «يستن» معناه يجرى فى السنن ، وهو الطريق و «رأد الضحى» ارتفاعه ، و «أفياؤها» جمع فىء ، وهو الظل. والاستشهاد بالبيت فى قوله «أمواؤها» وللعلماء فيه وجهان : أحدهما أن أصلها أمواهها ؛ فقلب الهاء همزة ، كما قلبها فى المفرد ، والوجه الثانى أن هذه الهمزة هى الهمزة التى فى الواحد

وآل على رأى ، ونحو ياجل ضعيف ، وطائىّ شاذّ لازم ، ومن الهمزة فى نحو رأس ، ومن الهاء فى آل على رأى»

أقول : قوله «قال وباع» ضابطه كل واو وياء تحركتا وانفتح ما قبلهما ، على الشروط المذكورة فى باب الإعلال ،

قوله «ونحو ياجل ضعيف» أى : وإن كان مطردا فى بعض اللغات ، كما ذكرنا فى باب الإعلال ، وضعفه لقلب الواو الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا

قوله «وطائى شاذ» وذلك لما ذكرنا ، لكنه واجب

قوله «فى نحو رأس» مطرد لكنه غير لازم إلا عند أهل الحجاز ، وضابطه كل همزة ساكنة مفتوح ما قبلها ، وفى نحو آدم لازم

ويبدل من النون والتنوين وقفا فى نحو رأيت زيدا ولنسفعا

مواطن إبدال الياء

قال : «والياء من أختيئها ومن الهمزة ومن أحد حرفى المضاعف والنّون والعين والباء والسيّن والثّاء ، فمن أختيها لازم فى نحو ميقات وغاز وأدل وقيام وحياض ومفاتيح ومفيتيح وديم وسيّد ، وشاذّ فى نحو حبلى وصيّم وصبية وييجل ، ومن الهمزة فى نحو ذيب ، ومن الباقى مسموع كثير فى نحو أمليت وقصّيت وفى نحو أناسىّ ، وأمّا الصّفادى والثّعالى والسّادى والثّالى فضعيف»

أقول : قوله «فى نحو ميقات» ضابطه أن يسكن الواو وقبله كسرة ، وضابط نحو غاز أن يتطرف الواو وقبله كسرة ، وضابط نحو أدل أن يتطرف الواو المضموم ما قبلها على الشرط المذكور ، وضابط نحو قيام أن تكون العين واوا مكسورا ما قبلها فى مصدر أعلّ فعله ، وضابط نحو حياض أن تكون العين واوا فى جمع قد سكن عين مفرده ، وقبل الواو كسرة ، وبعده ألف ، وضابط نحو ديم أن تكون الواو عينا قبلها كسرة فى جمع ما قد قلبت عينه ، وضابط نحو سيّد أن

يجتمع الواو والياء وتسكن أولاهما ، وضابط نحو أغزيت أن تقع الواو رابعة فصاعدا متطرفة مفتوحا ما قبلها على الشرط المذكور

قوله «شاذ فى نحو حبلى وصيّم» قد ذكرنا فى باب الوقف أن حبلى بالياء مطرد عند فزارة ؛ فكان الأولى أن يقول ضعيف لا شاذ ، وكذا ذكرنا أن نحو صيّم مطرد وإن كان ضعيفا ، وكذا نحو ييجل ، قال أبو على : هو قياس عند قوم وإن كان ضعيفا ، وحكم الزمخشرى بشدوذه ، وصبية وثيرة شاذّ كما ذكرنا

قوله «ومن الهمزة» هو واجب فى نحو إيت ، ومطرد غير لازم فى نحو ذيب ، وتبدل الياء مكان الواو والألف فى نحو مسلمان ومسلمون ، وفى نحو [قراطيس و (1)] قريطيس لكسر ما قبل الألف ، وكذا الألف التى بعد ياء التصغير ، نحو حميّر

قوله «كثير فى نحو أمليت وقصّيت» يعنى بنحوه ثلاثيا مزيدا فيه يجتمع فيه مثلان ولا يمكن الإدغام لسكون الثانى ، نحو أمللت ، أو ثلاثة أمثال أو لها مدغم فى الثانى ، فلا يمكن الإدغام فى الثالث ، نحو قصّيت وتقضّى البازى (2)

إذا الكرام ابتدروا

الباع بدر

تقضّى البازى إذا البازى

كسر

؛ فيكره اجتماع الأمثال ، ولا طريق لهم إلى الإدغام فيستريحون إلى قلب الثانى ياء لزيادة الاستثقال ، وإن كان ثلاثيا مجردا لم يقلب الثانى ؛ فلا يقال فى مددت مديت ، أما قولهم «فلا وربيك» أى ربّك فشاذ ، وأبدلوا أيضا من أول حرفى التضعيف فى وزن فعّال ، إذا كان اسما ، لا مصدرا ، ياء ، نحو ديماس (3)

1) هذا المثال غير موجود فى كلام صاحب الشافية فى جميع النسخ التى بين أيدينا ، وإن كان من مواضع قلب الواو ياء.

2) تقضى البازى : مصدر تقضض ، بمعنى انقض وقد وقع ذلك فى قول العجاج :

3) الديماس - بكسر الدال ، وتفتح - : الكن ، والحمام ، وجمعوه على دماميس ودياميس

وديباج (1)ودينار وقيراط وشيراز ، فيمن قال : دماميس ودبابيج ودنانير وقراريط وشراريز ، وهذا الإبدال قياس ، إذ لا يجىء فعّال غير المصدر إلا وأول حرفى تضعيفه مبدل ياء ، فرقا بين الاسم والمصدر ، ولا يبدل فى المصدر نحو كذّب كذّابا ؛ فإن كان الاسم بالهاء كالصّنّارة (2)والدّنّامة (3)لم يبدل ؛ للأمن من الالتباس ، وأما من قال دياميس وديابيج فيجوز أن يكون لم يردهما إلى الأصل وإن زالت الكسرة للزوم الياء فى آحادهما ويجوز أن يكون آحادهما على وزن فيعال فى الأصل من غير أن يكون الياء بدلا من حرف التضعيف ، وأما قولهم شواريز بالواو فى جمع شيراز فمبنى على أن أصله شوراز ، وإن لم يكن فوعال فى كلامهم ، ويجوز أن يكون شواريز أصلها شياريز فأبدلت الياء واوا تشبيها للياء بالألف فى نحو خاتم وخواتم فيكون أصله شيراز ، وجاز اجليواذ (4)واخريواط (5)فى مصدر اجلوّذ واخروّط

قوله «أناسىّ» يجوز أن يكون جمع إنسىّ فلا تكون الياء بدلا من النون ، كذا قال المبرد ، وأن يكون جمع إنسان ، والأصل أناسين ، وقد


1) الديباج - بكسر الدال ، وتفتح - : الثياب المتخذة من الابريسم ، وتجمع على دبابيج وديابيج

2) الصنارة - بكسر الصاد المهملة وتشديد النون - : شجرة تعظم وتتسع وليس لها نور ولا ثمر ، وهو واسع الورق ، وورقه شبيه بورق الكرم ، والأكثر فيه تخفيف النون ، وجمعه صنار

3) الدنامة والدنمة : القصير من كل شىء

4) اجلوذ الليل : ذهب ، واجلوذ بهم السير ؛ إذا دام مع السرعة ، انظر (ح 1 ص 55 ، 112)

5) اخروط : أسرع. انظر (ح 1 ص 112)

يستعمل أيضا ، فيكون كالظّرابى فى جمع الظّربان (1)

وأما العين والباء والسين والثاء ، فكقوله :

166 - ومنهل ليس له حوازق

ولضفادى جمّه نقانق (2)

وقوله :

167 - لها أشارير من لحم تتمّره

من الثّعالى ووخز من أرانيها (3)

كأنّ رحلى على شغواء

حادرة

ظمياء قد بلّ من طلّ

خوافيها

والشغواء : العقاب التى فى رأسها بياض ، وحادرة : نازلة من عال ، ويروى حاذرة ، ومعناه المتيقظة ، والظمياء : العطشى إلى دم الصيد ، والطل : المطر الضعيف ، والخوافى : جمع خافية ، وهن أربع ريشات فى جناح الطائر ، والأشارير : جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهى اللحم القديد ، وتتمره : تجففه ، ويروى متمرة ؛ اسم مفعول من ذلك ، وروى منصوبا ومجرورا ، وصحفه المبرد ، فرواه مثمرة بالمثلثة ، والثعالى : الثعالب ، والوخز : قطع اللحم واحدتها وخزة ، والأرانى : الأرانب ، والاستشهاد به فى قوله «من الثعالى» وقوله «أرانيها» حيث قلب الباء فى كل منهما ياء ، وأصله «من الثعالب» «وأرانبها»


1) الظربان - بفتح فكسر ، والظرباء - : دابة تشبه القرد على قدر الهر. انظر (ح 1 ص 198)

2) هذا الشاهد من الرجز المشطور ، ولم نقف له على قائل ، ويقال : صنعه خلف الأحمر ، والمنهل : أصله اسم مكان من نهل بمعنى شرب ، ثم استعمل فى المورد من الماء ، والحوازق : يروى بالحاء المهملة والزاى ، وهى الجوانب ، ويقال : الحوازق : الجماعات ، يريد أنه بعيد مخوف لا يجسر أحد على الدنو منه ، والضفادى : الضفادع ، واحدها ضفدعة ، والجم : أصله الكثير ، وما اجتمع من الماء فى البئر ، ويراد به هنا ماء المنهل لأضافته إلى الضمير العائد إليه ، والنقانق : جمع نقنقة ، وهو الصوت المتكرر. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ضفادى» حيث قلب العين ياء وأصله ضفادع

3) هذا بيت من البسيط من قصيدة لأبى كاهل اليشكرى - وقبله :

وقوله :

168 - إذا ما عدّ أربعة فسال

فزوجك خامس وأبوك سادى (1)

وقوله :

169 - يفديك يازرع أبى وخالى

قد مرّ يومان وهذا الثّالى (2)

*وأنت بالهجران

لاتبالى*

وقد يبدل الياء من الجيم ، يقال : شيرة وشييرة فى شجرة وشجيرة.

مواطن إبدال الواو

قال : «والواو من أختيها ومن الهمزة ؛ فمن أختيها لازم فى نحو ضوارب وضويرب ورحوىّ وعصوىّ وموقن وطوبى وبوطر وبقوى ، وشاذّ ضعيف فى هذا أمر ممضوّ عليه ونهوّ عن المنكر وجباوة ، ومن الهمز فى نحو جؤنة وجؤن»

أقول : قوله «ضوارب وضويرب» ضابطه الجمع الأقصى لفاعل أو فاعل كحائط وخاتم ، أو مصغرهما ، وإنما قلبت واوا فى فواعل حملا على فويعل ؛ لأن التصغير والتكسير من واد واحد ، وبينهما تناسب فى أشياء ، كما مر فى بابيهما ، وكذا تقلب الألف واوا فى ضورب وتضورب.


1) هذا بيت من الوافر ، وينسب إلى النابغة الجعدى يهجو فيه ليلى الأخيلية ، وينسب أيضا للحادرة ، والفسال : جمع فسل ، وهو الرذل من الرجال ، وقد فسل الرجل فسالة وفسولة. والاستشهاد به فى قوله «سادى» حيث قلب السين ياء وأصله «سادس»

2) هذا الشاهد من الرجز المشطور ، ولم نقف له على قائل ، وزرع - بضم فسكون - : مرخم زرعة ، والاستشهاد به فى قوله «الثالى» حيث قلب الثاء ياء ، وأصله الثالث.

قوله «عصوىّ ورحوىّ» ضابطه الألف الثالثة أو الرابعة إذا لحقها ياء النسب ؛ فإنك تقلب الألف واوا ، سواء كانت عن واو أو عن ياء ، لمجىء الياء المشددة بعدها ؛ وقد مر (1)فى باب النسب وباب الإعلال وجه قلبها واوا ، ووجه عدم قلبها ألفا مع تحريكها وانفتاح ما قبلها.

قوله : «موقن وطوبى وبوطر» ضابطه كل ياء ساكنة غير مدغمة مضموم ما قبلها بعدها حرفان أو أكثر ، إلا فى نحو بيضان (2)وحيكى وضيزى (3)، وقولنا «حرفان أو أكثر» احتراز عن نحو بيض.

قوله «وبقوى» ضابطه كل ياء هى لام لفعلى اسما ، وكذا يقلب الياء واوا فى نحو عموىّ قياسا.

قوله «أمر ممضوّ عليه» أصله ممضوى ، لأنه من مضى يمضى ، وكذا نهوّ عن المنكر أصله نهوى ، كأنه قلب الياء واوا ليكون موافقا لأمور ، لأنهم يقولون : هو أمور بالمعروف ونهوّ على المنكر ، ولو قلبوا الواو ياء على القياس لكسرت الضمة فصار نهيّا ، فلم يطابق أمورا ، وقالوا : الفتوّة (4)والندوّة (5)والأصل الفتوية والنّدوية ، وشربت مشوّا ومشيّا ، وهو الدواء


1) قد ذكر المؤلف علة انقلاب الألف فى عصا ورحا واوا فى عصوى ورحوى فى باب النسب (ح 2 ص 38) وذكر وجه عدم قلب الواو فى عصوى ورحوى ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها فى باب النسب (ح 2 ص 38) أيضا ، وفى باب الأعلال (ص 158 من هذا الجزء)

2) انظر (ص 85 من هذا الجزء)

3) انظر (ص 85 من هذا الجزء)

4) الفتوة : الشباب وحداثة السن ، انظر (ح 2 ص 257 ، 258)

5) الندوة : مصدر ندى ، يقال : نديت ليلتنا ندى وندوة ، إذا نزل فيها مطر خفيف قدر مايبل وجه الأرض

الذى يمشى البطن ، وقالوا : جبيت الخراج جباية وجباوة ، والكل شاذ

قوله «ومن الهمزة» : وجوبا فى نحو أومن ، وجوازا فى نحو جونة وجون (1)كما مر فى تخفيف الهمز ، ويجب أيضا فى نحو حمراوان على الأعرف ، وحمراوات وحمراوىّ ، وضعف أفعو فى أفعى كما مر فى باب الوقف (2)

مواطن إبدال الميم

قال : «والميم من الواو والّلام والنّون والباء ، فمن الواو لازم فى فم وحده وضعيف فى لام التّعريف ، وهى طائيّة ، ومن النّون لازم فى نحو عنبر وشنباء ، وضعيف فى البنام وطامه الله على الخير ، ومن الباء فى بنات مخر ومازلت راتما ومن كثم»

أقول : لم يبدل الميم من الواو إلا فى فم ، وهذا بدل لازم ، وقد ذكرنا فى باب الإضافة أن أصله فوه ، بدليل أفواه وأفوه وفويهة وتفوّهت ، حذفت الهاء لخفائها ، ثم أبدلت الواو ميما لئلا تسقط فيبقى المعرب على حرف ، وقال الأخفش : الميم فيه بدل من الهاء ، وذلك أن أصله فوه ، ثم قلب فصار فهو ، ثم حذفت الواو وجعلت الهاء ميما ، واستدل على ذلك بقول الشاعر :

هما نفثا فى فىّ من فمويهما (3)

فهو عنده كقوله :

170 - *لا تقلواها وادلواها دلوا

إنّ مع اليوم أخاه غدوا (4)


1) الجؤنة : سلة مستديرة مغشاة جلدا يجعل فيها الطيب والثياب (انظر ص 56 من هذا الجزء)

2) انظر الكلام على هذا فى (ح 2 ص 285 ، 286)

3) قد مضى شرح هذا الشاهد فى (ح 2 ص 66)

4) هذا بيت من الرجز ، ولم نقف على قائله ، وتقلواها : مضارع مسند لألف الاثنين ، وأصله من قلا الحمار الأتان يقلوها قلوا ، إذا طردها وساقها ،

فى رد المحذوف للضرورة ، والميم والواو شفويتان ، والميم تناسب اللام والنون لكونهما مجهورتين وبين الشديدة والرخوة

قوله «وضعيف فى لام التعريف» قال عليه‌السلام : «ليس من امبرّ امصيام فى امسفر»

قوله «ومن النون لازم» ضابطه كل نون ساكنة قبل الباء : فى كلمة كعنبر ، أو كلمتين نحو سميع بصير وذلك أنه يتعسر التصريح بالنون الساكنة قبل الباء ؛ لأن النون الساكنة يجب إخفاؤها مع غير حروف الحلق كما يجىء فى الإدغام ، والنون الخفية ليست إلا فى الغنة التى معتمدها الأنف فقط ، والباء معتمدها الشفة ، ويتعسر اعتمادان متواليان على مخرجى النفس المتباعدين فطلبت حرف تقلب النون إليها متوسطة بين النون والباء ، فوجدت هى الميم ، لأن فيه الغنة كالنون ، وهو شفوى كالباء ، وأما إذا تحركت النون نحو شنب (1)ونحوه فليست النون مجرد الغنة ، بل أكثر معتمدها الفم بسبب تحركها ، فلا جرم انقلب ميما ، وضعف إبدالها من النون المتحركة ، كما قال رؤبة :

171 - يا هال ذات المنطق التّمتام

وكفّك المخضّب البنام (2)


1) الشنب : ماء ورقة وعذوبة وبرد فى الأسنان ، وفعله شنب - كفرح - والفم أشنب ، والمرأة شنباء ، وقد قلبوا النون ميما فقالوا شمباء

2) هذا الشاهد من بحر الرجز ، ينسب لرؤبة بن العجاج ، وهال : مرخم - - هالة ، وأصلها الدائرة حول القمر ، ثم سمى به ، والتمتام : الذى فيه تمتمة : أى تردد فى الكلام. والاستشهاد بالبيت فى قوله «البنام» حيث قلب النون ميما وأصله البنان.

ويقال : طامه الله على الخير : أى طانه ، من الطينة (1): أى جبله ، قال :

172 - *ألا تلك نفس طين منها حياؤها (2)

لئن كانت الدّنيا له قد

تزيّنت

على الأرض حتّى ضاق عنها

فضاؤها

لقد كان حرّا يستحى أن

يضمّه

إلى تلك نفس طين فيها

حياؤها

ومنه تعلم أن عجز البيت الذى رواه المؤلف قد صحف عليه من ثلاثة أوجه : الأول «إلى» إذ وضع بدلها «ألا» الاستفتاحية ، الثانى قوله «فيها» الذى وضع بدله «منها». وفى بعض نسخ الشرح «ألا كل نفس» وهى التى شرح عليها البغدادى ، فهذا هو التحريف الثالث. والاستشهاد بالبيت فى قوله «طين» ومعناه جبل ، وهذا يدل على أن قولهم : طانه الله معناه جبله

*

ولم يسمع لطام تصرف ،

بنات بخر وبنات مخر : سحائب يأتين قبل الصيف بيض منتصبات فى السماء ، وقال ابن السرى : هو مشتق من البخار ، وقال ابن جنى : لو قيل إن بنات مخر من المخر بمعنى الشق من قوله تعالى : (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) لم يبعد.

قال أبو عمرو الشيبانى : يقال : ما زلت راتما على هذا ، وراتبا : أى مقيما ؛ فالميم بدل من الباء ؛ لأنه يقال : رتم مثل رتب ، قال ابن جنى : يحتمل أن تكون الميم أصلا من الرّتمة ، وهى خيط يشد على الإصبع لتستذكر به الحاجة ، وهو أيضا ضرب من الشجر ، قال :


1) الطينة : الجبلة والطبيعة

2) هذا عجز بيت من الطويل ، أنشده أبو محرز خلف بن محرز الأحمر ، وهو مع بيت سابق عليه قوله :

173 - هل ينفعنك اليوم إن همت بهم

كثرة ما توصى وتعقاد الرّتم (1)

شرطية ، والرتم : اسم جنس جمعى واحده رتمة ، والرتمة : الخيط الذى يشد فى الأصبع لتستذكر به الحاجة ؛ والاستشهاد به فى قوله «الرتم» وهو مأخوذ من الرتمة ، وذلك يدل على أن الميم أصلية وليست مبدلة من الباء ، وهذا أحد وجهين للعلماء فى قولهم : ما زلت راتما : أى مقيما ، وهو وجه ذكره ابن جنى ونقله عنه المؤلف بتوجيهه ، والوجه الآخر أن الميم بدل من الباء ، وهو وجه ذكره أبو عمرو الشيبانى كما قال المؤلف ؛ لأنهم يقولون : ما زلت راتبا ، وما زلت راتما ، بمعنى واحد.

وذلك أنه كان الرجل منهم إذا أراد سفرا عمد إلى غصنين من شجرتين يقرب أحدهما من الآخر ويعقد أحدهما بصاحبه ، فإن عاد ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال : إن امرأته لم تخنه ، وإلا قال : إنها خانته.

وقال يعقوب : يقال : رأيناه من كثم : أى كثب : أى قرب ، ويتصرف فى كثب يقال : أكثب الأمر : أى قرب

مواطن إبدال النون

قال : «والنّون من الواو والّلام شاذّ فى صنعانىّ وبهرانىّ وضعيف فى لعنّ»

أقول : قوله «فى صنعانى وبهرانى» منسوبان إلى صنعاء وبهراء ؛ فعند سيبويه النون بدل من الواو ؛ لأن القياس صنعاوى ، كما تقول فى حمراء : حمراوى ، وهما متقاربان بما فيهما من الغنة ، وأيضا هما بين الشديدة والرخوة وهما مجهورتان ، وقال المبرد : بل أصل همزة فعلاء النون ، واستدل عليه برجوعها إلى الأصل فى صنعانى وبهرانى ، كما ذكرنا فى باب ما لا ينصرف ، (2)


1) هذا بيت من الرجز لم نقف له على قائل ، وينفعنك : مضارع مؤكد بالنون الخفيفة ، لوقوعه بعد الاستفهام ، وفاعله قوله «كثرة ما تعطى». وإن :

2) قد نقلنا لك عبارته التى يشير إليها ، واستكملنا بحث هذه المسألة فى (ح 2 ص 58 ، 59)

والأولى مذهب سيبويه ؛ إذ لا مناسبة بين الهمزة والنون

قوله «وضعيف فى لعنّ» قيل : النون بدل من اللام ؛ لأن لعل أكثر نصرفا ، وقيل : هما أصلان لأن الحرف قليل التصرف

مواطن إبدال التاء

قال : «والتّاء من الواو والياء والسّين والباء والصّاد ؛ فمن الواو والياء لازم فى نحو اتّعد واتّسر على الأفصح ، وشاذّ فى نحو أتلجه وفى طست وحده وفى الذّعالت ولصت ضعيف»

أقول : قوله «نحو اتعد واتسر» أى : كل واو أو ياء هو فاء افتعل كما مر فى باب الإعلال

قوله «أتلجه» قال :

174 - ربّ رام من بنى ثعل

متلج كفّيه فى قتره (1)

قد أتته الوحش واردة

فتنحّى النّزع فى يسره

وثعل - كعمر - : أبو قبيلة من طى يقال : إنه أرمى العرب ، وهو ثعل بن عمرو ابن الغوث بن طى ، ومتلج : اسم فاعل من أولج : أى أدخل ، وأصله مولج ؛ فأبدل من الواو تاء ، والقتر : جمع قترة - بضم فسكون - وهى حظيرة يكمن فيها الصياد لئلا يراه الصيد فينفر ، ويروى «فى ستره». والاستشهاد بالبيت فى قوله «متلج» حيث بدل التاء من الواو كما ذكرنا

وضربه حتى أتكأه (2)

معنى أتكأه ألقاه على جانبه الأيسر ، وقيل : ألقاه على هيئة المتكىء

، ومنه تجاه (3)وتكلة (4)وتيقور (5)

فإن يكن أمسى البلى تيقورى


1) هذا بيت من المديد ، وهو مطلع قصيدة لامرىء القيس بن حجر الكندى بعده :

2) أتكأه : أصلها أوكأه ؛ فأبدل من الواو تاء ، ومعناه وسده ، وقيل :

3) تقول : قعد فلان تجاه فلان ؛ أى تلقاءه ، والتاء بدل من الواو ، وأصله من المواجهة

4) انظر (ج 1 ص 215)

5) التيقور : الوقار ، وهى فيعول ، وأصلها ويقور ؛ فأبدلت الواو تاء ؛ قال العجاج :

من الوقار ، وتخمة (1)وتهمة (2)وتقوى (3)وتقاة وتترى (4)من المواترة وتوراة من الورى (5)وهو فوعلة لندور تفعلة ، وكذا تولج (6)وتوأم (7)وأخت وبنت (8)وهنت وأسنتوا (9)من السّنة

قوله «طست» لأن جمعه طسوس لا طسوت

قوله «وحده» إنما قال ذلك مع قولهم ست لأن الإبدال فيه لأجل


1) التخمة : الثقل الذى يصيبك من الطعامءانظر (ح 1 ص 216)

2) التهمة : ظن السوء. انظر (ح 1 ص 216)

3) التقوى : اسم من وقيت ، وأصلها الحفظ ، ثم استعملت فى مخافة الله ؛ وأصل تقوى وقوى ، فأبدلت الواو تاء

4) تترى : أصلها وترى من المواترة وهى المتابعة ، أبدلت واوها تاء إبدالا غير قياسى ، وانظر (ح 1 ص 195 وص 81 من هذا الجزء)

5) انظر (ص 81 من هذا الجزء)

6) انظر (ص 80 من هذا الجزء)

7) التوأم : الذى يولد مع غيره فى بطن : اثنين فصاعدا من جميع الحيوان ، وهو من الوئام الذى هو الوفاق ، سمى بذلك لأنهما يتوافقان فى السن ، وأصله ووءم بزنة فوعل كجوهر ؛ فأبدلت الواو الأولى تاء كراهة اجتماع الواوين فى صدر الكلمة ، وحمله على ذلك أولى من حمله على تفعل ؛ لأن فوعلا أكثر من تفعل ، وانظر (ح 2 ص 167)

8) قد استوفينا الكلام على هذه الألفاظ فى (1 ص 220) وفى (ح 2 ص 255 - 257) فارجع إليها هناك

9) يقال : أسنت القوم ؛ إذا أجدبوا ، وأصلها من السنة ؛ فلامها فى الأصل واو ، وأصل اسنتوا على هذا اسنووا فأبدلت الواو تاء. وانظر (ح 1 ص 221)

الإدغام ، وهى من تركيب التسديس ، وقال :

175 - يا قاتل الله بنى السّعلاة

عمرو بن يربوع شرار النّات

*غير أعفّاء ولا

أكيات (1)*

وهو نادر

قوله «ذعالت» قال :

176 - صفقة ذى ذعالت سمول

بيع امرىء ليس بمستقيل (2)

أى : ذعالب ، قال ابن جنى : ينبغى أن تكونا لغتين ، قال : وغير بعيد أن تبدل التاء من الباء ؛ إذ قد أبدلت من الواو ، وهى شريكة الباء فى الشفة ،


1) هذه أبيات من الرجز المشطور ، وهى لعلباء بن أرقم اليشكرى يهجو فيها بنى عمرو بن مسعود ، وقيل بنى عمرو بن يربوع ويقال لهم : بنو السعلاة ، وذلك أنهم زعموا أن عمرو بن يربوع تزوج سعلاة : أى غولا ؛ فأولدها بنين ، وقوله «يا قاتل الله» المنادى فيه محذوف ، والجملة بعده دعائية ، وقوله عمرو بن يربوع - بالجر - بدل من السعلاة ، وكأنه قال بنى عمرو بن يربوع ، وأعفاء : جمع عفيف ، وأكيات : أصله أكياس جمع كيس - بتشديد الياء مكسورة - والاستشهاد بالبيت فى قوله «النات» وفى قوله «أكيات» حيث أبدل السين تاء

2) هذا الشاهد من الرجز المشطور ، وقائله أعرابى من بنى عوف بن سعد ، هكذا ذكروه ولم يعينوه. وصفقة : منصوب على أنه مفعول مطلق ، وتقول : صفقت له بالبيع صفقا ؛ إذا أنفذت البيع وأمضيته ، وكانوا إذا أبرموا بيعا صفق أحد المتبايعين بيده على يد الآخر : أى ضرب ، فكان ذلك علامة على إمضائه ، والذعالت : الذعالب ، وهى جمع ذعلبة - بكسرتين بينهما سكون - وهو طرف الثوب أو ما تقطع منه ، وسمول : جمع سمل - كأسد وأسود - وهو الخلق البالى والمستقيل : الذى يطلب فسخ البيع. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ذعالت» حيث أبدل الياء تاء على ما بيناه

هذا كلامه ، والأولى أن أصلها الباء ؛ لأن الذعالب أكثر استعمالا ، وهو بمعنى الذعاليب ، واحدها ذعلوب ، وهى قطع الخرق الأخلاق

وقالوا فى لص : لصت ، وجمعوه على اللّصوت أيضا ، قال :

177 - فتركن نهدا عيّلا أبناؤها

وبنى كنانة كاللصوت المرّد (1)

وجاء بدلا من الطاء ، قالوا فستاط فى فسطاط (2)

مواطن إبدال الهاء

قال : «والهاء من الهمزة والألف والياء والتّاء ، فمن الهمزة مسموع فى هرقت وهرحت وهيّاك ولهنّك وهن فعلت ، فى طيىء ، وهذا الّذى فى أذا الّذى ، ومن الألف شاذّ فى أنه وحيّهله وفى مه مستفهما ، وفى ياهناه على رأى ، ومن الياء فى هذه ، ومن التّاء فى باب رحمة وقفا»

أقول : يقال هنرت الثوب : أى أنرته (3)وهرحت الدابة : أى أرحتها ،


1) هذا البيت من بحر الكامل ، وقد نسبه الصاغانى فى العباب إلى عبد الأسود ابن عامر بن جوين الطائى ، ونهد : أبو قبيلة من اليمن ، وعيل : جمع عائل - كصوم جمع صائم - من عال يعيل عيلة ؛ إذا افتقر ، ومرد : جمع مارد ، من مرد من باب نصر ؛ إذا خبث وعتا ، وربما كان من مرد بمعنى مرن ودرب. ومعنى البيت أنهم تركوا أبناء هذه القبيلة فقراء ؛ لأنهم قتلوا آباءهم ، وكذلك قتلوا آباء بنى كنانة فجعلوهم فقراء حتى صاروا من شدة الفقر كاللصوص المرد. والاستشاد بالبيت فى قوله «كاللصوت» حيث أبدل الشاعر الصاد تاء

2) الفسطاط : ضرب من الأبنية دون السرادق يكون فى السفر ، وانظر (ح 1 ص 17)

3) يقال : نرت الثوب أنيره - من باب باع - وأنرته ، ونيرته - بالتضعيف - إذا جعلت له علما ، ويقال للعلم : النير - بالكسر - روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال : لو لا أن عمر نهى عن النير لم نر بالعلم بأسا ، ولكنه نهى عن النير

وحكى اللّحيانى : هردت الشىء : أى أردته ، أهريده ، بفتح الهاء ، كهرقته أهريقه ، وقال :

178 - فهيّاك والأمر الّذى إن توسّعت

موارده ضاقت عليك المصادر (1)

والهاء بدل ؛ لأن إيّاك أكثر ، وقد مضى الكلام فى لهنّك فى الحروف المشبهة بالفعل (2)

لهنّا لمقضىّ علينا التّهاجر

قال :

لهنّى لأشقى النّاس إن كنت غارما

وقد يحذف اللام ، وهو قليل ، قال :

ألا ياسنا برق على قلل

الحمى

لهنّك من برق علىّ كريم

وفيه ثلاثة مذاهب : أحدها لسيبويه ، وهو أن الهاء بدل من همزة إن كاياك وهياك ، فلما غيرت صورة إن بقلب همزتها هاء جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع ، والثانى قول الفراء ، وهو أن أصله : والله إنك ، كما روى عن أبى أدهم الكلابى :

له ربّى لا أقول ذلك ، بقصر اللام ، ثم حذف حرف الجر ، كما يقال : الله لأفعلن ، وحذفت لام التعريف أيضا ، كما يقال : لاه أبوك ، أى لله أبوك ، ثم حذفت ألف فعال كما يحذف من الممدود إذا قصر ، كما يقال : الحصاد ، والحصد ، قال :

ألا لا بارك الله فى

سهيل

إذ ما الله بارك فى

الرّجال

وطيىء تقلب همزة إن الشرطية هاء ، وحكى قطرب : هزيد

1) هذا البيت من الطويل ، وقد أورده أبو تمام فى باب الأدب من الحماسة ونسبه فى كتاب مختار أشعار القبائل إلى طفيل الغنوى ، والموارد : جمع مورد ، وهو المدخل ، والمصادر : جمع مصدر ، وهو المخرج. والاستشهاد بالبيت فى قوله «فهياك» حيث أبدل الهمزة هاء

2) قال المؤلف فى شرح الكافية (ج 2 ص 332): «واعلم أن من العرب من يقول : لهنّك لرجل صدق ، قال :

منطلق ، فى ألف الاستفهام ، أنشد الأخفش :

179 - وأتت صواحبها فقلن هذا الّذى

منح المودّة غيرنا وجفانا (1)

وقد راجعنا ديوان عمر بن أبى ربيعة فوجدنا له قصيدة على هذا الروى أولها :

يا ربّ إنّك قد علمت

بأنّها

أهوى عبادك كلّهم إنسانا

ولم نجد فيها هذا البيت كما لم نجد على هذا الروى غير هذه القصيدة. وقد قال فى اللسان : «أنشده اللحيانى عن الكسائى لجميل. وقوله «وأتت صواحبها» هو فى اللسان «وأتى صواحبها». والصواحب : جمع صاحبة ، والاستشهاد به فى قوله «هذا الذى» حيث أبدل الهمزة التى للاستفهام هاء ، وأصله «أذا الذى»

أى : أذا الذى ، ويقال فى أيا فى النداء : هيا ، وفى أما والله : هما

قوله «أنه» قيل : الهاء بدل من الألف فى الوقف ؛ لأن الألف فى الوقف ، أكثر استعمالا من الهاء ، وقد ذكر فى الوقف أن الهاء للسكت كما فى قه وره ، وكذا فى حيّهله ؛ وأما قولهم «مه» فالأولى كون هائها بدلا من الألف ، كما فى قوله :

180 - قد وردت من أمكنه

من ههنا ومن هنه (2)

ويجوز أن يقال : جذف الألف من ما الاستفهامية غير المجرورة كما يحذف من ما المجرورة. نحو فيم وإلام ، ثم دعم بهاء السكت كما فى ره وقه


1) هذا بيت من الكامل ، قال البغدادى : «وقائله مجهول ، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبى ربيعة المخزومى ؛ فأنه فى غالب شعره أن النساء يتعشقنه» ا ه.

2) هذا بيت من الرجز المجزوء لم نعرف قائله ، والضمير فى وردت للابل. والاستشهاد بالبيت فى قوله «هنه» حيث أبدل الألف هاء للوقف ، وأصله هنا

قوله «فى يا هناه» قد ذكرنا الخلاف (1)

يا مرحباه بحمار ناجيه

وقال :

يا ربّ يا ربّاه إيّاك أسل

فى حال الضرورة ، هذا قول الكوفيين وبعض البصريين ، ولما رأى أكثر البصريين ثبوت الهاء وصلا فى السعة أعنى فى هناه مضمومة ظنوا أنها لام الكلمة التى هى واو فى هنوات كما أبدلت هاء فى هنيهة ، وقال بعضهم : هى بدل من الهمزة المبدلة من الواو إبدالها فى كساء - وإن لم يستعمل هناه - كما أبدلوا فى «إياك» فقالوا : هياك ، ومجىء الكسر فى هاء هناه يقوى مذهب الكوفيين ، وأيضا اختصاص الألف والهاء بالنداء ، وأيضا لحاق الألف والهاء فى جميع تصاريفه وصلا ووقفا - على ما حكى الأخفش - نحو يا هناه ، ويا هناناه أو يا هنانيه ، كما مر فى المندوب ، ويا هنوناه ، ويا هنتاه ، ويا هنتاناه أو يا هنتانيه ، ويا هناتاه» ا ه

فيه وأن الهاء فيه للسكت عند أبى زيد والأخفش والكوفيين ، وبدل من الواو عند البصريين ، وأصله عندهم هناو لقولهم هنوات ، وقيل : الهاء أصل ، وهو ضعيف لقلة باب سلس وقلق ، وهاء هذه بدل من الياء كما ذكرنا فى الوقف عند بنى تميم ، فليرجع إليه فى معرفته (2)ولا يطرد هذا فى كل ياء ؛ فلا يقال فى الذى : الذه

قوله «ومن التاء فى رحمة وقفا» مضى فى الوقف (3)


1) قال المؤلف فى شرح الكافية (ح 2 ص 129): «ومنه (يريد من كنايات الأعلام) يا هناه للمنادى غير المصرح باسمه تقول فى التذكير : ياهن ، وياهنان ، وياهنون ، وفى التأنيث : ياهنة ، ويا هنتان ، ويا هنات ، وقد يلى أواخرهن ما يلى أواخر المندوب وإن لم تكن مندوبة ، تقول : يا هناه - بضم الهاء - فى الأكثر ، وقد تكسر كما ذكرنا فى المندوب ، وهذه الهاء تزاد فى السعة وصلا ووقفا مع أنها فى الأصل هاء السكت ، كما قال :

2) انظر (ح 2 ص 286 ، 287)

3) انظر (ح 2 ص 288 وما بعدها)

مواطن إبدال اللام

قال : «والّلام من النّون والضّاد فى أصيلال قليل ، وفى الطجع ردىء»

أقول : أصل أصيلال أصيلان ، وهو إن كان جمع أصيل كرغيف ورغفان ، وهو الظاهر ؛ فهو شاذ من وجهين : أحدهما إبدال اللام من النون ، والثانى تصغير جمع الكثرة على لفظه ، وإن كان أصلان واحدا كرمّان وقربان ، - مع أنه لم يستعمل - فشذوذه من جهة واحدة ، وهى قلب النون لاما ، قال الأخفش : لو سميت به لم ينصرف ؛ لأن النون كالثابتة ، يدل على ذلك ثبات الألف فى التصغير كما فى سكيران ، وكذا هراق إذا سميت به غير منصرف ؛ لأن الهمزة فى حكم الثابت

قوله «الطجع» من قوله :

لمّا رأى أن لادعه ولا شبع

مال إلى أرطاة حقف فالطجع (1)

قال : «والطّاء من التّاء لازم فى اصطبر ، وشاذّ فى فحصط»

أقول : قوله «فى اصطبر» يعنى إذا كان فاء افتعل أحد الحروف المطبقة المستعلية ، وهى الصاد والضاد والطاء والظاء ، وذلك لأن التاء مهموسة لا إطباق فيها ، وهذه الحروف مجهورة مطبقة ؛ فاختاروا حرفا مستعليا من مخرج التاء ، وهو الطاء ، فجعلوه مكان التاء ؛ لأنه مناسب للتاء فى المخرج والصاد والضاد والظاء فى الإطباق

قوله «وشذّ فى فحصط» هذه لغة بنى تميم ، وليست بالكثيرة ، أعنى جعل الضمير طاء إذا كان لام الكلمة صادا أو ضادا ، وكذا بعد الطاء والظاء ، نحو فحصط برجلى ، (2)


1) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه فى (ح 2 ص 324)

2) فحصط : أصلها فحصت ؛ فأبدلت تاء الضمير طاء ، والفحص : البحث ، وفعله من باب فتح

وحصط عنه (1): أى حدت وأحطّ (2)وحفطّ (3)وإنما قلّ ذلك لأن تاء الضمير كلمة تامة ، فلا تغير ، وأيضا هو كلمة برأسها ، فكان القياس أن لا تؤثر حروف الإطباق فيها ، ومن قلبه فلكونه على حرف واحد كالجزء مما قبله ، بدليل تسكين ما قبله ، فهو مثل تاء افتعل

مواطن إبدال الطاء

قال : «والدّال من التّاء لازم فى نحو ازدجر وادّكر ، وشاذّ فى نحو فزد واجدمعوا واجدزّ ودولج»

أقول : إذا كان فاء افتعل أحد ثلاثة أحرف : الزاى ، والدال ، والذال ؛ قلبت تاء الافتعال دالا ، وأدغمت الدال والذال فيها ، نحو ادّان وادّكر ، كما يجىء ، وقد يجوز أن لا يدغم الذال نحو اذدكر ، والقلب الذى للإدغام ليس مما نحن فيه ، كما ذكرنا فى أول هذا الباب ، والحروف الثلاثة مجهورة ، والتاء مهموسة ؛ فقلبت التاء دالا ؛ لأن الدال مناسبة للذال والزاى فى الجهر ، وللتاء فى المخرج ؛ فتوسط بين التاء وبينهما ، وإنما أدغمت الذال فى الدال دون الزاى لقرب مخرجها من مخرج الدال وبعد مخرج الزاى منها

قوله «وادّكر» قلب التاء دالا بعد الذال المعجمة لازم ، وبعد القلب الإدغام أكثر من تركه ، فإن أدغمت فإما أن تقلب الأولى إلى الثانية ، أو بالعكس ، كما يجىء فى باب الإدغام


1) حصط : أصلها حصت ، فأبدلت تاء الضمير طاء ، وتقول : حاص عن الشىء يحيص حيصا وحيصة وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا ؛ إذا حاد عنه وعدل.

2) أصل أحط : أحطت ، فأبدلت تاء الضمير طاء ، ثم أدغمت الطاء فى الطاء ، وتقول : أحاط بالشىء يحيط به إحاطة ؛ إذا أحدق به كله من جوانبه ، وكل من أحرز الشىء كمله وبلغ علمه أقصاه فقد أحاط به

3) أصل حفط : حفظت ، فأبدلت التاء طاء ، ثم أبدلت الظاء المعجمة طاء مهملة ، ثم أدغمت الطاء فى الطاء

قوله «وشاذ فى فزد» حاله كحال فحصط ، وقد ذكرناه ، وكذا شذّ قلبه بعد الدال ، نحو جدد فى جدت ، وقد شذ قلب تاء الافتعال بعد الجيم ؛ لأن الجيم وإن كانت مجهورة والتاء مهموسة إلا أنها أقرب إلى التاء من الزاى والذال ؛ فيسهل النطق بالتاء بعد الجيم ، ويصعب بعد الزاى والذال ، قال :

181 - فقلت لصاحبى لا تحبسانا

بنزع أصوله واجدزّ شيحا (1)

وضيف جاءنا واللّيل داج

وريح القرّ تحفز منه

روحا

وقوله «والليل داج» معناه مظلم ، والقر - بالضم - : البرد ، وتحفز : تدفع ، وقوله «فقلت لصاحبى الخ» خاطب الواحد بخطاب الاثنين فى قوله «لا تحبسانا» ثم عاد إلى الافراد فى قوله «واجدز شيحا» وليس هذا بأبعد من قول سويد ابن كراع العكلى :

فإن تزجرانى يا ابن

عفّان انزجر

وإن تدعانى أحم عرضا

ممنّعا

ويروى فى بيت الشاهد :

فقلت لحاطبى لا تحبسنّى

والكلام على هذه الرواية جار على مهيع واحد. والمعنى لا تؤخرنا عن شى اللحم بتشاغلك بنزع أصول الحطب ، بل اكتف بقطع ما فوق وجه الأرض منه ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «واجدز» وهو افتعل من الجز ، وأصله اجتز ، وبه يروى ، فأبدل التاء دالا إبدالا غير قياسى

ولا يقاس على المسموع منه ؛ فلا يقال اجدرأ (2)واجدرح (3)، والدولج :


1) هذا البيت من الوافر ، وهو من كلمة لمضرس بن ربعى الفقعسى ، وأولها قوله :

2) اجدرأ : هو افتعل من الجرأة التى هى الاقدام على الشىء ، وأصله اجترأ فأبدل التاء دالا

3) اجدرح : هو افتعل من الجرح ، وأصله اجترح ؛ فأبدل التاء دالا ،

الكناس ، من الولوج ، قلبت الواو تاء ، ثم قلبت التاء دالا ، وذلك لأن التولج أكثر استعمالا من دولج ، وقلبت التاء دالا فى ازدجر واجد مع لتناسب الصوت ، كما فى صويق ، بخلاف دولج.

مواطن إبدال الجيم

قوله : «والجيم من الياء المشدّدة فى الوقف ، فى نحو فقيمجّ ، وهو شاذّ ومن غير المشدّدة فى نحو لا همّ إن كنت قبلت حجّتج أشذ ، ومن الياء المفتوحة فى نحو قوله حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا أشذّ»

الجيم والياء أختان فى الجهر ، إلا أن الجيم شديدة ، فإذا شدّدت الياء صارت قريبة غاية القرب منها ، وهما من وسط اللسان ، والجيم أبين فى الوقف من الياء ، فطلب البيان فى الوقف ؛ إذ عنده يخفى الحرف الموقوف عليه ، ولهذا يقال فى حبلى - بالياء - : حبلو بالواو - وقد تقلب الياء المشددة لا للوقف جيما ، قال :

182 - كأنّ فى أذنابهنّ الشّوّل

من عبس الصّيف قرون الإجّل (1)

الحمد لله العلىّ الأجلل

الواسع الفضل الوهوب

المجزل

والضمير فى أذنابهن عائد للابل ، والشول : جمع شائل ، وتقول : شالت الناقة بذنبها تشول ؛ إذا رفعته للقاح وقد انقطع لبنها ، والعبس - بفتحتين - : ما يعلق بأذناب الابل من أبعارها وأبوالها فيجف عليها ، وأضافه إلى الصيف ؛ لأنه يكون فى ذلك الوقت أجف وأيبس ، والأجل - بكسر الهمزة وضمها مع تشديد الجيم مفتوحة - : الوعل ، وهو تيس الجبل. شبه ما يعلق بأذناب النوق فى زمن الصيف بقرون التيس الجبلى فى صلابته ويبسه ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «الأجل» حيث أبدل الياء المشددة جيما فى غير الوقف


1) هذا الشاهد بيتان من مشطور الرجز من أرجوزة طويلة لأبى النجم العجلى أولها :

وقد جاء فى المخففة فى الوقف ، لكنه أقل من المشددة ، وذلك أيضا لبيان الياء فى الوقف ، وقد جاء من الياء المخففة فى غير الوقف ، قال :

183 - حتى إذا ما أمسجت وأمسجا (1)

أى : أمسيت وأمسى ، فلما أبدلت الياء جيما لم ينقلب ألفا ، ولم يسقط للساكنين ، كالياء فى أمست وأمسى ، وفى قوله «فى الياء المخففة أشذ» دلالة على أن ذلك فى المشددة شاذ ، وإنما كان فى المخففة أقل لأن الجيم أنسب بالياء المشددة ، كما قلنا ، وإنما كان فى نحو أمسجت أشذّ لأن الأصل أن يبدل في الوقف لبيان الياء ، والياء فى مثله ليس بموقوف عليه.

مواطن إبدال الصاد

قال : «والصّاد من السّين الّتى بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء جوازا ، نحو أصبغ ، وصلخ ، ومسّ صقر ، وصراط»

أقول : اعلم أن هذه الحروف مجهورة مستعلية ، والسين مهموس مستفل ؛ فكرهوا الخروج منه إلى هذه الحروف ؛ لثقله ، فأبداوا من السين صادا ، لأنها توافق السين فى الهمس والصفير ، وتوافق هذه الحروف فى الاستعلاء ؛ فتجانس الصوت بعد القلب ، وهذا العمل شبيه بالإمالة فى تقريب الصوت بعضه من بعض ، فإن تأخرت السين عن هذه الحروف لم يسغ فيها من الإبدال ما ساغ وهى متقدمة ؛ لأنها إذا تأخرت كان المتكلم منحدرا بالصوت من عال ، ولا يثقل ذلك ثقل التصعّد من منخفض ، فلا تقول فى قست : قصت ، وهذه الحروف تجوّز القلب : متصلة بالسين كانت كصقر ، أو منفصلة بحرف نحو صلخ ، أو بحرفين أو ثلاثة


1) هذا بيت من الرجز المشطور لم نعثر له على نسبة إلى قائل ولا على سابق أو لاحق ، ونسبه بعض العلماء إلى العجاج ، وقد اختلفوا فى الضمير فى قوله «أمسجت وأمسجا» فقيل : هما عائدان إلى أتان وعير ، وقيل : هما عائدان إلى نعامة وظليم ، والاستشهاد فى قوله «أمسجت وأمسجا» حيث أبدل الياء المخففة جيما فى غير الوقف ، قال فى اللسان : «أبدل مكان الياء حرفا جلدا شبيها بها ، لتصح له القافية والوزن» ا ه

نحو صملق (1)

ألم تسل الرّبع القديم

فينطق

وهل تخبرنك اليوم بيداء

سملق

وصراط ، وصماليق (2)، وهذا القلب قياس ، لكنه غير واجب ، ولا يجوز قلب السين فى مثلها زايا خالصة ، إلا فيما سمع نحو الزّراط ، وذلك لأن الطاء تشابه الدال

مواطن إبدال الزاي

قوله : «والزّاى من السّين والصّاد الواقعتين قبل الدّال ساكنتين ، نحو يزدل ، وهكذا فزدى أنه»

السين حرف مهموس ، والدال مجهور ؛ فكرهوا الخروج من حرف إلى حرف ينافيه ، ولا سيما إذا كانت الأولى ساكنة ؛ لأن الحركة بعد الحرف ، وهى جزء حرف لين حائل بين الحرفين ؛ فقربوا السين من الدال ؛ بأن قلبوها زايا ، لأن الزاى من مخرج السين ومثلها فى الصفير ، وتوافق الدال فى الجهر ؛ فيتجانس الصوتان ، ولا يجوز ههنا أن تشرب السين صوت الزاى ، كما يفعل ذلك فى الصاد ، نحو يصدر ، لأن فى الصاد إطباقا ، فضارعوا لئلا يذهب الإطباق بالقلب ، وليست السين كذلك ، ويجوز فى الصاد الساكنة الواقعة قبل الدال قلبها زايا صريحة وإشرابها صوت الزاى ، أما الإبدال فلأن الصاد مطبقة مهموسة رخوة وقد جاورت الدال بلا حائل من حركة وغيرها ، والدال مجهورة شديدة غير مطبقة ، ولم يبدلوا الدال كما فى تاء افتعل نحو اصطبر لأنها ليست بزائدة كالتاء ، فتكون أولى بالتغيير ؛ فغيروا الأولى لضعفها بالسكون ، بأن قرّبوها من الدال ، بأن قلبوها زايا خالصة ، فتناسبت الأصوات ، لأن الزاى


1) الصملق : السملق ، وهو الأرض المستوية ، وقيل : القفر الذى لا نبات فيه ، والقاع المستوى الأملس ؛ قال جميل :

2) الصماليق : السماليق ، قال فى اللسان : «وحكى سيبويه صماليق ، قال ابن سيده : ولا أدرى ما كسر إلا أن يكونوا قد قالوا : صملقة ، فى هذا المعنى ، فعوض من الهاء ، كما حكى مواعيظ» ا ه

من مخرج الصاد وأختها فى الصفير ، وهى تناسب الدال فى الجهر وعدم الإطباق ، ومن ضارع : أى نحى بالصاد نحو الزاى ، ولم يقلبها زايا خالصة ، فللمحافظة على فضيلة الاطباق ، كما ذكرنا.

قوله «فزدى أنه» قول حاتم الطائى لما وقع فى أسرقوم فغزا رجالهم وبقى مع النسوة فأمرنه بالفصد فنحر ، وقال : هكذا فزدى (1)أنه ، وأنه تأكيد للياء

أنحاء الصاد نحو الزاي وإشمام السين صوت الزاي

قال : «وقد ضورع بالصّاد الزّاى دونها وضورع بها متحرّكة أيضا ، نحو صدر وصدق ، والبيان أكثر فيهما ، ونحو مسّ زقر كلبيّة ، وأجدر وأشدق بالمضارعة قليل»

أقول : قوله «ضورع بالصاد الزاى» أى : جعل الصاد مضارعا للزاى ، بأن ينحى بالصاد نحو الزاى ، فقولك «ضارع» كان يتعدى إلى المشابه - بفتح الباء - بنفسه ، فجعل متعديا إلى المشابه - بكسر الباء - بحرف الجر

قوله «دونها» أى : دون السين : أى لم تشمّ السين صوت الزاى ، بل قلبت زايا صريحة ، لما ذكرنا من أنه لا إطباق فيه حتى يحافظ عليه

قوله «وضورع بها» أى : بالصاد الزاى متحركة أيضا : أى إذا تحركت الصاد وبعدها دال أشمّ الصاد صوت الزاى ، ولا يجوز قلبها زايا صريحة ، لوقوع الحركة فاصلة بينهما ، وأيضا فإن الحرف يقوى بالحركة ، فلم يقلب ، فلم يبق إلا المضارعة للمجاورة ، والاشمام فيها أقل منه فى الساكنة ، إذ هى محمولة فيه على الساكنة التى إنما غيرت لضعفها بالسكون ، فإن فصل بينهما أكثر من حركة كالحرف والحرفين لم تستمر المضارعة ، بل يقتصر على ما سمع من العرب ، كلفظ الصاد والمصادر والصراط ، لأن الطاء كالدال

قوله «والبيان أكثر فيهما» أى : فى السين الساكنة الواقعة قبل الدال ،


1) انظر (ح 2 ص 294 ، 295) و (ح 1 ص 43)

والصاد الواقعة قبلها : سكنت الدال أو تحركت ، ولو روى «منهما» لكان المعنى من المضارعة والقلب ؛ ويعنى بالبيان الإتيان بالصاد والسين صريحين بلا قلب ولا إشراب صوت ؛ ففى الصاد الساكنة قبل الدال البيان أكثر ، ثم المضارعة ، ثم قلبها زايا

قوله «ومسّ زقر كلبيّة» أى : قبيلة كلب تقلب السين الواقعة قبل القاف زايا ، كما يقلبها غيرهم صادا ، وذلك لأنه لما تباين السين والقاف لكون السين مهموسة والقاف مجهورة أبدلوها زايا ، لمناسبة الزاى للسين فى المخرج والصفير ، وللقاف فى الجهر

قوله «وأجدر وأشدق (1)» يعنى إشراب الجيم والشين المعجمتين الواقعتين قبل الدال صوت الزاى قليل ، وهذا خلاف ما قاله سيبويه ، فإنه قال فى إشراب مثل هذا الشين صوت الزاى : «إن البيان أكثر وأعرف ، وهذا عربى كثير» وإنما بضارع بالشين الزاى إذا كانت ساكنة قبل الدال ؛ لأنها تشابه الصاد والسين اللّذين يقلبان إلى الزاى ، وذلك بكونها مهموسة رخوة مثلهما ، وإذا أجريت فى الشين الصوت رأيت ذلك بين طرف لسانك وأعلى الثّنيّتين موضع الصاد والسين ، ثم إن الجيم حملت على الشين وإن لم يكن فى الجيم من مشابهة الصاد والسين مثل ما بينهما وبين الشين ، وذلك لأن الجيم من مخرج الشين ؛ فعمل بها ما عمل بالشين ، ولا يجوز أن يجعل الشين والجيم زايا خالصة كالصاد والسين ؛ لأنهما ليستا من مخرجهما

الإدغام

اشارة

قال : «الإدغام : أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرّك من مخرج واحد


1) الأشدق : الواسع الشدق ، وهو جانب الفم ، ويقال : رجل أشدق ؛ إذا كان متفوها ذابيان ، وقد قالوا لعمر بن سعيد : الأشدق ؛ لأنه كان أحد خطباء العرب.

من غير فصل ، ويكون فى المثلين والمتقاربين ؛ فالمثلان واجب عند سكون الأوّل إلّا فى الهمزتين إلّا فى نحو السّأاّل والدّأّاث ، وإلّا فى الألفين لتعذّره ، وإلّا فى نحو قوول للإلباس وفى نحو تووى ورييا - على المختار - إذا خفّفت ، وفى نحو قالوا وما ، وفى يوم ، وعند تحرّكهما فى كلمة ولا إلحاق ولا لبس نحو ردّ يردّ ، إلّا فى نحو حيى فإنّه جائز ، وإلّا فى نحو اقتتل وتتنزّل وتتباعد ، وسيأتى ، وتنقل حركته إن كان قبله ساكن غير لين نحو يردّ ، وسكون الوقف كالحركة ، ونحو مكّننى ويمكّننى ومناسككم وما سلككم من باب كلمتين ، وممتنع فى الهمزة على الاكثر وفى الألف وعند سكون الثّانى لغير الوقف نحو ظللت ورسول الحسن ، وتميم تدغم فى نحو ردّ ولم يردّ ، وعند الإلحاق واللّبس بزنة أخرى نحو قردد وسرر ، وعند ساكن صحيح قبلهما فى كلمتين نحو قرم مالك ، وحمل قول القرّاء على الإخفاء ، وجائز فيما سوى ذلك»

أقول : قوله «الإدغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك» يعنى أن المتحرك يكون بعد الساكن (1)، وإلا فليس بدّ من الفصل : أى فك أحد الحرفين من الآخر ؛ لأن الحركة بعد الحرف

قوله «من غير فصل» أى : فكّ ، احتراز عن نحو رييا (2)فإنك تأتى


1) يريد أن الادغام لا يكون إلا مع سكون الأول ؛ لأنه لو كان متحركا والحركة بعد الحرف فلا يتأتى النطق بالحرفين دفعة واحدة ؛ لأن الحركة فاصلة بينهما ، ولا يكفى أيضا فى تحقق الادغام سكون الأول وتحرك الثانى ، بل لا بد مع ذلك من وصل الحرفين فى النطق لئلا تسكت بعد نطقك بالحرف الأول ، ولذا قال ابن الحاجب : «الادغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد من غير فصل»

2) انظر (ح 1 ص 28)

بياء ساكنة فياء متحركة ، وهما من مخرج واحد ، وليس بإدغام ؛ لأنك فككت إحداهما عن الأخرى ، وإنما الإدغام وصل حرف ساكن بحرف مثله متحرك بلا سكتة على الأول ، بحيث يعتمد بهما على المخرج اعتمادة واحدة قوية ، ولا يحترز به عن الحرف الفاصل أو الحركة الفاصلة بين المثلين ؛ لخروجه بقوله «ساكن فمتحرك»

والادغام فى اللغة : إدخال الشىء فى الشىء ، يقال : أدغمت اللجام فى فم الدابة : أى أدخلته فيه ، وليس إدغام الحرف فى الحرف إدخاله فيه على الحقيقة ، بل هو إيصاله به من غير أن يفك بينهما

إدغام المثلين والمتقاربين

قوله «فى المتماثلين والمتقاربين» لا يمكن إدغام المتقاربين إلا بعد جعلهما متماثلين ؛ لأن الإدغام إخراج الحرفين من مخرج واحد دفعة واحدة باعتماد تام ، ولا يمكن إخراج المتقاربين من مخرج واحد ؛ لأن لكل حرف مخرجا على حدة ، والذى أرى أنه ليس الإدغام الاتيان بحرفين ، بل هو الإتيان بحرف واحد مع اعتماد على مخرجه قوىّ : سواء كان ذلك الحرف متحركا نحو يمدّ زيد ، أو ساكنا نحو يمدّ ، وقفا ، فعلى هذا ليس قوله «ساكن فمتحرك» أيضا بوجه ، لأنه يجوز تسكين المدغم فيه اتفاقا : إما لأنه يجوز فى الوقف الجمع بين الساكنين عند من قال هما حرفان ، وإما لأنه حرف واحد على ما اخترنا ، وإن كان كالحرفين الساكنين أولهما من حيث الاعتماد التام ، وقوله «ساكن فمتحرك» وقوله «من غير فصل» كالمتناقضين ؛ لأنه لا يمكن مجىء حرفين أحدهما عقيب الآخر إلا مع الفك بينهما ، وإن لم تفكّ بينهما فليس أحدهما عقيب الآخر

قوله «فالمثلان واجب عند سكون الأول» جعل الادغام ثلاثة أقسام : واجبا ، وممتنعا ، وجائزا ، فذكر الواجب والممتنع ، وما بقى فجائز ، فالواجب من

قوله «واجب» إلى قوله «من باب كلمتين» والممتنع من قوله «وممتنع» إلى قوله «على الاخفاء»

قوله «عند سكون الأول» أى يجب الإدغام إذا سكن أول المثلين : كانا فى كلمة كالشدّ والمدّ ، أو فى كلمتين متصلتين نحو اسمع علما

قوله «إلا فى الهمزتين» ليس الإطلاق بوجه ، بل الوجه أن يقال : الهمز الساكن الذى بعده همز متحرك : إما أن يكونا فى كلمة ، أو فى كلمتين ، فإن كانا فى كلمة أدغم الأول إذا كانا فى صيغة موضوعة على التضعيف ، كما ذكرنا فى تخفيف الهمزة (1)، وفى غير ذلك لا يدغم ، نحو قرأى على وزن قمطر [من قرأ] وإن كانا فى كلمتين نحو اقرأ آية ، وأقرىء أباك ، وليقرأ أبوك ؛ فعند أكثر العرب على ما ذهب إليه يونس والخليل يجب تخفيف الهمزة ، فلا يلتقى همزتان ، وزعموا أن ابن أبى إسحاق كان يحقق الهمزتين ، وأناس معه ، قال سيبويه : وهى رديئة ، وقال : فيجب الإدغام فى قول هؤلاء مع سكون الأولى ، ويجوز ذلك إذا تحركتا نحو قرأ أبوك ، قال السيرافى : توهم بعض القراء أن سيبويه أنكر إدغام الهمزة ، وليس الأمر على ما توهموا ، بل إنما أنكره على على مذهب من يخفف الهمزة ، كما هو المختار عنده ، وقد بين سيبويه ذلك بقوله :

ويجوز الادغام فى قول هؤلاء (2)، يعنى على تلك اللغة الرديئة

قوله : «الدأاّث» (3)اسم واد ، أورده الصّغانى مخفف الهمز على وزن كلام وسلام.


1) انظر (ص 33 وما بعدها من هذا الجزء)

2) فى أصول هذا الكتاب «ويجب الادغام ... الخ» وهو تحريف ، وما أثبتناه عن كتاب سيبويه (ح 2 ص 410) وهو الصواب

3) ذكره ياقوت بتشديد ثانيه مفتوحا ، وهو ما ذكره ابن الحاجب ، وقد ذكر أيضا أنه اسم موضع ، ويصح أن تكون الدأاث صيغة مبالغة من دأث الطعام يدأثه - كفتح - إذا أكله

قوله : «وإلا فى الألف» لما قال : «واجب عند سكون الأول» ولم يقل : مع تحرك الثانى ، أوهم أن الألف يدغم فى مثله ؛ لأنه قد يلتقى ألفان ، وذلك إذا وقفت على نحو السماء ، والبناء ، بالإسكان كما مر فى تخفيف الهمزة (1)فإنك تجمع فيه بين ألفين ، ولا يجوز الإدغام ؛ لأن الإدغام اتّصال الحرف الساكن بالمتحرك ، كما مر ، والألف لا يكون متحركا ، والحق أنه لم يحتج إلى هذا الاستثناء ؛ لأنه ذكر فى حد الإدغام أنه الإتيان بحرفين : ساكن فمتحرك ، والألف لا يكون متحركا.

قوله : «وإلا فى نحو قوول» اعلم أن الواو والياء الساكنين إذا وليهما مثلهما متحركا ، فلا يخلو من أن يكون الواو والياء مدتين ، أولا ؛ فإن لم يكونا مدتين وجب إدغام أولهما فى الثانى : فى كلمة كانا كقوّل وسيّر ، أو فى كلمتين نحو (تولّوا واستغنى الله) واخشي ياسرا ، وإن كانا مدتين : فإما أن يكون أصلهما حرفا آخر قلب إليهما ، أولا ، فإن لم يكن فان كانا فى كلمة وجب الإدغام ، سواء كان أصل الثانى حرفا آخر ، كمقروّ وبرىّ وعلىّ ، أولا ، كمغزوّ ومرمىّ ، وإنما وجب الإدغام فى الأول : أعنى مقروّا وبريّا وعليّا - وإن لم يكن القلب فى الثانى واجبا - لأن الغرض من قلب الثانى إلى الأول فى مثله طلب التخفيف بالإدغام ، فلو لم يدغموا لكان نقضا للغرض ، ووجب الإدغام فى الثانى : أعنى نحو مغزوّ ومرمىّ ؛ لأن مدة الواو والياء الأوّلين لم تثبت فى اللفظ قط ، فلم يكن إدغامهما يزيل عنهما شيئا وجب لهما ، بل لم يقع الكلمتان فى أول الوضع إلا مع إدغام الواو والياء فى مثلهما ، وإن كانا فى كلمتين ؛ نحو قالوا وما ، وفى يوم ، وظلموا واقدا ، واظلمى ياسرا ، لم يجز الإدغام ؛ لأنه يثبت للواو والياء إذن فى الكلمتين مد ، وإدغامهما فيما عرض انضمامه إليهما من الواو والياء فى أول الكلمتين مزيل


1) انظر (ص 43 وما بعدها من هذا الجزء)

لفضيلة المد التى ثبتت لهما قبل انضمام الكلمة الثانية إلى الأولى ، وإن كان أصل الواو والياء حرفا آخر قلب إلى الواو والياء ؛ فإن كان القلب لأجل الإدغام وجب الإدغام نحو مرمىّ ، وأصله مرموى ؛ لئلا يبطل الغرض من القلب ، فإن لم يكن القلب لأجل الإدغام فإن كان لازما نظر ؛ فان كانت الكلمة التى فيها المثلان وزنا قياسيا يلتبس بسبب الإدغام بوزن آخر قياسى لم يدغم ، نحو قوول فإنه فعل ما لم يسم فاعله لفاعل قياسا ، ولو أدغم الواو فيه فى الواو لالتبس بفعّل الذى هو فعل ما لم يسم فاعله قياسا لفعّل ، وإن لم يلزم التباس وزن قياسى بوزن قياسى أدغم نحو إيّنة على وزن إفعلة من الأين ، وأوّل على وزن أبلم (1)من الأول ، وذلك لأن القلب لما كان لازما صار الواو والياء كالأصليتين ، والالتباس فى مثله وإن وقع فى بعض الصور لا يبالى به ؛ لأن الوزن ليس بقياسى ، فيستمر اللبس ، وإن لم يكن القلب لازما نحو رييا وتووى فالأصل الاظهار ؛ لأن الواو والياء عارضان غير لازمين كما فى بير وسوت ، فهما كالهمزتين ، والهمز لا يدغم فى الواو والياء ما دام همزا ، وأجاز بعضهم الإدغام نظرا إلى ظاهر اجتماع المثلين ، وعليه قولهم : ريّا وريّة ، فى رؤيا ورؤية ، وعند سيبويه والخليل أن سوير وقوول لم يدغما لكون الواوين عارضين ، وقول المصنف أولى ، وهو أنهما لم يدغما لخوف الالتباس ؛ لأن العارض إذا كان لازما فهو كالأصلى ، ومن ثم يدغم إيّنة وأوّل مع عروض الواو والياء.

قوله «وعند تحركهما» عطف على قوله «عند سكون الأول» : أى يجب الإدغام إذا تحرك المثلان فى كلمة

اعلم أنهم يستثقلون التضعيف غاية الاستثقال إذ على اللسان كلفة شديدة فى الرجوع إلى المخرج بعد انتقاله عنه ، ولهذا الثقل لم يصوغوا من الأسماء ولا الأفعال


1) الأبلم - بضمتين بينهما ساكن - هو الخوص (انظر ج 1 ص 56)

رباعيا أو خماسيا فيه حرفان أصليان متماثلان متصلان ؛ لثقل البناءين ، وثقل التقاء المثلين ، ولا سيما مع أصالتهما ، فلا ترى رباعيا من الأسماء والأفعال ولا خماسيا من الأسماء فيه حرفان كذلك إلا وأحدهما زائد : إما للالحاق أو لغيره ، كما مر فى ذى الزيادة ، (1)ولم يبنوا ثلاثيا فاؤه وعينه متماثلان إلا نادرا نحوددن (2)وببر (3)بل إنما ضعفوا حيث يمكنهم الإدغام ، وذلك بتماثل العين واللام ؛ إذ الفاء لو أدغم فى العين وجب إسكانه ، ولا يبتدأ بالساكن ، وليس فى الأسماء التى لا توازن الأفعال ذو زيادة فى أوله أو وسطه مثلان متحركان ؛ إذ لا موجب فى مثله للادغام ؛ لأن الادغام إنما يكون فى الاسم مع تحرك الحرفين إذا شابه الفعل الثقيل وزنا كما يجىء ، وإلا بقى المتماثلان بلا إدغام ، فتصير الكلمة ثقيلة بترك إدغام المثلين ، وبكونها مزيدا فيها ؛ فلم يبن من الأسماء المزيد فيها غير الموازنة للفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل ؛ بل يجىء فيما زيد فيه من الأفعال والأسماء الموازنة لها ما فى أوله أو وسطه مثلان مقترنان ، وذلك لكثرة التصرف فى الفعل قياسا ؛ فربما اتفق فيه بسببه مثل ذلك ، فنقول : لا يخلو مثله من أن يكون من ذى زيادة الثلاثى أو من ذى زيادة الرباعى ، فمن ذى زيادة الثلاثى بابان يتفق فى أولهما مثلان متحركان ، نحو تترّس (4)وتتارك (5)وباب يتفق فى وسطه مثلان متحركان نحو اقتتل ، ومن ذى زيادة الرباعى باب يتفق فى أوله ذلك نحو تتدحرج ، فأما ذو زيادة الرباعى فلا يخفف بالادغام ؛


1) ذكره فى الجزء الأول (ص 61 وما بعدها)

2) الددن : اللهو واللعب. انظر (ح 1 ص 34)

3) الببر : حيوان شبيه بالنمر. انظر (ح 1 ص 34 ، ح 2 ص 367) وفى بعض النسخ يين ، وهو اسم واد. وانظر (ح 2 ص 368)

4) يقال : تترس الرجل ؛ إذا لبس الترس يتستر به ، ويقال : تترس القوم بالقوم ؛ إذا جعلوهم أمامهم يتقون بهم العدو

5) يقال : تتارك الرجلان الأمر ؛ إذا تركه كل واحد منهما لصاحبه

إذ لو أدغمت لاحتجت إلى همزة الوصل فيؤدى إلى الثقل عند القصد إلى التخفيف ، بل الأولى إبقاؤهما ، ويجوز حذف أحدهما ، كما يجىء ، وأما ذو زيادة الثلاثى : فإن كان المثلان فى أوله فاما أن يكون ماضيا كتترّس وتتارك ، أو مضارعا كتتنزّل وتتثاقل ؛ فالأولى فى الماضى الإظهار ، ويجوز الادغام مع اجتلاب همزة الوصل فى الابتداء ، وكذا إذا كان فاء تفعّل وتفاعل مقاربا للتاء فى المخرج نحو اطّيّر واثّاقل على ما يجىء ، فاذا أدغمت فى الماضى أدغمت فى المضارع والأمر والمصدر واسم الفاعل والمفعول وكل اسم أو فعل هو من متصرفاته ، نحو يتّرّس ، ومتّرّس ، ويتّارك ، ومتّارك ، ويطّيّر ، ويثّاقل ومطّيّر ومثّاقل ، وإن كان مضارعا جاز الاظهار والحذف والادغام نحو تتنزّل وتنزّل ، وإذا أدغم لم يجتلب له همزة الوصل كما فى الماضى ؛ لثقل المضارع ، بخلاف الماضى ، بل لا يدغم إلا فى الدرج ليكتفى بحركة ما قبله ، نحو قال تّنزّل ، وإن كان المثلان فى وسط ذى الزيادة الثلاثى فلك الإظهار والإدغام نحو اقتتل وقتّل كما يجىء

هذا ، وإنما جاز الإدغام فى مصادر الأبواب المذكورة وإن لم توازن الفعل لشدة مشابهتها لأفعالها ، كما ذكرنا فى تعليل قلب نحو إقامة واستقامة (1)

حكم اجتماع المثلين في آخر الكلمة

هذا حكم اجتماع المثلين فى أول الكلمة وفى وسطها ، وأما إن كان المثلان فى آخر الكلمة وهو الكثير الشائع فى كلامهم ومما يجىء فى الثلاثى وفى المزيد فيه فى الأسماء وفى الأفعال فهو على ثلاثة أقسام : إما أن يتحركا ، أو يسكن أولهما ، أو يسكن ثانيهما ، فان تحركا : فان كان أولهما مدغما فيه امتنع الإدغام ، نحو ردّد ؛ لأنهم لو أدغموا الثانى فى الثالث فلا بد من نقل حركته إلى الأول ، فيبقى رددّ ، ولا يجوز ؛ إذ التغيير إذن لا يخرجه إلى حال أخف من الأولى ، وكذا إن كان التضعيف للالحاق امتنع الادغام : فى الاسم كان كقردد (2)، أو


1) انظر (ص 108 من هذا الجزء)

2) القردد : ما ارتفع من الأرض ، واسم جبل ، وانظر (ح 1 ص 13)

فى الفعل كجلبب ؛ لأن الغرض بالالحاق الوزن ؛ فلا يكسر ذلك الوزن بالإدغام ، وأما سقوط الألف فى نحو أرطى فإنه غير لازم ، بل هو للتنوين العارض الذى يزول باللام أو الإضافة ، وإن لم يكن التضعيف أحد المذكورين : فإن كان الأول حرف علة نحو حيى وقوى فقد مضى حكمه ، وإن لم يكن : فإما أن يكون فى الفعل ، أو فى الاسم ، فإن كان فى الفعل وجب الإدغام ؛ لكونه فى الفعل الثقيل ، وفى الآخر الذى هو محل التغيير ، وقد شذ نحو قوله :

184 - مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى

أنّى أجود لأقوام وإن ضننوا (1)

وهو ضرورة ، وإن كان فى الاسم : فإما أن يكون فى ثلاثى مجرد من الزيادة ، أو فى ثلاثى مزيد فيه ، ولا يدغم فى القسمين إلا إذا شابها الفعل ؛ لما ذكرنا فى باب الإعلال (2)من ثقل الفعل ؛ فالتخفيف به أليق ، فالثلاثى المجرد إنما يدغم إذا وازن الفعل نحو رجل صبّ (3)، قال الخليل : هو فعل - بكسر العين - ؛ لأن صببت صبابة فأنا صبّ كقنعت قناعة فأنا قنع ، وكذا طبّ (4)طبب ، وشذ رجل ضفف (5)والوجه ضفّ ، ولو بنيت مثل


1) هذا بيت من البسيط ، وقائله قعنب بن أم صاحب. ومهلا : مصدر يراد به الأمر ، والهمزة فى أعاذل للنداء ، وعاذل : مرخم عاذلة ، وهو فى الأصل اسم فاعل من العذل ، وهو اللوم فى تسخط ، وضننوا : بخلوا. والاستشهاد بالبيت فى قوله «ضننوا» حيث فك ما يجب إدغامه وهو شاذ لا يجوز ارتكابه فى الكلام

2) انظر (ص 88 من هذا الجزء)

3) الصبابة : رقة الشوق ، تقول : رجل صب ، وهى صبة ، وصب إليه صبابة : أى كلف واشتاق

4) الطب - بتثليث الطاء - : الرجل الحاذق الماهر فى عمله ، والطبيب مثله ، تقول : طب يطب - كظل يظل - فهو طب ومتطبب وطبيب ، وطبه يطبه - كمده يمده - أى : داواه ، وفلان طب بهذا الأمر : أى عالم به

5) تقول : هذا رجل صف الحال ، إذا كان رقيقه ، والضفف - بفتحتين

ندس (1)من ردّ قلت : ردّ بالإدغام ، وكان القياس أن يدغم ما هو على فعل كشرر وقصص وعدد ؛ لموازنته الفعل ؛ لكنه لما كان الإدغام لمشابهة الفعل الثقيل ، وكان مثل هذا الاسم فى غاية الخفة ؛ لكونه مفتوح الفاء والعين ، ألا ترى إلى تخفيفهم نحو كبد وعضد دون نحو جمل؟ تركوا الإدغام فيه ، وأيضا لو أدغم فعل مع خفته لالتبس بفعل - ساكن العين - ؛ فيكثر الالتباس ، بخلاف فعل وفعل - بكسر العين وضمها - فإنهما قليلان فى المضاعف ؛ فلم يكترث بالالتباس القليل ، وإنما اطرد قلب العين فى فعل نحو دار وباب ونار وناب ، ولم يجز فيه الإدغام مع أن الخفة حاصلة قبل القلب كما هى حاصلة قبل الإدغام ؛ لأن القلب لا يوجب التباس فعل بفعل ؛ إذ بالألف يعرف أنه كان متحرك العين لا ساكنها ، بخلاف الإدغام وقد جاء لأجل الخفة كثير من المعتل على فعل غير معل نحو قود (2)وميل (3)وغيب (4)وصيد (5)وخونة وحوكة (6)، ولم يدغم نحو سرر (7)وسرر (8)


1) الندس - كعضد ، وفى لغة أخرى - ككنف - : هو الفهم الفطن

2) القود : هو أن تقتل القاتل بمن قتله

3) الميل - بالتحريك - : ما كان خلقة فى إنسان أو بناء ، والفعل كفرح ، تقول : ميل يميل فهو أميل

4) الغيب - بفتحتين - : القوم الغائبون

5) الصيد - بفتحتين - : ميل العنق ، وقد صيد يصيد فهو أصيد

6) الحوكة - بفتحات - : جمع حائك ، وتقول : حاك الثوب حوكا وحياكا وحياكة : فهو حائك من قوم حاكة وحوكة ، الأولى على القياس ، والثانية شاذة فى القياس كثيرة فى السماع

7) السرر - بضمتين - : جمع سرير ، وهو معروف

8) السرر - بضم ففتح - : جمع سرة

وقدد (1)وكذا ردد على وزن إبل من ردّ ؛ لعدم موازنة الفعل ، وأما قولهم : عميمة وعمّ (2)فمخفف كما يخفف غير المضاعف نحو عنق ورسل وبون فى جمع بوان (3)، والقياس بون كعيان وعين (4)، فإذا اتصل بآخر الاسم الثلاثى الموازن للفعل حرف لازم كألف التأنيث أو الألف والنون لم يمنع ذلك من الإدغام كما منع من الإعلال فى نحو الطّيران والحيدى (5)؛ لأن ثقل إظهار المثلين أكثر من ثقل ترك قلب الواو والياء ألفا ؛ فصار الحرف اللازم مع لزومه كالعدم ، فنقول : من ردّ على فعلان : رددان ، كشرر ، وعلى فعلان وفعلان بكسر العين وضمها : ردّان ، بالادغام ، وعلى فعلان - بضمتين - وفعلان - بكسرتين - : رددان ورددان ، وعلى فعلان - بضم الفاء وفتح العين - : رددان ، كله بالاظهار ، وكذا الاسم الثلاثى المزيد فيه يدغم أيضا إذا وازن الفعل ، نحو مستعدّ ومستعدّ ومردّ ، وهو على وزن يفعل ، ومدقّ ، وهو على وزن انصر ، ورادّ ، وهو كيضرب ، ولا يشترط فى الإدغام مع الموازنة المخالفة بحركة أو حرف فى الأول ليس فى الفعل ، كما اشترط ذلك فى الاعلال ، فيدغم نحو أدقّ وأشدّ ، وإن لم يخالف


1) القدد - بكسر ففتح - : جمع قدة ، وهى الفرقة من الناس يكون هوى كل واحد على حدة ، ومنه قوله تعالى (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) : أى فرقا مختلفة الأهواء

2) تقول : نخلة عميمة : أى طويلة ، ونخل عمم - بضمتين - وقد يقال : عم - بالادغام.

3) البوان - ككتاب ، وكغراب - : أحد أعمدة الخباء ، انظر (ح 2 ص 127 ، 208)

4) العيان - بكسر أوله - : حديدة الفدان ، وجمعه عين - بضمتين -

5) الحيدى - بفتحات - : مشية المختال ، وتقول : حمار حيدى ؛ إذا كان يحيد عن ظله نشاطا ، ولم يوصف مذكر بما على فعلى سوى ذلك

الفعل ، ولا يعل نحو أقول وأطول ، وذلك لما ذكرنا من أن ثقل إظهار التضعيف أكثر من ثقل ترك الإعلال ، وقوله

185 - *تشكو الوجى من أظلل وأظلل (1)

الحمد لله العلىّ الأجلل

وبعد البيت الشاهد قوله :

من طول إملال وظهر مملل

والوجى : الحفى ، يزيد أنه حمل على إله فى السير حتى اشتكت الحفى ، والأظلل : باطن خف البعير ، والاملال : مصدر قولك : أمله ، وأمل عليه ؛ إذا أسأمه. والاستشهاد بالبيت فى قوله : أظلل حيث فك الادغام ضرورة

*

شاذ ضرورة

وإن كان الساكن هو الأول فقد مرحكمه

وإن كان الساكن هو الثانى فهو على ضربين : أحدهما أن تحذف الحركة لموجب ، ولا يجوز أن يحرك بحركة أخرى ، ما دام ذلك الموجب باقيا ، وذلك هو الفعل إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه ، نحو رددت ورددنا ورددن ويرددن وارددن ، والثانى : أن تحذف الحركة لموجب ، ثم قد تعرض ضرورة يحرّك الحرف لأجلها بغير الحركة المحذوفة ، مع وجود ذلك الموجب ، وذلك الفعل المجزوم أو الموقوف ، نحو لم يردد واردد ؛ فإنه حذف منه الحركة الاعرابية ، ثم إنه قد يتحرك ثانى المثلين فيهما لالتقاء الساكنين ، نحو اردد القوم ، ولم يردد القوم

فالقسم الأول - أعنى رددت ورددنا ويرددن وارددن - المشهور فيه إثبات الحرفين بلا إدغام ، وجاء فى لغة بكر بن وائل وغيرهم الإدغام أيضا ، نحو


1) هذا بيت من الرجز المشطور من أرجوزة لأبى النجم العجلى أولها :

ردّن ويردّن ، بفتح الثانى ، وهو شاذ قليل ، وبعضهم يزيد ألفا بعد الإدغام ، نحو ردّات وردّان ؛ ليبقى ما قبل هذه الضمائر ساكنا كما فى غير المدغم ، نحو ضربت وضربن ، وجاء فى لغة سليم قليلا - وربما استعمله غيرهم - حذف العين أيضا فى مثله ، وذلك لكراهتهم اجتماع المثلين ، فحذفوا ما حقه الإدغام : أعنى أول المثلين ، لما تعذر الإدغام ، فإن كان ما قبل الأول ساكنا أوجبوا نقل حركة الأول إليه ، نحو أحسن ويحسن ، ومنه قوله تعالى : (وَقَرْنَ (1)فِي بُيُوتِكُنَّ) على أحد الوجوه ، وإن كان ما قبل الأول متحركا جاز حذف حركة الأول ونقلها إلى ما قبله إن كانت كسرة أو ضمة ، قالوا : ظلت - بفتح الفاء وكسرها - وكذا فى لببت لبت ولبت - بفتح الفاء وضمها - وذلك لبيان وزن الفعل كما بينا فى ضمة قلت وكسرة بعت ، وهذا الحذف عندهم فى الماضى أكثر منه فى المضارع والأمر ، وقد جاء الحذف فى مثله والحرفان فى كلمتين إذا كان الثانى لام التعريف ، نحو علماء : أى على الماء ، وأما قولهم علّرض فقياس ؛ لأنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف ، ثم اعتد بالحركة المنقولة


1) اعلم أن قولنا : قر الرجل فى مكانه ، قد ورد من باب علم يعلم ، ومن باب ضرب يضرب. ثم اعلم أن هذه الآية الكريمة قد قرىء فيها بالاتمام ، وبالحذف مع كسر القاف ، وبالحذف مع فتح القاف : أما الاتمام فلا شىء فيه ، وأما الحذف مع كسر القاف فتخريجه على أن الفعل من باب ضرب يضرب ، ولا شىء فيه من جهة القواعد ، ولكن فيه استعمال أقل اللغتين ، وذلك لأن مجىء الفعل من باب علم أكثر من مجيئه من باب ضرب ، وزعم بعضهم أن الفعل فى هذه الآية - على قراءة الكسر - من المثال المحذوف الفاء ، وأصله وقريقر ، وأما قراءة الفتح فالفعل عليها من باب علم ألبتة ؛ لأن هذه الفتحة التى على القاف منقولة من أول المثلين ، وقد اختلف العلماء فى تخريجها فذهب قوم إلى أن الفعل من المضعف وأنه قد حذفت عينه أو لامه مع أن العين مفتوحة ، وذهب قوم إلى أن الفعل أمر من الأجوف ، وأصله قار يقار مثل خاف يخاف

فأدغم لام على فيها ، وكذا قالوا فى جلا الأمر وسلا الإقامة : جلّمر وسلّقامة ، وفيه اعتداد بحركة اللام من حيث الادغام ، وترك الاعتداد بها من حيث حذف ألف على وجلا. وجاء الحذف فى المتقاربين فى كلمتين إذا كان الثانى لام التعريف نحو بلعنبر ، وبلحارث وبلكعب ، وليس بقياس

والقسم الثانى : أعنى نحو ردّ ولم يردّ ، لغة أهل الحجاز فيه ترك الإدغام ، وأجاز غيرهم الإدغام أيضا ؛ لأن أصل الحرف الثانى الحركة ، وهى وإن انتفت بالعارض : أعنى الجزم والوقف ، لكن لا يمتنع دخول الحركة الأخرى عليه : أعنى الحركة ؛ لالتقاء الساكنين ، فجوز الإدغام فيما لم يعرض فيه تلك الحركة أيضا ، نحو ردّ زيدا ، ولم يردّ زيدا ، فإذا أدغم حرك الثانى بما ذكرناه فى باب التقاء الساكنين (1)، وقد جاء فى التنزيل أيضا ذلك ، قال تعالى (لا تُضَارَّ والِدَةٌ) ، وإن سكن الحرف المدغم فيه للوقف فبقاء الإدغام فيه أكثر وأشهر ؛ لعروض السكون ، وعدم لزومه ؛ إذ قد تثبت تلك الحركة المحذوفة فيه بعينها ، وذلك فى الوصل ؛ فيكون جمعا بين الساكنين ، وهو مغتفر فى الوقف ، وقد يجوز حذف أحد المثلين أيضا نحو هويفر ، وقفا - بالتشديد والتخفيفف - فهذه أحكام اجتماع المثلين فى كلمة واحدة

فان كان ما قبل أول المثلين فيما قصد الإدغام فيه ساكنا : سواء تحرك المثلان كيردد ، أوسكن ثانيهما كلم يردد ؛ فان كان الساكن حرف مد : أى الألف والواو والياء الساكنين اللذين ما قبلهما من الحركة من جنسهما ؛ وجب حذف الحركة ، نحو مادّ وتمودّ الثوب ، وكذا ياء التصغير ؛ إذ هو لازم السكون ، فلا يحتمل الحركة نحو أصيم (2)ومديق (3)وجاز التقاء الساكنين فى جميع ذلك


1) انظر (ح 2 ص 243)

2) أصيم : تصغير أصم ، وهو وصف من الصمم

3) مديق : تصغير مدق - بضمتين - وهو آلة يدق بها

كله ؛ لأنه على حده كما مر فى بابه (1)، وإن كان الساكن غير ذلك نقل حركة أول المثلين إليه سواء كان حرف لين كإوزّة (2)وأودّ (3)وأيلّ (4)، أولا ، نحو مستعدّ ومستعدّ

حكم اجتماع المثلين في كلمتين

هذا. وإن كان المثلان فى كلمتين : فإن كان أولهما ساكنا فقط وليس بمد وجب الإدغام كما ذكرنا ، سواء كان همزا نحو اقرأ آية ، إذا لم تخفف ، أو غير همز ، نحو قل لزيد ، وإن كان ثانى المثلين ساكنا فقط وجب إثباتهما إلا فيما إذا كان الثانى لام التعريف فقط ؛ فإنه قد جاء فى الشذوذ حذف أولهما أيضا كما مر ، نحو علماء ، وذلك لكثرة لام التعريف فى كلامهم ؛ فطلب التخفيف بالحذف لمّا تعذر الادغام ، وكذا جاء الحذف فى بعض المتقاربين نحو بلحارث وبلعنبر ، وقال سيبويه : وكذا يفعلون بكل قبيلة يظهر فيها لام التعريف ؛ فلا يحذفون فى بنى النّجّار ؛ لادغام اللام فى نون النجار ، وإن كانا متحركين : فإن كان ما قبل أول المثلين متحركا نحو مكّننى ويمكّنني وطبع قلوبهم ، أو كان ساكنا هو حرف مد نحو قال لهم ، وقيل لهم ، وعمود داود ، وتظلموننى ، وتظلميننى ، أولين غير مد نحو ثوب بّكر ، وجيب بّكر جاز الادغام ، وإن كان ذلك فى الهمز أيضا نحو رداء أبّيك ، وقرأ أبّوك ، فيمن يحقق الهمزتين ، وإن كان الساكن حرفا صحيحا لم يجز الادغام ، وأما ما نسب إلى أبى عمرو من الادغام فى نحو (خذ العفو وأمر) و (شهر رمضان) فليس بإدغام حقيقى ، بل هو إخفاء أول المثلين إخفاء يشبه الادغام ؛ فتجوز باطلاق اسم الادغام على الاخفاء لما كان الاخفاء قريبا منه ، والدليل على أنه إخفاء لا إدغام أنه روى عنه الاشمام والروم


1) انظر (ح 2 ص 212 وما بعدها)

2) انظر (ح 1 ص 27 وما بعدها)

3) انظر (ح 1 ص 27)

4) انظر (ح 1 ص 27)

فى نحو (شهر رمضان) و (الخلد جزاء) إجراء للوصل مجرى الوقف ، والرّوم : هو الاتيان ببعض الحركة ، وتحريك الحرف المدغم محال ، فلك فى كل مثلين فى كلمتين قبلهما حرف صحيح إخفاء الأول منهما

واعلم أن أحسن ما يكون الإدغام فيما جاز لك فيه الادغام من كلمتين أن يتوالى خمسة أحرف فصاعدا متحركة مع المثلين المتحركين ، نحو جعل لك ، وذهب بمالك ، ونحو نزع عمر ، ونزع علبط ، والإظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف مدّ أحسن من الإظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف متحرك ، والاظهار فى الواو والياء اللتين ليستا بمد نحو ثوب بكر وجيب بكر أحسن منه فى الألف والواو والياء المدتين ؛ لأن المد يقوم مقام الحركة ، وإنما جاز الادغام فى نحو ثوب بكر وجيب بكر ولم يجز فى نحو (خذ العفو وأمر) لأن الواو والياء الساكنين فيهما مد على الجملة وإن لم تكن حركة ما قبلهما من جنسهما ، إلا أن مدهما أقل من مدهما إذا كان حركة ما قبلهما من جنسهما ، ولوجود المد فيهما مطلقا يمد ورش نحو سوءة وشىء ، كما يمد نحو سىء والسّوء ، وإنما لم يجز نقل حركة أول المثلين فى كلمتين إلى الساكن قبله للادغام فى نحو (العفو وأمر) ، وجاز ذلك فى كلمة واحدة نحو مدقّ ومستعدّ وأودّ وأيلّ ؛ لأن اجتماع المثلين لازم إذا كانا فى كلمة ، فجاز لذلك اللازم الثقيل تغيير بنية الكلمة ، وأما إذا كانا فى كلمتين فانه لا يجوز تغيير بنية الكلمة لشىء عارض غير لازم

قوله «مكّننى ويمكّننى من باب كلمتين» يعنى يجوز فيه إدغام الكلمة وتركه ؛ لأنه من باب كلمتين ، وإن كان الثانى كجزء الكلمة

قوله «إلا فى الهمزتين» قد ذكرنا أن الإدغام فيهما واجب عند من يحقق الهمزتين

قوله «فى نحو السّئّال» قد مضى شرحه فى باب تخفيف الهمزة (1)

قوله «وفى نحو تووى ورييا» يعنى إذا كانت الأولى منقلبة من الهمز على سبيل الجواز لا الوجوب

قوله «وفى نحو قالوا وما» يعنى إذا كان الأول مدا ، وهما فى كلمتين

قوله «ولا إلحاق» احتراز عن نحو قردد وجلبب

قوله «ولا لبس» احتراز عن نحو طلل وسرر

قوله «وفى نحو حيى» أى : فيما المثلان فيه ياءان ولا علة لقلب ثانيهما ألفا وحركته لازمة

قوله «فى نحو اقتتل» أى : فيما المثلان فيه فى الوسط

قوله «تتنزل وتتباعد» أى : فيما المثلان فيه فى الأول

قوله «فتنقل حركته» أى : إذا كانا فى كلمة

قوله «غير لين» احتراز عن نحو رادّ وتمودّ وأصيمّ ، وليس له هذا الإطلاق ، بل الواجب أن يقول : غير مد ولا ياء تصغير ، لأن نحو أودّ وأيلّ نقل فيه الحركة إلى الساكن مع أنه حرف لين

قوله «وسكون الوقف» لا يريد بالوقف البناء فى نحو ردّ ، أمرا ، بل الوقف فى نحو جاءنى زيد - بالاسكان - دون الروم والاشمام

قوله «فى الهمز على الأكثر» قد ذكرنا أنه لا يمتنع عند أهل التحقيق ، بل الادغام واجب عند سكون الأول ، وجائز عند تحركهما فى كلمتين ، نحو قرأ أبّوك

قوله «تدغم فى نحو ردّ ولم يردّ» أى : تدغم إذا كان الثانى ساكنا للجزم أو لكون الكلمة مبنية على السكون


1) انظر (ص 55 من هذا الجزء)

قوله «وعند الالحاق» عطف على قوله فى الهمز : أى يمتنع عند الالحاق قوله «فى كلمتين» لأن ذلك لا يمتنع فى كلمة نحو أصيمّ ومديقّ

قوله «وجائز فيما سوى ذلك» أى : سوى الواجب والممتنع ، وذلك إذا تحركا فى كلمتين وليس قبل الأول ساكن صحيح نحو «طبع على» يجوز لك فيه الادغام وتركه

مخارج الحروف الأصلية

قال : «المتقاربان ، ونعنى بهما ما تقاربا فى المخرح أو فى صفة تقوم مقامه ، ومخارج الحروف ستّة عشر تقريبا ، وإلّا فلكلّ مخرج ؛ فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق ، وللعين والحاء وسطه ، وللغين والخاء أدناه ، وللقاف أقصى الّلسان وما فوقه من الحنك ، وللكاف منهما ما يليهما ، وللجيم والشّين والياء وسط اللّسان ومافوقه من الحنك ، وللضّاد أوّل إحدى حافتيه ومايليهما من الأضراس ، وللّام مادون طرف اللّسان إلى منتهاه وما فوق ذلك ، وللرّاء منهما ما يليهما ، وللنّون منهما ما يليهما ، وللطّاء والدّال والتّاء طرف اللّسان وأصول الثّنايا ، وللصّاد والزّاى والسيّن طرف اللّسان والثّنايا ، وللظّاء والذّال والثّاء طرف اللّسان وطرف الثّنايا ، وللفاء باطن الشّفة السّفلى وطرف الثّنايا العليا ، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين»

أقول : قوله «أو فى صفة تقوم مقامه» يعنى بها نحو الشدة والرخاوة والجهر والهمس والاطباق والاستعلاء وغير ذلك مما يذكره بعد

قوله «وإلّا فلكل مخرج» لأن الصوت السّاذج الذى هو محل الحروف - والحروف هيئة عارضة له - غير مخالف بعضه بعضا فى الحقيقة ، بل إنما تختلف بالجهارة واللين والغلظ والرقة ، ولا أثر لمثلها فى اختلاف الحروف ؛ لأن الحرف الواحد قد يكون مجهورا وخفيا ، فإذا كان ساذج الصوت الذى هو مادة الحرف ليس

بأنواع مختلفة ، فلولا اختلاف أوضاع آلة الحروف - وأعنى بآلتها مواضع تكونها فى اللسان والحلق والسن والنّطع (1)والشفة ، وهى المسماة بالمخارج - لم تختلف الحروف ؛ إذ لا شىء هناك يمكن اختلاف الحروف بسببه إلا مادتها وآلتها ، ويمكن أن يقال : إن اختلافها قد يحصل مع اتحاد المخرج بسبب اختلاف وضع الآلة من شدة الاعتماد وسهولته وغير ذلك ؛ فلا يلزم أن يكون لكل حرف مخرج

قوله «فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق ، وللعين والحاء وسطه ، وللغين والخاء أدناه» أى : أدناه إلى الفم ، وهو رأس الحلق ، هذا ترتيب سيبويه : ابتدأ من حروف المعجم بما يكون من أقصى الحلق ، وتدرّج إلى أن ختم بما مخرجه الشفة ، والظاهر من ترتيبه أن الهاء فى أقصى الحلق أرفع من الهمزة ، والألف أرفع من الهاء ، ومذهب الأخفش أن الألف مع الهاء ، لاقدّامها ولا خلفها ؛ قال ابن جنى : لو كانا من مخرج لكان ينقلب الألف هاء لا همزة إذا حركتها. ولمانع أن يمنع من انقلاب الألف همزة بالتحريك ، والحاء فى وسط الحلق أرفع من العين ، والخاء فى أدنى الحلق أعلى من الغين ، وكان الخليل يقول : الألف اللينة والواو والياء والهمزة هوائية : أى أنها من هواء الفم لا تقع على مدرجة من مدارج الحلق ولا مدارج اللسان ، قال : وأقصى الحروف كلها فى الحلق العين ، وأرفع منها الحاء ، وبعدها الهاء ، ثم بعدهما إلى الفم الغين والخاء ، والخاء أرفع من الغين


1) قال فى اللسان : «النطع (بكسر أوله وسكون ثانيه) والنطع (بكسر أوله وفتح ثانيه) والنطع (بفتحتين) والنطعة (بكسر ففتح) : ما ظهر من غار الفم الأعلى ، وهى الجلدة الملتزقة بعظم الخليفاء فيها آثار كالتخريز ، وهناك موقع اللسان فى الحنك» ا ه.

قوله «وللكاف منهما» أى : من أقصى اللسان وما فوقه «ما يليهما» أى ما يقرب منهما إلى خارج الفم

قوله «وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك» الجيم أقرب إلى أصل اللسان ، وبعده إلى خارج الفم الشين ، وبعده إلى خارجه الياء ، قال سيبويه : بين وسط اللسان وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء

قوله «وللضاد أول إحدى حافتيه» الحافة : الجانب ، وللسان حافتان من أصله إلى رأسه كحافتى الوادى ، ويريد بأول الحافة ما يلى أصل اللسان ، وبآخر الحافة ما يلى رأسه

قوله «وما يليهما من الأضراس» اعلم أن الأسنان اثنتان وثلاثون سنا : ست عشرة فى الفك الأعلى ، ومثلها فى الفك الأسفل ؛ فمنها الثنايا ؛ وهى أربع من قدام : ثنتان من فوق ، ومثلهما من أسفل ، ثم الرّباعيات ، وهى أربع أيضا : رباعيتان من فوق يمنة ويسرة ، ومثلهما من أسفل ، وخلفهما الأنياب الأربع : نابان من فوق يمنة ويسرة ، ومثلهما من أسفل ، وخلف الأنياب الضواحك ، وهى أربع : ضاحكتان من فوق يمنة ويسرة ، ومثلهما من أسفل ، وخلف الضواحك الأضراس ، وهى ست عشرة : ثمان من فوق : أربع يمنة وأربع يسرة ، ومثلها من أسفل. ومن الناس من ينبت له خلف الأضراس النواجذ ، وهى أربع من كل جانب : ثنتان فوق ، وثنتان أسفل ؛ فيصير ستا وثلاثين سنا ، فأنت تخرج الضاد من أقصى إحدى حافتى اللسان إلى قريب من رأس اللسان ، ومنتهاه أول مخرج اللام ، هذا الذى ذكرناه مخرج الضاد من اللسان إلى قريب من رأس اللسان ، وموضعها من الأسنان نفس الأضراس العليا ، فيكون مخرجها بين الأضراس وبين أقصى إحدى حافتى اللسان ، وأكثر ما تخرج من الجانب الأيمن ، على ما يؤذن به كلام سيبويه وصرح به السيرافى ، ويقال للضاد : طويل ؛

لأنه من أقصى الحافة إلى أدنى الحافة : أى إلى أول مخرج اللام ، فاستغرق أكثر الحافة

قوله «وللام ما دون طرف اللسان» يريد بما دون طرفه ما يقرب رأس اللسان من جانب ظهره إلى منتهاه : أى إلى رأس اللسان

قوله «وما فوق ذلك» أى : ما فوق ما دون طرف اللسان إلى رأسه ، وهو من الحنك ما فوق الثنية ، وعبارة سيبويه (1)«من بين أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه ، وبين ما يليها من الحنك الأعلى مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية» ، واللام ابتداؤه - على ما قال سيبويه - من الضاحك إلى الثنية ؛ لأن الضاد يخرج من بين الأضراس وحافة اللسان ، واللام يخرج من فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية ، لا من نفس الأسنان وحافة اللسان ، وجميع علماء هذا الفن على ما ذكر سيبويه ، والمصنف خالفهم كما ترى ، وليس بصواب

قوله «وللراء منهما» أى : ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك

قوله «ما يليهما» أى : ما يقرب الموضعين إلى جانب ظهر اللسان ، فالنون أقرب إلى رأس اللسان من الراء ، وقال سيبويه : مخرج النون بين طرف اللسان إلى رأسه ، وبين فويق الثنايا ، ومخرج الراء هو مخرج النون ، غير أنه أدخل فى ظهر اللسان قليلا ؛ لانحرافه إلى اللام : أى الراء مائل إلى اللام

قوله «وللصاد والزاى والسين طرف اللسان والثنايا» كذا قال ابن جنى والزمخشرى ، يعنون أنها تخرج من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل طرف اللسان بالثنايا كما اتصل بأصولها لإخراج الطاء والدال ، بل يحاذيها


1) عبارة سيبويه (ح 2 ص 405) هكذا : «ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى وما فويق الضاحك والباب والرباعية والثنية مخرج اللام» ا ه

ويسامتها ، وعبارة سيبويه «مما بين طرف اللسان وطرف الثنايا مخرج الزاى والسين والصاد» فعلى ما قال مخرج هذه الحروف هو مخرج النون

قوله «طرف اللسان وطرف الثنايا» أى : رءوس الثنايا العليا ، وقال الخليل : العين والحاء والهاء والغين والخاء حلقية ؛ لأن مبتدأ هامن الحلق ، والقاف والكاف لهويّتان ؛ إذ هما من اللهاة ، والجيم والشين والضاد شجرية ، لأن مبدأها من شجر الفم : أى مفرجه ، والصاد والزاى والسين أسلية ، وأسلة اللسان : مستدقّ طرفه ، والطاء والدال والتاء نطعيّة : لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى ، والظاء والذال والثاء لثويّة ، والراء واللام والنون ذلقيّة ، وذلق كل شىء : تحديد طرفه ، والفاء والباء والميم شفوية ، أو شفهية ، والواو والياء والألف والهمزة هوائية ؛ إذ هى من الهواء لا يتعلق بها شىء ، وخالف الفراء سيبويه فى موضعين : أحدهما أنه جعل مخرج الياء والواو واحدا ، والآخر أنه جعل الفاء والميم بين الشفتين ، وأحسن الأقوال ما ذكره سيبويه ، وعليه العلماء بعده.

مخارج الحروف الفرعية

قال : «ومخرج المتفرّع واضح ، والفصيح ثمانية : همزة بين بين [وهى] ثلاثة ، والنّون الخفيّة نحو عنك ، وألف الإمالة ، ولام التّفخيم ، والصّاد كالزّاى والشّين كالجيم. وأمّا الصّاد كالسّين والطّاء كالتّاء والفاء كالباء والضّاد الضّعيفة والكاف كالجيم فمستهجنة. وأمّا الجيم كالكاف والجيم كالشّين فلا يتحقّق»

أقول : يعنى بالمتفرع حرفا يتفرع عن هذه الحروف المذكورة قبل بإشرابها صوتا من غيرها ؛ فهمزة بين بين ثلاثة ذكرناها فى تخفيف الهمزة (1): ما بين الهمزة والألف ، وما بينها وبين الواو ، وما بينها وبين الياء.

قوله «النون الخفية» قيل : إن الرواية عن سيبويه «الخفيفة» قال السيرافى يجب أن يقال «الخفية» لأن التفسير يدل عليه ، إذ هى نون ساكنة غير


1) انظر (ص 30 وما بعدها من هذا الجزء)

ظاهرة مخرجها من الخيشوم فقط ، وإنما تجىء قبل الحروف الخمسة عشر التى تذكر عند ذكر أحوال النون ، قال السيرافى : ولو تكلف متكلف إخراجها من الفم مع هذه الخمسة عشر لأمكن بعلاج وعسر.

قوله : «وألف الإمالة» يسميها سيبويه ألف الترخيم ؛ لأن الترخيم تليين الصوت ، قال :

لها بشر مثل الحرير ومنطق

رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر (1)

قوله «ولام التفخيم» يعنى بها اللام التى تلى الصاد أو الضاد أو الطاء ، إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة ، كالصّلوة ويصلون ؛ فان بعضهم يفخمها ، وكذا لام «الله» إذا كان قبلها ضمة أو فتحة.

ولم يذكر المصنف ألف التفخيم ، وذكرها سيبويه فى الحروف المستحسنة ، وهى الألف التى ينحى بها نحو الواو ، كالصّلوة والزّكوة والحيوة ، وهى لغة أهل الحجاز ، وزعموا أن كتبهم لهذه الكلمات بالواو على هذه اللغة.

قوله «الصاد كالزاى» قد ذكرنا ذلك فى نحو يصدق وصدق.

قوله «والشين كالجيم» ذكرها سيبويه فى الحروف المستحسنة ، وذكر الجيم التى كالشين فى المستهجنة ، وكلتاهما شىء واحد ، لكنه إنما استحسن الشين المشربة صوت الجيم لأنه إنما يفعل ذلك بها إذا كانت الشين ساكنة قبل الدّال ، والدّال مجهورة شديدة والشين ومهموسة رخوة تنافى جوهر الدال ، ولا سيما إذا كانت


1) هذا بيت من بحر الطويل من قصيدة لذى الرمة ، والبشر : اسم جنس جمعى واحده بشرة ، وبشرة الانسان : ظاهر بدنه ، والمنطق مصدر ميمى بمعنى النطق ، والرخيم : الناعم اللين ، والهراء - كغراب - : المنطق الفاسد ، ويقال : هو الكثير ، وهو أنسب لمقابلته بالنزر وهو القليل. والاستشهاد بالبيت على أن الرخيم معناه الصوت اللين ، فالترخيم بمعنى تليين الصوت

ساكنة ؛ لأن الحركة تخرج الحرف عن جوهره فتشرب الشين صوت الجيم التى هى مجهورة شديدة كالدال لتناسب الصوت ؛ فلا جرم استحسن ، وإنما استهجن الجيم التى كالشين لأنها إنما يفعل ذلك بها إذا سكنت وبعدها دال أو تاء ، نحو اجتمعوا وأجدر ، وليس بين الجيم والدال ، ولا بينها وبين التاء تباين ، بل هما شديدتان ، لكن الطبع ربما يميل لاجتماع الشديدين إلى السلاسة واللين فيشرب الجيم ما يقاربه فى المخرج ، وهو الشين ؛ فالفرار من المتنافيين مستحسن ، والفرار من المثلين مستهجن ، فصار الحرف الواحد مستحسنا فى موضع ، ومستهجنا فى موضع آخر ، بحسب موقعه

قوله «وأما الصاد كالسين» قربها بعضهم من السين لكونهما من مخرج واحد ، والطاء التى كالتاء تكون فى كلام عجم أهل المشرق كثيرا ؛ لأن الطاء فى أصل لغتهم معدومة فاذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس فى لغتهم ، فنطقوا بشىء بين الطاء والتاء

قوله «والفاء كالباء» قال السيرافى : هى كثيرة فى لغة العجم وهى على ضربين : أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من الفاء ، والآخر لفظ الفاء أغلب عليه من الباء ، وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء المخلصين ، قال : وأظن أن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم

قوله «الضاد الضعيفة» قال السيرافى : إنها لغة قوم ليس فى لغتهم ضاد ، فإذا احتاجوا إلى التكلم بها فى العربية اعتضلت عليهم ، فربما أخرجوها ظاء ، لإخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا ، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأتّ لهم فخرجت بين الضاد والظاء ، وفى حاشية كتاب ابن مبرمان : الضاد الضعيفة كما يقال فى أثرد له : أضرد له ، يقربون التاء من الضاد ، قال سيبويه : تكلف الضاد الضعيفة من الجانب الأيسر أخف ، قال

السيرافى : لأن الجانب الأيمن قد اعتاد الضاد الصحيحة ، وإخراج الضعيفة من موضع اعتاد الصحيحة أصعب من إخراجها من موضع لم يعتد الصحيحة

قوله «والكاف كالجيم» نحو جافر فى كافر ، وكذا الجيم التى كالكاف ، يقولون فى جمل : كمل ، وفى رجل : ركل ، وهى فاشية فى أهل البحرين ، وهما جميعا شىء واحد ، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الآخر الكاف ، كما ذكرنا فى الجيم كالشين والشين كالجيم ، إلا أن الشين كالجيم مستحسنة وعكسه مستهجن ، والكاف كالجيم وعكسه مستهجنان ، فقوله «لا يتحقق» فيه نظر ، وكأنه ظن أن مرادهم بالجيم كالشين حرف آخر غير الشين كالجيم ، وكذا ظن أن مرادهم بالجيم كالكاف غير مرادهم بالكاف كالجيم ، وهو وهم

ومن المتفرعة القاف بين القاف والكاف ، قال السيرافى : هو مثل الكاف التى كالجيم والجيم التى كالكاف

ومنها أيضا الجيم التى كالزاى والشين التى كالزاى ، على ما ذكرنا فى أجدر وأشدق

ومنها أيضا الياء كالواو فى قيل وبيع - بالإشمام ، والواو كالياء فى مذعور وابن نور ، كما ذكرنا فى باب الإمالة

صفات الحروف

قال : «ومنها المجهورة والمهموسة ، ومنها الشّديدة والرّخوة وما بينهما ، ومنها المطبقة والمنفتحة ، ومنها المستعلية والمنخفضة ، ومنها حروف الذّلاقة والمصمتة ، ومنها حروف القلقلة والضّفير والليّنة والمنحرف والمكرّر والهاوى والمهتوت.

فالمجهورة ما ينحصر جرى النّفس مع تحرّكه وهى ما عدا حروف (ستشحثك خصفه) ، والمهموسة بخلافها ، ومثلا بققق وككك ، وخالف بعضهم فجعل الضّاد والظّاء والذّال والزّاى والعين والغين والياء من المهموسة ، والكاف

والتّاء من المجهورة ، ورأى أنّ الشّدّة تؤكّد الجهر ، والشّديدة : ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه فى مخرجه فلا يجرى ، ويجمعها (أجدك قطبت) والرّخوة بخلافها ، وما بينهما ما لا يتمّ له الانحصار ولا الجرى ، ويجمعها (لم يروعنا) ، ومثّلت بالحجّ والطّشّ والخلّ ، والمطبقة ما ينطبق على مخرجه الحنك ، وهى الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء ، والمنفتحة بخلافها ، والمستعلية ما يرتفع اللّسان بها إلي الحنك وهى المطبقة والخاء والغين والقاف ، والمنخفضة بخلافها ، وحروف الذّلاقة ما لا ينفكّ رباعىّ أو خماسىّ عن شىء منها لسهولتها ، ويجمعها (مر بنفل) والمصمتة بخلافها لأنّه صمت عنها فى بناء رباعىّ أو خماسىّ منها ، وحروف القلقلة ما ينضمّ إلى الشّدّة فيها ضغط فى الوقف ، (ويجمعها قد طبج) ، وحروف الصّفير ما يصفر بها ، وهى الصّاد والزّاى والسّين ، والليّنة حروف اللّين ، والمنحرف اللام ؛ لأنّ اللّسان ينحرف به ، والمكرّر الرّاء ؛ لتعثر اللّسان به ، والهاوى الألف ؛ لاتّساع هواء الصّوت به ، والمهتوت التّاء ، لخفائها»

أقول : إنما سميت الحروف المذكورة مجهورة لأنه لا بد فى بيانها وإخراجها من جهر ما ، ولا يتهيأ النطق بها إلا كذلك ، كالقاف والعين ، بخلاف المهموس ، فإنه يتهيألك أن تنطق به ويسمع منك خفيا كما يمكنك أن تجهر به ، والجهر : رفع الصوت ، والهمس : إخفاؤه ، وإنما يكون مجهورا لأنك تشبع الاعتماد فى موضعه ، فمن إشباع الاعتماد يحصل إرتفاع الصوت ، ومن ضعف الاعتماد يحصل الهمس والإخفاء ، فإذا أشبعت الاعتماد فإن جرى الصوت كما فى الضاد والظاء والزاى والعين والغين والياء فهى مجهورة رخوة ، وإن أشبعته ولم يجر الصوت كالقاف والجيم والطاء والدال فهى مجهورة شديدة ، قيل : والمجهورة تخرج أصواتها من الصدر ، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها فى الفم ، وذلك مما

يرخى الصوت فيخرج الصوت من الفم ضعيفا ، ثم إن أردت الجهر بها وإسماعها أتبعت صوتها بصوت من الصدر ليفهم ، وتمتحن المجهورة بأن تكررها مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة : رفعت صوتك بها أو أخفيته : سواء أشبعت الحركات حتى تتولّد الحروف ، نحو قا قا قا ، وقو قو قو ، وقى قى قى ، أو لم تشبعها نحو ققق ، فإنك ترى الصوت يجرى ولا ينقطع ، ولا يجرى النفس إلا بعد انقضاء الاعتماد وسكون الصوت ، وأما مع الصوت فلا يجرى ذلك ؛ لأن النفس الخارج من الصدر - وهو مركب الصوت - يحتبس إذا اشتدّ اعتماد الناطق على مخرج الحرف ؛ إذ الاعتماد على موضع من الحلق والفم يحبس النفس وإن لم يكن هناك صوت ، وإنما يجرى النفس إذا ضعف الاعتماد ، وإنما كررت الحرف فى الامتحان لأنك لو نطقت بواحد من المجهورة غير مكرر فعقيب فراغك منه يجرى النفس بلا فصل ، فيظن أن النفس إنما خرج مع المجهورة لا بعده ، فاذا تكرر وطال زمان الحرف ولم يخرج مع تلك الحروف المكررة نفس عرفت أن النطق بالحروف هو الحابس للنفس ، وإنما حرّكت الحروف لأن التكرير من دون الحركة محال ، وإنما جاز إشباع الحركات لأن الواو والألف والياء أيضا مجهورة فلا يجرى مع صوتها النفس ، وأما المهموسة فإنك إذا كررتها مع إشباع الحركة أو بدونه فإن جوهرها لضعف الاعتماد على مخارجها لا يحبس النفس ، فيخرج النفس ويجرى كما يجرى الصوت بها ، نحو ككك ، فالقاف والكاف قريبا المخرج ، ورأيت كيف كان أحدهما مجهورا والآخر مهموسا ، وقس على القاف والكاف سائر المجهورة والمهموسة

فنقول : جميع حروف الهجاء على ضربين : مهموسة وهى حروف (ستشحثك خصفه) بالهاء فى خصفه للوقف ، ومعنى الكلام ستشحذ عليك : أى تتكدّى ، والشحاذ والشحاث : المتكدّى ، وخصفة : اسم امرأة ، وما بقى من الحروف مجهورة ، وهى قولك : ظلّ قوّ ربض إذ غزا جند مطيع

ثم تنقسم جميع حروف التهجى قسمة مستأنفة ثلاثة أقسام : شديدة ، ورخوة ، وما بينهما ، والحروف الشديدة (أجدك قطبت) ونعنى بالشديدة ما إذا أسكنته ونطقت به لم يجر الصوت ، والرخوة : ما يجرى الصوت عند النطق بها ، والفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجرى الصوت عند النطق بها ، بل إنك تسمع به فى آن ثم ينقطع ، والمجهورة لا اعتبار فيها بعدم جرى الصوت ، بل الاعتبار فيها بعدم جرى النفس عند التصويت بها ، وبعضهم أخرج من المجهورة : أى من حروف (ظلّ قوّ) السّبعة الأحرف التى من الرخوة : أى الضاد والظاء والذال والزاى والعين والغين والياء ، فيبقى منها الحروف الشديدة : (أى أجدك قطبت) وأربعة أحرف مما بين الشديدة والرخوة : أى من حروف (لم يروعنا) وهى اللام والميم والواو والنون ، فيكون مجموع المجهورة عنده اثنى عشر ، وهى حروف (ولمن أجدك قطبت) ، وهذا القائل ظن أن الرخاوة تنافى الجهر ، وليس بشىء ؛ لأن الرخاوة أن يجرى الصوت بالحرف عند إسكانه كالنّبر ، والجهر : رفع الصوت بالحرف : سواء جرى الصوت ، أو لم يجر ، وعلامته عدم حرى النّفس.

وإنما اعتبر فى امتحان الشديدة والرخوة إسكان الحروف لأنك لو حركتها والحركات أبعاض الواو والألف والياء وفيها رخاوة ما لجرت الحركات لشدة اتصالها بالحروف الشديدة إلى شىء من الرخاوة ، فلم تتبين شدتها.

وقوله فى الشديدة «ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه فى مخرجه» متعلق بينحصر : أى ينحصر فى مخرجه عند إسكانه ، وإنما جعل حروف (لم يروعنا) بين الشديدة والرخوة لأن الشديدة هى التى ينحصر الصوت فى مواضعها عند الوقف ، وهذه الأحرف الثمانية ينحصر الصوت فى مواضعها عند الوقف ، لكن تعرض لها أعراض توجب خروج الصوت من غير مواضعها ، أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه ، لكن لقربه من الحاء التى هى مهموسة ينسلّ

صوته شيئا قليلا ، فكأنك وقفت على الحاء ، وأما اللام فمخرجها - أعنى طرف اللسان - لا يتجافى عن موضعه من الحنك عند النطق به ، فلا يجرى منه صوت ، لكنه لما لم يسدّ طريق الصوت بالكلية كالدال والتاء بل انحرف طرف اللسان عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من مستدقّ اللسان فويق مخرجه ، وأما الميم والنون فإن الصوت لا يخرج من موضعيهما من الفم ، لكن لما كان لهما مخرجان فى الفم وفى الخيشوم جرى به الصوت من الأنف دون الفم ؛ لأنك لو أمسكت أنفك لم يجر الصوت بهما ، وأما الراء فلم يجر الصوت فى ابتداء النطق به ، لكنه جرى شيئا لانحرافه وميله إلى اللام ، كما قلنا فى العين المائلة إلى الحاء ، وأيضا الراء مكرر ، فاذا تكرر جرى الصوت معه فى أثناء التكرر ، وكذلك الواو والياء والألف لا يجرى الصوت معها كثيرا ، لكن لما كانت مخارجها تتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها يكثر فيجرى منه شىء ، واتساع مخرج الألف لهواء صوته أكثر من اتساع مخرجى الواو والياء لهواء صوتهما ، فلذلك سمى الهاوى :

أى ذات الهواء ، كالناشب (1)والنابل (2)، وإنما كان الاتساع للألف أكثر لأنك تضم شفتيك للواو فيتضيق المخرج وترفع لسانك قبل الحنك للياء ، وأما الألف فلا تعمل له شيئا من هذا ، بل تفرج المخرج ؛ فأوسعهن مخرجا الألف ، ثم الياء ، ثم الواو ، وهذه الحروف أخفى الحروف ؛ لاتساع مخارجها ، وأخفاهن الألف ؛ لأن سعة مخرجها أكثر


1) الناشب : صاحب النشاب ، والنشاب - كرمان - : النبل ، والواحدة نشابة - كرمانة -

2) النابل : صاحب النبل ، أو صانعه مثل النبال ، والنبل : السهام ، ولا واحد له من لفظه ، ويقال : واحده نبلة

قوله «المطبقة ما ينطبق معه الحنك على اللسان» لأنك ترفع اللسان إليه فيصير الحنك كالطبق على اللسان ، فتكون الحروف التى تخرج بينهما مطبقا عليها

قوله «على مخرجه» ليس بمطرد ؛ لأن مخرج الضاد حافة اللسان ، وحافة اللسان تنطبق على الأضراس كما ذكرنا ، وباقى اللسان ينطبق عليه الحنك ، قال سيبويه : لو لا الإطباق فى الصاد لكان سينا ، وفى الظاء كان ذالا ، وفى الطاء كان دالا ، ولخرجت الضاد من الكلام ؛ لأنه ليس شىء من الحروف من موضعها غيرها

قوله «والمنفتحة بخلافها» لأنه ينفتح ما بين اللسان والحنك عند النطق بها ، والمستعلية : ما يرتفع بسببها اللسان ، وهى المطبقة والخاء والغين المعجمتان والقاف ؛ لأنه يرتفع اللسان بهذه الثلاثة أيضا ، لكن لا إلى حد انطباق الحنك عليها ، والمنخفضة : ما ينخفض معه اللسان ولا يرتفع ، وهى كل ما عدا المستعلية

قوله «حروف الذلاقة» الذّلاقة : الفصاحة والخفة فى الكلام ، وهذه الحروف أخفّ الحروف ، ولا ينفك رباعى ولا خماسى من حرف منها ، إلا شاذا ، كالعسجد (1)والدّهدقة (2)والزّهزقة (3)والعسطوس (4)، وذلك لأن الرباعى والخماسى ثقيلان ، فلم يخليا من حرف سهل على اللسان خفيف ، والمصمتة : ضد حروف الذلاقة ، والشىء المصمت هو الذى لا جوف له ، فيكون ثقيلا ، سميت بذلك لثقلها على اللسان ، بخلاف حروف الذلاقة ، وقيل : إنما سميت بذلك لأنها أصمتت عن أن يبنى منها وحدها رباعى أو خماسى ،


1) العسجد : الذهب ، وهو أيضا الجوهر كله كالدر والياقوت ، ويقال : بعير عسجد ؛ إذا كان ضخما

2) الدهدقة : مصدر قولك : دهدق اللحم ؛ إذا كسره وقطعه وكسر عظامه

3) الزهزقة : شدة الضحك ، وهى أيضا ترقيص الأم الصبى

4) العسطوس - كقربوس - : وربما شددت سينه الأولى : شجرة كالخيزران تكون بالجزيرة ، وهو أيضا رأس النصارى

والأول أولى ، لأنها ضد حروف الذلاقة فى المعنى ، فمضادّتها لها فى الاسم أنسب

قوله «وحروف القلقلة» إنما سميت حروف القلقلة لأنها يصحبها ضغط اللسان فى مخرجها فى الوقف مع شدة الصوت المتصعد من الصدر ، وهذا الضغط التام يمنع خروج ذلك الصوت ، فإذا أردت بيانها للمخاطب احتجت إلى قلقلة اللسان وتحريكه عن موضعه حتى يخرج صوتها فيسمع ، وبعض العرب أشدّ صوتا كأنهم الذين يرومون الحركة فى الوقف ، وبعض الحروف إذا وقفت عليها خرج معها مثل النفخة ولم تنضغط ضغط الأول ، وهى الظاء والذال والضاد والزاى ، فإن الضاد تجد المنفذ بين الأضراس ، والظاء والذال والزاى تجد منفذا من بين الثنايا

وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عليها مع نفخ لأبهن يجرين مع النفس ، وبعض العرب أشد نفخا ، كأنهم الذين يرومون الحركة فى الوقف

وبعض الحروف لا يصحبها فى الوقف لا صوت كما فى القلقلة ، ولا نفخ كما فى المهموسة ، ولا شبه نفخ كما فى الحروف الأربعة ، وهو اللام والنون والميم والعين والغين والهمزة ، أما عدم الصوت فلأنه لم يتصعّد من الصدر صوت يحتاج إلى إخراجه ، وأيضا لم يحصل ضغط تام ، وأما عدم النفخ فلأن اللام والنون لا يجدان منفذا كما وجدت الحروف الأربعة بين الأسنان وذلك لأنهما ارتفعتا عن الثنايا ، وكذلك الميم ، لأنك تضم الشفتين بها ، وأما العين والغين والهمزة فانك لو أردت النفخ من مواضعها لم يمكن ، ولا يكون شىء من النفخ والصوت فى الوصل نحو أذهب زيدا ، وخذهما ، واحرسهما ، وذلك لاتصال الحرف الثانى به فلا يبقى لا صوت ولا نفخ

قوله «قد طبج» الطّبج : ضرب اليد على مجوف ، وإنما سمى اللام منحرفا لأن اللسان ينحرف عند النطق به ، ومخرجه من اللسان - أعنى طرفه - لا يتجافى عن موضعه من الحنك ، وليس يخرج الصوت من ذلك المخرج ،

بل يتجافى ناحيتها مستدقّ اللسان ، ولا تعترضان الصوت ، بل تخليان طريقه ، ويخرج الصوت من تينك الناحيتين ، وإنما سمى الراء مكررا لأن طرف اللسان إذا تكلم به كأنه يتعثر : أى يقوم فيعثر ؛ للتكرير الذى فيه ، ولذلك كانت حركته كحركتين ، كما تبين فى باب الإمالة (1)، ومعنى الهاوى ذو الهواء كما ذكرنا ، وإنما سمى التاء مهتوتا لأن الهتّ سرد الكلام على سرعة ، فهو حرف خفيف لا يصعب التكلم به على سرعة.

طريق إدغام المتقاربين

قال : «ومتى قصد إدغام أحد المتقاربين فلا بدّ من القلب ، والقياس قلب الأوّل إلّا لعارض فى نحو اذبحتّودا واذبحّاذه ، وفى جملة من تاء الافتعال لنحوه ولكثرة تغيّرها ، ومحّم فى معهم ضعيف ، وستّ أصله سدس شاذّ لازم»

أقول : شرع فى بيان إدغام المتقاربة بعضها فى بعض ، وقدم مقدمة يعرف بها كيفية إدغامها ، ثم ذكر مقدمة أخرى يعرف بها ما لم يجز إدغامه منها فى مقاربه ، وهى قوله «ولا يدغم منها فى كلمة» إلى قوله «فالهاء فى الحاء» إنما كان القياس قلب الأول إلى الثانى دون العكس لأن الادغام تغيير الحرف الأول بايصاله إلى الثانى وجعله معه كحرف واحد ، فلما كان لا بد للأول من التغيير بعد صيرورة المتقاربين مثلين ابتدأت بتغييره بالقلب

قوله «إلا لعارض» اعلم أنه قد يعرض ما يمنع من القياس المذكور ، وهو شيئان :

أحدهما : كون الأول أخف من الثانى ، وهو إما فى حرفين حلقيين أولهما أعلى من الثانى ، وذلك إذا قصد إدغام الحاء إما فى العين أو فى الهاء فقط ، ولا يدغم حلقىّ فى حلقى آخر أدخل منه كما يجىء ، وإنما أدغمت الحاء فى أحد الحرفين مع أن حروف الحلق يقل فيها الإدغام - كما يجىء - لثقلها ؛ فلهذا قلّ المضاعف منها كما


1) انظر (ص 20 من هذا الجزء)

يجىء ، فلم يدغم بعضها فى بعض فى كلمتين أيضا فى الأغلب ؛ لئلا يكون شبه مضاعف مصوغ منها ، وإنما أدغمت الحاء فى أحدهما لشدة مقاربة الحاء لهما ، وإنما قلبت الثانى إلى الأول فى نحو اذبح عتودا (1)، واذبح هذه ، مع أن القياس العكس ؛ لأن أنزلها فى الحلق أثقلها ، فأثقلها الهمزة ثم الهاء ، ثم العين ثم الغين ثم الحاء ثم الخاء ، فالحاء أخف من الغين والخاء ، والمقصود من الإدغام التخفيف ، فلو قلبت الأولى التى هى أخف إلى الثانية التى هى أثقل لمشت خفة الادغام بثقل الحرف المقلوب إليه فكأنه لم يدغم شىء فى شىء ، وأما فى الواو والياء فى نحو سيد وأصله سيود وذلك لثقل الواو كما مر فى باب الإعلال

وثانيهما كون الحرف الأول ذا فضيلة ليست فى الثانى ، فيبقى عليها بترك قلبه إلى الثانى ، ولا يدغم فى مثل هذا كما يجىء ، إلا أن يكون الثانى زائدا فلا يبالى بقلبه وتغييره على خلاف القياس ، نحو اسّمع وازّان

ومعنى قوله «لنحوه ولكثرة تغيرها» أى : لكون الأول أخف من الثانى ولكثرة تغير التاء لغير الإدغام كما فى اضطرب واصطبر

قوله «ومحّم فى معهم ضعيف» كان القياس الأوّل : أى قلب الأول إلى الثانى ، أن يقال مهّم ، بقلب العين هاء ، وقياس العارض ، وهو كون الثانى : أى الهاء أدخل فى الحلق وأثقل ، أن يقلب الثانى إلى الأول فيقال معّم ، فاستثقل كلاهما ، ولهذا كان تضعيف الهاء نحو قهّ (2)وكهّ (3)السكران ، والعين نحو دعّ (4)وكعّ (5)قليلا جدا ، واستثقل أيضا ترك الإدغام لأن كل واحدة منهما


1) العتود : ولد المعز

2) قه الرجل : اشتد ضحكه. انظر (ص 73 من هذا الجزء)

3) كه السكران : أخرج نفسه. انظر (ص 73 من هذا الجزء)

4) الدع : الدفع العنيف ، وفى التنزيل (فذلك الّذى يدعّ اليتيم) : أى يدفعه بعنف

5) كع الرجل : جبن ، وهو من باب نصر وضرب وعلم ، انظر (ح 1 ص 134)

مستثقلة لنزولها فى الحلق فكيف بهما مجتمعين مع تنافرهما؟ إذ العين مجهورة والهاء مهموسة ، فطلبوا حرفا مناسبا لهما أخف منهما ، وهو الحاء : أما كونه أخف فلأنه أعلى منهما فى الحلق ، ولذلك كثر نحو محّ (1)ودحّ (2)وزحّ (3)بخلاف دعّ وكعّ وكهّ وقهّ ، وأما مناسبته للعين فلأنهما من وسط الحلق ، وأما الهاء فبالهمس والرخاوة ؛ فلذا قلب بعض بنى تميم العين والهاء حاءين وأدغم أحدهما فى الآخر نحو محّم ومحّاؤلاء ، فى معهم ومع هؤلاء ، والأكثر ترك القلب والإدغام لعروض اجتماعهما ، وكذا قولك ستّ أصله سدس ، بدلالة التسديس وبين الدال والسين تقارب فى المخرج ؛ لأن كليهما من طرف اللسان ، فلو قلب ، الدال سينا كما هو القياس اجتمع ثلاث سينات ، ولا يجوز قلب السين دالا خوفا من زوال فضيلة الصفير ، ومع تقارب الدال والسين فى المخرج بينهما تنافر فى الصفة ؛ لأن الدال مجهورة شديدة والسين مهموسة رخوة ، فتقاربهما داع إلى ترك اجتماعهما مظهرين ، وكذا تنافرهما وقلب أحدهما إلى الآخر ممتنع ، كما مر ، فلم يبق إلا قلبهما إلى حرف يناسبهما ، وهو التاء ؛ لأنها من مخرج الدال ومثل السين فى الهمس

امتناع إدغام المتقاربين للبس أو ثقل

قال : «ولا يدغم منها فى كلمة ما يؤدّى إلى لبس بتركيب آخر ، نحو وطد ووتد وشاة زنماء ، ومن ثمّ لم يقولوا : وطدا ولا وتدا ، بل قالوا : طدة وتدة لما يلزم من ثقل أو لبس ، بخلاف نحو امّحى واطّيّر ، وجاء ودّ فى وتد فى تميم»


1) مح الثوب : كنصر وضرب - : بلى

2) الدح : الدس والنكاح ، وهو أيضا الدفع فى القفا

3) تقول : زحه يزحه - كمده يمده - ؛ إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه فى عجلة

أقول : إذا اجتمع من المتقاربة شيئان : فإن كانا فى كلمتين نحو من مثلك فإنه يدغم أحدهما فى الآخر ، ولا يبالى باللبس لو عرض ؛ لأنهما فى معرض الانفكاك ، فإذا انفكا يعرف أصل كل واحد منهما ، ثم إن تحركا لم يجب الإدغام ولم يتأكد ، وإن سكن الأول فقد يجب كالنون فى حروف (يرملون) ، وكلام التعريف فيما سنذكر ، ولا يجب فى غيرهما ، بل يتأكد ولا سيما إذا اشتد التقارب ، وإن كانا فى كلمة : فإن تحركا وألبس الادغام مثالا بمثال لم يدغم ، كما فى وطد (1): أى أحكم ، ووتد : أى ضرب الوتد ، وكذا فى الاسم ، نحو وتد ، وإن لم يلبس جاز الادغام نحو ازّمّل (2)فى تزمّل ، لأن افعّلّ - بتضعيف الفاء والعين - ليس من أبنيتهم ، بل لا يجىء إلا وقد أدغم فى فائه تاء تفعّل كاتّرّك وازّمّل ، ومن ثم لا تقول : اقّطع واضّرب ، وإن كان أولهما ساكنا : فإن ألبس ولم يكن تقاربهما كاملا بقى الأول عير مدغم ، نحو قنوان (3)وصنوان (4)وبنيان وقنية (5)وبنية وكنية ومنية وقنواء (6)


1) قال فى اللسان : «وطد الشىء يطده وطدا وطدة فهو موطود ووطيد : أثبته وثقله ، والتوطيد مثله» ومثله فى القاموس : ومنه تعلم أن قول ابن الحاجب «ومن ثم لم يقولوا : وطدا» غير سديد ، وكذا دعواه أنه لم يرد الوتد ؛ فقد ذكر صاحبا القاموس واللسان أنه يقال : وتد الوتد يتده وتداوتدة ، إذا ثبته ، وقد وجه الرضى ما ذكره ابن الحاجب. بأنه جرى على لغة بعض العرب

2) تقول : تزمل فى ثوبه ، وازمل ، إذا تلفف. وفى التنزيل (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً)

3) القنوان : جمع قنو ، وهو من النخلة بمنزلة العنقود من العنب

4) صنوان : جمع صنو ، وهو الأخ الشقيق. انظر (ج 2 ص 93)

5) القنية - بضم فسكون أو بكسر فسكون - ما يتخذه الانسان من الغنم ونحوها لنفسه لا للتجارة ، وانظر (ج 2 ص 43)

6) تقول : رجل أقنى الأنف ، وامرأة قنواء الأنف إذا كان أعلى أنفهما مرتفعا ووسطه محدودبا ، وهو من علامة الكرم عندهم.

وشاة زنماء (1)وغنم زنم ، وإن كان نقاربهما كاملا جاز الاظهار نظرا إلى الالتباس بالادغام ، وجاز الادغام نظرا إلى شدة التقارب ، وذلك نحو وتد يتد وتدا ووطد يطد وطدا وعتدان فى جمع عتود

ومنهم من يدغم التاء فى الدال فيقول وتد يتد ودّا وعتودا وعدّانا ، قال الأخطل :

191 - واذكر غدانة عدّانا مزنّمة

من الحبلّق تبنى حولها الصّير (2)

ومنه قولهم ودّ فى وتد ، خففه بنو تميم بحذف كسرة التاء نحو كبد وفخذ كما مر فى أول الكتاب (3)فقالوا بعد الاسكان : ودّ ، ولم يجز فى لغتهم وتد - بسكون التاء مظهرة - كما قيل عتدان ؛ لكثرة استعمال هذه اللفظة فيستثقل ، وجمعه على أوتاد يزيل اللبس ، ولم يجز الادغام فى نحو وطد لئلا تزول فضيلة الاطباق ، ومن العرب من يلتزم تدة وطدة فى مصدر وتد ووطد خوفا من الاستثقال لو قيل : وتدا ووطدا غير مدغمتين ، ومن الالتباس لو قيل : ودّا ، وكذا يلتزم فى وتد اللغة الحجازية : أعنى كسر التاء ؛ لما ذكرنا


1) الزنمة - بالتحريك - شىء يقطع من أذن البعير فيترك معلقا ، يفعل بكرامها ، يقال : بعير زنم وأزنم ومزنم - كمعظم - وناقة زنمة وزنماء ومزنمة

2) هذا البيت للأخطل التغلبى من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان ، وغدانة - بضم الغين المعجمة وبعدها دال مهملة - قبيلة من تميم ، أبوها غدانة بن يربوع ، «وعدانا» أصله عتدانا ، والعتدان : جمع عتود ، وهو الجذع من أولاد المعز ، والمزنمة : ذات الزنمة ، والحبلق - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وتشديد اللام : - أولاد المعز ، والصير : جمع صيرة ، وهى الحظيرة ، يهجو هؤلاء القوم بأنهم رعاة لا ذكر لهم ولا شرف - والاستشهاد بالبيت فى قوله «عدانا» فان أصله عتدان فأبدل التاء دالا ثم أدغم الدال فى الدال

3) انظر (ح 1 ص 39 وما بعدها)

وإنما لم يبنوا صيغة تقع فيها النون ساكنة قبل الراء واللام نحو قنر وعنل ؛ لأن الادغام لا يجوز فيه كما جاز فى عتدان ؛ لأن التاء والدال أشد تقاربا من النون واللام والراء ، بدليل إدغام كل واحد من الدال والتاء فى الآخر ، بخلاف الراء واللام فإنهما لا يدغمان فى النون كما يدغم النون فيهما فى كلمتين نحو من ربك ومن لك ؛ لأن الادغام إذن عارض غير لازم ؛ فعلى هذا لو قيل نحو قنر وعنل لم يجز الإدغام لما ذكرنا ؛ فلم يبق إلا الإظهار وهو مستثقل ؛ لأن النون قريبة المخرج من اللام والراء ؛ فكأنهما مثلان ، وعتدان ووتد وتدا بفك الادغام ضعيف قليل لا يقاس عليه ، وأما زنماء وصنوان ونحوهما بالإظهار فإنما جاز لعدم كمال التقارب بين الحرفين

وإن لم يلبس إدغام أحد المتقاربين فى الآخر فى كلمة أدغم نحو امّحى ؛ لأن افّعل ليس من أبنيتهم بتكرير الفاء إلا مدغما فيه نون انفعل كامحّى ، أو مدغما فى تاء افتعل كادّكر ، على ما يجىء ، ومن ثم لم يقل : اضّرب واقّطع ، قال الخليل : وتقول فى انفعل من وجلت : اوّجل ومن اليسر ايّسر*

قوله «أو لبس» أى : لو أدغم*

قوله «وفى تميم» أى : فى لغة تميم وهى إسكان كسرة عين فعل نحو كبد فى كبد

امتناع إدغام المتقاربين للمحافظة على صفة الحرف

قال : «ولم تدغم حروف (ضوى مشفر) فيما يقاربها لزيادة صفتها ، ونحو سيّد وليّة إنّما أدغما لأنّ الاعلال صيّرهما مثلين ، وأدغمت النّون فى اللّام والرّاء لكراهة نبرتها ، وفى الميم - وإن لم يتقاربا - لغنتها ، وفى الواو والياء لامكان بقائها ، وقد جاء لبعض شّأنهم ، واغفر لّى ؛ ونخسف بّهم ، ولا حروف الصّفير فى غيرها ؛ لفوات [صفتها] ، ولا المطبقة فى غيرها من غير إطباق على الأفصح ، ولا حرف حلق فى أدخل منه إلّا الحاء فى العين والهاء ، ومن ثمّ قالوا فيهما اذبحّتودا واذبحّاذه»

أقول : اعلم أن إدغام أحد المتقاربين فى الآخر فى كلمة إذا لم يلبس ليس إلا فى أبواب يسيرة ، نحو انفعل وافتعل وتفعّل وتفاعل وفنعلل ، نحو امّحى واسمع وازّمّل وادّارك وهمّرش (1)وأما غير ذلك فملبس لا يجوز إلا مع شدة التقارب وسكون الأول نحو ودّ وعدّان ، ومع ذلك فهو قليل ، والغالب فى إدغام أحد المتقاربين فى الآخر إنما يكون فى كلمتين وفى انفعل وافتعل وتفعّل وتفاعل وفنعلل.

فنقول : المانع من إدغام أحد المتقاربين فى الآخر شيئان : أحدهما اتصاف الأول بصفة ليست فى الثانى ؛ فلا يدغم الأول فى الثانى إبقاء على تلك الصفة ، فمن ثم لم تدغم حروف (ضوى مشفر) (2)فيما ليس فيه صفة المدغم ، وجاز إدغام الواو والياء من هذه الحروف أحدهما فى الآخر ؛ لأن فضيلة اللين التى فى أحدهما لا تذهب بإدغامه فى الآخر ؛ إذ المدغم فيه أيضا متصف باللين ، ولم تدغم حروف الصفير فيما ليس فيه صفير إلا فى باب افتعل كاّسمع وازّان ، ولا حروف الإطباق فى غيرها بلا إطباق إلا فى باب الافتعال نحو اطّرب ، وذلك لزوال المانع فيه بقلب الثانى إلى حروف الصفير وإلى حروف الإطباق ، وذلك لكون الثانى زائدا فلا يستنكر تغيره ، وفضيلة الضاد الاستطالة ، وفضيلة الواو والياء اللّين ، وفضيلة الميم الغنة ، وفضيلة الشين التفشى والرخاوة ، فلا تدغم فى الجيم مع تقاربهما فى المخرج ، وفضيله الفاء التأفيف ، وهو صوت يخرج من الفم مع النطق بالفاء ، وفضيلة الراء التكرير ، وأيضا لو أدغم لكان كمضعف أدغم فى غيره نحو ردّد ، ولا يجوز

قوله «ونحو سيّد وليّة» اعتراض على نفسه ، وذلك أنه قرر أن الواو والياء


1) الهمرش : العجوز المسنة. انظر (ج 2 ص 364)

2) ضوى : هزل ، والمشفر - بزنة منير - الشفة ، أو خاص بالبعير

لا يدغم أحدهما فى مقاربه ، فكأنه قال : كيف أدغم أحدهما فى الآخر فى سيّد ولىّ؟ ثم أجاب بأن قلب الواو إلى الياء لو كان للادغام لورد ذلك ؛ لكنه إنما قلبت ياء لاستثقال اجتماعهما لا للادغام ، ولهذا تقلب الواو ياء : سواء كانت أولى أو ثانية ، ولو كان القلب لإدغام أحد المتقاربين فى الآخر لقلبت الأولى إلى الثانية فقط ، كما هو القياس ، ثم بعد القلب اجتمع ياءان أولاهما ساكنة فوجب الادغام ، فهذا من باب إدغام المتماثلين لا من إدغام المتقاربين ؛ وفى هذا الجواب نظر ؛ لأن القلب لو كان لمجرد استثقال اجتماعهما لقلب الواو ياء ، وأولاهما متحركة كطويل وطويت ، فعرفنا أن القلب من أول الأمر لأجل الادغام ، وذلك لأن الواو والياء تقاربتا فى الصفة ، وهى كونهما لينتين ومجهورتين وبين الشديدة والرخوة وان لم يتقاربا فى المخرج ؛ فأدغمت إحداهما فى الأخرى وقلبت الواو وإن كانت ثانية ؛ لأن القصد التخفيف بالادغام ، والواو المشددة ليست بأخف من الواو والياء كما قلنا فى اذبحّتودا واذبحّاذه ؛ فجعل التقارب فى الصفة كالتقارب فى المخرج ، وجرّأهم على الادغام أيضا سكون الأول وكونه بذاك عرضة للادغام ، وأما فضيلة اللين فلا تذهب - كما قلنا - لأن كل واحدة منهما متصفة بتلك الصفة.

قوله «وأدغمت النون فى اللام» اعتراض آخر على نفسه ، وذلك أن فضيلة الغنّة تذهب بالادغام ، وأجاب المصنف بأنها وإن كانت تذهب بالادغام لكنهم اغتفروا ذلك ؛ لأن للنون نبرة : أى رفع صوت ، وهذا جواب فيه نظر أيضا ؛ لأنه إن كان الموجب للادغام النبرة فلتخف بلا إدغام كما تخفى مع القاف والكاف والدال والتاء وغيرهما ، كما يجىء

والحق أن يقال : إن للنون مخرجين : أحدهما فى الفم ، والآخر فى الخيشوم إذ لا بد فيها من الغنة ، وإذا أردت إخراجها فى حالة واحدة من المخرجين ، فلا

بد فيها من اعتماد قوى وعلاج شديد ؛ إذ الاعتماد على المخرجين فى حالة واحدة أقوى من الاعتماد على مخرج واحد

والحروف التى هى غير النون على ضربين : أحدهما يحتاج إلى اعتماد قوى وهى حروف الحلق ، والآخر لا يحتاج إلى ذلك ، وهى حروف الفم والشفة ؛ فالنون وحروف الحلق متساويان فى الاحتياج إلى فضل اعتماد وإعمال لآلة الصوت ، وهى : أى النون إما أن تكون ساكنة أو متحركة ، فاذا كانت ساكنة وبعدها غير حرف الحلق فهناك داعيان إلى إخفائها

أحدهما سكونها ؛ لأن الاعتماد على الحرف الساكن أقل من الاعتماد على الحرف المتحرك ، والآخر كون الحرف الذى لا يحتاج فى إخراجه إلى فضل اعتماد عقيب النون بلا فصل ؛ ليجرى الاعتمادان على نسق واحد ، فأخفيت النون الساكنة قبل غير حروف الحلق

فان حصل للنون الساكنة مع الحروف التى بعدها من غير حروف الحلق قرب مخرج كاللام والراء ، أو قرب صفة كالميم ؛ لأن فيه أيضا غنة ، وكالواو والياء ؛ لأن النون معهما من المجهورة وما بين الشديدة والرخوة وجب إدغام النون فى تلك الحروف ؛ لأن القصد الاخفاء ، والتقارب داع إلى غاية الاخفاء التى هى الادغام

وإن لم يكن هناك قرب لا فى المخرج ولا فى الصفة أخفى النون بقلة الاعتماد ، وذلك بأن يقتصر على أحد مخرجيه ولا يمكن أن يكون ذلك إلا الخيشوم ، وذلك لأن الاعتماد فيها على مخرجها من الفم يستلزم الاعتماد على الخيشوم بخلاف العكس ؛ فيقتصر على مخرج الخيشوم فيحصل النون الخفية ، ثم بعد ذلك إن تنافرت هى والحرف الذى يجىء بعدها ، وهى الباء فقط ، كما فى عنبر قلبت تلك النون الخفية إلى حرف متوسط بين النون وذلك الحرف ، وهى الميم ، كما ذكرنا

فى باب الإبدال ، (1)وإن لم يتنافرا بقيت خفية كما فى غير الباء من سوى حروف الحلق ، أما مع الحلقية فلا تخفى ؛ لأن حرف الحلق يحتاج إلى فضل اعتماد فتجرى النون على أصلها من فضل الاعتماد ؛ ليجرى الاعتماد على نسق واحد ، ومن الناس من يخفى النون قبل الغين والخاء المعجمتين ؛ لكونهما قريبتين من حروف الفم ، وكذلك النون الساكنة الموقوف عليها يخرجها من المخرجين ؛ لأن الحرف الموقوف عليه يحتاج إلى فضل بيان كما مر فى باب الوقف (2)ومن ثم يقال : أفعى وأفعو ، وكذلك النون المتحركة - قبل أى حرف كانت - تخرج من المخرجين ؛ لاحتياجها إلى فضل اعتماد ، فإذا أدغمت النون فى حروف يرملون نظرت :

فإن كان المدغم فيه اللام والراء فالأولى ترك الغنة ؛ لأن النون تقاربهما فى المخرج وفى الصفة أيضا ؛ لأن الثلاثة مجهورة وبين الشديدة والرخوة ؛ فاغتفر ذهاب الغنة مع كونها فضيلة للنون ؛ للقرب فى المخرج والصفة

وإن كان المدغم فيه واوا أو ياء فالأولى الغنة لوجهين : أحدهما أن مقاربة النون إياهما بالصفة لا بالمخرج ؛ فالأولى أن لا يغتفر ذهاب فضيلة النون : أى الغنة رأسا لمثل هذا القرب غير الكامل ، بل ينبغى أن يكون للنون معهما حالة بين الإخفاء والإدغام ، وهى الحالة التى فوق الإخفاء ودون الإدغام التام ، فيبقى شىء من الغنة

وإن كان المدغم فيه ميما أدغم إدغاما تاما ، لأن فضيلة الغنة حاصلة فى المدغم فيه ؛ إذ فى الميم غنة وإن كانت أقل من غنة النون ، وبعض العرب يدغمها فى اللام والراء مع الغنة أيضا ضنا بفضيلة النون ؛ فلا يكون الإدغام إذن إدغاما تاما ،


1) انظر (ص 216 من هذا الجزء)

2) انظر (ج 2 ص 286)

وبعضهم ترك الغنة مع الواو والياء اقتصارا فى الإدغام التام على التقارب فى المخرج أو الصفة

هذا ، ومذهب سيبويه وسائر النحاة أن إدغام النون فى اللام والراء والواو والياء مع الغنة أيضا إدغام تام ، والغنة ليست من النون ؛ لأن النون مقلوبة إلى الحرف الذى بعدها ، بل إنما أشرب صوت الفم غنة ؛ قال سيبويه : «لا تدغم النون فى شىء من الحروف حتى تحول إلى جنس ذلك الحرف ؛ فإذا أدغمت فى حرف فمخرجها مخرج ذلك الحرف ؛ فلا يمكن إدغامها فى هذه الحروف حتى تكون مثلهن سواء فى كل شىء ، وهذه الحروف لا حظ لها فى الخيشوم وإنما يشرب صوت الفم غنة» هذا كلامه

قوله «وفى الميم وإن لم يتقاربا» ليس باعتراض لكنه شىء عرض فى أثناء هذا الاعتراض

قوله «وفى الواو والياء لامكان بقائها» اعتراض وجواب : أى لإمكان بقاء الغنة : أما على ما اخترناه فالعنة للنون التى هى كالمدغمة ، وأما على ما قال النحاة فلاشراب الواو والياء المضعفين غنة

قوله «وقد جاء لبعض شّأنهم واغفر لّى ونخسف بّهم» نقل عن بعض القراء الإدغام فى مثله ، وحذاق أهل الأداء على أن المزاد بالإدغام فى مثله الاخفاء ، وتعبيرهم عنه بلفظ الإدغام تجوز لأن الاخفاء قريب من الإدغام ، ولو كان ذلك إدغاما لالتقى ساكنان لا على حدّه فى نحو لبعض شأنهم ، وأجاز الكسائى والفراء إدغام الراء فى اللام قياسا كراهة لتكرير اللام ، وأبو عمرو يأتى بالميم المتحركة المتحرك ما قبلها خفيّة إذا كان بعدها باء نحو (بأعلم بالشّاكرين) وأصحابه يسمون ذلك إدغاما مجازا وهو إخفاء

قوله «ولا حروف الصفير فى غيرها» لئلا تذهب فضيلة الصفير ، وإنما يدغم بعضها فى بعض كما يجىء

قوله «ولا المطبقة فى غيرها» تقول : احفظ ذّلك ، واحفظ ثّابتا ، بالادغام مع الاطباق وتركه ، وإبقاؤه أفصح كما يجىء

قوله «ولا حرف حلق فى أدخل منه» اعلم أن الادغام فى حروف الحلق غير قوى ؛ فإن المضاعف من الهاء قليل ، نحو كهّ الرجل ورجل فهّ (1)، وأما الألف والهمزة فلم يجىء منهما مضاعف ، وكذا المضاعف من العين قليل ، نحو دعّ وكعّ ، وكان حق الحاء أن تكون أقل فى باب التضعيف من الغين والخاء ؛ لأنه أنزل منهما فى الحلق ، لكنه إنما كثر نحو بحّ (2)وزحّ (3)وصحّ (4)وفحّ (5)، وغير ذلك لكونه مهموسا رخوا ، والهمس والرخاوة أسهل على الناطق من الشدة والجهر ، والغين لا تجىء عينا ولاما معا إلا مع حاجز (6)كالضّغيغة (7)،


1) رجل فه ، وفهيه ، وفهفه ، إذا كان عييا

2) بح الرجل - من باب علم وفتح - إذا أصابته بحة ، وهى بضم الباء : خشونة وغلظ فى الصوت

3) انظر (ص 266 من هذا الجزء)

4) صح الرجل فهو صحيح ؛ إذا ذهب مرضه ، أو برىء من كل عيب

5) فحت الأفعى : صوتت من فيها ، وبابه قعد

6) لم يصب المؤلف فى هذا الذى زعمه من أن الغين لا تكون عين الكلمة ولامها إلا مع حاجز بين العين واللام ؛ فقد ورد الفغة ، وهو تضوع الرائحة ، قالوا : فغتنى الرائحة - بتشديد الغين - إذا فاحت. وقالوا : الطغ - بتشديد الغين - وهو الثور. وقالوا : صغ ؛ إذا أكل كثيرا. وقالوا : شغ البعير ببوله ؛ إذا فرقه ، وشغ القوم : تفرقوا

7) الذى فى القاموس : الضغيغ - كأمير - : الخصب ، وأقمت عنده فى ضغيغ دهره : أى قدر تمامه. وبهاء : الروضة الناضرة ، والعجين الرقيق ، والجماعة من الناس يختلطون ، وخبز الأرز المرقق ، ومن العيش الناعم الغض. ولم نعثر على المعنى الذى ذكره الشارح

وهى اللبن المحقون حتى تشتد حموضته ، والخاء أكثر منه ؛ لأنه أقرب إلى الفم ، وأيضا هى مهموسة رخوة كالحاء نحو المخ والفخ ورخّ : أى نكح ، والغين مجهورة كالعين ، وإنما قل تضعيفها لصعوبتها وتكلف إخراجها مخففة فكيف بها مضعفة ؛ فعلى هذا ثبت قلة إدغام المتقاربين من حروف الحلق ، وسيجىء ، فإن اتفق أدغم الأنزل فى الأعلى نحو اجبه حّاتما (1)كما يجىء بعد ، فإن اتفق كون الثانى أنزل لم يدغم إلا أن يكون بينهما قرب قريب ، ويدغم إذ ذاك بمخالفة شرط إدغام المتقاربين ، وذلك بأن يقلب الثانى إلى الأول ، وذلك كالحاء التى بعدها العين أو الهاء ، نحو اذبحّتودا واذبحّاذه إذ لو قلب الأول إلى الثانى لم يكن أخف منه قبل الادغام

قوله «ومن ثم قالوا اذ بحّتودا» أى : ومن أجل أن إدغام حرف الحلق فى أدخل منه لا يجوز لأجل الثقل قلبوا الثانى لما اتفق مثل ذلك إلى الأول حتى لا يكون ثقل

إدغام حروف الحلق

قال : «فالهاء فى الحاء والعين فى الحاء والحاء فى الهاء والعين بقلبهما حاءين ؛ وجاء (فمن زحزح عّن النّار) والغين فى الخاء والخاء فى الغين»

أقول : أخذ فى التفصيل بعد ما أجمل ؛ فالهمزة والألف لا يدغمان كما ذكر ، وأما الهاء فتدغم فى الحاء فقط ، نحو اجبه حّاتما (2)، والبيان أحسن ؛ لأن حروف الحلق ليست بأصل فى التضعيف فى كلمة كما ذكرنا ، وقل ذلك فى كلمتين أيضا ، والإدغام عربى حسن ؛ لقرب المخرجين ، ولأنهما مهموسان رخوان ، ولا تدغم الهاء فى الغين وإن كانت الغين أقرب مخرجا إلى الهاء من الحاء ؛ لأن الهاء مهموسة رخوة كالحاء ، والغين مجهورة بين الشديدة والرخوة

وأما العين فتدغم فى الحاء ، وذلك لقرب المخرج نحو ارفع حّاتما ، قال


1) تقول : جبهه - مثل منع - أى ضرب جبهته

2) تقول : جبهه - مثل منع - أى ضرب جبهته

سيبويه : الإدغام والبيان حسنان ؛ لأنهما من مخرج واحد ، وتدغم العين فى الهاء أيضا ولكن بعد قلبهما حاءين نحو محّم ومحّاؤلاء ، والبيان أكثر ، ولا يجوز ههنا - كما ذكرنا قبل - قلب الأول إلى الثانى ولا قلب الثانى إلى الأول ؛ فقلبا حاء لما مر ، ولم يفعلوا مثل ذلك إذا تقدم الهاء على العين نحو اجبه عليّا ، فلم يقولوا : اجبه هّليّا ، لأن قياس إدغام الأنزل فى الأعلى بقلب الأول إلى الثانى قياس مطرد غير منكسر ، وقد تعذر عليهم ذلك لثقل تضعيف العين فتركوا الإدغام رأسا

وأما الحاء فلا تدغم فيما فوقها لأن الغين التى هى أقرب مخرجا إليها من الخاء مجهورة ، والحاء مهموسة والخاء المعجمة - وإن كانت مثلها مهموسة - لكن مخرجها بعيد من مخرج الحاء فالحاء المهملة تدغم فى أدخل منها ، وهو شيئان الهاء والعين بأن تقلبا حاءين كاذبحّتودا واذبحّاذه كما مر

قوله «وجاء فمن زحزح عنّ النّار» قرأ أبو عمرو بالإدغام بقلب الحاء عينا

وأما الغين فانه يدغم فى الخاء ، لأن الخاء أعلى منه نحو ادمغ خلفا ، (1)قال سيبويه : البيان أحسن والإدغام حسن

وأما الخاء فتدغم فى الغين نحو اسلخ غّنمك ، والبيان أحسن والادغام حسن ولكن لا كحسن إدغام الغين فى الخاء معجمتين ، وذلك لأن الخاء أعلى من الغين ولأن تضعيف الخاء كثير وتضعيف الغين لم يأت إلا مع الفصل كما ذكرنا ، وإنما جاز إدغام الخاء فى الغين معجمتين بقلب الأول إلى الثانى مع أن الأول أعلى من الثانى لأن مخرجهما أدنى مخارج الحلق إلى اللسان ، ألا ترى إلى قول بعض


1) تقول : دمغ الرجل الرجل - من باب منع ونصر - إذا ضرب دماغه ، أو إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ ، وتقول : دمغت الشمس فلانا ؛ إذا آلمت دماغه

العرب منخل ومنغل (1)باخفاء النون قبلهما كما تخفى قبل حروف الفم ، ولم يجز مثل ذلك الإدغام فى الحاء والعين فلم يقولوا اذبعّتودا لبعدهما من الفم

قال : «والقاف فى الكاف والكاف فى القاف والجيم فى الشّين»

أقول : أما القاف فيدغم فى الكاف بقلب الأول إلى الثانى نحو الحق كّلدة (2)، قال سيبويه : البيان أحسن والإدغام حسن ؛ لقرب المخرجين وتقاربهما فى الشدة

وأما الكاف فإنما يدغم فى القاف نحو انهك قطنا (3)بقلب الأول إلى الثانى ، والإدغام حسن والبيان أحسن ؛ لأن القاف أدخل ، قال سيبويه : إنما كان البيان أحسن لأن مخرجها أقرب مخارج اللسان إلى الحلق فشبهت بالخاء مع الغين كما شبه أقرب مخارج الحلق إلى اللسان بحروف اللسان فيما ذكرنا من البيان والإدغام

وأما الجيم فإنما يدغم فى الشين نحو ابعج شبّثا ، فالإدغام والبيان حسنان لأنهما من مخرج واحد ، وقد أدغمها أبو عمرو فى التاء فى قوله تعالى (ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ) ، وهو نادر ، والشين لا يدغم فى شىء مما يقاربه كما ذكرنا ، وقد روى عن أبى عمرو إدغامها فى السين فى قوله تعالى (ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) ، وكذا يدغم أبو عمرو السين فيها فى قوله تعالى (الرَّأْسُ شَيْباً) مع أنها من حروف الصفير ؛ لكونهما من حروف التفشى والصوت ؛ فكأنهما من مخرج واحد - وإن تباعد مخرجاهما - كما ذكرنا فى إدغام الواو والياء أحدهما فى الآخر ونحاة البصرة يمنعون إدغام الشين فى السين والعكس


1) نغل الأديم - من باب علم - أى : فسد فى الدباغ ، وأنغله الدابغ فهو منغل

2) كلدة - بفتحات - : علم رجل ، وممن سمى به كلدة بن حنبل الصحابى ، وأبو الحارث بن كلدة الصحابى ، وأحد أطباء العرب ، وأبو كلدة : كنية الضبعان

3) القطن - بفتحتين - : ما بين الوركين ، وهر أصل ذنب الطائر

إدغام اللام المعرفة

قال : «واللام المعرّفة تدغم وجوبا فى مثلها وفى ثلاثة عشر حرفا ، وغير المعرّفة لازم فى نحو (بل رّان ، وجائز فى البواقى)»

أقول : يريد بالثلاثة عشر النون والراء والدال والتاء والصاد والزاى والسين والطاء والظاء والثاء والذال والضاد والشين ، وإنما أدغمت فى هذه الحروف وجوبا لكثرة لام المعرفة فى الكلام وفرط موافقتها لهذه الحروف ؛ لأن جميع هذه الحروف من طرف اللسان كاللام إلا الضاد والشين ، وهما يخالطان حروف طرف اللسان أيضا

أما الضاد فلأنها استطالت لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام كما مر ، وكذا الشين حتى اتصلت بمخرج الطاء ، وإذا كانت اللام الساكنة غير المعرفة نحو لام هل وبل وقل فهى فى إدغامها فى الحروف المذكورة على أقسام :

أحدها : أن يكون الإدغام أحسن من الإظهار ، وذلك مع الراء لقرب مخرجيهما ، ولك أن لا تدغم نحو هل رأيت ، قال سيبويه : ترك الإدغام هو لغة أهل الحجاز ، وهى عربية جائزة ، ففى قول المصنف «لازم فى نحو (بل رّان)» نظر ؛ بلى لزم ذلك فى لام هل وبل وقل خاصة مع الراء فى القرآن ، والقرآن أثر يتبع

ويليه فى الحسن إدغام اللام الساكنة فى الطاء والدال والتاء والصاد والزاى والسين ، وذلك لأنهن تراخين عن اللام إلى الثنايا وليس فيهن انحراف نحو اللام كما كان فى الراء ، ووجه جواز الإدغام فيها أن آخر مخرج اللام قريب من مخرجها ، واللام معها من حروف طرف اللسان

ويليه فى الحسن إدغامها فى الظاء والثاء والذال ؛ لأنهن من أطراف الثنايا وقاربن مخرج الفاء ، وإنما كان الإدغام مع الطاء والدال والتاء والزاى والسين أقوى منه مع هذه الثلاثة لأن اللام لم تنزل إلى أطراف الثنايا كما لم تنزل الطاء وأخواتها إليها ، بخلاف الثلاثة

ويليه إدغامهاّ فى الضاد والشين ؛ لأنهما ليسا من طرف اللسان كالمذكورة ، لكنه جاز الإدغام فيهما لاتصال مخرجهما بطرف اللسان كما مر ، وإدغام اللام الساكنة فى النون أقبح من جميع ما مر ، قال سيبويه : لأن النون تدغم فى الواو والياء والراء والميم كما تدغم فى اللام ، فكما لا تدغم هذه الحروف فى النون كان ينبغى أن لا تدغم اللام فيها أيضا

ادغام النون جوازا

قال : «والنّون السّاكنة تدغم وجوبا فى حروف (يرملون) والأفصح إبقاء غنّتها فى الواو والياء وإذهابها فى اللّام والرّاء ، وتقلب ميما قبل الباء ، وتخفى فى غير حروف الحلق ، فيكون لها خمس أحوال ، والمتحرّكة تدغم جوازا»

أقول : قد مر بيان هذه كلها

قوله «والمتحركة تدغم جوازا» يعنى تدعم جوازا فى حروف يرملون بعد إسكانها ، قال سيبويه : لم نسمعهم أسكنوا النون المتحركة مع الحروف التى تخفى النون الساكنة قبلها ، كالسين والقاف والكاف وسائر حروف الفم ، نحو ختن سليمان ، قال : وان قيل ذلك لم يستنكر

واعلم أن مجاورة الساكن للحرف بعده أشد من مجاورة المتحرك ، لأن الحركة بعد المتحرك ، وهى جزء من حروف اللين ، فهى فاصلة بين المتحرك وبين ما يليه

قال : «والتّاء والدّال والذّال والظّاء والطّاء والثّاء يدغم بعضها فى بعض ، وفى الصّاد والزّاى والسّين ، والإطباق فى نحو فرّطت إن كان مع إدغام فهو إتيان بطاء أخرى ، وجمع بين ساكنين ، بخلاف غنّة النّون فى من يّقول ، والصّاد والزّاى والسّين يدغم بعضها فى بعض ، والباء فى الميم والفاء»

أقول : اعلم أن كل واحد من الستة المذكورة أولا يدغم فى الخمسة الباقية ، وفى الثلاثة المذكورة أخيرا ،

فإدغام الطاء فرط دّارم (1)أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر (2)أو صابر أو زاجر أو سامر

وإدغام الدال جرد طّارد أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر

وإدغام الذال نبذ طّارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.

وإدغام الظاء غلظ طّارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.

وإدغام التاء سكت طّارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.

وإدغام الثاء عبث طّارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر.

فإذا أدغمت حروف الاطباق فيما لا إطباق فيه فالأفصح إبقاء الاطباق لئلا تذهب فضيلة الحرف ، وبعض العرب يذهب الاطباق بالكلية ، قال سيبويه : ومما أخلصت فيه الطاء تاء سماعا من العرب حتّهم أى حطتهم ، وقال : ذهاب


1) دارم : أصله اسم فاعل من درم القنفذ يدرم - من باب ضرب - إذا قارب الخطو فى عجلة ، وسموا به ، فممن سمى به دارم بن مالك بن حنظلة أبو حى من تميم ، وكان يسمى بحرا ؛ لأن أباه أتاه قوم فى حمالة فقال له : يا بحرا يتنى بخريطة المال ؛ فجاءه يحملها وهو يدرم تحتها

2) الثامر : الذى خرج ثمره

إطباق الطاء مع الدال أمثل قليلا من ذهاب إطباقها مع التاء ؛ لأن الدال كالطاء فى الجهر والتاء مهموسة ، ومع بقاء الاطباق تردد المصنف فى أنه هل هناك إدغام صريح أو إخفاء لحرف الاطباق مسمى بالادغام لتقاربهما ، فقال : إن كان الإطباق مع الادغام الصريح فذلك لا يكون إلا بأن يقلب حرف الاطباق - كالطاء مثلا فى فرّطت - تاء وتدغمها فى التاء إدغاما صريحا ، ثم تأتى بطاء أخرى ساكنة قبل الحرف المدغم ، وذلك لأن الإطباق من دون حرف الإطباق متعذر فيلزم الجمع بين ساكنين ، قال : وليس كذلك إبقاء الغنة مع النون المدغمة فى الواو والياء إدغاما صريحا ؛ لأن الغنة قد تكون لا مع حرف الغنة ، وذلك بأن تشرب الواو والياء المضعفين غنة فى الخيشوم ، ولا تقدر على إشراب التاء المضعفة إطباقا ، إذ الإطباق لا يكون إلا مع حرف الاطباق ، قال : والحق أنه ليس مع الإطباق إدغام صريح بل هو إخفاء يسمى بالادغام لشبهه به كما يسمى الاخفاء فى نحو (لبعض شّأنهم) و (العفو وّ أمر) إدغاما

واعلم أنه إذا كان أول المتقاربين ساكنا والثانى ضمير مرفوع متصل فكانهما فى الكلمة الواحدة التى لا يلبس الادغام فيها ، وذلك لشدة اتصال الضمير. ثم إن اشتد تقارب الحرفين لزم الادغام كما فى عدت وزدت ، بخلاف الكلمتين المستقلتين نحو أعد تّمرك فانه يجوز ترك الادغام إذن ، والادغام أحسن ، وبخلاف ما لم يشتد فيه التقارب نحو عذت

واعلم أن الأحرف الستة المذكورة أعنى الطاء والظاء والدال والذال والتاء والثاء تدغم فى الضاد والشين المعجمتين أيضا ، لكن إدغامها فيهما أقل من إدغام بعضها فى بعض ، ومن إدغامها فى الصاد والزاى والسين ؛ لأن الضاد والشين ليستا من طرف اللسان كالتسعة الأحرف المذكورة ، وإنما جاز ذلك لأن الضاد والشين كما ذكرنا استطالتا حتى قربتا من حروف طرف اللسان ، وإدغام هذه

الحروف فى الضاد أقوى من إدغامها فى الشين ؛ لأن الضاد قريب من الثنية باستطالتها ، وهذه الحروف من الثنايا ، بخلاف الشين ، وأيضا الضاد مطبقة والاطباق فضيلة تقصد أكثر مما يقصد إلى التفشى ، وأيضا لم تتجاف الضاد عن الموضع الذى قربت فيه من الظاء تجافى الشين ، بل لزمت ذلك الموضع وقد جاء فى القراءة إدغام التاء فى الجيم نحو (وجبت جّنوبها)

قوله «والصاد والزاى والسين يدغم بعضها فى بعض» فإن أدغمت الصاد فى أختيها فالأولى إبقاء الاطباق كما مر ، قال سيبويه : إدغام حروف الصفير بعضها فى بعض أكثر من إدغام الظاء والثاء والذال بعضها فى بعض ؛ لأن الثلاثة الأخيرة إذا وقفت عليها رأيت طرف اللسان خارجا عن أطراف الثنايا ، بخلاف حروف الصفير ، والاعتماد بالادغام على الحرف المنحصر بالأسنان أسهل منه على الحرف الرخو الخارج عن رءوس الأسنان

قوله «والباء فى الميم والفاء» هو نحو اضرب مّالكا أو فاجرا

ادغام تاء الافتعال والادغام فيها

قال : «وقد تدغم تاء افتعل فى مثلها فيقال : قتّل وقتّل ، وعليهما مقتّلون ومقتّلون ، وقد جاء مردّفين إتباعا ، وتدغم الثّاء فيها وجوبا على الوجهين نحو اثّأر واتّأر ، وتدغم فيها السّين شاذّا على الشّاذّ نحو اسّمع ، لامتناع اتّمع ، وتقلب بعد حروف الإطباق طاء ، فتدغم فيها وجوبا فى اطّلب وجوازا على الوجهين فى اظطلم ، وجاءت الثّلاث فى ويظلم أحيانا فيظطلم وشاذّا على الشّاذّ فى اصّبر واضّرب ، لامتناع اطّبر واطّرب ، وتقلب مع الدّال والذّال والزّاى دالا فتدغم وجوبا فى ادّان ، وقويّا فى ادّكر ، وجاء اذّكر واذ دكر ، وضعيفا فى ازّان ، لامتناع ادّان ، ونحو خبطّ وحصط وفزد وعدّ فى خبطت وحصت وفزت وعدت شاذّ»

أقول : اعلم أنه إذا كان فاء افتعل تاء وجب إدغامها فى التاء ؛ لما قدمنا أن

المثلين إذا التقيا وأولهما ساكن وجب الادغام : فى كلمة كانا ، أو فى كلمتين ، وذلك نحو اتّرك واتّرس ، وإذا كان عينه تاء جاز الادغام وتركه ؛ لما قدمنا أن المثلين المتحركين إذا لم يكونا فى الأخير لم يجب الادغام ، فتقول : اقتتل وقتّل ، وقال سيبويه : إنما لم يلزم الادغام فى نحو اقتتل لأن التاء الثانية لا تلزم الأولى ، ألا ترى إلى نحو اجتمع وارتدع؟ فالمثلان فيه كأنهما فى كلمتين من حيث عدم التلازم ، فإذا أدغمت فإما أن تنقل حركة أولهما إلى فاء الكلمة كما هو الرسم فى نحو يمد ويعض ويفر فتستغنى عن همزة الوصل ، وإنما وجب حذف الهمزة ههنا ولم يجب فى باب ألحمر لأن أصل لام التعريف السكون وأصل فاء الكلمة الحركة كما قلنا فى سل (1)، وإما أن تحذف حركة أولهما فيلتقى ساكنان : فاء الفعل ، وتاء افتعل ؛ فتكسر الفاء ؛ لأن الساكن إذا حرك فالكسر أولى ؛ فتسقط همزة الوصل بتحرك ما بعدها ، وإنما لم يجز حذف حركة أول المثلين فى نحو يردّ ويعض ويفرّ لما ذكرنا فى باب الاعلال (2)من أنه يجب المحافظة على حركة العين فى الفعل ؛ إذ بها يتميز بعض أبوابه عن بعض ، وقال سيبويه : إنما جاز حذف الحركة ههنا دون نحو يرد ويعض لأنه يجوز فى نحوه الاظهار والاخفاء والادغام : أى فى نحو اقتتل ، بخلاف نحو يردّ ويعضّ ويفرّ ، فإنه يجب فيه الادغام ، وكذا فى ردّ وعضّ وفرّ عند بنى تميم ، فلما تصرفوا فى الأول بالأوجه الثلاثة أجازوا التصرف فيه بحذف حركة أول المثلين أيضا ، قال الفراء : بل لا بد من نقل حركة أولهما إلى الفاء ، فأما كسرة قتّل فهي الفتحة ليكون دليلا على همزة الوصل المكسورة المحذوفة ، وإنما قال ذلك لأنه رأى امتناع حذف الحركة فى باب يردّ ويعضّ ، والجواب عنه ما مضى


1) انظر (ص 51 من هذا الجزء)

2) انظر (ص 100 و 145 من هذا الجزء) ثم انظر (ج 1 ص 76 و 80 و 81)

وتقول فى مضارع اقتتل المدغم يقتّل - بنقل الفتحة إلى القاف - كما فى الماضى ، ويقتّل - بكسر القاف - كما فى الماضى سواء ، وأجاز بعضهم حذف حركة أولهما من غير أن يحرك القاف بحركة ، فيجمع بين ساكنين ، وهو وجه ضعيف ينكره أكثر الناس ، والأولى أن ما روى من مثله عن العرب اختلاس حركة ، لا إسكان تام ؛ ويجوز فى نحو يقتّل - بكسر القاف - أن تكسر الياء إتباعا للقاف ، فتقول : يقتّل كما فى منخر ومنتن ، ومنه القراءة (أم من لا يهدّى) بكسر الياء والهاء

وتقول فى اسم الفاعل : مقتّل - بكسر القاف وفتحها - ولا يجوز كسر الميم اتباعا كما جاز كسر حرف المضارع ؛ لأن حرف المضارع متعوّد للكسر لغير الاتباع أيضا نحو إعلم ونعلم ، لكن لا يكسر الياء إلا لداع آخر كما فى ييجل ويقتّل ، وأما نحو منتن فى منتن فشاذ ، وقد قرأ أهل مكة (مردّفين) بإتباع الثانى للأول كما فى ردّ ولم يردّ ، وذلك بحذف حركة أول المتقاربين وتحريك ما قبله بحركة الاتباع لازالة الساكنين

وإذا كان عين افتعل مقاربا للتاء لم تدغم التاء فيه إلا قليلا ؛ لأن الادغام فى غير الآخر خلاف الأصل كما ذكرنا ، ولا سيما إذا أدى إلى تحريك الساكن بعد تسكين المتحرك ، وأما الادغام فى نحو ادّكر فإنه وإن كان فى غير الآخر لكنه لم يؤد إلى تحريك ولا تسكين ، وفى نحو ازّمّل أدى إلى تسكين فقط ، وإذا جاز إظهار المثلين فى مثل اقتتل وكان هو الأكثر فكيف بالمتقاربين ، وإنما جاز الادغام إذا كان العين دالا كيهدّى ومردّفين ، أوصادا كيخصّمون ، ولا يمنع القياس من إدغام تاء افتعل فيما يدغم فيه التاء من التسعة الأحرف المذكورة كالزاى فى ارتزق ، والسين فى اقتسر ، (1)والثاء فى اعتثر ، (2)والطاء فى


1) تقول : قسره على الأمر ، واقتسره عليه ؛ إذا قهره وغلبه عليه

2) اعتثر : اتخذ لنفسه عاثورا ، والعاثور : البئر ، وما أعد ليقع فيه غيره

ارتطم ، (1)والظاء فى اعتظل ، (2)والذال فى اعتذر ، والصاد والدال فى اختصم واهتدى ، والضاد فى اختضر (3)

وإذا كان فاء افتعل مقاربا فى المخرج لتائه وذلك إذا كانت الفاء أحد ثمانية الأحرف التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها لكونها من طرف اللسان كالتاء ، وهى الدال والذال والطاء والظاء والثاء والصاد والسين والزاى ، وتضم إلى الثمانية الضاد ؛ لما ذكرنا من أنها باستطالتها قربت من حروف طرف اللسان ، وأما الشين فبعيدة منها كما ذكرنا ، فإذا كان كذا جاز لك إدغام فاء افتعل فى تائه أكثر من جواز إدغام تائه فى عينه ، تقول فى الدال : ادّان ، وفى الذال : اذّكر ، وفى الطاء : اطّلب ، وفى الظاء : اظّلم ، وفى الثاء : اثّرد (4)، وفى الصاد : اصّبر ، وفى السين : اسّمع ، وفى الزاى : إزّان ، وفى الضاد : اضّجع ، وإنما قلبت التاء فى هذه الأمثلة إلى الفاء خلافا لما هو حق إدغام أحد المتقاربين من قلب الأول إلى الثانى ؛ لأن الثانى زائد دون الأول ، وفى الطاء والظاء والصاد والضاد والسين والزاى لا يجوز قلب الأول إلى الثانى ؛ لئلا تذهب فضيلة الاطباق والصفير.

ويجوز مع الثاء المثلثة قلب الأول إلى الثانى كما هو حق الادغام ، تقول : اثّأر (5)، واتّرد


1) ارتطم : مطاوع رطمت الرجل ؛ إذا أوقعته فى أمر لا يقدر على الخروج منه

2) تقول : اعتظلت الكلاب والجراد ؛ إذا ركب بعضها بعضا

3) تقول : اختضرت الكلأ ؛ إذا جززته وهو أخضر ؛ وقد قالوا من ذلك : اختضر الرجل ؛ إذا مات فى طراءة السن

4) تقول : اثرد الخبز ؛ إذا فته ليصنعه ثريدا

5) اثأر : أدرك ثأره

ومع الحروف المذكورة يجوز أن لا تخفف الكلمة بالادغام ، لكون المتقاربين فى وسط الكلمة ، والغالب فى الادغام آخر الكلمة ، كما مر ، فتخففها بقلب التاء إلى حرف يكون أقرب إلى فاء الكلمة من التاء فتقربها إلى حروف الاطباق الثلاثة : أى الصاد والضاد والظاء المعجمة ، بأن تجعل فى التاء إطباقا فتصير طاء ؛ لأن الطاء هو التاء بالاطباق ، وتقربها إلى الزاى والذال المعجمة بأن تجعل التاء دالا ، لأن الدال مجهورة شديدة كالزاى والذال ، والتاء مهموسة ، والدال أقرب حروف طرف اللسان إلى التاء ، فتقول : ازدان واذدكر - على ما روى أبو عمرو - ومنع سيبويه اذدكر وأوجب الادغام ، وقال : إنما منعهم أن يقولوا مذدكر كما قالوا : مزدان ، أن كل واحد من الدال والذال قد يدغم فى صاحبه فى الانفصال فلم يجز فى الكلمة الواحدة إلا الادغام.

ويجوز مع السين والثاء أن تبقى تاء الافتعال بحالها ، لأن السين والثاء مهموستان كالتاء ، فتقول : اثتأر واستمع ، فليسا بمتباعدين حتى يقرّب أحدهما من الآخر

وإنما وجب تخفيف الكلمات مع غير الثاء والسين إما بالادغام أو بغيره كما مضى لكثرة استعمال افتعل ؛ فيستثقل فيه أدنى ثقل ، ويجوز - بعد قلب التاء التى بعد الظاء المعجمة طاء وقلب التى بعد الذال المعجمة دالا نحو اظطلم واذدكر - أن تدغم الظاء فى الطاء والذال فى الدال بقلب الأول إلى الثانى فى الموضعين كما هو حق إدغام المتقاربين ، فتقول : اطّلم وادّكر - بالطاء والدال المهملتين - قال سيبويه : وقد قال بعضهم : مطّجع فى مضطجع ، يدغم الضاد فى الطاء مع أنها من حروف (ضوى مشفر)

وقال : قد شبه بعض العرب ممن ترضى عربيته الصاد والضاد والطاء والظاء مع تاء الضمير بهن فى افتعل ؛ لشدة اتصال تاء الضمير بالفعل كاتصال تاء الافتعال بما

قبلها ؛ فتقول : فحصط برجلى ، وحصط عنه ، وخبطّه ، وحفطّه ؛ فتقلب فى جميعها تاء الضمير طاء مهملة

قال : وكذا يقول بعضهم : عدّه - بقلب التاء دالا - كما فى ادّان ، قال السيرافى : وقياس هذه اللغة أن تقلب تاء الضمير دالا إذا كان قبلها دال أو ذال أو زاى كما فى افتعل ، لكن سيبويه لم يحكه عنهم إلا فى الدال المهملة

ولشدة اتصال تاء الضمير بما قبله كان الادغام فى نحو أخذت وبعثت وحفظت أولى وأكثر منه فى نحو احفظ تلك ، وخذ تلك ، وابعث تلك ، وقلب ما قبل تاء الافتعال أكثر من قلب ما قبل تاء الضمير طاء أو دالا نحو فحصط وحفطّ وفزد وعدّ ؛ لأنها على كل حال كلمة وإن كانت كالجزء

واعلم أنه لم يدغم التاء فى استطاع واستدان لأن الإدغام يقتضى تحريك السين التى لا تتحرك ولا حظ لها فى الحركة ، وأيضا فان الثانى فى حكم السكون ؛ لأن حركته عارضة منقولة إليه مما بعده ، وقراءة حمزة اسطاع بالادعام شاذ

قوله «وتدغم التاء فيها وجوبا» فيه نظر ، لأن سيبويه ذكر أنه يقال : مثترد ، ومتّرد ، ونحوه

قوله «على الوجهين» أى : على قلب الأول إلى الثانى وقلب الثانى إلى الأول

قوله «تدغم فيها السين شاذا على الشاذ» أى : أن إدغام السين فى غير حروف الصفير شاذ ، وقلب ثانى المتقاربين إلى الأول شاذ ، وإنما ارتكب قلب الثانى لامتناع اتّمع ، فانه تذهب إذن فضيلة الصفير ، وقد زال كراهة الشذوذ الأول لسبب الشذوذ الثانى ؛ لأنك إذا قلبت الثانى سينا لم تدغم السين إلا فى حروف الصفير

قوله «وجاءت الثلاث» أى : الطاء والظاء المشددتان ، والظاء المعجمة قبل الطاء المهملة ، وأول البيت :

192 - هو الجواد الّذى يعطيك نائله عفوا (1)

قف بالدّيار الّتى لم

يعفها القدم

بلى ، وغيّرها الأرواح

والدّيم

والجواد : الكريم ، والنائل : العطاء ، وقوله «عفوا» معناه سهلا من غير مطل ولا تسويف ، وقوله «يظلم أحيانا» معناه أنه يطلب منه فى غير وقت الطلب ولا موضعه فيعطى ، فجعل سؤال بره فى غير وقت السؤال ظلما وجعل إعطاءه السائل ما سأله وتكلفه لذلك قبولا للظلم ، والاستشهاد بالبيت فى قوله «فيظلم» فقد روى بثلاثة أوجه أولها «فيظطلم» باظهار كل من الحرفين ، وثانيها «فيظلم» بقلب الطاء المهملة ظاء معجمة والادغام ، وثالثها «فيطلم» بقلب الظاء المعجمة طاء مهملة والادغام ، وحكى ابن جنى فى سر الصناعة أنه روى بوجه رابع ، وهو «فينظلم» بالنون على ينفعل من الظلم ، ورواه سيبويه بالادغام على الوجهين

قوله «وشاذا على الشاذ فى اصّبر واضّرب» عطف على قوله «وجوبا فى أطّلب» يعنى يقال : اصّبر واضّرب - بصاد وضاد مشددتين - والشذوذ الأول إدغام الصاد الذى هو حرف الصفير فى غير الصفير أى الطاء ، وكذا إدغام الضاد المعجمة ، والشذوذ الثانى قلب الثانى إلى الأول ، وقد مر أن الشذوذ الثانى يدفع مضرة الأول ، والأولى أن يقول : إن تاء الافتعال قلبت صادا أو ضادا من أول الأمر ، وأدغمت الصاد والضاد فيها كما ذكر قبل ؛ إذ لا دليل على قلبه طاء أولا ثم قلب الطاء صادا أو ضادا

قوله «لامتناع اطّبر واطّرب» يعنى : إنما قلب الثانى إلى الأول لامتناع قلب الأول إلى الثانى ؛ لئلا يذهب الصفير والاستطالة

قوله «وقويّا فى ادّكر» أى : بالدال المشددة المهملة

قوله «وجاء اذّكر» أى : بالذال المشددة المعجمة

اعلم أنه لما كان الإدغام بقلب الثانى إلى الأول على خلاف القياس كان


1) هذا بيت لزهير بن أبى سلمى المزنى ، من قصيدة له يمدح فيها هرم ابن سنان المرى ، وأولها قوله :

الأغلب مع الصاد والضاد والظاء المعجمة قلب تاء الافتعال طاء بلا إدغام ؛ لأن قلب الأول إلى الثانى فيها ممتنع ، واظطلم واضطرب واصطبر أولى من غيرها ، وكذا ازدان - بالدال - أولى من أزّان - بالزاى - وادّكر - بالدال المهملة - أولى من اذّكر - بالذال المعجمة ، وكذا اتّغر - بالتاء - أولى من اثّغر - بالثاء المثلثة - وإبقاء التاء بحالها فى استمع أولى من اسّمع ، ولا منع من إدغام اللام فى التاء ، وإن لم يسمع نحو اتّمع فى التمع ؛ لأن اللام يدغم فى التاء كما تقدم

ادغام تاء المضارعة في «تتفعل» و «تتفاعل» وتخفيفها

قال : «وقد تدغم تاء نحو تتنزّل وتتنابزوا وصلا وليس قبلها ساكن صحيح ، وتاء تفعّل وتفاعل فيما تدغم فيه التّاء ، فتجلب همزة الوصل ابتداء نحو اطّيّروا وازّيّنوا واثّاقلوا وادّارأوا ، ونحو اسطّاع مدغما مع بقاء صوت السّين نادر»

أقول : إذا كان فى أول مضارع تفعّل وتفاعل تاء فيجتمع تاءان جاز لك أن تخففهما وأن لا تخففهما ، والتخفيف بشيئين : حذف أحدهما ، والادغام ، والحذف أكثر ، فإذا حذفت فمذهب سيبويه أن المحذوفة هى الثانية ؛ لأن الثقل منها نشأ ، ولأن حروف المضارعة زيدت على تاء تفعّل لتكون علامة ، والطارىء يزيل الثابت إذا كره اجتماعهما ، وقال سيبويه : لأنها هى التى تدغم فى تترّس ، وتطيّر ، وقال الكوفيون : المحذوفة هى الأولى ، وجوز بعضهم الأمرين ، وإذا حذفت لم تدغم التاء الباقية فيما بعدها وإن ماثلها ، نحو تتارك ، أو قاربها نحو تذكّرون ؛ لئلا يجمع فى أول الكلمة بين حذف وإدغام مع أن قياسهما أن يكونا فى الآخر ، وإذا أدغمت فإنك لا تدغم إلا إذا كان قبلها ما آخره متحرك نحو قال تنزّل ، وقال تّنابزوا ، أو آخره مد نحو قالوا تّنزّل قالا تّنابزوا ، وقولى تّابع ، ويزاد فى تمكين حرف المد ، فإن لم يكن قبلها شىء

لم يدغموا ؛ إذ لو أدغم لاجتلب لها همزة الوصل ، وحروف المضارع لا بدلها من التصدر لقوة دلالتها ، وأيضا تتثاقل الكلمة ، بخلاف الماضى ، فانك إذا قلت : اتّابع واتّبع ، لم يستثقل استثقال اتّنزّل ، واتّنابزون ، وكذا لا يدغم إذا كان قبله ساكن غير مد : سواء كان لينا نحو لو تتنابزون ، أو غيره نحو هل تتنابزون ؛ إذ يحتاج إذن إلى تحريك ذلك الساكن ، ولا تفى الخفة الحاصلة من الإدغام بالثقل الحاصل من تحريك ذلك الساكن ، وظهر بما شرحنا أن الأولى أن يقول المصنف : وليس قبلها ساكن غير مدة ، وقراءة النزّىّ (كنتم تّمنّون الموت) و (ألف شهر تّنزّل) - بالإدغام فيهما والجمع بين ساكنين - ليست بتلك القوة

وإذا كان الفعل المضارع مبنيا للمفعول نحو تتدارك وتتحمّل لم يجز الحذف ولا الإدغام ؛ لاختلاف الحركتين ، فلا تستثقلان كما تستثقل الحركتان المتفقتان ، وأيضا يقع لبس بين تتفعّل وتفعّل من التّفعيل لو حذفت التاء الثانية وبين تتفعّل وتتفعّل لو حذفت الأولى

قوله «وتاء تفعّل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء» أى : تاء الماضى من البابين تدغم فى الفاء إذا كانت إحدى الحروف الاثنى عشر التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها ، وهى التاء نحو اتّرّس ، والطاء نحو اطّيّر ، والدال نحو ادّارأتم ، والظاء نحو اظّالموا ، والذال نحو اذّاكروا ، والثاء نحو أثّاقلتم ، والصاد نحو اصّابرتم ، والزاى نحو ازّيّن ، والسين نحو اسّمع واسّاقط ، والضاد نحو اضّاربوا واضّرع ، والشين نحو اشّاجروا ، والجيم نحو اجّاءروا (1)، وهذا الادغام مطرد فى الماضى والمضارع والأمر والمصدر واسمى الفاعل والمفعول


1) أصل اجاءروا : تجاءروا ، وهو تفاعل من الجؤار ، والجؤار : رفع الصوت

قوله «ونحو اسطاع» قراءة حمزة (فما اسطّاعوا أن يظهروه) وخطّأه النحاة ، قال أبو على : لما لم يمكن إلقاء حركة التاء على السين التى لا تتحرك أبدا جمع بين الساكنين.

الحذف

قال : «الحذف الاعلالىّ والتّرخيمىّ قد تقدّم ، وجاء غيره فى تفعّل وتفاعل ، وفى نحو مست وأحست ، وظلت وإسطاع يسطيع ، وجاء يستيع ، وقالوا بلعنبر وعلماء وملماء فى بنى العنبر وعلى الماء ومن الماء ، وأمّا نحو يتسع ويتقى فشاذّ ، وعليه جاء تق الله فينا والكتاب الّذى تتلو بخلاف تخذ يتخذ فإنّه أصل واستخذ من استتخذ ، وقيل : أبدل من تاء اتّخذ وهو أشذّ ونحو تبشّرونى وإنّى قد تقدّم»

أقول : يعنى بالحذف الإعلالى ما حذف مطردا لعلة ؛ كعصا وقاض ، وبالترخيمى ما حذف غير مطرد كما فى يد ودم

قوله فى نحو «تفعّل وتفاعل» يعنى فى مضارع تفعّل وتفاعل مع تاء المضارعة ، كما تقدم

قوله «وفى نحو مست وأحسبت وظلت» تقدّم حكمه فى أول باب (1)الادغام قوله «وإسطاع يسطيع» بكسر الهمزة فى الماضى وفتح حرف المضارعة ، وأصله استطاع يستطيع ، وهى أشهر اللغات ، أعنى ترك حذف شىء منه وترك الادغام ، وبعدها إسطاع بسطيع ، بكسر الهمزة فى الماضى وفتح حرف المضارعة وحذف تاء استفعل حين تعذر الادغام مع اجتماع المتقاربين ، وإنما تعذر الادغام لأنه لو نقل حركة التاء إلى ما قبلها لتحركت السين التى لاحظ لها فى الحركة ، ولو لم ينقل لالتقى الساكنان ، كما فى قراءة حمزة ، فلما كثر استعمال هذه اللفظة - بخلاف استدان - وقصد التخفيف وتعذر الادغام حذف الأول كما فى ظلت


1) انظر (ص 245 من هذا الجزء)

وأحست ، والحذف ههنا أولى ؛ لأن الأول - وهو التاء - زائد ، قال تعالى (فَمَا - اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) وأما من قال يسطيع - بضم حرف المضارعة - فماضيه أسطاع بفتح همزة القطع ، وهو من باب الإفعال ، كما مر فى باب ذى الزيادة (1)، وجاء فى كلامهم استاع - بكسر همزة الوصل - يستيع - بفتح حرف المضارعة ، قال سيبويه : إن شئت قلت : حذفت التاء ؛ لأنه فى مقام الحرف المدغم ، ثم جعل مكان الطاء تاء ؛ ليكون ما بعد السين مهموسا مثلها ، كما قالوا ازدان ليكون ما بعد الزاى مجهورا مثله ، وإن شئت قلت : حذفت الطاء ؛ لأن التكرير منها نشأ ، وتركت الزيادة كما تركت فى تقيت ، وأصله اتّقيت كما يأتى

قوله «وقالوا بلعنبر» قد ذكرنا حكمه فى أول باب (2)الادغام ، وأن سيبويه قال : مثل هذا الحذف قياس فى كل قبيلة يظهر فيها لام المعرفة فى اللفظ بخلاف نحو بنى النجار

قوله «وأما نحو يتسع ويتقى» قد حذفت التاء الأولى من ثلاث كلمات يتّسع ويتّقى ويتّخذ ؛ فقيل : يتسع ويتقى ويتخذ ، وذلك لكثرة الاستعمال ، وهو مع هذا شاذ ، وتقول فى اسم الفاعل : متق ، سماعا ، وكذا قياس متّخذ ومتّسع ، ولم يجىء الحذف فى مواضى الثلاثة إلا فى ماضى يتقى ، يقال : تقى ، وأصله اتّقى ؛ فحذفت الهمزة بسبب حذف الساكن الذى بعدها ، ولو كان تقى فعل كرمى لقلت فى المضارع يتقى كيرمى ، بسكون التاء ، وفى الأمر اتق كارم (3)، وقال الزجاج : أصل تخذ اتّخذ حذفت التاء منه كما فى تقى ، ولو كان كما قال لما قيل تخذ - بفتح الخاء - بل تخذ يتخذ تخذا كجهل


1) انظر (ج 2 ص 380)

2) انظر (ص 246 ، 247 من هذا الجزء)

3) انظر (ج 1 ص 157)

يجهل جهلا بمعنى أخذ يأخذ أخذا ، وليس من تركيبه ، وفى تقى خلاف ؛ قال المبرد : فاؤه محذوف والتاء زائدة ، فوزنه تعل ، وقال الزجاج : التاء : بدل من الواو كما فى تكأة وتراث ، وهو الأولى

قوله «استخذ» قال سيبويه عن بعض العرب : استخذ فلان أرضا بمعنى اتّخذ ، قال : ويجوز أن يكون أصله استتخذ من تخذ يتخذ تخذا فحذفت التاء الثانية كما قيل فى استاع : إنه حذف الطاء ، وذلك لأن التكرير من الثانى ، قال : ويجوز أن يكون السين بدلا من تاء اتّخذ الأولى ؛ لكونهما مهموستين ، ومثله الطجع بإبدال اللام مكان الضاد لمشابهتها لها فى الانحراف ؛ لأنهم كرهوا حرفى إطباق كما كرهوا فى الأول التضعيف ، وإنما كان هذا الوجه أشذ لأن العادة الفرار من المتقاربين إلى الادغام ، والأمر ههنا بالعكس ، ولا نظير له

قوله «تبشّرونى وإنّى قد تقدم» أى فى الكافية فى باب الضمير فى نون الوقايه. (1)


مسائل التمرين

قال : «وهذه مسائل التمرين. معنى قولهم : كيف تبنى من كذا مثل كذا : أى إذا ركّبت منها زنتها وعملت ما يقتضيه القياس فكيف تنطق به ، وقياس قول أبى علىّ أن تزيد وتحذف ما حذفت فى الأصل


1) إذا اجتمعت نون الرفع ونون الوقاية فى كلمة فلك فيها ثلاث لغات : أولاها : إبقاؤهما من غير إدغام ، نحو تضربوننى ، وعليه قوله تعالى : (لِمَ تُؤْذُونَنِي) وثانيتها : إبقاؤهما مع الادغام ، وعليه قوله تعالى : (أغير الله تأمروننى أعبد) وثالثتها : أن تحذف إحداهما وتكتفى بواحدة ، وهذه اللغة هى التى يشير إليها المؤلف

قياسا ، وقياس آخرين أن تحذف المحذوف قياسا أو غير قياس ، فمثل محوىّ من ضرب مضربىّ ، وقال أبو علىّ : مضرىّ ، ومثل اسم وغد من دعا دعو ودعو لا إدع ولا دع خلافا للآخرين ، ومثل صحائف من دعا دعايا باتّفاق إذ لا حذف فى الأصل»

أقول : اعلم أن هذه المسائل لأبواب التصريف كباب الإخبار لأبواب النحو

قوله «منها» الضمير راجع إلى «كذا» فى قوله «من كذا» ؛ لأنه بمعنى الكلمه واللفظة ، وفى قوله «زنتها» راجع إلى كذا فى قوله : مثل كذا ؛ لأنه بمعنى الصيغة أو البنية ، وفى قوله «تنطق به» إلى «مثل» : أى كيف تنطق بهذا المبنى بعد العمل المذكور فيه

قوله «وعملت ما يقتضيه القياس» أى : عملت فى هذه الزنة المركبة ما يقتضيه القياس التصريفى من القلب أو الحذف أو الادغام إن كان فى هذه الزنة أسباب هذه الأحكام ، وعند الجرمى لا يجوز بناء ما لم تبنه العرب لمعنى كضربب ونحوه ، وليس بوجه ؛ لأن بناء مثله ليس ليستعمل فى الكلام لمعنى حتى يكون إثباتا لوضع غير ثابت بل هو للامتحان والتدريب (1)، وقال سيبويه : يجوز صوغ وزن ثبت فى كلام العرب مثله ؛ فتقول : ضربب وضرنبب على وزن جعفر وشرنبث ، بخلاف ما لم يثبت مثله فى كلامهم ؛ فلا يبنى من ضرب وغيره مثل جالينوس ؛ لأن فاعيلولا وفاعينولا لم يثبتا فى كلامهم ، وأجاز الأخفش صوغ وزن لم يثبت فى كلامهم أيضا ؛ للامتحان والتدريب ، بأن يقال : لو ثبت مثل هذا الوزن فى كلامهم كيف كان ينطق به ؛ فيمكن أن يكون فى مثل هذا الصوغ فائدة وهى التدريب والتجريب


1) ذهب أبو على الفارسى وأبو الفتح ابن جنى إلى أن تكرير اللام للالحاق أمر مقيس مطرد مقصود به معنى ، وهو زيادة المعنى ، وقد ذكرنا ذلك فى أول هذا الكتاب (انظر ج 1 ص 64)

فنقول : إذا بنيت من كلمة ما يوازن كلمة حذف منها شىء ففيه بعد البناء ثلاثة مذاهب :

مذهب الجمهور أنك لا تحذف فى الصيغة المبنية إلا ما يقتضيه قياسها ، ولا ينظر إلى الحذف الثابت فى الصيغة الممثّل بها : سواء كان الحذف فيها قياسيا كحذف ياءين فى محوىّ ، أو غير قياسى كحذف اللام من اسم ؛ فتقول مضربىّ من ضرب على وزن محوى ، ودعو من دعا على وزن اسم ، ولا تقول : مضرىّ وإدع ؛ إذ ليس فى الصيغتين المبنيتين علة الحذف ، وهذا الذى قالوا هو الحق ؛ إذ لا تعل الكلمة بعلة ثابتة فى غيرها إلا إذا كان ذلك الغير أصلها ، كما فى أقام وقيام

وقال أبو على : تحذف وتزيد فى الصيغة المبنية ما زيد أو حذف فى الصيغة الممثل بها قياسا ؛ فتقول فى مضربىّ : مضرىّ ؛ لأن حذف الياءين فى محوىّ قياس كما مر فى باب النسب ، (1)وأما إن كان الحذف فى الممثل بها غير قياس لم تحذف ولم تزد فى المبنية ؛ فيقال : دعو ، فى المبنى من دعا على وزن اسم ؛ لأن حذف اللام من اسم غير قياس

وقال الباقون : إنه يحذف فى الفرع ما حذف فى الأصل ويزاد فيه ما زيد فى الأصل ، قياسا أو غير قياس ، فيقولون مضرىّ وإدع ودع كاسم وسم ؛ لأن القصد تمثيل الفرع بالأصل

هذا الخلاف كله فى الحذف ، وأما الزيادة فلا خلاف فى أنه يزاد فى الفرع كما زيد فى الأصل إلا اذا كان المزيد عوضا من المحذوف ؛ فيكون فيه الخلاف كهمزة الوصل فى اسم ، وكذا لا خلاف فى أنه يقلب فى الفرع كما يقلب فى الأصل ، فيقال على وزن أيس من الضرب : رضب : وتقول فى دعا على وزن صحائف :


1) انظر (ج 2 ص 9 و 22) ، ثم انظر (ج 2 ص 30 و 31)

دعايا ، وأصله دعائو ، فلما لم يكن فى صحائف الذى هو الأصل حذف لم يختلف فى دعايا ؛ بل أعل علة اقتضاها هو ، وهى قلب الهمزة ياء مفتوحة والياء بعدها ألفا كما مر فى بابه (1)

قوله «أن تزيد وتحذف» أى : فى الفرع ، وهو الصيغة المبنية

قوله «فى الأصل» أى : فى الكلمة الممثل بها

قوله «أو غير قياس» أى : أن تزيد وتحذف فى الفرع ما حذفت وزدت فى الأصل : قياسا كان أو غير قياس

قوله «محوىّ» مثال للأصل المحذوف منه شىء قياسا

قوله «اسم وغد» مثال لما حذف منه شىء غير قياس ؛ ففى «اسم» حذف اللام وريد همزة الوصل عوضا منه حذفا غير قياسى ، وفى «غد» حذف اللام غير قياس وأصل غد غدو - بسكون العين - قال :

لا تقلواها وادلواها دلوا

إنّ مع اليوم أخاه غدوا (2)

وأما إن كانت فى الأصل علة قلب حرف ليست فى الفرع فلا خلاف فى أنه لا يقلب فى الفرع ، فيقال على وزن أوائل من القتل أقاتل ، وكذا الإدغام

قال : «ومثل عنسل من عمل عنمل ، ومن باع وقال بنيع وقنول بإظهار النّون فيهنّ للألباس بفعّل ، ومثل قنفخر من عمل عنملّ ، ومن باع وقال بنيع وقنولّ بالإظهار ؛ للإلباس بعلّكد فيهنّ ، ولا يبنى مثل جحنفل من كسرت أو جعلت ؛ لرفضهم مثله ؛ لما يلزم من ثقل أو لبس»

أقول : قد ذكرنا أنه لا يدغم أحد المتقاربين فى الآخر فى كلمة إذا أدى إلى اللبس ؛ فلو قيل بيّع وقوّل بالادغام لالتبس بفعّل ، وهو وإن كان


1) انظر (ص 59 - 62 و 130 و 179 من هذا الجزء)

2) قد مر شرح هذا البيت ، فارجع إليه فى (ص 215 من هذا الجزء)

مختصا بالأفعال لكنه يظن أنه علم منكّر ؛ فلذا يدخله الكسر والتنوين ، والعلّكد : الغليظ

قوله «لما يلزم من ثقل» لأن إدغام النون الساكنة فى الراء واللام واجب ؛ لتقارب المخرجين ، وأما الواو والياء والميم فليس قربها من النون الساكنة كقرب الراء واللام منها ، فلذا جاء صنوان وبنيان وزنماء ، ولم يجىء نحو قنر وقنل كما تقدم

قوله «أو لبس» يعنى يلتبس بنحو شفلّح وهو ثمر الكبر

وإذا بنيت من كسر مثل احرنجم فللمبرد فيه قولان : أحدهما أنه لا يجوز لأنه لا بد من الادغام فيبطل لفظ الحرف الذى به ألحق الكلمة بغيرها ، والآخر الجواز ؛ إذ ليس فى الكلام افعلّل فيعلم أنه افعنلل ، ولا يجوز أن تلقى حركة الراء الأولى إلى الراء التى هى بدل من النون ؛ لئلا يبطل وزن الإلحاق ولئلا يلتبس بباب اقشعرّ

وإذا بنيت من ضرب مثل اقشعرّ - وأصله اقشعرر - فعند المازنى ، وحكاه عن النحويين - : إدغام الباء الأولى الساكنة فى الثانية نحو اضربّب ، بباء مشددة بعدها باء مخففة ، وعند الأخفش اضرببّ ، بباء مخففة بعدها باء مشددة ؛ ليكون كالملحق به : أعنى اقشعرّ ، فاكسرّر على هذا يلتبس باضربّب على قول المازنى ، فلا يصح إذن قول المبرد ؛ إذ ليس فى الكلام افعلّل ، والحق أنه ليس المراد بمثل هذا البناء الالحاق كما يجىء

قال : «ومثل أبلم من وأيت أوء ، ومن أويت أوّ مدغما ؛ لوجوب الواو ، بخلاف تووى ، ومثل إجرد من وأيت إىء ، ومن أويت إىّ فيمن قال : أحىّ ، ومن قال أحىّ قال : إىّ»

أقول : قوله «أوء» أصله أوؤى فأعل إعلال تجار مصدر تجارينا : أى

قلبت ضمة ما قبل الياء كسرة ، ثم أعل إعلال قاض ، وأوّ أصله أؤوى ، قلبت الهمزة الثانية واوا وجوبا كما فى أومن ، فوجب إدغام الواو كما تقدم فى أول الكتاب (1)أن الواو والياء المنقلبتين عن الهمزة وجوبا كأنهما غير منقلبتين عنها ، وإن كان الانقلاب جائزا فحكمها فى الأظهر حكم الهمزة كرييا وتووى ؛ فصار أوّيا فأعل إعلال تجار

قوله «إجرد» هو نبت يخرج عند الكمأة يستدل به عليها

قوله «إىء» أصله إوئى ، قلبت الواو ياء كما فى ميزان وأعل إعلال قاض

قوله «إىّ» أصله ائوى ، قلبت الهمزة ياء وجوبا كما فى إيت فصار إيويا أعل إعلال معيّية ، بحذف الياء الثالثة نسيا ؛ فتدور حركات الإعراب على الياء المشدّدة ، وعلى ما نسب الأندلسى إلى الكوفيين - كما ذكرنا فى باب التصغير - وهو إعلالهم مثله إعلال قاض ، تقول جاءنى إىّ ومررت بإىّ ورأيت إيّا

قال : «ومثل إوزّة من وأيت إيثاة ومن أويت إيّاة مدغما»

أقول : أصل إوزّة إوززة كإصبع ، لأن إفعلة ليست بموجودة ، والهمزة زائدة دون التضعيف ، لقولهم وزّ أيضا بمعناها ، فأصل إيئاة إو أية ، قلبت الواو ياء كما في ميزان ، والياء ألفا كما فى مرماة ، وأصل إيّاة إئوية ، قلبت الياء ألفا كما ذكرنا ، وقلبت الهمزة ياء وجوبا كما فى إيت صار إيواة ، أعل إعلال سيّد صار إيّاة

قال : «ومثل اطلخمّ من وأيت إيأيّا ، ومن أويت إيويّا»

أقول : اطلخم واطرخمّ أى تكبر ، أصله اطلخمم بدليل اطلخممت ، وفى الأمر اطلخمم - بسكون الخاء فى الموضعين - فأصل إيأيّا إو أيّى ، أدغمت الياء الساكنة فى المتحركة وقلبت الياء الأخيرة ألفا وقلبت الواو ياء كما فى ميزان ، صار إيأيّا ، فقد اجتمع فى الكلمة ثلاث إعلالات كما ترى ، وهم


1) انظر (ج 1 ص 25 وما بعدها)

يمنعون من اثنين ، وأصل إيويّا إئويّى ، قلبت الياء ألفا وأدغمت الياء فى الياء وقلبت الهمزة ياء كما فى إيت ولم يعل إعلال سيّد ؛ لأن قلب الهمزة ياء وإن كان واجبا مع الهمزة الأولى لكنها غير لازمة للكلمة ؛ لكونها همزة وصل تسقط فى الدرج نحو قال ائويّا ، فحكم الياء إذن حكم الهمزة

قال : «وسئل أبو علىّ عن مثل ما شاء الله من أولق فقال : ما ألق ألالاق على الأصل واللّاق على اللّفظ ، والألق على وجه ، بنى على أنّه فوعل»

أقول : يعنى أن أبا على جعل الواو من أولق زائدة والهمزة أصلية ، فإذا جعلته على وزن شاء وهو فعل قلت : ألق ، وأصل الله الإلاه عند سيبويه ، فتقول منه : الإلاق ، وحذف الهمزة من الإلاه قياس كما فى الأرض والأسماء ، لكن غلبة الحذف كما فى الإلاه شاذة ، وكذا إدغام اللام فى اللام ؛ لأنهما متحركان فى أول الكلمة ، وخاصة مع عروض التقائهما ، لكن جرأهم على ذلك كون اللام كجزء ما دخلته ، وكونها فى حكم السكون ، إذ الحركة التى عليها للهمزة وأيضا كثرة استعمال هذه اللفظة جوزت فيها من التخفيف فى الأغلب ما لم يكن فى غيرها ، ويجوز عند أبى على أن يقال : ما ألق الإلاق ، من غير تخفيف الهمزة ، بنقل حركتها وحذفها ، وذلك لأن مثل هذا الحذف وإن كان قياسا فى الأصل والفرع ؛ لتحرك الهمزة وسكون ما قبلها ؛ إلا أن مثل هذا الحذف إذا كانت الهمزة فى أول الكلمة نحو قد افلح أقلّ منه فى غير الأول ؛ لأن الساكن إذن غير لازم ، إذ ليس جزء كلمة الهمزة كما كان فى غير الأول ، واللام كلمة على كل حال ، وإن كانت كجزء الداخلة هى فيها ؛ فتخفيف الأرض والأسماء أقل من تخفيف نحو مسئلة وخبء ، ويجوز عنده أيضا أن تنقل حركتها إلى ما قبلها ؛ لأن ذلك قياس فى الفرع وإن قل ، مع كون اللام كالجزء وهو مطرد غالب في الأصل ، فقوله «ما ألق الإلاق» يجوز أن يكون مخففا وغير مخفف ؛ لأن كتابتهما سواء

قوله «واللّاق على اللفظ» أى : بإدغام اللام فى اللام كما فى لفظة الله ، لكن سهل أمر الإدغام فى لفظة الله كثرة استعماله ، بخلاف الإلاق

قوله «والألق على وجه» يعنى به أحد مذهبى سيبويه ، وهو أن أصل الله اللّيه ، من لاه : أى تستر ؛ لتستر ماهيته عن البصائر وذاته عن الأبصار ؛ فيكون وزنه فعلا ؛ فالألق عليه ، وليس فى «الألق» علة قلب العين ألفا كما كانت فى الله

قال : «وأجاب فى باسم بالق أو بالق على ذلك»

أقول : أى على أن أولقا فوعل قيل له : كيف تقول مثل باسم من أولق ، قال : بالق أو بالق ؛ لأن أصل اسم سمو أو سمو ، حذفت اللام شاذا وجىء بهمزة الوصل ، وأبو على لا يحذف فى الفرع ما حذف فى الأصل غير قياس

قال : «وسأل أبو علىّ ابن خالويه عن مثل مسطار من آءة فظنّه مفعالا ، وتحيّر فقال أبو علىّ مسئاء فأجاب على أصله وعلى الأكثر مستئاء»

أقول : المسطار : الخمر ، قيل : هو معرب ، وإذا كان عربيا فكأنه مصدر مثل المستخرج ، بمعنى اسم الفاعل من استطاره : أى طيّره قال :

193 - متى ما تلقنى فردين ترجف

روادف أليتيك وتستطارا (1)

ويجوز أن يكون اسم مفعول ، قيل : ذلك لهديرها وغليانها ، وأصله


1) هذا الشاهد من بحر الوافر ، وهو من كلمة لعنترة بن شداد العبسى يهجو فيها عمارة بن زياد العبسى. وقوله «ترجف» يروى مكانه «ترعد» بالبناء للمجهول ، وقوله «فردين» حال من الفاعل والمفعول فى «تلقنى» وقوله «روادف» يروى فى مكانه «روانف» والروانف : جمع رانفة ، وهى طرف الألية ، وقوله «تستطار» فعل مضارع مبنى للمجهول ماضيه المبنى للمعلوم استطار ، وتقول : استطار هذا الأمر فلانا ؛ إذا طيره وأهاجه. والاستشهاد بالبيت فى قوله «وتستطارا» والمراد معناه الذى ذكرناه

مستطار ، والحق أن الحذف فى مثله ليس بمطرد ؛ فلا يقال : اسطال يسطيل واسطاب يسطيب ، وآءة فى الأصل أوأة ، لأن سيبويه قال : إذا أشكل عليك الألف فى موضع العين فاحمله على الواو ؛ لأن الأجوف الواوى أكثر فتصغيرها أويأة ، فقوله : مستئاء فى الأصل مستأوو

قوله «على أصله» يعنى حذفه فى الفرع ما حذف فى الأصل قياسا وإن لم يثبت فى الفرع علة الحذف ، فحذفت التاء فى مسئاء كما حذفت فى مسطار ، لاجتماع التاء والطاء ، والأولى - كما قلنا - أن حذف التاء فى مسطاع ليس بقياس ، فلا يحذف فى مستطاب ولا مستطيل ونحوهما ، وآءة نبت على وزن عاعة ، وهو من باب سلس وقلق ، وهو باب قليل وخاصة إذا كان الأول والآخر همزة مع ثقلها ، ومثلها أجاء والإءة (1)وأشاءة (2)عند سيبويه ، وحمله على ذلك أنه لم يسمع ألاية وأشاية ، وقلّ ألاوة وأشاوة كعباية وشقاوة ، وقالوا فى أباءة ، وهى الأجمة : إن أصلها أباية وإن لم يسمع ، لأن فيها معنى الإباء لامتناعها بما ينبت فيها من القصب وغيره من السلوك ، وليس فى أشاءة وألاءه مثل هذا الاشتقاق

قوله «وعلى الأكثر» أى على القول الأكثر ، وهو أنه لا يحذف ولا يزاد فى الفرع إلا إذا ثبتت علته ، ولو كان مسطار مفعالا من السّطر لقلت من آءة مؤواء

قال : «وسأل ابن جنّى ابن خالويه عن مثل كوكب من وأيت مخفّفا مجموعا جمع السّلامة مضافا إلى ياء المتكلّم فتحيّر أيضا فقال ابن جنّى : أوىّ»


1) الألاءة - مثل سحابة - واحدة الألاء - كسحاب - وهو شجر مر

2) الأشاءة - مثل سحابة - واحدة الأشاء ، وهو صغار النخل ، قال ابن القطاع : همزته أصلية ، عن سيبويه. وتوهم الجوهرى أنها مبدلة فأتى بها فى المعتل

أقول : إذا بنيت من وأيت مثل كوكب قلت : ووأى ، أعلت الياء كما فى فتى ، فقلت : ووأى فاذا خففت همزته بنقل حركتها إلى ما قبلها وحذفها قلت : ووى ، قلبت الواو الأولى همزة كما فى أواصل صار أوى

قال المصنف : الواو الثانية فى تقدير السكون ، فلو قلت ووى من غير قلب جاز

قلت : لو كانت الواو الثانية ساكنة أيضا نحو ووأى وجب الإعلال كما مر تحقيقه فى باب الإعلال (1)؛ فإذا جمع أوى وهو كفتى جمع السلامة بالواو والنون صار أوون ؛ فإذا أضفته إلى ياء المتكلم سقطت النون وبقى أووى ، تقلب الواو وتدغم كما فى مسلمىّ

قال : «ومثل عنكبوت من بعت بيععوت»

أقول : لا إشكال فيه ؛ لأنك جعلت العين وهو لام الكلمة ككاف العنكبوت مكررا وجعلت مكان الواو والتاء الزائدتين مثلهما فى الفرع كما مر فى أول الكتاب (2)

قال : «ومثل اطمأنّ ابيعّع مصحّحا»

أقول : أصل اطمأن اطمأنن بدليل اطمأننت واطمأنن فى الأمر

قوله «مصححا» فيه نظر ؛ لأن نحو اسودّ وابيضّ إنما امتنع من الإعلال لأن ثلاثيه ليس معلا حتى يحمل عليه كما حمل أقام على قام ، أو لأنا لو أعللناهما لصارا سادّ وباضّ فالتبسا بفاعل ، وليس الوجهان حاصلين فى ابيعّع ؛ إذ ثلاثيه معل ، ولا يلتبس لو قيل باعّع ، وأما سكون ما بعد الياء فليس بمانع ؛ إذ مثل هذين الساكنين جائز اجتماعهما ، نحو الضالين ، والأخفش يقول فى مثله : ابيععّ


1) انظر (ص 77 من هذا الجزء)

2) انظر (ج 1 ص 12 وما بعدها)

بتشديد العين الثانية كما ذكرنا فى أول مسائل التمرين

قال : «ومثل اغدودن من قلت اقووّل ، وقال أبو الحسن : اقويّل ، للواوات ، ومثل اغدودن من قلت وبعت اقووول وابيويع مظهرا»

أقول : قد ذكرنا الخلاف فى نحو اقووّل فى آخر باب الإعلال (1)، وإنما لم يدغم نحو اقووول وابيويع ؛ لأن الواو فى حكم الألف التى هى أصلها فى المبنىّ للفاعل كما ذكرنا من قول الخليل فى قوول وبويع ، ولو عللنا بما علل المصنف هناك وهو خوف الالتباس كما مر فى باب الإعلال (2)لجاز إدغام اقووول وابيويع إذ لا يلتبسان بشىء إلا أن تذهب فى نحو اضربّب على وزن اقشعرّ مذهب المازنى من تشديد الباء الأولى ، فإنه يقع اللبس إذن بالمبنى للمفعول منه.

قال : «ومثل مضروب من القوّة مقوىّ ، ومثل عصفور قوّىّ ، ومن الغزو غزوىّ ، ومثل عضد من قضيت قض ، ومثل قذعملة قضيّة كمعيّة فى التصغير ، ومثل قذعميلة قضويّة ، ومثل حمصيضة قضويّة فتقلب كرحويّة ، ومثل ملكوت قضووت ، ومثل جحمرش قضيى ، ومن حييت حيّو».

أقول : قد ذكرنا فى آخر باب الاعلال من أحكام الياءات المجتمعة والواوات المجتمعة ما ينحل به مثل هذه العقود.

أصل مقوىّ مقووو ، وكذا أصل غروىّ غزووو ، أدغمت الثانية فى الثالثة وقلبت المشددة ياء ، لاجتماع الواوات كما ذكرنا أنك تقول من قوى على وزن قمدّ : قوىّ وكذا فى قوووو على وزن عصفور ، وهو أولى لاجتماع أربع


1) انظر (ص 193 وما بعدها من هذا الجزء).

2) انظر (ص 145 من هذا الجزء).

واوات ، وقد مر حكمها ، وأصل قض قضى ، أعل إعلال ترام مصدر نرامينا.

قوله «قضيّة كمعيّة» أصلها قضيّية ، وقد ذكرنا قبل أن الأولى فى المبنى على وزن قذ عميلة من قضى قضيّية - بياءين مشددتين -

قوله «قضويّة» فى المبنى على وزن حمصيصة قد ذكرناه هناك (1)

قوله «ومثل ملكوت قضووت» قد ذكرنا فى باب الإعلال أن الأصل أن يقال : غزووت ورميوت ورضيوت كجبروت من غزوت ورميت ؛ لخروج الاسم بهذه الزيادة عن موازنة الفعل ؛ فلا يقلب الواو والياء ألفا كما لا يقلب فى الصّورى والحيدى ، وأن بعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين ؛ لعدم الاعتداد بالواو والياء.

قوله «ومثل جحمرش قضيى» يعنى تعله إعلال قاض والأولى كما ذكرنا فى آخر باب الإعلال : حذف الثالثة نسيا ، ثم قلب الثانية ألفا ؛ أو قلب الثانية واوا فتسلم الثالثة.

قوله «حيّو» قد ذكرنا هناك أنه يجوز حيّو وحيّا.

قال : «ومثل حلبلاب قضيضاء ، ومثل دحرجت من قرأ قرأيت ، ومثل سبطر قرأى ، ومثل اطمأننت اقرأيأت ، ومضارعه يقرئيىء كيقرعيع»

أقول : العين واللام فى حلبلاب مكررتان على الصحيح ؛ كما ذكرنا فى صمحمح ، فكررتهما مثله فى قضيضاء ، وكذا تقول من الغزو : غزيزاء بقلب الواو والياء المتطرفين ألفا ثم همزة كما فى رداء وكساء ، وكذا تقول على وزن صمحمح : قضيضى وغزوزى ، وأصل قرأيت قرأأت بهمزتين ، قلبت الثانية ألفا كما فى آمن ، ولا يكون الألف قبل تاء الضمير ونونه فى كلامهم ، بل


1) انظر (ص 192 من هذا الجزء).

يكون قبلهما إما واو أو ياء نحو دعوت ورميت وأغزيت ، ولا يجوز الواو هنا ؛ لكونها رابعة ساكنة وقبلها فتحة ؛ فيجب قلبها ياء كما فى أغزيت ، فقلبت الألف من أول الأمر ياء.

قوله «قرأى» قد ذكرنا فى تخفيف الهمزة أن الهمزتين إذا التقتا وسكنت أولاهما والثانية طرف قلبت ياء.

قوله «اقرأيأت» هذا على مذهب المازنى كما ذكرنا فى باب تخفيف الهمزة عند ذكر اجتماع أكثر من همزتين (1)وعند النحاة اقرأوأت ، وإنما قال فى المضارع يقرئيىء لكونه ملحقا بيطمئنّ بقلب حركة الهمزة الثانية إلى الأولى كما فى الأصل ، ثم قلبت الثانية ياء لكسر الأولى ، ولو أعللناه بما فيه من العلة لقلنا يقرأيىء عند المازنى ، ويقرأوىء عند غيره ، ولم تنقل حركة الياء أو الواو إلى ما قبلها كما قلنا فى يقيم ويبيع ويبين ؛ لأن ذلك لإتباعه للماضى فى الإعلال بالاسكان كما مر فى باب الإعلال (2)ولم تسكن ههنا الياء فى الماضى.

والحقّ أن بناءهم لأمثال الأبنية المذكورة ليس مرادهم به الالحاق ، بل المراد به أنه لو اتفق مثلها فى كلامهم كيف كانت تعل ، ومن ثم قال المازنى فى نحو اقشعرّ من الضرب : اضربّب - بتشديد الباء الأولى - ولو كان ملحقا لم يجز ذلك ؛ فالأولى على هذا فى مضارع اقرأيأت أو اقرأوأت يقرأيىء أو يقرأوىء.

هذا آخر ما ذكره المصنف من مسائل التمرين ، ولنضم إليه شيئا آخر فنقول : إذا بنيت من قوى مثل بيقور (3)قلت : قيّوّ ، والأصل قيووو ، قلبت الواو


1) انظر (ص 52 وما بعدها من هذا الجزء).

2) انظر (ص 143 وما بعدها من هذا الجزء).

3) البيقور : اسم جمع دال على جماعة البقر ، كالباقر ، والبقير ، وانظر (ص 193 من هذا الجزء).

الأولى ياء وأدغمت الياء فيها كما فى سيد ، وأدغمت الواو الثانية فى الثالثة ولم تقلبهما ياءين لكونهما فى المفرد ، كما لم يقلب فى مغزوّ ، ولم تنقل حركة العين إلى ما قبلها كما فعلت ذلك فى مقوول ومبيوع ؛ لأن العين واللام إذا كانا حرفى علة لم تعل العين : سواء أعلت اللام كما فى قوى وثوى (1)

ربّ ثاو يملّ منه الثّواء.

أو لم تعل كما فى هوى على ما مضى فى باب الاعلال (2)وإذا بنيت على وزن صيرف من حوى وقوى قلت حيّا وقيّا ، والأصل حيوى وقيوو ، أدغمت الياء فى الواو بعد قلبها ياء كما فى سيّد ، وقلبت الواو ألفا لحصول علته ، قال السيرافى : اجتمع ههنا إعلالان ، لكن الذى منعنا من اجتماع الإعلالين أن تسكن العين واللام جميعا من جهة الإعلال ، وفيعل - بفتح العين - فى الأجوف نادر ، كقوله :

ما بال عينى كالشّعيب العيّن (3)

فالوجه أن يبنى من حوى وقوى على فيعل - بالكسر - فيصير حىّ وقىّ ، فتحذف الياء الثالثة نسيا كما فى معيّة ، وتقول على وزن نزوان (4)من قوى : قووان ، لا يدغم ؛ لما ذكرنا فى باب الادغام من عدم إدغام نحو رددان (5)ولم يقلب آخر الواوين ألفا لعدم موازنة الفعل كما ذكرنا فى باب الاعلال ، (6)هذا قول سيبويه ، والأولى أن يقال : قويان بقلب الثانية ياء كما ذكرنا فى آخر باب الاعلال (7).


1) ثوى يثوى - مثل رمى يرمى - ثواء - بفتح الثاء - : أى أقام ، قال :

2) انظر (ص 112 وما بعدها من هذا الجزء).

3) قد مر شرح هذا الشاهد فانظره فى (ج 1 ص 150).

4) النزوان : الوثبان ، ولا يقال إلا للشاة والدواب والبقر فى معنى السفاد ، وانظر (ج 1 ص 156).

5) انظر (ص 243 من هذا الجزء).

6) انظر (ص 145 من هذا الجزء).

7) انظر (ص 194 من هذا الجزء).

وتقول على وزن فعلان - بضم العين - من قوى وحيى : قويان وحيّان ، بقلب الواو الثانية ياء والضمة قبلها كسرة ، والأصل قووان ، والألف والنون وإن كانتا لازمتين كتاء عنصوة (1)وقرنوة (2)إلا أن كون الضمة على الواو هو الذى أوجب القلب كما تقول : غزوية على وزن قرنوة ، وقال سيبويه : تقول : قووان ، وقد غلط فيه ، لموافقته على أنه تقول : غزوية على وزن قرنوة

وتقول فى فعلان - بكسر العين - من حيى : حيّان بالادغام ؛ لأن رددانا واجب الادغام ، وحييان أيضا ؛ لأن الأصل فى باب الادغام أعنى الفعل فى مثله يجوز فكه ، نحو حيى وحىّ ، وتقول من قوى : قويان ، بقلب الثانية ياء ، لتقدم الاعلال على الادغام كما مر (3)ولكون الكلمة بالإعلال أخف منها بالادغام ، ومن خفف نحو كبد باسكان العين قال فى قويان : قويان - بسكون الواو - ولا يعله إعلال طىّ وليّة ؛ لعروض سكون الواو ، ومن قال فى رؤيا المخففة : ريّا فاعتد بالعارض ؛ قال ههنا : قيّان ؛ وتقول من قوى وشوى وحيى على وزن فيعلان - بكسر العين - : قيّان وشيّان وحيّان ، والأصل فى الأولين قيويان وشيويان ، أعلّا إعلال سيد وحذفت الياء الثالثة من الثلاثة نسيا ، كما فى معيّية ، وتقول فى تصغير أشويان : أشيّيان

وتقول من أويت على وزن فيعلان - بكسر العين - : أيّيان ، والأصل أيويان وإذا بنيت فعللة من رميت قلت : رميوة ، قلبت الياء الأخيرة واوا لانضمام ما قبلها ، ومثل أسحمان (4)منه : أرموان ، ومن حيى : أحيوان ، ولا تدغم ؛


1) العنصوة : القليل المتفرق من النبت ، انظر (ص 101 و 161 من هذا الجزء).

2) القرنوة : نوع من العشب ، انظر (ج 2 ص 44).

3) انظر (ص 120 من هذا الجزء).

4) أسحمان : جبل ، انظر (ج 2 ص 395)

لأن الإعلال قبل الادغام ، ولا تستثقل الواو فى مثله للزوم الحرف الذى بعدها : أى التاء ، والألف والنون ، كما مر فى باب الاعلال (1)

وتقول فى فوعلّة - مشددة اللام - من غزوت : غوزوّة ، وفى أفعلّة : اغزوّة ، وفى فعلّ : غزوّ ، لا تقلب الواو المشددة المضموم ما قبلها فى أفعلّة وفعلّ ياء ، كما لم تقلب فى مدعوّ ، بل ترك القلب ههنا أولى ؛ لأن اسم المفعول قد يتبع الفعل الذى هو بمعناه ، نحو غزى (2)، وأما نحو أدعيّة (3)فى أدعوّة فقليل نادر ؛ فان اعتدّ به قيل فى أغزوّة : أغزيّة.

وتقول فى أفعلّة من رميت : أرميّة - بكسر الميم - كما فى مضىّ ، والأصل مضوى.

وتقول فى فوعلة من الرمى : رومية ، وليست فى الأصل فوعللة ، وإلا قيل : رومياة.

وتقول فى فعلّ : رمىّ ، وليس أصله رمييا ، وإلا قيل : رميا (4)، وكذلك نحو هبىّ وهبيّة للصبى والصبية.

وتقول على وزن كوألل (5)والواو وإحدى اللامين زائدتان من القوة :


1) انظر (ص 176 من هذا الجزء).

2) يريد أن اسم المفعول قد يحمل على الفعل المبنى للمجهول كما قالوا من عدا عليه يعدو : معدى عليه ؛ حملا على عدى عليه.

3) انظر (ص 171 من هذا الجزء).

4) يريد أن رميا - بفتح الراء والميم وتشديد الياء - ليس أصله رميا - بفتح فسكون - ؛ لأنه لو كان كذلك لقلبت الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثم تعامل معاملة عصى

5) الكوألل - بزنة سفرجل - : القصير مع غلظ وشدة (ج 1 ص 256)

قووّى عند سيبويه ، وقويّا عند الأخفش كما مر (1)، وعلى وزن (2)عتول من قوى : قيّا ، والأصل قووو ، قلبت الواو الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والواو الأولى ياء كما فى ميزان ، والواو الثانية ياء أدغم فيها الياء كما فى سيد.

وإذا بنيت مثل عفرية من غزوت قلت : غزوية ، والأصل غزووة ، ومن الرّمى رميية ، ولا يجوز الادغام كما فى أحيية ، مع لزوم التاء فى الموضعين ؛ لأن رميية كعفرية ، وهو ملحق بزبرجة ، وأحيية ليس ملحقا ، كذا قيل ، والأولى أن هذا البناء ليس للالحاق كما مر ، ولو جمعت هبيّا على فعالل قلت : هباىّ كدوابّ ، ولو بنيت على فعاليل من رميت قلت : رمايىّ ، ويجوز رماوىّ ؛ لاجتماع الياءات كما فى سقاوىّ ، ولا يجوز بالهمز ؛ لعدم تطرف الياء.

وكذا فعاليل ومفاعيل من حيى نحو حيايىّ ، ومحايىّ ، وحياوىّ ، ومحاوىّ ، قال سيبويه : ولو حذفت إحدى الياءات فى جميعها لم يبعد ؛ لأنه قد يستثقل الياءان فى نحو أثافىّ (3)فيخفف بحذف إحداهما ، فيقال : أثاف ، فما ظنك بالثلاث؟ وحذف ياء مفاعيل ثابت وإن لم يجتمع ياءان نحو قراقير وقراقر (4)


1) انظر (ص 196 من هذا الجزء)

2) هذا الذى ذكره المؤلف ينبغى أن يكون على زنة درهم ليطابق ما ذكره من التصريف ، ولكن الذى وقع فى الأصول عثول - بالثاء المثلثة - ولا يصح ذلك لأن العثول مشدد الآخر ، فغيرناه إلى عتول - بالتاء المثناة - وقد ضبطه المجد فى القاموس بزنة درهم ، وإن كان الشارح الزبيدى حكاه مشددا ، وهو الذى لا غناء عنده للنساء

3) القراقير : جمع قرقور ، والقرقور - بزنة عصفور - السفينة مطلقا ، أو الطويلة خاصة ، (انظر ج 2 ص 162)

4) الأثافى : جمع أثفية ، وهى حجر يوضع فوقه القدر ، انظر (ج 2 ص 162)

وجراميز وجرامز (1)، قال سيبويه : إلا أن من يحذف فى هذه الأمثلة التى اجتمعت [فيها](2)ثلاث ياءات يلتزم الحذف ؛ لكونها أثقل من أثافىّ وعوارىّ (3)حتى يكون فرقا بين الياءات والياءين ، وتقول فى فعاليل من غزوت : غزاوىّ فلا تغير الواو لعدم اجتماع الأمثال كما فى رمايىّ

وهذا آخر ما أردنا إيراده ، ولك أن تقس على هذا ما ماثله بعد إتقانك الأصول المتقدمة فى باب الإعلال وغيره والله الموفق للصواب

تمت مقدمة التصريف ؛ والحمد لله رب العالمين


1) الجراميز : جمع جمر موز ، والجرموز - بزنة عصفور - حوض مرتفع النواحى ، أو حوض صغير

2) زيادة يقتضيها المقام

3) العوارى : جمع عارية ، وهى بتشديد الياء منسوبة إلى العار ، انظر (ج 2 ص 164)

الخط

اشارة

قال : «الخط تصوير اللّفظ بحروف هجائه إلّا أسماء الحروف إذا قصد بها المسمّى ، نحو قولك : اكتب جيم ، عين ، فا ، را ، فإنّك تكتب هذه الصّورة (جعفر) لأنّها مسمّاها خطّا ولفظا ، ولذلك قال الخليل لمّا سألهم كيف تنطقون بالجيم من جعفر فقالوا : جيم ، فقال : إنّما نطقتم بالاسم ولم تنطقوا بالمسئول عنه ، والجواب جه ؛ لأنه المسمّى ، فإن سمّى بها مسمّى آخر كتبت كغيرها نحو ياسين وحاميم ، وفى المصحف على أصلها على الوجهين ، نحو يس وحم»

أقول : حق كل لفظ أن يكتب بحروف هجائه : أى بحروف الهجاء التى ركب ذلك اللفظ منها إن كان مركبا ، وإلا فبحرف هجائه : سواء كان المراد باللفظ ما يصح كتابته كأسماء حروف التهجى نحو ألف با تا ثا جيم ، وكلفظ الشعر والقرآن ونحو ذلك ، أو ما لا يصح كتابته كزيد والرجل والضرب واليوم وغيرها ، وكذا كان حق حروف أسماء التهجى فى فواتح السور ، لكنها لا تكتب بحروف هجائها ؛ بل تكتب كذا (ن وَالْقَلَمِ) ، (ق وَالْقُرْآنِ) ولا يكتب (نون والقلم) ولعل ذلك لما توهم السفرة (1)الأول للمصاحف أن هذه الأسماء عبارة عن الأعداد كما روى عن بعضهم أن هذه الأسماء كنايات عن أعمار قوم وآجال آخرين ، وذلك أن أسماء حروف التهجى قد تصوّر مسمياتها إذا قصد التخفيف فى الكتابة ، نحو قولهم : كلّ ج ب ، وكذا كتابتهم نحو قولهم : الكلمات ثلاث : ا الاسم ، ب الفعل ، ج الحرف ؛ فعلى هذا فى قوله «إلا أسماء الحروف إذا قصد بها المسمى» نظر ؛ لأن تلك الأسماء مع قصد المسمى تكتب بحروف هجائها أيضا ، ألا ترى أنه تكتب هكذا : اكتب جيم عين فاء راء ، ولا تكتب


1) السفرة - بفتحات - جمع سافر ، وهو اسم دال على النسب ، ومعناه صاحب السفر ، وهو الكتاب الكبير ، وقد يراد منه الكاتب

هكذا : اكتب ج ع ف ر ، والذى يختلف فيه الحال أنك إذا نسبت الكتابة إلى لفظ على جهة المفعولية فإنه ينظر : هل يمكن كتابة مسماه ، أولا ؛ فإن لم يمكن نحو كتبت زيد ورجل ، فالمراد أنك كتبت هذا اللفظ بحروف هجائه ، وإن أمكن كتابة مسماه نحو كتبت الشعر والقرآن وجيم وعين وفاء وراء ، فالظاهر أن المراد به مسمى اللفظ ؛ فتريد بقولك : كتبت الشعر والبيت ، أنك كتبت مثلا :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل البيت (1)

وبقولك : كتبت القرآن ، أنك كتبت مثلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، السورة ، وبقولك : كتبت جيم عين فاء راء أنك كتبت جعفر ، ويجوز مع القرينة أن تريد بقولك : كتبت الشعر والبيت والقرآن ؛ أنك كتبت صورة حروف تهجى هذه الألفاظ

والبحث فى أن المراد باللفظ هو الاسم أو المسمى غير البحث فى أن ذلك اللفظ كيف يصور فى الكتابة ، والمراد بقوله «الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه» هو الثانى دون الأول

قوله «إذا قصد بها المسمى» أى : حروف التهجى

قوله «جيم عين فا را» لا تعرب شيئا من هذه الأسماء وإن كانت مركبة مع العامل كما فى قولك : كتبت ماء ، وأبصرت جيما ؛ لئلا يظن أنك كتبت كل واحدة من هذه الأحرف الأربعة منفصلة من البواقى ، ولم تكتب حروف كل واحدة ، فلم تعرب الأسماء ولم تأت بواو العطف نحو اكتب جيم ، وعين ، وفاء ، وراء ، بل وصلت فى اللفظ بعضها ببعض تنبيها على اتصال مسمياتها بعضها ببعض ؛ لكونها حروف كلمة واحدة


1) تقدم شرح هذا البيت فانظره فى (ج 2 ص 316)

قوله «مسماها خطا» ظاهر ؛ لأن مسمى جيم مثلا هذه الصورة ج ؛ لأنك إذا أمرت بكتابة جيم كتبت هكذا ج ، وكذا هو مسماه لفظا ؛ لأنك إذا أمرت بأن تتلفظ بجيم قلت : جه

قوله «ولذلك قال الخليل» أى : لكون جعفر مسمى جيم عين فا را لفظا رد الخليل على أصحابه لما سألهم عن جيم جعفر كيف تنطقون به : أى كيف تتلفظون بمسمى هذا اللفظ وهو جيم؟ وذلك لأن المراد بكل لفظ مسماه إذا أمكن إرادته نحو ضربت زيدا : أى مسمى هذا اللفظ ، وأما إذا لم يمكن نحو قرأت زيدا وكتبت زيدا فالمراد بأولهما اللفظ وبالثانى حروف هجاء اللفظ

قوله «إنما نطقتم بالاسم» لأن جيم الذى هو على وزن فعل اسم لهذا المسمى ، وهو جه

قوله «فان فإن سمى بها مسمى آخر» أى : سمى بأسماء حروف التهجى ، كما لو سمى بدال مثلا شخص

قوله «كتبت كغيرها» أى : كتبت ألفاظها بحروف هجائها ، فإذا قيل :

اكتب دال يكتب هكذا «دال» كما يكتب : زيد

قوله «وفى المصحف على أصلها» أى : يكتب مسمى أسماء حروف التهجى ، ولا تكتب تلك الأسماء بحروف هجائها

قوله «على الوجهين» أى : سواء كانت هذه الفواتح أسماء لحروف التهجى كما قال الزمخشرى : «إن المراد بها التنبيه على أن القرآن مركب من هذه الحروف كالفاظكم التى تتلفظون بها فعارضوه إن قدرتم» فهى إذن تحدّ لهم ، أو لم تكن ، وذلك بأن تكون أسماء السور كما قال بعضهم ، أو أسماء أشخاص كما قيل : إن يس وطه اسمان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ، وق اسم جبل ، ون اسم للدواة ، وغير ذلك ، أو تكون أبعاض الكلم كما نسب إلى ابن عباس رضى الله

عنه أنه قال فى ألم : إن معناه أنا الله أعلم ، وغير ذلك مما قيل فيها

الأصل في الكتابة أن تكون بالنظر للابتداء والوقف

قال : «والأصل فى كلّ كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها ؛ فمن ثمّ كتب نحو ره زيدا ، وقه زيدا بالهاء ، ومثل مه أنت ، ومجىء مه جئت ، بالهاء أيضا ، بخلاف الجارّ ، نحو حتّام وإلام وعلام ؛ لشدّة الاتّصال بالحرف ، ومن ثمّ كتبت معها بألفات وكتب ممّ وعمّ بغير نون ، فإن قصدت إلى الهاء كتبتها ورددت الياء وغيرها إن شئت»

أقول : أصل كل كلمة فى الكتابة أن ينظر إليها مفردة مستقلة عما قبلها وما بعدها ، فلا جرم تكتب بصورتها مبتدأ بها وموقوفا عليها ، فكتب من «ابنك» بهمزة الوصل ؛ لأنك لو ابتدأت بها فلا بد من همزة الوصل ، وكتب «ره زيدا» و «قه زيدا» بالهاء ؛ لأنك إذا وقفت على ره فلا بد من الهاء

قوله «ومثل مه أنت؟ ومجىء مه جئت؟» قد ذكرنا فى باب الوقف أن ما الاستفهامية المجرورة بالاسم يجب أن تقف عليها بالهاء ، وفى المجرورة بالحرف يجوز إلحاق الهاء وتركه ، وذلك لأن «ما» شديدة الاتصال بالحرف ؛ لعدم استقلال الحرف دون ما يتصل به

قوله «ومن ثمّ كتبت» أى : من شدة اتصال «ما» بالحرف كتبت حتى وإلى وعلى بألفات ، ولم تكتب بالياء ، وذلك لأن كتابتها بالياء إنما كانت لانقلاب ألف على وإلى ياء مع الضمير ، نحو عليك وإليه ، ومع ما الاستفهامية التى هى كالجزء صارتا نحو غلام وكلام ؛ فلا يدخلان الضمير ، ولأن حتى تمال اسما لكون الألف رابعة طرفا ومع ما الاستفهامية لا تكون طرفا ، وكذا إلى اسما أميلت ؛ لكون ألفها طرفا مع الكسرة قبلها وانقلابها ياء مع الضمير ومع «ما» لا تكون طرفا

قوله «وكتب ممّ وعمّ بغير نون» أى : من جهة اتصال «ما» بالحرف لم يكتب عن مه ومن مه - بالنون - بل حذفت النون المدغمة خطّا كما يحذف كل حرف مدغم فى الآخر فى كلمة واحدة ، نحو همّرش وأصله هنمرش (1)وامّحى أصله انمحى

قوله «فان قصدت إلى الهاء» يعنى أنك إذا قلت : ممّ جئت؟ وعمّ يتساءلون؟ وقصدت أنك لو وقفت على ممّ وعمّ ألحقتهما هاء السكت وجب عليك إلحاق هاء السكت فى الكتابة ، لأنك تكون إذا معتبرا لما الاستفهامية مستقلة بنفسها ، فتردّ نون من وعن ، ويكتب هكذا : من مه جئت؟ وعن مه يتساءلون؟

قوله «ورددت الياء» يعنى فى «على مه» و «حتّى مه»

قوله «وغيرها» يعنى النون فى «من مه جئت»

قوله «إن شئت» يرجع إلى رد الياء وغيرها لا إلى كتابة الهاء ؛ لأن كتابتها إذن واجبة ، لكن أنت مخير مع كتبة الهاء بين رد النون والياء ، وترك ردهما ؛ فإن رددتهما فنظرا إلى الهاء ؛ لأنها إنما اتصلت نظرا إلى استقلال «ما» بنفسها ، وإن لم ترد فنظرا إلى عدم استقلال حروف الجر دون ما ، فيكون «علامه» مثل كيفه ، وأينه ، كأن الهاء لحقت آخر كلمة واحدة محركة بحركة غير إعرابية ولا مشبهة لها

قال : «ومن ثمّ كتب أنا زيد بالألف ، ومنه لكنّا هو الله ، ومن ثمّ كتبت تاء التّأنيث فى نحو رحمة وتخمة هاء ، وفيمن وقف بالتّاء تاء ، بخلاف أخت وبنت وباب قائمات وباب قامت هند»


1) الهمرش - بزنة جحمرش - : العجوز المضطربة الخلق ، أو العجوز المسنة انظر (ح 1 ص 61) ثم انظر (ح 2 ص 364)

أقول : يعنى ومن جهة أن مبنى الكتابة على الوقف

قوله «ومنه لكنّا» يعنى إذا لم يقرأ بالألف ؛ فإنه يكتب بالألف فى تلك القراءة أيضا ؛ لأن أصله لكن أنا (1)

قوله «وفيمن وقف» مر فى باب الوقف أن بعضهم يقف عليها بالتاء نحو كظهر الجحفت (2)

ما ضرّها أم ما عليها لو

شفت

متيّما بنظرة وأسعفت

بل جوز تيهاء

كظهر الحجفت

وانظره مشروحا شرحا وافيا فى (ح 2 ص 277 وما بعدها)

قوله «بخلاف أخت» أى : ولا يوقف على تاء أخت وبنت بالهاء لأنها بدل من لام الكلمة وليست بتاء التأنيث ، بل فيها رائحة من التأنيث بكونها بدلا من اللام فى المؤنث دون المذكر ، وكذا تاء قائمات ليست للتأنيث صرفا ؛ بل علامة الجمع ، لكن خصت بجمع المؤنث لكون التاء مناسبة للتأنيث ، ومن قال كيف البنون والبناه - بالهاء - وجب أن يكتبها بالهاء ، وهو قليل ، ويعنى بباب قائمات جمع سلامة المؤنث ، وبباب قامت الفعل الماضى المتصل به تاء التأنيث

قال : «ومن ثمّ كتب المنوّن المنصوب بالألف ، وغيره بالحذف وإذن بالألف على الأكثر ، وكذا اضربن ، وكان قياس اضربن بواو وألف ، واضربن بياء ، وهل تضربن بواو ونون ، وهل تضربن بياء ونون ، ولكنّهم كتبوه على لفظه لعسر تبيّنه أو لعدم تبيّن قصدها ، وقد يجرى اضربن مجراه»

أقول : قوله «وغيره» أى : غير المنصوب المنون ، وهو إما المرفوع والمجرور


1) قد مضى بيان ذلك على التفصيل فى باب الوقف فارجع إليه فى (ح 2 ص 295)

2) هذه كلمة من بيت من بحر الرجز ، وهو مع ما قبله :

المنونان كجاءنى زيد ومررت بزيد ، أو غير المنون : مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا ؛ كجاءنى الرجل ورأيت الرجل ومررت بالرجل ، أو مبنيا

قوله «وإذن بالألف على الأكثر» وذلك لما تبين فى الوقف أن الأكثر فى إذن الوقف عليه بالألف ، فلذا كان أكثر ما يكتب بالألف ، والمازنى يقف عليه بالنون فيكتبه بالنون ، وأما اضربن فلا كلام فى أن الوقف عليه بالألف ؛ فالأكثر يكتبونه بالألف ، ومن كتبه بالنون فلحمله على أخويه : أى اضربن واضربن ، كما يجىء ، وإنما كان قياس اضربن بالواو والألف لما تقدم فى شرح الكافية أنك إذا وقفت على النون الخفيفة المضموم ما قبلها أو المكسور هو رددت ما حذف لأجل النون : من الواو والياء فى نحو اضربوا واضربى ، ومن الواو والنون فى هل تضربون ، ومن الياء والنون فى هل تضربين ، فكان الحق أن يكتب كذلك بناء للكتابة على الوقف ، لكن لم يكتب فى الحالين إلا بالنون ، لعسر تبيّنه : أى لأنه يعسر معرفة أن الموقوف عليه من اضربن واضربن وهل تضربن وهل تضربن كذلك : أى ترجع فى الوقف الحروف المحذوفة ؛ فانه لا يعرف ذلك إلا حاذق بعلم الإعراب ، فلما تعسر معرفة ذلك على الكتّاب كتبوه على الظاهر ، وأما معرفة أن الوقف على اضربن - بفتح الباء - بالألف فليست بمتعسرة ؛ إذ هو فى اللفظ كزيدا ورجلا

قوله «أو لعدم تبين قصدها» أى : لو كتبت بالواو والياء ، والواو والنون ، والياء والنون ؛ لم يتبين : أى لم يعلم هل هو مما لحقه نون التوكيد أو مما لم يلحقه ذلك ؛ وأما المفرد المذكر نحو اضربا فلم يلتبس ؛ لأن المفرد المذكر لا يلحقه ألف ، وبعضهم خاف التباسه بالمثنى فكتبه بالنون ، أو يقول : كتبه كذلك حملا على اضربن واضربن ، لأنه من نوعهما ، وهذا معنى قوله «وقد يجرى اضربن مجراه»

قوله «تبيّن قصدها» : أى المقصود منها : أى من الكلمات المكتوبة ؛ فهو مصدر بمعنى المفعول ، أو بمعنى تبيّن أنك قصدتها : أى قصدت النون ؛ فيكون المصدر بمعناه

كتابة الهمزة أولا ووسطا وآخرا

قال : «ومن ثمّ كتب باب قاض بغير ياء ، وباب القاضى بالياء على الأفصح فيهما ، ومن ثمّ كتب نحو بزيد ولزيد وكزيد متّصلا ؛ لأنه لا يوقف عليه ، وكتب نحو منك ومنكم وضربكم متّصلا ؛ لأنّه لا يبتدأ به»

أقول : إنما لم تكتب الباء واللام والكاف غير متصلة لكونها على حرف ولا يوقف عليه ، ولو كان لعدم الوقف عليها لكتب نحو من زيد وعلى زيد متصلا ، وإنما لم يبتدأ بالمضمرات المذكورة لكونها متصلة ، وأما نحو بكم وبك فقد اجتمع فيه الأمران

قال : «والنّظر بعد ذلك فيما لا صورة له تخصّه ، وفيما خولف بوصل أو زيادة أو نقص أو بدل ؛ فالأوّل الهمزة وهو أوّل ووسط وآخر

الأوّل ألف مطلقا نحو أحد وأحد وإبل ، والوسط : إمّا ساكن فيكتب بحرف حركة ما قبله مثل يأكل ويؤمن وبئس ، وإمّا متحرّك قبله ساكن فيكتب بحرف حركته مثل يسأل ويلؤم ويسئم ، ومنهم من يحذفها إن كان تخفيفها بالنّقل أو الادغام ، ومنهم من يحذف المفتوحة فقط ، والأكثر على حذف المفتوحة بعد الألف ، نحو ساءل ، ومنهم من يحذفها فى الجميع ، وإمّا متحرّك وقبله متحرّك فيكتب على نحو ما يسهّل ؛ فلذلك كتب نحو مؤجّل بالواو ونحو فئة بالياء ، وكتب نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس بحرف حركته ، وجاء فى سئل ويقرئك القولان ، والآخر إنّ كان ما قبله ساكنا حذف ،

نحو خبء وخبء وخبئا ، وإن كان متحرّكا كتب بحرف حركة ما قبله كيف كان ، نحو قرأ ويقرىء وردؤ ولم يقرأ ولم يقرىء ولم يردؤ ، والطّرف الّذى لا يوقف عليه لاتّصال غيره كالوسط نحو جزؤك وجزأك وجزئك ، ونحو ردؤك وردأك وردئك ، ونحو يقرؤه ويقرئك ؛ إلّا فى نحو مقروءة وبريئة ، بخلاف الأوّل المتّصل به غيره ، نحو بأحد وكأحد ولأحد ، بخلاف لئلّا ؛ لكثرته ، أو لكراهة صورته ، وبخلاف لئن ؛ لكثرته ، وكلّ همزة بعدها حرف مدّ كصورتها تحذف نحو خطئا فى النّصب ومستهزءون ومستهزءين ، وقد تكتب بالياء ، بخلاف قرأا ويقرأان للّبس ، وبخلاف نحو مستهزئين فى المثنّى لعدم المدّ ، وبخلاف نحو ردائى ونحوه فى الأكثر ، لمغايرة الصّورة ، أو للفتح الأصلىّ ، وبخلاف نحو حنّائىّ فى الأكثر ؛ للمغايرة والتّشديد ، وبخلاف لم تقرئى للمغايرة واللّبس»

أقول : قدم للكتابة أصلا ، وهو كونها مبنية على الابتداء والوقف ، ثم شرع فى التفصيل ؛ فذكر أولا حال لحرف الذى ليس له صورة مخصوصة ، بل له صورة مشتركة ، وتستعار له صورة غيره ، وهو الهمزة ، وذلك أن صورة الألف : أعنى هذه (أ) لمّا كانت مشتركة فى الأصل بين الألف والهمزة - ولفظة الألف كانت مختصة بالهمزة ، لأن أول الألف همزة ، وقياس حروف التهجى أن تكون أول حرف من أسمائها كالتاء والجيم وغيرهما ، ثم كثر تخفيف الهمزة ، ولا سيما فى لغة أهل الحجاز ، فإنهم لا يحققونها ما أمكن التخفيف - استعير للهمزة فى الخط وإن لم تخفف صورة ما يقلب إليه إذا خففت ، وهى صورة الواو والياء ثم يعلّم على تلك الصورة المستعارة بصورة العين البتراء هكذا (ء) ليتعين كونها همزة ، وإنما جعلت العين علامة الهمزة لتقارب مخرجيهما ، فان لم تكن الهمزة فى موضع التخفيف

وذلك إذا كانت مبتدأ بها كتبت بصورتها الأصلية المشتركة أعنى هذه (ا) نحو إبل وأحد وأحد ، وكذلك تكتب بهذه الصورة إذا خففت بقلبها ألفا ، نحو راس

ثم نقول : إذا كانت الهمزة وسطا ساكنة متحركا ما قبلها كتبت بمقتضى حركة ما قبلها نحو يؤمن ويأكل وبئس ؛ لأنها تخفف هكذا (ا) إذا خففت وتكتب الوسط المتحركة المتحرك ما قبلها نحو مؤجّل بالواو وفئة بالياء والخمسة بحرف حركته نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس ، وأما الاثنان الباقيان نحو سئل ويقرئك فعلى مذهب سيبويه بحرف حركته ، وعلى مذهب الأخفش بحرف حركة ما قبله ، كل ذلك بناء على التخفيف ، كما تقدم فى باب تخفيف الهمزة

وكذا يكتب الوسط الذى قبله ألف باعتبار حركته ؛ لأن تخفيفه باعتبارها فيكتب نحو ساأل بالألف والتساؤل بالواو وسائل بالياء ، والأكثرون على ترك صورة الهمزة المفتوحة بعد الألف استثقالا للألفين ؛ فيكتبون ساءل بألف واحدة وكذا المقروء والنبىء ، وكذا يتركون صورة الهمزة التى بعدها الواو إذا كان حق الهمزة أن تكتب واوا لو لا ذلك الواو نحو رءوس ، وكذا فى نحو سئامة ومستهزءين ، إلا إذا أدى إلى اللبس ، نحو قرأا ويقرأان ومستهزئين كما يجىء ،

ويكتب الأخير المتحرك ما قبله بحرف حركة ما قبله سواء كان متحركا كما فى يقرأ ويردؤ ويقرىء ، أو ساكنا كما فى لم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرىء ، وذلك لأن الحركة تسقط فى الوقف ، ومبنى الخط على الوقف فتدئّر الهمزة بحركة ما قبلها

وأما إن كانت الأخيرة فى حكم الوسط وهو إذا اتصل بها غير مستقل فهى فى حكم المتوسطة ، نحو يقرؤه ويقرئه ونحو ذلك ؛ وكان قياس نحو السماء والبناء أن تكتب همزته بالألف لأن الأكثر قلب مثلها ألفا فى الوقف كما مر فى باب

تخفيف الهمزة (1)، لكنه استكره صورة ألفين ، كما مر ، ولذا لم تكتب فى نحو قولك : علمت نبئا ؛ صورة للهمزة

هذا كله حكم كتابتها إذا كانت مما تخفف بالقلب بلا إدغام ، فإن كانت تخفف بالحذف ، فإن كانت أخيرا فانها تحذف فى الخط أيضا نحو خبء ، وجزء ودفء ، وذلك لأن الآخر محل التخفيف بالحذف خطا كما هو محل التخفيف لفظا ، وإن كان فى الوسط كيسأل ويسئم ويلؤم ، أو فى حكم الوسط باتصال غير مستقل بها نحو جزأك وجزؤك وجزئك ، فالأكثر أنها لا تحذف خطّا وإن كان التخفيف بحذفها ، وذلك لأن حذفك فى الخط لما هو ثابت لفظا خلاف القياس اغتفر ذلك فى الآخر الذى هو محل التخفيف ، فيبقى الوسط ثابتا على أصله ، فلما لم يحذف ولم تبن كتابتها على التخفيف أعيرت صورة حرف حركتها ؛ لأن حركتها أقرب الأشياء إليها فكتبت مسألة ويلؤم ويسئم وسوءة وجزأك وجزؤك وجزئك بتدبير حركة الهمزات ، وإن كانت تخفف بالقلب مع الإدغام حذفت فى الخط سواء كانت فى الطرف كالمقروء والنبىء ، أو فى الوسط كالقروآء على وزن البروكاء (2)أو فى حكم الوسط كالبريّة والمقروّة ، وذلك لأنك فى اللفظ تقلبها إلى الحرف الذى قبلها وتجعلها مع ذلك الحرف بالإدغام كحرف واحد ، فكذا جعلت فى الخط

هذا ، وبعضهم يبنى الكتابة فى الوسط أيضا على التخفيف فيحذفها خطا فى كل ما يخفف فيه لفظا بالحذف أو الإدغام ، وبعضهم يحذف المفتوحة فقط لكثرة مجيئها نحو مسلة ويسل ، وإنما لم تكتب الهمزة فى أول الكلمة إلا بالألف وإن كانت قد تخفف بالحذف كما فى الأرض وقد افلح لأن مبنى الخط على الوقف


1) انظر (ص 43 ، 44 من هذا الجزء)

2) البروكاء : الثبات فى الحرب ، وانظر (ح 1 ص 248)

والابتداء ، وإذا كانت الكلمة التى فى أولها الهمزة مبتدأ بها لم تخفف همزتها فتكتب بالصورة التى كانت لها فى الأصل وإن كانت مشتركة

فان قيل : إذا اتصل بآخر الكلمة غير مستقل نحو جزؤه وبجزئه تجعل الهمزة التى حقها الحذف كالمتوسطة فهلا تجعل المصدرة التى حقها هذه الصورة (ا) إذا اتصل بها غير مستقل نحو الأرض وبأحد ولأحد كالمتوسطة

قلت : لأنى إذا جعلت الهمز الذى حقه الحذف ذا صورة فقد رددته من الحذف الذى هو أبعد الأشياء من أصله أعنى كونه على هذه الصورة (ا) إلى ما هو قريب من أصله وهو تصوره بصورة ما وإن لم تكن صورته الأصلية ، وإذا غيرت ما حقه هذه الصورة أى المصورة بالحذف أو باعارتها صورة الواو والياء فقد أخرجت الشىء عن أصله إلى غيره ؛ فلهذا لم تجعل المصدرة فى الخط كالمتوسطة إلا فى لئلّا كما يجىء

قوله «فيما لا صورة له تخصه» إنما قال ذلك لأن هذه الصورة (ا) مشتركة فى أصل الوضع بين الهمزة والألف كما مضى

قوله «فيما خولف» : أى خولف به عن أصل الكتابة الذى كان حق الخط أن يكون عليه

قوله «الأول الألف مطلقا» : أى مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة ، وذلك لما قلنا

قوله «يكتب بحرف حركته» إلا أن يكون تخفيفه بالإدغام كسؤّال على وزن طومار (1)فانه يحذف كما ذكرنا

قوله «ومنهم من يحذف المفتوحة» أى : يحذف من جملة ما يخفف بالنقل


1) الطومار : الصحيفة. وانظر (ح 1 ص 198 ، 217) ثم انظر (ص 76 من هذا الجزء)

المفتوحة فقط نحو يسئل ومسئلة ، ولا يحذف نحو يلؤم ويسئم

قوله «والأكثر على حذف المفتوحة» أى : أن الأكثرين يحذفون المفتوحة فقط بعد الألف نحو ساءل ، ولا يحذفونها بعد ساكن آخر ، ولا يحذفون غير المفتوحة بعد ساكن

قوله «ومنهم من يحذفها فى الجميع» أى : يحذف الهمزة المتوسطة الساكن ما قبلها ، سواء خففت بالقلب أو بالحذف أو بالادغام

قوله «كيف كان» أى : متحركا أو ساكنا

قوله «إلا فى نحو مقروة وبرية» إذ حقها الإدغام كما ذكرنا

قوله «لئلا لكثرته» أى لكثرة استعماله صار لام لئلا متصلا بالهمزة وإن كان متصلا بلا ، فصارت الثلاثة ككلمة واحدة نحو فئة

قوله «أو لكراهة صورته» أى لو كتب هكذا (لألا)

قوله «وكل همزة بعدها حرف مد» فى الوسط كانت كرءوف ونئيم وسئال أو فى الطرف نحو خطئا فى النصب ومستهزءون ومستهزءين ؛ حذفت إذا لم يلتبس لاجتماع المثلين ، والأكثر على أن الياء لا تحذف ؛ لأن صورتها ليست مستقلة كنئيم ومستهزئين ، وهذا معنى قوله «وقد يكتب الياء» وأما فى الطرف فقد يكتب الياءان لاختلاف صورتيهما نحو ردائى

قوله «بخلاف قرأا ويقرأان» فانهما لو كتبا بألف واحدة لالتبس قرأا بالمسند إلى ضمير الواحد ويقرأان بالمسند إلى ضمير جمع المؤنث

قوله «بخلاف مستهزئين في المثنى لعدم المد» ليس بتعليل جيّد ؛ لأن المد لا تأثير له فى الخط ، بل إنما كان الحذف لاجتماع المثلين خطا ، وهو حاصل : سواء كان الثانى مدا أو غير مد ، بل الوجه الصحيح أن يقال : إن الأصل ان لا تحذف الياء كما ذكرنا لخفة كتابتها على الواو كما ذكرنا ، بخلاف الواوين والألفين مع

أن أصل مستهزئين وهو مستهزئان ثبت فيه للهمز صورة ، فحمل الفرع عليه فى ثبوتها ، وأما أصل مستهزءين فى الجمع فلم يكن للهمز فيه صورة نحو مستهزءون لاجتماع الواوين فحمل الفرع عليه

قوله «أو للفتح الأصلى» يعنى لم يكن فى الأصل مدا ، وقد ذكرنا ما عليه ، وكذا قوله «للتشديد» أى : لم يكن مدا

قوله «واللبس» أى : يلتبس بلم تقرى من القرى

الفصل والوصل

قال : «وأمّا الوصل فقد وصلوا الحروف وشبهها بما الحرفيّة ، نحو إنّما إلهكم إله وأينما تكن أكن وكلّما أتيتنى أكرمتك ، بخلاف إنّ ما عندى حسن وأين ما وعدتنى وكلّ ما عندى حسن ، وكذلك عن ما ومن ما فى الوجهين ، وقد تكتبان متّصلتين مطلقا لوجوب الإدغام ، ولم يصلوا متى ؛ لما يلزم من تغيير الياء ، ووصلوا أن النّاصبة للفعل مع لا بخلاف المخفّفة نحو علمت أن لا يقوم ، ووصلوا إن الشّرطيّة بلا وما ، نحو إلّا تفعلوه وإمّا تخافنّ ، وحذفت النّون فى الجميع ؛ لتأكيد الاتّصال ، ووصلوا نحو يومئذ وحينئذ فى مذهب البناء فمن ثم كتبت الهمزة ياء ، وكتبوا نحو الرّجل على المذهبين متّصلا ؛ لأنّ الهمزة كالعدم ، أو اختصارا للكثرة».

أقول : قوله «الحروف وشبهها» أى : الأسماء التى فيها معنى الشرط أو الاستفهام نحو أينما وحيثما وكلما ، وكان ينبغى أن يقول : بما الحرفية غير المصدرية ؛ لأن «ما» المصدرية حرفية على الأكثر ومع هذا تكتب منفصلة نحو إن ما صنعت عجب : أى صنعك عجب ، وإنما كتبت المصدرية منفصلة مع كونها حرفية غير مستقلة أيضا تنبيها على كونها مع ما بعدها كاسم واحد ؛ فهى من تمام ما بعدها لا ما قبلها

قوله «فى الوجهين» أى : إن كان «ما» حرفا نحو عما قليل ومما خطيئاتهم

وصلت ؛ لأن الأولى والثانية حرفان ولهما اتصال آخر من حيث وجوب إدغام آخر الأولى فى أول الثانية ، وإن كانت «ما» اسمية نحو بعدت عن ما رأيت ، وأخذت من ما أخذت ، فصلت لانفصال الاسمية لسبب استقلالها ، وقد تكتب الاسمية أيضا متصلة ؛ لكونها كالحرفية لفظا على حرفين ، ولمشابهتها لها معنى ، ولكثرة الاستعمال ، ولاتصالها اللفظى بالإدغام ، وهو معنى قوله «لوجوب الادغام» وقوله «مطلقا» أى : اسمية كانت أو حرفية

قوله «متى» يعنى فى قولهم : متى ما تركب أركب

قوله «لما يلزم من تغيير الياء» يعنى لو وصلت كتبت الياء ألفا فيكتب متى ما كعلام وإلام وحتّام ، ولا أدرى أى فساد يلزم من كتب ياء متى ألفا كما كتبت فى علام وإلام؟ ، والظاهر أنها لم توصل لقلة استعمالها معها ، بخلاف علام وإلام

قوله «أن الناصبة للفعل» فى لئلا ، بخلاف المخففة ؛ لأن الناصبة متصلة بما بعدها معنى من حيث كونها مصدرية ولفظا من حيث الادغام ، والمخففة وإن كانت كذلك إلا أنها منفصلة تقديرا بدخولها على ضمير شأن مقدر بخلاف الناصبة.

قوله «ووصلوا إن الشرطية بلا وما دون المخففة والزائدة» نحو أن لا أظنك من الكاذبين ، وأن ما قلت حسن ، لكثرة استعمال إن الشرطية وتأثيرها فى الشرط بخلافهما

قوله «وحذفت النون فى الجميع» أى : لم يكتب هكذا : منما وعنما ولئنلا وإنلا وإنما ، بنون ظاهرة ، بل أدغم مع الاتصال المذكور لتأكيد الاتصال ، وإنما ذكر هذا لأنه لم يذكر قبل إلا الاتصال ، والاتصال غير الادغام كما صورنا.

قوله «فى مذهب البناء» أى : إذا بنى الظرف المقدم على إذ ؛ لأن البناء دليل شدة اتصال الظرف بإذ ، والأكثر كتابتهما متصلين على مذهب الإعراب

أيضا ، حملا على البناء ؛ لأنه أكثر من الإعراب

قوله «فمن ثم» أى : من جهة اتصال الظرف بإذ وكون الهمزة متوسطة كتبت ياء كما فى سئم ، وإلا فالهمزة فى الأوّل ؛ فكان حقها أن تكتب ألفا كما فى بأحد ولإبل

قوله «على المذهبين» أى : مذهب الخليل وسيبويه : أما على مذهب سيبويه فظاهر ؛ لأن اللام وحدها هى المعرفة ، فهى لا تستقل حتى تكتب منفصلة ، وأما على مذهب الخليل وهو كونها كبل وهل ، فإنما كتبت متصلة أيضا لأن الهمزة وإن لم تكن للوصل عنده لكنها تحذف فى الدرج فصارت كالعدم ، أو يقال : الألف واللام كثيرة الاستعمال فخفف خطّا بخلاف هل وبل

الزيادة

قال : «وأمّا الزّيادة فإنّهم زادوا بعد واو الجمع المتطرّفة فى الفعل ألفا نحو أكلوا وشربوا فرقا بينها وبين واو العطف بخلاف يدعو ويغزو ، ومن ثمّ كتب ضربوا هم فى التّأكيد بألف ، وفى المفعول بغير ألف ، ومنهم من يكتبها فى نحو شاربوا الماء ، ومنهم من يحذفها فى الجميع ، وزادوا فى مائة ألفا فرقا بينها وبين منه ، وألحقوا المثنّى به ، بخلاف الجمع ، وزادوا فى عمرو واوا فرقا بينه وبين عمر مع الكثرة ، ومن ثمّ لم يزيدوه فى النّصب ، وزادوا فى أولئك واوا فرقا بينه وبين إليك ، وأجرى أولاء عليه ، وزادوا فى أولى واوا فرقا بينه وبين إلى ، وأجرى أولو عليه».

أقول : قوله «المتطرفة» احتراز عن نحو ضربوهم وضربوك وضربوه ، والأصل أن لا تكتب الألف إلا فى واو الجمع المنفصلة ، نحو مرّوا ؛ وعبروا إذ المتصلة لا تلتبس بواو العطف ؛ إذ هى لا تكتب إلا منفصلة ، لكنه طرد الحكم فى الجميع ، كما أنه كتب فى نحو عبروا وإن لم يأت بعده ما يمكن أن يكون

معطوفا ؛ لما كان يلبس فى بعض المواضع ، نحو إن عبروا ضربتهم

قوله «بخلاف يدعو ويغزو» ؛ لأن الواو التى هى اللام لا تنفصل عن الكلمة كواو الجمع حتى لا تلتبس بواو العطف ، وهى من تمام الكلمة : متصلة كانت فى الخط كيدعو ، أو منفصلة كيغزو

قوله «فى التأكيد بألف» لأن الواو إذن متطرفة ، بخلاف واو ضربوهم ، إذا كان «هم» مفعولا ، والأكثرون لا يكتبون الألف فى واو الجمع الاسمى نحو شاربوا الماء ؛ لكونه أقلّ استعمالا من الفعل المتصل به واو الجمع ، فلم يبال اللبس فيه إن وقع لقلته ، ومنهم من يحذف الألف فى الفعل والاسم لندور الالتباس فيهما ، وإنما ألحق مائتان بمائة فى إلحاق الألف دون مئات ومئين وإن لم يحصل اللبس لا فى المثنى ولا فى المجموع ؛ لأن لفظ المفرد باق فى المثنى ، بخلاف الجمع ؛ إذ تاء المفرد تسقط فيه

النقص

قال : «وأمّا النّقص فإنّهم كتبوا كلّ مشدّد من كلمة حرفا واحدا نحو شدّ ومدّ وادّكر ، وأجرى نحو قتتّ مجراه ، بخلاف نحو وعدت واجبهه ، وبخلاف لام التّعريف مطلقا نحو اللّحم والرّجل ؛ لكونهما كلمتين ، ولكثرة اللّبس ، بخلاف الّذى والّتى والّذين لكونها لا تنفصل ، ونحو اللذين فى التّثنية بلامين للفرق ، وحمل اللّتين عليه ، وكذا اللاءون وأخواته ، ونحو عمّ وممّ وإمّا وإلّا ليس بقياس ، ونقصوا من بسم الله الرّحمن الرّحيم الألف لكثرته بخلاف باسم الله وباسم ربّك ونحوه ، وكذلك الألف من اسم الله والرّحمن مطلقا ، ونقصوا من نحو للرّجل وللرّجل وللدّار وللدّار جرّا وابتداء الألف لئلّا يلتبس بالنّفى ، بخلاف بالرّجل ونحوه ، ونقصوا مع الالف واللّام ممّا فى أوّله لام نحو للّحم وللّبن كراهية اجتماع ثلاث لامات ، ونقصوا من نحو أبنك بارّ فى الاستفهام وأصطفى البنات ألف الوصل ، وجاء

فى الرّجل الأمران ، ونقصوا من ابن إذا وقع صفة بين علمين ألفه مثل هذا زيد بن عمرو ، بخلاف زيد ابن عمرو ، وبخلاف المثنّى ، ونقصوا ألف ها مع اسم الإشارة نحو هذا وهذه وهذان وهؤلاء ، بخلاف هاتا وهاتى لقلّته ، فإن جاءت الكاف ردّت ، نحوها ذاك وهاذانك ؛ لاتّصال الكاف ونقصوا الألف من ذلك وأولئك ، ومن الثّلث والثّلثين ، ومن لكن ولكنّ ، ونقص كثير الواو من داود والألف من إبراهيم وإسمعيل وإسحق وبعضهم الألف من عثمان وسليمان ومعاوية»

أقول : قوله «كل مشدد من كلمة» احتراز من نحو اشكر ربّك

قوله «شد ومد» مثال لمثلين فى كلمة

قوله «ادكر» مثال المتقاربين فى كلمة

وإنما كتب المشدّد حرفا فى كلمة للزوم جعلهما فى اللفظ كحرف بالتشديد ، فجعلا فى الخط حرفا ، وأما إذا كانا فى كلمتين فلا يلزم جعلهما كحرف فى اللفظ فلم يجعلا أيضا حرفا فى الخط ، وأيضا فإن مبنى الكتابة على الوقف والابتداء ، وإذا كان كذا فلا يلتقى إذن مثلان ولا متقاربان حتى يكتبا حرفا

قوله «وأجرى قتتّ» وذلك لكون التاء بكونه فاعلا وضميرا متصلا كجزء الفعل ؛ فجعلا فى الخط حرفا ؛ لوجوب الإدغام بسبب تماثلهما ، وأما فى وعدت فلم يكتبا حرفا لعدم لزوم الادغام وعدم تماثلهما فى الخط ، ولا اجبهه ؛ لأنهما وإن كانا مثلين والثانى ضمير متصل لكنه ليس كالجزء من الفعل ؛ لكونه فضلة ، إذ هو مفعول

قوله «وبخلاف لام التعريف مطلقا» أى : سواء كان بعدها لام كاللحم ، أو غيرها مما تدغم هى فيه كالرجل ؛ فإنها لا تنقص فى الخط فى الموضعين ؛ لكون لام التعريف وما دخلته كلمتين ، وقد احترز عنه بقوله «فى كلمة» وأما

اتصال تاء قتتّ فهو أشد من اتصال كل اسم متصل باسم ، لما ذكرنا من الوجهين ، مع أنه قد يكتب قتتّ بثلاث تاءات

قوله «ولكثرة اللبس» يعنى لو كتب هكذا الحم وارجل لالتبس بالمجرد عن اللام إذا دخل عليه همزة الاستفهام أو حرف النداء ، وأما الّذى والّتى والّذين فى الجمع فإنه لا لبس فيها ؛ إذ اللام لازمة لها ، فلا يلتبس بالمجرد الداخل عليه الهمزة ، وإنما يكتب الّلذين فى التثنية بلام وإن كانت فى الأصل لام التعريف أيضا فرقا بين المثنى والمجموع ، وحمل اللذان رفعا عليه ، وكذا اللتان واللّتين ، وإن لم يكن ليس ، إجراء لباب المثنى مجرى واحدا ، وكان إثبات اللام فى المثنى أولى منه فى الجمع ، لكون المثنى أخف معنى من الجمع ؛ فخفف الجمع لفظا دلالة على ثقل معناه

قوله «وكذا اللاءون وأخواته» أى اللاتى ، واللائى ، واللواتى ، واللواء ، وذلك لأنها أجريت مجرى اللاء الذى لو كتب بلام واحدة لالتبس بألا

قوله «ليس بقياس» لأنهما كلمتان ، وكذا لئلا ، وكان حق المشدد أن يكتب حرفين ، وهذا وإن كان على خلاف القياس إلا أن وجه كتابتهما حرفا واحدا ما تقدم فى ذكر الوصل من شدة الاتصال وكثرة الاستعمال

قوله «لكثرته» أى حذف ألف اسم إذا كان فى البسملة لكثرة استعمالها بخلاف نحو باسم ربك ، فإنها ليست كثيرة الاستعمال ، وكذا إذا اقتصرت على باسم الله ، نحو : باسم الله أصول

قوله «الله والرحمن مطلقا» أى : سواء كانا فى البسملة أولا

قوله «جرا وابتداء» أى : سواء كانت اللام جارة أو لام الابتداء

قوله «لئلا يلتبس بالنفى» إذ لو كتب هكذا لا لرجل التبس بلا لرجل ولا للنّفى ، وأما نحو بالرجل وكالرجل فلا يلتبس بشىء

قوله «كراهية اجتماع ثلاث لامات» يعنى لو كتب هكذا اللّحم ، وفيما قال نظر ؛ لأن الأحوط فى مثله أن يكتب بثلاث لامات ، لئلا يلتبس المعرف بالمنكر

قوله «أبنك بار ، وأصطفى البنات» يعنى إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة وصل مكسورة أو مضمومة فانهم يحذفون همزة الوصل خطا كراهة اجتماع ألفين ، ودلالة على وجوب حذفهما لفظا ، بخلاف نحو الرجل ، فإنه يجوز فيه الحذف كراهة اجتماعهما خطا ، ويجوز الإثبات دلالة على إثباتهما لفظا

قوله «إذا وقع صفة» احتراز من كونه خبر المبتدأ نحو : زيد ابن عمرو ،

وقوله «بين علمين» احتراز من مثل جاءنى زيد ابن أخينا ، والرجل ابن زيد ، والعالم ابن الفاضل ، وذلك لأن الابن الجامع للوصفين كثير الاستعمال فحذف ألف ابن خطا كما حذف تنوين موصوفه لفظا. على ما ذكرنا فى باب النداء ، ونقص التنوين خطا من كل منون فرقا بين النون الأصلى والنون العارض غير اللازم ، وأما نون اضربن فانما كتبت لعسر تبيها ، عن ما تقدم ، بخلاف التنوين ؛ فانه لازم لكل معرب لا مانع فيه منه ؛ فيعرف إذن ثبوته بعدم المانع ، وإن لم يثبت خطا

قوله «ونقصوا ألف ها مع اسم الإشارة» لكثرة استعمالها معه وأما هاتا وهاتى فقليلان ، فان جاءت الكاف ردت ألف «ها» فيما حذفت منه لقلة استعمال اسم الإشارة المصدر بحرف التنبيه المكسوع بحرف الخطاب

قوله «لاتصال الكاف» يعنى أن الكاف لكونها حرفا وجب اتصالها بالكلمة لفظا ، إذ صارت كجزئها فتثاقلت الكلمة فخففت بحذف ألف ها ، وفيما قال بعد ؛ لأن الكلمة لم تتثاقل خطا ، إذ الألف منفصلة ، فلم يحصل بكون الكاف حرفا امتزاج فى الخط بين ثلاث كلمات ، وكلامنا فى الخط لا فى اللفظ إلا أن يقول : نقصوا فى الخط تنبيها على الامتزاج المعنوى.

قوله «نقصوا الألف من ذلك وأولئك ومن الثلث والثلثين» وذلك لكثرة الاستعمال ، ونقص كثير من الكتاب الواو من داود ، لاجتماع الواوين ، وبعضهم يكتبها ، ونقص بعضهم الألف من عثمان وسليمان ومعاوية ، والقدماء من وراقى الكوفة [كانوا] ينقصون على الاطراد الألف المتوسطة إذا كانت متصلة بما قبلها نحو الكفرون والنّصرون وسلطن ونحوه.

البدل

قال : «وأمّا البدل فانّهم كتبوا كلّ ألف رابعة فصاعدا فى اسم أو فعل ياء إلّا فيما قبلها ياء إلّا فى نحو يحيى وريّى علمين ، وأمّا الثّالثة فإن كانت عن ياء كتبت ياء وإلّا فبالألف ، ومنهم من يكتب الباب كلّه بالألف وعلى كتبه بالياء فان كان منوّنا فالمختار أنّه كذلك وهو قياس المبرّد ، وقياس المازنىّ بالألف ، وقياس سيبويه : المنصوب بالألف وما سواه بالياء ، ويتعرّف الواو من الياء بالتّثنية نحو فتيان وعصوان وبالجمع نحو الفتيات والقنوات وبالمرّة نحو رمية وغزوة وبالنّوع نحو رمية وغزوة ، وبردّ الفعل إلى نفسك نحو رميت وغزوت : وبالمضارع نحو يرمى ويغزو ، وبكون الفاء واوا نحو وعى ، وبكون العين واوا نحو شوى إلّا ما شذّ نحو القوى والصّوا ، فإن جهلت : فإن أميلت فالياء نحو متى ، وإلّا فالألف وإنّما كتبوا لدى بالياء لقولهم لديك وكلا كتبت على الوجهين لاحتمالها ، وأمّا الحروف فلم يكتب منها بالياء غير بلى وإلى وعلى وحتّى ، والله أعلم بالصواب».

أقول : إنما كتبت الألف الرابعة المذكورة ياء دلالة على الامالة ، وعلى انقلابها ياء ، نحو يغزيان ويرضيان وأغزيت وأعليان ومصطفيان ونحوها ، وإن كان قبلها ياء كتبت ألفا ، وإن كانت على الصفة المذكورة أيضا نحو أحيا واستحيا ، كراهة لاجتماع ياءين ، وإن اختلفا صورة ، إلا فى نحو يحيى وريّى علمين ،

وكذا ما أشبههما ، فانه يكتب بالياء ، فرقا بين العلم وغيره ، والعلم بالياء أولى ، لكونه أقل فيحتمل فيه الثقل.

قوله «وأما الثالثة» أى : الألف الثالثة.

قوله «ومنهم من يكتب الباب كله» أى : جميع باب المقصورة : ثالثة كانت ، أو رابعة ، أو فوقها ، عن الياء كانت أو عن غيرها ، بالألف على الأصل ؛ وقد كتبت الصلاة والزكاة بالواو ، دلالة على ألف التفخيم ، كما مر.

قوله «فان كان منونا» أى : اسما مقصورا منونا ؛ لأن الذى فى آخره ألف وهو منون لا يكون إلا اسما مقصورا

قوله «ويتعرف الياء من الواو» لما ذكر فى الثلاثى أنه يكتب بياء إن كانت ألفه عن ياء وإلا فبالألف ذكر ما يعرف به الثلاثى الواوى من اليائى

قوله «بالتثنية» أى : إن سمعت ، وكذا إن سمع الجمع ، وغير ذلك

قوله «وبالمضارع» كما مر فى باب المضارع من أن الناقص الواوى مضموم العين ، واليائى مكسورها

قوله «وبكون الفاء واوا» كما مر فى أول باب الإعلال

قوله «وإنما كتبوا لدى» وإن لم تمل بالياء لقولهم لديك

قوله «لاحتمالها» لأن قلبها فى كلتا تاء مشعر بكون اللام واوا كما فى أخت ، قال المصنف : وإمالتها تدل على الياء ، لأن الكسرة لاتمال لها ألف ثالثة عن واو ، وقد مر الكلام عليه فى باب الإمالة

قوله «غير بلى» وذلك لإمالتها

قوله «وإلى وعلى» وذلك لقولهم : إليك ، وعليك ، وأما حتّى فللحمل على إلى

والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمى العربى وآله الأطياب ، وسلّم تسليما كثيرا

قد اعتمدنا فى تصحيح هذا الكتاب - سوى جميع النسخ المطبوعة - على نسخة خطية فرغ ناسخها من كتابتها فى شهر صفر الخير من عام سبع وخمسين وسبعمائة ، وقد وجد بآخر هذه النسخة ما نصه :

«والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد وعترته الطاهرين ، وسلم تسليما كثيرا ؛ وفّق الله تعالى لإتمام تصنيفه فى ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل التحية والسلام».

فنهاية تأليف هذا الشرح هى سنة وفاة الشارح رحمه‌الله ، وبين كتابة النسخة التى اعتمدنا عليها فى تصحيح الكتاب ووفاة المؤلف تسعة وستون عاما. والله الموفق والمستعان ، وهو وحده الذى يجزى المحسنين

قد تم - بعون الله تعالى ، وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثالث من كتاب «شرح شافية ابن الحاجب» للعلامة رضى الدين الأستراباذى ، وتحقيقه ، والتعليق عليه ، فى ستة أشهر آخرها ليلة الاثنين المبارك الموافق 24 من شهر رمضان المبارك عام ثمان وخمسين بعد الثلثمائة والألف من هجرة الرسول الأكرم سيدنا محمد ابن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وبه ينتهى هذا الكتاب ، وسنلحقه - إن شاء الله تعالى - بشرح شواهده للعلامة عبد القادر البغدادى المتوفى فى عام 1093 من الهجرة