ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الرابع عشر
الفصل الأول: متفرقات في السنة الخامسة
الفصل الثاني: زينب بنت جحش في بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله
الفصل الثالث: اكاذيب و أباطيل في حديث الزواج
الفصل الرابع: الحجاب في حديث الزواج
الفصل الخامس: استطرادات على هامش حديث الزواج
و بعد أن عالج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذيول قضية جهجاه، سار بالناس حتى نزل على ماء فويق النقيع، يقال لها: نقعاء. (و على حد تعبير البيهقي: لما نزل صنعاء، من طريق عمان سرح الناس أنعامهم الخ. .) فهاجت ريح شديدة آذتهم، و تخوفوها. و ضلت ناقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» القصوى، و كان ذلك ليلا. فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا تخافوا إنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة.
قيل: من هو؟ .
قال: رفاعة بن زيد بن التابوت.
قال أبو نعيم البيهقي: «كان موته غائظا للمنافقين، فسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، و فقدت راحلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فسعى الرجال لها يلتمسونها» .
فقال رجل من المنافقين، هو زيد بن اللصيت، أحد بني قينقاع: كيف يزعم أنه يعلم الغيب، و لا يعلم مكان ناقته؟ ! ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي؟ !
(فأراد الذين سمعوا منه ذلك أن يقتلوه، فهرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متعوذا به) .
فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» جبرئيل «عليه السلام» ؛ فأخبره بقول المنافق و مكان ناقته؛ و أخبر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه (و ذلك الرجل يسمع) ، و قال: ما أزعم أني أعلم الغيب و ما أعلمه، و لكن اللّه أخبرني بقول المنافق، و مكان ناقتي. هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة.
فخرجوا يسعون قبل الشعب، فإذا هي كما قال. فجاؤوا بها. و آمن ذلك المنافق (1).
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات. و كان من عظماء اليهود، و كهفا للمنافقين.
و في المنتقى: ذكر فقدان الناقة في السنة التاسعة من الهجرة، حين توجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تبوك، و هبوب الريح بتبوك (2).
و نقول: إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
1-إن هبوب الريح غير العادية، و إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله»
1) راجع: البحار ج 20 ص 284 و تاريخ المدينة ج 1 ص 353 و البداية و النهاية ج 3 ص 294 و عيون الأثر ج 1 ص 280 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 349 و المصادر الآتية في الهامش التالي.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 و السيرة الحلبية ج 2 ص 289 و 290 و راجع تفصيل القصة في: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 59-62 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 16 و 17 و 22 و راجع ج 2 ص 349 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 262 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 304 و 305 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 272.
لناس بأن سبب هذه الريح هو موت عظيم من عظماء الكفار في المدينة. قد جاء بعد تسجيل نصر حاسم للمسلمين على بني المصطلق، و لعل هذا النصر قد ترك في نفوسهم بعض الآثار التي يريد اللّه أن يزيلها. رحمة منه تعالى بالمؤمنين، و تثبيتا لهم، و تزكية لنفوسهم، و تصفية لأرواحهم من أدران الغرور، حين يظنون أنهم هم الذين صنعوا هذا النصر، بما يملكون من شجاعة، و إقدام و بسالة، و بما أتقنوه من فنون حربية، و بحسن سياستهم، و سلامة تدبيرهم.
فأراد اللّه سبحانه أن يوجه أنظارهم نحو الغيب، لكي تخشع قلوبهم، و تخضع نفوسهم أمام عظمته سبحانه؛ ليؤكد لديهم الشعور بالرعاية الإلهية، و بالتوفيقات الربانية.
فربط الأمور بالغيب ضروري لهم، في حالات قوتهم، كضرورته لهم في حال ضعفهم، و هو لازم لهم حين يسجلون النصر الحاسم، كما هو لازم لهم حين يواجهون المشكلات الكبرى، و يمسهم القرح و الأذى.
2-إننا نلاحظ: أن هذا الإخبار الغيبي لهم بموت عظيم من عظماء الكفار في المدينة، إنما أطلقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد أن أثار اللّه تعالى فيهم قدرا من الضعف، أو الخوف و الاضطراب أمام أمر لا يجدون لهم حيلة فيه، أو طريقا لتلافيه. و ذلك حين هبت ريح شديدة آذتهم، و تخوفوها. . فجاء هذا الخبر ليربط على قلوبهم، و ليكون أبعد أثرا في نفوسهم، و لكي يبقى محفورا في ذاكرتهم، ماثلا أمام أعينهم، لا يحتاجون في تذكره عند الحاجة إليه إلى بذل أي جهد أو عناء. . و هو خبر مفرح لهم من جهة، و مطمئن لهم إلى أنهم في رعاية اللّه تعالى، و تحت جناح رسول اللّه
«صلى اللّه عليه و آله» من جهة أخرى. .
كما أن ذلك من شأنه أن يؤكد على علاقتهم بالرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، و يزيد من ثقتهم بحسن تدبيره، و بصحة كل قراراته، لأنه متصل بالغيب، و مرعي بعين اللّه تبارك و تعالى.
3-أما فيما يرتبط بناقته «صلى اللّه عليه و آله» . . فإن الرواية قد صرحت: بأن اللّه تعالى قد تدخل لفضح نوايا زيد بن اللصيت، و من هم على شاكلته، و أبطل كيدهم في الانتقاص من مقام النبوة الأقدس، و التشكيك بعلمه الغيب قد جاء في هذا السياق. .
و لكن الأهم من ذلك: هو ظهور حرص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على تحصين الناس من الخلل في عقائدهم، حين صرح بما يدل على أن علمه بالغيب لم يكن من خلال ذاته، و إنما بالإستناد إلى اللّه تعالى، و الاتصال به، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما أزعم أني أعلم الغيب و لا أعلمه، و لكن اللّه أخبرني بقول المنافق الخ. .
و في السنة الخامسة أيضا: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسبق بين ما ضمّر من الخيل، و ما لم يضمّر (1).
(و عن ابن عمر: أجرى «صلى اللّه عليه و آله» ما ضمّر من الخيل) فأرسلها من الحفيا-بفتح الحاء و سكون الفاء-إلى ثنية الوداع. و هو خمسة
1) تضمّر الخيل: يظاهر عليها بالعلق مدة ثم تغشى بالجلال و لا تعلف إلا قوتا حتى تعرق فيذهب كثرة لحمها و تصلب.
أميال، أو ستة، أو سبعة.
و أجرى ما لم يضمّر، فأرسلها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، و هو ميل أو نحوه. قال ابن عمر: فوثب بي فرسي جدارا (1).
و ذكر مغلطاي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة أربع سابق بين الخيل. و قيل: في سنة ست، و جعل بينها سبقا و محللا (2).
و سابق أبو سعيد الساعدي (3)على فرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي يقال له: «الظرب» ؛ فسبقت غيرها من الخيل. و كساه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بردا يمانيا (4)، بقيت بقية عند أحفاده إلى زمان الواقدي. .
و سبق أيضا أبو أسيد الساعدي على فرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، اسمه «لزاز» ، فأعطاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» حلة يمانية (5).
و سابق «صلى اللّه عليه و آله» بين الخيل مرة، و جلس على سلع، فسبقت له ثلاثة أفراس: «لزاز» ، ثم «الظرب» ، ثم «السكب» (6).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و 503 و أنساب الأشراف ج 1 ص 510 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 120 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 285 و فتح الباري ج 6 ص 54 و المصنف ج 5 ص 304.
2) سيرة مغلطاي ص 55 و مجمع الزوائد ج 5 ص 263 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 393.
3) لعل الصحيح: أبو أسيد الساعدي، كما هو الحال في المصادر الأخرى.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 394.
5) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 510 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 394.
6) أنساب الأشراف ج 1 ص 510.
و قالوا: في هذه الغزوة أيضا: «أوقع «صلى اللّه عليه و آله» السباق بين الإبل، فسابق بلال (رض) على ناقته القصواء، فسبقت غيرها من الإبل» (1).
و عن أنس: كان للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ناقة تسمى العضباء، لا تسبق، أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود، فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، حتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: حق على اللّه أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه (2).
و نقول:
1-إن هذا كله يدخل في نطاق التدريب العسكري، و رفع مستوى الخبرة الحربية لدى المقاتلين، لأن الإسلام لا يريد لأهله أن يكونوا ضعفاء،
1) المبسوط ج 6 ص 290 و سنن أبي داود ج 5 ص 437 و مجمع الزوائد ج 10 ص 254.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و أنساب الأشراف ج 1 ص 512 و أسد الغابة ج 1 ص 22 و 23 و البحار ج 60 ص 14 و مسند أحمد ج 3 ص 103 و سنن أبي داود ج 2 ص 437 و السنن الكبرى ج 10 ص 17 و 25 و مجمع الزوائد ج 10 ص 255 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 398 و مسند الشهاب ج 2 ص 119 و رياض الصالحين ص 319 و فيض القدير ج 5 ص 230 و كشف الخفاء ج 1 ص 363 و ج 3 ص 190 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 220 و مجمع البيان ج 10 ص 494 و الجامع لأحكام القرآن ج 9 ص 42 و 146 و تهذيب الكمال ج 1 ص 211 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 420 و أحكام القرآن ج 3 ص 649 و غير ذلك.
بل يريد أن يكونوا دائما على أهبة الاستعداد للدفاع عن النفس، و عن الدين، و أهل الدين.
غير أن ما يثير الانتباه هنا، أمران:
أحدهما: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يستثني نفسه من هذا الإعداد و الاستعداد، بل هو يشارك في إعداد وسائل الحرب، و يجري فرسه مع أفراس غيره، و يأتي فرسه في المقدمة. مما يعني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعده أفضل إعداد.
الثاني: أن أعظم رجل بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فضلا، و علما، و جهادا، هو علي سيد الوصيين، و أمير المؤمنين، هو الذي كان يتولى أمر التدريب على الرمي في المدينة.
و هذا معناه: أن القيادة المسؤولة لا تكتفي بإصدار الأوامر و النواهي للآخرين، ثم تكون في موقع المتفرج الذي يطلب من الآخرين أن يحموه و أن يضحوا بأرواحهم من أجله. بل تكون في موقع الممارسة جنبا إلى جنب مع كل العاملين و المجاهدين.
كما أن مشاركته «صلى اللّه عليه و آله» ليست مشاركة عادية، بل هي مشاركة قيادية، و على أتم وجه، و في أفضل حالة، بل هي تصل إلى حد أن يكون القمة و القدوة و المعلم فيما يطلب من الآخرين أن يتعلموه، و أن يحسنوه، ثم يكون ما أعده هو الأمثل و الأفضل، و لا يرضى بالمساواة مع ما أعده غيره.
2-إن هذه المسابقات ربما تكون لإعداد آلة الحرب، و هي الخيل و الإبل التي يراد رفع مستوى تحملها، و يراد اكتشاف الصالح و الأصلح
منها، ليمكن الاستفادة منها في المواقع المناسبة في الظروف الحساسة. .
3-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يكتفي بإجراء السباق بين ما ضمّر من الخيل. بل هو يسابق أيضا بين ما لم يضمّر، ثم هو يجعل له ميدانا و مدى أقصر من مدى الخيل المضمّرة، آخذا بنظر الاعتبار أيضا قدرات ذلك النوع من الخيل.
و لعل ذلك يعود: إلى أن الخيل غير المضمّرة أيضا لها دورها في تسيير الأمور في حالات الحرب، و في تسريع التنقلات، و إمداد المقاتلين في الجبهات بما يحتاجون إليه من مؤن و عتاد، و غير ذلك. .
كما أنه لا بد للقائد الحكيم و المدبر من أن يحتاط للأمر، إذ ربما يحتاج في حالات معينة إلى الاستفادة من هذه الخيل حتى في ساحات القتال. .
4-و هكذا يقال بالنسبة للسباق بين الإبل، فإنها كانت هي الوسيلة الأفضل للتنقل في المسافات البعيدة، و قطع البوادي الشاسعة، في بلاد تقل فيها الينابيع، و يشتد فيها الحر، و تمس الحاجة فيها إلى الإبل القادرة على قطع تلك المسافات، و على تحمل العطش أياما في تلك الأجواء الحارة.
5-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل للفائزين في السباق جوائز تشجعهم على تحسين الأداء في المستقبل، لتكون هذه الجوائز شارة عز على صدورهم من جهة، و حافزا لغيرهم ليحسن الإعداد و الاستعداد للمرات اللاحقة من جهة أخرى. . و لتكون بمثابة معونة للفائزين، الذين قد يكونون بحاجة إلى أمثالها، من جهة ثالثة.
6-أما ما ذكرته بعض الروايات، من أن أعرابيا سبق على قعوده ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المسماة ب «العضباء» ، فشق ذلك على
المسلمين و على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فإننا لا نكاد نفقه له معنى مقبولا، لأنه إذا كان سبب انزعاج المسلمين و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو كون السابق أعرابيا، فإن أعرابيته لا تلغي حقه، و لا تسقط كرامته عند اللّه، و لا توجب حرمانه من الامتيازات التي يستحقها.
و إن كان السبب هو انتساب العضباء إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن ذلك يثير علامة استفهام حول صدقية سبق أفراس، و إبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن الناس ما كانوا يرضون بأن تسبق، بل إنهم كانوا يعلمون: أن ذلك يزعج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و هذا يجعلهم يترددون في التقدم على أفراسه، و إبله «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لا مجال لقبول الزعم: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يعتبر المسألة مسألة شخصية بالنسبة إليه، بحيث يكون سبق الأعرابي على قعوده لناقته حطا من مقامه، و إنقاصا من قدره.
فإن ذلك ليس فقط يعد طعنا في النبوة، بل هو طعن في توازن شخصيته، و سلامة تفكيره «صلى اللّه عليه و آله» . .
7-و يجوز لنا أن نحتمل: أنه قد كان هناك تعمد للتقليل من شأن العضباء، و اعتبارها قد انحط مقامها، و وضع ما ارتفع منها. و بيان أن هذه الناقة التي كانت قوتها مصدر اعتزاز للمسلمين، و لم يكن لها منافس، قد وجد ما تفوّق عليها من إعرابي عابر.
و نحن و إن كنا لا نملك شيئا يفيد في تأييد هذا الاحتمال، و لكننا نتجرأ على إطلاقه في ساحات التداول لأننا نعرف أن ثمة كرها عميقا لأهل البيت
«عليهم السلام» و كل ما له أدنى ارتباط بهم، و أقل انتساب إليهم.
و لهذه الناقة التي يتحدثون عنها خصوصية تثير ذلك الحقد الدفين، و تدعوهم إلى الحط من قدرها، و إثارة ما يوجب الاستخفاف في أمرها.
و هذه الخصوصية هي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال للعضباء عند وفاته: أنت لا بنتي فاطمة «عليها السلام» تركبك في الدنيا و الآخرة.
فلما قبض أتت إلى فاطمة «عليها السلام» ليلا، فقالت: السلام عليك يا بنت رسول اللّه قد حان فراقي الدنيا الخ. .» (1).
قالوا: و في شهر ربيع الأول، أو في ذي الحجة من سنة خمس سقط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن فرسه، فجحشت (2)ساقه، أو كتفه، و جرحت فخذه اليمنى. و لما رجع إلى المدينة أقام في البيت خمسا (أياما) يصلي قاعدا (3).
و حسب نص آخر: جحش فخذه الأيمن.
و في الصحيحين: جحش شقه الأيمن.
1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 86 و البحار ج 17 ص 417 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 37 و بيت الأحزان للشيخ عباس القمي ص 33.
2) جحشت ساقه: أي تقشر جلدها.
3) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و البحار ج 20 ص 298 و راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 310 و بهجة المحافل ج 1 ص 296 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 291 و نصب الراية ج 2 ص 53 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 166 و عن البخاري ج 1 ص 100.
و في غيره: انفكت قدمه (1).
و في رواية: أن الأصحاب كانوا يقتدون به قياما، فأمرهم بالجلوس، و قال: إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، و إذا سجد فاسجدوا، و إذا جلس فاجلسوا.
قال الديار بكري: «لكن عند أكثر العلماء هذا الحديث منسوخ؛ لأنه صح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى في مرض موته جالسا، و الأصحاب اقتدوا به قياما، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» قرره» (2).
قال الأشخر اليمني: إنه «صلى اللّه عليه و آله» «كان يصلي بالناس جالسا، و أبو بكر و الناس يصلون خلفه قياما، كما رواه الشيخان و غيرهما عن عائشة.
1) راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 296 و اختلاف الحديث للشافعي ص 66 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 224 و ج 8 ص 377 و فتح الباري ج 1 ص 410 و مسند الحميدي ج 2 ص 502 و صحيح مسلم بشرح النووي ج 4 ص 130 و 131 و المصنف للصنعاني (ط سنة 1423 ه) ج 2 ص 188 و 189 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 166 و إرواء الغليل ج 2 ص 119 و مسند أحمد ج 3 ص 200.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و 503 و بهجة المحافل ج 1 ص 296 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ص 296 و اختلاف الحديث للشافعي ص 67 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 224 و ج 8 ص 377 و عون المعبود (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 218 و 219 و الموطأ ج 1 ص 135 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 291-295 و سير أعلام النبلاء ج 23 ص 130.
هذا هو الصواب، أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان هو الإمام، كما هو صريح الحديث الذي سقته، و هو لفظ مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده عن عائشة الخ. .» (1).
و نقول:
إننا نشك في صحة هذا الحديث بلحاظ شكنا ببعض خصوصياته:
فأولا: إننا لا نجد مبررا لسقوطه «صلى اللّه عليه و آله» عن ظهر فرسه، إلا إذا فرض أنه يعاني من ضعف جسدي، نتيجة مرض مّا، أو أن سقوطه بسبب أن الفرس جموح، و كلاهما لا شيء في الروايات يشير إليه، أو يدل عليه.
و ليس لنا أن نحتمل: أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» لا يحسن ركوب الفرس، و لا بالتماسك فوق ظهره، فإن ذلك من النقص الذي لا يصح نسبته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا سيما بعد أن قضى سنوات، يمارس فيها الحروب ضد أعدائه. و كان «صلى اللّه عليه و آله» يركب الفرس فيها، و يكون هو الأقرب إلى العدو من كل أحد. . مع تعرض الفرس أثناء الحرب لكثير من المحفزات للحركة، و ربما تنالها بعض الطعنات، و يلحق بها بعض الجراح أيضا.
ثانيا: إن الروايات تقول: إنه قد جحشت ساقه، أو فخذه، أو شقه الأيمن، فمع الاقتصار على خصوص ما ورد في هذا النص باعتباره هو المعتمد، و الأكثر شيوعا.
1) راجع شرح بهجة المحافل ج 1 ص 296.
و نقول:
معنى كلمة «جحشت: تقشر جلدها» و من الواضح: أن تقشر الجلد لا يوجب العجز عن القيام في الصلاة. . فما معنى قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي قاعدا. . و هو-على الأقل-يقدر على التكبير و القراءة من قيام، و مع القدرة على ذلك، فإن الصلاة من جلوس لا تجزي.
ثالثا: دعواهم نسخ ذلك بما جرى في آخر حياته «صلى اللّه عليه و آله» . . حيث صلى الناس حينئذ قياما، خلفه، و هو جالس، فقررهم «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك.
إن هذه الدعوى: غير ظاهرة الوجه، إذ لم نجد ما يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرهم بالقيام، فإن كانوا قد بادروا هم إلى القيام خلفه و هو جالس، من دون أن يأمرهم بذلك، فقررهم على فعلهم.
فالسؤال هو: لماذا وقف الصحابة خلفه، مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمرهم في حادثة وقوعه عن الفرس بأن يصلوا من جلوس، إذا كان الإمام يصلي جالسا. بل كان عليهم أن يبادروا إلى الجلوس، التزاما بما كان قد علمهم إياه. فلماذا انعكس الأمر؟ !
رابعا: إن دعوى النسخ لا مجال لقبولها، لأنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أمر الناس بالجلوس في صلاتهم خلفه قد علل ذلك بقوله: «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا الخ. .» (1).
1) راجع هذه الفقرة في المصادر التالية: إختلاف الحديث ص 66 و 67 و سنن البيهقي ج 2 ص 97 و 303 و ج 3 ص 78 و 79 و حلية الأولياء ج 3 ص 373 و مصنف عبد الرزاق (ط سنة 1423 ه) ج 2 ص 188 و 189 و جمع الجوامع للسيوطي ج 2 ص 325 و الأدب المفرد ص 360 و فتح الباري ج 2 ص 216 و سنن أبي داود كتاب الصلاة باب 69 و سنن النسائي كتاب الصلاة باب 4 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 224-227 و ج 8 ص 377 و 378 و مسند الحميدي ج 2 ص 502 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 292 و صحيح مسلم (بشرح النووي) ج 4 ص 130-132 و سنن الدارمي (ط سنة 1407) ج 1 ص 319 و سير أعلام النبلاء ج 23 ص 130 و كنز العمال ج 8 ص 278.
فهذا التعليل يمنع من النسخ؛ إذ إن كانت العلة للجلوس هي أن الإمام قد جعل إماما في جميع الأحوال، فمن الواضح: أنه لم يطرأ شيء يوجب زوال هذه العلة، بل هي لا تزال باقية على حالها، فلا مبرر لا دّعاء النسخ مع بقاء علة ثبوت الحكم.
خامسا: إن ظاهر الرواية التي ذكرت هذا التعليل هو: أنها تريد بيان لزوم متابعة الإمام في أفعاله الصلاتية، فإذا ركع ركعوا، و إذا جلس جلسوا. و إذا قام قاموا-من حيث إن هذه هي أفعال الصلاة-.
و ليس المقصود: أنه إذا طرأ على الإمام ما يمنعه من القيام، فإن حكمهم يصير هو عدم القيام، إذ لا يصح القول: إذا صلى راكعا صلوا معه راكعين، و إذا صلى ساجدا أو نائما فعليهم أن يصلوا نائمين أو ساجدين، و إذا صلى بالإيماء صلوا بالإيماء! ! فإنه ليس هناك صلاة على هذه الصفة و لا تلك.
و هذا يعطينا: أن عبارة: «و إذا صلى قاعدا، فصلوا قعودا أجمعون» مقحمة في هذه الرواية، أو محرفة عن قوله: «و إذا قعد فاقعدوا» .
و الصحيح في هذه القضية: هو ما روي عن أبي جعفر «عليه السلام» : من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلى بأصحابه جالسا، فلما فرغ قال: «لا يؤمّن أحدكم بعدي جالسا» (1).
فيكون جواز اقتداء القائم بالجالس من خصائص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و قد كان من بركات هذه الخصوصية: أنها قد فضحت من حاول التعدي على مقام ليس له، و التصدي لما لم يؤذن له به، بهدف التوصل إلى تبرير اغتصاب أعظم مقام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعني به مقام الإمامة.
أما حديث سقوطه «صلى اللّه عليه و آله» عن فرسه فلعل له أصلا أيضا، إذا كانوا قد تعمدوا التعتيم على بعض التفاصيل و تجاهلها، مثل أن يكون بعض المنافقين قد نفّروا به فرسه، حتى وقع عن ظهره، تماما كما حاولوا قتله بتنفير ناقته به «صلى اللّه عليه و آله» . و ذلك أشهر من أن يذكر.
و لعل حساسيتهم تجاه هذا الأمر، هي التي منعت الإمام الصادق «عليه السلام» من ذكر التفاصيل أيضا، رغم أنه قد صرح به، فقد روي عنه «عليه السلام» قوله:
كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وقع عن فرس، فسحج (أي قشر) شقه الأيمن، فصلى بهم جالسا في غرفة أم إبراهيم (1).
و زعموا: أنه في سنة خمس من الهجرة زلزلت المدينة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن اللّه عز و جل يستعتبكم فأعتبوه (2).
و نقول:
إن اللّه تعالى يقول: وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ. . (3). و الناس يخافون من الزلزلة، و يرون أنها مصيبة، بل هم يرون أنها عذاب لهم.
و هم لا يشعرون بالأمن إذا كانت الزلازل تهددهم، مع أن الأحاديث الشريفة قد صرحت: بأن الأئمة «عليهم السلام» أمان لأهل الأرض، كما
أن النجوم أمان لأهل السماء (1).
و لسوف يتعاظم شعورهم بالسكينة و بالأمن من الزلازل و الصواعق، حين يكون الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بين ظهرانيهم.
فحدوث الزلزال و الحال هذه سوف يزعزع يقينهم هذا، و سيصيبهم بخيبة أمل، و ربما بصدمة عنيفة. و سيثير في أنفسهم الريبة و الشك في صحة ما يرونه و يشاهدونه، و اللّه أكرم عليهم، و أرحم بهم، من أن يعرّضهم لهذا الامتحان الصعب.
و لعل مما يشير إلى ما ذكرناه: ما روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، قال: إن إبراهيم مرّ ببانقيا (2)، فكان يزلزل بها، فبات بها، فأصبح القوم و لم يزلزل بهم.
فقالوا: ما هذا؟ و ليس حدث!
قالوا: ههنا شيخ و معه غلام له.
قال: فأتوه، فقالوا له: يا هذا، إنه كان يزلزل بنا كل ليلة، و لم يزلزل بنا هذه الليلة، فبت عندنا، فبات و لم يزلزل بهم. .
ثم تذكر الرواية: أنه اشترى منهم منطقة النجف (3).
1) راجع: البحار ج 27 ص 300 و 308-310 و ج 36 ص 291 و 342 و ج 23 ص 6 و 19 و 37 و ج 24 ص 67 و ج 53 ص 181 و ج 75 ص 380 و العمدة ص 161 و ذخائر العقبى ص 17 و عن ينابيع المودة ص 20 و الطرائف ص 131.
2) بانقيا: قرية بالكوفة.
3) راجع: البحار ج 97 ص 226 و ج 12 ص 77 عن علل الشرايع و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 429.
فحضور إبراهيم «عليه السلام» في بلدهم قد منع الزلزال عنهم، فكيف لا يمنع حضور النبي «صلى اللّه عليه و آله» الزلزال عن أهل المدينة؟ !
إلا إذا فرض وجود مصلحة في إحداث هذا الزلزال، كما أشير إليه في بعض الروايات، ففي توحيد المفضل، قال: إن الزلزلة و ما أشبهها، موعظة، و ترهيب، يرهب بها الناس ليرعووا و ينزعوا عن المعاصي (1).
و كذا الحال لو أريد إظهار آية أو مقام للإمام «عليه السلام» (2).
و في السنة الخامسة أيضا: دفّت دافّة العرب، أي اجتمعت جموعها و قدموا المدينة، فنهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن ادّخار لحوم الأضاحي، فوق ثلاث، ثم رخص لهم في الادّخار ما بدالهم (3).
و الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد بهذا الإجراء توفير الطعام
1) البحار ج 57 ص 130 و ج 3 ص 121 و التوحيد ص 91 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 303.
2) راجع: البحار ج 7 ص 111 و 112 و ج 41 ص 253 و 254 و 271 و 272 و ج 42 ص 17 و ج 57 ص 129 و راجع ج 25 ص 379 و ج 12 ص 24 و ج 49 ص 82 و ج 50 ص 46.
3) الفصول المختارة ص 131 و الطرائف ص 193 و غوالي اللآلي ج 1 ص 45 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1055 و البحار ج 10 ص 442 و تاريخ الخميس ج 1 ص 503 و وفاء الوفاء ج 1 ص 310 و البرهان للزركشي ج 2 ص 42 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 233 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 189 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 115 و تأويل مختلف الحديث ص 184 و 187.
للعرب الذين اجتمعوا في المدينة، لأن ادّخار لحوم الأضاحي سوف يقلل من كميات اللحوم التي تعرض في السوق، فإذا كان هناك ازدياد في عدد الناس الذين يحتاجون إلى الغذاء، و كان هناك نقص في كميات اللحوم المعروضة فإن ذلك سيوقع الناس في حرج و إرباك، أو يتسبب في غلاء بعض السلع الأخرى المتداولة. فنهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس عن ادّخار اللحوم، و ألزمهم بعرضها، من أجل تلبية حاجات الناس إليها.
و هذا هو أحد الموارد التي ينشئ الحاكم فيها أوامره التدبيرية، في أمور عامة، و يكون لهذه الأوامر تأثيرها على حق الناس في تصرف بعينه، فيحظر عليهم استعمال هذا الحق، رعاية لصالح المجتمع المسلم.
و بذلك يكون الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» قد وضع قانون حماية المستهلك من خلال إغراق السوق بالسلع، لكي لا تتسبب قلتها بارتفاع الأسعار و الإجحاف بحقه.
قالوا: و في السنة الخامسة نزلت فريضة الحج. لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخّره إلى السنة العاشرة، من غير مانع، فإنه خرج في ذي القعدة من السنة السابعة لقضاء العمرة و لم يحج، و فتح مكة في رمضان السنة الثامنة، و لم يحج. و بعث أبا بكر أميرا على الحاج في السنة التاسعة، و حج «صلى اللّه عليه و آله» في السنة العاشرة، و هي المعروفة بحجة الوداع.
و قالوا: اختلف في وقت فرض الحج، فقيل: قبل الهجرة، و وصفوا هذا القول بالغرابة، و المشهور بعدها.
و قيل: في الرابعة و قيل: سنة خمس. و كذا في المنتقى، و جزم به الرافعي في موضع، و قيل سنة ست، و صححه الرافعي أيضا في موضع آخر، و كذا النووي، و هو قول الجمهور.
و قيل: في سبع، و قيل: في ثمان، و كذا في مناسك الكرماني أيضا. و رجحه جماعة من العلماء.
و قيل: في تسع و صححه عياض.
و قيل: في العاشرة (1).
و استدل القائلون: على فرض الحج في سنة ست: بأن قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ. . قد نزل في سنة ست. .
و قد يناقش في هذا الدليل بأن قوله: وَ أَتِمُّوا. . يراد به الإكمال بعد الشروع، و ليس المراد به ابتداء الفرض (2).
و قد ذكر الحج في قصة ضمام بن ثعلبة، و كان قدومه-على قول الواقدي-: سنة خمس (3).
و استدل القائلون، على فرض الحج في سنة تسع: بأن فرضه قد جاء في
1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 503 و البحار ج 20 ص 298 و المواهب اللدنية ج 2 ص 323 و وفاء الوفاء ج 1 ص 316 و 317 و راجع ص 315 و السيرة الحلبية ج 2 ص 278 و سيرة مغلطاي ص 57 و بهجة المحافل ج 1 ص 280 و 281 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 280 و 281 و عون المعبود ج 5 ص 253.
2) راجع: المواهب اللدنية ج 2 ص 323.
3) المواهب اللدنية ج 2 ص 323.
أوائل سورة آل عمران، و صدر هذه السورة قد نزل في سنة تسع، و فيها قدم وفد نجران، و صالحهم على الجزية، و الجزية نزلت عام تبوك في سنة تسع (1).
و نقول:
1-قد ذكرنا في بحث لنا حول آيات الغدير (2): أن اللّه كان ينزل سورة كاملة، أو شطرا كبيرا من السورة دفعة واحدة إذا كانت من الطوال، ثم يبدأ نزول آياتها تدريجيا، كلما حدث ما يقتضي ذلك.
فلعل سورة آل عمران قد نزلت في أول الهجرة، و إن كانت المناسبات التي اقتضت إعادة إنزال بعض آياتها قد تأخرت إلى سنة تسع. .
و استدل القائلون بأن الحج قد فرض قبل الهجرة بما يلي:
1-عن ابن عباس: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حج قبل أن يهاجر ثلاث حجج (3).
2-عن ابن الأثير: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر (4).
3-و عن الثوري: حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يهاجر حججا (5).
1) المواهب اللدنية ج 2 ص 323.
2) راجع كتابنا: مختصر مفيد ج 4 ص 45.
3) المواهب اللدنية ج 2 ص 324 عن ابن حبان و الحاكم.
4) المواهب اللدنية ج 2 ص 324 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 444 و فتح الباري ج 8 ص 80.
5) المواهب اللدنية ج 2 ص 324 و فتح الباري ج 8 ص 80 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 444 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 55.
4-و قال ابن الجوزي: حج حججا لا يعلم عددها (1).
5-و قال الحبر الطبري: حج «صلى اللّه عليه و آله» قبل الهجرة حجتين (2).
6-عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: لم يحج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد قدومه المدينة إلا واحدة، و قد حج بمكة حجات (3).
7-و عنه «عليه السلام» : حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشر حجاب، مستسرا في كلها (4).
8-عنه «عليه السلام» : حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين حجة (5).
9-و عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أنه «صلى اللّه
1) المواهب اللدنية ج 2 ص 324 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 444.
2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 281 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 و البحار ج 21 ص 398 و أحكام القرآن ج 3 ص 302.
3) الكافي ج 4 ص 244 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 443 و وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 588 و البحار ج 18 ص 280 و ج 21 ص 399.
4) الكافي ج 4 ص 244 و وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 88 و 89 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 458.
5) الكافي ج 4 ص 245 و 252 و علل الشرائع ج 2 ص 450 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 238 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 443 و 459 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 16 و 37 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 و البحار ج 20 ص 398 و 399 و 407 و ج 96 ص 39 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 285.
عليه و آله» قد حج عشرين حجة غير حجة الوداع (1).
و هناك أقوال أخرى، فلتراجع في مظانها.
و لا منافاة بين روايات العشرة و العشرين، فإن العشرة التي استسر بها هي تلك التي كانت في المدينة.
10-و قد يمكن تأييد ذلك: بأن الحج قد شرع في مكة بما روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع؛ لأن اللّه تعالى يقول: وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ. . و إنما نزلت العمرة بالمدينة (2)و نحوه غيره (3).
و نحن نسجل هنا الملاحظات و التوضيحات التالية:
ألف: إن حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد الهجرة سرا قد يكون بالاحتجاب عن الناس بطريقة التدخل الإلهي الإعجازي، فإن اللّه سبحانه قادر على كل شيء.
ب: قد يقال: إن حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لأجل أن الحج كان قد فرض، فلعله كان آنئذ على صفة الندب، أو لعله كان واجبا على
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دون غيره ثم وجب على الناس بعد ذلك.
و لكن الرواية الأخيرة تؤكد: أن الحج و العمرة كانا واجبين على الخلق كلهم.
و على كل حال: فإن أحدا لا يستطيع أن ينفي فرض الحج على الناس في مكة، فلعله قد شرع و أبلغه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى من أسلم معه، و كانوا يحجون مع الناس، دون أن يظهر منهم ما يوجب الصدام معهم، لأن المشركين أيضا كانوا يحجون، و إن كان في حجهم مخالفات و تحريفات. .
و ربما يكون المسلمون قد استعملوا التقية في هذا الأمر، إما في طريقة الأداء، أو بامتناعهم عن الحج، بسبب المخاطر التي تواجههم فيه.
و أما الحج بعد الهجرة، فحتى لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أبلغهم بوجوبه عليهم، فإنهم لم يكونوا قادرين على القيام به، بسبب الحروب القائمة بينهم و بين أهل مكة. . و قد استمر هذا الأمر إلى ما بعد الفتح، كما هو معلوم. .
و في السنة الخامسة، أو في غيرها كانت قصة أولاد جابر.
فقد روي: أن جابرا دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذات يوم إلى القرى، فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» . و جاء و جلس، ففرح جابر، و ذبح له حملا ليشويه.
و كان لجابر ولدان صغيران، فطلب الكبير من الصغير أن يريه كيف ذبح أبوه الحمل، فأضجعه، و ربط يديه، و رجليه، ثم ذبحه، و حزّ رأسه،
و جاء به إلى أمه. فدهشت، و بكت، فخاف الصبي، و هرب إلى السطح، فتبعته فرمى بنفسه عنه، فمات أيضا.
فسكتت المرأة، و أدخلت ابنيها البيت، و غطتهما بمسح في ناحية من البيت. و اشتغلت بطبخ الحمل، و كانت تخفي الحزن، و تظهر السرور، و لم تعلم زوجها بالأمر.
فلما تم الطبخ، و قرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جاءه جبرئيل، و قال: يا محمد، إن اللّه يأمرك أن تأكل مع أولاد جابر.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك لجابر، فطلب جابر ابنيه. فقالت امرأته: إنهما ليسا بحاضرين.
فأخبر جابر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فقال: إن اللّه يأمرك بإحضارهما.
فرجع إلى امرأته فأخبرها، فبكت، و كشفت له الغطاء عنهما، فتحير جابر، و بكى، و أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر. فنزل جبرئيل، و قال: يا محمد، إن اللّه يأمرك أن تدعو لهما، و يقول: منك الدعاء، و منا الإجابة و الإحياء.
فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحييا بإذن اللّه (1).
و في مناسبة أخرى: ذبح جابر شاة، و طبخها، و ثرد في جفنة، و أتى به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فأكل القوم. و كان «صلى اللّه عليه و آله» يقول لهم: كلوا و لا تكسروا عظما. ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» جمع العظام،
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 500 عن شواهد النبوة.
و وضع يديه عليها، ثم تكلم بكلمات، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها (1).
و نقول:
إن لنا مع هذه الروايات وقفات، هي التالية:
إن ما ذكرته الرواية عن ذبح الولد لأخيه ليس أمرا محالا، و لا غريبا. بل له نظائر عبر التاريخ و إلى يومنا هذا؛ فإن اتجاه الأطفال نحو التقليد و المحاكاة أمر معروف و مألوف للناس، و يرون مظاهره و شواهده في أطفالهم باستمرار.
و لكن تصرف أم الطفلين هو الذي يثير الدهشة حقا، فكيف واجهت هذه الصدمة بمجرد البكاء، ثم لم تفقد و عيها، و لم تصرخ، و لم تولول، ليجتمع الناس إليها، و يسألوها عما جرى؟ !
بل كيف أطاقت حمل طفليها إلى ناحية البيت؟ !
و كيف استطاعت أن تقف على رجليها، و تصلح الطعام لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
ثم هي لم تخبر زوجها بما جرى؟ ! بل زادت على ذلك كله: أنها كانت تخفي الحزن، و تظهر السرور برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 500 عن المواهب اللدنية عن أبي نعيم، و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 14.
إن اللافت هو: أن اللّه تعالى هو الذي أمر جبرئيل بأن يخبر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بأن عليه أن يدعو للطفلين، و أن يطلب من اللّه إحياءهما، و يعده بالإجابة له. .
ألا يدل ذلك على: أن اللّه عز و جل يريد أن يعرّف الناس بمقام نبيه «صلى اللّه عليه و آله» عنده، و محله لديه، و أن يربط على قلوبهم، و يزيد ثقتهم باللّه سبحانه، و بالرسول و بالرسالة؟ !
كما أنه يريد: أن يعرف الناس بضرورة أن يكون كل شيء حتى الدعاء بأذن من اللّه سبحانه و برضاه.
يضاف إلى ذلك: تعريفهم بقيمة الدعاء، و بأنه داخل في سلسلة العلل للتأثير في الكائنات، حتى ما كان بمستوى إحياء الموتى، و ليكن إرسال جبرئيل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» -ليبلغه أمر اللّه تعالى له بالدعاء لهما- إعلام بهذه الحقيقة الخطيرة و الهامة جدا.
هذا. . و قد علق الديار بكري على حديث إحياء ولدي جابر بقوله: «كذا في شواهد النبوة، لكنها لم تشتهر اشتهارا» (1).
و نقول:
إنه يقصد: أن إحياء الموتى حدث عظيم، و هائل، من المفترض أن يطير
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 500.
خبره في كل اتجاه. . فإذا لم يحصل ذلك، كان هناك مبرر للتشكيك في صحة النقل.
غير أننا نقول: إن الآيات و المعجزات تارة تكون في مقام التحدي، و من أجل إثبات النبوة للجاحدين و الطغاة مثلا. . فمن المفترض أن تظهر في الملأ العام، و أن يكون ثمة اهتمام بنشر أخبارها، و التعريف بآثارها. .
و تارة يكون المقصود بها: تكريم عبد صالح، و تأكيد اليقين في قلبه، و بعث السكينة في نفسه، من دون أن يكون ثمة غرض من إشاعة أخبارها، بل قد تكون المصلحة في كتمانها، إذا كان نشرها يعطي الفرصة لأصحاب الأهواء للتشكيك بها، أو التسبب ببعض أشكال الحرج لمن يراد تكريمهم و إعزازهم، و الحفاظ عليهم.
و هناك أقسام أخرى أشرنا إليها في كتابنا: رد الشمس لعلي «عليه السلام» ، فيمكن الرجوع إليه.
و نحن لا نشك في: أن اللّه تعالى يحيي الشاة بدعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سواء أكسروا عظامها أم تركوها سالمة، و لكننا نحتمل أن يكون أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» للآكلين بأن لا يكسروا عظما لسببين:
أحد هما: أن لا يغلو صغار العقول برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بزعم أنه هو اللّه، استنادا إلى قوله تعالى: . . قٰالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .
الثاني: التوطئة لإظهار هذه المعجزة، و تهيئتهم للاستفادة منها في تقوية
إيمانهم إلى أقصى حد ممكن، و ذلك حين يعرفون: أن القضية أكثر من مجرد كرامة أظهرها اللّه لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، دون أن يكون له «صلى اللّه عليه و آله» دور في صنعها و إظهارها. . بل هي عمل مقصود لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، سعى إليه خطوة خطوة حتى أتمه و أنجزه وفق ما خطط و أراد، الأمر الذي يشير إلى أن اللّه سبحانه و تعالى قد أعطاه القدرة على صنع ما هو من هذا القبيل، و يبلغ هذا الحد أيضا، فهذا من شؤونه، و من وظائفه و صلاحياته كنبي و رسول.
و زعموا: أن خالدا و عمرو بن العاص أسلما في السنة الخامسة من الهجرة (1).
و لكن سيأتي، إن شاء اللّه: أن الصحيح هو: أن إسلام خالد، كان في سنة سبع.
قال ابن حجر: و وهم من زعم أنه أسلم سنة خمس (2).
و أسلم عمرو بن العاص سنة ثمان.
و قيل: بين الحديبية و خيبر (3).
قال اللّه تعالى:
وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً،
وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنّٰاسَ وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا لِكَيْ لاٰ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ إِذٰا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ مَفْعُولاً،
مٰا كٰانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اَللّٰهُ لَهُ سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً،
اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً،
مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اَللّٰهِ وَ خٰاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (1).
1) الآيات 36-40 من سورة الأحزاب.
و يقولون: إن السبي كان قد وقع على زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، فاشتراه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من سوق عكاظ، أو أن خديجة اشترته، ثم وهبته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما نبئ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعاه إلى الإسلام، فأسلم.
و كان أبوه يتسقط أخباره، فلما عرف أنه في مكة قدمها، و كان رجلا جليلا، فأتى أبا طالب، و قال: سل ابن أخيك: فإما أن يبيعه، و إما أن يفاديه، و إما أن يعتقه.
فلما قال ذلك أبو طالب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: هو حرّ، فليذهب حيث شاء.
فأبى زيد أن يفارق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال حارثة: يا معشر قريش اشهدوا أنه ليس ابني، أو قال: اشهدوا أنني تبرأت من زيد، فليس هو ابني و لا أنا أبوه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اشهدوا أن زيدا ابني.
فكان يدعى زيد بن محمد (1).
1) لهذا الحديث نصوص مختلفة، و قد ذكرنا هنا ملخصا للقضية، حسبما وردت في المصادر التالية: البحار ج 22 ص 172 و 215 و تفسير القمي ج 2 ص 172 و تفسير الصافي ج 4 ص 163 و أنساب الأشراف ج 1 ص 467 و 468 و مجمع البيان ج 8 ص 336، و راجع: شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 289 و قاموس الرجال ج 4 ص 243 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 545 و 546 و 547 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 138 و 139 و ج 19 ص 348 و الإستغاثة ج 1 ص 75 و أسد الغابة ج 2 ص 225 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 40 و 41 و 42، و المستدرك للحاكم ج 3 ص 214 و روح البيان ج 7 ص 137 و غرائب القرآن للنسيابوري (بهامش جامع البيان) ج 21 ص 83 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 193 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 279 و 268 و الروض الأنف للسهيلي ج 1 ص 286 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 247 و السمط الثمين ص 225.
و في نص آخر: أنه لما اختار النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، جذبه أبوه، و قال: يا زيد، اخترت العبودية على أبيك و عمك؟ !
فقال: إي و اللّه، العبودية عند محمد أحب إلي من أن أكون عندكم (1).
و زوّجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، و لما قدم المدينة زوّجه زينب بنت جحش.
و نقول:
إننا نسجل هنا النقاط التالية:
1-إن الإنسان حين يسمع الناس يتحدثون عن بعض العظماء، و الأفذاذ منهم، فإن تلك الأحاديث تبهره، و تلهب في نفسه جذوة الشوق لرؤيتهم، و العيش معهم، و الكون إلى جانبهم.
و لكنه إذا حصل على ما يتمناه، و عاش معهم بالفعل، فإنه سيجد أنهم
1) الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 193 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 279 و راجع: طبقات ابن سعد ج 3 ص 41 و 42.
دون المستوى الذي ظنه فيهم، و أقل مما توهمه عنهم، فإذا طالت الصحبة، و دامت مخالطته لهم، فإن مستوى الإعجاب سوف يتراجع عما هو عليه، و يتضاءل بصورة تدريجية، تبعا لما يتكشف له من نقائص، و ما يظهر له من نقاط ضعف فيهم، يسعى الناس عادة لإخفائها، و التستر عليها.
و لكن هذا التراجع و ظهور نقاط الضعف قد لا يبرر له قطع الرابطة معهم، و ذلك لأن عامل الإلف، و العادة، و ربما الانجذاب إلى صفات أو حالات أو مصالح معينة يجدها فيهم، تدفعه إلى توثيق العلاقة بهم، و إدامتها، و تحفظ له بعض الحيوية فيها.
و لكن حياة زيد بن حارثة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن على هذه الصفة، بل كان «رحمه اللّه» يكتشف فيه «صلى اللّه عليه و آله» كل آن ما هو جديد و فريد من الميزات و الخصائص الإنسانية التي لا نظير لها، و التي كان لتنامي قدرات زيد الروحية، و الإيمانية، و الفكرية، و الإدراكية الأثر الفعال في التعرف عليها، و التفاعل معها. .
2-و من جهة أخرى: فإن لعلاقة الرحم بالرحم خصوصية لا توجد فيما عداها، مما عرفه الناس و ألفوه، خصوصا إذا كانت علاقة والد بولده، و ولد بأبيه، و لا سيما إذا كان الوالد جليلا، و كان الولد عاقلا نبيلا. . فكيف إذا ذكت هذه العلاقة، و تأجج أوارها بفعل مأساة، تمثلت في التحول من عز الحرية، إلى ذل الأسر و العبودية، حيث لا بد أن يؤذيه إحساسه بالضعف بعد القوة، و بالمهانة و الاستهانة، بعد العيش في منازل السؤدد و الكرامة؛ فكيف إذا أصبح يواجه بالقسوة بعد الرحمة، و بالإذلال بعد الدلال و الإدلال. .
فإن من الطبيعي أن يضاعف ذلك حنينه إلى الحياة التي فارقها، و أن يزداد مقته للواقع الذي يعاني منه، و لسوف تتأكد علاقته الروحية بوالديه، و تشتد لهفته للقائهما، و العيش تحت جناحهما، حيث يتبلور شعوره بالقوة و بالكرامة، و بالعزة. و تنتعش روحه بما يفيضانه عليه من حب، و بما يغمرانه به من رأفة و رحمة، و من دفء و حنان. و ليهنأ بالراحة، و ليهدأ تحت ظلال السلام و السلامة، و السكينة و الأمان.
و كان زيد من أول الأمر شديد الحنين إلى أهله و قومه. .
فقد ذكر ابن سعد: أن أناسا من كلب-قبيلة زيد-حجوا فرأوا زيدا فعرفهم و عرفوه، فقال: بلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي، و قال:
أحن إلى قومي و إن كنت نائيابأني قتيل البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكمو لا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد اللّه من خير السرةكرام وعد كابرا بعد كابر (1)
و قد أشارت هذه الأبيات إلى: أن زيدا كان يعرف شدة محبة أبيه له، و تعلقه به.
فقد ذكر ابن سعد: أن ناسا من كلب-قبيلة زيد-حجوا فرأوا زيدا.
و لكن زيدا لم يكتف برفض العودة مع أبيه إلى البيت الذي رباه، بل هو قد رضي بالبقاء تحت و طأة آلام كل تلك المعاني التي قد يحيطه بها الكثيرون من الناس من حوله.
1) الطبقات الكبرى ج 3 ص 41.
ثم زاد على ذلك: بأن تحمل أقسى و أعنف الآلام الروحية، و هو يرى أباه يعلن براءته منه على الملأ من قريش، و هي براءة تدلل على عمق الجرح الذي أحدثه قراره في نفس أبيه المفجوع به، حيث واجهه بأعنف صدمة عاطفية، و هو يرى خيبة آماله في ولده، و فلذة كبده و أعز ما و من في الوجود عليه.
و الذي يزيد في هذه الآلام: أن ولده هذا لم يراع مكانة أبيه، بل هو قد عرض موقعه الاجتماعي للاهتزاز، حين أصر على البقاء في كنف إنسان آخر، عاش معه ردحا طويلا على صفة العبودية. و إذا بهذا العبد يفضل سيده حتى على أهله و عشيرته، و حتى على أبيه و أمه.
فما معنى: أن يفضل هذا الولد حياة العبودية مع سيده هذا على ما سواها، دون أن يطلب لنفسه أي امتياز، أو ضمانة، أو دون أن يفكر بأي تغيير في مسار هذه الحياة، مع من يطلب البقاء معهم، و العيش في كنفهم؟ !
ألا يدل ذلك: على أن في الأمر سرا عميقا و دقيقا، قد يتجلى هذا السر في بعض وجوهه، في أن السبب في عظمة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن هو تميّزه و تفرّده في الصفات و السمات البشرية. .
و إنما سببها هو: أنه ذلك الإنسان الإلهي الصافي، و الخالص، الذي استحال على زيد بن حارثة، رغم طول صحبته له، و اطلاعه عن قرب على حالاته المختلفة-لقد استحال عليه-: أن يجد فيه أي حالة من حالات الضعف البشري. .
بل هو يراه دائم التعالي و التسامي و الرقي في منازل الكرامة و في المقامات المحمودة، و يشاهده و هو يزداد بهاء و سناء، و توهجا و تألقا في
سماء العظمة و السؤدد.
بل إنه كلما زادت معارفه، و نما إدراكه، و تكاملت قواه، يزداد قوة على اكتشاف المزيد من مزايا شخصية الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و أسرارها، و يتأكد انبهاره بأنوارها؛ فيجد نفسه مضطرا لمنحه المزيد من الحب، و يقوي ارتباطه به، و يضاعف حنينه إليه، و لا يفضل شيئا في الوجود عليه.
بل هو يرفض أباه، ليكون مع الذي تبناه.
و هذا دليل على صحة إيمان زيد، و على عمق إدراكه لمفاهيم الإسلام، و مدى تفاعله مع قيمه، و انسجامه مع أحكامه و شرائعه. .
3-و مما يؤكد هذا الذي ذكرنا: أن حارثة بن شراحيل قد عرض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة خيارات، تؤكد جميعها على: أن زيدا يواجه حالة من الإذلال في بقائه على الصفة التي هو عليها، و يريد أبوه أن يخرجه منها. .
و الخيارات الثلاثة هي: العتق، و المفاداة، و البيع (1).
و في هذا تهيئة نفسية لزيد ليختار-حيث يصبح له الخيار-أن يكون إلى جانب أبيه ليتخلص من كل نظرات الاحتقار و الاستصغار التي ربما توجه إليه، يحس بلذعاتها، و لسعاتها، النظرات التي أنتجتها ظروف لم يكن لزيد أي دور، أو أي خيار أو اختيار في صنعها.
4-إن مبادرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى الانتصار لزيد،
1) قد تقدمت المصادر التي ذكرت ذلك، و راجع أيضا: تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 139 و الإستغاثة ج 1 ص 75 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 42.
و إعلانه أنه قد تبناه، يمثل إنقاذا لموقف زيد، بأفضل أسلوب، و أرشد طريقة، حيث منحه بذلك أعظم و سام، و جعله في أعلى مقام، غير آبه بالأعراف الاجتماعية الخاطئة، التي تنطلق من العنجهيات الفارغة، و من مفاهيم الجاهلية اللاإنسانية، التي تقضي بالتمييز بين الأحرار و العبيد، و بين السادة و الموالي. .
و بذلك يكون قد أسقط المفهوم الجاهلي و أدانه، و رفضه، بالأفعال لا بالأقوال من جهة. . و قطع الطريق على حارثة بن شراحيل من جهة أخرى.
ثم يكون قد أصلح ما أفسده موقف حارثة، و جبر الكسر الاجتماعي، و الروحي الذي حدث لزيد بسبب تبري أبيه منه، حيث منحه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما لم يكن يحلم به، و حباه شرفا يغبطه عليه خيار الأمة و كرامها.
5-لا مجال للتوهم الذي يقول: إن حارثة بن شراحيل لم يكن شديد التعلق بولده، و لأجل ذلك سرعان ما أعلن التخلي عنه، و التبرأ منه. . و ذلك لأن والده قد قال أبياتا عبر فيها عن حقيقة ما يختلج في نفسه من شوق لولده، و من تلك الأبيات:
بكيت على زيد و لم أدر ما فعلأحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو اللّه ما أدري، و إن كنت سائلاأغالك سهل الأرض، أم غالك الجبل
تذكرنيه الشمس عند طلوعهاو تعرض ذكراه إذا قاربت الطّفل
و إن هبت الأرواح هيجنا ذكرهفيا طول ما حزني عليه، و يا و جل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهداو لا أسأم التطواق أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتيو كل امرء فان، و إن غره الأمل (1)
6-إن قضية زيد بن حارثة و تبني النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، و براءة أبيه منه قد حصلت قبل بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و يذكرون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بزينب بنت جحش في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة (3)، و نزلت آية الحجاب في
1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 214 و تفسير القرآن العظيم ج 14 ص 118 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 41 و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 138 و ج 19 ص 347 و 530 و أسد الغابة ج 2 ص 225 و المنتخب من المذيل للطبري ص 4 و السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 164.
2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 247.
3) راجع ذلك في المصادر التالية: البداية و النهاية ج 4 ص 145 و البحار ج 20 ص 297 و بهجة المحافل ج 1 ص 189 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 177 و صفة الصفوة ج 2 ص 46 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 413 و أسد الغابة ج 1 ص 22 و أنساب الأشراف ج 1 ص 433 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و 501 و 267 عن المنتقى و غيره و تفسير القاسمي ج 5 ص 533 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484 و حاشية الصاوي على الجلالين ج 3 ص 280. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 201 و ج 4 ص 356 و حياة الرسول و فضائله للنبهاني ص 208 و عيون الأثر ج 2 ص 304 و التنبيه و الإشراف ص 217 و مروج الذهب ج 2 ص 289 و فتح الباري ج 8 ص 351 عن الواقدي و ج 7 ص 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 277 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و ج 2 ص 293 و وفاء الوفاء ج 1 ص 310 و الجامع الصحيح (مطبوع مع تحفة الأحوذي) ج 9 ص 50 و سيرة مغلطاي ص 55 و حبيب السير ج 1 ص 359 و الدر المنثور ج 5 ص 214 و فتح القدير ج 4 ص 299 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 511 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 174 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 165 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 231.
هذه المناسبة.
و قال أبو عبيدة، و خليفة بن خياط: تزوجها في السنة الثالثة (1).
و قيل: بعد قريظة (2).
و قيل: سنة أربع من الهجرة النبوية الشريفة (3)في ذي الحجة.
1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 277 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 45 و 201 و ج 4 ص 256 و وفاء الوفاء ج 1 ص 310 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و حبيب السير ج 1 ص 359 و فتح الباري ج 7 ص 333 و أسد الغابة ج 5 ص 493 و الإصابة ج 4 ص 313 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 314 و تهذيب الكمال ج 35 ص 184 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 417 و سيرة مغلطاي ص 55 و عيون الأثر ج 2 ص 304 و أنساب الأشراف ج 1 ص 433 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 413 و تفسير القاسمي ج 5 ص 533 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484 و حاشية الصاوي على الجلالين ج 3 ص 280 و الجامع الصحيح (مطبوع مع تحفة الأحوذي) ج 9 ص 50.
2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 467.
3) المنتظم ج 4 ص 300 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) (ط سنة 1410 ه) ص 256. و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 304 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 277 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 201 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و 278 و فتح الباري ج 7 ص 333 و سيرة مغلطاي ص 55 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 44 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 413 و روح البيان ج 7 ص 180.
و زينب هي ابنة عمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن أمها هي أميمة بنت عبد المطلب.
و كان من قصتها: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطبها لزيد بن حارثة فظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت و ترفعت عليه بنسبها و جمالها، و تابعها على ذلك أخوها عبد اللّه، و قالت: «أنا ابنة عمتك يا رسول اللّه، فلا أرضاه لنفسي» (أو فلم أكن لأفعل) .
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إني قد رضيته لك. فبينما هما يتحدثان أنزل اللّه عز و جل: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .
فرضيت هي و أخوها بذلك، و جعلت أمرها للنبي. . فأنكحها «صلى اللّه عليه و آله» زيدا، و دخل بها، و ساق لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرة دنانير، و ستين درهما، و خمارا، و درعا، و إزارا، و ملحفة، و خمسين مدا من طعام، و ثلاثين صاعا من تمر. .
فمكثت عند زيد ما شاء اللّه (قريبا من سنة أو فوقها (1)) ثم وقعت
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 278 و البداية و النهاية ج 4 ص 166 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 499.
الكراهية بينهما. فأتى زيد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال له: إني أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟
قال: لا و اللّه يا رسول اللّه، ما رأيت منها إلا خيرا، و لكنها تتعاظم علي لشرفها، و تؤذيني بلسانها.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أمسك عليك زوجك، و اتق اللّه في أمرها.
ثم طلقها زيد.
فلما انقضت عدتها، قال «صلى اللّه عليه و آله» لزيد: ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اذهب، فاذكرني لها. (أو قال: اخطب علي زينب) .
قال زيد: فلما قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب أبشري، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخطبك (أو يذكرك) .
ففرحت بذلك، و قالت: ما أنا بصانعة شيئا، أو ما كنت لأحدث شيئا حتى إذا أؤامر ربي عز و جل.
فقامت إلى مسجد لها فصلت ركعتين، و ناجت ربها، فقالت: اللهم إن رسولك يخطبني، فإن كنت أهلا له، فزوجني منه.
فنزل القرآن. و هو: . . فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا. . فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى دخل عليها بغير إذن (1).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 501 و البحار ج 22 ص 177 و 179 و راجع: أسد الغابة ج 5 ص 494 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و 321 و بهجة المحافل ج 1 ص 289 و 290 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 472 و تفسير القاسمي ج 5 ص 522 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 192 و راجع: السنن الكبرى ج 7 ص 57 و سنن النسائي ج 6 ص 77 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 410 و غرائب القرآن ج 22 ص 12 و 13 و البداية و النهاية ج 4 ص 146 و المعجم الكبير ج 24 ص 40 و 45 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 316 و الدر المنثور ج 5 ص 200 و 201 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الطبراني عن قتادة و أنس، و راجع ما رواه عن: ابن جرير، و عبد بن حميد عن مجاهد، و ما أخرجه عن ابن سعد و أحمد و النسائي، و أبي يعلى، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه عن أنس. و راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 217 و سنن النسائي ج 6 ص 79 و مسند أحمد ج 3 ص 195 و حياة الرسول و فضائله للنبهاني ص 208 و حلية الأولياء ج 2 ص 52 و 53 و نور الثقلين ج 4 ص 283 و كنز الدقائق ج 10 ص 396 و 397 و المنتظم ج 3 ص 226 و 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 278-282 و حدائق الأنوار ج 2 ص 601 و 602 و في هامشه عن صحيح مسلم ج 2 ص 1048 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 102.
و في رواية: لما انقضت عدتها قال له: يا زيد، ائت زينب فأخبرها: أن اللّه سبحانه قد زوجنيها. فانطلق زيد، و استفتح الباب.
فقالت: من هذا؟
قال: زيد.
قالت: ما حاجة زيد إلي، و قد طلقني؟ !
فقال: أرسلني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقالت: مرحبا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ففتحت له، فدخل عليها و هي تبكي.
فقال زيد: لا أبكى اللّه عينيك، قد كنت نعم المرأة، إن كنت لتبرين قسمي، و تطيعين أمري، و تتبعين دعوتي، (و في نص آخر: «تشبعين مسرّتي») فقد أبدلك اللّه خيرا مني.
قالت: من هو؟
قال: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فخرت ساجدة (1).
و ذكر البلاذري: أن زينب لما بشرت بتزويج اللّه نبيه إياها، و نزول الآية في ذلك، جعلت على نفسها صوم شهرين شكرا للّه، و أعطت من بشّرها حليا كان عليها (2).
و تذكر الروايات أيضا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان جالسا يتحدث مع عائشة، فأخذته غشية، فسرى عنه، و هو يبتسم، و يقول: من يذهب إلى زينب، و يبشرها: أن اللّه قد زوجنيها من السماء، و تلا «صلى اللّه عليه و آله» : وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ. . القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذني ما قرب و ما بعد، لما يبلغني من جمالها. و أخرى هي أعظم الأمور و أشرفها، ما صنع اللّه لها، زوّجها اللّه من السماء. و قلت: هي تفتخر علينا بهذا.
فخرجت سلمى، خادمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تشتد، فتحدثها بذلك، فأعطتها أوضاحا عليها. كذا في المنتقى.
قال: و كانت زينب تفتخر على أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» تقول: زوجكن أهاليكن، و زوجني اللّه عز و جل من فوق سبع سموات (1).
قالوا: و ما أولم على امرأة من نسائه أكثر و أفضل مما أولم على زينب، أولم عليها بتمر و سويق، و شاة ذبحها، و أطعم الناس الخبز و اللحم، فترادف الناس أفواجا، يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج، حتى امتد النهار، أطعمهم خبزا و لحما حتى تركوه (2).
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و الإصابة ج 4 ص 313 و المنتظم ج 3 ص 226 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 102 و أسد الغابة ج 5 ص 464 و المحبر ص 86 و نيل الأوطار ج 8 ص 211 و البحار ج 22 ص 179 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 162 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 44 و مجمع البيان ج 8 ص 164 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 195 و دفع شبهة التشبيه ص 60 و 255 و مجمع الزوائد ج 9 ص 24 و فتح الباري ج 7 ص 317 و ج 2 ص 348 و المعجم الكبير ج 24 ص 45 و كنز العمال ج 13 ص 704 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 411.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و البحار ج 22 ص 177 و راجع ص 179 و تذكرة الفقهاء (ط قديمة) ج 2 ص 580 و مسالك الأفهام ج 7 ص 26 و 27 و المغني ج 8 ص 105 و جواهر الكلام ج 29 ص 47 و المجموع ج 16 ص 392 و الشرح الكبير ج 8 ص 105 و نيل الأوطار ج 6 ص 321 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 450 و مسند أحمد ج 3 ص 172 و 227 و الفوائد المنتقاة ص 85 و إرواء الغليل ج 7 ص 3 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 192 و المعجم الكبير ج 24 ص 43 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 615 و السنن الكبرى ج 4 ص 149 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 92 و 180 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 427 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 56 و ج 11 ص 202 و البداية و النهاية لابن الأثير ج 5 ص 226 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 107 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 304 و مسند أبي الجعد ص 218 و عون المعبود ج 10 ص 149 و فتح الباري ج 9 ص 194 و صحيح مسلم ج 4 ص 149.
لكن نصا آخر يقول: قالت زينب: خطبني عدة من قريش، فبعثت أختي حمنة بنت جحش إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أستشيره، فأشار بزيد، فغضبت أختي، و قالت: أتزوج بنت عمتك مولاك؟ ! ثم أعلمتني، فغضبت أشد من غضبها، فنزلت الآية، فأرسلت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلت: زوجني ممن شئت، فزوجني بزيد (1).
و في نص آخر عن مذكور مولى زينب، قالت: خطبني عدة من أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، (أو من قريش) فأرسلت إليه أخي يشاوره في ذلك.
و في نص آخر: أرسلت أختي حمنة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها، و سنة نبيها؟ !
1) البحار ج 22 ص 177 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 161 و راجع: الدر المنثور ج 5 ص 203.
قالت: من؟
قال: زيد بن حارثة.
فغضبت حمنة غضبا شديدا و قالت: يا رسول اللّه، أتزوج ابنة عمتك مولاك؟ فأخبرتني، فقلت: أشد من قولها، و غضبت أشد من غضبها، فأنزل اللّه تعالى: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .
فأرسلت إليه: زوجني من شئت. فزوجني منه. فأخذته بلساني، فشكاني إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له: إذن طلقها. فطلقني فبت طلاقي، فلما انقضت عدتي، لم أشعر إلا و النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أنا مكشوفة الشعر، فقلت: هذا أمر من السماء، دخلت يا رسول اللّه بلا خطبة و لا شهادة؟ !
قال: اللّه المزوج، و جبريل الشاهد (1).
و قالوا: «لما تزوجها تكلم في ذلك اليهود و المنافقون، و قالوا: حرم نساء الولد، و قد تزوج امرأة ابنه، فأنزل اللّه عز و جل: فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا
1) الدر المنثور ج 5 ص 203 و المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 39 و 40 و البيهقي في سننه، و ابن عساكر، من طريق الكميت بن زيد الأسدي، قال: حدثني مذكور الخ. . و حلية الأولياء ج 2 ص 51 و 52 و مجمع الزوائد ج 9 ص 246 و 247 و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 230 و 231 و كنز العمال ج 12 ص 140 و سنن الدار قطني ج 3 ص 208 و السنن الكبرى ج 7 ص 137.
وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا. . إلى قوله: مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ. . الآية. . (1).
و بعد. . فقد كانت تلك طائفة من نصوص قصة زواج زينب، و قبل أن نشير إلى بقية الروايات التي ترتبط بهذا الموضوع لا بد لنا من تسجيل بعض الملاحظات حول بعض ما ورد فيها، و الإشارة إلى ما لا بد لنا من الإشارة إليه، و ذلك ضمن وقفات هي التالية:
قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن حمنة و أخاها، و كذلك زينب أبناء جحش قد غضبوا حين عرض عليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» تزويج زينب بزيد بن حارثة. . معتبرين أن ذلك يحط من شأنهم، من حيث إن لهم شرفا و نسبا لا يسمح بذلك.
هذا. . و قد يجد البعض فيما ينسب إلى زينب بنت جحش، من أنها
1) البحار ج 22 ص 172 و تفسير القاسمي ج 5 ص 518 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 174 و 175 و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 304 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و الدرجات الرفيعة ص 438 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 42 و أسد الغابة ج 5 ص 464 و تاريخ دمشق ج 19 ص 348 و المنتخب من المذيل ص 5 و زوجات النبي ص 66.
سمعت و هي تقول: «أنا سيدة أبناء عبد شمس» (1).
بل في بعض الروايات: أنها قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، عن زيد: «لا أرضاه، و أنا أيم قريش» (2). ما يدل: على أنها كانت ترى لنفسها مقاما لم يكن لها، و إنما ساقها إليه طموح غير متواز، و غير واقعي. .
و نقول:
أولا: إن هذا يعيد إلى ذاكرتنا ما يزعمونه: من أن خديجة «عليها السلام» كانت متزوجة قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» برجلين من أعراب بني تميم. و قد كانت «عليها السلام» أعظم قدرا و أشرف نسبا، و أجل موقعا من زينب بنت جحش، فكيف رضيت هذه المرأة الشريفة العاقلة التي كان كل أشراف، و أمراء قريش حريصا على الزواج منها (3)، كيف تركتهم جميعا، ثم اختارت أعرابيا من بني تميم، ليكون زوجا لها، و أبا لأولادها؟ !
مع أن زيد بن حارثة أشرف منزلا، و أعلى كعبا من ذينك الرجلين التميميين، المجهولين، المزعومين، اللذين لا يعرف عنهما الشيء الكثير، بل إن اسم أحدهما غير معروف و لم يستطع التاريخ أن يفصح عنه بصورة دقيقة (4).
هذا بالإضافة: إلى أن زيدا كان قد نال شرف الانتساب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالتبني، و الأهم من ذلك أنه ظفر بحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى دعي ب «زيد الحب» . و قد آخى النبي بينه و بين حمزة بن عبد المطلب، و إليه أوصى حمزة حين أراد القتال يوم أحد.
ألا يدل ذلك على: كذب ما زعموه من زواج خديجة برجلين من الأعراب ليس لهما اسم، و لا رسم، و هي تلك الدرة الفريدة الغالية في تاج قريش كلها؟ !
ثانيا: إن غضب أبناء جحش من موضوع زواج زينب من زيد قد ارتكز إلى عناوين لا أهمية و لا دور لها في حياة الناس.
و إنما أوجدتها و غذتها عنجهيات جاهلية فارغة، و خواء و تخيلات باطلة، و أفكار سقيمة و تحديدات خاطئة لمعنى القيمة الإنسانية.
و هي مفاهيم قد حاربها الإسلام في كل مجال ظهرت فيه، حتى في موضوع العلاقات الاجتماعية، و منها موضوع الزواج، الذي أراد لمفهوم الكفاءة فيه أن يختزن معنى إيمانيا يوحي بالمفهوم الصحيح لمعنى القيمة الإنسانية، الذي يفترض أن تحكم العلاقات الاجتماعية: نشوءا، و حيوية و ثباتا.
و من هنا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض المفهوم الجاهلي الذي فرض نفسه على قرار أبناء جحش، و أثار في داخلهم عاصفة من الغضب. و أفهمهم «صلى اللّه عليه و آله» : أن الإيمان و التقوى، و العلم، و العمل بكتاب اللّه، و بسنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو القيمة، و هو المعيار لقياس صلاح البشر، و تحديد مكانتهم. .
و أما الأنساب و الانتساب، فإنها تنتهي في أحيان كثيرة إلى إثارة كوامن العصبيات، التي يكون قوامها الاعتزاز بالعرق، و الارتباط بالآخرين من خلاله، و تحديد الأولويات و الامتيازات على أساسه.
رغم أن الإنسان لم يكن له أي دور في اختيار العرق و العشيرة، أو في اختيار اللون و الطول، و. . و. . أو في اختيار التخلص منه. .
بل هو أمر مفروض عليه، كما أنه ليس له أي تأثير يذكر في صياغة الشخصية الإنسانية، و اختيار ميزاتها، و بلورة خصائصها، و تحديد معالمها. .
و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد كسر عنفوان النزعات الطبقية، و أسقطها بصورة عملية، و بقرار إلهي صارم، فإن التفاضل إنما هو بالتقوى، فلا مجال للتفضيل بغير ذلك، فاعتبار من جرى عليه رق ثم تحرر لا يكافئ من لم يجر عليه رق حتى لو كان أفضل منه علما و زهدا، و تقوى، و استقامة، ما هو إلا تمييز طبقي مرفوض في منطق الإسلام و القرآن.
و قد ذكرت الروايات: أن قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . (1)قد نزلت ردا على رفض زينب الزواج من زيد، و فرضت عليها أن تتزوج به، فرضخت للأمر الإلهي بالرغم عنها.
و السؤال هو: لماذا حرمت زينب من حقها في أن تختار لنفسها، و كيف
1) الآية 36 من سورة الأحزاب.
نجيب على الأسئلة التي تثار حول صحة و سلامة أسلوب كهذا؟ .
و نجيب:
أولا: إن نزول آية: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً. . في زينب بنت جحش غير ثابت على نحو القطع.
فقد ورد: أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، التي كانت قد و هبت نفسها للنبي، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قد قبلت، و زوّجها زيد بن حارثة.
فسخطت هي، و أخوها، و قالا: إنما أردنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فزوجنا عبده! ! فنزلت الآية (1).
و روي أيضا: أنها نزلت في خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجلبيب امرأة من الأنصار، فأبت أمها، فنزلت الآية (2).
1) البحار ج 22 ص 177 عن ابن زيد، و أنوار التنزيل للبيضاوي ج 4 ص 163 و التبيان ج 8 ص 343 و تاريخ الخميس ج 1 ص 501 و الدر المنثور ج 5 ص 201 عن ابن أبي حاتم، و تفسير الماوردي ج 4 ص 404 و 405 و لباب النقول ص 159 و فتح القدير ج 4 ص 283 و تاريخ المدينة ج 2 ص 493 و مجمع البيان ج 8 ص 161 و جامع البيان ج 22 ص 10 و تفسير الجلالين ص 641 و البحر المحيط ج 7 ص 233 و تفسير القاسمي ج 5 ص 513 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 470 و 497.
2) راجع تفصيل هذه القصة في: مسند أحمد (طبعة الحلبي) ج 3 ص 136 و تفسير القاسمي ج 5 ص 513 و 514 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 256 و الإصابة ج 1 ص 242 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 470 و 471.
و لعل السبب في التشدد في هذا الأمر، هو: أنها إذا كانت قد و هبت نفسها له «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن مقتضى الهبة هو: أن يتصرف الموهوب له بالهبة كيف يشاء، فلا معنى لغضبها من أمر هي أوجدت له المبرر، و هيأت له صفة المشروعية! و هل كانت تمزح حين أقدمت على هبة نفسها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
على أن من يقدم على أمر، فإن عليه أن يتحمل تبعاته، حتى لو كان جاهلا بها، فإن من يشرب السم، لا بد أن يموت حتى لو كان جاهلا بكونه سما. . كما أن من يفطر عامدا عالما بالحرمة في شهر رمضان، فإن عليه الكفارة حتى لو لم يعلم مقدارها.
و أما ما اعتذرت به تلك المرأة من أنها أرادت نفس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو غير مقبول منها، لأن الواهب لا يحدد للموهوب كيفيات تصرفه بما ملّكه إياه.
ثانيا: إنه حتى لو كانت الآية قد نزلت في زينب بنت جحش، فإن ذلك لا ينافي العدل، و لا يخرج زينب عن دائرة الاختيار إلى الإلجاء و الاضطرار، فإن ما فعله الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ما زاد على أن خطب زينب لزيد، و قد أخبرها «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قد رضيه لها.
و قد صرحت بعض النصوص: أنها كانت هي التي طلبت من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يختار لها من شاء، و أنها قالت: زوجني من شئت، فأشار بزيد.
فكيف يصح منها هذا التفويض لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو التوكيل، ثم ترفض ما صنعه ذلك المفوّض و الوكيل؟ !
حتى لقد صرحت في بعض النصوص: بأنها لا ترضى من رضيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها.
يضاف إلى ذلك: أن هناك صراحة ظاهرة و متضافرة في الروايات الكثيرة بأن سبب رفضها لزيد هو تكبرها عليه، و اعتدادها بنفسها، و بشرف نسبها.
كما أن بعض الروايات قد ذكرت: أنها رفضته رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بين لها فيه خصوصية رائعة يرغب المؤمنون الصالحون في مثلها، و ذلك حين قال: أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، و سنة نبيها؟ !
فكل ذلك يشير: إلى أن من يكون على هذه الحال، و يبلغ به الأمر إلى حد أنه يسخط و يغضب من أمر رضيه له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإنه يستحق التأديب، و يحتاج إلى تربية، ليستفيد الآخرون درس الطاعة و الانقياد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فأنزل اللّه على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» : أن هذه المرأة قد أصبحت محكومة بحكم يتناسب مع حالها، و يلائم تصرفاتها، و هو وجوب القبول بالزواج ممن رضيه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليس لها أن تسخط شيئا رضيه اللّه و رسوله.
و هذا الحكم الإلزامي لا يخرجها عن صفة الاختيار-كما أن إيجاب الصلاة على المكلف لا يوجب ذلك-بل هي قادرة أيضا على الطاعة و على العصيان، و لأجل ذلك قال تعالى مباشرة: . . وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ
ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً (1).
كما أن هذا البيان يوضح: أن تزويج زينب من السماء ليس لأجل فضل استحقته، بل هو بمعنى: أن هذا الأمر قد قضاه اللّه، و ألزمها به، و فرضه عليها لأجل تكبرها و لغير ذلك و سيكون من فوائده إبطال أمر التبني، فإذا خالفته فإنها تكون عاصية، و تكون قد عرّضت نفسها للضلال، و من ثم للوبال. كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه.
فاتضح: أن الصحيح هو كون هذه الآية مرتبطة بالآيات التي سبقتها، لتفيد: أن التشريعات المشار إليها، لا يراد بها الإضرار بأحد من الناس، بل هي لمصلحة الجميع، فلا بد من إطاعتها. . كما أنه إذا أمر اللّه و رسوله بأمر تدبيري فلا بد من إطاعته، و ليس لأحد أن يعترض بشيء.
و لا يفوتنا هنا الإشارة إلى: الأهمية التي يوليها الإسلام للمعرفة بكتاب اللّه، و بسنة النبي. . حيث أطلق «صلى اللّه عليه و آله» كلمته التي دلت على:
1-ضرورة السعي من المرأة و الرجل على حد سواء إلى تعلم الكتاب و السنة.
2-أرجحية من يعلم كتاب اللّه و سنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» على غيره، فيما لو دار الأمر بينهما، حتى لو كان ذلك الغير ذا نسب شريف، و مقام منيف.
1) الآية 36 من سورة الأحزاب.
3-إن العلم الشريف هو ذلك الذي يعرّف الإنسان بشرائع اللّه و أحكامه، و بكل المعاني التي يريد اللّه للبشر أن يطلعوا عليها، أما سائر العلوم مثل علم الفلك و الحساب و الفيزياء مثلا، فليست في مستوى علم الدين و الشريعة، و نحو ذلك مما تكفل ببيانه كتاب اللّه، و سنة نبيه «صلى اللّه عليه و آله» .
و عن مراجعة زيد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في طلاق زينب، مع أنه قد كان بإمكانه أن يبادر إلى طلاقها، من دون مراجعة.
نقول:
لعله قد جاء على سبيل التأدب مع الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . فإن زيدا يدرك أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» فضلا عن كونه قد تبناه، فإنه كان له بمثابة الوالد الرحيم، و هو الصادق الأمين، و الحريص على دلالته على الخير و الرشاد، و هدايته إلى الحق و السداد.
و هو بالإضافة إلى ذلك نبيّه الذي تجب طاعته عليه، و سيّده الذي غمره بإحسانه إليه، و هو الناصح الشفيق، و المعالج الرفيق، و الحبيب الصديق، و الهادي إلى سواء الطريق.
بالإضافة: إلى أنه هو «صلى اللّه عليه و آله» الذي خطبها له، و زوّجه إياها، و هو الحاكم و القاضي، الذي لا بد أن يستمع لشكواه و شكواها، كما أنه المرجع لها ليمنع عنها أذاه، و المؤمل له ليدفع عنه أذاها.
و من حديث افتخار زينب على نساء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، بأنهن زوجهن آباؤهن، أما هي فزوجها اللّه سبحانه، نقول: إنه موضع شك كبير، إذ قد ذكرت الروايات: أن أخاها أبا أحمد بن جحش هو الذي زوجها (1).
و أما قوله تعالى: زَوَّجْنٰاكَهٰا فيراد به الإذن بذلك و ليس التزويج الذي ينتزع منه معنى التكريم و الفضيلة لها.
و قد أمر الرسول «صلى اللّه عليه و آله» زيدا: بأن يمسك عليه زوجه، و لا يطلقها، و ليس في هذا الأمر إلزام و إيجاب، بل هو أمر رفق، و محبة، و رعاية. فلا تحرم مخالفته، إذا آثر زيد أن لا يعمل بالرفق و المحبة، حين يرى أن اللجوء للعمل بالرخصة أيسر عليه.
و لو كان الأمر بالإمساك إلزاميا، لكان يجب أن يعترض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على زيد حين يجري ذلك الطلاق. هذا إذا لم يكن الأولى الحكم ببطلان ذلك الطلاق من الأساس.
زعم بعضهم: أن زيدا، كان يدعى زيد بن محمد، فخفف ذلك عنها إلى حد كبير، إذ قالت: و من أعز من زيد بن محمد، و لهذا استمرت العشرة بينهما في بداية الأمر، حتى أبطل اللّه التبني، فصار يقال لزيد: زيد بن
1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 254.
حارثة، بدلا من زيد بن محمد، و من هنا نشأت بينهما جذور الخلاف، و أخذت تترفع على زيد. و قد فطن زيد لهذا الأمر بلباقة، و لم تكن نفسه الكريمة هينة عليه، فحاول التخلص منها، و عدم إزعاجها الخ. .
و نقول:
إن زواج زينب بزيد قد كان بعد نزول سورة الأحزاب التي تضمنت إلغاء التبني، و قد مكثت زينب عند زيد حوالي سنة، ثم طلقها فتزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في السنة السادسة.
و المراجع لروايات زواج زينب بزيد يلاحظ: أن فيها الكثير من التناقض، و يستطيع القارئ الكريم أن يتلمس هذا الأمر من خلال المراجعة للروايات، و المقارنة بينها.
و كمثال على ذلك نذكر:
أنها تارة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل عليا ليخطبها لزيد.
و أخرى تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب بنفسه و خطبها له (1).
و ثالثة، تقول: إنها هي التي أرسلت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و رابعة: . . الخ. .
كما أن بعضها يقول: إن آية: إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً. قد نزلت في زينب و زيد.
1) راجع على سبيل المثال: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 470.
و أخرى تقول: نزلت في جلبيب و امرأة أنصارية.
و ثالثة تقول: إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة.
و على هذه فقس ما سواها.
و أما قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزيد «رحمه اللّه» : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فلا يدل على أن طلاق زينب قد أصبح حراما على زيد.
كما لا يدل قوله: وَ اِتَّقِ اَللّٰهَ على: أن زيدا يظلم زوجته، و يعاملها بالسوء، و لا يتقي اللّه فيها.
بل المقصود هو: الدعوة إلى معاودة التجربة الإصلاحية معها، مع التزام جانب الدقة في معاملتها، فلا يكون تصرفه إنفعاليا، بحيث يكون فيه شيء من التفريط و العجلة، فتتعرض هي للمضايقة، أو يلحق بها اللوم، على أمر كان يمكن التغاضي عنه، أو التسامح فيه.
بل لا بد من رصد الموضوع، على أساس تطبيق كل مفردة من مفرداته على أحكام الشرع الحنيف، فلعل ما يعانيه منها لا يبلغ حد الإضرار بحقوقه الشرعية، أو لا يصل إلى حد أن تكون عاصية للّه فيه، و إن كان يسبب لزيد بعض الضيق أو الحرج في حياته العملية. .
فكأن اللّه تعالى يقول لزيد: إنه إذا أراد أن يعاملها على أساس الحسابات الدقيقة، و الأخذ بمر الحق و من دون أي إغماض أو تسامح، أو رفق، أو تفضل، فإن عليه أن ينتظر من اللّه تعالى مثل ذلك. أما إذا اتقى اللّه، و عاملها بالرحمة، و بالرفق و الإغماض، فإنه سوف يلقى نفس المعاملة عند
اللّه سبحانه أيضا.
و لا بد للرسول «صلى اللّه عليه و آله» من أن يتصرف مع زيد على هذا النحو، رغم أنه يعلم أن الأمر سينتهي إلى الطلاق بينهما، و يعلم بأنها ستكون بعد ذلك من زوجاته. لأن عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يتعامل مع الأمور لا بعلم النبوة، و إنما وفق ما قرره الشرع الشريف، و حسبما تفرضه طبيعة ظواهرها، التي لها أحكامها و سننها التي تجب مراعاتها.
و قد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر زيدا بأن يكون هو الذي يخطب له زينب. . فيطيع زيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخطبها له. .
و المثير للانتباه هنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوسط نفس الرجل الذي كان إلى وقت قريب زوجا لنفس هذه المرأة. و هذا أمر غير مألوف، بل هو غير مستساغ عند الناس عادة، لأنهم إنما يتعاملون بمنطق الشهوات، و نظرات الريب، التي تختزن معان كدرة، و ذات روائح كريهة، و موبوءة، فإن الذي كان زوجا لامرأة مّا يحمّل نظرته إلى المرأة التي طلقها من الخيالات و التصورات للحالات التي كانت فيها معه. . ما يكبت عنفوانها، و يؤذي به كبرياءها، و يجرح به روحها و مشاعرها. .
كما أن الذي يريد أن يكون الزوج الجديد لهذه المرأة لن يكون مرتاحا حينما تقتحم مخيلته صور عن زوجة كانت في عصمة رجل آخر، بل لا بد أن تؤذي تلك الصور روحه، و ترهق مشاعره، مهما حاول التخلص منها،
و إبعادها عنه، و الابتعاد عنها. .
و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في روحه الصافية، و الفانية في اللّه تعالى. و التي لا ترى إلا الحق و الخير، و لا تتأثر بأي من الأجواء التي تثيرها الغرائز و الأهواء، و الإثارات المجانبة لرضا اللّه تعالى.
نعم، إن هذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم النموذج الأكمل و الأمثل للإنسان الإلهي، الذي يريد أن يعلم الناس الحق، و أن يسهّل عليهم الخضوع له، و الانصهار به و فيه. . فيرسل زيدا، بالذات ليخطب له زينب بنت جحش، في إشارة واضحة منه «صلى اللّه عليه و آله» إلى معرفته بطهر ضمير زيد، و سمو نفسه، و بصفاء إيمانه، و خلوص نيته.
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لم يتضايق من حضور زيد الدائم عنده، و من قربه منه، بل بقي القريب و الحبيب، الذي يشتاق إليه، و يزداد تعلقه به، و حدبه عليه. و قد كان و لا يزال الأثير عنده، و المكين لديه.
و تقول الروايات: إنه حين جاء زيد ليخطب زينب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهر: أنه ذلك الرجل التقي الغضيض البصر، العفيف الضمير، الصافي الإيمان، الذي يرسله الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لخطبة امرأة كانت زوجة له، فلا يمد عينيه إليها، ليتبصر حالها بعد أن تركها، بل يوليها ظهره، و لا يستهين، و لا يستخف بها، بل تعظم في نفسه.
و لكن المفاجأة الكبرى، التي تحمل معها أعظم الخزي، و أبشع صور الإسفاف البشري، أن يجترئ صنّاع الأساطير على اختلاق روايات أخرى.
تصور أعظم نبي، و أكرم مخلوق، و أفضل موجود في هذا العالم، و هو خاتم الأنبياء «صلى اللّه عليه و آله» و عين اللّه، و خيرة اللّه و صفوته، -تصوّره-يمد عينيه إلى الأجنبيات، ليخون نفس ذلك الرجل العفيف في نفس هذه المرأة التي كانت في عصمته، فينظر إليها بعين الريب، و يقع في حبالة حبها، بل هو يقتحم عليها إلى داخل دارها فيراها و هي تغتسل. . إلى غير ذلك من تفاصيل حملت قذارات أنفس صانعيها، الذين ضمّنوها كل ما قدروا عليه من ترّهات و أباطيل، و أعظم الإساءات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
بل إنهم ليذكرون: أن هذا النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، -و هو أغير الناس-يرضى بأن تبقى زوجته في ليلة عرسها جالسة و حدها بين الرجال، و يخرج هو ليطوف على حجر نسائه. . فضلا عن رواياتهم حول إصرار عمر بن الخطاب عليه بأن يحجب نساءه، فلا يستجيب له.
و قد جاء التعبير القرآني لينسب التزويج بزينب إلى مقام العزة الإلهية، حيث قال تعالى: . . فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا. . .
ثم جاءت الروايات لتتحدث عن افتخار زينب على سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» بأن اللّه قد زوجها من السماء، دونهن. .
غير أننا نقول:
أولا: إن هذا التزويج الإلهي لم يأت إجلالا لزينب، و تقديرا لها على أمر اختارته، و طاعة قدمتها، أو ميزة تفردت بها، ترتبط بإيمانها، أو بأخلاقها، أو عمل قدمته كان فيه رضا اللّه تعالى.
و ذلك، لأن الآية قد صرحت: بأن سبب هذا التزويج هو: . . لِكَيْ لاٰ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ إِذٰا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً. . .
ثم أكد هذا المعنى بقوله: مٰا كٰانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اَللّٰهُ لَهُ سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ. . .
فإذا كان هذا هو السبب، فلا مجال لاستفادة التكريم من تزويج كهذا، و لا سيما إذا كان اقتلاع هذا المفهوم الجاهلي يحتاج إلى ممارسة عملية، و إلى تدخل إلهي مباشر.
ثانيا: إن زينب، و إن كانت قد حاولت أن تدّعي لنفسها هذه الفضيلة، و ساعدتها على ذلك صاحبتها عائشة، إلا أنها كانت محاولة فاشلة؛ إذ ليس في الآية ما يدل على أن اللّه تعالى هو الذي تولى إجراء العقد له «صلى اللّه عليه و آله» عليها فعلا، بل الآية تقول: إننا هيأنا لك أسباب الزواج منها من حيث إننا أصدرنا الإذن، و الأمر لك بذلك.
فإذا كان ثمة عقد في السماء، فهو يحتاج إلى نص آخر لإثباته. و ليس في البين سوى الرواية التي ذكرت: أن الإمام الرضا «عليه السلام» قد قال لعلي بن الجهم في مجلس المأمون، بعد أن ألزم أصحاب المقالات الحجة: «إن اللّه عز و جل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم، و زينب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: . . فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا. . الآية. و فاطمة من علي» (1).
1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 172 و الأمالي للصدوق (ط سنة 1410) ص 84 و البحار ج 11 ص 74 و ج 22 ص 218 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 319 و نور الثقلين ج 4 ص 281 و قصص الأنبياء للجزائري ص 15 و التفسير الأصفى ج 2 ص 995 و مجمع البحرين للطريحي ج 3 ص 197 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 95 و حياة الإمام الرضا «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 155 و الصافي ج 4 ص 192.
و لكنها رواية: لا تثبت من ناحية السند.
بل لو صح الاستناد إليها في تحديد أن المراد من قوله تعالى: زَوَّجْنٰاكَهٰا هو التزويج من قبله، فهي لا تدل على أنه لأجل التكريم؛ لأن الآية حين حددت سبب هذا التزويج، و أنه هو القضاء على المفهوم الجاهلي البغيض، و ليس هناك أي داع آخر.
و من جهة أخرى، فإن هذه الرواية: صريحة بتكذيب ما يدّعونه من أن اللّه قد زوج حفصة ممن هو خير من عثمان، و أعني به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و زوج عثمان من هي خير من حفصة، و هي بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
ثالثا: إنه إذا كان اللّه تعالى قد تولى تزويج زينب، ثم جاء «صلى اللّه عليه و آله» و دخل عليها من غير إذن، فما معنى إرسال النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» زيدا ليخطب له زينب؟ !
ملاحظة: و اللافت هنا: أن خديجة بنت خويلد التي هي من النساء الأربع اللواتي كملن من بين سائر نساء البشر، لم تنزل آية في تزويجها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و يلي خديجة في الفضل أم سلمة، ثم
1) كنز العمال ج 11 ص 589 و ج 13 ص 698 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 83 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 184.
ميمونة بنت الحارث الهلالية، و لم ينزل في تزويجهن برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» آية قرآنية كما كان الحال بالنسبة لزينب. . فلو كان في هذا التزويج تكريم، فقد كان هؤلاء النسوة الكريمات أولى به من زينب فليلا حظ ذلك.
إن عائشة تعترف: بأنها لما علمت بموضوع زينب بنت جحش أخذها ما قرب و ما بعد، لما يبلغها من جمالها، و أزعجها ما توقعته من افتخارها عليها بتزويج اللّه لها من السماء.
و من جهة أخرى: فإن عمر بن الخطاب قد صرح بامتياز زينب على حفصة و غيرها في خصوصية الجمال، فقال لا بنته حفصة: «ليس لك حظوة عائشة، و لا حسن زينب» (1).
و نقول:
إن الملاحظ هو: أن عائشة لا تهتم بالنواحي الإنسانية و الإيمانية في نظرتها للأمور و في سياستها في بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل تهتم بما يبلغها من جمال ضرتها، و تهتم أيضا، بأن لضرتها ما تفتخر به عليها، من حيث نزول آية قرآنية تتحدث عن أمر زواج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بها.
مع أن هذه أمور دنيوية بحتة، و قد فرضتها الظروف على زينب، و لم يكن لزينب أي اختيار أو قرار فيها. و لكن أم سلمة كان كل همها هو أن
1) الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 8 ص 137 و 138 عن فتح الباري ج 9 ص 231- 233.
تكون في موقع رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلبت من الرسول أن يدعو اللّه ليذهب عنها الغيرة، لكي لا يصدر منها أي شيء، يزعج أو يسيء إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
كما أن خديجة هي التي تندفع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تعمل على الاقتران به، من أجل مزاياه الإنسانية، و حبا بخصال الخير فيه.
و أما حديث عمر فإنه: و إن كان يتضمن اعترافا بحسن زينب، غير أننا نظن: أنه قد جاء لتأييد موقف عائشة، بادّعاء الحظوة لها عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بهدف إعطائها المزيد من النفوذ، و الهيمنة على قلوب الناس، خصوصا و أنها تمثل حاجة ملحة للحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لتأييد مشاريعهم، و تقوية شوكتهم.
و قد كانت عائشة شخصية جريئة، حتى إنها لتقود الجيوش لحرب أقدس رجل بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لها قدراتها على إنجاز هذا المهم لهم، و التي سيكون لها نصيب منه معهم. .
قال الحلبي الشافعي: «ذكر مقاتل (رض) : أن زيد بن حارثة (رض) لما أراد أن يتزوج زينب جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: يا رسول اللّه اخطب عليّ.
قال له: من؟
قال: زينب بنت جحش.
قال: لا أراها تفعل. إنها أكرم من ذلك نفسا.
فقال: يا رسول اللّه، إذا كلمتها أنت، و قلت: زيد أكرم الناس عليّ، فعلت.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنها امرأة لسناء.
فذهب زيد رضي اللّه تعالى عنه إلى علي كرم اللّه وجهه، فحمله على أن يكلم له النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فانطلق معه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فكلمه، فقال: إني فاعل ذلك، و مرسلك يا علي إلى أهلها فتكلمهم، ففعل. ثم عاد أمره بكراهتها، و كراهة أخيها ذلك.
فأرسل إليهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: قد رضيته لكم، و أقضي أن تنكحوه. فأنكحوه، و ساق لهم عشرة دنانير الخ. .» (1).
و نقول:
أولا: إننا نرتاب في بعض فقرات هذه الرواية، و نعتقد: أنها لا تصدر عن رسول اللّه، مثل قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لا أراها تفعل، إنها أكرم من ذلك نفسا» فإن المعيار الذي جاء به القرآن، و قرره الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و ألزم غيره، و التزم به هو: قوله تعالى: . . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ. . .
و الرسول «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يقول: «إذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه، و إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 320.
كبير» (1).
و قرر: أن معيار الكفاءة في النكاح هو الإسلام و الإيمان.
ثانيا: إن هذا يعارض ما رووه، من أنها أرسلت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» تستشيره في أمر زواجها. بعد أن خطبها عدة أشخاص من صحابته «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، و سنة نبيها؟ ! (2).
ثالثا: إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يريد لها أن تتزوج بمن تختاره، و يعلم أنها لا تختار زيدا، و كان ذلك هو سبب امتناعه عن طلبها لزيد، فلماذا أقدم على إرسال علي «عليه السلام» إليها، ليطلبها لزيد بالذات؟ ! فإنه لم يتغير شيء من ذلك قبل توسط علي «عليه السلام» و بعده.
و إن كان يريد فرض الزواج عليها بزيد، فلماذا أرجعه خائبا في المرة الأولى، ثم استجاب له بعد توسط علي «عليه السلام» له عنده «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
1) الدر المنثور ج 1 ص 257 و الثقات ج 5 ص 499 و تهذيب الكمال ج 9 ص 355 و كنز العمال ج 16 ص 318 و إعانة الطالبين ج 3 ص 308 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 47 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 487 و ج 3 ص 413 و إيضاح الفوائد ج 3 ص 23 و المعجم الأوسط ج 1 ص 142 و غوالي اللآلي ج 3 ص 340 و نيل الأوطار ج 6 ص 361 و المجموع ج 16 ص 183-188.
2) مجمع الزوائد ج 9 ص 246 و المعجم الكبير ج 24 ص 39 و سنن الدار قطني ج 3 ص 208 و الدر المنثور ج 5 ص 208 و تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 231.
و أخيرا نقول:
قد يقال: إننا لم نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أكره أحدا على الزواج من أي كان، فلماذا أكرهها هي على ذلك بإصدار حكم قضائي عليها، دون كل من عداها من أقاربه، أو من غيرهن؟ !
و يجاب: بأن من الممكن أن يفعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، من خلال كونه «صلى اللّه عليه و آله» أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و قد اقتضت مصلحة التشريع إعمال هذه الولاية في خصوص هذا المورد.
قال بعضهم: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصدق زينب حين تزوجها، أربع مائة درهم (1).
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ساق لها عشرة دنانير، و ستين درهما، و خمارا، و درعا، و إزارا، و ملحفة، و خمسين مدا من طعام، و ثلاثين صاعا من تمر (2).
فلعله لا تنافي بين هذا و ذاك، إذ لعل قيمة المجموع تصل إلى أربع مائة درهم، و بذلك أيضا ترتفع المنافاة بينه و بين ما عن ابن إسحاق، من أن
صداق أكثر أزواجه أربعمائة درهم (1).
و لكن قد روي عن عائشة: أن صداق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأزواجه كان: اثنتي عشرة أوقية و نشا (أي و نصفا) ، فذلك خمس مائة درهم (2).
و هذا لا ينسجم مع ما تقدم عن ابن إسحاق، و ما ذكر عن صداق زينب! !
ثم إنه كيف يصح قول عائشة هذا أو غيره، و نحن نرى: أنهم يدّعون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أصدق أم سلمة فراشا حشوه ليف، و قدحا (3).
و أصدق «صلى اللّه عليه و آله» أم حبيبة شيئا (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 146.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 48 و ج 11 ص 146 عن مسلم، و مستطرفات السرائر ص 563 و الكافي ج 5 ص 375 و 376 و وسائل الشيعة (الإسلامية) ج 15 ص 5 و 6 و 7 و 8 و 32 و البحار ج 20 ص 12 و ج 22 ص 205 و ج 97 ص 350 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 453. و راجع: مسند أحمد ج 6 ص 94 و صحيح مسلم ج 4 ص 144 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 607 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 215 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 177 و كشف الخفاء ج 1 ص 388 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 506 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 161 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 206 و البداية و النهاية ج 4 ص 164 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 1 ص 334 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 273.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 146 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1059.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 146.
و عند البلاذري: أصدقها النجاشي أربع مائة دينار (1). أو ما يعادلها و هو أربعة آلاف درهم (2).
و أصدق ميمونة (أو أصدقها النجاشي عنه) أربع مائة دينار (3)، و قيل: مائتا دينار، أو أربعة آلاف درهم (4).
بل إن صداق زينب بنت جحش بالذات موضع خلاف أيضا. فقد قال الماوردي: «قال الضحاك: فتزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يومئذ في عسرة، فأصدقها قربة، و عباءة، و رحى اليد، و وسادة حشوها ليف (5).
و هذا كله يعطينا: أن تعميمات عائشة. و كذلك تعميمات ابن إسحاق لا تصح، و لا مجال للاعتماد عليها.
و قد زعموا: أن زينب مكثت عند زيد ما شاء اللّه، ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أتى ذات يوم بيت زيد، يطلبه، فلم يجده، و أبصر زينب قائمة في درع و خمار، و كانت بيضاء جميلة، ذات خلق، من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه، فأعجبه حسنها. (و في نص آخر: فهويها) فقال: سبحان اللّه مقلب القلوب، و انصرف.
و سمعت زينب التسبيحة، فلما جاء زيد ذكرتها له، ففطن، فألقي في نفسه كراهيتها، و الرغبة عنها في الوقت. (أو في وقت رآها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي الخ. . (1).
و في نص آخر: فمكثت عنده ما شاء اللّه، ثم رآها النبي «صلى اللّه عليه
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 501 و راجع: الدر المنثور ج 5 ص 203 عن عبد بن حميد، و ابن المنذر، عن عكرمة. و راجع: تفسير الماوردي ج 4 ص 405 و أنوار التنزيل ج 4 ص 163 و غرائب القرآن (بهامش جامع البيان) ج 22 ص 12 و 13 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 190 و جامع البيان ج 22 ص 18 و تاريخ الأمم و الملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 232 و زاد المسير ج 6 ص 201.
و آله» يوما متزينة فأعجبته، و رغب في نكاحها لو طلقها زيد، فأوقع اللّه كراهيتها في قلب زيد (1).
و عن نوح بن أبي مريم، عن زينب: لما وقعت في قلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستطعني زيد، و ما امتنعت منه غير ما يمنعه اللّه مني، فلا يقدر عليّ (2).
و في بعض الروايات: «أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها» (3).
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» استأذن، فأذنت له و لا خمار عليها، فألقت كم درعها على رأسها (4).
و في نص آخر أيضا: «أبطأ عنه يوما، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر لها، فدفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الباب، فنظر إليها، و كانت جميلة حسنة، فقال: سبحان خالق النور، و تبارك اللّه أحسن الخالقين. ثم رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى منزله، و وقعت زينب في قلبه وقوعا عجيبا.
و جاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) حدائق الأنوار ج 2 ص 600 و 603 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 434 و بهجة المحافل ج 1 ص 290 و ليس فيها كلمة «متزينة» . و كذا في جامع البيان للطبري ج 22 ص 10.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 501 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189 و 195 و البحر المحيط ج 7 ص 235.
3) الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189 و البحر المحيط ج 7 ص 235.
4) مجمع الزوائد ج 9 ص 247 و المعجم الكبير ج 24 ص 44 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 428.
و آله» ، فقال لها زيد: هل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلعلّك وقعت في قلبه؟ !
فقالت: أخشى أن تطلقني، و لا يتزوجني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فجاء زيد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: بأبي أنت و أمي، أخبرتني زينب بكذا و كذا، فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها؟ !
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا، اذهب و اتق اللّه، و أمسك عليك زوجك. .» .
إلى أن قال في تفسير قوله تعالى: لاٰ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ. . ، أي: «لا يحل لك امرأة رجل أن تتعرض لها حتى يطلقها، و تتزوجها أنت، فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا» (1).
و في نص آخر: «ثم وقع بصره عليها بعد حين، فوقع في نفسه حبها، و في نفس زيد كراهتها» (2).
بل روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين جاء إلى منزل زيد رأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان اللّه الذي خلقك.
ثم ذكرت الرواية: أن المقصود هو تنزيه اللّه عن أن تكون الملائكة بنات
له، فراجع (1).
و رووا أيضا: أن زيدا تشاجر معها في شيء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنظر إليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأعجبته.
فقال: يا رسول اللّه تأذن لي في طلاقها فإن فيها كبرا، و إنها لتؤذيني بلسانها.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اتق اللّه، و أمسك عليك زوجك، و أحسن إليها. ثم إن زيدا طلقها، و انقضت عدتها، فأنزل اللّه نكاحها على رسول اللّه الخ. . (2).
و قيل: «لما جاء زيد مخاصما زوجته فرآها النبي، استحسنها، و تمنى أن يفارقها زيد حتى يتزوجها، فكتم» (3).
و في نص آخر: «لما تزوج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش، و كان يحبها، فأولم الخ. .» (4).
1) البحار ج 22 ص 217 و الإحتجاج ج 2 ص 223 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 181 و البرهان (تفسير) ج 3 ص 326 و نور الثقلين ج 4 ص 281 و 282 و كنز الدقائق ج 10 ص 394 و 395 و تفسير الصافي ج 4 ص 192 و قصص الأنبياء للجزائري ص 22.
2) البحار ج 22 ص 218 عن تفسير القمي ج 2 ص 194 و نور الثقلين ج 4 ص 280 و كنز الدقائق ج 10 ص 391 و 392 و تفسير الصافي ج 4 ص 191.
3) التبيان ج 8 ص 344 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 162 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189 و فتح القدير ج 4 ص 189 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 439.
4) البحار ج 22 ص 219 عن تفسير القمي ج 2 ص 195 و تفسير الصافي ج 4 ص 199 و نور الثقلين ج 4 ص 297.
و في نص آخر يقول: «إنه «صلى اللّه عليه و آله» جاء لبيت زيد بن حارثة، فلم يجده، فقامت إليه زوجته زينب بنت جحش فضلا بسبب العجلة، و طلبت إليه أن يدخل، فأبى، «فأعجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فولى، و هو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه، إلا ربما أعلن: سبحان اللّه العظيم، سبحان مصرف القلوب» .
فجاء زيد رضي اللّه عنه إلى منزله، فأخبرته امرأته: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أتى منزله، فقال زيد رضي اللّه عنه: ألا قلت له أن يدخل؟ !
قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى.
قال: فسمعت شيئا؟
قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام، لا أفهمه، و سمعته يقول: سبحان اللّه، سبحان مصرف القلوب.
فجاء زيد رضي اللّه عنه، حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يا رسول اللّه، بلغني أنك جئت منزلي، فهلا دخلت يا رسول اللّه! لعل زينب أعجبتك، فأفارقها؟ !
فيقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم فيأتى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيخبره، فيقول: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
ففارقها زيد، و اعتزلها، و انقضت عدتها، فبينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس يتحدث مع عائشة رضي اللّه عنها، إذ أخذته غشية، فسري عنه و هو يبتسم، و يقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها: أن اللّه زوجنيها من السماء؟ !
و تلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ القصة. .
قالت عائشة: فأخذني ما قرب و ما بعد لما يبلغني من جمالها. و أخرى هي أعظم الأمور و أشرفها زوجها اللّه من السماء، و قلت: هي تفخر علينا بهذا» (1).
عن عائشة قالت: «لو كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ. . (2).
1) الدر المنثور ج 5 ص 201 و 202 عن ابن سعد، و الحاكم، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 231 و 232 و المنتظم ج 3 ص 225 و 226 و راجع: مستدرك الحاكم ج 4 ص 23 و ليس فيه أنه رآها فأعجبته، و تلخيصه للذهبي ج 4 ص 24 و المنتخب من ذيل المذيل ص 99 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 102.
2) الدر المنثور ج 5 ص 202 عن سعيد بن منصور، و الترمذي، و صححه، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 188 و 189 و تفسير القاسمي ج 5 ص 520 و 521 و الجامع الصحيح للترمذي مطبوع مع تحفة الأحوذي ج 9 ص 52 و 51 و 50 و البحار ج 16 ص 394 و روح البيان ج 7 ص 180 و جامع البيان ج 22 ص 11 و بهامشه غرائب القرآن ج 22 ص 13 و التبيان ج 8 ص 344 و أسد الغابة ج 2 ص 226 و المعجم الكبير ج 4 ص 41 و عصمة الأنبياء للرازي ص 99 و مجمع الزوائد ج 7 ص 91 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 80 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 224 و ج 2 ص 211 و 212 و زاد المسير ج 6 ص 202 و عن المصادر التالية: و ضعيف سنن الترمذي ص 404 و 405 و فتح الباري ج 8 ص 403 و ج 13 ص 347 و صحيح مسلم ج 1 ص 110.
و عن أنس: لو كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كاتما شيئا لكتم هذه الآية (1).
و نظير ذلك روي عن الحسن أيضا (2).
و روي نظير ذلك عن عمر بن الخطاب أيضا (3).
و في تفسير قوله تعالى: سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ. . يقولون: «يقول: كما هوي داود النبي «عليه السلام» المرأة التي نظر إليها، فهويها، فتزوجها، فكذلك قضى اللّه لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فتزوج زينب الخ. .» (4).
و قال ابن قيم الجوزية، معقبا على قضية زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد رؤيته لها: «و هذا داود نبي «عليه السلام» كان تحته تسع
1) الدر المنثور ج 5 ص 201 و البداية و النهاية ج 4 ص 146 و السنن الكبرى ج 7 ص 57 عن أحمد، و عبد بن حميد، و الترمذي، و البخاري، و ابن المنذر، و الحاكم، و ابن مردويه، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 279 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 201 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 465 و فتح القدير ج 4 ص 286 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 42 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 402 و 403 و ج 3 ص 347.
2) الدر المنثور ج 5 ص 203 عن عبد الرزاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الطبراني و راجع: تفسير الماوردي ج 4 ص 406 و جامع البيان ج 22 ص 10 و 18 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189 و المعجم الكبير ج 24 ص 42.
3) تفسير الماوردي ج 4 ص 406 و المعجم الكبير ج 24 ص 42.
4) الدر المنثور ج 5 ص 203 عن عبد الرزاق، و الطبراني، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم عن قتادة. و عن ابن المنذر، و الطبراني عن ابن جريج.
و تسعون امرأة، ثم أحب تلك المرأة و تزوجها، و أكمل بها الماءة» (1).
و عن ابن إسحاق، عن الشعبي: مرض زيد بن حارثة، فدخل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعوده، و زينب ابنة جحش امرأته جالسة عند رأس زيد، فقامت زينب لبعض شأنها، فنظر إليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم طأطأ رأسه، فقال: سبحان اللّه مقلب القلوب و الأبصار.
فقال زيد: أطلقها لك يا رسول اللّه؟ !
فقال: لا.
فأنزل اللّه عز و جل: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. . إلى قوله: . . وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ مَفْعُولاً (2).
و في نص آخر: أنه حين جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب زيدا كان على الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشف، و هي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما وقع ذلك كرّهت إلى الآخر، الخ. . (3).
و قد وصف ابن الديبع الشيباني هذا النوع من الروايات: بأنها ثابتة، و جعلها العلماء أصلا للحكم بثبوت بعض الخصائص له «صلى اللّه عليه
و آله» كما سيأتي (1).
و قد ذكروا: «أن البلخي جوّز أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» استحسنها، فتمنى أن يفارقها، فيتزوجها، و كتم ذلك» (2).
و على حد تعبير بعضهم: «و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو» (3).
بل لقد ألف بعضهم كتابا في العشق، و ذكر فيه عشق الأنبياء «عليهم السلام» ، و ذكر فيه هذه الواقعة (4)و قد استفاد خصوم الإسلام من هذه المرويات، و كذلك المستشرقون أيما استفادة، فراجع كلماتهم (5).
و نقول:
1) حدائق الأنوار ج 2 ص 604.
2) البحار ج 22 ص 178 و راجع: تفسير الماوردي ج 4 ص 406 و المعجم الكبير ج 24 ص 43 عن ابن جريج، و راجع: جامع البيان ج 22 ص 10 و مجمع البيان ج 8 ص 162 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189 و فتح القدير ج 4 ص 284.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 439 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 189.
4) زاد المعاد (مطبعة أنصار السنة المحمدية) ج 3 ص 317 و 318.
5) راجع على سبيل المثال: تراث الإسلام تأليف عدد من المستشرقين، بإشراف (سير توماس أرنولد) ص 364. و راجع: كتاب حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر ص 112 و محمد في المدينة ص 434 و 502 و حياة محمد تأليف أميل در منغم ص 299.
إنه يرد على الروايات المتقدمة العديد من الإشكالات التي تظهر زيفها.
و نحن نذكر هنا ما تيسر لنا من هذه الإشكالات، و نجيب عنها، و ذلك على النحو التالي:
لقد ذكرت تلك الروايات: أن الذي كان يخفيه النبي في نفسه. هو حب زينب، و إعجابه بها.
و على حد تعبير النيسابوري: «تعلق قلبه بها، أو مودة مفارقة زيد إياها، أو علمه بأن زيدا سيطلقها» (1).
و على حد تعبير الرواية المنسوبة إلى ابن عباس، في تفسير قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ. . قال: أي حب زينب، و هي في عصمة زيد (2).
و هذا الكلام لا يمكن أن يصح، فلاحظ ما يلي:
أولا: إن الإمام السجاد «عليه السلام» قد كذّب هذه الروايات، فعن علي بن زيد بن جدعان، قال: قال لي علي بن الحسين: ما يقول الحسن (أي البصري) في قوله: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ. . ؟ !
فقلت له. . (3).
فقال: لا، و لكن اللّه أعلم نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : أن زينب رضي
اللّه عنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها؛ فلما أتاه زيد يشكو إليه، قال: اتق اللّه، و أمسك عليك زوجك.
فقال: قد أخبرتك: أني مزوجكها، وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ. . .
و روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» هذا المعنى أيضا (1).
فقد دل هذا الحديث على أمرين:
1) راجع فيما روي عن الإمام السجاد و الإمام الرضا «عليهما السلام» : البحار ج 22 ص 178 و 218 و ج 11 ص 72-74 و 78-85 و تفسير القاسمي ج 5 ص 517 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 472 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 278 و مجمع البيان ج 8 ص 360 و تفسير الصافي ج 4 ص 191 و 192 و البرهان (تفسير) ج 3 ص 326 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 181 و نور الثقلين ج 4 ص 281 و 282 و 283 و غرائب القرآن للنيسابوري (بهامش جامع البيان) ج 22 ص 12. و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 289 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 290 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 440 و 441 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 410 و جامع البيان ج 22 ص 11 و البداية و النهاية ج 4 ص 45 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 190 و 191. و راجع أيضا: كنز الدقائق ج 10 ص 394 و 395 و 396 و حدائق الأنوار ص 306 و تفسير الماوردي ج 4 ص 406 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 466 و الدر المنثور ج 5 ص 203 عن الحكيم الترمذي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و البيهقي في الدلائل، و النهر الماد من البحر (مطبوع بهامش البحر المحيط) ج 7 ص 232 و البحر المحيط ج 7 ص 234.
أحدهما: أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» لزيد: أمسك عليك زوجك. لم يكن حين عرض عليه طلاق زينب ليتزوجها هو-إن كانت قد وقعت في نفسه-بل كان ذلك حين شكاها إليه. .
و الثاني: أن ما كان يخفيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نفسه لم يكن هو حب زينب و الإعجاب بها، بل هو ما أخبره اللّه تعالى به من أنها ستكون زوجة له في يوم ما.
و قد علق الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، على هذا الحديث بقوله: «فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم، جوهرا من الجواهر، و درا من الدرر» (1).
فإن قيل: كيف يأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» زيدا بإمساك زوجه، و هو يعلم أن الفراق لا بد منه؟ أليس هذا من التناقض؟ !
قيل: إن لهذا الأمر مصالحه و غاياته، و منها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد لزيد أن يكون في موقع الطاعة للّه، و أن لا يكون قاسيا عليها، و أن يعاملها بالرفق، حتى إذا فارقها بعد أن يكون قد استنفذ جميع ما في وسعه و طاقته لم يكن ثمة مجال لأن تراود نفسه و نفسها آية خواطر في هذا الاتجاه.
أو لأجل إقامة الحجة على زيد في شأنها، نظير أمر اللّه عباده بالإيمان، مع علمه بأن هذا أو ذاك سوف لا يطيع هذا الأمر.
1) الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 191 و عن فتح الباري ج 8 ص 523.
و قد اعترف بعض علماء السنة (1)بصحة هذا الذي ذكرناه، و نقلناه عن الإمام السجاد «صلوات اللّه و سلامه عليه» و اعتبره أسدّ الأقاويل، و أليقها بحال الأنبياء «عليهم السلام» ، و أكثرها مطابقة لظاهر التنزيل، لأن اللّه سبحانه قال: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ. . و لم يبد اللّه سبحانه و تعالى غير تزويجها منه.
و هذا نظير قوله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضٰاتَ أَزْوٰاجِكَ. . .
قال المجلسي: «إنه تعالى أعلم رسوله أنه يبدي ما أخفاه، و لم يظهر غير التزويج، فقال: زَوَّجْنٰاكَهٰا. فلو كان الذي أضمره محبتها، أو إرادة طلاقها (2)لأظهر اللّه تعالى ذلك، مع وعده بأن يبديه» (3).
و قال السيد المرتضى: «أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقها، لينتهي إلى أمر اللّه تعالى منها» (4).
1) بهجة المحافل ج 1 ص 290 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 190 و 191 و النهر الماد في البحر (مطبوع بهامش البحر المحيط) ج 7 ص 232 و البحر المحيط ج 7 ص 234 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 441 و 440 و عن فتح الباري ج 8 ص 403 و راجع: محاسن التأويل للقاسمي ج 13 ص 4864 و 4877 و تفسير الآلوسي ج 22 ص 1531.
2) أي أن النبي يريد لزيد أن يطلق زينب.
3) البحار ج 22 ص 178.
4) البحار ج 22 ص 187 و أشار في الهامش إلى تنزيه الأنبياء ص 111 و 112.
و ليس في الآيات أية إشارة إلى وجود هوى و محبة، أو إعجاب، أو غير ذلك.
ثم بينت الآية سبب هذا الإخفاء، و هو: أن الناس كانوا يعتبرون الابن بالتبني بمثابة الابن الصلبي في الأحكام. . فكان «صلى اللّه عليه و آله» يخشى من أن ينخدع ضعفاء النفوس بأقاويل المنافقين، و من لف لفهم، و أن لا يبقى لكلامه ذلك الأثر المطلوب في هدايتهم، مع ملاحظة: أنه لم يكن هناك أمر إلهي له بإظهار ما كان يخفيه، من أن اللّه قد أعلمه بأنها ستصير زوجته، فكان أن تولى اللّه سبحانه إظهار ذلك، لأن الإظهار منه تعالى أعظم أثرا في إبطال كيد المنافقين. .
و قد زعموا: أن قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : سبحان اللّه مصرّف القلوب، ناظر إلى التصرف بقلب زيد، ليكره زينب و يطلقها.
و نقول:
أولا: إنه لو صح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك، فلا دليل على أنه ناظر إلى ما زعموه، فلعله أراد به أن يظهر تعجبه مما جرى بين زينب و زيد، حيث كانت كارهة له أولا، ثم أصبح هو الكاره لها، و الساعي لمفارقتها بعد ذلك.
ثانيا: لقد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يكثر أن يقول: يا
مصرف القلوب (1).
و عن عائشة، قالت: «ما رفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأسه إلى السماء إلا قال: يا مصرف القلوب، ثبت قلبي على طاعتك» (2).
و عن أبي هريرة مثله (3). فلعله «صلى اللّه عليه و آله» قد رفع طرفه إلى السماء في تلك الساعة فقال هذا القول، من دون أن يكون لذلك ارتباط بزينب أو بغيرها.
ثم إنهم زعموا: أن النبي قد أعجب بزينب و أحبها، بعد أن رآها.
و نقول:
من الذي أخبر الناس بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعجب بزينب، أو وقع في هواها، أو هويها، أو عشقها، أو نحو ذلك من تعابير؟ فإن هذا أمر قلبي لا يمكن لأحد الاطلاع عليه، إلا أن يطلعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه على ذلك.
و اللّه سبحانه، و إن كان قد صرح بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخفى أمرا اعتلج في نفسه، و لكنه لم يصرح بحقيقة هذا الأمر، بل جاءت
الروايات و القرائن من الآيات لتدلنا على أن الذي أخفاه «صلى اللّه عليه و آله» هو القضاء الإلهي بأن تكون زينب من أزواجه «صلى اللّه عليه و آله» .
فهل اطلع هؤلاء الرواة-دون كل أحد-على غيب اللّه سبحانه؟ فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أسرّ إليهم بهذا الأمر فلماذا؟ و كيف؟ ! و متى أسرّ إليهم «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأمر الذي أخفاه عن سواهم.
و الغريب في الأمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي يحب زوجات الناس-نعوذ باللّه من هذه التعابير-و لكنه يأمر زوج زينب المسكين، الذي لم يظهر منه أي خلاف أو معصية، و الذي يريد هو منه أن يتخلى له عن زوجته-يأمره بتقوى اللّه سبحانه، مع أنه لم يفعل إلا ما ينسجم مع أمنياته، و لا يسعى إلا في تحقيق مآربه، و إيصاله إلى مطلوبه! ! . .
و يزيد الأمر تعقيدا، حين يقول له هذا الطامع بتلك الزوجة، و المعجب بها، و المحب لها: أمسك عليك زوجك! ! متظاهرا بخلاف ما يضمره، و ينويه، و يسعى إليه، فهل يمكن أن يقال: إن هذه هي أخلاق الأنبياء؟ ! أو أن هذا هو ما تفرضه قواعد النبل و الكرامة لدى الناس العاديين؟ !
و بعد أن وصف السيد المرتضى «رحمه اللّه» الرواية التي تتحدث عن
هوى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزينب بالخبيثة، قال: «إن عشق الأنبياء «عليهم السلام» لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم، و حاطّ من رتبتهم و منزلتهم. و هذا مما لا شبهة فيه» .
إلى أن قال: «كيف يذهب على عاقل: أن عشق الرجل زوجة غيره منفر عنه، معدود في جملة معائبه، و مثالبه» ؟ ! (1).
و قد زعم بعضهم: أن من العلامات الدالة على أن زينب ستكون زوجة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» إلقاء محبتها في قلبه، و ذلك بتحبيب اللّه تعالى، لا بمحبته لها بطبعه. و ذلك ممدوح جدا.
و منه قوله: حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب، و النساء، و قرة عيني في الصلاة.
حيث لم يقل: أحببت. و دواعي الأنبياء و الأولياء من قبيل الإذن الإلهي، إذ ليس للشيطان عليهم سبيل (2).
و نقول:
إن القبيح مرفوض على كل حال بالنسبة للبشر، فلا تصح نسبته إلى اللّه تعالى، فإذا كان هذا من المنفرات عن الأنبياء، قبح صدوره منهم، سواء أكان بميلهم الطبيعي، أم بفعل اللّه تعالى بهم.
قال القاضي عياض و غيره عن زعمهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحب زينب، و هي في حبالة زيد: «و لو كان ذلك لكان فيه أعظم الجرح، و ما لا يليق به، من مدّ عينيه إلى ما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا» ؟ ! (1).
قال تعالى: لاٰ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ. . (2).
و قال عياض: و لكان هذا نفس الحسد المذموم، الذي لا يرضاه اللّه، و لا يتسم به الأتقياء، فكيف سيد الأنبياء «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! (3).
و قال القاضي عياض أيضا: «كيف يقال: يراها فأعجبته، و هي ابنة عمته، و لم يزل يراها منذ ولدت. و لا كان النساء يحتجبن منه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو الذي زوجها لزيد؟» (4).
1) بهجة المحافل ج 1 ص 291 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 441 و ج 12 ص 11 و تفسير القاسمي ج 5 ص 519 و الشفاء لعياض ج 2 ص 189.
2) الآية 131 من سورة طه، و الآية 88 من سورة الحجر.
3) بهجة المحافل ج 1 ص 291 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 11 و الشفاء ج 2 ص 189.
4) بهجة المحافل ج 1 ص 291 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 440 و 441 و ج 2 ص 11 و تفسير القاسمي ج 5 ص 517 و 521 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 279 و الشفاء ج 2 ص 190.
فكيف يخفى عليه جمال زينب كل هذه المدة الطويلة، و هي بمرأى منه و مسمع؟ !
قال القرطبي: «فأما ما روي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هوي زينب، امرأة زيد، و ربما أطلق بعض المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته» (1).
و بعد. . فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تلك الفترة يقترب في عمره من الستين، و هو سن الشيخوخة. و قد كان شبابه قد ولى، و الناس في هذه السن ينصرفون عادة عن التفكير بالنساء، و ينأون بأنفسهم عن الحب و عن قضايا الجنس، خصوصا بالنسبة للمحصنات من النساء.
فإذا أضفنا إلى ذلك: أنه إذا كان-كما يزعمون-يرى جميع النساء، و يطلع على ما هن عليه من الجمال، فقد كان لدى كثيرين من صحابته بنات، و كذلك زوجات، يتجاوز عددهن المئات و الألوف، و كان فيهن الكثيرات ممن لهن حظ وافر من الجمال. . و كان «صلى اللّه عليه و آله» يراهن بحسب زعمهم. فلماذا لا يعشق غير زينب، و لا يفكر بغيرها من الفتيات الأبكار، اللواتي كأنهن الأقمار، أو كالشموس في رابعة النهار؟ !
1) الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 191 و راجع هذه التعابير في تفسير القاسمي ج 5 ص 522.
و إن إلقاء نظرة عابرة على تلك الروايات في مصادرها: تبين إلى أي حد هي متناقضة، و قد تقدمت منا إشارة إلى بعض نماذج ذلك، و نزيد هنا السؤال عن أنه هل جاءت زينب مع زيد إلى الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حين تشاجرا في شيء بينهما، فرآها فأعجبته و أحبها؟ !
أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» ذهب لعيادة زيد فرآها عنده؟
أم أنه ذهب إلى بيتها في غياب زيد، فرآها؟ !
و هل عشقها، حين رآها و هي تغتسل؟ !
أو حين كانت تسحق طيبا بفهر؟
أو لا هذا، و لا ذاك؟ !
و هل جاء قوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، حين أخبره بأنها تؤذيه، و يريد طلاقها؟ !
أم حين عرض طلاقها عليه، إذا كانت وقعت في نفسه؟ !
أم أن الحقيقة هي غير ذلك؟ !
و هل؟ ! و هل؟ ! و هل؟ ! .
إن مقتضى كلام هؤلاء الناس هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ينساق وراء هواه، و يعشق و يهوى امرأة متزوجة، و يكلّم زوجها بما يخالف الحقيقة. و يمد عينيه إلى ما متع اللّه به أزواجا منهم، زهرة الحياة الدنيا، و اللّه ليس فقط لا يزجره و لا يعاقبه، بل هو يسارع إلى تهيئة الأمور لصالحه،
و يتولى هو تزويجه و إيصاله إلى أهوائه و شهواته و ملذاته! !
لقد ذكرت الروايات: أن زينب منذ وقعت في قلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستطعها زيد، مع أنها لم تمتنع منه، لكن اللّه كان يمنعه منها.
و في بعض الروايات: أنها كرّهت إلى زوجها.
و هو كلام غير مقبول أيضا، لأن التوسل بالجبر الإلهي لمنع الرجل من مقاربة زوجته، يستبطن نسبة الظلم إلى اللّه سبحانه و تعالى. مع أن اللّه سبحانه لم يتدخل لمنع الناس من إلقاء إبراهيم في نار النمرود، و لم يمنع المشركين من ملاحقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الهجرة إلى باب الغار، و لم يمنع قتلة الأنبياء و أوصياء الأنبياء من ارتكاب جرائمهم.
نعم. . إنه تعالى لم يفعل ذلك بهم على نحو الإكراه و الإجبار، و بالحيلولة المباشرة بينهم و بين ما يريدون. بل هم قد فعلوا كل ما أرادوا.
فإن كانت هناك ضرورة للتدخل الإلهي حين يتهدد الخطر من أرسله اللّه تعالى للبشرية جمعاء، فإنه يكون خارج دائرة اختيار الناس، فيقول للنار: كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً. . و ينبت الشجر، و تنسج العنكبوت على باب الغار. و لكن الأمر بالنسبة لزيد ليس من هذا القبيل فما معنى التدخل لمنعه من زينب، و أن تكرّه له؟ !
أما الحديث عن تورم يحصل لزيد، كلما رام النيل من زوجته، بعد وقوعها في قلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فهو من سخف القول، و عوار الكلام، إذ لا مبرر للتدخل الإلهي المباشر لمنع زيد مما هو حلال له، و اللّه أجل، و النبي
«صلى اللّه عليه و آله» أورع و أتقى، و أبر مما يراد نسبته إليه.
و في تلميح هو كالتصريح ببشاعة هذا الفعل، و في نسبة القبيح إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نلاحظ: أن ثمة فريقا كان يسعى للإيحاء بأن هذا الأمر يمكن أن يصدر عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، معتبرا: أن هذا الأمر مما ينبغي أن يكتمه الإنسان، على نفسه و لا يعلن به. و من هذا الفريق. . الذين تحدثوا بهذه الطريقة:
1-عمر بن الخطاب.
2-عائشة بنت أبي بكر.
3-أنس.
4-الحسن البصري.
و هم الذين وردت الرواية بقولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لو كان كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ. . الآية. .
فإذا كان هذا الفعل مما يستحق الكتمان، و قد آثر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يفشيه، رغم أن في إفشائه حطا من كرامته، و إنقاصا من قدره، فكيف يصح صدور ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فإن المؤمن لا يقدم على فعل ما يشينه، و ينقص من قدره.
و لكن الحقيقة هي: أن هؤلاء يريدون أن يهوّنوا على الناس ما يرونه من قبائح و فضائح يمارسها الحكام، أو تحكى لهم عنهم. . أنهم يرون بذلك الإيحاء للناس بأن هؤلاء الحكام لا تختلف حالهم كثيرا عن رسول اللّه «صلى
اللّه عليه و آله» ، الذي كان يعشق، و يفتضح عشقه، و يبرر اللّه تعالى و يسهل له سبل الوصول إلى معشوقته. .
و الأدهى من ذلك و الأمرّ: أن بعض تعابيرهم تستبطن الاتهام للنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بأمور لا تصدر إلا من أهل الفسق و الفجور، و العياذ باللّه. و ذلك مثل قولهم في تفسير قوله تعالى: لاٰ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ. . «أي: لا يحل لك امرأة رجل أن تتعرض لها، حتى يطلقها و تتزوجها أنت، فلا تفعل هذا الفعل بعد هذا» .
فكيف يصح القول: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعرض لامرأة رجل آخر، ليطلقها له، و يتزوجها هو؟ !
فإنه حتى الذين لا يتورعون عن المآثم ينكرون هذا الأمر، و يأنفون من نسبته إليهم، فكيف بنبي اللّه الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و بغض النظر عن ذلك نقول: إن قوله تعالى: لاٰ يَحِلُّ لَكَ اَلنِّسٰاءُ. . ليس فيه أية دلالة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعرض لنساء الناس، بل هو يدل على: أن اللّه تعالى قد بين أنه لا يجوز له الزيادة على النساء اللاتي كن في عصمته «صلى اللّه عليه و آله» . و ليس في الآيات أية دلالة على ارتباط هذه الآية بآيات زواجه بزينب، التي كان الحديث عنها قد انتهى. .
بل ظاهرها: أنها ترتبط بآيات تخييره بين إرجاء من شاء، و إيواء من شاء منهن. فإقحام قضية زينب في مضمون الآية ليس له مبرر ظاهر.
أما ابن الديبع، فقد اعتبر رؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزينب، و دخوله عليها بغير إذن أمرا صحيحا، مستدلا على ذلك بقوله: «إن نظره إليها كان قبل نزول الحجاب؛ لأنها نزلت في حال دخوله عليها. مع أن الراجح عند المحققين: أن النساء ما كن يتحجبن عنه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و نقول: 1-لو سلمنا أن الحجاب لم يكن قد وضع آنئذ، فإن ذلك لا يصحح اقتحام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيوت الناس من دون استئذان، إذ لعل الرجل مع زوجته على حال لا يجوز رؤيتهما عليها، و لعل المرأة في وضع أيضا كذلك، كما لو كانت تغتسل كما زعمته بعض تلك الروايات المشؤومة السابقة.
و بتعبير آخر: إن اقتحام البيوت من دون استئذان يخالف أبسط قواعد الآداب. و لا يرضاه الرجل حتى من ولده، و حتى لو كان ذلك الوالد وحده في بيته، فكيف يقبل ذلك ممن بعثه اللّه للناس بمكارم الأخلاق، أو ليتمها لهم؟ !
فعن علي «عليه السلام» ، قال: سمعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول: بعثت بمكارم الأخلاق و محاسنها (2).
و عنه «صلى اللّه عليه و آله» : عليكم بمكارم الأخلاق فإن ربي بعثني بها. . (1).
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : إن اللّه أدبني و أحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق (2).
و روي من طرق العامة، أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (3).
و الروايات التي قبل هذه الأخيرة أوضح و أدق منها، من حيث
1) أمالي الطوسي ص 478 و وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 1 ص 351 و ج 8 ص 521 و البحار ج 11 ص 156 و ج 66 ص 370 و 375 و ج 68 ص 420 و ج 89 ص 197 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 191 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 174 و ج 9 ص 103 و راجع: أمالي الصدوق ص 441.
2) أدب الإملاء و الإستملاء ص 5 و فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 1 ص 291 و كشف الخفاء ج 1 ص 70. و روي نفس المضمون، من دون عبارة «ثم أمرني بمكارم الأخلاق» في البحار ج 16 ص 210 و ج 65 ص 382 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 233 و الجامع الصغير ج 1 ص 51 و كنز العمال ج 11 ص 406 و تذكرة الموضوعات ص 87 و فيض القدير ج 1 ص 291 و كشف الخفاء ج 1 ص 70 و مجمع البيان ج 8 ص 66 و نور الثقلين ج 5 ص 392 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 228 و التبيان في آداب حملة القرآن ص 5 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 7 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 93.
3) السنن الكبرى ج 10 ص 192 و مجمع الزوائد ج 9 ص 15 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 470 و مسند الشهاب لابن سلامة ج 2 ص 192 و 193 و كنز العمال ج 3 ص 16 و كشف الخفاء ج 1 ص 211 و البداية و النهاية ج 6 ص 40.
الدلالة و المضمون.
و قد أمر اللّه بإلزام الأطفال بالاستئذان على أبويهما في أوقات الخلوة، فقال: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاٰثَ مَرّٰاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاٰةِ اَلْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيٰابَكُمْ مِنَ اَلظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاٰةِ اَلْعِشٰاءِ ثَلاٰثُ عَوْرٰاتٍ لَكُمْ (1).
2-إن ما ذكروه من عدم وجوب احتجاب النساء عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا دليل عليه سوى أحد أمرين:
الأول: ما زعموه من قصة زينب، و التي هي مورد البحث. و صحة الإستدلال بها متوقف على ثبوتها، و سلامتها عن كل هذه الإشكالات التي ذكرناها في هذا الفصل، و في غيره. .
الثاني: لا يصح الاستدلال على ذلك بقصة أم حرام بنت ملحان الآتية (رقم 4)و سنرى: أنها أيضا لا تصلح للاستدلال بها على هذا الأمر.
3-إن دعوى: أن دخول النبي «صلى اللّه عليه و آله» على زينب كان قبل نزول الحجاب سيأتي: أنها غير ظاهرة الوجه، بل الظاهر هو: أن الحجاب كان مفروضا قبل ذلك بزمان، كما سنذكره في الفصل التالي إن شاء اللّه.
4-قد استندوا في زعمهم جواز أن ينظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى النساء إلى ما رووه، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يزور أم حرام بنت ملحان، و يقيل، و ينام عندها، بل زعموا أنها كانت تفلي رأسه، قالوا: و لم
1) الآية 58 من سورة النور.
يكن بينهما محرمية، و لا زوجية (1).
و نقول: أولا: إن هذا زعم فاسد، فقد قال ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها.
و قال أبو عمر: أظن أن أم حرام أرضعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أختها أم سليم، فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة، فلذلك كانت تفلي رأسه، و ينام عندها، و تنال منه ما يجوز لذي محرم أن يناله من محارمه. و لا يشك مسلم: أن أم حرام كانت محرما له.
ثم روى عن يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم، من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب بن هاشم كانت من بني النجار (2).
غير أننا نقول: لقد أنكر ابن الملقن صحة هذا الأمر (3)، و هو محق في إنكاره هذا. . خصوصا مع ملاحظة ارتفاع سن عبد المطلب بالنسبة إليها، و إلى النبي. فكيف بالنسبة لأم عبد المطلب أيضا؟ !
فيكون القول بأن قرابتها برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانت قرابة رضاعية، أقرب إلى الاعتبار.
و لكن الدمياطي لم يرتض هذا أيضا، على اعتبار: أن أمهاته «صلى اللّه عليه و آله» من النسب و من الرضاعة معلومات، و ليس فيهن واحدة من الأنصار البتة، سوى أم عبد المطلب، و هي سلمى بنت عمرو بن زيد، بن لبيد بن خراش، بن عامر بن غنم. . و أم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد، بن حرام بن جندب، بن عامر بن غنم. فلا تجتمع أم حرام بسلمى إلا في عامر، و هو جدهما الأعلى. و هي خؤولة لا تثبت محرمية (1).
ثانيا: إن ما زعموه: من دخوله «صلى اللّه عليه و آله» على أم حرام، و أم سليم لا يثبت أنه كان يراهما من دون حجاب.
ثالثا: ما زعموه: من أنها كانت تفلي رأسه غير ظاهر الوجه، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» كان نظيفا، متنظفا، و لم يكن في رأسه شيء من الهوام، ليحتاج إلى أن تفليه أم حرام، أو غيرها. . فما معنى نسبة أمر من هذا القبيل إليه؟ !
رابعا: إذا كانت هناك صلة رضاعية بينه و بين أم حرام و أم سليم، فهذا يعني: أنها كانت امرأة مسنة. فلو فرض وجود أية إشارة إلى أنه كان ينظر إليها، و هي متكشفة بين يديه تكشف المحارم-مع أن هذا غير موجود- فإنه قد يكون على قاعدة: وَ اَلْقَوٰاعِدُ مِنَ اَلنِّسٰاءِ اَللاّٰتِي لاٰ يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ (2).
خامسا: إنها حتى لو كانت تضع ثيابها، بسبب كبر سنها، فإن ذلك لا
يلازم نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، و ليس ثمة ما يصلح لإثبات ذلك.
سادسا: لو سلمنا بجواز نظر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأجنبيات، فهل يجوز له ملامستهن؟ إلا أن يقال: إن تفلية الرأس لا تلازم الملامسة. .
قال ابن الديبع الشيباني عن هذه الروايات: «قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلوا به على أن من خصائصه «صلى اللّه عليه و آله» وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها، و وجوب إجابتها، فجوزوا رغبته في نكاح منكوحة غيره.
و إن في هذه القصة ما لا يخفى من التنويه بقدر المصطفى «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإعلام بعظيم مكانته عند ربه سبحانه، و أنه يحب ما يحب، و يكره ما يكره، و ينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره، علما منه سبحانه بأنه إنما يفعل ذلك قمعا لشهوته، و ردا لنفسه عن هواها. كما قال سبحانه في الآية الأخرى: إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ يُؤْذِي اَلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَسْتَحْيِي مِنَ اَلْحَقِّ .
فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيري، و قرره، من أن ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها، لو طلقها زيد: «إقدام عظيم من قائله، و قلة معرفة بحق النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . مردود يحتاج دليلا و اللّه أعلم» (1).
1) حدائق الأنوار ج 2 ص 604 و 605 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 439 عن الغزالي، و البحار ج 16 ص 393 و كلام عياض و القشيري في بهجة المحافل ج 1 ص 291.
و أجاب البغوي، و أشار إليه الغزالي: بأن ذلك لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء مما لم يقصد به المأثم، لأن الود، و ميل النفس، من طبع البشر (1).
و قيل: إن من خصائصه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» متى رغب في نكاح امرأة فإن كانت متزوجة وجب على زوجها مفارقتها له «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن كانت خلية وجب عليها الإجابة (2).
و نقول: 1-إن الإعلام بعظيم مكانة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و التنويه بقدره لا يحتاج إلى تشريع أمر يتضمن قهر الآخرين و ظلمهم، و قد نوّه اللّه تعالى بعظيم قدر نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بطرق مختلفة ليس فيها أي انتقاص من كرامة الغير، أو إنقاص من حقه.
2-إن العبد و إن كان غير ملوم على ما يقع في قلبه ما لم يقصد به المأثم، و لكن مما لا شك فيه أن هذا بمعنى: أنه لا يعاقب على ذلك الشيء، لا بمعنى: أنه ليس قبيحا منه، بل هو داخل في نطاق القبح الفعلي، الذي يوجب أن ينظر الناس إلى فاعله نظرة انتقاص.
3-إن من يحدث له ذلك لا يستحق المقامات السامية، و لا يعطى مقام النبوة. فكيف إذا أريد التنويه بقدره، و بعظيم مكانته عند ربه من خلال نفس هذا الشيء؟
4-إن الإنسان يلام على الحسد مثلا، و يطالب بإزالته من نفسه، و يلام أيضا على حب زوجات الآخرين، و يرى الناس هذا عيبا فيه، و يطالبونه بتخليص نفسه من هذا الأمر المعيب.
5-من أين استفاد هؤلاء: أنه يجب على الزوج طلاق المرأة التي يرغب النبي «صلى اللّه عليه و آله» في نكاحها؟ فإن كانوا قد استفادوا ذلك من قصة زينب كما يظهر من كلامهم، فهي بالإضافة إلى أنها مورد النقد، و محل الأخذ و الرد، ليس فيها ما يدل على الوجوب (1).
و إن كان لديهم دليل آخر، فليظهروه، ليمكن النظر فيه.
6-و أما ادّعاء: أن هذه الأشياء لا تقدح في حال الأنبياء «عليهم السلام» لأن ذلك من طبع البشر، فغير صحيح؛ لأن القضية قضية حب لزوجة الغير، و رغبة في طلاق تلك الزوجة ليحصل عليها هو دونه. . و هذا غير مسألة الود و الميل الطبعي.
7-و حتى مسألة الميل الطبعي، فإنه إن كان ميلا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزوجته التي هي في حصانته، فلا كلام و لا إشكال.
و أما الميل الطبعي إلى زوجات الآخرين، فهو مرفوض و مدان، لأن الأنبياء «عليهم السلام» يعرفون من السلبيات و الآثار للمحرمات ما يجعلها في غاية القبح بنظرهم، فهو «صلى اللّه عليه و آله» يرى بصورة عميقة جدا كيف أن آكل الربا يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، و يرى كيف أن المغتاب يأكل لحم أخيه ميتا.
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 439.
و يكون في غاية الاستقذار و النفرة من هذا أو ذاك، و هكذا الحال بالنسبة لرغبته و ميله، و حبه للمحصنات من أزواج الناس، فإنه يكون من العمق و الشدة بحيث يرى ذلك نارا مستعرة، لا قبل له بها، و لا يرى مبررا للاقتراب منها.
فكيف ننسب إليه أنه يجهد و يجاهد نفسه لصرفها عن حب تلك المحصنة قمعا لشهوته، وردا لنفسه عن هواها؟ ! كما يزعمه هؤلاء، حسبما قرأناه و سمعناه فيما تقدم. . و كما سمعناه و قرأناه أيضا بحق النبي يوسف «عليه السلام» ، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.
8-و يتضح مما تقدم: أنه لا معنى لادّعاء: أن ذلك من خصائصه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه إذا كان يستحيل صدور هذا الأمر منه «صلى اللّه عليه و آله» لأجل مثل هذه الموانع الأساسية، و منها عصمته، و لزوم موافقة سياسة الهداية الإلهية لسنن الحياة، و الفطرة، و للاعتبارات الصحيحة، فلا يمكن أن يقال: إنه جائز له، و هو من خصائصه! !
و بعد. . فقد أشرنا أكثر من مرة إلى أن اللّه سبحانه قد صرح بسبب تزويج زينب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا لِكَيْ لاٰ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ .
و ذلك معناه: أن الهدف هو إبطال سنة جاهلية، حيث كان العرب يجعلون الأبناء بالتبني بمنزلة الأبناء الصلبيين في الأحكام، فمن أين جاء هؤلاء بهذه الادعاءات الباطلة، ذات التفاصيل المقيتة و البغيضة، التي
تتضمن الطعن في كرامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
فإذا كان اللّه تعالى هو الذي زوجه زينب: زَوَّجْنٰاكَهٰا ، فهذا يعني: أنه أمر لا خيار له فيه.
ثم صرحت الآيات: بأن ذلك أمر إلهي جازم حيث قال تعالى: . . وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ مَفْعُولاً ، ثم قال: مٰا كٰانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اَللّٰهُ لَهُ. . .
ثم ذكر تعالى: أن سبب ذلك هو أن لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، ثم هون اللّه عليه هذا الأمر، مع إعادة التأكيد على ضرورة إنجازه، حين قال تعالى: . . سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً .
فقد دلت هذه الآيات: على أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يزد على أن امتثل أمر اللّه سبحانه، و دلت أيضا على أن ما كان يخشاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو أن يتخذ الناس من غير المؤمنين المسلمين للّه تعالى ذلك ذريعة للافتئات و التشنيع عليه «صلى اللّه عليه و آله» ، في هذا الأمر، بحيث يؤثر ذلك على مسار دعوته إلى اللّه تعالى.
و يزيد وضوح هذا الأمر حين يقرأ قوله تعالى: . . وَ تَخْشَى اَلنّٰاسَ وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا لِكَيْ لاٰ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ إِذٰا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ مَفْعُولاً
مٰا كٰانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمٰا فَرَضَ اَللّٰهُ لَهُ سُنَّةَ اَللّٰهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كٰانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً .
حيث دلت هذه الآيات المباركات: على أن عليه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقدم على هذا الأمر برضا نفس، و بسكينة تامة، و أن لا يخشى أحدا من الناس فيه. فإن تشنيعاتهم لا تصل إلى نتيجة.
كما أن الحسيب الذي لا يحيف، و يزن بميزان الحق و العدل هو اللّه وحده. أما البشر فإنهم يخلطون الحق بالباطل، و تتدخل أهواؤهم و مصالحهم، و عصبياتهم في حساباتهم، و في محاسباتهم، فلا عبرة بها، فما عليه إلا أن يعرض عنها، فلا يقيم لها وزنا، و عليه أن يكتفي بمراعاة جانب الحسيب الصادق و العادل، و الدقيق، و هو اللّه تعالى: وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً .
فاتضح: أن هذه الآيات المباركات ليس فقط لا تتضمن ذما و لا لوما لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما هي تعلن بمدحه، و سمو مقامه، و هي تبرّئه مما قد ينسبه إليه الجاهلون و المغرضون، و الحاقدون، و الذين في قلوبهم مرض.
لأنها تضمنت الإلماح إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخشى من تطاول الناس على مقام النبوة الأقدس، و أن ينالوه بمقالاتهم القبيحة، الأمر الذي يحمل معه أخطار الحد من قدرته على نشر كلمة اللّه تعالى فيهم، و في غيرهم ممن بعثه اللّه تعالى إليهم.
فجاء التطمين الإلهي ليقول له: إن اللّه هو المتكفل برد عاديتهم، و إبطال كيدهم، فلا داعي للخوف و لا مجال للتحرج في هذا الأمر.
و مما يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كان يخشى الناس على الرسالة و الدين، لا على نفسه، قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً .
كما أن خشيته «صلى اللّه عليه و آله» للناس لم تكن على حساب خشية اللّه تعالى. كيف و هو «صلى اللّه عليه و آله» القائل: «أنا أخشاكم للّه، و أتقاكم له» (1).
بل كانت في صراط خشيته له تعالى، فإذا جاء التكفل الإلهي بأنه تعالى هو الذي يكفيه هذا الأمر، و لم يبق هناك ما يخشاه من قبلهم، فما عليه إلا أن يصرف همه إلى ما يحتاج إلى إنجاز مما كلفه اللّه تعالى به و أراده منه. . مما له أعظم الأثر في تحقيق الأغراض الإلهية السامية.
1) بهجة المحافل ج 1 ص 290 و شرحه للأشخر اليمني، مطبوع بهامشه، عن البخاري، و مسلم، و النسائي. و راجع: تفسير الصافي ج 4 ص 237. و روي قريب من ذلك في المصادر التالية: مسند أحمد ج 6 ص 226 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 483 و البحار ج 64 ص 344 و المعجم الكبير ج 9 ص 37 و مجمع الزوائد ج 4 ص 301 و كنز العمال ج 3 ص 47 و ج 6 ص 565 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 190 و ج 1 ص 158 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1025. و روي أيضا عن المصادر التالية: الدر المنثور ج 2 ص 310 و صحيح ابن حبان ج 8 ص 310 و المصنف ج 6 ص 168 و ج 2 ص 160 و ج 7 ص 151 و الشفاء ج 2 ص 172 و تفسير البيضاوي ج 4 ص 182 و الإصابة ج 4 ص 487 و إرواء الغليل ج 7 ص 79.
فليس في خشيته للناس ما ينقص من مقامه، بل ذلك يزيد من مقامه، و يؤكد باهر عظمته و عمق إخلاصه. .
و أما التعبير بكلمة أحق في قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ فليس فيه أي إيحاء سلبي، بل هو مثل قوله تعالى: عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فهو مدح و ثناء بصيغة عتاب، لبيان درجاته العالية في الخشية له تعالى.
و ذلك لأن مفادها: أنك يا محمد تخشى الناس، بمعنى أنك تعمل بحذر، بهدف تحصين عملك في نشر الرسالة من الإبطال بما يثار من شبهات و أباطيل من قبل هؤلاء الناس.
و هذا أمر حسن، و قد كان لا بد منه في السابق. . و لكن الأمر الآن قد اختلف، فإن اللّه تعالى قد تكفل بإبطال كيد هؤلاء الناس، فما عليك إلا أن يتمحض عملك بعد الآن في مراعاة الحذر و المراقبة في خشية أخرى هي أهم و أولى. و هي خشية اللّه سبحانه، و مراقبته فيما يطلبه منك، لتأتي به على أفضل وجه و أتمه، حيث إنك لم تعد مكلفا بمراعاة الحذر في هذا الجانب.
فلماذا تتعب نفسك في أمر تحمّله اللّه تعالى عنك؟ ! و لماذا أنت شديد الاهتمام و الحذر؟ ! حتى إنك تحمّل نفسك أثقالا و هموما عظيمة، مع أنه يكفيك الاهتمام بمراعاة جانب واحد، و تخفف عن نفسك فيما عداه، لأن اللّه سبحانه متكفل به، و سيدفع عنك شرهم و كيدهم فيه. .
و من الواضح: أنه ليس في الآية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين خشي الناس لم يخش اللّه تعالى، كما أنه ليس فيها: أنه «صلى اللّه عليه و آله»
مخطئ في خشيته للناس، بل فيها: أن: يا محمد إن خشية اللّه هي الأهم و الأولى.
فهو أسلوب من أساليب الإخبار بكفاية اللّه له أحد الأمرين اللذين كانا مفروضين عليه معا. و بعد أن حصلت الكفاية، فإن عليه أن يصرف كل جهده في إنجاز الأمر الآخر، الذي هو على درجة عظيمة من الأهمية، بحيث يكاد يجب ترك كل شيء من أجله. . من قبيل من يشرب دواء ليتقي به بعض الأمراض. . و قد طمأنه اللّه تعالى إلى أنه قد تكفل بدفعها عنه فعليه أن يهتم بمعالجة الأمور التي تحتاج إلى مباشرة. أو هو من قبيل قولك: الطبيب الفلاني يعالج مرضى القلب و مرضى الملاريا و الأولى و الأهم هم مرضى القلب.
فليس معنى هذا: أنه قد أخطأ في معالجته لمرضى الملاريا إلى جانب مرضى القلب، بل معناه: أن كلا الأمرين كانا حقا، لكن معالجة مرضى القلب أحق و أولى.
و ملاحظة أخيرة نذكرها هنا، و هي: أن أول آية في سورة الأحزاب قد بدأت هكذا: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ لاٰ تُطِعِ اَلْكٰافِرِينَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ. . و هذا يشير إلى إرادة تعظيم التقوى، حتى إن اللّه تعالى يطلب من نبيه أن لا يقتصر على بعض مراتبها، بل المطلوب هو السعي لنيل سائر المراتب السامية و الخطيرة منها.
فالأمر بالتقوى لا يستبطن اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدم مراعاة جانبها. . و كذلك الحال بالنسبة لمراتب الخشية من اللّه تعالى. فإن قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ لا يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا
يفعل ذلك، بل فيها: أن عليه أن يواصل السير في طريق الخشية، و نيل مراتبها واحدة بعد أخرى، و أن لهذه المراتب درجات متفاوتة في الأهمية و الخطورة، و أن عليه أن يتابع مسيرته لنيل جميع تلك المراتب.
فخشية اللّه مطلوبة في السير و السلوك إليه تعالى، فهي كمعرفة اللّه، و تقواه و طاعته، حيث لا موضع للقول بالجبر في أفعال العباد.
و لعلك تقول: لماذا لم يسجل الشارع انتفاء أحكام البنوة الحقيقية عن الابن بالتبني، بمجرد القول، كما هو الحال في أكثر الأحكام التي شرعها؟ !
بل هو قد اختار أسلوب الممارسة الفعلية، من قبل نبيه الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .
و نجيب عن ذلك: بأن هناك أمورا يصعب إقناع الناس بها بمجرد القول، خصوصا إذا وجد الناس فيها حرجا، أو يخشون من أن يسبب لهم ذلك عارا، أو عيبا اجتماعيا، أو تضمنت تمردا على وضع عاطفي، ذي طابع معين.
فيحتاج تبليغ الحكم، على مستوى الإقناع، و إزالة حالات الإحراج فيه، أو إبعاد الشعور بالعيب و العار إلى القول، و إلى المبادرة المباشرة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي هو الأسوة و القدوة في تحمل التبعات التي يخشاها الناس في مجال الممارسة.
و بذلك يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قدم الأمثولة الفضلى للقيادة الحكيمة، التي تبادر للتضحية في كل اتجاه في سبيل الأهداف العليا التي نذرت نفسها لها.
و هكذا حصل في موضوع أحكام الأبناء، فإن القرآن صرح باختصاصها بالأبناء الذين هم من الأصلاب في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالاٰتُكُمْ وَ بَنٰاتُ اَلْأَخِ وَ بَنٰاتُ اَلْأُخْتِ وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اَللاّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضٰاعَةِ وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ وَ رَبٰائِبُكُمُ اَللاّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اَللاّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ. . (1).
ثم جاء فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليكون اللّه تعالى قد سد كل الذرائع على الذين يريدون التعلل، و الهروب من الإلتزام بأحكامه تعالى.
قال إسماعيل حقي عن زينب بنت جحش: «كانت كالعارية عند زيد. و لذا قال حضرة الشيخ أفتاده أفندي (قده) : في اعتقادنا أن زينب بكر كعائشة رضي اللّه عنها، لأن زيدا كان يعرف أنها حق النبي «عليه السلام» ، فلم يمسها، و ذلك مثل آسية، و زليخا.
و لكن عرفان عائشة لا يوصف. و يكفينا أن ميله «عليه السلام» إليها كان أكثر من غيرها، و لم تلد، لأنها فوق جميع التعينات» (2).
و نقول: 1-إن الحكم بكون زينب بكرا يحتاج إلى دليل، بل الدليل على خلافه موجود، و هو زواج زيد بها، و لم نجد ما يدل على أنه قد منع، أو عجز عنها
حينما انتقلت إلى بيت الزوجية عنده.
2-هناك روايات تحدثت عن أن زيدا قد منع عن زينب بعد أن رآها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحبها، حيث إن زيدا لم يستطعها بعد ذلك، رغم أنها كانت لا تمتنع منه. و قد قدمنا: أنها روايات مكذوبة و لا تصح.
3-إن قوله تعالى: فَلَمّٰا قَضىٰ زَيْدٌ مِنْهٰا وَطَراً زَوَّجْنٰاكَهٰا و قوله تعالى: لِكَيْ لاٰ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوٰاجِ أَدْعِيٰائِهِمْ إِذٰا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ظاهر في أن زيدا قد وطئها و قضى و طره منها.
4-لماذا تكون زينب عند زيد كالعارية فتبقى بكرا، و لا تكون سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» عند أزواجهن السابقين عليه «صلى اللّه عليه و آله» كالعارية أيضا، فيبقين أبكارا مثلها؟ !
5-قد أثبتنا في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب: أن عائشة لم تكن بكرا، لأنها كانت متزوجة برجل آخر، و كان لها منه ولد اسمه عبد اللّه، فراجع.
6-دعوى: أن زيدا كان يعرف أن زينب بنت جحش حق النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا دليل عليها. فهي لا تعدو كونها تخرصا و رجما بالغيب.
7-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو القائل: خير نسائكم الولود الودود. . فكيف أصبحت عائشة التي لم تلد خيرا من مارية أم إبراهيم؟ ! و بماذا امتازت على خديجة التي ولدت له الزهراء «عليها السلام» ؟ !
بل لماذا، و بماذا كانت تمتاز على سائر نسائه ممن لم يلدن له، كما لم تلد هي له؟ !
8-ما معنى قوله: إن عائشة لم تلد لأنها كانت فوق التعينات، و لماذا
كانت كذلك دون سائر أزواجه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . . و كيف صار هذا هو العلة في كونها لم تلد؟ !
و ما معنى قوله: «و لكن عرفان عائشة لا يوصف» ، و لماذا لا يوصف؟ ! و هل يستطيع أن يصف لنا عرفان خديجة؟ ! و عرفان أم سلمة؟ ! و عرفان ميمونة؟ ! .
9-إن دعوى أن ميله «صلى اللّه عليه و آله» إلى عائشة كان أكثر من غيرها تحتاج إلى إثبات، و لكن بطريقة علمية صحيحة، فلا يعتمد في ذلك على رواياتها، و روايات عروة بن الزبير ابن أختها، و غيره من محبيها.
10-ألا يكون ميله «صلى اللّه عليه و آله» إلى إحدى نسائه أكثر من غيرها أمرا قبيحا منه، لا يصح نسبته إليه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
11-ألا يتنافى قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ مع القول: بأن زيدا كان يعلم: أن زينب كانت حق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و قد روى الرواة عن زينب بنت جحش أنها قالت: فيّ نزلت آية الحجاب (1).
و ذكروا: أن ذلك كان في مناسبة تزويجها برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و ذكروا: أن السبب في ذلك هو عمر بن الخطاب. . و جعلوا ذلك من فضائله، حتى لقد رووا عن ابن مسعود أنه قال عن عمر: إنه فضّل على الناس بأربع، و ذكر منها:
أنه بذكره الحجاب أمر نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يحتجبن. و روي أن عمر مرّ على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هن مع النساء في المسجد، فقال: احتجبن، فإن لكن على النساء فضلا، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل.
فقالت له زينب رضي اللّه عنها: و إنك لتغار علينا يابن الخطاب، و الوحي ينزل في بيوتنا؟ !
1) كنز العمال ج 13 ص 704 عن ابن عساكر، و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 356.
فأنزل اللّه: وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ (1).
و قد صرحوا أيضا: بأن آية الحجاب التي نزلت في زينب بنت جحش هي قوله: تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ. . الآية. . (2).
و كان وقت نزولها صبيحة عرس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش، في ذي القعدة سنة خمس (3).
و عن أنس: ما بقي أحد أعلم بالحجاب مني، و لقد سألني أبي بن كعب رضي اللّه عنه، فقلت: نزل في زينب (4).
و في رواية عن أنس: أنه في قضية زينب بنت جحش، أراد أن يدخل مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فألقى الستر بينه و بينه، و نزل الحجاب (5).
1) الدر المنثور ج 5 ص 214 عن ابن مردويه، و تفسير الماوردي ج 4 ص 419 و جامع البيان ج 22 ص 28 و 29 و روح البيان ج 7 ص 215 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 224.
2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 279 و راجع ص 283 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و راجع سائر المصادر و المراجع التي أشرنا إليها في هذا البحث حول هذا الزواج.
3) تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 285.
4) الدر المنثور ج 5 ص 213 عن ابن سعد، و ابن مردويه، و ابن جرير. و صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 6 ص 176 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 293 و المعجم الكبير ج 24 ص 49 و جامع البيان ج 22 ص 27.
5) راجع المصادر التالية: الدر المنثور ج 5 ص 201 و 213 عن: ابن سعد، و أحمد، و النسائي، و البخاري، و أبي يعلى، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و الطبراني. و حديث أنس أيضا: رواه الترمذي، و حسّنه، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و راجع ما رواه عنه: ابن سعد، و عبد بن حميد، و البيهقي في شعب الإيمان و في السنن، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و النسائي، و ابن المنذر. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 280 و 281 و 282 و صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 6 ص 175 و 176 و 177 و 179 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 201 و حدائق الأنوار ج 2 ص 606 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و بهجة المحافل ج 1 ص 293 و البداية و النهاية ج 4 ص 146 عن البخاري، و مسلم، و النسائي، و الأوائل لابن أبي عاصم ص 53 و سنن النسائي ج 6 ص 79 و 80 و المعجم الكبير ج 24 ص 49 و السنن الكبرى ج 7 ص 87 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484.
و دعوى نزول الحجاب في مناسبة زواجه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب موجودة في كثير من المصادر (1).
و تتحدث الروايات عن: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أطعم الناس في مناسبة زواجه بزينب، و تخلف رجال يتحدثون في بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، «و زوج رسول اللّه التي دخل بها معهم، مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان
1) راجع المصادر التي سبقت و التي ستأتي في هذا البحث، من قبيل: البحر المحيط ج 7 ص 246 و النهر الماد (بهامش البحر المحيط) ج 7 ص 245 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 472 و ج 3 ص 484 و أسد الغابة ج 5 ص 494 و الإصابة ج 4 ص 313 و سنن النسائي ج 6 ص 80 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484.
أشد الناس حياء الخ. .» (1).
و قد خرج «صلى اللّه عليه و آله» إلى حجر نسائه، ثم عاد، و تكرر خروجه و عودته، فكان يجدهم في كل مرة جلوسا على ما هم عليه، و لم يتغير شيء، فتضايق منهم، ففرض الحجاب (2).
و قد قال ابن كثير: «فناسب نزول الحجاب في هذا العرس، صيانة لها، و لأخواتها من أمهات المؤمنين، و ذلك وفق الرأي العمري. .» (3).
و نقول: إن لنا ملاحظات عديدة على هذه الروايات و أمثالها. فنحن نذكرها، ضمن الفقرات التالية:
لقد زعموا: أن آية الحجاب هي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ. . .
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 282 و 283 و صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 6 ص 178 و بهجة المحافل ج 1 ص 294 و 295 و البداية و النهاية ج 4 ص 148 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 224 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 484 و الجامع الصحيح (مطبوع مع تحفة الأحوذي) ج 9 ص 59 و 60.
2) راجع على سبيل المثال: أنساب الأشراف ج 1 ص 434 و 435 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 173 و 174 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 412 و جامع البيان ج 22 ص 26 و 27 و تفسير القاسمي ج 5 ص 533.
3) البداية و النهاية ج 4 ص 147.
و هو زعم لا يمكن قبوله، لأن هذه الآية إنما تنهى الناس عن دخول بيوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غير إذن. . و ليس فيها أمر للنساء بشيء. . لا بحجاب و لا بغيره. .
و من الواضح: أن اشتراط دخول البيوت بحصول الإذن من أصحابها، له مصالح و موجبات خاصة به، و لعل هذه الموجبات لا ربط لها بأمر الحجاب من الأساس.
و يلاحظ: أن حديث مشاجرة زينب مع عمر، و قولها له: إنك لتغار علينا، و الوحي ينزل في بيوتنا، يتناقض مع حديث نزول الحجاب في مناسبة زواجها، فراجع. .
و يلاحظ هنا: أن سؤال زينب لعمر لا يخلو من لهجة تهكمية، تتضمن إنكار صدق هذه الغيرة منه، ثم الاستنكار عليه في أن يتدخل في هذا.
ثم إن من يراجع كتب الحديث و التاريخ عند أهل السنة يتبين له: أنها لا تتفق على سبب و مناسبة فرض الحجاب، بل هي متناقضة في ذلك بصورة ظاهرة كما يظهر من الموارد التالية:
1-إنهم و إن كانوا قد ذكروا-كما تقدم-: أن الحجاب قد فرض في مناسبة زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش، و لكن الواقف عليها يجد أن ثمة اختلافا في الصيغ، و الخصوصيات في هذه المناسبة.
2-زعموا: أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، أو في أربع، و ذكر منها: أنه قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه، يدخل عليك البر و الفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين! ! فأنزل اللّه عز و جل الحجاب (1).
و حسب تعبير البخاري و مسلم، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه، إن نساءك يدخل عليهن البر و الفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل اللّه آية الحجاب (2).
فيلاحظ: أن التعبير في النص الأول: ب «يدخل عليك» ، و في الثاني: ب «يدخل عليهن» .
و في هذا الثاني: إشعار بدخول البر و الفاجر عليهن مطلقا، و لو لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حاضرا. و هو كلام مرفوض جملة و تفصيلا.
3-و عن عائشة: أنها كانت تأكل مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» حيسا (3)في
1) السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 88 و 57 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 483 و حاشية الصاوي على الجلالين ج 3 ص 289 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 227 و راجع ص 224 عن الطيالسي عن أنس، و تفسير القاسمي ج 5 ص 533 و صحيح البخاري (كتاب التفسير) تفسير سورة الأحزاب.
2) راجع: فتح القدير ج 4 ص 299 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 413 و روح البيان ج 7 ص 215 و غرائب القرآن (بهامش جامع البيان) ج 22 ص 29 و جامع البيان ج 22 ص 27 و 28 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 224 و البحر المحيط ج 7 ص 246 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 483.
3) الحيس: طعام من تمر و سمن و سويق.
قعب، فمر عمر، فدعاه، فأكل، فأصابت إصبعه إصبعها.
فقال عمر: أوّه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب (1). 4-و نص آخر عن مجاهد يزعم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يطعم، و معه أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» فنزلت آية الحجاب (2).
5-عن عائشة: أن أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» كن يخرجن بالليل إذا برزن إلى المناصع-و هو صعيد أفيح يتبرزن فيه-و كان عمر بن الخطاب يقول للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : احجب نساءك فلم يكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعل.
فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء. و كانت امرأة طويلة، فناداها عمر، بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة. حرصا على أن ينزل الحجاب. فأنزل اللّه تعالى الحجاب.
1) الدر المنثور ج 5 ص 213 عن النسائي، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه بسند صحيح. و راجع: طبقات ابن سعد ج 8 ص 175 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 485 و تفسير الماوردي ج 4 ص 419. و راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 63 بسند صحيح، و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 413 و عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 108 و في بعض الروايات عن ابن عباس لم يصرح باسم عائشة.
2) الدر المنثور ج 5 ص 213 عن ابن جرير، و أنوار التنزيل ج 4 ص 167 و جامع البيان ج 22 ص 29 و الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 225 و البحر المحيط ج 7 ص 246 و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 289.
قال اللّه تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . الآية. . (1).
و لكن نصا آخر يذكر: أن ذلك قد حصل بعد فرض الحجاب، فقد روي عن عائشة:
أن سودة قد خرجت لحاجتها بعد ما ضرب الحجاب، فناداها عمر: يا سودة، إنك-و اللّه-ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين.
فانكفأت راجعة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بيتها، و إنه ليتعشى، و في يده عرق، فدخلت و قالت:
يا رسول اللّه، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا، و كذا. فأوحي إليه، ثم رفع عنه، و إن العرق في يده.
فقال: إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن (2).
6-عن ابن عباس: أن رجلا دخل على النبي «صلى اللّه عليه و آله»
1) الدر المنثور ج 5 ص 214 عن ابن جرير، و تفسير الماوردي ج 4 ص 419 و جامع البيان ج 29 ص 40 و روح البيان ج 7 ص 215 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 505 و ج 3 ص 485 و فتح القدير ج 4 ص 299 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 88 و الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 8 ص 174.
2) الدر المنثور ج 5 ص 221 عن ابن سعد، و البخاري، و مسلم، و البيهقي في سننه، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و جامع البيان ج 22 ص 29 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 88 و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 330 و تفسير القاسمي ج 5 ص 534 عن البخاري (كتاب التفسير) تفسير سورة الأحزاب، و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 485.
فأطال الجلوس، فدخل عمر، فرأى الكراهية في وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال للرجل: لعلك آذيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
ففطن الرجل، فقام.
فقال عمر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لو اتخذت حجابا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، و هو أطهر لقلوبهن» .
فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ .
فأرسل إلى عمر، فأخبره بذلك (1).
قالوا: «و كان عمر (رض) يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة» (2)، و كان يذكره كثيرا، و كان يود أن ينزل فيه.
و كان يقول: «لو أطاع فيكن ما رأتكن عين» (3).
7-روي: أن النساء كن يخرجن إلى المسجد، و يصلين خلف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإذا كان بالليل، و خرجن إلى صلاة المغرب، و العشاء، و الغداة، يقعد الشباب لهن في طريقهن، فيؤذونهن، و يتعرضون لهن، فنزلت الآية: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاٰ يُؤْذَيْنَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً
رَحِيماً (1).
8-و في بعض الروايات: أن الناس لم يقوموا من مجلسهم في وليمة زينب، إلا بعد نزول آية الحجاب، و ضرب الرسول الحجاب (2).
9-و تذكر بعض الروايات عن قتادة: أن الذين أكلوا، و جلسوا يتحدثون، و طال مكوثهم، إنما كانوا في بيت أم سلمة، و أن الأمر بالحجاب قد صدر في هذه المناسبة (3).
10-و في بعض الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مر بنساء من نسائه، و عندهن رجال يتحدثون، فكره ذلك. و كان إذا كره الشيء عرف في وجهه.
فلما كان العشي خرج، فصعد المنبر، فتلا هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . (4).
1) البحار ج 22 ص 190 و تفسير القمي ج 2 ص 196 و طبقات ابن سعد ج 8 ص 176.
2) المعجم الكبير ج 24 ص 48 و 49 و حاشية الصاوي على الجلالين ج 3 ص 285 و أشار في هامش المعجم الكبير إلى مصادر كثيرة.
3) الدر المنثور ج 5 ص 213 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و جامع البيان ج 22 ص 28 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 224 عن الثعلبي.
4) تفسير الماوردي ج 4 ص 418 و أشار في هامشه إلى المصادر التالية: صحيح البخاري ج 8 ص 406 و 407 و صحيح مسلم ج 2 ص 1050 و جامع البيان ج 22 ص 37 و الدر المنثور ج 6 ص 640 عن أحمد، و عبد بن حميد، و النسائي، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي في سننه.
11-و عند الترمذي عن أنس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أتى باب امرأة عرس بها، فإذا عندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، فاحتبس ثم رجع و عندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، فرجع و قد خرجوا، فدخل، و أرخى بيني و بينه سترا الخ. . (1).
و لنا مع النصوص المتقدمة وقفات، هي التالية:
إن من يقارن بين نصوص الروايات المتقدمة يجد: أنها مختلفة فيما بينها إلى حد التناقض في العديد من الموارد، و لذلك حاول البعض الجمع بينها كما يلي:
قال الزرقاني: «قال الحافظ: يمكن الجمع: بأن ذلك (أي نصيحة عمر للنبي بحجاب نسائه) وقع قبيل قصة زينب، فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب. و لا مانع من تعدد الأسباب» (2).
و نقول: إن روايات قضية الحجاب كلما رتقت من جانب، فتقت من جانب، إذ إن هناك تناقضات أخرى لا ينفع فيها هذا الجمع، مثل قولهم: إن ذلك كان في بيت أم سلمة.
و مثل التناقضات بين روايات الحجاب في قضية زينب نفسها.
و التناقضات التي بين روايات نصيحة عمر.
و هل كان الذي يأكل مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» خصوص عمر، أو هو و آخرون؟ ! أو غير ذلك؟ فراجع و قارن.
و الذي يبدو لنا هو: أن الحجاب-كما سيأتي-كان مفروضا من أول الإسلام استمرارا لأحكام الشرائع السابقة. . و لكن تسامح الناس في رعاية هذا الأمر دعا إلى نزول آيات في موارد عديدة، من أجل تذكير الناس بما يجب عليهم، و لتؤكد ضرورة الالتزام بأحكام اللّه سبحانه. .
و يلاحظ هنا: أنهم يدّعون: أن عمر كان مهتما بفرض الحجاب، بحجة أنه يدخل على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» البر و الفاجر، و بحجة أن ذلك أطهر لقلوبهن. فجاء القرآن بموافقته.
و لكننا نجد في النصوص ما يشير: إلى أن عمر نفسه لم يكن مهتما بحجاب نسائه. و ذلك مثلما روي: من أن سلمة بن قيس أرسل رجلا إلى عمر، يخبره بواقعة من الوقائع، فلما قدم له عمر الطعام نادى امرأته أم كلثوم بنت علي: ألا تأكلين معنا؟
فقالت له: لو أردت أن أخرج لكسوتني، كما كسا ابن جعفر، و الزبير، و طلحة نساءهم (1).
و إنما نورد هذه الرواية: لإلزام هؤلاء الناس بها، و إن كنا نحن نعتقد بعدم صحتها، و ذلك للأمور التالية:
1) المرأة في عالمي العرب و الإسلام ج 2 ص 166.
1-إنهم يذكرون: أنه قد دعا زوجته أم كلثوم بنت علي لتأكل معهم، مع أن هناك من يعلن التشكيك بأصل زواج عمر بأم كلثوم. .
و لو أغمضنا النظر عن هذا الأمر، فإننا نقول:
إن أم كلثوم كانت آنئذ صغيرة السن، إلى حد: أن عمر قد اضطر للاعتذار من الناس على إقدامه على فرض إرادته بالزواج منها.
و نحيل القارئ إلى كتاب صدر لنا بعنوان: «ظلامة أم كلثوم» فإن فيه ما يفيد في توضيح كثير من الأمور حول أم كلثوم.
2-إن الجواب المنسوب لأم كلثوم لا يعقل صدوره منها، لأكثر من سبب، فهي:
أولا: تعرف شدة عمر و غلظته، و أنه لا يحتمل إجابات من هذا القبيل.
ثانيا: إن هذه الإجابة لا تناسب أدب أم كلثوم، مع أي كان من الناس، فكيف إذا كان من تخاطبه هو زوجها؟ ! و كيف إذا كان زوجها خليفة، لا بد لها من حفظ مكانته أمام الناس؟ ! فلا يصح أن تعيّره بالشح و البخل، و التقتير عليها.
و ثالثا: إن من يتربى في حجر علي «عليه السلام» ، و في بيت النبوة و الإمامة لا يكون همه الدنيا، و لا يقيس نفسه بطلابها.
3-إنه لم يعهد من أحد من المسلمين أن يبادر إلى الجمع بين زوجته و بين الأجانب على موائد الطعام، خصوصا بعد نزول الحجاب. و خصوصا إذا كان يضع نفسه في موقع خلافة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و خصوصا مع ما ينسبونه إليه من الغيرة، و شدة الحساسية من
اختلاط النساء بالرجال الأجانب.
و أخيرا. . فإننا نظن: أن سبب حشر اسم أم كلثوم في هذه الواقعة، هو: التدليل على مصاهرة عمر لعلي من جهة، ثم الإساءة إلى علي بنسبة أمور لا تليق إلى ابنته التي رباها بأدب الرسالة و رعاها، و من ثدي العلم و التقوى غذاها.
و اللافت هنا: عد مسألة الحجاب من الموارد التي وافق فيها عمر ربه. مع أن الروايات قد تحدثت عن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه لم يكن يفعل ما يطلبه منه عمر في هذا الشأن.
فكيف يصح أن يكون المخالف لربه هو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الموافق له هو رجل آخر، أمضى حياته في الجاهلية و لم يستضئ بنور العلم، و لم يلتزم في أكثر عمره بقيم و لا بأخلاق؟ ! فهل أدرك هذا الشخص-و هو عمر-ذلك بعقله، و لم يدركه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
أم هل دفعته إليه غيرته، و لم يكن لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الغيرة ما يدفعه لذلك؟ !
و إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يبادر اللّه إلى تشريعه قبل طلب عمر له؟ !
إلا أن يدّعي هؤلاء: أن عمر كان أغير من اللّه عز و جل، أو أنه كان قد أدرك ذلك و عرفه، في زمن لم يكن اللّه-و العياذ باللّه-قد عرف ذلك؟ !
و عن الرواية التي تذكر مرور عمر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عائشة، و هما يأكلان حيسا،
نقول: قد يقال: هل كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يجلس هو و زوجته على قارعة الطريق حتى مر عمر؟ !
و يجاب عنه: بأن باب بيت عائشة كان إلى المسجد، فربما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح الباب، و جلس يأكل مع زوجته، و كان عمر يمشي في المسجد، فدعاه.
إن هذه الإجابة، و إن كانت صحيحة بالنسبة للناس العاديين، لكننا نستبعد أن يصدر ذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» فإننا نجله عن أن يجلس ليأكل مع زوجته في مكان عام، يراهما الرجال الأجانب، و الفقراء، و المعوزون. .
مع التذكير: بأن الأسئلة التي أوردناها في الفقرة السابقة آتية هنا أيضا.
على أن اجتماع النساء مع الرجال الأجانب على طعام واحد لم يكن مألوفا في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . خصوصا في مجتمع يفرض على المرأة الخدر، و الصون، و العفة، و لا سيما بعد أن مضى على ظهور الإسلام ما يقرب من عشرين سنة.
إن الروايات تشير: إلى حرص عمر على أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى حجب نسائه.
و السؤال هو: هل كان عمر قد حجب نساءه أيضا، و هل كان يطلب الحجاب لسائر نساء المؤمنين كما يطلبه لنساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
أم أن غيرته كانت على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون سواهن؟ ! خصوصا مع تعليله ذلك بأنه أطهر لقلوبهن، و أنه يدخل عليهن البر و الفاجر، فإن هذا تعليل شامل لجميع النساء، و هو يقتضي: أن يكون عمر حريصا على نساء كل الناس، بما فيهم نساؤه هو. .
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يدعو زوجته أم كلثوم لتأكل مع ذلك الرجل الغريب حسبما تقدم؟ !
و قد ذكرت بعض تلك الروايات: أن عمر قد تعرض لسودة بنت زمعة، و أنها اشتكته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و اللافت هنا هو: أن الرواية تذكر: أن الآية التي نزلت في هذه المناسبة هي قوله تعالى: . . لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . ، مع أنه لا مناسبة بين ما فعله عمر، و بين هذه الآية. .
فلاحظ الرواية المتقدمة في فقرة: «تناقض أسباب فرض الحجاب» (رقم 5).
فإن عمر لم يدخل إلى بيوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» بغير إذن، و لم
يسألهن متاعا، بل هو قد رآها و هي خارجة لحاجتها، فناداها: قد عرفناك يا سودة.
قد ذكرنا: أن الآية التي يقال: إنها أمرت النساء بالحجاب، هي قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاّٰ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . الآية.
و ليس فيها أي خطاب للنساء، بل الخطاب فيها للمؤمنين، و هي تتعرض لأمر لا تدل عليه رواية سودة، و لا رواية زينب، و لا رواية إصابة إصبع عمر لإصبع عائشة، و لا غيرها، ألا و هو دخول الناس بيوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من دون إذن.
بل إن قوله تعالى: وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ و كذلك سائر الفقرات، قد تكون مشيرة إلى أن الحجاب كان مفروضا، و لكن الناس كانوا يتصرفون بصورة غير مؤدبة، و لا مقبولة من الناحية الأخلاقية و الإيمانية.
إن رواية سودة تصرح: بأن النساء كن يخرجن ليلا إلى المناصع، لكن عمر قد لا حقهن في هذا الوقت بالذات، و عرف سودة من طولها، لا من سفورها.
بل إنها حتى لو سفرت عن وجهها بالليل، فإن ذلك لا يضر، إذ كفى بالليل حجابا و حاجبا.
فقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد شكوى سودة، و نزول الوحي عليه: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن، فيه رد صريح على عمر، و رفض لتصرفه هذا. .
كما أن نزول الآية في هذه المناسبة-على تقدير القول بنزولها فيها-فيه إدانة لفعل عمر بالذات، و ردع له عن التعرض لنساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الهجوم عليهن في أوقات خلوتهن بأنفسهن، لقضاء حاجتهن.
و أما الرواية الأخيرة: فقد ذكرت أمرا قبيحا، لا يصح تصديقه، أو احتماله في حق نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فإن مرور النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنساء من نسائه و عندهن رجال يتحدثون معناه: أن الرجال -أفرادا و جماعات-كانوا يجالسون نساء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لو صح هذا: لكان يجب أن يكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك من أول بعثته و أن ينزل الحجاب منذئذ. فإنه إذا كان اجتماع النساء بالرجال مألوفا و مسموحا به فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» متزوجا قبل هذا التاريخ بعشرات السنين و من البعيد أن لا يتفق اجتماع نسائه أو إحداهن بالرجال أو أن لا يعلم بذلك طيلة هذه السنين المتعاقبة، فلماذا تأخرت كراهته لذلك كل هذه المدة الطويلة؟ !
و إذا كان ذلك جائزا شرعا فلماذا كرهه الآن؟ ! و إن كان مرفوضا شرعا، فلماذا تأخرت كراهته «صلى اللّه عليه و آله» لما هو حرام قبل ذلك؟ !
زعموا: أن الحجاب قد نزل فرضه على نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سنة خمس في ذي القعدة (1)، مبتنى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بزينب بنت جحش (2).
و قيل: كان ذلك في سنة ثلاث (3).
و سببه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولم بمناسبة زواجه بزينب، فطعم الناس، و بقي رجال ثلاثة أو اثنان جلوسا يتحدثون، فشق ذلك على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلت آية الحجاب (4).
1) الدر المنثور ج 5 ص 241 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و فتح القدير ج 4 ص 299 و سائر المصادر التي تقدمت في فصل سابق ذكرت فيه قصة الزواج بزينب بنت جحش.
2) الدر المنثور ج 5 ص 204 عن ابن سعد عن أنس، و المنتظم ج 3 ص 227 و الأوائل للشيباني ص 45 و الأوائل لابن أبي عاصم ص 38 و 52 و فتح القدير ج 4 ص 299 و غير ذلك من مصادر تقدمت.
3) فتح القدير ج 4 ص 299 و غير ذلك من مصادر تقدمت.
4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 502 و المنتظم ج 3 ص 227 و أنساب الأشراف ج 1 ص 435 و فتح القدير ج 4 ص 299 و نور الثقلين ج 4 ص 298 و 299 و السنن الكبرى ج 7 ص 57 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 412 و غير ذلك من مصادر تقدمت.
و قالوا: إن ذلك كان بعد المريسيع (1).
و نقول:
إن ذلك غير مسلّم، و ذلك لما يلي: 1-إن عبد الرزاق يذكر ما يدل على أن الزواج بزينب قد تأخر إلى ما بعد خيبر، قال عبد الرزاق: «ثم نكح صفية بنت حيي، و هي مما أفاء اللّه عليه يوم خيبر، ثم نكح زينب بنت جحش» (2).
فإن كان الحجاب قد فرض في مناسبة هذا الزواج، فلا بد من القول بأن الحجاب-بناء على هذا-قد فرض بعد خيبر.
أو يقال: بأنه لا ربط بين فرض الحجاب و بين قضية زينب، و أنه قد فرض قبلها.
2-ذكروا: أن السبب في حرب الفجار-التي كانت في الجاهلية-هو: أن امرأة من بني عامر بن صعصعة قدمت مكة، و كانت تلبس برقعا، فأرادها فتيان على كشف وجهها، فرفضت، فحلوا لها طرف درعها، فلما قامت بدت سوأتها، فصرخت، فاجتمع الناس الخ. . (3).
و هذا يدل على التزام الناس بالحجاب إلى حد تغطية الوجه قبل الإسلام بعشرات السنين، و لعل هذا الأمر من بقايا الحنيفية التي هي دين
إبراهيم «عليه السلام» .
3-زعموا أن عائشة حينما تخلفت عن الجيش في غزوة المريسيع، و صادفها صفوان بن المعطل خمرت وجهها بجلبابها (1).
و من الواضح: أن هذه القضية-كما يزعمون-قد كانت قبل قضية الحجاب، لأن الحجاب قد كان بعد المريسيع. و لم نجد ما يدل على أن عائشة كانت تستر وجهها عن الناس قبل نزول الحجاب.
4-و يقولون: إن سبب غزوة بني قينقاع هو: أن امرأة من المسلمين قد جاءت إلى سوقهم، فجلست عند صائغ لأجل حلي لها، فأرادوها على كشف وجهها، فأبت. فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت بدت سوأتها، فضحكوا منها، فصرخت، فعدا مسلم على من فعل ذلك بها فقتله، و شدت اليهود على المسلم فقتلوه، ثم كانت الحرب (2).
و قد كان هذا في أوائل سني الهجرة، كما هو معلوم.
5-بل إنهم يذكرون-في قصصهم عن بدء الوحي-: ما يدل على معرفة الناس بالحجاب، و تعاملهم به قبل البعثة أيضا الأمر الذي يشير إلى أن ذلك فيهم من بقايا دين الحنيفية التي كان لها حضور في العرب، و لا سيما في بني هاشم، و من يدور في فلكهم، فقد ذكروا-و إن كنا قد ناقشنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب-: أن خديجة قد عرفت: أن الذي يأتي للنبي
«صلى اللّه عليه و آله» بالوحي هو ملك؛ بأن قد تحسرت، فشالت خمارها، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجرها، فذهب الملك، فلما استترت أتاه (1). فراجع.
6-بل إن نفس حديث الزواج بزينب قد دل على: أن الحجاب كان مفروضا قبل ذلك؛ لأن النصوص ذكرت: أن زينب قالت: «فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد دخل عليّ بيتي، و أنا مكشوفة الشعر، فعلمت أنه أمر من السماء» (2).
7-و في حديث زواج الزهراء «عليها السلام» الذي كان في أوائل الهجرة ما يدل على وجوب الحجاب أيضا، فقد ذكروا: أن أم سلمة أتت بفاطمة الزهراء «عليها السلام» إلى أبيها «صلى اللّه عليه و آله» «فلما وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها، حتى رآها علي «عليه السلام» ، ثم أخذ يدها، فوضعها في يد علي الخ. .» (3).
هذا. . و قد كان الحجاب مفروضا في الديانتين اليهودية و المسيحية، و عند الأمم السالفة، و عند عرب الجاهلية.
و نحن نذكر بعض الشواهد على ذلك فيما يلي:
إن المراجع للكتابين اللذين يقال لهما: العهد القديم، و العهد الجديد، أي ما يسمى ب «التوراة» و «الإنجيل» ، يجد فيهما نصوصا تؤكد على الحجاب، فلاحظ ما يلي:
فمن النصوص الواردة فيما يسمى بالتوراة، أو العهد القديم، ما يلي:
ألف: «قالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟ !
فقال العبد: هو سيدي.
فأخذت البرقع و تغطت» (1).
ب: «و قيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تمنة ليجزّ غنمه. فخلعت عنها ثياب ترمّلها، و تغطت ببرقع، و تلفّفت و جلست في مدخل عينايم، التي على طريق تمنة، لأنها رأت أن شيلة قد كبر الخ. .» (2).
ج: إن تامار «قامت و مضت، و خلعت عنها برقعها، و لبست ثياب ترمّلها» (3).
د: تقول المرأة: «أخبرني يا من تحبه نفسي، أين ترعى عند الظهيرة؟ أين تربض؟ لماذا أنا أكون مقنعة عند قطعان أصحابك» ؟ (4).
ه: و فيه أيضا: أن اللّه سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن، و المباهاة برنين خلاخيلهن، بأن «ينزع السيد في اليوم عنهن زينة الخلاخيل و الضفائر، و الأهلة، و الحلق، و الأساور، و البراقع، و العصائب» (1).
و: و يقول ويل ديورانت: لو أن امرأة نقضت القانون في المجتمع اليهودي بأن خرجت إلى الرجال دون أن تغطي رأسها، أو أنها اشتكت إلى رجل، و رفعت صوتها من دارها حتى سمعوا جيرانها، كان لزوجها الحق في أن يطلقها دون أن يدفع مهرها (2).
ز: و في مقام تهديد المرأة إذا عصت، قال في العهد القديم: «إكشفي نقابك، شمري الذيل، اكشفي الساق، اعبري الأنهار، تنكشف عورتك، و ترى معاريك» (3).
و مما ورد في العهد الجديد قول بولس: إن النقاب شرف للمرأة، «فإن كانت ترخي شعرها فهو مجدلها، لأن الشعر بديل من البرقع» (4).
و لعله يقصد: التستر بالشعر، إذا لم تجد سواه.
قالوا: «و كانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلقى
الغرباء، و تخلعه حين تنزوي في الدار بلباس الحداد» (1).
من الألبسة المشهورة في الجاهلية: الخمار، القناع، البرقع، اللثام. و كانت المرأة في الجاهلية تغطي رأسها بخمار و تقاتل (2).
و نحن نكتفي هنا بإيراد نماذج من الشعر العربي الذي يحمل معه دلالات على موضع الحجاب في الجاهلية، و هي التالية:
1-قال النابغة الذبياني، و كان قد دخل على النعمان بن المنذر، و كانت معه زوجته، فسقط نصيفها، فسترت وجهها بيديها:
سقط النصيف و لم ترد إسقاطهفتناولته و اتقتنا باليد
بمخضب رخص كأن بنانهعنم يكاد من اللطافة يعقد
2-و قال عنترة بن شداد:
و كشفت برقعها فأشرق وجههاحتى كان الليل صبحا مسفرا (3)
3-و قال عنترة أيضا:
و حولك نسوة يدنين حزناو يهتكن البراقع و اللفاعا
4-و قال أيضا:
جفون العذارى من خلال البراقعأحدّ من البيض الرقاق القواطع
5-و قال أيضا:
إن تغدفي دوني القناع فإننيطب بأخذ الفارس المستلئم (1)
6-و قال الفند الزماني المتوفى سنة 95 قبل الهجرة:
يوم لا تستر أنثى وجههاو نفوس القوم تنزو في الحلوق
7-و قال الشنفرى، المتوفى سنة 510 م، يصف زوجته أميمة:
لقد أعجبتني لا سقوطا قناعهاإذا ما شأت أو لا بذات تلفت
8-و قال الحارث اليشكري، المتوفى سنة 50 قبل الهجرة:
فضعي قناعك إن ريبالدهر قد أفنى معدا (2)
9-و من الأمثال المعروفة قولهم: «ذكرني فوك حماري أهلي» .
و هو أن رجلا خرج يطلب حمارين ضلا له، فرأى امرأة متنقبة، فأعجبته حتى نسي الحمارين، فلم يزل يطلب إليها حتى سفرت له، فإذا هي فوهاء (أي واسعة الفم، أو أن أسنانها الطويلة تخرج من بين شفتيها) .
فحين رأى أسنانها ذكر حماريه، فقال: ذكرني فوك حماري أهلي. . و أنشأ يقول:
ليت النقاب على النساء محرمكي لا تغر قبيحة إنسانا (1)
و لنا أن نحتمل: أن يكون العرب قد أخذوا هذا الحجاب من دين الحنيفية، و رأوا أن ذلك ثابت في الديانات الأخرى كاليهودية و النصرانية، و وافق ذلك هوى نفوسهم، و ما لديهم من شعور بالغيرة على النساء، فالتزموا به.
و في المجتمع الإيراني القديم، كان يحرم على المرأة ذات البعل النظر إلى أبيها و إخوتها، و كذلك يحرم عليهم النظر إليها.
و كان نساء الطبقات العليا لا يخرجن من بيوتهن إلا في هوادج مسجفة (2).
و قالوا أيضا: «إن نساء الفرس كن يتحجبن قبل ظهور الإسلام» (3).
و في المجتمع الهندي كان الحجاب و حدوده عسيرا بالنسبة إلى المرأة، و إن كان التاريخ لم يبين لنا بداية نشوء الحجاب في ذلك المجتمع، هل هو قبل الإسلام أم بعده (4).
و المرأة المحترمة لا تستطيع أن تبدي نفسها لغير زوجها و أبنائها، و لا يمكنها الإنتقال خارج دارها إلا مستورة بقناع سميك (1).
و في دائرة المعارف الكبرى: أن النساء في المملكة الرومانية «كن يغالين في الحجاب لدرجة أن الداية-القابلة-لا تخرج من دارها إلا مخمورة (2)، و وجهها ملثم باعتناء زائد، و عليها رداء طويل يلامس الكعبين، و فوق ذلك كله عباءة لا تسمح برؤية شكل قوامها» (3).
قال الدكتور محمود سلام زناتي عن المرأة في التقاليد اليونانية القديمة: «إذا خرجت تلزمها التقاليد بوضع حجاب ثقيل، يخفي معالم وجهها، و أن يرافقها أحد أقاربها الذكور، أو أحد الأرقاء» .
و قالوا عنها: «إنها كانت تحبس في البيت» (4).
و قالوا أيضا: «و لقد كان في وسعها إذا تحجبت الحجاب اللائق بها، و صحبها من يوثق به أن تزور أقاربها و أخصائها، و أن تشترك في الإحتفالات الدينية، و منها مشاهدة التمثيل. أما فيما عدا هذا فقد كان
ينتظر منها أن تقبع في منزلها، و أن لا تسمح لأحد أن يراها من النافذة. و كانت تقضي معظم وقتها في جناح النساء، القائم في مؤخرة الدار. و لم يكن يسمح لزائر من الرجال أن يدخل فيه، كما لم يكن يسمح لها بالظهور إذا كان مع زوجها زائر» (1).
و قالت فتوى صادرة عن مشيخة الأزهر:
«إن حجاب النساء كان معروفا و معمولا به قبل مجيء الإسلام بقرون كثيرة في جميع الأمم المعروفة بالمدينة.
و قد أخذه عنهم اليونانيون و الرومانيون على أقصى ما يعرف عنه من التشديد قبل الإسلام بأكثر من ألف سنة. و كان الإسرائيليون جارين عليه أيضا على عادة معاصريهم الخ. .» (2).
بقي أن نشير: إلى أن تغطية الوجه كانت شائعة في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بعده.
و لهذا الأمر شواهد كثيرة، نذكر مما كان من ذلك في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يلي:
1-قد تقدم: أن تغطية الوجه كان شائعا في الجاهلية.
2-إن سبب حرب الفجار هو أن بعضهم أراد امرأة على كشف وجهها، في قصة شبيهة لما جرى للمرأة التي كانت سببا لحرب قينقاع، فراجع (1).
3-حديث المرأة التي أرادها بنو قينقاع على كشف وجهها، فامتنعت، ثم كانت غزوة بني قينقاع بسبب ذلك (2).
4-زعموا: أن عائشة حينما تخلفت عن الجيش في غزوة المريسيع، و صادفها صفوان بن المعطل خمرت وجهها بجلبابها منه (3).
5-إنه حين زواج علي بالسيدة الزهراء «عليهما السلام» ، جاءت أم سلمة بالصديقة الطاهرة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فكشف الرداء عن وجهها، حتى رآها علي (4).
6-استأذن أعمى على فاطمة «عليها السلام» ، فحجبته.
فقال لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لم حجبته و هو لا يراك؟
فقالت: إن لم يكن يراني، فأنا أراه، و هو يشم الريح.
1) راجع: المنمق ص 163 و الأغاني ج 19 ص 74 و العقد الفريد ج 3 ص 368.
2) راجع: الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب.
3) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 137 و 138 و البداية و النهاية ج 4 ص 3 و 4 و السيرة الحلبية ج 2 ص 208 و المغازي للواقدي ج 1 ص 176.
4) أمالي الطوسي ج 1 ص 41 و البحار ج 43 ص 46 و مسند فاطمة الزهراء «عليها السلام» ص 200-205.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أشهد أنك بضعة مني (1).
7-و استأذن ابن أم مكتوم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عنده حفصة و عائشة، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «قوما، فادخلا البيت» .
فقالتا: إنه أعمى.
فقال: إن لم يكن يراكما، فإنكما تريانه (2).
8-و عن أم سلمة: كنت عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و عنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، و ذلك بعد أن أمر بالحجاب.
فقال: احتجبا.
فقلنا: يا رسول اللّه، أليس أعمى؟ !
قال: أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ ! (3).
1) مسند فاطمة الزهراء «عليها السلام» ص 337 و مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 389 و 381 و البحار ج 43 ص 91 و 92 و ج 100 ص 250 و عن نوادر الراوندي ص 13 و فاطمة بهجة قلب المصطفى ص 258 و العوالم ج 11 ص 123 و إحقاق الحق ج 10 ص 258 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 289 و 182 و في هامشه عن الجعفريات ص 95 و دعائم الإسلام ج 2 ص 214.
2) الكافي ج 5 ص 534 و وسائل الشيعة ج 20 ص 232.
3) وسائل الشيعة ج 20 ص 232 عن مكارم الأخلاق ص 233. و راجع: مسند أحمد ج 6 ص 296 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 102 و ج 4 ص 192 و جوامع الجامع (ط سنة 1420 ه) ج 2 ص 616 و كنز الدقائق ج 10 ص 424 و نور الثقلين ج 4 ص 297 و الكبائر للذهبي ص 177 و غوالي اللآلي ج 2 ص 134 و البحار ج 101 ص 37 و سنن أبي داود ج 2 ص 272 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 92 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 51 و سنن النسائي ج 5 ص 393 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 390 و المعجم الكبير ج 23 ص 302 و كنز العمال ج 5 ص 328 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 12 ص 228 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 294 و الدر المنثور ج 5 ص 42 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 176 -178 و تاريخ بغداد ج 3 ص 227 و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 433-436 و تهذيب الكمال ج 26 ص 182 و 184 و ج 29 ص 313 و سير أعلام النبلاء ج 9 ص 455 و الجمل للمفيد ص 80.
9-و في رواية أخرى: أن فاطمة «عليها السلام» أرادت أن تأتي إلى أبيها، فتبرقعت ببرقعها، و وضعت خمارها على رأسها تريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و لكن في بعض فقرات هذا الرواية إشكال، و إنما أوردناها بناء على أنه لا مانع من الأخذ بمفاد سائر الفقرات، فإن العلماء يأخذون بالفقرات السليمة، خصوصا إذا وجدوا الشاهد و المؤيد لها.
و كانت تتضمن معنى مستقلا لا يتوقف على مضمون الفقرة المشكوك في سلامتها.
10-دخل أبو بكر على الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حين توفي: «و النسوة حوله، فخمرن وجوههن، و استترن من أبي بكر» (2).
11-رووا: أن حمل بن مالك مرّ بأثيلة بنت راشد، و قد رفعت برقعها
عن وجهها، و هي تهش على غنمها، فلما أبصرها، و نظر إلى جمالها أرادها على نفسها، فرفضت. . فجرى بينهما صراع و نزاع، فضربته بفهر شدخت به رأسه فمات.
فاشتكت هذيل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأهدر النبي دمه (1).
12-لما أسلمت هند بنت عتبة في فتح مكة جاءت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كلمته ببعض القول، «و كشفت عن نقابها فقالت: أنا هند بنت عتبة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : مرحبا بك الخ. .» (2).
و ليس في الرواية: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نظر إليها حين سفرت عن وجهها، كما أنه ليس فيها ما يدل على رضاه بكشف وجهها، خصوصا، و أنه لا تزال في موقع العداء له، و يريد «صلى اللّه عليه و آله» أن يتألفها على هذا الدين و يقنعها بالدخول فيه.
13-عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا، و نحن مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه (3).
1) أسد الغابة ج 3 ص 94 و 95 و الإصابة ج 2 ص 259.
2) كتاب التوابين لعبد اللّه بن قدامة ص 122 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 236 و تاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 179 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 255 و المغازي النبوية لموسى بن عقبة ص 359.
3) منتهى المطلب ج 3 ص 791 و تذكرة الفقهاء ج 7 ص 337 و 338 و سنن أبي داود ج 1 ص 412 و الشرح الكبير ج 3 ص 329 و المجموع للنووي ج 7 ص 250 و تلخيص الحبير ج 7 ص 452 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 326 و مسند أحمد ج 6 ص 30 و السنن الكبرى ج 5 ص 48 و نصب الراية ج 3 ص 189 و نيل الأوطار ج 5 ص 70.
14-و في حديث إسلام عكرمة، وردت العبارة التالية: «ثم جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوقف بين يديه، و زوجته متنقبة» (1).
15-و يؤيد ما تقدم: أن أبا طالب حين جاء إلى خديجة وقف خلف الحجاب، فسلمت عليه خديجة (2).
16-و قالت خديجة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حديث الزواج: «ادن مني فلا حجاب اليوم بيني و بينك، ثم رفعت عنها الحجاب» .
إلى أن قال: «عرضوا على خديجة و كانت جالسة خلف الحجاب» (3).
17-و في رواية: استشهد شاب من الأنصار يقال له: خلاد يوم بني قريظة، فجاءت أمه متنقبة، فقيل لها: تتنقبين يا أم خلاد و قد رزئت بخلاد!
فقالت: لئن رزئت خلادا، فلم أرزء حيائي، فدعا له النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال: إن له أجرين لأن أهل الكتاب قتلوه (4).
1) المغازي النبوية لموسى بن عقبة ص 360.
2) البحار ج 16 ص 68.
3) البحار ج 16 ص 52.
4) مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 71 و منتخب كنز العمال ج 1 ص 212 مع اختلاف في ألفاظه. و راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 175 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 165 و كنز العمال ج 3 ص 761 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 531 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 328 و أسد الغابة ج 2 ص 120 و تهذيب الكمال ج 24 ص 56 و المغاريد عن رسول اللّه لأبي يعلى ص 101.
18-و روي أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لفاطمة «عليها السلام» : أي شيء خير للمرأة؟
قالت: أن لا يراها رجل.
فضمها إليه، و قال: ذرية بعضها من بعض (1).
و في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سأل أصحابه هذا
1) هذا الحديث مروي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و عن علي «عليه السلام» ، فراجع نصوصه هذه في: البحار ج 43 ص 84 و 54 و ج 100 ص 239 و ج 101 ص 36 و وسائل الشيعة ج 20 ص 232 و 67 و إحقاق الحق ج 9 ص 202 و 203 عن البزار و ج 10 ص 224 و 226 عن مصادر كثيرة. و راجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 255 و ج 9 ص 203 و كشف الأستار عن مسند البزار ج 3 ص 235 و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 3 ص 153 و 54 عن كنز العمال ج 8 ص 315. و راجع: الكبائر للذهبي ص 176 و دعائم الإسلام ج 2 ص 124 و 215 و 214 و إسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص 171 و 172 و 191 و كشف الغمة ج 2 ص 92 و مكارم الأخلاق ص 233 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 119 و عوالم العلوم ج 11 ص 197 و مقتل الخوارزمي ج 1 ص 62 و حلية الأولياء ج 2 ص 41 و مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 381 و مناقب أمير المؤمنين علي «عليه السلام» للقاضي محمد بن سليمان الكوفي ج 2 ص 210 و 211 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 قسم 3 ص 14 عن المناقب. و الدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة ص 31. و ثمة مصادر كثيرة أخرى ذكر شطرا منها في كتاب عوالم العلوم. و غيره من كتب الحديث و السيرة و التاريخ.
السؤال، قال علي: فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا. .
ثم ذكر: أنه «عليه السلام» رجع و سأل فاطمة عن ذلك. . فأجابته بما تقدم، فرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره.
و في تنبيه الغافلين عن أبي هريرة قال: خرجت ذات ليلة بعد ما صليت العشاء مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإذا أنا بامرأة متنقبة، قائمة على الطريق، فقالت: يا أبا هريرة، إني قد ارتكبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟
فقلت: و ما ذنبك؟
قالت: إني زنيت، و قتلت ولدي من الزنى.
فقلت لها: هلكت و أهلكت و اللّه، ما لك من توبة، فشهقت شهقة خرت مغشيا عليها و مضت.
فقلت في نفسي: أفتي و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بين أظهرنا! ! فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قلت: يا رسول اللّه، إن امرأة استفتتني البارحة بكذا و كذا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إنا للّه و إنا إليه راجعون، أنت و اللّه هلكت و أهلكت أين كنت عن هذه الآية: وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَدْعُونَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لاٰ يَقْتُلُونَ اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ وَ لاٰ يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً، يُضٰاعَفْ لَهُ اَلْعَذٰابُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً، إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً (1).
1) الآيات 68-70 من سورة الفرقان.
قال: فخرجت من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا أعدو في سكك المدينة و أقول من يدلني على امرأة استفتتني البارحة كذا و كذا الخ. . (1).
و قد يقال: إن الرواية الأخيرة تريد أن تنسب إلى علي «عليه السلام» أيضا أنه لم يكن يعرف الإجابة، حتى استفادها من فاطمة الزهراء «عليها السلام» ! ! إن هذا الأمر لا يمكن تصوره في حق باب مدينة علم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من عنده علم الكتاب.
و الجواب: أن النبي و عليا «صلوات اللّه و سلامه عليهما و على آلهما» كانا يريدان إظهار فضل فاطمة «عليها السلام» للناس، و تعريفهم بعلمها، و بطهر ضميرها، و بطريقة تفكيرها.
و الدليل على ما نقول: نفس سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» عارف بما يسأل، و لا يريد أن يستزيد إلى علمه علما، فهو إنما يسأل بهدف إظهار أمر ما لغيره، و بدواع أخرى. .
و على هذا الأساس، فإن عليا لم يكن مكلفا بالإجابة.
و أما قوله «عليه السلام» : فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا، فالمقصود به هو: الحاضرون المسؤولون الحقيقيون. فهو كقوله «عليه السلام» : كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فإن عليا «عليه
1) كتاب التوابين لعبد اللّه بن قدامة ص 105.
السلام» لم يكن يفر من وجه أعدائه، و لكنه يتحدث عن الذين كانوا معه من سائر المسلمين، و لكن لا يليق به أن يخصهم بالذكر؛ لأن ذلك قد يؤذي مشاعر بعضهم. . فآثر أن يطلق الكلام من غير تقييد، على طريقة إطلاق القول بأن أهل البلد الفلاني كرماء، أو شجعان، فإن ذلك لا يعني أن لا يكون فيهم بخيل، أو جبان أصلا، بل هو يدل على أن الغالب على أهل ذلك البلد هو الشجاعة و الكرم.
و كلمة «كلنا» في قوله «عليه السلام» : «فعيينا كلنا» ، جيء بها لتأكيد الشمول لأشخاص الحاضرين معه، المقصودين بالسؤال مع حفظ ماء الوجه لهم بالنحو الذي ألمحنا إليه. .
و من موارد تغطية المرأة وجهها بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نذكر الموارد التالية:
1-حين خطبت الزهراء «عليها السلام» المهاجرين و الأنصار بعد وفاته «صلى اللّه عليه و آله» : «لاثت خمارها على رأسها، و اشتملت بجلبابها، و أقبلت في لمة من حفدتها، و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . حتى دخلت على أبي بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار، و غيرهم، فنيطت دونها ملاءة (يعني ستارا) ، فجلست، ثم أنت أنة، أجهش القوم لها بالبكاء الخ. .» (1).
1) الإحتجاج ج 1 ص 254 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 211 و 250 و بلاغات النساء ص 24 و أعلام النساء ج 4 ص 116 و كشف الغمة ج 2 ص 106 و إحقاق الحق ج 10 ص 299 و الشافي للسيد المرتضى ج 4 ص 69 و 71 و ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 69 و العوالم ج 11 ص 468 و شرح الأخبار ج 3 ص 34 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 77 و شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 105 و البحار (ط قديم) ص 106 و دلائل الإمامة ص 111.
2-و يوم وصول السبايا إلى الشام، يقول الراوي: «خطبت أم كلثوم بنت علي «عليه السلام» في ذلك اليوم، من وراء كلّتها (1)، رافعة صوتها بالبكاء» (2).
3-و حينما حمل السبايا إلى الشام، يقول الراوي: «فلما دخلنا دمشق، أدخل النساء، و السبايا بالنهار، مكشفات الوجوه» (3).
4-و يقول ابن طاووس عن السبايا: «و حمل نساؤه على أطلاس أقتاب، بغير و طاء، مكشفات الوجوه بين الأعداء» (4).
5-و في حديث قتل خالد لمالك بن نويرة في خلافة أبي بكر: يقول الراوي: «فنظر مالك إلى امرأته، و هي تنظر الحرب، و تستر وجهها
1) الكلة: الستار.
2) البحار ج 45 ص 112 عن اللهوف ص 65 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 3 ص 198 و العوالم، حياة الإمام الحسن «عليه السلام» ص 381 و لواعج الأشجان ص 205 و اللهوف في قتلى الطفوف ص 91.
3) البحار ج 45 ص 155 عن أمالي الصدوق المجلس 33 رقم 3 ص 230 و روضة الواعظين ص 191 و العوالم، حياة الإمام الحسين «عليه السلام» ص 395.
4) البحار ج 45 ص 107 عن اللهوف ص 84 و العوالم، حياة الإمام الحسين «عليه السلام» ص 367.
بذراعيها، فقال: إن قتلني أحد، فأنت» (1).
6-و مما قالته السيدة زينب في خطبتها أمام يزيد في الشام:
«أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك و إماءك، و سوقك بنات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سبايا، قد هتكت ستورهن، و أبديت وجوههن، يحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، و يستشرفهن أهل المناقل، و يبرزن لأهل المناهل، و يتصفح وجوههن القريب و البعيد الخ. .» (2).
7-و حين جاء أبو بكر لاسترضاء فاطمة، بعد أن ضربوها، و أسقطوا جنينها، و أخذوا فدكا منها و. . و. . «شدت قناعها، و حولت وجهها إلى الحائط، فدخلا» (3).
8-و دخلت أم كلثوم بنت علي «عليه السلام» على حفصة، و كانت تقيم مجلس غناء، مضادة منها لعلي «عليه السلام» ، «ثم سفرت عن وجهها،
1) الصراط المستقيم ج 2 ص 281 و الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي ص 511.
2) الإحتجاج ج 2 ص 125 و البحار ج 45 ص 158 و 134 و بلاغات النساء ص 21 و اللهوف ص 127 و مثير الأحزان ص 101 و أعلام النساء ج 2 ص 504 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 و العوالم، حياة الإمام الحسين ص 404 و 434 و لواعج الأشجان ص 237 و غير ذلك.
3) البحار ج 43 ص 198 و 199 و ج 28 ص 303 عن كتاب سليم بن قيس ص 249 و العوالم (حياة الزهراء «عليها السلام») ص 222 و اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص 871 و الأنوار العلوية ص 301.
فلما عرفتها حفصة خجلت، و استرجعت» (1).
9-و في حديث عن بنت كسرى يقول النص: «. . فأشار جماعة إلى شهر بانويه بنت كسرى، فخيرت، و خوطبت من وراء الحجاب، و الجمع حضور» (2).
10-و قال ابن التربج الدمشقي:
ببرقعها سترت حسنهافلاح الجمال من البرقع (3)
11-و كان توبة بن الحمير يحب ليلى، و كان يلم بها كثيرا، ففطن أهلها، و استعدوا له، فلاقته ليلى سافرة، ففطن للأمر، فجاء و سلم، و لم يزد، و رجع، و قال قصيدة جاء فيها:
و كنت إذا ما جئت ليلى تبرقعتفقد رابني منها الغداة سفورها (4)
و قد حدثت ليلى هذه الحجاج الثقفي ببعض حديثها مع توبة.
1) البحار ج 32 ص 90 و الجمل ص 149 و مناقب أهل البيت للشيراواني ص 474 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 13 و الدرجات الرفيعة ص 390.
2) البحار ج 46 ص 16 و ج 101 ص 199 و ج 30 ص 134 و دلائل الإمامة للطبري ص 195 و العدد القوية لعلي بن يوسف الحلي ص 57 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 316 و الغارات ج 2 ص 825.
3) تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 22.
4) الأمالي للسيد المرتضى ج 1 ص 146 و التبيان للطوسي ج 10 ص 278 و جامع البيان للطبري ج 30 ص 78 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 66 و تاج العروس ج 5 ص 273.
12-و قال أبو النجم العجلي:
من كل عجزاء سقوط البرقعبلهاء لم تحفظ و لم تضيع (1)
13-و قال أبو حيّة النميري، أو رؤبة بن العجاج، و قد عاشا في عهد الأمويين:
فألقت قناعا دونه الشمس و اتقتبأحسن موصولين، كف، و معصم (2)
14-و لذي الرمة المتوفى سنة 117 ه أشعار ترتبط بهذا الموضوع (3)، و هناك أشعار أخرى لم أتحقق من قائلها، منها ما أنشده سيبويه:
بأعين منها مليحات النقبشكل التجار، و حلال المكتسب (4)
و قال آخر:
جزى اللّه البراقع من ثيابعن الفتيان شرا ما بقينا
يوارين الحسان فلا نراهمو يزهين القباح فيزدهين (5)
و قال الحارث بن الخزرج الخفاجي:
1) أمالي المرتضى ج 1 ص 232 منشورات مكتبة المرعشي و كتاب العين للفراهيدي ج 1 ص 215 و تاج العروس ج 5 ص 273.
2) أمالي المرتضى (منشورات مكتبة المرعشي، قم) ج 2 ص 101 و التبيان ج 1 ص 54 و تفسير مجمع البيان ج 1 ص 80 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 1 ص 161 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 42.
3) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 48 ص 167.
4) راجع: لسان العرب ج 1 ص 762 و تاج العروس ج 1 ص 491.
5) لسان العرب ج 14 ص 361.
سفرت فقلت لها هج فتبرقعتو ذكرت حين تبرقعت هبارا (1)
و بعد. . فإن من الواضح: أن اللّه سبحانه قد أراد لهذا الإنسان أن يعمر الكون، و أن يوصله بكل ما فيه إلى كماله، و قد رسم له من الأحكام و الضوابط السلوكية ما يحفظ له مسيرته في هذا الاتجاه، و ينسجم مع طبيعة تكوينه، و يمكّنه من الوصول إلى هدفه هذا. . و يكون به ضمان سلامته و سلامة كل من يحيط به، أو يتعاطى معه، و يكون له درجة من التأثر به، أو التأثير فيه.
و قد كان لحياة الإنسان الأسرية أو المجتمعية حظ من هذه العناية الإلهية من حيث إسهامها في صناعة و صياغة مكونات شخصيته و خصائصه و حالاته، التي لها تأثير عميق في نشوء قدراته، و تبلور إرادته الفاعلة و المؤثرة في جهده المحفّز للقوى الكامنة، و الذي يسهم في تغيير المسار، ليصبح في هذا الاتجاه أو ذاك.
و كما اقتضت الحكمة الإلهية أن تخضع العلاقة بين الرجل و المرأة في داخل الأسرة و في خارجها لضوابط و معايير إنسانية و أخلاقية، و التزامات و أحكام شرعية لا يصح تجاوزها؛ فإنها اقتضت أيضا أن يكون الطهر و العفاف، و القيم و المبادئ هي الأساس لذلك كله.
و قد ارتكز ذلك كله إلى حقيقة اقتضاها التكوين في نطاق دائرة
1) الصحاح في اللغة ج 1 ص 349 و 850 و لسان العرب ج 5 ص 249 و ج 2 ص 387 و ج 4 ص 481 و تاج العروس ج 3 ص 114 و 347 و 609.
التسبيب، و هي أن مساحات الجمال، و مناشئ و موجبات الإغراء، التي تهيئ للانجذاب الغريزي لدى المرأة، أوفر و أوسع مما هي عليه لدى الرجل، لأن ذلك هو ما تفرضه ضرورة أن تقوم هذه المساحات بوظائفها في تحقيق الانجذاب الغريزي في نطاق ضابطة العفة و الطهر، و الالتزام.
ثم جاءت التشريعات و التوجيهات، و كذلك التربية على القيم و المبادئ و الفضائل، و رفض الرذائل، لتساعد على إبقاء المساحات الجمالية و مواقع الجذب الغرائزي ضمن دائرة السيطرة، لكي تتمكن من القيام بمهماتها في بناء الحياة بصورة صحيحة و سليمة، و على أفضل وجه و أتمه. .
و كان لا بد أن تأتي هذه التشريعات في منتهى الدقة، و الشمولية؛ لأنها تعنى بإبعاد كلا الجنسين-ما داما خارج دائرة الإباحة الشرعية-عن الأجواء الغرائزية، حتى على مستوى الوهم و التخيل لأية علاقة غير سليمة، و إزالة أية درجة من درجات الإثارة التي لا تخضع للالتزامات و الضوابط المفروضة من ناحية الشارع المقدس.
من هنا نجد: أن فاطمة الزهراء «عليها السلام» لا ترضى بدخول الأعمى إلى مجلسها، لأنها تراه، و لأنه يشم الريح. . كما أن الشارع الحكيم قد كره للرجل أن يجلس في الموضع الذي تقوم عنه المرأة قبل أن يبرد، و هذا بحد ذاته يكفي للتعريف بما يرمي إليه الشارع، حين فرض على المرأة ستر مساحات الجمال و الإغراء في جسدها عن نظر الرجل.
و قد جاء تغطية الوجه أيضا في هذا السياق.
و من الأمور الجديرة بالتأمل هنا: هذا الود و المحبة بين عائشة و زينب بنت جحش، رغم أن زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب كان في بداية الأمر قد ثقل على عائشة، و قد أقلقها و أهمها هذا الأمر، و أخذها منه ما قرب و ما بعد. .
و قد اعترفت عائشة بامتياز زينب عليها في بيت الزوجية، و أنها هي التي كانت تساميها من بين سائر نسائه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لكن سرعان ما انقلبت الأمور، و أصبحت زينب في موقع الحظوة لدى عائشة، و صارت تمدحها بقولها: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب، و أتقى للّه، و أصدق حديثا، و أوصل للرحم، و أعظم أمانة و صدقة (1).
1) أسد الغابة ج 5 ص 465 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 316 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 213 و 214 عن صحيح مسلم، في فضائل الصحابة. و مسند أحمد ج 6 ص 151 و حياة الرسول و فضائله ص 208 و حلية الأولياء ج 2 ص 53 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 283 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 203 و السيرة الحلبية ج 3 ص 321 و البداية و النهاية ج 4 ص 148 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 414 و روح البيان ج 7 ص 181 و صحيح مسلم ج 7 ص 136 و سنن النسائي ج 7 ص 66 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 299 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 46 و المعجم الكبير ج 9 ص 88 و عيون الأثر ج 2 ص 387 و السمط الثمين ص 128.
و حين ماتت قالت عائشة: لقد ذهبت حميدة، متعبدة، مفزع اليتامى و الأرامل (1).
و رغم أن المفروض: أن حديث الإفك الذي نسبته عائشة إلى نفسها، طمعا في استلاب آيات الأفك من صاحبتها الحقيقية لتستأثر بها عائشة، رغم أن هذا الحديث كان-حسب زعم عائشة-في غزوة المريسيع، و كان زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بزينب-حسب أقوال المؤرخين-بعد المريسيع، فإن عائشة قد غفلت عن هذه النقطة بالذات، و منحت زينب بنت جحش أوسمة شرف و نبل من خلال ما زعمته من موقف لها في نفس حديث الإفك، حيث زعمت: أن حمنة بنت جحش طفقت تحارب لأختها، أما زينب نفسها، فقد سألها النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عائشة، فعصمها اللّه بالورع، فراجع: ما ذكرناه في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب. .
و ثمة مدائح أخرى سطرتها عائشة لزينب بنت جحش. . يجدها المتتبع لكتب الحديث و غيرها. .
غير أن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو:
لماذا هذا الحب من عائشة لزينب بنت جحش؟ ! خصوصا بعد ذلك الخوف و الوجل منها لما كان يبلغها عن جمالها! ! هل لأنها قد أدركها الخشوع
1) الإصابة ج 4 ص 314 و أنساب الأشراف ج 1 ص 435 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 110 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 203.
و تجلببت بالتقوى، و ألحت عليها دواعي الإنصاف و الاعتراف بالحق لأهل الحق؟ !
أم أن ثمة سرا آخر؟ !
إن الحقيقة هي: أن عائشة هذه المرأة الجريئة و الطموح، و التي استطاعت أن تشن حربا على أقدس و أعظم شخصية بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و التي كانت مفتاحا لجرأة معاوية و غيره على الوصي، و أخي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ابن عمه، حتى شنوا الحروب عليه-إن عائشة-قد وجدت في زينب بنت جحش بعض بغيتها، فكانت النصير و المساعد لها على تمرير بعض مشاريعها في إثارة أجواء تخدم مصالحها المستقبلية و الآنية على حد سواء! !
إن هذا الاحتمال الأخير هو الذي نرجحه، و نميل إليه؛ لأن تاريخ زينب في بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يشير إلى أنها لم تكن في إخلاصها و في سلوكها بمستوى أم سلمة، و لا هي مثل ميمونة بنت الحارث، أو مارية و لم تكن تهتم كثيرا لالتزام جانب الهدوء و السكينة، و البحث عما يرضي اللّه و رسوله. .
و قد كانت عائشة تبحث عن هذا النوع من الناس لمساعدتها في مشاريعها و في الوصول إلى أهدافها، و تحقيق طموحاتها.
و مما يؤكد على أن زينب قد كانت كذلك هو النصوص التالية:
1-روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن زينب قالت لرسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تعدل، و أنت رسول اللّه؟ !
و قالت حفصة: إن طلقنا وجدنا أكفاءنا من قومنا.
فاحتبس الوحي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عشرين يوما. فأنف اللّه عز و جل لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ. . إلى قوله أَجْراً عَظِيماً .
قال: فاخترن اللّه و رسوله (1).
2-و روي عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : أن زينب بنت جحش قالت: يرى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إن خلى سبيلنا أن لا نجد زوجا
1) البحار ج 22 ص 213 و 220 و ج 98 ص 165 و الكافي ج 6 ص 138 و 136 و 139 و البرهان ج 3 ص 307 و نور الثقلين ج 4 ص 265 و 266 و كنز الدقائق ج 10 ص 364 و تفسير الصافي ج 4 ص 185 و 198 و التفسير الأصفى ج 2 ص 990 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 517 و الإستبصار ج 3 ص 313 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 88 و وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 22 ص 93 و مستدرك الوسائل ج 15 ص 310 و 311 و غوالي اللآلي ج 1 ص 307 و 377 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 53 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 492 و كنز العمال ج 2 ص 482 و التبيان ج 8 ص 334 و مجمع البيان ج 8 ص 176 و فقه القرآن للراوندي ج 2 ص 118 و جامع البيان ج 21 ص 190 و ج 22 ص 33 و أحكام القرآن ج 3 ص 482 و زاد المسير ج 6 ص 210 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 489 و تفسير الجلالين ص 650 و الدر المنثور ج 5 ص 194 و 212 و لباب النقول ص 161 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 345 و فتح القدير ج 4 ص 296 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 180 و أسد الغابة ج 1 ص 33.
غيره. و قد كان اعتزل نساءه تسعا و عشرين ليلة.
فلما قالت زينب الذي قالت: بعث اللّه عز و جل جبرئيل إلى محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً، وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً الآيتين كلتيهما.
فقلن: بل نختار اللّه و رسوله، و الدار الآخرة (1).
3-و عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: إن زينب بنت جحش قالت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تعدل، و أنت نبي؟ ! .
فقال لها: تربت يداك، إذا لم أعدل فمن يعدل؟
قالت: دعوت اللّه يا رسول اللّه، ليقطع يداي (يدي) ؟
فقال: لا، و لكن لتتربان.
فقالت: إنك إن طلقتنا وجدنا في قومنا أكفاءنا، فاحتبس الوحي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . ثم ذكر نزول آية التخيير لهن (2).
1) البحار ج 22 ص 219 و راجع ص 212 عن الكافي ج 6 ص 138 و البرهان في تفسير القرآن ج 3 ص 307 و نور الثقلين ج 4 ص 265 و كنز الدقائق ج 10 ص 364 و تفسير الميزان ج 16 ص 315 و جامع البيان ج 21 ص 190 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 489.
2) البحار ج 22 ص 213 و 220 و الكافي ج 6 ص 139 و تفسير البرهان ج 3 ص 307 و نور الثقلين ج 4 ص 266 و كنز الدقائق ج 10 ص 364 و 465 و تفسير الصافي ج 4 ص 185 و التفسير الأصفى ج 2 ص 990 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 517.
4-قال ابن الأثير: «و هجرها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و غضب عليها لما قالت لصفية بنت حيي: تلك اليهودية. فهجرها ذا الحجة، و المحرم، و بعض صفر، و عاد إلى ما كان عليه» (1).
5-و عن ميمونة بنت الحرث: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رهط من المهاجرين يقسم ما أفاء اللّه عليه، فبعثت إليه امرأة من نسائه، و ما منهم إلا ذا قرابة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما عم أزواجه عطيته، قالت زينب بنت جحش: يا رسول اللّه، ما من نسائك امرأة إلا و هي تنظر إلى أخيها، أو أبيها، أو ذي قرابتها عندك، فاذكرني من أجل الذي زوجنيك.
فأحرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قولها، و بلغ منه كل مبلغ. فانتهرها عمر.
فقالت: أعرض عني يا عمر، فو اللّه، لو كانت بنتك ما رضيت بهذا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أعرض عنها يا عمر، فإنها أواهة. فقال رجل: يا رسول اللّه، ما الأواه؟
قال: الخاشع المتضرع (2).
و نقول:
ألف-إن اتهام زينب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه لا يعدل قد جاء بأسلوب مفعم بالتعنيف، يجعلنا نتساءل عن مدى صفاء نظرتها لمقام النبوة الأقدس، و عن حقيقة اعتقادها بعصمة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» .
كما أن الأغرب من ذلك، هو جرأتها هي و حفصة على التفوه بأمر هو في غاية القبح في نفسه، فكيف إذا كان موجها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و بطريقة تشير إلى أنها لا تهتم بطلاقه «صلى اللّه عليه و آله» لها، و ترى أنه كغيره من الناس ممن وصفتهم بالأكفاء؟
ثم جاءت الآية الكريمة لتعطي هذه و تلك الخيار في اتخاذ القرار، و ذلك بأسلوب رفيق و هادئ، ليقدم النموذج و الأمثولة لنا في تعاملنا مع هذا النوع من الناس، رغم كل هذه المرارة، و كل هذا الأذى، و ليقول لنا: إنه لا بد من أن نتعامل مع الناس بأخلاقنا، و من خلال قيمنا و مبادئنا، لا بردود الأفعال التي يفرضها حجم الأذى اللاحق بنا من قبلهم. . خصوصا، و أن الكثيرين من الناس لا يدركون بدقة حجم جرائمهم، و تأثير أفعالهم على غيرهم، فهم يتصرفون مع أهل المبادئ و القيم، و مع أصحاب النفوس الكبيرة بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع الذين هم على العكس من ذلك، و هم يكلمون النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» كما يكلمون الجاهل و الذميم.
ب-إن التحريف في الرواية الأخيرة ظاهر للعيان، فقد أكدت زينب على أنها لا ترضى بقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي تتهمه بما
أوجب له ألما و حرقة، ثم تصر على موقفها هذا رغم اعتراض عمر عليها.
و لكن ذيل الرواية يقول: إن النبي دافع عن زينب، و منحها و ساما عظيما، لا يناسب هذا الموقف. . بل هو مناقض له، حيث وصفها بأنها أواهة، أي خاشعة متضرعة! ! فهل الخاشع المتضرع الأواه يمكن أن يتهم نبيه بأنه لا يقسم قسمة عادلة؟ ! و يرفض الرضا بفعل هذا النبي! ! و يخاطبه بكلام محرق، يبلغ منه كل مبلغ؟ ! . .
و قد ذكر في تفسير القمي: أنه لما رجع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أحد استقبلته زينب بنت جحش، فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : احتسبي.
فقالت: من يا رسول اللّه؟ !
قال: أخاك.
قالت: إنا للّه، و إنا إليه راجعون. هنيئا له الشهادة.
ثم قال لها: احتسبي.
قالت: من يا رسول اللّه؟ !
قال: حمزة بن عبد المطلب.
قالت: إنا للّه، و إنا إليه راجعون. هنيئا له الشهادة.
ثم قال لها: احتسبي.
قالت: من يا رسول اللّه؟ !
قال: زوجك مصعب بن عمير.
قالت: وا حزناه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن للزوج عند المرأة لحدا ما لأحد مثله الخ. . (1).
و نقول:
إن الصحيح هو: «حمنة بنت جحش» لا زينب، لأن حمنة هي التي كانت تحت مصعب بن عمير، ثم خلف عليها طلحة. كما يعلم بالمراجعة لكتب التاريخ و التراجم.
و روي أن زينب كان اسمها برة-بالفتح-و كان اسم أبيها: برة- بالضم-فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لو كان أبوك مؤمنا لسميته باسم رجل منا.
و لكني قد سميته جحشا (2).
1) تفسير القمي ج 1 ص 124 و البحار ج 20 ص 64 عنه و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 319 و 344 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 338.
2) تاريخ الخميس ج 1 ص 501 عن الدار قطني، و حياة الحيوان. و راجع في تغييره «صلى اللّه عليه و آله» لاسم برة بزينب: أسد الغابة ج 5 ص 468 و 494 و عيون الأثر ج 1 ص 237 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 14 ص 165 و الإصابة ج 4 ص 313 و 265 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 314 و تاريخ الإسلام (المغازي) (ط سنة 1410 ه) ص 256 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 283، و راجع: شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 412 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 201 و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و البداية و النهاية ج 4 ص 148 و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 430 و 459 و سنن الدارمي ج 2 ص 295 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 117 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 173 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1230 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 307 و مقدمة فتح الباري ص 332 و عن فتح الباري ج 10 ص 475 و مسند أبي داود الطيالسي ص 321 و مسند ابن أبي الجعد ص 194 و المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 158 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 113 و ج 4 ص 40 و 93 و صحيح ابن حبان ج 13 ص 144 و الأذكار النووية ص 291 و فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 6 ص 528 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 461.
و يظهر من كلام بعضهم: أن السبب في تغيير اسمها هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خشي أن يقال: خرج من عند برة (1).
و هذا الأمر كما ينسحب على زينب فإنه ينسحب على غيرها أيضا.
فلماذا لا يخشى أن يقال: خرج من عند جويرية مثلا؟ !
و مثل ذلك قيل بالنسبة لبرة بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، ربيبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث زعموا: أنه غيّر اسمها إلى زينب (2).
و كذا الحال بالنسبة: لميمونة بنت الحارث الهلالية حيث غيّر اسمها من برة إلى ميمونة، و برة بنت الحارث المصطلقية، فإنه «صلى اللّه عليه و آله»
سماها جويرية (1).
و نقول:
أولا: قد كانت هناك نساء أخريات اسمهن برة، فلماذا لم يغير النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسماءهن؟ مثل برة بنت عامر بن الحارث بن السباق، بن عبد الدار بن قصي، و كانت من المهاجرات.
و برة بنت أبي تجراة (2).
و برة بنت سفيان السلمية (3).
ثانيا: إن ما ذكروه سببا لهذا التغيير لا يمكن قبوله. .
إذ لماذا يخشى أن يقال: خرج من عند برة.
و لا يخشى أن يقال: خرج من عند ميمونة مثلا، فإنه إذا كانت مفارقة
1) الإصابة ج 4 ص 250 و عيون الأثر ج 2 ص 305 و 308 و الصحيح من سيرة النبي ج 12 ص 259(الفصل الثاني: جويرية بنت الحارث) و ما بعده عن مصادر أخرى، و مسند الحميدي ج 1 ص 232 و مسند ابن راهويه ج 4 ص 35 و نصب الراية ج 6 ص 550 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 119 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 210 و عن الإصابة ج 8 ص 77.
2) راجع: أسد الغابة ج 5 ص 409 و الإصابة ج 4 ص 251 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 52 و 54 و 70 و طبقات الكبرى ج 8 ص 108 و ج 8 ص 42 و 246 و الثقات ج 3 ص 39 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 145 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 44 و عيون الأثر ج 1 ص 47 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 375 و ج 2 ص 228 و ج 5 ص 242.
3) الإصابة ج 4 ص 251 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 469 و تهذيب الكمال ج 35 ص 211.
البرة غير محمودة، فإن مفارقة الميمونة أيضا غير ميمونة و لا محمودة.
ثالثا: لو قبلنا هذا التعليل، فإن السؤال يبقى قائما بالنسبة لاسم أبيها الذي قيل إنه: «برّة» -بضم الباء-حيث صرح «صلى اللّه عليه و آله» : بأن هذا الاسم غريب عن مجتمع أهل الإيمان و الإسلام، و رسومه، حيث يزعمون أنه قال: «لو كان أبوك مؤمنا لسميته باسم رجل منا» .
و نقول:
أي عيب في إسم «برّة» ليتصدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لتغييره؟ و ما الذي جعل اسم «جحش» مقبولا اكثر من غيره حتى استحق التقديم على الاسم الآخر؟ !
و ما هو المعيار الذي يجعل هذا من ذاك، أو من غيره؟ !
و كيف يمكننا التمييز بينهما؟ !
رابعا: هل غيّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أسماء آباء سائر نسائه؟
أم أنه اقتصر على تغيير اسم أبي زينب دون سواه؟ !
و لماذا دون سواه؟ !
بل هل غيّر اسم أحد من المشركين غيره؟
و ما فائدة تغيير اسمه و هو مشرك، و قد مات منذ زمان؟ !
و قد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جمع نساءه، لم يغادر منهن
واحدة (1)و قال لهن-كما تروي عائشة-: أوّلكن (أو أسرعكن) لحاقا بي أطولكن يدا.
قالت: فكن يتطاولن أيهن أطول يدا.
و عند البخاري و غيره: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نمد أيدينا في الجدار، نتطاول.
فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، و كانت المرأة امرأة قصيرة، و لم تكن بأطولنا؛ فعرفنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أراد طول اليد بالصدقة (2).
و في نص آخر: أخذن قصبة يذر عنها (3).
و نقول:
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 321 و شرح الأخبار ج 3 ص 520 و البحار ج 37 ص 67 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 142 و شرح سنن النسائي ج 5 ص 67 و حاشية السندي على النسائي ج 5 ص 66 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 130 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 45.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 203 و في هامشه عن البخاري ج 3 ص 226 و عن مسلم 2453 و السيرة الحلبية ج 3 ص 321 و مستدرك الحاكم ج 4 ص 25 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 436 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 292 و البداية و النهاية ج 4 ص 292 و 149 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 414 و كنز العمال ج 13 ص 700 و المعجم الكبير ج 24 ص 50 و فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 3 ص 666 و عن الإصابة ج 8 ص 154.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 321 و شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج 1 ص 292.
أولا: قد زعموا أيضا: أن المقصود بهذا القول هو زينب بنت خزيمة. . و قد تحدثنا عن ذلك في الجزء الثامن من هذا الكتاب، في فصل: عبرة و مناسبة، فراجع.
ثانيا: إننا نشك في صحة هذه الرواية، فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يحثّهن على الصدقة، فلماذا يخاطبهن بطريقة لا يفهمنها؟ !
ثالثا: هناك العديد من الأسئلة حول هذا الموضوع: إذ لماذا لم يبادرن إلى التذارع على الجدار في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه كما صرحت به رواية البخاري؟ !
و إذا كن قد فعلن ذلك في حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل كان يعلم بصنيعهن هذا؟ !
فإن كان يعلم بذلك:
فما هو الشعور الذي كان ينتابه؟
و لماذا لم يوضح لهن ما أراد؟
و من جهة أخرى: لماذا لم تعلن لنا عائشة نتائج ذلك السباق؟ فلم تعرّفنا من هي التي ظهر أنها أطول يدا من سائرهن! !
و ألا يحتمل أن يكون هذا الحديث-لو كان صحيحا-قد جاء على سبيل النكتة، و إثارة السخرية برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بنسائه؟ !
و الأهم من ذلك كله. . كيف صار موت زينب أولا، سببا في معرفتهن بالمراد من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : أطو لكن يدا؟
و لماذا لم يزد ذلك في حيرتهن؟ !
و إذا كان الأمر كذلك: فلماذا لم يسألن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
نفسه عن مقصوده، ليعيّن لهن أحد الاحتمالين في هذه الكلمة؟ ! لكي تزول حيرتهن، و ينتهي الأمر. .
و بعد، فهل من المعقول و المقبول: أن يبقى هؤلاء النسوة يتذار عن كل هذه السنين الطويلة، و لا ينقلن هذا الحديث لأحد من الناس، لا من الأقرباء، و لا من الأصدقاء، و لا من البعداء، ليدلهن على معنى قوله «صلى اللّه عليه و آله» . . حتى بقي ذلك كله سرا مكنونا عندهن؟ !
و من الذي قال: إن المقصود باللحاق به «صلى اللّه عليه و آله» هو الموت بعده، فلعل المقصود هو اللحاق به في الدرجات. . فتكون زينب بنت خزيمة أم المساكين هي المقصودة؟ !
و أخيرا نقول:
إننا نشك في صحة هذه الرواية من أساسها، فإن التي تجترئ على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تتهمه بأنه لا يعدل، و تؤذيه بما قدمناه تحت عنوان: علاقة عائشة بزينب، لا تستحق و ساما كهذا و لا ما هو دونه. .
و قد ذكر المؤرخون: أن زينب بنت جحش قد ماتت سنة عشرين.
و زعموا: أنها أول امرأة جعل على نعشها قبة. أو أنها أول امرأة صنع لها النعش (1)وفقا لما قالته لها أسماء بنت عميس عن النعوش التي رأتها في
1) راجع: أسد الغابة ج 4 ترجمة زينب، و السيرة الحلبية ج 3 ص 320 و تفسير الماوردي ج 4 ص 408، و دلائل النبوة للبيهقي ج 7 ص 285 و البداية و النهاية ج 4 ص 149 و عون المعبود ج 8 ص 338 و 337 عن تحفة المحتاج لابن حجر المكي، و عن مغني المحتاج للخطيب، و عن محاضرة الأوائل.
أرض الحبشة (1).
و الصحيح هو: أن أول من جعل على نعشها قبة، هي فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، و لذلك أضاف الحلبي و غيره هنا عبارة: «أي بعد فاطمة» (2).
و عبارة الزرقاني: أنها-أي زينب-أول من جعل على جنازتها نعش من أزواجه «صلى اللّه عليه و آله» (3).
و بذلك يكون: قد احتفظ لفاطمة «عليها السلام» بأوليتها في ذلك بالنسبة إلى سائر النساء.
قال البيهقي: «و ما قيل: إن ذلك أول ما اتخذ في جنازة زينب ابنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو باطل» (4).
و على حد تعبيرهم: إن الصحيح هو: أن أول من اتخذ لها النعش في الإسلام، و غطي نعشها هي فاطمة الزهراء «عليها السلام» .
و قد روي ذلك: بسند صحيح عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضا (5).
1) البحار ج 22 ص 203 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 49 و 50.
2) عون المعبود ج 8 ص 338 عن أسد الغابة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 320.
3) شرح المواهب اللدنية ج 4 ص 415.
4) عون المعبود ج 8 ص 338.
5) الكافي ج 3 ص 251 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 124 و تهذيب الأحكام ج 1 ص 469 و دعائم الإسلام ج 1 ص 232 وفقه الرضا ج 5 ص 189 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 379 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 28 و البداية و النهاية ج 6 ص 38 و الجعفريات ص 205 و كتاب سليم بن قيس ص 255 و 249 و 250-254 و 282 و ج 43 ص 213 و 189 و السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و الحدائق الناضرة (ط سنة 1413 ه) ج 4 ص 81 و الوسائل أبواب الدفن باب 52 و باب 10 ج 3 ص 220 و 221 و كشف الغمة ج 1 ص 503 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 359-361 و البحر المحيط ج 7 ص 247.
و ذلك أنها قالت لأسماء: استقبحت ما يصنع بالنساء، فيطرح على المرأة الثوب، فيصفها لمن رأى (1).
«و إني لأستحي من جلالة جسمي إذا أخرجت على الرجال غدا، فكيف أحمل على أعناق الرجال مكشوفة؟
و كيف ينظر الرجال إلى جثتي على السرير إذا حملت؟
فلا تحمليني على سرير ظاهر» (2).
فقالت: لا لعمري، و لكن أصنع لك نعشا، كما رأيت يصنع بالحبشة.
قالت: فأرينيه.
فدعت بسرير فأكبته لوجهه، ثم دعت بجرائد، فشدته على قوائمه، ثم
1) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 503 و حلية الأولياء ج 2 ص 43 و الحدائق ج 4 ص 81 و 82، و المغني لابن قدامة ج 2 ص 543 و الإستيعاب ج 4(ترجمة فاطمة) و البحار ج 78 ص 256 و عون المعبود ج 8 ص 337 و 338 و 339 و شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 415.
2) راجع: دعائم الإسلام ج 1 ص 232 و تاريخ المدينة المنورة ج 1 ص 108 و وسائل الشيعة (الإسلامية) ج 2 ص 876 و البحار ج 43 ص 189 و ج 75 ص 250 و الذرية الطاهرة النبوية ص 111 و عن كشف الغمة ج 2 ص 126 و اللمعة البيضاء ص 865.
جللته ثوبا.
(فتبسمت، و ما رؤيت متبسمة-أي بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» -إلا يومئذ.
فقالت: ما أحسن هذا و أجمله، لا تعرف به المرأة من الرجل) اصنعي لي مثله. سترتني، سترك اللّه من النار.
فاتخذ بعد ذلك سنّة (1).
بل في بعض الروايات: أن الملائكة أيضا كانت قد صورت لها ذلك النعش (2).
و يلاحظ هنا: أن ابن أبي الحديد قد بذل محاولة فاشلة للتشكيك في هذا الأمر، حين قال: «و الثبت في ذلك: أنها زينب؛ لأن فاطمة دفنت ليلا، و لم
1) راجع: تاريخ المدينة المنورة ج 1 ص 108 و وفاء الوفاء ج 3 ص 905 و 903 و كشف الغمة ج 2 ص 67 و التتمة في حياة الأئمة ص 90 و 91 و راجع: الذرية الطاهرة ص 112 و البحار ج 78 ص 255 و ج 43 ص 204 و دعائم الإسلام ج 1 ص 232 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 50 عن أبي نعيم و السنن الكبرى ج 4 ص 34 و حلية الأولياء ج 2 ص 43 و التهذيب للطوسي ج 1 ص 469.
2) روضة الواعظين ص 151 و البحار ج 78 ص 253 و راجع: ص 254 و ج 43 ص 192 و 199 و 206 و 204 و ج 81 ص 256 عن فقه الرضا، و عن سليم بن قيس، و عن علل الشرايع ج 1 ص 177-180 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 116.
يحضرها إلا علي، و العباس، و المقداد، و الزبير» (1).
و يرد عليه: أنه لا يحل للزبير و المقداد أن ينظرا إليها، فلماذا لا يكون النعش لأجل الستر عنهما؟ !
و قال البلاذري: «. . قالوا: و أوصت زينب أن تحمل على السرير الذي كان قد حمل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحملت عليه، و عليه حمل أبو بكر (رض) ، و كان الناس يحملون عليه، فلما كان مروان منع أن يحمل عليه إلا الرجل الشريف، و فرّق في المدينة سررا» (2).
فهذا الحديث و إن كان يدل على أن زينب لم تكن أول من حمل على النعش، و لم يصنع النعش لأجلها.
و لكننا نشك في صحة قوله: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حمل عليه، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دفن في الموضع الذي توفي فيه. و لم ينقل من مكان إلى مكان ليحتاج إلى النعش.
عن الشعبي: أنه حين ماتت زينب، أرسل عمر إلى أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يقول: من يدخلها قبرها؟
فقلن: من كان يراها في حياتها، فليدخلها قبرها (3).
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 280.
2) أنساب الأشراف ج 1 ص 436.
3) مجمع الزوائد ج 9 ص 248 عن الطبراني، و رجاله رجال الصحيح. و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 204 و المعجم الكبير ج 24 ص 50 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 37 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 480 و كنز العمال ج 15 ص 712 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 111 و علل الدار قطني ج 2 ص 18 و نصب الراية ج 2 ص 267 و تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 85.
و في نص آخر: أن عمر أراد أن يدخل قبر زينب بنت جحش، فأرسل إلى أزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلن: إنه لا يحل لك أن تدخل القبر، و إنما يدخل القبر من كان يحل له أن ينظر إليها و هي حية (1).
و نقول:
إن ما يثير الدهشة حقا ههنا أمران:
أحدهما: أن يجهل عمر هذا الحكم البديهي، الذي يعرفه كل مسلم، و هو أن الرجل الأجنبي، الذي لا تربطه بالمرأة-سواء في ذلك زينب بنت جحش أم غيرها-أية رابطة من نسب أو سبب، تجعله من محارمها، لا يجوز له أن يتولى منها ما يتولاه المحارم. .
الثاني: أن تصديه لهذا الأمر الذي يرتبط بإحدى زوجات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتضمن جرأة كبيرة على مقام الرسول العظيم، و فيه إقدام على هتك حرمة النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» .
و نحن لا ندري لماذا كان ذلك منه؟ و لعل الفطن الذكي يدري.
و قال البيضاوي: « . . وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ. . منزلات منزلتهن في
1) كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 702 عن ابن سعد.
التحريم، و استحقاق التعظيم. و فيما عدا ذلك فكالأ جنبيات» (1).
و قال الصالحي الشامي: «و يقال لأزواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أمهات المؤمنين الرجال، دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق: أن امرأة قالت لعائشة: يا أمه.
فقالت: لست لك بأم؛ إنما أنا أم رجالكم.
فبان بذلك أن معنى الآية: أن الأمومة في الأمة المراد بها تحريم نكاحهن على التأبيد، كالأمهات» (2).
لكن المروي عن أم سلمة رحمها اللّه يناقض ذلك، فقد روي أنها قالت: أنا أم الرجال منكم و النساء (3).
و نقول:
1) راجع: أنوار التنزيل للبيضاوي ج 4 ص 158.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 146 و راجع: تفسير الماوردي ج 4 ص 375 و زاد المسير لابن الجوزي ج 6 ص 182 و مسانيد أبي يحيى الكوفي ص 84 و مسند أحمد ج 6 ص 146 و أنوار التنزيل للبيضاوي ج 4 ص 158 و الدر المنثور ج 6 ص 567 عن ابن سعد، و ابن المنذر، و البيهقي في سننه. و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 3 ص 477. و راجع الحديث، أو ما بمعناه أيضا في: الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 123 و روح البيان للآلوسي ج 7 ص 139 و أنوار التنزيل ج 3 ص 158 و فتح القدير ج 4 ص 263 و السنن الكبرى ج 7 ص 70 و إكمال الكمال ص 136 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 64 و 67 و 179 و 200.
3) الدر المنثور ج 4 ص 179 و ج 5 ص 183 و فتح القدير ج 4 ص 263 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 179 و 200.
أولا: إن التعبير القرآني: . . وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ. . لم يصرح اللّه تعالى فيه بما أراده من حكمه بكونهن كالأمهات، غير أن القدر المتيقن هو أنهن مثل الأمهات من حيث حرمة التزويج بهن. و كل زيادة على ذلك تحتاج إلى شاهد و دليل فما هو الدليل، أو فقل: أية قرينة جعلت البيضاوي و جماعات كثيرة من أهل نحلته يزيدون على ذلك عبارة: «و استحقاق التعظيم» ؟ ! فإنها زيادة لا شاهد لها، و لا دليل يساعدها.
ثانيا: إن قول عائشة: لسنا أمهات النساء، يدفع هذا التفسير الذي ذكره البيضاوي و الصالحي الشامي و غير هما لهذه الآية المباركة، إذ لو كانت أما في استحقاق التعظيم لشملت الآية النساء و الرجال.
ثالثا: بالنسبة لكلام أم سلمة، نقول: لعلها رحمها اللّه قد نظرت إلى جانب التعظيم الذي يتبع العمل الذي تعمله زوجات النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك من حيث استحقاقهن للتعظيم من خلاله. . أو من حيث الحرمان منه.
فأم سلمة ترى: أنها تستحق التعظيم من النساء و الرجال، تماما كما يعظم الناس أمهاتهم، لأنها رحمها اللّه تعامل الناس، و تحبهم، و تسعى في حفظهم و تدبير أمورهم كما تعامل الأم أولادها.
بخلاف عائشة، فإنها لم تظهر للناس شيئا من هذا الحب و الرعاية، بل هي قد ضربت الناس بعضهم ببعض، و قتل بسببها المئات و الألوف، وسعت في حرمانهم من رعاية من هو بمثابة الأب لهذه الأمة كما قال رسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنا و علي أبوا هذه الأمة (1).
فأمومة عائشة للناس تختص بالرجال، لأنها أمومة تقتصر على الناحية التشريعية لحرمة الزواج منها، و ليست هي كأم سلمة-في رعايتها و محبتها للناس-لكي تستحق التعظيم من النساء و الرجال على حد سواء، كما استحقته أم سلمة. .
1) تفسير البرهان ج 1 ص 369 عن الفائق للزمخشري، و عن ابن شهر آشوب، و تفسير الميزان ج 4 ص 357 عنه، و عن العياشي، و البحار ج 16 ص 95 و ج 40 ص 45 و ج 23 ص 440 و معاني الأخبار ص 52 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 85 و علل الشرائع ص 137 و لسان الميزان ج 2 ص 40 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 235 و الأمالي للصدوق ص 755 و روضة الواعظين ص 322، و راجع: كنز الفوائد ص 266 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 300 و الصراط المستقيم ج 1 ص 242 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 74 و إختيار معرفة الرجال (الطوسي) ج 1 ص 233 و نهج الإيمان (ابن جبر) ص 629 و تأويل الآيات ج 1 ص 128 و عن ينابيع المودة ج 1 ص 370.
الفصل الأول: غزوة بني لحيان الفصل الثاني: غزوة ذي قرد (الغابة) الفصل الثالث: سبع سرايا. . الفصل الرابع: سرايا أخرى قبل الحديبية الفصل الخامس: بعوث و سرايا قبل خيبر الفصل السادس: حديث الإستسقاء. .
و في ربيع الأول من السنة السادسة، و عند ابن إسحاق في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من غزوة بني قريظة كانت غزوة بني لحيان.
فقد ذكروا: أنه بعد ما جرى لعاصم بن ثابت، و حبيب بن عدي، و غير هما ممن قتلتهم هذيل، أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن ينتقم من تلك القبائل. . فأمر أصحابه بالتهيؤ، مظهرا على سبيل التورية: أنه يريد الشام. . و ولى ابن أم مكتوم على المدينة، و سار في مائتي رجل معهم عشرون فارسا. و اختار مسالك غير معتادة حتى بلغ الموضع الذي أصيب فيه أصحاب غزوة الرجيع، فوجد بني لحيان قد حذروا، و تمنعوا في رؤوس الجبال.
فترحم على أصحاب الرجيع، و أقام هناك يوما أو يومين، يبعث السرايا في كل ناحية. فلما أخطأ من غرتهم ما أراد، قال: لو أنّا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة: أنّا قد جئنا مكة، فخرج في مائتي راكب من أصحابه، حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرّا. و رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قافلا إلى المدينة. .
قال جابر: إنه سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول و هو راجع:
«آيبون تائبون إن شاء اللّه تعالى، لربنا حامدون. أعوذ باللّه من عناء السفر، و كآبة المنقلب، و سوء المنظر في الأهل و المال» (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 3 و 4 و السيرة الحلبية ج 3 ص 2 و 3 و الكافي ج 4 ص 284 و المجازات النبوية ص 140 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 50 و ميزان الحكمة للريشهري ج 3 ص 2200 و منتقى الجمان ج 3 ص 101 و البحار ج 32 ص 391 و 417 و 550 و ج 7 ص 293 و 242 و ج 95 ص 197 و نهج السعادة ج 2 ص 124 و 282 و ج 6 ص 301 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 137 و 140 و المزار لابن المشهدي ص 427 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 526 و سنن النسائي ج 5 ص 248 و ج 6 ص 128 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 141 و 451 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 226 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 138 و صحيح ابن حبان ج 6 ص 413 و كتاب الدعاء للطبراني ص 256 و 257 و المعجم الأوسط ج 6 ص 147 و الكفاية في علم الرواية ص 254 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 370 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 165 و 166 و الأذكار النووية ص 200 و 221 و رياض الصالحين للنووي ص 438 و كنز العمال ج 6 ص 714 و 730 و 732 و 734 و 736 و 737 و الثقات ج 1 ص 287 و مجمع البيان ج 9 ص 71 و نور الثقلين ج 4 ص 592 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 16 ص 67 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 79 و الكامل ج 5 ص 180 و تاريخ مدينة دمشق ج 6 ص 25 و أسد الغابة ج 3 ص 171 و تهذيب الكمال ج 21 ص 43 و 44 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 2 ص 507 و عيون الأثر ج 2 ص 68 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و ج 7 ص 420 و 424 ج 8 ص 485 و مسند أحمد ج 2 ص 150 و 433 و ج 5 ص 82 و سنن الدارمي ج 2 ص 287 و صحيح مسلم ج 4 ص 104 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1279 و سنن أبي داود ج 1 ص 584 و الترمذي ج 5 ص 161 و شرح مسلم ج 9 ص 111 و مجمع الزوائد ج 10 ص 130 و عون المعبود ج 7 ص 185 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 281 و مسند أبي داود الطيالسي ص 163 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 155 و 156 و 159 و ج 11 ص 433 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 99 و 100 و 724 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 182 و 183 و غوالي اللآلي ج 1 ص 145.
و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا بكر في عشرة فوارس، من عسفان، ليسمع بهم قريشا، فيذعرهم، فأتوا كراع الغميم، ثم رجعوا، و لم يلقوا أحدا.
ثم رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، و لم يلق كيدا. و كانت غيبته أربع عشرة ليلة (1).
و نقول:
إن لنا بعض الكلام حول ما تقدم، نجمله على النحو التالي:
قد ذكروا فيما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سار إلى بني لحيان في ماءتي راكب، ثم ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما فاته منهم ما أراد، قال: لو أنّا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة: أنّا قد جئنا مكة، فخرج في ماءتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان. .
فإنه لا معنى لهذا التعبير إلا إذا كان أصحابه الذين غزا بهم إلى الرجيع، أكثر من ماءتين. .
1) تاريخ الخميس ج 1 ص 4 و السيرة الحلبية ج 3 ص 2 و التنبيه و الإشراف ص 218.
فما معنى قوله أولا: إنه خرج في ماءتي راكب؟ !
و عن إرساله أبا بكر إلى كراع الغميم في عشرة فوارس نقول:
إن ذلك موضع شك أيضا، فقد ورد في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل فارسين من أصحابه، حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرّا راجعين (1).
و أما القول: بأنه لا مانع من أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسلهما، ثم أرسل أبا بكر في عشرة فوارس، أو العكس. .
فهو غير ظاهر الوجه، ما دام أن مجموع غيبته «صلى اللّه عليه و آله» هي أربع عشرة ليلة فقط.
فإن عسفان تبعد عن مكة مسيرة يومين (2)، و الأبواء على خمسة أميال من المدينة (3).
و المفروض: أن عسفان أبعد منها. . لأنه مر بالأبواء و هو عائد من عسفان.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 2 و تاريخ الخميس ج 2 ص 4 و عيون الأثر ج 2 ص 68 و البحار ج 20 ص 179 و 305 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 79 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 255 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 432 و 559 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 751.
2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1266 و راجع: مراصد الإطلاع ج 2 ص 940.
3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1118.
بل إن الحديث المتقدم قد ذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تجاوز عسفان حتى وصل إلى الرجيع، و هو ماء لهذيل بين عسفان و مكة (1)، أو ماء قرب الهدة بين مكة و الطائف (2). و قد أقام هناك يومين، ثم أرسل السرايا في كل ناحية فلم يجدوا أحدا. . ثم أرسل الفارسين إلى كراع الغميم، و عادا إليه.
فهل يمكن أن يقطع هذه المسافات كلها، ذهابا و إيابا في مدة أربعة عشر يوما؟ ! ! ثم هو يبقى يومين في ذلك المكان أيضا؟ !
و هل يبقى وقت لإرسال فارسين إلى كراع الغميم أولا، ثم يبقى وقت آخر لإرسال أبي بكر في عشرة فوارس إلى كراع الغميم مرة أخرى؟ !
1) معجم ما استعجم ج 2 ص 641 و 642 و راجع المصادر التي تقدمت في هذا الكتاب: ج 8 ص 173 و راجع: المسالك و الممالك ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 126 و المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 194 و المغازي للواقدي ج 1 ص 354 و دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 327 و 328 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 167 و إعلام الورى ج 1 ص 185 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 168 و البحار ج 20 ص 150 و 214 و تفسير الإمام العسكري ص 214 و 215 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 248 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 55 و تاريخ خليفة بن خياط ص 43 و البداية و النهاية ج 4 ص 71 و 73 و تاريخ ابن خلدون ق 2 ج 2 ص 27.
2) معجم البلدان ج 3 ص 29 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1217 و مراصد الإطلاع ج 3 ص 1454 و ج 2 ص 606 و كتاب المنمق للبغدادي ص 139 و معجم البلدان ج 3 ص 29 و تاريخ خليفة بن خياط ص 43 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 55 و البحار ج 20 ص 214 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 214 و البداية و النهاية ج 4 ص 71 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 667 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 126.
و الحال أن كراع الغميم هو: موضع بالحجاز، بين مكة و المدينة، أمام عسفان بثمانية أميال (1)، أو سبعة (2)، و قيل: سبعة من الهدة (3).
و الحاصل: أنه إذا كان الرجيع قرب الهدة بين مكة و الطائف فإن هذا الموضع يكون جنوبي مكة، مع أن المدينة تقع شماليها. فكيف يمكن أن تقع هذه الأحداث كلها و قطع جميع هذه المسافات في خلال أربعة عشر يوما؟ !
و قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تعوذ باللّه من و عثاء السفر، و كآبة المنقلب، و سوء المنظر في الأهل و المال، و قد روي هذا التعوذ أيضا عن علي «عليه السلام» ، فراجع (4).
1) مراصد الإطلاع ج 3 ص 1153 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1279.
2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 126 و البداية و النهاية ج 4 ص 71 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 55.
3) البحار ج 2 ص 214.
4) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 92 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 26 و 27 و ج 8 ص 140 و البحار ج 32 ص 391 و 417 و 550 و ج 73 ص 242 و ج 76 ص 293 و 236 و 237 و 242 و الأمان من الأخطار ص 20 و نهج السعادة ج 6 ص 300 و ج 2 ص 124 و 282. و المصنف للصنعاني ج 5 ص 154 و 155 و 159 عن مصادر كثيرة جدا. و روي عن الصادق «عليه السلام» مثل ذلك فراجع: الكافي ج 4 ص 284 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 50 و وسائل الشيعة ج 11 ص 384 و 279 و المزار لابن المشهدي ص 427 و المزار للشهيد الأول ص 117 و البحار ج 98 ص 197.
و الذي يتأمل في كلمات هذا الدعاء سوف يجد أنها كلها نور و هداية، و علم و دراية، لمن سمع و وعى، و يكفي أن نعيد على مسامع أهل الدراية و الرعاية، نص العبارة الأخيرة-و سوء المنظر في الأهل و المال-التي تعطي الانطباع عن أن الشارع الحكيم يريد للإنسان المؤمن أن يكون حسن المنظر ليس فقط في نفسه و شخصه، و إنما في أهله و ماله أيضا.
فإهمال هذا الأمر، لا يعد زهدا في الدنيا، و لا هو طاعة للّه تعالى، بل هو مخالفة للشرع ليس فيها للّه رضا، و لا لعباده صلاح، بل هو قد يوجب غضبه و مقته سبحانه، إذا كان سببا في نفرة الناس من الدين و أهله، و الاستخفاف بهم، و استقذارهم.
و ربما تدخل على بعض الضعفاء شبهة كون الدخول في الإسلام معناه التعرض للمصائب و البلايا، و للمتاعب و الرزايا، و كثير من الناس ينجذبون-عادة-إلى حياة السعة و الرخاء، و الصفاء و الهناء.
بل إن التظاهر بالتقشف و الإهمال قد يدخل أحيانا في دائرة الرياء المذموم في الشريعة، إذا كان الهدف منه هو لفت نظر الناس، و إعطاء الانطباع عن زهد و ورع، و انصراف عن الدنيا، لا حقيقة له، لا في محتواه، و لا في مستواه.
و تذكر النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما رجع من بني لحيان، وقف على الأبواء، فرأى قبر أمه، فتوضا ثم بكى، و بكى الناس لبكائه ثم صلى ركعتين، ثم أخبر الناس عن سبب بكائه «صلى اللّه عليه
و آله» فكان مما قال:
و لكني مررت بقبر أمي، فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي عز و جل أن أستغفر لها، فنهيت، فبكيت، ثم عدت، و صليت ركعتين، فاستأذنت ربي عز و جل أن أستغفر لها فزجرت زجرا، فأبكتني.
ثم دعا براحلته فركبها، فسار يسيرا، فقامت الناقة لثقل الوحي؛ فأنزل اللّه تعالى: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ اَلْجَحِيمِ، وَ مٰا كٰانَ اِسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّٰ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهٰا إِيّٰاهُ فَلَمّٰا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّٰهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ (1).
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أشهدكم أني بريء من آمنة، كما تبرأ إبراهيم من أبيه (2).
قال الحلبي: و هذا السياق يدل على أن هاتين الآيتين غير ما زجر به عن الاستغفار لها المتقدم في قوله: «فزجرت زجرا» (3).
و في الوفاء: أن ذلك كان بعسفان، و أن قبرها هناك (4).
1) الآيتان 113 و 114 من سورة التوبة.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 4 و السيرة الحلبية ج 3 ص 2 و 3.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 117 و المعجم الكبير ج 11 ص 297 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 408 و الدر المنثور ج 3 ص 283 و 284 و زاد المسير ج 3 ص 345.
4) السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و لباب النقول ص 114 و الدر المنثور ج 3 ص 284 و تفسير الجلالين ص 483.
و تذكر روايات أخرى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد زار قبر أمه حين فتح مكة، ثم قام متغيرا (1).
و في نص ثالث: أنه زار قبرها في غزوة الحديبية حين مر بالأبواء، فبكى و أبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، و استأذنته في أن أزورها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت (2).
و عن ابن مسعود، عنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهد في الدنيا، و تذكر الآخرة (3). و زارها في مكة أيضا.
قال الحلبي: «إن ذلك كان قبل إحيائها له، و إيمانها به «صلى اللّه عليه و آله» . .» (4).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 4 عن الطيبي في شرح المشكاة و السيرة الحلبية ج 3 ص 3.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 4 و السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و راجع: جامع البيان ج 11 ص 31 و الكشاف ج 2 ص 49 و إرشاد الساري ج 7 ص 282 و 158 عن صحيح مسلم، و الدر المنثور ج 3 ص 283 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 394 و أحمد في مسنده، و سنن أبي داود، و النسائي، و ابن ماجة، و الحاكم، و البيهقي، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و الطبراني.
3) تاريخ الخميس ج 3 ص 3 و مسند أحمد ج 5 ص 355 و مجمع الزوائد ج 4 ص 25 و المصنف للصنعاتي ج 3 ص 569 و المعجم الكبير ج 2 ص 19 و مسند الشاميين ج 3 ص 347 و كشف الخفاء ج 2 ص 130 و رفع المنارة ص 67 و تفسير القرآن لابن كثير ج 2 ص 408.
4) السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 259 و الروض الأنف للسهيلي، و السابق و اللاحق للخطيب البغدادي.
و نقول:
قد تقدم بعض الحديث عن إيمان آباء النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فنحن نحيل القارئ الكريم على ذلك الموضع، و نكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي:
أولا: إن آية النهي عن الاستغفار للمشركين، و لو كانوا أولي قربى، إنما هي في سورة التوبة التي هي من أواخر ما نزل في المدينة، بل ادّعى بعضهم: أنها آخر ما نزل (1).
و قضية استغفار النبي لأمه إنما كانت سنة ست، أو في الحديبية، أو في فتح مكة، و كل ذلك قد كان قبل نزول سورة التوبة بزمان. و لا يعقل أن تنزل آية أو أكثر، و تبقى معلقة في الهواء، من دون أن توضع في سورة بعينها، كما أشرنا إليه غير مرة.
1) راجع: الغدير ج 8 ص 10 و 12 و أبو طالب مؤمن قريش ص 341 عن البخاري، و الإتقان، و الكشاف، و ابن مردويه، و ابن أبي شيبة، و النسائي، و ابن الضريس، و ابن المنذر، و أبي الشيخ، و تفسير البيضاوي، و عين العبرة لأحمد آل طاووس ج 2 ص 18 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 27 و سنن أبي داود ج 1 ص 182 و كنز العمال ج 2 ص 575 و مجمع البيان ج 5 ص 6 و البيان في تفسير القرآن ص 243 و معاني القرآن ج 3 ص 179 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10 و أسباب النزول للواحدي النيسابوري ج 2 ص 8 و زاد المسير ج 1 ص 3 و ج 3 ص 264 و الدر المنثور ج 3 ص 295 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 4 ص 160 و ج 8 ص 173 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 344 و 419 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 365.
ثانيا: إن قوله تعالى: سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّٰهُ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (1)قد نزلت في غزوة بني المصطلق سنة ست.
فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف: أن اللّه لا يغفر للمنافقين، حتى لو استغفر لهم، فإنه لا بد أن يعرف: أنه تعالى لا يغفر للمشرك، المعلن بشركه، فلماذا يبادر إلى عمل يعرف مسبقا أنه بلا نتيجة؟ !
ثالثا: لو سلمنا أن آية: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ. . (2)قد نزلت حين وفاة أبي طالب فهي إنما نزلت لتأكيد تنزيهه عن الشرك، لا لأجل إثبات شركه.
فقد روي: أنه لما مات أبو طالب لم تكن الصلاة على الميت قد نزلت بعد، فما صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه و لا على خديجة، و إنما اجتازت جنازة أبي طالب و النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي و جعفر و حمزة جلوس، فقاموا و شيعوا جنازته و استغفروا له، فقال قوم: نحن نستغفر لموتانا و أقاربنا المشركين أيضا ظنا منهم أن أبا طالب مات مشركا لأنه كان يكتم إيمانه، فنفى اللّه عن أبي طالب الشرك، و نزّه نبيه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الثلاثة المذكورين «عليهم السلام» عن الخطأ في قوله: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحٰابُ اَلْجَحِيمِ .
فمن قال بكفر أبي طالب فقد حكم على النبي «صلى اللّه عليه و آله»
بالخطأ. و اللّه تعالى قد نزهه عنه في أقواله و أفعاله (1).
بل حتى لو سلمنا بالكذبة المعروفة: بأن هذه الآية قد نزلت في أبي طالب نفسه؛ لأجل نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الاستغفار له (2)فإن ذلك يدل على: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -لو كان قد استغفر لأمه-قد فعل أمرا كان اللّه تعالى قد نهاه عنه، و منعه منه، في آية قد نزلت قبل نحو عقد من الزمن. . و هذا مما لا يمكن أن يفعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
رابعا: لماذا نسي النبي «صلى اللّه عليه و آله» الاستغفار لأمه طيلة أيام حياته، و إلى أن مضى ما يقرب من عشرين سنة من بدء بعثته رسولا للناس؟ !
خامسا: قد تقدم في هذا الكتاب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد لكافر، و لا لمشرك عنده (أي النبي) من نعمة تجزى (3).
1) الغدير ج 7 ص 399 عن كتاب الحجة لابن معد ص 67.
2) راجع كتابنا: ظلامة أبي طالب «عليه السلام» .
3) راجع: أبو طالب مؤمن قريش و مستدرك الحاكم ج 3 ص 484، و تلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، و صححاه و حياة الصحابة ج 2 ص 258 و 259 و 260 عن كنز العمال و مجمع الزوائد ج 8 ص 278 و كنز العمال (ط أولى) ج 3 ص 177 عن ابن عساكر و (ط ثانية) ج 6 ص 57 و 59 و عن أحمد، و الطبراني، و الحاكم، و سعيد بن منصور، و التراتيب الإدارية ج 2 ص 86 و المصنف للصنعاني ج 1 ص 446 و 447 و ج 10 ص 447 عن أحمد، و أبي داود، و عن مغازي ابن عقبة، و عن الترمذي، و صححه، و الطيالسي، و البيهقي، و مجمع البيان المجلد الأول ص 535 و الوسائل ج 12 ص 216 عن الكافي، و المعجم الصغير ج 1 ص 9 و عن الترمذي ج 2 ص 389.
و من الواضح: أن التربية للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، هي من أجلّ الأيادي التي تستحق الشكر و الجزاء منه «صلى اللّه عليه و آله» لذلك المربي. .
سادسا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يفعل إلا ما يعلم أنه يرضي اللّه سبحانه، فما معنى أن يبادر إلى الاستغفار لأمه من دون أن يتأكد من رضا اللّه سبحانه و تعالى به؟ !
أليس «صلى اللّه عليه و آله» لا يقول و لا يفعل عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؟ !
بل لماذا يفعل أمرا، فينهاه اللّه سبحانه عنه، ثم يفعله مرة أخرى، فيزجره اللّه سبحانه زجرا. ألم يكن النهي الأول كافيا له؟ !
عن أبي هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعن زوارات القبور (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 4 عن أحمد، و الترمذي، و ابن ماجة، و مسند أحمد ج 2 ص 337 و 356 و ج 3 ص 443 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 502 و الجامع الصحيح للترمذي ج 2 ص 259 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 374 و السنن الكبرى ج 4 ص 78 و شرح مسلم للنووي ج 7 ص 45 و فتح الباري ج 3 ص 118 و راجع: تحفة الأحوذي ج 4 ص 136 و عون المعبود ج 10 ص 117 و مسند أبي داود الطيالسي ص 311 و 357 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 569 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 101 و مسند أبي يعلى ص 314 و المعجم الكبير ج 4 ص 42 و ناسخ الحديث و منسوخه ص 273 و العهود المحمدية ص 894 و كنز العمال ج 16 ص 388 و فيض القدير (شرح الجامع الصغير) ج 5 ص 350 و إرواء الغليل ج 3 ص 232 و 233 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 10 ص 379 و ج 20 ص 170 و السير الكبير ج 1 ص 236 و العلل لأحمد بن حنبل ج 3 ص 322 و الكامل في التاريخ ج 5 ص 40 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 289 و أسد الغابة ج 2 ص 7 و تهذيب الكمال ج 17 ص 65 و ج 25 ص 407 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 201 و تهذيب التهذيب ج 6 ص 174 و ج 9 ص 208 و 326 و ج 10 ص 344 و الإصابة ج 5 ص 26.
و قالوا: إن هذا كان قبل أن يرخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال و النساء (1).
و نقول:
لا ريب في أن النساء كن يزرن القبور في حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعد وفاته. . و يدل على ذلك:
1-ما روي عن عائشة، قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إني واضعة ثوبي، و أقول: إنما هو زوجي و أبي، فلما دفن عمر معهما، فو اللّه ما دخلته إلا و أنا مشدودة عليّ ثيابي حياء من عمر (2).
فعائشة إذن كانت تزور القبور كما دل عليه هذا الحديث.
و من الواضح: أن البيت الذي دفن فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 4 و 5 و الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 170 و الجامع الصحيح للترمذي ج 2 ص 259 و تحفة الأحوذي ج 2 ص 226 و ج 4 ص 137 و عون المعبود ج 9 ص 42.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 عن أحمد، و مسند أحمد ج 6 ص 202 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 61 و ج 4 ص 7 و مجمع الزوائد ج 8 ص 26 و ج 9 ص 37 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 182.
لم يكن بيتها، بل هو بيت الزهراء «عليها السلام» . و قد حاولت أن تنسبه إلى نفسها بعد طول العهد. فراجع ما كتبناه حول هذا الموضوع في كتاب دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام ج 1 ص 169-183.
2-إن الزهراء «عليها السلام» كانت تزور قبر سيد الشهداء، حمزة بن عبد المطلب، فتصلي، و تبكي عنده، و تزوره (1)و تزور قبور شهداء أحد بين اليومين و الثلاثة، فتبكي عندهم و تدعو (2).
فهل ترى أنها صلوات اللّه عليها هي المقصودة باللعن المفترى على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
3-و قد علّم النبي «صلى اللّه عليه و آله» عائشة كيفية زيارة قبور المؤمنين، حين قالت: كيف أقول لهم يا رسول اللّه؟ !
1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 28 و تلخيص المستدرك مطبوع بهامشه ج 3 ص 28 و وفاء الوفاء ج 3 ص 932 و البحار ج 36 ص 352 و ج 99 ص 300 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 180 و كفاية الأثر للخزاز القمي ص 198 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 419 و وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 2 ص 879 و بيت الأحزان للقمي ص 168.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 40 و المغازي للواقدي ج 1 ص 313 و 314 و وفاء الوفاء ج 3 ص 932 و في البحار ج 99 ص 300 عن من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 114 أنها كانت تأتيهم كل يوم سبت. و تهذيب الأحكام ج 1 ص 465 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 224 و البحار ج 43 ص 90 و ج 96 ص 300 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 371.
قال: قولي: «السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين» (1).
4-كانت أم سلمة تزور قبور الشهداء كل شهر، و قد أنّبت غلامها؛ لأنه لم يسلم عليهم (2).
5-و قالت فاطمة الخزاعية: سلمت على قبر حمزة يوما، و معي أخت لي، فسمعنا من القبر قائلا يقول: و عليكما السلام و رحمة اللّه.
قالت: و لم يكن بقربنا أحد من الناس (3).
6-و قد قامت عائشة على قبر أبيها، فقالت: نضّر اللّه وجهك الخ. . (4).
7-قال العطاف بن خالد: حدثتني خالتي: أنها زارت قبور الشهداء، قالت: و ليس معي إلا غلامان، يحفظان عليّ الدابة، قالت: فسلمت عليهم، فسمعت رد السلام.
قالوا: و اللّه، إنّا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضا.
1) راجع: صحيح مسلم ج 3 ص 64 و التاج الجامع للأصول ج 1 ص 407 و الغدير ج 5 ص 170 و سنن النسائي ج 4 ص 93 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 79 و شرح مسلم ج 7 ص 44 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 135 و 137. و راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 572 و 576 و كتاب الدعاء للطبراني ص 374 و الأذكار النووية ص 167 و إرواء الغليل ج 3 ص 236 و تاريخ المدينة ج 1 ص 89.
2) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 313 و 314 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 40 و 41.
3) المصدران السابقان و وفاء الوفاء ج 3 ص 933.
4) الغدير ج 5 ص 172 و بلاغات النساء ص 4 و المستطرف ج 2 ص 338.
قالت: فاقشعررت، فقلت: يا غلام، ادن بغلتي فركبت (1).
8-إن عائشة قد زارت قبر أخيها عبد الرحمن (2).
و بعد. . فإننا نتوقع أن لا يصر هؤلاء على فريتهم بلعن زوارات القبور، بعد أن عرفوا أن عائشة و غيرها كن يفعلن ذلك. . و لم يعد الأمر محصورا بالزهراء صلوات اللّه و سلامه عليها، التي ربما يكون الحرص على التقليل من شأنها، و الطعن بعصمتها و بمعرفتها، و علمها، و تقواها هو السبب في ظهور هذه الأكاذيب و الافتراءات على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أهل الأهواء و العصبيات.
قالوا: و قد كسفت الشمس في سنة ست، قبل الكسوف الذي كان حين مات إبراهيم ابن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . (3).
و هذا يبين: أن الناس كانوا يعرفون كسوف الشمس يشاهدونه عبر الأحقاب و الأزمان، و لا يجدون أنه مرتبط بالأشخاص أو غيرهم. بل هو مجرد حدث كوني ينتهي إلى أسبابه الخاصة به، فلا مجال لتصديق ما يشاع أو يذاع مما هو في غير هذا السياق الطبيعي.
إلا إذا حصل ذلك الكسوف في غير الوقت الطبيعي له، فإنه يكون حينئذ آية من الآيات، لا بد من الاستفادة منها في تأكيد اليقين بالحق، و في التزام سبيل الهدى و الرشاد. .
و كانت غزوة الغابة، و تعرف ب «ذي قرد» ، و هو ماء على بريد من المدينة من جهة الشام، في يوم الأربعاء في شهر ربيع الأول من سنة ست قبل الحديبية، كما قال ابن عقبة، و ابن إسحاق.
و ادّعى البخاري و غيره: أنها قبل خيبر بثلاثة أيام أو نحوها (1).
و الصحيح هو ما في السيرة الحلبية، حيث قال: «و الشمس الشامي ذكرها بعد الحديبية، تبعا لما في صحيح البخاري أنها بعد الحديبية، و قبل خيبر بثلاثة أيام، و كذا في صحيح مسلم حيث رووا عن سلمة بن الأكوع: أنهم رجعوا من ذي قرد إلى المدينة فلم يلبثوا إلا ثلاث ليال حتى خرجوا إلى خيبر» (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 عن البخاري، و مسلم و ص 7. و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 72 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 328 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 173 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 322 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 289 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 106 و صحيح البخاري ج 5 ص 71.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 102 و 106 عن صحيح مسلم ج 5 ص 194 و عن فتح الباري ج 7 ص 352 و 355 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 328 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 258 و البداية و النهاية ج 4 ص 171 و 175 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 293.
و قال بعضهم: «أجمع أهل السير على أن غزوة الغابة كانت قبل الحديبية» (1).
و ذكر بعضهم غزوة ذي قرد بعد الحديبية و خيبر (2).
و قال ابن الأثير عن ذي قرد: إنه ماء بين المدينة و خيبر، على يومين من المدينة (3).
و في فتح الباري: على مسافة يوم، و في غيره: نحو يوم (4).
و ذلك أنه لما قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة بني لحيان لم يقم «صلى اللّه عليه و آله» سوى أيام قلائل حتى أغار بنو فزارة، بقيادة عيينة بن حصن في أربعين فارسا على لقاح النبي «صلى اللّه عليه و آله» (5)التي كانت في
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 106 عن أبي العباس القرطبي، تبعا لأبي عمر عن فتح الباري ج 7 ص 353 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 329.
2) راجع: فتح الباري ج 7 ص 325.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 عن كنز العمال ج 8 ص 417 و تاريخ خليفة بن خياط ص 45 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 98 و ج 60 ص 171 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 328 و معجم البلدان ج 4 ص 321 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 322.
4) تاريخ الخميس ج 2 ص 5.
5) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 و السيرة الحلبية ج 3 ص 4 و راجع: عون المعبود ج 7 ص 304 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 210 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 80 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 562 و 563 و عن عيون الأثر ج 2 ص 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 95.
الغابة. فاستاقوها، و قتلوا ابن أبي ذر الغفاري، و سبوا امرأته (1).
و جمعوا بين هذين القولين: بأن إغارة عيينة كانت مرتين، إحداهما قبل الحديبية، و الأخرى بعدها، قبل الخروج إلى خيبر (2).
قالوا: و يؤيد هذا الجمع: أن الحاكم ذكر في الإكليل: أن الخروج إلى ذي قرد قد تكرر ثلاث مرات، و أن الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، و في الثانية خرج إليها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سنة خمس، و الثالثة هي المختلف فيها.
و قد ذكرت رواية ابن إسحاق: أن اللقاح كانت ترعى في الغابة، و في رواية البخاري: أنها كانت ترعى بذي قرد.
و جمع بينهما: بأنها كانت ترعى تارة بالغابة، و أخرى بذي قرد (3).
و نقول:
إن هذا الجمع غريب، فإن الكلام إنما هو عن الموضع الذي أخذت
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 294 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 286 و عون المعبود ج 7 ص 304 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 80 و عن فتح الباري ج 7 ص 353 و الثقات ج 1 ص 287 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 255 و البداية و النهاية ج 4 ص 171 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 و 7 و السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 106 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 171 و فتح الباري ج 7 ص 353.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 7 و السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 107 و عون المعبود ج 7 ص 303.
اللقاح منه. إذ لا يمكن أن تكون قد أخذت من الموضعين في آن واحد، مع العلم بأن المسافة بينهما بعيدة.
و نذكر هنا: بعض التفاصيل التي أوردها المؤرخون، على النحو التالي:
لقد ذكروا: أنهم حين قتلوا الغفاري، و سبوا امرأته، و استاقوا اللقاح. . كان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع، فغدا يريد الغابة، و معه غلام لطلحة، معه فرس لطلحة يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم؛ فأشرف في ناحية سلع، ثم صرخ: وا صباحاه، و خرج يشتد في آثار القوم، و كان مثل السبع حتى لحق القوم، فجعل يردهم بالنبل، و يقول إذا رمى:
خذها و أنا ابن الأكوعاليوم يوم الرضع
فكلما وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، ثم عارضهم، فإذا أمكنه الرمي رمى، ثم قال:
خذها و أنا ابن الأكوعاليوم يوم الرضع
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. .
أو نودي بالمدينة: يا خيل اللّه اركبي، و كان أول ما نودي بها.
و ركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خمسمائة.
و قيل: في سبعمائة.
و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم. و خلّف سعد بن عبادة في ثلاث
مائة يحرسون المدينة.
و كان قد عقد لمقداد بن عمرو في رمحه لواء، و قال: امض حتى تلحقك الخيول، و أنا على أثرك، فأدرك أخريات العدو (1).
و في الإكتفاء: «كان أول من انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الفرسان المقداد، ثم عباد بن بشر، و سعد بن زيد، و أسيد بن ظهير أخو بني حارثة-يشك فيه-و عكاشة بن محصن، و محرز بن نضلة، و أبو قتادة، و أبو عياش، و أبو عبيد بن زيد.
و قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس.
و قال لأبي عياش: لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك، فلحق القوم.
قال أبو عياش: يا رسول اللّه، أنا أفرس الناس.
ثم أضرب الفرس. فو اللّه ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني، فعجبت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: لو أعطه أفرس منك.
أقول: أنا أفرس الناس.
فأعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرس أبي عياش-هذا فيما يزعمون-معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص فكان ثامنا.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 و 6 عن المواهب اللدنية، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 4 و 5 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 294 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 95 و 97 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 286 و 296 و عون المعبود ج 7 ص 304 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 80 و تاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 170 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 563.
و بعض الناس يعد سلمة بن عمرو بن الأكوع أحد الثمانية، و يطرح أسيد بن ظهير، أخا بني حارثة.
و لم يكن سلمة يومئذ فارسا، قد كان أول من لحق القوم على رجليه.
فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا. و كان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة، و يقال له أيضا: قمير.
و لما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط، و هو مربوط بجذع نخل، حين سمع صاهلة الخيل، فقالت بعض النساء لمحرز بن نضلة: يا قمير، هل لك في أن تركب هذا الفرس، فإنه كما ترى، حتى تلحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و بالمسلمين؟
فأعطته إياه، فخرج عليه، حتى أدرك القوم، فوقف بين أيديهم، ثم قال: قفوا بني اللكيعة، حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين و الأنصار.
ثم حمل عليه رجل منهم، فقتله. و جال الفرس، فلم يقدر عليه حتى وقف على آرية في بني عبد الأشهل (1).
فقيل: لم يقتل من المسلمين يومئذ غيره.
و قيل: إنه قتل هو و وقاص بن محرز المدلجي.
و لكن ابن إسحاق قال: حدثني بعض من لا أتهم، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك: أن محرزا إنما كان على فرس عكاشة بن محصن، يقال لها: الجناح، فقتل محرز، و استلبت الجناح. .
1) الآري: الحبل الذي تشد به الدابة. و قد يسمى الموضع الذي تقف فيه الدابة آريا أيضا.
و لما تلا حقت الخيل قتل أبو قتادة، حبيب بن عيينة بن حصن، و غشاه ببرده. ثم لحق بالناس.
و أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسلمين، فرأوه، فتوهموا: أن المقتول هو أبو قتادة، فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ليس بأبي قتادة. و لكنه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه برده، لتعرفوا أنه صاحبه.
و في المواهب اللدنية: أن أبا قتادة قتل مسعدة، فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرسه و سلاحه.
و قتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو. كما أن عكاشة أدرك أوبارا و ابنه عمروا، و هما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا، و استنقذوا بعض اللقاح، قيل: عشرة منها، و أفلت القوم بما بقي، و هو عشر.
و قتل من المسلمين محرز بن نضلة، قتله مسعدة.
و سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزل بالجبل من ذي قرد، و تلاحق به الكثيرون، و أقام «صلى اللّه عليه و آله» عليه يوما و ليلة.
فقال سلمة بن الأكوع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا رسول اللّه لو سرّحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح، و أخذت بأعناق القوم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : -فيما بلغني-إنهم الآن ليغبقون في غطفان.
و في المواهب اللدنية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: يا بن الأكوع إذا ملكت فاسجح (أي فأرفق) ثم قال: إنهم ليقرون في غطفان.
فقسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كل مائة رجل جزورا.
و في المواهب اللدنية أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى بأصحابه
صلاة الخوف بذي قرد. .
و رجع إلى المدينة، و قد غاب عنها خمس ليال.
و أفلتت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى قدمت عليه المدينة، فأخبرته الخبر.
و قالت: إنها نذرت أن تنحر الناقة التي نجت عليها.
و في رواية: نذرت أن تأكل من سنامها و كبدها.
فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: بئسما جزيتها أن حملك اللّه عليها، و نجاك بها، ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية اللّه، و لا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي. ارجعي إلى أهلك على بركة اللّه (1).
و ذكروا: أن الناقة التي أفلتت الغفارية عليها هي القصوى.
و في نص آخر: «العضباء» (2).
و تقول الروايات أيضا: إن سلمة قد استنقذ سرح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كله، قال سلمة: فو اللّه، ما زلت أرميهم و أعقرهم، فإذا رجع إلي فارس منهم أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته، فعقرت.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5-7 عن ابن إسحاق و غيره. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 5 و 6 و 7 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 294-298 و عيون الأثر ج 2 ص 70 و 71 و 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 95-104 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 286-296 و البداية و النهاية ج 4 ص 172 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 566 و المغازي للواقدي ج 2 ص 548.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 7 و 8 و السنن الكبرى ج 10 ص 75 و سنن الدار قطني ج 4 ص 94 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 103.
حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، علوت الجبل، فجعلت أردهم بالحجارة، قال: فما زلت أتبعهم حتى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا خلفته وراء ظهري، و خلوا بيني و بينه.
ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة و ثلاثين رمحا، يستخفون، و لا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة، يعرفها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه. حتى أتوا متضايقا من ثنية.
فأتاهم فلان ابن بدر الفزارى، فجلسوا يتضحون (أي يتغدون) ، و جلست على رأس قرن، قال الفزارى: ما هذا الذي أرى؟
قالوا: لقينا من هذا البرح، و اللّه ما فارقنا منذ غلس، يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا.
قال: فليقم إليه نفر منكم.
قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، فلما أمكنوني من الكلام، قلت: هل تعرفوني؟
قالوا: لا، و من أنت؟
قلت: أنا سلمة بن الأكوع. و الذي كرم وجه محمد «صلى اللّه عليه و آله» لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، و لا يطلبني رجل منكم فيدركني.
قال أحدهم: أظن كذلك. فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على أثره أبو قتادة الأنصاري، و على أثره المقداد بن الأسود الكندي.
فأخذت بعنان الأخرم، و قلت: يا أخرم، احذرهم، لا يقتطعونك
حتى يلحق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال: يا سلمة، إن كنت تؤمن باللّه و اليوم الآخر، و تعلم أن الجنة حق و النار حق، فلا تحل بيني و بين الشهادة.
قال: فخليته، فالتقى هو و عبد الرحمن، فقتله، و تحول على فرسه. و لحق أبو قتادة، فارس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعبد الرحمن، فطعنه فقتله، و ركب فرس أخرم الذي ركبه عبد الرحمن.
ثم إن فوارس النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما في عيون الأثر-أدركوا العدو و السرح، فاقتتلوا قتالا شديدا، و استنقذوا السرح، و هزم اللّه العدو. و يقال: قتل أبو قتادة أم قرفة امرأة مسعدة (1).
و عن سلمة بن الأكوع، قال: و الذي أكرم وجه محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى من ورائي من أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» و لا من غبارهم شيئا، حتى عدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له: ذو قرد، ليشربوا منه، و هم عطاش، فنظروا إلى عدوي وراءهم، فجلوتهم عنه، فما ذاقوا منه قطرة.
و يخرجون، و يشتدون في ثنية، و غربت الشمس، فأعدو، و ألحق رجلا منهم، فأصكه بسهم في نفض كتفه، فقلت:
خذها و أنا ابن الأكوعاليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلة أمه، أكوعه بكرة.
1) راجع فيما تقدم: تاريخ الخميس ج 2 ص 7 و 8 و السيرة الحلبية ج 3 ص 4 و 5 و عيون الأثر ج 2 ص 71 و 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22 و 104.
قلت: نعم، يا عدو نفسه، أكوعه بكرة.
قال: و أردوا فرسين على ثنية. فجئت بهما أسوقهما إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن، و سطيحة فيها ماء، فتوضأت، و شربت، ثم أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو على الماء الذي جلأتهم عنه (لعل الصحيح: حلأتهم) قد أخذ تلك الإبل، و كل شيء استنقذته من المشركين، و كل رمح، و كل بردة.
و إذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، فإذا هو يشوي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من كبدها، و سنامها.
قلت: يا رسول اللّه، فانتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته.
فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بدت نواجذه في ضوء النهار، و قال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟ !
قلت: نعم، و الذي أكرمك.
قال: إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان.
قال: فجاء رجل من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا، فقال: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين.
فلما أصبحنا قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، و خير رجالنا سلمة بن الأكوع. ثم أعطاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سهمين: سهم الراجل، و سهم الفارس، فجمعهما إليّ
جميعا (1).
قال سلمة: ثم أردفني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناقته، فرجعنا إلى المدينة، فلما دنونا إلى المدينة نادى رجل من الأنصار: هل من سابق نتسابق إلى المدينة؟ فاستأذنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» فسابقته، فسبقته (2).
و ذكروا: أن سهما أصاب وجه أبي قتادة يوم ذي قرد، فبصق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أثر السهم، فما ضرب، و لا قاح (3).
و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مر في غزوة ذي قرد على ماء يقال له: «بيسان» ، فسأل عنه، فأخبروه باسمه هذا، و بأنه مالح.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 8 عن الشفاء، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 102 و راجع ص 75 و شرح صحيح مسلم للندوي ج 12 ص 182 و فتح الباري ج 7 ص 355 و ج 13 ص 72 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 137 و نصب الراية ج 4 ص 283 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 84 و مشاهير علماء الأمصار ص 42 و الثقات ج 1 ص 311 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 99 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 329 و عيون الأثر ج 2 ص 74 و سنن أبي داود ج 1 ص 626 و عون المعبود ج 7 ص 306 و المصنف لابن شيبة ج 8 ص 558 و المنتقى من السنن المسندة ص 269 و أحكام القرآن ج 3 ص 77 و البداية و النهاية ج 4 ص 175 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 292.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 8 و السيرة الحلبية ج 3 ص 7 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 292.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 146 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 450 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 322 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 41.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : لا، بل اسمه «نعمان» و هو طيب، فغيّر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اسمه، فغيّر اللّه تعالى الماء، فاشتراه طلحة، ثم تصدق به، فلما أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك قال له: ما أنت يا طلحة إلا فياض.
فسمي «طلحة الفياض» (1).
و أرسل سعد بن عبادة بأحمال تمر، و بعشر جزائر (جمع جزور) ، فوافت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذي قرد.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم ارحم سعدا و آل سعد، نعم المرء سعد بن عبادة.
فقالت الأنصار: هو بيتنا و سيدنا و ابن سيدنا، يطعمون في المحل، و يحملون الكل، و يحملون عن العشيرة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية، إذا فقهوا في الدين (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 8 و 9 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1158 و 1159 و الإصابة ج 2 ص 229 و السنة لابن أبي عاصم (ط سنة 1413 ه) ص 600 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 93 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 103 و لم يذكر تسمية طلحة بالفياض، و المستدرك للحاكم ج 3 ص 374 و مجمع الزوائد ج 9 ص 148 و المعجم الكبير ج 1 ص 115 و الفائق في غريب الحديث ج 3 ص 60 و كنز العمال ج 13 ص 200 و الكامل ج 6 ص 343 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 218 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 30.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 7 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و شرح الأخبار ج 2 ص 484 و البحار ج 31 ص 79 و ج 58 ص 65 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 122 و معالم المدرستين ج 2 ص 18 و ميزان الحكمة ج 4 ص 339 و مسند أحمد ج 2 ص 257-260 و 391 و 431 و 438 و 485 و 498 و 525 و 539 و ج 3 ص 383 و ج 4 ص 101 و سنن الدرامي ج 1 ص 73 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 111 و 120 و 122 و 154 و ج 5 ص 216 و عن صحيح مسلم ج 7 ص 103 و 181 و ج 8 ص 42 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 480 و ج 3 ص 243 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 134 و 135 و ج 16 ص 15 و 134 و 135 و ج 16 ص 78 و مجمع الزوائد ج 1 ص 121 و فتح الباري ج 6 ص 296 و الديباج على صحيح مسلم ج 5 ص 361 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 4 و مسند الطيالسي ص 324 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 316 و مسند الحميدي ج 2 ص 451 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 545 و مسند ابن راهوية ج 1 ص 169 و 226 و 436 و الأدب المفرد ص 139 و سنن النسائي ج 6 ص 367 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 217 و مسند الشاميين ج 3 ص 17 و ج 4 ص 274 و مسند الشهاب ج 1 ص 145 و 354 و رياض الصالحين ص 96 و 220 و 605 و الجامع الصغير ج 1 ص 499 و اللمع في أسباب نزول الحديث ص 48 و العهود المحمدية ص 868 و كنز العمال ج 10 ص 149 و 152 و 153 و 169 و ج 12 ص 24 و 31 و ج 13 ص 545 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 312 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 346 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 485 و ج 4 ص 232 و الدر المنثور ج 6 ص 99 و 399 و فتح القدير ج 5 ص 69 و علل الدار قطني ج 8 ص 134 و ج 9 ص 160 و ج 10 ص 47 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 258 و ج 28 ص 17 و ج 41 ص 60 و البداية و النهاية ج 1 ص 197 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 1 ص 134 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 565 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 242 و السيدة فاطمة الزهراء «عليها السلام» لمحمد بيومي ص 83.
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم وقفات كثيرة، نجملها فيما يلي:
لقد روى ابن سعد: أن أبا ذر استأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يكون في اللقاح، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تأمن عيينة بن حصن و ذويه أن يغيروا عليك.
فألح عليه، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لكأني بك قد قتل ابنك، و أخذت امرأتك، و جئت تتوكأ على عصاك.
فكان أبو ذر يقول: عجبا لي، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول:
لكأني بك، و أنا ألح عليه، فكان-و اللّه-ما قال.
ثم ذكر: أنهم بعد حلب اللقاح ناموا في تلك الليلة، فأحدق بهم عيينة في أربعين فارسا، و قتلوا ابنه، و كان معه ثلاثة نفر، فنجوا، و تنحى عنهم أبو ذر، فأطلقوا عقل اللقاح و استاقوها، فلما قدم المدينة، و أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» تبسم (1).
فهذه الرواية تدل:
أولا: على أن المسبية: هي زوجة أبي ذر نفسه، و ليست زوجة ابنه، كما
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 95 و ج 9 ص 225 عن الواقدي و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 293 و 294 عن مسلم، و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 536 و راجع: الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 210.
يفهم من بعض النصوص الأخرى.
ثانيا: إنه إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يتوقع إغارة عيينة بن حصن على لقاحه، فلماذا يبعدها عن المدينة كل هذه المسافة التي تحتاج إلى ساعات كثيرة أو إلى يوم أو يومين، ليمكن إيصال الخبر إلى المدينة بما يجري لها، أو عليها؟ !
ثالثا: لنفترض: أنه لم يكن مكان أقرب من ذلك المكان يمكن للقاح أن تسرح فيه، و تجد فيه قوتها. . فلماذا تركها النبي «صلى اللّه عليه و آله» من دون حامية قادرة على رد عادية المغيرين عليها؟ حيث هم منها قريبون، و على الاستيلاء عليها قادرون؟ !
رابعا: لنفترض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد أن يسوس الناس وفق ما يأتيه من علوم غيبية، خاصة فيما يتعلق باللقاح العائدة إليه، فهل لم يكن ملتفتا إلى هذا الأمر الواضح؟ و هل لم يكن من بين المسلمين العارفين بالحالة الأمنية في المنطقة من يدرك هذا الأمر، و يهتم بلزوم معالجته؟ و الذي لو حصل فيه ما هو متوقع في نظائره، فإنه سيفرض على المسلمين خوض حروب، لاسترداد ما أخذ، و لإعادة الهيبة، و لحفظ أرواح الأشخاص الأبرياء الذين كانوا مع اللقاح.
خامسا: هل يعقل أن يغفل أبو ذر عن مراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يخبره بما سيجري عليه، و على ابنه، و على امرأته لو أصر على الذهاب إلى موضع اللقاح؟
ألم يكن كلامه «صلى اللّه عليه و آله» واضحا و صريحا في المراد، بحيث يفهمه حتى الأطفال، فضلا عن النساء و الرجال؟ .
و لماذا هذا الإصرار من أبي ذر، ليكون مع تلك اللقاح؟ !
و إذا كان يرغب في الخلوة بنفسه، و باكتساب الثواب في عبادة ربه، فلما ذا يحمل معه ولده و زوجته إلى ذلك المكان النائي و غير المأمون؟ !
و هل كان الرجال الآخرون-و هم ثلاثة-يحملون معهم نساءهم و أبناءهم أيضا؟ !
و ما الذي جرى على تلك النسوة و الأبناء؟ !
أم أنهم تركوهم وراءهم في المدينة حيث الأمن و الأمان؟ ! أم تراهم كانوا عزبا و ليس لهم نساء و لا أطفال؟ !
و بينما نجد في الروايات: أن عيينة بن حصن كان هو المغير، فإن روايات أخرى تقول: إن المغير هو عبد الرحمن بن حصن (1)الفزاري.
و قد جمعوا بين القولين: بأنه قد يكون البادئ هو عبد الرحمن، و جاء
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5 عن المشكاة و غيرها، و مسند أحمد ج 4 ص 49 و 52 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 88 و فتح الباري ج 7 ص 324 و 353 و عون المعبود ج 7 ص 303 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 556 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 133 و الفائق ج 1 ص 77 و ج 2 ص 135 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 82 و الثقات ج 1 ص 307 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 95 و 97 و أسد الغابة ج 1 ص 56 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 327 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 256 و البداية و النهاية ج 4 هامش ص 170 و 171 و 173 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 107.
عيينة إلى إمداده، فنسبت الإغارة تارة إلى هذا، و أخرى إلى ذاك (1).
و نقول:
لماذا لا يكون العكس، بأن يكون عيينة هو البادئ، ثم أمده عبد الرحمن، و لماذا لا يكونان شريكين في هذا الأمر، فنسب تارة إلى هذا، و أخرى إلى ذاك؟ !
مع أن النصوص الأخرى: قد ذكرت أن المغير هو عبد الرحمن بن عيينة بن حصن (2). لا عبد الرحمن بن حصن.
و قيل: إنه عيينة بن بدر.
و يقال: إن مسعدة كان رئيسا في هذه الغزوة (3)أيضا! !
و قد قالوا: إن أرض عيينة كانت قد أجدبت، فسمح له النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يرعى بتغلمين، و ما والاه إلى المراض. و لكن عيينة لم يحفظ هذا الجميل، و اتجه بعد أن سمن خفه و حاقره إلى الغدر و الخيانة، و قابل
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 5.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 3 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 107.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 96 و 107 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 53 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 557 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 134 و الفايق ج 2 ص 136 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 82 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 96 و 97 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 327 و السيرة النبوية ج 3 ص 290.
الجميل بالقبيح رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين سمح له بذلك لم يكن يطمع منه بمال، و لا بنصرة، و لا كان ذلك عن خوف منه، و إنما كان الدافع إلى هذا الإحسان هو خلقه الرضي، و منطلقاته الإيمانية و الإنسانية، و الثوابت الأخلاقية، و القيم و المثل العليا.
و هو «صلى اللّه عليه و آله» يرى: أن السلم و التعاون و التفاهم هو الأساس لكل العلاقات بين الناس. . لأنه هو المحيط الطبيعي للحياة الكريمة و الحرة، و هو الذي يهيئ لبناء الحياة بناء سليما، و يفسح المجال لاعتماد الخيارات الصحيحة بتدبر و أناة.
و أما الحرب، فهي لمنع العابثين و الطامعين، من استبعاد الناس و إذلالهم، و مصادرة خياراتهم. . و قد كان عيينة من هؤلاء، كما دلت عليه تصرفاته، و كما وشى به غدره و خيانته. .
قد ذكرت الروايات السابقة: أن سلمة بن الأكوع أول من نذر بالغارة، فغدا يريد الغابة، و معه غلام للنبي «صلى اللّه عليه و آله» اسمه رباح.
و لكننا نشك في صحة ذلك، و مستندنا هو: 1-إن ثمة رواية تقول: إن سلمة كان مع السرح حين أغير عليه، و أنه قام على أكمة، و صاح: وا صباحاه، ثلاثا (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 7 و عون المعبود ج 7 ص 304 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 258 و البداية و النهاية ج 4 ص 171 و 173 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 752 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 286 و 289.
2-إن رواية أخرى، عن سلمة نفسه يصرح فيها: بأنه إنما علم بالإغارة على اللقاح من عبد لعبد الرحمن بن عوف. و قد التقى به حينما خرج سلمة مع رباح قبل أن يؤذن بلال للفجر.
فقال له سلمة: و يحك ما لك؟
قال: أخذت لقاح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قلت: من أخذها؟
قال: أخذها غطفان و نزار.
و كان سلمة راكبا على فرس لطلحة، أو لأبي طلحة (1).
و في نص آخر: أنه علم بالغارة على السرح من رباح غلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعطاه سلمة الفرس الذي معه، و أرسله إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليخبره بالإغارة على السرح (2).
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 7 و السيرة الحلبية ج 3 ص 4 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 95 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 289 و مسند أحمد ج 4 ص 49 و صحيح مسلم ج 5 ص 191 و السنن الكبرى ج 9 ص 88 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 556 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 327 و فتح الباري ج 7 ص 353 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 82 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 97 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 256 و البداية و النهاية ج 4 ص 173 و عيون الأثر ج 2 ص 73.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 4 و صحيح مسلم ج 5 ص 191 و السنن الكبرى ج 9 ص 88 و فتح الباري ج 7 ص 353 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 256 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 96.
و قد حاول العسقلاني الجمع بين الروايات بادعاء: أن رباحا هو نفس غلام ابن عوف، و كان يخدم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» (1). فنسب إليه تارة، و إلى ابن عوف أخرى.
و يرد عليه: أن الرواية التي قدمناها تصرح: بأن سلمة كان مع رباح، ثم التقيا بغلام ابن عوف، فأخبر هما بالإغارة على السرح. .
و اللافت: أنهم يقولون: إن اسم غلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو: «رباح» ، مع أنهم يروون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى أن يسمي الرجل رقيقه بيسار، و رباح، و أفلح، و نافع (2).
فكيف لم يغيّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» اسم غلامه. مع أنه كان يغيّر أسماء الناس من نساء و رجال؟ !
و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك حين الحديث عن تغيير اسم زينب بنت جحش، و اسم أبيها، من برة-بالفتح-إلى زينب و برة-بالضم-إلى جحش. .
و ادّعاء: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يغيّر اسمه ليؤذن بأن النهي عن
تلك الأسماء قد كان للتنزيه (1). غير مقبول. . لأنه مجرد تخرص، و رجم بالغيب، ليس له شاهد و لا دليل.
و اللافت: أن بعض الروايات تذكر: أن سلمة رجع إلى المدينة، و صعد على ثنية الوداع، فرأى بعض خيول المغيرين، فصرخ: وا صباحاه. .
و نقول:
أولا: لماذا رجع إلى المدينة بعد أن كان قد خرج منها؟ . .
ثانيا: هناك روايات أخرى تقول: إنه صعد على تل بناحية سلع. و أين جبل سلع من ثنية الوداع؟ !
ثالثا: كيف سمع أهل المدينة صوته، و هو في ثنية الوداع؟ ! . .
رابعا: كيف تمكن من رؤية خيول المغيرين من موضعه، و كانوا يبعدون عن المدينة مسيرة يوم، أو يومين؟ . .
و اللافت هنا قولهم: إنهم كانوا يحلبون تلك اللقاح عند المغرب.
«و كان راعيها يرجع بلبنها كل ليلة عند المغرب إلى المدينة» .
أي فإن المسافة بينها و بين المدينة يوم أو بعض يوم (2).
بل تقدم القول: بأن المسافة بين موضع النياق و بين المدينة كانت يوما أو يومين. .
و السؤال هو: كيف كانوا يمضون يوما كاملا أو يومين على الطريق، و يقطعون تلك المسافات الشاسعة، لكي يوصلوا ذلك الحليب إلى أهله؟ !
قال الحلبي: «لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: الفزع الفزع، يا خيل اللّه اركبي.
و قيل: و كان أول ما نودي بها.
و فيه-كما في الأصل-: أنه نودي بها في بني قريظة» (1).
و اختلفوا في الذي أمّره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على السرية هل هو سعيد بن زيد أم هو المقداد كما دلت عليه أبيات لحسان؟ جاء فيها قوله:
و لسر أولاد اللقيطة أنناسلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية و كانوا جحفلالجبا، فشكوا بالرماح بداد (2)
و زعموا أن سعيد بن زيد: غضب على حسان، و حلف ألا يكلمه أبدا.
و قال: انطلق إلى خيلي فجعلها للمقداد؟
فاعتذر منه حسان: بأن الروي وافق اسم المقداد، ثم قال أبياتا ذكر فيها سعيد بن زيد، و لكن سعيد لم يقبل منه ذلك (1).
و نقول:
أولا: إن عليا «عليه السلام» قد حضر هذه الغزوة بلا ريب، لأن النصوص قد صرحت: بأنه «عليه السلام» قد حضر المشاهد كلها باستثناء تبوك، التي أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالبقاء فيها بالمدينة، حيث قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. .
و قد ذكرنا في غزوة أحد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يؤمّر عليه أحدا، بل كان «عليه السلام» هو صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد.
ثانيا: لنفترض: أن الاعتراض على حسان كان صحيحا، فإن ذلك لا يلزم منه عدم جعله قائدا في تلك السرية إذ قد يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد جعله على الرجالة مثلا، أو على جماعة أخرى من بعض القبائل المشاركة في ذلك الجيش، أو على الطليعة التي أرسلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمامه. أو نحو ذلك.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 5 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 97 و البداية و النهاية ج 4 ص 177 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 756 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 295.
ثالثا: إن ما ذكر من اعتذار حسان باقتضاء الروي اسم المقداد، ما هو إلا اعتذار واه، فإن الشعر شعره، و يمكنه أن يغيّر صياغة البيت بحيث ينسجم مع اسم من يريد الثناء عليه. . بل إنه حتى لو لم يكن المقداد أميرا، فإنه ربما يكون قد تعمد ذكر اسمه، لبطولات نادرة ظهرت منه في تلك الغزوة و ما سبقها، فصار له تميز على أقرانه. .
ثم حاول حسان أن يرضي ابن زيد، من دون أن يتراجع عن موقفه السابق.
و قد صرحت الروايات: بأن عبد الرحمن بن عيينة قد قتل في هذه الغزوة، و أن قاتله هو أبو قتادة. .
و قد اعترضوا على هذا القول: بأن عبد الرحمن بن عيينة لم يذكر فيمن قتل من المشركين في هذه الغزوة. بل المعروف أن المقتول هو حبيب بن عيينة و قد قتله المقداد (1).
أما أبو قتادة، فقتل مسعدة الفزاري. فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرسه و سلاحه.
و لكن الحلبي أشار إلى: أن أبا قتادة هو الذي قتل حبيبا هذا (2). و لم يقتل
من المسلمين إلا محرز بن نضلة، و هو الأخرم الأسدي (1).
إننا نشك: في أن يكون سلمة بن الأكوع كان قد بلغ من العمر ما يخوله حضور الحرب، و ممارسة الطعن و الضرب.
فقد قالوا: إنه توفي سنة أربع و سبعين على الصحيح (2).
و قالوا: إن عمره حين توفي كان ثمانين سنة (3).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 5 و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 53 و صحيح مسلم ج 5 ص 192 و سنن أبي داود ج 1 ص 625 و السنن الكبرى ج 9 ص 88 و فتح الباري ج 7 ص 355 و عون المعبود ج 7 ص 305 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 557 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 135 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 83 و الثقات ج 1 ص 308 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 98 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 328 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 256 و البداية و النهاية ج 4 ص 174 و السيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 287 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 98.
2) الإصابة ج 2 ص 67 و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 87 و العمدة لابن البطريق ص 342 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 562 و 563 و مجمع الزوائد ج 10 ص 11 و المعجم الكبير ج 6 ص 33 و ج 7 ص 5 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 308 و الثقات ج 3 ص 163 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 399 و ج 22 ص 85 و 104 و 105 و أسد الغابة ج 2 ص 33 و تقريب التهذيب ج 1 ص 378.
3) الإصابة ج 2 ص 67 عن الواقدي و من تبعه، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 88 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 562 و المعجم الكبير ج 4 ص 308 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 308 و الثقات ج 3 ص 163 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 105 و أسد الغابة ج 2 ص 333.
و هذا معناه: أن عمره في سنة ست كان حوالي: عشر سنين، أو اثني عشرة سنة و من يكون في ذلك السن لا يبايع على الموت (1).
و لعل قول بعضهم: إنه مات في سنة أربع و ستين، أو في خلافة معاوية (2)، إنما جاء من أجل تصحيح هذه الأمور التي ينسبونها إليه.
و قد ادّعى سلمة بن الأكوع: أنه استنقذ اللقاح كلها، «حتى ما خلق اللّه تعالى من بعير من ظهر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا خلفته وراء ظهري، و خلوا بينهم و بينه» .
و لكن يقابل ذلك:
أولا: أن هناك نصا لسلمة بن الأكوع نفسه، يقول: إنه قال: يا رسول اللّه، إن القوم عطاشى، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بقي في أيديهم من السرح، و أخذت بأعناق القوم (3).
1) الإصابة ج 2 ص 67.
2) الإصابة ج 2 ص 67 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 85 و 104 و الثقات ج 3 ص 163 و أسد الغابة ج 2 ص 333.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 6 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 81 و تاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 171 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 260 و البداية و النهاية ج 4 ص 172 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 564 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 754 و عيون الأثر ج 2 ص 71 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 288 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 71 و صحيح مسلم ج 5 ص 189.
ثانيا: أن أبا قتادة يدّعي: أنه هو الذي استنقذ اللقاح كلها (1).
ثالثا: أن هناك ما دل على أن الذي استنقذوه من أيديهم هو عشرة فقط من تلك اللقاح (2)، و ذهبوا بسائرها. و هكذا، فإن عدد اللقاح التي استنقذت يبقى غير واضح كما أن الذي استنقذها يبقى في دائرة الشك و الاختلاف، بسبب اختلاف الروايات و تناقضها.
كما أننا لا نستطيع أن نصدق: أن سلمة كان يخبرنا عن ظن أخطأ فيه، حين قال: «حتى ما خلق اللّه من بعير الخ. .» .
لأنه إنما ينقل لنا هذه البطولات عن نفسه بصورة الحتم و الجزم، و ذلك بعد سنوات كثيرة من الحدث، و عن عمد و روية، و لا يتكلم في لحظة صدور الفعل منه، و في لحظات التوتر و الانفعال. .
و ذكروا عن أبي قتادة قوله: «فسرت حتى هجمت على القوم، فرميت بسهم في جبهتي، فنزعت قدحه، و أنا أظن أني نزعت الحديدة، فطلع عليّ
فارس، فقال: لقد ألقانيك اللّه يا أبا قتادة، و كشف عن وجهه، فإذا هو مسعدة الفزاري» .
ثم ذكروا: أن مسعدة خيره بين المجالدة، و المطاعنة، و الصراع، فتصارعا، فصرعه أبو قتادة. فطلب منه مسعدة أن يتركه؛ فأبى ثم قتله و لبس ثيابه، و ركب فرسه، لأن فرس أبي قتادة نفرت نحو القوم حين كانا يتصارعان، فعرقبوها.
ثم ذهب خلف القوم، فلحق ابن أخي مسعدة فقتله، و انكشف من معه عن اللقاح، فأتى بها أبو قتادة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أبو قتادة سيد الفرسان (1).
و نقول: أولا: إذا كان أبو قتادة خير الفرسان، أو سيد الفرسان، و سلمة بن الأكوع خير الرجالة (2)، فما الذي أبقيا لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» فضلا عن أبي دجانة، و المقداد، و غير هما من فرسان المسلمين؟ ! إذ لا شك في حضور علي «عليه السلام» ، و مشاركته في تلك الغزوة، و كذلك كان المقداد و غيره من فرسان المسلمين حاضرين فيها. .
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 6 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 99 و 100 و 101 و دلائل النبوة ج 4 ص 191 و فتح الباري ج 7 ص 355 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 84 و الأذكار النبوية ص 214.
2) الإصابة ج 2 ص 67 و ج 4 ص 158 عن مسلم، و السيرة الحلبية ج 3 ص 5 و 6 و 7 و فيهما أنه كان يقال له: فارس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 74 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 102 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 392 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 84.
ثانيا: إن من غير المعقول: أن تبقى حديدة السهم في جبهة أبي قتادة، دون أن يشعر بها، حتى و هو يصارع مسعدة، و إلى حين رجوعه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
بل لا مجال للتصديق: بأن السهم يخترق جبهته، ثم ينتزع قدحه، ثم لا يصيبه دوار أو صداع، و يبقى قادرا على القتال، و النضال، و المصارعة! ! . .
ثالثا: كيف يمكن أن نصدق: أن أبا قتادة قد حقق كل هذا الإنجاز، حتى استرد اللقاح بعد أن هزم القوم، و كانوا أربعين رجلا، و لم يخطر في بالهم أن يرموه بسهام أخرى في جبهته أيضا و في سائر جسده؟ ! خصوصا حينما ساق اللقاح، و أدبر بها عنهم، بعد أن قتل منهم من عرفنا، فلماذا لم يلاحقوه، و لم يرموه بنبالهم، و يطعنوه برماحهم، و يقذفوه بحجارتهم، و يربكوا حركته، و يفشلوا خطته؟ !
رابعا: كيف نوفق بين نسبة كل هذه الأمور إلى أبي قتادة، و بين نسبتها كلها أيضا إلى سلمة بن الأكوع.
و لعلهم أحبوا أن ينال سلمة بن الأكوع كل هذه الأوسمة، أو أنه أراد ذلك لنفسه؛ لأنه بعد قتل عثمان اعتزل في الربذة، و بقي بها. و لم تظهر منه أية مودة، أو موافقة، أو مشاركة، أو نصرة لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» في حكومته، و في حروبه مع أعدائه.
و كان ذلك على حساب أبي قتادة، و على حساب المقداد، و على حساب علي «عليه السلام» فضلا عن غيرهم! !
و قد تقدم: عن المواهب اللدنية، و السيرة الحلبية: أن سلمة بن الأكوع طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرسل معه مائة رجل لاستنقاذ بقية السّرح.
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن ضحك: ملكت فاسجح. أي فارفق واعف.
و نقول:
إننا حتى لو قبلنا أن المراد بالسرح الذي يريد استنقاذه هو سرح المغيرين على اللقاح، و ليس المقصود به تلك اللقاح التي كانت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإننا نقول:
أولا: لماذا احتاج إلى مائة رجل ليستنقذ السرح؟ ! ألم يزل هو نفسه يدّعي: أنه هو وحده، قد هزمهم، و استرجع اللقاح جميعها منهم؟ ! فليذهب وحده و ليأت بالسرح، أو ليذهب هو و أبو قتادة معه، فإنهم يدّعون أنه قد قام بنفس ما قام به سلمة هذا.
ثانيا: هل مجازاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك الغادر الذي أحسن إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كل هذا الإحسان، و سمح له بأن يرعى إبله في بلاده. هل مجازاته على غدره تكون من مفردات القسوة، و خلاف الرفق؟ ! أم أن الرفق به يكون خلاف الحكمة، و ضد العدل؟ ! و لا يحب اللّه سبحانه بل هو لا يجيز رفقا من هذا القبيل.
ثالثا: إذا كان استنقاذ السرح خلاف السجاحة، و ضد الرفق، فلماذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يرسل السرايا ليغيروا على الذين يتآمرون
و يدبرون للإغارة عليه، فتأخذ جيوشه سرحهم، و يقتلون أو يأسرون رجالهم، و يسبون نساءهم و ذرايهم؟ ! و ما على القارئ الكريم إلا أن يلقي نظرة عابرة على ما يذكره هؤلاء من نتائج الغزوات و السرايا هذه. . فهل هذا ينسجم مع الرفق و السجاحة، و لا ينسجم معه تسديد ضربة لغادر ظالم، تسقط كيده، و تبير سعيه المشؤوم لإلحاق الأذى بأهل الإيمان؟ !
و قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أعطى سلمة سهم الراجل، و سهمي الفارس جميعا مع كونه راجلا.
و قد استدل بهذا الأمر من قال: إن للإمام أن يفاضل في الغنيمة، و هو مذهب أبي حنيفة، و إحدى الروايتين عن أحمد (1).
و نقول:
أولا: إنه لم يكن في هذه الغزوة غنائم تذكر، أو يمكن تقسيمها على خمسمائة أو سبعمائة مقاتل، كانوا قد شاركوا فيها، سوى ما يذكرونه عن حصول سلمة على بعض الأسلحة، و بعض الألبسة التي كانوا يتخففون منها، بالإضافة إلى فرسين زعم سلمة أنه حصل عليهما حين طرد الغزاة عن الماء.
و زعموا: أن ذلك قد حصل له حينما رجعت الصحابة عنهم، و استمر هو يتبعهم (2). فهو غنيمة له دونهم.
ثانيا: إن مالكا و الشافعي قالا: لا يجوز للإمام أن يفاضل في الغنيمة.
قال الحلبي: «لعله لعدم صحة ذلك عند هما» (1).
ثالثا: إذا صح ما يذكرونه عن هذه الغزوة، فاللازم هو: أن يفوز سلمة بن الأكوع، أو أبو قتادة بالغنيمة كلها، إذ إن أحدا من المسلمين لم يشاركه في تحقيق النصر، و استرداد اللقاح. فلماذا يشاركونه في الغنيمة؟ ! .
بل إن أحدا من الصحابة لم يكن حاضرا في موضع القتال. . فراجع رواياتهم في مصادرها.
رابعا: إذا كان سلمة خير الرجالة، فإن أبا قتادة كان خير الفرسان أيضا، فإذا استحق سلمة ثلاثة أسهم: سهم الراجل و سهمي الفارس، فلماذا لا يستحق أبو قتادة ذلك أيضا. .
و الذي يتبادر إلى الذهن هو: أن دعوى إعطاء سلمة سهمي الفارس و الراجل، تهدف إلى التخفيف من أهمية ما جاء في حديث مناشدة علي «عليه السلام» لأصحاب الشورى، و فيهم طلحة و عثمان، و سواهما، حيث قال «عليه السلام» :
«أفيكم من كان له سهم في الحاضر و سهم في الغائب؟ !
قالوا: لا» (2).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 8.
2) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر (تحقيق المحمودي) ج 3 ص 93 و اللآلي المصنوعة ج 1 ص 362 و الضعفاء الكبير ج 1 ص 211 و 212 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 15 ص 685 و كنز العمال ج 5 ص 725 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 435 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 379.
و ذكر الزمخشري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك. فدفع لكل واحد منهم سهما، و دفع لعلي كرم اللّه وجهه سهمين. فاعترض عليه زائدة بن الأكوع.
فكان مما أجابه النبي «صلى اللّه عليه و آله» به: أن جبرئيل كان يقاتل في تبوك مكان علي «عليه السلام» ، و أن جبرئيل «عليه السلام» هو الذي أمره بأن يعطي عليا «عليه السلام» سهمين (1). فراجع.
كما أنه قد كان لجعفر بن أبي طالب سهم في الحاضر، و سهم في الغائب.
فقد روي عن الإمام الباقر «عليه السلام» ، أنه قال: ضرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه، و أجره (2).
و في حديث آخر: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أعطى الإمام عليا «عليه السلام» سهمي جبرئيل بطلب من اللّه في واقعة خيبر (3).
قال الوراق القمي:
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 142 عن فضائل العشرة للزمخشري، و علل الشرائع ج 1 ص 172 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 82 و 320 و البحار ج 39 و 94 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» ج 1 ص 78 و تنبيه الغافلين لتحسين آل شبيب ص 39.
2) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 216 و شرح الأخبار ج 3 ص 205 و بغية الباحث ص 215 و تهذيب الكمال ج 5 ص 52 و البداية و النهاية ج 3 ص 396.
3) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 320 و مدينة المعاجز ج 1 ص 179 و البحار ج 41 ص 87.
علي حوى سهمين من غير أن غزاغزاة تبوك حبذا سهم مسهم (1)
إننا إذا نظرنا إلى: حديث سلمة بن الأكوع، فسوف نخرج بنتيجة هي أنه لم يحصل في تلك الغزوة قتال. . إلا ما قام به إبن الأكوع من رميهم بالنبال، حتى أربكهم و استعاد منهم اللقاح كلها.
و لكن الحقيقة: هي غير ذلك، فإن حديث أبي قتادة و غيره يدل على أنه قد كان قتال قوي بين المغيرين الذين استاقوا اللقاح، و بين الثمانية الذين أرسلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقيادة المقداد، الذي أريد الانتقاص من جهده و جهاده، بإنكار أن تكون الإمارة له، رغم شعر حسان بن ثابت المصرح باسمه، و بنسبة جنود السرية إليه.
و قد دلت النصوص التي تقدمت: على أنه قد حصل فيها قتال و سقط عدد من القتلى من المسلمين و المشركين، على حد سواء، و يدل على ذلك أيضا قول حسان بن ثابت:
كنا ثمانية و كانوا جحفلالجبا فشكوا بالرماح بداد
و قال شداد بن عارض في يوم ذي قرد لعيينة بن حصن:
فهلا ذكرت أبا مالكو خيلك مدبرة تقتل
ذكرت الإياب إلى عسجرو هيهات قد بعد المقفل
و هناك أبيات أخرى لكعب بن مالك في هذه المناسبة تشير إلى
1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 78.
ذلك. . (1).
و ربما يكون ثمة تهويل مقصود في أمر استياق اللقاح، ثم تخليصها منهم بواسطة سلمة بن الأكوع، أو بغير ذلك.
و لعل الصحيح هو: أن المسلمين قد نذروا بهم قبل أن يتمكنوا من استياقها، و يدل على ذلك قول حسان:
أظن عيينة إذ زارهابأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقتهو قلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتهاو آنست للأسد فيها زئيرا
فولوا سراعا كشد النعامو لم يكشفوا عن ملطّ حصيرا (2)
أي لم يصيبوا بعيرا، و لا كشفوا عنه حصيرا، و الحصير: ما يكنف به حول الإبل من عيدان الحظيرة.
و هذا معناه: أنهم لم يتمكنوا من استياق شيء من الإبل.
و زعموا: أنه حين طردهم سلمة بن الأكوع عن ماء ذي قرد، تركوا
فرسين، و جاء بهما سلمة يسوقهما إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و نقول:
إن هذا أمر غير ظاهر الوجه أيضا، إذ لماذا يتركون خيولهم، و يفرون مشيا على الأقدام، و لا يفرون عليها؟ ! أليس ذلك أسرع لهم، و أضمن لنجاتهم؟ !
و كيف عدلوا إلى ذلك الماء و نزلوا عن خيولهم، و ابن الأكوع لم يزل وراءهم، يرميهم بالحجارة، أو بالسهام؟ ! حتى لم يتمكنوا من أن يذوقوا منه قطرة؟ !
و هل أخذ الفرسين منهم عند ذلك الماء أم أخذهما حينما تركوهما على ثنية أخرى حسبما تقدم؟ !
ثم إننا لا ندري: لماذا توقف طرده لهم عند ماء ذي قرد، و لم يواصل ملاحقتهم إلى ما بعد ذلك؟ !
و ذكروا: أن عيينة و أصحابه بعد فرارهم من ذي قرد، مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها، و خرجوا هرّابا.
غير أننا نقول:
إذا كانوا قد هربوا بعد غروب الشمس من ذي قرد (1)، فإنهم لا بد أن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 99 عن الواقدي، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 291 و راجع: فتح الباري ج 7 ص 355.
يكونوا قد وصلوا إلى ذلك الغطفاني الذي نحر الجزور لهم، و بدأوا بكشط جلدها بعد حلول الظلام، فكيف رأوا الغبرة قد ظهرت، و الحال: أن الرؤية في الليل غير متيسرة لهم و لا لغيرهم؟ !
و الغريب في الأمر، أنهم يذكرون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما بلغ ماء ذي قرد، صلى بالمسلمين صلاة الخوف، فجعل المسلمين فرقتين، فصلى ركعة بالفرقة الأولى، و فرقة قامت بإزاء العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية، و حل الذين صلوا مكانها، فصلى بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا ركعة، فكانت الصلاة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ركعتين، و لكل رجل من الطائفتين ركعة (1).
و نقول:
أولا: إن المفروض: أن جيش رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يواجه عدوا، لتقف طائفة من الجيش بإزاء ذلك العدو، و تقف الطائفة الأخرى معه للصلاة.
و لأجل ذلك التجأ البعض إلى القول: بأن المقصود: أنهم وقفوا في
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 7 عن الإمتاع، و عيون الأثر ج 2 ص 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 101 و اختلاف الحديث ص 526 و السنن الكبرى ج 3 ص 262 و فتح الباري ج 7 ص 324 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 309 و نصب الراية ج 2 ص 294 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 81 و الثقات ج 1 ص 287 و البداية و النهاية ج 4 ص 93 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 565.
المحل الذي يظن مجيئهم منه، و ذلك كان لغير جهة القبلة. . و إلا فالعدو لم يكن بمرأى منهم (1).
و هو كلام لا معنى له؛ لأن ذلك لو تم لوجب على المسلمين أن يصلوا صلاة الخوف باستمرار في كل سرية و غزوة، بل قد يحتاجون إلى صلاة الخوف، حتى و هم في داخل المدينة، لأن الخوف من مداهمة العدو حاصل في كل وقت.
بل إن نفس حديث غزوة ذي قرد يذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد خلّف سعد بن عبادة مع ثلاث مائة مقاتل في المدينة، من أجل أن يحرسوها.
ثانيا: إن هناك اختلافا كثيرا حول تاريخ تشريع صلاة الخوف، فلا محيص عن الرجوع إلى أهل البيت «عليهم السلام» لحسم هذا الأمر، حيث قد روي بسند صحيح عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال عن صلاة الخوف: «إنها نزلت لما خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحديبية، يريد مكة» (2)فراجع.
ثم صلاها في غزوة ذات الرقاع في سنة سبع (3).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 7.
2) البرهان ج 1 ص 411 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 518 و البحار ج 86 ص 110 و تفسير القمي ج 1 ص 150 و الصافي ج 1 ص 494 و كنز الدقائق ج 2 ص 606 و الميزان ج 5 ص 64.
3) البرهان للبحراني ج 1 ص 411 و من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي، قم) ج 1 ص 460 و الكافي ج 3 ص 456 و تهذيب الأحكام ج 3 ص 172 و وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج 5 ص 479 و البحار ج 20 ص 177 و ج 83 ص 3 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 182 و ج 5 ص 207 و ج 7 ص 574 و إختلاف الحديث ص 526 و مسند أحمد ج 5 ص 370 عن صحيح البخاري ج 5 ص 51 و 52 و صحيح مسلم ج 2 ص 214 و سنن أبي داود ج 1 ص 278 و سنن النسائي ج 3 ص 171 و السنن الكبرى ج 3 ص 253 و شرح صحيح مسلم للندوي ج 6 ص 128 و عن فتح الباري ج 7 ص 323 و الديباج على صحيح مسلم ج 2 ص 425 و عون المعبود ج 4 ص 80 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 31 و سنن النسائي ج 1 ص 592 و المنتقى من السنن المسندة ص 69 و شرح معاني الآثار ج 1 ص 313 و سنن الدار قطني ج 2 ص 48 و نصب الراية ج 2 ص 294 و إرواء الغليل ج 2 ص 292 و فقه القرآن ج 1 ص 149 و تفسير الصافي ج 1 ص 494 و أحكام القرآن ج 1 ص 544 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 560 و الدر المنثور ج 2 ص 212 و التاريخ الكبير للبخاري ج 4 ص 276 و الجرح و التعديل ج 3 ص 1138 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 281 و معجم البلدان ج 3 ص 56 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 226 و التنبيه و الإشراف ص 214 و البداية و النهاية ج 4 ص 93 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 421 و عيون الأثر ج 2 ص 29 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 180 و ج 12 ص 60 و ج 8 ص 245 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 170 و المصنف للصنعاني ج 2 ص 503 و صحيح ابن خزيمة ص 240 و 303 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 124 و موارد الظمآن ص 155 و كنز العمال ج 8 ص 419 و جامع البيان ج 5 ص 341 و تفسير القرطبي ج 5 ص 368 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 291 و الثقات ج 1 ص 252 و أسد الغابة ج 1 ص 22 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر المعروف بتاريخ ابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 و إعلام الورى ج 1 ص 189.
و يؤيد ذلك: ما روي عن جابر بن عبد اللّه، قال: «غزا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ست غزوات قبل صلاة الخوف، و كانت صلاة الخوف في السنة السابعة» (1).
و أما كيفية الإتيان بها، فقد رويت على ست عشرة صورة، فراجع (2).
و ذلك يشير: إلى أنه لا يمكن الاعتماد على رواياتهم، كما أن الصورة التي ذكرت آنفا ليست هي الصورة الصحيحة المروية عن أهل بيت النبوة «عليهم السلام» كما يظهر بالمراجعة.
و قد تقدم: أن امرأة أبي ذر قد أفلتت من آسريها على ناقة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» التي تسمى القصوى، أو على المسماة بالعضباء.
و يذكرون في كيفية ذلك: أن تلك المرأة انفلتت من الوثاق ليلا، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا، فتتركه، حتى انتهت إلى العضباء، فلم ترغ، فقعدت على عجزها، ثم زجرتها. و علموا بها، فطلبوها، فأعجزتهم.
و نذرت إن نجاها اللّه عليها: أن تنحرها، و تأكل من سنامها و كبدها، فلم يرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، و قال لها: «إنها ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة اللّه تعالى، و رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» إلى المدينة» (1).
و نقول:
أولا: إن هذا النص يدل على: أن الغفارية قد التقت بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل رجوعه إلى المدينة، و معنى ذلك: أنها التقت به على ماء ذي قرد.
و ذلك يدل على: أنها لم تفلت على الناقة المذكورة، و لا قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بتلك الناقة، لأن المفروض: أن ابن الأكوع -كما يدّعي-قد طارد المغيرين إلى نفس هذا الموضع، أعني ماء ذي قرد، و أنه قد استرجع منهم كل بعير خلقه اللّه كان معهم مما أخذوه في غارتهم. .
و كذلك يقال: بالنسبة للحديث عن بطولات أبي قتادة، و استرجاعه للقاح. . فأين كانت هذه المرأة؟ و كيف نجت على تلك الناقة؟ !
ثانيا: إن الرواية تقول: إنه لما كان الليل انفلتت المرأة من الوثاق، و قامت إلى الإبل و بذلت محاولتها. . مع أن سياق الأحداث يأبى عن أن يكون هؤلاء قد استقروا في مكان، و باتوا فيه. .
بل في حديث سلمة بن الأكوع: أنه قد طاردهم إلى وقت الغروب، حيث استنقذ كل ما كان في يدهم.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 8 ملخصا و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 103 عن أحمد و مسلم، و أبي داود. و راجع: سنن ابن داود ج 3 ص 807 برقم 3537 و الجامع الصحيح ج 5 ص 530 و المعجم الكبير ج 11 ص 18 و مجمع الزوائد ج 4 ص 148 و مسند الحميدي برقم 1051 و 1053 و مسند أحمد ج 2 ص 292 و سنن النسائي ج 6 ص 280 و المصنف للصنعاني برقم 19920.
ثالثا: إذا كانت تلك المرأة كلما دنت من بعير رغا فتتركه إلى غيره، فلماذا لم يلتفتوا إليها، و لم يتفقدوا تلك الإبل ليعرفوا من ذلك الذي يهيجها حتى ترغو. خصوصا مع تكرر رغائها، واحدا بعد الآخر؟
رابعا: إن مفاد الحديث المتقدم: أن الغفارية قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يشرع بالرجوع إلى المدينة. .
و قد يؤيد ذلك: أنها إنما نجت على العضباء.
و المفروض: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رجع إلى المدينة راكبا على العضباء، مردفا سلمة بن الأكوع (1).
و لكن ابن هشام و غيره يقولون: إنها قدمت على ناقتها على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، فأخبرته الخبر (2).
و قد يقال: إن الناقة لها لا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و يجاب: بأن المراد: أنه قدمت إلى المدينة على ناقة، و لم يرد ابن هشام أن يشير إلى مالك تلك الناقة.
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و مسند أحمد ج 4 ص 53 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 137 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 558 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 84 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 99 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 329 و البداية و النهاية ج 4 ص 175 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 292 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 257 و المعجم الكبير ج 7 ص 31 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 379.
2) السيرة النبوية لابن هشام (ط سنة 1383 ه) ج 3 ص 755 و السيرة الحلبية ج 3 ص 8 و البداية و النهاية ج 4 ص 172 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 288.
و كل ذلك يشير: إلى عدم صحة كثير مما يقال حول هذه السرية و إن كان يبدو لنا: أن هذه القضية لها أساس صحيح، و لكنها قد استعيرت من موضعها الأصلي، ليستفاد منها في هذا الموضع، لإضفاء مزيد من الغرابة على هذا الحدث. .
و لعل الصحيح هو: ما روي عن النواس بن سمعان: أن ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرقت، فقال: لئن ردها اللّه علي لأشكرن ربي. و قد وقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فرأت من القوم غفلة، فقعدت عليها، فصبحت المدينة الخ. . (1).
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مرّ في غزوة ذي قرد على ماء يقال له: «بيسان» ، و هو مالح، فسماه «نعمان» ، و قال: هو طيب، فتغيّر طعم الماء. . فاشتراه طلحة، و تصدق به، فسمي طلحة الفياض.
و نقول:
لقد تعودنا من هؤلاء إطراء أوليائهم و محبيهم، خصوصا إذا كانوا من المناوئين و الأعداء لعلي «عليه السلام» و إعطائهم أسمى المقامات، و أعلى الدرجات، حتى لو فعلوا الأفاعيل، و جاؤوا بالأفائك و الأضاليل. .
و الكل يعلم: أن طلحة قد حارب عليا «عليه السلام» ، و كان على رأس الجيش الباغي في حرب الجمل. . فكانت له الحظوة و الزلفى لدى
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 8 عن الأوسط للطبراني، و مجمع الزوائد ج 4 ص 187 و المعجم الأوسط ج 2 ص 14 و الدر المنثور ج 1 ص 11.
هؤلاء، و لم يبخلوا عليه بالأوسمة، و لا قصروا في اختراع الفضائل و الكرامات له. و هذا المورد هو أحد تلك المخترعات التي ظهرت.
و نحن لا نشك: أنها رواية مكذوبة، و يظهر ذلك من ملاحظة نصوصها، فإنه عدا عما ذكروه من رواية شرائه بئر بيسان، و تصدقه بها، نشير إلى ما يلي:
1-عن طلحة، أنه قال: سماني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أحد طلحة الخير، و يوم العسرة طلحة الفياض، و يوم حنين طلحة الجود (1).
و في بعض المصادر: يوم خيبر، بدل حنين، و يحتمل التصحيف. .
و الظاهر: أن المراد بيوم العسرة يوم تبوك، المسمى بجيش العسرة.
2-ذكر نص آخر: نفس الكلام المتقدم، غير أنه قال: «و يوم غزوة ذات العشيرة، طلحة الفياض» .
و في نص آخر: «العسيرة» (2).
1) البداية و النهاية (ط سنة 1413 ه) ج 7 ص 276 و أسد الغابة ج 3 ص 59 و لسان الميزان ج 3 ص 78 و مجمع الزوائد ج 9 ص 147 و كتاب السنة ص 600 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 5 و المعجم الكبير ج 1 ص 112 و 117 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 92 و أسد الغابة ج 3 ص 59 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 197 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 30 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 19 و راجع: ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 271 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 374.
2) الكامل لابن عدي ج 6 ص 443 و تاريخ دمشق ج 25 ص 92 و ميزان الإعتدال (ط سنة 1382 ه) ج 2 ص 197 و القاموس المحيط (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1412 ه) ج 1 ص 477 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 30 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 374 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) ، و تاج العروس (ط منشورات مكتبة الحياة، بيروت) ج 2 ص 191 و مجمع الزوائد ج 9 ص 147 عن الطبراني، و المعجم الكبير ج 1 ص 117 و 112 و السنة لابن أبي عاصم (ط سنة 1413) ص 600 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 271 و لسان العرب (ط سنة 1405 ه قم) ج 1 ص 534 و كتاب السنة ص 600.
3-روي عن سلمة بن الأكوع، قال: إبتاع طلحة بئرا بناحية الجبل، و نحر جزورا، فأطعم الناس، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنت طلحة الفياض (1).
4-و في نص آخر: أن طلحة اشترى مالا في موضع يقال له: بيسان، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يا طلحة الفياض، أو قال: ما أنت إلا فياض، فسمي طلحة الفياض (2).
5-عن موسى بن طلحة: أن طلحة نحر جزورا، و حفر بئرا يوم ذي قرد، فأطعمهم و سقاهم، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا طلحة الفياض، فسمي طلحة الفياض (3).
1) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 30 و مجمع الزوائد ج 9 ص 148 و كنز العمال ج 13 ص 200 عن الحسن بن سفيان، و أبي نعيم في معرفة الصحابة، و ابن عساكر، و المعجم الكبير ج 7 ص 7 و الكامل لابن عدي ج 3 ص 284 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 218 و كتاب السنة ص 600 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 93.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 93 و الإصابة ج 3 ص 430.
3) السنة لابن أبي عاصم ص 600 و مجمع الزوائد ج 9 ص 148 عن الطبراني، و المعجم الكبير ج 1 ص 112 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 374 و تلخيص المستدرك للذهبي.
فأي ذلك نصدق. . و بأيها نأخذ؟ !
و الظاهر هو: أن أقرباء طلحة هم الذين منحوا أو هيأوا له لقب الفياض.
فعن سفيان بن عيينة، قال: «و كان أهله يقولون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سماه الفياض» (1).
فهو يتعمد أن ينسب ذلك إلى أهل طلحة، دون من عداهم! !
6-و أخيرا، فإن ابن حبيب يقول: «الطلحات المعدودون في الجود: طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان التيمي، صاحب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو طلحة الفياض.
و طلحة الخير، (طلحة) بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر التيمي، و هو طلحة الجود الخ. .» (2).
و بعد ما تقدم، نقول:
إننا نستفيد من النصوص المتقدمة:
أولا: أن ثمة خلافا و اختلافا في موضع التسمية، هل هي غزوة ذات العشيرة؟ أم غزوة القردة؟ أم يوم العسرة؟ !
و إن ثمة خلافا في المناسبة التي دعت إلى إطلاق هذا الوصف عليه، هل هي شراء بئر ثم التصدق بها؟ !
أم هي حفر بئر، و ذبح جزور، فأطعم الناس و سقاهم؟ !
أم هي شراء مال؟ !
أم هي شراء بئر فقط؟ !
و إن ثمة خلافا في الأوصاف و أصحابها، فهل طلحة الجود، و الفياض، و الخير رجل واحد؟ أم ثلاثة أشخاص؟ ! كما قاله ابن حبيب و غيره.
ثانيا: إن مجرد أن ينحر إنسان جزورا، و يطعم الناس، و يحفر بئرا، و يسقي الناس، أو يشتري بئرا، أو آبارا و لا يتصدق بها، أو يشتريها و يتصدق بها لا يقتضي إطلاق هذه الأوصاف العالية، و لا يستوجب إعطاء هذه الأوسمة، و لو اقتضى ذلك لأصبحت الأوسمة تعد بمئات الألوف، بل بالملايين. إذ ما أكثر الذين فعلوا أكثر من ذلك بمراتب.
و قد ذكرت نفس النصوص المتقدمة: أن سعد بن عبادة أرسل بأحمال التمر، و بخمس جزائر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ذي قرد، فأين الجزور الواحد لطلحة من خمسة جزائر لسعد، و لم نجده «صلى اللّه عليه و آله» يطلق على سعد مثل هذا الوصف؟ !
ثالثا: إن كلام سفيان بن عيينة-حول أن أهل طلحة هم الذين يروون ذلك عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -: يعطي الانطباع، و يقرب للأذهان مدى صدقية أمثال هذه المزاعم، و يشير بإصبع الاتهام إلى من دبّر هذه التسميات! !
و نحن نذكر هنا من أفاعيل طلحة على سبيل التعداد لا الحصر ما يلي:
1-مر أمير المؤمنين «عليه السلام» على طلحة في يوم الجمل، فقال:
هذا الناكث بيعتي، و المنشئ الفتنة في الأمة، و المجلب عليّ، و الداعي إلى قتلي، و قتل عترتي (1).
2-إن طلحة كان من قتلة عثمان، ثم حارب عليا باسم الطلب بدم عثمان! !
3-و قد قال عمر لطلحة حين أراد أن يرتب الشورى بعده: «أقول أم أسكت؟ !
قال: قل. فإنك لا تقول من الخير شيئا.
قال: أما إني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد بالبأو الذي حدث لك. و لقد مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم نزل الحجاب» .
4-قال الجاحظ: الكلمة المذكورة: أن طلحة لما أنزلت آية الحجاب، قال عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمحضر ممن نقل عنه: ما الذي يغنيه حجابهن اليوم، و سيموت غدا فننكحهن (2)؟
5-لما نبحت كلاب الحوأب عائشة، قالت: ردوني. . و كان طلحة في ساقة الناس، فلحقها، و أقسم لها: أن ذلك الماء ليس بالحوأب، و شهد معه
خمسون رجلا على ذلك. فكان ذلك أول شهادة زور في الإسلام (1).
6-في حرب أحد أراد طلحة أن يخرج إلى الشام و يتنصر. و استأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمسير إلى الشام، و أصر على ذلك (2).
7-كما أن القاسم بن محمد بن يحيى بن طلحة، صاحب شرطة الكوفة من قبل عيسى بن موسى العباسي قد قال لإسماعيل ابن الإمام الصادق «عليه السلام» : لم يزل فضلنا و إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم، و على بني عبد مناف.
فقال إسماعيل: أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف؟ !
أغضب أبوك جدي بقوله: ليموتن محمد، و لنجولن بين خلاخيل نسائه، كما جال بين خلاخيل نسائنا.
فأنزل تعالى، مراغمة لأبيك: . . وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كٰانَ عِنْدَ اَللّٰهِ عَظِيماً (3).
و الحديث في هذا الأمر طويل، و نكتفي منه بهذا القدر، فإن الحر تكفيه الإشارة.
1) مروج الذهب ج 2 ص 357 و 358 و مستدرك الوسائل ج 17 ص 449 و الإيضاح هامش ص 82 و 83 و الجمل للمدني ص 44 و 110 و البحار ج 32 ص 147 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 280 و نهج السعادة ج 1 ص 238 و أضواء على الصحيحين ص 105 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2317 و إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 184 و البداية و النهاية ج 7 ص 258 و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 2 ص 33.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 162.
3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 323.
في محرم على رأس تسعة و خمسين شهرا من الهجرة كانت سرية القرطاء. و هم بطن من بكر بن كلاب، في موضع يقال له: «الضريّة» و هي على سبع مراحل على الطريق بين البصرة و مكة.
حيث يقال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث إليهم محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبا، و أمره أن يغير عليهم بغتة، فسار إليهم، و كان يكمن بالنهار، و يسير بالليل، حتى أغار عليهم، فقتل نفرا منهم، و هرب سائرهم و أصاب منهم خمسين بعيرا (أو مائة و خمسين بعيرا) ، و ثلاثة آلاف شاة.
و قدم المدينة لليلة بقيت من المحرم، فخمسها، ثم قسمها بين أصحابه.
و كانت غيبته في تلك السرية تسع عشرة ليلة (1).
و في نص آخر: أنه حين سار محمد بن مسلمة إليهم صادف في طريقه ركبانا نازلين، فأرسل إليهم رجلا من أصحابه، يسأل: من هم؟
ثم رجع إليه فقال: قوم من محارب.
فنزل قريبا منهم، ثم أمهلهم حتى عطّنوا الإبل (أي برّكوها) حول
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 2 و 3 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 78 و عيون الأثر ج 2 ص 63.
الماء، فأغار عليهم، فقتل نفرا منهم، أي عشرة، و هرب سائرهم، و ساق نعما و شاء، و لم يتعرض للنساء (1).
و نقول:
أولا: إن لنا تحفظا على كثير مما يقال في هذه السرايا، خصوصا حين تعطي صورة غير واقعية عن سياسات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث يتخيل القارئ لرواياتها: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمثابة رئيس عصابة، أو جماعة (و العياذ باللّه) ليس له و لهم شغل إلا أن يترصدوا الناس الآمنين ليغيروا عليهم، فيقتل رجالهم، و يأسر و يسبي ذراريهم، و نساءهم، و يغنم أموالهم. من دون أي مبرر ظاهر، أو مقبول وفق ما توحي به سرية القرطاء و أمثالها. .
و من الواضح: أن طريقة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك طبيعة تعاليم الدين الحنيف إنما كانت تقضي بالرفق، و السماحة، و الاهتمام بهداية الناس و الحرص على سعادتهم، بل كانت نفس النبي «صلى اللّه عليه و آله» تكاد تذهب حسرات على أناس نصبوا له الحرب، و بغوا له الغوائل، لشدة حرصه على هدايتهم، و نجاتهم مما هم فيه من الجهل و الشرك. .
و لم يكن «صلى اللّه عليه و آله» بالذي يهتم بشن الغارات على الناس الآمنين، رغبة في قتلهم، و الحصول على أموالهم، و أسر و استعباد من يتمكن من أسرهم و استعبادهم.
لقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنبل في نفسه، و اللّه تعالى أرحم
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 174.
و أرأف و أجل و أعدل من أن يكون ذلك داخلا في أهدافه، و جزءا من سياساته، فحاشا، ثم حاشا أن ينسب أحد أمثال هذه الترهات و الأباطيل إلى اللّه و رسوله.
من أجل ذلك نقول: إن جميع الحروب التي خاضها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك أمير المؤمنين «عليه السلام» من بعده قد كانت لرد العدوان القائم، أو من أجل إحباط تدبير لعدوان خطير. .
بعد أن تكون قد استنفذت جميع الوسائل المتاحة لهدايتهم و إرشادهم، و العمل على نصحهم، و كشف غشاوات الجهل و العمى عن بصائرهم، بحيث يصبح استمرارهم في خط الكفر لا يعدو كونه نتيجة جحود و عناد، و تمرد و فساد، على قاعدة وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ. . .
فإن صح ما يقال عن سرية القرطاء، فلا بد أن يكون بعد إقامة الحجة، و ظهور المحجة، ثم إصرارهم و عنادهم، و سعيهم في إطفاء نور اللّه تعالى، و الإفساد منهم في الأرض، و صدا منهم عن سبيل اللّه تبارك و تعالى.
ثانيا: إننا نتمنى أن تكون هذه البطولات و الإنجازات، التي ينسبونها إلى محمد بن مسلمة، صحيحة و دقيقة المضامين، فقد تعودنا من هؤلاء الناس ممارستهم الكثير من الخيانة و التزوير للحقائق، لمجرد منح هذا أو ذاك أو سمة، و بطولات، ليس لها نصيب من الواقعية و الصدق، و ذلك في ضمن كيد إعلامي رخيص، يهدف إلى إطراء من هم معهم، و في خطهم، و من اختار طريق الخصومة لعلي «عليه السلام» و مناوأته، و تعظيم مناوئيه، و كان محمد بن مسلمة من هؤلاء بلا ريب. .
فإنه كان ممن امتنع عن البيعة لعلي «عليه السلام» (1)رغم أنه كان من الناقمين على عثمان، و الشامتين به، فقد قال في يوم قتل عثمان: «ما رأيت يوما أقر للعيون، و لا أشبه بيوم بدر من هذا اليوم» (2).
و محمد بن مسلمة كان أيضا من الذين هاجموا بيت فاطمة الزهراء «عليها السلام» بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دخلوه، بل يدّعون: أنه هو الذي كسر سيف الزبير (3).
و حين جاءه عمار ليدعوه إلى بيعة علي «عليه السلام» قال له: «مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني و بينك. .» .
ثم كلّمه في أمر البيعة فرفضها، فلما أبلغ عليا «عليه السلام» بما جرى قال «عليه السلام» : «. . و ذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهودي» (4).
و كان صاحب العمال أيام عمر إذا اشتكي إليه عامل أرسله ليتكشف
1) أسد الغابة ج 4 ص 330 و 331 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 53 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 9.
2) قاموس الرجال ج 8 ص 388 و 389 و البحار ج 301 ص 291.
3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 51 و ج 6 ص 48 و قاموس الرجال ج 8 ص 388 و كتاب سليم بن قيس ص 411 و السقيفة و فدك للجوهري ص 48 و 73 و البحار ج 28 ص 315 و الغدير ج 5 ص 356 و السنن الكبرى ج 8 ص 152 و كنز العمال ج 5 ص 597 و تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 287 و البداية و النهاية ج 5 ص 270 و ج 6 ص 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 496.
4) الإمامة و السياسة ج 1 ص 54 و قاموس الرجال ج 8 ص 388.
الحال. و هو الذي أرسله عمر إلى عماله ليأخذ شطر أموالهم لثقته به (1).
و بعثه إلى الشام أيضا مع خالد بن الوليد لقتل سعد بن عبادة، و أشاعوا: أن الجن قتلته (2).
رغم ذلك كله، فإنه زعم: أن خلافة علي «عليه السلام» فتنة، و أنه اعتزلها من أجل ذلك (3).
و لكن ليت شعري ألم يكن كل ما سبقها فتنة؟ و هل بعد بيعة الغدير، و سواها من الدلائل ما يصلح عذرا لهذا الرجل أو لغيره؟ ! .
و قد ذكروا: أن ابن مسلمة حين رجع من تلك الغزوة، جاء بثمامة بن أثال الحنفي-سيد أهل اليمامة-أسيرا-و لكن آسريه لم يعرفوا أسيرهم- فأمرهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأن يحسنوا إساره، بعد أن عرّفهم
1) أسد الغابة ج 4 ص 330، و راجع: قاموس الرجال ج 8 ص 388 و الإصابة ج 3 ص 384 و الزهد و الرقائق ص 179 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 267.
2) البحار ج 30 ص 494 و الإستغاثة ج 1 ص 8 و مجالس المؤمنين ج 1 ص 335 و قاموس الرجال ج 8 ص 388 و معجم رجال الحديث ج 9 ص 76 و إكمال الكمال ج 3 ص 141 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 243 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 412.
3) راجع ترجمته في: الإصابة، و الإستيعاب، و أسد الغابة و غير ذلك و راجع: فيض القدير ج 1 ص 388 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 369 و البداية و النهاية ج 5 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 695.
«صلى اللّه عليه و آله» به.
و لما رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهله قال: اجمعوا ما عندكم من طعام، فابعثوا به إليه، و أمر بلقحته، أن يغدى عليه بها و يراح، فجعل لا يقع من ثمامة موقعا. و يأتيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول له: أسلم يا ثمامة، (أو ما تقول يا ثمامة) ، أو ما عندك يا ثمامة؟
فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، و إن تنعم تنعم على شاكر، و إن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت.
فتركه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم سأله في اليوم الثاني، ثم في اليوم الثالث، ثم أمر بإطلاقه. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم عاد إليه، فأسلم، و بايعه.
فلما أمسى جاؤوه بما كانوا يأتونه به من الطعام، فلم ينل منه إلا قليلا، و باللقحة، فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فتعجب المسلمون من ذلك! !
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ممّ تعجبون؟ ! من رجل أكل أول النهار في معي كافر و أكل آخر النهار في معي مسلم، إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء و إن المسلم يأكل في معي واحد (1)
و راجع: مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 408 و الصراط المستقيم ج 3 ص 47 و غوالي اللآلي ج 1 ص 144 و مجمع البيان ج 9 ص 166 و تفسير غريب القرآن ص 70 و الكافي ج 6 ص 268 و المجازات النبوية ص 376 و الوسائل (الإسلامية) ج 16 ص 406 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 211 و مصباح الشريعة ص 78 و الطرائف ص 505 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 632 و البحار ج 60 ص 325 و ج 78 ص 204 و ميزان الحكمة ج 1 ص 89 و 208 و مسند أحمد ج 2 ص 21 و 43 و 318 و 375 و 415 و 145 و 275 و ج 3 ص 333 و 357 و ج 4 ص 336 و ج 6 ص 397 و سنن الدارمي ج 2 ص 99 و صحيح البخاري ج 6 ص 200 و 201 و صحيح مسلم ج 6 ص 132 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1084 و الجامع الصحيح للترمذي ج 3 ص 173 و ج 5 ص 415 و شرح مسلم للنووي ج 14 ص 23 و مجمع الزوائد ج 5 ص 31 و فتح الباري ج 8 ص 69 و ج 9 ص 442 و الديباج على صحيح مسلم ج 5 ص 108 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 440 و صحيفة همام بن منبّة ص 40 و مسند الطيالسي ص 251 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 419 و مسند الحميدي ج 2 ص 295 و المصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 569 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 247 و إكرام الضيف للحربي ص 40 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 244 و ج 5 ص 57 و سنن النسائي ج 4 ص 178 و المغاريد عن رسول اللّه ص 95 و مسند أبي يعلي ج 2 ص 218 و ج 3 ص 159 و ج 4 ص 113 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 378 و ج 12 ص 39 و المعجم الأوسط ج 1 ص 276 و ج 2 ص 168 و المعجم الكبير ج 2 ص 274 و ج 7 ص 230 و ج 23 ص 433 و مسند الشاميين ج 2 ص 398 و ج 4 ص 295 و مسند الشهاب ج 1 ص 114 و الفائق ج 3 ص 248 و الجامع الصغير ج 2 ص 660 و العهود المحمدية ص 776 و كنز العمال ج 1 ص 141 و شرح مسند أبي حنيفة ص 197 و فيض القدير ج 6 ص 326 و كشف الخفاء ج 2 ص 295 و ضعيف سنن الترمذي ص 571 و مجمع البيان ج 9 ص 166 و غريب القرآن ص 70 و نور الثقلين ج 2 ص 20 و تفسير القرطبي ج 7 ص 192 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 189 و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 119 و علل الترمذي ص 415 و الثقات ج 3 ص 61 و الكامل ج 1 ص 379 و ج 2 ص 63 و تاريخ بغداد ج 2 ص 186 و تاريخ مدينة دمشق ج 56 ص 18 و أسد الغابة ج 1 ص 309 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 214 و سير أعلام النبلاء ج 16 ص 238 و تاريخ المدينة ج 2 ص 437 و ذكر أخبار إصبهان ج 1 ص 112 و ج 2 ص 153 و البداية و النهاية ج 5 ص 241 و ج 6 ص 131 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1051 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 439 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 454 و ج 6 ص 72 و 75 و ج 9 ص 466 و ج 12 ص 103.
.1) تاريخ الخميس ج 2 ص 3 و السيرة الحلبية ج 3 ص 174 و 175 و قاموس الرجال (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 2 ص 494 و 495 و الطرائف لابن طاووس ص 505 عن الحميدي، و عن مسلم في صحيحه، و مصباح الشريعة ص 27 و 28 و البحار ج 36 ص 337 و ج 63 ص 325 و 337 و ج 81 ص 204 عن الخصال ص 351 و عن المحاسن ص 447 و فيه: ستكون بعدي سنة، يأكل (في بعض الروايات: يشرب) المؤمن في معا واحد، و يأكل الكافر في سبعة أمعاء.
تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عرفهم بأسيرهم، و أنه سيد أهل اليمامة، و قال لهم: أحسنوا إساره.
و لكن الروايات ذكرت أيضا: أنه «ربط بسارية من سواري المسجد» (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 174 و قاموس الرجال (ط مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين) ج 2 ص 494 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 514 و غوالي اللآلي ج 1 ص 227 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 349 و مسند أحمد ج 2 ص 452 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 119 و 120 و ج 3 ص 91 و ج 5 ص 117 و صحيح مسلم ج 5 ص 158 و سنن أبي داود ج 1 ص 605 و سنن النسائي ج 2 ص 46 و ج 1 ص 262 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 171 و ج 2 ص 244 و ج 6 ص 319 و ج 9 ص 65 و 88 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 87 و صحيح ابن خزيمة ج 1 ص 125 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 42 و نصب الراية ج 4 ص 243 و 244 و إرواء الغليل ج 5 ص 42 و الثقات ج 1 ص 281 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 279 و تاريخ المدينة ج 2 ص 434 و البداية و النهاية ج 5 ص 59 و عيون الأثر ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 92 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 71.
فهل ربط الأسير بسارية من سواري المسجد بحيث يراه الخاص و العام يعدّ إحسانا لإساره؟ ! خصوصا إذا كان من سادات العرب، و من أهل الشرف و الرياسة! ! ألا يعدّ ذلك بالنسبة لهذا النوع من الناس غاية الإذلال، و أبلغ المهانة؟ !
و التأمل في قصة ثمامة يثير أمامنا أكثر من سؤال، يحتاج إلى إجابة مقنعة و دقيقة.
فهناك سؤال عن تاريخ أسره، فإن ابن هشام و غيره يذكرون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى ثمامة بن أثال، و هوذة بن علي، ملكي اليمامة-حين كتب إلى الملوك- (1).
و المعلوم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب إلى الملوك بعد الحديبية كما سيأتي في موضعه، أي في سنة ست أو سبع (2).
1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 254 و أسد الغابة ج 2 ص 344.
2) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 254 و 255 و أسد الغابة ج 3 ص 344 و راجع: مكاتيب الرسول (ط دار صعب) ج 1 ص 113 عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 288 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 80 و عن الطبقات لابن سعد ج 1 ص 258 و 259 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 148 و التنبيه و الإشراف ص 225.
بل لقد ورد: أن ثمامة عزم على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسر على قول، أو خرج معتمرا و دخل المدينة فتحير فيها حتى أخذ و جيء به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و يؤيد ذلك: ما رواه الكليني من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال: اللهم مكني من ثمامة، فأسرته خيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و الظاهر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك بعد أن أساء ثمامة إلى رسوله «صلى اللّه عليه و آله» . و إلا فلما ذا يخص ثمامة بهذا الدعاء؟ !
و يدل على تأخر إسلام ثمامة و تأخر قضية أسره: أن أبا هريرة يروي القضية، و يقول في آخرها: «فجعلنا المساكين تقول بيننا: ما نصنع بدم ثمامة؟ ! لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة» (3).
و من ذلك: السؤال عن مكان أسر ثمامة. . فإن الروايات التي ذكرناها آنفا لم تبين ذلك، بل ربما يكون فيها إلماح إلى أنه قد أسر في المناطق التي وصلت إليها السرية المذكورة. .
مع أن ثمة ما يدل: على أنه قد أسر في داخل المدينة نفسها، حيث يقول
النص: إنه قد «دخل المدينة و هو يريد مكة للعمرة، فتحير في المدينة، فقبض، و أتي به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أسلم، و منع حمل الحب من اليمامة إلى مكة إلا بإذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).
و في نص آخر: أنه «كان قد جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رسولا من عند مسيلمة، و أراد اغتياله «صلى اللّه عليه و آله» . فدعا ربه أن يمكنه منه، فأخذ وجيء به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فربط بسارية من سواري المسجد الخ. .» (2).
و لنا تحفظ على هذا النص الأخير.
فإن سيد أهل اليمامة لا يرضى عادة بأن يكون هو الرسول لاغتيال أحد، بل هو يقود الجيوش، و يتزعم الكراديس في الحروب، و يرسل من قبله أفرادا مغمورين، لا يعرفهم الناس إذا رأوهم، بل يظنونهم أعرابا، أو تجارا، أو ما إلى ذلك.
و قد صرح النص الذي نقلناه فيما سبق: بأن الذين أسروا ثمامة لم يعرفوه، حتى كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي دلهم عليه، و أمرهم بالإحسان إليه. .
و نقول:
إن هذا لو صح، فلا بد أن يكون مؤيدا للنص الذي يقول: إنه قد قبض على ثمامة في المدينة، حيث لم يستغرق أسرهم له سوى دقائق، هي مسافة الطريق من موضع القبض عليه حتى وصوله إلى المسجد، حيث عرض أمره على النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و لو كان قد أسر قبل ذلك، فلا يعقل أن يبقى في يد آسريه ساعات أو أياما، دون أن يسألوه عن نفسه، و عن أهله و بلده، و يبقى مجهولا لهم إلى أن يعرفه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يخبرهم بأمره.
إلا أن يقال: إنهم سألوه، فلم يجبهم، أو أجابهم و لم يصدقوه. . و كلاهما احتمال لا شاهد له.
و قد زعموا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» انصرف من عند ثمامة و هو يقول: اللهم أكلة لحم من جزور أحب إلي من دم ثمامة، ثم أمر به فأطلق (1).
و نحن نجل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن هذه التفاهات، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يهتم بأكلة من لحم جزور، و لا يجعل هذا الأمر طرفا في المقايسة مع دم أحد. .
و الصحيح هو: أن هذا من أقوال أبي هريرة، و من معه من أصحاب الصفة، الذين صاروا يقولون: نبينا «صلى اللّه عليه و آله» ما يصنع بدم
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 174 عن الإستيعاب (بهامش الإصابة) و تاريخ المدينة لابن أبي شبة النميري ج 2 ص 439.
ثمامة؟ ! و اللّه لأكلة جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة (1).
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أحسن إلى ثمامة، و خصه بلقاحه فكان يغدى بها عليه و يراح. و صار «صلى اللّه عليه و آله» يطلب منه أن يسلم. .
و نقول:
إن من الواضح: أن الإسلام حين خص المؤلفة قلوبهم بنصيب من المال، فلا بد أن يكون قد لا حظ:
أولا: إنه بذلك يكون قد أعطاهم الفرصة ليعيشوا أجواء الإسلام، عن كثب، ليتلمسوا حقائقه و قيمه، و مفاهيمه، و ليعيشوا الأمن و السلام الداخلي، و الاجتماعي، و السياسي، بكل ما لهذه الكلمات من معنى.
ثانيا: إنه يكون بذلك قد طمأنهم إلى أن الإسلام لا يريد أن يحرمهم من لذائذ الحياة الدنيا، و لا يريد أن يسلبهم الامتيازات المشروعة فيها، بل هو يريد أن يحفظ لهم ذلك، و أن يوجههم باتجاه إنتاج المزيد من الخير و السعادة لهم، و إبعاد أي نوع من أنواع الخلل في حياتهم و في سعادتهم. .
ثالثا: إنه يريد منهم أن يكفوا عن ممارسة أساليب الضغط على الناس و عن العمل على مصادرة حريات الآخرين، و التأثير على قرارهم فيما يرتبط بالفكر و الاعتقاد، و أن يبقى الباب مفتوحا و المجال مفسوحا أمام أبنائهم، و سائر
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 174 و الكافي ج 8 ص 299 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 66 و أسد الغابة ج 1 ص 247 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 439.
أرحامهم و أصدقائهم، و كل من يرتبط بهم، ليعيشوا أجواء الإسلام، من دون أي حرج أو تردد، و أن يتفهموا حقائقه، و مفاهيمه، و معانيه، من منابعه الأصلية، بكل سلامة و صفاء، بعيدا عن أي تشويه، و من دون تأثر بالشائعات المغرضة، أو الكاذبة.
رابعا: إن ذلك ليس شراء لذممهم، و لا هو شراء لضمائرهم، و لدينهم بالمال. بل ذلك من أجل رفع الحواجز النفسية، و طمأنتهم إلى أن الهدف هو مجرد الحصول على حرية التفكير و القرار، إذ لو كان الأمر على خلاف ذلك لكان اللازم هو فرض قرار الإسلام و الإيمان عليهم مقابل المال. و هذا ما لم يكن، بل الذي كان هو مجرد رفع حالة العداء، و حصول درجة من الثقة و الإلفة، و رفع الوحشة و إزالة الخشية من نفوسهم، و لذلك سماهم الإسلام بالمؤلفة قلوبهم، و سمي سهمهم أيضا بسهم المؤلفة قلوبهم. .
خامسا: و أخيرا، فإن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت و تفرغت للعبادة، و أيس منها الوسواس، حسبما قاله الصحابي الجليل سلمان الفارسي (المحمدي) رضوان اللّه تعالى عليه (1).
و على هذا الأساس نقول:
إنه إذا وجد المؤلفة قلوبهم مقاصدهم المالية، فإن الباب يصبح أمامهم مفتوحا للتفكير بأمور الاعتقاد و السياسة، و الأخلاق و القيم، و ما إلى ذلك.
1) المعجم الكبير ج 6 ص 219 و مجمع الزوائد ج 5 ص 35 و العلل لأحمد بن حنبل ص 402 و حلية الأولياء ج 1 ص 207 و الإمامة و أهل البيت (لمحمد بيومي مهران) ج 1 ص 31.
و أما الحديث عن كثرة أكل ثمامة، و قلته، قبل الكفر و بعده، و ادّعاء أن سبب قلة أكله بعد أن أسلم هو أن المؤمن يأكل بمعي واحد. . فهو حديث غريب و عجيب.
فأولا: لماذا عجب المسلمون من ثمامة حينما قلّ أكله بعد إسلامه؟ ألم يجر هذا الأمر على كل واحد منهم قبله، حين خرجوا من الكفر إلى الإيمان؟ ! أم أن ذلك قد حدث لأول مرة مع خصوص ثمامة دون سواه؟ !
و ها نحن لا زلنا نشاهد مشركين و كفارا يسلمون، فهل يقلّ أكلهم بعد إسلامهم، بحيث يلفت ذلك النظر، و يثير العجب؟ !
ثانيا: قيل: إن هذا الحديث قد ورد في رجل بعينه، و هو عمرو بن معد يكرب الزبيدي، الذي كان يأكل في حال كفره فيكثر، فلما أسلم قل طعمه. .
و قال أبو عبيد في تاريخه: هو أبو بصرة الغفاري و اسمه حميل (1).
و قيل: المراد به أبو غزوان (2).
غير أننا نقول: إن سياق الحديث يأبى هذا الاختصاص، لأن كثرة الأكل و قلته، قد علقتا على الكفر و الإيمان. .
1) البحار ج 63 ص 226 و تقريب التهذيب ج 2 ص 362 و أسد الغابة ج 1 ص 295 و إكمال الكمال ج 2 ص 126 و ضعيف سنن الترمذي ص 51 و المعجم الكبير ج 2 ص 276 و عون المعبود ج 4 ص 64.
2) البحار ج 63 ص 227 عن فتح الباري، و مجمع الزوائد ج 5 ص 32 و عن فتح الباري ج 9 ص 443 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 440 و أسد الغابة ج 5 ص 268.
إلا أن يقال: إن اللام في كلمتي المؤمن و الكافر عهدية لا جنسية (1).
و لكنه توجيه لا يصح، لأن ظاهر الكلام: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بصدد ضرب القاعدة، و إعطاء الضابطة.
و خير ما يوجه به هذا الكلام هو: ما ذكره علماؤنا الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم، من أنه جار على طريقة المجاز لحث الناس على القناعة، و على أن لا تكون همتهم في طعامهم «كالبهيمة المربوطة همها علفها، و شغلها تقممها» ، فإن الذي يبحث عن اللذة، و ينساق وراء إشباع دواعي الشهوة هو الكافر. . أما المؤمن فهمه مجرد التبلغ لحفظ خيط الحياة.
أو يقال: إن الكافر لا يبالي من أين أكل، و لا كيف أكل، بل هو لا يشبع من جمع الأموال، و يريد أن يأكل الدنيا بأسرها، بأي سبب كان، فكأن له سبعة أمعاء، على سبيل المبالغة.
أما المؤمن، فلا يأكل إلا الحلال بالسبب الحلال، فيقتصر ما يتناوله أو يصل إليه على أقل القليل. .
و قالوا أيضا: إن ثمامة قال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : إن خيلك أخذتني و أنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ ! فبشره النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟
1) راجع: البحار ج 63 ص 325-327.
فقال: لا، و لكني أسلمت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و لا و اللّه لما تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا. حتى أضر بهم الجوع و أكلت قريش العلهز (1).
فكتبوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : إنك تأمر بصلة الرحم، و إنك قد قطعت أرحامنا.
فكتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن خل بين قومي و بين ميرتهم. ففعل، فأنزل اللّه تعالى: وَ لَقَدْ أَخَذْنٰاهُمْ بِالْعَذٰابِ فَمَا اِسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ (2).
و يقال: إنه لما كان ببطن مكة في عمرته لبى، فكان أول من دخل مكة يلبي، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا. و هموا بقتله، ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه و إلى بلده (3).
و حول ما ذكرته رواية قطع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرحام قومه، نقول:
أولا: هل يحق لأهل مكة، الذين حصروه هو و الهاشميين في شعب أبي طالب سنوات، و منعوا عنهم كل شيء حتى كادوا يهلكون جوعا، ثم أخرجوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من معه من ديارهم، و حاربوه، و قتلوا عمه حمزة، و ابن عمه عبيدة بن الحارث و كذلك غير هما من الأخيار، و تآمروا على حياته، و لا يزالون يعملون جاهدين لإطفاء نور اللّه. . و يشنون عليه الغارات. . و. . و. .
هل يحق لهم: أن يتهموه بأنه قطع أرحامهم؟ ! . .
و لماذا لم يتهموه بذلك و هو لم يزل يعترض قوافلهم التي تحمل أموالهم و تجاراتهم، و قد عور عليهم متجرهم؟ ! . .
و إذا كانوا قد قالوا ذلك له فعلا، فلما ذا لم يستجب لهم، و يتوقف عن اعتراض قوافلهم و تجاراتهم؟ !
و إذا كان قد استجاب لهم، فما هو الداعي لحرب بدر؟
ألم يكن بإمكانهم أن يطالبوه بصلة أرحامهم، ليكف عن اعتراض تجاراتهم؟ !
ثانيا: إذا كان ثمامة هو الذي منع عن قريش أي شيء من نتاج اليمامة، فما هو ذنب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليتهموه بأنه قد قطع رحمهم؟ ! و لماذا لا يطالبون ثمامة نفسه بهذا الأمر؟ . .
ثالثا: و الأهم من ذلك: هل كانت اليمامة هي المصدر الوحيد للحنطة، و لغيرها مما تحتاجه مكة؟ ! ألم يكن في سائر بلاد اللّه الواسعة ما يلبي حاجات مكة و سواها من ذلك؟ !
رابعا: و علينا أن لا نغفل أخيرا عن هذا التعبير الذي ينسب إلى رسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو قوله: «خلّ بين قومي و بين ميرتهم» ، فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» على استعداد لإمداد قريش بالميرة في غير حالات المجاعة القصوى، حيث يتطلب الأمر إنقاذ الأطفال و النساء، و غيرهم من المستضعفين الذين لا حول لهم و لا قوة؟ !
و ما معنى التعبير بكلمة «قومي» بياء المتكلم؟
فهل نسبتهم إلى نفسه «صلى اللّه عليه و آله» تهدف إلى تشريفهم بذلك و تكريمهم؟ !
أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» واقع تحت المشاعر العنصرية بصورة عفوية؟ !
أم أنه قال ذلك في حالة غضب، لم يتمكن من السيطرة عليه. . و كلا هذين الخيارين لا يمكن صدور هما منه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم لماذا ينسب الميرة إلى قومه، فيقول: «ميرتهم» ؟ !
و هل لهم حق مفروض بهذه الميرة، لا يجوز لأحد منعه عنهم، و منعهم عنه؟ !
و في ربيع الأول من سنة ست كانت سرية عكاشة بن محصن إلى غمر مرزوق-ماء لبني أسد على ليلتين من فيد، في أربعين رجلا (1).
و قيل: بل كان أميرهم ثابت بن أرقم، فأخبر به القوم فهربوا، فنزلوا
1) البحار ج 20 ص 291 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 84 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 110 و البداية و النهاية ج 4 ص 202 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 559.
عليا بلادهم، و انتهى المسلمون إلى ديارهم فلم يجدوا أحدا.
فبعثوا شجاع بن وهب في جملة جماعة إلى بعض النواحي طليعة يطلبون خبرا، و يجدون أثرا، فرجع شجاع بن وهب، فأخبرهم أنه وجد أثر نعم قريبا، فذهبوا إلى هناك، فأخذوا رجلا من بني أسد كان نائما، فدلهم على نعمهم بالمرعى.
و في نص آخر: أطلعهم على نعم لبني عم له لم يعلموا بمسيرهم، فساقوا مائة بعير، أو مائتين، و قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و في ربيع الأول بعث محمد بن مسلمة في عشرة معه إلى بني ثعلبة في ذي القصّة-بفتح القاف-موضع بينه و بين المدينة أربعة و عشرون ميلا- و قيل غير ذلك-فورد عليه ليلا، فكمن له القوم، و هم مائة رجل، و أمهلوهم حتى ناموا، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، و جرح محمد بن مسلمة، و ظنوه قد مات، و جردوهم من ثيابهم (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 176 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 77 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 85 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 560 و عن عيون الأثر ج 2 ص 95.
2) المسترشد ص 225 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 85 و الثقات ج 1 ص 283 و التنبيه و الإشراف ص 219 و عن عيون الأثر ج 2 ص 96 و البحار ج 20 ص 291 و ج 30 ص 136 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 285 و ج 30 ص 316 و ج 65 ص 125 و سير أعلام النبلاء ج 4 ص 518 و معجم البلدان ج 4 ص 366 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 157 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 86 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 286.
و مر رجل من المسلمين، فحمل ابن مسلمة حتى ورد به المدينة.
ثم بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنهم يريدون أن يغيروا على سرح المدينة، الذي كان يرعى بعيدا عنها بسبعة أميال ببطن هيفاء، فسار إليهم في ربيع الآخر من سنة ست أبو عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم في عماية الصبح، فأعجزوهم هربا في الجبال، و أسروا رجلا واحدا، فأسلم و تركه، و أخذوا نعما من نعمهم فاستاقوها، و رثّة من متاعهم، و قدموا المدينة، فخمسه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قسم ما بقي عليهم (1).
و في ربيع الآخر من سنة ست كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم أو الجموح: (و هي ناحية من بطن نخل على أربعة أميال من المدينة) ، فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا نعما، و شاء، و أسرى. فكان فيهم زوج حليمة المزنية.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 176 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 79 و عن عيون الأثر ج 2 ص 97 و الثقات ج 1 ص 283 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 86.
فلما قفل زيد بما أصاب وهب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للمزنية زوجها و نفسها (1).
و يستوقفنا في السرايا الثلاث عدة أمور هي:
أولا: ما أشرنا إليه فيما سبق من أن سياق هذه السرايا من شأنه أن يعطي انطباعا غير صحيح بأن هذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ليس له همّ إلا الإغارة على الناس الآمنين، و سلب أموالهم، و قتل رجالهم و. . و هؤلاء هم أصحابه يفعلون الأفاعيل بالناس، حتى إنهم ليضربون الرجل الأسدي ليدلهم على النعم في مراعيها، و هي لأناس لم يعلموا بمسيرهم (2).
و لكن الحقيقة مغايرة لهذا تماما، فإن هم النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو هداية الناس و إسعادهم، و ليس قتلهم، و سلب أموالهم. و قد كان «صلى اللّه عليه و آله» شديد التثبت في أمر الذين يدبرون و يسعون للعدوان على المسلمين، كما يظهر من كثير من الموارد، مثل سرية ابن رواحة إلى أسير بن رزام الآتية و غيرها.
ثانيا: إنه إذا صحت الروايات عن حدوث هذه السرايا فعلا، فلا بد أن تكون قد هدفت إلى رد عدوان أناس كانوا معلنين للحرب على أهل
الإيمان، أو إبطال كيدهم، و تفريق جموعهم، و إضعاف قدرتهم على تنفيذ ما يخططون له. . و ليس للمحارب أن يغفل أو أن يتغافل فإنما الحرب خدعة تبتدر، و فرصة تنتهز.
و قد صرحت الروايات: بأن الذين أغار عليهم أبو عبيدة كانوا بصدد الإغارة على سرح المدينة لاستياقه. .
ثالثا: إن الظاهر هو: أن سرية محمد بن مسلمة-لو صحت-فإنما كانت لأجل الاستطلاع، و تقصي الأخبار عما يخطط له بنو ثعلبة، فوقعوا في كمين أعدائهم، و جرى عليهم ما جرى.
رابعا: ذكر ابن عائذ: أن أمير السرية هو ثابت بن أقرم، و ليس عكاشة بن محصن. . (1).
و قد ذكروا: أن جميع من انتظم في سرية ابن مسلمة قد قتل، و نجا ابن مسلمة وحده جريحا. .
و قد ذكر الواقدي: أن هؤلاء العشرة هم:
1-أبو نائلة.
2-و الحارث بن أوس.
3-و أبو عبس بن جبر.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 77 و مجمع الزوائد ج 6 ص 210 و المعجم الكبير ج 2 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 110 و ج 6 ص 77 و أسد الغابة ج 1 ص 220 و عن الإصابة ج 1 ص 501 و عن عيون الأثر ج 2 ص 95.
4-و نعمان بن عصر.
5-و محيصة بن مسعود.
6-و حويصة بن مسعود.
7-و أبو بردة بن نيار.
8 و 9-و رجلان من مزينة.
10-و رجل من غطفان.
و نقول:
قد نص العلماء: على أن أكثر هؤلاء قد عاش سنوات طويلة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلاحظ ما يلي:
1-النعمان بن عصر: قتله طليحة بن خويلد بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيما يعرف بحروب الردة، أو اليمامة (1).
2-أبو بردة بن نيار: مات في خلافة معاوية، بعد أن شهد مع علي «عليه السلام» حروبه كلها و قيل: إنه مات سنة إحدى، و قيل: اثنتين، و قيل: خمس و أربعين (2).
1) الإصابة ج 3 ص 563 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 543 عن الطبري، و إكمال الكمال ج 7 ص 26 و 385 و الأنساب للسمعاني ج 4 ص 202 و ج 5 ص 569 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 470 و أسد الغابة ج 5 ص 27.
2) الإصابة ج 4 ص 19 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 18 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 452 و أسد الغابة ج 5 ص 146 و الجرح و التعديل ج 9 ص 100 و تهذيب الكمال ج 33 ص 72 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 35 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 18 و تقريب التهذيب ج 2 ص 360 و إسعاف المبطأ برجال الموطأ ص 113.
3-أبو عبيس (أو عبس) بن جابر (أو جبر) : كان قد عمي في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعطاه «صلى اللّه عليه و آله» عصا، و قال: تنور بهذه، فكانت تضيء له ما بين كذا و كذا (1).
و مات سنة أربع و ثلاثين، و صلى عليه عثمان (2).
4-حويصة يقولون: إنه شهد أحدا، و الخندق، و سائر المشاهد (3)، فمن حضر سائر المشاهد، فإنه يكون قد عاش إلى ما بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و هناك ثلاثة رجال لا يعلم عنهم شيء.
و على هذه فقس ما سواها. .
على أن ما ذكرناه آنفا ليس هو كل شيء، فهناك شكوك أخرى، لا بد
1) الإصابة ج 4 ص 130.
2) الإصابة ج 4 ص 30 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 122 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 451 و 507 و الثقات ج 3 ص 255 و أسد الغابة ج 3 ص 283 و ج 5 ص 248 و تهذيب الكمال ج 38 ص 46 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 350 و 351 و الآحاد و المثاني ج 4 ص 31 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 189 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 140 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 2 ص 457 و تقريب التهذيب ج 2 ص 431.
3) الإصابة ج 4 ص 30 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 394 و تهذيب الكمال ج 27 ص 313 و تهذيب التهذيب ج 10 ص 60 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 هامش ص 123.
من التصريح بها، و البحث عما يزيلها، إن كان هناك ما يمكن أن يكون مفيدا في معرفة الحق و الحقيقة فيها.
و نذكر مما يدخل في هذا المجال ما يلي:
بالنسبة إلى الذين قتلوا مع ابن مسلمة نقول:
1-إنهم إذا كانوا قد ناموا فهجم عليهم الأعداء حتى خالطوهم، فما معنى أن يتراموا بالنبل، الذي يحتاج إلى مسافة، فإن المفروض في الذين خالطوهم ألا يلجأوا إلى الرمي بالنبال، بل أن يضربوهم بسيوفهم، أو أن يشجروهم برماحهم؟ !
2-ما معنى أن ينام جميع رجال السرية، حتى لم يبق أحد منهم يحرس و يراقب؟ ! مع أنهم كما صرحت الروايات قد أصبحوا في بلاد عدوهم، و حيث أصبح الخطر داهما؟ !
3-قد صرحت الروايات: بأن محمد بن مسلمة وقع جريحا «فضربوا كعبه، فلم يتحرك، فظنوا موته، فجردوه من الثياب» .
و السؤال هو: لماذا اختاروا أن يضربوا كعب محمد بن مسلمة، و لم يغمدوا سيوفهم في صدره أو نحره، أو بطنه، أو ما إلى ذلك، ليتأكدوا من موته؟ !
و كيف أبصروا حركته و عدمها في ظلمة ذلك الليل؟ !
و كيف استطاع هو أن يتحمل هذا الألم، و لا يتحرك؟ !
و حين قتل المشركون المسلمين، هل تمكن المسلمون من قتل أحد من المشركين؟ ! أم أنهم سلموا جميعا، فلا قتل و لا جراح فيهم؟ !
و لماذا لم يحدثنا التاريخ عن شيء من ذلك؟ !
إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تحتاج إلى إجابات مقنعة و مقبولة.
و أين و أنّى؟ ! .
و في جمادى الأولى من سنة ست كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص (موضع على أربعة ليال من المدينة) (1)، و معه سبعون راكبا، أو في سبعين و مائة راكب (2)، لما بلغه «صلى اللّه عليه و آله» : أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام. فتعرضوا لها، فأخذوها و ما فيها، فأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، و أسروا منهم أناسا، منهم أبو العاص بن الربيع زوج زينب ابنة (و الصحيح: ربيبة (3)) رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).
1) الإمتاع للمقريزي ص 265 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 87 و عيون الأثر ج 2 ص 99 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 15 و البحار ج 20 هامش ص 292 عن الإمتاع، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 30 و البداية و النهاية ج 4 ص 203 و عن عيون الأثر ج 2 ص 99.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و تاريخ مدينة دمشق ج 55 ص 296 و ج 67 ص 15 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 85 و 87 و ج 8 ص 33 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و ج 11 ص 31 و البحار ج 20 ص 292 و عن عيون الأثر ج 2 ص 99 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 249 و عن الإصابة ج 8 ص 152.
3) راجع: أسد الغابة ج 5 ص 469 و كتابنا «بنات النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم ربائبه» ، و كتابنا «القول الصائب في إثبات الربائب» .
4) الثقات ج 1 ص 284 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 87 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 12 و راجع: أسد الغابة ج 5 ص 237 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 82 و ذخائر العقبى ص 158 و المنتخب من ذيل المذيل ص 7 و راجع: تحف العقول ص 455.
فنادت زينب في الناس، حين صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفجر: إني قد أجرت أبا العاص.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما علمت بشيء من هذا. و قد أجرنا من أجرت. ورد عليه ما أخذ (1).
و قد ذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبي بصير و أبي جندل بعد الحديبية.
و كانت هاجرت قبله، و تركته على شركه. .
و ردها النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه بالنكاح الأول.
قيل: بعد سنتين، و قيل: بعد ست سنين، و قيل: قبل انقضاء العدة.
و في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ردها بنكاح جديد سنة سبع (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 45 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 87 و ج 8 ص 33 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 16 و عن عيون الأثر ج 2 ص 99 و عن الإصابة ج 8 ص 152 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 398 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 248.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و 178 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 84 و جواهر العقود للأسيوطي ج 2 ص 27 و نصب الراية ج 3 ص 399 و الفصول في الأصول للجصاص ج 3 ص 163 و العلل لأحمد بن حنبل ص 313 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 249 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 33 و حلية الأبرار ج 1 ص 84 و البحار ج 19 ص 354 و راجع سنن ابن ماجة ج 1 ص 647 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 639 و المصنف للصنعاني ج 7 ص 171 و راجع: شرح معاني الأخبار ج 3 ص 256 و المعجم الكبير ج 19 ص 202 و سنن الدار قطني ج 3 ص 177 و أسد الغابة ج 4 ص 266 و ج 5 ص 237 و 468 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 19 و البداية و النهاية ج 6 ص 390 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 127 و الجوهر النقي ج 7 ص 189 و إرواء الغليل ج 6 ص 341.
و لنا هنا وقفات، هي التالية:
قد ذكرنا في أول الجزء السادس من هذا الكتاب: أنهم يدّعون أنه قد كانت هناك سرية إلى ماء يقال له: القردة، و أن أميرها زيد بن حارثة أيضا، و قد أرسله «صلى اللّه عليه و آله» إلى قافلة لقريش فيها صفوان بن أمية، و أبو سفيان، و كان أكثرها من الفضة، فأصاب العير و ما فيها، و أعجزه الرجال، و رجع بالغنيمة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فخمّسها، فبلغ الخمس عشرين ألفا.
و قد لا حظنا: أن ثمة تشابها عجيبا بين تلك السرية و بين هذه التي نحن بصدد الحديث عنها، فإن هذه السرية أيضا: أميرها زيد بن حارثة، و كانت إلى ماء يقال له: القردة، و أخذ المسلمون منها فضة كثيرة، و كانت الفضة أيضا لصفوان بن أمية. .
فهل تراهما سرية واحدة؟ اختلف الرواة في تاريخها، و في بعض خصوصياتها، كما يختلفون في غيرها، فظنهما البعض سريتين. فدوّنهما مرتين؟ !
و في سياق آخر نقول:
إن قريشا هي التي جنت على نفسها حين واجهت المسلمين بالبغي، و العدوان، و الاضطهاد، و الاستيلاء على أملاكهم، و إخراجهم من أوطانهم و ديارهم، بغير جرم أتوه. إلا أن يقولوا: ربنا اللّه، و يريدون أن يكونوا أحرارا فيما يفكرون، و فيما يعتقدون. .
فكان لا بد من أن تواجه عاقبة ذلك، حين يريد المظلومون أن يسترجعوا بعض ما أخذ منهم، و لو كان نزرا يسيرا. . و سوف يكون استرداد هذا القليل عظيم الأثر على روح أولئك الطغاة الجبارين، الذين يرون الحياة الدنيا كل شيء بالنسبة إليهم، و يرون في ارتفاع آهات المظلومين و المعذبين فضلا عن مطالباتهم، و سعيهم للتخلص من الظلم و البغي، مساسا بكبريائهم، و انتقاصا من جبروتهم، فإذا تمكن أولئك المستضعفون من استرجاع شيء من حقوقهم، فسيكون في ذلك أعظم الخزي لأولئك الطغاة، و أبلغ الخذلان، و تلك هي أعظم مصائبهم، و فيها أشد آلامهم.
و أما إذا بلغ الأمر حد إرباك هؤلاء الطغاة، و إشغالهم بالحفاظ على لقمة عيشهم، و سلامة تجارتهم، فإن ذلك يكون غاية ذلهم، و صغارهم و هوانهم. .
و عن دعواهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أثنى على صهره أبي العاص بن الربيع، نقول:
إن ذلك لا يصح: فقد روي عن أبي جعفر «عليه السلام» ، أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زوج أبا العاص بن الربيع مع كونه منافقا (1).
كما أننا لم نجد له موقفا جهاديا مميزا، و لا عرف عنه شيء من الزهد و التقوى، و البذل في سبيل اللّه، و نحو ذلك.
و قالوا: «إن زينب دخلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه، فأجابها إلى ذلك» (2).
و نقول:
إننا نشك في صحة ذلك: لأن ما أخذه المسلمون إنما هو غنائم حرب و هي ملك لهم. . فإن كان قد وعدها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشيء، فلا بد أن يكون ذلك بأن يطلب من المسلمين التنازل له عن شيء من حقهم، فإن رضوا أعاد إليه ما يرضون بإعادته. .
و يدل على ذلك: أنهم يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث للسرية، فقال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم. و قد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا و تردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، و إن أبيتم فهو فيء اللّه الذي
أفاء عليكم، فأنتم أحق به» (1).
و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لزينب عن أبي العاص: «لا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له» (2).
و الظاهر: أن ذلك كان قبل أن يسلم أبو العاص. .
و يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رد زينب على زوجها
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و ذخائر العقبى ص 159 و المعجم الكبير ج 22 ص 430 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 12 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 483 و مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 166 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 196.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و 178 و عن تحف العقول ص 455 و البحار ج 19 ص 353 و شجرة طوبى ج 2 ص 241 و مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 345 و سنن النسائي ج 7 ص 185 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 185 و ج 9 ص 95 و مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و المعجم الكبير ج 22 ص 430 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 196 و نصب الراية ج 3 ص 401 و أسد الغابة ج 5 ص 237 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 166 و المنتخب من ذيل المذيل ص 7 و البداية و النهاية ج 3 ص 401 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 482 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 520 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و 85.
بالنكاح الأول. .
و هذا معناه: أن ذلك قد حصل قبل غزوة الحديبية، أي قبل تحريم نكاح المشرك للمؤمنة؛ لأن هذا التحريم إنما كان في الحديبية (1)كما يزعمون. .
و لو كان ذلك قد حصل بعد الحديبية، فلا بد أن يكون زوجها قد أسلم قبل أن تنقضي عدتها، أي أنه أسلم بعد إسلامها بيسير؛ لأن شرط عودتها إليه بالنكاح الأول هو ذلك، أي أن يكون قبل انقضاء العدة.
و لو قيل: إن قوله «صلى اللّه عليه و آله» لزينب: لا يخلص إليك يدل على أن إرجاعها إليه كان بعد الحديبية، ؛ لأن تحريم نكاح المشرك للمسلمة قد نزل بعدها،
لأجيب: بأن سرايا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم تتعرض لقوافل قريش بعد الحديبية. فأبو العاص لم يؤسر بعدها.
إلا أن يقال: إن السرية التي اعترضت عير قريش، و أسرت أبا العاص، تعود لأبي جندل، و أبي بصير و أصحابهما الذين كانوا يعترضون عير قريش. .
و قد قيل: إنهم أخذوا أبا العاص، فهرب منهم، و دخل إلى المدينة، و استجار بزينب.
و قيل: بل هم الذين أطلقوه، لمكانه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 85 و عن فتح الباري ج 9 ص 349 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 7 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 331 و عن الإصابة ج 7 ص 208.
و آله» ، فخطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس، و أعلمهم أن زينب قد أجارته، فلما علم أبو جندل و أصحابه بذلك أطلقوا الأسرى، و ردوا عليهم كل شيء. و كان ذلك في سنة ثمان (1).
و قد يقال:
كيف يمكن ادّعاء: أن أبا العاص قد أسلم بعد زينب بيسير، أي قبل انقضاء عدتها، و هم يقولون: إنها أسلمت قبله بست سنين، و قيل: بسنة واحدة، و قيل: بعد سنتين من إسلامه؟ ! (2).
و يمكن أن يجاب:
بأن الثابت هو: أنها قد أتت إلى المدينة قبل زوجها بهذه المدة الطويلة، و لكن ذلك لا يدل على: أنها قد أسلمت قبله، فلعل انتقالها إلى المدينة كان للتخلص من مضايقات قريش لها، لمجرد صلتها برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إن لم تكن قد دخلت في دينه. كما هو ظاهر لا يخفى.
و في جمادى الآخرة سنة ست كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف،
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و 85 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 15.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 178 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 375 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 332 و ج 2 ص 246 و مسند أحمد ج 1 ص 261 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 187 و فتح الباري ج 9 ص 348 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 20 و البداية و النهاية ج 3 ص 402 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 84.
و هو ماء على ستة و ثلاثين ميلا من المدينة، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما و شاء، و هربت الأعراب.
و صبح زيد بالنعم المدينة، و هي عشرون بعيرا، و لم يلق كيدا، و غاب أربع ليال، و كان شعارهم الذي يتعارفون به في ظلمة الليل: أمت أمت (1).
و قد قلنا: اكثر من مرة بأننا نشك في وقوع هذه السرايا، التي تظهر أن همّة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت منصرفة إلى الغنائم و السبايا، و لو بقيمة قتل الناس و إبادة خضرائهم، أو إذلالهم.
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و السيرة الحلبية ج 3 ص 178 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 87 و عن عيون الأثر ج 2 ص 99 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 87 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 286 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 15.
و في جمادى الآخرة من سنة ست كانت سرية زيد بن حارثة أيضا إلى حسمى، و هو واد وراء ذات القرى.
و كان من حديثها-كما حدث رجال من جذام، و كانوا علماء بها-: أن رفاعة بن زيد الجذامي لما قدم على قومه من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بكتابه، يدعوهم إلى الإسلام استجابوا له. . فلم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه تجارة له، و قد أجازه قيصر، و كساه، فعاد إلى المدينة حتى إذا كان بوادي: «حسمى» ، أغار عليه الهنيد بن عوض الضلعي (بطن من جذام) و معه ابنه عوض في ناس من جذام، فأصاب كل شيء كان مع دحية. و لم يتركوا عليه إلا ثوبا خلقا.
فبلغ ذلك قوما من جذام أيضا، من بني الضبيب، و هم رهط رفاعة، ممن كان قد أسلم، فنفروا إلى الهنيد و ابنه، فاستنقذوا لدحية ما أخذ منه.
فخرج دحية حتى قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره خبره، و استشفاه (أو استسقاه) دم الهنيد و ابنه.
فبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» زيدا في خمس مائة رجل (1)، ورد معه دحية، فكان زيد يسير بالليل، و يكمن بالنهار، حتى هجموا مع الصبح على الهنيد و من معه، فأغاروا عليهم، و قتلوا فيهم (رجلين) ، و أوجعوا، و قتلوا الهنيد و ابنه، و أخذوا من النعم ألف بعير، و من الشاء خمسة آلاف، و مائة من النساء و الصبيان.
قالوا: فلما سمع بذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم، فيهم حسان بن ملّة، فلما وقفوا على زيد بن حارثة، قال حسان: إنا قوم مسلمون.
فقال له زيد: اقرأ أم الكتاب. فقرأها.
فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجيش: أن قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاؤوا منها، إلا من ختر أي غدر.
و إذا بأخت حسان مع الأسارى، فقال له زيد: خذها.
فقالت أم الغرار الضلعية: أتنطلقون ببناتكم، و تذرون أمهاتكم؟ .
فقال أحد بني الخصيب: إنها بنو الضبيب و سحر ألسنتهم سائر اليوم.
فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيدا، فأمر بأخت حسان، و قد كانت أخذت بحقوي أخيها، ففكت يداها من حقويه، و قال لها: اجلسي مع بنات عمك، حتى يحكم اللّه فيكن حكمه، فرجعوا.
و نهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاؤوا منه، فأمسوا في أهليهم.
1) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 57 و عن عيون الأثر ج 2 ص 101 و البحار ج 20 ص 292 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 88 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 88.
فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة فصبحوه، فقال له حسان بن ملة: إنك لجالس تحلب المعزى، و إن نساء جذام أسارى، قد غرّها كتابك الذي جئت به؟ !
فدعا رفاعة بجمل له، فشد عليه رحله، و هو يقول: هل أنت حي و تنادي حيا؟ .
ثم سار في نفر من قومه إلى المدينة ثلاث ليال، فلما دخلوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس. . ثم دفع رفاعة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابه، الذي كان كتب له و لقومه، حينما قدم عليه فأسلم، فقال: دونك يا رسول اللّه قديما كتابه، حديثا غدره.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : اقرأه يا غلام، و أعلن.
فلما قرأ كتابه استخبرهم، فأخبروه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كيف أصنع بالقتلى؟ ! ثلاث مرات.
فقال رفاعة: أنت أعلم يا رسول اللّه، لا نحرم عليك حلالا، و لا نحلل لك حراما.
فقال أبو زيد بن عمرو-أحد قومه معه-: أطلق لنا يا رسول اللّه من كان حيا، و من قتل فهو تحت قدمي هذه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : صدق أبو زيد، اركب معهم يا علي.
فقال له علي «عليه السلام» : يا رسول اللّه، إن زيدا لا يطيعني.
قال «صلى اللّه عليه و آله» : فخذ سيفي هذا.
فأعطاه سيفه، فخرجوا، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبلهم،
أرسله زيد مبشرا، فأنزلوه عنها، وردها على القوم، و أردفه علي خلفه، فقال: يا علي، ما شأني؟ !
فقال: ما لهم، عرفوه فأخذوه؟ !
ثم ساروا، فلقوا الجيش، فطلب زيد من علي «عليه السلام» علامة، فقال: هذا سيفه «صلى اللّه عليه و آله» .
فعرف زيد السيف، و صاح بالناس، فاجتمعوا، فقال: من كان معه شيء فليرده، فهذا سيف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذوا ما بأيديهم، حتى كانوا ينتزعون لبد المرأة من تحت الرجل (1).
و نقول:
إن لنا على هذا النص بعض الملاحظات، و هي التالية:
قد ذكر فيما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أرسل دحية إلى قيصر. .
و ذلك موضع شك، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أرسل دحية في كتاب إلى قيصر بعد الحديبية (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و 10 و السيرة الحلبية ج 3 ص 179 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 88 و 89 و البحار ج 20 ص 375.
2) قد تقدمت المصادر لهذه الفقرات و لأجل التذكير ببعضها، نقول: راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 179 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 398 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 555 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 208 و تهذيب الكمال ج 8 ص 474.
فلعل دحية كان عند قيصر في شغل خاص به، و قد حصل منه على أموال و عطايا فجرى عليه ما جرى. .
قد يقال: إن الغنائم إن كانت قد أخذت من أناس مشركين، معلنين للحرب، فلماذا تردّ عليهم؟ .
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوكل أمر إرجاع الأموال إلى أبي العاص بن الربيع-أوكله-إلى قبول المشاركين في السرية، حيث قال لهم: «و إن أبيتم فهو فيء اللّه الذي أفاء عليكم، فأنتم أحق به» (1).
و إن كانت قد أخذت من أناس مسلمين، فلماذا يأخذها منهم زيد؟
ثم لماذا لا يردها عليهم بعد أخذها؟ !
و يؤيد هذا: أن أولئك القوم قد ذهبوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اشتكوا له، فبادر «صلى اللّه عليه و آله» إلى الاستجابة لهم، حسبما تقدم ذكره. . فلو أن المقتولين، و الذين أخذت أموالهم كانوا من المسلمين لم يكن معنى لهذه المبادرة من هؤلاء، و لم يكن معنى لاستجابة النبي «صلى اللّه
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 177 و البحار ج 19 ص 353 و شجرة طوبى ج 2 ص 241 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 237 و مجمع الزوائد ج 9 ص 216 و المعجم الكبير ج 22 ص 430 و شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 196 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 166 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 483 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 83 و راجع: مناقب آل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 444.
عليه و آله» لهم، و أخذ الأموال من المقاتلين و إرجاعها إلى أصحابها الشرعيين، لأنه إذا كان المقتولون و أصحاب الأموال محاربين، فإن تلك الأموال تكون للمقاتلين و لا يصح أخذها منهم. .
و لكن قبولنا لهذا الأمر لا يحل الإشكال أيضا؛ لأن المقتولين إذا كانوا مسلمين فلا معنى لطل دمهم، بل كان ينبغي أن يحاسب الذين قتلوهم، فإن كانوا قد قتلوهم مع علمهم بإسلامهم، فلا بد من إنزال العقوبة بمن فعل ذلك. .
كما لا بد من محاسبتهم على أخذ أموالهم، و إصرارهم على هذا الأخذ، حتى إنهم ليحتاجون إلى علامة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لإرجاعها إلى أهلها. .
و إن كانوا قد قتلوهم عن جهل منهم بكونهم مسلمين، فهم و إن كانوا معذورين بقتلهم، لكن لا بد للرسول «صلى اللّه عليه و آله» من أن يديهم من بيت مال المسلمين على الأقل. .
و قد يقال:
إن المقتولين كانوا من المشركين المعاهدين. . الذين لا ذنب و لا يد لهم بما جرى، و إنما غلبوا على أمرهم، و أصبحوا ضحية بغي الهنيد و ابنه، فأخذوا بذنب غيرهم، و قد جاء الذين أسلموا من قومهم، ليحلوا هذا الإشكال، فارتأوا حله، بطلّ دمهم، و الاكتفاء بإرجاع أموالهم إليهم. .
و يجاب:
بأنه لا توجد أية إشارة إلى وجود معاهدات بين أهل الشرك من هذه القبيلة، و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و الصحيح في القضية هو: أن هذه القبيلة كانت قد أسلمت استجابة لرفاعة بن زيد الجذامي، الذي جاءهم بكتاب من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثم إن بضعة أفراد منها، و هم الهنيد و ابنه، و ربما بعض آخر معهما، قطعوا الطريق على دحية و سلبوه ما معه ثم أرجع بنو الضبيب من جذام إليه ما كان سلب منه. . فاشتكى دحية إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلب منه أن ينتقم له من الهنيد و ابنه، فأرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» زيدا على رأس سرية لأخذ الجناة، فقتلت السرية الهنيد و ابنه، و اثنين (أو أكثر) ممن كانوا معه، و أخذوا ما وجدوه هناك من إبل و شاء.
و لكن هذا الذي وجدوه و أخذوه لم يكن للمقتولين بل هو لغيرهم من أفراد القبيلة المسلمين، الذين كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كتب لهم الكتاب مع رفاعة. .
فاعتبره زيد غنيمة حرب، فرفعت القبيلة المسلمة أمرها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحكم بإرجاع الأموال إلى أهلها، و لم يعبأ بالمقتولين لأنهم أفسدوا، و اعتدوا و حاربوا، و قطعوا السبيل، و لم يكن هناك أي عدوان أو تقصير من زيد، و قد فعل ما كان ينبغي له. و اللّه هو العالم بالحقائق.
و الذي يثير الانتباه هنا: أن الجذاميين المسلمين من بني الضبيب قد تعصبوا لإسلامهم و لدينهم و للحق، و نصروا المظلوم حتى على ابن
العشيرة، فاستنقذوا الأموال التي استلبها الهنيد و ابنه منهما، و أرجعوها إلى صاحبها، مع أنهم كانوا إلى الأمس القريب يتعصبون لابن العشيرة، و ينصرونه على غيره، حتى لو كان معتديا و ظالما لذلك الغير.
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل زيدا في خمس مائة رجل مع دحية. .
و نحن نشك كثيرا في صحة هذا الأمر. . فإن أعداد أفراد السرايا التي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسلها إلى البلاد البعيدة و القريبة كانت قليلة في الغالب.
فهو «صلى اللّه عليه و آله» يرسل ثلاثين، أو أربعين، أو سبعين، أو مائة، أو مائتي رجل. .
فلماذا أرسل خمس مائة رجل في هذه المرة؟ ! مع كون تلك القبيلة كانت على الإسلام، و مع كون العصاة من أفرادها قليلين، لا يحسب لهم حساب، خصوصا مع كون سائر قبيلتهم ضدهم، و قد أثبتت تلك القبيلة ذلك بصورة عملية، حيث استنقذت لدحية جميع ما كان قد أخذ منه. .
و بعد. . فإن ما يثير الدهشة أيضا: أن زيدا يغير على أولئك القوم في عماية الصبح، فيقتل، و يأسر، و يستاق النعم و الشاء، و يسبي النساء. . فإن كان المذنب من تلك القبيلة هم أفراد قلائل، فما ذنب سائر أفراد القبيلة؟ .
و إذا كانت القبيلة قد أعلنت إسلامها-حسبما ذكرناه فيما سبق-فلماذا
يغير عليها في عماية الصبح؟ !
و إذا أراد أن لا يفلت المجرم من يده، و إذا كان يصح أسر المقاتلين من الرجال، حتى لو كانوا مسلمين، فما هو ذنب النساء حتى تسبى؟ ! خصوصا إذا كن مسلمات مؤمنات، قد صدقن كتاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي أرسله إليهن مع رفاعة، و قبلن أمانه؟ ! .
و كيف يكتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا، ثم يأمر جنوده بالإغارة عليهم. .
ألم يكن الأجدر و الأولى. . أن يرسل الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى رفاعة، و إلى سائر بني جذام يطلب منهم تسليمه المجرم لينال جزاءه؟ ! فإن امتنعوا من ذلك، و منعوا صاحبهم، و أصبحوا في عداد المحاربين، أمكن في هذه الحال. . أن يتخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» القرار المناسب في حقهم، وفق هذه المستجدات. .
على أن من الواضح: أن الأخذ بقول دحية، و المبادرة إلى اتخاذ قرار الحرب ضد أناس آخرين-كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد أرسل إليهم بكتاب أمان منه، و قد استجابوا لكتابه، و أسلم من أسلم منهم بناء على ذلك. إن ذلك-لا يتناسب مع أخلاق و سياسات الأنبياء «عليهم السلام» ، و لا يصح نسبته إليه «صلى اللّه عليه و آله» .
و حين قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : كيف أصنع بالقتلى؟ . . لم يكن يريد أن يعبّر عن تحيره في الأمر، و لا كان يسأل عن حكم اللّه تعالى فيهم، بل
كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يسمع من نفس أصحاب العلاقة، ما يريد أن يمضيه فيهم، لأن ذلك يبعد عن أذهان ضعفة النفوس و الإيمان أي احتمال يمكن أن يثار حول صوابية القرار الذي يصدره في قضيتهم، و هو يظهر بذلك لكل أحد: أن قراره هذا هو ما تحكم به الفطرة، و يفرضه الإنصاف في حق من يشهر سيفه على الناس، و يقطع الطريق و يخيف السبيل. .
و لأجل ذلك: صرح رفاعة بأنه: لا يطلب إلا ما هو حلال و مباح، و موافق للمنطق. ثم جاءت مبادرة أبي زيد التي انطلقت بعفوية و أريحية لتؤكد هذا الأمر، و تحسم الرأي الصواب فيه، فأمضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له ذلك، حين ظهر أنهم منسجمون مع هذا الحق، متفهمون لذلك الصواب. .
و لم يكن انتداب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» للمهمة الحاسمة، التي تضمنت إرجاع الحقوق إلى أهلها، هو الوحيد في تاريخ النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» .
و قد جاء تفويض هذه المهمة إليه «عليه السلام» ليؤكد على دوره في هذا الاتجاه، و ليكون الدليل على الثقة المطلقة بحسن تدبيره، و بدقته في إنجاز ما يوكله «صلى اللّه عليه و آله» إليه من مهمات، حتى إنه «عليه السلام» لينتزع الناقة من الرسول الذي جاء بالبشرى، ثم يردفه خلفه، و لا يرضى بأن يركب ناقة صدر حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
بإرجاعها إلى أربابها، و لو خطوات يسيرة.
و كان التساؤل الحائر من ذلك الرسول: يا علي ما شأني؟ ! حيث ظن أن ذلك قد جاء عقوبة له على أمر صدر منه.
فجاءه الجواب الحاسم و الحازم منه «عليه السلام» : ما لهم، عرفوه فأخذوه.
و روى الواقدي عن محجن الديلي، أنه قال: «كنت في تلك السرية، فصار لكل رجل سبعة أبعرة، أو سبعون شاة، و صار له من السبي المرأة و المرأتان، حتى رد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك كله إلى أهله» (1).
و نقول:
إنه إذا كان الجيش خمس مائة مقاتل، ثم كان مجموع السبي مائة امرأة و طفل، فكيف يكون قد صار للرجل المرأة و المرأتان؟ !
و إذا كان الجيش خمس مائة، و الأبعرة ألف، فكيف نال كل واحد سبعة أبعرة؟ !
و حين قال علي «عليه السلام» للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : زيد لا يطيعني، فإنه لم يكن يريد بذلك تحريض الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» على زيد. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 89.
بل هو قد أراد أن يمدح زيدا بذلك، من حيث إنه يمارس عمله وفق أصول الانضباط، و الالتزام بالمقررات بحزم و صرامة، و لا يتعامل على أساس العلاقات الشخصية، التي ربما تجر أحيانا إلى الوقوع في أخطاء قد لا يمكن تداركها. . خصوصا حين يتعلق الأمر بالتعاطي مع الشأن العام، و تنفيذ المهمات، و القيام بالمسؤوليات النظامية.
و قد كان علي «عليه السلام» يدرك: أنه لا بد من إشاعة هذا النهج، و فرض الالتزام به على الآخرين، بصورة عملية و حاسمة، بحيث لا يبقى أي منفذ، أو فرصة لأي تسلل من شأنه أن يفسد طريقة تنفيذ القرار، أو أن يخل بحركة العمل في المجالات التطبيقية المختلفة.
و إلا، فإن زيدا كان يعرف عليا «عليه السلام» ، و يدرك موقعه من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من الإسلام كله. . و لكنه يريد أن يري الناس كيف يلتزم القائد بحرفية البيانات و البلاغات الصادرة إليه، و أن عليهم أن يتعلموا: أنه لا مجال لمحاباة أحد، و لا للاعتماد على الرأي و الاجتهاد، بعد أن استبعدت المعرفة اليقينية، و حوصرت و صودرت أحكامها بأحكام و بيانات صريحة أخرى لم تدع لها مجالا، و لا مقالا. .
و حسبنا هذا الذي ذكرناه هنا: فإن استقصاء الحديث حول التفاصيل و الجزئيات لسوف يضر بالاستفادة مما هو أهم، و نفعه أتم، و أشمل و أعم. .
و في جمادى الآخرة من سنة ست على قول ابن اسحاق، أو في شوال على قول الواقدي، و ابن سعد، و ابن حبان، أو في ذي القعدة بعد الحديبية،
كما في البخاري. . كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، و هم حي من قضاعة، و حي من بجيلة. لكن المراد هنا الثاني، على ما ذكره ابن عقبة في مغازيه.
فقد روي: أن ثمانية من عرينة، و في البخاري من عكل و عرينة، و في الاكتفاء من قيس كبة من بجيلة، قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتكلموا بالإسلام و كانوا مجهودين، قد كادوا يهلكون لشدة هزالهم، و صفرة ألوانهم، و عظم بطونهم، فطلبوا منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤويهم و يطعمهم، فأنزلهم «صلى اللّه عليه و آله» عنده بالصفة.
ثم استوخموا المدينة، و طلحوا، و قالوا: إنا كنا أهل ضرع، و لم نكن أهل ريف، فبعثهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى لقاحه التي كانت ترعى بناحية الجماوات، و كان يرعاها عبد له، يقال له: يسار. .
و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعثهم إلى إبل الصدقة.
و جمع بينهما: أنهما كانا معا، فالبعث كان إليهما معا.
فخرجوا إليها، و شربوا من أبوالها، و ألبانها، حتى صحوا و سمنوا، و انطوت بطونهم عكنا، فكفروا بعد إسلامهم، و عدوا على الراعي فذبحوه.
و في رواية: أنهم استاقوا اللقاح، فأدركهم يسار، فقتلوه، و مثّلوا به.
فبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخبر، فبعث في أثرهم كرز بن جابر في عشرين فارسا، فأدركوهم و أحاطوا بهم، و ربطوهم، و قدموا بهم إلى المدينة و أرجعوا اللقاح، و كانت خمس عشرة إلا واحدة، و كان «صلى اللّه عليه و آله» بالغابة، فخرجوا بهم نحوه.
و في الإكتفاء: فأتي بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مرجعه من غزوة ذي قرد، فأمر بهم فقطعت أيديهم، و أرجلهم.
و في رواية: و سمرت أعينهم، و صلبوا هناك.
و في البخاري: فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم، و قطع أيديهم، و ما حسمهم، ثم ألقوا في الحرة و هي أرض ذات حجارة سود، يستقون، فما سقوا حتى ماتوا.
قال أنس: فكنت أرى أحدهم يكد، أو يكدم الأرض بفيه، من العطش، ليجد بردها (1)، فلا يجده، حتى ماتوا على حالهم.
و أنزل اللّه فيهم: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ الآية (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 10 و 11 و السيرة الحلبية ج 3 ص 185 و الدر المنثور ج 2 ص 277 و 278 عن مصادر كثيرة. و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 116 و 117 و مسند أحمد ج 2 ص 287 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 331 و عن الجامع الصحيح للترمذي ج 1 ص 49 و سنن النسائي ج 7 ص 98 و راجع: عون المعبود ج 12 ص 17 و سنن النسائي ج 2 ص 296 و مسند أبي يعلي ج 6 ص 225 و 466 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 212 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 148 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 51 و البداية و النهاية ج 4 ص 205 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 341.
2) سورة المائدة الآية 33.
و لم يقع بعد ذلك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سمل عينا (1).
و نقول: إن لنا ههنا وقفات هي التالية:
المثلة و التعذيب:
قد يقال: إنه لا معنى لهذا التعذيب الذي أنزل بهم.
و قد يجاب عن ذلك-كما عن محمد بن سيرين-: أنه إنما فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا قبل أن تنزل الحدود (2).
قال أبو قلابة: هؤلاء قوم سرقوا، و قتلوا، و كفروا بعد إيمانهم،
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 85 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 117 و راجع: الدر المنثور ج 2 ص 277 عن البخاري، و مسلم، و عبد الرزاق، و أبي داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و النحاس في ناسخه، و البيهقي في الدلائل عن أنس و الطبقات الكبرى ج 2 ص 93 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 599.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 عن الترمذي، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 117 و ج 9 ص 200 و مسند أحمد ج 3 ص 290 و عن صحيح البخاري ج 7 ص 13 و عن سنن أبي داود ج 2 ص 332 و الجامع الصحيح للترمذي ج 1 ص 50 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 283 و ج 9 ص 70 و ج 10 ص 4 و عن فتح الباري ج 1 ص 294 و ج 10 ص 120 و شرح سنن النسائي ج 7 ص 95 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 207 و عون المعبود ج 12 ص 19 و مسند أبي يعلي ج 6 ص 466 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 149 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 52 و فتح القدير ج 2 ص 34.
و حاربوا اللّه و رسوله (1).
و نقول:
أولا: إننا لم نجد في النصوص ما يدل على أن عقوبة السرقة، و القتل، و محاربة اللّه و رسوله أن تحمى المسامير بالنار، ثم يكحل فاعل ذلك بها، و لا أن يلقى في الحرة ليموت عطشا؟ !
ثانيا: لقد نزل قوله تعالى: وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ في مكة قبل هذه القصة (2). . و هذه العقوبات المذكورة التي صبت عليهم لم يفعلوا هم مثلها. .
ثالثا: إن ما فعله النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم-لو صح-فهو من مصاديق المثلة التي نهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنها في غزوة أحد، كما يقولون. فما معنى أن ينهى «صلى اللّه عليه و آله» عن الأمر، ثم يبادر هو إلى فعله؟ !
رابعا: عن ابن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين، قال: لا و اللّه، ما سمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عينا، و لا زاد أهل اللقاح
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 116 و عن صحيح البخاري ج 8 ص 20 و سنن أبي داود ج 2 ص 330 و عون المعبود ج 12 ص 15 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 320 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 148 و تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 481.
2) السيرة الحلبية ج 2 ص 246 عن ابن كثير. و راجع: واقعة أحد في هذا الكتاب، فصل: بعد ما هبت الرياح.
على قطع أيديهم و أرجلهم (1).
و من الواضح: أن قطع الأيدي و الأرجل هو عقوبة المفسد في الأرض، و قد صرح بها القرآن الكريم، و ليست هي من المثلة المنهي عنها.
و قد ذكرت الروايات تارة أنهم قتلوا يسارا فقط.
و جاء في رواية أخرى: ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم.
و في نص ثالث: فقتلوا الراعيين، و جاء الآخر، فقال: قتلوا صاحبيّ، و ذهبوا بالإبل (2).
فما هذا التناقض في عدد من قتلوا من الرعاء؟
قد ذكرت الرواية السابقة: أن اللقاح كانت بناحية الجماوات، و لكن هناك رواية أخرى تقول: إن اللقاح كانت بذي الجدر، غربي جبال عير، على ستة أميال من المدينة (3)و هي بناحية قباء.
1) المسند للشافعي ص 315 و الأم للشافعي ج 4 ص 259 و السنن الكبرى ج 9 ص 70.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 115 و 119 و فتح الباري ج 1 ص 292 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 180.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 و راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1174 و 1175 و تركة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحماد البغدادي ص 107 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 495 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 234 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 423.
1-لماذا تكون هذه اللقاح بعيدة عن المدينة إلى هذا الحد، و كيف يؤمن عليها الغارة من القبائل المحيطة، و المعادية؟ !
2-لقد اختلفت النصوص في موضع رعي الإبل، فهل كانت بناحية الجماوات، التي هي إلى جهة الشام، على ثلاثة أميال من المدينة؟ أم كانت ترعى بذي الجدر، على ستة أميال من المدينة، إلى جهة قباء؟ !
و هم تارة يقولون: إنهم قد صلبوا بالرغابة، بعد أن قطعت أيديهم و أرجلهم (1).
و أخرى يقولون: إنهم قد صلبوا، و جرى عليهم ما جرى في المدينة نفسها، و أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهم فألقوا في الحرة (2).
و قد تقدم: أن الأمير على تلك السرية هو كرز بن جابر، بينما هناك من يقول: إن أمير الخيل يومئذ هو ابن زيد أحد العشرة المبشرة بالجنة.
و هناك من يقول: أن أمير السرية هو جرير بن عبد اللّه البجلي (1).
و يرد هذا القول الأخير: بأن إسلام جرير بن عبد اللّه قد كان بعد حوالي أربع سنين من تاريخ هذه السرية (2).
و قد روي عنه: أنه ما أسلم إلا بعد سورة المائدة في حجة الوداع (3).
و قد تقدم قولهم: إن آية: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ. .
1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 277 عن ابن جرير، و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 52 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 117.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 185 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 116 و 117 و في ص 312: أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر.
3) عن فتح الباري ج 1 ص 416 و الجامع الصحيح للترمذي ج 1 ص 64 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 169 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 271 و 273 و 274 و مسند أحمد ج 4 ص 363 و سنن أبي داود ج 1 ص 42 و تحفة الأحوذي ج 1 ص 265 و عون المعبود ج 1 ص 179 و المنتقى من السنن المسندة للنيسابوري ص 32 و المعجم الأوسط ج 4 ص 225 و المعجم الكبير ج 2 ص 308 و 336 و 348 و 357 و 358 و مسند إبراهيم بن أدهم ص 40 و 41 و نصب الراية ج 1 ص 137 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 30 و الدر المنثور ج 2 ص 263 و الضعفاء للعقيلي ج 2 ص 76 و تهذيب الكمال ج 2 ص 38 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 89 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 64 و البداية و النهاية ج 5 ص 93 و تاريخ جرجان ص 228 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 54.
قد نزلت في هذه المناسبة.
و نقول:
إن ذلك لا يصح: أولا: لأن هذه الآية وردت في سورة المائدة، التي نزلت دفعة واحدة في حجة الوداع (1).
و حتى لو كانت قد نزلت بعد الحديبية، أو عام الفتح (2)، فإن ذلك يدل على أنها لم تنزل في هذه الغزوة التي حصلت قبل الحديبية.
و قد روي نزولها دفعة واحدة عن:
1-عبد اللّه بن عمرو (3).
2-أسماء بنت يزيد (4).
1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن جرير، و أبي عبيد، و راجع: البحار ج 37 ص 248 و الغدير ج 6 ص 256 و راجع: المستدرك للحاكم ج 1 ص 163.
2) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30 و راجع: فتح القدير ج 2 ص 4.
3) الدر المنثور ج 2 ص 252 و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 3 و فتح القدير ج 2 ص 3 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 عن أحمد.
4) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و الطبراني، و أبي نعيم في الدلائل، و البيهقي في شعب الإيمان، و راجع: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 3 و مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 341 و البداية و النهاية ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 424 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 257.
3-أم عمرو بنت عبس (1).
4-محمد بن كعب القرظي (2).
5-و الربيع بن أنس (3).
ثانيا: لقد رووا عن ابن عباس في هذه الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عهد و ميثاق، فنقضوا العهد و أفسدوا في الأرض، فخيّر اللّه فيهم نبيه، إن شاء أن يقتل، و إن شاء أن يصلب، و إن شاء أن يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف الخ. . (4).
ثالثا: لقد اختلفت رواياتهم في قبيلة القوم الذين نزلت فيهم هذه الآية، هل هم أهل الكتاب، أو هم من المشركين من عكل أو عرينة، أو بجيلة، (و قد تقدمت المصادر المصرحة بهذا أو بذاك) .
1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن أبي شيبة في مسنده، و البغوي في معجمه، و ابن مردويه، و البيهقي في دلائل النبوة. و راجع: الآحاد و المثاني ج 2 ص 431 و أسد الغابة ج 5 ص 344.
2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد و راجع: الغدير ج 6 ص 256.
3) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن جرير و جامع البيان لابن جرير الطبري ج 6 ص 112.
4) الدر المنثور ج 2 ص 277 عن ابن جرير، و الطبراني في المعجم الكبير و راجع: المحلى لابن حزم ج 11 ص 300 و مجمع الزوائد ج 7 ص 15 و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 199 و جامع البيان ج 6 ص 280 و التبيان للطوسي ج 3 ص 505 و مجمع البيان للطبرسي ج 3 ص 324 و زاد المسير لابن الجوزي ج 2 ص 269 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 149 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 50 و فتح القدير ج 2 ص 37.
الصحيح هو: أن هذه القضية بأسرها قد حرفت بصورة عمدية، و صرفت عن مسارها الطبيعي، و أن أميرها هو علي «عليه السلام» ، و أنها نزلت في نفر من بني ضبة، و أنهم إنما قتلوا ثلاثة من رعاة اللقاح إلى غير ذلك من تفاصيل، غيّروا فيها و بدلوا، و ظهرت الخلافات و الاختلافات نتيجة لتصرف كل راو على حدة. .
و الرواية المعقولة و المقبولة هي التالية:
روي عن أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» ، قال: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قوم من بني ضبة، مرضى.
فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أقيموا عندي، فإذا برئتم
بعثتكم في سرية.
فقالوا: أخرجنا من المدينة.
فبعث بهم إلى إبل الصدقة، يشربون من أبوالها، و يأكلون من ألبانها، فلما برئوا و اشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في الإبل.
فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فبعث إليهم عليا «عليه السلام» ، فإذا هم في واد قد تحيروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه، قريبا من أرض اليمن، فأسرهم، و جاء بهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فنزلت هذه الآية: إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1).
فاختار رسول اللّه القطع، فقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف (2).
و في شهر رجب من سنة ست كانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي
1) الآية 33 من سورة المائدة.
2) راجع: نور الثقلين ج 1 ص 621 و 622 و البرهان ج 1 ص 465 و 467 عن الكليني، و العياشي، و الشيخ في تهذيب الأحكام، و الكافي ج 7 ص 245 و كنز الدقائق ج 4 ص 102 و 103 و تفسير العياشي ج 1 ص 314 و تفسير الصافي ج 2 ص 31 و تهذيب الأحكام ج 10 ص 135 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 18 ص 535 و ميزان الحكمة ج 10 ص 574 و تفسير الميزان ج 5 ص 331 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 597.
القرى، فقتل من المسلمين قتلى، وارتث زيد بن حارثة، أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا، و به رمق (1).
و نقول:
1-إننا لا ندري لماذا لم تصرح لنا الروايات بعدد القتلى من المسلمين، و لا بأسمائهم، مع الاهتمام الشديد بهذا الأمر في الموارد الأخرى؟ ! . .
كما أننا لا ندري: هل قتل أحد من المشركين في هذه السرية؟ ! أو جرح، أم لم يقتل و لم يجرح أحد؟ !
2-ثم إننا لا ندري أيضا لماذا لم تذكر أية تفاصيل عن مكان هذه المعركة، و عن أسبابها، و ضد من كانت من قبائل العرب. .
لكن بعضهم ذكر: أنها كانت ضد بني فزارة.
مع أنهم يذكرون: أدق التفاصيل في غزوات أو سرايا لم تجر فيها أحداث مهمة، بل هي مجرد سياحة استطلاعية رجع منها المسلمون، و لم يلقوا كيدا. .
و الظاهر هو: أن هذه الحادثة هي نفس ما ذكر من أنه قد حصل لزيد بن حارثة في سرية أم قرفة الآتية، و أنه إنما كان في تجارة له إلى الشام فأخذوه، و جرى عليه ما جرى، ثم غزاهم في سرية بعثه بها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، فأصابوا فيها أم قرفة كما سيأتي.
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 71 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 287 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1035 و عن عيون الأثر ج 2 ص 103.
و في شعبان من سنة ست بعث «صلى اللّه عليه و آله» عبد الرحمن بن عوف إلى بني كلب في دومة الجندل.
فزعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاه، فأجلسه بين يديه، و عممه بيده، و قال: اغز بسم اللّه، و في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه. و لا تغدر، و لا تقتل وليدا. و قال له: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم.
فسار إليهم في سبع مائة مقاتل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، و هم يأتون و يقولون: لا نعطي إلا السيف.
فلما كان اليوم الثالث أسلم أصبغ بن عمرو الكلبي-و كان نصرانيا، و كان رئيسهم-و أسلم معه ناس كثيرون من قومه، و أقام من أقام على دينه على إعطاء الجزية، و تزوج عبد الرحمن تماضر ابنة الأصبغ، فقدم بها المدينة، فولدت له أبا سلمة، عبد اللّه الأصغر، و هو من الفقهاء السبعة بالمدينة، و من أفضل التابعين (1).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 و السيرة الحلبية ج 3 ص 181 و 182 و الإصابة ج 1 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 93 و 94 و عن عيون الأثر ج 2 ص 105 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 89 و الثقات ج 1 ص 285 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 4 و ج 69 ص 80 و المغازي للواقدي ج 2 ص 560 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1048 و عن تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 286 و البداية و النهاية ج 4 ص 204 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 85 و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 202 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 340.
و زعم عطاء بن أبي رباح: أنه سمع رجلا من أهل البصرة يسأل عبد اللّه بن عمر عن إرسال العمامة من خلف الرجل، إذا اعتم.
فقال عبد اللّه: سأخبرك عن ذلك، إن شاء اللّه تعالى، ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها، قال: فأصبح و قد اعتم بعمامة من كرابيس سود، فأدناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه، ثم نقضها، ثم عممه بها، و أرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يابن عوف فاعتم، فإنه أحسن، و أعرف.
ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد اللّه، و صلى على نفسه، ثم قال: خذه يابن عوف، اغزوا جميعا الخ. . (1).
و لنا على هذه الغزوة ملاحظات عديدة هي التالية:
1-إننا نشك في أصل حدوث هذه الغزوة. و ذلك لأن بين دومة الجندل و بين دمشق خمس ليال، و تبعد عن المدينة حوالي خمس عشرة، أو
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 11 و 12 و السيرة الحلبية ج 3 ص 181 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 94 و البداية و النهاية ج 5 ص 239 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 541 و مجمع الزوائد ج 5 ص 318 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1048 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 437 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 108.
ست عشرة ليلة، و هي بقرب تبوك (1).
و على حد تعبيرهم: هي طرف من أفواه الشام (2).
و نحن نستبعد: أن يخاطر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأصحابه، فيرسلهم إلى هذه المسافات البعيدة، إلى أناس لم يظهر الوجه و المبرر لأن يقصدهم «صلى اللّه عليه و آله» بجيوشه هذه، دون كل من عداهم ممن هم في المناطق الأقرب منهم، و الأيسر، و الأقل مؤونة عليه.
هذا. . و الحال: أن مشركي العرب مبثوثون في كل ناحية، و هم يترصدونهم في ذهابهم، و إيابهم، ليوقعوا بهم، و ليوصلوا الأخبار إلى الأقطار عنهم. . خصوصا إذا كان مسيرهم أصبح يشي بأنهم يقصدون ملك قيصر، و كسر هيبته، بتناول أطراف بلاده. .
2-إن هيمنة الإسلام لم تكن قد بلغت تلك المناطق، ليرضى نصارى
1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 عن ابن سعد، و السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و سيرة مغلطاي ص 54 و نهاية الإرب ج 17 ص 163 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 62 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 23 و التنبيه و الإشراف ص 214 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و وفاء الوفاء ج 4 ص 1328 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و عن عيون الأثر ج 2 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 342 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 201.
2) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 403 و البداية و النهاية ج 4 ص 105 و عن عيون الأثر ج 2 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 4 ص 342 و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 200 و 201 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 62.
بني كلب بدفع الجزية، مع قربهم من الشام، و مع وجود أكيدر في دومة الجندل، و مع كون المحيط كله لا يدين بالإسلام، و لا يرضى بدفع الجزية.
3-إن الحديث عن أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عمم عبد الرحمن بن عوف بيده، لا يدل على أن ذلك كان كرامة و إكراما منه «صلى اللّه عليه و آله» لابن عوف. .
لأن حديث ابن عمر قد أوضح: أن السبب في ذلك هو: أن ابن عوف لم يحسن التعمم، فأراد «صلى اللّه عليه و آله» أن يعلمه طريقة التعمم الفضلى، و يوضح ذلك قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «هكذا يابن عوف فاعتم، فإنه أحسن، و أعرف» .
4-إننا لا ندري ما هي المصلحة في أن يتزوج ابن عوف ابنة أصبغ بن عمرو الكلبي؟ !
و ماذا لو رفض أصبغ الموافقة على هذا الزواج؟ !
فهل سيقهره عبد الرحمن عليه؟ !
على أننا قد نفهم من بعضهم: أن ثمة شكا في أن تكون تماضر هذه قد أدركت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقد قال العسقلاني: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف «أمه تماضر بنت الأصبغ، يقال: إنها أدركت النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).
1) تهذيب التهذيب ج 12 ص 116 و راجع: المصنف للصنعاني ج 7 ص 62 و سنن الدار قطني ج 4 ص 10 و نصب الراية ج 5 ص 218 و إرواء الغليل ج 6 ص 159 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 152 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 89 و ج 3 ص 129 و ج 5 ص 155 و ج 8 ص 298 و 99 و طبقات خليفة بن خياط ص 422 و تاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 365 و ج 69 ص 79 و راجع: أسد الغابة ج 1 ص 115 و ج 3 ص 314 و عن عيون الأثر ج 2 ص 105.
و يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عبر عن الأصبغ بكلمة «ملك» ، مع أنه مجرد زعيم قبيلة، و لا يوصف رئيس القبيلة بهذا الوصف.
5-على أن ثمة ما يدل على خلاف ما ذكرته الروايات المتقدمة، فقد قالوا: إنه بعد إسلام أولئك القوم: «أرسل (ابن عوف) رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعلمه بذلك، و أنه يريد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يتزوج ببنت الأصبغ، فتزوجها، و بنى بها عندهم، و قدم بها المدينة» (1). فإن هذه الرواية تدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يأمره بالزواج من بنت ملكهم حين عممه و أرسله. .
بل إن عبد الرحمن بن عوف أرسل إليه رسالة يستأذن فيها بهذا الأمر.
6-هل صحيح: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن كان بهذه المثابة من الفضل و العلم؟ أم أنهم أطروه و رفعوا مقامه، في نطاق سياسة خلق مرجعيات للناس، و استبعاد أهل البيت «عليهم السلام» ؟
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 182 و الإصابة ج 1 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 94 و الثقات لابن حبان ج 1 ص 285 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 573 و إعلام الورى للطبرسي ج 1 ص 202 عن المغازي للواقدي ج 2 ص 560 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 89 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 642 و راجع: تاريخ خليفة بن خياط ص 47 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 171.
خصوصا و أنهم يذكرون: أن أبا سلمة هذا كان منسجما معهم في طروحاتهم، و توجهاتهم، فهو قد روى عن عثمان بن عفان، و طلحة، و عبد اللّه بن سلام، و أبي هريرة، و المغيرة، و معاوية. . و غيرهم ممن هم على هذا النهج. .
كما أن هذا الرجل كان من أعوان النظام الأموي و الدموي، حيث يذكرون: أنه لما ولي سعيد بن العاص على المدينة من قبل معاوية في المرة الأولى، استقضى أبا سلمة عليها (1).
لقد فرغت من تسويد هذا الجزء ليلة الخميس الساعة الرابعة قبل الفجر. . و ذلك بتاريخ 10/6/2004 م الموافق 21/4/1425 ه بيروت.
و الحمد للّه أولا و آخرا، و باطنا و ظاهرا، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين.
1) تهذيب التهذيب ج 12 ص 105 و الطبقات الكبرى ج 5 ص 155 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 291 و راجع: ص 306.
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الباب السادس: زواج زينب و أحداث أخرى بعد المريسيع
الفصل الأول: متفرقات في السنة الخامسة 7-38
الفصل الثاني: زينب بنت جحش في بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله 39-82
الفصل الثالث: اكاذيب و أباطيل في حديث زواج زينب 83-126
الفصل الرابع: الحجاب في حديث الزواج 127-172
الفصل الخامس: استطرادات على هامش حديث الزواج 173-198
الباب السابع: سرايا و غزوات بين المريسيع و الحديبية
الفصل الأول: غزوة بني لحيان 201-220
الفصل الثاني: غزوة ذي قرد (الغابة) 221-272
الفصل الثالث: سبع سرايا 273-310
الفصل الرابع: سرايا أخرى قبل الحديبية 311-342
الفهارس:343-356
الباب السادس: زواج زينب و أحداث أخرى بعد المريسيع
الفصل الأول: متفرقات في السنة الخامسة
النبي صلّى اللّه عليه و آله يعلم الغيب:9
سباق الخيل:12
سباق الإبل أيضا:14
سقوطه صلّى اللّه عليه و آله عن الفرس و نسخ حكم شرعي:18
الصحيح في قضية الصلاة:23
بركات و فوائد:23
الصحيح في قضية السقوط عن الفرس:23
الزلزال في المدينة:24
النهي عن ادخار لحوم الأضاحي:26
فرض الحج:27
ملاحظات و توضيحات:31
النبي صلّى اللّه عليه و آله يحيي الموتى:32
التقليد و المحاكاة:34
قيمة الدعاء و آثاره:35
التشكيك الخفي:35
لا تكسروا عظما:36
إسلام خالد و عمرو بن العاص:37
الفصل الثاني: زينب بنت جحش في بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله
زينب بنت جحش. . في بيت الرسول صلّى اللّه عليه و آله:41
ابن حارثة! أم ابن محمد؟ ! 42
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحب إليه:43
تاريخ زواج النبي صلّى اللّه عليه و آله بزينب بنت جحش:49
قصة هذا الزواج:51
موقف عائشة من هذا الزواج:54
اللّه المزوج، و جبريل الشاهد:56
المنافقون، و هذا الزواج:57
وقفات مع حديث الزواج:58
ألف: الكفاءة في النكاح:58
ب: ما كان لهم الخيرة:61
ج: المعلم لكتاب اللّه أولى:65
د: زيد يراجع النبي صلّى اللّه عليه و آله في طلاق زينب:66
إفتخار زينب على نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله:67
ه: أمسك عليك زوجك:67
أخطاء منشؤها الجهل:67
كيف تمت الخطبة:68
و: و اتق اللّه:69
ز: مكانة زيد لدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:70
ح: زيد العفيف و التقي:71
ط: زوجناكها:72
ي: جمال زينب في حسابات عائشة:75
الافتئات على الرسول صلّى اللّه عليه و آله:76
مهر زينب و دلالاته:79
الفصل الثالث: أكاذيب. . و أباطيل في حديث زواج زينب
ماذا يقول الأفّاكون؟ ! :85
نقد الروايات المتقدمة:93
ألف: ما الذي يخفيه النبي صلّى اللّه عليه و آله في نفسه؟ ! 94
لا معنى للأمر بالإمساك:96
ب: ما الذي أبداه اللّه تعالى:97
ج: اللّه تعالى مصرّف القلوب:98
د: التحريض و الرجم بالغيب:99
ه: الأمر بتقوى اللّه! ! 100
و: أمسك عليك زوجك:100
ز: عشق النبي صلّى اللّه عليه و آله لزوجة غيره:100
عشق الأنبياء عليهم السّلام ممدوح! ! 101
ح: لا تمدنّ عينيك:102
ط: الحسد:102
ي: يراها. . فأعجبته! :102
ك: العشق في سن الكهولة! ! 103
ل: تناقض الروايات في أمر الهوى:104
م: الجائزة للمذنبين:104
ن: زينب لا تمتنع، و زيد لا يستطيع:105
س: لماذا يكتم النبي صلّى اللّه عليه و آله هذا عن نفسه؟ ! :106
ع: النبي صلّى اللّه عليه و آله يتعرض للنساء! ! 107
إستدلال ابن الديبع فاسد:108
لا يضر الهوى بالنبوة:113
لم يزوجه اللّه إياها لأنه أحبها:116
الأمر مفروض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:117
بين خشية الناس، و خشية اللّه:117
خشية النبي صلّى اللّه عليه و آله على الدين:119
«أحق» أن تخشاه:120
لا يكفي التشريع بالقول:122
هل كانت زينب: متزوجة قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:123
الفصل الرابع: الحجاب في حديث الزواج
متى و لماذا نزل الحجاب؟ ! :129
آية الحجاب:132
مشاجرة زينب مع عمر:133
تناقض أسباب فرض الحجاب:133
ألف: من تناقضات الروايات:139
ب: حماس عمر لفرض الحجاب:140
ج: موافقات عمر:142
د: فمرّ عمر:143
ه: هلا لنفسك كان ذا التعليم؟ 144
و: عمر. . و سودة:144
ز: الخطاب للناس لا للنساء:145
ح: سودة خرجت ليلا:145
ط: الأجانب لا يجالسون نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله:146
متى فرض الحجاب؟ و متى تزوج صلّى اللّه عليه و آله بزينب؟ :147
الحجاب في الكتب القديمة:151
1-العهد القديم «التوراة» :151
2-العهد الجديد: «الإنجيل» :152
الحجاب في الجاهلية:153
المجتمع الإيراني القديم:155
المجتمع الهندي:155
المملكة الرومانية:156
قدماء اليونان:156
تغطية الوجه في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله:157
هل كان علي عليه السّلام يجهل الجواب؟ !165
تغطية الوجه بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله:166
لماذا الحجاب؟ ! 171
الفصل الخامس: استطرادات. . على هامش حديث الزواج
علاقات حميمة بين زينب و عائشة! ! 175
روحيات زينب:177
تصحيح خطأ: بين زينب و حمنة:182
النبي صلّى اللّه عليه و آله سماها:183
أطو لكن يدا:186
لمن صنع النعش؟ :189
جهد العاجز:192
هل يجهل عمر حكم اللّه؟ ! 193
عائشة: أنا أم رجالكم:194
الباب السابع: سرايا و غزوات بين المريسيع و الحديبية. .
الفصل الأول: غزوة بني لحيان
غزوة بني لحيان:203
إلى عسفان في مائتي راكب:205
أبو بكر إلى كراع الغميم:206
دعاء السفر:208
زيارة النبي صلّى اللّه عليه و آله قبر أمه و براءته منها:209
لعن زوارات القبور:215
كسوف الشمس:219
الفصل الثاني: غزوة ذي قرد (الغابة)
غزوة الغابة:223
بعض تفاصيل هذه الغزوة:226
مؤاخذات على ما تقدم و ما يأتي:237
من هو المغير؟ :239
الغدر مرتعه و خيم:240
كيف علم ابن الأكوع بالغارة؟ ! :241
رباح مولى الرسول صلّى اللّه عليه و آله:243
رباح. . اسم مكروه 243
رؤية سلمة للمغيرين:244
حليب اللقاح إلى المدينة:244
يا خيل اللّه اركبي:245
أمير الغزوة:245
عبد الرحمن بن عيينة:247
عمر سلمة بن الأكوع:248
هل أفلتت اللقاح؟ و من الذي أنقذها؟ ! :249
سهم في جبهة أبي قتادة:250
ملكت. . فاسجح:253
لابن الأكوع سهم الراجل، و سهما الفارس:254
هل كان هناك قتال؟ ! 257
الشك في أخذ اللقاح:258
تركوا فرسين:258
يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو:259
صلاة الخوف:260
الغفارية التي أفلتت:263
طلحة الفياض:266
أفاعيل و فظائع طلحة:270
الفصل الثالث: سبع سرايا
1-سرية القرطاء:275
قصة ثمامة:279
ربط الأسير في المسجد:282
متى أسر ثمامة؟ ! :283
أين أسر ثمامة:284
ثمامة المجهول لآسرية:285
أكلة لحم جزور أحب إليه:286
الإحسان إلى ثمامة. . ثم إسلامه:287
أمعاء الكافر. . و المؤمن:289
توجيهات معقولة:290
ثمامة أول من اعتمر:290
هل قطع النبي صلّى اللّه عليه و آله أرحامه؟ ! :291
2-سرية عكاشة إلى غمر مرزوق:293
3-سرية أبي مسلمة إلى ذي القصّة:294
4-سرية أبي عبيدة إلى ذي القصّة:295
5-سرية زيد إلى بني سليم:295
طبيعة سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:296
الشهداء في سرية ابن مسلمة:297
شكوك أخرى حول سرية ابن مسلمة:299
6-سرية زيد إلى العيص:301
فضة صفوان:303
على نفسها جنت براقش:304
مدائح لأبي العاص بن الربيع:304
النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يتصرف بما ليس له:305
لا يخلص إليك:306
رد زينب على أبي العاص:306
7-سرية زيد إلى الطرف:308
الفصل الرابع: سرايا أخرى قبل الحديبية
1-سرية زيد إلى حسمى:313
ألف: إرسال دحية إلى قيصر:316
ب: لماذا إرجاع الأموال؟ ! :317
ج: العصبية للحق، لا للعشيرة:319
د: خمس مائة رجل! ! لماذا؟ !320
ه: تسرع غير مقبول:320
و: كيف أصنع بالقتلى؟ !321
ز: مالهم، عرفوه فأخذوه:322
ح: مبالغات لا مبرر لها:323
ط: زيد لا يطيعني 323
2-سرية كرز بن جابر إلى العرنيين 324
عدد الرعاة المقتولين 329
أين كانت اللقاح؟ ! 329
و نحن نشك في ذلك، إذ 330
أين صلب الجناة؟ 330
من هو أمير السرية؟ 330
آية جزاء المحاربين 331
الصحيح في نزول الآية 334
الرواية الصحيحة 334
3-سرية زيد إلى وادي القرى 335
4-سرية ابن عوف إلى دومة الجندل 337
شكوك في سرية ابن عوف 338
الفهارس 343
1-الفهرس الإجمالي 345
2-الفهرس التفصيلي 347