مستمسک العروة الوثقی جلد 12

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

الناشر: دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1392 ه.ق

الصفحات: 478

الكتب بساتین العلماء

الكتب بساتین العلماء

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

قرآن كريم

مستمسك العروة الوثقی

تأليف: فقيه عصره آية اللّه العظمی السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره

الجزء الثاني عشر

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الإجارة

اشارة

وهي : تمليك عمل أو منفعة بعوض [1]. ويمكن أن


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله الطاهرين.

كتاب الإجارة

[1] عرفها بعضهم - كالعلامة في القواعد - : بأنها عقد ثمرته نقل المنفعة. والاشكال عليه ظاهر ، لأن العقد هو مجموع الالتزامين النفسيين ، القائم أحدهما بالموجب والآخر بالقابل ، المرتبطين على نحو خاص من الارتباط ، والإجارة ليست كذلك ، بل هي الأمر الملتزم به ، وكذلك غيرها من مفاهيم العقود والإيقاعات. ولأجل ذلك عدل بعضهم إلى تعريفها بما في المتن. ويشكل : بأن الإجارة ليست تمليكاً للمنفعة ، بل هي قائمة بالعين ذات المنفعة ، فتقول : ( آجرت الدار ) ولا تقول : ( آجرت منفعة الدار ) ، وبذلك امتازت عن أكثر العقود ، كالبيع والصلح والرهن والهبة والنكاح وغيرها ، فان هذه المفاهيم قائمة بموضوعاتها وتقتضي التصرف فيها ، بخلاف الإجارة فإنها قائمة بذي المنفعة وتقتضي التصرف في المنفعة لا فيه ، فلو بني على حصول تمليك المنفعة في الإجارة فليس هو عين الإجارة بل مسبب عنها وأثر لها.

يقال : إن حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض [1]. وفيه فصول :

فصل

في أركانها ، وهي ثلاثة :

الأول : الإيجاب والقبول ، ويكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور. والصريح منه : آجرتك أو أكريتك الدار - مثلا - فيقول : قبلت أو استأجرت أو استكريت. ويجري


والمناسب حينئذ أن يقال : إنها جعل العين موضوعاً للأجر ، بنحو يقتضي تمليك المنفعة ، لا أنها عين تمليك المنفعة. ويشكل هذا التعريف أيضاً : بأن الإجارة قد لا تقتضي تمليك المنفعة ، كما في استيجار ولي الزكاة أو ولي الوقف داراً ، لأن يحرز فيها الغلة المأخوذة من الزكاة أو من نماء الوقف ، فإن منفعة الدار في الفرض ليست مملوكة لمالك ، وإنما هي صدقة يتعين صرفها في مصرف الزكاة أو مصرف الوقف. وكأنه لذلك عدل في القواعد عن جعل ثمرة العقد التمليك ، الى جعلها نقل المنفعة. لكن عرفت الاشكال فيه أيضاً.

[1] السلطنة من الأحكام المترتبة على الأموال والحقوق التي هي موضوع عقد الإجارة وليست هي نفس حقيقتها. مع أن ما ذكر لا ينعكس في الإجارة على عمل إذا كان الأجير حراً ، ولا يطرد في الاذن بالتصرف بشرط العوض ، ضرورة أنه ليس من الإجارة ولا تشترط فيه شرائطها.

فيها المعاطاة كسائر العقود [1]. ويجوز أن يكون الإيجاب بالقول والقبول بالفعل ، ولا يصح أن يقول في الإيجاب : بعتك الدار - مثلاً - وإن قصد الإجارة [2] ، نعم لو قال : بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار - مثلا - بكذا لا يبعد


[1] كما صرح به غير واحد ، بل قيل : لم يعرف متأمل في ذلك. ويقتضيه عموم أدلتها ، لعدم الفرق فيها بين البيع والإجارة وغيرهما. نعم خص ذلك بعض الأعاظم (رحمه اللّه) في منافع الأموال لا مطلقاً ، كما في الإجارة على عمل إذا كان الأجير حراً ، فإنه لا تعاطي من قبله. اللّهم إلا أن يكون نفس إيجاد العمل - كبناء الجدار - إعطاء منه ، مع أنه مبني على اعتبار التعاطي من الطرفين ، فلو اكتفي في حصول المعاطاة بالإعطاء من طرف والأخذ من الآخر أمكن جريانها مطلقاً ، إذا كانت الأجرة عيناً.

[2] هذا مبني على عدم جواز إنشاء مضامين العقود بالمجازات المستنكرة كما في الجواهر ، ودليله غير ظاهر. نعم صرح به في الشرائع وغيرها ، وعن التذكرة نسبته إلى علمائنا. فإن تمَّ إجماعاً كان هو الحجة وإلا فإطلاق عمومات الصحة تنفيه. ودعوى انصرافها عن مثله ، ممنوعة كدعوى العلم الإجمالي بتقيد العمومات ببعض الخصوصيات في العقد ، فيسقط الإطلاق عن المرجعية. فإنها مدفوعة بلزوم الاقتصار في الخروج عن الإطلاق على القدر المتيقن ، فيتعين الرجوع في غيره إلى الإطلاق : اللّهم إلا أن يقال : إذا كان المجاز مستنكراً عند العرف لا يكون آلة لإنشاء العنوان الخاص ، ولا يكون منشأ لاعتباره عندهم ، فلا مجال للرجوع إلى الإطلاق ، لأنه منزل على ما عند العرف ، فلاحظ.

صحته إذا قصد الإجارة [1].

الثاني : المتعاقدان ، ويشترط فيهما : البلوغ [2] ، والعقل [3] والاختيار [4] ،


[1] ذكر بعض الأعاظم في حاشية المتن ما نصه : « صحة هذا وأشباهه مبني على جواز التجوز في صيغ العقود ، وصحة إنشاء كل واحد منها بلفظ الآخر وهو في غاية الإشكال ، بل لا يبعد بطلانه » وحكي عنه في توجيهه : أن اللفظ إنما يكون آلة عرفاً لإنشاء معناه الحقيقي ، ولا يكون آلة لإنشاء معنى مجازي. ولكن إشكاله ظاهر ، فإن إنكار صدق العنوان الإنشائي إذا أنشى‌ء بنحو المجاز ، كإنكار صدق الخبر إذا حكي بنحو المجاز ، والفرق ممنوع.

[2] لا إشكال في ذلك ولا خلاف ، ويشهد له بعض النصوص (1)لكن المتيقن من دلالته عدم صحة عقد الصبي على وجه الاستقلال ، لا عدم الصحة وإن أذن له الولي ، ولأجل أن المسألة محررة في كتب القوم على التفصيل ، وقد تعرضنا لها في ( نهج الفقاهة ) على الاجمال ، أهملنا ذكرها هنا اعتماداً على ذلك.

[3] اعتبار العقل في مقابل الجنون المانع من تحقق القصد واضح. لعدم تحقق العقد ، لتقومه بالقصد ، والمفروض انتفاؤه. أما الجنون غير المانع من تحقق القصد : فالكلام فيه ينبغي أن يكون هو الكلام في الصبي فإنه محجور عليه ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في كتاب الحجر. وعدم صحة عقده بإذن الولي غير ظاهر من الأدلة.

[4] اعتباره مما لا إشكال فيه عندنا. وتفصيل الكلام فيه وفي فروعه مذكور في كتابنا ( نهج الفقاهة ) فليراجع.


1) الوسائل باب : 4 من أبواب المقدمات حديث : 2.

وعدم الحجر لفلس أو سفه أو رقية [1].

الثالث : العوضان ، ويشترط فيهما أمور : الأول : المعلومية ، وهي في كل شي‌ء بحسبه ، بحيث لا يكون هناك غرر [2] ،


[1] الكلام في ذلك موكول الى كتاب الحجر.

[2] كما هو المشهور. واستدل له بما ورد من نهي النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن الغرر (1)، وبالنبوي : « من استأجر أجيراً فليعلمه أجره » (2). وفيه : أن الأول غير ثابت بل لعله ثابت العدم. والوارد إنما هو : « نهى النبي صلی اللّه علیه و آله عن بيع الغرر » (3)، وهو مختص بالبيع. والنبوي لو تمَّ حجة فلا يدل على ذلك ، بل يكفي في العلم المشاهدة. ولذا اختار في الشرائع الاكتفاء بها ، وحكي ذلك عن الشيخ والمرتضى وجماعة من المتأخرين. ويعضده : ما ورد في قبالة الأرض بخراجها قل أو كثر (4)، وفي بعضها جواز إجارتها بالنصف والثلث أو أقل من ذلك أو أكثر (5)، وما في الخبر : « عن أرض يريد رجل أن يتقبلها ، فأي وجوه القبالة أحل؟. قال (عليه السلام) : يتقبل الأرض من


1) راجع التذكرة مسألة : 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من كتاب الإجارة.

2) مستدرك الوسائل باب : 3 من أبواب الإجارة حديث : 1 ويوجد ما يقرب منه في الوسائل باب : 3 من أبواب الإجارة حديث : 3.

3) الوسائل باب : 40 من أبواب آداب التجارة حديث : 3. كنز العمال الجزء : 2 صفحة 229 حديث : 4920 ، 4923. صحيح الترمذي الجزء : 5 صفحة 237. الموطأ الجزء : 2 صفحة : 75.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة حديث : 2.

5) الوسائل باب : 21 من أبواب الإجارة حديث : 5.

فلو آجره داراً أو حماراً من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل. وكذا لو جعل العوض شيئاً مجهولا.

الثاني : أن يكونا مقدوري التسليم [1] ، فلا تصح إجارة العبد الآبق. وفي كفاية ضم الضميمة هنا - كما في البيع - إشكال [2].


أربابها بشي‌ء معلوم الى سنين مسماة ، فيعمر ويؤدي الخراج ، فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالته ، فان ذلك لا يحل » (1)الظاهر أن المراد بالمعلوم مقابل المجهول المطلق ، لا ما هو مراد المشهور.

[1] هذا واضح لو كان المراد تعذر التسليم ، لعدم المالية في المنفعة حينئذ لتصح المعاوضة عليها ، ولا يكون أكل الأجرة أكلا بالباطل. أما مع رجاء حصوله فمشكل. وقد عرفت اختصاص النهي عن الغرر بالبيع ، مع إمكان المناقشة في صدقه بمجرد ذلك ، لاحتمال اختصاصه بالجهل بأحد العوضين لا مجرد الخطر ، ولا مجرد الجهل ولو بالحصول. لكن الظاهر العموم ، وإن حكي الأول عن الشهيد الأول في شرح الإرشاد ، لكن حكي عنه في قواعده الاختصاص بالجهل بالحصول ، كما أشرنا الى ذلك في ( نهج الفقاهة ) فراجع ، فلا يجري الحديث إلا في ذلك. لكن الإشكال في عموم الحديث للإجارة ، فكأن المستند فيه الإجماع المدعى على اشتراط ذلك ، لا غيره.

[2] عن جماعة : الصحة ، منهم الأردبيلي ، وعن آخرين : المنع ، منهم العلامة والشهيد. وعن آخرين : التردد. واستدل للأول : بأن الإجارة تتحمل من الغرر ما لا يتحمله البيع. وفيه : أن هذا المقدار لا يوجب القطع بالصحة.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب المزارعة حديث : 5.

الثالث : أن يكونا مملوكين [1] ، فلا تصح إجارة مال الغير ، ولا الإجارة بمال الغير الا مع الإجازة من المالك.

الرابع : أن تكون العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها ، فلا تصح إجارة الخبز للأكل مثلا ، ولا الحطب للإشعال ، وهكذا.

الخامس : أن تكون المنفعة مباحة [2] ، فلا تصح


نعم يمكن الاستدلال بذيل موثق سماعة (1)، الدال على جواز البيع مع الضميمة ، حيث علل ذلك بقوله علیه السلام : « فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه ». وفيه أيضاً : أنه لا يظهر منه أنه تعليل للجواز ، بل من المحتمل أن يكون بياناً لحكم تعذر الآبق ، وأنه لا يرجع المشتري الى البائع بما قابله من الثمن ، بل تكون معاوضة قهرية بين تمام الثمن وبين الضميمة - كما هو أحد الوجوه المحتملة في الرواية - أو غير ذلك من الوجوه ، لا أنه تعليل للجواز. نعم إذا كان المستند في المنع الإجماع ، فلا بأس بالقول بالصحة مع الضميمة ، لعدم الإجماع على المنع فيها.

[1] لأن الصحة بدون الملك ودون إذن المالك خلاف قاعدة السلطنة. وسيأتي منه التعرض للاجتزاء بإذن المالك أو إجازته.

[2] وفي حاشية بعض الأعاظم : « إن اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط ، فإن المنفعة المحرمة غير مملوكة » ، لأن إضافة الملك بحسب اعتبار العقلاء إنما تكون فيما ترجع مصلحته الى المالك ، ويكون من كماله ، ولا يصح اعتبارها فيما يكون مفسدة ومضرة على المالك ، فيصح


1) الوسائل باب : 11 من أبواب عقد البيع وشرون ، حديث : 2.

إجارة المساكن لإحراز المحرمات ، أو الدكاكين لبيعها ، أو الدواب لحملها ، أو الجارية للغناء ، أو العبد لكتابة الكفر ، ونحو ذلك. وتحرم الأجرة عليها.

السادس : أن تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها [1] ، فلا تصح إجارة أرض للزراعة إذا لم يمكن إيصال الماء إليها ، مع عدم إمكان الزراعة بماء السماء ، أو عدم كفايته.

السابع : أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة [2] فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد [3] مثلا.

( مسألة 1 ) : لا تصح الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرهاً عليها إلا مع الإجازة اللاحقة ، بل الأحوط عدم الاكتفاء بها ، بل تجديد العقد إذا رضيا. نعم تصح مع


أن تقول : يملك زيد أن يأخذ درهما من عمرو ، ولا يصح أن تقول : يملك زيد أن يأخذ منه عمرو درهما. والمحرمات لما كانت بنظر الشارع مفسدة ، لا يصح اعتبارها مملوكة عنده.

[1] لأنه مع عدمه يكون أخذ الأجرة أكلا للمال بالباطل ، ولا تصح معه المعاوضة المأخوذة في حاق الإجارة.

[2] لأن تعذر المنفعة شرعاً بمنزلة تعذرها عقلا ، فيرجع الشرط المذكور إلى الذي قبله.

[3] في بعض الحواشي : « إن هذا المثال قد خرج باشتراط مملوكية المنفعة وإباحتها » وفيه : أن كنس الحائض للمسجد حلال ، وإنما الحرام المكث الموقوف عليه الكنس.

الاضطرار ، كما إذا طلب منه ظالم مالا فاضطر إلى إجارة دار سكناه لذلك ، فإنها تصح حينئذ [1]. كما انه إذا اضطر إلى بيعها صح.

( مسألة 2 ) لا تصح إجارة المفلس - بعد الحجر عليه - داره أو عقاره. نعم تصح إجارته نفسه لعمل أو خدمة [2] وأما السفيه : فهل هو كذلك - أي تصح إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجوراً عن إجارة داره مثلا - أو لا؟ وجهان : من كونه من التصرف المالي وهو محجور [3] ، ومن أنه ليس تصرفاً في ماله الموجود [4] بل هو تحصيل للمال ، ولا تعد منافعه من أمواله [5].


[1] إما لاختصاص دليل مانعية الإكراه بما إذا كان الإكراه على خصوص العقد أو الإيقاع ، فلا يشمل صورة ما إذا كان الإكراه على الغاية. وإما لأن دليل مانعية الإكراه لما كان امتنانياً لم يشمل المقام ، لأن شموله له خلاف الامتنان ، إذ يلزم منه الوقوع في الضرورة.

[2] لأنه ليس تصرفاً في ماله الموجود ، بل هو تصرف في نفسه. ومنافعه ليست موضوعاً لحق الغرماء كي يمنع عن التصرف فيها ، فإجارة نفسه للاحتطاب والاصطياد ونحوهما مما لا يمنع المفلس عنه.

[3] لأنه معقد الإجماع على عدم نفوذ تصرف السفيه.

[4] كما هو مورد الأدلة اللفظية المانعة من نفوذ تصرفه من الكتاب والسنة.

[5] لأن منافع الحر وإن كانت أموالا ، ويصح بذل المال بإزائها ، لكنها ليست مملوكة له ، لأن الملكية تتوقف على الاثنينية ، ولا اثنينية بينه وبين نفسه ، فاذا لم يملك نفسه لم يملك منافعه ، لأنها تابعة للعين ،

خصوصاً إذا لم يكن كسوباً. ومن هنا يظهر النظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها ، بدعوى : أن منفعة البضع مال [1] ، فإنه أيضاً محل إشكال.


إذ لا وجود لها خارجي ، وإنما منشأ اعتبارها العين ، فاذا لم تكن مملوكة لنفسه لم تكن المنافع مملوكة ، ولذا لا تكون من أمواله. مع أنه لو سلم أنها مملوكة ومن أموال السفيه فليست داخلة في عموم الولاية عليه ، لاختصاصه بغيرها. نعم لا تبعد استفادة حكمها من دليل الولاية في الأموال الموجودة ، لأنها كلها أموال. والمستفاد من دليل الولاية أن العلة فيها الاحتفاظ بمصلحة السفيه من حيث المال ، ولا فرق بين الموردين. وهذا هو الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع. مضافاً إلى رواية عبد اللّه بن سنان الآتية.

[1] قال في الجواهر - في مبحث السفيه - : « والظاهر دخول تزويجها نفسها في التصرفات المالية ، من جهة مقابلة البضع بالمال ، فلا يجوز بدون إذن الولي ». وقد يظهر من المفاتيح : عدم الخلاف في ثبوت الولاية على السفيه والسفيهة في النكاح. ولكنه - كما ترى - غير ظاهر ، لعدم كون البضع مالا ولا مقابلا بالمال.

أقول : إن كان المراد : أن الصداق ليس في مقابل المنفعة المخصوصة ، وإلا لم يستحق المهر بالموت ، أو الطلاق قبل الدخول مع أن الاستحقاق ضروري ، فهو في محله. وإن كان المقصود : أن المهر ليس في مقابل المنفعة أصلا فهو غير ظاهر. لأن المهر في مقابل الزوجية ، وهي أيضاً نوع من المنفعة. ولا ينافي ذلك صحة العقد بلا مهر ، لجواز أن يكون من قبيل العارية أو الهبة المجانية.

نعم الزوجية ليست ملحوظة عوضاً عن المهر ، بل لوحظت عنواناً

( مسألة 3 ) : لا يجوز للعبد أن يؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلا بإذنه أو إجازته.

( مسألة 4 ) : لا بد من تعيين العين المستأجرة ، فلو آجره أحد هذين العبدين أو إحدى هاتين الدارين لم يصح [1]


لموضوع المهر. فالمهر من قبيل الهبة للزوجة ، لوحظ فيه الزوجية قيداً ، فالمقام ليس من باب المعاوضة ، إذ لم يدخل في ملك الزوج شي‌ء ، لأنه لم يملك الزوجية ولا البضع ، ولا الانتفاع به ، ولا شيئاً آخر ليكون عوضاً عن مهره. على هذا فالمقام ليس من قبيل المعاملة على منافع السفيه ، بل هو نحو آخر. وإجراء الحكم السابق فيه لا يخلو من وجه ، لأنه هو الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع أيضاً. مضافاً إلى ما يستفاد من رواية عبد اللّه بن سنان : « إذا بلغ ونبت عليه الشعر جاز أمره ، إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً » (1)، فإن إطلاقه يقتضي منع السفيه حتى من النكاح ، لأنه من أمره.

[1] هذا إذا كان على وجه الترديد ، لأن المردد لا وجود له في الخارج ، فلا تصح إجارته. أما إذا كان على وجه الكلي في المعين ، فلا بأس بإجارته كما لا بأس ببيعه. كما أنه إذا كان أحد العبدين معيناً في نفسه ، مردداً عندهما أو عند أحدهما - مثل الأكبر أو الأصغر - فالبناء على البطلان فيه مبني على مانعية الجهل ، وإلا فلا مانع عنه عقلاً ولا عرفاً ، والأدلة المطلقة تقتضي الصحة. وأدلة نفي الغرر قد عرفت


1) هذا المضمون مروي بتعبيرات مختلفة وأقرب الكل اليه ما رواه في الوسائل في باب : 2 من احكام الحجر حديث : 5 الا أنه نقله من الخصال من ابي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ من دون توسط ابن سنان لكن الموجود في الخصال الجزء 2 صفحة 89 روايته عن بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان فلاحظ.

ولا بد أيضاً من تعيين نوع المنفعة إذا كانت للعين منافع متعددة [1]. نعم تصح إجارتها بجميع منافعها مع التعدد [2] فيكون المستأجر مخيراً بينها.

( مسألة 5 ) : معلومية المنفعة [3] : إما بتقدير المدة ، كسكنى الدار شهراً ، والخياطة يوماً ، أو منفعة ركوب الدابة إلى زمان كذا. وإما بتقدير العمل [4] كخياطة الثوب المعلوم طوله وعرضه ورقته وغلظته ، فارسية أو رومية ، من غير تعرض للزمان. نعم يلزم تعيين الزمان الواقع فيه هذا العمل كأن يقول : إلى يوم الجمعة مثلا. وإن أطلق اقتضى التعجيل على الوجه العرفي [5]. وفي مثل استئجار الفحل للضراب


الاشكال فيها. مع أنه قد لا يكون غرر ، كما إذا كان العبدان لا يختلفان بالصفات التي تختلف بها الرغبات أو المالية. فالعمدة في وجه البطلان ظهور التسالم عليه.

[1] الكلام فيه كالكلام في تعيين العين المستأجرة

[2] يأتي الكلام في جواز ذلك ، في مبحث حكم الأجير الخاص ، إذ المنافع المتضادة يمتنع أن تكون مملوكة ، إذ القدرة عليها بدلية والملكية تابعة لها ، فلا تكون الملكية عرضية.

[3] « بلا خلاف أجده فيه ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل حكي عن المخالفين - الذين اكتفوا بالمشاهدة في البيع - : أنهم وافقوا هنا على اشتراط العلم بقدر المنفعة » ، كذا في الجواهر. والعمدة فيه الإجماع المذكور ، لا الغرر لما عرفت.

[4] كما نص عليه الجماعة ، لارتفاع الجهالة بذلك.

[5] وحينئذ لا حاجة الى ذكر المدة ، لارتفاع الغرر بذلك. نعم

يعين بالمرة والمرتين [1]. ولو قدَّر المدة والعمل على وجه التطبيق [2] ، فان علم سعة الزمان له صح ، وإن علم عدمها بطل ، وإن احتمل الأمران ففيه قولان.


إذا كان الإطلاق لا يقتضي التعجيل ، لقيام القرينة على عدمه ، لزم ذكر المدة بالمعنى المذكور.

[1] هذا في غير ضراب الماشية ، فإنه يقدر بالزمان.

[2] التقدير بالمدة مع العمل يكون : تارة : على نحو الظرفية ، مثل : أن يخيط هذا الثوب في هذا اليوم. وأخرى : على نحو التطبيق وعلى الثاني : تارة : يكون التطبيق ملحوظاً عنواناً لموضوع الإجارة ، وأخرى : يكون شرطاً. فان علمت القدرة ، فلا إشكال في الصحة في الجميع. وإن علم عدمها ، فلا إشكال في الفساد في الجميع. ومع الاحتمال اختار في الجواهر الصحة في الجميع ، لأن القدر المعلوم خروجه عن عموم الصحة صورة العلم بالعجز ، فلا يشمل صورة احتماله. ونزَّل القول بالبطلان في فرض التقدير على نحو التطبيق على صورة غلبة عدم حصوله. واستوضح البطلان حينئذ ، إلا مع اعتبار التطبيق على نحو الشرطية لا العنوانية. فإن احتمال الإمكان حينئذ كاف في الصحة ، فلو لم يتفق كان له خيار تخلف الشرط.

والتحقيق : ابتناء الصحة والبطلان - في جميع الصور - على عموم النهي عن الغرر للإجارة وعدمه. فعلى الأول : لا يصح مع الجهل ، إلا أن تجري العادة بحصوله. وعلى الثاني : يصح ، إلا أن تجري العادة بعدم حصوله ، بحيث يكون ملحقاً بالمتعذر الذي تكون المعاملة عليه سفهاً. وقد تقدم في الشرط الثاني الإشكال في الأول ، فراجع. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في الجواهر مع أنه لا يخلو في نفسه من

( مسألة 6 ) : إذا استأجر دابة للحمل عليها ، لا بد من تعيين ما يحمل عليها بحسب الجنس إن كان يختلف الأغراض باختلافه ، وبحسب الوزن ولو بالمشاهدة والتخمين إن ارتفع به الغرر. وكذا بالنسبة إلى الركوب لا بد من مشاهدة الراكب أو وصفه ، كما لا بد من مشاهدة الدابة أو وصفها ، حتى الذكورية والأنوثية إن اختلفت الأغراض بحسبهما. والحاصل : أنه يعتبر تعيين الحمل والمحمول عليه ، والراكب والمركوب عليه ، من كل جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها.

( مسألة 7 ) : إذا استأجر الدابة لحرث جريب معلوم ، فلا بد من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر.

( مسألة 8 ) : إذا استأجر دابة للسفر مسافة ، لا بد من بيان زمان السير من ليل أو نهار [1] ، إلا إذا كان هناك عادة متبعة.

( مسألة 9 ) : إذا كانت الأجرة مما يكال أو يوزن ، لا بد من تعيين كيلها أو وزنها ، ولا تكفي المشاهدة [2]. وإن


تدافع يظهر بالتأمل فيما ذكر وذكرناه.

ثمَّ إن المراد من قولنا بالصحة على الثاني : الصحة التقديرية ، بمعنى الصحة على تقدير التمكن ، إذ على تقدير عدمه يمتنع البناء على الصحة ، لعدم المنفعة.

[1] لاختلاف الأغراض في ذلك غالباً.

[2] تقدم الكلام فيه في الشرط الأول.

كانت مما يعد ، لا بد من تعيين عددها. وتكفي المشاهدة فيما يكون اعتباره بها.

( مسألة 10 ) : ما كان معلوميته بتقدير المدة ، لا بد من تعيينها شهراً أو سنة أو نحو ذلك. ولو قال : آجرتك إلى شهر أو شهرين ، بطل. ولو قال : آجرتك كل شهر بدرهم مثلا ، ففي صحته مطلقاً [1] ، أو بطلانه مطلقاً [2] ، أو صحته في شهر وبطلانه في الزيادة [3] ، فإن سكن فأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة ، أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول : آجرتك شهراً بدرهم فان زدت فبحسابه بالبطلان في الأول والصحة في شهر في الثاني [4] ، أقوال. أقواها


[1] حكي عن الشيخ وابن زهرة وابن الجنيد.

[2] كما حكي عن جماعة ، وفي الجواهر : « لعله المشهور بين المتأخرين ».

[3] اختاره في الشرائع ، ونسب إلى المقنعة والنهاية.

[4] هذا القول ذكره في القواعد ، والظاهر منه صورة ما إذا كان المقصود منه الإجارة في الشهر الأول. وقوله : ( فان زدت فبحسابه ) من قبيل الشرط. وحينئذ فالبناء على البطلان في الجميع مبني على فساد الشرط وإفساده العقد ، وكلاهما في المقام محل إشكال أو منع ، إذ التحقيق : أن الشرط الفاسد غير مفسد ، وأن الغرر في الشرط الواقع في عقد الإجارة غير ظاهر في اقتضائه البطلان في نفسه ، كما عرفت. من ذلك يظهر ضعف ما عن الإيضاح وجامع المقاصد من القول بالبطلان لما ذكر.

الثاني ، وذلك لعدم تعيين المدة الموجب لجهالة الأجرة. بل جهالة المنفعة أيضاً ، من غير فرق بين أن يعين المبدأ أو لا ، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى ، إلا أن يقال : إنه حينئذ ينصرف الى المتصل بالعقد. هذا إذا كان بعنوان الإجارة ، وأما إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه [1] لأنه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة. وكذا إذا كان [2] بعنوان الإباحة بالعوض [3].


[1] كما صرح به في الجواهر ، لكن أشكل عليه في بعض الحواشي على المتن : بأن البذل للجعل في الجعالة في مقابل العمل فالباذل غير العامل وهنا ليس كذلك.

[2] كما صرح به في الجواهر.

[3] يعني : على تقدير الاستيفاء. ثمَّ إن في بعض الحواشي : « أن الإباحة بالعوض تتوقف على عقد معاوضة صحيحة ، وإلا كان ما أباحه المالك بعوضه مضموناً بالمثل أو القيمة ، دون المسمى ». وفيه : أنه لا مانع من الالتزام بأن الإباحة بالعوض الخاص معاملة خاصة في قبال غيرها من عقود المعاوضات ، نظير التمليك بالعوض كالهبة المعوضة والقرض ، فتقتضي حينئذ ملك المسمى ، بلا حاجة إلى معاوضة أخرى صحيحة. ودعوى : أنها خارجة عن المعاوضات المتعارفة - لو تمت - غير قادحة ، كدعوى أنها من الغرر ، إذ هي ممنوعة ، وكذا دعوى أنها لا تتعلق بالكلي بل بالعين الخارجية ، إذ فيها : أنها لا تقدح إذا كان المباح منفعة الدار ، أو كانت الأجرة عيناً خارجية. نعم لو كان المقصود بإباحة الأجرة التي في الذمة أن تكون المنفعة هي العوض ، كان الإشكال

( مسألة 11 ) : إذا قال : إن خطت هذا الثوب فارسياً أي : بدرز - فلك درهم ، وإن خطته رومياً - أي : بدرزين - فلك درهمان ، فان كان بعنوان الإجارة بطل ، لما مرّ من الجهالة [1] ، وإن كان بعنوان الجعالة - كما هو ظاهر العبارة -


في محله. مع إمكان دفعه بأنه لا مانع من تعلق الإباحة بالكلي ، ويكون المقصود أنه يبيع الأجرة بعوض فيه المنفعة ، ودليل الصحة شامل للقسمين جميعاً.

[1] كما في السرائر وجامع المقاصد والمسالك وغيرها. وعن المبسوط والخلاف وجملة من كتب العلامة وغيره : الصحة. واختاره في الشرائع لعمومات الصحة. واشتراط العلم بالمنفعة - على نحو يمنع من مثل هذا الترديد - غير معلوم ، بل دعوى الإجماع عليه تقتضي عدم الشمول لمثل المقام ، لمخالفة الأعيان في البطلان. وأدلة نفي الغرر (1)قد عرفت الإشكال في شمولها للمقام ، بل لو كان الغرر بمعنى الخطر فشموله له ممنوع ، لعدم الخطر. وقد استدل أيضاً بصحيحة محمد الحلبي المشار إليها في المسألة الآتية ، لكن يأتي بيان المراد منها.

نعم يمكن الاشكال على الصحة : بأن الإجارة بعد ما لم تكن على كل منهما لتضادهما ، ولا على أحدهما المعين لأنه خلاف المفروض ، فلا بد أن تكون على أحدهما المردد. والمردد لا يقبل أن يكون موضوعاً للملكية ولا لنظائرها من الوضعيات ، إذ لا خارجية له مصححة لذلك. لكن قد يدفع ذلك : أن هذا الاشكال يتم في المردد واقعاً ، وليس منه المقام فإن الخياطة فارسية أو رومية لها تعين في الواقع بفعل العامل الخارجي. ويشكل : بأن مذا المتعين ليس موضوعاً للملكية في الإجارة ، وإلا كانت


1) تقدمت الإشارة إليها في صفحة : 7.

صح. وكذا الحال إذا قال : إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان وإن عملته في الغد فلك درهم. والقول بالصحة إجارة في الفرضين ضعيف. وأضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحة في الثاني ، دون الأول [1]. وعلى ما ذكرناه من البطلان : فعلى تقدير العمل يستحق أجرة المثل وكذا في المسألة السابقة إذا سكن الدار شهراً أو أقل أو أكثر.

( مسألة 12 ) : إذا استأجره أو دابته ليحمله أو يحمل متاعه إلى مكان معين ، في وقت معين ، بأجرة معينة ، كأن استأجر منه دابة لإيصاله إلى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان ، ولم يوصله ، فان كان ذلك لعدم سعة الوقت وعدم


الإجارة منوطة به ، فاذا لم يفعل الأجير أحد الأمرين فالإجارة باطلة من أصلها لعدم الموضوع ، وهو - كما ترى - خلاف الضرورة العرفية ، فإن الإجارة ثابتة ، وهي التي تدعو الى العمل ، فلاحظ.

[1] هذا القول لم أقف على قائله ، بل المعروف في كلماتهم اتحاد المسألتين قولاً وقائلاً ودليلاً ، ومن تأمل في إحداهما تأمل في الأخرى. نعم عن المبسوط والتحرير والكفاية : التأمل في الثاني مع الجزم بالصحة في الأول. وفي جامع المقاصد - بعد أن جزم بالصحة في الأول - قال في الثاني : « وفيه تردد .. ثمَّ قال : أظهره الجواز » ، وهو يدل على أن الصحة في الأول أوضح منها في الثاني. نعم لعل منشأ القول المحكي في المتن : أن الثاني أقرب إلى مورد النصوص ، التي يمكن أن يستدل بها على الصحة. لكنه يقتضي أن تكون الصحة في الثاني أظهر لا التفصيل المذكور.

إمكان الإيصال ، فالإجارة باطلة [1] ، وإن كان الزمان واسعاً ومع هذا قصر ولم يوصله ، فان كان ذلك على وجه العنوانية [2]


[1] هذا الفرض يمكن فيه مجي‌ء الوجهين الآتيين في الفرض الآتي بناء على ذلك.

[2] الأمور التي تذكر زائدة على موضوع الإجارة : تارة : لا يمكن أن تستقل بالجعل والإنشاء ، كزمان العمل ومكانه وآلته ونحو ذلك من متعلقاته ، فهذه هي التي يتعين كونها ملحوظة على نحو التقييد. مثلاً : إذا استأجره على خياطة ثوب ، فالخيط والمخيط والزمان والمكان والفاعل - أعني : الخياط - والثوب ونحوها إذا ذكرت في ضمن العقد يتعين كونها قيوداً للعمل ، ولا يمكن أخذها شرطاً مجعولاً بجعل زائد على جعل الخياطة. أخرى : يمكن أن تستقل بالجعل ، كما لو كانت عملاً آخر ، فهذه تارة : تلحظ قيداً ، وأخرى : تجعل بجعل زائد على مفاد الإجارة في ضمنه. مثلاً : إذا استأجره على الخياطة فتارة : يلحظ قراءة القرآن قيداً للخياطة ، فيقول : استأجرتك على خياطة الثوب قارئاً للقرآن. أخرى : تؤخذ شرطاً في ضمن العقد ، مجعولة بجعل آخر في ضمن جعل الإجارة ، بأن يقول : استأجرتك على خياطة هذا الثوب ، واشترطت عليك أن تقرأ القرآن في حال الخياطة أو قبلها أو بعدها.

ثمَّ إن ما يؤخذ قيداً تارة : يؤخذ على نحو وحدة المطلوب ، وأخرى : على نحو تعدد المطلوب. فان كان على النحو الأول لم يستحق الأجير الأجرة لو جاء بالمستأجر عليه بدونه. وعلى النحو الثاني يستحق ، لكن للمشترط خيار تخلف الوصف. ولعل ما في المتن إشارة إلى هذه الجهة ، فالمقصود من قوله (رحمه اللّه) : « على وجه الشرطية » : على نحو تعدد


المطلوب ، في قبال القيدية الذي هو على نحو وحدة المطلوب ، لا التفصيل بين القيد والشرط ، وإلا فقد عرفت أن الزمان لا ينبغي أن يكون ملحوظاً بنحو الاشتراط ، لأنه لا يمكن أن يكون مجعولاً بجعل مستقل.

نعم الإشكال في تشخيص كون الاشتراط والتقييد على نحو وحدة المطلوب أو على نحو تعدده. والذي ذكروه في مبحث الوكالة : أن الموكل إذا عين السوق أو المكان أو السعر أو غير ذلك - تعين ، ولو فعل الوكيل على خلاف ذلك كان تصرفه فضولياً محتاجاً إلى إجازة. ومقتضاه أن التقييد على نحو وحدة المطلوب. وكذا في باب الوديعة والعارية وغيرهما من العقود الإذنية. ومقتضى ثبوت خيار الشرط ، والوصف ، والعيب ، وخيار الاشتراط : أن القيد والشرط ملحوظان على نحو تعدد المطلوب وكذا بناؤهم على أن الشرط الفاسد غير مفسد كما عليه المحققون. الفرق بين البابين غير ظاهر ، ولا سيما بملاحظة أن الاذن كما تكون شرطاً في صحة فعل الوكيل ، كذلك تكون شرطاً في صحة العقود ، فعدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه شامل للجميع بنحو واحد. فكما أن الاذن في باب الوكالة ونحوها من العقود الإذنية مختصة بصورة وجود القيد ولا تشمل ذات المقيد العارية عن القيد ، كذلك في موارد خيار العيب وتخلف الوصف ونحوهما. وإذا كانت الاذن في مورد خيار الوصف والعيب والشرط ملحوظة بنحو تعدد المطلوب ، فلم لا تكون كذلك في باب الوكالة والعارية ونحوهما؟!.

لعل التحقيق : أن القيود والشروط في جميع الموارد مبنية على نحو وحدة المطلوب ، ولا فرق بين الوكالة والعارية والوديعة والإجارة ونحوها مما كان موضوع التصرف فيه عملاً ، وبين بيع السلف والنسيئة بالنسبة إلى المبيع والثمن ونحوهما مما كان موضوع التصرف فيه عيناً ذمياً ، وبين


بيع العين الخارجية الموصوفة بالوصف المفقود وبيع العين المعيبة ، اللذين هما موضوع خيار تخلف الوصف وخيار العيب ونحوهما من موارد الخيار. كذا في العقود التي لا خيار فيها ، كتزويج الزوجة المعيبة بغير العيوب السبعة الموجبة للخيار ، فإن الإذن المعتبرة في صحة العقد ، أو الإيقاع ، وفي جواز تصرف غير المالك كلها في الجميع على نحو واحد ، غير قابل للتحليل والتجزئة بين ذات المقيد والمشروط. فذات المقيد في الجميع - مع قطع النظر عن القيد والشرط - لا إذن فيها ولا رضا. ومقتضى ذلك وإن كان بطلان بيع فاقد الوصف ، وبيع المعيب وفساد العقد والإيقاع المشروطين بالشرط الفاسد ، لكن خرجنا عن حكم العام بالدليل المخصص ، وهو ما دل على الخيار في تخلف الوصف ، وفي موارد العيب من الإجماع أو النصوص أو بناء العقلاء. فان ذلك يدل على الاجتزاء بالاذن الضمنية في الصحة ، وإن لم تكن قابلة للتحليل ، وكانت واردة على المقيد ، لا أن الاذن في الموارد المذكورة ملحوظة بنحو تعدد المطلوب ، فيكفي في صحة بيع ذات المقيد وقوع البيع على المقيد عن إذن ، وإن كان القيد منتفياً. ويطرد ذلك حتى في الوكالة ، فإذا وكله في شراء العبد الكاتب ، فاشترى عبداً يعلم أنه ليس بكاتب ، كان العقد فضولياً خارجاً عن موضوع الوكالة. إذا اشترى عبداً على أنه كاتب فتبين أنه ليس بكاتب ، كان موضوعاً للتوكيل وصح العقد ، وكان للمشتري الخيار. فليس الفرق بين الموارد المذكورة سابقاً : أن الاذن في بعضها على نحو تعدد المطلوب ، وفي آخر على نحو وحدة المطلوب ، بل الفرق الاجتزاء في بعضها بالاذن الواردة على المقيد لفقده القيد ، وعدم الاجتزاء بها في بعضها الآخر.

والمتحصل مما ذكرنا : أن الضابط في القيود هو أنها مبنية على نحو وحدة المطلوب ، من دون فرق بين الأعمال والأعيان الذمية والخارجية.

والتقييد لم يستحق شيئاً من الأجرة ، لعدم العمل بمقتضى الإجارة أصلا [1] ، نظير : ما إذا استأجره ليصوم يوم الجمعة ،


ومقتضاه البطلان مع انتفاء القيد. خرجنا عن ذلك في خصوص الخارجيات العينية ، فإنها تصح فيها العقود والإيقاعات مع انتفاء القيد ، اجتزاء من العقلاء بالاذن الواردة على المقيد ، لا أن الاذن فيها منحلة الى الاذن بذات المقيد ، والاذن بالمقيد بما هو مقيد. هذا الكلام كله في القيود.

وأما الشروط المجعولة بإنشاء مستقل : فالظاهر أنها عند العقلاء كالخارجيات العينية ، يجري عليها حكم تعدد المطلوب ، فيجتزأ بالاذن الواردة على الشرط والمشروط فيها ، وإن لم تكن الاذن فيها منحلة حقيقة إلى أذنين : إحداهما : متعلقة بالمشروط ذاته ، والأخرى : متعلقة بالمشروط بما هو مشروط. والظاهر أنه لا فرق بين الشرط الراجع لباً إلى القيد ، مثل : ما لو استأجره على أن يصلي عن ميت له واشترط عليه التحنك ولبس اللباس الأبيض في صلاته ، وبين ما لم يكن كذلك ، كما لو استأجره على أن يصلي عن ميت له ، واشترط عليه أن يخيط ثوبه.

ومن ذلك يظهر : أن القيود في الإجارة إن كانت قيوداً للعمل المستأجر عليه فهي على نحو وحدة المطلوب ، وإن كانت قيوداً للعين المستأجرة فهي على نحو تعدد المطلوب. كما يظهر أن الإيصال في الوقت المعين في المثال الذي ذكره في المتن لا يكون إلا على نحو التقييد ، ولا يمكن أن يكون على نحو الشرطية ، لامتناع إنشائه بإنشاء مستقل. فلاحظ.

[1] كما هو ظاهر النصوص الواردة في الموارد المختلفة ، الظاهرة في أن الأجير إذا لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا يترتب أثر على الإجارة. وكذا ظاهر الفقهاء. إن كان مقتضى القواعد استحقاق الأجير المسمى ، وضمانه لقيمة العمل كما لو تعذر تسليم الثمن بعد ما كان مقدوراً عليه.

فاشتبه وصام يوم السبت. وإن كان ذلك على وجه الشرطية ، بأن يكون متعلق الإجارة الإيصال إلى كربلاء ، ولكن اشترط عليه الإيصال في ذلك الوقت ، فالإجارة صحيحة والأجرة المعينة لازمة ، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلف الشرط ، ومعه يرجع إلى أجرة المثل. ولو قال : وإن لم توصلني في وقت كذا فالأجرة كذا ، أقل مما عين أولا ، فهذا أيضاً قسمان [1]. قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين - من الإيصال في ذلك الوقت ، وعدم الإيصال فيه - مورداً للإجارة [2] ،


ثمَّ إن عدم ترتب الأثر على الإجارة يمكن أن يكون على نحو البطلان ، وأن يكون على نحو الصحة لكن لا يكون لأحدهما حق المطالبة بالعوض. الظاهر هو الثاني كما عبر به المصنف (رحمه اللّه). والظاهر أنه هو مراد الأصحاب والمستفاد من النصوص ، كما يظهر ذلك من كلماتهم في ما لو اشترط نقص الأجرة لو جاء بالعمل المستأجر عليه في غير الوقت المعين له بالإجارة. فإن الإجارة لو كانت باطلة كان الشرط كذلك ، فلا يستحق الأجير الأجرة ناقصة ، مع بنائهم على صحة الشرط ، فانتظر ما يأتي في ذيل المسألة.

[1] الظاهر من الفرض الاختصاص بالقسم الثاني ولا يجي‌ء فيه القسم الأول ، وإنما يجي‌ء في الإجارة على المردد بين الايصالين ، كما صرح بذلك غير واحد.

[2] بنحو لو صح اقتضى اشتغال ذمته بأحدهما تخييراً ، بخلاف الصورة الآتية ، فإن عقد الإجارة إنما يقتضي اشتغال الذمة بالإيصال في الوقت تعييناً ، فيجب فعله تعييناً.

فيرجع إلى قوله. آجرتك بأجرة كذا ، إن أوصلتك في الوقت الفلاني ، وبأجرة كذا إن لم أوصلك في ذلك الوقت. وهذا باطل للجهالة ، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من البطلان إن قال : إن عملت في هذا اليوم فلك درهمان .. وقد يكون مورد الإجارة هو الإيصال في ذلك الوقت ، ويشترط عليه أن ينقص من الأجرة [1] كذا على فرض عدم الإيصال. والظاهر الصحة في هذه الصورة [2] ، لعموم « المؤمنون عند شروطهم » (1)وغيره ، مضافاً إلى صحيحة محمد الحلبي [3].


[1] يعني : بنحو شرط النتيجة ، أو أن يتملك منها بنحو شرط الفعل.

[2] وعن المحقق الكركي وجماعة : البطلان ، طرحاً منهم للصحيح ، أو حملاً له على الجعالة ، لمخالفته للقواعد من أجل التعليق والجهالة والإبهام. أنه كالبيع بثمنين. لكن الجميع كما ترى : إذ الأخير مبني على حمله على الصورة الأولى. وما قبله لا دليل على قدحه في صحة الشرط ، بل المحقق بناؤهم في غير مورد على عدم قدحه ، فلاحظ. وحمل الصحيح على الجعالة بعيد جداً ، لأن الجعالة تقتضي إحداث الداعي إلى العمل بتوسط بذل الجعل ، وظاهر الصحيح أن العمل غير مرغوب فيه للباذل ، فلا وجه للحث على فعله والترغيب فيه.

[3] قال : « كنت قاعداً إلى قاضي ، وعنده أبو جعفر علیه السلام جالس ، فجاء رجلان ، فقال أحدهما : إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً إلى بعض المعادن ، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا ، لأنها سوق وأخاف أن تفوتني فإن احتبست عن ذلك حططت


1) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

ولو قال : إن لم توصلني فلا أجرة لك ، فان كان على وجه الشرطية ، بأن يكون متعلق الإجارة هو الإيصال الكذائي فقط ، واشترط عليه عدم الأجرة على تقدير المخالفة ، صح [1] ، ويكون الشرط المذكور مؤكداً لمقتضى العقد. وإن كان على وجه القيدية ، بأن جعل كلتا الصورتين مورداً للإجارة ، إلا أن في الصورة الثانية بلا أجرة ، يكون باطلا. ولعل هذه الصورة مراد المشهور [2]


من الكرى لكل يوم احتبسته كذا وكذا ، وأنه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوماً. فقال القاضي : هذا شرط فاسد وفّه كراه. فلما قام الرجل أقبل إليّ أبو جعفر (عليه السلام) فقال : شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه » (1).

[1] كما ذكره الشهيد في اللمعة ، حاملا للفرض على هذا القسم لا غير. نعم قد يأبى الصحة الصحيح المتقدم. اللّهم إلا أن يحمل على صورة كون الزمان الخاص مأخوذاً قيداً على نحو تعدد المطلوب ، إذ حينئذ يكون فوات القيد موجباً للخيار ، لا عدم وقوع العمل المستأجر عليه ، كي لا يستحق الأجرة ويكون الشرط مؤكداً لمقتضى العقد كما هو المفروض في المتن ، وعرفت أنه الأصل في القيود.

[2] المظنون قوياً : أن مورد كلام المشهور هنا وفي المسألة السابقة - أعني : ما لو اشترط نقص الأجرة - هو خصوص صورة الشرط في ضمن عقد الإجارة الوارد على الإيصال في الوقت المعين ، فلا يشمل صورة وقوع الإجارة على المردد. ووجه تفصيلهم بالبناء على الصحة في الأولى والبطلان في الثانية : هو الصحيح المذكور لا غير. ولا بأس بالعمل به


1) الوسائل باب : 13 من أبواب أحكام الإجارة : 2.

القائلين بالبطلان [1] دون الأولى ، حيث قالوا : ولو شرط سقوط الأجرة إن لم يوصله لم يجز.

( مسألة 13 ) : إذا استأجر منه دابة لزيارة النصف من شعبان مثلاً - ولكن لم يشترط على المؤجر ذلك ولم يكن على وجه العنوانية أيضاً ، واتفق أنه لم يوصله ، لم يكن له خيار الفسخ ، وعليه تمام المسمى من الأجرة. وإن لم يوصله إلى كربلاء أصلاً سقط من المسمى بحساب ما بقي واستحق بمقدار ما مضى. والفرق بين هذه المسألة وما مرّ في المسألة السابقة : أن الإيصال هنا غرض وداع وفيما مر قيد أو شرط.


بعد اعتباره في نفسه ، واعتماد الأصحاب عليه. ومن ذلك يظهر ضعف ما في المتن من كون مراد القائلين بالبطلان صورة وقوع الإجارة على الأمرين ، فإنه بعيد ، وموجب للتفكيك بين مورد البطلان - في كلامهم - ومورد الصحة ، لأنها في خصوص صورة وقوع الإجارة على الإيصال في الوقت المعين ، وجعل نقص الأجرة على تقدير عدمه من قبيل الشرط ، فان هذا التفكيك بعيد. وأبعد من ذلك ما في الروضة من جعل مورد الصحة والبطلان معاً صورة وقوع الإجارة على الأمرين على نحو الترديد. فان ذلك أيضاً بعيد عن مذاقهم من اعتبار التعيين في الإجارة ، وإن تقدم القول بالصحة من جماعة في المسألة الحادية عشرة ، فلاحظ.

[1] بل عن بعض : أنه لا خلاف فيه إلا من أبي علي.

فصل

الإجارة من العقود اللازمة [1] ، لا تنفسخ إلا بالتقايل أو شرط الخيار لأحدهما أو كليهما إذا اختار الفسخ. نعم الإجارة المعاطاتية جائزة [2] ، يجوز لكل منهما الفسخ ، ما لم تلزم بتصرفهما ، أو تصرف أحدهما فيما انتقل إليه.

( مسألة 1 ) : يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدة الإجارة ، ولا تنفسخ الإجارة به [3] ، فتنتقل إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدة الإجارة ، نعم للمشتري مع جهله بالإجارة خيار فسخ البيع [4] ، لأن نقص المنفعة عيب [5] ، ولكن


فصل

[1] بلا خلاف ، بل عليه الإجماع محكي. ويشهد له غير واحد من النصوص (1). مضافاً إلى عمومات اللزوم.

[2] بناء على تمامية الإجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بملزمات مخصوصة مذكورة في محلها.

[3] بلا خلاف ولا إشكال. ويشهد له جملة من النصوص (2).

[4] كما صرح به جمع كثير ، بل عن الغنية : الإجماع عليه.

[5] لأن مبنى المعاوضات على التسليم والانتفاع ، وهو متعذر بالإجارة.


1) الوسائل باب : 7 ، 15 من أبواب الإجارة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 24 من أبواب الإجارة.

ليس كسائر العيوب مما يكون المشتري معه مخيراً بين الرد والأرش ، فليس له أن لا يفسخ ويطالب بالأرش ، فإن العيب الموجب للأرش ما كان نقصاً في الشي‌ء في حد نفسه ، مثل العمى والعرج وكونه مقطوع اليد أو نحو ذلك ، لا مثل المقام الذي العين في حد نفسها لا عيب فيها. وأما لو علم المشتري أنها مستأجرة ومع ذلك أقدم على الشراء ، فليس له الفسخ أيضاً. نعم لو اعتقد كون مدة الإجارة كذا مقداراً ، فبان أنها أزيد ، له الخيار أيضاً [1]. ولو فسخ المستأجر الإجارة رجعت المنفعة في بقية المدة إلى البائع ، لا إلى المشتري [2].


أو لأن من الشرائط الارتكازية كون العين مستتبعة للمنفعة ، فإذا فات الشرط المذكور كان له خيار تخلف الشرط. وبالجملة : نقص المنفعة خلاف الأصل المعول عليه عند العقلاء ، كأصالة الصحة ، فيكون الخيار من قبيل خيار الرؤية.

[1] لفوات الزيادة عليه من دون إقدام.

[2] هذا لا يخلو من نظر ، لأنه خلاف مقتضى تبعية المنفعة للعين. مجرد كون مقتضى الفسخ رجوع كل من العوضين إلى حاله قبل العقد غير كاف في ذلك ، لأن المنفعة إنما كانت ملكاً للبائع قبل العقد ، لأنها تابعة للعين فيملكها مالك العين ، فاذا تبدل المالك للعين كان مقتضى التبعية رجوعها إلى المشتري. وكأنه لما ذكرنا احتمل في التذكرة - على ما حكي - رجوع المنفعة إلى المشتري وبذلك يظهر الفرق بين المسألة وبين ما إذا آجر العين على شخص ، ثمَّ المستأجر آجرها ثانياً على ثالث ، ثمَّ باع المالك العين ففسخت الإجارة الثانية ، فإن فسخها يوجب رجوع المنفعة

نعم لو اعتقد البائع والمشتري بقاء مدة الإجارة ، وأن العين مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا ، وتبين أن المدة منقضية ، فهل منفعة تلك المدة للبائع ، حيث أنه كأنه شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا [1] ، أو للمشتري ، لأنها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل إلى الغير ، أو بالاستثناء ، والمفروض عدمها؟ وجهان. والأقوى : الثاني. نعم لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدة ، كان لما ذكر وجه [2]. ثمَّ بناء على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة إلى المشتري ، فهل للبائع الخيار أولا؟. وجهان لا يخلو أولهما


إلى المستأجر الأول ، لأنه ملكها بالعقد لا بالتبعية.

وبالجملة : رجوع كل من العوضين إلى محله السابق بالفسخ ، ليس لأن الفسخ يقتضي ذلك ، بل لأن الفسخ يبطل العقد ، فيرجع كل من العوضين إلى ما يقتضيه السبب السابق. ففي المقام يرجع إلى ما تقتضيه التبعية إذا تحقق الفسخ ، والتبعية إنما تقتضي الرجوع إلى ملك مالك العين ، وهو المشتري لا المؤجر.

[1] مجرد الاعتقاد لا يقتضي ذلك كما لا يخفى.

[2] في بعض الحواشي : « لكنه غير موجه ، إذ الشرط في المقام بمنزلة التوصيف لا الاستثناء فلا أثر له » يعني : في جعل المنفعة للبائع. بل محض الاستثناء أيضاً بمنزلة التوصيف لا يقتضي ثبوت المنفعة للبائع ، وإنما الذي يقتضي ذلك إنشاء كونها للبائع ، لكنه لا يتيسر ذلك مع اعتقاد أنها للمستأجر.

من قوة [1] ، خصوصاً إذا أوجب ذلك له الغبن.

هذا إذا بيعت العين المستأجرة على غير المستأجر. أما لو بيعت عليه : ففي انفساخ الإجارة وجهان [2]. أقواهما : العدم [3]. ويتفرع على ذلك أمور :

منها : اجتماع الثمن والأجرة عليه حينئذ.

ومنها : بقاء ملكه للمنفعة في مدة تلك الإجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه ، بخلاف ما لو قيل بانفساخ الإجارة.

ومنها : إرث الزوجة من المنفعة في تلك المدة [4] ، لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه لتلك العين ، وإن كانت مما لا ترث الزوجة منه ، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرد البيع [5].


[1] لما عرفت من أن الخيار في المقام من قبيل خيار الرؤية ، ولا فرق فيه بين المشتري والبائع. وقد استظهر شيخنا الأعظم في مكاسبه الاتفاق على عدم الفرق في خيار الرؤية بين البائع والمشتري.

[2] بل قولان.

[3] كما هو المشهور. وعن الإرشاد : الانفساخ ، لأن أثر الإجارة الانتفاع بمال الغير وهذا لا يبقى بعد البيع ، ولأنه يلزم اجتماع العلتين على معلول واحد ، لأن المنفعة حينئذ تكون مملوكة بالإجارة والتبعية. وضعفه بالتأمل ظاهر.

[4] لأنها مملوكة أصالة بالإجارة.

[5] فإن المنافع تكون مملوكة للموروث بالتبعية للعين ، فاذا كانت الزوجة لا ترث من العين لا ترث مما هو تابع لها.

ومنها : رجوع المشتري بالأجرة لو تلف العين بعد قبضها وقبل انقضاء مدة الإجارة ، فإن تعذر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الإجارة ويوجب الرجوع بالعوض ، وإن كان تلف العين عليه.

( مسألة 2 ) : لو وقع البيع والإجارة في زمان واحد كما لو باع العين مالكها على شخص وآجرها وكيله على شخص آخر ، واتفق وقوعهما في زمان واحد - فهل يصحان معاً ويملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الإجارة ، أو يبطلان معاً للتزاحم في ملكية المنفعة ، أو يبطلان معاً بالنسبة إلى تمليك المنفعة فيصح البيع على أنها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبقى المنفعة على ملك البائع؟ وجوه. أقواها : الأول ، لعدم التزاحم ، فإن البائع لا يملّك المنفعة وإنما يملّك العين [1] وملكية العين توجب ملكية المنفعة للتبعية ، وهي متأخرة عن الإجارة.

( مسألة 3 ) : لا تبطل الإجارة بموت المؤجر ولا بموت المستأجر على الأقوى [2]. نعم في إجارة العين الموقوفة ، إذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال إلى


[1] بالتشديد ، يعني : أن البائع إنما يبيع العين ولا يملّك المشتري المنفعة ، بل يملّكه العين ، والمنفعة يملكها المشتري بالتبعية. والملكية بالتبعية إنما تكون حيث لا يكون مقتض لملكية أخرى ، فإذا آجر الوكيل فقد ملك المستأجر المنفعة بعقد الإجارة ، المانع من تأثير التبعية.

[2] كما هو المشهور بين المتأخرين. وفي المسالك : نسبته إليهم أجمع.

البطن اللاحق ، لأن الملكية محدودة. ومثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر ما دام حياً. بخلاف ما إذا كان المؤجر هو


والمشهور بين القدماء أنها تبطل بالموت مطلقاً. وقيل : لا تبطل بموت المؤجر ، وتبطل بموت المستأجر ، ونسب إلى أكثر أصحابنا. وقد يستدل للبطلان بموثق إبراهيم بن محمد الهمداني : « قال : كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام وسألته : عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين ، على أن تعطى الإجارة ( الأجرة خ ل ) في كل سنة عند انقضائها ، لا يقدم لها شي‌ء من الإجارة ( الأجرة خ ل ) ما لم يمض الوقت ، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها ، هل يجب على ورثتها إنفاذ الأجرة إلى الوقت أم تكون الإجارة منتقضة ( منقضية خ ل ) بموت المرأة؟ فقال علیه السلام : إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة ، فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثة أو نصفه أو شيئاً منه ، فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّه » (1). بناء على أن الظاهر أن المراد من قوله علیه السلام : « فلورثتها تلك الإجارة » : أن الإجارة لا تبطل من أصلها ، بل من حين الموت ، بقرينة ما بعده مما هو ظاهر في توزيع الأجرة ، بنسبة زمان الحياة إلى مجموع المدة.

وفي مجمع البرهان : ادعى صراحتها في الدلالة على عدم بطلانها بموت المؤجر. وكأنه استند في ذلك إلى ظاهر قوله (عليه السلام) : « فلورثتها تلك الإجارة » في أن الإجارة صحيحة. وحمل ما بعده على أن الورثة يستحقون الأجرة ، على حسب التوقيت الصادر في عقد الإجارة. ولكنه كما ترى وإن وافقه عليه جماعة ، فإنه غير ظاهر ، بل الظاهر ما ذكرنا وإن كان لا يخلو من خفاء.


1) الوسائل باب : 25 من أبواب الإجارة حديث : 1.

المتولي للوقف وآجر لمصلحة البطون إلى مدة ، فإنها لا تبطل بموته ، ولا بموت البطن الموجود حال الإجارة. وكذا تبطل إذا آجر نفسه للعمل بنفسه [1] من خدمة أو غيرها ، فإنه إذا مات لا يبقى محل للإجارة. وكذا إذا مات المستأجر الذي هو محل للعمل من خدمة أو عمل آخر متعلق به بنفسه. ولو جعل العمل في ذمته لا تبطل الإجارة بموته ، بل يستوفي من تركته. وكذا بالنسبة إلى المستأجر إذا لم يكن محلا للعمل ، بل كان مالكا له على المؤجر ، كما إذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له ، فإنه إذا مات تنتقل إلى وارثه ، فهم يملكون عليه ذلك العمل. وإذا آجر الدار واشترط على المستأجر سكناه بنفسه لا تبطل بموته [2] ، ويكون للمؤجر خيار الفسخ. نعم إذا اعتبر سكناه على وجه القيدية تبطل بموته.

( مسألة 4 ) : إذا آجر الولي أو الوصي الصبي المولى عليه مدة تزيد على زمان بلوغه ورشده ، بطلت في المتيقن


[1] في بعض الحواشي : « انه يختص البطلان بما إذا كان متعلق الإجارة هو منفعة نفسه ، ولو كان المتعلق هو الخدمة ونحوها كلياً ، وشرط المباشرة بنفسه فللمستأجر الخيار » وفيه : ما عرفت من أن شرط المباشرة راجع إلى تقييد المنفعة ، وعرفت أن التقييد في الكليات على نحو وحدة المطلوب ، فلا مجال للخيار. وكذا الحكم في الفرض الآخر. اللّهم إلا أن تكون العبارة المؤدية إلى التقييد ظاهرة في كونه على نحو تعدد المطلوب.

[2] قد عرفت أن الشرط في المقام راجع الى القيد ، وأن التقييد في المقام على نحو وحدة المطلوب.

بلوغه فيه ، بمعنى : أنها موقوفة على إجازته ، وصحت واقعاً وظاهراً بالنسبة إلى المتيقن صغره ، وظاهراً بالنسبة إلى المحتمل فاذا بلغ له أن يفسخ على الأقوى ، أي : لا يجيز ، خلافاً لبعضهم [1] فحكم بلزومها عليه لوقوعها من أهلها في محلها ، في وقت لم يعلم لها مناف. وهو كما ترى. نعم لو اقتضت المصلحة - اللازمة المراعاة - إجارته مدة زائدة على زمان البلوغ ، بحيث تكون إجارته أقل من تلك المدة خلاف مصلحته تكون لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه. وكذا الكلام في إجارة أملاكه.

( مسألة 5 ) : إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدة معينة ، فتزوجت قبل انقضائها ، لم تبطل الإجارة ، وإن كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج [2].


[1] حكي ذلك عن الخلاف ، معللا له بما ذكر. وردّه في الجواهر بالمنع. لكن مقتضى ولايته على الطفل في جميع ماله الولاية عليه من ماله ونفسه ، صحة ما ذكر ، إذ لا ريب في أن للإنسان السلطنة على منافعه المستقبلة ، فتكون لوليه السلطنة عليها. كما أن الحكم في أمواله كذلك. الفرق بينهما غير ظاهر. فالأقوى حينئذ عدم جواز فسخه ونفوذ تصرف الولي.

اللّهم إلا أن يستشكل في ثبوت إطلاق لدليل الولاية يقتضي ذلك في نفسه. وأما ماله : فإطلاق قوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ) (1). كافٍ في إثبات نفوذ التصرف.

[2] لأن حق الاستمتاع يختص بغير صورة المزاحمة للواجب المجعول


1) الانعام : 152.

( مسألة 6 ) : إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمَّ أعتقه [1] لا تبطل الإجارة بالعتق ، وليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقية المدة [2] ، لأنه كان مالكا لمنافعه أبداً وقد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدة. فدعوى : أنه فوّت على العبد ما كان له حال حريته ، كما ترى. نعم يبقى الكلام في نفقته في بقية المدة إن لم يكن شرط كونها على المستأجر. في المسألة وجوه :

أحدها : كونها على المولى [3] لأنه حيث استوفى بالإجارة منافعه فكأنه باق على ملكه [4].


بالإجارة السابقة ، ولا مجال لدعوى العكس ، فيقال : الإجارة باطلة لعدم القدرة على التسليم ، لأن التحقيق في العلل الشرعية ، التي يكون بعضها مزاحماً للآخر ، الترجيح بالسبق واللحوق ، فيكون الأثر للسابق دون اللاحق. ومن ذلك يظهر أنه لو نذر أن يزور الحسين علیه السلام يوم عرفة فاستطاع ، كان النذر مقدماً على الاستطاعة ، ولو استطاع ثمَّ نذر كانت الاستطاعة مقدمة على النذر.

[1] صح العتق قولاً واحداً ، لعموم أدلته ، كما في الجواهر. كذا ذكر في صحة الإجارة ، وعن إيضاح النافع : أنه ربما قيل بالبطلان. في الجواهر : ان الظاهر أن القول بذلك لبعض الشافعية.

[2] حكي جواز الرجوع عن الشافعي في القديم. وعن الشيخ والحلي حكايته قولا ، ولم يعلم أنه لأصحابنا.

[3] حكي ذلك عن القواعد. وفي الجواهر : ضعفه واضح ، ضرورة أن المقتضي لها الملك ، وقد زال.

[4] هذا التنزيل غير ظاهر الوجه.

الثاني : أنه في كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة [1] وان لم يمكن فمن بيت المال [2] وإن لم يكن فعلى المسلمين [3] كفاية [4].

الثالث : أنه إن لم يمكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه وإن كان منافيا للخدمة [5].

الرابع : أنه من كسبه ويتعلق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمته.

الخامس : أنه من بيت المال من الأول.

ولا يبعد قوة الوجه الأول.


[1] الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام والخلاف ، وعلى هذا يرجع الثاني إلى الخامس.

[2] لكن في كون نفقته من مصارف بيت المال إشكال ، فإن بيت مال الخراج يصرف في المصالح العامة. اللّهم إلا أن يكون ترك الإنفاق عليه مهانة عامة للمسلمين.

[3] المقدار اللازم على المسلمين حفظه عن الهلاك ، أما النفقة المتعارفة فلا دليل على وجوبها على أحد.

[4] فان لم يمكن ففي كسبه أو غيره ، مقتصراً على مقدار الضرورة ، نظير أكل مال غيره عند المخمصة.

[5] وفيه : أنه تصرف في مال الغير من دون مسوغ ظاهر. مع أنه لا فرق بين كسبه وسائر أموال المستأجر وغيره. وما في الجواهر : من أن النفقة مقدمة على كل واجب. فيه : أن ذلك يتم لو كان الواجب عليه الخدمة في ذمته ، وليس هو مقتضى الإجارة ، لأنها واقعة على

( مسألة 7 ) : إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً سابقاً على العقد وكان جاهلا به ، فان كان مما تنقص به المنفعة فلا إشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ والإبقاء [1] والظاهر عدم جواز مطالبته الأرش فله الفسخ أو الرضا بها مجانا [2]. نعم لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار


منافعه لا على ذمته ، ومنافعه بالإجارة مال للمستأجر كسائر أمواله ، فإذا جاز له التصرف في كسبه جاز له التصرف في مال المستأجر غير الخدمة ، وهو كما ترى.

[1] قد نفى الخلاف فيه غير واحد ، وتأتي في هذه المسألة الإشارة إلى وجهه ، وأنه إما من قبيل خيار تخلف الوصف ، أو هو مقتضى حديث لا ضرر (1).

[2] حكي عليه اتفاق الأصحاب إلى زمان الشهيد ، فتردد فيه في اللمعة ، وتبعه غيره فيه. وعن جامع المقاصد : أن الأصح ثبوته. وهو في محله لو كان الناقص جزءاً ملحوظا بالإجارة مقابلا به جزءاً من الأجرة فإنه يكون من قبيل الخراب لبعض البيوت. أما إذا لم يكن كذلك ، بل كان من قبيل الوصف الموجب لنقص المالية ، - كبطء السير في الدابة - فلا وجه له ظاهر. وكونه منشأ لنقص المالية غير كاف في لزوم إرجاع بعض الأجرة كما لا يخفى. وثبوت الأرش في العيب في المبيع لدليل يخصه ، لا يصحح البناء عليه في المقام بعد كونه خلاف القاعدة. بل في الفرض الأول إنما الثابت التقسيط ، كما عبر به في المتن في خراب بعض بيوت الدار ، لا الأرش المصطلح الذي هو تدارك لنقص المالية ولو بمال أجنبي


1) راجع الوسائل باب : 16 من أبواب الخيار في كتاب البيع ، وباب : 5 من كتاب الشفعة ، وباب : 7 ، 12 من كتاب احياء الموات.

فالظاهر تقسيط الأجرة [1] ، لأنه يكون حينئذ من قبيل تبعض الصفقة [2] ولو كان العيب مما لا تنقص معه المنفعة كما إذا تبين كون الدابة مقطوعة الاذن أو الذنب ، فربما يستشكل في ثبوت الخيار معه [3]. لكن الأقوى ثبوته إذا كان مما يختلف به الرغبات وتتفاوت به الأجرة. وكذا له


عن الأجرة ، مع كون المعاملة باقية على حالها بلا تبعض فيها. فدعوى : عدم جواز مطالبة الأرش - كما في المتن - في محله.

[1] لما عرفت ، وإن كان إطلاق قولهم : عدم ثبوت الأرش ولو مع فوات بعض المنفعة ، يقتضي عدمه في المقام ، إلا أنه منزل على الصورة السابقة.

[2] وحينئذ يكون له الخيار في الباقي ، كما في سائر موارد تبعض الصفقة.

[3] وإن كان يقتضيه إطلاق كلامهم ، بل عن غير واحد التصريح به ، واستدل له : بأن الصبر على المعيب ضرر. وهو - كما ترى - ممنوع على إطلاقه.

بالجملة : إن كان دليل الخيار في المقام هو : « لا ضرر. » ، فيقتضي اختصاصه بصورة الضرر. وان كان هو دليل خيار العيب في المبيع ، فلو بني على التعدي عن البيع فإنما هو فيما لو كان العوض معيباً ، والعوض في الإجارة المنفعة والأجرة ، لا العين. مع أن تصور العيب بالمعنى المعتبر في عيب المبيع بالنسبة إلى المنافع غير ظاهر ، إذ ليس لها خلقة أصلية يكون النقص عنها عيبا. وكذا لو كان دليل خيار تخلف الوصف ، من جهة اعتماد المستأجر على أصالة الصحة ، فإنه أيضاً يختص بالاعواض ، ولا يجري في غيرها ، إذ لا ريب في أنه لا خيار للأجير لو استؤجر على خياطة ثوب ، وتبين بعد الإجارة أنه معيب. وكذا لو استؤجر على حمل مناع فتبين أنه معيب. وبالجملة : دليل الخيار في المقام

الخيار إذا حدث فيها عيب بعد العقد وقبل القبض [1] ، بل بعد القبض أيضاً ، وان كان استوفى بعض المنفعة ومضى بعض المدة [2]. هذا إذا كانت العين شخصية. وأما إذا


أما حديث لا ضرر ، أو دليل خيار تخلف الشرط ، وكلاهما غير مطرد. لأجل ذلك يتعين التفصيل المذكور في المتن.

[1] إما لقاعدة التلف قبل القبض الحاكمة بأنه من مال الناقل ، فيكون العقد كأنه وقع على الفاقد. وفيه : أنه لو تمَّ ذلك في تلف وصف المبيع ، فالتعدي إلى المقام يحتاج الى دليل. وإما لان مبنى المعاوضة على التسليم والتسلم للعوضين على ما هما عليه ، فكما يثبت الخيار بتعذر تسليم العين ، كذلك يثبت الخيار بتعذر تسليمها على ما هي عليه من الوصف ولو لأجل تلف الوصف. وإما لأجل أن تلف الوصف يكشف عن تلفه وانتفائه في نفسه ، كما في تلف العين المستأجرة ولو بعد العقد والقبض ، كما يأتي في الفصل اللاحق. ولأجله تصح دعوى ثبوت الخيار في ما لو حدث العيب بعد القبض. لأن الإقدام كان على الانتفاع بالعين وهي على الوصف الخاص لا مطلقا ، فالتخلف يستوجب الخيار.

[2] كما في محكي التذكرة ، واختاره في الجواهر وغيرها. لأن تسليم المنفعة تدريجي بتدرج زمانها ، فاذا حدث العيب فقد حدث قبل تسليم المعيب ، وقد عرفت ثبوت الخيار حينئذ. هذا مضافاً الى الوجه الماضي في صورة حدوث العيب قبل القبض وبعد العقد من أن التلف حينئذ كاشف عن عدم المنفعة الصحيحة.

لكن الوجه الأول قد ينافيه بناؤهم على عدم الخيار لو غصبت العين بعد القبض. والوجه الأخير ينافيه بناؤهم على الانفساخ من حين التلف ، فيما لو تلفت العين المستأجرة بعد القبض ، كما سيأتي في الفصل الآتي. فتأمل.

كانت كلية وكان الفرد المقبوض معيبا ، فليس له فسخ العقد [1] بل له مطالبة البدل. نعم لو تعذر البدل كان له الخيار في أصل العقد [2].

( مسألة 8 ) : إذا وجد المؤجر عيباً سابقاً في الأجرة ولم يكن عالماً به كان له فسخ العقد ، وله الرضا به. وهل له مطالبة الأرش معه؟ لا يبعد ذلك ، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه [3]. لكن هذا إذا لم تكن الأجرة منفعة عين ، وإلا فلا أرش فيه [4] مثل ما مرّ في المسألة السابقة من كون العين المستأجرة معيبا [5]. هذا إذا كانت الأجرة عيناً شخصية.


[1] كما صرح به غير واحد من دون خلاف فيه ، لعدم المقتضي للخيار في العقد.

[2] لتعذر تسليم العوض الذي عليه مبنى المعاوضة ، ولذا يستتبع الخيار

[3] بل هو المصرح به في كلام جماعة ، بل في مفتاح الكرامة وغيره : لا أجد فيه خلافاً. فان تمَّ إجماع عليه - كما استظهره غير واحد - فهو الحجة. وإلا ففيه إشكال ، لاختصاص دليله بالبيع فالتعدي إلى المقام وغيره من سائر المعاوضات غير ظاهر ، والأصل ينفيه ، وإن حكي عن المحقق القول به في عوض الخلع. وفي القواعد : القول به فيه ، وفي عوض الهلة ومال الكتابة. وعن المسالك : القول به في المهر. وفي محكي الروضة : القول به في الصلح على وجه قوي. إلا أن ثبوت الإجماع بهذا المقدار على ثبوته كلياً في المعاوضات ممنوع جداً. ولذا جزم بعدمه بعض في بعضها. لكن كان المناسب عدم الفرق فيها لأنها جميعا من وادٍ واحد.

[4] كما نص على ذلك في الجواهر.

[5] لما مرّ أيضاً.

وأما إذا كانت كلية ، فله مطالبة البدل لا فسخ أصل العقد ، إلا مع تعذر البدل على حذو ما مرّ في المسألة السابقة.

( مسألة 9 ) : إذا أفلس المستأجر بالأجرة ، كان للمؤجر الخيار بين الفسخ واسترداد العين ، وبين الضرب مع الغرماء [1] ، نظير ما إذا أفلس المشتري بالثمن ، حيث ان للبائع الخيار إذا وجد عين ماله.

( مسألة 10 ) : إذا تبين غبن المؤجر أو المستأجر فله الخيار ، إذا لم يكن عالما به حال العقد [2] إلا إذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد.

( مسألة 11 ) : ليس في الإجارة خيار المجلس ولا خيار الحيوان ، بل ولا خيار التأخير على الوجه المذكور في


[1] بلا خلاف ، كما عن غير واحد. وصرح به جماعة من القدماء والمتأخرين ، إلحاقا للإجارة بالبيع الثابت فيه بالإجماع والنصوص (1). وبعضها وإن لم يكن مختصاً بالبيع إلا أنه ظاهر في العين (2)، فإلحاق المنافع بها يحتاج إلى تنقيح المناط ، كما هو ظاهرهم ، وإن كان المحكي عن بعض : تكلف إدراج المنفعة في بعض تلك النصوص.

[2] بناء على استفادة الخيار في البيع من عموم نفي الضرر ، فإنه كما يشمل البيع يشمل الإجارة وغيرها من العقود المالية. أما إذا كان المستند الإجماع ، فثبوته في الإجارة غير ظاهر ، فان كثيراً من الأصحاب أهمل ذكره في المقام.


1) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام الحجر.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب أحكام المضاربة : 1.

البيع [1] ، ويجري فيها خيار الشرط حتى للأجنبي ، وخيار العيب ، والغبن كما ذكرتا ، بل يجري فيها سائر الخيارات كخيار الاشتراط ، وتبعض الصفقة ، وتعذر التسليم ، والتفليس والتدليس ، والشركة ، وما يفسد ليومه ، وخيار شرط رد العوض ، نظير شرط رد الثمن في البيع [2].

( مسألة 12 ) : إذا آجر عبده أو داره مثلا ثمَّ باعه من المستأجر لم تبطل الإجارة ، فيكون للمشتري منفعة العبد مثلا ، من جهة الإجارة قبل انقضاء مدتها ، لا من جهة تبعية العين. ولو فسخت الإجارة رجعت الى البائع [3]. ولو مات بعد القبض رجع المشتري المستأجر على البائع ، بما يقابل بقية المدة من الأجرة ، وإن كان تلف العين عليه. واللّه العالم.

فصل

يملك المستأجر المنفعة في إجارة الأعيان ، والعمل في الإجارة على الأعمال بنفس العقد ، من غير توقف على شي‌ء كما هو مقتضى سببية العقود. كما أن المؤجر يملك الأجرة


[1] لاختصاص أدلة الثلاثة المذكورة بالبيع ، وعموم أدلة ما عداها لها ، ولا بد من ملاحظة تلك الأدلة.

[2] نص على ذلك كله في الجواهر ، متمسكا بعموم أدلتها.

[3] عرفت إشكاله.

ملكية متزلزلة به كذلك. ولكن لا يستحق المؤجر مطالبة الأجرة إلا بتسليم العين أو العمل [1] ، كما لا يستحق المستأجر مطالبتهما الا بتسليم الأجرة ، كما هو مقتضى المعاوضة. وتستقر ملكية الأجرة باستيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه. فأصل الملكية للطرفين موقوف على تمامية العقد. وجواز المطالبة موقوف على التسليم ، واستقرار ملكية الأجرة موقوف على استيفاء المنفعة أو إتمام العمل أو ما بحكمهما. فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو عن العمل تنفسخ الإجارة ، كما سيأتي تفصيله.

( مسألة 1 ) : لو استأجر داراً - مثلاً - وتسلمها ، ومضت مدة الإجارة استقرت الأجرة عليه ، سواء سكنها أو لم يسكنها باختياره [2]. وكذا إذا استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع إلى مكان كذا ، ومضى زمان يمكن له ذلك ، وجب عليه الأجرة واستقرت وإن لم يركب أو لم يحمل ، بشرط أن يكون مقدراً بالزمان المتصل بالعقد. وأما إذا عينا وقتاً فبعد مضي ذلك الوقت. هذا إذا كانت الإجارة واقعة


[1] لأن مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم ، فلكل من المتعاوضين الامتناع من التسليم في ظرف امتناع صاحبه ، كما أن لكل منهما المطالبة في ظرف صدور التسليم منه ، ولا يجوز للآخر الامتناع عنه حينئذ ، فلو تعذر جاز له الفسخ.

[2] لتحقق التسليم من المؤجر ، الذي عرفت أنه موجب لاستقرار ملكية الأجرة. وهذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف ، ويشهد له غير واحد من النصوص.

على عين معينة شخصية في وقت معين. وأما إن وقعت على كلي وعيّن في فرد وتسلمه ، فالأقوى أنه كذلك [1] مع تعيين الوقت وانقضائه. نعم مع عدم تعيين الوقت فالظاهر عدم استقرار الأجرة المسماة [2] ، وبقاء الإجارة ، وإن كان ضامناً لأجرة المثل لتلك المدة ، من جهة تفويته المنفعة على المؤجر.

( مسألة 2 ) : إذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر ولم يتسلم حتى انقضت المدة ، استقرت عليه الأجرة [3].


[1] لأن تسليم الفرد تسليم الكلي ، فيتحقق التسليم الذي هو شرط استقرار الأجرة. ونسب الى الشيخ : العدم ، لكون المدفوع غير موضوع الإجارة. لكنه ضعيف كما عرفت ، وإن احتمل في عبارة الشرائع.

[2] كما هو ظاهر محكي المهذب البارع ، وإيضاح النافع. واحتملاه في عبارة الشرائع ، ووجهه - على ما قيل - : ان جميع الأزمنة صالح للاستيفاء ، ولا تتعين في زمان القبض ، وضعفه ظاهر ، لأن زمان القبض فرد من زمان الإجارة ، فالقبض فيه قبض فيه ، فلا فرق بين هذه الصورة وما قبلها ، كما صرح به في المسالك وغيرها. نعم لو كان الموجب لاستقرار الأجرة في الصورة الأولى تفويت المستأجر للمنفعة فهو غير حاصل في هذه الصورة ، لأن فوات الموسع إنما يكون بفواته في جميع الأزمنة ، ولا يكفي فيه فواته في بعضها. لكنه ليس ذلك هو الوجه ، بل الوجه حصول التسليم ، وهو حاصل في المقام كما عرفت.

[3] كما صرح به في الجواهر ، حاكياً نفي الخلاف فيه عن كل من تعرض له. وفي المسالك : « وفي حكم التسليم ما لو بذل العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة ، أو مضت مدة يمكن فيها الاستيفاء ». ونحوه

وكذا إذا استأجره ليخيط له ثوباً معيناً - مثلا - في وقت معين ، وامتنع من دفع الثوب اليه حتى مضى ذلك الوقت ، فإنه يجب عليه دفع الأجرة [1] ، سواء اشتغل في ذلك الوقت - مع امتناع المستأجر من دفع الثوب اليه - بشغل آخر لنفسه أو لغيره ، أو جلس فارغاً [2].

( مسألة 3 ) : إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدة التي يمكن إيقاع ذلك فيها [3] ، وكان المؤجر باذلا نفسه ، استقرت الأجرة [4] ، سواء كان المؤجر حراً أو عبداً بإذن مولاه. واحتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الأول لأن منافع الحر لا تضمن إلا بالاستيفاء ، لا وجه له ، لأن


في القواعد ، وعن غيرهما. ويقتضيه عموم اللزوم ، لعدم الدليل على اعتبار أكثر من ذلك في استقرار العقد ولزومه.

[1] لما سبق.

[2] لاطراد المناط في استقرار الأجرة في جميع الصور ، وهو البذل الذي يتحقق به التسليم.

[3] تفترق هذه المسألة عن المسألة السابقة : بأن المفروض في السابقة انقضاء تمام المدة ، وفي هذه المسألة انقضاء زمان يمكن فيه العمل ، وإن لم يمض تمام المدة. ولذلك لم يقع الخلاف في المسألة السابقة في لزوم الأجرة ، من جهة صدق التفويت فيها ، بخلاف هذه.

[4] هذا الحكم ربما ينافي ما تقدم منه (رحمه اللّه) في آخر المسألة الأولى من عدم استقرار الأجرة مع عدم تعيين الوقت ، مع أن بذل العين أولى بصدق التسليم فيه.

منافعه بعد العقد عليها صارت مالا للمستحق ، فاذا بذلها ولم يقبل كان تلفها منه [1] مع أنا لا نسلم أن منافعه لا تضمن.


[1] الفرق المذكور ذكره في جامع المقاصد وغيره ، من جهة أن الحر لا يكون تحت اليد ، فلا تكون منافعه تحت اليد بمجرد بذل نفسه ، فلا يتحقق تسليمها إلا باستيفائها. وفيه : ما عرفت من أن التسليم الذي يتحقق به استقرار الأجرة ، ويكون التلف من المستأجر ، يتحقق بمجرد التخلية ، بحت لا يكون مانع من استيفاء المنفعة إلا من قبل المستأجر. بهذا المعنى يتحقق بمجرد بذل الأجير نفسه للعمل ، كما يتحقق ببذل العين المستأجرة. بل الظاهر أنه لا فرق بين العبد والحر إلا بالحرية والرقية بالإضافة إلى نفسهما. وأما بالإضافة إلى منافعهما فهو : أن منافع العبد مملوكة لمالكه ، ومنافع الحر غير مملوكة. وأما من حيث إمكان إثبات اليد على العين ، أو على المنافع تبعاً للعين فيهما فهما سواء. وعدم ضمان الحر بمجرد اليد ، لعدم ملكية نفسه إجماعاً لا يقتضي ذلك. كما أن عدم ضمان منافعه باليد عليه ، لعدم كونها مملوكة له أيضاً ، لا يوجب الفرق بينهما في ما نحن فيه. مع أن استقرار الأجرة في إجارة العبد ، بمجرد بذل مولاه له ، لم يكن من جهة إثبات اليد عليه ، ليفرق بينه وبين الحر ، بأن الحر لا يمكن أن يكون تحت اليد ، بخلاف العبد ، بل إنما كان من جهة تحقق التسليم الحاصل بالبذل ، وإن لم يكن العبد تحت اليد. فلِمَ لا يلتزم بذلك بالنسبة إلى الحر؟!.

هذا وقد يحكى عن شيخنا الأعظم المحقق الأنصاري (رحمه اللّه) : الفرق بين كون الإجارة على عمل جزئي معين وعلى عمل كلي ، فتستقر في الأول بالبذل دون الثاني ، لأن تسليم الأول يكون بتسليم العامل نفسه ، وتسليم الثاني إنما يكون بتسليم فرده ، وهو لا يكون إلا بإيجاده في الخارج.

إلا بالاستيفاء ، بل تضمن بالتفويت أيضاً إذا صدق ذلك [1] ، كما إذا حبسه وكان كسوباً ، فإنه يصدق في العرف : أنه فوت عليه كذا مقدار. هذا ولو استأجره لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد لم تثبت الأجرة ، لانفساخ الإجارة حينئذ [2].

( مسألة 4 ) : إذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض


لكن عرفت فيما سبق الاشكال فيه ، وأن تسليم الجزئي إذا كان يكفي في حصوله تسليم العامل فلِمَ لا يكون تسليم الفرد الذي به يتحقق تسليم الكلي كذلك؟!.

وبالجملة : الفرق بين تسليم الجزئي الذي وقعت عليه الإجارة ، وبين تسليم الجزئي الذي هو مصداق لما وقعت عليه بأنه يكفي في الأول تسليم العامل ، ولا يكفي في الثاني ، غير ظاهر.

[1] هذا قد يدعى عدم معقوليته ، لأن الضمان إن كان تداركا للخسارة فالحبس إنما يقتضي فوات فائدة لا الوقوع في خسارة. وإن كان اشتغال الذمة بالبدل ، فمنافع الحر - كنفس الحر - ليس لها أثر في نظر الشارع كي يمكن تعقل البدلية عنها ، لعدم كونها مملوكة للحر ، ولا هي معنونة بعنوان مثل كونها صدقة أو نحوها ، كي يمكن اعتبار البدلية للمضمون به ، كما في إتلاف الوقف أو العين الزكوية ، فإن العين في المقامين غير مملوكة لمالك على التحقيق ، لكن معنونة بعنوان كونها وقفاً أو زكاة ، فيمكن قيام البدل مقامها في حفظ العنوان المذكور ، وفي المقام منافع الحر كنفس الحر ليست كذلك ، فلا معنى لاعتبار البدلية لشي‌ء عنها. مضافاً الى أن مقتضى الجمود على قاعدة الإتلاف - التي هي دليل الضمان - الاختصاص بما كان مالاً للغير. فتأمل.

[2] لصيرورة المنفعة محرمة ، فيمتنع أكل المال بإزائها ، لأنه أكل بالباطل.

المستأجر ، بطلت الإجارة [1]. وكذا إذا تلفت عقيب قبضها بلا فصل. وأما إذا تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدة ، فتبطل بالنسبة إلى بقية المدة ، فيرجع من الأجرة بما قابل المتخلف من المدة ، إن نصفاً فنصف ، وإن ثلثاً فثلث ، مع تساوي الاجزاء بحسب الأوقات ، ومع التفاوت تلاحظ النسبة.

( مسألة 5 ) : إذا حصل الفسخ في أثناء المدة بأحد


[1] بلا خلاف نعلمه ، كما في محكي التذكرة. ونحوه في الجواهر. قد يستدل على ذلك : بأن مبنى عقود المعاوضة على المعاوضة الاعتبارية والخارجية التي هي تبديل سلطنة بسلطنة ، فتعذره يقتضي انتفاءها. وأشكل عليه في الجواهر : بأن ذلك خلاف ما ذكروه في مسألة تلف المبيع قبل القبض من أنه خلاف الأصل ، ثبت بدليل خاص بالبيع ، ولا وجه للتعدي إلى غيره. اللّهم إلا أن يكون التعدي إلى المقام دليل على فهم ذلك من الدليل.

هذا والتحقيق أن الوجه في البطلان : ما سيأتي من أن اعتبار المنفعة إنما يصح في ظرف وجود العين فعلا ، فمع التلف قبل القبض لا منفعة حتى يصح اعتبار الإجارة ، وعليه فبطلان الإجارة من أصلها - كما نسب إلى العلامة (رحمه اللّه) - لا من حين التلف كما هو ظاهر المشهور هنا ، بل المتسالم عليه في تلف المبيع قبل القبض ، لأن طرف المعاوضة في البيع العين ، وهي حاصلة وقت البيع ، بخلاف الإجارة ، فإن وجود العين في زمان غير كاف في اعتبار المنفعة في الأزمنة اللاحقة ، فإذا تلفت العين في زمان كشف ذلك عن عدم المنفعة ، فلا تنعقد الإجارة من أصلها ، وإن كان ظاهر المشهور كون البطلان من حين التلف ، كالبطلان في البيع. وسيأتي ذلك في المسألة السابعة.

أسبابه ، تثبت الأجرة المسماة بالنسبة إلى ما مضى ، ويرجع منها بالنسبة إلى ما بقي - كما ذكرنا في البطلان - على المشهور [1] ويحتمل قريباً أن يرجع تمام المسمى ، ويكون للمؤجر أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى ، لأن المفروض أنه يفسخ العقد الواقع أولا ، ومقتضى الفسخ عود كل عوض إلى مالكه. بل يحتمل


[1] فإنه ذكر في الشرائع : أنه لو تجدد فسخ ، صح فيما مضى وبطل في الباقي. ولم يتعرض في الجواهر والمسالك وغيرهما - في شرح العبارة المذكورة - لشبهة أو إشكال. وكذا ذكر في الإرشاد ، فيما لو انهدم المسكن ففسخ : أنه يرجع بنسبة المتخلف ولم يتعرض في مجمع البرهان للإشكال فيه. وكذا ذكره في الحدائق من دون نقل خلاف أو إشكال. لم أقف على من تعرض لخلاف فيه. بل يظهر من كلماتهم أنه من المسلمات. وقد ادعى بعض الأعيان : ظهور اتفاقهم عليه.

وعن بعض توجيهه : بعدم تعقل الفسخ فيما مضى ، لانعدامه ، فلا معنى لانتقاله بالفسخ إلى المؤجر. وفيه : أن الانتقال من الاعتبارات الصالحة للتعلق بالمعدوم ، كالموجود. مع أنه منقوض بإجارة العين فضولا ، فإن المنفعة قبل الإجارة ملك لمالك العين ، وبعد الإجارة ملك للمستأجر.

نعم قد يشكل ذلك من جهة أن الفسخ إنما يكون من حينه ، لا من حين حدوث العقد. وفيه : أنه مسلم ، لكن بالإضافة إلى تمام مضمون العقد ، فلا يجوز الفسخ بالنسبة إلى بعضه دون بعض ، وفي الإجارة المنافع التدريجية بحسب تدرج الزمان ، أبعاض موضوع واحد لا يجوز التفكيك بينها فيه ، فاذا وقع الفسخ وقع بالنسبة إلى الجميع. ولا مجال للمقايسة بالتلف في أثناء المدة ، فإن البطلان في ذلك من أول الأمر ، نظير تبعض الصفقة. ويشهد لما ذكرنا ما هو المعروف المدعى عليه الإجماع : أنه لا يجوز

أن يكون الأمر كذلك في صورة البطلان أيضاً ، لكنه بعيد [1].

( مسألة 6 ) : إذا تلف بعض العين المستأجرة ، تبطل بنسبته ، ويجي‌ء خيار تبعض الصفقة.

( مسألة 7 ) : ظاهر كلمات العلماء : أن الأجرة من حين العقد مملوكة للمؤجر بتمامها ، وبالتلف - قبل القبض أو بعده أو في أثناء المدة - ترجع إلى المستأجر كلا أو بعضاً من حين البطلان ، كما هو الحال عندهم في تلف المبيع قبل القبض لا أن يكون كاشفاً عن عدم ملكيتها من الأول. وهو مشكل لأن مع التلف ينكشف عدم كون المؤجر مالكا للمنفعة إلى


التبعيض في الرد إذا ظهر عيب في بعض المبيع ، كما لو باعه ثوباً وخاتماً فتبين عيب في الثوب. ويشير اليه ما ذكروه من وجوب مطابقة القبول مع الإيجاب ، فلو قبل في بعض المبيع لم يصح العقد. لكن الظاهر بناؤهم على جواز التبعيض في ما لو كان بعض المبيع حيواناً ، فإنه يثبت فيه خيار الحيوان ، ويجوز رد الحيوان دون البعض الآخر. بل المشهور جواز الإقالة في بعض المبيع دون بعض ، ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا من ابن المتوج ، على ما حكاه عنه الشهيد.

الإنصاف : أن المرتكزات العرفية لا تساعد على التبعيض في المقامين وإطلاقات مشروعية الإقالة والفسخ في مورده لا يصلح لإثبات قابلية المحل ومع الشك في القابلية يرجع إلى أصالة عدم ترتب الأثر. وهذا بخلاف مسألتنا ، فإن الارتكاز العرفي يساعد على التبعيض ، ولعله هو الوجه في التسالم والاتفاق ظاهرا عليه. فلاحظ.

[1] سيأتي وجهه في المسألة التاسعة.

تمام المدة ، فلم ينتقل ما يقابل المتخلف من الأول اليه. وفرق واضح بين تلف المبيع قبل القبض ، وتلف العين هنا ، لأن المبيع حين بيعه كان مالا موجوداً قوبل بالعوض ، وأما المنفعة في المقام فلم تكن موجودة حين العقد ، ولا في علم اللّه ، إلا بمقدار بقاء العين. وعلى هذا فاذا تصرف في الأجرة ، يكون تصرفه بالنسبة إلى ما يقابل المتخلف فضولياً. ومن هذا يظهر : أن وجه البطلان في صورة التلف كلا أو بعضاً انكشاف عدم الملكية للمعوض.

( مسألة 8 ) : إذا آجر دابة كلية ودفع فرداً منها فتلف ، لا تنفسخ الإجارة ، بل ينفسخ الوفاء [1] ، فعليه أن يدفع فرداً آخر.

( مسألة 9 ) : إذا آجره داراً فانهدمت ، فان خرجت عن الانتفاع بالمرة بطلت ، فان كان قبل القبض أو بعده قبل أن يسكن فيها أصلا رجعت الأجرة بتمامها ، وإلا فبالنسبة ، ويحتمل تمامها في هذه الصورة أيضاً ، ويضمن أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى. لكنه بعيد [2]. وإن أمكن الانتفاع بها


[1] لكون المدفوع ليس فرداً لموضوع الإجارة.

[2] بلا خلاف في ذلك ولا إشكال ، كما في الجواهر. وكأنه لانحلال العقد إلى عقود متعددة ، بتعدد مراتب المنفعة في الأزمنة التدريجية ولا تلازم بينها في الصحة والبطلان ، وإن كانت متلازمة في الفسخ ، نظير موارد تبعض الصفقة ، بل المقام منه. ويستفاد ذلك - هنا - من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة ، الوارد بعضها فيمن استأجر دابة إلى

مع ذلك ، كان للمستأجر الخيار بين الإبقاء والفسخ [1]. وإذا فسخ كان حكم الأجرة ما ذكرنا. ويقوى هنا رجوع تمام المسمى مطلقاً ، ودفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى ، لان هذا مقتضى فسخ العقد كما مر سابقاً. وإن انهدم بعض بيوتها بقيت الإجارة بالنسبة إلى البقية [2] ، وكان للمستأجر خيار تبعض الصفقة. ولو بادر المؤجر إلى تعميرها ، بحيث لم يفت الانتفاع أصلا ، ليس للمستأجر الفسخ حينئذ على الأقوى ، خلافاً للثانيين [3].


مسافة فأعيت (1)، وبعضها فيمن استأجر أجيراً ليحفر له بئراً فأعيى (2)وفيمن استأجر أجيراً ليحج فمات (3). وبالجملة : المقام من البطلان في البعض من أول الأمر ، كما هو باب تبعض الصفقة ، لا من باب البطلان الطارئ بالفسخ ، فليسا هما من باب واحد. ثمَّ إنه تقدم من المصنف (رحمه اللّه) في المسألة الرابعة : الجزم بالبطلان في البعض دون البعض.

[1] هذا الخيار من قبيل خيار الرؤية ، لتخلف الوصف.

[2] يعني : وبطلت بالنسبة إلى ما انهدم.

[3] يعني : المحقق والشهيد الثانيين ، فقد اختار الأول في الجامع ، والثاني في المسالك : أن للمستأجر الفسخ وإن لم يفت الانتفاع أصلا ، لثبوت الخيار بالانهدام ، فيستصحب ، إذ لم يدل دليل على سقوطه بالإعادة. في الجواهر : « قد يناقش فيه بمنع ما يدل على ثبوته بالانهدام ، من حيث كونه انهداماً ، وإن لم يفت به شي‌ء من المنفعة على وجه تنقطع به


1) الوسائل باب : 12 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 35 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1 ، 2.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب نيابة الحج.

( مسألة 10 ) : إذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه ، وإن لم يمكن إجباره كان للمستأجر فسخ الإجارة والرجوع بالأجرة [1] ، وله الإبقاء ومطالبة عوض المنفعة الفائتة. وكذا إن أخذها منه بعد التسليم ، بلا فصل أو في أثناء المدة [2]. ومع الفسخ في الأثناء يرجع بما يقابل


أصالة اللزوم ، اللّهم إلا أن يستبعد الفرض ، وهو خروج عن محل الفرض ».

أقول : أبعاض العين المستأجرة : منه ما يكون انهدامه موجباً لفوات المنفعة حين الانهدام ، ومنه ما لا يكون كذلك ، لاختصاص الانتفاع به بغير زمان الانهدام ، كما إذا انهدم درج السطح أو السرداب في أيام الشتاء فإنه لا يوجب نقصاً في المنفعة. أما القسم الثاني : فلا ينبغي التأمل في عدم اقتضائه البطلان. وأما القسم الأول : فإن كان فوات المنفعة بنحو يعتد به ، فلا ينبغي التأمل في البطلان فيه ، لانتفاء المعاوضة بالنسبة إليه ، لانتفاء موضوعها. وإن كان بنحو لا يعتد به ، فالظاهر عدم اقتضائه البطلان ولا الخيار. ومما ذكرنا يظهر جريان ما ذكر في انهدام الكل ، وتجي‌ء فيه الأحكام. فاذا انهدم الدكان في أثناء الليل فإعادة قبل الصبح لم يقتض شيئاً. ولعله أشار بعض الأعاظم في حاشيته إلى ما ذكرنا. فراجع.

[1] كما حكي عن جماعة ، واختاره في الشرائع ، لأن مبنى المعاوضات على التسليم ، فمع تعذره يثبت الخيار. وعن الشيخ والعلامة في التذكرة : انفساخ الإجارة ، تنزيلا لذلك منزلة التلف قبل القبض. وهو كما ترى ، إذ التلف يكشف عن انتفاء المنفعة ، ولا موجب لهذا التنزيل.

[2] لأن المنفعة لما كانت تدريجية فأخذ العين بعد القبض يوجب عدم تحقق القبض بالنسبة إلى المنفعة اللاحقة ، ولذا نسب الخيار المذكور إلى جماعة : لكن في جامع المقاصد وعن المسالك : لزوم العقد لتحقق

التخلف من الأجرة. ويحتمل قوياً رجوع تمام الأجرة ودفع أجرة المثل لما مضى [1] - كما مر نظيره سابقاً - لأن مقتضى فسخ العقد عود تمام كل من العوضين إلى مالكهما الأول. لكن هذا الاحتمال خلاف فتوى المشهور.

( مسألة 11 ) : إذا منعه ظالم عن الانتفاع بالعين قبل القبض تخير بين الفسخ [2] والرجوع بالأجرة [3] ، وبين الرجوع على الظالم بعوض ما فات. ويحتمل قوياً تعين الثاني [4] وإن كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض يتعين الوجه الثاني [5]


التسليم المعتبر في اللزوم بالتسليم قبل الأخذ. وهو غير بعيد ، لأن القبض المعتبر ارتكازاً عند العرف يراد به قبض العين ، وإن كان لا يخلو من خفاء.

[1] كما تقدم منه (رحمه اللّه) ، وتقدم تقريبه.

[2] لما سبق في منع المؤجر.

[3] على المالك المؤجر. وفي جامع المقاصد وعن غيره : احتمال جواز الرجوع إلى المؤجر بأجرة المثل ، لأنها مضمونة عليه. لكن دفعه في المسالك : بأن ضمان المؤجر ضمان المعاوضة ، بمعنى : الرجوع إلى المسمى بعد الفسخ أو الانفساخ لا ضمان يد ، كما هو ظاهر.

[4] لكن الأقوى خلافه ، لما عرفت من أن تعذر التسليم الذي عليه تبتني المعاوضة موجب للخيار ، من دون فرق بين أن يكون لمنع المؤجر ، أو لمنع الظالم ، أو لغير ذلك.

[5] بلا خلاف كما قبل. وما تقدم في أخذ المؤجر بعد التسليم غير آت هنا كما قيل. لكن الفرق لا يخلو من خفاء ، فان منع الظالم قبل القبض إذا كان قادحاً في حصول التسليم الذي تبتني عليه المعاوضة ، كان

فليس له الفسخ حينئذ ، سواء كان بعد القبض في ابتداء المدة أم في أثنائها. ثمَّ لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدة إلى المستأجر فالخيار باق [1] ، لكن ليس له الفسخ إلا في الجميع. وربما يحتمل جواز الفسخ بالنسبة إلى ما مضى من المدة في يد الغاصب [2] ، والرجوع بقسطه من المسمى واستيفاء باقي المنفعة. وهو ضعيف ، للزوم التبعيض في العقد ، وإن كان يشكل الفرق بينه وبين ما ذكر من مذهب المشهور من إبقاء العقد فيما مضى وفسخه فيما بقي ، إذ إشكال تبعيض العقد مشترك بينهما.

( مسألة 12 ) : لو حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء كما لو استأجر دابة لتحمله إلى بلد ، فمرض المستأجر ولم يقدر - فالظاهر البطلان.


مانعاً كذلك بعد القبض بالإضافة إلى المنفعة اللاحقة.

[1] قطعاً ، كما في جامع المقاصد ، لفوات المعقود عليه وهو مجموع المنفعة ، ولأنه قد ثبت له الخيار بالغصب والأصل بقاؤه ، لكن الأصل لا يعارض عموم لزوم العقود. فالعمدة الوجه الأول.

[2] قال في القواعد : « فيه نظر ». وفي جامع المقاصد : « ينشأ من أن فوات المنفعة - وهي المعوض - يقتضي الرجوع إلى العوض ، وهو الأجرة المسماة ، والفوات في هذه الصورة مختص بالمنفعة الماضية ، فاستحق الفسخ فيها. ومن أن ذلك مقتض لتبعض الصفقة ، وهو خلاف مقتضى العقد ، فاما أن يفسخ في الجميع أو يمضي في الجميع .. إلى أن قال : وهو الأصح ».

إن اشترط المباشرة [1] على وجه القيدية [2]. وكذا لو حصل له عذر آخر. ويحتمل عدم البطلان [3]. نعم لو كان هناك عذر عام بطلت قطعاً [4] ، لعدم قابلية العين للاستيفاء حينئذ [5].

( مسألة 13 ) : التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحل العمل موجب للبطلان ، ومنه إتلاف الحيوانات. وإتلاف


[1] لتعذر المنفعة المشروطة ، ومع عدم المنفعة لا مجال لصحة الإجارة. لا يكفي في الصحة مجرد قابلية العين للمنفعة في نفسها ، كما لا يخفى بعد التأمل.

[2] بأن تؤخذ المباشرة قيداً على نحو وحدة المطلوب. أما إذا كان أخذها على نحو تعدد المطلوب ، كان لصاحب الشرط الخيار ، نظير ما لو باعه شيئاً موصوفاً فتعذر الوصف ، فالمستأجر يكون له الخيار بين الفسخ والرضا بذات المقيد.

[3] قال في القواعد : « ولو حدث خوف منع المستأجر من الاستيفاء - كما لو استأجر جملا للحج فتنقطع السابلة - فالأقرب تخير كل من المؤجر والمستأجر في الفسخ والإمضاء ». وفيه : ما عرفت. مع أن الوجه في تخير المؤجر لا يخلو من خفاء : إذ لا خلل في مقصده.

[4] لكن في القواعد : « لو استأجر داراً للسكنى ، فحدث خوف عام يمنع من السكنى في ذلك البلد ففي تخير المستأجر نظر ». وفي جامع المقاصد : « في ثبوت التخيير قوة ». وفيه : ما عرفت من عدم المنفعة التي هي شرط صحة الإجارة ، وقد تقدم : أن في حاق الإجارة المعاوضة على المنفعة ، ولا مجال لتحقق المعاوضة مع عدم المنفعة خارجاً.

[5] عبارة التعليل لا تخلو من مسامحة.

المستأجر بمنزلة القبض [1]. وإتلاف المؤجر موجب للتخيير بين ضمانه والفسخ [2]. وإتلاف الأجنبي موجب لضمانه [3]. والعذر العام بمنزلة التلف. وأما العذر الخاص بالمستأجر - كما إذا استأجر دابة لركوبه بنفسه فمرض ولم يقدر على المسافرة أو رجلا لقلع سنه فزال ألمه ، أو نحو ذلك - ففيه إشكال. لا يبعد أن يقال : إنه يوجب البطلان إذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصح معه العقد [4].

( مسألة 14 ) : إذا آجرت الزوجة نفسها بدون إذن الزوج فيما ينافي حق الاستمتاع وقفت على إجازة الزوج ، بخلاف ما إذا لم يكن منافياً ، فإنها صحيحة. وإذا اتفق إرادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها.


[1] لا يخلو من إشكال ، لأن اعتبار المنفعة عند العقلاء تابع لوجود العين خارجاً ، ولا يكفي فيه الوجود الفرضي ولو كان ذمياً. ومنه يظهر الاشكال فيما بعده ، وإن كان يظهر من الجواهر وغيرها التسالم عليه.

[2] أما الضمان : فلأن إتلاف العين إتلاف للمنفعة ، وهو موجب لضمانها. وأما الفسخ : فلتخلف المقصود ، وهو الانتفاع الخاص بالعين. يظهر من كلام غير واحد : المفروغية عن ثبوت الخيار لذلك.

[3] الموجب للفسخ في إتلاف المؤجر موجود هنا أيضاً ، فالفرق بينهما في ذلك غير ظاهر.

[4] بأن يكون موضوع المعاوضة خصوص انتفاع شخص المستأجر ، أما إذا كان التقييد على نحو تعدد المطلوب يكون المقام من باب تخلف الوصف ، كما عرفت.

( مسألة 15 ) : قد ذكر سابقاً : ان كلاً من المؤجر والمستأجر يملك ما انتقل إليه بالإجارة بنفس العقد ، ولكن لا يجب تسليم أحدهما إلا بتسليم الآخر. وتسليم المنفعة بتسليم العين. وتسليم الأجرة باقباضها إلا إذا كانت منفعة أيضاً ، فبتسليم العين التي تستوفى منها. ولا يجب على واحد منهما الابتداء بالتسليم. ولو تعاسرا أجبرهما الحاكم. ولو كان أحدهما باذلا دون الآخر ولم يمكن جبره كان للأول الحبس. إلى أن يسلم الآخر. هذا كله إذا لم يشترط في العقد تأجيل التسليم في أحدهما ، وإلا كان هو المتبع.

هذا وأما تسليم العمل : فان كان مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة ونحوها فبإتمامه ، فقبله لا يستحق المؤجر المطالبة وبعده لا يجوز للمستأجر المماطلة ، إلا أن يكون هناك شرط أو عادة في تقديم الأجرة ، فيتبع ، وإلا فلا يستحق حتى لو لم يمكن له العمل إلا بعد أخذ الأجرة ، كما في الحج الاستئجاري إذا كان المؤجر معسراً. وكذا في مثل بناء جدار داره أو حفر بئر في داره أو نحو ذلك [1] ، فإن إتمام العمل تسليم ، ولا يحتاج إلى شي‌ء آخر. وأما في مثل الثوب الذي أعطاه


[1] لا يظهر الفرق بين بناء الجدار وحفر البئر وخياطة الثوب ، في أن كل واحد منها له أثر خارجي ، لا يكون تسليم الأثر إلا بتسليم المحل ولعل المراد : صورة ما إذا كانت الدار التي فيها الجدار والبئر في يد المالك ، فحينئذ لا ريب في حصول التسليم بمجرد تمام العمل. ولعله ظاهر العبارة الآتية.

ليخيطه ، أو الكتاب الذي يكتبه ، أو نحو ذلك مما كان العمل في شي‌ء بيد المؤجر : فهل يكفي إتمامه في التسليم ، فبمجرد الإتمام يستحق المطالبة ، أولا إلا بعد تسليم مورد العمل ، فقبل أن يسلم الثوب - مثلا - لا يستحق مطالبة الأجرة؟ قولان ، أقواهما : الأول [1] ، لأن المستأجر عليه نفس العمل ، والمفروض


[1] كما اختاره في الجواهر ، تبعاً لما في الشرائع وظاهر غيرها ، للوجه المذكور في المتن. والثاني : ظاهر القواعد ، وحكي عن جملة أخرى ، واختاره بعض الأعاظم في حاشيته فقال : « بل الثاني ، وضابط ذلك هو : أنه لما كانت مالية العمل باعتبار نفس صدوره من العامل - كالعبادات مثلا وحفر البئر وبناء الجدار وحمل المتاع ونحوه من مكان إلى آخر - فالفراغ عن العمل تسليمه. وإن كان الأثر المتولد منه هو مناط ماليته - كالخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك - فذلك الأثر يملك تبعاً لتملك العمل ، ويتوقف تسليم ما آجر نفسه له على تسليمه بتسليم مورده على الأقوى. ولو تلف قبل ذلك بعد الفراغ عن العمل المستأجر له - كالخياطة مثلا - كان بالنسبة إلى متعلق الإجارة من التلف قبل القبض الموجب لانفساخها. ولو أتلفه المؤجر أو أجنبي يتخير المالك في فسخ الإجارة. فيستوفي قيمة الثوب غير مخيط ممن أتلفه ، أو إمضائها فيستوفي قيمته مخيطاً ، ويدفع الى العامل قيمة الخياطة. ويثبت للعامل حق حبس العين بعد إتمام العمل الى ان يستوفي أجرته ».

أقول : قوله في الحاشية المذكورة : « كالعبادات » لا يخلو من نظر ، فإن مالية الأفعال المذكورة إنما هو بلحاظ ما يترتب عليها من الآثار ، لا بلحاظها في نفسها ، ولا سيما في مثل بناء الجدار ، فان الفرق بينه وبين خياطة الثوب في غاية الخفاء. فإن الصفة الحادثة في الثوب من الخياطة


بعينها الصفة الحادثة في الجدار من البناء. وهي في المقامين منشأ الرغبة في العمل ، التي هي الموجب لاعتبار المالية فيهما.

وربما يحتمل أن يكون وجه الفرق بين الأمثلة المذكورة : أن الأثر المترتب على العمل في القسم الأول ليس له وجود خارجي ، فإن نقل المتاع من مكان إلى آخر ، إنما يترتب عليه إضافة الظرفية إلى المكان الثاني ، وليس هناك وجود زائد على وجود الظرف والمظروف ، ونحوه بناء الجدار ، وحفر البئر ، إذ لا يترتب على الأول إلا اتصال الحجارة بالطين ، ولا على الثاني إلا فصل التراب عن موضعه. وكذا أمثالها مما لا يترتب على الأعمال فيها إلا الإضافات الخاصة ، بخلاف مثل صبغ الثوب ، فان اللون موجود خارجي زائد على موضوعه.

وفيه : أن ذلك جار بعينه في مثل الخياطة والصياغة ، فإن المترتب عليه ليس إلا الهيئة الخاصة ، الحاصلة من تقارب الأجزاء أو تواصلها. مع أن كون الأمور المذكورة ليست موجودات خارجية وأنها إضافات خارجية لا يستوجب الفرق بينها وبين مثل السواد والبياض في الحكم المذكور ، فان العرف لا يفرق بينهما في جميع الأحكام ، فان كان مثل السواد والبياض مملوكاً فهي أيضاً مملوكة ، وإن كان مثلها مناط المالية فهي أيضاً كذلك. وإن كان مثلها مما تصح الإجارة عليه فهي أيضاً كذلك ، وإن كان تسليم العمل بتسليمها فهي أيضاً كذلك ، فالفرق بينهما غير ظاهر.

قوله - في الحاشية - : « تبعاً لتملك » : لا إشكال في أن الأثر يملك تبعاً للعمل ، لأنه متولد منه ، إلا أن هذا المقدار لا يستوجب كون الأثر موضوعاً للمعاوضة المأخوذة في حاق الإجارة ، لمباينته للعمل الذي هو تمام موضوعها ، وحينئذ لا يكون عقد الإجارة موجباً لتسليمه في ظرف تسلم الأجرة. هذا مضافاً الى أن تملك الأثر بالتبعية لا يتوقف على كون

أنه قد حصل ، لا الصفة الحادثة في الثوب - مثلا - وهي المخيطة [1] ، حتى يقال : إنها في الثوب وتسليمها بتسليمه. وعلى ما ذكرنا : فلو تلف الثوب - مثلا - بعد تمام الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحق أجرة العمل ، بخلافه على القول الآخر [2]. ولو تلف مع ضمانه أو أتلفه ، وجب عليه قيمته


مالية العمل بلحاظ ترتبه ، فإنه لو كانت مالية العمل بلحاظ نفسه ، وكان يترتب عليه أثر عيني خارجي أيضاً يكون مملوكاً لمالك. فالضابط - على هذا - ينبغي أن يكون هكذا : يعني : أن العمل المستأجر عليه قسمان : الأول : ما لا يكون له أثر في موضوع. والآخر : ما يكون له أثر عيني في موضوع. فالأول : لا إشكال في حصول تسليمه بإتمامه ، واستحقاق الأجرة به. والثاني : فيه القولان المذكوران.

قوله - في الحاشية - : « يتخير المالك » : يعني : لا تبطل الإجارة بالتلف المذكور ، لأن التالف لما كان مضموناً لم يكن من التلف قبل القبض ، بل من قبيل تخلف الوصف قبل القبض ، الموجب للخيار.

[1] لأنها عين ، والإجارة انما تكون على المنفعة التي تنطبق على العمل لا على العين.

[2] فإنه لا يستحق الأجر ، لبطلان الإجارة بالتلف قبل القبض. لكن هذا مبني على التعدي من البيع إلى الإجارة ، وهو غير ظاهر كما تقدم في المسألة السابعة ، وتعرضنا له في شرح المسألة الرابعة. إلا أن يقال : إذا كان وجوب التسليم مشروطاً بإمكانه ، فمع التلف لا يجب التسليم ، وإذا كان الشي‌ء لا يجب تسليمه أبداً لا يصح اعتبار الملكية له. لكن ذلك غير البطلان. أو أن مقصودهم من أن التلف موجب للبطلان : أنه لا يجب معه التسليم.

مع وصف المخيطية لا قيمته قبلها ، وله الأجرة المسماة. بخلافه على القول الآخر ، فإنه لا يستحق الأجرة وعليه قيمته غير مخيط. وأما احتمال عدم استحقاقه الأجرة مع ضمانه القيمة مع الوصف. فبعيد ، وإن كان له وجه [1]. وكذا يتفرع على ما ذكر : أنه لا يجوز حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفي الأجرة [2] ، فإنها بيده أمانة ، إذ ليست هي ولا الصفة التي فيها مورداً للمعاوضة ، فلو حبسها ضمن ، بخلافه على القول الآخر.


[1] يمكن أن يكون الوجه فيه ما أشرنا إليه ، من عدم بطلان الإجارة بالتلف ، غاية الأمر أنه لا يستحق الأجير المطالبة بالأجرة ، ولا يجب على المستأجر تسليمها ، إذ على هذا تكون الصفة ملكاً للمستأجر ، فيضمنها الأجير للمستأجر ، ولا تجوز له المطالبة بالأجرة. نعم بناء على أن التلف قبل القبض موجب للبطلان في الإجارة كالبيع يكون التلف موجباً لرجوع العمل ملكاً للعامل ، فيتبعه أثره ، ولا موجب لضمان العامل ، لأنه له لا لغيره. لكن يشكل هذا الوجه : بأن الصفة إذا كانت مضمونة للمستأجر فقد سلمت إليه بدفع البدل ، فيجب عليه دفع الأجرة لحصول التسليم من طرفه ، ولا فرق في ذلك بين القول بكون الضمان معاوضة ، وكونه تدارك خسارة ، لأن تدارك الخسارة أيضاً نوع من التسليم ، فيجب معه التسليم من الطرف الآخر. وإن شئت قلت : الأصل وجوب التسليم الا ما خرج ، والمتيقن منه صورة عدم التسليم من الطرف الآخر من كل وجه. فلاحظ.

[2] كما جزم به في القواعد. وفي الجواهر : أنه مناف لما سبق منه

( مسألة 16 ) : إذا تبين بطلان الإجارة رجعت الأجرة إلى المستأجر ، واستحق المؤجر أجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة [1] ، أو فاتت تحت يده [2] إذا كان جاهلا بالبطلان ، خصوصاً مع علم المستأجر [3]. وأما إذا كان عالماً فيشكل ضمان المستأجر ، خصوصاً إذا كان جاهلا ، لأنه بتسليمه العين اليه قد هتك حرمة ماله ، خصوصاً إذا كان البطلان من جهة جعل الأجرة ما لا يتمول شرعاً أو عرفا ، أو إذا كان أجرة بلا عوض. ودعوى : أن إقدامه وإذنه في الاستيفاء إنما هو بعنوان الإجارة ، والمفروض عدم تحققها ، فإذنه مقيد بما لم يتحقق. مدفوعة : بأنه إن كان المراد كونه مقيداً بالتحقق شرعاً فممنوع ، إذ مع فرض العلم بعدم


من عدم استحقاق الأجرة بإتمام العمل.

[1] العمدة في دليله الإجماع. والاستدلال له بما دل على احترام مال المسلم (1)أو قاعدة الضرر (2)، غير ظاهر ، كما حرر ذلك في قاعدة : ( ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ). مضافاً إلى ما يستفاد من صحيح أبي ولاد المشهور (3)، فإنه تضمن ضمان الانتفاعات المستوفاة.

[2] دليله غير ظاهر ، والإجماع المدعى عليه في التذكرة لا مجال للركون اليه ، لنقل الخلاف من جماعة ، كما حرر ذلك في محله.

[3] فإنه في هذه الحال يكون آثماً عاصياً ، فأولى أن يؤخذ بأشق الأحوال.


1) الوسائل باب : 152 من أبواب أحكام العشرة حديث : 12 وباب : 3 من أبواب مكان المصلي حديث : 1 ، 3.

2) تقدمت الإشارة إلى مستند القاعدة من النصوص في صفحة : 39.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

الصحة شرعاً لا يعقل قصد تحققه إلا على وجه التشريع المعلوم عدمه [1]. وإن كان المراد تقيده بتحققها الإنشائي فهو حاصل. ومن هنا يظهر حال الأجرة أيضاً ، فإنها لو تلفت في يد المؤجر يضمن عوضها ، إلا إذا كان المستأجر عالماً ببطلان الإجارة ومع ذلك دفعها إليه. نعم إذا كانت موجودة له أن يستردها. هذا وكذا في الإجارة على الأعمال ، إذا كانت باطلة يستحق العامل أجرة المثل لعمله ، دون المسماة إذا كان جاهلاً بالبطلان. وأما إذا كان عالماً فيكون هو المتبرع بعمله ، سواء كان بأمر من المستأجر أولا ، فيجب عليه رد الأجرة المسماة أو عوضها ، ولا يستحق أجرة المثل. وإذا كان المستأجر أيضاً عالماً فليس له مطالبة الأجرة مع تلفها ، ولو مع عدم العمل من المؤجر.

( مسألة 17 ) : يجوز إجارة المشاع ، كما يجوز بيعه وصلحه وهبته ، ولكن لا يجوز تسليمه إلا بإذن الشريك إذا كان مشتركا. نعم إذا كان المستأجر جاهلا بكونه مشتركا كان له خيار الفسخ للشركة ، وذلك كما إذا آجره داره فتبين أن


[1] هذا غير ظاهر ، بل المرتكز في ذهن المتعاملين في أمثال المقام قصد المعاملة الشرعية بالسبب الخاص ، فالتشريع يكون في السبب ، والدفع يكون مقيداً بملكية المدفوع اليه شرعاً ، وإن كان لأجل التشريع في سببها. هكذا الكلام في الأجرة وإجارة العامل ، فان الدفع في جميع ذلك إنما كان بعنوان استحقاق المدفوع اليه ، لا بعنوان كونه غير مستحق له ، بل مستحق للدافع والعامل ، والتبرع الخارج عن عموم الضمان مختص بالأخير لا غير.

نصفها للغير ، ولم يجز ذلك الغير ، فان له خيار الشركة ، بل وخيار التبعض. ولو آجره نصف الدار مشاعاً ، وكان المستأجر معتقداً أن تمام الدار له فيكون شريكا معه في منفعتها ، فتبين أن النصف الآخر مال الغير فالشركة مع ذلك الغير ، ففي ثبوت الخيار له حينئذ وجهان [1]. لا يبعد ذلك إذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له.

( مسألة 18 ) : لا بأس باستئجار اثنين داراً على الإشاعة ، ثمَّ يقتسمان مساكنها بالتراضي أو بالقرعة [2].


[1] أقواهما عدمه ، لأن الموجب للخيار تخلف المقصود العقدي وكون الشريك زيداً أو عمراً لا دخل له في ذلك.

[2] هذا من قبيل قسمة المنافع ، وقد صرح جماعة - منهم العلامة في القواعد - بعدم وجوب الإجابة إليها ، ولو وقعت الإجابة جاز الفسخ حتى لو تصرف أحدهما على طبق القسمة. نعم لو تصرفا معاً على طبق القسمة لم يجز الرجوع إلا بالتراضي ، وكأنه لعدم الدليل على عموم الإجابة إليها ، بل عدم الدليل أيضاً على صحتها من حيث أنها قسمة ، لاختصاص أدلة مشروعيتها بقسمة الأعيان ، ولا تشمل المنافع. نعم لو وقع الصلح بينهم على القسمة كان لازماً ، عملاً بعموم دليله.

اللّهم إلا أن يتمسك بعموم الوفاء بالعقود ، فإنها نوع منها ، وحينئذ يجب البناء على لزومها ، ولا يصح الرجوع عنها. نعم لا تجب الإجابة إليها لعدم الدليل عليه ، ولكونه خلاف قاعدة السلطنة. وأما التفكيك بين تصرفهما وتصرف أحدهما ، فيجوز الرجوع في الثاني دون الأول ، فغير ظاهر الوجه ، لأنها إن كانت جائزة بعد تصرف أحدهما فقط فلتكن

وكذا يجوز استئجار اثنين دابة للركوب على التناوب ، ثمَّ يتفقان على قرار بينهما بالتعيين ، بفرسخ فرسخ ، أو غير ذلك وإذا اختلفا في المبتدئ يرجعان إلى القرعة. وكذا يجوز استئجار اثنين دابة - مثلا - لا على وجه الإشاعة. بل نوباً معينة بالمدة أو بالفراسخ. وكذا يجوز إجارة اثنين نفسهما على عمل معين على وجه الشركة ، كحمل شي‌ء معين لا يمكن إلا بالمتعدد.

( مسألة 19 ) : لا يشترط اتصال مدة الإجارة بالعقد على الأقوى ، فيجوز أن يؤجره داره شهراً متأخراً عن العقد بشهر أو سنة ، سواء كانت مستأجرة في ذلك الشهر الفاصل أم لا. ودعوى البطلان [1] من جهة عدم القدرة على التسليم كما ترى ، إذ التسليم لازم في زمان الاستحقاق لا قبله. هذا ولو آجره داره شهراً وأطلق ، انصرف الاتصال بالعقد. نعم لو لم يكن انصراف بطل [2].


جائزة بعد تصرفهما. وكأنه لذلك تنظر في الجواهر في الجملة فيما ذكره الجماعة.

[1] حكي عن الشيخ وأبي الصلاح ، وعلل بما في المتن. وظاهر محكي كلام الأول : أن الوجه فيه عدم الدليل على الصحة. وهو كما ترى ، فان عموم الوفاء بالعقود كاف في الدلالة عليها.

[2] للإبهام.

فصل

العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة ، فلا يضمن تلفها أو تعيبها إلا بالتعدي أو التفريط [1]. ولو شرط المؤجر


[1] إجماعاً بقسميه عليه ، كما في الجواهر. ويستفاد من النصوص الواردة في ضمان المستأجر إذا تعدى ، فان مفهومها يقتضي عدم الضمان مع عدمه ، كصحاح علي بن جعفر ، والحلبي ، وأبي ولاد (1)، وغيرها وفي صحيح محمد بن قيس : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة » (2). بالجملة : الحكم المذكور لا إشكال فيه. وأما ما دل على عدم ضمان الأمين (3)ففي شموله للمقام إشكال ، لأن الظاهر منه الأمين على الحفظ ، وهو غير ما نحن فيه. أما صحيح الحلبي : « عن رجل استأجر أجيراً ، فأقعده على متاعه. فسرق. قال (عليه السلام) : مؤتمن » (4)فيحتمل أن يكون المراد منه المؤتمن على الحفظ ، فلا مجال للاستدلال به على المقام. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صاحبا الوديعة والبضاعة مؤتمنان .. وقال : ليس على مستعير عارية ضمان ، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن » (5)، ودلالته على عدم ضمان المؤتمن على المال ظاهرة. ويعضدها ما دل على عدم


1) الوسائل باب : 17 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 6 ، 3 ، 1.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 4 من أبواب أحكام الوديعة.

4) الوسائل باب : 4 من أبواب أحكام الوديعة حديث : 4.

5) الوسائل باب : 1 من أبواب أحكام العارية حديث : 6.

عليه ضمانها بدونهما فالمشهور [1] عدم الصحة [2]. لكن


ضمان الأجير (1)، والمستأجر (2)، والمرتهن (3)، والمستعير (4)، والعامل (5)، ونحوهم من المؤتمنين. فيمكن استفادة قاعدة عدم ضمان الأمين بالمعنى الأعم ، ويخرج به عن عموم : ( على اليد ما أخذت حتى تؤدي ) (6)، بناء على عمومه للأمانة كما هو الظاهر. وعلى هذا فعدم ضمان المستأجر كما يستفاد من الأدلة الخاصة ، يستفاد من القاعدة المذكورة.

[1] في مفتاح الكرامة عن المرتضى : الصحة. بل ظاهر كلامه المحكي : أنه إجماع. وعن الأردبيلي والكفاية : موافقته. وفي الرياض : أنه أظهر.

[2] لما دل على عدم ضمان الأمين ، فيكون شرط الضمان مخالفاً للكتاب (7). ودعوى أن عدم ضمانه لعدم المقتضي ، فلا يكون الشرط حينئذ مخالفاً للكتاب ، لاختصاص المخالف بما كان على خلاف الحكم الاقتضائي لا مطلقاً. مندفعة : بأن عموم ( على اليد .. ) بعد ما كان شاملا ليد الأمين ، ظاهر في وجود مقتضي الضمان في يده ، فعدم ضمانه لا بد أن يكون لمقتضي العدم. مع أن الشك في كونه من باب التزاحم. فيكون


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة.

2) الوسائل باب : 32 من أبواب أحكام الإجارة.

3) الوسائل باب : 5 من أبواب أحكام الرهن.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب أحكام العارية.

5) الوسائل باب : 30 من أبواب أحكام الإجارة.

6) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب أحكام الغصب حديث : 4 ، وباب : 12 من أبواب الوديعة حديث : 12 وكنز العمال الجزء : 5 حديث : 5197.

7) لقوله تعالى ( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) التوبة : 91.


عدم الضمان اقتضائياً ، وكونه من باب التخصيص كاف في عدم جواز الرجوع إلى عموم : « المؤمنون عند شروطهم » (1)، لكون الشبهة حينئذ مصداقية. وأصالة عدم المخالفة للكتاب موقوفة على استصحاب العدم الأزلي اللّهم إلا أن يقال : المرتكز عند العقلاء كون خروج يد الأمين من باب التخصيص ، فيكون عدم الضمان لعدم المقتضي ، لا من باب التزاحم ، وحينئذ يشكل البناء على فساد الشرط ، لأجل كونه مخالفاً للكتاب.

اللّهم إلا أن يوجه الفساد بأنه من باب شرط النتيجة - كما أشار إلى ذلك في الجواهر هنا - فان التحقيق بطلان شرط النتيجة ، إذ النتائج لا تقبل أن تكون مضافة إلى مالك ، فلا تكون شرطاً ، إذ التحقيق أن الشرط مملوك للمشروط له ، فاذا امتنع أن تكون مملوكة امتنع أن تشترط ملكيتها. نعم إذا كانت في العهدة جاز أن تكون مملوكة ، لكنها حينئذ تخرج عن كونها شرط نتيجة ، بل تكون من قبيل شرط الفعل ، وليس هو محل الكلام. مثلا إذا قال : بعتك داري ولك علي أن أملكك فرسي ، كان من شرط الفعل ، ولا إشكال في جوازه. وإذا قال : ولك علي ملكية فرسي ، وقصد المعنى الأول ، كان أيضاً من شرط الفعل وكان صحيحاً. وإذا قصد أن له ملكية الفرس من دون أن تكون في عهدة المشروط عليه ، كان من شرط النتيجة ، وكان مورداً للإشكال المذكور ، من أن النتائج إذا لم تكن في العهدة لا تصلح لأن تكون طرفاً لإضافة الملكية. وكذلك سائر الأعيان التي لا وجود لها في الخارج ، إذا لم تكن في العهدة لا تكون مملوكة أيضاً.

هذا مضافاً : إلى أن مفاد صيغة الشرط مجرد جعل التمليك بين المشروط له والشرط ، لا جعل الشرط المملوك ، فإن الصيغة لا تتكفله ،


1) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4.

الأقوى صحته. وأولى بالصحة إذا اشترط عليه أداء مقدار


فاذا لم يكن مجعولا لم يكن ثابتاً ، فلا يكون شرط النتيجة موجباً لتحقق النتيجة ، ولا يصح حينئذ ترتيب الأثر عليها. وليس المراد من بطلان شرط النتيجة إلا هذا المعنى ، أعني : عدم ترتب النتيجة عليه.

ثمَّ إن الإشكالين المذكورين في شرط النتيجة ، إنما يمنعان عنه إذا كان مفاد الشرط في العقد تمليك الشرط للمشروط له ، كما هو الظاهر ، ويقتضيه مناسبته بباب شرط الفعل ، وباب الإقرار ، ونحوهما. أما لو كان مفاده مجرد الالتزام للمشروط له بالشرط ، فمرجعه إلى إنشاء شرط النتيجة في ضمن العقد ، ولا بأس به عملا بعموم نفوذ الشرط ، إلا إذا كان مفهومه لا ينشأ إلا بسبب خاص ، فان عموم الشرط حينئذ لا يصلح لتشريع صحة إنشائه بدون ذلك السبب ، لأنه يكون مخالفاً للكتاب ، فيدخل في الشرط الباطل.

ثمَّ إن ما ورد في النصوص من شرط النتيجة ، كشرط الضمان في العارية ، وشرط الضمان في المسألة الآتية ، لا بد إما أن يحمل على شرط الفعل بأن يكون المقصود من شرط الضمان شرط تدارك خسارة التالف ، كما سيأتي في كلام المصنف ، وإما أن يكون المقصود إنشاء النتيجة نفسها في ضمن العقد ، من دون قصد تمليك للمشروط له. ومثل ذلك ما ورد في الاستعمال العرفي ، فإنه لا بد أن يحمل على أحد الأمرين ، ويختلف ذلك باختلاف القرائن المكتنفة في المقام ، فقد تقتضي الأول ، وقد تقتضي الثاني.

وأما نذر النتيجة ، فالكلام فيه أظهر ، لاشتمال صيغة النذر على اللام الدالة على الملك. وحمل اللام على أنها لام الصلة ، والظرف مستقر متعلق بقوله : التزمت ، يعني : التزمت لله تعالى ، خلاف الظاهر جداً. وقد تعرضنا لذلك في أوائل مباحث الزكاة من هذا الشرح.

مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيب [1] ، لا بعنوان الضمان [2]. والظاهر عدم الفرق في عدم الضمان مع عدم الأمرين - بين أن يكون التلف في أثناء المدة أو بعدها إذا لم يحصل منه منع للمؤجر عن عين ماله إذا طلبها ، بل خلى بينه وبينها ولم يتصرف بعد ذلك فيها. ثمَّ هذا إذا كانت الإجارة صحيحة. وأما إذا كانت باطلة ففي ضمانها وجهان. أقواهما : العدم [3]


[1] لعدم المانع المذكور ، بل عليه حمل القول بصحة شرط الضمان.

[2] كما صرح بذلك في الجواهر ، والظاهر أنه المشهور ، عملاً بالاستصحاب. وعن الإسكافي والطوسي : إطلاق الضمان بعد المدة. يقتضيه عموم « على اليد .. » ، المقتصر في الخروج عنه على ما في المدة لدليله ، والاستصحاب لا يعارض العام. نعم إذا كان ظاهر ترك المطالبة الائتمان. دخل في عموم نفي الضمان.

[3] كما هو المشهور ، لقاعدة : ( ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ) ، المجمع عليها. وقد استدل بها على ذلك في المقام في محكي التذكرة وغيرها. دعوى : اختصاص القاعدة فيما هو مصب العقد ، وهو في الإجارة منفعة العين. فيها أن ذلك خلاف مقتضى استدلالهم بها على عدم الضمان.

مع أن استدلالهم عليها بالاقدام على الاذن المجاني ، المانع من عموم « على اليد ما أخذت .. » مطرد في المقامين. مضافاً إلى أن الإجارة أيضاً موضوعها العين كما عرفت في أول الكتاب ، فإنه يصح أن يقول : آجرت العين ، ولا يصح أن يقول : آجرت المنفعة ، فالعين موضوع للإجارة. كذلك يقال : أعرت العين.

ثمَّ إنه لو بنى على عدم شمول عكس القاعدة ، كفى في نفي الضمان ما دل

خصوصاً إذا كان المؤجر عالماً بالبطلان حين الإقباض ، دون المستأجر.

( مسألة 1 ) : العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفسه لعمل فيها - كالثوب آجر نفسه ليخيطه - أمانة ، فلا يضمن تلفها أو نقصها إلا بالتعدي أو التفريط [1] ، أو


على عدم ضمان المستأمن (1)، فإن موضوع عدم الضمان هو الأمين العرفي ، وهو حاصل في الإجارة الصحيحة والفاسدة بنحو واحد. ودعوى : أن الاستيمان مبني على الإجارة ، فإذا تبين فسادها فقد تبين انتفاؤه. يدفعها : أن ظاهر نصوص عدم الضمان مع الاستيمان عموم الحكم لصورة التلف المؤدي إلى فساد العقد من أول الأمر ، فتدل تلك النصوص على نفي الضمان مع الاستيمان ، ولو كان في العقد الفاسد. فلاحظ تلك النصوص العامة والخاصة في مواردها ، فإنها تدل على ما ذكرنا من أن الاستيمان المبني على العقد موضوع لعدم الضمان ، وإن تبين بطلان العقد كما أشرنا الى ذلك في ( نهج الفقاهة ). هذا ولم يحك الخلاف في المقام إلا عن الأردبيلي وصاحب الرياض ، والذي عثرت عليه من كلام الأول في مسألة عدم ضمان المستأجر هو : عدم الضمان في الإجارة الفاسدة ، مستدلا عليه بالأصل والقاعدة المتقدمة. نعم في الرياض. في مسألة ثبوت أجرة المثل في كل موضع تبطل فيه الإجارة ، اختار الضمان حاكياً نسبته الى المفهوم من كلمات الأصحاب ، مستدلا عليه بعموم « على اليد .. » ، واستشكل فيه إذا كان المؤجر عالماً بالفساد ، للشبهة المتقدمة.

[1] بلا خلاف فيه ، كما اعترف به غير واحد نعم في الشرائع :


1) راجع الوسائل باب : 4 من أبواب أحكام الوديعة.

اشتراط ضمانها على حذو ما مرّ في العين المستأجرة [1]. ولو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الأجنبي ، قبل العمل أو في الأثناء بطلت الإجارة ، ورجعت الأجرة بتمامها أو بعضها إلى المستأجر بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضاً [2]. نعم لو كانت الإجارة واقعة على منفعة المؤجر ، بأن يملك منفعته الخياطي في يوم كذا ، يكون إتلافه لمتعلق العمل بمنزلة استيفائه ، لأنه بإتلافه إياه فوت على نفسه المنفعة. ففرق بين أن يكون العمل في ذمته ، أو أن يكون منفعة الكذائية للمستأجر ، ففي


نسبته إلى الأصح ، وظاهره وقوع الخلاف فيه. وفي المسالك : وجود القول بالضمان. وعن المرتضى : الإجماع. لكن في الجواهر - تبعاً لمفتاح الكرامة - أن الخلاف في الضمان مع التهمة ، لا مع العلم بعدم التفريط والتعدي. كيف كان ، فيدل عليه ما عرفت من النصوص الدالة على عدم ضمان المستأمن ، فإن المقام منه.

[1] كما هو المشهور كما قيل. ويشهد له خبر موسى بن بكير : « عن رجل استأجر سفينة من ملاح فحملها طعاماً واشترط عليه إن نقص الطعام فعليه. قال (عليه السلام) : جائز. قلت : إنه ربما زاد الطعام. قال : فقال : يدعي الملاح أنه زاد فيه شيئاً؟ ، قلت : لا ، قال : هو لصاحب الطعام الزيادة ، وعليه النقصان إذا كان قد اشترط ذلك » (1). قد عرفت أنه لا بد من حمله على شرط الفعل ، أو على كون المقصود منه إنشاء الضمان في ضمن العقد.

[2] لعدم الفرق بين صور التلف ، في أن عدم العين يوجب تعذر


1) الوسائل باب : 30 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 5.

الصورة الأولى التلف قبل العمل موجب للبطلان ورجوع الأجرة إلى المستأجر وإن كان هو المتلف ، وفي الصورة الثانية إتلافه بمنزلة الاستيفاء ، وحيث أنه مالك لمنفعة المؤجر وقد فوتها على نفسه فالأجرة ثابتة عليه.

( مسألة 2 ) : المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء في القيميات [1] ، لا يوم التلف ، ولا أعلى القيم على الأقوى.


العمل المستأجر عليه ، لارتباطه به ، الموجب لكون فواته وانعدامه موجباً لانعدام المتعلق به. ومن هنا يشكل الفرق بين الصورة المذكورة والصورة الأخرى ، إذ أيضاً يقال فيها : إن تعذر العين يوجب تعذر المنفعة الخاصة بل يمكن كون البطلان في الثانية أظهر ، لعدم قيام غيره مقامه في الثانية ، بخلاف الأولى ، لكنه فرق لا يوجب إلا الأولوية. وبالجملة بعد ما : كان موضوع الإجارة متعلقاً بالعين وهي متعذرة ، يكون موضوع الإجارة متعذراً فتبطل ، ولا فرق بين الصورتين في ذلك. وأما دعوى المصنف (رحمه اللّه) أن إتلافه بمنزلة الاستيفاء فغير ظاهرة ، وإلا كان تلفه بمنزلة حصولها ، ولا يظن التزامه بذلك. ومثله دعوى كون تسليم المؤجر نفسه للعمل موجباً لاستقرار الأجرة ، فإنه إنما يسلم إذا كانت المنفعة مقدورة ، والإجارة باقية على صحتها ، وقد عرفت خلافه.

[1] كما هو أحد الأقوال في المسألة. والعمدة فيه البناء على بقاء العين في الذمة إلى زمان الأداء ، فتعتبر القيمة حينئذ ، وقيل قيمة زمان المخالفة ، اعتماداً على صحيح أبي ولاد (1)، المشتمل على قوله : « أرأيت لو نفق البغل أو عطب أليس كان يلزمني؟! ، قال (عليه السلام) : قيمة بغل يوم خالفته » ، بناء على أن قوله (عليه السلام) : « يوم خالفته » ، إما مضاف إليه


1) الوسائل باب : 17 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.


القيمة. المضافة إلى البغل ، أو قيد للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل. وفيه : أن الأول غير معهود في الاستعمال ولا يمكن ارتكابه. والثاني غير معقول ، لأن الاختصاص ملحوظ معنى حرفياً لا اسمياً ، ولا يمكن التعلق به. بل الظاهر كونه قيداً لعامل الجملة الجوابية المقدر ، أعني قوله : « يلزمك » وكما أن القيمة فاعله ، كذلك الظرف قيده. والتقدير - بعد ملاحظة الشرط في السؤال - : يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل لو نفق أو عطب البغل ، فيدل على أن الانتقال إلى القيمة يوم التلف. لأجل أن الوجه في ضمان القيمة تدارك الخسارة المالية في العين ، يتعين البناء على قيمة يوم التلف ، لأن ثبوت القيمة المذكورة تدارك لمالية العين الفائتة حينئذ. ومن هنا حكي عن الأكثر : أن الاعتبار بقيمة يوم التلف. يعضده بعض النصوص الأخر : مثل ما ورد في المعتق حصته من عبد. أنه يقوم قيمته يوم أعتق أو يوم حرر (1).

وكأن المصنف (رحمه اللّه) جعل المتعلق به الظرف. الفعل المقدر وهو : يلزمك ، من دون أن يقدره معلقاً على شرط التلف ، فتكون الرواية عنده مجملة من هذه الجهة ، فيتعين الرجوع في تعيين القيمة إلى القواعد. ولما كان الأظهر عنده : أن العين بنفسها باقية بعد التلف في الذمة. وان كانت قيمية ، تعين أن تكون القيمة بلحاظ زمان الأداء ، لأنه زمان التدارك. وما ذكره (رحمه اللّه) من بقاء العين في الذمة وإن كان في محله ، لكن جعل الفعل المقدر المتعلق به الظرف مطلقاً لا معلقاً على التلف خلاف الظاهر. وقد عرفت أنه إذا أخذ معلقاً على التلف ، فالإطلاق المقامي لدليل ثبوت القيمة يقتضي الحمل على المرتكزات العقلائية ، وهي تقتضي أن تكون بلحاظ زمان التلف ، لأنه به يكون التدارك ، وإلا كان تداركاً بالأكثر أو بالأقل ، وهو خلاف المرتكز جداً.


1) الوسائل باب : 18 من أبواب كتاب العتق حديث : 3 ، 4.

( مسألة 3 ) : إذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطاً [1] ، واستحق الأجرة المسماة. وكذا لو حمل متاعاً إلى مكان معين ثمَّ تلف مضموناً أو أتلفه ، فإنه يضمن قيمته في ذلك المكان ، لا أن يكون المالك مخيراً بين تضمينه غير مخيط بلا أجرة ، أو مخيطاً مع الأجرة [2]. وكذا لا أن يكون في المتاع مخيراً بين قيمته غير محمول في مكانه الأول بلا أجرة ، أو في ذلك المكان مع الأجرة ، كما قد يقال.

( مسألة 4 ) : إذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو التفصيل الثوب ضمن. وكذا الحجام إذا جنى في حجامته [3] أو الختان في ختانه. وكذا الكحال أو البيطار. وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامناً إذا تجاوز عن الحد المأذون فيه ، وإن كان بغير قصده ، لعموم « من أتلف .. » وللصحيح [4] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :


[1] كما تقدم في المسألة العاشرة من الفصل السابق.

[2] قد تقدم منه أنه على القول الثاني يكون من التلف قبل القبض ، الموجب لبطلان الإجارة ، فلا يستحق الأجرة ، ويضمن قيمة العين غير موصوفة. وقد تقدم في بعض الحواشي القول بالتخيير بين الأمرين المذكورين. ذكرنا هناك وجهه ، وأن الضمان يجعل التلف من قبيل تلف الوصف ، وهو خصوصية الصفة ، لا تلف العين التي هي قوام المعاوضة ، الموجب للبطلان إذا كان قبل القبض ، وتلف الوصف قبل القبض يوجب الخيار :

[3] استفاض نقل الإجماع صريحاً وظاهراً عليه في محكي جماعة.

[4] يريد به صحيح الحلبي (1).


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 19.

« في الرجل يعطى الثوب ليصبغه ، فقال ، (عليه السلام) : كل عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن ». بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحد المأذون فيه [1] ، ولكنه مشكل [2]. فلو مات الولد بسبب الختان ، مع كون الختّان حاذقاً ، من غير أن يتعدى عن محل القطع ، بأن كان أصل الختان مضراً به ، في ضمانه إشكال.

( مسألة 5 ) : الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن [3]


[1] لإطلاقهم القول بضمان الأجير.

[2] بل في محكي التحرير : نفي الضمان. وعن الكفاية : أنه غير بعيد. مال إليه في الجواهر. وجزم به بعض المحققين ، للاذن الرافعة للضمان إجماعاً ، والصحيح المذكور ونحوه ظاهر في صورة عدم وجود العمل المستأجر عليه. ودعوى : أن الاذن مشروطة بالسلامة ، فلا تشمل صورة التلف ، ممنوعة ، بل هو خلاف المفروض. نعم لا يبعد كون السلامة من قبيل الداعي ، الذي لا يقدح تخلفه في حصول الاذن. هذا إذا كان الفساد من لوازم الفعل المأذون فيه - ولو في خصوص المورد - واقعاً ، وإن جهلت الملازمة. أما إذا لم يكن من لوازمه ، فحصل من باب الاتفاق ، فالبناء على الضمان في محله ، لأنه غير مأذون فيه لا بالأصالة ولا بالتبعية.

[3] كما هو المعروف. ويشهد له خبر السكوني : « من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه ، وإلا فهو ضامن » (1). مضافاً الى عموم قاعدة : « من أتلف. » ، والصحيح المتقدم ، ونحوه. وعن الحلي :


1) الوسائل باب : 24 من أبواب موجبات الضمان حديث : 1.

وإن كان حاذقاً. وأما إذا لم يكن مباشراً بل كان آمراً ، ففي ضمانه إشكال [1] ، إلا أن يكون سبباً وكان أقوى من المباشر وأشكل منه إذا كان واصفاً للدواء ، من دون أن يكون آمراً كأن يقول : إن دواءك كذا وكذا. بل الأقوى فيه عدم الضمان وإن قال : الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ضمانه ، فلا وجه لما عن بعضهم من التأمل فيه. وكذا لو قال : لو كنت مريضاً بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني.

( مسألة 6 ) : إذا تبرأ الطبيب من الضمان ، وقبل المريض أو وليه ، ولم يقصر في الاجتهاد والاحتياط برأ


عدم الضمان ، للاذن. وفيه : أن الاذن كان في العلاج ، لا في الإفساد.

[1] المحكي عن بعض : نفي الريب في الضمان ، لإطلاق الإجماع المحكي على ضمان الطبيب ، ولخبر السكوني المتقدم ، ولأنه المتلف لأنه السبب ، وهو هنا أقوى من المباشر. والجميع كما ترى ، لمنع الإجماع. والخبر ظاهر في المباشر ، بقرينة اقترانه بالبيطار ، لا أقل من عدم عمومه للآمر. وقوة السبب بنحو يستند اليه التلف عرفاً غير ظاهر. وأما قاعدة الغرور فليس بناؤهم على العمل بها في أمثال المقام ظاهراً ، على أن في صدقه مع جهل الغار تأملاً ، ولا سيما مع قيام السيرة على عدم التضمين بمجرد ذلك. لأجل ما ذكر كان عدم الضمان مختار جماعة من المحققين إذا كان واصفاً غير آمر ، منهم صاحب الجواهر ، بل وإذا كان آمراً أيضاً ، وإن كان في الجواهر مال الى الضمان ، بناء على قوة السبب بالنسبة إلى المباشر في مثله ، الذي عرفت منعه ، ولا سيما وكون الأمر إرشادياً ، فهو بمنزلة الوصف

على الأقوى [1].

( مسألة 7 ) : إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره - مثلا - ضمن [2] ، لقاعدة الإتلاف.


[1] كما هو المشهور ، بل لا يعرف الخلاف فيه إلا من الحلي وبعض آخر ، لعدم جواز الاسقاط قبل الثبوت ، وحملاً للخبر المتقدم على البراءة بعد الجناية. وفيه أن الحمل المذكور خلاف ظاهر الخبر ، فلا مجال لرفع اليد عنه بعد حجيته واعتماد الأصحاب عليه. مع أن ما ذكر لا يتم لو كانت البراءة شرطاً في عقد الإجارة ، لأنه ليس من الاسقاط قبل الثبوت ، بل هو من شرط السقوط كما في شرط سقوط الخيار. اللّهم إلا أن يقال : إنه من شرط النتيجة. لكن عرفت قريباً الكلام فيه ، وأنه لا بأس به إذا كان المقصود إنشاء النتيجة في ضمن العقد.

[2] كما نص عليه في الجواهر ، لما ذكر ، وللصحيح : « في رجل حمل متاعاً على رأسه ، فأصاب إنساناً فمات أو انكسر منه. قال (عليه السلام) : هو ضامن » (1). لكن في شموله للفرض تأمل. فالعمدة قاعدة الإتلاف. دعوى أنه من التلف غير ظاهرة ، لاستناده اليه وإن كان عن غير قصد ، كما لو عثر فرجع على إناء غيره فكسره. ومنه يظهر ما عن كشف اللثام من عدم الضمان إلا مع التفريط ، أو كونه عارية مضمونة. نعم إذا كانت سلسلة أسباب ، بعضها اختياري وبعضها غير اختياري ، نسب الفعل إلى الفاعل المختار ، كما لو عمد إلى نائم فنخسه ، فانقلب على إناء ثالث فكسره ، نسب الكسر إلى الناخس. أما لو كانت كلها غير اختيارية نسب الفعل إلى المباشر ، كما لو انقلب النائم على نائم آخر ، فانقلب الثاني على


1) الوسائل باب : 10 من أبواب موجبات الضمان حديث : 1 ، وباب : 30 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 11.

( مسألة 8 ) : إذا قال للخياط مثلا : إن كان هذا يكفيني قميصاً فاقطعه ، فلم يكف ، ضمن في وجه [1]. ومثله لو قال : هل يكفي قميصاً؟ فقال : نعم. فقال : اقطعه فلم يكفه [2]. وربما يفرق بينهما فيحكم بالضمان في الأول دون الثاني [3] ، بدعوى عدم الاذن في الأول دون الثاني. فيه : أن في الأول أيضاً الإذن حاصل [4]. وربما يقال بعدم الضمان فيهما ، للاذن فيهما. وفيه : أنه مقيد بالكفاية ، إلا أن يقال أنه مقيد باعتقاد الكفاية ، وهو حاصل [5]. والأولى الفرق بين الموارد والأشخاص بحسب صدق الغرور وعدمه ، أو


إناء فكسره ، نسب الفعل إلى الثاني. ولو كانت كلها اختيارية ، كما لو ضرب زيد عمراً. فغصب عمرو وكسر إناء بكر ، نسب الكسر إلى عمرو. من ذلك تعرف أن الاختيار ليس شرطاً في صحة النسبة ، إلا إذا كان موجوداً في سلسلة العلل ، فإنه يستند الفعل إلى السبب الاختياري لا غير.

[1] كما في القواعد وغيرها. واختاره في الجواهر ، لعدم الاذن في القطع فيكون النقص موجباً لضمان فاعله.

[2] كأن وجه الضمان فيه قاعدة الغرور ، وإلا فالنقص الصادر من الخياط كان بإذن المالك.

[3] كما في القواعد وغيرها. واختاره في الجواهر.

[4] فيه منع ، لأن الإذن الحاصلة كانت مشروطة بالكفاية ، والمفروض عدمها.

[5] بل غير مقيد وإنما هو مطلق ، وإن كان عن داعي اعتقاد الكفاية ، لكن تخلف الداعي لا يقدح في حصول الاذن ، كما في غيره.

تقيد الاذن وعدمه ، والأحوط مراعاة الاحتياط.

( مسألة 9 ) : إذا آجر عبده لعمل فأفسد ، ففي كون الضمان عليه [1] ، أو على العبد يتبع به بعد عتقه [2] ، أو في كسبه إذا كان من غير تفريط وفي ذمته يتبع به بعد العتق إذا كان بتفريط [3] ، أو في كسبه مطلقاً [4] ، وجوه وأقوال.


[1] كما عن النهاية وفي الروض وغيره ، وكأنه للحسن : « قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ، كان له غلام استأجره منه صائغ أو غيره قال (عليه السلام) : إن كان ضيع شيئاً أو أبق منه فمواليه ضامنون » (1)، بعد حمل الصحيح الآتي على المثال ، بأن يكون ذكر الكسب من باب تمثيل ما يكون مع الضمان.

[2] كما عن الحلي وجامع المقاصد ، عملا منهم بالقواعد ، لأن العبد هو المتلف.

[3] هذا التفصيل منسوب إلى المسالك ، حملا للصحيح على ذلك ، كما تقتضيه القاعدة ، لأن إذنه في العمل المترتب عليه التلف بلا تفريط بمنزلة إسقاط حقه من كسبه ، فيجب على العبد الكسب لتفريغ ذمته. بخلاف صورة التفريط فإنه لا إذن له في العمل حينئذ ، فحقه في كسب العبد بحاله ، وهو مانع عن تصرف العبد فيه ، ولا وجه لضمان المولى حينئذ لعدم كونه متلفاً. وفيه : أن مجرد الاذن في العمل لا يكفي في تسويغ تصرفه في كسب العبد ، الذي هو ماله في غير مورد الاذن ، فالعمل بإطلاق النصوص متعين.

[4] كما في القواعد تبعاً للشرائع. وتبعهما جماعة ، للصحيح : « وفي رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيراً ، قال (عليه السلام) : ليس على مولاه


1) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2 ، وباب : 12 من أبواب موجبات الضمان حديث : 1.

أقواها : الأخير ، للنص الصحيح [1]. هذا في غير الجناية على نفس أو طرف ، وإلا فيتعلق برقبته ، وللمولى فداؤه بأقل الأمرين من الأرش والقيمة.

( مسألة 10 ) : إذا آجر دابة لحمل متاع ، فعثرت ، وتلف أو نقص ، لا ضمان على صاحبها ، إلا إذا كان هو السبب بنخس أو ضرب.

( مسألة 11 ) : إذا استأجر سفينة أو دابة لحمل متاع فنقص أو سرق ، لم يضمن صاحبها. نعم لو اشترط عليه الضمان صح ، لعموم دليل الشرط ، وللنص [2].

( مسألة 12 ) : إذا حمل الدابة المستأجرة أزيد من المشترط أو المقدار المتعارف مع الإطلاق ، ضمن تلفها أو عوارها [3]. والظاهر ثبوت أجرة المثل لا المسمى مع عدم


شي‌ء ، وليس لهم أن يبيعوه ، ولكنه يستسعى ، فان عجز فليس على مولاه شي‌ء ، ولا على العبد » (1)، فيقيد به إطلاق الحسن السابق ، فيحمل على كون ضمان المولى في خصوص الكسب.

[1] الذي لا يعارضه الحسن ، لوجوب حمل المطلق على المقيد.

[2] تقدم في المسألة الأولى.

[3] إجماعاً نصاً (2)وفتوى ، والمشهور أنه يضمن تمامها. وعن الإرشاد : أنه يضمن نصفها ، لأن الحمل بعضه مأذون فيه وبعضه غير


1) الوسائل باب : 11 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

2) لم نعثر على نص وارد في هذا الموضوع خاصة في مظان النصوص من كتب الحديث والفقه ، ولعل المراد به ما ورد في نظائره من موارد التعدي عن مقتضى الشرط أو الإطلاق ، فراجع الوسائل باب : 16 و17 و32 من أبواب أحكام الإجارة.

التلف ، لأن العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل. نعم لو لم يكن ذلك على وجه التقييد ، ثبت عليه المسماة وأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة [1].

( مسألة 13 ) : إذا اكترى دابة ، فسار عليها زيادة عن المشترط ، ضمن. والظاهر ثبوت الأجرة المسماة بالنسبة إلى المقدار المشترط ، وأجرة المثل بالنسبة إلى الزائد.

( مسألة 14 ) : يجوز لمن استأجر دابة للركوب أو الحمل أن يضربها إذا وقفت على المتعارف ، أو يكبحها باللجام أو نحو ذلك على المتعارف ، إلا مع منع المالك من ذلك [2] ، أو كونه معها وكان المتعارف سوقه هو. ولو تعدى عن


مأذون فيه. وفيه : أن الموجب للضمان العدوان ، الحاصل بحمل ما لم يأذن به المالك.

[1] حكي في المسألة ثلاثة أقوال : الأول : ثبوت أجرة مثل المجموع. حكي عن الأردبيلي. والثاني : أجرة مثل الزائد مع المسمى. حكي عن المشهور. والثالث : ثبوت المسمى مع أجرة الزيادة بحساب المسمى. حكي عن المقنعة. والأخير غير ظاهر. والأولان محمولان على التفصيل المذكور في المتن فيرتفع الخلاف. يظهر ذلك من دليلهما. نعم لازم ما اختاره في المسألة السادسة من الفصل الآتي : وجوب المسمى وأجرة المثل للمجموع. أما الأولى : فبالإجارة ، لعدم الموجب لفسادها. وأما الثانية : فلاستيفاء المنفعة غير المأذون فيها. وسيأتي هناك التعرض لذلك.

[2] هذا إذا لم يكن قد اشترط في العقد ، ولو لأجل التعارف المنزل عليه العقد ، وإلا كان منع المالك بلا حق.

المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها. أما في صورة الجواز ففي ضمانه مع عدم التعدي إشكال. بل الأقوى : العدم ، لأنه مأذون فيه [1].

( مسألة 15 ) : إذا استؤجر لحفظ متاع ، فسرق ، لم يضمن [2] ، إلا مع التقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه [3] أو مع اشتراط الضمان. وهل يستحق الأجرة مع السرقة؟ الظاهر : لا [4] ، لعدم حصول العمل المستأجر عليه ، إلا أن يكون متعلق الإجارة الجلوس عنده ، وكان الغرض هو الحفظ لا أن يكون هو المستأجر عليه.


[1] كما تقدم في المسألة الرابعة.

[2] لأنه أمين ، فيدل على عدم ضمانه ما دل على عدم ضمان الأمين نعم يظهر من خبر إسحاق الآتي الضمان. لكن لم يعرف العمل به إلا من ابن إدريس ، فلا مجال للاعتماد عليه ، ويتعين حمله على صورة شرط الضمان بمعنى شرط التدارك ، فيكون من شرط الفعل ، أو من شرط النتيجة بناء على جوازه ، وقد تقدم الكلام في ذلك في أوائل فصل : ( أن العين المستأجرة أمانة ) ، فراجع. وفي الجواهر : عارضه بالصحيح : « عن رجل استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فسرق. قال (عليه السلام) : هو مؤتمن » (1)لكن في ظهوره في كونه أجيراً على الحفظ غير واضح ، وإن لم يكن بعيداً.

[3] لا يخلو من نظر ، لأن غلبة النوم ليست من التقصير. نعم ربما كان منه.

[4] كما مال إليه في الجواهر ، معللا له بما ذكر ، بل ينبغي أن


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

( مسألة 16 ) : صاحب الحمام لا يضمن الثياب [1] ، إلا إذا أودع وفرط أو تعدى ، وحينئذ يشكل صحة اشتراط الضمان أيضاً ، لأنه أمين محض [2] ، فإنه إنما أخذ الأجرة على الحمام ولم يأخذ على الثياب [3]. نعم لو استؤجر مع ذلك


لا يكون محلا للإشكال.

[1] بلا خلاف ولا إشكال كما في الجواهر ، ويشهد له خبر إسحاق ابن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) : « أن علياً (عليه السلام) كان يقول : لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب ، لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام ، ولم يأخذ على الثياب » (1)، ونحوه خبر أبي البختري (2). وفي خبر غياث بن إبراهيم : « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت ، فلم يضمنّه ، وقال (عليه السلام) : إنما هو أمين » (3)وظاهر الأخير أن صاحب الحمام من أفراد الأمين دائماً ، مع أنه قد لا يكون كذلك كما هو الغالب ، فان الداخل إلى الحمام يضع ثيابه في المسلخ وثوقاً منه بعدم الدواعي إلى سرقة ثيابه ، لجهات دينية أو أخلاقية أو خارجية ، من دون إئتمان أحد معين عليها. ولذلك ذكر في المتن قسمين كما يفهم من الاستثناء.

[2] وقد يظهر منهم في الودعي الاتفاق على عدم صحة اشتراط الضمان عليه كما تقدم ، ولو لا ذلك كان الحكم كما في غيره من الأمناء ، وقد تقدم من المصنف (رحمه اللّه) الجواز فيه.

[3] هذا مضمون الخبر السابق.


1) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

للحفظ أيضاً ، ضمن مع التعدي أو التفريط ، ومع اشتراط الضمان أيضاً ، لأنه حينئذ يأخذ الأجرة على الثياب أيضاً ، فلا يكون أميناً محضاً [1].

فصل

يكفي في صحة الإجارة كون المؤجر مالكا للمنفعة ، أو وكيلا عن المالك لها ، أو ولياً عليه ، وإن كانت العين للغير كما إذا كانت مملوكة بالوصية أو بالصلح أو بالإجارة ، فيجوز للمستأجر أن يؤجرها من المؤجر أو من غيره ، لكن في جواز تسليمه العين إلى المستأجر الثاني بدون إذن المؤجر إشكال [2]


[1] إذ المراد من الأمين المحض : المأذون في الاستيلاء على العين بقصد الحفظ. وفي المقام يكون الاذن في الاستيلاء على العين بقصد الأجرة في مقابل الحفظ.

[2] عن النهاية والسرائر والقواعد وغيرها : المنع ، لأنها أمانة لم بأذن له المالك في تسليمها إلى غيره. وفيه : أن الائتمان للأول إنما كان من مقتضيات عقد الإجارة ، لأن استيفاء المنفعة يتوقف عليه ، فاذا كان مقتضى عقد الإجارة تملك المنفعة مطلقاً ، من دون شرط الاستيفاء مباشرة من المستأجر ، اقتضى أيضاً ائتمانه كذلك ، فله أن يستأمن غيره على العين كما استأمنه المؤجر عليها ، فيكون المستأجر الثاني مستوفياً للمنفعة وأميناً على العين كالمستأجر الأول. وهكذا الحال في المستأجر الثالث. منه يظهر : أنه لو لم يكن عقد الإجارة مقتضياً للائتمان المذكور - كالمستأجر

فلو استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع مدة معينة ، فأجرها


لموضع معين من سفينة أو سيارة - لم يكن له حق في تسلم العين ، ولا حق تسليمها من المستأجر منه. هذا مضافاً إلى ظاهر النصوص الواردة في إجارة الأرض وغيرها بمساوئ الأجرة أو بالأقل (1)، حيث صرحت بالجواز من دون تعرض فيها لشبهة عدم جواز التسليم. وحملها على صورة عدم الحاجة في استيفاء المنفعة إلى تسليم العين ، كما ترى ، فإنه كالمقطوع بخلافه في جميعها. ونحوها صحيح ابن جعفر (عليه السلام) « في رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت ، فما عليه؟ قال (عليه السلام) : إن كان اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها ، وإن لم يسم فليس عليه شي‌ء » (2). وما في الجواهر من حمله على كون الدفع إلى الغير كان على نحو تكون أمانة عند الدافع ، لكونها في يده وإن كان الغير راكباً لها ، بعيد. ولأجل ما ذكرنا ذهب المشهور إلى الجواز كما حكي.

وعن ابن الجنيد : التفصيل ، فيجوز تسليمها إلى أمين دون غيره. وكأن وجهه : أن المستأجر الأول مؤتمن على العين بلا شرط المباشرة ، فله أن يأتمن غيره عليها. ولا بأس به. وقد يشهد له مصحح الصفار : « في رجل دفع ثوباً إلى القصار ليقصره ، فدفعه القصار إلى قصار غيره ليقصره فضاع الثوب هل يجب على القصار أن يرده إذا دفعه إلى غيره ، وإن كان القصار مأموناً؟. فوقع (عليه السلام) : هو ضامن له إلا أن يكون ثقة مأموناً إن شاء اللّه » (3). نحوه مكاتبة محمد بن علي بن محبوب (4)، بناء على أن


1) الوسائل باب : 20 ، 21 ، 22 من أبواب أحكام الإجارة وسيأتي التعرض لها في المسألة الآتية.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 18.

4) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة ملحق حديث : 18.

في تلك المدة أو في بعضها من آخر يجوز ، ولكن لا يسلمها اليه ، بل يكون هو معها ، وإن ركبها ذلك الآخر أو حمّلها متاعه ، فجواز الإجارة لا يلازم تسليم العين بيده [1] ، فان سلمها بدون إذن المالك ضمن. هذا إذا كانت الإجارة الأولى مطلقة. وأما إذا كانت مقيدة ، كأن استأجر الدابة لركوبه نفسه ، فلا يجوز إجارتها من آخر [2]. كما أنه إذا اشترط المؤجر عدم إجارتها من غيره ، أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه ، كذلك أيضاً أي : لا يجوز إجارتها من الغير. نعم لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه ، ولم يشترط كونها لنفسه جاز أيضاً إجارتها من الغير ، بشرط أن يكون هو المباشر للاستيفاء لذلك الغير. ثمَّ لو خالف وآجر في هذه الصور : ففي الصورة الاولى - وهي ما إذا استأجر الدابة لركوبه نفسه - بطلت ، لعدم كونه مالكا إلا ركوبه نفسه ، فيكون المستأجر الثاني ضامناً لاجرة المثل للمالك إن استوفى المنفعة [3] ، وفي


المراد بالقصار المأمون هو القصار الثاني ، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع. نعم مورده عين المستأجر ، لا عين المؤجر.

[1] لكن في هذه الصورة لا يجب على المؤجر تسليم العين أيضاً ، إذ ليس حينئذ من لوازم الإجارة الأولى التسليم. والكلام لا بد أن يكون في غير هذه الصورة كما أشرنا إليه.

[2] يأتي وجهه.

[3] قد يشكل : بأنه إذا ملك المستأجر منفعة ركوب نفسه ، امتنع أن تكون منفعة ركوب غيره مملوكة للمالك ، بناء على امتناع ملك المنفعتين

الصورة الثانية والثالثة في بطلان الإجارة وعدمه وجهان ، مبنيان على أن التصرف المخالف للشرط باطل لكونه مفوتا لحق الشرط [1] ، أولا ، بل حرام وموجب للخيار. وكذا


المتضادتين لمالك واحد أو لمالكين ، لامتناع القدرة على المتضادتين في عرض واحد. وعليه يكون للمالك المسمى على المستأجر ، عملا بالإجارة الصحيحة فيكون للمالك الأمران : المسمى على المستأجر ، وأجرة المثل على المستوفي الثاني. وعلى القول الآخر ليس له إلا الأول. وسيجي‌ء الكلام في ذلك ثمَّ إنه بناء على ما ذكره المصنف ، إذا دفع المستوفي أجرة المثل إلى المالك فان كان مغروراً من قبل المستأجر الأول ، فهل يرجع إليه أولا؟ وجهان مذكوران في مبحث قاعدة الغرور.

[1] فان الظاهر من شرط فعل : جعل حق للمشروط له على المشروط عليه ، كما أشرنا إلى ذلك ، ولأجله قلنا بامتناع شرط النتيجة ، فقاعدة السلطنة في الحق مانعة من نفوذ التصرف المنافي له ، فيبطل ، لعدم صدوره من السلطان. ودعوى : أن مفاد الشرط مجرد الالتزام بالمضمون ، خلاف الظاهر. ولأجل ذلك جاز للمشروط له المطالبة ، وجاز له الاسقاط ، كما أشرنا إلى ذلك سابقا. فراجع. نعم يختص ذلك بالشرط الاصطلاحي ، وهو الفعل الأجنبي عن موضوع العقد ، مثل : شرط أن لا يؤجرها. ولا يجري في شرط الاستيفاء ، لأنه من قبيل القيد الذي يكون تخلفه موجباً للخيار إذا كان على نحو تعدد المطلوب. لكن في المقام لما كان القيد مانعاً عن عموم الاذن ، لاستيفاء غير المستأجر للمنفعة يكون حراماً ، فلا تصح الإجارة عليه ، فالبطلان يكون من جهة حرمة المنفعة ، لا لنفي السلطنة على الإجارة. وعلى هذا لو آجرها المستأجر فاستوفى المستأجر الثاني المنفعة ، يثبت الخيار في الصورة الثالثة ، ولا يثبت في الصورة الثانية.

في الصورة الرابعة [1] إذا لم يستوف هو ، بل سلمها إلى ذلك الغير.

( مسألة 1 ) : يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة وما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقل مما استأجر ، وبالمساوي له مطلقاً [2] أيّ شي‌ء كانت ، بل بأكثر منه أيضاً إذا أحدث فيها حدثاً [3] ، أو كانت الأجرة من غير جنس الأجرة السابقة [4] ، بل مع عدم الشرطين أيضاً فيما عدا البيت والدار والدكان والأجير [5].


[1] في هذه الصورة يجري حكم الصورة الثالثة الذي ذكرناه في الحاشية السابقة ، من ثبوت الخيار إذا كان الثالث قد استوفى المنفعة بنفسه ولو آجرها الثاني على الثالث بشرط استيفائه - يعني : الثالث - بنفسه بطل الشرط ، وفي بطلان الإجارة الخلاف المعروف في أن بطلان الشرط يقتضي بطلان العقد أولا. والتحقيق هو الثاني.

[2] بلا خلاف ظاهر ، ولا إشكال ، لاختصاص أدلة المنع بغيره والنصوص الخاصة والعامة تقتضي الصحة. وعن مجمع البرهان : أنه لا خلاف فيه وفي المساوي.

[3] بلا إشكال أيضاً ، لاتفاق النص والفتوى عليه. وعن جماعة : دعوى الإجماع على الجواز فيه.

[4] كما عن جماعة كثيرة التصريح به ، لأن الظاهر من الأكثر : الأكثر في الجنس ، لا الأكثر في القيمة والمالية ، لا أقل من عدم الظهور في العموم بنحو يقيد به إطلاق دليل الصحة.

[5] كما نسب إلى جماعة ، لعمومات الصحة ، واختصاص نصوص المنع

وأما فيها : فإشكال [1] ، فلا يترك الاحتياط بترك إجارتها


بالمذكورات ، فالتعدي إلى غيرها من الأعيان المستأجرة - كما نسب إلى السيدين والشيخين والصدوق وغيرهم - في غير محله ، ولا سيما مع تصريح النصوص بالفرق ، مثل خبر أبي الربيع : « إن الأرض ليست مثل الأجير ولا مثل البيت ، إن فضل الأجير والبيت حرام » (1)ونحوه غيره.

[1] بل المنع مذهب جماعة ، لحسنة أبي الربيع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « سألته عن الرجل يتقبل الأرض من الدهاقين ، ثمَّ يؤاجرها بأكثر مما يتقبلها ، ويقوم فيها بحظ السلطان ، فقال (عليه السلام) لا بأس به ، إن الأرض ليست مثل الأجير ولا مثل البيت ، إن فضل الأجير والبيت حرام » (2)وفي حسنة أبي المعزى : قال (عليه السلام) - في الجواب عن السؤال المذكور - : « لا بأس إن هذا ليس كالحانوت ولا الأجير ، إن فضل الحانوت والأجير حرام » (3). وبمضمون الأول خبر إبراهيم بن ميمون (4)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لو أن رجلا استأجر داراً بعشرة دراهم ، فسكن ثلثيها وآجر ثلثها بعشرة دراهم ، لم يكن به بأس ، ولا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به ، إلا أن يحدث فيها شيئاً » (5)وذهب جماعة إلى الجواز فيها ، وعن التذكرة والمختلف وجامع المقاصد وغيرها : الاستدلال عليه بحسنة أبي المعزى المتقدمة. لكن دلالتها غير ظاهرة ، بل عرفت دلالتها على المنع. وكأن وجه إشكال المصنف : ما ورد في جواز ذلك في الأرض ، بناء على التعدي من مورده. لكنه ضعيف.


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 4.

4) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 5.

5) الوسائل باب : 22 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

بالأكثر. بل الأحوط إلحاق الرحى [1] والسفينة [2] بها أيضا في ذلك. والأقوى جواز ذلك مع عدم الشرطين في الأرض على كراهة [3] ،


[1] كما عن بعض ، للخبر : « إني لأكره أن استأجر رحى وحدها ثمَّ أوجرها بأكثر مما استأجرتها به ، إلا أن أحدث فيها حدثاً ، أو أغرم فيها غرما » (1)ودلالته قاصرة ، وإن كان سنده غير قاصر.

[2] واستدل على المنع فيها بالخبر أيضاً : « لا بأس أن يستأجر الرجل الدار والأرض والسفينة ، ثمَّ يؤجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً » (2). لكن ذكر الأرض في سياق التي لا منع فيها - كما سيأتي - قرينة على إرادة ما هو أعم من الحرمة والكراهة من البأس المفهوم. لكن الاشكال المذكور مبني على القول بالجواز في الأرض ، وسيأتي.

[3] لتصريح النصوص فيها بالجواز ، كما عرفت بعضها ، فيحمل ما ظاهره المنع على الكراهة كما هو مذهب جماعة. لكن الروايات الدالة على الجواز مطلقة ، وهي روايتا أبي المعزى وإبراهيم بن ميمون ، ويقيدهما خبر الحلبي « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أتقبل الأرض بالثلث أو الربع فأقبلها بالنصف ، قال (عليه السلام) لا بأس : به. قلت : فأتقبلها بألف درهم وأقبلها بألفين ، قال (عليه السلام) : لا يجوز. قلت : لم؟ قال : لأن هذا مضمون وذلك غير مضمون » (3)ونحوه مصحح إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4)، ومصححه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (5). لكن ذكر فيه


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 22 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

4) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

5) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 6 .

وإن كان الأحوط الترك فيها أيضاً [1]. بل الأحوط الترك في مطلق الأعيان إلا مع إحداث حدث فيها [2]. هذا وكذا لا يجوز أن يؤجر بعض أحد الأربعة المذكورة بأزيد من الأجرة [3] ، كما إذا استأجر داراً بعشرة دنانير وسكن بعضها وآجر البعض الآخر بأزيد من العشرة ، فإنه لا يجوز بدون


أن الذهب والفضة مصمتان ، ولعله من غلط النساخ. ويحتمل أن يكون المراد أن الذهب والفضة لا يزيدان ولا ينقصان.

وكيف كان ، فهذه الروايات مانعة عن الأجرة الزائدة إذا كانت مضمونة في الذمة ، أو أنها لا تقبل الزيادة والنقيصة ، فتحمل المطلقات عليها وتقيد بها ، وليس لهذه المقيدات معارض كي تسقط عن الحجية. وأما ما في رواية إسماعيل بن الفضل (1): من المنع من الإجارة بالأكثر مع اختلاف الجنس إلا إذا غرم شيئاً أو أحدث حدثا ، فالظاهر أنه مما لا عامل به على ظاهره ، ولعله محمول على الكراهة.

[1] بل المنع مذهب بعض ، ويشهد له رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال : إذا تقبلت أرضاً بذهب أو فضة ، فلا تقبلها بأكثر مما تقبلتها به ، لأن الذهب والفضة مصمتان » (2).

[2] كما عن جماعة كثيرة ، منهم السيدان والشيخان ، ودليلهم غير ظاهر إلا التعدي عن مورد النصوص إلى غيره. وهو كما ترى.

[3] كما صرح به في الشرائع وغيرها ، لخبر أبي الربيع المروي عن الفقيه : « لو أن رجلا استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر


1) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 6.

إحداث حدث. وأما لو آجر بأقل من العشرة فلا إشكال. والأقوى الجواز بالعشرة أيضاً [1] وإن كان الأحوط تركه.

( مسألة 2 ) : إذا تقبل عملا من غير اشتراط المباشرة ولا مع الانصراف إليها ، يجوز أن يوكله الى عبده أو صانعه أو أجنبي ، ولكن الأحوط عدم تسليم متعلق العمل كالثوب ونحوه إلى غيره من دون إذن المالك ، وإلا ضمن [2]. وجواز الإيكال لا يستلزم جواز الدفع كما مر نظيره في العين المستأجرة


ثلثها بعشرة دراهم ، لم يكن به بأس ، ولكن لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به » (1)ونحوه مصحح الحلبي المتقدم (2)، بناء على أن الضمير في الجملة الأخيرة راجع إلى الدار باعتبار ثلثها ، وإلا فلو كان المراد منه الدار نفسها لم يكن مما نحن فيه. اللّهم إلا أن يستفاد من مفهوم الشرط في الصدر ، أو من الأولوية.

[1] للخبر المتقدم ، وبه يضعف ما عن الشيخ من المنع حينئذ ، كما قد يشعر به بعض النصوص.

[2] كما في الشرائع وغيرها ، بل قيل : لم يعثر على مصرح بعدم الضمان عدا المختلف والمسالك ، حيث ذكرا. أن عدم الضمان أولى. والذي ينبغي أن يكون الكلام هنا هو الكلام في العين المستأجرة. ودعوى : الفرق بينهما بأن العين المستأجرة يكون الحق للمستأجر في قبضها ، وهنا لا حق للأجير في قبضها ، إذ لا ريب في أنه لا يجب على المستأجر استيمان الأجير. مندفعة : بأنه ليس بفارق في المقام ، لأن إطلاق الإجارة إذا اقتضى جواز عمل الأجير الثاني ، فعدم الاذن له في القبض كعدم الاذن للأجير الأول فيه يقتضي استقرار الأجرة ، فلا فرق بين الأجير الثاني


1) الوسائل باب : 20 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

2) راجع أول المسألة.

فيجوز له استئجار غيره لذلك العمل بمساوئ الأجرة التي قررها في إجارته أو أكثر. وفي جواز استئجار الغير بأقل من الأجرة إشكال ، الا أن يحدث حدثاً أو يأتي ببعض ، فلو آجر نفسه لخياطة ثوب بدرهم يشكل استئجار غيره لها بأقل منه ، إلا أن يفصله أو يخيط شيئا منه ولو قليلا ، بل يكفي أن يشتري الخيط أو الإبرة في جواز الأقل [1]. وكذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشرة دراهم مثلا في صورة عدم اعتبار المباشرة ، يشكل استئجار غيره بتسعة مثلا ، إلا أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد مثلاً.


والأول في لزوم الأجرة بمنع قبضه ، كما لا فرق بينهما في عدم وجوب التسليم اليه ، وفي عدم الحق في الايتمان له. وإن شئت قلت : الإجارة على العمل المطلق الشامل لعمل الأجير الثاني ، تتوقف على الاذن المطلقة الشاملة لتصرف الأجير الثاني.

[1] فيه اشكال ، لعدم شمول العمل فيه لمثله. نعم في رواية مجمع : « أقطعها وأشتري لها الخيوط ، قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). لكنه غير ظاهر في الاكتفاء بالخيوط. والشراء وان كان عملا إلا أنه ليس عملا فيه. وظاهر النصوص اعتبار ذلك ، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : « أنه سئل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه ، ويدفعه إلى آخر فيربح فيه ، قال (عليه السلام) : لا ، إلا أن يكون قد عمل فيه شيئاً » (2). ونحوه غيره. وما في بعض الحواشي من تفسير عبارة المتن : بأن المراد


1) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 6.

2) الوسائل باب : 23 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

( مسألة 3 ) : إذا استؤجر لعمل في ذمته لا بشرط المباشرة يجوز تبرع الغير عنه [1] ، وتفرغ ذمته بذلك ، ويستحق الأجرة المسماة. نعم لو أتى بذلك العمل المعين غيره لا بقصد التبرع عنه ، لا يستحق الأجرة المسماة [2] ، وتنفسخ الإجارة حينئذ ، لفوات المحل ، نظير ما مر سابقا من الإجارة على قلع السن فزال ألمه ، أو لخياطة ثوب فسرق أو حرق.

( مسألة 4 ) : الأجير الخاص - وهو من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه للمستأجر في مدة معينة ، أو على وجه تكون منفعته الخاصة كالخياطة مثلا له [3] ، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدة معينة أو كان اعتبار المباشرة أو كونها في تلك المدة أو كليهما على وجه الشرطية لا القيدية - [4]


منها دفع ما اشترى من الأبر والخيوط ، لا يجدي في تحقيق العمل المعتبر ، مع أنه مراد المصنف (رحمه اللّه) قطعا. نعم يصدق بذلك الغرم. لكنه غير كاف.

[1] الظاهر أنه لا إشكال في جواز التبرع في مثل ذلك مما كان في الذمة ، عيناً كان أو عملاً مملوكاً لغيره عليه ، ويقتضيه بناء العقلاء عليه ، كباب النيابة. فإنه نوع منها.

[2] لعدم انطباق ما في الذمة عليه إلا بالقصد. وكذا الحكم في الدين ، فان المديون إذا أعطى الدائن ما يساوي الدين لا يكون وفاء الا مع قصد الوفاء.

[3] من دون إشغال ذمته بشي‌ء ، نظير إجارة الدابة بلحاظ منفعتها الخاصة ، فإنه لا اشتغال في ذلك لذمة الدابة ولا لذمة المؤجر. وبذلك افترق الثالث عنه ، فان فيه إشغال ذمته بلا تملك لمنفعته الخاصة أصلا.

[4] كما في الثالث.

لا يجوز له أن يعمل في تلك المدة لنفسه أو لغيره بالإجارة أو الجعالة أو التبرع ، عملاً ينافي حق المستأجر ، إلا مع إذنه [1] ومثل تعيين المدة تعيين أول زمان العمل ، بحيث لا يتوانى فيه الى الفراغ. نعم لا بأس بغير المنافي ، كما إذا عمل البناء لنفسه أو لغيره في الليل [2] ، فإنه لا مانع منه إذا لم يكن موجبا لضعفه في النهار. ومثل إجراء عقد أو إيقاع أو تعليم أو تعلم في أثناء الخياطة ونحوها ، لانصراف المنافع عن مثلها [3].

هذا ولو خالف وأتى بعمل مناف لحق المستأجر ، فإن كانت الإجارة على الوجه الأول بأن يكون جميع منافعه للمستأجر ، وعمل لنفسه في تمام المدة أو بعضها ، فللمستأجر أن يفسخ ويسترجع تمام الأجرة المسماة [4]


[1] بلا خلاف فيه. بل لعله مجمع عليه كما في الجواهر. وقد يشير اليه خبر إسحاق : « سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يستأجر الرجل بأمر معلوم ، فيبعثه في ضيعته ، فيعطيه رجل آخر دراهم ويقول : اشتر بها كذا وكذا ، فما ربحت بيني وبينك. فقال (عليه السلام) : إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس » (1)وإن كان في القواعد العامة كفاية ، لأنه تصرف في حق الغير ، وهو حرام.

[2] كما صرح به في الجواهر ، وكذا ما بعده ، لعدم كونه تصرفاً في حق الغير.

[3] يعني : لو كانت الإجارة على النحو الأول. وعن المسالك : احتمال المنع. وعن الروضة : فيه وجهان. لكنه ضعيف.

[4] لعدم التسليم الذي عليه مبنى المعاوضة.


1) الوسائل باب : 9 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

أو بعضها [1] أو يبقيها ويطالب عوض الفائت من المنفعة بعضاً أو كلاً. وكذا إن عمل للغير تبرعاً. ولا يجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرع له بالعوض [2] ، سواء كان جاهلا بالحال أم عالماً ، لأن المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير وإن كان ذلك الغير آمراً له بالعمل ، إلا إذا فرض على وجه يتحقق معه صدق الغرور [3] ، والا


[1] إذا كان عمله في بعض المدة ، لكن تقدم : أن القاعدة تقتضي عدم التبعيض في الفسخ ، فلو فسخ كان له المسمى وعليه عوض البعض المستوفى.

[2] وفي المسالك : أنه يتخير بين مطالبته من شاء منهما ، لتحقق العدوان. وهذا التعليل - مع اختصاصه بصورة علم الغير - غير ظاهر ، إذ الغير ليس متصرفاً في المنفعة المملوكة لغيره كي يكون عادياً. ومن هنا علله بعضهم بأن الغير مستوف للمنفعة فعليه ضمانها. بل قد يظهر من بعض اختصاصه بالرجوع اليه. وفي الجواهر : لا وجه للرجوع اليه مع الجهل ، إذ لا يزيد على من عمل له العبد بدون إذن مولاه ومن دون إذنه واستدعائه. وفيه : أن الحكم في العبد لو تمَّ كان لدليله الخاص به. فالعمدة : أن الضمان إما أن يكون بالإتلاف أو باليد ، وكلاهما غير حاصل بالنسبة إلى المتبرع له ، فإنه ليس متلفاً لمنفعة المستأجر ، ولا هي تحت يده ، لأن المنافع إنما تكون تحت اليد بتبع العين ذات المنفعة ، والأجير ليس تحت يد الغير المتبرع له. وأما الضمان بالاستيفاء فلا مجال له ، لأنه يتوقف على الأمر ، والمفروض عدمه.

[3] مجرد الأمر لا يوجب غرور الأجير مع تقدم الإجارة منه لنفسه ، ففرضه غير ظاهر. ولو سلم فصدق الغرور إنما يصحح رجوع الأجير

فالمفروض أن المباشر للإتلاف هو المؤجر. وإن كان عمل للغير بعنوان الإجارة أو الجعالة فللمستأجر أن يجيز ذلك [1] ويكون له الأجرة المسماة في تلك الإجارة أو الجعالة [2] ، كما أن له الفسخ والرجوع إلى الأجرة المسماة ، وله الإبقاء ومطالبة عوض المقدار الذي فات [3] ، فيتخير بين الأمور الثلاثة.


وهو المغرور الى الغار ، ولا يصحح رجوع المستأجر عليه ، لعدم كونه مغروراً. وكان الأولى استثناء صورة كون الأمر موجباً لنسبة الإتلاف إلى الآمر ، وإن كان التحقيق جواز الرجوع الى الآمر ، لتحقق الاستيفاء.

[1] لأنها معاملة وقعت على ماله من غير السلطان ، فتكون كسائر موارد الفضولي محتاجة إلى الإجازة من السلطان. وإذا كانت الإجارة على ما في الذمة فهي وإن لم تكن على مال الغير ، لكنها على ما ينافي حق الغير ، فلا بد من إجازته حينئذ. وكذا لو كان الواقع جعالة.

[2] هذا إذا كانت الإجارة الثانية واقعة على ما وقعت عليه الإجارة الأولى. أما مع الاختلاف - كما لو وقعت الإجارة الثانية على ما في الذمة - ففي استحقاق المجيز المسمى المذكور إشكال ، لعدم كونه عوضاً عن ماله ، لكون المفروض كون الإجارة الأولى على المنفعة الخاصة ، والثانية على ما في الذمة بلا تعلق لها بالخارج. نعم في الجعالة لا يكون العمل في الذمة موضوعاً ، بل العمل الخارجي المتحد مع موضوع الإجارة السابقة ، فتكون الإجازة كافية في تملك الجعل. ولا فرق بين أن تكون الجعالة شخصية كما لو تعلقت بعمل شخص ذلك الأجير ، أو كلية كما إذا قال : من رد عبدي فله كذا ، فإن الثانية منحلة إلى جعالات متعددة بتعدد الأشخاص.

[3] يعني : مطالبة الأجير لما عرفت وفي المسالك وعن القواعد :

وان كانت الإجارة على الوجه الثاني - وهو كون منفعته الخاصة للمستأجر - فحاله كالوجه الأول ، الا إذا كان العمل الغير على وجه الإجارة أو الجعالة ، ولم يكن من نوع العمل المستأجر عليه ، كأن تكون الإجارة واقعة على منفعة الخياطي فأجر نفسه للغير للكتابة ، أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة ، فإنه ليس للمستأجر إجازة ذلك ، لأن المفروض أنه مالك لمنفعة الخياطي ، فليس له إجازة العقد الواقع على الكتابة [1] ،


أنه يتخير بين مطالبة الأجير والمستأجر ، أما الأول : فلأنه المباشر للإتلاف ، وأما الثاني : فلأنه المستوفي. وهو في محله لأن كلاً منهما سبب في الضمان ، فيعمل بمقتضاه.

[1] إذا فرضنا أن الإجارة الثانية منافية للإجارة الأولى ، وجب البناء على توقف صحتها على إجازة المستأجر الأول. ولا تتوقف صحة الإجازة على كون موضوع العقد المجاز ملكاً للمجيز ، فإنه تصح اجازة المرتهن لبيع الرهن وإن لم يكن ملكاً له ، وتجوز إجازة ولي الزكاة لبيع العين الزكوية وإن قلنا بأن الزكاة حق في العين لا جزء مشاع فيها ، فصحة الإجازة من المجيز لا تتوقف على كونه مالكاً لموضوع الإجازة. نعم انتقال العوض اليه يتوقف على كونه مالكاً للمعوض. وعلى هذا : فإذا أجاز المستأجر الأول الإجارة الثانية وأطلق الإجازة صحت الإجارة ، ووجب على الأجير العمل بمقتضاها ، وليس للمستأجر الأول شي‌ء. وعليه الأجرة المسماة ، وليس له الفسخ. نعم لو لم يجز وعمل الأجير بمقتضى الإجارة الثانية ، كان المستأجر الأول مخيراً بين الفسخ والإمضاء ، كما ذكر في المتن.

فيكون مخيراً بين الأمرين من الفسخ واسترجاع الأجرة المسماة والإبقاء ومطالبة عوض الفائت [1].

وإن كانت على الوجه الثالث فكالثاني ، الا أنه لا فرق فيه في عدم صحة الإجازة بين ما إذا كانت الإجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر عليه ، أو على غيره [2] ، إذ ليست منفعة الخياطة - مثلاً - مملوكة للمستأجر حتى يمكنه إجازة العقد الواقع عليها [3] ، بل يملك عمل الخياطة في ذمة المؤجر.

وإن كانت على الوجه الرابع - وهو كون اعتبار المباشرة أو المدة المعينة على وجه الشرطية لا القيدية - ففيه وجهان : يمكن أن يقال : بصحة العمل للغير بعنوان الإجارة


ثمَّ إنه بناء على ما عرفت من امتناع ملك المنفعتين المتضادتين ، إذا وقعت الإجارة الثانية على المنفعة المضادة لما وقعت عليه الإجارة الأولى ، يشكل القول بصحتها حتى مع إجازة المستأجر الأول ، لأنها ليست مملوكة للأجير ، فلا يمكن أن يملك عوضها.

[1] يعني : مطالبة الأجير على ما عرفت.

[2] أما إذا وقعت على غيره فلأنه ليس مملوكاً ، بل هو مناف للمملوك له ، وأما إذا كانت واقعة على نوعه ، فلما ذكر في المتن.

[3] قد عرفت أن صحة الإجازة لا تتوقف على كون موضوع العقد المجاز ملكا للمجيز ، بل يكفي كون مقتضى العقد منافياً لحقه. وعليه لا مانع من صحة الإجازة ، فيصح العقد معها ، وإذا عمل بمقتضاه لا يكون للمجيز الخيار ، ويلزمه دفع الأجرة التي استحقها عليه الأجير بالإجارة الأولى. ( وبالجملة ) : إذا وقعت الإجارة الثانية على ضد العمل المستأجر

أو الجعالة ، من غير حاجة إلى الإجازة ، وإن لم يكن جائزاً من حيث كونه مخالفة للشرط الواجب العمل ، غاية ما يكون أن للمستأجر خيار تخلف الشرط. ويمكن أن يقال : بالحاجة إلى الإجازة ، لأن الإجارة أو الجعالة منافية لحق الشرط [1] فتكون باطلة بدون الإجازة [2].


عليه ، فهي غير واقعة على ملك المستأجر الأول ، لكنها منافية لحقه فلا تصح إلا بإذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الخارجي ، فإنه مضاد لما في الذمة تضاد المثلين ، فلا تصح أيضاً إلا بإذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الذمي. أما إذا وقعت على نفسه ، فقد وقعت على مال المستأجر نفسه ، فلا مجال للشبهة المذكورة.

ومن هنا يظهر : أن الصور المتصورة في الإجارة الثانية خمس هي : الإجارة على مثل العمل المستأجر عليه أولا مع كونه ذمياً ، وعلى مثله الخارجي ، وعلى ضده الذمي ، وعلى ضده الخارجي. والجميع مورد للإجازة ، بناء على ما ذكرنا من صحة الإجازة إذا كان العمل على العقد الثاني منافياً لحق المستأجر. الصورة الخامسة : أن تكون الإجارة الثانية واقعة على نفس العمل الذمي الذي يملكه المستأجر ، فلا مجال للإشكال الذي ذكره في المتن ، وتصح الإجازة فيه ، وإذا أجاز ملك الأجرة الثانية وعليه الأجرة الأولى للأجير ، بخلاف الصور الأربع ، فإن الإجازة فيها لا تستوجب رجوع الأجرة الثانية اليه ، وعليه الأجرة الأولى للأجير.

[1] قد عرفت سابقاً : أن حق الشرط موجب لقصور سلطنة الأجير عما ينافيه ، فلو وقع المنافي كان صادراً من غير السلطان ، فيتعين القول بالبطلان بدون الإجازة.

[2] وعليه يرجع الأجير على المعمول له بأجرة المثل ، لقاعدة : « ما يضمن بصحيحة يضمن بفاسده ». وكذا في الوجه الثالث إذا كانت

( مسألة 5 ) : إذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدة ، أو من غير تعيين المدة ولو مع اعتبار المباشرة ، جاز عمله للغير ولو على وجه الإجارة قبل الإتيان بالمستأجر عليه ، لعدم منافاته له من حيث إمكان تحصيله لا بالمباشرة أو بعد العمل للغير ، لأن المفروض عدم تعيين المباشرة أو عدم تعيين المدة. ودعوى : أن إطلاق العقد من حيث الزمان يقتضي وجوب التعجيل ، ممنوعة [1]. مع أن لنا أن نفرض الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم إرادة التعجيل.

( مسألة 6 ) : لو استأجر دابة لحمل متاع معين شخصي أو كلي على وجه التقييد ، فحملها غير ذلك المتاع ، أو استعملها في الركوب ، لزمه الأجرة المسماة وأجرة المثل لحمل المتاع الآخر أو للركوب. وكذا لو استأجر عبداً للخياطة فاستعمله في الكتابة.

بل وكذا لو استأجر حراً لعمل معين ، في زمان معين ، وحمله على غير ذلك العمل ، مع تعمده ، وغفلة ذلك الحر واعتقاده أنه العمل المستأجر عليه [2]. ودعوى : أن ليس للدابة في زمان


الإجارة واقعة على غير نوع العمل الذي ملكه عليه المستأجر الأول ، كما صرح بذلك في الجواهر.

[1] قد تقدم منه في المسألة الخامسة من الفصل الأول : البناء على هذا الإطلاق ، والاجتزاء به عن تعيين المدة. مع أن المذكور في كلماتهم في مبحث القبض : أن الإطلاق يقتضي وجوب التعجيل في دفع الثمن والمثمن. ولا فرق بينه وبين المقام.

[2] هذا الاعتقاد لا يتوقف عليه الضمان ، فان استيفاء المنفعة يوجب

واحد منفعتان متضادتان ، وكذا ليس للعبد في زمان واحد إلا إحدى المنفعتين من الكتابة أو الخياطة ، فكيف يستحق أجرتين؟!. مدفوعة : بأن المستأجر بتفويته على نفسه ، واستعماله في غير ما يستحق كأنه حصل له منفعة أخرى [1].


ضمانها حتى مع علم العامل بعدم الاستحقاق ، كما يأتي في الفصل الآتي.

[1] قال العلامة في القواعد : « لو سلك بالدابة الأشق من الطريق ضمن ، وعليه المسمى والتفاوت بين الأجرتين ، ويحتمل أجرة المثل. وكذا لو شرط حمل قطن فحمل بوزنه حديداً ». وعلل احتمال أن المضمون أجرة المثل لا غير : بأن المسمى مجعول بالعقد في قبال المنفعة الخاصة ، وقد فاتت فيفوت بفواتها. وعن جامع المقاصد : أنه الأصح. وفيه : أن فوات المنفعة لا يقتضي بطلان العقد ، وقد تقدم أنه لو بذل الأجير نفسه في المدة المعينة فلم يستعمله المستأجر استحق الأجرة. وكذا إذا بذل المؤجر العين المستأجرة فلم ينتفع بها المستأجر في المدة ، فإن المؤجر أيضاً يستحق الأجرة ، ففوات المنفعة في المقام من قبل المستأجر لا يقتضي بطلان العقد ، كي يقتضي عدم استحقاق الأجرة المسماة.

وتفصيل الكلام في هذه المسألة : أن المنافع المتضادة لما لم تكن مقدورة قدرة عرضية ، لامتناع اجتماع الضدين ، لم تكن مملوكة ملكية عرضية ، لأن القدرة على المنفعة من شرائط ملكها عند العقلاء ، ولا يصح اعتبار الملكية لها عندهم إذا لم تكن مقدورة ، فإذا كانت المنافع المتضادة غير مقدور عليها أصلاً لم تكن مملوكة أصلا ، وإذا كانت مقدورة قدرة بدلية لا عرضية كانت مملوكة ملكية بدلية لا عرضية. ولذا لم يكن إشكال عندهم في أن الغاصب لا يضمن جميع المنافع المتضادة ، وإنما يضمن واحدة


منها. وهذه الملكية تحتمل وجوهاً :

الأول : أن يكون المملوك منها خصوص الموجود دون المعدوم. ولازمه عدم ضمان المنافع غير المستوفاة ، لأنها غير موجودة ، فلا تكون مملوكة ، فلا تكون مضمونة.

الثاني : أن يكون المملوك كل واحدة منها في ظرف عدم الأخرى. ولازمه ضمانهما معاً إذا لم تكن كل واحدة منها مستوفاة ، لأن كل واحدة منهما حينئذ في ظرف عدم الأخرى.

الثالث : أن يكون المملوك الجامع بنحو لا ينطبق عليهما في عرض واحد ، بل إذا انطبق على واحدة لم ينطبق على الأخرى ، نظير مفاد النكرة ، ونظير النصف الملحوظ فيما لو باع نصف الدار ، فان النصف في نفسه وإن كان ينطبق على كل من النصفين في عرض واحد ، فان كلاً من نصفي الدار نصف للدار ، لكن المأخوذ موضوعاً للبيع لوحظ بنحو لا ينطبق على كل من النصفين في عرض واحد ، بل بنحو ينطبق على أحدهما ولا ينطبق على الآخر ، ونظيره أيضاً الصاع الملحوظ في بيع صاع من صبرة. وعلى هذا يكون تطبيقه وتعيينه بيد المالك ، فما عينه المالك يكون هو المملوك دون ما لم يعينه ، وإن كان المستوفى غير ما عينه المالك ، ولازمه في المقام أن يكون المضمون هو المسمى ، لأنه في مقابل المنفعة التي عينها المالك ، وما استوفاه المستأجر لما لم يكن معيناً من المالك لا يكون مملوكاً ، فلا يكون مضمونا.

الرابع : أن يكون المملوك هو الذي يعينه المالك إذا لم يكن تعين خارجي ، وإلا كان المتعين هو المملوك لا غير وإن عينه المالك. ولازمه في المقام أن يكون المضمون أجرة المثل ، لأنها في مقابل المنفعة المستوفاة المتعينة المملوكة ، وعدم ضمان الأجرة المسماة لأنها في مقابل منفعة غير


مملوكة ، لأنها غير المتعينة ، وتعيين المالك لا أثر له مع التعين. وفي باب الغصب يضمن الغاصب ما استوفاه ، ولا أثر لتعيين المالك.

وقد عرفت الإشكال في الوجهين الأولين. وأما الوجه الأخير : فتأباه كلمات الأصحاب في باب الغصب ، وأن الغاصب إذا استوفى منفعة وكان غيرها أعلى قيمة كان للمالك اختيار ضمان الغاصب الأعلى قيمة ، فعن موضع من القواعد : « ولو تعددت المنافع - كالعبد الخياط الحائك - لزمه أجرة أعلاها ، ولا تجب أجرة الكل ». وعن موضع آخر أنه قال : « ولو انتفع بالأزيد ، ضمن الأزيد ، وإن انتفع بالأنقص ضمن أجرة المطلق ». وعن الروضة : « لو تعددت المنافع فإن أمكن فعلها جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب أجرة ما أمكن ، وإلا - كالحياكة والخياطة والكتابة - فأعلاها أجرة. ولو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعددة يمكن جمعها ضمن الأعلى ». لكن الظاهر أن مورد كلامه صورة عدم الانتفاع بمنفعة معينة. نعم عن المسالك : « إن استعملها في الأعلى ضمنها ، وإن استعملها في الوسطى أو الدنيا أو لم يستعملها ، ففي ضمان أجرة متوسطة أو الأعلى ، وجهان » : فهذه الكلمات ونحوها - كما ترى - صريحة في عدم ضمان المنفعة المستوفاة ، وضمان غير المستوفاة ، وهو في بادئ النظر غريب ، فإنه لا اشكال ولا خلاف في ضمان المنافع المستوفاة ، فكيف ساغ البناء على عدم ضمانها وضمان غير المستوفاة؟!

والتحقيق أن يقال في المقام : إن المنافع المتضادة وإن كانت متباينة ، لكنها مشتركة في جهة الانتفاع ، فاذا اختلفت مرتبة الانتفاع بالشدة والضعف والزيادة والنقيصة ، فالإجارة على إحداها بعينها قد لوحظ فيها القيد بنحو تعدد المطلوب ، فاذا استوفى المستأجر المساوي المباين لها كان للمالك المؤجر الخيار. فإذا استأجر الدابة ليحمل عليها كيساً فيه مقدار


معين من الحنطة ، فحملها كيساً آخر مثله لم يستحق أجرة أخرى ، وإنما له الخيار بفوات القيد. وإذا حملها كيساً آخر فيه حنطة ضعف المقدار المعين في الإجارة ، فنصفه مستحق الإجارة ، وعليه أجرة النصف الآخر وإذا حملها كيساً آخر فيه من الحنطة نصف المقدار المعين في الإجارة ، لم يكن عليه غير المسمى ، كأنه استوفى نصف حقه. نعم ربما يكون للمؤجر الخيار لفوات القيد أيضاً.

وبالجملة : الذي يساعده الارتكاز العرفي أن المتباينات ملحوظة في المقام وفي باب الضمان مع تفاوت القيمة من قبيل الأقل والأكثر. والقيود والخصوصيات الموجبة للتباين ملحوظة عندهم بنحو تعدد المطلوب ، فيكون الأقوى في المقام ما ذكره في القواعد من لزوم المسمى والتفاوت. ولم أقف عاجلاً على من وافق المصنف في وجوب الأمرين : المسمى وأجرة المثل وإن كان له في نفسه وجه ، لكنه خلاف المرتكز العرفي ومذاق الفقهاء في باب الضمانات. فلاحظ. وكذا الحكم في ضمان الغاصب.

ومما ذكرنا يظهر أن المحتملات في حكم المسألة أربعة : الأول : لزوم المسمى فقط ، ويقتضيه الوجه الثالث من وجوه كيفية ملك المنافع المتضادة الثاني : لزوم أجرة المثل فقط. ومبناه بطلان العقد ، إما لفوات المنفعة كما ذكر في التعليل ، أو لعدم ملكية المنفعة غير الموجودة كما يقتضيه الوجه الرابع من الوجوه السابقة ، أو لصحيح أبي ولاد الآتي.

الثالث : لزوم المسمى وأجرة المثل معاً ، كما هو مختار المصنف (رحمه اللّه) ، ويقتضيه البناء على ملكية المنافع المتضادة في عرض واحد. الرابع : أعلى القيمتين إن كانت إحدى المنفعتين أعلى قيمة ، والمسمى فقط إن لم يكن كذلك. ويقتضيه ما ذكرناه من أن المرتكز العرفي جعل القيود الموجبة للتباين ملحوظة بنحو تعدد المطلوب ، وتكون الزيادة في المنفعة المستوفاة من قبيل


الزيادة في المنفعة المسماة ، ويكون المقام نظير ما لو استأجر الدابة واشترط عليه المالك أن يكون الحمل مقداراً معيناً لا أزيد ، فحملها أكثر منه وأزيد ، فإنه يستحق المسمى وأجرة الزائد لا غير ، ويكون له الخيار في الفسخ والرجوع إلى أجرة المثل.

نعم قد ينافي ذلك في باب الغصب ظاهر ما ورد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة ، المتضمنة لضمان الغاصب أجرة ما استوفاه مطلقا ، وإن كان للعين المغصوبة منفعة أعلى ، ومنها صحيح أبي ولاد (1)المشهور الذي قد اكترى بغلاً من الكوفة إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً لطلب غريم له ، فلما صار قرب قنطرة الكوفة أخبر أن غريمه توجه إلى النيل ، فتوجه نحو النيل ، فلما أتى النيل خبر أنّ صاحبه توجه إلى بغداد فتوجه الى بغداد ، ثمَّ رجع إلى الكوفة. بل هو وارد فيما نحن فيه من استيفاء المستأجر منفعة مضادة للمنفعة المقصودة له بالإجارة ، والامام (عليه السلام) ضمنه كرى البغل من الكوفة إلى النيل ، ومن النيل إلى بغداد ، ومن بغداد إلى الكوفة ، ولم يضمنه الأجرة المسماة ، ولم يجعل للمالك الاختيار لأيّ منفعة شاء. لكن الظاهر أن الوجه فيه ما ذكرناه من أن الملحوظ للمكاري قطع المسافة فتكون نسبة المنفعة المستوفاة إلى المسماة نسبة الأكثر إلى الأقل ، لا لأجل بطلان العقد الواقع ، ولا لأن التعين الخارجي دخيل في الملكية. وكذلك حال النصوص الأخرى فإنها أيضاً منزلة على ما ذكرنا ، ويكون المراد من النصوص هو المراد من تعبير الفقهاء : أنه يضمن الأعلى. يعنون به : أنه يضمن المستوفى مع التفاوت. كما أنه لا يبعد أن يكون عدم تعرض النصوص - كالصحيح وغيره - لضمان المنافع غير المستوفاة التي هي أعلى قيمة لأنها منفعة غير محتسبة ولا منتظرة من العين ، وحينئذ لا يدل الصحيح


1) الوسائل باب : 17 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.


على عدم ضمانها مطلقاً. وإن كان هذا المعنى لا يرتبط بما نحن فيه.

والمتحصل مما ذكرناه : أن ما ذكره في القواعد من الاحتمال الأول هو الذي يقتضيه المذاق العرفي. لكن البناء عليه ورفع اليد عن الاحتمال الثالث ، الموافق لأصل البراءة. لا يخلو من شبهة وإشكال ، وإن كان هو الأظهر. وقد جزم به في موضع آخر من القواعد. قال : « وان زرع الأضرّ من المعين فللمالك المسمى وأرش النقصان ». وعن التحرير أنه قال : له المسمى وأجرة الزيادة. وهو المراد مما في القواعد كما في مفتاح الكرامة ، وحكى فيه عن المبسوط : التخيير بين ذلك وبين أجرة المثل. وقال : « إنه أشبه بالصواب ، ثمَّ قال : وهو خيرة التذكرة ، وكذا الشرائع والتحرير والإرشاد في باب المزارعة ، قالوا : لو زرع ما هو الأضر كان للمالك أجرة المثل أو المسمى مع الأرش ، والذي يقتضيه التدبر في ملاحظة الكتب الثلاثة : أن ذلك فيما لو استأجرها للزراعة أو زارع عليها ، وليست مسوقة للمزارعة خاصة .. إلى أن قال : وإن هذه العبارة خاصة بالإجارة ». ويؤيد ذلك ما ذكره في القواعد قال : « لو عين اقتصر عليه وعلى ما يساويه ، أو يقصر عنه في الضرر على إشكال ». وعن التذكرة : أن القول بأن له أن يزرع ما عينه ، وما ضرره كضرره أو أدون ولا يتعين ما عينه قول عامة أهل العلم ، إلا داود وباقي الظاهرية ، فإنهم قالوا : لا يجوز له زرع غير ما عينه. حتى لو وصف الحنطة بأنها حمراء لم يجز أن يزرع البيضاء. ونسبه في محكي الخلاف أيضاً إلى أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء ، وعن المبسوط : أنه نسبه إلى جميع المخالفين ، وعن جامع المقاصد : أن جواز العدول هو المشهور بين عامة الفقهاء ، وقال أيضاً : إنه المشهور. وفي مفتاح الكرامة وجه القول بجواز العدول : بأن الغالب المعروف المألوف أن الغرض المقصود في الإجارة للمالك تحصيل

( مسألة 7 ) : لو آجر نفسه للخياطة - مثلاً - في زمان معين ، فاشتغل بالكتابة للمستأجر مع علمه بأنه غير العمل المستأجر عليه ، لم يستحق شيئاً. أما الأجرة المسماة : فلتفويتها على نفسه بترك الخياطة ، وأما أجرة المثل للكتابة - مثلاً - : فلعدم كونها مستأجراً عليها ، فيكون كالمتبرع بها. بل يمكن أن يقال بعدم استحقاقه لها ولو كان مشتبها غير متعمد [1] ، خصوصا مع جهل المستأجر بالحال.

( مسألة 8 ) : لو أجر دابته لحمل متاع زيد من مكان إلى آخر فاشتبه وحملها متاع عمرو ، لم يستحق الأجرة على زيد ولا على عمرو.

( مسألة 9 ) : لو آجر دابته من زيد - مثلا - فشردت


الأجرة خاصة ، وهي حاصلة على التقادير الثلاثة ، فكلام أهل العلم مبني على الغالب المعروف.

وما ذكره الجماعة وإن كان محلا للمنع ، بل لا ينبغي الارتياب في خلافه ، وعدم جواز التعدي عن تعيين المالك. لكن قد يفهم منه حكم المقام بطريق الأولوية. وبالجملة : إذا لاحظت كلماتهم تعرف أن الارتكاز العرفي المذكور مما لا معدل عنه عندهم (1).

[1] يفترق الحكم هنا عما كان في المسألة السابقة : بأن العمل في المقام مع العلم والجهل لا يتحقق معه عنوان الاستيفاء ، لأنه لم يكن بأمر من الغير ، بخلاف العمل في المسألة السابقة ، فإنه بأمر يتحقق معه عنوان الاستيفاء. واعتقاد الأمر هنا مع الجهل لا يكفي في صدق الاستيفاء.


1) قد ذكرنا في مبحث المزارعة ماله نفع في المقام فراجع. ( منه قدس سره )

قبل التسليم اليه أو بعده في أثناء المدة ، بطلت الإجارة [1]. وكذا لو آجر عبده فأبق. ولو غصبهما غاصب ، فان كان قبل التسليم فكذلك. وإن كان بعده يرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة [2]. ويحتمل التخيير [3] بين الرجوع على الغاصب وبين الفسخ في الصورة الأولى [4] وهو ما إذا كان الغصب قبل التسليم.

( مسألة 10 ) : إذا آجر سفينته لحمل الخل مثلا من بلد إلى بلد ، فحملها المستأجر خمراً ، لم يستحق المؤجر إلا الأجرة المسماة ، ولا يستحق أجرة المثل لحمل الخمر ، لأن أخذ الأجرة عليه حرام ، فليست هذه المسألة مثل مسألة إجارة العبد للخياطة ، فاستعمله المستأجر في الكتابة [5].

لا يقال : فعلى هذا إذا غصب السفينة وحملها خمراً ، كان اللازم عدم استحقاق المالك أجرة المثل ، لأن أجرة حمل الخمر حرام. لأنا نقول : إنما يستحق المالك أجرة المثل للمنافع


[1] يعني : في باقي المدة ، لفوات المنفعة وتعذرها ، فتكون الإجارة واقعة على مالا منفعة له.

[2] هذا مبني على تنزيل الغصب منزلة التلف ، كما تقدم القول به في امتناع المؤجر من التسليم ، كما تقدم ضعفه ، فراجع المسألة العاشرة والحادية عشرة من الفصل الثالث.

[3] هذا هو المتعين كما عرفت.

[4] قد عرفت هناك احتماله في الصورة الثانية.

[5] تقدم فيها ماله نفع هنا ، فراجعه.

الحللة الفائتة في هذه المدة. وفي المسألة المفروضة لم يفوت على المؤجر منفعة ، لأنه أعطاه الأجرة المسماة لحمل الخل بالفرض.

( مسألة 11 ) : لو استأجر دابة معينة من زيد للركوب إلى مكان ، فاشتبه وركب دابة أخرى له ، لزمه الأجرة المسماة للأولى ، وأجرة المثل للثانية ، كما إذا اشتبه فركب دابة عمرو فإنه يلزمه أجرة المثل لدابة عمرو والمسماة لدابة زيد ، حيث فوت منفعتها على نفسه.

( مسألة 12 ) : لو آجر نفسه لصوم يوم معين عن زيد مثلاً ، ثمَّ آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو ، لم تصح الإجارة الثانية [1]. ولو فسخ الأولى بخيار أو إقالة قبل ذلك اليوم لم ينفع في صحتها ، بل ولو أجازها ثانياً ، بل لا بد له من تجديد العقد ، لأن الإجازة كاشفة [2] ، ولا يمكن


[1] لما سبق من أن المنفعة الثانية لما لم تكن مملوكة للأجير - لمباينتها للأولى - لم تمكن الإجارة عليها ، لعدم السلطنة له عليها ، بل لا تصح وإن أجاز المستأجر الأول ، لأن المانع لا ينحصر بتعلق حق الغير كما سبق كي تصح الإجارة بإجازته ، بل المانع عدم الملك لا للأجير ولا لغيره. نعم إذا كانت الإجارة الأولى واقعة على منفعته الخاصة وكذلك الثانية ، وكانت الخصوصية - أعني : كون الصوم عن زيد - ملحوظة على نحو تعدد المطلوب ، أمكن أن تكون إجازة المستأجر الأول راجعة إلى رفع اليد عن الخصوصية ، وحينئذ تصح الثانية بالإجازة ، وترجع الأجرة المذكورة فيها إلى المستأجر الأول.

[2] هذا لا يجدي في المنع ، إلا بناء على الكشف الحقيقي. والعمدة :

الكشف هنا لوجود المانع حين الإجارة ، فيكون نظير من باع شيئا ثمَّ ملك [1] ، بل أشكل.

فصل

لا يجوز إجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير ، بما يحصل منها من الحنطة أو الشعير ، لا لما قيل : من عدم كون مال الإجارة موجوداً حينئذ ، لا في الخارج ولا في الذمة ، ومن هنا يظهر عدم جواز إجارتها بما يحصل منها ولو من


أن إضافة العوض إلى مالك بعينه من قوام المعاوضة ، فإذا تبدل فقد فاتت المعاوضة الواقعة وتعذرت صحتها.

[1] لأن الصوم عن عمرو لما كان ضد الصوم عن زيد ، فاذا ملك المستأجر الأول الثاني ، خرج الأول عن كونه مملوكاً للمؤجر ، لما عرفت من أن القدرة على المتضادين لما كانت بدلية كانت الملكية لها كذلك ، فاذا ملك المستأجر الأول أحدهما تعييناً خرج الآخر عن الملكية تعييناً وتخييراً ، فاذا فسحت الإجارة الأولى صار الضدان مملوكين على البدل ، كحالهما قبل الإجارة ، فاذن تكون الإجارة الثانية قبل الفسخ واقعة على منفعة غير مملوكة. وكأن الوجه في كونه أشكل : أن عدم القدرة على الضد الثاني يوجب خروجه عن صلاحية الملك ، فالمانع فيه ذاتي ، بخلاف مسألة من باع ثمَّ ملك فان المانع فيه عرضي ، وهو تبدل المالك من دون قصور في ذات المملوك.

غير الحنطة والشعير ، بل عدم جوازها بما يحصل من أرض أخرى أيضاً. لمنع ذلك [1] ، فإنهما في نظر العرف واعتباره بمنزلة الموجود كنفس المنفعة ، وهذا المقدار كاف في الصحة نظير بيع الثمار سنتين ، أو مع ضم الضميمة ، فإنها لا يجعل غير الموجود موجوداً ، مع أن البيع وقع على المجموع. بل للأخبار الخاصة [2]. وأما إذا آجرها بالحنطة أو الشعير في الذمة


[1] هذا المنع يتم إذا كان المقصود من الدليل المنع العقلي. أما إذا كان المقصود المنع الشرعي من جهة الغرر ، الحاصل من الشك في الوجود أو الشك في مقدار الموجود ، فالمنع المذكور لا يرفع الغرر الحاصل.

[2] المشتمل بعضها على النهي عن إجارة الأرض بالطعام ، وعلل في بعضها بأنه غير مضمون ، ففي موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا تؤجر الأرض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالأربعاء ولا بالنطاف ، ولكن بالذهب والفضة ، لأن الذهب والفضة مضمون وهذا ليس بمضمون » (1). وفي آخر : بأنه يلزم إجارة الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير (2). وفي ثالث : « إن كان من طعامها فلا خير فيه » (3). وظاهر الجميع الاختصاص بما كان منها أو من غيرها المعين ولم يعرف المخالف في المنع إلا ما يظهر من التبصرة والمختلف ، تبعاً لما يظهر من النافع كما قيل. لكنه مخالف لظاهر النهي المذكور المعول عليه


1) الوسائل باب : 16 من أبواب المزارعة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 16 من أبواب المزارعة حديث : 11.

3) الوسائل باب : 15 من أبواب المزارعة حديث : 5.

لكن بشرط الأداء منها ، ففي جوازه إشكال والأحوط العدم [1] لما يظهر من بعض الاخبار ، وإن كان يمكن حمله على الصورة الأولى. ولو آجرها بالحنطة أو الشعير من غير اشتراط كونهما منها فالأقوى جوازه [2] ، نعم لا يبعد كراهته. وأما إجارتها


عند المشهور. والتعبير بقوله (عليه السلام) : « لا خير فيه » لا يصلح لصرف النهي عن ظاهره ، بل لعله ظاهر في نفسه في المنع.

[1] احتمل في الجواهر العدم ، لما يظهر من بعض النصوص في خصوص هذا الشرط كما ذكر في المتن. لكنه استظهر الجواز ، للعمومات. وهو غير بعيد.

[2] عملاً بالتعليل بأنه غير مضمون ، المقتضي للجواز في المضمون. لكن عن بعض : المنع إذا كان من جنس ما يزرع فيها ، لصحيح الحلبي : « لا تستأجر الأرض بالحنطة ثمَّ تزرعها حنطة » (1). ويساعده بعض التعليلات المتقدمة. لكن المشهور على خلافه. ولأجله يشكل العمل بالصحيح ، مع أن دلالته لا تخلو من خفاء. وأما دعوى : المعارضة للتعليل بعدم الضمان ، فغير ظاهرة ، لإمكان تعدد وجوه المنع.

والعمدة : أن الخبر المشتمل على التعليل ضعيف بالإرسال وغيره ، فلا مجال للاعتماد عليه. مضافاً إلى معارضته بخبر الهاشمي ، عن أبي عبد اللّه علیه السلام : « سألته عن رجل استأجر من السلطان من أرض الخراج ، بدراهم مسماة أو بطعام مسمى ، ثمَّ آجرها وشرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر ، وله في العوض بعد ذلك فضل ، أيصلح له لذلك؟ قال (عليه السلام) : نعم إذا حفر لهم نهراً .. » (2)فتأمل.


1) الوسائل باب : 16 من أبواب المزارعة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 21 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

بغير الحنطة والشعير من الحبوب ، فلا إشكال فيه [1] ، خصوصا إذا كان في الذمة ، مع اشتراط كونه منها أولا.

( مسألة 1 ) : لا بأس بإجارة حصة من أرض معينة مشاعة ، كما لا بأس بإجارة حصة منها على وجه الكلي في المعين مع مشاهدتها على وجه يرتفع به الغرر. وأما إجارتها على وجه الكلي في الذمة فمحل إشكال ، بل قد يقال : بعدم جوازها لعدم ارتفاع الغرر بالوصف ، ولذا لا يصح السلم فيها. وفيه : أنه يمكن وصفها على وجه يرتفع ، فلا مانع منها إذا كان كذلك.

( مسألة 2 ) : يجوز استئجار الأرض لتعمل مسجداً ،


[1] في خبر أبي بصير المتقدم ذكر التمر مع الحنطة والشعير ، ومقتضاه المنع فيه ، بل مقتضى التعليل بعدم الضمان : اطراد المنع في كل ما يخرج منها. وإن كان ظاهر بعض : الاختصاص بالحنطة والشعير. ووجهه غير ظاهر ، لعموم التعليل في النص ، وعموم ما ذكروه في وجه المنع الذي أشار إليه المصنف (رحمه اللّه) في صدر المسألة ، ولذا كانت عباراتهم مطلقة. قال في القواعد في كتاب المزارعة : « تجوز إجارة الأرض بكل ما يصلح أن يكون عوضاً في الإجارة وإن كان طعاماً إذا لم يشترط أنه مما يخرج من الأرض ». وقال في مفتاح الكرامة : « لأنه لا يجوز اشتراط كونه مما يخرج منه ، كما في الخلاف والمبسوط والسرائر ، والمختلف والتنقيح ، وجامع المقاصد. ولا يصح كما في إيضاح النافع ، والكتاب. ويكون حراما ، كما في التذكرة .. » إلى آخر ما حكاه من عباراتهم. وحينئذ فنفي الإشكال في المتن غير ظاهر ، لا من حيث النص ولا من حيث الفتوى.

لأنه منفعة محللة [1]. وهل يثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث ودخول الجنب والحائض ونحو ذلك.؟ قولان. أقواهما : العدم [2]. نعم إذا كان قصده عنوان المسجدية لا مجرد للصلاة فيه [3] ، وكانت المدة طويلة كمائة سنة أو أزيد لا يبعد ذلك ، لصدق المسجد عليه حينئذ.


[1] خلافاً لأبي حنيفة ، لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة ، فلا تجوز الإجارة لذلك. وفيه أنه لا ملازمة بين بطلان الإجارة على الصلاة ، وبطلان إجارة المكان للصلاة ، لأن الإجارة على الصلاة تقتضي لزوم الصلاة ، وإجارة المكان للصلاة لا تقتضي لزوم الصلاة. مضافاً إلى أن استحقاق الصلاة ولزومها بالإجارة لا يقتضي بطلانها ، كما في صلاة الأجير.

[2] كما عن جامع المقاصد ، لأن المسجد اسم للموقوف مؤبداً لذلك. وعن الأردبيلي : دعوى كوى المسجد أعم من الموقوف مؤبداً وغيره كالمقام ، خصوصا في المدة الطويلة كمائة سنة. لكنه كما ترى مخالف لظاهر الاتفاق على اعتبار التأبيد ، كما يظهر من كلماتهم في الصلاة. مع أن الشك في ذلك كاف في عدم ترتب الأحكام ، للأصل. وإطلاق أدلتها يسقط عن الحجية ، إذ ليس المراد منه المعنى اللغوي ضرورة ، بل المراد منه مفهوم شرعي ، فمع الشك في حصوله يرجع إلى أصالة عدم ترتب الأثر.

[3] لا إشكال في أن عنوان المسجد من العناوين القائمة بنفسها ، لا ترتبط بفعل المكلف ، ولذا لو خرب المسجد لم تبطل مسجديته وإن تعذرت الصلاة فيه. بخلاف ما لو خرب المكان الذي وقف على أن يكون مصلى ، فإنه إذا تعذرت الصلاة فيه فقد تعذرت المنفعة المقصودة من الوقف ، فتبطل وقفيته. ثمَّ إنه إذا اعتبر الدوام في المسجدية فلا مجال

( مسألة 3 ) : يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة [1] أو لحفظ الاعتبار ، أو غير ذلك من الفوائد التي لا تنافي بقاء العين.

( مسألة 4 ) : يجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال ونحوه [2] كربط الدابة به ، أو نشر الثياب عليه.

( مسألة 5 ) : يجوز استئجار البستان لفائدة التنزه ، لأنه منفعة محللة عقلائية.

( مسألة 6 ) : يجوز الاستئجار لحيازة المباحات [3]


للإجارة المذكورة ، وإن لم يعتبر لا حاجة إلى اعتبار أن تكون المدة طويلة.

[1] كما صرح به في الشرائع وغيرها. وعن مجمع البرهان : « لا شك فيه لو حصل نفع مقصود محلل ، لإطلاق أدلة الإجارة ». وهو في محله. أما إذا لم يكن لها نفع كذلك فلا ينبغي التأمل في البطلان ، لأن أكل الأجرة حينئذ يكون أكلاً للمال بالباطل. وفي الجواهر : « واحتمال عدم الجواز حتى مع تحقق المنفعة ، للشك في تناول مثل ذلك ، في غير محله ، كاحتمال عدم جواز إجارتهما لعدم صحة وقفهما ، وعدم ضمان منفعتهما لو غصبا. وفيه : أولاً .. » إلى آخر ما ذكر في الاشكال من منع الملازمة ومنع عدم جواز الوقف ، ومنع عدم الضمان.

[2] كما صرح به في الجواهر ، لما ذكر فيما قبله.

[3] هذه المسألة مذكورة في الشرائع في أواخر كتاب الشركة ، وقد اختار فيها الجواز. وفي القواعد قال : « في جواز الاستئجار على الاحتطاب أو الاحتشاش أو الالتقاط نظر ، ينشأ من وقوع ذلك للمؤجر أو المستأجر ».

كالاحتطاب والاحتشاش والاستقاء. فلو استأجر من يحمل الماء له من الشط - مثلا - ملك ذلك الماء بمجرد حيازة السقاء فلو أتلفه متلف قبل الإيصال إلى المستأجر ضمن قيمته له. وكذا في حيازة الحطب والحشيش. نعم لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه ، فيحتمل القول بكونه له [1] ، ويكون ضامناً للمستأجر عوض ما فوته عليه من المنفعة ، خصوصاً [2] إذا كان المؤجر آجر نفسه على وجه يكون تمام منافعه في اليوم الفلاني للمستأجر ، أو يكون منفعته من حيث الحيازة له ، وذلك لاعتبار النية في التملك بالحيازة والمفروض أنه لم يقصد كونه للمستأجر بل قصد نفسه. ويحتمل القول بكونه للمستأجر لأن المفروض أن منفعته من طرف الحيازة له ، فيكون نية كونه لنفسه لغواً والمسألة مبنية على ان الحيازة [3]


[1] هذا يتم حتى على القول بتبعية المحاز للحيازة في الملكية إذا كان المستأجر عليه في الذمة ، لأن انطباق ما في الذمة على ما في الخارج يحتاج إلى قصد ، وإن انحصر في فرد ، ولا يكون قهرياً وان كان ذلك في الكلي الخارجي

[2] راجع إلى الضمان.

[3] الوجوه المتصورة بدواً في سببية الحيازة للملك ثلاثة : الأول : أن تكون سبباً لملك الحائز مباشرة ، وهو من قامت به الحيازة مطلقاً ، سواء قصد نفسه أم غيره أم لم يقصد. الثاني : أن تكون سبباً لملك من كانت له الحيازة ، فيكون المحاز تابعاً لها في الملكية ، تبعية الثمرة للشجرة ، والحمل للدابة ، والنماء لذي النماء ، مطلقاً أيضاً. الثالث : أن تكون سبباً لملك من جعلت له ولو تبرعاً ، فتكون سببيتها متقومة بالقصد ، فان


قصد الحائز بها نفسه ملك هو المحاز ، وإن قصد غيره ملك غيره المحاز ، وان لم يقصد أصلا لم يملك المحاز مالك ، وبقي على إباحته الأصلية.

هذا ولا ينبغي الإشكال في صحة الإجارة على الوجهين الأخيرين. نعم قد تشكل بناء على الوجه الأول ، بل في المتن أن لازمه عدم صحة الإجارة. وكأنه لعدم رجوع المنفعة إلى المستأجر حينئذ. وفيه : أنه يكفي في صحتها ترتب غرض ما على حصول العمل المستأجر عليه ، نظير الإجارة على النيابة عن ميت من أموات المستأجر ، والاستئجار لإرضاع الولد وتعليمه الكتابة ونحوها من الكمالات ، فالوجوه كلها مشتركة في صحة الإجارة عليها ، ولا فرق بين الأول والأخيرين في ذلك.

نعم تختلف في أمر آخر ، وهو ملكية المحاز للمستأجر ، فعلى الأول : لا يملكه المستأجر مطلقاً ، وإنما يملكه الأجير الحائز ، وعلى الثاني : يملكه المستأجر مطلقاً. إذا كانت الإجارة واقعة على المنفعة الخاصة وحدها أعني : منفعة الحيازة ، أو مع غيرها بأن كان جميع منافعه ملحوظة في الإجارة ، فإن الحيازة على هذا تكون ملكاً للمستأجر فيتبعها المحاز ، وأما إذا كانت واقعة على ما في الذمة ، فإن قصد الأجير تشخيص ما في ذمته الواجب عليه بالإجارة ، كانت الحيازة الخارجية ملكا للمستأجر فيتبعها المحاز. أما إذا لم يقصد ذلك ، بل قصد نفسه ، كان المحاز له ، ويكون قد فوت العمل المستأجر عليه على المستأجر ، فيرجع المستأجر عليه بأجرة المثل لو لم يفسخ ، أو بالمسمى إذا كان قد فسخ. وعلى الثالث : مقدمية الإجارة لتملك المحاز. تتوقف على وقوعها على الحيازة بقصد كونها للمستأجر » إذ لو وقعت على نفس فعل الحيازة مطلقاً استحق الأجير الأجرة ولو قصد نفسه ، ويكون هو المالك حينئذ للمحاز ، فالإجارة إنما يترتب عليها تملك المستأجر للمحاز ، إذا وقعت على الحيازة بنحو خاص ،


أعني : بقصد كونها للمستأجر. وحينئذ فإن قصد الحائز ذلك استحق الأجرة ، وكان المحاز للمستأجر. وإن قصد نفسه كان المحاز له دون المستأجر ، من دون فرق بين وقوع الإجارة على منفعته الخاصة ووقوعها على ما في الذمة ، وحينئذ يستحق المستأجر عليه المسمى أو أجرة المثل كما سبق. وكذا لو لم يقصد شيئاً ، لكن في هذه الصورة يبقى المحاز على إباحته الأصلية.

ثمَّ إن الوجهين الأخيرين يمكن إرجاع ثانيهما إلى أولهما ، بناء على أنه يكفي في ملكية العمل صدوره عن فاعله بقصد أنه لزيد مثلا ، فيكون ملكاً لزيد بمجرد ذلك ، فإنه على هذا المبنى تكون ملكية المقصود للمحاز تابعة لملكية الحيازة ، فالمتبرع عن غيره بالحيازة يملكها للمتبرع عنه ، فيملك المتبرع عنه المحاز ، كما يملك نفس الحيازة بالتبرع عنه فيها. فالحيازة تارة : تملك بعقد الإجارة للمستأجر. وأخرى : يملكها المتبرع عنه بالتبرع من الحائز عنه ، فيملكها المتبرع عنه بذلك التبرع الراجع إلى فعلها بقصد كونها لغيره ، فتكون حال وقوعها ملكاً للمتبرع عنه ، فيتبعها المحاز. فالبناء على الثالث أيضاً راجع إلى تبعية المحاز للحيازة في الملكية. نعم إذا كانت منفعة الحيازة مملوكة على الحائز بالإجارة ، لا سلطنة له على جعلها لغير المستأجر المالك لها. نعم بين الوجهين فرق من جهة أخرى ، تظهر بالتأمل فيما ذكرنا. وكيف كان : لا ينبغي التأمل في أن الرجوع إلى المرتكز العرفي - الذي هو المعيار المائز بين ما تدخله النيابة والوكالة ومالا تدخله - يقتضي البناء على كون العناوين المذكورة في المتن مما تدخله النيابة ، فإنها عند العرف كذلك. بل التسالم على كون القبض مما تدخله النيابة ، في كل مورد كان موضوعاً لحكم شرعي ، يقتضي البناء عليه هنا ، لأنها من أنواعه وأنحائه. فيبطل الوجه الأول.

هذا ولأجل أن اعتبار النيابة عند العقلاء إنما يصح فيما إذا كان


للمنوب فيه أثر يترتب عليه ، وإلا لم يكن للنيابة معنى ، ولا مجال لاعتبارها عند العقلاء ، فيكون بناؤهم على صحة النيابة في هذه العناوين كاشفاً عن كونها موضوعاً للآثار مطلقاً ، فيتعين الوجه الثاني الذي هو ثالث الوجوه المذكورة في المتن ، ويترتب عليه ما عرفت من أنه إذا استأجره بلحاظ المنفعة الخاصة - أعني : منفعة الحيازة - كان المحاز ملكا للمستأجر ، تبعاً لملكية الحيازة وإن قصد الأجير الحيازة عن نفسه أو عن غير المستأجر ، لعدم نفوذ قصده ، لكونه تصرفاً في ملك المستأجر ، كما لو حاز العبد بقصد غير مولاه.

وفي الشرائع في كتاب الشركة قال : « إذا استأجره للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد مدة معينة ، صحت الإجارة ، ويملك المستأجر ما يحصل في تلك المدة ». لكن قال في كتاب الوكالة : « إن الأمور المذكورة لا تقبل النيابة ». وأشكل عليه : بأن البناء على أنها لا تقبل النيابة يقتضي المنع من صحة الإجارة عليها. وفي الجواهر دفع الإشكال : « بأنه قد يمنع التلازم ، ويكون حينئذ ملك المباح في الفرض من توابع ملك العمل بالإجارة ، وهو غير التملك بالنيابة في الحيازة. ثمَّ قال : فتأمل » ولعله أشار بالأمر بالتأمل إلى أنه إذا لم تقبل العناوين المذكورة اختصت آثارها بالمباشر ، فيكون المباح ملكاً له ، فإذا بني على كونه ملكاً لمالك الحيازة وإن لم يكن هو المباشر ، كان ذلك قولا بقبولها للنيابة ، إذ ليس المراد من كونها قابلة للنيابة إلا هذا المعنى ، بأن يكون الأثر لغير المباشر

ثمَّ إنه قد استدل على الوجه الأول من الوجوه التي ذكرناها ، بما دل على أن من حاز ملك ، فان المضمون المذكور وإن لم يرد به نص بلفظه ، فقد ورد ما يدل على معناه ، مثل قوله (عليه السلام) : « لليد ما أخذت


وللعين ما رأت » (1). وفيه : أنه إذا كانت المرتكزات العرفية قاضية بقبولها النيابة ، فقد صدق ذلك بالنسبة إلى المنوب عنه ولا يصدق بالنسبة إلى النائب ، كما يظهر من ملاحظة نظائره ، فإذا ورد : « من صلى ركعتين فله كذا » ، وقلنا بقبول الصلاة للنيابة ، كانت الصلاة الواقعة من النائب منسوبة إلى المنوب عنه. لا إلى النائب ، مثل : من باع أو تزوج أو قبض وغيرها. ونظير المقام باب إحياء الموات ، فان قولهم (عليهم السلام) : « من أحيا أرضا مواتاً فهي له » (2). وإن كان مقتضى الجمود على عبارته تملك من قام به الاحياء ، لكن ما دل على قبول الاحياء للنيابة يقتضي عمومه للمباشرة والنيابة ، لأن فعل النائب فعل المنوب عنه ، فمن أحيا عن غيره كان غيره المحيي لا المباشر ، نظير قوله (عليه السلام) : « من بنى مسجداً كمفحص قطاة بنى اللّه له بيتاً في الجنة » (3)، فإن الأثر المذكور يكون لمن ملك البناء ولو لم يباشر.

نعم هنا شي‌ء وهو : أن ملك الحيازة هل يحصل بمجرد نية المباشر عن غيره كما يحصل بعقد الإجارة ، أولا؟ فيه إشكال ، ومقتضى أصالة عدم ترتب الأثر عدمه. بل العدم مقتضى قاعدة السلطنة على النفس. ومن ذلك يشكل البناء على عموم صحة النيابة ولو تبرعاً.

والمتحصل مما ذكرنا : أن مقتضى الجمود على ما تحت مفاد الأدلة الأولية هو عدم صحة النيابة في أمثال المقام ، وأن المحاز ملك للحائز مباشرة. وبعد ملاحظة ما دل على قبول مثل ذلك للنيابة ، والجمع بينه وبين الأدلة الأولية ، يتعين البناء على أن المحاز ملك لمالك الحيازة ، لا من قامت به


1) الوسائل باب : 38 من أبواب الصيد حديث : 1.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب احياء الموات حديث : 5 ، 6.

3) الوسائل باب : 8 من أبواب أحكام المساجد حديث : 2 ، 6.


الحيازة ، نظير : « من أحيا أرضاً » و « من بنى مسجداً ». وهذا الملك تارة : يكون بالإجارة ، وأخرى : يكون بغيرها من جعالة ونحوها ، وقد يكون بالأمر بها مجاناً ، فيحوز المأمور بنية ملك الآمر. أما تبرع الحائز بدون إذن من حاز له فلا أثر له في الملك ، لما عرفت من أنه خلاف قاعدة السلطنة. بل قد يشكل حصوله بمجرد الأمر بالحيازة مجاناً ، لعدم الدليل على حصول الملك بمجرد ذلك. وقبول الحيازة للنيابة لا يقتضي ذلك ، لأن القابلية أعم من الفعلية ، فما لم يقم دليل على النفوذ يكون المرجع أصالة عدم ترتب الأثر. اللّهم إلا أن يدخل ذلك في الهبة ، فيدل على ترتب الأثر ما دل على نفوذ الهبة. فتأمل.

ثمَّ إنه هل يعتبر في ملك الحائز لما حاز نية التملك ، أولا يعتبر ذلك؟ في الشرائع : « قيل : لا. وفيه تردد ». وفي القواعد : « فيه اشكال. وصريح المبسوط في كتاب احياء الموات اعتبارها. قال فيه : لأن المحيي إنما يملك بالإحياء إذا قصد تملكه ». وتبعه عليه جماعة ، منهم الشهيد في الدروس. وجزم في الجواهر في كتاب إحياء الموات وغيره بعدم الاعتبار ، وقال في كتاب الشركة : « يمكن دعوى السيرة ، بل الضرورة على خلاف ذلك » ( يعني : ما ذكره في المبسوط ) وفي مفتاح الكرامة : « الأقرب الاعتبار » ، وذكر أنه قد استدل عليه بالأخبار المستفيضة الواردة فيما يكون في جوف السمكة مما يكون في البحر (1)، وبالإجماعين الظاهرين من التذكرة والمختلف ، المعتضدين بالشهرات. واستدل له في جامع المقاصد بما تكرر في فتوى الأصحاب من أن ما يوجد في جوف السمكة مما يكون في البحر يملكه المشتري ولا يجب دفعه إلى البائع يعني : أنه لو لم تعتبر النية لكان ملكاً للبائع لكونه حائزاً ، ولا وجه


1) الوسائل باب : 10 من أبواب اللقطة.

من الأسباب القهرية لتملك الحائز [1] ولو قصد الغير ، ولازمه عدم صحة الاستئجار لها. أو يعتبر فيها نية التملك ودائرة مدارها ، ولازمه صحة الإجارة ، وكون المحوز لنفسه إذا قصد نفسه وإن كان أجيراً للغير ، وأيضاً لازمه عدم حصول الملكية له إذا قصد كونه للغير ، من دون أن يكون أجيراً له أو وكيلا عنه ، وبقاؤه على الإباحة إلا إذا قصد بعد ذلك كونه له بناء على عدم جريان التبرع في حيازة المباحات والسبق إلى المشتركات ، وإن كان لا يبعد جريانه. أو أنها من الأسباب القهرية لمن له تلك المنفعة ، فان لم يكن أجيراً يكون له ، وإن


لأن يكون للمشتري. وفيه : أن الظاهر أن البائع باع تمام ما حازه ، وإن كان يعتقد أنه سمكة فقط ، فالخطأ يكون في التطبيق لا غير. ثمَّ إن ما ذكره من الفتوى قد تضمنتها جمله من النصوص ، ذكرها في الوسائل في كتاب اللقطة ، فراجعها. ودلالتها على اعتبار نية التملك غير ظاهرة ، وان استدل بها في مفتاح الكرامة.

هذا وفي الجواهر قوى اعتبار قصد الحيازة في حصول الملك ، فمن حول تراباً أو حجراً عن طريق بقصد التمكن من العبور عنه لا يملكه. وكأنه لانصراف الأدلة عن مثل ذلك وهو غير بعيد ، ولا سيما مع موافقته للسيرة. وأظهر منه صورة ما إذا لم يتحقق القصد أصلا ، كما في حيازة النائم ونحوه.

[1] الظاهر من العبارة - بقرينة ما يأتي من قوله : « أو أنها من الأسباب القهرية .. » - أن المراد من كونها من الأسباب القهرية : أنها توجب تملك المباشر ، الذي هو الوجه الأول من الوجوه التي ذكرناها في الحاشية السابقة. لكن هذا المبنى لا يترتب عليه شي‌ء من الاحتمالين السابقين ، إذ الاحتمال الثاني - وهو كون المحاز للمستأجر - لا وجه لترتبه

قصد الغير فضولاً فيملك بمجرد قصد الحيازة ، وإن كان أجيراً للغير يكون لذلك الغير قهراً ، وإن قصد نفسه أو قصد غير ذلك الغير [1]. والظاهر عدم كونها من الأسباب القهرية مطلقاً ، فالوجه الأول غير صحيح ، ويبقى الإشكال في ترجيح أحد الأخيرين ، ولا بد من التأمل [2].

( مسألة 7 ) : يجور استئجار المرأة للإرضاع [3] ، بل للرضاع بمعنى :


عليه. وأما الاحتمال الأول : فهو وإن كان يترتب في الجملة ، لكن من بعض آثار ذلك الاحتمال أن يكون ضامناً للمستأجر ، ولا وجه لترتبه على هذا المبنى ، لان لازم المبنى - كما ذكر - عدم صحة الإجارة ، فلا وجه لضمان المستأجر. وأيضاً لازم هذا المبنى تملك الحائز المحاز مطلقاً قصد نفسه أو غيره. وأيضاً فإن القول بأن المحاز ملك للمستأجر لا يترتب على شي‌ء من المبنيين. وبالجملة : ابتناء القولين السابقين على المبنيين المذكورين غير ظاهر.

[1] لما عرفت من أنه لا سلطنة له على ذلك القصد ، لأنه تصرف في ملك الغير فلا يؤثر شيئاً. هذا إذا كانت الإجارة واقعة على المنفعة الخارجية ، ولو كانت على ما في الذمة يكون المدار على قصده ، إذ لا مانع عن تأثيره.

[2] قد عرفت في الحاشية السابقة ترجيح الأخير ، الذي هو الوجه الثاني مما ذكرناه من الوجوه الثلاثة.

[3] بلا اشكال ظاهر. وهو المتيقن من معقد الإجماع على الجواز في المسألة. وتقتضيه عمومات الصحة ، لأن الإرضاع من المنافع ذات المالية التي يبذل المال بإزائها عند العقلاء. والقرآن المجيد شاهد بذلك ،

الانتفاع بلبنها [1] وإن لم يكن منها فعل مدة معينة. ولا بد من مشاهدة الصبي الذي استؤجرت لارضاعه ، لاختلاف الصبيان. ويكفي وصفه على وجه يرتفع الغرر. وكذا لا بد من تعيين المرضعة شخصاً أو وصفاً على وجه يرتفع الغرر. نعم لو استؤجرت على وجه يستحق منافعها أجمع التي منها للرضاع ، لا يعتبر حينئذ مشاهدة الصبي أو وصفه [2]. وإن اختلفت الأغراض بالنسبة إلى مكان الإرضاع - لاختلافه من حيث السهولة والصعوبة والوثاقة وعدمها - لا بد من تعيينه أيضا.


لقوله تعالى ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1)، فلا مانع من أخذ العوض بإزائه.

وأما الإجارة للرضاع : فالقول بجوازها محكي عن جماعة - وهو ظاهر الشرائع وغيرها مما عبر فيه بجواز الاستئجار للرضاع. لكنه مشكل كما أشار إلى وجهه غير واحد ، منهم جامع المقاصد ، لأن الإجارة مشروعة لنقل المنافع لا الأعيان ، واللبن من الثانية. بل يظهر من محكي التذكرة : الإجماع على الفساد فيه ، وأنه يتم على قول المخالفين من أن الإجارة قد تكون لنقل الأعيان. اللّهم الا أن يقال : إن الارتضاع من المرأة من قبيل المعنى مقابل اللبن ، يمكن تمليكه بالإجارة.

[1] كان اللازم أن يقيده بقوله : « على نحو الارتضاع » لتكون إجارة المرأة كإجارة الدار ، لتستوفي منافعها ، في مقابل الإجارة للإرضاع التي هي من قبيل إجارة العامل. وأما الانتفاع باللبن فهو انتفاع بالعين ، لا تصح الإجارة بلحاظه كما عرفت ، وسيأتي في المسألة الثانية عشرة.

[2] كما نص على ذلك في الجواهر. وكأنه لعدم كونه موضوعاً


1) الطلاق : 6.

( مسألة 8 ) : إذا كانت الامرأة المستأجرة مزوجة ، لا يعتبر في صحة استئجارها إذنه [1] ، ما لم يناف ذلك لحق استمتاعه ، لأن اللبن ليس له [2] ، فيجوز لها الإرضاع من غير رضاه. ولذا يجوز لها أخذ الأجرة من الزوج على إرضاعها لولده [3] ، سواء كان منها أو من غيرها. نعم لو نافى ذلك حقه لم يجز إلا بإذنه ، ولو كان غائبا فآجرت نفسها للإرضاع فحضر في أثناء المدة وكان على وجه ينافي حقه ، انفسخت


للإجارة ، كما لو استأجر الدابة بجميع منافعها ، فإنه لا يعتبر في صحتها ذكر الحمل فضلاً عن مقداره ، لأن الغرر مرتفع بذكر المدة ، والمرجع في كيفية الانتفاع هو المتعارف. ومن ذلك يظهر أنه إذا استأجر الدابة للحمل والمرأة للإرضاع ، لم يحتج الى تعيين الحمل أو المرتضع ، لأن التعارف كافٍ في رفع الغرر ، بخلاف ما لو استأجر الدابة لحمل شي‌ء معين ، أو المرأة لإرضاع طفل معين ، لأن خصوصية المنفعة لما كانت يختلف الغرض والقيمة باختلافها ، كان الجهل بها موجباً للغرر. فعدم الحاجة الى تعيين الصبي لا يختص بصورة إجارتها بلحاظ جميع المنافع ، فإنه إذا استأجرها لخصوص الإرضاع لا يحتاج أيضاً الى تعيين الصبي.

[1] عن المبسوط والخلاف والسرائر : اعتبار ذلك. وحكي عن الشرائع والجامع ، لأنه لا دليل على الصحة بدونه ، ولأن الزوج مالك لمنافعها. وكلا الأمرين كما ترى.

[2] وكذا الإرضاع والارتضاع.

[3] عن الشيخ في المبسوط : المنع عن ذلك ، وحكي عن جماعة من أهل الخلاف ، لأنها قد أخذت عوضاً في مقابل الاستمتاع ، وآخر في مقابل التمكين والحبس ، فلا تأخذ عوضاً آخر. وهو كما ترى.

الإجارة بالنسبة إلى بقية المدة.

( مسألة 9 ) : لو كانت الامرأة خلية فآجرت نفسها للإرضاع أو غيره من الاعمال ، ثمَّ تزوجت ، قدم حق المستأجر على حق الزوج في صورة المعارضة ، حتى أنه إذا كان وطؤه لها مضراً بالولد منع منه [1].

( مسألة 10 ) : يجوز للمولى إجبار أمته على الإرضاع [2] إجارة أو تبرعاً ، قنة كانت أو مدبرة أو أم ولد. وأما المكاتبة المطلقة : فلا يجوز له إجبارها [3]. بل وكذا المشروطة. كما لا يجوز في المبعضة [4]. ولا فرق بين كونها ذات ولد يحتاج إلى اللبن أولا ، لإمكان إرضاعه من لبن غيرها.

( مسألة 11 ) : لا فرق في المرتضع بين أن يكون معيناً أو كلياً ، ولا في المستأجر بين تعيين مباشرتها للإرضاع أو جعله في ذمتها ، فلو مات الصبي في صورة التعيين أو الامرأة في صورة تعيين المباشرة انفسخت الإجارة. بخلاف ما لو كان الولد كلياً أو جعل في ذمتها ، فإنه لا تبطل بموته أو موتها إلا مع تعذر الغير من صبي أو مرضعة.


[1] في القواعد : « للزوج الوطء وإن لم يرض المستأجر ». وكأنه منزل على صورة عدم الضرر.

[2] لأنه مملوك له تبعاً لملك الأمة ، فلا يجوز التصرف فيه بغير إذنه.

[3] لخروجها عن سلطنته ، للإجماع على انقطاع سلطنة المولى عن مال المكاتب بغير الاستيفاء ، من غير فرق بين المكاتب المطلق والمشروط.

[4] للاشتراك بينه وبينها.

( مسألة 12 ) : يجوز استئجار الشاة للبنها [1] ، والأشجار للانتفاع بأثمارها [2] ، والآبار للاستقاء [3] ، ونحو ذلك. ولا يضر كون الانتفاع فيها بإتلاف الأعيان ، لأن المناط في المنفعة هو العرف ، وعندهم يعدّ اللبن منفعة للشاة ، والثمر منفعة للشجر ، وهكذا. ولذا قلنا بصحة استئجار المرأة للرضاع وإن لم يكن منها فعل [4] ، بأن انتفع بلبنها ، في حال نومها ، أو بوضع الولد في حجرها وجعل ثديها في


[1] المشهور في الشاة - كما قيل - : المنع. وعن بعض : الجواز ، اعتماداً على مصححة ابن سنان : « عن رجل دفع إلى رجل غنمه بسمن ودراهم معلومة ، لكل شاة كذا وكذا في كل شهر. قال (عليه السلام) : لا بأس بالدراهم ، أما السمن فلا أحب ذلك ، إلا أن تكون حوالب فلا بأس » (1)ونحوها رواية الحلبي (2). لكنهما غير ظاهرتين في الإجارة. فالمرجع القواعد المقتضية للمنع.

[2] قيل : لا خلاف ظاهراً في فساد الإجارة. ويقتضيه ما تقدم في الاستئجار للرضاع.

[3] عن موضع من التذكرة وعن الإيضاح : القول بالجواز ، بدعوى أن الملحوظ في الإجارة منفعة البئر ، وإن أدى استيفاؤها إلى إتلاف العين. وفيه : أنه لا يظهر للبئر منفعة غير الانتفاع بإتلاف مائها ، ولذا كان المختار للقواعد وموضع من التذكرة وعن جامع المقاصد : المنع. وهو في محله كما يأتي.

[4] قد عرفت إشكاله في شرح المسألة السابقة ، وأن الارتضاع من


1) الوسائل باب : 9 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث : 4.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث : 1.

فم الولد من دون مباشرتها لذلك. فما عن بعض العلماء من إشكال الإجارة في المذكورات ، لأن الانتفاع فيها بإتلاف الأعيان ، وهو خلاف وضع الإجارة ، لا وجه له [1].


المرأة نحو منفعة لها خصوصية زائدة على الانتفاع باللبن ، فان انتفاع الطفل باللبن حين ما يوضع في كأس ويشرب غير انتفاعه به حين ما يشرب بنحو الارتضاع ، ولذا كان الأول غير محرم والثاني محرماً للنكاح. وكأن ما ذكرناه في كتاب ( نهج الفقاهة ) من عدم صحة إجارة المرأة للرضاع ، ناشئ عن غض النظر عن ذلك ، كما قد يتفق كون المقصود مجرد الانتفاع باللبن ولو بالشرب من كأس لا خصوص الارتضاع من الثدي.

[1] بل له وجه ظاهر ، لأن الإجارة عرفاً - كما عرفت في أول الكتاب - وإن كانت واقعة على العين ، لكن في حاقها المعاوضة على المنفعة ، فتكون الأجرة في مقابل المنفعة ، واللبن والماء والثمر في الموارد المذكورة أعيان لا منافع ، فلا تكون المعاوضة عليها من قبيل الإجارة.

ودعوى : أنها وإن كانت أعياناً لكنها بالإضافة إلى الأعيان التي وقعت عليها الإجارة منافع ، فإن منفعة الشاة لبنها ، ومنفعة الشجرة ثمرها ، ومنفعة البئر ماؤها ، فالأمور المذكورة أعيان في أنفسها ومنافع لغيرها ، فلا مانع من إيقاع الإجارة على أصلها بلحاظها.

مندفعة : بأن المنفعة الملحوظة في المعاوضة في الإجارة يراد بها ما هو مقابل العين ، فإنهم ذكروا : أن البيع تمليك الأعيان ، والإجارة تمليك المنافع ، فالمنافع يراد بها ما يقابل العين ، فلا تنطبق على العين ، والا لجازت إجارة الشاة بلحاظ سخلها ، والجارية بلحاظ ولدها ، والبذر بلحاظ الزرع. وكذا في جميع موارد التوالد. فيكون الفرق بين البيع والإجارة : أن البيع يقع على ما هو مقصود بنفسه في المعاوضة ، والإجارة

( مسألة 13 ) : لا يجوز الإجارة لإتيان الواجبات العينية [1] ، كالصلوات الخمس ، والكفائية كتغسيل الأموات وتكفينهم والصلاة عليهم ، وكتعليم القدر الواجب من أصول الدين وفروعه ، والقدر الواجب من تعليم القرآن ، كالحمد وسورة منه ، وكالقضاء والفتوى ، ونحو ذلك. ولا يجوز الإجارة على الأذان [2]. نعم لا بأس بارتزاق القاضي ، والمفتي والمؤذن من بيت المال. ويجوز الإجارة لتعليم الفقه والحديث والعلوم الأدبية وتعليم القرآن [3] ، ما عدا المقدار الواجب ، ونحو ذلك.


تقع على ما هو مقصود لغيره فيها وإن كان عيناً ، ويكون باب بيع الثمار من قبيل إجارة الأشجار ، فيناسب ذكره في باب الإجارة. ولأجل ما ذكرنا صح أن يضاف الأجر إلى ذي المنفعة ، فيقال : أجر الأجير ، وأجرة الدار ، وأمثال ذلك ، لكون المنفعة قائمة بالعين المستأجرة. ولو كانت المنفعة عيناً لم يحسن ذلك.

ومثلها دعوى : أن المنفعة الملحوظة في إجارة الشجر ليست الثمر بل الانتفاع بالثمر ، وهو من قبيل المعنى لا العين. وجه الاندفاع : أن الانتفاع بالثمرة ليس منفعة للشجر ، بل للثمر نفسه ، فلا يرتبط بإجارة الشجر.

[1] قد تكرر التعرض لذلك في هذا الشرح ، وقد تقدم في مبحث القراءة في الصلاة الوجوه المستدل بها على المنع ، والمناقشة فيها ، وأن العمدة في دعوى المنع : اليقين بوجوب حصولها مجاناً. فراجع.

[2] تقدم الكلام فيه في مبحث الأذان ، فراجع.

[3] تقتضي ذلك عمومات الصحة ، بعد أن كان التعليم موضوع الأغراض العقلائية ، بل هو من أفضلها.

( مسألة 14 ) : يجوز الإجارة لكنس المسجد والمشهد وفرشها ، وإشعال السراج ، ونحو ذلك [1].

( مسألة 15 ) : يجوز الإجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان مدة معينة عن السرقة والإتلاف ، واشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الإتلاف ولو من غير تقصير [2] ، فلا بأس بما هو المتداول من اشتراط الضمان على الناطور إذا ضاع مال


[1] لما عرفت ، فلا يكون أكل الأجرة أكلاً للمال بالباطل.

[2] يعني : شرط نفس الضمان على نحو يكون من شرط النتيجة : وقيل بعدم صحة ذلك ، فلا يصح إلا إذا كان بنحو شرط الفعل ، يعني : تدارك الخسارة ، بناء على عدم ضمان الأمين ، فإنه إذا كان الشرط بنحو شرط النتيجة ، يكون الشرط مخالفاً للكتاب فيبطل. وما في خبر إسحاق ابن عمار (1)من ضمان الأجير إذا كان أجيراً على الحفظ محمول على صورة اشتراط تدارك الخسارة ، لا الضمان بمعنى النتيجة كما هو ظاهره عند الإطلاق ، إذ بعد عدم إمكان الأخذ بإطلاقه لمخالفته للإجماع ، لا يتعين حمله على صورة اشتراط الضمان بمعنى النتيجة ، بل من الجائز حمله على صورة اشتراط الضمان بمعنى شرط الفعل ، بل هو المتعين ، لأن الأول شرط مخالف للكتاب.

هذا وقد تقدم في فصل : أن العين المستأجرة أمانة ، الكلام في ذلك. وأن قاعدة عدم ضمان الأمين لا تقتضي كون شرط الضمان بمعنى النتيجة مخالفاً للكتاب. والعمدة في المنع : كون شرط النتيجة في نفسه غير معقول. فراجع.


1) لعل المقصود به ما في الوسائل باب : 28 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 3.

لكن لا بد من تعيين العمل والمدة والأجرة على شرائط الإجارة.

( مسألة 16 ) : لا يجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميت واحد في وقت واحد [1] ، لمنافاته للترتيب المعتبر في القضاء بخلاف الصوم فإنه لا يعتبر فيه الترتيب. وكذا لا يجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحج الواجب عن اثنين ، ويجوز ذلك في الحج المندوب [2]. وكذا في الزيارات [3] كما يجوز النيابة


[1] نص على ذلك غير واحد ، لما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من منافاته للترتيب المعتبر في القضاء. فمن لا يقول باعتباره في القضاء لا مانع عنده من ذلك.

[2] في صحيح ابن إسماعيل : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) كم أشرك في حجتي؟ قال (عليه السلام) : كم شئت » (1). وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قلت له : أشرك أبوي في حجتي؟ قال (عليه السلام) : نعم. قلت أشرك أخوتي في حجتي؟. قال (عليه السلام) : نعم ، إن اللّه عز وجل جاعل لك حجاً ولك أجر لصلتك إياهم » (2). ونحوهما غيرهما. فاذا ثبتت مشروعيته جازت الإجارة عليه.

[3] في رواية إبراهيم الحضرمي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) : « فإذا أتيت قبر النبي (صلی اللّه عليه وآله) فقضيت ما يجب عليك ، فصل ركعتين ، ثمَّ قف عند رأس النبي (صلی اللّه عليه وآله) ، ثمَّ قل السلام عليك يا نبي اللّه ، عن أبي وأمي وولدي وخاصتي وجميع أهل بلدي ، حرهم وعبدهم ، وأبيضهم وأسودهم ، فلا تشاء أن تقول للرجل : قد أقرأت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) عنك السلام إلا كنت صادقاً » (3).


1) الوسائل باب : 28 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

2) الوسائل باب : 28 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

3) الوسائل باب : 30 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

عن المتعدد تبرعاً في الحج والزيارات [1]. ويجوز الإتيان بها لا بعنوان النيابة بل بقصد إهداء الثواب لواحد أو متعدد [2]

( مسألة 17 ) : لا يجوز الإجارة للنيابة عن الحي في الصلاة ولو في الصلوات المستحبة [3]. نعم يجوز ذلك في الزيارات والحج المندوب. وإتيان صلاة الزيارة ليس بعنوان


[1] كما هو مورد النصوص المتقدمة.

[2] قد تقدم في صلاة الاستيجار ذكر بعض ما يدل على إهداء الثواب ، ولعل منه ما في مرسل الفقيه : « قال رجل للصادق (عليه السلام) : جعلت فداك إني كنت نويت أن أدخل في حجتي العام أبي أو بعض أهلي فنسيت. فقال (عليه السلام) : الآن فأشركهما » (1).

ونحوه خبر الحارث بن المغيرة (2). فإن الظاهر من الإشراك بعد العمل الإشراك في الثواب ، كما فهمه منه في الوسائل. ثمَّ إن المصنف (رحمه اللّه) سيتعرض للإجارة على إهداء الثواب في المسألة الحادية والعشرين.

[3] يدل على الجواز رواية محمد بن مروان : « ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين ، يصلي عنهما ، ويتصدق عنهما ، ويحج عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك .. » (3)، وفي رواية علي بن أبي حمزة : « قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : أحج وأصلي وأتصدق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟. قال (عليه السلام) : نعم تصدق عنه ، وصل عنه ، ولك أجر بصلتك إياه » (4). لكن في الوسائل بعد ذكر الخبر


1) الوسائل باب : 29 من أبواب النيابة في الحج حديث : 2.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب النيابة في الحج حديث : 1.

3) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث : 1.

4) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث : 9.

النيابة بل من باب سببية الزيارة ، لاستحباب الصلاة بعدها ركعتين [1].


الأول قال : « أقول : الصلاة عن الحي مخصوص بصلاة الطواف والزيارة لما يأتي ». وكأنه يشير إلى ما ذكره من خبر عبد اللّه بن جندب : « كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) : أسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله في البر والصلة والخير أثلاثاً ، ثلثاً له وثلثين لأبويه أو يفردهما بشي‌ء مما يتطوع به. وإن كان أحدهما حياً والآخر ميتاً. فكتب الي : أما الميت : فحسن جائز ، وأما الحي : فلا إلا البر والصلة » (1). بناء على ما في بعض النسخ من كون « الصلاة » بدل « الصلة » ، كما هو الصحيح حسب ما يظهر من كلام ابن طاوس في ذيل الحديث المذكور. وفيه : أن مورد الحديث التشريك للحي في الصلاة ، فلا يدل على المنع من أفراده بالنيابة عنه ، إذ لعل للتشريك خصوصية ، كما قد ورد ذلك في خبر علي بن جعفر علیه السلام عن أخيه موسى بن جعفر علیه السلام : « سألته عن رجل جعل ثلث حجته لميت وثلثيها لحي. فقال علیه السلام : للميت ذلك وللحي فلا » (2)، مع ورود النص في جواز التبرع بالحج عن الحي. ولذلك قال السيد ابن طاوس - بعد ذكر خبر عبد اللّه بن جندب - : « لا يراد بهذه الصلاة المندوبة ، لأن الظاهر جوازها عن الأحياء في الزيارات والحج وغيرهما ». فالظاهر جواز النيابة عن الحي في الصلاة المندوبة كغيرها ، كما هو ظاهر شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في رسالة القضاء.

[1] الذي يظهر من النصوص : أن النيابة في الصلاة على نحو


1) الوسائل باب : 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث : 16.

2) الوسائل باب : 25 من أبواب النيابة في الحج حديث : 9.

ويحتمل جواز قصد النيابة فيها لأنها تابعة للزيارة [1]. والأحوط إتيانها بقصد ما في الواقع.

( مسألة 18 ) : إذا عمل للغير لا بأمره ولا إذنه ، لا يستحق عليه العوض [2] وإن كان بتخيل أنه مأجور عليه فبان خلافه.

( مسألة 19 ) : إذا أمر بإتيان عمل فعمل المأمور ذلك فان كان بقصد التبرع لا يستحق عليه أجرة وإن كان من قصد الآمر إعطاء الأجرة [3] ، وإن قصد الأجرة وكان ذلك العمل مما له أجرة استحق وإن كان من قصد الآمر إتيانه تبرعاً [4] ، سواء كان العامل ممن شأنه أخذ الأجرة ومعداً نفسه لذلك أولا بل وكذلك إن لم يقصد التبرع ولا أخذ الأجرة ، فإن عمل المسلم محترم. ولو تنازعا بعد ذلك في أنه قصد التبرع أو لا ،


النيابة في الزيارة ، لا أن الصلاة عن نفسه والزيارة عن غيره.

[1] كما عرفت أنه ظاهر النصوص.

[2] بلا خلاف ظاهر ، للأصل ، وعدم ثبوت سبب الضمان من عقد أو يد أو إتلاف. نعم بناء على أنه يكفي في كون العمل تحت اليد رجوع فائدته اليه يكون القول بالضمان في محله. لكنه غير ثابت.

وقاعدة احترام عمل المسلم كما له غير ثابتة كلية بنحو تستتبع الضمان عن المعمول له كما لا يخفى.

[3] بلا خلاف ظاهر ، فإنه إباحة منه لعمله تمنع عن ضمانه واحترامه كإباحة ماله.

[4] على المشهور شهرة عظيمة ، بل لم يحك الخلاف فيه. نعم

قدّم قول العامل ، لأصالة عدم قصد التبرع بعد كون عمل المسلم محترماً ، بل اقتضاء احترام عمل المسلم ذلك وإن أغمضنا


ظاهر ما في الشرائع في كتاب الجعالة من قوله : « لو استدعى الرد ولم يبذل الأجرة لم يكن للراد شي‌ء ، لأنه متبرع بالعمل » خلافه في ذلك ، مع بنائه في كتاب الإجارة على الاستحقاق إذا دفع الى العامل شيئاً ليعمل فيه ، إذا كان من عادة العامل أن يستأجر لذلك - كالغسال والصباغ - أو كان العمل مما له اجرة.

وكيف كان : فلا خلاف محقق في الضمان. وفي مجمع البرهان : « يحتمل أن يكون مجمعاً عليه ». نعم الإشكال في مستنده ، إذ الضمان إما بالعقد أو باليد أو بالإتلاف ، والجميع هنا محل الإشكال ، فإنه لا عقد صحيح في البين ، لا إجارة ولا جعالة ، للجهل بالأجرة والجعل. ولو سلم ثبوتهما فاسدتين ليترتب عليه الضمان بقاعدة : « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ، فغير مطرد في صورة قصد الآمر التبرع كما فرض في المتن. وإن كان باليد فغير ظاهر أيضاً ، لأن قاعدة : ( على اليد ) لو شملت المنافع اختصت بما لو كان ذو المنفعة تحت اليد ، لتكون المنفعة تحت اليد تبعاً ، وهو لا يتم في عمل الحر كما عرفت في أول الكتاب. فتأمل. وإن كان بالإتلاف فأشكل ، لأن سببية العامل فيه أقوى من الآمر ، لأنه المباشر ، كما لو أمره بإتلاف مال الغير وأكل طعامه ، فان المتلف هو الضامن لا الآمر.

والذي ذكره في المسالك وغيرها : أن الموجب للضمان استيفاء المنفعة ذات المالية. لكن سببية ذلك للضمان أيضاً محتاجة إلى دليل. وفي الجواهر : الاستدلال له بقاعدة احترام عمل المسلم كماله. كما أشار إليه في المتن وجملة من كتب الأصحاب. لكن عرفت سابقاً : أن كون عمل المسلم محترماً


كماله لا يكفي في ثبوت ضمانه. وعموم ما دل على احترام دم المسلم وماله (1)ظاهر في الحرمة التكليفية ، بمعنى : أنه لا يجبر المسلم على العمل ولا يقهر عليه ، ويكون ذلك حراماً ، لا أنه يكون مضموناً. ولو سلم فهو أعم من ضمان الآمر وغيره. وقد يدعى : أنه وجه الضمان أن الأمر بالعمل نظير الإباحة بالضمان والتمليك بالضمان ، فإنه استعمال بالضمان نافذ شرعاً كغيره. ويشكل بأنه لو سلم ذلك لم يجد مع قصد الآمر المجانية ، وسيشير إلى ذلك المصنف (رحمه اللّه) في المسألة الخامسة والعشرين.

وكأنه لذلك استشكل في مفتاح الكرامة في الضمان حيث قال : « لو لا اتفاق من تعرض لهذا الفرع على ثبوت الأجرة عند اجتماع الأمرين ( يعني : كون العمل ذا أجرة ، وكون العامل معتاداً في أخذ الأجرة ) إلا من قلّ ممن لا نعرفه لكان احتمال عدم الأجرة مطلقاً قوياً ، إذ لعله لا يقصر عن قوله : أعطني ما في يدك ، وأطعمني طعامك ، وأدّ عني ديني ، ولم يقل : وعليّ عوضه ، عند جماعة ونحو ذلك مما لا ضمان فيه ، لأنه مما يحتمل أن يكون بعوض وأن يكون بدونه ، والأصل براءة ذمته من لزومه. ولعلّ الذي دعاهم إلى ذلك استمرار السيرة ، ولكنها غير مستمرة فيما إذا لم يكن له عادة .. ».

أقول : قد ظهر لك : أن موضع الإشكال صورة قصد الآمر التبرع ، إذ مع قصده الأجرة يمكن أن يكون الضمان من جهة كون المورد إجارة أو جعالة فاسدتين ، وهما يقتضيان الضمان كالصحيحتين ، أو أن تكون معاملة مستقلة ، أعني : الاستعمال بشرط الضمان ، فلا وجه للرجوع إلى أصالة البراءة. أما إذا قصد الآمر التبرع ، فلا مجال لذلك. والضمان باليد والإتلاف قد عرفت إشكاله ، لكن التفصيل بين الصورتين خلاف


1) الوسائل باب : 152 من أبواب أحكام العشرة حديث : 12.

عن جريان أصالة عدم التبرع [1]. ولا فرق في ذلك بين


ارتكاز العرف والمتشرعة ، والمناط الموجب للضمان عندهم موجود في الصورتين على حد واحد ، وهو استيفاء العمل غير المباح من العامل ، كما أشار إليه في المسالك وغيرها. فاذاً لا يبعد البناء على الضمان ، لبناء العرف والمتشرعة عليه ، وعدّهم لاستباحة العمل ظلماً وعدواناً. والمناط في حصول الاستيفاء الموجب للضمان ، أن يكون بعث وتحريض للعامل ، ولا فرق في البعث بين أن يكون بالقول كالأمر ، وأن يكون بالفعل كأن يدفع إلى الخياط الثوب ليخيطه ، أو الغسال ليغسله ، أو يجلس بين يدي الحلاق أو الدلاك فيحلق رأسه أو يدلك بدنه ، كما صرح به في جامع المقاصد ، فان ذلك بمنزلة الأمر في حصول الاستيفاء المقتضي للضمان.

هذا والظاهر أن الأجرة التي يضمن بها العمل : هي أجرة المثل كما صرح به جماعة. وما في كلام جماعة آخرين من أنها الأجرة المسماة لمثل ذلك العمل قرينة على تواطئهما عليها ، فتكون جعالة صحيحة لتعين الجعل. لكن ذلك إن تمَّ يختص بصورة علم الآمر ، لا مع جهله. كما أنه يمكن أن يكون المقام من باب الإجارة الصحيحة ، بأن يكون غرض الآمر توكيل العامل في تعيين الأجرة ، كما يتعارف ذلك في الشراء من مخازن البقالين والبزازين وغيرهم ، من دون تواطؤ على أجرة معينة ، فلا بد أن يكون مقصود المشتري توكيل البائع من بقال أو بزاز أو غيرهما في تعيين الثمن ، فيكون البيع صحيحاً ، لأنه يكفي في معرفة العوضين المعتبرة في البيع معرفة الوكيل. وكذا في المقام. لكنه يختص التوكيل بالمتعارف وهي أجرة المثل ، فلا يكون الضمان بالمسمى. وكذا في البيع. وبالجملة : الضمان بالمسمى غير ظاهر ، إلا أن يكون مفاد الأمر التوكيل المطلق.

[1] كأنه مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

أن يكون العامل ممن شأنه وشغله أخذ الأجرة وغيره ، إلا أن يكون هناك انصراف أو قرينة على كونه بقصد التبرع ، أو على اشتراطه.

( مسألة 20 ) : كل ما يمكن الانتفاع به منفعة محللة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز إجارته. وكذا كل عمل محلل مقصود للعقلاء - عدا ما استثني - يجوز الإجارة عليه ، ولو كان تعلق القصد والغرض به نادراً لكن في صورة تحقق ذلك النادر [1]. بل الأمر في باب المعاوضات الواقعة على الأعيان أيضاً كذلك. فمثل حبة الحنطة لا يجوز بيعها ، لكن إذا حصل مورد يكون متعلقاً لغرض العقلاء ويبذلون المال في قبالها يجوز بيعها.

( مسألة 21 ) : في الاستئجار للحج المستحبي أو الزيارة لا يشترط أن يكون الإتيان بها بقصد النيابة ، بل يجوز أن يستأجره لاتيانها بقصد إهداء الثواب إلى المستأجر أو الى ميته [2] ويجوز أن يكون لا بعنوان النيابة ولا إهداء الثواب ، بل يكون المقصود إيجادها في الخارج من حيث أنها من الأعمال الراجحة فيأتي بها لنفسه أو لمن يريد نيابة أو إهداء.


[1] إذا كان الغرض النادر عاماً ، وكان العمل عزيز الوجود. وكذا الحال في الأعيان. فإذا كان الغرض خاصاً أو كان كثير الوجود لا يكون ذا مالية ، ولا يجوز بذل المال بإزائه ، لأنه أكل للمال بالباطل.

[2] قد يشكل ذلك لعدم إحراز الموضوع ، لاحتمال كون العمل مقروناً بما يمنع من تحقق الثواب. والإجارة على الإهداء على تقدير وجود

( مسألة 22 ) : في كون ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة - كالمداد للكتابة ، والإبرة والخيط للخياطة مثلا - على المؤجر أو المستأجر قولان [1]. والأقوى وجوب التعيين ، إلا إذا كان هناك عادة ينصرف إليها الإطلاق ، وإن كان القول بكونه مع عدم التعيين وعدم العادة على المستأجر لا يخلو عن وجه


الثواب كما ترى ، لا يخرج عن كونه مشكوكاً ومع الجهل بثبوت العوض لا تصح الإجارة. مضافاً إلى أن المالية في الثواب ، لا في إهداء الثواب ، فلا يكون طرفاً للمعاوضة. اللّهم إلا أن يقال : إنه يكفي في صلاحيته للعوضية كونه موصلاً إلى المال ، نظير الإجارة على البيع ، كما يتعارف عند الدلالين في البيع أو الإجارة أو نحوهما.

[1] في الشرائع وعن السرائر والتحرير والإرشاد : أنها على المؤجر واختاره في الجواهر ، لتوقف العمل المستأجر عليه على ذلك ، فيجب من باب المقدمة. وعن المسالك والروضة وغيرهما : أنها على المستأجر ، إلا أن تكون العادة على المؤجر ، لأن المقصود من الإجارة العمل ، أما الأعيان فلا تدخل في مفهوم الإجارة على وجه يجب أداؤها لأجلها ، إلا في شواذ تثبت على خلاف الأصل ، كالرضاع والاستحمام. ورده في الجواهر بأن عدم دخولها في مفهوم الإجارة لا ينافي وجوبها للمقدمية للواجب ، الذي الأصل فيه أن يكون واجباً مطلقاً لا مشروطاً. وعن مجمع البرهان : وجوب التعيين. وكأنه لا جمال المستأجر عليه من حيث الإطلاق والاشتراط ورده في الجواهر : بأنها من التوابع ، وليست من مورد الإجارة الذي يعتبر فيه المعلومية. وفيه : أن الإجمال في مورد الإجارة من حيث الإطلاق والاشتراط كما عرفت ، لا في التوابع.

هذا ولأجل ما ذكره في الجواهر ، من أصالة الإطلاق في العمل ،

أيضاً ، لأن اللازم على المؤجر ليس الا العمل [1].


تعرف أنه لا إجمال كي يحتاج إلى التعيين ، فيكون الأقوى أنها على المؤجر لا المستأجر ، إلا أن تكون قرينة على خلاف الإطلاق ، فيتعين العمل عليها. ولو أجمل المراد لوجود ما يصلح القرينية وجب التعيين ، وإلا بطلت الإجارة.

هذا ولكن قد يشكل ما في الجواهر : بأن إطلاق الوجوب يقتضي وجوب المقدمة ، أما أنها على وجه تكون ملكاً للمستأجر فليس مما يقتضيه الإطلاق. وبالجملة : إطلاق الوجوب يقتضي المبادرة إلى العمل ، ولا يقتضي تمليك الخيوط - مثلا - للمستأجر. وقاعدة السلطنة تقتضي بقاءها على ملك الأجير ، وحينئذ يجب دفع بدلها إلى الأجير. وهذا المعنى وإن كان مخالفاً للقول بأنها على المستأجر ، وللقول بأنها على الأجير ، لا بأس بالالتزام به إذا كان مقتضى الدليل. لكن هذا يختص بما إذا كان إطلاق للعمل المستأجر عليه ، أما إذا لم يكن لعدم تمامية مقدمات الحكمة ، فالعقد باطل ، لا جمال موضوعه وإهماله ، المانع ذلك من صحته ، إذ المهمل لا يمكن انطباقه على كل من الواجد للقيد والفاقد. من الافراد الخارجية والفرضية. ومن ذلك يظهر : أن قول المصنف (رحمه اللّه) : « والأقوى وجوب التعيين » مبني على إهمال العمل وعدم إطلاقه ، فإنه مع الإطلاق لا موجب للتعيين ، بل يؤخذ بمقتضى الإطلاق.

كما أن مما ذكرنا يظهر الفرق بين مثل الإبرة ، وبين مثل الخيوط والحبر ونحوهما مما لا تبقى عينه بيد المؤجر ، فإن الرجوع على المستأجر يختص به ، ولا يجري في مثل الإبرة ونحوها. وهذا فرق آخر بين هذا القول والقولين الآخرين ، فلاحظ.

[1] لكن عرفت أنه إذا وجب العمل وجبت مقدماته ، ولكن لا يجب بذلها مجانا.

( مسألة 23 ) : يجوز الجمع بين الإجارة والبيع - مثلا - بعقد واحد [1] ، كأن يقول : بعتك داري وآجرتك حماري


[1] قال في الشرائع - في ذيل مسألة بيع الصاع من صبرة - : « لو جمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد - كبيع وسلف ، أو إجارة وبيع ، أو نكاح وإجارة - صح ، ويقسط العوض على قيمة المبيع ، وأجرة المثل ، ومهر المثل ». وفي المسالك : « لا خلاف عندنا في ذلك كله ».

وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ». ولكن قد يشكل ذلك من جهة عدم معلومية الثمن ولا الأجرة ، للجهل بالنسبة. وجواز ذلك في بيع الصفقة أو إجارة الصفقة لا يقتضي الجواز هنا ، لأجل أن الثمن أو الأجرة هناك معلوم ، وإن كان ما يقابل كل واحد من أبعاض المبيع أو المستأجر مجهولاً ، وهنا كل من الثمن والأجرة مجهول. اللّهم إلا أن يقال : إن العمدة في دليل المنع مع الجهل هو الإجماع ، وهو منتف في المقام.

وفي الجواهر : حكى عن الأردبيلي التأمل في الصحة ، لما سبق ، وللشك في مثل هذا العقد. ودفع الأول بما أشرنا إليه من أن المعلوم من قدح الجهالة ما إذا كان البيع عقداً مستقلا. ودفع الثاني : بأنه خلاف الإطلاق ، وأنه لو بني على اختصاص العموم بالعقود المتعارفة ، فظهور اتفاق الأصحاب عليه يقتضي دخوله في المتعارف. انتهى. والأخير كما ترى ، فان كونه غير متعارف أمر وجداني لا يقبل الشك ، كي يكون اتفاق الأصحاب دليلاً على خلافه.

فالعمدة : منع الاختصاص بالمتعارف ، بل ضرورة الفقه على خلاف ذلك ، وإلا لزم تأسيس فقه جديد ، كما أشرنا إلى ذلك في غير مورد من مباحث هذا الشرح. ثمَّ إنه لو بني على وجود إطلاق يقتضي قادحية الجهالة في المقام - كما يقتضيه استدلال الأصحاب على ذلك بما ورد من

بكذا. وحينئذ يوزع العوض عليهما بالنسبة ، ويلحق كلاً منهما حكمه. فلو قال : آجرتك هذه الدار وبعتك هذا الدينار بعشرة دنانير ، فلا بد من قبض العوضين بالنسبة إلى البيع في المجلس ، وإذا كان في مقابل الدينار - بعد ملاحظة النسبة - أزيد من دينار أو أقل منه بطل بالنسبة إليه ، للزوم الربا [1]. ولو قال : أجرتك هذه الدار وصالحتك على هذا الدينار بعشرة دنانير مثلاً ، فان قلنا بجريان حكم الصرف من وجوب القبض في المجلس [2] ، وحكم الربا في الصلح ، [3] فالحال كالبيع وإلا فيصح بالنسبة إلى المصالحة أيضاً.


نهي النبي (صلی اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر (1)- فاتفاق الأصحاب على المقام يقتضي الخروج عنه ، فلاحظ.

[1] قد يشكل ذلك بأن الضميمة مانعة من تحقق الربا نصاً وفتوى ، فراجع كلماتهم في مبحث الحيل المانع من تحقق الربا.

[2] لكن الظاهر عدم جريانه ، بل قيل : « لا خلاف فيه ظاهر ». ويقتضيه اختصاص نصوص الشرطية بالبيع ، الموجب للرجوع إلى إطلاق الصحة في غيره.

[3] جريان حكم الربا في جميع العقود هو المشهور ، ويقتضيه إطلاق جملة من النصوص المتضمنة لتحريم الربا. ودعوى انصرافها إلى البيع غير ظاهرة. ومجرد الغلبة غير كاف فيه. نعم في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه ، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه؟ فقال كل واحد


1) التذكرة : المسألة الثانية من الركن الثالث من الفصل الثاني من الإجارة.


منهما لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي. فقال (عليه السلام) : لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت نفسهما بذلك » (1). وإطلاقه يقتضي الشمول لصورة العلم بالتفاضل ، فيدل على جواز الربا في الصلح. ومنع الإطلاق المذكور غير ظاهر ، ولا سيما مع غلبة الاختلاف. ولو سلم فهو كالصريح في عدم اعتبار العلم بالتساوي ، فيصح الصلح مع الجهل به. كما أن إطلاقه شامل لصورة العلم بزيادة أحدهما بعينه ، ومقتضاه الجواز فيها. وعلى هذا يقتصر في الخروج عن عمومات المنع على مورد الصحيح المذكور ، وفي غيره يرجع إلى العمومات المانعة.

هذا ويمكن أن يقال : إن عمومات المنع مورد بعضها خصوص البيع ، ولا تشمل الصلح ، وظاهر بعضها الآخر خصوص المعاوضة بين العينين ولو كانت بطريق الصلح. أما إذا كان مفاد الصلح خالياً عن المعاوضة بين العينين - كما هو ظاهر مورد الصحيح المذكور - فلا عموم يقتضي المنع عنه. فاذا قال : صالحتم على أن تكون هذه العشرة بهذه الخمسة ، كان الصلح معاوضة بين العينين ، فلا يصح. وإذا قال : صالحتك على أن تكون هذه العشرة لي وهذه الخمسة لك ، لم يكن فيه معاوضة بين العينين ، فيصح عملاً بعمومات الصحة. وأما الآيات الشريفة - مثل قوله تعالى ( يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) (2)، وقوله تعالى ( قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) (3)، وقوله تعالى ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ .. ) (4)، وقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ) (5)، ونحوها - فلا تخلو من إجمال ، إذ ليس المراد


1) الوسائل باب : 5 من أبواب الصلح حديث : 1.

2) البقرة : 276.

3) البقرة : 275.

4) البقرة : 275.

5) البقرة : 278.

( مسألة 24 ) : يجوز استئجار من يقوم بكل ما يأمره من حوائجه [1] ، فيكون له جميع منافعه. والأقوى أن نفقته على نفسه لا على المستأجر [2] ، إلا مع الشرط ، أو الانصراف من جهة العادة.


منها المعنى اللغوي ، والمراد الشرعي غير ظاهر ، فلا مجال للرجوع إليها في عموم المنع. فلا حظ وتأمل.

[1] قال في الجواهر : « ظاهر الأصحاب المفروغية عن جواز الاستئجار ، للإنفاذ في حوائجه على الاجمال ، اتكالاً على المعتاد المقدور له واللائق بحاله من ذلك ». أقول : ذلك مقتضى عمومات الصحة.

[2] كما عن السرائر والتذكرة والمختلف وجامع المقاصد ، والروضة ومجمع البرهان وغيرها ، لعدم اقتضاء عقد الإجارة كونها على المستأجر ، وإن اختاره في الشرائع ، وحكى عن النهاية والقواعد والإرشاد والروض. وقد يستدل له بالصحيح عن سليمان بن سالم قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استأجر رجلاً بنفقة ودراهم مسماة على أن يبعثه إلى أرض ، فلما أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر والشهرين فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر ، فنظر الأجير إلى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه ، فكافأ به الذي يدعوه ، فمن مال من تكون تلك المكافأة؟ أمن مال الأجير أو من مال المستأجر؟ قال (عليه السلام) : إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله ، وإلا فهو على الأجير. وعن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماة ولم يفسر شيئاً ، على أن يبعثه إلى أرض أخرى ، فما كان من مئونة الأجير من غسل الثياب والحمام فعلى من؟ قال (عليه السلام) : على المستأجر » (1). وفيه : أن مورده صورة كون النفقة


1) الوسائل باب : 10 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

وعلى الأول [1] : لا بد من تعيينها كماً وكيفاً [2] ، إلا أن يكون متعارفا. وعلى الثاني : على ما هو المعتاد المتعارف. ولو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرع يستحق مطالبة عوضها على الأول [3] ، بل وكذا على الثاني ، لأن الانصراف بمنزلة الشرط.

( مسألة 25 ) : يجوز أن يستعمل الأجير مع عدم تعيين الأجرة [4] وعدم إجراء صيغة الإجارة ، فيرجع إلى أجرة المثل. لكنه مكروه [5]. ولا يكون حينئذ من الإجارة المعاطاتية ، كما قد يتخيل ، لأنه يعتبر في المعاملة المعاطاتية


مأخوذة جزءاً من الأجرة ، وهو غير ما نحن فيه. وأيضاً : فإن مورده كون نظر المستأجر إلى منفعة خاصة استأجره عليها. لا إلى جميع المنافع كما هو محل الكلام.

[1] يعني : الشرط.

[2] قد يظهر من الصحيح الاكتفاء بذكرها إجمالاً ، اعتماداً على التقدير الشرعي ، فلا يبعد حينئذ عدم اعتبار ذكرها تفصيلا للخبر المذكور ، ولا سيما مع ما عرفت من عدم وضوح الدليل على اعتبار العلم تفصيلاً بالأجرة ، بنحو لا يلزم الغرر ، فضلا عن مثل الشرط مما كان من التوابع كما مال إليه في الجواهر.

[3] عملاً بالشرط الموجب للاستحقاق مع عدم المسقط. اللّهم إلا أن يكون المتبرع قد تبرع عن المستأجر.

[4] فإن الظاهر عدم الخلاف فيه ، كما عن مجمع البرهان. وفي مفتاح الكرامة : عدم وجدان القائل بالتحريم.

[5] كما هو المشهور الذي طفحت به عباراتهم. نعم عبر جماعة بأنه

اشتمالها على جميع شرائط تلك المعاملة عدا الصيغة ، والمفروض عدم تعيين الأجرة في المقام ، بل عدم قصد الإنشاء منهما [1] ولا فعل من المستأجر [2]. بل يكون من باب العمل بالضمان [3] ،


يستحب مقاطعة الأجير. ولعل مرادهم ذلك. وكيف كان : فيدل على الحكم صحيح سليمان الجعفري : « أن مولانا الرضا (عليه السلام) ضرب غلمانه وغضب غضباً شديداً ، حيث استعانوا برجل في عمل وما عينوا له أجرته ، فقال له سليمان : لم تدخل على نفسك؟ قال (عليه السلام) : قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة ، واعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئاً من غير مقاطعة ، ثمَّ زدته على ذلك الشي‌ء ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك قد أنقصته أجرته ، وإذا قاطعته ثمَّ أعطيته أجرته حمدك على الوفاء ، فاذا زدته حبة عرف ذلك لك. ورأى أنك قد زدته » (1). ومن التعليل يظهر تعين حمل نهيه على الكراهة ، وغضبه (عليه السلام) وضربه كان لمعصيته التي هي معصية لله سبحانه. كما يتعين أيضاً حمل خبر مسعدة : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يستعمل الأجير حتى يعلمه ما أجره » (2)على الكراهة أيضاً.

[1] بعد أن كان كل منهما قاصداً للأجر ، وأنهما قد تبانيا على أمر واحد ، كيف لا يكونان قد قصدا الإنشاء؟! وسيأتي منه : أن ذلك من باب العمل بالضمان ، الذي لا يكون إلا مع قصد الإنشاء.

[2] الأمر بالعمل من قبيل الفعل الدال على إنشاء المعاملة ، وقد عنون المصنف (رحمه اللّه) المسألة باستعمال الأجير ، ولا بد حينئذ من أن يصدر فعل أو قول من المستأجر ، ليتحقق به الاستعمال للأجير.

[3] قد تقدم منه في المسألة التاسعة عشرة : أنه إذا أمر العامل بالعمل


1) الوسائل باب : 3 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

نظير الإباحة بالضمان كما إذا أذن في أكل طعامه بضمان العوض ونظير التمليك بالضمان كما في القرض ، على الأقوى من عدم كونه معاوضة. فهذه الأمور عناوين مستقلة غير المعاوضة [1] والدليل عليها السيرة ، بل الأخبار أيضاً [2]. وأما الكراهة فللأخبار أيضاً [3].

( مسألة 26 ) : لو استأجر أرضا مدة معينة ، فغرس فيها أو زرع ما لا يدرك في تلك المدة ، فبعد انقضائها للمالك أن يأمره بقلعها. بل وكذا لو استأجر لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع. وليس له الإبقاء ولو مع الأجرة [4] ، ولا


ضمن أجرته ، إذا لم يقصد العامل التبرع وإن قصد الآمر التبرع. وما نحن فيه من ذلك الباب ، الذي قد عرفت أنه من قبيل الاستيفاء الموجب للضمان وإن قصد المستوفي التبرع. فجعله من باب آخر غير ظاهر.

[1] كما صرح به في الجواهر ، مستدلا عليه بالسيرة.

[2] يعني : الصحيح والخبر المتقدمين.

[3] كما عرفت.

[4] وفي القواعد : « هو كالغاصب ». وكذا في مفتاح الكرامة عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد. ولم يحك فيه الخلاف من غيرها. ولكنه إنما يتم لو كان التقييد بالمدة يقتضي خروج ذلك عن مورد الإجارة ، ولازمه جواز منع المالك له من ذلك حين الزرع أو الغرس ، مع أنه استشكل فيه في القواعد. وظاهر جامع المقاصد : الميل إلى عدمه. وعن التذكرة : الأقرب العدم. وكذا عن التحرير. نعم عن المبسوط : أن له المنع ، لاحتياجه إلى المطالبة بالقلع ومثل ذلك


يشق. انتهى. وهو كما ترى ، ظاهر تعليله دخوله في مورد الإجارة. نعم ظاهر جامع المقاصد عدم تناول مورد الإجارة له. لكنه غير ظاهر في بعض الموارد. بل هو خلاف الإطلاق. وحينئذ يشكل الفرق بين المسألتين. ودعوى : أنه في هذه المسألة يكون الزارع مقدماً على الضرر : فلا مجال لتطبيق قاعدة نفي الضرر فيه ، لتكون حاكمة على عموم السلطنة ، بخلاف المسألة الثانية ، ممنوعة ، فإن الإقدام على الضرر يتوقف على علمه باستحقاق المالك للقلع ، وبنائه على ذلك. أما بدون ذلك فلا إقدام له على الضرر كالمسألة الثانية.

وتوضيح أحكام صور المسألة : أنه إذا استأجر أرضاً مدة معينة : فتارة : يذكر خصوص الزرع أو الغرس. وأخرى : لا يذكر انتفاع بعينه. وفي الأولى : تارة : يذكر زرع أو غرس ما لا يكمل في تلك المدة. وأخرى : يذكر ما يكمل فيها. وثالثة : يذكر مطلقاً. فان ذكر ما لا يكمل في المدة : فتارة : يتوقف الانتفاع به على كماله ، وأخرى لا يتوقف ، كما لو كان الزرع يمكن الانتفاع بفصيله والغرس يمكن قلعه وغرسه في موضع آخر. فان ذكر ما يتوقف الانتفاع به على كماله ، ففي صحة الإجارة وعدمها وجهان أو قولان. وعن الإيضاح وجامع المقاصد : أن الأقوى الصحة ، لأن العلم بحصول الانتفاع إلى آخر المدة ليس شرطاً في الصحة ، فما دام يحتمل الانتفاع به ولو للإبقاء بالأجرة تبرعاً أو صلحاً أو نحوهما تصح الإجارة ، لعدم المانع. ثمَّ إنه على تقدير الصحة : فهل يجب الإبقاء بالأجرة أو يجوز للمالك القلع؟ وجهان. قال في القواعد : « ولو استأجر مدة لزرع لا يكمل فيها ، فان شرط نقله بعد المدة لزم ، وإن أطلق احتمل الصحة مطلقا ، وبقيد إمكان الانتفاع ، فعلى الأول احتمل وجوب الإبقاء بالأجرة ». وعن جامع المقاصد والمسالك : أن عدم وجوب الإبقاء أقوى ،

مطالبة الأرش مع القلع ، لأن التقصير من قبله [1]. نعم لو استأجرها مدة يبلغ الزرع ، فاتفق التأخير لتغير الهواء أو غيره


لأنه دخل على أنه لاحق له بعد المدة. ( انتهى ). لكن في القواعد قال - قبل ذلك - : « فإن استأجر للزرع فانقضت المدة قبل حصاده ، فان كان لتفريط المستأجر - كأن يزرع ما يبقى بعدها - فكالغاصب » ، وهو بظاهره مناف لما ذكره. والفرق بين المسألتين غير واضح.

والتحقيق ما ذكره أولاً ، وتبعه عليه في جامع المقاصد والمسالك : من عدم وجوب الإبقاء ، لعدم المقتضي للوجوب. فقاعدة السلطنة تقتضي عدمه. وقاعدة الضرر لا مجال لها في أمثال المقام ، مما أقدم فيه المالك على ما لا حق له فيه ، فان الظاهر من دليل نفي الضرر اختصاصه بصورة ما إذا لزم الضرر من الحكم الشرعي عرفاً على نحو الاستقلال ، وفي المقام ينسب الضرر إلى إقدام المالك على مالا حق له فيه ، كما ذكر في المسالك وغيرها. وأظهر من ذلك الصورة الثانية وهي : ما إذا كان يمكن الانتفاع بالزرع أو الغرس قبل كماله ، إذ حينئذ يكون ترك الإبقاء مؤديا إلى فوات نفع زائد ، وقاعدة الضرر إنما تنفي الضرر ولا تثبت النفع. ومثلهما في ذلك الصورة الثالثة وهي : ما إذا ذكر الزرع أو الغرس مطلقاً ، الشامل لما لا ينتفع به قبل كماله ، فان الحكم فيها هو الحكم في الصورتين. وأما الصورة الرابعة - وهي : ما إذا ذكر ما يكمل في المدة فاتفق عدم كماله - : فسيأتي في كلام المصنف (رحمه اللّه) التعرض له.

[1] يشير به إلى ما عرفت من أنه أقدم على ما لا حق له فيه ، وفي مثله لا مجال لتطبيق دليل نفي الضرر ، لانصرافه عن مثله ، كما يظهر من ملاحظة كثير من نظائره ، التي لا ريب عند المتشرعة في بقاء سلطنة المالك على ماله أو نفسه بحالها. وما يجري على لسان جماعة من التعبير بأنه أقدم

أمكن أن يقال : بوجوب الصبر على المالك مع الأجرة ، للزوم الضرر [1] ، إلا أن يكون موجبا لتضرر المالك [2].


على الضرر ، يراد به هذا المعنى ، وإلا فليس هو مقدم على الضرر ضرورة ، لكونه أقدم برجاء إقدام صاحبه على الاذن له في البقاء ، على حسب رغبته.

[1] يعني : يرجع الى قاعدة الضرر ، الحاكمة على عموم قاعدة السلطنة.

[2] يعني : يمتنع الرجوع الى قاعدة نفي الضرر حينئذ ، لأن تطبيقها بالنسبة إلى ضرر الزارع ليس أولى بالنسبة إلى ضرر المالك ، ومع عدم المرجح تسقط بالإضافة إليهما معا ، فيرجع الى قاعدة السلطنة. وقد يتوهم ترجيح الضرر الأقوى. وفيه : أن زيادة الضرر لا توجب تأكد النفي ، إذ لا تأكد في الاعدام. كما أنه لا مجال للتخيير مع تساوي الضررين. لأنه لا معنى للتخيير بالإضافة إلى الشخصين ، لأنه إذا اختار كل منهما الاعمال بالنسبة إلى ضرره يرجع التنافي ، وإن اختار ضرر غيره كان إقداماً على الضرر ، وهو مانع من تطبيق القاعدة كلية. وأما تخيير المفتي في المسألة الأصولية : فلا دليل عليه ، لاختصاص دليل التخيير بالدليلين المتعارضين ، فلا يشمل الدليل الواحد بلحاظ فردين ، كما في المقام. ولأجل ذلك وغيره تعين عند تعارض الضررين سقوط قاعدة الضرر ، والرجوع إلى غيرها من القواعد المتأخرة عنها ، كقاعدة السلطنة في المقام. واللّه سبحانه هو العالم ، ومنه نستمد الاعتصام.

فصل في التنازع

( مسألة 1 ) : إذا تنازعا في أصل الإجارة قدم قول منكرها مع اليمين [1] ، فان كان هو المالك استحق أجرة المثل دون ما يقوله المدعي.


فصل في التنازع

[1] كما في جملة من الكتب. وفي مفتاح الكرامة : « طفحت بذلك عباراتهم - خصوصاً المتأخرين - من غير خلاف ، إلا من المهذب والخلاف ». ثمَّ نقل عن الأول قوله : « إذا سكن دار غيره فقال الساكن : سكنت بغير أجرة ، وقال المالك : استأجرتها ، كان القول قول صاحبها مع يمينه » : ونقل عن الخلاف قوله : « إذا زرع أرض غيره فقال الزراع : أعرتنيها ، وقال رب. الأرض : أكريتكها ، حكم بالقرعة ».

أقول : ظاهر الخلاف أن فرضه من قبيل المسألة الآتية ، لا من قبيل هذه المسألة التي كان النزاع فيها للاختلاف بينهما في الإجارة وعدمها ، على أن يكون المتصرف معترفاً بعدم بذل المالك للمنفعة على وجه المجانية. ولعل كلام المهذب وارد في إثبات أصل الاستحقاق للأجرة والعوض ، لا في إثبات الأجرة المسماة ، وإلا فلا وجه له ظاهر ، إذ لا ريب في كون المالك المدعي للإجارة مدعياً ، فيكون عليه البينة ، لا أنه يسمع قوله بيمينه.

وتوضيح ذلك : أنه وان اختلفت كلماتهم في تفسير المدعي ، فبعضهم فسره : بمن لو ترك الخصومة لترك. وآخر : بمن يدعي خلاف الأصل


الظاهر. وثالث : بمن يذكر أمراً خفياً بحسب الظاهر. ورابع : وهو من يدعي خلاف الأصل أو الظاهر ، أو يذكر أمراً خفياً بحسب الظاهر. وخامس : وهو من يكون في مقام إثبات قضية على غيره. وربما ذكر غير ذلك ، والظاهر أن الاختلاف المذكور ليس اختلافا في المفهوم ، بل هو اختلاف في مقام بيان المفهوم مساهلة منهم في التحديد ، إذ لا يظن من أحد من هؤلاء المفسرين الالتزام بما يلزم التعريف الذي ذكر من اللوازم.

والمتعين تعريفه بمن كان قوله يخالف الحجة التي يرجع إليها في تعيين الوظيفة الشرعية ، أمارة كانت أو أصلاً. وكأن وجه تسميته بالمدعي في النصوص المتضمنة : « البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه » - وكذا في اللغة والعرف - : أن المدعي اسم فاعل : « ادعى » ، وهو افتعال من الدعاء الذي هو الطلب بالقول ونحوه ، وطلب الشي‌ء إنما يصح إذا لم يكن حاضراً عند الطالب ، فكأن الشي‌ء الذي قامت عليه الحجة حاضر لدى الشخص ، فلا مجال لطلبه ، ولا معنى لدعائه وادعائه ، والشي‌ء الذي لم تقم عليه الحجة غير حاضر لديه ، فيصح دعاؤه وادعاؤه. هذا هو المفهوم منه لغة وعرفاً.

ثمَّ إن المراد من كون قوله مخالفاً للحجة : أنه مخالف للحجة التي يلزم الرجوع إليها في نفس الدعوى لو لا المعارضة ، فلو كان كل منهما قوله مخالفاً للحجة في مورد الدعوى ، لكنها كانت معارضة بالحجة الجارية في مورد دعوى خصمه ، فهما متداعيان ، وإن كان مقتضى العلم الإجمالي بكذب إحدى الدعويين بطلان الأصلين معاً ، لكن ذلك لا يقدح في صدق المدعي ، ويكونان بذلك متداعيين.

وعلى هذا فثبوت الإجارة لما كان على خلاف الأصل العملي ، كان المخبر عنه مدعياً ، والمنكر له مدعى عليه. وهذا مما لا إشكال فيه.


نعم هنا شي‌ء وهو : أن المعيار في تطبيق المدعي والمدعى عليه ، هل هو مصب الدعوى وعبارة المتنازعين ، أو هو الغرض المقصود للمتنازعين؟. وتحرير هذا الخلاف في كتب القدماء والمتأخرين مما لم أقف عليه ، لكن يستفاد ذلك من تعليلاتهم في كثير من الموارد لكون الحكم هو التحالف الذي هو من أحكام التداعي ، أو كون البينة من أحدهما واليمين من الآخر الذي هو من أحكام المدعي والمنكر ، فان من ذكرهم للوجوه المختلفة يفهم خلافهم في ذلك. نعم صرح في الجواهر بوقوع الخلاف المذكور ، واختار الوجه الأول في صدر كلامه في مبحث الاختلاف في العقود من كتاب القضاء ، وكذا في صدر كلامه فيما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن ، فإنه - بعد ما نقل عن المختلف القول بأن القول قول المشتري - قال (رحمه اللّه) : « إلا أنه لا يخفى عليك ضعفه في خصوص المقام ، لما سمعت ( يعني : من النص ) ، نعم لا بأس به في غيره ، لو أبرزت الدعوى باشتغال الذمة بالزائد إنكاره. أما لو أبرزت في تشخيص سبب الشغل ، بحيث يكون الاستحقاق تبعياً ، فقد يمنع تقديم قول المشتري فيه ، ضرورة كون كل منهما مدعياً ومنكراً. ففي المقام - مثلا - يدعي البائع أن ما وقع ثمناً في عقد البيع المخصوص مائة ، والمشتري خمسون ، فنزاعهما في تشخيص العقد المشخص في الواقع ، ولا ريب في كون كل منهما مدعياً فيه ومنكراً. ولعله لذا احتمل التحالف الفاضل في كثير من كتبه ، بل عن ولده أنه صححه ، والشهيد الأول اختياره في قواعده وإن نسبه في الدروس إلى الندرة ، بل مال اليه هنا في جامع المقاصد ». وفي مفتاح الكرامة - في مسألة ما لو اختلفا في قدر الأجرة فقال : آجرتك سنة بدينار ، فقال : بل بنصفه - نسب إلى المهذب القول بالتحالف ، وإلى جامع المقاصد أنه قال : « لا ريب في قوة التحالف » ، وإلى المختلف أنه قال : « أنه متجه »


انتهى. والثاني منسوب إلى المشهور. لكن عرفت أن الوجه في النسبة : استفادة ذلك من بنائهم على إجراء حكم المدعي والمنكر في كثير من موارد النزاع ، والا فقد عرفت أنه لا تصريح منهم بذلك.

وكيف كان : فما يتفرع على الخلاف المذكور أنه إذا قال المالك : آجرتك الدار بعشرة ، فقال الآخر : آجرتنيها بخمسة ، فعلى الأول : أنهما متداعيان لاختلافهما في المدعى لكل منهما ، وعلى الثاني : أنهما مدع ومنكر ، لأن غرض الأول استحقاق العشرة ، وغرض خصمه نفي استحقاق الخمسة الزائدة على الخمسة التي يعترف بها ، وهذا النفي مقتضى الأصل ، فمدعي خلافه مدع ، ومدعيه منكر.

هذا ، والتحقيق هو القول المنسوب إلى المشهور ، كما اختاره في الجواهر في آخر كلامه المتقدم ، وكذلك في مبحث الإجارة فيما لو اختلفا في قدر الأجرة ، وجعل القول بالتحالف فيها ضعيفا. ونسب إلى شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في قضائه ، لأنه منصرف الأدلة ، فإن المقصود من نزاع المتخاصمين أولى بالملاحظة في ذلك ، وأولى أن يكون من وظيفة القاضي البت به والحكم فيه ، ولا معنى لملاحظة أمر آخر ، بل الدعوى التي لا يترتب عليها غرض لا يجب سماعها.

وعلى هذا فقد يتوجه الاشكال على ما ذكره الجماعة في مفروض المتن من إطلاق القول : بأن القول قول منكر الإجارة ، بأنه لا يتم على المشهور ، إذ اللازم عليه التفصيل بين ما إذا كانت أجرة المثل أكثر ، فالقول قول مدعي الإجارة ، وبين ما إذا كانت أقل ، فالقول قول منكر الإجارة ، لأنه في الأول مدعي الإجارة ينفي استحقاق الزائد ، فيطابق قوله الأصل ، وفي الثاني يكون مدعي الإجارة مدعياً لاستحقاق الزائد فيكون مدعياً ، وخصمه ينفي استحقاق الزائد فيكون منكراً. نعم يتم كلامهم على المذهب

ولو زاد عنها لم يستحق تلك الزيادة [1] ، ووجب على المدعي المتصرف إيصالها اليه [2]. وإن كان المنكر هو المتصرف فكذلك لم


الآخر ، لأن مصب الدعوى ثبوت الإجارة وعدمها ، فمدعي الأول مدع وخصمه منكر على كل حال.

لكن يدفع الاشكال المذكور : أن المراد من كون المدار على مقصود المتنازعين أن ينظر إلى مقصودهما ، فان كان كل منهما مخالفاً للأصل كانا متداعيين ، وإذا كان مقصود أحدهما موافقاً للأصل ، ومقصود خصمه مخالفاً للأصل كان أحدهما مدعياً والآخر منكراً ، سواء كان الأصل المثبت لأحدهما النافي للآخر. أو النافي لهما معا جارياً في أحدهما أم فيهما بلا واسطة ، أم كان جارياً بواسطة كما في الأصل السببي ، كما في المقام ، فإن أجرة المثل إذا كانت أكثر من الأجرة المسماة ، فالأكثر مما يثبته الأصل بالواسطة ، لأن أصالة عدم الإجارة تثبت أجرة المثل وإن كانت هي الأكثر ، لأن كل منفعة مستوفاة على وجه الضمان مضمونة بأجرة المثل ، إذا لم تكن أجرة مسماة ، فيكون الضمان بأجرة المثل - التي هي الأكثر - من آثار نفي الأجرة المسماة بالأصل. وليس المراد من كون المدار على مقصود المتنازعين : أنه لا بد من الأصول الجارية في نفس المقصود بلا واسطة ، يعني مع قطع النظر عن السبب وعن الأصل السببي الجاري فيه. فان ذلك مما لا مجال للقول به ، لأن الأصل السببي إذا كان قد اجتمعت شرائط حجيته لم يكن وجه لطرحه بالإضافة إلى الأثر المسبب ، فيكون مدعي الأثر منكراً حينئذ. فلا مجال للإشكال على ما ذكره الجماعة من إطلاق : أن القول قول منكر الإجارة ، فإنه في محله على المذهبين.

[1] يعني : ليس له المطالبة بها ، لاعترافه بعدم استحقاقها.

[2] إذا كان يرى استحقاق المالك لها.

لم يستحق المالك إلا آجرة المثل ، ولكن لو زادت عما يدعيه من المسمى لم يستحق الزيادة ، لاعترافه بعدم استحقاقها ، ويجب على المتصرف إيصالها إليه. هذا إذا كان النزاع بعد استيفاء المنفعة. وإن كان قبله رجع كل مال إلى صاحبه.

( مسألة 2 ) : لو اتففا على أنه أذن للمتصرف في استيفاء المنفعة ، ولكن المالك يدعي : أنه على وجه الإجارة بكذا أو الاذن بالضمان ، والمتصرف يدي : أنه على وجه العارية ، ففي تقديم أيهما وجهان ، بل قولان [1] ، من أصالة البراءة


[1] حكى في مفتاح الكرامة : تقديم قول مدعي العارية بيمينه عن عارية الخلاف والمبسوط والغنية واللمعة ومجمع البرهان والكفاية ، ثمَّ قال : « وهو الذي في نفس الشيخ في مزارعة الخلاف ». وحكى نحوه في الجواهر ، لأصالة البراءة ، لاتفاقهما على أن استيفاء المنفعة لم يكن بعنوان غير مشروع ، فالتردد في استحقاق العوض وعدمه ، والأصل البراءة. وقيل القول قول المالك في عدم العارية ، فإذا حلف سقطت دعوى مدعي العارية ، وثبت عليه أجرة المثل. اختاره في الشرائع ، وحكي عن الحلي وإجارة المهذب. وفي الجواهر في كتاب العارية قال : « لعله المشهور ». واختاره في القواعد ، وحكي عن جامع المقاصد والروض والمسالك والكفاية وغيرها ، لكنهم قيدوا ما ذكروه من ثبوت أجرة المثل بما إذا لم يزد على المدعي. وربما حكي غير ذلك عن غيرهم.

ومبنى الخلاف في الجملة على أن الأصل في المنفعة المستوفاة هو الضمان إلا أن يبذلها المالك مجاناً ، أو عدم الضمان إلا أن يثبت سبب الضمان. فالقول الأول مبني على الثاني ، والثاني مبني على الأول. والمصرح به في

بعد فرض كون التصرف جائزاً ، ومن أصالة احترام مال المسلم الذي لا يحل إلا بالإباحة والأصل عدمها ، فتثبت أجرة المثل بعد التحالف. ولا يبعد ترجيح الثاني. وجواز التصرف أعم من الإباحة.


كلمات القائلين بالثاني : أن المقام لا بد فيه من التحالف ، فيحلف المالك على عدم العارية ، ويحلف مدعي العارية على نفي الإجارة ، فيثبت للمالك أجرة المثل.

هذا والذي ينبغي هو التعرض لصور المسألة ، فنقول : الأجرة المسماة تارة : تكون في الذمة ، وأخرى : في الخارج ، والأولى تارة : تكون مساوية لأجرة المثل ، وأخرى : تكون أكثر منها ، وثالثة : تكون أقل. فالصور أربع :

الأولى : أن تكون مساوية لأجرة المثل ، كأن يدعي المالك : أنه آجر. زيداً داره بدينار. ويدعي زيد : أنها عارية. ومحل الكلام صورة ما إذا كان النزاع بعد انقضاء مدة الإجارة التي يدعيها المالك ، فنقول : بناء على كون المعيار في تطبيق المدعي والمنكر مضمون كلام المتداعيين ، يكون كل واحد منهما مدعياً ومنكراً لمدعي خصمه في جميع الصور الأربع ، لأن كلاً من الإجارة والعارية خلاف الأصل ، فيتحالفان. وحينئذ فإن ثبتت قاعدة احترام مال المسلم ، بمعنى : الحكم بضمانه على من هو عنده حتى يثبت ما يقتضي عدمه ، من إباحة أو عارية مجانية - واستشهد لها في مفتاح الكرامة ، وتبعه في الجواهر بصحيح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن ، الوارد فيمن استودع رجلا ألف درهم فضاعت ، فقال الرجل : إنها وديعة ، وقال الآخر : إنها قرض. قال (عليه السلام) : « المال لازم له ، إلا أن يقيم


البينة أنها كانت وديعة » (1)- لزمت المتصرف أجرة المثل. وإن لم تثبت القاعدة المذكورة ، لما عرفت سابقاً من أن ما دل على حرمة المسلم ودمه وعرضه ظاهر في الحكم التكليفي لا غير ، وأما الصحيح فلا يمكن استفادة القاعدة الكلية منه. نعم ظاهر الأكثر ذلك ، فلا ملزم بأجرة المثل ولا غيرها.

والإنصاف لزوم البناء على القاعدة المذكورة ، ومرتكزات المتشرعة تقتضيها ، وكفى بها حجة ، والصحيح المتقدم مؤيد لها ، بل البناء على ضمان المنافع المستوفاة شاهد بها ، فالبناء على الضمان بأجرة المثل متعين.

هذا بناء على كون المعيار في المدعي والمنكر عبارة المتنازعين. أما بناء على كون المعيار مقصودهما وغرضهما من النزاع ، فيكون مدعي العارية مدعياً ومدعي الإجارة منكراً بناء على ثبوت قاعدة الاحترام ، لأن ثبوت المسمى المساوي لأجرة المثل مقتضى أصالة عدم العارية التي يدعيها المتصرف وأصالة عدم الإجارة لا أثر له ، إذ ليس للإجارة في المقام أثر خاص ، فان ضمان المتصرف بالعوض الخاص مترتب على مجرد عدم العارية وإن علم بعدم الإجارة ، فيكون المقام من باب المدعي والمنكر. وكذا بناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام ، لكن يكون مدعي الإجارة مدعياً ، ومدعي العارية منكراً ، على عكس مقتضى المبنى السابق ، لأنه يكفي في نفي الضمان نفي الإجارة من دون حاجة الى إثبات العارية ، لأن السبب الموجب للضمان - على هذا المبنى - هو الإجارة لا غير. فمدعي الإجارة يدعي الضمان ومدعي العارية ينفي الضمان ، فيكون منكراً ، فيكون القول قوله بيمينه.

وبالجملة : بناء على كون المعيار في المدعي والمنكر غرض المتنازعين يكون فرض المسألة من باب المدعي والمنكر ، فان بني على قاعدة الاحترام ،


1) الوسائل باب : 7 من أبواب أحكام الوديعة حديث : 1.


يكون مدعي العارية مدعياً ، ومدعي الإجارة منكراً. وبناء على عدم ثبوت القاعدة ، يكون الأمر بالعكس ، مدعي الإجارة مدعياً ومدعي العارية منكراً.

الصورة الثانية : أن تكون الأجرة المسماة أكثر من أجرة المثل. وحكمها هو : أنه بناء على كون المعيار الغرض من النزاع ، فان بني على قاعدة الاحترام ، فهي أيضاً من قبيل التداعي ، لأن مدعي الإجارة يثبت الأجرة الزائدة على أجرة المثل ، ومدعي العارية ينفي الاستحقاق بالمرة ، لا للأجرة المسماة ولا لأجرة المثل. ولما كانت كلتا الدعويين ذات أثر ، وكلتاهما خلاف الأصل ، كان الخصمان متداعيين ، فيحلف المالك على نفي العارية ، فيثبت الاستحقاق لأجرة المثل ، ويحلف المتصرف على نفي الإجارة ، فينتفي الزائد على أجرة المثل ، فيكون للمالك أجرة المثل لا غير. أما بناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام : فالمقام من باب المدعي والمنكر ، ومدعي الإجارة يكون مدعياً ومدعي العارية منكراً ، بلحاظ نفي الإجارة الذي هو لازم دعواه ، لا بلحاظ نفس العارية ، إذ العارية لا أثر لها على هذا المبنى ، لأن عدم الضمان مقتضى الأصل ، حتى يثبت السبب المضمن وهو الإجارة ، فيحلف مدعي العارية على نفي الإجارة ، ولا شي‌ء عليه حينئذ كما تقدم القول بذلك من جماعة في صدر المسألة.

الصورة الثالثة : أن تكون الأجرة المسماة أقل من أجرة المثل. وحكمها : أنه بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي هو الغرض المقصود من النزاع ، فالفرض من باب المدعي والمنكر ، سواء قلنا بقاعدة الاحترام أم لم نقل. غاية الأمر أنه على الأول يكون مدعي العارية مدعياً ، لترتب الأثر الشرعي على مدعاه الذي هو خلاف الأصل ، ومدعي الإجارة منكراً ، بلحاظ نفي العارية لا بلحاظ نفس الإجارة ، إذ الضمان ليس موضوعه


الإجارة ، بل موضوعه الاستيفاء بلا بذل مجاني كما عرفت. فالمدعي لا أثر له ولا يجري فيه الأصل في المقام ، ولذا لو اعترف المالك بعدم الإجارة وأنكر العارية ثبت الضمان مع يمينه على نفي العارية. وبناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام ، يكون مدعي الإجارة مدعياً ومدعي العارية منكراً كما عرفت سابقاً. وعلى الأول : يستحق المالك بعد يمينه المسمى لا غير ، لاعترافه بعدم استحقاق الزائد عليه ، وعلى الثاني : لا يستحق المالك شيئاً ، بعد يمين مدعي العارية على نفي الإجارة.

الصورة الرابعة : أن تكون الأجرة عيناً خارجية. وحكمها : أنه بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي الغرض من النزاع ، فهما من باب المدعي والمنكر ، لأن المالك يدعي ملك العين الخارجية والمتصرف ينفي ذلك. ودعوى الأول خلاف الأصل ، ونفي الثاني موافق للأصل. ودعوى المتصرف العارية وإن كانت خلاف الأصل ، لكن لا أثر لأصالة عدمها ، إذ المقصود منها إن كان إشغال ذمة المتصرف ، فلا مجال له لاعتراف المالك بعدم اشتغال ذمة المتصرف بشي‌ء ، وإن كان المقصود منها إثبات ملك المالك للعين الخارجية ، فهي لا تصلح لإثبات ذلك ، لأنه لازم غير شرعي. فادعاء المتصرف العارية لا أثر له إلا بلحاظ ما يلزمه من نفي الإجارة كما عرفت. فاذا حلف المتصرف على نفي الإجارة انتفى ملك العين الخارجية للمالك. أما إذا حلف المالك على نفي العارية لم يثبت ملكها للمالك ، لأنه لازم عقلي ، ولم ينتف به اشتغال ذمة المتصرف بأجرة المالك ، لأنه حاصل باعترافه.

هذا كله حكم الصور الثلاث بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود من النزاع. أما بناء على كون المعيار فيه صورة الدعوى : فالخصمان في جميع الصور الثلاث المذكورة متداعيان ، لأن كلاً

( مسألة 3 ) : إذا تنازعا في قدر المستأجر عليه قدم قول مدعي الأقل [1].


منهما يدعي أمراً على خلاف الأصل ، كما عرفت في الصورة الرابعة. وبعد التحالف يستحق المالك أجرة المثل في الصورة الأولى منها ، والمسمى في الثانية دون الزائد ، أخذاً له باعترافه بناء على قاعدة الاحترام. أما بناء على عدمها فلا يستحق شيئاً ، لأصالة البراءة من دون ثبوت سبب مضمن. وأما في الصورة الثالثة فلا يستحق شيئاً على كل من المبنيين ، أخذا له باعترافه بفراغ ذمة المتصرف.

هذا حكم صور المسألة على اختلاف المباني المتقدمة. ففي الشرائع قال في كتاب العارية : « إذا قال الراكب : أعرتنيها ، وقال المالك : آجرتكها ، فالقول قول الراكب ، لأن المالك مدع للأجرة. وقيل : القول قول المالك في عدم العارية ، فإذا حلف سقطت دعوى الراكب وتثبت عليه أجرة المثل لا المسمى. وهو أشبه ». وظاهر كل من القولين : أن المورد من باب المدعي والمنكر لا من باب التداعي. لكن في القواعد في كتاب المزارعة : « لو ادعى العامل العارية والمالك الحصة أو الأجرة قدم قول المالك في عدم العارية ، وله أجرة المثل مع يمين العامل ما لم تزد على المدعى ». وظاهره : أن المقام من باب التداعي. وعن الشيخ في المبسوط : العمل بالقرعة في تعيين المدعي والمنكر. لكن المحكي عن عبارته. أن ذلك أحوط. والاشكال فيه ظاهر على كل حال ، إذ لا موجب للخروج عن القواعد - التي قد عرفتها - من دون دليل مخرج.

[1] كما هو المعروف المصرح به في كلماتهم ، لأصالة عدم وقوع الإجارة على الزائد المختلف فيه « فيكون القائل به منكراً. نعم بناء على أن المعيار في المدعي صورة القضية : يكونان متداعيين ، كما نسب إلى

( مسألة 4 ) : إذا تنازعا في رد العين المستأجرة قدم قول المالك [1].

( مسألة 5 ) : إذا ادعى الصائغ أو الملاح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدو لا تفريط ، وأنكر المالك التلف ، أو ادعى التفريط أو التعدي ، قدم قولهم مع اليمين على الأقوى [2].


جماعة ، ففي جامع المقاصد : أنه لا ريب في قوة التحالف. وقد عرفت ضعفه.

[1] من دون خلاف ظاهر ولا إشكال ، لأصالة عدم الرد. وقبول دعوى الودعي الرد بالإجماع - لو تمَّ - لا يقتضي قياس المقام عليه ، لاختلافهما في أن القبض في المقام لمصلحة القابض ، بخلاف الودعي ، فإنه لمصلحة المالك.

[2] وهو المحكي عن جماعة من القدماء والمتأخرين. وعن الخلاف : الإجماع عليه. ويشهد له خبر بكر بن حبيب : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أعطيت جبة الى القصار ، فذهبت بزعمه. قال (عليه السلام) : إن اتهمته فاستحلفه ، وإن لم تتهمه فليس عليه شي‌ء » (1)وخبره الآخر عنه (عليه السلام) : « لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه ، وإن اتهمته أحلفته » (2)، وخبر أبي بصير المرادي عنه (عليه السلام) : « لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك ، إلا أن يكونوا متهمين ، فيخوف بالبينة ويستحلف ، لعله يستخرج منه شيئاً » (3).

والمشهور - كما عن المسالك وعن السيد أن عليه إجماعنا وأنه من منفرداتنا - أنهم يكلفون بالبينة. ويشهد له جملة من النصوص ، كمصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الغسال والصباغ ما سرق منهم من شي‌ء فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق ، وكل قليل له أو كثير ،


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 16.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 17.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 11.

( مسألة 6 ) : يكره تضمين الأجير في مورد ضمانه [1]


فان فعل فليس عليه شي‌ء ، وإن لم يقم البينة وزعم : أنه قد ذهب الذي ادعي عليه ، فقد ضمنه إن لم يكن له بينة على قوله » (1)وصحيح ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن قصار دفعت اليه ثوباً ، فزعم أنه سرق من بين متاعه. قال : فعليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه ، وليس عليه شي‌ء ، وإن سرق متاعه كله فليس عليه شي‌ء » (2). ونحوهما غيرهما.

هذا وفي نسبة القول المذكور إلى الشهرة تأمل ، فضلاً عن نسبته إلى الإجماع. وفي الجواهر : لم يتحقق القول به الا من المفيد والمرتضى ». وكذا في صحة الاستدلال له بهذه النصوص ، فإن التأمل في مجموع النصوص - على اختلاف مضامينها - يقتضي لزوم البناء على الاكتفاء في عدم الضمان بأحد أمور : إما اليمين ، أو البينة ، أو قيام امارة على صدقه مثل : أن يدعي السرقة ويكون قد سرق جميع متاعه ، أو يكون مأمونا في نفسه. ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) : يضمن القصار والصائغ احتياطاً للناس ، وكان أبي (عليه السلام) يتطول عليه إذا كان مأمونا » (3). ونحوه غيره. هذا مضافاً إلى أن إعراض المشهور عن هذه النصوص مع أنها أصح سنداً وأكثر عدداً مما يوهن حجيتها ، وحينئذ لا مجال للعمل بها في قبال النصوص الأول. وما في الشرائع : من أن الأول أشهر الروايتين ، فيه تأمل ظاهر.

[1] كما نسب إلى الأصحاب. وقد يشهد به خبر حذيفة : « عن الرجل


1) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 5.

3) الوسائل باب : 29 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 4.

من قيام البينة على إتلافه ، أو تفريطه في الحفظ ، أو تعديه أو نكوله عن اليمين ، أو نحو ذلك.

( مسألة 7 ) : إذا تنازعا في مقدار الأجرة قدم قول المستأجر [1].

( مسألة 8 ) : إذا تنازعا في أنه آجره بغلاً أو حماراً أو آجره هذا الحمار مثلا أو ذاك ، فالمرجع التحالف [2].


يحمل المتاع بالأجر فيضيع ، فتطيب نفسه أن يغرمه لأهله ، أيأخذونه؟ قال : فقال : أمين هو؟ قلت نعم. قال : فلا يأخذون منه شيئاً » (1)فتأمل.

[1] قاله علماؤنا ، كما عن التذكرة ، لأصالة عدم لزوم الزائد. لكن عرفت القول بالتداعي والتحالف ممن يرى أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى لا الغرض. وفي جامع المقاصد : أنه لا ريب في قوة التحالف في المقام ، معللا له بما ذكر. ونحوه كلامه فيما لو اختلفا في قدر الثمن كما عرفت ضعفه.

[2] كما هو المشهور المعروف. يظهر ذلك من كلماتهم في مباحث النزاع من كتاب البيع ، ففي الشرائع : « لو قال : بعتك هذا الثوب ، فقال : بل هذا ، فهنا دعويان ». ونظيره ذكر في القواعد قال : لو قال : بعتك العبد بمائة ، فقال : بل الجارية ، تحالفا وبطل البيع ». وظاهر الجواهر وغيرها : عدم الخلاف والاشكال في ذلك. نعم قال الشهيد في اللمعة : « وفي تعيين المبيع يتحالفان. وقال الشيخ والقاضي : يحلف البائع كالاختلاف في الثمن ». وفي الروضة : « وضرب عليه في بعض النسخ المقروءة على المصنف (رحمه اللّه) ». وفي المسالك - بعد ما نقل ما تقدم عن الشرائع -


1) الوسائل باب : 30 من أبواب أحكام الإجارة حديث : 12.


قال : « الحكم هنا واضح بعد الإحاطة بما سلف ».

وقد اشتهر في كلامهم هنا توجيه التحالف : بأن ضابط التحالف أن لا يتفقا على أمر. قال في المسالك في كتاب الإجارة : « وضابط التحالف : أن لا يتفقا على شي‌ء كما لو قال : آجرتك البيت الفلاني ، فقال : بل الفلاني ، أو قال : آجرتك البيت ، فقال : بل الحمام ». ونحوه كلام غيره. لكن التوجيه المذكور يتم بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى أما بناء على أن المعيار الغرض المقصود ، فالغرض المقصود في البيع ليس إلا مطالبة المشتري بما يدعي شراءه ، وفي الإجارة مطالبة المستأجر بما يدعي استئجاره ، والمالك ينفي ذلك ، والأصل يقتضي عدم وقوع الإجارة على ما يدعي المستأجر. وأما المالك فهو وإن كان يدعي وقوع الإجارة على ما يدعي وقوع الإجارة عليه ، لكن هذه الدعوى لا أثر لها في مطالبته بشي‌ء ، وليس له غرض فيها إلا بلحاظ ما يترتب عليها من اللازم ، وهو نفي ما يدعيه المستأجر ، ولذا يصح له الاقتصار على بطلان دعوى المستأجر ، من دون تعرض لمدعاه. وبالجملة : بعد اتفاقهما على استحقاق المالك للأجرة ، فالخلاف انما هو في استحقاق المستأجر لمنفعة ما يدعيه ، والمالك ينفيه ، والأصل معه ، فهو منكر والمستأجر مدع. فاذا حلف المالك على نفي ما يدعيه المستأجر ، فقد بطلت دعوى المستأجر ، وليس له المطالبة بشي‌ء.

هذا إذا كان النزاع قبل التصرف. أما لو كان بعد التصرف وانقضاء المدة فاللازم - بعد يمين المالك - أن يدفع له أجرة المثل عن المنفعة المستوفاة مما يدعيه ، بناء على ما عرفت من أصالة احترام مال المسلم ، لأنه لما لم يثبت استحقاقه لمنفعة الفرس التي قد استوفاها ، كان اللازم دفع أجرتها. وأما منفعة الحمار الذي يدعي وقوع الإجارة عليه فقد فاتت بتقصير منه ، لأنه هو الذي ترك الانتفاع بها في المدة المضروبة ، فتكون عليه الأجرة

وكذا لو اختلفا في الأجرة أنها عشرة دراهم أو دينار [1].


( مسألة 9 ) : إذا اختلفا في أنه شرط أحدهما على الآخر شرطاً أو لا ، فالقول قول منكره [2].

المتفق عليها بينهما ، وعليه أجرة الفرس بمقتضى أصالة عدم إجارتها إياه. هذا ما تقتضيه القواعد ، وإن لم اعرف من ذكره أو احتمله. عدا ما سبق من الشهيد في اللمعة. نعم ذكره بعض الأكابر في حاشيته على المتن وهو في محله.

[1] الكلام في هذه المسألة هو الكلام في سابقتها بعينه. نعم يختلفان في أن المدعي في المسألة السابقة هو المستأجر ، بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود. وفي هذه المسألة يكون المدعي هو المؤجر ، لأنه يدعي أن الإجارة واقعة على ما يدعيه ، والمستأجر ينكر ذلك. مثلاً إذا كان المؤجر يدعي : أن الأجرة كانت عشرة دراهم ، والمستأجر يدعي : أنها كانت ديناراً ، فهما يتفقان على أن منفعة العين المستأجرة صارت ملكا للمستأجر ، ويختلفان في الأجرة ، فالمؤجر يدعي أنها كانت عشرة دراهم والمستأجر يدعي أنها كانت ديناراً ، فدعوى المؤجر ملزمة وموجبة للمطالبة بالعشرة دراهم ، ودعوى المستأجر لا توجب شيئاً إلا بلحاظ ما يلزمها من نفي دعوى المؤجر ونفي استحقاق المؤجر المطالبة له بالعشرة ، فمرجعها إلى إنكار دعوى المؤجر ، فهما من قبيل المدعي والمنكر ، كما في المسألة السابقة ، غير أن المؤجر هنا هو المدعي ، والمستأجر منكر ، على عكس ما سبق هناك. ومقتضى ذلك سماع قول المستأجر بيمينه ، إذا لم تكن بينة للمؤجر على دعواه.

[2] لا ينبغي التأمل في ذلك بناء على ما عرفت من المعيار. نعم بناء على الوجه الآخر يكون المقام من التداعي ، لاختلافهما في لخصوصيات المشخصة الموجب للاختلاف في المتشخص.

( مسألة 10 ) : إذا اختلفا في المدة أنها شهر أو شهران مثلاً ، فالقول قول منكر الأزيد [1].

( مسألة 11 ) : إذا اختلفا في الصحة والفساد ، قدم قول من يدعي الصحة [2].


[1] كما عن الحلي ، لأصالة عدم وقوع الإجارة في الزيادة المختلف فيها ، فيكون قول المالك هو الموافق للأصل وقول المستأجر على خلافه ، فيكون مدعياً : لكن في القواعد : « ولو اختلفا في المدة ، فقال : آجرتك سنة بدينار ، فقال : بل سنتين بدينارين ، فالقول قول المالك مع يمينه. ولو قال بل سنتين بدينار ، فهنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة ، والأقرب التحالف ». ونحوه ذكر في التحرير. وفي جامع المقاصد - في شرح عبارة القواعد المذكورة - قال : « أما الاختلاف في المدة فظاهر ، وأما الاختلاف في العوض فإنه على قول أحدهما عوض السنة دينار ، وعلى قول الآخر نصف دينار. ولقائل أن يقول : إن العوض الذي جرى عليه العقد متفقان عليه ، وإنما الاختلاف في زيادة المدة وعدمها. ووجه القرب : أن كل واحد منهما يدعي عقداً مغايراً للعقد الذي يدعيه الآخر ، والآخر ينكره فيتحالفان » وعن الشيخ : القول بالقرعة. لكن عبارته في غير هذه المسألة ، وقد تقدمت الإشارة إليها.

والتحقيق ما عرفت : من أنه بناء على أن المعيار في المدعي الغرض المقصود من النزاع ، فالمستأجر مدع والمالك منكر ، وبناء على أن المعيار مصب الدعوى ، فهما متداعيان.

[2] كما هو المعروف بين الأصحاب ، كما عن الكفاية ، لاستقرار سيرة العقلاء والمتشرعة على حمل الفعل الصادر المحتمل الصحة والفساد على الصحة ، ولا يختص ذلك بفعل المسلم ، بل يطرد في فعل كل عاقل ، كما

( مسألة 12 ) : إذا حمل المؤجر متاعه إلى بلد ، فقال المستأجر استأجرتك على أن تحمله إلى البلد الفلاني غير ذلك


عرفت. وفي جامع المقاصد قال في هذا المقام : « لا شك أنه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الأمور المعتبرة في العقد ، من حصول الإيجاب والقبول من الكاملين ، وجريانهما على العوضين المعتبرين ، ووقع الاختلاف في شرط مفسد مثلاً ، فالقول قول مدعي الصحة بيمينه ، لأنه الموافق للأصل ، فان الأصل عدم ذلك المفسد ، والأصل في فعل المسلم الصحة. لا يقال : الأصل بقاء الملك على مال مالكه ، فيعارض الأصل المذكور. لأنا نقول : بعد صدور الإيجاب والقبول على الوجه المعتبر ، وعدم العلم بالمنافي لصحتهما ، المقتضي للحكم بصحتهما عملاً بالاستصحاب لحال تحقق السبب الناقل ، فلم يبق ذلك الأصل كما كان. أما إذا حصل الاختلاف مع الصحة والفساد في حصول بعض الأمور المعتبرة وعدمه ، فان هذا الاستدلال لا يستمر هاهنا ، فإن الأصل عدم السبب الناقل. ومن ذلك ما لو ادعى : اني اشتريت العبد ، فقال بل بعتك حراً ».

وفيه أن التفصيل المذكور بلا فاصل ، لاستقراء السيرة على الصحة في الجميع. ولذلك حكي الاعتراف منه بذلك في موضع من كتاب البيع ، وآخر من كتاب الرهن ، فقال في أحدهما : « لو قال : بعتك وأنا صبي ، أنه يقدم مدعي الصحة ( يعني : المشتري ). وقال : إن تقديم قول البائع في غاية الضعف » وقال في ثانيهما : « إذا قال : بعتك بعبد ، فقال : بل بحر ، أنه يقدم قول مدعي الصحة ». والكلام في ذلك موكول الى محله. وقد تعرض شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في رسائله للكلام في هذه المسألة. فراجع.

البلد ، وتنازعا ، قدم قول المستأجر [1] فلا يستحق المؤجر أجرة حمله. وإن طلب منه الرد إلى المكان الأول [2]


[1] لأصالة عدم وقوع الإجارة على ما ادعاه الأجير ، فلا يستحق الأجرة على عمله. لكن هذا يتم بناء على ما عرفت من أن المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود. أما إذا كان المعيار صورة الدعوى فهما متداعيان ، لتباين الدعويين بتباين متعلقيهما وكذا إذا كان الغرض المقصود من دعوى المستأجر المطالبة بالنقل الى الموضع الذي يدعيه ، بأن كانت مدة الإجارة باقية ، فان غرض كل منهما مباين لغرض الآخر ، وكلاهما ثبوتي ، فيكونان متداعيين ، يحلف كل منهما على نفي مدعي الآخر ، وبعد حلفهما معا يحكم ببطلان كل من الدعويين. فلا يجوز للمستأجر مطالبة الأجير بنقل المتاع الى الموضع الذي يدعيه ، ولا للأجير المطالبة بالأجرة على نقله المتاع الذي يدعيه.

وبالجملة : للمسألة صورتان : ( الأولى ) : أن يكون كل واحد من المتعاقدين في مقام مطالبة صاحبه بحق ، بأن يكون المستأجر في مقام مطالبة الأجير بالعمل المستأجر عليه حسبما يدعي ، والأجير في مقام مطالبة المستأجر بالأجرة ، لأنه يدعي وقوع العمل المستأجر عليه. وفي هذه الصورة هما متداعيان ، يدعي كل منهما شيئاً على خلاف الأصل ، وينكره الآخر ، فيتحالفان. ( الثانية ) : أن يكون أحدهما مطالباً لصاحبه بشي‌ء ، دون صاحبه فلا يطالبه بشي‌ء. وفي هذه الصورة يكون المطالب مدعياً وصاحبه منكراً ، فيقدم قوله بيمينه. كما إذا انتهت مدة الإجارة فبطلت ، أو تعذر العمل المستأجر عليه ، لعجز عقلي أو شرعي.

[2] قد عرفت : أن المستأجر إنما يكون منكراً إذا لم يكن مطالبا بشي‌ء ينكره صاحبه ، فاذا كان مطالبا برد العين إلى الموضع الذي نقلت

وجب عليه [1] ، وليس له رده إليه إذا لم يرض ، ويضمن له


عنه ، فربما يقال إنه يكون مدعياً ، فيكون الآخر منكراً ، فيكونان متداعيين ، المؤجر يطالب بالأجرة ، والمستأجر يطالب بالرد. وفيه : أن المعيار في التداعي أن يطالب كل واحد منهما بأمر يكون من لوازم دعواه وثبوته يترتب على ثبوت دعواه. أما إذا كان المطالب يترتب على نفي دعوى خصمه ، لأنه من آثار عدمها ، فإنه حينئذ لا يكون مدعياً بالإضافة إليه ، لأن الأصل النافي لدعوى خصمه ، بعد ما كان مثبتا لذلك الأثر الذي يطالب به ، يكون بملاحظته أيضاً منكراً ، لأنه يدعي أمراً تثبته الحجة الشرعية ، وهو الأصل ، وليس معنى المنكر إلا ذلك ، كما عرفت. ونظير المقام : ما لو أكل طعام غيره مدعيا الاذن منه ، فأنكر صاحب الطعام الاذن وطالب بالعوض ، فإنه بالمطالبة بالعوض لا يكون مدعيا ، لأنه يدعي أمراً تقتضيه أصالة عدم إذن المالك ، كما هو ظاهر.

[1] وجوب الرد إلى المكان الذي نقله منه إما أن يستفاد من قوله (عليه السلام) : « كل مغصوب مردود » (1)، وقوله (صلی اللّه عليه وآله) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (2). وإما لأن خصوصية المكان من قبيل سائر الخصوصيات القائمة بالعين ، مضمونة على المتلف ، لكن الأول إنما يقتضي الرد والأداء إلى المالك ، وربما يحصلان بحضور المالك في البلد الذي نقل اليه المتاع. وأما الثاني : فلأن الخصوصيات التي تكون عليها العين إنما تكون مضمونة إذا كانت ذات مالية ، أما إذا لم تكن فلا دليل على ضمانها ، وإن كانت مما تختلف بها الرغبات ، فضلاً عما إذا لم تكن كذلك


1) لم نعثر على النص بهذا اللفظ. نعم عثرنا على قوله (عليه السلام) « لأن الغصب كله مردود » فراجع الوسائل باب : 1 من كتاب الغصب حديث : 3 ، وباب : 1 من كتاب الأنفال حديث : 4‌

2) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب الغصب حديث : 4.

إن تلف أو عاب ، لعدم كونه أمينا حينئذ في ظاهر الشرع [1].

( مسألة 13 ) : إذا خاط ثوبه قباء ، وادعى المستأجر أنه أمره بأن يخيطه قميصا ، فالأقوى تقديم قول المستأجر [2]


أيضاً. وخصوصية المكان ربما تكون مما لا تختلف بها الرغبات ، ولا تكون ذات مالية. فالدليلان المذكوران غير ظاهرين في إثبات ذلك على إطلاقه. نعم لا يبعد أن يكون ذلك من الأحكام العرفية للضمان.

[1] وحينئذ فيشمله عموم أدلة الضمان.

[2] كما عن جملة كثيرة من كتب الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم. وعن الحواشي نسبته إلى المشهور ، لأن المستأجر منكر لما يدعيه العامل من الاذن ، فيكون قوله مقدماً.

لكن في الخلاف - بعد أن اختار أن القول قول صاحب الثوب واستدل له بما ذكر - قال : « وكنا نقول فيما تقدم في هذه المسألة : ان القول قول الخياط لأنه غارم ، وأن رب الثوب يدعي عليه قطعا لم يأمره به ، فيلزمه بذلك ضمان الثوب ، فكان عليه البينة ، فإذا فقدها وجب على الخياط اليمين. وهذا أيضاً قوي ». وعن وكالة التذكرة : الجزم بأن القول قول الخياط. وظاهرهما أن المقام من باب المدعي والمنكر وان المالك مدع والعامل منكر. وفيه : ما عرفت من أن مطالبة المالك للعامل بضمان الثوب لا توجب كون المالك مدعيا ، لأن ذلك من آثار عدم الاذن في قطع الثوب قباء ، فإذا جرى كفى في ترتب استحقاق الأرش ، فيكون قوله موافقاً للأصل أيضاً ، فيكون منكراً لا مدعياً.

ومن ذلك يظهر لك ضعف ما يقال : من أن تقديم قول المالك يختص بصورة ما إذا لم يدع المالك الأرش. أما إذا ادعى الأرش على العامل فهما متداعيان ، لأن العامل يدعي الأجرة والمالك يدعي الأرش. وادعي

لأصالة عدم الاذن في خياطته قباء. وعلى هذا فيضمن له عوض النقص الحاصل من ذلك [1]. ولا يجوز له نقضه إذا كان الخيط للمستأجر [2]. وإن كان له كان له [3].


فهم ذلك من مجمع البرهان من قوله : « ولعل المصنف لم يذكر التحالف بناء على عدم دعوى الآخرة وأما مع دعواه فالظاهر التحالف ، فتأمل ». بل فهم أيضاً ذلك من التذكرة ، لما ذكر فيها من أن من قدم قول الخياط لا بد وأن يقول بالتحالف.

وجه الضعف : ما عرفت من أن دعوى المالك الأرش لما كانت مقتضى أصالة عدم الاذن في عمل العامل ، لا توجب كونه مدعياً ، بل هو أيضاً من هذه الجهة منكر. ولا فرق في كون المالك منكراً ، بين اقتصاره على نفي الإجارة بداعي نفي الأجرة ، أو بداعي المطالبة بالأرش ، أو بداعيهما معا ، لأنه في الجميع يدعي ما يقتضيه الأصل. وكلام التذكرة ومجمع البرهان لا يخلو من إجمال. نعم عن صريح الشافعي : أن رب الثوب يدعي عليه الغرم وينفي الأجرة ، والخياط يدعي الأجرة وينفي الغرم فيتحالفان. انتهى. وهو صريح فيما ذكر ، الذي قد عرفت ضعفه.

ومن ذلك يظهر أنه لا فرق في كون المالك منكراً والعامل مدعيا بين أن يكون فرض المسألة من باب الإجارة ، كما هو ظاهر المتن ، وأن يكون من باب الأمر بالعمل على وجه الجعالة ، كما هو ظاهر فرض الأصحاب للمسألة. نعم لا بأس بالبناء على التحالف إذا كان المعيار في تشخيص المدعي صورة الدعوى ، لتباين الدعويين ، كما عرفت في نظائره.

[1] لأنه بفعله ، فيدخل في عموم : من أفسد فهو ضامن.

[2] لعدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه.

[3] يعني : إذا كان الخيط للمؤجر جاز له نقضه ، لأنه ماله فيكون


تحت سلطنته. فان قلت : نقضه يوجب تصرفا في الثوب الذي هو للمستأجر ، فيكون تحت سلطنته ، فلا يجوز التصرف فيه. قلت : الوجود القائم بعينين لمالكين ، لما كان تصرفا في العينين ، كان تحت سلطنة واحدة قائمة بسلطانين ، فتكون سلطنتين ضمنيتين. وإذا أعملت إحدى السلطنتين الضمنيتين في الوجود كان الوجود تحت سلطنة مطلقة للسلطان الآخر. وإذا أعملت بالعدم بطلت السلطنة الأخرى من السلطان الآخر. مثلاً : العقد القائم بالعوضين للمالكين ، لما كان قائما بمالين ، كان تحت سلطنة المالكين معا ، فإذا أقدم أحد السلطانين على الوجود ، كان الوجود تحت سلطنة مطلقة للطرف الآخر ، فإذا أوجب البائع كانت المعاوضة تحت سطان القابل ، فوجودها وعدمها تحت سلطانه ، وإذا لم يوجب ولم يرض بالمعاوضة ، بطلت السلطنة من الآخر. ففي المقام : لما كان بقاء الخيط بالثوب قائما بالعينين معا ، فهو تحت سلطنة مالكيهما على النحو الذي ذكرناه ، فإن رضي صاحب الخيط ببقائه فبقاؤه تحت سلطنة مطلقة لصاحب الثوب ، وإن رضي صاحب الثوب ببقائه فهو تحت سلطنة مطلقة لصاحب الخيط ، وإن لم يرض صاحب الثوب ببقائه بطلت سلطنة صاحب الخيط على بقائه ، وإن لم يرض صاحب الخيط ببقائه بطلت سلطنة صاحب الثوب على بقائه ، فلا يكون له منعه بدعوى أنه تصرف في الثوب.

لكن هذا إنما يتم بالإضافة إلى التصرف في الثوب من حيث كونه مخيطا ، ولا يقتضي جواز التصرف فيه ، التصرف الذي يكون مقدمة لنقضه وفصل الخيط عنه ، فان ذلك التصرف ليس قائما بالثوب والخيط ، وإنما هو قائم بالثوب نفسه ، فهو تحت سلطنة المالك مستقلا ، نظير التصرف في آلات صاحب الثوب لأجل فصل الخيط عنه. وعلى هذا فالخروج عن القواعد المقتضية للمنع لا يصح ، إلا إذ كان ضرراً على

ويضمن النقص الحاصل من ذلك [1]. ولا يجب عليه قبول


صاحب الخيط ، فتكون قاعدة نفي الضرر حاكمة على قاعدة السلطنة.

لكن إذا منع المالك صاحب الخيط عن أخذ خيطه ، فامتنع ، جاء الإشكال في تصرفه في الثوب ، لأنه تصرف في الخيط أيضاً ، فيحرم. إلا أن يقال : إن منع مالك الثوب عن التصرف في ثوبه ضرر ، فينتفي ، ولا ضرر في منع مالك الخيط عن أخذ خيطه حسب الفرض.

وبالجملة : الخروج عن القواعد المقتضبة لما ذكرنا غير ظاهر ، وإن تصدى بعض لإثبات أن مقتضاها جواز أخذ الخيط لمالكه ، وإن لزم التصرف في الثوب مطلقاً ، وجواز منع صاحب الخيط من أخذه ، وإن لم يلزم ضرر على صاحب الثوب ، كما أشرنا إلى ذلك في تعليقتنا على مباحث خيار الغبن.

[1] لأنه بفعله ، فيشمله عموم أدلة الضمان. نعم إذا كانت تستوجب صفة ذا مالية في الثوب ، كانت تلك الصفة ملكا للمؤجر ، فيكون الثوب لمالكه والخياطة للعامل ، وله المطالبة بها. وحينئذ فهل لازم ذلك الشركة في العين أولا؟ وجهان. أقواهما الثاني ، لعدم الدليل عليه.

وأضعف منه جعل الشركة في المالية. وجه الضعف : أن المالية من الاعتبارات التي هي منتزعة من حصول الرغبة ، ولا تقبل الشركة عند العقلاء. وكذلك الحكم لو أراد الخياط أخذ الخيط ، فمنعه المالك من التصرف في الثوب ، وكان منعه موجباً للضرر ، كما كان - أيضاً - التصرف في الثوب حين أخذ الخيط ضرراً على المالك ، فإنه مع تعارض الضرر وسقوط قاعدة نفي الضرر في الطرفين ، يرجع إلى قاعدة السلطنة في الطرفين ، ومقتضاها عدم جواز أخذ الخيط ، وعدم جواز التصرف في الثوب ،

عوضه لو طلبه المستأجر [1] ، كما ليس عليه قبول عوض الثوب لو طلبه المؤجر. هذا ولو تنازعا في هذه المسألة والمسألة المتقدمة قبل الحمل وقبل الخياطة فالمرجع التحالف [2]


فيبقى الثوب ممنوعاً من التصرف فيه من كل منهما ، ولا بد من أن ينتهي الأمر إلى التخلص بالبيع ، ونحوه من المعاوضات على العين ، ويكون الاشتراك بينهما بالثمن ، بناء على أن ذلك من الأحكام العرفية ، كما هو غير بعيد ، وإن كان لا يخلو من خفاء.

[1] الوجه فيه وفيما بعده ظاهر ، لأنه مقتضى قاعدة السلطنة.

[2] هذا واضح بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى أما إذا كان المعيار هو الغرض المقصود للمتنازعين فمشكل ، لأن المستأجر يطالب بالعمل الذي يدعيه ، والأجير ينكر ذلك. أما الأجير فلا يطالب بشي‌ء ، لأنهما يعترفان باستحقاق الأجرة ولا ينكرها أحدهما. نعم يدعي الأجير استحقاق أخذ الأجرة والمطالبة لو عمل ، وهذه الدعوى ليس فيها مطالبة بحق فعلي ، وإنما هي مطالبة بحق استقبالي ، ومثل هذه الدعوى لا تسمع ، لعدم استحقاق المطالبة بالحق المذكور إلا في ظرف فعليته. نعم إذا مضت المدة التي يمكن فيها العمل ، وبذل الأجير نفسه للعمل ، استحق المطالبة بالأجرة لو كانت الإجارة واقعة على العمل الذي يدعيه. وحينئذ تصح له الدعوى ، فتكون مسموعة ، ويكون مدعياً ، والمستأجر منكراً. وحينئذ فإن كان مقصود المصنف (قدس سره) هذا المعنى من التحالف فلا بأس به ، وإن كان المقصود أنهما في الزمان الواحد متداعيان فقد عرفت اشكاله. وكأنه لذلك ذكر في بعض الحواشي لبعض الأكابر : أنه يقدم قول المؤجر في المسألتين مع يمينه على نفي ما يدعي المستأجر استحقاقه. ( انتهى )

ثمَّ إنه إذا تحالفا حكم الحاكم على طبق كل من اليمينين ، فيحكم ببطلان


كل من الدعويين. وحينئذ يقع الكلام في أمور.

الأول : في أن الحكم الصادر من الحاكم ليس حكماً واقعياً عندنا ، لما يستفاد من النصوص : مثل قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في صحيح هشام ابن الحكم : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان ، وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً ، فإنما قطعت له به قطعة من النار » (1). فإنه كالصريح في أن حكم الحاكم لا يغير الواقع ولا يبدله الى حكم آخر ، فاذا حكم ببطلان الدعوى لم يكن ذلك موجباً لبطلانها واقعا ، بل الواقع بحاله.

ولأجل ذلك يقع الكلام في الأمر الثاني وهو : أنه إذا كان الأمر الواقعي بحاله باقياً ، يقع الإشكال في جواز الحكم في مورد التحالف ، للعلم بمخالفته للواقع ، فكيف يجوز له الحكم ببطلان كلتا الدعويين ، مع العلم بأن إحداهما ثابتة في الواقع؟! فالحكم المذكور مع هذا العلم حكم على خلاف الواقع. وقد تعرضوا لدفع الاشكال المذكور بوجوه مذكورة في مباحث حجية القطع.

ولعل الأسد أن يقال : إن ما دل على لزوم حسم النزاع ، والمنع من وقوع الفساد المترقب منه ، اقتضى جواز الحكم المذكور وإن كان على خلاف الواقع. مثل ما إذا توقف دفع اللص على دفع مقدار من المال إليه ، فإن وجوب الدفع لا يقتضي استحقاق اللص للمقدار المدفوع اليه ، ولا يخرج المدفوع من ملك مالكه ، ولا عن تحريم التصرف فيه بغير إذنه ، فيحرم على اللص التصرف فيه ، ويجب إرجاعه إلى الدافع ، وإن وجب دفعه اليه وتمكينه منه ، لدفع ضرره واتقاء شره ، مع بقاء المدفوع على ملك مالكه ، وترتب جميع احكامه عليه. ففي المقام يكون


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كيفية القضاء حديث : 1.


حكم الحاكم من هذا القبيل ، فإنه لا يوجب بطلان الدعويين واقعا وحقيقة ، وإنما يحكم ببطلانهما عملا ، بمعنى أنه لا يجور للمدعي مطالبة المنكر ، ولا الدعوى عليه ، ولا النزاع معه ، وإن كان المدعى به على ما هو عليه ، لا تغيير فيه ولا تبديل.

وبالجملة : المدعى به باق على ما هو عليه موضوعاً وحكماً ، إلا في هذه الجهة. وهي جواز المطالبة فيه والادعاء والنزاع ، نظير ما ذكرنا من المثال. فدليل نفوذ الحكم مخصص لدليل آثار الواقع في غير الأثر المذكور ، فيخرجه عن الدليل مع بقاء عموم الدليل لسائر الآثار الأخرى. إذ من جملة الأحكام الواقعية للمال مثلا جواز المطالبة ، فإذا حكم الحاكم انتفى الحكم المذكور واقعاً ، وبقيت الأحكام الأخرى بحالها ، وكذا بالنسبة إلى سائر موارد الدعاوي. وحينئذ لا مانع من جواز الحكم في مورد التحالف ، مع العلم الإجمالي بمخالفته للواقع في إحدى الدعويين ، بل بناء على القول بعدم جواز القضاء بعلم الحاكم وتعين الرجوع إلى البينة واليمين ، نقول : يقضي بالبينة أو اليمين ، وينفذ قضاؤه وإن علم بمخالفته للواقع. فالمحذور المذكور لا يصلح للمنع ، إذ لا مانع من تخصيص دليل الآثار بغير جواز المطالبة.

الثالث : أن حكم الحاكم من قبيل الامارة بالنسبة إلى من عداه من المكلفين فيكون طريقاً إلى ثبوت مؤداه في جميع الآثار غير الأثر المقصود ، فيجب على جميع المكلفين ترتيب آثار المحكوم به ظاهراً ، ويكون حجة على ذلك لما دل على عدم جواز رده ووجوب قبوله ، مثل ما في مقبولة عمر بن حنظلة من قول الصادق (عليه السلام) : « فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه تعالى ، وعلينا رد. والراد علينا الراد على اللّه تعالى ، وهو على حد الشرك باللّه تعالى » (1)فيترتب عليه أحكام الأمارات من الحجية


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.


في ظرف الشك ، وعدم الحجية في ظرف العلم بالواقع تفصيلا أو إجمالا إذا كان منجزا. وحينئذ يشكل الأمر في موارد التحالف ، فإنه يعلم بمخالفته إجمالا للواقع ، فلا مجال للاعتماد عليه ، فلا بد من الرجوع عند العلم بمخالفته للواقع إجمالا أو تفصيلا إلى ما تقتضيه القواعد بالنسبة إلى ذلك العلم ، فان كان العلم تفصيليا عمل بمقتضاه ، وإذا كان إجمالياً عمل بمقتضاه. فاذا ادعى رجل زوجية امرأة ، وأنكرت هي ذلك فحلفت ، وحكم الحاكم بنفي زوجيتها ، لا يجوز له أن يتزوج أمها أو بنتها أو أختها أو خامسة. وكل من علم بصدقه لا يجوز له أن يتزوجها. كما أنها لا يجوز لها أن تتزوج رجلا آخر إذا كان إنكارها جحوداً. وإذا اختلف المتبايعان في المبيع والثمن ، فقال البائع بعتك العبد بالدار ، فيقول المشتري : بعتني الجارية بالبستان ، وحلفا ، وحكم الحاكم بانتفاء البيعين ، فقد علم إجمالا بملك البائع للدار أو البستان ، وملك المشتري للعبد أو الجارية. وحينئذ لا يجوز شراء العبد أو الجارية من المشتري ولا من البائع ، وكذا لا يجوز شراء الدار أو البستان من كل منهما.

لكن في الدروس في أواخر كتاب البيع قال : « إذا حلفا أو نكلا احتمل أن ينفسخ العقد ، إذ إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر ، وعلى وفق أحدهما تحكم. ويحتمل أن يتزلزل فيفسخه المتعاقدان أو أحدهما أو يرضى أحدهما بدعوى الآخر ، أو يفسخه الحاكم إذا يئس من توافقهما وامتنعا من فسخه ، لئلا يطول النزاع. وعلى الانفساخ ينفسخ من حينه ، لا من أصله. ثمَّ إن توافقا على الفسخ أو فسخه الحاكم انفسخ ظاهراً وباطناً ، ولو بدر أحدهما فإن كان المحق فكذلك ، والا انفسخ ظاهراً ». وحكي الجزم بالانفساخ عن كثير من كتب الفاضلين والشهيدين ، وإن اختلفت عباراتهم في كون


الفسخ بعد التحالف من حينه أو من أصله ، كما عن اللمعة والروضة.

وفي الجواهر : « لا ريب أن المتجه على مقتضى الضوابط الشرعية عدم الانفساخ بالتحالف ، ولا يتسلط الحاكم على ذلك. هذا كله بحسب الواقع ». وهو في محله. والاستدلال عليه بالنبوي المذكور في الدروس : « إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا » ، كما ترى ، لقصوره عن إثبات ذلك دلالة ، لعموم الاختلاف لصورة التداعي وغيره ، ولذا قال في الدروس : « وعليه يحمل قول النبي (صلی اللّه عليه وآله) ». وكذا سنداً ، وهو ظاهر. بل المروي لأصحاب السنن - أبي داود والترمذي والنسائي - هكذا : « إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان » أي : يتفاسخان العقد. وهو غير ما نحن فيه ، ولم يرد عن صحاحهم وسننهم غير ذلك.

وكيف كان : فالبناء على الانفساخ أو فسخ الحاكم غير ظاهر ، كما ذكر في الجواهر. واللازم على المتداعيين وعلى غيرهما العمل على مقتضى العلم الإجمالي أو التفصيلي ، على وجه لا يؤدي إلى الخصومة والنزاع ، لئلا يلزم رد الحكم وعدم قبوله.

لكن قال في الجواهر : « نعم قد يقال : إن للغير التصرف في كل من الثوبين نقلاً وشراءهما ، بل والثمن الذي يرجع الى المشتري منهما أيضا وإن علم أن الواقع ينافي ذلك ، إلا أن الظاهر عدم اعتبار مثل هذا العلم في المنع عن العمل بما يقتضيه الحكم في الظاهر. وله نظائر كثيرة في الفقه ، منها : العين المقسومة بين اثنين لتعارض البينتين مثلا ، بل ومع العلم بأنها لواحد منهما إذا لم نقل بالقرعة ، فإن للغير شراء الجميع من كل واحد منهما ، وإن علم أن أحدهما غير مالك للنصف ، إجراء للحكم الظاهري. بل إذا لم يكن إجماع جرى مثله في النكاح لو فرض التداعي


بين السيد وآخر في تزويج أمته ، فقال السيد هذه ، وقال الآخر بل هذه ، وتحالفا ، فان للغير التزويج بهما وإن علم أن إحداهما ذات زوج ، عملاً بالحكم الظاهري ».

وفيه : أنه مع الاعتراف بأنه حكم ظاهري كيف يجوز العمل به مع العلم التفصيلي بمخالفته للواقع؟! وهل هو إلا تناقض بين الحكمين؟!. وكذا الحكم مع العلم الإجمالي على التحقيق من كونه حجة على نحو يمنع من جعل الحكم الظاهري على خلافه في أحد الأطراف ، فضلا عن تمامها.

والحكم فيما ذكره من المثال من العين المقسومة بين المتداعيين لتعارض بينتيهما أيضاً كذلك ، فإنه لا يجوز البناء على كون القسمة ظاهرية ، وأنه يجوز العمل عليها حتى مع العلم بالمخالفة للواقع. نعم لا بأس إذا كانت القسمة واقعية ، بأن تكون البينتان سببا للاشتراك في العين ، فحينئذ يجوز ترتيب الآثار عليهما مطلقاً. لكن الدليل المتضمن للقسمة ظاهر في كونها لمحض حسم النزاع ودفع الفساد المترتب عليه ، وليس فيها تحليل الحرام وتحريم الحلال واقعا.

بل اللازم إيكال أمر عمل المتخاصمين بالنظر الى الواقع إلى علمهما. وكذلك عمل غيرهما ممن يكون مورداً للابتلاء. ولذا قال في الدروس في أواخر كتاب القضاء : « تتمة : لا يتغير الشي‌ء عما هو عليه بحكم الحاكم ، فلو حكم بشاهدي زور على عقد أو فسخ أو طلاق أو نكاح لم يستبح المحكوم به ، ولا يحل - للعلم بكذبهما - موافقة الحكم. وعلى المرأة الامتناع لو علمت بالتزوير ، فإن أكرهها أثم دونها ، ولها التزويج لغيره بعد العدة ، وللرجل إتيانها إذا كان محكوماً عليه بطلاقها ، وإن تزوجت بغيره بعد العدة ».

وقد اشتهر في كلامهم عدم وجوب العمل بالحكم إذا علم بمخالفته


للواقع ، بل الظاهر أنه لا كلام فيه ولا إشكال. فكيف يمكن جعل حكم الحاكم حجة حينئذ؟! وليس هو إلا كغيره من الحجج التي لا مجال للعمل بها مع العلم التفصيلي على خلافها ضرورة. وكذا مع العلم الإجمالي على خلافها على ما هو التحقيق عند المحققين من كونه منجزاً للواقع كالعلم التفصيلي. كما أنه يجب العمل به مع الشك والجهل بالواقع ، ولا فرق بين المتداعيين في ذلك وغيرهما ، لعموم قوله (عليه السلام) : « فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه سبحانه. » (1)، الشامل للمتداعيين وغيرهما.

ومما يترتب على ذلك : أنه لو تمكن ذو الحق من المتداعيين من استنقاذ حقه من خصمه ، مع علمه بثبوت حقه ، جاز له ذلك وإن كان حكم الحاكم عليه لا له ، لعدم حجية الحكم عليه مع العلم ببطلانه ، وإن كان لا يجوز له المطالبة به والادعاء ، كما تقدم في الأمر الثاني من أن دليل نفوذ الحكم كما يدل على حجيته في ظرف الشك ، يدل على كونه فاصلاً للخصومة وحاسماً للنزاع. وترتب الأثر المذكور عليه ليس من باب الطريقية ، ليكون ملغياً مع العلم بالواقع ، بل من باب الموضوعية ، وإلا تعذر الفصل به غالباً ، لعلم كل من المتخاصمين بصحة دعواه نفياً أو إثباتاً ، فلو اختص بحال الشك لم يكن حاسما للنزاع مع العلم ، وهو خلاف المقطوع به من أدلة نفوذه.

نعم المذكور في كلام الأصحاب : أنه إذا كان حكم الحاكم مستندا إلى اليمين ، لم تجز لمن حكم عليه بالحق المقاصة من مال المحكوم له ، وإن علم بثبوت حقه. قال في الشرائع : « إذا حلف - يعني المدعى عليه - سقطت الدعوى. ولو ظفر المدعي بعد ذلك بمال الغريم لم تحل له المقاصة » : وفي المسالك : « هذا هو المشهور بين الأصحاب ، لا يظهر فيه مخالف » :


1) الوسائل باب : 11 من أبواب صفات القاضي حديث : 1.


وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك ».

وهذا وإن كان خلاف مقتضى الأدلة الأولية ، المقتضية لبقاء حقه وجواز استنقاذه بكل طريق شاء ، بلا مطالبة ولا منازعة إلا أن مستنده جملة من النصوص ، ادعي دلالتها عليه. منها. خبر عبد اللّه بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه ، فاستحلفه ، فحلف أن لا حق له قبله ، ذهبت اليمين بحق المدعي ، فلا دعوى له. قلت له : وإن كان عليه بينة عادلة؟ قال : نعم ، وإن أقام بعد ما استحلفه باللّه تعالى خمسين قسامة ما كان له ، وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه » (1). وزاد في الفقيه : « قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : من حلف لكم على حق فصدقوه ، ومن سألكم باللّه فأعطوه ، ذهبت اليمين بدعوى المدعي ولا دعوى له » (2). وخبر خضر النخعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال (عليه السلام) : إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً ، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه » (3)وخبر عبد اللّه بن وضاح : « قال : كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة ، فخانني بألف درهم ، فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف ، وقد علمت أنه حلف يمينا فاجراً فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة ، فأردت أن اقتص الألف درهم التي كانت لي عنده ، وأحلف عليها ، فكتبت الى أبي الحسن (عليه السلام) فأخبرته أني قد أحلفته فحلف ، وقد وقع له عندي مال ، فإن أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت. فكتب (عليه السلام) : لا تأخذ منه شيئاً ، إن كان ظلمك فلا تظلمه ،


1) الوسائل باب : 9 من أبواب كيفية القضاء حديث : 1.

2) الوسائل باب : 9 من أبواب كيفية القضاء حديث : 2.

3) الوسائل باب : 10 من أبواب كيفية القضاء حديث : 1.


ولو لا أنك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك ، ولكنك رضيت بيمينه وقد ذهبت اليمين بما فيها. فلم آخذ منه شيئاً ، وانتهيت الى كتاب أبي الحسن (عليه السلام) » (1). وأما النبوي : « من حلف باللّه فليصدق ، ومن لم يصدق فليس من اللّه ومن حلف له باللّه فليرض ، ومن لم يرض فليس من اللّه في شي‌ء » (2)، فليس مما نحن فيه لظهوره في الترغيب في الإذعان بمضمون الحلف.

لكن الخبر الأول ظاهر في نفي جواز التداعي. والثاني غير بعيد. والواضح الدلالة الأخير. وهما وإن كانا ضعيفي السند ، لكن ضعفهما مجبور بالعمل. لكنهما مختصان بالدين والمقاصة من مال المحكوم له ، ولا يشمل أخذ العين نفسها إذا أمكن المحكوم عليه ، ولا المقاصة عنها. وقد عرفت أن مقتضى القواعد جواز ذلك ، والتعدي من مورد النصوص إلى ذلك غير ظاهر. وأشكل منه التعدي عن المقاصة إلى سائر التصرفات في العين من لبس ونحوه. وأشكل منه التعدي إلى التصرفات الاعتبارية ، مثل احتسابه زكاة ، وإبرائه منه ، وعتقه ، ووقفه ، ونحو ذلك ، فان ذلك كله بعيد عن مدلول النصوص المذكورة جداً ، فلا موجب فيه للخروج عن القواعد. نعم لا تبعد دعوى عموم النص للمقاصة عن العين بقرينة التعليل : « إن كان ظلمك فلا تظلمه » ، فان الظاهر أن المقصود من ظلمه أخذ ماله بغير اذنه من عين أو دين. فتأمل.

كما أن النصوص المذكورة مختصة باليمين ، فاذا كان مستند الحكم البينة أو النكول أو الإقرار لا مانع من المقاصة ، عملاً بالقواعد الأولية من دون مخرج عنها. والتعليل في خصوص الخبر الأخير غير واضح الانجبار


1) الوسائل باب : 10 من أبواب كيفية القضاء حديث : 2.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب كتاب الايمان حديث : 1.


بالاعتماد ، لاقتصار كلماتهم على خصوص اليمين ، وظاهرهم الاعتماد على نصوص اليمين من حيث كونها يميناً ، ومن الجائز أن لا يكون اعتمادهم على هذا الخبر ، فلم يثبت انجباره ، ولا سيما بملاحظة ما دل على مشروعية المقاصة ، وعموم قوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) (1).

هذا والذي تحصل مما ذكرنا أمور :

( الأول ) : أن حكم الحاكم لا يغير الواقع ، بل هو محفوظ في نفسه وعلى حاله. ( الثاني ) : أن علم الحاكم إجمالاً لا ينافي حكمه بخلاف العلم. ( الثالث ) : أن حكم الحاكم فاصل للخصومة ومانع من النزاع وإن علم أحد الخصمين وكلاهما ببطلانه ، وأن هذا الأثر حكم واقعي. ( الرابع ) : أن حكم الحاكم بالنسبة إلى موادة حكم ظاهري ، لا يجوز العمل به مع العلم بخلافه إجمالاً أو تفصيلا ، وإنما يجب العمل به مع الشك. ولا فرق بين المتخاصمين وغيرهما من سائر المكلفين. ( الخامس ) : أن بناء جمع من الأصحاب على انفساخ العقد بعد التحالف - إذا كان النزاع في العقود - مما لا دليل عليه ، فلا مجال للبناء عليه. وكذا البناء على أن الحاكم له الولاية على الفسخ. ( السادس ) : يستثنى من جواز العمل بالعلم - إذا كان على خلاف الحكم - المقاصة ، فلا تجوز المقاصة من المحكوم عليه إذا كان عالما بثبوت حقه ، وكان مستند الحكم اليمين. ( السابع ) : أنه لا يلحق بالمقاصة أخذ العين نفسها ، ولا التصرف فيها بغير نحو المقاصة ، سواء كان التصرف خارجيا مثل اللبس ونحوه ، أم اعتبارياً مثل الإبراء والوقف. ( الثامن ) : أن حرمة المقاصة مختصة بما إذا كان مستند الحكم اليمين ، فلا مانع من المقاصة إذا كان مستند الحكم البينة ، أو النكول ، أو الإقرار خطأ أو اشتباهاً.


1) البقرة : 194.

( مسألة 14 ) : كل من يقدم قوله في الموارد المذكورة عليه اليمين للآخر.

خاتمة

فيها مسائل :

( الأولى ) : خراج الأرض المستأجرة في الأراضي الخراجية على مالكها [1]. ولو شرط كونه على المستأجر


خاتمة

[1] لا ينبغي التأمل في أن الأرض الخراجية - وهي المحياة حين الفتح - ملك للمسلمين من ولد ومن لم يولد ، لا يملكها أحد غيرهم. وما ذكره جماعة من أنها تملك لآحاد الناس تبعا للآثار ، لا دليل عليه ، كما ذكرنا في حاشيتنا على مكاسب شيخنا الأعظم (رحمه اللّه). وما في مفتاح الكرامة من أن دعوى أن أرض الخراج لا تكون ملكا ، وهمٌ قطعاً ، فإن الأرض المفتوحة عنوة المحياة قبل الفتح إذا أذن الإمام لأحد بأن يبني فيها أو يغرس ، وأن يكون عليه خراجها ، ملك رقبتها أصالة أو تبعاً - على الخلاف - فاذا زالت آثاره زال ملكه. ( انتهى ). غير ظاهر ، فراجع. ولعل مقصود المتن من المالك : المؤجر الذي يملك منفعتها.

ثمَّ الظاهر أنه لا إشكال ظاهر فيما ذكره من أن الخراج على المالك لا على المستأجر ، لأنه موضوع على من بيده الأرض ، ومن جعل له سلطان التصرف فيها ، فلا يكون على المستأجر. ويظهر من كلماتهم في كتاب

صح على الأقوى. ولا يضر كونه مجهولا من حيث القلة والكثرة [1] ، لاغتفار مثل هذه الجهالة عرفاً ،


المزارعة التسالم على الحكم المذكور ، وإن اختلفت عباراتهم ، فمنهم من عبر بالمالك. وآخر بالصاحب. وثالث برب الأرض. والمراد به ما عرفت. ويشهد بالحكم المذكور خبر سعيد الكندي قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إني آجرت قوماً أرضاً ، فزاد السلطان عليهم. فقال (عليه السلام) : أعطهم فضل ما بينهما. قلت : أنا لم أظلمهم ولم أزد عليهم. قال (عليه السلام) : إنهم إنما زادوا على أرضك » (1).

[1] أشار بذلك إلى ما ذكر في المسالك في مبحث المزارعة من المنع عن الشرط المذكور. للجهالة القادحة. واستشكل فيه في الرياض. ودفعه المصنف باغتفار مثل هذه الجهالة عرفاً. وكأنه لأن الشرط تابع وليس مقوماً للعقد ، فالجهالة فيه ليست جهالة في العقد. ويشكل : بأن الشرط في ضمن العقد وإن لم يكن من مقومات كلي العقد ، لكنه من مقومات شخصه ، فالجهل فيه جهل بمضمون العقد الشخصي ، فيصدق على الإجارة الشخصية أنها غررية. نعم قد يصح ذلك في الشروط الملحوظة تبعاً لركن العقد ، مثل : اشتراط حمل الدابة وسرجها ولجامها ونحو ذلك مما كان معدوداً من توابع العوض.

هذا وفي الجواهر قال في مبحث المزارعة : « لعل الوجه في إطلاق النص والفتوى صحة هذا الشرط : أنه من اشتراط كون حق الخراج عليه نحو اشتراط حق الزكاة على مشتري الثمرة ، مع عدم العلم بمقدارها ، إذ ليس هو اشتراط قدر ، بل اشتراط حق ، وربما لا يؤدي عنه شيئاً ، ومرجعه إلى اشتراط كون الزارع كالمالك في تعلق هذا الحق ، الذي


1) الوسائل باب : 16 من أبواب المزارعة حديث : 10.

ولإطلاق بعض الأخبار [1].


لا إشكال في صحة اشتراطه ».

ويشكل : بأن اشتراط كون الحق عليه لا يخلو من إشكال في نفسه لأن موضوع حق الخراج هو المالك ، فكيف يمكن أن يجعل موضوعه غيره؟! فإن أمر موضوع الحق بيد جاعله ، ولا يكون بيد غيره ، فاشتراط ذلك غير معقول ، فضلا عن أن يكون صحته مما لا إشكال فيها. وكذا الحكم في اشتراط حق الزكاة ، فإن متعلقه عين النصاب ، وليس متعلقا بالمالك ليكون مما نحن فيه. نعم خطاب أداء الزكاة متعلق بالمالك ، واشتراط كونه على المشتري بحيث يخرج المالك عن موضوع الخطاب ، أيضاً غير معقول ، إذ ليس للمأمور صلاحية نقل الخطاب المتعلق به إلى غيره. هذا مضافاً إلى أن مقدار الخراج إذا كان مجهولاً كان الحق مجهولا. ومثله : أن يشترط عليه أن يملكه ما في الصندوق المردد بين القليل والكثير ، فالتقريب المذكور لا يرفع الإشكال.

فالعمدة ما عرفت في أول الكتاب من أنه لا دليل على قدح الجهالة كلية في عقد الإجارة. ودليل نفي الغرر مختص بالبيع. والإجماع على القدح غير حاصل.

[1] في صحيح داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم ، وربما زاد وربما نقص ، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها ، ويعطيه مائتي درهم في السنة. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). ونحوه صحيح يعقوب بن شعيب (2). وظاهرهما جواز شرط ذلك مع تردده بين الأقل والأكثر ، فالدلالة تكون بالظهور


1) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة ملحق حديث : 1.

( الثانية ) : لا بأس بأخذ الأجرة على قراءة تعزية سيد الشهداء وسائر الأئمة صلوات اللّه عليهم [1] ، ولكن


لا بالإطلاق. نعم في صحيح يعقوب الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج ، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها ، فما كان من فضل فهو بينهما. قال (عليه السلام) : لا بأس » (1). لكن الظاهر منه المزارعة لا الإجارة. وخبر إبراهيم بن ميمون : « سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قرية لأناس من أهل الذمة ، لا أدري أصلها لهم أم لا ، غير أنها في أيديهم وعليها خراج ، فاعتدى عليهم السلطان ، فطلبوا إلي فأعطوني أرضهم وقريتهم ، على أن أكفيهم السلطان بما قل أو كثر ، ففضل لي بعد ذلك فضل ، بعد ما قبض السلطان ما قبض. قال (عليه السلام) : لا بأس بذلك ، لك ما كان من فضل » (2). ونحوه خبر أبي بردة (3). وخبر أبي الربيع (4). وهذه الروايات وإن كانت مطلقة ، لكنها ظاهرة في كون أداء الخراج عوضاً ، لا شرطاً في العقد.

[1] لا ينبغي التأمل في صحة ذلك ، لكونه عملاً له منفعة معتد بها دنيوية وأخروية. نعم قد يشكل ما هو المتعارف ، من جهة أنه لا بد من تعيين العمل بالخصوصيات التي تختلف بها الرغبات والمالية ، لاختلاف مالية القراءة بلحاظ اختلاف المضامين ، واختلاف كيفية الأداء. واختلاف المدة ، فإذا لم يكن تعيين بطلت الإجارة. نعم إذا كانت الإجارة واقعة


1) الوسائل باب : 10 من أبواب المزارعة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة حديث : 3.

4) الوسائل باب : 17 من أبواب المزارعة حديث : 4.

لو أخذها على مقدماتها من المشي إلى المكان الذي يقرأ فيه كان أولى [1].

( الثالثة ) : يجوز استئجار الصبي المميز من وليه الإجباري أو غيره - كالحاكم الشرعي - لقراءة القرآن أو التعزية والزيارات [2]. بل الظاهر جوازه لنيابة الصلاة عن الأموات بناء على الأقوى من شرعية عباداته [3].


على كلي القراءة ومسمى ذكر المصاب ، صحت وإن لم يكن تعيين. وحينئذ لا بد في تصحيح الإجارة من وقوعها على النحو المذكور ، وحينئذ يستحق الأجرة بمجرد ذلك.

[1] كأنه ليكون أبعد عن شبهة منافاة قصد أخذ الأجرة للإخلاص.

[2] الأمور الثلاثة وأمثالها : تارة : يحصل المقصود منها بمجرد وجودها ، سواء كانت عبادة أم لا ، وحينئذ لا شبهة في صحة إجارة الصبي عليها ، كسائر الأعمال غير العبادية مثل الخياطة والنساجة ونحوهما. وأخرى : لا يحصل المقصود منها إلا بوقوعها على وجه العبادة ، فقد تشكل الإجارة عليها بناء على أن عبادات الصبي تمرينية لا شرعية. إلا أن يقال : إن الخلاف المذكور يختص بالعبادات الوجوبية ، لأن حديث رفع القلم عن الصبي يختص برفع الوجوب. لكن الظاهر منهم عموم الخلاف ، بناء منهم على أن أدلة التشريع العامة غير شاملة للصبي ، فينحصر تشريع عباداته بدليل آخر غيرها. ولذلك جعلوا مبنى الخلاف المذكور : أن الأمر بالأمر هل هو أمر أو لا؟ فعلى الأول : تكون مشروعة ، وعلى الثاني : لا تكون. ولا فرق في ذلك بين الواجبات والمستحبات.

[3] قد تكرر مراراً في هذا الشرح التعرض لهذه المسألة. وقد ذكرنا فيما سبق أن أدلة التشريع عامة للبالغ وغير البالغ. وليس ما يستوجب رفع

( الرابعة ) : إذا بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدة أصول الزرع فنبتت ، فان لم يعرض المستأجر عنها كانت له [1] ،


اليد عن العموم المذكور الا حديث رفع القلم عن الصبي ، لكن الجمع العرفي بينه وبين الأدلة العامة بحمله على رفع الإلزام ، فيكون ترخيصاً في مخالفة الوجوب والحرمة ، كما يشهد به ذكره في سياق النائم ، فإنه أحد الثلاثة الذين رفع عنهم القلم ، ولا ريب أنه لا يسقط عنه التكليف بالمرة ، وإنما يسقط عنه اللزوم العقلي ، فراجع مبحث المرتد في باب نجاسة الكافر وغيره من المباحث.

ثمَّ إن الظاهر أن صحة النيابة عن الأموات لا تبتني على شرعية عبادة النائب ، فإن الفقير غير المستطيع يجوز نيابته عن الميت في حج الإسلام ، والمسافر تشرع له النيابة عن الميت في صلاة التمام ، والحاضر تشرع له النيابة عن الميت في صلاة القصر. وهكذا. إذ اللازم في صحة النيابة في العبادة مشروعية العبادة في حق المنوب عنه ، لأن النائب يمتثل الأمر المتوجه إلى المنوب عنه ، فاذا لم يكن المنوب عنه مأموراً لم تمكن النيابة عنه. وأما النائب فلا يعتبر في صحة نيابته توجه أمر إليه بالفعل المنوب فيه ، نعم يعتبر وجود عموم يدل على مشروعية النيابة من الصبي ، كما لو شك في مشروعية نيابة الذكر عن الأنثى وبالعكس. والظاهر ثبوت هذا العموم ، لعموم بناء العقلاء ، وعموم الأخبار المتقدمة في مباحث النيابة.

[1] قال في التذكرة في كتاب المزارعة : « إذا زارع رجلاً في أرضه فزرعها ، وسقط من الحب شي‌ء ونبت في ملك صاحب الأرض عاماً آخر ، فهو لصاحب البذر عند علمائنا أجمع. وبه قال الشافعي ». وقال في كتاب العارية : « لو حمل السيل حب الغير أو نواه أو جوزه


أو لوزه إلى أرض آخر ، كان على صاحب الأرض رده على مالكه إن عرفه ، وإلا كان لقطة. فإن نبت في أرضه وصار زرعاً أو شجراً ، فإنه يكون لصاحب الحب والنوى والجوز واللوز ، لأنه نماء أصله ، كما أن الفرخ لصاحب البيض. ولا نعلم فيه خلافاً ». وفي القواعد في كتاب المزارعة : « ولو تناثر من الحاصل حب فنبت في العام الثاني ، فهو لصاحب البذر. ولو كان من مال المزارعة فهو لهما » ونحوه كلام غيره. ومثله مفروض المتن. والحكم فيه كما ذكر المصنف (رحمه اللّه). ووجهه ما أشار إليه في التذكرة من أن النماء تابع الأصل ، فيملكه مالك الأصل.

نعم قال في التذكرة أيضاً : « لو كان المحمول بالسيل ما لا قيمة له كنواة واحدة وحبة واحدة فنبت ، احتمل أن يكون لمالك الأرض إن قلنا لا يجب عليه ردها إلى مالكها لو لم تثبت ، لانتفاء حقيقة المالية فيها ، والتقويم إنما حصل في أرضه. وهو أحد وجهي الشافعية. وأن يكون لمالكها إن قلنا بتحريم أخذها ووجوب ردها قبل نباتها. فعلى هذا في قلع النابت وجهان ». ولا ينبغي التأمل في أن الأصح الاحتمال الثاني ، فإن الملكية ليست متقومة بالمالية ، فإن المالية تابعة لتنافس العقلاء على موضوعها ، والتنافس إنما يكون مع الاعتداد بمرتبة المالية ، فإذا لم تكن بمرتبة معتد بها لم يكن موضوعها. وليست الملكية كذلك ، فإنها تابعة لأسباب أخرى عرفية أو شرعية ، فيصح اعتبارها مع وجود السبب ، ولو لم تكن للعين مالية. فالمالية والملكية متباينان مفهوماً ، وبينهما عموم من وجه مورداً.

نعم الأدلة اللفظية مثل : « لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه » (1)، ومثل : « فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه » (2)إنما يدلان على حرمة التصرف في مال الغير ، ولا يدلان


1) الوسائل باب : 3 من أبواب مكان المصلي حديث : 1.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال حديث : 6.

وإن أعرض عنها وقصد صاحب الأرض تملكها كانت له [1].


على حرمة التصرف في ملك الغير. لكن الظاهر التسالم على حرمة التصرف في ملك الغير كماله. يظهر ذلك من كلمات أصحابنا ، وغيرهم من المخالفين. ويكفي في إثباته كونه ظلماً وعدواناً ، فيدل على حرمته ما دل على حرمة الظلم والعدوان. وقد أشار المصنف (رحمه اللّه) إلى شي‌ء من ذلك في مبحث التيمم في مسألة ما إذا حبس في مكان مغصوب.

[1] المنسوب الى المشهور : أن مجرد إعراض المالك عن المملوك يجعله كالمباح بالأصل ، فيجوز لكل تملكه.

قال في السرائر - بعد ما روى عن الشعيري : « قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر ، فأخرج بعضه بالغوص ، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها. فقال (عليه السلام) : أما ما أخرجه البحر فهو لأهله ، اللّه أخرجه لهم ، وأما ما خرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به » (1): - « قال محمد بن إدريس : وجه الفرق في هذا الحديث : أن ما أخرجه البحر فهو لأصحابه ، وما تركه أصحابه آيسين منه ، فهو لمن وجده أو غاص عليه ، لأنه صار بمنزلة المباح. ومثله من ترك بعيره من جهد في غير كلاء ولا ماء ، فهو لمن أخذه ، لأنه خلاه آيسا منه ، ورفع يده عنه ، فصار مباحا. وليس هذا قياساً ، لأن مذهبنا ترك القياس ، وإنما هذا على جهة المثال ، والمرجع فيه إلى الإجماع وتواتر النصوص ، دون القياس والاجتهاد. وعلى الخبرين إجماع أصحابنا منعقد ».

قال في الجواهر - بعد نقل بعض كلامه هذا - : « قلت : لعل ذلك هو العمدة في تملك المعرض عنه. مضافاً الى السيرة في حطب المسافر ونحوه ، وإلا فمن المعلوم توقف زوال الملك على سبب شرعي ،


1) الوسائل باب : 11 من أبواب اللقطة حديث : 2.


كتوقف حصوله ، ولا دليل على زوال الملك بالاعراض ، على وجه يتملكه من أخذه كالمباح. ومن هنا احتمل جماعة إباحة التصرف في المال المعرض عنه دون الملك ، بل عن ثاني الشهيدين : الجزم بذلك. وعن بعض : أنه لا يزول الملك بالإعراض ، إلا في الشي‌ء اليسير كاللقمة ، وفي التالف كمتاع البحر ، وفي الذي يملك لغاية قد حصلت كحطب المسافر. وعن آخر : اعتبار كون المعرض عنه في مهلكة ، ويحتاج الاستيلاء عليه الى الاجتهاد - كغوص وتفتيش ونحوهما - في حصول التملك به. وربما استظهر من عبارة ابن إدريس المتقدمة : اعتبار اليأس ، زيادة على الاعراض فيه أيضاً. إلى غير ذلك من كلماتهم ، التي مرجعها الى تهجس في ضبط عنوان لذلك. مع أن السيرة عليه في الجملة ، وليس في النصوص غير ما عرفت التعرض له ».

أقول : مثل خبر الشعيري خبر السكوني ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث - : « قال : وإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس ، فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحق به ، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم » (1). ولا يخفى أن الخبرين المذكورين لا دلالة فيهما على أن الوجه في جواز تملك الغواص لما أخرجه. هو يأس المالك ، أو إعراضه ، أوهما ، أو شي‌ء آخر غيرهما ، إذ هو حكم في واقعة خاصة ، لا تعرض فيهما لمناطه.

لكن ربما يستفاد منهما ومن غيرهما من النصوص المذكورة في مبحث اللقطة : أن المال المملوك إذا صار بحال يؤدي الى ضياعه وتلفه ، فاستنقذه شخص آخر من الضياع والتلف ، كان ملكا له ، نظير : « من


1) الوسائل باب : 11 من أبواب اللقطة حديث : 1.


أحيا أرضاً مواتاً فهي له » (1)ففي صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « من أصاب مالاً أو بعيراً في فلاة من الأرض ، قد كلت وقامت وسيبها صاحبها لما لم تتبعه ، فأخذها غيره ، فأقام عليها وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت ، فهي له ولا سبيل له عليها وانما هي مثل الشي‌ء المباح » (2). وخبر مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول في الدابة إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها. قال : وقضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ترك دابة بمضيعة ، قال : إن كان تركها في كلاء وماء وأمن ، فهي له يأخذها متى شاء ، وإن كان تركها في غير كلاء ولا ماء ، فهي لمن أحياها » (3). وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « قال : جاء رجل الى النبي (صلی اللّه عليه وآله) فقال : يا رسول اللّه إني وجدت شاة. فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : هي لك أو لأخيك أو للذئب. فقال : يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) إني وجدت بعيراً فقال (صلی اللّه عليه وآله) : معه حذاؤه وسقاؤه ، - حذاؤه : خفه وسقاؤه : كرشه - فلا تهجه » (4). ونحوها غيرها. فان الظاهر من الجميع : أن الاستنقاذ من التلف في ظرف عجز المالك - سواء كان ملتفتا إلى ذلك وترك المال عجزاً منه ، أم غير ملتفت اليه ، كما في مورد النصوص الأخيرة - مملك. وعليه فان أمكن العمل بالنصوص تعين القول بذلك. ولا دخل للاعراض وعدمه ولا لإباحة المالك وعدمها في جواز التملك من المنقذ ، وإن لم يمكن العمل بالنصوص - لإعراض المشهور عنها - فاللازم


1) الوسائل باب : 1 من أبواب إحياء الموات حديث : 5 ، 6.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب اللقطة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 13 من أبواب اللقطة حديث : 3.

4) الوسائل باب : 13 من أبواب اللقطة حديث : 1.


القول بعدم جواز التملك بمجرد ذلك وغيره.

وفي الجواهر قال : « وأما المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله بسبب من الأسباب - كغرق أو حرق ونحوهما - فيشكل تملكه بالاستيلاء عليه ، خصوصاً مع عدم العلم باعراض صاحبه عنه على وجه يقتضي إنشاء إباحة منه لمن أراد تملكه ، أو رفع يده عن ملكيته ، وإنما هو للعجز عن تحصيله ، نحو المال الذي يأخذه قطاع الطريق والظلمة ». أقول : قد عرفت أن موضوع النصوص المال الذي بحال ينتهي إلى التلف لا المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله ، فلا يدخل فيه المال الذي يأخذه قطاع الطريق والظلمة.

والانصاف يقتضي جواز العمل بالنصوص المذكورة ، ولم يتحقق من المشهور الاعراض عنها ، وقد تعرضوا لمضمونها في لقطة الحيوان الذي لا يمتنع من السباع والضياع ، وفي حكم السفينة إذا انكسرت وغرق ما فيها.

لكن إثبات القاعدة الكلية ، وأن كل ما يؤدي بقاؤه إلى التلف لو لم يؤخذ يجوز أخذه وتملكه ، غير ظاهر. ولا سيما أن نصوص الشاة لم يعمل بظاهرها عند المشهور ، لبنائهم على جواز أخذها مع الضمان ، على اختلاف منهم في معنى الضمان ، وأنه فعلي فتكون في الذمة كسائر الديون ، أو على تقدير المطالبة ، كبنائهم على وجوب التعريف ، وإن كان الأظهر عدم الضمان ، وعدم لزوم التعريف ، أخذاً بظاهر النصوص المشار إليها وحملا لما دل على الضمان أو التعريف على غير الالتقاط في الفلاة ، بقرينة لزوم التعريف الذي لا يكون في الفلاة. كما أشرنا إلى ذلك في مباحث اللقطة.

هذا ، وأما إعراض المالك : فلا يظهر من الأدلة كونه موجباً لخروج المال عن ملك مالكه ، وصيرورته من قبيل المباحات الأصلية ، كما عرفت نسبته إلى المشهور ، بل يظهر من كلماتهم المتعرضة لحكم الحب

ولو بادر آخر إلى تملكها ملك [1] ،


المتساقط : التسالم على خلاف ذلك. قال في التذكرة : « لو نبتت نواة سقطت من إنسان في أرض مباحة أو مملوكة ، ثمَّ صارت نخلة ولم يستول عليها غيره ، فإن النخلة تكون ملك صاحب النواة قطعاً ». ولعل مرادهم جواز تملكه لغير المالك ، وإن كان باقيا على ملك مالكه ، كما قد يظهر من بعضهم. لكنه أيضاً غير ظاهر ، لقصور النصوص المذكورة عن إثبات ذلك ، إذ ليس ما يتوهم منه الدلالة على ذلك ، إلا صحيح ابن سنان ونحوه ، مما اشتمل على ترك المالك ، وقد عرفت أنه ظاهر في التملك بالاحياء ، لا بالاستيلاء. والسيرة المدعاة عليه غير ظاهرة. وأما تحليل نثار العرس وحطب المسافرين (1)ونحوهما فالظاهر اختصاصه بصورة حصول امارة على إباحة المالك. ولأجل ذلك يتعين تقييد عبارة المتن بهذه الصورة ، اقتصاراً على القدر المتيقن. ولعل مقصود المصنف (رحمه اللّه) - كغيره - صورة ما إذا ظهر من المالك الإباحة ، كما هو الغالب.

[1] وفي الجواهر - في بيان أصل المسألة ، بعد ما ذكر أن الزرع لصاحب البذر - قال : « لكن مع فرض كون الحب من الذي هو معرض عنه ، على وجه يجوز للملتقط التقاطه ، فهل هو كذلك ، لأنه لا يزول عن الملك ، بالاعراض ، بل به مع الاستيلاء ، والفرض عدمه الى أن صار زرعاً ، والفرض عدم الاعراض عنه في هذا الحال؟ ، أو أنه يكون لصاحب الأرض لأنه من توابعها ونمائها ، بل لعل كونه فيها نوع


1) لعل المنظور في مستند التحليل في هذين الموردين هو السيرة وإلا فلم نعثر على خبر يدل على الحلية في الثاني ، نعم في بعض الاخبار تدل عليه بالفحوى فراجع الوسائل باب : 12 من اللقطة. و أما الأول فالاخبار الواردة فيه أدل علی المنع إلا ان تأول. فراجع الوسائل باب : 36 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

وإن لم يجز له الدخول في الأرض إلا بإذن مالكها [1].

( الخامسة ) : إذا استأجر القصاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي بحيث صار حراماً ، ضمن قيمته [2]. بل الظاهر ذلك إذا أمره بالذبح تبرعاً. وكذا في نظائر المسألة.


استيلاء من المالك عليه؟ وجهان ، إلا أنه جزم في التذكرة : بأنه بينهما على كل حال ، خلافا لبعض العامة ». ذكر ذلك في آخر كتاب المزارعة. ويشكل الأول : بأن الزرع عرفاً نماء الحب في الأرض ، ولذا لو غصبه غاصب فزرعه كان الزرع للمالك. والثاني : بأن الاستيلاء بغير قصد لا يستوجب الملك.

[1] هذا وإن كان مقتضى عموم : « فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه » (1)، إلا أن السيرة جارية في الأرض غير المحصنة والمحجبة على الدخول إليها والعبور فيها ، ونحو ذلك من التصرفات غير المعتد بها ، وقد جرت سيرة النجفيين على اختلاف طبقاتهم في العلم والصلاح ، على الدخول في البساتين التي بين مسجد الكوفة والفرات ، إذا لم تكن مسورة ، فتراهم يعبرون فيها ويجلسون للاستراحة ، أو لأكل الطعام وشرب الشاي ونحو ذلك ، من دون توقف. وكذلك في غيرها من البساتين الواقعة على حافة نهر الفرات أو نهر الحسينية ، أو غيرهما من الجداول ، فيدل ذلك على الجواز. ومن ذلك يظهر جواز العبور في الشوارع المستحدثة في المدن. فلاحظ.

[2] كما تقدم في المسألة الرابعة من فصل كون العين المستأجرة أمانة. وقد تقدم الاستدلال عليه بالنصوص المستفاد منها قاعدة : « من أتلف مال غيره فهو له ضامن ». فراجع :


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال حديث : 6.

( السادسة ) : إذا آجر نفسه للصلاة عن زيد ، فاشتبه وأتى بها عن عمرو ، فان كان من قصده النيابة عمن وقع العقد عليه [1]. وتخيل أنه عمرو فالظاهر الصحة عن زيد ، واستحقاقه الأجرة. وإن كان ناوياً بالنيابة عن عمرو على وجه التقييد لم تفرغ ذمة زيد ، ولم يستحق الأجرة ، وتفرغ ذمة عمرو إن كانت مشغولة ، ولا يستحق الأجرة من تركته ، لأنه بمنزلة المتبرع [2]. وكذا الحال في كل عمل مفتقر إلى النية.

( السابعة ) : يجوز أن يؤجر داره مثلا - إلى سنة بأجرة معينة ، ويوكل المستأجر في تجديد الإجارة عند انقضاء المدة ، وله عزله بعد ذلك. وإن جدد قبل أن يبلغه خبر العزل


[1] لا إشكال في أن ذات زيد غير ذات عمرو ، فاذا قصد النائب ذات زيد : فتارة : يكون قصد عنوان عمرو على نحو يكون طريقاً إلى ذات زيد ومرآة لها. وتارة : يكون قيداً لها على نحو تعدد المطلوب. وثالثة : على نحو وحدة المطلوب. فان كان على أحد النحوين الأولين كانت صلاته وفاء للإجارة ، وأداء للعمل المستأجر عليه. وإذا كان على النحو الأخير ، لم تكن صلاته وفاء ولا أداء للعمل المستأجر عليه ، لأنه غير ما استؤجر عليه. وإذا قصد النائب ذات عمرو جاء فيه أيضا الصور الثلاث. وفي الجميع لا تكون صلاته أداء للعمل المستأجر عليه ، ولا وفاء بالإجارة. وأما فراغ ذمة عمرو من الصلاة التي عليه ، فيختص بفرض ما إذا قصد ذات عمرو بصورها ولا يكون بفرض ما إذا قصد ذات زيد بصورها.

[2] كما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من فصل إجارة الأرض بالحنطة والشعير. فراجع.

لزم عقده. ويجوز أن يشترط في ضمن العقد أن يكون وكيلا عنه في التجديد بعد الانقضاء. وفي هذه الصورة ليس له عزله [1].

( الثامنة ) : لا يجوز للمشتري ببيع الخيار بشرط رد الثمن للبائع أن يؤجر المبيع أزيد من مدة الخيار للبائع [2] ، ولا في مدة الخيار من دون اشتراط الخيار ، حتى إذا فسخ


[1] لأن مرجع الشرط الى شرط التوكيل حدوثاً وبقاءً ، وعزله مناف لشرط البقاء. اللّهم إلا أن يقال : إن الوكالة من النتائج التي لا يصح شرطها كما عرفت ، فضلا عن شرطها حدوثاً وبقاء ، إذ البقاء يمتنع جعله وإنشاؤه ، لأن البقاء مستند إلى استعداد الذات ، فمن جعل له وكيلا بقيت وكالته. وكذلك الحكم في البيع والنكاح والطلاق ، وإنما يقصد بالإيجاب حدوثها ، لا حدوثها وبقاؤها. فإذا كان البقاء لا يقبل الإنشاء بالعقد ، فأولى لا يقبل الإنشاء بالشرط ، فلا بد أن يكون المقصود شرط أن لا يعزله عن الوكالة ، فإذا عزله لم يصح ، لأنه تصرف في حق الغير ، فيخرج عن سلطانه.

[2] المنسوب إلى الأكثر والمشهور والمصرح به في كلام جماعة من الأساطين : أنه لا يجوز تصرف من عليه الخيار في العين تصرفاً يمنع من استردادها. وظاهر ما ذكر في وجهه : أن الخيار حق متعلق بالعين ، فالتصرف فيها تصرف في موضوع الحق ، ولأجل قاعدة السلطنة على الحقوق - التي هي كقاعدة السلطنة على الأموال - يمتنع التصرف ، لأنه خلاف القاعدة المذكورة. والوجه في تعلقه بالعين : أنه قائم بالعقد » والعقد قائم بالعين.

وفيه : أنه لا ريب عندهم في جواز الفسخ مع تلف العين في الجملة ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في جواز الإقالة مع التلف ، وجواز الفسخ

البائع يمكنه أن يفسخ الإجارة ، وذلك لأن اشتراط الخيار من البائع في قوة إبقاء المبيع على حاله حتى يمكنه الفسخ [1] ،


بالخيار معه. ودعوى : أنه قائم بالعين على نحو تعدد المطلوب. غير ثابتة ، وكيف ذلك؟! مع أنه لو كان الخيار قائماً بالعين لبطل بتصرف من له الخيار. ولا مجال للالتزام بذلك في مثل بيع الخيار ، ضرورة أن البائع يتصرف في الثمن ، بل إنما باع لأجل الثمن. ولذلك قال شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : « فالجواز لا يخلو من قوة في الخيارات الأصلية. وأما الخيارات المجعولة بالشرط ، فالظاهر من اشتراطه إرادة إبقاء الملك ، ليسترده عند الفسخ ». وما ذكره غير بعيد ، عملا بالقرينة العامة على إرادة ذي الخيار من شرط الخيار ذلك. ولكن على هذا لو اتفق وجود قرينة خاصة على غير ذلك. لم يكن مانع من التصرف.

ثمَّ إنه بناء على المنع في الخيار المجعول : هل تجوز الإجارة ونحوها مما لا يكون مانعا من رجوع العين إلى ملك البائع أو لا؟ فيه وجهان ، كما في كلام شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : « من كونه ملكا له. ومن إبطال التصرف لتسلط الفاسخ على أخذ العين ». أقول : ظاهر ما ذكره في وجه المنع : أن البائع ذا الخيار كما اشترط الخيار في الفسخ ، اشترط التمكن من الاسترداد ، والمراد من الاسترداد وإن كان الاسترداد الخارجي ، وهذا المعنى تنافيه الإجارة. لكن ذلك يختص بما إذا كان مقتضى الإجارة تسليط المستأجر على العين. أما إذا لم يكن كذلك ، كما في إجارة السفينة على المسافرين ، لا تكون الإجارة منافية لذلك. كما أن مقتضى الشرط المذكور : أن لا يتصرف المشتري بالعين بما يمنع من ردها خارجاً إلى البائع عند الفسخ ، بأن يضعها في مكان مغلق يحتاج فتحه إلى مضي مدة.

[1] قد عرفت : أن الإجارة لا تنافي الفسخ وإن قلنا بأن العقد

فلا يجوز تصرف ينافي ذلك.

( التاسعة ) : إذا استؤجر لخياطة ثوب معين لا بقيد المباشرة ، فخاطه شخص آخر تبرعاً عنه استحق الأجرة المسماة [1]. وإن خاطه تبرعاً عن المالك لم يستحق المستأجر شيئاً [2] ، وبطلت الإجارة. وكذا إن لم يقصد التبرع عن أحدهما ، ولا يستحق على المالك أجرة ، لأنه لم يكن مأذونا من قبله [3] ، وإن كان قاصدا لها ، أو معتقداً أن المالك أمره بذلك.

( العاشرة ) : إذا آجره ليوصل مكتوبة إلى بلد كذا إلى زيد مثلا ، في مدة معينة ، فحصل مانع في أثناء الطريق أو بعد الوصول الى البلد ، فان كان المستأجر عليه الإيصال ، وكان طي الطريق مقدمة ، لم يستحق شيئاً. وإن كان المستأجر عليه


متعلق بالعين ، وإنما تنافي الاسترداد والأخذ بمجرد الفسخ في بعض الصور ، فالمنع من الإجارة كلية يتوقف على فهم اشتراط كون العين على حالها غير مسلوبة المنفعة ، وهذا الشرط زائد على إمكان الأخذ الخارجي ، وزائد على بقاء العين على ملك المشتري ، بنحو يكون الفسخ موجباً لرجوعها إلى البائع. وعبارة المصنف (رحمه اللّه) في تعليل الحكم لا تفي بما ذكر.

[1] يعني : استحق الأجير الأجرة ، لحصول العمل المستأجر عليه منه بتبرع المتبرع ، فيستقر له العوض.

[2] لعدم تحقق العمل من الأجير ، فتبطل الإجارة ، لتعذر العمل المستأجر عليه ، لعدم قابلية المحل لخياطة ثانية.

[3] تقدم وجهه في المسألة الثامنة عشرة من فصل إجارة الأرض

مجموع السير والإيصال ، استحق بالنسبة. وكذا الحال في كل ما هو من هذا القبيل. فالإجارة مثل الجعالة ، قد يكون على العمل المركب من أجزاء ، وقد تكون على نتيجة ذلك العمل ، فمع عدم حصول تمام العمل في الصورة الأولى : يستحق الأجرة بمقدار ما أتى به ، وفي الثانية : لا يستحق شيئاً [1]. ومثل الصورة ما إذا جعلت الأجرة في مقابلة مجموع العمل من حيث المجموع [2] ، كما إذا استأجره للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الأثناء عن إتمامها.

( الحادية عشرة ) : إذا كان للأجير على العمل خيار


للزرع ، ولا يكفي مجرد الاذن في الضمان ، بل إما أن تكون ظاهرة في التعهد بالعوض على وجه الإجارة أو الجعالة ، أو ظاهرة في الأمر بالعمل ، ليكون استيفاء موجباً للضمان ، كما سبق وجهه. وإذا لم تكن الاذن ظاهرة في أحد الأمرين لم يكن موجب للضمان.

[1] بناء على ما يأتي منه في المسألة الحادية عشرة من قاعدة احترام عمل المسلم : أنه يستحق اجرة المثل. فانتظر.

[2] يظهر من هذا التعبير : أن التوزيع في المسألة السابقة كان من جهة أن الأجرة مبذولة في مقابل العمل المركب من الأجزاء ، الملحوظة على نحو الجميع لا المجموع. وليس كذلك ، فإن الأجزاء ملحوظة فيه على نحو المجموع أيضاً. ولو كانت ملحوظة على نحو الجميع ، للزمت الأجرة لكل واحد من الاجزاء ، فإنه الفارق بين العام الجمعي والمجموعي. وإذا استأجره للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الأثناء عن الإتمام ، فالوجه في عدم تبعيض الاجزاء : أن أجزاء الصلاة في ظرف عدم

الفسخ ، فان فسخ قبل الشروع فيه فلا إشكال ، وإن كان بعده استحق أجرة المثل [1] ، وإن كان في أثنائه استحق بمقدار ما أتى به من المسمى أو المثل على الوجهين المتقدمين إلا إذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع ، فلا يستحق شيئاً [2]. وإن كان العمل مما يجب إتمامه بعد الشروع فيه - كما في الصلاة بناء على حرمة قطعها ، والحج بناء على


انضمام بعضها الى بعض لا تقبل المعاوضة ، لعدم ترتب أثر عليها حتى عند غير المتعاقدين ، فلا تكون لها مالية ، فتوزيع الأجرة عليها في حال الانفراد يوجب أكل المال بالباطل. وإن لم يكن فرق بينها وبين أجزاء السير في المثال ، فإنه إذا استأجره ليصوم من أول النهار إلى آخره فهو كما إذا استأجره ليسافر من البلد الفلاني إلى البلد الآخر في كيفية ملاحظة الاجزاء ، وأنها في الجميع ملحوظة على نحو المجموع لا الجميع ، وإنما الفرق بينهما : أن اجزاء الصوم ليست موضوعاً لغرض عقلائي في حال انفراد بعضها عن بعض ، بخلاف أجزاء السير ، فقد تكون موضوعاً للغرض ، وتصح الإجارة عليها في حال الانفراد عن الباقي.

ومن ذلك يظهر : أن أحكام تبعض الصفقة إنما تجري إذا كانت الأبعاض موضوعاً للغرض والمالية عند العقلاء في حال الانفراد عن الباقي. أما إذا لم تكن موضوعاً للغرض ، فلا تبعيض في العقد ولا في العوض.

[1] لأن العمل وقع على نحو الضمان ، فاذا بطل ضمانه بالمسمى تعين ضمانه بأجرة المثل. والظاهر أن ذلك مما لا إشكال فيه ولا خلاف ، فان الضمان هنا أولى من الضمان مع فساد العقد بقاعدة : ( ما يضمن. )

[2] الكلام فيه كما سبق.

وجوب إتمامه - فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ وجهان أوجههما : الأول [1]. هذا إذا كان الخيار فورياً كما في خيار الغبن إن ظهر كونه مغبوناً في أثناء العمل ، وقلنا إن الإتمام منافٍ للفورية ، وإلا فله أن لا يفسخ إلا بعد الإتمام. وكذا


[1] كأن وجهه : أن الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً ، فالإجارة تكون على الحدوث لا على الحدوث والبقاء ، فيستحق الأجرة بمجرد الحدوث. لكن لازم ذلك ثبوت الأجرة وإن لم يتم العمل ، وهو كما ترى.

وبالجملة : إذا جوزنا وقوع الإجارة على الواجب ، واستحقاق الأجرة بفعله ، فلا مانع من أن تكون الإجارة في مثل الفرض على الحدوث والبقاء. فاذا فسخ في الأثناء كان الإتمام واجباً عليه تكليفاً ، غير مستحق عليه بالإجارة ، فإن أتم فقد أدى الواجب ، وإن قطع عصى ، وليس لأحد حق عليه. مع أن الامتناع العقلي إذا كان بالاختيار لم يكن منافياً للاختيار ، ولا مانعاً من وقوع الإجارة عليه. ومن ذلك يظهر لك الوجه الثاني.

وقد يتوهم : أن الوجوب كان بتسبيب المستأجر ، فيكون التدارك عليه. وفيه أن التسبيب غير مختص به ، بل كان من كل من المؤجر والمستأجر. مع أن مثل هذا التسبيب لا يقتضي الضمان ، لعدم الدليل عليه بعد أن لم يكن موجباً لنسبة الضرر اليه عرفا. بل الأولى نسبته إلى الأجير نفسه ، لأنه هو الفاسخ الذي فوت على نفسه الأجرة المسماة.

ومثله توهم : أنه كان بتغرير من المستأجر ، فيرجع إليه بقاعدة الغرور. إذ فيه : أنه لا تغرير من المستأجر بعد أن كان العقد مشتركاً بينهما. والوقوع في المحذور إنما كان من فسخ الأجير نفسه ، بل هذا التوهم موهون جداً.

الحال إذا كان الخيار للمستأجر [1] ، إلا أنه إذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع ، وكان في أثناء العمل. يمكن أن يقال : إن الأجير يستحق بمقدار ما عمل من أجرة


[1] يعني : تجري الأحكام السابقة من عدم لزوم شي‌ء على أحدهما إذا كان الفسخ قبل العمل ، ولزوم المسمى أو أجرة المثل للأجير إذا كان الفسخ بعد العمل ، والتبعيض في المسمى أو اجرة المثل إذا كان الفسخ في أثناء العمل ، إلا فيما إذا كان العمل مما يجب إتمامه فيجب تمام المسمى.

هذا ، والحكم في هذه الصورة باستحقاق الأجير لتمام الأجرة مع الفسخ في الأثناء أهون منه في الصورة السابقة ، لأن الضرر يستند إلى فسخ المستأجر ، فيمكن توهم استناد الضرر اليه الموجب للرجوع عليه. وإن كان أيضاً يشكل : بأن الخيار إن كان مجعولاً فهو بقبول الأجير واختياره ، فإقدامه عليه إقدام منه على لوازمه ، وإن كان من قبل الشارع فالضرر يستند إليه ، لأن المستأجر إنما عمل بحقه المجعول له شرعاً ، وليس عليه أن لا يأخذ بحقه ، لئلا يقع الأجير بالضرر.

إلا أن يقال : إن الحق الخياري إذا جعله الشارع دفعاً للضرر الوارد عليه ، يمتنع أن يثبت في حال لزوم الضرر على الأجير. وبالجملة : بعد ما كان المستأجر مقدماً على بذل الأجرة في مقام العمل من دون خيار ، فلزوم الضرر المثبت لخياره معارض بلزوم الضرر الوارد على الأجير بالفسخ ، ومعه لا مجال لتقديم ضرره ، فلا خيار له في الفسخ. وهذا غير بعيد.

وعلى هذا فاللازم التفصيل في المقام بين صورة أن يكون الفاسخ المستأجر. ويكون الخيار شرعياً ، وبين غيرها من الصور ، فيستحق الأجير في الأول تمام الأجرة ، ولا يستحق في غيرها شيئاً. فتأمل.

المثل لاحترام عمل المسلم [1] ، خصوصاً إذا لم يكن الخيار من باب الشرط [2].

( الثانية عشرة ) : كما يجوز اشتراط كون نفقة الدابة المستأجرة والعبد والأجير المستأجرين للخدمة أو غيرها على المستأجر ، إذا كانت معينة بحسب العادة ، أو عيناها على وجه يرتفع الغرر ، كذلك يجوز اشتراط كون نفقة المستأجر على


[1] لا مجال لتطبيق هذه القاعدة في المقام بناء على ما عرفت من أن المراد من كون المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع : أن كل واحد من الأجزاء على الانفراد مما لا قيمة له ، لأنه يكون أخذ أجرة المثل لما يقابل بعض العمل أكلا للمال بالباطل. وإن شئت قلت : قاعدة الاحترام لا مجال لها ، إذا كان العمل لا قيمة له ولا مالية ، فان الاحترام يختص بماله قيمة ومالية. وكذا بناء على الاحتمال الثاني أعني : كون الاجزاء ملحوظة على نحو وحدة المطلوب وإن كان لكل واحد منها مالية ، إذ كما أن عمل المسلم محترم كذلك مال المستأجر ، فإنه مسلم وماله محترم لا يجوز أخذه بلا عوض عائد إليه ، لأن المفروض أن البعض على الانفراد لم يقصد المستأجر المعاوضة عليه ، كي يؤخذ منه عوضه. فأخذ العوض منه مع ذلك كان خلاف احترام ماله ، كما إذا استأجره ليخيط ثوبه فصبغه اشتباهاً منه ، فإنه لا يستحق عليه أجرة كما سبق. نعم إذا أتم الأجير العمل تبرعاً منه بعد الفسخ في الأثناء ، كان تبعيض الأجرة في محله ، لكون البعض حينئذ له مالية في ضمن الكل ، كما أنه بعض المطلوب ومقابل ببعض الأجرة. وعلى هذا كان اللازم تقييد العبارة بذلك ، وإلا توجه عليها الإشكال.

[2] لأنه إذا كان من باب الشرط يكون العامل قد أقدم على ضياع

الأجير أو المؤجر ، بشرط التعيين أو التعين الرافعين للغرر. فما هو المتعارف من إجارة الدابة للحج واشتراط كون تمام النفقة ومصارف الطريق ونحوهما على المؤجر. لا مانع منه ، إذا عينوها على وجه رافع للغرر [1].

( الثالثة عشرة ) : إذا آجر داره أو دابته من زيد إجارة صحيحة بلا خيار له ، ثمَّ آجرها من عمرو كانت الثانية فضولية موقوفة على إجازة زيد ، فإن أجاز صحت له ويملك هو الأجرة فيطلبها من عمرو [2] ، ولا يصح له إجازتها على


عمله على تقدير الفسخ في الأثناء ، ولا يتأتى ذلك لو كان الخيار شرعياً ، لأنه لم يكن بجعله وقبوله ، فلا مجال لتوهم الاقدام حتى لو كان عالما ، لأن العلم به لا يستلزم العلم بالأعمال والفسخ ، فيمكن أن يكون إقدامه على العقد برجاء عدم الاعمال. ولا يتأتى ذلك في صورة جعل الخيار ، لأن القبول الصادر من الأجير يعد عرفاً إقداماً على الفسخ في الأثناء وعلى لوازمه.

[1] لكن الإشكال في إمكان ذلك فيما يتعارف ، لاختلاف الأحوال والأطوار السفرية ، الموجب لاختلاف النفقات كماً وكيفاً ومدة.

[2] يعني : صحت الإجارة الثانية لزيد ، لأن المنفعة له فيملك عوضها وهو الأجرة. هذا إذا كانت الإجارة الثانية واقعة على المنفعة المقصودة بالإجارة الاولى. أما إذا كانت واقعة على غيرها ، فالإجارة الثانية لا تصح بإجازة زيد ، لأن المنفعة غير مملوكة له ، ولا تصح بإيقاع المؤجر المالك للعين ، لأنها أيضاً غير مملوكة له ، على ما عرفت من عدم ملك المنافع المتضادة. ولا يجدي فسخ الإجارة الأولى بعد ذلك في الصحة ،

أن تكون الأجرة للمؤجر ، وإن فسخ الإجارة الأولى بعدها لأنه لم يكن مالكا للمنفعة حين العقد الثاني [1].


لما ذكر في المتن من أنه من قبيل من باع شيئاً ثمَّ ملكه. نعم بناء على أن المنافع المتضادة مملوكة لمالك العين ، وأن بطلان الإجارة الثانية من جهة أنها منافية لحق المستأجر الأول فإذا أجاز صحت ، وتكون الأجرة الثانية للمالك ، لأنها عوض منفعته ، كما أن الأجرة الأولى له أيضاً.

والمتحصل : ان الإجارة الثانية : تارة : تكون بلحاظ منفعة الإجارة الأولى ، وأخرى : تكون بلحاظ غيرها. فعلى الأول : تصح الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأول ، وتكون الأجرة له ، وإذا لم يجز بطلت. وعلى الثاني : تبطل الإجارة الثانية مطلقاً ، لأنها بلحاظ منفعة غير مملوكة ، إذا قلنا بأن المنافع المتضادة غير مملوكة ، وتصح بإجازة المستأجر إن قلنا إنها مملوكة ، وتكون الأجرة في الاجارتين معاً ملك المؤجر المالك للعين ، لكون المنفعتين المعوضتين ملكاً له. وإذا ردها المستأجر بطلت ، لمنافاتها لحقه :

[1] هذا إشارة الى أن قوام المعاوضة التي يتضمنها عقد الإجارة وغيره من عقود المعاوضات دخول العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض ، وأن اعتبار العوضية إنما يصح بلحاظ ذلك. ولو كان العوض يدخل في ملك غير من خرج عن ملكه المعوض لم يكن عوضا عنه ، ولم يكن المعوض عنه معوضاً. والظاهر أن هذا مما لا إشكال فيه. وإنما الإشكال في لزوم ذلك من الطرفين. يعني : يجب أن يدخل المعوض عنه في ملك من خرج من ملكه العوض ، كما لزم أن يدخل العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض عنه ، أو لا يجب ذلك؟ فاذا قال زيد لعمرو : خذ هذا الدرهم واشتر لك به ثوبا ، لم يصح حتى يتملك عمرو الدرهم ، فاذا لم يتملكه وبقي على ملك زيد ، فاشترى به ثوباً لنفسه لم يصح الشراء


لنفسه ، لأن الدرهم وإن صار عوضاً عن الثوب ، لكن الثوب لم يصر عوضاً عن الدرهم ، لأن الدرهم خرج عن ملك زيد ودخل الثوب في ملك عمرو ، فلم يقم الثوب مقامه ، ولم يصر في مكانه.

والمنسوب الى المشهور : لزوم ذلك ، بل في مكاسب شيخنا (رحمه اللّه) : أنه ادعى بعضهم في مسألة قبض المبيع عدم الخلاف في بطلان قول مالك الثمن : اشتر لنفسك به طعاماً. ( انتهى ). كما أنه (رحمه اللّه) حكى عن العلامة التصريح في غير موضع من كتبه ، تارة : بأنه لا يتصور ، وأخرى : بأنه لا يعقل أن يشتري الإنسان لنفسه بمال غيره شيئاً. ( انتهى ). وقد ذكروا الاستدلال عليه : بأن المعاوضة متقومة بذلك ، إذ مفهوم المعاوضة راجع إلى جعل كل من العوضين عوضاً عن الآخر. ويشكل : بأن صيغة المعاوضة لا تقتضي الاشتراك على النحو المذكور ، كما يظهر ذلك من ملاحظة موارد استعمال صيغة المفاعلة في مواردها المتفرقة ، مثل : شايعت زيداً ، وسافرت ، وطالعت الكتاب ، وأمثال ذلك من الموارد الكثيرة ، كما أشرنا إلى ذلك أيضاً في بعض مباحث الطهارة من هذا الشرح ، فان ملاحظة موارد الاستعمال للصيغة ، تشرف على القطع ببطلان اعتبار المشاركة من الطرفين. ويشهد بذلك : أنك إذا قلت : بعت الكتاب بدينار ، اعتبر الكتاب معوضا عنه والدينار عوضاً ، بقرينة دخول باء العوض عليه ، ولا يصح اعتبار العكس - أعني : اعتبار أن يكون الكتاب عوضاً والدينار معوضاً عنه - وإنما يصح ذلك لو قيل : بعت الدينار بالكتاب ، وفي مثله لا يصح اعتبار الكتاب معوضاً عنه والدينار عوضاً.

وبالجملة : المفهوم من قول القائل : بعت الكتاب بالدينار ، غير المفهوم من قوله : بعت الدينار بالكتاب ، فان مفهوم الأول أن الدينار عوض عن الكتاب ، ومفهوم الثاني أن الكتاب عوض عن الدينار. فالعوض


يجب أن يقوم مقام المعوض ، لكن المعوض عنه لا يجب أن يقوم مقام العوض.

ولأجل ذلك ذكر بعضهم : أنه لا دليل على اشتراط كون أحد العوضين ملكاً للعاقد في انتقال بدله اليه ، بل يكفي أن يكون مأذوناً في بيعه لنفسه أو الشراء به. ( انتهى ) : والمصنف (رحمه اللّه) في حاشيته على مكاسب شيخنا الأعظم (قدس سره) جعله ممكناً ، وأن اعتبار البدلية قد يكون بملاحظة تبديل ملكية هذا بملكية ذلك ، وقد يكون بملاحظة إخراجه عن ملكه من دون تبديل الملكية ، وقد يكون بملاحظة إتلافه. ( انتهى ). وفيه : أن المعاوضة وإن كانت تختلف بالملاحظات المذكورة ، لكن المعاوضة بين الأعيان التي هي قوام البيع إنما هي بلحاظ البدلية في المملوك ، لا في الملكية ولا في غيرها مما ذكر. فالملكية القائمة بين المالك والمملوك المتقومة بهما ، إن كان فيها تبديل المملوك كانت بيعا ، وإن كان فيها تبديل المالك كانت ميراثاً ، وان كان فيها تبديل الملكية كانت هبة معوضة ، فلا بد في البيع من تحقق تبديل المملوك ، فيكون الثمن عوضاً عن المثمن في قيامه مقام المثمن في تقويم الإضافة الخاصة القائمة بالطرفين ، ولذا لا تأمل في كون الثمن عند المتبايعين عوضاً عن المبيع. فالمعاوضة في البيع بين العينين ، لا بين الملكيتين ، ولا بين غيرهما مما ذكره (قدس سره).

وإنما التأمل : في أن المبيع أيضاً عندهم عوض عن الثمن في البيع ، والمنفعة عوض عن الأجرة في الإجارة ، فتكون العوضية من الطرفين ، أولا ، بل العوضية من طرف واحد ، وقد عرفت : أن مفاد البيع والإجارة عوضية الثمن والأجرة عن المبيع والمنفعة ، وأما عوضية المبيع والمنفعة عن الثمن والأجرة فغير ظاهرة. وإنكار المصنف (رحمه اللّه) الأمرين معاً تبعاً لبعض - كما عرفت - غريب.

بل الإنصاف يقتضي البناء على الأمرين معاً ، وإن كانت دلالة الكلام

وملكيته لها حال الفسخ لا تنفع إلا إذا جدد الصيغة. وإلا فهو من قبيل من باع شيئاً ثمَّ ملك [1] ولو زادت مدة الثانية


على الأول بالمطابقة وعلى الثاني بالالتزام. فالمفهوم من قول القائل : بعت الكتاب بدينار ، هو المفهوم من قوله : بعت الدينار بالكتاب ، وإنما يختلفان في المدلول المطابقي ، فإن الإيجاب الأول يدل بالمطابقة على عوضية الدينار عن الكتاب ، وبالالتزام على عوضية الكتاب عن الدينار. والإيجاب الثاني يدل بعكس ذلك ، فيدل على عوضية الكتاب عن الدينار بالمطابقة ، وعلى عوضية الدينار عن الكتاب بالالتزام. فالمدلول لأحدهما مدلول للآخر من دون زيادة ولا نقصان ، وإنما الاختلاف بينهما في أن المدلول المطابقي لأحدهما مدلول التزامي للآخر. ولذلك اختلفا عرفاً ، فلا اختلاف بينهما في ذات المدلول ولا في كمية المدلول ، وإنما الاختلاف بينهما في كيفية الدلالة عليه. فان كان المطلوب الذي يسعى نحو تحصيله هو الكتاب ، قيل : بعتك الكتاب بدينار مثلاً. وإن كان المطلوب هو الدينار ، قيل : بعتك الدينار بالكتاب ، وإلا فقد لوحظ كل منهما عوضاً عن الآخر ومعوضاً عنه. ومفهوم المعاوضة وإن لم يدل على تكرر النسبة ، لكن المقصود منه ذلك عرفاً. ومرتكزات العرف في مضامين العقود المعاوضية شاهد بذلك. وما في بعض الكلمات من خلاف ذلك تمحل ، قضت ارتكابه ضرورة في دفع إشكال أو توجيه إشكال. واللّه سبحانه ولي التوفيق والسداد.

[1] فان المشهور عدم صحة العقد الواقع بإجازة المالك حين الإجازة ، لأمور مذكورة في محلها. ذكرها شيخنا الأعظم في مكاسبه ، وذكرناها جرياً على منهاجه في : « نهج الفقاهة ». والعمدة فيه أمران : النصوص الناهية عن بيع ما ليس عنده. وأن خصوصية الإضافة إلى المالك من الخصوصيات المقومة للمعاوضة ، فالإجازة من المشتري إن كانت قد لوحظ

عن الأولى لا يبعد لزومها على المؤجر في تلك الزيادة ، وأن يكون لزيد إمضاؤها بالنسبة إلى مقدار مدة الأولى.

( الرابعة عشرة ) : إذا استأجر عيناً ثمَّ تملكها قبل انقضاء مدة الإجارة ، بقيت الإجارة على حالها ، فلو باعها والحال هذه لم يملكها المشتري إلا مسلوبة المنفعة في تلك المدة [1] ، فالمنفعة تكون له ولا تتبع العين. نعم للمشتري خيار الفسخ إذا لم يكن عالما بالحال. وكذا الحال إذا تملك المنفعة بغير الإجارة في مدة ثمَّ تملك العين ، كما إذا تملكها بالوصية أو بالصلح أو نحو ذلك ، فهي تابعة للعين إذا لم تكن


فيها خصوصية الإضافة إلى المالك حين العقد ، فذلك خلاف قاعدة السلطنة في حق المالك المذكور ، مع أنه ليس من محل الكلام ، وإن لوحظ فيها خصوصية الإضافة إلى نفسه ، فتلك ليست إجازة للعقد. فراجع « نهج الفقاهة » في مبحث الفضولي. لكن النصوص مختصة بالبيع ، فلا تشمل الإجارة وغيرها من عقود المعاوضة. فالعمدة فيها هو الأمر الثاني ، فإنه مطرد في الجميع على نحو واحد. بل العمدة في البيع أيضاً هو الأمر الثاني ، لأن النصوص لا تخلو من إشكال ، من جهة المعارضة ، أو من جهة العموم والخصوص. فراجع.

[1] لأن المنفعة في تلك المدة لم تكن مملوكة للبائع بالتبعية ، وإنما كانت مملوكة له بسبب آخر ، إذ البيع لا يبطل الإجارة ، ومقتضاها أن تكون المنفعة مملوكة للمستأجر بالإجارة في مقابل الأجرة ، والمشتري إنما يقوم مقام البائع فيحتاج ملكيته لها الى سبب آخر أيضا. وبالجملة : لا دليل على التبعية في المقام.


اللّهم إلا أن يقال : التبعية انما كانت سبباً للملك ، عملا بالارتكاز العرفي ولا فرق في ذلك بين المقام وغيره. توضيح ذلك : أنه لا إشكال في أن التبعية تقتضي ملكية التابع ، فيملكه مالك المتبوع ، سواء كان التابع من الأعيان الخارجية ، كالثمرة للشجرة والبيضة للدجاجة ، والحمل للدابة ، أم من الأفعال ، كالمنافع المستوفاة من العين ذات المنفعة ، أم من الصفات الخارجية ، كالقصارة الحاصلة بعمل القصار ، والنساجة الحاصلة بعمل النساج ، وهيئة السرير الحاصلة من عمل النجار ، أم من الاعتبارات المحضة ، مثل المنافع غير المستوفاة للعين ذات المنفعة ، فإنها حينئذ تكون من الاعتبارات المملوكة لمالك العين. ولذلك يصح القول بكونها مضمونة ، إذ لو لا أنها مملوكة لم يكن معنى لضمانها ، فان الضمان لا يصح اعتباره إلا مع وجود مضمون له يكون مالكا للمضمون. نعم المنافع المستوفاة من قبيل الموجودات الخارجية كما عرفت. فالتابع في جميع الموارد المذكورة مملوك لمالك المتبوع ، والموجب للملكية المذكورة هو التبعية ، حسبما يقتضيه بناء العرف والمتشرعة عليه. ويشترط في تأثير التبعية المذكورة في الملك أن لا يكون مقتض على خلافها ، فلو آجر داره على زيد فملك زيد منفعتها ، ثمَّ باع الدار على عمرو ، لم يملك المنافع عمرو بالتبعية ، لأن ذلك خلاف مقتضى عقد الإجارة.

وقد ذكر المصنف (رحمه اللّه) هنا شرطاً آخر ، وهو : أن يكون من انتقل عنه التابع مملوكاً له بالتبعية ، فلو لم يكن كذلك لم يستوجب التبعية في الملك ، ولذلك التزم : بأن المشتري الثاني في فرض المسألة لم يملك المنافع بالتبعية ، لأن البائع لم يملكها بالتبعية. ولا بد أن يلتزم بذلك في مثل ما إذا اشترى ثمر الشجر ، ثمَّ اشترى الشجر ، فاذا باعه على آخر لم يملك الآخر الثمر المتولد بعد البيع بالتبعية ، بل يبقى على ملك البائع. هذا

مفروزة. ومجرد كونها لمالك العين لا ينفع في الانتقال إلى المشتري ، نعم لا يبعد تبعيتها للعين إذا كان قاصداً لذلك حين البيع [1].

( الخامسة عشرة ) : إذا استأجر أرضاً للزراعة مثلا ، فحصلت آفة سماوية أو أرضية توجب نقص الحاصل لم تبطل [2] ولا يوجب ذلك نقصا في مال الإجارة [3] ، ولا خياراً للمستأجر [4]. نعم لو شرط على المؤجر إبراءه من ذلك بمقدار ما نقص ، بحسب تعيين أهل الخبرة ، ثلثاً أو ربعاً أو


ولأجل أن المرجع في اقتضاء التبعية للملك بناء العرف والمتشرعة عليه ، وأن الظاهر بناؤهم على عدم اعتبار الشرط المذكور ، فالبناء على عدم اعتباره متعين.

[1] إذا كان المراد من القصد المذكور : أنه قاصد للتمليك إنشاء ، فيكون قاصداً لتمليك المنفعة والعين معاً ، فهو في محله ، كما لو قصد تمليك شي‌ء مع المبيع ، وإذا كان المراد : أنه قاصد للتبعية ، فهو غير ظاهر ، لأن قصد التبعية لا يوجب الملك بالتبعية ، إذا لم تكن مقتضية لذلك.

[2] لعدم المقتضي لذلك ، بعد أن كانت العين ذات منفعة يصح بذل المال بإزائها.

[3] إذ لا تبعيض في المنفعة.

[4] إذ لا نقص في صفة العين يوجب نقصاً في صفة المنفعة ، إذ المفروض كون النقص الحاصل لأمر خارج عن العين ، وليس عدمه مبنياً عليه العقد ليوجب الخيار ، فهو نظير ما لو استأجر داراً ليسكنها ، فسكنها ، فحدث حادث موجب للقلق أو الارق ، فتنغص عيشه فيها.

نحو ذلك ، أو أن يهبه ذلك المقدار إذا كان مال الإجارة عيناً شخصية ، فالظاهر الصحة [1]. بل الظاهر صحة اشتراط البراءة على التقدير المذكور بنحو شرط النتيجة [2]. ولا


[1] لاغتفار الجهالة في الشرط إذا كان تابعاً.

[2] هذا من قبيل شرط النتيجة ، الذي قد عرفت الإشكال في صحته في أول فصل : ( أن العين المستأجرة أمانة ) ، فراجع. وقد ذكرنا هناك : أن البناء على أن الشرط ملك للمشروط له - كما هو كذلك في شرط الفعل - يمنع من صحة النتيجة ، لأن النتائج التي هي مضامين العقود والإيقاع لا تصلح أن تكون موضوعاً لإضافة الملكية إذا لم تكن في عهدة المشروط عليه ، كما هو مقتضى كونها شرط نتيجة في مقابل شرط الفعل. فالملكية مثلاً : تارة : تشترط في ضمن العقد على أن تكون في عهدة المشروط عليه ، فيجب عليه تحصيلها فتكون حينئذ من قبيل شرط الفعل. وتارة : تشترط لا على أن تكون في عهدة متعهد بها ، وهي بهذه الملاحظة مما لا تقبل أن تكون موضوعاً لإضافة المملوكية : مضافاً إلى أن جعلها مملوكة للمشروط له وجعل ملكيتها له ، لا يوجب حصولها ، فلا يترتب على الشرط المذكور أثر حصولها. ولأجل ذلك يلزم البناء على بطلان شرط النتيجة على نسق شرط الفعل ، بحيث يكون من تمليك النتيجة للمشروط له.

نعم لا مانع من أن يكون المقصود إنشاءها على حد إنشاء مضمون العقد منضما اليه ، فيكون المنشأ أمرين : مضمون العقد ، ونفس النتيجة. فتترتب النتيجة بمجرد الشرط ، إذا لم يعتبر في إنشائها سبب خاص. وعلى ذلك يحمل ما ورد في كلماتهم من صحة شرط سقوط الخيار في ضمن العقد ، وكذلك شرط الضمان في العارية ، ونحو ذلك. ومنه المقام ،

يضر التعليق ، لمنع كونه مضراً في الشروط [1]. نعم لو شرط براءته على التقدير المذكور حين العقد ، بأن يكون ظهور النقص كاشفاً عن البراءة من الأول ، فالظاهر عدم صحته ، لأوله إلى الجهل بمقدار مال الإجارة حين العقد [2].

( السادسة عشرة ) : يجوز إجارة الأرض مدة معلومة بتعميرها واعمال عمل فيها ، من كري الأنهار ، وتنقية الآبار وغرس الأشجار ، ونحو ذلك. وعليه يحمل قوله (عليه السلام) : « لا بأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أقل أو أكثر ، فيعمرها


أعني : شرط براءة الذمة من مقدار من الأجرة إذا كانت الأجرة ذمية لا عيناً خارجية. ويشهد بذلك ما ورد فيمن تطبب أو تبيطر وأنه ضامن إلا أن يأخذ البراءة (1)، فإن الظاهر منه اشتراط البراءة من الضمان على نحو شرط النتيجة.

[1] وإن قال شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) : إنه قد يتوهم ذلك ، بناء على أن التعليق في الشرط يسري إلى العقد ، لرجوع الشرط إلى جزء من أحد العوضين. وفيه : منع ذلك ، كما هو ظاهر ، نعم بناء على ما ذكره بعض في وجه مانعية التعليق في العقود والإيقاعات من منافاة التعليق للإنشاء ، عموم المانعية ، ولا وجه للتفكيك بين الشرط وغيره في ذلك. وإن كان التحقيق أن الوجه في المانعية : الإجماع المحقق المعول عليه عندهم ، لا ما ذكر.

ولذلك جاز عندهم التعليق مع الإنشاء في الوصية التمليكية ، والنذر المعلق ، والتدبير. فراجع.

[2] هذا إذا كان المراد من البراءة عدم اشتغال الذمة به. أما إذا كان المراد السقوط عن الذمة بعد الاشتغال به فلا يلزم المحذور.


1) الوسائل باب : 24 من أبواب موجبات الضمان حديث : 1.

ويؤدي ما خرج عليها » [1] ونحو غيره.


[1] هذا مذكور في مصحح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « قال : إن القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ، فتعمرها وتؤدي ما خرج عليها ، فلا بأس به » (1). وصحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « لا بأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أقل أو أكثر ، فيعمرها ، ويؤدي خراجها. ولا يدخل العلوج في شي‌ء من القبالة ، لأنه لا يحل » (2). وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في حديث قال : « وسألته عن الرجل يعطي الأرض الخربة ويقول : اعمرها ، وهي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء اللّه. قال : لا بأس » (3). ونحوها غيرها.

والمحتمل فيها أمور : ( الأول ) : ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) ، من أن المراد من القبالة الإجارة ، ويكون العمل هو الأجرة ، فتكون من إجارة العين. ( الثاني ) : أن المراد بها الإجارة على العمل ، فتكون الأجرة منفعة الأرض ، والمستأجر العامل ، والمستأجر عليه هو العمل من التعمير وغيره. ( الثالث ) : أن تكون من الجعالة على العمل ، والجعل هو المنفعة ، ويحتمل - كما قيل - أن تكون الأجرة شيئاً معلوماً ، ويكون ذلك الشي‌ء أجره للعمل ، فتكون اجارتان ، إجارة الأرض ، إجارة الأجير العامل. ( الرابع ) : أن تكون معاملة مستقلة ، نظير المصالحة ، مفادها تمليك المنفعة للعامل وتمليك مالك الأرض للعمل ، بلا معاوضة بين المنفعة والعمل. ولعل الأخير هو الأقرب.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب المزارعة حديث : 2.

2) الوسائل باب : 93 من أبواب ما يكتسب به حديث : 3.

3) الوسائل باب : 11 من أبواب المزارعة حديث : 1.

( السابعة عشرة ) : لا بأس بأخذ الأجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائية ، لأنها كسائر الصنائع واجبة بالعرض [1] لانتظام معائش العباد. بل يجوز وإن وجبت عيناً لعدم من يقوم بها غيره. ويجوز اشتراط كون الدواء عليه


[1] الظاهر : أنه تعليل لكونها من الواجبات الكفائية ، لا لجواز أخذ الأجرة. نعم في النسخ التي رأيتها بدل قوله : « واجبة بالعرض » : « واجبة بالعوض » ، فيكون تعليلاً لجواز أخذ الأجرة. يعني : إنما جاز أخذ الأجرة عليها لأنها واجبة بالعوض لا مجاناً ، فقد أخذ في موضوع الوجوب العوض. لكن الظاهر أنه غلط ، لأنها واجبة بالعوض وبغير عوض ، وإلا لما كان فعلها مجاناً أداء للواجب.

ثمَّ إنك عرفت في مواضع من هذا الشرح التعرض لجواز أخذ الأجرة على الواجبات وعدمه ، وأنه لم يقم دليل على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب ، وأن وجوب الشي‌ء لا يمنع من أخذ الأجرة عليه. فالعمدة في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات في بعض المقامات عينية وكفائية : هو الإجماع ولولاه لكان القول بجوازه في محله.

ويشهد لذلك جواز أخذ الأجرة على الواجبات الكفائية ، التي يتوقف عليها النظام ، إذ الوجوب لو كان مانعاً لم يفرق في منعه بين العيني والكفائي. وما في بعض الحواشي من الفرق بين الواجبات العينية والكفائية بأن الوجوب في الواجبات الكفائية عبارة عن الإلزام بعدم حبسها عمن يحتاج إليها ، فلا يكون مخرجاً لذات العمل عن ملك مالكه ، ويجوز أخذ الأجرة عليه. غير ظاهر ، إذ الحبس ترك العمل ، فعدم الحبس هو العمل. ولو أراد من الحبس معنى وجودياً ، فعدمه ليس مقدمة للنظام ، بل المقدمة هو العمل ضرورة.

مع التعيين الرافع للغرر [1]. ويجوز - أيضاً - مقاطعته على المعالجة [2] إلى مدة أو مطلقا [3] ، بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البرء ، أو بشرطه إذا كان مظنوناً [4] ، بل مطلقا [5]. وما قيل من عدم جواز ذلك ، لأن البرء بيد اللّه فليس اختياريا


[1] لعموم صحة الشرط كشرط كون الخيوط على الخياط ، والحبر على الكاتب. وفي القواعد قال : « والكحل على المريض. ويجوز اشتراطه على الكحال ». وحكي التصريح به عن غيره. وقد يستشكل فيه : بأنه مناف للعقد ، لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة أصالة ، ولا تبعاً. بل قيل : قد يرجع الى بيع الكحل بلفظ الشرط. وفيه : أنه لا دليل على المنع من تمليك العين بالشرط في الإجارة ، وعموم صحة الشرط يقتضي الصحة. مع أن الشرط المذكور لا يقتضي التمليك ، وإنما يقتضي بذل الكحل مجاناً ، فلا إشكال حينئذ. لكن قال في القواعد بعد ذلك : « ولو اشترط الدواء على الطبيب فالأقرب الجواز ». والفرق بين المسألتين غير ظاهر ، كما اعترف به بعض.

[2] يريد بها المداواة واستعمال الأدوية لمكافحة المرض.

[3] لكن مع عدم التقييد بالمدة وترددها بين القليل والكثير يلزم الغرر. اللّهم إلا أن يكون المرض متعيناً بنحو خاص ، فيستأجر الطبيب على مداواته ، فيكون تعينه كافياً في رفع الغرر مثل الصداع ونحوه ، نظير خياطة الثوب المردد زمانها بين القليل والكثير ، لكن تعين الثوب كافٍ في رفع الغرر.

[4] الفرق بينهما ظاهر ، إذ في الأول يكون البرء مقوماً لموضوع الإجارة ، وفي الثاني يكون غير مقوم ، بل وصفاً فيه على نحو تعدد المطلوب.

[5] يعني : وإن لم يكن مظنوناً ، لان المصحح للإجارة القدرة

له ، وأن اللازم مع إرادة ذلك أن يكون بعنوان الجعالة لا الإجارة [1] ،


الواقعية ، لا العلم بها أو الأعم منه ومن الظن ، بل تصح الإجارة مع احتمال القدرة ، فإذا تبين عدم المقدرة انكشف البطلان. اللّهم إلا أن يحصل الغرر مع عدم الظن بالحصول ، فتبطل لذلك ، لا لعدم القدرة. لكنه يتوقف على عموم نفي الغرر للإجارة ، وقد عرفت الاشكال فيه.

[1] قال في القواعد : « ولو جعل له على البرء صح جعالة لا إجارة ». وفي جامع المقاصد : « أما عدم صحته إجارة : فإن ذلك ليس من مقدور الكحال ، وإنما هو من فعل اللّه سبحانه. وأما صحته جعالة : فلأن السبب الى حصوله كاف في استحقاق الجعل إذا حصل ، وإن كان من فعل اللّه تعالى ».

أقول : كونه من فعل اللّه تعالى كما يمنع من صحة الإجارة عليه يمع من صحة الجعالة ، لأن الجعالة إنما تكون على فعل المجعول له ، فإنه إذا قال مالك العبد : إذا رددت عبدي فلك درهم ، فرده غير المخاطب ، لا يستحق المخاطب الجعل. وإن كان المراد من كونه من فعل اللّه سبحانه : أنه من فعله تعالى بنحو لا ينافي نسبة البرء إلى الكحال ، فلا يمنع من صحة الإجارة عليه.

نعم الفرق بين الإجارة والجعالة : أن الإجارة تتضمن تمليك المستأجر عمل الأجير ، والجعالة لا تتضمن ذلك. ولأجل هذا الفرق امتنع وقوع الإجارة على غير المقدور ، وجاز وقوع الجعالة عليه ، مع الاحتفاظ بصحة النسبة إلى المجعول له ، وعدم القدرة لا ينافي صحة النسبة ، وإن كان ينافي صحة التملك. وكأن مراد جامع المقاصد من قوله : « بفعل اللّه تعالى » معنى لا ينافي صحة النسبة ، وان كان مانعا من القدرة ، فيكون المراد من التعليل أن البرء غير مقدور للكحال ، فلا تصح الإجارة عليه وان

فيه : أنه يكفي كون مقدماته العادية اختيارية [1].


صحت الجعالة عليه ، لصحة نسبته الى المجعول له ، كما أفاده في المتن.

[1] المائز بين الفعل الاختياري وغيره : أن الاختياري : ما يكون جميع مقدماته اختيارياً ، أو بعضها اختياري وبعضها غيره : أن الاختياري : مع كون غير الاختياري متحققا في ظرفه. وغير الاختياري : ما يكون جميع مقدماته غير اختياري ، أو بعضها اختياري وبعضها غير اختياري مع كون غير الاختياري غير متحقق. مثلاً : نقل المتاع في السفينة من بلد الى آخر ، يتوقف على وضع المتاع في السفينة ، وسحب السفينة في الماء ، وعلى وجود الماء. ولا ريب أن وجود الماء غير اختياري ، لكن لما كان الماء موجوداً ، كان نقل المتاع اختيارياً ، وإذا اتفق غور الماء صار نقل المتاع غير اختياري. فعلى هذا قد يكون البرء اختيارياً ، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية متحققة ، وقد يكون غير اختياري ، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية غير متحققة ، فإطلاق أن البرء غير مقدور غير ظاهر.

وفي حاشية بعض الأعاظم على المقام : « إنما يكفي اختيارية المقدمات في اختيارية ذيها ، إذا كان - كمخيطية الثوب مثلاً - أثراً متولداً منها ، ولم يتوسط في البين مقدمة أخرى غير اختيارية ، وإلا كانت هي الأخير من أجزاء علته ويستند الأثر إليها ، ويكون تابعا لها في عدم المقدورية ، ولا يصح الالتزام به بالإجارة ، أو الاشتراط ، أو غير ذلك ، وظاهر أن برء المريض وكذا سمن الدابة ونحوهما من ذلك .. ». والاشكال فيه يظهر مما ذكرنا ، فان توسط بعض المقدمات غير الاختيارية إذا كانت متهيئة لا يقدح في اختيارية ذيها ، كما عرفت. ولا فرق بين المخيطية وبين برء المريض وسمن الدابة في كونها اختيارية ، إذا كانت المقدمات غير الاختيارية متهيئة. نعم تختلف من حيث السرعة والبطء. مع أن برء المريض

ولا يضر التخلف في بعض الأوقات [1] ، كيف وإلا لم يصح بعنوان الجعالة أيضاً [2].

( الثامنة عشرة ) : إذا استؤجر لختم القرآن لا يجب أن يقرأه مرتباً [3].


قد يكون مثل المخيطية في سرعة الحصول.

[1] ظاهر العبارة : أن التخلف لا يضر في اختيارية الفعل ، وقد عرفت أن التخلف لعدم تحقق بعض المقدمات غير الاختيارية يضر في صدق الاختيار ، فكأن المراد : أن التخلف في بعض الأوقات لا يضر في صدق الاختيار في حال عدم التخلف.

[2] قد عرفت أنه يكفي في صحة الجعالة صحة النسبة وإن لم يكن الفعل اختياريا. اللّهم إلا أن يقال : يعتبر في استحقاق الجعل تحقق الفعل بقصد الجري على مقتضى الجعالة ، ومع عدم الاختيار لا قصد وإن صحت النسبة ، فلا يستحق الجعل. ولا يخلو من وجه ، إذ لازم البناء على استحقاق الجعل بمجرد صحة النسبة استحقاق الجعل ولو مع قصد التبرع ، وهو بعيد. فتأمل.

[3] عملا بالإطلاق. وأما الانصراف الى الابتداء بالأول والختم بالأخير فبدوي. ولذلك يتعين البناء على جواز قراءة آيات السورة من دون ترتيب. اللّهم إلا أن يقال : قراءة القرآن تارة : يراد بها قراءة جنس القرآن ، وأخرى : يراد بها قراءة الفرد التام. فإن أريد الأول تمَّ ما في المتن ، وإن أريد الثاني فلا بد من الابتداء بالأول والانتهاء بالأخير ، لأن الفرد له هيئة خاصة على ترتيب خاص ، فاذا قرئ على غير تلك الهيئة لم يؤت بقراءة الفرد الخاص. وأوضح منه قراءة السورة ، فإنه لا يراد منها الجنس ، بل المراد منها الآيات على الهيئة الخاصة ، فاذا قرئت على غير

بالشروع من الفاتحة والختم بسورة الناس ، بل يجوز أن يقرأ سورة فسؤره على خلاف الترتيب ، بل يجوز عدم رعاية الترتيب في آيات السورة أيضاً. ولهذا إذا علم بعد الإتمام أنه قرأ الآية الكذائية غلطاً أو نسي قراءتها يكفيه قراءتها فقط [1] نعم لو اشترط عليه الترتيب وجب مراعاته. ولو علم إجمالاً بعد الإتمام أنه قرأ بعض الآيات غلطاً ، من حيث الأعراب ، أو من حيث عدم أداء الحرف من مخرجه ، أو من حيث المادة ، فلا يبعد كفايته وعدم وجوب الإعادة ، لأن اللازم القراءة على المتعارف والمعتاد ، ومن المعلوم وقوع ذلك من القارئين غالباً إلا من شذ منهم. نعم لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلا ، لزم عليه الإعادة مع العلم به في الجملة. وكذا الكلام في الاستئجار لبعض الزيارات المأثورة أو غيرها [2].


الترتيب فقد فاتت الهيئة ولم يكن قراءة للسورة. وأوضح من ذلك قراءة كلمات الآية على غير الترتيب ، فإنه لو كان المراد جنس القرآن جازت قراءة كلمات الآيات على غير الترتيب ، لصدق الجنس على ذلك.

[1] هذا ليس لما ذكره (قدس سره) ، بل لأن غلبة وقوع الغلط تقتضي الاجتزاء بذلك ، وإلا لجازت قراءة الكلمات على غير الترتيب ، ولم يتعرض له ، وظاهره عدم جوازها ، بل ينبغي القطع بذلك. فالوجه في الاكتفاء بقراءة ما وقع فيه الغلط هو ما ذكرناه وذكره هو (قدس سره) بعد ذلك في صورة اشتراط الترتيب في عقد الإجارة. وبالجملة : قوله (رحمه اللّه) : « ولهذا. » ينافيه قوله بعد ذلك : « لأن اللازم القراءة .. ».

[2] ما ذكره في آيات السور جار في فقرات الزيارة. وكذا جار

وكذا في الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها لا يضر في استحقاق الأجرة إسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطاً.

( التاسعة عشرة ) : لا يجوز في الاستئجار الحج البلدي أن يستأجر شخصاً من بلد الميت إلى النجف ، وشخصاً آخر من النجف إلى مكة أو إلى الميقات ، وشخصاً آخر منها إلى مكة ، إذ اللازم أن يكون قصد المؤجر من البلد الحج والمفروض أن مقصده النجف مثلا [1] ، وهكذا ، فما أتى


أيضاً في الاستئجار لكتابة الكتاب أو القرآن ، والالتزام بجواز قراءة الزيارة وكتابة الكتاب والقرآن على غير ترتيب الفقرات والسور أو الآيات ، كما ترى. ولأجله يتضح ما ذكرناه من عدم جواز قراءة الآيات على خلاف الترتيب ، ولا قراءة السور كذلك ، فان الجميع من باب واحد. ولم يتعرض المصنف (رحمه اللّه) صريحاً لحكم الإجارة على قراءة الزيارة وعلى كتابة الكتاب أو القرآن ، ولكن يفهم من قوله : « لا يضر في استحقاق الأجرة .. » أن اعتبار الترتيب في الموارد الثلاثة المذكورة مفروغ عنه. وقد عرفت أن الفرق بينها وبين الاستيجار لقراءة القرآن غير ظاهر ، بالنظر إلى طبع الكلام. نعم قد تقوم القرينة على خلاف ذلك ، فلا بأس بالعمل بها ، بل يمكن أن يدعى أن عدم الارتباط بين السور قرينة عامة على عدم ملاحظة الترتيب ولا يخلو من تأمل.

[1] هذا عين مفاد الدعوى التي ذكرها في صدر المسألة ، ليس مسوقا مساق التعليل لها. نعم ظاهر قوله : « فما أتى به من السير ليس .. » أنه تعليل لها. ويشكل : بأنه لا يصلح أن يكون تعليلاً ، إلا بناء على

به من السير ليس مقدمة للحج. وهو نظير أن يستأجر شخصاً لعمرة التمتع وشخصاً آخر الحج ، ومعلوم أنه مشكل ، بل اللازم على القائل بكفايته أن يقول بكفاية استئجار شخص الركعة الأولى من الصلاة وشخص آخر الثانية ، وهكذا ، يتمم.


القول بالمقدمة الموصلة ، فإن ما أتى به من السير لا قصور في مقدميته للحج إلا عدم ترتب الحج عليه. ولذا قال بعض الأعاظم في حاشيته في المقام : « لا يبعد أن يكون ما أفتى به من عدم الجواز مبنياً على ما اختاره في الأصول من تخصيص وجوب المقدمة بالموصلة ». لكن لو كان مبناه ذلك كان اللازم أن يقول : « ليس واجباً » ، بدل قوله : « ليس مقدمة للحج ». فكأن مراده أن الواجب في الحج البلدي أن يحج الشخص عن السير من البلد بقصد الحج ، فالسير من البلد لا بقصد الحج ليس قيداً للحج البلدي. فلا يكون مقدمة للحج. وهذا التعليل في غاية المتانة. وما ذكرناه آنفا من أن السير من البلد الى النجف لا قصور في مقدميته للحج ، إنما يصح بالإضافة إلى حج السائر ، لا بالإضافة إلى حج غيره ، إذ لا مقدمية بينه وبينه ، فالتعليل لا يرتبط بالقول بالمقدمة الموصلة بوجه.

ونظير المقام وضوء زيد بالنسبة إلى صلاة عمرو ، فإنه لا يكون مقدمة لها ، وإنما يكون مقدمة لصلاة زيد نفسه. وهذا نظير أن يستأجره للصلاة عن ميت لا بقيد المباشرة ، فيصلي الأجير بلا وضوء ويتوضأ شخص آخر مكانه. وكان الأولى للمصنف (رحمه اللّه) التمثيل به ، لا التمثيل بالأمثلة التي ذكرها ، فان فيها تبعيض النيابة في الاجزاء ، لا في الشروط والقيود ، كما هو في فرض المسألة. ولا يلزم من عدم جواز التبعيض في النيابة في الأجزاء ، عدم جوازه فيها في القيود. فمنشأ الخلاف في جواز التبعيض - كما في الحاشية المتقدمة - وعدمه - كما في المتن - هو أن الحج البلدي هل

( العشرون ) : إذا استؤجر للصلاة عن الميت فصلى ونقص من صلاته بعض الواجبات غير الركنية سهواً ، فإن لم يكن زائداً على القدر المتعارف الذي قد يتفق أمكن أن يقال لا ينقص من أجرته شي‌ء [1] ، وإن كان الناقص من الواجبات والمستحبات المتعارفة أزيد من المقدار المتعارف ، ينقص من الأجرة بمقداره [2] ،


يعتبر فيه أن يكون الحاج قد خرج من البلد بقصد الحج إلى أن يحج ، أولا يعتبر فيه ذلك ، بل يكفي أن يخرج شخص من البلد وإن كان غير الحاج؟ فعلى الأول : لا يجوز التبعيض في النيابة وتعدد النائب ، وإن قلنا بوجوب مطلق المقدمة كما هو المشهور ، لأن خروج شخص غير من قام به الحج ليس مقدمة لحج غيره ، نظير ما لو صلى النائب بوضوء نائب آخر. وعلى الثاني : يجوز التبعيض ، وإن قلنا بالمقدمة الموصلة ، لأن المقدمة على هذا موصلة ، لكون المفروض تحقق الحج مع وجود مقدمته ، نظير ما لو صلى شخص نائب بثوب طاهر قد غسله غيره ، فان غسل غير المصلي مقدمة وموصلة لتحقق الصلاة حسب الفرض.

فالإشكال على المحشي (قدس سره) من وجهين : أحدهما : استظهاره من الدليل الدال على الحج البلدي : الاكتفاء بخروج غير الحاج من البلد ، وهو في غاية من البعد. ثانيهما : بناؤه المنع على القول بالمقدمة الموصلة ، وهو غير مبتن على ذلك. مع أن المقدمة في المقام موصلة حسب الفرص ، لتحقق الحج من النائب الثاني.

[1] لأن التعارف يكون قرينة على أن موضوع الإجارة ما يشمل الناقص.

[2] لأن الأجرة موزعة على الجميع ، فمع فوات البعض يفوت بعض الأجرة.

إلا أن يكون المستأجر عليه الصلاة الصحيحة المبرئة الذمة [1] ونظير ذلك إذا استؤجر للحج فمات بعد الإحرام ودخول الحرم ، حيث ان ذمة الميت تبرأ بذلك [2] ، فان كان المستأجر عليه ما يبرئ الذمة استحق تمام الأجرة ، والا فتوزع ويسترد ما يقابل به بقية الأعمال.


[1] فإن الصلاة الناقصة لما كانت مبرئة للذمة كانت تمام موضوع الإجارة ، فيستحق الآتي بها تمام الأجرة.

[2] إجماعاً محققاً كما في المستند ، وبقسميه كما في الجواهر ، ويشهد له مصحح إسحاق بن عمار قال : « سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثمَّ أعطي الدراهم غيره. فقال (عليه السلام) : إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأول » (1). وإطلاقه وإن كان يشمل غير الفرض ، لكن لا يقدح في جواز الاستدلال به على الفرض. ويعضده ما ورد من النصوص فيمن مات بعد دخول الحرم ، كصحيح ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « في رجل خرج حاجا حجة الإسلام فمات في الطريق. فقال : إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام ، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الإسلام » (2). وقريب منه غيره ، فإنها وإن كان المنصرف منها الحاج عن نفسه ، لكن يقرب جداً كونه من أحكام مطلق الحج ، أو لأن الأصل في حج النائب أن يكون بحكم حج المنوب عنه ، وتمام الكلام في هذه المسألة موكول الى محله من كتاب الحج. وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.


1) الوسائل باب : 15 من أبواب النيابة حديث : 1‌

2) الوسائل باب : 26 من أبواب وجوب الحج حديث : 1.


الى هنا انتهى ما أردنا تعليقه على كتاب الإجارة من كتاب العروة الوثقى ، في جوار المشهد المقدس الحيدري على مشرفه أفضل الصلاة والسلام ، يوم الثلاثاء ، في اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الثانية ، سنة الألف والثلاثمائة واثنتين وسبعين هجرية ، على مهاجرها أفضل الصلاة وأكمل التحية ، وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المضاربة

وتسمى قراضاً عند أهل الحجاز [1]. والأول من الضرب ، لضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح ، والمفاعلة باعتبار كون المالك سبباً له والعامل مباشراً [2].


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، والصلاة والسلام على سيد النبيين وأشرف المرسلين محمد وآله ، الغر الميامين الطيبين الطاهرين.

كتاب المضاربة

[1] بذلك صرح في التذكرة والمسالك وغيرهما ، كما صرحوا بأنه سمي مضاربة عند أهل العراق.

[2] يشير الى أن المفاعلة لا بد فيها من الاشتراك ، وقد ذكر ذلك في كلام جماعة كثيرة ، منهم صاحب الجواهر ، على نحو يظهر منهم المفروغية عنه. ولكن لا أصل له ، كما يظهر من ملاحظة موارد الاستعمال فتقول : طالعت الكتاب ، وتابعت زيداً ، وباركت له ، وناولته الكتاب ،


وسافرت وآويته ، وجازفت .. الى غير ذلك مما لا يحصى ، وكل ذلك لا مشاركة فيه. نعم الذي يقتضي المشاركة التفاعل ، مثل : تضاربا ، وتجادلا ، وتكافحا ، وتعاوضا .. الى غير ذلك. وأما المفاعلة : فإنها تقتضي السعي إلى الفعل ، فاذا قلت : قتلت ، فقد أخبرت عن وقوع القتل ، وإذا قلت : قاتلت ، كنت قد أخبرت بالسعي إلى القتل ، فربما يقع وربما لا يقع ، ولا تقتضي المشاركة. نعم ربما تكون المادة مقتضية للمشاركة ، لكنها حينئذ ليست من مفاد الهيئة. ولأجل ذلك لا حاجة الى تكلف بيان وجه المشاركة في المقام ، وهو إما ما ذكره المصنف ، ولعله المشهور ، المبتني على حمل الضرب على الضرب في الأرض. أو لأن كلاً منهما يضرب الربح بسهمه ، كما ذكره في التذكرة والمسالك. وقيل : إنه من الضرب في المال وتقليبه ، كما حكي في التذكرة والمسالك. لكن على هذا لا مشاركة ، لأن الفاعل لذلك العامل لا غير. إلا أن يكون المقصود من مشاركة المالك سببيته لذلك ، كما سبق في المعنى الأول ، وفي الجواهر : « لعل الأولى من ذلك في تحقق المفاعلة ضرب كل منهما فيما هو للآخر من المال والعمل ». وكأن مراده من الضرب في المال والعمل الأخذ من نمائه وناتجه ، فكان كل واحد منهما قد ضرب فيما هو للآخر وأخذ منه. ولا يخفى أن لازم المشاركة في المقام أن كلا من المالك والعامل مضارب للآخر ، مع أن الظاهر أن المضارب هو العامل ، والمالك والعامل مضارب للآخر ، مع أن الظاهر أن المضارب هو العامل ، والمالك ليس بمضارب. قال في التذكرة : « ولم يشتق أهل اللغة لرب المال من المضاربة اسماً » ، ونحوه في المسالك ، وفي الجواهر : « لم نعثر على اشتقاق أهل اللغة اسماً لرب المال من المضاربة .. ». فالأولى أن يكون معنى المضاربة مغالبة الناس على أموالهم بالطرق الشرعية ، والعامل هو الذي

والثاني من القرض ، بمعنى : القطع [1]. لقطع المالك حصة من ماله ودفعه إلى العامل ليتجر به [2]. وعليه العامل مقارض بالبناء للمفعول [3] وعلى الأول مضارب بالبناء للفاعل.


يقوم بهذه المضاربة ، دون المالك ، فتختص المضاربة به.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمران : ( الأول ) : أن هيئة المفاعلة لا تدل على المشاركة ، وإنما تدل على سعي الفاعل نحو الفعل ، والمشاركة خارجة عن مفهومها ، نعم ربما تستفاد من المادة في بعض المقامات أو من قرائن خارجية : ( والثاني ) : أن المراد من الضرب في المضاربة المعنى المجازي الذي يحصل من التغلب على أموالهم بالطرق المشروعة ، فالمضاربة في المقام المغالبة على الناس في أخذ أموالهم واسترباحها ، ويمتاز المقام من أنواع الاتجار الأخرى : بأن دفع المال إلى العامل بقصد التغلب والاسترباح ، بخلاف سائر موارد الاتجار ، فقد يكون المقصود مجرد التبديل والتقليب بلا نظر إلى الربح وزيادة المال.

[1] صرح بذلك في التذكرة والمسالك وغيرهما.

[2] يحتمل أن القرض الملحوظ في مادة القراض ليس هو دفع مقدار من ماله وتمكينه منه ، بل المقصود الربح الذي يكون من المال ، الذي يصير للعامل ، لما عرفت من أن ( فاعلَ ) يدل على السعي نحو الفعل ، لا نفس إيقاع الفعل ، والا كان قارض بمعنى قرض ، يعني : ملّك قطعة من ماله لغيره.

[3] لأنه المفعول به ، وليس فاعلاً. ومن ذلك يتضح ما ذكرناه من أن قارض لا يدل على المشاركة ، وإلا كان كل من المالك والعامل فاعلاً ومفعولاً به مقارضاً - بالكسر - ومقارضاً - بالفتح - ومن ذلك

وكيف كان عبارة عن دفع الإنسان [1] مالاً إلى غيره ليتجر به على أن يكون الربح بينهما ، لا أن يكون تمام الربح للمالك ، ولا أن يكون تمامه للعامل. وتوضيح ذلك [2] : أن من دفع مالا إلى غيره للتجارة ( تارة ) : على أن يكون الربح بينهما ، وهي مضاربة ( وتارة ) : على أن يكون تمامه للعامل ، وهذا داخل في عنوان القرض إن كان بقصده [3] ( وتارة ) : على أن يكون تمامه للمالك ، ويسمى عندهم باسم البضاعة ( وتارة ) : لا يشترطان شيئاً ، وعلى هذا أيضاً يكون تمام الربح للمالك ،


يظهر أن القراض قائم بين المالك والعامل ، والمضاربة قائمة بين العامل وغير المالك من الناس الذين يتجر معهم ، هذا بحسب الاشتقاق ، وأما في الاصطلاح فهي قائمة بين المالك والعامل ، وهما طرفا الإيجاب والقبول.

[1] لا يخفى أن المضاربة من الإنشاءات ، والدفع معنى خارجي ، فليست هي الدفع ، بل الدفع من مقتضياتها ، وانما هي المعاملة بين المالك والعامل على أن يتجر العامل بمال المالك ، ويكون له بعض ربحه. فتفسيرها بالدفع - كما ذكره في النافع والتذكرة والمسالك وغيرها - مبني على نحو من المساهلة.

[2] هذا التوضيح ذكره في الشرائع ، وتبعه على ذلك في التذكرة والمسالك وغيرهما.

[3] هذا القيد لم يتعرض له في الشرائع والتذكرة والمسالك. واشكاله ظاهر ، فان القرض تمليك المال بعوض في الذمة مثله أو قيمته ، وهو من العناوين الإيقاعية لا يتحقق إلا بالقصد ، فكيف يكون دفع المال إلى العامل على أن يكون له تمام الربح قرضاً من دون قصد؟! كما أشار إلى ذلك

فهو داخل في عنوان البضاعة. وعليهما يستحق العامل أجرة المثل لعمله [1] إلا أن يشترطا عدمه ، أو يكون العامل قاصداً التبرع. ومع عدم الشرط وعدم قصد التبرع أيضاً له أن يطلب


الأردبيلي (قدس سره). واحتمل في الرياض : أن يكون مراد التذكرة والمسالك من كونه قرضاً أن ذلك حكم القرض ، لا أنه قرض موضوعاً ، وكذلك قصدهما من كونه قراضاً في صورة اشتراط أن يكون الربح لهما. وهو كما ترى غير ظاهر. كما أنه احتمل صحة ما ذكراه وعدم لزوم القصد في حصول القرض ، للمعتبرة المستفيضة ، التي منها الصحيح والموثق وغيرهما (1)الوسائل باب : 4 من أبواب كتاب المضاربة حديث : 1.(2)من أنه من ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شي‌ء ، لظهورها في أنه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضاً ويخرج عن المضاربة وان لم يتقدم عقد القرض ، وهو في معنى اشتراطه الربح للعامل ، فإن الأمرين من لوازم القرض. انتهى. وهو كما ترى ، إذ لو بني على الأخذ بهذه النصوص ، التي مرجعها إلى ما اشتهر عن أبي حنيفة من أن الخراج بالضمان ، فهو مختص بالتضمين ، وهو غير مورد كلام التذكرة والمسالك. ورجوع التضمين واشتراط الربح للعامل إلى ذلك ممنوع ، فان التضمين لا يوجب خروج المال المضمون عن ملك المالك ودخوله في ملك الضامن.

[1] ظاهر عبارتي التذكرة والمسالك : أنه مع اشتراط كون الربح للمالك لا شي‌ء للعامل ، ونسبه في الرياض أيضاً الى ظاهر غيرهما من الأصحاب ، ثمَّ قال : وهو حسن إن لم يكن هناك قرينة من عرف أو عادة


1) يشير إلى رواية محمد بن قيس

2) المروية بطريق فيها الصحيح والحسن والموثق. منه قدس سره .

الأجرة ، إلا أن يكون الظاهر منهما في مثله عدم أخذ الأجرة وإلا فعمل المسلم محترم [1] ما لم يقصد التبرع.


بلزومه. وإلا فالمتجه لزومه ». كما أنه استشكل عليهما في الحكم بأجرة المثل في صورة عدم اشتراط شي‌ء للعامل ، وأنه لا دليل عليه ، والأصل العدم. ومرجعه الى قيام احتمال التبرع ولا أجرة معه. انتهى. وكأن احتمال التبرع هو الوجه في ما استحسنه في الفرض السابق من عدم الأجرة ، وقد ذكره (قدس سره) أنه إذا انتفى احتمال التبرع وجبت الأجرة ، بلا خلاف في الظاهر ، لئلا يلزم الضرر على العامل الناشئ من إغراء المالك له بترغيبه إلى العمل تحصيلاً لما بإزائه من الأجرة. انتهى. والمتحصل من كلامه أمور : ( الأول ) : أنه لا ضمان لعمل العامل على المالك مع احتمال التبرع ، للأصل. وقد سبقه إلى ذلك المحقق الأردبيلي. : ( الثاني ) : أنه إذا قامت قرينة من عرف أو عادة بلزوم الأجرة لزمت. ( الثالث ) : أنه مع عدم احتمال التبرع تجب الأجرة ، لئلا يلزم الضرر. ويشكل الأول : بأن استيفاء عمل الغير موجب للضمان كاستيفاء ماله ، حتى مع احتمال التبرع ما لم يثبت التبرع ، وعلى ذلك استقرت طريقة العرف والعقلاء ، بلا رادع عنها ، كما أوضحنا ذلك في كتاب الإجارة وغيره من هذا الشرح ، ومع الشك في التبرع يبنى على أصالة عدمه عندهم ، لا على أصالة البراءة. ويشكل الأخير : بأن أدلة نفي الضرر لا تقتضي الضمان ، لأنها نافية لا مثبتة.

[1] استشكل في الجواهر على ما ذكراه في التذكرة والمسالك من عدم الأجرة إذا اشترط المالك أن يكون الربح له : بأن ذلك خلاف قاعدة احترام عمل المسلم ، وتبعه عليه المصنف ، وقد عرفت في كتاب الإجارة أن قاعدة الاحترام نفسها لا تصلح لإثبات الضمان على المالك ، نظير : قاعدة نفي الضرر ، وانما تقتضي قاعدة الاحترام حرمته وعدم جواز استيفائه

ويشترط في المضاربة الإيجاب والقبول [1].


جبراً أو كرهاً ، فالعمدة في وجه الضمان ما ذكرناه من أن استيفاء عمل العامل موجب لضمانه عند العرف والعقلاء من دون رادع عنه.

[1] دعوى الإجماع على كون المضاربة من العقود المحتاجة إلى الإيجاب والقبول صريحة وظاهرة في كلام جماعة ، وقد ذكرنا في بعض مباحث النكاح أن المعيار في كون المعنى الإنشائي عقداً أو إيقاعاً ليس بلحاظ مفهومه ذاتاً بمعنى أن المفهوم العقدي يخالف المفهوم الإيقاعي ذاتاً ، ولا بالنظر إلى كونه قائماً بين شخصين أو شخص واحد ، بل المعيار كونه تحت ولاية شخص واحد أو شخصين ، فان كان تحت ولاية شخص واحد فهو إيقاع ، وان كان تحت ولاية شخصين فهو عقد. ولما كان مفاد المضاربة خروج حصة من الربح من ملك صاحب المال ، ودخولها في ملك العامل ، وكان الخروج عن الملك قهراً خلاف قاعدة السلطنة على المال ، كما أن الدخول في الملك قهراً خلاف قاعدة السلطنة على النفس ، تعين أن يكون ذلك تحت ولاية المالك والعامل معاً ، فيكون ذلك المفهوم عقداً ، محتاجاً إلى الإيجاب من أحدهما ، والقبول من الأخر ، وإذا فرض كون المالك والعامل سفيهين ووليهما واحداً فالمضاربة حينئذ إيقاع يكتفى فيها بالإيجاب بلا قبول. كما أن الزوج والزوجة إذا كانا بالغين فالنكاح بينهما عقد يحتاج إلى الإيجاب والقبول ، فاذا اتفق أنهما رقان لمالك واحد كفى في حصول النكاح بينهما إيجاب المالك بلا حاجة الى القبول ، وكذا إذا عقد الجد لابن ابنه على بنت ابنه الآخر فإنه يكفي في حصول النكاح بينهما أن يقول : زوجت فلانة من فلان. بل الوكيل على التزويج من الطرفين كذلك. نعم إذا كان وكيلا من أحدهما على الإيجاب ومن الآخر على القبول تعين الإيجاب والقبول معاً.

ويكفي فيهما كل دال ، قولا ، أو فعلا [1]. والإيجاب القولي كأن يقول : ضاربتك على كذا ، وما يفيد هذا المعنى. فيقول : قبلت.

ويشترط فيها أيضاً - بعد البلوغ ، والعقل ، والاختيار [2] وعدم الحجر لفلس أو جنون [3] - أمور :


[1] لما دل على صحة المعاطاة وكونها عقداً فعلياً لا قولياً ، والعقدية لا تتوقف على الإنشاء باللفظ ، بل تكون بالإنشاء بالفعل أيضاً بلا فرق إلا في بعض الأحكام المذكورة في مبحث المعاطاة ، التي قد لا تطرد هنا. وفي الرياض : « ومن لوازم جوازها وقوع العقد بكل لفظ يدل عليه ، وفي اشتراط وقوع قبوله لفظياً ، أو جوازه بالفعل أيضاً ، قولان ، قوى ثانيهما في الروضة تبعاً للتذكرة ، ويظهر منهما عدم الخلاف بيننا فيه ، وفي الاكتفاء في طرف الإيجاب بكل لفظ ، فان تمَّ ، والا فالأولى خلافهما اقتصاراً فيما خالف الأصل على المتيقن » ، وظاهره المفروغية عن عدم جواز الإيجاب بالفعل. ولكنه غير ظاهر ، بل ممنوع. ومثله الأصل الذي ذكره ، فان العمومات كافية في رفع الأصل والمنع من جريانه ، يتضح ذلك بملاحظة مباحث المعاطاة.

[2] هذه الأمور شروط في عموم تصرفات الإنسان في ماله ونفسه ، وبيان أدلة ذلك موكول الى كتاب الحجر ، وقد تعرض الفقهاء - 5 - لذلك في الجملة في كتاب البيع ، لأنه أول الكتب المتعلقة بالتصرفات الاعتبارية تحريراً ، وقل ما يتعرضون لذكر ذلك في غيره.

[3] ذكر الجنون مستدرك للاكتفاء بذكر اشتراط العقل سابقاً. وكان اللازم ذكر السفه بدله ، لما دل على حجر السفيه عن تصرفه في ماله فلا تصح المضاربة إذا كان المالك سفيها ، كما لا تصح إذا كان العامل

الأول : أن يكون رأس المال عيناً [1] ، فلا تصح بالمنفعة ، ولا بالدين ، فلو كان له دين على أحد لم يجز أن يجعله مضاربة إلا بعد قبضه. ولو أذن للعامل في قبضه ، ما لم يجدد العقد بعد القبض. نعم لو وكله على القبض والإيجاب من طرف المالك والقبول منه ، بأن يكون موجباً قابلا ، صح.


سفيهاً ، لعدم الفرق في حجر السفيه بين أن يكون المال عيناً أو عملاً ، أما الفلس فليس عدمه شرطاً في العامل ، وإنما هو شرط في المالك ، وان كان ظاهر العبارة أنه شرط فيهما معاً ، كالبلوغ والعقل. لكن سيأتي في المسألة الثالثة من مسائل الختام أن كلامه هنا مختص بالمالك.

[1] وفي الجواهر : دعوى الإجماع بقسميه عليه ، وفي التذكرة : « الأول أن يكون من النقدين دراهم ودنانير ، مضروبة منقوشة ، عند علمائنا » ، وفيها : « لا يجوز القراض على الديون ، ولا نعلم فيه خلافاً. قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له مضاربة .. » ، وفي المسالك : « اشتراط ذلك في المال موضع وفاق ، نقله في التذكرة. وهو العمدة » ، وفي الرياض استدل عليه بعد الإجماع : بأنه القدر المتيقن في الخروج عن أصالة عدم ترتب الأثر ، بل أصالة كون الربح للمالك. ولا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقود في المقام لمنع الأصل المذكور ، لاختصاصه بالعقود اللازمة. كما لا مجال للتمسك بإطلاقات المضاربة ، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة ، فينبغي الاقتصار على المتيقن من النص والفتوى ، وهو خصوص النقدين. وفي الجواهر الاشكال على ذلك : بأنه يكفي في الصحة قوله تعالى ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ) ونحوه. وفيه : أن ذلك إنما يقتضي الصحة ، ولا يقتضي كونها مضاربة. ومن ذلك يظهر أنه لو سلم


جواز التمسك بعموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)فإنما يقتضي الصحة أيضاً ولا يقتضي كونها مضاربة ، وأما الإطلاقات المقامية فلا تجدي شيئاً ، إذ مقتضاها صحة المضاربة التي عند العرف ، ولم يثبت أن المعاملة على الدين والمنفعة مضاربة عند العرف ، والأصل عدم ترتب أحكام المضاربة عليها.

نعم إذا كان مراد الأصحاب من عدم الصحة في الدين والمنفعة عدم الصحة مطلقاً لا مضاربة ولا غيرها ، كان الاشكال عليهم في محله ، إذ الصحة مقتضى بعض العمومات. اللّهم إلا أن يدعى اختصاص العمومات بالعقود المتعارفة ، فلا تقتضي صحة غيرها. لكنه محل منع ، إذ لا مقتضي لهذا التخصيص ، والأصل عدمه. اللّهم إلا أن يقال : الأصل رجوع الربح إلى مالك الأصل ، فثبوته لغيره خلاف دليل صحة المعاملة على ماله ، فيكون الأصل بطلان العقد المذكور ما لم يقم عليه دليل بالخصوص. وفيه : أن المضاربة لما كانت من سنخ المعاوضة ، لأن الحصة من الربح في مقابل العمل ، فالمراد من دخول حصة الربح في ملك العامل أن ذلك بعد أن تدخل في ملك المالك ، عملاً بمقتضى المعاوضة ، ليكون ضمان عمل العامل بمال المالك في ظرف أنه مال المالك ، ولا بد أن يكون ذلك بعد الدخول في ملك المالك ، وهكذا ما كان من هذا القبيل. وأما الإجماع على اشتراط ذلك فالقدر المتيقن أنه شرط في المضاربة ، لا مطلقاً. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في الجواهر في شرح قول ماتنه : « ولو دفع آلة الصيد كالشبكة بحصته ، فاصطاد ، كان الصيد للصائد ، وعليه أجرة الآلة » ، قال في الجواهر : « لم يكن مضاربة قطعاً ، لانتفاء الشرط ، ولا شركة ، لعدم الامتزاج ، ولا اجارة ، لعدم معلومية الأجرة ، فليس هي إلا معاملة باطلة ». وحاصل الاشكال : أنه لا دليل على انحصار المعاملة الصحيحة


1) المائدة : 1.

وكذا لو كان له على العامل دين لم يصح جعله قراضاً [1]. إلا أن يوكله في تعيينه ثمَّ إيقاع العقد عليه بالإيجاب والقبول بتولي الطرفين.

الثاني : أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة ، بأن يكون درهماً أو ديناراً ، فلا تصح بالفلوس ولا بالعروض ، بلا خلاف بينهم ، وإن لم يكن عليه دليل سوى دعوى الإجماع [2]. نعم تأمل فيه بعضهم [3]. وهو في محله ، لشمول العمومات ، إلا أن يتحقق الإجماع ، وليس


في أحد الأقسام ، وعموم ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)ونحوه يقتضي عدم الانحصار ، وحمله على المتعارف - لو سلم - لا يقتضي عدم شمول المورد ، لأنه من المتعارف ، وحمله على ما تعارف عند الفقهاء غريب.

[1] ففي رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا ( فلا. خ ل ) يكون عنده ( ما يقتضيه. خ ل ) فيقول : هو عندك مضاربة. قال (عليه السلام) : لا يصلح حتى تقبضه منه » (2).

[2] في الجواهر : دعوى الإجماع بقسميه عليه ، وقد تقدم في التذكرة نسبته إلى علمائنا ، وقد اشتهرت دعوى الإجماع على ذلك في كلام جماعة كثيرة.

[3] قال في الحدائق : « إن من لا يلتفت إلى دعوى مثل هذه الإجماعات ، لعدم ثبوت كونها دليلاً شرعياً فإنه لا منع عنده من الحكم بالجواز في غير النقدين ، نظراً الى عموم الأدلة على جوازه ، وتخصيصها يحتاج الى دليل شرعي ، وليس فليس ». أقول : قد عرفت أن مراد الأصحاب إن كان عدم صحة المضاربة بغير الدينار والدرهم ، فهو في


1) المائدة : 1.

2) الوسائل باب : 5 من كتاب المضاربة حديث : 1.

ببعيد ، فلا يترك الاحتياط. ولا بأس بكونه من المغشوش الذي يعامل به [1] ، مثل الشاميات والقمري ونحوها. نعم لو كان مغشوشاً يجب كسره [2]


محله ، للأصل بعد عدم ثبوت كون المعاملة حينئذ مضاربة عند العرف ، ولا حاجة الى دعوى الإجماع في ذلك وإن كان مرادهم عدم الصحة أصلا ولو لا بعنوان المضاربة ، فهو غير ظاهر ، ولم يثبت إجماعهم عليه ، كما عرفت ذلك في اشتراط السابق.

[1] بعد ما عرفت من أن الشرط أن يكون المال درهما أو ديناراً لا فرق بين كونهما مغشوشين أولا ، للإطلاق ، إذ الدرهم والدينار القطعة من الفضة أو الذهبة المسكوكة للمعاملة وإن كان فيها غش ، ولذا تجب فيهما الزكاة ، كما ذكر ذلك في الجواهر. نعم إذا كان الغش مانعاً من صدق الذهب والفضة لغلبة الخليط لم تصح المضاربة ، لعدم كونها درهماً أو ديناراً. ولذا يشكل الحكم في مثل القمريات والشاميات ، لعدم صدق الفضة عليهما ، لغلبة الخليط. ومن ذلك يشكل ما ذكره المصنف بقوله : « مثل الشاميات والقمري » فان التعامل نفسه لا يكفي في صحة المضاربة بهما ، لعدم صدق الذهب والفضة عليهما.

[2] في خبر المفضل بن عمرو الجعفي قال « كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فالقي بين يديه دراهم ، فألقى إلي درهماً منها. فقال : أيش هذا؟ فقلت : ستوق. فقال : وما الستوق؟ فقلت : طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة. فقال (عليه السلام) : اكسرها ، فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه » (1)لكن قال في الجواهر : « الظاهر عدم وجوب الكسر وإن نص عليه في الخبر السابق ، إلا اني لم أجد من أفتى به بل الفتوى وباقي النصوص على


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الصرف حديث : 5.

• بأن كان قلباً - لم يصح [1] وإن كان له قيمة ، فهو مثل الفلوس. ولو قال العامل : بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضاً لم يصح [2] ، إلا أن يوكله في تجديد العقد عليه بعد أن نض ثمنه.

الثالث : أن يكون معلوماً قدراً ووصفاً [3] ،


خلافه ». ويشير بذلك إلى صحيح محمد بن مسلم : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ، ثمَّ يبيعها. قال (عليه السلام) : إذا بين ( الناس. خ ) ذلك فلا بأس » (1)وقريب منه غيره.

[1] لخروجه عن الدرهم والدينار وإن كان خالصاً ، فضلا عما إذا لم يكن ، لاختصاصهما بما كان مسكوكاً بسكة المعاملة ، فلا يشملان غيره.

[2] لفقد الشرط الأول. وكان الأنسب ذكر هذا الشرط فيما سبق.

[3] على المشهور ، بل ظاهر التذكرة : أنه لا خلاف فيه بيننا ، وحكي عن الشيخ في الخلاف. ولكن عن المبسوط : أنه حكى عن بعض بطلان المضاربة بالجزاف ، وحكى عن بعض : الصحة ، ثمَّ قال : « وهو الأقوى عندي » وعن المختلف : اختياره. لعموم أدلة الصحة ، من دون دليل واضح على المنع. وفي الشرائع : اشتراط أن يكون المال معلوم المقدار ، واستدل له في الجواهر بما دل على النهي عن الغرر (2)ثمَّ أجاب عنه


1) الوسائل باب : 10 من أبواب الصرف حديث : 2.

2) روي ذلك بنحوين : أحدهما : ما دل على النهي عن الغرر بقول مطلق ، رواه في التذكرة في المسألة : 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من كتاب الإجارة. ويمكن استفادته مما رواه في الوسائل باب : 10 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث : 2. وباب : 12 منها حديث : 13 والآخر : ما دل على النهي عن بيع الغرر ، وقد تقدمت الإشارة في صفحة : 7 من هذا الجزء الى روايته في الوسائل وكنز العمال وصحيح الترمذي والموطأ. فراجع كما رواه في مستدرك الوسائل باب : 31 من أبواب آداب التجارة حديث : 1.

ولا تكفي المشاهدة [1] وإن زال به معظم الغرر.


بأن النهي عن الغرر مختص بالبيع ، ثمَّ قال : « اللّهم إلا أن يقال : بأن في بعض النصوص النهي عن الغرر ، فيشمل المقام ، بل لو سلم تحقق إطلاق في المضاربة يشمل محل الفرض كان التعارض من وجه ، والترجيح للأول بفتوى المشهور بذلك ». والاشكال عليه ظاهر ، فان النص لم يثبت بنحو يعتمد عليه. ولو سلم فلا يمكن الأخذ بظاهره ، لكثرة التخصيص. ولو سلم فالفتوى لا تصلح للترجيح. نعم يكون ترجحه لأنه لو لم يؤخذ به في مقابل عموم الصحة لم يبق له مورد ، للمعارضة دائماً بينهما. وكأنه لذلك قال بعد ذلك : « والتحقيق إن لم يكن إجماع عدم قدح الجهالة التي تؤول إلى العلم ، نحو أن يقع العقد على ما في الكيس ، لإطلاق الأدلة أو عمومها. نعم بناء على عدم عموم أو إطلاق فلا ريب أن الأصل الفساد. أما الجهالة التي لا تؤول إلى العلم فالظاهر عدم جوازها ، لعدم إمكان تحقق الربح معها ، وهو روح هذه المعاملة. فتأمل جيداً ». لكن ما ذكر من أن الربح روح المعاملة المذكورة مسلم ، لكن يمكن الرجوع في تعيين مقداره إلى القرعة ، ولو بأن يجعل ذلك شرطاً فيها ، أو الى حكم الحاكم مع التنازع أو غير ذلك ، ولا يقتضي البطلان. ولو أنه استدل على بطلان المضاربة بقصور الإطلاق عن إثبات الصحة ، فالمرجع الأصل ، المقتضي للبطلان ، كان متيناً.

[1] حكى في جامع المقاصد عن الشيخ في المبسوط الاكتفاء بالمشاهدة في جواز المضاربة وصحتها ، لزوال معظم الغرر. لكن زوال المعظم لا يجدي مع بقاء الغرر بناء على النهي عنه ، ولا حاجة إليها بناء على عدم النهي عنه ، فالتفصيل غير ظاهر.

الرابع : أن يكون معيناً [1] ، فلو أحضر مالين وقال : قارضتك بأحدهما ، أو بأيهما شئت ، لم ينعقد إلا أن يعين ثمَّ يوقعان العقد عليه. نعم لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً [2] بعد العلم بمقداره ووصفه [3] ، فلو كان المال مشتركاً بين شخصين ، فقال أحدهما للعامل : قارضتك بحصتي في هذا المال ، صح مع العلم بحصته من ثلث أو ربع. وكذا لو كان للمالك مائة دينار مثلا ، فقال : قارضتك بنصف هذا المال ، صح.

الخامس : أن يكون الربح مشاعاً بينهما ، فلو جعل لأحدهما مقداراً معيناً والبقية للآخر ، أو البقية مشتركة بينهما لم يصح [4].


[1] وعليه الإجماع ، فإن المبهم المردد لا وجود له في الخارج ، فلا يكون موضوعاً للاحكام.

[2] بلا خلاف ولا اشكال عندنا ، كما في الجواهر. ويقتضيه إطلاق أدلة الصحة مع صدق المضاربة عرفاً معه. نعم لو فرض الشك في الصدق لاحتمال اعتبار الإفراز في صدق المفهوم عرفاً فالإطلاق لا مجال للتمسك به ، بل المرجع أصالة عدم الأثر. هذا بالنسبة إلى أثر المضاربة ، أما بالنسبة إلى أثر العقد فلا مانع من البناء عليه ، عملا بالعموم الدال على صحة العقود فحينئذ يكون نفي الشرطية مستنداً إلى الإجماع لا غير.

[3] بناء على ما تقدم من اشتراط العلم بالمقدار.

[4] قال في الحدائق : « الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه يشترط في الربح الشياع ، بمعنى أنه يشترط أن يكون كل جزء جزء منه مشتركاً ،

السادس : تعيين حصة كل منهما [1] من نصف أو ثلث


لأنه مقتضى المضاربة ، كما تنادي به الاخبار المتقدمة في حكمها : بأن الربح بينهما. يعني : كل جزء جزء منه ، وما لم يكن مشتركاً فإنه خارج عن مقتضاها ، فهذا الشرط داخل في مفهوم المضاربة » ويظهر من كلمات غيره الإجماع على الحكم المذكور. وفي الشرائع : علله بعدم الوثوق بحصول الزيادة ، فلا تتحقق الشركة. انتهى. وإشكاله ظاهر بعدم اطراده في صورة الوثوق بحصول الزيادة. وأما ما في الحدائق فمبني على ظهور النصوص في كون الربح بينهما على وجه الاشتراك على الإشاعة ، لا بمجرد الاشتراك ، وإلا فهو حاصل في الصورة المذكورة أيضاً ، وعلى الأول فالشرط المذكور يكون منافياً لمفهوم العقد كما اختاره طاب ثراه ، لا منافياً لحكمة ، إذ من البعيد جداً أن يكون حكماً لها مع عموم مفهومها ، فيكون الحكم على خلاف المفهوم. فاذاً ما ذكره هو ظاهر النصوص ، لا ما يتخيل من أن ظاهر النصوص بيان حكمها لا مفهومها. فلاحظ.

[1] بلا خلاف ، كما في التذكرة ، بل ظاهر أنه لا خلاف فيه بين المسلمين ، وقد ذكره الأصحاب شرطاً للمضاربة على نحو ذكر المسلمات ، من دون تعرض منهم لنقل خلاف أو إشكال فكأنه لا خلاف فيه بيننا. والمراد به إن كان تعيين الحصة في مقابل ترديدها ، بأن تكون معينة لا مرددة فدليله واضح ، إذ المردد لا يقبل الملك ، كما لا يقبل غيره من الاحكام ، وان كان المراد تعيينها عندهما بمعنى كونها معلومة المقدار عندهما ، في مقابل المجهولة - كما هو ظاهر كلامهم - فلا تصح المضاربة إذا قال للعامل : ولك مثل ما شرط فلان ، فدليله غير ظاهر ، لما عرفت في الشرط الثاني من عدم الدليل على مانعية الغرر على نحو الكلية. اللّهم إلا أن يحصل الشك حينئذ في صدق المضاربة عرفاً ، فلا يمكن الرجوع إلى إطلاق

أو نحو ذلك ، إلا أن يكون هناك متعارف ينصرف إليه [1] الإطلاق.

السابع : أن يكون للربح بين المالك والعامل ، فلو شرطا جزء منه لأجنبي عنهما ، لم يصح [2]. إلا أن يشترط عليه عمل متعلق بالتجارة [3]. نعم ذكروا أنه لو اشترط كون جزء من الربح لغلام أحدهما صح ، ولا بأس به خصوصاً على القول بأن العبد لا يملك ، لأنه يرجع إلى مولاه ، وعلى القول الآخر يشكل. إلا أنه لما كان مقتضى القاعدة صحة الشرط حتى للأجنبي [4] ، والقدر المتيقن من عدم الجواز ما إذا لم يكن غلاماً لأحدهما ، فالأقوى الصحة مطلقاً. بل لا يبعد


أدلة أحكامها بل يرجع الى أصالة عدم ترتب الأثر. لكن لا مانع من صحة المعاملة مع الجهل لا بعنوان المضاربة.

[1] فيكون الانصراف موجباً للعلم بالمقدار.

[2] لظهور النصوص في كون الربح بينهما لا غير ، فلا تكون مضاربة إذا كان بينهما وبين غيرهما. مضافاً إلى الأصل الذي عرفته بناء على الشك في صدق المضاربة عرفاً حينئذ.

[3] فيكون الأجنبي عاملا آخر ، فتكون المضاربة بين المالك وعاملين أو يكون من قبيل الحمال ونحوه إذا لم يكن عمله التجارة ، فيكون أحد مصارف الربح فيكون من قبيل مئونة التجارة التي تستثنى من الربح المشترك.

[4] كأن المراد من القاعدة عمومات صحة العقود والتجارة ونحوها. لكنها مخصصة بما دل على اعتبار اختصاص الربح بالمالك والعامل في المضاربة فلا مجال للعمل بها في المقام. نعم يتم ما ذكره لو كان الغرض

القول به في الأجنبي أيضاً وإن لم يكن عاملا ، لعموم الأدلة.

الثامن : ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل [1] ، فلو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح. لكن لا دليل عليه [2] ، فلا مانع أن يتصدى العامل للمعاملة


صحة المعاملة في نفسها ، لا بعنوان المضاربة. لكنه خارج عن محل الكلام مع أنك قد عرفت الإشكال في ذلك في الشرط الأول. ومن ذلك يظهر الإشكال في قوله (رحمه اللّه) : « فالأقوى الصحة » وقوله : « بل لا يبعد القول .. ». وبالجملة : إن كان الكلام في منع ذلك من المضاربة فالمنع مقتضى النصوص القائلة الربح بينهما ، ولا مجال للعمل بما دل على صحة المضاربة بعد تخصيصه بهذه النصوص. ولا فرق بين هذا الشرط وغيره مما سبق. وكان على المصنف التعرض فيما سبق أيضاً لذلك ، وان الدليل الدال على الشرطية إنما يقتضي بطلان المضاربة بفقد الشرط ، لا بطلان المعاملة بلا عنوان المضاربة. وإن كان الكلام في منع ذلك من صحة المعاملة لا بعنوان المضاربة ، فالمنع خلاف عموم الأدلة. فلاحظ.

[1] قال العلامة في القواعد : « الرابع ( يعنى : من شروط رأس المال ) : أن يكون مسلماً في يد العامل ، فلو شرط المالك أن تكون يده عليه لم يصح ، أما لو شرط أن يكون مشاركاً في اليد أو يراجعه في التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز ».

[2] علله في جامع المقاصد : بأن ذلك خلاف وضع المضاربة ، ثمَّ قال : إنه موضع تأمل ، لأنه إن أريد بوضع المضاربة مقتضى العقد فلا نسلم أن العقد يقتضي ذلك .. إلى أن قال : وإن أريد بالوضع أن الغالب في العادات ذلك لم يقدح ذلك في جواز المخالفة .. إلخ. وفيه : أن الشك في اعتباره عرفاً في مفهوم المضاربة كاف في اعتباره ،

مع كون المال بيد المالك ، كما عن التذكرة [1].

التاسع : أن يكون الاسترباح بالتجارة ، وأما إذا كان بغيرها - كأن يدفع إليه ليصرفه في الزراعة ، مثلا ويكون الربح بينهما - يشكل صحته [2]. إذ القدر المعلوم من الأدلة


لما عرفت من أصالة عدم ترتب الأثر ، ولا عموم يقتضي صحته مضاربة والإطلاقات المقامية لا مجال لها مع الشك في الموضوع العرفي ، كما سبق في نظيره.

[1] قال فيها : « الأقرب عندي أنه لا يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلماً إلى العامل بحيث يستقل يده عليه ، وينفرد بالتصرف رأس المال مسلماً إلى العامل بحيث يستقل يده عليه ، وينفرد بالتصرف فيه عن المالك وغيره ، فلو شرط المالك أن يكون الكيس في يده يوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئاً ، أو شرط أن يراجعه العامل في التصرف أو يراجع مشرفاً نصبه ، جاز ذلك ، ولم يجز للعامل التجاوز ، وكان القراض صحيحاً ، لأنه شرط سائغ لا يخالف الكتاب والسنة .. ». ثمَّ حكى عن الشافعية : أنه يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل ، ويستقل باليد عليه والتصرف فيه ، ثمَّ قال : « وقد وافقنا بعض الشافعية على ما قلناه ». والتحقيق ما عرفت من انتفاء المضاربة مع عدم استقلال العامل بالمال ، لعدم ثبوتها عرفاً حينئذ ، وصحة معاملة أخرى بمقتضى العمومات.

[2] في التذكرة : « شرطه ( يعني : العمل في المضاربة ) أن يكون تجارة ، فلا يصح على الاعمال ، كالطبخ ، والخبز ، وغيرهما من الصنائع لأن هذه أعمال مضبوطة يمكن الاستيجار عليها ، فاستغني بها عن القراض فيها ، وإنما يسوغ القراض فيما لا يجوز الاستيجار عليه وهو التجارة ، التي لا يمكن ضبطها ولا معرفة قدر العمل فيها ، ولا قدر العوض ، والحاجة

هو التجارة. ولو فرض صحة غيرها العمومات - كما لا يبعد [1] لا يكون داخلا في عنوان المضاربة.

العاشر : أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به ، مع اشتراط المباشرة من دون الاستعانة بالغير أو كان عاجزاً حتى مع الاستعانة بالغير ، وإلا فلا يصح [3] ، لاشتراط كون العامل قادراً على العمل. كما أن الأمر كذلك في الإجارة للعمل ، فإنه إذا كان عاجزاً تكون باطلة [3]


داعية إليها ، ولا يمكن الاستيجار عليها ، فللضرورة مع جهالة العوضين شرع عقد المضاربة » والعمدة ما أشرنا إليه فيما مضى من الشك في تحقق المضاربة عرفاً في مثل ذلك الموجب للرجوع إلى أصالة عدم ترتب الأثر.

[1] كما عرفت في نظيره من الشروط فيما سبق. وكان المناسب للمصنف أن يتعرض لذلك في الموارد السابقة أيضاً.

[2] هذا الشرط لم يذكره في الشرائع وغيرها على النحو المذكور هنا ، فقد قال في الشرائع : « وإذا أخذ من مال القراض ما يعجز عنه ضمن » ونحو ذلك ذكر في القواعد ، وفي المسالك : « وحيث يثبت الضمان لا يبطل العقد به ، إذ لا منافاة بين الضمان وصحة العقد » ، وفي الحدائق بعد ما حكى عنهم أنه لا منافاة بين الضمان وصحة العقد قال : « ويدل عليه ما تقدم في تلك الأخبار ، وعليه اتفاق الأصحاب ، من أنه مع المخالفة لما شرطه المالك فإنه يضمن والربح بينهما » لكن في الجواهر : « لعل المتجه الفساد لمعلومية اعتبار قدرة العامل على العمل في الصحة ، نحو ما ذكروه في الإجارة ، ضرورة لغوية التعاقد مع العاجز » وتبعه عليه المصنف وغيره ، وهو في محله.

[3] إذا كان الموجب للبطلان العجز ، فالعجز كان عن المجموع ،

وحينئذ فيكون تمام الربح للمالك [1] والعامل أجرة عمله مع جهله بالبطلان [2] ،


فيوجب بطلان المجموع ، لا بطلان كل جزء جزء ، لعدم العجز عن ذلك ، وحينئذ تصح في المقدور وتبطل في الزائد ، ويكون من قبيل تبعض الصفقة.

[1] هذا متفرع على بطلان المضاربة كلية ، أما إذا كانت صحيحة في المقدور باطلة في غيره ، فالمقدار المتجر به الذي حصل به الربح مقدور فيكون الربح بين المالك والعامل ، ولا يستحق العامل عليه أجرة المثل من المالك. وبالجملة : المقدار الذي اتجر به مقدور ، فتصح فيه المضاربة وبكون الربح بينهما على حسب ما شرط في إيقاعها ، والمقدار الذي عجز عن العمل به لا عمل فيه ، ولا ربح فلا يستحق العامل فيه شيئاً ، لانتفاء السبب.

[2] أما مع علمه بالبطلان فلا يستحق الأجرة ، لأنه أقدم على بذل عمله مجاناً ، فيكون متبرعاً ، ولا يستحق الأجرة ، وقد وافق في ذلك جماعة من الأعاظم ، ومنهم المحقق الثاني في جامع المقاصد والشهيد الثاني في المسالك ، حيث ذكروا أن ضمان المال المقبوض بالعقد الفاسد يختص بصورة جهل الدافع وضمان المنافع المستوفاة بالعقد الفاسد يختص أيضاً بصورة جهل العامل ، أما إذا كان الدافع للمال والعامل عالمين بالحال فقد أقدم الدافع للمال على هتك حرمة ماله ، وكذلك العامل يكون متبرعاً بعمله ، فلا يستحقان عوضاً. وقد أطال المصنف (رحمه اللّه) في بيان ذلك في كتاب الإجارة. وفيه : أنه غير ظاهر ، كما أشرنا إلى ذلك هناك ، وأنه لما كان التشريع في السبب فدفع المال والعمل يكون بقصد العوض لا بقصد التبرع. فراجع مباحث الإجارة.

ويكون ضامناً لتلف المال [1] ، إلا مع علم المالك بالحال. وهل يضمن حينئذ جميعه [2] ، لعدم التميز مع عدم الاذن في أخذه على هذا الوجه ، أو القدر الزائد ، لأن العجز إنما يكون بسببه ، فيختص به ، أو الأول إذا أخذ الجميع دفعة


[1] كما في الشرائع ، وكذلك في جامع المقاصد والمسالك شرط جهل المالك لا مع علمه ، لما سبق. والوجه في الضمان - على ما ذكره الجماعة - أن وضع العامل يده على المال لم يكن بإذن من مالكه ، لأن الاذن كان بعنوان المضاربة وهو مفقود ، فأخذ العامل للمال ووضع يده عليه كان بلا إذن من مالكه ، فيكون موجباً للضمان. قال في جامع المقاصد : « لأن تسليم المال إليه إنما هو ليعمل فيه ، فاذا كان عاجزاً عن العمل كان وضع يده على خلاف الوجه المأذون فيه ، فكان ضامناً » ، ونحوه عبارة المسالك. هذا ولكن الضمان في المقام مخالف لقاعدة : ( ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ) ، فان مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضموناً عليه في الباطلة. ويدل على القاعدة المذكورة ما دل على عدم ضمان المؤتمن ، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان ، وقال (عليه السلام) : ليس على مستعير عارية ضمان. وصاحب العارية والوديعة مؤتمن » (1)ونحوه غيره. فراجع وقد اختار المصنف في كتاب الإجارة أن الأقوى عدم ضمان العين المستأجرة في الإجارة الفاسدة. والفرق بينه وبين المقام غير ظاهر. فراجع ما ذكرناه في شرح ذلك الباب ، وما ذكرناه في دليل القاعدة من كتابنا ( نهج الفقاهة ) ، وتأمل. واللّه سبحانه ولي السداد.

[2] قال في المسالك : « وهل يكون ضامناً للجميع ، أو القدر


1) الوسائل باب : 1 من كتاب العارية حديث : 6.

والثاني إذا أخذ أولاً بقدر مقدوره ثمَّ أخذ الزائد ولم يمزجه مع ما أخذه أولاً [1]؟ أقواها الأخير. ( ودعوى ) [2] : أنه بعد أخذ الزائد يكون يده على الجميع ، وهو عاجز عن المجموع من حيث المجموع ، ولا ترجيح الآن لأحد أجزائه إذ لو ترك الأول وأخذ الزيادة لا يكون عاجزاً ( كما ترى ) إذ الأول وقع صحيحاً ، والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه [3] ،


الزائد على مقدوره؟ قولان. من عدم التمييز ، والنهي عن أخذه على هذا الوجه. ومن أن التقصير بسبب الزائد ، فيختص به. والأول أقوى ». أقول : كل جزء من المال إذا لوحظ منفرداً فهو مقدور العمل به ، وإذا لوحظ منضماً فهو غير مقدور العمل به ، ولما كان وضع اليد عليه في حال الانضمام ، لا في حال الانفراد فهو غير مقدور العمل به ، فلا يكون مأذوناً في قبضه ، فيكون مضموناً بناء على ما عرفت من اقتضاء اليد الضمان. ومن ذلك تعرف ضعف الوجه الثاني فإن الزائد لو كان مقبوضاً منفرداً كان مقدوراً ، لكن المفروض كونه مقبوضاً منضماً ، فلا يكون مقدوراً.

[1] قال في المسالك : « وربما قيل انه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالأول ، وإن أخذ مقدوره ثمَّ أخذ الزائد ولم يمزجه به ضمن الزائد خاصة ».

[2] هذه الدعوى ذكرها في المسالك بعنوان الاشكال على هذا التفصيل.

[3] هذا يتم لو كان أخذ الأول بعقد يختص به ، والثاني بعقد آخر يختص به ، أما إذا كان الأخذ الثاني بعقد موضوعه مجموع الأول والثاني ، فيكون موضوع العقد غير مقدور ، فيكون العقد باطلا ، فالمأخوذ به أولا

والمفروض عدم المزج. هذا ولكن ذكر بعضهم [1] أن مع العجز المعاملة صحيحة ، فالربح مشترك ، ومع ذلك يكون العامل ضامناً مع جهل المالك. ولا وجه له ، لما ذكرنا مع أنه إذا كانت المعاملة صحيحة لم يكن وجه للضمان [2]. ثمَّ إذا تجدد العجز في الأثناء وجب عليه رد الزائد [3] ،


كالمأخوذ به ثانياً ، كلاهما مأخوذ بعقد باطل ، فيكون كل منهما مضموناً. ولا فرق بينهما.

[1] تقدم ذلك عن المسالك. وفي الحدائق : « قالوا وحيث يثبت الضمان لا يبطل العقد ، إذ لا منافاة بين الضمان وصحة العقد. أقول : ويدل عليه ما تقدم في تلك الأخبار - وعليه اتفاق الأصحاب - من أنه مع المخالفة لما شرطه المالك فإنه يضمن ، والربح بينهما »

[2] لأن العامل أمين عندهم ، والأمين لا يضمن. وأما ما ذكره في الحدائق فضعيف ، لخروج المورد عن عموم النصوص الدالة على أن العامل إذا خالف ما شرط عليه فهو ضامن والربح بينهما ، الآتية في المسألة الخامسة. فلاحظ.

[3] قال في المسالك « ولو كان قادراً فتجدد العجز وجب عليه ردّ الزائد عن مقدوره ، لوجوب حفظه ، وهو عاجز عنه ، وإمكان التخلص منه بالفسخ ، فلو لم يفسخ ضمن وبقي العقد كما هو » ولا يخلو مراده من غموض ، فإنه لم يكن عاجزاً عن الحفظ ، وإنما كان عاجزاً عن العمل الموجب للانفساخ ، بلا حاجة إلى الفسخ. ولذلك يجب أن يقال : انه إذا تجدد العجز جرى عليه حكم ما لو كان العجز من أول الأمر ، فإذا بنينا على البطلان في الجميع كان هنا كذلك. ولا فرق بين أن يكون قد عمل في بعض المال وأن لا يكون قد عمل ، لأن العمل ببعض المال لا يوجب

وإلا ضمن [1].

( مسألة 1 ) : لو كان له مال موجود في يد غيره ، أمانة أو غيرها ، فضاربه عليها صح [2] ، وإن كان في يده غصباً [3] ، أو غيره مما يكون اليد فيه يد ضمان فالأقوى أنه يرتفع الضمان بذلك [4] ، لانقلاب اليد حينئذ فينقلب الحكم.


اختصاص العجز بغيره لإمكان رفع اليد عما عمل به ، والاشتغال بالعمل في غيره ، وحينئذ لا معيّن فيكون الحكم كما لو لم يعمل بالمال أصلا.

[1] إذا بنينا على الضمان في المضاربة فقد ثبت هنا بمجرد الفسخ. ولا يتوقف على عدم الرد ، نعم الإثم في ترك الرد يتوقف على عدم الردّ حيث يمكن الرد ولم يحصل. اللّهم إلا أن يقال : لا شمول لعموم على اليد لمثل المقام مما كان الأخذ حدوثاً بإذن المالك.

[2] نص في التذكرة على صحة المضاربة في مال الوديعة والعارية ويظهر منه إجماع المسلمين عليه. ويقتضيه الإطلاق المقامي بعد عدم الفرق عرفاً بين كون المال المضارب عليه في يد المالك وفي يد غيره ، أميناً كان ، أو مستعيراً ، أو غيرهما. وكان على التذكرة التعرض لغير الوديعة والعارية أيضاً.

[3] قال في الشرائع : « ولو كان له في يد غاصب مال فقارضه عليه صح ، ولم يبطل الضمان ». كما نص على صحة المضاربة في الفرض في التذكرة ، ونسبه إلينا وإلى أحد وجهي الشافعية ، ويظهر منه اتفاقنا عليه. وفي الحدائق : والظاهر أن الحكم اتفاقي عند الأصحاب ، إذ لم أقف على نقل خلاف في المسألة.

[4] كما استوجهه في التذكرة ، وحكاه عن أبي حنيفة ومالك ، لأنه ماسك له بإذن صاحبه. وكأنه إليه أشار المصنف (رحمه اللّه) بقوله :

ودعوى : أن الضمان مغيى بالتأدية ، ولم تحصل [1] كما ترى [2]


« لانقلاب اليد » يعني : كانت اليد غاصبة فصارت غير غاصبة. لكنه لا يجدي في نفي الضمان إلا أن يثبت أمران : الاذن في القبض ، وأن المأذون لا يضمن.

[1] قال في المسالك : « وان وجه بقاء الضمان أنه كان حاصلاً قبل ولم يحصل ما يزيله ، لأن عقد القراض لا يلزمه عدم الضمان ، فإنه قد يجامعه بأن يتعدى فلا ينافيه. ولقوله (صلی اللّه عليه وآله) : ( على اليد ما أخذت حتى تؤدي ) (1)وحتى لانتهاء الغاية ، فيبقى الضمان إلى الأداء ، إما على المالك أو على من أذن له ، والدفع إلى البائع مأذون فيه ، فيكون من جملة الغاية ،. ومحصله الرجوع إلى استصحاب الضمان تارة ، وإلى عموم « على اليد .. » أخرى من دون مخصص.

[2] كأنه يريد أن الغاية تحصل بالإذن في البقاء كما تحصل بالاذن بالدفع إلى الغير. لكنه غير ظاهر ، لأن الإذن بالدفع إلى غيره. يجعل غيره كوكيل عنه في القبض ، فيكون الدفع إلى الغير دفعاً إلى نفسه ، أما الاذن في الإبقاء فليس فيه شي‌ء من الغاية ، فكيف يكون غاية للضمان؟! هذا مع أن في المسالك منع من حصول الاذن في الإبقاء من مجرد العقد ، قال : « وأما اقتضاء العقد الاذن في القبض فضعفه ظاهر ، لأن مجرد العقد لا يقتضي ذلك ، وإنما يحصل الإذن بأمر آخر ، ولو حصل سلمنا زوال الضمان. كيف والعلامة قد صرح في التذكرة : بأن كون المال في يد العامل ليس بشرط في صحة القراض ». ومن ذلك تعرف أن الكلام في المقام يكون في أمور ( الأول ) : أنه هل يحصل


1) كنز العمال الجزء : 5 صفحة : 257 ، مستدرك الوسائل باب : 1 من كتاب الوديعة حديث : 12 وباب : 1 من كتاب النصب حديث : 4.

ولكن ذكر جماعة بقاء الضمان [1] إلا إذا اشترى به شيئاً ودفعه إلى البائع ، فإنه يرتفع الضمان [2] به ، لأنه قد قضى دينه بإذنه [3] ، وذكروا نحو ذلك في الرهن أيضاً ، وأن


الاذن في القبض من مجرد العقد أولا؟ وقد منع في المسالك من ذلك ، لأن عقد المضاربة أعم. وكان على المصنف موافقته ، لما سبق في الشرط الثامن ، وكذلك كان على العلامة في التذكرة. ( الثاني ) : أنه على تقدير حصول الاذن في القبض هل يرتفع الضمان ويحصل الأداء الذي جعل غاية للضمان في حديث : « على اليد .. » أو لا؟ الذي اختاره في المسالك الأول وحكى منعه عن بعض ، قال : « وربما قيل بعدم زوال الضمان وإن أذن له في قبضه بعد ذلك ، لما تقدم من الأدلة. ويضعف : بأنه حينئذ وكيل محض ». وقد عرفت أن الاذن في بقاء المال عند آخذه لا يكون موجباً لحصول غاية الضمان ، ولا يكون المأذون كالوكيل في القبض ، إذ لا دفع هنا ولا أداء بخلاف الوكيل. نعم يرتفع الضمان بمقتضى الأدلة الخاصة الدالة على أن المأذون في القبض أمين ولا يضمن الأمين ، فبطلان الضمان للأدلة الخاصة ، لا لحصول الغاية. وهذا هو الأمر الثالث الذي ينبغي التنبيه عليه. وهذه الأدلة مانعة من الاستصحاب ومخصصة لعموم : « على اليد .. ». ومن ذلك يظهر أن ارتفاع الضمان بالاذن بدفعه ثمناً بملاك حصول الغاية وارتفاعه بالاذن بالبقاء بملاك آخر.

[1] كما تقدم في الشرائع ، وفي الحدائق : أنه المشهور.

[2] إجماعاً في المسالك.

[3] كأنه يشير إلى أن الأداء المجعول غاية للضمان يراد منه أن يكون المال تحت سلطانه الخارجي أو الاعتباري ، كما إذا أذن في دفعه ثمناً أو

العين إذا كانت في يد الغاصب فجعله رهناً عنده أنها تبقى على الضمان والأقوى ما ذكرنا في المقامين ، لما ذكرنا [1].

( مسألة 2 ) : المضاربة جائزة من الطرفين [2] يجوز لكل منهما فسخها ، سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده قبل حصول الربح أو بعده ، نض المال أو كان به عروض ، مطلقاً كانت أو مع اشتراط الأجل [3] وإن كان قبل انقضائه. نعم لو اشترط فيها عدم الفسخ إلى زمان كذا يمكن أن يقال بعدم جواز فسخها قبله ، بل هو الأقوى ، لوجوب الوفاء بالشرط. ولكن عن المشهور بطلان الشرط المذكور [4] ،


دفعه وفاء عما في ذمته ، فان هذا الأداء لما كان بإذنه كان تحت سلطانه.

[1] قد عرفت أنه لا يتم إلا بناء على اعتبار القبض في صحة الرهن وفي صحة المضاربة.

[2] بلا خلاف ، كما في المسالك ، وفي الجواهر : « الإجماع بقسميه عليه ، وهو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم ».

[3] فإنه يصح الفسخ قبل الأجل بلا خلاف أجده فيه ، للأصل وغيره. كذا في الجواهر. وكون الأصل مقتضياً للجواز حينئذ غير ظاهر سواء كان الأصل العملي ، إذ الأصل عدم ترتب الأثر على الفسخ ، أم عموم ما دل على الجواز ، لما تقدم من عدم العموم اللفظي ، والدليل منحصر بالإجماع ، والاقتصار على المتيقن في المخصص اللبي لازم ، ويتعين الرجوع إلى عموم اللزوم. فالدليل حينئذ عموم الإجماع على الجواز ، لا الأصل.

[4] قال في الشرائع بعد ما ذكر : أن عقد المضاربة جائز من


الطرفين « ولو اشترط فيه الأجل لم يلزم. لكن لو قال : إن مرت بك سنة مثلا فلا تشتر بعدها وبع ، صح ، لأن ذلك من مقتضى العقد. وليس كذلك لو قال : « على أن لا أملك فيها منعك ، لأن ذلك مناف لمقتضى العقد » وفي القواعد : « ولو شرط توقيت المضاربة لم يلزم الشرط والعقد صحيح لكن ليس للعامل التصرف بعده ». وقال قبل ذلك : « ولو شرط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد ، مثل أن يشترط ضمان المال ، أو سهماً من الخسران أو لزوم المضاربة .. ». وفي جامع المقاصد. أن هذه شروط باطلة ، لمنافاتها مقتضى العقد شرعاً ، فيبطل العقد بها ، لأن التراضي المعتبر فيه لم يقع إلا على وجه فاسد ، فيكون باطلا. انتهى. ومن ذلك تعرف أن الشرط المنافي لمقتضى العقد عندهم هو شرط لزوم المضاربة وعدم ملك الفسخ ، لا مجرد شرط عدم الفسخ ، الراجع إلى شرط الأجل في عبارة الشرائع والتوقيت في عبارة القواعد ، فإنه عندهم لا يلزم ولا يجب الوفاء به ، لا أنه مناف لمقتضى العقد ، ولا أنه مبطل للعقد. وعليه فنسبة بطلان شرط عدم الفسخ وإبطاله العقد لأنه مناف لمقتضى العقد إلى المشهور في كلام المصنف ليس مما ينبغي ، وإنما هو في شرط لزوم المضاربة وعدم ملك الفسخ. وكيف كان فاشتراط عدم الفسخ إلى أجل بعينه في عقد المضاربة ليس منافياً لمقتضى العقد ، ولا لمضمونه ، ولا للكتاب والسنة ، فان بطل فلوجه آخر غير ما ذكر. وسيأتي التعرض لوجهه في كلام المصنف.

ثمَّ إن المصنف ذكر شرط الأجل وذكر أنه باطل لا يترتب عليه أثر فيجوز معه الفسخ ، كما ذكر الأصحاب ، وذكر شرط عدم الفسخ مقابلا له وذكر فيه ما ذكر ، مع أنه لا يظهر الفرق بينهما ، إذ لا معنى لشرط التأجيل إلا ذلك ، ولذا لم يذكره الأصحاب في مقابل شرط

بل العقد أيضاً [1] ، لأنه مناف لمقتضى العقد. وفيه : منع ،


التأجيل وإنما ذكروا شرط أن لا يملك الفسخ. ولعل مراد المصنف منه ذلك. لكن استدلاله على صحته بما ذكره لا يساعد على ذلك ويقتضي أن يكون المراد ما هو ظاهر العبارة. وحينئذ يتوجه عليه الإشكال في وجه الفرق بين شرط التأجيل وبينه.

[1] قد عرفت تصريح الشرائع والقواعد وجامع المقاصد ببطلان العقد لمنافاة الشرط لمقتضاه ، وعلل في جامع المقاصد ذلك : بأن التراضي المعتبر في العقد لم يقع إلا على وجه فاسد وكان الأولى تعليله : بأن القصد إلى المتنافيين متعذر ، فيكون العقد غير مقصود ، فلا يصح.

وبالجملة : الشرط الواقع في ضمن العقد ( تارة ) : يكون منافياً لمضمون العقد ، كما إذا شرط في البيع أن لا يكون للمبيع ثمن ، فان قوام المبادلة الطرفان ، فلا تكون مع طرف واحد ، ( وأخرى ) : منافياً لمقتضاه عرفاً ، كما إذا شرط في البيع أن لا يملك المشتري المبيع أو لا يملك البائع الثمن ، فان ذلك خلاف ما تقتضيه المبادلة ، فإنها تقتضي أن يكون كل من البدلين قائماً مقام الآخر ، فاذا كان الثمن ملكاً للمشتري فالمثمن بدله لا بد أن يكون كذلك ، وإذا كان المثمن ملكاً للبائع فالثمن بدله كذلك ( وثالثة ) : أن يكون مخالفاً للكتاب وان لم يكن مخالفاً لمضمون العقد ولا لمقتضاه ، كما إذا اشترطت الزوجة في عقد نكاحها أن يرث أبوها أو أخوها من زوجها ، فان ذلك مخالف لما دل على إرث غيرهما من مراتب الإرث. وهذه الأقسام الثلاثة كلها باطلة. أما الأولان : فلامتناع القصد إلى المتنافيين ، ولذلك يكون الشرط مبطلا للعقد أيضاً. وأما الثالث : فللأدلة الخاصة ، والتحقيق : أنه ليس بمبطل للعقد إذ لا مقتضي لذلك ، فعموم الصحة محكم وقد عرفت أن شرط عدم الفسخ

بل هو مناف لإطلاقه [1]. ودعوى : أن الشرط في العقود الغير اللازمة غير لازم الوفاء [2] ،


ليس من أحد المذكورات ، وشرط أن لا يكون له الفسخ من قبيل الشرط المخالف للكتاب ، لما دل على جواز عقد المضاربة ، فيكون باطلا لذلك لا لمنافاته لمقتضى العقد ، إذ ليس في عقد المضاربة ما يقتضي عرفاً ملك الفسخ ، حتى يكون شرط عدم ملك الفسخ مخالفاً لمقتضى العقد.

[1] هذا إن تمَّ فإنما يتم بالنسبة إلى شرط أن لا يملك ، يعني : أن إطلاق المضاربة بلا شرط يقتضي أن يكون لكل من الطرفين الفسخ ، أما مع الشرط فلا تقتضي ذلك ، وحينئذ لا مانع من صحة الشرط أما بالنسبة إلى شرط عدم الفسخ فلا يتم ، ولا مجال له ، لأن عدم الفسخ لا يرتبط بإطلاق العقد ولا بتقييده ، كما لعله ظاهر بالتأمل. فالجواب يناسب الاستدلال بالنسبة إلى شرط عدم ملك الفسخ ، لا بالنسبة إلى شرط عدم الفسخ.

[2] هذه الدعوى مذكورة في كلام بعض من قارب عصرنا. قال في الحدائق في كتاب الدين : « المشهور أن القراض من العقود الجائزة التي يجوز الرجوع فيها من الطرفين ، بل ادعي عليه الإجماع. وعلى هذا فلو شرط التأجيل فيه لم يلزم. وبذلك صرحوا أيضاً. وكذا كل شرط سائغ ». وقال في الرياض في شرح قول ماتنه في كتاب المضاربة « ولا يلزم فيها اشتراط الأجل » : « هذه العبارة تحتمل معنيين .. ( إلى أن قال ) : الثاني : أن الأجل المشترط فيها حيث كان غير لازم بل جائز ، يجوز لكل منهما الرجوع ، لجواز أصله ، بلا خلاف كما مضى ، فلن يكون الشرط المثبت فيه جائزاً بطريق أولى ». وهذا المضمون ربما يحتمل من كلام جماعة ، ففي جامع المقاصد : « قال الشيخ في المبسوط :


إذا دفع إليه ألفاً قراضاً على أن يدفع إليه ألفاً بضاعة ، بطل الشرط ، لأن العامل في المضاربة لا يعمل عملا بغير جعل .. ( إلى أن قال ) : قال الشيخ : ولو قلنا القراض والشرط جائز لا يلزم الوفاء به ، لأن البضاعة لا يلزم القيام بها كان قوياً .. ( إلى أن قال في جامع المقاصد ) : وصرح في التحرير : بأنه لا يلزم الوفاء به ، وهو حق ، لأن العقد جائز من الطرفين ». ويحتمل أن يكون مراده عدم وجوب الوفاء لجواز فسخ العقد فيسقط الشرط ، لا مع بقاء العقد. وفي جامع المقاصد في شرح قول ماتنه : « ولا يصح التأجيل فيها » - يعني : في الشركة - : « المراد بصحته ترتب أثره عليه ، وهو لزومها إلى الأجل وإنما لم يصح لأنها عقد جائز فلو شرط التأجيل كان لكل منهما فسخها متى شاء » ، ونحوه في المسالك في شرح قول ماتنه : « ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح ». ويحتمل أن يكون مرادهما أنها جائزة على نحو لا تلزم بالشرط فيكون بطلان الشرط لأجل ما دل على جوازها ، لا لأنه شرط في عقد جائز. ولذلك علله في الجواهر بقوله : « لما عرفت من الإجماع على كونها عقداً جائزاً بالنسبة إلى فسخها بالقسمة ، فلا يلزم الشرط المذكور فيها » وهذا الاحتمال هو الأقرب ، إذ لو كان المراد الأول كان اللازم التعبير بأنها عقد جائز والشرط في العقد الجائز جائز. ( ودعوى ) : أنه لو كان المراد الثاني كان اللازم بناؤهم على بطلان شرط التأجيل في عقد آخر مع أن بنائهم على صحته. ( مدفوعة ) : بإمكان كون التفصيل بين المقامين مبنياً على أمر آخر اعتقدوه : وحينئذ فكأن هذه الكلية - أعني : عدم لزوم الشرط في العقد الجائز - لا أثر لها في كلام الأصحاب.

قال في القواعد في كتاب القراض : « وهو عقد قابل للشروط الصحيحة » ، وفي جامع المقاصد : « لا مزية لهذا العقد في ذلك ، بل


كل عقد قابل لذلك ». والظاهر من الشروط الصحيحة ما يلزم العمل بها ويترتب الأثر على مضمونها وقال في القواعد : « ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر ، أو يأخذ منه بضاعة أو قرضاً ، أو يخدمه في شي‌ء بعينه ، فالوجه صحة الشرط ». وفي جامع المقاصد : « حكي عن الشيخ بطلان الشرط إذا اشترط في المضاربة أن يدفع إليه ألفاً بضاعة ، لأن العامل في المضاربة لا يعمل عملا بغير جعل ولا قسط من الربح ، وإذا بطل الشرط بطل القراض .. ». وقال في القواعد في كتاب الشركة : « ولو شرطا التفاوت مع تساوي المالين ، أو التساوي مع تفاوتهما ، فالأقرب جوازه إن عملا أو أحدهما ، سواء شرطت الزيادة للعامل أو للآخر وقيل : تبطل إلا أن تشترط الزيادة للعامل » ونحوه في الشرائع. فالقائل بالصحة لا يراها منافية لجواز العقد ، والقائل بالبطلان لم يستند إلى جواز العقد وعدم صحة الشرط في العقد الجائز ، بل استند إلى أمر آخر. وفي التذكرة : لو شرط في المضاربة أن يعطيه بهيمة يحمل عليها جاز لأنه شرط سائغ لا ينافي الكتاب والسنة ، فوجب الوفاء به ، عملا بقوله (عليه السلام) : « المسلمون عند شروطهم » (1). وبالجملة : ملاحظة كلماتهم في الشروط في العقود الجائزة - مثل الشركة والمضاربة والعارية وغيرها - وبناؤهم على صحة بعض الشروط فيها وعلى بطلان البعض الآخر ، لأمور ذكروها مع عدم تعرضهم للقاعدة المذكورة ، وجعلها منشأ لبطلان بعضها ، أو مخصصة بالنسبة إلى الصحيح منها ، دليل على عدم بنائهم عليها وما في بعض الكلمات المتقدمة ونحوها محمول على خلاف ظاهره ، أو أنه رأي خاص للقائل نفسه.

نعم قال في الجواهر في هذا المقام : « إنما الكلام في حكمه


1) الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار حديث : 1 ، 2 ، 5.


( يعني : حكم الشرط بالنسبة إلى وجوب الوفاء به وعدمه ) فيحتمل الأول ، لكن بمعنى الوجوب المشروط بالبقاء على العقد وعدم إنشاء فسخه لكونه حينئذ كنفس مقتضى العقد ، إذ هو من توابعه. وبهذا المعنى يندرج في قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1).. ( إلى أن قال ) : ويحتمل الثاني ، لا بمعنى تسلطه على فسخ العقد ، بل على معنى عدم وجوب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد : للأصل السالم عن معارضة الآية ..

( إلى أن قال ) : ولعل هذا هو مراد الشيخ والفاضل في التحرير من المحكي عنهما ، لا أن المراد عدم لزوم الوفاء بالعقد باعتبار جواز العقد ، وإلا فالوفاء به واجب حال عدم فسخ العقد ، إذ هو كما ترى لا دليل عليه ، بل المعلوم خلافه ، ضرورة كون الشرط أولى من مقتضى العقد الذي لا يجب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد ، فان من استودع أو وكل أو أعار أو ضارب - أي جاء بعقد من هذه العقود - لا يجب عليه الوفاء بمقتضى ذلك ، فيأخذ الوديعة مثلا ، ويفعل كل ما وكل ، ويتناول العارية ويأخذ عين مال القراض ، فالشرط أولى. ومنه يعلم حينئذ أنه هو مراد الشيخ والفاضل فيما ذكراه من عدم لزوم الوفاء به. وهو لا يخلو من قوة ».

وما ذكره (قدس سره) من أنه مراد الشيخ والفاضل في التحرير غير ظاهر ، فان الشيخ (قدس سره) قد علل البطلان بما ذكر ، ثمَّ علل الجواز : بأن البضاعة لا يجب القيام بها وظاهره أن الوجه في الجواز امتناع وجوب البضاعة ، لا كون الشرط في عقد جائز ، والفرق بين البطلان وبين الجواز الذي اختاره : أن مقتضى البطلان أن لو جاء المشروط عليه بالشرط استحق العوض ، كما هو الملاك في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد ، بخلاف الجواز ، فإنه لا يستحق كما لو فعل ما وعد به ، فإنه لا يستحق على الموعود عوضا. وأما العلامة في


1) المائدة : 1.


التحرير فلم يعلم منه الوجه في عدم وجوب الوفاء به ، ومن القريب أن يكون هو الوجه فيما ذكره الشيخ ، وإلا فقد ذكر جملة من الشروط في عقد المضاربة وغيره وصححها ولم يتعرض فيها لما ذكر ، فلو كان الشرط في العقد الجائز لا يجب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد لم يكن وجه للبناء على صحة الشروط الأخرى المذكورة في كتابي الشركة والمضاربة وغيرهما. وبالجملة : فكلمات الأصحاب خالية عن التعرض لهذه القاعدة ، ويظهر منهم عدم البناء عليها ، ولزوم العمل بالشروط وإن كانت في عقد جائز ، والعبارات السابقة لا بد من حملها على غير هذا المعنى ، وإلا لم يكن وجه لبنائهم على صحة جملة من الشروط المذكورة في العقود الجائزة ، وتمسكهم على صحتها بلزوم الوفاء بالعقود والشروط. فلاحظ ما تقدم عن القواعد من قوله في كتاب القراض : « وهو عقد قابل .. » ، وما تقدم في شرحه من جامع المقاصد.

وكيف كان فالذي يمكن أن يكون وجهاً لهذه القاعدة أمور. ( الأول ) الأولوية المشار إليها في عبارتي الرياض والجواهر. وفيه : أنها لا تخلو من خفاء ، فلا تصلح للإثبات. ( الثاني ) : أن دليل الجواز يدل على جواز العقد بتوابعه والشرط من توابعه. وقد يظهر ذلك من عبارة المسالك الآتية. وفيه : أنه غير ظاهر ، فان دليل الجواز هو الإجماع ، والمتيقن منه يختص بالعقد ولا يشمل توابعه. ( الثالث ) : أنه لو لزم الالتزام بالشرط مع عدم الالتزام بالعقد للزم الالتزام به ولو مع فسخ العقد ، ولا قائل به. وفيه : أن دليل لزوم الشرط يختص بما كان في العقد ، فاذا فسخ العقد ارتفع الشرط الذي هو موضوع اللزوم. ( الرابع ) : أن جواز الشرط مقتضى الأصل كما أشار إلى ذلك في الجواهر في عبارته المتقدمة ، وفيه : أن وجوب الوفاء بالعقد أو الشرط لا يراد منه الوجوب التكليفي ، بل

ممنوعة [1]. نعم يجوز فسخ العقد ، فيسقط الشرط [2] ، وإلا فما دام العقد باقياً يجب الوفاء بالشرط فيه [3] ، وهذا إنما يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ. مثل المقام ، فإنه يوجب لزوم ذلك العقد [4]. هذا ولو شرط عدم فسخها


الإرشادي إلى نفوذ العقود والشروط ، وكذلك وجوب الوفاء بالنذر فالشك في الحقيقة في اللزوم والجواز يرجع إلى الشك في جواز الفسخ وعدمه ، والأصل عدم ترتب الأثر على الفسخ. وكأنه لذلك لم يتعرض لها الأصحاب ، وكأن بنائهم على خلافها ، وشيخنا الأعظم في مكاسبه لم يتعرض لذكرها مع أنه أطال في ذكر مباحث الشروط وما يتعلق بها. نعم في المسالك - في شرح قول ماتنه فيما إذا اشترط في المضاربة أن يأخذ مالاً آخر بضاعة : « ولو قيل بصحتهما ( يعني : - صحة المضاربة وصحة الشرط ) كان حسناً » قال : والقراض من العقود الجائزة لا يلزم الوفاء به ، فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقده ، لأن الشرط كالجزء من العقد فلا يزيد عليه » والاستدلال بما ذكر مشكل كما عرفت. ولذا قال بعد ذلك : « والذي تقتضيه القواعد أنه يلزم العامل الوفاء به ، وبه صرح في التحرير ، فمتى أخل به تسلط المالك على فسخ العقد وإن كان ذلك له بدون الشرط ، إذ لا يمكن هنا سوى ذلك ». والذي يظهر من مجموع كلامه أن القاعدة المذكورة لا أصل لها في كلامهم وإنما تذكر كوجه من الوجوه الذي تختلف فيها العلماء. فلاحظ.

[1] قد عرفت وجهه.

[2] لعدم لزوم العمل بالشروط الابتدائية ، كالوعد.

[3] لعدم ترتب الأثر على الفسخ ، للأصل كما عرفت.

[4] إذا كان وجود العقد شرطاً في لزوم العمل بالشرط امتنع أن

في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة الشرط [1] ولزومه. وهذا يؤيد ما ذكرنا من عدم كون الشرط المذكور منافياً لمقتضى العقد [2] ، إذ لو كان منافياً لزم عدم صحته في ضمن عقد آخر أيضاً [3].


يكون لزوم العمل بالشرط مقتضياً لوجود العقد ومانعاً من فسخه ، لما تحرر في محله من أن الوجوب المشروط لا يقتضي وجود شرطه. وبالجملة : شرط عدم فسخ العقد يمتنع أن يكون موجباً للزوم العقد وامتناع فسخه ، لأن لزوم عدم الفسخ يتوقف على وجود العقد ، فلا يتوقف عليه وجود العقد. ومن ذلك يظهر بطلان شرط التأجيل في جميع العقود الجائزة ، كالشركة ، والمضاربة ، والوكالة ، وغيرها ، لأن شرط التأجيل راجع الى شرط عدم الفسخ إلى الأجل ، وقد عرفت بطلانه.

[1] نفي الاشكال غير ظاهر. نعم صرح بعضهم بصحته وبطلان اشتراطه في ضمن عقد المضاربة. وبعض الوجوه المذكورة في وجه عدم صحته في ضمن عقد المضاربة مطرد في ضمن غيره.

[2] قد عرفت أن من ذكر هذا الوجه أراد بالشرط شرط عدم ملك الفسخ لا شرط عدم الفسخ ، وإن كان الأول أيضاً غير مناف لمقتضى العقد ، وإنما هو مخالف للكتاب ، فيبطل ذلك.

[3] كذا في الجواهر. لكن قد عرفت آنفاً أن بطلان الشرط المنافي لمقتضى العقد لامتناع قصده مع قصد العقد ، ولذلك يبطل العقد أيضاً ، بخلاف الشرط المخالف للكتاب فان بطلانه لصرف المخالفة للكتاب. ولأجل ذلك لا فرق في بطلانه بين أن يكون في العقد الجائز والعقد اللازم ، إما المنافي فإنما ينافي مقتضى العقد الجائز ، ولا ينافي مقتضى العقد اللازم ، فلا مانع من صحته إذا كان في عقد لازم. اللّهم الا أن يقال : الشرط

ولو شرط في عقد مضاربة عدم فسخ مضاربة أخرى [1] سابقة صح ، ووجب الوفاء به [2] ، إلا أن يفسخ هذه المضاربة ، فيسقط الوجوب. كما أنه لو اشترط في مضاربة مضاربة أخرى في مال آخر ، أو أخذ بضاعة منه ، أو قرض أو خدمة ، أو نحو ذلك ، وجب الوفاء به [3] ما دامت المضاربة باقية ، وإن فسخها سقط الوجوب. ولا بد أن يحمل ما اشتهر من أن الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء [4]


المنافي لمقتضى العقد وان كان واقعاً في ضمن عقد آخر أيضاً يكون من الشرط المنافي للكتاب ، لأن دليل صحة العقد الآخر يقتضي ثبوت مقتضاه ، فاشتراط خلافه مخالف للمشروع ، فيبطل.

[1] الكلام فيه هو الكلام فيما لو اشترط في العقد اللازم وان اختلفا في الجهة المذكورة في المتن.

[2] الوجه الذي ذكرناه سابقاً لبطلان شرط عدم الفسخ لا يأتي هنا ، كما هو ظاهر ، فيتعين البناء على الصحة هنا.

[3] قال في القواعد : « ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر أو يأخذ منه بضاعة أو قرضاً ، أو يخدمه في شي‌ء بعينه ، فالوجه صحة الشروط ». وقال في جامع المقاصد في شرحه : « وجه الصحة عموم قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)وقوله (عليه السلام) : « المسلمون عند شروطهم » (2)، وليس الشرط محرماً ، ولا منافياً لمقتضى العقد. قال الشيخ في المبسوط .. » الى آخر ما نقلناه عنه في الحاشية السابقة.

[4] قد عرفت أن نسبة ذلك إلى الشهرة غير ظاهرة.


1) المائدة : 1.

2) الوسائل باب : 6 من أبواب الخيار حديث : 1 ، 2 ، 5.

على هذا المعنى ، وإلا فلا وجه لعدم لزومها مع بقاء العقد على حاله ، كما اختاره صاحب الجواهر [1] ، بدعوى : أنها تابعة للعقد لزوماً وجوازاً ، بل مع جوازه هي أولى بالجواز ، وأنها معه شبه الوعد. والمراد من قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) اللازمة منها ، لظهور الأمر فيها في الوجوب المطلق [2]. والمراد من قوله (عليه السلام) : « المؤمنون عند شروطهم » بيان صحة أصل الشرط : لا اللزوم والجواز. إذ لا يخفى ما فيه.

( مسألة 3 ) : إذا دفع إليه مالا وقال : اشتر به بستاناً مثلا ، أو قطيعاً من الغنم ، فان كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة صح مضاربة ، وإن كان المراد الانتفاع بنمائهما بالاشتراك ففي صحته مضاربة وجهان ، من أن الانتفاع بالنماء ليس من التجارة ، فلا يصح ، ومن أن حصوله يكون بسبب الشراء ،


[1] تقدمت عبارة الجواهر الدالة على مختاره.

[2] يعني : فيتعين حملها على العقود اللازمة ، وتخرج منها العقود الجائزة ، التي منها ما نحن فيه : ما أشرنا إليه آنفاً من أن قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) وقوله (عليه السلام) : « المؤمنون عند شروطهم » (1)ونحوهما ليس في مقام جعل الحكم التكليفي ، والا لزم ترتب عقابين على البائع إذا امتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري ، عقاب الغصب والعدوان على مال الغير ، وعقاب مخالفة وجوب الوفاء ، ولا يمكن الالتزام بذلك فيتعين أن يكون المقصود منها الإرشاد إلى صحة العقد والشرط والنذر ،


1) الوسائل باب : 20 من أبواب المهور حديث : 4 ، مستدرك الوسائل باب : 5 من أبواب الخيار حديث : 7.

فيكون بالتجارة والأقوى البطلان [1] مع إرادة عنوان المضاربة إذ هي ما يكون الاسترباح فيه بالمعاملات وزيادة القيمة ، لا مثل هذه الفوائد ، نعم لا بأس بضمها إلى زيادة القيمة [2].


ومقتضى العموم الأزماني عموم الصحة بحسب الازمان ، فيدل على اللزوم ، وعدم ترتب أثر على الفسخ لو وقع ، وقد خرج من ذلك نفس العقد الجائز ، لما دل على الجواز وترتب أثر الفسخ ، وبقي الشرط الوقع في ضمنه على حاله ، فلا يحتاج في إثبات اللزوم الى الوجوب التكليفي ، ولو فرض الاحتياج إليه فالخارج عن عموم الآية نفس العقد ، دون الشرط في ضمنه.

[1] قال في القواعد : « ولو شرط أن يشتري أصلا يشتركان في نمائه - كالشجر والغنم - فالأقرب الفساد ، لأن مقتضى القراض التصرف في رأس المال » ، وفي جامع المقاصد : « ولأن مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة ، وليس موضوع النزاع كذلك ، فلا يصح القراض عليه. وهو الأصح ». ولم يتضح الفرق بين التعليلين. وفي الشرائع بعد ما حكى القول بالفساد قال : « وفيه تردد » ، وفي جامع المقاصد : « ويحتمل ضعيفاً الصحة. لأن ذلك حصل بسعي العامل ، وهو شراؤه الشجر والغنم ، وذلك من جملة الاسترباح بالتجارة ، وضعفه ظاهر ، لأن الحاصل بالتجارة هو زيادة القيمة لما وقع عليه العقد ، لا نماؤه الحاصل مع بقاء عين المال ، والعمدة : عدم الدليل على صحة المضاربة في المقام ومفهومها العرفي يأباه. ولذا لم يعرف القول بالصحة لأحد من أصحابنا ، كما في الجواهر ، والأصل عدم ترتب الأثر.

[2] قال في الجواهر : « لو قال له اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا » فالأقوى الصحة ، لإطلاق الأدلة. كما انه

وإن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة فيمكن دعوى صحته للعمومات [1].


لو اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها شارك في النماء قطعاً ، ثمَّ قال : « وبذلك ظهر لك أن لشركة العامل في النماء صوراً ثلاثة ، أحدها : معلومة الصحة ، والثانية : مظنونة ، والثالثة : شك في شمول الإطلاق لها ، والأصل الفساد » ويريد بالمعلومة صورة تحقق النماء من باب الاتفاق ، وهي التي ذكرها ثانياً في كلامه ، والمظنونة صورة التعرض له في العقد مضافاً إلى الربح ، التي ذكرها أولا في كلامه. وكان الأولى العكس لأنه إذا حصل النماء من باب الاتفاق ، ولم يكن قد تعرض له المتعاقدان ، فالقاعدة تقتضي كونه للمالك ، لأنه نماء ملكه ولا وجه لمشاركة العامل فيه ، بخلاف صورة التعرض له ، فإنه يكون كالشرط في المضاربة ، ولا وجه للتوقف في صحته. والمصنف اقتصر على هذه الصورة ، ولم يتعرض للصورة الأخرى ، وفي المسالك ذكر ما يشمل الصورتين قال : « واعلم أن المنع إنما هو في حصر الربح في النماء المذكور - كما تقتضيه هذه المعاملة - وإلا فلا يمنع كون النماء بينهما ويحتسب من جملة الربح على بعض الوجوه ، كما إذا اشترى شيئاً له غلة ، فظهرت غلته قبل أن يبيعه ، فإنها تكون بينهما من جملة الربح ، إلا أن الربح لم يحصراه فيها لإمكان تحصيله من أصل المال ». وبالجملة : إذا لم يتعرضا للنماء فاللازم كونه للمالك ، إلا أن يكون ملحوظاً إجمالا تبعاً. ولعله مراد الجواهر في الصورة الثانية في كلامه ، فيكون الاشتراك فيه شرطاً إجمالياً في المضاربة ، في مقابل الصورة الأولى في كلامه التي يكون الاشتراك فيه شرطاً مصرحاً في ضمن العقد.

[1] فإنها كافية في إثبات الصحة. واحتمال اختصاص العمومات بالمتعارف ، فلا يشمل المقام. ممنوع ، كما تقدم نظير ذلك.

( مسألة 4 ) : إذا اشترط المالك على العامل أن يكون الخسارة عليهما كالربح ، أو اشترط ضمانه لرأس المال ، ففي صحته وجهان [1] أقواهما الأول ، لأنه ليس شرطاً منافياً لمقتضى العقد - كما قد يتخيل - بل إنما هو مناف لإطلاقه ، إذ مقتضاه كون الخسارة على المالك وعدم ضمان العامل إلا مع التعدي ، أو التفريط.

( مسألة 5 ) : إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقاً أو إلى البلد الفلاني أو إلا إلى البلد الفلاني ، أو لا يشتري الجنس الفلاني ، أو إلا الجنس الفلاني ، أو لا يبيع من زيد مثلا ، أو إلا من زيد ، أو لا يشتري من شخص ، أو إلا من


[1] بل قولان أحدهما العدم ، وقد تقدم ما في القواعد من قوله : « ولو اشترط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد ، مثل أن يشترط ضمان المال أو سهماً من الخسران .. » ، وفي جامع المقاصد : « وجه البطلان أن هذه شروط باطلة ، لمنافاتها مقتضى العقد شرعاً ، فيبطل العقد بها لأن التراضي المعتبر فيه لم يقع إلا على وجه فاسد ، فيكون باطلا. ويحتمل ضعيفاً صحة العقد وبطلان الشرط ، لأن بطلان أحد المتقارنين لا يقتضي بطلان الآخر. وجوابه أن التراضي في العقد شرط ، ولم يحصل إلا على الوجه الفاسد. فيكون غير معتبر ، فيفوت شرط الصحة ». وكأنه لوضوح منافاة الشرط للعقد لم يتعرض لبيان وجهها وتعرض لوجه ابطال الشرط الباطل للعقد.

لكن في الجواهر : أن جميع هذه الأمور من الأحكام أو ما هو مقتضى إطلاق العقد ، لا أنها من منافياً مقتضاه التي تعود عليه بالنقض


فتأمل جيداً. انتهى. وكأنه يريد بالأحكام الأحكام غير الاقتضائية ، وإلا فالأحكام الاقتضائية لا يصح اشتراط خلافها ، لأن الشرط المخالف للكتاب باطل. وبالجملة : قد أشرنا في المسألة السابقة إلى أن الشرط المخالف لمقتضى العقد تارة : يكون مخالفاً لمضمونه ، وأخرى : يكون مخالفاً للوازمه العرفية ، وثالثة : يكون مخالفاً لاحكامه الشرعية الاقتضائية. وكون شرط الضمان أو شرط تحمل الخسارة من أحد الأقسام المذكورة غير ظاهر ، بل من الواضح أنهما غير مخالفين لمضمون المضاربة ولا للوازمها العرفية. نعم قد يتوهم مخالفتهما لما دل على عدم ضمان الأمين. لكنه ممنوع لاحتمال أن عدم ضمان الأمين لعدم المقتضي ، لا لمقتضي العدم ، ومع الاحتمال يبنى على صحة الشرط المخالف له ، لعدم ثبوت كونه مخالفاً للكتاب ، والأصل العدم. بل الظاهر المفهوم عرفاً أن عدم ضمانه لعدم المقتضي ، وحينئذ لا تضر مخالفته للشرط.

نعم في مصحح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن مال المضاربة قال (عليه السلام) : الربح بينهما والوضيعة على المال » (1)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : « المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح ، وليس عليه من الوضعية شي‌ء ، إلا أن يخالف أمر صاحب المال » (2)، ونحوه رواية الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)وظاهر الروايات المذكورة أن عدم ضمان العامل للخسارة من أحكام المضاربة فيكون الشرط مخالفاً للكتاب ، ومخالفاً لمقتضى العقد شرعاً. اللّهم إلا أن يقال أيضاً : إن الحكم المذكور لعدم المقتضي فلا ينافيه الشرط.


1) الوسائل باب : 3 من أبواب المضاربة حديث : 5.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 4.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 3.


اللّهم إلا أن يقال الاستثناء في روايتي الحلبي والكناني يقتضي عدم الضمان حتى بملاحظة العناوين الثانوية ، فيدل على عدم تحمل الخسارة مطلقاً في غير المستثنى حتى مع الشرط ، فيدل على عدم صحة شرط الضمان وتدارك الخسارة تعبداً ، لا من جهة كونه مخالفاً لمقتضى العقد شرعاً. اللّهم إلا أن يكون منصرف النصوص الجعل الشرعي ، لا جعل المالك ، كما هو مورد الكلام ، وهو غير بعيد جمعاً بين النصوص المذكورة وعموم نفوذ الشروط وحينئذ لا مانع من اشتراط تدارك الخسارة كلا أو بعضاً.

هذا وفي حسن الكاهلي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : « في رجل دفع إلى رجل مالاً مضاربة ، فجعل له شيئاً من الربح مسمى ، فابتاع المضارب متاعاً فوضع فيه. قال (عليه السلام) : على المضارب من الوضيعة بقدر ما جعل له من الربح » (1): لكنه متروك الظاهر. وفي صحيح محمد ابن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث إن علياً (عليه السلام) قال : « من ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله ( المال. خ ل ) وليس له من الربح شي‌ء » (2)، وفي بعض طرقه : « من ضمن مضاربة ». وظاهره أن شرط الضمان صحيح لكنه مانع من استحقاق الربح للمالك ، فيكون من قبيل ما أرسل عن النبي صلی اللّه علیه و آله : « الخراج بالضمان » (3)


1) الوسائل باب : 3 من أبواب المضاربة حديث : 6.

2) الوسائل باب : 4 من أبواب المضاربة حديث : 1.

3) هكذا روي في كتب أصحابنا وقد أمر سيدنا المؤلف - قدس سره - بالفحص عن سند الحديث ومتنه في كتب الجمهور ، لأنه من رواياتهم وقد ظهر أنه مروي في صحيح الترمذي في ( ج 5 صفحة 285 ) هكذا : ( حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر وأبو عامر العقدي عن ابن أبي ذئب عن مخلد ابن خفاف عن عروة عن عائشة : ان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) قضى أن الخراج بالضمان ) ونحوه في ( الجزء 5 صفحة 286 ) بسند آخر. ورواه في سنن أبي داود ( الجزء 2 صفحة 255 ) هكذا : ( حدثنا إبراهيم بن مروان حدثنا أبي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (رضي اللّه عنه) ان رجلا ابتاع. علاماً فأقام عنده ما شاء اللّه أن يقيم ثمَّ وجد به عيباً فخاصمه إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله) فرده عليه فقال الرجل : يا رسول اللّه قد استغل غلامي فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله) : الخراج بالضمان ) ومورد الأخير الضمان العقدي الراجع الى التملك بالثمن لا الضمان الشرعي المتقوم بكون الشي‌ء في عهدة الضامن وعليه دركه ، كضمان اليد. وقد حكي عن أكثر فقهائهم تخصيص القاعدة بالضمان العقدي ، وتعميمها الى الضمان الشرعي مختص بالحنيفية. لكن المحكي عنهم انهم استدلوا عليها بوجه اعتباري لا بالحديث. فراجع...

شخص معين ، أو نحو ذلك من الشروط ، فلا يجوز له المخالفة [1] ،


وهو مذهب المخالف ، وغير معمول به ، ولا معول عليه عندنا. وحمل في الوافي وغيره على أنه يكون المال قرضاً. وهو - مع أنه خلاف الظاهر منه - مخالف للقواعد.

والمتحصل : أن المنع من شرط الضمان وتدارك الخسارة لا يقتضيه ما دل على عدم ضمان الأمين ، لأنه حكم غير اقتضائي ، فشرط خلافه لا يكون مخالفاً للكتاب. ولا رواية إسحاق ونحوها مما ورد في خصوص المضاربة ، لما ذكر أيضاً. ولا إطلاق صحيح الحلبي لأن منصرفه خصوص جعل الشارع ، فلا يشمل جعل العاقد ، ولا قوله (عليه السلام) : « من ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شي‌ء » لأنه يدل على صحة الشرط لا بطلانه. فالعمل بإطلاق ما دل على صحة الشروط محكم.

[1] نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما ، وفي المسالك : « لا خلاف عندنا في جواز هذه الشروط ولزومها وإن ضاقت بسبب هذه التجارة ». ثمَّ إن عدم الجواز ( تارة ) : يكون تكليفياً ، بأن تصرف تصرفاً عينياً ممنوعاً منه من المالك. ودليله ما دل على عدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه ، مثل التوقيع المشهور (1)، ونحوه ( وتارة ) :


1) الوسائل باب : 3 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام من كتاب الخمس حديث : 6.

وإلا ضمن المال لو تلف [1] بعضاً أو كلاً ، وضمن الخسارة مع فرضها. ومقتضى القاعدة وإن كان كون تمام الربح للمالك على فرض إرادة القيدية [2] ،


يكون وضعياً كما إذا كان التصرف الممنوع منه من المالك اعتبارياً ، كما إذا قال له : لا تبع على زيد فباع عليه. وحينئذ لا يكون مأثوماً بالبيع ، ولا فاعلا للحرام ، وانما كان تصرفه باطلا ، لا غير. ودليله عموم قاعدة السلطنة. ومن ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال على المقام بالقاعدة ، فإنها لا عموم فيها للتصرف العيني ، الذي هو موضوع الحكم التكليفي.

[1] بلا خلاف ولا اشكال. ويقتضيه النصوص الكثيرة ، منها صحيح الحلبي ورواية الكناني المتقدمان ، وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال. « سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج. قال (عليه السلام) : يضمن المال والربح بينهما » (1)ونحوها غيرها.

[2] القيود التي تذكر في المضاربة ( تارة ) : تكون من مقومات المضاربة ، مثل المبيع والمثمن ومكان البيع وزمانه والبائع والمشتري ونحو ذلك وهذه لا تكون إلا قيوداً للمجعول وهو المضاربة ، لا مجعولة بجعل مستقل لتعذر ذلك فيها ، فاذا قال له : اشتر الغنم ، أو في السوق الفلاني ، أو في النهار ، أو في الليل ، أو لا تبع على زيد ، أو لا تشتر من زيد ، أو بتوسط الدلال الفلاني ، أو نحو ذلك ، فهذه قيود المضاربة أخذت قيداً للمجعول ، لا أنها مجعولة بجعل مستقل في ضمن المضاربة ، لامتناع جعلها لأنها عينية لا تقبل الجعل ، وجعلها في ضمن جعل المفهوم بمثل قوله : وعليك أن تشتري الغنم ، راجع الى تقييد المفهوم ، لا جعل شي‌ء في ضمن جعل المفهوم ، فهو إذاً قيد لا شرط ( وتارة ) : لا تكون مقومة للمضاربة


1) الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب المضاربة حديث : 1.


بل خارجة عنها ، مثل أن يقول : لا تحمل المال معك ، أو لا تنقد الثمن في مجلس البيع ، أو اقرأ سورة من القرآن وقت البيع ، أو نحو ذلك. وهذا القسم ( تارة ) : يكون ملحوظاً قيداً للمضاربة ، كأن يقول : بع وأنت تقرأ القرآن ، أو تذكر اللّه تعالى ( وأخرى ) : يكون ملحوظاً شرطاً في ضمن المضاربة ، مجعولا بجعل مستقل ، بأن يقول : واشترطت عليك أن تقرأ القرآن وقت البيع ( وثالثة ) : أن يأمر المالك به أو ينهى عنه ، من دون ملاحظة كونه شرطاً له على العامل ، ولا قيداً للعمل ، بل لوحظ لنفسه لما فيه من الفائدة ، مثل أن يقول : احمل النقد في هميان ، أو اتخذ حارساً يحفظ مال التجارة. أما ما أخذ قيداً للمضاربة - سواء كان من مقوماتها أم خارجاً عنها - فهو على قسمين : ( الأول ) : ما يؤخذ قيداً في مقام الواقع ، كما إذا قال له : لا تتجر بالأكفان ، أو لا تبع وأنت جنب فلا ينبغي التأمل في عدم صحة المعاملة لو خالف ، لأنها غير مأذون فيها من المالك ، فصحتها خلاف قاعدة السلطنة ، ولا تصح إلا بإجازة المالك. ( الثاني ) : ما أخذ قيداً في مقام الظاهر خوفاً من الخسران ، كما إذا قال : لا تشتر التمر فإنه خطر ، فاشترى تمراً وربح ، فالمعاملة وإن كانت غير مأذون فيها ظاهراً مأذون فيها واقعاً ، ولا منافاة بين الأمرين ، لعدم التنافي بين الحكم الظاهري والواقعي. وعليه فالمعاملة صحيحة ، ولا تحتاج إلى إمضاء وإجازة. وكذلك تصح المعاملة فيما لم يؤخذ قيداً أو شرطاً مجعولا بجعل مستقل ، فإنها حينئذ مأذون فيها ولا خيار للمالك في الفسخ لعدم المقتضي لذلك ، فاذا لم يتخذ حارساً لحفظ ماله أو لم يحمل النقد في هميان كان مخالفاً لما أمره به المالك ، فيكون آثماً وضامناً ، لكن لا خلل في المعاملة ، ولا في لزومها ، ولا خيار للمالك.

والمتحصل مما ذكرنا أمور : ( الأول ) : أن القيود المذكورة في

إذا أجاز المعاملة [1] ، وثبوت خيار تخلف الشرط على فرض كون المراد من الشرط الالتزام في الالتزام [2] ، وكون تمام الربح له على تقدير الفسخ ، الا أن الأقوى اشتراكهما في الربح [3] على ما قرر ، لجملة من الأخبار الدالة على ذلك [4]


ضمن عقد المضاربة ، تارة : تكون قيوداً للمضاربة ، وأخرى : تكون شرطاً فيها ، وثالثة : لا تكون قيوداً لها ولا شرطاً فيها. ( الثاني ) : أن المأخوذة قيوداً لا تصح المضاربة بدونها إذا كانت قيوداً واقعية ، وتصح إذا كانت قيوداً ظاهرية ( الثالث ) : أنها إذا لم تكن قيوداً ولا شروطاً تصح المضاربة معها ، ولا تحتاج إلى الإجازة من المالك ، وإن كان العامل آثماً وضامناً.

[1] قد عرفت أنه يختص بالقيود الواقعية.

[2] قد عرفت أنه توجد أيضاً صورة ثالثة.

[3] كما هو المنسوب إلى الأصحاب.

[4] الأخبار الواردة في الباب وإن كانت كثيرة ، لكن لا يظهر منها ورودها في صورة كون القيد واقعياً ، فقد تقدم صحيح محمد بن مسلم (1)ومورده النهي عن الخروج ، ونحوه أحد صحاح الحلبي ، (2)وروايات الكناني (3)وأبي بصير (4)وزيد الشحام (5)، والنهي عن الخروج ليس من قبيل تقييد المعاملة ، بل الظاهر منه أنه من القسم الثالث. وقد تقدم أحد صحاح الحلبي (6)، ودلالته على الاشتراك في الربح مع المخالفة


1) راجع صفحة : 279.

2) الوسائل باب : 1 من كتاب المضاربة حديث : 2.

3) الوسائل باب : 1 من كتاب المضاربة حديث : 6.

4) الوسائل باب : 1 من كتاب المضاربة حديث : 10‌

5) الوسائل باب : 1 من كتاب المضاربة حديث : 11.

6) راجع صفحة : 276.

ولا داعي إلى حملها على بعض المحامل [1] ،


غير ظاهرة ، فضلا عن كون المخالفة في قيود المعاملة ، فلا يكون من أدلة المقام ، ونحوه رواية الكناني (1)الأخرى ، وكذلك صحيح الحلبي الثالث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه قال في المال الذي يعمل به مضاربة : له من الربح ، وليس عليه من الوضيعة شي‌ء ، إلا أن يخالف أمر صاحب المال. فان العباس كان كثير المال ، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة ، ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ، ولا يشتروا ذا كبد رطبة ، فإن خالفت شيئاً مما أمرتك به فأنت ضامن للمال » (2). وليس في الخبرين دلالة على الاشتراك في الربح مع المخالفة. نعم في صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في رجل دفع الى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة ، فذهب فاشترى به غير الذي أمره. قال : هو ضامن ، والربح بينهما على ما شرط » (3). ولا يبعد أن يكون التقييد فيه من قبيل التقييد في مقام الظاهر ، لا الواقع وعلى هذا فليس في الروايات بأجمعها ما هو ظاهر في الاشتراك في الربح مع التقييد الواقعي الذي هو خلاف القواعد.

نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة فيخالف ما شرط عليه قال (عليه السلام) : هو ضامن والربح بينهما » (4). فإن إطلاقه يقتضي الاشتراك في الربح حتى في القيود الواقعية. لكن الخروج عن القواعد به في صورة التقييد الواقعي مشكل مع احتمال الحمل على غيره.

[1] فقد ذكر في الجواهر : أنه يمكن تنزيل النصوص على إرادة بقاء


1) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 3.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 7.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 9.

4) الوسائل باب : 1 من أبواب المضاربة حديث : 5.

ولا إلى الاقتصار على مواردها [1] ، لاستفادة العموم من بعضها الآخر [2].

( مسألة 6 ) : لا يجوز العامل خلط رأس المال مع مال آخر [3] لنفسه أو غيره ، إلا مع إذن المالك ، عموماً ،


الاذن في المضاربة بأن يكون الغرض من الاشتراط الضمان لا غير ، كما يومئ إليه صحيح الحلبي السابق - يعني : المتعرض لذكر العباس - فان قوله في آخره : « فأنت ضامن .. » يقتضي الاقتصار فيه على الضمان. وإلا لقال فأنت ضامن وغير مأذون في المعاملة. ولكنه كما ترى غير ظاهر.

[1] حكاه في الجواهر عن بعض الناس ، واحتمله من الشرائع ، حيث اقتصر فيها على ذكر موردين ، قال فيها : « ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها ، أو أمره بابتياع شي‌ء معين ، فابتاع غيره ، ضمن ، ولو ربح والحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط ». والمثال الأول مذكور في صحيح الحلبي وغيره ، والثاني في صحيح جميل.

[2] لا يظهر وجود العام الدال على الاشتراك في الربح مع المخالفة وانما الموجود العام الدال على الضمان مع المخالفة لا غير ، مثل صحيح الحلبي الأول وخبر الكناني وغيرهما. فالعمدة إذاً ما ذكرناه من التفصيل. فلاحظ.

تنبيه : إطلاق بعض النصوص والكلمات يقتضي ضمان العامل إذا خالف المالك من غير فرق بين الموارد. ولكن الذي ينصرف اليه الذهن هو ما إذا خالفه فيما كان من شؤون المال مما كان له الولاية عليه ، أما إذا كان خارجاً عن ذلك - كما إذا أمره بصلاة الليل ونوافل النهار وقراءة القرآن ونحو ذلك ، مما لا يرجع إلى المال وإلى المعاملة به ، فلم يفعل شيئاً من ذلك - فلا ضمان عليه ، لقصور الأدلة على ذلك.

[3] نص على ذلك في الشرائع ، وعلله : أنه تصرف غير مشروع.

كأن يقول : اعمل به على حسب ما تراه مصلحة ، إن كان هناك مصلحة ، أو خصوصاً ، فلو خلط بدون الاذن ضمن التلف [1]. إلا أن المضاربة باقية [2] والربح بين المالين على النسبة.

( مسألة 7 ) : مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرف على حسب ما يراه [3] ، من حيث البائع ، والمشتري ، ونوع الجنس المشترى. لكن لا يجوز له أن يسافر من دون إذن المالك [4] ، إلا إذا كان هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق


وعلل في المسالك : بأنه أمانة لا يجوز خلطها ، كالوديعة. والعمدة ما دل على حرمة التصرف في مال أحد إلا بإذنه ، فإذا لم يكن إذن في التصرف - عام أو خاص - حرم.

[1] كما في المسالك وغيرها. لعدم الاذن في ذلك الموجب للرجوع إلى عموم : « على اليد .. » والعمدة النصوص المتقدمة.

[2] كما نص على ذلك في المسالك والجواهر. لما عرفت من أن مثل ذلك لا ينافي بقاء الاذن في المضاربة.

[3] عملا بإطلاق الاذن والأصل الحل والبراءة.

[4] قال في القواعد : « ليس للعامل أن يسافر إلا بإذن المالك ». وفي جامع المقاصد : « هو مذهب علمائنا. لأن فيه تغريراً بالمال. ولأنه لا يتبادر من إطلاق العقد ولا يتفاهم منه ، ليكون شاملاً له ، وللروايات الصريحة في ذلك عن أهل البيت (عليهم السلام) ، مثل رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) ، وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ». ودلالة الروايات لا تخلو من نظر ، فإنها إنما تعرضت لصورة نهي المالك عن الخروج - كما تقدم -

وإن خالف فسافر فعلى ما مر في المسألة المتقدمة [1].

( مسألة 8 ) : مع إطلاق العقد وعدم الاذن في البيع نسيئة لا يجوز له ذلك [2] ، إلا أن يكون متعارفاً ينصرف إليه الإطلاق. ولو خالف في غير مورد الانصراف ، فان استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو [3] ، وإن اطلع المالك قبل الاستيفاء فإن أمضى فهو [4] ، وإلا فالبيع باطل [5] ،


ولم تتضمن النهي عنه. كما تشكل دعوى عدم تبادره من إطلاق العقد ، إذ لا مقتضى للانصراف عنه. وكونه تغريراً بالمال كلية غير ظاهر. نعم ربما يكون كذلك ، وربما يكون الحضر كذلك. وكأنه لذلك أهمل ذكره في الشرائع. فإذاً لا فرق بين السفر والحضر في الجواز ما لم تكن قرينة موجبة للانصراف عنه.

[1] لإطلاق بعض النصوص المتقدمة الشامل للمقام ، كما عرفت.

[2] قال في التذكرة : « وليس له أن يبيع نسيئة بدون إذن المالك. لما فيه من التغرير بالمال ، فان خالف ضمن عندنا ». وفي المسالك : أن فيه تغريراً بمال المالك ، وأن الأمر فيه واضح. وفيه : أنه غير ظاهر ، بل ربما يكون النقد كذلك. فالأولى المنع عن كل منهما إذا كان فيه تغرير بالمال ، والجواز إذا لم يكن ، من دون فرق بين أن يكون متعارفاً وأن لا يكون ، كما هو ظاهر المختلف وغيره ، بل نسب إلى جماعة من متأخري المتأخرين.

[3] يعني : تصح المعاملة ، ويكون الربح بينهما ، على ما تقدم.

[4] يعني : يصح البيع ، ويكون الربح مشتركاً.

[5] لكونه غير مأذون فيه. قال في الشرائع : « ويقتضي إطلاق الإذن البيع نقداً ، بثمن المثل ، من نقد البلد. ولو خالف لم يمض إلا

وله الرجوع على كل من العامل والمشتري [1] مع عدم وجود


مع إجازة المالك ». وقال في المسالك : « إذا خالف ما دل عليه اللفظ بخصوصه أو إطلاقه لم يقع التصرف باطلا ، بناءً على جواز بيع الفضولي لكن يقف على إجازة المالك ، فإن أجاز نفذ ثمَّ إن قدر على تحصيل النسيئة ، وإلا ضمن الثمن ، لثبوته بالبيع الصحيح ، لا القيمة. وإلا وجب الاسترداد مع إمكانه ، ولو تعذر ضمن قيمة المبيع أو مثله ، لا الثمن المؤجل وإن كان أزيد ، ولا التفاوت في صورة النقيصة ، لأنه مع عدم إجازة البيع يقع باطلا ، فيضمن للمالك عين ماله ، الذي تعدى فيه وسلمه من غير إذن شرعي » وفي التذكرة : « إذا باع نسيئة في موضع لا يجوز له فقد خالف مطلق الأمر ، فيقف على اجازة المالك ، لأنه كالفضولي في هذا التصرف ». وكأن المصنف جرى على هذا المجرى. وهو مخالف لما تقدم ، من أنه إذا خالف المالك ضمن والربح بينهما ، إذ قد عرفت أنه يقتضي صحة المعاملة من دون توقف على إجازة المالك ، للنصوص ، فما الذي فرق بين المقامين؟ بل في الجواهر : أن الصحة في المقام أولى منها في صورة المخالفة الصريحة التي هي مورد النصوص بل يمكن القول بشمول بعض النصوص للجميع فلاحظ. مع أنه على تقدير الفرق لم يكن وجه لقوله : « فان استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو » ، وكان اللازم أن يقول : إذا استوفى الثمن قبل اطلاع المالك راجع المالك ، فإن أجاز فهو ، وإلا ردّه على المشتري ، لبطلان المعاملة ، إذ الموجب للبطلان عدم الاذن ، من دون فرق بين اطلاع المالك قبل الاستيفاء وبين الاستيفاء قبل اطلاع المالك.

[1] قد عرفت أنه بناءً على بطلان البيع فالعين للمالك ، له المطالبة بها من كل من وضع يده عليها ، فان كان العامل سلمها إلى المشتري جاز

المال عنده أو عند مشتر آخر منه [1] ، فان رجع على المشتري بالمثل أو القيمة لا يرجع [2] هو على العامل ، إلا أن يكون مغروراً من قبله [3] وكانت القيمة أزيد من الثمن ، فإنه حينئذ يرجع بتلك الزيادة عليه [4].


للمالك الرجوع على العامل وعلى المشتري ، كما في جميع موارد تعاقب الأيدي فإن كان المشتري قد باعها على ثالث وسلمها له ، جاز للمالك الرجوع على العامل والمشتري الأول والمشتري الثاني.

[1] الذي يظهر من هذا القيد أن العين إذا كانت موجودة عند المشتري أو عند مشتر آخر لم يجز للمالك الرجوع الى العامل ، بل يرجع على من كانت العين موجودة عنده. ولكنه غير ظاهر الوجه ، فإنه مع تعاقب الأيدي يجوز الرجوع إلى كل واحد من ذوي الأيدي المتعاقبة وإن كانت العين موجودة عند بعضهم ، ولا يختص رجوعه بمن كانت العين عنده. إذ الموجب للضمان اليد ، وهي حاصلة في الجميع. وفي القواعد : « وللمالك إلزام من شاء » ، وفي مفتاح الكرامة : حكاية ذلك عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد وغيرها. ولعل هذا الشرط للرجوع بالبدل ، لا لأصل الرجوع على العامل. لكن الشرط حينئذ التعذر ، لا عدم وجود للعين.

[2] يعني : المشتري. لتأخر يده ، كما هو حكم تعاقب الأيدي ، فإنه يرجع السابق على اللاحق ، ولا يرجع اللاحق على السابق.

[3] يعني : إذا كان المشتري مغروراً من العامل جاز له الرجوع عليه ، لأن المغرور يرجع على من غره.

[4] أما بمقدار الثمن فلا يرجع به ، لإقدامه على ضمانه بالثمن بلا غرور من العامل ، والغرور إنما كان بالزيادة ، فإذا فرض أن القيمة التي رجع بها

وإن رجع [1] على العامل يرجع هو على المشتري بما غرم ، إلا أن يكون مغروراً منه وكان الثمن أقل ، فإنه [2] حينئذ يرجع [3] بمقدار الثمن [4].

( مسألة 9 ) : في صورة إطلاق العقد لا يجوز له أن يشتري بأزيد من قيمة المثل [5]. كما أنه لا يجوز أن يبيع بأقل من قيمة المثل ، وإلا بطل. نعم إذا اقتضت المصلحة أحد الأمرين لا بأس به [6].


المالك على المشتري بمقدار الثمن. فليس له الرجوع على العامل بشي‌ء منها.

[1] يعني : المالك.

[2] يعني : العامل.

[3] يعني : على المشتري.

[4] إذ لا تغرير من العامل فيه. وأما الزائد على مقدار الثمن الذي غرمه للمالك فلا يرجع فيه على المشتري ، لأنه غار له فيه ، فاذا رجع على المشتري بتلك الزيادة رجع المشتري عليه بها ، لأنه غارّ له. وإن شئت قلت : لا يرجع على المشتري بتلك الزيادة ، لأنه غار له فيها ، فغرامتها مستندة إلى تغريره لا إلى المشتري.

[5] كما هو المعروف المصرح به في جملة كثيرة من كتب الأصحاب. لما فيه من تضييع المال ، المانع من دخوله في إطلاق الاذن. وكذا ما بعده.

[6] كما في المختلف وعن جماعة من متأخري المتأخرين إذ من المعلوم الاذن مع المصلحة. وفي الجواهر : تخصيصه بما إذا كان متعارفاً ، أما إذا كان نادراً فلا يدخل في الإطلاق ، لانصرافه الى المتعارف. لكن الانصراف ممنوع ، والإطلاق محكم.

( مسألة 10 ) : لا يجب في صورة الإطلاق أن يبيع بالنقد ، بل يجوز أن يبيع الجنس بجنس آخر [1]. وقيل بعدم جواز البيع إلا بالنقد المتعارف [2]. ولا وجه له إلا إذا كان جنساً لا رغبة للناس فيه غالباً [3].

( مسألة 11 ) : لا يجوز شراء المعيب ، إلا إذا اقتضت المصلحة ، ولو اتفق فله الرد أو الأرش ، على ما تقتضيه المصلحة.

( مسألة 12 ) : المشهور - على ما قيل - أن في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال ، فلا يجوز الشراء في الذمة [4]. وبعبارة أخرى : يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك ، لا كلياً في الذمة. والظاهر أنه يلحق به [5] الكلي في المعين أيضاً. وعلل ذلك : بأنه القدر المتيقن. وأيضاً الشراء في الذمة قد يؤدي إلى وجوب دفع غيره [6] - كما إذا


[1] كما قوّاه في المسالك مع الغبطة. عملاً بإطلاق الاذن.

[2] كما في الشرائع وغيرها.

[3] فلا يكون فيه مصلحة. أما إذا كان فيه مصلحة أيضاً فلا بأس عملاً بإطلاق الاذن.

[4] قال في الشرائع : « وكذا يجب أن يشتري بعين المال ، ولو اشترى في الذمة لم يصح ، إلا مع الاذن ». وفي القواعد : « وان اشترى في الذمة لزم العامل إن أطلق الشراء ولم يجز المالك ، وإن ذكر المالك بطل مع عدم الإجازة ». وفي الحدائق : أنه صرح بذلك جملة من الأصحاب.

[5] يعني : بالشراء بعين المال ، لأنه نوع منه.

[6] هذا وما بعده ذكرهما في المسالك.

تلف رأس المال قبل الوفاء - ولعل المالك غير راض بذلك. وأيضاً إذا اشترى بكلي في الذمة لا يصدق على الربح أنه ربح مال المضاربة. ولا يخفى ما في هذه العلل [1]. والأقوى - كما هو المتعارف - جواز الشراء في الذمة [2] والدفع من رأس المال. ثمَّ إنهم لم يتعرضوا لبيعه ، ومقتضى ما ذكروه وجوب كون المبيع أيضاً شخصياً ، لا كلياً. ثمَّ الدفع من الأجناس التي عنده. والأقوى فيه أيضاً جواز كونه كلياً. وإن لم يكن في المتعارف مثل الشراء.

ثمَّ إن الشراء في الذمة يتصور على وجوه.

أحدها : أن يشتري العامل بقصد المالك وفي ذمته من


[1] فان العمل بالقدر المتيقن إنما يكون مع عدم الإطلاق ، أما مع الإطلاق فالعمل به متعين. ووجوب دفع غيره ليس محذوراً إذا كان مقتضى الإطلاق ، وإذا كان الشراء بالمال يشمل الشراء بالذمة فقد صدق أن الربح للمال لتبعية ذلك لما ذكر.

[2] كما مال إليه في الجواهر واحتمل إرادة الأصحاب من المنع صورة الشراء في الذمة مع إرادة الرجوع إليه بغير مال المضاربة. وفي الرياض : « ويمكن تنزيل إطلاق كلام الأصحاب عليه بصرفه الى غير صورة غلبة ذلك ( يعني : مراد الأصحاب من لزوم الشراء بعين المال صورة ما إذا لم يكن الغالب والمتعارف ذلك ) أما إذا كان الغالب والمتعارف ذلك فقد جاز الشراء بالذمة » ، إذ المتعارف مانع من حمل الإطلاق على غيره. بل قيل : يكون موجباً لحمل الإطلاق عليه بالخصوص. لكن الأظهر العمل بالإطلاق في الجميع.

حيث المضاربة [1].

الثاني : أن يقصد كون الثمن في ذمته من حيث أنه عامل ووكيل عن المالك. ويرجع إلى الأول. وحكمها الصحة وكون الربح مشتركاً بينهما على ما ذكرنا. وإذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء كان في ذمة المالك يؤدى من ماله الآخر [2]


[1] يعني على أن يكون المبيع مورد المضاربة وكون الثمن من مال المالك المعين للمضاربة.

[2] قد تقدم ما عن المسالك من الاستدلال على عدم جواز الشراء في الذمة ما ظاهره المفروغية عن وجوب الأداء من ماله الآخر ، وأنه من المسلمات ، وفي الجواهر : استدل عليه بأنه مقتضى الإطلاق. وفيه : أن الإطلاق من حيث كون الشراء في الذمة أو في العين لا يلازم الإطلاق من حيث كون الأداء من مال المضاربة وغيره ، إذ المفروض أن الشراء في الذمة وان كان بإذن المالك فهو بلحاظ المضاربة وكون الأداء لما في الذمة بمال المضاربة لا بغيره ، ولذلك قيد المصنف الوجه الأول بكونه من حيث المضاربة ، لا مطلقاً ، فاذا كان عنوان المضاربة مأخوذاً قيداً للشراء فمع تعذره يبطل الشراء ، كما إذا اشترى ولي الزكاة شيئاً بمال الزكاة فتلف المال قبل الوفاء ، فإنه يبطل ، فلا يكلف بدفع الثمن من ماله.

وأشكل من ذلك ما ذكره في الجواهر من أنه إذا دفع من ماله الأخر يكون من مال القراض ، للإطلاق المذكور ، وأنه حكي عن المبسوط التصريح به. إذ من الواضح أن مال المضاربة هو التالف لا غير ، وأن الاذن في الشراء في الذمة كان بقيد الوفاء من ذلك المال لا غير ، فلم يقصد المضاربة بما في الذمة مطلقاً. ولذلك ذكر في الخلاف أن الذي يقوى في نفسه أن المبيع للعامل ، ولا شي‌ء على رب المال. وستدل عليه : بأن رب المال إنما

الثالث : أن يقصد ذمة نفسه وكان قصده الشراء لنفسه ولم يقصد الوفاء حين الشراء من مال المضاربة ، ثمَّ دفع منه وعلى هذا الشراء صحيح ، ويكون غاصباً في دفع مال المضاربة من غير إذن المالك ، إلا إذا كان مأذوناً في الاستقراض وقصد القرض [1].

الرابع : كذلك لكن مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء ، حتى يكون الربح له ، فقصد نفسه حيلة منه ، وعليه يمكن الحكم بصحة الشراء وإن كان عاصياً


فسح للعامل في التصرف في ألف إما أن يشتري به بعينه أو في الذمة وينقد منه ولم يدخل على أن يكون له في القراض أكثر منه. وما ذكره من الوجه متين ، لكن انما يقتضي عدم الصحة للمالك ، لا التحول الى العامل لعدم قصد العامل ذلك ، فكيف يدخل في ملكه من دون قصد ، ويكلف بدفع البدل من دون اختيار؟! ونسب في الخلاف إلى أبي حنيفة ومحمد أن يلزم المالك أن يدفع الثمن من مال آخر ويكونا معاً رأس المال. وإلى مالك أن المالك مخير بين أن يدفع الثمن من مال آخر ويكون هو رأس المال لا غير وبين أن لا يدفع شيئاً ، فيكون المبيع للعامل والثمن عليه. كما نسب إلى أبي حنيفة أيضاً أنه إذا تلف المال الثاني لم يلزم المالك شي‌ء ، وإلى غيره أنه كلما تلف الثمن دفع المالك غيره ولم يظهر من الجواهر أنه إذا تلف المال الثاني فهل يلزم الدفع من مال ثالث وهكذا أو لا يلزمه؟ كما أنه لم يظهر منه أن رأس المال هو مجموع المالين ، أو الأكثر ، أو هو الأخير لا غير؟ والتحقيق ما عرفت.

[1] أو كان قاصداً الشراء من نفسه للمالك بمال المضاربة ، فإنه لما

في التصرف في مال المضاربة من غير إذن المالك ، وضامناً له بل ضامناً للبائع أيضاً ، حيث أن الوفاء بمال الغير غير صحيح ويحتمل القول ببطلان الشراء [1] لأن رضى البائع مقيد بدفع الثمن [2] والمفروض أن الدفع بمال الغير غير صحيح ، فهو بمنزلة السرقة ، كما ورد في بعض الأخبار : أن من استقرض ولم يكن قاصداً للأداء فهو سارق. ويحتمل صحة الشراء وكون قصده لنفسه لغواً بعد أن كان بنائه الدفع من مال


كان ولياً على الشراء للمالك وولياً على نفسه لم يحتج في الشراء للمالك مال نفسه الى أكثر من إنشاء الإيجاب ، فيقصد المعاوضة بينه وبين المالك بدفع مال المالك وفاء عما في ذمته من الثمن ، فيكون إنشاء المعاوضة بالفعل ، وهو دفع المال إلى البائع ، لا بالقول ، وبإنشاء واحد بلا قبول ، كما تحقق ذلك في بعض مباحث نكاح العبيد من هذا الشرح. فراجع. فيكون في الخارج شراءان : شراء من المشتري لنفسه ، وشراء من نفسه للمالك ، فالشراء للعامل بثمن في الذمة والشراء للمالك بعين المال.

[1] هذا الاحتمال ضعيف إذ النقص في الشراء على النحو المذكور إن كان لأجل نية عدم أداء الثمن فأمر لم يقل به أحد ، ولا دليل عليه وإن كان لأجل دفع مال الغير ، الراجع الى عدم دفع الثمن شرعاً فهو أيضاً لم يقل به أحد ، ولا دليل عليه.

[2] قد عرفت أنه لا دليل عليه. وما في بعض الاخبار راجع الى نية عدم دفع الثمن حال البيع ، لا عدم الدفع بعد ذلك ، فالشاهد لا يرتبط بالمشهود له. مع أن ما في المقام ليس من باب عدم نية الدفع ، بل من باب نية دفع ما ليس ملكاً له شرعاً ، بعنوان كونه ملكاً له تشريعاً ، فهو أمر ثالث غير ما ذكر.

المضاربة ، فإن البيع وإن كان بقصد نفسه وكلياً في ذمته ، إلا أنه ينصب على هذا الذي يدفعه [1] فكأن البيع وقع عليه. والأوفق بالقواعد الوجه الأول ، وبالاحتياط الثاني. وأضعف الوجوه الثالث ، وإن لم يستبعده الآقا البهبهاني.

الخامس : أن يقصد الشراء في ذمته من غير التفات إلى نفسه وغيره. وعليه أيضاً يكون المبيع له [2] ، وإذا دفعه من مال المضاربة يكون عاصياً. ولو اختلف البائع والعامل في أن الشراء كان لنفسه أو لغيره وهو المالك المضارب ، يقدم قول البائع ، لظاهر الحال [3] ، فيلزم بالثمن من ماله ، وليس له إرجاع البائع إلى المالك المضارب.


[1] هذا غير ظاهر الوجه ، ولا يظن الالتزام به في نظائر المقام ، فان الغاصب للمال إذا دخل السوق واشترى لنفسه في الذمة ، ونوى الوفاء من ذلك المال المغصوب ، فأجاز المغصوب منه ذلك لم يكن الشراء له ، ولا يكون ما اشتراه ملكاً للمغصوب منه. مضافاً الى أن البناء على كون ذلك من الشراء بعين المال موجب للبناء على صحة البيع الواقع على العين الخارجية المجهولة للبائع وعدم كونها مقصودة له ولا منوية له ، وهو كما ترى.

[2] لكون عوضه منه وهو ما في ذمته.

[3] قال في الشرائع : « ولو اشترى في الذمة لا معه ، ولم يذكر المالك تعلق الثمن بذمته ظاهراً ». فيحتمل أن يكون التعلق ظاهراً بذمته اعتماداً على أصالة الصحة ، لأنه إذا كان لغيره بطل لعدم الاذن ، وإذا كان له صح. ويحتمل أن يكون لظاهر الحال ، حيث أن حمل الذمة على ذمة المالك خلاف الظاهر ، يحتاج إلى قرينة ، فإن الأصل في الفعل المنسوب

( مسألة 13 ) : يجب على العامل بعد تحقق عقد المضاربة ما يعتاد بالنسبة إليه وإلى تلك التجارة ، في مثل ذلك المكان والزمان ، من العمل ، وتولي ما يتولاه التاجر لنفسه ، من عرض القماش ، والنشر والطي ، وقبض الثمن ، وإيداعه في الصندوق ونحو ذلك مما هو اللائق والمتعارف ويجوز له استيجار من يكون المتعارف استيجاره ، مثل الدلال ، والحمال ، والوزان ، والكيال ، وغير ذلك ، ويعطي الأجرة من الوسط. ولو استأجر فيما يتعارف مباشرته بنفسه فالأجرة من ماله [1] ، ولو تولى بنفسه ما يعتاد الاستيجار له فالظاهر جواز أخذ الأجرة [2] إن لم يقصد التبرع. وربما يقال بعدم الجواز [3]. وفيه أنه :


إلى الفاعل كونه عن نفسه ، فاذا قال القائل : صليت ، يعني : عن نفسي وإذا قال : صل ، يعني : عن نفسك ، وهكذا ، فلو فرض أن المالك قد أذن بالشراء له ، وشك في الشراء أنه للمالك أو للعامل حمل على الثاني ، فإذا ادعى المالك ذلك كان قوله مطابقاً للحجة والعامل حمل على الثاني ، فإذا ادعى المالك ذلك كان قوله مطابقاً للحجة والعامل بخلافه ، وهذا ما لا ينبغي الإشكال فيه. لكن في الرياض في صورة ما لو اشترى في ذمة المالك ، أو في الذمة مطلقاً ، احتمل الحكم بكون الشراء للمالك ، لعموم الاذن. وفيه : أن الاشكال في ظهور الذمة مطلقاً في ذمة المالك ، وكيف يكون ذلك وهو خلاف ما عليه العرف؟. نعم يصح ما ذكره في صورة الشراء بذمة المالك. فلاحظ.

[1] لعدم الاذن. فلا موجب للزومها للمالك.

[2] وفي المسالك : أنه له وجها.

[3] كما في الشرائع والمبسوط ، وفي المسالك : نسبه إلى إطلاق

مناف لقاعدة احترام عمل المسلم [1] المفروض عدم وجوبه عليه.

( مسألة 14 ) : قد مر أنه لا يجوز للعامل السفر من دون إذن المالك. ومعه فنفقته في السفر من رأس المال [2] ،


المصنف والجماعة.

[1] كذا في الجواهر. لكن عرفت غير مرة أن قاعدة الاحترام لا تقتضي الضمان للعمل ، وإنما الذي يقتضيه الاستيفاء وإن كان واجبا عليه ، فان المريض إذا طلب من الطبيب المعالجة ضمن الأجرة وإن كانت المعالجة واجبة عليه ، والاستيفاء لعمل العامل في باب المضاربة في مقابل الحصة من الربح لا غير ، فإثبات شي‌ء آخر يحتاج إلى دليل. ولأجل ذلك لا يرتبط المقام بما إذا أذن له في البيع أو الشراء ، بناءً على عموم الاذن للشراء من نفسه والبيع على نفسه ، مضافاً إلى أن ذلك يختص بما إذا صرح له بالإذن بالاستيجار ، وفي المقام ربما لا يكون إلا الاذن في الاتجار ولوازمه على نحو العموم ، ومنها استيجار من جرت العادة باستئجاره لحمل الأثقال ، لكن عموم ذلك لنفسه غير ظاهر ، إذ من المحتمل أن يكون المراد أن لا يتحمل العامل خسارة الأجرة ، فلا يشمل الفرض.

[2] قال في الشرائع : « وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال على الأظهر » ، وفي المسالك وعن غيرها : أنه الأشهر بين الأصحاب ، وفي التذكرة وجامع المقاصد : أنه المشهور ، بل في التذكرة في موضع نسبته إلى علمائنا ، وعن الخلاف : أن عليه إجماع الفرقة وأخبارهم. انتهى. لأنه بسفره انقطع إلى العمل في مال القراض فناسب أن تكون النفقة على المال ، كما في التذكرة وجامع المقاصد ، أو لأن السفر لمصلحة المال فنفقته عليه كما في التذكرة ، لكن مقتضى الأخير الاختصاص بنفقة السفر نفسه ، لا نفقة العامل في السفر ، ومقتضى الأول العموم لنفقة الحضر أيضاً إذا كان

إلا إذا اشترط المالك كونها على نفسه. وعن بعضهم [1] كونها على نفسه مطلقاً ، والظاهر أن مراده فيما إذا لم يشترط كونها من الأصل. وربما يقال : له تفاوت ما بين السفر والحضر [2]. والأقوى ما ذكرنا من جواز أخذها من أصل المال بتمامها ، من مأكل ، ومشرب ، وملبس ، ومسكن ، ونحو ذلك مما يصدق عليه النفقة. ففي صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن علیه السلام [3] : « في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال ، فاذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه » هذا وأما في الحضر فليس له أن يأخذ من رأس المال شيئاً [4] إلا إذا اشترط على المالك ذلك.

( مسألة 15 ) : المراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكول وملبوس ومركوب وآلات يحتاج إليها في سفره وأجرة المسكن


منقطعاً إلى العمل فيه ، وعدم العموم لنفقة السفر مع عدم الانقطاع إلى العمل في المال. مضافاً إلى أن المناسبة لا تصلح للإثبات.

[1] المراد به الشيخ في المبسوط ، لأنه دخل على أن له سهما معلوماً من الربح ، فلا يستحق سواه ، وقد لا يربح من المال أكثر من النفقة.

[2] قاله الشيخ في المبسوط على تقدير القول بالإنفاق.

[3] رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن العمركي ، ورواه في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن أحمد الكوكبي عن العمركي ، ونحوه رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، رواها في الكافي ، ونحوه مرسل الفقيه (1).

[4] إجماعاً ، صريحاً وظاهراً ، حكاه جماعة.


1) ذكر الأحاديث المذكورة في الوسائل باب : 6 من كتاب المضاربة.

ونحو ذلك [1] ، وأما جوائزه وعطاياه وضيافاته ومصانعاته فعلى نفسه [2] إلا إذا كانت التجارة موقوفة عليها.

( مسألة 16 ) : اللازم الاقتصار على القدر اللائق ، فلو أسرف حسب عليه [3]. نعم لو قتر على نفسه ، أو صار ضيفاً عند شخص ، لا يحسب له [4].

( مسألة 17 ) : المراد من السفر العرفي [5] ، لا الشرعي فيشمل السفر فرسخين أو ثلاثة. كما أنه إذا أقام في بلد عشرة أيام أو أزيد كان نفقته من رأس المال ، لأنه في السفر عرفاً. نعم إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر - مثل التفرج ، أو لتحصيل مال له ، أو لغيره مما ليس متعلقاً بالتجارة - فنفقته


[1] لا شبهة في كون ذلك مراداً ولا اشكال ، للصدق.

[2] لأن الظاهر من النفقة ما يحتاجه لمعاشه ، وما ذكر إنما يحتاجه لجهات أدبية ، لا معاشه ، فهو داخل في المؤنة المستثناة في الخمس ، لا في النفقة الواجبة للزوجة أو للقريب المذكورة في باب النفقات ، كما ذكر ذلك في الجواهر.

[3] لخروجه عن المأذون فيه ، فيكون مضموناً عليه.

[4] كما صرح به في الجواهر لأن المأذون فيه النفقة المنتفية بالفرض لا مقدار النفقة.

[5] كما صرح به في المسالك والجواهر ، وحكي عن الروضة ومجمع البرهان والكفاية وغيرها. لإطلاق الأدلة ، وثبوت القصر وبعض الاحكام لخصوص السفر إلى المسافة مع الشروط الخاصة لا يقتضي حقيقة شرعية ولا متشرعية ، بحيث يحمل عليه المراد في جميع موارد الاستعمال من دون

في تلك المدة على نفسه [1]. وإن كان مقامه لما يتعلق بالتجارة ولأمر آخر ، بحيث يكون كل منهما علة مستقلة لو لا الآخر فان كان الأمر الآخر عارضاً في البين فالظاهر جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة [2]. وإن كانا في عرض واحد ففيه وجوه ، ثالثها التوزيع [3]. وهو الأحوط في الجملة [4] وأحوط منه كون التمام على نفسه وإن كانت العلة مجموعهما ، بحيث يكون كل واحد جزء من الداعي فالظاهر التوزيع [5].

( مسألة 18 ) : استحقاق النفقة مختص بالسفر المأذون فيه [6] فلو سافر من غير إذن ، أو في غير الجهة المأذون فيه


قرينة ، إذ لا دليل على ذلك ، فالحمل على المفهوم العرفي متعين.

[1] كما صرح به في التذكرة والمسالك والجواهر. لأن السفر حينئذ لم يكن لمصلحة المال فيكون خارجا عن منصرف الأدلة.

[2] لدخوله في إطلاق الدليل.

[3] وأقواها - كما في الجواهر - جواز الإنفاق ، لإطلاق النص الشامل له ، ولأنه لا يخرج عن كونه لمصلحة المال المقتضية له على الاستقلال فتأمل.

[4] والأضعف ، لأن الأدلة إن عمت اقتضت الأول ، وإلا اقتضت الثاني.

[5] كما في الجواهر. لكنه غير ظاهر ، لما عرفت من أن الأدلة إن عمت اقتضت كون النفقة على المال ، والا اقتضت كونها على نفسه فالتوزيع لا مقتضي له ، ولذا كان الأقوى كونها على نفسه ، لعدم ثبوت دخوله في إطلاق الدليل.

[6] كما في المسالك والجواهر. لاختصاص الدليل به ، أو لأن ما دل على الضمان بالتعدي مقدم عليه عرفاً ، أو لأنه خاص فيخصص به.

أو مع التعدي عما أذن فيه ، ليس له أن يأخذ من مال التجارة.

( مسألة 19 ) : لو تعدد أرباب المال كأن يكون عاملا لاثنين أو أزيد ، أو عاملا لنفسه وغيره - توزع النفقة [1] وهل هو على نسبة المالين ، أو على نسبة العملين؟ قولان [2].

( مسألة 20 ) : لا يشترط في استحقاق النفقة ظهور


[1] كما هو المحكي عن جملة كثيرة من كتب الأعيان ، كالشيخ والفاضلين والمحقق والشهيد الثانيين وغيرهم. قال في الشرائع : « ولو كان لنفسه مال غير مال القراض فالوجه التقسيط » قال في المسالك : « وجه التقسيط ظاهر ، لأن السفر لأجلهما ، فنفقته عليهما ».

أقول : قد عرفت إشكال هذا التعليل ، فلا مجال للاستدلال به في المقام. نعم يتجه الحكم المذكور في الأول ، لصدق مال المضاربة على جميع الأموال ، ومقتضى إطلاق أن نفقة المضارب على مال المضاربة أنها على جميع الأموال ، ومقتضى ذلك التوزيع على الجميع. ويشكل في الثاني ، لصدق. كون العامل مضارباً فتكون نفقته على مال المضاربة ، ولا وجه التوزيع. نعم في الجواهر : أن السفر لما لم يكن للقراض خاصة اتجه التوزيع المزبور ، وهو راجع الى ما في المسالك وفيه ما عرفت.

[2] في المبسوط : الجزم بالأول ، وفي جامع المقاصد : أنه أوجه. وفي المسالك : أنه أجود ، لأن استحقاق النفقة في مال المضاربة منوط بالمال ، ولا ينظر إلى العمل. انتهى. وان شئت قلت. موضوع النفقة مال المضاربة. فهو موضوع التوزيع. وأما القول الثاني فلم نعرف قائله. نعم عن التذكرة : أنه إذا كان المال لنفسه فالتوزيع على المالين ، وإذا كان لغيره فعلى العملين. انتهى. لكن عبارة التذكرة لا تساعد عليه. وعلى تقديره فغير ظاهر الوجه.

ربح بل ينفق من أصل المال [1] وإن لم يحصل ربح أصلاً. نعم لو حصل الربح بعد هذا تحسب من الربح ، ويعطى المالك تمام رأس ماله ، ثمَّ يقسم بينهما.

( مسألة 21 ) : لو مرض في أثناء السفر. فان كان لم يمنعه من شغله فله أخذ النفقة [2] ، وإن منعه ليس له [3] ، وعلى الأول لا يكون منها ما يحتاج إليه للبرء من المرض [4].


[1] قال في المسالك « ولا يعتبر في النفقة ثبوت الربح ، بل ينفق ولو من أصل المال إن لم يكن ربح وإن قصر المال. نعم لو كان ربح فهي منه مقدمة على حق العامل » ، ونحوه كلام غيره. لكن في الرياض : « مقتضى إطلاق النص والفتوى إنفاقها من الأصل ولو مع حصول الربح ، ولكن ذكر جماعة إنفاقها منه دون الأصل ، وعليه فليقدم على حصة العامل ». وما ذكره الجماعة هو الوجه ، إذ لا يصدق الربح الا بعد استثناء النفقة وغيرها من مئونة التجارة. والظاهر أن ذلك لا إشكال فيه بينهم ، ولذلك قال في الجواهر - بعد حكاية ما في الرياض - : « وهو من غرائب الكلام ».

[2] بلا ريب ، كما في الجواهر. لإطلاق الأدلة.

[3] كما في الجواهر. وكأنه لأن السفر في حال المرض المانع عن العمل ليس للتجارة. وهو غير ظاهر ، ولازمه عدم النفقة مع طروّ المانع عن العمل غير المرض إذا كان في مقام الزوال ، وهو كما ترى.

[4] قال في المسالك : « إن مئونة المرض والموت في السفر سويتان على العامل خاصة ، لأنهما لم يتعلقا بالتجارة ». وهو في محله بالنسبة إلى الموت لانفساخ المضاربة ، لا لعدم تعلقه بالتجارة ، أما بالنسبة إلى المرض فيشكل بأن المرض وإن لم يكن للتجارة لكن السفر لها ، فاذا كانت مئونة المرض


من نفقات السفر كانت على المالك ، كغيرها من شؤون النفقة.

نعم يتم بناء على عدم كونها من النفقة الواجبة لواجب النفقة ، كما هو المصرح به في كلام غير واحد من الأكابر. وكأن وجهه عدم الدليل على وجوب نفقة المرض المزوجة ، فضلا عن غيرها. إذ دليل نفقتها إن كان قوله تعالى ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (1)فمن الواضح اختصاصه بالرزق والكسوة ، ولا يشمل الدواء المشروب ، لانصرافه عنه ، فضلاً عن العلاج بالضماد ونحوه ، وإن كان قوله تعالى : ( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (2)فهو ناظر الى الجهات الأخلاقية لا غيرها وإن كان قوله تعالى ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ) (3)فالظاهر منه الإنفاق على المطلقات ، بقرينة ما قبله من قوله تعالى في سورة الطلاق ( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) (4). ولأجل ذلك لا يكون وارداً في مقام تشريع النفقة للزوجة ، بل في مقام وجود النفقة المشروعة للزوجة على المطلقة ، ولا مجال للتمسك بإطلاقه ، ولا لحمله على المتعارف كما في الجواهر. نعم يتعين ذلك لو كان في مقام تشريع النفقة ، لامتناع كون المراد الإنفاق في الجملة ، كامتناع كون المراد إنفاق كل شي‌ء ، فيتعين الحمل على المتعارف. لكن الظاهر من سياقه أنه ليس في مقام التشريع الأصلي ، وحينئذ لا دليل على وجوب نفقة المرض للزوجة. بل الأصل العدم في كل ما شك في وجوبه لها من أنواع النفقات ، مثل الآت التنظيف والغطاء والفراش وظروف الطعام والشراب وغير ذلك مما لا يدخل


1) البقرة : 233.

2) النساء : 19.

3) الطلاق : 7.

4) الطلاق : 6.


في الطعام والشراب.

ومن ذلك يشكل ما في الجواهر فإنه بعد ما حكى كلمات بعض الأصحاب في تحديد النفقة ، وما فيها من الاختلاف والاضطراب والتشويش ، قال : « إن كان المدار في الإنفاق بذل جميع ما تحتاج اليه المرأة لم يكن لاستثناء الدواء والطبيب والكحل وأجرة الحمام والفصد وجه. وإن كان المدار على خصوص الكسوة والإطعام والمسكن لم يكن لعدّ الفراش والإخدام - وخصوصا ما كان منه للمرض وغير ذلك مما سمعته في الواجب - وجه وإن جعل المدار فيه المعاشرة بالمعروف وإطلاق الإنفاق كان المتجه وجوب الجميع ، بل وغير ما ذكروه من أمور أخر لا حصر لها فالمتجه إحالة جميع ذلك إلى العادة في إنفاق الأزواج على الزوجات من حيث الزوجية ، لا من حيث شدة حب ونحوه .. » وجه الاشكال : أن الأمر بالمعاشرة بالمعروف ليس مما نحن فيه ، والأمر بالإنفاق في الآية الشريفة ليس في مقام تشريع وجوب النفقة للزوجة ، بل في مقام إلحاق المطلقة بها. وإن كان الذي يظهر من بعض الصحاح أنه وارد في الزوجة ، كصحيح ربعي والفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) « في قوله تعالى ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ ) (1)قال (عليه السلام) : إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة ، وإلا فرق بينهما » (2)ونحوه صحيح أبي بصير (3)لكن ظاهره اختصاص النفقة بالإطعام والكسوة ، كالآية الشريفة ، لا يعم غيرهما. اللّهم الا أن يكون جواز التفريق مختصاً بذلك ، لا وجوب النفقة ، وحينئذ يتم ما ذكر في الجواهر من لزوم الرجوع إلى المتعارف في النفقة


1) الطلاق : 65.

2) الوسائل باب : 1 من أبواب النفقات حديث : 1.

3) الوسائل باب : 1 من أبواب النفقات حديث : 12.


بعد تعذر الأخذ بصرف الطبيعة ، كتعذر الأخذ بالعموم. ويعضد ذلك صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً الأب والأم والولد والمملوك والمرأة ، وذلك أنهم عياله لازمون له » (1)وفي خبر ابن الصلت « لأنه يجبر على نفقتهم » (2)والتعليل بأنهم لازمون له بعد أن لم يكن تعبدياً يراد به إما أنهم أغنياء ولا تجوز إعطاء الزكاة لذلك ، واما لأن اللزوم يمنع من تعلق لزوم آخر من جهة الزكاة ، لئلا يلزم التداخل ، فيكون هو المانع من إعطائهم الزكاة. ولو كانت النفقة مختصة بعض الحاجيات دون بعض كان البعض الآخر مورداً للزكاة فلا يحصل التداخل ، كما لا يحصل الغنى. فالتعليل المذكور يكون دليلا واضحاً على وجوب الإنفاق بالنسبة الى جميع الحاجات ، ومنها الدواء وأجرة الطبيب وأجرة الفصد والأواني والظروف اللازمة في الاستعمال وأواني التنظيف وغير ذلك مما يحتاج إليه. وكان الأولى التمسك بالصحيح المذكور على ما ذكر ، لا إهماله والتمسك بالإطلاق المحتاج في دليليته إلى تكلف. هذا كله بالنسبة إلى نفقة الزوجة. وأما نفقة العامل فيما نحن فيه ، فان قلنا بوحدة المراد كانت نفقة المرض مستثناة أيضاً ، وإن لم نقل بأن المقامين من باب واحد أمكن التمسك بإطلاق الدليل في المقام على ذلك ، فإن نفقة المرض من أهم ما يحتاج إليه في معاشه. ولذلك يضعف ما تقدم في المسالك وسبقه إليه في جامع المقاصد والتذكرة وغيرهما ، من دون تعرض منهم لوجهه. وكأنه دعوى انصراف الإطلاق في المقام عنه ، أو لبنائه على ذلك في نفقة الزوجة وكون المقامين من باب واحد. لكن دعوى الانصراف ممنوعة ، كدعوى ذلك في نفقة الزوجة على ما عرفت.


1) الوسائل باب : 13 من أبواب المستحقين الزكاة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 13 من أبواب المستحقين الزكاة حديث : 4.

( مسألة 22 ) : لو حصل الفسخ أو الانفساخ في أثناء السفر فنفقة الرجوع على نفسه [1] ، بخلاف ما إذا بقيت ولم تنفسخ ، فإنها من مال المضاربة.

( مسألة 23 ) : قد عرفت الفرق بين المضاربة والقرض والبضاعة ، وأن في الأول الربح مشترك ، وفي الثاني للعامل ، وفي الثالث للمالك ، فاذا قال : خذ هذا المال مضاربة والربح بتمامه لي ، كان مضاربة فاسدة [2] ، إلا إذا علم أنه قصد


[1] كما صرح بذلك غير واحد ، وظاهر المسالك : أنه لا خلاف فيه بيننا. لارتفاع المضاربة ، فيرتفع حكمها. وعن بعض العامة لزوم النفقة من أصل المال ، لأنه استحقها بالسفر. ولا بأس به لو بني على كون الحكم على القاعدة ، كما يقتضي ذلك ما تقدم عن جامع المقاصد والتذكرة من تعليل الحكم. أما إذا كان المستند النص فالنص غير شامل له. اللّهم إلا أن يقال : النص لا ينفيه ، والقاعدة تقتضيه ، فالعمل بها متعين في خصوص نفقة السفر ، لا نفقة العامل.

[2] قال في الشرائع : « لو قال : خذه قراضا والربح لي ، فسد ، ويمكن أن يجعل بضاعة ، نظراً الى المعنى. وفيه تردد ». وفي القواعد : « لو قال : خذه قراضاً على أن الربح لك ، أولي ، بطل » ، ونحوه في التذكرة وغيرها ، وفي المسالك : أنه المشهور. بل قيل لا نعرف خلافاً صريحاً فيه ، وإنما وقع التردد من بعضهم كالشرائع.

وكيف كان نقول : إن كون الربح مشتركاً بين المالك والعامل داخل في قوام المضاربة فكون الربح كله للمالك مناف له ، ولأجل أن الجمع بين المتنافيين محال فالقصد إليهما معاً محال ، فلا بد في المقام من أحد أمور

الإبضاع ، فيصير بضاعة ، ولا يستحق العامل أجرة [1] ،


عدم قصد الأمرين ، أو قصد الأول دون الثاني ، أو العكس ، فعلى الأول لا يكون معنى إنشائي أصلاً لا صحيح ولا فاسد. وعلى الثاني تكون مضاربة صحيحة ، وعلى الثالث تكون بضاعة أنشئت بلفظ المضاربة ، فتكون صحيحة. وإذا علم أن المتكلم شاعر في مقام الإنشاء فقد انتفى الاحتمال الأول ، وتعين أحد الأخيرين ، وثانيها أولى ، لأن التصرف في لفظ المضاربة بحمله على البضاعة أولى من التصرف في قوله : ولي الربح ، بحمله على ما لا ينافي المضاربة ، فيكون هو المتعين ، ويحمل الكلام على البضاعة وعلى هذا لا مجال للمضاربة ، فيكون هو المتعين ، ويحمل الكلام على البضاعة وعلى هذا لا مجال للمضاربة الفاسدة في مقام الثبوت ، فضلاً عن مقام الإثبات.

هذا كله مع الالتفات. أما مع الغفلة فيمكن القصد الى المتنافيين معاً ، بأن يكون أحدهما مقصوداً إجمالا ، والآخر تفصيلا ، وفي المقام يكون المنشئ قصد قصد المضاربة بمالهما من المعنى إجمالا ، وقصد أن يكون تمام الربح له تفصيلا. فيكون شرطاً منافياً لمقتضى العقد ، فيكون فاسداً فان قلنا بأن الشرط الفاسد مفسد فقد فسد العقد ، وإلا فلا ، ولا وجه للبناء على فساد العقد ممن لا يرى فساده بالشرط العقد ، وإلا فلا ، ولا وجه للبناء على فساد العقد ممن لا يرى فساده بالشرط الفاسد. اللّهم إلا أن يقال القصد الإجمالي إنما يكتفى به في مقام الإنشاء إذ لم يكن قصد تفصيلي على خلافه ، والا فلا يعتد به في حصول الإنشاء ، ويكون العمل على القصد التفصيلي ، فلا مضاربة في المقام لا صحيحة ولا فاسدة ، بل هو بضاعة.

والمتحصل : أنه مع الالتفات التفصيلي ففي مقام الثبوت لا مضاربة لا صحيحة ولا فاسدة ، وفي مقام الإثبات بضاعة ، ومع عدم الالتفات التفصيلي فالواقع إما مضاربة صحيحة أو بضاعة صحيحة ، لا مضاربة فاسدة.

[1] الذي يظهر من كلمات الأصحاب أنه يعتبر في البضاعة كون

إلا مع الشرط أو القرائن الدالة على عدم التبرع ، ومع الشك فيه وفي إرادة الأجرة يستحق الأجرة أيضاً ، لقاعدة احترام عمل المسلم. وإذا قال خذه قراضاً وتمام الربح لك ، فكذلك مضاربة فاسدة [1]. إلا إذا علم أنه أراد القرض. ولو لم يذكر لفظ المضاربة ، بأن قال : خذه واتجر به والربح بتمامه لي ، كان بضاعة [2] ،


الربح للمالك من دون أجرة عليه للعامل. قال في الوسيلة : « وإن دفع اليه ليتجر به له من دون أجرة كان بضاعة » ، ونحوه في غيرها ، وفي الجواهر : « قد عرفت أنها ( يعني : البضاعة ) المال المدفوع ليعمل به على أن الربح لمالكه بلا أجره للعامل ، فهي حينئذ توكيل في التجارة تبرعاً » ولأجل عدم الدليل على هذا المعنى في المقام قيده المصنف بما إذا كانت القرينة على التبرع ، أما إذا كانت على عدم التبرع أو لم تقم على أحد الأمرين ، فاللازم البناء على الأجرة ، لقاعدة الاحترام ، كما ذكر المصنف ، أو لقاعدة الاستيفاء كما هو التحقيق. وحكى في الرياض عن التنقيح : نحو ذلك ، واختاره ، ثمَّ قال : « وينبغي تنزيل كلمات الأصحاب عليه ». ثمَّ إن عبارة المتن لا تخلو من اشكال ، وكان الاولى التعبير بقوله : ويستحق العامل الأجرة ، إلا أن تكون قرينة على التبرع بدل ما ذكر من العبارة.

[1] كما في القواعد ، وكذا في غيرها ، وفي التذكرة : « ولو قال : قارضتك على أن يكون جميع الربح لك ، فسد القراض أيضاً عندنا » وظاهره الإجماع على الفساد ، لكن يشكل ما ذكره بما عرفت في الفرض السابق ، إذ الكلام في المقامين من باب واحد.

[2] قال في الشرائع : « أما لو قال خذه فاتجر به والربح لي ،

إلا مع العلم بإرادة المضاربة ، فتكون فاسدة [1]. ولو قال : خذه واتجر به والربح لك بتمامه ، فهو قرض [2] ، إلا مع العلم بإرادة


كان بضاعة. ولو قال : والربح لك كان قرضاً » ، ونحوه ما في القواعد ، وحكي عن كثير من كتب الأصحاب ويظهر منهم عدم الخلاف فيه. ولكنه يشكل إذا أريد عدم استحقاق العامل الأجرة - كما هو معنى البضاعة على ما عرفت - وذلك لعدم القرينة على المجانية ، ومقتضى استيفاء عمل المسلم ضمانه.

[1] قد عرفت إشكاله ، وأنه على تقدير إرادة المضاربة يكون شرط خلافها مخالفاً لمقتضى العقد ، فيكون فاسداً ، لكنه غير مفسد ، على ما هو التحقيق ، بل على تقدير قصد المضاربة تفصيلا يمتنع القصد إلى معنى قوله والربح لي ، فلا شرط حينئذ ، كي يكون منافياً لمقتضى العقد ، وفاسداً.

[2] كما سبق في الشرائع والقواعد وغيرهما ، وظاهرهم التسالم عليه. ويشكل - كما عن مجمع البرهان - بأن القرض تمليك بعوض ، وهو غير مفروض في كلام المالك ، ولا مقصود له. وقد ينزل كلامهم - كما في الرياض - على إرادة أن اشتراط تمام الربح للعامل من أحكام القرض ، لا أنه قرض فعلا. ولكنه بعيد جداً. كما أنه استدل على تحقق القرض بذلك بما ورد في المعتبرة المستفيضة التي فيها الصحيح والموثق : « من ضمن تاجراً فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شي‌ء » (1)، لظهورها في أنه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضاً. وفيه : أنه لا تضمين في المقام ، ولو فرض فلا دلالة في النصوص المذكورة على حصول القرض ، بل ظاهرها أنها من قبيل ما روي مرسلا من قول


1) الوسائل باب : 4 من كتاب المضاربة.

المضاربة ، ففاسد. ومع الفساد في الصور المذكورة يكون تمام الربح للمالك [1] ، وللعامل أجرة عمله [2] ، إلا مع علمه بالفساد [3]

( مسألة 24 ) : لو اختلف العامل والمالك في أنها مضاربة فاسدة أو قرض ، أو مضاربة فاسدة أو بضاعة ، ولم يكن هناك ظهور لفظي [4] ولا قرينة معينة ،


النبي (صلی اللّه عليه وآله) : « الخراج بالضمان » (1)الذي لم يكن بناء الأصحاب على العمل به. ولذا أفتوا بضمان المنافع المستوفاة للمقبوض بالعقد الفاسد ، كما دلت عليه بعض الصحاح.

[1] لأن الربح تابع للمال. لكن هذا مع إجازة المالك وإلا فله عين ماله مع وجوده ، أو بدله مع فقده. ولا ربح حينئذ ، ففرض وجود الربح مبني على ثبوت الإجازة أو استفادة الاذن ، وسيأتي التعرض لذلك في المسألة الثامنة والأربعين.

[2] للاستيفاء.

[3] لإقدامه على العمل بدون استحقاق ، فيكون بمنزلة التبرع. وفيه : أن العلم بعدم الاستحقاق شرعاً لا يقتضي التبرع ، ضرورة أن فعله كان بقصد الربح ولو بغير استحقاق ، وهذا المقدار كاف في الاستحقاق.

[4] تبع في ذلك الجواهر حيث حكى عن المسالك : أنه إذا اختلفا في القصد المبطل احتمل تقدم قول المالك لأنه أعرف بنيته ، والعامل نظراً إلى ظاهر اللفظ وترجيحاً للصحة ، ثمَّ قال : « لا يخفى عليك عدم إتيان الوجهين بعد تسليم كون ظاهر اللفظ في ذلك ، ضرورة عدم وجه لمن يدعي خلاف الظاهر بلا قرينة وإلا لزم من ذلك فساد كثير » وفيه : أن دعوى خلاف ظاهر اللفظ كدعوى خلاف ظاهر اليد وغيرها من


1) تقدم التعرض لسند الحديث ومتنه في المسألة الرابعة.

فمقتضى القاعدة التحالف [1].


الحجج في أن صاحبها مدع وخصمه منكر ، ولا فرق بين الحجج في ذلك ، وكذلك من يدعي خلاف مقتضى القرينة تسمع دعواه ، وعليه الإثبات. ولعل مراد المصنف أن ذلك شرط في التحالف. ومع الظهور اللفظي أو القرينة يكون المورد من موارد المدعي ، والمنكر. لا أنه لا تسمع دعوى الخلاف.

[1] لأن كلا منهما يدعي أمراً خلاف الأصل. هذا بناءً على أن المعيار في المدعي والمنكر مصب الدعوى ، أما إذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى - كما هو التحقيق ، وأشرنا إليه في كتاب الإجارة - فيختلف ذلك باختلاف المقامات ، فاذا ادعى العامل القرض وادعى المالك المضاربة الفاسدة ، وكانت دعوى العامل القرض راجعة إلى دعوى استحقاق الربح وحده ، ودعوى المالك المضاربة الفاسدة راجعة إلى دعوى نفي القرض وبقاء المال على ملكه ليكون ربحه له ، كانت دعوى المالك على وفق الأصل ودعوى العامل على خلاف الأصل. وإذا لم يكن ربح للمال فادعى العامل المضاربة الفاسدة ليكون له على المالك أجرة العمل ، وادعى المالك القرض ليتخلص من الأجرة كانت دعوى المالك موافقة لأصالة براءة ذمته من الأجرة ، ودعوى العامل المضاربة الفاسدة خلاف الأصل ، فيكون منكراً. وأصالة عدم القرض لما لم تثبت الأجرة لم تكن جارية في المقام لعدم ترتب الأثر على مجراها ، ففي الفرض الأول يكون مدعي القرض مدعياً ، وفي هذا الفرض يكون منكراً. وإذا ادعى المالك البضاعة وادعى العامل المضاربة الفاسدة فقد اتفقا على كون الربح للمالك ، ويكون الخصام بينهما في أن العامل يستحق على المالك الأجرة أولا ، فالمالك يدعي أنها بضاعة تبتني على المجانية - كما عرفت - والعامل يدعي المضاربة الفاسدة الموجبة لاستحقاق الأجرة ، فاستيفاء عمل العامل الموجب للضمان حاصل على

وقد يقال : بتقديم قول من يدعي الصحة [1]. وهو مشكل ، إذ مورد الحمل على الصحة [2] ما إذا علم أنهما أوقعا معاملة معينة واختلفا في صحتها وفسادها ، لا مثل المقام ، الذي يكون الأمر دائراً بين معاملتين على إحداهما صحيح وعلى الأخرى باطل ، نظير ما إذا اختلفا في أنهما أوقعا البيع الصحيح أو الإجارة الفاسدة مثلا. وفي مثل هذا مقتضى القاعدة التحالف [3] وأصالة الصحة لا تثبت كونه بيعاً مثلا لا إجارة ، أو بضاعة صحيحة مثلا لا مضاربة فاسدة.

( مسألة 25 ) : إذا قال المالك للعامل : خذ هذا المال قراضاً والربح بيننا صح [4]. ولكل منهما النصف ، وإذا قال : ونصف الربح لك ، فكذلك [5] ، بل وكذا لو قال : ونصف الربح لي ، فإن الظاهر أن النصف الآخر للعامل. ولكن فرّق بعضهم [6] بين العبارتين ، وحكم بالصحة في الأولى ، لأنه


كل حال ، ويدعي المالك التبرع وينكر العامل ذلك.

[1] كما في المسالك.

[2] كما قرره في الجواهر :

[3] قد عرفت إشكاله ، وأن مدعي الإجارة الفاسدة إنما يقصد إنكار البيع الصحيح ، والإجارة الفاسدة ليست موضع غرض له.

[4] كما في الشرائع وغيره ، وظاهر المسالك : الاتفاق عليه عندنا وعند غيرنا إلا بعض الشافعية. والوجه فيه ظهور الكلام في التنصيف ، وما عن بعض الشافعية من منع ذلك ممنوع عليه.

[5] بلا خلاف.

[6] كالمحقق في الشرائع. ووجه الفرق ما في المتن ، كما قرره في المسالك.

صرح فيها بكون النصف للعامل والنصف الآخر يبقى له ، على قاعدة التبعية ، بخلاف العبارة الثانية ، فإن كون النصف للمالك لا ينافي كون الآخر له أيضاً ، على قاعدة التبعية ، فلا دلالة فيها على كون النصف الآخر للعامل. وأنت خبير بأن المفهوم من العبارة عرفا كون النصف الآخر للعامل [1].

( مسألة 26 ) : لا فرق [2] بين أن يقول : خذ هذا المال قراضا ولك نصف ربحه ، أو قال : خذه قراضا ولك ربح نصفه ، في الصحة والاشتراك في الربح بالمناصفة. وربما يقال : بالبطلان في الثاني [3] ، بدعوى : أن مقتضاه كون ربح النصف الآخر بتمامه للمالك ، وقد يربح النصف فيختص به أحدهما ، أو يربح أكثر من النصف ، فلا يكون الحصة معلومة وأيضا قد لا يعامل إلا في النصف. وفيه : أن المراد ربح نصف ما عومل به وربح ، فلا إشكال.


[1] كما في الجواهر ، بل قال : « هو واضح ». وهو كما قال. لكن منعه في المسالك ، لعدم استقرار العرف على ذلك ، ثمَّ قال : « والأجود البطلان » وفي القواعد : « بطل على إشكال ».

[2] كما في الشرائع والقواعد ، وفي المسالك : « المشهور صحة القراض في الصورتين ، وأنه لا فرق بينهما من حيث المعنى ».

[3] نسبه في المسالك الى الشيخ في أحد قوليه ، وعلله بما ذكر ، ومحصله إشكالان ( الأول ) : أن شرط القراض الاشتراك في كل جزء من الربح وفي الفرض لا اشتراك ، لأن ربح أحد النصفين للعامل ، وربح النصف الآخر للمالك وأيضاً قد لا يعامل إلا بالنصف ، فيكون ربحه

( مسألة 27 ) : يجوز اتحاد المالك وتعدد العامل [1] ،


لأحدهما بعينه بلا اشتراك بينهما ( الثاني ) : جهالة النسبة إذ ربما يكون ربح النصف الآخر أقل ، وربما يكون أكثر ، فالنسبة بين الحصتين مجهولة. وأيضاً إذا كان ربح أحد النصفين للعامل وربح الباقي للمالك ، فربما يكون ربح الباقي ربح بعض النصف ، وربما يكون ربح تمامه ، فيكون مقداره مجهولاً أيضاً. وحمله في الجواهر على صورة تعين النصف المضاف اليه ربح العامل فإنه الذي يصح معه الدليل ، وهو غير ما نحن فيه. ولذا ذكر في المسالك : أنه أجيب عنه بأن الإشارة ليست إلى نصف معين ، بل الى مبهم ، فاذا ربح أحد النصفين فذلك الذي ربح هو المال. والذي لم يربح لا اعتداد به انتهى. ولأجل أن أخذ النصف مبهماً لا يكفي في رفع الإشكال ، لأن العمل إذا كان بالنصف وقد ربح ، فذلك النصف إما أن ينطبق عليه نصف المال ، وإما أن لا ينطبق ، فان انطبق كان ربحه للعامل أو للمالك بلا معين وان لم ينطبق لم يكن لأحدهما ، وكل ذلك كما ترى ، ألحقه بقوله : « فاذا ربح أحد .. » يريد أن النصف المبهم لا ينطبق على تمام النصف المذكور ، بل ينطبق على نصفه ، كما ينطبق النصف الثّاني على نصفه الثاني ، لأن ذلك النصف المعمول به هو المال ذو النصفين ، ولا اعتداد بالنصف الذي لم يعمل به. ولكنه كما ترى فان المراد من المال تمامه ، فالنصف المعمول به نصفه لا كله. فالمتعين في دفع الاشكال أن يقال : إن ربح النصف ربح لتمام المال ، ولذا يقسم بين العامل والمالك في العبارة الأخرى وهي ما إذا قال : خذ هذا المال ولك نصف ربحه ، فاذا صدق أنه ربح لتمام المال فقد صدق أن نصفه ربح لنصف المال ، فيكون للعامل ، والنصف الآخر للمالك.

[1] قال في القواعد : « يجوز تعددهما ، واتحادهما ، وتعدد أحدهما

مع اتحاد المال ، أو تميز مال كل من العاملين ، فلو قال : ضاربتكما ولكما نصف الربح ، صح ، وكانا فيه سواء. ولو فضل أحدهما على الآخر صح أيضاً [1] وإن كانا في العمل سواء ، فان غايته اشتراط حصته قليلة لصاحب العمل الكثير وهذا لا بأس به [2] ويكون العقد الواحد بمنزلة عقدين مع اثنين ، ويكون كما لو قارض أحدهما في نصف المال بنصف وقارض الآخر في النصف الآخر بربع الربح ، ولا مانع منه [3] وكذا يجوز تعدد المالك واتحاد العامل : بأن كان المال مشتركاً بين اثنين ، فقارضا واحداً بعقد واحد بالنصف مثلا متساوياً بينهما ، أو بالاختلاف : بأن يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الآخر بالثلث أو الربع مثلا. وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال : بأن يكون مال كل منهما ممتازاً ، وقارضاً واحداً مع الإذن في الخلط ، مع التساوي في حصة العامل بينهما ، أو الاختلاف : بأن يكون في مال أحدهما بالنصف وفي مال الآخر بالثلث أو الربع.

( مسألة 28 ) : إذا كان مال مشتركاً بين اثنين ، فقارضا واحداً ، واشترطا له نصف الربح ، وتفاضلا في


خاصة ». والظاهر أنه لا اشكال ولا خلاف في جميع ذلك ، فقد ذكر في كثير من الكتب ، من دون تعرض لخلاف أو تردد. ويقتضيه إطلاق الأدلة.

[1] وفي المسالك : أنه صحيح عندنا.

[2] عملاً بالعمومات.

[3] وفي المسالك : أن ذلك جائز اتفاقاً.

النصف الآخر : بأن جعل لأحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في ذلك المال ، أو تساويا فيه مع تفاوتهما فيه ، فان كان من قصدهما كون ذلك للنقص على العامل بالنسبة إلى صاحب الزيادة : بأن يكون كأنه اشترط على العامل في العمل بماله أقل مما شرطه الآخر له ، كأن اشترط هو للعامل ثلث ربح حصته ، وشرط له صاحب النقيصة ثلثي ربح حصته مثلا مع تساويهما في المال ، فهو صحيح لجواز اختلاف الشريكين في مقدار الربح المشترط للعامل [1]. وإن لم يكن النقص راجعاً الى العامل ، بل على الشريك الآخر : بأن يكون المجعول للعامل بالنسبة إليهما سواء ، لكن اختلفا في حصتهما ، بأن لا يكون على حسب شركتهما ، فقد يقال فيه بالبطلان [2] ، لاستلزامه زيادة لأحدهما على الآخر مع تساوي المالين أو تساويهما مع التفاوت في المالين ، بلا عمل من صاحب الزيادة ، لأن المفروض كون العامل غيرهما ، ولا يجوز ذلك في الشركة والأقوى الصحة [3]


[1] هذا التعليل أشبه بالمصادرة ، واللازم التعليل بإطلاق الأدلة ، وعموم المرتكزات العرفية ، ولا يحتاج الى تعدد عقد المضاربة مع كل من الشريكين ، لانحلال العقد الواحد الصادر من الشريكين الى عقدين ، لامتناع قيام العقد الواحد بالاثنين ، كيف وكل من الشريكين له ولاية على حصته دون حصة شريكه ، وكل من العقدين المنضمين بمنزلة العقد المستقل ، فكأن أحد الشريكين قال للعامل : اتجر بحصتي ولك النصف ، وقال الآخر له : اتجر بحصتي ولك الثلث.

[2] حكي البطلان عن المبسوط وجامع الشرائع ، وتوقف فيه في التحرير.

[3] في بعض الحواشي أن الصحة تتوقف على إيقاع عقد الشركة


بين الشريكين على الشرط المذكور من التساوي أو التفاضل. ووجهه : أن المالكين هما موضوعا هذا الاشتراط ، أحدهما مشروط له ، والآخر مشروط عليه ، ولا يرتبط ذلك بالعامل كي يكون الشرط المذكور في عقد المضاربة الذي أحد أركانه العامل. نعم بناء على ما تقدم ، من جواز شرط حصته من الربح للأجنبي ، يصح الاشتراط في عقد المضاربة إذ مرجعه إلى أن العامل يشترط على أحد المالكين أن يكون مقدار من حصته للمالك الآخر بل لو قلنا بعدم صحة الشرط للأجنبي ، لأنه على خلاف قوله (عليه السلام) « الربح بينهما » (1)أمكن القول بالصحة هنا ، لعدم منافاته لذلك ، لأن الحصة المشروطة ليست للأجنبي ، بل لأحد المالكين. وبالجملة : يكفي في صحة الشرط من العامل أن يكون محطّ غرضه في الجملة وإن كانت فائدة الشرط راجعة لغيره ، فاذا عرف العامل أن أحد المالكين لا يحضر لإجراء المضاربة إلا إذا كانت حصته أكثر من حصة شريكه صح للعامل أن يشترط في عقد المضاربة ذلك على الشريك الآخر ، بل له أن يشترط على أحد الشريكين شروطاً تعود فائدتها إلى الشريك الثاني لا غير إذا كان لا يقبل المضاربة إلا بذلك ، فاذا قال : لا أضارب بمالي إلا إذا زوجني الشريك جاريته فحينئذ يصح للعامل الذي يريد المضاربة أن يشترط على أحد الشريكين أن يزوج جاريته شريكه الآخر ، كي يتمكن من المضاربة بالمال ، ولا يجوز أن نقول إن هذا الشرط قائم بين الشريكين ولا دخل للعامل فيه. وبالجملة : لا يعتبر في صحة الشرط أن تكون فائدة الشرط راجعة إلى المشترط ، بل يكفي أن يكون له غرض في الشرط وإن كانت فائدته ترجع الى غيره. بل يصح للعامل أن يشترط على المالك في عقد المضاربة أن يزوج ابنته من أخ العامل أو ولده بما لا يتعلق بالربح أصلاً ،


1) الوسائل باب : 3 من أبواب المضاربة حديث : 5. وقد تقدم في صفحة : 276.

لمنع عدم جواز الزيادة لأحد الشريكين بلا مقابلتها لعمل منه [1] ، فإن الأقوى جواز ذلك بالشرط ، ونمنع كونه خلاف مقتضى الشركة ، بل هو خلاف مقتضى إطلاقها.


كما يقتضيه عموم الأدلة.

[1] يشير بذلك الى وجه المنع منه ، يعني : أنه قد يتوهم أن اشتراط التفاضل خلاف مقتضى الشركة ، فيكون الشرط مخالفاً للكتاب ، وحاصل الجواب : أن ذلك ليس مخالفاً لمقتضى الشركة ، وانما هو مخالف لمقتضى إطلاقها ، وهو حاصل في كل شرط يذكر في العقد ، إذ لولاه يكون الحكم على خلاف مقتضى الشرط. ولا يقدح في صحته ، والا لم يصح الشرط دائماً. وتوضيح ذلك : أن الشرط المخالف للكتاب يراد به ما يكون مخالفاً للحكم الاقتضائي الشرعي على ما هو التحقيق وكون المقام منه ممنوع كما يدل عليه ما تضمن مشروعية المضاربة إذ لا يخطر (1)في البال أن جعل حصة من الربح للعامل مخالف للكتاب ، فإنه خلاف مقتضى الارتكازات الشرعية ، فيدل على أن تبعية الربح للمال من باب وجود المرجح للتبعية مع عدم المقتضي للخلاف ، وحينئذ لا مانع من اشتراط التفاضل ، لا في عقد الشركة ، ولا في غيره من العقود ، فيصح أن يشترط في البيع التفاضل في النماء للمال المشترك ، كما يصح أن يشترط ذلك في المضاربة ، ولا مانع منه ، مع أن الشك في كون الشرط مخالفاً للكتاب أو لا موجب للرجوع إلى أصالة عدم المخالفة ، على ما هو التحقيق من جريان الأصل في العدم الأزلي ، كما أشرنا إلى ذلك في حاشية المكاسب.


1) سيأتي في كتاب الشركة بيان وجه الفرق بين جعل حصة من الربح العامل وجعل التفاضل وأن التحقيق عدم جواز اشتراط التفاضل في عقد الشركة ولا في المقام. ( منه قدس سره ).

مع أنه يمكن أن يدعى الفرق بين الشركة والمضاربة [1] وإن كانت متضمنة الشركة.

( مسألة 29 ) : تبطل المضاربة بموت كل من العامل والمالك [2] ، أما الأول : فلاختصاص الإذن به [3] ، وأما


[1] يعني : لو سلم أنه خلاف مقتضى الشركة أمكن البناء عليه ، عملاً بدليل صحة المضاربة المتضمنة ثبوت حصة للعامل ، فان ذلك خلاف مقتضى الشركة الذي هو تبعية الربح للمال ، لكن قام الدليل عليه ، فوجب البناء عليه ، كما أشرنا إلى ذلك.

والمتحصل مما ذكر أمور : ( الأول ) : الإشكال بأن تفاضل المالكين الشريكين في الربح قائم بهما ، لا بالعامل ، فلا يصح ذكره شرطاً في المضاربة. ( الثاني ) : اندفاعه بأنه يمكن أن يكون محط غرض العامل ، فيكون متعلقاً به ، فيصح اشتراطه. ( الثالث ) : أن تفاضل الشريكين في الربح لا ينافي مقتضى العقد ، وإنما ينافي إطلاقه ، فيصح اشتراطه في الشركة وفي غيرها من العقود. ( الرابع ) : أنه لو سلم أنه مناف لمقتضى العقد جاز البناء عليه للدليل على صحة المضاربة. اللّهم إلا أن يقال : لا إطلاق لدليل صحة المضاربة يشمل ذلك ، لخروجه عن مفهومها ، وإنما هو داخل في عموم صحة الشروط. فاذا خصص ذلك العموم بالشرط المخالف لمقتضى العقد ، تعين في المقام الرجوع إلى المخصص ، لا إلى العموم.

[2] قال في الشرائع : « وبموت كل واحد منهما تبطل المضاربة ، لأنها في المعنى وكالة » ، ونحوه في كثير من الكتب ، ويظهر منهم أن ذلك من المسلمات ، فان ذلك حكم العقود الجائزة ، ومنها المضاربة.

[3] فيكون الوارث كسائر الناس ، لا يجوز أن يتصرف بغير إذن المالك ، وليس ذلك من الحقوق ، حتى يكون موروثاً للوارث.

الثاني : فلانتقال المال بموته إلى وارثه ، فابقاؤها يحتاج إلى عقد جديد [1] بشرائطه ، فإن كان المال نقداً صح [2] ، وإن كان عروضاً فلا ، لما عرفت من عدم جواز المضاربة على غير النقدين. وهل يجوز لوارث المالك إجازة العقد بعد موته ، قد يقال بعدم الجواز [3] ، لعدم علقة له بالمال حال العقد بوجه من الوجوه [4] ، ليكون واقعاً على ماله أو متعلق حقه. وهذا بخلاف إجارة البطن السابق في الوقف أزيد من مدة حياته ، فان البطن اللاحق يجوز له الإجازة ، لأن له حقاً بحسب جعل الواقف. وأما في المقام فليس للوارث حق حال حياة المورث أصلاً ، وإنما ينتقل إليه المال حال موته. وبخلاف إجازة الوارث لما زاد من الثلث في الوصية ، وفي المنجز حال


[1] يعني : بين العامل والمالك الجديد.

[2] يعني : بعقد جديد.

[3] قال في الشرائع : « ولو مات رب المال والمال متاع ، فأقره الوارث ، لم يصح ، لأن الأول بطل ، ولا يصح ابتداء القراض بالعروض » وظاهر التعليل أن المراد من إقراره بعد الموت إبقاؤه ، وهذا بعد الموت متعذر للبطلان ، وكذلك تجديده ، لأن في المال عروض. والمصنف رحمه اللّه حرر المسألة بعنوان الإجازة ، وذكر في الجواهر : أن المقام ليس من الفضولي ، إذ لا علقة للوارث بالمال حال العقد بوجه من الوجوه .. إلى آخر ما ذكر في المتن في تقريب عدم الجواز.

[4] الإجازة لا تصح الا بشرطين ( الأول ) : أن يكون العقد المجاز صادراً من غير الولي عليه ، فلا يصح منه إلا بالإجازة. ( الثاني ) :

المرض - على القول بالثلث فيه - فان له حقاً فيما زاد ، فلذا يصح إجازته ، ونظير المقام اجارة الشخص ماله مدة مات في أثنائها ، على القول بالبطلان بموته ، فإنه لا يجوز للوارث إجازتها. لكن يمكن أن يقال : يكفي في صحة الإجازة كون المال في معرض الانتقال اليه وإن لم يكن له علقة به حال العقد ، فكونه سيصير له كاف ومرجع إجازته حينئذ إلى إبقاء ما فعله المورث ، لا قبوله ، ولا تنفيذه ، فإن الإجازة أقسام ، قد تكون قبولا لما فعله الغير ، كما في إجازة بيع ماله فضولا ، وقد تكون راجعاً إلى إسقاط حق ، كما في اجازة المرتهن لبيع الراهن ، واجازة الوارث لما زاد عن الثلث. وقد تكون إبقاء لما فعله المالك [1] ، كما في المقام.


أن يكون للمجيز ولاية على العقد ، فاذا انتفى ذلك لم تصح الإجازة. وهذان الشرطان موجودان في الأمثلة المذكورة في الجواهر وفي المتن ، أما فيما نحن فيه فمفقودان معاً ، إذ العقد الواقع من المالك صادر من الولي عليه فيصح ، ولا معنى لإجازته والإجازة الصادرة من الوارث - سواء كانت صادرة منه حال حياة الموروث ، أم بعد وفاته - صادرة ممن لا ولاية له على العقد. نعم إذا كانت صادرة منه بعد وفاة الموروث فهي ممن له ولاية على تجديد العقد لا على العقد نفسه ، فلا معنى لتعلقها بالعقد.

[1] قد عرفت أن العقد الواقع لا قصور فيه ، فهو نافذ بلا إجازة والإجازة الصادرة من الوارث ليست ممن له ولاية على العقد ، ولا أدنى تعلق له به ، والإبقاء - مع أنه ليس مجعولاً ، لأن بقاء العقد بنفسه ، لا بجعل جاعل - متعذر ، لأن المفروض بطلانه ، فكيف يمكن إبقاؤه؟! مع أنه

( مسألة 30 ) : لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلا في عمله ، أو يستأجر أجيراً إلا بإذن المالك. نعم لا بأس بالتوكيل


غير مقصود للمجيز. نعم يمكن تجديده للوارث ، وهذا شي‌ء آخر غير إجازة العقد ، ويختص بصورة ما إذا كان المال نقداً لا عروضاً.

والمتحصل في الاشكال : إنه إن أريد إجازة العقد بلحاظ الحدوث كما في إجازة الفضولي - فالعقد لا قصور فيه من هذه الجهة ، كي يحتاج إلى الإجازة ، والإجازة صادرة ممن لا تعلق له بالعقد. وإن أريد إجازته بلحاظ البقاء ، فالبقاء ليس مقصوداً للمجيز ، ولا مما يقبل الجعل ، وفي المقام متعذر ، لفرض البطلان ، كما ذكر في الشرائع. وان أريد من الإبقاء التجديد اختص ذلك بما إذا كان المال نقداً ، ولا يصح إذا كان عروضاً كما ذكر أيضاً في الشرائع.

ولعل مراد المصنف الاشكال على الشرائع : بأن الإقرار إنما يمتنع إذا ثبت البطلان ، وهو ممنوع ، إذ يختص البطلان بما إذا لم يقره الوارث أما إذا أقره فلا بطلان. كما أنه يمكن دفع الإشكال : بأن البقاء لا يحتاج الى جعل بأن ذلك مسلم إذا لم يكن موجب للبطلان ، كما في المقام ، أما معه فيصح جعل البقاء ، ويكون مستنداً الى الجعل لا لنفسه. ولكن عبارة المصنف بعيدة عن ذلك ، وفيها تهافت ، فإن الإجازة بمعنى الإبقاء صادرة من الوارث المالك ، وقد ذكر أنها صادرة ممن سيصير له علقة ، فكأن موضوع كلامه الإجازة من الوارث حال حياة الموروث لا بعد وفاته.

والتحقيق : أن المالك ركن في عقد المضاربة كالعامل ، فاذا مات أحدهما بطل العقد ضرورة ، كما في موت أحد الزوجين ، فلا يمكن جعل إبقائه أبداً ، كما ذكر المحقق رحمه اللّه ، فلا يمكن إبقاء العقد ، لا بالإجازة ولا بالإبقاء ، ولا بغير ذلك. نعم يمكن إيقاع عقد المضاربة بين الوارث

أو الاستيجار في بعض المقدمات ، على ما هو المتعارف [1]. وأما الإيكال إلى الغير وكالة أو استئجاراً في أصل التجارة ، فلا يجوز من دون إذن المالك ، ومعه لا مانع منه. كما أنه لا يجوز له أن يضارب غيره إلا بإذن المالك.

( مسألة 31 ) : إذا أذن في مضاربة الغير فإما أن يكون بجعل العامل الثاني عاملا للمالك ، أو بجعله شريكاً معه في العمل والحصة ، وإما بجعله عاملا لنفسه. أما الأول فلا مانع منه وتنفسخ مضاربة نفسه على الأقوى [2]. واحتمال بقائها مع ذلك [3] ، لعدم المنافاة ، كما ترى. ويكون الربح مشتركاً بين


والعامل إذا اجتمعت الشرائط.

[1] كأن الفرق بين المقامين أن المنصرف من المضاربة استعمال العامل في التجارة مباشرة ، فإيكال التجارة إلى غيره خلاف الظاهر يحتاج إلى إذن بالخصوص ، بخلاف المقدمات ، فإنه ليس في عنوان المضاربة ما يقتضي المباشرة فيها ، فإطلاقها يقتضي الإذن إلا إذا كانت قرينة على الخلاف. والحكم في الجميع وجوب أن يكون العمل بإذن المالك ، المستفادة من الإطلاق ، أو من صريح الخطاب ، أو من العادة ، أو غير ذلك من القرائن ، فإذا لم تعلم لم يجز التصرف.

[2] كما هو ظاهر المسالك.

[3] بل جزم به في الجواهر ، لعدم ما يدل على اعتبار خلو المال عن وقوع عقد قراض عليه في صحة الثاني. انتهى. وكأنه اعتبر المضاربة نوعاً من الوكالة ، ولا مانع من توكيل وكيلين على عمل واحد ، لعدم التنافي في ذلك. لكن الظاهر عرفاً من المضاربة أنها استعمال للعامل وهو

المالك والعامل الثاني ، وليس للأول شي‌ء [1] ، إلا إذا كان بعد أن عمل عملا وحصل ربح ، فيستحق حصته [2] من ذلك وليس له أن يشترط على العامل الثاني شيئاً من الربح [3] بعد أن لم يكن له عمل بعد المضاربة الثانية. بل لو جعل الحصة للعامل في المضاربة الثانية أقل مما اشترط له في الأولى ، كأن يكون في الأولى بالنصف ، وجعله ثلثاً في الثانية لا يستحق تلك الزيادة [4] ، بل ترجع الى المالك. وربما يحتمل جواز اشتراط شي‌ء من الربح ، أو كون الزيادة له [5] ، بدعوى أن هذا المقدار - وهو إيقاع عقد المضاربة ثمَّ جعلها للغير -


لا يقبل التعدد ، نظير الاستيجار على العمل لكن لو سلم فذلك يمنع من تعدد العامل بالنسبة إلى العمل الواحد ، لا بالنسبة إلى العملين ، فاذا عمل الأول وربح كان له سهم من الربح ، وإذا عمل الثاني أيضاً فربح كان له سهم ، كما صرح بذلك في الجواهر. والأولى أن يقال : انه إذا كان العامل قد انتزع نفسه من المضاربة ، انفسخت بالنسبة اليه ، واختص بها الثاني. وإن كان لم ينتزع نفسه ، كان كل منهما عاملا ، واختص كل واحد منهما بحصته من الربح في عمله.

[1] إذ المفروض أن الربح مشترك بين المالك والعامل ، وهو غيرهما.

[2] كما هو مقتضى المضاربة معه.

[3] الا بناءً على جواز اشتراط حصة من الربح للأجنبي ، وقد تقدم.

[4] لأنها للمالك حسب المجعول في المضاربة الثانية ، فلا تكون كلها أو بعضها لغيره.

[5] هذا الاحتمال احتمله في الجواهر ، معللا له بما ذكر.

نوع من العمل ، يكفي في جواز جعل حصة من الربح له. وفيه : أنه وكالة ، لا مضاربة [1]. والثاني أيضاً لا مانع منه ، وتكون الحصة المجعولة له في المضاربة الأولى مشتركة بينه وبين العامل الثاني ، على حسب قرارهما. وأما الثالث فلا


[1] قد يكون التوكيل من شؤون المضاربة - كما تقدم في المسألة الثلاثين - فيستحق عليه العامل حصة من الربح. فالعمدة : أن العمل الذي يجعل الحصة له في المضاربة الثانية ما يكون حاصلا من العامل في المضاربة الثانية بعد حصولها ، والعمل المذكور حاصل قبلها من غير العامل فيها ، بل من العامل في المضاربة الاولى وحينئذ إذا كان موجباً لاستحقاق شي‌ء لصدوره لا بعنوان التبرع ، فهو على المالك ، لا حصة في ربح المضاربة الثانية ، لعدم كونه عاملا فيها. بل إذا فرض أن عمل المضاربة الأولى كان بذلك استحق حصة من الربح الحاصل من ذلك العمل ولو بتوسط المضاربة الثانية التي هي في ضمن المضاربة الأولى. ومن ذلك يظهر أن القسم الأول له صورتان : ( الأولى ) أن تكون المضاربة الثانية أجنبية عن الاولى ، تبطلها أو لا تبطلها ، على الخلاف المتقدم بين المصنف والجواهر. ( الثانية ) : أن تكون المضاربة الثانية في ضمن الاولى ومن شؤونها فتكون الثانية من قبيل الجعالة التي تكون في ضمن الاولى ، وحصة المالك فيها راجعة إلى ربح المضاربة الأولى فتنقسم بين المالك والعامل الأول. وبالجملة : قد تكون المضاربة الثانية أجنبية عن الأولى تنافيها أو لا تنافيها ، وقد تكون في طولها ومن شؤونها فارباح الثانية بعد إخراج حصة العامل تكون من أرباح الأولى ، فتكون حصة منها للعامل ، والباقي للمالك ، وقد كان المناسب للمصنف التعرض لهذا القسم ، فتكون الأقسام أربعة.

يصح من دون أن يكون له عمل مع العامل الثاني [1] ، ومعه يرجع الى التشريك.

( مسألة 32 ) : إذا ضارب العامل غيره مع عدم الإذن من المالك ، فإن أجاز المالك ذلك كان الحكم كما في الإذن السابق في الصور المتقدمة ، فيلحق كلاً حكمه [2] ، وان لم يجز بطلت المضاربة الثانية [3]. وحينئذ فإن كان العامل الثاني عمل وحصل الربح [4] فما قرر للمالك في المضاربة الأولى فله [5] وأما ما قرر للعامل فهل هو أيضاً له [6] أو للعامل الأول ، أو مشترك بين العاملين؟ وجوه وأقوال [7] ، أقواها الأول ،


[1] من المعلوم أن العامل في المضاربة من يكون عاملا للمالك في ماله ، والعامل لغير المالك خارج عنه ، سواء كان له عمل أم لم يكن. إلا أن يكون المراد منه ما لا يتنافى مع كونه عاملا للمالك ، ويكون الاختلاف بمجرد التعبير.

[2] إذ لا فرق بين الإجازة اللاحقة والاذن السابقة في الأحكام.

[3] لصدورها من غير الولي ، بلا إذن ، ولا إجازة من الولي.

[4] يعني بإجازة المالك لشراء العامل الثاني ، إذ مع عدم الإجازة لا تصح المعاملة ، فلا ربح وسيأتي التصريح بذلك من المصنف. وإطلاق كلامه هنا كإطلاق كلام غيره مبني على ذلك ، كما هو الغالب

[5] لتبعية الربح للمال ، كما هو الأصل.

[6] يعني. للمالك.

[7] قال في الشرائع في مسألة ما إذا قارض العامل غيره : « فان كان بإذنه وشرط الربح بين العامل الثاني والمالك صح ، ولو شرط لنفسه لم

لأن المفروض بطلان المضاربة الثانية ، فلا يستحق العامل الثاني شيئاً ، وأن العامل الأول لم يعمل حتى يستحق ، فيكون تمام الربح للمالك إذا أجاز تلك المعاملات الواقعة على ماله. ويستحق العامل الثاني أجرة عمله مع جهله بالبطلان [1] على العامل الأول


يصح ، لأنه لا عمل له. وإن كان بغير إذنه لم يصح القراض ، فان ربح كان نصف الربح للمالك ، والنصف الآخر للعامل الأول ، وعليه أجرة الثاني. وقيل : للمالك أيضاً ، لأن الأول لم يعمل. وقيل : بين العاملين ويرجع الثاني على الأول بنصف الأجرة. والأول حسن ». وقال في المسالك : « وهذه الأقوال ليست لأصحابنا ، ولا نقلها عنهم أحد ممن نقل الخلاف ، وان كان ظاهر العبارة بقيل وقيل يشعر به ، وإنما هي وجوه للشافعية موجهة ، ذكرها المصنف والعلامة في كتبه ، ونقل الشيخ في المبسوط قريباً منها بطريقة أخرى غير منقحة. ولهم وجه رابع : أن جميع النصف للعامل الثاني. عملا بالشرط ، ولا شي‌ء للأول ، إذ لا ملك له ولا عمل له ». وقريب منه ما في جامع المقاصد. ويشهد لما ذكراه ما في التذكرة ، فإنه بعد ما ذكر أن الأقرب أن يكون الربح للمالك ذكر الوجوه الأخرى ، ونسبها إلى الشافعية ، ولم ينسب شيئاً منها إلى أحد من أصحابنا.

[1] كما قيده بذلك الجماعة ، ولم أقف على غير ذلك من أحد ، بل في جامع المقاصد : « لا شك في أنه إذا كان عالماً لا يستحق أجرة ». لكن الاختصاص بهذه الصورة يتوقف على كون الضمان بالغرور ، أما إذا كان الضمان بالاستيفاء ، وأن من استوفى عمل غيره كان ضامناً له وإن كان عالماً بالبطلان ، فالرجوع إلى العامل بأجرة المثل يكون في صورتي الجهل والعلم.

لأنه مغرور من قبله. وقيل : يستحق على المالك [1]. ولا وجه له مع فرض عدم الإذن منه له في العمل هذا إذا ضاربه على أن يكون عاملا للمالك [2] ، وأما إذا ضاربه على أن يكون عاملا له ، وقصد العامل في عمله العامل الأول ، فيمكن أن يقال : إن الربح للعامل الأول ، بل هو مختار المحقق في الشرائع [3]


[1] حكى هذا الاحتمال في التذكرة ، وعلله : بأن نفع عمله عاد اليه. انتهى. ولا يخفى ما فيه ، فان ذلك ليس من أسباب الضمان

[2] سواء كان الشراء له بذمته أم بعين ماله ، فان المبيع له ، فيكون له ربحه.

[3] قد تقدمت عبارة الشرائع ، وهي خالية عن التقييد المذكور ، ولا سيما بناء على ما تقدم منه من عدم صحتها حتى مع اذن المالك ، فكيف يخصص بها كلام المحقق؟! ولذلك وجهه في المسالك : بأن عقد المضاربة وقع معه ، فيستحق ما شرط ، وعقده مع الثاني فاسد ، فلا يتبع شرطه. انتهى. وأشكل عليه بعد ذلك : بأن العامل الأول لم يعمل شيئاً ، فلا يكون له شي‌ء من الربح. وأما التوجيه المذكور في المتن من أن العمل المعتبر في المضاربة الأولى ما يعم المباشرة وغيرها فقد ذكره في الجواهر ، فقال : « ليس في عقد القراض ما يقتضي مباشرة العمل بنفسه ، ضرورة الاكتفاء بمتبرع عنه وبأجرة أو نحو ذلك ». وحينئذ يسقط الاشكال المتقدم من أن العامل الأول لم يعمل شيئاً فلا يستحق شيئاً. وعلى هذا عول في الجواهر واختار ما في الشرائع. لكن عرفت أن مختار الشرائع لا يختص بهذه الصورة ، كسائر الأقوال الأخرى المحكية فيها ، فلا وجه لتخصيصه بها ، كما في المتن. مضافاً إلى أن البناء على عموم العمل لغير المباشرة يقتضي صحة المضاربة الثانية ، إذ ليس مضمونها الا ما هو مأذون فيه فلا وجه للبناء

وذلك بدعوى : أن المضاربة الأولى باقية بعد فرض بطلان الثانية ، والمفروض أن العامل قصد العمل للعامل الأول ، فيكون كأنه هو العامل فيستحق الربح ، وعليه أجرة عمل العامل ، إذا كان جاهلاً بالبطلان ، وبطلان المعاملة لا يضر بالاذن الحاصل منه للعمل له [1]. لكن هذا انما يتم إذا لم يكن المباشرة


على بطلانها بدعوى عدم الاذن. وأيضاً إذا كان المراد من العمل في المضاربة ما يعم عمل غيره عنه وجب أن يكون عمل الغير للمالك ، كما أن عمل العامل له ، فكما أن العامل يتجر للمالك فالمتبرع عن العامل أيضاً يتجر للمالك ، وهذا لا يتناسب مع الصورة المذكورة في المتن من أن العامل الثاني يعمل للعامل الأول ، كما يظهر من قول المصنف : « وأما إذا ضاربه على أن يكون عاملا له ». والمتحصل مما ذكرنا وجوه من الإشكال. ( الأول ) : أن مورد كلام المحقق وغيره من الفقهاء الذين صوروا هذه المسألة صورة ما إذا ضارب العامل غيره من دون اختصاص بأنه عن نفسه. ( الثاني ) : أن البناء على عموم عمل العامل الذي ضاربه المالك للمباشري وغيره يقتضي صحة المضاربة من العامل لغيره عن المالك. إذ ليست المضاربة الثانية إلا عملا بالعموم المذكور. ( الثالث ) : أن عموم عمل العامل لغير المباشرة لا يتناسب مع الصورة المذكورة في المتن ، فان عمل المتبرع للعامل يكون للمالك ، لا للعامل المتبرع عنه إلا أن يكون المراد من قصد العامل الثاني في عمله العامل الأول المذكور في المتن عمل العامل الثاني نيابة عن العامل الأول ، وإن كان شراؤه للمالك. لكنه خلاف ظاهر العبارة.

[1] قال في الجواهر : « ولا ينافيه فرض عدم إجازة المالك. إذ هي للقراض ، أما ما وقع منه من الشراء والبيع فهو بإذن العامل الأول الذي لم يشترط عليه مباشرة ذلك بنفسه ». ولا يخفى أن إذن العامل لا تكفي

معتبرة في المضاربة الاولى [1] ، وأما مع اعتبارها فلا يتم ، ويتعين كون تمام الربح للمالك إذا أجاز المعاملات وان لم تجز المضاربة الثانية.

( مسألة 33 ) : إذا شرط أحدهما على الأخر في ضمن عقد المضاربة مالا أو عملا ، كأن اشترط المالك على العامل أن


في صحة الشراء والبيع إلا إذا كان العامل مأذوناً من المالك في الاذن ، وإذا لم يكن مأذوناً فيه من المالك فلا وجه لصحته ، وقد عرفت أنه إذا كان مأذوناً فيه من المالك كان مأذوناً في المضاربة الثانية ، إذ مضمونها الشراء والبيع الذي لم يشترط عليه المباشرة فيهما.

[1] كما قيده بذلك في الجواهر ، وأن ما تقدم مبني على ما هو الظاهر عدم كون ذلك قيداً لها هنا ، كما في نظائره. والذي يتحصل مما ذكرناه : أنه إن كان المفهوم من المضاربة الأولى عموم العمل من العامل للباشرة وغيرها كان ذلك موجباً للإذن في المضاربة الثانية ، على نحو تكون من توابع الأولى. فيضارب العامل غيره على أن يكون حصته من الربح بينهما على نحو التساوي أو التفاضل. ولو ضاربه على أن يكون تمام الربح بينهما لم تصح لمنافاتها للأولى. وفي الصورة الاولى لا بد أن يكون قصد المتعاملين أن يكون العمل للمالك ، بمعنى أن الشراء والبيع له لا للعامل الأول ، إذ لا معنى له بعد أن كان المال للمالك. إلا أن يكون المقصود أن العامل الثاني ينوب عن العامل الأول في الشراء للمالك ، بأن يقصد النيابة عن العامل الأول في الشراء للمالك ، ولا بأس به حينئذ. وإن كان المفهوم من المضاربة الأولى خصوص المباشرة فالحكم كما ذكر المصنف ، من بطلان المضاربة ، وكون الربح جميعه للمالك إذا أجاز معاملة العامل الثاني ويستحق على العامل الأول أجرة المثل.

يخيط له ثوباً ، أو يعطيه درهماً أو نحو ذلك ، أو بالعكس ، فالظاهر صحته [1] ، وكذا إذا اشترط أحدهما على الأخر بيعاً أو قرضاً أو قراضا أو بضاعة أو نحو ذلك. ودعوى : أن القدر المتيقن ما إذا لم يكن من المالك إلا رأس المال ومن العامل إلا التجارة. مدفوعة : بأن ذلك من حيث متعلق العقد فلا ينافي اشتراط مال أو عمل خارجي في ضمنه. ويكفي في صحته عموم أدلة الشروط [2]. وعن الشيخ الطوسي فيما إذا


[1] قال في القواعد : « ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر ، أو يأخذ منه بضاعة أو قرضاً ، أو يخدمه في شي‌ء بعينه ، فالظاهر صحة الشروط » وقال في التحرير : « الشروط الفاسدة على أقسام ثلاثة ، أحدها : ما ينافي مقتضى العقد ، مثل أن يشترط البيع برأس المال .. ( إلى أن قال ) : الثاني : ما يقتضي جهالة الربح ، مثل أن يشترط العامل جزء من الربح مجهولا أو ربح أحد الكيسين .. ( الى أن قال ) : الثالث اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه ، مثل اشتراط النفع ببعض السلع مثل لبس الثوب ، واستخدام العبد ، وركوب الدابة ووطء الجارية وضمان العامل المال أو بعضه. فهذه الشروط كلها باطلة تفسد العقد إن اقتضت جهالة الربح ، وإلا فلا على إشكال » ، ونحوه ما حكاه السيد في مفتاح الكرامة عن العامة ، ثمَّ قال : « ولعلهم يستندون الى أن هذا العقد على خلاف الأصل ، فيقتصر فيه على المتيقن » ولا يخفى أنه إذا تمَّ ذلك جرى في جميع العقود المشتملة على الشروط ، لأنها على خلاف الأصل أيضاً ولا يختص بهذا العقد.

[2] هذا العموم إنما ينفع بعد إحراز عنوان المضاربة عرفاً ، لتشمله الإطلاقات المقامية. أما إذا شك في العنوان فالأصل يقتضي بطلان المضاربة.

اشترط المالك على العامل بضاعة بطلان الشرط دون العقد في أحد قوليه ، وبطلانهما في قوله الأخر [1] ، قال : لأن العامل في القراض لا يعمل عملا بغير جعل ولا قسط من الربح ، وإذا بطل الشرط بطل القراض ، لان قسط العامل يكون مجهولا [2] ثمَّ قال : « وان قلنا : إن القراض صحيح والشرط


وعموم صحة العقود إنما يقتضي صحة العقد ، لا صحة المضاربة ، كما هو محل الكلام. وان كان الظاهر صدق العنوان عرفاً.

[1] قال في الشرائع في أواخر كتاب المضاربة : « إذا دفع مالا قراضاً ، وشرط أن يأخذ له بضاعة ، قيل : لا يصح ، لان العامل في القراض لا يعمل ما لا يستحق عليه أجراً ، وقيل : يصح القراض ويبطل الشرط. ولو قيل بصحتهما كان حسناً » وقال في المسالك : « القولان الأولان للشيخ في المبسوط » أقول : هذه النسبة غير ظاهرة الوجه ، كما يظهر ذلك من ملاحظة كلامه ، فان ما ذكره أولاً كان وجهاً لا قولاً ، وما ذكره ثانياً كان قولاً بقرينة قوله رحمه اللّه : « كان قوياً » لكنه ظاهر في صحة الشرط والعقد. غاية الأمر أنه لا يجب الوفاء بالشرط ، لأن مضمونه - وهو البضاعة - من العقود الجائزة التي لا يجب الوفاء بها ، وحينئذ يكون موافقاً للشرائع والقواعد وجماعة من الأصحاب ، على ما نسبه إليهم في جامع المقاصد. ومن ذلك يشكل ما في المتن من نسبة القولين إلى الشيخ رحمه اللّه مستنداً في ذلك إلى عبارة المبسوط المذكورة.

[2] قال في المبسوط : « وذلك أن رب المال ما قارض بالنصف حتى اشترط على العامل عملاً بغير جعلٍ ، وقد بطل الشرط ، وإذا بطل ذهب من نصيب العامل وهو النصف قدر ما زيد فيه لأجل البضاعة ، وذلك القدر مجهول ، وإذا ذهب من المعلوم مجهول كان الباقي مجهولا ،

جائز ، لكنه لا يلزم الوفاء به ، لأن البضاعة لا يلزم القيام بها كان قويا » وحاصل كلامه في وجه بطلانهما : أن للشرط المفروض مناف لمقتضى العقد ، فيكون باطلا ، وببطلانه يبطل العقد ، لاستلزامه جهالة حصة العامل من حيث أن للشرط قسطا من الربح ، وببطلانه يسقط ذلك القسط ، وهو غير معلوم المقدار. وفيه : منع كونه منافيا لمقتضى العقد [1] ، فان مقتضاه ليس أزيد من أن يكون عمله في مال القراض بجزء من الربح ، والعمل الخارجي ليس عملا في مال القراض. هذا مع أن ما ذكره من لزوم جهالة حصة العامل بعد بطلان الشرط ممنوع ، إذ ليس الشرط مقابلا بالعوض في شي‌ء من الموارد [2] ، وانما يوجب زيادة العوض ، فلا ينقص من بطلانه شي‌ء من الحصة حتى تصير مجهولة. وأما ما ذكره في


ولهذا بطل القراض. وان قلنا أن القراض .. » الى آخر ما في المتن.

[1] ذكر ذلك في المسالك وغيرها.

[2] كان الاولى في الاشكال عليه أن يقال : إذا كان الشرط ملحوظاً عوضا عن العمل فبطلانه يوجب بطلان المعاوضة وحصول الجهالة ، لانتفاء المعاوضة بانتفاء أحد طرفيها ، وإذا لم يكن ملحوظاً عوضاً فلا جهالة في العوض. ولو سلم فالجهالة على هذا النهج غير قادحة في البيع ، كما إذا باع ما يملك وما لم يملك ، فضلاً عن المقام الذي لا تقدح فيه جهالة وجود الربح ، ولا جهالة مقداره التعييني ، وإن كان معلوماً بالحصة المشاعة. كما يشكل أيضاً : بأن ما ذكره أخيراً من أن العمل في البضاعة لوحظ عوضاً عن جزء من النصف ، فالعمل لم يكن مجاناً ، مناف لما ذكره أولاً من

قوله : « وان قلنا .. » فلعل غرضه أنه إذا لم يكن الوفاء بالشرط لازماً يكون وجوده كعدمه [1] ، فكأنه لم يشترط ، فلا يلزم الجهالة في الحصة. وفيه : أنه على فرض إيجابه للجهالة لا يتفاوت الحال بين لزوم العمل به وعدمه [2] حيث أنه على التقديرين زيد بعض العوض لأجله. هذا وقد يقرر [3] في وجه بطلان الشرط المذكور : أن هذا الشرط لا أثر له أصلا ، لأنه ليس بلازم الوفاء ، حيث أنه في العقد الجائز ، ولا يلزم من تخلفه أثر التسلط على الفسخ ، حيث أنه يجوز فسخه ولو مع عدم التخلف. وفيه أولا : ما عرفت


بطلان الشرط ، لأنه يقتضي كون العمل مجاناً.

[1] إذا كان غرضه ذلك كان الاولى تقريره بناءً على البطلان ، لأن الباطل أولى أن يكون وجوده كعدمه ، فكأنه لم يشترط. بل غرضه تضعيف ما ذكره أولاً ، واختيار صحة الشرط وعدم وجوب الوفاء به ، لخصوصية في مضمونه ، وهو البضاعة التي هي من العقود الجائزة ، لا لقصور فيه. وإن كان يشكل : بأن كون البضاعة من العقود الجائزة في نفسها لا ينافي وجوبها بالشرط.

[2] لأن مبنى الاشكال على قدح الجهالة على فرض التوزيع على الأبعاض ، وحينئذ لا يختلف الحكم في الصحة والبطلان لكن عرفت أن الشيخ بنى على عدم تمامية ما ذكره أولا ، وأنه غير صحيح ، ولذا قال بصحة العقد وصحة الشرط ، غير أنه لا يجب الوفاء به ، لخصوصية في مضمونه ، كما عرفت. نعم كان المناسب له - قدس سره - أن يتعرض لوجه النظر فيما ذكره أولا ، على ما هو القاعدة عند المؤلفين.

[3] المقرر صاحب الجواهر في ذيل شرح مسألة عدم صحة اشتراط

سابقا من لزوم العمل بالشرط في ضمن العقود الجائزة ما دامت باقية ولم تفسخ ، وان كان له أن يفسخ حتى يسقط وجوب العمل به. وثانيا : لا نسلم أن تخلفه لا يؤثر في التسلط على الفسخ ، إذ الفسخ الذي يأتي من قبل كون العقد جائزا إنما يكون بالنسبة إلى الاستمرار بخلاف الفسخ الآتي من تخلف الشرط ، فإنه يوجب فسخ المعاملة من الأصل ، فإذا فرضنا أن الفسخ بعد حصول الربح ، فان كان من القسم الأول اقتضى حصوله من حينه ، فالعامل يستحق ذلك الربح بمقدار حصته ، وإن كان من القسم الثاني يكون تمام الربح للمالك [1] ويستحق العامل أجرة المثل لعمله ، وهي قد تكون أزيد من الربح ، وقد تكون أقل فيتفاوت الحال بالفسخ وعدمه إذا كان لأجل تخلف الشرط.


الأجل في المضاربة ، وأشار إليه أيضاً في أواخر كتاب المضاربة ، وحاصله : أن الشرط في العقود يترتب عليه أثران ، تكليفي وهو وجوب الوفاء ، الراجع الى وجوب إيصال الحقوق إلى أهلها ، ووضعي وهو جواز الفسخ مع التخلف ، وهما في المقام لا يترتبان.

[1] هذا ذكره في جامع المقاصد ، وجعله مقتضى النظر. لكن في الجواهر بعد ما حكاه عنه قال : « إنه لا يمكن التزام فقيه به » وفي أواخر كتاب المضاربة قال : « إنه كما ترى لا ينطبق على القواعد ، وعلى ما اشتهر بينهم من عدم لزوم الوفاء بالشروط في العقود الجائزة ، وأن حالها كحال الوعد ، وليس فائدة الشرط فيها فائدته في العقد اللازم من التسلط على الفسخ مع عدم الوفاء به .. ». والاشكال عليه - كما ذكره المصنف -

( مسألة 34 ) : يملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره من غير توقف على الإنضاض أو القسمة ، لا نقلا ، ولا كشفا ، على المشهور ، بل الظاهر الإجماع عليه [1] ، لأنه مقتضى اشتراط كون الربح بينهما [2] ، ولأنه مملوك وليس للمالك ، فيكون للعامل. وللصحيح [3] : « رجل دفع الى رجل ألف درهم مضاربة ، فاشترى أباه وهو لا يعلم. قال : يقوم فان زاد درهما واحدا انعتق ، واستسعى في مال الرجل »


ظاهر. وقد تقدم في المسألة الثانية بعض الكلام في ذلك.

[1] قال في المسالك : « لا يكاد يتحقق فيه مخالف ، ولا نقل في كتب الخلاف عن أحد من أصحابنا ما يخالفه » ، ونحوه ما عن المفاتيح لكن في القواعد : « ويملك بالظهور ، لا بالانضاض على رأي ». وظاهره التوقف وعدم انعقاد الإجماع عليه.

[2] لكن الشرط انما اقتضى المالك على تقدير الوجود ، لا أنه يقتضي الوجود ، كما هو المدعى. ومنه يظهر الإشكال في قوله (رحمه اللّه) : « ولأنه مملوك. »

[3] رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن ميسر ( قيس خ ل ) قال : « قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل دفع .. » إلى آخر ما في المتن » ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن قيس ، ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن بن أبي عمير عن محمد بن قيس ، وبإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أيوب بن نوح عن ابن أبي عمير عن محمد بن ميسرة. كذا في الوسائل (1). والطريق الأول مصحح ، والباقية صحاح


1) باب : 8 من كتاب المضاربة.

إذ لو لم يكن مالكا لحصته لم ينعتق أبوه [1]. نعم عن الفخر عن والده : أن في المسألة أربعة أقوال [2] ، ولكن لم يذكر القائل ولعلها من العامة ( أحدها ) : ما ذكرنا ( الثاني ) : أنه يملك بالانضاض ، لأنه قبله ليس موجوداً خارجياً [3] ، بل هو مقدر موهوم. ( الثالث ) : أنه يملك بالقسمة ، لأنه لو ملك


[1] هذا أول الكلام ، بل من الجائز الانعتاق بذلك ، وارتكابه أهون من ارتكاب ملك العامل بالظهور إذا تحقق أنه لا وجود له ، فلا تصلح الرواية دليلاً على ذلك ، إلا إذا امتنع الانعتاق بغير الملك ، كما أشار إلى ذلك في الجواهر.

[2] حكي عن الإيضاح أنه قال : « الذي سمعناه عن والدي المصنف أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال » ، ثمَّ بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة والاستدلال لها قال : « الرابع : أن القسمة كاشفة عن ملك العامل ، لأنها ليست بعمل حتى يملك بها » فذكر أولاً أن الأقوال ثلاثة ، ثمَّ ذكر قولاً رابعاً ، فيكون المتحصل من نقله وجود أربعة أقوال. ولذلك قال في المسالك : « ونقل الامام فخر الدين عن والده في هذه المسألة أربعة أقوال ». لكن في التذكرة بعد ما ذكر القول الأول قال : « وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي في أحد قوليه ، واحمد في إحدى الروايتين » ثمَّ استدل له بما في المتن ، ثمَّ قال : « وقال مالك انما يملك العامل حصة من الربح بالقسمة ، وهو القول الثاني للشافعي والرواية الثانية عن أحمد ، واقتصر على ذلك ولم ينقل الثاني ولا الرابع. لكن في المسالك عن التذكرة حكاية القولين الأولين فليلحظ.

[3] هذا التعليل مذكور في الإيضاح لإثبات الوجه الثاني. لكنه إن تمَّ اقتضى نفي الأول لا إثبات الثاني.

قبله لاختص بربحه [1]. ولم يكن وقاية لرأس المال. ( الرابع ) : أن القسمة كاشفة عن الملك سابقاً ، لأنها توجب استقراره. والأقوى ما ذكرنا ، لما ذكرنا. ودعوى : أنه ليس موجوداً كما ترى [2] وكون القيمة أمراً وهمياً ممنوع [3]. مع أنا نقول : إنه يصير شريكاً في العين الموجودة بالنسبة [4] ، ولذا يصح له مطالبة القسمة مع أن المملوك لا يلزم أن يكون موجوداً خارجياً ، فان الدين مملوك مع أنه ليس في الخارج [5]. ومن الغريب إصرار صاحب الجواهر على الإشكال في ملكيته ، بدعوى : أنه حقيقة ما زاد على عين الأصل ، وقيمة الشي‌ء أمر وهمي


[1] هذا أيضاً مذكور في الإيضاح تعليلا للوجه الثالث - لكنه إنما بنفي الأولين ، ولا يثبت الثالث.

[2] إذا كان الربح حقيقة ما زاد على عين رأس المال - كما ادعاه في الجواهر ، ويقتضيه العرف واللغة في الجملة - فالدعوى المذكورة في محلها. ولذلك كان المعروف بينهم عدم وجوب الخمس في ارتفاع القيمة وأفتى به المصنف رحمه اللّه في كتاب الخمس.

[3] هذا المنع غير ظاهر ، إذ القيمة عبارة عن المالية التي تكون في العين ، ولا شك في أنها أمر اعتباري ناشئ عن حدوث الرغبة في العين المصحح للتنافس عليها عند العقلاء وبذل المال بإزائها ، وليس لها وجود عيني في الخارج.

[4] لا وجه له ، لأنه إذا لم يكن ربح فلا ملك للعامل في الذمة ولا في العين.

[5] هذا مسلم ، إلا أنه لما كان له مطابق خارجي ومصداق عيني

لا وجود له لا ذمة ولا خارجاً ، فلا يصدق عليه الربح. نعم لا بأس أن يقال : إنه بالظهور ملك أن يملك ، بمعنى أن له الإنضاض ، فيملك. وأغرب منه أنه قال : « بل لعل الوجه في خبر عتق الأب ذلك أيضاً ، بناء على الاكتفاء بمثل ذلك في العتق المبني على السراية ». إذ لا يخفى ما فيه [1] ، مع أن لازم ما ذكره كون العين بتمامها ملكاً للمالك حتى مقدار الربح مع أنه ادعى الاتفاق على عدم كون مقدار حصة العامل من الربح للمالك [2] فلا ينبغي التأمل في أن الأقوى ما هو المشهور [3] نعم إن حصل خسران أو تلف بعد ظهور الربح خرج عن


صح أن يكون مملوكاً ، وليس كذلك القيمة المالية. ومن هنا يظهر الإشكال في النقض بملك الدين ، كما في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما. مضافاً إلى أن الدين إنما صح ملكه لكونه في الذمة ، فإنه لا يجوز ملك ما ليس في الذمة ولا في الخارج ، والمدعى في المقام أنه مملوك وليس في الذمة ولا في الخارج.

[1] بل لا يخفى ما في كلمات المصنف رحمه اللّه في هذا المقام ، مثل قوله رحمه اللّه : « كما ترى » و « ممنوع » و « غريب » و « أغرب .. » فإنها كلها غامضة المراد بنحو تكون رداً على ما ذكره في الجواهر.

[2] إذا تحقق الاتفاق بنحو يصح الاعتماد عليه كان هو الوجه فيما ذكره المشهور ، فلا مجال حينئذ للأخذ بما ذكره في الجواهر.

[3] لا ينبغي التأمل في أنه هو الأقوى. لكن العمدة فيه : أن المراد من الربح في باب المضاربة الذي يشترك فيه المالك والعامل الحصة من العين الزائدة على مقدار رأس المال مالية ، لا الربح بالمعنى اللغوي والعرفي ، كما

ملكية العامل ، لا أن يكون كاشفاً عن عدم ملكيته من الأول [1] وعلى ما ذكرنا يترتب عليه جميع آثار الملكية ، من جواز المطالبة بالقسمة وإن كانت موقوفة على رضى المالك ، ومن صحة تصرفاته فيه من البيع والصلح ونحوهما ، ومن الإرث ، وتعلق الخمس والزكاة ، وحصول الاستطاعة للحج ، وتعلق حق الغرماء به ، ووجوب صرفه في الدين مع المطالبة .. إلى غير ذلك.

( مسألة 35 ) : الربح وقاية لرأس المال [2] ، فملكية


يقوله في الجواهر ، كي يتوجه عليه ما ذكره من الاشكال. هذا ما تقتضيه الارتكازات العرفية. والشاهد على ذلك أنه لا يجوز للمالك عندهم أن يفسخ المضاربة عند ظهور الربح ، ويستقل بالعين ، ويطرد العامل محتجاً بعدم حصول الربح ، بل يرون أن العامل شريك في العين على حسب حصته من المالية. وظني أن ذلك واضح. وحينئذ لا يحتاج إلى الاستدلال على الحكم بما ذكر ، ولا مجال للإشكال بما تقدم.

[1] فالملكية ثابتة حين الظهور ، لكنها غير مستقرة. وقد استفاض. التعبير بذلك في كتبهم. وكأنه عملاً بالصحيح المتقدم الدال على حصول الملكية بمجرد الظهور. ولولاه كان اللازم البناء على عدم الملكية واقعاً إذا كان هناك نقص مالي لا حق ، إما لتنزل السعر ، أو لتلف المال ، أو نحو ذلك ، لأن الربح المجعول للعامل ما زاد على ذلك ، لا مطلق الربح.

[2] هذا من الأحكام المسلّمة بينهم ، وفي المسالك : أنه محل وفاق ويقتضيه ما عرفت من أن الربح المجعول للعامل ما زاد على تدارك النقص المالي الحادث من خسران أو تلف. وهو العمدة فيما ذكروه. ولم أقف على نصٍ فيه. نعم استدل له بموثق إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام)

العامل له بالظهور متزلزلة ، فلو عرض بعد ذلك خسران أو تلف يجبر به إلى أن تستقر ملكيته ، والاستقرار يحصل بعد الإنضاض والفسخ والقسمة [1] ، فبعدها إذا تلف شي‌ء لا يحسب من الربح ، بل تلف كل على صاحبه ، ولا يكفي في الاستقرار قسمة الربح فقط مع عدم الفسخ [2]. بل ولا


قال : « سألته عن مال المضاربة. قال : الربح بينهما ، والوضيعة على المال » (1)بناءً على أن المال يشمل الأصل والربح. وهو كما ترى ظاهر في أن المراد من المال ما يقابل الربح.

[1] هذا مما لا ريب فيه ، وفي جامع المقاصد : « لا بحث في الاستقرار بذلك » ، وفي الجواهر : « لا ريب في الاستقرار حينئذ ، ضرورة انتهاء العقد بجميع توابعه مع تراضيهما بذلك » ، وعن الإيضاح : « يستقر بارتفاع العقد وإنضاض المال والقسمة ، عند الكل ».

[2] بلا ريب ، كما في الجواهر ، لبقاء عقد المضاربة المستتبع لحكمه من جبران الخسارة بالربح كما لو لم يقسم. ومجرد تعيين حصة العامل بالقسمة غير كافٍ في الخروج عن مقتضى العقد. لكن ظاهر ما في القواعد من قوله : « وإنما يستقر بالقسمة أو بالانضاض والفسخ » : أن القسمة كافية في الاستقرار ، كما أن الإنضاض والفسخ كافيان فيه وإن لم تكن القسمة. ولذا أورد عليه في جامع المقاصد : بأن القسمة بمجردها لا توجب الاستقرار من دون فسخ القراض ، لأنه لا معنى للقسمة إلا قسمة الربح ، إذ ليس في رأس المال شراكة الا باعتباره ، وقسمة الربح وحده لا تخرجه عن كونه وقاية لرأس المال. وتبعه على ذلك في الجواهر. لكن عرفت أنه لا إطلاق لفظي لدليل الوقاية ، كي يتمسك به في المقام ، وأن العمدة في


1) الوسائل باب : 3 من كتاب المضاربة حديث : 5.

قسمة الكل كذلك [1] ، ولا بالفسخ مع عدم القسمة [2] ، فلو حصل خسران أو تلف أو ربح كان كما سبق ، فيكون الربح مشتركاً والتلف والخسران عليهما ، ويتم رأس المال بالربح. نعم لو حصل الفسخ ولم يحصل الإنضاض ولو بالنسبة


الوقاية الإجماع والارتكاز العرفي ، وليس من الواضح شمولهما لما بعد القسمة وإن كان المعروف بينهم ذلك ، بل يظهر منهم التسالم عليه. وما في القواعد يخالفه ما فيها ، فقد جزم بعدم استقرار الملك مع إنضاض قدر الربح والقسمة وأنه إذا خسر المال بعد ذلك رجع على العامل ، كما سيأتي في المسألة التالية.

[1] تقدم ما في جامع المقاصد من أنه لا معنى للقسمة إلا قسمة الربح إذ ليس في رأس المال شراكة.

[2] جعله في الجواهر - تبعا لجامع المقاصد - مبنياً على وجوب البيع على العامل بعد الفسخ. وإن قلنا بعدمه فوجهان. انتهى. لكن سيأتي من المصنف رحمه اللّه القول بعدم إجبار العامل على الإنضاض والبيع. وأما أحد الوجهين الذين ذكرهما أخيراً فهو الاستصحاب ، وعموم على اليد وصدق مال القراض ليشمله ما دل على أن مال القراض وضيعته من الربح ، وارتفاع صدق المقارض على العامل بالفسخ لا ينافي صدق مال المقارضة ، الذي هو موضوع الحكم المذكور.

بل قد يقال : بأن تسليم رأس المال إلى المالك من تتمة المضاربة ، فلا يجوز تسليمه ناقصاً مع وجود الربح الذي يمكن به التدارك. هذا ولكن الجميع لا يخلو من اشكال. إذ الاستصحاب تعليقي ، وهو غير حجة. وعموم « على اليد .. » لا مجال له في الأمانات ، والوقاية إنما كانت للدليل الخاص لا لليد ، ولذا يختص الخسران بالمالك. وصدق مال المقارضة غير ظاهر مع الفسخ وارتفاع القراض به. مع أن مال

إلى البعض وحصلت القسمة فهل تستقر الملكية أم لا [1]؟ إن قلنا بوجوب الإنضاض على العامل فالظاهر عدم الاستقرار وإن قلنا بعدم وجوبه ففيه وجهان أقواهما الاستقرار. والحاصل : أن اللازم أولاً دفع مقدار رأس المال للمالك ، ثمَّ يقسم ما زاد عنه بينهما على حسب حصتهما ، فكل خسارة وتلف قبل تمام المضاربة يجبر بالربح ، وتماميتها بما ذكرنا من الفسخ والقسمة.

( مسألة 36 ) : إذا ظهر الربح ونض تمامه أو بعض منه ، فطلب أحدهما قسمته ، فإن رضي الآخر فلا مانع منها وإن لم يرض المالك لم يجبر عليها [2] ، لاحتمال الخسران


المقارضة لم يؤخذ موضوعاً لدليل لفظي ، كي يتمسك بإطلاقه وتسليم رأس المال الى المالك لا دليل على وجوبه ، كما سيأتي من المصنف. وعلى هذا يكون أقوى الوجهين هو الاستقرار. ( ودعوى ) : أنه لا يساعده الارتكاز العرفي ، الذي هو العمدة في الحكم ، فان مقتضاه بقاء الاحكام إلى أن تتحقق القسمة ، ولذا لو فرض زيادة السعر بعد الفسخ لم تختص الزيادة بالمالك بل تكون بينه وبين العامل ، وكذا حكم النقيصة ، فيدل على عدم استقرار الملكية بالفسخ ( ممنوعة جداً ) لمنع ذلك كله إذ الفسخ بعد أن كان رافعاً للمضاربة كان رافعاً لأحكامها ، ولكل شرط ذكر في ضمنها ، وثبوت أحكام عرفية للمضاربة بعد انفساخها يحتاج الى دليل مفقود.

[1] في الجواهر - تبعاً لجامع المقاصد - الجزم بالاستقرار. ولعله لعدم القول بوجوب الإنضاض على العامل ، وإن كان الظاهر أن الارتكاز العرفي يساعد على الاستقرار بالقسمة وإن قلنا بوجوب الإنضاض على العامل تعبداً.

[2] كما في الشرائع والقواعد ، ويظهر من جامع المقاصد والمسالك

بعد ذلك والحاجة إلى جبره به. قيل : وإن لم يرض العامل فكذلك أيضاً [1] ، لأنه لو حصل الخسران وجب عليه رد ما أخذه ، ولعله لا يقدر بعد ذلك عليه لفواته في يده ، وهو ضرر عليه. وفيه : أن هذا لا يعد ضرراً [2]. فالأقوى : أنه يجبر إذا طلب المالك. وكيف كان إذا اقتسماه ثمَّ حصل الخسران ، فان حصل بعده ربح يجبره فهو ، وإلا رد العامل


والجواهر عدم الخلاف فيه ، معلّلين ذلك بلزوم الضرر على المالك ، لاحتمال الخسران بعد ذلك ، كما ذكر المصنف. وهو بظاهره غير تام ، لأن احتمال الضرر باحتمال الخسران غير مطرد. مع أنه لا يمنع من وجوب القسمة وإنما يمنع من وجوب تمكين العامل من حصته ، لا من أصل القسمة. وإنما يمنع من وجوب تمكين العام من حصته ، لا من أصل القسمة. مضافاً إلى إمكان تدارك الضرر المحتمل بأخذ الكفيل ونحوه كما في غير المقام مع أن احتمال الضرر غير كافٍ في منع سلطنة العامل على قسمة حصته المشاعة. واحتمال الضرر المالي غير منفي ، ولا مأخوذ موضوعاً للاحكام. نعم احتمال الضرر النفسي منفي ، فيرفع اللزوم إجماعاً ، ولبعض النصوص الواردة في بعض الموارد الخاصة ، مثل : « الصائم إذا خاف على عينه من الرمد فليفطر » (1)، وليس كذلك الضرر المالي.

[1] يظهر ذلك من القواعد ، حيث قال : « إن امتنع أحدهما عن القسمة لم يجبر عليها » ، ونحوه حكي عن التذكرة والتحرير ، وفي جامع المقاصد : « أما إذا كان المريد للقسمة المالك فلأن العامل لا يأمن أن يطرأ الخسران ، وقد أتلف ما وصل اليه ، فيحتاج إلى غرم ما وصل إليه بالقسمة وذلك ضرر. وأورد عليه في الجواهر بما في المتن.

[2] ضرورة إمكان المحافظة عليه بعدم التصرف. بل لو أغرمه لم


1) الوسائل باب : 19 من أبواب من يصح معه الصوم حديث : 1.

أقل الأمرين من مقدار الخسران وما أخذ من الربح ، لأن الأقل إن كان هو الخسران فليس عليه إلا جبره ، والزائد له وإن كان هو الربح فليس عليه إلا مقدار ما أخذ. ويظهر من الشهيد أن قسمة الربح موجبة لاستقراره وعدم جبره للخسارة الحاصلة بعدها ، لكن قسمة مقداره ليست قسمة له من حيث أنه مشاع في جميع المال ، فأخذ مقدار منه ليس أخذاً له فقط حيث قال على ما نقل عنه [1] : « إن المردود أقل الأمرين مما أخذه العامل من رأس المال لا من الربح ، فلو كان رأس المال مائة والربح عشرين ، فاقتسما العشرين ، فالعشرون التي هي الربح مشاعة في الجميع ، نسبتها إلى رأس المال نسبة السدس فالمأخوذ سدس الجميع ، فيكون خمسة أسداسها من رأس المال وسدسها من الربح ، فاذا اقتسماها استقر ملك العامل على نصيبه من الربح ، وهو نصف سدس العشرين ، وذلك درهم وثلثان يبقى معه ثمانية وثلث من رأس المال ، فاذا خسر المال الباقي رد أقل الأمرين مما خسر ومن ثمانية وثلث ». وفيه [2] : - مضافاً إلى أنه خلاف ما هو المعلوم من وجوب جبر الخسران الحاصل بعد ذلك بالربح السابق إن لم يلحقه ربح وأن عليه غرامة ما أخذه منه - أنظار أخر.


يكن عليه ضرر ، لأنه في مقابل ما تصرف فيه. كذا في الجواهر

[1] نقله في المسالك لكن لا بلفظه بل حاصله ، لأنه بعد أن نقل ذلك قال : « هذا خلاصة تقريره ». كما أنه لم يذكر الكتاب الذي ذكر ذلك فيه.

[2] هذه الإشكالات ذكرها في المسالك.

منها : أن المأخوذ إذا كان من رأس المال فوجوب رده لا يتوقف على حصول الخسران بعد ذلك. ومنها : أنه ليس مأذوناً في أخذ رأس المال ، فلا وجه للقسمة المفروضة. ومنها : أن المفروض أنهما اقتسما المقدار من الربح بعنوان أنه ربح لا بعنوان كونه منه ومن رأس المال [1]. ودعوى : أنه لا يتعين لكونه من الربح بمجرد قصدهما مع فرض إشاعته في تمام المال [2] مدفوعة : بأن المال بعد حصول الربح يصير مشتركاً بين المالك والعامل. فمقدار رأس المال مع حصة من الربح للمالك ومقدار حصة الربح المشروط للعامل له ، فلا وجه لعدم التعين بعد تعيينهما مقدار مالهما في هذا المال [3] فقسمة الربح في


[1] ومنها : أن اللازم البناء على الوقاية بالربح الباقي في المال ، لأن المفروض على كلامه عدم صحة القسمة ، فالربح باق مشاعاً في المال.

[2] هذه الدعوى ادعاها في الجواهر ، وجعلها مقتضى أصالة بقاء الإشاعة.

[3] إذ التعيين مقتضى ولايتهما معاً مع مطابقته للمرتكز العرفي الذي هو المرجع بمقتضى إطلاق المقام. ثمَّ إن شيخنا في الجواهر وجه كلام الشهيد رحمه اللّه بحمله على أن المالك قد فسخ المضاربة بالنسبة إلى المقدار المستخرج فيستقر الملك بالنسبة إلى ربحه. وفيه : أن ما ذكر يصلح توجيهاً لاستقرار ملك الربح ، لا توجيهاً لكلام الشهيد إذ يبقى إشكال عدم جواز تصرف العامل في رأس المال بغير إذن المالك بحاله. وكذا إشكال بأنه يجب رد رأس المال الى المالك وإن لم يطرأ الخسران. وكذا إشكال تسمية ذلك مقاسمة الربح.

الحقيقة قسمة لجميع المال ، ولا مانع منها.

( مسألة 37 ) : إذا باع العامل حصته من الربح بعد ظهوره صح مع تحقق الشرائط من معلومية المقدار وغيره ، وإذا حصل خسران بعد هذا لا يبطل البيع ، بل يكون بمنزلة التلف [1] ، فيجب عليه جبره بدفع أقل الأمرين من مقدار قيمة ما باعه [2] ومقدار الخسران.

( مسألة 38 ) : لا إشكال في أن الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح ، سواء كان سابقاً عليها أو لاحقاً ، ما دامت المضاربة باقية ولم يتم عملها. نعم قد عرفت ما عن الشهيد [3] من عدم جبران الخسارة اللاحقة بالربح السابق إذا اقتسماه ، وأن مقدار الربح من المقسوم تستقر ملكيته. وأما التلف فاما أن يكون بعد الدوران في التجارة [4] ، أو بعد الشروع فيها [5] ، أو قبله ، ثمَّ إما أن يكون التالف البعض أو الكل ، وأيضاً إما أن يكون بآفة من اللّه سماوية أو أرضية ، أو بإتلاف المالك أو العامل أو الأجنبي على وجه


[1] لما دل على لزوم البيع ، المانع من إرجاع المبيع إلى البائع أو غيره. وسيأتي نظيره في المسألة الأربعين.

[2] إذا كان قيمياً ، وأما إذا كان مثلياً فمثل ما باعه.

[3] وعرفت في المسألة السابقة ما فيه.

[4] بأن كان منه شراء وبيع فوقع التلف.

[5] سيجي‌ء من المصنف مثاله.

الضمان. فان كان بعد الدوران في التجارة فالظاهر جبره بالربح [1] ولو كان لاحقاً مطلقاً ، سواء كان التالف البعض أو الكل [2] كان التلف بآفة أو بإتلاف ضامن من العامل أو الأجنبي. ودعوى : [3] أن مع الضمان كأنه لم يتلف ، لأنه في ذمة


[1] قال في الشرائع : « المسألة الثامنة : إذا تلف مال القراض أو بعضه بعد دورانه في التجارة احتسب التالف من الربح وكذا لو تلف قبل ذلك. وفي هذا تردد » ، ونحوه ما في القواعد والعدة وغيرهما. والظاهر أنه لا خلاف فيه ، وعن مجمع البرهان : أنه إجماع ، وكذا عن السيد العميدي وكأنه الموافق للارتكاز العرفي المنزل عليه الإطلاقات المقامية. لكن في جامع المقاصد : يحتمل ضعيفاً عدم الجبران إذا كان التلف بآفة سماوية ، أو غصب غاصب ، أو سرقة سارق ، لأنه نقصان لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته ، ولأنه في الغصب والسرقة يحصل الضمان على الغاصب والسارق بلا حاجة إلى جبره بمال القراض. وضعفه ظاهر ، فإن كون الربح وقاية لرأس المال في القراض لم يدل دليل على اشتراطه بكون النقص بسبب السوق ، ولأنه لا يعقل وجود الربح مع كون رأس المال ناقصاً ، والكلام في الغصب والسرقة إنما هو مع عدم العوض من الغاصب والسارق ، وحينئذ فهو تلف. ومما قررنا يظهر أن دعوى الشارح السيد الإجماع على جبر التالف من الربح بعد دورانه في التجارة ليس بجيد. انتهى لكن أشكل عليه : بأن هذا الاحتمال من بعض الشافعية ، فلا ينافي الإجماع المدعى.

[2] يعني : المساوي لرأس المال ، إذ لو تلف جميع المال لم يبق مجال للجبران.

[3] حكاها في جامع المقاصد - كما سبق - واستضعفها ، وتبعه في ذلك في المسالك والجواهر وغيرهما ، وحكاها في التذكرة عن بعض الشافعية

الضامن كما ترى. نعم لو أخذ العوض يكون من جملة المال [1] بل الأقوى ذلك إذا كان بعد الشروع في التجارة [2] وإن كان التالف الكل ، كما إذا اشترى في الذمة وتلف المال قبل دفعه


على أنها أحد الوجهين عندهم ، ثمَّ قال : والأصح عندهم أنه مجبور بالربح.

[1] كما تقدم في جامع المقاصد.

[2] قد تقدم التردد في ذلك في الشرائع والقواعد ، ورده في جامع المقاصد والمسالك والجواهر : بأن المقتضي لكونه من مال القراض العقد ، لا دورانه في التجارة ثمَّ إن هذا الجبر مبني على بقاء المضاربة في الفرض المذكور ، كما هو المشهور ، قال في القواعد : « فان اشترى للمضاربة فتلف الثمن قبل نقده فالشراء للمضاربة ، وعقدها باقٍ ، وعلى المالك الثمن » وفي مفتاح الكرامة : أنه الأقوى ، كما في المبسوط ، والتحرير ، والمسالك ، وبه جزم في المهذب والسرائر والتذكرة والإرشاد وجامع المقاصد والروض ومجمع البرهان وكذا الإيضاح. انتهى. والمصرح به في كلام جماعة اختصاص الحكم بصورة ما إذا أذن المالك في الشراء بالذمة وأطلق بعضهم. ولكن لا ينبغي التأمل في البطلان مع عدم الإذن ، لأن العامل قصد المالك في الشراء فلا يصح له بدون إذنه. ولا يبعد ذلك أيضاً في صورة الإذن ، لأنه وإن أذن في الشراء بالذمة ، لكنه قيده بأن يكون الوفاء من مال المضاربة ، وقد تلف فانتفت الاذن ، فلا يصح الشراء للمالك إلا بإذن جديد ، وحينئذ لا يكون الشراء للمضاربة ، بل يكون للمالك خالياً عن حق العامل. ولو فرض أنه أذن له في الشراء بالذمة من دون قيد الوفاء بمال المضاربة فتلف المال ، لزم المالك دفع الثمن ، ولا يكون مضاربة مستقلة لعدم المال حين الشراء ، ولا متممة للمضاربة الأولى ، بحيث يكون مجموع المالين مال المضاربة ، لاعتبار التعين الخارجي

إلى البائع فأداه المالك ، أو باع العامل المبيع [1] وربح فأدى. كما أن الأقوى في تلف البعض الجبر [2] وان كان قبل الشروع أيضاً كما إذا سرق في أثناء السفر قبل أن يشرع في التجارة أو في البلد أيضاً قبل أن يسافر. وأما تلف الكل قبل الشروع في التجارة فالظاهر أنه موجب لانفساخ العقد [3] ، إذ لا يبقى معه مال التجارة حتى يجبر أو لا يجبر. نعم إذا أتلفه أجنبي وأدى عوضه تكون المضاربة باقية. وكذا إذا أتلفه العامل.

( مسألة 39 ) : العامل أمين [4]


في مال المضاربة ، وذلك منتفٍ بالنسبة إلى الثمن الجديد فلا يمكن أن ينضم الى المال التالف. وبالجملة : قوام المضاربة المال الخارجي ، فإذا انتفى بالتلف انتفت ، وفرض مضاربة جديدة متممة أو مستقلة ممتنع ، لعدم تعين مال آخر خارجاً. هذا إذا انحصر وفاء الثمن ببذل من المالك.

[1] معطوف على قوله (رحمه اللّه) : « فأداه المالك » وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام السابق ، فيحتمل فيها صحة المضاربة ، لأن الوفاء كان بمال المضاربة وهو الربح. لكنه ضعيف لانتفاء مال المضاربة الذي كان قوام المضاربة ، الموجب لانتفائها ، وحينئذ يكون الربح للمالك ، وللعامل أجرة المثل.

[2] لما سبق.

[3] لما عرفت ، وكأنه واضح عندهم ، بل الظاهر أنه مسلم ، وان كان مقتضى ما ذكروه في المسألة السابقة من أن قوام المضاربة العقد الصحة ، إذ لا فرق في ذلك بين أن يكون التلف بعد الشراء وقبله.

[4] كما هو المصرح به في كلام جماعة كثيرة ، بل الظاهر أنه

فلا يضمن إلا بالخيانة [1] - كما لو أكل بعض مال المضاربة أو اشترى شيئاً لنفسه فأدى الثمن من ذلك ، أو وطء الجارية المشتراة أو نحو ذلك - أو التفريط بترك الحفظ ، أو التعدي ، بأن خالف ما أمره به أو نهاه عنه ، كما لو سافر مع نهيه عنه أو عدم اذنه في السفر ، أو اشترى ما نهى عن شرائه ، أو ترك شراء ما أمره به ، فإنه يصير بذلك ضامناً للمال لو تلف


لا خلاف فيه ولا اشكال ، وفي الجواهر : أنه إجماعي. ويقتضيه جملة من النصوص العامة الدالة على عدم ضمان المستأمن (1)والخاصة كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق ، على صاحبه ضمان؟ قال (عليه السلام) : ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً (2).

[1] قد تقدم في المسألة الخامسة ما يدل على الضمان في الموارد المذكورة هنا. فراجع تلك النصوص.

ثمَّ إن ظاهر المصنف أن الخيانة مفهوماً تقابل التعدي والتفريط ، فالخيانة والتعدي والتفريط مفاهيم ثلاثة متباينة ، والمصرح به في المسالك : أن الخيانة هي التعدي مفهوماً ، فمفهومهما واحد يقابل التفريط. ولعلّه ظاهر الشرائع ، حيث عبّر بالتفريط والخيانة مقتصراً عليهما في وجه الضمان. والذي يظهر من الاستعمالات العرفية أن التعدي والتفريط كل منهما خيانة ، وهما متقابلان فالتعدي فعل ما لا ينبغي أن يفعل ، والتفريط ترك ما ينبغي أن يفعل ، فأكل مال المضاربة تعد ، ومخالفة أمر المالك تعدٍ ، وترك وضعها في الحرز تفريط ، والجميع خيانة.


1) راجع الوسائل باب : 4 من كتاب الوديعة.

2) الوسائل باب : 3 من كتاب المضاربة حديث : 3.

ولو بآفة سماوية ، وإن بقيت المضاربة ، كما مرّ. والظاهر ضمانه للخسارة الحاصلة بعد ذلك أيضاً [1]. وإذا رجع عن تعديه أو خيانته فهل يبقى الضمان أو لا؟ وجهان. مقتضى الاستصحاب بقاؤه ، كما ذكروا في باب الوديعة أنه لو أخرجها الودعي عن الحرز بقي الضمان وإن ردها بعد ذلك إليه. ولكن لا يخلو عن إشكال ، لأن المفروض بقاء الاذن [2] ، وارتفاع


[1] وفي الجواهر : أنه ظاهر الأدلة ، وتقدم الجزم بذلك من المصنف قدس سره ، لبعض النصوص الصريحة في ذلك. بل قال في الجواهر : « بل قد يقال أو يقوى ضمانه للوضيعة المتجددة بعد التعدي ، وبالسفر مثلاً وان تساوى السعر في البلدين ، على وجه لو بقي في البلد الذي سافر عنها كان سعرها ذلك أيضاً. لإطلاق كونها على العامل مع مخالفته ». وقد يظهر منه نوع من التوقف ، لاحتمال انصراف الوضيعة إلى الوضيعة التي جاءت بسبب مخالفته ، فلا تشمل صورة ما إذا كانت الوضيعة عامة. لكن مقتضى كون الوضيعة مذكورة في سياق الربح وهو عام فهي أيضاً عامة » بقرينة السياق.

ثمَّ إن المذكور في النصوص أمرين : ضمان المال ، وضمان الوضيعة والأول يكون بمطلق الخيانة والتعدي والتفريط. أما ضمان الوضيعة فيختص بالمخالفة للمالك ، فاذا كانت الوضيعة حاصلة بعد التعدي أو التفريط لم يضمنها ، وإن كان يضمن العين. وإذا كانت الوضيعة بعد مخالفة المالك ضمنها كما ضمن العين. فلاحظ.

[2] يعني فإذا بقيت الاذن فقد بقي الاستيمان ، وإذا ثبت الاستيمان فقد شمله عموم : لا ضمان على الأمين ، وهو مقدم على الاستصحاب. ومثله الكلام في الوديعة.

سبب الضمان. ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع ضمن الوضيعة إن حصلت بعد ذلك [1]. وهل يضمن بنية الخيانة مع عدم فعلها؟ وجهان ، من عدم كون مجرد النية خيانة ، ومن صيرورة يده حال النية بمنزلة يد الغاصب [2] ويمكن الفرق بين العزم عليها فعلاً وبين العزم على أن يخون بعد ذلك [3].

( مسألة 40 ) : لا يجوز للمالك أن يشتري من العامل شيئاً من مال المضاربة [4] ، لأنه ماله. نعم إذا ظهر الربح يجوز له أن يشتري حصة العامل منه مع معلومية قدرها. ولا يبطل بيعه بحصول الخسارة بعد ذلك ، فإنه بمنزلة التلف [5] ويجب على العامل رد قيمتها لجبر الخسارة ، كما لو باعها من غير المالك. وأما العامل فيجوز أن يشتري من المالك قبل


[1] قد عرفت أن ضمان الوضيعة يختص بصورة مخالفة المالك ، فان لم تكن مخالفة للمالك فلا ضمان لها وإن كان مفرطاً في عمله ، كما هو المفروض في المقام. بل في اقتضائه ضمان العين إشكال ، فإنه أيضاً يختص بالتعدي والتفريط في حفظ العين لا في العمل. اللّهم إلا أن يكون مبنى العقد على البيع مع المصلحة ، فتركه مخالفة للعقد ، فيكون مخالفاً للمالك.

[2] هذا أول الكلام ، ولا دليل عليه.

[3] لكنه ليس بفارق.

[4] كما نص في الشرائع والقواعد وغيرهما ، وفي الجواهر : أنه بلا خلاف ولا إشكال ، معللا له بما في المتن.

[5] كذا في الجواهر أيضاً. وقد تقدم ذلك من المصنف في المسألة

ظهور الربح ، بل وبعده ، لكن يبطل الشراء بمقدار حصته من المبيع [1] ، لأنه ماله. نعم لو اشترى منه قبل ظهور الربح بأزيد من قيمته بحيث يكون الربح حاصلا بهذا الشراء يمكن الاشكال فيه ، حيث أن بعض الثمن حينئذ يرجع إليه من جهة كونه ربحاً ، فيلزم من نقله إلى البائع عدم نقله من حيث عوده إلى نفسه. ويمكن دفعه : بأن كونه ربحاً متأخر عن صيرورته للبائع ، فيصير أولا للبائع الذي هو المالك من جهة كونه ثمناً ، وبعد أن تمت المعاملة وصار ملكاً للبائع وصدق كونه ربحاً يرجع إلى المشتري الذي هو العامل على حسب قرار المضاربة ، فملكية البائع متقدمة طبعاً [2]. وهذا مثل ما إذا باع العامل مال المضاربة الذي هو مال المالك من أجنبي بأزيد من قيمته ، فان المبيع ينتقل من المالك والثمن يكون مشتركاً بينه وبين العامل ، ولا بأس به فإنه من الأول يصير ملكاً للمالك ثمَّ يصير بمقدار حصة العامل منه له بمقتضى قرار المضاربة. لكن هذا على ما هو المشهور من أن مقتضى المعاوضة دخول المعوض في ملك من خرج عنه العوض وأنه لا يعقل غيره. وأما على ما هو الأقوى من عدم المانع من كون


السابعة والثلاثين. لكن في جامع المقاصد : « لو تجدد الخسران أمكن القول بالبطلان ، ولم أجد تصريحاً بذلك ، فينبغي التوقف ». وضعفه ممّا تقدم ظاهر ، وفي الجواهر : أنه في غير محله.

[1] كما في القواعد وغيرها ،

[2] تقدم الموضوع على حكمه.

المعوض لشخص والعوض داخل في ملك غيره ، وأنه لا ينافي حقيقة المعاوضة [1] ، فيمكن أن يقال : من الأول يدخل الربح


[1] المعاوضة مصدر « عاوض » ، و « فاعل » لا يدل على المشاركة كما يظهر من ملاحظة موارد الاستعمال كما أشرنا إلى ذلك في أول كتاب المضاربة ، وإنما الذي يدل على المشاركة « تعاوض » والمصدر له التعاوض فمعنى عاوض أنه أعطى العوض وجعله في مكان المعوض ، أما المعوض فلا يجب أن يكون في مكان العوض ، وعليه فالثمن الذي هو العوض يجب أن يكون في مكان المثمن المعوض ، ولا يجب العكس. نعم يكون العكس إذا لم يكن مقتضٍ للخلاف. هذا هو الموافق للمرتكزات العقلائية. وأما احتمال أنه لا يجب أن يكون العوض داخلا في ملك مالك المعوض فيجوز أن يكون المعوض لشخص ، فيخرج من ملكه الى ملك غيره ، ولا يدخل في ملكه شي‌ء ، بل يدخل العوض في ملك غيره ، وهو الذي جعله المصنف (رحمه اللّه) أقوى ، فضعيف جداً ، لأن الظاهر من الباء كون مدخولها عوضاً ، والظاهر من العوض كونه في مكان المعوض ، ولذلك كان من المسلمات امتناع الجمع بين العوض والمعوض. والذي يتحصل : أن المحتمل في مفهوم المعاوضة أمور ثلاثة ( الأول ) : دخول كل من العوض والمعوض في ملك من خرج عنه الآخر. ( الثاني ) : دخول العوض في ملك مالك المعوض دون العكس. ( الثالث ) : عدم لزوم دخول أحدهما في ملك مالك الآخر فيجوز أن يدخل كل منهما في غير ملك من خرج عنه الآخر. والاحتمال الأول هو المشهور ، والثاني هو الأقوى ، والثالث ضعيف. وعلى الأولين يتوجه الإشكال الذي ذكره المصنف ثمَّ الجواب عنه بما ذكر ، ولا يختص الاشكال والجواب بالمشهور فقط. وعلى الثالث لا يتوجه الاشكال من أصله ، إذ لا موجب لأن ينتقل المال إلى البائع لعدم دخله في مفهوم المعاوضة

في ملك العامل بمقتضى قرار المضاربة ، فلا يكون هذه الصورة مثالا للمقام ونظيراً له [1].

( مسألة 41 ) : يجوز للعامل الأخذ بالشفعة من المالك في مال المضاربة [2] ولا يجوز العكس [3]. مثلا إذا كانت دار مشتركة بين العامل والأجنبي ، فاشترى العامل حصة الأجنبي بمال المضاربة ، يجوز له إذا كان قبل ظهور الربح أن يأخذها بالشفعة ، لأن الشراء قبل حصول الربح يكون للمالك ، فللعامل أن يأخذ تلك الحصة بالشفعة منه. وأما إذا كانت الدار مشتركة بين المالك والأجنبي ، فاشترى العامل حصة الأجنبي ، ليس للمالك الأخذ بالشفعة ، لأن الشراء له فليس له أن يأخذ بالشفعة ما هو له.


على ما هو المفروض ، كي يشكل : بأنه يلزم من نقله إلى البائع عدم نقله وعوده الى نفسه.

[1] لأن الذي يلزم في هذه الصورة أن العوض ينتقل الى غير مالك المعوض ، وهو غير الاشكال السابق الذي هو أنه يلزم من نقل العوض عدم نقله. لكن قد عرفت أيضاً أنه لا يتوجه الاشكال من أصله في المقام لجواز كون الشي‌ء عوضاً من دون انتقال من مالكه ، لأن الموجب لانتقاله من ماله أن يكون في ملك مالك المعوض ، فاذا لم يلزم ذلك في المعاوضة لم يلزم الانتقال أيضاً.

[2] يعني : أن يأخذ ما اشتراه للمضاربة لنفسه بالشفعة.

[3] يعني أن يأخذ المالك بالشفعة ما اشتراه العامل له ، لأنه إذا اشتراه صار للمالك ، فلا معنى لتملكه بالشفعة. وهذا الحكم مذكور في

( مسألة 42 ) : لا إشكال في عدم جواز وطء العامل للجارية التي اشتراها بمال المضاربة بدون إذن المالك ، سواء كان قبل ظهور الربح أو بعده ، لأنها مال الغير أو مشتركة بينه وبين الغير الذي هو المالك. فان فعل كان زانياً ، يحد مع عدم الشبهة كاملا إن كان قبل حصول الربح ، وبقدر نصيب المالك إن كان بعده. كما لا إشكال في جواز وطئها إذا أذن له المالك بعد الشراء [1] ، وكان قبل حصول الربح ، بل يجوز بعده على الأقوى [2] من جواز تحليل أحد الشريكين صاحبه وطء الجارية المشتركة بينهما. وهل يجوز له وطؤها بالإذن السابق في حال إيقاع عقد المضاربة ، أو بعده قبل الشراء ، أم لا؟ المشهور على عدم الجواز ، لأن التحليل إما تمليك أو عقد [3] وكلاهما لا يصلحان قبل الشراء [4]. والأقوى - كما عن


الشرائع والقواعد وغيرهما ، ولا إشكال فيه.

[1] فإنه من التحليل الذي لا إشكال في صحته في الجملة.

[2] كما ذهب إليه جماعة من الأساطين. ويدل عليه صحيح محمد ابن قيس (1)وسيأتي تحرير ذلك في المسألة الواحدة والعشرين من فصل نكاح العبيد والإماء.

[3] كذا في المسالك.

[4] فلا يتناوله الحصر في قوله تعالى ( إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) (2). كذا في المسالك.


1) الوسائل باب : 41 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث : 1.

2) المؤمنون : 6.

الشيخ في النهاية - الجواز ، لمنع كونه أحد الأمرين ، بل هو إباحة [1] ، ولا مانع من إنشائها قبل الشراء إذا لم يرجع عن إذنه بعد ذلك ، كما إذا قال : اشتر بمالي طعاماً ثمَّ كل منه [2] هذا مضافاً إلى خبر الكاهلي [3] عن أبي الحسن (عليه السلام) « قلت : رجل سألني أن أسألك أن رجلاً أعطاه مالاً مضاربة يشتري


[1] لكن يشكل للحصر المذكور في الآية الشريفة. إلا أن يقال : إن الدليل القطعي الدال على جواز الوطء بتحليل المالك موجب للخروج عن عموم الحصر. أو يكون المراد بما ملكت أيمانهم ما يعم التحليل ، والموجب لذلك أن ما دل على مشروعية التحليل لا يقبل الحمل على أحد الأمرين من العقد والتمليك ، فيتعين المصير الى ما ذكر. لكن في جواز التحليل بهذا المعنى قبل الشراء إشكال ، إذ لا إطلاق يقتضي جوازه حينئذ ، والأصل عدم ترتب ، الأثر

[2] لا ينبغي التأمل في صحة ذلك. لكن المقايسة مع المقام غير ظاهرة لأن التصرفات الخارجية لا تتوقف على الاذن الإنشائي ، ويكفي فيها الرضا النفساني التقديري المستفاد من الفحوى ، فمن أذن لغيره في دخول داره جاز للمأذون شرب الماء والوضوء ونحوهما من التصرفات الخارجية التي لو سئل عنها المالك لإذن فيها ، ولا ريب في عدم كفاية ذلك هنا. نعم المناسب المقايسة بالتصرفات الاعتبارية ، كما إذا أذن له في شراء دار ووقفها أو إجارتها ونحوها من التصرفات الاعتبارية ، فإن الإذن فيها لا تتوقف على وجود الموضوع - كما مثل له في الجواهر - وإن كان المقام يختلف عن المثال بأنه تصرف خارجي والمثال تصرف اعتباري ، لكنه لما كان لا بد فيه من الرضا الإنشائي كان نظيراً.

[3] رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد

ما يرى من شي‌ء ، وقال له : اشتر جارية تكون معك ، والجارية إنما هي لصاحب المال ، إن كان فيها وضيعة فعليه ، وإن كان ربح فله ، فللمضارب أن يطأها؟ قال (عليه السلام) : نعم ». ولا يضر


ابن زياد عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : « قلت .. » (1). واسناد الشيخ الى الحسن موثق ، والحسن ثقة ، ومحمد ابن زياد صحيح الحديث ، لأن الظاهر أنه محمد ابن أبي عمير ، واحتمال غيره لا يعول عليه عند الإطلاق ، وكذلك عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ، فإنه من الأجلاء - كما قيل - وقد عد حديثه صحيحاً في كثير من الموارد فالخبر من الموثق.

وفي المسالك : « والقول بالجواز للشيخ في النهاية ، استناداً إلى رواية ضعيفة ، مضطربة المفهوم ، قاصرة الدلالة ». والاشكال على الأول ظاهر. وفي جامع المقاصد في بيان وجه ما في القواعد من أن الأقرب المنع : « ووجه القرب الحصر المستفاد من قوله تعالى ( إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ). ولأن أمر الفروج مبني على الاحتياط التام ، فلا يعول فيه على مثل هذه الرواية. لكن الحصر لا بد من التصرف فيه لما دل على مشروعية التحليل ، ولا مجال للاحتياط مع الدليل. نعم ذكر في النافع أن الرواية متروكة ، وهذا الترك يوجب سقوطها عن الحجية كغيرها من المهجورات. وهذا الترك يوجب سقوطها عن الحجية كغيرها من المهجورات. لكن ذلك يختص بما إذا كان يمنع من الوثوق بصدورها ، وفي المقام غير ظاهر ، لاحتمال كونه صادراً لأجل هذه الطعون غير المقبولة وإن كان ظاهر المحقق أن القادح في الرواية أنها متروكة لا قاصرة عن الحجية ، فالطعون المذكورة في كلام من تأخر عنه من باب التعليل بعد الورود ، فاذاً لا مجال للعمل بالرواية. فلاحظ.


1) الوسائل باب : 11 من أبواب كتاب المضاربة.

ظهورها في كون الشراء من غير مال المضاربة [1] من حيث جعل ربحها للمالك ، لأن الظاهر عدم الفرق بين المضاربة وغيرها في تأثير الإذن السابق وعدمه. وأما وطء المالك لتلك الجارية فلا بأس به [2] قبل حصول الربح ، بل مع الشك فيه ، لأصالة عدمه. وأما بعده فيتوقف على إذن العامل ، فيجوز معه على الأقوى [3] من جواز إذن أحد الشريكين صاحبه.

( مسألة 43 ) : لو كان المالك في المضاربة امرأة فاشترى العامل زوجها ، فإن كان بإذنها فلا إشكال في صحته ، وبطلان


[1] لأن قول السائل : « هي لصاحب المال » يراد منه أنها ليست من مال المضاربة ، والا فإن مال المضاربة أيضاً لصاحب المال. ثمَّ إن الظاهر أن هذا الظهور هو الذي دعا المسالك إلى دعوى كونها قاصرة الدلالة. وأما دعواه اضطراب المفهوم فالظاهر أن الوجه فيه أن قول المالك : « تكون معك » غير ظاهر في الاذن في الوطء ، ولعل المراد أنها تكون معك أمانة ووديعة إلى أن ترجع في مقابل أن يرسلها الى المالك ، لكن لما كان من البعيد الاذن للعامل في الوطء للوديعة تعين أن يكون الإذن قرينة على أن المراد من كونها مع العامل أن يتخذها فراشاً له. وفيه : أن الظاهر من قوله : « تكون معك » الذي هو جملة وصفية للجارية د الجارية أنه يريد كونها مصاحبة له والمنصرف منه أن تكون فر ، لا أمانة.

[2] لكونها ملكه بلا شريك.

[3] لما يأتي في المسألة الواحدة والعشرين من فصل نكاح العبيد والإماء كما سبق.

نكاحها [1] ، ولا ضمان عليه [2] ، وإن استلزم ذلك الضرر عليها بسقوط مهرها ونفقتها. وإلا ففي المسألة أقوال [3] : البطلان مطلقاً ، للاستلزام المذكور ، فيكون خلاف مصلحتها. والصحة كذلك ، لأنه من أعمال المضاربة المأذون فيها في ضمن العقد ، كما إذا اشترى غير ز. والصحة إذا أجازت بعد ذلك. وهذا هو الأقوى ، إذ لا فرق بين الاذن السابق والإجازة اللاحقة ، فلا وجه للقول الأول [4]. مع أن قائله غير معلوم [5]. ولعله من يقول بعدم صحة الفضولي إلا فيما ورد دليل خاص. مع أن الاستلزام المذكور ممنوع ، لأنها لا يستحق النفقة إلا تدريجاً ، فليست هي مالاً لها فوته عليها وإلا لزم غرامتها على من قتل الزوج. وأما المهر فإن كان


[1] إجماعاً ، نصاً وفتوى ، كما يأتي في شرح المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والإماء.

[2] لعدم الموجب له بعد أن كان الشراء بإذنها. كما هو المفروض.

[3] قال في القواعد : « قيل : يبطل الشراء ، لتضررها به ، وقيل يصح موقوفاً .. ( الى أن قال ) وقيل : مطلقاً ، فيضمن المهر مع العلم » ، ونحوه حكي في جملة من الكتب ، وفي الشرائع : اقتصر على ذكر قولين ، فقال : « قيل : يصح الشراء ، وقيل : يبطل ، لأن عليها في ذلك ضرراً. وهو أشبه » ، ونحوه حكي عن المبسوط.

[4] فالاستلزام الذي ذكر وجهاً له لا يقتضي البطلان مع الإجازة

[5] كما الجواهر ، لكن قال : « وإن حكي عن ظاهر الشيخ في المبسوط » ، وفي التذكرة حكاه قولاً للشافعي.

ذلك بعد الدخول فلا سقوط ، وإن كان قبله فيمكن أن يدعى عدم سقوطه أيضاً بمطلق المبطل [1] ، وإنما يسقط بالطلاق فقط مع أن المهر كان لسيدها [2] لها. وكذا


[1] احتمل ذلك في الجواهر هنا ، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والإماء ، وذكرنا هناك أن التحقيق بقاء تمام المهر ، لأن العقد لم ينفسخ ولم ينحل ، وإنما طرأ الطارئ على مورد العقد فمنع من بقاء أثره ، وما دام العقد باقياً لم ينحل يصح كل شرط فيه ، ومنه شرط المهر ، فلا وجه لتبعيضه ، ولا لسقوطه. فراجع.

[2] هكذا في النسخ التي بأيدينا ، والصحيح كان لسيده ، والمراد منه غامض جداً. ويحتمل أن يكون مراد المصنف ما في الجواهر فإنه حكى عن المسالك وجامع المقاصد ضمان المهر في المقام. بل في الأول منهما جعل الضمان ظاهراً ، واستشكل عليه.

أولا : بحصول الاذن منها على فرض الصحة ولو في ضمن الإطلاق. وثانياً : بمنع فوات المهر عليها مع فرض عدم الفسخ من قبلها ، لكونه مستحقاً لها بالعقد.

ثمَّ قال : « ولعل مرادهما ضمان المهر لسيد العبد الذي هو الزوج » ، يعني : فلا يكون ضمان المهر للزوجة ، وكأن المصنف (رحمه اللّه) يريد بيان ذلك. هذا ولكن احتمال ذلك في كلام المسالك وجامع المقاصد بعيد جداً ، لذكر المهر في سياق النفقة التي هي إن كانت مضمونة فللزوجة. مع أنه لا وجه لضمان السيد مع اقدامه على بيع عبده ، إلا أن يكون المفروض الشراء من وكيله ، وحينئذ تشكل صحة الشراء إذا كان فيه ضرر على السيد ، ولو صح كان وكيل السيد ضامنا أيضاً كالعامل. مضافاً إلى أن ما فات على السيد هو زوجية عبده بعد أن صار حراً أجنبياً ، لا المهر ،

لا وجه للقول الثاني [1] بعد أن كان الشراء المذكور على خلاف مصلحتها ، لا من حيث استلزام الضرر المذكور [2] بل لأنها تريد زوجها لأغراض أخر ، والإذن الذي تضمنه العقد منصرف عن مثل هذا [3]. ومما ذكرنا ظهر حال ما إذا اشترى العامل زوجة المالك ، فإنه صحيح مع الاذن السابق أو الإجازة اللاحقة ، ولا يكفيه الاذن في العقد ، للانصراف.

( مسألة 44 ) : إذا اشترى العامل من ينعتق على المالك فاما أن يكون بإذنه ، أو لا. فعلى الأول ولم يكن فيه ربح صح وانعتق عليه [4] ، وبطلت المضاربة بالنسبة إليه [5] ، لأنه خلاف وضعها وخارج عن عنوانها ، حيث أنها مبنية على طلب الربح المفروض عدمه ، بل كونه خسارة محضة ، فيكون


وفوات الزوجية حينئذ كيف يكون ضرراً مالياً على السيد حتى يكون مضموناً له. ثمَّ إن حمل كلام المصنف على هذا المعنى بعيد جداً عن العبارة ، فلا مجال له. ولعل في العبارة سقطاً.

[1] وان كان القائل به غير معلوم أيضاً كما في المسالك والجواهر ، وفي التذكرة : حكاه عن أبي حنيفة.

[2] لما عرفت من المناقشة فيه.

[3] دعوى الانصراف كلية غير ظاهرة. وكذا فيما بعده.

[4] لا إشكال في الحكمين المذكورين ، عملاً بعموم الأدلة.

[5] كما صرح به غير واحد ، منهم المحقق في الشرائع ، معللين له بما ذكر في المتن.

صحة الشراء من حيث الاذن من المالك ، لا من حيث المضاربة وحينئذ فإن بقي من مالها غيره بقيت بالنسبة إليه [1] ، وإلا بطلت من الأصل. وللعامل أجرة عمله [2] إذا لم يقصد التبرع.


[1] كما صرح به في الشرائع وغيرها ، لعدم الموجب للبطلان في الجميع كما لو تلف بعض المال أو أتلفه المالك أو استرده ، لأن العقد على الجميع قابل للتحليل والتجزئة ، لأنه على نحو تعدد المطلوب.

[2] كما عن الإرشاد والمختلف وغيرهما. وعن المبسوط عدم الأجرة ، وظاهر المحقق الثاني الميل اليه ، بل لعل ظاهر الشرائع لعدم المقتضي لها ، إذ لا أمر بالعمل المذكور ، كي يكون استيفاءً موجباً للضمان. ومجرد الاذن في الشرائع لا يقتضي الأمر به. والإجماع على أن بطلان المضاربة يوجب ثبوت الأجرة - كما عن الفخر في الإيضاح - لا يشمل ما نحن فيه ، بل يختص بما إذا كان العمل بأمر من المالك في مقام الاسترباح ، وليس منه المقام.

نعم إذا كانت قرينة على كون الاستئذان للعمل بأجرة استحق المستأذن الأجرة ، وتكون الاذن منه كمعاملة على العمل بأجرة. أما إذا لم تكن قرينة فلا موجب لاستحقاقها وان لم يقصد المستأذن التبرع. وبذلك يظهر الفرق بين الأمر بالعمل وبين الاذن في العمل ، فإن الأول يوجب الضمان إلا إذا قصد المأمور التبرع ، والثاني لا يوجب الضمان إلا إذا قصد الآذن الأجرة ، ونحوه في ذلك الاذن في الاستيفاء ، فإنه لا يوجب ضمان المستوفي إلا إذا كانت قرينة على الضمان ، كإذن الحمامي في الاستحمام ، واذن صاحب المطعم في الأكل من طعامه ، فإنه يوجب الضمان للقرينة عليه ، فلو لم تكن قرينة لم يستوجب الضمان ، كما إذا أذن صاحب الدار في دخول داره والأكل من طعامه ، فإنه لا يضمن الداخل ولا الآكل ، فباب الاذن

وإن كان فيه ربح فلا إشكال في صحته [1] ، لكن في كونه قراضاً - فيملك العامل بمقدار حصته من العبد [2] ، أو يستحق عوضه على المالك للسراية [3] - أو بطلانه مضاربة واستحقاق العامل أجرة المثل لعمله [4] - كما إذا لم يكن ربح - أقوال ، لا يبعد ترجيح الأخير ، لا لكونه خلاف وضع المضاربة [5] ، للفرق بينه وبين صورة عدم الربح [6] ، بل لأنه فرع ملكية المالك المفروض عدمها [7]. ودعوى : أنه لا بد أن يقال : إنه يملكه آناً ما ثمَّ ينعتق ، أو تقدر ملكيته ، حفظاً لحقيقة البيع ، على القولين في تلك المسألة [8] وأي منهما


غير باب الأمر.

[1] عملاً بعموم الأدلة.

[2] يعني بناءً على عدم السراية في مثله.

[3] كما عن المبسوط. ويقتضيه الصحيح المتقدم في المسألة الرابعة والثلاثين

[4] كما جعله الوجه في الشرائع والقواعد ، واختاره العلامة في كثير من كتبه ، وتبعهما عليه غير واحد ممن تأخر عنهما.

[5] بذلك استدل في جامع المقاصد والمسالك على بطلان المضاربة فيه.

[6] فإنه بعد أن كان المفروض حصول الربح يكون كسائر أنواع التجارة في مال المضاربة.

[7] : يعني أن العامل انما يملك حصته من الربح بعد أن يكون الربح للمالك ، لأنه عوض ماله ، عملاً بمقتضى المعاوضة ، على ما عرفت في المسألة الأربعين ، وهنا يتعذر أن يكون الربح للمالك ، للانعتاق عليه.

[8] يعني : القول بالملكية الفعلية والملكية التقديرية ، يعني : الملكية

كان يكفي في ملكية الربح. مدفوعة [1] بمعارضتها بالانعتاق الذي هو أيضاً متفرع على ملكية المالك ، فان لها أثرين في عرض واحد ، ملكية العامل للربح. والانعتاق ، ومقتضى بناء العتق على التغليب تقديم الثاني ، وعليه فلم يحصل للعامل ملكية نفس العبد [2] ، ولم يفوت المالك عليه أيضاً شيئاً [3] ، بل فعل ما يمنع عن ملكيته. مع أنه يمكن أن يقال : إن التفويت من الشارع [4] لا منه. لكن الإنصاف أن المسألة مشكلة ، بناء على لزوم تقدم ملكية المالك وصيرورته للعامل بعده ، إذ تقدم الانعتاق على ملكية العامل عند المعاوضة في محل المنع [5]. نعم


على تقدير عدم المانع ، فان ذلك يكفي في صدق العوضية من الطرفين.

[1] كان المناسب أن يقول : مسلمة لكنها لا تجدي في ملك العامل لحصته من الربح ، لوجود المانع وهو الانعتاق من جهة التغليب

[2] هذا يقتضي أن يكون المناسب له في تعليل اختيار الأخير أن يقول - بدل قوله : « لأنه فرع ملكية المالك » - : لتعذر ملكية العامل للربح.

[3] يعني : فلا يكون المالك ضامناً لحصته من الربح للتفويت ، فيكون العامل مالكاً لبدل الحصة ، لأن الفوات كان بإقدام العامل على شراء من ينعتق على المالك ، لا بتسبيب المالك.

[4] لكن تفويت الشارع لا يكون موضوع أثر شرعي ، والضمان يستند إلى فعل المكلف ، فمن ألقى نجاسة في دهن مائع كان ضامناً له للإتلاف ، وإن كان ذلك مستنداً الى حكم الشارع بنجاسة المائع.

[5] لأن تغليب العتق لا دليل عليه كلية لكن إذا لم يكن يكون

لو قلنا : إن العامل يملك الربح أولا بلا توسط ملكية المالك بالجعل الأولي حين العقد ، وعدم منافاته لحقيقة المعاوضة ، لكون العوض من مال المالك والمعوض مشتركاً بينه وبين العامل - كما هو الأقوى [1] - لا يبقى إشكال ، فيمكن أن يقال [2] بصحته مضاربة ، وملكية العامل حصته من نفس العبد على القول


اللازم تساقط الدليلين ، وحينئذ يتم المدعى من عدم ملك العامل ، فتبطل المضاربة. اللّهم إلا أن يقال : إن إطلاق ما دل على ملكية العامل للربح بعد أن يملكه المالك لا يصلح لتشريع الأحكام المخالفة للأحكام الاقتضائية فإذا كان ملك المالك يقتضي الانعتاق فلا تصلح أدلة مشروعية المضاربة لمنع ذلك.

[1] تقدم ذلك في المسألة الأربعين.

[2] المذكور في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما في توجيه بطلان المضاربة في المقام : اعتبار صلاحية المال للتقليب مرة بعد أخرى فيها ، وهو منتفٍ في المقام ، للانعتاق بمجرد الشراء. وفي الجواهر : استشكل في ذلك بل منع من اعتبار ذلك في مفهوم المضاربة بالنسبة الى جميع المال. وكأنه لذلك لم يعتن بهذا الوجه المصنف. وفيه : أنه لا إطلاق لفظي في دليل المضاربة يشمل المقام ، والإطلاق المقامي قاصر عنه ، للشك في صدق المضاربة فيه. ونحوه مما كان المال لا يقبل التقليب ، والأصل عدم ترتب الأثر. وعموم صحة العقود وإن كان يقتضي الصحة ، لكن لا بعنوان المضاربة ، كما سبق في نظيره من شروط المضاربة ، لكن لا بعنوان المضاربة ، كما سبق في نظيره من شروط المضاربة. اللّهم إلا أن يكون داخلاً في عموم المضاربة للصحيح المتقدم في المسألة الرابعة والثلاثين ، وكفى به دليلا على صحة المضاربة حينئذ وإن كان مختصاً بالجهل.

بعدم السراية [1] ، وملكيته عوضها إن قلنا بها. وعلى الثاني - أي إذا كان من غير إذن المالك - فإن أجاز فكما في صورة الاذن ، وإن لم يجز بطل الشراء. ودعوى : البطلان ولو مع الإجازة [2] ، لأنه تصرف منهي عنه ، كما ترى ، إذ النهي ليس عن المعاملة بما هي ، بل لأمر خارج [3] ، فلا مانع من صحتها مع الإجازة. ولا فرق في البطلان مع عدمها بين كون العامل عالماً بأنه ممن ينعتق على المالك حين الشراء أو


[1] بناءً على اختصاصها بالعتق الاختياري ، فلا يشمل المقام وإن كان سببه اختيارياً وهو الاذن في الشراء. وستأتي الإشارة الى ذلك في المسألة الآتية.

[2] قال في القواعد : « وإن لم يأذن فالأقرب البطلان إن كان الشراء بالعين أو في الذمة وذكر المالك ، وإلا وقع للعامل ». وفي جامع المقاصد : « يظهر من تقرير الشارح الفاضل أن مراد المصنف بالبطلان أنه لا يقع موقوفاً ، بل يقع باطلا ، لاستلزام عقد القراض النهي عن هذا التصرف » ، ونحو عبارة القواعد عبارة الشرائع واحتمل في المسالك ما حكى عن شرح الفاضل من البطلان حتى مع الإجازة ، للنهي المذكور في المتن.

[3] لم يتضح وجود هذا النهي حتى يتكلم في معناه ، بل ليس الا ما دل على المنع من التصرف في مال الغير بغير إذنه ، ولا بد - بناء على صحة الفضولي - من حمله على الإرشاد إلى عدم الصحة بدون الإجازة. وبالجملة : لا دليل بالخصوص على النهي ، ولا على البطلان وإنما هو من صغريات باب الفضولي ، فإذا بني على صحته بالإجازة فلا بد من البناء على ذلك في المقام.

جاهلا ، والقول بالصحة مع الجهل [1] ، لأن بناء معاملات العامل على الظاهر ، فهو كما إذا اشترى المعيب جهلاً بالحال [2] ضعيف ، والفرق بين المقامين واضح [3]. ثمَّ لا فرق في البطلان بين كون الشراء بعين مال المضاربة ، أو في الذمة بقصد الأداء منه [4] وإن لم يذكره لفظاً. نعم لو تنازع هو والبائع في كونه لنفسه أو للمضاربة قدم قول البائع ، ويلزم العامل به ظاهراً ، وإن وجب عليه التخلص منه [5] ، ولو لم


[1] قال في القواعد : « في جاهل النسب والحكم إشكال » ووجهه - كما في جامع المقاصد والمسالك - ما ذكره في المتن.

[2] هذا التمثيل ذكره في المسالك ، واعتمد عليه.

[3] فرق في الجواهر بين المقامين : بأن مبنى المضاربة على الاجتهاد بالنسبة إلى العيب وعدمه والرغبة فيها وعدمها ، فالخطأ والصواب من توابع المضاربة ، ضرورة جريانها على المتعارف في اعمال التجارة ، بخلاف المقام الذي لم يكن حاضراً في الذهن ، ولا هو متعارف التجارة. انتهى. وحاصله : أن شراء المعيب مأذون فيه كشراء الصحيح ، لأنه يكون مورداً للغبطة والفائدة كالصحيح ، وطرو التعلف لا يقدح في الاذن كطروه في شراء الصحيح ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنه غير مأذون فيه ، كما هو المفروض.

[4] قد تقدم ما في القواعد من الصحة للعامل مع عدم ذكر المالك وهو ظاهر الشرائع أيضاً ، وفيه : أنه يلزم وقوع ما لم يقصد. اللّهم إلا أن يكون مقصودهما الوقوع للعامل ظاهراً وفي مقام الإثبات ، فمع النزاع بين البائع والمشتري إذا ادعى البائع أنه للعامل كان قوله موافقاً للحجة ، ويكون خصمه مدعياً. أما مع الاتفاق على قصد المالك فالحكم البطلان.

[5] لبقائه على ملك البائع ، فيجب عليه رده عليه. وأخذه من باب

يذكر المالك لفظاً ولا قصداً كان له ظاهراً وواقعاً [1].

( مسألة 45 ) : إذا اشترى العامل أباه أو غيره ممن ينعتق عليه ، فان كان قبل ظهور الربح ولا ربح فيه أيضاً [2] صح الشراء [3] وكان من مال القراض ، وإن كان بعد


المقاصة للبائع في مقابل أخذه الثمن ، غير ظاهر ، إذ لا دليل عليها فيما إذا كان المقاص عنه ممتنعاً عن دفع الحق عن شبهة.

[1] إذا لم يذكر المالك لفظاً ولا قصداً وكان الشراء بالعين ، فالمبادلة تكون بين العينين. وينتقل كل منهما الى ملك مالك الآخر ، وإذا كان الشراء بالذمة فلا بد من تعيين الذمة ، وإلا لم يكن البدل ذا مالية ، ولا صالحاً للمبادلة به لا عوضاً ولا معوضاً. نعم لا يعتبر التعيين التفصيلي بل يكفي التعيين الإجمالي الارتكازي ، والمرتكز في الذهن من قول القائل : اشتريت هذا بدينار : أنه بدينار في ذمتي ، فيكون الشراء القائل لا لغيره.

[2] لم يظهر وجه المقابلة بين الأمرين ، ولذلك كانت العبارات خالية عن الجمع ، فمنهم من ذكر الظهور ، قال في الشرائع : « إذا اشترى العامل أباه فإن ظهر فيه ربح انعتق .. » ، ومنهم من ذكر الربح ، قال في المسالك : « فان لم يكن فيه ربح سابقاً ولا لاحقاً فالبيع صحيح. » وكأنه يريد من ظهور الربح خصوص ارتفاع السوق بعد الشراء ، ومن الربح زيادة القيمة حال الشراء ، وإن كان ذلك لا يناسب ما يأتي في الصورة الأخرى.

وبالجملة الصور ثلاث ، لأنه تارة : يظهر الربح حين الشراء ، وأخرى : بعد ذلك ، وثالثة : لا يظهر لا حال الشراء ولا بعد ذلك. والصورة الثالثة واضحة الحكم عندهم وهي الصورة الاولى في كلام المصنف وفي كلام المسالك.

[3] بلا اشكال ، وفي جامع المقاصد : « قطعاً ، لعدم المانع » وفي

ظهوره أو كان فيه ربح ، فمقتضى القاعدة وإن كان بطلانه [1] لكونه خلاف وضع المضاربة ، فإنها موضوعة - كما مر - للاسترباح بالتقليب في التجارة ، وللشراء المفروض من حيث استلزامه للانعتاق ليس كذلك - إلا أن المشهور - بل ادعي عليه الإجماع [2] صحته ، وهو الأقوى في صورة الجهل بكونه ممن ينعتق عليه ، فينعتق مقدار حصته من الربح منه ، ويسري في البقية ، وعليه عوضها للمالك مع يساره ، ويستسعى العبد فيه مع إعساره [3].


المسالك : « إذ لا ضرر فيه على أحد ، ولا عتق ». والمراد لزوم العمل بعموم الأدلة لما لم يكن مخصص.

[1] كما احتمله في القواعد ، لما في المتن ، ونسب إلى جماعة ، وجعله في المسالك أحد الوجوه في المسألة.

[2] وفي القواعد : أن الصحة أقرب. وعن ظاهر التذكرة : أنه إجماعي ، وفي الجواهر : « بلا خلاف أجده فيه ، كما اعترف به غير واحد بل عن الغنية والسرائر : الإجماع عليه » ، وعن مجمع البرهان : نسبته إلى فتوى الفقهاء تارة ، وإلى نفي الخلاف أخرى.

[3] هذا أحد الوجوه أو الأقوال وخارج عن معقد الإجماع ونفي الخلاف ، والمنسوب اليه قليل ، والمذكور في معاقد الإجماع ونفي الخلاف ما في الشرائع وغيرها من أنه يسعى المعتق في باقي قيمته ، سواء كان العامل موسراً أم معسراً ، بدعوى : أنه ظاهر الصحيح الآتي ، وفي المسالك : أنه مقتضى إطلاق الرواية. ومن ذلك تعرف أن بيان المصنف لا يخلو من قصور ، فقد يظهر منه أن التفصيل بين اليسار والإعسار معقد الشهرة

لصحيحة ابن أبي عمير [1] عن محمد بن قيس عن الصادق (عليه السلام) « في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة ، فاشترى أباه وهو لا يعلم قال (عليه السلام) : يقوم ، فإن زاد درهماً واحداً انعتق واستسعى في مال الرجل ». وهي مختصة بصورة الجهل [2] المنزل عليها إطلاق كلمات العلماء أيضاً [3]. واختصاصها بشراء الأب لا يضر ، بعد كون المناط كونه ممن ينعتق عليه [4] كما أن اختصاصها بما إذا كان فيه ربح لا يضر أيضاً ، بعد عدم الفرق بينه وبين الربح السابق [5] وإطلاقها من حيث اليسار والإعسار في الاستسعاء أيضاً منزل على الثاني ، جمعا


والإجماع ، وليس كذلك. وكأن مراده دعوى الإجماع على الصحة فقط.

[1] قد تقدم ذكر هذا الصحيح في المسألة الرابعة والثلاثين

[2] كما هو مصرح به في الصحيحة.

[3] لعدم الوثوق بإرادة الأعم منه ، كما في الجواهر. لكن يتم ذلك لو كان الحكم خلاف الأصل - كما أشرنا إليه سابقاً - وإلا أمكن الرجوع الى الأصل المقتضي للصحة وإن كان النص قاصراً عنه.

[4] كما يقتضيه الارتكاز العرفي ، فيكون قرينة على العموم ، كما هو ظاهر بعض الكلمات كالقواعد - وان كان بعضها الآخر - كالشرائع - الاختصاص بالأب. لكن في المسالك : أن الحكم عام ، والتخصيص بالأب في الشرائع من جهة أنه مورد الرواية.

[5] قد عرفت الإشكال في المراد من ذلك ، ولو أريد منه الربح السابق على الشراء فليس ذلك موضوعاً لأي أثر شرعي ، بل إن بقي حال الشراء فبقاؤه موضوع الأثر وان زال لم يترتب عليه شي‌ء.

بين الأدلة [1]. هذا ولو لم يكن ربح سابق [2] ولا كان فيه أيضاً ، لكن تجدد بعد ذلك قبل أن يباع ، فالظاهر أن حكمه أيضاً الانعتاق والسراية ، بمقتضى القاعدة [3]. مع إمكان دعوى شمول إطلاق الصحيحة أيضاً للربح المتجدد فيه [4] فيلحق به الربح الحاصل من غيره [5] ، لعدم الفرق.


[1] كما في المسالك والجواهر. والمراد الجمع بين الصحيح المذكور وما دل على ضمان المعتق مع يساره. لكن عموم ذلك المقام محل تأمل ، بل منع ، لاختصاص ذلك بما إذا أعتقه ، فلا يشمل ما إذا اشتراه فانعتق. وعليه فلا موجب لتقييد النص في المقام ، ولا وجه للتفصيل المذكور في المتن ، الذي جعله في القواعد أقرب.

[2] قد عرفت إشكاله.

[3] قد عرفت إشكاله. وأن أدلة السراية مختصة بما إذا أعتق شقصاً وهو لا يشمل ما نحن فيه. وربما استشكل في السراية في المقام حتى بناء على عموم الدليل لمطلق العتق الاختياري ، لأن الموجب للعتق ارتفاع السوق وهو خارج عن الاختيار. وفيه : أنه يكفي في الاختيار الاختيار في بعض المقدمات.

[4] كما في المسالك والجواهر. وهو كذلك ، فان قوله (عليه السلام) : « يقوّم » يشمل ما كان التقويم والزيادة حال الشراء وبعده ، فاذاً الواجب عموم الحكم للمقامين.

[5] يعني : إذا لم تزد قيمة العبد على ثمنه لكن زادت قيمة الأعيان الأخرى ، فإن زيادتها توجب ملكية العامل لحصته في جميع مال المضاربة ومنها العبد ، فينعتق ويسري العتق في الباقي ، ويستسعى العبد ، كما أشار الى ذلك في الجواهر. وقد يشكل : بأن الحكم بالسراية على خلاف الأصل

( مسألة 46 ) : قد عرفت أن المضاربة من العقود الجائزة [1] وأنه يجوز لكل منهما الفسخ إذا لم يشترط لزومها في ضمن عقد لازم ، بل أو في ضمن عقدها أيضاً. ثمَّ قد يحصل الفسخ من أحدهما ، وقد يحصل البطلان والانفساخ لموت أو جنون ، أو تلف مال التجارة بتمامها ، أو لعدم إمكان التجارة لمانع أو نحو ذلك ، فلا بد من التكلم في حكمها من حيث استحقاق العامل للأجرة وعدمه ، ومن حيث وجوب الإنضاض عليه وعدمه إذا كان بالمال عروض ، ومن حيث وجوب الجباية عليه وعدمه إذا كان به ديون على الناس ، ومن حيث الجباية عليه وعدمه إذا كان به ديون على الناس ، ومن حيث وجوب الرد إلى المالك وعدمه ، وكون الأجرة عليه أو لا ، فنقول : إما أن يكون الفسخ من المالك ، أو العامل ، وأيضاً إما أن يكون قبل الشروع في التجارة أو في مقدماتها أو بعده ، قبل ظهور الربح أو بعده ، في الأثناء أو بعد تمام التجارة ، بعد إنضاض الجميع أو البعض أو قبله ،


فلا يصار اليه إلا بدليل ، وهو مفقود في المقام ، لعدم شمول النص له ولا دليل سواه. اللّهم إلا أن يستفاد من النص بمقتضى الارتكاز العرفي الموجب لتنقيح المناط. ومثله في الاشكال ما إذا زادت قيمة العبد ونقصت قيمة غيره من الأعيان بحيث لا ربح في المجموع ، فلا يملك العامل حصته من الربح لا في العبد ولا في غيره ، فان مقتضى النص شمول الفرض ، لكن القرينة على العدم ظاهرة ، كما أشار الى ذلك في الجواهر أيضاً. وكان على المصنف التنبيه عليه.

[1] تقدم ذلك كله في المسألة الثانية.

قبل القسمة أو بعدها ، وبيان أحكامها في طي مسائل :

الأولى : إذا كان الفسخ أو الانفساخ ولم يشرع في العمل ولا في مقدماته فلا إشكال ولا شي‌ء له ولا عليه [1] وإن كان بعد تمام العمل والإنضاض فكذلك [2] ، إذ مع حصول الربح يقتسمانه [3] ، ومع عدمه لا شي‌ء للعامل ولا عليه إن حصلت خسارة ، إلا أن يشترط المالك كونها بينهما على الأقوى من صحة هذا الشرط [4] ، أو يشترط العامل على المالك شيئاً إن لم يحصل ربح [5]. وربما يظهر من إطلاق بعضهم ثبوت أجرة المثل مع عدم الربح [6]. ولا


[1] لعدم الموجب لذلك كله.

[2] يعني : لا شي‌ء له بعد ذلك ولا عليه ، لعدم الموجب أيضاً.

[3] عملاً بالمضاربة التي انتهت.

[4] تقدم الكلام في ذلك في المسألة الرابعة.

[5] كأنه لصحة الشرط المذكور ، عملا بعموم : « المؤمنون عند شروطهم » (1). لكن بعد فسخ العقد يبطل الشرط معه ، ولا يجب العمل به. نعم قد تجب أجرة المثل أو أقل الأمرين من أجرة المثل والشرط ، لقاعدة : الضمان بالاستيفاء ، كما يظهر من ملاحظة ما يأتي في بيان ضعف القول الآتي.

[6] قال في التذكرة : « فإن فسخا العقد أو أحدهما فإن كان قبل العمل عاد المالك في رأس المال ، ولم يكن للعامل أن يشتري بعده ، وإن كان قد عمل فان كان المال ناضا ولا ربح فيه أخذه المالك أيضاً ،


1) مستدرك الوسائل كتاب التجارة باب : 5 من أبواب الخيار حديث : 7 ، غوالي اللئالي عن النبي (صلی اللّه عليه وآله) أنه قال : « المؤمنون عند شروطهم » الجزء : 1 صفحة : 473.

وجه له أصلاً ، لأن بناء المضاربة على عدم استحقاق العامل لشي‌ء سوى الربح على فرض حصوله ، كما في الجعالة [1].

الثانية : إذا كان الفسخ من العامل في الأثناء قبل حصول الربح فلا أجرة له [2] لما مضى من عمله. واحتمال استحقاقه ، لقاعدة الاحترام ، لا وجه له أصلا [3]. وإن كان من المالك ، أو حصل الانفساخ القهري ، ففيه قولان [4] ، أقواهما العدم أيضاً بعد كونه هو المقدم على المعاملة الجائزة التي مقتضاها عدم استحقاق شي‌ء إلا الربح ، ولا ينفعه بعد


وكان للعامل أجرة عمله الى ذلك الوقت أيضاً ». وهو صريح في استحقاق العامل الأجرة حتى مع فسخه وكون المال ناضاً ولا ربح فيه. وفي الجواهر : نسبته إلى الغرابة وهو كذلك ، إذ هو خلاف مبنى المضاربة ضرورة ، ولذا قال في القواعد : « وإذا فسخ القراض والمال ناض لا ربح فيه أخذه المالك ، ولا شي‌ء للعامل ».

[1] فإنه لا إشكال في عدم استحقاق العامل شيئاً إذا لم يحصل الأمر المجعول له.

[2] لما عرفت من كونه مقتضي المضاربة.

[3] لأن قاعدة الاحترام لو صح أنها موجبة لضمان العمل فذلك فيما لم يكن متبرعاً به ، والمفروض في المقام ذلك بعد كونه مقتضى المضاربة على أنك قد عرفت أنها لا توجب الضمان ، لأن احترامه يقتضي حرمة اغتصابه ، لا ضمان ما يقع منه.

[4] قال في الشرائع : « إذا فسخ المالك صح ، وكان للعامل أجرة المثل الى ذلك الوقت » ، ونحوه ما في المختصر النافع وعن الإرشاد واللمعة


والروض (1). وعلله في المسالك : بأن عمله محترم صدر بإذن المالك لا على وجه التبرع بل في مقابلة الحصة ، وقد فاتت بفسخ المالك قبل ظهور الربح ، فيستحق أجرة المثل إلى حين الفسخ. واستشكل فيه : بأنه لم يقدم إلا على الحصة على تقدير وجودها ، ولو لم توجد فلا شي‌ء له ، والمالك مسلط على الفسخ حيث شاء. ثمَّ قال : « ويمكن دفعه : بأنه إنما جعل الحصة خاصة على تقدير استمراره وهو يقتضي عدم عزله قبل حصولها ، فاذا خالف فقد فوتها عليه ، فتجب عليه أجرته ، كما إذا فسخ الجاعل بعد الشروع في العمل ». وقد ذكر ذلك كله جامع المقاصد ، غير أنه لم ينتظر فيه ، وفي المسالك قال : « وفيه نظر ، لأن رضاها بهذا العقد قدوم على مقتضياته ومنها جواز فسخه في كل وقت ، والأجرة لا دليل عليها ». وظاهره البناء على عدم الأجرة ، كما أن ظاهر جامع المقاصد البناء عليها ، والعمدة عنده فيها تفويت المالك. وفي القواعد : « وإذا فسخ المالك القراض ففي استحقاق العامل أجرة المثل إلى ذلك الوقت نظر » ، وظاهره الميل إلى عدم الأجرة. واختاره في الجواهر وغيرها.

والوجه في العدم أصالة البراءة ، لأن ما يحتمل أن يكون موجباً للأجرة أمور كلها ضعيفة. ( الأول ) : قاعدة الاحترام ، وهي لا تصلح لإثبات الحكم الوضعي : كما سبق. ولو سلم اختصت بما إذا لم يكن في مقام التبرع. ( الثاني ) : قاعدة الاستيفاء وفيها أيضاً الإشكال المذكور. ( الثالث ) : التفويت ، كما عرفت من جامع المقاصد. لكن لا دليل


1) حكاه عنه في مفتاح الكرامة الجزء : 7 صفحة : 506 وتكرر النقل عنه في مواضع من كلامه في هذه المباحث ، وصرح في بعضها أنه شرح للإرشاد الجزء : 7 صفحة : 515 والمعروف أن الكتاب المذكور لم يخرج منه غير كتاب الطهارة والصلاة وهو المطبوع ، وهو الظاهر من كتاب الذريعة الى تصانيف الشيعة الجزء : 11 الصفحة : 275.

ذلك كون إقدامه من حيث البناء على الاستمرار [1].

الثالثة : لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك وصرف جملة من رأس المال في نفقته ، فهل للمالك تضمينه مطلقاً أو إذا كان [2] لا لعذر منه؟ وجهان ، أقواهما العدم لما ذكر من جواز المعاملة وجواز الفسخ في كل وقت [3] فالمالك هو المقدم على ضرر نفسه [4].

الرابعة : لو حصل الفسخ أو الانفساخ قبل حصول الربح وبالمال عروض لا يجوز للعامل التصرف فيه بدون إذن المالك [5] ببيع ونحوه وإن احتمل تحقق الربح بهذا البيع ،


على سببية التفويت وأنه كإتلاف موجب للضمان. ولا سيما إذا كان بحكم الشارع.

ثمَّ إن القولين المذكورين إنما هما في صورة فسخ المالك ، أما في صورة الانفساخ القهري فلم يعرف القول بضمان المالك للأجرة ، وليس هو إلا في خصوص صورة فسخ المالك لا غير. فلاحظ كلماتهم.

[1] إذ البناء المذكور لا يوجب ضمان الأجرة.

[2] يعني : الفسخ.

[3] يعني : فلا مقتضي للضمان. ولأن للسفر كان بإذن المالك وصرف المال فيه أيضاً كان بإذنه ، وذلك لا يوجب الضمان.

[4] إنما يتم ذلك إذا كان المالك يحتمل الفسخ ، أما إذا كان لا يحتمله فلا إقدام منه. فالعمدة عدم موجب للضمان لا حال السفر ولا حال الفسخ.

[5] كما في الشرائع وغيرها. وحكى فيها قولا بالجواز ، ونسب في غيرها الى المبسوط وجامع الشرائع. ولكنه غير ظاهر ، إذ الفسخ رافع

بل وإن وجد زبون يمكن أن يزيد في الثمن فيحصل الربح. نعم لو كان هناك زبون بانٍ على الشراء بأزيد من قيمته لا يبعد جواز إجبار المالك على بيعه منه [1] ، لأنه في قوة وجود الربح فعلاً. ولكنه مشكل [2] مع ذلك ، لأن المناط كون الشي‌ء في حد نفسه زائد القيمة ، والمفروض عدمه. وهل يجب عليه البيع والإنضاض إذا طلبه المالك أولا؟ قولان ، أقواهما عدمه [3] ودعوى [4] : إن مقتضى قوله (عليه السلام) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1)وجوب رد المال إلى المالك كما كان ، كما ترى [5].


للإذن في التصرف ، ومنه البيع ، فلا وجه لجوازه بدون إذن المالك.

[1] كما في المسالك ، وكذا في القواعد على إشكال منه.

[2] كما في الجواهر ( أولا ) : بما في المتن ( وثانياً ) : بأنه لا سلطنة له على المالك في صورة ظهور الربح الذي لا يزيد على كونه شريكاً. ضرورة أنه لا سلطنة للشريك على بيع مال الشركة بغير إذن شريكه.

[3] كما جزم به في الشرائع ، وعن الروضة وفي المسالك : « لعله الأقوى في صورة عدم الربح ». اعتماداً منهم على أصالة البراءة ، وعن جامع الشرائع : الوجوب ، وعن موضع من المبسوط : موافقته ، وفي القواعد : « ولو طلب العامل بيعه فان لم يكن ربح ، أو كان وأسقط العامل حقه منه ، فالأقرب إجباره على البيع ليرد المال كما أخذه ».

[4] ذكر ذلك في جامع المقاصد ، ورده بأن الظاهر منه رد المأخوذ أما رده على ما كان عليه فلا دلالة له ، والتغيير بما حدث كان بإذن المالك وأمره.

[5] إذ مال المالك حال الفسخ هو العروض بعد كون الشراء بإذنه


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من كتاب الوديعة حديث : 12 ، كنز العمال الجزء : 5 صفحة : 257.

الخامسة : إذا حصل الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح قبل تمام العمل أو بعده ، وبالمال عروض ، فان رضيا بالقسمة كذلك فلا إشكال ، وإن طلب العامل بيعها فالظاهر عدم وجوب إجابته [1] وإن احتمل ربح فيه ، خصوصاً إذا كان هو الفاسخ. وإن طلبه المالك ففي وجوب اجابته وعدمه وجوه ، ثالثها التفصيل بين صورة كون مقدار رأس المال


والعروض هو الذي يجب رده وأداؤه ، لا أصل المال. على أن الحديث المذكور وارد في ضمان المأخوذ وأنه في ذمة الآخذ ، لا في الحكم التكليفي - الذي هو وجوب الرد - ليكون مما نحن فيه. وكان الأولى التمسك بوجوب رد الأمانات ، وإن كان يشكل أيضاً بما عرفت.

[1] وفي المسالك : « فيه وجهان ، مأخذهما إمكان وصول العامل إلى حقه بقسمة العروض وإسقاط باقي العمل عنه تخفيف من المالك لأنه حقه ، فلا يكلف الإجابة إلى بيع ماله بعد فسخ المعاملة ، وإن حال العامل لا يزيد على حال الشريك ، ومعلوم أنه لا يكلف شريكه إجابته إلى البيع. ومن وجوب تمكين العامل من الوصول الى غرضه الحاصل بالاذن ، وربما لم يوجد راغب في شراء بعض العروض ، أو وجد لكن بنقصان ، أو رجى وجود زبون يشتري بأزيد ، فيزيد الربح ، ولا ريب أن للعامل مزية على الشريك ، من حيث أن حقه يظهر بالعمل ، والربح عوضه » ، ونحوه في جامع المقاصد.

ولا يخفى أن الوجه الثاني لا يرجع إلى محصل يخرج به عن قواعد الشركة ، المانعة من تسلط الشريك على إجبار شريكه الآخر ، كما هو ظاهر بالتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف ما في القواعد : من أنه يجبر المالك على إجابته.

نقداً فلا يجب ، وبين عدمه فيجب [1] ، لأن اللازم تسليم مقدار رأس المال كما كان ، عملا بقوله (عليه السلام) : « على اليد .. » والأقوى عدم الوجوب مطلقاً ، وإن كان استقرار ملكية العامل الربح موقوفاً على الإنضاض ولعله يحصل الخسارة بالبيع ، إذ لا منافاة ، فنقول : لا يجب عليه الإنضاض بعد الفسخ لعدم الدليل عليه ، لكن لو حصلت الخسارة بعده قبل القسمة ، بل أو بعدها يجب جبرها بالربح ، حتى أنه لو أخذه يسترد منه.

السادسة : لو كان في المال ديون على الناس فهل يجب


[1] كما في القواعد ، قال : « وكذا يجبر مع الربح. ولو نض قدر رأس المال فرده العامل لم يجبر على إنضاض الباقي ، وكان مشتركاً بينهما » وهو ظاهر جامع المقاصد ، بل وظاهر المسالك في آخر كلامه ، وفي صدر كلامه أطلق الوجوب ، لكن مورده صورة ما لو كان الفسخ قبل الإنضاض. وظاهر الشرائع عدم الوجوب وحكي عن التحرير ، وفي الجواهر جعل مبنى الخلاف هنا الخلاف فيما يتحقق به الاستقرار - يعني استقرار ملك العامل للربح - فان قلنا بتحققه بالفسخ لم يكن للمالك الإجبار وإن قلنا بتوقفه على الإنضاض ، لأنه من تتمة المضاربة ، فلا بد من البناء على الوجوب ، لأن فرض كونه من تتمة المضاربة مساوق لوجوبه ، كما لو لم يتحقق الفسخ.

وظاهر المتن المنع من الابتناء المذكور ، لإمكان التفكيك بين البناء على كون الإنضاض من تتمة المضاربة ، بلحاظ جبران الخسارة بالربح وإن حصل الفسخ بينهما ، وبين البناء على عدم كونه من تتمتها بلحاظ وجوبه على العامل ، لأن ثبوت هذه الأمور ليس من مقتضى المضاربة ، لأن

على العامل أخذها وجبايتها بعد الفسخ أو الانفساخ أم لا؟ وجهان [1] أقواهما العدم ، من غير فرق بين أن يكون الفسخ من العامل أو المالك.

السابعة : إذا مات المالك أو العامل قام وارثه مقامه


المفروض انفساخها ، بل يكون لدليل تعبدي ، ومن الجائز أن يدل الدليل على الجبران ولا يدل على وجوب الإنضاض على العامل. وبالجملة : المضاربة انفسخت وتمت ، وليس لها بعد الفسخ متمم. والجبران إن قيل به فلدليل تعبدي ، ومن الجائز أن لا يدل على وجوب الإنضاض.

وفيه : أن التفكيك المذكور وإن كان ممكناً في نفسه ، إلا أنه غير ظاهر ، لأن المضاربة إن كانت تنتهي بالفسخ فلا وجه لوجوب الإنضاض ولا للجبران ، بل يكون حال العامل والمالك حال الشريكين ، وإلا فلا بد من القول بالوجوب كالقول بالجبران. وقد عرفت فيما سبق أن الأوفق بالقواعد الأول. فراجع المسألة الخامسة والثلاثين.

[1] بل قولان أشهرهما الوجوب ، كما عن المبسوط وجامع الشرائع والتذكرة وجامع المقاصد وغيرها ، وفي الشرائع : أن على العامل جباية السلف ، ونحوه عن الإرشاد والروض ، وفي القواعد : أن على العامل تقاضيه ، واختاره في المسالك ، واستدل له : بأن مقتضى المضاربة ردّ رأس المال على صفته والديون لا تجري مجرى المال ، وأن الدين ملك ناقص والذي أخذه كان ملكاً تاماً ، فليرد كما أخذ بظاهر : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » ، وإذن المالك بالادانة إنما كانت على طريق الاستيفاء لا مطلقة ، بدلالة القرائن ، ولاقتضاء الخبر ذلك. انتهى. وفيه : أن دلالة القرائن ممنوعة ، والخبر قد عرفت إشكاله.

فيما مر من الأحكام [1].

الثامنة : لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ أزيد من التخلية بين المالك وماله ، فلا يجب عليه الإيصال إليه [2]. نعم لو أرسله إلى بلد آخر غير بلد المالك


[1] لأن الموت فسخ قهري ، فيجري عليه حكم الفسخ الاختياري ، فإذا كان من حقوق المالك على العامل وجوب الإنضاض بعد الفسخ ووجوب استيفاء الديون وغير ذلك ، كان ذلك الحق لوارث المالك بعد موته ، وإذا كان من حقوق العامل على المالك جواز بيع العروض بعد الفسخ كان ذلك لوارثه بعد موته أيضاً ، فيجوز لوارث العامل البيع. وإذا لم نقل بثبوت الحقوق المذكورة للمالك والعامل - كما تقدم من المصنف - لم يكن للوارث شي‌ء من ذلك أيضاً. لكن قال في الشرائع : « وكذا لو مات رب المال وهو عروض كان له البيع إلا أن يمنعه الوارث. وفيه قول » ، وظاهره أن جواز البيع الثابت للعامل ثابت له مع موت المالك ، إلا أن يمنعه وارث المالك. ولكنه غير ظاهر الوجه ، فإن المأذون لا يجوز له التصرف المأذون فيه مع موت الآذن ، للانتقال الى الوارث المقتضي لحرمة التصرف فيه بغير إذنه ، ولا يكفي في جوازه عدم المنع من المالك. ولذلك كان القول الآخر الذي حكاه في الشرائع هو المتجه - كما في المسالك ، ونفى عنه البأس في التذكرة - وإن كان القائل ليس منا على ما قيل ، بل حكاه في التذكرة عن بعض الشافعية. هذا إذا كان المراد منه القول بعدم جواز البيع إلا بالاذن. ويحتمل أن يكون المراد القول بالجواز وإن نهاد الوارث ، بناء على ما تقدم في بعض الأقوال من وجوب إجابة المالك إذا أراد العامل البيع.

[2] للأصل.

ولو كان بإذنه يمكن دعوى وجوب الرد إلى بلده. لكنه مع ذلك مشكل [1]. وقوله (عليه السلام) : « على اليد ما أخذت .. » (1)أيضاً [2] لا يدل على أزيد من التخلية [3]. وإذا احتاج الرد


[1] أما إذا كان بإذنه فلا ينبغي التأمل في عدم الوجوب ، للأصل والأمر برد الأمانات في قوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (2)يختص بما إذا كان بعد الطلب ، فالمراد منه ما يقابل الحبس. وأما إذا كان بغير إذنه فلا ينبغي التأمل في الوجوب ، لأن النقل تفويت لخصوصية المكان التي كانت للعين ، فيجب تداركها. فالمسألتان ليستا من باب واحد ، الأولى من باب الأمانة ، والثانية من باب الضمان.

[2] قد عرفت أنه لا يحسن التمسك في المقام بالحديث الشريف المذكور في المسألتين ، بل المتجه التمسك في الأولى بما دل على وجوب أداء الأمانة وحرمة حبسها ، وفي الثانية بالحديث الشريف. وبالجملة : ينبغي إجراء أحكام الأمانة في المقام.

[3] لا يخفى أن الأداء الذي أخذ غاية للضمان ملازم لأخذ المالك ، فلا يتحقق بدونه ، ولا يكفي فيه مجرد التخلية من دون أن يأخذه المالك ، ( فان قلت ) : إن ذلك خلاف قاعدة السلطنة على النفس ، لأن عدم أخذ المالك - على هذا - يوجب اشتغال ذمة الضامن من دون اختياره. ( قلت ) : لا مانع من ذلك إذا اقتضاه الدليل. وكذا دعوى : أن ذلك خلاف قاعدة نفي الضرر ، فان اشتغال ذمته بالعين ضرر عليه. إذ لا مانع من تخصيص القاعدة بالدليل المذكور. اللّهم إلا أن يقال : إن حمل الأداء


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من كتاب الوديعة حديث : 12 ، وباب : 1 من كتاب الغصب حديث : 4.

2) النساء : 58.

إليه إلى الأجرة فالأجرة على المالك [1] ، كما في سائر الأموال. نعم لو سافر به بدون إذن المالك إلى بلد آخر ، وحصل الفسخ فيه ، يكون حاله حال الغاصب في وجوب الرد والأجرة [2]. وإن كان ذلك منه للجهل بالحكم الشرعي [3] من عدم جواز السفر بدون إذنه.

( مسألة 47 ) : قد عرفت أن الربح وقاية لرأس المال من غير فرق بين أن يكون سابقاً على التلف أو الخسران أو لا حقاً [4] ، فالخسارة السابقة تجبر بالربح اللاحق وبالعكس.


على ما يقابل الأخذ أهون من تخصيص القاعدتين المذكورتين. ولا سيما بملاحظة ذكره في الحديث الشريف في مقابل الأخذ ، فالمراد من الأداء رفع اليد عن العين. مضافاً إلى أن ذلك هو الموافق للارتكاز العقلائي في باب الضمان ، وأنه يكفي في ارتفاع الضمان تقديم العين إلى المالك وجعلها بين يديه وتحت سلطانه. والمظنون أن على ذلك بناء الفقهاء وإن لم يحضرني فعلا تحرير لذلك فلاحظ.

[1] لأنها لمصلحة ماله.

[2] أما وجوب الرد فلأن خصوصية كونه في المكان الكذائي قد فوتها الغاصب ، فيجب عليه تداركها. وأما الأجرة فلتوقف الرد الواجب عليها.

[3] لعدم الفرق في وجوب تدارك ما فات بفعله بين العلم بالحكم والجهل به.

[4] والظاهر أنه من القطعيات ، وفي الجواهر : جعل بعض ذلك ضرورياً ، لإطلاق الدليل ، وكذا ما بعده.

ثمَّ لا يلزم أن يكون الربح حاصلاً من مجموع رأس المال ، وكذا لا يلزم أن تكون الخسارة واردة على المجموع ، فلو اتجر بجميع رأس المال فخسر ثمَّ اتجر ببعض الباقي فربح ، يجبر ذلك الخسران بهذا الربح ، وكذا إذا اتجر بالبعض فخسر ثمَّ اتجر بالبعض الآخر أو بجميع الباقي فربح. ولا يلزم في الربح أو الخسران أن يكون مع بقاء المضاربة حال حصولها ، فالربح مطلقاً جابر للخسارة والتلف مطلقاً ما دام لم يتم عمل المضاربة [1] ثمَّ إنه يجوز للمالك أن يسترد بعض مال المضاربة في الأثناء ، ولكن تبطل بالنسبة اليه ، وتبقى بالنسبة إلى البقية [2] ، وتكون رأس المال ، وحينئذ فإذا فرضنا أنه أخذ بعد ما حصل الخسران أو التلف بالنسبة إلى رأس المال مقداراً من البقية ، ثمَّ اتجر العامل بالبقية أو ببعضها ، فحصل ربح يكون ذلك الربح جابراً للخسران أو التلف السابق بتمامه. مثلا إذا كان رأس المال مائة ، فتلف منها عشرة أو خسر عشرة وبقي تسعون ، ثمَّ أخذ المالك من التسعين عشرة وبقيت ثمانون ، فرأس المال تسعون ، وإذا اتجر بالثمانين فصار تسعين ، فهذه العشرة الحاصلة ربحاً


[1] قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة والثلاثين.

[2] سيأتي في المسألة الثانية عشرة من مسائل الختام عدم صحة التبعيض في الفسخ ، فاذا انفسخت المضاربة بالنسبة الى بعض المال انفسخت بالنسبة إلى جميعه ، فيحتاج تجديدها في الباقي الى اجتماع الشروط. وعليه يشكل البناء في المقام على بطلانها بالنسبة الى ما أخذه المالك وصحتها بالنسبة الى ما بقي ويكون هو رأس المال ، وان كان يظهر من كلماتهم في المقام التسالم

تجبر تلك العشرة ، ولا يبقى للعامل شي‌ء. وكذا إذا أخذ المالك بعد ما حصل الربح مقداراً من المال - سواء كان بعنوان استرداد بعض رأس المال ، أو هو مع الربح ، أو من غير قصد إلى أحد الوجهين - ثمَّ اتجر العامل بالباقي أو ببعضه ، فحصل خسران أو تلف ، يجبر بالربح السابق بتمامه ، حتى المقدار الشائع منه في الذي أخذه المالك ، ولا يختص الجبر بما عداه ، حتى يكون مقدار حصة العامل منه باقياً له. مثلا إذا كان رأس المال مائة فربح عشرة ثمَّ أخذ المالك عشرة ، ثمَّ اتجر العامل بالبقية فخسر عشرة أو تلف منه عشرة ، يجب جبره بالربح السابق حتى المقدار الشائع منه في العشرة المأخوذة ، فلا يبقى للعامل من الربح السابق شي‌ء. وعلى ما ذكرنا فلا وجه لما ذكره المحقق [1] وتبعه غيره من أن الربح اللاحق لا يجبر مقدار الخسران الذي ورد على العشرة


على ذلك. وكذا في باب الإقالة ، فإنها تجوز في البعض دون البعض ، والمخالف في ذلك شاذ نادر. فلاحظ. ويحتمل في المقام الالتزام ببقاء المضاربة حتى بالنسبة إلى ما أخذه المالك ، ويكون ما أخذه المالك بحكم ما لو وضع في كيس مستقل وأفرز عن باقي المال. لكن لازم ذلك جواز تصرف العامل به بعد أخذ المالك فيتعين البناء على التبعيض.

[1] قال في الشرائع : « إذا كان مال القراض مائة فخسر عشرة وأخذ المالك عشرة ، ثمَّ عمل بها الساعي فربح كان رأس المال تسعة وثمانين إلا تسعاً ، لأن المأخوذ محسوب من رأس المال ، فهو كالموجود ، فاذاً المال في تقدير تسعين ، فاذا قسم الخسران - وهو عشرة - على تسعين كانت حصة العشرة المأخوذة ديناراً وتسعاً ، فيوضع ذلك من رأس المال » ،

المأخوذة ، لبطلان المضاربة بالنسبة إليها ، فمقدار الخسران الشائع فيها لا ينجبر بهذا الربح ، فرأس المال الباقي [1] بعد خسران العشرة في المثال المذكور لا يكون تسعين ، بل أقل منه بمقدار


ونحوه عبارة القواعد والتذكرة والإرشاد وجامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان ، وعن المبسوط وجامع الشرائع والمفاتيح ، من دون تعرض للإشكال فيه ، بل في كلام بعضهم أنه ظاهر. وغرضهم أن خسران العشرة لما كان موزعاً على الجميع فيلحق كل عشرة من التسعين الباقية تسع منه ، وهو واحد وتسع ، فالعشرة التي أخذها المالك لما خرجت عن مال المضاربة لم يكن خسرانها مجبوراً من الربح ، لأن الربح إنما يجبر به الخسران المتعلق بمال المضاربة ، والمفروض أن العشرة التي أخذها المالك قد خرجت عن مال المضاربة ، وحينئذ يختص الجبران بالخسران المتعلق بالباقي ، وهو تسعة وثمانون الا تسعاً ، فاذا كان الربح عشرة - كما هو المفروض - ويجبر منه الخسران المتعلق بباقي المال ، ويزيد منه واحد وتسع ، فيكون هذا الزائد بين المالك والعامل.

[1] لعل الأولى في التعبير أن يقول : فرأس المال ، الذي يجبر نقصه بعد أخذ المالك العشرة ، هو تسعة وثمانون الا تسعاً ولا يجبر من الربح المتأخر النقص المتعلق بالعشرة التي أخذها المالك ، لخروجها عن مال المضاربة وقد ذكر في القواعد والتذكرة مثالاً آخر ، وهو ما لو كان رأس المال مائة فخسر عشرة ، ثمَّ أخذ المالك خمسة وأربعين ، والحكم أيضاً أن يوزع الخسران على الجميع ، فيلحق الخمسة والأربعين التي أخذها المالك نصف الخسران وهو خمسة ، ويلحق الباقي أيضاً خمسة ، فإذا ربح بعد ذلك عشرة كان نصفها جابراً للخسران الوارد على الباقي ، والنصف الآخر بين المالك والعامل على حسب شرطهما في المضاربة. ولا يجبر من الربح المذكور

حصة خسارة العشرة المأخوذة ، وهو واحد وتسع ، فيكون رأس المال الباقي تسعين إلا واحد وتسع ، وهي تسعة وثمانون


الخسران الوارد على المقدار الذي أخذه ، لخروجه عن مال المضاربة. وكذا الحكم عندهم في سائر الموارد يوزع الخسران على الجميع بالنسبة ، ولا يجبر بالربح الخسران المتعلق بما أخذه المالك ، بل يجبر خصوص الخسران المتعلق بالباقي. ولم أقف على متأمل منهم في ذلك.

نعم في الجواهر - بعد تقريب ما ذكره في الشرائع - قال : « لكن الانصاف عدم خلوّ المسألة الأولى عن إشكال ، باعتبار عدم ثبوت ما يقتضي شيوع الخسارة على المال كله على وجه لو أخذ المالك بعض المال يلحقه بعض الخسارة ، وإنما المنساق احتساب ما يأخذه المالك من رأس المال ، وأما الخسارة السابقة فتجبر بما بقي من مال المضاربة ، إذ المالك قد أخذ العشرة مستحقة للجبر .. ».

وفيه : أنه لا ريب في أن الخسارة موزعة على جميع المال حتى الذي أخذه المالك ، وإنما الإشكال في جبر الخسارة المتعلقة بما أخذه المالك من الربح الحاصل من الباقي ، والعمدة في الاشكال فيه : أنه بعد بطلان المضاربة فيه يخرج عن كونه مال المضاربة ، فلا وجه لجبر خسارته بربح غيره الباقي ، لأن ربح مال المضاربة يجبر خسران ذلك المال ، لا خسران غيره. وما تقدم من المصنف (رحمه اللّه) وغيره من بقاء حكم الجبر وإن فسخت المضاربة إنما يسلم فيما إذا ورد الفسخ على تمام المال قبل إنضاضه أو قسمته ، ثمَّ ربح هو فيجبر به الخسران السابق ، لا فيما إذا فسخ العقد بالإضافة الى بعض مال المضاربة وصار ملكاً للمالك مختصاً به. وبقيت المضاربة في غيره من المال ، فإنه لا وجه لهذا الجبران حينئذ ، فإن ذلك مما لا يساعده الارتكاز العرفي أصلاً.

إلا تسع. وكذا لا وجه لما ذكره بعضهم [1] في الفرض الثاني أن مقدار الربح الشائع في العشرة التي أخذها المالك لا يجبر الخسران اللاحق ، وان حصة العامل منه يبقى له ويجب على المالك رده اليه ، فاللازم في المثال المفروض عدم بقاء ربح للعامل بعد حصول الخسران المذكور ، بل قد عرفت سابقاً


ويتضح ما ذكرنا في المثال الثاني الذي ذكره في القواعد والتذكرة ، من أن المالك بعد خسران العشرة قد أخذ خمسة وأربعين ، فإنه على تقدير فسخ المالك فيها وأخذها وإبقاء مثلها في يد العامل يبعد جداً أن يكون الربح الحاصل في الخمسة والأربعين التي بيد العامل يجبر به الخسران المتعلق بما أخذه المالك ، فإن أحدهما صار أجنبياً عن الآخر.

نعم إذا كان المالك قد أخذ بعض مال المضاربة لا بعنوان الفسخ ، فإنه لم يبعد الحكم بالجبران حينئذ. بل حتى لو صرفه المالك فخرج عن كونه مال المضاربة لانعدامه ، فان مثل هذا الخروج لانتفاء القابلية لا يمنع من لزوم الجبر ، ضرورة أنه في المثال الأول لو تلفت عشرة بعد خسران عشرة فإن التالفة تجبر خسارتها المتعلقة بها مع خروجها عن مال المضاربة بالتلف ، كما تجبر هي نفسها ، فالخروج عن مال المضاربة لتلف أو نحوه لا يمنع من بقاء الجبر ، فيجبر نفس المال وتجبر خسارته ، ومن ذلك يظهر لزوم التفصيل بين أن يكون ما يأخذه المالك بعنوان الفسخ فيتم ما ذكره المحقق ومن وافقه ، وبين أن لا يكون بعنوان الفسخ ، فيتم ما ذكره في الجواهر ومن وافقه وان خرج البعض عن كونه مال المضاربة لفقد القابلية. واللّه سبحانه ولي التوفيق والسداد.

[1] اقتصر في الشرائع على ذكر المسألة الأولى ، وكذا في الإرشاد ومجمع البرهان ، ولم يتعرضوا للثانية. لكن في القواعد والتذكرة وجامع

أنه لو حصل ربح واقتسماه في الأثناء وأخذ كل حصته منه ، ثمَّ حصل خسران : أنه يسترد من العامل مقدار ما أخذ ، بل ولو كان الخسران بعد الفسخ [1] قبل القسمة ، بل أو بعدها إذا اقتسما العروض وقلنا بوجوب الإنضاض على العامل وأنه من تتمات المضاربة.

( مسألة 48 ) : إذا كانت المضاربة فاسدة فإما أن يكون مع جهلهما بالفساد ، أو مع علمهما أو علم أحدهما دون الآخر فعلى كل التقادير الربح بتمامه للمالك ، لإذنه في التجارات [2] وإن كانت مضاربته باطلة. نعم لو كان الإذن مقيداً بالمضاربة [3] توقف ذلك على إجازته ، وإلا [4] فالمعاملات الواقعة باطلة [5] وعلى عدم التقيد أو الإجازة يستحق العامل مع جهلهما لأجرة عمله [6]. وهل يضمن عرض ما أنفقه في السفر على نفسه ،


المقاصد : ذكرت المسألتان معاً ، وجعلتا في كلامهم من باب واحد. لكن في الجواهر : خص إشكاله بالمسألة الأولى ، وظاهره أنه وافق الجماعة في المسألة الثانية والفرق بين المسألتين غير ظاهر.

[1] قد عرفت الاشكال فيه في المسألة الخامسة والثلاثين.

[2] لأن المضاربة تستلزم الاذن في التجارة وإن كانت باطلة.

[3] يأتي في المسألة الثانية من مسائل الختام : أنه إذا لم تكن قرينة على التقييد فإطلاق العقد يقتضي إطلاق الاذن وإن كان العقد باطلاً.

[4] يعني : وإن لم يجز.

[5] لعدم الاذن من المالك ولا الإجازة.

[6] لأنه لم يقصد التبرع فيكون مضموناً على من استوفاه ولو بالعقد

لتبين عدم استحقاقه النفقة ، أولا ، لأن المالك سلطه على الإنفاق مجاناً؟ وجهان أقواهما الأول [1]. ولا يضمن التلف والنقص. وكذا الحال إذا كان المالك عالماً دون العامل ، فإنه يستحق الأجرة ، ولا يضمن التلف والنقص. وإن كانا عالمين أو كان العامل عالماً دون المالك ، فلا أجرة له ، لإقدامه على العمل مع علمه بعدم صحة المعاملة [2] ، وربما يحتمل في


الفاسد ، لأن الضمان بالاستيفاء لا يختص بعقد صحيح أو فاسد ، لعموم بناء العقلاء عليه.

[1] مقتضى قاعدة : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، عدم الضمان. ولو أشكل تطبيق القاعدة : من جهة أنها تختص بمورد العقد ، والنفقة في المقام ليست موضوعاً للعقد ، كفى مستندها في عدم الضمان ، وهو التسليط على إتلاف ماله. مجاناً ، والاقدام على عدم ضمانه ، المانع من عموم : من أتلف مال غيره فهو له ضامن ، للمقام. وكما أن عموم : « على اليد » لا يشمل المضاربة الفاسدة ، فلا يضمن العامل المال مع فساد المضاربة ، لعموم ما دل على عدم ضمان الأمين كذلك عموم : من أتلف .. لا يشمل المضاربة الفاسدة ، فلا يقتضي الضمان بالإتلاف ، لعموم ما دل على عدم ضمان المأذون بالإتلاف ، المستفاد من بعض نصوص القاعدة. اللّهم إلا أن يقال : إنه لا إذن في الإتلاف ، لاختصاصها بعامل المضاربة ، والمفروض انتفاؤه ، فهو نظير ما لو أعطى الطعام لزوجته بعنوان كونه نفقة الزوجية فتبين أنها ليست زوجة ، فإنه لا ينبغي التأمل في الضمان. فلاحظ وتأمل.

[2] العلم بعدم صحة المعاملة شرعاً لا يقتضي الإقدام على التبرع ، الموجب لعدم الاستحقاق. وكذلك الغاصب إذا اشترى بالمال المغصوب إنما يقصد الشراء ، ولا يقصد أخذ المال مجاناً ، والبائع إذا كان عالماً

صورة علمهما أنه يستحق حصته من الربح من باب الجعالة [1] وفيه : أن المفروض عدم قصدها [2] ، كما أنه ربما يحتمل


بالغصب إنما يقصد البيع ولا يقصد التمليك المجاني. ولذلك يصح البيع بالإجازة من المالك ، ولو لم يكونا قد قصدا البيع والشراء لم يصح بالإجازة وقد تقدم في كتاب الإجارة نظير المقام في المسألة السادسة عشرة من فصل تمليك المستأجر المنفعة. فراجع.

[1] تفترق الجعالة عن الإجارة والمضاربة والمزارعة والمساقاة ونحوها : بأنها إيقاع لا يقوم إلا بالجاعل ، ولا يعطي لغيره لوناً ولا حكماً ، فان من قال لغيره : إن خطت ثوبي فلك علي درهم ، فقد جعل شيئاً على نفسه ولم يجعل شيئاً على غيره ، بخلاف العناوين المذكورة فإنه فيها يكون العامل ذا لون خاص ، يكون به مستحقاً عليه العمل ومسؤولا عن العمل ولا بد له منه ، ولذلك كانت من العقود ، لأن هذه المسؤولية وكونه مستحقاً عليه العمل لا تكون إلا بقبول من عليه المسؤولية ، ولا تكون بغير سلطانه ، ولا ينافي ذلك جواز الفسخ في المضاربة ، فإن المسؤولية لو لا الفسخ كافية في الاحتياج الى القبول. ونحو ذلك الفرق بين الاذن والوكالة فإن الاذن من الإيقاع ، فلا يحتاج إلى قبول المأذون ، لأنه لا يكتسي به عنواناً ، ولا مسؤولية ، بخلاف الوكالة فإنها توجب ثبوت عنوان للوكيل يكون به مسؤولاً عن العمل ، وقائماً مقام الموكل ، فالوكيل في البيع والشراء يجب عليه أن يبيع إذا اقتضت مصلحة الموكل ذلك ، كما يجب عليه أن يشتري إذا اقتضت مصلحة الموكل ذلك ، وإلا كان خائناً وجارياً على خلاف مقتضى عنوان الوكالة ، وليس كذلك المأذون في البيع والشراء

[2] قد عرفت اختلاف عنوان الجعالة عن عنوان المضاربة ، ولما كانا قصديين فلا يصح أحدهما إلا بقصده

استحقاقه أجرة المثل إذا اعتقد أنه يستحقها مع الفساد. وله وجه [1] ، وإن كان الأقوى خلافه. هذا كله إذا حصل ربح ولو قليلا ، وأما مع عدم حصوله فاستحقاق العامل الأجرة ولو مع الجهل مشكل ، لإقدامه على عدم العوض لعمله مع عدم حصول الربح. وعلى هذا ففي صورة حصوله أيضاً يستحق أقل الأمرين من مقدار الربح وأجرة المثل. لكن الأقوى خلافه [2] ، لأن رضاه بذلك كان مقيداً بالمضاربة [3] ومراعاة الاحتياط في هذا وبعض الصور المتقدمة أولى.


[1] لأنه حينئذ لم يقدم على عدم الاستحقاق شرعاً ، وإنما أقدم على أنه مستحق شرعاً لأجرة المثل.

[2] يعني : فلا يستحق العامل أيضاً في هذه الصورة. لكنه غير ظاهر ، لأن الموجب لعدم الاستحقاق على هذا المبنى. إقدامه على العمل باعتقاد عدم الاستحقاق شرعاً ، وهو غير حاصل في الفرض.

[3] فمع فسادها يضمن بقيمته ، كما في غيره من الموارد ، لعدم كونه متبرعاً ، كما هو المفروض. لكن على هذا يشكل الحكم بعدم الاستحقاق في الصورة السابقة ، إذ إقدامه على العمل بلا عوض أيضاً يكون مقيداً بالمضاربة ومبنياً عليها ، ومع فسادها لا إقدام على العمل بلا عوض. اللّهم إلا أن يستند في الصورة السابقة إلى قاعدة : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، لأن العمل في المضاربة الصحيحة غير مضمون ، فلا يكون مضموناً في الفاسدة. لكن القاعدة لا تصلح للحجية مع قصور دليلها عن شمول المقام.

اللّهم إلا أن يقال : إن ضمان المالك لعمل العامل في المقام إن كان فبالاستيفاء ، وهو غير حاصل ، إذ المالك انما يحث على الاسترباح لا مجرد

( مسألة 49 ) : إذا ادعى على أحد أنه أعطاه كذا مقداراً مضاربة وأنكر ولم يكن للمدعي بينة فالقول قول المنكر مع اليمين [1].

( مسألة 50 ) : إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه العامل قدم قول العامل بيمينه مع عدم البينة [2] ، من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل [3] لأصالة عدم إعطائه أزيد مما يقوله ، وأصالة براءة ذمته إذا كان تالفاً بالأزيد. هذا إذا لم يرجع نزاعهما


العمل بلا ربح ، والاسترباح مفقود حسب المفروض ، والعمل المجرد عن الربح لم يكن بأمر المالك كي يكون ضامناً له بالاستيفاء ، فلم يدخل في كيس المالك شي‌ء من عمل العامل حتى يكون مضموناً عليه باستيفائه. ويشكل : بأن الأمر بالعمل كان بداعي الربح ، لا بقيده واقعاً ، فمع تخلفه لا ينكشف عدم الأمر بالعمل ، وإلا لزم بطلان العمل ، لانتفاء الاذن له فيكون فضولياً. بل لو كان المالك بنفسه يباشر العمل فمع تخلف الداعي لا ينتفي القصد.

[1] لموافقته للحجة ، وهو أصالة العدم. ولو فرض عدم جريانه كفى الأصل الحكمي ، وهو أصالة عدم وجوب شي‌ء على العامل من إرجاع المال أو ضمانه ، الذي هو الغرض المقصود من الدعوى ، وبدونه لا تسمع فلو فرض أن المالك يعترف بإرجاع المال إليه على تقدير صدقه في الدعوى أو يعترف بتلفه من غير ضمان لم يكن أثر لدعواه ، فلا تسمع منه.

[2] لما عرفت في المسألة السابقة.

[3] لما عرفت من أنه مع عدم ضمانه لا تسمع دعوى الزيادة.

إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح ، كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعلم أن الذي بيده هو مال المضاربة إذ حينئذ النزاع في قلة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود ، إذ على تقدير قلة رأس المال يصير مقدار الربح منه أكثر ، فيكون نصيب العامل أزيد ، وعلى تقدير كثرته بالعكس ، ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك إلا بمقدار ما أقر به للعامل [1]. وعلى هذا أيضاً لا فرق بين كون المال باقياً أو تالفاً بضمان العامل ، إذ بعد الحكم بكونه للمالك إلا كذا مقدار منه فاذا تلف مع ضمانه لا بد أن يغرم المقدار الذي للمالك.

( مسألة 51 ) : لو ادعى المالك على العامل أنه خان أو فرط في الحفظ فتلف أو شرط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني ، أو لا يبيع من زيد أو نحو ذلك ، فالقول قول العامل في عدم الخيانة والتفريط ، وعدم شرط المالك عليه الشرط الكذائي ، والمفروض أن مع عدم الشرط يكون مختاراً في الشراء


[1] وإن كان مقتضى اليد كون جميعه للعامل إلا ما أقرَّ به للمالك ، إلا أن ذا اليد لما أقر بأن أصله للمالك احتاج في إثبات دعوى الاستحقاق إلى بينة ، فمع عدمها يقدم قول المالك لسقوط يد العامل عن الحجية بهذا الإقرار ، حسبما يقتضيه بناء العقلاء ، المنزل عليه دليل حجية اليد ، إذ الظاهر أن دليل الحجية شرعاً من باب الإمضاء لما عند العقلاء لا من باب التأسيس.

ثمَّ إن الاختلاف بين هذه المسألة وما قبلها مبني على أن المرجع في

وفي البيع من أي شخص أراد. نعم لو فعل العامل ما لا يجوز له إلا بإذن من المالك - كما لو سافر أو باع بالنسيئة وادعى الإذن من المالك - فالقول قول المالك في عدم الإذن. والحاصل : أن العامل لو ادعى الإذن فيما لا يجوز إلا بالإذن قدم فيه قول المالك المنكر ، ولو ادعى المالك المنع فيما يجوز الا مع المنع [1] قدم قول العامل المنكر له.

( مسألة 52 ) : لو ادعى العامل التلف وأنكر المالك قدم قول العامل [2] ، لأنه أمين [3] ، سواء كان بأمر ظاهر أو


تشخيص المدعي والمنكر الغرض المقصود من الدعوى ، ولما اختلف الغرض في المسألتين اختلف الحكم ، أما بناءً على أن المرجع مصب الدعوى فلا فرق بين المسألتين في أن المالك في المقامين مدع والعامل منكر ، لاتحاد مصب الدعوى فيهما. لكن التحقيق هو الأول ، كما أشرنا الى ذلك في كتاب الإجارة.

[1] بأن كانت الاذن محرزة ولو لإطلاق اللفظ. ويدعي المالك المخصص المنفصل أو المقيد ، فإن الأصل عدم التخصيص والتقييد. ولو كان النزاع في المقيد أو المخصص المتصل يرجع النزاع إلى إطلاق الاذن وعدمه ، فيكون الشك في الاذن والأصل عدمه. وبالجملة : إذا ادعى المالك المنع ، فان كانت حجة على الاذن سواء كانت لفظية أم حالية كان المالك مدعياً ، وإلا كان منكراً والعامل المدعي للاذن مدعياً.

[2] بلا إشكال ولا خلاف. كذا في الجواهر.

[3] كذا في الجواهر ، وزاد بأنه ذو يد على المال بإذن المالك. انتهى. يريد به أنه أمين عند المالك ومستأمن منه وكأنه يشير بذلك الى النصوص

خفي [1]. وكذا لو ادعى الخسارة ، أو ادعى عدم الربح ، أو ادعى عدم حصول المطالبات في النسيئة مع فرض كونه مأذونا في البيع بالدين. ولا فرق في سماع قوله بين أن يكون الدعوى قبل فسخ المضاربة أو بعده. نعم لو ادعى بعد الفسخ التلف بعده ففي سماع قوله لبقاء حكم أمانته [2] ، وعدمه


الواردة في عدم ضمان الأمين (1)، وأنه إذا اتهم يستحلف ، الظاهرة في أنه لا يكلف بالبينة ، وقد تقدمت في مباحث الإجارة ، كما تقدمت نسبة القول بأنه يكلف بالبينة إلى المشهور ، وأنه يشهد به بعض النصوص. لكن الجمع بين جميع النصوص يقتضي القول الأول. وأما صحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ قال (عليه السلام) : ليس على صاحبه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً » (2)ونحوه غيره. فإنما تدل على عدم ضمان الأمين ، لا على عدم تكليفه بالبينة ، فهي حكم في مقام الثبوت ، لا في مقام الإثبات.

[1] لإطلاق النصوص المتقدمة.

[2] إذا تحقق ذلك فلا مجال للوجه الثاني. فكأنه أراد استصحاب بقائه ، ويكون الوجه الثاني خروجه عن كونه أميناً ، فيرجع الى عموم : « البينة على المدعي ». لكن الاستصحاب ليس بحجة ، لأنه تعليقي ولو سلم فالظاهر الرجوع الى عموم العام في أمثال المقام مما كان ظاهراً في العموم الأزماني ، على ما هو محقق في بعض مباحث الاستصحاب. نعم مقتضى إطلاق الأخبار الدالة على عدم ضمان الأمين العموم للمقام ، فيكون الأقوى سماع قوله بيمينه.


1) راجع صفحة : 350.

2) الوسائل باب : 3 من أبواب كتاب المضاربة حديث : 3.

لخروجه بعده عن كونه أميناً ، وجهان. ولو أقر بحصول الربح ثمَّ بعد ذلك ادعى التلف [1] أو الخسارة ، وقال : إني اشتبهت في حصوله ، لم يسمع منه [2] ، لأنه رجوع عن إقراره الأول. ولكن لو قال : ربحت ثمَّ تلف ، أو ثمَّ حصلت الخسارة ، قبل منه.


[1] يعني : ادعى تلف أصل المال قبل الاتجار به ، إذ لو كان المراد أنه ادعى التلف بعد الربح فلا إشكال في سماع قوله ، لعدم المنافاة مع إقراره بوجه ، كما سيأتي فرضه.

[2] قال في الشرائع : « ولو قال العامل ربحت كذا ورجع لم يقبل رجوعه. وكذا لو ادعى الغلط » ، وفي التذكرة : « لو قال ربحت ألفاً ثمَّ قال : غلطت ، وإنما ربحت مائة ، أو تبينت أنه لا ربح هنا ، أو قال : كذبت في الاخبار خوفاً من انتزاع المال لم يقبل رجوعه ، لأنه أقر بحق عليه ثمَّ رجع فلم يقبل كسائر الأقارير » ، ونحوها كلام غيرهما. وعلله في الجواهر بسبق إقراره الماضي عليه بقاعدة : إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، وقاعدة : عدم سماع الإنكار بعد الإقرار ، السالمين عن معارضة قاعدة : سماع الأمين في كل ما يدعيه ، بعد عدم ثبوت هذا العموم وانما الثابت المسلم ما لم يسبق بإقرار .. إلى آخر كلامه.

هذا ولا يخفى أن قاعدة : عدم سماع الإنكار بعد الإقرار ، تختص بما إذا كان الإنكار وارداً على ما ورد عليه الإقرار ، بحيث يكون معارضاً له ، كما إذا قال : لك علي درهم ، ثمَّ قال : ليس لك علي درهم. أما إذا كان الإنكار وارداً على أمر آخر غير الواقع الذي ورد عليه الإقرار - كما في المقام - لم يكن وجه للرد ، فان قوله : اشتبهت ، أو غلطت أو ما قصدت الواقع وإنما كان إخباري تورية ، أو قصدت الواقع لا بقصد


بيان الواقع ، بل بقصد التخلص من الضرر ونحو ذلك مما لا يكون القول الثاني وارداً على ما ورد عليه الأول ولا معارضاً له. فلا يكون من الإنكار بعد الإقرار قال في الشرائع في كتاب الإقرار : « إذا شهد على نفسه بالبيع وقبض الثمن ، ثمَّ أنكر فيما بعد وادعى أنه أشهد تبعاً للعادة ولم يقبض ، قيل : لا يقبل دعواه ، لأنه مكذب لإقراره ، وقيل : تقبل ، لأنه ادعى ما هو معتاد وهو أشبه » وفي الجواهر حكى الأخير عن الشيخ ومن تأخر عنه ، وأما في الأول فقال : « لم نتحقق قائله من العامة فضلاً عن الخاصة ».

ومن ذلك يظهر إشكال ما في الشرائع وغيرها من عدم قبول قوله الذي ذكروه هنا ، الظاهر في أنه لا يقبل حتى مع البينة ، ولا يسمع أصلاً كما استظهره أيضاً في الجواهر ، قال (رحمه اللّه) : « ظاهر قول المصنف وغيره « لم يقبل » عدم سماع بينته على ذلك ، لكونه مكذباً لها بإقراره السابق وعموم : « البينة على المدعي » إنما هو ظاهر في كون الدعوى مسموعة ، لا ما أسقطها الشارع بقاعدة الإقرار فتبقى حينئذ شهادة البينة نفسها بلا دعوى ولا ريب في تقديم قول المخالف لها عليها ، لعدم ثبوت حجيتها في هذا الحال ، خصوصاً بعد أن كان المشهود به حقاً له ، فلا ريب في تقديم قوله فيه. فتأمل ». وحمل كلامهم هنا على عدم قبول قوله كما يقبل قول الأمين مع اليمين بل يحتاج في قبوله إلى البينة ، خلاف الظاهر من كلامهم جداً.

والمتحصل : أن الاحتمالات في المقام ثلاثة ( الأول ) : عدم السماع أصلاً ولو مع البينة ( الثاني ) : عدم السماع إلا مع البينة ، كما في سائر الدعاوي ( الثالث ) : السماع مع اليمين. كما في سائر موارد دعاوي الأمين. ووجه الأول : ما أشار إليه في التذكرة - وأوضحه في الجواهر -

( مسألة 53 ) : إذا اختلفا في مقدار حصة العامل وأنه نصف الربح مثلا أو ثلثه قدم قول المالك [1].


من أن الدعوى الثانية من قبيل الإنكار بعد الإقرار ، وهو غير مسموع والبينة لما كانت مكذبة بإقراره الأول فهي أيضاً غير مسموعة. مع أنها لا تسمع إذا لم تكن لها دعوى مسموعة ، وفيه : ما عرفت من أنه ليس من الإنكار بعد الإقرار ، بل هو من باب شرح حال الإقرار ، وإطلاق سماع قول الأمين يقتضي قبوله ، فيسقط به الإقرار. ودعوى عدم العموم في سماع قول الأمين - كما تقدمت عن الجواهر - ضعيفة لإطلاق قولهم (عليهم السلام) « إن اتهمته فاستحلفه » (1)الشامل له من دون قرينة على صرفه عنه. وحينئذ تظهر قوة الاحتمال الثالث.

نعم لو فرض عدم العموم لما دل على سماع قول الأمين تعين الاحتمال الثاني ، عملاً بما دل على قبول قول المدعي مع البينة. وما تقدم في الجواهر من عدم سماع دعواه ولا بينته ، لأنهما مكذبان بالإقرار ، كما ترى ، إذ الإقرار لا يكذب دعوى الغلط ولا الشهادة به ، كما هو ظاهر.

[1] في التذكرة : نسبته إلى علمائنا ، وفي جامع المقاصد : « هذا واضح إن كان الاختلاف قبل حصول الربح ، لأن المالك متمكن من منع الربح كله ، بفسخ العقد ، وأما بعد حصوله فان كلاً منهما مدع ومدعى عليه ، فان المالك يدعي استحقاق العمل الصادر بالحصة الدنيا ، والعامل ينكر ذكر فيجيى‌ء القول بالتحالف إن كانت أجرة المثل أزيد مما يدعيه المالك ولا أعلم لأصحابنا قولا بالتحالف ، وإنما القول بالتحالف مع الاختلاف في الربح مطلقاً قول الشافعي ».


1) الوسائل باب : 29 من أبواب كتاب الإجارة حديث : 16 ، وقريب منه حديث : 11 ، 17 من نفس الباب.


وكأنه مبني على أن المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فان دعوى المالك أن المجعول في العقد الحصة الدنيا دعوى إيجابية ، كما أن دعوى العامل أن المجعول في العقد الحصة العليا دعوى إيجابية ، فكل منهما مدع دعوى إيجابية ينكرها الأخر ، فيكونان لذلك متداعيين ، حكمهما التحالف ، وعلى هذا المبنى ذكر في جامع المقاصد في كتاب الإجارة أنه لا ريب في قوة التحالف إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة وفي قدر المستأجر ( بالفتح ) وعلله بما ذكرنا ، ونسبه بعض إلى جماعة أيضاً ، لكن عرفت ضعف المبنى ، وأن المعيار في تشخيص ذلك الغرض المقصود من الدعوى ، وأما مصب الدعوى بلا غرض فمما لا مجال لوجوب سماعه ، فإنه غير ملزم ، ولا يترتب عليه فائدة ثبت أم لم يثبت فلا يكون معياراً ، كما أشرنا الى ذلك في مباحث التنازع من كتاب الإجارة.

وأما ما أشكله في الجواهر على جامع المقاصد بقوله : « لا ريب في أن كلاً منهما مدع ومنكر ، إذا كان نزاعهما في تشخيص ما وقع عليه عقد المضاربة ، ضرورة اقتضاء الأصل عدم كل من الشخصين. نعم بعد تعارض الأصول في ذلك يرجع إلى أصل آخر ، ولا ريب في كونه مع المالك ، لأن الأصل عدم استحقاق العامل الزائد .. ». ففيه : أن الأصل المذكور لا يثبت إحدى الدعويين ولا ينفيهما ، وإنما يتعرض لأمر آخر ، فكيف يكون مرجعاً للحاكم في حسم النزاع بين المتداعيين؟!. فالعمدة : ما ذكرنا من ضعف مبنى التحالف في المقام ، وان التحقيق أن المعيار الغرض المقصود ، وهو في المقام متعلق بالزائد على الأقل ، وهو مورد النفي من أحد الخصمين والإثبات من الآخر ، لا مورد الإثبات من كل منهما ، كي يكون المقام من التداعي الذي يكون المرجع فيه التحالف ، فالمالك ينفى الزائد ، والعامل يثبته ، فالأول منكر ، والثاني مدع. وإذا لاحظنا

( مسألة 54 ) : إذا ادعى المالك أني ضاربتك على كذا مقدار وأعطيتك ، فأنكر أصل المضاربة ، أو أنكر تسليم المال إليه ، فأقام المالك بينة على ذلك ، فادعى العامل تلفه لم يسمع منه [1] وأخذ بإقراره المستفاد من إنكاره الأصل.


أن المالك يثبت الأقل فالاخبار عنه ليس دعوى على العامل بل إقرار له بأمر معلوم ، فلا يسمع من حيث كونه دعوى.

ثمَّ لو بني على الأول وكان المقام من التداعي لم يفرق بين ما قبل العمل وبعده. وكون المالك قبل العمل متمكن من الفسخ لا أثر له في تبديل مصب الدعوى. كما أنه لا فرق بين كون أجرة المثل أكثر من الحصة وكونها أقل وكونها مساوية ، فان أجرة المثل خارجة عن محل الابتلاء على حال زادت أو نقصت أو ساوت ، ولا يتغير الحكم باختلاف الحالات المذكورة.

[1] مقتضى الجمود على ما تحت العبارة أنه لا يسمع منه دعوى التلف ويكلف بأداء العين ولو أدى ذلك إلى حبسه أو ضربه ، وبنحو ذلك عبر في القواعد ، فقال : « ولو أنكر القراض ثمَّ ادعى التلف لم يقبل قوله » وعلى هذا يكون المراد من قول المصنف (رحمه اللّه) : « وأخذ بإقراره المستفاد من إنكاره » أن إنكاره لأخذ المال يستفاد منه تكذيب دعوى التلف وإقرار منه بكذبها فلا تسمع. وعلى هذا لا يكون في هذا الكلام تعرض للضمان بحيث لو تحقق التلف كان المال مضموناً عليه ويجب دفع بدله.

وهذا البيان يخالف ما في الشرائع حيث قال : « إذا قال دفعت إليه مالاً قراضاً فأنكر العامل ، فأقام المدعي بينة ، فادعى العامل التلف قضي عليه بالضمان » ، وظاهره سماع دعوى التلف مع الحكم بالضمان. ووجه هذا الضمان : أن دعوى التلف إقرار منه بأن إنكاره لقبض المال خيانة منه


وهي موجبة للضمان. لكن لا يظهر الوجه لسماع دعوى التلف ، لما عرفت من أن إنكاره لأخذ المال تكذيب منه لدعوى التلف وإقرار منه بكذبها ، فكيف تسمع منه؟! بل دعواه التلف إذا كانت موجبة لخيانته بإنكار أخذ المال فلا وجه لسماعها ، لأن الخائن لا يسمع قوله ، وإنما يسمع قول الأمين.

نعم هذا الوجه لا يمنع من سماع بينته على التلف لكن الوجه الأول يمنع من ذلك ، لأن إنكاره كما يقتضي تكذيب دعوى التلف يقتضي تكذيب بينة التلف ، فلا يصح له إقامتها. وبالجملة : مقتضى عبارة القواعد عدم سماع دعوى التلف من دون تعرض للضمان ، ومقتضى عبارة الشرائع الحكم بالضمان وسماع دعوى التلف والاشكال عليها ظاهر.

ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في المسالك : « من أن عبارة الشرائع أجود من قول العلامة : « لم يقبل دعواه » لاستلزام عدم القبول حبسه إلى أن يدفع العين ، وقد تكون تالفة. إلا أن يتكلف نحو ما تقدم من حبسه مدة يظهر منها اليأس من وجود العين ». وما ذكره من المحذور لا محذور فيه فإنه لا مانع من حبسه حتى يدفع العين أو يتبين التلف ، وحينئذ يكون العمل بالتبين لا بقوله ، فإطلاق عدم سماع قوله في محله.

وفي الجواهر دفع اشكال المسالك : بأن مراد القواعد من عدم سماع قوله عدم قبول دعوى التلف التي كانت تقبل منه سابقاً بيمينه في إسقاط الضمان عنه ، وأما التكليف بالعين نفسها فليس مقصوداً ، ضرورة عدم تصديق مجرد قوله في ذلك من دون استظهار بيمين أو بينة أو حبس أو نحو ذلك. وقريب منه ما في مفتاح الكرامة. ولكنه كما ترى ، فإنه لا دليل على سماع قوله باليمين وقد كذبه ، ولا بالبينة وقد كذبها. ولو سلم فهو عمل بالبينة ، ، لا بالقول. مع أن دعوى التلف لا تقتضي سقوط الضمان إلا

نعم لو أجاب المالك بأني لست مشغول الذمة لك بشي‌ء ، ثمَّ


إذا كان قبل الخيانة ولم يكن بتعد أو تفريط.

هذا ولعل مراد الشرائع من الضمان الضمان حتى مع وجود العين ، لا خصوص الضمان حال التلف ، حتى يكون الكلام دالاً على السماع. لكن هذا المعنى من الضمان يحصل بمجرد قيام البينة على الأخذ لثبوت الخيانة حينئذ ، ولا يتوقف على دعوى التلف ، فضلاً عن تحقق التلف.

ثمَّ إن الضمان إذا كان من جهة الخيانة الموجبة لخروج اليد عن الأمانة فذلك يختص بالتلف بعد الخيانة ، فإذا تحقق أنه كان قبل الإنكار فلا ضمان وكذا إذا شك في ذلك ، لأصالة البراءة من الضمان حتى لو علم تاريخ الإنكار وشك في تاريخ التلف ، فإن أصالة عدم التلف الى حين الإنكار لا تثبت التلف بعده. ولا يجوز التمسك بعموم : « على اليد .. » في الشبهة المصداقية بعد تخصيصه بما دل على عدم ضمان الأمين. وأصالة عدم الامانة الأزلي لا مجال لها ، للعلم بتحقق الأمانة في الزمان السابق. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور : عدم سماع قوله الذي كذبه ، وعدم سماع بينته التي كذبها ، وأنه خائن ، وأنه ضامن إذا تحقق أن التلف بعد الإنكار ، وأنه غير ضامن إذا كان التلف قبل الإنكار ، أو كان التلف مجهول التاريخ.

وفي بعض الحواشي تعليقاً على قول المصنف : « لم يسمع منه ». يعني : يقضي عليه بالضمان ، ولا يقبل قوله في التلف كما كان يقبل لو لا إنكاره. وفي قبول الغرامة منه بنفس هذه الدعوى ، أو مع إقامة البينة على ما ادعاه ، أو يحبس حتى يتبين صدقه ، وجوه وأقوال ، أقواها سماع بينته ». ولم نقف على هذه الأقوال غير التعبيرات المذكورة ، وقد عرفت ما هو المتحصل فلاحظ.

بعد الإثبات [1] ادعى التلف ، قبل منه ، لعدم المنافاة بين الإنكار من الأول وبين دعوى التلف.

( مسألة 55 ) : إذا اختلفا في صحة المضاربة الواقعة بينهما وبطلانها قدم قول مدعي الصحة [2].

( مسألة 56 ) : إذا ادعى أحدهما الفسخ في الأثناء وأنكر الآخر قدم قول المنكر. وكل من يقدم قوله في المسائل المذكورة لا بد له من اليمين [3].

( مسألة 57 ) : إذا ادعى العامل الرد وأنكره المالك قدم قول المالك [4]

( مسألة 58 ) : لو ادعى العامل في جنس اشتراه أنه اشتراه لنفسه ، وادعى المالك أنه اشتراه للمضاربة ، قدم قول العامل. وكذا لو ادعى أنه اشتراه للمضاربة ، وادعى المالك


[1] ظاهر العبارة إثبات الاشتغال بالبينة ، وحينئذ لا تجدي دعوى التلف في نفي الضمان. فالمراد إثبات الأخذ. لكن إثبات ذلك لا ينافي إنكار الاشتغال ، فلا تسمع البينة عليه ، فكأن مراد المصنف - كغيره من الفقهاء - ذكر فرض آخر في قبال الفرض السابق وإن لم يكن صحيحاً.

[2] لأصالة الصحة المعول عليها عند العقلاء والمتشرعة والفقهاء.

[3] ولا بد أيضاً أن يكون بعد امتناع المدعي من إثبات دعواه ببينة ونحوها.

[4] لمطابقة قوله لأصالة عدم الرد ، فيكون منكراً. ( ودعوى ) : أن عموم ما دل على قبول قول الأمين يقتضي المنع من العمل بالأصل. ( مندفعة ) : بأنه لا عموم لما دل على قبول قول الأمين يشمل المقام مما

أنه اشتراه لنفسه ، لأنه أعرف بنيته [1] ، لأنه أمين ، فيقبل قوله. والظاهر أن الأمر كذلك لو علم أنه أدى الثمن من مال المضاربة [2] ، بأن ادعى. أنه اشتراه في الذمة لنفسه ثمَّ أدى


كان الفعل مشتركاً بينه وبين المالك ، ولذا كان المشهور عدم القبول. وعن الشيخ القبول والاستدلال له بالقياس على الودعي ، وبأنه إذا لم يقبل قوله كان ضرراً عليه. وفي ذلك نظر ظاهر. بل قيل ان ذلك ليس في كلام الشيخ ، وأنه (قدس سره) أجل من أن يستدل بمثل ذلك ، إذ القياس ليس بحجة. وقبول قوله يوجب الضرر على المالك ، ولا وجه للترجيح.

نعم في جامع المقاصد والمسالك الاستدلال له : بأنه إذا لم يقبل قوله يلزم تخليده في السجن ، لأنه إذا كان صادقاً امتنع أخذ المال منه ، وإذا كان كاذباً فظاهر حاله أنه لا يكذب نفسه ، فيلزم تخليد حبسه. إلا أن يحمل كلامهم على أن الواجب حبسه إلى أن يظهر الحال. ولكن الاستدلال بذلك أيضاً كما ترى ، لما سبق من عدم محذور في ذلك. فإذاً لا معدل عن المشهور عملاً بالأصل. نعم إذا كان المالك قد أمره بالرد إلى موضع معين عند انتهاء المضاربة ، فادعى العامل ذلك لم يبعد القبول كغيره من الأعمال المتعلقة به بالنسبة إلى المال لاختصاص الفعل به حينئذ.

[1] يشير إلى قاعدة ذكرت في كلام جماعة من الفقهاء من قبول قول من لا يعرف المقول إلى من قبله. ولا يبعد بناء العقلاء على القاعدة المذكورة. وإلا لزم تعطيل تشريع الحكم ، وهو خلاف دليل جعله. فاذا اشترى الإنسان شيئاً كان ظاهر الفعل الشراء لنفسه ، فيحكم به لذلك. وصريح القول أولى من ظاهر الفعل في القبول. مضافاً إلى قاعدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ،

[2] لا يخلو من إشكال ، فإن قاعدة قبول قول من لا يعرف إلا

الثمن من مال المضاربة ، ولو كان عاصياً في ذلك.

( مسألة 59 ) : لو ادعى المالك أنه أعطاه المال مضاربة وادعى القابض أنه أعطاه قرضاً ، يتحالفان [1] ،


من قبله لا تخلو من إشكال في المقام ، لمخالفتها لظاهر الفعل. وكذلك قاعدة سماع قول الأمين ، فإنه يختص بما إذا لم يكن ظاهر حجة على خلافه ، كما في المقام.

[1] وهو أقرب - كما عن التحرير - وواضح - كما عن الإيضاح - ومحتمل - كما في القواعد - وعلله في جامع المقاصد : بأن كل واحد منهما مدع ومنكر ، فان العامل يدعي خروج المال عن ملك المالك ، والمالك ينكره ، والمالك يدعي استحقاق عمل العامل في مقابل الحصة بالقراض ، والعامل ينكره. لكن قال في القواعد : « ولو ادعى المالك القراض والعامل القرض فالقول قول المالك ، فيثبت له مع اليمين مدعاه من الحصة ، واختاره في التذكرة ، لأن المال ملكه ، والأصل تبعية الربح له ، فمدعي خلافه يحتاج إلى بينة.

أقول : إذا كان المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فلا ريب في أن المقام من التداعي ، لأن كلا منهما يدعي خلاف الأصل. وإذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى فيختلف باختلاف الموارد ، فان كان النزاع بعد انتهاء عمل المضاربة ووجود الربح فدعوى العامل القرض خلاف الأصل ، لأن الأصل يقتضي بقاء المال على ملك مالكه ، فدعوى خروجه عنه بالقرض مخالفة له ، ودعوى المالك المضاربة بقصد إثبات استحقاقه لحصة من الربح موافقة له ، لأن استحقاق حصة من الربح موافقة لأصالة تبعية النماء للأصل. وإن كان النزاع قبل انتهاء عمل المضاربة بأن قلنا بوجوب التصفية على العامل ، فدعوى المالك المضاربة وإن كانت

فان حلفا أو نكلا للقابض أكثر الأمرين من أجرة المثل والحصة


موافقة لأصالة بقاء المال على ملك مالكه ، لكنها مخالفة لأصالة عدم استحقاق المالك التصفية على العامل ، فيكون المالك من هذه الجهة مدعياً والعامل النافي للمضاربة منكراً ، لموافقته للأصل المذكور. وكأنه إلى ذلك أشار في جامع المقاصد في عبارته المتقدمة. ولو كان النزاع قبل حصول الربح لم يبعد أن يكون الحكم كذلك لأن استحقاق العمل على العامل من آثار العقد وإن كان جائزاً.

لكن في جامع المقاصد : « لو كان الاختلاف قبل حصول الربح لكان القول قول المالك مع يمينه قطعاً ، لأن الأصل بقاء المال له ، ولا معارض له هنا ». وإشكاله ظاهر ، لما عرفت من أن استحقاق العمل على العامل من آثار عقد المضاربة ، يترتب بمجرد حصوله ، فمع الشك فيه يكون الأصل عدم الأثر المذكور.

هذا والظاهر أن مورد كلامهم هنا الصورة الأولى ، بقرينة عدم التعرض لوجوب العمل على العامل وعدمه ، والتعرض للربح فقط ، وعليه فلا وجه للتحالف. اللّهم إلا أن يكون لبنائهم على أن مرجع دعوى المالك المضاربة إلى استحقاق ما سبق من عمل العامل الذي ترتب عليه الربح بالحصة ، والأصل عدمه ، وفيه : أن دعوى ذلك إنما يقصد منها نفي استحقاق تمام الربح للعامل الموافق للأصل ، لا إثبات شي‌ء للمالك على العامل ، حتى يكون بذلك مدعياً. وهذا نظير ما إذا ادعى المالك أنه آجره الحمار وادعى المستأجر أنه آجره البغل ، كما سبق في كتاب الإجارة فالبناء على ذلك رجوع إلى تشخيص المدعي والمنكر بمصب الدعوى ، لا الغرض المقصود ، وقد عرفت ضعفه.

من الربح [1] إلا إذا كانت الأجرة زائدة عن تمام الربح فليس له أخذها ، لاعترافه بعدم استحقاق أزيد من الربح.


[1] كذا في القواعد على تقدير البناء على التحالف ، وهو خيرة التحرير والإيضاح وجامع المقاصد. وفي التذكرة : اختار أن القول قول المالك ، وحكى عن بعض العامة القول بالتحالف ، وعلله : بأنه إن كان الأكثر نصيبه من الربح فرب المال يعترف له به وهو يدعي كله ، وإن كانت أجرة المثل أكثر فالقول قوله بيمينه في عمله ، كما أن القول قول رب المال في ماله ، فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط ، وإنما عمل بعوض لم يسلم له ، فيكون له أجرة المثل. انتهى. وفيه : أن أجرة المثل إنما تكون لمن عمل لغيره ، لا لمن عمل لنفسه معترفاً بأنه لم يكن بأمر غيره ولا بقصد غيره.

وبالجملة : هما معاً يعترفان باستحقاق العامل الحصة ، ويختلفان في استحقاقه للزائد ، فالعامل يدعي ذلك بدعوى كون المال له ، والمالك ينكر ذلك ، وحيث أن الأصل عدم خروج المال عن ملك المالك فقول العامل مخالف للأصل ، فيكون مدعياً ، وقول المالك موافق له ، فيكون منكراً ، فاذا حلف المالك ثبت قوله ، وبطلت دعوى العامل. وأما أجرة المثل فمباينة لكل من دعوى المالك والعامل ، فلا وجه لاستحقاق العامل لها وهو لم يقصدها ، بل ولم يقصد العمل لغيره ، كما عرفت.

ومن ذلك تعرف الاشكال فيما في بعض الحواشي : من أن المقام من قبيل المدعي والمنكر ، ويختلف الحكم بكون المالك مدعياً أو منكراً باختلاف الصور ، فعلى تقدير كون أجرة المثل مساوية لتمام الربح يكون المالك مدعياً على العامل بأنه تنازل عن قيمة عمله إلى الحصة ، والعامل ينكر ذلك ، فاذا حلف العامل قبل قوله فيكون تمام الربح له : وإذا

( مسألة 60 ) : إذا حصل تلف أو خسران ، فادعى المالك أنه أقرضه وادعى العامل أنه ضاربه ، قدم قول المالك مع اليمين [1].


كانت مساوية للحصة يكون العامل مدعياً ، لأنه يدعي استحقاق أكثر من قيمة عمله ، وهو تمام الربح والمالك ينكر ذلك ، فاذا حلف قبل قوله ، ويكون للعامل الحصة لا غير. وإذا كانت أزيد من الحصة ودون تمام الربح يكون العامل منكراً بالنسبة إلى دعوى المالك الحصة ، ويكون مدعياً بالنسبة إلى دعواه تمام الربح ، ويكون المالك مدعياً في الاولى ومنكراً في الثانية ، فيقبل قول المنكر من كل منهما في نفي دعوى خصمه.

وتوضيح الاشكال عليه : أن أجرة المثل مباينة لكل من الدعويين حتى لو كانت مساوية للربح أو الحصة ، فإنها غيرهما ، وأنه لا وجه لاستحقاقها مع عدم قصد العامل العمل لغيره ولا بأمر غيره ، فكيف تكون معياراً للمدعي والمنكر.

[1] كذا في القواعد والتذكرة وعن التحرير ، واختاره في جامع المقاصد ، وعلله : بأن الأصل في وضع اليد على مال الغير ترتب وجوب الرد عليه ، لعموم قوله (عليه السلام) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1)ولأن العامل يدعي على المالك كون ماله في يده على وجه لو تلف لم يجب بدله ، والمالك ينكر. فان قيل : المالك أيضاً يدعي على العامل شغل ذمته بماله ، والأصل البراءة. قلنا : زال هذا الأصل بتحقق إثبات يده على مال المالك ، المقتضي لكونه في العهدة ، والأمر الزائد المقتضي لانتفاء العهدة لم يتحقق ، والأصل عدمه.

وفيه : أن قوله (صلی اللّه عليه وآله) : « على اليد .. » يختص بما إذا كان


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب كتاب الوديعة حديث : 12.


المال المأخوذ مال الغير ، وهو خلاف دعوى المالك ، إذ في القرض لا يكون المال مال الغير ، بل يكون مال نفسه ، ولذا يكون ضمان المال بالقرض لا باليد ، وكذا ضمان المبيع يكون بالبيع لا باليد ، ويسمى ضمان المعاوضة. فتقديم قول المالك يتوقف على أصالة احترام مال المسلم على نحو يقتضي ضمانه مطلقاً وهي غير ثابتة.

وإن كان قد يشهد بها مصحح إسحاق بن عمار قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت ، فقال الرجل كانت عندي وديعة ، وقال الآخر : إنما كانت لي عليك قرضاً ، فقال (عليه السلام) : المال لازم له إلا أن يقيم البينة انها كانت وديعة » (1).

لكن استفادة الكلية من المصحح غير ظاهرة ، وإن كان ظاهر المشهور ذلك. فقد ذكر الأكثر أنه إذا اختلف المالك والراكب في أنه عارية أو إجارة ، فالقول قول مدعي الإجارة ، وعلله في الجواهر بأصالة احترام مال المسلم كدمه وعرضه ، بمعنى الحكم بضمانه على من هو عنده. وفيه : أن احترام مال المسلم إنما هو بمعنى عدم جواز التصرف فيه - كما هو معنى احترام دمه وعرضه - لا بمعنى ضمانه على من هو عنده ، فإنه لا دليل عليه غير عموم : « على اليد .. » الذي قد عرفت اختصاصه بمال الغير الذي لا يشمل المقام بعد ادعاء المالك أنه قرض. لكن في الجواهر : « الظاهر أنه مفروغ منه في غير المقام ، كما لا يخفى على من أحاط خبراً بأفراد المسألة في الأبواب المتفرقة ». ولكنه مشكل.

وكأنه لذلك كان ما عن الشيخ وابن زهرة وأول الشهيدين والأردبيلي والخراساني القول بقبول قول الراكب بيمينه في المسألة المذكورة ، عملاً بأصالة البراءة ، الموافق لقول الراكب. وإن كان يشكل ذلك : بأن أصالة


1) الوسائل باب 7 من كتاب الوديعة حديث : 1.


البراءة أصل مسببي ، وهو محكوم للأصل السببي ، وهو أصالة عدم الإعارة الموجب لكونه قد استوفى منافع العين بلا إذن من المالك ، فيرجع إلى أصالة ضمان المنافع بالاستيفاء ، الذي عرفت الإشارة إلى أنه من المرتكزات العقلائية التي استقر عليها بناء المتشرعة وعملهم ، وحينئذ لا مجال لأصالة البراءة معه. إلا أن يقال : على تقدير صحة قول المالك فضمان المنافع يكون بالإجارة لا بالاستيفاء ، نحو ما ذكرناه في المقام ، من أنه على تقدير قول العامل يكون الضمان بالقرض لا باليد. وحينئذ يشكل البناء على ضمان العامل في المقام لأجل دعوى استيفائه منافع غيره ، كالإشكال في البناء على ضمان الراكب ، على ما عرفت.

اللّهم إلا أن يدعى الارتكاز العقلائي في أمثال المقام على ضمان العين والمنفعة بالبدل ، وإن كان المالك يدعي الضمان الخاص ، فيضمن الراكب قيمة المنفعة دون الأجرة التي يدعيها المالك ، ويضمن المتهب قيمة العين لا الثمن الذي يدعيه المالك فيما إذا اختلفا في أنه هبة أو بيع وأمثال ذلك فيكون من قبيل الحكم الواقعي جعله الشارع للحاكم لحسم النزاع وفصل الخصومة مع ثبوت الحكم الواقعي الأولي بحاله ، ولا تنافي بين الحكمين فإن الأول يدعو الى العمل به ورفع النزاع ، والثاني يدعو الى العمل به على فرض النزاع ، فيحرم أخذ المالك للبدل على تقدير العارية ، ويحرم امتناع الراكب من دفع الأجرة على تقدير الإجارة واقعاً ، فالحكم الواقعي بحاله وإن ثبت في حق الحاكم معه حكم يخالفه في حال النزاع ويحتمل بعيداً أن يكون من قبيل الصلح القهري. وكيف كان فهذا الارتكاز غير بعيد ، فالعمل به لازم.

لكن الظاهر اختصاصه بصورة دعوى الاستحلال ، مثل دعوى الهبة في مقابل دعوى البيع ، أو دعوى العارية في مقابل دعوى الإجارة ، أما

( مسألة 61 ) : لو ادعى المالك الإبضاع والعامل المضاربة يتحالفان [1] ومع الحلف أو النكول منهما يستحق العامل أقل


إذا لم يكن استحلال - مثل المقام - فلا دليل على الضمان المذكور ، بل الارتكاز لا يساعد عليه. وكذلك مورد مصحح إسحاق المتقدم ، فان الحكم فيه على خلاف الارتكاز ، فيقتصر على مورده لا غير.

[1] كما في التذكرة : أنه أقرب ، وعن الإيضاح : أنه الأصح. وفي القواعد : أن القول قول العامل ، لأن عمله له ، فيكون قوله مقدماً فيه. انتهى. لكن التعليل المذكور معارض بمثله بالنسبة إلى المالك ، فان المال للمالك ، فيكون قوله مقدماً فيه أيضاً. مع أنه لا يرجع إلى محصل لأن من يكون القول قوله يجب أن يكون قوله موافقاً للحجة ، ومجرد كون العمل للعامل لا يقتضي أن يكون قوله موافقاً للحجة ، كما أن كون المال للمالك لا يقتضي أن يكون قوله موافقاً للحجة.

نعم لما كان المال للمالك فالأصل في نمائه وربحه أن يكون للمالك أيضاً لأنه تابع له ، فدعوى العامل الاستحقاق لحصة من الربح خلاف الأصل المذكور ، فيكون قوله مخالفاً للحجة فيكون مدّعياً ، ويكون المالك من هذه الجهة منكراً. كما أن دعوى المالك الإبضاع مجاناً خلاف الأصل ، المقتضي لضمان عمل العامل بالاستيفاء ، فيكون المالك من هذه الجهة مدعياً والعامل منكراً ، فيكون المقام من التداعي والتناكر من الجانبين ، فاذا حلفا بطلت دعوى العامل الاستحقاق للحصة ، فيكون الربح كله للمالك ، كما بطلت دعوى المالك كون البضاعة مجانية ، فيتعين الرجوع إلى قاعدة : ضمان عمل العامل على من استوفاه.

وهذا البيان بعينه جار فيما لو اختلف الراكب والمالك في كون الدابة عارية أو مستأجرة ، فإنه أيضاً يرجع إلى أصالة ضمان المنفعة المستوفاة

الأمرين من الأجرة والحصة من الربح [1] ، ولو لم يحصل ربح


بأجرة المثل ، لا بالأجرة التي يدعيها المالك. وقد عرفت أنه لا يشكل ذلك في المقام وفي المثال المذكور وأمثالهما بأن أجرة المثل غير مدعاة لأحد الخصمين بل ينكرها كلاهما. لما عرفت من أن الحكم بضمان أجرة المثل نظير الصلح القهري في حسم الخصومة ليس مبنياً على إثبات الحق المدعى.

هذا بناء على أن المراد من البضاعة التي يدعيها المالك كون العمل بلا أجرة - كما نسب إلى ظاهر الأصحاب ، وتقدم ذلك في أول الكتاب - أما إذا كان المراد من البضاعة العمل بأجرة المثل - كما هو ظاهر المصنف بقرينة ما سيأتي في ذيل المسألة - فادعاء المالك البضاعة يقتضي اعترافه باستحقاق العامل الأجرة ، فإذا ادعى العامل الحصة وأنكر الأجرة وبطلت دعواه بيمين المالك يكون إنكاره منافياً لاعتراف المالك ، فيسقط ، كما هو الحكم فيما لو أقر بشي‌ء فأنكر المقر له ذلك ، للتنافي الموجب للسقوط ، نظير الحجتين المتعارضتين. لكن يتعين بعد ذلك الرجوع إلى قاعدة : ضمان عمل العامل على من استوفاه - كما في الفرض السابق - ويكون للعامل أجرة المثل لذلك. وعلى هذا لا يكون المالك مدعياً لأنه معترف للعامل باستحقاق الأجرة ، لا أنه يدعي عليه شيئاً ، بل ذكر هذا الاعتراف للتخلص من دعوى العامل استحقاق الحصة ، فيكون منكراً لا غير.

[1] كما صرح بذلك في القواعد وغيرها على تقدير القول بالتحالف ووجهه أن الأجرة إن كانت أقل من الحصة فلأن الحصة قد انتفت بيمين المالك ، فلا تجب عليه ، وإن كانت الحصة أقل فلإقرار العامل بعدم استحقاق غيرها فيجوز للمالك أن يقتصر على دفعها بدلاً عن الأجرة إلزاماً للعامل بإقراره فالحكم الاولي الذي اقتضاه عموم : ضمان العمل بالأجرة ، هو الأجرة ، لكن يجوز للمالك أن يعطي العامل الحصة التي


يدعيها إلزاماً له بإقراره ، فلا يجب عليه إعطاؤه أجرة المثل.

وفي بعض الحواشي في تعليل الحكم فيما لو كانت الحصة أقل من الأجرة. بأن الحصة هو المتفق عليه بينهما ، وبالنسبة إلى الزائد عليها يقر المالك للعامل (1)بما ينفي استحقاقه له ، ويندرج المقام فيما لو تعارض إقرار المقر وإنكار المقر له. وفيه : أن الأجرة مباينة للحصة ، وليسا من قبيل الأقل والأكثر ، وليس هناك منهما شي‌ء متفق عليه بين العامل والمالك. وأما وجه اندراج المسألة فيما لو تعارض الإقرار بإنكار المقر له فهو أن المالك لما نفى الحصة التي يدعيها العامل ، فكان حكمه ضمان العمل بالأجرة كان قد أقر بثبوت الأجرة ، والعامل لما ادعى الحصة فقد أنكر الأجرة ، فالأجرة مورد إقرار المالك وإنكار العامل ، فالمراد من قوله : « بما ينفي استحقاقه له » بما ينفي العامل استحقاقه له.

هذا وما ذكره وإن كان صحيحاً ، لكن لا يدخل فيما لو تعارض الإقرار بالإنكار ، لاختصاص ذلك بما إذا لم يكن تداعٍ بل كان إقرار وإنكار ، كما إذا أقر زيد بأن عليه درهماً لعمرو ، فأنكر عمرو ذلك ، فان التحقيق تعارض الإقرار بالإنكار ، فيبطل الإقرار ولا يؤخذ به. أما المقام فلما كان بين المقر والمنكر تداع وخصام ولا بد من حسم الخصومة تعين الرجوع الى قاعدة : ضمان عمل المسلم بالأجرة ، ويجب البناء على الأجرة لذلك ، فلا يسقط إقرار المالك بالأجرة بإنكار العامل لها ، وإلا لزم سقوط الأجرة والحصة معاً - سقوط الأجرة بإنكار العامل ، وسقوط الحصة بيمين المالك - فلا شي‌ء للعامل حينئذ ، وهو خلاف مبنى الكلام من ثبوت شي‌ء على العامل للمالك ، والخيار يكون للمالك بين أن يدفع الأجرة


1) كذا في الحاشية المذكورة ، وهي حاشية المرحوم النائيني (قدس سره). والظاهر أن حق العبارة ( يقر العامل للمالك .. ). ولعله من خطإ النسخة المطبوعة ( الناشر ).

فادعى المالك المضاربة لدفع الأجرة [1] ، وادعى العامل الإبضاع استحق العامل بعد التحالف [2] أجرة المثل لعمله.

( مسألة 62 ) : إذا علم مقدار رأس المال ومقدار حصة العامل ، واختلفا في مقدار الربح الحاصل ، فالقول قول العامل [3]. كما أنهما لو اختلفا في حصوله وعدمه كان القول قوله [4]. ولو علم مقدار المال الموجود فعلا بيد العامل ، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه ، فان كان من جهة


وبين أن يدفع الحصة المباينة لها ، سواء كانت قيمتها أكثر أم أقل ، عملاً بإقرار العامل باستحقاقها ، فلا يختص جواز دفع الأجرة بما إذا كانت أقل قيمة.

ولعل هذا هو المراد من قول المصنف : « يستحق العامل .. » وليس على ظاهره ، فان العامل انما يستحق بحكم الحاكم الأجرة لا غير ، ولكن يجوز للمالك أن يدفع له الحصة التي يدعيها عملاً بإقراره ، سواء كانت قيمتها أقل أم أكثر.

[1] يعني : للتخلص من الأجرة اللازمة له على تقدير الإبضاع.

[2] لا يخفى أن دعوى المالك المضاربة إذا كان يقصد بها دفع الأجرة عن نفسه ، فيكون العمل بلا عوض ، كان حينئذ مدعياً ، لمخالفة قوله لأصالة ضمان عمل العامل ، وكان العامل المدعي للأجرة منكراً ، لموافقة قوله للأصل المذكور ، فاذا لم يقم المالك البينة على المضاربة حلف العامل وثبتت له الأجرة ، فالمقام من باب المدعي والمنكر عكس المسألة السابقة ، التي كان العامل فيها مدعياً والمالك منكراً.

[3] لأنه أمين. ولأصالة عدم الربح الزائد على ما يدعيه العامل.

[4] لما ذكر.

الاختلاف في الحصة أنها نصف أو ثلث فالقول قول المالك [1] قطعاً ، وإن كان من جهة الاختلاف في مقدار رأس المال فالقول قوله أيضاً ، لأن المفروض أن تمام هذا الموجود من مال المضاربة أصلا وربحاً ، ومقتضى الأصل كونه بتمامه للمالك [2] إلا ما علم جعله للعامل. وأصالة عدم دفع أزيد من مقدار كذا إلى العامل لا تثبت كون البقية ربحاً [3]. مع أنها معارضة بأصالة عدم حصول الربح أزيد من مقدار كذا [4] ، فيبقى كون الربح تابعاً للأصل إلا ما خرج.

( مسائل : الأولى : ) إذا كان عنده مال المضاربة فمات فان علم بعينه فلا إشكال [5] ، وإلا فإن علم بوجوده في التركة الموجودة من غير تعيين فكذلك ، ويكون المالك شريكاً مع الورثة بالنسبة [6] ، ويقدم على الغرماء إن كان الميت مديوناً ،


[1] كما سبق ، لما سبق.

[2] لأصالة تبعية الربح للأصل.

[3] لأنه من اللوازم العقلية التي لا تثبت إلا بناء على حجية الأصل المثبت.

[4] هذا الأصل أيضاً لا يثبت كون الربح الموجود للمالك إلا بناء على الأصل المثبت ، وحينئذ لا يكون حجة حتى يعارض ويعارض به. ولو بني على حجيته للاكتفاء بالسببية العقلية صحت المعارضة ، وبقي أصل تبعية الربح للمال - الذي هو أصل مسببي - بحاله.

[5] وفي الجواهر : « بلا خلاف ولا إشكال ». ويقتضيه أصالة بقاء المال على ملك مالكه.

[6] قال في الشرائع : « فإن علم مال أحدهم بعينه كان أحق به ،


وإن جهل كانوا فيه سواء » ، وفي الجواهر في شرحه : « بمعنى أنه يقسم بينهم على نسبة أموالهم كما في انقسام غيرهم من الشركاء » ، وفي الحدائق : نسب هذا المعنى إلى الأصحاب ، وفي جامع المقاصد : « إن علم بقاء المال في جملة الشركة ولم تعلم عينه بخصوصه فصاحبه كالشريك » ، ونحوه عبارة غيره. ويظهر من الجميع أن الاشتباه في المقام يقتضي الاشتراك حتى مع عدم الامتزاج ، وهو غير ظاهر ، بل يشكل حتى مع العلم بالامتزاج في المثليات ، مثل وضع ثوب في أثواب ، فإنه لا يوجب الاشتراك إذا عرف بعينه ، وكذا إذا اشتبه بغيره ، فإنه لا دليل على هذا الاشتراك.

وفي الحدائق والرياض وغيرهما : الاستدلال على ذلك بالخبر ، وهو رواية السكوني عن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) : « أنه كان يقول : من يموت وعنده مال مضاربة ، قال (عليه السلام) : إن سماه بعينه قبل موته ، فقال : هذا لفلان ، فهو له ، وإن مات ولم يذكر فهو أسوة الغرماء » (1). وظاهره تعلق حق المالك بالتركة تعلق حق الغريم بها ، ومن المعلوم أن الغريم إذا أعطى ماله بطل حقه ولم يجز له المطالبة بجزء من عين التركة ، فضلا عن كونه شريكاً فيها ، فالخبر لا دلالة فيه على مشاركة المالك للورثة في التركة ، فضلا عن مشاركة المالكين بعضهم مع بعض في مجموع أموالهم مع اشتباه بعضها ببعض ، كما ذكر الجماعة ، وقد عرفت أنه لا دليل على حصول الشركة بالاشتباه. بل الخبر الوارد في الدراهم المودعة (2)يقتضي خلاف ذلك ، إذ لو كان الامتزاج يقتضي الاشتراك في المثليات حتى مع الاشتباه كان اللازم أن يكون لصاحب الدرهم ثلث الدرهمين الباقيين ، لاربعهما ، كما ذكر في النص ، فدل ذلك على نفي


1) الوسائل باب : 13 من كتاب المضاربة حديث : 1.

2) الوسائل باب : 12 من كتاب الصلح حديث : 1.

لوجود عين ماله في التركة [1]. وإن علم بعدم وجوده في تركته ولا في يده ، ولم يعلم أنه تلف بتفريط أو بغيره أو رده


الاشتراك. ولعله يأتي في مباحث الشركة ماله نفع في المقام.

ويحتمل حمل الخبر على صورة عدم العلم بوجود مال المضاربة في ضمن التركة ، فيكون مفاد الخبر ضمان العامل للمال إذا علم أنه في يده في حال الموت. ولعل الوجه في هذا الضمان تقصيره في عدم الوصية به ، ولا يشمل صورة ما إذا علم بأنه في ضمن التركة ، بل في هذه الصورة يرجع إلى القرعة.

وبالجملة هنا صور : ( الاولى ) : أن يموت وعنده أموال متعددة مختلطة لمالكين. وظاهر الأصحاب الحكم بالاشتراك بينهم فيها على نسبة أموالهم. ( الثانية ) : أن يموت وعنده مال لمالك واحد مختلط بالتركة وظاهرهم مشاركة المالك للورثة بالمجموع على النسبة ، كما صرح بذلك المصنف (قدس سره). وهذان الحكمان لا يقتضيهما الأصل ، ولا الخبر ( الثالثة ) : أن يموت وعنده مال المضاربة ولم يعلم أنه في ضمن التركة. بل يحتمل ذلك ويحتمل خلافه ، ولا يبعد أن تكون هذه الصورة هي مورد الخبر ، وإن كان إطلاقه يقتضي عموم الحكم لجميع الصور. وحينئذ يكون بناء الجماعة على الاشتراك في الصورتين الأوليين غير ظاهر ، وأشكل منه دعوى جماعة أنه مفاد الخبر. نعم في القواعد : « لو مات العامل ولم يعلم بقاء مال المضاربة بعينه صار ثابتاً في ذمته ، وصار صاحبه أسوة الغرماء ، على إشكال » وهو تعبير بمتن الخبر ، لكن في مطلق عدم العلم ببقاء مال المضاربة بعينه ، والحديث يختص بصورة العلم ببقاء مال المضاربة في يده وعدم معرفته بعينه ، فلو اقتصر عليها كان ذلك عملا بالخبر.

[1] ولم يخرج عن ملكه ، فلا يكون وفاء عن ذمة الميت.

على المالك ، فالظاهر عدم ضمانه [1] وكون جميع تركته للورثة ، وإن كان لا يخلو عن إشكال بمقتضى بعض الوجوه الآتية [2]. وأما إذا علم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت ولم يعلم أنه موجود في تركته الموجودة أولا - بأن كان مدفوناً في مكان غير معلوم أو عند شخص آخر أمانة أو نحو ذلك - أو علم بعدم وجوده في تركته مع العلم ببقائه في يده [3] - بحيث لو كان حياً أمكنه الإيصال إلى المالك - أو شك في بقائه في يده وعدمه أيضاً ، ففي ضمانه في هذه الصور الثلاث وعدمه خلاف وإشكال على اختلاف مراتبه ، وكلمات العلماء في المقام وأمثاله - كالرهن والوديعة ونحوهما - مختلفة [4]. والأقوى الضمان في الصورتين الأوليين. لعموم قوله (عليه السلام) : « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » (1)حيث أن الأظهر شموله للأمانات أيضاً. ودعوى : خروجها لأن المفروض عدم الضمان فيها.


[1] لأصالة البراءة من الضمان.

[2] يعني عموم : « على اليد .. » إذ لا يعتبر فيه أن يكون حال الموت ، ضرورة صدقه مع كون اليد في بعض آنات الحياة. وعلى هذا كان اللازم على المصنف القول بالضمان فيه ، كما في الصور الآتية.

[3] هذا مشترك بين هذه الصورة وما قبلها. والاختلاف بينهما في العلم بعدم الوجود في التركة في الصورة الثانية وعدم العلم بذلك في الصورة الأولى.

[4] قال في الشرائع : « إذا اعترف بالوديعة ثمَّ مات وجهلت


1) مستدرك الوسائل باب : 1 من كتاب الغصب حديث : 4.

مدفوعة : بأن غاية ما يكون خروج بعض الصور منها [1] ،


عينها قيل : يخرج من أصل تركته. ولو كان له غرماء وضاقت التركة حاصّتهم المستودع. وفيه تردد » ، وفي المسالك : نسب الأول إلى المشهور واستدل على الضمان بعموم : « على اليد .. » ، ولأنه بترك التعيين مفرط ، ولأن الأصل بقاؤها في يده إلى الموت ، فتكون من جملة تركته فاذا تعذر الوصول الى عينها وجب البدل فتكون بمنزلة الدين. ثمَّ ذكر أن التردد يحتمل أمرين ( الأول ) : أن يكون في أصل الضمان ، فان الاعتراف بها إنما يقتضي وجوب الحفظ ، لا الضمان. ( والثاني ) : أن يكون في كيفية الضمان ، لأن بقاءها بمقتضى الأصل إنما يقتضي كونها من جملة التركة ، غايته أن عينها مجهولة ، فيكون مالكها بمنزلة الشريك ، ثمَّ قال : « والأقوى أنه إن علم بقاء عينها الى بعد الموت ولم يتميز قدم مالكها على الغرماء ، وكان بمنزلة الشريك ، وإن علم تلفها بتفريط فهو أسوة الغرماء ، وإلا فلا ضمان أصلا » ، ونحو ذلك كلامهم في وجوب الاشهاد على الوديعة إذا ظهر للمستودع امارة الموت ، أو وجوب الوصية بها حينئذ ، وأنه يحصل الضمان بترك الإشهاد ، أو بتركه وترك الوصية معاً ، أولا يحصل حتى مع تركهما معاً. فلاحظ كلماتهم في المقامين.

[1] من البعيد جداً أن يكون خروج الأمانات من باب التخصيص ، فان المتعارف في اليد هو يد الأمين ، كالمرتهن والمستعير ، والمستودع ، والأجير على عمل في العين ، والمستأجر للعين لاستيفاء منافعها ، والملتقط والوصي ، والولي ، والشريك ، وعامل المضاربة ، والعامل في المزارعة والمساقاة والجعالة .. إلى غير ذلك ، ويد غير الأمين مختصة بالغاصب والقابض بالسوم ، فلو أريد من اليد العموم لزم تخصيص الأكثر ، لندرة

كما إذا تلفت بلا تفريط أو ادعى تلفها كذلك [1] إذا حلف وأما صورة التفريط والإتلاف ودعوى الرد في غير الوديعة [2] ودعوى التلف والنكول عن الحلف [3] فهي باقية تحت العموم [4]


اليد في الموردين المذكورين. فلا بد أن يكون المراد من اليد في قوله (صلی اللّه عليه وآله) « على اليد .. » اليد المبنية على الرد ، فلا يشمل اليد المبنية على الإبقاء وترك الأداء ، وحينئذ لا يشمل يد الأمين المفروضة في المقام ، ويتعين الرجوع إلى أصالة البراءة.

[1] هذا راجع إلى ما قبله. والاختلاف بينهما من قبيل الاختلاف بين مقامي الثبوت والإثبات.

[2] أما في الوديعة فيظهر منهم التسالم على قبولها باليمين. مثل دعوى التلف ، وهذا الإجماع هو العمدة في القبول. أما إذا ادعى الرد في غير الوديعة لم تسمع دعواه على المشهور ، لعدم الدليل على سماعها ، فيشمله عموم : البينة على المدعي. وما دل على قبول قول الأمين أو قول ذي اليد مختص بما كان متعلقاً بما في اليد ، فلا يشمل ما كان متعلقاً بالمالك فاذا لم يقم البينة كان ضامناً للعين. وكأنه للخيانة. ولكنه غير ظاهر كلية لجواز الاشتباه منه في دعوى الرد.

[3] ثبوت الضمان في هذه الصورة كأنه لأجل تحقق الخيانة. ولكنه غير ظاهر ، لجواز أن يكون للتورع عن اليمين. كما يجوز أن يكون اشتباهاً منه في دعوى التلف ، فلم تحرز الخيانة.

[4] قد عرفت أن بقاءها تحت العموم يتوقف على تحقق الخيانة ، وهو غير ثابت ، فالضمان يكون بحكم الحاكم في مقام حسم النزاع ، فلا يكون حكماً واقعياً ، بل ظاهري لحسم النزاع ، وليس مما نحن فيه.

ودعوى : أن الضمان في صورة التفريط والتعدي من جهة الخروج عن كونها أمانة [1] ، أو من جهة الدليل الخارجي كما ترى لا داعي إليها. ويمكن أن يتمسك بعموم ما دل على وجوب رد الأمانة [2] بدعوى : أن الرد أعم من رد العين


[1] لظهور أن ذلك نوع من الخيانة ، وهي مقابل الأمانة ، فإن المالك ائتمن الأمين على العين ، فجعل له ولاية حفظها ، فاذن له في إبقائها عنده لأجل حفظها ، فاذا خانه في ذلك وصار في مقام تضييعها وضياعها فقد فات الغرض المقصود للمالك ، فتفوت معه الاذن في البقاء ، فيكون داخلا في عموم : « على اليد .. » الذي قد عرفت أن موضوعه اليد غير المأذونة في البقاء. فالضمان بالتعدي والتفريط لأجل ذلك. مضافاً إلى النصوص الخاصة الوارد بعضها في التعدي على الوديعة (1)، بأن خالف ما أمره به المودع ، وأكثرها في مخالفة العامل في المضاربة ما أمره به المالك (2)، وقد تقدمت. فالخارج من عموم : « على اليد .. » الأمين غير الخائن ، أما الخائن فهو داخل تحت العموم. لكن لا لما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من عموم على اليد للأمانات بل لأن الأمانات الخارجة موضوعاً عن عموم على اليد مختصة بغير الخيانة. ثمَّ إن ما ذكره المصنف من التمسك بعموم « على اليد .. » على التفصيل المذكور قد سبقه إليه في الجواهر.

[2] قال اللّه تعالى ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (3)لكن الوجوب المذكور تكليفي محض ، لا يقتضي ضماناً ولا اشتغال ذمة بالعين ، ليتعلق ذلك الحق بالتركة. ولذا لا يلتزم أحد بأن وجوب رد


1) الوسائل باب : 5 من كتاب الوديعة حديث : 1.

2) راجع الوسائل باب : 1 من كتاب المضاربة.

3) النساء : 58.

ورد البدل [1] ، واختصاصه بالأول ممنوع ألا ترى أنه يفهم من قوله (عليه السلام) : « المغصوب مردود » (1)وجوب عوضه عند تلفه [2] هذا مضافاً إلى خبر السكوني عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول : « من يموت وعنده مال مضاربة قال : إن سماه بعينه قبل موته فقال هذا لفلان فهو له ، وإن مات ولم يذكر فهو أسوة الغرماء » (2)

[3]. وأما الصورة الثالثة : فالضمان


الأمانات المتوجه للأمين حين المطالبة موجب لضمانه ، فاذا تلفت العين حين الرد كان ضامناً لها ، فليس هو إلا وجوب تكليفي لا غير. وهذا بخلاف عموم : « على اليد .. ». ثمَّ إن من المعلوم أن وجوب رد الأمانات يختص بصورة مطالبة المالك وعدم إذنه في بقاء العين ، وذلك منتف بالنسبة إلى العامل في حال حياته ، وأما بالنسبة إلى الوارث فلعدم كونه مؤتمنا من قبل المالك على العين ولم يتسلمها منه لا يشمله الدليل ، فضلا عن أن يقتضي ضمانه.

[1] هذه الدعوى لا تجدي في وجوب الرد على الوارث ما لم يثبت الضمان على الموروث ، وإلا فهو كالأجنبي خارج عن هذا التكليف.

[2] هذا أول الكلام ، بل هو ممنوع ، كما فيما قبله ، وفهم البدل من جهة ضمان المغصوب ، لا من جهة وجوب ردّه.

[3] رواه الشيخ عن محمد بن محبوب عن أحمد عن البرقي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) والاشكال على التمسك بالحديث من وجهين ( الأول ) : السند ، فإن النوفلي لم يثبت توثيقه. ( والثاني ) : الدلالة ، إذ منصرف الحديث صورة وجود مال


1) الوسائل باب : 1 من كتاب الغصب حديث : 3.

2) الوسائل باب 13 من كتاب المضاربة حديث : 1.

فيها أيضاً لا يخلو عن قوة ، لأن الأصل بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت [1] واشتغال ذمته بالرد عند المطالبة [2] ، وإذا لم يمكنه ذلك لموته يؤخذ من تركته بقيمته. ودعوى : أن


المالك مشتبها ، فيكون الحكم وارداً لعلاج المال المشتبه ، لا أنه وارد لعلاج خسارة مالك مال المضاربة.

[1] يشكل بأن عموم اليد إذا كان يقتضي الضمان في الأمانات فلا حاجة الى أصالة بقاء يده عليه في إثبات الضمان ، لتحقق اليد من أوّل الأمر ، ولم يثبت ما يوجب الخروج عنه ، وهو صورة تلفه بلا تفريط. نعم إذا كان الموجب للضمان اليد حال الموت احتيج إلى إثبات ذلك. لكنه غير ظاهر. وقد أشار إلى ذلك المصنف في صدر المسألة. لكنه لم يعتن به وقوى خلافه. هناك. نعم إذا كان المستند في الضمان خبر السكوني فلأجل أن موضوع الضمان فيه أن يموت وعنده مال مضاربة ، فإذا شك في بقاء المال عنده حال الموت جرى الاستصحاب في إثباته ، لكونه موضوع أثر شرعي ، فيترتب بالأصل أثره

[2] إشارة الى ما تقدم منه من الاستدلال على الضمان بوجوب رد الأمانات ، فيراد من الأصل عموم الرد المقتضي لاشتغال ذمته. لكن الأصل هنا بمعنى العموم لا يتناسب مع الأصل السابق وهو الاستصحاب ، ليصح العطف. مع أنه مشروط بالمطالبة ، كما عرفت ، وهي منتفية. ويحتمل أن يريد به الاستصحاب ، فيكون معطوفاً على « يده » لا على « بقاء » لكنه بعيد ، لأن الاشتغال بحدوثه يقتضي الرد لو فرض تحقق المطالبة وإن لم يجر الاستصحاب ، لكفاية الاشتغال السابق في حكم العقل بوجوب الرد ولو أريد استصحاب الاشتغال بالرد بعد الموت فإشكاله ظاهر ، لانتفاء التكليف بالموت.

الأصل المذكور معارض بأصالة براءة ذمته من العوض ، والمرجع بعد التعارض قاعدة اليد المقتضية لملكيته. مدفوعة : بأن الأصل الأول حاكم على الثاني [1]. هذا مع أنه يمكن الخدشة في قاعدة اليد : بأنها مقتضية للملكية [2] إذا كانت مختصة [3] ، وفي المقام كانت مشتركة ، والأصل بقاؤها


[1] لأن الأول موضوعي والثاني حكمي. لكن عرفت أن الأول لا مجال له ، لعدم الأثر لمورده ، وعموم : « على اليد .. » لا مجال للعمل به في يد الأمين ، فالمتعين الرجوع إلى أصالة عدم التعدي والتفريط الموجبين للضمان فينتفي الضمان بها ، لا إلى أصالة البراءة لأنها أصل مسببي لا مجال له مع الأصل السببي وإن كان موافقاً له.

[2] الملكية ليست موضوعاً للكلام ، بل موضوعه الضمان واللاضمان سواء كانت ملكية أم لم تكن ، فقاعدة اليد المقتضية للملكية لا توافق أحد الأصلين ولا تخالفه ، فالرجوع إليها بعد المعارضة غير ظاهر. مع أن اليد إذا جرت كانت مقدمة على كل من الأصلين المذكورين ، لا أن الرجوع إليها يتوقف على سقوط الأصلين.

[3] الظاهر من قوله « مختصة » أن تختص بمال ذي اليد ، في مقابل المشتركة التي يكون فيها ماله ومال غيره وهو أيضاً خلاف عموم : « على اليد .. ». مع أن لازمه امتناع التمسك بها غالباً ، لأن الشك في ملكية ما في اليد مساوق للشك في الاختصاص ، لأنه إذا كان ما في اليد مملوكاً لغير ذي اليد فقد كانت مشتركة ، فالشك غالباً يكون في الاختصاص والاشتراك ، وإذا لم يحرز الاختصاص لم يجز التمسك بها ، للشك في عنوان الدليل. إلا أن يراد من المختصة ما لم تكن معلومة الاشتراك.

على الاشتراك [1]. بل في بعض الصور يمكن أن يقال : إن يده يد المالك من حيث كونه عاملا له ، كما إذا لم يكن له شي‌ء أصلا فأخذ رأس المال وسافر للتجارة ولم يكن في يده سوى مال المضاربة ، فإذا مات يكون ما في يده بمنزلة ما في يد المالك ، وإن احتمل أن يكون قد تلف جميع ما عنده من ذلك المال [2] وأنه استفاد لنفسه ما هو الموجود في يده. وفي بعض الصور يده مشتركة بينه وبين المالك كما إذا سافر وعنده من مال المضاربة مقدار ومن ماله أيضاً مقدار. نعم في بعض الصور لا يعد يده مشتركة أيضاً [3] ، فالتمسك باليد بقول


[1] يعني : فلا يصح التمسك بها لإثبات الملكية لذي اليد.

[2] يعني : فيحكم بأنه مال المالك ، فتسقط يده عن الحجية على كونه ماله وتكون حجة على كونه للمالك. ولكن ذلك خلاف عموم دليل حجية اليد ، وخلاف المرتكزات العقلائية. وأظهر منه ما لو علم بتبدل العين التي كانت للمالك بعين أخرى ، كما إذا كانت بيده دراهم فمات فوجد بيده دنانير ، فإنه لا مجال للحكم بأنها ملك المالك ، نعم مع وحدة عين المال يحكم بكونه للمالك ، لاستصحاب كون اليد أمينة وكون العين لمالكها وكذا في العين المغصوبة ، فالغاصب إذا مات وبيده العين التي قد غصبها إذا احتمل أنه قد ملكها بعد الغصب لا يحكم بملكيتها له بل يحكم بملكيتها لمالكها لعدم الدليل على حجية اليد على الملكية في المقام فيتعين الرجوع إلى الأصول. أما في الصورتين السابقتين فيتعين الرجوع إلى عموم دليل حجية اليد.

[3] إذا كان المناط في الاشتراك أن يكون بيده ماله ومال

مطلق مشكل [1]. ثمَّ إن جميع ما ذكر إنما هو إذا لم يكن بترك التعيين عند ظهور أمارات الموت مفرطاً ، وإلا فلا إشكال في ضمانه [2].

( الثانية ) : ذكروا من شروط المضاربة التنجيز [3] ، وأنه لو علقها على أمر متوقع بطلت ، وكذا لو علقها على أمر


غيره فهذه الصورة غير ظاهرة.

[1] قد عرفت حقيقته.

[2] للخيانة.

[3] أهمل ذكر هذا الشرط في المضاربة في الشرائع والقواعد. وفي التذكرة : « يجب التنجيز في العقد ، فلا يجوز تعليقه على شرط أو صفة مثل : إذا دخلت الدار أو إذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك. وكذا لا يجوز تعليق البيع ونحوه. لأن الأصل عصمة مال الغير ». وفي جامع المقاصد في المقام : « واعلم أنه يشترط لصحة العقد التنجيز فلو علقه بشرط كدخول الدار أو صفة كطلوع الشمس لم يصح. وبه صرح في التذكرة لانتفاء الجزم المعتبر في العقد » وعن شرح الإرشاد للفخر : أن تعليق الوكالة على الشرط لا يصح عند الإمامية. وكذا سائر العقود جائزة كانت أو لازمة. انتهى. وفي المسالك من مبحث اشتراطه التنجيز في الوقف قال : « واشتراط تنجيزه مطلقاً موضع وفاق ، كالبيع وغيره من العقود وليس عليه دليل بخصوصه .. ( الى ان قال ) : ويستثنى من بطلانه بتعليقه على الشرط ما لو كان الشرط واقعاً والواقف عالماً بوقوعه كقوله : وقفت إن كان اليوم يوم الجمعة فلا يضر كغيره ». والذي يستفاد من ملاحظة كلماتهم في أبواب العقود والإيقاعات أن إهمال ذكر التنجيز في بعض تلك الأبواب مبني على ما ذكروه في باب آخر من عموم شرطية

حاصل إذا لم يعلم بحصوله [1]. نعم لو علق التصرف على أمر صح [2] وإن كان متوقع الحصول. ولا دليل لهم على ذلك [3] إلا دعوى الإجماع على أن أثر العقد لا بد أن يكون حاصلا من حين صدوره [4].


التنجيز للعقود والإيقاعات.

[1] كما يفهم من تعليل جامع المقاصد ومن صريح عبارة المسالك.

[2] بمقتضى عموم الصحة بعد أن لم يكن فيه تعليق لنفس المضاربة وفي الشرائع في باب الوكالة : « لو نجز الوكالة وشرط تأخير التصرف جاز » ، وفي المسالك عن التذكرة : نفي الخلاف فيه ، ثمَّ قال في المسالك : « وهذا وإن كان في معنى التعليق ، إلا أن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط ، وبطلت فيما خرج عنها وان أفاد فائدتها ». ويشكل : بأن معنى تعليق الوكالة غير معنى تعليق التصرف مع تنجز الوكالة واشتراكهما في بعض الأحكام لا يوجب الاشتراك في المعنى. ولعل مراد المسالك ما ذكرنا.

[3] يعني : اشتراط التنجيز.

[4] دعوى الإجماع المتقدمة في عبارتي المسالك وشرح الإرشاد إنما هي على اعتبار التنجيز ومانعية التعليق ، وكذلك عبارات غيرهما ، مثل ما ذكره في التذكرة « لا يصح عقد الوكالة معلقاً بشرط أو وصف ، فان علقت عليهما بطلت ، مثل أن يقول : إن قدم زيد أو إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك ، عند علمائنا » ، وفي جامع المقاصد : « يجب أن تكون الوكالة منجزة عند جميع علمائنا ». وأما الإجماع على أن أثر العقد يجب أن يكون حاصلاً من حين صدوره فلم يدعه أحد في المقام ولا في غيره ، وإنما ذكر في كلام بعضهم تعليلاً للحكم باشتراط التنجيز كما ذكر غيره من

وهو إن صح [1] إنما يتم في التعليق على المتوقع ، حيث أن الأثر متأخر ، وأما التعليق على ما هو حاصل [2] فلا يستلزم التأخير ، بل في المتوقع أيضاً إذا أخذ على نحو الكشف [3] - بأن يكون المعلق عليه وجوده الاستقبالي - لا يكون الأثر متأخراً [4]. نعم لو قام الإجماع على اعتبار العلم بتحقق الأثر حين العقد تمَّ في صورة الجهل [5]. لكنه غير معلوم [6].


الوجوه. مع أنه لو كان المستند في الحكم هو الإجماع على أن أثر العقد يجب أن يكون حاصلاً من حين العقد فهذا الإجماع لا يقتضي اشتراط التنجيز ومانعية التعليق ، لأن أثر العقد مع التعليق أثر تعليقي وهو حاصل حال العقد.

[1] لا إشكال أنه صحيح ، لامتناع التفكيك بين العلة والمعلول والأثر والمؤثر. لكن عرفت أنه لا يثبت الدعوى.

[2] يعني : إذا لم يعلم بحصوله كما تقدم.

[3] يعني : بنحو الشرط المتأخر.

[4] لكنه خارج عن محل كلامهم في مانعية التعليق على المتأخر ، إذ المراد منه ما يكون متأخراً عن العقد ولوحظ بنحو الشرط المقارن للمعنى الإنشائي ، فلا يشمل ما ذكر. هذا إذا كان الشرط معلوم الحصول ، كما إذا قال : بعتك إذا كان يجي‌ء رأس الشهر ، فان العقد فيه صحيح ، وإذا كان مجهول الحصول فهو عين الاشكال السابق ، لأنه من التعليق على ما هو حاصل مجهول.

[5] يعني : في صورة التعليق على الشرط المقارن في صورة الجهل.

[6] وإن ادعي ذلك فيما تقدم عن جامع المقاصد من اعتبار الجزم ، وقبله العلامة في التذكرة ، قال (رحمه اللّه) في كتاب البيع : « الشرط الخامس


من شرائط العقد الجزم ، فلو علق العقد على شرط لم يصح وان كان الشرط المشيئة ، للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته ». وتبعه على ذلك الشهيد في قواعده ، قال (رحمه اللّه) : « لأن الانتقال بحكم الرضا ، ولا رضا إلا مع الجزم ، والجزم ينافي التعليق ». وهذا أحد الوجوه المذكورة تعليلا لاشتراط التنجيز في العقود ، ودليله غير ظاهر ، بل مقتضى عمومات الصحة عدم الشرطية ، وما ذكره الشهيد في قواعده من أنه لا رضا إلا مع الجزم ممنوع ، لأن الرضا على تقدير مجهول حاصل جزماً ، فمع العلم بذلك التقدير يحصل العلم بالرضا ويترتب الأثر وهو الانتقال ، ولا يتوقف الانتقال على الجزم حال العقد بالرضا ، بل يكفي الجزم بعد ذلك بالرضا حال العقد. وهناك وجه ثالث لشرطية التنجيز أشار إليه في التذكرة في عبارته المتقدمة التي ذكرها في كتاب المضاربة من أن الأصل عصمة مال الغير. وسبقه إلى ذلك في المبسوط والخلاف ، قال فيهما في مبحث الوكالة : « من أنه لا دليل على الجواز والصحة إذا لم تكن منجزة ». وفيه : أن إطلاق أدلة الصحة شامل للمعلق كالمنجز ، وبه يخرج عن الأصل.

والذي يتحصل أمور ( الأول ) : أن المذكور في كلام الأصحاب (رضي اللّه عنه) دعوى الإجماع على اعتبار التنجيز لا على شي‌ء آخر. ( الثاني ) : أن المفهوم من كلماتهم في المواضع المختلفة الاستدلال على ذلك تارة : بأنه لا بد من ترتب أثر العقد حين وقوعه ، كما يقتضيه دليل السببية ، والتعليق ينافي ذلك. وأخرى : بأنه يعتبر في ترتب الأثر على العقد الرضا ، ولا يحصل الجزم بذلك إلا مع التنجيز. وثالثة : بأنه لا دليل على صحة الإنشاء المعلق ، والأصل يقتضي عدم ترتب الأثر عليه. وقد عرفت الاشكال على هذه الوجوه. ( الثالث ) : أن هذه الوجوه مختلفة المفاد من حيث المطابقة للدعوى والمخالفة لها ، فالوجه الأول لا يقتضي المنع من التعليق على أمر حالي ، مثل :


إن كان هذا اليوم الجمعة فقد بعتك ، ويختص بالمنع من التعليق على الأمر الاستقبالي ، والثاني لا يقتضي المنع من التعليق على معلوم الحصول مثل : بعتك إذا جاء شهر رمضان ، ويختص بالمنع من التعليق على مجهول الحصول حالياً كان أو استقبالياً ، والثالث يقتضي المنع من التعليق حتى على ما هو معلوم حال العقد مع تصريح غير واحد بصحة التعليق فيه كما تقدم في بعض العبارات ( الرابع ) : أن الوجوه المذكورة بعد أن لم تكن خالية من الاشكال ولم تكن مطابقة للدعوى فليست هي المستند في الحكم ، بل المستند الإجماع.

هذا وقد يتوهم أن الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق. وفيه : أن التعليق في العقود والإيقاعات ثابت في الشريعة ، مثل الوصية التمليكية والعهدية والتدبير والنذر والعهد واليمين إجماعاً ، بل ضرورة عند أهل العلم. مع أنه راجع إلى تعليق المنشأ ، لا تعليق نفس الإنشاء ، فقول القائل : بعتك إذا جاء رأس الشهر ، يراد به تعليق البيع على مجي‌ء رأس الشهر ، لا تعليق إنشاء البيع عليه ، وكذلك في الخبر ، فاذا قلت : إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود كان المراد تعليق وجود النهار على طلوع الشمس ، لا تعليق الاخبار بوجود النهار على طلوع الشمس ، فالجزاء المعلق على الشرط في الجملة الشرطية يراد به تعليق مضمونه - أعني : المخبر به إن كان الجزاء خبراً ، أو المنشإ إن كان الجزاء إنشاءً - لا تعليق نفس الخبر أو الإنشاء ، وإذا أريد به تعليق الخبر كان اللازم أن يقول : إن كانت الشمس طالعة أخبرتك بأن النهار موجود ، وكذا إذا أراد تعليق الإنشاء ، فإنه لا بد حينئذ أن يقول : إذا جاء رأس الشهر أنشأت بيعك ، فاذا قال في الجزاء : « بعتك » كان المعلق نفس البيع المنشأ ، لا إنشاؤه إذ إنشاؤه مصداق للإنشاء ، والمصداق لا يقبل التقييد والإطلاق ، وانما الذي يقبلهما هو المفهوم. وكذلك الكلام في الخبر فان المصداق منه


لا يقبل التقييد والإطلاق ، وانما الذي يقبلهما المفهوم. هذا مضافاً الى أن مصداقي الخبر والإنشاء لم يلحظا لحاظ المعنى الاسمي ، فلا يقبلان أن يكونا موضوعاً لإضافة التعليق ، وانما الملحوظ لحاظ المعنى الاسمي هو نفس المخبر به والمنشأ فيهما اللذان يقبلان إضافة التعليق.

ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره بعض الأعيان من أن المعلق في الجمل الشرطية هو الاخبار بالجزاء أو إنشاء الجزاء. لا نفس المخبر به أو المعنى المنشأ ، مستدلا على ذلك بأنه يلزم الكذب في قوله تعالى ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا ) (1)لأن الأخبار بالفساد إذا كان مطلقاً غير مقيد بحال كان بلا مطابق في الخارج ، فيكون كذباً - نعوذ باللّه تعالى - فلا بد أن يكون الشرط قيداً للأخبار ، لا للمخبر به ، وكذلك الكلام في الإنشاء لأنهما من باب واحد. وفيه : أن قيود المخبر به ليست على نسق واحد فالقيود التحقيقية يكون الاخبار عن المقيد بها اخباراً عنه وعنها ، فتقول : جاء زيد راكباً فرساً ، فالاخبار فيه كما يكون عن مجي‌ء زيد يكون عن ركوبه الفرس ، أما القيود التعليقية فالإخبار عن المقيد بها لا يكون إخباراً عنها ، فاذا قلت : إذا ركب زيد الفرس جاء ، لا يكون إخباراً عن مجيئه وعن ركوب الفرس ، وإنما يكون إخباراً عن مجيئه على تقدير ركوب الفرس ، ويصدق مع عدم ركوبه للفرس وعدم مجيئه ، ولذا قيل صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها. فالاية الشريفة إخبار عن الفساد على تقدير تعدد الآلهة لا إخبار عن الفساد وتعدد الالهة كي يلزم الكذب - نعوذ باللّه تعالى - فلاحظ وتأمل.

ويحتمل أن يكون الوجه في بناء الأصحاب على ذلك بناؤهم على أن العقود الصحيحة خصوص المتعارفة ، والتعليق خارج عن المتعارف فيها.


1) الأنبياء : 22.

ثمَّ على فرض البطلان لا مانع من جواز التصرف ونفوذه من جهة الإذن [1]. لكن يستحق حينئذ أجرة المثل لعمله ، إلا


لكن المبنى ضعيف.

ثمَّ إنه لم يعرف متأمل في الحكم المذكور أو راد له ، سوى ما عن الكفاية من نسبة الحكم الى المشهور ، وفي الحدائق : في المقام الرجوع إلى أصالة عدم الشرطية وظاهره البناء على العدم. لكن الخروج عن الإجماع وعدم ظهور الخلاف - كما اعترف به في مجمع البرهان - كما ترى.

[1] قال في القواعد في مبحث الوكالة : « وإذا فسد العقد لتعليقها على الشرط احتمل تسويغ التصرف بحكم الاذن » ، وفي التذكرة : جعله الأقرب ، لأن الإذن حاصل مع الوكالة ، وإذا فسدت الوكالة فلا موجب لارتفاع الإذن ، لأن التعليق لا يفسد الاذن ، بخلاف الوكالة. ودعوى : أن الاذن حاصل في ضمن الوكالة ويمتنع بقاء الضمني مع زوال المتضمن له. مندفعة : بأن المتضمن للإذن الوكالة الباطلة الحاصلة من المالك ، وهي باقية ، وعدم صحتها شرعا لا يقتضي زوالها. وليس ذلك قولا بصحة الوكالة مع التعليق ، لان بقاء الاذن راجع إلى التوكيل. ضرورة أن الوكالة من العقود والاذن من الإيقاع ، فلا يرجع أحدهما إلى الآخر ، فلا مانع من بطلان العقد وصحة الإيقاع.

قال في التذكرة : « وهذا أحد وجهي الشافعية. والثاني : لا يصح لفساد العقد ولا اعتبار بالإذن الضمني في عقد فاسد. ألا ترى أنه لو باع بيعاً فاسداً وسلم إليه المبيع لا يجوز للمشتري التصرف فيه وإن تضمن البيع والتسليم الاذن في التصرف والتسليط عليه. وليس بجيد ، لأن الاذن في تصرف المشتري باعتبار انتقال الثمن إليه والملك إلى المشتري ، وشي‌ء منهما ليس بحاصل ، وإنما أذن له في التصرف لنفسه ليسلم له الثمن. وهنا إنما

أن يكون الاذن مقيداً بالصحة [1] ، فلا يجوز التصرف أيضاً.

الثالثة : قد مر اشتراط عدم الحجر بالفلس في المالك ، وأما العامل فلا يشترط فيه ذلك [2] ، لعدم منافاته لحق الغرماء نعم بعد حصول الربح منع من التصرف إلا بالاذن من الغرماء بناء على تعلق الحجر بالمال الجديد [3].

الرابعة : تبطل المضاربة بعروض الموت كما مر - أو الجنون أو الإغماء - كما مر في سائر العقود الجائزة -


أذن له في التصرف عن الآذن لا لنفسه » وهو كما ذكر ، فإنه قياس مع الفارق.

وعلى هذا البناء نقول باستحقاق العامل في الإجارة الباطلة أجرة المثل وإن كان عالماً بالبطلان ، إذ لو لم يكن مأذوناً كان تصرفه في العين حراماً ، فلا يستحق عليه أجراً ، وإنما جاء الاذن من الإجارة الباطلة ، وهي غير منتفية ، وليس آتياً من الإجارة الصحيحة كي ينتفي بانتفائها ، وهكذا الكلام في جميع العقود الإذنية - كالعارية والوكالة والوديعة والإجارة على العمل وغيرها - إذا بطلت للتعليق جاز التصرف بعد حصول الشرط ، لحصول الاذن من العقد المعلق ، وبطلانه شرعاً لا يوجب بطلان الاذن ولا انتفاءها. وقد أطال المقدس الأردبيلي في شرح عبارة التذكرة في المقام بما لا يخلو عن نظر ، وإن كان لا يخلو من فائدة. فليراجع.

[1] ومع الشك يرجع إلى إطلاق العقد ، الموجب لإطلاق الإذن.

[2] الذي تقدم منه في أول كتاب المضاربة اشتراط عدم الحجر بالفلس في المالك والعامل معاً ، على ما هو ظاهر العبارة. وقد تقدم الاشكال عليه في ذلك.

[3] لاتحاد المناط الموجب للحجر بالمال السابق على الحجر. لكن

وظاهرهم عدم الفرق بين كون الجنون مطبقاً أو أدوارياً [1] وكذا في الإغماء بين قصر مدته وطولها ، فان كان إجماعاً وإلا فيمكن أن يقال بعدم البطلان في الأدواري والاغماء القصير المدة ، فغاية الأمر عدم نفوذ التصرف حال حصولهما ، وأما بعد الإفاقة فيجوز من دون حاجة إلى تجديد العقد ، سواء


المناط غير ظاهر. والمال الجديد - كالدين الجديد - لم يثبت أن له حكم المال القديم في الحجر عليه ، فعموم السلطنة بحاله.

[1] قال في الشرائع في مبحث الوكالة : « وتبطل الوكالة بالموت والجنون والاغماء من كل واحد منهما » ، وفي المسالك في شرحه قال : « هذا موضع وفاق. ولأنه من أحكام العقود الجائزة. ولا فرق عندنا بين طول زمان الاغماء وقصره ، ولا بين الجنون المطبق والأدوار ». وفي الجواهر : نحو ذلك ، وفي التذكرة : « ولو جن الوكيل أو الموكل أو أغمي على أحدهما بطلت الوكالة ، لخروجه حينئذ عن التكليف ، وسقوط اعتبار تصرفه وعباراته في شي‌ء البتة ».

ولا يخفى أن الخروج عن التكليف لا دخل له في صحة الوكالة ولا في بطلانها. وأما سقوط اعتبار التصرف فان كان في الوكيل فهو صحيح لكن لا يقتضي بطلان الوكالة وعدم صحة التصرف بعد الإفاقة. وإن كان في الموكل فهو لا يقتضي بطلان الوكالة وعدم صحة تصرف الوكيل في حاله فضلا عما بعد الإفاقة. فالبطلان لا تقتضيه القواعد العامة. ولذا حكى عن جامع الشرائع : عدم البطلان بالجنون. وكذا في الإغماء ساعة. لكن الفرق بين الساعة والأكثر غير ظاهر ، كالفرق بين الجنون والاغماء في الإطلاق والتقييد بساعة.

كانا في المالك أو العامل. وكذا تبطل بعروض السفه لأحدهما [1] أو الحجر للفلس في المالك أو العامل أيضاً [2] إذا كان بعد حصول الربح [3] ، إلا مع اجازة الغرماء.

الخامسة : إذا ضارب المالك في مرض الموت صح وملك العامل الحصة [4] وإن كانت أزيد من أجرة المثل ، على الأقوى من كون منجزات المريض من الأصل بل وكذلك على القول بأنها من الثلث [5] ، لأنه ليس مفوتاً لشي‌ء على الوارث ، إذ الربح أمر معدوم ، وليس مالا موجوداً للمالك ، وإنما حصل بسعي العامل [6]


[1] قال في الشرائع : « وتبطل وكالة الوكيل بالحجر على الموكل فيما يمنع الحجر من التصرف » ، ونحوه في القواعد ، وحكى عن غيرهما أيضاً. ويظهر منهم التسالم عليه. ولولاه لأشكل ذلك بأن الحجر على الموكل لسفه إنما يمنع تصرف الموكل ، لا تصرف الوكيل إذا كان توكيله في حال الرشد.

[2] لأن أموال المفلس تكون تحت ولاية الحاكم ، لا يجوز للمالك ولا لفروعه التصرف فيه إلا بإذن الحاكم أو الغرماء

[3] إذ الربح من أموال العامل فيحجر عليه فيه الا بإذن الغرماء.

[4] لعموم الصحة.

[5] كما صرح به في القواعد وغيرها ، بل يظهر منهم أنه لا خلاف فيه ، بل عن صريح مجمع البرهان أو ظاهره أنه لا خلاف فيه ، معللين له بما ذكر.

[6] لكنه نماء مال المالك ، فتمليكه محاباة تضييع على الوارث ،

السادسة : إذا تبين كون رأس المال لغير المضارب - سواء كان غاصباً أو جاهلا بكونه ليس له - فان تلف في يد العامل أو حصل خسران [1] فلمالكه الرجوع على كل منهما [2] ، فان رجع على المضارب لم يرجع على العامل [3] وإن رجع على العامل رجع إذا كان جاهلا على المضارب وإن


كما إذا آجر أملاكه بأقل من أجرة المثل ، إذ المنافع غير موجودة ، وإنما يستوفيها الأجير في ظرف حصولها. وكذا لو ساقى الفلاح بأكثر من الحصة المتعارفة أو زارع الفلاح بأكثر من الحصة المتعارفة ، فإن ذلك كله إضرار عرفاً بمال الوارث. ومنه يظهر ضعف ما في القواعد ، قال رحمه اللّه : « ولو شرط المريض ما يزيد عن أجرة المثل لم يحسب الزائد من الثلث ، إذ المقيد بالثلث التفويت ، وليس حاصلا هنا ، لانتفاء الربح حينئذ. وهل المساقاة كذلك؟ إشكال ينشأ من كون النخلة مثمرة بنفسها فهي كالحاصل » ، ونحوه ما في غيرها ، بل قيل : إنه لا خلاف فيه. اللّهم إلا أن يدعى قصور الأدلة عن شمول مثل ذلك. فلاحظ.

[1] لا يمكن فرض الخسران إلا في ظرف صحة المعاملة بالأقل ، والصحة حينئذ لا تكون إلا بإجازة المالك ، وحينئذ لا وجه لرجوع المالك على أحد فيه ، لأنه بفعله. ولو وقعت معاملتان في إحداهما ربح وفي الأخرى خسران فأجاز الأولى دون الثانية كان له الربح ولم يكن عليه خسران.

[2] لعموم : « على اليد .. » المقتضي للرجوع على كل منهما. والظاهر أنه لا خلاف فيه.

[3] يعني : إذا رجع المالك على المضارب لم يرجع المضارب على العامل ، ونحوه ما في التذكرة ، معللا له بأنه أخذه من المضارب على وجه الامانة انتهى. وكلامه هذا يخالف ما ذكره في كتاب الغصب من


رجوع الأول إلى الثاني إذا كان عالماً ، قال رحمه اللّه : « ثمَّ الثاني إن كان عالماً بالغصب فهو كالغاصب من الغاصب ، للمالك مطالبته بكل ما يطالب به الغاصب ، فان تلف المغصوب في يده فاستقرار الضمان عليه فلو غرمه المالك لم يرجع إلى الغاصب الأول بشي‌ء .. ( إلى أن قال ) ولو غرم الأول رجع عليه » ، وفي القواعد هنا : « فان طالب الأول رجع على الثاني مع علمه ، لاستقرار التلف في يده ، وكذا مع عدم علمه ، على إشكال ينشأ من الغرور » ، وهو يوافق كلامه في كتاب الغصب فإنه ذكر ما ذكر في التذكرة ، قال : « لكن الثاني إن علم بالغصب طولب بكل ما يطالب به الغاصب ويستقر الضمان عليه إذا تلف عنده ، ولا يرجع الى الأول لو رجع إليه ، ويرجع الأول إليه لو رجع إلى الأول ». نعم ما ذكره في الجاهل من الاشكال من جهة الغرور يخالف ما ذكره في القواعد في كتاب الغصب ، قال : « ولو جهل الثاني الغصب فان كان وضع يده يد ضمان - كالعارية المضمونة ، والمقبوض بالسوم ، والبيع الفاسد - فقرار الضمان على الثاني ، والا فعلى الأول » فإن مقتضى الثاني الجزم بعدم الرجوع ومقتضى الأول الميل إلى الرجوع ، وفي جامع المقاصد هنا قال : « لو ظهر استحقاق مال المضاربة وقد تلف في يد العامل بغير تعد فقرار الضمان على الدافع ، لأنه دخل معه على أن التلف بغير تفريط يكون منه ، لان ذلك حكم المضاربة ، فيجب الوفاء به ، ولا ريب أن الجاهل بالغصب أولى بعدم استقرار الضمان من المقدم على العدوان ». وهذا منه يخالف كلامه في كتاب الغصب ، فإنه وافق القواعد من رجوع الأول إلى الثاني وعدم رجوع الثاني إلى الأول ، لامتيازه عليه بوقوع التلف في يده ومثل ذلك في الاشكال دعوى مفتاح الكرامة نفي الخلاف من كل من تعرض له فيما ذكره مصنفه من رجوع المضارب


على العامل إذا كان عالماً مع ما عرفت من التذكرة من عدم الرجوع معللا بما ذكر.

وكذا الإشكال في تعليلاتهم ، فان تعليل التذكرة عدم رجوع المضارب على العامل : بأن العامل أخذه على وجه الامانة ، غير ظاهر ، فان ذلك حكم من أخذ المال من مالكه بإذنه ، لا من أخذ من غير المالك بغير إذن المالك عالماً بذلك ، ولذلك قلنا بجواز رجوع المالك عليه ومثله تعليل جامع المقاصد بقوله : « لأنه دخل معه على أن التلف بغير تفريط يكون منه ، لان ذلك حكم المضاربة فيجب الوفاء به ». إذ فيه : أن الشرط المذكور لم يكن في عقد لازم ولا جائز ، وإنما كان في المضاربة الفاسدة لعدم إذن المالك ، فكيف يجب الوفاء به؟!.

وكذلك ما ذكر في القواعد هنا من تعليل رجوع المضارب على العامل إذا كان عالماً بقوله : « لاستقرار التلف في يده » ، إذ لا يظهر الوجه في اقتضاء ذلك للرجوع عليه ، إذ الضمان لم يكن بالتلف ، وإنما كان باليد ، والجميع في ذلك سواء ، فما وجه رجوع الأول إلى الثاني دون العكس في مسألة تعاقب الأيدي العادية على العين؟! وقد ذكروا في دفع الاشكال وجوهاً ، كلها موضع نظر ، وقد تعرضنا لذلك في كتاب نهج الفقاهة في بعض مباحث الفضولي ، وذكرنا فيه ما ذكره شيخنا الأعظم في مكاسبه وشيخ المشايخ في جواهره وغيرهما من وجوه دفع الاشكال.

والأقرب في دفعه أن ذلك من الأحكام العرفية التي أمضاها الشارع لعدم الردع عنها. لكن ثبوت ذلك عرفاً إذا لم يكن الثاني قد أخذ العين قهراً غير ظاهر. نعم لا يبعد ذلك في خصوص ما إذا كان الثاني قد أخذها قهراً. فلاحظ وتأمل.

كان جاهلا أيضاً ، لأنه مغرور من قبله [1]. وإن حصل ربح كان للمالك إذا أجاز المعاملات الواقعة على ماله [2] ، وللعامل أجرة المثل على المضارب [3] مع جهله [4]. والظاهر عدم استحقاقه الأجرة عليه مع عدم حصول الربح ، لأنه أقدم على عدم شي‌ء له مع عدم حصوله [5]. كما أنه لا يرجع عليه إذا كان عالماً بأنه ليس له [6] ، لكونه متبرعاً بعمله [7] حينئذ.


[1] يشير بذلك إلى قاعدة : « المغرور يرجع على من غره » التي هي مضمون النبوي المشهور. نقلاً ، وعملاً فقد اشتهر نقله في كتب الفقهاء رضي اللّه عنهم ، وعملوا به في باب رجوع المشتري من الفضولي فيما اغترمه للمالك إذا كان المشتري جاهلاً ، وان ذكروا في وجه الحكم بالرجوع أموراً كثيرة كلها لا تخلو من إشكال ، والعمدة هو النبوي المذكور (1). اللّهم إلا أن يقال : لم يتضح اعتماد المشهور على الحديث بعد أن ذكروا تلك الأمور ، فمن الجائر أن يكون اعتمادهم في الحكم بالرجوع عليها لا عليه. وفيه : أن ذلك بعيد ، إذ الأمور المذكورة لم تذكر في كلام المشهور ، وإنما ذكرت في كلام بعضهم ، فلا تكون مستنداً للمشهور.

[2] والا لم تصح ، فلا ربح. كما أن المالك إذا أجاز نفس المضاربة كان الربح بينه وبين العامل على حسب ما قرر في المضاربة.

[3] لأنه المستوفي لعمل العامل ، فيكون عليه ضمانه.

[4] قد تقدم في المسألة الثانية والأربعين الإشكال فيه. وسيأتي أيضاً.

[5] تقدم ذلك في أواخر المسألة الثامنة والأربعين.

[6] كذا في القواعد والتذكرة وغيرهما.

[7] هذا غير ظاهر ، فإنه لم يقصد التبرع ، وانما قصد الربح ولو تشريعاً ، فيكون المضارب قد استوفى عمله ، فعليه ضمانه ، إلا إذا كان


1) تقدم التعرض له في الجزء العاشر صفحة : 144 من هذه الطبعة.

السابعة : يجوز اشتراط المضاربة في ضمن عقد لازم ، فيجب على المشروط عليه إيقاع عقدها [1] مع الشارط [2] ولكن لكل منهما فسخه بعده. والظاهر أنه يجوز اشتراط عمل المضاربة على العامل ، بأن يشترط عليه أن يتجر بمقدار كذا من ماله إلى زمان كذا على أن يكون الربح بينهما ، نظير شرط كونه وكيلا في كذا [3] في عقد لازم ، وحينئذ لا يجوز للمشروط عليه فسخها ، كما في الوكالة.


العمل محرماً. لكن العمل في المقام هو البيع والشراء ، وهما تصرفان اعتباريان لا خارجيان ، فلا يكونان محرمين ، فيكونان مضمونين ، كما في صورة الجهل بعينها.

[1] لأن الشرط المذكور أخذ بنحو شرط الفعل ، وهو إيقاع المضاربة فيجب على المشروط عليه إيقاعها ، عملا بالشرط.

[2] هذا إذا كان الشرط المضاربة مع الشارط ، فاذا كان الشرط المضاربة مع غيره فلا بد من إيقاعها معه.

[3] الذي هو نظير شرط الوكالة هو شرط المضاربة لا شرط عمل المضاربة ، فإن شرط الوكالة من قبيل شرط النتيجة ، وشرط العمل من قبيل شرط الفعل ، وهما متغايران. والثاني لا إشكال في صحته إذا لم يخالف الكتاب والسنة. والأول في صحته إشكال من وجوه ( الأول ) : أن الشرط في ضمن العقد مملوك للمشروط له على المشروط عليه ، ولهذا صح للمشروط له المطالبة بالشرط. وهذا لا يتأتى في النتائج ، من جهة أنها لا تقبل إضافة المملوكية ( والثاني ) : أن مفاد الشرط حينئذ ملك المشروط له الوكالة مثلا ، وملك الوكالة لا يقتضي وقوع الوكالة الذي هو مقصود المشترط ، فيكون خلفاً. ( الثالث ) : أن بعض النتائج لا تقبل


الإنشاء التبعي ، فلا يصح أن يبيعه فرساً بدينار بشرط أن تكون بنته زوجة له ، لأن الزوجية لا تقبل الإنشاء التبعي. وكذا لو باعه بشرط أن تكون زوجته مطلقة ، لأن الطلاق لا يقبل الإنشاء التبعي .. وهكذا فصحة شرط المضاربة يتوقف على كونها مما تقبل الإنشاء التبعي ، وهو غير واضح.

ويدفع الإشكالين الأولين : أن ملك المشروط له للشرط يختص بشرط الفعل ، ولا يكون في شرط النتيجة. نعم لا بد في شرط النتيجة من كون المشروط محبوبا للمشروط له وان لم يكن مملوكاً له ، فشرط النتيجة مجرد إنشاء في ضمن إنشاء على أن يكون قيداً له من دون قصد تمليكه للمشروط له.

نعم يبقى الاشكال الثالث ، وتوضيحه : أن شرط النتيجة في ضمن العقد راجع إلى تقييد المنشإ بالنتيجة ، فإذا قلت : بعتك الدار على أن يكون ثمنها بيدك مضاربة ، فقد قيدت البيع المنشأ بقيد ، وهو المضاربة بثمنه ، وبهذا التقييد كنت قد أنشأت المضاربة ، لكونها مأخوذة قيداً للمنشإ ، لأن إنشاء المقيد إنشاء لقيده ، فهذا النحو من الإنشاء ربما يترتب عليه الأثر ، فيحصل المنشأ ، كما في شرط الوكالة في ضمن البيع ، فيما لو قال : بعتك داري على أن أكون وكيلا على إجارتها ، ومثل شرط الملكية مثل. بعتك داري بألف دينار بشرط أن يكون لي عليك من من السكر أو مثل جميع شرائط الفعل ، لما عرفت من رجوع الشرط فيها إلى شرط ملكية الفعل للمشروط له ، وربما لا يترتب عليه الأثر ، مثل شرط التزويج والطلاق ، والمائز بين القسمين المرتكزات العرفية ، ومع الشك يبنى على عدم ترتب الأثر ، للشك في القابلية ، وإطلاقات الصحة لا تثبت القابلية.

ولا يبعد في المرتكزات العرفية أن تكون المضاربة من النتائج التي


يصح إنشاؤها بجعلها قيداً للمنشإ ، ومثلها جميع العقود الإذنية ، كالعارية والوديعة والوكالة ، وكذلك الرهن ، فاذا قال : بعتك داري بثمن إلى شهر بشرط أن تكون رهناً على ثمنها ، صح البيع وصح الرهن ، وليس كذلك البيع والإجارة والوقف والنكاح والطلاق. وقد عرفت أنه مع الشك في المرتكزات العرفية يرجع إلى أصالة عدم ترتب الأثر.

والذي يتحصل مما ذكرنا أمور ( الأول ) : أن شرط الفعل مفاده تمليك المشروط له على المشروط عليه الفعل. ( الثاني ) : أن هذا لا يمكن في شرط النتيجة ، للاشكالين السابقين. ( الثالث ) : أن شرط النتيجة إنشاء للنتيجة كسائر الإنشاءات للعناوين الإنشائية ، ويختلف عنها بأنه إنشاء تبعي ، بخلاف سائر الإنشاءات فإنه أصلي. ( الرابع ) : أن النتائج في مرتكزات العرف على ثلاثة أقسام ، منها ما يقبل الإنشاء التبعي ، ومنها ما لا يقبله ، ومنها ما هو مشكوك. والأول يصح أخذه شرطاً ويترتب عليه الأثر ، والأخيران لا يصح ذلك فيهما.

ثمَّ إنه لا إشكال في أنه يجوز الجمع بين عنوانين بعقد واحد ، فيقول بعتك هذه الجارية وزوجتك أختها بألف دينار ، فاذا قال المخاطب : قبلت صح البيع والنكاح ، وليس أحدهما شرطاً في الآخر ، لأن الشرط يجب أن يكون قيداً للمشروط به كما عرفت ، وهنا لم يؤخذ أحدهما قيداً للآخر ولا مقيداً به ، بل الأمران مقترنان في عرض واحد بلا تقييد ولا تقيد. ولذلك لا خلاف بينهم في صحة الجمع من دون شبهة أو إشكال ، وقد تقدم في مبحث ضمان العين المستأجرة ما له نفع في المقام ، فليراجع.

هذا ولا يبعد أن يكون غرض المصنف من قوله : « عمل المضاربة » نفس المضاربة بقرينة تنظير ذلك بشرط الوكالة وبقرينة قوله بعد ذلك : « فلا يجوز له فسخها ». وإنما لم يجز فسخها لان التوقيت إلى زمان معين

الثامنة : يجوز إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة [1] ، كأن يقول : إذا اتجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه ، فيكون جعالة تفيد فائدة المضاربة. ولا يلزم أن يكون جامعاً لشروط المضاربة [2] ، فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين أو ديناً أو مجهولا جهالة لا توجب الغرر [3]. وكذا في المضاربة المشروطة في ضمن عقد بنحو شرط النتيجة [4] ، فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين.


يقتضي اشتراط عدم فسخها مضافاً إلى اشتراط وجودها ، وحينئذ يكون فسخها قبل الغاية مخالفة للشرط ، فلا يكون تحت قدرة المشروط عليه.

[1] قد تقدم في المسألة الثامنة والأربعين الفرق بين الجعالة والمضاربة وأن الاولى من الإيقاعات والثانية من العقود. ثمَّ إنه قد أشرنا في بعض المباحث السابقة إلى أن المضاربة مخالفة لقاعدة كون الربح لصاحب الأصل التي هي مقتضى المعاملة ، ولكن بني عليها للدليل الخاص. وهذا الدليل لم يكن في الجعالة ، وعليه فلا تصح في المقام ، لمخالفتها لقاعدة لزوم رجوع الربح الى المالك. فلاحظ ما ذكرناه في الشرط الأول من شروط المضاربة وغيره. نعم إذا قال له : اتجر بهذا المال فاذا ربحت أعطيتك حصة من الربح ، صح جعالة ، لعدم مخالفة القاعدة في ذلك.

[2] لأنه ليس مضاربة. نعم يلزم أن يكون بشروط الجعالة ، مثل أن يكون له جعل على العمل على كل حال ، ولا يعتبر ذلك في المضاربة ، فلو قال : من رد عبدي فله نصف ما في جيبه من المال إن كان ، لم يصح جعالة.

[3] قد تقدم الإشكال في اعتبار عدم الغرر. فراجع.

[4] هذا غير ظاهر ، إذ المضاربة مفهوم واحد ، ولا فرق بين

التاسعة : يجوز للأب والجد الاتجار بمال المولى عليه بنحو المضاربة بإيقاع عقدها [1]. بل مع عدمه أيضاً [2] ، بأن يكون بمجرد الاذن منهما [3]. وكذا يجوز لهما المضاربة بماله مع الغير [4] على أن يكون الربح مشتركاً بينه وبين العامل. وكذا يجوز ذلك للوصي في مال الصغير مع ملاحظة الغبطة والمصلحة والأمن من هلاك المال [5].

العاشرة : يجوز للأب والجد الإيصاء بالمضاربة بمال المولى عليه بإيقاع الوصي عقدها [6] لنفسه أو لغيره مع تعيين


جعله بالأصالة وبالتبعية ، وكل ما يعتبر في الأول يعتبر في الثاني ، فلو شرط في حال فقد الشرائط كان الشرط مخالفاً للكتاب ، فيكون باطلاً.

[1] يعني : مع نفسه بحسب الولاية عليه. لكن في القواعد في كتاب الحجر : الإشكال في صحة إيقاع العقد مع نفسه ، وعن التحرير : المنع عنه. وهو - كما ترى - غير ظاهر ، إلا بدعوى اعتبار تعدد الموجب والقابل في صحة العقد. وهو ممنوع. أو نقول بعدم الحاجة الى القبول فيترتب الأثر بمجرد الإيقاع ، كما أشرنا الى ذلك في مباحث نكاح العبيد.

[2] يعني : مع عدم العقد ، وحينئذ لا يكون مضاربة.

[3] الاذن في الفرض ضرورية مع الالتفات منهما.

[4] وكذا بمجرد الاذن بدون عقد مضاربة ، نظير ما سبق ، إذ لا فرق بينهما.

[5] لقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1).

[6] يعني : تكون الوصية بإيقاع الوصي عقدها.


1) الانعام : 152.

الحصة من الربح ، أو إيكاله إليه وكذا يجوز لهما الإيصاء بالمضاربة [1] في حصة القصير من تركتهما بأحد الوجهين. كما أنه يجوز ذلك لكل منهما بالنسبة إلى الثلث المعزول لنفسه [2] بأن يتجر الوصي به أو يدفعه إلى غيره مضاربة ويصرف حصة الميت في المصارف المعينة للثلث. بل وكذا يجوز الإيصاء منهما بالنسبة إلى حصة الكبار أيضاً [3].


[1] الفرق بين هذا وما قبله : أن ما قبله كان بالنظر إلى مال المولى عليه المملوك حال الوصية ، وهذا بالنظر إلى الحصة التي يملكها بعد موت الموصي. وفي بعض الحواشي الإشكال فيه. ولعله لعدم ولايتهما على المال المذكور حال الوصية لعدم الملك. ويشكل : بأنه لا يعتبر في ولاية الولي وجود المال فعلاً ، بل يكفي وجوده بعد ذلك ولو بهبة أو كونه نماء ملك موجود أو متجدد. اللّهم الا أن يقال : إنه لا إطلاق في دليل ولاية الأب يشمل المال الذي يملكه بفقده إلا أن يستفاد ذلك من الخبر الآتي.

[2] لإطلاق أدلة نفوذ الوصية.

[3] قال في الشرائع : « ولو أوصى الى إنسان بالمضاربة بتركته أو بعضها على أن الربح بينه وبين ورثته نصفان صح. وربما اشترط كونه قدر الثلث أو أقل. والأول مروي » وفي المسالك : « المصنف وأكثر الجماعة أطلقوا الصحة في الورثة الشامل المكلفين ، ويشمل إطلاقهم وإطلاق الروايتين ما إذا كان الربح بقدر أجرة المثل ، وما إذا كان زائداً عليها بقدر الثلث وأكثر » ، وعن الكفاية : أن المشهور لم يعتبروا كون الأولاد صغاراً ، ونحو ذلك كلام غيرهما. وظاهر الشرائع : أن المستند فيه الرواية والرواية ستأتي ، (1)وهي مختصة بالصغار ، ولا تشمل الكبار. وظاهر


1) في صفحة : 452.


المصنف وغيره : أن المستند فيه عموم أدلة نفوذ الوصية ، إذ الخارج منه ما كان مفوتاً للمال على الورثة ، وليس منه المقام ، كما سيبينه. لكن تقدم ما في الشرائع ما يشير إلى القول بالمنع من الوصية بذلك في مال الصغار والكبار ، وتختص الصحة بما كان قدر الثلث ، ونسبه في المسالك إلى ابن إدريس. لكن عبارته ظاهرة في المنع من الوصية بالمضاربة مطلقاً حتى في قدر الثلث ، لأن الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ما كان يملكه الميت قبل موته ، والربح متجدد بعد موته ، فكيف تنفذ وصيته وقوله فيه؟! انتهى.

وما هو ظاهر عبارته واضح الاشكال ، لعموم نفوذ الوصية حتى في نماء المال المتجدد ولو كان من قبيل الربح. مع أن التصرف من الموصي إنما هو في نفس التركة التي هي له ، لا في مال لا يملكه ، فان الاتجار بها هو مورد الوصية ، والنماء لا يعتبر أن يكون مملوكاً لا حال المضاربة ولا الوصية بإيقاع عندها.

فالعمدة في وجه الإشكال في صحة الوصية بالنسبة إلى حصة الكبار : أنه خلاف قاعدة السلطنة في حقهم ، قال في القواعد : « ولو أوصى لكل وارث بقدر نصيبه فهو لغو. ولو خصص كل واحد بعين هي قدر نصيبه فالأقرب الافتقار إلى الإجازة ، لظهور الغرض في أعيان الأموال. وكذا لو أوصى أن يباع عين ماله من إنسان بنقد بثمن المثل » وظاهره المنع من صحة التصرف في التركة وإن لم يكن موجباً لنقص القيمة إلا إذا أجاز الوارث ، وقال بعد ذلك بقليل : « ولو أوصى ببيع تركته بثمن المثل ففي اشتراط الإجازة إشكال » ، وكأنه عدل عن الجزم بالمنع إلى الإشكال فيه. وفي جامع المقاصد : « لا ريب في أن الأقوى الصحة » وحكى ذلك عن التذكرة. وهو كما ذكر ، فان عموم ما دل على نفوذ الوصية شامل لكل تصرف من الموصي ، والخارج عنه

ولا يضر كونه ضرراً عليهم من حيث تعطيل ما لهم إلى مدة [1] لأنه منجبر بكون الاختيار لهم في فسخ المضاربة وإجازتها [2].


ما كان زائداً على الثلث. والظاهر منه الزائد من حيث القيمة ، وليس منه تخصيص كل واحد من الورثة بعين هي قدر نصيبه ، ومثله الوصية ببيع التركة بثمن المثل على واحد من ورثته أو من غيرهم. وتعيين ثلثة في عين من أعيان التركة .. الى غير ذلك مما لا يعد حيفاً على الوارث وضرراً عليه.

والذي تحصل أمران ( الأول ) : أن الاحتمالات في المسألة ثلاثة : جواز الوصية بالمضاربة كما هو المشهور ، والجواز في الثلث فقط كما أشار إليه في الشرائع ، والمنع مطلقاً كما هو ظاهر عبارة السرائر. ( الثاني ) أن وجه الأول القواعد العامة ، لا الرواية - كما قد يظهر من المحقق - ووجه الثاني قاعدة السلطنة ، ووجه الثالث ما ذكر في السرائر. وقد عرفت ضعف الأخير. وعموم صحة الوصية مقدم على قاعدة السلطنة.

[1] هذا التعطيل ربما لا يكون ضرراً بل مصلحة للوارث ، كما إذا كان لا يتمكن من الاتجار بماله بنفسه ولا يعرف القادر على التجارة وكانت المدة قليلة ، وربما تكون ضرراً عرفاً ، كما إذا كانت المدة طويلة وكان عارفاً بالتجارة أو عارفاً بالعمال الذين يتجرون ، فان حبس المال عنهم حيف وجور عليهم.

[2] إذا كانت الوصية إضراراً بالورثة فهي باطلة بلا حاجة الى الفسخ ، لا أنها صحيحة ويكون للوارث الفسخ. وان شئت قلت : الوصية بالمضاربة ( تارة ) : تكون بمجرد إيقاع العقد على أحد الوجهين ، فهذا لا ضرر فيه على الوارث ( وأخرى ) : تكون بإيقاع العقد المشفوع بالعمل فهذه ( تارة ) : تكون بلا إضرار ، لقصر المدة مثلاً ( وأخرى ) : تكون ذات إضرار ، لطول المدة مثلا. والأولتان صحيحتان ، والأخيرة

كما أن الحال كذلك بالنسبة إلى ما بعد البلوغ في القصير [1] ، فان له أن يفسخ أو يجيز. وكذا يجوز لهما الإيصاء بالاتجار بمال القصير على نحو المضاربة ، بأن يكون هو الموصى به [2] لا إيقاع عقد المضاربة ، لكن إلى زمان البلوغ أو أقل. وأما إذا جعل المدة أزيد فيحتاج إلى الإجازة بالنسبة إلى الزائد [3]


صحيحة إلى أن يحصل الضرر فتبطل ، ولا دخل للفسخ وعدمه في الصحة والبطلان ، إذ الفسخ في الأولى غير مناف للوصية ، وفي الثانية مناف لها فلا يجوز لصحتها ، وفي الثالثة يجوز لبطلانها ، لا أنه جابر لضررها.

لكن الظاهر من الوصية بالمضاربة إحدى الصورتين الأخيرتين ، أعني إيقاع العقد مع العمل طالت المدة أو قصرت ، لا مجرد إيقاع العقد ، وحينئذ فهي صحيحة إذا لم تكن مضرة ، ولا يجوز الفسخ للوارث ، وباطلة إذا كانت مضرة ويجوز له الفسخ. وإذا فرض أنها غير مضرة في أوائل المدة ومضرة في أواخرها صحت في الأوائل ولا يجوز الفسخ ، وبطلت في الأواخر وجاز الفسخ.

[1] الكلام فيه كما هو الكلام في الكبير ، فان لم تكن الوصية بالمضاربة في حصته مضرة فهي صحيحة ، وإن كانت مضرة فهي باطلة ، وإذا كانت في أوائل المدة غير مضرة فهي صحيحة ولا يجوز فسخها حتى بعد البلوغ ، وإن كانت في أواخرها مضرة بطلت حتى قبل البلوغ ، لا أنها تكون صحيحة ويكون الخيار في الفسخ جابراً لضررها.

[2] يعني : تكون الوصية إنشاء للمضاربة بعد الموت نظير الوصية التمليكية التي هي إنشاء للتمليك بعد الموت.

[3] إن صح هذا الإنشاء فلا فرق بين ما يكون بعد البلوغ وما يكون قبله فان كانت الوصية مضرة بمال القصير فهي باطلة وإن كانت بالإضافة

ودعوى : عدم صحة هذا النحو من الإيصاء ، لأن الصغير لا مال له حينه [1] وإنما ينتقل إليه بعد الموت ، ولا دليل على صحة الوصية العقدية في غير التمليك ، فلا يصح أن يكون إيجاب المضاربة على نحو إيجاب التمليك بعد الموت. مدفوعة بالمنع [2].


إلى ما قبل البلوغ ، وإن كانت غير مضرة فهي صحيحة حتى فيما بعد البلوغ ، ولا تحتاج إلى الإجازة ، لما عرفت من عموم نفوذ الوصية إذا لم تكن مضرة لما بعد البلوغ وما قبله. كما لا فرق في العموم بين الوصية بإيقاع العقد والوصية بنفس المضاربة.

[1] هذا لا دخل له في الاشكال ، فإنه يتوجه وإن كان للصبي مال في حياة والده ، إذ وجه الاشكال بطلان تعليق المنشأ على الموت في غير الوصية التمليكية والعهدية ، فلا يصح للمالك أن يوصي بالوقف ، فيقول : هذا وقف بعد مماتي ، أو يوصي بالبيع بأن يقول : بعتك هذا بعد مماتي أو يوصي بالإبراء ، فيقول : أنت برئ عما لي عليك بعد وفاتي .. وهكذا لأن التعليق في المنشأ باطل وان كان المعلق عليه الموت ، الا في الموردين المذكورين ، فلا تصح الوصية بالمضاربة بمال اليتيم معلقاً على الموت وإن كان المال ملكاً له في حياة الموصي.

نعم كون اليتيم لا مال له الا بعد وفاة الموصي يكون منشأ للإشكال في الوصية بالمضاربة بنحو النتيجة زائداً على الاشكال المتقدم ، لما تقدم في أول المضاربة من اعتبار وجود المال وكونه خارجياً ، فلا تصح المضاربة على مال سيملكه ، كما لا تصح على مال هو دين في ذمة غيره. فيكون في إنشاء المضاربة في المقام إشكالان : إشكال التعليق على الموت ، وإشكال عدم المال الخارجي ، لا اشكال واحد معلل بالآخر ، كما يظهر من العبارة.

[2] قد عرفت أنه لا مجال للمنع ، بل لو فرض التوقف في مانعية

مع أنه الظاهر من خبر خالد بن بكر الطويل في قضية ابن أبي ليلى [1] وموثق محمد بن مسلم [2] المذكورينفي باب الوصية. واما بالنسبة الى الكبار من الورثة فلا يجوز بهذا النحو


التقليق في العقود فلا توقف في مانعية التعليق على الموت فيها ، وقد حصر الاصحاب الوصية الصحيحة في التمليكية والعهدية ، لا غير. وكذلك اعتبار وجود المال حال المضاربة ، فانه لا مجال لمنعه فكل من الاشكالين لامجال لمنعه.

[1] رواه المشايخ الثلاثة - رضي اللّه عنهم - عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج عن خالد بن بكر الطويل قال : « دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال : يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به ، وخذ نصف الربح ، وأعطهم النصف ، وليس عليك ضمان. فقدمتني أم ولد أبي بعد وفاة أبي الى ابن أبي ليلى. فقالت : إن هذا يأكل أموال ولدي ، قال : فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي ، فقال لي ابن أبي ليلى : إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه. ثمَّ اشهد علي ابن أبي ليلى : إن أنا حركته فانا له ضامن. فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقصصت عليه قصتي ثمَّ قلت له : ما ترى؟! فقال : أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع رده ، وأما فيما بينك وبين اللّه عز وجل فليس عليك ضمان » (1)

[2] رواه المشايخ الثلاثة رضي اللّه عنهم - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : « أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم ، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم فقال : لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي » (2). وسماه - كغيره - موثقاً ، لوجود ابن فضال في سنده.


1) الوسائل باب : 92 من أبواب كتاب الوصايا حديث : 2.

2) الوسائل باب : 92 من كتاب الوصايا حديث : 1‌

لوجوب العمل بالوصية - وهو الاتجار - فيكون ضررا عليهم [1] من حيث تعطيل حقهم من الإرث وإن كان لهم حصتهم من


هذا ولا يبعد وحدة الواقعة المحكية بالخبرين ، ولا يظهر منهما أنه من المضاربة ، ولا من الإنشاء للمضاربة حال الحياة ، بل ما تحت العبارة هو الأمر بالعمل والاذن به على أن للعامل نصف الربح ، ومن الجائز أن تكون معاملة خاصة بينه وبين وصيه في حال الحياة وإن كان موضوعها بعد الوفاة ، تشبه المضاربة من جهة والجعالة من جهة أخرى. أو هي وصية عهدية بالولاية على مال الصغير - كما في الرواية الأولى - أو عليه وعلى ماله - كما في الثانية - ولا دخل لهما فيما نحن فيه.

[1] لم يتضح الفرق بين هذه المسألة وما تقدم ، فقد ذكر هناك أن الضرر منجبر بكون الاختيار لهم في الفسخ ، فلم لا يكون الضرر المذكور هنا أيضاً منجبر بكون الاختيار لهم في الفسخ؟! وقد عرفت فيما سبق أن الضرر الحاصل من الوصية موجب لبطلانها ، ولا ينجبر بالاختيار في الفسخ والإجازة ، فهي تصح مع عدم الضرر للعموم ، وتبطل معه لقوله تعالى : ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) (1).

فان قلت : لا مجال لفسخ الوارث هنا ، لأن الفسخ إنما يشرع للعامل والمالك ، والوارث هنا ليس واحداً منهما ، لأن المضاربة كانت بين الموصي والعامل ، وقد مات الأول فليس للوارث الفسخ حتى ينجبر الضرر به. وبذلك افترقت هذه المسألة عن سابقتها ، فإن المضاربة في سابقتها بين الوارث والعامل.

قلت : المفروض في المسألة السابقة وقوع المضاربة بين الوصي والعامل والوارث إن تولى العقد فهو من باب كونه الوصي ، لا من باب كونه الوارث ، والوصي يتصرف بالنيابة عن الميت ، والوارث أجنبي عنه ، فإذا


1) البقرة : 182‌

الربح ، خصوصاً إذا جعل حصتهم أقل من المتعارف [1].

الحادية عشرة : إذا تلف المال في يد العامل بعد موت المالك من غير تقصير فالظاهر عدم ضمانه [2] ، وكذا إذا تلف بعد انفساخها بوجه آخر [3].

الثانية عشرة : إذا كان رأس المال مشتركا بين اثنين فضاربا واحداً ثمَّ فسخ أحد الشريكين [4] هل تبقى بالنسبة


لم يكن له الفسخ في المسألة الأخيرة لم يكن له الفسخ في سابقتها. مضافاً إلى أن الفسخ إنما هو للمالك والعامل لا للموجب والقابل ، والوارث هو المالك. وإلا أشكل الأمر في فسخ الصغير بعد البلوغ لأن تصرف الوصي من باب الوصية كما في الكبير ، وحينئذ يكون الصغير أجنبياً عن الطرفين ، لا من باب الولاية على الطفل. فتأمل.

[1] في جامع المقاصد دفع هذا الاشكال بما حاصله : أن المضاربة إن صحت كانت حصة العامل من الربح له من دون أن تخرج من ملك مالك المال ، وإن بطلت فلا ربح أصلا لا أنه يكون الربح للمالك ، وفي كلتا الحالتين لم يخرج من مال المالك شي‌ء إلى العامل حتى تكون المضاربة بالأقل من المتعارف ضرر على المالك بتوسط الوصية. ودفعه في المسالك بما حاصله : أنه يمكن أن تصح المعاملة بإجازة المالك وتبطل المضاربة ، فيكون تمام الربح للمالك ، فتصحيح المضاربة إضرار بالمالك. فراجع.

[2] لأنه أمين المالك بالمضاربة ، ولا يخرج عن حكم الامانة ببطلان المضاربة بموت المالك ، للأصل.

[3] لعين ما تقدم.

[4] قد عرفت في المسألة السابعة والأربعين جواز الفسخ في البعض عقلا وعرفاً وشرعاً

إلى حصة الأخر أو تنفسخ من الأصل؟ وجهان أقربهما الانفساخ [1]. نعم لو كان مال كل منهما متميزاً وكان العقد واحدا لا يبعد بقاء العقد بالنسبة إلى الأخر.

الثالثة عشرة : إذا أخذ العامل مال المضاربة وترك التجارة به إلى سنة مثلا ، فان تلف ضمن [2] ، ولا يستحق المالك عليه غير أصل المال [3] ، وان كان آثما في تعطيل مال الغير.

الرابعة عشرة : إذا اشترط العامل على المالك عدم كون الربح جابراً للخسران مطلقا فكل ربح حصل يكون بينهما ، وإن حصل خسران بعده أو قبله ، أو اشترط أن لا يكون الربح اللاحق جابرا للخسران السابق أو بالعكس ، فالظاهر الصحة. وربما يستشكل بأنه خلاف وضع المضاربة. وهو كما ترى [4].


[1] لأنها مضاربة واحدة ، فلا تتبعض بالفسخ. لكن تقدم في المسألة السابعة والأربعين جواز التبعيض في المال الواحد لشخص واحد ، فأولى منه التبعيض بالنسبة لشخصين ، كما هو ظاهر.

[2] للخيانة بحبس المال وعدم الاتجار به ، وهو غير مأذون فيه.

[3] إذ لا موجب له ، والأصل البراءة ، وإن كان آثماً في حبسه بغير إذن مالكه.

[4] هذا غير ظاهر ، فان منصرف قوله (عليه السلام) : « الربح بينهما والوضيعة على المال » (1)غير ما ذكر. فتصحيحه لا بد أن يكون


1) الوسائل باب : 3 من أبواب كتاب المضاربة حديث : 5‌

الخامسة عشرة : لو خالف العامل المالك فيما عينه جهلا أو نسياناً أو اشتباهاً - كما لو قال : لا تشتري الجنس الفلاني ، أو من الشخص الفلاني مثلا ، فاشتراه جهلا - فالشراء فضولي موقوف على إجازة المالك [1]. وكذا لو عمل بما ينصرف إطلاقه إلى غيره ، فإنه بمنزلة النهي عنه [2]. ولعل منه ما ذكرنا سابقا من شراء من ينعتق على المالك مع جهله بكونه كذلك. وكذا الحال إذا كان مخطئاً في طريقة التجارة [3] ، بأن اشترى ما لا مصلحة في شرائه عند أرباب المعاملة في ذلك الوقت ، بحيث لو عرض على التجار حكموا بخطائه.

السادسة عشرة : إذا تعدد العامل [4] كأن ضارب اثنين بمائة مثلا بنصف الربح بينهما متساوياً أو متفاضلا - فاما أن يميز حصة كل منهما [5] من رأس المال ، كأن يقول :


بالعمومات الدالة على صحة العقود. لكنها لا تقتضي جريان أحكام المضاربة عليها ، كما تقدم في نظائر المقام.

[1] لعدم إذن المالك.

[2] يكفي عدم الإذن.

[3] فإن ذلك خارج عن منصرف الاذن ، فيكون فضولياً.

[4] قد تعرض لذلك الجماعة في كتبهم ، قال في الشرائع : « ولو قال لاثنين : لكما نصف الربح ، صح وكانا فيه سواء ، ولو فضل أحدهما صح أيضاً وإن كان عملهما سواء » وفي القواعد : « ولو كان العامل اثنين فساواهما في الربح صح وإن اختلفا في العمل ».

[5] هذه الصورة خارجة عن كلام الجماعة.

على أن يكون لكل منه نصفه ، وإما لا يميز ، فعلى الأول الظاهر عدم اشتراكهما في الربح والخسران والجبر ، إلا مع الشرط [1] ، لأنه بمنزلة تعدد العقد. وعلى الثاني يشتركان فيها [2] وإن اقتسما بينهما فأخذ كل منهما مقداراً منه ، إلا أن يشترطا عدم الاشتراك فيها ، فلو عمل أحدهما وربح وعمل الآخر ولم يربح أو خسر يشتركان في ذلك الربح ويجبر به خسران الآخر. بل لو عمل أحدهما وربح ولم يشرع الآخر بعد في العمل ، فانفسخت المضاربة ، يكون الآخر شريكاً [3] وإن لم يصدر منه عمل ، لأنه مقتضى الاشتراك في المعاملة ولا يعد هذا من شركة الأعمال ، كما قد يقال [4] ، فهو نظير ما إذا آجرا نفسهما لعمل بالشركة ، فهو داخل في عنوان المضاربة [5] لا الشركة ، كما أن النظير داخل في عنوان الإجارة.

السابعة عشرة : إذا أذن المالك للعامل في البيع والشراء نسيئة ، فاشترى نسيئة وباع كذلك ، فهلك المال ، فالدين في


[1] لكن معه يشكل بقاء عنوان المضاربة ، لما تقدم في الشرط الخامس من شروط المضاربة. فراجع.

[2] لان ذلك من لوازم وحدة المضاربة عرفاً ، كما هو المفروض.

[3] كما قواه في الجواهر بعد أن ذكر أنه لم يعثر على محرر لذلك.

[4] لم يعرف القول لأحد بذلك ، وانما حكي عن مالك أنه اشترط التسوية في الربح مع التسوية في العمل ، قياساً على شركة الأبدان. وفي المسالك : أن الأصل والفرع عندنا باطلان.

[5] لكنها قائمة بعاملين. وكذا الحكم في الإجارة ، إذ إنها إجارة

ذمة المالك. وللديان إذا علم بالحال أو تبين له بعد ذلك الرجوع على كل منهما ، فان رجع على العامل وأخذ منه رجع هو على المالك [1]. ودعوى : أنه مع العلم من الأول ليس له الرجوع على العامل [2] ، لعلمه بعدم اشتغال ذمته. مدفوعة : بأن مقتضى


قائمة بأجيرين وليستا من شراكة الأبدان في شي‌ء. وعرفت أنه ليس مورداً للتوهم. كما أنه تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في المسألة السابعة والعشرين.

[1] قال في الجواهر : « ويكون دخول الوكيل في هذا التصرف بمنزلة دخول الضامن في الضمان ، فإن أعطاه كان له الرجوع بما وزن لأنه توكل بإذنه في الشراء وذلك يتضمن تسليم الثمن وكان الاذن في الشراء إذنا فيه وفيما يتضمنه ». وهو كما ذكر.

[2] قال في الشرائع : « إذا اشترى لموكله كان البائع بالخيار إن شاء طالب الوكيل ، وإن شاء طالب الموكل. والوجه اختصاص المطالبة بالموكل مع العلم بالوكالة واختصاص الوكيل مع الجهل بذلك ». وقال في الشرائع بعد ذلك : « ولو ظهر في المبيع عيب رده على الوكيل دون الموكل لأنه لم يثبت وصول الثمن اليه. ولو قيل برد المبيع على الموكل كان أشبه » ونحوه في المسألة الثانية ما في القواعد ، والقول الأول فيها منسوب الى المبسوط ، وما قربه في القواعد وجعله في الشرائع أشبه جعله في الإيضاح الأصح ، وكذا في غيره. وفي المسالك : « قول الشيخ ضعيف كدليله ».

ووجهه : أن وصول الثمن إليه أو الى الموكل لا يرتبط بوجوب أداء المال إلى مالكه ، والوكيل قد انعزل عن الوكالة بالبيع ، فلا وجه للرد إليه إلا أن يكون وكيلا أيضاً في أخذ المبيع إذا رده إليه المشتري ، وحينئذ يجوز الرد اليه وإلى الموكل ، ولا وجه لاختصاص الوكيل به ،


فيجوز الرد إلى كل منهما. وأما استرداد الثمن فيجوز الرجوع فيه إلى الموكل إذا اعترف بوصول الثمن إليه أو الى الوكيل ، وإذا أنكر الموكل وصول الثمن إلى أحدهما جاز له الامتناع من دفعه الى المشتري ، ولا وجه لرجوع المشتري على الوكيل ، لعدم كونه وكيلا في رد الثمن ، سواء اعترف الموكل بوصول الثمن أم لا. هذا ما تقتضيه القواعد الأولية في حكم المسألة الثانية.

أما ما تقتضيه القواعد في حكم المسألة الأولى فهو ما ذكر المحقق من أن الموكل هو الذي يستحق عليه الثمن ، فيكون هو المطالب به.

والقول الأول محكي عن المبسوط أيضاً. ووجهه غير ظاهر إلا ما ذكره في الجواهر ، من أن ذلك من أحكام ولي العقد ، يريد بذلك أن من الأحكام العرفية جواز الرجوع إلى ولي العقد في ما يقتضيه العقد من دفع الثمن حتى مع العلم بالوكالة ، ولم يثبت الردع عنه ، فدل ذلك على إمضائه شرعاً وهو كما ذكر ، ومنه يظهر الوجه في جواز الرد على الوكيل في المسألة الأولى وان لم يكن وكيلا في أخذ المبيع إذا رده إليه المشتري ، فان ذلك من الأحكام العرفية. ومثله جواز مطالبته بما دفعه اليه من الثمن وان كان الوكيل قد أخذه ودفعه الى الموكل ، فان ذلك أيضاً من الأحكام العرفية التي أمضاها الشارع المقدس ، فيجب الأخذ بها. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الثمن عيناً خارجية أو ذمية.

وما ذكره الجماعة من أنه في الأول يرجع المشتري إلى خصوص من كانت في يده غير ظاهر من العرف ، بل بناؤهم على جواز الرجوع إلى كل من الوكيل والموكل. أما الوكيل فلأنه المتولي للعقد ، فيكون متوليا لمقتضاه من دفع الثمن وإن كان في يد الموكل. وأما الموكل فلانه الذي دخل المثمن في كيسه ، فيكون مطالبا ببدله وان كان بيد وكيله.

المعاملة ذلك ، خصوصاً في المضاربة [1] ، وسيما إذا علم أنه عامل يشتري للغير ولكن لم يعرف ذلك الغير [2] أنه من هو ومن أي بلد. ولو لم يتبين للديان أن الشراء للغير يتعين له الرجوع على العامل في الظاهر ويرجع هو على المالك.

الثامنة عشرة : يكره المضاربة مع الذمي ، خصوصاً إذا كان هو العامل. لقوله (عليه السلام) : « لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي ، ولا يبضعه بضاعة ، ولا يودعه وديعة ، ولا يصافيه المودة » [3]. وقوله (عليه السلام) : « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كرّه مشاركة اليهودي والنصراني والمجوسي ، إلا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم » [4]. ويمكن أن يستفاد


ومن ذلك تعرف الوجه فيما ذكره المصنف رحمه اللّه من كون الدعوى مدفوعة : بأن مقتضى المعاملة ذلك ، يريد أنه مقتضى الوكالة ذلك. إذ المعاملة إنما تقتضي وجوب دفع الثمن على من دخل في كيسه المثمن ، وذلك يقتضي الرجوع الى الأصيل ، لكن تقتضي الوكالة ذلك.

[1] لما فيها من التفويض إلى العامل وبعد المالك عن المعاملة.

[2] فإنه لو لا جواز الرجوع على العامل لم يقدم على المعاملة معه أحد ، لما في ذلك من الخطر العظيم.

[3] في صحيح علي بن رئاب : « قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا ينبغي » رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب ، ورواه الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد ، ورواه الصدوق بإسناده عن ابن محبوب ، ورواه الحميري عن الحسن بن محبوب (1).

[4] رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كتاب الشركة حديث : 1‌

من هذا الخبر كراهة مضاربة من لا يؤمن منه في معاملاته من الاحتراز عن الحرام.

التاسعة عشرة : الظاهر صحة المضاربة على مائة دينار مثلا كلياً [1] فلا يشترط كون مال المضاربة عيناً شخصية ، فيجوز إيقاعهما العقد على كلي ثمَّ تعيينه في فرد. والقول بالمنع لأن القدر المتيقن العين الخارجي من النقدين. ضعيف [2]. وأضعف منه احتمال المنع حتى في الكلي في المعين ، إذ يكفي في الصحة العمومات [3].

متمم العشرين : لو ضاربه على ألف مثلا فدفع إليه نصفه فعامل به ، ثمَّ دفع إليه النصف الآخر ، فالظاهر جبران خسارة أحدهما بربح الآخر ، لأنه مضاربة واحدة. وأما لو ضاربه على خمسمائة فدفعها إليه وعامل بها ، وفي أثناء التجارة زاده ودفع خمسمائة أخرى ، فالظاهر عدم جبر خسارة


السكوني عن أبي عبد اللّه علیه السلام . ورواه الشيخ بإسناده على علي بن إبراهيم (1).

[1] لا يخفى أن الكلي إذا لم يكن خارجياً ولا ذمياً لم يقبل أن يكون مملوكاً ، فضلا عن أن يكون موضوعاً للمضاربة ، لأن المضاربة إنما تكون من المالك.

[2] هذا غير ظاهر ، لأصالة عدم ترتب المضاربة. والعمومات الدالة على الصحة قاصرة عن إثبات عنوان المضاربة.

[3] قد عرفت إشكاله.


1) الوسائل باب : 2 من أبواب كتاب الشركة حديث : 2.

إحداهما بربح الأخرى ، لأنهما في قوة مضاربتين. نعم بعد المزج والتجارة بالمجموع يكونان واحدة [1].


[1] المزج لا يستوجب ذلك ، كالمزج بمال الغير. نعم إذا كان دفع الزائد بعنوان مضاربة واحدة فكأنه فسخ الاولى وأنشأ غيرها ، فيكون مجموع المال مال مضاربة واحدة. وإذا لم يكن الدفع بهذا العنوان فهما مضاربتان لا يشتركان في شي‌ء من الجبر والخسران والربح والفسخ. واللّه سبحانه ولي التوفيق وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

انتهى الكلام في شرح كتاب المضاربة في السادس عشر من شهر جمادى الثانية من السنة الخامسة والثمانين بعد الالف والثلاثمائة هجرية.

فهرست الجزء الثاني عشر من مستمسك العروة الوثقى

كتاب الإجارة

3 تعريف الإجارة

فصل في أركانها

4 وهي ثلاثة ( الأول ) : العقد ، ويكفي فيه كل ما دل عليها ، وتقع بالمعاطاة

5 هل يصح إنشاء مضامين العقود بالمجازات المتعارفة أو المستنكرة؟

6 ( الثاني ) : المتعاقدان. ويشترط فيهما الشرائط العامة.

7 ( الثالث ) : العوضان ، ويشترط فيها أمور ( الأول ) : المعلومية في الجملة

8 ( الثاني ) : القدرة على التسليم. مع الكلام في إجارة الآبق مع الضميمة

9 ( الثالث ) : أن يكونا مملوكين للمتعاقدين ، فلا تصح من غير المالك إلا مع إجازته

9 ( الرابع ) : أن تكون العين مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها ، فلا تصح إجارة مالا ينتفع به إلا بتلفه

9 ( الخامس ) : إباحة المنفعة

10 ( السادس ) : إمكان استيفاء المنفعة المقصودة من العين

10 ( السابع ) : تمكن المستأجر من الانتفاع بالعين

11 لا تصح إجارة المكرة إلا مع إجازته وتصح إجارة المضطر

11 لا تصح إجارة المفلس لماله ، وتصح إجارته لنفسه

11 الكلام في إجارة السفيه لنفسه أو ماله وفي تزويج السفيهة نفسها

13 لا تصح إجارة العبد ماله أو نفسه الا بإذن مولاه أو إجازته

13 يعتبر تعيين العين المستأجرة والمنفعة

14 معلومية المنفعة تارة تكون بتقدير المدة وأخرى بتقدير العمل. وحكم ما لو قدر المدة والعمل على وجه التطبيق مع بعض فروع العلم بالمنفعة

17 حكم ما لو آجره كل شهر بكذا من

دون بيان عدد الشهور

18 حكم الإباحة بالعوض

19 حكم ما لو استأجره على أنه إن خاط الثوب فارسيا فبدرهم وإن حاطه روميا فبدر همين

20 الكلام فيما إذا اشترط في الإجارة وقتا معينا ولم يأت بالعمل في ذلك الوقت. مع تحقيق حال جميع ما يؤخذ في عقد الإجارة وغيره من القيود والشروط

25 حكم ما لو استأجره بثمن على تقدير ويثمن آخر على تقدير آخر

28 إذا استأجره على أن يوصله إلى مكان فأوصله إلى بعض الطريق

فصل

29 الإجارة من العقود اللازمة إلا في المعاطاة

29 يجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ به الإجارة وللمشتري مع الجهل بها خيار الفسخ دون الأرش

30 لو فسخت الإجارة أو تبين انقضائها فهل ترجع المنفعة إلى المشتري أو البائع

31 حكم ما لو استثنيت المدة في البيع لتوهم بقاء الإجارة

32 إذا بيعت العين المستأجرة على المستأجر لم تنفسخ الإجارة ، مع بيان الفروع المترتبة على ذلك

33 لو وقع البيع والإجارة في وقت واحد صحا معا وانتقلت العين إلى البايع مسلوبة المنفعة

33 الكلام في بطلان الإجارة بموت المؤجر أو المستأجر ، مع الإشارة إلى المواضع التي لا اشكال في البطلان فيها

35 حكم ما إذا آجر الولي الصبي أو ملكه مدة تزيد على زمان بلوغه

36 إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة فتزوجت لم تبطل الإجارة وإن كانت الخدمة منافية للاستمتاع

37 إذا آجر المولى عبده ثم أعتقه صح العتق والإجارة ، وليس له الرجوع على المولى بعوض الخدمة. مع الكلام في نفقة العبد مدة الإجارة

39 تفصيل الكلام فيما إذا كانت العين المستأجرة معيبة

42 إذا كانت الأجرة معيبة كان للمؤجر الفسخ ، مع الكلام في الأرش

43 إذا أفلس المستأجر بالأجرة تخير

المؤجر بين استرداد العين مع الفسخ والضرب مع الغرماء

43 الغبن في الإجارة موجب لخيار المغبون

43 أنواع الخيار التي تجري في الإجارة والتي لا تجري فيها

فصل

44 عقد الإجارة موجب لتملك المتعاقدين للعوضين بمجرد وقوعه ، وليس لكل منهما المطالبة بالتسليم إلا بعد التسليم

45 إذا تسلم المستأجر العين ومضت مدة الإجارة لزمته الأجرة وإن لم ينتفع بالعين. وكذا الحال لو بذلها المؤجر له

47 إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدة التي يمكن إيقاع العمل فيها مع بذل الأجير استقرت الأجرة ، بخلاف ما إذا زال الألم ، فان الإجارة تبطل. مع الكلام في ضمان منافع الحر

49 إذا تلفت العين المستأجرة قبل استيفاء المنفعة بطلت الإجارة. ولو تلفت في أثناء المدة فهل تبطل الإجارة من أصلها أو من حين التلف؟

50 الفسخ في أثناء المدة هل يوجب انفساخ الإجارة من أصلها أو من حينه؟

52 إذا تلف بعض العين المستأجرة تبطل الإجارة بنسبته ويجري خيار تبعض الصفقة

52 تلف العين بعد الإجارة هل يوجب رجوع الأجرة إلى المستأجر من حينه أو يكشف عن عدم خروجها عن ملكه من أول الامر؟

53 إذا آجر عينا كلية ودفع فردا فتلف لا تبطل الإجارة ، بل يجب التبديل

53 إذا آجر الدار فانهدمت بطلت الإجارة على تفصيل

55 إذا امتنع المؤجر من تسليم العين كان للمستأجر إجباره ، ولو تعذر كان مخيرا بين الفسخ والابقاء مع مطالبة عوض المنفعة الفائتة

56 حكم ما إذا منعه الظالم عن الانتفاع بالعين المستأجرة

57 حكم ما إذا تعذر على المستأجر استيفاء المنفعة

58 التلف السماوي موجب للبطلان ، مع الكلام في حكم إتلاف المستأجر أو المؤجر أو الأجنبي

59 إذا آجرت الزوجة نفسها بما ينافي حق الاستمتاع وقف على اجازة الزوج

60 الضابط في تسليم الأجرة والمنفعة والعمل

65 إذا انكشف بطلان الإجارة رجعت الأجرة إلى المستأجر ، وضمن ما استوفاه أو فات تحت يده من المنفعة على كلام

66 يجوز إجازة المشاع ولا يجوز تسليمه إلا بإذن الشريك

67 يجوز استئجار اثنين عينا واحدة على الإشاعة ويقتسمان منفعتها بينهما على التراضي

68 لا يشترط اتصال مدة الإجارة بالعقد

فصل

69 العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط

69 الكلام في صحة شرط ضمان العين المستأجرة. وفي مطلق شرط النتيجة

73 لا تضمن العين لو كانت الإجارة فاسدة

74 العين التي هي مورد العمل المستأجر عليه أمانة في يد الأجير غير مضمونة فلا يتضمن الثوب لو استؤجر لخياطته

75 لو تلفت العين التي هي مورد العمل المستأجر عليه بطلت الإجارة

76 في تحقيق القيمة المضمونة وأنها قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الأداء أو قيمة يوم المخالفة ، مع تحقيق مفاد صحيحة أبي ولاد

78 حكم ما إذا أتلف الأجير الثوب بعد خياطته

78 إذا أفسد الأجير ضمن ما أفسده

79 يضمن الطبيب إذا أفسد وكان مباشرا

80 إذا تبرأ الطبيب من الضمان قبل المعالجة لم يضمن

81 إذا عثر الحمال فسقط المتاع ضمن

82 حكم ما إذا أذن في العمل بشرط عدم الافساد. أو باعتقاد عدمه ، وكان موجبا للافساد

83 إذا أفسد العبد المستأجر

84 إذا عثرت الدابة فسقط المتاع لم يضمن صاحبها ، إلا أن يكون هو المسبب وكذا لو سرق المتاع من السفينة أو نقص إلا مع اشتراط الضمان

84 إذا حمل المستأجر الدابة أزيد من المشترط أو المتعارف فتلفت ضمن ،

مع الكلام في الأجرة المستحقة لو لم تتلف

85 إذا سار على الدابة أكثر من المشترط

85 يجوز كبح الدابة وضربها على المتعارف مع عدم منع المالك ، ولا ضمان حينئذ

86 إذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم يضمن ، إلا مع الشرط أو التقصير. ولا يستحق الأجرة

87 صاحب الحمام لا يضمن الثياب

فصل

88 يجوز المالك المنفعة أن يؤجر العين وإن لم يملك العين ، فيجوز للمستأجر إجارة العين ، مع الكلام في أنه هل يجوز له تسليمها إلى المستأجر الثاني من دون إذن المالك؟

92 الصور التي يجوز فيها المستأجر إجارة العين والتي لا يجوز فيها ذلك

92 الموارد التي لا يجوز فيها زيادة أجرة الإجارة الثانية على أجرة الإجارة الأولى

92 من تقبل عملا من غير اشتراط المباشرة يجوز أن يوكله إلى غيره مع الكلام في جواز تسليم متعلقه إليه. ولا يجوز استئجاره بأقل من الأجرة التي أخذها

98 يجوز التبرع عن الأجير وتفرغ ذمته مع عدم اشتراط مباشرته في الإجارة ولو جاء به الغير لا بقصد التبرع بطلت الإجارة ولم يستحق الأجرة

98 أحكام الأجير الخاص الذي يملك منفعته للمستأجر ، وكذا من اشتراط مباشرته للعمل في مدة معينة

105 من آجر نفسه من دون اعتبار المباشرة أو بدون تعيين المدة جاز عمله لغير المستأجر ، مع الكلام في أن اطلاق الإجارة يقتضي التعجيل أولا

105 الكلام فيما إذا استأجر العين لمنفعة معينة فاستوفى المستأجر منفعة أخرى أو آجر نفسه لعمل فاشتغل للمستأجر بغيره ، مع الكلام في ضمان المنافع المتضادة

112 من استؤجر لعمل فعمل غيره للمستأجر من دون أمر المستأجر

112 من أجر دابته لحمل متاع شخص فاشتبه وحملها متاع غيره لم يستحق أجرة عليهما

112 لو آجر دابته فشردت أو غصبت قبل التسليم أو بعده

113 من استأجر العين لمنفعة فاستوفى منها منفعة محرمة

114 لو استأجر دابة فاشتبه وركب غيرها من دواب المؤجر

114 من آجر نفسه لصوم يوم معين عن شخص ثم آجر نفسه لصومه عن شخص آخر بطلت الإجارة الثانية

فصل

115 لا يجوز إجارة الأرض لزرع الحنطة والشعير بما يحصل منها

118 إجارة حصة مشاعة من أرض ، أو بنحو الكلي في المعين ، أو في الذمة

118 استئجار الأرض لتعمل مسجدا

120 يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة ونحوها ، والشجر للاستظلال ونحوه ، والبستان للتنزه

120 الاستئجار لحيازة المباحات ، مع تحقيق حال سببية الحيازة للتملك

128 استئجار المرأة للارضاع والارتضاع

130 استئجار المزوجة لا يتوقف على إذن

الزوج إلا أن ينافي حقه ، ولو أجرت نفسها قبل التزوج قدم حق المستأجر مع المعارضة

131 يجوز للمولى إجبار أمته على الارضاع إلا المكاتبة والمبعضة

131 لا فرق في المرتضع بين أن يكون معينا أو كليا

132 حكم استئجار الشاة للبنها والشجرة لثمرتها

134 حكم الإجارة لاتيان الواجبات العينية والكفائية ، ولإجارة على الاذان

135 يجوز الاستئجار للحراسة ، مع الكلام في شرط الضمان على الحارس

136 استئجار شخصين للصلاة عن ميت واحد واستئجار شخص واحد للحج عن ميتين أو نحوه

137 الإجارة عن الحي في الصلوات الواجبة والمستحبة وغيرها من أعمال البر

139 إذا عمل للغير لا بأمره ولا باذنه لا يستحق عليه شيئا وإن تخيل أنه مستأجر

139 من أمر غيره بعمل فعمل ضمن له الأجرة إذا لم يقصد المأمور التبرع. ولو اختلفا في قصد التبرع قدم قول منكره

143 الضابط فيما يجوز اجارته والإجارة عليه من الأعيان والأعمال

143 حكم الإجارة على الأعمال المستحبة لا بعنوان النيابة ، بل بعنوان إهداء الثواب ، أو بلا عنوان أصلا

144 ما يتوقف عليه العمل كالمداد والخيوط هل يكون على الأجير أو المستأجر؟

146 يجوز الجمع بين البيع والإجارة في عقد واحد ، ويترتب حكم كل منهما ، وكذا حال جمع الصلح والإجارة في عقد واحد

147 هل يدخل الربا في الصلح؟

149 يجوز استئجار من يقوم بكل ما يأمره من حوائجه ، ونفقة الأجير على نفسه إلا مع الشرط أو الانصراف

150 يكره استعمال شخص مع عدم تعيين أجرته قبل العمل ، ويستحق أجرة المثل ، وليس ذلك من الإجارة

152 حكم ما لو استأجر أرضا مدة فزرع فيها ولم يدرك الزرع في تلك المدة

فصل في التنازع

156 إذا تنازعا في أصل الإجارة قدم قول

منكرها. مع تعريف المدعي والمنكر وأن المدار فيهما على مصب الدعوى أو الغرض المقصود منها

161 لو اتفقا على الاذن في التصرف واختلفا في أنه على نحو الإجارة أو العارية

166 إذا اختلفا في قدر المستأجر عليه قدم قول مدعي الأقل

167 إذا اختلفا في رد العين المستأجرة قدم قول المالك

167 حكم ما إذا أدعى العامل تلف متعلق عمله ، كما لو ادعى الخياط تلف الثوب بلا تعد ولا تفريط

168 يكره تضمين الأجير في مورد ضمانه

169 إذا تنازعا في مقدار الأجرة قدم قول المستأجر

169 إذا تنازعا في تعيين العين المستأجرة أو تعيين الأجرة فالمرجع التحالف ، مع تحقيق ضابط التحالف

171 إذا اختلفا في اشتراط شئ قدم قول منكره

172 إذا اختلفا في مدة الإجارة

172 إذا اختلفا في صحة العقد قدم قول مدعيها

173 إذا حمل المكاري المتاع إلى بلد فقال المستأجر استأجرتك على حمله إلى بلد غيره

176 إذا خاط ثوبه قباء وادعى المستأجر أنه أمره بخياطته قميصا

180 إذا كان النزاع في الحمل أو الخياطة قبل العمل فالمرجع التحالف ، مع الكلام في كيفية حكم الحاكم على طبق اليمينين وآثاره مع العلم بمخالفة أحد هما للواقع

186 هل يجوز لصاحب الحق استنفاذ حقه إذا حكم الحاكم بخلافه

خاتمة فيها مسائل

190 ( الأولى ) : خراج الأرض على المالك لا المستأجر

190 الكلام في ملكية الأرض الخراجية

190 الكلام في اشتراط كون الخراج على المستأجر ، وأن جهالة مقدار الخراج هل تضر فيه؟

193 ( الثانية ) : لا بأس بأخذ الأجرة على القراءة في مأتم سيد الشهداء وسائر المعصومين (عليهم السلام) ، مع الكلام في شرط صحة الإجارة عليها

194 ( الثالثة ) : في استئجار الصبي المميز لبعض الأمور الراجحة والنيابة في الصلوات ، مع الكلام في شرعية عباداته ، وأن صحة نيابته لا تتوقف عليها

195 ( الرابعة ) : حكم الأصول والبذر المتخلف في الأرض المستأجرة إذا نبتت بعد انقضاء المدة

197 تفصيل الكلام في حكم إعراض المالك عن ملكة

202 دخول الأرض غير المحجبة بغير إذن المالك ، ومنه المرور في الشوارع المستحدثة في أملاك الناس

202 ( الخامسة ) : إذا حرم القصاب الذبيحة ضمن وإن طلب منه الذبح تبرعا لا بالأجرة

203 ( السادسة ) : إذا استؤجر للصلاة عن زيد فاشتبه ونوى عمرا ، فهل تفرغ ذمة زيد أو عمرو؟

203 ( السابعة ) : يجوز توكيل المستأجر في تجديد الإجارة ، من الكلام في أن شرط التوكيل هل يمنع من العزل؟

204 ( الثامنة ) : في أن المشتري بالخيار بشرط رد الثمن هل له إجارة العين في مدة الخيار أو أزيد؟ ، وهل يمنع من الخيار التصرف المانع من رد العين؟

206 ( التاسعة ) : إذا استؤجر لعمل لا بقيد المباشرة فتبرع به شخص عنه استحق الأجير الأجرة ولو كان التبرع عن المستأجر لم يستحق الأجير شيئا

206 ( العاشرة ) : من استؤجر على عمل يقتضي قطع المسافة فقطعها ولم يأت بالعمل لم يستحق شيئا ولو كان قطعها داخلا في الإجارة استحق من الأجرة بالنسبة

207 ( الحادية عشرة ) : فيما يستحقه الأجير لو كان له خيار الفسخ ففسخ قبل العمل أو بعده أو في أثنائه

211 ( الثانية عشرة ) : يصح اشتراط نفقة العين المستأجرة أو الأجير على المؤجر أو المستأجر

212 ( الثالثة عشرة ) : فيما لو آجر المالك العين المستأجرة إجارة أخرى فضولا

215 الكلام في اعتبار دخول المعوض في ملك من خرج منه العوض

217 ( الرابعة عشرة ) : لو استأجر عينا ثم اشتراها لم تبطل الإجارة ، ولو باعها فهل يملك المشتري المنفعة بالتبعية

219 ( الخامسة عشرة ) : إذا استأجر أرضا للزراعة فنقص الحاصل بآفة لم تبطل الإجارة ، ولو اشترط على المؤجر إبراءه من بعض الأجرة حينئذ أو براءته بنحو شرط النتيجة فهل يصح؟

221 حكم التعليق في الشروط

221 ( السادسة عشرة ) : في إجارة الأرض مدة بتعميرها. مع الكلام في المراد من القبالة في النصوص

223 ( السابعة عشرة ) : يجوز أخذ الأجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائية أو العينية مع بيان صور الإجارة عليها ، وأنه هل يجوز المقاطعة بشرط البرء مع كونه غير اختياري؟

227 ( الثامنة عشرة ) : هل يجب على من استؤجر لختم القرآن أن يقرأه مرتبا؟

229 ( التاسعة عشرة ) : لا يجوز في الاستئجار للحج البلدي تعدد النائب بتبعيض الطريق على النواب

231 ( العشرون ) حكم الاخلال السهوي في الصلاة الاستئجارية إذا لم يكن مبطلا لها

كتاب المضاربة

234 اشتقاق لفظ المضاربة والقراض لغة

234 تحقيق مفاد هيئة المفاعلة

237 تعريف المضاربة بحسب الاصطلاح

237 اشتراط كون تمام الربح للعامل هل يوجب كون المعاملة قرضا؟

237 الكلام فيما لو اشترطا كون تمام الربح للمالك أو لم يشترطا شيئا

240 المضاربة من العقود فتتوقف على الايجاب والقبول

241 لا يعتبر في عقدها اللفظ ، بل يكفي الفعل بنحو المعاطاة

241 يعتبر في المتعاقدين الشروط العامة

241 يشترط في المضاربة أمور ( الأول ) : أن يكون رأس المال عينا ، فلا تصح بالمنفعة ، ولا بالدين ولو كان على العامل

244 ( الثاني ) : أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير مسكوكة يتعامل بها

246 ( الثالث ) : أن يكون رأس المال معلوما ، ولا تكفي مشاهدته

248 ( الرابع ) : أن يكون رأس المال معينا لا مرددا. ولا بأس بإشاعته

248 ( الخامس ) : أن يكون الربح بتمامه مشاعا بينهما

249 ( السادس ) : تعيين حصة كل منهما ولو من جهة الانصراف

250 ( السابع ) : اختصاص المالك والعامل بالربح ، فلا يصح اشتراط شئ للأجنبي ، إلا مع اشتراط عمل متعلق بالتجارة عليه ، أو يكون غلاما لأحدهما

251 ( الثامن ) : أن يكون رأس المال بيد العامل على كلام في ذلك

252 ( التاسع ) : أن يكون الاسترباح بالتجارة ، لا بغيرها من أنواع التكسب كالزراعة

253 ( العاشر ) : أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن الاتجار به مع اشتراط المباشرة عليه ، ولو كان كذلك بطل العقد ، مع الكلام في ضمان العامل حينئذ لتمام رأس المال أو لخصوص مقدار الزيادة

258 المضاربة على مال الوديعة أو المغصوب

الموجود عند العامل أو غيره ، مع الكلام في ارتفاع ضمان العامل لو كان غاصبا بتحقق عقد المضاربة ، وفي ارتفاع ضمان اليد بإذن المالك بابقاء المال في يد الضامن

261 المضاربة عقد جائز من الطرفين ، لا تلزم باشتراط الاجل. مع الكلام في حكم اشتراط عدم الفسخ

264 الكلام في لزوم الشرط في ضمن العقد الجائز

271 إذا اشترط في مضاربة عدم فسخ مضاربة أخرى

272 هل يصح العقد إذا كان المقصود منه الاسترباح بالاستنماء لا بالتجارة؟ وهل يقع مضاربة؟

275 إذا اشترط المالك على العامل كون الخسارة بينهما ، أو ضمان رأس المال

275 يجب على العامل العمل بشرط المالك والقيام بما يأمر به ، وحكم الضمان مع المخالفة ، مع تفصيل الكلام في شروط المالك ، وتحقيق أقسامها وأحكامها من حيث الضمان والربح وغيرهما. مع التعرض لحديث : « الخراج بالضمان ».

283 لا يجوز للعامل خلط رأس المال بغيره إلا مع إذن المالك

284 مع اطلاق العقد يجوز للعامل التصرف بما يرى فيه مصلحة. مع الكلام في حكم السفر حينئذ.

285 الكلام في البيع نسيئة مع إطلاق العقد مع الكلام في رجوع المالك على العامل والمشتري لو فرض بطلان البيع

288 لا يجوز للعامل الشراء بأكثر من ثمن المثل ولا البيع بأقل منه إلا مع المصلحة

289 يجوز البيع بالعروض ولا يجب بالنقد

289 لا يجوز شراء المعيب إلا مع المصلحة

289 الكلام في الشراء بالذمة من حيث جوازه وآثاره وأقسامه

295 وظيفة العامل وما يصح له بذل المال بإزائه ، وحكم أخذه الأجرة إذا قام بما يزيد على وظيفته

296 نفقة السفر من رأس المال

297 تحديد النفقة التي تكون على رأس المال

298 المراد من السفر العرفي لا الشرعي

299 استحقاق النفقة مختص بالسفر المأذون فيه

300 لو تعدد أرباب المال فهل توزع النفقة على نسبة المالين أو على نسبة العملين؟

300 لا يشترط في استحقاق النفقة ظهور الربح

301 الكلام في استحقاق العامل النفقة لو مرض في السفر ، سواء كانت نفقة للاستشفاء أم لغيره. مع الكلام في أن نفقة الاستشفاء من النفقة الواجبة أولا

305 لو انفسخ عقد المضاربة في أثناء السفر فهل يستحق العامل نفقة الرجوع؟

305 حكم ما لو اشتراط المالك أو العامل الاختصاص بالربح

309 لو ادعى أحد هما أن العقد الواقع مضاربة فاسدة وادعى الآخر أنه قرض أو بضاعة

311 إذا قال المالك : خذ هذا المال قراضا والربح بيننا ، أو : ونصف الربح لك ، أو : ونصف الربح لي

312 لو قال المالك : خذ هذا المال ولك نصف ربحه ، أو ربح نصفه

313 تفصيل صور اتحاد المالك وتعدد العامل ، والعكس

314 حكم اختلاف الشريكين في الحصة مع اتحاد العامل لهما

318 تبطل المضاربة بموت العامل أو المالك مع الكلام في صحة إجازة وارث المالك للعقد بنحو يقتضي بقاءه بعد موته

321 حكم توكيل العامل فيما عليه فعله

322 الكلام في صور الاذن المعامل في مضاربة غيره

325 إذا ضارب العامل غيره بدون إذن المالك

329 يجوز لكل من العامل والمالك اشتراط أمر خارج عن مقتضى المضاربة على الآخر من مال أو عمل

335 يملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره ، مع التعرض إلى بقية الأقوال في المسألة

339 الربح وقاية لرأس المال فيجبر به الخسران اللاحق مع الكلام فيما يكون موجبا لاستقرار ملكية العامل للحصة

342 لو طلب أحدهما قسمة الربح بمجرد ظهوره مع عدم انتهاء المضاربة فهل تجب على الآخر إجابته؟ ولو فرض

أخذ العامل حصة من الربح ثم تجدد الخسران وجب عليه رده على المالك مع التعرض لكلام الشهيد في المقام

346 إذا باع العامل حصته من الربح ثم تجدد الخسران وجب عليه ضمان الحصة ولم يبطل البيع

346 العامل أمين فلا يضمن إلا بالخيانة أو التفريط أو التعدي ، مع الكلام في الفرق بين هذه الأمور الثلاثة وفى فروعها

349 لا يجوز للمالك أن يشترى لنفسه من مال المضاربة ويجوز للعامل في غير صحته من الربح بنفس الشراء ، وفي تحقيق مفاد المعاوضة

352 يجوز للعامل الاخذ بالشفعة من المالك بعد ظهور صحته ، ولا يجوز العكس

355 لا يجوز للعامل أن يطأ الأمة المشتراة بمال المضاربة إلا بإذن المالك ، مع الكلام في حكم الاذن السابقة على الشراء. ويجوز للمالك وطء الأمة

356 أخذ العامل حصة من الربح ثم تجدد الخسران وجب عليه رده على المالك مع التعرض لكلام الشهيد في المقام المشتراة قبل ظهور الربح وإن لم يأذن العامل ، وبعد ظهور الربح إذا أذن

359 حكم شراء زوج المالكة بمال المضاربة أو شراء زوجة المالك به

362 الكلام في شراء من ينعتق على المالك بمال المضاربة

369 الكلام في شراء من ينعتق على العامل بمال المضاربة

373 الكلام في أحكام فسخ عقد المضاربة أو انفساخه في ضمن مسائل ( الأولى ) إذا حصل قبل الشروع في العمل ، أو بعد تمام الأعمال مع الانضاض

375 ( الثانية ) : إذا حصل الفسخ من العامل في أثناء العمل قبل حصول الربح فلا أجرة له. وكذا إذا كان الفسخ من المالك أو حصل الانفساخ القهري

377 ( الثالثة ) : فيما لو كان الفسخ من العامل بعد السفر المأذون فيه وصرف جملة من رأس المال

377 ( الرابعة ) : فيما لو حصل الفسخ أو الانفساخ قبل حصول الربح وبالمال عروض

379 ( الخامسة ) : لو حصل الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح وبالمال عروض

380 ( السادسة ) : هل يجب على العامل جبابة الديون التي على الناس بعد الفسخ أو الانفساخ؟

381 ( السابعة ) : إذا مات العامل أو المالك قام الوارث مقامهما فيما مر من الاحكام

382 ( الثامنة ) : لا يجب على العامل إلا التخلية بين المال والمالك بعد الفسخ ولا يجب عليه إيصاله إليه ، مع الكلام فيما يتحقق به الأداء

384 الكلام في جبران الخسارة الحاصلة من الاتجار ببعض المال بالربح الحاصل من الاتجار ببعضه الآخر وكذا الكلام فيما أو استرجع المالك بعض المال وحصل الربح من الاتجار بالباقي

390 أحكام المضاربة الفاسدة

394 إذا ادعى شخص على آخر أنه دفع له مالا مضاربة فأنكر ذلك الشخص

394 إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال

395 إذا ادعى المالك على العامل الخيانة أو التفريط أو أنه اشتراط عليه ما لم يفعله أو ادعى العامل اذن المالك فيما لا يجوز له فعله إلا بالاذن

396 لو ادعى العامل قبل الفسخ أو بعده تلف المال أو حصول الخسران ، أو عدم حصول الربح ، أو أقر بالربح وادعى حصول الخسران أو التلف بعد حصوله أو أقر بالربح ثم ادعى الخطأ في إقراره

400 إذا اختلف المالك والعامل في مقدار حصة العامل

402 إذا ادعى المالك المضاربة فأنكرها العامل فأقام المالك البينة فادعى العامل التلف

405 إذا اختلفا في حصة المضاربة قدم قول مدعي الصحة

405 إذا ادعى أحدهما الفسخ في الأثناء وانكر الآخر قدم قول مدعي الصحة

405 إذا ادعى العامل أنه رد مال المضاربة على المالك وأنكر المالك

405 إذا ادعى العامل كون الشراء لنفسه أو للمضاربة فأنكر المالك

407 إذا ادعى المالك أنه دفع المال مضاربة وادعى العامل أنه أعطاه قرضا

410 إذا حصل تلف أو خسران فادعى المالك القرض وادعى القابض المضاربة مع تفصيل الكلام فيما يفصل الحاكم به الدعاوى مما يكون مخالفا لكلا الدعويين

413 لو ادعى المالك الابضاع والعامل المضاربة ، مع الكلام في وجه استحقاق العامل لأجرة عمله وقدرها

416 إذا اختلفا في مقدار الربح الحاصل مع العلم بمقدار حصة العامل ومقدار رأس المال ، أو للاختلاف فيهما

417 مسائل ( الأولى ) : فيما إذا مات وعنده مال المضاربة مع تميزه ، أو اختلاطه بماله ، أو احتمال تلفه بوجه مضمون أو غير مضمون

420 الكلام في كون خروج الأمانات عن عموم على اليد للتخصص أو التخصيص

423 الكلام في استدلال في المقام على الضمان بما دل على وجوب رد الأمانات

428 ( الثانية ) : في حكم التعليق في عقد المضاربة

431 أدلة اعتبار التنجيز في العقد والإيقاع (ش)

434 الكلام في صحة التصرف على تقدير بطلان العقود الاذنية

435 ( الثالثة ) : في حكم فلس العامل

435 ( الرابعة ) : تبطل المضاربة بما يبطل العقود الجائزة ، مع الكلام في بطلانها بالجنون الأدواري والاغماء القصير

437 ( الخامسة ) : فيما إذا ضارب المالك في مرض الموت

438 ( السادسة ) : فيما لو تبين كون رأس المال لغير المضارب. وحكم رجوع المالك على المضارب والعامل ، ورجوع المضارب على العامل ، أو العكس

442 ( السابعة ) : حكم اشتراط المضاربة في عقد لازم. وصور ذلك ، مع الكلام في حكم شرط النتيجة

445 ( الثامنة ) : في ايقاع المضاربة بعنوان الجعالة

446 ( التاسعة ) : يجوز للأب والجد الاتجار بمال الصغير

446 ( العاشرة ) : في وصية الأب والجد بالمضاربة بمال الصغير ، وصورها ،

454 مع الكلام في حكم الوصية بحصة الكبار من الورثة

454 ( الحادية عشرة ) : لا يضمن العامل مال المضاربة إذا تلف بعد بطلانها أو فسخها

455 ( الثانية عشرة ) : إذا كان رأس المال مشتركا بين اثنين ففسخ أحدهما هل تنفسخ في حصة الآخر؟

455 ( الثالثة عشرة ) : إذا ترك العامل الاتجار بالمال وعطله فتلف ضمنه

456 ( الرابعة عشرة ) : في حكم اشتراط العامل عدم جبران الربح للخسارة

456 ( الخامسة عشرة ) : في مخالفة العامل للمالك جهلا أو نسيانا أو اشتباها البعض بربح الآخر

457 ( السابعة عشرة ) : لو اشترى العامل نسيئة فتلف رأس المال فهل يرجع الدائن عليه أو على المالك أو عليهما؟ مع تحقيق الكلام في مسؤولية الوكيل بشؤون المعاملة

460 ( الثامنة عشرة ) : يكره المضاربة مع الذمي

461 ( التاسعة عشرة ) : في حكم المضاربة على الكلى في الذمة أو في المعين

461 ( العشرون ) : لو دفع إليه نصف مال المضاربة فاتجر به ، ثم دفع إليه نصفه الثاني ، فهل تنجبر خسارة أحدهما بربح الآخر؟ وكذا الكلام فيما إذا زاده على مال المضاربة بعد الاتجار به