ghaemiyeh.com
سرشناسه : عسکری، مرتضی، - 1293
عنوان و نام پديدآور : القرآن الکریم و روایات المدرستین/ تالیف مرتضی العسکری
مشخصات نشر : تهران: مجمع العلمی الاسلامی، 1416ق. = 1996م = 1420 - 1375ق = 1999م = 1378.
مشخصات ظاهری : 3 ج.نمونه
شابک : 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-63-1
يادداشت : چاپ قبلی: نشر توحید، 1373عربی
يادداشت : ناشر در سال 1378 به "کلیه اصول الدین" تغییر نام یافته است
يادداشت : ج. 1378 :3؛ 25000 ریال
يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: )1378
یادداشت : کتابنامه
مندرجات : ج. 1. بحوث تمهیدیه .-- ج. 2. دراسات مقارنه لروایات مدرسه الخلفاآ حول القرآن الکریم .-- ج. 3. مناقشه مازعمه الاستاذ احسان الهی ظهیر "الف حدیث شیعی فی تحریف القرآن" و بیان زیف ما ادعاه
موضوع : قرآن -- احادیث
موضوع : قرآن -- بررسی و شناخت
موضوع : قرآن -- تحریف
شناسه افزوده : ظهیر، احسان الهی .Zahir, Ihsan Ilahiالف حدیث شیعی فی تحریف القرآن
شناسه افزوده : مجمع علمی اسلامی
شناسه افزوده : دانشکده اصول دین
رده بندی کنگره : BP141/5 /ق4ع5 1375
رده بندی دیویی : 297/218
شماره کتابشناسی ملی : م75-7985
بسم اللّه الرحمن الرّحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَ يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. (الكهف/ 1، 2).
وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا. (الإسراء/ 105، 106) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. (القيامة/ 16- 19) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ.
(الحاقة/ 40- 47) وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ* فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. (يونس/ 15- 17) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. (النّساء/ 82)
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة على خاتم أنبيائه محمّد و آله الطّاهرين، و السلام على أصحابه المنتجبين و أزواجه أمّهات المؤمنين.
و بعد، قام بتصحيح هذا الكتاب للطبعة الثانية ولدي الدكتور السيد كاظم العسكري، سائلا العليّ القدير أن يتقبّل أعمالنا، إنّه سميع مجيب.
المؤلف
في مؤلّفاتي أبهضني كتابا (خمسون و مائة صحابي مختلق) (1)و (القرآن الكريم و روايات المدرستين).
أمّا الأوّل فلأنّه كي أطمئن أنّ اولئكم الصحابة من مختلقات سيف كان عليّ أن اراجع في جميع مصادر الدراسات الإسلامية، الروايات و الأخبار الّتي ورد في سندها أو متنها ذكر صحابة الرسول (ص)، و بعد التأكّد من عدم ورود تلكم الأسماء فيها، يثبت عندي أن ذكرها و ما روي من أخبارها منحصران بروايات سيف فهي إذا من مختلقاته.
و- أيضا- كي لا يجابهني بعد نشر بحوثي عنهم باحث ينقد برواية واحدة أو خبر واحد، جاء ذكر أحدهم فيه عن غير طريق سيف، و دونكم أسماء ثلاثة و تسعين منهم أوردت تراجمهم من روايات سيف بمجلّدي (خمسون و مائة صحابي مختلق). فهل يجد باحث اسم أحدهم في غير روايات سيف؟
و أمّا الثاني منهما فكان خبره أني قبل أكثر من عشر سنوات عقدت العزم على دراسة ما جاء في كتاب (الشيعة و القرآن) لإحسان إلهي ظهير، و استنادا
1) بلغ عدد من وجدتهم من مختلقات سيف من الصحابة نيفا و ستين و مائة صحابي مختلق أسأل اللّه أن يوفّقني لطبع المجلّد الثالث من الكتاب ليرد فيه تراجم ما ناف على ثلاثة و تسعين المترجمين في المجلّدين الأوّل و الثاني من الكتاب.
إلى مطالعاتي السابقة حول الموضوع قدرت أن أجري البحوث في مقدّمة و بابين في قرابة ثلاثمائة صفحة، و لما بدأت بدراسة الروايات وجدت في بعضها- كما ذكرت في مقدّمة المجلّد الأوّل- مصطلحات قرآنية تغيّرت معانيها تدريجيا بعد عصر الصحابة مثل القراءة و الإقراء و الآية ممّا سبب عدم فهم مغزى الروايات، و قد أخذ مني معرفة معانيها وقتا طويلا سبق و سجلت نتيجة دراستي حولها في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب.
و وجدت روايات كثيرة منها و سمت بالصّحة في حين أنّها أفتري بها على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحاب رسوله و الأئمّة من أهل بيته (ع)، و سببت تلك المفتريات القول بنسخ بعض الآيات أو إنسائها، و اختلق بسببها آلاف القراءات، و بناء على ذلك كان يناسب أن نسمّي مجموعها (آلاف المختلقات حول القرآن الكريم) في مقابل خمسون و مائة صحابي مختلق.
و ينبغي لنا في دراسة تلك المفتريات أن نقدّم في ما يأتي موجزا ممّا بيناه في المجلّد الأوّل:
أ- خصائص المجتمعات الّتي تتحدّث الروايات عن شأن من شئون القرآن فيها بدءا بالمجتمع الجاهلي الّذي نزل القرآن فيه و انتهاء بالمجتمع الإسلامي في أوّل عهد العباسيين.
ب- ما وصل إلينا من تاريخ القرآن في كلّ عصر تتحدّث الروايات المفتريات عن شأن من شئون القرآن فيه.
ج- أن ندرس سيرة كثير ممّن روي عنه أمر من شئون القرآن في تلك العصور و تلك المجتمعات.
و كان يحزّ في نفسي و يؤلمني تسجيل كثير ممّا جرى في تلكم المجتمعات و ما جاء في سيرة بعض من درسنا سيرته، لا سيما و أنّ في المسلمين من يرى أنّ القرن
الإسلامي الأوّل من بعد الرسول (ص) خير القرون، و لست أدري كيف يكون خير القرون و قد قتل فيه الخليفة عثمان و سيد أهل بيت النبي (ص) الإمام عليّ في المحراب و سائر ذرّيّة الرسول (ص) بكربلاء، و سبيت فيه بناته و احلّت فيه المدينة ثلاثا و هدمت الكعبة بالمنجنيق و احرقت، و مهما يكن من أمر فإنّ دراسة تلكم الروايات و إثبات سلامة النصّ القرآني من كل تحريف و تبديل يتوقفان على دراسة خصائص تلكم المجتمعات و سيرة من روي عنه شأن من شئون القرآن (و اللّه على ما نقول وكيل).
د- أن ندرس كل ما انتهى إلينا ممّا نحتاج إلى دراسته من روايات كل من مدرسة الخلفاء و مدرسة أهل البيت على حدة.
و بناء على ذلك خصّصت المجلّد الثاني هذا لدراسة الروايات الّتي رويت في مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم، و لدراسة الروايات الّتي رويت في مدرسة أهل البيت المجلّد الثالث منه و الّتي أراد أن يستوعبها إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة و القرآن)، و ذلك لأنّه أراد أن يستوعب- كما ذكرت- كلّ شاردة و واردة جاءت حول القرآن الكريم في مدرسة أهل البيت ليجعلها نبزا لهم.
و قد أساء بفعله من حيث لا يريد إلى القرآن الكريم. و بما انّه نقل كل ما أورده في كتابه من كتاب (فصل الخطاب)، نبدأ أوّلا بدراسة كتاب الشيخ النوري و بيان هدفه، و نستعين اللّه و نقول:
ألّف المحدّث الشيخ ميرزا حسين النوري (ره) (ت: 1320 ه) كتاب:
(فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب)، و ينبغي أوّلا البحث عن اسم الكتاب: (التسمية بالتحريف) و عما استهدفه. و بعد ذلك ندرس أدلّته في أبواب الكتاب.
جاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم:
(حرّف الكلام تحريفا: بدّله أو صرفه عن معناه ... يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ النساء/ 46، أي يصرفونه عن معناه، و يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ البقرة/ 75، أي يصرفونه عن معناه) (1).
و في البحوث القرآنية يقصد من التحريف أحيانا نقصان شيء من القرآن الكريم أو تبديله بغيره- معاذ اللّه-، فما ذا قصد مؤلّف فصل الخطاب من التحريف في التسمية؟
ندرس ذلك بعد إيراد قصّة طريفة تناسب المقام:
كانت صبيحة يوم جمعة من أيّام شبابي إبّان الحرب العالمية الثانية حين اقتحمت ناديا للتبشير المسيحي بشارع المتنبّي في بغداد، و جلست إلى جنب منصّة المبشّر، و لما اكتظّ النادي بالشباب المسلم الّذي كان يرتاد النادي لقراءة الصحف اليوميّة المعدّة هناك للمطالعة، أو بالأحرى لاصطياد الشباب المسلم بتلك الوسيلة. بدأ المبشر عند ذاك بقراءة شيء من التوراة و استشهد به على ما رامه من التبشير، فأخذت منه زمام المبادرة و بدأت بسرد ما كنت أحفظ من أساطير التوراة المحرّفة، مثل اسطورة خلق آدم و حواء و كيف خدعهما اللّه- معاذ اللّه- و كشف الحيّة لهما عن الخدعة و بصّرتهما.
و اسطورة مصارعة اللّه ليعقوب، إلى الصباح، و أنّه لمّا ظهرت الغلبة ليعقوب- معاذ اللّه- منحه اللّه لقب إسرائيل، فكفّ عنه يعقوب.
1) معجم ألفاظ القرآن الكريم، مادّة (حرف)، 1/ 260.
و كيف زنى لوط بابنتيه و داود بزوجة أوريا- معاذ اللّه-.
إلى أمثالها من أساطير اخرى مع تعليقي على كل منها بما يثير الضحك للحاضرين و الأسى و الغضب للمبشّر. و حاول المبشر أكثر من مرّة أن ينهى الجلسة قبل أوانها و كنت أمتنع عليه و يساعدني على ذلك الحاضرون. و أخيرا أردت أن أختم الجلسة بأخذ اعتراف من المبشر على تحريف العهدين: التوراة و الإنجيل، فوجّهت إليه الأسئلة الآتية:
على من نزلت التّوراة على حدّ زعمك؟
فإن قلت: نزلت على موسى بن عمران (ع)، قلت لك: إنّ في التوراة حكاية وفاته و دفنه و ما جرى على بني إسرائيل من بعده.
و إن قلت نزلت على داود أو سليمان أو أي نبي آخر من أنبياء بني إسرائيل، قلت لك: في التّوراة حكاية وفاته و دفنه و ما جرى على بني إسرائيل من بعده.
فقال: في التّوراة كلام اللّه و كلام الكهنة.
فقلت له: هذا هو معنى التحريف لكتاب اللّه! و أنّى لنا التمييز بين كلام اللّه و كلام الكهنة؟
فانبرى يقول لي بحماس: و إنّ في علمائكم من كتب كتابا في تحريف القرآن.
فقلت في ما قلت له: أنا احتججت عليك بنفس التوراة و لا أستند إلى تقوّلات المتقوّلين على التوراة و الإنجيل. و إذا استندنا في هذا الشأن إلى القرآن وحده وجدناه يقول:
وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
(البقرة/ 23)
و يقول: وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
و يقول: وَ لَنْ تَفْعَلُوا.
و يقول: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. (الإسراء/ 88) و لو كان في القرآن كلام غير اللّه إذا، فإنّ غير اللّه قادر على أن يأتي بمثل القرآن. فأتوا يا خصوم الإسلام بسورة واحدة مثل سورة (التوحيد)، أو (و العصر) ممّا لا يزيد على سطر واحد. و بعد ذلك يخضع لقولكم جميع المسلمين.
و أدليت بحجج اخرى فلم يحر جوابا. و انتهت الجلسة بانتصار الخط الإسلامي و الحمد للّه.
و جرى لي بعد ذلك محاورة مع تلميذ الشيخ النوري كالآتي:
جمعتني جلسة مع الشيخ آغا بزرك مؤلف كتاب (الذريعة)، و هو أحد مشايخي في رواية الحديث، فسألته عن قصد أستاذه الشيخ النوري في تأليفه كتاب فصل الخطاب، فأجابني بأنّ الشيخ النوري لم يقصد إثبات تحريف القرآن، و إنّما الخطأ في التسمية.
و قد كتب (ره) في مادّة فصل الخطاب من الذريعة ما موجزه:
(إنّ الشيخ النوري كتب رسالة بعد نشر كتابه فصل الخطاب قال فيها: لم أقصد من التحريف: التغيير و التبديل، بل قصدت خصوص الإسقاط لبعض المحفوظ المنزل عند أهله و إنّ القرآن الموجود اليوم هو الّذي كتبه عثمان لم يزدد عليه و لم ينقص منه، و قد وقع الخطأ في التسمية و كان ينبغي أن يسمّى الكتاب
فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب) (1).
هذا ما نقله صاحب الذريعة عن أستاذه الشيخ النوري.
أمّا الشيخ النوري فقد قال في مقدّمته الاولى من كتابه:
في ذكر الأخبار الّتي جاءت في جمع القرآن و جامعه و سبب جمعه و كونه في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع و انّ تأليفه يخالف تأليف المؤلفين.
في بيان أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن و الممتنع دخوله فيه، كما ذكرناه.
في ذكر أقوال علمائنا في تغيير القرآن و عدمه.
و قال في: الباب الأوّل:
في ذكر ما استدلّوا به على وقوع التغيير و النقصان في القرآن.
مركب من أمور:
أ- وقوع التحريف في التوراة و الإنجيل بطرز حسن لطيف.
ب- في أنّ كلّ ما وقع في الأمم السالفة يقع في هذه الامّة.
1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، تعريف كتاب: فصل الخطاب 16/ 231.
ج- في ذكر موارد شبّه فيها بعض هذه الامّة بنظيره في الامم السابقة مدحا أو قدحا.
د- في أخبار خاصّة تدلّ على كون القرآن كالتوراة و الإنجيل في وقوع التغيير فيه.
إنّ كيفية جمع القرآن مستلزمة عادة لوقوع التغيير و التحريف فيه.
و فيه إجمال حال كتّاب الوحي.
في إبطال وجود منسوخ التلاوة و أنّ ما ذكروه مثالا له لا بدّ و أن يكون ممّا نقص من القرآن.
في أنّه كان لأمير المؤمنين (ع) قرآن خاصّ يخالف الموجود في الترتيب و فيه زيادة ليست من الأحاديث القدسية و لا من التفسير و التأويل.
إنّه كان لعبد اللّه بن مسعود مصحف معتبر فيه ما ليس في القرآن الموجود.
إنّ الموجود غير مشتمل لتمام ما في مصحف أبي المعتبر عندنا.
إنّ ابن عفّان لما جمع القرآن ثانيا أسقط بعض الكلمات و الآيات.
و فيه كيفية جمعه و بعض ما أسقطه و اختلاف مصاحفه، و ما أخطأ فيه الكتّاب.
في أخبار كثيرة دالة صريحا على وقوع النقصان زيادة على ما رواها المخالفون.
إنّه تعالى ذكر أسامي أوصيائه و شمائلهم في كتبه المباركة السالفة فلا بدّ أن يذكرها في كتابه المهيمن عليها.
و فيه ما وصل إلينا من ذكرهم (ع) في الصحف الاولى ممّا لم يجمع في كتاب.
إثبات اختلاف القرّاء في الحروف و الكلمات و غيرها و إبطال نزوله على غير وجه واحد.
و فيه شرح أحوال القرّاء و إثبات التدليس في أسانيدهم.
في أخبار كثيرة صريحة الدلالة على وقوع النقصان في القرآن عموما.
في أخبار خاصّة كذلك رتّبناها على ترتيب سور القرآن.
و فيه ذكر الجواب عن شبهات أوردها على الاستدلال بها.
و قال في: الباب الثاني:
ذكر أدلّة القائلين بعدم تطرّق التغيير مطلقا من الآيات و الأخبار و الاعتبار و الجواب عنها مفصلا و فيه ذكر- وقوع التحريف في التوراة ثانيا في عهد الرسول (ص).
هكذا بوّب الشيخ النوري كتابه، و ما ذكره يخالف اعتذار تلميذه صاحب الذريعة عنه، و سوف ندرسه بإذنه تعالى وفق المنهج الآتي:
أوّلا- لما كان المؤلف يكرّر ذكر الموضوع الواحد في أماكن مختلفة من كتابه قمنا في مقام دراستها بجمع ما نقلها في موضوع واحد في أماكن متعدّدة تحت عنوان جديد نختاره للبحث كالآتي:
لما جاء في الدليل الأوّل من الباب الأوّل و ما جاء في آخر الباب الثاني من أنّ القرآن جرى عليه ما جرى على التوراة و الإنجيل من التحريف، فإنا ندرسهما في أوّل هذا المجلّد تحت عنوان الدليل المشترك.
ثمّ ندرس من الباب الأوّل ما جاء في المقدّمة الاولى و في الدليل الثاني و السابع من الباب الأوّل حول جمع القرآن في بحث جمع القرآن، و نورد بعده بحث البسملة لصلته ببحث جمع القرآن، و ندرس ما جاء في الدليل الخامس و السابع و الثامن من الباب الأوّل حول اختلاف المصاحف و روايات الزيادة و النقصان في القرآن في بحث روايات زيادة القرآن و نقصانه- معاذ اللّه- من هذا المجلّد.
و ندرس ما جاء في الدليل الثالث من الباب الأوّل حول النسخ في بحوث النسخ من هذا المجلّد.
و ندرس ما جاء في الدليل العاشر من الباب الأوّل حول القرآن في بحث القراءات منه.
و ندرس ما جاء في المقدمة الثالثة و الدليل الرابع من الباب الأوّل و الّذي يخصّ مدرسة أهل البيت في المجلّد الثالث من هذا الكتاب ضمن دراستنا لكتاب الشيعة و القرآن لإحسان إلهي ظهير لأنّه- أيضا- استدل بها في كتابه.
كما ندرس في المجلّد الثالث ما عده الشيخ النوري الدليل الحادي عشر من الباب الأوّل و أورده إحسان في أوّل الباب الرابع من كتابه مع دراسة معنى التحريف في أحاديث أهل البيت (ع).
ثانيا- في دراسة أدلّة الشيخ النوري نرجع إلى مصادره و نستخرج الرواية منها، و إذا وجدنا رواية من نوع أدلّته أقوى ممّا أوردها الشيخ النوري نأتي بها تأييدا لمدعاه ثمّ ندرسها جميعا.
ثالثا- نحذف المكرّرات من أدلّته و خاصّة في المجلّد الثالث من هذا الكتاب الّذي ندرس فيه أدلّته ضمن دراسة كتاب الشيعة و القرآن لإحسان إلهي ظهير.
رابعا- لمّا كان تذكار البحوث السابقة ضروريا في بعض البحوث، اضطررنا إلى تكرار موجز البحوث و خلاصاتها مرّة بعد اخرى. و تتسلسل البحوث في هذا المجلّد بإذنه تعالى وفق المخطط الآتي:
أ- الدليل المشترك بين المدرستين.
ب- روايات البسملة و تناقضها و منشؤه.
ج- روايات جمع القرآن و تناقضها.
د- روايات اختلاف المصاحف و روايات الزيادة و النقصان.
ه- روايات نزول القرآن على سبعة أحرف و أربعون اجتهادا خاطئا في تأويلها.
و- القراءات و القرّاء.
ز- بحوث النسخ و الإنساء.
ح- دراسة الروايات السابقة و اجتهاداتهم الخاطئة.
خصائص المجتمع الإسلامي و أخبار القرآن:
1- في عصر الخلفاء الصحابة الثلاثة.
2- في عصر الإمام عليّ.
3- في عصر بني اميّة.
4- في عصر بني العباس.
دراسات مقارنة بين الروايات السابقة و نتائج البحوث الآنفة.
ط- المستشرقون و القرآن الكريم.
ص: 25
برهن الشيخ النوري أوّلا في (ص 35- 53) على وقوع التحريف في التوراة و الإنجيل و قال في آخر ص 53 ما موجزه:
(إنّ كل ما وقع في الامم السابقة خاصّة ببني إسرائيل يقع في هذه الامّة المرحومة و أنّها تتبع سنن السابقين و سيرة من كان قبلهم في كل أحوالهم و جميع أطوارهم خصوصا في ما يتعلّق بأمر الدين).
ثمّ أيّد ما ادّعاه في (ص 54- 69) بأنّ هذه الامّة شابهت في بعض أعمالها الامم السابقة، و أكّد ثانية ما ادعاه هنا في آخر الدليل الثاني عشر، ص 366- 377.
هذا ما ادعاه الشيخ النوري و أقام عليه الأدلّة تلو الأدلّة، و هذا البحث من أقوى أدلّته على مدّعاه في تحريف القرآن- معاذ اللّه-، و خنس إحسان إلهي ظهير في هذا المقام خنوسا شديدا. و لم يشر إلى ما أورده الشيخ النوري في خمس و أربعين صفحة من كتابه، و نستعين اللّه و نقول:
لقد برهنّا في كتبنا على وقوع التحريف في الامم السابقة، مثل ما ذكرناه في باب الدين و الإسلام من كتابنا (عقائد الإسلام من القرآن الكريم) و في البحث التمهيدي الخامس من المجلّد الثاني من (خمسون و مائة صحابي مختلق)، و نورد هنا بعض تلك البحوث:
نورد في ما يلي صورا للأعداد من الإصحاح الثالث و الثلاثين من سفر التثنية عن طبعات مختلفة للتوراة لنرى التحريف فيهن عيانا:
أ- تصوير النسخة الّتي ترجمها القسيس رابنسن من الأصل العبراني إلى الفارسية و طبعت بمطبعة رجارد واطسن بلندن سنة 1839 م:
باب سي و سيوم و اينست دعاي خير كه موسى مرد خدا قبل از مردن بر بني اسرائيل خواند و گفت كه خداوند از سيناى بر آمد و از سعير نمودار گشت و از كوه فاران نورافشان شد و با ده هزار مقرّبان ورود نمود و از دست راستش شريعتي آتشين براى ايشان رسيد بلكه قبائل را دوست داشت و همگى مقدّساتش در قبضه تو هستند و مقرّبان پاي تو بوده تعليم ترا خواهند پذيرفت موسى ما را بشريعتي امر كرد كه ميراث جماعت بني يعقوب باشد ب- النسخة المطبوعة (1)بجامعة اكسفورد بلندن، دون تاريخ، ص 184:
chapter 33
and this is the blessing, wherewith
moses the rana of god blessedQ
the children of israel before his
death.
2 and he sais, the lord came from
sinai, and rose up from seir unto them;
he shincd forth, from, ount paran,
and ' he came with ten thousands of
saints: from his right hand went ' a
fiery law for them.
3 yea, ' he loved the people; all his
saints are in thy hand: and they ' sat
sown at thy feet; every one shall ' re-
ceive of thy words.
4 ' moses commanded us a law, ' even
the inheritance of the congregation of
jacob.
1) امتازت بطبع اللون الأحمر مع الأسود للكلمات- في العهد الجديد فقط- و سمّيت بred letter edition .
ج- تصوير النسخة المطبوعة بمطبعة رجارد واطسن بلندن سنة 1831 م عن النسخة المطبوعة في رومية العظمى سنة 1671 لمنفعة الكنائس الشرقية:
الاصحاح الثالث و الثلاثون فهذه البركة التي بها بارك موسى رجل اللّه بني إسرائيل قبل موته* و قال جاء الرب من سينا و اشرق لنا من ساعير استعلن من جبل فاران و معه الوف الاطهار في يمينه سنّة من نار* احب الشعوب جميع الاطهار بيده و الذين يقتربون من رجليه يقبلون من تعليمه* موسى امرنا بسنة: ميراثا لجماعة يعقوب (1)
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ... الفتح/ 29.
.د- تصوير النسخة المطبوعة بالمطبعة الأمريكية في بيروت سنة 1907:
الأصحاح الثّالث و الثّلاثون و هذه هي البركة الّتي بارك بها موسى رجل اللّه بني إسرائيل قبل موته فقال.
جاء الرّبّ من سيناء و أشرق لهم من سعير و تلألأ من جبل فاران و أتى من ربوات القدس و عن يمينه نار شريعة لهم. فأحبّ الشّعب. جميع قدّيسيه في يدك و هم جالسون عند قدمك يتقبّلون من أقوالك. بناموس أوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب (2).م.
إنّ الأعداد (1- 4) من هذا الإصحاح تخبر أنّ موسى بن عمران تكلم قبل موته عن ثلاثة أماكن أظهر اللّه فيهن أمره و أنزل شرائعه، و هي:
أ- سيناء- و هو المكان الّذي أنزل اللّه فيه شريعة التّوراة على موسى (ع) و وصف تلك الشريعة في العدد الرابع منه بأنّها ميراث لجماعة يعقوب و هم بنو إسرائيل. إذا فهي شريعة خاصة ببني إسرائيل.
ب- سعير أو ساعير- و هي الأراضي الّتي فيها الجبال المحيطة بالقدس كما في مادّة (سعير) من قاموس الكتاب المقدس و مادّة (ساعير) من معجم البلدان.
و هو المكان الّذي نزلت فيه شريعة الإنجيل على عيسى بن مريم (ع) و لم يرد حوله شرح في كلام موسى (ع) هنا.
ج- جبل فاران- و فاران كما جاء في الإصحاح 21 من سفر التكوين من التوراة مكان كان قد سكنته هاجر و إسماعيل بعد أن صرفهما إبراهيم من منزله بطلب من سارة، و جاء في العدد 21 منه خاصّة في إسماعيل ما يلي:
(و سكن في برية فاران و أخذت امّه له امرأة من مصر).
هذا و من المجمع عليه أن إسماعيل و هاجر بعد مغادرتهما منزل إبراهيم سكنا مكّة و عاشا بها حتّى توفيا بها، و مدفنهما مشهور إلى اليوم بحجر إسماعيل، و على هذا لا بدّ أن يكون جبل فاران من جبال مكّة كما صرح بذلك- أيضا- في مادّة (فاران) كل من ياقوت في معجم البلدان، و ابن منظور في لسان العرب، و الفيروزآبادي في القاموس، و الزبيدي في تاج العروس.
و قد جاء شرح صفات الشريعة الّتي نزلت بجبل فاران و كيفية ظهور أمر اللّه فيه بنسخة القس رابنسن و النص الانجليزي ما ترجمته كما يلي:
(و أشرق من جبل فاران، و ورد مع عشرة آلاف من المقرّبين و آتاهم بيمينه شريعة نارية، يحبّ القبائل، و جميع مقدّساته في يدك، و مقرّبين إلى رجلك، يأخذون تعاليمك).
و جاء في المطبوعة عن النسخة الرومية ما يلي:
(استعلن من جبل فاران، و معه ألوف الأطهار، في يمينه سنّة من نار، أحبّ الشعوب، جميع الأطهار بيده، يقتربون من رجليه، يقبلون من تعليمه).
و لمّا كان الإشراق من جبل فاران يصدق على نزول شريعة القرآن على خاتم الأنبياء محمّد (ص) بغار حراء في جبل فاران حول مكّة، و هو الّذي جاء بعد ذلك إلى مكّة- أراضي فاران- مع عشرة آلاف و فتح مكّة (1)
كان مع رسول اللّه (ص) في فتح مكّة (عشرة آلاف من المسلمين).
، و هو الّذي كان في يمينه شريعة نارية أو (سنّة نارية) أي شريعة الحرب، و هو الّذي (أحبّ القبائل) أو (يحبّ الشعوب)، كما أعلن القرآن عنه بقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء/ 107)، و قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً (سبأ/ 28).لمّا كان هذا الإشراق يصدق على بعثة خاتم الأنبياء و لا يصدق على غيره فإنّ موسى الّذي جاء مع أخيه و عيسى الّذي كان معه نفر من الحواريين لا يصدق على أحدهما أنّه جاء (مع عشرة آلاف من المقربين).
و كذلك لا يصدق على عيسى أنّه (في يمينه شريعة نارية).
و لا يصدق على موسى الّذي جاء بناموس يخصّ جماعة يعقوب أنّه أحبّ الشعوب أو يحب القبائل (؟).).
1) روى ابن هشام في سيرته 4/ 17، و الطبري في تاريخه 1/ 1628، عن ابن إسحاق قال:
لهذا كلّه وقع التحريف في هذه النسخ كما يلي:
/ أ- الجملة الاولى/ ب- الجملة الثانية/ ج- الجملة الثالثة ترجمة نسخة رابنسن الانجليزية/ ورد مع عشرة آلاف من المقرّبين/ و آتاهم بيمينه شريعة نارية/ يحبّ القبائل النسخة الرومية/ و معه ألوف الأطهار/ في يمينه سنة من نار/ أحبّ الشعوب الطبعة الأمريكية/ و أتى من ربوات القدس/ و عن يمينه نار شريعة لهم/ فأحبّ الشعب في الفقرة (أ) حرّفت (و ورد مع عشرة آلاف من المقربين) إلى (و معه ألوف الأطهار)، ثمّ رفعت الجملة نهائيا أخيرا و وضع مكانها (و أتى من ربوات القدس) ليصدق هذا التحريف الأخير على ظهور عيسى ابن مريم (ع)!!! و في الفقرة (ب) حرّفت (شريعة نارية) أو سنة من نار إلى (نار شريعة)، لئلّا تدلّ على شريعة الحرب فتصدق على شريعة خاتم الأنبياء خاصّة.
و في الفقرة (ج) حرّفت (القبائل) أو (الشعوب) الّتي جاءت بلفظ الجمع إلى (الشعب) بلفظ المفرد ليصدق على غير خاتم الأنبياء.
جاء في الأحاديث المرويّة عن رسول اللّه (ص) متابعة هذه الامّة للأمم السابقة في كل ما فعلوا حذو القذة بالقذة، شبرا بشبر، و ذراعا بذراع في ما رواه كلّ من:
أ- الصدوق في كمال الدين و تمام النعمة عن جعفر بن محمّد الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، قال: قال رسول اللّه (ص):
(كل ما كان في الامم السالفة فانّه يكون في هذه الامّة مثله، حذو النعل
بالنعل و القذّة بالقذّة) (1)
قال ابن رستة في الأعلاق النفيسة، ص 229:
(ليس في الأرض خمسة يكتب عنهم الحديث توالوا غير جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رض)).
و القذّة: ريش السهم. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 31 ثانيا - ما جاء في الأحاديث المروية عن الرسول(ص) ..... ص : 30
.و روى الصدوق- أيضا- في كمال الدين عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه (ص):
(و الّذي بعثني بالحق نبيا و بشيرا لتركبنّ أمّتي سنن من كان قبلها حذو النعل بالنعل، حتّى لو أنّ حيّة من بني إسرائيل دخلت في جحر لدخلت في هذه الامّة حيّة مثلها) (2)
و سلسلة رواة هذا الحديث من أئمة أهل بيت النبيّ (ص):
جعفر الصّادق عن أبيه محمّد الباقر عن جدّه الحسين سبط النّبيّ عن جدّه رسول اللّه (ص).
.ب- قال ابن حجر في فتح الباري:
و في حديث عبد اللّه بن عمرو عند الشافعي بسند صحيح:
(لتركبنّ سنّة من كان قبلكم حلوها و مرّها) (3).4.
1) سلسلة رواة هذا الحديث من أئمّة أهل بيت النبيّ (ص) و هم جعفر الصادق (ت: 148 ه) عن أبيه محمّد الباقر (ت: 114 ه) عن أبيه عليّ زين العابدين (ت: 95 ه) عن أبيه الحسين سبط رسول اللّه (ص) (ت: 61 ه) عن أبيه عليّ بن أبي طالب (ع) (ت: 40 ه) عن ابن عمّه رسول اللّه (ص).
2) كمال الدين للصدوق، ط. الحيدري بطهران سنة 1390 ه، ص 576، و رواه عنه المجلسي في البحار، ط. الكمباني 8/ 3، و أشار إليه كل من الطبري في مجمع البيان، و كازر في جلاء الأذهان بتفسير آية لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ.
3) فتح الباري 17/ 64.
ج- أحمد في مسنده و مسلم و البخاري في صحيحيهما و اللفظ للأخير، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (ص) قال:
(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم.
قلنا: يا رسول اللّه! اليهود و النصارى؟
قال: فمن؟).
و في رواية اخرى بمسند أحمد:
(لتتبعنّ سنن بني إسرائيل حتّى لو دخل رجل من بني إسرائيل جحر ضبّ لتبعتموه) (1).3.
1) مسند الطيالسي، الحديث 2178؛ و مسند أحمد 3/ 84 و 94؛ و صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب العلم 16/ 219؛ و فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنّة، باب (قول النبيّ (ص): لتتبعنّ سنن من كان قبلكم) 17/ 63 و 64؛ و صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب (ما ذكر عن بني إسرائيل) 2/ 171؛ و كنز العمال 11/ 123.
د- البخاري في صحيحه و ابن ماجة في سننه و أحمد في مسنده و المتقي في كنز العمال و اللفظ للأوّل، عن أبي هريرة، عن النبيّ (ص) قال:
(لا تقوم الساعة حتّى تأخذ امّتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر، و ذراعا بذراع).
فقيل: يا رسول اللّه! كفارس و الروم!؟
فقال: (و من الناس إلّا اولئك).
و لفظ أحمد في مسنده:
(و الّذي نفسي بيده لتتبعن سنن الّذين من قبلكم شبرا بشبر، و ذراعا بذراع، و باعا فباعا حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه).
قالوا: و من هم يا رسول اللّه! أهل الكتاب؟
قال: فمن؟ (1).
ه- الترمذي في صحيحه، و الطيالسي و أحمد في مسنديهما و المتقي في كنز العمال و اللفظ للأوّل:
في حديث أبي واقد الليثي، عن النبيّ (ص) قال:3.
1) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنّة، باب قول النبيّ (ص) (لتتبعنّ سنن من كان قبلكم) 4/ 176؛ و فتح الباري 17/ 63؛ و سنن ابن ماجة، الحديث 3994؛ و مسند أحمد 2/ 327 و فيها (فمه) تصحيف و 2/ 367 و 450 و 511 و 527؛ و كنز العمال 11/ 123.
(و الّذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم).
و لفظ أحمد في مسنده:
(لتركبنّ سنن من قبلكم سنّة سنّة) (1)
و أبو واقد الليثي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة اختلفوا في اسمه و في زمن اسلامه و هل حضر بدرا أم حضر الفتح أو لم يشهدهما و أسلم بعدهما، روى عن رسول اللّه (ص) (24 حديثا) و أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، جاور مكّة و توفّي بها سنة ثمان و ستين و له خمس و سبعون أو خمس و ثمانون سنة.
أسد الغابة 5/ 319، و جوامع السيرة، ص 282.
.و- الترمذي في صحيحه و الحاكم في مستدركه حسب ما رواه السيوطي في تفسيره و اللفظ للأوّل، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه (ص):
(ليأتين على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل؛ حذو النعل بالنعل حتى إن كان في بني إسرائيل من أتى أمّه علانية لكان في أمّتي من فعل ذلك) (2)
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا من سورة آل عمران، عن المستدرك للحاكم.
.ز- البزار في مسنده- كما في مجمع الزوائد- و الحاكم في مستدركه كما في كنز العمال، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (ص):
(لتركبنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع، و باعا بباع، حتّى لو أنّ أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتم، حتى لو أنّ أحدهم جامع امّه لفعلتم) (3)
و عبد اللّه بن عباس روى عن رسول اللّه (1660 حديثا)، أخرج حديثه جميع أصحاب الحديث.
جوامع السيرة، ص 276، و بقية ترجمته في عبد اللّه بن سبأ 1/ 114.
.4.ح- أحمد في مسنده و مجمع الزوائد عن سهل بن سعد الأنصاري عن النبيّ (ص) قال:
(و الّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم مثلا بمثل).
و زاد الطبراني كما في مجمع الزوائد: (حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لا تبعتموه).
قلنا: يا رسول اللّه! اليهود و النصارى؟
قال: فمن إلّا اليهود و النصارى؟ (1)
و سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي كان له يوم توفّي رسول اللّه (ص) خمس عشرة سنة، أدرك الحجّاج و أرسل إليه ثمّ أمر به فختم عنقه لأنّه لم ينصر عثمان، روى عن رسول اللّه (ص) (188 حديثا) أخرج حديثه أصحاب الحديث جميعا، توفّي سنة ثمان و ثمانين أو إحدى و تسعين، و يقال: انّه آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (ص) بالمدينة.
أسد الغابة (2/ 366) و جوامع السيرة (ص 277) و التقريب (1/ 336).
.ط- الطبراني كما في مجمع الزوائد عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص):
(أنتم أشبه الامم ببني إسرائيل، لتركبنّ طريقهم حذو القذّة بالقذة حتّى لا يكون فيهم شيء إلّا فيكم مثله ...) (2)
و أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن مسعود بن غافل الهذلي من بني سعد بن هذيل و حليف بني زهرة من قريش، أسلم قديما بمكّة، قالوا كان أوّل من أجهر بالقرآن بها، و هاجر إلى الحبشة و المدينة و شهد مشاهد رسول اللّه (ص) كلّها، و روى عنه (848 حديثا) و أخرج حديثه أصحاب الحديث جميعا و عينه الخليفة عمر معلما لأهل الكوفة و خازنا لبيت ما لهم، و على عهد عثمان شكاه الوليد إلى الخليفة فجلبه إلى المدينة و أمر به فضرب به الأرض فدق ضلعه، و حرمه عطاءه سنتين فلمّا مرض مرض الوفاة أراد أن يعطيه عطاءه فلم يقبل و أوصى ألّا يصلّي عليه عثمان و توفّي سنة 32 ه، و دفن
.فني- الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد و كنز العمال عن المستورد بن شدّاد أنّ رسول اللّه (ص) قال:
(لا تترك هذه الامّة شيئا من سنن الأوّلين حتّى تأتيه) (1)
المستورد بن شداد بن عمرو القرشي الفهري و أمّه دعد اخت كرز بن جابر بن حسل كان غلاما حين قبض النبيّ (ص) و روى عنه سبعة أحاديث، أخرج حديثه أصحاب الحديث و البخاري معلّقا، سكن الكوفة و مصر و توفّي سنة 45 ه.
أسد الغابة 4/ 354؛ و جوامع السيرة، ص 287؛ و تقريب التهذيب 2/ 242.
و ستأتي ترجمته مفصّلة في فصل (خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة عثمان).
.ك- أحمد في مسنده و الطبراني كما في مجمع الزوائد عن شدّاد بن أوس عن حديث رسول اللّه (ص):
(ليحملنّ شرار هذه الامّة على سنن الّذين خلوا من قبلهم أهل الكتاب حذو القذّة بالقذّة) و بترجمته في أسد الغابة (خلوا من قبلكم) (2)
و شدّاد بن أوس، ابن أخي حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي روى عن رسول اللّه (ص) خمسين حديثا و أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح، سكن بيت المقدس، توفّي بالشام سنة 41 أو 58 أو 64.
أسد الغابة 2/ 287- 288؛ و جوامع السيرة، ص 279؛ و تقريب التهذيب 1/ 347، الترجمة رقم 26.
.6.وجدنا في ما سبق أنّ اللّه سبحانه أخبر عن وقوع التحريف في الأمم السابقة و أخبر رسوله عن متابعة هذه الامّة للامم السابقة في كل ما فعلوه.
و إذا قارنّا بين ما وقع من التحريف في هذه الامّة و ما وقع منه في الامم السابقة وجدنا أنّ التحريف قد وقع في الامم السابقة في الكتب السماوية كما أخبر اللّه سبحانه بذلك في قوله:
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً. (الأنعام/ 91) صدق اللّه العظيم و صدق رسوله الكريم في ما أخبرا عن تحريف الامم السابقة لكتب اللّه و متابعة هذه الامّة الامم السابقة في تحريفها كتاب اللّه، غير أنّ اللّه تبارك و تعالى حفظ كتابه العظيم- القرآن الكريم- عن كل ما فعلوه في تحريف القرآن كما حفظ خليله إبراهيم (ع) من الاحتراق بالنار الّتي ألقاه قومه فيها، و منع لهيب النار من الوصول إليه و إحراقه. كذلك حفظ اللّه القرآن من وصول التحريفات الّتي جاءت في الروايات من الوصول إلى نسخ القرآن الكريم. و بقيت نسخ القرآن محفوظة بمشيئة اللّه من تلكم التحريفات أبد الدهر. و سيأتي بيانه في البحوث الآتية بإذنه تعالى.
حرّف بعض أفراد هذه الامّة القرآن الكريم بالقراءات المختلفة، فانّهم- مثلا- حرّفوا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ بتسعة أنواع من التحريف كالآتي:
أ- غير المغضوب عليهم و غير الضّالّين.
ب- غير المغضوب عليهمي.
ج- غير المغضوب عليهمو.
د- غير المغضوب عليهمو.
ه- غير المغضوب عليهم.
و- غير المغضوب عليهمي.
ز- غير المغضوب عليهم.
ح- غير المغضوب عليهم.
ط- غير المغضوب عليهم (1).
و الصحيح غير المغضوب عليهم.
هكذا قام في هذه الامّة من سمّوا بالقرّاء بتحريف القرآن الكريم آلاف المرّات باسم القراءات المختلفة كما سندرسها إن شاء اللّه في بحث القراءات، و لكن اللّه حفظ قرآنه الكريم كما وعد عن أن تناله أيدي المحرّفين و أبقى كتابه الكريم سالما عن كل ذلك التحريف بأيدي كلّ الناس، و الحمد للّه على هذه النعمة العظيمة.
و لم يكن الشيخ النوري، الوحيد ممّن شوّش فكره من تلك الأحاديث، بل سبقه إلى ذلك علماء مدرسة الخلفاء، و قالوا بالتحريف و لكنّهم بدّلوا اسم التحريف و سمّوه باسم النسخ و الإنساء أو بأسماء اخرى وفق اجتهاداتهم، كما سيأتي دراسته في بحث روايات السبعة أحرف، و أخيرا نشر المستشرقون تلك الروايات و تلك القراءات بهدف التشكيك بثبوت النصّ القرآني، كما سنذكر بعضها في آخر هذا المجلّد إن شاء اللّه تعالى.1.
1) راجع تفسير سورة الحمد من تفسير القرطبي 1/ 148- 151.
1- ما يدلّ على أنّ البسملة آية من سور القرآن. 2- أنّ البسملة آية من سورة الحمد و قرأها النبيّ (ص) في الصلاة و أمر بها.
3- الجهر بالبسملة في الصلاة. 4- من قال: صلّيت خلف رسول اللّه (ص) فأجهر بالبسملة. 5- من قال صلّيت خلف بعض الخلفاء فأجهر بالبسملة. 6- لفظ (يفتتح القراءة بالبسملة و يستفتح) بمعنى يجهر بها. 7- أقوال الصحابة و التابعين و الفقهاء في البسملة بالإضافة إلى كيفية قراءتهم إيّاها. 8- تواتر القول بجزئية البسملة من السورة. 9- إجماع مدرسة أهل البيت (ع) على وجوب قراءة البسملة في الصلاة. 10- أفرد عدّة من العلماء كتبا في وجوب قراءة البسملة. 11- الروايات المناقضة لروايات وجوب قراءة البسملة.
12- اختلاف الفقهاء بمدرسة الخلفاء في شأن قراءة البسملة.
13- أسّ العلل في ما روي مناقضا لروايات وجوب قراءة البسملة.
14- منشأ تناقض الروايات في البسملة. 15- هل يتيسّر الرجوع إلى القرآن الكريم دون الحديث؟
(1)اختلف المسلمون في شأن البسملة. فذهبت طائفة: إلى أنّه يجب قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، في أوّل الحمد و أوّل كلّ سورة.
و ذهبت طائفة اخرى: إلى أنّه لا يجب.
و الأوّل أصح!! لأنّ يقين البراءة يحصل به، فإنّ من قرأها صحّت صلاته إجماعا؛ و من تركها في أحد الموضعين، صحّت صلاته عند بعضهم، و بطلت عند الباقين؛ فتعيّن قراءتها في الموضعين، ليحصل الخروج عن هذه التكاليف، بالإجماع.
هذا ما نذهب إليه في هذا الشأن، و في ما يأتي نورد بإذنه تعالى الروايات المختلفة في شأن البسملة لندرسها بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
1) كتب المحدّث النوري صفحة واحدة عن البسملة في كتابه (فصل الخطاب)، ص 122 في كون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية من القرآن و جزءا من كل سورة، و لم يأت في ما ذكر بشيء نافع.
أ- عن عبد اللّه بن عباس قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، آية (1).
ب- عن طلحة بن عبيد اللّه قال: قال رسول اللّه (ص): (من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقد ترك آية من كتاب اللّه) (2)
و الثعلبي، العلّامة أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري (ت: 437 ه). من تآليفه:
الكشف و البيان في تفسير القرآن.
تذكرة الحفاظ، ص 90، و هدية العارفين 1/ 75.
و طلحة بن عبيد اللّه الصحابي أبو محمّد التيمي، رووا عنه 38 حديثا. قتل في حرب الجمل سنة 36 ه.
جوامع السيرة، ص 281؛ و تذكرة الحفاظ، ص 1090؛ تقريب التهذيب 1/ 379.
.ج- عن الصحابي أنس، قال: بينا رسول اللّه (ص) ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثمّ رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللّه؟ قال:
أنزلت عليّ آنفا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ... (3)
و أنس بن مالك ترجم له في معالم المدرستين 1/ 134، ط. الرابعة.
.د- عن ابن عمر، قال: نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في كلّ سورة (4)
و الواحدي، الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمّد، المفسّر النيسابوري، من تآليفه: أسباب
.1) الدرّ المنثور 1/ 7، عن ابن الضريس.
2) الدرّ المنثور 1/ 7، عن الثعلبي.
3) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب (حجّة من قال: إنّ البسملة آية من كلّ سورة سوى براءة) الحديث 53، و اللّفظ له 1/ 300؛ و سنن النّسائي، كتاب الافتتاح، باب قراءة البسملة؛ و سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من لم ير الجهر بالبسملة 1/ 208؛ و مسند أحمد 3/ 102؛ و سنن البيهقي 1/ 43.
4) الدرّ المنثور 1/ 7، عن الواحدي.
ه- عن ابن عمّ النبيّ (ص)؛ ابن عباس: أنّ النبي (ص) كان إذا جاءه جبريل فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، علم أنّها سورة (1).
و- عن ابن عباس قال: كان النبيّ (ص) لا يعرف فصل السورة، و في لفظ، خاتمة السورة حتّى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. زاد البزار و الطبراني: فإذا نزلت عرف أنّ السورة قد ختمت و استقبلت أو ابتدأت سورة اخرى (2).
ز- عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتّى تنزل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فإذا نزلت عرفوا أنّ السورة قد انقضت (3).
ح- في رواية ابن مسعود: كنّا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتّى تنزل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
ط- قال سعيد بن جبير: في عهد النبيّ (ص) كانوا لا يعرفون انقضاء السورة حتّى تنزل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فإذا نزلت علموا أن قد انقضت السورة و نزلت اخرى (4).بر
1) في مستدرك الحاكم 1/ 231، هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه. و نقله السيوطي- أيضا- في الدرّ المنثور 1/ 7، عن الطبراني و البيهقي في شعب الإيمان.
2) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من جهر بها 1/ 209؛ و سنن البيهقي 2/ 43؛ و مستدرك الحاكم 1/ 232، و قال هذا حديث صحيح و لم يخرجاه. و قال الذهبي: أمّا هذا فثابت؛ و راجع مجمع الزوائد للهيثمي 6/ 310؛ و في الدرّ المنثور 1/ 7؛ عن الطبراني و البيهقي.
3) مستدرك الحاكم 1/ 231- 232؛ و سنن البيهقي 2/ 43؛ و الدر المنثور 1/ 7.
4) رواية ابن مسعود في الدرّ المنثور 1/ 7، عن البيهقي في شعب الإيمان. و الواحدي، و خبر
ي- عن ابن عباس قال: سألت عليّ بن أبي طالب (رض)، لم لم تكتب في براءة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ قال: لأنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أمان، و براءة نزلت بالسيف (1).
أ- عن امّ سلمة قالت: إنّ النبي (ص) كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ (2)
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. و أيّده الذهبي في تلخيصه، و الفخر الرازي أخرجها بسندين في تفسيره 1/ 19.
و امّ سلمة ترجمت في الجزء الأوّل من معالم المدرستين، ص 133، الطبعة الرابعة.
.و في رواية، سئلت امّ سلمة عن قراءة رسول اللّه (ص)، فقالت: كان يقطّع قراءته آية آية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ... (3).
ب- عن ابن عباس قال: (كان النبيّ (ص) يفتتح صلاته ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (1)
و الدرّ المنثور 1/ 8، عن الدارقطني و أبي داود، كتاب الصلاة، باب من جهر بها- البسملة-، ح:
788، 1/ 209.
.ج- عن جابر، قال: قال لي رسول اللّه (ص): كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟ قلت: أقرأ الحمد للّه ربّ العالمين، قال: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2).
د- عن نافع، أنّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في امّ القرآن و في السورة الّتي تليها. و يذكر أنّه سمع ذلك من رسول اللّه (ص) (3)...
1) سنن الترمذي 2/ 44، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
2) في الدرّ المنثور 1/ 8، عن الدارقطني و البيهقي في شعب الإيمان.
3) سنن البيهقي 2/ 47؛ و السيوطي 1/ 8 عن الطبراني في الأوسط و الدارقطني و البيهقي و اللفظ للسيوطي لإيجازه. و في لفظ البيهقي: أنّ رسول اللّه (ص) كان إذا افتتح الصلاة يبدأ ببسم اللّه ...
ه- عن أبي هريرة أنّ النبيّ (ص) كان إذا قرأ و هو يؤمّ الناس، افتتح ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال أبو هريرة: هي آية من كتاب اللّه، اقرءوا (1)إن شئتم فاتحة الكتاب فإنّها الآية السابعة (2)
و أبو هريرة الدوسي الصحابي، اختلفوا في اسمه و اسم أبيه. رووا عنه (5374) حديثا (ت: 57 أو 58 أو 59 ه).
جوامع السيرة، ص 275؛ و تقريب التهذيب 2/ 484.
.و- عن قتادة، قال: سئل أنس بن مالك، كيف كانت قراءة رسول اللّه (ص)؟ قال: كانت مدّا ثمّ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يمدّ: بِسْمِ اللَّهِ و يمدّ الرَّحْمنِ و يمدّ الرَّحِيمِ (3).
ز- عن أبي هريرة (رض) قال: قال رسول اللّه (ص): إذا قرأتم الحمد فاقرءوا (4)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إنّها امّ القرآن و امّ الكتاب و السبع المثاني، و بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إحدى آياتها (5)
و نقل الأوّل بإيجاز، كلّ من الرازي في تفسيره 1/ 196؛ و المتقي في كنز العمال، ط. الثانية 1/ 497؛ و السيوطي في الإتقان 1/ 81.
.و في رواية: أنّ النبيّ (ص) كان يقول: الحمد للّه ربّ العالمين، سبع آيات إحداهن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... و يعدّه كالحديث السابق (5).
ح- عن أبي هريرة قال: كنت مع النبيّ (ص) في المسجد إذ دخل رجل1.
1) هكذا في الأصل.
2) في سنن البيهقي 2/ 47؛ و في الدرّ المنثور 1/ 3 نقله عن الدارقطني- أيضا-.
3) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب مدّ القرآن 3/ 156؛ و سنن البيهقي، باب افتتاح القراءة في الصلاة ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، و الجهر بها إذا أجهر بالفاتحة 2/ 43.
4) هكذا في الأصل.
5) الحديثان بسنن البيهقي 2/ 45؛ و في الدرّ المنثور 1/ 3؛ قال عن الحديث الأوّل: أخرج الدارقطني و صحّحه، و قال عن الحديث الثاني: أخرج الطبراني في الأوسط و ابن مردويه في تفسيره.
يصلّي، فافتتح الصلاة و تعوّذ، ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين، فسمع النبيّ (ص) فقال له: يا رجل! قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، و من ترك آية فقد أفسد عليه صلاته (1).
أ- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (ص): علّمني جبريل الصلاة فقام فكبّر لنا ثمّ قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في ما يجهر به في كلّ ركعة (2)
و النعمان بن بشير، أبو عبد اللّه الأنصاري الخزرجي، استعمله معاوية و ابنه يزيد، و لمّا مات معاوية ابن يزيد دعا الناس في الشام إلى بيعة ابن الزّبير، فخالفه أهل حمص و قتلوه سنة 64 أو 65 ه. رووا عنه 114 حديثا.
جوامع السيرة، ص 278؛ و أسد الغابة 5/ 22- 23؛ و تقريب التهذيب 2/ 303.
.ب- عن عائشة، أنّ رسول اللّه (ص) كان يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3).
ج- عن عليّ بن أبي طالب، قال: كان النبيّ (ص) يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في السورتين جميعا (3).
د- عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب و عمّارا يقولان إنّ رسول اللّه (ص) كان يجهر في المكتوبات ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في فاتحة
1) في الدرّ المنثور 1/ 7، قال أخرج الثعلبي.
2) في الدرّ المنثور 1/ 7، قال أخرجه الدارقطني، و على هذه الرواية يحمل ما رواه الدارقطني عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول اللّه (ص) (أمّني جبريل (ع) عند الكعبة فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
3) في الدرّ المنثور 1/ 8، قال: أخرج الدارقطني عن عائشة. و في الثانية عن عليّ.
الكتاب (1)
و أبو الطفيل، عامر بن واثلة بن عبد اللّه اللّيثي، و ربّما سمّي عمرا، روى عنه أصحاب الصحاح تسعة أحاديث (ت: 110 ه).
جوامع السيرة، ص 286؛ و تقريب التهذيب 1/ 389.
.ه- عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه (ص) يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في الصلاة، فترك الناس ذلك (2).
ز- عن أبي الطفيل قال: سمعت رسول اللّه (ص) يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3).
ح- عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول اللّه (ص) يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (4).
أ- عن ابن عمر، قال صلّيت خلف النبيّ (ص) و أبي بكر و عمر فكانوا يجهرون ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (5).
ب- عن محمّد بن أبي السري العسقلاني قال: صلّيت خلف المعتمر بن
1) في الدرّ المنثور 1/ 8، قال: أخرج البزار و الدارقطني و البيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي الطفيل.
2) سنن البيهقي 2/ 47؛ و في مستدرك الحاكم 1/ 232؛ و في الدرّ المنثور 1/ 8 عنهما و عن الدارقطني، و لفظهم: إلى ... فترك الناس ذلك.
3) في الدرّ المنثور 1/ 8، قال: أخرج الطبراني و الدارقطني و البيهقي في شعب الإيمان عن طريق أبي الطفيل.
4) مستدرك الحاكم 1/ 233، و قال: رواة الحديث عن آخرهم ثقات، و أيّده الذهبي في تلخيصه، و رواه في الدرّ المنثور عن الدارقطني أيضا.
5) في الدرّ المنثور 1/ 8، عن الدارقطني.
سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح و المغرب، فكان يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قبل فاتحة الكتاب و بعدها. و سمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، و قال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، و قال أنس بن مالك، ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول اللّه (ص) (1)
و محمّد بن أبي السري، محمّد بن المتوكل بن هاشم العسقلاني الهاشمي ولاء. أخرج حديثه أبو داود (ت: 238 ه). تقريب التهذيب 2/ 204.
و المعتمر بن سليمان، الحافظ أبو محمّد التيمي البصري الملقّب بالطفيل ثقة، حدّث عن أبيه.
أخرج حديثه أصحاب الصحاح (ت: 282 ه).
تذكرة الحفاظ، ص 266؛ و مادّة (عسقلان) من أنساب السمعاني؛ و تقريب التهذيب 2/ 263.
.ج- روى الحاكم عن أنس قال: صلّيت خلف النبيّ (ص) و خلف أبي بكر و خلف عمر و خلف عثمان و خلف عليّ فكلّهم كانوا يجهرون بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
قال الحاكم: (إنّما ذكرت هذا الحديث شاهدا لما تقدّمه، ففي هذه الأخبار الّتي ذكرناها معارضة لحديث قتادة الّذي يرويه أئمتنا عنه، و قد بقي في الباب عن أمير المؤمنين عثمان) و ذكر أسماء جمع من الصحابة ترك إيراد حديثهم و قال:
(كلّها مخرجة عندي، إيثارا للتخفيف ...) (2)
و في الباب عن الحكم بن عمير أو عمرو الثمالي، و كان بدريّا، أنّه صلّى خلف النبيّ (ص) صلاة اللّيل و الغداة و الجمعة فجهر بالبسملة. رواه عنه بترجمة الحكم في أسد الغابة 2/ 37، و قال: (يعدّ في الشاميين، سكن حمص). و نقله السيوطي عن الدارقطني في الدرّ المنثور 1/ 8؛ و نقل الرواية
.يةبالإضافة إلى الروايات السابقة الّتي رويت عمّن صلّى خلف النبيّ (ص) و الخلفاء و جهروا بالبسملة، في ما يأتي روايات عمّن صلّى خلف بعض الخلفاء و رآهم يجهرون بالبسملة.
روى عبد الرّحمن بن أبزي و قال: صلّيت خلف عمر بن الخطاب، فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
و عبد الرّحمن بن أبزي هو عبد اللّه بن عبد الرّحمن، أبوه عبد الرّحمن بن أبزي الكوفي، الخزاعي ولاء كان في عهد عمر رجلا، صحابي صغير، قال فيه الخليفة عمر: ممّن رفعه اللّه بالقرآن. ولي خراسان للإمام عليّ. رووا عنه 12 حديثا.
جوامع السيرة، ص 284؛ و أسد الغابة 3/ 421؛ و تقريب التهذيب 1/ 472.
.ب- روى الشعبي و قال: رأيت عليّ بن أبي طالب و صلّيت وراءه فسمعته يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
ج- في تفسير الرازي بسنده أنّ الإمام عليّا كان إذا افتتح السورة في
1) سنن البيهقي 2/ 48.
الصلاة يقرأ بِسْمِ اللَّهِ ...، و كان يقول من ترك قراءتها فقد نقص (1)
و الشعبي، هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي، كان يتحامل على شيعة عليّ بن أبي طالب.
و ذكر له ابن عبد البرّ في (جامع بيان العلم) قصّة في هذا الصدد. مات بعد المائة. أخرج حديثه أصحاب الصحاح.
تذكرة الحفاظ 1/ 79؛ و تقريب التهذيب 1/ 387؛ و هدية العارفين 1/ 435.
.روى الأزرق بن قيس و قال: صلّيت خلف ابن الزبير فقرأ فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
قال البيهقي: و روينا عن أبي هريرة بإسناد صحيح عنه (2)
و ابن الزبير، أبو خبيب، عبد اللّه بن الزبير، بويع بالخلافة بمكّة سنة إحدى و ستّين هجرية، و قتله الحجّاج سنة 73 ه. رووا عنه 33 حديثا.
جوامع السيرة، ص 281، و تقريب التهذيب 1/ 415.
و الأزرق بن قيس الحارثي البصري، ثقة من التابعين. أخرج حديثه البخاري و النّسائي و أبو داود. مات بعد العشرين و المائة. تقريب التهذيب 1/ 51.
.و يتبع هذا الباب ما جاء في تفسير ابن كثير، قال:
أ- روى النّسائي في سننه و ابن خزيمة و ابن حبان في صحيحيهما و الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أنّه صلّى فجهر بقراءته بالبسملة. و قال بعد أن فرغ إنّي لأشبهكم صلاة برسول اللّه (ص)، و صحّحه الدارقطني و الخطيب و البيهقي و غيرهم (3).
ب- روى الدارقطني في سننه بسنده عن يحيى بن حمزة قال:
صلّى بنا المهدي المغرب، فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال:
فقلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا؟ فقال: حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن ابن عباس:
أنّ النبي (ص) جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
قال: فقلت: نأثره عنك؟
قال: نعم (1)
و يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي، أبو عبد الرّحمن الدمشقي القاضي (ت: 138 ه) على الصحيح و له ثمانون سنة، أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب 2/ 346.
.أ- روى البيهقي، عن ابن عباس أنّ النبيّ (ص) كان يستفتح القراءة ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في الصلاة (2)، يعني كان يجهر بها. قال: و له شواهد عن ابن عباس ذكرناها في الخلافيات (3)
و خلافيات البيهقي جمع فيه المسائل الخلافية بين الشافعي و أبي حنيفة.
و رواه الشافعي في الامّ 1/ 107، إلى قوله: يفتتح القراءة.
.و يؤيّد قول البيهقي (يستفتح القراءة ... يعني كان يجهر بها)، ما رواه هو و الذهبي عن ابن شهاب أنّه قال: من سنّة الصلاة أن يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثمّ فاتحة الكتاب، ثمّ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثمّ يقرأ سورة، فكان ابن شهاب يقرأ أحيانا بسورة مع فاتحة الكتاب يفتتح كلّ سورة منها ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، و كان يقول: أوّل من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ سرّا بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص و كان رجلا حييّا (1)
و ابن شهاب، أبو بكر محمّد بن مسلم القرشي الزهري المدني، الإمام الحافظ، الفقيه، تابعي.
أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح (ت: 125 ه)، و قيل قبل ذلك بسنة أو سنتين.
تقريب التهذيب 2/ 207؛ تذكرة الحفاظ 1/ 108- 112.
و عمرو بن سعيد بن العاص بن اميّة، لقّب بالأشدق لفصاحته و كان والي مكّة و المدينة لمعاوية و ابنه يزيد و جعله مروان وليّا للعهد بعد ابنه عبد الملك و قتله عبد الملك سنة 70 ه. أخرج حديثه مسلم و الترمذي و النّسائي و ابن ماجة و أبو داود في المراسيل.
تقريب التهذيب 2/ 70؛ و تاريخ الطبري و ابن الأثير و ابن كثير في ذكر حوادث سنة (42- 70 ه).
.فإنّ ابن شهاب لمّا قال: (يفتتح كلّ سورة منها ببسم اللّه ... و أوّل من قرأ بسم اللّه ... سرّا بالمدينة عمرو)، جعل (يفتتح كلّ سورة) مقابل (قرأ سرّا).
و بناء على هذا، كلّ ما جاء في الحديث: يفتتح أو يستفتح القراءة بالبسملة، يعني يقرأها جهرا مثل الرواية الآتية:
عن بكر بن عبد اللّه قال: كان ابن الزبير (رضي اللّه عنهما) يستفتح القراءة في الصلاة ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و يقول ما يمنعهم منها إلّا الكبر (2)
و بكر بن عبد اللّه، أبو عبد اللّه البصري المزني، ثقة، ثبت، جليل، من التابعين، أخرج حديثه أصحاب الصحاح (ت: 106 ه). تقريب التهذيب 1/ 106.
.أ- قال البيهقي، عن عبد خير قال سئل عليّ (رض) عن السبع المثاني فقال:
الحمد للّه، فقيل له إنّما هي ستّ آيات، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية (1)
و عبد خير، أبو عمارة بن يزيد الهمداني الكوفي، مخضرم، ثقة، من كبار التابعين، و كان من أكابر أصحاب عليّ، سكن الكوفة. قال ابن حجر: من الثانية، لم يصحّ له صحبة. أخرج حديثه أصحاب الصحاح سوى الشيخين. أسد الغابة 3/ 277؛ و تقريب التهذيب 1/ 470.
.ب- و عن عليّ، أنّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، و كان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص، و كان يقول هي تمام السبع المثاني (2).
ج- و جاءت عن ابن عباس روايات متعدّدة في ذلك في بعضها بيان و تأكيد على البعض الآخر، نذكر موجز روايتين منها:
1- (قال: و لقد آتيناك سبعا من المثاني، هي امّ القرآن، و أنّه قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة، و قال: أخرجها- اللّه- لكم و ما أخرجها لأحد قبلكم).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، أي: البخاري و مسلم في صحيحيهما، و أيّده على ذلك الذهبي (3).
2- (قال: إنّ السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، و أنّه قرأها ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سبعا، فسئل الراوي هل أخبرك أنّه قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية من كتاب اللّه؟ قال: نعم، ثمّ قال: قرأها ابن عباس ب بِسْمِ اللَّهِ2.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في الركعتين معا) (1)
و قال السيوطي في الإتقان 1/ 80- 81: أخرج ابن خزيمة و البيهقي بسند صحيح، و في الامّ للشافعي 1/ 107.
.د- عن نافع عن عبد اللّه بن عمر، كان يفتتح امّ الكتاب ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2)، و أنّه كان إذا افتتح الصلاة كبّر ثمّ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ ...، فإذا فرغ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال و كان يقول لم كتبت في المصحف إن لم تقرأ (3)
و نافع، أبو عبد اللّه المدني، مولى ابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، من التابعين. أخرج حديثه أصحاب الصحاح (ت: 117 ه أو بعدها).
تذكرة الحفاظ، ص 99؛ تقريب التهذيب 2/ 296.
!؟ه- عن محمّد بن كعب القرظي، قال: فاتحة الكتاب سبع آيات ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (4)
و محمّد بن كعب القرظي المدني قد نزل الكوفة مدّة، ثقة، عالم. أخرج حديثه أصحاب الصحاح (ت: 120 ه). تقريب التهذيب 2/ 203.
.و- قال البيهقي:
(و روينا) الجهر بها عن فقهاء مكّة، عطاء و طاوس و مجاهد و سعيد بن جبير (5).0.
1) مستدرك الحاكم و تلخيصه 1/ 551؛ و سنن البيهقي 2/ 47- 48. و باقي روايات ابن عباس، فقد أخرج الحاكم في باب فضائل القرآن من مستدرك الحاكم 1/ 550- 552، سبعا منها.
2) سنن البيهقي 2/ 48، 49.
3) سنن البيهقي 2/ 44؛ و الدرّ المنثور 1/ 7. و في رواية أنّ العبادلة أبناء عباس و عمر و الزبير كانوا يجهرون بها.
4) في الدرّ المنثور 1/ 8، عن أبي عبيد.
5) سنن البيهقي 2/ 50.
ز- و في مصنف عبد الرزاق، باب قراءة البسملة (... عن ابيّ و آخرين من الصحابة و التابعين أنّهم كانوا يقرءونها) (1).
أ- قال الرازي: إنّ النقل المتواتر ثابت بأنّ بِسْمِ اللَّهِ ... كلام أنزله اللّه على محمّد (ص) و بأنّه مثبت في المصحف بخطّ القرآن (2).
و قال: و كلّ ما ليس من القرآن (3)غير مكتوب بخطّ القرآن، أ لا ترى أنّهم منعوا من كتابة أسامي السور في المصحف و منعوا من العلامات على الأعشار و الأخماس. و الغرض من ذلك كلّه أن يمنعوا من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخطّ القرآن، و لمّا أجمعوا على كتبها بخطّ القرآن علمنا أنّها من القرآن (4).
ب- و قال السيوطي في ردّ من أنكر تواتر جزئية البسملة من السورة:
(و يكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخطّ المصحف مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه، كأسماء السور و آمين و الأعشار، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطّه من غير تمييز، لأنّ ذلك يحمل على اعتقادها قرآنا، فيكونون مغرّرين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، و هذا ممّا لا يجوز اعتقاده في الصحابة. فإن قيل لعلّها أثبتت للفصل بين السور، أجيب بأنّ هذا فيه تغرير و لا يجوز ارتكابه لمجرّد الفصل و لو كانت له لكتبت بين براءة و الأنفال) (1).
أجمعت مدرسة أهل البيت تبعا لأئمّتهم في ما يروون عن رسول اللّه (ص) على أنّ البسملة آية من كلّ سورة، و انّ قراءتها واجبة في الحمد و السورة في كلّ صلاة، و يجب الجهر بها في الجهرية.
و قد ذكر السيّد البروجردي (ت: 1380 ه) في كتابه (جامع أحاديث الشيعة) ما روي عن أئمّة أهل البيت بشأن البسملة في:
أ- باب أنّ البسملة آية من الحمد و من كلّ سورة عدا براءة، فيجب قراءتها، و من تركها يعيد.
ب- باب وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية و حكمه في الصلاة الإخفاتية.
و نقتصر بذكر ثلاث روايات ممّا أوردها في البابين المذكورين في ما يأتي:
1) الإتقان 1/ 8.
1- نقل عن عيون الأخبار و الأمالي للصدوق بسنده عن الحسن بن عليّ (ع)، قال: قيل لأمير المؤمنين- الإمام عليّ-: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أ هي من فاتحة الكتاب؟ فقال: نعم، كان رسول اللّه (ص) يقرئها و يعدّها آية منها، و يقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني (1).
2- و نقل في علّة إسقاط البسملة من سورة براءة:
(أنّ البسملة أمان و البراءة كانت إلى المشركين، فأسقط منها الأمان) (2).
3- و عن صفوان الجمّال، قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه (ع)- الإمام جعفر- أيّاما فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها، جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و كان يجهر في السورتين جميعا (3).
أ- كتاب البسملة لابن خزيمة (ت: 311 ه).
ب- كتاب الجهر بالبسملة للخطيب البغدادي (ت: 463 ه).
ج- كتاب الجهر بالبسملة لأبي سعيد البوشنجي (ت: 536 ه).
د- كتاب الجهر بالبسملة لجلال الدين المحلي الشافعي (ت: 864 ه).
ه- كتاب في بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لعليّ بن عبد العزيز الدولابي من أصحاب الطبري المؤرّخ.
و- و كتب الدارقطني (ت: 385 ه) جزءا في البسملة و صحّحه (1)
ب- في ترجمة الخطيب البغدادي من طبقات الشافعية للشيخ جمال الدين عبد الرّحيم بن حسن الأشنوي (ت: 772 ه) سنة 139 ه، 1/ 201، سمى من تصانيفه: الجهر بالبسملة.
ج- في مادّة الجهر من ذيل كشف الظنون 1/ 388 (الجهر بالبسملة) لأبي سعيد إسماعيل بن عبد الواحد البوشنجي الهروي الشافعي.
د- في مادّة الجهر من كشف الظنون 1/ 623، الجهر بالبسملة لجلال الدين محمّد بن أحمد المحلي الشافعي.
ه- فهرست النديم، ص 299.
و- قال القرطبي بتفسير البسملة من تفسيره 1/ 95: روى جماعة قرآنيتها، و قد تولّى الدارقطني جمع ذلك في جزء و صحّحه. و ذكره الدارقطني في سننه 1/ 311.
.و نقتصر في إيراد روايات البسملة بما قدمنا ذكره.
بعد إيراد روايات وجوب قراءة البسملة نستعرض في ما يأتي الروايات المناقضة لها:
مع كلّ تلكم الروايات الصحيحة و الموثقة و الصريحة بأنّ رسول اللّه (ص) و الخلفاء و جمعا من الصحابة و التابعين جهروا بقراءة البسملة في الصلاة و قالوا أنّها جزء من الحمد و أمروا بقراءتها إلى زمن فقهاء الحرمين، نجد في كتب صحاح الحديث روايات تناقض الروايات المتواترة السابقة مثل رواية مسلم في صحيحه و النّسائي في سننه و أحمد في مسنده عن قتادة عن أنس بن مالك، قال:
صلّيت مع رسول اللّه (ص) و أبي بكر و عمر و عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ
1) أ- في الدرّ المنثور 1/ 7، و أخرج سعيد بن منصور في سننه، و ابن خزيمة في كتاب البسملة، و البيهقي عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس ... الحديث.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1).
و مثل ما رواه الثلاثة- أيضا-:
عن أنس أنّه قال: صلّيت خلف النبيّ (ص) و أبي بكر و عمر و عثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في أوّل قراءة، و لا في آخرها (2).
و ما رواه الترمذي في سننه و أحمد في مسنده عن يزيد بن عبد اللّه، قال:
سمعني أبي و أنا أقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقال أي بني إياك. قال: و لم أر أحدا من أصحاب رسول اللّه (ص) كان أبغض إليه حدثا في الإسلام منه، فإنّي قد صلّيت مع رسول اللّه (ص) و مع أبي بكر و عمر و مع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها. إذا أنت قرأت فقل: الحمد للّه ربّ العالمين (3).
و عبد اللّه المذكور هو الصحابي عبد اللّه بن مغفل المزني سكن المدينة ثمّ بعثه عمر عاشر عشرة إلى البصرة ليفقّهوا الناس (ت: 59 أو 60 ه) في البصرة أيّام ولاية ابن زياد. ترجمته في الاستيعاب و أسد الغابة و الإصابة، و ابنه الراوي عنه مجهول الحال عندنا.
من الطبيعي أن يؤدّي تناقض الروايات الآنفة في شأن البسملة إلى
1) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجّة من قال لا يجهر بالبسملة، الحديث رقم 50 و 52؛ و سنن النّسائي، باب ترك الجهر بالبسملة من كتاب افتتاح الصلاة 1/ 144؛ و مسند أحمد 3/ 177 و 273 و 278.
2) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، الحديث 52؛ و سنن النّسائي، كتاب افتتاح الصلاة، الباب 20؛ و مسند أحمد 3/ 203 و 205 و 223 و 255 و 273 و 278 و 286 و 289.
3) راجع سنن الترمذي 2/ 43؛ و مسند أحمد 4/ 85؛ و المصنف لعبد الرزّاق 2/ 88.
اختلاف مدرسة الخلفاء في وجوب قراءة البسملة أو عدمه، و في الجهر بها أو عدمه.
فقد قال الشافعي: إنّها آية من أوّل سورة الفاتحة و يجب قراءتها معها.
و قال مالك و الأوزاعي: انّه ليس من القرآن و لا يقرأ لا سرّا و لا جهرا إلّا في قيام شهر رمضان.
و قال أبو حنيفة: تقرأ و يسرّ بها، و لم يقل: إنّها آية من السورة أم لا. قال يعلى: سألت محمّد بن الحسن عن بِسْمِ اللَّهِ ... فقال ما بين الدفتين قرآن، قال: قلت فلم تسرّه- أي تقرأه سرّا- قال فلم يجبني (1).
لكلّ الأحاديث الّتي رويت مناقضة لروايات وجوب قراءة البسملة علل تكشف عدم صحّتها. و قد أفاض القول في دراية أحاديث البسملة كلّ من البيهقي في سننه و الحاكم في مستدركه و الرازي في تفسيره كلّ واحد منهم تحدّث باسلوبه الخاصّ به. و أشار إليها الذهبي في تلخيص المستدرك. و أقام الشافعي الدليل على ما اختاره في كتابه الأم.
و إذا بحثنا عن منشأ اختلاف الروايات في قراءة البسملة، أدركنا بعد دراسة بعض الملابسات الّتي حصلت في قراءتها، أسّ علل الروايات المناقضة للروايات المتواترة في وجوب قراءتها كالآتي:
1) راجع أقوال العلماء المذكورين في بحوث من تفسير الرازي 1/ 194؛ و كتاب الام للشافعي 1/ 107؛ و مختصر المزني، ص 14؛ و العدّة للصنعاني 2/ 410؛ و الإتقان في علوم القرآن، طبعة بيروت 1/ 78 و 79؛ و البيان للسيّد الخوئي، ط. 3، ص 467- 468 و 552؛ و المنتقى 1/ 151؛ و سبل السلام في شرح بلوغ المرام للكحلاني 1/ 172.
أ- روى الشافعي في الأم و الحاكم في المستدرك بسندين و البيهقي في سننه بثلاثة أسانيد، و تبعهم الرازي و السيوطي في تفسيريهما، عن أنس بن مالك و اللّفظ للحاكم:
(أنّ أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأمّ القرآن و لم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للسورة الّتي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين و الأنصار من كلّ مكان: يا معاوية! أ سرقت الصلاة أم نسيت؟
فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للسورة الّتي بعد أمّ القرآن و كبّر حين يهوي ساجدا. هذا حديث صحيح على شرط مسلم ...).
قال الحاكم- أيضا-: و هو علّة لحديث شعبة و غيره من قتادة على علو قدره، يدلّس و يأخذ عن كلّ أحد و إن كان قد ادخل في الصحيح حديث قتادة، فإنّ في ضدّه شواهد، أحدها ما ذكرناه، و منها ...، ثمّ ذكر الأحاديث الّتي رواها في قراءة البسملة و الّتي ذكرناها سابقا.
و قد أيّد الذهبي قول الحاكم في قتادة و قال: (فإنّ قتادة يدلّس).
و قال الرازي بعد ذكر الحديث:
و هذا الخبر يدلّ على إجماع الصحابة (رضي اللّه عنهم) على أنّه من القرآن و من الفاتحة و على أنّ الأولى الجهر بها (1).
ب- روى البيهقي بثلاثة أسانيد و الشافعي بسندين عن عبد اللّه بن عثمان ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه: أنّ معاوية قدم المدينة فصلّى
1) الام للشافعي 1/ 108؛ و مستدرك الحاكم و تلخيصه للذهبي 1/ 233؛ و سنن البيهقي 2/ 49- 50؛ و تفسير الرازي 1/ 198 و 199؛ و الدرّ المنثور 1/ 8.
بهم فلم يقرأ ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و لم يكبّر إذا خفض و إذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلّم و الأنصار: أن يا معاوية! سرقت صلاتك، أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ و أين التكبير إذا خفضت و رفعت؟ فصلّى بهم صلاة اخرى فقال ذلك فيها الّذي عابوا عليه (1)
و إسماعيل بن عبيد بن رفاعة الأنصاري الزرقي المدني، قال ابن حجر في لسان الميزان 6/ 509:
ما علمت روى عنه سوى ابن خثيم.
و عبد اللّه بن عثمان بن خثيم القارئ المكّي، وثّقه يحيى بن معين و العجلي. لسان الميزان 6/ 824.
ترتيب مسند الإمام الشافعي 1/ 80؛ سنن البيهقي 2/ 42- 44؛ مستدرك الحاكم 1/ 231، 232؛ كنز العمال 4/ 30؛ تفسير الزمخشري، تفسير سورة الحمد.
.قال عبد اللّه بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد: أنّ معاوية صلّى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فلمّا انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين و الأنصار، فقالوا: يا معاوية! أ سرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... الحديث (2)
و عتمة الليل: ظلامه، ظلام أوّله بعد زوال نور الشفق، يقصد أنّه صلّى المغرب و هي جهرية فلم يقرأ بها البسملة.
.إنّ هذا الخبر يوضّح لنا ما غمض من بعض الروايات الّتي سبق إيرادها، منها قول ابن الزّبير: (ما يمنعهم منها إلّا الكبر).
و قول ابن شهاب: (أوّل من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سرّا بالمدينة
عمرو بن سعيد بن العاص و كان رجلا حييا) (1).
لست أدري ممّ حياؤه في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية الّتي يقرأ فيها الحمد و السورة جهرا؟ لعلّه الحياء من معاوية و عصبة الأمويين أن يجهر بها مع ما بدر من معاوية من عدم قراءتها، و الحياء من المهاجرين و الأنصار أن يترك قراءتها.
و منها قول ابن عباس كما نقله السيوطي في الإتقان، قال:
أخرج ابن خزيمة و البيهقي في المعرفة بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعم آية من القرآن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2)
و سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني، الحافظ، أبو عثمان، من تآليفه: تفسير القرآن، السنن في الحديث (ت: 227 ه).
تذكرة الحفاظ 1/ 416؛ و هدية العارفين 1/ 388.
.و في لفظ البيهقي في السنن: إنّ الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آية في القرآن (3).
و قال يحيى بن جعدة: (قد اختلس الشيطان من الأئمّة آية بسم اللّه ...) (4)
و يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة، من الطبقة الوسطى من التابعين. أخرج حديثه أبو داود و النّسائي و ابن ماجة و الترمذي في الشمائل. تقريب التهذيب 2/ 344.
.و كان الزهري يفتتح ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و يقول آية من كتاب4.
اللّه تعالى تركها الناس (1).
يقصدون من سرقة الشيطان البسملة و اختلاسه إيّاها، ترك الناس إيّاها في الصلاة.
إذا جمعنا الروايات في البسملة و أخبارها، بعضها إلى بعض، نرى فيها مصداق قول ابن عباس كالآتي:
كان المسلمون في الحرمين الشريفين مذ عصر الرسول (ص) حتّى خلافة معاوية يقرءون البسملة مع السور، كما يكتبونها كذلك في المصاحف، و كان معاوية لا يقرأها مع السورة في الصلاة و هو خليفة المسلمين بالشام، فلمّا جاء إلى المدينة و أمّ المهاجرين و الأنصار بمسجد الرسول (ص) تركها في الصلاة على عادته، فناداه من سمعه من المهاجرين و الأنصار من كلّ مكان أ سرقت الصلاة أم نسيت؟
فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ البسملة للسورة و كان ذلك في المدينة، و يظهر من استعراض الأخبار أنّه عاد إلى تركها في صلاته بالشام و تبعه على ذلك الخلفاء من آل اميّة من بعده.
و يقول ابن الزّبير في وصف فعلهم: (ما يمنعهم إلّا الكبر)، و يقول ابن عمر محتجّا عليهم (لم كتبت في المصحف إن لم تقرأ)، و يستمر على قراءتها أهل الحرمين فلمّا ولي عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، الحرمين، كان أوّل من قرأها سرّا في المدينة، راعى في قراءته كرامة معاوية من جانب و رأي المهاجرين و الأنصار و التابعين من جانب آخر. ثمّ قويت شوكة الأمويين بعد قتل منافسهم ابن الزّبير بمكّة. و رويت بعض الأحاديث تأييدا لمعاوية و صونا1.
1) و كان يقول: من سنّة الصلاة أن يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ فاتحة الكتاب ثمّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ سورة. تذكرة الحفاظ 1/ 110؛ و مصنف عبد الرزّاق 2/ 91.
لكرامته. و اختلف المسلمون بمدرسة الخلفاء بعد ذلك، فمنهم من يقرأها، و منهم من اتبع سنّة معاوية و اجتهاده و ترك قراءتها سواء من كان منهم في الحرمين الشريفين أم في غيرهما.
قد تبعث موارد من تلكم الروايات المتناقضة بعض المصلحين ليرفع عقيرته مناديا بالدعوة للرجوع إلى القرآن الكريم وحده دون الرجوع إلى الأحاديث النبويّة الشريفة المختلفة حرصا منه على حفظ وحدة المسلمين، و غيرة منه محمودة للحفاظ على مصلحة المسلمين. و لست أدري بما ذا ينصح اولئك المصلحون في أمثال روايات البسملة و الّتي تخصّ تلاوة القرآن الكريم نفسه كما أنزله اللّه!؟
ثمّ انّ الاختلاف في شأن البسملة قد وقع بين المسلمين على أي حال فمنهم من يجهر بها في تلاوة سورة الفاتحة في الصلاة الجهرية و منهم من يتركها فيها و كلتا القراءتين تنشران على العالم بواسطة إذاعات البلاد الإسلامية. إذا فلا جدوى في ترك البحث عن الصحيح من الروايات المتناقضة حرصا على حفظ الوحدة بين المسلمين. ثمّ إنّه لا يمكن الاقتصار على القرآن الكريم وحده و هو مساوق للقول بترك فهم الإسلام لأنّ اللّه سبحانه جعل بيان القرآن للناس في أحاديث الرسول (ص) و قال: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النّحل/ 44)، فلا بدّ لنا إذا من القيام بتمحيص سنّة الرسول للتمسّك بالصحيح منها و ترك المدسوس فيها.
و في صدد تمحيص سنّة الرسول و معرفة الصحيح من رواياتها عن الضعيف منها، ركن علماء مدرسة الخلفاء إلى ما ارتآه الشيخان البخاري و مسلم في ذلك و قلّدوهما في هذا الأمر و قالوا بصحّة جميع الروايات الّتي جاءت في
الصحيحين، و قد مرّ بنا ما جاء في صحيح مسلم و غيره عن أنس من أنّه قال:
صلّيت خلف النبيّ (ص) و أبي بكر و عمر و عثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. و جاء فيها- أيضا- عن أنس و غيره انّ الرسول (ص) و الخلفاء كانوا يجهرون بقراءة البسملة في سورة الحمد من الصلاة الجهرية. و المجموعتان من الروايتين متناقضتان و لا يمكن أن توصف كلتاهما بالصحّة، فلا بدّ إذا من البحث عن ميزان آخر لمعرفة الصحيحة منهما للعمل بموجبها و ترك المجموعة الأخرى، و نقترح في مثل هذه الموارد أن ندرس المجتمع الّذي روي فيه الحديث، أي طرفي الزمان و المكان للحديث مع تجرّد علمي بحت، فإنّه ينير لنا السبيل للقيام بتمحيص سنّة الرسول (ص).
و إذا عملنا بهذا الاقتراح، رأينا أنّ المجتمع في المدينة في عصر الصحابة يناسب المجموعة الاولى من الأحاديث؛ لأنّ ضجة المصلّين في مسجد الرسول (ص) على خليفة المسلمين معاوية، تتناسب مع رؤيتهم الرسول و الخلفاء من بعده و هم يجهرون بالبسملة في صلواتهم، و لمّا خالف معاوية من سبقه في ذلك جابهوه مرّتين بذلك الاستنكار الشديد، و لا يصدق عكسه أي: أن يكونوا صلّوا خلف رسول اللّه (ص) و الخلفاء من بعده و سمعوهم يقرءون الفاتحة دون البسملة و مع ذلك جابهوا خليفتهم بالاستنكار، فلا بدّ إذا أن نقول: إنّ روايات المجموعة الثانية لم تكن قد رويت في عصر الصحابة في المدينة بل رويت بعد واقعة عدم قراءة معاوية البسملة في الصلاة في مسجد الرسول (ص) و فضح صحابة الرسول (ص) إيّاه، و لا يناسب المدينة أن تكون مكان اختلاق تلكم الروايات في عصر الصحابة الّذين جهروا باستنكارهم على الخليفة عدم قراءتها.
إذا فانّه ينبغي القول بأنّ تلكم الروايات رويت بادئ بدء خارج المدينة و في الشام- مثلا- و اسندت روايتها إلى الصحابة و انتقلت روايتها بعد عصر
الصحابة إلى المدينة و غيرها من البلاد الإسلامية و كل ذلك كان في عصر بني اميّة، و أصبحت تقابل الروايات الصحيحة منذ ذلك العصر حتى العصر الحاضر.
و في هذا المقام يوجّه إلينا السؤال الآتي: كيف لم يتعلّم معاوية ما علمه صحابة الرسول في قراءة البسملة؟ و الجواب: إنّ معاوية لم يكن من المهاجرين الأوّلين و لا من السابقين إلى الإيمان من الأنصار بل بقي مشركا إلى ما بعد فتح مكّة، و لمّا أسلم أبوه أبو سفيان بعد فتح مكّة أنشد شعرا يعيّره على إسلامه، و قال:
يا صخر لا تسلمن فتفضحنابعد الّذين ببدر أصبحوا مزقا و بعد غزوة حنين أعطاه الرسول (ص) سهم المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين بتألف قلبه على الإسلام، و تدل سيرته مع الرسول (ص) بعد ذلك أنّه كان غير آبه بالإسلام ليتعلمه، و بعد الرسول (ص) لم يمكث كثيرا في المدينة فقد أرسله الخليفة الأوّل مع أوّل جيش بعثه لغزو الشام.
و من أجل معرفة سيرة معاوية بعد اسلامه في عصر الرسول (ص) و بعده ينبغي قراءة فصل (مع معاوية) من المجلّد الأوّل من كتابنا: (أحاديث امّ المؤمنين عائشة) فانّه يدفع الاستغراب في هذا الشأن.
و في ختام البحث نذكر من روايات البسملة ما نرى أنّها- أيضا- وضعت للدفاع عن الخليفة الأموي كالآتي:
روى ابن سعد و غيره و اللفظ لابن سعد بسنده عن الشعبي أنّه قال:
كان رسول اللّه (ص) يكتب كما تكتب قريش: (باسمك اللّهمّ) حتّى نزلت عليه: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها فكتب: (بسم اللّه) حتّى نزلت
عليه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ فكتب: (بسم اللّه الرّحمن) حتّى نزلت عليه: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فكتب: (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) (1).
هكذا جاء الخبر في هذه الرواية و إذا رجعنا إلى سيرة الرسول (ص)، وجدنا مكاتباته كانت في المدينة و بعد تشكيله الحكومة الإسلامية في حين انّ ارْكَبُوا فِيها ... جاءت في الآية 41 من سورة هود و قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ... في الآية 110 من الإسراء و إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ... في الآية 30 من النمل و السور الثلاث مكّية.
و بذلك ثبت اختلاق الرواية، و ليس لنا بعد ذلك أن نلقي تبعة الأمر على الشعبي بدليل انّه كان يحتطب بحبال بني اميّة و لا على من روى عنه، و لكنّنا نقول: انّ هذا الحديث يشبه الأحاديث الّتي وضعتها الزنادقة موافقة لمصلحة السلطة بقصد تخريب الإسلام لأنّها تحقق الغايتين كالآتي:
أ- الدفاع عن الخليفة الأموي معاوية فانّها تثبت بصورة غير مباشرة أنّ البسملة لم تنزل في أوّل كل سورة لكي لا يكون عدم قراءة معاوية إيّاها في صلاته منقصة له.
ب- زعزعة الثقة بالنص القرآني عن طريق التشكيك بنزول البسملة أوّل كل سورة مع أنّها مدونة أوّل كلّ سورة عدا سورة براءة، و سوف ندرس غاية الزنادقة من وضع الأحاديث في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
و نرى- أيضا- انّ ما رواه الصحابي أبو هريرة من نسيان الرسول (ص)7.
1) طبقات ابن سعد 1/ 263- 264؛ و التنبيه و الاشراف للمسعودي، ص 225؛ و راجع كنز العمال 5/ 244، و ط. الثانية 2/ 190؛ و مصنف عبد الرزّاق 2/ 91؛ و السيرة الحلبية 3/ 244؛ و العقد الفريد 3/ 4؛ و تفسير روح المعاني 1/ 37.
ركعتين من الصلاة كان احتسابا للخير و دفاعا عن الخليفة معاوية في ادّعائه نسيان البسملة (1).
و أخيرا نستطيع أن نعرف سنّة الرسول (ص) الصحيحة بعرض المجموعتين من الأحاديث المتناقضة على كتاب اللّه الّذي بأيدينا و الّذي ورثه المسلمون خلفا عن سلف عمّن كتبه في عصر الرسول (ص) و بارشاده، و نأخذ منها ما وافق النص القرآني المكتوب و نطرح ما خالفه. و إذا فعلنا ذلك وجدنا أنّ البسملة دوّنت في أوّل كلّ سورة من القرآن عدا سورة براءة و أنّ المسلمين كافة عند ما يتلون أيّة سورة على المصحف يبدءون بقراءة البسملة عدا سورة براءة، و نستدل من ذلك انّ الروايات الّتي ذكرت أنّ الرسول (ص) و أصحابه كانوا يبدءون قراءة السور في الصلاة بالبسملة هي الروايات الصحيحة و المبينة لسنّة الرسول (ص) الصحيحة و نطرح الروايات الّتي خالفتها.
و بناء على ما ذكرنا لا بدّ لنا من دراسة متون الأحاديث- أيضا- مثلا:
ندرس مع دراسة السند تناسب الخبر المروي مع زمان الخبر، فإذا روي لنا أنّ الرسول (ص) أرسل ابن عمّه عليّا إلى المدينة، و أمره أن لا يدع بها وثنا إلّا كسره و لا قبرا إلّا سوّاه و لا صورة إلّا لطخها، فذهب و امتثل أمر الرسول (ص)، نعلم أنّ علّة هذا الحديث مع فرض صحّة سنده أنّه لا يصدق مع الزمان الّذي كان الرسول (ص) فيه بمكّة، و لا الزمان الّذي كان فيه في المدينة، كما بحثنا شأنه مفصلا في الجزء الأوّل من كتاب معالم المدرستين (2).
و أحيانا نجد ملابسات اخرى تيسر لنا معرفة شأن الحديث كما وجدناهء.
في خبر ترك خليفة المسلمين معاوية البسملة في مسجد الرسول (ص) و ما تبعه من ملابسات، و أحيانا نجد أدلّة اخرى تنير لنا السبيل لتشخيص سنّة الرسول (ص) الصحيحة.
تواترت الروايات الصحيحة بأنّ البسملة كانت تنزل في ابتداء كل سورة من القرآن، و أنّ الرسول (ص) و الخلفاء كانوا يقرءونها جهرا في السورتين من الصلاة، غير أنّ معاوية كان لا يقرأها في الصلاة، و لمّا اعترض عليه الصحابة في مسجد الرسول (ص) قال: نسيتها. و يظهر أنّه ترك قراءتها عند ما عاد إلى مقر خلافته الشام و تبعه على ذلك عمّاله، مثل والي المدينة. ثمّ رويت روايات نسبت إلى رسول اللّه (ص) أنّ الرسول (ص) لم يقرأها في الصلوات و- أيضا- رويت روايات اخرى للدفاع عن الخليفة مثل رواية أبي هريرة نسيان الرسول (ص) ركعتين من الصلاة و أمثالها، و نرى أنّ كل تلكم الروايات رويت احتسابا للخير و دفاعا عن كرامة خليفة المسلمين معاوية.
و الأنكى من ذلك ما وجدنا في روايات البسملة من أنّ الرسول (ص) كان يقتدي في كتابة باسمك اللّهمّ في كتبه و انّه تدرج في كتابة البسملة مع نزول البسملة متدرجا حتّى كمل نزولها في سورة النمل، و مدلول هذه الرواية أنّ البسملة لم تنزل في بدء أيّة سورة من القرآن.
و أنتج كلّ ذلك وجود روايات متناقضة في شأن قراءة البسملة، و لم ينحصر الأمر في اختلاق الروايات في أمر القرآن بتلك الروايات و إنّما رويت روايات اخرى مختلفة في شأن جمع القرآن كما ندرس بعضها في البحث الآتي، إن شاء اللّه تعالى.
1- تناقض روايات جمع القرآن 2- مناقشة روايات جمع القرآن استنادا إلى ما جاء فيها 3- محاولة العلماء رفع تناقض الروايات بعضها مع بعض
إنّ أوّل ما استدلّ به المحدّث النوري في فصل الخطاب على مدّعاه بعد الدليل الأوّل روايات جمع القرآن و ما فيها من تناقض (1).
و نحن نرجع إلى مصادرها، و ننقل موجز الروايات منها، ثمّ ندرسها بحوله تعالى.
من قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر 1- رووا عن الإمام عليّ (2)، و عبد خير (3)
و عبد خير بن يزيد الهمداني، مرّت ترجمته في ص 54 من هذا الكتاب.
، و لفظ الحديث للثاني، قال:أوّل من جمع كتاب اللّه بين اللوحين أبو بكر.
2- و قد أخرج ابن أشتة في المصاحف، عن الليث بن سعد و قال:
(أوّل من جمع القرآن أبو بكر، و كتبه زيد، و كان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلّا بشهادة عدلين.
و إنّ آخر سورة (براءة) لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت، فقال: اكتبوها، فإنّ رسول اللّه (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين، فكتب.
و إنّ عمر أتى بآية الرجم، فلم نكتبها لأنّه كان وحده) (1)
و الليث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهمي، أبو الحارث، المصري، ثقة، ثبت، فقيه، مشهور، أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح (ت: 175 ه). تذكرة الحفاظ ص 224.
.3- في صحيح البخاري:
روى زيد بن ثابت، قال: (أرسل إليّ أبو بكر، مقتل أهل اليمامة (2)، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، و إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، و إنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟
قال عمر: هذا و اللّه خير.
فلم يزل عمر يراجعني حتّى شرح اللّه صدري لذلك، و رأيت في ذلك الّذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (ص)، فتتبع القرآن فاجمعه.
فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟
قال: هو و اللّه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للّذيم.
شرح له صدر أبي بكر و عمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، و اللخاف، و صدور الرجال، حتّى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التوبة/ 128، 129)، حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفاه اللّه، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر (1).
و في لفظ آخر للبخاري و سنن الترمذي: فوجدت آخر سورة براءة- التوبة- مع خزيمة بن ثابت ... الحديث (2).
4- و في رواية اخرى:
(لمّا أسرع القتل في قرّاء القرآن يوم اليمامة، قتل منهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب، فقال له: إنّ هذا القرآن هو الجامع لديننا، فإن ذهب القرآن ذهب ديننا.
و قد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب.
فقال له: انتظر حتّى أسأل أبا بكر، فمضيا إلى أبي بكر، فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجلا حتّى اشاور المسلمين، ثمّ قام خطيبا في الناس، فأخبرهم بذلك.3.
1) صحيح البخاري 3/ 150، كتاب فضائل القرآن؛ و بشرحه فتح الباري 10/ 384- 390؛ و المصاحف 1/ 6- 7.
2) صحيح البخاري 3/ 94، آخر تفسير براءة؛ و شرحه فتح الباري 9/ 414 و 4/ 160- 162، كتاب الأحكام، باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، و 16/ 307- 308؛ و سنن الترمذي، شرح ابن العربي 11/ 258- 268؛ و المصاحف لابن أبي داود 1/ 8- 9؛ و موجز الحديث في مسند أحمد 1/ 13.
فقالوا: أصبت، فجمعوا القرآن. فأمر أبو بكر مناديا فنادى في الناس:
من كان عنده شيء من القرآن فليجئ به ...) (1)
و ابن الأنباري، الحافظ، العلّامة، شيخ الأدب، أبو بكر محمّد بن القاسم بن بشار، صنّف التصانيف الكثيرة (ت: 328 ه).
تذكرة الحفاظ، ص 842- 845؛ و في مادّة المصاحف من كشف الظنون، ذكر له: (المصاحف).
.5- و في رواية اخرى:
لمّا استحرّ القتل بالقرّاء يومئذ فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب و لزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه فاكتباه (2).
6- و في رواية:
(إنّ أبا بكر الصدّيق كان جمع القرآن في قراطيس، و كان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى، حتّى استعان عليه بعمر، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتّى توفّي، ثمّ عند عمر حتّى توفّي، ثمّ كانت عند حفصة زوج النبيّ (ص)، فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها، حتّى عاهدها ليردنّها إليها فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان في هذه المصاحف ثمّ ردّها إليها فلم تزل عندها ...) (3).
7- و في رواية:
عن ابيّ بن كعب أنّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر (رض)، فكان رجال يكتبون، و يملي عليهم ابيّ بن كعب، فلمّا انتهوا إلى هذه الآية من0.
سورة براءة ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ فظنّوا أنّ هذا آخر ما انزل من القرآن، فقال لهم ابيّ بن كعب: إنّ رسول اللّه (ص) أقرأني بعدها آيتين: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ إلى وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
ثمّ قال: هذا آخر ما نزل من القرآن، قال: فختم بما فتح به: (باللّه الّذي لا إله إلّا هو) و هو قول اللّه تبارك و تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (1).
في المصاحف لابن أبي داود و غيره:
1- (إنّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل: كانت مع فلان، فقتل يوم اليمامة.
فقال: إنّا للّه، و أمر بالقرآن، فجمع، و كان أوّل من جمعه في المصحف).
2- و قال: و روى عبد اللّه بن فضالة:
(لمّا أراد عمر أن يكتب الإمام، أقعد له نفرا من أصحابه، و قال: إذا اختلفتم في اللّغة، فاكتبوها بلغة مضر، فإنّ القرآن نزل على رجل من مضر).
3- و قال:
قال عمر بن الخطاب (رض): (لا يملينّ في مصاحفنا إلّا غلمان قريش و ثقيف) (2).
و في منتخب كنز العمال، قال:
(لمّا جمع عمر بن الخطاب المصحف سأل: من أعرب الناس؟
قيل: سعيد بن العاص.
فقال: من أكتب الناس؟
فقيل: زيد بن ثابت.
قال: فليمل سعيد و ليكتب زيد. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 80 من قال: إن الخليفة عمر بن الخطاب جمع القرآن في المصحف ..... ص : 79
تبوا مصاحف أربعة، فأنفذ مصحفا منها إلى الكوفة، و مصحفا إلى البصرة، و مصحفا إلى الشام، و مصحفا إلى الحجاز) (1).
في المصاحف و منتخب الكنز بسندهما قالا:
(أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول اللّه (ص) شيئا من القرآن فليأتنا به، و كانوا كتبوا ذلك في الصحف و الألواح و العسب.
و كان لا يقبل من أحد شيئا حتّى يشهد شهيدان، فقتل و هو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان، فقال: من كان عنده من كتاب اللّه شيء فليأتنا به، و كان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان.
فجاء خزيمة بن ثابت، فقال: إنّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما.
قالوا: ما هما؟
1) في منتخب كنز العمال 2/ 47؛ و كنز العمال 2/ 366 عن ابن الأنباري في المصاحف.
قال: تلقيت من رسول اللّه (ص): لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ إلى آخر السورة، فقال عثمان: و أنا أشهد أنّهما من عند اللّه، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة) (1).
1- روى محمّد بن سيرين، قال: (قتل عمر و لم يجمع القرآن).
2- و روى أبو قلابة، قال:
(لمّا كان في خلافة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل- أي المقرئ-، و المعلّم يعلّم قراءة الرجل- أي الرجل المقرئ الآخر-، فجعل الغلمان يلتقون و يختلفون، حتّى ارتفع ذلك إلى المعلّمين، حتّى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا، فقال: أنتم عندي تختلفون و تلحنون، فمن نأى عنّي من الأمصار أشدّ اختلافا، و أشدّ لحنا، فاجتمعوا يا أصحاب محمّد، فاكتبوا للناس إماما.
قال مالك بن أنس: كنت فيمن املي عليهم، فربّما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص)، و لعلّه أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها و ما بعدها، و يدعون موضعها حتّى يجيء أو يرسل إليه.
فلمّا فرغ من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار أنّي قد صنعت كذا و صنعت كذا، و محوت ما عندي، فامحوا ما عندكم) (2).
3- و روى ابن شهاب أنّ أنس بن مالك حدّثه:
(أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا و أذربيجان مع أهل العراق.
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الامّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك.
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، و عبد اللّه بن الزّبير، و سعيد بن العاص، و عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام، فنسخوها في المصاحف.
و قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم، ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، و أرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، و أمر بسواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق).
قال ابن شهاب: (و أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول اللّه (ص) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... (الأحزاب/ 23)، فألحقناها في سورتها في المصحف) (1).
4- و روى مصعب بن سعد، قال:
(قام عثمان فخطب الناس، فقال: أيّها الناس! عهدكم بنبيّكم منذ ثلاث عشرة و أنتم تمترون في القرآن، و تقولون قراءة ابيّ، و قراءة عبد اللّه، يقول الرجل و اللّه ما تقيّم قراءتك، فأعزم على كلّ رجل منكم ما كان معه من كتاب اللّه شيء0.
1) المصاحف، ص 18- 19؛ و فتح الباري 10/ 390- 396 و 8/ 359؛ و صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن 3/ 150.
لما جاء به.
و كان الرجل يجيء بالورقة و الأديم فيه القرآن، حتّى جمع من ذلك كثرة، ثمّ دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا، فناشدهم لسمعت رسول اللّه (ص) و هو أملاه عليك؟ فيقول: نعم.
فلمّا فرغ من ذلك عثمان، قال: من أكتب الناس؟
قالوا: كاتب رسول اللّه (ص) زيد بن ثابت.
قال: فأيّ الناس أعرب؟
قالوا: سعيد بن العاص.
قال عثمان: فليمل سعيد، و ليكتب زيد.
و كتب مصاحف، ففرّقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمّد (ص) يقول: قد أحسن) (1).
5- و في تاريخ الإسلام للذهبي:
(و قال أنس: إنّ حذيفة قدم على عثمان، و كان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية فاجتمع في ذلك الغزو أهل الشام و أهل العراق، فتنازعوا في القرآن حتّى سمع حذيفة من اختلافهم ما يكره، فركب حتّى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الامّة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود و النصارى في الكتب.
ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفصة امّ المؤمنين أن: أرسلي إليّ بالصحف الّتي جمع فيها القرآن.
فأرسلت إليه بها، فأمر زيد بن ثابت و سعيد بن العاص و عبد اللّه بن الزّبير5.
1) المصاحف لابن أبي داود، ص 23- 24؛ و كنز العمال 2/ 370- 371؛ و تاريخ الإسلام للذهبي 2/ 145؛ و منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 2/ 50- 51؛ و فتح الباري 10/ 390- 395.
و عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، و قال: إذا اختلفتم أنتم و زيد في عربية، فاكتبوها بلسان قريش فإنّ القرآن إنّما نزل بلسانهم، ففعلوا حتّى كتبت المصاحف، ثمّ ردّ عثمان الصحف إلى حفصة و أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، و أمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الّذي أرسل إليهم به، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار) (1).
6- و روى أبو المليح، قال:
(قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف: تملي هذيل، و تكتب ثقيف) (2).
7- و روى عطاء:
(أنّ عثمان بن عفان لمّا نسخ القرآن في المصاحف، أرسل إلى ابيّ بن كعب فكان يملي على زيد بن ثابت، و زيد يكتب، و معه سعيد بن العاص يعربه، فهذا المصحف على قراءة أبيّ و زيد) (3).
8- و روى مجاهد:
(أنّ عثمان أمر ابيّ بن كعب يملي، و يكتب زيد بن ثابت، و يعربه سعيد بن العاص، و عبد الرّحمن بن الحرث) (4).
9- و روى عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عامر القرشي، قال:
(لمّا فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه. و قال: قد أحسنتم و أجملتم،2.
أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها) (1).
10- و روى عكرمة، قال:
(لمّا أتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن، فقال: لو كان المملي من هذيل و الكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا) (2).
أوّلا- جاء في صحيح البخاري و فتح الباري و غيرهما:
أ- إنّ أبا بكر أرسل إلى زيد بن ثابت بعد مقتل أهل اليمامة و قال: استحرّ القتل بقرّاء القرآن، و إنّي أخشى أن يستحرّ بهم القتل، فيذهب كثير من القرآن فتتبع القرآن فاجمعه، فقال زيد: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟ ثمّ قبل الرأي، و تتبع القرآن، فجمعه، و لم يكن يقبل شيئا منه إلّا بشهادة اثنين و وجد آخر سورة براءة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ ... مع خزيمة، و لم يجدها مع غيره، فكتبها، لأنّ الرسول (ص) جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
ب- و في رواية اخرى: إنّ زيدا اقترح ذلك على عمر بعد قتل خمسمائة رجل من القرّاء يوم اليمامة، فذكر ذلك لأبي بكر، فاستشار المسلمين في جمع القرآن فصوّبوا الرأي، فأمر أبو بكر فنادى في الناس من كان عنده شيء من القرآن فليجئ به، فكانوا يكتبونه حتّى انتهوا إلى ثُمَّ انْصَرَفُوا ... من سورة براءة فظنّوا أنّها آخر ما نزل من القرآن فقال لهم ابيّ إنّ رسول اللّه (ص) أقرأه بعدها آيتين هما: لَقَدْ جاءَكُمْ ... رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ و قال: هذا آخر ما نزل من القرآن.
ثانيا- جاء في المصاحف لابن أبي داود و غيره:
أ- إنّ الخليفة عمر بدأ بجمع القرآن، و قال: من تلقى من رسول اللّه (ص) شيئا من القرآن فليأتنا به، و كان لا يقبل شيئا حتّى يشهد عليه شهيدان، و أخبرهم خزيمة أنّهم لم يكتبوا لَقَدْ جاءَكُمْ ... و شهد معه عثمان.
و رأى خزيمة أن يختم بهما ما نزل من القرآن في آخر براءة.
ب- انّ الخليفة عمر سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنّا للّه. و أمر بالقرآن فجمع و كان أوّل من جمعه في مصحف.
و- أيضا- جاء في المصاحف لابن أبي داود و غيره ما موجزه:
أنّ المسلمين اختلفوا في قراءة القرآن على عهد عثمان، فخطب فيهم، و قال:
أنتم عندي تختلفون و تلحنون، فمن نأى عنّي في الأمصار أشدّ اختلافا و أشدّ لحنا، فاجتمعوا، و اكتبوا للناس إماما.
ففعلوا ذلك، و انّهم ربّما اختلفوا في آية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص)، و لعلّه أن يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها و ما بعدها، و يدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه.
و انّ زيد بن ثابت قال: فقدنا آية من الأحزاب كنت أسمع رسول اللّه يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة و هي: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ ... فالحقناها في سورتها.
و لمّا فرغ من المصحف، أتى به عثمان فنظر فيه، و قال: أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها.
كانت تلكم روايات جمع القرآن، و في ما يأتي نناقشها على وفق ما جاء فيها:
إذا اقتصرنا في دراسة روايات جمع القرآن على ما جاء فيها فحسب، وجدناها تتفق على أنّهم بعد مقتل خمسمائة من القرّاء يوم اليمامة اهتموا بأمر جمع القرآن خشية أن يفقدوه بسبب مقتل القرّاء، و انّ الرسول (ص) لم يكن قد جمع القرآن قبلهم! و أنّهم كانوا يدوّنون ما شهد عليه شهيدان انّه من القرآن، و انّهم فقدوا آيتين من القرآن، فوجدوهما عند خزيمة وحده و لم يجدوهما عند غيره.
و في رواية وجدوهما عند خزيمة و عثمان و لم تكونا عند غيرهما.
و في رواية أنّ سبب جمعهم القرآن أنّ الخليفة عمر سأل عن آية فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة.
فقال: إنّا للّه.
فأمر بالقرآن فجمع.
و أنّ الخليفة عثمان أمر بجمع القرآن أو بتدوينه في المصحف الإمام، لأنّهم اختلفوا في قراءات القرآن.
و في رواية أنّهم عند ما كانوا يجمعون القرآن ربّما اختلفوا في آية، فيذكرون الرجل و قد تلقاها من رسول اللّه (ص) و لعلّه أن يكون غائبا في بعض البوادي فيكتبون ما قبلها و ما بعدها يدعون موضعها حتّى يجيء أو يرسل إليه.
و انّ الخليفة عثمان قال: أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها.
هذه خلاصة روايات جمع القرآن، و في ما يأتي- بإذنه تعالى- نناقشها استنادا إلى ما جاء فيها:
مناقشة الروايات:
نقول: هب أنّه قتل خمسمائة من ثلاثة آلاف قارئ في يوم اليمامة، فأين كان الألفان و الخمسمائة قارئ الّذين سلموا من تلك المعركة عن آية أو آيتين لم يجدوهما عند غير خزيمة بن ثابت فكتبوهما لأنّ الرسول (ص) جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين؟
و كيف كانوا يحتاجون في كتابة الآية إلى من كان بالبوادي، فيكتبون ما قبلها و ما بعدها، و يدعون موضعها حتّى يجيء أو يرسل إليه، و هل كان الرسول (ص) قد بلّغها ذلك الرجل وحده و لم يبلّغ الآية غيره و كتمها عن الآخرين؟
و على هذا فما معنى ما جاء في الروايات: انّ جمعا من الصحابة كانوا قد جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه (ص)؟
ثمّ ما السبيل إلى الجمع بين محتوى الروايات الّتي تقول: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، و لكنّه لم يظهره. أو الّتي تقول: أوّل من جمعه عمر و أتمّ عمله عثمان. أو الّتي تقول: انّ القرآن جمع و أودع عند حفصة و أخذه منها عثمان، و خطّ عليه المصحف الإمام.
كل هذه الروايات تصرّح بأنّه لم يكن القرآن قد جمع على عهد الرسول (ص) و أبي بكر و عمر، إذا فما بال الروايات المتواترة و المصرّحة بأنّ سبب قيام الخليفة عثمان بكتابة المصحف الإمام اختلاف القراءات في المصاحف المنتشرة بين المسلمين سواء مصاحف الصحابة مثل مصحف ابن مسعود و ابيّ أو سائر المسلمين!!
إذا فقد كانت في المدينة و غيرها من البلدان نسخ كثيرة من القرآن لدى كثير من الصحابة و سائر المسلمين، و لم يكن أصحاب تلك المصاحف قد تركوا كتابتها في عصر الرسول (ص)، حتى إذا توفّي الرسول (ص) بدءوا بكتابتها، بل كانت لدى الآلاف منهم آلاف النسخ المكتوبة منذ عصر الرسول (ص).
كانت تلكم مناقشتنا الموجزة لما جاء في روايات جمع القرآن، و قد حار العلماء و اختلفوا في حل متناقضاتها كما سنذكرها في ما يأتي بإذنه تعالى.
يظهر للباحث بوضوح تناقض الروايات الآنفة في من جمع القرآن من الخلفاء أوّل مرّة، هل أمر بذلك الخليفة أبو بكر؟ أو الخليفة عمر؟ أو الخليفة عثمان؟
و من كان المملي و الكاتب في عصر كلّ منهم؟ و من أيّ السورتين: الأحزاب أم براءة افتقدوا آية أو آيتين؟
و قد انتبه العلماء منذ قرون طويلة إلى ما أشرنا إليه من تناقض روايات جمع القرآن بعضها مع بعض، فقد قال ابن العربي في شرح سنن الترمذي (1)
و ابن العربي هو أبو بكر محمّد بن عبد اللّه المعافري، قاضي أشبيلية بالأندلس.
قال الذهبي بترجمته في تذكرة الحفاظ، ص 1296- 1297 ما موجزه: تذاكر فقهاء أشبيلية في حديث، فقال أحدهم: (لا يعرف إلّا من جدّ مالك، عن الزهري، فقال ابن العربي: قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك، فقالوا أفدنا هذا. فوعدهم و لم يخرج لهم شيئا) فقيل في ذلك:
فخذوا عن العربي أسمار الدجىو خذوا الرواية عن إمام متّقي
إنّ الفتى حلو الكلام مهذّبإن لم يجد خبرا صحيحا يخلق إنّ ابن العربي مع ذلك من أوعية العلم بمدرسة الخلفاء. انظر إلى أسماء مؤلفاته بترجمته في هدية العارفين 2/ 90. توفّي على الأصح سنة 543 ه.
:(من غريب المعاني أنّ القاضي أبا بكر بن الطيب، سيف السنّة و لسان الامّة، تكلّم بجهالات على هذا الحديث، لا تشبه منصبه، فانتصبنا لها لنوقفكم على الحقيقة فيها).
1) شرح سنن الترمذي لابن العربي 11/ 263- 265، في المسألة الرابعة، بتفسير قوله تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ....
هكذا بدأ الكلام ابن العربي، و نذكر في ما يأتي موردين من كلام ابن الطيب و جواب ابن العربي:
أوّلها- (قال القاضي ابن الطيب (1): هذا حديث مضطرب. و ذكر فيه اختلاف روايات فيه، منها صحيحة و منها باطلة، فأمّا الروايات الباطلة فلا نشتغل بها).
قال المؤلّف:
قصد ابن الطيب من الروايات الصحيحة: ما جاء منها في صحيح البخاري، و من الروايات الباطلة: ما جاء في غيره.
و هكذا رمى ابن الطيب جملة ما جاء في غير صحيح البخاري من الحديث بالبطلان، و لم أر مثل هذه الجرأة عند غيره من علماء المسلمين: أن يرمي أحدهم بالبطلان جملة ما لم يذكر في غير صحيح البخاري من حديث.
قال ابن العربي:
أما الصحيحة، فمنها أنّه قال:
(روى أنّ هذا جرى في عهد أبي بكر. و في رواية أنّه جرى في عهد عثمان، و بين التاريخين كثير من المدّة. و كيف يصحّ أن نقول: هذا كان في عهد أبي بكر، ثمّ نقول: كان هذا في عهد عثمان؟ و لو اختلف تاريخ الحديث في يوم من أوّله و آخره لوجب ردّه، فكيف أن يختلف بين هاتين المدّتين الطويلتين؟
قال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال للسيف: هذه كهمة (2). من طول الضراب! هذا أمر لم يخف وجه الحقّ فيه، إنّما جمع زيد القرآن مرّتين: إحداهما لأبيّ.
بكر في زمانه، و الثانية لعثمان في زمانه.
أمّا الأوّل فكان لئلّا يذهب القرآن بذهاب القرّاء ... و أمّا جمعه في زمان عثمان، فكان لأجل الاختلاف الواقع بين الناس في القراءة، فجمع في المصاحف ليرسل إلى الآفاق حتّى يرفع الاختلاف ...).
قال المؤلّف:
يبقى سؤال يوجّه إلى ابن العربي و هو:
إذا كان القرآن قد جمع على عهد أبي بكر، و افتقدوا يومئذ آخر سورة التوبة و وجدوها عند ابن خزيمة، و انتهى بذلك كتابة المصحف، و كان عند أبي بكر ثمّ عمر، ثمّ أخذ عثمان المصحف من حفصة و استنسخه.
فكيف إذا فقدوا آية من الأحزاب، و وجدوها عند خزيمة بن ثابت الأنصاري؟! و المورد الثاني ممّا نذكر من كلامهما ما يأتي، قال ابن العربي:
(قال ابن الطيب: يشبه أن يكون هذا الخبر موضوعا، لأنّه قال فيه: أنّ زيدا وجد الضائع من القرآن عند رجلين، و هذا بعيد، أن يكون اللّه قد وكّل حفظ ما سقط و ذهب من الأجلّة الأماثل من القرآن برجلين: ابن خزيمة و أبي خزيمة.
قال القاضي (1): قد بيّنا أنّه يجوز أن ينسى الرجل الشيء، ثمّ يذكره له آخر، فيعود علمه إليه، و ليس في نسيان الصحابة كلّهم إلّا رجل واحد استحالة عقلا، لأنّ ذلك جائز، و لا شرعا، لأنّ اللّه ضمن حفظه، و من حفظه البديع أن تذهب منه آية أو سورة إلّا عن واحد فيذكره ذلك الواحد، فيتذكره الجميع، فيكون ذلك من بديع حفظ اللّه لها، يقال له- أيضا- هذا حديث صحيح متّفقي.
1) يقصد نفسه، أي: ابن العربي.
عليه من الأئمّة. فكيف تدّعي عليه الوضع، و قد رواه العدل عن العدل و تدّعي فيه الاضطراب و هو في سلك الصواب منتظم.
و تقول اخرى إنّه من أخبار الآحاد و ما الّذي تضمّن من الاستحالة أو الجهالة حتّى أنّه خبر واحد).
قال المؤلّف:
قصد ابن العربي بقوله: (رواه العدل عن العدل) رواية البخاري الروايتين عن شيوخه.
و إنّ ابن العربي في قوله هذا اجتهد في طلب الخير دفاعا عن حديثين في صحيح البخاري و حفظا لكرامة صحيح البخاري مع التضحية بكرامة القرآن.
و إنّ ابن الطيب كان قد اجتهد، و طلب الخير، و ضحى بحديثين في صحيح البخاري حفظا لكرامة القرآن كما يظهر من كلامه الطيب الآتي في آخر البحث إن شاء اللّه تعالى.
و لمناقشة كلام ابن العربي، نضرب مثلا بألفية ابن مالك (1)
672 ه)، مادّة ألفية بكشف الظنون؛ و هدية العارفين 2/ 130.
الّتي مضى على نظمها أكثر من سبعمائة سنة، و لم يفقد أحد من قراءته في بلد من بلاد العالم إلى اليوم بيتا و لا شطرا منها.و هؤلاء يقولون: إنّ كلّ أصحاب الرسول (ص) في بلد الرسول (ص) افتقدوا من قرآنه آية أو آيتين بعد سنتين أو عقدين من وفاته. بينا كان القرآن همّهم الوحيد يتلونه ليل نهار و هو كتابهم الوحيد و ثقافتهم الوحيدة، لا شأن لغيره في حضارتهم.0.
1) ألفية ابن مالك نظمها جمال الدين محمّد بن عبد اللّه الطائي الجياني الأندلسي (ت:
كانت تلكم محاولة العلماء لرفع تناقض روايات جمع القرآن، و كذلك الشأن في روايات اختلاف المصاحف الّتي ندرسها في ما يأتي، بإذنه تعالى.
نقل المحدّث النوري في شأن نقصان السور، عن الحاكم في المستدرك و السيوطي في الدرّ المنثور و الإتقان عن الصحابي أبي موسى نقصان سورتين، و نحن نذكر الحديث من صحيح مسلم، باب [لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى واديا ثالثا] من كتاب الزّكاة حيث روى بسنده:
أنّ أبا موسى الأشعري بعث إلى قرّاء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل، فقال لهم في ما قال:
(و إنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول و الشدّة ببراءة، فأنسيتها غير أنّي حفظت منها: [لو كان لابن آدم و اديان من مال لابتغى واديا ثالثا، و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب].
و كنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، فانسيتها غير أنّي حفظت منها: [يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة]).
و في لفظ مسلم في الباب عن أنس و ابن عباس أنّ الآية المزعومة في السورة المنسية هكذا: [لو كان لابن آدم و اديان ...].
و في الإتقان أخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى قال: (كنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ...) الحديث (1)
و الحديث الثاني، في نفس الصفحة من الإتقان؛ و في تفسير الدرّ المنثور للسيوطي 6/ 378 بتفسير سورة البيّنة؛ و الحديث موزع في مستدرك الحاكم، و ملخص أوّله بترجمة ابيّ 2/ 224، و آخره بتفسير سورة البيّنة 2/ 531، و صحّحه الحاكم و الذهبي في تلخيصه.
و المسبحات من السور هي ما افتتح ب (سبحان) و (سبح) و (يسبح).
و أبو موسى الأشعري الصحابي رووا عنه 360 حديثا (ت: 42 أو 44 أو 49 أو 50 أو 52 أو 53 ه).
أسد الغابة 3/ 45؛ و جوامع السيرة، ص 276؛ و تقريب التهذيب 1/ 441.
و ابن أبي حاتم، حافظ الرّي و ابن حافظها، كان بحرا في العلوم و معرفة الرجال. صنّف في الفقه و اختلاف الصحابة و التابعين و التفسير. (ت: 327 ه). ترجم له في الجزء الأوّل، ص 127، الطبعة الرابعة من كتاب معالم المدرستين؛ و تذكرة الحفاظ، ص 829؛ و هدية العارفين 1/ 512.
و أنس بن مالك، ترجم له في الجزء الأوّل، ص 134، الطبعة الرابعة من معالم المدرستين.
و ابن عباس: عبد اللّه بن عباس، ابن عمّ الرسول (ص)، الإمام البحر، شهد صفين مع عليّ و كان أحد الأمراء. بقيّة ترجمته في الجزء الأوّل، ص 133، الطبعة الرابعة من معالم المدرستين.
تقريب التهذيب 1/ 425؛ و تذكرة الحفاظ 1/ 40- 41.
.و روي عن ابيّ بن كعب بعنوان نقص سورة [لم يكن] كما رواه السيوطي و أحمد و الحاكم و الترمذي و صحّحاه، و اللّفظ للترمذي:
عن زر بن حبيش عن ابيّ بن كعب، (أنّ رسول اللّه (ص) قال: إنّ اللّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه: [لم يكن الّذين كفروا] و فيها: [أنّ ذات الدّين عند اللّه الحنيفية المسلمة، لا اليهوديّة و لا النصرانيّة و لا المجوسيّة، من يعمل خيرا فلن يكفره]. و قرأ عليه: [لو أنّ لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه1.
1) صحيح مسلم، كتاب الزّكاة، الحديث 119، ص 726؛ و فصل الخطاب، ص 171 و 172؛ و الإتقان 2/ 25 في النوع السابع و الأربعين في ناسخه و منسوخه، الضرب الثالث، ما نسخ تلاوته دون حكمه؛ و الدرّ المنثور 1/ 105 بتفسير سورة البقرة، الآية 106.
ثانيا، و لو كان له ثانيا لابتغى ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب و يتوب اللّه على من تاب])).
قال الترمذي: (هذا حديث حسن).
و قال- أيضا- في باب مناقب ابيّ: (هذا حديث حسن صحيح) (1)
وزر بن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي، مخضرم، أدرك الجاهلية و لم ير النبيّ (ص)، ثقة، جليل (ت: 81 أو 83 ه). أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح.
و عدّه ابن حزم من أصحاب القراءات المشهورة في الأمصار و ممّن روى عنه من أهل الكوفة بعد الصحابة.
جوامع السيرة، ص 207 و 329. أسد الغابة 2/ 200؛ و تذكرة الحفاظ، ص 57؛ و تقريب التهذيب 1/ 259.
و ابيّ بن كعب، أبو المنذر الخزرجي، رووا عنه 164 حديثا. اختلفوا في وفاته سنة: 19 أو 20 أو 22 أو 30 أو 32 ه.
جوامع السيرة، ص 277؛ و أسد الغابة 1/ 49- 51؛ تذكرة الحفاظ، ص 16؛ تقريب التهذيب 1/ 48.
.و روى في الدرّ المنثور في رواية اخرى عن مسند أحمد عن ابن عباس بعد [فلن يكفره]، قال: (ثمّ قرأ آيات بعدها ثمّ قرأ: [لو أنّ لابن آدم ...]).
و روى- أيضا- عن مسند أحمد عن ابن عباس أنّه قال أمام الخليفة عمر: (صدق اللّه و رسوله: [لو كان لابن آدم ... إلى من تاب].
فقال عمر: ما هذا؟8.
1) فصل الخطاب، ص 17؛ و الدرّ المنثور للسيوطي 6/ 378؛ و سنن الترمذي 13/ 203- 204، باب مناقب: معاذ و زيد و ابيّ و ص 263، باب مناقب ابيّ؛ و حديث ابيّ بمسند أحمد 5/ 131 و 132، و حديث ابن عباس عن ابيّ، ص 117 منه. و نقلناه عن الدرّ المنثور، و رواه- أيضا- في الإتقان 2/ 25. و الحاكم في المستدرك و الذهبي في تلخيصه بتفسير سورة (لم يكن)، 2/ 531 و صحّحاه؛ و راجع مجمع الزوائد 7/ 140.
فقلت: هكذا أقرأني ابيّ.
قال: فمر بنا إليه، فجاء إلى ابيّ، قال: ما يقول هذا؟
قال ابيّ: هكذا أقرأنيها رسول اللّه (ص).
قال: إذا أثبتها في المصحف؟
قال: نعم) (1).
نقل النوري (2)عن الإتقان و الدرّ المنثور للسيوطي و مجمع الزوائد للهيثمي روايات نقصان سورتي الحفد و الخلع، و نحن نخرجها من مصادره الّتي نقلها عنها:
في الإتقان عن ابن الضريس بسنده:
عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن عن أبيه (قال: في مصحف ابن عباس قراءة ابيّ و أبي موسى: [بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك الخير و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك].
و فيه: [اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد، نخشى عذابك و نرجو رحمتك، إنّ عذابك بالكفار ملحق]) (3)
و ابن الضريس، الحافظ أبو عبد اللّه محمّد بن أيّوب البجلي، محدّث الري. من تصانيفه: تفسير القرآن، فضائل القرآن (ت: 294 ه).
هدية العارفين 1/ 21.
.و في الإتقان عن الطبراني ما ملخّصه قال: (إنّه روى عن عبد اللّه بن زرير، قال: لقد علّمني عليّ بن أبي طالب سورتين علّمهما إيّاه رسول اللّه (ص): [...
اللّهمّ إنّا نستعينك ...]) الحديث.
و روى عن البيهقي و أبي داود عن خالد بن أبي عمران: (أنّ جبريل نزل بذلك على النبيّ و هو في الصلاة ...) الحديث.
و قال و أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: (أمّنا اميّة ابن عبد اللّه بن خالد بن اسيد بخراسان فقرأ بهاتين السورتين: [إنّا نستعينك] و [نستغفرك] (1)
و الطبراني، أبو القاسم، سليمان بن أحمد اللخمي الشامي، من كبار المحدثين، أصله من طبرية الشام. له المعاجم الثلاثة: الكبير و الصغير و الأوسط في الحديث و كتاب التفسير و غيرها (ت:
360 ه).
ترجمته في وفيات الأعيان 2/ 141، الترجمة: 260؛ تذكرة الحفاظ، ص 912؛ تهذيب ابن عساكر 6/ 240؛ هدية العارفين 1/ 396.
عبد اللّه بن زرير الغافقي المصري، من كبار التابعين، أخرج حديثه أبو داود و النّسائي و ابن ماجة (ت: 80 ه) أو ما بعدها. تقريب التهذيب 1/ 415.
خالد بن أبي عمران التجيبي، فقيه، صدوق، أخرج حديثه مسلم و أبو داود و الترمذي و النّسائي (ت: 125 أو 129 ه).
تقريب التهذيب 1/ 217.
و التجيبي نسبة إلى محلة بمصر و إلى امّ عدي و إلى سعد بن أشرس السكوني، لباب الأنساب، مادّة تجيب.
، أي: أنّ اميّة كان يقرأ في الصلاة سورتي الحفد و الخلع اللّتينب.1) الإتقان 1/ 67، النوع التاسع عشر، باب (عدد سوره و آياته ...).
فيهما: [إنّا نستعينك و نستغفرك]).
كما جاء التصريح بهذه التسمية في الأحاديث الآتية:
في تفسير الفاتحة من الدرّ المنثور:
(أخرج عبد بن حميد و محمّد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، و ابن الأنباري في المصاحف عن محمّد بن سيرين، أنّ ابيّ بن كعب كان يكتب (فاتحة الكتاب) و (المعوذتين) و [اللّهمّ إيّاك نعبد] و [اللّهمّ إيّاك نستعين]. و لم يكتب ابن مسعود شيئا منهنّ. و كتب عثمان بن عفان الفاتحة و المعوذتين (1)
و عبد بن حميد بن نصر الكسيّ، و قيل اسمه عبد الحميد، صاحب المسند و التفسير. أحد أئمّة الحديث (ت: 249 ه). نسب إلى مدينة كس بأرض السند. معجم البلدان، مادّة: (كس)؛ تذكرة الحفاظ، ص 534؛ و في هدية العارفين 1/ 437 (الكشي).
و محمّد بن نصر، أبو عبد اللّه المروزي، الفقيه الشافعي، له تصانيف كثيرة، منها: تعظيم الصلاة.
هدية العارفين 2/ 21.
و ابن الأنباري، الحافظ العلّامة محمّد بن القاسم بن محمّد بن بشّار، شيخ الأدب. صنّف التصانيف الكثيرة في القراءات و الغريب و المشكل و التفسير، منها المصاحف (ت: 328 ه). تذكرة الحفاظ، ص 842- 844. و العبر 2/ 214. و مادّة المصاحف في كشف الظنون.
و ابن سيرين، أبو بكر محمّد بن سيرين البصري الأنصاري ولاء، ثقة، ثبت، كان لا يرى
. يعني أنّ ابيّرى1) الدرّ المنثور 1/ 3؛ و نقله في الإتقان 1/ 67 عن أبي عبيد.
ابن كعب كان يكتب في مصحفه الفاتحة و المعوذتين و السورتين المزعومتين:
الحفد و الخلع و أنّ ابن مسعود لم يكتب الفاتحة و المعوذتين في مصحفه و أنّ عثمان كتب في المصحف الفاتحة و المعوذتين).
و نقل الزركشي عن المنادي في (الناسخ و المنسوخ) أنّه قال: و لا خلاف بين الماضين و الغابرين أنّهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى ابيّ بن كعب.
و أنّه ذكر عن النبيّ (ص) أنّه أقرأه إيّاهما، و سميتا سورتي الخلع و الحفد (1)
و المنادي أو ابن المنادي هو الحافظ أبو الحسين أحمد بن جعفر، من كبار القرّاء. من تآليفه:
الناسخ و المنسوخ (ت: 334 أو 336 ه). تذكرة الحفاظ، ص 849؛ و كشف الظنون 2/ 1921 في مادّة الناسخ و المنسوخ.
.إنّ كثرة الأحاديث المروية في شأن السورتين المزعومتين أدّت بالسيوطي إلى أن يدونهما في تفسيره الدرّ المنثور بعد سورة الناس 6/ 420- 422، كالآتي تصويره:
1) البرهان في علوم القرآن 2/ 37.
(ذكر ما ورد فى سورة الخلع و سورة الحفد) قال ابن الضريس فى فضائله أخبرنا موسى بن إسماعيل أنبانا حماد قال قرأنا فى مصحف أبى بن كعب اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك قال حماد هذه الآن سورة و احسبه قال اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نخشى عذابك و ترجو رحمتك ان عذابك بالكفار ملحق* و أخرج ابن الضريس عن عبد اللّه بن عبد الرحمن عن أبيه قال صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير كله و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك بالكفار ملحق و فى مصحف ابن عباس قراءة أبى و أبى موسى بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك و فى مصحف حجر اللهم انا نستعينك و فى مصحف ابن عباس قراءة أبى و أبى موسى اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نخشى عذابك و ترجو رحمتك ان عذابك بالكفار ملحق* و أخرج أبو الحسن القطان فى المطوّلات عن أبان بن أبى عياش قال سألت أنس بن مالك عن الكلام فى القنوت فقال اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير و لا نكفرك و نؤمن بك و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد ترجو رحمتك و نخشى عذابك الجدّان عذابك بالكفار ملحق قال أنس و اللّه ان أنزلتا الا من السماء* و أخرج محمد بن نصر و الطحاوى عن ابن عباس ان عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين اللهم اياك نعبد و اللهم انا نستعينك* و أخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال قنت عمر رضى اللّه عنه بالسورتين* و أخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ان عمر قنت بهاتين السورتين اللهم انا نستعينك و اللهم اياك نعبد* و أخرج البيهقى عن خالد بن أبى عمران قال بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدعو على مضر اذ جاءه جبريل فاومأ اليه ان اسكت فسكت فقال يا محمد ان اللّه لم يبعثك سبابا و لا لعانا و انما بعثك رحمة للعالمين و لم يبعثك عذابا ليس لك من الامر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون ثم علمه هذا القنوت اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نؤمن بك و نخضع لك و نخلع و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد ترجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك الجد بالكفار ملحق* و أخرج ابن أبى شيبة فى المصنف و محمد بن نصر و البيهقى فى سننه عن عبيد بن عميران عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و لك نسفى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك بالكفار ملحق و زعم عبيد أنه بلغه انهما سورتان من القرآن فى مصحف ابن مسعود* و أخرج ابن أبى شيبة عن عبد الملك بن سويد الكاهلى ان عليا قنت فى الفجر بهاتين السورتين اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك بالكفار ملحق* و أخرج ابن أبى شيبة و محمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال فى قراءة أبى بن كعب اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك بالكفار ملحق* و أخرج محمد بن نصر عن ابن إسحاق قال قرأت فى مصحف أبى بن كعب بالكتاب الاول العتيق بسم اللّه الرحمن الرحيم قل هو اللّه أحد الى آخرها بسم اللّه الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق الى آخرها بسم اللّه الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس الى آخرها
بسم
اللّه الرحمن الرحيم اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك ان عذابك بالكفار ملحق بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم لا تنزع ما تعطى و لا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك و غفرانك و حنانيك اله الحق* و أخرج محمد بن نصر عن يزيد بن أبى حبيب قال بعث عبد العزيز بن مروان الى عبد اللّه بن رزين الغافقى فقال له و اللّه انى لاراك جافيا ما أراك تقرأ القرآن قال بلى و اللّه انى لأقرأ القرآن و أقرأ منه ما لا تقرأ به فقال له عبد العزيز و ما الذى لا أقرأ به من القرآن قال القنوت حدثنى على بن أبى طالب انه من القرآن* و أخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال كان أبو عبد الرحمن يقرئنا اللهم انا نستعينك و نستغفرك و نثنى عليك الخير و لا نكفرك و نؤمن بك و نخلع و نترك من يفجرك اللهم اياك نعبد و لك نصلى و نسجد و اليك نسعى و نحفد ترجو رحمتك و نخشى عذابك الجدان عذابك بالكفار ملحق و زعم أبو عبد الرّحمن ان ابن مسعود كان يقرئهم اياها و يزعم ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يقرئهم اياها* و أخرج محمد بن نصر عن الشعبى قال قرأت أو حدثنى من قرأ فى بعض مصاحف أبى بن كعب هاتين السورتين اللهم انا نستعينك و الاخرى بينهما بسم اللّه الرحمن الرحيم قبلهما سورتان من المفصل و بعدهما سور من المفصل* و أخرج محمد بن نصر عن سفيان قال كانوا يستحبون أن يجعلوا فى قنوت الوتر هاتين السورتين اللهم انا نستعينك و اللهم اياك نعبد* و أخرج محمد ابن نصر عن إبراهيم قال يقرأ فى الوتر السورتين اللهم اياك نعبد اللهم انا نستعينك و نستغفرك* و أخرج محمد بن نصر عن خصيف قال سألت عطاء بن أبى رباح أى شىء أقول فى القنوت قال هاتين السورتين اللتين فى قراءة أبى اللهم انا نستعينك و اللهم اياك نعبد* و أخرج محمد بن نصر عن الحسن قال نبدأ فى القنوت بالسورتين ثم ندعو على الكفار ثم ندعو للمؤمنين و المؤمنات* و أخرج البخارى فى تاريخه عن الحارث بن معاقب ان النبى صلى اللّه عليه و سلم قال فى صلاة من الصلوات بسم اللّه الرحمن الرحيم غفار غفر اللّه لها و اسلم سالمها اللّه و شىء من جهينة و شىء من مزينة و عصية عصت اللّه و رسوله و رعل و ذكوان ما أنا قلته اللّه قاله قال الحارث فاختصم ناس من أسلم و غفار فقال الاسلميون بدأ باسلم و قالت غفار بدأ بغفار قال الحارث فسألت أبا هريرة فقال بدأ بغفار* و أخرج ابن أبى شيبة و مسلم عن خفاف بن ايماء بن رحضة الغفارى قال صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الآخرة قال لعن اللّه لحيانا و رعلا و ذكوان و عصية عصت اللّه و رسوله أسلم سالمها اللّه غفار غفر اللّه لها ثم خر ساجدا فلما قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال أيها الناس انى لست قلت هذا و لكن اللّه قاله (1).ن.
1) صوّرنا من الأحاديث التي أوردها السيوطي ما فيها صراحة بأنّ الحفد و الخلع سورتان.
في تفسير سورة الفلق بتفسير السيوطي:
أخرج أحمد و البزار و الطبراني و ابن مردويه عن طرق صحيحة عن ابن عباس و ابن مسعود: أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف و يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنّهما ليستا من كتاب اللّه، إنّما أمر النبيّ أن يتعوّذ بهما.
و كان ابن مسعود لا يقرأ بهما (1).
و قال في الإتقان:
أخرج عبد اللّه بن أحمد في زيادات المسند و الطبراني و ابن مردويه:
(... قال كان ابن مسعود يحكّ المعوّذتين من مصاحفه و يقول: إنّهما ليستا من كتاب اللّه).
و أخرج البزار و الطبراني من وجه آخر عنه، (أنّه كان يحكّ المعوّذتين من المصحف و يقول: إنّما أمر النبيّ أن يتعوّذ بهما و كان عبد اللّه لا يقرأ بهما).
و قال ابن حجر في شرح البخاري: (قد صحّ عن ابن مسعود إنكار ذلك، فأخرج أحمد و ابن حبّان عنه أنّه يحكّ المعوّذتين في مصحفه) (2)
و عبد اللّه أبو عبد الرّحمن بن أحمد بن حنبل الشيباني، ثقة، له زوائد المسند- أي الأحاديث الّتي أضافها على مسند والده- أخرج حديثه النّسائي. (ت: 290 ه). تقريب التهذيب 1/ 401؛ و هدية العارفين 2/ 442.
و ابن مردويه، الحافظ الثبت العلّامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني صاحب التفسير المسند للقرآن، و التاريخ و غير ذلك. (ت: 410 ه). تذكرة الحفاظ، ص 1051؛ و هدية العارفين 1/ 71.
و البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن الحافظ (ت: 292 ه)، له مسندان: كبير و صغير.
.و في الإتقان- أيضا-:
و في مصحف ابن مسعود مائة و اثنتا عشرة سورة لأنّه لم يكتب المعوّذتين.
و في مصحف ابيّ ستّ عشرة- بعد المائة- لأنّه كتب سورتي الحفد و الخلع.
أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين، قال: كتب ابيّ بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب و المعوّذتين و [اللّهمّ إنّا نستعينك] و [اللّهمّ إيّاك نعبد]، و تركهنّ ابن مسعود و كتب عثمان منهنّ فاتحة الكتاب و المعوّذتين (1)
و أبو عبيد، القاسم بن سلام (ت: 224 ه)، كان أبوه عبدا روميّا من هراة، و كان ثقة، حافظا للحديث، إماما في القراءات، رأسا في اللّغة. من تصانيفه: القراءات و معاني القرآن، و ناسخ القرآن و منسوخه. أخرج حديثه أبو داود و البخاري في جزء القراءة، 1/ 113.
تذكرة الحفاظ، ص 417- 418؛ تقريب التهذيب 2/ 117؛ و هدية العارفين 1/ 825.
.و فات المحدّث الاخباري النوري أن ينقل عن تفسير ابن كثير أيضا، فإنّه روى ذلك عن الحافظ أبي يعلى و عبد اللّه بن أحمد (2)
و أبو يعلى، أحمد بن عليّ التميمي (ت: 307 ه). الحافظ، الثقة، محدث الجزيرة، صاحب المسند الكبير. تذكرة الحفاظ، ص 707- 709؛ و مجمع الزوائد، كتاب التفسير، باب ما جاء في المعوّذتين 7/ 149 عن عبد اللّه بن أحمد؛ و أحمد و البزار و الطبراني.
.وفاته أن ينقل ما جاء في فهرست النديم (باب ترتيب نزول القرآن في مصحف عبد اللّه بن مسعود).
قال الفضل بن شاذان (ت: 260 ه): وجدت في مصحف عبد اللّه بن مسعود تأليف سور القرآن على هذا الترتيب: البقرة. النّساء ... فذلك مائة سورةي.
و عشر سور.
و في رواية اخرى: و كان عبد اللّه بن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه و لا فاتحة الكتاب.
قال محمّد بن إسحاق: رأيت عدّة مصاحف ذكر نسّاخها أنّها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفان متفقان و أكثرها في رق كثير النسخ، و قد رأيت مصحفا قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب (1).
نقل النوري (2)عن السيوطي و غيره نقصان عشرات الآيات من بعض السور، و نحن نرجع إلى مصادره، و ننقل البعض منها في ما يأتي:
نقل السيوطي في تفسير الدّر المنثور عن تاريخ البخاري، عن حذيفة أنّه قال: قرأت سورة الأحزاب على النبيّ (ص)، فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها (3)
و حذيفة بن اليمان، حليف الأنصار، صحابي ابن صحابي، سمّاه قومه باليمان لمحالفته الأنصار و هم من اليمن، أعلمه رسول اللّه (ص) بالمنافقين. رووا عنه 225 حديثا.
جوامع السيرة، ص 277؛ و تقريب التهذيب 1/ 156؛ و بقية ترجمته في الجزء الأوّل، ص 198، الطبعة الرابعة من معالم المدرستين.
.و عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيّ (ص) مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلّا على ما هو الآن (4)
و امّ المؤمنين عائشة، ترجم لها في الجزء الأوّل، ص 271، الطبعة الرابعة من كتاب معالم المدرستين.
.و عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟
قلت: اثنتين أو ثلاثا و سبعين آية.
قال: إن كانت لتعدل بسورة البقرة و إن كان فيها لآية الرّجم (1).
و في تفسير ابن كثير و مستدرك الحاكم و تلخيص الذهبي و صحّحاه، و ابن مردويه و الضياء في المختارة.
عن زر عن ابيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة و كان فيها (الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة) (2)
و الضياء، الإمام العالم، الحافظ، ضياء الدين أبو عبد اللّه محمّد بن عبد الواحد المقدسي. من تآليفه:
المختارة في الحديث، التزم فيه الصحّة. (ت: 643 ه).
تذكرة الحفاظ، ص 1405؛ و كشف الظنون 1/ 1624.
.و في تفسير التوبة من الدرّ المنثور للسيوطي قال:
و أخرج ابن أبي شيبة و الطبراني في الأوسط و أبو الشيخ و الحاكم و ابن مردويه عن حذيفة (رض) قال:
الّتي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب. و اللّه ما تركت أحدا إلّا نالت منه، و لا تقرءون منها ممّا كنّا نقرأ ربعها (3)
و ابن أبي شيبة الإمام الحافظ، أبو بكر، عبد اللّه بن محمّد بن شيبة العبسي (ت: 235 ه) له المصنف، كتاب كبير فيه فتاوى التابعين و أقوال الصحابة و أحاديث الرسول (ص) على طريقة
.قةو في الإتقان قال: قال مالك: إنّ أوّلها لما سقط، سقط معه البسملة، فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة (1).
و في الإتقان: قيل لبراءة: الفاضحة (2).
و من ثمّ قال الصحابي عبد اللّه بن عمر:
لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، ما يدريه ما كلّه، قد ذهب منه قرآن كثير، و لكن ليقل قد أخذت ما ظهر منه (3).
و في الإتقان و كنز العمال عن الطبراني في الأوسط و ابن مردويه و أبو نصر السجزي في الإبانة، عن الخليفة عمر بن الخطاب أنّه قال:
(القرآن ألف ألف حرف و سبعة و عشرون ألف حرف) (4)
و الحافظ أبو نصر السجزي، عبيد اللّه بن سعيد بن حاتم الوابلي، (وابل قربة بسجستان)، (ت:
444 ه) بمكّة، له تصانيف كثيرة منها: الإبانة الكبرى في الحديث. تذكرة الحفاظ، ص 1118؛ و كشف الظنون 1/ 2 و ذيله ص 648؛ و هدية العارفين 1/ 648.
.بينا نقل الزركشي: أنّهم عدّوا حروف القرآن، فأجمعوا على أنّه ثلاثمائة ألف حرف و أربعون ألف و سبعمائة و أربعون حرفا (5).ه.
1) الإتقان 1/ 67.
2) الإتقان 1/ 56 عن ابن أبي حاتم؛ و الدرّ المنثور 3/ 208.
3) في تفسير: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ البقرة/ 106 في الدرّ المنثور 1/ 106، عن أبي عبيد و ابن الضريس و ابن الأنباري في المصاحف و الإتقان 2/ 25.
4) كنز العمال 1/ 460، الحديث 2309، و ص 481، الحديث 2427؛ و الإتقان 1/ 72 في آخر النوع التاسع عشر في عدد سور القرآن و آياته و كلماته و حروفه؛ و الدرّ المنثور 6/ 422.
5) البرهان في علوم القرآن 1/ 249، فصل في عدد سور القرآن و آياته و كلماته و حروفه.
و بناء على ما روي عن الخليفة عمر، فقد ذهب ثلثا القرآن- معاذ اللّه-.
و نقل النوري عن مسند أحمد و صحيح البخاري و سنن الترمذي و مستدرك الحاكم و محاضرات الراغب و الإتقان (1)(نقصان آيات فيها أحكام شرعية) و نحن نرجع إلى مصادره، و نضيف إليها مصادر اخرى من الصحاح و السنن و المسانيد، و ننقل منها في ما يأتي:
في الصحاح الستّة: البخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي و ابن ماجة و الدارمي و غيرها: عن الخليفة عمر (رض) أنّه قال و هو على المنبر:
إنّ اللّه بعث محمّدا (ص) بالحقّ، و أنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل اللّه (آية الرجم)، فقرأناها و عقلناها و وعيناها. رجم رسول اللّه (ص) و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: و اللّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللّه فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه، و الرجم في كتاب اللّه حقّ على من زنى إذا أحصن، ثمّ إنّا كنّا نقرأ من كتاب اللّه (أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (2)
ب- صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزّنى، ط. الاولى 5/ 116. و تصحيح محمّد فؤاد عبد الباقي، ص 1317.
ج- سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في الرجم 2/ 229.
.و الحديث المروي عن امّ المؤمنين عائشة (رض) أنّها قالت: كان في ما نزل من القرآن: [عشر رضعات معلومات يحر منّ] ثمّ نسخن ب [خمس معلومات] فتوفّي رسول اللّه (ص) و هن في ما يقرأ من القرآن (1)
ب- سنن أبي داود، كتاب النّكاح، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات، 2/ 224.
ج- سنن النّسائي، كتاب النّكاح، باب القدر الّذي يحرم من الرضاعة، 2/ 82.
د- سنن الدارمي، كتاب النّكاح، باب كم رضعة تحرم، 1/ 157.
ه- موطأ مالك، كتاب الرّضاع، باب جامع ما جاء في الرّضاعة، 2/ 118، الحديث: 625.
.و في لفظ ابن ماجة: (نزل القرآن بعشر رضعات ...) الحديث.
و في لفظ آخر: (نزل في القرآن [عشر رضعات معلومات]، ثمّ نزل أيضا:
[خمس معلومات]).
و في سنن ابن ماجة أيضا، عن عائشة، قالت: (نزلت آية الرجم [و رضاع الكبير عشرا]. و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها) (2).
ما ذكرنا إلى هنا و إلى أكثر من ألف مورد غيرها نقلها المحدّث النوري من كتب مدرسة الخلفاء مباشرة أو بواسطة تصرّح بوجود نقص أو زيادة أو اختلاف في القراءة في كتاب اللّه الّذي بأيدينا- معاذ اللّه- سوف ندرسها في موارد من البحوث الآتية- إن شاء اللّه تعالى-، و ندرس في ما يأتي ما رووا أنّه كان لبعض الصحابة و امّهات المؤمنين مصاحف تختلف عمّا بأيدينا من المصاحف بحوله تعالى. قال ابن أبي داود في كتابه المصاحف:
إنّما قلنا مصحف فلان لما خالف مصحفنا هذا من الخطّ أو الزيادة أو النقصان أخذته عن ابيّ (ره)، هكذا فعل في كتاب التنزيل.
ثمّ ذكر ابن أبي داود اخبار اختلاف عشرة مصاحف للصحابة و أحد عشر مصحفا للتابعين من الكتاب و آخرها باب ما غيّر الحجّاج (1)
و أبو محمّد الحجّاج بن يوسف الثقفي (ت: 95 ه). ولّاه عبد الملك مكة و المدينة و العراق، رمى الكعبة بالمنجنيق في حرب ابن الزبير سنة 72 ه، و احترقت أستارها. تاريخ الطبري و ابن الأثير و ابن كثير، حوادث سنة 72 و 95 ه.
في مصحف عثمان، و نحن نقتصر على ذكر خمسة منها.و نسأل اللّه أن يوفقنا في ما يأتي من هذا البحث، لبيان علل بعض الروايات المروية في كتب المدرستين في هذا الصدد بمنّه و كرمه.
نقل النوري عن صحيح مسلم و الدّر المنثور للسيوطي و ابن حجر في فتح
1) المصاحف لابن أبي داود، ص 50- 117.
الباري و الزمخشري في الكشاف و الجزء الثاني من تاريخ نيسابور عن امّ المؤمنين عائشة و امّ المؤمنين حفصة أنّ كلّا منهما أمرت أن يكتب لها مصحف و يكتب فيه: (و الصلاة الوسطى و صلاة العصر) (1)
امّ المؤمنين حفصة ابنة ثاني الخلفاء عمر بن الخطاب. رووا عنها 60 حديثا. (ت: 41 أو 45 ه).
جوامع السيرة، ص 279؛ و أسد الغابة 5/ 425.
.و هذا نصّ الحديث في صحيح مسلم عن أبي يونس مولى عائشة، أنّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، و قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى، فلمّا بلغتها آذنتها، فأملت عليّ:
(حافظوا على الصّلوات و الصّلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا للّه قانتين).
قالت عائشة: سمعتها من رسول اللّه (ص).
و أخرج الحديث بلفظه مسلم و الترمذي و قال في آخره:
(و في الباب عن حفصة). و النّسائي في سننه و أحمد في مسنده (2)
و أبو يونس مولى عائشة، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين. أخرج حديثه مسلم و أبو داود و الترمذي و النّسائي و البخاري في الأدب المفرد. تقريب التهذيب 2/ 492.
.و في تفسير الآية بتفسير الطبري و الدّر المنثور للسيوطي، و أخرج
1) فصل الخطاب، ص 174 و 175.
2) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر 1/ 437- 438؛ و سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب وقت صلاة العصر 1/ 112؛ و سنن الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة 11/ 105؛ و سنن النّسائي، كتاب الصّلاة، باب المحافظة على صلاة العصر 1/ 82- 83؛ و موطأ مالك، كتاب الصلاة، باب الصلاة الوسطى 1/ 157- 158؛ و تفسير الآية في الدرّ المنثور 1/ 302 و 303. و في فتح الباري 9/ 265؛ و مسند أحمد 6/ 73 و 878 منه؛ و فصل الخطاب، ص 174- 175.
عبد الرزّاق و البخاري في تاريخه و ابن أبي داود في المصاحف عن أبي رافع مولى حفصة، قال: استكتبتني حفصة مصحفا، فقالت: إذا أتيت على هذه الآية فتعال حتّى امليها عليك كما قرأتها.
فلمّا أتيت على هذه الآية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ....
قالت: اكتب: (حافظوا على الصّلوات و الصّلاة الوسطى، و صلاة العصر).
فلقيت ابيّ بن كعب فقلت: أبا المنذر، إنّ حفصة قالت كذا و كذا.
فقال: هو كما قالت (1)
و أبو رافع مولى حفصة، لعلّه نفيع الصائغ المدني مولى آل عمر، أدرك الجاهلية، ثقة، ثبت، مشهور بكنيته. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح، و موته قريب من موت أنس. تذكرة الحفاظ، ص 60؛ و تقريب التهذيب 2/ 306.
.و أخرج وكيع و ابن أبي شيبة في المصنف و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن أبي داود في المصاحف و ابن المنذر عن عبد اللّه بن رافع عن امّ سلمة، أنّها أمرته أن يكتب لها مصحفا.
فلمّا بلغت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى قالت: اكتب:
(حافظوا على الصّلوات و الصّلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا للّه قانتين) (2).
1) الدّر المنثور 1/ 302؛ و في موطأ مالك، كتاب الصّلاة، باب الصلاة الوسطى 1/ 158 عن عمرو بن رافع. و في لفظه بعد الصلاة الوسطى: وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ. و عبد الرزّاق في المصنف، كتاب الطّهارة، باب صلاة الوسطى، الحديث رقم 2202؛ و تفسير الطبري 2/ 343؛ و المصاحف لابن أبي داود، ص 85- 86.
2) الدّر المنثور 1/ 303؛ و المصاحف لابن أبي داود، ص 87.
و رواها- أيضا- بتفسير الآية القرطبي و الرازي عن عائشة و الزمخشري عن حفصة، و في لفظه، قالت:
(لا تكتبها حتّى امليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها ...) الحديث.
و قال: و روي عن عائشة و ابن عباس (رض): و الصّلاة الوسطى و صلاة العصر (1).
نقل النوري عن الاستيعاب و الإتقان و غيرهما، أنّ الإمام عليّا آلى بعد وفاة النبيّ أن لا يرتدي حتّى يجمع القرآن، و أنّه رتّب القرآن على حسب نزوله (2)
و الإمام عليّ (ع) ترجم له في الجزء الأوّل، ص 133، الطبعة الرابعة من كتاب معالم المدرستين.
.و روى السيوطي عن ابن حجر عن ابن أبي داود، أنّ الإمام عليّا جمع القرآن على ترتيب نزوله عقيب موت النبيّ (ص) (3).
و في الاستيعاب عن ابن سيرين أنّه قال: بلغني أنّه كتب على تنزيله، و لو
اصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
و في الإتقان، قال ابن سيرين: تطلبت ذلك الكتاب و كتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه (1).
و قال اليعقوبي و روى ما موجزه:
أنّ عليّ بن أبي طالب جمع القرآن لما توفّي رسول اللّه (ص) و أتى به و قال:
(هذا القرآن قد جمعته).
و قال: و كان قد جزّأه سبعة أجزاء، في كلّ جزء 886 آية و نقل كيفية تقسيم السور على الأجزاء (2).
و نحن لا نعرف صحّة ما زعمه.
و قال السيوطي في الإتقان:
(إنّ جمهور العلماء اتّفقوا على أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة. و أنّ ابن فارس استدلّ لذلك بأنّ منهم من رتّبها على النزول، و هو مصحف عليّ، كان أوّله: اقرأ ثمّ نون ثمّ المزمل ثمّ تبّت ثمّ التكوير ...)، هكذا ذكر السور إلى آخر المكّي ثمّ المدني (3)
و ابن فارس اللغوي أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي المالكي الهمداني، من تصانيفه: جامع التأويل في تفسير التنزيل. هدية العارفين 1/ 68.
.أوّلا- ترتيب السور فيه:
نقل السيوطي عن ترتيب السور في مصحفه و قال:
هذا تأليف مصحف ابيّ: (الحمد، البقرة، النّساء ... إلى قوله: الفلق ثمّ الناس) (1).
ثانيا- قد رووا الكثير في اختلاف القراءة بين مصحف ابيّ و غيره من مصاحف الصحابة (2). و نكتفي بما ذكرناه في ما سبق في ذكر السور الأربع المزعومات، و ما نضطر إلى ذكره خلال البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.
و في تفسير الطبري عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفا فقال: هذا على قراءة ابيّ قال: و فيه فما استمتعتم به منهنّ- إلى أجل مسمّى (3)-.
أوّلا- ترتيب السور فيه:
روى في الإتقان كيفية ترتيب مصحف ابن مسعود كالآتي:
(البقرة و النّساء و آل عمران ... إلى قوله: و أ لم نشرح و ليس فيه الحمد و لا المعوذتان) (4).
ثانيا- اختلاف القراءات في مصحفه عن غيره من مصاحف الصحابة و ما روي عنه في نقصان القرآن- معاذ اللّه- فسيأتي ذكر ما نضطر إلى ذكره
خلال البحوث إن شاء اللّه تعالى، بالإضافة إلى ذكر ما روي عنه في الفاتحة و المعوّذتين.
كان ذلكم ما رووا عن شأن القرآن في عصر الصحابة، و قالوا عن شأن القرآن في عصر الحجّاج ما يأتي:
قال ابن أبي داود في هذا الباب من كتابه اختلاف المصاحف، باب ما كتب الحجّاج بن يوسف في المصحف:
(بسنده عن عوف بن أبي جميلة أنّ الحجّاج بن يوسف غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفا، قال: كانت في سورة البقرة/ 259 (لم يتسنّ و انظر) فغيّرها (لَمْ يَتَسَنَّهْ) بالهاء ...).
و قال:
كانت في سورة يونس/ 22 (هو الّذي ينشّركم) فغيّره (يُسَيِّرُكُمْ).
و قال:
و كانت في سورة محمّد/ 15 (من ماء غير ياسن) فغيّرها (مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ).
و كانت في سورة الحديد/ 7 (فالّذين آمنوا منكم و اتّقوا منكم لهم أجر كبير) فغيّرها (مِنْكُمْ وَ أَنْفَقُوا) (1)و هكذا أتمّ عدد الأحد عشر تغييرا على حدّ زعمه.
1) المصاحف لابن أبي داود، ص 49- 50.
أوردنا بعض أخبار اختلاف المصاحف و بعض روايات الزيادة و النقيصة في القرآن الكريم في هذا البحث، و أوردنا قبله روايات جمع القرآن، و لا بدّ في دراسة المجموعتين من إيراد بحوث مفصّلة سوف نوردها في آخر الكتاب، و ندرس إن شاء اللّه تعالى في ضوئها جميع الأخبار الواردة في هذا المجلّد، و في ما يأتي ندرس بحوله تعالى روايات السبعة أحرف.
أشار الشيخ النوري في الدليل العاشر من كتابه إلى روايات السبعة أحرف، و نحن نخرجها أدناه بإيجاز من مصادرها بحوله تعالى:
في صحيحي البخاري و مسلم و سنن أبي داود و النّسائي و الترمذي و ابن ماجة و مسند أحمد و تفسير الطبري و أسد الغابة بسندهم عن:
أنّه قال:
سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللّه (ص)، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه (ص)، فكدت اساوره في الصلاة، فتصبرت حتّى سلّم فلببته بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة الّتي سمعتك تقرأ؟
قال: أقرأنيها رسول اللّه (ص)، فقلت: كذبت، فإنّ رسول اللّه (ص) قد أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه (ص)، فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها.
فقال رسول اللّه (ص): أرسله، اقرأ يا هشام! فقرأ عليه القراءة الّتي سمعته يقرأ، فقال رسول اللّه (ص): كذلك أنزلت.
ثمّ قال: اقرأ يا عمر! فقرأت القراءة الّتي أقرأني، فقال رسول اللّه (ص):
كذلك انزلت. إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا (1)ما تيسّر منه (2)
و كتاب التوحيد باب قول اللّه تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ 4/ 204، و كتاب استتابة المرتدّين، باب ما جاء في المتأولين 4/ 132، و كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض 2/ 41.
و مسند الطيالسي، ح 40، ص 9.
و صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، الحديث 270 و 271، ص 560 و 561.
و سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب انزل القرآن على سبعة أحرف 2/ 75.
و سنن النّسائي، كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن 1/ 149.
و سنن الترمذي، أبواب القراءات، باب ما جاء: انزل القرآن على سبعة أحرف 11/ 62.
و تفسير الطبري 1/ 10.
و مسند أحمد 1/ 24 و 40 و 42.
و لببته بردائه: أخذته بردائه من عنقه و جررته.
و هشام بن حكيم بن حزام القرشي الأسدي، صحابي ابن صحابي. أخرج حديثه مسلم و أبو داود و النّسائي. قيل استشهد بأجنادين. رووا عنه ستّة أحاديث. جوامع السيرة لابن حزم، ص 288 و ترجمته في تقريب التهذيب و أسد الغابة.
.و في رواية بتفسير الطبري ما موجزها:
قرأ رجل عند عمر فغيّر عليه، فقال: لقد قرأت على رسول اللّه (ص)، فلم يغيّر عليّ، فاختصما عند النبيّ (ص)، فقال: يا رسول اللّه (ص)! أ لم تقرئني آية كذا و كذا؟
قال: بلى.
فوقع في صدر عمر شيء.ة.
فعرف النبيّ (ص) ذلك في وجهه، قال: فضرب صدره و قال: أبعد شيطانا، قالها ثلاثا.
ثمّ قال: يا عمر! إنّ القرآن كلّه صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة (1).
و في رواية بعدها قال: انزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف (2).
في مسند أحمد و تفسير الطبري: عن امّ أيّوب قالت: قال رسول اللّه (ص): نزل القرآن على سبعة أحرف، أيّها قرأت أجزاك.
و في تفسير الطبري: أيّما قرأت أصبت (3)
و امّ أيّوب بنت قيس بن عمرو الخزرجي، زوجة أبي أيّوب، رووا عنها ثلاثة أحاديث. أخرج حديثها أبو داود و ابن ماجة، ترجمتها في أسد الغابة 5/ 568؛ و تقريب التهذيب 2/ 619؛ و جوامع السيرة، ص 293.
.في مسند أحمد قال: سمع عمرو بن العاص رجلا يقرأ آية من القرآن، فقال:
من أقرأكها؟ قال: رسول اللّه (ص).
قال: فقد أقرأنيها رسول اللّه على غير هذا.
فذهبا إلى رسول اللّه (ص). فقال أحدهما: آية كذا و كذا ثمّ قرأها.
فقال رسول اللّه (ص): هكذا انزلت.
فقال الآخر: يا رسول اللّه! فقرأها على رسول اللّه (ص)، فقال: أ ليس هكذا يا رسول اللّه؟
قال: هكذا أنزلت؟
فقال رسول اللّه (ص): إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم فقد أحسنتم، و لا تماروا فيه. فإنّ المراء فيه كفر أو آية الكفر (1).
في مسند أحمد، قال أبو جهيم:
إنّ رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول اللّه (ص).
و قال الآخر: تلقيتها من رسول اللّه (ص).
فسألا النبيّ (ص).
فقال: القرآن يقرأ على سبعة أحرف. فلا تماروا في القرآن، فإنّ مراء (2)في القرآن كفر (3)
و أبو جهيم بن عبد اللّه بن الصمة بن عمر الأنصاري. اختلفوا في اسمه و اسم أبيه. ابن اخت ابيّ ابن كعب، صحابي معروف بقي إلى خلافة معاوية، أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح، ترجمته في تقريب التهذيب 2/ 407.
.في صحيح مسلم و غيره و اللفظ لمسلم قال:
كنت في المسجد فدخل رجل يصلّي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثمّ دخل
آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه.
فلمّا قضينا الصلاة، دخلنا جميعا على رسول اللّه (ص)، فقلت: إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، و دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه.
فأمرهما رسول اللّه (ص) فقرءا، فحسن النبيّ (ص) شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، و لا إذ كنت في الجاهلية، فلمّا رأى رسول اللّه (ص) ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، و كأنّما أنظر إلى اللّه عزّ و جلّ فرقا.
فقال لي: يا ابيّ! ارسل إليّ: أن اقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه: أن هون على امّتي.
فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين. فرددت إليه: أن هون على امّتي.
فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف (1)
الحديث 273، ص 561 و ح: 274، ص 562- 563.
فسقط في نفسي من التكذيب و لا إذ كنت في الجاهلية، معناه: وسوس لي الشيطان تكذيبا للنبوّة أشدّ ممّا كنت عليه في الجاهلية. لأنّه في الجاهلية كان غافلا أو متشككا. فوسوس لي الشيطان الجزم بالتكذيب.
قال القاضي عياض: معنى قوله: سقط في نفسي، أنّه اعترته حيرة و دهشة.
قال: و قوله: و لا إذ كنت في الجاهلية، معناه أنّ الشيطان نزغ في نفسه تكذيبا لم يعتقده. قال:
و هذه الخواطر إذا لم يستمر عليها، لا يؤاخذ بها.
قال القاضي: قال المازريّ: معنى هذا أنّه وقع في نفس ابيّ بن كعب نزغة من الشيطان غير مستقرة ثمّ زالت في الحال، حين ضربه النبيّ (ص) بيده في صدره ففاض عرقا.
و (ضرب في صدري ففضت عرقا) قال القاضي: ضربه (ص) في صدره تثبيتا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم قال: و يقال: فضت عرقا و فصت. بالضاد المعجمة و الصاد المهملة. قال و روايتنا هنا بالمعجمة. قال النوويّ: و كذا هو في معظم اصول بلادنا. و في بعضها بالمهملة.
.ة.1) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
و في لفظ الطبري:
فأمرني أن أقرأ على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنّة كلّها شاف (1)
و سنن النّسائي 1/ 150؛ و مسند 5/ 122، و قريب منه في 5/ 127.
.و في رواية اخرى، قال:
ما حاك في صدري منذ أسلمت إلّا أنّي قرأت آية، و قرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول اللّه (ص).
و قال الآخر: أقرأنيها رسول اللّه (ص). فأتيت النبيّ (ص)، فقلت يا نبيّ اللّه! أقرأتني آية كذا و كذا؟
قال: نعم.
و قال الآخر: أ لم تقرئني آية كذا و كذا؟ القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 128 ه - ابي بن كعب ..... ص : 126
ل: نعم، إنّ جبريل و ميكائيل (ع) أتياني، فقعد جبريل عن يميني و ميكائيل عن يساري، فقال جبريل (ع): اقرأ القرآن على حرف.
فقال ميكائيل: استزده استزده حتّى بلغ سبعة أحرف، فكلّ حرف شاف كاف (2).
و في رواية اخرى، بسنن أبي داود:ق.
ليس منها إلّا شاف و كاف. إن قلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (1).
و في رواية اخرى بسنن النّسائي:
قال رسول اللّه (ص) لكلّ منهما حين قرأ ما يخالف الآخر: أحسنت (2).
و في رواية اخرى عند الطبري:
فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنّة، كلّها شاف كاف (3).
و في لفظ رواية اخرى عنده:
فقرأت النحل، ثمّ جاء رجل آخر، فقرأها على غير قراءتي، ثمّ دخل رجل آخر، فقرأ بخلاف قراءتنا. فدخل في نفسي من الشكّ و التكذيب أشدّ ممّا كان في الجاهلية، فأخذت بأيديهما، فأتيت بهما النبيّ (ص)، فقلت: يا رسول اللّه (ص)! استقرئ هذين.
فقرأ أحدهما.
فقال: أصبت.
ثمّ استقرأ الآخر، فقال: أصبت.
فدخل قلبي أشدّ ممّا كان في الجاهلية من الشكّ و التكذيب، فضرب رسول اللّه (ص) صدري، و قال: أعاذك اللّه من الشكّ و أخسأ عنك الشيطان ...
الحديث (4).ق.
و في رواية اخرى عنده:
فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنّة، كلّها شاف كاف (1).
و في مسند أحمد، قال ابيّ:
قرأت آية، و قرأ ابن مسعود خلافها. فأتيت النبيّ (ص)، فقلت: أ لم تقرئني آية كذا و كذا؟
قال: بلى.
فقال ابن مسعود: أ لم تقرئنيها كذا و كذا؟
فقال: بلى، كلا كما محسن مجمل.
قال: فقلت له (2)فضرب صدري، فقال: يا ابيّ بن كعب! إنّي قرأت القرآن، فقيل لي: على حرف أو على حرفين، قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين.
فقلت: على حرفين؟ فقال على حرفين أو ثلاثة- و استمرّت المحاورة- حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف.
إن قلت: غفورا رحيما، أو قلت: سميعا عليما، أو: عليما سميعا، فاللّه كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (3).
و في رواية اخرى:
إنّ امّتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف، فليقرأ كما علّم و لا يرجع عنه ... فلا يتحوّل منه إلى غيره رغبة عنه (4).5.
و رووا عن لسان ابيّ محاورة الرسول (ص) مع جبريل كالآتي:
في صحيح مسلم و غيره و اللفظ لمسلم، قال أبيّ:
أتى جبريل رسول اللّه (ص) عند إضاءة بني غفار، فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تقرئ امّتك القرآن على حرف.
فقال: أسأل اللّه معافاته و مغفرته، و إنّ امّتي لا تطيق ذلك.
ثمّ أتاه الثانية، فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تقرئ امّتك القرآن على حرفين.
فقال: أسأل اللّه معافاته و مغفرته، و إنّ أمّتي لا تطيق ذلك.
ثمّ جاءه الثالثة، فقال: إنّ اللّه يأمرك أنّ تقرئ امّتك القرآن على ثلاثة أحرف.
فقال: أسأل اللّه معافاته و مغفرته، و إنّ امّتي لا تطيق ذلك.
ثمّ جاءه الرابعة، فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تقرئ امّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (1)
و إضاءة بني غفار، الإضاءة- بفتح الهمزة و تخفيف الضاد بوزن حصاة- هو الغدير.
.و في رواية اخرى قال ابيّ:
لقي رسول اللّه (ص) جبريل عند أحجار المراء، فقال: يا جبريل! إنّي بعثت إلى امّة امّيين، منهم العجوز و الشيخ الكبير و الغلام و الجارية و الرجل الّذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمّد! إنّ القرآن انزل على سبعة أحرف (2)
و أحجار المراء لم أجد ترجمتها في البلدانيات.
.ت.و روى أحمد هذه الرواية عن حذيفة- أيضا- (1).
و في مسند أحمد و تفسير الطبري، و اللفظ للأوّل:
عن أبي بكرة:
إنّ جبريل (ع) قال: يا محمد! اقرأ القرآن على حرف.
قال ميكائيل: استزده، حتّى بلغ سبعة أحرف، قال: كلّ شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، و آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال و أقبل و هلمّ، و اذهب و أسرع و عجّل.
و في لفظ الطبري، كقولك: هلمّ و تعال (2).
في مسند أحمد و تفسير الطبري: قال أبو هريرة، قال رسول اللّه (ص):
أنزل القرآن على سبعة أحرف: عليما حكيما، غفورا رحيما (3).
و في رواية:
عليم حكيم، غفور رحيم (4).
و في رواية:
قال أبو هريرة: إنّ رسول اللّه (ص) قال:
إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا و لا حرج، و لكن لا تختموا
ذكر رحمة بعذاب و لا ذكر عذاب برحمة (1).
في صحيح البخاري، قال ابن مسعود:
سمعت رجلا قرأ آية، سمعت من النبيّ (ص) خلافها، فأخذت بيده، فأتيت به رسول اللّه (ص)، فقال: كلاكما محسن. لا تختلفوا، إنّ من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا (2).
و في مسند أحمد:
سمعت رجلا يقرأ الأحقاف، فقرأ و قرأ رجل آخر حرفا لم يقرأه صاحبه، و قرأت أحرفا لم يقرأها صاحباي، فانطلقنا إلى النبيّ (ص) فأخبرناه، فقال:
لا تختلفوا فإنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم، ثمّ قال: انظروا أقرأكم، فخذوا بقراءته (3).
و في مستدرك الحاكم و تلخيصه:
قال عبد اللّه:
أقرأني رسول اللّه (ص) سورة (حم)، و رحت إلى المسجد عشية فجلس إليّ رهط، فقلت لرجل من الرهط: اقرأ عليّ، فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرأها، فقلت له: من أقرأكها؟
قال: أقرأني رسول اللّه (ص).
فانطلقنا إلى رسول اللّه (ص) و إذا عنده رجل، فقلت له: اختلفنا في قراءتنا، فإذا وجه رسول اللّه (ص) قد تغيّر و وجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف، فقال: إنّما أهلك من قبلكم الاختلاف.
ثمّ أسرّ إلى عليّ، فقال عليّ: إنّ رسول اللّه (ص) يأمركم أن يقرأ كلّ رجل منكم كما علّم.
فانطلقنا و كلّ رجل منا يقرأ حروفا لا يقرؤها (1)صاحبه (2).
و في تفسير الطبري و مسند أحمد، قالا ما موجزه:
لمّا خرج ابن مسعود من الكوفة، اجتمع إليه أصحابه فودّعهم، ثمّ قال:
لا تنازعوا في القرآن، فإنّه لا يختلف ... و إنّ شريعة الإسلام و حدوده و فرائضه فيه واحدة، و لو كان شيء من الحرفين ينهى عن شيء يأمر به الآخر كان ذلك الاختلاف ... و لقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول اللّه (ص) فيأمرنا، فنقرأ عليه، فيخبرنا أنّ كلّنا محسن ...، و لقد قرأت من لسان رسول اللّه (ص) سبعين سورة.
و كان يعرض عليه القرآن في كلّ رمضان. و عرض عليه في عام قبض مرّتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أنّي محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنّها رغبة عنها، و من قرأ شيئا من هذه الحروف فلا يدعنّه رغبة عنه، فمن جحد بآية جحد به كلّه (3).
و في رواية بمسند أحمد، قال:ي.
... إنّ هذا القرآن أنزل على حروف، و اللّه إن كان الرجلان ليختصمان أشدّ ما اختصما في شيء قطّ. فإذا قال القارئ: هذا أقرأني، قال: أحسنت، و إذا قال الآخر، قال: كلاكما محسن ... فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه، و من قرأه على شيء من تلك الحروف الّتي علم رسول اللّه (ص)، فلا يدعه رغبة عنه، فانّه من يجحد بآية منه يجحد به كلّه، فإنّما هو كقول أحدكم لصاحبه: أعجل و حيّ هلا ... و إنّي عرضت في العام الّذي قبض فيه مرّتين، فأنبأني أنّي محسن، و قد قرأت من في رسول اللّه سبعين سورة (1).
نجد في الروايات الآنفة:
إنّ هشام بن حكيم قرأ سورة الفرقان على حروف تخالف قراءة عمر بن الخطاب.
و أنّ ابن مسعود و اثنين آخرين اختلفت قراءاتهم لسورة الأحقاف.
و في رواية: في سورة (حم).
و أنّ تبيّا اختلفت قراءته مع ابن مسعود في آيات من القرآن.
و أنّه- أيضا- اختلفت قراءته مع قراءتين لرجلين آخرين في سورة النّحل.
و أنّ عمرو بن العاص اختلفت قراءته لآية مع قراءة رجل آخر.
و أنّهم جميعا تحاكموا إلى الرسول (ص)، و أنّه استقرأ كلّ واحد منهم على حدة، و قال لكلّ واحد حين قرأ ما يخالف الآخر: أحسنت أو أصبت، هكذا نزلت السورة أو الآية.
1) مسند أحمد 1/ 405.
و أنّه وقع في صدر عمر شيء من ذلك، فضرب الرسول (ص) صدره، و قال ثلاثا: أبعد شيطانا! و أنّه دخل في نفس ابيّ من الشكّ و التكذيب للنبوّة أشدّ ممّا كان في الجاهلية، و أنّ الرسول ضرب صدره- أيضا- و قال له: أعاذك اللّه من الشّكّ و أخسأ عنك الشيطان.
و رووا في بيان ذلك:
أنّ جبريل قعد عن يمين الرسول (ص) و ميكائيل عن يساره، فقال له جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، استزده حتّى بلغ سبعة أحرف، كلّها شاف كاف.
و في رواية:
لقي رسول اللّه (ص) جبريل عند أحجار المراء، فقال: يا جبريل! إنّي بعثت إلى امّة أمّيين، منهم العجوز و الشيخ الكبير و ... و الرجل الّذي لم يقرأ كتابا قط، فقال: يا محمّد! إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
و في رواية:
أنّ جبريل أتى رسول اللّه (ص) في اضاءة بني غفار، و قال له: إنّ اللّه يأمرك أن تقرئ امّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوا عليه، فقد أصابوا.
و في رواية أنّ جبريل قال لرسول اللّه (ص):
إنّ امّتك يقرءون على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف، فليقرأ كما علم و لا يرجع عنه ... فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه.
و في رواية: أنّ الرسول (ص) قال:
انزل القرآن على سبعة أحرف، من سبعة أبواب الجنّة، كلّها شاف، فاقرءوا ما تيسر منه، و أيّ ذلك قرأتم فقد أحسنتم، فقد أصبتم.
و قال: أيّ حرف قرءوا أصابوا.
و قال لبعضهم: أيّ حرف قرأت أجزأك، و أيّما قرأت أصبت، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب.
و في رواية، قال:
ان قلت: غفورا رحيما، أو سميعا عليما، أو عليما سميعا، فاللّه كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال و أقبل و هلمّ، و اذهب و أسرع و عجّل.
و في رواية أبي هريرة:
انزل القرآن على سبعة أحرف: عليما حكيما، غفورا رحيما.
و في رواية الصحابيين عمرو بن العاص و أبي جهيم و اللفظ للأوّل:
أنّ الرسول (ص) قال:
و لا تماروا فيه، فإنّ المراء فيه كفر أو آية الكفر.
و في رواية ابن مسعود:
أنّ الرسول أقرأه سورة (حم) و سمع رجلا في المسجد يقرأ حروفا لا يقرأها، فانطلقا إلى رسول اللّه (ص)، و قال ابن مسعود للرسول (ص): اختلفنا في قراءتنا، فتغيّر وجهه، و وجد في نفسه، و قال: أهلك من قبلكم الاختلاف.
و أسرّ إلى عليّ، فقال عليّ: إنّ الرسول يأمركم أن يقرأ كلّ رجل منكم كما علّم، فانطلقا و كلّ واحد منهم يقرأ حروفا لا يقرأها صاحبه.
و في رواية، قال ابن مسعود:
من قرأ على شيء من تلك الحروف الّتي علّم رسول اللّه (ص) فلا يدعه رغبة عنه، فإنّ من يجحد بآية منه جحد به كلّه. فإنّما هو كقول أحدكم لصاحبه:
أعجل و حيّ هلا.
إنّ هؤلاء الرواة قالوا: لك أن تبدّل كلام اللّه بكلامك لو شئت بمحض رغبتك! لا حرج عليك في ذلك! لأنّ اللّه و رسوله قد أذنا للنّاس، كلّ النّاس أن يحرّفوا القرآن كلّ القرآن، على أن يحتفظوا بأمرين:
1- ألّا يزيد عدد التحريف في الكلمة الواحدة على سبعة أنواع من التحريف! 2- ألّا يتبدّل بالتحريف آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب، و ألّا يتبدّل الحلال بالحرام و لا الحرام بالحلال! و هنا يرد سؤال، و هو:
هل تجرّأ أحد من المسلمين على ذلك و فعله!؟
هذا ما سنفهمه- إن شاء اللّه- في بحث القراءات.
و الّذي ينبغي أن نقوله هنا:
إنّه لم يسمع عن كاتب أو شاعر من البشر في غابر الدهر و لا حاضره أن يكون قد سمح للناس كلّ الناس أن يغيّروا من لفظه ما شاءوا كما شاءوا بشرط أن يحافظوا- مثلا- على المدح كي لا يتبدّل بالذمّ و على الذمّ كي لا يتبدّل بالمدح، بل الّذي شاهدناه في عصرنا أنّهم يحاسبون أصحاب المطابع عن الخطأ في نسخ كلمة بدل اخرى إلّا أن يكون الكاتب أو الشاعر خرفا لا يعي ما يقول
و ما يصنع مع قوله.
هكذا شأن البشر في ما يخصّ انتاجهم شعرا كان أو نثرا موزونا كان النثر أو غير موزون.
أما شأن كلام اللّه: القرآن فهو موزون في جميع جوانبه:
موزون في إيراد المعاني في السور! موزون في التعبير اللفظي في الآيات! موزون في إيراد الكلمة في الجمل! موزون في إيراد الحروف في كلّ ذلك! و يفسد كلّ تلك الأوزان تبديل كلمة واحدة منها بغيرها.
هكذا شأن القرآن كلام اللّه المجيد، بل إنّ شأنه أعظم من هذا و أعظم.
و أمّا شأن تلكم الروايات المصرّحة أنّ اللّه قد رضي بأن يبدل البشر كلامه، و أنّ رسوله بلّغ أصحابه بذلك، فسندرسه- بإذنه تعالى- بعد إيراد أقوال العلماء في توجيه تلكم الروايات في ما يأتي:
أدرك علماء مدرسة الخلفاء عظم الكارثة على المسلمين في روايات الإنساء، و السبعة أحرف و السبعة أوجه. فاجتهدوا و عالجوا روايات الإنساء بالقول بالنسخ.
و أخطئوا، كما سنبيّنه في ما سيأتي بحوله تعالى. و اجتهدوا أيضا و عالجوا روايات السبعة أحرف بأقوال كثيرة، بلغت في عصر ابن حبّان (ت: 354 ه) خمسة و ثلاثين اجتهادا خاطئا، حيث قال:
(اختلف الناس فيها على خمسة و ثلاثين قولا) (1).
و بلغت في عصر ابن حجر (ت: 852 ه) على نحو أربعين قولا.
و بعد أن أورد معظمها، قال: (و منها أشياء لا أفهم معناها) (2).
و كان كلّ واحد من اولئك العلماء يردّ قول الآخر و اجتهاده. و نحن نرجع في ما يأتي إلى الطبري إمام المفسّرين بمدرسة الخلفاء، و ندرس أهمّ ما نقل من اجتهاداتهم في الباب و أشهرها، بإذن اللّه تعالى.
اجتهد بعض العلماء، و حاول أن يجمع بين روايات السبعة الأحرف
الماضية و روايات اخرى جاء فيها لفظ سبعة أحرف، كالآتي:
في تفسير الطبري و مسند أحمد و اللفظ للأوّل: عن ابن مسعود قال:
كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد و على حرف واحد. و نزل القرآن من سبعة أبواب و على سبعة أحرف: زجر و أمر و حلال و حرام و محكم و متشابه و أمثال، فأحلّوا حلاله و حرّموا حرامه، و افعلوا ما امرتم به، و انتهوا عمّا نهيتم عنه، و اعتبروا بأمثاله و اعملوا بمحكمه و آمنوا بمتشابهه، و قولوا: آمنا به كلّ من عند ربّنا (1).
و في رواية اخرى:
خمسة أحرف، بدون (زجر و أمر) (2).
و روى الطبري عن أبي قلابة:
أنّ النبي قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر و زجر و ترغيب و ترهيب و جدل و قصص و مثل (3)
و أبو قلابة، عبد اللّه بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، كثير الإرسال. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. توفّي سنة 104 ه بالشام. تقريب التهذيب 1/ 417.
.و اختلفوا في تعيين المقصود من السبعة أوجه. و ذكروا أنواعا من التوجيه و التأويل، كالآتي:
الأوّل: أنّ المقصود من الحروف السبعة، وجوه سبعة. ثمّ اختلفوا في تعيين تلك الوجوه، فقال بعضهم، انّ الأوجه السبعة:7.
حلال و حرام و أمر و نهي و زجر و خبر ما هو كائن بعد و أمثال.
و قال الآخر:
وعد و وعيد و حلال و حرام و مواعظ و أمثال و احتجاج.
و قال الثالث:
زجر و أمر و حلال و حرام و محكم و متشابه و أمثال. إلى غيرها من الأقوال (1).
و قد أطال الطبري في ردّ هذه الأقوال، و قال ما موجزه:
لو كان تماري الصحابة في ما تماروا فيه تماريا و اختلافا في ما دلّت عليه تلاوتهم من التحليل و التحريم و ما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يصوّب الرسول (ص) جميعهم، و يأمر كلّ قارئ أن يلزم قراءته على النحو الّذي عليه.
لأنّ ذلك لو صحّ كان اللّه- جلّ ثناؤه- قد أمر بفعل شيء في تلاوة من دلّت تلاوته على وجوب ذلك الفعل و نهى عنه في تلاوة من دلّت تلاوته على النهي، و أباحه في تلاوة من دلّت تلاوته على التخيير.
في حين أنّ اللّه لم ينزل كتابه إلّا بحكم واحد لجميع خلقه، لا بأحكام مختلفة. و أنّ النبيّ (ص) لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين (2).
قال ابن الأثير في مادّة الحرف بنهاية اللّغة:
أراد بالحرف: اللّغة، يعني سبع لغات من لغات العرب، أي أنّها متفرقة في
القرآن، فبعضه بلغة قريش، و بعضه بلغة هذيل، و بعضه بلغة هوازن، و بعضه بلغة اليمن.
و قال: و ممّا يبيّن ذلك، قول ابن مسعود:
إنّي قد سمعت القرّاء فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنّما هو كقول أحدكم: هلمّ و تعال و أقبل (1).
و قال غير ابن الأثير:
الأحرف السبعة: هي اللّغات السبع، و خمس منها: لهوازن و اثنتان لسائر العرب.
و قال الآخر: أربع لعجز هوازن، سعد و جشم و نظر، و ثلاث لقريش.
و قال الثالث: هي لقريش و اليمن و جرهم و هوازن و قضاعة و تميم و طيّئ.
و قال الرابع: سبع لغات لكعب بن عمرو و كعب بن لؤي.
و قال الخامس: سبع لغات متفرقة، لجميع العرب كلّ منها لقبيلة مشهورة (2).
و ردّ الطبري هذا القول: بأنّ الصحابة تماروا في تلاوة بعض القرآن و سورة منه، و اختلفوا في قراءته دون تأويله، و أنكر بعضهم قراءة بعض في السورة الواحدة.
و لو كانت الأحرف السبعة: لغات متفرقة في جميع القرآن، فلا موجب للاختلاف. و إنّما قال الرسول (ص): إنّما هو بمنزلة قولك: هلمّ و تعال.
و إنّ الأحرف السبعة الّتي أنزل اللّه بها القرآن هي لغات سبعة في حرف واحد و كلمة واحدة باختلاف الألفاظ و اتّفاق المعاني. كقول القائل: هلمّ و تعال و أقبل و إليّ و قصدي و نحوي و قربي.ن.
و نحو ذلك ممّا تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق و تتّفق فيه المعاني، و إن اختلفت بالبيان به الألسن (1).
هكذا ردّ الطبري النوعين من التوجيه و التأويل، ثمّ حاول أن يجمع بين روايات السبعة أحرف و السبعة أوجه من الحلال و الحرام و غيرهما، و قال ما موجزه:
إنّ الرسول (ص) أخبر عمّا خصّ اللّه رسوله و امّته من الفضيلة و الكرامة الّتي لم يؤت بها أحد من قبل، و ذلك أنّه أنزل الكتب السابقة بلسان واحد و وجه واحد، و أنزل القرآن على سبعة أحرف و سبعة أوجه، ثمّ فسّر السبعة أحرف بأنّ اللّه أنزل الكتب السابقة بلسان واحد، متى حوّل عنه إلى لسان آخر كان ذلك اللسان ترجمة له و تفسيرا، و ليس تلاوة له على ما أنزله اللّه.
و أنزل كتابا بألسن سبعة بأيّها تلي كانت التلاوة على ما أنزله اللّه، و ليست ترجمة و تفسيرا للقرآن حتّى يحوّل عن تلك الألسن السبعة إلى لسان آخر و حرف آخر فيكون عندئذ ترجمة للقرآن و تفسيرا، و ليس تأويلا للقرآن.
و فسّر الأوجه السبعة بأنّ كلّا من الكتب السابقة نزل من باب واحد، خاليا من الحدود و الأحكام و الحلال و الحرام، كزبور داود و الّذي هو تذكير و مواعظ. و إنجيل عيسى الّذي هو تمجيد، و حضّ على الصّفح و الإكرام دون غيرها من الأحكام و الشرائع و ما أشبه ذلك ... فكان المتعبّدون بتلك الكتب ينالون الجنّة من وجه واحد و باب واحد من أبواب الجنّة الّذي نزل في كتابهم.
و خصّ اللّه نبيّنا و امّته بإنزال القرآن على سبعة أوجه من الوجوه الّتي يدخل العامل بكلّ وجه من أوجهه السبعة في باب من أبواب الجنّة الّذي نزل منه القرآن، فيدخل العامل بما أمر اللّه به من باب، و التارك لمّا نهى عنه من باب ثان،0.
1) تفسير الطبري 1/ 18- 20.
و المحلّ لمّا أحلّه اللّه من باب ثالث، و المحرّم لمّا حرّم اللّه من باب رابع، و المؤمن بمحكمه من باب خامس، و التسليم بمتشابهه من باب سادس، و الاتّعاظ بعظاته من باب سابع (1).
و بناء على ما نقلناه فإنّ الطبري فسّر الأحرف السبعة باللّغات السبع، و استدلّ لما اختار و قال ما موجزه:
إنّ الامّة امرت بحفظ القرآن و قراءته و خيّرت في قراءته بأيّ الأحرف السبعة شاءت، ثمّ إنّ الامّة- لعلة من العلل- أوجبت عليها الثبات على القراءة بحرف واحد و رفض القراءة بالأحرف الستّة الباقية.
ثمّ ذكر تلك العلّة، و روى أنّه لمّا استشهد جمع من القراء في معركة اليمامة، أمر أبو بكر زيد بن ثابت بكتابة القرآن، فكتبه في قطع الأدم و كسر الأكتاف و العسب، فلمّا توفّي أبو بكر جمعها عمر في صحيفة واحدة، فلمّا توفّي عمر كانت تلك الصحيفة عند حفصة، و على عهد عثمان أخبر حذيفة عثمان بتكفير أهل العراق أهل الشام لقراءتهم القرآن بقراءة ابيّ، و تكفير أهل الشام أهل العراق لقراءتهم القرآن بقراءة ابن مسعود، فأمر عثمان زيد بن ثابت بكتابة القرآن، فنسخه في مصحف، و عرضه فلم يجد فيه آية من القرآن فاستعرض المهاجرين و الأنصار، فلم يجدها عندهم، و قد وجدها عند خزيمة بن ثابت فكتبها. ثمّ عرضه مرّة ثانية فلم يجد فيه آية اخرى، فاستعرض المهاجرين و الأنصار، فلم يجدها عند أحدهم، و وجدها أخيرا عند رجل آخر يدعى خزيمة- أيضا- فأثبتها في آخر براءة. و قال زيد: لو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة.
و في رواية:
أنّهم عند ما كانوا ينسخون القرآن ربّما اختلفوا في آية فيذكرون الرجل قد5.
1) تفسير الطبري 1/ 24- 25.
تلقاها من رسول اللّه (ص)، و لعلّه يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبل الآية و ما بعدها و يدعون موضعها حتّى يجيء الرجل، أو يرسل إليه. و أنّه لمّا فرغ زيد من نسخ المصحف، عرضه عثمان على الصحيفة الّتي عند حفصة فلم يختلفا في شيء.
و بعد ما انتهى عثمان من ذلك، كتب إلى أهل الأمصار:
أنّي صنعت كذا و كذا، و محوت ما عندي فامحوا ما عندكم.
ثمّ قال الطبري: أنّ عثمان جمعهم على قراءة واحدة خشية ارتدادهم عن الإسلام، لتكذيبهم بعض الأحرف السبعة الّتي نزل القرآن عليها مع نهي الرسول عن التكذيب بشيء منها، و إخباره أنّ المراء فيها كفر. فجمعهم على مصحف واحد و تلاوة حرف واحد و حرق ما عداه من المصاحف.
فتركت القراءة بالأحرف الستّة الّتي أمر بتركها حتّى درست من الامّة معرفتها، و تتابع المسلمون على رفض قراءتها من غير جحود لصحّة شيء منها.
فلا قراءة اليوم للمسلمين إلّا بالحرف الواحد الّذي اختاره لهم إمامهم- عثمان- لأنّهم كانوا مختارين في القراءة بأيّ الأحرف السبعة شاءوا، فإنّ أمر الرسول (ص) بقراءة السبعة أحرف كان أمر إباحة و رخصة، و لم يكن أمر إيجاب و فرض (1).
و نقول في جواب الطبري على ما اختاره تفسيرا للأوجه السبعة و الأحرف السبعة:
إنّ الرسل ينقسمون إلى: أصحاب شرائع ناسخة للشرائع السابقة، و من لم
1) تفسير الطبري 1/ 20- 22.
يأتوا بشريعة جديدة، و إنّما دعوا إلى شريعة سلفهم.
و كان من القسم الأوّل، الرسول الكريم موسى بن عمران (ع) الّذي جاء بشريعة جديدة لبني إسرائيل.
و من القسم الثاني: عيسى (ع). الّذي لم يأت بشريعة جديدة، و إنّما كان داعيا للعمل بشريعة موسى بن عمران (ع). كما سنشرح الأمرين- بحوله تعالى- في ما يأتي:
و نضرب مثالا لمن جاء من الرسل بشريعة جديدة تحوي العقائد و الأحكام الإسلامية، بما كان في شريعة موسى بن عمران لامّته من الحلال و الحرام و الأمر و النهي، كما بيّنه القرآن الكريم، و قال في ما أحلّ اللّه لهم و حرّم عليهم:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ.
(آل عمران/ 93) و قال:
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ ... وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ... (النّحل/ 115- 118) و راجع الأنعام/ 146.
و أخبرنا عن بعض ما أمرهم به و نهاهم عنه، في قوله تعالى:
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ .... (البقرة/ 83) وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ .... (النّساء/ 161) و أخبر عن زجرهم في قوله تعالى:
وَ جاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ
ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. (الأعراف/ 138، 139) و أخبر عن موعظته إيّاهم في قوله تعالى:
وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ....
(الأعراف/ 145) و أخبر عمّا واعدهم في قوله تعالى:
وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إلى قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً .... (البقرة/ 51- 58) و أخبر عمّا ضرب لهم من المثل بقوله تعالى:
أ- فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (البقرة/ 73) ب- مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ .... (الفتح/ 29) و أخبر عمّا جاء في شريعتهم من الاحتجاج بما دار بين نبيّيه موسى و هارون (ع) مع فرعون و قومه، في سورة الأعراف، و يونس، و هود، و طه، و غيرها.
و أخبر أنّه أخبرهم عمّا هو كائن في أخبارهم ببعثة خاتم الرّسل (ص) فقد قال:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة/ 146) و راجع الأنعام/ 20.
و أنّهم لمعرفتهم به، و ببركته كانوا يستفتحون باسمه في قتالهم مع المشركين قبل بعثته. و قال:
وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ- أي القرآن- مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ- في التوراة من خبر بعثته- وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا- أي: الّذي عرفوه- كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. (البقرة/ 89) أمّا المحكم و المتشابه في التوراة، فكان كلّ ما أوردناه من المحكمات في التوراة.
و أخبر عن وجود الأمر المشتبه عندهم في حكاية أمرهم بذبح البقرة، و قال:
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. (البقرة/ 70) و لو استعرضنا ما جاء في القرآن الكريم من أخبار بني إسرائيل و أنبيائهم، لوجدنا أمثلة كثيرة ممّا زعم الطبري و غيره من علماء مدرسة الخلفاء من أنّ اللّه خصّ هذه الامّة بسبع أو بخمس: الحلال و الحرام و الأمر و النهي و المحكم و المتشابه و الموعظة- مثلا- لأنّ اللّه سبحانه أخبر أنّه أرشد امّة موسى بن عمران، أي بني إسرائيل، بها، و بطل ما افترضوه في معاني تلك الروايات.
و لا يصحّ قولهم إنّ هذه الامّة اختصّت بشريعة فيها الحلال و الحرام و الأمر و النهي و الموعظة و ... لأنّ اللّه لم يخصّ هذه الامّة وحدها بالدين و الشريعة، و لم ينزل لغيرهم شريعة و لا دينا يدينون به، فقد أخبر اللّه سبحانه عن نوح و شريعته و أمّته، و قال:
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ....
(العنكبوت/ 14)
و أخبر سبحانه عمّا أرسل به نوحا و النبيّين من بعده في قوله تعالى:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ- إلى قوله- رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .... (النّساء/ 163- 165) و كيف تتمّ الحجّة على الناس إن لم يرسل الرّسل بالدين و يوح إليهم الشريعة الّتي تبين للناس الحلال و الحرام و الأمر و النهي و أمثالها، و قد أخبر اللّه- سبحانه و تعالى- أنّه شرع للامم السابقة ما شرع لأمّة محمّد (ص):
في قوله تعالى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ .... (الشورى/ 13) و في هذه الآية أوّلا قال اللّه- سبحانه-: شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا و إنّ (وصية اللّه) في القرآن: بمعنى التشريع، كما نفهم ذلك من قوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (النّساء/ 11) تبيّن هذه الجملة و ما بعدها في الآية، ما شرع اللّه في الإرث، و بين أنّه شرع في كلّ طبقة من الورّاث للانثى سهما واحدا في مقابل الذّكر الّذي له سهمان، و عبّر عن هذا التشريع بلفظ (وصّى).
و على هذا فإنّ معنى شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا: أنّ اللّه شرع لنا من الدين و أوحى إلى النبيّ الخاتم (ص) ما شرع لنوح (ع).
و في قوله تعالى:
... وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ .... (الشورى/ 13)
هذه الجملة مفسّرة لقوله تعالى:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ. (النّساء/ 163- 165) أي: أنّ اللّه أوحى إلى نبيّنا و إلى الأنبياء السابقين: أن أقيموا الدين.
و الدين كما ذكرناه آنفا هو مجموعة الأحكام الإلهيّة الّتي شرعها للناس.
و بذلك تتمّ الحجّة على سائر الناس في الامم السابقة. و ما فضلت به هذه الامّة هو أنّ الشريعة الّتي نزلت على خاتم الأنبياء (ص) هي أكمل الشرائع و أتمها.
و أمّا ما قالوه: (من أنّ زبور داود هو تذكير و مواعظ، و إنجيل عيسى هو تمجيد و حضّ على الصفح و الإكرام دون غيرها من الأحكام و الشرائع ...) (1)،
فإنّ خلوّ زبور داود، و إنجيل عيسى (ع) من الأحكام و الشرائع لا يعني أنّ اللّه لم يشرع للناس في عصر داود و عيسى الأحكام و الشرائع، و تركهم هملا- معاذ اللّه-، بل لأنّ النبيّين داود و عيسى كانا من القسم الثاني من الأنبياء الّذين لم يأتوا بشريعة جديدة، و إنّما كانوا يدعون للعمل بشريعة النبيّ السابق عدا ما أحلّ عيسى بن مريم لبني إسرائيل بعض ما حرّم عليهم. و كان النبيّ السابق لهما، الّذي كانا يدعوان الناس للعمل بشريعته هو موسى بن عمران (ع)، و إنّ جميع الأنبياء بعد موسى (ع) مثل اليسع و سليمان كانوا كذلك، يدعون الناس إلى العمل بشريعة موسى بن عمران (ع) حتّى بعث اللّه خاتم الأنبياء (ص)، و نسخ بشريعته بعض ما كان في شريعة موسى بن عمران (ع).
كما قال اللّه في شأن عيسى بن مريم:5.
1) تفسير الطّبري، 1/ 24- 25.
وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
(آل عمران/ 49، 50) و قال في سبب ما حرّم عليهم:
أ- في سورة النّساء/ 160:
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً.
ب- في سورة الأنعام/ 146:
وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ... ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ....
إذا فإنّ عيسى بن مريم (ع) لم يغيّر من شريعة موسى (ع) عدا تحليل بعض ما حرّم على بني إسرائيل، و لم يتغيّر ما عدا ذلك من شريعة موسى (ع) في شريعة عيسى (ع)، و في كلتا الشريعتين لم تنسخ لبني إسرائيل من حنيفية إبراهيم عدا استقبال الكعبة و الحج و عيد الأضحى و الجمعة، و بقيت الحنيفية لمن تبعها من غير بني إسرائيل في ما عدا الصلاة إلى الكعبة الّتي جاز فيها استقبال بيت المقدس (1).
و كانت الحكمة في ما حرّم على بني إسرائيل تقوية نفوسهم الهشّة الخوّارة (2)
الخوّار: خار خئورا؛ ضعف و انكسر فهو خائر و خوّار.
و تمرينا لهم على المقاومة في مشتهياتها في داخل نفوسهم و المقاومة في مقابلة الامم المعادية لها في الخارج.و لعلّه كان ممّا أحلّ عيسى (ع) لبني إسرائيل في شريعته ما حرّم عليهمر.
من الصيد عند ما تأتيهم حيتانهم شرّعا يوم السبت و ما حرّم عليهم من شرب ألبان الإبل و أكل لحومها و أمثال ذلك، لانتفاء الحاجة إلى تقوية نفوسهم في مقابل أعدائهم في الخارج.
و في عصر خاتم الرسل (ص) اقتضت الحكمة الرّبّانية أن لا تبقى أمّة إسرائيليّة ترى لنفسها الامتياز على كل البشر، و بذلك تكون تلك التشريعات أغلالا في أعناقهم، و بتلك التشريعات يصبحون غرباء في كل مجتمع انساني يعيشون فيه، و تبقى العداوة قائمة أبد الدهر بينهم و بين المجتمعات البشريّة الّتي يعيشون فيها، و ليصبحوا أبد الدهر جزءا من كل مجتمع يعيشون فيه تنتشر بينهم المحبّة و الاخوّة و المساواة، فنسخ في الشريعة الخاتمة السبت و المناسك الخاصّة ببني إسرائيل، و أمروا باتباع الحنيفية الّتي جاء بها خاتم الرسل (ص) كما أخبرنا سبحانه و تعالى عن ذلك و قال:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ....
(الأعراف/ 157) و بناء على ما ذكرنا، فإنّ شريعة عيسى (ع) لم تغيّر من شريعة موسى (ع) عدا بعض ما احلّ لبني إسرائيل ممّا كان قد حرّم عليهم في شريعة موسى بن عمران (ع).
أمّا ما يعمله النصارى من ترك الختان و اتّخاذ يوم الأحد عيدا بدلا من السبت، خلافا لليهود، فلم يأت بها عيسى بن مريم (ع) و انّما هي كالرهبانية الّتي ابتدعها أحبارهم و رهبانهم، كما قال اللّه سبحانه:
وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ. (الحديد/ 27)
و بما أنّ النصارى اتّخذوا ما ابتدعه أحبارهم و رهبانهم دينا، قال اللّه في حقّهم:
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ .... (التّوبة/ 31)
إصرهم: الاصر: القيد و التكاليف الشاقة.
أربابا: و مفرده الربّ.
و قد كثر استعمال الرّبّ في المربّي وحده، كما قال اللّه سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. (التّوبة/ 31) و المربّي هنا هو الّذي يشرع نظاما لحياة المربوب كما فسّره النبيّ (ص) لعدي بن حاتم كما جاء في تفسير الآية بمجمع البيان عن تفسير الثعلبي عن عدي بن حاتم، قال:
أتيت رسول اللّه (ص) و في عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عدي! اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته، ثمّ انتهيت إليه و هو يقرأ: ... اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ...، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أ ليس يحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه و يحلّون ما حرّم اللّه فتستحلّونه؟
فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم (1).
و روي أيضا عن أبي جعفر و ابنه أبي عبد اللّه (ع)، أنّهما قالا:
1) تفسير الآية في مجمع البيان 3/ 23- 24؛ و البرهان 3/ 130؛ و الدرّ المنثور 3/ 230- 231.
أما و اللّه ما صاموا لهم و لا صلّوا، و لكنّهم أحلّوا لهم حراما، و حرّموا عليهم حلالا، فاتّبعوهم، و عبدوهم من حيث لا يشعرون (1).
إذا فإنّ الناس في عصر داود و سليمان (ع) لم يخلوا من دين يأمرهم بما فرض اللّه لهم و ينهاهم عمّا حرّم عليهم، و إنّما كانوا يتلون التوراة و يتبعون أحكامها و شرائعها.
و كان عليهم أن يهتدوا بما فيها من أحكام و شرائع.
و اضيف إلى ذلك في زمن داود (ع) مواعظ في زبور داود (ع)، و في زمن عيسى (ع)، تمجيد اللّه و الحضّ على الصفح و الإكرام في الإنجيل.
هذا الافتراض على ما قرروه، قائم على أساس صحّة افتراضين:
الافتراض الأوّل: أنّ يكون القرآن قد نزل على سبع لغات من لغات العرب و قد اختلفوا في تعيينها على الأقوال الآتية:
أ- أن يكون خمس منها لهوازن و اثنتان لسائر العرب.
ب- أن يكون أربع منها لهوازن و ثلاث لقريش.
ج- أن تكون لقريش و اليمن و جرهم و هوازن و قضاعة و تميم و طيّئ.
د- أن تكون اللّغات السبع لكعب بن عمرو و كعب بن لؤي.
ه- أن تكون سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كلّ حرف لقبيلة.
و في اختلافهم في تعيين اللّغات السبع دليل واضح على أنّ ليس لهذا الافتراض مقومات الافتراض العلمي. و إنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا.
1) تفسير الآية في مجمع البيان 3/ 23.
إضافة إلى ذلك نقول: إنّ هذا الافتراض باطل من أساسه بالأدلّة التالية:
أ- قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ... (إبراهيم/ 4).
و كان لسان قوم النبيّ لسان قريش.
ب- إنّ مكّة كانت امّ القرى العربية في الجزيرة العربية، و كان لسانهم أفصح ألسنة القبائل العربية.
و في كلّ الألسنة و الأزمنة و البلاد لا يتكلّم الناس في العاصمة بلهجات أهل البوادي و الأرياف و القرى النائية عن العاصمة.
و أمّا ما قيل من وجود لغات غير عربية أو ألفاظ غير قرشية في القرآن، فنقول في الجواب:
إنّ الألفاظ تنتقل من لغة إلى اخرى في جميع الألسنة، غير أنّ أهل اللسان الثاني يجرون عليها من النقل و الإبدال ما يحوّلها إلى سنخ لغتهم.
و مثال ذلك كلمة (سجّيل) في سورة الفيل الّتي قالوا: إنّها كانت في الأصل (سنك كل) و هي كلمة فارسية، و بعد أن جرى هذا القلب و الإبدال عليها أصبحت عربية.
و الدليل على ذلك أنّ أهل الفارسية لا يفهمون معنى كلمة (سجّيل)، و أصبحت بعد القلب و الإبدال كلمة عربية و قرشية، لأنّ قبيلة قريش استعملتها.
و كذلك شأن بعض كلمات جاءت في القرآن، قيل إنّ أصلها من لغات غير قريش من القبائل العربية، فإنّ تلك الكلمات بعد استعمال قريش لها في محاوراتهم تصبح قرشية.
و بناء على ما قرّرنا، ليس في القرآن كلمة غير قرشية.
و صرّح بذلك الخليفة عثمان عند ما أمر ثلاثة قرشيين و زيدا من الأنصار أن ينسخوا المصاحف (كما جاء في باب مناقب قريش، و باب كيف نزل الوحي،
و باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن بصحيح البخاري) فقال ما موجزه:
(إذا اختلفتم في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك) (1).
كان ذلكم افتراضهم الأوّل و جوابنا عنه. و افتراضهم الثاني و جوابنا عليه كالآتي:
الافتراض الثاني:
قالوا بوجود ألفاظ مترادفة في لغة العرب بأيّها قرأت القرآن أصبت، في حين أنّه لا توجد في لغة العرب ألفاظ مترادفة، لا يختلف معنى بعضها عن بعض، بل أنّ الألفاظ الّتي يقال عنها: إنّها مترادفة في حين أنّها تشترك في المصداق.
و المصداق يتضمّن كلّ لفظ منها معنى يختصّ به و يمتاز به عن مرادفه، و يعرف ذلك بدراسة موارد استعمالها في كلام فصحاء العرب.
فإنّ للرقبة و العنق و الجيد- مثلا- مصداقا واحدا، غير أنّ الجيد يتضمّن معنى الحسن، و من ثمّ يقال: (جيد الفتاة)، و (جيد الغزال)، و لا يقال عند وصف حسنهما: ما أجمل عنق الفتاة أو ما أحسن رقبة الغزال!.
و الرقبة جزء من الإنسان، و قد يتضمّن معنى الكلّ، فيقال: (عتق رقبة) و لا يقال: أعتق جيدا أو عنقا. و يتضمن العنق في ما يتضمن معنى الطول. و من ثمّ يقال: طويل العنق، و مدّ عنقه. و لا يقال: مدّ رقبته أو جيده.
و من ثمّ ندرك بعض وجوه البلاغة في قوله تعالى في ذمّ امّ جميل زوجة أبي لهب: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (المسد/ 5). فإنّه- تعالى- وصفها بأنّها جعلت في جيدها- بدلا من القلادة الّتي تزين جيد الفتاة- حبلا من ليف النخل تحمل به الحطب، إمّا لإلقائها الشوك في طريق الرسول (ص)، أو لقيامها بإيقاد6.
1) صحيح البخاري 3/ 225- 226.
نار الفتنة بين رسول اللّه (ص) و زوجها أبي لهب عمّ رسول اللّه (ص).
و لا يصحّ هنا تبديل لفظ (الجيد) ب (العنق) أو ب (الرقبة)، فإنّه يفسد بلاغة المعنى في الكلام، و كذلك يفسد تبديل الجيد ب (العنق) و (الرقبة) جمال الآيات ذات الوزن الفنّي، كما يدرك ذلك بلغاء اللّغة العربية (1)
راجع لسان العرب و غيره من كتب اللّغة.
.كان ما ذكرناه شأن الألفاظ الّتي قيل: إنّها مترادفة في لغة العرب.
أمّا ما نسبوا إلى رسول اللّه (ص) أنّه ذكر: هلمّ و تعال و أقبل و غيرها كأمثلة للمترادف في لغة العرب، و حاشا رسول اللّه (ص) أن يكون قد قاله، فنقول: إنّها تنقسم إلى المجموعات الثلاث التالية:
أ- أقبل و تعال و حيهلا و هلمّ.
ب- اذهب و أسرع و عجّل.
ج- عليما حكيما، غفورا رحيما.
زعم الراوون للروايات السابقة أنّ أفصح من نطق بالضاد رسول ربّ العالمين (ص) قال عن المجموعتين الاوليين: بأيّ هذه الألفاظ قرأت القرآن، أصبت.
و حاشا رسول اللّه (ص) من هذا القول، لأنّ الخبير باللّغة العربية يدرك من موارد استعمال تلك الألفاظ في الكلام العربي الفصيح أنّ لكلّ لفظ منها معنى يختلف عن معاني مثيلاته الأخر، و لا يصحّ استعمال غيره مكانه.ة.
1) لقد اقتصرنا في بيان فروق معاني (الجيد) و (الرقبة) و (العنق)، و في بيان جمال التعبير في الآية و فصاحتها و بلاغتها بأقلّ ما يمكن الاقتصار عليه في المقام. و إنّ استيفاء البحث فيهما بحاجة إلى تفصيل لا يناسب المقام.
فعل الأمر من باب الافعال.
الإقبال: الإتيان من قبل الوجه، نقيض الإدبار، مثل أقبل إليه راكبا.
و يستعمل في:
1- الأمور المعنوية بمعنى توجه النفس إلى الشيء في العمل مثل: أقبل على تعلّم العلم.
2- في الأمور المادّية: مثل أقبل بوجهه إلى من كان جالسا عن يمينه و أدبر عمّن كان جالسا عن شماله.
دعوة للمخاطب أن يفكّر و يهيّئ نفسه للقيام بعمل يذكر بعد لفظ (تعال)، و يكون العمل في الأغلب من صنف أعمال النفس، و يلازمه القيام بأعمال جسدية، مثل قوله تعالى:
تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ .... (آل عمران/ 61) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ....
(المنافقون/ 5) إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ. (الأحزاب/ 28)
إنّ هذه الكلمة مركّبة في الأصل من كلمة: (حيّ) أي: أقبل، مثل: (حيّ على الصلاة) و (هلا) أي: أسرع و استعجل.
و يقال حيهل إلى الطعام، أي: أسرع إلى أكله.
و يقال- مثلا- إذا ذكر الصالحون: حيّهلا لسلمان المحمّدي، أي: عليك به، أو ابدأ به أو بذكره.
و في هذه الكلمة المركّبة كما شاهدنا، دعوة إلى عمل أو إلى شخص مع الترحيب بالمدعو أو المدعو إليه.
كما جاء بهذا المعنى في الكتاب الآتي من أهل الكوفة إلى السبط الشهيد بعد موت معاوية:
(إلى الحسين بن عليّ من شيعته المؤمنين و المسلمين أمّا بعد، فحي هلا، فإنّ الناس ينتظرونك و لا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل و السلام عليك) (1).
اسم فعل يستعمل في الدعوة للاشتراك في القيام بعمل يهتمّ به الداعي إليه.
و فيه معنى: ضمّ نفسك إلينا في هذا العمل.
كما جاء في قول الخليفة عمر لابن عباس عند ما أخبره عن سبب عدم توليته امارة البلاد قال له عمر:
(إنّي خشيت أن يأتي عليّ الّذي هو آت و أنت في عملك، فتقول هلمّ إلينا و لا هلمّ إليكم دون غيركم) (2).
الذهاب: المضي و الحركة من مكان إلى آخر على سبيل الإدبار عن الأوّل و التوجه إلى الثاني.
و يكون في الأجسام المادّية مثل: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ .... (طه/ 24) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي .... (يوسف/ 93) و في الأمور المعنويّة، مثل قوله تعالى للشيطان:
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ .... (الإسراء/ 63) و ذهب في الأرض: سار إلى الأبد مثل قوله تعالى:
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ .... (طه/ 97)
السرعة في العمل خلاف البطء فيه، و أسرع و سارع: خفّ لأداء عمل ما، ماديّا كان العمل، مثل الأكل و الشرب، أم معنويا مثل قوله تعالى:
وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .... (آل عمران/ 133)
العجلة: حالة نفسية تبعث الإنسان على المبادرة بعمل ما، بدافع نفسي، سواء أ كان الدافع: الشوق و الرغبة في العمل، أو الخشية و الخوف من فوت الأمر، أو بدافع السخط و الغضب.
و مثال الأوّل: قوله- تعالى- في حكاية قول نبيّه موسى (ع):
وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى. (طه/ 84) و كان نبيّ اللّه موسى (ع) تقدّمهم في الذهاب إلى المكان الموعود.
و قوله لخاتم الأنبياء (ص):
وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .... (طه/ 114) و مثال الثاني: قوله تعالى:
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا. (مريم/ 84) و مثال الثالث: قوله تعالى:
عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ. (ص/ 16) أي: عجّل لنا نصيبنا من العذاب.
و في الحديث: (عجّلوا بالصلاة قبل الفوت).
و الفرق بين السرعة و العجلة: أنّ العجلة من الإنسان تكون في المبادرة للقيام بالعمل، و السرعة تكون: تسريعا في إنجاز العمل نفسه.
نترك الحديث حول هذه المجموعة لوضوح الفرق في معانيها.
بعد ذكرنا بعض الفروق في معاني هذه الكلمات، نرجع إلى القرآن الكريم لندرس بعض ما جاء منها في ضوء الروايات الآنفة إن شاء اللّه تعالى:
المجموعة الاولى: أقبل و تعال و حيّهلا و هلمّ أ- أقبل:
جاء (أقبل) في قوله تعالى:
وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. (القصص/ 31) تصرّح الآية بأنّ نبيّ اللّه موسى (ع) أدبر عن عصاه الّتي انقلبت إلى حيّة تتحرّك، فناداه ربّه و قال له: أقبل إليها و لا تخف.
و يقال في اللّغة العربية: أقبل إلى الشيء لمن أدبر عنه. و قد جوّزت لنا الروايات الآنفة الذكر أن نحرّف الآية و نقول: فلمّا رآها تهتزّ كأنّها جانّ ولّى مدبرا، و لم يعقب يا موسى تعال!! أو يا موسى هلمّ!! و لا يقول ذلك إلّا من كان هازئا أو جاهلا باللّغة.
و حاشا رسول اللّه (ص) من أن يقول ما رووا عنه.
ب- تعال:
جاء (تعال) في عدّة آيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:
إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. (الأحزاب/ 28، 29) تصرّح الآيتان بأنّ اللّه أمر نبيّه أن يدعو زوجاته إلى القيام بالتفكير و التدبّر في اختيار أحد أمرين يخترن أحدهما:
إن كنّ يردن سعة العيش في الدّنيا، فإنّ النبيّ يعطيهنّ متعة الطلاق، ثمّ يسرحهنّ، أي: يطلقهنّ.
و إن أردن طاعة اللّه و رسوله (ص) و الصبر على ضيق العيش في الدّنيا، و الجنّة في الآخرة، فإنّ اللّه أعدّ للمحسنات منهنّ أجرا عظيما.
إذا فإنّ اللّه و رسوله (ص) قد دعوا أمّهات المؤمنين بعد (تعالين) إلى التفكّر و التدبّر في أحد الأمرين.
و هذا هو الصواب في التعبير في مثل هذا المقام، بينما جوّزت الرواية تحريف الآية الكريمة، و أن يقال: بدل (تعالين)- مثلا- (حيهلا)، و لم يدرك الراوي أنّ المقام ليس مقام ترحيب كي يقال لهن: حيّهلا، و لا مقام دعوة إلى الانضمام إلى رسول اللّه للقيام بعمل، كي يقال لهن (هلممن) أو (أسرعن) أو (عجّلن) أو غيرها من الألفاظ.
ج- حيهلا:
لم يرد (حيهلا) في القرآن لندرسه على حدة.
د- هلمّ:
جاء هلمّ في قوله تعالى:
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. (الأنعام/ 150) معنى الآية: هاتوا شهداءكم الّذين ينضمون في هذا الرأي إليكم و يشهدون بأنّ اللّه حرّم هذا.
و جوّز الراوون أن نحرّف الآية، و نقول: قل حيهلا شهداءكم الّذين يشهدون ...، أو نقول: أقبلوا شهداءكم الّذين يشهدون ...، أو نقول: تعالوا شهداءكم الّذين ...
و حاشا رسول اللّه (ص) أن يكون قد حدّث بما رووا.
المجموعة الثانية: اذهب و أسرع و عجّل و قال الراوون- أيضا-:
لك أن تحرّف الآيات الّتي جاء فيها: اذهب و أسرع و عجّل، و تأتي ببعضها بدلا من الآخر.
و في ضوء ما رووا نرجع إلى القرآن الكريم و ندرس موارد استعمال كلّ منها:
أ- اذهب:
جاء (اذهب) في قوله تعالى للشيطان:
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً.
(الإسراء/ 63) يفهم العربي من لفظ (اذهب): الإبعاد و الطرد، كأنّ اللّه- سبحانه- قال للشيطان: ابعد عن التقرّب إليّ.
و لو حرّفنا الآية كما جوّزه الرواة، و قلنا: (عجّل فمن تبعك منهم ...)، أو (أسرع فمن تبعك منهم ...)، ما ذا كان يعني الكلام؟! ب و ج- أسرع و عجّل:
إنّ معرفة الفرق في صيغة الأمر: أسرع و عجّل دقيق و بحاجة إلى تدبّر الخبير في فقه اللّغة العربية. و نحن نذكر هنا غير صيغة الأمر منهما، ليتّضح الفرق بينهما لعامّة الناس. و قد جاء من الأوّل قوله تعالى:
أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ. (الأنعام/ 62) و جاء من الثاني، حكاية قول موسى لقومه حين عبدوا العجل:
وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ .... (الأعراف/ 150) و إنّ كلّ عربي اللّسان يدرك عدم صحّة تبديل (أسرع الحاسبين) ب (أعجل الحاسبين)، و تبديل (أ عجلتم أمر ربّكم) ب (أسرعتم أمر ربّكم).
المجموعة الثالثة: عزيزا حكيما، غفورا رحيما، سميعا عليما:
روى رواة تلك الأحاديث أنّ اللّه و رسوله (ص) قد أذنا للنّاس كلّ الناس- معاذ اللّه- أن يحرّفوا أواخر آيات القرآن الكريم في تبديل أسماء اللّه الّتي تختم
بها الآيات، على أن لا يتبدّل بالتحريف آية رحمة بآية عذاب، و آية عذاب بآية رحمة، و ضربوا مثلا لذلك بجواز تبديل: (سميعا عليما) ب (عزيزا حكيما) أو (غفورا رحيما)، و لا حاجة في هذا المقام للاستدلال على ما بين معاني أسماء اللّه هذه من الفروق، لوضوحها.
و نقتصر على الرجوع إلى القرآن الكريم و دراسة موارد استعمال هذه الأسماء، لنرى كيف تكون نتيجة هذا التقوّل في الآيات الآتية:
أ- أخبر اللّه- سبحانه- عن إبراهيم و إسماعيل (ع) في سورة البقرة و قال:
وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
(البقرة/ 127- 129) و أخبر اللّه- سبحانه- عن قوم موسى بعد عبادة بني إسرائيل العجل، و قال:
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ* وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (الأعراف/ 151- 153) في خبر إبراهيم و إسماعيل (ع) أخبر- سبحانه- في الآية الاولى أنّهما كانا يرفعان القواعد من البيت و يدعوان ربّهما و يقولان: إنّك سميع عليم، فهو يسمع دعاءهما و يعلم عملهما.
و في الآية الثانية: أنّهما دعوا أن يتوب عليهم فهو التوّاب الرّحيم.
و في الآية الثالثة: أنّهما دعوا أن يبعث لأهل مكّة رسولا يعلّمهم الكتاب و الحكمة و هو العزيز- الغالب الّذي لا يقهره شيء- الحكيم في فعله.
و في خبر موسى و هارون (ع) و قومهما، أخبر- سبحانه- أنّه طلب المغفرة و الرّحمة له و لأخيه، و أخبر أنّ الّذين عملوا السيّئات و تابوا، أنّ اللّه بعد ذلك غفور رحيم.
و الرّحمة جاءت في الآيتين بعد ذكر التوبة و المغفرة، لأنّ الرّحمة تكون بعد التوبة و المغفرة.
يا ترى لو عملنا بتلكم الروايات، و حرّفنا الآيات، و قلنا في الآية الاولى بدل (السميع العليم): (ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت التوّاب الرّحيم) أو (إنّك أنت العزيز الحكيم)، و قلنا في الآية الثانية: بدل (التوّاب الرّحيم) (و تب علينا إنّك أنت العزيز الحكيم)، و قلنا في الآية الأخيرة بدل (غفور رحيم): (ثمّ تابوا من بعدها و آمنوا إنّ ربّك من بعدها لسميع عليم)، أو (عزيز حكيم).
كم كان الكلام مجانبا للبلاغة و هذرا من القول تعالى اللّه عمّا قاله هؤلاء الرواة و تقدّست أسماؤه (1).
و إنّ أقوال هؤلاء الرواة بعينها قالها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح الأموي.
و كان خبره و خبره قوله كالآتي:
عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري أخو عثمان من2.
1) و يحكى عن الأصمعي قال: كنت أقرأ: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غفور رحيم) و كان بجنبي اعرابي فقال: كلام من هذا؟ فقلت: كلام اللّه، فقال: أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام اللّه! فانتبهت فقرأت: (وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقال: أصبت هذا كلام اللّه! فقلت: أ تقرأ القرآن؟ قال لا. فقلت: فمن أين علمت؟ فقال: يا هذا! عزّ فحكم بقطع، و لو غفر و رحم لما قطع! تحفة الأحباب للمحدث القمّي، ص 202.
الرضاعة. ارضعت امّه عثمان.
أسلم قبل الفتح، و هاجر إلى المدينة، و كتب الوحي لرسول اللّه (ص) ثمّ ارتدّ مشركا، و صار إلى قريش بمكّة، فقال لهم: إنّي كنت أصرف محمّدا حيث أريد. كان يملي عليّ: (عزيز حكيم)، فأقول: (عليم حكيم)؟ فيقول: نعم، كلّ صواب، فأنزل اللّه تعالى فيه:
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. (الأنعام/ 93) فلمّا كان يوم الفتح، أهدر رسول اللّه (ص) دمه، و أمر بقتله و لو وجد متعلّقا بأستار الكعبة، ففرّ عبد اللّه إلى عثمان، فغيّبه حتّى أتى به إلى رسول اللّه (ص) فاستأمنه له، فصمت رسول اللّه (ص) طويلا، ثمّ قال: نعم.
فلمّا انصرف عثمان قال لمن حوله: ما صمتّ إلّا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.
فقالوا: هلا أومأت إلينا، فقال: إنّ النبيّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين ... الخبر (1).
إنّ عبد اللّه بن سعد روى عن رسول اللّه (ص) في حال ارتداده عين ما رواه هؤلاء الرواة عنه، فأمر الرسول (ص) بقتله، و لو كان متعلّقا بأستار الكعبة.
ترى ما ذا كان يحكم الرسول (ص) على هؤلاء الرواة لو رآهم يروون عنه8.
1) الاستيعاب 1/ 381- 382؛ و الإصابة 2/ 309- 310 و 1/ 11- 12؛ و أسد الغابة 3/ 173- 174؛ و أنساب الأشراف 5/ 49؛ و المستدرك 2/ 45- 46. و المفسّرون كالطبري و القرطبي و غيرهما، في تفسيرهم الآية: 93 من سورة الأنعام؛ و ابن أبي الحديد 1/ 68.
عين ما رواه عبد اللّه بن سعد؟
و إذا كان الرسول (ص) لم يرهم في هذه الدّنيا، فإنّه يراهم في الآخرة و يرونه (ص) و الحكم يومئذ اللّه!
إنّ اولئكم الرواة رووا ما رووا مع عدم تفقّه لمعاني الألفاظ في اللّغة العربية و عدم تدبّر للقرآن الكريم.
و أمّا ما أشرنا إليه من تناسب أسماء اللّه مع الآية الّتي جاء الاسم في آخرها، فإنّ الأمر في تناسب الآيات مع اسم اللّه الوارد فيها أعظم ممّا ذكرناه و أجلّ خطرا.
و نقتصر لتوضيح ذلك بإيراد موجز من معاني بعض أسماء اللّه، ثمّ ندرس أمثلة من مواردها في القرآن الكريم في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
أله إلهة، أي: عبد عبادة. و (الإله) اسم لكلّ معبود، و جمعه: الآلهة. و كان المشركون يعتقدون أنّ أصنامهم آلهة تضرّهم و تنفعهم من دون اللّه، و لذلك كانوا يقدمون لها القرابين، و يعبدونها لتقضي حوائجهم. و كذلك شأن من بقي منهم في عصرنا، و قد أخبر اللّه عنهم و قال:
وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. (مريم/ 81) و قال: وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ. (يس/ 74) و أخبر عن قوم هود أنّهم قالوا لنبيّهم (ع):
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. (هود/ 54) و لمّا كان كلّ ما يعتقدون لآلهتهم من التأثير في العالمين هو من أنواع الإيجاد و الخلق، نفى اللّه أن يكون لآلهتهم أيّ أثر في الإيجاد و الخلق، أو القدرة على الدفاع عن أنفسها فضلا عن غيرها، و قال- سبحانه-:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ. (الحجّ/ 73) و حصر الخلق بذاته جلّ اسمه، و قال:
وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ (الفرقان/ 2)، و راجع الأنعام/ 101.
و قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. (الشورى/ 11) و بناء على ذلك فإنّ قولنا: (لا إله إلّا اللّه) يعني: أن لا خالق و لا رازق و لا ضارّ و لا نافع و لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه.
و هذا لا يعني ما يقوله أتباع بعض المذاهب، فإنّا نؤمن بأنّ اللّه لو شاء أن يجعل شيئا غيره ضارّا أو نافعا له، فعل، و إن اقتضت حكمته أن يمنح غيره قدرة الخلق بإذنه، فعل، كما أخبر عن ذلك في ما حكاه من قول عيسى بن مريم (ع) لبني إسرائيل:
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (آل عمران/ 49) و بناء على ما شرحناه فإنّ اللّه أحد في الألوهية، و ليس واحدا من الآلهة، و ليس كبير الآلهة، و لم يلد الآلهة ملائكة و غير ملائكة، و ليست الملائكة بناته، بل هو إله أحد، خلق الخلق أجمعين و لم يلدهم، كما ولدت الأرض الشّجر، و الشّجر الثمر، و لم يولد من شيء كما ولدت الأحياء من الماء، و الماء من الأوكسجين و الهيدروجين، و لا يتغيّر من حال إلى حال، كما يتغيّر المخلوق بعد الولادة مولود و والدا.
إذا فإنّ اللّه هو الأحد، و الأحد هو الصمد، و الصمد هو الّذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد.
و هكذا نرى الآيات بعد الصمد في سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تفسّر (الصمد)، و (الصمد) و ما بعده تفسّر (الأحد)، و (الأحد) و ما بعده من صفات اللّه (1).5.
1) تفسير السورة في البرهان في تفسير القرآن 4/ 525.
و السورة بمجموع آياتها و كلماتها وحدة منسجمة في المعنى، و لا يصحّ تبديل كلمة منها بكلمة اخرى، اسما كان للّه أو شرح اسم.
فلا يصحّ تبديل (قل هو اللّه أحد) ب (قل هو السميع الأحد) و لا ب (قل هو اللّه السميع) و لا تبديل (اللّه الصمد) ب (السميع الصمد) أو (اللّه السميع) مع أنّنا لم نختم فيها آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، كما أجازت ذلك الروايات الماضية.
و كان ذلك بسبب انسجام معنى الآيات في السورة، و إضافة إلى ذلك فإنّ لكلّ سورة صغيرة في القرآن أو لكلّ مجموعة آيات نزلت مرّة واحدة وزنا خاصّا بها لم يكتشف حتّى اليوم، ينتبه إليها اللبيب مع قراءتها بتدبّر في ذلك كما أنّ لكلّ نوع من الشعر وزنا خاصّا به لم يكن معروفا قبل أن يكتشف الخليل بن أحمد (ت: 170 ه) أوزان الشعر، و يقيسها بالتفعيلات الّتي وضعها لمعرفة أوزان الشعر.
و في هذه السورة يختلّ الوزن إذا بدّلنا في الآية الاولى: ال أَحَدٌ بأيّ اسم من أسماء اللّه، مثل: (الغفور) أو (الرّحيم) أو (القهّار) و نقول- مثلا-: (قل هو اللّه الغفور اللّه الصمد ...).
هكذا يختلّ المعنى و الوزن في السورة بتبديل أية كلمة منها باخرى، و يفهم الأوّل كلّ عربي اللسان، و الثاني يفهمه كلّ إنسان لبيب عربيّا كان أم أعجميا.
الربّ بمعنى التربية، و هو إنشاء الشيء حالا فحالا حتّى يبلغ درجة الكمال.
و ربّ الولد و ربّاه، فهو رابّ، و الولد مربوب و ربيب.
و ربّ الضيعة: أصلحها و أتمها.
و يستعمل الربّ بمعنى الرابّ و يقصد به مالك الشيء و مدبّره، و في مثل هذه الحالة يضاف الربّ إلى المربوب و يقال:
ربّ الضيعة و الفرس. و لا يقال الربّ مطلقا إلّا للّه تعالى المتكفّل لتربية جميع الخلق، نحو قوله تعالى:
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ. (سبأ/ 15) و بالإضافة، يقال له و لغيره: مثل ربّ العالمين، و ربّ الدار و ربّ الفرس.
و على ما سبق، فالربّ بمعنى المالك و المدبّر للشيء، و قد يستعمل الربّ في أحد المعنيين: المالك أو المربّي، أي في جزء من معناه. و هذا الاستعمال شائع في لغة العرب.
قال الراغب في مادّة (القرء): إنّ كلّ اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كلّ واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة للخوان و للطعام، ثمّ قد يسمّى كلّ واحد منهما بانفراده به.
إنّ شرح صفات الربوبية يرد في القرآن يسيرا موجزا أحيانا، و مفصّلا حينا آخر، و نجد أنّ جلّ معارك الأنبياء مع أممهم و احتجاجاتهم كانت حول توحيد الربوبية، و أنّ ربّ الإنسان الّذي يشرّع له النظام في إدامة حياته هو ربّ جميع الخلق الّذي شرّع نظاما لجميع الخلق. و يحكي مجادلة إبراهيم مع طاغوت عصره نمرود و يقول:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ....
(البقرة/ 258) إنّ نمرود كان يزعم أنّه الربّ الّذي من حقّه أن يشرّع النظام للمجتمع
الّذي يحكمه، و من ضمنهم إبراهيم، و لكنّ إبراهيم (ع) أبى ذلك و قال: إنّ الّذي يحيي و يميت هو ربّي.
و يلقي نمرود في هذا الاحتجاج شبهة و يقول: أنا احيي و اميت.
و يأمر بإنسان سجين محكوم بالإعدام، فيطلق سراحه، و يسمّي هذا بالإحياء.
و يأمر بإنسان طليق لا ذنب له بالقتل فيقتل.
و يردّ عليه إبراهيم أنّ الربّ هو الّذي شرّع النظام الكوني، و جاء بالشّمس من المشرق، فإن كنت ربّا، فأت بالشّمس من المغرب و غيّر هذا النظام، فبهت الّذي كفر! و حكى عن الفتية المؤمنين من أصحاب الكهف الّذين أبوا قبول ربوبية طاغوت زمانهم و أنّهم:
إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ .... (الكهف/ 14) إنّ الربّ الّذي شرّع النظام للسماوات و الأرض هو ربّنا الّذي شرّع لنا نظاما نتبعه.
و حكى عن محاجّة موسى طاغوت عصره، و قال:
وَ نادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ. (الزخرف/ 51) و قال: فَحَشَرَ فَنادى* فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. (النازعات/ 23، 24) إنّ فرعون احتجّ على استحقاقه الربوبية- معاذ اللّه- أنّه يملك مصر و ما فيها من أنهار، و هو الّذي يطعم أهل مصر و يؤمّن حاجاتهم، و إن كان للمزارع في مصر أرباب يربّونها و للدواجن أرباب يربّونها و للمصانع أرباب يديرونها
و كلّ يشرّع نظاما لما يربّه، فهو ربّهم الأعلى- معاذ اللّه- يحقّ له أن يشرّع نظاما يدينون به.
و ينكر عليه موسى و هارون (ع) أن يكون له ذلك، فسأله فرعون و قال:
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى* قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى. (طه/ 49، 50) قال موسى (ع): ربّنا الّذي أعطى كلّ شيء ما خلق فيه من خواصّ جسميّة و نفسيّة و مواهب و غرائز و الّتي منها غريزة قبول هداية اللّه، ثمّ هداه ليديم حياته وفق الّذي قدّر له متناسبا مع فطرته.
و قد أوجز القرآن هنا ذكر استدلال موسى على فرعون في الربوبية، و جاء تفصيل هذا الاستدلال في الآيات:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ....
(الأعلى/ 1- 3) و في الموردين إشارة إلى هداية اللّه لجميع الخلق، و قد بيّن اللّه في آيات اخرى كيفية هدايته للخلق، و ذكر أربعة أنواع من الهداية للخلق:
1- الهداية التسخيريّة.
2- الهداية الإلهاميّة أو الغريزيّة.
3- الهداية بواسطة الوحي. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 175 عود على بدء: ..... ص : 173
الهداية التعليميّة.
من أنواع الهداية التسخيريّة، ما أخبر اللّه عنه، و قال:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى
الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. (الأعراف/ 54)
أيّها النّاس! إنّ ربّكم الّذي يشرّع لكم نظام حياتكم هو الّذي خلق السماوات و الأرض في ستّ مراحل، ثمّ استولى عليها يدبّر أمرها و يربّيها.
يغشي ظلام اللّيل على ضياء النهار، يعقّبه سريعا، و الشّمس و القمر و النجوم مسخّرات بأمره، فهو الّذي سخّر القمر ليدور حول الأرض و الأرض حول الشّمس بأمره. هو الّذي خلقها و هو الّذي يربّها و يهديها تسخيريا لتسير وفق أمره، و ذلك هدايته لهذا النوع من الخلق.
و قد يعبر عن الهداية التسخيريّة بلفظ: جعل، مثل قوله- تعالى-:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ .... (يونس/ 5) و قوله تعالى:
وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً. (الأنعام/ 96) و هذا النوع من الهداية تكوينية، و تخصّ الجمادات و النباتات و الإنسان و جميع أصناف الحيوان في تكوينها.
و من أمثلتها ما أخبر اللّه عنها بقوله تعالى:
وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا .... (النّحل/ 68، 69) هذا النوع من الهداية يسمّى في عرف الناس بالغريزة، و هو يخصّ
الحيوانات، فإنّ النّحل بهداية اللّه الغريزية إيّاه، يبني خلايا سداسيّة لسكناه و يجرس نور الأشجار للتعسيل.
قال- سبحانه و تعالى-:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ. (النّساء/ 163- 165) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ (الشورى/ 13) و هذا النوع من الهداية يخصّ الإنسان، قال سبحانه:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. (الروم/ 30) شرع له الدّين بعد أنّ هيّأه بين جميع الخلق (1)، لتلقي هذا النوع من الهداية بوسيلتين لنقل الأفكار: التكلم و الكتابة كالآتي بيانه:
أ- التكلّم، و عبّر عنه القرآن ب (البيان) في قوله تعالى:
خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ. (الرّحمن/ 3، 4) ب- الكتابة: و قال سبحانه:
اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. (العلق/ 3، 4)
1) مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي 3/ 23.
كما حكى اللّه سبحانه قول الملائكة له: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا. (البقرة/ 32) و بحثنا هنا يخصّ الهداية بواسطة الوحي، و بناء على ما بيّناه فإنّ الخلق و الإنشاء و ما يتبعهما من صفات الالوهيّة و الهداية و ما يتبعها من صفات الربوبية، مثل إرسال الرسل و تشريع الدين و إثابة المطيعين و عقاب العاصين و قبول توبة العاصين و ما شابهها إلى الأمم.
و من ثمّ يرد في القرآن لفظ: (الإله) مع ذكر أمر الخلق و الإنشاء، و لفظ (الربّ) مع ذكر التشريع و إرسال الرسل و ما يتبعها. و لمّا كان لفظ (اللّه) اسما للذات المستجمع لجميع الأسماء الحسنى، فإنّ اللّه: هو الربّ و هو الإله و هو الحيّ و هو القيوم و ... و من ثمّ يرد اسم (اللّه) في مكان كلّ اسم من أسمائه الحسنى.
بعد إيراد المقدّمة الآنفة نتقدّم إلى رحاب القرآن الكريم، لندرس فيه حكمة ذكر كلّ اسم من أسماء اللّه في المورد الّذي جاء فيه من أوّل الآية أو السورة أو في آخرهما، ثمّ نرى كيف لا يصحّ تبديله باسم آخر من أسماء اللّه في ذلك المورد كما ذكرته الروايات السابقة.
استفتح- جلّ اسمه- سورة الأعلى بعد البسملة بقوله:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ثمّ سلسل ذكر ما يتّصل بصفات الربوبيّة إلى آخر السورة و قال:
سَنُقْرِئُكَ- القرآن- فَلا تَنْسى ... فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
تَزَكَّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ- صفات الربوبية- فَصَلَّى ... إِنَّ هذا- البيان- لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى.
و إنّ صحف الأنبياء الاولى كانت تدعو إلى قبول ربوبيّة الربّ و الاهتداء بأوامره كما يدعو إليه القرآن.
هكذا نرى آيات السورة إلى آخرها ذات وحدة منسجمة في معنى الربوبيّة، و ذات وزن واحد في اللفظ، و يفسدهما جميعا تبديل آخر الآية الاولى منها- مثلا- بلفظ (سبّح اسم السميع العليم) أو (ربّك السميع العليم) أو (الغفور الرحيم) بدلا من (اسم ربّك الأعلى).
و كذلك يفسد الوزن و المعنى تبديل (ربّك) في آخر الآية الأخيرة منها بأيّ اسم من أسماء اللّه تقدست أسماؤه.
كذلك شأن أوّل سورة أنزلها اللّه على رسوله (ص) فقد استفتحها بعد البسملة ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، ثمّ سلسل ذكر صفات الربوبيّة ببيان تعليمه الإنسان و هدايته بوسيلة القلم، و أخبر في آخرها أنّ مرجع الخلق إلى الربّ.
في هذه السورة- أيضا- يفسد الوزن و المعنى تبديل لفظ الرّبّ في بِاسْمِ رَبِّكَ في الآية الاولى بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه الحسنى، و كذلك يفسدهما تبديل لفظ الربّ في الآية الأخيرة: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه- تعالى-، كما زعمت الروايات جواز ذلك في آخر الآيات.
افتتح سورة فاتحة الكتاب بعد البسملة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثمّ ذكر من صفات الربوبيّة موجزا: رحمته للعالمين في الدّنيا بتربيته للعالمين، كما
مضى شرحها. و من ضمن العالمين الإنسان، و أنّه رحيم بالمؤمنين يوم الدين بما يثيبهم على قبولهم الهداية، و أنّ الربّ هو المالك ليوم الدين.
ثمّ يوجهنا إلى خطاب الربّ، و أن نقول له: إنّا نعبده وحده عبادة طاعة و خضوع، و نستعينه لذلك، و نطلب منه أن يأخذ بأيدينا في السير على طريق الهداية بعد أن هدانا طريق الهداية بمقتضى ربوبيته، ذلك الصراط الّذي أنعم بسلوكه على عباده المخلصين غير صراط اليهود المغضوب عليهم و لا النصارى الضّالّين.
إنّ مجموع آيات السورة بيان لصفات ربّ العالمين، كما أنّ أكثر آيات القرآن شرح لهذه السورة.
و في السورة براعة استهلال (1)لما جاء في كتاب اللّه بعده. و إنّ أكثر آيات السورة- كما ترى- وحدة منسجمة تبين معنى ربّ العالمين، و يخلّ بالوزن و المعنى أن نغيّر آخر الآية الاولى، و نقول: (الحمد للّه السميع العليم)- مثلا- أو (الغفور الرحيم) كما زعمت تلكم الروايات.
و إنّ التدبّر في سورة الشعراء يشخّص لنا موارد استعمال الربّ من أسماء اللّه- سبحانه-.
و بالتدبّر في مجموع الآيات و السور اللاتي جاء فيها لفظ الربّ ندرك أنّ من صفات الربّ في القرآن الكريم:
أ- الهداية التسخيريّة للجمادات و النباتات.
ب- الهداية الغريزيّة للحيوانات.ف.
1) براعة الاستهلال في الشعر و النثر: هو أن يبدأ الشاعر أو الخطيب بمطلع يشدّ السامع إلى قصيدته أو خطبته- ما يبغيه- و يختمه- أيضا- بما يلتقي و الموقف.
ج- الهداية التشريعية بوسيلة الوحي إلى الأنبياء، و منهم بالتعليم بوسيلتي البيان و القلم للإنسان (1).
د- الهداية التعليمية للملائكة.
و من صفات الربّ إرسال الرسل و إنزال الكتب و تشريع الشرائع و إنشاء الأوامر التكوينيّة و التشريعيّة و النواهي التشريعيّة.
و كلّ ما ذكرناه إلى هنا من صفات الربّ من مصاديق رحمة الربّ للعالمين أجمعين في الدّنيا، أي: (الرّحمن).
و من لوازم هذه الصفات إثابة المطيعين و عقاب العاصين في الدّنيا و في يوم الدين، و قبول التوبة و المغفرة للتائبين المستغفرين.
و بناء على ما ذكرنا يرد في القرآن من أسماء اللّه لفظ الربّ خاصّة في كلّ تلك الموارد، سواء أ كان المورد في أوّل السورة و الآية أم في آخرهما، و سواء جاءت موجزة أم مفصلة، و لا يصحّ تبديل اسم الربّ في تلكم الموارد بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه ك (الأحد الصمد)- مثلا- أو (الحيّ العزيز)، و سواء أ كان في الآية و السورة ذكر رحمة أم عذاب، إلّا في المورد الّذي تضمن مع ذكر صفة اخرى من صفات اللّه فيرد اسم تلك الصفة، و قد جاء ذلك نادرا في القرآن ممّا يفهمه الباحث اللبيب بالتدبّر.
شرحنا معنى (الربّ) من أسماء اللّه بشيء من التفصيل، ليكون مثلا لمعرفة ما في أسماء اللّه من دلالات على صفاته تبارك و تعالى.ا.
1) إنّ الجنّ يشاركون الإنسان في الاهتداء بالأنبياء، كما يعرف ذلك من سورة الجنّ و الأحقاف، و لكنّا لا نعلم عن كيفية تدينهم شيئا.
و بذلك يتيسر معرفة بطلان محتويات الروايات اللّاتي نسبت إلى رسول اللّه (ص) أنّه قال: يصحّ تبديل أسماء اللّه الواردة في آخر الآيات بغيرها ما لم تختم آية رحمة أو آية عذاب بما يناقضها، حاشا رسول اللّه (ص) من هذا القول.
فقد عرفنا أنّه يفسد المعنى تبديل أيّ اسم من أسماء اللّه جاء في مورد ما من القرآن الكريم.
و قد يفسد المعنى و الوزن جميعا.
و بملاحظة ما ذكره الباحثون بالكامبيوتر عمّا وجدوا من توازن في ألفاظ القرآن الكريم، نجد الأمر في شأن ما جاء من الألفاظ في القرآن الكريم أعظم ممّا ذكرناه بكثير، كما سنشير إلى شيء منه في ما يأتي بإذن اللّه تعالى:
جاء ذكر كلّ من مادّة: الدّنيا و الآخرة 115 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: الملائكة و الشياطين 88 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: الحياة و الموت للخلق 145 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: حيّا- ميّتا 5 مرّات.
جاء ذكر كلّ من مادّة: السيّئات و الصّالحات 180 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: النفع و الفساد 50 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: النفع و الضرر 10 مرّات.
جاء ذكر كلّ من مادّة: النّاس و الإنسان مع الرسل 368 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: الصبر و الشدّة 103 مرّات.
جاء ذكر كلّ من مادّة: الهدى و الرحمة 79 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: العقل و النور 49 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: البعث و الصراط 45 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: المحبّة و الطاعة 83 مرّة.
جاء ذكر كلّ من مادّة: الشريعة و روح القدس و محمّد (ص) و الملكوت 4 مرّات.
جاء ذكر كلّ من مادّة: (أسباط موسى) و (حواريّي عيسى) 5 مرّات.
و جاء لفظ (الجزاء) 117 مرّة، و جاء لفظ (المغفرة) ثلاثة أضعافه (351) مرّة.
و جاء لفظ (العسر) 12 مرّة، و جاء لفظ (اليسر) ثلاثة أضعافه 36 مرّة.
و جاء لفظ (الشهر) 12 مرّة بعدد شهور السنة، و لفظة (اليوم) 365 مرّة بعدد أيام السنة (1).
هذا بعض ما وجدناه من توازن الكلمات القرآنية عند العلماء الّذين أحصوا ألفاظ القرآن في الحاسبات الالكترونية ثمّ راجعنا بشأنها معجم ألفاظ القرآن الكريم، فوجدناها موافقة للاحصاء الّذي جاء منها في المعجم. و نستنتج من هذا الاستقراء وجود توازن في الكلمة القرآنية مع نظيرها و مع ضدّها و نقيضها في جميع القرآن بحيث لا يمكن تبديل أيّة كلمة منها بغيرها في أي مكان من القرآن، و لعلّ ذلك من مصاديق قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِيزانَ. (الشورى/ 17) و مثال الموازنة في الكلمات القرآنية كالموازنة في أعضاء جسد الإنسان.م.
1) و قد طابق الإحصاء ما جاء من الموارد المذكورة في المتن مع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
و كما أنّه لا يمكن نقل عضو من أعضاء الإنسان من مكانه إلى مكان عضو آخر، مثل نقل العينين من مكانهما إلى مكان الاذنين، و الاذنين إلى مكان العينين، فإنّه بالإضافة إلى زوال جمال الوجه و حصول قبح المنظر، تزول الحكمة البالغة في الخلق، فإنّ الإنسان على هذا الافتراض يصبح كالأعمى لا يبصر طريقه في السير إلى الأمام، و يستطيع السير إلى الجانبين اليمين و اليسار، لأنّه يبصرهما، غير أنّ قدميه خلقتا للسير إلى الأمام و ليس إلى الجانبين.
إذا فهناك توازن بين العينين و القدمين في الخلقة.
و كذلك الشأن في جميع أعضاء الإنسان و أصناف الحيوان، و كذلك الشأن في جميع الكلمات في القرآن لا يمكن أن نبدّل كلمة منها بكلمة اخرى. و لو أمكن تبديل (عزيز حكيم) مثلا ب (سميع عليم) أو (غفور رحيم) و بالعكس لأمكن الإتيان بمثل القرآن، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ حين رووا جواز ذلك عن رسول اللّه (ص).
كان كل ما رووه و أجبنا عنه يبرهن على عدم وجود المترادف في لغة العرب.
و هذا القول مشهور عند علماء لغة العرب كما نبيّنه في ما يأتي بإذنه تعالى.
و ما ذكرناه من عدم وجود المترادف في لغة العرب لا ينحصر القول به بل هو ثابت عند كل ملم بمفردات اللّغة، و كذلك لكل باحث متدبّر في القرآن الكريم.
و قاله علماء اللّغة العربيّة في كتب فروق اللّغة مثل:
أبي هلال العسكري (كان حيّا سنة 395 ه) في كتابه: الفروق اللّغوية،
الّذي ذكر الفروق بين معاني:
السؤال و الاستخبار و الاستفهام.
و المستقيم و الصحيح و الصواب.
و اللحن و الخطاء و الخطأ.
و العلم و المعرفة و الإدراك و الوجدان (1).
و الزركشي (ت: 794 ه) في كتابه: البرهان في علوم القرآن، الّذي قال:
(قاعدة يظنّ بها الترادف و ليست منه) و ذكر من مصاديقه في القرآن الكريم:
أ- الخوف و الخشية.
ب- البخل و الضّن.
ج- السبيل و الطريق.
د- جاء و أتى.
ه- فعل و عمل.
و- قعد و جلس.
ز- كمل و تمّ. و غيرها. و ذكر الفروق بين معانيها (2).
و لمّا كنّا نحن قد تعلّمنا ما ذكرناه من الفروق بين معاني الكلمات، الّتي جاءت في بحث من محاورات العرب في عصر الرسول (ص) و من القرآن الكريم، فليس لنا مع ذلك أن نصدّق أنّ الرسول (ص) و هو أفصح من نطق بالضاد و أصحابه مثل: عمر و عمرو بن العاص و ابيّ بن كعب و عبد اللّه بن مسعود و أبي6.
هريرة و أبي جهيم الأنصاري و امّ أيّوب قد صدرت عنهم تلك الروايات، و لو أنّ تلك الروايات كانت قد رويت عن واحد منهم أو اثنين لجاز لنا أن نقول- مثلا- قد تحدّث الصحابي بما تحدّث به أو تحدّثا بما تحدّثا به عن غفلة و دون انتباه لما يجري في محاوراتهم، امّا أن يكون الجميع قد غفلوا عمّا يجري في محاوراتهم و في ما يتلونه من آيات القرآن الكريم، و تحدّثوا بتلك الروايات فانّنا لا نستطيع أن نصدّق ذلك! بل نقول: إنّ شأن تلكم الروايات شأن الروايات الّتي بحثنا عن منشئها و رواتها في البحوث السابقة، و أنّها رويت عن رسول اللّه و عن أصحابه دون أن يتحدّثوا بها، و ركّب عليها أسانيد إلى الصحابة مقبولة لدى المحدّثين، ثمّ دسّت في أحاديث الصحابة.
و إنّ كل ذلك قد فعل بعد ما يقارب نصف قرن من عصر الصحابة و في أخريات العصر الأموي، ثمّ دوّنت في كتب الحديث في عصر تدوين الحديث كما سندرسه في ما يأتي من البحوث إن شاء اللّه تعالى.
و لعظيم ما في تلكم الروايات من الافتراء على اللّه جلّ اسمه و رسوله (ص) و كتابه الكريم و صحابة رسوله (ص) بقيت مدّة من الزمن في حيرة من أمري عمّا ينبغي لي أن أقفه من تلكم الروايات، كما سأذكره في ما يأتي.
تركت بادئ ذي بدء ذكر روايات السبعة أحرف لما كنت أجد نفسي بين أمرين أحلاهما مرّ:
أ- هل اورد الروايات و لا أفنّدها، فأكون عندئذ كالباحث عن حتفه بظلفه في تنبيهي خصوم الإسلام عليها فانّهم لا بدّ أن يستدلوا بها في الطعن بثبوت النصّ القرآني.
ب- اورد تلكم الروايات، ثمّ أقوم بتفنيدها و هي عشرات من الروايات
المتواترة الثابتة في كتب الصحاح و السنن و المسانيد و المتسالم على صحّتها في مدرسة الخلفاء منذ أكثر من ألف سنة! و عندئذ كيف يتلقّى ذلك منّي إخواني المسلمون الّذين يعتقدون بصحّة كل ما جاء في الصحاح و خاصّة في صحيحي البخاري و مسلم، فإنّهم يرمون من شكّ في صحّة بعض أحاديثها بالمروق عن الدّين و القيام بالطعن بسنّة سيّد المرسلين (ص) و لا يقبلون القول بلزوم تمحيص الأحاديث المرويّة فيها و قبول ما أثبت البحث صحّته و ترك ما عداه.
من أجل ذلك كلّه تركت أوّلا إيراد روايات الأحرف السبعة و ما شابهها من الروايات، لأنّي وجدت الشيخ النوري أشار إليها إشارة عابرة و ترك إحسان إلهي ظهير الإجابة عنها، و لذلك لم أر من الحكمة ذكرها و إثارتها، حتّى إذا بلغت آخر هذا الجزء من الكتاب و راجعت مؤلّفات المستشرقين لدراستها و تبيان مواطن الضعف فيها وجدتهم قد سبقوني إلى إيراد كل تلك الروايات، و انّهم استفادوا منها للطعن بثبوت النصّ القرآني، عندئذ اضطررت إلى العودة إلى جميع تلك الروايات و إيرادها و مناقشتها، و عقدت هذا الفصل لدراسة روايات الأحرف السبعة، و أضفت كثيرا من الروايات إلى البحوث السابقة.
و عند ما أنهيت دراسة روايات السبعة أحرف كما مضت راجعت كتب الحديث بمدرسة أهل البيت (ع)، فوجدت الجواب الكافي عنها عند أئمّة أهل البيت في جملتين قصيرتين يكاد هذا البحث الطويل أن يكون شرحا لهما، و سنوردهما بعد توجيه السؤال الآتي إلى العلماء بمدرسة الخلفاء:
إنّ الروايات الآنفة تدلّ على عدم ثبوت النصّ القرآني، فهل يرى العلماء انّ تلكم الروايات صحيحة و مصونة عن الخطأ و النسيان و الزيادة و النقصان و انّ النص القرآني غير مصون عن ذلك كما تدل عليه تلكم الروايات!!! أضف إليه أنّ الرواة بمدرسة الخلفاء رووا و قالوا: انّ رسول اللّه (ص) نسي آيات و سورا
من القرآن الكريم كما مرّ بنا في ما سبق.
و قالوا: انّ رسول اللّه عند ما كان يتلو في بيت اللّه من سورة النجم ... اللَّاتَ وَ الْعُزَّى* وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وضع الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى) فتلاها خطأ، كما سندرسها في الباب الثاني إن شاء اللّه تعالى.
و مع ذلك فهل يسمح لنا علماء مدرسة الخلفاء أن نقول: إنّ الرواة بمدرسة الخلفاء عند ما كانوا يروون حديث الرسول (ص) و يؤلّفون، دسّت الزنادقة في رواياتهم أمثال روايات السبعة أحرف، فرواها مشايخ الحديث خطأ، أو لا يسمحون لنا بذلك و يقولون بعصمة رواة الحديث و عصمة كتب الحديث في حين أنّهم لم يقولوا ذلك في كتاب اللّه و في رسول اللّه (ص)؟! أمّا أئمّة أهل البيت (ع)، فقد قالوا في شأن تلك الروايات ما يأتي:
في الكافي عن الفضيل بن يسار، أنّه قال:
قلت لأبي عبد اللّه- الصادق- (ع):
إنّ النّاس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف! فقال: كذبوا أعداء اللّه! و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد.
و شخّص والده- أبو جعفر- الإمام الباقر- وصيّ رسول اللّه (ص) الخامس- مصدر البلاء، و قال (ع): إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد و لكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة (1).
1) اصول الكافي 2/ 630، الحديث 12 و 13.
أوّلا- برهنّا في ما سبق على أنّ القرآن واحد و لا يجوز قراءته على سبعة أحرف و قال كلا الإمامين ذلك في سطر واحد و تكاد الستون صفحة من بحثنا تكون شرحا لقولهما.
ثانيا- لم يقل الإمام محمّد الباقر: الاختلاف يجيء من قبل الصحابة، بينا كل الروايات مرويّة عنهم، بل قال: من قبل الرواة و بذلك نزّه الصحابة عن تقوّل تلكم الأقوال.
و نفهم من قوله هذا انّ الصحابة افتري عليهم رواية تلكم الروايات.
و كان ذلك ما توصّلنا إليه في بحثنا الطويل.
ثالثا- قال ابنه الإمام جعفر الصادق: كذبوا أعداء اللّه.
و نستنبط من قوله هذا أنّه كان يرى القائلين أعداء اللّه، و ليسوا من المسلمين.
و يصدق هذا القول على الزنادقة.
و أخيرا فإنّ أمثال الروايات السابقة أدّت إلى اختلاق آلاف القراءات المختلفة للقرآن الواحد كما سندرسها بإذنه تعالى في البحث الآتي:
1- ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن و ظنّ أنّها قراءة اخرى للنص القرآني.
2- ما روي من اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني بألفاظ استحسنوها.
3- أثر روايات مختلقة في جواز تبديل النص القرآني بغيره.
4- أخطاء في رسم خط المصاحف العثمانية.
5- قياس النص القرآني بقواعد اللّغة العربية.
6- اجتهاد القرّاء و تبديلهم النصّ القرآني بغيره استنادا إلى ما سبق ذكره.
قال الشيخ النوري في كتابه (فصل الخطاب):
(الدليل العاشر: اثبات اختلاف القرّاء في الحروف و الكلمات و غيرها).
و نقول: ذكرنا في بحث المصطلحات من الجزء الأوّل من هذا الكتاب أنّه جاء في اللّغة:
قرأ الكتاب قراءة و قرآنا: تتبع كلماته نظرا و نطق بها.
و في المصطلح الإسلامي: القارئ و جمعه القرّاء من تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معانية، و المقرئ من امتهن من القرّاء تعليم لفظ القرآن مع تعليم معناه.
كان ذلكم معنى القراءة و الإقراء في عصر الرسول (ص).
و اتّضح ممّا ذكرنا انّ للفظ: (اقرأ) و (نقرئ) و (اقرأ) و سائر مشتقاتها في المصطلح الإسلامي (معنى له جزءان) و ان شئت فقل: (له معنيان)، قال الراغب في أمثاله: (كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة للخوان و للطعام، ثمّ قد يسمّى كل واحد منهما بانفراده به).
و قال:
(القرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، و لما كان اسما جامعا للأمرين: الطهر و الحيض المتعقب له اطلق على كل واحد منهما) (1).ب.
1) مادّة (قرأ) من مفردات القرآن للراغب.
و لمّا كانت مادّة الإقراء بمعنى تعليم لفظ القرآن و تعليم معناه استعملت في عصر الرسول (ص) في المعنيين معا، و استعملت في عصر الصحابة أحيانا في أحد المعنيين كما فصلنا في ذلك في بحث المصطلحات.
ثمّ تغيّر معنى القراءة و الإقراء في مصطلح المسلمين بعد عصر الصحابة حتّى اليوم.
تبدل معنى أقرأ و القارئ بعد عصر الصحابة من تعلم تلاوة النصّ القرآني و تعلّم معناه إلى تعلّم تبديل النص القرآني بلغات القبائل العربية.
و كان سبب هذا التغيير أنّ السلطة الحاكمة منذ عصر معاوية إلى آخر عهد الخلافة الأموية في الشام- عدا عمر بن عبد العزيز- عمدت في جميع البلاد الإسلامية إلى إحياء التراث العربي الجاهلي و آدابه لغة و شعرا و تاريخه حسبا و نسبا و كان العصر عصر الترف العقلي، فتسابق المحققون في جمع أشعار العرب و دراسة لغاتها و أحسابها و أنسابها.
و ظهر كذلك بعد عصر الصحابة نشاط الزنادقة المحموم في تخريب السنّة النبويّة سيرة و حديثا، و كان من أنواع نشاطهم وضع روايات في جواز تبديل النصّ القرآني افتروا فيها على اللّه و وحيه و رسوله و صحابته و اختلقوا لتلك الروايات أسانيد و دسوها في مصادر الدراسات الإسلامية في عصر التأليف.
و من كلا النشاطين تكوّن علم تبديل لغة القرآن بلغات القبائل العربية، و تسابق المتخصّصون بلغات القبائل العربية في ذلك، و نبغ فيهم رجال أخذوا يبدّلون النصّ القرآني بما تعلّموه من لغات العرب المختلفة.
و هكذا تكوّنت القراءات المختلفة للقرآن الواحد، و سمّوا عملهم بعلم القراءة، و نشروا علمهم المختلق في البلاد الإسلامية كافّة، و سمّوا من تعلّمه بالقارئ و من يعلّمه بالمقرئ.
و اشتهر في أوائل القرن الثاني الهجري مصطلح المسلمين أي: القراءة بمعنى تعلّم تبديل النصّ القرآني بلغات العرب بدلا من المصطلح الإسلامي: القراءة بمعنى تعلّم النصّ القرآني و تعلّم معانيه، و نسي المصطلح الإسلامي، و بعد ذلك فسّر خطأ ما جاء من مادّة (القراءة) في الكتاب و السنّة و محاورات الصحابة بالمعنى المصطلح عند المسلمين (القراءة) بمعنى تبديل النصّ القرآني بلغات العرب، بينا ينبغي أن نفسّر ما جاء من مادّة (القراءة) في الكتاب و السنّة و محاورات الصحابة و محاورات المسلمين في عصر الصحابة بمعنى المصطلح الإسلامي، و ما جاء منها في المحاورات منذ القرن الثاني الهجري في ما عدا ما جاء منها في أحاديث أئمّة أهل البيت (ع) نفسّرها بمعنى مصطلح المسلمين، كما سنشرحها في آخر هذا البحث بحوله تعالى.
نشرت و للّه الحمد و المنّة بحوثي في سبيل تمحيص سنّة الرسول (ص) و كيفية اختلاق صحابة للرسول (ص) في مجلّدي (خمسون و مائة صحابي مختلق)، و في ما يأتي من هذا البحث نكشف بحوله- تعالى- عن كيفية انتشار آلاف القراءات المختلقة بين المسلمين الّتي افتري بها على كلام اللّه، و حرّف بها كتاب اللّه العظيم مع بيان منشئها إن شاء اللّه تعالى.
تولدت القراءات المختلفة للقرآن الواحد و نشأت ثمّ تكاثرت و ازداد عددها بسبب العوامل الستّة الآتية:
أ- ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن و ظنّ أنّها قراءة اخرى للنص القرآني.
ب- ما روي من اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني بألفاظ استحسنوها.
ج- أثر روايات مختلقة في جواز تبديل النصّ القرآني بغيره.
د- أخطاء في رسم خط المصاحف العثمانية.
ه- قياس النصّ القرآني بقواعد اللّغة العربية.
و- اجتهادات القرّاء في تبديل النصّ القرآني بغيره استنادا إلى:
1- ما روي عن الصحابة من روايات و اجتهادات.
2- ما يوافق قواعد اللّغة العربية.
3- ما يوافق بعض اللّغات العربية من غير قريش.
مرّ بنا في بحث اختلاف المصاحف أنّ كلّا من امّ المؤمنين عائشة و امّ المؤمنين حفصة أمرتا الكاتب الّذي كتب لهما المصحف إذا بلغ في كتابته قوله تعالى: وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى أن يؤذنهما فلمّا بلغها و آذنهما أمرتاه أن يكتب بعدها (و صلاة العصر)، انّهما لم تقصدا من ذلك أنّ (و صلاة العصر) جزء من الآية و إنّما أرادتا و صلاة العصر تفسير (للصلاة الوسطى)، و من هذا القبيل ما جاء:
أ- في تفسير الطبري بسنده عن حبيب بن ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة ابيّ قال: و فيه فما استمتعتم به منهنّ- إلى أجل مسمّى- (1).
ب- في تفسير السيوطي بسنده عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص) (يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربّك- إنّ عليّا مولى المؤمنين- و ان لم تفعل فما بلّغت رسالته ...) (2).
و كما أنّ امّ المؤمنين عائشة و امّ المؤمنين حفصة لم تقصدا أنّ (و صلاة العصر) جزء من الآية و إنّما قصدتا انّها تفسير للصلاة الوسطى كذلك شأن كل ما روي من هذا القبيل.
و أمّا ما روي من تعبير الصحابة في أمثالها أنّهم كانوا يقولون في قراءة (ابن مسعود) أو (ابيّ بن كعب) أو غيرهما فقد مرّ بنا أنّ (القراءة و الإقراء) كان في عصرهم بادئ ذي بدء بمعنى تعليم لفظ القرآن و معناه، و أخيرا استعمل في عصر الصحابة خاصّة في جزء معناه و هو تعليم المعنى فحسب، إذا يكون معنى قولهم في قراءة فلان أي ما كان يفسّر الكلمة و هكذا فسّر الكلمة.
قال السيوطي بتفسير: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها:
أخرج عبد الرزّاق و سعيد بن منصور و أبو داود في ناسخه و ابنه في المصاحف و النّسائي و ابن جرير و ابن منذر و ابن أبي حاتم و الحاكم، و صحّحه عن سعد ابن أبي وقّاص، أنّه قرأ: (ما ننسخ من آية أو ننساها)، فقيل: له إنّ سعيد بن المسيب يقرأ: ننسها، فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيب و لا على آل المسيب، قال اللّه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ.
و عرفنا من آخر الحديث أنّ منشأ هذا الاجتهاد المنسوب إلى الصحابي في تحريف كلمة (ننسها) إلى (ننساها) مجيء (تنسى) و (نسيت) في مكانين آخرين من القرآن و قياس هذا المورد على ذينك الموردين.
و روى السيوطي- أيضا- بسنده، أنّ في قراءة ابيّ: (ما ننسخ من آية أو ننسك)، و أنّ في قراءة ابن مسعود: (ما ننسك من آية ننسخها) (1).
و روى القرطبي عن ابن عباس أنّه قرأها (أو ننسها) بضمّ النون (2).
و روى الطبري عن عبيد بن عمير الليثي أنّه قرأها (أو ننساها) (1)
و عبيد بن عمير الليثي كان قاصّ أهل مكّة، عدّه ابن الأثير في أسد الغابة 3/ 545.
.وجدنا في المثال السابق كيف رووا اختلاف الصحابة في قراءة الآية اعتمادا على اجتهادهم و ليس اعتمادا على ما سمعوه من رسول اللّه (ص)، كما رووا ذلك عن سعد بن أبي وقّاص.
رووا أنّه اجتهد كلّ من امّ المؤمنين عائشة و الخليفة عثمان، فقالا في إِنْ هذانِ لَساحِرانِ: (إنّ هذين لساحران)، و تبعهم على ذلك الحسن و سعيد بن جبير و إبراهيم النخعي و غيرهم من التابعين، و من القرّاء عيسى بن عمرو و عاصم و غيرهما من العلماء.
و رووا أنّ أبان بن عثمان قال: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال لحن و خطأ.
فقال قائل: أ لا تغيّروه؟
فقال عثمان: دعوه، فإنّه لا يحرّم حلالا و لا يحلّل حراما (2).
و قال القرطبي: (و هذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف). و روى عن ابن مسعود قراءتين:
أ- (إن هذان إلّا ساحران).
ب- (إنّ هذان ساحران)!!
و روى عن الصحابي ابيّ: (إنّ ذان إلّا ساحران).
و عن جماعة من العلماء و القرّاء: (إن هذان لساحران).
و قال: و هذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف و من فساد الإعراب، و يكون معناها: ما هذان إلّا ساحران.
قال المؤلّف: و حاول بعض العلماء أن يجد مسوّغا لمخالفة هذه الآية كلام العرب، فوجد ضالته المنشودة في لغة بني الحرث بن كعب و زبيد و خثعم، فاطمأنوا لما وجدوا في كلام القبائل العربية ما يقيسون عليه كلام اللّه جلّ اسمه (1).
و نجد نظير هذه المحاولات كثيرا في كتب التفسير و القراءات، و سوف ندرسها بعد دراسة الحكمة في الالتزام بقواعد اللّغة العربية إذ لا يصحّ في الكلام غير الموزون مخالفتها، أمّا الكلام الموزون فله قواعد خاصّة به نذكرها في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.6.
1) رجعنا في جميع ما ذكرناه إلى تفسير القرطبي 11/ 216.
من أهمّ العوامل في اختلاق القراءات المختلفة ما رووا في روايات متواترة موصوفة بالصحّة انّ الرسول (ص) أقرأ الرواية الواحدة لأصحابه بألفاظ مختلفة، فتمارى كل منهم في قراءة الآخر، و قال الرسول (ص) في جواب اعتراضهم إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف نحو قولك: تعال و أقبل و هلمّ و اذهب و أسرع و عجّل فاقرءوا و لا حرج: عليما حكيما، أو غفورا رحيما، و لكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، و لا ذكر عذاب برحمة.
إنّ تلكم الروايات إضافة إلى ما روي عن الصحابة من اجتهادات في تبديل النصّ القرآني شجعت جماعات من العلماء أن يعتمدوا المجموعتين من الروايات، و يقوموا بتأسيس علم القراءات، كما سنبيّنه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
أخذ الخليفة عثمان من امّ المؤمنين حفصة المصحف الّذي تمّ نسخه على عهد الخليفة عمر و أودعه عندها، و نسخ عليه المصحف الإمام و لمّا جيء به إليه قال: إنّ في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، ثمّ أمر أن ينسخ عليه سبع نسخ أو تسع، و بعث بها إلى أمّهات البلاد الإسلامية مع قرّاء يقرءونه فبعث مع المصحف:
أ- المكّي عبد اللّه بن السائب.
ب- الشامي المغيرة بن شهاب.
ج- الكوفي أبا عبد الرّحمن السلمي.
د- البصري عامر بن عبد القيس.
ه- و كان مقرئ المدينة زيد بن ثابت.
و إضافة إليها ذكروا أنّه بعث نسخة لكل من: البحرين و اليمن و مصر و الجزيرة (1).
أ- أبو السائب أو أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن السائب المخزومي، قال الذهبي: قارئ أهل مكّة.
1) أوجزت الأخبار و أدمجت بعضها ببعض ممّا سبق ذكره في بحوث الكتاب و من المصاحف لابن أبي داود ص، 31 و 34؛ و تاريخ اليعقوبي 2/ 160؛ و مناهل العرفان لمحمّد عبد العظيم الزرقاني ط. عيسى البابي الحلبي بمصر 1/ 395- 397.
له صحبة و رواية يسيرة، قرأ القرآن على ابيّ بن كعب و روى و عرض عليه القرآن مجاهد و عبد اللّه بن كثير، توفّي حدود سنة سبعين في إمرة ابن الزّبير (1).
ب- المغيرة بن شهاب، اسم أبيه عبد اللّه بن عمرو المخزومي و يقال السدوسي البصري، قرأ على أبي موسى الأشعري، و سمع من عليّ و عبادة بن الصامت، توفّي سنة نيف و سبعين (2).
ج- أبو عبد اللّه أو أبو عمرو عامر بن عبد اللّه و يعرف بعامر بن عبد قيس العنبري، روى عن عمر و سلمان.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 ه) كان يقرئ الناس.
و عن الحسن البصري أنّ عامرا كان يقول: من اقرئ؟
فيأتيه ناس، فيقرئهم القرآن، ثمّ يقوم فيصلّي إلى الظهر، ثمّ يصلّي إلى العصر، ثمّ يقرئ الناس إلى المغرب، ثمّ يصلّي ما بين العشاءين ثمّ ينصرف إلى منزله.
وشي به إلى الخليفة عثمان فأمر بنفيه إلى الشام على قتب، و توفّي زمن معاوية (3).
و مضت ترجمة أبي عبد الرّحمن السلمي و زيد بن ثابت.
و اللّحن الّذي ذكره الخليفة في رسم خطّ المصحف بقي في المصاحف حتّى اليوم مثل:1.
أ- كتابة نون التأكيد الخفيفة كتنوين النصب على الألف، كما جاء في سورة:
العلق/ 15: لَنَسْفَعاً بدل لنسفعن.
يوسف/ 32: وَ لَيَكُوناً بدل ليكونن.
ب- حذف الألف كما جاء في سورة:
الزخرف/ 38: يا لَيْتَ بدل يا ليت.
و آل عمران/ 55 و المائدة/ 110 و 116: (يعيسى) بدل يا عيسى.
و المؤمنون/ 8: لِأَماناتِهِمْ فيقرأها بعضهم: لأماناتهم، و يقرأها آخر لأمانتهم.
الأنعام/ 94: (شركؤا) بدل شركاء.
هود/ 87: ما نَشؤُا بدل ما نشاء.
إبراهيم/ 21: (فقال الضّعفؤا) بدل الضّعفاء.
ص/ 13: (و أصحاب لئيكة) بدل الايكة.
الكهف/ 77: (لو شئت لتّخذت) بدل لاتخذت.
ج- إضافة الواو أو الياء أو الألف كما جاء في سورة:
الأنعام/ 52: بِالْغَداةِ بدل بالغداة.
الأنعام/ 94: (شركؤا) بدل شركاء.
هود/ 87: ما نَشؤُا بدل ما نشاء.
يوسف/ 87: (انّه لا يايئس) بدل لا ييأس.
إبراهيم/ 9: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا بدل نبأ.
إبراهيم/ 21: (فقال الضّعفؤا) بدل الضّعفاء.
الكهف/ 23: (و لا تقولنّ لشاى) بدل لشيء.
النّمل/ 21: (لأاذبحنّه) بدل لأذبحنّه.
الزّمر/ 69: (و جاى بالنّبيّين) بدل و جيء.
الذّاريات/ 47: (بأييد) بدل بأيد.
الحشر/ 17: (جزؤا الظالمين) بدل جزاء الظّالمين.
الأنعام/ 5: (يأتيهم أنبؤا) بدل أنباء.
قريش/ 1 و 2: (لإيلف قريش* إىلفهم) بدل لإيلاف قريش، إيلافهم.
و كذلك كتبوا الكلمة الواحدة بصورة في مكان، و كتبوها بصورة اخرى في مكان آخر كما هو في الآيات التالية:
1- (فيما) فانّها كتبت متصلة (فيما)، إلّا في اثني عشر موردا، فإنّها كتبت فيها مفصولة (في ما).
2- (ممّا) كتبت متّصلة، إلّا في ثلاثة مواضع، كتبت فيها مفصولة (من ما).
3- (أنّما) متّصلة، إلّا في مورد في سورة الحج، ثمّ في موردين في سورة لقمان.
4- (لكي لا) منفصلة، إلّا في ثلاثة مواضع.
5- (بئس ما) كسابقتها.
6- (أين ما) منفصلة، إلّا في أربعة مواضع.
7- (ألّا) متّصلة، إلّا في عشرة مواضع.
8- (إلّا) متّصلة مدغمة، بإسقاط النون في جميع القرآن.
9- (ألّم) متّصلة مدغمة، إلّا في موضعين.
10- (إلّم) متّصلة مدغمة في سورة هود، منفصلة مقطوعة في القصص.
إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة (1).
غير أنّ المقرئين الّذين أرسلهم الخليفة عثمان مع المصاحف كانوا قد تعلّموا قراءة القرآن قبل كتابة تلك المصاحف من أفواه الصحابة الّذين تلقّوا قراءة القرآن من فم رسول اللّه (ص) و الّذي تلقاها عن طريق الوحي، و كان زيد بن ثابت قد تلقّى قراءة القرآن من فم رسول اللّه (ص) و كان كلّهم يقرءون القرآن كما تعلّموه.
و ذلك معنى قول الخليفة عثمان (فيه لحن ستقيمه العرب بألسنتها) و استمرّ المقرءون على ذلك جيلا بعد جيل يقيمون لحن رسم خط مصحف عثمان في إقراء القرآن، و يعلّمون التلاوة صحيحة و مخالفة لرسم الخطّ الملحون.1.
1) غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش الطبري 1/ 29- 35 و فيه موارد اخرى؛ و المقنع للداني، ص 30- 92؛ و اتحاف فضلاء البشر 1/ 329- 331.
من قواعد اللّغة العربية ما وضع دفعا للالتباس في الكلام الموزون و غير الموزون مثل:
أ- الحاق تاء التأنيث لاسم الفاعل المؤنث في قولنا: امرأة باسمة و ضاحكة و ناطقة، و تجريد اللّفظ منها لغير الأنثى في قولنا: رجل باسم و ضاحك و ناطق.
ب- تقديم الفاعل على المفعول في مواضع اللبس بين الفاعل و المفعول مثل قولنا: أقرأ موسى عيسى القرآن في ما إذا كان المقرئ موسى، فإذا لم يكن في الكلام لبس جاز مخالفة القاعدتين المذكورتين في مثل قولنا، أحيانا: أكرم محمّدا الحسن، و أكل الكمثرى يحيى، و خرق الثوب المسمار.
و كذلك الشأن في حذف علامة التأنيث إذا لم يكن ثمة لبس؛ في مثل قولنا للمرأة الّتي ترى العادة الشهرية حائض و للحبلى حامل و للمطلقة طالق.
و من قواعد اللّغة العربية ما وضعت أيضا للكلام الموزون و غيره لدفع الالتباس، و دونت في كتب علمي النحو و الصرف، مثل قواعد علامات الإعراب بالحركات و الحروف في آخر الكلمات دفعا للالتباس في مثل قولنا:
أكرم اللّبنانيّ السوريّ.
و العراقيّان الكويتيّين.
و السعوديون اليمانيّين.
فانّنا نميّز الفاعل من المفعول بالضمّة و الفتحة في المثال الأوّل و الألف و الياء المفتوح قبلها في الثاني، و الواو و الياء المكسور ما قبلها في الثالث.
كانت تلكم أمثلة لقواعد اللّغة العربية في الكلام الموزون و غيره.
و أمّا الكلام الموزون بصورة خاصّة، فلم تدوّن قواعده كعلم خاص يدرس في المعاهد العلمية، و من مصاديق قواعد الكلام الموزون في لغة العرب الشعر الّذي اكتشف أوزانه الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 170 ه).
و كذلك من مصاديق الكلام الموزون في لغة العرب: السور القرآنية، فإنّ لها أوزانا خاصّة بها لم تكتشف حتّى اليوم، و إن كان الشعر و بعض النثر الفني موزونا في جانب اللّفظ فحسب، فإنّ القرآن موزون في جوانب متعددة منه في لفظه و معناه و غيرهما، و إنّه ليس بشعر و لا نثر كما بيّناه في بحث المصطلحات في الجزء الأوّل من هذا الكتاب و سيأتي بيانه في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.
و يستطيع الباحث الخبير بالأدب العربي أن يدرك ذلك بأدنى تأمل لبعض السور القرآنية الصغيرة، مثل قوله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
و في السور المتوسّطة مثل قوله تعالى في سورة الرّحمن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ.
إلى آخر قوله- تعالى- في آخر السورة:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.
و في السور الكبيرة قد يكون لكل مجموعة من آيات نزلت فيها مرّة واحدة وزن خاصّ بها و قد يكون لجميع السورة وزن واحد، غير انّ معرفة أوزانها و رويّها بحاجة إلى تدبّر أكثر مثل قوله تعالى في أكبر سورة من القرآن:
المجموعة الاولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
إلى قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6).
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7).
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28).
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29).
المجموعة الثانية:
وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31).
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32).
وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (36).
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37).
و كذلك سائر الآيات إلى آخر سورة البقرة لها جميعا وزن خاص و رويّ خاص.
و من ثمّ استطاع بعض الشعراء أن يضمّن قصيدته آية من القرآن مثل:
أ- قول السيّد رضا الهندي في قصيدته الّتي مدح الرسول (ص) فيها:
(أ مفلج ثغرك أم جوهر أ رحيق رضابك أم سكّر قد قال لثغرك صانعه إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ).
ب- قول السيّد إسماعيل الشيرازي في مدحه:
إنّ يك يجعل للّه البنون (و تعالى اللّه عمّا يصفون).
كانت تلكم أمثلة للكلام الموزون غير الشعر في كلام العرب، و للكلام الموزون قانون يجب التزامه كما سنذكره في ما يأتي بحوله تعالى:
لمّا كان الكلام الموزون يمتاز على غير الموزون منه و يؤثر في النفوس تأثير السحر في ما يدعو إليه من أمر، إذا لا بدّ في الكلام الموزون من مراعاة الوزن و إلّا لما كان الكلام موزونا، و من ثمّ إذا تعارضت قواعد الوزن مثل أوزان البحور الّتي اكتشفها الخليل في الشعر مع قواعد اللّغة العربية يجب مراعاة الوزن و طرح قواعد اللّغة فيه. و على ذلك جرى جميع البلغاء و الفصحاء أبد الدهر.
ما سبق ذكره في أوّل البحث و موارد كثيرة اخرى غيرها ممّا سمّاها علماء النحو بالشذوذ يصحّ وصفها بالشاذّ لو جاء ذلك في الكلام غير الموزون مثل ما روي عن أحدهم أنّه قال (أكلوني البراغيث) بدل (أكلتني البراغيث).
و هذا يصحّ وصفه باللحن و الشاذّ و النادر و ما شابهها من الأوصاف، و لا ينبغي لفصيح أن يرد مثل ذلك في كلامه.
أمّا الكلام الموزون، فقد بلغ ما جاء فيه ممّا سمّي عندهم بالشذوذ من السعة و الكثرة و الشمول حدّا نستطيع أن نكتشف منه قواعد عامّة تخصّ الكلام الموزون في محاورات الفصحاء و البلغاء، مثل القواعد الآتية:
أ- و جاء ذلك في شعر عبد يغوث الحارثي: عبشميّة في قوله:
تضحك منّي شيخة عبشميّةكأن لم ترى (1)قبلي أسيرا يمانيا (2)
و عبد يغوث بن وقاص أو صلاءة الحارثي، شاعر جاهلي، يماني، من شعراء قحطان، توفّي نحو 40 ق ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: عبد شمسيّة.ب- و الغاشيك، في قول الحارث بن وعلة الذهلي:
قوّض خيامك و التمس بلداينأى عن الغاشيك بالظّلم (3)
راجع ترجمته في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 19/ 139.
و في غير الموزون من الكلام يقال: عن الّذين يغشونك.ج- و ملأوس، ملخزرج، في قول حسان بن ثابت:
لما رأى بدرا تسيل جلاههابكتائب ملأوس أو ملخزرج (4)
و أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، شاعر النبيّ (ص). مخضرم. سكن المدينة، من شعراء الجاهلية، يهجو في شعره بني عائذ بن عمرو بن مخزوم، توفّي سنة 54 ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: من الأوس أو من الخزرج.د- و ملبغايا، أيضا في قوله:
فأشهد أنّ أمّك ملبغاياو أنّ أباك من شرّ العباد (5)و في غير الموزون من الكلام يقال: من البغايا.
، و جاء ذلك:
1- في شعر طرفة بن العبد: تصطد في قوله:
فإن تبغني في حلقة القوم تلقنيو إن تقتنصني في الحوانيت تصطد (1)
و أبو عمر طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي، من الطبقة الاولى (ت:
60 ق ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: تصطدني.2- و تحذري، أيضا في قوله:
قد رفع الفخّ فما ذا تحذريو نقّري ما شئت أن تنقّري (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: فما ذا تحذرين؟
3- و الجاعلو، في شعر الأعشى:
المطعمون الضّيف لمّا شتواو الجاعلو القوّة على الياسر (3)
و أبو بصير، ميمون بن قيس بن جندل من بني بكر بن وائل من ربيعة. من شعراء الطبقة الاولى في الجاهلية و أحد أصحاب المعلقات، لقب بالأعشى لضعف بصره (ت: 7 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: الجاعلون.4- و الحافظو، في شعر عمرو بن امرئ القيس:
الحافظو عورة العشيرة لايأتيهم من ورائنا نطف (4)
و عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، و هو جد عبد اللّه بن رواحة، شاعر جاهلي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: الحافظون.
5- و الخلخل، في شعر الشاعر:
صفر الوشاحين صموت الخلخل (1)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: الخلخال.6- و الحمي، في شعر العجاج:
قواطنا مكّة من ورق الحمي (2)
و أبو الشعثاء عبد اللّه بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي التميمي، ولد في الجاهلية و قال الشعر فيها، ثمّ أسلم (ت: 90 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: ورق الحمام.7- ولاك، في شعر الشاعر:
و لست بآتيه و لا أستطيعهو لاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (3)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و لكن.1- في شعر الشاعر: يا لا، في قوله:
فخير نحن عند النّاس منكمإذا الدّاعي المثوّب قال يا لا (4)
قال البغدادي: نسب أبو زيد في نوادره البيت إلى زهير بن مسعود الضبّي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: يا لفلان.
2- و فا، تا، في شعر الشاعر:
بالخير خيرات و إن شرّا فاو لا أريد الشرّ إلّا أن تا (1)
ينسب البيت للقيّم بن أوس بن أبي ربيعة.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و إن شرّا فشرّ إلّا أن تشاء.3- و أ لا تا، بلى فا، في شعر الشاعر:
نادوهم أن ألجموا أ لا تاقالوا جميعا كلّهم ألا فا (2)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أ لا تركبون، ألا فاركبوا.4- و فلان عن فل، في شعر أبي النجم العجلي:
تدافع الشّيب و لم تقتّلفي لجّة أمسك فلانا عن فل (3)
و أبو النجم العجلي: الفضل بن قدامة، من بني بكر بن وائل، من أكابر الرّجّاز توفّي سنة 130 ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: فلان عن فلان.1- في شعر الشاعر: يفضلها، في قوله:
لو قلت ما في قومها لم تيثميفضلها في حسب و ميسم (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: من يفضلها.
2- و فميت، في شعر مجنون ليلى:
أ تاركتي للموت أنت فميّتو ما للنفوس الخائفات بقاء (1)
و قيس بن الملوح بن مزاحم العامري شاعر غزل من المتيمين، من أهل نجد (ت: 68 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: فأنا ميّت.3- و شاء في شعر الشاعر:
إذا شاء أضرّوا من أرادواو لا يألوهم أحد ضرارا (2)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: شاءوا.4- و كان، في شعر الشاعر:
فلو أنّ الأطبّا كان حوليو كان مع الأطبّاء الأساة (3)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: كانوا.5- و سابق دمعه، في شعر ذي الرّمة:
فضلّوا و منهم سابق دمعه لهو آخر يثني دمعة العين بالمهل (4)
و ذو الرمّة، غيلان بن عقبة العدوي، أبو الحارث، من مضر، شاعر من الطبقة الثانية، توفّي سنة 117 ه.
ه.و في غير الموزون من الكلام يقال: من سابق دمعه.
، و جاء ذلك:
1- في شعر النابغة الذبياني: و كأن قد، في قوله:
أفد التّرحل غير أنّ ركابنالمّا تزل برحالنا و كأن قد (1)
و النابغة الذبياني، زياد بن معاوية، شاعر جاهلي من الطبقة الاولى، من أهل الحجاز، توفّي نحو سنة 18 ق ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و كأن قد زالت.2- و إن لم، في شعر ابن هرمة:
احفظ وديعتك الّتي استودعتهايوم الأعازب إن وصلت و إن لم (2)
و ابن هرمة، أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ، شاعر، من مخضرمي الأموية و العباسية. سكن المدينة توفّي سنة 176.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و إن لم تصل.3- و علفتها تبنا و ماء، في شعر الشاعر:
علّفتها تبنا و ماء بارداحتّى شتت همّالة عيناها (3)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: علّفتها تبنا و سقيتها ماء.، و جاء ذلك:
أ- في شعر المتلمّس العبدي: حبّ العراق الدهر أطعمه، في قوله:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمهو الحبّ يأكله في القرية السّوس (1)
و المتلمّس العبدي، جرير بن عبد العزى أو عبد المسيح، شاعر جاهلي من أهل البحرين، مات ببصرى نحو سنة 50 ق ه، و هو خال طرفة بن العبد.
و في غير الموزون من الكلام يقال: على حبّ العراق الدّهر لا أطعمه.ب- و عسل الطريق، في شعر ساعدة بن جؤيّة:
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنهفيه كما عسل الطريق الثّعلب (2)
و ساعدة بن جؤيّة الهذلي، من بني كعب بن كاهل، شاعر من مخضرمي الجاهلية و الإسلام.
و في غير الموزون من الكلام يقال: عسل في الطريق.، و جاء ذلك:
أ- في شعر الشاعر: محمد تفد، في قوله:
محمّد تفد نفسك كلّ نفسإذا ما خفت من شيء تبالا (3)
و البيت قائله مجهول، يخاطب به النبيّ (ص).
و في غير الموزون من الكلام يقال: لتفد.ب- و لكن يكن، في شعر الشاعر:
فلا تستطل منّي بقائي و مدّتيو لكن يكن للخير منك نصيب (4)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و لكن ليكن.ج- و أو يبك، في شعر متمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشيلك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (1)و في غير الموزون من الكلام يقال: ليبك.
، و جاء ذلك:
أ- في شعر زيد الخيل: ليتي، في قوله:
كمنية جابر إذ قال ليتياصادفه و أفقد بعض مالي (2)
و أبو مكنف، زيد الخيل، زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد بن أقصى من طيّئ، من أبطال الجاهلية، وفد على النبي (ص) سنة 9 ه في وفد طيّئ، فأسلم (ت: 9 ه)، تهذيب تاريخ ابن عساكر 6/ 36.
و في غير الموزون من الكلام يقال: ليتني.ب- و فليني، في شعر عمرو بن معدي كرب:
تراه كالثّغام يعلّ مسكايسوء الفاليات إذا فليني (3)
و أبو ثور عمرو بن معدي كرب بن عبد اللّه بن عمرو صاحب الغارات و الوقائع في الجاهلية و الإسلام. وفد على النبيّ (ص) سنة تسع أو عشر (ت: 21 ه). الأعلام للزّركلي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: فلينني.ج- و قدي، في شعر حميد الأرقط:
قدني من نصر الخبيبين قدي (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: قدني.
، و جاء ذلك:
أ- في قول الشاعر، في قوله:
و مصعب حين جدّ الأمر أكبرها و أطيبها (1)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و مصعب.ب- و عمرو، في شعر الشاعر:
عمرو الّذي هشم الثّريد لقومهو رجال مكّة مسنتون عجاف (2)
و الزبعرى أبو سعد عبد اللّه بن قيس السهمي القرشي، شاعر قريش في الجاهلية (ت: 15 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: عمرو.ج- و حاتم الطائي، في شعر الشاعر:
حيدة خالي و لقيط و عليو حاتم الطّائيّ وهّاب المئي (3)
و البيت ينسب لامرأة من بني عامر، و لامرأة من بني عقيل، تفخر بأخوالها من اليمن.
و في غير الموزون من الكلام يقال: حاتم الطّائيّ.و جاء ذلك:
أ- في شعر الشاعر: منون أنتم، في قوله:
أتوا ناري فقلت منون أنتمفقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما (1)
و نسب ابن يعيش البيت إلى شمر بن الحارث الطائي، و قال البغدادي: و البيت من أبيات أربعة رواها أبو زيد في نوادره و نسبها لشمير بن الحارث الضبي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: من أنتم.ب- و فأنظور، في شعر أبي عليّ:
و إنّني حيثما يثني الهوى بصريمن حوثما سلكوا أدنو فأنظور (2)
و أبو عليّ الفارسي، الحسن بن أحمد (288- 377 ه) إمام العربية في عصره، اتّصل بسيف الدولة و عضد الدولة. و صنف كتبا.
و في غير الموزون من الكلام يقال: فأنظر.ج- و الوليد بن اليزيد، في شعر ابن ميادة:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاشديدا بأعباء الخلافة كاهله (3)
و أبو شرحبيل و يقال أبو حرملة، ابن ميادة، الرماح بن أبرد بن ثوبان الذبياني الغطفاني، شاعر، رقيق هجاء، اشتهر بنسبته إلى أمّه ميّادة. توفّي سنة 149 ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: الوليد بن يزيد.د- و العقراب، في شعر الشاعر:
أعوذ باللّه من العقرابالشائلات عقد الأذناب (4)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: العقرب.ه.1) الكتاب لسيبويه، باب: إذا كنت مستفهما عن نكرة، 2/ 411؛ و شرح المفصل لابن يعيش، بحث الموصولات، فصل (ما) 4/ 16؛ و خزانة الأدب، الشاهد رقم 451، 6/ 167.
2) شرح شواهد المغني، الشاهد رقم 584.
3) شرح شواهد المغني، الشاهد رقم 66.
4) شرح شواهد المغني، الشاهد رقم 600. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 222 رابعا - قاعدة جواز إضافة حرف أو أكثر في الكلمة: ..... ص : 221
و جاء ذلك:
أ- في شعر الشاعر اللذون، في قوله:
نحن اللّذون صبّحوا الصباحايوم النّخيل غارة ملحاحا (1)
و هو رجل جاهلي من بني عقيل اسمه أبو حرب الأعلم.
و في غير الموزون من الكلام يقال: الّذين.ب- و حوثما، في شعر أبي عليّ:
و إنّني حيثما يثني الهوى بصريمن حوثما سلكوا أدنو فأنظور و في غير الموزون من الكلام يقال: حيثما.
ج- و أعارت أم لم تعارا، في شعر الشاعر:
تساءل يا ابن أحمر من رآهأعارت عينه أم لم تعارا (2)
نسب محقق شرح المفصل لابن يعيش البيت لعمرو بن أحمر الباهلي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أعورت عينه أم لم تعور.د- و لئام النات، و لا أكيات في رجز الشاعر:
يا قاتل اللّه بني السّعلات عمرو بن يربوع شرار النّات غير أعفاء و لا أكيات (3)
و في غير الموزون من الكلام يقال: شرار الناس، و لا أكياس.
ه- و ما بقا، في شعر زيد الخيل:
لعمرك ما أخشى التّصعلك ما بقاعلى الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا (1)و في غير الموزون من الكلام يقال: ما بقي.
و- و الثعالي، أرانيها، في شعر الشاعر:
لها أشارير من لحم تتمّرهمن الثّعالي و وخز من أرانيها (2)
نسب سيبويه البيت لرجل من بني يشكر، و نسبه ابن دريد و ابن منظور لأبي كاهل اليشكري.
و في غير الموزون من الكلام يقال: من الثعالب و من أرانبها.ز- و لضفادي، في رجز الشاعر:
و منهل ليس له حوازقو لضفادي جمّه نقانق (3)
نسب سيبويه البيت لرجل من بني يشكر، و قال محقق الكتاب الشنتمري: هو مصنف، لخلف الأحمر.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و لضفادع.ح- و الثالي، في رجز الشاعر:
يفديك يا زرع أبي و خاليقد مرّ يومان و هذا الثّالي ر.
1) تفسير الطبري، بتفسير آية قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ... من سورة يونس.
2) الكتاب لسيبويه، باب: ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارا، 2/ 273؛ و جمهرة اللّغة، مادّة ت رم 2/ 13؛ و شرح المفصل لابن يعيش، فصل: و من أصناف المشترك إبدال الحروف 10/ 24؛ و لسان العرب، مادّة: ثعلب و رنب.
3) الكتاب لسيبويه، 2/ 273؛ و شرح المفصل لابن يعيش، فصل: و من أصناف المشترك ابدال الحروف، 10/ 24؛ و لسان العرب، مادّة: ضفدع.
، و جاء ذلك:
أ- في شعر عنترة بن شداد، لم تحرم، في قوله:
يا شاة ما قنص لمن حلّت لهحرمت عليّ وليتها لم تحرم (2)
و عنترة بن شدّاد العبسي، شاعر جاهلي من الطبقة الاولى، توفّي سنة 22 ق ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: لم تحرم.ب- و لمّا نناضل، في شعر أبي طالب:
كذبتم و بيت اللّه نبزي محمّداو لما نطاعن دونه و نناضل (3)
و أبو طالب، عبد المناف بن عبد المطلّب بن هاشم، والد الإمام عليّ عليه السّلام و عمّ النبيّ (ص) و كافله و ناصره و مربّيه، مولده و وفاته بمكّة. توفّي سنة 3 ق ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: لما نناضل.ج- و فضنّت، زلت، ذلت، في شعر كثير عزّة:
و ما كنت أدري قبل عزّة ما البكاو ما موجعات القلب حتّى تولّت
و ما أنصفت أمّا النّساء فبغّضتإلينا و أما بالنّوال فضنّت
و كنّا سلكنا في صعود من الهوىفلما توافينا ثبت و زلّت
فوا عجبا للقلب كيف اعترافهو للنّفس لما وطّنت كيف ذلّت (1)
و أبو صخر، كثير عزّة، كثير بن عبد الرّحمن الخزاعي، شاعر مشهور من أهل المدينة، توفّي سنة 105 ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: تولّت، فضنّت، زلّت، ذلّت.، و جاء ذلك:
أ- و الجلدا، في شعر عبد مناف الهذلي:
إذا تأوّب قامتا معهضربا أليما بسبت يلعج الجلدا (2)
جعل، 2/ 103.
و عبد مناف بن ربع الجربي، من هذيل، شاعر جاهلي نسبته إلى جريب و هو بطن من هذيل.
و في غير الموزون من الكلام يقال: الجلدا.ب- و لم يلده، في شعر الشاعر:
ألا ربّ مولود و ليس له أبو ذي ولد لم يلده أبوان (3)
نسب السيوطي هذا البيت لرجل من أزد السراة، و أزد السراة: حي في اليمن. و قيل هو لعمرو الجنبي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: لم يلده.ج- و زفراتها، في شعر الشاعر:
علّ صروف الدّهر أو دولاتهايدلنا اللّمة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها (4)
قال السيوطي: أنشده الفراء و لم يعزه إلى أحد.
و في غير الموزون من الكلام يقال: زفراتها.
، و جاء ذلك:
1- في شعر الشاعر يزيدهم حبا إليّ هم، في قوله:
لم ألق بعدهم حيّا فاخبرهمإلّا يزيدهم حبّا إليّ هم (1)
ينسب البيت لزياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث. و قيل لزياد بن منقذ و هو أحد بلعدويّة من بني تميم. و قيل للمرّار بن منقذ. و في الأغاني ينسب لبدر أخي المرار بن سعيد.
و في غير الموزون من الكلام يقال: إلّا يزيدونهم حبّا إليّ.2- و بلغت إيّاك، في شعر حميد الأرقط:
أتتك عنس تقطع الأراكاإليك حتّى بلغت إيّاكا (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: حتّى بلغتك.
3- و ضمنت إيّاهم، في شعر الفرزدق:
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنتإيّاهم الأرض في دهر الدّهارير (3)و في غير الموزون من الكلام يقال: ضمنتهم.
، و جاء ذلك:
في شعر الشاعر: إلّاك ديّار، في قوله:
و ما نبالي إذا ما كنت جارتناألّا يجاورنا إلّاك ديّار (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: إلّا إيّاك.
و جاء ذلك:
أ- في شعر لبيد بن ربيعة، و غدوا، في قوله:
و ما النّاس إلّا كالدّيار و أهلهابها يوم حلوها و غدوا بلاقع (1)
و أبو عقيل وليد بن ربيعة بن مالك العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية.
أدرك الإسلام (ت: 41 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: غدا.ب- و على ما، في شرع حسان:
على ما قام يشتمني لئيمكخنزير تمرّغ في رماد (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: على م.
ج- و ترأياه، في شعر سراقة البارقي:
أري عينيّ ما لم ترأياهكلانا عالم بالتّرهات (3)
و سراقة بن مرداس بن أسماء بن خالد البارقي الأزدي، يماني الأصل (ت: 79 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: لم ترياه.6- و ما أرأى، في شعر الشاعر:
أحنّ إذا رأيت جبال نجدو ما أرأى إلى نجد سبيلا (1)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: ما أرى.ه- و أ ترأينه، في شعر الشاعر:
ألا تلك جارتنا بالغضىتقول أ ترأينه لن يضيعا (2)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أ ترينه.و جاء ذلك:
أ- في شعر زهير بن أبي سلمى: ركك، في قوله:
ثمّ استمرّوا و قالوا إنّ مشربكمماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك (3)
و زهير بن أبي سلمى، ربيعة بن رياح المزني من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية (ت: 13 ق ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: ركّ.ب- و ألبب، في شعر أنس بن مدركة الخثعمي:
عزمت على إقامة ذي صباحلأمر ما يسوّد من يسود
إليكم ذوي آل النّبيّ تطلّعتنوازع من قلبي ظماء و ألبب (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: و ألبّ.
ج- و ضننوا، في شعر قعنب بن أم صاحب:
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقيأنّي أجود لأقوام و إن ضننوا (1)
و قعنب بن ضمرة، من بني عبد اللّه بن غطفان من شعراء العصر الأموي، يقال له ابن امّ صاحب (ت: 95 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: ضنّوا.د- و ألببه، في شعر الشاعر:
قد علمت ذاك بنات ألببه (2)
لبب.
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: ألبّه.ه- الأجلل، في شعر أبي النجم العجلي:
الحمد للّه العليّ الأجللالواسع الفضل الوهوب المجزل (3)و في غير الموزون من الكلام يقال: الأجلّ.
و- مودده، في شعر الشاعر:
إنّ بنيّ للئام زهدهما لي في صدورهم من مودده (4)
و البيت لم يسمّ قائله.
ه.و في غير الموزون من الكلام يقال: مودّة.
، و جاء ذلك:
1- في شعر الشاعر أن تقرءان، في قوله:
أن تقرءان على أسماء و يحكمامنّي السّلام و أن لا تشعرا أحدا (1)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أن تقرءا.2- و عقعقان و بوم، في شعر الشاعر:
إنّ من صاد عقعقا لمشومكيف من صاد عقعقان و بوم (2)
و البيت لم نقف على قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: عقعقين و بوما.3- و أن سيقتل، في شعر جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاأبشر بطول سلامة يا مربع (3)
و جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم. أشعر أهل عصره، ولد و مات في اليمامة، و كان هجّاء مرّا، لم يثبت أمامه غير الفرزدق و الأخطل (ت: 11 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: أن سيقتل.4- و اسدا، في شعر عمرو بن أبي ربيعة:
إذا اسودّ جنح الليل فلتأت و لتكنخطاك خفافا إنّ حراسنا اسدا (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: أسد.
، و جاء ذلك:
1- في شعر قيس بن زهير: أ لم يأتيك في قوله:
أ لم ياتيك و الأنباء تنميبما لاقت لبون بني زياد (1)
و قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، أمير عبس و داهيتها، كان يلقب بقيس الرأي لجودة رأيه. و هو معدود في الأمراء و الدهاة و الخطباء و الشعراء الجاهليين (ت: 10 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: أ لم يأتك.2- و لم يوفون، في شعر الشاعر:
لو لا فوارس من نعم و أسرتهميوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (2)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام يقال: لم يوفوا.، و جاء ذلك:
1- في شعر ربيع بن ضبع الفزاري مائتين عاما، في قوله:
إذا عاش الفتى مائتين عامافقد ذهب اللّذاذة و الفتاء (3)
و ربيع بن ضبع بن وهب الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي، أدرك الإسلام.
و في غير الموزون من الكلام يقال: مائتي عام.2- و أبا أباها، في رجز الشاعر:
شالوا عليهنّ فشل علاهاو اشدد بمثنا حقب حقواها
إنّ أباها و أبا أباهاقد بلغا في المجد غايتاها (1)
قال السيوطي: قيل إنّ الرجز لرؤبة، و عزاه الجوهري لأبي النجم.
و في غير الموزون من الكلام يقال: و أبا أبيها.، و جاء ذلك:
1- في شعر امرئ القيس أن يأتنا، في قوله:
ما غدونا قال ولدان أهلناتعالوا إلى أنّ يأتنا الصّيد نحطب (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: أن يأتينا.
2- و أن تعلم، في شعر جميل بثينة:
احاذر أن تعلم بها فتردّهافتتركها ثقلا عليّ كما هيا (3)
و جميل بن عبد اللّه بن معمر العذري القضاعي، أبو عمرو، شاعر من عشاق العرب. افتتن ببثينة و عرف بجميل بثينة. توفي سنة 82 ه.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أن تعلم.، و جاء ذلك:
أ- في شعر امرئ القيس كبير أناس مزمّل في قوله:
كأنّ ثبيرا في عرانين وبلهكبير أناس في بجاد مزمّل (4)
و في غير الموزون من الكلام يقال: كبير أناس مزمّل.
ب- و حالك اللون أسود، في شعر دريد بن الصمّة:
فجئت إليه و الرّماح تنوشهكوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد
فدافعت عنه الخيل حتّى تبدّدتو حتّى علاني حالك اللّون أسود (1)
و دريد بن معاوية (الصمّة) بن الحارث الجشمي البكري، من هوازن، من الشعراء المعمرين في الجاهلية. أدرك الإسلام و لم يسلم (ت: 8 ه).
و في غير الموزون من الكلام يقال: حالك اللون أسود.، و جاء ذلك:
أ- في شعر العجاج نسج العنكبوت المرمل، في قوله:
كأنّ نسج العنكبوت المرمل على ذرى قلامة المهدّل سبوب كتّان بأيدي الغسّل (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: نسج العنكبوت المرمل.
ب- و قطنا محلوج، في شعر ذي الرمّة:
كأنّك ضربت قدام أعينهاقطنا بمستحصد الأوتار محلوج (3)و في غير الموزون من الكلام يقال: قطنا محلوجا.
ج- و ذوي الحاجات كلّهم، في شعر الشاعر:
يا صاح بلّغ ذوي الحاجات كلّهمأن ليس وصل إذا انحلّت عرى الذّنب (1)
و البيت نسبه صاحب الخزانة لأبي الغريب الاعرابي و قال: أدرك الدولة الهاشمية.
و في غير الموزون من الكلام يقال: بلّغ ذوي الحاجات كلّهم.، و جاء ذلك:
1- في شعر خداش بن زهير أ ظبي أم حمار كان امّك، في قوله:
فإنّك لا تبالي بعد حولأ ظبي كان امّك أم حمار (2)
و خداش بن زهير العامري من بني عامر بن صعصعة، شاعر جاهلي.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أ ظبيا كان امّك أم حمارا.2- و أسحر كان طبّك أم جنون، في شعر أبي قيس بن الأسلت الأنصاري:
ألا من مبلغ حسّان عنّيأسحر كان طبّك أم جنون (3)
و أبو قيس كان معاصرا لحسان بن ثابت.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أ سحرا كان طبّك أم جنونا.3- و يكون مزاجها عسل و ماء، في قول حسان بن ثابت:
كأنّ سبيئة من بيت رأسيكون مزاجها عسل و ماء (4)و في غير الموزون من الكلام يقال: يكون مزاجها عسلا و ماء.
4- و أ سكران كان ابن المراغة، في شعر الفرزدق:
أ سكران كان ابن المراغة إذ هجاتميما بجوف الشّام أم متساكر (1)و في غير الموزون من الكلام يقال: أ سكرانا كان ابن المراغة أم هو متساكر.
، و جاء ذلك:
في شعر العرجي يا ما أميلح، هؤليّائكنّ، في قوله:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنامن هؤليّائكنّ الضّال و السّمر (2)
و العرجي، عبد اللّه بن عمر بن عمر بن عثمان بن عفان الأموي، شاعر غزلي، ينحو نحو عمر بن أبي ربيعة، سجنه والي مكّة محمّد بن هشام و توفّي في السجن (ت: 120 ه).
و في غير الموزون من الكلام لا يصغر فعل التعجب و لا اسم الإشارة.، و جاء ذلك:
1- في شعر الشاعر أ قائلنّ، في قوله:
و لا يرى ما لا له معدوداأ قائلنّ أعجلوا الشّهودا (3)
قال السيوطي: قال السكري: قاله رجل من هذيل.
و في غير الموزون من الكلام لا تلحق نون التأكيد باسم الفاعل.2- و دامنّ، في شعر الشاعر:
دامنّ سعدك رحمت متيمالولاك لم يك للصّبابة جانحا (4)
و البيت لم يسمّ قائله.
و في غير الموزون من الكلام لا تلحق نون التأكيد بالفعل الماضي.
، و جاء ذلك:
1- في شعر الأحوص يا مطر، في قوله:
سلام اللّه يا مطر عليهاو ليس عليك يا مطر السّلام (1)
و أبو عاصم، عبد اللّه بن محمّد بن عاصم الأنصاري الأوسي من بني ضبيعة، شاعر هجاء من شعراء الدولة الأموية، من أهل المدينة (ت: 105 ه).
و في غير الموزون من الكلام لا تلحق التنوين اسم المفرد المنادى.2- و يا عديا، في شعر عديّ بن ربيعة:
ضربت صدرها إليّ و قالتيا عديا لقد وقتك الأواقي (2)
و أبو ليلى، عدي بن ربيعة بن مرّة بن هبيرة من تغلب، المهلهل من أبطال العرب في الجاهلية من أهل نجد، و هو خال امرئ القيس، توفّي سنة 100 ه.
و في غير الموزون من الكلام لا تلحق التنوين اسم المفرد المنادى.، و جاء ذلك:
1- في شعر النابغة الذبياني قصائد، في قوله:
فلنأتينك قصائد و لتركبنجيش إليك قوادم الأكوار (3)و في غير الموزون من الكلام يقال: قصائد.
2- و دمشقا في قول الشاعر:
ثمّ نادي إذا دخلت دمشقايا يزيد بن خالد بن يزيد (1)و في غير الموزون من الكلام يقال 6 دمشق.
3- و أحاد، في قول أبي الطيب المتنبي:
أحاد أم سداس في أحادلييلتنا المنوطة بالتّناد (2)و في غير الموزون من الكلام يقال: أحاد.
، و جاء ذلك:
1- في شعر الراجز، أبيض، في قوله:
أبيض من أخت بني أباض (3)
و الرجز لرؤبة بن العجاج.
و في غير الموزون من الكلام يقال: أشدّ بياضا.2- و أسود، في قول المتنبي:
أبعد بعدت بياضا لا بياض لهلأنت أسود في عيني من الظّلم (4)و في غير الموزون من الكلام يقال: أشدّ سوادا.
بعد ذكر ما تقدّم نعود إلى كتاب اللّه الحكيم، و نورد أمثلة من مراعاة الوزن اللفظي في بعض آياته، مثل قوله تعالى:
أ- وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ* لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. (التين/ 1- 4) ب- إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما ....
(طه/ 63) في المورد الأوّل قال- سبحانه و تعالى-: وَ طُورِ سِينِينَ بدل (و طور سيناء) مراعاة للوزن، و ليس مراعاة للسّجع، فإن قوله- تعالى-: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ليس فيه مراعاة للسجع.
و في المورد الثاني قال- عزّ اسمه-: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بدل (هذين) مراعاة للوزن.
و في الموردين لا يلتبس الأمر على أحد، و لا حاجة فيهما لمراعاة قواعد اللّغة العربية الّتي وضعت للكلام غير الموزون، كي نختلق بسببها قراءة مخالفة للنصّ القرآني الّذي أوحى اللّه به إلى رسوله (ص).
في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري اجتهد القرّاء، و اعتمدوا الروايات و الاجتهادات اللّاتي أوردناها سابقا، و اختلقوا القراءات المختلفة و أسّسوا بذلك علم القراءات، فقد كان العلماء يروون يومئذ في ما يروون ما خلاصته:
أ- انّ الرسول (ص) ناجى ربّه و طلب منه: أن يخفف عن أمتّه في قراءة النصّ القرآني فأذن لهم أن يقرءوا بسبعة أحرف، أي: يبدلوا كلامه المجيد بما شاءوا كما شاءوا، و ان لهم أن يبدلوا ما جاء من أسماء اللّه الحسنى في القرآن الكريم بعضه ببعض الآخر بشرط أن لا يتبدل معنى آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة، و أنّ للنّاس كل النّاس أن يبدلوا ما جاء في آية- مثلا- (عزيز حكيم) ب (سميع بصير).
ب- أنّ الصحابة بدلوا النصوص القرآنية بما رأوه موافقا لقواعد العربية أو بنصوص اخرى استحسنوها، وفق اجتهادهم.
ج- ان الخليفة عثمان قال: في المصحف لحن ستقيمه العرب بألسنتها، و ظنّوا أنّه أراد أنّ في رسم الخط خطأ ستقيمه العرب بألسنتها، و كما جرى ذلك إلى يومنا هذا، و قرءوا النصّ المكتوب لحنا صحيحا، و لم ينتبهوا إلى أنّ الرواية قد تكون مختلقة و مفتراة من قبل الزنادقة.
و بسبب ما ذكرناه قامت جماعة من اولئك العلماء بتبديل النصّ القرآني وفق اجتهادهم الخاص اقتداء منهم بما رووا عن الصحابة، و أخذوا بتلك الروايات، أي: أنّهم استقوا في عملهم من معينين:
1- من كل رواية جاء فيها ذكر تبديل لفظ القرآن بغيره من قبل الصحابة صحيحة كانت الرواية حسب مقاييس علم الدراية بمدرسة الخلفاء أم ضعيفة و شاذّة.
2- من كل لغة لكل قبيلة من قبائل العرب سواء أ كانت شائعة لديهم أم شاذة و نادرة، و كل قاعدة من قواعد اللّغة العربية دونما ملاحظة لموارد الاستثناء منها.
3- أضافوا إليهما اعتمادهم على ما استحسنوه في تبديل النصّ القرآني حسب اجتهادهم.
و في ضوء ما ذكرناه قاموا بعرض النصوص القرآنية على المألوف عندهم من قواعد اللّغة العربية، و بدلوا من النصّ القرآني ما زعموه مخالفا لها بلفظ يوافقها، و بحثوا في لغات العرب و اختاروا منها لغات بدّلوا بها لغة القرآن و تسابقوا في جمع كل ما جاء لكل قبيلة و في كل رواية و كل قاعدة، و أخضعوا جميع كلمات القرآن لجميع تلكم الروايات و اللغات و القواعد، و سمّوا كل لفظ بدّلوا النصّ القرآني به شاذا كان أم غير شاذ ب (قراءة)، و سمّوا عملهم ذلك ب (علم القراءة)، و سمّوا أنفسهم ب (القرّاء)، و كسبوا بذلك جاها و سمعة في المجتمع الإسلامي زعما من النّاس أنّهم علماء تخصّصوا بعلم قراءة كتاب اللّه المجيد، و لم يدركوا أنّ عملهم تغيير لكلام اللّه المجيد.
و إليكم مثالا واحدا من أنواع عملهم المختلق و اساءتهم الأدب ازاء القرآن العظيم كما أورده القرطبي في تفسيره سورة الفاتحة (1)و قال:
التاسعة و العشرون- صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.9.
1) تفسير القرطبي، ط. مصر سنة 1387 ه، 1/ 140- 149.
و لغة القرآن (الذين) في الرفع و النصب و الجر؛ و هذيل تقول: اللّذون في الرفع، و من العرب من يقول: اللذو (1)، و منهم من يقول: الّذي (2)و سيأتي.
و في (عليهم) عشر لغات؛ قرئ بعامتها:
(عليهم) بضم الهاء و إسكان الميم.
و (عليهم) بكسر الهاء و إسكان الميم.
و (عليهمي) بكسر الهاء و الميم و إلحاق ياء بعد الكسرة.
و (عليهمو) بكسر الهاء و ضم الميم و زيادة واو بعد الضمة.
و (عليهمو) بضم الهاء و الميم كلتيهما و إدخال واو بعد الميم.
و (عليهم) بضم الهاء و الميم من غير زيادة واو.
و هذه الأوجه الستّة مأثورة عن الأئمة من القرّاء.
و أوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القرّاء: (عليهمي) بضم الهاء و كسر الميم و إدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن البصري (3)عن العرب.
و (عليهم) بضم الهاء و كسر الميم من غير زيادة ياء.
و (عليهم) بكسر الهاء و ضم الميم من غير إلحاق واو.
و (عليهم) بكسر الهاء و الميم و لا ياء بعد الميم. و كلّها صواب، قاله ابن الأنباري.ة.
أ- قال في أوّل كلامه: (و في عليهم عشر لغات) و اللّغات جمع اللّغة، و لغة كل قبيلة الكلمات الّتي تختص هي بتلفظها، و قد يقال لها (اللهجة)، و كذلك يقال لما جاء في القرآن: (لغة القرآن) كما قال القرطبي قبل إيراده اللغات العشر:
(و لغة القرآن الّذين في الرفع و النصب و الجرّ، و هذيل تقول: اللّذون في الرفع ...).
و لمّا كانت الثانية من اللّغات الّتي ذكرها: (عليهم) بكسر الهاء و سكون الميم، هي لغة القرآن، كما كتبت في المصاحف، عرفنا انّ اللّغات التسع الباقية هي من اجتهادات القرّاء و لغات القبائل العربية، و بيان ذلك كالآتي:
ب- قال بعد إيراد ست لغات منها: (و هذه الأوجه الستّة مأثورة عن الأئمة القرّاء).
أي أن القرّاء الّذين يقتدى بهم في قراءة القرآن قرءوا بهذه اللّغات الستّ، و يصحّ للمسلمين أن يقتدوا بهم، و يقرءوا بأيّ اللّغات الست شاءوا.
و يظهر من كلامه أن بعض القرّاء قرأ (عليهم) بلغة القرآن و الخمسة الباقين قرءوها حسب اجتهاداتهم.
ج- قال بعده: (و أوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكيّة عن القرّاء).
و إنّما ذكر الأوجه الأربعة الّتي لم يقرأ بها القرّاء في عداد القراءات العشر، لأنّها نقلت من لغات العرب، و لغات العرب أحد المنابع الّتي أخذوا منها القراءات المختلفة مقابل النصّ القرآني، و يؤيّد ذلك ما جاء في أوّل كلامه:
أوّلا- (قرئ بعامّتها) أي قرئ النصّ القرآني بعامّة تلكم اللّغات العشر لأنّه يقصد من (قرأ و قرئ) في علم القراءات قراءة النصّ القرآني كما انّ القارئ هو المتخصص بقراءة القرآن.
ثانيا- قال في آخر كلامه: (و كلّها صواب، قاله ابن الأنباري).
و ابن الأنباري هو أبو بكر محمّد بن القاسم اللغوي النحوي، و صفوه بأنّه:
كان علّامة وقته في الأدب، كان يحفظ عشرين و مائة تفسير للقرآن الكريم بأسانيدها- أي يرويها بأسانيدها عن مؤلفيها- و ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن المجيد- أي أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من أشعار العرب يستشهد بها أحيانا على صحّة النصّ القرآني، و أحيانا على صحّة القراءات الّتي اكتشفها القرّاء، و أحيانا يستدل بها على معنى النصّ القرآني- و كان يحفظ ثلاثة عشر صندوقا من الكتب (ت: 328) (1).
و إنّما قال ابن الأنباري (كلّها صواب) لأنّه وجد ستّا منها في قراءة القرّاء الكبار بما فيها لغة القرآن المجيد و أربعا منها في لغات العرب.
د- إنّ اللغات التسع الّتي قرئت مقابل النصّ القرآني: (عليهم) لم ينزل بها اللّه من سلطان، و لم ترو قراءتها عن الرسول (ص) و لا عن صحابته، لأنّ القراءة لو كانت مرويّة عنهم لنسبها إليهم كما قال قبله:
(و الخامسة عشرة) اختلف العلماء أيّما أبلغ: ملك أو مالك؟ و القراءتان مرويتان عن النبيّ (ص) و أبي بكر و عمر، ذكرهما الترمذي.
و قال بعده:
الموفية الثلاثين: قرأ عمر بن الخطاب و ابن الزّبير (رض) (صراط من أنعمت عليهم).
أوّلا- إنّ القراءة الثانية (عليهم) كانت موافقة لخطّ المصحف الّذي بأيدي
1) راجع ترجمته في الكنى و الألقاب للقمّي، و أنباه الرواة في طبقات النحاة 3/ 201.
الناس كلّ الناس اليوم، و كذلك ورثوه خلفا عن سلف جيلا بعد جيل، و لذلك قرأها الناس كلّ الناس منذ عصر رسول اللّه (ص) حتّى اليوم ما عدا طبقة القرّاء منهم الّذين اختلقوا القراءات، و كذلك أنزلها اللّه- جلّ جلاله- على رسوله (ص)، و كذلك كتبها جميع من كتبها من المسلمين على العسب و اللخاف و غيرهما على عهد رسول اللّه (ص) و بتعليم الرسول (ص) إيّاهم أن يقرءوها كذلك و من فمه المبارك، و كذلك كتبها المسلمون منذ عصر الرسول (ص) حتّى عصرنا الحاضر، و كذلك كتبها القرّاء أنفسهم في كل العصور، و لم يكتبوا معها ما اختلقوا من قراءات.
أمّا اللّغات التسع الباقية: فمنها ما اختلقها القرّاء بأنفسهم استحسانا منهم لها.
و منها ما اقتبسوها من تلفّظ بعض القبائل العربية لكلمة (عليهم) في محاوراتهم الخاصّة بهم.
ثمّ أخضعوا كلام اللّه المجيد لتلفظ تلك القبائل، و هكذا اختلقوا تسع قراءات في مقابل النصّ القرآني لم ينزل اللّه بها من سلطان و لم يقرأها الرسول (ص) و لا من كان في عصره سواء الصحابة منهم أم سائر المسلمين.
ثانيا- قال في الموفية الثلاثين:
(قرأ عمر بن الخطاب و ابن الزّبير (رض) (صراط من أنعمت عليهم)) أي: إنّ هذه القراءة رويت عن عمر و ابن الزّبير خاصّة و لم ترد في النصّ القرآني و لم ترد عن رسول اللّه (ص).
و دليلنا على ذلك أنّه قال قبله: إنّ قراءة ملك و مالك رويت (عن النبيّ و أبي بكر و عمر).
و هكذا ذكر اسم النبيّ (ص) في عداد من قرأ (ملك و مالك) بينا نسب قراءة (صراط من أنعمت) إلى عمر و ابن الزّبير، و لم يذكر اسم النبيّ (ص) في
عداد من قرأ كذلك.
إذا فإنّ هذه القراءة مقابل النصّ القرآني صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ الّذي توارثه المسلمون خلفا عن سلف و جيلا بعد جيل إلى أن ينتهوا إلى الّذين أخذوه من فم الرسول (ص)، و كتبوه بأمره، و نحن نعلم أنّ الرسول (ص) أخذ هذه القراءة من اللّه سبحانه حيث قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى.
و بناء على ذلك قالوا: أقرأ اللّه و رسوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ المسلمين كما هو في النصّ القرآني و قرأ عمر و ابن الزّبير (صراط من أنعمت عليهم)!!! و لست أدري كيف استساغوا أن يقولوا: قال اللّه و رسوله و قال الصحابة و القرّاء!!! و لست أدري ممّن أخذ عمر و ابن الزّبير و غيرهما تلك القراءة، لست أدري!!! و إنّ عملهم في اختلاق القراءة لم يقتصر على ما اختلقوه لكلمة عليهم من قراءة، و إنّما هو دأبهم مع جميع الكلمات القرآنية في اخضاعها لما رووه عن الصحابة من قراءة، أو ما وجدوه في شتى لغات القبائل العربية، أو ما ألفوه من قواعد اللّغة في غير الموزون من الكلام، أو لما استحسنوه من بديل آخر للنصّ القرآني الكريم.
و هكذا اختلقوا ما لا نستطيع له عدا من القراءات لكلام اللّه المجيد استنادا إلى اجتهادهم في تبديل كلام اللّه المجيد بغيره.
و كل تبديل لكلام اللّه بغيره تحريف.
و كذلك حرّفوا كلام اللّه بأنواع التحريف:
أ- تحريف كلمات كلام اللّه المجيد مثل ما مرّ تبديلهم: (ننسه) ب (ننساه) و وَ لَا الضَّالِّينَ ب (غير الضالّين).
ب- تحريف الحركات الإعرابية و الحروف الإعرابية لكلام اللّه مثل ما مرّ تبديلهم: إِنْ هذانِ ب (إنّ هذين).
ج- تحريف ضبط الكلمات، مثل ما مرّ تبديلهم: عَلَيْهِمْ ب (عليهم) و (عليهم).
و هكذا حرّفوا القرآن تحريفا بما لا يتيسر عدّه و مزّقوه تمزيقا لم يجر نظيره على أي نصّ آخر سماويا كان مثل التوراة و الإنجيل المحرّفين، أو من كلام البشر مثل قصائد شعراء الجاهليين كامرئ القيس أو مخضرمين كأبي طالب و حسان ابن ثابت، أو إسلاميين كالمتنبي و الحمداني، و كذلك في خطب الخطباء و تصانيف المؤلّفين في أيّ لغة من لغات الإنسان.
ثمّ سمّوا كل ذلك التحريف للقرآن بعلم القراءة.
و إليكم وصفا موجزا لكيفية انتشار تلك القراءات و الّذي يسمّى بعلم القراءات و كيفية ارتحال طلابها من بلد إلى بلد لاقتناء هذا العلم المزيف من شيوخه نصا من كتاب البرهان للزركشي (1/ 324 و 325) حيث قال:
(فكان من قدماء علمائنا ممّن حجّ يأخذ بمصر شيئا يسيرا، كأبي عمر الطلمنكي (1)صاحب الروضة، و أبي محمّد مكّي بن أبي طالب (2). ثمّ رحل).
1) هو أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن لب، أبو عمر الطلمنكي، نزيل قرطبة، رحل إلى المشرق؛ و لقي كثيرا من العلماء بمصر، منهم ابن غلبون؛ و عاد إلى الأندلس، و ألّف كتاب الروضة. توفّي سنة 429 ه (طبقات القرّاء لابن الجزري 1/ 120).
2) ولد بالقيروان، و حجّ فسمع بمكّة، و رحل إلى مصر فقرأ على ابن غلبون و ابنه، ثمّ عاد إلى القيروان، و رحل إلى الأندلس، و مات سنة 394 ه (طبقات القرّاء 2/ 310).
أبو عمرو الداني (1)لطول إقامته بدانية (2)فأخذ عن أبي خاقان، و فارس، و ابن غلبون؛ و صنف كتاب (التيسير)، و قرأ على هؤلاء.
و رحل أيضا أبو القاسم يوسف بن جبارة الأندلسي (3)، فأبعد في الشقّة، و جمع بين طريق المشرق و المغرب، و صنف كتاب الكامل، يحتوي على القراءات السبع و غيرها، و لم أر و لم أسمع أوسع رحلة منه، و لا أكثر شيوخا.
و قد أقرأ القرآن بمكّة أبو معشر الطبري (4)، و أبو عبد اللّه الكارزيني (5)و كانا متّسعي الرواية.
و كان بمصر أبو عليّ المالكي (6)مؤلّف الروضة، و كان قد قرأ بالعراق، و أقرأ بمصر.).
1) هو عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني القرطبي، شيخ مشايخ المقرئين في عصره؛ توفّي سنة 444 ه (و انظر ترجمته في طبقات القرّاء 1/ 503- 505).
2) دانية: دانية بالأندلس، من أعمال بلنسية؛ كانت قاعدة ملك أبي الحسن مجاهد العامري؛ و أهلها أقرأ أهل الأندلس، لأنّ مجاهدا كان يستجلب القرّاء و يفضل عليهم، و ينفق لهم الأموال فكانوا يقصدونه و يقيمون عنده؛ فكثروا في بلاده (ياقوت، مادّة دانية).
3) هو يوسف بن عليّ بن جبارة أبو القاسم الهذلي اليشكري؛ قال في كتابه الكامل: (لقيت في هذا العلم ثلاثمائة و خمسة و ستين شيخا، من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا و شمالا و جبلا و بحرا؛ و لو علمت أحدا تقدّم عليّ في هذه الطبقة في جميع بلاد الإسلام لقصدته ...)، توفّي سنة 465 ه (طبقات القرّاء 2/ 397).
4) هو عبد الكريم بن عبد الصمد أبو معشر الطبري، صاحب كتاب التلخيص في القراءات الثمان، توفّي سنة 478 ه (طبقات القرّاء 1/ 401).
5) في الاصول (الكارزوني) تصحيف؛ و هو أبو عبد اللّه محمّد بن الحسين الكارزيني الفارسي؛ تنقل في البلاد و عاش بمكّة. قال الذهبي: كان حيا سنة 440 ه (طبقات القرّاء 2/ 132).
6) هو الحسن بن محمّد بن إبراهيم البغدادي. توفّي سنة 438 ه (طبقات القرّاء 1/ 230).
و بعدهم التاج الكندي (1)فأقرأ الناس بروايات كثيرة لم تصل إلى بلادنا.
و كان أيضا ابن مامويه (2)بدمشق يقرئ القرآن بالقراءات العشر.
و بمصر النّظام الكوفي (3)يقرئ بالعشر و بغيرها، كقراءة ابن محيصن و الحسن.
و كان بمكّة أيضا زاهر بن رستم (4)و أبو بكر الزنجاني (5)، و كانا قد أخذا عن أبي الكرم الشّهرزوري كتاب المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر؛ و أقرأه الزنجاني بعض شيوخنا.
و كان عزّ الدين الفاروقي (6)بدمشق، يقرئ القرآن بروايات كثيرة، حتّى قيل إنّه أقرأ بقراءة أبي حنيفة.
و الحاصل اتّساع روايات غير بلادنا، و أنّ الّذي تضمّنه التيسير، و التبصرة (7)و الكافي (8)و غيرها من تآليفهم؛ انّما هو قلّ من كثر، و نزر من بحر.ي.
1) هو زيد بن الحسن بن زيد أبو اليمن الكندي البغدادي نزيل بغداد، توفّي بدمشق سنة 613 ه (طبقات القرّاء 1/ 298).
2) هو أحمد بن محمّد بن مامويه أبو الحسن الدمشقي، ذكره ابن الجزري في طبقات القرّاء 1/ 128، و لم يذكر تاريخ وفاته.
3) لعلّه محمّد بن عبد الكريم الملقّب بنظام الدين، و انظر طبقات القرّاء 2/ 174.
4) زاهر بن رستم أبو شجاع الأصبهاني الشافعي، مات بمكّة سنة 609 ه (طبقات القرّاء 1/ 288).
5) هو أبو بكر محمّد بن إبراهيم الزنجاني المجاور بمكة؛ ذكره ابن الجزري في الطبقات 2/ 48.
6) خطيب دمشق أصله من واسط، و رحل إلى دمشق ثمّ عاد إلى موطنه؛ و توفّي سنة 694 ه (طبقات القرّاء 1/ 25).
7) التبصرة في القراءات السبع، لأبي محمّد مكّي بن أبي طالب القيسي.
8) الكافي في القراءات السبع، لمحمّد بن شريح الإشبيلي.
و بيانه أن في هذه الكتب مثلا قراءة نافع من رواية ورش و قالون، و قد روى الناس عن نافع غيرهما؛ منهم إسماعيل بن أبي جعفر المدني و أبو خلف و ابن حبّان، و الأصمعي).
انتهى نقل نصّ كتاب البرهان للزركشي.
قال في ص 325: انّ ابن مامويه بدمشق كان يقرئ القرآن بالقراءات العشر، و بمصر النظّام الكوفي يقرئ بالعشر و بغيرها.
و انّ عزّ الدين الفاروقي بدمشق كان يقرئ بروايات كثيرة حتى قيل: إنّه أقرأ بقراءة أبي حنيفة.
و مغزى أقواله: أنّ ابن مامويه بدمشق كان يبدل لغة القرآن بعشرة أنواع من لغات غير القرآن، و أن عزّ الدين فيها كان يبدل لغة القرآن بلغات كثيرة حتّى لغة أبي حنيفة.
و قال: (و الحاصل اتّساع روايات غير بلادنا).
ثمّ وصف مؤلّفات شيوخ بلاده في القراءة و قال: (هو قلّ من كثر، و نزر من بحر) مع أنّه ذكر قبله في ص 324 ان أبا القاسم الأندلسي أبعد في الشقّة و جمع بين طرق المشرق و المغرب، و ذكر في الهامش ان أبا القاسم هذا قال:
(لقيت في هذا العلم ثلاثمائة و خمسة و ستّين شيخا من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا و شمالا و جبلا و بحرا، و لو علمت أحدا تقدّم عليّ في هذه الطبقة في جميع بلاد الإسلام لقصدته) و انّ فرغانة في آخر بلاد الشرق.
أي أنّ هذا القارئ سافر برّا و بحرا و سهلا و جبلا في كل بلاد الإسلام من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق.
و كان في بلنسية من الأندلس ملك يستجلب القرّاء، و ينفق عليهم الأموال، و ذلك مثال على اهتمام المسلمين بأمر القراءات المختلفة في سائر البلاد الإسلامية يومذاك!!!
نستنتج من الدراسة المستفيضة السابقة ما يأتي:
أوّلا- انّ قواعد النحو و الصرف اكتشفت من محاورات بلغاء العرب و بدئ بتدوين أسسها بعد ربع قرن من نزول القرآن.
و أنّهم وجدوا- مثلا- أنّ بلغاء العرب تغير حركات أواخر الكلمات منعا للّبس، فتحرّك آخر الفاعل بالضمّة و آخر المفعول بالفتحة، و تقول: درّس الحسن الحسين، ليعلم أنّ الحسن مدرس و الحسين تلميذ.
و في كتابة الهمزة تكتب الهمزة المكسور ما قبلها على نبرة الياء مثل (فئة) و لمّا كان من الجائز في عدد (مائة) حكّ الهمزة في جملة (خمس مائة درهم)- مثلا- و تقرأ عندئذ (خمس منه درهم) و يلتبس الأمر، خالفوا القاعدة هنا، و أضافوا في الكتابة قبل الهمزة ألفا ليّنة لرفع هذا اللّبس و كتبوها: مائة، و خمسمائة.
إذا فالحكمة في وضع هذه القواعد رفع اللّبس في النطق و الكتابة.
ثانيا- نجد البلغاء قد يتركون بعض تلك القواعد في الكلام الموزون مثل الشعر، و يسمّون المبرّر له (ضرورة الشعر) و نحن نسمّيه (قاعدة الكلام الموزون).
كما فصلنا القول فيه بمنه تعالى في ما سبق.
ثالثا- إنّ لكلّ سورة من سور القرآن وزنا خاصّا بها، تهفو لسماعه النفوس في مقابل أوزان الشعر و النثر الفني.
و قد بني هذا الوزن في آي القرآن على تناسق الكلمات الموزونة في الجمل،
و الجمل بعضها مع بعض في السورة، و إذا تغيّر شيء من بنائه فقد النغم المحبب إلى النفس.
و هذا أحد وجوه إعجاز القرآن الكريم، فهو معجز في تشييد مبانيه كما هو معجز في اختيار معانيه، و هو معجز في جميع جوانبه، و هو فوق كلام بلغاء العرب كافّة.
فإن لم يؤمن أحد بأنّه وحي إلهي، فإنّه يقول عندئذ: إنّه من نطق سيّد من صميم قريش أفصح قبائل العرب لسانا، و قد قال- (ص)-: (أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش) (1).
و على هذا يجب أن يتّخذ القرآن ميزانا لمعرفة صحّة الكلام العربي و يقاس بتعابيره قواعد لغتها، فما وافقه فهو صحيح و ما خالفه فهو زائف و سقيم.
و بعد هذا البيان نقول: إنّ العلماء لما وجدوا في قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ خلافا للقاعدة المكتشفة من لسان العرب حيث يقولون: (إن هذين لساحران)، أجروا عليه التبديلات المذكورة كلّ حسب اجتهاده، ينوون بذلك الخير في عملهم حين يقومون بتصحيح كلام اللّه- نعوذ باللّه- بما يوافق تعابيرهم في كلامهم غير الموزون.
و بناء على عملهم هذا ينبغي لهم أن يصحّحوا شعر حسان (ملأوس أو ملخزرج) و يقرءوه:
لما رأى بدرا تسيل جلاههابكتائب من الأوس أو من الخزرج و يفقدوه وزنه الّذي به امتاز على سائر محاورات العرب.
بعد بيان ما سبق، نقف وقفة تأمّل و استنتاج لما ذكرناه.).
1) نهاية اللّغة لابن الأثير، مادّة (بيد).
أوّلا- إنّ لفظ (إن هذين لساحران) ثقيل على السمع و النطق، و لفظ قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ خفيف على السمع و النطق، و موزون محبب للنفس.
ثانيا- لا يلتبس المعنى مع هذا اللفظ على السامع، و ذلك- أيضا- ما عناه من رواه عن الخليفة عثمان في ما روى ابنه أبان و قال: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال: لحن و خطأ!!! فقال له قائل: أ لا تغيّروه؟
فقال عثمان: دعوه فإنّه لا يحرّم حلالا و لا يحلّل حراما (1).
و قد برهنا على ان أمثال هذه الروايات افتري بها على الصحابة.
ثالثا- كلّ ما قالوه من وجوه لتصحيح الآية أو لتحريفها كما نسمّيه، لم يتعدّ أقوالا دوّنت في كتب الحديث و التفسير و القراءات. و حفظ اللّه كتابه المجيد من أن تشوبه اجتهاداتهم، و لم يكتب فيه ممّا تداوله المسلمون منذ عصر القرّاء إلى عصرنا الحاضر.
و قد قال الطبري في تفسير الآية: (قرأته عامّة قرّاء الأمصار (إن هذان) بتشديد (إن) و بالألف في (هذان)، و قالوا قرأنا ذلك كذلك).
و قال: (و إنّه كذلك هو في خطّ المصحف)، و ذكر خلاف بعض أهل العربية من أهل البصرة و بعض نحويي الكوفة (2).
رابعا- وجدنا منشأ هذا النوع من اختلاف القراءة، أخذهم قواعد العربية من أقوال لغات القبائل العربية و تعبّدهم بتلك القواعد و قياسهم آي القرآن على تلك القواعد، فما خالفها من تعابير القرآن و صفوه بفساد الاعراب كما مرّ بنا آنفا، و عدم دركهم بأنّ القرآن كلام موزون لا تجري عليه تلك القواعد، و أنّ عليهم أن يتعلّموا استثناء تلك القواعد من القرآن الكريم.
و لست أدري ما المسوّغ لاتّخاذ محاورات العرب ميزانا لمعرفة صحّة تعابير كلام اللّه و ليس العكس.
أما آن للعلماء أن يحرّروا عقولهم من ربقة التقليد الأعمى للسلف؟! هب أن مخاطبهم في البحث لا يؤمن بالوحي و رسالة خاتم الأنبياء (ص) فهل يشكّ أحد في بلاغة القرآن الّذي تحدّى ببلاغته الناس أجمعين، و لا يزال تحدّيه باقيا إلى اليوم و إلى يوم الدين. أضف إليه أن القرآن نزل بلغة قريش و هم أفصح العرب لغة.
خامسا- إنّ تلك القراءات جميعها رويت عن آحاد و أحيانا ينتهي سندها إلى واحد، خلافا للنصّ القرآني المتداول بين جميع البشر و الّذي رواه الملايين من الناس عن الملايين، جيلا بعد جيل إلى أن ينتهي سندها إلى مئات الالوف عن عشرات الألوف من المسلمين الّذين تلقّوها عن فم رسول اللّه (ص) سماعا و عيانا.
سادسا- أخطئوا في فهم ما روي عن الخليفة عثمان أنّه قال: (فيه لحن ستقيمه العرب بألسنتها) و ظنوا أنّه قال في النصّ القرآني من المصاحف الّتي نسخت بأمره لحن ستقيمه العرب، أي: ان العرب ستغيّر كلمات القرآن بألسنتها و كان ذلك من أسباب تولد القراءات المختلفة، بينا قصد الخليفة انّ في رسم نسخ المصاحف المكتوبة لحنا في مثل كتابة (يعيسى) و (يأهل الكتاب) و (أيمنهم) و (يوم
القيمة) و ستقيمها العرب بألسنتها و تقرأها: يا عيسى و يا أهل الكتاب و ايمانهم و يوم القيامة كما تعلّموا قراءتها كذلك ممّن تعلّمها كذلك من الصحابة و الصحابة من رسول اللّه (ص) عن جبرائيل (ع) عن اللّه جلّ اسمه. و كذلك جرت كتابة المصاحف على رسم خط مصحف عثمان جيلا بعد جيل حتّى اليوم.
و أخيرا أوجدت ما رووا من اجتهادات الصحابة المختلفة في قراءة الآيات لزعمهم أنّ القرآن فيه لحن- معاذ اللّه- اختلافا في القراءات من بعدهم، كما رأيناه في كلمة (عليهم) من سورة الفاتحة، و تعددت مدارس القراءة و تكاثر عدد القرّاء و مدارسهم و مؤلفاتهم.
و إنّ الذهبي- مثلا- ترجم لنيف و سبعمائة من القرّاء الكبار منهم في كتابه:
معرفة القرّاء الكبار، كان كلّ منهم له مدرسة متميزة عن غيرها في القراءة، و طلّاب يأخذون منه القراءات، ثمّ اقتصروا على قراءة سبعة من القرّاء.
و نقل السيوطي في الإتقان سبب ذلك عن مكّي بن حمّوش ما موجزه:
إنّ السبب في الاقتصار على السبعة مع أنّ في أئمّة القرّاء من هو أجلّ منهم قدرا أو مثلهم أكثر من عددهم، أنّ الرواة عن الأئمّة- أئمّة القرّاء- كانوا كثيرين جدّا، فلمّا تقاصرت الهمم أفردوا من كلّ مصر إماما واحدا، و لم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه غير الأئمّة غير هؤلاء من القراءات و لا القراءة به، كقراءة يعقوب و أبي جعفر و شيبة و الأعمش و غيرهم (1)
و مكّي بن حمّوش أبو محمّد القيسي الأندلسي (ت: 437 ه)، مقرئ، مفسّر. من مؤلّفاته:
الهداية في علوم القرآن، في سبعين جزءا، و الكشف عن وجوه القراءات و عللها، في عشرين جزءا.
ترجمته بمعجم المؤلفين.
.ن.1) ما نقلناه هنا عن السيوطي في الإتقان فهو من التنبيه الثاني و الثالث من آخر الأنواع المرقمة 22- 27 في معرفة المتواتر ... 1/ 82 و 83.
و كان الّذي ألّف كتابا و أفرد من كلّ مصر إماما واحدا هو المقرئ أحمد ابن جبير بن محمّد الكوفي، نزيل أنطاكية (ت: 258 ه)، قال في كشف الظنون:
جمع كتابا في القراءات الخمس (1).
قال الزركشي (ت: 794 ه)، في البرهان في علوم القرآن و السيوطي في الإتقان ما موجزه (2):
(ألّف ابن جبير كتابا في القراءات سمّاه كتاب الخمسة و اقتصر فيه على خمسة من القرّاء، اختار من كلّ مصر إماما. و إنّما اقتصر على ذلك لأنّ المصاحف الّتي أرسلها عثمان كانت خمسة، إلى هذه الأمصار.
و يقال: إنّه وجّه بسبعة: هذه الخمسة- أي المدينة و مكّة و الشام و البصرة و الكوفة- و مصحفا إلى اليمن و مصحفا إلى البحرين.
و لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر، و أراد ابن مجاهد و غيره مراعاة عدد المصاحف، أكملوا الخمسة بقارءين آخرين كمل بهما عدد السبعة).3.
فمن هو ابن مجاهد؟ و ما ذا فعل؟
هو أحمد بن موسى بن العباس، مجاهد (ت: 324 ه)، مصنف كتاب القراءات السبع، شيخ القرّاء في بغداد، رحل إليه من الأقطار و بعد صيته (1).
و قال الزركشي في بيان عمل ابن مجاهد:
إنّ القراءات لم تكن متميّزة من غيرها إلّا في قرن الأربعمائة، جمعها أبو بكر بن مجاهد و لم يكن متسع الرواية و الرّحلة كغيره- يقصد أنّه لم يسافر في طلب علم القراءة كغيره- و كان علمه بالقرّاء و القراءة ضئيلا. و أنّه بتأليفه كتاب:
القراءات السبع ميّزها من غيرها.
و في ما يلي القرّاء السبعة على السياق الّذي ذكره الزركشي:
أ- أبو سعيد عبد اللّه بن كثير المكّي القرشي ولاء، (ت: 120 أو 122 ه).
ب- أبو رويم نافع بن عبد الرّحمن بن أبي نعيم، المدني الليثي ولاء، (ت:
169 ه).
ج- أبو عمرو عبد اللّه بن عامر اليحصبي الدمشقي، (ت: 118 ه).
د- أبو عمرو العلاء بن عمّار البصري، (ت: 154 ه).
ه- أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي الكوفي، (ت: 127 أو 128 ه).
و- أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي التيمي ولاء، (ت: 156 أو 158 ه).
ز- أبو الحسن عليّ بن حمزة الكسائي الكوفي الأسدي ولاء (ت: 198 ه) (2).9.
و نقل عن مكّي بن حمّوش: أنّ يعقوب كان مقدّما على الكسائي، و أنّ ابن مجاهد هو الّذي أثبت الكسائي سابع القرّاء بدلا من يعقوب.
ثمّ قال: و ليس في هؤلاء من العرب إلّا ابن عامر و أبو عمرو.
و قال: قال مكّي- أي ابن حمّوش-:
و نقل- أيضا- عن مكّي أنّه قال: أوّل من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد في سنة ثلاثمائة و تابعه الناس.
و أنّه قال:
و إنّما كانوا سبعة لوجهين:
أحدهما: أنّ عثمان (رض) كتب سبعة مصاحف، و وجّه بها إلى الأمصار فجعل عدد القرّاء على عدد المصاحف.
الثاني: أنّه جعل عددهم على عدد الحروف الّتي نزل بها القرآن، و هي سبعة، على أنّه لو جعل عددهم أكثر أو أقلّ لم يمتنع ذلك، إذ عدد الرّواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى.
و قال: قد ألّف ابن جبير قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات و سمّاه: كتاب الخمسة، و ذكر فيه خمسة من القرّاء لا غير.
و ألّف غيره كتابا و سمّاه: الثمانية و زاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي (1).
قال الزركشي: و منهم من زاد ثلاثة و سمّاه كتاب العشرة.
قال السيوطي عن القرّاء السبعة:0.
1) علوم القرآن 1/ 329- 330.
(فوافق عددهم ما ورد في الخبر نزول القرآن بالأحرف السبعة، فظنّ من لم يعرف أصل المسألة و لم تكن له فطنة، أنّ المراد بالأحرف السبعة في الخبر القراءات السبع) (1).
قال المؤلّف:
و قد تعرض لابن مجاهد و عمله كلّ من القرّاب و ابن عمّار، كما نقل عنهما السيوطي و قال:
قال القرّاب (ت: 414 ه) في الشافي: التمسك بقراءة سبعة من القرّاء دون غيرهم ليس فيه أثر و لا سنّة، و إنّما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر، و أوهم أنّه لا تجوز الزيادة على ذلك، و ذلك لم يقل به أحد (2).
و قال: قال أبو العباس بن عمّار (3)
من تصانيفه: الجامع لعلوم التنزيل، تفسير كبير، و الهداية في القراءات السبع. معجم المؤلّفين.
: لقد فعل مسبع هذه السبعة (4)ما لا ينبغي له. و أشكل الأمر على العامّة بإيهامه كلّ من قلّ نظره، أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، و ليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة.و قال: و ربّما بالغ من لا يفهم، فخطأ أو كفر (5). (و قال) أبو بكر بن العربي (6)ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتّى لا يجوز غيرها.ت.
1) الإتقان 1/ 83.
2) نفس المصدر السابق.
3) قالوا بترجمته: أحمد بن عمّار أبو العباس المغربي، نحوي، لغوي، مقرئ، مفسّر.
4) قصد بقوله (مسبع السبعة) ابن مجاهد الّذي جعل القرّاء السبعة.
5) الإتقان 1/ 82.
6) من تصانيفه الكثيرة: قانون التأويل في تفسير القرآن. مرت ترجمته في بحث جمع القرآن، باب محاولة العلماء رفع تناقض الروايات.
و نقل عن ابن حيان (1)ما موجزه:
(ليس في كتاب ابن مجاهد و من تبعه من القراءات المشهورة إلّا النزر اليسير، ثمّ ذكر أسماءهم و قال: ليس لهم مزية على غيرهم و الجميع مشتركون في الضبط و الإتقان و الاشتراك في الأخذ، قال: و لا أعرف لهذا سببا إلّا ما قضى من نقص العلم)- أراد نقص علم ابن مجاهد-.
(و قال، قال أبو شامة (2): ظنّ قوم أنّ القراءات السبع الموجودة الآن هي الّتي أريدت في الحديث. و هو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، و إنّما يظنّ ذلك بعض أهل الجهل).
و نقل عن مكّي أنّه قال ما موجزه:
(من ظنّ أنّ قراءة هؤلاء السبعة هي الأحرف السبعة، فقد غلط غلطا عظيما، و يلزم من هذا أنّ ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة ممّا ثبت عن الأئمّة و وافق خطّ المصحف- مصحف عثمان- أن لا يكون قرآنا و هذا غلط عظيم، فإنّ الّذين صنّفوا القراءات من الأئمّة المتقدّمين قد ذكروا أضعاف هؤلاء) (3)
كشف الظنون و معجم المؤلّفين.
و أبو حاتم السجستاني من القرّاء العشرة، له كتاب القراءات. كشف الظنون.
.ن.1) أبو حيان أثير الدين محمّد بن يوسف عليّ بن حيّان الأندلسي (ت: 745 ه). قالوا في ترجمته: أديب، نحوي، لغوي، مفسّر، محدّث، مقرئ، مؤرّخ. سمع الحديث من نحو أربعمائة و خمسين شيخا. درس التفسير و الإقراء بمصر. من مؤلّفاته: عقد اللآلئ في القراءات. معجم المؤلّفين.
2) أبو شامة عبد الرّحمن بن إسماعيل المقدسي (ت: 665 ه). من مؤلّفاته: إبراز المعاني في القراءات. معجم المؤلّفين.
3) أبو عبيد، القاسم بن سلام، قالوا في ترجمته: محدّث، حافظ، فقيه، مقرئ، عالم بعلوم القرآن. من تصانيفه: كتاب القراءات، جعلهم 25 قارئا.
و نقل عن المرسي أنّه قال:
هذه الوجوه أكثرها متداخلة و لا أدري مستندها و لا عمّن نقلت و لا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر مع أن كلّها موجودة في القرآن، فلا أدري معنى التخصيص و منهما أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة و أكثرها معارضة حديث عمر و هشام بن حكيم الّذي في الصحيح، فانّهما لم يختلفا في تفسيره و لا أحكامه و انّما اختلفا في قراءة حروفه، و قد ظنّ كثير من العوام انّ المراد بها القراءات السبع و هو جهل قبيح (1)
و المرسي: القاسم بن أحمد بن الموفق أبو محمّد الأندلسي اللّورقي، رحل إلى مصر و بغداد و دمشق و توفّي بها سنة 161 ه. و من تصانيفه: شرح الشاطبية و سمّاه المفيد في شرح القصيد.
معجم الادباء 16/ 234- 235، و طبقات القرّاء للجزري 2/ 15، 16.
.و قال الزركشي:
قال الإمام أبو محمّد إسماعيل بن إبراهيم الهروي في كتابه الكافي (2):
(و لا يتوهم أنّ قوله (ص) (أنزل القرآن على سبعة أحرف) انصرافه إلى قراءة سبعة من القرّاء يولدون من بعد عصر الصحابة بسنين كثيرة، لأنّه يؤدي إلى أن يكون الخبر متعرّيا عن فائدة إلى أن يحدثوا، و يؤدي إلى أنّه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرءوا إلّا بما علموا أنّ السبعة من القرّاء يختارونه) (3).0.
و قال:
(القرآن و القراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمّد (ص) للبيان و الإعجاز.
و القراءات: اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف و كيفيتها من تخفيف و تشديد و غيرهما).
(و القراءات السبع متواترة عند الجمهور، و قيل: بل هي مشهورة.
و التحقيق أنّها متواترة عن الأئمة السبعة.
أمّا تواترها عن النبيّ (ص) ففيه نظر، فإن إسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، و هي نقل الواحد عن الواحد) (1).
و عن الأحرف السبعة قال السيوطي في تعليقه على سنن النّسائي 2/ 150: باب جامع ما جاء في القرآن: (أنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) في المراد به في أكثر من ثلاثين قولا، حكيتها في الإتقان (2)، و المختار عندي أنّه من المتشابه الّذي لا يدرى تأويله.
قال المؤلّف:
و لكنّا أدركنا الحقيقة عن الأحرف السبعة في ما سبق بحثه و لا حاجة للتكرار هاهنا، و نكتفي- أيضا- بهذا المقدار من الحديث حول القرّاء و منشأ تكونهم، و نشير بعده إلى شيء من أثر اختلاف قراءاتهم على الأحكام الإسلامية.
قال الزركشي و السيوطي: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام،
و لهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس و عدمه على اختلاف القراءات في (لمستم) و (لامستم)، و كذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع و عدمه إلى الغسل على اختلافهم في حَتَّى يَطْهُرْنَ. و ذكر القرطبي تفسير: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (النّساء/ 43)، و قال قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و عاصم و ابن عامر لامَسْتُمُ و قرأ حمزة و الكسائي (لمستم) (1).
و قال في وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (البقرة/ 222): قرأ نافع و أبو عمرو و ابن كثير و ابن عامر (يطهرن)، و قرأ حمزة و الكسائي و عاصم في رواية أبي بكر و المفضّل (يطّهّرن) بتشديد الطاء و الهاء و فتحهما. و في مصحف ابيّ و عبد اللّه (يتطهّرن). و في مصحف أنس بن مالك (و لا تقربوا النّساء في محيضهنّ و اعتزلوهنّ حتّى يتطهّرن) و رجح الطبري قراءة تشديد الطاء، و قال: هي بمعنى يغتسلن، لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدّم حتى تطهر. قال: و إنما الخلاف في الطهر ما هو؛ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. و قال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. و قال قوم: هو غسل الفرج؛ و ذلك يحلّها لزوجها و إن لم تغتسل من الحيضة؛ و رجّح أبو عليّ الفارسيّ قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثلاثيّ مضادّ لطمث و هو ثلاثيّ (2).
و هكذا انتشرت القراءات المختلقة بين أتباع مدرسة الخلفاء.
و قد صنّفوا كتبا كثيرة في تدوين قراءات القرّاء، سجل منها في مادّة القراءة بكشف الظنون 18 كتابا، و في مادّة علم القراءة أكثر من عشرة و مائة كتاب (3)ا.
جمعوا فيها قراءات القرّاء.
منهم القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون (ت: 282 ه)، قال حاجي خليفة: ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءات عشرين إماما (1).
و نظير ذلك أثر المرويات عن الصحابة في نقص آيات القرآن مثل ما روي عن امّ المؤمنين عائشة أنها قالت: [و رضاع الكبير خمسا].
قال ابن رشد: (و اختلفوا في رضاع الكبير، فقال مالك و أبو حنيفة و الشافعي و كافّة الفقهاء لا يحرم رضاع الكبير، و ذهب داود و أهل الظاهر إلى أنّه يحرم، و هو مذهب عائشة)، و هو قوله و سبب اختلافهم تعارض الآثار في ذلك ... (2)
و ابن رشد محمّد بن أحمد بن محمّد (ت: 595 ه).
و راجع الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرّحمن الجزيري، ط. بيروت، سنة 1969 م، 4/ 257 الهامش.
.كان هذا كلّه في مدرسة الخلفاء، فما هو موقف مدرسة أهل البيت من اختلاف القراءات و الأحرف السبعة؟
قد مرّ بنا أنّ الإمام الباقر (ع) قال: القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة.
و في حديث آخر بعده لمّا قيل له: (الناس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف)، كذّب القول و قال: (نزل القرآن على حرف واحد من عند الواحد).
و في روايتين أخريين عن الإمام الصادق قال:
(اقرءوا كما يقرأ الناس) (1).
لقد مرّت بنا امور هائلة و خطيرة في ما قالوه في شأن جمع القرآن و اختلاف مصاحف الصحابة و التابعين و إسقاطهم سورا و آيات فيها، و زيادات سور و آيات اخرى فيها، و أقوالهم في آيات ناسخة و منسوخة في الحكم أو التلاوة أو الحكم و التلاوة معا.
و اختلافهم في قراءات كثيرة متضادّة، ملئوا فيها بطون موسوعات الحديث على اختلاف أنواعها، من صحاح و سنن و مسانيد و مصنفات و زوائد و مستدركات و موسوعات علوم القرآن من تفاسير و كتب الناسخ و المنسوخ و القراءات، ممّا يخيّل لقارئ تلك الكتب بادئ ذي بدء، أنّ الاختلاف في أمر القرآن أكثر ممّا في الأناجيل.
و لكنّه إذا رجع إلى القرآن الكريم الّذي بأيدي عامّة الناس وحده و الّذي ورثه جيل من الناس عن جيل حتّى انتهوا إلى الجيل الّذي أخذه من فم رسول اللّه (ص) و سجّله في عصره و بأمره، لم يجد في هذا القرآن عيبا و لا أثرا من شيء ممّا ذكروه و سطروه.
و إذا وقف الإنسان السويّ على هذا المعين، ثمّ أعاد النظر إلى كلّ تلكم الروايات مسندها و مرسلها و كل تلك العلوم قديمها و جديدها وجدها كلّها و جميعها:
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (النّور/ 39).
1) الحديث الأوّل و الثاني في الكافي 2/ 630. و الحديثان الآخران، ص 631 و ص 633؛ و وسائل الشيعة 4/ 821، و فيه عن الإمام الصادق أيضا: و اقرءوا كما علمتم.
و إذا أعاد النظر إلى هذا القرآن الّذي بأيدي عامّة الناس أيقن أنّه: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة/ 2).
و أيقن: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصّلت/ 41، 42).
و آمن بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر/ 9).
و أدرك أنّ الّذي يقول لصفيه: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (الحاقّة/ 44- 47).
هو الّذي منع غيره من أن يمسّ هذا القرآن بتحريف أو زيادة أو نقصان.
و إذا قارن بين هذا القرآن و الأناجيل الأربعة و أمعن و تدبر وجد الاختلاف في الأناجيل بعضها مع بعض و التحريف في نسخ التوراة و ليس الاختلاف و التحريف في كتب اخرى- خارجة عنها- تحدّثت عن التوراة و الإنجيل، خلافا لما عليه أمر القرآن الّذي بأيدي الناس و الأخبار الّتي تحدّثت عنه فإنّها في كتب اخرى خارجة عن القرآن و الاختلاف و التناقض في تلك الروايات و التقولات، و ليس في القرآن نفسه، المتداول بين الناس قرنا بعد قرن و جيلا بعد جيل.
و عند ذاك يدرك الإنسان الباحث حقيقة قول الإمام الصادق (ع) حيث قال: (اقرءوا- القرآن- كما يقرأ الناس).
و إذا استرشدنا قول الإمام الصادق (ع)، ثمّ وجدنا في كتب الحديث و التفاسير ما روي من أن الصحابي سعد بن أبي وقاص كان يقول: ما ننسخ من آية أو تنساها.
أو سمعنا من المذياع القارئ المتنطّع يقرأ:
و الضّحى و اللّيل إذا سجى ...
و الضّح و اللّيل إذا سج ...
و الضّحى و اللّيل إذا سجي ...
و الضّح و اللّيل إذا سج ...
و الضّحى و اللّيل إذا سجي ...
و جوقته المرائية تزعق: اللّه اللّه اللّه تشجيعا له.
ثمّ وجدنا الناس يقرءون في القرآن الّذي بأيديهم:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى.
و يقرءون:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ....
و يقرءون:
وَ الضُّحى* وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ....
قرأناها كما يقرأها الناس، و بذلك يتّحد المسلمون حول القرآن الكريم رايتهم السماويّة و ننسى كل ما تقوّله المتقوّلون عليه.
و ندرس في ما يأتي بإذنه تعالى ما انتج بعض تلك الروايات من القول بالنسخ و الإنساء.
1- مصطلح النسخ 2- المؤلفات في النسخ. 3- تحرير مورد الخلاف. 4- تناسب أحكام الإسلام مع فطرة الإنسان و حكمة نسخها. 5- كيف تفسّر الآيات في السور الكبيرة. 6- دراسة موارد استعمال مادّة (آية) بالمعنى الاصطلاحي و اللّغوي في القرآن الكريم. 7- استدلالهم على قولهم بالنسخ بآيتين كريمتين.
8- مناقشة استدلالهم بالآيتين. 9- تسرب اجتهادات مدرسة الخلفاء في شأن النسخ و رواياتهم فيه إلى تفاسير مدرسة أهل البيت. 10- التنبيه على ثلاثة أمور قبل دراسة (ما نسخ حكمها في قولهم):
أ- كثير من الأحكام تنزل أوّلا بوحي غير قرآني، ثمّ ينزل بيان ذلك في القرآن.
ب- قد يأتي في القرآن ذكر المتأخّر زمانا قبل ذكر المتقدّم، لداع بلاغي.
ج- تعدادهم في هذا الصنف ما ليس منه.
11- دراسة آيات تحكي الحكم المنسوخ:
أ و ب- موردان قالوا: إنّ الآية الناسخة تقدّمت في التلاوة على المنسوخة.
ج- مورد واحد قد يقال فيه إنّه ينقض قولنا في النسخ.
د- إكثارهم من تعداد هذا الصنف و ذكرهم آية، قالوا:
إنّ أوّلها منسوخ و آخرها ناسخ.
12- حكمة ذكر الحكم المنسوخ بوحي غير قرآني في القرآن.
13- درجهم روايات نقصان القرآن- معاذ اللّه- في صنفي منسوخ التلاوة. 14- ردّ بعض علماء مدرسة الخلفاء القول بنسخ التلاوة. 15- رأي مدرسة أهل البيت في نسخ القرآن بالسنّة و نسخ التلاوة. 16- دراسة روايات النسخ و الإنساء:
أ- رواية منسوخ التلاوة و الحكم جميعا.
ب- سائر روايات النسخ.
17- مناقشة روايات النسخ و الإنساء. 18- شأن الروايات المتضاربة في نقصان القرآن و زيادته و علاجها. رواية امّ المؤمنين عائشة. نتيجتها و مناقشتها. 19- الخلاصة و النتيجة.
قال الشيخ النوري:
(الدليل الثالث: في ابطال وجود منسوخ التلاوة و انّ ما ذكروه مثالا له لا بدّ و أن يكون ممّا نقص من القرآن)- معاذ اللّه-.
و نقول: ندرس أوّلا معنى النسخ، ثمّ ندرس الأقوال في النسخ ضمن تسعة عشر بحثا- إن شاء اللّه تعالى- كالآتي:
مرّ بنا في بحث المصطلحات ما موجزه:
النسخ في اللّغة: إزالة شيء بشيء يتعقبه، يقال: نسخت الشمس الظلّ.
و في المصطلح الإسلامي: نسخ أحكام في شريعة بأحكام في شريعة اخرى، مثل نسخ بعض أحكام الشرائع السابقة بأحكام في شريعة خاتم الأنبياء (ص).
و كذلك نسخ حكم مؤقت بحكم أبديّ في شريعة خاتم الأنبياء (ص)، مثل نسخ حكم توارث المتآخيين من المهاجرين و الأنصار في المدينة قبل فتح مكّة بحكم توارث ذوي الأرحام بعد فتح مكّة (1).
و قد صنّف أتباع مدرسة الخلفاء النسخ إلى ثلاثة أصناف:
أ- نسخ التلاوة و الحكم: و يقصدون منه أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) ثمّ نسخ تلاوة ذلك القرآن، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين و نسخ حكمه من شريعة الإسلام.
ب- نسخ التلاوة دون الحكم: و يقصدون منه أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) ثمّ نسخ تلاوتها، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين، و أبقى حكمه في شريعة الإسلام.
1) تفسير الآيتين 72 و 75 من سورة الأنفال في تفسير الطبري 10/ 36- 37؛ و تفسير ابن كثير 2/ 328، 331؛ و تفسير الدرّ المنثور 3/ 207.
ج- نسخ الحكم دون التلاوة: و يقصدون منه أنّ اللّه- سبحانه- أنزل من القرآن آيا عمل بها المسلمون ثمّ نسخ تلك الآيات بآيات اخرى، و بقيت الآيات المسماة منسوخة مكتوبة في المصحف و نسخ حكمها.
و قد قال كلّ من الزركشي في كتابه: البرهان في علوم القرآن، و السيوطي في الإتقان في علوم القرآن: (النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب).
و قال الزركشي: (الأوّل- ما نسخ تلاوته و بقي حكمه)، و ضرب له مثلا آية [الشيخ و الشيخة إذا زنيا ...].
و قال السيوطي: (و أمثلة هذا الضرب كثيرة) ثمّ أورد ما ذكرناه تحت عنوان: نقصان سور و آيات في أوّل الباب مع غيرها.
قال الزركشي: (الثاني- ما نسخ حكمه و بقي تلاوته) و قال: (و هو في ثلاث و ستّين سورة).
أمّا السيوطي، فقد اختار عشرين موردا منها، و نظم فيها و قال:
قد أكثر الناس في المنسوخ من عددو أدخلوا فيه آيا ليس ينحصر
و هاك تحرير آي لا مزيد لهاعشرين حرّرها الحذّاق و الكبر ثمّ عدّدها في بقية نظمه (1).
قال الزركشي:
(الثالث- نسخها جميعا فلا تجوز قراءته و لا العمل به، كآية التحريم ب [عشر رضعات]، فنسخن ب [خمس]، قالت عائشة: كان ممّا أنزل: [عشر رضعات معلومات] فنسخن ب [خمس معلومات] فتوفي رسول اللّه (ص) و هي ممّا يقرأ من القرآن)، رواه مسلم.3.
1) الإتقان للسيوطي 2/ 23.
و قال السيوطي: (ما نسخ تلاوته و حكمه معا، قالت عائشة: كان في ما أنزل ... رواه الشيخان) (1)
و نحن نقدم في تعداد أصناف النسخ لفظ الزركشي ثمّ نورد قول السيوطي.
.و قد ألّف العلماء في بيان أنواع النسخ مؤلّفات كثيرة لا يتيسّر إحصاؤها، كما نشير إليها في ما يأتي:ي.
1) البرهان في علوم القرآن للزركشي، باب: التنبيه الثاني في ضروب النسخ في القرآن 2/ 35- 39؛ و الإتقان للسيوطي، باب: النوع السابع و الأربعون في ناسخه و منسوخه 2/ 20- 27.
قال السيوطي في الإتقان: (النوع السابع و الأربعون في ناسخه و منسوخه.
أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون)، ثمّ ذكر أسماء بعض المؤلّفين في الناسخ و المنسوخ في القرآن و أسماء السور الّتي فيها ناسخ و منسوخ على حدّ زعمهم.
و ذكر في مادّة (ناسخ القرآن و منسوخه) أسماء من صنّف فيه، كلّ من حاجي خليفة في كشف الظنون، ص 1920- 1921. و البغدادي في ذيله، ص 614- 615.
و لا بدّ قبل الخوض في البحث من تحرير مورد الخلاف كالآتي:
إنّ اولئكم العلماء في ما صنّفوا في ناسخ القرآن و منسوخه، لهم قولان نخالفهم فيهما:
إنّهم يقولون بأنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل على خاتم أنبيائه (ص) سورا و آيات قرآنية ثمّ نسخ تلاوتها. و ما نسخ تلاوتها صنفان:
أ- ما نسخ تلاوته و حكمه: مثل لفظ [عشر رضعات] في حديث امّ المؤمنين، فإنّه نسخ لفظه، فلم يكتب في المصحف، و نسخ حكمه، فلم يدون في عداد الأحكام الإسلامية.
ب- ما نسخ تلاوته دون حكمه: و يوردون في هذا الصنف أمثال رواية الرجم و سورتي أبي موسى و الحفد و الخلع و نظائرها.
إنّ العلماء يقولون: في القرآن آيات نزلت بأحكام للمسلمين، و بعد أن عمل المسلمون بها، نزلت آيات اخرى، فنسخت تلك الآيات، و يسمّون الآيات الاولى بالآيات المنسوخة و الثانية بالآيات الناسخة.
و في العلماء من يقول بجواز نسخ الآيات القرآنية بالسنّة، أي بحديث الرسول (ص).
و قد كتب جماهير من العلماء في بيان هذين النوعين من النسخ: نسخ
التلاوة و نسخ الآية الّتي جاءت بحكم عمل بها المسلمون ثمّ نسخت باخرى أو بسنّة الرسول (ص). و أفرد التصنيف فيها جمّ غفير.
و كتب فيهما أو في أحدهما بعضهم بحوثا مستقلة ضافية ضمن مؤلفاتهم.
و نحن نرى: أنّ اللّه لم ينزل على نبيّه سورا و آيات قرآنية ثمّ نسخ تلاوتها بتاتا، سواء ما قيل عنه بمنسوخ الحكم و التلاوة معا أو ما قيل عنه منسوخ التلاوة دون الحكم. كما سنبيّنه في ما يأتي بإذنه تعالى.
أمّا نسخ الحكم المذكور في القرآن، فنرى فيه أنّ اللّه سبحانه كان ينزل على رسوله حكما مؤقتا بوحي غير قرآني يعمل به المسلمون، و بعد انتهاء أمده، كان ينسخه اللّه- أيضا- بوحي غير قرآني، أي: يعلمهم انتهاء أمد الحكم ثمّ ينزل اللّه وحيا قرآنيا يقصّ فيه خبر الحكم و نسخه، و من الجائز أن نقول في مورد واحد أو أكثر أنّ الحكم المؤقت بعد أن نزل بوحي غير قرآني و عمل به المسلمون، نزل في الذكر الحكيم بيان أنّ ذلك الحكم المؤقت قد نسخ.
و بناء على هذا، فليس في القرآن آية واحدة منسوخة.
و قبل الاستدلال لما نرى لا بدّ من تقديم مقدّمات في ما يأتي:
إنّ اللّه شرع الأحكام الإسلامية (1)بما تتناسب و فطرة الإنسان، و تؤمّن حاجاته الجسدية و النفسية، و تدفع عنه ما يضرّهما في كلّ أحواله بالتفصيل الآتي:
1- أحكام اسلامية متناسبة مع فطرة الإنسان من حيث هو إنسان.
2- أحكام اسلامية متناسبة مع:
أ- الإنسان الذكر.
ب- الإنسان الانثى.
3- أحكام اسلامية متناسبة مع فطرة الإنسان في حالة خاصّة به.
4- أحكام اسلامية متناسبة مع فطرة الإنسان الّذي يعيش في زمان خاصّ و مكان خاصّ و حالة خاصّة.
و في ما يأتي بيان كلّ واحدة منها مع إيراد الأمثلة لها:
من أمثلة الأحكام الإسلامية الأبدية و الدائمة ما عبّر عنها القرآن بلفظ من مادّة:
1) لقد برهنا في البحث الأوّل من سلسلة (قيام الأئمّة بإحياء السنّة) أنّ جميع شرائع الأنبياء كان اسمها الإسلام و إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ آل عمران/ 19.
أ- أحلّ.
ب- حرّم.
ج- (كتب) على الإنسان.
د- وصّى.
على أن تكون كلّها منسوبة إلى اللّه تعالى. و في ما يأتي بيانه:
أ و ب- أمثلة من أحكام الإسلام الأبدية الّتي جاءت في القرآن بلفظ (أحلّ) و (حرّم) كقوله تعالى:
1- وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا. (البقرة/ 275) 2- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ ... وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ... وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ. (النّساء/ 23) 3- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ .... (المائدة/ 3) أي: حرّم اللّه عليكم أمّهاتكم و ... و حرّم عليكم الدم و ...
ج- مثالان من أحكام الإسلام الأبدية الّتي جاء ذكرها في القرآن بلفظين من مادّة (كتب)، قوله تعالى:
1- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (البقرة/ 183)، أي: كتب اللّه عليكم الصّيام كما كتبه على الّذين من قبلكم و فرضه عليكم كما فرضه على من كان قبلكم.
2- وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. (الأنفال/ 75) أي: أنّ أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارث في ما كتب اللّه على عباده و حكم.
د- مثال واحد من أحكام الإسلام الأبدية الّتي جاء ذكرها في القرآن
بلفظ (يوصي)، قوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. (النّساء/ 11)
إنّ الإنسان الّذي له معدة بها قوام حياته، يحتاج لحفظ سلامتها إلى الصوم أيّاما معدودات في شهر رمضان من كلّ سنة، أو في غيره من الأزمنة سنويّا، للمسافر في شهر رمضان. و لغير الامّة المحمديّة في أيام اخرى- مثلا-.
و كذلك الإنسان الّذي له ميول و شهوات نفسيه يلزمه السيطرة الكاملة عليها كي لا تورده موارد الهلكة، فهو بحاجة إلى التمرّن على ضبطها و كبح جماحها بصيام أيام معدودات في السنة، و من ثمّ فإنّ الإنسان أبدا و دائما بحاجة إلى الصّيام لحفظ سلامته الجسديّة و النفسيّة، إلّا إذا منعه المرض عنه.
بما أنّ الأطعمة تؤثر في جسد الإنسان و نفسه ضرّا و نفعا كما هو مبحوث في محلّه، فقد أحلّ اللّه له ما ينفعه و حرّم عليه ما يضرّه.
و إنّ تناول الدم و لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه يؤثر في نفسه، فإنّ تناول الأوّل يجعله يتطبّع بطبع الحيوانات المفترسة، و بتناول الثاني تنعدم فيه الغيرة الشريفة، و بتناول الثالث يبتعد عن اللّه نفسيّا.
و بيان ضرر الأوّلين نفسيّا و جسديّا بحاجة إلى تفصيل لا يسع المجال لشرحه، و إنّما نكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ التحليل و التحريم على البشر جاء في الشرع الإسلامي وفق حكم و مصالح لهم، قال اللّه- سبحانه-:
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ .... (المائدة/ 4) و قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ... قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ. (الأعراف/ 32، 33) و قال: وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ. (الأعراف/ 157)
من ضرر الزواج بالأمّ و الأخت و سائر المحارم بالولادة و الرضاعة؛ إضواء النسل كما هو ثابت في محلّه، و في الحديث: (اغتربوا لا تضووا) (1)و فيها حكم اخرى بيانها بحاجة إلى تفصيل أكثر، لا يسعه هذا البحث.
و لتوضيح أنّ الأحكام الإسلامية شرّعت متناسبة مع مقتضيات فطرة الإنسان، نضرب مثالا بما في حرمة الزّواج بحليلة الوليد و الرضيع دون الولد المتبنّى من سبب طبيعي، بما يأتي:
أ- إذا غرسنا نواة الليمون في الأرض، تنبت شجرة فيها جميع ما في الأصل من مزايا و خواصّ.
ب- إذا طعّمنا شجرة النارنج ببرعم من شجرة اللّيمون فنبت البرعم فصار غصنا و أثمر، يحوي هذا الثمر شيئا من خواصّ النارنج و شيئا من خواص الشجرة الّتي طعّمناها ببرعم الليمون.
ج- إذا غرسنا شتلة الليمون إلى جانب شجرة النارنج و نمت الشّتلة حتّى صارت شجرة مثمرة و التفّت أغصان بعضها ببعض، لا تأخذ ثمرة اللّيمون شيئا من خواصّ النارنج و لا العكس.
1) ضوي: ضعف و هزل، و أضوى: أتى بولد أو نسل ضاو. راجع مادّة: ضوى في نهاية اللّغة لابن الأثير و المعجم الوسيط.
في الأوّل من الأمثلة: (أ) مثال للابن الوليد- من أصلابكم-.
و في الثاني: (ب) مثال للابن الرضيع.
و في الثالث: (ج) مثال للابن المتبنّى.
و يوضّح هذا المثال، حكمة ما بيّنته السنّة النبويّة من شرط في الرضاع، كما جاءت في صحيح مسلم و سنن أبي داود و سنن النّسائي و اللّفظ للأوّل، عن مسروق، قال قالت عائشة: دخل عليّ رسول اللّه (ص) و عندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، و رأيت الغضب في وجهه.
قالت: فقلت: يا رسول اللّه (ص)! إنّه أخي من الرضاعة.
قالت: فقال: (انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنّما الرضاعة من المجاعة) (1)
و سنن أبي داود 2/ 222، الحديث 2058، و في لفظه: فشقّ ذلك عليه و تغير وجهه.
و في سنن النّسائي، باب القدر الّذي يحرّم من الرضاع 2/ 83.
و سنن ابن ماجة، كتاب النّكاح، باب لا رضاع بعد فصال 1/ 626.
و مسروق بن أجدع بن مالك الحمداني الكوفي توفّي سنة اثنتين أو ثلاث و ستّين. تقريب التهذيب 2/ 242.
.و لفظ الحديث في سنن ابن ماجة، (باب الإرضاع بعد فصال):
(انظروا من تدخلنّ عليكنّ من الرجال، فإنّ الرضاعة من المجاعة) (2).
و في آخر رواية الترمذي عن امّ سلمة:
(إلّا ما فتق في الأمعاء من الثدي و كان قبل الفطام).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.ق.
و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ (ص) و غيرهم أنّ الرضاعة لا تحرّم إلّا من كان دون الحولين، و ما كان بعد الحولين الكاملين فإنّه لا يحرم شيئا (1).
في سنن أبي داود عن ابن مسعود عن النبيّ (ص) أنّه قال:
(لا رضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم و أنشز العظم) (2).
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم:
(قوله عليه السلام: (أنظرن إخوتكن) أي: تأملن و تفكّرن ما وقع من ذلك! هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة؟
فإنّما الرضاعة من المجاعة. و هو علّة لوجوب النظر و التأمل.
و (المجاعة) مفعلة من الجوع، يعني أنّ الرضاعة الّتي تثبت بها الحرمة، و تحلّ بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلا يسدّ اللبن جوعته، و لا يحتاج إلى طعام آخر، و الكبير لا يسدّ جوعته إلّا الخبز، فليس كلّ مرتضع لبن امّ أخا لولدها) (3).
و في سنن الترمذي: ( (لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء)، أي: ما وقع من الصبي موقع الغذاء، بأن يكون في مدّة الرضاع ...) (4).7.
ما جاء في السنّة النبويّة من شرط انتشار الحرمة في الرضاع أن يكون في سنيّ الرّضاع، و ينبت اللّحم و ينشز العظم، دليل لما قلناه من أنّ الأحكام الإسلامية شرّعت وفق فطرة الإنسان. فليس في التبنّي من تأثّر في جسم المتبنّى عن والديه، كما في الولد الصّلبي و الرضيع الّذي نبت لحمه و نشز عظمه من الرّضاع.
و مثال آخر لتناسب أحكام الإسلام مع فطرة الإنسان تعيين الحولين للرّضاع؛ قال سبحانه: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ... (البقرة/ 233).
إنّ هذا النظام في الرضاع يناسب فطرة الإنسان في عصر الحجر و هو يسكن الكهوف، و في عصر الحديد و البخار و الكهرباء و هو يسكن ناطحات السحاب، و في عصر الذرّة و هو يصعد إلى سطح القمر، و يناسبه إذا ولد على سطح الأرض و يناسبه إذا ولد في الأقمار الصناعيّة في الفضاء اللامتناهي، في كلّ هذه الأحوال و كلّ هذه الأماكن و كلّ تلكم الأزمنة، إنّ النظام المتناسب مع فطرة الإنسان الطفل الّذي لم تنبت أسنانه و لم يشتدّ عظمه و لحمه و لم تقو معدته، رضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة.
كانت تلكم أمثلة من الأحكام الإسلاميّة المتناسبة مع فطرة الإنسان من حيث هو إنسان.
قال اللّه سبحانه: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
(النّساء/ 11)
و قال: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.
(البقرة/ 282) في هذين الحكمين، روعيت مقتضيات فطرة كلّ من الإنسان الذّكر و الإنسان الانثى. فإنّ اللّه- سبحانه- حين خلق الإنسان، فطره- رجلا و امرأة- ليقوم كلّ منهما بما هيّئ له من عمل في الاسرة ليكمل أحدهما الآخر.
فطر المرأة لتحمّل تسعة أشهر، و ترضع سنتين، و يستلزم الكمال في أداء الوظيفتين؛ الاستقرار في البيت و رقّة العواطف و الاستجابة السريعة للعواطف، لتقوم بدور الأمومة و رعاية النسل بكلّ وجودها.
و هي في نفس الوقت بحاجة إلى من يتكفّل بإعالتها و إعالة وليدها بجميع مستلزمات الحياة و الإعاشة.
و فطر الرجل، و هيّأه لأداء هذه الوظيفة من قوّة الجسد و صلابة الرأي و الاستقامة في العزيمة و كلّ ما يتطلبه العمل لإعالة الأسرة من تحمل الصعاب خارج البيت.
ثمّ شرّع في أحكام الإسلام ما يتناسب و ما اهّلا له. فللرجل الّذي يعيل نفسه و زوجته و ولده و أحيانا أمّه و أخته: مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الإرث.
و شهادة الانثى الّتي تستجيب لعواطفها و تضعف أمام إحساساتها و بموجبه قد تنسى الحقّ، مع شهادة أنثى اخرى تذكّرها الحقّ تقابل شهادة الرجل الواحد ذي الإرادة الصلبة و العزيمة القويّة.
كان ذان مثالين للأحكام الإسلامية الّتي شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الإنسان الذّكر و الإنسان الانثى.
و نضرب لها مثالا من النظام الاقتصادي المتناسب مع فطرة الإنسان في المجتمع.
الإنسان في مجتمع المدينة ينتج سلعا، و يستهلك سلعا اخرى، فهو أبدا و دائما بحاجة إلى بيع منتوجه و شراء منتوج غيره، و من ثمّ يتكون مجتمع المدينة من البائع و المشتري، و أحيانا لا يملك منتوجا يبيعه، بل يملك عملا منتجا يضطر إلى بيعه لمن يشتريه، و من ثمّ يتكوّن في المجتمع أجير و مستأجر. و قد تفصل المسافات بين المنتج و المستهلك، فيحتاجان إلى الوسيط و هو التاجر.
و هذه الحالات في المجتمع البشري من سنن اللّه الّتي لا تبديل لها. و قد شرّع اللّه لها البيع و الشراء و التجارة و الإيجار و الاستئجار، قال اللّه سبحانه:
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ....
و قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ .... (النّساء/ 29) و قال: ... إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها. (البقرة/ 282) و قال يحكي وقوع الإيجار و الاستئجار بين نبيّيه شعيب و موسى (ع):
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ* قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ....
(القصص/ 26، 27) شرّع اللّه هذه الأحكام للإنسان في المجتمع بشرط أن يعملوا بالعدل، و لا يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، كالرّبا الّذي حرّمه اللّه.
شرّع اللّه هذه الأحكام للإنسان في المجتمع أبد الدهر، و قال عن بني إسرائيل: وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ. (النّساء/ 161)
تلكم الأحكام الإسلاميّة و نظائرها، شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الإنسان الّذي يعيش في المجتمع.
و شاءت الأنظمة الشيوعيّة أن تغيّر سنن اللّه في الخلق، و ترفع من المجتمع البيع و الشراء- التجارة- و الإيجار و الاستئجار، و خسئت حين بدّلت في عملها الفرد المشتري و المستأجر بقادة الحزب و الدولة، و حصرت المشتري و المستأجر بالحاكم، و أصبح الأجير و المنتج في مجتمعهم عبدا قنّا للدولة لا يملك من أمره شيئا.
و في مقابلها المجتمعات الرأسمالية، تأكل أموال الناس بالباطل بظلم فاحش مثل الرّبا و الاحتكار و القمار، إلى ضلالات و جهالات لم تشهد الجاهلية الاولى نظيرها، و أصبح أفراد المجتمعين الرأسمالي و الشيوعي في ضنك من العيش، و من أعرض عن ذكر اللّه و حكمه، فإنّ له معيشة ضنكا.
أوردنا في ما سبق أمثلة من الأحكام الإسلامية الّتي شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الإنسان بمفرده و في الأسرة و المجتمع، و وجدناها تتناسب مع مصلحته متى ما كان و أينما كان.
و من الأحكام الإسلاميّة ما تتناسب مع فطرة إنسان يعيش في زمان خاصّ و مكان خاصّ و مجتمع خاصّ، و الحكم عندئذ محدود بحدود ذلك الزمان و المكان و المجتمع، فإذا تغيّرت، ارتفع ذلك الحكم و نسخ، و مثاله في الشرائع بعضها مع بعض: المناسك و الشعائر، مثل أيام الأعياد و القبلة و أيام الصوم.
و في ضوء ما تقدّم تتيسّر لنا دراسة حكمة نسخ بعض الأحكام أو نسخ صور بعض الأحكام في شرائع الأنبياء.
إنّ الإنسان أينما كان و كيف ما كان يحتاج إلى:
أ- الصوم أيّاما معدودات في السّنة.
ب- عطلة يوم في الاسبوع استجماما للراحة.
ج- قبلة يتوجّه إليها في الصلاة و العبادة.
د- أيّام خاصّة يعيّد فيها المجتمع الإنساني و يحتفل بها.
و شرّع اللّه لبني إسرائيل سدّا لتلك الحاجات:
الصّيام- مثلا- في أيّام أنزل اللّه فيها بركاته عليهم. و كذلك في ما جعل اللّه لهم أيّام عيد خاصّة و السبت عطلتهم، و جعل قبلتهم بيت المقدس مسجد أنبيائهم و محلّ نزول البركات عليهم.
و لمّا انقطعت صلتهم بأنبيائهم، خلطوا شريعتهم بضلالات و جهالات تحت عنوان تلك الشعائر و المناسك، و امتزج الحقّ بالباطل في ما يتمسكون به باسم الدين حتّى لم يعد الحقّ صريحا لأحد و استمروا على ذلك إلى أن أرسل اللّه خاتم أنبيائه محمّدا (ص)، فبدّل اللّه الصوم من أيّام كانت لديهم إلى أيّام شهر رمضان الّذي أنزل اللّه فيه القرآن في ليلة القدر، و كذلك بدّل الأعياد و العطلة الأسبوعية.
و أوضح مثال لبيان حكمة التبديل و النسخ، أمر تحويل القبلة، فإنّ المسلمين لمّا كانوا بمكّة مخالطين للمشركين الّذين يرون أنفسهم ورثة دين إبراهيم و مستقبلي قبلة البيت الحرام، و خلطوا ذلك بجهالاتهم و ضلالاتهم، جعل اللّه قبلة المسلمين بيت المقدس، ليمتازوا منهم و يكوّنوا أمّة خاصّة متميزة من الوثنيين.
و لمّا هاجروا إلى المدينة، و خالطوا اليهود الّذين كانوا قد حرّفوا شريعة موسى (ص) و خلطوها بجهالات و ضلالات، استفاد اليهود من استقبال المسلمين قبلتهم بيت المقدس، و قاموا بإلقاء الشبهة و تشويش الأذهان بأقوالهم، فضاق الرسول ذرعا بهم، فحوّل اللّه القبلة إلى الكعبة بعد سبعة عشر شهرا من هجرة الرسول إلى المدينة.
كانت تلكم أمثلة توضح الحكمة في نسخ بعض أشكال الأحكام من شرائع أنبياء السلف.
و ندرس في ما يأتي بحوله تعالى حكمة نسخ بعض أحكام شريعة خاتم الأنبياء و حقيقة الأمر فيها.
نضرب مثالا واحدا يبيّن حكمة النسخ في بعض أحكام شريعة خاتم الأنبياء و حقيقة الأمر فيها، بحكم توارث المتآخين من المهاجرين و الأنصار في أوائل الهجرة حين كان أولو أرحام المهاجرين بمكّة مشركين.
و نسخ هذا الحكم بعد فتح مكّة، قال اللّه- سبحانه و تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إلى قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ .... (الأنفال/ 72- 75) عن الصحابي الزّبير ما ملخّصه:
(قال: لمّا قدمنا المدينة، قدمنا و لا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم و توارثنا ... حتّى أنزل اللّه هذه الآية فينا معشر قريش و الأنصار،
فرجعنا إلى مواريثنا) (1).
و عن ابن عباس، قال: آخى رسول اللّه (ص) بين أصحابه و ورث بعضهم بعضا حتّى نزلت هذه الآية: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (2).
و بناء على ما ذكرنا كان حكم التوارث بالمؤاخاة مخصوصا بالمتآخين من المهاجرين و الأنصار مدّة بقاء أولي أرحامهم مشركين بمكّة، و بين الأعراب.
و ارتفع هذا الحكم، و نسخ بانقضاء ذلك الزمان و دخول الناس في دين اللّه أفواجا، و أصبح حكمهم في الإرث ما في كتاب اللّه، أي ما كتب اللّه لجميع البشر، وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.
كذلكم شأن الأحكام الإسلاميّة في تناسبها مع فطرة الإنسان الّتي لا تبديل لها و تحقيقها لمصالحه في مختلف حالاته، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الرّوم/ 30).
و ذلكم شأن النسخ: انتهاء الحكم المتناسب مع فطرة الإنسان في وقت خاصّ بانتهاء زمانه.
يوحي اللّه إلى نبيّه نهاية الحكم الأوّل و بداية الحكم الثاني وفق حكمته و تحقيقا لمصالح الإنسان.
و في ضوء ما بيّناه يتيسّر لنا- بحوله تعالى- بعد تمهيدين نذكرهما خامسا و سادسا دراسة أصناف النسخ الّتي ذكرها العلماء في ما يأتي.ق.
قبل البدء بدراسة الآيات الّتي قالوا عنها ناسخة و منسوخة ينبغي التنبيه على ما يأتي:
إنّ الآيات الكريمة في السور الكبيرة تنقسم بحسب نزولها إلى نوعين:
أ- ما نزلت كلّ آية منها على حدة لتبيّن حكما إسلاميّا أو تكشف حقيقة من حقائق الغيب و الشهادة مثل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ....
(النّساء/ 43) فإنّ هذه الآية لا علاقة لها بما قبلها و ما بعدها في مغزاها، بل هي وحدة متكاملة، و ينبغي أن تدرس كذلك على حدة.
و مثل قوله- تعالى-:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. (المائدة/ 67) فإنّ هذه الآية لا علاقة بينها و بين الآية 66 قبلها، و لا بينها و بين الآية 68 بعدها، فإنّ الآيات تتسلسل بهذا النحو:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ.
(المائدة/ 66)
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .... (الآية 67) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ....
(المائدة/ 68) إنّ الآية 67 يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ... لا صلة بينها و بين الآية 66 قبلها، بل إنّ الآية 66 هي نهاية للكلام في سلسلة آيات سبقتها. و كذلك الآية 68 بعدها بداية لسلسلة آيات تأتي بعدها. و إنّ الآية 67 يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ...
بنفسها وحدة متكاملة، و ينبغي أن تدرس على حدة.
ب- ما نزلت ضمن مجموعة تبيّن بمجموعها حكما إسلاميّا، أو تكشف عن حقيقة من حقائق الغيب و الشهادة، و لا تصحّ عندئذ دراسة مثل تلك الآية بمفردها و مجزأة عمّا قبلها و ما بعدها، بل يلزم أن ندرسها ضمن مجموعتها الّتي هي جزء منها كما سيأتي بيانها بحوله تعالى.
نذكر هنا ما مرّ بنا في بحث المصطلحات من الجزء الأوّل و نقول:
جاءت مادّة (الآية) في المعنى اللّغوي و الاصطلاحي في اثنين و ثمانين و ثلاثمائة مورد في القرآن الكريم بالتفصيل الآتي:
أ- جاءت بلفظ المفرد (آية) أربعا و ثمانين مرّة.
ب- جاءت بلفظ المثنى (آيتين) مرّة واحدة.
ج- جاءت بلفظ الجمع (آيات) ثمانيا و أربعين و مائة مرّة.
د- و جاءت تسعا و أربعين و مائة مرّة بلفظ: (آيتك، آياتك، آياتنا، آياته، آياتها، آياتي).
و مرّ بنا في بحث المصطلحات أنّ معنى (الآية) اللّغوي: العلامة الظاهرة على شيء محسوس أو الامارة الدالّة على أمر معقول.
و أنّها في المصطلح الإسلامي استعملت في المعاني الآتية:
أ- معجزات الأنبياء.
ب- كلّ حكم من شريعة اللّه جاء في فصل أو فصول من القرآن أو الكتب السماوية الاخرى.
ج- جزء من السورة مشخص بالعدد.
و أنّه لم يرد بالمعنى الأخير في القرآن الكريم بغير لفظ الجمع.
و في ما يأتي أمثلة ممّا جاء من المعاني الآنفة الذكر في القرآن الكريم:
، مثل قوله تعالى:
أ- وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ .... (الإسراء/ 12) ب- ... وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
(البقرة/ 164)
أ- مثال ما جاء بالمعنى الاصطلاحي الأوّل، قوله تعالى:
هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً (الأعراف/ 73)، و (هود/ 64).
ب- مثال ما جاء بالمعنى الاصطلاحي الثاني قوله تعالى مخاطبا أزواج الرسول (ص):
وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ. (الأحزاب/ 34) و قوله تعالى:
وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا. (القصص/ 59) ج- و مثال ما جاء في المعنى الاصطلاحي الثالث- الجزء من السورة المشخّص بالعدد- قوله تعالى:
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. (يوسف/ 1) و لمّا كانت مادّة (الآية) مشتركة بين عدّة معان اصطلاحية و لغوية، و استعمل في جميعها في الكتاب و السنّة، لا بدّ أن يأتي في الكلام قرينة دالّة على المعنى المقصود من الآية، كما هو شأن غيرها من الألفاظ الّتي لها معان متعددة- اللّفظ المشترك-، و لنضرب لها مثالا في المصطلح الإسلامي ب (الصلاة):
إنّ الصلاة كانت في اللّغة بمعنى الدّعاء.
و في المصطلح الإسلامي وضعت لعدّة معان، منها: الصلاة اليومية و صلاة العيدين و الجمعة و الكسوف و الخسوف و غيرها، فلا بدّ في استعمالها من وجود قرينة تعيّن المعنى المقصود من اللفظ، فيقال- مثلا-: إذا انخسف القمر وجب عليك أن تصلّي ركعتين، تقرأ في الاولى الحمد و ... ثمّ تركع و ...
و كذلك الشأن مع (الآية)، فإنّها لمّا كانت مشتركة في المصطلح الإسلامي بين عدّة معان كاللّاتي ذكرناها آنفا، لا تستعمل في الكلام دونما قرينة تدلّ على المعنى المقصود منها.
فيقال- مثلا-: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً و نفهم من ذكر الناقة في المثال الأوّل أنّ المقصود من الآية، الآية المعجزة للأنبياء عليهم السّلام.
و نفهم من ذكر لفظي ما يُتْلى و الْحِكْمَةِ في المثال الثاني، أنّ المراد من الآيات أحكام من الشرع الإسلامي جاءت في فصول من القرآن الكريم، و حكم إلهيّة، و ذلك لأن معنى: تلا الكتاب تلاوة: قرأه بتدبّر في معانيه، و التدبّر في المعنى يصدق على تفهّم معاني الأحكام.
و كذلك الْحِكْمَةِ يكون في ما جاء بمعاني الآيات.
و كذلك الشأن في قوله- تعالى-: رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، فإنّ المراد: (رسولا) يتلو عليهم الأحكام في فصول كتاب اللّه.
و في المثال الثالث، نفهم من ذكر الر و الإشارة ب تِلْكَ إليها، أنّ المقصود من الآيات مجموعات تتكون من حروف كالألف و اللّام و الرّاء. إذا فإنّ معنى الآيات هنا مجموعات لفظيّة، اعتبر فيها تجمع الألفاظ دون المعنى، و هي المجموعات الّتي تشخّص بالأعداد، و من مجموعها تتكوّن السورة.
و بناء على القول بعدم وجود المشترك اللّفظي في القرآن، فلا بدّ- أيضا- من القول بلزوم وجود قرينة تدلّ على الفرد المقصود من مصاديق المعنى الكلّي
عند استعمال اللفظ الموضوع للمعنى الكلّي و إرادة فرد خاص من مصاديقه. و بناء على ما قرّرناه لا بدّ إذا من وجود قرينة في الموارد المذكورة في البحث على كلا التقديرين.
إذا فإنّ الآية في الكتب السماوية، إمّا أن تكون اسما لمعان جاءت فيها و هي الأحكام أو اسما لمجموعة كلمات ميّزت بالأعداد في القرآن الكريم.
بعد هذا البيان ندرس آيتين، استدلّوا بهما على قولهم بالنسخ في القرآن الكريم.
استدلّ القائلون بوجود آيات منسوخة في القرآن الكريم على وجه العموم بآيتين كريمتين ندرسهما في ما يأتي:
أ- آية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (البقرة/ 106).
فسّروا (آية) فيها بالجزء من السورة، و يكون المعنى على زعمهم: ما ننسخ من آية من آيات القرآن أو نمحها من الأذهان، نأت بآيات قرآنية خير منها أو مثلها.
ب- آية وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ .... (النّحل/ 101) فسّروا- أيضا- لفظ (آية) فيها بالجزء من السورة، و يكون المعنى على زعمهم: إذا بدّلنا آية من آيات سور القرآن مكان آية اخرى.
استشهدوا بالآيتين السابقتين على قولهم بنسخ آيات القرآن في مباحث النسخ (1)، و فسّروهما كذلك في تفاسيرهم، و لا سيّما من عني بتفسير القرآن بالمأثور. و أوردوا في تفسير الآيتين: روايات الآيات المزعومة في حكم الرجم و ما شابهها. و روايات سورتي أبي موسى و الحفد و الخلع.
1) راجع الإتقان 2/ 27 في السطر الثالث.
و بتفسيرهم (1)هذا، وجدوا حلّا لمعضلة تلكم الروايات الّتي تحدّثت عن نقصان القرآن- معاذ اللّه- و قالوا: إنّها نسخت تلاوتها.
و ندرس بإذنه تعالى استدلالهم بالآيتين في ما ياتي.ب.
1) أورد الطبري بتفسير آية ما نَنْسَخْ ... قليلا منها 1/ 378- 383، و أورد السيوطي بتفسيرها جلّ تلكم الروايات 1/ 104- 106؛ و الحاكم 3/ 305 في كتاب معرفة الصحابة، ترجم الصحابي ابيّ بن كعب.
مورد مناقشتنا فيها: تفسيرهم (آية) بمعنى الجزء من السورة، و يكون المعنى على قولهم: ما ننسخ من آية من سور القرآن، أو ننسها حكما و تلاوة، نأت بخير منها. و نقول في مناقشتها:
أوّلا- ذكرنا أن مادّة (الآية) مشتركة بين معناها اللّغوي و عدّة معان اصطلاحية، و اللفظ المشترك بين عدّة معان لا يستعمل في الكلام دونما وجود قرينة تشخّص المعنى المقصود من بين تلك المعاني.
ثانيا- جاءت القرينة على المعنى المقصود من الآية في الكلام كالآتي:
إنّ هذه الآية جاءت ضمن مجموعة آيات يعاتب اللّه فيها اليهود إن لم يؤمنوا بهذا القرآن و بشريعة خاتم الأنبياء (ص) و لا بالإنجيل و شريعة عيسى ابن مريم (ع)، فقد قال اللّه تعالى فيها:
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ*- إلى قوله تعالى- وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ... كَفَرُوا بِهِ ...* وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ...* وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ...* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ...*
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ...* وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .... (البقرة/ 87- 120)
و على هذا، فإنّ معنى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ: ما ننسخ من حكم- مثل حكم القبلة و العيد في يوم السبت- من كتاب موسى (ع) التوراة، أو كتاب عيسى (ع) الإنجيل، نأت بخير منه، حكم استقبال الكعبة في القرآن الكريم و العيد في يوم الجمعة، في الكتاب و سنّة الرسول (ص).
كان هذا معنى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ.
أمّا نُنْسِها فإمّا أن يكون من مادّة أنساها ينسيها أو من أنسأها ينسئها.
و إذا كان من مادّة (أنساها) يتضح معناها بعد التنبّه على أنّ اللّه سبحانه أرسل عشرات الألوف من الأنبياء في أمم أبيدت و انقرضت ممّن لم ترد أسماؤهم في القرآن، و لم يذكر اللّه أخبارهم فيه، و إنّما ذكر اللّه في القرآن أسماء بعض أنبياء بني إسرائيل و العرب الّذين عاشوا في المنطقة- الجزيرة العربية- و ما حولها.
و ذكر بعض قصصهم و أنسى قصص سائر الأنبياء أمثال هبة اللّه شيث بن آدم (ع) و عزير (1)الّذي قال اليهود: إنّه ابن اللّه. أنسى اللّه سبحانه قصص بعضهم، و أنسى كتب البعض الآخر و ذكر أسماءهم، و بعضهم أنسى أسماءهم مع إنساء قصصهم و كتبهم.
و على هذا يكون معنى أَوْ نُنْسِها ما ننس ممّا في كتب السابقين، مثل كتاب شيث و غيره، نأت بخير منها و أكمل، مثل ما في القرآن و شريعة خاتم الأنبياء.
و إذا كان من مادّة (ينسئها) و أنسأه ينسئه، أي: أجّله و أخّره كما أوردناهم.
1) عزير، جاء ذكره في سورة التوبة/ 30. و شيث بن آدم ذكرناه في باب الأوصياء من كتابنا عقائد الإسلام.
في بحث (الأشهر الحرم و النسيء) من البحث التمهيدي الأوّل؛ يكون المعنى:
و الحكم نؤخّر تبليغه بما فيه خير للناس في ذلك الزمان مثل تأخير تبليغ نسخ حكم استقبال بيت المقدس إلى هجرة الرسول (ص) إلى المدينة.
و هذا المعنى هو المراد من (ننسها) و ليس المعنى الأوّل.
يفهم العربي اللبيب بذوقه السليم ما ذكرناه إذا اقتصر على ما جاء في كتاب اللّه لدرك معناه.
و إذا رجعنا إلى كتب التفسير، وجدناهم يعملون ما يأتي:
أوّلا- يقتطعون الآية من مكانها في المجموعة الواحدة من الآيات ذات السياق الواحد.
ثانيا- يجرون على الآية الكريمة أنواع التبديل و التحوير بحسب اجتهادات المفسّرين، مفسرين و قرّاء بعنوان اختلاف القراءات.
ثالثا- يعتمدون لفهم معنى الآية الأحاديث المروية في باب نسخ التلاوة الّتي سندرسها في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
في مناقشة استدلالهم بهذه الآية نقول: هذه الآية- أيضا- نزلت ضمن مجموعة آيات يتحدّث فيها اللّه- جلّ اسمه- عن القرآن و أدب قراءته، و تشكيك المشركين من أهل مكّة، و إدحاض افترائهم، حيث يقول- عزّ اسمه-:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ* وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ* قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ* وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ... إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (النّحل/ 98- 105) إلى ما بعده.
يقول اللّه سبحانه: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً أي: بعض أحكام القرآن المذكورة في فصل أو فصول منه، مَكانَ آيَةٍ أي: مكان بعض أحكام التوراة أو الإنجيل المذكورة في فصل أو فصول من أحدهما، و اللّه أعلم بما ينزّل، و حكمته، قالوا: أنت مفتر في ما أتيت به من الكتاب المجيد، قل نزّله روح القدس من ربّك، ليثبت به الّذين آمنوا و هدى و بشرى للمسلمين، و لقد نعلم أنّهم يقولون:
إنّما يعلّمه بشر- قيل نصراني كان بمكّة- لسان الّذي يلحدون إليه- يطعنون به على القرآن- أعجميّ و هذا لسان عربيّ مبين إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ.
هذا التفسير لهذه المجموعة و من ضمنها آية بَدَّلْنا آيَةً واضح لكلّ من له أدنى إلمام باللّغة العربية و المصطلحات الإسلامية.
و يؤكّد ما ذكرناه أربعة امور:
1- بدء المجموعة بذكر القرآن.
2- إيراد الضمير المذكور في نَزَّلَهُ، فإنّه لو كان القصد من نَزَّلَهُ:
الآية من السورة لكان ينبغي أن يقول- عزّ اسمه- (نزّلها)، أي نزّل الآية من السورة، و لما أعاد اللّه- سبحانه- الضمير إلى المذكّر، ظهر أنّ المقصود من الآية هو القرآن أو حكم في القرآن، و لهذا أعاد الضمير إلى معنى (الآية) و هو القرآن أو الحكم المذكّر.
3- حكايته قولهم بأنّه علّمه بشر، و كان قصد المشركين من تعليم البشر تعليم البشر إيّاه القرآن أو بعض أحكام القرآن- معاذ اللّه- و لم يقصدوا تعليمه آية واحدة من القرآن.
4- أمره الرسول باتباع ملة إبراهيم و قوله تعالى بعد ذلك: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ (النّحل/ 124)، و هم بنو إسرائيل، ثمّ ختم الآيات بقوله تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ (النّحل/ 118).
و أخيرا لم نجد في ما ذكروا من التفاسير رواية عن رسول اللّه (ص) أنّه فسّر لفظ (آية) في الموردين هنا بالآية الّتي هي جزء من السورة كما قالوا به، و إنّما نقلوا ذلك من المفسّرين.
كان هذا استدلالهم القرآني على نسخ التلاوة و جوابه.
و ندرس بحوله تعالى تسرّب اجتهادات مدرسة الخلفاء في النسخ إلى بعض تفاسير مدرسة أهل البيت (ع) في ما يأتي.
تسرّب تفسير أتباع مدرسة الخلفاء للآيتين أو بالأحرى اجتهادهم فيهما مع الروايات الّتي استدلّوا بها إلى بعض تفاسير مدرسة أهل البيت، مثل مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي. فقد قال بتفسير: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ... في بيان لغة النسخ ما نصّه كالآتي:
(و النسخ في القرآن على ضروب منها أن يرفع حكم الآية و تلاوتها، كما روي عن أبي بكر (1)
و نسب الواحدي هذا القول إلى أبي بكر و قد يكون خطأ منه.
راجع البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 39.
أنّه قال:كنّا نقرأ [لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم].
و منها أن تثبت الآية في الخط، و يرفع حكمها كقوله: وَ إِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ ... الآية، فهذه ثابتة اللفظ في الخط مرتفعة الحكم (2).
و منها ما يرتفع اللّفظ، و يثبت الحكم، كآية الرجم، فقد قيل: إنّها كانت منزلة، فرفع لفظها. و قد جاءت أخبار كثيرة بأن أشياء كانت في القرآن، فنسخ تلاوتها، فمنها ما روي عن أبي موسى أنّهم كانوا يقرءون: [لو أنّ لابن آدم
واديين ...]) (1).
و قال في تفسير وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً ... من تفسيره:
(معناه و إذا نسخنا آية، و آتينا مكانها آية اخرى ... إمّا نسخ الحكم و التلاوة، و إمّا نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ...) (2).
هكذا نقل الطبرسي قول مدرسة الخلفاء بأصناف النسخ دون أن يصرّح بمصدر القول، و نقل استدلالهم برواياتهم دون أن يصرّح بمصدر الروايات، أو يقول إنّها من روايات مدرسة الخلفاء و منقولة من كتب حديثهم.
و سبق الشيخ الطوسي الطبرسي بتفسير الآيتين في تفسير التبيان، و أسند الرواية: (كنّا نقرأ [لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم]) إلى أبي بكر، بينما هي مروية عن عمر.
و من ثمّ اتّضح أنّ الطبرسي نقلها عن تفسير التبيان للشيخ الطوسي.
و يظهر من كلامهما أنّهما تبنّيا القول بأصناف النسخ الّذي ابتكرته مدرسة الخلفاء.
و من تفسير هذين العلمين من أعلام مدرسة أهل البيت، انتشر بعض ما نقلاه في تفسير الآيتين إلى تفاسير اخرى بمدرسة أهل البيت مثل تفسير أبي الفتوح الرازي و تفسير كازر. و لا سيّما في تفسير لفظ (آية) في الموردين، فإنّهم فسّروها بمعنى جزء من السورة، بينما المراد من (آية) فيها غير هذا المعنى.
و خالفهم في ذلك صاحب أطيب البيان، فإنّه فسّرها كما تفسر في مدرسة أهل البيت (ع) (3).ب.
و ندرس بحوله تعالى روايات النسخ و الآيات الّتي قالوا عنها: إنّها منسوخة في ما يأتي.
قبل دراسة الآيات الّتي قالوا عنها: (نسخ تلاوته و بقي حكمه) (1)و قال بعضهم: (آية نسخت آية اخرى) (2)، ينبغي التنبيه على الأمور الثلاثة الآتية:
أ- إنّ كثيرا من الأحكام كانت تنزل بوحي غير قرآني، و بعد عمل المسلمين بها كان ينزل في القرآن خبر ذلك. و في هذا الصدد قال السيوطي في الإتقان:
(النوع الثاني عشر ... ما تأخّر نزوله عن حكمه).
و قال: (و من أمثلته قوله- تعالى-: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ... الآية، فإنّها نزلت سنة تسع، و قد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة) (3).
قال المؤلّف:
و كذلك شأن نزول حكم الصلاة بسجداتها و ركعاتها و أذكارها و وضوئها، فإنّ رسول اللّه (ص) بعث يوم الاثنين، و علّمه جبرائيل الصلاة يوم الثلاثاء، فصلّى هو و عليّ بن أبي طالب و خديجة (4)، ثمّ تتابع نزول أحكام الصلاة و أجزائها و شرائطها في القرآن بعد ذلك.
و كثير من الأحكام الإسلاميّة- أيضا- أنزل على رسول اللّه ابتداء بوحي غير قرآني و عمل به المسلمون، ثمّ نزل في القرآن خبره و حكمه.
و في الأحكام الإسلاميّة و علومها ما نزل ابتداء بوحي قرآني، و لعلّ منها قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ... (النّساء/ 127)، و قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ... (الإسراء/ 85).
ب- قد يأتي في القرآن ذكر المتأخّر زمانا قبل المتقدّم عليه لداع بلاغي.
و فصّل الزركشي القول في أسباب التقديم و التأخير في القرآن في فصلين، ذكر في الأوّل أسبابه و في الثاني أنواعه، بعد أن قال:
(القول في التقديم و التأخير و هو أحد أسباب البلاغة ... و له في القلوب أحسن موقع، و أعذب مذاق ...) (1).
و ممّا ذكره مثالا للمتأخّر الّذي تقدّم ذكره ما يأتي:
قال: (و أمّا قوله: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى* وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (النّجم/ 36، 37)، فإنّما قدّم ذكر موسى لوجهين:
أحدهما أنّه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك، و كانت صحف موسى منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم. و ثانيهما مراعاته رءوس الآي) (2).
و في مكان آخر قال:
(و قد جاء: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى (النازعات/ 25)، و أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى* فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولى (النّجم/ 24- 25)- بتقديم الآخرة على الاولى- لمناسبة رءوس الآي) (3).4.
قال المؤلّف:
و من هذا النوع ما حكاه سبحانه و تعالى في خبر ذبح بني إسرائيل البقرة و قال:
وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ...* ... فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ* وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ .... (البقرة/ 67- 74) فإنّ قوله تعالى وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها مقدّم زمانا على تمام ما جاء سابقا عليه، إلى قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ.
قال البغوي: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ: هذا أوّل القصة و إن كانت مؤخرة في التلاوة (1).
و إذا أمعنّا النظر في الآيات الآنفة الذكر، نرى أن اللّه- سبحانه- بعد ما ذكر تعنّت بني إسرائيل في تنفيذ ما أمرهم به، أوجز القصّة أخيرا مع ذكره نهاية الأمر لأخذ العبرة منها في قدرته على إحياء الموتى، ثمّ وصله بقوله لبني إسرائيل:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ.
و نبّه المسلمين بعد ذلك ألّا يطمعوا في إيمان بني إسرائيل بخاتم الأنبياء و شريعته مع حالتهم الّتي ذكرها مع نبيّهم موسى بن عمران (ع).
و من هذا النوع- أيضا- ما قصّه سبحانه من خبر نوح مع ابنه و قال:
وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ* قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْف.
1) البرهان 3/ 276، و قوله هذا يسبب التوهّم بأنّ ترتيب نزول هذه الآية لم يراع في كتابة المصحف.
رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ* وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ....
(هود/ 42- 46) إنّ هذه الآيات الّتي جاءت ضمن مجموعة آيات 42- 46 من سورة هود تقصّ خبر نوح مع قومه و صنعه السفينة و غرق قومه و نجاته و أهل السفينة و هبوطهم بسلام، و قد جاء ذكر نوح و ابنه فيها مرّتين، و اتّصال كلّ منهما مع ما قبلها و ما بعدها واضح لمن تدبّر الآيات.
و قد جاء في الأخيرة بعد إخباره- تعالى- عن استواء السفينة على الجودي، أي تأخّر ذكره هنا، و هو متقدّم على استواء السفينة.
و نظائره، أي تقديم ذكر المتأخّر كثيرة في القرآن، كما شاهدنا ذلك في ذكر: صُحُفِ إِبْراهِيمَ بعد صُحُفِ مُوسى في سورة النّجم.
ج- تعدادهم في هذا الصنف ما ليس منه:
قال السيوطي في شأن هذا الصنف: ما نسخ حكمه دون تلاوته:
(و هو في الحقيقة قليل جدّا و إن أكثر الناس من تعديد الآيات).
و قال: (و إنّ الّذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء و لا من التخصيص).
ثمّ عدّ تسع عشرة أو عشرين آية اعتبرها ممّا نسخ حكمه دون تلاوته (1)و نحن نقول:ه.
1) الإتقان 2/ 22 في الضرب الثاني: ما نسخ حكمه دون تلاوته.
إنّ بعض ما عدّه السيوطي: ممّا نسخ حكمه- أيضا- ليس من هذا الصنف.
و قد فصّل القول أستاذ الفقهاء السيّد الخوئي في بيان نيف و ثلاثين موردا منه في تفسيره (البيان) (1)و لا حاجة لبيانها هنا.
بعد إيراد المقدّمات الثلاث، ندرس- بحوله تعالى- الآيات الّتي قالوا: إنّها منسوخة في ما يأتي.7.
1) تفسير البيان للسيّد الخوئي، ص 306، 307.
إنّ الآيات الّتي قال العلماء فيها: (آية نسخت آية)؛ أي أنّ اللّه سبحانه أنزل حكما إسلاميّا بوحي قرآني، و بعد أن عمل المسلمون بتلك الآية نسخها بآية قرآنية اخرى.
و بناء على ذلك يكون في القرآن آيات منسوخة و آيات ناسخة، نقول:
إنّ قولهم هذا و تعريفهم له غير صحيح.
و الصحيح: أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل بعض الأحكام المؤقتة بوحي غير قرآني و بعد عمل المسلمين بها في الوقت المحدّد له في علم اللّه و انتهاء ذلك الوقت أنزل نسخ تلك الأحكام بوحي غير قرآني، و بلّغ الرسول (ص) ذلك للمسلمين، ثمّ بعد كلّ ذلك أنزل في القرآن أخبار تلك الأحكام مع شرح ملابساتها لأخذ العبرة منها.
و لا يسع المجال لدراسة جميع مواردها، و إنّما نكتفي بدراسة أربعة منها قالوا عنها: إنّ الآية الناسخة تقدّمت في الذكر على الآية المنسوخة (1)، كالآتي:
آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ... (الأحزاب/ 50).
قالوا: إنّها ناسخة لقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (الأحزاب/ 52).
و بناء على ذلك فإنّ الآية الناسخة متقدّمة في الذكر على الآية المنسوخة.
و الواقع على حدّ زعمهم خلاف ذلك، كما سنشرحه بعيد هذا.
1) البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 38.
قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ... (البقرة/ 142)، قالوا: (إنّها متقدّمة في التلاوة و لكنّها منسوخة لقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... (البقرة/ 144) (1).
و سوف نذكر الموردين الثالث و الرابع منها بعد دراسة الموردين الأوّلين و نقول في الجواب عنهما:
إنّ الآية قد جاءت ضمن المجموعة الآتية من الآيات في الذكر الحكيم:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً* تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً* لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً.
(الأحزاب/ 50، 51)
لقد ذكرنا في أوّل كتاب أحاديث عائشة (2)تفصيل ما حقّقته زواجات
الرسول الأكرم (ص) من مصالح الإسلام التشريعية و السياسيّة و مصالح المسلمين الاجتماعية و مصالح امّهات الأيامى الفردية و كذلك مصالح ذوي قرباهنّ، و كيف كانت تلك المصالح السبب في أن يحلّ اللّه له، بعد هجرته إلى المدينة، تعداد الزوجات و قبول الواهبات أنفسهنّ له، و كيف انتهت تلك المصالح بعد فتح مكّة و كانت في عصمته عندئذ تسع منهن فحبسه اللّه عليهن، و قال سبحانه: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ...، و لم يكن ذلك قصرا له على العدد (التسع منهنّ) كي يحلّ له أن يطلّق بعضهنّ إذا شاء و يستبدل بهنّ غيرهنّ مهما بلغت إحداهنّ من الكهولة و العجز.
و ما ذكرناه حقيقة ناصعة يجدها من قرأ البحث هناك و حقيقة واضحة لمن درس أحوال الإسلام التشريعية و السياسية يومذاك، و أحوال المسلمين الاجتماعية و أحوال أمّهات المؤمنين الفردية و أحوال من وهبت له نفسها منهنّ، و ما عامل بعضهنّ النبيّ (ص) حين زوّجها بأحدهم بمهر قدره تعليمها ما حفظ من القرآن، لأنّه كان معدما.- نعم المهر و نعم العاقد و نعم مجلس العقد و نعمت حفلة الزواج-.
من درس الآيات الثلاث مع ملاحظة ما جاء في الحديث الصحيح في شأن نزولها و دراسة تلك الأحوال و الملابسات يتضح له ما قلناه بلا لبس فيه و لا غموض.
و هذا النوع من الدراسة أساس لدرس كلّ مجموعة من آيات اللّه البيّنات، و لكنّ بعضهم شاء أن يغضّ النظر عن تلك الأحوال و الملابسات، و يعتمد على اجتهاده الخاصّ، و قطّع هذه المجموعة من الآيات تقطيعا و عدّ في الناسخ الّذي تقدم على المنسوخ قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ....
و قال: إنّها ناسخة لقوله- تعالى-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (1).8.
1) راجع البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/ 38.
لست أدري كيف لم ينتبه لقوله- تعالى-: مِنْ بَعْدُ أي بعد ما تقدّم ذكره من تحليل الأزواج: لا يَحِلُّ لَكَ ....
و لست أدري كيف قال، إنّ قوله تعالى: مِنْ بَعْدُ نزل قبلا؟
كان هذا واقع الأمر في المورد الأوّل من أقوالهم في النسخ.
و حقيقة الأمر في المورد الثاني كالآتي:
قبل دراسة آيات القبلة ينبغي أن ندرس أوّلا خبر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة مع الإشارة إلى ما سبقه من أخبار و ما تبعه من حوادث- بحوله تعالى- ثمّ نورد آيات القبلة و ندرسها.
كانت الكعبة قبلة الأنبياء قبل موسى بن عمران (ع)، و بعد موسى بن عمران (ع) أصبح بيت المقدس قبلة بني إسرائيل، و لم تنسخ إلى أن هاجر الرسول (ص) إلى المدينة.
و كان رسول اللّه (ص) في مكّة يستقبل في صلاته الكعبة و بيت المقدس معا، و عند ما هاجر إلى المدينة لم يكن ذلك ميسورا، فاستقبل في صلاته بيت المقدس، و كان يعلم أنّ القبلة ستتحوّل إلى الكعبة (1).
و يدل على ذلك ما رواه ابن هشام في خبر البيعة الثانية الكبرى بالعقبة، عن كعب بن مالك، و كان قد حضر البيعة الثانية، قال كعب ما موجزه:
خرجنا في حجّاج قومنا من المشركين، و قد صلّينا و فقهنا، و معنا البراء
1) راجع تفسير الطبري 2/ 3- 4؛ و تفسير السيوطي 1/ 146.
ابن معرور سيّدنا و كبيرنا، فلما وجّهنا لسفرنا فخرجنا من المدينة، قال البراء لنا:
يا هؤلاء إنّي قد رأيت رأيا و و اللّه ما أدري أ توافقونني عليه أم لا؟ قال: قلنا:
و ما ذاك؟
قال: قد رأيت ألّا أدع هذه البنيّة منّي بظهر (يعني الكعبة) و أن أصلّي إليها.
قال: فقلنا: و اللّه ما بلغنا أنّ نبيّنا (ص) يصلّي إلّا إلى الشام، و ما نريد أن نخالفه.
قال: فقال: إنّي لمصلّ إليها.
قال: فقلنا له: لكنّا لا نفعل، قال: فكنّا إذا حضرت الصلاة، صلّينا إلى الشام، و صلّى إلى الكعبة، حتّى قدمنا مكّة.
قال: و قد كنّا عبنا عليه ما صنع، و أبى إلّا الإقامة على ذلك، فلمّا قدمنا إلى مكّة قال لي: يا ابن أخي! انطلق بنا إلى رسول اللّه (ص) حتّى أسأله عمّا صنعت في سفري هذا، فإنّه و اللّه لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إيّاي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول اللّه (ص) فقيل لنا يجلس مع العباس بن عبد المطلّب، فقد كنّا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا فدخلنا المسجد، فإذا العباس (رض) جالس و رسول اللّه (ص) جالس معه، فسلّمنا ثمّ جلسنا إليه ... فقال البراء بن معرور: يا نبيّ اللّه! إنّي خرجت في سفري هذا و قد هداني اللّه للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها، و قد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فما ذا ترى يا رسول اللّه؟
قال: (قد كنت على قبلة لو صبرت عليها).
قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول اللّه (ص)، و صلّى معنا إلى الشام، قال:
و أهله يزعمون أنّه صلّى إلى الكعبة حتّى مات.
قال- كعب-: و ليس ذلك كما قالوا (1)
و كعب بن مالك بن القين الخزرجي السلمي. كان أحد شعراء النبيّ (ص)، و أحد الثلاثة الّذين تخلفوا عن تبوك، و تاب اللّه عليهم. رووا عنه ثمانين حديثا. توفّي في خلافة الإمام عليّ (ع). سورة التوبة/ 118.
أسد الغابة 4/ 247- 248؛ و جوامع السيرة، ص 278؛ و تقريب التهذيب 2/ 135.
و البراء بن معرور الخزرجي السلمي، كان أوّل من بايع الرسول في العقبة. و توفّي في صفر قبل قدوم رسول اللّه (ص) المدينة مهاجرا بشهر، و أوصى أن يدفن و تستقبل به الكعبة، ففعلوا ذلك، و لمّا قدم النبيّ المدينة صلّى على قبره و كبر أربعا. أسد الغابة 1/ 173.
.قال المؤلّف:
مهما يكن من أمر صلاة البراء بعد ذلك فإنّ الرسول (ص) لم ينكر عليه استقبال الكعبة.
و مفهوم كلام الرسول (ص) له: (لو صبرت عليها) حتّى يحين موعد التحوّل إلى الكعبة.
و هذا الكلام إقرار من الرسول (ص) بصحّة عمله و إرشاد منه له أن يصبر فعلا حتّى يحين موعد تحويل القبلة.
لمّا هاجر النبيّ (ص) إلى المدينة بقي- على الأشهر- سبعة عشر شهرا يستقبل في صلاته بيت المقدس، فقالت اليهود: (يخالفنا محمّد و يتبع قبلتنا).
فكان رسول اللّه (ص) إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس، رفع رأسه
1) سيرة ابن هشام 2/ 47- 48؛ و أسد الغابة بترجمة البراء بن معرور.
إلى السماء ينتظر أمر اللّه، فولّاه اللّه قبلة يرضاها و كان اليهود يعلمون- شأن القبلتين- و يكتمون صفة النبيّ (ص)، و أمر القبلتين.
و لمّا صرف اللّه نبيّه إلى الكعبة، قال أهل الكتاب: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه و دين قومه! و قال المشركون من أهل مكّة: تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم و علم أنّكم أهدى منه سبيلا و يوشك أن يدخل في دينكم! و أشفق المسلمون على من صلّى منهم- إلى بيت المقدس- ألّا تقبل صلاتهم الماضية، فقالوا: يا رسول اللّه! فكيف بالّذين ماتوا و هم يصلّون إلى بيت المقدس؟
و قيل- أيضا- إنّ ناسا من أسلم- من الأنصار- رجعوا- عن الإسلام- و قالوا: مرّة هاهنا! و مرّة هاهنا (1)! كانت تلكم أخبار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، و في ما يأتي آياتها:
قال اللّه سبحانه: القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 318 ب - أخبار تحويل القبلة و ما بعدها ..... ص : 317
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْت.
1) ما أوردناه من أخبار تحويل القبلة موجز من الروايات في تفسير آيات القبلة بتفسير الطبري 2/ 3- 5؛ و السيوطي 1/ 146. و ما أضفناه إليها للتوضيح كتبناه بين خطين تمييزا له من نصوص الروايات.
لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ* قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
(البقرة/ 142- 150)
في ضوء ما درسناه من شأن نزول آيات القبلة، يتيسّر لنا فهم معنى الآيات بوضوح، و للإيجاز ندرس منها ما يخصّ شأن القبلة دون ما ذكره اللّه بضمنها لأخذ العبرة منها.
بدأ اللّه سبحانه في ذكر أخبار تحويل القبلة و قال: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- سواء اليهود منهم أو المشركون- ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ أي: له كلتا القبلتين، أو جميع الأرض، و ما جعلنا
قبلتكم بيت المقدس إلّا امتحانا للنّاس، فإنّ الذين اتبعوا الرسول (ص) في صلاتهم بمكّة كانوا قد خالفوا قبلة قومهم، و انفصلوا عنهم.
و في المدينة عند ما تحوّلت القبلة أيضا، كان منه امتحانا لمن أسلم من اليهود و حلفائهم و لغيرهم في اتباعهم أمر الرسول (ص) في ما يوحى إليه، و إن كانت لكبيرة إلّا على من هداه اللّه، و كانت نتيجة عمل من صلّى إلى بيت المقدس في ما سبق تبديل القبلة، سواء الأحياء منهم أو الأموات، فإنّ اللّه لا يضيع عملهم.
كان هذا ما تحدّث اللّه به- سبحانه- من أمر الناس في هذه القصّة.
أمّا ما كان من أمر الرسول (ص)، فكان شأنه فيها ما أخبر اللّه عنه و قال:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... و إنّ الّذين أوتوا الكتاب علموا أن هذا التحول في القبلة هو الحقّ من ربّهم غير أنّه: وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ- كما زعموا- وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
قد يكون المقصود من هذا الخطاب أمّة الرسول (ص)، و خاطب نبيّه بذلك من باب: (إيّاك أعني و اسمعي يا جارة). كما له نظائر كثيرة في القرآن، و يدلّ على ذلك ما في الآية الّتي قبلها: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها.
إذا فالرسول (ص) هو الّذي كان يطلب تحويل القبلة، و ينتظر الإذن له.
و يظهر من فحوى الكلام أنّه كان في أمّته من ثقل عليه هذا الأمر، و هو المعنيّ بهذا الخطاب.
ثمّ تصرّح الآيات، أنّ أهل الكتاب: اليهود و النصارى يعرفون النبيّ و صفاته، و أنّه النبيّ الّذي يصلّي إلى قبلتين، و أنّ الأخيرة منهما الكعبة الّتي بناها إبراهيم، يعرفونه بهذا و بأكثر من هذا كما يعرفون أبناءهم، ثمّ يؤكّد اللّه- سبحانه- الأمر بالتوجّه إلى الكعبة، و يقول: وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ- في اتّباع قبلتهم- إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ- و هم المشركون بمكّة- فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِي.
كان ذلكم تفسير الآيات مع ملاحظة ما جاء في الروايات بيانا لشأن نزولها، أمّا ما قال علماء مدرسة الخلفاء، فإنّهم على عادتهم في تجزئة المجموعة الواحدة من الآيات القرآنية، ثمّ درسهم كلّ آية على حدة، قالوا و رووا عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة و عن عدد غير الصحابة كذلك (1)في تفسير آية:
وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ البقرة/ 115: إنّ الناس كانوا يصلّون نحو بيت المقدس، فنزلت آية: وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (البقرة/ 149) فنسخت تلك الآية.
في حين أنّ الآية الّتي زعموا أنّه كان فيها حكم القبلة إنّما جاءت تكملة لآيات سبقتها، و منها الآية الّتي قبلها: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعى فِي خَرابِها ... (البقرة/ 114)، وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (البقرة/ 115)، و هما بقية الآيات السابقة، و لا صلة بينه.
1) راجع تفسير القرطبي 2/ 83؛ و الدرّ المنثور 1/ 108، و عدّه السيوطي في الإتقان 1/ 23، من العشرين الّذي نسخ حكمه دون تلاوته.
المجموعة و بين القبلة، و إنّما الكلام حول منع المصلّين من الصلاة إلى بيت المقدس أو البيت الحرام، و أنّ الأرض كلّها للّه أين ما صلّوا فثمّ وجه اللّه.
إنّهم في ما قالوا: اقتطعوا من تلك المجموعة آية و من هذه المجموعة نصف هذه الآية، أو نصف تلك، و جعلوا منهما ناسخا و منسوخا، باجتهادهم الخاصّ، دون أن يكون لهم أي دليل على اجتهادهم! و لم ينحصر اجتهادهم في آيات القبلة بهذا، بل لهم فيها اجتهاد آخر و قول آخر في كشف الناسخ و المنسوخ بتلك الآيات.
و في الاجتهاد الثاني ضرر كبير في البحوث القرآنية و هو ما ذكره القرطبي و قال:
قوله- تعالى- قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ....
قال العلماء هذه الآية مقدمة في النزول على قوله- تعالى-: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ (1).
و عدّ الزركشي- أيضا- هذا المورد من الناسخ الّذي تقدّم على المنسوخ في القرآن (2).
أنتج هذا النوع من الدراسة المبنيّة على الاجتهادات الفرديّة، أن يقول القائل من أمثال المحدّث النوري: أنّ ترتيب نزول الآيات لم يراع في تدوين المصحف المتداول بين المسلمين!
كان في ما تتبّعنا من موارد الحكم المنسوخ في القرآن الكريم نظير ما ذكرناه، عدا موردا واحدا قد يقال: انّه يخالف ما قلناه و هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (المجادلة/ 12) فقد قال أكثر العلماء إنّها منسوخة بقوله تعالى: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. (المجادلة/ 13)
كان رسول اللّه (ص) يوزع كلامه و نظره بين حضّار مجلسه بالسوية، لا يميز في ذلك أحدا على غيره (1).
كان هذا في ما يملك أمره، و كان بعضهم يغتصب منه التناجي معه، يبتغي بذلك الامتياز على الآخرين (2).
و كان رسول اللّه (ص) حييّا كريما لا يردّ طلب أحد، ما لم يكن محرّما شرعا (3)، و كان اللّه- سبحانه- هو الّذي يؤدّب المسلمين في مثل هذه الحالات و يعلمهم كيف يعاشرون نبيّه (ص)، مثل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ... (الحجرات/ 2)، و قوله
تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ...
(الأحزاب/ 53).
و في مورد التناجي ثقل ذلك على رسول اللّه (ص) و صبر عليه كعادته في سائر الموارد المشابهة له فأنزل اللّه حكم دفع الصدقة لكلّ مناجاة إيّاه، فكفّ اولئك من عملهم و لم يعمل بهذا الحكم كما أجمعت عليه روايات الفريقين غير الإمام عليّ (ع)، كانت له حاجة فتصدّق و ناجى الرسول في حاجته أو حاجاته (1).
و انتهى أمد هذا الحكم بكف المناجين رسول اللّه (ص) في غير ما حاجة، فنسخ اللّه هذا الحكم إشفاقا على من له حاجة و لا يستطيع دفع الصدقة، و لم يكن من الطبيعي أن يعود إلى التناجي المعتادون عليه بلا حاجة إليه بعد أن لم يقدموا على دفع الصدقة للمناجاة في حينه. فنزلت الآيتان تحكي القصة عقيب ذلك كما يعلم ذلك من سياق القول في الآية الثانية: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا ... فإنّ هذا الكلام تفريع على الكلام في الآية السابقة و تتمة له و ليس مستقلّا بنفسه، كي يقال جاءت الآية السابقة بالحكم على حدة، و بعد عمل الإمام عليّ بها نزلت الآية الثانية بنسخ الآية السابقة و مستقلة عنها في التعبير.
هذا إذا اقتصرنا في دراسة المورد على الأعم الأغلب ممّا جاء في القرآن من أخبار النسخ، حيث وجدنا الآيات في تلك الموارد تنزل لتحكي خبر الناسخ و المنسوخ بعد نزول الحكم و نسخه بوحي غير قرآني. و إذا رجعنا إلى الأحاديث الّتي ذكرت شأن نزول الآيتين نجد في بعض ألفاظها ما يوهم أنّ الآية الاولى نزلت بحكم الصدقة لمن أراد أن يناجي الرسول (ص) ثم عمل بها الإمام عليّ (ع)، ثمّ نزلت الآية الثانية و نسختها. و نحن نرى أنّ تلك الأحاديث رويت بالمعنى5.
1) تفسير الآية بتفسير الطبري 28/ 14- 15؛ و السيوطي 6/ 185.
و لم يتقيّد الرواة بالألفاظ و قالوا: عمل الإمام عليّ (ع) بالآية (1)بدل أن يقولوا عمل بالحكم، و من ثمّ أوجدوا هذا التوهم. هذا ما نراه و لا ندخل في نقاش مع من أصرّ على رأيه.
أكثر العلماء من تعداد هذا الصنف من النسخ على حد زعمهم في شأن النسخ. قال الزركشي في بيان نوع من هذا الصنف:
(الرابع ما اجتمع فيه الناسخ و المنسوخ و هي إحدى و ثلاثون سورة) ثمّ عدّها و قال:
و من غريب هذا النوع آية أوّلها منسوخ و آخرها ناسخ ... و هي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة/ 105)، فهذا- أي لا يضركم- ناسخ لقوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (2). انتهى كلام الزركشي.
لست أدري هل يرى قائل هذا القول: أنّ النصف الأوّل من هذه الآية هبط به جبرائيل على النبيّ (ص) و بلّغه النبيّ (ص) للمسلمين و عمل به المسلمون، ثمّ هبط جبرائيل مرّة ثانية من قبل اللّه بالنصف الثاني، و بلّغه النبيّ (ص) للمسلمين ثمّ ألصق النبيّ (ص) نصفي الآية بعضها ببعض بأمر من اللّه و أصبحت آية واحدة! لست أدري ما ذا يقول؟! ثمّ لست أدري أين الناسخ و المنسوخ في هذه الآية! لست أدري؟!
يكفينا ما ذكرنا من الأمثلة من الثلاث و الستين سورة الّتي حسبوها في ما نسخ حكمه و بقي تلاوته (1)لمعرفة مدى تثبّتهم في ما كتبوا حول النسخ في القرآن.
و ينبغي أن نشير هنا إلى جواب تساؤل قد يرد بأنّه إذا كانت الأحكام المنسوخة المذكورة في القرآن، كان الحكم و نسخه قد جاء بوحي غير قرآني، فما حكمة ذكرهما في القرآن؟ و الجواب كالآتي:7.
1) راجع البرهان في علوم القرآن 2/ 37.
لقد مرّ بنا التشويش العظيم الّذي اصيب به المجتمع الإسلامي يومذاك بعد نسخ حكم القبلة بوحي غير قرآني بفعل اليهود و غيرهم، ثمّ تساؤل المسلمين عن حكم ما مضى من صلاتهم، و كان فيصل القول في الأمر ما فصله القرآن في هذا الصدد، و أدحض أباطيل المشكّكين و أجاب عن تساؤل المتسائلين، و أكّد بوحي قرآني الحكم الموحى بوحي غير قرآني، و انتهى بما أنزله اللّه كلّ بلبلة و تشويش.
إنّ في حكاية حكم الناسخ و المنسوخ في القرآن بعد تبليغ الرسول (ص) إيّاهما للمسلمين رفع الالتباس الّذي قد يحدث في الامّة بعد الرسول (ص) في بعض الحالات، فقد يقصّ بعض الصحابة- مثلا- لذريّته بعد رسول اللّه (ص) أنّهم ائتمّوا برسول اللّه (ص)، و صلّى بهم الفرائض مستقبلا بيت المقدس، و مع مرور الزمن يتوهّم الخلف جواز استقبال القبلتين في الصلاة، و يرتفع هذا الالتباس بما حكاه اللّه في قرآنه عن خبر تحويل القبلة.
هذه بعض حكم ذكر خبر الحكم المنسوخ في القرآن، و ثمّة حكم اخرى لا مجال لذكرها هنا.
لقد كرّرنا القول في هذا البحث بخطإ تجزئة المجموعة القرآنية الواحدة و تفسير بعض آياتها على حدة.
و هذا القول لا يطّرد في ما جاء في الحديث الصحيح عن رسول اللّه (ص) في بيان معنى آية جاءت ضمن ما نراها مجموعة قرآنيّة واحدة، فإنّ قولنا يخصّ اجتهادات فرديّة للمفسّرين في هذا المقام.
أمّا حديث الرسول (ص)، فإنّنا نؤمن به، و نصدّقه، و ليس لأحد من المسلمين أن يجتهد و يعمل برأيه في مقابل نصوص السنّة النبويّة.
كان هذا نزرا يسيرا ممّا ينبغي البحث عنه في باب منسوخ الحكم دون التلاوة.
و في ما يأتي نستعين اللّه و ندرس الصنفين الآخرين اللّذين ذكروهما في بحث النسخ.
أدرج العلماء روايات نقصان القرآن- معاذ اللّه- تحت صنفي منسوخ التلاوة، و هما حسب تصنيفهم:
أي النصّ القرآني الّذي نسخت تلاوته من القرآن، و بقي حكمه في الشرع الإسلامي (1).
أي النصّ القرآني الّذي نسخت تلاوته من القرآن و نسخ حكمه من الشرع الإسلامي (2).
إنّ ما ذكروه في بحث النسخ بكلا الصنفين يبتني على أساس ثبوت نصّ قرآني أوحى اللّه به إلى خاتم أنبيائه، ثمّ نسخ اللّه تلاوته و حكمه، و أنساه، أو نسخ تلاوته، و أبقى حكمه.
و قد قال العلماء في كيفيّة ثبوت النصّ القرآني ما يأتي:
قال الزركشي في علوم القرآن و السيوطي في الإتقان و اللفظ للأوّل:
(لا خلاف أنّ كلّ ما هو من القرآن، يجب أن يكون متواترا في أصله و أجزائه.
و أمّا في محلّه و وضعه و ترتيبه، فعند المحققين من علماء أهل السنّة كذلك، أي: يجب أن يكون متواترا، فإنّ العلم اليقينيّ حاصل أنّ العادة قاضية بأنّ مثل هذا الكتاب العزيز، الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و أنّه الهادي للخلق إلى الحقّ، المعجز الباقي على صفحات الدّهر، الّذي هو أصل الدّين القويم، و الصراط المستقيم، فمستحيل ألّا يكون متواترا في ذلك كلّه، إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر، و كيف لا، و قد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، و الحفظ إنّما يتحقّق بالتواتر، و قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
و البلاغ العام إنّما هو بالتواتر، فما لم يتواتر ممّا نقل آحادا، نقطع بأنّه ليس من القرآن) (1).ن.
1) البرهان في علوم القرآن 2/ 125، النوع التاسع و الثلاثون: معرفة وجوب تواتره؛ و الإتقان 1/ 79، في (تنبيهات الأوّل) من النوع الخامس و الثلاثون.
نقل الزركشي و السيوطي عن القاضي أبي بكر في الانتصار أنّه حكى عن قوم إنكار هذا القسم، لأنّ الأخبار فيه أخبار الآحاد، و لا يجوز القطع على إنزال القرآن و نسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها (1)
تذكرة الحفاظ، ص 1079؛ و هدية العارفين 2/ 59؛ و ترجمة الانتصار من كشف الظنون.
.و يعرف- أيضا- شأن نسخ التلاوة بالقياس على ما قاله أبو الوليد الباجي في نسخ الحكم الشرعي، حيث قال:
(النسخ: إزالة حكم ثابت بشرع متقدم، بشرع متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتا) (2).
و بالقياس على هذا القول، فإنّ نسخ التلاوة إزالة آي أو سور من القرآن بآي أو سور متأخّرة عنها على وجه لولاها لكانت تلك الآيات أو السور ثابتة في المصحف.
و نقل الزركشي عن ابن ظفر في كتاب الينبوع أنّ: (الخبر الواحد لا يثبت القرآن) (3).
1) البرهان في علوم القرآن 2/ 39- 40؛ و الإتقان للسيوطي 2/ 26، و رجعنا إلى الأوّل في النقل؛ و الانتصار لأبي بكر محمّد بن الطيب الباقلاني (ت: 403 ه). انتهت إليه رئاسة الأشاعرة ببغداد. ردّ على المعتزلة و الشيعة و الخوارج و الجهمية و غيرهم. من تآليفه: الانتصار و إعجاز القرآن.
2) كتاب الحدود في الاصول، ط. الاولى، سنة 1392، ص 49. تأليف الحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الأندلسي، الباجي (ت: 474 ه)، ترجمته في الوفيات و تذكرة الحفاظ، ص 1178- 1183 و طبقات المفسّرين للسيوطي.
3) البرهان في علوم القرآن 2/ 36.
و من المتأخرين، قال الدكتور صبحي الصالح ما موجزه:
أمّا الجرأة العجيبة، ففي ما زعموا أنّها نسخت تلاوة آيات معينة إمّا مع نسخ الحكم و إمّا من دونه.
و الناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركبا، فتقسيم المسائل إلى أضراب إنّما يصلح إذا كان لكلّ ضرب شواهد كثيرة أو كافية- على الأقلّ- ليتيسّر استنباط قاعدة منها.
و ما لعشاق النسخ إلّا شاهد أو اثنان من هذين الضربين، و جميع ما ذكروه منها أخبار آحاد و لا يجوز القطع على إنزال القرآن و نسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها.
و بهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتاب الينبوع إذ أنكر أنّ هذا ممّا نسخت تلاوته، و قال: لأنّ الخبر الواحد لا يثبت القرآن (1).
كان هذا أقوال بعض علماء مدرسة الخلفاء في روايات النسخ. و في ما يأتي رأي بعض علماء مدرسة أهل البيت (ع) في ذلك.6.
1) مباحث علوم القرآن، ص 265- 266.
إنّ القول بنسخ التلاوة- كما قلنا في حقيقته- قول بثبوت نصّ قرآني بروايات الآحاد، و نسخ النصّ القرآني- أيضا- بروايات الآحاد. و قد قال في ذلك الشيخ المفيد في أوائل المقالات:
(إنّ القرآن ينسخ بعضه بعضا و لا ينسخ شيئا منه السنّة، بل تنسخ السنّة به كما تنسخ السنّة بمثلها من السنّة. قال اللّه عزّ و جلّ: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. و ليس يصحّ أن يماثل كتاب اللّه تعالى غيره، و لا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه) (1).
يقصد أنّ حديث الرسول هو كلام الرسول (ص) الّذي خلقه اللّه، و لا يصحّ أن يقال إنّ كلام الرسول (ص) مثل كلام اللّه أو خير من كلام اللّه- معاذ اللّه- لينسخ به القرآن و هو كلام اللّه.
و قال صاحب المعالم:
(و لا تنسخ الكتاب و السنّة المتواترة بالآحاد عند أكثر العلماء، لأنّ خبر الواحد مظنون و هما معلومان، و لا يجوز ترك المعلوم بالمظنون) (2)
النجف، تحقيق البهبهاني، ص 369، (أصل في نسخ الكتاب و السنّة).
.و يقصد بغير الأكثر من العلماء: بعض العلماء من الأخباريين.
و قد أفصح القول في نسخ التلاوة متأخّرو علماء مدرسة أهل البيت، فقد جاء في تفسير البيان و اصول المظفر و اللفظ للأوّل:
(إنّ القول بنسخ التلاوة عين القول بالتحريف) (1).
و هذا هو معنى قول الإمام الباقر (ع): (أمّا كتاب اللّه فحرّفوا، و أمّا العترة فقتلوا).
أمّا الكتاب، فقد حرّفوه في كتبهم بأقوالهم بالنسخ.
و أمّا العترة فقد قتلوهم بكربلاء بأنواع السلاح، و لكن اللّه حفظ كتابه من التحريف كما حفظ خليله إبراهيم من التحريق.
اولئك حرّقوا إبراهيم، و لكنّ اللّه حفظه من لظى النار.
و هؤلاء حرّفوا القرآن، و لكنّ اللّه حفظه من عبث التحريف.
بعد عرض ما تقدم، ندرس- بحوله تعالى- روايات نقصان القرآن- معاذ اللّه- و الّتي سمّيت بروايات النسخ و الإنساء في ما يأتي:-.
1) البيان في تفسير القرآن لأستاذ الفقهاء السيّد الخوئي، ط. النجف، سنة 1390، ص 224 و 225؛ و اصول الفقه للشيخ المظفّر، ط. النجف 3/ 52، بحث نسخ الكتاب العزيز- حقيقة النسخ-.
إنّ روايات النسخ و الإنساء شيء واحد. و قد قسّموا النسخ في القرآن كما سبق ذكره إلى ثلاثة أصناف، درسنا منه منسوخ الحكم في ما سبق، و ندرس الصنفين الآخرين في ما يأتي:
وجدوا لهذا الصنف موردا واحدا على حسب قولهم، و هو ما روته امّ المؤمنين عائشة، قال الزركشي:
الثالث: نسخهما جميعا، فلا تجوز قراءتها و لا العمل بها، كآية التحريم [بعشر رضعات]، فنسخن [بخمس]، قالت عائشة: كان ممّا انزل [عشر رضعات معلومات]، فنسخن [بخمس معلومات]، فتوفّي رسول اللّه (ص) و هي ممّا يقرأ من القرآن. رواه مسلم (1).
و قال السيوطي: (ما نسخ تلاوته و حكمه معا، قالت عائشة: كان في ما أنزل، [عشر ...] رواه الشيخان) (2).
و بما أنّ هذا المورد منحصر عندهم بالرواية عن امّ المؤمنين عائشة، إذا نحن نسمّيه بفتوى امّ المؤمنين عائشة. و ندرس أوّلا ظروف هذه الرواية و ملابساتها و نقول:
كانت امّ المؤمنين عائشة على أثر إرجاع الخلفاء إليها في السنن منذ عهد الشيخين حتّى عصر معاوية- عدا عليّ بن أبي طالب- أكثر امّهات المؤمنين حاجة لملاقاة المستفتين.
و قد شاركت في حوادث سياسيّة عنيفة، ممّا لم نعهد لغيرها من امّهات المؤمنين أن شاركن في نظائرها.
و لعلّ هذا و ذاك كان الباعث لها أن تتأول و تفتي بأنّ الرجل الكبير إذا أرضعته امرأة خمس رضعات تنتشر الحرمة بينه و بين المرضع. و تعمل بفتواها و ترسل الرجل الّذي (أحبّت أن يراها و يدخل عليها) إلى أخواتها و بنات أخيها، فيرضعنه كذلك، و يدخل عليها بتلك الرضاعة.
و كان سالم بن عبد اللّه بن عمر من اولئك، فقد بعثته إلى اختها امّ كلثوم فأرضعته، و قالت في جواب إنكار أزواج الرسول عليها: إنّ الرسول أمر سهلة زوجة أبي حذيفة أن ترضع مولاهم سالما الّذي كان متبناهم قبل ذلك أن ترضعه خمس رضعات، و يدخل عليها بذلك، و أبت أزواج الرسول أن يدخل عليهنّ أحد حتّى يرضع في المهد (1)
و في 3/ 87 منه بترجمة سالم مولى أبي حذيفة إباء سائر أزواج الرسول من ذلك.
.و في سنن أبي داود و فتح الباري في شرح صحيح البخاري و اللفظ للأوّل:
(كانت عائشة (رض) تأمر بنات أخواتها و بنات إخوتها أن يرضعن من أحبّت عائشة أن تراه، و يدخل عليها، و ان كان كبيرا، خمس رضعات، ثمّ يدخل عليها بتلك، و أبت امّ سلمة و سائر أزواج النبيّ (ص) أن يدخل عليهن بتلك
1) طبقات ابن سعد 8/ 271، بترجمة سهلة، و فيه خبر إفتاء عائشة بذلك و إرضاع امّ كلثوم سالما. و في ص 462 منه بترجمة امّ كلثوم ابنة أبي بكر، إرسال امّ المؤمنين سالما إليها و إرضاعها إيّاه.
الرضاعة أحد من الناس حتّى يرضع في المهد، و قلن لعائشة و اللّه ما ندري لعلّها كانت رخصة من النبيّ (ص) لسالم دون الناس).
و في لفظ النّسائي:
(أبى سائر أزواج النبيّ (ص) أن يدخل عليهنّ بتلك الرضعة أحد من الناس، يريد رضاعة الكبير ... و قلن: و اللّه لا يدخل علينا أحد بهذه الرضعة و لا يرانا) (1)
الرضاع، الحديث: 627؛ و روى- أيضا- مسلم: إباء أزواج الرسول (ص) من ذلك في صحيحه، باب: رضاعة الكبير، الحديث: 30 و 31، ص 1077 و 1078 منه.
.هكذا كانت القالة حول رضاع الكبير من امّهات المؤمنين واسعة. و كان خير علاج لها الرواية الآتية الّتي رواها إمام الحنابلة أحمد في مسنده (2)و ابن ماجة (3)في سننه:
عن امّ المؤمنين عائشة قالت:
(لقد انزلت آية الرجم و رضاعة الكبير عشرا)، و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) و تشاغلنا، دخل علينا داجن فأكله.
و روت، أيضا:
كان في ما انزل من القرآن [عشر رضعات معلومات يحرمن] ثمّ نسخن5.
1) سنن أبي داود، كتاب النّكاح 2/ 223، باب: في من حرم به، أي حرم برضاع الكبير، الحديث: 2061؛ و فتح الباري 11/ 53، باب: لا رضاع بعد الحولين، و قال ابن حجر في شأن الحديث: (إسناده صحيح)؛ و سنن النّسائي 2/ 84، باب: رضاع الكبير؛ و موطأ مالك، باب:
2) مسند أحمد 6/ 269.
3) سنن ابن ماجة، كتاب النّكاح، باب رضاع الكبير، الحديث 1944، ص 625.
ب [خمس معلومات]، فتوفي رسول اللّه و هنّ في ما يقرأ من القرآن (1).
و الحديثان يكمل أحدهما الآخر على هذا النحو:
لقد نزلت رضاعة الكبير عشرا و آية الرجم الّتي أخبر عنها الخليفة على المنبر معا و أكلهما الداجن.
و نسخت رضاعة الكبير عشرا بخمس معلومات.
و من ثمّ كانت تفتي امّ المؤمنين بخمس رضعات للكبير يحرمن، و تعمل بفتواها.
و من ثمّ قالوا: إنّها الآية الوحيدة الّتي نسخت تلاوتها و حكمها! انحصرت هذه الروايات كلّها بأمّ المؤمنين عائشة، و هي جميعا مخالفة لفطرة الإنسان، فلم يسمع قبل فتوى امّ المؤمنين عن إنسان رضع في الكبر. و لا تبديل لخلق اللّه.
و مخالفة- أيضا- لقوله تعالى: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فإنّها تدلّ على أنّ إتمام الرضاعة في الحولين: سنتي الرضاعة.
و مخالفة لسنّة الرسول الجامعة لقوله (ص): (الرضاعة من المجاعة)، و قوله: (لا رضاع إلّا ما فتق من الأمعاء)، و قوله: (لا رضاع إلّا ما شدّ العظم، و أنبت اللّحم و أنشز العظم).
و انتبه البعض إلى هذا التناقض فرده قسم كالاستاذ السائس بقوله على حديث عائشة:
حديث لا يصحّ الاستدلال به لاتفاق الجميع على انّه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول (ص) و هذا هو الخطأ الصراح (2).7.
و حاول علاجه آخرون بأوهى من بيت العنكبوت و لا يستحق الإطالة بإيراده، و إنّما نحن بصدد مناقشة قولهم بصنفين من النسخ في القرآن استنادا إلى هذه الأحاديث.
كانت تلكم ظروف رواية امّ المؤمنين عائشة و ملابساتها، و سوف نناقش رواياتها ضمن مناقشتنا سائر روايات النسخ الآتية إن شاء اللّه تعالى.
أوردنا في ما سبق حديث الصحابي أبي موسى أنّه انسي سورتين كبيرتين، و نقل الطبري و ابن كثير و السيوطي إضافة إليه روايات نظيره في تفسير آية: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...، أربع منها رووها من الصحابة يعضد بعضها بعضا.
إحداها- عن أبي إمامة، قال فيها ما موجزه:
(قام رجل من جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة، فلم يقدر على شيء منها إلّا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، و وقع ذلك لناس من أصحابه، فأصبحوا، فسألوا رسول اللّه (ص)، فقال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم و من كلّ شيء) (1)
و في رواية ثانية بعدها: و أخرج أبو داود في ناسخه و البيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي إمامة، الحديث.
و أبو إمامة، أسعد، و قيل سعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، معدود في الصحابة و له رؤية و لم
.1) في الدرّ المنثور 1/ 105، قال أخرج أبو داود في ناسخه، و ابن المنذر و ابن الأنباري في المصاحف و أبو ذر الهروي في فضائله، عن أبي إمامة.
و الثانية عن ابن عمر، قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول اللّه (ص)، و كانا يقرءان بها، فقاما يقرءان ذات ليلة يصلّيان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول اللّه (ص)، فقال: إنّها ممّا نسخ أو نسي فالهوا عنه.
و الروايتان الاخريان نظيرهما (1).
لست أدري هل تعدّ مدرسة الخلفاء السورة أو السور المنسيّة المذكورة في هذه الروايات ضمن السور الأربع الّتي أوردناها سابقا أي: سورتي الحفد و الخلع، و سورتي أبي موسى المنسيتين، أم أنّها تضيف المنسيات في هذه الروايات إلى تلك الأربع، و يزداد بذلك عندهم عدد المنسيات!؟
و في الدرّ المنثور- أيضا- عن ابن عباس قال: كان ممّا ينزل على النبيّ (ص) الوحي باللّيل و ينساه بالنهار، فأنزل اللّه ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (2)
و ابن عدي، الحافظ الكبير أبو أحمد عبد اللّه بن عدي بن عبد اللّه الجرجاني، و يعرف- أيضا- بابن القطان. من تصانيفه: كتاب الانتصار على مختصر المزني في الفروع. (ت: 365 ه).
تذكرة الحفاظ ص 940؛ و هدية العارفين 1/ 447.
.و بناء على هذه الروايات رووا الرواية التالية:7.
قال السيوطي: أخرج البخاري و النّسائي و ابن الأنباري في المصاحف و الحاكم و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال عمر: أقرانا ابيّ، و أقضانا عليّ.
و إنّا لندع شيئا من قراءة ابيّ و ذلك أنّ أبيّا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول اللّه (ص) و قد قال اللّه: (ما ننسخ من آية أو ننسئها) (1).
و في لفظ رواية بمسند أحمد: و ابيّ يقول أخذت من فم رسول اللّه (ص).
و مدلول هذه الرواية أنّ ابيّا يعتمد كلّ ما سمع من القرآن من فم رسول اللّه (ص)، و قد يكون ما سمعه ابيّ من القرآن من فم رسول اللّه (ص)، ممّا نسخ و أنسي رسول اللّه (ص)، و بقي علمه عند ابيّ.
إذا لا اعتبار بما سمعه ابيّ أقرأ الصحابة من فم رسول اللّه (ص)!! (2).
و من رواية النسيان أو الإنساء ما رواها البخاري و مسلم و غيرهما و اللفظ للأوّل عن امّ المؤمنين عائشة أنّها قالت:
سمع النبيّ رجلا يقرأ آية، فقال: (رحمه اللّه لقد أذكرني آية كنت نسيتها).
و في رواية ثانية (سمع رجلا يقرأ من اللّيل فقال: (رحمه اللّه لقد أذكرني كذا و كذا آية أسقطتها من سورة كذا و كذا)).
و في لفظ البخاري (... يقرأ في المسجد فقال: (رحمه اللّه لقد أذكرني كذا و كذا آية أسقطتها من سورة كذا و كذا)) (3).2.
1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله (ما ننسخ من آية أو ننسئها)، 3/ 67، بتفسير الآية، و في أوّل تفسير ابيّ من مسند أحمد 5/ 13، ثلاث روايات عن ابي مع اختلاف يسير في ألفاظ الروايات؛ و في الدرّ المنثور 1/ 104.
2) قم يا ناعي الإسلام فانعه، إن صحت هذه الرواية أنّ الخليفة قال: لا نأخذ من الصحابي الأقرأ الّذي أخذ القرآن من فم رسول اللّه (ص).
3) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، الحديث: 224 و 225؛ و صحيح البخاري،كتاب الشهادات، باب شهادة الأعمى 2/ 96؛ و مسند أحمد 6/ 62.
كانت تلكم خلاصة روايات النسخ و الإنساء، و قد ردّها بعض علماء مدرسة الخلفاء كما مرّ في البحث الرابع عشر. أمّا مناقشتنا لها فكالآتي:
أوردنا في البحث الرابع أمثلة من روايات مدرسة الخلفاء في زيادة القرآن و نقصانه- معاذ اللّه- و الّتي توصف بروايات نسخ التلاوة، و مهّدنا لمناقشتها البحوث الماضية. و آن أن ندرسها في ما يأتي بحوله تعالى، و نقول:
أوّلا- يرد على تلكم الروايات أنّ جلّها تنسب النسيان أو الإنساء إلى رسول اللّه (ص) وحده أو مع أصحابه، و ذلك ينافي عصمته في التبليغ، و قد أرسله اللّه بالقرآن ليبلّغ به البشر كافّة، فكيف لم يعصمه اللّه من النسيان كما تزعم الروايات؟
و كيف أسقط آيات من سور القرآن كما تصرّح به الرواية الموسومة بالصحّة؟
و كيف لم يتداركه الوحي، و لم يذكّره جبرائيل الّذي كان يعارضه القرآن في كلّ سنة، و بقي ناسيا للآيات حتّى ذكّرته قراءة صحابي إيّاها في مسجده؟
ثانيا- إنّ إنساء الرسول و نسيانه يناقض نصّ القرآن الكريم في محكم بيانه. فكيف تصحّ كلّ تلكم الأحاديث و قد قال اللّه سبحانه و تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى* إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ. (الأعلى/ 6، 7) إنّ هذه السورة مكّية و كلّ أحاديث النسيان و الإنساء تتحدّث عن زمان كان الرسول (ص) فيها بالمدينة. فهي جميعا تعارض نصّ القرآن الكريم و تطرح، و لا يقال: إنّ الآية استثنت و قالت: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، و إنّ موارد إنساء الرسول (ص) من مصاديق مشيئة اللّه لإنسائه، فإنّ آيات اخرى نظيرها تفسّر معنى
مشيئة اللّه فيها، مثل قوله تعالى:
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً .... (الفرقان/ 45) و قوله تعالى:
وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. (الحجّ/ 65) بلى لو شاء اللّه لجعل الظّلّ ساكنا، و انتقض نظام إضاءة الشمس و تدفئته للكون، و انعدمت حياة الأحياء على هذا الكوكب، و لكنّ اللّه لم يشأ ذلك لصلاح عباده بمقتضى ربوبيته.
و كذلك أمسك السماء أن تقع على الأرض و تدمر ما فيها و من فيها رحمة منه لهم بمقتضى ربوبيته، إلى أجل مسمّى.
و كذلك لم ينس الرسول (ص) شيئا من القرآن بمقتضى ربوبيته، لئلّا يخلّ ذلك بعصمته في التبليغ، و ينتقض كون الرسول و الكتاب حجّة على الخلق أبد الدهر.
و من ثمّ نعلم أنّ الاستثناء بالمشيئة في هذه الموارد بمعنى أنّ الأمر المذكور في كلّ مورد ليس خروجا عن إرادة اللّه و قدرته و مشيئته، و إنّما هو بمقتضى مشيئته و إرادته و قدرته و حكمته، جلّت قدرته و عظمت حكمته الّتي شاء بموجبها ما شاء و أراد.
ثالثا- يرد عليها تناقض بعضها مع بعض و مع حكمة التشريع الإلهي، كالآتي بيانه:
1- إذا كان اللّه قد أنسى السورتين الصحابي أبا موسى و أنسى الآيات من الأحزاب و التوبة بعض الصحابة، فلما ذا الخلف في ما أنساهم اللّه إيّاها ليتذكروا بعض ما أنساهم اللّه إيّاها دون بعض؟
2- إذا كان الإنساء من اللّه، فكيف لم ينس أبا موسى و ابيّا و غيرهما من الصحابة و أنسى نبيّه (ص) في بعضها دونهم، فتذكروا من السور و الآيات ما تحدّثت عنها الروايات السابقة.
رابعا- ما حكمة نسخ بعض ما ذكروا من أحكام الإسلام؟! ما حكمة تبديل حكم عشر رضعات بخمس رضعات؟
هل كان حكم عشر رضعات محدودا بزمان و ظرف خاصّ و انتهى أمد الحكم بانتهاء ذلك الظرف و الزمان كما شاهدنا ذلك في سائر الأحكام المنسوخة في الإسلام، فنسخت العشر بالخمس؟
و ما حكمة تشريع خمس رضعات للكبير؟
و هل من فطرة الإنسان أن يرضع الإنسان الكبير، ليترتب عليه حكم إسلامي؟
و ما حكمة نسخ تلكم الأحكام من الإسلام و تلكم الآيات؟ و الإسلام نظام قدّره لحياة الإنسان من قدّر نظام سير الكهيربات للذّرّة و تناسق الذرّات في الأجسام و نظام سير الكواكب و النجوم في المجموعات الشمسيّة و المجموعات الشمسيّة في المجرّات و المجرّات في الفضاء اللامتناهي، كلّ نظام متناسب مع فطرة ما خلق اللّه عليها، و نظام الإسلام للإنسان متناسب مع: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الرّوم/ 30).
خامسا- لما ذا كان اللّه يوحي إلى نبيّه (ص) ليلا و ينسيه صباحا؟ أ كان ذلك وحيا، أم لعبة من لعب الهواة!؟
كان ما ذكرناه أمثلة ممّا يرد على تلك الروايات و ما يشاكلها و ليس علاج المعضلة و حلّ المشكلة في ما وصفوه بنسخ التلاوة، فإنّه يأتي بتسلسل من المتناقضات. و الحلّ في نظرنا في ما يأتي بيانه بحوله تعالى:
إنّ تلكم الروايات تنقسم إلى ثلاثة أصناف:
أ- ما روي فيها تأويل القرآن عن رسول اللّه (ص) و تفسيره و لم يفسّر العلماء الحديث على الوجه الصحيح، و زعموا أنّ الرسول (ص) تلا نصّ القرآن، و ليس قوله تفسيرا للقرآن.
ب- ما روي فيها سنّة الرسول (ص)، و في لفظ بعض رواياته إيهام بأنّ ما في الرواية لفظ القرآن، و ليس بسنّة الرسول (ص).
ج- روايات لا يصحّ محتواها بوجه من الوجوه، و يجب طرحها جملة و تفصيلا، لأنّها تخالف محكم الكتاب و سنّة الرسول (ص) الجامعة.
و في ما يأتي أمثلة من الأصناف المذكورة:
أوّلا- ما روي فيها تأويل القرآن عن رسول اللّه (ص) و حسب العلماء أنّ الرسول (ص) كان قد تلا في حديثه نصّ القرآن، مثل ما روي عن امّي المؤمنين عائشة و حفصة أنّهما أمرتا بكتابة (صلاة العصر) بعد وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى في مصحفيهما، فإنّهما كانتا سمعتا من رسول اللّه (ص) (صلاة العصر) تفسيرا للصلاة الوسطى، و أمرتا بكتابتها في مصحفيهما على أنّه تفسير للصلاة الوسطى.
و إنّما التوهّم ممّن ظنّ أنّهما أمرتا بكتابته على أنّه قرآن يتلى، راويا كان المتوهم أم عالما، حسبه من قسم منسوخ التلاوة.
ثانيا- ما روي فيها سنّة الرسول (ص)، غير أنّ في لفظ بعض تلك
الروايات ما يوهم بأنّ المروي كان من سور القرآن أو من آيات القرآن، و في بعض الروايات تصريح بذلك كالأمثلة الآتية:
أ- ما روي في شأن ما سمّيتا بسورتي الحفد و الخلع. في دراسة هذه الروايات إذا جمعناها و قارنّا بعضها ببعض وجدنا أمرهما في الروايات كالآتي:
في بعض الروايات لم يبدأ فيهما بالبسملة كما يبدأ بها في السور القرآنية.
في بعض الروايات أنّ الإمام عليّا علّم الراوي إيّاهما كدعاء يقرأه في القنوت. و في هذه الروايات لم تسميا باسم السورة.
في بعض الروايات سميتا باسم السورة.
و إلى جانب هذه الروايات روايات اخرى توهم بأنّهما كانتا من سور القرآن كالآتي:
في بعض الروايات بدئتا بالبسملة كما يبدأ بالسور القرآنية و فيها إيهام بأنّهما سورتان.
في لفظ بعض الروايات و زاد (أقرأني النبيّ)، و في لفظ (أقرأ) إيهام بأنّهما سورتان أقرأهما النبيّ (ص) الصحابي كما كان يقرئهم السور القرآنية.
و كذلك الشأن بالنسبة إلى جمل اخرى جاء في لفظ روايتها: أنّ الصحابي قال: أقرأني رسول اللّه (ص) كذا.
و لعلّ ذكر أمثال هذه الألفاظ في الروايات كان من تسامح الرواة في التعبير، و نقل الحديث بالمعنى مع عدم تنبّه و عدم وعي لأثر التسامح في التعبير.
و يصحّ أن نفترض هكذا إذا أحسنّا الظنّ بالرواة.
و قد ذكرنا في ما سبق انّ الزنادقة دسّوا في كتب المحدّثين أكاذيب عداء للإسلام.
و من دراسة الروايات دراسة مقارنة يثبت لنا أنّ الخطأ في شأنهما من العلماء الّذين سمّوهما و أمثالهما بمنسوخ التلاوة من القرآن، أي أنّهم زعموا أنّهما و أمثالهما كانت من النصوص القرآنية الثابتة و قد نسخت تلاوتها.
في مثل هذه الحالات نأخذ بلفظ الرواية الّتي ليس فيها لفظ (أقرأني)- مثلا- أو ما لم يبدأ فيها الدعاء بالبسملة، و نرى أنّ الخطأ في عدم دراسة تلك الروايات دراسة مقارنة لتنجلي الحقيقة، ثمّ في تسميتها باسم قرآن قد نسخت تلاوته.
و في شأن ما سميتا بسورتي الحفد و الخلع أخطأ السيوطي خطأ فاحشا حين سجّلهما في تفسيره مشابها لتسجيله السور القرآنية.
و إنّما الصحيح في أمرهما و أمر أمثالهما أن تسجل في عداد سنّة الرسول (ص) بعد التأكّد من صحّة أسانيدها، و ليس في عداد السور القرآنية و آياتها مع وصفهم بأنّها منسوخ التلاوة.
و إذا لم تصحّ أسانيدها، لنا أن نطرحها و لا نسجّلها في عداد السور القرآنية، و لا في عداد روايات سنّة الرسول (ص).
ب- ما روي في شأن رجم الشيخ و الشيخة، إذا قارنّا بين ألفاظ رواياتها وجدنا في لفظ بعضها نصّا على أنّه كان قرآنا يتلى، و اعتمادا على لفظ أمثال هذه الرواية حسبوا الجملة قرآنا كان يتلى، و لمّا كانت غير مكتوبة في المصحف قالوا:
انّ الجملة كانت قرآنا نسخت تلاوتها و بقي حكمها.
و إلى جانب هذه الروايات وجدنا روايات اخرى ليس في لفظها ما يوهم أنّه كان قرآنا يتلى.
و في أمثال هذه الموارد نأخذ بالرواية الّتي ليس فيها ما يوهم أنّ الجملة كانت قرآنا يتلى و نسجّلها في عداد سنّة الرسول (ص) إن صحّت أسانيدها.
و كذلك الشأن في روايات سورتي أبي موسى الأشعري و روايات كثيرة غيرها من مثيلاتها.
و لا يفوتنا أن نقول: إنّنا حين نطلب تسجيل أمثال تلك الروايات بعد دراستها دراسة مقارنة في عداد سنّة الرسول (ص)، نرى أنّ في بعض ألفاظها ما هو دون بلاغة كلام الرسول (ص).
و على هذا فينبغي اعتبار تلك الروايات في عداد سنّة الرسول (ص) في محتواها دون ألفاظها، أي أنّها رويت بالمعنى دون التقيد بروايتها بلفظ الرسول (ص).
ثالثا- روايات تخالف محكم القرآن و سنّة الرسول (ص) الجامعة و كالموارد الآتية:
أ- ما روي عن ابن مسعود إسقاطه المعوّذتين من مصحفه بزعم أنّهما ليستا من القرآن. و مغزى هذا القول و العمل أنّ المصحف المتداول بين المسلمين منذ العصر الإسلامي الأوّل إلى اليوم فيه سورتان زائدتان و ليستا من القرآن (1)- معاذ اللّه-.
و قد سبق أن قلنا في مثل هذه الموارد إنّ ذلك ممّا افتري به على اللّه و كتابه و رسوله و أصحابه. و الصحيح هو المكتوب في المصاحف الّتي تداولها المسلمون منذ دوّنت المصاحف و دوّنت السور حتّى اليوم.
إذا فقد كان ذلك ممّا افتراه أمثال الزنادقة في مقابل نصّ الكتاب و رواية ما لا يحصى من أبناء الامّة كما درسنا ذلك في ما سبق.
ب- ما روي عن امّ المؤمنين عائشة أنّها قالت: كان في ما انزل من القرآنب.
1) راجع بحث (روايات الزيادة و النقيصة في القرآن)، ص 104 و 110 من هذا الكتاب.
[عشر رضعات يحرمن] فنسخن ب [خمس معلومات]، فتوفّي رسول اللّه (ص)، و هنّ ممّا يقرأ من القرآن. و في حديث آخر لها [و رضاع الكبير عشرا] (1).
و فسّرت الآية المزعومة بما روته هي من رضاع سالم مولى أبي حذيفة (2)و إرسالها سالم بن عبد اللّه إلى اختها ام كلثوم لترضعه امّ كلثوم خمس رضعات، فيحرم بتلك الرضعات الخمس، و من ثم أوردها ابن ماجة في باب: (رضاع الكبير). و كذلك مسلم و أبو داود و النّسائي جميعهم أوردوا روايتها في باب:
رضاع الكبير.
و لعلها قصدت ان هذه الجملة كانت مكتوبة كبيان من الرسول (ص) في حكم الرضاع نظير أمرها بكتابة (و صلاة العصر) بعد وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى من مصحفها تفسيرا للصلاة الوسطى.
ج- ما روي عن ابن عباس أنّه قال: كان ممّا ينزل على النبيّ الوحي باللّيل و ينساه بالنهار! (3)لست أدري، هل كان وحي اللّه لنبيّه من قبيل: كلام اللّيل يمحوه النهار؟
د- ما روي عن الخليفة عمر أنّه قال: إنّ أقرأنا ابيّ، و إنّا لندع شيئا من قراءة أبي و ذلك أنّ ابيّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول اللّه (ص).
و في رواية يقول: أخذت من فم رسول اللّه (ص)- و قد قال اللّه: (ما ننسخ من آية أو ننساها ...) (3).
و إذا لم يعتمد على الأقرأ الّذي سمع القرآن من فم رسول اللّه، فعلى منب.
يعتمد؟! مرّ بنا ان هذه الروايات ممّا افتري بها على اللّه و كتابه و رسوله و أصحابه.
هذه أربع روايات أتيت بها مثلا للروايات الّتي لا علاج لها، و يطول بنا المقام لو أردنا مناقشتها جميعا، و لذلك نقتصر على مناقشة واحدة منها وجدناها أقواها سندا و أكبرها أثرا.
و مناقشتنا إيّاها هنا خلاصة لدراستنا السابقة لها، و أخذ العبرة و النتيجة منها كالآتي:
استفاد عشاق النسخ في القرآن من روايتها:
[عشر رضعات معلومات] فنسخن ب [خمس معلومات]، فصنفوا النسخ إلى ثلاثة أصناف: منها ما نسخ حكمه و تلاوته و له مورد واحد و هو قولها:
[عشر رضعات معلومات] فقد نسخت حسب روايتها: ب [خمس معلومات]، و نسخت تلاوتها- أيضا- لأنّها غير موجودة في المصحف.
و أمّا [خمس معلومات] فقد بقي حكمها حسب فتواها و عملها، و لمّا كانت- أيضا- غير مكتوبة في المصحف ذكروها في عداد ما نسخ تلاوتها دون حكمها. و وجدنا في رواية ابن ماجة و أحمد بن حنبل عنها، أنّها قالت:
(لقد نزلت آية الرجم و رضاع الكبير عشرا، و لقد كانت تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) و تشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها) (1).
1) سنن ابن ماجة، كتاب النّكاح، باب رضاع الكبير، الحديث رقم 1944؛ و مسند أحمد 6/ 269.
إنّ العلماء استفادوا من نصف هذه الرواية، و هو قولها [عشر رضعات] و اعتبروه صنفا من أصناف النسخ، و هو نسخ التلاوة و الحكم، و لم يجدوا له نظيرا. و استفادوا من النصف الآخر مثالا من أمثلة نسخ التلاوة دون الحكم.
و من آثار هذا الحديث ما حصل عند فقهاء مدرسة الخلفاء من الاختلاف في رضاع الكبير، و أنّه هل يحرم أم لا؟ و إذا كان يحرم، كيف يرضع الكبير؟ هل يلتقم الثدي أم يشرب اللبن من الإناء (1)؟
إنّ حديث رضاع الكبير بمجموعه يخالف كتاب اللّه و سنّة رسوله و فطرة الإنسان.
أمّا كتاب اللّه، فلقوله- تعالى-: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، و عليه فإنّ الرضاع لا يكون إلّا في الحولين.
و أما سنّة الرسول، فلقوله (ص): (إنّما الرضاعة من المجاعة) و فسّره (ص) في حديث آخر و قال: (و لا يحرّم الرضاع إلّا ما فتق في الأمعاء في الثدي و كان قبل الفطام)، و قال في حديث آخر: (لا رضاع إلّا ما شدّ العظم و أنبت اللحم و أنشز العظم).
و أمّا الفطرة، فقد ذكرنا أمرها سابقا.
و في خصوص الآية الّتي أكلها الداجن لست أدري كيف انحصر علمها بأمّ المؤمنين عائشة، و لم يأت ذكرها على لسان أي إنسان آخر من أزواج الرسول (ص) و أصحابه و أهل بيته، مع قولها: (فتوفي رسول اللّه و هنّ ممّا يقرأ من القرآن)؟
1) راجع فتح الباري بشرح صحيح البخاري 11/ 49- 53 و ص 33- 36 منه، باب الأكفّاء في الدّين من كتاب النّكاح.
و كيف ذهبت الآية بأكل داجن لها مع قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ!؟
و الصواب في القول ما ذكرناه من أنّها قصدت أنّ الجملة كانت مكتوبة مع آية الرضاع في قوله تعالى: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ... كبيان رسول اللّه (ص) ممّا أنزل اللّه عليه بوحي غير قرآني.
إن تلك الروايات الّتي كان فيها تهوين بأمر التشريع الإسلامي و استهانة بالوحي و القرآن و الرسول و أمر الربّ تنقسم إلى قسمين:
منها ما هي مخالفة لكتاب اللّه المجيد و سنّة الرسول (ص) الجامعة و علّتها في متونها و محتواها فهي ترفض و تطرح.
و منها ما في ألفاظها تشويش للأذهان و إبهام بما ذكرنا أعلاه.
و هذه إن صحّت أسانيدها يؤخذ بمحتواها، و يدرج منها ما ليس في ألفاظها اضطراب و تشويش في عداد سنّة الرسول (ص)، و لا يقال لتبرير أيّ منها انّ اللّه سبحانه كان قد أنزل قرآنا، ثمّ نسخه بعد أن تلاه المسلمون و عملوا به و أنساهم إيّاه.
و إنّ أمثال تلكم الروايات هي الّتي شوّشت على بعض الأخباريين من محدّثي الشيعة، مثل الشيخ النوري، و استدلّ بها و كتب: (فصل الخطاب). و جوابه ما ذكرناه، فإن لم يقبل العلماء ما قلناه و أصرّوا على القول بنسخ التلاوة، فليسمّوا إذا كتاب المحدث النوري: (فصل الخطاب في بيان منسوخ التلاوة من كتاب ربّ الأرباب) و لا مشاحة في التسمية و الاصطلاح.
و لست اريد بقولي هذا أن اصوّب عمل صاحب (فصل الخطاب) و لا قوله،
و لكنّي أقول: قد أخطأ من قبله من قال: إنّ اللّه كان أنزل قرآنا على نبيّه (ص)، ثمّ نسخ تلاوته و حكمه أو تلاوته دون حكمه، ثمّ أصرّ على قوله.
و أخطأ بعدهم من استدلّ على مدّعاه بتلكم الاجتهادات و تلكم الروايات.
و أخطأ المحدّث النوري حين جمعها في كتاب، و لم يبيّن وجه الصواب فيها، و أخطأ ثانيا حين سمّاها (تحريف كتاب ربّ الأرباب)- معاذ اللّه-، و فيصل القول ما قلناه، و الحمد للّه.
في مقدّمة هذا البحث القرآني ينبغي التنبيه على الأمور الآتية:
1- إنّ هذا القرآن بحسب مقتضى الحال يستعمل من فنون البلاغة ما يقتضيه المقام، و عليه قد يتحدّث عن المفرد بلفظ الجمع، و يخاطب المفرد و هو الرسول (ص) و يريد أمّته، و يخبر عن المستقبل بلفظ الماضي، و يكلّم الحاضر بلفظ الغائب، و قد يعكس الأمر في ما ذكرناه.
2- يخبر عن القصّة الواحدة في موارد متعدّدة، يفصل في كلّ مورد ما يناسب أخذ العبرة من القصة لما يناسب المقام، و يوجز الباقي، و قد يقتطع من القصة ما لا جدوى لذكره في المقام و يأتي بالباقي المناسب ذكره للمقام.
و قد يأتي بتمام القصة موجزة، ثمّ يبدأ بتفصيل ذكر القصة من حيث يناسب المقام.
و في مثل هذا المورد يأتي أحيانا ذكر المتأخّر موجزا قبل ذكر المتقدّم الذي ذكره مفصلا بعده.
و قد يكرّر من الخبر أو الحكم مفصّلا ما ينبغي التأكيد عليه، و يوجز ذكر باقي الخبر قبله أو بعده أو قبله و بعده.
3- في السورة الكبيرة:
أ- قد ترد مجموعة واحدة من الآيات تبيّن بمجموعها حكما إسلاميا واحدا، أو تكشف عن حقيقة واحدة من حقائق الغيب أو الشهادة مع إيراد الكلام بما يناسب المقام بالكيفيات الّتي ذكرناها.
ب- و قد ترد آية واحدة تبين بمفردها حكما اسلاميا، أو تكشف عن حقيقة من حقائق الغيب أو الشهادة.
و بناء على ما ذكرناه ينبغي لدارسي القرآن الكريم أن يدرسوا الثانية على حدة و منفصلة عما قبلها و ما بعدها من الآيات، و يدرسوا الآيات الّتي في الاولى مجتمعة و لا يجزّئوا بعضها عن بعضها الآخر.
و ينبغي في كلّ دراسة قرآنية أن يؤخذ بنظر الاعتبار كلّ ما ذكرناه عن الاسلوب القرآني، و كلّ ما ذكروه في علوم القرآن من خصائص القرآن في فن التعبير و المحاورة.
بعد التنبيه على ما ذكرنا نأتي إلى درس بحث النسخ في القرآن، و نقول:
صنّفوا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أصناف:
أ و ب- ما نسخ تلاوته و حكمه، و ما نسخ تلاوته و بقي حكمه، أي: أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل على نبيّه (ص) آيات و سورا، ثمّ نسخها، منها ما نسخها مع حكمها و منها ما نسخ نصوص الآيات و السور و أبقى أحكامها.
و بهذا القول عالجوا رواياتهم الّتي ذكرت نقصان سور و آيات من القرآن المتداول بين المسلمين و قالوا: تلكم السور و الآيات منسوخة التلاوة.
ج- آيات موجودة في القرآن قالوا عنها إنّها منسوخة، أي: انّ اللّه نسخ أحكامها إما بآيات قرآنية اخرى، أو بسنّة الرسول (ص).
و نقول في الجواب:
استدلّوا على قولهم بوجود آيات منسوخة في القرآن:
أوّلا- بآيتي: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها و وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ.
ثانيا- بآيات كثيرة في القرآن الكريم اعتبروها آيات منسوخة، أي أنّ
تلكم الآيات جاءت أوّلا بحكم اسلامي و عمل بها المسلمون، ثمّ نسخ اللّه تلك الآيات أي أحكامها بآيات اخرى. و قال آحاد منهم: إنّها نسخت بسنّة الرسول (ص) أي حديث الرسول (ص).
و في ما يأتي ندرس بحوله تعالى الاستدلالين على التوالي:
أوّلا- دراسة الآيتين:
أ- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (البقرة/ 106) ب- وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ .... (النّحل/ 101) لمّا كان محور الكلام في الآيتين الآية و نسخها ندرس معنى الآية لغة و اصطلاحا في ما يأتي:
الآية في اللغة بمعنى: العلامة الظاهرة على الشيء المحسوس، أو الأمارة الدالة على أمر معقول.
و إذا قيل: آية من آيات اللّه، أي: أمارة تدلّ عليه أو على بعض صفاته.
و الآية في المصطلح الإسلامي اسم لكل من المعاني الآتية:
أ- حكم من أحكام الشرع الإلهي، و الّذي جاء في فصل أو فصول من كتب اللّه تبارك و تعالى.
ب- معجزة من معجزات الأنبياء، كناقة صالح، و عصا موسى (ع) و سائر الآيات التسع الّتي جاء بها.
ج- جزء من السور القرآنية المشخص بالعدد- الرقم-.
و قد تتبّعنا موارد استعمال الآية بهذا المعنى في القرآن الكريم، فوجدناها لم تأت بغير لفظ الجمع. و قد ثبت في محلّه أنّ اللفظ المشترك في عدّة معان لا يستعمل في الكلام دونما قرينة تدل على المعنى المقصود من تلك المعاني.
و إذا رجعنا إلى المجموعة الّتي جاء فيها جملة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...،
وجدناها تذكر قبلها خبر تعنت أهل الكتاب في قبول ما نزل على رسول اللّه (ص)، و بعدها تذكر خبر نسخ حكم استقبال بيت المقدّس في الصلاة إلى الكعبة، و مجادلة أهل الكتاب في هذا الشأن.
و مع وجود هذه القرائن قبل جملة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ...
و بعدها نعلم أنّ المقصود من الآية هاهنا هو تبديل حكم استقبال بيت المقدس في الصلاة بحكم استقبال الكعبة فيها، و من ثمّ ندرك أنّ المقصود من تبديل آية مكان آية في قوله تعالى: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ... تبديل حكم استقبال الكعبة في الصلاة بحكم استقبال بيت المقدس أو نظائره مثل تبديل حكم عيد السبت بعيد الجمعة- مثلا-.
و له نظائر اخرى في ذكر قصة واحدة عدّة مرّات في القرآن الكريم، موجزة تارة و مفصلة اخرى.
هذا ما كان من أمر الآيتين، و أمّا استدلالهم بالآيات الّتي رووا أنّها منسوخة أو منسيّة، فسنقتصر على دراسة مثال واحد من كلّ منها:
استدلّوا على ذلك بسورة الصحابي أبي موسى الأشعري الّتي قال: إنّه نسيها و إنّها كانت في الشدّة و الطول مثل سورة براءة. و قد مرّ بنا تفصيل القول في شأن نظائره.
استدلّوا بالآية الّتي رويت عن امّ المؤمنين عائشة في شأن رضاع الكبير و الّتي أكلها الداجن.
و حقيقة الأمر أنّه كان اجتهادا خطأ منها في تفسير الآية في مقابل سائر أمّهات المؤمنين اللّاتي خالفنها في شأن هذا الاجتهاد.
و لقائل أن يقول: إنّ الأحوال السياسيّة الّتي خاضتها امّ المؤمنين عائشة للتحريض على قتل الخليفة عثمان، ثمّ قيادتها الجيش الضخم لقتال الخليفة الوصي الإمام عليّ (ع) كانت قد ألجأتها إلى محادثة الرجال ممّن لم يكونوا من محارمها مثل سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فاضطرت إلى أن تجتهد و تفتي بانتشار الحرمة من رضاع الكبير كما هو الشأن في رضاع الطفل الصغير.
و استشهدت لذلك بالخبر الّذي روته عن أمر رضاع سالم مولى أبي حذيفة في كبره، و لمّا خالفها سائر امّهات المؤمنين في هذا الأمر اجتهدت فروت خبرا عن الرسول (ص) في بيان حكم رضاع الكبير بيانا لآية الرضاع و قالت: إن الداجن أكل بيان الرسول (ص)، و نحن نرى انها اجتهدت، و أخبرت ذلك عن الرسول (ص) و أن الرسول (ص) لم يقل بانتشار الحرمة من رضاع الكبير (1).
و كذلك الشأن في قصة السورة المنسيّة، و بيان ذلك أن القرّاء في صدر الإسلام كانوا هم علماء الامّة و مورد احترام الجميع.
و نرى أنّ قرّاء البصرة كانوا يدلون بذلك على الناس أميرا كانوا أو سوقة فلم يرض ذلك أمير البصرة الصحابي أبا موسى، فجمعهم و روى لهم حديثا عن الرسول (ص) لم يكن لأحدهم علم به ليفهمهم أن ما حفظوه و تدارسوه من بيان
1) راجع تفصيل ذلك في فصل (مع الصّهرين) من كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة، و كذلك بحث رأيها في رضاع الكبير.
القرآن ليس كل ما جاء في بيان القرآن عن الرسول (ص) و إنّما كان من بيان القرآن ما لم يعلم به أحد منهم، و كان علمه عند الأمير و قد جهلوه جميعا.
في هذه القصّة- أيضا- اجتهد الصحابي أبو موسى و أخطأ، و إنّه لكلّ من امّ المؤمنين عائشة و الصحابي أبي موسى أجر لدى أتباع مدرسة الخلفاء على اجتهادهما الخطأ.
نكتفي بدراسة هذين الموردين من الآيات اللّاتي رووا أنّها منسيّة أو منسوخة- معاذ اللّه- لأنّه من العسير استقصاؤها و شرح زيفها.
و نقتصر هنا على القول بأن القرآن الّذي بأيدي الناس اليوم هو القرآن الذي نزل على رسول اللّه (ص)، و علّمه الرسول جميع من عاشره و استطاع أن يتعلّمه كما سبق بيانه مفصلا.
بعد إيراد البحوث السبعة الماضية نقوم بإذنه تعالى بدراستها في البحوث الآتية.
خصائص المجتمع الإسلامي و أخبار القرآن على عهد:
الخليفتين أبي بكر و عمر.
الخليفة عثمان.
الخليفة الإمام عليّ.
بني اميّة.
بني العباس.
درسنا في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ملامح المجتمع العربي في العصر الجاهلي و خصائصه في الجزيرة العربية و أخبار القرآن على عهد الرسول (ص)، و نبدأ بدراسة خصائص المجتمع الإسلامي على عهد كل خليفة ثمّ نتبعها بدراسة أخبار القرآن كذلك كما يأتي بحوله تعالى.
خصائص المجتمع الإسلامي و أخبار القرآن على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر- خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة أبي بكر.
خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة عمر.
أخبار القرآن بعد الرسول (ص).
أخبار القرآن على عهد الخليفة أبي بكر.
أخبار القرآن على عهد الخليفة عمر.
من أجل معرفة خصائص المجتمع بعد الرسول يلزمنا دراسة كيفية اقامة الحكومات المتعاقبة من بعده و ما جرى في ظل تلك الحكومات في المجتمع.
و نبدأ بذكر اخبار اخذ البيعة لأبي بكر و ما بعدها.
اجتمع الأنصار- الأوس و الخزرج- بعد وفاة الرسول (ص) في سقيفة بني ساعدة و بينما هم يداورون الرأي، بلغ نبأهم فريقا من المهاجرين فأسرعوا إليهم و خطبوا فيهم.
و في صحيح البخاري بسنده عن الخليفة عمر أنه قال:
إنّه كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيّه، أنّ الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، و خالف عنّا عليّ و الزبير و من معهما، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا الأنصار.
فانطلقنا حتّى أتيناهم، فإذا رجل مزمّل، فقالوا: هذا سعد بن عبادة يوعك، فلمّا جلسنا قليلا، تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللّه، ثمّ قال: أمّا بعد، فنحن أنصار اللّه و كتيبة الإسلام، و أنتم معشر المهاجرين رهط ...
فأردت أن أتكلّم، فقال أبو بكر: على رسلك.
فتكلّم هو، و اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قال في بديهته مثلها أو أفضل؛ قال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، و لن يعرف هذا
الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا (1).
روى الطبري (2)في تفصيل خبر السّقيفة و بيعة أبي بكر و قال:
اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، و تركوا جنازة الرّسول يغسله أهله، فقالوا: نولّي هذا الأمر بعد محمّد سعد بن عبادة.
و أخرجوا سعدا إليهم و هو مريض ...
فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر سابقة الأنصار في الدين و فضيلتهم في الإسلام، و إعزازهم للنبيّ و أصحابه و جهادهم لأعدائه، حتّى استقامت العرب، و توفّي الرسول و هو عنهم راض، و قال: استبدّوا بهذا الأمر دون النّاس.
فأجابوه بأجمعهم أن قد وفّقت في الرأي، و أصبت في القول، و لن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الأمر.
ثمّ إنّهم ترادّوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش، فقالوا: نحن المهاجرون و صحابة رسول اللّه الأوّلون، و نحن عشيرته و أولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنّا نقول إذا: منّا أمير و منكم أمير. فقال سعد بن عبادة: هذا أوّل الوهن (3).
سمع أبو بكر و عمر بذلك، فأسرعا إلى السّقيفة مع أبي عبيدة بن الجرّاح2.
1) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا 4/ 120.
2) نقلنا هذا الخبر ملخصا من تاريخ الطبري في ذكره حوادث بعد وفاة الرسول، و ما كان من غير الطبري أشرنا إليها في الهامش. و قد أوردنا تفصيل الخبر في كتاب عبد اللّه بن سبأ، الجزء الأوّل- بحث السقيفة.
3) الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 ه، 2/ 456، و ط. أوربا 1/ 1838، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي عمرة الأنصاري. و ابن الأثير 2/ 125. و تاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1/ 5، قريب منه، و أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة في الجزء الثاني من شرح ابن أبي الحديد في خطبة (و من كلام له في معنى الأنصار) 2/ 2.
و انحاز معهم اسيد بن حضير (1)و عويم بن ساعدة (2)و عاصم بن عديّ (3)من بني العجلان (4).
تكلّم أبو بكر- بعد أن منع عمر عن الكلام- فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرّسول دون جميع العرب، و قال: (فهم أول من عبد اللّه في الأرض و آمن بالرسول، و هم أولياؤه و عشيرته و أحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، و لا ينازعهم ذلك إلّا ظالم).
ثمّ ذكر فضيلة الأنصار، و قال: (فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، و أنتم الوزراء).
فقام الحباب بن المنذر (5)و قال: يا معشر الأنصار! املكوا عليكم أمركممة
1) جاء اسمه في سيرة ابن هشام 4/ 335، و اسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي، شهد العقبة الثانية و كان ممّن ثبت في أحد، و شهد جمع مشاهد النبيّ، و كان أبو بكر لا يقدم أحدا من الأنصار عليه. توفّي سنة 20 أو 21 ه فحمل عمر نعشه بنفسه. روى عنه أصحاب الصحاح 18 حديثا. ترجمته في الاستيعاب 1/ 31- 33. و الإصابة 1/ 64. و جوامع السيرة، ص 283.
2) عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن اميّة بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي: شهد العقبة و بدرا و ما بعدها، و توفّي في خلافة عمر، و بترجمته في النبلاء: أنّه كان أخا الخليفة عمر. و قال عمر على قبره: (لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر). الاستيعاب 3/ 170 و الإصابة 3/ 45 و أسد الغابة 4/ 158.
3) عاصم بن عدي بن الجدّ بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام البلويّ العجلاني، حليف الأنصار و كان سيد بني عجلان. شهد أحدا و ما بعدها. توفّي سنة 45 هجرية. الاستيعاب 3/ 133. و الإصابة 2/ 237، و أسد الغابة 3/ 75.
4) سيرة ابن هشام، أخبار السقيفة 4/ 330- 339.
5) الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة
فإن الناس في فيئكم و في ظلّكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، و ينتقض عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلّا ما سمعتم، فمنّا أمير و منهم أمير.
فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن ... و اللّه لا ترضى العرب أن يؤمّروكم و نبيّها من غيركم، و لكنّ العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، و ولي امورهم منهم. و لنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة و السلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمّد و إمارته، و نحن أولياؤه و عشيرته (1)إلّا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة.
فقام الحباب بن المنذر و قال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد، و تولّوا عليهم هذه الامور، فأنتم و اللّه أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. أنا جذيلها المحكّك (2)و عذيقها المرجّب (3). أما و اللّه لو شئتم لنعيدنها جذعة (4).ا.
1) لمّا سمع عليّ بن أبي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة. النهج و شرحه لابن أبي الحديد، ط. الاولى 2/ 2.
2) جذيلها، تصغير الجذل: أصل الشجرة. و المحكّك: عود ينصب في مبارك الإبل لتتمرّس به الإبل الجربى، أي قد جربتني الأمور ولي رأي و علم يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربى بالجذل و صغره على جهة المدح.
3) عذيق: تصغير العذق، و هي: النخلة. و المرجب، ما جعل له رجبة، و هي: دعامة تبتنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت و تخوفوا عليها أن تنقعر في الرياح العواصف.
4) أعدت الأمر جذعا، أي جديدا كما بدأ، و إذا أطفئت حرب بين قوم فقال بعضهم: إن شئتم أعدناها جذعة، أي: أوّل ما يبتدأ فيها.
قال عمر: إذا يقتلك اللّه.
قال: بل إيّاك يقتل.
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار! إنّكم كنتم أوّل من نصر و آزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل و غيّر.
فقام بشير بن سعد الخزرجيّ أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار! إنّا و اللّه لئن كنّا اولي فضيلة في جهاد المشركين، و سابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلّا رضا ربّنا و طاعة نبيّنا و الكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على النّاس بذلك، و لا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإنّ اللّه وليّ النعمة علينا بذلك، ألا إنّ محمّدا (ص) من قريش، وقومه أحقّ به و أولى، و أيم اللّه لا يراني اللّه انازعهم هذا الأمر أبدا. فاتّقوا اللّه، و لا تخالفوهم، و لا تنازعوهم.
فقال أبو بكر: هذا عمر، و هذا أبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا. فقالا:
و اللّه لا نتولّى هذا الأمر عليك ... الخ (1).
و قام عبد الرّحمن بن عوف، و تكلّم فقال: يا معشر الأنصار! إنّكم و إن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر و عمر و عليّ. و قام المنذر بن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، و إنّ فيهم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد- يعني عليّ بن أبي طالب- (2).
(فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلّا عليّا) (3)
(أن الأنصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر).
.).قال عمر: فكثر اللّغط و ارتفعت الأصوات حتّى تخوّفت الاختلاف فقلت:
ابسط يدك لأبايعك (1).
فلمّا ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عققت عقاق (2)! أنفست على ابن عمّك الإمارة؟
فقال: لا و اللّه، و لكنّي كرهت ان أنازع قوما حقّا جعله اللّه لهم.
و لمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد و ما تدعو إليه قريش و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، و فيهم اسيد بن حضير- و كان أحد النّقباء-: و اللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، و لا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر (3).
فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة و على الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ... فأقبل النّاس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، و كادوا يطئون سعد بن عبادة.
فقال أناس من أصحاب سعد: اتّقوا سعدا لا تطئوه.
فقال عمر: اقتلوه، قتله اللّه.
ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك. فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: و اللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة.).
1) عن سيرة ابن هشام 4/ 336، و جميع من روى حديث الفلتة. راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي عمر في بيعة أبي بكر.
2) الطبري، ط. أوربا 1/ 1842. و في رواية ابن أبي الحديد: عقّك عقاق.
3) و في رواية أبي بكر في سقيفته: لمّا رأت الأوس أنّ رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير- و هو رئيس الأوس- فبايع حسدا لسعد و منافسة له أن يلي الأمر. راجع شرح النهج 2/ 2، في شرحه (و من كلام له في معنى الأنصار).
فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق هاهنا أبلغ.
فأعرض عنه عمر (1).
و قال سعد: أمّا و اللّه لو أنّ بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها و سككها زئيرا يجحرك و أصحابك. أما و اللّه إذا لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع. احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه في داره (2).
و روى أبو بكر الجوهري: أنّ عمر كان يومئذ- يعني يوم بويع أبو بكر- محتجزا يهرول بين يدي أبي بكر و يقول: ألا إنّ الناس قد بايعوا أبا بكر ...
الخ (3).
بايع الناس أبا بكر و أتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العبّاس و عليّ التكبير في المسجد و لم يفرغوا من غسل رسول اللّه (ص).
فقال عليّ: ما هذا؟
قال العباس: ما رئي مثل هذا قطّ!! أما قلت لك (4)؟!
و جاء البراء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم، و قال:
1) إن هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدّة و لين.
2) الطبري 3/ 455- 459، و ط. أوربا 1/ 1843. (و تندر عضوك) كذا جاء و يعني تسقط أعضاؤك.
3) في كتابه السقيفة، راجع ابن أبي الحديد 1/ 133، و في ص 74 منه بلفظ آخر.
4) ابن عبد ربّه في العقد الفريد 4/ 258، و أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في 1/ 132، و يروي تفصيله في ص 74 منه. و الزبير بن بكار في الموفقيات، ص 577- 580 و 583 و 592. كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2/ 2- 16، في شرحه: (و من كلام له في معنى الأنصار).
يا معشر بني هاشم! بويع أبو بكر.
فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه و نحن أولى بمحمّد.
فقال العباس: فعلوها و ربّ الكعبة! و كان عامّة المهاجرين و جلّ الأنصار، لا يشكّون أنّ عليّا هو صاحب الأمر بعد رسول اللّه (ص) (1).
و كان المهاجرون و الأنصار لا يشكّون في عليّ (2).
روى الطبري: أنّ (أسلم) أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السّكك فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول:
(ما هو إلّا أن رأيت اسلم، فأيقنت بالنصر) (3).
فلمّا بويع أبو بكر، أقبلت الجماعة الّتي بايعته تزفّه زفّا إلى مسجد رسول اللّه (ص)، فصعد على المنبر- منبر رسول اللّه (ص)- فبايعه الناس، حتّى أمسى، و شغلوا عن دفن رسول اللّه (ص) حتى كانت ليلة الثلاثاء (4).
و لمّا بويع أبو بكر في السّقيفة و كان في الغد، جلس أبو بكر على المنبر،
1) الموفقيات للزبير بن بكار، ص 580.
2) اليعقوبي 2/ 103، و شرح النهج لابن أبي الحديد 1/ 74.
3) الطبري 2/ 458، و ط. أوربا 1/ 1843. و في رواية ابن الأثير 2/ 224: (و جاءت أسلم فبايعت). و قال الزّبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج 6/ 287، (فقوي بهم أبو بكر) و لم يعيّنا متى جاءت أسلم، و يقوى الظنّ أن يكون ذلك يوم الثلاثاء. و قال المفيد في كتابه (الجمل): إنّ القبيلة كانت قد جاءت لتمتار من المدينة، (الجمل، ص 43).
4) الموفقيات، ص 578. و الرياض النضرة 1/ 164. و تاريخ الخميس 1/ 188.
فقام عمر، فتكلّم قبل أبي بكر، فحمد اللّه و أثنى عليه ...، و ذكر أنّ قوله بالأمس لم يكن من كتاب اللّه و لا عهدا من رسوله، و لكنّه كان يرى أن الرسول سيدبّر أمرهم و يكون آخرهم. ثمّ قال:
و إنّ اللّه قد أبقى فيكم كتابه الّذي به هدى رسوله.
فإن اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان هداه له.
و إنّ اللّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللّه (ص) ثاني اثنين إذ هما في الغار؛ فقوموا فبايعوه.
فبايع الناس أبا بكر بيعته العامّة بعد بيعة السّقيفة.
و في البخاري: (و كان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، و كانت بيعة أبي بكر العامّة على المنبر). قال أنس بن مالك: (سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر. فلم يزل به حتّى صعد المنبر فبايعه الناس عامّة).
ثمّ تكلّم أبو بكر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:
(أمّا بعد، أيّها الناس! فإنّي قد ولّيت عليكم، و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوّموني- إلى قوله-: أطيعوني ما أطعت اللّه و رسوله، فإذا عصيت اللّه و رسوله، فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم اللّه) (1)
و ممّن ذكر خطبة أبي بكر فقط، أبو بكر الجوهري في كتابه: السقيفة، حسب رواية ابن أبي الحديد عنه 1/ 134. و صفوة الصفوة 1/ 98.
.8.1) ابن هشام 4/ 340. و الطبري 3/ 203 (و ط. أوربا 1/ 1829). و عيون الأخبار لابن قتيبة 2/ 234. و الرياض النضرة 1/ 167. و ابن كثير 5/ 248. و السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 47. و كنز العمال 3/ 129، ح 2253. و الحلبية 3/ 397. و ذكر البخاري في صحيحه 4/ 165، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف عن أنس، خطبة عمر باختلاف يسير.
(توفّي رسول اللّه يوم الاثنين حين زاغت الشّمس، فشغل الناس عن دفنه) (1).
شغل الناس عن رسول اللّه بقيّة يوم الاثنين حتّى عصر الثلاثاء:
أوّلا: بخطب السّقيفة.
ثمّ: ببيعة أبي بكر الاولى ثمّ ببيعته العامّة و خطبته و خطبة عمر حتّى صلّى بهم.
قالوا: (فلمّا بويع أبو بكر، أقبل الناس على جهاز رسول اللّه يوم الثلاثاء) (2). (ثمّ دخل الناس يصلّون عليه) (3). (و صلّي على رسول اللّه بغير إمام.
يدخل عليه المسلمون زمرا زمرا يصلّون عليه) (4).
اندحر سعد و مرشّحوه، و بقي عليّ و جماعته- بعد أن أصبحوا أقلّية- يتناحرون و حزب أبي بكر الظافر و كلّ يجتهد في جلب الأنصار لحوزته.
قال الزّبير بن بكار: لمّا بويع أبو بكر و استقرّ أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، و لام بعضهم بعضا، و ذكروا عليّ بن أبي طالب، و هتفوا باسمه (5).
1) طبقات ابن سعد 2/ ق 2/ 78، ط. ليدن.
2) سيرة ابن هشام 4/ 343. و الطبري 2/ 450 و ط. أوربا 1/ 1830. و ابن الأثير 2/ 126. و ابن كثير 5/ 248. و الحلبيّة 3/ 392 و 394. و هذا الأخير لم يعيّن اليوم الذي انتهوا فيه من بيعة أبي بكر و أقبلوا على جهاز رسول اللّه (ص).
3) ابن هشام 4/ 343.
4) طبقات ابن سعد 2/ ق 2/ 70. و الكامل لابن الأثير، ج 2، في ذكر حوادث سنة 11 ه.
5) الموفقيات، ص 583.
قال اليعقوبي و ابن أبي الحديد (1):
و تخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين و الأنصار، و مالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم العبّاس بن عبد المطّلب و الفضل بن العبّاس، و الزّبير بن العوام، و خالد بن سعيد، و المقداد بن عمرو (2)
فلمّا كبر المقداد، وقع بينه و بين أبي شمر بن حجر الكندي، فضرب رجله بالسيف، و هرب إلى مكّة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزّهري فتبنّاه الأسود، فصار يقال له: المقداد بن الأسود الكندي.
فلمّا نزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الأحزاب/ 5 قيل له: المقداد بن عمرو.
و قال الرسول: (إن اللّه عزّ و جلّ أمرني بحبّ أربعة من أصحابي و أخبرني أنه يحبّهم) فقيل: من هم؟ فقال: (عليّ و المقداد و سلمان و أبو ذرّ). توفّي سنة 33 ه. الاستيعاب بهامش الإصابة 3/ 451.
و الإصابة 3/ 433- 434.
، و سلمان الفارسيّ، و أبو ذر الغفاري، و عمّار ابن ياسر، و البراء بن عازب (3)، و ابيّ بن كعب (4)، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجرّاح، و المغيرة بن شعبة.فقال: ما الرأي؟2.
1) في تاريخه 2/ 124- 125. و السّقيفة لأبي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2/ 13، و التفصيل في 1/ 74 منه. و بلفظ قريب منه في الإمامة و السياسة 1/ 14.
2) المقداد بن الأسود الكندي: هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني. أصاب دما في قومه، فلحق بحضر موت، فحالف كندة، و تزوّج امرأة، فولدت له المقداد.
3) أبو عمرو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارث بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي: كان ممّن استصغره الرسول يوم بدر و ردّه. و غزا مع الرسول 14 غزوة و شهد مع عليّ الجمل و صفين و النّهروان. سكن الكوفة و ابتنى بها دارا و توفّي بها في إمارة مصعب بن الزّبير. الاستيعاب بهامش الإصابة 1/ 143- 144. و الإصابة 1/ 146.
4) ابيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجار: و هو تيم اللّات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر. شهد العقبة الثانية و بايع النبيّ فيها و شهد بدرا و ما بعدها، و كان من كتّاب النبيّ. مات في آخر خلافة عمر أو صدر خلافة عثمان. الاستيعاب 1/ 27- 30. و الإصابة 1/ 31- 32.
قالوا (1): الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطّلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب (و تكون لكما حجّة) (2)على عليّ إذا مال معكم.
فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجرّاح و المغيرة، حتّى دخلوا على العباس ليلا (3)، فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه، ثمّ قال:
إنّ اللّه بعث محمّدا نبيّا و للمؤمنين وليّا، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتّى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس امورهم (4)ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين (5). فاختاروني عليهم واليا و لامورهم راعيا.
فوليت ذلك و ما أخاف بعون اللّه و تسديده وهنا، و لا حيرة، و لا جبنا، و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه انيب.
و ما انفكّ يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامّة المسلمين يتّخذكم لجأ، فتكونوا حصنه المنيع، و خطبه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس في ما اجتمعوا عليه، و إمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه. و لقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك، و يكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عمّ رسول اللّه، و إن كان الناس قد رأوا مكانك و مكان صاحبك (فعدلوا الأمر عنكم) (6)على رسلكم بني هاشم، فإنّ رسول اللّه منّا و منكم. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 378 بعد دفن الرسول(ص): ..... ص : 376ة.
1) في نص الجوهري أنّ قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة، و هذا هو الأقرب إلى الصواب.
2) هذه الزيادة في نسخة الإمامة و السياسة 1/ 14.
3) في رواية ابن أبي الحديد أن ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبيّ.
4) إنّ ضمير (هم) موجود في رواية ابن أبي الحديد.
5) في نسخة الإمامة و السياسة و ابن أبي الحديد 1/ 74: (متفقين) و هو الأشبه بالصواب.
6) الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد و الإمامة و السياسة.
فقال عمر بن الخطاب: و اخرى إنّا لم نأتكم لحاجة إليكم، و لكن كرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم و بهم، فانظروا لأنفسكم! فحمد العبّاس اللّه و أثنى عليه، و قال: إنّ اللّه بعث محمّدا كما و صفت نبيا، و للمؤمنين وليّا، فمنّ على أمّته به، حتّى قبضه اللّه إليه و اختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين أمورهم، ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحقّ لا مائلين بزيغ الهوى.
فإن كنت برسول اللّه طلبت، فحقّنا أخذت، و إن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم. فما تقدّمنا في أمرك فرطا، و لا حللنا وسطا، و لا برحنا سخطا، و إن كان هذا الأمر وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنّا كارهين.
ما أبعد قولك من أنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم اختاروك و مالوا إليك! و ما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك خلّى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك! فأمّا ما قلت: إنك تجعله لي، فإن كان حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم (1)فيه، و إن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، و على رسلك فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها.
فخرجوا من عنده.
و روى معمّر عن الزّهري عن امّ المؤمنين عائشة في حديثها عمّا جرى بين فاطمة و أبي بكر حول ميراث النبيّ (ص) قالت:
1) في نسخة الجوهري و الإمامة و السياسة: فإن يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه.
فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، و عاشت بعد النبيّ (ص) ستّة أشهر.
فلمّا توفيت دفنها زوجها، و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها.
و كان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ. و مكثت فاطمة ستّة أشهر بعد رسول اللّه (ص) ثمّ توفّيت.
قال معمّر:
فقال رجل للزّهري: أ فلم يبايعه عليّ ستّة أشهر؟
قال: لا (1)، و لا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ. فلمّا رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر ... الحديث (2)
و صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 3/ 38. و صحيح مسلم 1/ 72، و 5/ 153، باب قول رسول اللّه: (نحن لا نورث؛ ما تركناه صدقة)، و ابن كثير 5/ 285- 286، و ابن عبد ربّه 4/ 260. و قد ذكره ابن الأثير 2/ 126 مختصرا. و الكنجي في كفاية الطالب، ص 225- 226.
و ابن أبي الحديد 1/ 122. و المسعودي 2/ 414 من مروج الذهب. و في التنبيه و الإشراف له، ص 250: (و لم يبايع عليّ حتى توفّيت فاطمة). و الصواعق 1/ 12. و تاريخ الخميس 1/ 193. و في الإمامة و السياسة 1/ 14: أن بيعة عليّ كانت بعد وفاة فاطمة. و أنها قد بقيت بعد أبيها 75 يوما.
و في الاستيعاب 2/ 244: أن عليّا لم يبايعه إلّا بعد موت فاطمة. و أبو الفداء 1/ 156. و البدء و التاريخ 5/ 66. و أنساب الأشراف 1/ 586. و في أسد الغابة 3/ 222 بترجمة أبي بكر: (كانت بيعتهم بعد ستّة أشهر على الأصحّ). و قال اليعقوبي 2/ 126 (لم يبايع عليّ إلّا بعد ستّة أشهر). و في الغدير 3/ 102 عن الفصل لابن حزم، ص 96- 97: (وجدنا عليّا رضي اللّه عنه تأخر عن البيعة ستة أشهر).
.و قال البلاذري:).
لمّا ارتدّت العرب، مشى عثمان إلى عليّ فقال: يا ابن عمّ! انّه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدوّ، و أنت لم تبايع.
فلم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر فبايعه. فسرّ المسلمون، و جدّ الناس في القتال و قطعت البعوث (1).
ضرع عليّ إلى مصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة و انصراف وجوه الناس عنه، غير أنّه بقي يشكو ممّا جرى عليه بعد وفاة النبيّ حتّى في أيّام خلافته.
و ذكر شكواه في خطبته المشهورة بالشّقشقيّة (2).
و نتج ممّا وقع بين الأنصار و المهاجرين (3)أن تهاجت الفئتان فقال ابن أبي عزة القرشي:
قل للأولى طلبوا الخلافة زلّةلم يخط مثل خطاهم مخلوق
إن الخلافة في قريش ما لكمفيها و رب محمّد معروق (4)و لمّا بلغ قوله الأنصار طلبوا إلى شاعرهم النعمان بن عجلان الزرقي أن يجيب، فقال شعرا منه:
فقل لقريش نحن أصحاب مكةو يوم حنين و الفوارس في بدر إلى قوله:
و قلتم حرام نصب سعد و نصبكمعتيق بن عثمان حلال أبا بكر (1)الأبيات ثمّ اجتمع سفهاء قريش، و خطبوا في ذلك و هاجوا، فبلغ الخبر عليّا، فأتى المسجد مغضبا، و خطب فيه و قال:
(يا معشر قريش! ان حبّ الأنصار إيمان، و بغضهم نفاق، و قد قضوا ما عليهم و بقي ما عليكم ...) الخطبة.
ثمّ أمر ابن عمه الفضل أن ينصر الأنصار بشعره، فأنشد أبياتا منها:
إنّما الأنصار سيف قاطعمن تصبه ظبّة السيف هلك (2)فطلب الأنصار من حسان أن يجيبه، فقال:
جزى اللّه عنّا و الجزاء بكفهأبا حسن عنّا و من كأبي حسن الأبيات و خطب عليّ بعد ذلك في المسجد و قال في خطبته:
(فو اللّه لو زالت الأنصار لزلت معهم) لأنّ رسول اللّه قال: (لو زالت الأنصار لزلت معهم).
فقال المسلمون جميعا: رحمك اللّه يا أبا الحسن! قلت قولا صادقا، و بذلك هدّأ الإمام عليّ الثائرة في الثانية كما هدّأها في الاولى ابن عمّه الرسول (3).
و كانت هذه أوّل بادرة لانقسام الامّة إلى قسمين: مضري، و فيهم الإمرة حتّى الخلافة العباسية، و يماني، و قد حرموا منها أبد الدهر، و التحق بكل قبيلة9.
حلفاء نسبوا إليها، و نسي نسبهم ممّن انتسلوا منهم، و موال دعوا بنسب العشيرة و التحقوا بها، و كان هذا الدخيل و ذلك اللصيق يشاركان في سرّاء القبيلة و ضرّائها، و يدافعان عن القبيلة كالأصيل، و القبيلة تحتضنهما كما تحتضن أبناءها.
و بقيت الحالة في المجتمع الإسلامي كذلك إلى عصر الخلافة العباسية.
أمّا سياسة الخلافة، فقد بقي الحكم قرشيا على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر، فلم يولّيا على الأجناد: الكوفة و البصرة و الشام و مصر (1)من الانصار أحدا، و كذلك لم يؤمّروهم على الجيوش الغازية. و في هذا الصدد قال اليعقوبي عن خبر تجهيز أبي بكر الجيوش و تأميره الأمراء في تاريخه:
(لمّا عقد لخالد بن الوليد قام ثابت بن قيس بن الشمّاس فقال: يا معشر قريش! أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له؟
أمّا و اللّه ما نحن عميا عما نرى، و لا صما عما نسمع، و لكن أمرنا رسول اللّه (ص) بالصبر فنحن نصبر.
و قام حسان بن ثابت فقال:
يا للرجال لخلفة الأطوارو لما أراد القوم بالأنصار
لم يدخلوا منا رئيسا واحدايا صاح في نقض و لا إمرار) (2)فعظم على أبي بكر هذا القول، فجعل على الأنصار ثابت بن قيس، و انفذ خالدا على المهاجرين، و ولى- أيضا- لقتال من تخلف عن بيعته و منع الزكاة من أهل اليمن زياد بن لبيد البياضي من ذوي ارومتهم، و قد ذكرنا خبره في آخر الجزء الثاني من عبد اللّه بن سبأ.0.
بناء على ما أوردناه اتّضح أنّ قريشا استولت على الحكم بعد الرسول (ص) على أساس قبلي و أصبح طابع الحكم قبليّا قرشيّا اسلاميّا، و على أساس العرف القبلي أبعدت الأنصار من الحكم و تولية الجيوش المقاتلة و البلاد المفتوحة.
و كان هذا و ذاك خصيصة الحكم و خصيصة المجتمع على عهد الخليفة أبي بكر، و في ما يأتي ندرس خصيصة المجتمع على عهد الخليفة عمر بإذنه تعالى.
عند ما حضر أبو بكر دعا عثمان خاليا (1)فقال:
اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد.
قال: ثمّ اغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان:
أمّا بعد، فإنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب و لم آلكم نصحا.
ثمّ أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ عليّ.
فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر و قال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتي؟
قال: نعم.
قال: جزاك اللّه خيرا عن الإسلام و أهله.
و أقرّها أبو بكر (رض) من هذا الموضع.
و ذكر قبل ذلك عن عمر أنّه كان جالسا و النّاس معه و بيده جريدة و معه شديد مولى لأبي بكر معه الصحيفة الّتي فيها استخلاف عمر، و عمر يقول: (أيّها
1) دعاه خاليا: انفرد به خلوة.
الناس اسمعوا و أطيعوا قول خليفة رسول اللّه إنّه يقول إنّي لم آلكم نصحا) (1).
كم من الفرق بين موقف أبي حفص هذا و موقفه من كتابة وصيّة الرسول (ص)!؟
اتضحت سياسة الخلافة القرشية على عهد الخليفة عمر أكثر ممّا كانت عليه في عهد الخليفة أبي بكر، فإنّه لم يولّ طول حكمه (12 سنة) من الأنصار أحدا على الجيوش الغازية، و لا على البلاد المفتوحة، بل كان ذلك حكرا لبطون قريش عدا بطن هاشم منهم.
و أفصح الخليفة عمر عن سبب ذلك في محاوراته الثلاث الآتية مع ابن عباس:
روى الطبري محاورتين جرتا بين الخليفة عمر و ابن عباس و قال:
قال الخليفة في إحداهما لابن عباس:
ما منع قومكم منكم؟- أي ما منع قومكم قريشا من ولايتكم-.
قال ابن عباس: لا أدري! قال عمر: لكنّي أدري، يكرهون ولايتكم لهم! قال ابن عباس: لم و نحن لهم كالخير!؟
قال: غفرا؛ يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة و الخلافة فيكون بجحا بجحا.
لعلّكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك، لا و اللّه و لكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره ... الحديث.
1) تاريخ الطبري، ط. أوربا 1/ 2138.
و في الثانية قال:
يا ابن عباس! أ تدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد (ص)؟
فكرهت أن اجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني.
فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة و الخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا؛ فاختارت قريش لأنفسها فأصابت و وفّقت.
فقلت: يا أمير المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام و تمط عنّي الغضب تكلّمت.
فقال: تكلم يا ابن عباس.
فقلت: أمّا قولك- يا أمير المؤمنين- اختارت قريش لأنفسها فأصابت و وفقت، فلو أنّ قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار اللّه عزّ و جلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود.
و أمّا قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة و الخلافة؛ فإن اللّه عزّ و جلّ وصف قوما بالكراهية فقال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
فقال عمر: هيهات و اللّه يا ابن عباس؛ قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرّك عليها فتزيل منزلتك مني.
فقلت: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، و إن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنّما صرفوها عنا حسدا و ظلما.
فقلت: أما قولك- يا أمير المؤمنين- ظلما فقد تبين للجاهل و الحليم.
و أمّا قولك حسدا؛ فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر: هيهات! أبت و اللّه قلوبكم- يا بني هاشم- إلّا حسدا ما يحول، و ضغنا و غشا ما يزول.
فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين! لا تصف قلوب قوم أذهب اللّه عنهم
الرجس و طهرهم تطهيرا بالحسد و الغش؛ فإن قلب رسول اللّه (ص) من قلوب بني هاشم.
فقال عمر: إليك عنّي يا ابن عباس.
فقلت: أفعل.
فلما ذهبت أقوم، استحيا مني، فقال:
يا ابن عباس مكانك! فو اللّه إنّي لراع لحقّك محبّ لما سرك.
فقلت: يا أمير المؤمنين! إن لي عليك حقا و على كل مسلم؛ فمن حفظه فحظه أصاب، و من أضاعه فحظه أخطأ. ثمّ قام فمضى.
روى المسعودي محاورة ثالثة دارت بين الخليفة و ابن عباس بعد موت عامل حمص حيث خاطب الخليفة ابن عباس بقوله:
يا ابن عباس! إنّ عامل حمص هلك، و كان من أهل الخير- و أهل الخير قليل- و قد رجوت أن تكون منهم، و في نفسي منك شيء لم أره منك، و أعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟
قال: لن أعمل حتّى تخبرني بالّذي في نفسك.
قال: و ما تريد إلى ذلك؟
قال: اريده، فإن كان شيئا أخاف منه على نفسي، خشيت منه عليها الذي خشيت، و إن كنت بريئا من مثله علمت أنّي لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإنّي قلّما رأيتك طلبت شيئا إلّا عاجلته.
فقال: يا ابن عباس! إنّي خشيت أن يأتي عليّ الّذي هو آت و أنت في عملك فتقول: هلمّ إلينا و لا هلمّ إليكم دون غيركم ... الحديث (1).3.
1) الاولى و الثانية في ذكر سيرة عمر من حوادث سنة 21 ه من تاريخ الطبري، ط. مصر الاولى، 1/ 30- 32، و ط. أوربا 1/ 2768- 2772، و الثانية منها أيضا في تاريخ ابن الأثير 3/ 24- 25، و اللفظ للطبري، و الثالثة في مروج الذهب للمسعودي 2/ 321- 323.
تدل المحاورتان الاوليان أن أهل الحل و العقد من مهاجرة قريش، كانوا قد اتفقوا على السّعي لتولّي الحكم بعد الرسول (ص) دون بني هاشم، و مسار السياسة القرشية بعد الرسول (ص) يدلّ على أنّه كان منهم الخلفاء الثلاثة أبو بكر و عمر و عثمان و عبد الرّحمن بن عوف و أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة أمّا الأربعة الأوائل فلاتفاقهم في تعيين الخلفاء الثلاثة واحدا بعد الآخر، و أمّا الأخيران فلقول الخليفة عمر عند ما طعن:
لو كان أبو عبيدة حيّا لاستخلفته ... و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته.
و تدل المحاورة الثالثة أن الخليفة كان مهتما بأمر تعيين الخليفة من بعده و ألّا يليها أحد من بني هاشم، و قد نفّذ رغبته و رغبة القرشيين في تعيينه كيفية عمل الشورى من بعده عند ما قال:
(... و إذا اجتمع رأي ثلاثة و ثلاثة فاتّبعوا رأي عبد الرّحمن بن عوف، و إن صفّق عبد الرّحمن بإحدى يديه على الاخرى فاتّبعوه).
و على هذا فقد كان عند عبد الرّحمن بن عوف كلمة السرّ في تعيين الخليفة.
و كانت كلمة السرّ شرط عبد الرّحمن في البيعة أن يعمل الخليفة بكتاب اللّه و سنّة رسوله (ص) و سيرة الشيخين.
و كانوا يعلمون أنّ الهاشمي الوحيد بينهم الإمام عليّا لا يوافق على البيعة بالعمل بسيرة الشيخين إلى جنب العمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله (ص)، و وقع ذلك عند ما قال الإمام عليّ في جواب عبد الرّحمن:
(إنّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلى اجّيري أحد).
و الاجّيري: العادة و الطريقة.
و (أيضا- يعرف التخطيط لتولي عثمان الخلافة بعد عمر من قوله لسعيد ابن العاص عند ما خطّ له من الأرض ليوسع سعيد داره و قال: يا أمير المؤمنين! زدني، فقال: حسبك و اختبئ عندك، إنّه سيلي الأمر من بعدي من يصل رحمك و يقضي حاجتك).
قال سعيد: فمكثت خلافة عمر بن الخطّاب حتّى استخلف عثمان و أخذها عن شورى و رضا فوصلني و أحسن و قضى حاجتي و أشركني في أمانته (1).
و في ما يأتي تفصيل خبر الشورى و بيعة عثمان:
قال ابن عبد ربّه في العقد الفريد:
لمّا طعن الخليفة عمر قيل له: لو استخلفت. فقال:
لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: نبيّك يقول: إنّه أمين هذه الامّة.
و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت:
سمعت نبيّك يقول: إنّ سالما ليحبّ اللّه حبّا لو لم يخف اللّه ما عصاه (2).
و إنّهم قالوا له: يا أمير المؤمنين! لو عهدت.
فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن اولّي رجلا أمركم أرجو أن
يحملكم على الحقّ- و أشار إلى عليّ- ثمّ رأيت أن لا أتحمّلها حيّا و ميّتا ... الخ.
و في تاريخ الطبري أنّهم عادوا اليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! لو عهدت عهدا! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولّي رجلا أمركم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ- و أشار إلى عليّ- و رهقتني غشية، فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضّة و يانعة، فيضمّه إليه و يصيّره تحته؛ فعلمت أنّ اللّه غالب أمره، و متوفّ عمر؛ فما اريد أن أتحمّلها حيّا و ميتا؛ عليكم هؤلاء الرّهط ... (1).
و روى البلاذري في أنساب الأشراف (2)، قال عمر: ادعوا لي عليّا و عثمان و طلحة و الزّبير و عبد الرّحمن بن عوف و سعد بن أبي وقّاص، فلم يكلّم أحدا منهم غير عليّ و عثمان، فقال: يا عليّ! لعلّ هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النّبيّ (ص) و صهرك و ما أنالك اللّه من الفقه و العلم، فإن وليت هذا الأمر فاتّق اللّه فيه.
ثمّ دعا عثمان و قال: يا عثمان، لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللّه و سنّك، فإن و ليت هذا الأمر فاتّق اللّه و لا تحمل آل أبي معيط على رقاب النّاس.
ثمّ قال: ادعوا لي صهيبا. فدعي، فقال: صلّ بالناس ثلاثا، و ليخل هؤلاء النفر في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل منهم، فمن خالفهم فاضربوا رأسه. فلمّا خرجوا من عند عمر قال: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق (3).من
و في الرّياض النّضرة: (للّه درّهم إن ولّوها الأصيلع كيف يحملهم على الحقّ و إن كان السيف على عنقه) (1).
و روى البلاذري في أنساب الأشراف: أنّ عمر بن الخطّاب أمر صهيبا مولى عبد اللّه بن جدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين و الأنصار.
فلمّا دخلوا عليه، قال: إنّي جعلت أمركم شورى إلى ستّة نفر من المهاجرين الأوّلين الّذين قبض رسول اللّه (ص) و هو عنهم راض ليختاروا أحدهم لإمامتكم- و سمّاهم-، ثمّ قال لأبي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: اختر خمسين رجلا من الأنصار يكونوا معك، فإذا توفّيت فاستحثّ هؤلاء النّفر حتّى يختاروا لأنفسهم و للأمّة أحدهم و لا يتأخّروا عن أمرهم فوق ثلاث.
و أمر صهيبا أن يصلّي بالناس إلى أن يتّفقوا على إمام.
و كان طلحة بن عبيد اللّه غائبا في ماله بالسراة (2)، فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الأيام، و إلّا فلا تنتظروه بعدها و أبرموا الأمر و أصرموه، و بايعوا من تتّفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه.
قال: فبعثوا إلى طلحة رسولا يستحثّونه و يستعجلونه بالقدوم، فلم يرد المدينة إلّا بعد وفاة عمر و البيعة لعثمان. فجلس في بيته و قال: أعلى مثلي يفتات! فأتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت أ تردّه؟ قال: نعم. قال: فانّي أمضيته. فبايعه. و قريب منه ما في العقد الفريد 2/ 72. و ط. دار التأليف، القاهرة، سنة 1363 ه، 4/ 275- 280.ن.
و روى في ص 20 منه، قال:
فقال عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح: ما زلت خائفا لأن ينتقض هذا الأمر حتّى كان من طلحة ما كان، فوصلته رحم، و لم يزل عثمان مكرما لطلحة حتّى حصر فكان أشدّ الناس عليه.
و روى البلاذري في 5/ 18 من كتابه أنساب الأشراف بسند ابن سعد قال:
(قال عمر: ليتبع الأقل الأكثر، فمن خالفكم فاضربوا عنقه).
و روى في ص 19 منه: عن أبي مخنف أنّه قال:
(أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا، فإن اجتمع اثنان على رجل و اثنان على رجل، رجعوا في الشورى، فإن اجتمع أربعة على واحد و أباه واحد كانوا مع الأربعة، و إن كانوا ثلاثة و ثلاثة كانوا مع الثلاثة الّذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه، و رأيه المأمون على الاختيار للمسلمين). و قريب منه ما في العقد الفريد 3/ 74، و ط. دار التأليف، القاهرة، سنة 1363 ه، 4/ 276.
و روى أيضا عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنّ عمر قال: (إن اجتمع رأي ثلاثة و ثلاثة، فاتّبعوا صفّ عبد الرّحمن بن عوف و اسمعوا و أطيعوا) و أخرجه ابن سعد في الطبقات 3/ ق 1/ 43.
و في تاريخ اليعقوبي 2/ 160: و روى البلاذري في أنساب الأشراف 5/ 15 أنّ عمر قال:
(إنّ رجالا يقولون إنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرها، و إنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة، و الأمر بعدي شورى، فإذا اجتمع رأي أربعة فليتّبع الاثنان الأربعة، و إذا اجتمع رأي ثلاثة و ثلاثة، فاتّبعوا رأي عبد الرّحمن بن عوف،
فاسمعوا و أطيعوا، و إن صفّق عبد الرّحمن بإحدى يديه على الاخرى فاتّبعوه).
و روى المتّقي في كنز العمال 3/ 160، عن محمّد بن جبير عن أبيه، أنّ عمر قال:
(إن ضرب عبد الرّحمن بن عوف إحدى يديه على الاخرى فبايعوه).
و عن أسلم أنّ عمر بن الخطاب قال:
(بايعوا لمن بايع له عبد الرّحمن بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه).
إذا فالخليفة عمر قد نبأ سعيد بن العاص أنّه سيلي بعده ذو رحم سعيد و هو عثمان و طلب منه أن يخبئ الأمر عنده؛ و يتّضح من هذه المحاورة أنّ أمر تولية عثمان الخلافة كان قد بتّ فيه في حياة الخليفة عمر، و تعيين الستّة في الشّورى كان من أجل تمرير هذا الأمر بصورة مرضية لدى الجميع.
كان الإمام عليّ يعلم بأنّ الخلافة زويت عنه و إنّما اشترك معهم في الشّورى كي لا يقال: هو الّذي زهد في الخلافة. و يدلّ على أنّه كان يعلم ما بيّت له، الحديث الآتي:
روى البلاذري في 5/ 19 من كتابه أنساب الأشراف:
إنّ عليّا شكا إلى عمّه العبّاس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الّذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف، و قال: و اللّه لقد ذهب الأمر منّا. فقال العبّاس: و كيف قلت ذلك يا ابن أخي؟ فقال: إن سعدا لا يخالف ابن عمّه عبد الرّحمن و عبد الرّحمن نظير عثمان و صهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة. و إن كان الزبير و طلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين.
و قال ابن الكلبي: عبد الرّحمن بن عوف زوج امّ كلثوم بنت عقبة بن أبي
معيط و امّها أروى بنت كريز و أروى امّ عثمان فلذلك قال صهره. و قريب منه ما في العقد الفريد 3/ 74. و في ط. لجنة التأليف 4/ 276.
و في تاريخ الطبري أنّ عمّارا قال قبل بيعة عبد الرحمن لعثمان: إن أردت ألّا يختلف المسلمون فبايع عليا.
فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار؛ إن بايعت عليّا قلنا: سمعنا و أطعنا.
قال ابن أبي سرح: إن أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد اللّه ابن أبي ربيعة: صدق؛ إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا و أطعنا. فشتم عمّار ابن أبي سرح، و قال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم و بنو اميّة، فقال عمار: أيّها الناس! إنّ اللّه عزّ و جلّ أكرمنا بنبيّه، و أعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سميّة؛ و ما أنت و تأمير قريش لأنفسهم! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرّحمن! افرغ قبل أن يفتتن الناس.
فقال عبد الرّحمن: إنّي قد نظرت و شاورت، فلا تجعلنّ أيّها الرهط على أنفسكم سبيلا.
و دعا عليّا، فقال: عليك عهد اللّه و ميثاقه لتعملنّ بكتاب اللّه و سنّة رسوله و سيرة الخليفتين من بعده؟
قال: أرجو أن افعل و أعمل بمبلغ علمي و طاقتي.
و دعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه.
فقال عليّ: حبوته حبو دهر؛ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا؛ فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون؛ و اللّه ما ولّيت عثمان إلّا ليردّ الأمر
إليك؛ و اللّه كلّ يوم هو في شأن.
فقال عبد الرّحمن: يا عليّ! لا تجعل على نفسك سبيلا؛ فإنّي قد نظرت و شاورت الناس؛ فإذا هم لا يعدلون بعثمان.
فخرج عليّ و هو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال المقداد: يا عبد الرّحمن! أمّا و اللّه لقد تركته من الّذين يقضون بالحقّ و به يعدلون.
فقال: يا مقداد؛ و اللّه لقد اجتهدت للمسلمين؛ قال: إن كنت أردت بذلك اللّه فأثابك اللّه ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إني لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلا ما أقول إنّ أحدا أعلم و لا أقضى منه بالعدل. أما و اللّه لو أجد عليه أعوانا! فقال عبد الرّحمن: يا مقداد! اتّق اللّه؛ فإني خائف عليك الفتنة.
فقال رجل للمقداد: رحمك اللّه! من أهل هذا البيت و من هذا الرجل؟
قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، و الرجل عليّ بن أبي طالب.
فقال عليّ: إنّ الناس ينظرون إلى قريش، و قريش تنظر إلى بيتها فتقول:
إن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، و ما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم (1).
و روى البلاذري- أيضا- و قال:
(لمّا دفن عمر، أمسك أصحاب الشورى و أبو طلحة يؤمّهم، فلم يحدثوا شيئا، فلمّا أصبحوا جعل أبو طلحة يحوشهم للمناظرة في دار المال.7.
1) تاريخ الطبري، ط. أوربا 1/ 2786- 2787.
و كان دفن عمر يوم الأحد و هو الرابع من يوم طعن، و صلّى عليه صهيب ابن سنان.
قال: فلمّا رأى عبد الرّحمن تناجي القوم و تناظرهم، و أنّ كلّ واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا اخرج نفسي و سعدا على أن أختار يا معشر الأربعة أحدكم، فقد طال التناجي و تطلّع الناس إلى معرفة خليفتهم و إمامهم، و احتاج من أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم.
فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلّا عليّا، فإنّه قال: أنظر.
و أتاهم أبو طلحة، فأخبره عبد الرّحمن بما عرض، و بإجابة القوم إيّاه، إلّا عليّا، فأقبل أبو طلحة على عليّ فقال: يا أبا الحسن إنّ أبا محمّد ثقة لك و للمسلمين، فما بالك تخالف و قد عدل الأمر عن نفسه، فلن يتحمّل المأثم لغيره؟
فأحلف عليّ عبد الرّحمن بن عوف أن لا يميل إلى هوى، و أن يؤثر الحقّ و أن يجتهد للامّة، و أن لا يحابي ذا قرابة، فحلف له، فقال: اختر مسدّدا.
و كان ذلك في دار المال و يقال في دار المسور بن مخرمة.
ثمّ إنّ عبد الرّحمن أحلف رجلا رجلا منهم بالأيمان المغلظة، و أخذ عليهم المواثيق و العهود أنّهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلا، و أن يكونوا معه على من يناوئه، فحلفوا على ذلك، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال له: عليك عهد اللّه و ميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطّلب على رقاب الناس، و لتسيرنّ بسيرة رسول اللّه (ص) لا تحول عنها و لا تقصر في شيء منها.
فقال عليّ: لا أحمل عهد اللّه و ميثاقه على ما لا ادركه و لا يدركه أحد.
من ذا يطيق سيرة رسول اللّه (ص)، و لكنّي أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد منّي، و بما يمكنني و بقدر علمي.
فأرسل عبد الرّحمن يده.
ثمّ أحلف عثمان و أخذ عليه العهود و المواثيق أن لا يحمل بني اميّة على رقاب الناس و على أن يسير بسيرة رسول اللّه (ص) و أبي بكر و عمر و لا يخالف شيئا من ذلك، فحلف له.
فقال عليّ: قد أعطاك أبو عبد اللّه الرّضا فشأنك فبايعه، ثمّ إنّ عبد الرّحمن عاد إلى عليّ فأخذ بيده و عرض عليه أن يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول اللّه و أبي بكر و عمر.
فقال عليّ: عليّ الاجتهاد، و عثمان يقول نعم، عليّ عهد اللّه و ميثاقه و أشدّ ما أخذ على أنبيائه أن لا اخالف سيرة رسول اللّه (ص) و أبي بكر و عمر في شيء و لا أقصر عنها.
فبايعه عبد الرّحمن و صافقه و بايعه أصحاب الشورى، و كان عليّ قائما، فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع و إلّا ضربت عنقك.
و لم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فيقال: إنّ عليّا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع و إلّا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتّى بايع عثمان) (1).
و في هذا الخبر حذف من أوّله قول عبد الرّحمن (و سيرة الشيخين) و نقل أوّل كلام الإمام عليّ بتصرّف و حذف آخره؛ و تمام الخبر في الرواية الآتية:
في تاريخ اليعقوبي، ط. بيروت 2/ 162: أنّ عبد الرحمن خلا بعليّ بن أبي طالب، فقال: لنا اللّه عليك، إن وليت هذا الأمر، أن تسير فينا بكتاب اللّه و سنّة نبيّه و سيرة أبي بكر و عمر.
فقال: أسير فيكم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه ما استطعت.2.
1) أنساب الأشراف 5/ 21- 22.
فخلا بعثمان فقال له: لنا اللّه عليك، إن و ليت هذا الأمر، أن تسير فينا بكتاب اللّه و سنّة نبيّه و سيرة أبي بكر و عمر.
فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه و سيرة أبي بكر و عمر.
ثمّ خلا بعليّ فقال له مثل مقالته الاولى، فأجابه مثل الجواب الأول.
ثمّ خلا بعثمان، فقال له مثل المقالة الاولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثمّ خلا بعلي فقال له مثل المقالة الاولى، فقال: إنّ كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلى إجّيري (1)أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عنّي.
فخلا بعثمان فأعاد عليه القول، فأجابه بذلك الجواب، و صفق على يده.
في خبر عبد اللّه بن ابيّ و أبي عامر الفاسق اللّذين جاءا في المجلّد الأوّل و إن كان الدافع ممّا فعلاه الحسد على الرسول (ص) بسبب انّ الأوّل منهما كان الأوس و الخزرج اتفقوا على تتويجه ملكا عليهم و بعد هجرة الرسول (ص) إلى المدينة أهمل أمره.
و الثاني منهما كان ينتظر أن يكون هو النبي الّذي بشرت اليهود ببعثته، فلما رأى أن المبعوث بالرسالة غيره- أيضا- قام بما قام به. غير أن أفراد قبائلهما الّذين التفوا حولهما كان ذلك منهم تعصبا لرئيس قبيلتهم و لم يكن له سبب آخر.
و الأمر بالنسبة إلى المهاجرين من قريش أوضح فإن تعصّب الصحابي أبي بكر لرئيس من قبيلته قريش و هو كافر، واضح لا غموض فيه.
و خبر عبد اللّه بن عمرو بن العاص في نهي قريش إياه أن يكتب حديث
1) الإجّيري- بالكسر و التشديد-: العادة و الطريقة.
الرسول (ص) معللين نهيهم إياه بأنّ الرسول (ص) بشر يتكلّم في الرّضا و الغضب يدلّ إضافة إلى الدلالة على تعصّبهم القبلي، أنّ عبد اللّه كان قد كتب من حديث الرسول (ص) ما فيه إيضاح لمواقف بعض قريش من الرسول (ص) و الرسالة و مواقف آخرين في تأييد الرسول و الرسالة، و كان ذلك وصمة على قبيلة قريش في مقابل إثبات فضائل الآخرين، و أنّهم لدفع ذلك اجترءوا على الرسول (ص)، و قالوا: إنّه بشر يتكلّم في الرّضا و الغضب، ليمنعوا عبد اللّه عن كتابة حديث الرسول (ص) أوّلا، و يسقطوا ما ينتشر من حديث الرسول في هذا الباب عن الاعتبار ثانيا، و إنّ جميع الأطراف الّذين ذكرناهم اتّخذوا تلك المواقف بسبب التعصّب القبلي.
و في ضوء ما ذكرناه ندرس ما وقع بعد حياة الرسول (ص) في السقيفة:
توفّي الرسول (ص)، و انصرف عليّ و العباس و من معهما بتجهيزه و دفنه، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة و تركوا جنازة الرسول (ص) بين أهله، و خطب فيهم سعد بن عبادة الخزرجي و هو مريض، و قال: استبدّوا بهذا الأمر دون الناس، فأجابوه بأجمعهم أن وفّقت في الرأي و أصبت في القول، نولّيك هذا الأمر!! من الواضح أنّ الأنصار لم يستندوا في ما فعلوا إلى كتاب اللّه و لا سنّة رسوله بل كان باعثهم إلى ذلك التعصّب القبلي الجاهلي، و صدق اللّه حيث يقول:
وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
(آل عمران/ 144) و كذلك كان شأن المهاجرين من قريش، كما يتّضح ذلك- أيضا- من أقوالهم.
فقد قال أبو بكر: (لن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحي من قريش هم اوسط العرب نسبا و دارا).
و قال عمر:
من ذا ينازعنا سلطان محمّد و إمارته و نحن أولياؤه و عشيرته.
و قال الحباب بن المنذر:
لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد.
و لمّا تمّت بيعة أبي بكر تهاجت القبيلتان فقال ابن أبي عزة القرشي:
قل للأولى طلبوا الخلافة زلّةلم يخط مثل خطاهم مخلوق
إنّ الخلافة في قريش ما لكمفيها و ربّ محمّد معروق فطلب الأنصار من شاعرهم النعمان بن عجلان ان يجيب فقال شعرا منه قوله:
فقل لقريش نحن أصحاب مكّةو يوم حنين و الفوارس في بدر الأبيات ثمّ اجتمع سفهاء قريش و خطبوا في ذلك و هاجوا فبلغ الخبر عليّا فأتى المسجد مغضبا و خطب فيه و قال:
يا معشر قريش! إنّ حبّ الأنصار إيمان و بغضهم نفاق ... الخطبة.
فقال المسلمون جميعا: (رحمك اللّه يا أبا الحسن، قلت قولا صادقا).
و هكذا هدّأ الإمام عليّ الثائرة بين الحيّين.
و بعد ذلك لمّا جهز أبو بكر الجيوش للقتال لم يؤمّر أحدا من الأنصار فقام ثابت بن قيس الشمّاس فقال: يا معشر قريش! أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له؟
أما و اللّه ما نحن عميا عمّا نرى، و لا صمّا عمّا نسمع و لكن أمرنا رسول اللّه بالصبر فنحن نصبر.
و قام حسان بن ثابت فقال:
يا للرّجال لخلفة الأطوارو لمّا أراد القوم بالأنصار
لم يدخلوا منّا رئيسا واحدايا صاح في نقض و لا إمرار فجعل أبو بكر على الأنصار- من الجيش- ثابت بن قيس، و استمرّت بعد ذلك سياسة الحكم القرشيّ على ما أسس عليه دونما تغيير، و من ثمّ عيّن الخليفة أبو بكر من بعده الصحابي القرشيّ عمر للحكم و قام الخليفة الثاني بتنفيذ السياسة القرشية على عهده بكل شدّة و عنف كما ندرس اخبارها في بحث من تاريخ القرآن الآتي إن شاء اللّه تعالى، و كان من اصول سياسة الخلافة القرشية تداول الحكم في بطون قريش دون بطن هاشم كما مرّ بنا في محاورة الخليفة مع ابن عبّاس.
كانت قبيلة قريش في الجاهلية بحكم أحوالها الاجتماعية و الجغرافية ذات طبيعة استكبارية استعلائية، فقد كانت ترى في نسبها أنّها من سلالة نبي اللّه إسماعيل و إبراهيم (ع) دون جميع قبائل العرب، و أنّها في أحسابها تتشرّف بسدانة بيت اللّه الحرام، و القيام بإطعام ضيوف اللّه من جميع قبائل العرب في الحج و إروائهم، و تقام حوالي بلدهم أسواق العرب.
و تضيف إلى حسابها إهلاك اللّه جيش ابرهة الغازي لبلدها، و ازدادت تعاليا و بغيا و طغيانا بامتلاكها ثروات ضخمة بسبب تجارتها في رحلتي الشتاء و الصيف، و صدق اللّه العظيم، حيث يقول: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
و بسبب ما أنعم اللّه عليها من الأمن و الدعة لمكان بيت اللّه الحرام في بلدهم في حين ان الإنسان العربي كان من حولهم يتخطف في غير الاشهر الحرم و يغزو بعضهم بعضا و يقتل و يسبي و يسلب.
أدّى كل ذلك بهم إلى التمادي في أنواع الدّعارة و الفجور، في هذه الأحوال و من هذه القبيلة المستكبرة المتغطرسة أرسل اللّه من أوسطها نسبا و أشرفها حسبا خاتم أنبيائه محمّدا (ص) إلى الناس كافة بشيرا و نذيرا، فقابلته قريش و قاومته بكل ما اوتيت من حول و قوّة، و عذّبت المستضعفين ممّن آمن به إلى حدّ الموت كما مرّ بنا بعض أخبارهم في بحث المجتمع الّذي نزل فيه القرآن. فأوعز النبيّ إلى المؤمنين أن يهاجروا إلى الحبشة بعيدا عن بلدهم و عن كل ما يملكون فيه من وسائل الحياة، و حفظ اللّه نبيّه بحماية شيخ مكة و سيدها أبي طالب إيّاه، حتّى إذا توفّي ناصره و حاميه تآمرت قريش على قتله بعد ان التقى به رجال من الأوس و الخزرج في الحج في عامين متواليين و بايعوه على القيام بنصرته و تسلّل إلى المدينة متدرّجا من استطاع ممّن بقي من المؤمنين به، و خرج هو في ليلة تآمرهم على قتله من مكة و التحق بهم في المدينة و أشاد فيها أوّل مجتمع إسلامي أسّس بنيانه على التآخي بين أهله من الأوس و الخزرج و من هاجر إليهم من قريش و التآلف و التحالف مع مواطني المدينة من اليهود، فلم تتركه قريش و شأنه في مهجره، بل جهّزت لقتاله جيشا بعد جيش، فأذن اللّه لرسوله قتالهم و قال- سبحانه-:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ .... (الحجّ/ 39، 40) و واجهت قريش رسول اللّه (ص) في معارك أشهرها: بدر و أحد و الخندق و في خلال حروبه مع قريش قلب له حلفاؤه اليهود ظهر المجنّ، و نقضوا ما عاهدوا اللّه عليه، و حاولوا اغتياله فأجلى منهم قبيلتين من المدينة.
و في غزوة الخندق تآمرت عليه آخر قبيلة بقيت منهم في المدينة مع قريش و حلفائها فأخزاهم اللّه جميعا و رجعت قريش خائبة، و قضى اللّه و رسوله على شأن اليهود في المدينة.
و في السنة السادسة من الهجرة وقعت مناظرة بين الأنصار و المهاجرين بسبب شجار وقع بين أجيرين: القرشي المهاجري و الأنصاري القحطاني، أظهر بسببه عبد اللّه بن ابي أحد زعماء الأنصار نفاقه و قال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ (المنافقون/ 8).
قصد من الأعزّ نفسه و من الأذلّ المهاجرين من قريش، فأخزاه اللّه و أذلّه، و كشف عن نفاقه في ما أنزل على نبيّه من القرآن في سورة المنافقون.
كان ذلكم مثالا واحدا يكشف عمّا يدور في خلد ضعاف النفوس من أفراد قبائل اليمانيين في المدينة.
و مثال آخر منه ما جرى في خبر أبي عامر الفاسق كما سبق ذكره.
و إلى هذا المجتمع انتقل المهاجري القرشي بأحسابه و أنسابه كما ينجلي ذلك:
أوّلا: في قول أبي بكر لسلمان و صهيب و بلال عند ما قالوا في شأن أبي سفيان: و اللّه ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدوّ اللّه مأخذها. قال أبو بكر:
أ تقولون هذا لشيخ قريش و سيّدهم؟
ثانيا: في ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص و قال: نهتني قريش و قالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول اللّه (ص) و رسول اللّه بشر يتكلّم في الرضا و الغضب ... الحديث، كما مرّ تفصيل الخبرين في ما سبق.
و في السنة السابعة من الهجرة وادع رسول اللّه (ص) قريشا، و تفرّغ بعد ذلك لليهود، و اتّجه إلى مراكز التآمر على المسلمين في خيبر و فتح حصونهم حصنا بعد حصن و قراهم في وادي القرى قرية بعد قرية، و لم يبق بعد ذلك في الحجاز
قوّة يهودية تتآمر على الإسلام و المسلمين.
و عاهد نصارى نجران الرسول (ص)، و على أثر ذلك بدأت قبائل العرب ترسل وفودها إلى الرسول (ص) تعلن إسلامها، و في هذا الحال نقضت قريش عهدها في صلح الحديبية مع الرسول (ص)، و قتلت من خزاعة حلفاء الرسول (ص) فسار الرسول إلى مكة في السنة الثامنة من الهجرة مع عشرة آلاف من المسلمين فاستسلمت قريش، و دخلت في الإسلام زرافات و وحدانا.
و بعد ذلك انتقل أبو سفيان و غيره من سادة قريش إلى عاصمة الإسلام المدينة و اجتمعوا مع أفراد قبائلهم من مهاجرة قريش و تكاثر عددهم و امتهنوا التجارة و نمت ثرواتهم.
و هكذا انقسم سكان المدينة إلى اليمانيين من قبائل الأنصار و العدنانيين من قبائل قريش.
هذه بعض خصائص المجتمع القبلي على عهد أبي بكر و عمر، و في ما يأتي ندرس بإذنه تعالى أخبار القرآن بعد الرسول (ص).
أوردنا في ما سبق أخبار القرآن في حياة الرسول، و نذكر في ما يأتي أخبار القرآن بعد وفاة الرسول بدءا بما يتصل خبره بحياة الرسول (ص) بحوله تعالى.
من المؤسف حقا: أن العلماء لم يفكّروا في أنّ الرسول (ص)، الّذي بعث لتبليغ القرآن و جمعه و بيانه كما شرحناه في أوّل البحث، كان يستكتب أربعين كاتبا لما يعنيه من أمر، و كان كلما نزلت آية أمر بعضهم أن يكتبها في مكانها من السورة الّتي عينها اللّه كذلك، هل حفظ هذا الرسول (ص) نسخة من القرآن خاصة به في بيته أم لم يفعل؟
إنّ العلماء لم يفكروا في هذا الأمر ليبحثوا في مضامين الأخبار و الأحاديث لعلهم يجدون في هذا الشأن خبرا و أثرا، و وفقنا اللّه تعالى ذكره لذلك و توصلنا إلى النتيجة الآتية بمنه و كرمه:
أمر الرسول (ص) الإمام عليّا أن يجمع القرآن الّذي كان في بيته (1):
أ- روى النديم في الفهرست، ص 41 بسنده عن عليّ (ع) و قال: انّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّ (ص)، فأقسم انّه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتّى جمع القرآن، فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن من قلبه ... (2).
ب- في حلية الأولياء لأبي نعيم بسنده عن الإمام عليّ أنّه قال: لمّا قبض رسول اللّه (ص) أقسمت أن لا أضع ردائي عن ظهري حتّى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن (1).
ج- روى السيوطي في الإتقان بسنده عن ابن سيرين انّه قال عن الإمام عليّ (ع): (أنّه كتب في مصحفه الناسخ و المنسوخ و انّه قال: تطلبت ذلك الكتاب و كتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه) (2).
د- روى- أيضا- ابن سعد في الطبقات عن ابن سيرين انّه كتبه على تنزيله فلو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم (3).
ه- في كتاب سليم بن قيس قال: روي عن الصحابي سلمان أنّه أخبر عن الإمام (ع) بعد وفاة النبيّ (ص) و قال:
لزم بيته، و أقبل على القرآن يؤلفه و يجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جمعه، فكان في الصحف و الشظاظ و الاسيار و الرقاع، فلمّا جمعه كلّه و كتبه بيده، تنزيله و تأويله و الناسخ منه و المنسوخ، بعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع.
فبعث إليه عليّ (ع) إنّي لمشغول، و قد آليت على نفسي ان لا أرتدي رداء6.
1) حلية الأولياء لأبي نعيم 1/ 67؛ و تاريخ القرآن للأبياري، ص 84.
2) الإتقان للسيوطي 1/ 59؛ و مناهل العرفان 1/ 247؛ و طبقات ابن سعد 2/ 338؛ و الصواعق المحرقة، ص 126؛ و تاريخ القرآن للزنجاني، ص 48.
3) طبقات ابن سعد 2/ 338؛ و ط. أوربا 2/ ق 2/ 101؛ و تاريخ الخلفاء، ص 185؛ و كنز العمال 2/ 373؛ و الصواعق المحرقة، ص 126.
إلّا للصلاة، حتى أؤلف القرآن و أجمعه. فسكتوا عنه أياما، فجمعه في ثوب واحد و ختمه، ثمّ خرج إلى الناس و هم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه (ص)، فنادى عليّ (ع) بأعلى صوته: أيّها الناس! إنّي لم أزل منذ قبض رسول اللّه (ص) مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل اللّه على رسول اللّه آية إلّا و قد جمعتها، و ليست منه آية إلّا و قد أقرأنيها رسول اللّه و علمني تأويلها، ثمّ قال لهم عليّ (ع): لئلّا تقولوا غدا إنّا كنّا عن هذا غافلين، ثمّ قال لهم عليّ (ع): لا تقولوا يوم القيامة إنّي لم أدعكم إلى نصرتي، و لم اذكّركم حقي، و لم أدعكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته.
فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن ممّا تدعونا إليه، ثمّ دخل عليّ (ع) بيته (1).
و انفرد اليعقوبي في تاريخه (2/ 134) و جاء عن بعضهم انّه قال: (ان عليّ ابن أبي طالب كان جمعه- أي القرآن- لما قبض النبي (ص) و أتى به يحمله على جمل، فقال: هذا القرآن قد جمعته و كان قد جزّأه سبعة أجزاء، فالجزء الأوّل ...).
و قال الكلبي:
لمّا توفّي رسول اللّه (ص) قعد عليّ بن أبي طالب (ع) في بيته، فجمعه على ترتيب نزوله. و لو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير (2).
و قال عكرمة:
لو اجتمعت الانس و الجن على أن يؤلّفوه كتأليف عليّ بن أبي طالب (ع) ما استطاعوا (3).9.
و أرى الصحيح في ذلك ما رواه الشهرستاني من أنّه حمله و غلامه، و انّه كان حمل بعير، في مقدّمة تفسيره مفاتيح الأسرار و مصابيح الأبرار في تفسير القرآن:
أنّه كان في مصحفه المتن و الحواشي.
و يروي انّه لما فرغ من جمعه أخرجه هو و غلامه قنبر إلى الناس، و هم في المسجد يحملانه و لا يقلانه.
و قيل انّه كان حمل بعير، و قال لهم: هذا كتاب اللّه كما أنزل اللّه على محمّد (ص) جمعته بين اللوحين.
فقالوا: ارفع مصحفك لا حاجة بنا إليه.
فقال: و اللّه لا ترونه بعد هذا أبدا، إنما كان عليّ ان اخبركم به حين جمعته.
فرجع إلى بيته ... (1).
اذا فقد حمله الإمام مع غلامه قنبر، و كان حمل بعير، و ليس حمله على جمل و ذلك لأن بيت الإمام عليّ كان بابه يفتح إلى المسجد.
و ينبغي لنا أن ندرس خبر سليم بن قيس و أصله.
لأبي صادق سليم بن قيس الهلالي العامري صاحب الإمام عليّ (ع) كتاب.
و أدرك سائر الأئمة إلى الإمام الباقر (ع).
روى الكتاب عنه مناولة أبان بن أبي عياش كما رواه عنه النديم في أخبار فقهاء الشيعة و ما صنفوه من الكتب و قال:
قال محمّد بن إسحاق (ت: 151 ه): من أصحاب أمير المؤمنين (ع) سليم
1) تفسير الشهرستاني، المقدّمة، الورقة 15 أ.
ابن قيس الهلالي، و كان هاربا من الحجّاج، لأنّه طلبه ليقتله، فلجأ إلى أبان بن أبي عيّاش، فآواه، فلمّا حضرته الوفاة، قال لأبان: إنّ لك عليّ حقا، و قد حضرتني الوفاة يا ابن أخي، إنّه كان من أمر رسول اللّه (ص) كيت و كيت و أعطاه كتابا، و هو كتاب سليم بن قيس الهلالي المشهور رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه عنه غيره.
و قال أبان في حديثه: و كان- سليم بن- قيس شيخا له نور يعلوه ...
الحديث (1).
روى عنه المسعودي في التنبيه و الإشراف (2)و قال:
(... ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه الّذي رواه عنه أبان بن أبي عياش أنّ النبيّ (ص) قال لأمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (ع) ...) الحديث.
و روى الفضل بن شاذان (ت: 260 ه) و قال: حدثنا محمّد بن إسماعيل بن بزيغ قال حدّثنا ابن عيسى (ت: 208 ه) .. ذكرت هذا الحديث عند مولاي أبي عبد اللّه- أي الصادق (ع)- فبكى، و قال: صدق سليم.
و يروي الكتاب عن سليم بغير مناولة جمع من الرواة ذكرهم الشيخ آغا بزرك في الذريعة (2/ 152).
و قد روى عن الكتاب جمع من علماء الإمامية مثل الكليني و الصدوق و من جاء بعدهما.
و ينبغي مقابلة الكتاب المتداول بيننا باسم (أصل سليم) بما رواه اولئك9.
الأعلام عنه، فإنّ الكتاب المطبوع و المتداول بين أيدينا لم يسلم من التحريف، شأنه شأن مقتل أبي مخنف، فإنّ ما رواه عنه الطبري سليم، و الكتاب المطبوع باسم مقتل أبي مخنف فيه بعض التحريف.
من أجل أن نفهم مغزى هذا العمل من الإمام ينبغي ان ندرسه مقارنا باهتمامه بتجهيز جثمان الرسول في حين أنّ الصحابة اهتمّوا بأمر الخلافة و انصرفوا.
ذكرنا في أخبار السقيفة الآنفة:
أنّ الأنصار عند ما توفّي الرسول (ص) اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة و تبعهم المهاجرون يتجالدون على أمر الخلافة، و تركوا جثمان الرسول (ص) بين أهله يغسله الإمام عليّ (ع) و من معه، و لما انتهى اليهم خبر السقيفة أراد العباس أن يبايع الإمام، فأبى، و قال: لنا بجهاز رسول اللّه شغل.
و لم يفارق جثمان الرسول (ص) حتى صلى المسلمون عليه بقية يوم الاثنين و تمام يوم الثلاثاء ثمّ دفنه (ص) ليلة الاربعاء بعد ان تمت البيعة لأبي بكر.
و كان عملهم ذلك بعد وفاة الرسول نظير عملهم في حياته كما أخبر اللّه- تعالى- عنه و قال في سورة الجمعة:
وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ .... (الجمعة/ 11) و روى الطبري و القرطبي و السيوطي في شأن نزول هذه الآية بتفاسيرهم و قالوا:
قدمت المدينة تجارة معها طبل- فانصرفوا إليها- و تركوا رسول اللّه (ص)
قائما على المنبر، و بقي منهم في المسجد اثنا عشر رجلا و سبع نسوة أو أقل من ذلك يخطب خطبة صلاة الجمعة، فقال رسول اللّه (ص): لو تتابعتم لتأجج الوادي نارا (1).
كان ذلك موقف الإمام عليّ من جثمان الرسول و من القرآن بعد وفاة الرسول (ص)، و قد درسنا خبره مع جثمان الرسول في أخبار السقيفة، و ندرس في ما يأتي عمل الإمام في جمعه للقرآن بعد وفاة الرسول.
قالوا ما موجزه: لما انتهى الإمام عليّ من جهاز رسول اللّه (ص) جلس في بيته و انكب على القرآن يجمعه مع تنزيله و تأويله و ما فيه من ذكر الحكم الناسخ و الحكم المنسوخ، فبعث إليه أبو بكر بعد أن تمّت البيعة له يدعوه إلى بيعته، فأجابه إنّي لمشغول بالقرآن أجمعه، و آليت على نفسي ألّا أرتدي رداء إلّا للصلاة.
أ- اتّفقت الروايات على ما ذكر مع اختلاف في التعبير، و شذّ من روى مثل ابن أبي داود في ص 10 من المصاحف أن أبا بكر أرسل إلى الإمام فقال:
(أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا و اللّه ...) (2).
فقد أوردنا في خبر السقيفة عن صحيح البخاري و غيره ان الإمام لم يبايع حتّى توفيت ابنة رسول اللّه (ص).
ب- اتفق محتوى الروايات على أنّ الإمام كان قد جمع القرآن جمعا، كما نسمّيه اليوم بالتفسير، فقد قال ابن سيرين: كتب فيه الناسخ و المنسوخ، و ليس المقصود الآيات الّتي تسمّى بالناسخة و المنسوخة، و إلّا لقال: الناسخة و المنسوخة، ثمّ إنّ إيراد الآيات المسمّاة بالناسخة و المنسوخة لا يخص ما كتبه الإمام بل إنّه عام لكل من كتب القرآن.
و يؤيّد ذلك قول ابن سيرين (فلو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم) فانّه لو كان ما كتبه الإمام مجرّدا عن التفسير كما دون القرآن بعد ذلك و تناولته الأيدي إلى عصرنا لما خصّ ابن سيرين القول في ما كتبه الإمام بأنّ فيه علما (1).
ج- اتّفق محتوى الروايات بأنّ أحدا لم ير ما كتبه الإمام عليّ، فما خبره؟
نجد تمام الخبر عند سليم حين يروي عن سلمان أن الإمام جاء به إلى المسجد، و عرضه عليهم، فامتنعوا من قبوله، فدخل عليّ بيته مع ما كتب.
د- و بناء على ما أثبتناه، فإنّ كلّ من روى شيئا عن ذلك الكتاب غير الأئمة من أولاد الإمام عليّ كان عمله رجما بالغيب و لا يصدق.
كل الروايات الماضية لم تعين أين كان القرآن الّذي جمعه الإمام بعد وفاة الرسول (ص)، و قد عيّن الإمام الصادق جعفر بن محمّد من أين أخذ الإمام ذلك القرآن، و قال: إنّ رسول اللّه (ص) قال لعليّ: يا عليّ! القرآن خلف فراشي في
1) تاريخ القرآن، ص 185؛ و أعيان الشيعة 1/ 89، عن عدّة الرجال للأعرجي؛ و أوائل المقالات، ص 55؛ و بحر الفوائد، ص 99.
المصحف و الحرير و القراطيس، فخذوه، و اجمعوه، و لا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة.
فانطلق عليّ فجمعه في ثوب أصفر، ثمّ ختم عليه في بيته. و قال: لا أرتدي حتّى أجمعه.
و إن كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتّى جمعه.
قال: و قال رسول اللّه (ص): لو أنّ النّاس قرءوا القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان (1).
و في البحار- ايضا- عن أبي رافع أنّه قال: إنّ النبيّ (ص) قال في مرضه الّذي توفّي فيه لعليّ: يا عليّ! هذا كتاب اللّه خذه إليك.
فجمعه عليّ في ثوب، فمضى إلى منزله، فلمّا قبض النبيّ (ص) جلس عليّ فألّفه كما أنزله اللّه، و كان به عالما (2).
و قال السيوطي: (كان القرآن كتب كلّه في عهد رسول اللّه (ص) لكن غير مجموع في موضع واحد و لا مرتّب السور) (3).
و أصدق القول في هذا الخبر و أجمعه قول الإمام الّذي رواه الطبرسي و غيره، قال:
و لقد جئتهم بالكتاب كملا مشتملا على التأويل و التنزيل (4).6.
1) في البحار 92/ 48 و 52 نقلا عن تفسير القمي، ص 745؛ و عمدة القاري 20/ 16؛ و فتح الباري 10/ 386؛ و المناقب لابن شهرآشوب 2/ 41؛ و الإتقان للسيوطي 1/ 59.
2) في البحار 92/ 51- 52. أبو رافع مولى رسول اللّه و اختلفوا في اسمه، فقيل: أسلم و قيل إبراهيم و قيل صالح، توفّي في خلافة الإمام عليّ، راجع ترجمته في تراجم الأسماء المذكورة في أسد الغابة. و مناقب آل أبي طالب 2/ 41.
3) الإتقان للسيوطي 1/ 59؛ و مناهل العرفان للزرقاني 1/ 240.
4) الاحتجاج للطبرسي، ط. النجف الأشرف سنة 1386 ه، 1/ 383؛ و البحار للمجلسي ط. طهران، 93/ 125- 126.
أ- التنزيل: المراد بالتنزيل هنا القرآن الّذي أنزل اللّه لفظه على الرسول (ص)، كما يظهر ذلك من قوله تعالى:
حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. (فصّلت/ 1- 3) ب- التأويل: ما يؤول إليه اللّفظ، و المراد منه هنا بيان الآيات الّتي بلّغها الرسول (ص).
ج- الكتاب: جاء تفسيره في قوله بعده: (كملا مشتملا على التأويل و التنزيل) أي كان الكتاب الّذي حمله الإمام إليهم كاملا مشتملا على القرآن الّذي أوحى اللّه لفظه إلى رسوله (ص) مع بيان الآيات و تفسيرها، الّتي أوحى اللّه إلى الرسول (ص) معناها و بلّغها الرسول (ص) بلفظه إلى أصحابه عامّة و إلى ابن عمّه خاصّة. و كذلك كانت مصاحف الصحابة قبل أن يجرّدوها عن حديث الرسول (ص).
و على هذا فإنّ في كلام الإمام تعريضا بالمصاحف الّتي جردت من حديث الرسول (ص) بعد الرسول (ص) و تصريحا بأنّ المصحف الّذي جاء به إليهم كان كاملا لم ينقص منه حديث الرسول (ص) في بيان الآيات. و في ضوء كلام الإمام يجوز لنا أن نفسّر اختلاف مصاحف الصحابة بوجود بيان الرسول (ص) في تفسير الآيات في بعض مصاحف الصحابة دون بعضها الآخر، و أنّه لم يكن الاختلاف بينها في النص القرآني.
و لو لا أنّ القرآن الّذي جمعه الإمام عليّ بعد وفاة رسول اللّه (ص) مباشرة كان في بيت رسول اللّه (ص) و لم يكن قبل ذلك في بيت الإمام عليّ لما اقتضى الأمر أن يهتم الإمام بأمر جمعه بعد وفاة رسول اللّه (ص) مباشرة و أن لا يغادر
بيته و لا يرتدي رداءه، حتى يجمعه.
و بناء عليه فإنّ القرآن الّذي أخذه الإمام عليّ من بيت رسول اللّه (ص) و جمعه هو القرآن الّذي كان رسول اللّه (ص) يأمر كتّابه بتدوين آياته عند نزولها بإشرافه، غير ان ذلك القرآن كان موزّعا في صحف و رقاع و ما شابههما فجمعها الإمام بضم بعضها إلى بعض في ثلاثة أيام.
و لا بدّ أن يكون مع الآيات الّتي دونت بأمر الرسول (ص) ما أوحى اللّه- تعالى- إليه في شرح ما يحتاج إلى الشرح و البيان مثل بيان عدد ركعات الصلاة و أذكارها و شأن نزول الآيات و في أي مناسبة نزلت، و لذلك كانوا يقولون (لو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم).
و لو كان مكتوبا فيه الآيات دون شرح لما قالوا ذلك، و بما أن عصبة الخلافة كانوا يعلمون أن في ما دوّن في ذلك المصحف في بيان الآيات بأمر الرسول (ص) و ممّا اوحي إليه يخالف سياسة الحكم، فقد أبوا أن يقبلوا ذلك المصحف فرجعه الإمام إلى بيته، و ورثه من بعده الأئمة من بنيه كابرا بعد كابر.
و ينبغي أن نشير هنا أن الرسول (ص) كان قد أعد وصيّه الإمام عليّا (ع) في حياته للقيام بهذا العمل، فقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن الإمام عليّ (ع) انّه قال: و اللّه ما نزلت آية إلّا و قد علمت في ما نزلت، و أين نزلت، و على من نزلت، إن ربي أعطاني قلبا عقولا و لسانا ناطقا.
و قال: سلوني عن كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم في جبل (1).
و قد تأتّى له ذلك بما اختصّ به من قربى رسول اللّه (ص) و قربه.8.
1) طبقات ابن سعد، ط. بيروت 1376 ه، 2/ 338.
روى النّسائي و ابن ماجة و أحمد و اللّفظ للأوّل بسندهم عن الإمام عليّ أنّه قال: كانت لي منزلة من رسول اللّه (ص) لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كلّ سحر، فأقول: السّلام عليك يا نبيّ اللّه، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، و إلّا دخلت عليه.
و قال: كان لي من رسول اللّه (ص) ساعة آتية فإذا أتيته فيها استأذنت، إن وجدته يصلّي تنحنح، و إن وجدته فارغا أذن لي.
و قال: كان لي من رسول اللّه (ص) مدخلان: مدخل باللّيل، و مدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت باللّيل تنحنح (1).
و قد روى زيد بن عليّ بن الحسين (ع) هذا الخبر عن جده و قال:
قال أمير المؤمنين (ع): ما دخل في رأسي نوم و لا عهد إليّ رسول اللّه (ص) حتّى علمت من رسول اللّه (ص) ما نزل به جبرائيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنّة أو أمر أو نهي في ما نزل فيه و في من نزل.
قال الراوي: فخرجنا، فلقينا المعتزلة، فذكرنا ذلك لهم، فقالوا: ان هذا الأمر عظيم كيف يكون هذا و قد كان أحدهما يغيب عن صاحبه فكيف يعلم هذا؟
قال: فرجعنا إلى زيد فأخبرناه بردهم علينا، فقال: يتحفظ على رسول اللّه (ص) عدد الأيام الّتي غاب بها، فاذا التقيا، قال له رسول اللّه (ص): يا عليّ! نزل عليّ يوم كذا: كذا و كذا و في يوم كذا: كذا و كذا، حتى يعدهما إلى آخر اليوم الذي وافى فيه، فأخبرناهم بذلك (2).5.
و قد يوجه إلينا في هذا المقام سؤال آخر و هو:
إن كان في ما جمعه الإمام (ع) من بيت الرسول (ص) ما يحتاجه الناس في فهم القرآن فما جدواه بعد أن أخذه الإمام إلى بيته و أخفاه؟
و الجواب: ان اللّه- سبحانه- بمقتضى وعده في قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ و قوله: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ جمعه في صدر الرسول (ص) و بيّنه له، و الرسول (ص) بمقتضى رسالته بلّغ من حضره ما احتاجوه منه و أمر وصيّه الّذي كان قد أعدّه لذلك أن يجمعه في مصحف بعد وفاته، ففعل ذلك، ثمّ أخرجه إلى الناس، و عرضه عليهم، و لما امتنعوا من قبوله أخفاه يومذاك كي لا يصيب ما جمعه ما أصاب مصاحف سائر الصحابة من الحرق كما سنبينه في ما يأتي- إن شاء اللّه تعالى-، و بفعله ذلك حفظ ما جمعه من بيت الرسول من التلف آنذاك، ثمّ ورثه الأئمة من ولده، ليفيضوا من علمه طوال القرون على من شاء أن يأخذ منهم علوم القرآن، و قد قال اللّه- سبحانه-: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ و قال- تعالى-: أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ حتّى إذا ظهر المهدي (ع) من ولده و حكم الناس أظهره بأمر اللّه- جل اسمه- و أمر بتعليم الناس إياه في مسجد الكوفة: كما سنشرحه في المجلد الثالث من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
لا ينافي ما ذكرناه حول هذه النسخة من القرآن و تفسيره الخاص بالرسول (ص) وجود نسخ اخرى لدى الصحابة و من ضمنهم الإمام عليّ (ع) يكون مع بعضها ما انتهى إليهم من بيان من الرسول حول بعض الآيات، كما سندرسه في البحث الآتي، إن شاء اللّه تعالى.
وقع ما ذكرناه بعد وفاة الرسول (ص) مباشرة، و لمّا استقام الأمر للخلفاء بعد الرسول (ص) كانت لهم سياسة خاصة بشأن القرآن، نذكرها في ما يأتي بحوله تعالى.
كانت سياسة جمع القرآن من قبل الخلفاء الثلاثة نابعة عن سياستهم مع حديث الرسول، كما درسناه في بحث اختلاف المصاحف، و في ما عدا ذلك اتبع الحكام و المسلمون الأنظمة الّتي سنّها الرسول في شأن اقراء القرآن و تدوينه من حيث مواضع الآيات في السور و ترتيب السور كما هو عليه القرآن في عصرنا الحاضر. و انتشر الإقراء و التدوين في كل بلد حلّ فيه المسلمون، و نبدأ في ما يأتي أوّلا بايراد بعض أخبار التقارؤ و القرّاء ثمّ نتبعها بخبر تدوين القرآن، إن شاء اللّه تعالى.
مرّ بنا في ذكر نظام الإقراء على عهد رسول اللّه أنّه (ص) كان يقرئهم عشر آيات فلا يجاوزونها حتّى يعلمهم ما فيها من العلم و العمل، و لفظ الرسول (ص) الّذي كان يعلمهم به ما في الآيات من العلم و العمل يسمّى في المصطلح الإسلامي بحديث الرسول، فإنّهم كانوا يتعلّمون من الرسول (ص) القرآن و حديث الرسول الّذي يفسر القرآن.
هذا ما كان على عهد الرسول (ص)، و نرى في عصر أبي بكر ما رواه الذهبي و قال: إنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا تحدّثوا
عن رسول اللّه (ص) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله، و حرّموا حرامه (1).
إنّ هذه التوصية وردت بلفظ آخر من الخليفة عمر حين قال: (جرّدوا القرآن ...) كما يأتي بيانه في خبر القرآن على عهده، و هو مؤدّى الشعار الذي رفعه عمر يوم وفاة الرسول (ص) عند ما طلب منهم الرسول (ص) و قال (هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده).
فقال عمر: عندنا كتاب اللّه، حسبنا كتاب اللّه.
إذا فالغاية من كلّ هذه المحاولات منع انتشار حديث الرسول (ص) سواء كان تفسيرا للقرآن، أم كان في بيان أمر آخر.
ترى ما السبب في ذلك؟! أمّا الخليفة أبو بكر، فقد علّل نهيه عن التحديث عن رسول اللّه (ص) بأنّهم سوف يختلفون فيها.
و سوف نرى في ما يأتي- إن شاء اللّه تعالى- و ندرك انّ سبب نهيهم عن نشر حديث الرسول (ص) تخوفهم من انتشار ما يخالف سياسة الحكم عندهم.
و كان من جملة حديث رسول اللّه (ص) المنهي عن نشره ما كان تفسير الآيات من القرآن الّتي فيها فضيلة لمنافسي سلطة الخلفاء أو منافسي قبيلتهم قريش، و لهذا السبب أصدر الخليفة أبو بكر مرسوم (لا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، و حرّموا حرامه).
1) تذكرة الحفاظ للذهبي 1/ 2- 3 بترجمة أبي بكر.
و رفع قبله عمر شعار: حسبنا كتاب اللّه.
و سوف نرى في ما يأتي كيف أصبح الكلامان شعارا لسياسة الخلفاء في شأن القرآن و حديث الرسول، و كيف نفّذوهما بكل اتقان، مصحوبا- غالبا- بشدة و عنف في عهد الخليفتين عمر و عثمان خاصة.
و ندرس كل ذلك في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.
أمر الخليفة أبو بكر بتدوين القرآن مجرّدا من حديث الرسول (ص) على عهده، و تم العمل على عهد عمر، كما سندرسه في أخبار التدوين على عهد الخليفة عمر إن شاء اللّه تعالى.
من أخبار القراءة و القرّاء في عصر أبي بكر ما أورده ابن كثير في باب جمع القرآن من فضائل القرآن ذيل تفسيره و قال:
(ان مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة الف، فجهز الصّديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفا، فالتقوا معهم فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب.
فنادى القرّاء من كبار الصحابة يا خالد خلّصنا. يقولون: ميّزنا من هؤلاء الأعراب.
فتميّزوا منهم، و انفردوا، فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف.
ثمّ صدقوا الحملة، و قاتلوا قتالا شديدا، و جعلوا يتنادون يا أصحاب سورة البقرة.
فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح اللّه ...
و في تاريخ خليفة بن خياط: كان جميع القتلى من المسلمين أربعمائة و خمسين رجلا أو خمسمائة رجل، و كان ممّن قتل من المهاجرين و الأنصار مائة و أربعون رجلا فيهم خمسون أو ثلاثون من حملة القرآن (1).
في هذا الخبر في الجيش كثرة من الأعراب، و الأعراب هم سكان البوادي و الّذين قال اللّه تعالى فيهم في سورة التوبة: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ... الآية/ 97.
و على هذا كان عدد غيرهم أقلّ منهم، و لا يتعدّون ستة آلاف من أهل المدن، لا سيّما مدينة الرسول، و كان ثلاثة آلاف منهم من القرّاء، و كان شعارهم:
يا أصحاب سورة البقرة؛ أي يا من كسبتم فضيلة حفظ أكبر سورة في القرآن.
و إذا كان هذا عدد من اشترك منهم في القتال فكم كان عدد من لم يشارك من الشيبة و النّساء و الفتيان من القرّاء القاعدين عن القتال في المدينة و حواليها؟
و كم كان عدد الشيوخ و المراهقين من القرّاء و من كان منهم في مكة و سائر البلدان الإسلامية؟
1) فضائل القرآن، ص 8، تفسير ابن كثير، الجزء الرابع؛ و تاريخ خليفة بن خياط (ت: 230 أو 240 ه)، ط. النجف 1386، ص 77- 83. ذكر أسماء من استشهد و قبائلهم فردا فردا.
نفذ الخليفة عمر الشعار الّذي رفعه الخليفة أبو بكر و أمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص)، و من ذلك ما رواه الطبري في ذكر سيرة عمر من تاريخه و قال:
كان عمر إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم فيقول ... جرّدوا القرآن و أقلّوا الرواية عن محمّد (ص) و انا شريككم (1).
في تذكرة الحفاظ عن قرظة بن كعب الأنصاري قال: لما سيرنا عمر إلى العراق ...
و في طبقات ابن سعد قال: أردنا الكوفة فشيّعنا عمر إلى صرار، فتوضّأ، فغسل مرّتين، و قال: تدرون لم شيّعتكم؟
فقلنا: نعم، تكرمة نحن أصحاب رسول اللّه (ص).
فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه (ص)، امضوا و أنا شريككم.
و في مستدرك الحاكم قال: فلمّا قدم قرظة قالوا: حدّثنا، قال: نهانا ابن الخطاب.
1) تاريخ الطبري، ط. أوربا 5/ 2741، و ط. دار المعارف بمصر سنة 1963 م، 4/ 204.
و في جامع بيان العلم و فضله، قال قرظة: فما حدّثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص) (1)
و قرظة بن كعب أنصاري خزرجي، في أسد الغابة هو أحد العشرة الّذين وجههم عمر مع عمّار ابن ياسر إلى الكوفة. شهد أحدا و ما بعدها، و فتح الرّي سنة 23. و ولّاه عليّ على الكوفة لمّا سار إلى الجمل، و توفّي بها في خلافته. أسد الغابة 4/ 203.
.و من موارده ما رواه الطبري و ابن كثير و قالا:
لمّا بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنّك تأتي قوما لهم في مساجدهم دويّ بالقرآن كدويّ النّحل، فدعهم على ما هم عليه و لا تشغلهم بالأحاديث و أنا شريكك في ذلك (2).
و انّ قول الخليفة عمر (جرّدوا القرآن عن حديث الرسول (ص) يدلّ على أنّه كان لدى الصحابة إلى ذلك العصر مصاحف كتب فيها مع آي القرآن حديث الرسول (ص) في بيان آي القرآن و الّذي قلنا في ما سبق إنّه كان يتلقّى الرسول (ص) ما يبيّنه في معاني الآيات عن طريق الوحي من اللّه.
و كان الخليفة يطلب منهم أن يعلّموا المسلمين تلاوة القرآن، و لا يعلّموهم حديث الرسول (ص) في تفسير الآيات، كما كان ذلك شأن الإقراء في عصر الرسول (ص).
و قد بدأ بهذا الأمر الخليفة الأوّل أبو بكر عند ما قال: (... فلا تحدّثوا عن رسول اللّه (ص) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلّوا7.
1) جامع بيان العلم للخطيب البغدادي، ط. المدينة المنوّرة سنة 1388 ه، 2/ 147، و تذكرة الحفاظ 1/ 7، و سنن الدارمي 1/ 85، و سنن ابن ماجة، المقدّمة، باب التوقي في الحديث عن رسول اللّه (ص) 1/ 12، و مستدرك الحاكم 1/ 102. و طبقات ابن سعد، ط. بيروت 6/ 7. و كنز العمال 2/ 183.
2) الطبري 1/ 2741، و تاريخ ابن كثير 8/ 107.
حلاله، و حرّموا حرامه).
غير أنّ الخليفة الثاني كان أكثر صراحة في هذا الشأن من قول الخليفة الأوّل، كما ذكرنا ذلك في بحث جمع القرآن.
هكذا كان الخليفة يمنع من إقراء القرآن كما كان على عهد الرسول (ص).
و كان الخليفة أحيانا يظهر عدم اهتمامه بتفسير القرآن، و من مصاديقه ما روى المفسّرون في تفسير سورة عبس و اللفظ للسيوطي عن أنس:
(أنّ عمر قرأ على المنبر فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً- إلى قوله- وَ أَبًّا، قال: كلّ هذا عرفناه، فما الأبّ؟ ثمّ رفع عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر اللّه هو التكلف، فما عليك ان لا تدري ما الأبّ، اتبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به و ما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه) (1).
كان ذلكم في ما يخصّ نفسه، و أمّا مع الآخرين ممّن يسأل عن تفسير القرآن، فكان شأنه كالآتي خبره.
و نهى عن السؤال عن تفسير القرآن و ضرب عليه، كما روى السيوطي بتفسير وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا و قال: (إنّ رجلا سأل عمر عن قوله (و أبّا) فلمّا رآهم يقولون كذا أقبل عليهم بالدرة)، و الدرة سوط يضرب به، و قد جلد عليه و أدمى و سجن و نفى كما نقرأ كل ذلك في الخبر الآتي.3.
1) تفسير الطبري 30/ 38، و تفسير السورة في مستدرك الصحيحين و تلخيصه 2/ 514 و قالا: صحيح على شرط الشيخين، و تفسير الدرّ المنثور 6/ 317، و الإتقان 1/ 115، و فتح الباري 17/ 30. و تفسير ابن كثير 4/ 473.
جاء في سنن الدارمي و تفسير القرطبي و الاكمال لابن ماكولا و تاريخ ابن عساكر خبر صبيغ بن عسل:
قال ابن ماكولا في الإكمال: صبيغ بفتح الصاد و كسر الباء، و عسل بكسر العين و سكون السين، و عسيل بضم العين و فتح السين. و كان يسأل عن المشكلات الّتي في القرآن فنفاه عمر من المدينة إلى العراق، و أمر أن لا يجالس.
و في تاريخ ابن عساكر:
(صبيغ) بن عسل و يقال: ابن عسيل، و يقال: صبيغ بن شريك بن عمرو ابن يربوع بن حنظلة التميمي اليربوعي البصري الّذي سأل عمر بن الخطاب عمّا سأل فجلده و كتب إلى أهل البصرة: لا تجالسوه.
و في رواية فأرسل إليه عمر و قد أعدّ له عراجين النخل فقال: من أنت؟
فقال: أنا عبد اللّه صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين، فضربه و قال:
أنا عبد اللّه عمر، و ما زال يضربه حتى أدمى رأسه فقال: يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الّذي كنت أجد في رأسي.
و في رواية اخرى:
انّه جعل يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلمّا أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك منّي العقوبة الوجيعة؟ فأتى به فقال عمر: سبيل محدثة، فأرسل إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثمّ تركه حتى برئ، ثمّ عاد له ثمّ تركه حتى برئ، فدعا به ليعود، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، و إن كنت تريد أن تداويني فقد و اللّه برئت فأذن له إلى أرضه، و كتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه
أحد من المسلمين، فاشتدّ ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسن أمره، فكتب إليه عمر أن ائذن للناس بمجالسته.
و روى الخطيب هذه الحكاية بنحوها و الحافظ ابن عساكر أيضا عن أبي عثمان النهدي، و روى عنه الخطيب أنّه قال: كتب إلينا عمر لا تجالسوا صبيغا، فلو جاءنا و نحن مائة لتفرّقنا عنه، و روي عن ابن سيرين أمر أن يحرم من عطائه و رزقه، و روي أيضا عن زرعة أنّه قال: رأيت صبيغا كأنّه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة و يجلس و هم لا يعرفونه فتناديهم الحلقة الأخرى عزمة أمير المؤمنين عمر فيقومون و يدعونه. و في رواية الخطيب: أنّ عمر أمر أن يقوم خطيب فيقول: ألا إنّ صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل و ضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم (1)
و الإكمال لابن ماكولا 5/ 221. و اخترنا لفظ ابن عساكر في المتن.
.ما ذكرناه آنفا، يوضّح بجلاء سياسة الخليفة في تجريد القرآن عن حديث الرسول (ص)، و يوافق هذه السياسة سياسته في منع نشر حديث الرسول (ص) كالآتي خبره.
في طبقات ابن سعد قال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها (2).
في كنز العمال: عن عبد الرّحمن بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطاب
حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه، فجمعهم من الآفاق عبد اللّه بن حذيفة و أبا الدرداء و أبا ذرّ و عقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث الّتي أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق؟
قالوا: أ تنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا و اللّه لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم نأخذ- منكم- و نردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات (1)
و عبد الرّحمن بن عوف القرشي الزهري، آخى الرسول بينه و بين عثمان من المهاجرين، و جعل عمر تعيين الخليفة بيده في الشورى فصفق على يد عثمان، توفّي بالمدينة عام 31 أو 32 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 65 حديثا. راجع فصل الشورى من كتاب: (عبد اللّه بن سبأ)، الجزء الأوّل، ص 267. و جوامع السيرة، ص 379.
و عبد اللّه بن حذيفة لم أجد ترجمته، و لعلّه عبد اللّه بن حذافة القرشي السّهمي، من قدماء المهاجرين، مات بمصر في خلافة عثمان. تقريب التهذيب 1/ 409.
و أبو الدرداء عويمر أو عامر بن مالك الأنصاري الخزرجي، و امّه محبة بنت واقد بن الاطنابة، تأخّر إسلامه و شهد الخندق و ما بعدها، آخى النبيّ بينه و بين سلمان، ولّي قضاء دمشق على عهد عثمان، و توفّي بها عام 32 أو 33 ه. روى عنه أصحاب الصحاح 179 حديثا. أسد الغابة 5/ 159- 160 و 187 و 188، و جوامع السيرة، ص 277.
و عقبة بن عامر اثنان: جهني و روى عنه أصحاب الصحاح 55 حديثا، و أنصاري سلمي، أسد الغابة 3/ 417، و جوامع السيرة، ص 179.
.و روى الذهبي أنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري، فقال: أكثرتم الحديث عن رسول اللّه (2).
و أخرج الخطيب البغدادي و ابن عساكر عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال:7.
بعث عمر بن الخطاب إلى عبد اللّه بن مسعود و إلى أبي الدرداء و إلى أبي مسعود الأنصاري فقال: ما هذا الحديث الّذي تكثرون عن رسول اللّه (ص)! فحبسهم بالمدينة حتى استشهد (1).
و قال ابن كثير: و هذا معروف عن عمر (2).
كانت تلكم سياسة الخليفة عمر في منع نشر حديث الرسول (ص) و تجريد القرآن منه، و كان أثر تلكم السياسة كالآتي أخبارها.
عن السائب بن يزيد، قال: صحبت سعد بن مالك- أبي وقاص- من المدينة إلى مكّة، فما سمعته يحدّث عن النبيّ (ص) بحديث واحد (3).
و في تاريخ ابن كثير عن أبي هريرة، قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللّه (ص) حتى قبض عمر (4).
و كان لتلك السياسة استثناء محدود كالآتي خبره.
أذن الخليفة عمر لعدد معيّن في المدينة أن يسألوا عن تفسير القرآن و غيره فيجيبوا مثل امّ المؤمنين عائشة في زوجات الرسول (ص) و ابن عباس في حاشيته.
أوّلا: امّ المؤمنين عائشة.
روى ابن سعد و قال: (كانت عائشة قد استقلّت بالفتوى في خلافة أبي بكر و عمر و عثمان و هلمّ جرّا إلى أن ماتت).
و روى- أيضا- و قال: كانت عائشة تفتي في عهد عمر و عثمان إلى أن ماتت (ره)، و كان الأكابر من أصحاب رسول اللّه عمر و عثمان بعده يرسلان إليها، فيسألانها عن السنن (1).
استقلّت: أي انفردت بالفتوى.
و قد درسنا أحاديثها في المجلّد الثاني من كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة.
ثانيا: عبد اللّه بن عباس.
قال ابن كثير في ترجمة ابن عباس: ثبت عن عمر بن الخطاب أنّه كان يجلس ابن عبّاس مع مشايخ الصحابة و يقول: نعم ترجمان القرآن عبد اللّه بن عبّاس (2). القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 430 ه - استثناء بعض الصحابة و بعض علماء أهل الكتاب عن نهي نشر الحديث: ..... ص : 429
روى البخاري و غيره في تفسير سورة النصر و اللّفظ للبخاري (3)
و تاريخه 8/ 299، و المستدرك للحاكم 3/ 539. و أنساب الأشراف للبلاذري 3/ 230- 231 و في لفظة: (كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في ادنائه ابن عباس دونهم)، تاريخ الإسلام للذهبي 3/ 32 و 33، و سير اعلام النبلاء 3/ 343، ط. مصر.
:عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا و لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: انّه من حيث علمتم.ر.
فدعاهم في ذات يوم، فأدخله معهم فما رئيت انّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال:
ما تقولون في قول اللّه تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ؟
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللّه و نستغفره إذا نصرنا و فتح علينا، و سكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أ كذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول اللّه (ص) أعلمه له، قال: إذا جاء نصر اللّه و الفتح و ذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربّك و استغفره انّه كان توّابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول.
و روى ابن كثير في تفسيره:
قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمّد (ص)، فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنّها في العشر الأواخر، قال ابن عباس: فقلت لعمر: إنّي لأعلم- أو إنّي لأظنّ- أي ليلة القدر هي. فقال عمر: و أي ليلة هي؟ فقلت سابعة تمشي تمضي- أو سابعة تبقى- من العشر الأواخر، فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس: فقلت: خلق اللّه سبع سماوات و سبع أرضين و سبعة أيام، و انّ الشهر يدور على سبع، و خلق الإنسان من سبع، و يأكل من سبع و يسجد على سبع، و الطواف بالبيت سبع، و رمي الجمار سبع، لأشياء ذكرها فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنّا له (1).
و في المستدرك: فقال عمر لابن عباس: ما لك يا ابن عباس لا تتكلم؟
قال: إن شئت تكلمت.
قال: ما دعوتك إلّا لتكلم.
فقال: أقول برأيي.3.
1) تفسير ابن كثير 4/ 533، و تاريخه 8/ 299. و تاريخ الإسلام للذهبي 3/ 33.
فقال: عن رأيك اسألك، فقلت: إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى أكثر ذكر السبع ... الحديث.
فقال عمر: أ عجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الّذي لم تستو شئون رأسه؟
ثمّ قال: إنّي كنت نهيتك أن تكلم فإذا دعوتك معهم فتكلم (1).
قال ابن كثير في ترجمة ابن عباس: كان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، و ذو اللسان السئول، و القلب العقول (2).
و في سير اعلام النبلاء قال المهاجرون لعمر: أ لا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟
فقال: ذاكم فتى الكهول ... (3).
و روي عن ابن عباس و قال: قال لي أبي: إنّ عمر يدنيك، و يجلسك مع أكابر الصحابة، فاحفظ عنّي ثلاثا: لا تفشينّ له سرّا، و لا تغتابنّ عنده أحدا، و لا يجربنّ عليك كذبا (4).
و روى ابن كثير و قال: إن عمر و عثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، و كان يفتي في عهد عمر و عثمان إلى يوم مات (5).
و روى الذهبي في ترجمته عن طلحة بن عبيد اللّه انّه قال: و ما كنت أرى0.
عمر يقدّم عليه أحدا.
و روى الذهبي- أيضا- و قال: كان عمر يستشير ابن عباس في الأمر اذا همه، و يقول غص غواص.
و روى عن سعد بن أبي وقاص انّه قال: لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، ثمّ لا يجاوز قوله، و ان حوله لأهل بدر (1).
هكذا استطاع عمر الخليفة أن يروّض كبار الصحابة، ليقترئوا القرآن عند هذا الفتى، فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس أنّه قال:
(كنت اقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرّحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى و هو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع عبد الرّحمن ...) (2).
كلّ ما مرّ بنا من اسئلة الخليفة عمر من ابن عباس كان عن تفسير القرآن و سمّوا ذلك بالإفتاء.
إذا فإنّ الإفتاء كان يستعمل في كلامهم، و يقصد به كلّ بيان رأي في أمر ديني، و كذلك الإفتاء في أخبار امّ المؤمنين كما مرّ بنا ذكره.
و يظهر ممّا سئل من ابن عباس في ذلك العصر، و أجاب عنه ان ابن عباس كان يعلم ما ينبغي أن يحدّث به، فقد روى ابن كثير و قال:
إنّ عمر كان يقول: أقلّوا الرواية عن رسول اللّه (ص) إلّا في ما يعمل به (3).ة.
ولد ابن عباس في السنة الثالثة قبل الهجرة، و توفّي الرسول (ص) و قد ناهز الحلم.
ولدت امّ المؤمنين عائشة في السنة الرابعة من البعثة و دخلت بيت الرسول (ص) بعد غزوة بدر، و توفّي الرسول (ص) و عمرها ثماني عشرة سنة و بقيت في بيته ثماني سنوات و خمسة أشهر.
و تزوّج الرسول (ص) سودة قبلها، و دخلت بيت الرسول (ص) قبلها، و توفيت سنة أربع و خمسين.
و تزوّج الرسول (ص) امّ سلمة بعد غزوة أحد، و توفّيت في خلافة يزيد، بعد استشهاد الإمام الحسين (ع).
و على هذا أدرك ابن عباس حياة الرسول (ص) و هو صبيّ لم يبلغ الحلم بينما أدرك كبار الصحابة حياة الرسول و هم في سنّ الرّشد الفكري و النضوج العقلي.
كما أدركت عائشة حياته و هي فتاة صغيرة تلعب مع أترابها باللّعب، كما حدّثت هي بذلك (1)، بينما أدركت سودة حياة الرسول (ص) قبلها و امّ سلمة مقارنا لزمانها، و قد بلغتا من جلال السنّ و النّضج العقلي ما يؤهّلهما لتفقّه سنّة الرسول (ص) أكثر من عائشة. يا ترى ما السبب في أن يبلغ ابن عباس مقام المشير من الخليفة عمر، و لم تحنّكه التجارب في الحرب و السلم؟ و ما الّذي أهله ليتربّع على دست الفتيا على عهد الخليفتين عمر و عثمان إلى يوم مات!؟
1) البخاري 4/ 47، كتاب الأدب، باب الانبساط؛ و طبقات ابن سعد، ط. اوربا 8/ 40- 45؛ و مسند أحمد 6/ 166 و 233 و 234.
و ما السبب في أن تنفرد امّ المؤمنين عائشة بالإفتاء على عهد عمر و عثمان و تستمر في الفتيا إلى يوم وفاتها؟! و الجواب: أن ما كان من قيامهما بالإفتاء بعد عهد عمر فهو امتداد لعملهما بالإفتاء على عهد عمر و بإرجاع الخليفة المهيب إليهما! و ما كان من سبب إرجاع الخليفة عمر إلى امّ المؤمنين عائشة و هي فتاة في مقتبل العمر فقد بيناه مفصّلا في كتابنا أحاديث (امّ المؤمنين عائشة)، و نشير إليه هنا.
و أمّا ابن عباس فهل كان عنده من علم الرسول (ص) و سنته ما لم يكن عند الصحابة السبّاقين إلى الإسلام في مكّة أمثال الإمام عليّ (ع) و ابن مسعود و عمّار بن ياسر و خبّاب بن الأرت و نظرائهم؟
و هل كان عنده ما رشحه لمقام المشير عند الخليفة من رجاحة العقل ما لم تكن عند الإمام عليّ؟ و من الحنكة ما لم تكن عند عبد الرّحمن بن عوف؟ و من الدراية في الامور ما لم تكن عند عثمان؟ و من الخبرة في الحروب ما لم تكن عند أبي عبيدة و خالد بن الوليد؟ و من الدّهاء ما لم يكن عند عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة! و لنا أن نقول: كان في تعريف الخليفة ابن عباس إلى ملأ من المسلمين حكمة، فقد كان المنافس القوي للخلافة عليّ بن أبي طالب ابن عمّ الرسول الذي قال فيه رسول اللّه (ص): (أنا مدينة العلم و عليّ بابها) (1)، و كان بمنزلة من العلم يعلمها العلماء و أهل البحث و كانوا يرجعون إليه في ما احتاجوا إلى معرفته.
و ترشيح ابن عباس لمقام الإفتاء و هو ضمن حاشية الخليفة فيه سدّ لهذه الخلّة.2.
1) أسد الغابة، ترجمة الإمام عليّ (ع) 4/ 22.
إضافة إلى أنّه كان يتجمل بابن عم الرسول في حاشيته، و ان ابن عباس و امّ المؤمنين عائشة كانا يعلمان كيف يفتيان ما لا يخالف سياسة الخلافة و يدل على هذا الأمر ما رواه ابن كثير و قال: كان يقول للصحابة (أقلّوا الرواية عن رسول اللّه (ص) إلّا في ما يعمل به) (1).
و ما أوردناه عن عبد الرّحمن بن عوف أنّه قال ما موجزه:
ما مات عمر بن الخطاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه (ص)، فجمعهم من الآفاق فقال: ما هذه الأحاديث الّتي أفشيتم عن رسول اللّه (ص) في الآفاق؟
قالوا: تنهانا؟! قال: لا، أقيموا عندي، لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم و نرد عليكم.
فما فارقوه حتى مات (2).
فقد كان عند الصحابة أحاديث عن رسول اللّه محظور عليهم روايتها و إذاعتها كما درسناها في بحث اختلاف المصاحف، و لا بدّ أن يكون عند كل من امّ المؤمنين عائشة و ابن عباس علم بالحديث المحظور روايته و إذاعته. و اعتمادا على درايتهما بسياسة الخلافة كان الخليفة يستفتيهما، و يرجع الآخرين اليهما.
إذا تدبّرنا في نوع الآيات الّتي كان الخليفة يوجّه الأسئلة عن تفسيرها إلى
ابن عباس، وجدناها تدور حول آيات ليس فيها مدح أو قدح لإنسان عملا بسياسة قريش في نهيهم عن نشر حديث الرسول لما فيه مدح أو قدح لإنسان لزعمهم أنها صدرت في حال رضا الرسول أو سخطه على ذلك الإنسان.
كان ذلكم في العلن.
أمّا في الخفاء فكان أحيانا و نادرا ما يجري الحديث المحظور، و من جملته ما رواه الطبري و البخاري و مسلم و غيرهم عن ابن عباس و اللفظ للأول قال:
قال ابن عباس:
مكثت سنة و أنا اريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين- المذكورتين في سورة التحريم- فما أجد له موضعا أسأله فيه، حتى خرج حاجا و صحبته حتى إذا كان بمرّ الظهران- على مرحلة من مكة- ذهب لحاجته، و قال: أدركني باداوة من ماء، فلمّا قضى حاجته و رجع أتيته بالإداوة أصبّها عليه فرأيت موضعا، فقلت: ... (1).
كان في حمل ابن عمّ الرسول الاداوة للخليفة تجمّل له، و في مثل هذا المقام وجد الفتى الذكي فرصة مناسبة ليسأل الخليفة في معزل عن الناس عن خبر محظور الحديث حوله.
و جلّ ما روي عن ابن عباس في التفسير تفسير لفظي لآيات القرآن الكريم.
كان ذلكم شأن ابن عباس و أحاديثه حول القرآن الكريم.
و إذا تدبّرنا أحاديث امّ المؤمنين عائشة، وجدنا كثيرا ممّا روي في فضائل الخليفتين تنتهي أسانيدها إليها، و وجدنا في أحاديثها إنكارا لبعض فضائل8.
1) تفسير الآية بتفسير الطبري 28/ 104- 105، و صحيح البخاري 3/ 137- 138، و 4/ 22، و صحيح مسلم، كتاب الطلاق، الحديث 31- 34، 2/ 1108، و مسند أحمد 1/ 48.
الإمام عليّ، كما مرّ بنا شيء منها في بحث الوصيّة من المجلّد الأوّل من كتاب معالم المدرستين، و الدراسة المفصّلة لأحاديثها منشورة في كتابنا (أحاديث امّ المؤمنين عائشة) و الحمد للّه.
و الحقّ أنّ كلا من امّ المؤمنين عائشة و عبد اللّه بن عباس كانا يمتازان بذكاء مفرط يستفيد منهما الخليفة في حسن تنفيذ سياسة الخلافة، و يدرك ذلك بوضوح في ما روي عن ابن عباس في تفسير القرآن على عهد الخليفة عمر و ما روي عن امّ المؤمنين عائشة في عامّة أيّام حياتها.
كان ذلكم شأن ابن عباس و امّ المؤمنين عائشة في أمر الإفتاء و تفسير القرآن ممّن صحب الرسول.
أمّا من علماء أهل الكتاب، فكان شأنهما في ذلك كالآتي.
أبو إسحاق كعب بن ماتع الملقب بكعب الاحبار و كعب الحبر، و اشتهر بكعب الأحبار، و الحبر عالم اليهود، و أحيانا يقال لغير علماء اليهود- أيضا- الحبر، و كان اليهود يسمّونه بكعب الأحبار لأنّه كان عنده جميع كتب اليهود أو لأنّه أحد كبار علمائهم، قالوا في ترجمته:
أ- كان من كبار علماء أهل الكتاب (1).
ب- كان من أحبار اليهود في اليمن، و جاء إلى المدينة في عصر الخليفة عمر، و يظهر ممّا ذكروا في ترجمته أنّه سافر من اليمن إلى المدينة، ليذهب منها إلى
1) تذكرة الحفاظ 1/ 52.
الأرض الموعودة لليهود: الشام (1).
يظهر ممّا ذكروا من أخبار كعب الأحبار مع الخليفة عمر أنّ الخليفة تدرّج في الركون إلى أقوال كعب في تفسير القرآن.
فقد روى السيوطي عن ابن عمر أنّه قال: تلا رجل عند عمر كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإسلام.
فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول اللّه (ص) صدّقناك.
قال: إنّي قرأتها قبل الإسلام كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها في الساعة الواحدة عشرين و مائة مرّة.
فقال عمر: هكذا سمعت من رسول اللّه (ص) (2).
و في رواية اخرى قال: ان عمر بن الخطاب قال: يا كعب ما عدن؟
قال: قصور من ذهب في الجنّة يسكنها النبيّون و الصدّيقون و أئمّة العدل.
و في قوله وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ قال: العذاب (3).
و ارتفع مقامه عند الخليفة على حسب ما يظهر من الرواية الآتية:
عن كعب قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فقال: خوّفنا يا كعب، فقلت:
يا أمير المؤمنين! أو ليس فيكم كتاب اللّه و حكمة رسوله؟ قال: بلى و لكن خوّفنا، قلت: يا أمير المؤمنين! لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملك مما7.
ترى، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق و رجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين ان جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب و لا نبي مرسل إلّا خرّ جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليله ليخر جاثيا على ركبتيه فيقول رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلّا نفسي، فأطرق عمر مليا، قلت: يا أمير المؤمنين! أ و ليس تجدون هذا في كتاب اللّه؟ قال: كيف قلت قول اللّه في هذه الآية: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (1).
و قال عمر لكعب: ما أوّل شيء ابتدأه اللّه من خلقه؟
فقال كعب: كتب اللّه كتابا لم يكتبه بقلم و لا مداد، و لكن كتب باصبعه يتلوها الزبرجد و اللؤلؤ و الياقوت: أنا اللّه لا إله إلّا أنا سبقت رحمتي غضبي (2).
و سأل كعبا فقال: أخبرني عن هذا البيت ما كان أمره؟
فقال: إن هذا البيت أنزله اللّه من السماء ياقوتة حمراء مجوفة مع آدم فقال يا آدم انّ هذا بيتي، فطف حوله و صلّ حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي و تصلّي، و نزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، ثمّ وضع البيت على القواعد، فلمّا أغرق اللّه قوم نوح رفعه اللّه إلى السماء و بقيت قواعده (3).
و سأل عمر بن الخطاب كعبا عن الحجر، فقال: مروة من مرو الجنة (4).
و على أثر اعتماد الخليفة عليه، ركن الآخرون إلى كعب، كما يظهر ذلك ممّا5.
رواه- أيضا- السيوطي و قال:
و عن عبد اللّه بن الحارث قال: كنت عند عائشة، و عندها كعب، فذكر إسرافيل (ع)، فقالت عائشة: اخبرني عن إسرافيل (ع).
قال: له أربعة أجنحة جناحان في الهواء، و جناح قد تسرول به، و جناح على كاهله و القلم على أذنه. فإذا نزل الوحي كتب القلم و درست الملائكة و ملك الصور أسفل منه جاث على احدى ركبتيه و قد نصب الاخرى، فالتقم الصور فحنى ظهره و طرفه إلى إسرافيل ضمّ جناحيه ان ينفخ في الصور (1).
روى كعب عن النبي (ص) مرسلا، و عن عمر و صهيب و عائشة، و روى عنه من الصحابة ابن عمر و أبو هريرة و ابن عباس و ابن الزّبير و معاوية، و من كبار التابعين أبو رافع الصائغ و مالك بن عامر و سعيد بن المسيب و ابن امرأته تبع الحميري، و ممّن بعدهم عطاء و عبد اللّه بن ضمرة السلولي و عبد اللّه بن رباح الأنصاري و آخرون (2).
و قال رأس الجالوت لهم: إن كل ما تذكرون عن كعب بما يكون أنّه يكون إن كان قال لكم إنّه مكتوب في التوراة، فقد كذبكم، إنما التوراة كتابكم إلّا أن كتابكم جامع يسبح للّه ما في السماوات و ما في الأرض و في التوراة يسبح للّه الطير و الشجر و كذا و كذا.
و إنّما الّذي يحدّث به كعب عمّا يكون من كتب أنبياء بني إسرائيل و أصحابهم كما تحدّثون أنتم عن نبيّكم و عن أصحابه.
و أحيانا كان الصحابة يردّون على كعب ما يرويه كالخبر الآتي:8.
قال: بلغ حذيفة أن كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب كالرحى، فقال كذب كعب، إنّ اللّه يقول إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، و وقع ذكره في عدّة مواضع في الصحيح منها عند مسلم في حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ (ص) قال: (إذا أدّى العبد حقّ اللّه و حق مواليه كان له أجران)، قال أبو هريرة فحدثت به كعبا فقال ليس عليه حساب و لا على مؤمن زهد (1).
و ذكر أبو الدرداء كعبا فقال: إنّ عند ابن الحميريّة لعلما كثيرا (2).
روى ابن أبي داود في باب كتابة المصاحف حفظا من كتابه المصاحف، ص 137 بسنده و قال ما موجزه:
جاء رجل إلى عمر و هو يعرفه، فقال: يا أمير المؤمنين! جئتك من الكوفة و تركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه.
قال: فغضب عمر، و قال: من هو ويحك!؟
قال: هو عبد اللّه بن مسعود.
فتسرّى عنه الغضب و عاد إلى حالته.
و إذا علمنا ان ابن مسعود كان الموفد من قبل الخليفة لإقراء القرآن في الكوفة و أن الإقراء كان في حالة كهذه في مسجد البلد أدركنا أن عدد تلاميذه كان يبلغ الألوف ممّن يكتبون في مصاحفهم ما يملي عليهم ابن مسعود من القرآن.
و روى السيوطي بسنده في الإتقان 2/ 170 و قال: إنّ الخليفة عمر وجد مع رجل مصحفا قد كتبه بقلم دقيق، فكره ذلك و ضربه، و قال: عظّموا كتاب اللّه تعالى.
قال: و كان عمر إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به.
في مصاحف ابن أبي داود السجستاني عن عطيّة بن قيس قال: انطلق ركب من أهل الشام إلى المدينة يكتبون مصحفا لهم، فانطلقوا معهم بطعام و إدام و كانوا يطعمون الّذين يكتبون لهم، فكان ابي يمرّ عليهم يقرأ القرآن فقال عمر:
يا ابيّ! كيف وجدت طعام الشام؟ قال: لاوشك إذا ما نسيت أمر القوم ما أصبت لهم طعاما و لا إداما (1)
و عطية بن قيس الكلابي: أبو يحيى الحمصي و يقال الدمشقي، و قال عبد الواحد بن قيس كان الناس يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس، و توفّي سنة 110 ه. تهذيب التهذيب 7/ 228.
.و روى البخاري و قال: كان القرّاء أصحاب مجلس عمر و مشاورته كهولا كانوا أم شبّانا (2).
و روى المتقي في كنز العمال، و قال: كتب عمر بن الخطاب إلى امراء الأجناد أن ارفعوا إليّ كلّ من حمل القرآن حتى الحقهم في الشرف من العطاء و ارسلهم في الآفاق يعلّمون الناس، فكتب إليه الأشعري انّه بلغ من قبلي من حمل القرآن ثلاثمائة و بضع رجال (3).
عن محمّد بن كعب القرظي، قال: جمع القرآن في زمان النبي (ص) خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، و عبادة بن الصامت، و ابيّ بن كعب، و أبو أيوب، و أبو الدرداء.
فلمّا كان زمان عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان، انّ أهل الشام قد كثروا و ربلوا و ملئوا المدائن، و احتاجوا إلى من يعلّمهم القرآن، و يفقّههم فأعن يا أمير المؤمنين برجال يعلّمونهم.
فدعا عمر اولئك الخمسة، فقال لهم: إنّ إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن و يفقّههم في الدّين، فأعينوني رحمكم اللّه بثلاثة منكم، إن أحببتم فاستهموا، و إن انتدب منكم ثلاثة فليخرجوا.
فقالوا: ما كنّا لنساهم، هذا شيخ كبير- لأبي أيوب-، و أمّا هذا، فسقيم- لابيّ ابن كعب-.
فخرج معاذ بن جبل و عبادة و أبو الدرداء، فقال عمر: ابدءوا بحمص، فإنّكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فاذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، و ليخرج واحد إلى دمشق، و الآخر إلى فلسطين.
فقدموا حمص، فكانوا بها حتى اذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، و رجع أبو الدرداء إلى دمشق، و معاذ إلى فلسطين.
فأمّا معاذ، فمات عام طاعون عمواس، و أمّا عبادة، فسار بعد إلى فلسطين فمات بها، و أمّا أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتّى مات (1).7.
1) كنز العمال 2/ 365- 366، الحديث رقم 1883، ط. حيدرآباد سنة 1364 ه، و طبقات ابن سعد، ط. أوربا 2/ ق 2/ 114، و ط. بيروت 2/ 357.
أ- كان القرّاء يشاركون جنود المسلمين في سكنى مراكز الجنود مثل الكوفة و البصرة، فأراد الخليفة أن يوظّف القرّاء للإقراء في آلاف البلاد الّتي فتحت على عهده.
ب- كان الخليفة دوّن دواوين للعطاء، و فضّل فيه بعضهم على بعض، فقد فرض- مثلا- لأهل بدر خمسة آلاف درهم، و لمن حضر أحدا بعد أهل بدر أربعة آلاف، و لمن بعدهم أقلّ من ذلك إلى ثلاثمائة درهم و مائتين (1)، و عليه يكون الشّرف من العطاء الّذي رفع إليه الخليفة عمر القرّاء خمسة آلاف درهم.
و بعث القرّاء للإقراء في البلاد الإسلامية مثل ابن مسعود الّذي بعثه للإقراء في الكوفة، و عبادة بن الصامت و معاذ بن جبل و أبي الدرداء للشام، و نصب عبد الرّحمن بن ملجم مقرئا لمصر.
و كان يضيف لبعضهم مع الإقراء وظيفة اخرى كما روى ابن الأثير في أسد الغابة بترجمة عبادة و قال: (أرسله عمر بن الخطاب و أرسل معه معاذ بن جبل و أبا الدرداء، ليعلّموا الناس القرآن بالشام و يفقّهوهم في الدّين، و أقام عبادة بحمص و أقام أبو الدرداء بدمشق و مضى معاذ إلى فلسطين) (2).
و قال: إنّ عبادة تولّى قضاء فلسطين.
و بلغ كثرة القرّاء في البلاد الإسلامية إلى حد أنّه خرج على الإمام بعد تحكيم الحكمين ثمانية آلاف من قراء الناس من بلد الكوفة (3).
و بسبب كل ما ذكرناه لم يكن يولد مولود في أي بقعة أرض من أراضي
المسلمين و لا يعتنق الإسلام إنسان ما على وجه الأرض منذ عصر الرسول حتى عصر الإمام عليّ (ع) إلّا و يشترك مع سائر المسلمين في حلبة السباق في تقارؤ القرآن مؤمنا كان أو منافقا، فالمؤمن طلبا لرضا اللّه و المنافق طلبا للشهرة في مجتمع كان القرآن فيه ميزانا للمفاضلة بين أهله.
و لذلك لما انتشرت الفتوح في عصر الخليفة عمر بلغ عدد القرّاء بين المسلمين ما لا يحصيه غير اللّه سبحانه.
و من أخبار القرّاء في هذا العصر ما رواه أبو نعيم بسنده عن أبي الأسود الدؤلي أنّه قال (1): جمع أبو موسى القرّاء، فقال: لا تدخلوا عليّ إلّا من جمع القرآن.
قال: فدخلنا عليه زهاء ثلاثمائة فوعظنا، و قال: أنتم قراء أهل البلد، فلا يطولن عليكم الأمد ...
و أيضا روى عن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري: أنّه جمع الّذين قرءوا القرآن فاذا هم قريب من ثلاثمائة، فعظم القرآن و قال: إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا ...
و قال: كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد- مسجد البصرة- يقعد حلقا، فكأنّي أنظر إليه بين بردين أبيضين يقرئني القرآن و منه أخذت هذه السورة (اقرأ باسم ربّك الّذي خلق)، قال أبو رجاء: فكانت أوّل سورة نزلت على محمّد رسول اللّه (ص).
1) حلية الأولياء لأبي نعيم 1/ 256 و 257.
كان ذلكم بعض أخبار القرّاء في هذا العصر، و في ما يأتي نذكر بحوله تعالى خبر اثنين منهم أكثر تفصيلا في ما يأتي:
أ- عبد الرّحمن بن ملجم المرادي:
قال ابن حجر في ترجمته من الإصابة:
(أدرك الجاهلية و هاجر في خلافة عمر و قرأ على معاذ بن جبل).
و قال في ترجمته بلسان الميزان:
شهد فتح مصر و اختطّ بها.
و انّ عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه، لأنّه كان من قرّاء القرآن و انّ عمر- الخليفة- كتب إلى عمرو أن قرّب دار عبد الرّحمن بن ملجم من المسجد ليعلّم الناس القرآن و الفقه (1).
ب- أبو الدرداء:
مثال عن كيفية الإقراء بعد الصحابة:
قال الذهبي في معرفة القرّاء الكبار، ص 38- 39 ما موجزه:
أبو الدرداء: عويمر الأنصاري الخزرجي، اختلفوا في اسم أبيه، قرأ القرآن على عهد النبيّ (ص)، تأخّر إسلامه عن بدر، و آخى الرسول بينه و بين سلمان، و قال:
كان أبو الدرداء إذا صلّى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، و على كل عشرة عريفا، و يقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فاذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك.0.
1) الإصابة 3/ 99، ط. مصر سنة 1358 ه، لسان الميزان 3/ 439- 440.
قال: طلب أبو الدرداء أن يعدّوا من يقرأ عنده القرآن، فعدّوهم ألفا و ستمائة و نيفا، و كان لكل منهم مقرئ.
و كان أبو الدرداء قائما عليهم، و كان إذا حكم الرجل منهم تحوّل إلى أبي الدرداء (1).
نجحت سياسة الخليفة في توجيه المسلمين إلى الاقتصار على ترديد النص القرآني دون معرفة شأن نزوله في جميع الموارد، و اتّبعه المسلمون في الرجوع عمّا تعوّدوه في عصر الرسول (ص) من تعلّم جميع ما في الآيات من علم و عمل إلى قراءة النص القرآني وحده (2).
و نشأ على أثر تلكم السياسة جيل من القرّاء فضّلتهم الخلافة على سائر المسلمين بمنحهم شرف العطاء، و كان كل ما لدى هؤلاء القرّاء، حفظ النص القرآني عن ظهر قلب و تكراره صباح مساء دون التفقه في الدين، و نشأ بذلك في كل بلد اسلامي طبقة متميّزة من سائر المسلمين يتمتعون باحترام خاصّ. و كان لهذه السياسة أثر بعيد كما بينا ذلك في بحث القرّاء، و أثر قريب سوف ندرسه في بحث تاريخ القرآن في عصر عليّ- إن شاء اللّه تعالى-.
كانت تلكم سياسة الخليفة عمر في عمله بسياسة الخليفة أبي بكر و تجريده القرآن و الإقراء من حديث الرسول، و في ما يأتي ندرس بإذنه تعالى خصائص المجتمع الإسلامي و أخبار القرآن على عهد الخليفة عثمان.
بما أنّ فهم كثير من روايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم متوقّف على دراسة ما جرى في الحكم الأموي لا سيّما ما جرى من قبل الخليفتين عثمان و معاوية و الأمير الحجّاج، ندرس بإذنه تعالى في ما يأتي ما جرى على عهدهم بشيء من التفصيل بعد ما بويع لعثمان مستهلّ محرّم عام 24 ه.
في الاغاني:
و عند ما ولي عثمان الخلافة دخل عليه أبو سفيان، فقال: يا معشر بني اميّة! إنّ الخلافة صارت في تيم و عديّ حتى طمعت فيها، و قد صارت إليكم فتلقّفوها بينكم تلقّف الصبيّ الكرة؛ فو اللّه ما من جنّة و لا نار؛ فصاح به عثمان:
(قم عنّي، فعل اللّه بك و فعل) (1).
و في رواية اخرى أنّه قال: يا بني اميّة! تلقّفوها تلقّف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان و ساءه ما قال (2).
و في رواية اخرى: دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كفّ بصره، فقال:
هل علينا من عين؟ قال: لا. فقال: يا عثمان! إنّ الأمر أمر عالميّة، و الملك ملك
جاهليّة، فاجعل أوتاد الأرض بني اميّة (1).
و في هذا العصر كان ما روي عنه: أنّه مرّ بقبر حمزة، و ضربه برجله، و قال: يا أبا عمارة! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس صار في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به (2).
سوف نرى في ما يأتي من بحوث- إن شاء اللّه تعالى- كيف نفّذ بنو اميّة وصيّة شيخهم و عميد اسرتهم في مدّة حكمهم بكلّ اتقان.
أمّا الخليفة الأموي عثمان، فقد أدنى أقرباءه، بدءا بعمّه الحكم بن أبي العاص الّذي استقدمه من الطائف إلى المدينة و كان الرسول (ص) لعنه و طرده إليها لما كان يتجسّس على الرسول (ص)، و يغمزه باصبعه كما في ترجمته في الإصابة.
و كان أبو بكر و عمر قد رفضا طلب عثمان و لم يأذنا له بالعودة إلى المدينة (3).
روى اليعقوبي في تاريخه في هذا الصدد و قال:
كان على الحكم يوم قدم المدينة فزر خلق (فزر الثوب: انشقّ و تقطّع و بلي) و هو يسوق تيسا حتى دخل دار عثمان و الناس ينظرون إلى سوء حاله
1) الأغاني 6/ 335، و في تهذيب ابن عساكر (6/ 409)، و هذا لفظه: (و عن أنس أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي، فقال: هل هاهنا أحد؟ فقال: لا. فقال: اللّهمّ اجعل الأمر أمر جاهلية، و الملك ملك غاصبية، و اجعل أوتاد الأرض لبني اميّة).
2) شرح النهج 4/ 51، الطبعة المصرية الاولى. و طبعة دار إحياء الكتب العربية، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم، 16/ 136.
3) الإصابة 1/ 344- 345، و الاستيعاب 1/ 118- 119.
و حال من معه، ثمّ خرج و عليه جبّة خزّ و طيلسان (1).
و قال ابن قتيبة في المعارف: أعطاه مائة ألف درهم (2).
و قال البلاذري في الأنساب: ولّاه صدقات قضاعة- حيّ في اليمن- فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها، و كان يجلسه على سريره، و لمّا مات بالمدينة ضرب على قبره فسطاطا (3).
و أدنى مروان بن الحكم صهره من ابنته امّ أبان، و اتّخذه كاتبا و أعطاه خمسمائة ألف دينار (خمس غنائم إفريقيا) (4).
و أقطع الحارث بن الحكم صهره من ابنته عائشة سوق مهزور بالمدينة و كان تصدق بها رسول اللّه (ص) على المسلمين (5)و اعطاه ثلاثمائة ألف درهم و قدمت إبل الصدقة، فوهبها له (6).
و أعطى سعيد بن العاص بن اميّة مائة ألف درهم (7).
و أعطى لعبد اللّه بن خالد بن اسيد بن أبي العاص بن اميّة ثلاثمائة ألف درهم و لكل رجل من قومه الف درهم (8)، اعطى عبد اللّه أربعمائة ألف درهم،8.
1) تاريخ اليعقوبي 2/ 164.
2) المعارف لابن قتيبة، ص 84.
3) أنساب الأشراف 5/ 28.
4) المعارف لابن قتيبة الدينوري، ص 84، و النهج لابن أبي الحديد 1/ 66، و العقد الفريد 4/ 283، و أنساب الأشراف 5/ 25 و 88، و مخطوطة تاريخ ابن عساكر، مصوّرة المجمع العلمي بطهران 11/ 1/ 140 أ.
5) المعارف لابن قتيبة الدينوري، ص 84، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/ 67، العقد الفريد 4/ 283.
6) أنساب الأشراف 5/ 28.
7) أنساب الأشراف 5/ 28.
8) أنساب الأشراف 5/ 28.
و زوج ابنته من عبد اللّه بن خالد بن أسيد، و أمر له بستمائة ألف درهم (1).
و أعطى أبا سفيان مائتي الف من بيت المال في اليوم الّذي أمر فيه لمروان ابن الحكم بمائة ألف من بيت المال (2). قال البلاذري: كان في بيت المال سفط فيه حليّ و جوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض اهله، فأظهر الناس الطّعن عليه في ذلك، و كلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فقال:
هذا مال اللّه اعطيه من شئت و أمنعه من شئت فأرغم اللّه أنف من رغم.
و في لفظ: لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء و إن رغمت انوف أقوام ... (3).
و جاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب و فضّة، فقسّمها بين نسائه و بناته، و أنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه و دوره (4).
و قال ابن سعد:
كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم و خمسمائة ألف درهم، و خمسون و مائة ألف دينار.
و ترك ألف بعير بالربذة و صدقات ببراديس و خيبر و وادي القرى قيمة مائتي ألف دينار (5).
و في ترجمة عثمان من انساب الأشراف للبلاذري و غيره: عن سليم، أبي عامر، قال: رأيت على عثمان بردا ثمنه مائة دينار.3.
و في رواية اخرى عن محمّد بن ربيعة بن الحارث قال: رأيت على عثمان مطرف خز ثمّنته مائة دينار فقال: هذا لنائلة كسوتها إيّاه فأنا ألبسه لأسرّها بذلك (1).
و قال الذهبي: كان قد صار له أموال عظيمة (رض) و له ألف مملوك (2).
و قال المسعودي: بنى في المدينة دارا و شيّدها بالحجر و الكلس، و جعل أبوابها من الساج و العرعر، و اقتنى أموالا و جنانا و عيونا بالمدينة.
و ذكر عبد اللّه بن عتبة انّ عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون و مائة ألف دينار و ألف ألف درهم و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين و غيرهما مائة ألف دينار و خلف خيلا كثيرا وابلا (3).
و يتلخّص ما جرى في مدّة خلافته ما رواه ابن سعد و قال: لمّا ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، و انّه لأحبّ إلى قريش من عمر بن الخطّاب، لأنّ عمر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم عثمان لان لهم و وصلهم، ثمّ توانى في أمرهم و استعمل أقرباءه و أهل بيته في السّت الأواخر، و كتب لمروان بخمس مصر، و اعطى أقرباءه المال، و تأوّل في ذلك الصّلة الّتي أمر اللّه بها، و اتخذ الاموال، و استسلف من بيت المال، و قال: إنّ أبا بكر و عمر تركا من ذلك ما هو لهما، و إنّي اخذته، فقسّمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
و روى- أيضا- و قال:2.
إنّ عثمان كان يقول: أيّها الناس! إنّ أبا بكر و عمر كانا يتأوّلان في هذا المال ظلف أنفسهما- يريدان المشقة لأنفسهما- و ذوي أرحامهما، و انّي تأوّلت فيه صلة رحمي (1).
و روى ابن عساكر في ترجمة عثمان عن الزهري و قال:
إنّ عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة، لأنّ عثمان كان يحبّ قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، و كان كثيرا ما يولّي بني اميّة ممّن لم يكن له مع النبيّ- عليه الصلاة و السلام- صحبة، فكان يجيء من امرائه ما ينكره أصحاب محمّد- عليه الصلاة و السلام- و كان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، و ذلك في سنة خمس و ثلاثين، فلمّا كان في الستّ الأواخر استأثر بني عمّه، فولّاهم و ما أشرك معهم، و أمرهم بتقوى اللّه، فولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه و يتظلّمون منه، و قد كان قبل ذلك من عثمان هناة إلى عبد اللّه بن مسعود، و أبي ذر، و عمّار بن ياسر، فكانت بنو هذيل و بنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، و كانت بنو غفار و أحلافها و من غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، و كانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمّار بن ياسر (2).
كانت تلكم أمثلة من سيرة الخليفة الأمويّ عثمان في الأموال، و كانت سيرته في توليته بني عمومته على رقاب المسلمين كما يأتي بيانه:
قال الذهبي في دول الإسلام، ص 24:
ثمّ أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان، لكونه يعطي المال لأقاربه و يولّيهم الولايات الجليلة، فتكلّموا فيه.
و في ما يأتي تفصيل الخبر:
أ- اتّخذ مروان كاتبا و وزيرا، و كان مروان يقطع الامور دونه، قال اليعقوبي في تاريخه (2/ 173): و كان الغالب عليه مروان بن الحكم و أبو سفيان ابن حرب.
ب- أقطع الحارث بن الحكم سوق المدينة (1).
ج- جمع بلاد الشام لمعاوية بن أبي سفيان (2).
د- جمع البصرة و بلاد فارس لابن خاله عبد اللّه بن عامر بن كريز (3).
ه- ولّى على الكوفة أخاه لأمّه الوليد بن عقبة بن أبي معيط ثمّ سعيدا (4).
و- ولّى على مصر و إفريقيا أخاه من الرضاعة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (5).).
1) المعارف لابن قتيبة الدينوري، ص 84، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/ 67، و العقد الفريد 4/ 283.
2) تاريخ الكامل لابن الأثير 3/ 44، و البداية و النهاية لابن كثير 8/ 124.
3) أنساب الأشراف 5/ 30، تاريخ الكامل لابن الأثير 3/ 37، البداية و النهاية لابن كثير 7/ 153- 154.
4) أنساب الأشراف (5/ 29 و 39)، و تاريخ الكامل لابن الأثير 3/ 39، و تاريخ اليعقوبي 2/ 165، و تاريخ الطبري 4/ 317، و الاغاني (4/ 175)، و البداية و النهاية لابن كثير 7/ 151.
5) أنساب الأشراف 5/ 26- 28، و أسد الغابة 3/ 173، و البداية و النهاية لابن كثير 7/ 250، و تاريخ الكامل لابن الأثير 3/ 33، و تاريخ اليعقوبي 2/ 165، و ذكر تفصيل أسماء عماله في تاريخ الكامل لابن الأثير (3/ 42).
و بذلك أصبحت جميع المدن الشامية و أجنادها تحت حكم معاوية، و البصرة و جندها و ما تبعها من المدن الخليجية تحت حكم عبد اللّه بن عامر، و الكوفة و جندها و الولايات الشرقية في إيران التابعة لها تحت حكم الوليد و سعيد، و مصر و جميع قارّة إفريقيا تحت حكم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (1).
و نحن نورد مختصر أخبار ولاته على الشام و الكوفة و البصرة و مصر، بإذن اللّه تعالى:
كان و اليه على الشام معاوية، و هذا خبره قبل ان يلي الشام و بعده:
(أسلم معاوية بعد فتح مكّة) (2)و اخباره قبل اسلامه مع أبيه في حروبه لرسول اللّه مشهورة، و رأى رسول اللّه (ص) ذات يوم أبا سفيان و هو راكب و معاوية و أخوه أحدهما قائد و الآخر سائق، فقال: (لعن اللّه الراكب و القائد و السائق) (3).
و تأخّر إسلامه بعد الفتح عن إسلام أبيه و لام أباه على إسلامه و أنشد قائلا:
يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنابعد الّذين ببدر أصبحوا مزقا خالي و عمّي (4)
و عم الامّ ثالثهمو حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركننّ إلى أمر تكلّفناو الراقصات به في مكة الخرقا
1) تاريخ دمشق لابن عساكر، مخطوطة مصوّرة المجمع العلمي الإسلامي بطهران 11/ 1/ 140 ب.
2) أنساب الأشراف 1/ 532.
3) تذكرة الخواص، ص 201، و جمهرة خطب العرب 2/ 23، شرح نهج البلاغة 2/ 23.
4) لم نعرف لمعاوية (عمّا) قتل يوم بدر، و لعلّ الصّواب (جدّي) بدل (عمّي)، و من الجائز أنّه يقصد بقوله (عمّي) أحد أبناء عمومة أبيه الّذين قتلوا ببدر.
فالموت أهون من قول العداة لقد(حاد ابن حرب عن العزّى إذا فرقا) (1)و لمّا أسلم أعطاه الرسول (ص) (سهم المؤلّفة قلوبهم في غزوة حنين) (2)ثمّ استكتبه أشهرا قبل وفاته، و بعث إليه ذات يوم ابن عبّاس يدعوه ليكتب له، فوجده يأكل، فأعاده النبيّ في طلبه، فوجده يأكل إلى ثلاث مرّات، فقال النبيّ (لا أشبع اللّه بطنه) (3).
و خرج رسول اللّه في سفره، فسمع رجلين يتغنّيان و أحدهما يجيب الآخر و هو يقول:
يزال حواري تلوح عظامهزوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرا فقال النبيّ: (انظروا من هما؟)، فقالوا: معاوية و عمرو بن العاص، فرفع رسول اللّه (ص) يديه، فقال: (اللّهمّ اركسهما في الفتنة ركسا و دعّهما إلى النار دعّا) (4)
و (يزال) حذف منه (لا) كما يقال (زلت أفعل) أي: ما زلت أفعل، و (الحواري): الصاحب الناصح و أنصار الأنبياء، و (زوى عنه) منع عنه، و (يجن): يكفن و يدفن و في بعض النسخ (يحس) و المعنى في البيت لا يزال الناصر الناصح تلوح عظامه منع الحرب عن كفنه و دفنه. و (أركسه):
أعاده إلى الحالة السيئة، و (أركسه): نكسه، و في القرآن الكريم: وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا، و (الدع): الدّفع الشديد، العنيف.
.ف.1) رواه الزّبير بن بكار في المفاخرات، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/ 102، و جمهرة خطب العرب 2/ 23، و في تذكرة الخواص، ص 201 البيت الأوّل و الثالث حيث قال (طوعا) بدل (يوما) و (بنعمان به الحرقا) بدل (به في مكّة الخرقا)، و الخرق: ضعف الرأي بسوء التصرّف، الجهل و الحمق، و حاد عنه: مال عنه: و الفرق: الفزع.
2) تاريخ اليعقوبي 2/ 63.
3) أنساب الأشراف 1/ 532، و فيه هذه التتمّة: فكان معاوية يقول: لحقني دعوة رسول اللّه (ص)، و كان يأكل في كل يوم مرات أكلا كثيرا، و راجع صفين، و مسلما في صحيحه 4/ 2010، حديث 96 في باب (من لعنه النبيّ (ص))، و شرح نهج البلاغة 1/ 355، سير أعلام النبلاء 3/ 123، و البداية و النهاية لابن كثير 8/ 119.
4) في مسند أحمد 4/ 421 عن أبي برزة الأسلمي و لفظه (فقالوا فلان و فلان)، و في صفين لنصر بن مزاحم، ص 246 الحديث عن أبي برزة كذلك، و فيه تصريح باسميهما- معاوية و عمرو بن العاص-، و أخرجه ابن عقيل في ص 59 من النصائح الكافية عن أبي يعلى بهذا السند، و عن الطبراني في الكبير بسنده إلى ابن عباس. و أخرجه السيوطي في اللّآلئ المصنوعة، باب مناقب سائر الصحابة عن أبي يعلى عن أبي برزة، و أخرجه أيضا عن الطبراني في الكبير عن ابن عباس و أخرجه عن سيف بعد أن مسخه، راجعه في 1/ 427.
و قال: (إذا رأيتموهما اجتمعا، ففرّقوا بينهما، فانّهما لن يجتمعا على خير) (1)
في صفين 245- 246 أن زيد بن أرقم دخل على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلمّا رأى ذلك جاء حتّى رمى بنفسه بينهما و حدّثهما بهذا الحديث: (إذا رأيتم معاوية و عمرو ابن العاص مجتمعين، ففرّقوا بينهما فإنّهما لن يجتمعا على خير).
.و لمّا استخلف أبو بكر بعد الرسول، و أرسل في السنة الثالثة عشرة من الهجرة أخاه يزيد بن أبي سفيان مع الامراء لغزو الشام سار معاوية تحت لواء أخيه يزيد.
(و على عهد عمر، لمّا طعن يزيد سنة ثماني عشرة بالطاعون و احتضر، استعمل أخاه معاوية على عمله دمشق و جندها، فأقرّه الخليفة عليها) (2).
(لمّا دخل عمر الشام، تلقّاه معاوية في موكب عظيم، فقال عمر: هذا كسرى العرب، فلمّا دنا منه سأله عمر عن ذلك مع وقوف ذوي الحاجات ببابه
فاعتذر معاوية انّهم بأرض جواسيس العدو بها كثير، و لذلك ينبغي أن يعيش كذلك) (1).
و أرسل الخليفة عمر عبادة بن الصامت مقرئا لأهل الشام، فغزا معاوية غزاة، فغنموا آنية من فضّة، فأمر معاوية أن تباع في أعطية الناس بمثلي ما فيه من الفضة فتسارع الناس إلى شرائها، فبلغ عبادة بن الصامت فقال: إني سمعت رسول اللّه (ص) ينهى عن بيع الذهب بالذهب و الفضّة بالفضّة ... إلّا سواء بسواء و عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
فردّ الناس ما أخذوه؛ فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدّثون عن رسول اللّه أحاديث قد كنّا نشهده و نصحبه فلم نسمعها منه.
فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصّة، ثمّ قال: لنحدّثن بما سمعنا من رسول اللّه (ص) و إن كره معاوية أو قال: و إن رغم، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء (2)
و عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي، شهد مشاهد رسول اللّه كلّها و عاش إلى سنة أربع و ثلاثين، و توفّي بالرملة أو ببيت المقدس، و دفن هناك، ترجمته في الاستيعاب، ص 412، و أسد الغابة 3/ 160، و تهذيب ابن عساكر 7/ 209- 217، و الإصابة 2/ 260، و سير أعلام النبلاء 2/ 5- 11.
و في مسند أحمد 5/ 319؛ و النّسائي 7/ 274 إنّي و اللّه لا أبالي أن لا أكون بأرض يكون بها معاوية.و في أسد الغابة و النبلاء بترجمة عبادة: أنّ عبادة أنكر على معاوية شيئا فقال: لا اساكنك بأرض، فرحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره1.
بفعل معاوية؛ فقال له: ارحل إلى مكانك، فقبّح اللّه أرضا لست فيها و أمثالك فلا إمرة له عليك (1).
كان ذلكم في عصر عمر، و لما استخلف عثمان الأموي ولّاه على جميع بلاد الشام و أرخى له زمامه فانطلق معاوية على سجيته لا يردعه عمّا يشتهيه رادع.
و في هذا العصر، جرى له مع عبادة بن الصامت ما رواه ابن عساكر و الذهبي (2)و قالا:
إنّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة (3)و هو بالشام تحمل الخمر؛ فقال:
ما هذه؟ أ زيت؟
قيل: لا، بل خمر يباع لفلان.
فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلّا بقرها- و أبو هريرة إذ ذاك بالشام- فأرسل فلان إلى ابي هريرة، فقال: أتمسك عنا أخاك عبادة؛ أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذّمة متاجرهم، و أمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلّا شتم أعراضنا و عيبنا! قال: فأتاه أبو هريرة فقال: يا عبادة! ما لك و لمعاوية؟ ذره و ما حمل.
فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع و الطاعة؛ و الأمر بالمعروف و النهيد.
1) أسد الغابة 3/ 160، رقم الترجمة 2789، و سير أعلام النبلاء 2/ 5.
2) تهذيب ابن عساكر 7/ 214، و سير اعلام النبلاء 2/ 10، و مسند أحمد 5/ 325 عن ابن خيثم حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري، غير انّ الحديث حذف من أوّله في مسند أحمد، و جاء هكذا: (حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري) فذكر الحديث (فقال عبادة: يا أبا هريرة إنّك لم تكن معنا إذ بايعنا) ثمّ ساق الحديث إلى آخره.
3) (القطارة): الإبل تسير على نسق: واحدا خلف واحد.
عن المنكر، و ألّا تأخذنا في اللّه لومة لائم، فسكت أبو هريرة.
و كتب معاوية إلى عثمان: أنّ عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام و أهله، فإمّا أن تكفّه إليك، و إمّا أن اخلّي بينه و بين الشام.
فكتب إليه: أن رحّل عبادة حتى ترجعه إلى داره بالمدينة.
قال: فدخل على عثمان، فلم يفجأه إلّا و هو معه في الدار؛ فالتفت إليه فقال: ما لنا و لك؟
فقام عبادة بين ظهرانيّ الناس؛ فقال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: سيلي أموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون؛ و ينكرون عليكم ما تعرفون؛ فلا طاعة لمن عصى و لا تضارّوا بربكم.
و في رواية ابن عساكر بعد هذا: فو الّذي نفس عبادة بيده إنّ فلانا- يعني معاوية- لمن اولئك فما راجعه عثمان بحرف؛ انتهى.
و قصّة معاوية مع الصحابة في شربه الخمر، لم تقتصر على ما كان بين معاوية و عبادة؛ فقد رووا أنّ عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري غزا في زمن عثمان و معاوية أمير على الشام، فمرّت به روايا خمر، فقام إليها برمحه، فبقر كلّ راوية منها؛ فناوشه الغلمان؛ حتى بلغ شأنه معاوية؛ فقال: دعوه فإنّه قد ذهب عقله، فبلغه فقال: كلّا و اللّه ما ذهب عقلي؛ و لكن رسول اللّه (ص) نهانا أن ندخل بيوتنا و أسقيتنا خمرا، و أحلف باللّه لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول اللّه (ص) لأبقرنّ بطنه أو لأموتنّ دونه (1)
و أخرجه الثلاثة، و في الاستيعاب، ص 400 ذكره مبتورا، و أشار إليه في آخر ترجمته في تهذيب التهذيب 6/ 192.
.2.1) بترجمته في الإصابة 2/ 394، و في أسد الغابة 3/ 299 إلى قوله و (أسقيتنا) ثمّ قال:
و أخرج ابن حنبل في مسنده 5/ 347 عن عبد اللّه بن بريدة، قال:
دخلت أنا و أبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثمّ اتينا بالطعام، فأكلنا، ثمّ اتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثمّ ناول أبي، ثمّ قال: ما شربته منذ حرّمه رسول اللّه (ص) ... الحديث.
و له قصص اخرى في الخمر أخرجها ابن عساكر في تاريخه (1).
و في هذا العصر- عصر عثمان- كان لمعاوية مع أبي ذرّ قصص يطول شرحها، و نحن نوردها هنا بإيجاز من ترجمة عثمان في أنساب الأشراف (5/ 54- 55)، قال البلاذري:
لمّا ولي عثمان، و أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه، و أعطى الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم، و زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يتلو:
وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. (التّوبة/ 34) و جرى بينه و بين عثمان في ذلك محاورات فأمره أن يلتحق بالشام، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، و بعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار، فقال:
إن كان من عطائي الّذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها.
و بنى معاوية قصره الخضراء بدمشق، فقال: يا معاوية! إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة، و إن كانت من مالك فهذا الإسراف، فسكت معاوية.2.
1) منها قصّة اخرى له مع عبادة بن الصامت عند ما كان بانطرسوس، أخرجها في تهذيب ابن عساكر 7/ 213؛ و منها قصّته مع عبد اللّه بن الحارث بن اميّة بن عبد شمس 7/ 346، و أشار إليه ابن حجر بترجمته في الإصابة 2/ 282.
و كان أبو ذر يقول: و اللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها، و اللّه ما هي في كتاب اللّه و لا سنّة نبيّه، و اللّه إنّي لأرى حقّا يطفأ و باطلا يحيى، و صادقا يكذّب، و أثرة بغير تقى، و صالحا مستأثرا عليه (1)، و كان الناس يجتمعون عليه، فنادى منادي معاوية ألّا يجالسه أحد (2).
و في رواية أنّ معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح اللّيل فأنفقها، فلمّا صلّى معاوية الصبح، دعا رسوله فقال: اذهب إلى أبي ذر، فقل انقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنّي أخطأت. قال: يا بني، قل له: يقول لك أبو ذر: و اللّه ما أصبح عندنا منه دينار و لكن أنظرنا ثلاثا حتى نجمع لك دنانيرك.
فلمّا رأى معاوية أن قوله صدق فعله؛ كتب إلى عثمان: أما بعد؛ فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله؛ فابعث إلى أبي ذر، فإنّه و غل صدور الناس ... الحديث (3).
و في أنساب الأشراف: فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد، فاحمل جندبا على أغلظ مركب و أوعره.
فوجّه معاوية من سار به اللّيل و النّهار (4).
و في تاريخ اليعقوبي (5): فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء؛ فقدم به إلى المدينة و قد ذهب لحم فخذيه.
و في مروج الذهب (6)
(و الصقالبة): قوم كانت بلادهم تتاخم بلاد الخزر.
: فحمله على بعير عليه قتب يابس. معه خمس منر.الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة و قد تسلّخت أفخاذه و كاد أن يتلف.
و في الأنساب: فلمّا قدم أبو ذر المدينة، جعل يقول: تستعمل الصبيان، و تحمي الحمى، و تقرب أولاد الطّلقاء! فسيّره إلى الربذة، فلم يزل بها حتى مات.
و كان مكث أبي ذر في الشام سنة واحدة، فقد ذكر المؤرخون أن تسفيره من المدينة إلى الشام كان سنة تسع و عشرين؛ و في سنة ثلاثين شكاه معاوية إلى عثمان، فجلبه إلى المدينة، ثمّ نفاه إلى الربذة، فتوفي بها سنة إحدى و ثلاثين أو اثنتين و ثلاثين (1).
و لمعاوية- أيضا- قصص طويلة مع قراء أهل الكوفة الّذين سيرهم عثمان إلى الشام أوردها البلاذري في أنساب الأشراف (2)و قال في آخر خبرهم ما موجزه:
بلغ معاوية أن قوما من أهل دمشق يجالسونهم، فكتب إلى عثمان انّك بعثت إلي قوما أفسدوا مصرهم و انغلوه، و لا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي و يعلموهم ما لا يجيدونه حتّى تعود سلامتهم غائلة و استقامتهم اعوجاجا.
فكتب- عثمان- إلى معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص، ففعل.
و إنما كان معاوية يشكو من بقاء صحابة النبي كأبي ذر، و عبادة بن الصامت و غيرهما من التابعين و قرّاء المسلمين و أخيارهم في الشام خشية أن يعرّفوا أهل الشام ما خفي عنهم من الإسلام و أحكامه، فلا يستطيع معاوية آنذاك أن يعيش فيهم عيشة كسرى و قيصر.
و كان الخليفة عثمان عند حسن ظنّ أبناء عمومته الّذين ولّاهم على المسلمين كما شرحنا ذلك في فصل (في عصر الصهرين) من كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة، و أطلق لهم العنان، ففعلوا في ولاياتهم ما شاءوا، و كان منهم معاوية، الّذي استطاع أن يربّي أهل الشام مدّة اثنتي عشرة سنة (24- 36 ه)3.
زمان خلافة عثمان كما شاء أن يكونوا.
و عند ما قتل عثمان كان أهل الشام أطوع له من بنانه و استطاع أن يقاتل بهم الإمام عليّا كما سندرسه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
عزل الخليفة عثمان في السنة الثانية من خلافته سعد بن أبي وقاص عن الكوفة و ولّى عليها الوليد بن عقبة.
و كان سعد هو الّذي كوّف الكوفة بأمر عمر و أسكنها جيوش المسلمين، و كان هو قائدهم في فتح إيران، فكانوا يحبّونه و يحترمونه، فلمّا قدم الوليد الكوفة واليا قال له سعد: و اللّه ما أدري أ كست بعدنا أم حمقنا بعدك؟
فقال: لا تجزعنّ أبا إسحاق، فانّما هو الملك يتغدّاه قوم، و يتعشّاه آخرون (1).
فقال سعد: أراكم و اللّه ستجعلونها ملكا (2).
قال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس بعدك!
1) و روى البلاذري 5/ 29، قال له سعد: يا أبا وهب أ أمير أم زائر؟ قال: بل أمير، فقال سعد: ما أدري أ حمقت بعدك؟ قال ما حمقت بعدي و لا كست بعدك، و لكن القوم ملكوا فاستأثروا، فقال سعد: ما أراك إلّا صادقا.
2) الاستيعاب 2/ 604.
3) أسد الغابة 5/ 90- 91، الاستيعاب 2/ 603، تهذيب التهذيب 11/ 142- 143، و شرح نهج البلاغة 1/ 364، و البلاذري 5/ 35، و مروج الذهب للمسعودي 2/ 336.
و عبدا لاميّة، فتبنّاه و استلحقه بنسبه، و كان أبوه من أشدّ أعداء النبيّ بمكّة، و قتله صبرا في غزوة بدر، و أسلم الوليد بعد فتح مكة و بعثه النبيّ (ص) مصدقا إلى بني المصطلق، فعاد و أخبر النبيّ إنّهم ارتدّوا و منعوا الصّدقة، فبعث إليهم الرسول (ص) من استعلم حالهم فأخبروه بأنّهم متمسّكون بالإسلام و نزلت فيه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. (الحجرات/ 6) و قال البلاذري:
و استقرض من بيت المال مائة ألف، و كان على بيت المال عبد اللّه بن مسعود، و لما اقتضاه المال، كتب الوليد إلى عثمان، فكتب عثمان إلى ابن مسعود (إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد في ما أخذ من المال) فطرح ابن مسعود المفاتيح و قال: كنت أظن أني خازن للمسلمين فاما إذا كنت خازنا لكم، فلا حاجة لي في ذلك (1).
قال صاحب الاغاني:
و قدم عليه أبو زبيد الشاعر النصراني فوهب له دارا كانت لعقيل بن أبي طالب على باب مسجد الكوفة، فكان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد، فيسمر عنده، و يشرب معه، و يعود إلى بيته يشق المسجد و هو سكران.
و أجرى عليه وظيفة من خمر و خنازير في كل شهر فاستنكروا عليه ذلك فقوم ما كان وظف له دراهم و ضمها إلى رزق كان يجري عليه.
و أعطاه ما بين القصور الحمر من الشام إلى القصور الحمر من الحيرة جعله له حمى (2).2.
و قال المسعودي:
بلغه عن رجل يهودي في قرية من قرى الكوفة انّه يعمل أنواعا من السحر و الشعبذة يعرف ببطروني، فأحضره، فأراه في المسجد الاعظم ضربا من التخييل: أظهر له في اللّيل فيلا (1)عظيما على فرس يركض في صحن المسجد ثمّ صار اليهودي ناقة يمشي على حبل ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه ثمّ خرج من دبره ثمّ ضرب عنق رجل ففرّق بين جسده و رأسه، ثمّ أمرّ السيف عليه فقام الرجل، و كان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي، فخرج إلى السوق و دنا من بعض الصياقلة، و أخذ سيفا و اشتمل عليه، و جاء إلى الساحر، فضربه ضربة فقتله، ثمّ قال: أحي نفسك و قرأ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
فأنكر عليه الوليد ذلك، و أراد أن يقيّده به- أي يقتله به- فمنعه الأزد فحبسه و أراد قتله غيلة فسجنه، و لمّا رأى السجّان قيامه بالعبادة في اللّيل قال له: انج بنفسك، فقال له جندب: تقتل بي.
قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة اللّه و الدفع عن ولي من اولياء اللّه.
فلمّا أصبح الوليد دعا به و قد استعد لقتله، فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان و صلبه بالكناسة (2).
و قال المؤرّخون (3):
كان الوليد يشرب مع ندمائه و مغنيه من اول اللّيل إلى الصبح، فلما آذنه5.
المؤذنون بالصلاة خرج في غلائله- شعار يلبس تحت الثوب- فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح و صلّى بهم أربعا و قال: أ تريدون أن ازيدكم و قرأ بهم:
علق القلب الربابابعد أن شابت و شابا و أطال سجوده و قال في سجوده: اشرب و اسقني.
فقال له من كان بالصف الاوّل:
ما تريد لا زادك اللّه مزيد الخير، و اللّه لا أعجب إلّا ممن بعثك الينا واليا و علينا أميرا، فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، و يتمثل:
و لست بعيدا عن مدام و قينةو لا بصفا صلد عن الخير معزل الأبيات و أخذوا خاتمه من يده و هو سكران ما يعقل وقاء خمرا و ذهب خمسة من أهل الكوفة للشهادة عليه عند الخليفة، فضرب بعضهم، و دفع في صدر بعضهم و أوعدهم و تهددهم فذهبوا إلى الإمام عليّ و أخبروه بالقصّة فأتى عثمان و قال له: دفعت الشهود و أبطلت الحدود ...
و أراد الخليفة أن ينكّل بهم، فاستجاروا بعائشة، فسمع عثمان من حجرتها صوتا و كلاما فقال: أما يجد مرّاق أهل العراق و فسّاقهم ملجأ إلّا بيت عائشة، فسمعت فرفعت نعلا و قالت: تركت سنة رسول اللّه (ص) صاحب هذا النعل؟
فتسامع الناس فجاءوا حتّى ملئوا المسجد فمن قائل: ما للنّساء و لهذا؟
حتّى تحاصبوا و تضاربوا بالنعال ...
و في رواية: إنّ عائشة أغلظت لعثمان، و أغلظ لها.
و أتاه طلحة و الزّبير و قالا له: قد نهيناك عن تولية الوليد شيئا من امور المسلمين فأبيت و قد شهد عليه بشرب الخمر و السكر فاعزله.
و قال له عليّ: اعزله و حدّه إذا شهد عليه الشهود في وجهه.
فولّى عثمان سعيد بن العاص بن اميّة الكوفة و استقدم الوليد، و لمّا شهد الشهود في وجه الوليد انّه شرب الخمر، و أراد عثمان أن يحده البسه جبّة خز- ضرب من برود اليمن- و قال: من يضربه؟ فأحجم الناس لقرابته من الخليفة، فقام عليّ و ضربه، و بعد اجراء الحد عليه لم يحلقه الخليفة كما كان يفعل مع من يجري عليه الحد، و ولّاه بعد ذلك على جباية صدقات قبيلتي كلب و بلقين، و غزا الوليد زمان ولايته على الكوفة اذربيجان إلى ارمينية، ففتح، و قتل، و سبى، و ملأ يديه من الغنائم.
و لمّا قدم سعيد الكوفة ابى ان يصعد منبر المسجد الجامع حتى غسلوه، و عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة و جندها، و عثمان بن أبي العاص الثقفي عن عمان و البحرين و جندهما، و ولى عليهما ابن خاله عبد اللّه بن عامر بن كريز، و كتب عثمان إلى عبد اللّه بن عامر و سعيد بن العاص أيّكما سبق إلى خراسان فهو أمير عليها، فسبق إليها ابن عامر و افتتح نيسابور و ابرشهر و هراة و مرو الروذ، و صالح اهل تلك البلاد على ثلاثة آلاف ألف درهم و خمسة و سبعين ألف درهم و مائتي ألف أوقية.
و بلغه أنّ أهل مرو يريدون الوثوب عليه، فجرّد فيهم السيف حتّى أفناهم.
روى البلاذري بسنده و قال (1):
عزل عثمان (رض) الوليد بن عقبة عن الكوفة و ولّاها سعيد بن العاص و أمره بمداراة أهلها، فكان يجالس قرّاءها و وجوه أهلها و يسامرهم فيجتمع عنده
1) أنساب الأشراف 5/ 39- 43.
منهم: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، و زيد و صعصعة ابنا صوحان العبديّان، و حرقوص بن زهير السعدي، و جندب بن زهير الأزدي، و شريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي، و كعب بن عبدة النهدي، و كان يقال لعبدة بن سعد ذو الحبكة- و كان كعب ناسكا و هو الّذي قتله بسر بن أبي أرطأة بتثليث- و عدي ابن حاتم الجواد الطائي و يكنّى أبا طريف، و كدام بن حضري بن عامر، و مالك ابن حبيب بن خراش، و قيس بن عطارد بن حاجب، و زياد بن خصفة بن ثقف، و يزيد بن قيس الأرحبي، و غيرهم فانّهم لعنده و قد صلّوا العصر إذ تذاكروا السّواد و الجبل ففضلوا السواد و قالوا: هو ينبت ما ينبت الجبل و له هذا النخل، و كان حسّان بن محدوج الذهلي الّذي ابتدأ الكلام في ذلك، فقال عبد الرّحمن بن خنيس الأسدي صاحب الشرطة: لوددت أنّه للأمير و انّ لكم أفضل منه. فقال له الأشتر: تمنّ للأمير أفضل منه، و لا تمنّ له أموالنا.
فقال عبد الرحمن: ما يضرك من تمني حتى تزوي ما بين عينيك، فو اللّه لو شاء كان له.
فقال الأشتر: و اللّه لو رام ذلك ما قدر عليه.
فغضب سعيد و قال: إنّما السّواد بستان لقريش.
فقال الأشتر: أ تجعل مراكز رماحنا و ما أفاء اللّه علينا بستانا لك و لقومك؟
و اللّه لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه.
و وثب بابن خنيس فأخذته الأيدي.
فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان و قال: إنّي لا أملك من الكوفة مع الأشتر و أصحابه الّذين يدعون القرّاء و هم السفهاء شيئا. فكتب إليه أن سيّرهم إلى الشام. و كتب إلى الأشتر: إنّي لأراك تضمر شيئا لو أظهرته لحلّ دمك و ما أظنك منتهيا حتى يصيبك قارعة لا بقيا بعدها، فإذا أتاك كتابي هذا فسر إلى الشام لإفسادك من قبلك و إنّك لا تألوهم خبالا. فسيّر سعيد الأشتر و من كان
وثب مع الأشتر و هم: زيد و صعصعة ابنا صوحان، و عائذ بن حملة الطهوي من بني تميم، و كميل بن زياد النخعي، و جندب بن زهير الأزدي، و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني، و يزيد بن المكفف النخعي، و ثابت بن قيس بن المنقع النخعي، و أصعر (1)بن قيس بن الحارث الحارثي.
فخرج المسيّرون من قرّاء أهل الكوفة، فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو ابن زرارة فبرّهم معاوية و أكرمهم، ثمّ إنّه جرى بينه و بين الأشتر قول حتى تغالظا فحبسه معاوية فقام عمرو بن زرارة فقال: لئن حبسته لتجدنّ من يمنعه.
فأمر بحبس عمرو فتكلّم سائر القوم فقالوا: أحسن جوارنا يا معاوية! ثمّ سكتوا فقال معاوية: ما لكم لا تكلمون؟ فقال زيد بن صوحان: و ما نصنع بالكلام؟
لئن كنّا ظالمين فنحن نتوب إلى اللّه، و إن كنّا مظلومين فإنّا نسأل اللّه العافية.
فقال معاوية: يا أبا عائشة! أنت رجل صدق. و أذن له في اللحاق بالكوفة، و كتب إلى سعيد بن العاص: أمّا بعد: فإني قد أذنت لزيد بن صوحان في المسير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله و قصده و حسن هديه، فأحسن جواره، و كفّ الأذى عنه و أقبل إليه بوجهك و ودّك، فإنّه قد أعطاني موثقا أن لا ترى منه مكروها.
فشكر زيد معاوية و سأله عند وداعه إخراج من حبس، ففعل.
و بلغ معاوية أنّ قوما من أهل دمشق يجالسون الأشتر و أصحابه، فكتب إلى عثمان: إنّك بعثت إليّ قوما أفسدوا مصرهم و أنغلوه، و لا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي و يعلموهم ما لا يحسنونه، حتّى تعود سلامتهم غائلة، و استقامتهم اعوجاجا.
فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيّرهم إلى حمص، ففعل و كان و اليهار.
1) في أنساب الأشراف: أصعر، و في الإصابة: أصغر.
عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، و يقال: إنّ عثمان كتب في ردّهم إلى الكوفة فضجّ منهم سعيد ثانية، فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل.
و ذكر الواقدي و الطبري (1)و غيرهما ما دار بينهم و بين معاوية من كلام حول قريش و سياستهم على الناس و ان معاوية كتب اثر ذلك إلى عثمان:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد، يا أمير المؤمنين! فانّك بعثت إليّ أقواما يتكلّمون بألسنة الشياطين و ما يملون عليهم و يأتون الناس- زعموا- من قبل القرآن فيشبهون على الناس، و ليس كلّ النّاس يعلم ما يريدون و إنّما يريدون فرقة، و يقربون فتنة، قد أثقلهم الإسلام و أضجرهم، و تمكنت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرا من النّاس ممّن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، و لست آمن إن قاموا وسط أهل الشام أن يغرّوهم بسحرهم و فجورهم فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الّذي نجم فيه نفاقهم، و السلام.
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم إليه فلم يكونوا إلّا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا.
و كتب سعيد إلى عثمان يضج منهم، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيّرهم إلى عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد و كان أميرا على حمص و هم: الأشتر، و ثابت بن قيس الهمداني (2)و كميل بن زياد النخعي، و زيد بن صوحان و أخوه صعصعة، و جندب بن زهير الغامدي، و حبيب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد (3)58
و عمرو بن الحمق الخزاعي.
و كتب عثمان إلى الأشتر و أصحابه: أمّا بعد، فاني قد سيرتكم إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها، فإنكم لستم تأتون الإسلام و أهله شرّا، و السلام.
فلمّا قرأ الأشتر الكتاب قال: اللّهمّ أسوأنا نظرا للرعيّة، و أعلمنا فيهم بالمعصية، فعجّل له النقمة.
فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، و سار الأشتر و أصحابه إلى حمص، فأنزلهم عبد الرّحمن بن خالد الساحل، و أجرى عليهم رزقا.
و روى الواقدي أنّ عبد الرّحمن بن خالد جمعهم بعد أن أنزلهم أيّاما و فرض لهم طعاما ثمّ قال لهم: يا بني الشيطان! لا مرحبا بكم و لا أهلا، قد رجع الشيطان محسورا و أنتم بعد في بساط ضلالكم و غيكم، جزى اللّه عبد الرّحمن إن لم يؤذكم، يا معشر من لا أدري أعرب هم أم عجم، أ تراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية؟ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ عين الردّة، و اللّه يا ابن صوحان! لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى إن بلغني أن أحدا ممّن معي دقّ أنفك فأقنعت (1)رأسك.
قال: فأقاموا عنده شهرا كلّما ركب أمشاهم معه و يقول لصعصعة: يا ابن الخطية! إنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، ما لك لا تقول كما كنت تقول لسعيد و معاوية؟
فيقولون: نتوب إلى اللّه، أقلنا أقالك اللّه، فما زال ذاك دأبه و دأبهم حتىه.
1) قنع رأسه بالسيف: علاه به.
قال: تاب اللّه عليكم، فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم و يسأله فيهم فردهم إلى الكوفة (1).
نرى أنّ معاوية اجتهد حتى أرضى الخليفة بإعادة القرّاء المذكورين إلى الكوفة، و من ذلك ما رواه ابن ابي شيبة بسنده و قال:
إنّ رجلا من حمص يقال له كريب بن سيف- أو سيف بن كريب- جاء إلى عثمان فقال: ما جاء بك؟ أ بإذن جئت أم عاص؟
قال: بل نصيحة أمير المؤمنين، قال: و ما نصيحتك؟ قال: لا تكل المؤمن إلى إيمانه حتى تعطيه من المال ما يصلحه- أو قال: ما يعيشه- و لا تكل ذا الأمانة إلى أمانته حتى تطالعه في عملك، و لا ترسل السقيم إلى البريء ليبرئه، فإنّ اللّه يبرئ السقيم، و قد يسقم السقيم البريء، قال: ما أردت إلّا الخير، قال:
فردّهم، و هم زيد بن صوحان و أصحابه (2).
نرى أن معاوية هو الّذي أرسل الرجل الحمصي المذكور إلى الخليفة و علّمه أن يقول للخليفة ما قاله.
أصغر بن قيس بن الحارث الحارثي له ادراك. كان صاحب راية قومه يوم القادسية، الإصابة 1/ 117.
ثابت بن قيس بن منقع النخعي أبو المنقع. من الطبقة الوسطى من التابعين روى له النّسائي حديثا واحدا. من الثقات، تهذيب التهذيب 2/ 13. و تقريب
التهذيب 1/ 117.
جندب بن زهير الازدي ثمّ الغامدي. كان فيمن سيّره عثمان عنه من الكوفة إلى الشام. و كان على رجالة عليّ في صفين و قتل فيها. الإصابة 1/ 249 تهذيب التهذيب 2/ 118، أسد الغابة 1/ 303.
الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني. ثقة. أفقه الناس، أحسب الناس و أفرض الناس (ت: 65 ه)، تهذيب التهذيب 2/ 145.
زيد بن صوحان بن حجر الربعي العبدي. كان فاضلا دينا سيدا في قومه و صحب النبي (ص)، أسد الغابة 2/ 233- 234.
سعيد بن العاص بن اميّة. امّه امّ كلثوم بنت عمرو العامرية، كتب المصحف لعثمان و كان عامله على الكوفة، ولي المدينة لمعاوية (ت: 59 ه)، أسد الغابة 2/ 309- 310.
صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي. ثقة. كان سيدا فصيحا خطيبا دينا، أسلم على عهد رسول اللّه (ص)، و شهد صفين مع عليّ، نفاه معاوية إلى البحرين فمات بها (ت: 37 ه)، الاستيعاب بهامش الإصابة 2/ 189، و أسد الغابة 3/ 20، و الإصابة 2/ 192.
عدي بن حاتم الطائي: أسلم سنة سبع للهجرة، نزل الكوفة، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. شهد مع عليّ الجمل و صفين، توفّي بالكوفة زمن المختار سنة 68 ه، طبقات ابن سعد 6/ 22، و الاستيعاب بهامش الإصابة 3/ 142، و أسد الغابة 3/ 392- 394، و تهذيب التهذيب 7/ 166، و الإصابة 2/ 461.
عروة بن عياض بن أبي الجعد البارقي. استعمله عمر قاضيا على الكوفة.
أخرج حديثه أصحاب الصحاح الستّة. كان فيمن سيره عثمان من الكوفة إلى الشام، الاستيعاب، ص 491، و أسد الغابة 3/ 404، و الإصابة 2/ 468.
كميل بن زياد بن نهيك. كان شريفا مطاعا في قومه. شهد مع عليّ صفين و لما قدم الحجّاج الكوفة قتله سنة 82 ه، ابن سعد 6/ 179، و تهذيب التهذيب 8/ 447- 448.
عمرو بن الحمق الخزاعي. صحب الرسول (ص) بعد الحديبية. شهد مع عليّ الجمل و صفين و النهروان، رحل إلى الموصل هربا و خوفا من زياد، فقطع عامل الموصل رأسه و حمله إلى زياد، و زياد إلى معاوية، و كان أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد، و كان ذلك سنة 50 هجرية. الاستيعاب 2/ 404، و أسد الغابة 4/ 100- 101، و الإصابة 2/ 526.
مالك بن الحارث النخعي. أدرك الرسول (ص). كان رئيس قومه، شهد اليرموك فشتر عينه بها و لقب بالأشتر، شهد الجمل و صفين مع عليّ و ولاه عليّ مصر فدس إليه معاوية السم بالعسل. و توفّي متأثرا منه سنة 38 ه، أسد الغابة و الإصابة 3/ 459.
يزيد بن قيس الأرجي، أدرك حياة الرسول (ص)، كان رئيسا كبيرا عند الناس شهد مع عليّ صفين. الإصابة 3/ 675.
عزل عن البصرة و ما تبعها من بلاد إيران الصحابي أبا موسى الأشعري مقرئ أهل البصرة و فاتح جنوب ايران، و عثمان بن أبي العاص عن فارس و ولى عليهما ابن خاله عبد اللّه بن عامر بن كريز العبشمي و كان عمره أربعا و عشرين أو خمسا و عشرين سنة، روى الطّبري و ابن عساكر و اللّفظ لابن عساكر قال:
وفد يزيد بن خرشة الضبي إلى عثمان فقال: ما فيكم و ضيع فترفعونه أو فقير فتجبرونه عمدتم إلى نصف سلطانكم فأطعمتموه هذا الأشعري. فاستعمل
عثمان عبد اللّه بن عامر بن كريز و كان ابن خاله ... (1).
لعلّ التعصّب القبلي العدناني كان دافع يزيد إلى ما قال، فإنّ ضبّة من تميم و تميما من العدنانيين و الأشعريين من اليمانيّين القحطانيين، و إنّما قال (نصف سلطانكم) لأنّ أبا موسى كان قد فتح من بلاد إيران كوري الأهواز: سوق الأهواز و نهر تيري و غيرهما، ثمّ فتح مناذر و السوس و رامهرمز و تستر و جنديسابور و قم و كاشان و دينور و ماسبذان و كور مهرجانقذف (2).
مرّ بنا في بحث جمع القرآن أنّ الرسول (ص) ولّى عثمان بن أبي العاص على قومه بالطائف لأنّه كان أقرأهم للقرآن فكان يصلّي بهم و يقرئهم القرآن إلى عهد الخليفة عمر حين كتب إليه أن يستخلف على الطائف و يقبل إليه، فاستخلف أخاه فولّاه على البحرين و عمان و البلاد الخليجية الاخرى، ثمّ أمره أن يغزو فارس، فاستخلف أخاه، و غزا بجيشه فارس، و فتح في طريقه بعض الجزر في البحر ثمّ استولى على سواحل البلاد و فتح البلاد بلدة بعد اخرى حتّى انتهى إلى توج (بلدة قريبة من كازرون شديدة الحرّ بينها و بين شيراز ثلاثون فرسخا) فجعلها دارا للمسلمين و بنى بها المساجد يشتى فيها، و في غير الشتاء يغزو البلاد
1) تاريخ الطبري، ط. أوربا 1/ 2828 في أوّل ذكره أخبار سنة سبع و عشرين، و ترجمة عبد اللّه بن عامر من تاريخ ابن عساكر، مصوّرة مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق 9/ 2/ 232/ ب، و قد حذف الخبر ابن منظور في ترجمة عبد اللّه بن عامر من مختصر تاريخ دمشق.
2) راجع أخبار فتوح هذه البلاد بفتوح البلدان للبلاذري، ص 177. و ط. بيروت سنة 1377 ه، القسم الخامس، ص 531- 538.
و يفتتحها. و أمر الخليفة عمر أبا موسى أن يعينه فتعاونا على فتح البلاد حتى اتّصلت في ما بينهما، و على عهد الخليفة عثمان أراد أن يكرم ابن خاله عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فعزل عثمان بن سعيد و جمع لابن خاله الولاية على ما افتتحها عثمان بن سعيد و أبو موسى الأشعري، و كان عبد اللّه بن عامر من فتيان قريش جوادا من بيت مال المسلمين، و من أخباره في ذلك ما رواه ابن عساكر بترجمته من تاريخه و قال:
ارتجّ على عبد اللّه بن عامر بالبصرة يوم أضحى فمكث ساعة ثمّ قال: و اللّه لا أجمع عليكم عيّا و لؤما. من أخذ شاة من السوق فهي له و ثمنها عليّ، (و لم تحتمله البصرة فكتب إلى عثمان يستأذنه الغزو فأذن له) (1).
لعلّ المراد: لم يحتمل بيت مال البصرة نفقاته في العطاء لمن أمر فانّه بعد ما فتح بلادا كثيرة حج فأفشى في قريش و الأنصار الصلات و الكساء فأثنوا عليه.
و بسبب ذلك لمّا استعتب عثمان من عماله كان في ما شرطوا عليه أن يقرّ ابن عامر على البصرة، لتحبّبه إليهم وصلته هذا الحي من قريش، و بعد قتل الخليفة عثمان حمل بيت مال البصرة و ذهب إلى مكة ثمّ إلى الشام و مات قبل معاوية بسنة.
كان ذلكم أمثلة من أخبار بعض الولاة على عهد الخليفة عثمان، و كان لسروات قريش و الصحابة مواقف في تلك الأحداث، نذكر بعضها في ما يأتي:ب.
1) تاريخ ابن عساكر، مخطوطة الظاهرية، مصورة المجمع العلمي 9/ ق 2/ 231 ب و 233 ب.
أمّا ابن مسعود فهو أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي و امّه امّ عبد ودّ الهذلي. و كان أبوه حليف بني زهرة، أسلم قديما و جهر بالقرآن في مكة و لم يكن قد جهر به أحد من المسلمين قبله فضربته قريش حتى أدمته، و لمّا أسلم أخذه رسول اللّه (ص) إليه و كان يخدمه، و قال له: (اذنك عليّ أن تسمع سوادي (1)و يرفع الحجاب حتّى أنهاك)، فكان يلج عليه و يلبسه نعليه و يمشي معه و أمامه و يستره إذا اغتسل و يوقظه إذا نام، و كان يعرف في الصحابة بصاحب السواد و السواك.
هاجر الهجرتين جميعا إلى الحبشة و إلى المدينة و شهد بدرا و ما بعدها.
و قالوا فيه: كان أشبه الناس هديا و دلا و سمتا برسول اللّه (2).
سيّره عمر في عهده إلى الكوفة، و كتب إلى أهل الكوفة: و قد آثرتكم بعبد اللّه على نفسي (3)، فكان ابن مسعود يعلّمهم القرآن و يفقّههم في الدّين.
و كان ابن مسعود في بادئ أمره من عصبة الخلافة و انتقل بعد ذلك إلى جماعة المعارضين، و وقع بينه و بين أمير الكوفة الأموي ما ذكرنا تفصيله في كتابنا أحاديث امّ المؤمنين عائشة، باب (مع الصّهرين)، و كان يتكلّم بكلام لا يدعه و هو:
(إنّ أصدق القول كتاب اللّه، و أحسن الهدي هدي محمّد (ص)، و شرّ الامور محدثاتها، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النار).
فكتب الأمير الأموي الوليد إلى عثمان بذلك و قال: إنّه يعيبك و يطعن عليك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه، فاجتمع الناس فقالوا: أقم و نحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: (إنّها ستكون امور و فتن لا احبّ أن أكون أوّل من فتحها). فردّ الناس و خرج إليه (1).
و شيّعه أهل الكوفة فأوصاهم بتقوى اللّه و لزوم القرآن (2).
فقالوا له: جزيت خيرا فلقد علّمت جاهلنا، و ثبّت عالمنا، و أقرأتنا القرآن، و فقّهتنا في الدّين، فنعم أخو الإسلام أنت و نعم الخليل، ثمّ ودّعوه و انصرفوا، و قدم ابن مسعود المدينة و عثمان يخطب على منبر رسول اللّه (ص) فلمّا رآه قال:
ألا انّه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء و يسلح.
فقال ابن مسعود: لست كذلك و لكني صاحب رسول اللّه (ص) يوم بدر و يوم بيعة الرضوان (3).
و نادت عائشة: (أي عثمان! أ تقول هذا لصاحب رسول اللّه؟!).
قام عليّ بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، و أراد- حين برئ-ن.
الغزو فمنعه من ذلك.
و قال له مروان: انّ ابن مسعود أفسد عليك العراق أ فتريد أن يفسد عليك الشام؟
فلم يبرح المدينة حتّى توفّي قبل مقتل عثمان بسنتين.
و كان مقيما بالمدينة ثلاث سنين.
و لما مرض ابن مسعود مرضه الّذي مات فيه أتاه عثمان عائدا، فقال:
ما تشتكي؟
قال: ذنوبي.
قال: فما تشتهي؟
قال: رحمة ربي.
قال: أ لا أدعو لك طبيبا؟
قال: الطبيب أمرضني.
قال: فلا آمر لك بعطائك- و كان قد تركه سنتين- (1)؟
قال: منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغن عنه.
قال: يكون لولدك.
قال: رزقهم على اللّه.
قال: استغفر لي يا أبا عبد الرّحمن.
قال: أسأل اللّه أن يأخذ لي منك بحقّي.
و أوصى أن يصلّي عليه عمّار بن ياسر، و أن لا يصلّي عليه عثمان، فدفن بالبقيع و عثمان لا يعلم فلمّا علم غضب، و قال: سبقتموني به.3.
1) تاريخ ابن كثير 7/ 163؛ و راجع اليعقوبي 2/ 197؛ و مستدرك الحاكم 3/ 13.
فقال عمار بن ياسر: إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه.
فقال ابن الزّبير:
لأعرفنك بعد الموت تندبنيو في حياتي ما زوّدتني زادي و توفّي ابن مسعود سنة 32 و دفنه الزّبير ليلا و لم يؤذن به عثمان. و كان عمره بضعا و ستين (1).
كان ذلك شأن الخليفة و والي الكوفة مع مقرئ أهل الكوفة ابن مسعود و سوف يأتي في محلّه من هذا البحث شأنهم معه عند حرق المصاحف.
من أخباره مع عمّار:
أ- ما رواه البلاذري و قال: انّه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة، قال:
رحمه اللّه. فقال عمّار بن ياسر: نعم، فرحمه اللّه من كلّ أنفسنا، فقال عثمان: يا عاض أير أبيه! أ تراني ندمت على تسييره؟ و أمر فدفع في قفاه و قال: الحق بمكانه، فلمّا تهيّأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان فيه.
فقال له عليّ: يا عثمان! اتق اللّه فإنّك سيّرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، و جرى بينهما كلام حتّى قال عثمان:
أنت أحق بالنفي منه. فقال عليّ: رم ذلك إن شئت، و اجتمع المهاجرون فقالوا:
إن كنت كلّما كلّمك رجل سيّرته و نفيته فإنّ هذا شيء لا يسوغ. فكفّ عن عمّار (2).
1) لقد رجعنا في ما ذكرنا من قصّة ابن مسعود إلى البلاذري في أنساب الأشراف 5/ 36، و في بعضه إلى ترجمته في طبقات ابن سعد 3/ 150- 161، طبعة دار صادر بيروت؛ و الاستيعاب 1/ 361؛ و أسد الغابة 3/ 384، رقم الترجمة 3177؛ و تاريخ اليعقوبي 2/ 170؛ و راجع تاريخ الخميس 2/ 268؛ و ابن أبي الحديد، طبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر 1/ 236- 237.
2) أنساب الأشراف 5/ 49 و 54؛ و تاريخ اليعقوبي 2/ 173؛ و العقد الفريد 2/ 272.
ب- ما رواه البلاذري و غيره في حملة كتاب استنكار الصحابة على عثمان و قالوا:
إنّ المقداد بن عمرو، و عمّار بن ياسر، و طلحة، و الزّبير في عدّة من أصحاب رسول اللّه (ص) كتبوا كتابا عدّدوا فيه أحداث عثمان و خوّفوه ربّه و أعلموه أنّهم مواثبوه إن لم يقلع؛ فأخذ عمار الكتاب و أتاه به فقرأ صدرا منه فقال له عثمان: أ عليّ تقدم من بينهم؟ فقال عمار: لأنّي أنصحهم لك. فقال: كذبت يا ابن سميّة! فقال: أنا و اللّه ابن سميّة و ابن ياسر، فأمر غلمانه فمدّوا بيديه و رجليه ثمّ ضربه عثمان برجليه و هي في الخفّين على مذاكيره فأصابه الفتق، و كان ضعيفا كبيرا فغشي عليه (1).
و في خبر آخر:
فضربه حتى غشي عليه ثمّ اخرج فحمل حتى أتي به منزل امّ سلمة زوج رسول اللّه (ص) فلم يصلّ الظهر و العصر و المغرب، فلمّا توضأ و صلّى قال: الحمد للّه ليس هذا أوّل يوم اوذينا فيه في اللّه. و بلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت و أخرجت شعرا من شعر رسول اللّه (ص) و ثوبا من ثيابه و نعلا من نعاله ثمّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيكم و هذا شعره و ثوبه و نعله لم يبل بعد، فغضب عثمان غضبا شديدا حتى ما درى ما يقول، فالتج المسجد و قال الناس: سبحان اللّه، سبحان اللّه، و كان عمرو بن العاص واجدا على عثمان لعزله إيّاه عن مصر فجعل يكثر التعجّب و التسبيح (2).ق.
في تاريخ الطبري و أنساب الأشراف ما موجزه و السياق للطبري:
(... فخرج عمرو من عند عثمان و هو محتقد عليه يأتي عليّا مرة فيؤلّبه على عثمان و يأتي الزّبير مرّة فيؤلبه على عثمان و يأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان و يعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصر عثمان الأوّل خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل في قصر له يقال له العجلان و هو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان! قال: فبينا هو جالس في قصره ذلك إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو من أين قدم الرجل؟ فقال من المدينة، قال ما فعل الرجل- يعني عثمان-؟ قال تركته محصورا شديد الحصار، قال عمرو: أنا أبو عبد اللّه قد يضرط العير و المكواة في النار، فلم يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر فناداه عمرو: ما فعل الرجل- يعني عثمان-؟ قال قتل، قال: أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لاحرّض عليه حتى إنّي لاحرّض عليه الرّاعي في غنمه على رأس الجبل (1).
بعد أن بلغ السيل الزبى، و ثار المسلمون بعثمان في المدينة كتب عثمان إلى معاوية فيمن كتب إليه من ولاته يستمدّه و يقول:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد فإنّ أهل المدينة كفروا، و أخلفوا الطاعة، و نكثوا البيعة، فابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كلّ صعب و ذلول.
فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به و كره إظهار مخالفة أصحاب رسول اللّه (ص)، و قد علم اجتماعهم، فلمّا أبطأ أمره على عثمان، كتب إلى أهل الشام
1) الطبري 1/ 2967- 2972؛ و أنساب الأشراف 4/ ق 1/ 564- 569 و 598.
يستنفرهم ... (1)الحديث.
قال البلاذري: و لمّا أرسل عثمان إلى معاوية يستمدّه بعث يزيد بن أسد القسري (2)و قال له: إذا أتيت ذا خشب (3)فأقم بها، و لا تتجاوز، و لا تقل:
يرى الشاهد ما لا يرى الغائب، فإنّني أنا الشاهد و أنت الغائب، قال: فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان، فاستقدمه حينئذ معاوية، فعاد إلى الشام بالجيش الّذي كان ارسل معه؛ و إنّما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان، فيدعو إلى نفسه (4). انتهى.
و جاء في تاريخ اليعقوبي 2/ 175:
فكتب عثمان إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجّه إليه في اثني عشر ألفا، ثمّ قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشأم، حتى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحّة أمره، فأتى عثمان، فسأله عن المدّة، فقال: قد قدمت لأعرف رأيك و أعود إليهم فأجيئك بهم. قال: لا و اللّه، و لكنّك أردت أن اقتل فتقول:
أنا وليّ الثأر. ارجع، فجئني بالناس! فرجع، فلم يعد إليه حتى قتل.
و لمّا بويع لعليّ ندم معاوية على ما فرط في جنب عثمان؛ و رأى أنّ الخلافة قد زويت عنه، فكتب لطلحة و الزّبير يمنّيهما الخلافة، و يدفعهما إلى قتال عليّ، حتى قتلا بالبصرة (5).
روى البلاذري بسنده في أنساب الأشراف:
أ- قال: لمّا توفّي أبو ذر بالرّبذة، تذاكر عليّ و عبد الرّحمن بن عوف فعل عثمان، فقال عليّ: هذا عملك، فقال عبد الرّحمن: إذا شئت فخذ سيفك و آخذ سيفي، إنّه قد خالف ما أعطاني.
ب- قال: ذكر عثمان عند عبد الرّحمن بن عوف في مرضه الّذي مات فيه فقال عبد الرحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يسقى منها نعم عبد الرّحمن بن عوف فمنعه إيّاها، فقال عبد الرّحمن: اللّهمّ اجعل ماءها غورا، فما وجدت فيها قطرة.
ج- إنّ عبد الرّحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبدا.
د- إنّ عبد الرّحمن أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزّبير أو سعد بن أبي وقّاص، و توفّي سنة اثنتين و ثلاثين (1).
قال البلاذري في أنساب الأشراف:
أنّه وصلت من امّ المؤمنين (كتب إلى البلاد تحرض المسلمين على الخروج عليه) (2).
و ذكر اليعقوبي في تاريخه و قال:
كان عثمان يخطب، إذ دلّت عائشة قميص رسول اللّه، و نادت (يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول اللّه لم يبل و قد أبلى عثمان سنّته)، فقال عثمان: (ربّ اصرف عنّي كيدهنّ إنّ كيدهنّ عظيم) (3).
و قال ابن أعثم:
و لمّا رأت امّ المؤمنين اتّفاق الناس على قتل عثمان، قالت له:
أي عثمان! خصّصت بيت مال المسلمين لنفسك، و أطلقت أيدي بني اميّة على أموال المسلمين، و ولّيتهم البلاد، و تركت امّة محمّد في ضيق و عسر، قطع اللّه عنك بركات السماء و حرمك خيرات الأرض، و لو لا أنك تصلّي الخمس لنحروك كما تنحر الإبل (1)
و ينبغي أن تكون هذه المحاورة قبل عثور أخيها محمّد على كتاب عثمان في طريق مصر يأمر فيه بقتلهم، فإنّها بعد ذلك كانت تفتي بقتله غير مبالية بصلاته.
.فقرأ عليها عثمان: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (2)انتهى.
إنّ هذه الكلمات القارصة من الخليفة في امّ المؤمنين عائشة ذات الطبع الحادّ و الّتي لم تكن لتملك نفسها عند سورة الغضب، و الكتاب الّذي عثر عليه أخوها محمّد في طريقه إلى مصر و الّذي فيه أمر صريح بقتله و آخرين من رفقته ممّن أدركوا صحبة النبيّ و غيرهم من المسلمين؛ قد دفعت امّ المؤمنين- الّتي كانت تذهب نفسها في سبيل الدفاع عن ذوي قرباها- أن تصدر الفتوى الصريحة بقتل الخليفة عثمان و كفره، فتقول فيه:
اقتلوا نعثلا فقد كفر.م.
و قالت: أشهد أن عثمان جيفة على الصراط (1)
و راجع لغة نعثل في النهاية لابن الأثير و تاج العروس و لسان العرب.
.انطلقت هذه الكلمة من فم امّ المؤمنين، فانتشرت بين الناس (2).
و لمّا اشتدّ الأمر على عثمان أمر مروان بن الحكم و عبد الرّحمن بن عتاب بن اسيد فأتيا عائشة و هي تريد الحجّ فقالا لها:
لو أقمت، فلعلّ اللّه يدفع بك عن هذا الرجل، (و قال مروان: و يدفع لك بكل درهم أنفقتيه درهمين) (3).
فقالت: قد قرنت ركائبي و أوجبت الحجّ على نفسي و و اللّه لا أفعل! فنهض مروان و صاحبه، و مروان يقول:
و حرّق قيس عليّ البلادفلمّا اضطرمت أحجما ورد البيت في الأنساب 5/ 75 هكذا:
و حرّق قيس عليّ البلاد حتّى إذا اضطرمت أجذما فقالت عائشة: يا مروان! (لعلك ترى أنّي في شكّ من صاحبك) (4)، و اللّه لوددت أنّه في غرارة من غرائري هذه و أنّي طوقت حمله حتى القيه في البحر (5).بن
1) الطبري 4/ 477، ط. القاهرة سنة 1357، و ط. أوربا 1/ 3112؛ و ابن أعثم، ص 155؛ و ابن الأثير 3/ 87؛ و ابن أبي الحديد 2/ 77؛ و نهاية ابن الأثير 4/ 156؛ و شرح النهج 4/ 458.
2) راجع خبر انتشار كلمة امّ المؤمنين في بحث على عهد عثمان من المجلّد الأوّل من كتابنا أحاديث امّ المؤمنين عائشة.
3) الزيادة ما بين القوسين في تاريخ اليعقوبي 2/ 124، و ط. بيروت 2/ 176.
4) نفس المصدر السابق.
5) أخرج هذه الرواية كل من البلاذري في الأنساب 5/ 75؛ و ابن أعثم 2/ 225؛ و ابن
خرجت امّ المؤمنين من المدينة متوجهة إلى مكة و خرج ابن عباس أميرا على الحاج من قبل عثمان، فمرّ بعائشة في الصلصل و هي في طريقها إلى مكّة، فقالت: يا ابن عباس! انشدك اللّه فإنّك اعطيت لسانا إزعيلا أن تخذّل عن هذا الرجل. و في الأنساب: إيّاك أن تردّ عن هذه الطاغية (1)و أن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم و أنهجت و رفعت لهم المنار و تحلّبوا من البلدان لأمر قد جمّ، و قد رأيت طلحة بن عبيد اللّه قد اتّخذ على بيوت الأموال و الخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر.
قال: قلت: يا امّه لو حدث بالرجل ما حدث ما فزع الناس إلّا إلى صاحبنا.
فقالت: إيها عنك إنّي لست اريد مكابرتك و لا مجادلتك (2)
و الصلصل: من نواحي المدينة على مسيرة أميال منها. معجم البلدان.
و الأزعيل: الذلق، و في القاموس: النشيط.
.أ- عبد الرّحمن بن عتاب بن اسيد بن أبي العيص بن اميّة بن عبد شمس قتل يوم الجمل تحت راية عائشة، و قطعت يده، فاختطفها نسر و فيها خاتمه، فطرحها ذلك اليوم باليمامة، فعرفت يده بخاتمه، (جمهرة نسب قريش، ص: 187- 193).
ب- عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلّب بن هاشم القرشي، كنّي بأبيه
العبّاس و هو أكبر ولده، و امّه لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية، ولد و النبيّ بالشعب من قبل الهجرة بثلاث. شهد مع عليّ الجمل و صفين و النهروان ثمّ ولّاه البصرة، و ترك البصرة في آخر خلافة عليّ و ذهب إلى مكّة، و لمّا وقعت الفتنة بين عبد اللّه بن الزّبير و عبد الملك ألحّ ابن الزّبير عليه و على محمّد بن الحنفية أن يبايعا فأبيا، فجمع الحطب على داريهما حتّى بلغ رءوس الجدر ليحرقهم، فجاءتهم أربعة آلاف فارس من الكوفة و أنقذتهم، و خاف ابن الزّبير فتعلّق بأستار الكعبة و قال: أنا عائذ بالبيت فمنعهم عنه ابن عباس. و توفّي بالطائف سنة ثمان و ستين أو سبعين- كما ذكره ابن عبد البرّ و ابن الأثير و ابن حجر- و هو ابن سبعين أو إحدى و سبعين سنة، (الاستيعاب/ 372- 374، الترجمة رقم 1591؛ و أسد الغابة، الترجمة رقم 3035، 3/ 192- 195؛ و الإصابة، الترجمة رقم 4781، 2/ 322- 326).
كان عمرو بن العاص فاتح مصر عاملا عليها حتّى عزله الخليفة عثمان عن الخراج و استعمله على الصلاة، و استعمل عبد اللّه بن سعد على الخراج ثمّ جمعهما لعبد اللّه بن سعد (1).
روى البلاذري أنّ محمّد بن أبي حذيفة و محمّد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر و عليها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و وافقا بمصر محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه و هو مع عبد اللّه بن سعد؛ و إنّ ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة الّتي قدم فيها، ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة فسمع ابن أبي سرح قراءته فأمر إذا صلّى أن يؤتى به. فلمّا رآه قال: ما جاء بك
1) الطبري 5/ 108، و ط. أوربا 1/ 2266.
إلى بلدي؟ قال: جئت غازيا، قال: و من معك؟ قال: محمّد بن أبي بكر، فقال:
و اللّه ما جئتما إلّا لتفسدا الناس، فأمر بهما فسجنا، فأرسلا إلى محمّد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلّا يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح و غزا ابن أبي سرح إفريقيا، فأعدّ لهما سفينة مفردة لئلّا يفسدا عليه الناس فمرض ابن أبي بكر فتخلّف، و تخلّف معه ابن أبي حذيفة، ثمّ انّهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلّا و قد أوغرا صدور الناس على عثمان.
و قال في حديث آخر: و كانت غزوة ذات الصواري في المحرّم سنة 34 (1).
و في تاريخ الطبري و أنساب الأشراف (2):
خرج محمّد بن أبي حذيفة و محمّد بن أبي بكر عام خرج عبد اللّه بن سعد، فأظهرا عيب عثمان و ما غيّر و ما خالف به أبا بكر و عمر و أنّ دم عثمان حلال، و يقولان: استعمل عبد اللّه بن سعد رجلا كان رسول اللّه (ص) أباح دمه، و نزل القرآن بكفره [حين قال: سانزل مثل ما أنزل اللّه] (3)و أخرج رسول اللّه (ص) قوما و أدخلهم (4)- إلى قوله- فأفسدا أهل تلك الغزاة و عابا عثمان أشدّ العيب.
و قال: (و محمّد بن أبي حذيفة يقول للرجل: أما و اللّه لقد تركنا خلفنا الجهاد حقّا، فيقول الرجل: و أيّ جهاد؟! فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا و كذا حتّى أفسد الناس، فقدموا بلدهم و قد أفسدهم، و أظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به).ه.
و ممّا ساعد المحمّدين في أمرهم تذمّر المصريين من سيرة ابن أبي سرح فيهم، و ظلمه إيّاهم، و قد بلغ الأمر به معهم أن يضرب بعض من شكاه إلى عثمان حتّى يتوفّى، و قد أورد قصّة قدوم المصريين على عثمان في شكواهم من ابن أبي سرح كلّ من الطبري و ابن الأثير في حديثهما عن شكوى المصريين من ابن أبي سرح، و قالا:
(و قد قدّموا في كلامهم ابن عديس فذكر ما صنع ابن سعد بمصر و ذكر تحاملا منه على المسلمين و أهل الذمّة و استئثارا منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك قال هذا كتاب أمير المؤمنين إليّ ...) (1).
أ- عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري. و هو أخو عثمان من الرضاعة، أرضعت امّه عثمان.
أسلم قبل الفتح و هاجر إلى المدينة، و كتب الوحي لرسول اللّه، ثمّ ارتدّ مشركا، و صار إلى قريش بمكّة، فقال لهم: إنّي كنت أصرف محمّدا حيث اريد؛ كان يملي عليّ: (عزيز حكيم) فأقول: (عليم حكيم)! فيقول: نعم، كلّ صواب؛ فأنزل اللّه تعالى فيه:
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. (الأنعام/ 93) فلمّا كان يوم الفتح، أهدر رسول اللّه دمه، و أمر بقتله و لو وجد متعلّقا
1) الطبري 5/ 118، و ط. أوربا 1/ 2994؛ و ابن الأثير 3/ 59- 70.
بأستار الكعبة. ففرّ عبد اللّه إلى عثمان فغيّبه حتى أتى به إلى رسول اللّه (ص) فاستأمنه له، فصمت رسول اللّه (ص) طويلا ثمّ قال: نعم، فلمّا انصرف عثمان قال لمن حوله: ما صمتّ إلّا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقالوا: هلّا أومأت إلينا، فقال: إنّ النبيّ لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين.
ولّاه عثمان مصر سنة 25 ه، و عزل عنها عمرو بن العاص ففتح إفريقيا فأعطاه عثمان خمس غنائم الغزوة الاولى، و بقي أميرا على مصر حتّى سنة 34 حيث ثار ابن أبي حذيفة في مصر، فمضى إلى عسقلان فأقام بها حتّى قتل عثمان.
و توفّي سنة 57 أو 59 (1).
ب- محمّد بن أبي بكر عبد اللّه بن أبي قحافة عثمان، و أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة كانت تحت جعفر و تزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر بن أبي طالب فولدت له محمّدا في طريقهم إلى مكّة في حجة الوداع، و لمّا توفّي أبو بكر تزوجها عليّ فنشأ محمّد في حجر عليّ و كان ربيبه، شهد مع عليّ الجمل و صفين، ثمّ ولّاه مصر فدخلها في الخامس عشر من شهر رمضان سنة 37، فجهّز معاوية عمرو بن العاص إلى مصر سنة 38، فتغلّب عليه و قتله معاوية بن خديج صبرا و أدخلوا جثته في بطن حمار ميّت و أحرقوه (2).
ج- أبو القاسم محمّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي العبشمي، و أمّه سهلة بنت سهيل بن عمرو العامرية، ولد بأرض الحبشة على عهد رسول اللّه (ص) و استشهد أبوه أبو حذيفة باليمامة فضمّ عثمان ابنه هذا إليه و ربّاه.ة.
1) الاستيعاب 2/ 367- 370؛ و الإصابة 2/ 309- 310 و 1/ 11- 12؛ و أسد الغابة 3/ 173- 174؛ و أنساب الأشراف 5/ 49؛ و المستدرك 3/ 100؛ و المفسّرون كالقرطبي و غيره في تفسيرهم الآية 93 من سورة الأنعام؛ و ابن أبي الحديد 1/ 68.
2) رواه المؤرّخون في ذكرهم حوادث سنة 30 و 38 ه، و بترجمته في الاستيعاب و أسد الغابة و الإصابة.
استأذن عثمان في أن يذهب إلى مصر للغزو فأذن له فأخذ هناك يؤلب الناس على عثمان ثمّ وثب على خليفة عبد اللّه بن سعد بمصر و أخرجه منها و بايعه أهل مصر بالإمارة، و لمّا استخلف عليّ أقره عليها فبقي عليها حتّى سار إليه معاوية عند مسيره إلى صفين، فخرج إليهم محمّد و منعه من دخول الفسطاط ثمّ تصالحوا على أن يخرج محمّد بن أبي حذيفة و من معه آمنين فخرج محمّد و ثلاثون رجلا فغدر بهم معاوية و حبسه في سجن دمشق ثمّ قتله رشدين مولى معاوية! و كان محمّد ممّن أدركوا صحبة الرسول (1).
د- محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه، و امّه حمنة بنت جحش، كنيته أبو سليمان، ولد في عصر الرسول (ص)، و قتل يوم الجمل فمرّ عليه عليّ و قال: أبوه صرعه هذا المصرع، و لو لا أبوه و برّه به ما خرج ذلك المخرج (2).
قال ابن أعثم: جاء إلى المدينة وفد من أشراف مصر يشكون عاملهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فدخلوا مسجد الرسول، فرأوا فيها جماعة من أصحاب رسول اللّه (ص) من المهاجرين و الأنصار، فسلّموا عليهم، فسألتهم الصحابة عمّا أقدمهم من مصرهم، فقالوا: ظلم و الينا، و فساده، فقال لهم عليّ:
لا تعجلوا في أمركم، و اعرضوا على الإمام شكواكم، فلعل عاملكم عمل برأيه فيكم. اذهبوا إلى الخليفة و اشرحوا له ما ساءكم من عاملكم، فإن أنكر عليه و عذله أصبتم بغيتكم، و إن لم يفعل و أقرّه على ما هو عليه؛ رأيتم أمركم، فدعا له المصريون و قالوا: أصبت القول فنرجو أن تحضر مجلسنا عنده، فقال: لا حاجة
في ذلك فالأمر يتمّ بحضوركم عنده، فقالوا: و إن كان الأمر كذلك غير إنّا نرغب أن تحضر و تشهد، فقال عليّ: يشهدكم من هو أقوى منّي و أعظم من جميع المخلوقين و أرحم على عباده.
فذهب أشراف مصر إلى دار عثمان و استأذنوا للدخول عليه، فلمّا أذن لهم و دخلوا عليه أكرمهم و أجلسهم إلى جنبه، ثمّ سألهم و قال: ما الّذي أقدمكم؟
و ما ذا دهاكم فقدمتم دونما رخصة منّي أو من عاملي؟! فقالوا: جئنا نستنكر منك ما يصدر منك، و نؤاخذك بما يصدر من عاملك.
ثمّ ذكر ابن أعثم ما جرى بينهم من حجاج و أقوال (1).
و كان نتيجة شكوى أهل مصر ما ذكره البلاذري (2)حيث قال:
لمّا ولي عثمان كره ولايته نفر من أصحاب رسول اللّه (ص) لأن عثمان كان يحبّ قومه، فولي الناس اثنتي عشرة حجّة، و كان كثيرا ما يولّي من بني اميّة من لم يكن له مع النبيّ (ص) صحبة، فكان يجيء من امرائه ما ينكره أصحاب محمّد (ص)، و كان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلمّا كان في الست الأواخر استأثر ببني عمّه فولّاهم، و ولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه و يتظلّمون منه ... فكتب إليه كتابا يتهدّده فيه فأبى أن ينزع عمّا نهاه عنه و ضرب بعض من شكاه إلى عثمان حتى قتله.
و لمّا ضاق الأمر بالمسلمين، كتب من كان من أصحاب النبيّ (ص) بالمدينة
إلى إخوانهم في الأمصار يدعونهم إلى غزو عثمان في ما رواه الطبري و غيره (1)
و إنّما ذكرنا كتب أصحاب النبيّ (ص) إلى أهل الأمصار و موافاتهم بالموسم خلال بحثنا عن تأثير المحمّدين في مصر و تحريضهما أهلها على عثمان لصلة الحوادث بعد هذا بعضها ببعض.
و اللّفظ للطبري، قال:لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبيّ (ص) إلى من بالآفاق منهم و كانوا قد تفرقوا في الثغور:
إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل اللّه عزّ و جلّ تطلبون دين محمّد فإنّ دين محمّد قد افسد من خلفكم و ترك فهلمّوا، فأقيموا دين محمّد (ص).
و في رواية ابن الأثير: فإنّ دين محمّد (ص) قد أفسده خليفتكم؛ و في شرح ابن أبي الحديد: فاخلعوه؛ فأقبلوا من كلّ افق حتى قتلوه.
و روى البلاذري (2)و قال:
لمّا كانت سنة 34، كتب بعض أصحاب رسول اللّه (ص) إلى بعض، يتشاكون سيرة عثمان و تغييره و تبديله و ما الناس فيه من عمّاله، و يكثرون عليه، و يسأل بعضهم بعضا أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، و لم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (ص) يدفع عن عثمان و لا ينكر ما يقال فيه إلّا زيد بن ثابت، و أبو اسيد الساعدي، و كعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الأنصار، و حسّان بن ثابت؛ فاجتمع المهاجرون و غيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان و يعظه، فأتاه فقال له:ي.
إنّ الناس ورائي قد كلّموني في أمرك، و و اللّه ما أدري ما أقول لك، ما عرّفك شيئا تجهله، و لا أدلّك على أمر لا تعرفه، و إنّك لتعلم ما نعلم، و ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، و لقد صحبت رسول اللّه (ص) و سمعت و رأيت مثل ما سمعنا و رأينا، و ما ابن أبي قحافة و ابن الخطّاب بأولى بالحقّ منك؛ و لأنت أقرب إلى رسول اللّه (ص) رحما، و لقد نلت من صهره ما لم ينالا، فاللّه اللّه في نفسك؛ فإنّك لا تبصّر من عمى؛ و لا تعلّم من جهل.
فقال له عثمان: و اللّه لو كنت مكاني ما عنّفتك، و لا أسلمتك، و لا عتبت عليك إن وصلت رحما و سددت خلّة و آويت ضائعا، و ولّيت من كان عمر يولّيه؛ نشدتك اللّه: أ لم يولّ عمر المغيرة بن شعبة و ليس هناك ...
قال: نعم.
قال: فلم تلومني إن ولّيت ابن عامر في رحمه وقر.
قال عليّ: سأخبرك. إنّ عمر بن الخطاب كان كلّما ولّى فإنّما يطأ على صماخه، إن بلغه حرف جلبه، ثمّ بلغ به أقصى الغاية، و أنت لا تفعل. ضعفت و رفقت على أقربائك.
قال عثمان: هم أقرباؤك أيضا.
فقال عليّ: لعمري إنّ رحمه منّي لقريبة و لكنّ الفضل في غيرهم.
قال: أولم يولّ عمر معاوية؟
فقال عليّ: إنّ معاوية كان أشدّ خوفا و طاعة لعمر من يرفأ، و هو الآن يبتزّ الأمور دونك و يقطعها بغير علمك و يقول للناس: هذا أمر عثمان، و يبلغك فلا تغيّر، ثمّ خرج، و خرج عثمان بعده، فصعد المنبر فقال:
أمّا بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة، و لكلّ أمر عاهة، و إنّ آفة هذه الامّة و عاهة هذه النعمة، عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبّون، و يسرّون لكم ما تكرهون، مثل النعام يتّبعون أوّل ناعق ... الحديث.
أ- زيد بن ثابت ذكرنا ترجمته في بحث جمع القرآن.
ب- أبو اسيد الساعدي مالك بن ربيعة بن البدن الأنصاري الخزرجي شهد بدرا و ما بعدها، عمي قبل أن يقتل عثمان. اختلفوا في وفاته.
ج- كعب بن مالك الخزرجي و امّه ليلى بنت زيد من بني سلمة. شهد المشاهد مع رسول اللّه (ص)، خلا بدرا و تبوك.
د- يرفأ: اسم غلام الخليفة عمر.
راجع تراجمهم في الاستيعاب و أسد الغابة و الإصابة، أمّا حسان فستأتي ترجمته إن شاء اللّه تعالى.
روى البلاذري (1)و قال: التقى أهل الأمصار الثلاثة: الكوفة و البصرة و مصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام، و كان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدي، و رئيس أهل البصرة المثنى بن مخرّبة العبدي، و رئيس أهل مصر كنانة ابن بشر بن عتّاب بن عوف السكوني ثمّ التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان و تبديله و تركه الوفاء بما أعطى من نفسه، و عاهد اللّه عليه، و قالوا لا يسعنا الرضا بهذا، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره، فيكون رسول من شهد مكّة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على رأيهم من أهل بلده، و أن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره و يستعتبوه، فإن أعتب و إلّا رأوا رأيهم فيه، ففعلوا ذلك.
1) أنساب الأشراف 5/ 59.
و لمّا كانت مصر (1)أشدّ على عثمان من غيره و أراد عثمان أن يخفّف من غلوائهم، أرسل إلى رئيسهم ابن أبي حذيفة بمال في ما رواه البلاذري (2)أيضا و قال: و بعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم و بحمل عليه كسوة، فأمر به فوضع في المسجد و قال: يا معشر المسلمين! أ لا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه!!؟ فازداد أهل مصر عيبا لعثمان و طعنا عليه و اجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة، فرأسوه عليهم.
إنّ دراهم عثمان لم تمنع المصريين من موافاة المدينة في موعدهم مع أهل الأمصار بل خرجوا من مصر مع محمّد بن أبي بكر في ما رواه الطبري و قال (3):
فقدم محمّد بن أبي بكر، و أقام محمّد بن أبي حذيفة بمصر، فلمّا خرج المصريون خرج عبد الرّحمن بن عديس البلوي في خمسمائة و أظهروا أنّهم يريدون العمرة و خرجوا في رجب، و بعث عبد اللّه بن سعد رسولا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان أن ابن عديس البلوي و أصحابه قد وجّهوا نحوه، و أن محمّد بن أبي حذيفة شيّعهم إلى عجرود ثمّ رجع، و أظهر محمّد أن قال خرج القوم عمّارا و قال في السرّ: خرج القوم إلى إمامهم، فإن نزع و إلّا قتلوه، و سار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب.
و قال في حديث آخر له: ثمّ إنّ عبد اللّه بن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين و قد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه فأذن له فقدم ابن سعد حتى إذا كان بايلة بلغه أنّ المصريين قد رجعوا إلى عثمان و أنّهم قد حصروه و محمّد بن أبي حذيفة بمصر، فلمّا بلغ محمّدا حصر عثمان و خروج عبد اللّه بن سعد8.
عنه غلب على مصر فاستجابوا له، فأقبل عبد اللّه بن سعد يريد مصر فمنعه ابن أبي حذيفة فتوجّه إلى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان (رض).
و روى الطبري (1)بسنده إلى الزّبير بن العوّام، قال: كتب أهل مصر بالسقيا (2)أو بذي خشب إلى عثمان بكتاب، فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يردّ عليه شيئا، فأمر به فاخرج من الدار، و كان أهل مصر الّذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة الوية لها رءوس أربعة، مع كل رجل منهم لواء، و كان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و كان من أصحاب النبيّ (ص)، و إلى عبد الرّحمن بن عديس التجيبي، فكان في ما كتبوا:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد، فاعلم أنّ اللّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، فاللّه اللّه، ثمّ اللّه اللّه فانّك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة و لا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا، و اعلم أنّا و اللّه للّه نغضب، و في اللّه نرضى، و إنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرّحة أو ضلالة مجلّحة مبلجة (3)
واضحة، بينة.
، فهذه مقالتنا لك و قضيّتنا إليك، و اللّه عذيرنا منك و السلام.و روى البلاذري (4)و قال:4.
1) الطبري 5/ 111- 112، و ط. أوربا 1/ 2986- 2987؛ و البلاذري 5/ 64- 65؛ و ابن الأثير 3/ 68؛ و شرح النهج 1/ 163- 164؛ و ابن كثير 7/ 172؛ و ابن أعثم في ذكره ما نقم على عثمان؛ و ابن خلدون 2/ 396- 397.
2) السقيا: من أسافل أودية تهامة.
3) جلح على الشيء: أقدم عليه إقداما شديدا. و جلح في الأمر: صمّم و ركب رأسه. مبلجة:
4) أنساب الأشراف 5/ 63- 64.
و أتى المغيرة بن شعبة عثمان فقال له: دعني آت القوم فأنظر ما ذا يريدون، فمضى نحوهم، فلمّا دنا منهم صاحوا به:
يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك! فرجع و دعا عثمان عمرو بن العاص، فقال له: ائت القوم فادعهم إلى كتاب اللّه و العتبى ممّا ساءهم، فلمّا دنا منهم سلّم، فقالوا: لا سلّم اللّه عليك! ارجع يا عدوّ اللّه! ارجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين و لا مأمون.
فقال له ابن عمر، و غيره: ليس لهم إلّا عليّ بن أبي طالب، فلمّا أتاه قال:
يا أبا الحسن! ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيه.
قال: نعم، إن أعطيتني عهد اللّه و ميثاقه على أنّك تفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك.
قال: نعم، فأخذ عليّ عهد اللّه و ميثاقه على أوكد ما يكون و أغلظ و خرج إلى القوم.
فقالوا: وراءك! قال: لا. بل أمامي، تعطون كتاب اللّه و تعتبون من كل ما سخطتم.
فعرض عليهم ما بذل.
فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟
قال: نعم.
قالوا: رضينا. و أقبل وجوههم و أشرافهم مع عليّ حتى دخلوا على عثمان و عاتبوه، فأعتبهم من كلّ شيء.
فقالوا: اكتب بهذا كتابا، فكتب:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين، لمن نقم عليه من المؤمنين
و المسلمين؛ أنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه. يعطى المحروم. و يؤمن الخائف. و يردّ المنفيّ. و لا تجمّر في البعوث، و يوفر الفيء، و عليّ بن أبي طالب ضمين للمؤمنين و المسلمين على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب.
شهد الزّبير بن العوام* و طلحة بن عبيد اللّه و سعد بن مالك أبي وقاص* و عبد اللّه بن عمر و زيد بن ثابت* و سهل بن حنيف و أبو أيّوب خالد بن زيد.
و كتب في ذي القعدة سنة 35.
فأخذ كلّ قوم كتابا فانصرفوا.
و يظهر من رواية البلاذري و غيره، أنّ الخليفة كان قد كتب للمصريين خاصّة كتابا آخر غير هذا عزل فيه ابن أبي سرح عنهم و ولّى عليهم بدله محمّد ابن أبي بكر، فقد جاء في رواية للبلاذري:
فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد، و أرسلت إليه عائشة (رض) تسأله أن ينصفهم من عامله، و دخل عليه عليّ بن أبي طالب و كان متكلّم القوم فقال له: إنّما يسألك القوم رجلا مكان رجل، و قد ادّعوا قبله دما فاعزله عنهم و اقض بينهم، فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا اولّيه عليكم مكانه. فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر الصّدّيق (1)، فقالوا: استعمل علينا محمّد بن أبي بكر. فكتب عهده و ولّاه و وجّه معهم عدّة من المهاجرين و الأنصار ينظرون في ما بينهم و بين ابن أبي سرح.ة.
1) يغلب على الظن أنّ امّ المؤمنين عائشة اخت محمّد، و طلحة ابن عمّها و غيرهما من بني تيم لم يكونوا بعيدين عن هذه الإشارة.
و قال عليّ بن أبي طالب (1)لعثمان: اخرج فتكلّم كلاما يسمعه الناس منك و يشهدون عليه، و يشهد اللّه على ما في قلبك من النزوع و الإنابة فإنّ البلاد قد تمخّضت عليك، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا عليّ! اركب إليهم. و لا أقدر أن أركب إليهم، و لا أسمع عذرا، و يقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا عليّ! اركب إليهم؛ فإن لم أفعل رأيتني قطعت رحمك، و استخففت بحقك.
قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة الّتي نزع فيها، و أعطى من نفسه التوبة، فقام فحمد اللّه، و أثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال:
أمّا بعد، أيّها الناس! فو اللّه ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله و ما جئت شيئا إلّا و أنا أعرفه، و لكنّي منّتني نفسي و كذبتني و ضلّ عنّي رشدي، و لقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: من زلّ فليتب، و من أخطأ فليتب، و لا يتماد في الهلكة. إن تمادى في الجور كان أبعد من الطريق و أنا أوّل من اتّعظ. أستغفر اللّه ممّا فعلت و أتوب إليه فمثلي نزع و تاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فو اللّه لئن ردّني الحقّ عبدا لأستنّ بسنّة العبد، و لأذلّنّ ذلّ العبد، و لأكوننّ كالمرقوق؛ إن ملك صبر، و إن عتق شكر، و ما عن اللّه مذهب إلّا إليه، فلا يعجزنّ عنّي خياركم أن يدنوا إليّ، فان أبت يميني لتتابعنّ شمالي.
قال: فرقّ الناس له يومئذ و بكى من بكى منهم، و قام إليه سعيد بن زيد، فقال: يا أمير المؤمنين! ليس بواصل لك من ليس معك، اللّه اللّه في نفسك، فأتمم على ما قلت، فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان و سعيدا و نفرا من بني اميّة، و لم يكونوا شهدوا الخطبة، فلمّا جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟5.
1) تتمّة الرّواية في أنساب الأشراف 5/ 64- 65، و الطّبري، ط. أوربا 1/ 2973- 2975.
فقالت نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان الكلبية: لا بل اصمت فإنّهم و اللّه قاتلوه و مؤثّموه. إنّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان و قال:
ما أنت و ذاك فو اللّه لقد مات أبوك و ما يحسن يتوضّأ، فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء؛ تخبر عن أبي و هو غائب تكذب عليه، إنّ أباك لا يستطيع أن يدفع عنه، أما و اللّه لو لا أنّه عمّه و أنّه يناله غمّه لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. قال: فأعرض عنها مروان ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلّم. فقال مروان: بأبي أنت و امّي و اللّه لوددت أن مقالتك هذه كانت و أنت ممتنع منيع فكنت أوّل من رضي بها و أعان عليها، و لكنّك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيّين (1)، و خلّف السّيل الزّبى (2)، و حين أعطى الخطّة الذليلة الذليل، و اللّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللّه منها أجمل من توبة تخوّف عليها و إنّك إن شئت تقرّبت بالتوبة و لم تقرر بالخطيئة، و قد اجتمع عليك بالباب مثل الجبال من الناس، فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم فإنّي أستحيي أن اكلّمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب و الناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم! كأنّكم قد جئتم للنّهب؟! شاهت الوجوه! كلّ إنسان آخذ بإذن صاحبه إلّا من اريد، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا!؟ أخرجوا عنّا. أما و اللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم و لا تحمدوا غبّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم فإنّا و اللّه ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا. قال: فرجع الناس و خرج بعضهم حتى أتى عليّا فأخبره الخبر، فجاء عليّ (ع) مغضبا حتّى دخل على عثمان، فقال:ء.
أمّا رضيت من مروان و لا رضي منك إلّا بتحرّفك عن دينك و عن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به! و اللّه ما مروان بذي رأي في دينه و لا في نفسه، و أيم اللّه إني لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك و غلبت على أمرك.
فلمّا خرج عليّ دخلت عليه نائلة بنت الفرافصة امرأته، فقالت: أتكلّم أم أسكت؟ فقال: تكلّمي. فقالت: قد سمعت قول عليّ لك، و إنّه ليس يعاودك و قد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتّقي اللّه وحده لا شريك له و تتبع سنّة صاحبيك من قبلك؛ فانّك متى أطعت مروان قتلك، و مروان ليس له عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبّة، و إنّما تركك الناس لمكان مروان، فأرسل إلى عليّ فاستصلحه، فإنّ له قرابة منك و هو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى عليّ فأبى أن يأتيه، و قال: قد أعلمته أنّي لست بعائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلّم.
فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنّها بحرف فأسوئ لك وجهك، فهي و اللّه أنصح لي منك. فكفّ مروان.
و أخرج الطبري (1)بسنده إلى عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال:
قبّح اللّه مروان! خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا و بكى على المنبر و بكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدموع و هو يقول:
اللّهمّ إنّي أتوب إليك، اللّهمّ إنّي أتوب إليك، اللّهمّ إنّي أتوب إليك. و اللّه لئن ردّني الحقّ إلى أن أكون عبدا قنّا لأرضين به، إذا دخلت منزلي فادخلوا5.
1) الطبري 5/ 112، و ط. أوربا 1/ 2977- 2979؛ و راجع ابن الأثير 3/ 58- 64، و قد أخرج البلاذري قسما منه في الأنساب 5/ 65.
عليّ، فو اللّه لا أحتجب منكم، و لاعطينّكم، و لأزيدنّكم على الرضا، و لانحين مروان و ذويه.
قال: فلمّا دخل أمر بالباب ففتح و دخل بيته و دخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة و الغارب حتّى فتله عن رأيه، و أزاله عمّا كان يريد. فلقد مكث عثمان ثلاثة أيّام ما خرج استحياء من الناس، و خرج مروان إلى الناس فقال:
شاهت الوجوه إلّا من اريد، ارجعوا إلى منازلكم فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه و إلّا قرّ في بيته، قال عبد الرّحمن: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر و المنبر، فأجد عنده عمار بن ياسر و محمّد بن أبي بكر (1)و هما يقولان:
صنع مروان بالناس و صنع، قال: فأقبل عليّ عليّ.
فقال: أحضرت خطبة عثمان؟
قلت: نعم.
قال: أ فحضرت مقالة مروان للناس؟
قلت: نعم.
قال عليّ: عياذ اللّه يا للمسلمين، إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني و قرابتي و حقّي، و إنّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيّقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السنّ و صحبة رسول اللّه (ص).
قال عبد الرّحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان ائتني، فقال عليّ بصوت مرتفع عال مغضب:
قل له: ما أنا بداخل عليك و لا عائد.
قال: فانصرف الرسول، فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائيا، فسألت (ناتلا) غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقالن.
1) يظهر من هذه الرواية انّ هذه المحاورة في المسجد وقعت بعد رجوع المصريين.
عبد الرّحمن بن الأسود: فغدوت فجلست مع عليّ (ع) فقال لي: جاءني عثمان بارحة فجعل يقول: إنّي غير عائد و إنّي فاعل، قال: فقلت له: بعد ما تكلّمت به على منبر رسول اللّه (ص) و أعطيت من نفسك، ثمّ دخلت بيتك، و خرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك و يؤذيهم؟ قال: فرجع و هو يقول: قطعت رحمي و خذلتني و جرّأت الناس عليّ، فقلت: و اللّه إنّي لأذبّ الناس عنك، و لكنّي كلّما جئتك بهنة أظنّها لك رضا جاء باخرى فسمعت قول مروان عليّ و استدخلت مروان. قال: ثمّ انصرف إلى بيته فلم أزل أرى عليّا منكّبا عنه لا يفعل ما كان يفعل ... الحديث.
أخرج الطبري (1)بسنده إلى عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال:
لمّا حصر عثمان الحصر الآخر، قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أو كانا حصرين؟
فقال ابن عباس: نعم، الحصر الأوّل حصر اثنتي عشرة، و قدم المصريون فلقيهم عليّ بذي خشب فردّهم عنه، و قد كان و اللّه عليّ له صاحب صدق حتى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان و سعيد و ذووهما يحملونه على عليّ، فيتحمّل و يقولون: لو شاء ما كلّمك أحد، و ذلك أنّ عليا كان يكلّمه و ينصحه، و يغلظ عليه في المنطق في مروان و ذويه، فيقولون لعثمان هكذا يستقبلك و أنت إمامه و سلفه و ابن عمّه و ابن عمّته، فما ظنك بما غاب عنك منه، فلم يزالوا بعليّ حتّى أجمع ألّا يقوم دونه، فدخلت عليه اليوم الذي خرجت فيه إلى مكّة فذكرت له أنّ عثمان دعاني إلى الخروج، فقال لي: ما يريد عثمان أن ينصحه أحد؛ اتّخذ بطانة أهل غش، ليس منهم أحد إلّا قد تسبّب بطائفة من الأرض، يأكل خراجها و يستذلّ أهلها. فقلت له: إنّ له رحما و حقّا فإن رأيت أن تقوم دونه فعلت، فإنّك لا تعذر إلّا بذلك، قال: قال ابن عباس: فاللّه يعلم أنّي رأيت فيه الانكسار و الرقّة لعثمان، ثمّ إنّي لأراه يؤتى إليه عظيم ... الحديث.9.
1) الطبري 5/ 139، و ط. أوربا 1/ 3038- 3039.
و أخرج (1)في حديث آخر له: أن عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، فقام رجل فقال: أقم كتاب اللّه، فقال عثمان: اجلس فجلس حتّى قام ثلاثا، فأمر به عثمان فجلس، فتحاثّوا بالحصباء حتى ما ترى السماء و سقط عن المنبر و حمل فادخل داره مغشيّا عليه، فخرج رجل من حجّاب عثمان و معه مصحف في يده و هو ينادي: (إنّ الّذين فارقوا (2)دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء إنّما أمرهم إلى اللّه).
و دخل عليّ بن أبي طالب على عثمان رضى اللّه عنه و هو مغشيّ عليه و بنو اميّة حوله، فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فأقبلت بنو اميّة بمنطق واحد فقالوا:
يا عليّ! أهلكتنا و صنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين، أما و اللّه لئن بلغت الّذي تريد لنمرّنّ عليك الدنيا. فقام عليّ مغضبا.
و أخرج في حديث آخر (3)و قال: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، و يحتجّون و يقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه، فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه و أهل بيته فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب، فيطلب إليه أن يردّهم عنه، و يعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم، حتى يأتيه إمداده.
فقال: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل و هم محمّلي عهدا، و قد كان منّي في قدمتهم الاولى ما كان، فمتى اعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.6.
فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين! مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ما سألوك، و طاولهم ما طاولوك فإنّما هم بغوا عليك فلا عهد لهم، فأرسل إلى عليّ فدعاه، فلمّا جاءه قال:
يا أبا حسن! إنّه قد كان من الناس ما قد رأيت و كان منّي ما قد علمت، و لست آمنهم على قتلي، فارددهم عنّي، فإنّ لهم اللّه عزّ و جلّ أن أعتبهم من كل ما يكرهون، و أن اعطيهم من نفسي و من غيري و إن كان في ذلك سفك دمي.
فقال له عليّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، و إنّي لأرى قوما لا يرضون إلّا بالرّضا، و قد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من اللّه لترجعنّ عن جميع ما نقموا، فرددتهم عنك، ثمّ لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرّة من شيء، فإنّي معطيهم عليك الحقّ.
قال: نعم، فأعطهم فو اللّه لأفينّ لهم.
فخرج عليّ إلى الناس فقال: أيّها الناس! إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد اعطيتموه؛ إنّ عثمان زعم أنّه منصفكم من نفسه و من غيره، و راجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه و وكّدوا عليه.
قال الناس: قد قبلنا. فاستوثق منه لنا فإنّا و اللّه لا نرضى بقول دون فعل.
فقال لهم عليّ: ذلك لكم، ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر.
فقال عثمان: اضرب بيني و بينهم أجلا يكون لي فيه مهلة فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد.
قال عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجله وصول أمرك.
قال: نعم، و لكن أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام.
قال عليّ: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، و كتب بينهم و بين عثمان كتابا أجّله فيه ثلاثا على أن يردّ كلّ مظلمة، و يعزل كل عامل كرهوه، ثمّ أخذ
عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه من عهد و ميثاق، و أشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين و الأنصار، فكفّ المسلمون عنه و رجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهّب للقتال و يستعدّ بالسلاح، و قد كان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس، فلمّا مضت الأيّام الثلاثة و هو على حاله لم يغيّر شيئا ممّا كرهوا، و لم يعزل عاملا، ثار به الناس، و خرج عمرو بن حزم الأنصاري حتّى أتى المصريين و هم بذي خشب، فأخبرهم الخبر و سار معهم حتّى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان:
أ لم نفارقك على أنّك تائب من أحداثك، و راجع عمّا كرهنا منك و أعطيتنا على ذلك عهد اللّه و ميثاقه؟
قال: بلى أنا على ذلك.
قالوا: فما هذا الكتاب الّذي وجدنا مع رسولك و كتبت به إلى عاملك؟! قال: ما فعلت و لا لي علم بما تقولون! قالوا: بريدك على جملك، و كتاب كاتبك عليه خاتمك! قال: أمّا الجمل فمسروق، و قد يشبه الخطّ الخطّ، و أمّا الخاتم فقد انتقش عليه.
قالوا: فإنّا لا نعجل عليك و إن كنّا قد اتّهمناك؛ اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، و استعمل علينا من لا يتهم على دمائنا و أموالنا، و اردد علينا مظالمنا.
قال عثمان: ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتم و أعزل من كرهتم. الأمر إذا أمركم.
قالوا: و اللّه لتفعلنّ، أو لتعزلنّ، أو لتقتلنّ. فانظر لنفسك أو دع، فأبى عليهم و قال:
لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه اللّه.
و قصة عثور المصريين على الكتاب في ما أخرجه البلاذري و غيره (1)و اللّفظ للبلاذري عن أبي مخنف قال: لمّا شخص المصريون بعد الكتاب الذي كتبه عثمان، فصاروا بأيلة (2)أو بمنزل قبلها رأوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا له: من أنت؟ فقال: رسول أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن سعد، و أنا غلام أمير المؤمنين و كان أسود. فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه و فتّشناه ألّا يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا، فقال بعضهم لبعض: خلّوا سبيله، فقال كنانة بن بشر: أمّا و اللّه دون أن أنظر في إداوته فلا. فقالوا: سبحان اللّه أ يكون كتاب في ماء؟ فقال: إنّ للناس حيلا. ثمّ حلّ الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة- أو قال مضمومة- في جوف القارورة كتاب في انبوب من رصاص فأخرجه فقرئ فإذا فيه:
أمّا بعد، فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه، و اقطع يدي ابن عديس، و كنانة، و عروة، ثمّ دعهم يتشحّطون في دمائهم حتّى يموتوا. ثمّ أوثقهم على جذوع النخل.
فيقال: إنّ مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلمّا عرفوا ما في الكتاب، قالوا: عثمان محلّ، ثمّ رجعوا عودهم على بدئهم حتّى دخلوا المدينة فلقوا عليا بالكتاب، و كان خاتمه من رصاص، فدخل به عليّ على عثمان فحلف باللّه ما هو كتابه و لا يعرفه، و قال: أما الخط فخط كاتبي و أمّا الخاتم فعلى خاتمي، قال عليّ:
فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك و أتّهم كاتبي. فخرج عليّ مغضبا و هو يقول: بل هو أمرك.م.
قال أبو مخنف: و كان خاتم عثمان بدءا عند حمران بن أبان، ثمّ أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه.
و في رواية اخرى: ثمّ وجدوا كتابا إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريين، فرجعوا و دفعوا الكتاب إلى عليّ، فأتاه به، فحلف له أنّه لم يكتبه و لم يعلم به.
فقال له عليّ: فمن تتّهم فيه؟
فقال: أتّهم كاتبي و أتّهمك يا عليّ! لأنّك مطاع عند القوم و لم تردّهم عنّي.
و جاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها، و قالوا لعثمان و قد أشرف عليهم:
يا عثمان! أ هذا كتابك؟ فجحد و حلف.
فقالوا: هذا شرّ، يكتب عنك بما لا تعلمه، ما مثلك يلي امور المسلمين، فاختلع من الخلافة.
فقال: ما كنت لأنزع قميصا قمّصنيه اللّه.
و قالت بنو اميّة: يا عليّ! أفسدت علينا أمرنا و دسست و ألّبت.
فقال: يا سفهاء! إنّكم لتعلمون أنّه لا ناقة لي في هذا و لا جمل، و إنّي رددت أهل مصر عن عثمان ثمّ أصلحت أمره مرّة بعد اخرى، فما حيلتي؟
و انصرف و هو يقول: اللّهمّ إنّي بريء ممّا يقولون و من دمه إن حدث به حدث.
قال: و كتب عثمان حين حصروه كتابا قرأه ابن الزّبير على الناس- و قيل بل قرأه الزّبير و الأوّل أصحّ- يقول فيه:
و اللّه ما كتبت الكتاب، و لا أمرت به، و لا علمت بقصّته، و أنتم معتبون من كلّ ما ساءكم، فأمّروا على مصركم من أحببتم و هذه مفاتيح بيت مالكم، فادفعوها إلى من شئتم.
فقالوا: قد اتّهمناك بالكتاب فاعتزلنا.
و في رواية اخرى للطبري (1): حتّى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبد اللّه بن سعد فكرّوا و انتهوا إلى المدينة و قد تخلّف بها من الناس الأشتر و حكيم بن جبلة، فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه و قال: هذا مفتعل.
قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك.
قال: أجل، و لكنّه كتبه بغير أمري.
قالوا: فإنّ الرسول الّذي وجدنا معه الكتاب غلامك.
قال: أجل و لكنّه خرج بغير إذني.
قالوا: فالجمل جملك.
قال: أجل و لكنّه اخذ بغير علمي.
قالوا: ما أنت إلّا صادق أو كاذب. فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقّها، و إن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك و غفلتك و خبث بطانتك، لأنّه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه و غفلته، و قالوا له: إنّك ضربت رجالا من أصحاب النبيّ (ص) و غيرهم حين يعظونك و يأمرونك بمراجعة الحقّ عند ما يستنكرون من أعمالك، فأقد من نفسك من ضربته و أنت له ظالم.
فقال: الإمام يخطئ و يصيب، فلا أقيد من نفسي لأنّي لو أقدت كلّ من أصبته بخطإ آتي على نفسي.
قالوا: إنّك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع، فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة، ثمّ عدت إليها و إلى مثلها، ثمّ قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة7.
1) الطبري 5/ 120- 121، و ط. أوربا 1/ 2995- 2997.
و الرجوع إلى الحق، و لامنا فيك محمّد بن مسلمة و ضمن لنا ما حدث من أمر فأحضرته فتبرّأ منك و قال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أوّل مرّة لنقطع حجّتك و نبلغ أقصى الإعذار إليك نستظهر باللّه عزّ و جلّ عليك، فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل و القطع و الصلب و زعمت أنّه كتب بغير علمك و هو مع غلامك و على جملك و بخطّ كاتبك و عليه خاتمك، فقد وقعت عليك بذلك التّهمة القبيحة مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم و الأثرة في القسم، و العقوبة للأمر بالتبسّط من الناس، و الإظهار للتوبة ثمّ الرجوع إلى الخطيئة، و لقد رجعنا عنك و ما كان لنا أن نرجع حتّى نخلعك و نستبدل بك من أصحاب رسول اللّه (ص) من لم يحدث مثل ما جرّبنا منك، و لم يقع عليه من التّهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا و اعتزل أمرنا، فإنّ ذلك أسلم لنا منك، و أسلم لك منّا.
فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟
قالوا: نعم.
قال- بعد الحمد و الثناء-: أمّا بعد، فانّكم لم تعدلوا في المنطق و لم تنصفوا في القضاء، أمّا قولكم: تخلع نفسك؛ فلا أنزع قميصا قمّصنيه اللّه عزّ و جلّ و أكرمني به و خصّني به على غيري، و لكنّي أتوب و أنزع و لا أعود لشيء عابه المسلمون، فإنّي و اللّه الفقير إلى اللّه الخائف منه.
قالوا: إنّ هذا لو كان أوّل حدث أحدثته ثمّ تبت منه و لم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك، و أن ننصرف عنك، و لكنّه قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت و لقد انصرفنا عنك في المرّة الاولى و ما نخشى أن تكتب فينا و لا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك، و كيف نقبل توبتك، و قد بلونا منك أنّك لا تعطي من نفسك التوبة من ذنب إلّا عدت إليه؟ فلسنا منصرفين حتّى نعزلك و نستبدل بك، فإن حال من معك من قومك و ذوي رحمك و أهل الانقطاع دونك بقتال قاتلناهم حتّى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا باللّه.
فقال عثمان: أمّا أن أتبرأ من الإمارة فإن تصلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من أمر اللّه عزّ و جلّ و خلافته، و أمّا قولكم: تقاتلون من قاتل دوني؛ فإنّي لا آمر أحدا بقتالكم، فمن قاتل دوني فإنّما يقاتل بغير أمري، و لعمري لو كنت اريد قتالكم لقد كتبت إلى الأجناد، فقادوا الجنود، و بعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو العراق، فاللّه اللّه في أنفسكم؛ أبقوا عليها إن لم تبقوا عليّ؛ فإنّكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دما. قال: ثمّ انصرفوا عنه و آذنوه بالحرب و أرسل إلى محمّد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم فقال: و اللّه لا أكذب اللّه في سنة مرّتين.
و في رواية اخرى للبلاذري (1):
إنّ المصريين لمّا قدموا فشكوا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، سألوا عثمان أن يولي عليهم محمّد بن أبي بكر. فكتب عهده و ولّاه و وجّه معهم عدّة من المهاجرين و الأنصار ينظرون في ما بينهم و بين ابن أبي سرح، فشخص محمّد بن أبي بكر و شخصوا جميعا؛ فلمّا كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير و هو يخبط البعير خبطا كأنّه رجل يطلب أو يطلب.
فقال له أصحاب محمّد بن أبي بكر: ما قصّتك و ما شأنك؟ كأنّك هارب أو طالب.
فقال لهم مرّة: أنا غلام أمير المؤمنين، و قال مرّة اخرى: أنا غلام مروان، وجّهني إلى عامل مصر برسالة.
قالوا: فمعك كتاب؟
قال: لا. ففتّشوه، فلم يجدوا معه شيئا، و كانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحرّكوه ليخرج فلم يخرج، فشقّوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان8.
1) أنساب الأشراف 5/ 67- 68.
إلى ابن أبي سرح.
فجمع محمّد من كان معه من المهاجرين و الأنصار و غيرهم ثمّ فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه:
إذا أتاك محمّد بن أبي بكر و فلان و فلان، فاحتل لقتلهم و أبطل كتاب محمّد و قرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي، و احبس من يجيء إليّ متظلّما منك إن شاء اللّه.
فلمّا قرءوا الكتاب فزعوا و غضبوا و رجعوا إلى المدينة و ختم محمّد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر ممّن كان معه، و دفعه إلى رجل منهم و قدموا المدينة، فجمعوا عليا و طلحة و الزبير و سعدا و من كان من أصحاب النبي (ص) ثمّ فكّوا الكتاب بمحضر منهم، و أخبروهم بقصة الغلام و أقرءوهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلّا حنق على عثمان، و زاد ذلك من كان غضب لابن مسعود و عمّار ابن ياسر و أبي ذر حنقا و غيظا، و قام أصحاب النبيّ (ص) بمنازلهم ما منهم أحد إلّا و هو مغتمّ لما في الكتاب.
و حاصر الناس عثمان، و أجلب عليه محمّد بن أبي بكر ببني تيم و غيرهم، و أعانه على ذلك طلحة بن عبيد اللّه، و كانت عائشة تقرصه كثيرا ... الحديث.
و في البدء و التاريخ (1): كان أشدّ الناس على عثمان طلحة و الزبير و محمّد بن أبي بكر و عائشة، و خذله المهاجرون و الأنصار، و تكلّمت عائشة في أمره، و أطلعت شعرة من شعرات رسول اللّه (ص) و نعله و ثيابه و قالت: ما أسرع ما نسيتم سنّة نبيّكم، فقال عثمان في آل أبي قحافة ما قال و غضب حتّى ما كان يدري ما يقول، انتهى.
كان أشدّ الناس على عثمان رءوس آل تيم الثلاثة: امّ المؤمنين عائشة5.
1) أنساب الأشراف 5/ 205.
و أخوها محمّد بن أبي بكر و ابن عمها طلحة بن عبيد اللّه، و ذكروا من مواقف امّ المؤمنين مع عثمان شيئا كثيرا. و قد مرّ بعضها في ذكر موقف امّ المؤمنين عائشة.
و لمّا رأى عثمان استيلاء طلحة على بيوت الأموال و اشتداد الحصار عليه بعث عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بهذا البيت إلى عليّ:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكليو إلّا فأدركني و لمّا أمزّق (1)و كان عليّ عند حصر عثمان بخيبر فقدم المدينة و الناس مجتمعون عند طلحة و كان ممن له فيه أثر، فلمّا قدم عليّ أتاه عثمان و قال له:
أمّا بعد، فإنّ لي حقّ الإسلام، و حقّ الإخاء، و القرابة، و الصّهر، و لو لم يكن من ذلك شيء و كنّا في الجاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم- يعني طلحة- أمرهم.
فقال له عليّ: سيأتيك الخبر، ثمّ خرج إلى المسجد فرأى اسامة (2)
ترجمته في الاستيعاب رقم 12، و أسد الغابة 1/ 65- 66، و الإصابة.
فتوكّأ1) أنساب الأشراف 5/ 78، و قد أورد محاورة عثمان و الإمام عليّ كل من الطبري 5/ 154؛ و ابن الأثير 3/ 64؛ و كنز العمال 6/ 389، الحديث 5965، و قد تخيّرنا لفظ ابن الأثير لأنّه أتمّ و أخصر؛ و راجع الكامل للمبرد، ص 11، ط. ليدن؛ و زهر الآداب 1/ 75، ط. الرحمانية؛ و ابن أعثم ص 156- 157.
2) اسامة مولى رسول اللّه (ص) و ابن مولاه زيد بن حارثة و ابن مولاته و حاضنته امّ أيمن و كان يسمّى حبّ رسول اللّه (ص)، أمّره رسول اللّه في مرض موته على جيش كان قد انتدبهم لغزو الشام و استوعب في الجيش المهاجرين الأوّلين. توفّي سنة 54، أو 58، أو 59.
على يده حتى دخل دار طلحة و هي رجّاس (1)من الناس فقال له: يا طلحة! ما هذا الأمر الّذي وقعت فيه (2)؟! فقال: يا أبا الحسن بعد ما مس الحزام الطّبيين، فانصرف عليّ و لم يحر إليه شيئا حتّى أتى بيت المال، فقال افتحوا هذا الباب، فلم يقدر على المفاتيح فقال:
اكسروه فكسر باب بيت المال، فقال: أخرجوا المال، فجعل يعطي الناس فبلغ الّذين في دار طلحة الّذي صنع عليّ، فجعلوا يتسلّلون إليه حتّى ترك طلحة وحده، و بلغ عثمان الخبر فسرّ بذلك، ثمّ أقبل طلحة يمشي عائدا إلى دار عثمان ...
فلمّا دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين! أستغفر اللّه و أتوب إليه أردت أمرا فحال اللّه بيني و بينه، فقال عثمان: إنّك و اللّه ما جئت تائبا و لكنّك جئت مغلوبا. اللّه حسيبك يا طلحة ... انتهى.
و روى الطبري و قال: فحصروه أربعين ليلة و طلحة يصلّي بالناس (3).
و روى البلاذري و قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ (ص) أشدّ على عثمان من طلحة (4).
روى البلاذري (5)و قال: و كان الزبير و طلحة قد استوليا على الأمر و منع طلحة عثمان أن يدخل عليه الماء العذب فأرسل عليّ إلى طلحة و هو في أرض له
1) رجّاس، الرجس: الصوت الشديد. سحاب و رعد رجّاس: شديد الصوت.
2) و في رواية الطبري، ط. أوربا 1/ 3071 منه، أنّ عليّا قال لطلحة: انشدك اللّه إلّا رددت الناس عن عثمان، قال: لا و اللّه حتى تعطي بنو اميّة الحق من أنفسها.
3) الطبري 5/ 117، و ط. أوربا 1/ 2989.
4) أنساب الأشراف 5/ 81.
5) أنساب الأشراف 5/ 90.
على ميل من المدينة أن دع هذا الرجل فليشرب من مائه و من بئره، يعني من رومة و لا تقتلوه من العطش فأبى ... الحديث.
و قال الطبري (1): (و لمّا اشتدّ الحصار بعثمان و منع عنه الماء أرسل عثمان إلى عليّ يستسقيه، فجاء فكلّم طلحة في أن يدخل عليه الروايا، و غضب غضبا شديدا حتّى دخلت الروايا على عثمان).
و قال البلاذري (2): (فحاصر الناس عثمان و منعوه، فأشرف على الناس فقال: أ فيكم عليّ؟ فقالوا: لا، فقال: أ فيكم سعد؟ فقالوا: لا، فسكت، ثمّ قال:
أ لا أحد يبلّغ عليّا فيسقينا، فبلغ ذلك عليّا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة فما كادت تصل إليه، و جرح بسببها عدّة من موالي بني هاشم و بني اميّة، حتّى وصلت إليه) و مرّ مجمّع بن جارية الأنصاري (3)بطلحة بن عبيد اللّه فقال: يا مجمّع ما فعل صاحبك؟
قال: أظنكم و اللّه قاتليه! فقال طلحة: فان قتل فلا ملك مقرب و لا نبيّ مرسل (4).
و روى الطبري (5)عن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة أنّه قال: دخلت على عثمان فتحدّثت عنده ساعة. فقال: يا ابن عياش! تعال. فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على باب عثمان فسمعنا كلاما؛ منهم من يقول: من تنظرون به؟3.
1) الطبري 5/ 113.
2) أنساب الأشراف 5/ 68- 69.
3) مجمع بن جارية بن عامر الأنصاري الأوسي، و كان أبوه ممّن اتّخذ مسجد الضرار و كان هو غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) إلّا سورة أو سورتين. ترجمته في أسد الغابة 5/ 303- 304.
4) أنساب الأشراف 5/ 74.
5) الطبري 5/ 122، و ط. أوربا 1/ 3000؛ و ابن الأثير 3/ 73.
و منهم من يقول: أنظروا عسى أن يراجع. فبينا أنا و هو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد اللّه فوقف فقال: اين ابن عديس (1)
و كان ممّن بايع النبيّ تحت الشجرة و شهد الشجرة و شهد فتح مصر و اختط بها. و كان ممّن سار إلى عثمان من مصر. و سجنه معاوية بعد بفلسطين و قتل سنة 36 ه بعد أن هرب من السجن.
الإصابة، حرف العين، القسم الأوّل 2/ 403، رقم الترجمة 5165.
.فقيل: ها هو ذا.
قال: فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء، ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه:
لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل و لا يخرج من عنده. فقال عثمان: اللّهمّ اكفني طلحة بن عبيد اللّه فإنّه حمل عليّ هؤلاء و ألّبهم. و اللّه إني لأرجو أن يكون منها صفرا و أن يسفك دمه، إنّه انتهك منّي ما لا يحلّ له ... قال ابن عياش: فأردت أن أخرج فمنعوني حتّى مرّ بي محمّد بن أبي بكر، فقال: خلّوا سبيله فخلّوني ...
و بلغ عليّا أنّ القوم يريدون قتل عثمان ... فقال للحسن و الحسين: اذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه ...
فخضب الحسن بالدماء على بابه و شجّ قنبر مولى عليّ، فلمّا رأى ذلك محمّد بن أبي بكر خشي أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن و الحسين فيثيروها فتنة، فأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان و بطل ما تريدون و لكن مروا بنا حتى نتسوّر عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم، فتسوّر محمّد و صاحباه من دار رجل من الأنصار حتّى دخلوا على عثمان و ما يعلم أحد ممّن كان معه لأنّهم كانوا فوق البيوت و لم يكن معه إلّا امرأته، فقال محمّد بن أبي بكر: أنا أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجّئاه حتى تقتلاه، فدخل محمّد فأخذ بلحيته، فقال عثمان: لو رآك5.
1) هو عبد الرّحمن بن عديس البلوي.
أبوك لساءه مكانك منّي، فتراخت يده و دخل الرجلان فتوجّئاه حتى قتلاه (1).
و في رواية لابن أبي الحديد: أنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام.
و روى أيضا: أنّه لما امتنع على الّذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها و تسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه (2).
و روى الطبري (3): أنّهم دخلوا دار عمرو بن حزم- و كانت إلى جنب دار عثمان- فناوشوهم شيئا منه مناوشة؛ و قال: فو اللّه ما نسينا أن خرج سودان بن حمران فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيد اللّه؟ قد قتلنا ابن عفان.
و قال البلاذري (4): إنّ عليّا لمّا بلغه الخبر جاء و قال لابنيه: كيف قتل و أنتما على الباب؟! فلطم هذا و ضرب صدر ذاك و خرج و هو غضبان يرى أنّ طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة، فقال: ما لك يا أبا الحسن؟ فقال: عليك لعنة اللّه، أ يقتل رجل من أصحاب رسول اللّه ... فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل ... و خرج عليّ فأتى منزله ... انتهى.
اتّفقت الروايات على أنّ عثمان ترك ثلاثا لم يدفن، حتّى توسّط عليّ في ذلك. روى الطبري: أنّهم كلّموا عليّا في دفنه و طلبوا إليه أن يأذن لأهله ذلك،
ففعل و أذن لهم عليّ، فلمّا سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة و خرج به ناس يسير من أهله و هم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له حشّ كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم؛ فلمّا خرج به على الناس رجموا سريره و همّوا بطرحه؛ فبلغ ذلك عليّا، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّن عنه ففعلوا، فانطلق به حتّى دفن في حشّ كوكب؛ فلمّا ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع؛ فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتّى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين.
و في حديث آخر له قال: دفن عثمان (رض) بين المغرب و العتمة و لم يشهد جنازته إلّا مروان بن الحكم و ثلاثة من مواليه و ابنته الخامسة، فناحت ابنته و رفعت صوتها تندبه، و أخذ الناس الحجارة و قالوا: نعثل، و كادت ترجم ...
الحديث (1).
أوردنا حوادث عصر الخليفة عثمان بشيء من التفصيل؛ لأنّ درك الحوادث التي جرت بعده يتوقف على استيعاب الحوادث الّتي جرت في عصره باتقان و تدبّر، و كان من خصائص المجتمع في عصره أن القرّاء و رواة حديث الرسول (ص) تلقوا من الذلّ و الهوان و التشريد و كسر الأضلاع و الحرمان من عطائهم السنوي ما لم يتلقوه قبل عصره. و نشر في عصره من تفسير القرآن و رواية حديث الرسول (ص) ما كان محظورا نشره قبل عصره، و قد مرّ بنا أن محمّد بن أبي بكر و محمّد بن أبي حذيفة أخبرا أهل مصر بأنّ و اليهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح كان رسول اللّه (ص) أباح دمه و نزل القرآن بكفره حين قال2.
1) الطبري 5/ 143- 144، و ط. أوربا 1/ 3046؛ و ابن الأثير 3/ 76؛ و ابن أعثم ص 159؛ و راجع الرياض النضرة 2/ 131- 132.
(سانزل مثل ما أنزل اللّه) و لا بدّ أنّ عبد اللّه بن مسعود- أيضا- في خلافه، قرأ عليهم من مصحفه ان و اليهم الوليد نزل في حقّه إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ و كان ذلك سبب جمعه للمصاحف الّتي كانت عند الصحابة و فيها أمثال هذه الأخبار كما سنبينه في آخر هذا البحث إن شاء اللّه تعالى:
بدأ الخليفة عثمان في أوّل عهده هيّنا لينا في سلوكه، و يسمح لكبار الصحابة بالانتشار في البلاد الإسلامية، و اتيحت لكبار الصحابة في هذا العصر فرصة رواية الحديث و كتابة مصاحف جمعوا فيها آيات القرآن مع ما كان عندهم من بيان الرسول (ص) لبعض الآيات، فانتشرت من مصاحفهم و ممّا تحدّثوا عن رسول اللّه (ص) روايات كان نشرها محظورا في زمن الخليفة عمر.
و كان في ما نشر ما يخالف سياسة الخلافة و يعارض سلوك الولاة من آل اميّة على بلاد المسلمين، فاستنكر القرّاء من الصحابة على ولاته سيرتهم و سلوكهم مثل استنكار عبادة بن الصامت و أبي الدرداء على معاوية في الشام و ابن مسعود على الوليد في الكوفة فبلغ أنباء ذلك إلى الخليفة فجلب من كان منهم في الشام إلى المدينة (1)، و نكتفي هنا بإيراد خبر الصحابي أبي ذر على عهده في ما يأتي بإذنه تعالى.
في سنن الدارمي و طبقات ابن سعد بسندهما عن أبي كثير عن أبيه، (قال:
أتيت أبا ذرّ و هو جالس عند الجمرة الوسطى و قد اجتمع النّاس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، ثمّ قال: أولم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه فقال:
1) مرّت مصادر هذا البحث و تفصيله في خصائص المجتمع الإسلامي على عهد عثمان.
أ رقيب أنت عليّ؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه- و أشار إلى قفاه- ثمّ ظننت أنّي انفذ كلمة سمعتها من رسول اللّه (ص) قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها) (1).
اختزل هذا الخبر البخاري في صحيحه و قال:
(و قال أبو ذرّ: لو وضعتم الصمصامة على هذه- و أشار إلى قفاه- ثمّ ظننت أنّي انفذ كلمة سمعتها من النبيّ (ص) قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها) (2).
و في شرحه من فتح الباري قال ابن حجر:
(إنّ الّذي خاطبه رجل من قريش و الّذي نهاه عثمان (رض)) (3).
و قال: (و نكّر [كلمة] ليشمل القليل و الكثير، و المراد به يبلغ ما تحمله في كلّ حال، و لا ينتهي عن ذلك و لو أشرف على القتل). انتهى كلام شارح البخاري و فسّر في ما قال كلام أبي ذرّ بأنّه أراد أنّه سيبلّغ ما سمعه عن رسول اللّه (ص) و إن كان كلمة واحدة و لا ينتهي عن ذلك، و لو أشرف على القتل.
و في تذكرة الحفاظ للذهبي:
(و على رأسه فتى من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا ...)
الحديث (4).
يقول و هو آخذ بباب الكعبة:
أيّها النّاس! من عرفني، فأنا من عرفتم، و من أنكرني فأنا أبو ذرّ، سمعت رسول اللّه يقول:
(مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
ذكر اليعقوبي تفصيل خبر أبي ذرّ مع السلطة في تاريخه (1)و قال:
(و بلغ عثمان أنّ أبا ذرّ يقعد في مسجد رسول اللّه، و يجتمع إليه النّاس (2)، فيحدّث بما فيه الطعن عليه. و أنّه وقف بباب المسجد، فقال:
أيّها النّاس! من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أبو ذرّ الغفاري، أنا جندب بن جنادة الرّبذي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ محمّد الصفوة من نوح، فالآل (3)من إبراهيم، و السلالة من إسماعيل، و العترة الهادية من محمّد إنّه شرف شريفهم، و استحقّوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة و كالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونيّة أضاء زيتها، و بورك زبدها، و محمّد وارث علم آدم
و ما فضّل به النبيّون، و عليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد، و وارث علمه.
أيّتها الامّة المتحيرة بعد نبيّها! أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، و أخّرتم من أخّر اللّه، و أقررتم الولاية و الوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رءوسكم و من تحت أقدامكم، و لما عال وليّ اللّه، و لا طاش سهم من فرائض اللّه، و لا اختلف اثنان في حكم اللّه، إلّا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه و سنّة نبيّه.
فأمّا إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا و بال أمركم، و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون).
و قال:
(و بلغ عثمان أيضا أنّ أبا ذر يقع فيه، و يذكر ما غيّر و بدّل من سنن رسول اللّه و سنن أبي بكر و عمر، فسيّره إلى الشّام إلى معاوية، و كان يجلس في المسجد، فيقول كما كان يقول، و يجتمع إليه النّاس، حتّى كثر من يجتمع إليه، و يسمع منه ...) الحديث.
و قال بعد ذلك ما موجزه:
(إنّ معاوية كتب إلى عثمان أنّك قد أفسدت الشّام على نفسك بأبي ذرّ.
فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء.
فقدم به المدينة و قد ذهب لحم فخذيه و جرى له مع عثمان ما أدّى بعثمان أن ينفيه إلى الرّبذة) (1).
قال القرشي لأبي ذر: أولم تنه عن الفتيا؟! فكان في جواب أبي ذر له: (و اللّه لو وضعتم الصمصامة على هذه- و أشار
1) تاريخ اليعقوبي 2/ 171- 172.
إلى قفاه- ثمّ ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبيّ قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها).
اذا فقد كان الافتاء الممنوع عنه هو رواية حديث الرسول (ص)، و كان في رواية أبي ذرّ تفسير إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً ... بقوله: محمّد الصفوة من نوح و الآل إبراهيم و السلالة من اسماعيل و العترة الهادية من محمّد.
و من هنا ندرك أن سبب منعهم من نشر حديث الرسول و بيان تفسير آي الذكر الحكيم بأحاديث الرسول، المنع من نشر أحاديث الرسول الّتي فيها ثناء على من لا ترغب اسرة الخلافة نشرها، و كذلك نشر أحاديث الرسول (ص) الّتي فيها ذمّ لذوي الجاه و السلطة من قريش.
و لذلك قاموا بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) و نسخوا عليها سبع نسخ و أحرقوا سائر المصاحف كما سيأتي ذكره في آخر الكتاب في بحث خلاصة أخبار القرآن بعد الرسول (ص)، أمّا سياسة الإمام عليّ في ذلك فسندرسها بإذنه تعالى في البحث الآتي.
قتل عثمان، و عاد إلى المسلمين أمرهم، و انحلّوا من كل بيعة سابقة توثقهم، فتهافتوا على ابن أبي طالب يطلبون يده للبيعة؛ قال الطبري (1):
فأتاه أصحاب رسول اللّه (ص)، فقالوا:
إنّ هذا الرجل قد قتل و لا بدّ للناس من إمام، و لا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، و لا اقرب من رسول اللّه (ص).
فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا.
فقالوا: لا، و اللّه ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك.
قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيا، و لا تكون إلّا عن رضا المسلمين.
و روى بسند آخر و قال:
اجتمع المهاجرون و الأنصار فيهم طلحة و الزّبير، فأتوا عليّا، فقالوا:
يا أبا الحسن! هلمّ نبايعك.
فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا.
1) الطبري 5/ 153، ط. أوربا 1/ 3066، و راجع الكنز 3/ 161، ح 2471 فإنّه يروي تفصيل بيعة عليّ و مجيء طلحة و الزّبير إليه و امتناعه عن البيعة ... و كذلك حكاه ابن أعثم بالتفصيل في ص 160- 161 من تأريخه، و ط. الثانية، 2/ 250- 252.
فقالوا: و اللّه ما نختار غيرك.
قال: فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان (رض) مرارا، ثمّ أتوه في آخر ذلك، فقالوا له:
إنّه لا يصلح الناس إلّا بإمرة و قد طال الأمر.
فقال لهم: إنّكم قد اختلفتم إليّ و أتيتم و إنّي قائل لكم قولا إن قبلتموه قبلت امركم و إلّا فلا حاجة لي فيه.
قالوا: ما قلت قبلناه إن شاء اللّه. فجاء فصعد المنبر، فاجتمع الناس إليه.
فقال: إنّي قد كنت كارها لأمركم فأبيتم إلّا أن أكون عليكم. ألا و إنّه ليس لي أمر دونكم، ألا إنّ مفاتيح مالكم معي. ألا و إنّه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم. رضيتم؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهمّ اشهد عليهم. ثمّ بايعهم على ذلك.
و روى البلاذري (1)و قال:
و خرج عليّ، فأتى منزله، و جاء الناس كلّهم يهرعون إلى عليّ، أصحاب النبيّ و غيرهم، و هم يقولون: (إنّ أمير المؤمنين عليّ) حتّى دخلوا داره، فقالوا له: نبايعك، فمدّ يدك فإنّه لا بدّ من أمير.
فقال عليّ: ليس ذلك إليكم إنّما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلّا أتى عليّا، فقالوا: ما نرى أحدا أحقّ بهذا الأمر منك ... فلمّا رأى عليّ ذلك صعد المنبر، و كان أوّل من صعد إليه فبايعه طلحة بيده، و كانت إصبع طلحة شلّاء، فتطيّر منها عليّ. و قال: ما أخلقه أن ينكث.ة.
1) الأنساب 5/ 70. و قد روى الحاكم في المستدرك 3/ 114 تشاؤم عليّ من بيعة طلحة.
روى الطبري (1): (أنّ حبيب بن ذؤيب نظر إلى طلحة حين بايع، فقال:
أوّل من بدأ بالبيعة يد شلّاء؛ لا يتمّ هذا الأمر ...) انتهى.
و قال الذهبي: لما قتل عثمان صبرا سعى الناس إلى دار عليّ، فأخرجوه و قالوا: لا بدّ للناس من إمام، فحضر طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص و الأعيان فأوّل من بايعه طلحة، ثمّ سائر الناس (2).
و في تاريخ اليعقوبي ما موجزه:
و استخلف عليّ بن أبي طالب يوم الثلاثاء لسبع ليال بقين من ذي الحجة سنة 35 ... (3).
في شرح ابن أبي الحديد أنّ الإمام عليّا خطب بعد بيعته، و قال: ألا لا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، و فجّروا الأنهار، و ركبوا الخيول الفارهة، و اتخذوا الوصائف الرّوقة (4)فصار ذلك عليهم عارا و شنارا؛ إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، و أصرتهم إلى حقوقهم الّتي يعلمون، فينقمون ذلك، و يستنكرون و يقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! ألا و أيّما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول اللّه (ص) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإنّ الفضل النيّر غدا عند اللّه، و ثوابه و أجره على اللّه، و أيّما رجل استجاب للّه و للرسول، فصدق ملّتنا، و دخل في ديننا، و استقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده؛ فأنتم عباد اللّه، و المال مال اللّه، يقسّم
بينكم بالسّويّة، لا فضل فيه لأحد على أحد؛ و للمتقين عند اللّه غدا أحسن الجزاء، و أفضل الثّواب؛ لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجرا و لا ثوابا، و ما عند اللّه خير للأبرار. و إذا كان غدا إن شاء اللّه فاغدوا علينا؛ فإن عندنا مالا نقسّمه فيكم، و لا يتخلّفنّ أحد منكم؛ عربيّ و لا عجميّ، كان من أهل العطاء أو لم يكن؛ إلّا حضر؛ إذا كان مسلما حرّا. أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم، ثمّ نزل.
ثمّ نقل ابن أبي الحديد عن أستاذه أبي جعفر انّه قال: و كان هذا أوّل ما أنكروه من كلامه (ع)، و أورثهم الضّغن عليه؛ و كرهوا إعطاءه و قسمه بالسويّة.
فلمّا كان من الغد، غدا و غدا الناس لقبض المال؛ فقال لعبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه: ابدأ بالمهاجرين فنادهم، و أعط كلّ رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير، ثمّ ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك؛ و من يحضر من الناس كلّهم؛ الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك.
فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين! هذا غلامي بالأمس؛ و قد أعتقته اليوم؛ فقال: نعطيه كما نعطيك، فأعطى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير؛ و لم يفضّل أحدا على أحد؛ و تخلّف عن هذا القسم يومئذ طلحة، و الزّبير، و عبد اللّه بن عمر، و سعيد بن العاص، و مروان بن الحكم؛ و رجال من قريش و غيرها.
و سمع عبيد اللّه بن أبي رافع عبد اللّه بن الزّبير يقول لأبيه و طلحة و مروان و سعيد: ما خفي علينا أمس من كلام عليّ ما يريد؛ فقال سعيد بن العاص- و التفت إلى زيد بن ثابت-: إيّاك أعني و اسمعي يا جارة؛ فقال عبيد اللّه بن أبي رافع لسعيد و عبد اللّه بن الزّبير: إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (1).8.
1) سورة الزخرف/ 78.
ثمّ إنّ عبيد اللّه بن أبي رافع أخبر عليّا (ع) بذلك، فقال: و اللّه إن بقيت و سلمت لهم لاقيمنّهم على المحجّة البيضاء، و الطريق الواضح، قاتل اللّه ابن العاص! لقد عرف من كلامي و نظري إليه أمس، أنّي أريده و أصحابه ممّن هلك فيمن هلك.
قال: فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزّبير و طلحة، فجلسا ناحية عن عليّ (ع)، ثمّ طلع مروان و سعيد و عبد اللّه بن الزّبير؛ فجلسوا إليهما، ثمّ جاء قوم من قريش فانضمّوا إليهم، فتحدّثوا نجيّا ساعة؛ ثمّ قام الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، فجاء إلى عليّ (ع)؛ فقال: يا أبا الحسن! إنّك قد وترتنا جميعا؛ أمّا أنا فقتلت أبي يوم بدر. و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنّا ما أصبناه من المال في أيّام عثمان، و أن تقتل قتلته؛ و إنّا إن خفناك تركناك؛ فالتحقنا بالشام.
فقال: أمّا ما ذكرتم من وتري إياكم فالحقّ وتركم، و أمّا وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق اللّه عنكم و لا عن غيركم.
و أمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس؛ و لكن لكم عليّ إن خفتموني أن اؤمّنكم و إن خفتكم أن اسيّركم (1).
و قال اليعقوبي:
و بايع الناس إلّا ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص، و الوليد بن عقبة، و كان لسان القوم. فقال: يا هذا إنّك قد و ترتنا جميعا. أمّا أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، و أمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر، و كان أبوه ثور قريش، و أمّا مروان فشتمت أباه و عبت على عثمان حين ضمّه إليه، فتبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا و تعفي لنا عمّا في أيدينا، و تقتل قتلة صاحبنا، فغضب عليّ و قال: أمّا ما ذكرت من و تري إيّاكم، فالحق وتركم، و أما وضعي عنكم ما9.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ط. مصر 7/ 37- 39.
أصبتم، فليس لي أن أضع حقّ اللّه تعالى؛ و أمّا قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا، و لكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه، فمن ضاق عليه الحقّ، فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك، و نقيم معك، فترى و نرى (1).
كان هذا خبر أهل المدينة في شأن بيعة الإمام عليّ (ع)، و عند ما بلغ الخبر امّ المؤمنين عائشة في طريق عودتها إلى المدينة من الحج و هي تمني نفسها بمبايعة الناس ابن عمّها طلحة بالخلافة، قالت: و اللّه ليت هذه انطبقت على هذه- أي السماء على الأرض- و صاحت ردّوني ردّوني، فانصرفت إلى مكّة و هي تقول:
قتل و اللّه عثمان مظلوما، لأطلبنّ بدمه. لليلة من عثمان خير من عليّ الدهر كلّه (2).
و في مكّة التحق بها بنو اميّة و حلفاؤهم و انتشر خبرهم و اظهر ذلك في من أظهر في المدينة و روى في شأنهم ابن أبي الحديد و قال:
ظهر ذلك من أمرهم، قال عمار بن ياسر لأصحابه: قوموا بنا إلى هؤلاء النّفر من إخوانكم، فإنّه قد بلغنا عنهم و رأينا منهم ما نكره من الخلاف، و الطعن على إمامهم؛ و قد دخل أهل الجفاء بينهم و بين الزّبير و الأعسر العاقّ- يعني طلحة-.
فقام أبو الهيثم و عمّار و سهل بن حنيف و جماعة معهم، فدخلوا على عليّ (ع)، فقالوا: يا أمير المؤمنين! انظر في أمرك، و عاتب قومك، هذا الحيّ من قريش فإنّهم قد نقضوا عهدك، و أخلفوا وعدك، و قد دعونا في السرّ إلى رفضك، هداك اللّه لرشدك! و ذاك لأنّهم كرهوا الأسوة، و فقدوا الأثرة، و لما آسيت بينهم و بين الأعاجم أنكروا، و استشاروا عدوك و عظّموه، و أظهروا الطلب بدم عثمان8.
فرقة للجماعة، و تألّفا لأهل الضلالة. فرأيك! فخرج عليّ (ع) فدخل المسجد، و صعد المنبر مرتديا بطاق، مؤتزرا ببرد قطريّ، متقلّدا سيفا، متوكئا على قوس، فقال: القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 535 سياسة حكم الإمام علي و آثارها: ..... ص : 531
ّا بعد، فإنّا نحمد اللّه ربنا و إلهنا و ولينا، و ولي النعم علينا، الّذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة و باطنة، امتنانا منه بغير حول منا و لا قوة، ليبلونا أ نشكر أم نكفر؛ فمن شكر زاده و من كفر عذّبه؛ فأفضل الناس عند اللّه منزلة، و أقربهم من اللّه وسيلة، أطوعهم لأمره، و أعملهم بطاعته؛ و أتبعهم لسنّة رسوله (ص)، و أحياهم لكتابه؛ ليس لأحد عندنا فضل إلّا بطاعة اللّه و طاعة الرسول (ص).
هذا كتاب اللّه بين أظهرنا، و عهد رسول اللّه (ص) و سيرته فينا، لا يجهل ذلك إلّا جاهل عاند عن الحقّ، منكر، قال اللّه تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (1).
ثمّ صاح بأعلى صوته: أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول، فإن تولّيتم فإنّ اللّه لا يحبّ الكافرين.
ثمّ قال: يا معشر المهاجرين و الأنصار! أ تمنّون على اللّه و رسوله بإسلامكم، بل اللّه يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين.
ثمّ قال: أنا أبو الحسن- و كان يقولها إذا غضب- ثمّ قال: ألا إنّ هذه الدنيا الّتي أصبحتم تمنّونها و ترغبون فيها، و أصبحت تغضبكم و ترضيكم، ليست بداركم و لا منزلكم الّذي خلقتم له؛ فلا تغرّنّكم فقد حذرتموها، و استتموا نعم اللّه عليكم بالصّبر لأنفسكم على طاعة اللّه، و الذّلّ لحكمه، جل ثناؤه؛ فأمّا هذا3.
1) سورة الحجرات/ 13.
الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثرة؛ و قد فرغ اللّه من قسمته؛ فهو مال اللّه، و أنتم عباد اللّه المسلمون؛ و هذا كتاب اللّه به أقررنا و له أسلمنا، و عهد نبينا بين أظهرنا، فمن لم يرض به فليتولّ كيف شاء فإن العامل بطاعة اللّه و الحاكم بحكم اللّه لا وحشة عليه.
ثمّ نزل عن المنبر، فصلّى ركعتين، ثمّ بعث بعمار بن ياسر، و عبد الرّحمن بن حسل القرشي إلى طلحة و الزّبير؛ و هما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما؛ فقاما حتى جلسا إليه (ع)؛ فقال لهما: نشدتكما اللّه؛ هل جئتماني طائعين للبيعة، و دعوتماني إليها، و أنا كاره لها! قالا: نعم، فقال: غير مجبرين و لا مقسورين، فأسلمتما لي بيعتكما و أعطيتماني عهدكما! قالا: نعم، قال: فما دعاكما بعد إلى ما أرى؟ قالا: أعطيناك بيعتنا على ألّا تقضي الأمور و لا تقطعها دوننا؛ و أن تستشيرنا في كلّ أمر و لا تستبدّ بذلك علينا، و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت؛ فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر، و تمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا.
فقال: لقد نقمتما يسيرا؛ و أرجأتما كثيرا؛ فاستغفرا اللّه يغفر لكما. أ لا تخبرانني، أدفعتكما عن حقّ وجب لكما فظلمتكما إيّاه؟ قالا: معاذ اللّه! قال:
فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشيء؟ قالا: معاذ اللّه! قال: أ فوقع حكم أو حقّ لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه؟ قالا: معاذ اللّه! قال: فما الّذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟ قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم؛ أنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا، و سوّيت بيننا و بين من لا يماثلنا في ما أفاء اللّه تعالى علينا بأسيافنا و رماحنا و أوجفنا (1)عليه بخيلنا و رجلنا، و ظهرت عليه دعوتنا، و أخذناه قسرا قهرا، ممّن لا يرى الإسلام إلّا كرها.
فقال: فأمّا ما ذكرتماه من الاستشارة بكما فو اللّه ما كانت لي في الولايةا.
1) ما أوجفنا: ما أعملنا.
رغبة؛ و لكنكم دعوتموني إليها، و جعلتموني عليها؛ فخفت أن أردّكم فتختلف الامّة، فلمّا أفضت إليّ نظرت في كتاب اللّه و سنّة رسوله فأمضيت ما دلّاني عليه و اتبعته، و لم أحتج إلى آرائكما فيه؛ و لا رأي غيركما، و لو وقع حكم ليس في كتاب اللّه بيانه و لا في السنّة برهانه، و احتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه؛ و أمّا القسم و الأسوة؛ فإنّ ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء! قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّه (ص) يحكم بذلك، و كتاب اللّه ناطق به؛ و هو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. و أمّا قولكما: جعلت فيئنا و ما أفاءته سيوفنا و رماحنا؛ سواء بيننا و بين غيرنا، فقديما سبق إلى الإسلام قوم و نصروه بسيوفهم و رماحهم، فلم يفضّلهم رسول اللّه (ص) في القسم، و لا آثرهم بالسبق، و اللّه سبحانه موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم؛ و ليس لكما و اللّه عندي و لا لغيركما إلّا هذا، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحق، و ألهمنا و إياكم الصبر. ثمّ قال: رحم اللّه امرأ رأى حقّا فأعان عليه، و رأى جورا فردّه؛ و كان عونا للحق على من خالفه.
قال ابن أبي الحديد:
قال شيخنا أبو جعفر: و قد روي أنّهما قالا له وقت البيعة: نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر؛ فقال لهما: لا، و لكنّكما شريكاي في الفيء؛ لا أستأثر عليكما و لا على عبد حبشي مجدّع بدرهم فما دونه، لا أنا و لا ولداي هذان؛ فإن أبيتما إلّا لفظ الشركة، فأنتما عونان لي عند العجز و الفاقة، لا عند القوّة و الاستقامة.
قال أبو جعفر: فاشترطا ما لا يجوز في عقد الإمامة و شرط (ع) لهما ما يجب في الدّين و الشريعة.
قال- رحمه اللّه تعالى-: و قد روي أيضا أنّ الزّبير قال في ملأ من الناس:
هذا جزاؤنا من عليّ! قمنا له في أمر عثمان حتى قتل؛ فلمّا بلغ بنا ما أراد جعل فوقنا من كنّا فوقه.
و قال طلحة: ما اللّوم إلّا علينا؛ كنّا معه أهل الشورى ثلاثة؛ فكرهه أحدنا- يعني سعدا- و بايعناه، فأعطيناه ما في أيدينا، و منعنا ما في يده؛ فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجونا أمس؛ و لا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم (1)
و طبعة تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم. القاهرة، دار إحياء الكتب العربية 7/ 29- 42.
.و قال الطبري: و سأل طلحة و الزّبير أن يؤمّرهما على الكوفة و البصرة فقال: (تكونان عندي فأتجمّل بكما فإنّي وحش لفراقكما) (2).
و قال اليعقوبي: أنّ طلحة قال: (ما لنا من هذا الأمر إلّا كلحسة الكلب أنفه) (3).
بقي طلحة و الزّبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان عليّا من قريب، حتّى إذا أيسا منه و بلغهما موقف امّ المؤمنين بمكّة، عزما على الخروج من المدينة، فأتيا عليّا، فقالا:
إنّا نريد العمرة، فأذن لنا في الخروج، فقال عليّ لبعض أصحابه: (و اللّه ما أرادا العمرة، و لكنّهما أرادا الغدرة).
فأذن لهما في الخروج بعد ان جدّدا له البيعة فخرجا من المدينة و التحقا بموكب امّ المؤمنين عائشة، و ساروا جميعا مع من تبعهما من بني اميّة و أعراب البادية إلى البصرة، و أقاموا حرب الجمل على الإمام عليّ باسم الطّلب بدم عثمان، و بعد ما انتصر فيها الإمام عليّ عليهم في النصف من جمادى الثانية سنة 36 ه قسم بيت المال في البصرة.0.
أعطى الناس بالسّويّة لم يفضّل أحدا على أحد، و أعطى الموالي كما أعطى الصلبيّة، و قيل له في ذلك، فقال: قرأت ما بين الدفّتين، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا، و أخذ عودا من الأرض، فوضعه بين إصبعيه (1).
ثمّ سار إلى الكوفة و اتخذها كرسي دولته، و سار منها إلى الشام لإخضاع معاوية الّذي أظهر العصيان عليه، و التقى الجيشان بصفين سنة ست و ثلاثين للهجرة، و جرت تسعون واقعة في عشرة أيام و مائة يوم كما أوردنا تفصيلها في كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة، و نورد في ما يأتي من أخبارها ما يلزمنا دراسته في بحوث القرآن الكريم و روايات المدرستين، و نقول بحوله تعالى:
و كان على عهد معاوية ما رواه المجلسي عن الواقدي و قال:
إنّ عمر بن ثابت كان يركب بالشام، و يدور في القرى بالشام، فإذا دخل قرية جمع أهلها ثمّ يقول: أيّها الناس! إنّ عليّ بن أبي طالب كان رجلا منافقا أراد أن ينخس برسول اللّه (ص) ليلة العقبة فالعنوه، فلعنه أهل تلك القرية، ثمّ يسير إلى القرية الأخرى فيأمرهم بمثل ذلك (2).
و من أخبار صفين روى الطبري بسنده، و تابعه ابن الأثير، و اللّفظ للأوّل عن ليلة الهرير و قال في ذكره خبر هاشم بن المرقال، قال:
ثمّ انّه مضى في عصابة معه من القرّاء فقاتل قتالا شديدا هو و أصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به.
قال: فإنّهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب و هو يقول:5.
أنا أرباب الملوك غسانو الدائن اليوم بدين عثمان
إنّي أتاني خبر فأشجانأن عليّا قتل ابن عفان ثمّ يشدّ فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثمّ يشتم و يلعن و يكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد اللّه! ان هذا الكلام بعده الخصام، و ان هذا القتال بعده الحساب، فاتق اللّه فانك راجع إلى اللّه، فسائلك عن هذا الموقف و ما أردت به.
قال: فإنّي أقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّي كما ذكر لي و أنتم لا تصلّون أيضا.
و أقاتلكم لأنّ صاحبكم قتل خليفتنا و أنتم أردتموه على قتله.
فقال له هاشم: و ما أنت و ابن عفان، إنّما قتله أصحاب محمّد و أبناء أصحابه و قراء الناس حين أحدث الأحداث و خالف حكم الكتاب، و هم أهل الدّين و أولى بالنظر في امور الناس منك و من أصحابك، و ما أظنّ أمر هذه الامّة و أمر هذا الدّين اهمل طرفة عين.
فقال له: أجل و اللّه لا أكذب، فإن الكذب يضر و لا ينفع.
قال: فان أهل هذا الأمر أعلم به فخله و أهل العلم به.
قال: ما أظنك و اللّه إلّا نصحت لي.
قال: و أمّا قولك إن صاحبنا لا يصلّي فهو أوّل من صلى و أفقه خلق اللّه في دين اللّه و أولى بالرسول، و أمّا كل من ترى معي، فكلهم قارئ لكتاب اللّه لا ينام الليل تهجّدا، فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون.
فقال الفتى: يا عبد اللّه! إنّي أظنك امرأ صالحا، فتخبرني هل تجد لي من توبة؟
فقال: نعم، يا عبد اللّه تب إلى اللّه يتب عليك، فإنّه يقبل التوبة عن عباده، و يعفو عن السيئات، و يحبّ المتطهّرين. قال: فجشر (1)و اللّه الفتى الناس راجعا.).
1) جشر الناس: أي تركهم و تباعد عنهم. و في ابن الأثير: (فرجع الفتى).
فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقي، خدعك العراقي، قال: لا، و لكن نصح لي (1).
و لمّا ان عضت الحرب معاوية كرّر على عليّ طلب الشام، فأبى عليه، ثمّ بان الانكسار في جيش معاوية، فأشار عليهم عمرو بن العاص برفع المصاحف على الرماح يطلبون الرجوع إلى كتاب اللّه.
و قد أورد أخبارها الطبري و ابن الأثير و ابن كثير في تواريخهم، و اخترنا لفظ ابن الأثير لإيجازه، قال:
فلمّا رأى عمرو ان أمر أهل العراق قد اشتد، و خاف الهلاك، قال لمعاوية:
هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلّا اجتماعا، و لا يزيدهم إلّا فرقة؟
قال: نعم.
قال: نرفع المصاحف، ثمّ نقول لما فيها هذا حكم بيننا و بينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم و ان قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل، فرفعوا المصاحف بالرماح و قالوا:
هذا حكم كتاب اللّه عزّ و جلّ بيننا و بينكم، من لثغور الشام بعد أهله، من لثغور العراق بعد أهله.
و روى نصر بن مزاحم بسنده عن تميم بن حذلم أنّه قال:
لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا، فإذا أشباه الرايات أمام صفّ أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرّماح، و هي عظام مصاحف العسكر، و قد شدّوا ثلاثة أرماح جميعا و قد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط. و قال أبو جعفر و أبو الطفيل: استقبلوا عليّا بمائة مصحف، و وضعوا في كل مجنّبة مائتي مصحف،5.
1) الطبري، ط. أوربا 1/ 3323، تاريخ الكامل لابن الأثير 3/ 124- 125.
و كان جميعها خمسمائة مصحف (1)
تميم بن حذلم بالحاء المهملة و الدال المعجمة وزان جعفر- و يقال حذيم- الناجي الضبي. الكوفي، أبو سلمة، شهد مع عليّ و كان من خواصه. قال ابن حجر: (ثقة، مات سنة مائة). (تهذيب التهذيب و التقريب). و المجنبة، بكسر النون المشدّدة: ميمنة الجيش و ميسرته؛ و بفتحها: مقدمة الجيش.
.قال الطبري:
فلمّا رآها الناس، قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه، فقال لهم عليّ:
عباد اللّه امضوا على حقكم و صدقكم و قتال عدوكم فان معاوية و عمرا و ابن أبي معيط و حبيبا و ابن أبي سرح و الضحاك ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ثمّ رجالا فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال، ويحكم و اللّه ما رفعوها إلّا خديعة و وهنا و مكيدة.
فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب اللّه فنأبى أن نقبله.
فقال لهم عليّ: فإنّي اقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب، فإنّهم قد عصوا اللّه في ما أمرهم و نسوا عهده و نبذوا كتابه.
فقال له مسعر بن فدكي التيمي و زيد بن حصين الطائي في عصابة من القرّاء الّذين صاروا خوارج بعد ذلك:
يا عليّ! أجب إلى كتاب اللّه عزّ و جلّ إذ دعيت إليه، و إلّا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان.
قال: فاحفظوا عنّي نهيي إيّاكم، و احفظوا مقالتكم لي، فإن تطيعوني فقاتلوا، و إن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم.
قالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك.ش.
1) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم، ط. مصر سنة 1382 ه، ص 478.
فبعث عليّ يزيد بن هانئ إلى الأشتر يستدعيه.
فقال الأشتر: ليست هذه الساعة الساعة الّتي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، إنّي قد رجوت أن يفتح اللّه لي، فرجع يزيد فأخبره و ارتفعت الأصوات و ارتفع الرهج من ناحية الأشتر.
فقالوا: و اللّه ما نراك إلّا أمرته أن يقاتل.
فقال عليّ: هل رأيتموني ساررته؟ أ ليس كلّمته على رءوسكم و أنتم تسمعون؟
قالوا: فابعث إليه فليأتك و إلّا و اللّه اعتزلناك. فقال له:
ويلك يا يزيد! قل له أقبل إلي فإنّ الفتنة قد وقعت، فأبلغه ذلك، فقال الأشتر: أ لرفع المصاحف؟
قال: نعم، قال: و اللّه لقد ظننت أنّها ستوقع اختلافا و فرقة، إنّها مشورة ابن العاهر، أ لا ترى إلى الفتح؟ أ لا ترى ما يلقون؟ أ لا ترى ما صنع اللّه لنا؟ لن ينبغي أن أدع هؤلاء و أنصرف عنهم.
فقال له يزيد: أ تحبّ أن تظفر و أمير المؤمنين يسلّم إلى عدوّه أو يقتل؟
قال: لا و اللّه، سبحان اللّه، فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم الأشتر، و قال: يا أهل العراق يا أهل الذل و الوهن؛ أ حين علوتم القوم و ظنّوا أنّكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها و هم و اللّه قد تركوا ما أمر اللّه به فيها و سنّة من انزلت عليه؟ فأمهلوني فواقا، فإنّي قد أحسست بالفتح.
قالوا: لا.
قال: أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر.
قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك.
قال: فخبروني عنكم متى كنتم محقين، أ حين تقاتلون و خياركم يقتلون؟
فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الآن محقون، فقتلاكم الّذين لا تنكرون فضلهم و هم خير منكم في النار! قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم للّه و ندع قتالهم للّه.
قال: خدعتم و انخدعتم، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقاء اللّه فلا أرى مرادكم إلّا الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون، فسبّوه و سبّهم و ضربوا وجه دابته بسياطهم و ضرب وجوه دوابهم بسوطه. فصاح به و بهم عليّ فكفوا.
و قال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا و بينهم حكما، فجاء الأشعث ابن قيس إلى عليّ، فقال: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد؟
قال: ائته. فأتاه فقال لمعاوية: لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال:
لنرجع نحن و أنتم إلى ما أمر اللّه به في كتابه؛ تبعثون رجلا ترضون به، و نبعث نحن رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لا يعدوانه ثمّ نتبع ما اتّفقا عليه.
قال له الأشعث: هذا الحق، فعاد إلى عليّ، فأخبره.
فقال الناس: قد رضينا و قبلنا.
فقال أهل الشام: قد رضينا عمرا.
و قال الأشعث و اولئك القوم الّذين صاروا خوارج: إنّا قد رضينا بأبي موسى الأشعري.
فقال عليّ: قد عصيتموني في أوّل الأمر فلا تعصوني الآن، لا أرى أن اولي أبا موسى.
فقال الأشعث و زيد بن حصين و مسعر بن فدكي: لا نرضى إلّا به، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه.
قال عليّ: فانّه ليس بثقة؛ قد فارقني، و خذّل الناس عنّي ثمّ هرب منّي حتّى أمنته بعد أشهر، و لكن هذا ابن عباس اوليه ذلك.
قالوا: و اللّه لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس، لا نريد إلّا رجلا هو منك و من معاوية سواء.
قال: فإنّي أجعل الأشتر.
قالوا: و هل سعر الأرض غير الأشتر.
فقال: قد أبيتم إلّا موسى؟
قالوا: نعم.
قال: فاصنعوا ما أردتم.
فبعثوا إليه و قد اعتزل القتال و هو بعرض، فأتاه مولى له.
فقال: إنّ الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد للّه، قال: قد جعلوك حكما، قال إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و جاء أبو موسى حتى دخل العسكر و جاء الأشتر عليّا.
فقال: ألزّني بعمرو بن العاص، فو اللّه لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه.
و جاء الأحنف بن قيس.
فقال: يا أمير المؤمنين! انّك قد رميت بحجر الأرض و إنّي قد عجنت أبا موسى و حلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القمر، و انّه لا يصلح لهؤلاء القوم إلّا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم و يبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنّه لم يعقد عقدة إلّا حللتها و لا يحل عقدة أعقدها لك إلّا عقدت اخرى أحكم منها، فأبى الناس إلّا أبا موسى و الرضا بالكتاب.
فقال الأحنف: إن أبيتم إلّا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرّجال، و حضر عمرو بن العاص عند عليّ ليكتب القضية بحضوره فكتبوا:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين.
فقال عمرو: هو أميركم و أما أميرنا فلا.
فقال الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين، فإنّي أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها و إن قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك عليّ مليّا من النهار، ثمّ أنّ الأشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم فمحاه.
فقال عليّ: اللّه أكبر، سنّة بسنّة، و اللّه إنّي لكاتب رسول اللّه (ص) يوم الحديبية فكتب: محمّد رسول اللّه (ص)، و قالوا لست برسول اللّه، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك، فأمرني رسول اللّه (ص) بمحوه فقلت: لا أستطيع، فقال: أرنيه فأريته فمحاه بيده و قال انّك ستدعى إلى مثلها فتجيب.
فقال عمرو: سبحان اللّه أ نشبّه بالكفار و نحن مؤمنون.
فقال عليّ: يا ابن النابغة و متى لم تكن للفاسقين وليّا و للمؤمنين عدوا.
فقال عمرو: و اللّه لا يجمع بيني و بينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا.
فقال عليّ: إنّي لأرجو ان يطهر اللّه مجلسي منك و من أشباهك، و كتب الكتاب:
هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ على أهل الكوفة و من معهم و قاضى معاوية على أهل الشام و من معهم انّنا ننزل عند حكم اللّه و كتابه و أن لا يجمع بيننا غيره و ان كتاب اللّه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيى و نميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب اللّه و هما أبو موسى عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص عملا به و ما لم يجداه في كتاب اللّه، فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة، و أخذ الحكمان من عليّ و معاوية و من
الجندين من العهود و المواثيق انّهما آمنان على أنفسهما و أهليهما و الامّة لهما أنصار على الّذي يتقاضيان عليه، و على عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص عهد اللّه و ميثاقه أن يحكما بين هذه الامّة لا يردّانها في حرب و لا فرقة حتّى يعصيا و أجل القضاء إلى رمضان، و ان أحبّا أن يؤخّرا ذلك أخّراه، و انّ مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة و أهل الشام.
و شهد الأشعث بن قيس و سعيد بن قيس الهمداني و ورقاء بن سمي البجلي و عبد اللّه بن محل العجلي و حجر بن عدي الكندي و عبد اللّه بن الطفيل العامري و عقبة بن زياد الحضرمي و يزيد بن حجبة التميمي و مالك بن كعب الهمداني، و من أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي و حبيب بن مسلمة و زمل بن عمرو العذري و حمرة بن مالك الهمداني و عبد الرّحمن بن خالد المخزومي و سبيع بن يزيد الأنصاري و عتبة بن أبي سفيان و يزيد بن الحر العبسي.
و قيل للأشتر ليكتب فيها فقال: لا صحبتني يميني و لا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة و لست على بينة من ربّي من ضلال عدوي، أو لستم قد رأيتم الظفر؟
فقال له الأشعث: و اللّه ما رأيت ظفرا، هلمّ إلينا لا رغبة بك عنا، فقال:
بلى و اللّه الرغبة عنك في الدنيا للدنيا و في الآخرة للآخرة، لقد سفك اللّه بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم و لا أحرم دما.
قال: فكأنّما قصع اللّه على أنف الأشعث الحمم.
و خرج الأشعث بالكتاب يقرأه على الناس حتّى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم فقال عروة: تحكّمون في أمر اللّه الرّجال، لا حكم إلّا للّه، ثمّ شدّ بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة و اندفعت الدابة و صاح به أصحاب الأشعث فرجع، و غضب للأشعث قومه و ناس كثير من أهل اليمن، فمشى اليه الأحنف بن قيس و مسعر بن فدكي و ناس
من تميم فاعتذروا فقبل و شكر. و كتب الكتاب يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع و ثلاثين.
و اتفقوا على ان يوافي أمير المؤمنين على موضع الحكمين بدومة الجندل أو باذرح في شهر رمضان، و قيل لعليّ: انّ الأشتر لا يقرّ بما في الصحيفة و لا يرى إلّا قتال القوم.
فقال عليّ: و انا و اللّه ما رضيت و لا احببت ان ترضوا فإذا أبيتم إلّا ان ترضوا فقد رضيت و إذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا و لا التبديل بعد الإقرار إلّا ان يعصى اللّه و يتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر اللّه، و أمّا الّذي ذكرتم من تركه أمري و ما أنا عليه فليس من اولئك فلست أخاف على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين، يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوّي ما أرى، إذا لخفّت عليّ مئونتكم و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم و قد نهيتكم فعصيتموني، فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن:
و هل أنا إلّا من غزية إن غوتغويت و إن ترشد غزية أرشد و اللّه لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة و أسقطت منة و أورثت و هنا و ذلّة، و لمّا كنتم الأعلين و خاف عدوّكم الاجتياح و استحرّ بهم القتل و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم و يقطعوا الحرب و يتربصوا بكم المنون خديعة و مكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا و أبيتم إلّا أن تدهنوا و تجيروا و أيم اللّه ما أظنكم بعدها توفقون الرشد و لا تصيبون باب الحزم.
ثمّ رجع الناس عن صفين، فلمّا رجع عليّ خالفت الحرورية و خرجت، و كان ذلك أوّل ما ظهرت و أنكرت تحكيم الرجال، و رجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه أخذوا على طريق البرّ و عادوا و هم أعداء متباغضون و قد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم و التضارب بالسياط، يقول الخوارج يا
أعداء اللّه ادهنتم في أمر اللّه، و يقول الآخرون فارقتم إمامنا و فرقتم جماعتنا (1).
و قال:
و لمّا رجع عليّ من صفين فارقه الخوارج، و أتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا و نادى مناديهم انّ أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، و أمير الصلاة عبد اللّه بن الكوّاء اليشكري، و الأمر شورى بعد الفتح و البيعة للّه عزّ و جلّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (2).
كان ذلكم لفظ ابن الأثير و نورد باقي الخبر من ترجمة الإمام عليّ بتاريخ ابن عساكر؛ روى بسنده و قال:
أنّ عليّا لما كاتب معاوية و حكّم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس حتى نزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة عتبوا عليه و قالوا:
انسلخت من قميص ألبسك اللّه و اسم سمّاك اللّه به، ثمّ انطلقت فحكّمت في دين اللّه الرجال، فلا حكم إلّا للّه.
فلمّا أن بلغ عليّا ما عتبوا عليه و فارقوا أمره، أذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلّا رجل قد قرأ القرآن، فلما امتلأت الدار من قراء الناس جاء بالمصحف إماما عظيما، فوضعه عليّ بين يديه فطفق يحركه بيده و يقول:
أيها المصحف حدّث الناس!!! فناداه الناس: ما تسأل عنه؟ إنّما هو مداد و ورق و نحن نتكلّم بما روينا منه فما ذا تريد؟ فقال: أصحابكم الّذين خرجوا بيني و بينهم كتاب اللّه، يقول اللّه في كتابه في امرأة و رجل:
وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. (النّساء/ 35)0.
فأمّة محمّد (ص) أعظم حقا و حرمة من امرأة و رجل، و نقموا (1)عليّ أنّي كاتبت معاوية و كتبت عليّ بن أبي طالب، و قد جاءنا سهيل بن عمرو و نحن مع رسول اللّه (ص) بالحديبية حين صالح قومه قريشا فكتب رسول اللّه (ص): بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، قال سهيل: لا أكتب كذا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. فقال: كيف تكتب؟ فقال: بسمك اللّهمّ. فقال رسول اللّه (ص): اكتب محمّد رسول اللّه.
فقال: لو نعلم أنّك رسول اللّه ما خالفناك. فكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد اللّه قريشا. يقول اللّه في كتابه:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب/ 21) (2).
و لمّا كان الّذين أقاموا حرب الجمل و صفين على الإمام عليّ هم رجالات قريش و عادوا الإمام بسبب الغائه امتيازاتهم الّتي حصلوا عليها بعد رسول اللّه (ص) و تسويتهم مع غيرهم من المسلمين كما مرّ بنا بعض ذلك و استمر في مدّة حكمه في الكوفة على نفس النهج، و قد ذكروا في سياسته في المال ما رواه الثقفي في كتاب الغارات و قال:
عن عليّ (ع) قال: كان خليلي رسول اللّه (ص) لا يحبس شيئا لغد، و كان أبو بكر يفعل ذلك و قد رأى عمر بن الخطاب في ذلك رأيا أن دوّن الدّواوين و أخّر المال من سنة إلى سنة، و أمّا أنا فأصنع كما صنع خليلي رسول اللّه (ص) (3).
و قال: إنّ عليّا (ع) كان ينضح بيت المال ثمّ يتنفل فيه و يقول: اشهد لي8.
يوم القيامة أنّي لم أحبس فيك المال على المسلمين (1).
و قال: أتى عليّا (ع) مال من اصفهان فقسمه فوجد فيه رغيفا، فكسره سبع كسر ثمّ جعل على كلّ جزء منه كسرة ثمّ دعا امراء الاسباع فأقرع بينهم أيّهم يعطيه أوّلا و كانت الكوفة يومئذ أسباعا (2).
و روى ان الشّعبي قال: دخلت الرّحبة و أنا غلام في غلمان، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) قائما على صبرتين من ذهب و فضة و معه مخفقة فجعل يطرد النّاس بمخفقته ثمّ يرجع إلى المال فيقسمه بين النّاس حتّى لم يبق منه شيء و رجع و لم يحمل إلى بيته منه شيئا، فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير النّاس أو أحمق النّاس، قال: و من هو يا بنيّ؟
قلت: رأيت أمير المؤمنين عليّا (ع)، فقصصت عليه الّذي رأيته يصنع، فبكى و قال: يا بنيّ بل رأيت خير النّاس (3)
و الشعبي هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد أو عامر بن عبد اللّه بن شراحيل الشعبي- من شعب همدان- الحميري الكوفي الفقيه المعروف (انظر تهذيب التهذيب 5/ 65 و جامع الرواة 1/ 427).
.و قال: كان عليّ (ع) يقسم فينا الأبزار، يصرّه صررا و الحرف و الكمون و كذا و كذا (4)
و الأبزار جمع بزر و هو كل حب ينثر للنبات أو المراد به ما يطيب به الغذاء، و الحرف- بالضم- حبّ الرّشاد، و الكمون كتنور: حبّ معروف.
.و في الغارات للثقفي:ف.
قدم عقيل على عليّ (ع) و هو جالس في صحن مسجد الكوفة، فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه.
قال: و عليك السلام يا أبا يزيد.
ثمّ التفت إلى الحسن بن عليّ فقال: قم و أنزل عمّك. فذهب به فأنزله و عاد إليه، فقال له: اشتر له قميصا جديدا و إزارا جديدا و نعلا جديدة فغدا على عليّ (ع) في الثياب، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين.
قال: و عليك السلام يا أبا يزيد.
قال: يا أمير المؤمنين! ما أراك أصبت من الدّنيا شيئا إلّا هذه الحصباء؟! قال: يا أبا يزيد يخرج عطائي فأعطيكه ... الحديث (1)
طهران، ص 64.
.و قال: قال عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب لعليّ (ع): يا أمير المؤمنين! لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فو اللّه ما عندي إلّا أن أبيع بعض علوفتي.
قال له: لا و اللّه ما أجد لك شيئا إلّا أن تأمر عمّك أن يسرق فيعطيك (2)
(علوفتي) و العلوفة: الناقة أو الشاة تعلفها و لا ترسلها يستوي بهذا الاسم الواحد و الجميع.
عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. يكنّى أبا جعفر، امّه أسماء بنت عميس ولدته بالحبشة و هو أوّل مولود في الإسلام بأرض الحبشة، و قدم مع أبيه المدينة و حفظ عن رسول اللّه (ص) و روى عنه و كان كريما جوادا حليما يسمّى بحر الجود و قطب السّخاء، و أخباره في جوده و حلمه و كرمه كثيرة لا تحصى، توفّي سنة 80 عام الحجاف (و عام الحجاف سمّي بذلك لأنّه جاء سيل عظيم ببطن مكّة فحجف الحاج و ذهب بالإبل عليها أحمالها)، و دفن بالبقيع و قيل: توفّي سنة أربع أو خمس و ثمانين و له تسعون سنة (الاستيعاب 2/ 257، أسد الغابة 3/ 134، الإصابة، حرف العين، ق 1).
.كان عليّ (ع) يقول: يا أهل الكوفة! إذا أنا خرجت من عندكم بغير).
رحلي و راحلتي و غلامي فأنا خائن، و كانت نفقته تأتيه من غلّته بالمدينة من ينبع. و كان يطعم الناس الخبز و اللحم و يأكل هو الثريد بالزيت و يكللها بالتّمر من العجوة، و كان ذلك طعامه، و زعموا أنّه كان يقسم ما في بيت المال فلا يأتي الجمعة و في بيت المال شيء، و يأمر ببيت المال في كلّ عشيّة خميس فينضح بالماء ثمّ يصلّي فيه ركعتين (1)
العجوة- بفتح العين و سكون الجيم- ضرب من أجود التمر بالمدينة و نخلتها تسمى لينة بكسر اللّام.
.و أنّه كان يضع يده على بطنه و يقول: و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لا تنطوي ثميلتي على قلّة من خيانة، و لأخرجنّ منها خميصا (2)
و الثميلة- كسفينة-: ما يكون فيه الطعام و الشراب من الجوف، و الخميص: الجائع، يقال:
خمص إذا جاع فهو خميص.
.و روى عن أبي رجاء (3)انّه قال: ان عليّا (ع) أخرج سيفا له إلى السّوق فقال: من يشتري منّي هذا؟ فلو كان معي ثمن إزار ما بعته.
قال أبو رجاء فقلت له: يا أمير المؤمنين! أنا أبيعك إزارا و انسئك ثمنه إلى عطائك فبعته إزارا إلى عطائه، فلمّا قبض عطاءه أعطاني حقّي (4).
روى الثقفي بسنده و قال:
1) الغارات، ص 45، و ط. طهران، ص 69. و في معجم البلدان: (ينبع حصن به نخيل و ماء و زروع و بها وقوف لعلي بن أبي طالب (رض)). و في مجمع البحرين: (قيل لمّا قسم رسول اللّه (ص) الفيء أصاب عليّ (ع) أرضا فاحتفر عينا فخرج ماء ينبع في الماء كهيئة عنق البعير فسماها ينبع).
2) الغارات، ص 40، و ط. طهران، ص 63.
3) هو أبو رجاء التيمي من تيم الرباب الضبي.
4) نفس المصدر السابق.
إنّ امرأتين أتتا عليّا (ع) عند القسمة إحداهما من العرب و الاخرى من الموالي، فأعطى كلّ واحدة خمسة و عشرين درهما و كرّا من الطّعام، فقالت العربيّة: يا أمير المؤمنين! إنّي من العرب و هذه امرأة من العجم؟! فقال عليّ (ع):
إنّي لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق (1).
و قال: كان الإمام عليّ (ع) يخطب فجاء الأشعث، فجعل يتخطى الناس فقال: يا أمير المؤمنين! غلبتنا هذه الحمراء على وجهك، فغضب، فقال ابن صوحان: ليبين اليوم من أمر العرب ما كان يخفى، فقال عليّ (ع):
من يعذرني من هؤلاء الضّياطرة، يقبل أحدهم يتقلّب على حشاياه و يهجد قوم لذكر اللّه؟! فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين؟
و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لقد سمعت رسول اللّه محمّدا (ص) يقول:
(ليضربنّكم و اللّه على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا).
قال المغيرة: كان عليّ (ع) أميل إلى الموالي و ألطف بهم، و كان عمر أشدّ تباعدا منهم.
عن النعمان بن سعد قال: رأيت عليّا (ع) على المنبر يقول: أين الثمودي؟
فطلع الأشعث؛ فأخذ كفّا من الحصى و ضرب وجهه فأدماه و انجفل، و انجفل الناس معه و يقول: ترحا لهذا الوجه، ترحا لهذا الوجه (2)
الحمراء: الموالي، قال ابن الأثير في النهاية، مادّة حمر في حديث عليّ: غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم و الروم، و العرب تسمي الموالي: الحمراء.
قال ابن الأثير في النهاية، مادّة ضيطر، بعد أن ذكر حديث الإمام: (الضياطرة: الضخام الّذين لا غناء عندهم، الواحد ضيطار)، و الحشايا: الفراش واحدها حشيّة بالتشديد.
و المراد المغيرة الضّبّي. و انجفل الناس: أسرعوا الهرب. و المراد بالترح هنا الهلاك و الانقطاع.
.ع.و قال: كان أشراف أهل الكوفة غاشّين لعليّ (ع) و كان هواهم مع معاوية، و ذلك أنّ عليّا كان لا يعطي أحدا من الفيء أكثر من حقّه، و كان معاوية بن أبي سفيان جعل الشّرف في العطاء ألفي درهم (1).
و قال ما موجزه:
خاطب معاوية من عنده من أهل الشام و قال: يا أهل الشّام قد عرفتم حبي لكم، و سيرتي فيكم، و قد بلغكم صنيع عليّ بالعراق، و تسويته بين الشّريف و بين من لا يعرف قدره.
فقال رجل منهم: لا يهدّ اللّه ركنك، و لا يهيض جناحك، و لا يعدمك ولدك، و لا يرينا فقدك.
فقال: فما تقولون في أبي تراب؟ قال: فقال كلّ رجل منهم ما أراد، و معاوية ساكت و عنده عمرو بن العاص و مروان بن الحكم فتذاكرا عليّا (ع) بغير الحق ...
الحديث (2).
و قال:
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا إبراهيم قال: و حدّثني عبد اللّه ابن محمّد بن عثمان الثقفي قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن أبي سيف عن فضيل بن الجعد عن مولى الأشتر قال: شكا عليّ (ع) إلى الأشتر فرار النّاس إلى معاوية، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين! إنّا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة و أهل الكوفة و الرأي واحد و قد اختلفوا بعد، و تعادوا و ضعفت النيّة و قلّ العدد، و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحقّ و تنصف الوضيع من الشّريف، و ليس للشّريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك من الحق إذ عمّوا به، و اغتمّواب.
من العدل إذ صاروا فيه، و صارت صنائع معاوية عند أهل الغنى و الشّرف؛ فتاقت أنفس النّاس إلى الدّنيا و قلّ من النّاس من ليس للدنيا بصاحب، و أكثرهم من يجتوي الحقّ و يستمرئ (1)الباطل و يؤثر الدّنيا، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين، تمل إليك أعناق النّاس و تصف نصيحتهم و تستخلص ودّهم، صنع اللّه لك (2)يا أمير المؤمنين و كبت (3)عدوّك و فضّ جمعهم و أوهن كيدهم و شتّت امورهم إنّه بما يعملون خبير.
فأجابه عليّ (ع)، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أمّا ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل؛ فإنّ اللّه يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (4)و أنا من أن أكون مقصّرا في ما ذكرت أخوف.
و أمّا ما ذكرت من أنّ الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم اللّه أنّهم لم يفارقونا من جور، و لم يدعوا (5)- إذ فارقونا- إلى عدل، و لم يلتمسوا إلّا دنيا زائلة عنهم كأن قد فارقوها، و ليسألنّ يوم القيامة: أ للدّنيا أرادوا، أم للّه عملوا؟! و أمّا ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرّجال (6)، فإنّا لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفيء أكثر من حقّه، و قد قال اللّه و قوله الحقّ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (7)و بعث اللّه محمّدا (ص) وحده فكثّره بعد القلّة، و أعزّ فئته بعد الذلّة، و إن يرد اللّه أن يولّينا هذا الأمر يذلّل لنا9.
1) يجتوي: يكره، و يستمرئ: يجد مريئا أي هنيئا سائغا.
2) صنع اللّه للعبد: ما يفعله سبحانه له من الخير.
3) كبت اللّه العدو كبتا: أذله و أهانه، و بابه ضرب.
4) سورة فصلّت/ 46.
5) ظ (و لم يلجئوا)، و في شرح نهج البلاغة، م 1/ 180 (و لا لجأوا إذ فارقونا).
6) الاصطناع- هنا-: الاستمالة بالمال.
7) سورة البقرة/ 249.
صعبه و يسهّل لنا حزنه، و أنا قابل من رأيك ما كان للّه رضا، و أنت من آمن أصحابي و أوثقهم في نفسي و أنصحهم و أرآهم (1)عندي.
و قال: إنّ طائفة من أصحاب عليّ (ع) مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين! أعط هذه الأموال و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم و من تخاف خلافه من النّاس و فراره.
قال: و إنّما قالوا له ذلك، للّذي كان معاوية يصنع بمن أتاه، فقال لهم عليّ:
(ع) أ تأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور؟! و اللّه لا أفعل ما طلعت شمس و ما لاح في السّماء نجم، و اللّه لو كان ما لهم لي لواسيت (2)
واساه أيضا.
بينهم، فكيف و إنّما هي أموالهم ...الحديث (3).
و قد كان النّاس كرهوا عليّا، و دخلهم الشّك و الفتنة، و ركنوا إلى الدّنيا، و قلّ مناصحوه، فكان أهل البصرة على خلافه و البغض له، و جلّ أهل الكوفة و قرّاؤهم، و أهل الحجاز و اهل الشام و قريش كلّها (4).
و بما أنّ قريشا هي الّتي بدأت في قتاله، و حرضت الناس عليه و قادتهم في حرب الجمل و صفين، ثمّ بعث معاوية من شنّ الغارة على اطراف البلاد الّتي كانت تحت حكم الإمام مثل عبد اللّه بن عامر الحضرمي الّذي بعثه إلى البصرة و سفيان بن قيس الغامدي إلى الأنبار و النعمان بن بشير إلى الأنبار و الضحّاك بن قيس الفهري إلى الحيرة و بسر بن أبي أرطأة إلى مكّة و المدينة و اليمن (5)فتزعزعد.
حكم الإمام عليّ، و خرجت الخوارج عليه بنهروان، و تجرّأ الناس عليه، فكان الإمام يشكو قريشا بمثل قوله (ع):
اللّهمّ إنّي استعديك (1)على قريش و من أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، و أكفئوا إنائي (2).
و استعديك: استعينك، و اكفاء الاناء أو قلبه مجاز عن تضييع حقه.
و كتب في جواب أخيه عقيل بن أبي طالب:
فدع عنك قريشا و تركاضهم في الضلال، و تجوالهم في الشّقاق، و جماحهم في التّيه، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللّه (ص) قبلي، فجزت قريشا عنّي الجوازي! فقد قطعوا رحمي، و سلبوني سلطان ابن امّي (3)
و تركاضهم: مبالغة في الركض و استعارة لسرعة خواطرهم في الضّلال، و كذلك التجوال من الجول و الجولان، و الشّقاق: الخلاف، و جماحهم: استعفاؤهم على سابق الحق، و التيه: الضّلال و الغواية، و الجوازي: جمع جازية بمعنى المكافأة؛ دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم.
.قتل الخليفة عثمان دون أن يعين خليفة من بعده فملك جماهير المسلمين
1) في الأصل: أستعينك، و الصّواب ما أثبتناه، كما قال ذلك محمّد عبده في هامش الخطبة في شرحه لنهج البلاغة.
2) نهج البلاغة، الخطبة 170 و 215، و الغارات، ص 204 و 392.
3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد طبعة دار إحياء الكتب العربية 16/ 148، و الطبعة المصرية الاولى 4/ 55. و نهج البلاغة، شرح محمّد عبده 3/ 67- 68، (الكتاب/ 36).
أمرهم، و هرعوا إلى عليّ يتقدمهم صحابة رسول اللّه (ص) يطلبون بيعته فأبى عليهم، و ألحّت الجماهير عليه، حتى اضطرّ إلى تلبية طلبهم، فسبق الصحابيان طلحة و الزّبير إلى بيعته، ليكون لهما الدالّة عليه في حكمه، و بدأ الإمام حكمه بتقسيم بيت المال بالسويّة، و أعطى كلّا من المهاجرين و الأنصار و مواليهم ثلاثة دنانير و لم يفضّل أحدا على أحد في العطاء.
فقال الأنصاري اليماني: هذا غلامي بالأمس و قد اعتقته اليوم، فقال له:
نعطيه كما نعطيك.
و عاتبه القرشي المهاجري على مخالفته عمر بن الخطاب في تقسيم الاموال و قال له قائلهم: انّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا، و سوّيت بيننا و بين من لا يماثلنا في ما افاء اللّه علينا بأسيافنا.
فقال: ان ذلك أمر لم احكم به بادئ ذي بدء! قد وجدت أنا و أنتما رسول اللّه (ص) يحكم بذلك و كتاب اللّه ناطق به ...
و قد ربح الأنصاري اليماني في حكم الإمام ما خسره في السابق، فقد ولّى على المدينة سهل بن حنيف (1)، و على البصرة عثمان بن حنيف، و على مصر قيس ابن سعد بن عبادة (2)، و في مقابل ذلك خسر المهاجري القرشي الّذي كان يعيش على رأس الهرم في النظام الطبقي كلّ امتيازاته، فاتفقت سادات قريش بعضها مع بعض و اجتمعوا مع الموتورين من بني اميّة في مسجد الرسول (ص) و أسرّوا القول في ما بينهم ثمّ اجهروا القول، و طلب بنو اميّة من الإمام أن يضع عنهم ما أصابوا من المال على عهد الخليفة عثمان، فقال: ليس لي أن أضع حق اللّه عنكم و لا عن غيركم.).
فسكتوا على مضض و بقي طلحة و الزّبير في المدينة أربعة أشهر يراقبان حكم الإمام بعد أن لم يحقق رغبتهما في توليتهما البصرة و الكوفة.
و بلغ أخبار المدينة امّ المؤمنين عائشة و هي في طريق عودتها من الحج إلى المدينة فرجعت إلى مكة و أظهرت الطلب بدم عثمان و انقلبت من مفتية بقتله إلى طالبة بدمه، فالتحق بها الساخطون على الإمام لتسويته في العطاء من قريش يقدمهم طلحة و الزّبير و بنو اميّة و ذهبوا جميعا إلى البصرة و أقاموا على الإمام حرب الجمل باسم الطلب بدم عثمان، فسار إليهم الإمام من المدينة في جيش جلّه من الأنصار، و لمّا انتصر عليهم في القتال و ملك البصرة قسّم ما في بيت المال في البصرة عليهم بالسويّة و لم يفضّل أحدا على أحد، ثمّ اتجه إلى الكوفة و اتخذها عاصمة لحكمه.
و قادت قريش بزعامة معاوية أهل الشام لحربه في صفين باسم الطلب بدم عثمان، و لمّا بان الانكسار عليهم، رفعوا القرآن حيلة، يطلبون من الإمام تحكيمه في ما بينهم، فانطلت الحيلة على جيش الإمام، و أكرهوا الإمام على قبول التحكيم، و أن يعيّن من قبله أبا موسى الأشعري، و عين معاوية عمرو بن العاص فخدع عمرو أبا موسى فخلع الإمام و معاوية، و تقدّم بعده عمرو فنصب معاوية و خلع الإمام، فأدرك المتنسكون في جيش الإمام خطأهم، و قالوا: كفرنا بقبولنا التحكيم و تبنا، و كفّروا عامّة المسلمين و أحلّوا دماءهم، فحاربهم الإمام في نهروان و قتل منهم من حضر القتال، و عاد إلى الكوفة.
و ألحّ على تهديم النظام الطبقي الّذي شيّده الخلفاء قبله و اعتاده المجتمع الإسلامي في ربع قرن، و ساوى في العطاء ذات مرّة بين امرأة من الموالي و اخرى عربية فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّي امرأة من العرب و هذه امرأة من العجم! فقال:
إنّي لا أجد لبني إسماعيل- أي العرب- فضلا على بني إسحاق- أي العجم-، و غضب على الأشعث بن قيس- و كان من ملوك كندة في الجاهلية- لمّا تخطّى
الموالي مرّة، و تقدّم إلى مجلس أمير المؤمنين، و وبّخه و عنّفه. و لمّا كان معاوية يفضّل في العطاء الرؤساء و أهل الشّرف من قبائل العرب على غيرهم، مال الرؤساء إليه و هاجروا إليه، فمشى إلى الإمام أصحابه و قالوا له: يا أمير المؤمنين! فضّل في العطاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم! فقال: أ تأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور؟! و اللّه لا أفعل.
هكذا استطاع الإمام أن يهدّم ذلك النظام الطبقي الّذي شيّده الخلفاء قبله و استمرّ زهاء ربع قرن، و أن يعيد إلى المجتمع العدل الإسلامي الإنساني الّذي جاء به الرسول (ص)، و كان ذلكم من خصائص المجتمع الإسلامي في ظل حكم الإمام.
و لمّا كانت قريش على رأس هرم ذلك النظام الطّبقي، حيث كانت قد حصلت على امتيازات في المجتمع الإسلامي و ترى أنّ لها ميزة على سائر البشر كما يرى بنو إسرائيل أنّ لهم ميزة على سائر البشر و ساواهم الإمام بغيرهم من المسلمين الموالي و غير الموالي، قادت قريش الناس إلى قتاله في الجمل و صفين و في الغارات على بلاده.
و من ثمّ كان الإمام يشكو قريشا و يذكرهم بذلك و يقول: اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش و من أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، و أكفئوا إنائي و أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللّه (ص).
بعد أن نجح الخلفاء الثلاثة قبل الإمام عليّ بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) و أوصدوا هذا الباب في وجوه المسلمين، و أمروا بتلاوة النص فقط، فتح وصي الرسول (ص) هذا الباب على مصراعيه، و أعاد أمر اقراء القرآن على ما كان عليه في عهد الرسول (ص)، و حث على نشر حديث الرسول (ص)، و حث الناس على السؤال عن القرآن مرّة بعد اخرى كما نراه في الأخبار الآتية:
أهم أخبار الوصي في دعوته للسؤال عن تفسير القرآن قوله على المنبر:
(سلوني ...) كما رواه ابن عساكر و غيره، و اللّفظ لابن عساكر عن أبي الطفيل قال:
أقبل عليّ بن أبي طالب ذات يوم، حتى صعد المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه ثمّ قال: (يا أيّها الناس! سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه ما بين لوحي المصحف آية تخفى عليّ في ما انزلت و لا أين نزلت و لا ما عني بها) (1)
و أبو الطفيل عامر بن واثلة اللّيثي ولد عام أحد (ت 110 ه)، و هو آخر من مات من الصحابة.
أخرج الحديث جميع أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب 1/ 389.
.1) ترجمة الإمام عليّ (ع) من تاريخ ابن عساكر 3/ 20.
و في رواية قال: سمعت عليّا و هو يخطب الناس، فقال: يا أيّها الناس! سلوني، فإنّكم لا تجدون أحدا بعدي هو أعلم بما تسألونه منّي، و لا تجدون أحدا أعلم بما بين اللّوحين منّي، فسلوني (1).
و في ترجمة الإمام عليّ من الاستيعاب و تاريخ ابن عساكر و الإصابة، و اللفظ للأوّل عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّا يخطب و هو يقول: سلوني فو اللّه لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم، و سلوني عن كتاب اللّه فو اللّه ما من آية إلّا و أنا أعلم أ بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل (2).
و روى ابن سعد في الطبقات و ابن عساكر بسندين آخرين و قالا: قال عليّ: و اللّه ما نزلت آية إلّا و قد علمت في ما نزلت، و أين نزلت و على من نزلت، إنّ ربي وهب لي قلبا عقولا و لسانا طلقا (3).
و روى ابن عساكر عن عمير بن عبد اللّه، قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب على منبر الكوفة فقال: أيها الناس! سلوني قبل أن تفقدوني فبين الجنبين مني علم جم (4)
و عمير بن عبد اللّه الهلالي أبو عبد اللّه المدني مولى امّ الفضل و يقال له مولى ابن عباس، أخرج حديثه البخاري و مسلم و غيرهما. (تقريب التهذيب 2/ 86).
.و روى- أيضا- عن أبي الطفيل قال:
خطب عليّ بن أبي طالب في عامه- أي عامه الّذي قتل فيه- فقال:).
1) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ ابن عساكر 3/ 22.
2) ترجمة الإمام عليّ من الاستيعاب 2/ 463، و تاريخ ابن عساكر 3/ 22، و شواهد التنزيل 1/ 31، و أنساب الأشراف 2/ 99، و الإصابة 4/ 269- 270.
3) طبقات ابن سعد 2/ 338؛ و تاريخ ابن عساكر 2/ 21؛ و حلية الاولياء 1/ 67- 68؛ و شواهد التنزيل 1/ 33.
4) ترجمة الإمام عليّ (ع) من تاريخ ابن عساكر 3/ 24.
يا أيّها الناس! إنّ العلم يقبض قبضا سريعا، و إنّي اوشك أن تفقدوني فاسألوني، فلن تسألوني عن آية من كتاب اللّه إلّا نبأتكم بها و فيما انزلت و انّكم لن تجدوا أحدا من بعدي يحدّثكم (1).
و روى ابن عساكر عن ابن شبرمة انّه قال: ما كان أحد على المنبر يقول:
سلوني عن ما بين اللّوحين إلّا عليّ بن أبي طالب (2)
و عبد اللّه بن شبرمة الضبي (ت 144 ه) ثقة فقيه، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب 1/ 422.
.عن سعيد بن المسيب قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ (ص) يقول:
(سلوني) إلّا عليّ (3)
و سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي قال ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب 1/ 305:
أحد العلماء الاثبات. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. مات بعد التسعين.
.و ذات مرّة تعرض له ابن الكواء كما رواه الطبري و غيره عن أبي الطفيل.
قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رض) قام على المنبر فقال:
سلوني قبل أن لا تسألوني و لن تسألوا بعدي مثلي، فو اللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة، إلّا حدثتكم به، سلوني عن كتاب اللّه، فو اللّه ما من آية إلّا أنا أعلم أ بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل نزلت أم في جبل.
قال: فقام ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين! ما الذاريات ذروا؟
قال: ويلك! سل تفقّها، و لا تسل تعنّتا.
و الذاريات ذروا: الرياح.ن.
قال: فما الحاملات وقرا؟
قال: السحاب.
قال: فما الجاريات يسرا؟
قال: السفن.
قال: فما المقسمات أمرا؟
قال: الملائكة.
قال: فمن الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرا و أحلوا قومهم دار البوار جهنم؟
قال: منافقو قريش (1)
تفسير الطبري 26/ 116؛ و مستدرك الحاكم و تلخيصه 2/ 466- 467 و صحّحاه.
و في فتح الباري أخطأ فقد ذكر بدل المقسمات أمرا، و المدبرات امرا 10/ 221؛ و تهذيب التهذيب 7/ 338؛ و كنز العمال 2/ 357.
و ابن الكواء: عبد اللّه بن عمرو اليشكري من عتاة الخوارج، قرأ في صلاة الجماعة جهرا ... لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... الزّمر/ 65، فسكت الإمام حتّى أنهى الآية فاستمر الإمام في قراءته، فأعاد ابن الكواء قراءة الآية جهرا إلى ثلاث مرّات، فقرأ الإمام: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ الروم/ 60.
نسبه في جمهرة أنساب العرب، ط. القاهرة عام 1382 ه، ص 308؛ و الاشتقاق لابن دريد، ط. القاهرة سنة 1378 ه، ص 340؛ و الكنى و الألقاب، ط. بيروت سنة 1352 ه، 1/ 383.
.في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة بسنده عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (ع) قال: كان عليّ (ع) إذا صلّى الفجر لم يزل معقّبا إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين و غيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه
1) قد جاء في تفسير أوّل سورة وَ الذَّارِياتِ: و كلّ من كتب الحديث الآتي، ذكر طرفا من هذه الرواية، فجمعنا بعضها إلى بعض، و أوردناها في سياق واحد في تفسير الذاريات.
و القرآن و كان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك (1).
مرّ بنا في تاريخ القرآن على عهد الرسول (ص) أنّه كان من سيرته- في تعليم القرآن-:
أن يعلم أصحابه بمسجده عشر آيات لا يتعدّونها حتى يعلموا ما فيها من العلم و العمل.
و عيّن عبادة بن الصّامت لإقراء الفقراء من أهل الصفّة و كان يرسل القرّاء إلى المسلمين خارج المدينة لتعليمهم القرآن و الفقه.
و بناء على ذلك كانت سنّته في إقراء القرآن تعليمهم القرآن مع بيان ما فيه من العلم و العمل مع التفقّه في الدّين. و إنّما يتحقّق ذلك بتعليم ما جاء من حديث الرسول (ص) في بيان القرآن. و على عهد الخليفة عمر أمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) و تعليمهم تلاوة لفظ القرآن فقط. و بقي الأمر على ذلك زهاء عشرين عاما. و على عهد الإمام أحيى سنّة الرسول (ص) في إقراء القرآن فقام بنفسه بتعليم القرآن و الفقه للفقراء و غيرهم بمسجده، و تعليم الفقه مع القرآن يتحقق بتعليم ما جاء من حديث الرسول (ص) في بيان الآيات. و هكذا أحيى الإمام سنّة الرسول (ص) في الإقراء.
و أيضا شابه مسجده مسجد الرسول (ص) في سماع ضجّة من يقرأ القرآن فيه، كما جاء في كنز العمّال عن كليب قال:
كنت مع عليّ، فسمع ضجّتهم في المسجد يقرءون القرآن فقال: طوبى
1) شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم، ط. الحلبي، القاهرة سنة 1379 ه 4/ 109.
لهؤلاء كانوا أحبّ الناس إلى رسول اللّه (ص) (1)
و كليب بن وائل بن هبّار التيمي اليشكري الكوفي أخرج حديثه البخاري و أبو داود و الترمذي.
ترجمته في تهذيب التهذيب 8/ 446- 447؛ و تقريب التهذيب 2/ 136.
.في كنز العمال:
عن عليّ قال: من ولد في الإسلام فقرأ القرآن، فله في بيت المال في كل سنة مائتا دينار، إن أخذها في الدنيا، و إلّا أخذها في الآخرة.
و عن سالم بن أبي الجعد:
أنّ عليّا فرض لمن قرأ القرآن ألفين ألفين (2)
و سالم بن أبي الجعد و اسم الجعد رافع الأشجعي- مولاهم- الكوفي، تابعي، روى عن الإمام عليّ و صحابة آخرين، ثقة، كثير الحديث (ت: 99 أو 100 أو 101 ه) ترجمته بتهذيب التهذيب 3/ 432.
.على عهد الخلفاء الثلاثة قبل الإمام، أمروا بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) و بلغ بهم الأمر أن نكّلوا بصبيغ بن عسل، لسؤاله عن معنى (الذاريات ذروا) بينما الإمام يحرّض المسلمين على تعلّم تفسير القرآن، و في ذلك العصر كان تفسير القرآن في ما روي عن رسول اللّه (ص)، و بناء على ذلك فقد كانت سياسة الحكم على عهد الإمام نشر حديث الرسول (ص).
و إنّما سأل ابن الكوّاء عن معنى و (الذاريات ذروا) و قال له الإمام: ويلك سل تفقها لأنّه ظنّ أن تفسير هذه الآية معضلة كان يسأل عنها صبيغ في أجناد المسلمين و لم يتلق جوابا فأراد ان يحرج الإمام بسؤاله عن تفسيرها.
و كان أمثال تفسير قول الإمام للآية: وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ ... (إبراهيم/ 28- 29)، (منافقو قريش) هي السبب في تجريد حكومة الخلافة القرشية القرآن من حديث الرسول (ص).
روى السيوطي في الإتقان (1)و قال:
(مرّ بي عليّ و أنا أكتب مصحفا، فقال: اجل قلمك.
فقضمت من قلمي، ثمّ جعلت أكتب، فقال: نعم هكذا نوّره كما نوّره اللّه).
جلاه: كشف صدأه و صقله، و قضمه: كسره بأطراف أسنانه.
قال المؤلف: و يظهر من الخبر أنّ رأس القلم كان قد تشعّب و كان يكتب الحروف مشوشة و لما كسر رأس القلم الّذي كان من القصب كتب جليا، و كنا نكتب قديما بهذا القلم و إذا كتبنا به كثيرا و تشعب رأس القلم قططناه بالسكين فيجلو الخط.
كان هذا إرشاد الإمام في تحسين خط القرآن و كتابته واضحة و جلية، و قد أسّس نظاما يصان به اللسان عن الخطأ في تلاوة القرآن كالآتي بيانه بحوله تعالى.
1) الإتقان 2/ 170.
مرّ بنا تصوير قلم المصحف في عصر الرسول (ص) و كيف كانت الحروف فيها مجرّدة من التنقيط و الحركات و السكنات الّتي تميّز الحروف عن مثيلاتها، و تبين نوع الإعراب في أواخر الكلمات، و لم يكن العربي يومذاك بحاجة إليها فقد تعلم كل ذلك مع تعلمه النطق و التلفظ و هو في حضن امّه، و أتقنها كلّما تقدّمت سنّه و مارس التكلم مع أقرانه، حتى اذا انتشر الإسلام، و دخل فيه أقوام من العجم و سكن من الفرس عشرات الالوف في بلد الكوفة المركز الإداري لبلاد فارس و اتخذها الإمام عليّ (ع) عاصمة له دعاه ما رآه من حاجة تقويم لسانهم أن يلقي على تلميذه أبي الأسود اصول علم النحو تعليما للفرس، تعليما لهم ما يقوّم به لسانهم أو حفظا للعربي من انتشار اللّحن من لسان هؤلاء إلى لسانهم على مرّ الزمن، و هذا الخبر مشهور بين العلماء.
قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيدي (ت 379 ه) (1):
(سئل أبو الأسود الدؤلي عمّن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو، و أرشده اليه فقال: تلقيته من عليّ بن أبي طالب رحمه اللّه.
و في حديث آخر قال: ألقى إليّ عليّ اصولا احتذيت عليها).
و قال النديم (ت: 380 ه): (إنّ النحو اخذ عن أبي الأسود الدؤلي و إنّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، و لمّا ألقى اليه شيئا في اصول النحو، قال أبو الأسود: فاستأذنته أن أصنع نحو ما صنع، فسمّي ذلك نحوا) (2)
الجديدة، ص 45.
.و قال ابن خلكان (ت 681 ه) بترجمة أبي الأسود الدؤلي: (إنّ عليّا (رض) وضع له (الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم و فعل و حرف) ثمّ دفعه اليه، و قال له: تمّم على هذا) (1).
و تواتر نقل هذا الخبر بين العلماء و كل نقل طرفا منه مع اختلاف في اللفظ و بعد دراسة رواياتهم دراسة مقارنة وجدت أصدقهم قولا أبا الفرج حين قال في الأغاني، أوّل خبر أبي الأسود الدؤلي:
و أملى عليه- الإمام عليّ (ع)- الكلام كلّه لا يخرج عن اسم و فعل و حرف جاء لمعنى. قال: و هذا المنقول أوّل كتاب سيبويه. و قال: ثمّ رسم اصول النحو كلها، فنقلها النحويون، و فرعوها، ثمّ قال: هذا حفظته و أنا حديث السن فكتبته من حفظي و اللفظ يزيد و ينقص و هذا معناه (2).
و في ترجمة أبي الأسود من تاريخ دمشق لابن عساكر:
قال: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد اللّه، فلمّا قدم عليه كلمه، فوجده يلحن فرده إلى أبيه، و كتب إليه كتابا يلومه فيه، و يقول: أمثل عبيد اللّه يضيع؟
فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال: يا أبا الأسود! إنّ هذه الحمراء- أراد بهم العجم لغلبة الحمرة على ألوانهم- قد أفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم، و يعربون به كتاب اللّه.
فأبى ذلك أبو الأسود فوجّه زياد رجلا، فقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فاذا مر بك، فاقرأ شيئا من القرآن، و تعمد اللحن فيه، ففعل ذلك، فلمّا مرّ به أبو الأسود رفع الرّجل صوته يقرأ (ان اللّه بريء من المشركين و رسوله) فاستعظم ذلك أبو الأسود و قال: عزّ وجه اللّه أن يبرأ من رسوله، ثمّ رجع من1.
فوره إلى زياد، و قال: قد جئتك إلى ما سألت و رأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلى ثلاثين رجلا.
فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثمّ لم يزل يختارهم حتّى اختار منهم رجلا من عبد القيس، فقال: خذ المصحف و صبغا يخالف لون المداد، فاذا فتحت شفتي، فانقط واحدة فوق الحرف، و اذا ضممتها، فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، فإذا كسرتها، فاجعل النقطة في أسفله، فإن اتبعت شيئا من هذه الحركات نقطة فانقط نقطتين.
فابتدأ بالمصحف، حتى أتى على آخره، ثمّ وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك (1).
و قال القفطي (ت 624 ه) في كتابه إنباه الرّواة:
الجمهور من أهل الرواية على أنّ أوّل من وضع النحو أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب (ع)؛ قال أبو الأسود الدؤلي: دخلت على أمير المؤمنين عليّ (ع) فرأيته مطرقا مفكرا، فقلت: فيم (2)تفكّر يا أمير المؤمنين؟
فقال: سمعت ببلدكم لحنا، فأردت أن أصنع كتابا في اصول العربية.
فقلت له: إن فعلت هذا أبقيت فينا (3)هذه اللّغة العربيّة، ثمّ أتيته بعد أيّام،
فألقى إليّ صحيفة فيها:
(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الكلام كلّه اسم و فعل و حرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل).
ثمّ قال: (تتبعه و زد فيه ما وقع لك. و اعلم أنّ الأشياء (1)ثلاثة: ظاهر، و مضمر، و شيء ليس بظاهر و لا مضمر، و إنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر و لا ظاهر).
فجمعت أشياء و عرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: إنّ و أن، و ليت، و لعلّ، و كأنّ، و لم أذكر لكن، فقال: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. فقال: بلى هي منها، فزدها فيها.
هذا هو الأشهر من أمر ابتداء النحو. و قد تعرض الزجّاجي أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام عليّ، كرم اللّه وجهه.
و رأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين جزءا فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنّها مقدمة عليّ بن أبي طالب الّتي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي.
و روي أيضا عن أبي الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، فأخرج لي رقعة فيها: (الكلام كلّه اسم و فعل و حرف جاء لمعنى).
قال: فقلت: ما دعاك إلى هذا؟
قال: رأيت فسادا في كلام بعض أهلي، فأحببت أن أرسم رسما يعرف به الصواب من الخطأ.
فأخذ أبو الأسود النحو عن عليّ (ع) و لم يظهره لأحد.ق.
1) و كذا في معجم الادباء 14/ 49؛ و في نزهة الألباء، ص 5: (أنّ الأسماء)، و هو أوفق.
ثمّ إنّ زيادا سمع بشيء ممّا عند أبي الأسود (1)، و رأى اللّحن قد فشا، فقال لأبي الأسود: أظهر ما عندك ليكون للناس إماما. فامتنع من ذلك، و سأله الإعفاء، حتّى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ: (إنّ اللّه بريء من المشركين و رسوله) بالكسر، فقال: ما ظننت أمر الناس آل إلى هذا. فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير، فليبغني (2)كاتبا لقنا (3)يفعل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس (4)، فلم يرضه، فأتي بكاتب آخر- قال المبرد: أحسبه منهم- فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، و إن ضممت فمي، فانقط نقطة بين يدي الحرف، و إن كسرت، فاجعل نقطة من تحت الحرف، و إن مكنت (5)الكلمة بالتنوين فاجعل أمارة ذلك نقطتين، ففعل ذلك، و كان أول ما وضعه لهذا السبب.
و أهل مصر قاطبة يرون بعد النقل و التصحيح أنّ أوّل من وضع النحو عليّ بن أبي طالب- كرم اللّه وجهه- و أخذ عنه أبو الأسود الدؤلي، و أخذ عن أبي الأسود الدؤلي نصر بن عاصم البصري، و أخذ عن نصر أبو عمرو بن العلاء البصري، و أخذ عن أبي عمرو الخليل بن أحمد، و أخذ عن الخليل (6)
انظر ابن خلكان 3/ 133؛ و ابن كثير 11/ 70.
سيبويه0.1) أي علم النحو الّذي أخذه عن الإمام عليّ كما مرّ بنا خبره.
2) يقال: أبغني الشيء، أي أعني على طلبه.
3) اللّقن: سريع الفهم.
4) عبد القيس: قبيلة من أسد، و كانت ديارهم في تهامة، ثمّ خرجوا منها إلى البحرين.
5) في أخبار النحويين للسيرافي، ص 16: (فإن أتبعت شيئا من ذلك غنّة، فاجعل مكان النقطة نقطتين).
6) زيادة تقتضيها صحّة الرواية، و لم يذكر أحد من واضعي التراجم أن سيبويه أخذ عن أبي عمرو بن العلاء. و الروايات تجمع على أنّه أخذ عن الخليل، و هذا أخذ عن أبي عمرو بن العلاء.
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (1)، و أخذ عن سيبويه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط، و أخذ عن الأخفش أبو عثمان بكر بن محمّد المازني الشيباني و أبو عمر الجرمي، و أخذ عن المازني و الجرمي أبو العباس محمّد بن يزيد المبرد، و أخذ عن المبرد أبو إسحاق الزجاج و أبو بكر بن السراج، و أخذ عن ابن السراج أبو عليّ الحسن بن عبد الغفار الفارسي (2).
و كذلك وجدت أتمّ الروايات و أصوبها ما رواها أبو عبد اللّه ياقوت الحموي بسنده عن أبي الأسود الدؤلي، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) فرأيته مطرقا مفكّرا، فقلت: فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في اصول العربية.
فقلت: إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا، و بقيت فينا هذه اللّغة.
ثمّ أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: الكلام كلّه اسم و فعل و حرف، و الاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل. ثمّ قال لي: تتبعه و زد فيه ما وقع لك، و اعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر و مضمر و شيء ليس بظاهر و لا مضمر. قال: فجمعت منه أشياء، و عرضتها عليه، و كان من ذلك حروف النصب، فكان منها إنّ و أنّ و ليت و لعلّ و كأنّ و لم أذكر لكنّ. فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. فقال: بل هي منها فزدها فيها (3).4.
و سبب وضع عليّ (ع) لهذا العلم ما روى أبو الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، فوجدت في يده رقعة. فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي تأمّلت كلام الناس فوجدته قد فسر بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه و يعتمدون عليه. ثمّ ألقى إليّ الرقعة و فيها مكتوب (الكلام كله اسم و فعل و حرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما انبئ به، و الحرف ما جاء لمعنى) و قال لي: انح هذا النحو و أضف إليه ما وقع إليك. و اعلم أنّ الأسماء ثلاثة: ظاهر و مضمر و اسم لا ظاهر و لا مضمر، و انما يتفاضل الناس يا أبا الأسود في ما ليس بظاهر و لا مضمر، و أراد بذلك الاسم المبهم.
ثمّ قال: وضعت بابي العطف و النعت، ثمّ بابي التعجب و الاستفهام إلى أن وصلت إلى باب (إنّ و أخواتها) ما خلا لكنّ، فلمّا عرضتها على عليّ (ع) أمرني بضمّ لكنّ إليها، و كنت كلّما وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه (ع) إلى أن حصلت على ما فيه الكفاية قال: (ما أحسن هذا النحو الّذي قد نحوت) فلذلك سمّي النحو.
و كان أبو الأسود ممّن صحب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، و كان من المشهورين بصحبته و محبّته و محبّة أهل بيته، و في ذلك يقول:
يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدهر لا تنسى عليا
فقلت لهم فكيف يكون تركيمن الأشياء ما يحصى عليا
احب محمّدا حبّا شديداو عبّاسا و حمزة و الوصيا
فإن يك حبّهم رشدا اصبهو فيهم اسوة إن كان غيا
فكم رشدا أصبت و حزت مجداتقاصر دونه هام الثّريا
و كان ينزل البصرة في بني قشير، و كانوا يرجمونه باللّيل لمحبّته عليّا و أهل بيته، فإذا ذكر رجمهم له قالوا: ان اللّه يرجمك.
فيقول لهم تكذبون، لو رجمني اللّه أصابني، و لكنّكم ترجمون فلا تصيبون.
و روى انّ سبب وضع عليّ (ع) لهذا العلم انّه سمع اعرابيا يقرأ: لا يأكله إلّا الخاطئين، فوضع النحو.
و في نزهة الألباء في طبقات الادباء، ذكر من نسب وضع علم النحو لغير الإمام عليّ، ثمّ قال:
و الصحيح انّ أوّل من وضع النحو عليّ بن أبي طالب (ع)؛ لأنّ الروايات كلّها تسند إلى أبي الأسود، و أبو الأسود يسنده إلى عليّ، فانّه روي عن أبي الأسود انّه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ قال: لفقت حدوده من عليّ ابن أبي طالب (1).
و بعد أن علّم الإمام عليّ (ع) أبا الأسود علم النحو، أخذ من أبي الأسود من جاء بعده جيلا بعد جيل، و رجح عندنا تسلسل طبقات النحويين كما رسمناه في الجدول الآتي بعيد هذا.
قال ابن الأنباري:
و أخذ عن أبي الأسود عنبسة الفيل (2)، و ميمون الأقرن (3)، و نصر بن
عاصم و عبد الرّحمن بن هرمز (1)، و يحيى بن يعمر ... (2). و قال في آخر الكتاب ...
و أخذه سيبويه عن الخليل بن أحمد، و أخذه الخليل (3)عن عيسى بن عمر، و أخذه عيسى بن عمر عن ابن أبي إسحاق، و أخذه ابن أبي إسحاق عن ميمون الأقرن، و أخذه ميمون الأقرن عن عنبسة الفيل عن أبي الأسود الدؤلي، و أخذه أبو الأسود الدؤلي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رض) على ما قدّمناه في أوّل الكتاب (4).
من أخبار القرّاء في عصر الإمام عليّ:
و بلغ كثرة القرّاء في البلاد الإسلامية إلى حد أنّه خرج على الإمام عليّ بعد تحكيم الحكمين ثمانية آلاف من قرّاء الناس من بلد الكوفة (5).
و بسبب كلّ ما ذكرنا، و لم يكن يولد مولود في أي بقعة أرض من أراضي
1) عبد الرّحمن بن هرمز المتوفّى 117 ه، انظر السيرافي، أخبار النحويين البصريين: 21؛ السمعاني، الأنساب: 144؛ السيوطي، البغية: 303؛ ابن الأثير، الكامل 4/ 224، ابن عساكر 23/ 463؛ الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/ 91؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب 6/ 209؛ ابن العماد، شذرات الذهب 1/ 153؛ الزبيدي، طبقات: 20؛ ابن سعد، طبقات 5/ 209؛ ابن الجزري، طبقات القراء 1/ 381؛ النديم، الفهرست 39.
2) نزهة الألبّاء في طبقات الادباء، ص 22.
3) الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، الأزدي كان إماما في النحو و هو أوّل من استخرج علم العروض و له من الكتب: كتاب العين في اللّغة، و كتاب العروض، و كتاب النقط و الشكل، و منه أخذ سيبويه علم النحو و كان رجلا صالحا عاقلا حليما وقورا، توفّي سنة 170 ه، كما في ترجمته في الفهرست، ص 48 و قال غير ذلك ابن خلكان في ترجمته في وفيات الأعيان 2/ 15- 19.
4) نزهة الألبّاء في طبقات الادباء، ص 302.
5) تاريخ الإسلام للذهبي 2/ 185، في ذكر حوادث سنة 38 ه.
المسلمين و لا يعتنق الإسلام انسان ما على وجه الأرض منذ عصر الرسول (ص) حتى عصر الإمام عليّ (ع) إلّا و يشترك مع سائر المسلمين في حلبة السباق في تقارؤ القرآن مؤمنا كان أم منافقا؛ فالمؤمن طلبا لرضا اللّه، و المنافق طلبا للشهرة في مجتمع كان القرآن فيه ميزانا للمفاضلة بين أهله، و لذلك لما انتشرت الفتوح في عصر الخليفة عمر، بلغ عدد القرّاء بين المسلمين عددا لا يحصيه غير اللّه سبحانه.
آثار تأسيس علم النحو:
أ- حفظ النص القرآني من التحريف و التغيير منذ عصره إلى اليوم و إلى أبد الدهر.
ب- استفادة الامم الإسلامية من ضبط الكلمات بالحركات الإعرابية في لغاتها أبد الدّهر كما يرى ذلك في الجدول الآتي:
أبو الأسود الدؤلي (ت: 69 ه) و علّم أبو الأسود بعد ذلك علميا و نظريا تلاميذه من الطبقة الاولى:
أ- نصر بن عاصم (ت: 89 ه) ب- عبد الرّحمن بن هرمز (ت: 117 ه) ج- يحيى بن يعمر (ت: 129 ه) د- ميمون الأقرن ه- عنبسة بن معدان (الفيل) و تعلّم من الطبقة الاولى الطبقة الثانية الآتية أسماؤهم:
أ- عبد اللّه بن اسحاق الحضرمي (ت: 117 ه) ب- عيسى بن عمر الثقفي (ت: 149 ه) ج- أبو عمرو بن العلاء الحارثي (ت: 154 ه) و تعلّم من الطبقة الثانية الطبقة الثالثة مثل:
الخليل بن أحمد (ت: 175 ه) و تعلّم من الطبقة الثالثة جميع علماء النحو جيلا بعد جيل حتّى اليوم عمليا بوضع نقاط علامات الإعراب في آخر كلمات القرآن الطبقة الاولى من أذكياء قبيلة عبد القيس و تعلّم منهم:
الطبقة الثانية ممن كتب القرآن إلى عصر الخليل و في الطبقة الثالثة بدّل الخليل بن أحمد (ت: 175 ه) نقاط علامات الإعراب في آخر الكلمات بخطوط صغيرة، و تعلّم من عمل الخليل جميع كتّاب القرآن في جميع القرون و جميع من أعرب الكلمات في كتابة اللغة العربية و كتابة سائر لغات المسلمين حتّى اليوم
قتل عثمان و رجع إلى المسلمين أمرهم و انحلّوا من كل بيعة سابقة توثقهم فأتاه أصحاب رسول اللّه (ص)، فقالوا: إنّ هذا الرّجل قد قتل و لا بدّ للناس من إمام و لا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، و لا أقرب من رسول اللّه (ص) فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: لا، و اللّه ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: ففي المسجد فإنّ بيعتي لا تكون خفيّا و لا تكون إلّا عن رضا المسلمين ...
فاسقط في يد طلحة و الزّبير و جاءا مع المهاجرين و الأنصار و سبقهم طلحة في البيعة، و بعد ما تمّت البيعة أمر أن يوزّع ما في بيت المال عليهم بالسويّة و أن يعطي كلّا منهم ثلاثة دنانير، و أخذ لنفسه مثلهم، و لم يفضّل المهاجرين و الأنصار على الموالي، فلم يقبل ذلك جماعة في مقدمتهم طلحة و الزّبير و دخلا المسجد و جلسا ناحية عن الإمام عليّ و انضمّ إليهم بنو اميّة؛ و بلغ امّ المؤمنين عائشة خبر قتل عثمان في طريق عودتها من الحجّ إلى المدينة و كانت واثقة أن يلي الأمر ابن عمّها طلحة و حثّت على السير و إذا بها تخبر بأنّ الإمام عليّا بويع فنادت ردّوني ردّوني إنّ عثمان قتل مظلوما، قتله عليّ.
و في المدينة طلب طلحة و الزّبير أن يوليهما الإمام البصرة و الكوفة فأبى أن يفعل، فخرجا مع ثلّة من بني اميّة و التحقوا بعائشة و ذهبوا جميعا إلى البصرة يطالبون عليّا بدم عثمان، و لمّا قامت الحرب رمى مروان طلحة بسهم فقتله طلبا بثأر عثمان، و لمّا انتهت أرجع الإمام امّ المؤمنين بكل احترام إلى بيتها في المدينة و ذهب إلى الكوفة و اتخذها كرسي دولته.
و طلب معاوية من الإمام أن يوليه الشام كي يأخذ البيعة له، فأبى الإمام ذلك، فنشر معاوية بين أهل الشّام أنّ الإمام قتل عثمان، و باسم الطلب بدم الخليفة عثمان، أقام على الإمام حرب صفين. و لمّا بان النصر لجيش الإمام كرّر طلبه بامارة الشام فأبى ذلك، فأمر برفع المصاحف على الرّماح يدعو الإمام و جيشه للرجوع إلى حكم القرآن، فانخدع بذلك قرّاء أهل الكوفة و أجبروا الإمام على قبول ذلك فأخبرهم الإمام أنّها خدعة من معاوية، فأصرّوا على ذلك و انّهم سيقتلون الإمام إن لم يقبل بحكم القرآن، فاضطر إلى قبوله، و كتب بين الجانبين بذلك كتاب أن يعيّن كل فريق حكما يجتمعان و يقرران ما يحكم به القرآن، فعيّن معاوية من جانبه عمرو بن العاص، و أراد الإمام أن يعيّن من جانبه ابن عباس، فأبى القرّاء، و أراد- أيضا- أن يعيّن الأشتر، فأبوا و رشّحوا أبا موسى الأشعري، فأخبرهم الإمام أنّه لا يثق به، فأبوا إلّا أن يعيّنه حكما، ففعل و لمّا اجتمع الحكمان خدع عمرو، أبا موسى و اتفقا على أن يخلعا عليّا و معاوية و يتركا الأمر للمسلمين ليعيّنوا الخليفة بالشورى، فقدّم عمرو أبا موسى للكلام فقال: خلعت عليّا و معاوية و تركت الأمر شورى بين المسلمين، فتقدّم عمرو و قال: إنّ أبا موسى خلع عليّا و أنا أخلعه و اعيّن معاوية خليفة، فأدرك أبو موسى الخدعة و تفرّقا يتسابّان، و لمّا بان للقرّاء خطأهم قالوا: أخطأنا بتحكيم الرجال و كفرنا و لا حكم إلّا للّه، و نتوب إلى اللّه من الكفر، ثمّ رموا الجانبين بالكفر، و طلبوا من الإمام عليّ أن يعترف بأنّه كفر ثمّ يتوب إلى اللّه، و لمّا أبى كفّروه و كفّروا عامّة المسلمين، و خرجوا إلى النّهروان- بين بغداد و واسط- بقصد قتال المسلمين، فخرج إليهم الإمام و حاججهم، فرجع منهم فريق و قاتل من بقي و قتلهم، ثمّ رجع إلى الكوفة.
ساوى الإمام عليّ في حكمه بين المسلمين، و لم يفضّل أحدا على أحد، و خالفه معاوية، ففضّل أشراف القبائل على من دونهم و وزّع فيهم الصّلات و الجوائز؛ فانتشر التذمّر من حكمه بين وجهاء القبائل و أشرافها، فتفرّقوا عنه، و التحق بعضهم بمعاوية.
و كان الإمام يوزّع بيت المال عليهم بالسويّة في كلّ أسبوع.
تكرر خطاب الإمام للناس و هو على المنبر بأمثال قوله:
سلوني قبل أن تفقدوني فو اللّه ما بين لوحي المصحف آية تخفى عليّ في ما انزلت و لا أين نزلت و لا ما عني بها.
و أقاموا على الإمام حربي الجمل و صفّين. و أيضا بسبب عدله، اجتمع عليه أصحاب الورع و التّقى من صحابة الرسول (ص)؛ فقد روى ابن أعثم عن سعيد بن جبير و غيره أنّه كان مع عليّ في حرب صفين ثمانمائة رجل من الأنصار و تسعمائة ممّن بايع تحت الشجرة فيهم ثمانون بدريّا (1)، و لم يكن مع معاوية من الأنصار غير نعمان بن بشير و مسلمة بن مخلّد (2)، و بعد صفين جاور هؤلاء مع الإمام عليّ في الكوفة و أتاح لهم الإمام فرصة نشر حديث الرسول (ص) بعد أن منعوا من روايته خمسا و عشرين سنة، و حرّضهم على ذلك، فسمع حديث الرسول (ص) من أفواه الصحابة آلاف التابعين، و من التابعين أتباع التابعين و هكذا دواليك حتى عصر التأليف بمدرسة الخلفاء، حيث دوّنت تلك الأحاديث
في كتب الحديث و أصبحت الكوفة منذ عصر الإمام عاصمة العلم، و لو لا حكم الإمام و فتحه أبواب الحديث الّتي كانت موصدة خمسا و عشرين سنة لما بلغتنا تلك الأحاديث أبد الدهر، و أصبحت الكوفة بانتشار خطب الإمام فيها و نشر أحاديث الصحابة علوية و منها انتشر التشيع لعلي في امتداد البلاد الإسلامية و خاصّة البلاد الإيرانية الّتي كانت الكوفة حاضرتها.
كان الإقراء على عصر الرسول (ص) تعليم عشر آيات لا يتعدّون العشرة حتى يتعلّموا ما فيها من العلم و العمل أي يتعلّموا ما أوحي إلى الرسول (ص) في بيان الآيات و كذلك جاء في وصف من كان يبعثهم الرسول (ص) للإقراء ليقرئهم القرآن و يفقههم في الدين. أي: يعلمهم ما جاء في تفسير الآيات عن الرسول (ص) من فقه الدّين أي: فهم الدّين، و على ذلك فإنّ القرّاء الّذين تعلّموا القراءة في عصر الرسول (ص) كانوا فقهاء في الدين، و لمّا جرّدوا القرآن بعد الرسول (ص) من حديث الرسول (ص)، أصبح القرّاء بعد الرسول (ص) يتعلّمون تلاوة لفظ القرآن و يتلونها و لهم دويّ في تلاوة القرآن كدويّ النحل، و في القرآن آيات متشابهات بحاجة إلى أخذ تفسيرها من حديث الرسول (ص)، و لمّا منعوا من بيان حديث الرسول (ص) في الإقراء تخرّج جيل من القرّاء لم يتفقّهوا في الدّين و رموا عامّة المسلمين بالشرك.
و لمّا جرح الإمام في محرابه و استشهد، تغلّب على الحكم بطن اميّة من قريش، و أسّست في الإسلام ملكا عضوضا كحكم القياصرة و الأكاسرة يرثه الخلف عن السلف، كما أوصاهم بذلك شيخهم أبو سفيان عند ما دخل على الخليفة عثمان أوّل ما استخلف، و كان ذلك من خصائص حكمهم إلى خصائص اخرى سندرسها بإذنه- تعالى- في ما يأتي.
أ- دخول الأنصار على معاوية:
قال أبو الفرج الأصفهاني ما موجزه:
حضرت وفود الأنصار باب معاوية بن أبي سفيان، فخرج إليهم حاجبه سعد أبو درّة، فقالوا له: استأذن للأنصار. فدخل إليه و عنده عمرو بن العاص، و قال: الأنصار بالباب. فقال عمرو: ما هذا اللّقب الّذي قد جعلوه نسبا يا أمير المؤمنين؟ اردد القوم إلى أنسابهم، فقال [له معاوية: إنّي أخاف من ذلك الشّنعة، فقال]: هي كلمة تقولها إن مضت عرّتهم و نقصتهم و إلّا فهذا الاسم راجع إليهم.
فقال له: اخرج فقل: من كان هاهنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل، فقالها الحاجب، فدخل ولد عمرو بن عامر كلّهم إلّا الأنصار، فنظر معاوية إلى عمرو نظر منكر، فقال له: باعدت جدّا، فقال: اخرج فقل: من كان هاهنا من الأوس و الخزرج فليدخل. فخرج فقالها [فلم يدخل أحد، فقال معاوية: اخرج فقل:
من كان هاهنا من الأنصار فليدخل، فخرج فقالها] فدخلوا يقدمهم النعمان و هو يقول:
يا سعد لا تعد الدّعاء فما لنانسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تخيره الإله لقومناأثقل به نسبا على الكفّار
إنّ الّذين ثووا ببدر منكميوم القليب هم وقود النار
و قام مغضبا فانصرف. فبعث معاوية فردّه و ترضّاه، و قضى حوائجه و حوائج من كان معه من الأنصار.
فقال معاوية لعمرو: كنّا أغنياء عن هذا (1).
ب- سفر معاوية إلى المدينة:
و لمّا صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم، و كلّموه في امورهم، فقال:
أما ترضون يا بني هاشم أن نقرّكم على دمائكم و قد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما تقولون؟ فو اللّه لأنتم أحلّ دما من كذا و كذا، و أعظم في القول. فقال له ابن عباس: كلّ ما قلت لنا يا معاوية من شرّ بين دفتيك، أنت و اللّه أولى بذلك منّا، أنت قتلت عثمان، ثمّ قمت تغمص على الناس أنّك تطلب بدمه. فانكسر معاوية ...
الحديث. ثمّ كلّمه الأنصار، فأغلظ لهم في القول، و قال لهم: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: أفيناها يوم بدر لمّا قتلنا أخاك و جدّك و خالك؛ و لكنّا نفعل ما أوصانا به رسول اللّه (ص). قال: ما أوصاكم به؟ قالوا: أوصانا بالصبر. قال:
فاصبروا.
ثمّ أدلج معاوية إلى الشام و لم يقض لهم حاجة (2).
قال ابن عساكر:
كتب معاوية إلى عليّ بن أبي طالب:
يا أبا الحسن ان لي فضائل كثيرة، و كان أبي سيدا في الجاهلية، و صرت ملكا في الإسلام و أخا صهر رسول اللّه (ص) و خال المؤمنين و كاتب الوحي،
فقال عليّ:
أبا لفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟ ثمّ قال اكتب يا غلام:
محمّد النبيّ أخي و صهريو حمزة سيد الشهداء عمّي
و جعفر الّذي يمسي و يضحييطير مع الملائكة ابن أمّي
و بنت محمّد سكني و عرسيمنوط لحمها بدمي و لحمي
و سبطا أحمد ولداي منهافأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طراصغيرا ما بلغت أوان حلمي فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب (1).
حتى إذا استشهد الإمام عليّ و صفا له الجوّ عاش عيشة كسرى و قيصر كما رواه المؤرخون، مثل اليعقوبي الّذي قال بترجمة معاوية من تاريخه (2/ 232- 234) ما موجزه:
و كان معاوية أوّل من أقام الحرس و الشرط و البوابين في الإسلام و أرخى الستور، و استكتب النصارى، و مشي بين يديه بالحراب، و أخذ الزكاة من الأعطية، و جلس على السرير و الناس تحته، و شيّد البناء، و سخر الناس في بنائه، و لم يسخّر أحد قبله، و استصفى أموال الناس، فأخذها لنفسه، و كان يقول: أنا أوّل الملوك.
و أخرج من كل بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لأنفسها من الضياع العامرة، و جعله صافية لنفسه، فأقطعه جماعة من أهل بيته، و كان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه مائة ألف ألف درهم.أ.
1) تاريخ دمشق لابن عساكر، مخطوطة مصوّرة المجمع العلمي الإسلامي 12/ 2/ ص 199 ب- 200 أ.
و فعل بالشام و الجزيرة و اليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع و تصييرها لنفسه خالصة، و كان أوّل من كانت له الصوافي في جميع الدنيا، حتى بمكّة و المدينة.
و قال ما موجزه:
(و ولّى معاوية عبد اللّه بن درّاج مولاه خراج العراق، فكتب إليه: أنّ الدهاقين اعلموه أنّه كان لكسرى و آل كسرى صوافي يجتبون مالها لأنفسهم و لا تجري مجرى الخراج، فكتب إليه: أن أحص تلك الصوافي، و استصفها، و اضرب عليها المسنّيات.
فأمر فأتي بالديوان من حلوان، و استخرج منه كلّ ما كان لكسرى و آل كسرى، و ضرب عليه المسنّيات، و استصفاه لمعاوية، فبلغت جبايته خمسين ألف ألف درهم من أرض الكوفة و سوادها، و كتب إلى و اليه بالبصرة بمثل ذلك و أمرهم أن يحملوا إليه هدايا النيروز، و المهرجان، فكان يحمل إليه في النيروز و غيره و في المهرجان عشرة آلاف ألف) (1).
و إنّما استطاع معاوية ان يفعل في سلطانه ما يشاء نتيجة إبعاده عن الشام صحابة الرسول (ص) و لم يكن في جيشه عند ما قاتل الإمام عليّا في صفين من أنصار الرسول اللّه (ص) غير اثنين، فقد روى اليعقوبي في تاريخه (2/ 188) و قال:
و كان مع عليّ يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلا، و ممّن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل، و من سائر المهاجرين و الأنصار أربعمائة رجل، و لم يكن مع معاوية من الأنصار إلّا النعمان بن بشير، و سلمة بن مخلد. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 587 سياسة معاوية مع الإمام علي بن أبي طالب(ع) ..... ص : 5858.
1) اليعقوبي 2/ 218.
اتخذ معاوية بديلا من أصحاب رسول اللّه (ص) بطانة مثل ابن أثال الطبيب النصراني.
قال اليعقوبي في تاريخه:
و استعمل معاوية ابن أثال النصراني على خراج حمص، و لم يستعمل النصارى أحد من الخلفاء قبله.
و قد وصفه ابن عبد البرّ: الطبيب اليهودي.
و قال في ترجمة عبد الرّحمن بن خالد من الاستيعاب (1)ما موجزه:
إنّ معاوية لمّا أراد البيعة ليزيد، و رأى رغبة أهل الشام في عبد الرّحمن بن خالد أمر طبيبا عنده يهوديا- و كان عنده مكينا- أن يأتيه، فيسقيه سقية يقتله بها ففعل.
و كان الأخطل الشاعر النصراني شاعر الأمويين منذ عهد معاوية، و أمره يزيد أن يهجو الأنصار فهجاهم في أبيات قال فيها (2):
ذهبت قريش بالمكارم كلّهاو اللّؤم تحت عمائم الأنصار (3)كان ما ذكرناه جزءا من خصائص المجتمع على عهد معاوية.
و يتصل ببحث خصائص المجتمع على عهد معاوية سياسة حكمه في رواية حديث الرسول (ص)، و لعلّ ممّا بدأ عهده ما رواه الخطيب البغدادي أن معاوية قال على المنبر بدمشق: أيّها الناس! إيّاكم و أحاديث رسول اللّه (ص) إلّا حديثا كان يذكر على عهد عمر (4).1.
و لم يكتف بهذا، بل كان من أمر الحديث على عهده ما رواه الطبري (1)
أوربا 2/ 112- 113 و ابن الأثير 3/ 202.
و قال: استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى و أربعين، فلمّا أمّره عليها دعاه، و قال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، و لست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تترك شتم عليّ و ذمّه، و الترحّم على عثمان و الاستغفار له، و العيب لأصحاب عليّ، و الإقصاء لهم، و الإطراء لشيعة عثمان، و الإدناء لهم. فقال له المغيرة: قد جرّبت و جرّبت و عملت قبلك لغيرك، فلم يذممني، و ستبلو فتحمد أو تذمّ، فقال: بل نحمد إن شاء اللّه.و روى ابن أبي الحديد عن المدائني في كتاب الأحداث، و قال:
(كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب، و أهل بيته ...، و كان أشدّ البلاء حينئذ أهل الكوفة (2)
و منه ننقل كلّ ما ننقل من شرح ابن أبي الحديد.
.و قال: كتب معاوية (3)إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألّا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ و أهل بيته شهادة، و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه، و أهل ولايته، و الّذين يروون فضائله و مناقبه، فأدنوا مجالسهم، و قربوهم و أكرموهم، و اكتبوا إليّ بكل ما يروي كلّ رجل منهم، و اسمه، و اسم أبيه، و عشيرته.
ففعلوا ذلك، حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصّلات و الكساء و الحباء و القطائع، و يفضيه في العرب منهم و الموالي،5.
فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كتب اسمه و قرّبه و شفّعه، فلبثوا بذلك حينا، ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر، و في كلّ وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأوّلين، و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا و أتوني بمناقض له في الصحابة فإنّ هذا أحبّ إليّ و أقرّ إلى عيني، و أدحض لحجّة أبي تراب و شيعته، و أشدّ عليهم من مناقب عثمان، و فضله، فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، و جرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و القي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه، و تعلّموه كما يتعلّمون القرآن، و علّموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم، فلبثوا بذلك إلى ما شاء اللّه ...، فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة ...)
الحديث (1).
و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه، و هو من أكابر المحدّثين و أعلامهم، في تاريخه ما يناسب هذا الخبر و قال: (إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة، افتعلت في أيّام بني اميّة تقرّبا إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به انوف بني هاشم) (2).م.
و روى ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي (1)
محمّد بن عبد اللّه الإسكافي، من متكلّمي المعتزلة و أحد أئمتهم، و إليه تنسب الطائفة الإسكافية منهم، و هو بغدادي أصله من سمرقند، قال ابن النديم: كان عجيب الشأن في العلم و الذكاء و الصيانة و نيل الهمة و النزاهة، بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد، و كان المعتصم يعظمه. و له مناظرات مع الكرابيسي و غيره. توفّي سنة 240، لسان الميزان، 5/ 221.
و قال: (إنّ معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ (ع) تقتضي الطعن فيه، و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله).و روى في هذا الصدد عن الصحابة عن عمرو بن العاص، الحديث الذي أخرجه البخاري (2)و مسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص، قال:
سمعت رسول اللّه يقول جهارا غير سرّ (3)
و مسلم 1/ 136، كتاب الإيمان، موالاة المؤمنين و مقاطعة غيرهم.
: (إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي اللّه و صالح المؤمنين).و في البخاري بعده بطريق آخر عنه: (و لكن لهم رحما أبلّها ببلالها)- يعني أصلها بصلتها- انتهى.م.
1) شرح النهج، ط. مصر الاولى، 1/ 358. و الإسكافي نسبة إلى الإسكاف من نواحي النهروان بين بغداد و واسط. و أبو جعفر الإسكافي في مادّة الإسكاف من معجم البلدان، عداده في أهل بغداد أحد المتكلّمين من المعتزلة (ت: 240 ه)، و قال ابن حجر في ترجمته:
2) قد ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه 4/ 34، كتاب الأدب، باب يبل الرحم ببلالها بطريقين عن ابن العاص. و في ط البخاري كنّى عن آل أبي طالب قال آل أبي فلان.
3) هذه الزيادة في رواية البخاري الثانية عن ابن العاص و كنى- أيضا- و قال آل أبي فلان.
كانت تلكم رواية ابن أبي الحديد عن صحيح البخاري، و في طبعات البخاري في عصرنا بدل لفظ (آل أبي طالب) ب: (آل أبي فلان).
و روى الطبري انّ المغيرة بن شعبة أقام سبع سنين و أشهرا في الكوفة لا يدع ذمّ عليّ و الوقوع فيه، و العيب لقتلة عثمان و اللعن لهم، و الدعاء لعثمان بالرحمة و الاستغفار له و التزكية لأصحابه (1)، غير أنّ المغيرة كان يداري، فيشتدّ مرّة، و يلين اخرى.
و روى الطبري: أنّ المغيرة بن شعبة قال لصعصعة بن صوحان العبدي و كان المغيرة أميرا على الكوفة من قبل معاوية: (إيّاك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس، و إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تظهر شيئا من فضل عليّ علانية، فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله، بل أنا أعلم بذلك، و لكنّ هذا السلطان قد ظهر، و قد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا ممّا امرنا به، و نذكر الشيء الّذي لا نجد منه بدّا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة، فإن كنت ذاكرا فضله، فاذكره بينك و بين أصحابك، و في منازلكم سرّا، و أمّا علانية في المسجد، فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا و لا يعذرنا به ...) (2)
الحديث.
و قال اليعقوبي (3)ما موجزه:
و كان حجر بن عدي الكندي، و عمرو بن الحمق الخزاعي و أصحابهما من شيعة عليّ بن ابي طالب، إذا سمعوا المغيرة و غيره من أصحاب معاوية، و هم يلعنون عليّا على المنبر، يقومون فيردون عليهم، و يتكلّمون في ذلك.
فلمّا قدم زياد الكوفة، وجّه صاحب الشرطة إليهم، فأخذ جماعة منهم0.
فقتلوا، و هرب عمرو بن الحمق الخزاعيّ إلى الموصل و عدّة معه، و أخذ زياد حجر بن عديّ الكنديّ و ثلاثة عشر رجلا من أصحابه، فأشخصهم إلى معاوية، فكتب فيهم أنّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، و زروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة، و أنفذ شهادات قوم، فلمّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثمّ وجه إليهم من يضرب أعناقهم، فكلّمه قوم في ستّة منهم، فأخلى سبيلهم، و أمر أن يعرض على الباقي البراءة من عليّ و اللّعن له فقالوا: إن فعلتم تركناكم، و إن أبيتم قتلناكم، فابرءوا منه نخلّ سبيلكم! قالوا: اللّهمّ لسنا فاعلي ذلك! فحفروا لهم قبورهم و ادنيت أكفانهم، فقاموا اللّيل كلّه يصلّون، فلمّا أصبحوا عرضوا عليهم البراءة من عليّ، فقالوا: نتولّاه و نتبرّأ ممّن تبرّأ منه.
فأخذ كل رجل منهم رجلا يقتله فقال حجر: دعوني أتوضّأ و أصلي.
فلمّا أتمّ صلاته قتلوه و أقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة مع حجر. فلمّا بلغوا عبد الرّحمن بن حسان العنزي و كريم بن العفيف الخثعمي قالا:
ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مقالته. فبعثوا بهما إلى معاوية فلما دخلا عليه، قال معاوية للخثعمي: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه قولك! قال أتبرّأ من دين عليّ؟ فسكت، فقام ابن عمّ له فاستوهبه من معاوية، فحبسه شهرا ثمّ خلّى سبيله على أن يذهب إلى الكوفة.
أمّا العنزي فقد قال له: يا أخا ربيعة! ما قولك في عليّ؟ قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا و من الآمرين بالحقّ و القائمين بالقسط و العافين عن الناس.
قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم و أرتج أبواب الحقّ. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت، فبعث به معاوية إلى زياد و كتب إليه: أمّا بعد، فإن هذا العنزي شرّ من بعثت، فعاقبه عقوبته الّتي هو أهلها و اقتله
شرّ قتلة.
فلمّا قدم به على زياد بعث زياد به إلى قسّ الناطف فدفن به حيّا (1).
و من قصص زياد بن أبيه في هذه المعركة أيضا ما وقع بينه و بين صيفي بن فسيل، فإنّه أمر فجيء به إليه، فقال له: يا عدوّ اللّه! ما تقول في أبي تراب؟
قال: ما أعرف أبا تراب.
قال: ما أعرفك به! قال: ما أعرفه.
قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟! قال: بلى.
قال: فذاك،- و بعد محاورة بينهما- قال: عليّ بالعصا، فقال: ما قولك في عليّ؟
قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد اللّه أقوله في أمير المؤمنين، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض؛ فضرب حتى ألصق بالأرض، ثمّ قال: أقلعوا عنه، فتركوه، فقال له: إيه ما قولك في عليّ؟
قال: و اللّه لو شرطتني بالمواسي و المدى ما قلت إلّا ما سمعت منّي، قال لتلعننّه أو لأضربنّ عنقك، قال: إذا و اللّه تضربها قبل ذلك، فأسعد و تشقى، قال:
ادفعوا في رقبته، ثمّ قال: أوقروه حديدا و اطرحوه في السجن، ثمّ قتل مع حجر (2).
و كتب إلى معاوية في رجلين حضرميّين (3)أنّهما على دين عليّ و رأيه،ن.
فأجابه: من كان على دين عليّ و رأيه فاقتله، و مثّل به. فصلبهما على باب دارهما بالكوفة (1).
كما أمره بدفن الخثعميّ- الّذي مدح عليّا و عاب عثمان- حيّا، فدفنه حيّا (2).
و ختم حياته بما ذكره المسعودي، و ابن عساكر، قال ابن عساكر:
جمع أهل الكوفة، فملأ منهم المسجد و الرّحبة و القصر، ليعرضهم على البراءة من عليّ (3).
و قال المسعودي: و كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف، ثمّ ذكر أنّه اصيب بالطاعون في تلك الساعة فافرج عنهم.
و كان عمرو بن الحمق الخزاعيّ ممّن أصابه التشريد و القتل في هذه المعركة، فإنّه فرّ إلى البراري، فبحثوا عنه حتى عثروا عليه، فحزّوا رأسه، و حملوه إلى معاوية، فأمر بنصبه في السوق، ثمّ بعث برأسه إلى زوجته في السجن- و كان قد سجنها في هذا السبيل- فالقي في حجرها (4).
عمّت هذه السياسة البلاد الإسلامية، و اتّبعها و نفّذها غير من ذكرنا من الامراء أيضا، كبسر بن أبي أرطأة في ولايته البصرة، و ابن شهاب في الرّي (5).12
1) المحبر، ص 479.
2) راجع قصّة حجر بن عدي في عبد اللّه بن سبأ.
3) المسعودي في أيام معاوية 3/ 30، و ابن عساكر 5/ 421.
4) المعارف لابن قتيبة 7/ 12، و الاستيعاب 2/ 517، و الإصابة 2/ 526، و تاريخ ابن كثير 8/ 48، و المحبر، ص 490.
5) خبر بسر بن أرطأة و ابن شهاب في حوادث سنة 41 ه من الطبري، ط. أوربا، 2/ 12
فقد كانت لهم قصص في ذلك ذكرها المؤرخون، ثمّ أصبحت هذه سياسة بني اميّة التقليدية، و لعن عليّ بن أبي طالب على منابر الشرق و الغرب ما عدا سجستان، فإنّه لم يلعن على منبرها إلّا مرة، و امتنعوا على بني اميّة، حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد في حين كان يلعن على منابر الحرمين مكّة و المدينة (1).
و قد كانوا يلعنون عليّا على المنابر بمحضر من أهل بيته، و قصصهم في ذلك كثيرة نكتفي منها بذكر واحدة أوردها ابن حجر (2)في تطهير اللّسان، و قال:
إنّ عمرا صعد المنبر، فوقع في عليّ، ثمّ فعل مثله المغيرة بن شعبة، فقيل للحسن: اصعد المنبر لتردّ عليهما، فامتنع إلّا أن يعطوه عهدا أن يصدقوه إن قال حقّا، و يكذبوه (3)إن قال باطلا.
فأعطوه ذلك، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أنشدك اللّه يا عمرو! يا مغيرة! أ تعلمان أنّ رسول اللّه (ص) لعن السائق و القائد أحدهما فلان؟
قالا: بلى، ثمّ قال: يا معاوية! و يا مغيرة! أ لم تعلما أنّ النبي (ص) لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة؟ قالا: اللّهمّ بلى ... الحديث.
و لمّا كان الناس لا يجلسون لاستماع خطبهم لما فيها من أحاديث لا يرتضونها، خالفوا السنّة، و قدّموا الخطبة على الصلاة.ظ.
قال ابن حزم في المحلّى (1):
أحدث بنو اميّة تقديم الخطبة على الصلاة، و اعتلّوا بأنّ الناس كانوا إذا صلّوا تركوهم، و لم يشهدوا الخطبة، و ذلك لأنّهم كانوا يلعنون عليّ بن أبي طالب (ع)، فكان المسلمون يفرّون، و حقّ لهم ذلك.
و روى المسعودي و قال ما موجزه:
لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت و معه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، و وقع في عليّ و شرع في سبّه، فزحف سعد، ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك، ثمّ شرعت في سبّ عليّ؟! و اللّه لأن يكون فيّ خصلة واحدة من خصال عليّ أحبّ إليّ، ثمّ ساق الحديث باختلاف يسير، و ذكر في آخره أنّه قال: و أيم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت، ثمّ نهض (2).
أمّا ابن عبد ربّه، فقد أورده باختصار في أخبار معاوية من العقد الفريد و قال (3):
(و لمّا مات الحسن بن عليّ حجّ معاوية، فدخل المدينة، و أراد أن يلعن عليا على منبر رسول اللّه (ص) فقيل له: إنّ هاهنا سعد بن أبي وقّاص، و لا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه و خذ رأيه، فأرسل إليه و ذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثمّ لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد.
فلمّا مات لعنه على المنبر، و كتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا، فكتبت امّ سلمة زوجة النبيّ (ص) إلى معاوية: انّكم تلعنون اللّه و رسوله على7.
منابركم، و ذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب، و من أحبّه، و أنا اشهد اللّه أنّ اللّه أحبّه، و رسوله، فلم يلتفت إلى كلامها) انتهى (1).
و قال ابن أبي الحديد:
روى أبو عثمان- الجاحظ- أيضا أنّ قوما من بني اميّة قالوا لمعاوية:
يا أمير المؤمنين! إنّك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل! فقال: لا و اللّه، حتى يربو عليه الصغير، و يهرم عليه الكبير، و لا يذكر له ذاكر فضلا (2).
روى الزّبير بن بكار و قال:
قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية و عقله، و يعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتمّا، فانتظرته ساعة، و ظننت أنّه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟
فقال: يا بنيّ! جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم. قلت: و ما ذاك؟
قال: قلت له و قد خلوت به: إنّك بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، و بسطت خيرا، فإنّك قد كبرت، و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، و إنّ ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه.
فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم، فعدل و فعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلّا أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملكد.
أخو عدي فاجتهد و شمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل:
عمر.
و إنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات (أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) فأي عمل يبقى؟ و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟
لا و اللّه إلّا دفنا دفنا (1).
استطاع معاوية أن يفعل في سلطانه ما يشاء نتيجة ابعاد اهل الشام عن فهم الإسلام، و من الشواهد على ذلك ما رواه المسعودي في مروج الذهب (3/ 32):
(قد بلغ من طاعتهم له- لمعاوية- أنّه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة يوم الأربعاء، و أعاروه رءوسهم عند القتال، و حملوه بها، و ركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن عليّا هو الّذي قتل عمّار بن ياسر حين أخرجه لنصرتهم، ثمّ ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن عليّ سنّة ينشأ عليها الصغير، و يهلك عليها الكبير).
قال ابن عبد ربّه في خبر وفاة معاوية من العقد الفريد:
لمّا حضرت معاوية الوفاة، و يزيد غائب، دعا الضحاك بن قيس الفهري و مسلم بن عقبة المري، فقال: أبلغا عني يزيد و قولا له: انظر إلى أهل الحجاز
1) الموفقيات، ص 576- 577، و مروج الذهب 2/ 454، و ابن أبي الحديد 1/ 462، و ط. مصر تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم 5/ 120. و كانت قريش تكنّي رسول اللّه (ص) أبا كبشة استهزاء به.
فهم أصلك و عترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، و من قعد عنك فتعاهده، و انظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله، فإن عزل عامل واحد أهون من سل مائة ألف سيف، و لا تدري على من تكون الدائرة، ثمّ انظر إلى أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدوك ريب فارمه بهم، ثمّ اردد أهل الشام إلى بلدهم، و لا يقيموا في غيره، فيتأدّبوا بغير أدبهم (1).
يظهر من سيرة معاوية أنّه كان أشدّ تعلّقا بنشر فضائل ارومته و عصبته و إلصاق المثالب بخصومه و من ناوأه ممّن سبقه من أسلافه في الجاهلية. فهو يفاخر ابن عم الرسول بأبيه و تملّكه بلاد المسلمين، و يقتدي بكسرى و قيصر في حكمه، و يهجو الأنصار شاعره النصراني، و يأمر ولاته بشتم عليّ و ذمّه و لعنه على منابر المسلمين في خطب صلاة الجمعة، و أن يدعوا الناس إلى رواية الحديث في فضائل عثمان و الخليفتين من قبله، و أن يأتوا بمناقض لروايات فضائل عليّ، و أن ينشروا ذلك على العرب و الموالي، فانتشر في حكمه روايات كثيرة مفتعلة لا حقيقة لها في فضائل الصحابة و ما ينتقص به على الإمام.
و كشف عن دخيلته للمغيرة بن شعبة حين قال له المغيرة: انّك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، و إن ذلك ممّا يبقى لك ذكره و ثوابه، فقال: هيهات هيهات! أي كيف أرجو بقاء ذكر الأعمال و قد ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلّا أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عديّ فاجتهد و شمّر عشر سنين، فما عدا أن
1) العقد الفريد 4/ 372 و 373.
هلك حتى هلك ذكره؛ إلّا أن يقول قائل: عمر إلى قوله: و انّ ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرّات (أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه).
فأيّ عمل يبقى؟ و أيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، و لا و اللّه إلّا دفنا دفنا! من كلّ ذلك نعرف أنّ خصائص المجتمع على عهد معاوية كانت من جانب الحاكم تملكه باسم الإسلام و تخلّقه بأغلظ العصبيّات الجاهليّة، ثمّ توظيفه من يضع الأحاديث في فضائل ذوي ارومته و عصبته، و ذمّ من يخاصمهم من بني هاشم و لا سيمّا الإمام عليّ، و بقيت تلكم الأحاديث منتشرة بين المسلمين حتى عصر تدوين الحديث، حيث انتشرت في أنواع كتب الحديث، و سوف ندرس بعضها ممّا رويت في شأن القرآن الكريم في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.
سار على نهج معاوية من جاء بعده من خلفاء بني اميّة، فقد روى اليعقوبي في أيّام مروان من تاريخه (2/ 261) ما موجزه:
إنّ عبد الملك منع أهل الشام من الحجّ أيام ابن الزبير بمكة و قال لهم:
مسجد بيت المقدس يقوم لكم مقام المسجد الحرام، و هذه الصخرة الّتي يروى أن رسول اللّه (ص) وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبّة، و علق عليها ستور الديباج، و أقام لها سدنة، و أخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، و أقام بذلك أيّام بني اميّة.
و بلغ أمر إبعادهم أهل الشام عن فهم الحقيقة إلى حدّ أنّهم لم يرضوا أن تنشر بين أهل الشام سيرة الرسول (ص)، و قد روى في ذلك الزّبير بن بكار: في الموفقيات (ص 332- 333)، و قال ما موجزه:
(إنّ سليمان بن عبد الملك مرّ بالمدينة حاجّا في عصر أبيه، و أمر أبان بن
عثمان أن يكتب له سير النّبيّ (ص) و مغازيه.
فقال أبان: هي عندي أخذتها مصححة ممّن أثق به.
فأمر عشرة من الكتاب بنسخها، فكتبوها في رقّ، فلما صارت إليه نظر، فإذا فيها ذكر الأنصار في بدر، فقال سليمان: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فإمّا أن يكون أهل بيتي- أي الخلفاء الأمويون- غمصوا عليهم، و إمّا أن يكونوا ليس هكذا، فقال أبان بن عثمان: أيّها الأمير! لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم- يقصد الخليفة عثمان- من خذلانه أن نقول الحق، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذلك حتى أذكره لأمير المؤمنين- يقصد والده عبد الملك- لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحرّق، و لمّا رجع أخبر أباه بما كان.
فقال عبد الملك: و ما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل تعرّف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها؟
قال سليمان: فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته، حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين، فصوّب رأيه).
و أنتجت سياسة الخلافة الأموية ما رواه المسعودي في ذكره أيام مروان الحمار بمروج الذهب (3/ 33) و قال:
بعد مقتل مروان آخر الخلفاء الأمويين نزل عبد اللّه بن عليّ- أوّل الخلفاء العباسيين- الشام، و وجّه إلى أبي العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم و الرئاسة من سائر أجناد الشام- أي حواضر البلاد الشامية- فحلفوا لأبي العباس السفاح أنّهم ما علموا لرسول اللّه (ص) قرابة و لا أهل بيت يرثونه غير بني اميّة حتى و ليتم الخلافة.
روى ابن الأثير في ذكر ترك سبّ أمير المؤمنين عليّ (ع) عن عمر بن
عبد العزيز أنّه قال:
(كان أبي إذا خطب فنال من عليّ (رض) تلجلج، فقلت: يا أبت! إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليّ عرفت منك تقصيرا! قال: أ و فطنت لذلك؟ قلت: نعم، فقال: يا بنيّ! إنّ الّذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده. فلمّا ولي الخلافة، لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجله، فترك ذلك و كتب بتركه و قرأ عوضه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى (النّحل/ 90) (1).
و ممّا ينبغي أن ندرسه من سياسة الخلافة الأموية بعض أخبار الحجّاج أمير القسم الشرقي للبلاد الإسلامية يومذاك.
لمّا استشهد الحسين (ع) ظهر ابن الزّبير بمكّة و دعا لنفسه، و بعد موت يزيد بن معاوية سنة 64 ه بايعه بالخلافة أهل الحجاز و اليمن و العراق و مصر و توابعها مع بعض بلاد الشام (2)
أوربا 2/ 844- 845؛ و الأخبار الطوال، ص 314؛ و البداية و النهاية لابن كثير 8/ 341.
.و في عام 72 هجرية ولّى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الحجّاج لحرب ابن الزّبير و جهّزه بجيش من الشام، و في عام 73 حاصر الحجّاج ابن الزّبير و من معه بمكّة، فالتجئوا بالحرم، فنصب الحجّاج المجانيق- واحده المنجنيق، آلة حرب شبيهة بالمدفع في عصرنا- على جبال مكّة، و أخذ يرمي أهل المسجد بالحجارة و النيران، و راجزهم يقول:
خطّارة مثل الفنيق الملبدنرمي بها عوّاذ أهل المسجد
يعني نرمي بها العائذين بالمسجد.
و جعلت الحجارة تقع في الكعبة، حتّى انصدع الحائط الّذي على بئر زمزم عن آخره، و انقضت الكعبة من جوانبها.
فرعدت السماء و برقت، و علا صوت الرعد و البرق على الحجارة، و قتلت الصاعقة اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام و أمسكوا بأيديهم، فرفع الحجّاج بركة قبائه، فغرزها في منطقته و رفع حجر المنجنيق، فوضعه فيه ثمّ قال: ارموا و رمى معهم.
و جعل الحجّاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام: اللّه اللّه في الطاعة، فجعل أهل الشام يرتجزون و يقولون:
خطّارة مثل الفنيق الملبّدنرمي بها عوّاذ أهل المسجد فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته، فتوقّف أهل الشام عن الرّمي، فخطبهم الحجّاج، فقال: أ لم تعلموا أنّ النار كانت تنزل على من قبلنا، فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم فلو لا أنّ عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته، ثمّ أمرهم الحجّاج، فرموا بكيزان النفط و النار، حتى احترقت الستارات كلّها فصارت رمادا، فجعل الحجّاج يرتجز و يقول:
أما تراها ساطعا غبارهاو اللّه في ما يزعمون جارها
فقد وهت و صدعت أحجارهاو حان من كعبتها دمارها و لمّا غلب الحجّاج على ابن الزّبير و قتله، قطع رأسه و صلبه منكسا، حتّى تفسخ جسده (1). و بعث برأسه و رءوس آخرين إلى الشام، و أمرهم إذا مرّوا بالمدينة أن ينصبوا الرءوس بها.
و أراد الحجّاج أن يبرّر قتاله لابن الزّبير و ما صنعت يداه في تلك الحرب).
1) راجع ترجمة ابن الزّبير بتاريخ الإسلام للذهبي (3/ 114، 170- 174).
القذرة و لم يكن له أن يرمي ابن الزّبير بخذلانه للخليفة عثمان كما احتج به لما فعل مع من بقي من صحابة الرسول (ص) في المدينة المنوّرة؛ لأنّ ابن الزبير كان من رؤساء جيش الجمل الّذي قاتل الإمام عليّا باسم الطلب بدم عثمان، فكيف برّر صنيعه؟ انّه صعد المنبر بمكّة و خطب الناس و قال: ان ابن الزّبير غيّر كتاب اللّه! فقال ابن عمر: ما سلّطه اللّه على ذلك و لا انت معه، و لو شئت أن اقول:
كذبت فعلت (1).
هكذا جابه الصحابي عبد اللّه ابن الخليفة عمر الحاكم الغشوم سفّاك الدماء مهدّم بيت اللّه الحرام الحجّاج على الملأ بمكة و قال له: (ما سلّطه اللّه على ذلك و لا أنت معه) أي: لو اجتمع سلطانك و سلطانه على تغيير كتاب اللّه ما استطعتم، لأنّ اللّه ما سلّطكم على ذلك و أنّه قد حفظ كتابه العزيز من ذلك، و كان نتيجة تجرّؤ ابن عمر على الحجّاج انّه أمر رجلا معه حربة مسمومة فلصق بابن عمر عند دفع الناس- من منى إلى المشعر- فوضع الحربة على ظهر قدمه فمرض منها أيّاما، فأتاه الحجّاج يعوده، فقال له: من فعل بك؟ قال: و ما تصنع؟ قال: قتلني اللّه إن لم أقتله.
قال: ما أراك فاعلا. أنت أمرت الّذي نخسني بالحربة. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرّحمن (2).
سار الحجّاج بعد ان جدّد بناء البيت إلى مدينة الرسول (ص) و أقام بها ثلاثة أشهر يتعنت أهلها، و استخفّ ببقايا الصحابة، و ختم في أيديهم و أعناقهم يذلهم بذلك كما صنع بالصحابي سهل بن سعد الساعدي عند ما أرسل إليه، و قال
له: ما منعك ان تنصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلت! قال: كذبت! ثمّ أمر به فختم في عنقه برصاص (1).
و في سنة 75 هجرية، توفّي حاكم العراق، فولّاه الخليفة الأموي عبد الملك على العراق، و بقي واليا على العراق عشرين عاما يقتل أبناءهم، و يستحيي نساءهم فخرج عليه عبد اللّه بن جارود فقاتله، و قتله مع طائفة ممّن كانوا معه و خرج عليه جماعة اخرى بنواحي البصرة و آخرون بالمدينة، فقاتلهم، و قتلهم و جمّر البعوث لقتال الخوارج عاما بعد عام، و ساءت سيرة الحجّاج مع الجميع و من ضمنهم محمّد بن عبد الرّحمن بن الأشعث بن قيس و جيشه، الّذين كانوا يغيرون في الثغور الشرقية بما وراء سجستان، فقد كان الحجّاج يكره محمّد بن عبد الرّحمن بن الأشعث، فخلعوا الحجّاج جميعا، ثمّ أقبلوا إلى الحجّاج كالسيل المنحدر، و انضمّ إلى ابن الأشعث جيش عظيم (2).
و التحق به علماء و فقهاء صالحون خرجوا معه طوعا على الحجّاج حتى بلغ عدد جيشه 120 ألف راجل و 33 ألف فارس، فعجز عنهم الحجّاج، و استصرخ عبد الملك، فأرسل إليه العساكر الشاميّة، فوقعت بين الحجّاج و ابن الأشعث أربع و ثمانون وقعة في مائة يوم فكانت منها 83 على الحجّاج و واحدة له و تغلّب ابن الأشعث على الكوفة و خلعوا عبد الملك، و كان فيهم قرّاء العراق و قتل منهم خلق في القتال، و كانت الوقعات بينهما ما بين الكوفة و البصرة، فانكشف ابن الأشعث و قتل من أصحابه ناس كثير و أسر الحجّاج ناسا كثيرا ذبحهم جميعا كما يذبح الغنم، ذبح منهم بمسكن وحده خمسة آلاف أو أربعة آلاف6.
أسير مسلم، و فرّ ابن الأشعث مع خواصّه إلى البلاد الإيرانية، فظفروا به، و ذبحوه، و قطعوا رأسه، و طافوا به في الأقاليم (1)
و مسكن: موضع على نهر دجيل، و الدجيل بلد قريب من بغداد. معجم البلدان.
.سنورد من هنا إلى آخر ترجمة الحجّاج روايات ابن عساكر و ابن كثير في ترجمته بتاريخيهما و نصرح باسم من طابقهما في الرواية كالآتي:
قالا مع الذهبي:
كان أنس بن مالك يؤلّب على الحجّاج أيام عبد الرّحمن بن الأشعث فبيتوه، و أتوا به الحجّاج، فوسم في يده عتيق الحجّاج (2)
و روى الذهبي و ابن عساكر و قالا: كان أنس بن مالك أبرص و به وضح شديد، و توفّي سنة 90 أو 91 و اختلفوا في عمره يوم توفّي.
.و في رواية: دخل أنس عليه و هو يعرض الناس لقتال ابن الأشعث، فقال له: يا خبيث جوال في الفتن مرّة مع عليّ، و مرّة مع ابن الزّبير، و مرّة مع ابن الأشعث.
أما و الّذي نفسي بيده لاستأصلنّك كما تستأصل الصمغة، و لأجردنّك كما يجرّد الضب، أي: لأسلخنّك سلخ الضب إذا شوي.
فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال: إيّاك أعني، أصمّ اللّه سمعك.
فاسترجع أنس و شغل الحجّاج، و خرج أنس فتبعوه إلى الرحبة فقال:
لو لا أني ذكرت ولدي و خشيته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي لا أستحيي بعده أبدا.
و روى ابن كثير و قال:
فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجّاج، فلمّا قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا، و شفق عجبا، و تعاظم ذلك من الحجّاج، و كان كتاب أنس إلى عبد الملك:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس ابن مالك، أمّا بعد: فإنّ الحجّاج قال لي هجرا، و أسمعني نكرا، و لم أكن لذلك أهلا، فخذ لي على يديه، فإني أمتّ بخدمتي رسول اللّه (ص) و صحبتي إيّاه، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.
فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد اللّه بن أبي المهاجر (1)- و كان مصادقا للحجّاج- فقال له: دونك كتابيّ هذين، فخذهما و اركب البريد إلى العراق، و ابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول اللّه (ص)، فارفع كتابي إليه و أبلغه منّي السّلام، و قل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجّاج الملعون كتابا، إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، و كان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه (ص)، أمّا بعد فقد قرأت كتابك، و فهمت ما ذكرت من شكايتك الحجّاج، و ما سلطته عليك و لا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها اكتب إليّ بذلك انزل به عقوبتي، و تحسن لك معونتي، و السّلام.3.
1) اسماعيل بن عبيد اللّه بن أبي المهاجر الدمشقي المخزومي ولاء (ت: 131 ه) تقريب التهذيب 1/ 72. و تهذيب الكمال، الترجمة 465، 3/ 143.
فلمّا قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين و اخبر برسالته، قال: جزى اللّه أمير المؤمنين عني خيرا و عافاه و كفاه و كافأه بالجنة، فهذا كان ظني به و الرجاء منه.
فقال إسماعيل بن عبيد اللّه لأنس: يا أبا حمزة! إنّ الحجّاج عامل أمير المؤمنين، و ليس بك عنه غنى، و لا بأهل بيتك، و لو جعل لك في جامعة ثمّ دفع إليك فقاربه و داره تعش معه بخير و سلام.
فقال أنس: أفعل إن شاء اللّه.
ثمّ خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجّاج، فقال الحجّاج: مرحبا برجل احبّه و كنت احبّ لقاءه، فقال إسماعيل: أنا و اللّه كنت احبّ لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغيّر لون الحجّاج و خاف و قال: ما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين و هو أشدّ الناس غضبا عليك، و منك بعدا، قال: فاستوى الحجّاج جالسا مرعوبا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار، فجعل الحجّاج ينظر فيه مرّة و يعرق، و ينظر إلى إسماعيل اخرى، فلمّا فضّه قال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه و نترضّاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل و قد أتيتني بآبدة؟ و كان في الطومار:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج ابن يوسف، أمّا بعد، فإنّك عبد طمت بك الامور، فسموت فيها، و عدوت طورك، و جاوزت قدرك، و ركبت داهية إدّا، و أردت أن تبدو لي، فإن سوّغتكها مضيت قدما، و إن لم اسوّغها رجعت القهقرى، فلعنك اللّه من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين.
أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، و حفرهم الآبار، و نقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل؟ يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، و اللّه لأغمرنك غمر اللّيث الثعلب، و الصقر الأرنب.
و ثبت على رجل من أصحاب رسول اللّه (ص) بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، و لم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب- عزّ و جلّ- و استخفافا منك بالعهد (1)
و إدّا: أمرا داهية منكرا، و الخفش: ضعف في الإبصار يظهر في النور الشديد. و الجاعرة: حرف الورك المشرف على الفخذ و هما جاعرتان.
.و قالا: و أخبر عن تأخيره الصلاة عن وقتها و معارضته ابن عمر و غيره أعرضنا عن ذكرها روما للايجاز في ترجمته.
و قالا:
ذكروا الحسين (رض) عند الحجّاج فقال: لم يكن من ذرّيّة النبيّ (ص) فقال يحيى بن يعمر: كذبت أيّها الأمير! فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب اللّه او لأقتلنّك.
فقال: قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ- إلى قوله- وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى، فأخبر اللّه ان عيسى من ذريّة آدم بامّه.
قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟
قال: ما أخذ اللّه على الأنبياء لتبيّننّه للناس و لا تكتمونه.
فنفاه إلى خراسان (2)
يحيى بن يعمر البصري، مات قبل المائة أو بعدها. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح.
تقريب التهذيب (2/ 361).
.و قالا:
إنّ الحجّاج قرأ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا فقال: هذه).
و قال في شأن الصحابي عبد اللّه بن مسعود:
كان ابن مسعود رأس المنافقين لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه.
و في رواية قال فيه: يا عجبا من عبد هذيل لو أدركته لضربت عنقه.
و قال عن مصحفه: لأحكّنّها من المصحف و لو بضلع خنزير.
قال الأعمش: لمّا سمعت ذلك منه، قلت في نفسي: و اللّه لأقرأنها على رغم أنفك.
و قالا: ختم الحجّاج في عنق أنس بن مالك أراد أن يذلّه، و انّه فعل ذلك بغير واحد من الصحابة يريد أن يذلّهم بذلك (1).
مرّ الحجّاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ قيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحرّ. فقال: قولوا لهم: اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ.
فما عاش بعد إلّا أقل من جمعة.
و قالا: و عرضت السجون بعد موت الحجّاج، فوجدوا فيها ثلاثة و ثلاثين ألفا لم يجب على أحد منهم قطع و لا صلب.
و قالا: احصوا ما قتل الحجّاج صبرا، فبلغ مائة ألف و عشرين ألفا.
و قالا: اطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة واحدا و ثمانين ألف أسير
1) ابن عساكر، مصوّرة المجمع 4/ 1/ 122 ب، تهذيب تاريخ ابن عساكر (4/ 72)، ابن كثير (9/ 128- 130).
كانوا في سجن الحجّاج (1).
و قالا: مات الحجّاج و في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة.
و كان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، و كان فيمن اطلق فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسطخرينا و صلّينا بغير حساب
و قالا: اخبر أهل السجن بموت الحجّاج في مرضه هذا في ليلة كذا و كذا، فلمّا كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا، جلسوا ينظرون، حتّى يسمعوا الناعية. مات سنة 95 هجرية بواسط، و عفي قبره، و اجري عليه الماء، لكيلا ينبش و يحرق.
قال ابن عساكر:
و قال عوف، سمعت الحجّاج يخطب و هو يقول: إنّ مثل عثمان عند اللّه كمثل عيسى بن مريم، ثمّ قرأ هذه الآية يقرأها و يفسّرها قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا و يشير بيده إلى أهل الشام (2).
و روى ابن كثير و قال:
كان الحجّاج مع فصاحته و بلاغته يلحن في حروف من القرآن، أنكرها يحيى بن يعمر، منها: انّه كان يبدل (إن) المكسورة ب (أن) المفتوحة و عكسه،
و كان يقرأ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ إلى قوله أَحَبَّ إِلَيْكُمْ فيقرأها برفع (أحب) (1).
و خطب الحجّاج و قال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: للّه عليّ أن لا اصلّي خلفك صلاة أبدا، و إن وجدت قوما يجاهدونك لأجاهدنّك معهم. فقاتل يوم الجماجم حتّى قتل (2).
ولي يزيد بن المهلب الأزدي خراسان بعد وفاة أبيه (سنة 83 ه)، فمكث نحوا من ست سنين، ثمّ عزله عبد الملك في سنة تسعين برأي الحجّاج، و كان الحجّاج يخشى بأسه فسجنه مع اخويه، و جعل الحرس عليهم من اهل الشام و طلب منه ستة آلاف ألف، و أخذ يعذّبهم، فكان يزيد يصبر صبرا حسنا، و كان ذلك يغيظ الحجّاج منه، فقيل للحجّاج: انّه رمي في ساقه بنشابة، فثبت نصلها فيه، فهو لا يمسّها إلّا صاح.
فأمر أن يعذّب في ساقه، فلما فعلوا به ذلك صاح و اخته هند بنت المهلّب عند الحجّاج، فلما سمعت صوته، صاحت و ناحت، فطلقها الحجّاج.
ثمّ هرب يزيد من سجن الحجّاج و ذهب إلى الشام و استجار بسليمان بن عبد الملك، فأجاره، و كتب الوليد بن عبد الملك الخليفة إلى الحجّاج يأمره بالكفّ عن أهل يزيد بن المهلب، فكف عنهم، و أراد الوليد أن يخلع أخاه سليمان
من ولاية العهد، و يبايع لولده عبد العزيز فأبى سليمان، فكتب إلى عماله و دعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه إلّا الحجّاج و قتيبة و خواص من الناس، و مات الوليد في سنة (96 ه) و لم يتم له خلع سليمان.
و ولي بعده سليمان بن عبد الملك و ولى يزيد بن المهلّب العراق، ثمّ خراسان، و أمره بمعاقبة آل الحجّاج بن يوسف، و دفع إليه أصحاب الحجّاج، و أمره أن يعذّبهم حتى يستخرج الأموال منهم، و تتبّع سليمان أصحاب الحجّاج يسومهم سوء العذاب، و قام يزيد بن المهلب في العراق يعذب عمّال الحجّاج، و أشخص إلى الخليفة سليمان يزيد بن أبي مسلم و كان الحجّاج قد استخلفه من بعده على إمرة العراق، و لمّا ادخل يزيد على الخليفة سليمان و كان يزيد قصيرا، خفيف البدن، فلمّا رآه قال له: أنت يزيد؟ قال: نعم.
قال: صاحب الحجّاج و الأفعال الّتي بلغتني مع ما أرى من دمامة خلقتك؟
قال: ذاك و اللّه أنّك رأيتني و الدنيا عليك مقبلة، و هي عنّي مدبرة، و لو رأيتها و هي إلي مقبلة، و عنك مدبرة، لاستعظمت ما استصغرت، و استجللت ما استحقرت.
قال: أين ترى الحجّاج يهوي في النار؟
قال: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين لرجل يحشر عن يمين أبيك و شمال أخيك، و أنزله حيث شئت تنزلهما معه.
فقال ليزيد بن المهلب: خذه إليك، فعذّبه بألوان العذاب، حتى تستخرج منه الأموال (1).).
1) ترجمة يزيد بن المهلّب في وفيات الأعيان 5/ 222، رقم الترجمة 787. و في تاريخ ابن الأثير (4/ 208) ذكر حوادث سنة 90 ه، و ابن كثير 9/ 78، و اليعقوبي (2/ 290- 295).
قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الامم فجاءت كل امّة بخبيثها و جئنا بالحجّاج لغلبناهم، و ما كان الحجّاج يصلح لدنيا و لا لآخرة، لقد ولّي العراق و هو أوفر ما يكون في العمارة، فأخسّ به إلى أن صيّره إلى أربعين ألف ألف، و لقد أدّى إليّ عمّالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، و إن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدّى إليّ ما ادّي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف و عشرة آلاف ألف.
و قال أبو بكر بن المقري: حدّثنا أبو عروبة حدّثنا عمرو بن عثمان حدّثنا أبي: سمعت جدّي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستنّ بسنن الحجّاج، فلا تستنّ بسننه، فإنّه كان يصلّي الصلاة لغير وقتها، و يأخذ الزّكاة من غير حقّها، و كان لما سوى ذلك أضيع.
و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أسد حدثنا ضمرة عن الريان ابن مسلم، قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل- أهل بيت الحجّاج- إلى صاحب اليمن و كتب إليه: أما بعد فاني قد بعثت بآل أبي عقيل و هم شرّ بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على اللّه و علينا، و عليك السلام.
قال ابن عساكر و ابن كثير:
إنّ عليّا (ع) كان على المنبر، فقال: إنّي ائتمنتهم، فخانوني، و نصحتهم فغشوني. اللّهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم و أموالهم بحكم الجاهلية.
و في رواية قال: يملك عشرين سنة أو بعضا و عشرين سنة، لا يدع للّه معصية إلّا ارتكبها (1).
1) تهذيب ابن عساكر 4/ 75، تاريخ ابن كثير 9/ 132.
و قالا: و قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجّاج.
فقال: و اللّه ما خرجت عليه حتّى كفر (1).
و قالا: لمّا بلغ خبر موته إبراهيم النّخعي، بكى من الفرح (2)
و إبراهيم بن سويد النخعي من الطبقة السادسة من الرواة. تقريب التهذيب، الترجمة رقم 209، 1/ 36.
.و قالا: سئل إبراهيم عن الحجّاج أو بعض الجبابرة، فقال: أ ليس اللّه يقول:
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ و كفى بالرّجل عمى أن يعمى عن أمر الحجّاج (3).
و قالا: اخبر الحسن البصري بموت الحجّاج، فسجد.
و في رواية قال: اللّهمّ أمته، فأذهب عنا سنّته (4).
و قالا: قال القاسم بن المخيمرة (5)
100 ه). تقريب التهذيب، الترجمة رقم 55، 2/ 120.
: و كان الحجّاج ينقض عرى الإسلام و ذكر حكاية.قال المؤلف: إنّهما سكتا عن ذكر الحكاية.
و قالا: قال عاصم: (6)لم يبق للّه حرمة إلّا ارتكبها الحجّاج.
و قالا: اختلفوا في الحجّاج فسألوا مجاهدا (7)
(ت: 101 ه). الترجمة رقم 922، 2/ 129.
، فقال: تسألون عن الشيخ9.1) تهذيب ابن عساكر 4/ 82، تاريخ ابن كثير 9/ 97 و 136.
2) البداية و النهاية لابن كثير 9/ 138.
3) البداية و النهاية 9/ 137.
4) المصدر السابق 9/ 138.
5) القاسم بن مخيمرة، أبو عروة الهمداني، الكوفي، نزيل الشام، من الطبقة الثالثة. (ت:
6) عاصم بن عبد اللّه بن عاصم العدوي المدني من آل الخليفة عمر بن الخطاب من الطبقة الرابعة. تقريب التهذيب، الترجمة 15، 1/ 384.
7) مجاهد بن جبر، أبو الحجّاج المخزومي المكّي، ثقة، إمام في التفسير، من الطبقة الثالثة.
الكافر؟
قال المؤلّف: قد نقلا كثيرا من أخبار الإمام عليّ عن الحجّاج، و لكنّا اقتصرنا بما أوردنا إيجازا في الترجمة.
و في تاريخ ابن كثير:
عن أبي البختري قال: قالوا لعليّ: حدّثنا عن أصحاب محمّد (ص).
قال: عن أيّهم؟
قالوا: حدّثنا عن ابن مسعود. قال: علم القرآن و السنّة.
و قال ابن كثير: فهداتنا الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتّباع، و أصدق أقوالا من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، مثل اقوال الحجّاج و غيره من اهل الاهواء: هذيانات و كذب و افتراء، و بعضها كفر و زندقة، فإنّ الحجّاج كان عثمانيا أمويا، يميل اليهم ميلا عظيما. و يرى أنّ خلافهم كفر. و يستحل بذلك الدماء. و لا تأخذه في ذلك لومة لائم (1).
و قال- أيضا-:
قد ذكرنا كيفية دخول الحجّاج الكوفة في سنة خمس و سبعين و خطبته إيّاهم بغتة، و تهديده و وعيده اياهم، و انّهم خافوه مخافة شديدة، و أنّه قتل عمير ابن ضابئ و كذلك قتل كميل بن زياد صبرا، ثمّ كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثمّ تسلط على من كان معه من الرؤساء و الأمراء و العباد و القرّاء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير (2).
و قد كان ناصبيا يبغض عليّا و شيعته في هوى آل مروان من بني اميّة، و كان جبّارا عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة.6.
و قد روي عنه ألفاظ شنيعة ظاهرها الكفر (1).
ضرب الكعبة بالمنجنيق و حرقها بنو العاص من الأمويين كما فعله قبلهم يزيد السفياني الأموي، و أضافوا إلى ذلك أمرهم بالطواف حول صخرة بيت المقدس بدلا من الطواف حول الكعبة، و قتلوا المسلمين، و سجنوهم و عذبوهم في الحجاز و العراق و إيران و اليمن. و يهمّنا في دراستنا الآتية ما صنعوا من حرقهم ما كتب من سنّة الرسول (ص) لما حوت مواقف مشرّفة للأنصار في غزوة بدر، و استمرارهم على لعن الإمام عليّ على منابر المسلمين في ما عدا عصر عمر بن عبد العزيز، و بلغ بحكّامهم الأمر أن ينكر أحدهم بنوّة السبط الشهيد لجدّه الرسول (ص).
و بناء على ما ذكرنا كان لهم أثر بليغ في منع نشر حديث الرسول (ص) في فضل مخالفيهم، و كان أعظم من يخشون منهم على حكمهم الإمام عليّا، فلذلك لم يكتفوا بمنع نشر فضائل الإمام بل سنّوا لعنه (ع).
و كذلك لم يتغيّر تهالكهم على ذكر الفضائل لعصبتهم و بلغ الأمر بهم في ذلك إلى أن يقول و اليهم الحجّاج على المنبر في مدح خليفتهم: (أ رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله)؟
يقصد في قوله أنّ الخليفة الأموي هو خليفة اللّه، و خليفة اللّه أكرم عنده من رسول اللّه (ص) و العياذ باللّه.
و لهذا السبب منعوا من كتابة حديث الرسول (ص) طوال حكمهم كما مرّ
1) المصدر السابق 9/ 132.
بنا في خبر حرق سليمان سيرة الرسول (ص) الّتي كتبها أبان بن عثمان لما فيها من فضائل الأنصار.
كانت تلكم خصائص المجتمع على عهد معاوية و سار على نهجه من جاء بعده من الخلفاء. أمّا أخبار القرآن على عهدهم فإنّ الخلفاء من بني اميّة لم يكن لهم أي اهتمام بأمر إقراء القرآن و قرّائه، بعد حرق المصاحف الّتي كان فيها من تفسير القرآن ما يخالف سياسة حكمهم كما سنتحدث عنه إن شاء اللّه تعالى في دراسة أخبار اختلاف المصاحف، و بعد إهمال الحكام أمر القرآن قيّض اللّه في المسلمين صنفين من العلماء ممّن اهتموا بأمر القرآن:
أ- من أخذ قراءة لفظ القرآن من أصحاب رسول اللّه (ص) و قام في المجتمع بتعليمه كذلك في سبيل اللّه.
ب- من تخرّج من مدرسة أبي الأسود الدؤلي، تلميذ الإمام عليّ في تأسيس علم النحو، و سار في تكميل وضع علامات الإعراب، و سندرس كلا الأمرين في ما يأتي بإذنه تعالى.
بقيت القراءة و الإقراء بنفس معناهما عند التابعين الّذين قرءوا القرآن على الصحابة، غير انّهم كانوا يجرّدون القرآن من حديث الرسول (ص) بعد عصر عثمان، كما يعرف ذلك من خبر مقرئ الكوفة الآتي:
قال الذهبي في معرفة القرّاء الكبار، ص 45- 49:
مقرئ الكوفة أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن حبيب السّلمي: ولد في حياة النبيّ (ص)، و قرأ القرآن، و جوّده، و برع في حفظه و عرض- القرآن- على عثمان و عليّ و ابن مسعود و زيد بن ثابت و ابيّ بن كعب، و كان يقرئ الناس في مسجد الكوفة الأعظم أربعين سنة منذ خلافة عثمان إلى أن توفّي في إمرة الحجّاج سنة ثلاث أو أربع و سبعين. و كان يعلّمهم القرآن خمس آيات خمس آيات.
و كان رجل يقرأ عليه، فأهدى له قوسا، فردّها و قال: أ لا كان هذا قبل القراءة.
و أقرأ ابن رجل منهم، فأهدى له جلالا و جزرا، فردّها، و قال: إنّا لا نأخذ على كتاب اللّه أجرا.
لم يكن بعد عصر عثمان و تجريده القرآن من حديث الرسول في المصاحف و منع الصحابة من رواية الحديث و كتابته، يعلّم القرآن مع التفسير، بل كان يدرس مجرّدا، و في هذا العصر سمّي تعليم القرآن مجرّدا من بيان الرسول بالقراءة، و في أخريات هذا العصر عصر التّرف العقلي و انصراف المسلمين عن تدارس
سنّة الرسول للسبب الّذي ذكرناه اخترع علماء العربية علم قراءة القرآن المحرّفة للقرآن الكريم كما درسناه في بحث القراءات و للّه الحمد.
درسنا كيفية تنقيط المصاحف من قبل أبي الأسود الدؤلي، و قد جاء كيفية التنقيط في اختلاف المصاحف لابن أبي داود كالآتي نصّه:
قال أبو حاتم السجستاني: و نقطه بيده هذا كتاب يستدلّ به على علم النقط و مواضعه. إذا كان الحرف مرفوعا غير منون نقطته قدامه واحدة مثل قوله (؟)، و إذا كان منصوبا غير منون نقطته واحدة فوقه كقوله (؟)، و إذا كان مجرورا غير منون نقطته واحدة تحته كقوله (؟)، و أمّا ما كان منونا فنقطتان مثل قوله في الرفع (؟) و في النصب (؟) و في الجر (؟) و ربّما تركوا في النصب، لأنّ الألف تدلّ على النصب، فخفّفوا على الايجاز، إلّا أنّهم ينونون عند الحروف الستة، و إنما النقط على الايجاز لأنّهم لو تتبّعوا كما ينبغي أن ينقط عليه فنقطوه لفسد المصحف، لو نقطوا قوله (؟) (فمثله) على الفاء و الميم و الثاء و اللّام و الهاء و نحو ذلك فسد، و لكنّهم ينقطون على الميم واحدة فوقها و واحدة من بين يدي اللّام، لأنّ اللّام حرف الإعراب و قد تنصب اللام و ترفع و تجر، و فتحوا الميم لئلا يظن القارئ أنها (فمثل)، و إذا جاء شيء يستدلّ بغيره عليه ترك مثل قوله (قُتِلُوا (1)فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ينقط بين يدي القاف واحدة و لا ينقط على التاء شيء، لأنّ ضمتها تدلّ على أنّهم فعلوا.
1) قتلوا: يعني في الخط الكوفي (؟).
و أمّا قوله (قُتِّلُوا (1)تَقْتِيلًا)، فإنّك تنقط تحت التاء واحدة، لأنّ هذه مشدّدة، فتفرّق بين المخفّف و المشدّد، فقس كل شيء بهذا إن شاء اللّه.
و أمّا الهمزة فإذا كانت مفتوحة غير ممدودة نقطتها في قفا الألف، و إذا كانت ممدودة نقطتها بين يدي الألف، فأما غير الممدود فمثل قوله (بل آتيناهم (2)بذكرهم) لأنّها بمعنى جئناهم، و أما (و لقد آتيناهم (3)) فبين يدي الألف و ترفعها قليلا إلى رأس الألف، لأنّ آتيناهم معناه أعطيناهم، و كذلك إن كانت الممدودة و المقصورة في آخر الكلمة، فأمّا المقصور غير المنون، فمثل قوله (أَنْ لا مَلْجَأَ (4)مِنَ اللَّهِ)، و إن كان منونا فنقطتان مثل قوله (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً)، و مثل قوله (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ (5)يَقِينٍ).
و أمّا الممدود الّذي ليس بمنوّن فمثل قوله (كُلَّما أَضاءَ (6)لَهُمْ) و (جاء) و (لَوْ شاءَ رَبُّكَ)، و المنوّن مثل قوله (وَ السَّماءَ بِناءً) (7)و قوله (جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً).
و إذا أشكل عليك الهمزة، فقس الهمزة بالعين، فإن كانت العين تقع قبل الواو أو الألف، جعلتها في قفاها نقطة بعد الواو و الألف جعلتها بين يديها نقطة، و إن كانت هي الواو و الألف جعلت النقطة في جبهتها، و كان حدها أن تكون في نفس الواو، و لكنّها جعلت في الجبهة، لتنحى عن السواد.).
فالممدود مثل قوله (السّوء) (1)تقديره السوع، فهي بعد الواو، و (السّماء) تقديره (2)السّماع و هي بعد الألف، و إذا كانت متحركة بالنصب فالنقطة فوق الواو مثل قوله (وَ يُؤَخِّرَكُمْ) (3)و (لا تُؤاخِذْنا)، و أمّا الهمزة الّتي تقع في قفا الواو إذا كانت قبلها فمثل (يستهزءون) (4)و كذلك (ليواطئوا) لأنّ قياسها يستهزءون، فالعين قبل الواو، و كذلك ليواطعوا لأن العين قبل الواو، و مثله (أُوتُوا (5)الْعِلْمَ) لأنّ قياسها عوتوا و لأنّه من الواو و وزنها افعلوا.
و أمّا (وَ أُتُوا (6)بِهِ مُتَشابِهاً) فالنقطة قدام الألف، و كذلك (أولئك) الهمزة في الألف، فالواو ليس لها موضع، لأن قياسها علائك، فالواو كتبت، لأنّ الهمزة مرفوعة، و قال قوم كتبوها ليفصلوا بينها و بين (إليك) في الخطّ، و أما (الأولى) (7)فإن الهمزة في قفا الواو، لأن قياسها العولى فكذلك (أُوفِ (8)بِعَهْدِكُمْ).
و إذا كانت الهمزة منتصبة نحو (القرآن) و (نَبَّأَنَا (9)اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ)، و قوله (فَرَآهُ حَسَناً) (10)، فإنّها تنقط عليها ثنتان: واحدة قبل الألف، و الاخرى).
1) (السوء): فشكلها في الخط الكوفي (؟) و كذلك في السماء (؟).
2) تقديره: في الأصل تقدير.
3) و يؤخركم: هي في الخط الكوفي (؟) و كذلك (؟).
4) يستهزءون: هي في الخط الكوفي (؟) و كذلك (؟).
5) أوتوا: و هي في الخط الكوفي (؟).
6) و أوتوا: هي في الخط الكوفي (؟) و كذا أولئك (؟).
7) الأولى: هي في الخط الكوفي (؟).
8) . (2 آ 40): في الخط الكوفي (؟).
9) نبأنا: و شكلها في الخط الكوفي (؟) و كذا القرآن (؟).
10) (س 35 آ 8): هي في الخط الكوفي (؟).
بعدها، إلّا أن الّتي بعدها أرفع من الاولى سنّا، و هي تسمّى المقيدة.
و إنّما نقطت بثنتين، لأنّ واحدة للهمزة و الاخرى للنصب و هي الثانية، و إن كانت جزما فلا تنقط إلّا واحدة مثل قوله (وَ أْتُوا (1)الْبُيُوتَ) و (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) واحدة قبل الألف.
و أمّا قولهم (أَنْذَرْتَهُمْ) (أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)، فمن جعلها مدة أنذرتهم، و هي لغة العرب الفصحاء، فانك تنقطها واحدة بين يديها كما تنقط (آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ)، و من همزها همزتين نقطها مقيدة على ما وصفنا في (نَبَّأَنَا اللَّهُ) و نحوها، لأنّها لا بدّ من تقييدها للهمزتين بغيرها مثل (نَبَّأَنَا اللَّهُ).
و أمّا (آمنوا) و (آدم) و (آخر) فواحدة بعد الألف في أعلاها.
و أمّا إذا كانت الهمزتان مختلفتين فإنّ همزتهما نقطت على الألف الاولى نقطة بين يديها و على الاخرى نقطة فوقها مثل (السفهاء) (2).
و إن شئت تركت همزة الاولى، و هو قول أبي عمرو بن العلا، إذا اختلفتا تركت الآخرة و لم تنقط عليها، و إن أحببت فانقط عليها بخضرة ليعرف أنها تقرأ على وجهين.
و كلّ ما كان فيه وجهان، فانقط بالخضرة و الحمرة، فإذا كانت الهمزتان متفقتين و هما في كلمتين مثل (جاءَ أَمْرُنا) و (شاءَ أَنْشَرَهُ)، فان أبا عمرو يدع الهمزة الاولى، و لا يشبه هذا عنده إذا اختلفتا بزعم أنهما إذا اتّفقتا خلفت احداهما الاخرى، و إذا اختلفتا لم تخلف احداهما الأخرى، فمن ثمّ همز أبو عمرو الآخرة في اختلافهما.).
و إذا جاءتا متفقتين على ما ذكرت، فمن همز همزتين نقطها جميعا على ألف (جاء) من بعدها في أعلاها لأنها ممدودة، و على ألف (أمرنا) في قفاها لأنها مقصورة.
و من قال بقول أبي عمرو لم ينقط على ألف (جاء) شيئا إلّا بالخضرة.
فمثل (العلمؤا و مثل (برءاؤا)، فاذا نقطت (من عباده العلمؤا) (1)جعلتها في جبهة الواو، لأن الواو مكان الألف الّتي ينبغي لها أن تكتب، و إنما صيرتها في جبهتها، لأنّ الهمزة في الواو و نظيرتها العلماع، و كذلك برواع إلّا أنك تنقط بين الراء و الواو واحدة (برءوا) (2)و ترفعها شيئا للنصبة لأنّها هي الهمزة و هي منتصبة، فمن ثمّ دفعتها بينهما و تنقط اخرى في جبهة الواو لأن قياسها برعاع، فتجمعها الهمزة بين الراء و الألف الّتي كان ينبغي لها أن تكتب و الواو بمنزلة الألف. و كان بشار الناقط ينقط (بروا) بواحدة قبل الألف و الاخرى قبل الألف مرفوعة من قدامها و هو خطأ.
و ممّا يكتب في المصحف على غير القياس في الهجاء (نشؤا) كتبوا بعضها بالألف و بعضها بالواو، و هي في هود (أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا)، فالنقطة تقع في جبهة الواو، لأنّ الواو بدل الألف.
و من ذلك (الضّعفؤا) في بعض القرآن، و (الملأ (3)من قومه) في مواضع تنقطها في الجبهة، و (الموءودة سئلت) بواو واحدة و كان ينبغي لهم أن يكتبوها بواوين، لأنّ قياسها الموعودة، فلو كتبوها بواوين نقطت الهمزة في قفا الواو
الثانية، فلمّا تركت نقطت بين الواو و الدال، لأنّ موضعها بينهما، و لو نقطت في قفا الواو لاختلطت و ظن المنقوط له أنها المودة على قياس المعودة. و مما يكتب أيضا في المصحف (ليسؤا وجوهكم)، من قرأها على الجماع (1)كتب بواو واحدة فاذا نقطها نقطها في قفا الواو لأنّ قياسها ليسوعوا، فقد ذهبت عين الفعل و الواو الساقطة من المودّة الّتي بعد الواو الّتي فيها، و الواو واو الجمع، و لا بدّ من إثباتها فهذا فرق ما بينهما. و من قرأ (ليسؤا) و يرفعها شيئا للنصبة لأنّ قياسها ليسوع، فالهمزة بعد الواو، فليس على الألف منها شيء، لأنّ الألف ليست من الحرف، و كذلك (إنّي اريد أن تبوأ بإثمي)، و كذلك (شيئا). و أمّا أبو محمّد فقال في هذه النقطة (تبوأ بإثمي) و (ليسؤا وجوهكم) تقع على الألف واحدة و يحتج في ذلك بقوله لو قلت أمرتهما أن تبوا الآيتين لم يكن بد من تقييدها و إن كانت النقطة تقع على الألف مقيّدة، فالألف أولى بها في غير التقييد، و إنما نقطت (و جيء) (2)فتحتها بعد الياء و رفعتها، لأنّها غير مكتوبة بالألف، فالهمزة مكان الألف، و كذلك (سيء بهم).
فأمّا إذا كانت الهمزة مجزومة و ما قبلها مكسور مثل (يئس) نقطت الهمزة من أسفل لا تجعلها قبل الياء لأنّ قياسها يعس و الهمزة هي الياء. و أمّا (باءو بغضب) و (جاءو) فكتبت في المصحف بغير ألف و قياسها جاعوا و باعوا، فإذا نقطتها في قفا الواو كان ينبغي أن يكتب الألف بعد الواو و دخول الألف و خروجها في النقط من هذا سواء، لأنّ الهمزة قبل الواو.
و قوله (و رأوا) (3)كتبت أيضا بغير ألف و نقطتها تقع قبل الألف، لأنّها مثل (اتو) مقصورة، و إذا جاءت الهمزة في مثل (ائتوني به) و (ائذن لي)، فإنّ الهمزةف.
في الياء و ينظر إلى ما قبلها، فان كان مرفوعا نقطت الهمزة مرفوعة، و إن كان منصوبا نقطت الهمزة فوقها، و إن كانت مجرورة نقطتها من تحتها مثل (وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) قدام الياء، و النصب (قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ) النصب في اللّام، قال و الخفض في قوله (فِي السَّماواتِ ائْتُونِي) و ليس على الألف الّتي في (ائتوني) شيء من ذاك، إنّ هذه الألف الّتي قبلها تسقط في الوسط و هي مختلفة كتبت للابتداء. فاذا كانت في معنى جيئوني كتبوا بالواو، و إذا كانت في معنى أعطوني كتبوا بغير ياء، و قرأ الأعمش (أتوني (1)أفرغ) على معنى جيئوني (2).
استمرّ الأمر على التنقيط كما مرّ بنا، ثمّ بدّل الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 170 ه) النقط بالحركات كما رواه السيوطي في الإتقان (2/ 171) و قال:
(و الّذي اشتهر الآن في القرن التاسع الهجري الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف و هو الّذي أخرجه الخليل و هو أكثر و أوضح و عليه العمل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحروف و الكسر كذلك تحته و الضم واو صغرى فوقه و التنوين زيادة مثلها ...).
ذكرنا خبر تنقيط المصاحف من أمر التدوين، أمّا أمر كتابة بيان الرسول مع القرآن في المصاحف مع التفسير اللغوي، فكان خبره كالآتي:
بعد منع الخلفاء من نشر حديث الرسول (ص) و كتابته كما مرّ بنا شجع خلفاء الأمويين الشعراء و علماء الأنساب، فأصبح كل متخصّص بهما مقرّبا إلى
ديوان الخلفاء و مبجلا في المجتمع، و يكفي لمعرفة ذلك مراجعة كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني في هذا الصدد.
و لما ولي منهم عمر بن عبد العزيز، أمر بكتابة حديث الرسول (ص)، و الّذي كان من ضمنه تفسير الآيات، غير ان ذلك لم يتم، لأنّه حكم قرابة سنتين و توفّي مسموما، و بقي الحكم بعده، حتّى قامت الخلافة العباسية و انتهى أبو جعفر المنصور من إبادة المعارضين للحكم.
و لما استتب له الأمر أمر في سنة 143 هجرية بتدوين العلوم كما سيأتي خبره في خصائص المجتمع الإسلامي على عهد العباسيين.
بهذا ننهي ذكر أخبار القرآن على عهد بني اميّة لندرس في ما يأتي بإذنه تعالى خصائص المجتمع الإسلامي على عهد بني العباس.
اختلفت سياسة الخلفاء العباسيين في أوّل عهدهم عمّا كان عليه الأمويون من تفسخ خلقي و تجاهر بمخالفة الأحكام الإسلامية، غير أنّ التعصّب القبلي بين أبناء الامّة لم يتغير، بل اتسع في آخر العهد الأموي و اشتدّ حتى عمّ جميع قبائل الأنصار اليمانيين القحطانيين من جانب و جميع قبائل النزاريين و العدنانيين من جانب آخر، و بقي الأمر كذلك إلى العهد العباسي.
و جرت بين القبيلتين مفاخرات و منافرات عادت على اللغة العربيّة بأدب غزير شعرا و نثرا في الحماسة و الهجاء و غيرهما، و كان أبطالها الشعراء من أبناء القبيلة كالكميت و دعبل، أو من مواليها و أدعيائها كأبي نواس الحسن بن هانئ.
و كانت المفاخرة تقوم على ذكر بطولات أفراد القبيلة، و من ثمّ كان احياء أيّام العرب في الجاهليّة و الإسلام، و ذكر أمجادها و أمجاد من يمتّ إليها بنسب، أو سبب.
و من ذلك ما ذكره المسعودي في التنبيه و الإشراف، و قال:
من أشعار ولد معد بن عدنان في افتخارهم بالفرس على اليمانيّة، و انّهم من ولد أبيهم إبراهيم، كقول جرير بن عطيّة الخطفي التميمي مفتخرا لنزار على اليمن:
أبونا خليل اللّه لا تنكرونهفأكرم بإبراهيم جدّا و مفخرا
و أبناء إسحاق الليوث إذا ارتدواحمائل موت لا بسين السنوّرا (1)
1) السنوّر: الدّرع أو جملة السّلاح.
إذا افتخروا عدّوا الصبهبذ منهمو كسرى، و عدوا الهرمزان و قيصرا
أبونا أبو إسحاق يجمع بينناأب كان مهديا نبيا مطهرا
و يجمعنا و الغرّ أبناء فارسأب لا نبالي بعده من تأخّرا و كقول إسحاق بن سويد العدوي عديّ قريش:
إذا افتخرت قحطان يوما بسؤددأتى فخرنا أعلى عليها و أسودا
ملكناهم بدءا بإسحاق عمّناو كانوا لنا عونا على الدّهر اعبدا
و يجمعنا و الغرّ ابناء فارسأب، لا نبالي بعده من تفرّدا (1)و كقول بعض النزارية:
و إسحاق و إسماعيل مدّامعالي الفخر و الحسب اللّبابا
فوارس فارس و بنو نزاركلا الفرعين قد كبرا و طابا (2)و قال في ص 76 منه:
و اليمانية من العرب تدّعى الضحاك (3)، و تزعم أنّه من الأزد (4)، و قد ذكرته الشعراء في الإسلام، فافتخر به أبو نواس الحسن بن هانئ مولى بني حكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن ... يعرب بن قحطان في قصيدته الّتي هجا فيها قبائل نزار بأسرها، و افتخر بقحطان و قبائلها، و هي قصيدته المشهورة الّتي أطال الرشيد حبسه بسببها.
و قيل: إنّه حدّه لأجلها، فقال فيها مفتخرا باليمن و ذاكرا للضحّاك:أ.
فنحن أرباب ناعط و لناصنعاء و المسك في محاربها و كان منّا الضحّاك يعبده ال*- خابل و الطير في مساربها و يقول فيها يهجو نزارا:
و اهج نزارا وافر جلدتهاو كشف الستر عن مثالبها (1)كان ذلك من خصائص المجتمع الإسلامي في جانب أفراد الامّة الإسلامية.
و من جانب الخلفاء اشتدّت المنافسة بين خلفاء بني العباس و ذرّيّة الإمام عليّ بدءا بزمان المنصور، و أثّر ذلك في ما بقي من ذلك العصر من تراث علمي و أدبي كما يوضح ذلك بعض الأمثلة الّتي نوردها في ما يأتي بإذنه تعالى:
قال الخليفة العباسي ابن المعتزّ (ت 296 ه) يخاطب ذرية الإمام عليّ:
يا بني عمنا إلى كم و حتىليس ما تطلبونه يستقيم أ أبو طالب كمثل أبي الف*- ضل أما منكم بهذا عليم
سائلوا مالكا و رضوان عن ذاأين هذا و أين هذا مقيم يقصد أنّ أبا الفضل مقيم في الجنّة و أبا طالب مقيم في النار على حدّ زعمه، و قال:
دعوا آل عباس و حق أبيهمو إيّاكم منهم فإنّهم هم يقصد و حق أبيهم العباس في خلافة الرسول (ص) الّتي ورثوها منه، و قال:
أبى اللّه إلّا ما ترون فما لكمعتاب على الأقدار يا آل طالب
عطيّة ملك قد حبانا بفضلهو قدّره ربّ جزيل المواهب (2)1.
و قد أثمرت جهود الأمويين في عصرهم في تربية الناس كما شاءوا، و بقيت آثارها إلى العهد العباسي و ما بعده، كما نلاحظ ذلك في الخبرين الآتيين:
روى الذهبي و ابن خلكان في ترجمة النّسائي ما موجزه:
الحافظ، الإمام، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي، كان إمام أهل عصره في الحديث و له كتاب السنن تفرّد بالمعرفة و علوّ الإسناد، و استوطن مصر.
و كان يصوم يوما و يفطر يوما، و يجتهد في العبادة ليلا. و خرج مع أمير مصر إلى الغزو، و كان يحترز عن مجالسه و الانبساط في المأكل، و خرج آخر عمره حاجّا و بلغ دمشق، و صنّف في دمشق كتاب الخصائص في فضل عليّ بن أبي طالب (رض) و أهل البيت، و أكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، فأنكروا عليه ذلك، فقال: دخلت دمشق و المنحرف عن عليّ بها كثير، فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم اللّه بهذا الكتاب.
فقيل له: أ لا تخرج فضائل معاوية؟
فقال: أيّ شيء أخرج؟ حديث اللّهمّ لا تشبع بطنه؟
فسكت السائل، و سئل- أيضا- عن معاوية و ما جاء من فضائله، فقال:
أ لا يرضى رأسا برأس حتّى يفضل، فما زالوا يدفعون في خصييه و داسوه، حتى اخرج من المسجد و حمل إلى الرملة.
قال الحافظ أبو نعيم: مات بسبب ذلك الدوس و هو منقول.
و قال الدارقطني: امتحن بدمشق و ادرك الشهادة. كان ذلك سنة 303 ه (1).
1) تذكرة الحفاظ، ص 698، و وفيات الأعيان 1/ 59.
روى الذهبي في ترجمة ابن السقا من تذكرة الحفاظ، و قال:
الحافظ الإمام محدّث واسط، أبو محمّد، عبد اللّه بن محمّد بن عثمان الواسطي (ت: 373 ه).
اتّفق أنّه أملى حديث الطير، فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا به فأقاموه، و غسلوا موضعه، فمضى و لزم بيته. فكان لا يحدّث أحدا من الواسطيين، فلهذا قلّ حديثه عندهم (1)
و حديث الطير أن رسول اللّه (ص) اهدي إليه طير مشوي فوضع بين يديه فقال: اللّهمّ ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي، فجاء عليّ بن أبي طالب و أكل معه. و راجع أسانيد حديث الطّير في:
2/ 105- 155، من سيرة الإمام عليّ في تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق البحّاثة المحقق المحمودي ط. بيروت سنة 1395 ه.
.و هكذا بقيت آثار السياسة الأموية بين أبناء الامّة في المجتمع الإسلامي كما أرادوها من بعدهم، و من راجع بحثي (كتمان فضائل الإمام عليّ و نشر سبّه و لعنه و السبب فيهما) و (عشرة أنواع من الكتمان و التحريف لسنّة الرسول (ص)) في المجلّد الأوّل من كتاب (معالم المدرستين) يدرك أنّ آثار سياستهما لم تزل سارية في المجتمع الإسلامي، غير أنّ سياسة الحكم عند الخليفة أبي جعفر المنصور، اقتضت الأمر بكتابة جميع فنون المعرفة في عصره، كما سندرس خبره بإذنه تعالى في ما يأتي.
1) تذكرة الحفاظ، ص 966.
في أخريات العهد الأموي و أوائل العصر العباسي، و انشغال الطرفين بالحروب بينهما فسح المجال للناس أن يأخذوا أحاديث الرسول (ص) من الإمام الباقر و الإمام الصادق (ع) من أئمّة أهل البيت، و فسح المجال للإمام جعفر بن محمّد الصادق (ت: 148 ه) أن يروي الحديث مسلسلا عن آبائه عن رسول اللّه (ص) كما بيّنّا الخبر بهذا السند في الفصل الرابع من المجلّد الثاني من كتابنا (معالم المدرستين) بحث (القرآن و السنّة هما مصدرا التشريع لدى مدرسة أهل البيت)، و لما فسح المجال للإمام الصادق أن يروي الحديث لانصراف آخر الأمويين إلى الحرب مع العباسيين، اجتمع على الإمام الصادق آلاف الرواة، و قد كتب ابن عقدة (ت: 333 ه) أسماء الّذين رووا عن الصادق أربعة آلاف رجل كما جاء ذلك في ترجمته في الكنى و الألقاب للقمي، و راجع ترجمة ابن عقدة في ميزان الاعتدال للذهبي. لذا اقتضى الدافع السياسي لأبي جعفر المنصور (ت: 158 ه) أن يأمر بكتابة العلم كالآتي بيانه:
ذكرنا في بحث منع كتابة سنّة الرسول (ص) من المجلّد الثاني من معالم المدرستين كيف منع الخلفاء من تدوين سنّة الرسول (ص) إلى عصر عمر بن عبد العزيز و الذي أمر بتدوينها.
غير أنّه لم يتم الأمر لوفاة عمر بن عبد العزيز بالسمّ عام (101 ه)، و فقد ما كان دوّن في عصره. فقد روى ابن حجر في ترجمة أبي بكر بن محمّد بن عمرو ابن حزم (ت: 117 ه) ما موجزه:
كتب إليه عمر بن عبد العزيز، أن يكتب له العلم. و قال ابنه بعد وفاته:
ضاعت تلك الكتب (1).
1) راجع تهذيب التهذيب 12/ 39.
و كذلك لم يبق ما دوّن غيره من العلم، حتى ولي أبو جعفر المنصور و حرض العلماء على التدوين، قال الذهبي في ذكر حوادث سنة 143:
و في هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث و الفقه و التفسير فصنّف ابن جريج التصانيف بمكّة؛ و صنّف سعيد بن أبي عروبة و حماد بن سلمة و غيرهما بالبصرة؛ و صنّف الأوزاعي بالشام؛ و صنّف مالك الموطأ بالمدينة؛ و صنّف ابن إسحاق المغازي؛ و صنّف معمر باليمن؛ و صنّف أبو حنيفة و غيره الفقه و الرأي بالكوفة؛ و صنّف سفيان الثوري كتاب الجامع؛ ثمّ بعد يسير صنف هشيم كتبه؛ و صنّف اللّيث بمصر و ابن لهيعة ثمّ ابن المبارك و أبو يوسف و ابن وهب.
و كثر تدوين العلم و تبويبه، و دوّنت كتب العربية و اللّغة و التاريخ و أيام الناس.
و قبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلّمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل و للّه الحمد تناول العلم و أخذ الحفظ يتناقص، فللّه الأمر كلّه (1).
و نقل الخبر عنه السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 261.
و جاء في موسوعة الفقه الإسلامي:
و لمّا حجّ المنصور سنة 143 رغب إلى مالك في تأليف (الموطأ) كما رغّب هو و ولاته العلماء في التدوين.
و قد دوّن ابن جريج، و ابن عروبة، و ابن عيينة و غيرهم، و دوّن سائر فقهاء الأمصار و أصحابهم (2).
قال المؤلّف:7.
و لا يناقض ما ذكرناه هنا ما نقلوا عن وجود مدوّنات حديثية لبعضهم قبل هذا العصر مثل ما قالوا: إنّه كان للصحابي عبد اللّه بن عمرو بن العاص الصحيفة الصادقة، و كذلك قالوا: كان للتابعي الزهري أحاديث مدوّنة. فإنّ أمثال ذينك المدوّنتين بلغ أسماؤها إلى العلماء في عصر تدوين الحديث فحسب.
ثمّ تسابق المحدّثون بمدرسة الخلفاء بعد ذلك- و على عهد المنصور العباسي- في تدوين ما بقي في ذاكرتهم من سنّة الرسول (ص).
ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكّي، سمع جمعا من العلماء.
يقال: إنّه أول من صنّف الكتب و كان أحمد بن حنبل يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم. توفّي سنة 151.
تذكرة الحفاظ 1/ 160؛ و ابن خلكان 1/ 286؛ و تاريخ بغداد 10/ 400؛ و دول الإسلام للذهبي 1/ 19.
و سعيد بن أبي عروبة أبو نظر العدوي ولاء البصري، و هو أوّل من صنّف الأبواب بالبصرة. قال أحمد بن حنبل:
لم يكن له كتاب إنّما كان يحفظ و تغير حفظه قبل موته بعشر سنين (توفّي:
156 للهجرة).
راجع ترجمته بتذكرة الحفاظ للذهبي 1/ 177- 178.
و حماد بن سلمة بن دينار البصري الرّبعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، و أحد رجال الحديث و هو أوّل من صنّف التصانيف المرضية (ت: 167 ه).
تهذيب التهذيب 2/ 11؛ و ميزان الاعتدال 1/ 277؛ و حلية الأولياء 6/ 249؛ و الأعلام للزركلي.
و الأوزاعي: أبو عمرو عبد الرّحمن بن عمرو بن يحمد كيكرم إمام أهل الشام، و لم يكن بالشام أعلم منه، و كان يسكن بيروت، و كانت وفاته 157 ه.
و الأوزاعي نسبة إلى أوزاع بطن من همدان ينسب إليه الأوزاعي المذكور لا القرية الواقعة بدمشق خارج باب الفراديس.
الفهرست لابن النديم 1/ 227؛ و الوفيات 1/ 275؛ و حلية الأولياء 6/ 135؛ و تهذيب الأسماء و اللغات، القسم الأوّل من الجزء الأوّل، ص 298.
مالك بن أنس الأصبحي (ت: 179 ه) كتب الموطأ للخليفة المنصور و سمعه منه المهدي و أخوه الهادي. مقدمة الموطأ بتصحيح محمّد فؤاد عبد الباقي ص (ز- حك) و ترجمته بتذكرة الحفاظ 1/ 207- 213.
و ابن إسحاق محمّد بن ياسر صاحب السيرة و مؤلفات اخرى (ت: 151 ه).
و معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي بالولاء، أبو عروة، فقيه، حافظ للحديث، من أهل البصرة. ولد و اشتهر فيها و سكن اليمن. و هو عند مؤرخي رجال الحديث أوّل من صنّف باليمن (ت: 153 ه).
تذكرة الحفاظ 1/ 178؛ و تهذيب التهذيب 10/ 243؛ و ميزان الاعتدال 3/ 188.
و سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه، و صفوه بأنّه أمير المؤمنين في الحديث. ولد و نشأ في الكوفة. له من الكتب: الجامع الكبير (ت:
161 ه).
تهذيب التهذيب 4/ 111- 115؛ و ابن سعد 6/ 257؛ و ابن النديم 1/ 225؛ و دول الإسلام 1/ 84؛ و حلية الأولياء 6/ 356؛ و ابن خلكان 1/ 210.
و اللّيث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهمي بالولاء. أبو الحارث، إمام أهل مصر في عصره حديثا و فقها.
كان كبير الديار المصرية و رئيسها. و أمير من بها في عصره، بحيث أنّ القاضي و النائب من تحت أمره و مشورته. أصله من خراسان و وفاته في القاهرة و له تصانيف (ت: 175 ه).
تذكرة الحفاظ 1/ 207؛ و تهذيب التهذيب 8/ 459؛ و وفيات الأعيان 1/ 428.
و ابن لهيعة: أبو عبد الرّحمن، عبد اللّه بن لهيعة الحضرمي المصري، كان كثير الرواية في الحديث و الأخبار، تولّى قضاء مصر بأمر المنصور الدوانيقي سنة 155، و صرف عن القضاء سنة 164، و حديثه مذكور في صحيحي الترمذي و أبي داود و غيرهما، توفّي بمصر سنة 174 ه.
ميزان الاعتدال 2/ 475؛ و وفيات الأعيان 2/ 242.
و ابن المبارك: أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن المبارك المروزي العالم الزاهد العارف المحدث، كان من تابعي التابعين. و روي عن أبي أسامة، قال: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.
تاريخ بغداد 10/ 152؛ و الكنى و الألقاب 1/ 401.
و عبد اللّه بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري أبو محمّد، فقيه من الأئمة، من أصحاب مالك. جمع بين الفقه و الحديث. له كتب منها: الجامع.
تذكرة الحفاظ 1/ 279؛ و وفيات الأعيان 1/ 249.
كان ذلكم خبر تدوين الحديث و عصره، و ينبغي لنا أن ندرس في ما يأتي بإذنه تعالى كيفية رواية الحديث في عصر منع تدوين الحديث و أثرها على الحديث في عصر تدوينه.
قال ابن الجوزي (ت: 597 ه) في كتاب الموضوعات، الباب الثالث، في الأمر بانتقاد الرجال و التحذير من الرواية عن الكذابين و البحث عن الحديث المباين للاصول:
كان السرب الأوّل صافيا، فكان بعض الصحابة يسمع من بعض و يقول:
قال رسول اللّه (ص) من غير ذكر رواة له، لأنّه لا يشك في صدق الراوي.
و دليل ذلك رواية أبي هريرة و ابن عباس قصة (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) و هذه قصة كانت بمكّة في- بدو- [بدء] الإسلام و ما كان أبو هريرة قد أسلم، و كان ابن عباس يصغر عن ذلك. و كذلك روى ابن عمر وقوف رسول اللّه (ص) على قليب بدر و ابن عمر لم يحضر. و روى المسور بن- محرمة- [مخرمة] و مروان بن الحكم قصة الحديبية و سنهما لا يحتمل ذلك لأنّهما ولدا بعد الهجرة بسنين. و روى أنس بن مالك حديث انشقاق القمر بمكّة، و قال البرّاء بن عازب: ليس كلّ ما يحدّثكموه [سمعناه] من رسول اللّه (ص)، و لكن حدثنا أصحابنا، ثمّ لم تزل الآفات تدب حتى وقعت التهم فاحتيج إلى اعتبار العدالة (1)
و سمعناه، في الأصل: سعمناه.
.هكذا قال ابن الجوزي و سائر العلماء في شأن روايات الصحابة، و منشأ قولهم هذا إنّما هو اعتقادهم بعصمة الصحابة عن الزلل و الخطأ و النسيان، و سوف
1) كتاب الموضوعات، ط. المدينة المنوّرة سنة 1386 ه (1/ 99).
نناقش هذا القول في ما يأتي إن شاء اللّه، و نقتصر هنا على إيراد ما نقله كلّ من ابن عساكر و ابن كثير في تاريخيهما:
بسندهما عن بسر بن سعيد أنّه قال: اتّقوا اللّه و تحفظوا من الحديث، فو اللّه لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول اللّه (ص)، و يحدّثنا عن كعب الأحبار ثمّ يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول اللّه (ص) عن كعب، و حديث كعب عن رسول اللّه (ص)، و في رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول اللّه (ص)، و ما قاله رسول اللّه (ص) عن كعب، فاتّقوا اللّه و تحفّظوا في الحديث.
و قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس- أي يروي ما سمعه من كعب و ما سمعه من رسول اللّه (ص) و لا يميز هذا من هذا- ذكره ابن عساكر. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 640 أ - في عصر الصحابة: ..... ص : 639
كان شعبة يشير بهذا إلى حديثه (من أصبح جنبا فلا صيام له) فإنّه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر و لم أسمعه من رسول اللّه (ص). و قال شريك عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، و روى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، و قال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئا، و ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، إلّا ما كان من حديث صفة جنّة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شرّ جاء القرآن به (1).4.
1) تاريخ ابن كثير، ط. بيروت سنة 1401 ه (8/ 117- 118)؛ و ترجمة الصحابي أبي هريرة في تاريخ ابن عساكر، مصوّرة مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق 19/ 122/ أ- ب؛ و تفسير النّسائي بتفسير آية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ من سورة البقرة 1/ 204.
قال ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (1)في تعداده الوضاعين:
القسم الثالث: قوم تعمّدوا الكذب الصريح لا لأنّهم أخطئوا و لا لأنّهم رووا عن كذاب فهؤلاء تارة يكذبون في الأسانيد فيروون عمّن لم يسمعوا منه و تارة يسرقون الأحاديث الّتي يرويها غيرهم، و تارة يضعون أحاديث، و هؤلاء الوضّاعون انقسموا سبعة أقسام:
القسم الأوّل: الزنادقة الّذين قصدوا إفساد الشريعة و إيقاع الشك فيها في قلوب العوام و التلاعب بالدين، كعبد الكريم بن أبي العوجاء، و كان خال معن ابن زائدة و ربيب حماد بن سلمة؛ و كان يدس الأحاديث في كتب حماد، فلمّا اخذ ابن أبي العوجاء أتي به محمّد بن سليمان بن عليّ فأمر بضرب عنقه، فلمّا أيقن بالقتل، قال: و اللّه لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث احرّم فيها الحلال و احلّ فيها الحرام، و لقد فطّرتكم في يوم صومكم و صوّمتكم في يوم فطركم.
و في رواية اخرى قال:
وضعت الزنادقة على رسول اللّه (ص) أربعة عشر ألف حديث.
و في رواية اخرى قال المهدي العباسي:
(أقرّ عندي رجل من الزنادقة أنّه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس).
و روى- أيضا- و قال:
قد كان في هؤلاء الزنادقة من يأخذ من شيخ مغفل كتابه فيدس في كتابه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أن ذلك من حديثه.
1) الموضوعات 1/ 37- 38.
كان ذلكم حديث العلّامة ابن الجوزي عن الوضاعين و أثرهم التخريبي على الحديث.
درسنا شيئا من عمل الزنادقة التخريبي في كتب مدرسة الخلفاء في البحث التمهيدي الثاني من الجزء الأوّل من (خمسون و مائة صحابي مختلق) و كان منهم:
كان من تلامذة الحسن البصري (ت: 101 ه)، ثمّ انحرف عن الإسلام.
و كان يذهب إلى مكّة للاجتماع بالحجّاج و إضلالهم، و كيف كان الإمام جعفر الصادق (ع) يناظره و يكشف أباطيله، و أنّه كان في البصرة يفسد الأحداث، فهدده عمرو بن عبيد، فلحق بالكوفة. و دلّ عليه محمّد بن سليمان و الي الكوفة فقتله سنة 55 (1).
و لمعرفة منزلة حماد في الحفّاظ راجع ترجمته بتذكرة الحفاظ للذهبي (2).
قد تتبّعت تخريب زنديق واحد من الزنادقة في كتب مدرسة الخلفاء، هو سيف بن عمر في مجلّدات عبد اللّه بن سبأ، و خمسون و مائة صحابي مختلق، و أشرت إليه في بحث الوصي و الوصيّة من كتاب معالم المدرستين بما فيه عبرة للمعتبر.
و نذكر في ما يأتي مثالا واحدا من تخريب الزنادقة في أمر الوحي و القرآن ممّا انتشر في كتب التفسير و السيرة بمدرسة الخلفاء، و رووا في ذلك عدّة روايات ملخّصها كالآتي:
إنّ الرسول (ص) تمنّى ذات يوم في قلبه أن لو نزل الوحي عليه في القرآن بما يقرّبه إلى قومه، و يكون سببا لهدايتهم، فأنزل اللّه تعالى عليه سورة النجم و هو في بيت اللّه الحرام فأخذ يتلوها بمسمع من المسلمين و المشركين إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى* وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى و هاهنا تدخّل الشيطان في قراءته و ألقى على لسانه [تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى] فقرأها النبيّ (ص) كذلك ثمّ تلا بقية السورة. و بعد الانتهاء من قراءة السورة سجد النبيّ (ص) و المسلمون لذكر اللّه، و سجد المشركون لما سمعوا من الثناء على أصنامهم (اللّات و العزّى و مناة الثالثة الاخرى)، و لمّا أمسى الرسول (ص) أتاه جبرائيل و أنبأه بأن جملتي [تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى] الّتي قرأهما الرسول (ص) ضمن السورة، لم يتلهما جبرائيل عليه و إنّما ذلكم الشيطان الّذي ألقاهما على لسانه. فحزن النبيّ (ص) لذلك فأنزل اللّه عليه قوله تعالى:
وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... (الحجّ/ 52). ثمّ انتشر هذا الخبر حتّى بلغ المسلمين المهاجرين إلى الحبشة بأنّ المشركين أسلموا و سجدوا مع المسلمين، فرجع بعضهم إلى مكّة المكرّمة و شاهدوا خلاف ما بلغهم، فبقي البعض منهم و رجع الآخرون إلى مهجرهم. و نسجل هاهنا صورة رواية واحد منها في تفسير الطبري (1)بسنده:3.
1) تفسير الطبري، تفسير سورة النجم 17/ 13.
عن محمد بن كعب القرظى و محمد بن قيس قالا جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شىء فينفروا عنه فأنزل اللّه عليه و النجم اذا هوى ما ضل صاحبكم و ما غوى فقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتى اذا بلغ أ فرأيتم اللات و العزى و مناة الثالثة الاخرى ألقى عليه الشيطان كلمتين تلك الغرائقة العلى و ان شفاعتهن لترجى فتكلم بهائم مضى فقرأ السورة كلها فسجد فى آخر السورة و سجد القوم جميعا معه و رفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته فسجد عليه و كان شيخا كبير الا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به و قالوا قد عرفنا أن اللّه يحيى و يميت و هو الذى يخلق و يرزق و لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده اذ جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم افتريت على اللّه و قلت على اللّه ما لم يقل فأوحى اللّه اليه و ان كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفترى علينا غيره الى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبى الا اذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ اللّه ما يلقى الشيطان ثم يحكم اللّه آياته و اللّه عليم حكيم قال فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا الى عشائرهم و قالوا هم أحب الينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ اللّه ما ألقى الشيطان لقد بيّنّا زيف هذه الاسطورة السخيفة بتفصيل واف في الجزء الثاني من أحاديث امّ المؤمنين عائشة بما بهرج الباطل و أزاحه، و أظهر الحق و أجلاه. فقد برهنا- مثلا- أنّ أسانيد الاسطورة تنتهي إلى كلّ من:
أ- عبد اللّه بن عباس، ولد في السنة الثالثة قبل هجرة الرسول (ص) إلى المدينة.
ب- أبي العالية رفيع بن مهران؛ أسلم بعد وفاة رسول اللّه (ص) بسنتين و يعد من الطبقة الثانية من التابعين (ت: 90 أو 93 أو 110 أو 126 ه).
ج- عبد الرّحمن بن الحارث؛ ولد في عصر عمر (ت: 94 ه).
د- أبي الحجّاج، مجاهد بن جبر المكي، ولد سنة 21 ه (ت: 103 أو 104 أو 105 ه).
ه- محمّد بن سعد من سلالة يهود بني قريظة. ولد سنة 40 هجرية.
و- سعيد بن جبير، قتله الحجّاج سنة 90 أو 94 أو 95 ه. و عمره تسع و أربعون سنة.
ز- ضحّاك بن مزاحم (ت: 105 أو 106 ه). و يعدّ من الطبقة الخامسة من الرواة.
ح- محمّد بن قيس (ت: 126 ه).
ط- أبي محمّد إسماعيل بن عبد الرّحمن السدّي (ت: 127 ه). و يعدّ من الطبقة الرابعة من الرواة (1).
و هؤلاء ليس فيهم من شهد الواقعة المفتراة ليخبرنا عنها. و أقدمهم ولادة ابن عباس الّذي ولد لثلاث سنين قبل هجرة رسول اللّه (ص)، فأنّى له أن يشهد الواقعة ليخبرنا عنها.
نقول هذا و نحن نعلم أنّ القصة مفتراة من أساسها. و افتري على الصحابة روايتها و قد اختلقت في عصر نشاط الزنادقة في أواخر القرن الأوّل و أوائل القرن الثاني الهجري، كما بيّنّا ذلك في بحث ما افتري روايتها على امّ المؤمنين عائشة و على غيرها من الصحابة من المجلّد الثاني من كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة.
و نظير هذه الاسطورة المفتراة على رسول اللّه (ص) و على الوحي و القرآن، الخبر المفترى على رسول اللّه (ص) في كيفيّة تلقّيه أوّل وحي نزل عليه بغار حراء. و قد كشفنا عن زيف الخبرين في الجزء الثاني من أحاديث امّ المؤمنين عائشة. و إنّ الخبر الأوّل اقتصر نقله على مصادر دراسات مدرسة الخلفاء، و الخبر الثاني انتشر منها إلى بعض كتب أتباع مدرسة أهل البيت (ع).6.
1) ذكرنا مصادر التحقيق لأسانيد هؤلاء الرواة في الجزء الرابع من قيام الأئمة بإحياء السنّة ص 409- 416.
و استفاد خصوم الإسلام من روايات الزيادة و النقيصة و أخبار اختلاف المصاحف لأغراضهم في نفي ثبوت النص القرآني، كما سنشير إليه في بحث (المستشرقون و القرآن الكريم) في آخر الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
و ذكر ابن الجوزي و غيره قسما آخر من المحدّثين ممّن افترى على رسول اللّه (ص) احتسابا للخير و دفاعا عن الخلفاء مثل ما جاء في الخبر الآتي:
روى الخطيب البغدادي و غيره و اللفظ للخطيب، قال:
قدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم الفرج بن فضالة و غياث بن إبراهيم و كان المهدي يحبّ الحمام و يشتهيها، فادخل عليه غياث بن إبراهيم فقيل له حدّث أمير المؤمنين فحدّثه بحديث أبي هريرة (لا سبق إلّا في حافر أو نصل) و زاد فيه (أو جناح) فأمر له المهدي بعشرة آلاف. قال فلمّا قام، قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول اللّه (ص) إنّما استجلبت ذاك أنا. فأمر بالحمام فذبحت فما ذكر غياثا بعد ذلك (1)
و قال الذهبي في ترجمته: كان يضع الحديث. و في البداية و النهاية عتاب بن إبراهيم تصحيف.
.و من الروايات ما وضعت تزلفا للحكام و تحقيقا لغاياتهم، مثل الرواية الآتية:
روى الاصبهاني بسنده عن الفضل بن إياس الهذليّ الكوفي أنّ المنصور
1) تاريخ بغداد 12/ 323- 324، الترجمة رقم 6767؛ و الموضوعات لابن الجوزي 3/ 78؛ و البداية و النهاية 10/ 153؛ و اللآلئ المصنوعة 2/ 468؛ و ميزان الاعتدال 3/ 337، الترجمة رقم 6673.
كان يريد البيعة للمهدي، و كان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا، و قامت الخطباء فتكلّموا، و قالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي و فضائله، و فيهم مطيع بن إياس، فلمّا فرغ من كلامه في الخطباء و إنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين! حدّثنا فلان عن فلان أنّ النبيّ (ص) قال: (المهديّ منّا محمّد بن عبد اللّه و امّه من غيرنا، يملأها عدلا كما ملئت جورا) و هذا العباس بن محمّد أخوك يشهد على ذلك. ثمّ أقبل على العباس، فقال له:
انشدك اللّه هل سمعت هذا؟ فقال: نعم. مخافة من المنصور. فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي.
قال: و لما انقضى المجلس، و كان العباس بن محمّد لم يأنس به، قال: أ رأيتم هذا الزنديق إذ كذب على اللّه عزّ و جلّ و رسوله (ص)، حتى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا، و شهد كلّ من حضر عليّ بأنّي كاذب؟! و بلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر، و كان مطيع منقطعا إليه يخدمه، فخافه، و طرده عن خدمته ... الحديث (1).
في ختام هذه الدراسة الواسعة ينبغي لنا أن نورد خلاصة أخبار القرآن بعد عصر الرسول (ص) إلى عصر الحجّاج فنستعين اللّه و نقول:
ذكرنا في أخبار عهد الخليفة أبي بكر، أنّه أمر بكتابة قرآن مجرّد من حديث الرسول (ص)، و تمّ العمل على عهد الخليفة عمر، فأودعه عند امّ المؤمنين حفصة، فاستعار الخليفة عثمان ذلك المصحف منها، و نسخ منها نسخا وزّعها في بلاد المسلمين و أمر بجميع مصاحف الصحابة الّتي كانوا قد كتبوا في بعضها بيان
1) الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني، ط. ساسي 12/ 81.
الرسول (ص) إلى جنب آيات القرآن الكريم، فاحرقت (1)، و أمر بمن خالف أوامره مثل الصحابي ابن مسعود فجلب إلى المدينة و اهين و امر به، فضرب على الأرض و حرم من العطاء- راتبه السنوي من بيت المال- (2).
و كان الخليفة عثمان في فعله مقتديا بالخليفة أبي بكر في نسخه القرآن مع حذف بيان الرسول (ص)، غير أنّ الخليفة أبا بكر ترك مصاحف الصحابة بأيديهم و لم يأخذها و يحرقها كما فعل عثمان.
و كذلك في إحراقه المصاحف، اقتدى بسلفه عمر حين جمع ما كتبه الصحابة من حديث الرسول و إحراقها غير انّه لم يكن في ما أحرق الخليفة الثاني القرآن الكريم كما فعله الخليفة الثالث.
و أبى الصّحابي المقرئ ابن مسعود أن يدفع إليهم مصحفه ليحرقوه، و في ما يأتي بعض هذا الخبر:
قال ابن أبي داود: أبى ابن مسعود أن يسلم مصحفه، و قال لأهل الكوفة:
يا أهل الكوفة! أو يا أهل العراق! اكتموا المصاحف الّتي عندكم و غلوها فإنّ اللّه يقول ... وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... فالقوا اللّه بالمصاحف (3).
و في رواية اخرى:
1) مرّت مصادر حرق عثمان للمصاحف في بحث روايات جمع القرآن و تناقضها، باب من قال ان الخليفة عثمان جمع القرآن في مصحف، و نضيف إلى ذلك المصاحف لابن أبي داود، ص 19- 23؛ و اليعقوبي 2/ 170؛ و أنساب الأشراف للبلاذري، تحقيق احسان عباس، ط. بيروت سنة 1400 ه 4/ 1/ 552.
2) راجع تفصيل خبر ابن مسعود في كتاب (أحاديث امّ المؤمنين عائشة) 1/ 98.
3) مصاحف ابن أبي داود 1/ 17، باب كراهية (عبد اللّه بن مسعود ذلك). (آل عمران/ 161).
قال عبد اللّه حين صنع بالمصاحف ما صنع: و الذي لا إله غيره ما انزلت من سورة إلّا أعلم حيث انزلت و ما من آية إلّا أعلم في ما انزلت و لو إنّي أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه منّي تبلغنيه الإبل لأتيته (1).
و في رواية: و قد قرأت من في رسول اللّه (ص) بضعا و سبعين سورة و ان زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، و اللّه ما نزل من القرآن إلّا و أنا أعلم في أي شيء نزل.
قال الراوي: فلمّا نزل عن المنبر، جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال (2).
و في رواية بعده قال الراوي: فجلست في حلق من أصحاب محمّد (ص) فما سمعت أحدا منهم يعيب عليه شيئا ممّا قال و لا ردّه (3).
و في رواية: لمّا أمر بالمصاحف ساء ذلك عبد اللّه ... الحديث (4). و في رواية اخرى قال: انّي غالّ مصحفي، من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغلل ... لقد أخذت من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة ... أ فأنا أدع ما أخذت من في رسول اللّه (ص) (5).
كان هذا شأن ابن مسعود و مصحفه، و كان مصحف الإمام عليّ قد اخفي بعد أن لم يقبلوه بعيد وفاة الرسول (ص)، و لم يبق بعد إحراق المصاحف مصحف في متناول يد المسلمين كتب فيه بيان الرسول (ص) و تفسير القرآن إلى جنب الآيات.5.
و أنتج كل ما ذكرناه تبدّل معنى القراءة في المجتمع الإسلامي من تعلّم اللّفظ و المعنى إلى تعلّم تلاوة النصّ القرآني مجرّدا من حديث الرسول (ص)، ثمّ اجتهد علماء العربية بمدرسة الخلفاء و بدّلوا النصوص القرآنية بلهجات العرب المختلفة، و سمّيت بعد ذلك تلك التحريفات بالقراءات و مختلقوها بالقرّاء الكبار و أصبح القارئ من تعلم تلك التحريفات، و المقرئ من يعلم تلك التحريفات في القرآن عن ظهر قلب بعد ان كان على عهد الرسول (ص) الإقراء بمعنى تعليم النص القرآني و معناه؛ و الاقتراء بمعنى: تعلم النص القرآني و معناه؛ كما مرّ بنا في خبر نظام تعليم القرآن على عهد الرسول (ص)، و استمرّ المسلمون بعد ذلك يستعملون القراءة و القارئ و الإقراء في جزء معنى الكلمة و هو تلاوة النص وحده بعد أن كان يستعمل في تلاوة النص و تعلم المعنى.
و على ذلك فإنّ القراءة و مشتقاتها كانت في المصطلح الإسلامي بمعنى تلاوة النص مع تعلم المعنى و تفهمه في مقابل التلاوة الّتي كانت و لا تزال بمعنى تلاوة النص وحده، ثمّ أصبحت القراءة و مشتقاتها في مصطلح المسلمين بعد عهد الخليفة عثمان إلى اليوم بمعنى تلاوة التحريف الّذي جرى على النص القرآني، و نسي المسلمون بعد ذلك معنى المصطلح الإسلامي، و من ثمّ كلّما وردت القراءة و مشتقاتها في القرآن و حديث الرسول (ص) فسروها بمعناها في مصطلحهم، و كذلك اصبح المصحف عندهم بمعنى الكتاب الّذي دون فيه القرآن وحده بعد أن كان قبل تحريق المصاحف بمعنى الكتاب الّذي دون فيه القرآن مع شيء من تفسيره كما مرّ تفصيله في بحث روايات اختلاف المصاحف.
أنزل اللّه- سبحانه و تعالى- تفصيل شرائع الإسلام في الكتابين التوراة و الإنجيل، فكتم المسيطرون عليهما من اليهود و النصارى بعضا ممّا كان يخالف أهواءهم في الكتابين و حرّفوا بعضا آخر منهما، فأخبر اللّه- سبحانه و تعالى-
عن ذلك و قال:
أ- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. (البقرة/ 159) ب- وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.
(آل عمران/ 187) ج- مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ .... (النّساء/ 46) د- أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. (البقرة/ 75) و اقتضت حكمة اللّه- جلّ اسمه- أن تبقى الشريعة الخاتمة أبد الدهر، فأنزل القرآن العظيم هدى للناس و قال تبارك و تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر/ 9)، و من أجل حفظ القرآن من التحريف و الكتمان أنزل فيه اصول الإسلام و أوصى إلى رسوله (ص) بيانه الّذي كان فيه ما يخالف أهداف المسيطرين و قال جل ذكره: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النّحل/ 44)، و أخبر سبحانه و تعالى عنه (ص) و قال: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (النّجم/ 3، 4)، و قال جلّ ذكره: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (الحاقة/ 44- 47)، فيبيّن رسول اللّه (ص) ما احتاج من الذّكر الحكيم إلى بيان في حديثه الّذي هو بعض من سنّته الّتي يبلغها الناس كما اوحيت إليه و في هذا الصّدد روى حسّان بن ثابت (1)، كما في مقدّمة الدارمي و قال:).
1) سنن الدارمي 1/ 145 (باب السنّة قاضية على كتاب اللّه).
(كان جبريل ينزل على رسول اللّه (ص) بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن).
و من البديهي في أمر الشريعة الإسلامية أنّ اللّه سبحانه و تعالى بلغها في القرآن الكريم و سنّة رسوله (ص)، و الجزء الأكبر من سنّة الرسول (ص) بلّغها الرسول (ص) في حديثه، غير أنّ سياسة الخلفاء الثلاثة، اقتضت كتمان نشر حديث الرسول (ص) و تجريد القرآن من حديثه (ص)، و في ما يأتي نذكر بإذنه تعالى سبب تجريدهم القرآن من حديث الرسول (ص) مفصّلا:
مرّ بنا في المجلّد الأوّل (1):
أ- إنّ أبا سفيان أتى على سلمان و صهيب و بلال في نفر فقالوا ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه مأخذها! فقال أبو بكر: أ تقولون هذا لشيخ قريش و سيّدهم.
ب- إنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه (ص)، فنهتني قريش و قالوا: (تكتب كل شيء سمعته من رسول اللّه
1) كل ما نذكره في هذا الموجز مرّت مصادره في ما مضى من بحوث المجلّد الأوّل، الفصل الأوّل، ص 144.
(ص) و رسول اللّه (ص) بشر يتكلم في الغضب و الرضا)، فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول اللّه (ص) فأومأ باصبعه إلى فيه و قال: (اكتب فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حق).
كان مرور أبي سفيان على اولئكم الصحابة في مجيئه للمدينة قبل فتح مكّة لتجديد صلح الحديبية (1)و لم يكن بعد إسلامه، فإنّه كان قد أصبح بعد إسلامه أخاهم في الإسلام و لم يكونوا يقولون له (عدوّ اللّه).
و الخبر الأوّل يفسّر لنا من الخبر الثاني مقصود قريش و هم المهاجرون في قولهم لعبد اللّه (و رسول اللّه بشر يتكلم في الغضب و الرضا) أي: إنّ الرسول (ص) كسائر البشر إن كره أحدا ذمّه و إن رضي عنه مدحه، و كان حديث الرسول (ص) في المدح و الذمّ في تعليم الصحابة معاني الآيات الّتي فيها مدح و ذمّ لأشخاص لم يسمّوا في تلك الآيات و بيان شأن نزولها و أحيانا الحوادث الّتي جرت عند تبليغها، و في ما يأتي نشير بإذنه تعالى إلى بعض ما مرّ بنا في المجلّد الأوّل و نضيف إليه بعض ما نحتاج إليه في التوضيح.
و إنّ أحاديث الرسول (ص) الّتي وصفها المهاجرون من قريش بأنّ الرسول (ص) قالها في حال الرضا و الغضب و قالوا تكتب كل شيء، هي:
أ- في مدح الإمام عليّ:
لمّا نزلت: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (الشعراء/ 214) جمع النبيّ (ص)
1) راجع هامش صحيح مسلم، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، باب فضائل سلمان.
عشيرته الأقربين و قال لهم: إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعا فقام عليّ بن أبي طالب، و قال: أنا يا نبيّ اللّه أكون و زيرك عليه، فأخذ برقبته ثمّ قال: إنّ هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا. فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع.
ب- في ذمّ الوليد بن المغيرة في خبر وصفه للقرآن الكريم:
إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ... فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ* سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. (المدّثر/ 18- 26) ج- في ذمّ الأسود بن المطلب و الوليد بن المغيرة و اميّة بن خلف و العاص ابن وائل السّهمي عند ما قالوا لرسول اللّه (ص):
يا محمّد! هلمّ فلنعبد ما تعبد و تعبد ما نعبد فنشترك نحن و أنت في الأمر.
فأنزل اللّه في ردّ اقتراحهم:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ....
د- في ذمّ عتبة و شيبة و أبي سفيان و أبي البختري و الأسود بن المطلب و زمعة بن الأسود و الوليد بن المغيرة و أبي جهل و عبد اللّه بن أبي اميّة و اميّة بن خلف و العاص بن وائل و نبيه و منبه ابني الحجّاج عند ما اجتمعوا عند ظهر الكعبة فبعثوا إلى رسول (ص) فأتاهم فقالوا: يا محمّد! إنّا بعثنا إليك لنعذر فيك ... لقد شتمت الآباء و عبت الدين و شتمت الآلهة فإن كنت تطلب مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا، و إن كنت تطلب الشّرف فينا سوّدناك علينا، و إن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، و إن كان الّذي يأتيك من الجنّ بذلنا في طلب الطبّ لك حتّى نبرئك.
فقال (ص): ما بي ما تقولون و ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم و لا الشّرف فيكم و لا الملك، و لكن اللّه بعثني إليكم رسولا فبلّغتكم رسالة ربّي؛ فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا و الآخرة، و إن تردّوه عليّ أصبر حتى يحكم اللّه بيني و بينكم.
فقالوا: فإن كنت غير قابل ما عرضنا عليك فسل ربّك فليسيّر عنا هذه الجبال الّتي ضيقت علينا و يبسط بلادنا و يفجر فيها أنهارا كأنهار الشام و العراق، و ليبعث لنا من مضى من آبائنا و فيهم قصي فنسألهم عمّا تقول، فإن صدّقوك صدّقناك و عرفنا انّه بعثك بالحق رسولا كما تقول.
فأجابهم بالجواب الأوّل.
فقالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربّك يبعث ملكا يصدّقك و يجعل لك جنانا و كنوزا و قصورا من ذهب و فضّة، فإنّك تقوم بالأسواق و تلتمس المعاش كما نلتمس.
و قالوا في ما قالوا له: لن نؤمن لك حتى تأتينا باللّه و الملائكة قبيلا. فقام عنهم فقال له عبد اللّه بن أبي اميّة: لا أؤمن لك حتى ترقى إلى السماء و أنا أنظر و تأتي معك بنسخة منشورة و أربعة من الملائكة يشهدون لك، و لو فعلت ذلك لظننت أن لا اصدقك، فأنزل اللّه تعالى فيهم:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ... وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (الإسراء/ 88- 90).
ه- في ذمّ العاص بن وائل و أبي جهل و غيرهما من عتاة قريش لما أتوا بعظم حائل أمام الرسول (ص) فذروه في الريح و قالوا: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ أنزل اللّه فيهم وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ ... (يس/ 78).
و- في العاص بن وائل عند ما شنأ رسول اللّه (ص)، بعد وفاة ابنه القاسم
و قال له الأبتر، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
ز- في الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث و الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و الحرث بن الطلاطلة الّذين كانوا يستهزءون برسول اللّه و أهلك كل واحد منهم بما أهلكه ... إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ... (الحجر 94- 96).
أ- في ذم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح:
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (الأنعام/ 93).
فإنّه كان يكتب لرسول اللّه (ص) في المدينة فارتدّ و رجع إلى مكّة و قال للمشركين إنّي آتي بمثل ما يأتي به محمّد ...
ب- في مدح الرسول (ص) و ابن عمّه عليّ و ابنته فاطمة و ولديهما الحسن و الحسين:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب/ 33).
ج- في شأن الرسول و أهل بيته:
... فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (آل عمران/ 61)، في قصّة المباهلة مع نصارى نجران.
د- في شأن الإمام عليّ:
1- يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ
رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة/ 67)، في الجحفة في مرجع الرسول (ص) من حجّة الوداع، فجمع الحجيج في غدير خم و خطب و قال في خطبته:
أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا: بلى، يا رسول اللّه.
ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما، ثمّ قال:
أيّها الناس! اللّه مولاي و أنا مولاكم؛ فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله ...
ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزلت هذه الآية:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة/ 3).
2- إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (المائدة/ 55).
بعد أن دخل فقير مسجد الرسول (ص) و سأل و كان عليّ راكعا في صلاة غير فريضة فأومأ عليّ إليه باصبعه و فيها خاتم عقيق يماني أحمر فنزعه و دعا له فنزلت فيه الآية.
3- أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ... الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ... (براءة/ 19، 20).
في العباس عمّ النبيّ عند ما افتخر على عليّ بن أبي طالب بأنّه كان ساقي الحجيج و طلحة بن شيبة انّه صاحب البيت معه مفتاحه، فقال عليّ: ما أدري ما تقولان! لقد صلّيت إلى القبلة قبل الناس و أنا صاحب الجهاد. فأنزل اللّه تعالى فيهم الآيات.
4- حول تبليغ الآيات (1- 5) من سورة براءة إلى الكفار في الحج.
عند ما نزلت الآيات (1- 5) من سورة براءة دعا النبيّ (ص) أبا بكر، فبعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشرك ... و اللّه بريء من المشركين و رسوله، فسار بها ثلاثا ثمّ قال لعلي: الحقه فردّ عليّ أبا بكر و بلّغها أنت ففعل فلمّا قدم على النبيّ أبو بكر بكى و قال: يا رسول اللّه! حدث فيّ شيء؟
قال: ما حدث فيك إلّا خير و لكنّي امرت أن لا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي.
و أيضا ما نزلت في حق:
أ- الصحابي الوليد بن عقبة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (الحجرات/ 6)، عند ما بعثه إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول اللّه (ص) فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول اللّه (ص) فقال: إنّ القوم منعوا صدقاتهم ...
الحديث.
ب- الصحابيين أبي بكر و عمر:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات/ 2)، و ذلك عند ما قدم ركب من بني تميم على النبيّ (ص) فقال أبو بكر: أمّر القعقاع ابن معبد و قال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما ... الحديث.
ج- الصحابة عثمان بن عفان القرشي الأموي و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان الأنصاريّين ثمّ الزرقيّين:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما
كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (آل عمران/ 155)، عند ما انهزموا عن رسول اللّه (ص) يوم أحد حتّى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة فأقاموا بها ثلاثا ثمّ رجعوا إلى رسول اللّه (ص) فقال لهم: (لقد ذهبتم فيها عريضة).
د- امّي المؤمنين حفصة و عائشة:
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ* عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ ... إلى تمام سورة التحريم.
ه- بني اميّة:
وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (الإسراء/ 60)، عند ما رأى رسول اللّه (ص) بني اميّة ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فأوحى اللّه إليه الآية و إنّه إنّما هي دنيا اعطوها.
بسبب بيان رسول اللّه (ص) في تفسير هذه الآيات ما فيه مدح لبعض و ذم لبعض آخر و عقاب لآخرين قال القرشيون المهاجرون لعبد اللّه بن عمرو بن العاص إنّ رسول اللّه (ص) بشر يتكلّم في الرّضا و الغضب، و كان دافعهم في ذلك التعصب القبلي لذوي ارومتهم قريش و لبعض من يتصل بهم بسبب أو نسب، و كان الدافع الأهم سياسيا كي لا يصل إلى الحكم بعده الإمام عليّ و أولاده.
و بعد تقديم هذه البحوث يلزمنا إيراد موجز عام لأخبار القرآن منذ عصر الرسول حتّى عصر الخليفة عمر كي نستطيع بعدها دراسة أخبار جمع القرآن.
أ- في عصر الرسول (ص) ب- بعد عصر الرسول (ص)
نورد في ما يأتي موجزا من تاريخ القرآن عن المجلّد الأوّل مع إضافات تقتضيها الدراسة المستوعبة لروايات جمع القرآن، و نقول بإذنه تعالى:
قال اللّه سبحانه:
أ- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. (الحجر/ 9) ب- إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. (القيامة/ 17- 19) ج- وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. (النّحل/ 44) د- سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. (الأعلى/ 6) ه- وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ. (الإسراء/ 106) و صدق اللّه العظيم و صدق رسوله الكريم فقد أنزل القرآن متدرجا ليتيسر للمؤمنين حفظه عن ظهر قلب، و أوحى لفظه و معناه إلى رسوله (ص)، و أوحى مع كل آية معنى كل آية يحتاج فهم معناها إلى بيان بوحي غير قرآني مثل معنى (آية التيمّم و آية أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي بيان كيفية التيمم و كيفية الصلوات اليومية الخمس.
إذا فقد كان اللّه جلّ اسمه أوّل مقرئ للقرآن و أوّل جامع له، و كان رسوله (ص) أوّل قارئ للقرآن.
و القارئ و جمعه القرّاء من تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معناه.
و المقرئ من امتهن تعليم القرآن كذلك، كما برهنّا على ذلك في بحث المصطلحات القرآنية في الجزء الأوّل من القرآن الكريم و روايات المدرستين، و الحمد للّه.
و الجامع من حفظ جميع القرآن عن ظهر قلب، و قد جمع اللّه القرآن أوّلا في قلب رسوله (ص)، و كان الرسول (ص) أوّل جامع للقرآن فقد حفظ القرآن عن ظهر قلب مع كلّ ما اوحي إليه في بيان آياته، و كان جبرائيل (ع) يقارئه في كلّ شهر رمضان كلّ ما أنزل اللّه من القرآن إلى تاريخه، و عارضه القرآن في آخر سنة من حياته مرّتين، و قام الرسول (ص) بإقراء القرآن كذلك مصداقا لقوله تعالى: وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ. (الأنعام/ 19) و نهض الرسول (ص) بأعباء التبليغ بكل ما استطاع إليه سبيلا في نوعين من التبليغ:
لمّا كان دأب القبائل العربية الاجتماع في أسواقهم حول مكة: ذي المجاز و عكاظ و عرفات و غيرها في الأشهر الحرم، و الاستماع إلى قصائد شعرائهم و حفظهم إياها عن ظهر قلب و ترديدها على مسامع من لم يحضر الموسم منهم و كانت السور المكية أقصر من تلك القصائد و أعلى بلاغة منها و فيها من المعاني الرفيعة ما لم يسمعوها قبل ذلك، لذا كانوا يتهافتون إلى استماع تلاوة الرسول (ص) في صلاته و يحفظونها عن ظهر قلب و ينقلونها إلى حيث ما بلغ بهم المسير، كما مرّ بنا قول عمرو بن سلمة الجرمي:
كنت أتلقّى الركبان فيقرءوني حتّى جمعت قرآنا كثيرا، و كان يومذاك صغير السنّ، و إذا كان هذا شأن صغيرهم في شبه الجزيرة العربية، فكيف كان حال ذوي السنّ و الشأن منهم في هذا الأمر.
كان لإقراء المؤمنين بمكّة مرحلتان:
في هذه المرحلة كان الرسول (ص) يجتمع بالمؤمنين سرّا في دار الأرقم بن أبي الأرقم بأصل الصفا لإقرائهم في دور سريّة الدعوة، و لم يكن الاجتماع بهم لحياكة مؤامرة ضدّ قريش، و لعلّ في هذا الدور كان ما أخبره الصحابي عمر بن الخطاب و قال:
كان رسول اللّه (ص) يجمع الرجل و الرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة- و في رواية من أهل اليسار- فيكونان معه و يصيبان من طعامه، و قد كان ضمّ إلى زوج اختي رجلين، فدخلت عليهم و كان القوم جلوسا يقرءون القرآن في صحيفة، و في لفظ آخر بكتاب.
و عن الإقراء في مكّة قال ابن مسعود:
بينا نحن عنده على حرّاء إذ نزلت عليه سورة المرسلات فأخذتها و إن فاه ليرطب بها (1).
و نرى انّ في دور التبليغ العلني كان من خبر الضرير ابن ام مكتوم في ما جاء في روايات تفسير (عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) أن الإقراء كان بعد ذلك علنا، و يظهر من قراءة عبد اللّه بن مسعود سورة الرّحمن في الحرم على قريش و قراءة جعفر بن أبي طالب خبر عيسى بن مريم من سورة مريم على النجاشي في الحبشة أنّهم في مكّة كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب.
1) بترجمة ابن مسعود من مختصر تاريخ ابن عساكر 14/ 47.
كانت تلكم بعض أخبار الإقراء في العصر المكّي، و لمّا أسلم من حجّاج أهل المدينة من أسلم أرسل إليهم قبل أن يهاجر إليها مصعب بن عمير و ابن ام مكتوم يقرءان من أسلم منهم القرآن، و كان مصعب بن عمير يسمّى في المدينة بالمقرئ.
قال زيد بن ثابت: أتى النبي (ص) المدينة و قد قرأت سبع عشرة سورة فقرأت على رسول اللّه (ص) فأعجبه ذلك (1).
و من الأنظمة الّتي سنّها الرسول (ص) في المدينة لإقراء القرآن و تدوينه:
عن عثمان و ابن مسعود و ابيّ أنّ الرسول (ص) كان يقرئهم في مسجده العشر فلا يجاوزونها إلى عشر اخرى حتّى يتعلّموا ما فيها من العلم و العمل فيعلّمنا القرآن و العمل جميعا.
و في رواية:
... لم نتعلّم العشر الّتي بعدها حتّى نعرف حلالها و حرامها و أمرها و نهيها.
و في رواية:
و لا يأخذون في العشر الاخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم و العمل فعلّمنا العلم و العمل (2).
كانوا لا يأخذون في تعلم آيات اخرى حتّى يعلموا ما فيها من العلم و انّها
في أية حادثة نزلت؟ و في شأن من نزلت؟ و كذلك يعلموا ما أوحى اللّه إلى رسوله في بيانها من فنون المعرفة من بدء الخلق إلى المعاد و شرح ما فيها من الحلال و الحرام، أي: يعلموا كل ما فيها من العلم و العمل جميعا، و كذلك كان الصحابة يعلّمون جميع ذلك لمن يقرءونه القرآن في عصر الرسول (ص).
1- جميع أصحاب الرسول (ص) من الرسول (ص) نفسه و أحيانا من القرّاء الّذين عيّنهم الرسول (ص) للإقراء.
2- جميع أهل بيت الصحابة في بيوتهم من أزواجهم و آبائهم من الصحابة كما قال الصحابي لرسول اللّه (ص): (نحن نقرأ القرآن و نقرئه أبناءنا و يقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة).
3- بعض أعضاء الوفود إلى المدينة الذين تعلموا من قرّاء الصحابة الذين تعلموا القراءة من الرسول (ص).
1- مسجد الرسول (ص) لإقراء الرسول (ص) أصحابه.
2- صفة مسجده لتعليم أصحابه من لا مأوى له.
3- جميع دور الصحابة بلا استثناء لتعليم الصحابة أهل بيتهم و أحيانا من يفوّض إليهم الرسول (ص) تعليمه من أعضاء الوفود.
جعل أقرأهم للقرآن إماما للجمعة و الجماعة و واليا عليهم في المدينة و إن كان أصغرهم سنّا، و نشر الاهتمام بحفظ السور الطّوال و خاصّة سورة البقرة
و جعلها شعارا في غزوة حنين، و أمر العباس أن ينادي عند فرارهم: يا أصحاب سورة البقرة! و كذلك تنادوا بها بعد وفاة الرسول (ص) في حرب مسيلمة فتجمهروا في المعركتين و كرّوا و انتصروا، و لم يجر هذا النظام في تعيين قوّاد الجيوش بل اتخذ من أكثرهم دراية لا دارة دفة الحرب لامارة الجيوش في الحروب.
و سمّى الرسول (ص) البقرة و آل عمران بالزهراوين، و كان يقرأهما في صلاة اللّيل و أحيانا يقرأهما مع سورة النّساء.
و كذلك اهتمّ الصحابة بحفظ سورة البقرة عن ظهر قلب مثل الصحابي عمر بن الخطّاب.
و ممّا عمله الرسول (ص) في المفاضلة، أن جعل أكثر الشهداء في أحد حفظا للقرآن أمام أصحابه في القبر.
و قال (ص) في فضل من حفظ القرآن عن ظهر قلب يوم القيامة عدّة أحاديث مثل قوله (ص): من تعلّم القرآن فاستظهره و حفظه أدخله اللّه الجنّة و شفّعه في عشرة من أهل بيته.
و قال في فضل تعليم القرآن: يا عليّ! تعلّم القرآن و علّمه الناس فلك بكل حرف عشر حسنات، فإن متّ متّ شهيدا ... حجّت الملائكة إلى قبرك كما تحجّ الناس إلى بيت اللّه العتيق.
و قوله (ص): ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه و يتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفظتهم الملائكة و ذكرهم اللّه في من عنده.
و نتيجة كلّ ذلك، كان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه (ص) أن يخفضوا أصواتهم لئلّا يتغالطوا، و أصبحت دور
المهاجرين و الأنصار أماكن لإقراء القرآن، و على أثر ذلك كثر في الصحابة من حفظ القرآن عن ظهر قلب، و بلغ عدد القرّاء منهم درجة لا يمكن حصرهم و عدّهم إلّا من ذكر اسمهم لمناسبة؛ مثل خبر القرّاء السبعين من شبّان الأنصار يقال لهم القرّاء، يتدارسون القرآن ليلا، فأرسلهم الرسول (ص) ليقرئوا بعض القبائل العربية خارج المدينة، فاستشهدوا جميعا غير واحد منهم، و وجدنا ذكر قرابة أربعين صحابيا ذكرت أسماؤهم في مناسبات في عداد القرّاء و جامعي القرآن، و كان فيهم مثل عبد اللّه بن عمرو بن العاص، الّذي أراد أن يختم القرآن في ليلة، فنهاه الرسول (ص) عن ذلك، و أرشده إلى أن يقرأه في سبع ليال، و كل ذلك يناقض ما رواه أنس من أنّه حصر من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) في الأنصار دون المهاجرين، و- أيضا- جعل هذه الميزة لقبيلته من الخزرج دون قبيلة الأوس من الأنصار.
اهتمّ الرسول (ص) بذكر سورة هود و أخواتها الواقعة و الحاقة و إذا الشمس كورت و المرسلات و عمّ يتساءلون و القارعة و سأل سائل لما جاء فيها من تخويف، و أمثلة ممّا جرى على الامم السالفة من العذاب.
و قال- أيضا-: اعطيت مكان التوراة السّبع الطّوال و اعطيت مكان الزبور المئين، و اعطيت مكان الإنجيل المثاني و فضلت بالمفصل.
و السبع الطوال: البقرة و آل عمران و النّساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و الكهف، و المئون: ما وليها سمّيت بذلك لأنّ كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها، و المثاني: ما ولي المئين، و المفصل: ما ولي المثاني في قصار السور إلى آخر سورة الناس بلا نزاع (1).
1) الإتقان للسيوطي 1/ 65.
و سنّ نظاما للمفاضلة بحفظ القرآن، و خاصّة السور الطّوال، و عيّن ممّن حفظ السور الطّوال الولاة، و كذلك كان شأنه و شأن سائر المسلمين في مجتمعاتهم خارج المدينة، حيث أرسل لكل مجتمع إسلامي مقرئا يقرئهم القرآن و يحذون حذوه في أمر نشر تعليم القرآن في تلكم المجتمعات، و لا يتيسر إحصاء من حفظ القرآن عن ظهر قلب من المسلمين في عصر الرسول (ص)، و كذلك من كتبه مع بيان الرسول حوله و الّذي تلقاه بواسطة الوحي.
و ما روي عن أنس في حصر من جمع القرآن من أقربائه عن ظهر قلب بأربعة أو خمسة فإنّه مردود بما تواتر من أخبار من جمع القرآن و كتبه من غير أفراد قبيلته، و ما بلغنا من أخبار من جمع القرآن أو كتبه أو حفظ منه ما حفظ إنّما ذكر لمناسبة استدعت ذكر من حفظه عن ظهر قلب أو جمعه؛ مثل خبر عبد اللّه بن عمرو الّذي كان قد جمع القرآن و كان يريد أن يتلوه في أقل من سبع ليال، فنهاه الرسول (ص) عن ذلك؛ و مثل خبر المصحف الّذي كان في بيت الرسول (ص) و جمعه الإمام عليّ و عرضه عليهم في مسجد الرسول (ص) فأبوا أن يقبلوه؛ و خبر إملاء ابن مسعود القرآن في الكوفة عن ظهر قلب و عدم تسليمه مصحفه لوزعة الخليفة عند ما أحرقوا نسخ القرآن عند الصحابة، أو خبر الشهيدة امّ ورقة من النّساء، أو خبر من كان كتب في مصحفه مع كل آية تفسيرها- أي ما بيّن الرسول (ص) في حديثه حولها- فقرض الخليفة عمر تفسير الآيات بالمقراضين، أو خبر حفظ زيد بن ثابت سبع عشرة سورة من القرآن قبل أن يهاجر الرسول (ص) إلى المدينة، أو قول ابن مسعود أخذت من في رسول اللّه (ص) نيفا و سبعين سورة و زيد له ذؤابتان، أو نحر الصحابي جزورا عند إتمامه حفظ سورة البقرة عن ظهر قلب، أو مثل خبر اشتراك ثلاثة آلاف قارئ في معركة اليمامة قرابة سنة بعد وفاة الرسول (ص) في جيش بلغ عدد أفراده ثلاثة عشر ألف مقاتل أكثرهم من أعراب البوادي.
و إذا كان في هذا الجيش وحده ثلاثة آلاف قارئ فكم كان عدد القرّاء الّذين لم يشتركوا مع هذا الجيش ممن كانوا في المدينة و مكة و الطائف و سائر المجتمعات الإسلامية يومذاك؟ مثل الإمام عليّ من الرجال و القارئة الشهيدة أم ورقة من النّساء في المدينة، و صرّح المؤرخون انّ عدد القتلى من المسلمين كان أربعمائة و خمسين أو خمسمائة و في الشهداء خمسون أو ثلاثون من حملة القرآن.
ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أسماءهم و أنسابهم كما ذكروا في سائر كتب السيرة أسماء الشهداء في غزوة بدر و أحد و غيرهما من غزوات الرسول (ص).
و بناء على ذلك بقي من القرّاء في ذلك الجيش وحده خمسون و تسعمائة و ألفا قارئ على أقل تقدير، و ان هذه الأخبار تناقض ما رووا.
كان ذلكم موجزا عامّا لأخبار القرآن في عصر الرسول (ص)، و في ما يأتي نورد بإذنه تعالى موجز أخبار تدوين القرآن في ذلك العصر.
عند ما هاجر الرسول (ص) إلى المدينة كان فيها من الأوس و الخزرج أحد عشر رجلا يكتب بالإضافة إلى سبعة عشر رجلا من القرشيين الّذين كانوا يكتبون في مكّة و هاجروا متدرّجا إلى المدينة، و من النّساء المهاجرات الشّفاء بنت عبد اللّه القرشية العدوية و هي الّتي علّمت حفصة الكتابة (1).
و في ترجمة الحكم عبد اللّه بن سعيد بن العاص الأموي من أسد الغابة
1) بترجمتها من الاستيعاب 2/ 185- 186، و الإصابة. أسلمت الشّفاء قبل الهجرة و هي من المهاجرات الأوائل، و بايعت النبيّ قبل الهجرة، و كانت من عقلاء النّساء، و راجع أمر الخط في فتوح البلدان.
و الإصابة: أنّه قدم على النبيّ (ص) مهاجرا و كان اسمه الحكم، فسمّاه النبيّ (ص) عبد اللّه، و كان يكتب في الجاهلية، فأمره رسول اللّه (ص) أن يعلّم الكتاب بالمدينة، و كان كاتبا محسنا. و جعل فدية من يعرف الكتابة من أسرى قريش في غزوة بدر تعليم كل واحد منهم الكتابة لعشرة من صبيان المدينة.
و انتشرت القراءة و الكتابة في المدينة بين الكبار و الصغار و الرجال و النّساء، فقد كان في النّساء ممّن تكتب: حفصة زوجة الرسول (ص) و امّ كلثوم بنت عقبة و عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص و قد علّمها أبوها الكتابة و كريمة ابنة المقداد و زوجتا الرسول (ص) عائشة و ام سلمة كانتا تقرءان و لا تكتبان.
كان تدوين القرآن بوحي من اللّه و تعليم الرسول (ص) مصداقا لقوله تعالى:
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، قال الصحابي عثمان بن أبي العاص: كنت عند رسول اللّه (ص) إذ شخص ببصره ... فقال: أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ....
و كان رسول اللّه (ص) يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد- الآيات الكثيرة- و كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة الّتي تقول فيها كذا و كذا ...
و كان الرسول (ص) يهتم بانتشار تعلّم الكتابة في المسلمين لتدوين القرآن إلى جنب جمعهم القرآن حفظا عن ظهر قلب، و لا يتيسّر إحصاء من جمع القرآن حفظا عن ظهر قلب في عصر الرسول (ص) من الصحابة فقد مرّ بيان أنّه كان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجّة بتلاوة القرآن فأمرهم رسول اللّه (ص) أن يخفضوا أصواتهم لئلّا يتغالطوا، و كان حفظهم للقرآن عن ظهر قلب حفظ نصّ كلام اللّه سبحانه.
كلام اللّه سبحانه.
و كذلك كان من تعلّم الكتابة يتسابق إلى تدوين القرآن على ما حضره يكتب عليه كما تعلّمه من الرسول (ص)، أي أنّه كان يكتب النص القرآني مع بيان الرسول (ص) ممّا اوحي إليه في تفسير الآيات؛ فإنّ ابن مسعود مثلا كان ممّن تعلّم من الرسول (ص) عشر آيات عشر آيات من القرآن مع ما اوحي إلى الرسول (ص) حولها من العلم، و عند ما قال: (أخذت من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة و إنّ زيد بن ثابت له ذؤابتان)، أي أخذها من في رسول اللّه (ص) مع ما اوحي إليه في بيانها، و عند ما كتب نسخته من المصحف كتب فيه ما أخذه من كلام اللّه الّذي أوحاه إلى رسوله (ص) مع بيانه الّذي- أيضا- أوحاه إلى رسوله (ص)، و لم ينحصر ما أخذه من في رسول اللّه (ص) بالسبعين سورة، و انّما استمرّ أخذه من في رسول اللّه (ص) بعد ذلك- أيضا- حتّى كتب المصحف كاملا على عهد الرسول (ص) كذلك، و- أيضا- لم ينحصر أمر أخذ القرآن و تفسيره من في رسول اللّه (ص) و كتابته كذلك بالصحابي ابن مسعود و إنّما قام بذلك كل من استطاعه و الّذي مرّ بنا ذكره.
و من هنا نعتقد أنّه لا يمكن التكهن بعدد من جمع القرآن عن ظهر قلب من المسلمين في المدينة و خارجها قبيل وفاة الرسول (ص) بالمئات و لا بالالوف، و كذلك لا يمكن حصر من كتبه منهم بالمئات و لا الألوف.
أوصى الرسول (ص) ابن عمّه عليّا أن لا يرتدي رداءه حتّى يجمع القرآن الّذي كان في بيته مكتوبا على الورق و الخشب و الجلد و غيرها، و كان مكتوبا مع آيات ذلك القرآن ما اوحي إلى الرسول (ص) في معناه و أملاه الرسول (ص) بلفظه، فلمّا أتمّ جمعه و جاء به مع غلامه قنبر إلى المسجد يحملانه قالوا له: ارفعه لا حاجة لنا به فأرجعه إلى بيته.
قال فيه ابن سيرين إنّه كتبه على تنزيله، فلو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم.
و قال له الصحابي عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن بما يدعونا إليه.
مرّ بنا أنّ الصحابي عمر منع من كتابة وصيّة الرسول (ص) في آخر ساعة من حياته (ص) و قال: حسبنا كتاب اللّه.
و لمّا ولي الخلافة الصحابي القرشي أبو بكر جمع الناس و قال في حديثه معهم: (... فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلوا حلاله و حرموا حرامه).
و كان الرسول (ص) قد أنبأ عن هذا الموقف في قوله (ص):
(أ يحسب أحدكم متّكئا على أريكته قد يظنّ أنّ اللّه لم يحرّم شيئا إلّا ما في هذا القرآن، ألا و إنّي قد أمرت و وعظت و نهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر) (1).
إنّها لمثل القرآن؛ لأنّه تلقّاها عن طريق الوحي من اللّه و أكثر من القرآن في شرح أحكام الإسلام و شأن نزول القرآن و ذم اناس و الثناء على آخرين، كما مرّ بنا في ما سبق.
و من أخبار القرّاء في عصر الخليفة أبي بكر أنّه بعد وفاة رسول اللّه (ص) بما يقارب سنة بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة و معه ثلاثة عشر ألف مقاتل فلمّا التقوا انكشف الجيش الإسلامي لكثرة ما فيه من الأعراب، و كان في الجيش ثلاثة آلاف من قرّاء القرآن فنادوا: يا خالد خلصنا- يقولون ميزنا- من هؤلاء الأعراب، فميّزوا و صدقوا الحملة و قاتلوا قتالا شديدا، و جعلوا يتنادون يا أصحاب سورة البقرة فلم يزل ذلك دأبهم حتى فتح اللّه.
و في تاريخ خليفة بن خياط: كان جميع القتلى من المسلمين أربعمائة و خمسين رجلا أو خمسمائة رجل، و كان ممن قتل من المهاجرين و الأنصار مائة و أربعون رجلا فيهم خمسون أو ثلاثون من حملة القرآن (2).
كانت تلكم أخبار القرّاء و القرآن على عهد الخليفة الأوّل، و لم يطل به الزمن و توفّي لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرةا.
النبويّة (1)بعد أن ولّى على المسلمين الصحابي القرشي عمر بن الخطاب، و كان من أخبار الكتاب و السنّة في عهده ما يأتي ذكره بإذن اللّه تعالى.
ذكرنا أنّ الخليفة عمر هو الصحابي الّذي رفع- حسب اجتهاده- بكل صلابة، شعار: حسبنا كتاب اللّه في وجه رسول اللّه (ص) و في آخر ساعة من حياته، و على أثر ذلك وقع ما وصفه ابن عم الرسول (ص) عبد اللّه بن عباس بقوله: (الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (ص) و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب) و (بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء) (فلمّا أكثروا اللغط قال رسول اللّه (ص): قوموا عنّي لا ينبغي عند نبي تنازع) (2)
و ينبغي لي أن أسجّل هنا و أقول: يحز في نفسي أن أذكر أمثال هذه الحوادث من تاريخنا الإسلامي و أنا أعلم ان بسبب ذكرها تنقبض عني نفوس كريمة عليّ و لكن لا بدّ ممّا لا بدّ منه، فإنّه لن يتيسّر لنا دراسة الروايات الّتي تبعث الشك في ثبوت النصّ القرآني كما اوحي إلى الرسول (ص) دون دراسة أسباب انتشار تلكم الروايات، كما قمنا به في هذه البحوث بمنّه تعالى.
.و عمل باجتهاده في عصر خلافته بكلّ شدّة و قوّة و رفع شعار: جرّدوا القرآن من حديث الرسول، كما مرّ بنا نقلا عن تاريخ الطبري في ذكر بعض سيرة الخليفة عمر أنّه كان إذا استعمل العمال خرج يشيعهم و يقول لهم: (جردوا القرآن
1) عهد الخلفاء الراشدين من تاريخ الإسلام للذهبي، ط. القاهرة سنة 1367، 1/ 387.
2) راجع صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، 1/ 22، و كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، 2/ 136، و كتاب الاعتصام بالكتاب و السنّة، باب كراهة الخلاف، 4/ 180، و كتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عنّي، 4/ 5، و كتاب المغازي، باب مرض النبي (ص)، 3/ 62، و كتاب الجهاد و السير، باب: هل يستشفع إلى أهل الذمة و معاملتهم، 2/ 120؛ و صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية بآخر الباب، 5/ 75، و راجع سائر مصادره في أوّل بحث السقيفة من (عبد اللّه بن سبأ، ج 1).
و أقلوا الرواية عن محمّد و أنا شريككم). و كان من الولاة الّذين أوصاهم بذلك:
أ- أبو موسى الأشعري، كما رواه ابن كثير في تاريخه و قال: لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل فدعهم على ما هم عليه و لا تشغلهم بالأحاديث و أنا شريكك في ذلك، قال ابن كثير: (و هذا معروف عن عمر) (1).
ب- قرظة بن كعب الّذي قال ما موجزه: لما سيّرنا عمر إلى العراق خرج يشيّعنا و قال لنا- خارج المدينة-: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول اللّه (ص) و أنا شريككم! قال قرظة: فما حدّثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص)، و كان إذا قالوا له:
حدّثنا، يقول: نهانا عمر.
و نكل بصبيغ بن عسل من أشراف قبيلة تميم حيث كان يدور في الأجناد، الكوفة و البصرة يسأل عن تفسير آيات القرآن حتى بلغ جند الاسكندرية فأخبر والي الاسكندرية عمرو بن العاص الخليفة بذلك فطلب منه إرساله إلى المدينة، فلمّا اخبر الخليفة بوصوله، أحضر رطائب من جريد نخل و ضربه حتى دمي رأسه فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك قد ذهب الّذي كنت أجده، ثمّ تركه حتى برئ ثمّ عاد حتّى اضطربت الدماء في ظهره ثمّ تركه حتّى برئ.
و في الثالثة قال له صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا و إن كنت تريد أن تداويني فقد و اللّه برئت (2)
و قد مرّت مصادره مفصّلا.
. أرسله على قتب إلى أبي موسى الأشعري و كتب ألّا يجالس صبيغا و أن يحرم عطاءه و رزقه. قال الراوي: فلو جاءنا و نحنا.مائة لتفرقنا عنه. و في رواية اخرى: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنّه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة و يجلس و هم لا يعرفونه فتناديهم الحلقة الاخرى عزمة أمير المؤمنين عمر فيقومون و يدعونه، فلم يزل كذلك حتّى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة أنّه لا يجد في نفسه ممّا كان شيئا فكتب في ذلك إلى الخليفة، فكتب إليه ما أخاله إلّا قد صدق فخل بينه و بين مجالسة الناس، فلم يزل و ضيعا في قومه بعد أن كان سيّدا فيهم (1).
كان ذلكم عمله مع من يسأل عن تفسير القرآن، و في الخبر الآتي عن عمله في من كان معه مصحف فيه تفسير:
في كنز العمال عن عامر الشعبي قال: كتب رجل مصحفا و كتب عند كل آية تفسيرها فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين (2).
كل ما ذكرناه كان يخص أمر تفسير القرآن و كان مهتما بأمر تعليم تلاوة القرآن، و كان ممّن يعلم تلاوة القرآن من عمّاله أبو موسى الأشعري، كما جاء بترجمته من حلية الأولياء (1/ 256) بسنده عن أبي رجاء العطاردي أنّه قال:
كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد، مسجد البصرة يقعد حلقا، فكأنّي أنظر إليه بين بردين أبيضين يقرئني القرآن و منه أخذت هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال أبو رجاء: فكانت أوّل سورة انزلت على محمّد رسول اللّه (ص).
و مرّ بنا أنّ ابن مسعود كان يملي القرآن على الناس في الكوفة عن ظهر قلبه.
و أنّ الخليفة كتب إلى امراء الأجناد أن ارفعوا إلي كل من حمل القرآن (أي3.
حفظه عن ظهر قلب) حتّى الحقهم في الشرف من العطاء و ارسلهم في الآفاق يعلّمون الناس، فجمع أبو موسى الأشعري القرّاء و قال: لا تدخلوا عليّ إلّا من جمع القرآن، فدخل عليه زهاء ثلاثمائة قارئ جمع القرآن.
و أنّ عبد الرّحمن بن ملجم كان من قرّاء القرآن فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: قرّب داره من المسجد ليعلّم الناس القرآن و الفقه (1).
و أنّه أرسل إلى مدن الشام للإقراء معاذ بن جبل و أبا الدرداء و عبادة بن الصامت، و أن أبا الدرداء كان إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه فكان يجعلهم عشرة عشرة و على كل عشرة عريفا و يقف و هو في المحراب يرمقهم ببصره فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله، و أنّه ناف عددهم على ألف و ستمائة، و يظهر من الرواية الآتية انّ بعضهم كان يسافر إلى المدينة لأخذ القرآن من منبعه مباشرة.
جاء في مصاحف ابن أبي داود السجستاني:
عن عطية بن قيس قال: انطلق ركب من أهل الشام إلى المدينة يكتبون مصحفا لهم فانطلقوا معهم بطعام و ادام فكانوا يطعمون الذين يكتبون لهم، قال و كان ابيّ بن كعب يمرّ عليهم يقرأ عليهم القرآن. قال: فقال له عمر: يا ابيّ بن كعب كيف وجدت طعام الشامي؟ قال: لأوشك إذا ما نشبت في أمر القوس ما أصبت لهم طعاما و لا إداما (2)
و عطية بن قيس الكلابي أبو يحيى الحمصي و يقال الدمشقي، و قال عبد الواحد بن قيس كان الناس يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس، و توفّي سنة 110 ه. تهذيب التهذيب 7/ 228.
.8.أمر بكتابة سبعة مصاحف مجرّدة من حديث الرسول (ص)، و وزّعها على امّهات البلاد الإسلامية، و بحرق ما عداها من مصاحف الصحابة.
فأحرقوا ما تمكّنوا من إحراقه من مصاحف الصحابة و نسخ المسلمون المصاحف في شتى البلاد الإسلامية على النسخ السبع في عصر عثمان و العصور الّتي كانت بعده و إلى عصرنا الحاضر.
بعد تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) في عصر الخلفاء الصحابة القرشيين الثلاثة، و أمرهم بقراءة القرآن مجرّدا من حديث الرسول (ص)، و منعهم الشديد من كتابة حديث الرسول (ص) و نشره، فتح الإمام عليّ على عهده باب نشر سنّة الرسول (ص) على مصراعيه سواء في تفسير القرآن و غيره من فنون المعارف الإسلامية أو في خطبه و كتبه إلى ولاته، و حثّ من كان معه من الصحابة على نشر حديث الرسول (ص).
و أملى على تلاميذه خاصّة أمثال ميثم التمار و ابن عباس ما حملوه عنه في تفسير القرآن عن الرسول (ص).
و أجرى لمن ولد في الإسلام و قرأ القرآن في كلّ سنة مائتي دينار و فرض للكبار الذين قرءوا القرآن- أصبحوا من القرّاء- ألفين ألفين، و على أثر ذلك تنامى عدد القرّاء في عصره، و كان يسمع من مسجد الكوفة ضجّة تلاوة القرآن، كما كان ذلك شأن مسجد الرسول (ص) في عصره، و بلغ عدد القرّاء معه و في جيشه بصفين عشرين ألف قارئ.
و أسّس لحفظ القرآن من الخطأ في القراءة، علم النحو، و سلّم ما كتبه إلى تلميذه أبي الأسود الدؤلي.
أعادوا سيرة الخلفاء الصحابة الثلاثة قبل الإمام عليّ في أمر القرآن و الحديث غير أنّ زيادا دفع أبا الأسود إلى نشر علم النحو، الّذي تعلّمه من أستاذه الإمام عليّ فوضع علامات الاعراب في أواخر كلمات القرآن، و أبدل الخليل بن أحمد تلك النقاط بعلامات الاعراب المتداولة إلى عصرنا الحاضر.
أمر أبو جعفر المنصور سنة 143 ه العلماء بكتابة العلم فكتبوا السيرة و الحديث و تفسير القرآن، و حرّض مالك بن أنس فكتب الموطّأ و أشهره بين المسلمين، و كذلك فعل في بادئ الأمر مع أبي حنيفة و انتشر منذ ذلك العصر حتى اليوم كتابة تفسير القرآن، أمّا القرآن فقد بقي ينسخ في عصره حتى عصرنا الحاضر كما نسخ على عهد عثمان.
إلى هنا أوردنا بحوثا مفصّلة لتمهّد لنا السبيل لدراسة روايات المجموعات الأربع الآنفة، و بعد هذا ينبغي تقديم خلاصة بحوث المجلّدين، ثمّ المقارنة بينها و بين تلكم الروايات، فنستعين اللّه و نقول:
كان العربي الجاهلي مغرما بالأدب الرفيع نظما و نثرا و يستعمل ذاكرته لحفظ القصيدة الرائعة الطويلة أو الخطبة البليغة إذا سمعها لأوّل مرّة فيحفظها عن ظهر قلب و امتاز بذينك على غيره من أفراد البشر أبد الدهر، و كانوا يجتمعون في أسواقهم بنواحي مكّة في الأشهر الحرم، و يتبارى شعراؤهم فيها بإنشاد قصائدهم، و يحمل الحاضرون ما سمعوه إلى قبائلهم و من يمرون عليهم من أهل المنازل في طريقهم، و بذلك تنتشر تلك القصائد و الخطب إلى جميع القبائل في شبه الجزيرة العربية، و قد مرّ بنا خبر الصبي الجرمي عمرو بن سلمة الّذي حفظ قرآنا كثيرا ممّا سمعه من الحجّاج المشركين لدى عودتهم من الحجّ و كانوا يخبرون من يمرون عليهم من أهل المنازل بمبعث النبيّ (ص) و يتلون عليهم ما سمعوه منه في تلاوته القرآن بصلاته في البيت الحرام، و لم يكونوا قد اجتمعوا بالرسول (ص) ليتعلّموا منه القرآن و يحفظوا ما علّمهم منه، بل كان حفظهم للقرآن بمجرّد سماعهم تلاوته للقرآن مرّة واحدة.
كان ذلكم شأن العرب في حفظ القرآن قبل أن يؤمنوا بالقرآن و يسلموا على يد رسول اللّه (ص)، و كان شأنهم و شأن الرسول (ص) معهم في أمر القرآن بعد إسلامهم ما مرّ بنا أخبارهم. و مرّ بنا من أخبار القرآن أنّ الرسول (ص) كان يوحى إليه لفظ القرآن و معناه و انّه (ص) كان يعلّم أصحابه في مسجده عشر آيات عشر آيات لا يتعدّون العشرة حتّى يتعلّموا ما فيها من العلم و العمل، أي: يتعلّموا تفسيرها مع تلاوتها.
و عرفنا أنّهم كذلك كانوا يكتبون القرآن مع ما تعلّموه في تفسيره في مصاحفهم و أن الخليفة أبا بكر قال: لا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلوا حلاله و حرموا حرامه.
و أفصح الخليفة عمر عن الهدف و رفع شعار جرّدوا القرآن من حديث الرسول، و بدءوا بتدوين القرآن مجرّدا من حديث الرسول (ص) في عهد أبي بكر، و تمّ الأمر على عهد الخليفة عمر، فأودعه عند ابنته امّ المؤمنين حفصة، و نهى عن نشر حديث الرسول (ص)، و أحرق المكتوب منه، و عاقب و نكّل بمن سأل عن تفسير القرآن، و أخذ مصحفا كان لرجل قد كتب عند كل آية تفسيرها، فقرض التفسير بالمقراضين.
و على عهد الخليفة عثمان، استعار المصحف المودع عند امّ المؤمنين حفصة، و نسخ عليه سبع نسخ، و وزّعها على امّهات البلاد الإسلامية، و أمر بإحراق سائر المصاحف، و أبى ابن مسعود أن يسلّم مصحفه، فجرى بينه و بينهم ما جرى.
و مرّ بنا أنّ سبب تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) و النهي عن رواية حديثه ما كان فيه من مدح لأشخاص و ذمّ لآخرين ممّا يخالف سياسة الحكم، و لهذا السبب كان الخليفة عمر و الخليفة معاوية يقولان: لا تحدّثوا عن رسول اللّه (ص) إلّا في ما يعمل به.
و كان في الصحابة من يسمع من غيره و يقول: قال رسول اللّه (ص)، و كان فيهم مثل الصحابي الراوية أبي هريرة الّذي كان يروي ما سمعه من كعب الأحبار عن رسول اللّه (ص)، و لذلك ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة.
و على عهد معاوية كتب إلى عماله أن يدعوا الناس إلى رواية فضائل عثمان و يدنوا مجالس من يروي فضائله و مناقبه و يقربوهم و يكرموهم و يكتبوا إليه بكل ما يروي كل رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته، ففعلوا ذلك حتّى
أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لما كان يبعث إليهم معاوية من الصّلات و الكساء و الحباء و القطائع و يفضيه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كل مصر و في كل وجه و ناحية و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فكتب إلى عمّاله: إنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر فإذا جاءكم كتابي فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأوّلين و لا تتركوا خبرا يرويه أحد في أبي تراب إلّا و تأتوني بمناقض له، فرويت أخبار كثيرة في مناقبهم ثمّ حدّث بها على صهوات المنابر و القيت إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموه كما يعلّمون القرآن و علّموها أبناءهم و نساءهم و خدمهم و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة، و سار على نهجه سائر الخلفاء من بني اميّة ما عدا عمر بن عبد العزيز.
و كان في من جاء بعد الصحابة من الرواة من يكذب في أسانيد الأحاديث، و في أخريات القرن الثاني انتشرت الزندقة، و قصدوا إفساد الشريعة و إيقاع الشك فيها في قلوب العوام، و وضعوا من الأحاديث ما اللّه به عليم، و تتبّعنا عمل واحد منهم، و ذكرنا بعض ما وضعه في مجلّدات (عبد اللّه بن سبأ) و (خمسون و مائة صحابي مختلق)، و نرى أن روايات اسطورة الغرانيق و روايات خنق جبرائيل للنبي (ص) عند أوّل مرّة يلقى الوحي من عملهم.
و في عصر التدوين كان في الزنادقة من يأخذ من شيخ مغفل كتابه فيدسّ فيه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنّا منه أنّ ذلك من حديثه.
و على عهد أبي جعفر المنصور لمّا أراد تنصيب ابنه المهدي وليّا للعهد تبرّع منهم مطيع بن اياس بوضع حديث قال فيه: ان الرسول (ص) قال: (المهدي منّا محمّد بن عبد اللّه و امّه من غيرنا ...) قال ذلك لأنّ امّ المنصور المكنّاة ام موسى كانت ابنة منصور بن شهر الحميري و لم تكن هاشمية.
و قال مطيع: و هذا العباس بن محمّد أخوك يشهد بذلك و صدّقه العباس
مخافة من المنصور (1).
و كان في المحدّثين من غير الزنادقة- أيضا- من يضع الأحاديث تزلّفا إلى الحكام مثل غياث بن إبراهيم الّذي دخل على الخليفة العباسي المهدي و ألحق بحديث (لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل) (أو جناح) لأنّ الخليفة كان مولعا بحبّ الحمام فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلمّا قام قال المهدي:
أشهد أن قفاك قفا كذّاب على رسول اللّه (ص) و إنّما استجلبت أنا ذلك فأمر بالحمام فذبحت (2).
إذا فإنّ الراوي الأوّل المتهم بالزندقة افترى حديثا على رسول اللّه (ص) تزلّفا للخليفة، و المحدّث الثاني ألحق بالحديث ما لم يكن فيه تزلّفا إلى الخليفة، و اختلطت الأحاديث الموضوعة بالأحاديث الصحيحة و أوجدت تناقضا، ندرس شيئا منها في دراستنا المقارنة لروايات المجموعات الآنفة في ما يأتي بإذنه تعالى:ب.
وجدنا في روايات الصحيحين و سائر كتب الحديث عن الصحابي أنس بن مالك أن رسول اللّه (ص) و الخلفاء كانوا يجهرون بقراءة البسملة في سورة الحمد من الصلاة الجهرية.
و وجدنا- أيضا- فيها عن الصحابي أنس أنّه قال: صليت خلف النبيّ (ص) و أبي بكر و عمر و عثمان فكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين لا يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
و لم نجد أي سبيل لحلّ هذا التناقض في معرفة الروايات الصحيحة منها إلّا في ضوء البحوث السابقة. فقد رأينا كيف تبرّع المتهم بالزندقة باختلاق رواية افترى بها على رسول اللّه تزلّفا للخليفة، و تبرع المحدّث الثاني احتسابا للخير بإلحاق (الجناح) بالحديث تزلّفا إلى الخليفة و تبريرا لولعه بلعب الحمام.
و كذلك كان شأن من روى أنّ النبيّ (ص) و الخلفاء كانوا يستفتحون بالحمد و لا يقرءون البسملة، فإنّهم لمّا رأوا أنّ الخليفة معاوية عند ما أسقط البسملة عن الحمد في صلاته بالصحابة في مسجد الرسول (ص)، ثار عليه الصحابة و قالوا له:
أ سرقت الصلاة أم نسيت؟ تبرعوا بوضع روايات عدم قراءة الرسول (ص) و الخلفاء بعده البسملة في الحمد احتسابا للخير و حفظا لكرامة خليفة المسلمين معاوية!! و بما أنّ المدينة لم تكن- في عصر الصحابة و التابعين الذين أنكروا على معاوية تركه قراءة البسملة- محلّا مناسبا لوضع روايات عدم قراءة الرسول (ص) و الخلفاء البسملة؛ نرى أن تلكم الروايات بادئ بدء رويت في غير المدينة مثل بلاد الشام الّتي استطاع معاوية ان يبعد الصحابة عنها ليخفي عن أهلها معالم
الإسلام، بعد ذلك انتشرت تلكم الروايات في سائر البلاد خارج المدينة، ثمّ انتقلت إلى المدينة بعد عصر الصحابة و التابعين و قبل عصر التدوين. و في عصر التدوين دوّنت المجموعتان المتناقضتان في شأن البسملة في باب ذكر البسملة من كتب الحديث.
و هكذا انتشرت الروايات المتناقضة الّتي رويت في شأن القرآن.
جاء في روايات صحيحي البخاري و مسلم و غيرهما من كتب السنن و المسانيد و المعاجم الحديثية ما خلاصته:
أ- أنّ الرسول (ص) و جميع الصحابة أهملوا تدوين القرآن، و عند ما استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة خشي الخليفة أبو بكر أو الصحابيان زيد و عمر أن يذهب كثير من القرآن فعزموا على جمع القرآن، و لست أدري كيف استحر القتل بالقرّاء و كان عددهم قريبا من ثلاثة آلاف قارئ فقتل منهم على أكثر تقدير خمسون قارئا!؟
لست أدري كيف رووا أن القرآن لم يجمع قبل ذلك و مرّ بنا أن ختن الخليفة عمر بن الخطاب و أخته كان في بيتهما بمكّة القرآن مكتوبا يتدارسونه، و في المدينة كان رسول اللّه (ص) كلما نزل عليه شيء من القرآن أمر من حضر من كتّابه أن يكتبه في محلّه من السورة كما عيّنه جبرائيل بوحي من اللّه.
و قد مرّ بنا في بحث المصطلحات أنّ الكتاب مصدر سمّي به المكتوب، و بناء على ذلك، فإنّ القرآن الكريم كان مجموعا في كتاب في زمن الرسول (ص)، و إلى هذا أشار أستاذ الفقهاء السيّد الخوئي و قال:
(و قد اطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة، و في قول
النبيّ (ص): (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي) و في هذا دلالة على انّه كان مكتوبا مجموعا، لأنّه لا يصح إطلاق الكتاب عليه و هو في الصدور، بل و لا على ما كتب في اللخاف، و العسب، و الأكتاف، إلّا على نحو المجاز و العناية، و المجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فان لفظ الكتاب ظاهر في ما كان له وجود واحد جمعي، و لا يطلق على المكتوب إذا كان مجزّأ غير مجتمع، فضلا عمّا إذا لم يكتب، و كان محفوظا في الصدور فقط) (1).
و أمر رسول اللّه (ص) عليّا من بعده أن لا يرتدي رداءه حتى يجمعه، ففعل كما مرّ بنا خبره، و إنّما اهتمّ الرسول (ص) بنشر الكتابة في المدينة ليكتب المسلمون القرآن و حث أصحابه على جمع القرآن حفظا و تدوينا و حرّضهم على تلاوة القرآن في المصحف و إن كانوا قد جمعوه حفظا عن ظهر قلب.
فتسابقوا على تدارسه و حفظه و تدوينه في المصحف و ذكروا أن عبد اللّه بن مسعود كان له مصحف و مع ذلك كان يملي القرآن عن ظهر قلب، و كان لكلّ من امّهات المؤمنين عائشة و حفصة و ام سلمة مصحف، و كذلك كان لغيرهم من الصحابة مصاحف، و لا يمكن إحصاء من كان عنده مصحف من الصحابة، و إنّما ذكر أسماء بعض من كان عنده مصحف منهم لمناسبة في بعض أخباره، و قد مرّ بنا أنّ جيش معاوية رفعوا يوم صفين خمسمائة مصحف على الرّماح، فكم كان عدد المصاحف الّتي كانت في بلاد الشام و عند غير من حضر منهم في جيش معاوية، و كم كان عدد المصاحف في جيش الإمام عليّ، و كم عدد المصاحف في الكوفة و البصرة و المدينة و مكّة و بلاد اليمن و الاسكندرية و في آلاف البلاد الإسلامية الاخرى، و متى كتبت تلك المصاحف؟
ب- جاء في الروايات أنّهم عند ما قاموا بجمع القرآن كانوا لا يقبلون شيئا1.
1) تفسير البيان للسيّد الخوئي، ص 271.
إلّا بشهادة اثنين، و وجدوا (لقد جاءكم رسول ...) في آخر سورة براءة عند خزيمة، و لم يجدوها عند غيره فكتبوها؛ لأنّ الرسول (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين.
و أنّ زيدا قال: فقدنا آية من الأحزاب حتى نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللّه (ص) يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الآية/ 23، فألحقناها بها.
أو أنّهم على عهد عثمان ربّما اختلفوا في كتابة آية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص)، و لعلّه يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها و ما بعدها و يدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه فيأخذونها منه.
لست أدري، كيف رووا في ما وصفوه بالصحيح كلّ ذلك؟ أو لم يكن في المدينة من الصحابة أمثال عبد اللّه بن عمرو الّذي أراد أن يقرأ القرآن بصلاة الليل ليلة واحدة، فنهاه الرسول (ص) عن ذلك! و أين كان عنهم الإمام عليّ و مصحفه الّذي جمعه من بيت الرسول (ص)، و عبد اللّه بن مسعود الّذي كان يملي القرآن عن ظهر قلب و له مصحف لم يسلّمه لوزعة الخليفة عند ما أرادوا حرق المصاحف؟ و أين كان عنهم آلاف القرّاء الذين كانوا قد جمعوا القرآن على عهد الرسول (ص) ممّن ذكرنا أسماء بعضهم في ما سبق؟ و أ لم يكن زيد بن ثابت نفسه ممّن جمع القرآن على عهد الرسول (ص) و كان قد حفظ من القرآن قبل هجرة الرسول (ص) إلى المدينة سبعا و ثلاثين سورة؟
لست أدري كيف يروون ما رووا و قد كان في البصرة وحدها على عهد الخليفة عمر ثلاثمائة قارئ ممّن جمع القرآن، و كان في الشام من الصحابة من يملي القرآن على ألف و ستمائة متعلّم؟
و أخيرا كيف يروون أنّ بعض آيات القرآن لم يجدوها عند غير خزيمة
و أخذوها منه وحده و بعضها كان عند من كان خارج المدينة فيكتبون ما قبلها و ما بعدها و يتركون كتابتها حتّى يأتي الرجل و يملي عليهم الآية.
و إنّ الخليفة عمر سأل عن آية فقيل له: كانت مع فلان و استشهد يوم اليمامة و أين كان منهم ثلاثة آلاف من القرّاء الذين اشتركوا في قتال اليمامة و لم يقتل منهم أكثر من خمسين؟
ليس من المعقول أن تجري تلك المحاورات بين الصحابة و منهم زيد جامع القرآن على عهد الرسول و معهم في المدينة آلاف القرّاء و ما لا نعرف عدده من المصاحف، فلا بدّ إذا أن تلكم الروايات رويت بادئ بدء خارج المدينة و انتشرت في غيرها من البلاد ثمّ انتقلت متدرجا إلى المدينة بعد عصر الصحابة و التابعين و دوّنت في عصر التدوين في كتب الحديث، و لعلّ سبب التناقض في روايات جمع القرآن أن بعض الرواة أسند جمع القرآن إلى الخليفة عثمان عملا بأمر الخليفة معاوية في رواية الحديث في فضائله، و بعد أمره الثاني أن يرووا من فضائل الخليفتين الأوّلين أسند بعضهم ذلك إلى الخليفة أبي بكر و آخرون إلى الخليفة عمر، و هكذا وجدت الروايات المتناقضة في شأن القرآن.
لست أدري كيف يفترى على اللّه أنّه أهمل التوصية بجمع القرآن و تدوينه و على رسوله (ص) و أصحابه أنّهم أهملوا جمع القرآن و تدوينه و أضافوا إلى ذلك ما رووه عنهم في ضياع آيات من القرآن و قد قال اللّه سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ؟ و الأنكى من كل ذلك أنّهم يسمّون هذه الروايات بالصحيحة لأنّهم يرون عصمة صحيحي البخاري و مسلم عن إيراد غير الصحيح فيهما و لا يرون ذلك لكتاب اللّه العظيم و لرسوله الكريم، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
تنقسم روايات اختلاف مصاحف الصحابة إلى أربعة أنواع:
أ- ما لم يفهم معنى الرواية فيه لتغيير معنى المصطلح الإسلامي الّذي جاء فيه في عصرنا عن معناه في عصر الصحابة.
ب- ما افتري بها على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحابه أو زيد في الرواية الصحيحة و حرّفت.
ج- ما لم يفهم منها معنى كلام الصحابي و في بعض منها لم ترو الرواية بلفظ الصحابي نسيانا أو تعمدا.
د- ما افتري بها على كتاب اللّه و أحد ولاة الجور.
أ- في صحيح مسلم و غيره: إنّ امّ المؤمنين عائشة أمرت أن يكتب مولاها لها مصحفا و قالت له: إذا بلغت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى آذني فلمّا بلغها و آذنها أمرته أن يكتب (حافظوا على الصّلوات و الصّلاة الوسطى و صلاة العصر).
و جاء نظيره عن امّ المؤمنين حفصة و عن امّ المؤمنين امّ سلمة و ابن عباس.
و جاء في رواية انّ امّ المؤمنين حفصة قالت: (لا تكتبها حتّى امليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها ...).
ب- ما جاء في تفسير الطبري: إنّ ابن عباس أعطى الراوي مصحفا و قال: هذا على قراءة ابيّ و فيه (فما استمتعتم به منهنّ- إلى أجل مسمّى-).
ج- ما جاء في تفسير السيوطي عن ابن مسعود: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص): (يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربّك- إن عليّا مولى المؤمنين- و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته).
جاء في روايات مصاحف امّهات المؤمنين: أنّ كل واحدة منهن قالت لمن يكتب لها المصحف: إذا بلّغت (و الصلاة الوسطى) آذني فلمّا بلغها و آذنها أمرته أن يكتب بعدها: (و صلاة العصر).
و في رواية قالت امّ المؤمنين حفصة: (و لا تكتبها حتّى امليها عليك كما سمعت رسول اللّه (ص) يقرأها ...).
يظهر من هذه الروايات أنّ كلّ واحدة من امّهات المؤمنين كان لديها مصحف ليس فيه (و صلاة العصر) المبيّنة للصلاة الوسطى و أمرت الكاتب أن يكتبها في مصحفها.
و أبانت امّ المؤمنين حفصة أنّها سمعته من رسول اللّه (ص).
إذا فقد كان القرآن مدوّنا في مصاحف يكتب فيها أصحابها ما سمعوه من رسول اللّه (ص) في بيان الآيات. و بهذا المعنى جاء في رواية ابن عباس أنّه أعطى الراوي مصحفا و قال هذا على قراءة ابيّ، و فيه: (فما استمتعتم به منهنّ- إلى أجل مسمّى- فآتوهنّ اجورهنّ) في قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (النّساء/ 24).
و ما جاء عن ابن مسعود أنّه قال:
كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص): (يا أيّها الرّسول بلّغ ما انزل إليك من ربّك- إنّ عليّا مولى المؤمنين- و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته) بزيادة إنّ عليّا مولى المؤمنين في الآية 67 من سورة المائدة.
فإنّ كلّا من (إلى أجل مسمّى) في الآية الأولى و (إنّ عليّا مولى المؤمنين) في الآية الثانية كان بيانا للآية ممّا سمعه صاحب المصحف عن رسول اللّه (ص).
و بناء على ذلك لم يكن اختلاف مصاحف الصحابة بمعنى اختلافها في النصّ القرآني بل كان اختلافا في تدوين بعضهم في مصحفه ما تلقاه عن رسول اللّه (ص) في بيان الآيات و عدم تسجيل الآخر في مصحفه ذلك البيان لعدم سماعه من رسول اللّه (ص) ذلك البيان أو لعدم رغبته في تسجيل ذلك النصّ في مصحفه.
و نرى أنّ ما جاء في رواية: أنّه كان في مصحف ابن عباس على قراءة ابيّ (إلى أجل مسمّى) بعد قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ.
و ما جاء في رواية اخرى انّ ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص) إنّ عليّا مولى المؤمنين بعد قوله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هما نظيرا ما جاء انّ امّهات المؤمنين كتبن في مصاحفهنّ بعد (و الصلاة الوسطى):
و صلاة العصر و إن ذلك كان ممّا سمعنه من رسول اللّه (ص).
و نستنتج من ذلك انّ قولهم: جاء في قراءة ابيّ أو ابن مسعود أو غيرهما هو مثل قولهم: جاء في مصحف الصحابي فلان و كلاهما بمعنى واحد سواء أ كان في الرواية: (في قراءة ابيّ كذا) أو جاء (في مصحف أبي كذا).
في ضوء ما تقدّم بيانه، ندرس روايات اختلاف المصاحف بإذنه تعالى.
مرّ بنا في بحث المصطلحات من المجلّد الأوّل: أنّ القرآن اسمه في المصطلح القرآني (القرآن) و ليس غيره، و انّ الأسماء الّتي استخرجها العلماء للقرآن من الآيات الكريمة مثل الكتاب و النور و الموعظة و غيرها إنّما هي صفات للقرآن.
و أنّ المصحف في اللّغة اسم للصحف الّتي تجمع بين الدفتين، مثل مصحف خالد بن معدان، الّذي كان علمه في مصحف له أزرار و عرى، و بهذا المعنى استعمل في عصر الصحابة، و بناء على ذلك كان المصحف في عصر الصحابة يستعمل في كل صحف جمعت بين الدفتين قرآنا كان أو غير قرآن و في عصرنا أصبح المصحف اسما علما للقرآن وحده.
و أنّ الإقراء كان في المصطلح القرآني بمعنى تعليم لفظ القرآن مع تعليم معناه، و المقرئ من يقوم بتعليم القرآن كذلك، و القارئ و جمعه القرّاء من تعلّم القرآن كذلك. و بناء عليه فإنّ جزءا من معنى الإقراء تعليم لفظ القرآن و جزءا آخر منه تعليم تفسير القرآن، و نقلنا عن مفردات القرآن للراغب انّه إذا كان لمعنى اللّفظ جزءان جاز استعماله في كليهما معا و جاز استعماله في أحد المعنيين منفردا مثل المائدة الّتي هي اسم للخوان مع الطعام و يجوز استعماله فيهما معا و في أحدهما بالانفراد.
و أنّ في أخريات عهد الخليفة عمر استعمل الإقراء في تعليم معنى القرآن و بهذا المعنى- أيضا- استعمل في حديث جاء في صحيح البخاري و غيره من أنّ ابن عباس كان يقرئ عبد الرّحمن بن عوف و أمثاله من الصحابة في آخر سنة حج فيها عمر بن الخطاب القرآن في منى أي في السنة الثالثة و العشرين من الهجرة و لم يكن صحابة مهاجرون أسلموا قريبا من السنة الخامسة بعد البعثة مثل عبد الرّحمن بن عوف يتعلمون تلاوة ألفاظ القرآن يومذاك بعد أن مضى على إسلامهم بمكة ثماني سنوات و في المدينة ثلاث و عشرون سنة بل كانوا يتعلمون منه تفسير القرآن، و قد مرّ بنا انّ الخليفة عمر كان يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن و كان ممّن رشّحه الخليفة لتفسير القرآن على عهد خلافته، و نجد كثيرا من تفسير معنى اللّفظ من ابن عباس في الدر المنثور للسيوطي، مثل قوله في (1/ 25) منه:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ البقرة/ 3: ما غاب عنهم من أمر الجنّة و النار.
و في (1/ 29) منه:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ البقرة/ 7: طبع اللّه عليها.
و في (1/ 30) منه:
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ البقرة/ 10: النفاق، إلى ثلاثين موردا آخر.
و ثلاثين موردا في الجزء الثاني و أربعة و أربعين موردا في الجزء الثالث و في الجزء الخامس ستة و خمسين موردا و في الجزء السادس أربعة و سبعين موردا.
هكذا كان يقرئ ابن عباس القرآن و إن شئت فقل في كل مورد منه هكذا كانت قراءة ابن عباس، فتقول مثلا:
(يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) في قراءة ابن عباس: (ما غاب عنهم) من أمر الجنّة و النار.
(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) في قراءة ابن عباس: طبع اللّه عليها.
و من هذا القبيل ما رواه الطبري: كان ابن مسعود يقول: الياس هو إدريس، فقرأ: و ان ادريس لمن المرسلين. و قرأ: سلام على ادراسين (1).
قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف، حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود:
أو يكون لك بيت من ذهب (2).
و فسّر الزمخشري اليدين في قوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما باليمينين، لأن ابن مسعود قرأ: فاقطعوا أيمانهما (3).8.
و قرأ: (إنّي نذرت للرحمن صمتا فلن اكلّم اليوم إنسيّا) (1)بدل (صوما) لأنّ الصوم المنذور كان صوم صمت.
و قرأ: (يوم يقول المنافقون و المنافقات للذين آمنوا أمهلونا نقتبس من نوركم) (2)بدل (انظرونا) لأنّ المقصود هو الإمهال.
و قرأ: (إن كانت إلّا زقية واحدة) (3)بدل (صَيْحَةً واحِدَةً).
جاء في صحيح مسلم و غيره: أنّ أبا موسى الأشعري بعث إلى قرّاء البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل فقال لهم: ... و إنّا كنّا نقرأ سورة نشبهها في الطول و الشدّة ببراءة فأنسيتها غير أنّي حفظت منها (لو كان لابن آدم و اديان من مال لابتغى واديا ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب).
و كنّا نقرأ سورة نشبهها باحدى المسبحات فأنسيتها غير أنّي حفظت منها: (يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم).
و 4) و في الباب عن أنس و ابن عباس: (لو كان لابن آدم و اديان ...).
و في سنن الترمذي عن ابيّ بلفظ آخر و في مسند أحمد بلفظ آخر.
و قال ابيّ: هكذا أقرأنيها رسول اللّه (ص).
و أنّه كان في مصحف ابن عباس قراءة ابيّ و أبي موسى سورتي الحفد و الخلع.
و أنّه أمّهم الوالي الأموي بخراسان فقرأ السورتين.
و أنّ الإمام عليّا علّم الراوي تلك السورتين و قال: علّمنيها رسول اللّه (ص)، و هما (اللّهمّ إنّا نستعينك ...).
و أنّ جبرائيل نزل بذلك على رسول اللّه (ص).
و أنّهما كانتا مكتوبتين في مصحف ابيّ.
و قال الحافظ ابن المنادي (1)في كتابه ناسخ القرآن و منسوخه: لا خلاف بين الماضين و الغابرين أنهما مكتوبتان في مصحف ابيّ.
و قد أوردهما السيوطي في آخر تفسيره الدر المنثور على صورة سورة قرآنية!!! 7) و أنّ ابن مسعود كان يحكّ المعوذتين من المصحف و يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس فيه، انّهما ليستا من كتاب اللّه، و لم يكتب في مصحفه سورة الحمد!!! 8) و أنّ حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على النبيّ (ص) فنسيت منها سبعين آية.
و أنّ الخليفة عمر و الصحابي أبيّا قالا: كانت تعدل سورة البقرة و كان فيها آية الرجم.
و أنّ مالكا قال: لمّا سقط أوّله سقط معه البسملة و انها كانت تعدل سورة البقرة.ب.
1) مرّت ترجمته في هذا الكتاب.
إنّ روايات الزيادة و النقيصة هنا مثل روايات جمع القرآن الآنفة في ما افتري بها على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحابه، و ما أوردناه في نقضها هناك يصدق على روايات الزيادة و النقيصة هنا، و بالإضافة إليها نذكّر هنا مرّة اخرى بأخبار جمع القرآن و تدوينه و نقول: كان الرسول (ص) قد جعل من مسجده معهدا لإقراء القرآن يقرئ فيه الصحابة و يقرئ الصحابة فيه الوافدين إلى المدينة و اهل الصفة و كان يسمع من مسجده (ص) ضجتهم بتلاوة القرآن.
و كان الصحابة يقرءون نساءهم و أولادهم في بيوتهم حتّى أصبحت بيوت المدينة ما عدا بيوت المنافقين كلّها مدارس لإقراء القرآن، و أرسل الرسول (ص) إلى كل بقعة من الأرض خارج المدينة يسكنها المسلمون من يقرئهم القرآن، و تسابق المسلمون على عهده في كل مكان في حفظ القرآن عن ظهر قلب، و نتيجة لكلّ ذلك بلغ القرّاء عددا اشترك منهم في السنة الثانية من وفاة الرسول (ص) في جيش واحد ثلاثة آلاف قارئ و كان الإقراء في عصر الرسول (ص) بتعليم اللفظ و المعنى، و بعد عصر الرسول (ص) أمر الخليفة أبو بكر بالاقتصار على إقراء لفظ القرآن دون تعليم حديث الرسول (ص) في تفسير آياته.
و على عهد الخليفة عمر أمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص)، و أرسل للبلاد المفتوحة القرّاء لتعليم القرآن كذلك، و كان من جملتهم الصحابي عبادة بن الصامت الّذي بعثه في السنة الثامنة عشرة أو قبلها إلى الشام تلبية لطلب و اليها يزيد بن أبي سفيان، و الّذي توفّي في طاعون عمواس في السنة الثامنة عشرة، و بقي يقرئ فيها القرآن إلى أن توفّي سنة أربع و ثلاثين، و جاء في خبر إقرائه أنّه كان يقرئ في جامع دمشق ألفا و ستمائة شخص على كلّ مائة منهم عريف.
و في السنة السابعة عشرة بعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة مقرئا لهم و واليا و بقي فيها إلى السنة السابعة و العشرين يقرئ أهلها في مسجدهم القرآن و عند ما طلب منه الخليفة أن يعرف القرّاء ممّن تعلموا منه ليبعثهم قرّاء في الآفاق طلب أبو موسى ألّا يأتيه منهم إلّا من جمع القرآن أي من حفظ القرآن عن ظهر قلب فدخل عليه منهم ثلاثمائة ممّن حفظ القرآن عن ظهر قلب.
و كذلك بعث الخليفة ابن مسعود بعد تمصير الكوفة مقرئا لأهلها، و بقي فيهم يقرئهم و يفقههم في الدّين إلى سنة حرق الخليفة عثمان المصاحف، حيث لم يسلّمهم مصحفه، و كان يملي القرآن من حفظه و تخرّج عليه القرّاء الذين نفاهم الوالي الأموي سعيد إلى الشام و القرّاء الذين حضروا صفين في جيش الإمام عليّ، و خرج منهم على الإمام ثمانية آلاف في حروراء، و كان لهم على عهد الخليفة عمر دويّ في قراءة القرآن بمساجد البلاد، و في عهد الإمام عليّ كانت لهم ضجّة بمساجدهم في قراءة القرآن كما كان ذلك على عهد رسول اللّه (ص).
و لم يقتصر الإقراء على الصحابة، بل قام بالإقراء في عصر الصحابة و بعدهم من قرأ القرآن عليهم، كما عرفنا ذلك من خبر الثلاثمائة قارئ ممّن تخرّج على أبي موسى و طلبهم الخليفة للإقراء في الآفاق، و يقال لمن أخذ من الصحابة و لم ير الرسول (ص) في علم الدراية التابعون، و لدراسة كيفية إقراء التابعين نذكر خبر إقراء مقرئ أهل الكوفة التابعي أبي عبد الرّحمن السلمي، الّذي ولد في حياة النبيّ (ص)، و قرأ القرآن على عثمان و عليّ و ابن مسعود و زيد بن ثابت و ابيّ بن كعب، و جوّد القرآن و برع فيه، و كان يقرئ الناس في مسجد الكوفة الأعظم أربعين سنة منذ خلافة عثمان إلى أن توفّي في زمن الحجّاج سنة ثلاث أو أربع و سبعين، و كان يعلّمهم خمس آيات خمس آيات.
أ- يظهر أنّ هذا التابعي أقرأ أهل الكوفة القرآن بعد مغادرة ابن مسعود منها على أثر امتناعه من تسليم مصحفه لوزعة الخليفة ليحرق، و استمر على إقرائهم إلى عهد استاذه الإمام عليّ و بعده كذلك إلى عهد الحجّاج.
ب- كان يعلّمهم خمس آيات خمس آيات أي يعلّمهم تلاوة لفظ القرآن مع أنّه كان ممّن روى أنّ رسول اللّه (ص) كان يقرئ أصحابه عشر آيات عشر آيات لا يتعدّونها حتّى يعلموا ما فيها من العلم و العمل، و السبب في ذلك أنّ الخلفاء منعوا من تعليم القرآن مع بيان الرسول (ص) في تفسيره. و بما ان أهل الكوفة كانوا خليطا من الموالي و العرب الّذين ابتعدوا عن موطنهم الأصلي و احتاجوا لتصحيح كلامهم أن يضع لهم الإمام عليّ (ص) علم النحو، لهذا السبب كان لا بدّ له أن يعلمهم تلاوة خمس آيات خمس آيات و لا يتعدّونها حتّى يتقنوا تلاوتها.
هكذا استمرّ إقراء القرآن منذ عصر الرسول (ص) بإقرائه الصحابة و إقراء من قرأ على الرسول (ص) لغيره بإشراف الرسول (ص) و إقراء آلاف الصحابة للتابعين بعد عصر الرسول (ص) و إقراء عشرات الالوف من التابعين في عصر الصحابة لمئات الالوف بل للملايين من المسلمين تحت إشراف الصحابة، و هكذا استمرّ إقراء الأجيال المتعاقبة بلا انقطاع إلى عصرنا الحاضر، و يدلّ على ما ذكرنا في عدد القرّاء في عصر الصحابة و ما بعدهم ما جاء في خبر إقراء الصحابي أبي الدرداء أنّه كان يقرئ ستمائة و ألف شخص و عليهم ستون و مائة عريف، و أنّه بقي على ذلك زهاء سبعة عشر عاما منذ العام الثامن عشر هجرية قبل طاعون عمواس و إلى سنة وفاته عام أربعة و ثلاثين بعد الهجرة. فكم كان عدد التابعين الذين تخرّجوا عليه في إقراء القرآن؟ و إذا قسنا عليه أمر آلاف الصحابة الذين بعثهم الخليفة لإقراء القرآن في أنحاء البلاد، علمنا أنّ عدد القرّاء كان يتجاوز
ما ذكرناه.
هكذا كان شأن إقراء القرّاء مدى القرون، و كان أمر التدوين كالآتي:
بسبب أنّ الرسول (ص) نشر تعليم الكتابة في المدينة و حثّ عليها لم نعلم صحابيا بقي امّيّا ما عدا الصحابي أبا هريرة، و بما أنّه حرّض و أكّد على قراءة القرآن على المصحف انتشر بين الصحابة كتابة المصحف، كما ذكروا ذلك لابن مسعود و غيره، و كانوا قد كتبوا في مصاحفهم القرآن مع حديث الرسول (ص) في بيانه، و يؤيّد ذلك ما مرّ بنا من أخبار اختلاف مصاحف الصحابة و امّهات المؤمنين بعضها عن البعض الآخر، و لذلك انتشر بين المسلمين كتابة المصاحف حتّى بلغ في جيش واحد- جيش معاوية في صفين- و على عهد الصحابة خمسمائة مصحف، غير أنّ المصاحف بعد حرق عثمان المصاحف كتب فيها القرآن مجرّدا من حديث الرسول (ص)، و أصبح تعليم القرآن- أيضا- تعليم تلاوة لفظ القرآن وحده.
و إذا قارنا بين الحقائق الدامغة المذكورة و بين ما جاء في ما افتري بها على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحابه مثل قولهم:
(1) و (2) إنّ أبا موسى الأشعري قال لثلاثمائة من قرّاء البصرة: و إنّا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطّول و الشدّة ببراءة فانسيتها غير أنّي حفظت منها:
(لو كان ...).
و كنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبّحات فانسيتها غير أنّي حفظت منها: (يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ...).
(3) و (4) عن الصحابيين أنس و ابن عباس مثل البهتان رقم (1).
(5) عن الصحابي ابيّ أنّه قال: هكذا أقرأنيها رسول اللّه (ص).
(6) إنّ رسم السورتين- الحفد و الخلع- كانتا في مصحف ابن عباس بقراءة الصحابيين ابيّ و أبي موسى.
و بلغ من الشهرة مبلغا قال فيه الحافظ المقرئ ابن المنادي في كتابه ناسخ القرآن و منسوخه: (لا خلاف بين الماضين و الغابرين أنّهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى ابيّ بن كعب) كما مرّ بنا قوله.
(7) و كذلك ما افتري بها على أحد الصحابة مثل قولهم: إنّ الصحابي ابن مسعود كان يحك المعوذتين من المصحف و يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس فيه، و- أيضا- ما افتري بها على كتاب اللّه و أحد ولاة الجور مثل قولهم: إنّ الحجّاج بدّل من المصحف أحد عشر حرفا.
(8) و إنّ الصحابي حذيفة قال: قرأت سورة الأحزاب على النبيّ (ص) فنسيت منها سبعين آية.
(9) إنّ امّ المؤمنين عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيّ (ص) مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر على أكثر ممّا هو الآن.
إذا قارنا بين تلكم الحقائق من أخبار القرآن و هذه المفتريات علمنا أنّه يستحيل أن يصدر مثل هذه الأقوال من الصحابة و يستحيل أن يفعل الصحابي ابن مسعود ما نسب إليه و الوالي الجائر الحجّاج ما نسب إليه، فإنّ ما نسب إلى ابن مسعود من أنّه (كان لا يكتب فاتحة الكتاب في مصحفه و يحك المعوذتين من المصحف و يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب اللّه) يدلّ على أنّه لم يكن يخصّ بفعله هذا مصحفه بل كان يفعل ذلك مع مصاحف الآخرين و إلّا لقال: (كان يحك المعوذتين من مصحفه) و يؤيد ذلك ما جاء بعده:
(لا تخلطوا القرآن) فإنّه خطاب للآخرين، و إذا علمنا أنّ الخليفة عمر بعثه معلّما
للقرآن لأهل الكوفة بعد تمصيرها، و بقي معلّما لأهلها إلى عام حرق المصاحف على عهد الخليفة عثمان، و بناء على هذا كان يقتضي أن ينتشر هذا الحذف في مصاحف أهل الكوفة و لا يقتصر على مصحف ابن مسعود.
لست أدري كيف يفترى ذلك على الصحابي ابن مسعود و الّذي قالوا في ترجمته: كان من السابقين الأوّلين إلى الإسلام و سادس من أسلم و هاجر الهجرتين و شهد بدرا و المشاهد كلّها مع رسول اللّه (ص)، و أنّه كان يلزم رسول اللّه (ص) و يحمل نعليه و أنّ رسول اللّه (ص) قال: من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا كما انزل فليقرأ على قراءة ابن ام عبد؟
كيف يفترى على ابن مسعود ذلك؟ أ لم يكن أخذ من في رسول اللّه (ص) سبعين سورة؟ أ لم يكن فيها سورة الحمد؟ أ لم يصلّ خلف رسول اللّه (ص) و يسمعه يقرأها في صلاته؟ و كيف قال الرسول (ص) في شأنه: من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا كما انزل فليقرأ على قراءته و هو لا يقرأ امّ الكتاب في صلاته و لا يكتبها في المصاحف (القرآن) و يمحو المعوذتين من المصاحف؟
و لست أدري هل خفي ما نسبوه إلى الصحابي ابن مسعود على الخليفتين عمر و عثمان و سائر الصحابة و لم يعلموا به و قد مرّ بنا أنّهم أخبروا الخليفة عمر باملائه القرآن من حفظه. إذ لم يكن يخفى عليه مثل هذا العمل الشنيع؟ أم اخبروا و لم ينكروا عليه ذلك؟ لأنّه لم يرد خبر بأنّهم أنكروا عليه حذفه سور الحمد و المعوذتين من المصاحف، في حين أنّ الصحابة أنكروا على الخليفة معاوية عدم قراءته البسملة مع الحمد و السورة في الصلاة، و- أيضا- مرّ بنا كيف أنكر الصحابي عبد اللّه بن عمر بن الخطاب على الوالي الجائر الحجّاج عند ما صعد المنبر بمكّة بعد قتله ابن الزبير و قال في خطبته: (انّ ابن الزّبير غيّر كتاب اللّه) فجابهه ابن عمر في الملأ الحاشد و قال له: (ما سلّطه اللّه على ذلك و لا أنت معه و لو شئت أن أقول كذبت فعلت)، و معنى قول الصحابي ابن عمر ما سلطه اللّه
على ذلك و لا أنت: أنّ الصحابي ابن الزّبير الّذي بويع بالخلافة و الوالي الجبار الحجّاج ليست لهما قدرة على تبديل شيء من القرآن، و قوله هذا مصداق لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
و أمّا ما لم يفهم فيها كلام الصحابي و في بعض منها لم ترو الرواية بلفظ الصحابي نسيانا أو تعمّدا، فقد جاءت تلكم الروايات في صحيحي البخاري و مسلم و سائر كتب الحديث و التفسير مثل:
أ- روايات جاء فيها نقصان سور و آيات مثل ما جاء في كتب الحديث و التفسير ما موجزه:
انّ أبا موسى الأشعري بعث إلى قرّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل فقال في حديثه لهم: ... و إنّا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول و الشدة ببراءة فانسيتها غير أنّي حفظت منها: (لو كان لابن آدم و اديان من مال لابتغى واديا ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب). و كنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: (يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة).
من المحال عادة أن يقول ذلك أبو موسى، مع وجود آلاف القرّاء من الصحابة و عشرات الالوف منهم في التابعين يومئذ بل مئات الالوف، و مع وجود عشرات الالوف من المصاحف المكتوبة لديهم، كما ثبت لنا ذانك في ما مرّ بنا من بحوث.
و كيف يقول ذلك لمن تخرجوا عليه في القراءة و درسهم آيات بعد آيات و سورة بعد سورة حتى أصبحوا قرّاء جمعوا القرآن أي: حفظوه عن ظهر قلب و جمعهم ليرسلهم إلى الخليفة للإقراء في البلاد؟
ب- ما جاء في صحيحي البخاري و مسلم و سائر كتب الحديث:
إنّ الخليفة عمر قال على منبر مسجد الرسول (ص): ... كان ممّا أنزل اللّه آية الرجم فقرأناها و عقلناها و وعيناها. رجم رسول اللّه (ص) و رجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل و اللّه ما نجد آية الرجم.
و كنا نقرأ من كتاب اللّه (ان لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم ...).
قد مرّ بنا ان الصحابة ثاروا على الخليفة معاوية في مسجد الرسول (ص) لعدم قراءته البسملة في سورتي الحمد و ما بعدها في الصلاة، و أنّ الصحابي عبد اللّه بن عمر ثار على الحجّاج في بيت اللّه الحرام عند ما قال في خطبته: إنّ ابن الزّبير غيّر كتاب اللّه و قال له: ما سلّطه اللّه على ذلك و لا أنت معه، و لو شئت أن أقول كذبت فعلت، و كان ذلك في سنة ثلاث و سبعين هجرية، و نعرف من ذلك أنّ صحابيا واحدا لا يتحمل سماع القول بتبديل شيء من القرآن في سنة ثلاث و سبعين من الهجرة، فكيف يسمع قول الخليفة عمر جميع الصحابة الّذين كانوا حضروا خطبة الخليفة يوم الجمعة، و لم ينكر أحد من اولئك الصحابة عليه و فيهم الوف القرّاء الّذين جمعوا القرآن على عهد الرسول (ص)، و لجلّهم مصاحف كتب فيها جميع القرآن؟ إنّ ذلك من الامور المحالة عادة.
ج- في صحيح مسلم و غيره من كتب الحديث و اللفظ لمسلم عن عائشة أنّها قالت:
1- كان في ما نزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثمّ نسخن ب (خمس معلومات) فتوفّي رسول اللّه (ص) و هنّ في ما يقرأ من القرآن.
2- في سنن ابن ماجة أنّها قالت: نزلت آية الرجم و رضاع الكبير عشرا، و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته، فدخل داجن فأكلها.
قولنا في هذه الروايات كقولنا في الروايات السابقة أنّه من المحال عادة أن يقال مثل هذه الأقوال في عصر الصحابة في مكة و المدينة و بمحضر من الصحابة و نضيف إلى ذلك هنا أنّه سبق ذكر مصحف امّ المؤمنين عائشة و أنّها أمرت بأن يكتب فيه بعد الصلاة الوسطى و صلاة العصر بيانا للصلاة الوسطى، و أنّه فعلت مثل ذلك غيرها من امّهات المؤمنين. هذا ما رأينا في كل هذه الروايات، و الصحيح في الأمر ما يأتي بإذنه تعالى:
1- الصحيح في روايات المجموعة الاولى:
نرى في بعض الروايات انّه لم يفهم فيه كلام الصحابي و في بعض الآخر أنّ ألفاظ الرواية حرّفت فيه نسيانا أو تعمّدا، و نستند في قولنا: نسيانا إلى أنّ الرواية كانت تنقل من فم إلى اذن أكثر من نيف و مائة سنة لمنعهم من كتابة الحديث منذ عهد الخليفة عمر و إلى سنة 143 هجرية و على عهد الخليفة العباسي المنصور، ما عدا سنتين من خلافة عمر بن عبد العزيز، و قد مرّ بنا ما ذكروا من خلط بعض الصحابة حديث الرسول (ص) بحديث كعب الأحبار خطأ. و في قولنا تعمّدا نستند إلى ما مرّ بنا من عمل الزنادقة أنّهم يأخذون كتاب المحدّث و يدسون في الأحاديث ما لم يكن فيها، و لا ينتبه الشيخ المحدّث إلى الدس فيرويها كذلك.
و في اختلاف الأحاديث الّتي نوردها في ما يأتي أقوى دليل على قولنا هذا:
جاء في باب لو أنّ لابن آدم واديين، لابتغى واديا ثالثا من كتاب الزكاة بصحيح مسلم عن الصحابي أنس أنّه قال: قال رسول اللّه: لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى واديا ثالثا، و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب و يتوب اللّه على من تاب. إذا فهذا الكلام قول رسول اللّه (ص) و ليس من القرآن.
و جاء في تفسير السيوطي:
أ- بينما رسول اللّه (ص) يدعو على مضر إذ جاء جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت فقال: يا محمّد إنّ اللّه لم يبعثك سبّابا و لا لعّانا، و إنّما بعثك رحمة للعالمين، و لم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون، ثمّ علّمه هذا القنوت: اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نؤمن بك و نخضع لك، و نخلع و نترك من يفجرك، اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد، و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى عذابك إنّ عذابك الجد بالكفار ملحق.
ب- عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن عن أبيه قال: صلّيت خلف عمر بن الخطاب فلمّا فرغ من السورة الثانية قال: اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك الخير كلّه و لا نكفرك، و نخلع و نترك من يفجرك، اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد، و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى عذابك إنّ عذابك بالكفار ملحق.
ج- إنّ عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفرك، و نخلع و نترك من يفجرك، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد، و لك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى عذابك إنّ عذابك بالكفار ملحق، و زعم عبيد أنّه بلغه أنّهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود.
د- إنّ عليّا قنت في الفجر بهاتين السورتين: اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفرك و نخلع و نترك من يفجرك، اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد، و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى عذابك، إنّ عذابك بالكفار ملحق.
في هذه الروايات:
في الاولى: إنّ جبرائيل (ع) علّم الرسول (ص) أن يدعو بهذا الدعاء بدلا من اللّعن على مضر، و جاء في أخبار اخرى أنّه كان يذكر في لعنه الّذين قتلوا القرّاء السبعين الذين مضت أخبارهم.
في الثانية: وجدنا أنّ الخليفة الثاني كان يدعو بعد السورة الثانية بهذا الدعاء و معنى ذلك أنّه كان يدعو بذلك في قنوته.
في الثالثة: إنّه قنت بعد الركوع و قرأ الدعاء بعد البسملة و في آخرها زعم عبيد أنّه بلغه أنّهما سورتان من مصحف ابن مسعود.
و في الرابعة: إنّ عليا قنت بهاتين السورتين.
إذا فإنّ أصل الروايات: إنّ جبرائيل علّم الرسول (ص) هذا القنوت و اتبعه في ذلك الخليفة عمر و الإمام عليّ و الوالي الأموي في خراسان كما مرّ بنا خبره و أنّهم جميعا قنتوا بهذا الدعاء، و من الجائز أن يكون ابن مسعود كتب القنوت في مصحفه في تفسير بعض الآيات. و إنّ أبا موسى أخبر القرّاء أنّ هذا الدعاء كان مكتوبا في المصاحف قبل أن تجرد المصاحف من حديث الرسول (ص)، غير أنّه أضيف إليه في بعض الروايات: البسملة و في بعضها التسمية باسم السورة. فشوّش ذلك على المتأخرين و ظنّوا أنّهما كانتا سورتين في مصاحف بعض الصحابة دون بعض، و السبب في هذه الإضافة أمّا أن يكون نسيان ألفاظ الحديث لرواية الخبر شفها في أكثر من مائة عام أو بدس الزنادقة البسملة و لفظ
السورة في بعض الروايات للتشكيك بالنصّ القرآني، و كذلك الشأن في الخبرين الآتيين:
2- ما جاء في كلام الخليفة عمر:
كان ممّا أنزل اللّه آية الرجم فقرأناها و ... و رجم رسول اللّه (ص) و رجمنا بعده ... و كنّا نقرأ من كتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائكم ...
في هذا الخبر: (ممّا أنزل اللّه آية الرجم) و من الجائز أن يكون حكم الرجم قد نزل بوحي غير قرآني و أمر الرسول بتدوينه في المصاحف في تفسير الآية الثانية من سورة النور الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما ... و انّ الخليفة أخبر أنّ الحكم كان موجودا في المصاحف قبل تجريدها من حديث الرسول (ص) غير أنّه حرّف لفظ (حكم الرجم) بلفظ (آية الرجم) نسيانا أو تعمّدا، كما ذكرنا ذلك آنفا، و لفظ (نقرأ في المصحف) بلفظ نقرأ من كتاب اللّه- أيضا- تعمّدا أو نسيانا.
أمّا قوله (فقرأناها) و (نقرأ) فقد مرّ بنا في أوّل البحث ان مادّة الإقراء مصطلح قرآني بمعنى تعليم اللفظ مع تعليم المعنى و انّه يجوز استعمال اللفظ في جزء معناه، و بناء على ذلك يكون قصد الخليفة في المورد الأوّل أنّنا تعلّمنا ذلك من الرسول (ص) في تفسيره للآية الثانية من سورة النور، و في المورد الثاني قصد تعلّمناه من الرسول (ص)، و كان مكتوبا في المصاحف، و لمّا كانت المصطلحات القرآنية لديهم تستعمل في معناها الاصطلاحي فهو معنى كلام الخليفة، و بعد تغير معنى المصطلحات القرآنية عمّا كان عليه في عصرهم، لم يفهم معنى كلام الخليفة على حقيقته.
3- ما جاء في كلام امّ المؤمنين عائشة:
نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثمّ نسخن بخمس
معلومات فتوفّي رسول اللّه (ص) و هنّ في ما يقرأ من القرآن ... و لقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا توفّي رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 710 دراسة الروايات الآنفة: ..... ص : 706
الجائز أنّها قالت: (نزل عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بخمس معلومات) أي نزل الحكم بوحي غير قرآني و اضيف بعد قولها (نزل):
(من القرآن) سهوا أو تعمّدا و قالت: (و هنّ في ما يقرأ من المصحف ...) فابدل المصحف بالقرآن سهوا أو تعمّدا، و حصلت بذلك الشبهة بأنّها قالت سقط من القرآن بعضه و العياذ باللّه.
و قد ناقشنا روايتها لحكم رضاع الكبير في بحث (فتواها في رضاع الكبير) من المجلّد الأوّل من كتاب أحاديث امّ المؤمنين عائشة، و انّها تناقض الروايات المتواترة في حكم الرضاع، غير أنّه من الجائز أن تقول: إنّ الرسول (ص) قال: عشر رضعات يحرمن ثمّ نسخ بوحي غير قرآني بخمس رضعات في بيان آية الرضاع و انّ الصحيفة كانت تحت سريرها إلى آخر الحديث، و يكون قولها ذلك نظير أمرها بكتابة (و صلاة العصر) بعد (و الصلاة الوسطى) في مصحفها بيانا لصلاة العصر و لم تقصد بأنّه جزء من الآية.
و ذلك ما رووا أن الحجّاج بدّل من مصحف عثمان أحد عشر حرفا.
أمّا ما نسب إلى الحجّاج الوالي الجائر من أنّه بدل من مصحف الخليفة عثمان أحد عشر حرفا فنقول بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفا:
مرّ بنا في ذكر تاريخ الحجّاج: انّه رمى الكعبة بالمنجنيق و أحرقها، و قتل
ابن الزّبير و من معه و بعث برءوسهم إلى الشام، و استخفّ ببقايا الصحابة في المدينة و ختم أيديهم و أعناقهم و أساء السيرة في ولايته على الكوفة، فخرج عليه 120 ألف راجل و 33 ألف فارس من العلماء و الفقهاء و القرّاء و الصالحين بقيادة ابن الأشعث، و قتل من الجانبين في أربع و ثمانين معركة خلق كثير، و لما غلبهم الحجّاج قتل منهم خلقا كثيرا، ثمّ أسر منهم خلقا كثيرا ذبحهم جميعا كما يذبح الغنم، ذبح منهم بمسكن وحدة قريبا من خمسة آلاف أسير مسلم، و نال من الصحابي أنس فشكاه إلى عبد الملك فكتب إليه: (... أمّا بعد، فإنّك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها و عدوت طورك، و جاوزت قدرك، و ركبت داهية إدّا، و أردت أن تبدو لي فإن سوّغتكها مضيت قدما، و إن لم أسوّغها رجعت القهقرى، فلعنك اللّه من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، و حفرهم الآبار، و نقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل؟ يا ابن المستفرية بعجم الزبيب، و اللّه لأغمرنك غمر اللّيث الثعلب، و الصقر الأرنب ...).
و قالوا عنه: انّه قتل صبرا مائة و عشرين ألفا و مات و في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة، و مات سنة 95 ه بواسط و عفي قبره و اجري عليه الماء لكيلا ينبش، و لمّا مات الوليد بن عبد الملك سنة 96 و ولي بعده سليمان بن عبد الملك، ولّى على العراق يزيد بن المهلّب، و أمره بمعاقبة آل الحجّاج و أصحابه، و أن يعذّبهم حتى يستخرج منهم الأموال، و تتبّعهم سليمان بنفسه و سامهم سوء العذاب.
و قد قال سعيد بن جبير في حق الحجّاج: و اللّه ما خرجت عليه حتى كفر! و قالوا في حقّه- أيضا-:
أ- كان الحجّاج ينقض عرى الإسلام! ب- لم يبق للّه حرمة إلّا ارتكبها!
ج- الشيخ الكافر! أمثل هذا الخبيث اللّحنة (1)يقبل منه المسلمون تبديل كلمات من القرآن في مصحف انتشر إلى أقاصي إفريقيا و بلاد الهند و جميع بلاد العالم؟
إنّ كل ما أشرنا إليه هو من الامور المستحيلة عادة.
إذا فمن أين انتشرت تلك الروايات المختلقة في كتب الحديث و السيرة و التفسير بمدرسة الخلفاء؟
يتضح لنا بجلاء و وضوح أمرها و مصادرها بالتدبر في ما مرّ بنا من قيام الزنادقة بوضع الأحاديث، و دسّها في كتب الحديث.
فقد جاء في رواية أنّه كان في الزنادقة من يأخذ من شيخ مغفل كتابه فيدس فيه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أنّه من حديثه.
و كان منهم الزنديق عبد الكريم بن أبي العوجاء ربيب حماد بن سلمة الّذي كان يدس الأحاديث في كتب حماد، و كان يذهب في موسم الحج إلى مكة للاجتماع بالحجّاج و إضلالهم، و كان في البصرة يفسد الأحداث فهدده عمرو بن عبيد فلحق بالكوفة، و دلّ عليه والي الكوفة فقتله، فلمّا أرادوا أن يقتلوه قال:
لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، احرّم فيها الحلال و احلّ فيها الحرام.
و قال المهدي العباسي: أقرّ عندي زنديق أنّه وضع أربعمائة حديث.
و كان في الزنادقة من يستغل رغبة أتباع مدرسة الخلفاء في استماع فضائل ذوي السلطة و الدفاع عنهم في ما انتقدوا عليه.
و قد مرّ بنا كيف وضع الزنديق مطيع بن اياس في سبيل رضا الخليفة المنصور رواية يصدق على ابنه المهدي أنّه المهدي الموعود، و أشهد على صدقه.
1) اللّحنة: كثير اللّحن و الخطأ في كلامه.
قوله واحدا من اسرة الخليفة فصدقه و لم يجرؤ على تكذيبه.
و قد كشفنا في المجلّدات الأربعة من كتاب (عبد اللّه بن سبأ و الاسطورة السبئية) و كتاب (خمسون و مائة صحابي مختلق) عن آلاف المختلقات الّتي اختلقها الزنديق سيف بن عمر، تحت غطاء نشر فضائل ذوي السلطة من الصحابة و الدفاع عنهم، من جملة ما ذكرنا من مختلقاته ترجمة:
أ- ثلاثة و تسعين صحابيا مع ما اختلق لهم من فتوحات و معارك حربية و معجزات و ... و ... و ...
ب- اثنين و سبعين راويا مع ذكر بعض رواياتهم.
ج- خمسة من قادة الكفار في الحروب مع بعض ما اختلق لهم من أخبار في الحروب.
د- شاعرين مع ذكر بعض ما اختلق لهما من شعر.
ه- سبعة من التابعين مع ذكر بعض ما اختلق لهم من أخبار.
اختلق هذا الزنديق كل ذلك، و نشره تحت غطاء الدفاع عن ذوي السلطة من بني اميّة؛ أمثال سعيد و الوليد و ابن أبي سرح، و اتّهم فيها أبرار الصحابة و التابعين أمثال عمار بن ياسر و أبي ذر و محمّد بن أبي بكر و محمّد بن أبي حذيفة و ... و ...
إذا فإن وضع الحديث تحت غطاء فضفاض من نشر فضائل ذوي السلطة و الدفاع عنهم (شنشنة أعرفها من أخزم)- الزنادقة- (1).ر.
1) الفضفاض من الثياب: الواسع و (شنشنة أعرفها ...) من بيت جرى مجرى الأمثال و هو قول الشاعر: (ان بني رملوني بدمي شنشنة أعرفها من أخزم) الشنشنة: العادة. و أخزم: أحد أولاد الشاعر.
و في ما افتري على ابن مسعود تحقيق ثلاث غايات للزنادقة:
1- تهديم شخصية صحابي من خواص أصحاب الرسول (ص).
2- الدفاع عن ولاة أمثال الوليد الفاسق السكير.
3- و الأهم من كل ذلك نشر التشكيك بثبوت النصّ القرآني.
و أتقنوا عملهم التخريبي بنشر نسخ باسم مصحف ابن مسعود كما أخبر عن ذلك النديم في فهرسته و قال:
قال محمّد بن إسحاق (ت: 385 ه): رأيت عدّة مصاحف ذكر نساخها أنّها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفين متفقين (1)و أكثرها في رقّ كثير النسخ و قد رأيت مصحفا قد كتب منذ مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب (2).
يا ترى من نسخ تلك المصاحف المختلقة و نسبها إلى ابن مسعود، غير الزنادقة الّذين كانوا يحاربون الإسلام و يشككون المسلمين في عقائدهم؟ و لم يقتصر عملهم في التهديم على ما افتروا به على الصحابة، بل افتروا على وال جائر مثل الحجّاج، و قالوا انّه بدّل أحد عشر حرفا من مصحف عثمان.
و هكذا لم يبقوا نوعا من أنواع التحريف يتصوّر إلّا و رووا أنّه جرى على القرآن الكريم و أخرجها في كتبهم أصحاب الصحاح و السنن و المسانيد و سائر المجاميع الحديثية و كتب التفسير و غيرها من مصادر الدراسات الإسلامية، و مع كل تلكم الافتراءات و الزور و البهتان على اللّه و كتابه و رسوله و أصحاب رسوله كيف لا يقول محدّث كالشيخ النوري بتحريف كتاب ربّ الأرباب و العياذ باللّه و لسنا في صدد الدفاع عنه، فإنّه أساء بجمعه تلك الروايات في كتاب واحد غير أنّا نقول: البادئ أظلم!9.
لقد برهنا في البحث الرابع أنّه من المحال عادة أن يقال في مجتمع في الجزيرة العربية قبل اختلاطهم بغير العرب مثل مجتمع الصحابة في المدينة: يجوز استعمال كلمات أقبل و تعال و حيّ هلّا و هلمّ و أسرع و عجّل بعضها مكان بعض.
و يجوز استعمال توّاب غفور و عزيز حليم و سميع عليم و قيّوم بعضها مكان بعض.
و من الجائز أن يقال ذلك في مجتمع بعد زمانا و مكانا عن المجتمع العربي في وسط الجزيرة العربية، و اختلط فيه العربي بغير العربي و تزاوجا و تناسلا، و لم تنتشر بينهم الثقافة الإسلامية لإبعاد حكّامه الصحابة عنهم و منعهم الصحابة من نشر المعارف الإسلامية، كما كان ذلك شأن مجتمع أهل الشام في أواسط الحكم الأموي فيه.
في مثل هذا المجتمع تستطيع الزنادقة أن تنشر بعيدا عن الصحابة زمانا و مكانا أمثال روايات المجموعات الأربع الماضية و تنتقل منه إلى سائر البلاد الإسلامية متدرّجا و منها تنتقل بعد عصر التدوين أو قبله بقليل إلى مهبط الوحي المدينة المنوّرة.
درسنا إلى هنا روايات البسملة و جمع القرآن و اختلاف المصاحف و الزيادة و النقصان في القرآن الكريم و الأحرف السبعة، و درسنا أخبار القراءات و النسخ ذيل البحثين المذكورين، و في ما يأتي نسجل نتائج البحوث بإذنه تعالى:
ثبت ممّا برهنا عليه أنّ عدد القرّاء من الصحابة الّذين جمعوا القرآن على عهد الرسول (ص) بلغ الالوف و كان لجلّهم مصاحف دونوا فيها القرآن.
و على عهد الخليفة عمر تجاوز عددهم مئات الالوف.
و على عهد الخليفة عثمان لا يعلم أحد عددهم غير اللّه؛ ثمّ أن الخليفة عثمان استعار من امّ المؤمنين حفصة المصحف الّذي تمّ نسخه مجرّدا من حديث الرسول (ص) على عهد الخليفة عمر و أودعه عندها و نسخ عليه سبعة مصاحف وزعت على امّهات البلاد الإسلامية و سميت بمصحف الإمام، فنسخ عليها المسلمون مصاحفهم حتى اليوم و كان فيها أخطاء في رسم الخط، و هذا ما عناه الخليفة بقوله (فيه- أي في رسم خط المصحف- لحن ستقيمه العرب بألسنتها) و سمّي رسم الخط ذلك ب: رسم خط مصحف عثمان. و إلى يومنا هذا كتب المسلمون مصاحفهم وفق رسم خط مصحف عثمان الملحون غير انهم اتبعوا العرب في التلاوة و أقاموا لحن رسم الخط بألسنتهم مثل ما كتب في سورة آل عمران برسم خط مصحف عثمان لحنا:
أ- يعيسى، الآية: 55.
ب- يأهل الكتاب، الآية: 70.
ج- أيمنهم، و يوم القيمة، الآية: 77.
و أقامها المسلمون بألسنتهم و اتبعوا العرب و قرءوها: يا عيسى و يا أهل الكتاب و أيمانهم و يوم القيامة. كما درسنا هذا الأمر في بحث القراءات المختلفة.
و بناء على ما ذكرناه من المحال أن يقول صحابي على عهد الخلفاء الثلاثة بنقصان سورة أو آية من القرآن الكريم ممّا كان على عهد رسول اللّه (ص) أو يقول أحد من الصحابة إنّ سورة أو آية نسيت من القرآن الكريم، أو يحذف أحدهم آية أو سورة من مصحفه أو يزيد سورة أو آية في مصحفه، و كل رواية جاءت في مصادر الدراسات الإسلامية بمدرسة الخلفاء تدل على وقوع شيء ممّا نفينا وقوعه، فهي إمّا أن تكون:
أ- مفتراة من قبل الزنادقة على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحاب رسوله (ص).
ب- ممّا بدل الرواة ألفاظ الصحابة في الروايات نسيانا أو تعمدا.
ج- ممّا لم يفهم معنى الرواية لتبدّل معنى المصطلح القرآني بعد عصر الصحابة عمّا كان عليه في عصرهم و كذلك الشأن في الروايات الّتي رويت في مصادر الدراسات الإسلامية بمدرسة أهل البيت، غير أن المفترين هنا على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحاب رسوله (ص) و الأئمة من أهل البيت (ع) هم الغلاة بمدرسة أهل البيت و ليسوا الزنادقة كما سنبين ذلك إن شاء اللّه تعالى عند دراسة تلك الروايات في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
و أنتج قبول تلك الروايات بمدرسة الخلفاء و التصديق بها أن يرويها المحدّثون بعد عصر الصحابة و التابعين في المجاميع الحديثية، و أنتج كلّ ذلك أمرين:
أ- الاعتقاد بوجود القراءات المختلفة للقرآن الواحد.
ب- الاعتقاد بوقوع النسخ و الإنساء للقرآن الكريم- و العياذ باللّه من القول بهما-.
و أنتج قبولها بمدرسة أهل البيت من قبل المحدّثين أمثال السيّد الجزائري و الشيخ النوري أن يقولوا ما قالوا و يكتبوا ما كتبوا، و قابلهم العلماء و المحققون منهم مثل الشيخ المفيد (ت: 413 ه) و الشيخ جواد البلاغي (ت: 1352 ه) و أستاذ الفقهاء الخوئي (ت: 1413 ه)، و ردّوا أقوالهم و قالوا: انّ اللّه حفظ كتابه الكريم و صانه عن كلّ زيادة و نقيصة و تحريف إلى يومنا هذا، و سيحفظه كذلك أبد الدهر.
بعد انتهائنا من دراسة روايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم، نورد في ما يأتي- بإذنه تعالى- استناد المستشرقين إلى بعضها في ما تقوّلوه حول القرآن الكريم.
بداية الطعن في الإسلام و القرآن بعد الرسول (ص).
المستشرق الانجليزي د. آرثر جفري.
المستشرق هنري ماسيه.
المستشرق اليهودي كولد زيهر.
المستشرقون في دائرة المعارف الإسلامية.
قال اللّه سبحانه و تعالى:
أ- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ.
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ.
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ* قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.
(آل عمران/ الآيات 70، 69، 71- 73 و 98- 100) ب- وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. (البقرة/ 135، 136) ج- وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى
اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ. (البقرة/ 120) د- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. (المائدة/ 82) ه- مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا* يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ....
(النّساء/ 46، 47) و- وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. (المائدة/ 41) ز- لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. (آل عمران/ 113، 114) و صدق اللّه العظيم، فقد استمرّت عداوة بعض أهل الكتاب للإسلام و المسلمين بعد رسول اللّه (ص) و إلى عصرنا الحاضر، و في ما يأتي نستعرض بإذنه تعالى اتجاههم العدواني على القرآن الكريم و آثاره مدى العصور.
لقد مرّ بنا في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب، ما عاناه الرسول (ص) من كفّار قريش بمكّة و من اليهود في المدينة في أمر تبليغ الإسلام و لا سيما القرآن، و خصّصنا هذا البحث لدراسة ما عاناه حفظة الإسلام و حملته في شأنهما بعد الرسول (ص) منهم.
و في مقدّمتهم يوحنا الدمشقي- الّذي كان يعيش في كنف البلاط الأموي- أوّل من تصدى للإسلام هو و خليفته ثيودر أبو قرة و بدأ بالتلاعب الجدلي البيزنطي الّذي كان يتقنه المسيحيون المتأثرون بالفلسفات اليونانية و أثار مسائل جدلية مثل: هل كلام اللّه مخلوق أم غير مخلوق؟ و هل روح اللّه مخلوق أم غير مخلوق؟ و الّذي انتشر بعد ذلك بين المسلمين. و أنّ الوحي الّذي ادعاه الرسول (ص) (كذا) كان يصاغ حسب رغباته الجنسية مشيرا إلى قصة زيد و زينب و الّتي اعتبرت بعد ذلك عند المسيحيّين من الأساليب الجدلية الّتي يتفننون بها كيدا للإسلام.
و مثل قوله ان المفاهيم منقولة من التوراة و الإنجيل، و تأثر به بيزنطينيون حاقدون على الإسلام رافضون للقرآن مثل نيكيتاس و زيجابينوس في كتاباتهما المتأثرة بالدمشقي ثمّ أخذ منه اللّاتين الغربيون و ردّدوا أقواله بأساليب مختلفة و كان ذلك إبان الحروب الصليبية، و عند ما أدرك المسيحيون قوّة المسلمين الّذين يدينون بالإسلام و يحملون القرآن شنوا حملة ضدّهم، و كان الرائد لهذه الحملة بطرس الكلوني الّذي ذهب إلى اسبانيا و ترأس إدارة ديركلوني سنوات (1094- 1156 م) و نادى بحرب المسلمين عسكريا و فكريا، و يكتب للملوك الصليبيين:
انّ الراهب ينبغي أن يكون مسيحيا في فضائله عسكريا في أعماله، و انّ تنصير
المسلمين أنفع للمسيحية من قتلهم، و بينما كان الصليبي همّه فتح بيت المقدس و ذبح المسلمين كان يتمنّى أن يصحب هذا الفتح العسكري المجيد فتحا روحيا بتنصير المسلمين، و يرى أنّ سيف الكنيسة الحقيقي سيف التبشير بالإنجيل و التنصير و ليس سيف القتل فحسب، و انّ الحروب الصليبية كانت تهدف أوّلا و أخيرا تنصير المسلمين، و تحوّلت أخيرا إلى عمل سياسي و عسكري فقط، فاقدة بذلك مهمّتها الأساسية، و انّ السبب في ذلك عدم معرفة المسيحيين بحقيقة الدين الإسلامي و لذلك أوجب على نفسه و من استطاع أن يؤثر فيه دراسة الدين الاسلامي و محاجة المسلمين و اقناعهم بالتخلي عن الإسلام و الدخول في المسيحية بدلا من شعار الحروب الصليبية (ذبح المسلمين في محبّة الربّ)، و رفع شعار (الكلمة بدلا من السيف) و (أنا أقترب منك و أقول بالكلمات و ليس بالقوّة، و لكن بالتفاهم و ليس بالكره بل بالمحبّة، لا كما يفعل قومنا دائما بالسلاح).
و قد درست الحرب الصليبية الّتي انتهت و أهملت دراسة الحرب الفكرية و الّتي لا زالت قائمة.
و في هذا السبيل سافر بطرس الكلوني إلى اسبانيا سنة 1142 م، و تفقد شئون أديرتها و حصل من الامبراطور الفونس السابع، الّذي كان يحاصر المرابطين (coria( لمشاريعه أملاكا واسعة و أموالا جمّة، و لمعرفة الإسلام كلّف بطرس في هذه السفرة جمعا من المترجمين لدراسة بعض الكتب و ترجمتها و موّل مشروع الترجمة و اختار لذلك كتبا ألفها يهود متنصّرون و نصارى مستعربون و الّتي كانت أبعد ما تكون عن الإسلام الحقيقي بل كانت أساطير ملفّقة، كما وصّى بترجمة القرآن الكريم استعدادا للهجوم عليه و تفنيده و تحريف كلماته و معانيه و الاستهزاء بما جاء فيه و التشفي من المسلمين.
و كان من الكتب التي اختارها بطرس للترجمة كتب من مدرسة للترجمة من العربية إلى اللّاتينية أسسها القس رايموند في كنيسة بطليطلة سنوات (1125- 1151 م) بعد سقوط المدينة بيد الفونس السادس، بعد أن كانت مركزا حضاريا
إسلاميا سنوات (712- 1085 م)، و كان من جملة ما ترجموا كتب الفارابي و ابن سينا و الغزالي و أرسطاطاليس و غيرهم.
و اجتمع بطرس الكلوني عام 1142 م مع القس رايموند في سلامانكا، و موّل مشروعه للترجمة، و كلّف بطرس خمسة مترجمين بترجمة مجموعة طليطلة و حفظت بدير كلوني أربعمائة سنة، و نشرت المجموعة بعد اختراع الطباعة في بازل عام 1543 م.
كان بطرس من عائلة مسيحية مستعربةmozarabs يتقن العربية و على معرفة بالعادات العربية و الإسلامية و ساهم في ترجمة القرآن الكريم إلى اللّاتينية، و قد يكون هو الّذي اختار مجموعة الكتب الّتي ترجمت مع القرآن الكريم لتنفيذ مشروع بطرس الكلوني و يمكن اعتباره عميد فريق المترجمين. و قد قام بترجمة رسالة عبد اللّه بن إسماعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحاق الكنديepistola saraceni et rescripum ، و الّتي كتبها ردّا على رسالة عبد اللّه بن إسماعيل الهاشمي إليه، و فيها دفاع حار عن عقيدة التثليث، و قد لاقت هذه الرسالة اهتماما كبيرا من النصارى و ترجمت إلى التركية و الإنجليزية علاوة على اللّاتينية، و الرسالة عبارة عن كتاب من مسلم في عصر المأمون موجه إلى مسيحي يدعوه فيها إلى الإسلام ورد المسيحي عليه، و يقال إنّ المأمون استمع إلى الرسالتين، و يظنّ أنّ الرسالتين من خيال المؤلف المسيحي و هو حوار مسيحي متطرّف، طالما فرح به المنصرون حتى أيّامنا هذه.
و هو انجليزي الأصل قام برحلات كثيرة قبل أن يستقر في برشلونة عام
1136 م لدراسة الفلك و الهندسة و كان مولعا بهما و كان يشارك بلاتو من تيفولي أحد تراجمة مدرسة طليطلة في ترجمة كتب المسلمين في الفلك و الهندسة. و هو المترجم الرئيس للقرآن الكريم إلى اللّاتينية، و قد منح منصب أرشيدوق بامبللونا بعد الانتهاء من الترجمة و هو منصب كنيسي رفيع ممّا يدل على أن روبرت كان قسيسا.
و في عام 1144 م ترجم كتابا في الكيمياء، و في السنة التالية انتهى من ترجمة الخوارزمي في الجبر و كانت هذه الترجمة هي بداية علم الجبر في أوربا.
و استعمل الكتاب استعمالا واسعا ككتاب دراسي للجبر، و يقال إنّه عاد بعد ذلك إلى لندن حيث راجع كتابا عن الاسطرلاب في عام 1150 و رتب جداول فلكية لخط الطول لمدينة لندن و بنيت على أساس دراسات البتاني و الزركلي، كما راجع جداول الخوارزمي. و كان صديقا حميما لمترجم آخر يدعى هرمان الدلماطي.
كتب روبرت عن ترجمته للقرآن الكريم يقول: (لقد كشفت بيدي قانون المدعو محمّد و يسرت فهمه و ضممته إلى كنوز اللغة الرومانية لمعرفة اسس هذا القانون حتى تتجلّى أنوار الربّ على البشرية و يعرف الناس حجر الأساس يسوع).
و كتب يقول: لقد رأت كنيسة كلوني في بطرسها، ما رآه السيد المسيح في رفيقه بطرس، و يجب أن يشكر (أي بطرس الكلوني) لتعرية مبادئ الإسلام للضوء بعد ما سمح الدارسون في الكنيسة لهذا الكفر أن يتسع و يتضخم و ينتشر لمدّة نحو خمسمائة و سبعة و ثلاثين عاما. و قد وضحت في ترجمتي في أيّ مستنقع فاشل يعشّش مذهب السراسين (المسلمين)، متمثّلا في عملي جندي مشاة يشقّ الطريق لغيره.
لقد قشعت الدخان الّذي أطلقه محمّد، لعلّك تطفئه بنفخاتك (1)(أي بطرسمَ
1) وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الكلوني). هذه هي الروح الّتي سيطرت على مترجم القرآن إلى اللغة اللّاتينية في خطاباته إلى مستأجره. و قد استغرقت الترجمة إلى اللّاتينية مدّة سنة فقط.
و كانت روح الاستهزاء و السخرية تظهر بوضوح في كتابات روبرت و ترجمته للقرآن الكريم و خصوصا في تسميته للسور، ثمّ في خطاباته إلى بطرس الكلوني.
و جاء على لسانه أنّه عانى صعوبات كثيرة في ترجمته للقرآن، و أنّه قد تصرّف بحرية مع النص حتى أنجز العمل. فمثلا سورة البقرة قسّمها إلى ثلاث سور و اتّبع هذه القاعدة في أماكن اخرى. لذلك فقد انتهى بعدد لسور القرآن تزيد تسع سور عن النصّ الأصلي.
و كان راهبا في ديركلوني و كان يعمل سكرتيرا لرئيس الرهبان بطرس الكلوني، و قد نمت صداقة قوية بينهما. و قد اختير رئيسا للرهبان في سانت مارتيال في ليموج، و كان ذلك قبل وفاة بطرس الكلوني في عام 1156 م.
و يبدو أنّه قام بما يشبه رئاسة التحرير للمجموعة الطليطلية، و الّتي اعتبرت من ذخائر الدير، و الّتي عكف عليها الرهبان 400 سنة يتدارسونها و يستنبطون محاور الجدل و النقد و الدحض و الافتراء. فهو الّذي قام بترتيبها عدّة مرّات و تحريرها و وضعها في صورتها النهائية، و رتب فيها كتاب الرسالة للكندي و كتاب (1)آخر كتبه بطرس الكلوني سمّاه الخلاصةsumma ، بنى عليه ما استخلصه ممّا جاء في المجموعة الطليطلية، و قد كتب بطرس من بواتييه إلى
1) هكذا في النص.
بطرس الكلوني يقول:
(لقد رتبت الآن المجموعة ترتيبا أفضل من السابق فإن رضيت عنها كان بها و إلّا فلك مطلق الحرية في تصحيح ما تشاء. فأنت وحدك الّذي مزق أعداء المسيحية الثلاثة بسيف الكلمة المقدّسة، و أعني بهم: اليهود و الوثنيين و السراسين (المسلمين) (1)... إلى قوله: و يجب علينا أن نكون شاكرين لعدم رغبة برنارد من كليرفو في أن يسخر نفسه لهذا العمل (أي كتابة و جمع المجموعة الطليطلية) كنقطة هجوم على المسلمين).
الّذي عاش في اسبانيا (ت: 1172 م) و كان على صداقة حميمة مع روبرت من كيتون و أنهما كانا يدرسان سويا و بطريقة سرّية لدفع الشبهة عنهما و عن نواياهما.
و للدلماطي غير ترجماته في مجموعة طليطلة عدّة ترجمات اخرى واحدة في الفلك لسهل بن بشير و جداول فلكية للخوارزمي و أبو (2)معشر و للمجريطي و غيرهم.
لقد استغلّ القوم الحرية و الأمن في ظل الإسلام، فعكفوا على ترجمة علوم المسلمين إلى اللّاتينية في ما يشبه في عصرنا الحاضر محاولات السوفيت في نقل تكنولوجيا الغرب و محاولات الغرب في نقل ما توصّل إليه الشرق، و غالبا ما كانت عملية النقل هذه تتم سرا و في الكنائس بأيدي الرهبان و القسس.
أمّا دوره في مجموعة طليطلة فقد قام بترجمة-mahumet liber gener ationis و قد استكمل ترجمته في ليونleon عام 1142 م.
و كتابliber generationis mahumet و هو كسابقه مملوء بالأساطير
و الإسرائيليات، و يعتقد أنّ أصله في العربية هو كتاب نسب رسول اللّه (ص)، و هو من أخبار كعب الأحبار و سعيد بن عمر، و الكتاب يركز على مولد الرسول (ص) و النور الّذي انتقل من عهد آدم (ع) جيلا بعد جيل إلى الرسول (ص).
، ورد ذكرها مرّة واحدة على هامش أحد الكتب الخمسة المترجمة، و الّتي تكوّن المجموعة الطليطلية، و لعلّه كان مخدوعا في أهداف مشروع الترجمة ذلك و ظن أنّه يساهم في التقارب الإسلامي المسيحي، و ما أكثر المخدوعين حتى في عصرنا هذا.
و الاحتمال الأكبر هو أنّها شخصية وهمية. فقد دأب القوم على وصف بعض الكتب بأنّ مؤلّفها مسلم ارتد إلى المسيحية لإعطاء الكتاب توثيقا أكبر و هي حيلة طالما استعملوها و خصوصا عند ترجمة القرآن الكريم، فكثيرا ما كانوا يدّعون أن الترجمة عن النص العربي في الوقت الّذي لا يعرف فيه المترجم اللغة العربية.
و هي مجموعة الترجمات الّتي نفذت لحساب بطرس الكلوني. و لعلّ التسمية نسبة إلى بطرس الطليطلي. و قد احتوت على ترجمات لمسائل أبي الحارث عبد اللّه ابن سلام و كتاب نسب رسول اللّه (ص) لسعد بن عمر و كتاب مجهول الأصل و الاسم في تاريخ الأنبياء و قصصهم و الرسالة لعبد اللّه بن إسماعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحاق الكندي، هذا علاوة على ترجمة للقرآن الكريم و كتابات بطرس الكلوني للرد على المسلمين.
و كتاب (المسائل) لأبي الحارث عبد اللّه بن سلام و فيه مائة سؤال موجهة من أربعة من اليهود إلى الرسول (ص) كما يزعم صاحبه، يحتوي على كثير من
الأساطير و التصورات اليهودية و الإسرائيليات و الأسئلة و الأحاجي. و هذه بعض الأمثلة من الأسئلة الّتي ذكرت في هذا الكتاب، و تدلّ على مدى ضحالة المصادر الّتي اعتمد عليها بطرس الكلوني في محاجّة المسلمين، جاء فيه:
إنّ اليهودي سأل الرسول (ص) (كذا): من هو الابن الّذي هو أقوى من أبيه؟
جواب الرسول: هو الحديد الّذي هو أقوى من الخام المأخوذ منه، و النار الّتي هي أقوى من الحديد، و الماء الّذي هو أقوى من النار، و الريح الّتي هي أقوى من الماء. (و لعله يلمّح إلى الابن الّذي هو أقوى من الأب عند المسيحيين! أو إسرائيل الّذي صارع الرّبّ و صرعه!).
سؤال: ما هي الأرض الّتي رأت الشمس مرة واحدة و لن تراها إلى آخر الزمان؟
الجواب: قاع البحر الأحمر (تنويها بعبور موسى).
سؤال: من هي المرأة الّتي ولدت من رجل و الرجل الّذي ولد من عذراء؟
جواب: حواء خلقت من ضلع آدم، و المسيح ولد من عذراء. (و بما أن السائل يهودي فأي مسيح يقصد).
سؤال: ما ذا يوجد تحت الأرض السابعة؟
جواب: ثور يقف على حجر أبيض و الحجر على جبل و تحت الجبل أرض و بحار و سمك.
هذا مثال لأحد الكتب الّتي نقل عنها الإسلام إلى أوربا في هذه المجموعة الّتي تعاونت عليها أيدي اليهود المتنصّرين و النصارى المستعربين و القساوسة الحاقدين و التراجمة المأجورين، ليبلغوا رسالة ربّ العالمين إلى الناطقين باللّاتينية في الأديرة و الكنائس، و سمّي الكتاب باللّاتينيةdoctrina mahumet ، أمّا كتاب نسب الرسول (ص) فهو كسابقه مملوء بالأساطير و الإسرائيليات و يعتقد
أنّ أصله في العربية هو كتاب نسب رسول اللّه (ص)، و هو من أخبار كعب الأحبار و سعيد بن عمر، و الكتاب يركز على مولد الرسول (ص) و النور الّذي انتقل من عهد آدم جيلا بعد جيل إلى الرسول (ص)، و باللّاتينية سمّي الكتابliber generationis mahumet et nutritia eius .
أمّا كتاب تاريخ الأنبياء و المسمّى باللّاتينيةfabulae saracenoru , فلم يعرف له أصل عربي، و قد تكلم الكتاب عن آدم و خلق الإنسان و عدد الأنبياء و الرّسل، و أنّهم بلغوا 120 ألف نبي منهم 315 رسول (1)منهم خمسة من اليهود و خمسة من العرب و اعتبر موسى أوّل الخمسة اليهود و عيسى آخرهم، و يقول الكتاب أنّه انزل على الأنبياء 104 كتاب (1)، و أنّ العرب و الفرس و الرومان و اليهود هم أكثر شعوب الأرض حكمة، و أنّ الرسول (ص) قد رأى في المنام أنّ عمر العالم هو سبعة آلاف سنة و أنّه بعث في الألف السادسة، ثمّ سرد لسيرة حياة الرسول (ص) و سيرة الخلفاء الراشدين، و من سياق السرد يمكن للإنسان أن يعرف اليد غير المسلمة الّتي تؤرخ و تكتب.
هذه هي الكتب الّتي جمعها بطرس الكلوني و ترجمها بالإضافة إلى ترجمة روبرت من كيتون للقرآن الكريم إلى اللّاتينية، و قد عرفنا أنّه لم يترجم ترجمة أكاديمية ملتزمة في حدود ما يسمح به الاختلاف الشديد بين اللغتين العربية و اللّاتينية.
فاللّغة السامية الرفيعة للقرآن الكريم كانت و لا شك مشكلة كبيرة لمن لا يحسن العربية و لمن لا يعرف الإسلام فضلا عن ذلك لمن يتحامل على الإسلام.
و كان علاج روبرت لهذه الصعوبة- كما كتب بنفسه إلى بطرس الكلوني- هو التضحية بالدقّة لحساب المعنى الإجمالي، و كما يقول كريتزك أنّه بهذا التحرّر من النص قد وصل إلى نتائج تكاد أن تكون فكاهية.ص.
1) هكذا في النص.
فكما ذكرنا سابقا لم يلتزم بالسور كما جاءت بل قسم بعض السور إلى أكثر من سورة كما أنّه لم يلتزم بالآيات فقد دمجها كما أراد، و غيّر صيغ الكلام علاوة على الأخطاء الفاحشة في ترجمة المعاني نفسها.
و يبدو أنّ ترجمة كتابه (الرسالة) لعبد المسيح بن إسحاق الكندي كانت أكثر الترجمات دقّة؛ لأنّ الكتاب هو دفاع عن المسيحية و محاجّة للمسلمين، بالأسلوب الّذي تعرفه المسيحية ممّا سهّل الترجمة. و أضاف بعد ذلك بطرس الكلوني عدّة كتابات و رسائل إلى هذه المجموعة و هي كتابات تنقض و تحاج المسلمين بما سمّيrefutation أي النقض) و رسائل موجهة إلى برنارد من كليرفو، يشرح له ما وصل إليه مشروعه في نقل أفكار المسلمين و مذهبهم و كتابهم إلى اللّاتينية.
فكتب ما سمّي بالخلاصةsumma tatius heeresis saracenorum و كتب رسالة سمّيتepistol peti ciuniacensis ad berardum claravallis و كتابا ضدّ الإسلام بعنوانliber contra sectam sive haeresim saracenor um .
و حفظت هذه المجموعة و من ضمنها ترجمة القرآن الكريم بالصورة الّتي ذكرنا في ديركلوني، و وضعت تحت تصرف الدارسين من الرهبان و بقيت سرّا بينهم لا يطلع عليها غيرهم خشية التأثر بتعاليم القرآن الكريم، و ظلّت في صورة مخطوطة حوالي 400 سنة حتى اخترعت الطباعة.
في عام 1542 م حاول ثلاثة من الدارسين في مدينة بازل أن ينشروا مجموعة الترجمات هذه و لكنّهم جوبهوا برفض سلطات المدينة للنشر، و لم يحتمل المجلس أن يأخذ على عاتقه السماح بالنشر لهذه الهرطقة و الكفر و تركها لتوزّع و تروّج بين المسيحيين و تشوش أفكارهم و ضمائرهم (كذا).
و لكن الدارسين الثلاثة قرروا نشرها ليضعوا مجلس المدينة أمام الأمر الواقع و بدءوا بالطباعة فعلا و لكن السلطات علمت بالأمر، فأوقفت الطباعة و صادرت ما طبع و سجنت منهم أوبرينوس.
و لكن سرعان ما حالف أوبرينوس الحظ عند ما أرسل (مارتن لوثر) إلى مجلس المدينة خطابا قال فيه: انّه لا يوجد أضرّ على الإسلام و المسلمين من نشر هذا الكتاب. و بذلك أنهى المشكلة و وافق المجلس على النشر على ألّا يوزّع في المدينة.
و استكملت طباعة المجموعة و فيها أول ترجمة للقرآن باللّاتينية مع مقدمة لمارتن لوثر و فيليب ميلانختون، في 11 يناير 1543. و سميت طبعة بيبلياندر و كانت بداية لسيل من الترجمات باللّغات الأوربية منذ ذلك التاريخ، و بلغت اللّغات الّتي ترجم إليها القرآن الكريم ترجمة كاملة 21 لغة أوربية عدا اللّغة الأفريكانية الّتي كانت تستعمل في جنوب إفريقيا بالإضافة إلى ترجمات غير كاملة و مختارات بلغات أوربية اخرى.
و اللّغات الأوربية الّتي ترجم إليها القرآن الكريم ترجمة كاملة حتى الآن و مرتبة ترتيبا زمنيا (1)هي:
اللّاتينية، الإيطالية، الألمانية، التشيكية، الهولندية، الفرنسية، الإنجليزية، اليونانية، الروسية، البولندية، الهنغارية، السويدية، الأسبانية، البرتغالية، اليوغسلافية، البلغارية، الرومانية، الدنماركية، الألبانية، الفلندية و النرويجية.
و ظهرت للترجمة اللّاتينية الّتي طبعها بيبلياندر في بازل عام 1543 م طبعات اخرى في أعوام 1550 م بزيورخ و عام 1721 م في ليبزيج.
و يقال إنّ بيبلياندر هو الّذي قام بالترجمة إلى اللّاتينية، و يقال إنّ طبعةى.
1) لا يشترط أن تكون أوّل ترجمة في هذا الترتيب ترجمة كاملة، إنّما اخذ في الاعتبار التأثّر بالترجمات اللّاتينية الاولى.
بيبلياندر مأخوذة عن ترجمة اخرى قام بها رهبان كاثوليك في إيطاليا، و على أي حال فإن الترجمة الّتي قام بها روبرت من كيتون و حفظت في كلوني كانت أوّل محاولة لترجمة القرآن الكريم إلى اللّغات الأوربية.
و كيف تكتب ترجمة للقرآن الكريم في هذا الجو القاتم من المواجهة و العداء؟
و قد أصبحت هذه الترجمة اللّاتينية بعد طبعها مصدرا ميسرا للمترجمين في إيطاليا و ألمانيا و هولندا لعدم معرفتهم باللّغة العربية.
فلم تكد تظهر طبعة بيبلياندر عام 1543 م في بازل حتّى ظهرت أوّل ترجمة باللّغة الإيطالية عام 1547 لأندريا أريفابيني في فينيسيا، و إن كان أريفابيني يدّعي أنّه ترجم عن العربية غير أن الترجمة ما هي إلّا نسخة عن اللّاتينية الّتي نشرها بيبلياندر، ثمّ ان ترجمة أريفابيني كانت مصدرا لأوّل ترجمة بالألمانية قام بها سلمون شفايجر و كان قسيسا واعظا في كنيسة فراون كيرشه في نورمبرجnurenberg am kirsche frauen عام 1616 م، و الّتي بدورها أصبحت مصدرا لأوّل ترجمة بالهولندية قام بها مجهول عام 1641 م و طبعت في هامبورج و قد اعيدت طبعة شفايجر الألمانية مرّة اخرى عام 1623 ثمّ عام 1659 ثمّ عام 1664 م.
و هذا يعني أن هناك ثماني طبعات في أربع لغات كلّها من مصدر واحد، و هي ثلاث طبعات باللّاتينية و ثلاث بالألمانية لشفايجر و واحدة بالإيطالية و واحدة بالهولندية (1).
و قد قال جورج سال عن هذه الترجمة اللّاتينية الّتي كانت أساسا للترجمة في أربع لغات: (إنّ ما نشره بيبلياندر في اللّاتينية زاعما بأنها ترجمة للقرآن الكريم لا تستحق اسم ترجمة؛ فالأخطاء اللّانهائية و الحذف و الإضافة و التصرّفر.
1) و اضيف هنا ترجمة ديريور الفرنسية، فالأرجح أنّها مترجمة عن اللّاتينية أيضا و ليس عن العربية كما يدّعي ديريور.
بحرّية شديدة في مواضع عديدة، يصعب حصرها يجعل هذه الترجمة لا تشتمل على أي تشابه مع الأصل).
و قد زاد أريفابيني الطين بلة بإضافة أخطاء جديدة بترجمته الإيطالية فازدادت الترجمة بعدا و خطأ عن الترجمة اللّاتينية فضلا عن الأصل العربي.
أندريه ديريور سيور دي ماليزيه، مستشرق ولد عام 1580 م في مارسيني (شاروليه)، التحق بالبلاط الملكي و عيّن في السلك الدبلوماسي في القسطنطينية، ثمّ قنصلا في الإسكندرية بمصر.
ألّف في النحو التركي باللّغة اللّاتينية 1630 م، و ترجم ديوان (سعدي) المعروف بعنوان كلستان من اللّاتينية إلى الفرنسية (1634) (1). كما ترجم القرآن الكريم إلى الفرنسية في جزءين و يدّعي صاحب الترجمة أنّه على دراية بالتركية و العربية. و تحمّل هذا القنصل مشقة الترجمة إلى اللغة الفرنسية كأوّل ترجمة للقرآن الكريم بهذه اللغة. و قال كلود أتين سافاريclaude etienne savery صاحب الترجمة الفرنسية عن هذه الترجمة:
(القرآن الكريم الّذي شهد الشرق كلّه بكمال اسلوبه و عظمة تصويره يبدو تحت قلم ديريور مقطوعة مملّة سقيمة و اللّوم يقع على طريقته في الترجمة. فالقرآن منظوم في آيات لها ترنيم يشبه الشعر و ليس بالشعر.
و لكن ديريور لم يلق بالا إلى النص الّذي يعالجه، فجمع الآيات في مقال متواصل ضاعت فيه كرامة المعنى و جمال الأسلوب تحت وطأة تركيباته الجامدة و جمله الغامضة حتى ليصعب على الإنسان أن يعرف أن هذه الترجمة السقيمة لذاك الأصل.
1) انظر: نورمان دانييل (الإسلام و الغرب)، ص 296.
و حتى أن القارئ لهذه الترجمة لا يمكن أن يتصور على الإطلاق أن هذا القرآن آية في كمال التعبير بالعربية).
و لا ندري هل كتب ديريور الترجمة حقا عن العربية أم كانت له مصادر اخرى يستعين بها على ترجمة النص العربي بالصورة الرهيبة الممزّقة الّتي وصل إليها؟ فقد كانت تراجم سابقة على ترجمته في اللغات اللّاتينية و الألمانية و الإيطالية و الهولندية فهل كان ديريور على غير علم بهذه اللّغات الأوربية بينما كان يتقن العربية و التركية؟ و من المؤكد أنّه كان على معرفة باللّاتينية الّتي ترجم منها شعر سعدي.
و هل اطلع ديريور على ترجمة باللغة الأرجوانية لجوناس أندرياس، و الّتي ظلت على شكل مخطوط، و هي لطبيب يقال إنّه ارتدّ عن الإسلام و أصبح قسّيسا، و هو من سكان زاتيفافي في مملكة فالينسيا؟
و هل يعتبر عمل ديريور بداية في ذاته مثل ترجمة ديركلوني دون التأثر بالترجمات الّتي سبقته؟
و فاقت ترجمة ديركلوني في العدوى و الانتشار، فما أن ظهرت عام 1647 م في الفرنسية حتى ترجمها الكسندر روس عام 1649 كأوّل ترجمة في الإنجليزية ثمّ تبعه ر. تيلور عام 1688 في الإنجليزية.
و في نفس العام ترجمها (لانج) إلى الألمانية ثمّ في عام 1657 (جلازماخر) إلى الهولندية، و قد طبعت ترجمة جلازماخر بعد ذلك طبعات عديدة في أعوام 1658- 1696- 1698- 1721- 1734- 1799 م.
ثمّ انتقلت عدوى ديريور إلى الروسية عام 1716 م عند ما نقل عنها بوستينكوف (ديمتري كانتماير) ثمّ فريوفكين عام 1790 م في الروسية.
و ينبغي أن نذكر هنا تأسيس البابا غريغوريوس الثالث عشر (1572- 1587 م) المعهد اليوناني سنة 1576 م و المعهد الماروني سنة 1584 م لتعليم
الشبان المسيحيين القادمين من الشرق، ليتمكّنوا عند عودتهم إلى بلدانهم من نشر تعاليم المذهب الكاثوليكي، و قد فضل بعض الشبان المارونيين مثل جبرائيل صهيون الإهدني و إبراهيم الحاقلاني و جرجس عميرة و سركيس الرزّي و يوحنا الحصروني البقاء بأوربا بعد إنهاء دراستهم. و قد لعب هؤلاء دورا كبيرا في نشر الكتب العربية بروما و باريس و دعم الدراسات العربية بأوربا بالتدريس و الترجمة و نشر الكتب.
و كان فرانسوا سافاري دي بران، سفير فرنسا في استانبول (1591- 1606 م) ثمّ في روما (1608- 1614 م) ألّف كتيّبا عرض فيه إمكانية استغلال قوّة المسيحيين بالشرق لإزعاج الدولة العثمانية.
و أسّس مطبعة شرقية لنشر الكتب المسيحية في الشرق. و عند عودته إلى باريس عام 1615 م من روما اصطحب معه جبرائيل صهيون الإهدني و يوحنا الحصروني، و من مطبعته الّتي أسّسها في روما حمل معه القوالب و الحروف العربية و هما أثمن ما في المطابع في ذلك العهد بقصد تأسيس مطبعة جديدة في باريس و كانت هذه الحروف و القوالب قد عمل على حفرها منذ إقامته بالقسطنطينية، و هي مجموعات للحروف العربية في ثلاثة أحجام. و نشرت هذه المطبعة كتابا في صناعة النحو من خمسة أجزاء من تأليف جبرائيل صهيون و يوحنا الحصروني، كما شارك جبرائيل صهيون و جاك دي صولاك في إعداد الأحرف العربية لطباعة الكتاب المقدس المتعدد اللغات، و كان ذلك في عام 1645 م، و أعاد صهيون طباعة كتاب سبعة مزامير التوبة.
و اشترك جبرائيل صهيون و يوحنا الحصروني و إبراهيم الحاقلاني في إعداد النصّ العربي للكتاب المقدّس المتعدّد اللّغات (العربية و السمارية و الكلدانية و اليونانية و السريانية و اللّاتينية و العبرية) و أصدره لوجاي (lejay( عام 1645 م.
و قام جبرائيل صهيون بترجمة جزئية للقرآن الكريم باللّغة اللّاتينية عام
1630 م، و تعتبر هذه الترجمة ثالث محاولة لترجمة القرآن الكريم بعد ترجمة روبرت من كيتون و ترجمة سكالييه شرشييه (الجزئية)scaliger cherchait عام 1579 م.
إذا فجبرائيل صهيون المتمرّس في امور الترجمة و النشر و الطباعة و على دراية بالكتاب المقدّس و القرآن الكريم و اللّغة العربية و اللّاتينية، كان يعمل مع سافاري دي براف في باريس و في المطبعة العربية الوحيدة حينئذ.
و أخرج ديريور ترجمته الفرنسية للقرآن الكريم عام 1647 م و كان سفيرا في الإسكندرية و إسطنبول و لا بدّ و أنّه على معرفة بزميله السفير سافاري و لا بدّ و أنّه كان يعلم بالمطبعة الّتي أقامها سافاري و الطباعة في ذلك الوقت كانت عملية فريدة، كما يعلم بحضور دارسين من الشرق على دراية بالعربية و اللّاتينية، و طالما أنّه بصدد ترجمة القرآن الكريم من العربية، و توجد ترجمة باللّاتينية (كلوني) و قد نقلت إلى الإيطالية و الألمانية و الهولندية، فإنّ مصادر ديريور الممكنة و الميسرة له في باريس في ذلك التاريخ هي:
ترجمة كلوني باللّاتينية- ترجمة أندريا أريفابيني الإيطالية- ترجمة سلمون شفايجر الألمانية- ترجمة سلمون شفايجر الهولندية- علاوة على دارسين موارنة يعملون عند سفير زميل له (سافاري) يعرفون العربية كلغة الأم و اللّاتينية بحكم دراستهم في المعهد الماروني في روما علاوة على الإيطالية و الفرنسية.
إذا ليس بصحيح ادعاؤه أنّه ترجم القرآن الكريم (عن العربية) و تعرف مصادره الّتي اعتمد عليها في ترجمته، مع أنّه كان يعرف اللّاتينية.
و لم يقتصر شرّ ترجمته السيئة على لغة الترجمة وحدها، بل انتقلت عدواها و عمّ شرّها باستعمالها كأصل لترجمات بلغات متعدّدة اخرى.
و النسخة الموجودة في مجموعة الكاتب طبعة عام 1734 م بامستردام، تقع في جزءين و يتصدّر كل جزء صورة لرجل يلبس اللباس التركي و العمامة
و يجلس أمام سبيل ماء من الطراز العثماني و حوله مجموعة من المتعممين في أزياء تركية متعددة و خلفهم أشجار يشبه البسفور و يوحي بأن المقصود نبي المسلمين و على رأسه هلال، و الجملة الوحيدة الّتي كتبت باللّغة العربية في مقدّمة الترجمة كتبت بطريقة تدل على أن المقدم (ديريور) لا يعرف العربية يقينا، فقد كتبت كالتالي:
رسول اللّه لا إله إلّا اللّه محمّد و إذا كان يعرف العربية حقّا و كتب لفظ الشهادتين بهذه الصورة فالمصيبة أعظم و هذه الترجمة المحرّفة قد طبعت 22 مرّة بالفرنسية، و ترجمت إلى الإنجليزية و الروسية، و في ثماني طبعات بالهولندية كما أسلفنا.
و كتب مقدّمة الترجمة قنصل مرسيليا السلطان مراد، باللغة التركية لترجمته للقرآن الكريم باللغة الفرنسية.
و يمكن القول بأنّ ترجمة ديريور هذه نسخة من ترجمة ديركلوني اللّاتينية المشوّهة أيضا رغم زعمه بأنها عن العربية، ففي كلا الترجمتين نرى أن السورة تترجم ككل و ليس هناك آيات، و الجديد في الموضوع هو إضافته في الهوامش تعليقات كتب أنّها عن البيضاوي و عن جلال الدين، ممّا يوحي أنّ الكاتب كان يستعمل المراجع العربية لتبحّره في هذه اللّغة، و كان بإمكان الدارسين الموارنة أمثال جبرائيل صهيون و يوحنا الحصروني القيام بذلك.
و قد تكرّرت نفس الصورة في ترجمة جورج سال إلى الإنجليزية، و كما رأينا في ترجمة أريفابيني إلى الإيطالية عند ما زعم أنها عن العربية أيضا و ثبت أنّه كان لا يعرف العربية.
و يمكن القول إنّ الترجمات الأوربية إلى ما قبل ظهور ترجمة لودفيجو ماراكيوس عام 1698 م كانت واقعة تحت تأثير الترجمة اللّاتينية الاولى لدير
كلوني، و حتى بعد ذلك التاريخ كانت بعض الطبعات لهذه الترجمات ما زالت يعاد طباعتها و ذلك بعد ظهور ترجمة ماراكيوس بما يقرب من قرن من الزمان، فترجمة جلازماخر الهولندية كانت ما زالت تطبع حتّى عام 1799 م.
الترجمة اللّاتينية الثانية (1)للقس لودفيجو ماركيوس (2)
(طبعة روما 1698 م). volum l prodromus ad refutationem alcorani volum ll alcorani textus universus .... exaravico isiomate in latinum traslatus. .... auctore ludovico marracio. patavii 1698. (طبعة ليبزج 1721 م). mohamedis filii abdallae pseudo- prophetae fides islamica i. e. al- coranus ex idiomate arabico, quo primum a mohammede conscriptus est, latine versus per ludovicum marraccium ... xura et opera m. chroistiani reineccii lipsiae 1721.
ذكر دنيس روس في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية 1921- 1923، ص 117- 123، أنّ المجلّدات ثلاثة و ذكر النسخة المحفوظة في مركز البحوث للتاريخ و الثقافة و الفنون الإسلامية باستانبول و المطبوعة في بادوا عام 1698 م مطبوعة في جزءين، أي أنّ المجلّدات الثلاث طبعت في جزءين. و قد يكون سبب هذا الخلاف هو أن الجزء الأوّل من ترجمته طبع مرّتين و الجزء الثاني مرّة واحدة، و قد اكتشف ذلك في مؤسسة هارتفورد للاهوت بالولايات المتحدة. duncan brockway, the second edition of vol. l of marracci, s alxorani textus vniversus
(1612- 1700 م):بعد دراسته الأوّلية دخل سلك الدراسات اللّاهوتية و السريانية و اشتهر بصلاحه و تقواه، و تقلد عدة مناصب درس أثناءها اللغات اليونانية و العبرية و السريانية و الكلدانية و العربية و درّس هذه اللغات في كلية سابينزا بروما ثمّ في كلية بروجاندا بأمر البابا كليمنت السابع. و عند ما طلب منه اختبار بعض الوثائق الّتي وردت من أسبانيا و كان يظن أنها للقديس سانت جيمس، بيّن ماراكيوس أنها ليست لذلك القديس بل يمكن أن تكون من عمل بعض المسلمين الذين
1) و قلنا الترجمة اللّاتينية الثانية بغض النظر عن ترجمة سكالييه شرسييه (عربي- لاتيني) (1579 م) و ترجمة جبرائيل الصهيوني (باريس) الجزئية (1630 م) و ترجمة كريستسانوس رافوس (1646 م)، و الّتي كتب فيها النصّ بالحرف العبري، و لم نذكرها بسبب عدم ذيوعها و انتشارها و تأثيرها على الترجمات الاخرى.
2) ولد في لوكا بمقاطعة توسكاني، و هوludovicus marracius أوludovico marraccio , و ذلك باللّاتينية و لويجي مراتشي بالايطالية و لودفيجو بالألمانية و لويس مراتشي بالفرنسية و نطق كلمة مراكيوس و الّتي تكتب أحيانا مراكشي و أحيانا مراتشي وجد فيه اختلاف، لذلك استعملت التسمية اللّاتينية ماراكيوس، و إذا وجد القارئ إحدى التسميات المذكورة فليعلم أنّها لنفس الشخص.
أرادوا خداع المسيحيين. ممّا حدا بالبابا أنوسنتي الحادي عشر باختياره للعمل عنده و أسبغ ثقته الكاملة عليه. و كان يمكن أن يرفع لأعلى المناصب الكنيسية لو لا تواضع ماراكيوس و رفضه للمناصب. و بتوجيهات من البابا شرع في ترجمة لاتينية جديدة للقرآن الكريم، و ذلك للردّ على المسلمين و للجدل الديني. و عند ما انتهى من عمله بعد أربعين سنة كان قد سطر (عدّة مجلّدات) و في هذه المجلدات كتب النصّ القرآني العربي علاوة على الترجمة اللّاتينية الحرفية، و في هذه المرّة رقم الآيات ثمّ أتبع ذلك برأي المسلمين في شرحها، و أتبع ذلك بالنقد و الرفض و الهجوم الجدلي على القرآن الكريم.
و قد كانت لمراكيوس حرية الاستعانة بمكتبة الفاتيكان و مجموعات مكتبية اخرى كثيرة منها المجموعة المارونية- المجموعة الكارمالية، مكتبة الكاردينال كاميللي ماكسيميس، مكتبة إبراهيم الماروني و غيرها. و طبعت ترجمته أوّل مرّة في مدينة بدوا الإيطالية عام 1698 ثمّ في ليبزج عام 1721 مع مقدّمة
لكرستيان رنيشي.
كما شارك في ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية بمبادرة من مطران حلب عام 1624 و نشرت في روما عام 1671 م.
و إن كان للشر أن يقيّم فإنّه يمكن القول أن ترجمة ماراكيوس كانت أكثر رفضا و تجريحا من سابقتها، فهي أشدّ جدلا و هجوما على القرآن الكريم و أدق ترجمة و أوسع مصادر و أكثر عمقا و خبثا، فشتّان بين عمل يستمر أربعين سنة من عالم زاهد متمكّن من عدّة لغات شرقية، و تحت يده مكتبات الكنائس و مجموعات اخرى غنية بالكتب، و بين عمل روبرت من كيتون الفلكي الرياضي الّذي ترجم و سبّ و هاجم في سنة واحدة و ليس عنده كل تلكم المراجع و لا المعرفة باللغات الشرقية. و لا شكّ أنّ تفنيدا استغرق أربعين سنة يكون أكثر شرّا من سابقه.
و إذا كان لترجمة ديركلوني اللّاتينية الاولى الأثر الأكبر على التراجم في اللّغات الأوربية خلال القرنين السادس عشر و السابع عشر، فإنّ ترجمة ماراكيوس كان لها الأثر الأكبر على التراجم في اللّغات الأوربية في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، و بقدر الفرق بين الترجمتين الاولى و الثانية من الناحية الأكاديمية كان الفرق بين الترجمات الأوربية المتأثرة بالاولى و الترجمات الأوربية المتأثرة بالثانية. فإذا قلنا بتفاهة ترجمة ديريور، فيمكن إرجاع ذلك للمنبع الّذي أخذت منه و هي ترجمة كلوني، و إذا قيل انّ ترجمة جورج سال أكثر أكاديمية من ترجمات روس و تيلور فهذا بديهي فماراكيوس قدم له ترجمة أكثر دقة من سابقه. و هو نفس الفرق الّذي نجده في الألمانية بين ترجمة سلمون شفايجر (عن الكلوني) و ترجمة دافيد نريتر (عن ماراكيوس) و ان رجع الصدى يطابق مصدر الصوت.
إنّ مقدمة ترجمة ماراكيوس تشبه مقدمة ترجمة بيتر الكلوني. فقد فصّل وجهة النظر المسيحية و نعى المسيحية إهمالها لمهاجمة الإسلام و جدّد الهجوم بطريقة أكثر إحكاما و تقدما من سابقه، و الترجمة من الناحية اللغوية أدقّ من ترجمة الكلوني و أصبحت مصدرا لترجمة جورج سال الإنجليزية.
و إنّ روح النقد و الشبهات اللّذين أثارهما ماراكيوس ليسا جديدين على الترجمات اللّاتينية فبعضها يصب في بعض.
و ما سمّاهprodromus في مقدّمة ترجمته، محاولا أن يثبت أنّ الإسلام و نبيّ الإسلام لم يذكرا في الكتب السماوية و أنّ الإسلام لم يدعّم بالمعجزات مثل المسيحية، و يدافع عن الفكرة المسيحية في التثليث، و عن استحالة أن يفسد المسيحيون كتابهم بأيديهم، كما يدافع عن تشر ذم المسيحية إلى مذاهب كثيرة متعدّدة بعكس الإسلام، كما يهاجم الإسلام متهما إيّاه بالعنف و الإغراق في الجنس.
أمّا ما سمّاهpefutationes و الّذي ورد مع نصّ الترجمة آية بآية فإنّه لم يغادر شيئا إلّا و نقده و يمكن القول أنّه قد جمع فيه كل ما قالته المسيحية في الإسلام. و قال ماراكيوس أنّه عند ما سرد سيرة الرسول (ص)، و رجع إلى المصادر العربية فإن ذلك ليس لثقتي بهذه المصادر، و لكن عند ما نحارب أعداء الدّين، فإنّنا نهاجمهم بسلاحهم هم و ليس بسلاحنا، لذا فإنّنا عند ما ننتصر عليهم تكون سعادتنا أكبر.
بعد ظهور ترجمة ماراكيوس، قام دافيد نريتر بترجمته إلى الألمانية عام 1703 م نقلا عن ماراكيوس. و كانت أوسع ترجمة انتشارا نقلت عن ماراكيوس
هي الترجمة الإنجليزية لجورج سال (1)
ولد جورج سال في مقاطعة كنت حوالي عام 1697، أبوه صاموئيل سال كان يعمل تاجرا في لندن، و تلقى تعليمه في كنجز سكول في كانتر بري، ثمّ التحق كطالب بمعبد (lnner temple( عام 1720.
و في نفس العام أرسل بطريرك أنطاكية سلمون نجري إلى لندن ليحث جمعية تقدم المعرفة المسيحية الّتي أسّست (المعبد الأوسطmiddle temple ( بالقيام بإصدار إنجيل باللّغة العربية لاستعمال السوريين المسيحيين، و يظن أن سلمون نجري كان أوّل من علّمه العربية كما أن ترجمان الملك و يدعى داديشيdadichi و هو يوناني من حلب كان يعلمه اللّغات الشرقية.
و مهما كان الكم الّذي تعلمه جورج من العربية فإنّه تقدّم للجمعية عارضا خدماته ليكون مصححا للإنجيل العربي المذكور، و سرعان ما أصبح مشرفا على المشروع كله علاوة على أنّه أصبح محاميا للجمعية المذكورة.
زعم فوليتر في كتابه (القاموس الفلسفي)dictionaire phlosophique أن جورج أمضى خمسة و عشرين عاما في بلاد العرب. و هذا الخطأ الّذي وقع فيه فوليتر و الّذي لا دليل عليه على الاطلاق تؤكده مدة حياته فقد مات محموما و لم يبلغ الأربعين من عمره. و ظهرت ترجمته للقرآن الكريم عام 1734 م مع مقدمة مسهبة عن الدين الإسلامي حشاها بالإفك و اللّغو و التجريح، و قد نقلها إلى العربية أمين الهاشم العربي و طبعت بالقاهرة عام 1913 م، و منذ ظهور ترجمته طبعت حتى الآن 105 طبعة في لندن و شيكاغو و فيلادلفيا و نيويورك و بوسطن و باريس.
عام 1734 م. و إذا كانت ترجمة ديريور هي رجع الصدى لترجمة الكلوني اللّاتينية الاولى و الّتي حملت ميكروب التهجم إلى اللّغات الأوربية، فإنّ ترجمة جورج سال كانت رجع الصّدى لترجمة ماراكيوس، و كانت الأداة الّتي نقلت أفكاره إلى اللّغات الأوربية أيضا.و يمكن ملاحظة ذلك من الجدول التالي و فيه نرى أن لكل من الترجمتين اللّاتينيتين تابع رئيسي (2)وزع تأثيرهما على باقي اللّغات الأوربية.ل.
القرن/ الترجمة اللّاتينية/ التابع الرئيسي/ اللغات الّتي نقلت عن التابع الرئيسي 16/ ترجمة دير/ ديريور/ الايطالية- الهولندية- الالمانية و 17/ كلوني/ (فرنسية)/ الفرنسية- الروسية 18/ ترجمة/ جورج سال/ الانجليزية- الفرنسية- اللّاتينية و/ ماراكيوس/ (إنجليزية)/ الالمانية- الروسية- الهولندية 19/ الايطالية- الالبانية- البلغارية المجرية- التشيكية و ما أن انتشرت ترجمة جورج سال بالإنجليزية، حتى تلتها ترجمة له بالفرنسية عام 1750 م، نقل عنها ك. سافاري عام 1783 م بالفرنسية، و كازيميرسكي عام 1840 م بالفرنسية، ثمّ أيضا تيودور أرنولد عن سال بالألمانية عام 1746 م، ثمّ جورج سال بالروسية عام 1792 م، ثمّ سافاري بالروسية لمجهول عام 1844 م، و نيكولاييف عن سال و كازيميرسكي بالروسية عام 1864 م، ثمّ كولييه في بتافيا بالهولندية عام 1859 م و جيوفاني بانزيري (1)
أوّل ترجمة مجريةszdmajer ,lmre عام 1831 م مأخوذة عن ماراكيوس.
يقول آرثر جفري ان أوّل ترجمة إلى اللغة التشيكية كانت عن ماراكيوس أيضا و كانت ل فيسلي إجناز عام 1913 مvesly lgnac .
بالايطالية عام 1882 م.ثمّ فينسنت إدرتيز ديلابويبلا بالأسبانية عام 1822 م، ثمّ الوميتكو قافزيزي بالألبانية عام 1921 م، فنيكولاس ليتزا عام 1902، 1910 م بالبلغارية، ثمّ تيموفوف بالبلغارية عام 1930 م، و هكذا نجد أن أفكار ماراكيوس قد حطّمت حاجز المكان و الزمان و أخذت تزرق دما فاسدا في .
1) شوفان يعتقد أن هذه الترجمة عن ك. سافاري و ليس عن سال، و في كلا الحالين فإنّ الأصل هو ماراكيوس.
رءوس الأوربيين بشتى اللّغات كالوباء الّذي يستشري حتى لا يجد ما يطحنه فينتقل إلى مكان آخر أو يظهر بعد عدة سنوات.
و يقول جورج سال عن ترجمة ماراكيوس: (إن ترجمة ماراكيوس بصفة عامة مضبوطة و لكنها حرفية سهلة الفهم إن لم أكن قد خدعت بمن ليسوا على علم بدين محمّد. و الشروح الّتي أضافها كانت ذات فائدة كبيرة و لا شكّ، و لكنّ ردّه و نقده للقرآن ضخّم عمله إلى مجلّد كبير لا طائل منه و غير شاف و أحيانا خارج عن الموضوع.
و عموما فالعمل بكل أخطائه كان مفيدا، و أشعر بالذنب و عدم العرفان بالجميل إن لم أعترف بفضله عليّ ...).
أما ك. سافاري فيقول: (ماراكيوس هذا الراهب المثقف، و الّذي أمضى أربعين سنة في الترجمة و الرد على القرآن، سار في ترجمته المسار الصحيح في تقسيم عمله إلى ترجمة الآيات كما في النص الأصلي، غير أنّه ترجمها ترجمة حرفية، و نسي أنّ النص الّذي في يده عمل فريد غير عادي.
فهو لم يعبر عن معاني القرآن بل نقل الكلمات إلى لغة لاتينية بربرية، و بعد أن فقد الأصل كل جماله فإن ترجمته ما زالت أفضل من ترجمة ديريور).
هذه أقوال من استفادوا و اعتمدوا على ماراكيوس في ترجماتهم، و على الرغم من ادعاء جورج سال بأن ترجمته كانت عن العربية إلّا أنّه يشعر بالذنب إن لم يعترف بفضل ترجمة ماراكيوس، كما أنّه يخشى أن يكون قد خدعه من لا يعرفون دين محمد. و كأنّه كان هناك من يمده بالمعلومات عن العربية و هو غير متأكّد من تمام معرفتهم بها و خشي أن يكونوا قد ضلّلوه.
إنّ قائمة طبعات جورج سال طويلة في اللغة الإنجليزية و غيرها من اللغات، و أصبحت من العلامات الفارقة كما ذكرت.
و لا شكّ إن أخطأ الدليل، ضلّ التابع، و هذا ما أحدثته الترجمتان اللّاتينيتان، فقد اقتفت أوربا كلّها في شتى لغاتها أثريهما، رغم ادعاء البعض بأنّه نقل عن العربية مباشرة غير أنّه يظهر رجوعه إلى الجذور اللّاتينية في ترجمته و كما يتضح من الجدول أنّ اللّغات الأوربية على إطلاقها اعتمدت على الترجمات اللّاتينية إمّا مباشرة أو عن طريق لغة أوربية اخرى مثل الترجمة باللغة البلغارية 1930 م الّتي أخرجها المبشر الألماني أنرست ماكس هوبه، الّتي أخذها عن الألمانية عن الإنجليزية ل (سال) عن الترجمة اللّاتينية ل (ماراكيوس) عن الترجمة العربية، و لا شك أن مثل هذه الرحلة الطويلة للكلمة القرآنية بين أيدي الرهبان و المبشرين ستلتوي و تمزّق حتى إذا إذا وصلت إلى اللغة البلغارية تعتبرها الكنيسة في ذلك الوقت نصرا سيوقف المسلمين في بلغاريا عن قراءة النصّ القرآني العربي، و يستعملون بدلا عن المولود القميء الجديد، و تنوّه الصحف البلغارية بذلك الانجاز فتقول: (لقد فعلها ذلك الألماني هوبه، و سنفصل المسلمين عن قرآنهم بترجمتنا البلغارية الجديدة).
إنّ أكثر ما يثير السخرية أن ترجمة جورج سال بعد أن انتشرت و ذاعت قامت البعثات التبشيرية البروتستانتية بترجمتها إلى العربية في مصر تحت اسم (مقالات في الإسلام) (1)
the encyclopaedia of lslam .new edition vol .v leiden )1981( .
.و كيف تكون هذه الترجمة بعد هذه الرحلة الطويلة من العربية إلى اللّاتينية فالإنجليزية فالعربية. .
1) s. m. xwemmer, translations of the koran, the moslem world, vol.) 1916 (244- 26 lp.
و لم يسمع أن مسلما قام بترجمة الإنجيل إلى العربية أو إلى أي لغة اخرى.
فالعداء و الكراهية و الفهم الخاطئ المقصود أو النابع عن الجهل لم يكن من جانب المسلمين و إنّما كان من جانب النصارى.
فلما ذا يا ترى يحاول الأوربيون ترجمة القرآن الكريم مرّة بعد اخرى و دون توقّف منذ 548 عاما؟ هل شعروا بتحدّي القرآن الكريم لهم؟
قد تكون أوّل ترجمة لاتينية كلونية كانت حبا للاستطلاع و فضولا أثاره الفزع من الفتح الإسلامي، و لكن هذا الطوفان من التراجم الّذي ما زال يترى حتى الآن، مع ملاحظة أنّ الترجمة ليست بالعمل الهيّن المسلّي، و يزداد الأمر صعوبة و استحالة مع نص معجز كالقرآن الكريم.
فما سبب هذا الإصرار يا ترى؟ أترك هذا التساؤل أمانة في أعناق الدارسين، ليكشفوا لنا ما ذا يراد بالمسلمين و بقرآنهم.
يمكن القول بأن الترجمات الأوربية قد مرت بعدة مراحل متداخلة:
أ- مرحلة الترجمة من العربية إلى اللّاتينية (بذرة الاستشراق).
ب- مرحلة الترجمة من اللّاتينية إلى اللّغات الأوربية (أكثر الترجمات سوءا).
(ج) مرحلة الترجمة من اللغة العربية مباشرة إلى اللّغات الأوربية بواسطة المستشرقين و اضرابهم بعد أن اشتد ساعد الاستشراق و عرف العربية و درس كتبها.
(د) مرحلة دخول المسلمين مؤخّرا في ميدان الترجمة إلى اللّغات الأوربية مع ليبرالية العصر و النظرة العلمية المجرّدة لموضوع الترجمة بصرف النظر عن مشاعر المترجم الدينية إن لم يكن مسلما.
و في المرحلة الأخيرة فقط يمكن القول بأن هناك بعض الترجمات القليلة تعد على أصابع اليد الواحدة في ترجمات اللّغات الأوربية مجتمعة، و الّتي زادت على 450 ترجمة كاملة غير مئات من الترجمات الجزئية، الّتي يمكن القول بأنها على شيء من الموضوعية.
و التقسيم السابق يبيّن المراحل الّتي مرّت بها الترجمات في البلدان الأوربية و ذلك بدءا بالترجمة اللّاتينية الاولى الّتي أشعلت الفتيل.
و لكن هناك تقسيم آخر يمثل وجهة النظر المسيحية اللّاتينية.
فقد مرت الترجمات و الكتابات المسيحية المختلفة عن القرآن الكريم بعدة مراحل:
(أ) من عام (1100- 1250 م) و فيها ترجم القرآن الكريم إلى اللّاتينية كما سبق، و في هذه الفترة زاد الاهتمام بدراسة الإسلام بين الرهبان و الدارسين.
(ب) من عام (1250- 1400 م) بدأ تراجع الحملات الصليبية و اندحارها، ممّا حدا بالكنيسة بأن تزيد من نغمة العداء للإسلام حفاظا على شعلة الصليبية متأجّجة، و تعويضا عن التراجع، و يمكن ملاحظة ذلك في كتاباتهم خلال هذه المدّة.
(ج) من عام (1400- 1500 م) خمدت جذور التحريض إلى حين ثمّ استعرت و تأججت مرة اخرى عام 1453 و هو عام فتح القسطنطينية الّذي نكأ الجروح و أيقظ الحقد الصليبي مرة اخرى بعد أن هدأ قليلا بعد انهزاماته في حروبه الصليبية.
و منذ الترجمة اللّاتينية الكلونية الاولى و المسيحية تعيش في و هم اكتشفوه بعد اطّلاعهم على القرآن الكريم. فقد وجدوا أنّ المسلمين يؤمنون بعيسى و موسى و مريم و إبراهيم و آدم و حواء، و أنّ هناك كثيرا من التشابه بين الإسلام و المسيحية، و أنّ الإسلام ما هو إلّا صورة مشوهة من المسيحية (كذا).
و من هذا المنطلق، فإنّه من الممكن بدراسة القرآن و تنقيته ممّا شابه من انحرافات عن المسيحية فإنّه يمكن العودة بالمسلمين إلى حظيرة المسيحية.
و قد ظهرت هذه الفكرة بصورة واضحة في كتابات نيقولاس الكوزي و خاصّة في كتابه (تنقية القرآنcribratio alcorani ¬ و قد اعتمد في كتاباته هذه على الترجمة اللّاتينية المحفوظة في ديركلوني في ذلك الوقت و المحفوظة حاليا في مكتبة الأسينال في باريس و ممهورة بتوقيع المترجمbibliotheque de l arsenal -paris .
كما اعتمد أيضا على كتابات اخرى كثيرة ظهرت عن القرآن الكريم أهمّها كتابه (ريكولدوس الفلورنسي الدومينيكاني)ricoldus of monte crusis بعنوانpropunaculum fidei و المطبوع في فينيسيا عام 1609 م.
و تحت تأثير هذا المفهوم، و هو أنّ المسلم هو قاب قوسين أو أدنى من المسيحية، تجرّأ البابا بيوس الثاني، فأرسل رسالة للسلطان محمّد الثاني يدعوه إلى النصرانية و يصبح خليفة لأباطرة بيزنطة.
و لمّا لم يكلف السلطان خاطره بالرد على هذه الدعوة أخذ الخيال يداعب الداعي باقتراب نصر سهل في الشرق بعد الكارثة الّتي حاقت بحروبهم الصليبية.
و في النهاية فإنّه يمكن القول بأن ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللّاتينية لغة الكنيسة و بأيدي رجالها لم تكن عملا أكاديميا أثاره حبّ الاستطلاع فقط بل كانت عن سابق تخطيط و ترصد احتاج إلى تنفيذه إرسال البعثات لسنين
عديدة لدراسة العربية ثمّ اعتكاف طويل للترجمة بتوجيهات أعلى سلطة دينية مسيحية و بمساعدة و إشراف رئيس رهبان أكبر رهبانية في ذلك الوقت و أقصد بها رهبانية كلوني، و الأخطر من هذا هو البحث عمّا ظنّوه اختلافا أو أخطاء أو ما شابه من الظنون، فكان الردّ على القرآن و الطّعن فيه أهم عندهم من الترجمة، حتى أنّ ماراكيوس في طعنه للقرآن كان جادّا في استكمال مطاعنه و ردوده الّتي فاقت ترجمة سابقيه و ردودهم، و أشار إليها جورج سال مشمئزا ممّا حوت مفضّلا عليها موضوعية مهذّبة ماكرة قد تكون أفضل في التعامل مع المسلمين.
قال هذا الماكر في مقدّمة ترجمته:
إنّي لم أسمح لنفسي عند التحدث عن محمّد أو قرآنه أن أستعمل السباب المشين و التعبيرات اللاأخلاقية و الّتي ظنّها الكثيرون ممّن كتبوا ضدّه أنّها أقوى اسلوب للمجادلة.
و لكن العكس هو الصحيح، فقد وجدت أنّه من الملائم معالجة الموضوع بالحكمة و الأدب بل و الموافقة على الأساسيات الّتي أعتقد أنها تستحق الموافقة، كمدى الجريمة الأبدية الّتي ارتكبها بفرضه دينا مزيفا على البشرية ... جورج سال (1874).
لقد ترجم القوم كتاب اللّه العزيز و حرّفوا و هاجموا و نقدوا و رفضوا و أثاروا الشبهات و ما زالوا. كل ذلك ليس في لغة واحدة بل في عشرين لغة و نيف.
فما هو موقفنا من كل ذلك، و ما ذا يجب علينا أن نفعله إزاء هذا الهجوم؟
هل نترك الحبل على غاربه لكل من أمسك قلما ليعتدي على كتاب ربّ العالمين و نحن بما يجري إمّا غافلون أو جاهلون؟
لقد أقامت الترجمات اللّاتينية و توابعها سدا بين الأوربيين و بين المعاني
الصافية للقرآن الكريم و أورثتهم عداوة و كرها شديدا للإسلام و المسلمين.
و قد آن الأوان أن نأخذ بزمام المبادرة و نبلّغ و نبيّن للعالم ما عندنا من هداية و نور (1).
1- المجلّة المغربية للتوثيق و المعلومات- العدد الثالث، تونس، مارس 1985 م.
2- لويس يونغ، العرب و أوربا، ترجمة ميشيل أزرق، دار الطليعة، بيروت 1979 م.
3- جوزيف رينو- الفتوحات الإسلامية في فرنسا و إيطاليا و سويسرا في القرون الثامن و التاسع و العاشر الميلادية- تعريب و تعليق الحواشي و تقديم د.
إسماعيل العربي- دار الحداثة بالتعاون مع ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر- 1984 م.
4- بلاشير، القرآن: نزوله و تدوينه و ترجمته و تأثيره، نقله إلى العربية:
رضا سعادة- دار الكتاب اللبناني- بيروت.
references: 1- beeston, a. f. l., johnstone, t. m., sergent, r. g.
smith g. r., the cambredge history of arabic literature- arabic literature to the end of the umayyed period., cambridge university press, pps. 502- 520, first ed., cambridge, 1983.
1) انتهى ما نقلناه بتصرّف من مقال للدكتور حسن المعايرجي في مجلة المسلم المعاصر، العدد 48، السنة 1407 ه، لبنان، بيروت، ص 53- 90، تحت عنوان (الترجمات اللّاتينية الاولى للقرآن الكريم و تأثيرها على الترجمات باللّغات الأوربية).
2- brill, e. j., encyclopaedia of islam, v pps, 429- 432, leiden
3- brockway, d., the second edition of volum l of marracci
alcorani, textus universus, m, w. vol. 64) 1974 (141- 144 p.
4- sale, george the koran, philadelphia, j. b. lippincoff
co. 1874.
5- moslem world vol. 55) 1956 (. 195- 202 p.
6- kritzek, j. peter the venerable and islam, inxeton, 1944.
7- ross, d., ludvico marraci, in sos, ii, 17- 123 p.,) 1921-
1923 (.
8- kritzeck, j. robert of ketton, s translation of the qur, an,
islamic quarterly, vol. ll, 309- 312 p.) 1955 (.
9- daniel, n., lslam and the west, the making of an image,
edinburgh, 1960.
10- shellabear, w. g., ls sale, s koran reliable?
m. w., xxl
) 1931 (, 126- 142.
11- the koran in slavonix, the vew york public library, n. w.
12- work bibliography of translations of the meanin of the
holy qur, an- printed translations-) 1515- 1980 (, research
centre for islamic history art and culture, istanbul 1980.
13- the oxford dictionary of popes, by j. n. n. kelly, oxford
university press, new york, 1986.
14- w. montgomery watt, the influence of islam on medievel
europe, edinburg university press, 1972.
15- haroon khan sherawi, muslim colonies in france,
northern italy and switzerland, lahore 1955, orientalia.
16- du ryer, a. lmalcoran de mahomet, traduit de l, arabe,
pub.; chez pierre mortier, amsterdam, 1734.
17- muhammed hamiduallah, le saint coran, pub.; hilal
yayinlari, ankera 8 eme ed. beyrouth 1973.
18- the new encyclopeadia britanica, roman catholiciasm
history of roman catholicism, 900- 1020 p.
انتهت أيام تلكم الحروب العدوانية على القرآن الكريم بمراودة الشرقيين و الغربيين و معاشرة بعضهم مع بعضهم الآخر بالإضافة إلى كتابات مستشرقين أمثال المستشرق هاملتون جب و السير ادوارد دونون روز و غيرهما، و يقول المثل العربي: حبل الكذب قصير، أضف إليه أنّه لم يكن أي أثر لأكاذيبهم و افتراءاتهم على المسلم الشرقي. لهذا و ذاك قاموا بدراسات واسعة و عميقة لأنواع مصادر الدراسات الإسلامية فوجدوا ضالّتهم المنشودة في بعض الكتب و بعض الروايات و بعض الاجتهادات الخاطئة من علماء المسلمين، فاستفادوا منها و أشادوا بذكرها و نشروها في بلاد المسلمين، كما ندرس بعضها في ما يأتي بإذنه تعالى:
الّذي طبع كتاب المصاحف لابن أبي داود (ت: 316) في مصر سنة 1355 ه، و كتب في مقدمة الكتاب ما يلي:
(نتقدّم بهذا الكتاب للقرّاء على أمل أن يكون أساسا لبحث جديد في تاريخ تطوّر قراءات القرآن. نشر في أيامنا هذه علماء الشرق كثيرا ممّا يتعلق بتفسير القرآن و إعجازه و أحكامه و لكنهم إلى الآن لم يبيّنوا لنا ما يستفاد منه التطوّر في قراءاته، و لا ندري على التحقيق لما ذا كفّوا عن هذا البحث في عصر له نزعة خاصة في التنقيب عن تطور الكتب المقدّسة القديمة و عمّا حصل لها من التغيّر (1)و التحوير و نجاح بعض الكتاب فيها.
فمن منا يجهل مبلغ سرور علماء الغرب حين أن عثروا على بعض القطع القديمة من القرطاس و البردي الّتي حفظت لنا آيات و أسفارا من التوراة أو الإنجيل كانت بفضل رمال مصر محفوظة من البلاء و الدثور مع طول الزمن. و لا يخفى على المطّلع أن علماء النصارى و علماء اليهود قد جدّوا منذ جيلين في طلب تحقيق تاريخ الإنجيل و التوراة و أنّهم فازوا بنتائج باهرة كان لها أثر عظيم في تفسير لهذين الكتابين و تأويلهما، و أمّا القرآن فلم نجد شيئا من هذه الأبحاث فيه سوى كتاب واحد بسيط و هو كتاب تاريخ القرآن لأبي عبد اللّه الزنجاني الّذي طبع حديثا في مصر.
أدّى هذا الفحص في الغرب كما هو معلوم إلى التنازع و الخصام بين المتمسّكين بالنقل و بين المتمشّين مع العقل، أو بعبارة اخرى أوضح بين أهل
1) كذا في النص.
النقل و بين أصحاب هذه الأبحاث، فقال أهل النقل من اليهود و النصارى إنّ هذا البحث التحليلي و كل فحص في تاريخ الكتاب المقدس ليس إلّا طعنا في الدين، و نسبوا إلى هؤلاء الباحثين عدم الإيمان، و زعموا أنّهم لا يريدون شيئا غير التشكيك و الزندقة و الإلحاد، و لكن آراء المفكرين- أصحاب هذه المباحث- قد ذاعت الآن و انتشرت حتى طغت على آراء غيرهم ممن يتمسكون بالنقل، فأنت ترى الآن أكثر علماء اليهود و علماء النصارى يتبعون في أبحاثهم و تدريسهم طريقة هذا البحث التحليلي و لو خالف هؤلاء في بحثهم أهل النقل و الطريقة القديمة.
و إذا تبيّنا أصل الاختلاف بينهما وجدناه في غير النص الموجود بين أيدينا الآن، فأمّا أهل النقل فاعتمدوا على آراء القدماء و على هذه التخيّلات الّتي ورثوها عن آبائهم و أجدادهم و الّتي نقلها العلماء من دور إلى دور، و إذا ما وجدوا بين هذه الآراء خلافا اختاروا واحدا منها، و قالوا إنّه ثقة و غيره ضعيف أو كاذب. و أمّا أهل التنقيب فطريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء و الظنون و الأوهام و التصوّرات بأجمعها، ليستنتجوا بالفحص و الاكتشاف ما كان منها مطابقا للمكان و الزمان و ظروف الأحوال معتبرين المتن دون الاسناد يجتهدون في إقامة نص التوراة و الإنجيل كما أقيم نص قصائد هوميروس أو نص رسائل أرسطو الفيلسوف.
بدأ نولدكه (noldede( الألماني باستعمال طريقة البحث هذه في نص القرآن الشريف في كتابه المشهور الجليل المسمّى: تاريخ القرآن. نشر هذا الكتاب سنة 1860 م و هو الآن أساس كل بحث في علوم القرآن في أوربا، و لم يكن في وسع نولدكه أن يقوم بالطبعة الثانية من كتابه ففوض ذلك إلى تلميذه شوالي (schwally( الّذي ضم إليه نتائج التدقيقات الحديثة، و توفّي شوالي في أثناء عمله فأخذ برجشتراسر (bergstrasser( في تكميله، و بعد موت برجشتراسر أتمّ تلميذه برتزل (pretzl( طبع الكتاب. و لما ظهرت الطبعة الاولى من كتاب
نولدكه تجنّى عليه بعض أصحاب النقل في الشرق، و اتهموه بالطعن في الدين، و زعموا أن الذين يتتبّعون هذ الطريقة ليسوا خالين من المحاباة في أبحاثهم مع أن انصافهم و صدق نيّتهم و عدم محاباتهم ظاهر و يتبين من كتبهم أنّهم لا يرومون إلّا الكشف عن الحق، و كان عيبهم الوحيد في أعين أهل النقل أنّهم يعتبرون المتن دون الاسناد و يختارون من آراء القدماء ما يطابق ظروف الأحوال من أسانيد متواترة كانت أم ضعيفة، فكثيرا ما تناقض نتائج أبحاثهم بهذه الطريقة تعليم أهل النقل الّذي قد عرف بين العلماء من زمن بعيد.
و لمّا كان في إيضاح كل ما قالوه إطالة لمقدّمتنا هذه المراعى فيها الاختصار بقدر الامكان فنكتفي بعرض بعض نتائج أبحاثهم إفادة: للقراء و مثالا ينسج عليه الباحثون، و نذكر أهمّ هذه النتائج في ما يأتي:
1- لمّا قبض النبيّ (ص) لم يكن في أيدي قومه كتاب- قيل إنّ النبيّ (ص) كان كلّما نزلت عليه آيات أمر بكتابتها و كان يعرض على جبريل مرّة في كلّ سنة ما كتب من الوحي في تلك السنة و عرضه عليه مرّتين سنة موته، و هكذا جمع القرآن كله في حياة النبي (ص) في صحف و أوراق، و كان مرتبا كما هو الآن في سوره و آياته إلّا أنّه كان في صحف لا في مصحف، و هذا الرأي لا يقبله المستشرقون لأنّه يخالف ما جاء في أحاديث اخرى أنّه قبض (ص) و لم يجمع القرآن في شيء، و هذا يطابق ما روى من خوف عمر بن الخطاب و أبي بكر الصديق لما استحر القتل بالقرّاء يوم اليمامة و قالا إنّ القتل استحرّ بقرّاء القرآن و نخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن كلّها فيذهب قرآن كثير، و يتبين من هذا أن سبب الخوف هو قتل القرّاء الذين كانوا قد حفظوا القرآن، و لو كان القرآن قد جمع و كتب لما كانت هناك علة لخوفهما، و فضلا عن ذلك فان علماء الغرب لا يوافقون على أن ترتيب نص القرآن كما هو اليوم في أيدينا من عمل النبيّ (ص).
2- اختلاف مصاحف الصحابة- روى أنّ غير واحد من الصحابة جمع القرآن في مصحف و منهم عليّ بن أبي طالب، و أبيّ بن كعب، و سالم مولى حذيفة، و عبد اللّه بن مسعود، و أبو موسى الأشعري، و عبد اللّه بن الزبير، و أبو زيد، و معاذ ابن جبل، و غيرهم. و زعم بعض الكتبة ان المراد بالجمع في هذا الحديث الحفظ، و لكنا لا نوافق على قولهم هذا لأنّ عليّا حمل ما جمعه على ظهر ناقته و جاء به إلى الصحابة، و سمى الناس ما جمعه أبو موسى (لباب القلوب)، و حرق عثمان ما جمعه ابيّ، و أبى عبد اللّه بن مسعود أن يقدم ما جمع من القرآن إلى عامل عثمان بالعراق، و يلزم على هذا أنّ ما جمعوه كان مخطوطا في مصاحف. و كان كل مصحف من هذه المصاحف مصحفا خاصا بصاحبه جمع فيه ما عثر عليه من السور و الآيات، أما المصحف الّذي كتبه زيد بن ثابت لأبي بكر الصديق فكان أيضا في رأي المستشرقين مصحفا خاصا لا رسميا كما زعم بعضهم. و كانت هذه المصاحف يختلف بعضها عن بعض، لأنّ كل نسخة منها اشتملت على ما جمعه صاحبها و ما جمعه واحد لم يتفق حرفيا مع ما جمعه الآخرون.
3- أخذ مصاحف بعض الصحابة مقاما يعتد به في الأمصار- لما نشأت الأمصار الإسلامية بعد فتح الشام و العراق كان كل فريق من الناس يحتاج إلى نسخة من القرآن الّذي هو أصل دينهم و حكمهم و عاداتهم الاجتماعية، فاتفق أهل الكوفة على مصحف ابن مسعود، و أهل البصرة على مصحف أبي موسى الأشعري، و أهل دمشق على مصحف المقداد بن الأسود، و أهل الشام على مصحف ابيّ بن كعب. و كانت هذه المصاحف يخالف بعضها بعضا، و لما اجتمع أهل العراق و أهل الشام لغزو مرج أذربيجان كانوا يتنازعون في القراءات حتى أنكر بعضهم على بعض ما كان يقرأه من غير مصحفه زاعما أنّه ليس من القرآن، فنشأ عن ذلك الجدل و النزاع، و كان كل هذا من تمسّك كل منهم بالمصحف المقروء في مصره.
4- جمع عثمان الناس على حرف واحد- روى أن حذيفة بن اليمان كان مع الجنود في فتح أذربيجان و سمع ما كان بين الناس من الجدل و النزاع في قراءاتهم فركب إلى عثمان بن عفان و قال له: يا أمير المؤمنين! أدرك هذا القوم قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود و النصارى، فوقف عثمان بين الناس و قال: من بيده شيء من كتاب اللّه فليأت به، فأتوا بما عندهم على عسب و أكتاف و أوراق و صحف و ما عدا ذلك، و أرسل إلى زيد بن ثابت و أعد له رهطا من أهل قريش و أمرهم بأن يجمعوا القرآن في مصحف، فجمعوا القرآن من الصحف و من شقف مخطوطة و من صدور الناس، و كانوا لا يتقبلون شيئا إلّا إذا شهد له شاهدان، و قيل إن عثمان أرسل إلى حفصة أن ترسل إليه الصحف الّتي نسخها زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الصديق فكانت هذه الصحف مصدر نص مصحف عثمان الجديد، و لمّا فرغوا من جمع هذا المصحف و كتابته جعلوه مصحفا رسميا. و بعث عثمان بنسخ منه إلى الأمصار و أمر باحراق ما عداها من صحف أو مصاحف.
و زعم بعض العلماء أنّ عثمان إنّما أخذ من حفصة النص الرسمي الّذي كتبه زيد بن ثابت لأبي بكر و نسخ هذا النص الرسمي بلغة قريش لأن العرب كانوا يقرءون القرآن بلغات مختلفة، و قال آخرون ان عثمان إنما أتم ما ابتدأ به عمر بن الخطاب من جمع القرآن، و نحن نرتاب و نشك في هذين الرأيين لأن ما أدى إليه بحثنا في أحاديث جمع القرآن هو أن اختلاف مصاحف الأمصار كان سببا في أن عثمان أمر زيد بن ثابت بتأليف ما في أيدي أهل المدينة من القرآن لا على أن يكون هذا الجمع و التأليف مصحفا لأهل المدينة فقط كما كانت نسخة ابن مسعود مصحفا لأهل الكوفة و نسخة أبي موسى مصحفا لأهل البصرة، بل جمعه ليكون المصحف الرسمي لجميع أمصار الإسلام.
5- خلو مصحف عثمان من النقط و الشكل- وجد القرّاء في المصاحف
الّتي بعثها عثمان للأمصار اختلافا في بعض الحروف، فكان في مصحف الكوفة (عملت) و في غيره (عملته) و كذلك في مصحف الشام (و بالزبر) و في غيره (و الزبر)، و في مصحف المدينة و مصحف الشام (فلا) و في غيرها (و لا) و مثل ذلك. و كانت هذه المصاحف كلها خالية من النقط و الشكل، فكان على القارئ نفسه أن ينقط و يشكل هذا النص على مقتضى معاني الآيات، و مثال ذلك (- علمه) كان يقرأها الواحد (يعلّمه) و الآخر (نعلّمه) أو (تعلمه) أو (بعلمه) الخ على حسب تأويله للآية، فكان حينئذ لكل قارئ اختيار في الحروف و كذلك اختيار في الشكل أيضا، و فضلا عن ذلك فقد وقع اختيار بعض القرّاء، كما يتبين ذلك من كتب القراءات، على كثير ممّا كان في المصاحف الّتي منع عثمان استعمالها.
ثمّ بعد ذلك ظهرت بالتدريج في كل مصر من الأمصار قراءة كانت مشهورة معهودة في ذلك البلد و تبعها الناس دون غيرها. فظهرت قراءة أهل الكوفة و قراءة أهل البصرة و قراءة أهل الشام و قراءة أهل حمص و قراءة أهل مكة و قراءة أهل المدينة، و هي اختيار القرّاء المشهورين من هذه الأمصار.
6- قوّة اختيار بعض القرّاء- و اتفق بعد حين أن قد قوي اختيار بعض القرّاء دون البعض في هذه الأمصار المذكورة، فصار اختيار هؤلاء القرّاء في ما بعد قاعدة قراءة أهل مدنهم، و أسّس القرّاء اختيارهم على مبادئ ثلاثة: الأوّل أن تكون القراءة موافقة لنصّ المصحف العثماني، الثاني أن تكون روايتها من الصحابة، الثالث أن تكون مطابقة للعربية. أخيرا في سنة 322 اقترع بينها العلّامة أبو بكر بن مجاهد، أعلم أهل عصره في علم القراءات، و رجح اختيار القرّاء السبعة، و هم نافع من أهل المدينة، و ابن كثير من أهل مكة، و ابن عامر من أهل الشام، و أبو عمرو من أهل البصرة، و عاصم و حمزة و الكسائي من أهل الكوفة، بناء على الحديث المشهور أن النبي (ص) قال: انزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه. و لم يقبل جميع العلماء اختيار ابن مجاهد، فاستحسن
بعضهم قراءة أبي جعفر المدني و آخر قراءة يعقوب البصري أو قراءة خلف الكوفي، و حتى الآن يعتمد كثير من العلماء قراءة القرّاء العشرة و يثبتون أن كل قراءة رويت عن العشرة هي قراءة متواترة.
7- ترجيح و تصميم قراءة حفص- لكل من القرّاء العشرة رواة كثيرون فانتخب الناس بعد حين من مجموع روايات الرواة روايتين لكل قارئ، فاستحسنوا من روايات رواة نافع رواية ورش و رواية قالون، و من روايات رواة ابن كثير رواية البزي و رواية قنبل، و من روايات رواة ابن عامر رواية ابن ذكوان و رواية هشام، و من روايات رواة أبي عمرو رواية الدوري و رواية السوسي، و من روايات رواة عاصم رواية حفص و رواية أبي بكر، و من روايات رواة حمزة رواية خلف و رواية خلاد، و من روايات رواة الكسائي رواية الدوري و رواية الحارث، و كذا من روايات رواة أبي جعفر رواية ابن جماز و رواية ابن وردان، و من روايات رواة يعقوب رواية روح و رواية رويس، و بعد ذلك لم يعتمدوا القراءة إلّا إذا كانت من هذه الروايات المختارة. و استمرت هذه الروايات معمولا بها في كل عصر إلى أن فاقت ثلاثة منها على غيرها؛ و هي رواية الدوري عن أبي عمرو البصري، و رواية ورش عن نافع المدني، و رواية حفص عن عاصم الكوفي. ثمّ نشرت رواية حفص حتى تغلبت على رواية الدوري كافة و تغلبت أيضا على رواية ورش إلّا في المغرب، فبقيت رواية حفص عن عاصم الكوفي القراءة المشهورة المستعملة في أيامنا في أكثر بلاد العالم الإسلامي.
هذا في رأي المستشرقين تاريخ تطور في قراءات القرآن من بدء المصاحف المختلفة في أيام الصحابة إلى المصحف الرسمي العثماني، و من وقت حرية الاختيار في الروايات إلى أن اعتمد العلماء رواية رسمية من روايات الرواة الكثيرة المختلفة، و قد حققوا أن نتيجة بحثهم هذه أقرب فهما للأحاديث المختلفة و الروايات المتناقضة و أكثر موافقة لأحوال القرون الاولى و حوادثها، فبناء على هذا نرى
ستة أطوار في تاريخ تطوّر قراءات القرآن و هي:
(1) طور المصاحف القديمة.
(2) طور المصاحف العثمانية الّتي بعث بها للأمصار.
(3) طور حرية الاختيار في القراءات.
(4) طور تسلط السبعة أو العشرة.
(5) طور الاختيار في روايات العشرة.
(6) طور تعميم قراءة حفص و هو طور النسخ المطبوعة.
و لا يخفى على القارئ أن نتيجة هذه الأبحاث لا تتفق و ما عليه المسلمون من تاريخ القرآن، و لا يهمنا في بحثنا هذا كونه حقا أو باطلا و إنّما المهم هو بيان ما وصلنا إليه بعد التحري و التنقيب، فإذا يجب علينا أن ندقق في دراسة كل طور من هذه الأطوار لتحل المسائل الكثيرة المتعلقة بكل واحد منها لا سيما الطّور الأوّل و الطّور الثالث، و بالأخص لنجمع ما بقي من حروف المصاحف القديمة الّتي تقدمت مصحف عثمان، و أن نبحث عن رسم المصاحف العثمانية، و أن نجمع القراءات الّتي عرفت من زمن الاختيار، و أن نكشف عن النص الأصلي لكلّ قارئ من القرّاء السبعة أو العشرة، و أن نلم بجميع القراءات المنسوبة إلى رواة القرّاء العشرة. ثم بعد ذلك نسأل متى و كيف و لما ذا اختير لكل منهم روايتان من روايات رواتهم الكثيرة، و كيف ظهرت رواية حفص على روايات أصحابه؟
و نظرة قصيرة في كتاب المصاحف لابن أبي داود تمكننا من الوصول إلى أول مراتب هذا البحث.
كتب غير واحد من أهل السّلف كتبا وصفوا فيها المصاحف القديمة لا سيّما تلك المصاحف الّتي أبطلها عثمان حينما بعث بمصحفه الرسمي للأمصار، و من هذه
الكتب كتاب اختلاف مصاحف الشام و الحجاز و العراق لابن عامر (المتوفّى:
118)، و كتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة و اهل الكوفة و أهل البصرة عن الكسائي (المتوفّى 189)، و كتاب اختلاف أهل الكوفة و البصرة و الشام في المصاحف للفرّاء البغدادي (المتوفّى 207)، و كتاب اختلاف المصاحف لخلف بن هشام (المتوفّى 229)، و كتاب اختلاف المصاحف و جامع القراءات للمدائني (المتوفّى 231)، و كتاب اختلاف المصاحف لأبي حاتم (المتوفّى 248)، و كتاب المصاحف و الهجاء لمحمد بن عيسى الأصبهاني (المتوفّى 253)، و كتاب المصاحف لابن أبي داود (المتوفّى 316)، و كتاب المصاحف لابن الأنباري (المتوفّى 327)، و كتاب المصاحف لابن اشته الأصبهاني (المتوفّى 360)، و كتاب غريب المصاحف للورّاق، و لم يصل إلينا من هذه الكتب إلّا كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني ابن الإمام أبي داود المحدث المشهور صاحب كتاب السنن، و لما كانت هذه المقدمة لكتاب المصاحف لابن أبي داود كان حقا علينا أن نلمح إلى شيء من تاريخ حياته.
ثمّ أورد تاريخ حياته و جاء فيها قوله:
(ولد عبد اللّه بن سليمان الأشعث أبو بكر بن أبي داود بسجستان سنة 230).
(و اشتهر في علم الحديث و في علوم القرآن- أيضا-).
(و ألف في هذا الفنّ كتبا كثيرة).
(فضلا عن كتابه المشهور كتاب المصاحف و المسمى أيضا كتاب اختلاف المصاحف).
(و مع هذا زعم بعض العلماء أنّه غير ثقة، و قيل إن أباه أبا داود كذّبه، و قال الدارقطني هو ثقة إلّا أنّه كثير الخطأ في الكلام على الحديث، و قال في المغني: عبد اللّه بن سليمان السجستاني ثقة كذّبه أبوه في غير حديث، و هذه تهمة
لم يرض بها المستشرقون لأنها لم تقم عليها حجّة من الأحاديث الّتي رويت عنه، و لأنّهم اختبروا أحاديثه على قاعدة البحث الجديدة، فوجدوها صحيحة صادقة).
يا ترى لما ذا لم يرض المستشرق بالنشر الكثير لتفسير القرآن و بيان أحكامه و ... و ...؟
لأنّه لا يرضيه من البحث حول القرآن عدا البحث عمّا (حصل له من التغيير و التحوير) لما فيه من التشكيك بثبوت النصّ القرآني الّذي بأيدينا، و قد وجد بغيته في الروايات الّتي أورد خلاصتها و استنتج منها تطور النصّ القرآني و تحوله، و للسبب نفسه نشر كتاب اختلاف المصاحف لابن أبي داود لأن هذا الكتاب يوصله إلى أوّل مراتب هذا البحث كما قال.
و نتيجة هذا البحث عنده: إن القرآن قد تغيّر و تبدّل منذ عصر نزوله إلى عصور الطبع مرّات متعددة، و لتأييد قوله هذا نشر أسماء الكتب الّتي يستفاد منها اختلاف المصاحف بعضها مع بعض على مرّ العصور، و قد بان لنا زيف ما استند إليه في بحث اختلاف المصاحف بهذا الكتاب.
و للسبب نفسه لم يرض المستشرقون- كما قال- قول العلماء: (انّه غير ثقة) (كثير الخطأ في الكلام على الحديث) (ان أباه أبا داود كذّبه).
و قال: (لأنّهم- المستشرقين- اختبروا أحاديثه على قاعدة البحث الجديدة فوجدوها صحيحة صادقة).
و إنّ قاعدة البحث الجديدة لدى المستشرقين حول القرآن هي صحة كلّ ما يثبت عدم ثبوت النصّ القرآني و تبدّله على مرّ العصور!!!
و للسبب نفسه قال: و أمّا القرآن فلم نجد شيئا من هذه الأبحاث فيه سوى كتاب واحد بسيط و هو كتاب (تاريخ القرآن) لأبي عبد اللّه الزنجاني الّذي طبع حديثا في مصر. انتهى.
كانت تلكم أقوال د. آرثر جفري حول كتاب الزنجاني، و إليكم في ما يأتي درسها:
أ- قال الكاتب المصري أحمد أمين (ت: 1373 ه) في مقدمة تاريخ القرآن للزنجاني، ط. مصر سنة 1356 ه: (إنّ الاستاذ من أكبر علماء الشيعة و مجتهديهم).
ب- أعضاء لجنة دائرة المعارف و مترجموها:
شعر طلاب الثقافة و التمدن الإسلامي بالخيبة لفقدان عمل علمي باللغة العربية حول تاريخ القرآن الكريم، و شعرنا بدورنا بالحاجة الملحة لمثل هذا العمل عند قيامنا بترجمة دائرة المعارف الإسلامية إلى العربية.
و منذ زمن بعيد عالج المستشرقون هذا الموضوع، منهم المشاهير: نولدكه، برجشتراسر و برتزل.
و رغم اسلوبهم العلمي في النقد و التحقيق في المصادر، فإنّ آراءهم تكاد تبتعد عن الموضوعية أحيانا. و هذا ممّا يسّر الاطلاع على رأي عالم مسلم و شيعي كالشيخ أبي عبد اللّه الزنجاني، و الّذي لا نرى حاجة لتعريفه لكونه أحد كبار علماء الفرس و مجتهديهم المعاصرين.
و يعتبر تأليفه هذا مشاركة في نشر العلم الحديث بلا شك. و لأكثر مباحث هذا الكتاب الأهمية الكبرى، فقد عالج المؤلف ببراعة مواضيع هامة كحياة الرسول (ص) و الأحوال السائدة في الجزيرة العربية في عصره و كيفية قبول رسالته في المجتمع آنذاك و أثرها البليغ في تاريخ الجزيرة العربية. و قد جمع المؤلف و انتقد ببراعة في مؤلفه الموجز مسائل و آراء شتى العلماء العرب و أوربا و منها:
تاريخ القرآن الكريم و ترتيب السور و كيفية تعليم الرسول (ص) القرآن لأصحابه و كيف كتب القرآن الكريم لأوّل مرّة و أشهر قرّاء القرآن الكريم و قراءاتهم و مترجمو القرآن الأوربيون.
و نحن نشعر بالشكر الّذي يدينه كل باحث لتاريخ القرآن الكريم تجاه الشيخ أبي عبد اللّه الزنجاني لكتابه هذا الّذي لا يستغني عنه الباحثون في هذا المضمار.
1/ جولاي/ 1935 م لجنة الترجمة لدائرة المعارف الإسلامية عباس محمود إبراهيم زكي خورشيد عبد الحميد يونس أحمد الشنتناوي و للسبب الّذي ذكرنا انتخب الزنجاني عضوا في المجتمع العلمي العربي في دمشق و السبب في كل هذا التكريم للزنجاني لما جاء في الفصول السبعة الآتية من الباب الثاني من كتابه (1):
الفصل الأوّل: القرآن في عهد أبي بكر و عمر (رض) (2)الفصل الثاني: القرآن في عهد عثمان (رض) (2)ل.
الفصل الثالث: في ترتيب السور في مصحف عليّ (ع) الفصل الرابع: ترتيب سور القرآن في مصحف ابيّ بن كعب الفصل الخامس: ترتيب سور القرآن في مصحف عبد اللّه بن مسعود (رض) الفصل السادس: ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن عباس (رض) الفصل السابع: ترتيب السور في مصحف الإمام أبي عبد اللّه الصادق (ع).
و لمّا توفّي رسول اللّه (ص) و رجعت نفسه الزكية إلى ربها راضية مرضية، و تولّى الأمر أبو بكر بن أبي قحافة (رض) ظهر مسيلمة باليمامة في السنة الاولى من خلافته، و جهز أبو بكر لقتاله جيشا يتألّف من القرّاء و حفظة القرآن و غيرهم، و في هذه الحرب الّتي كان النصر حليف المسلمين، و قتل مسيلمة و اشتدّ القتل في يومها لقرّاء القرآن أحس الخليفة عمر بن الخطاب (رض) بضرورة جمع القرآن. في الإتقان عن ابن أبي داود بطريق الحسن أن عمر (رض) سأله عن آية من كتاب اللّه، فقيل كانت مع فلان، قتل يوم اليمامة؛ فقال: إنّا للّه، فأمر بجمع القرآن، فكان أوّل من جمعه في مصحف (1).
روى البخاري بإسناده عن عبيد بن السباق أنّ زيد بن ثابت (رض) قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل (أي عقيب مقتل) أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (أي اشتد) يوم اليمامة بقرّاء القرآن، و إنّي أخشى أن يستحر القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، و إنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل (برواية البخاري) و كيف أفعل (برواية محمّد بن إسحاق) ما لم يفعله رسول اللّه (ص)؟
قال عمر: هذا و اللّه خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك، و رأيت في الّذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لانتهمك، و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (ص)، فتتبّع القرآن فاجمعه، فو اللّه لو كلّفوني نقل
1) في قطع الجلد المدبوغ.
جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص)؟ قال: هو و اللّه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر و عمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب (1)و اللخاف (2)و صدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ حتّى خاتمة براءة.
يظهر من الرواية أن أبا بكر (رض) خشي فأبى من فعل ما لم يفعله رسول اللّه (ص)، لشدّة اتباعهم للنبي (ص)، ثمّ اجتهد عمر (رض) و قال هذا و اللّه خير، أي صلاح للامّة، لأن القرآن هو أساس معالم الدين الإسلامي، و كذلك زيد بن ثابت أبى أن يفعل ما لم يفعله (ص) خشية الابتداع في الدين. كأنّ ظاهر الرواية أنّ إنكارهما يرجع إلى جمع القرآن، مع أنّ القرآن بحسب الروايات و الأقوال السابقة كان مجموعا في حضرة النبيّ (ص)، و لكن التأمّل الصادق- و الشواهد- يعطي أنّ اقتراح عمر جمع القرآن إنّما كان لجمعه في الورق، حتى أن الصحابة لشدة احتياطهم و خضوعهم لرسول اللّه (ص) خافوا أن يكون ذلك من البدع و أجاب الخليفة الثاني أنّ فيه رضا النبيّ (ص) و صلاح الامّة.
في الإتقان عن مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب، قال: لمّا أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر و خاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم و عندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أوّل من جمع القرآن في المصحف. ثمّ أعلن عمر في المدينة بأن يأتي كل من تلقى شيئا من القرآن من رسول اللّه (ص)، و قال أبو بكر لعمر و لزيد: اقعدا على باب المسجد).
فمن جاءكما بشاهدين على كتاب اللّه فاكتباه (1).
و الأقرب إلى الظن أنّ الشاهدين كانا يشهدان بأن ما أتوا به كان ممّا عرض على النبيّ (ص) عام وفاته في العرضة الأخيرة، و كتب بين يديه (ص)، و لذلك قال زيد بن ثابت: وجدت آخر سورة براءة مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره. و لو لا ذلك لما صحّ معنى لعدم وجدانهم لهذه الآية، لأنّ زيدا كان جمع القرآن و حفظه، و أخذه عن النبيّ (ص)، و قبل قول أبي خزيمة لأنّ النبيّ (ص) جعل شهادته شهادة رجلين، و أتى عمر بآية الرجم فلم تكتب لأنّه كان أتى بها وحده، و كانت حسب بعض الرّوايات نسخة من القرآن المكتوب في العسب و الحرير و الأكتاف في بيت رسول اللّه (ص).
و كان هذا الجمع عبارة عن جمع الآيات المكتوبة في الأكتاف و العسب و اللخاف، و نسخها في الأديم و هو الجلد المدبوغ، قال ابن حجر في رواية عمارة ابن غزية: إن زيد بن ثابت قال: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه. ثمّ عند عمر في حياته. ثمّ عند حفصة بنت عمر.
و قال عمر (رض): لا يملين في مصاحفنا إلّا غلمان من قريش و ثقيف، و قال عثمان (رض): اجعلوا المملي من هذيل و الكاتب من ثقيف (2).7.
قد سبق أنّ الصحابة قرءوا بعض كلمات القرآن بألفاظ مختلفة، كانت تدل على معنى واحد، كامض و أسر و عجل و أسرع و أخر و أمهل، و أن عمر قرأ فامضوا إلى ذكر اللّه. و أنس قرأ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ و أصوب قيلا. و لم يكن هذا الاختلاف بنظرهم مغيّرا لمعنى القرآن، و لذلك أقرّ النبي (ص) قراءاتهم على اختلاف ألفاظها، و بعد عهد النبي (ص) أخذ يزيد هذا الاختلاف في عهد أبي بكر، و اشتد في عهد عثمان حتى اقتتل المعلّمون و الغلمان، و تفرق القرّاء و الحفاظ في الشام و العراق و اليمن و أرمينية و اذربيجان، و زاد هذا الاختلاف بتأثير عوامل تحوّل اللغة بمجاورة امم غير عربيّة أو عربية غير مضرية، و أصبح بحيث يخشى من تأثيره، فعند ذلك أحسّ حذيفة بن اليمان (1)الصحابي الجليل بسوء تأثيره إن استمر، و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية و أذربيجان مع أهل العراق، فأعلم عثمان سوء عاقبة الاختلاف في القرآن.
و في البخاري و وافقه صاحب الفهرست (2)، قال: حدّثنا إبراهيم، قال:
حدّثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان (في الفهرست: و كان بالعراق)، و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية و اذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين
أدرك هذه الامّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ثمّ نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت و عبد اللّه بن الزّبير و سعيد بن العاص و عبد الرّحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف؛ و قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فانّما انزل بلسانهم (1). و يظهر من بعض الأسانيد الموثقة أن عثمان لما أراد نسخ القرآن في المصاحف، جمع له اثني عشر رجلا من قريش و الأنصار.
أخرج ابن أبي داود من طريق محمّد بن سيرين عن كثير بن أفلح، قال:
لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش و الأنصار، فبعثوا إلى الربعة (2)الّتي في بيت عمر، فجيء بها، و كان عثمان يتعاهدهم إذا تداوروا (3)في شيء أخّروه، قال محمّد: فظننت إنّما كان يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبوه على قوله. و قال ابن حجر: فاتفق رأي الصحابة على أن كتبوا ما تحقق أنّه قرآن في العرضة الأخيرة، و تركوا ما سوى ذلك (4).
و يدلّ على قول ابن حجر ذيل حديث البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللّه (ص) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع أبي خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَر.
الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقناها في سورتها في المصحف.
يتراءى أنّ التحقيق أرشدهم إلى أن الآية ممّا عرضت على النبيّ (ص) في العرضة الأخيرة في المصحف، و لما نسخوا الصحف في المصاحف ردها عثمان إلى حفصة و نسخوا أربعة مصاحف و أبقى عنده واحدا منها، و أرسل عثمان الثلاثة للبصرة و الكوفة و الشام، و عين زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، و بعث عامر بن قيس (1)مع البصري، و أبا عبد الرّحمن السلمي مع الكوفي (2)، و المغيرة بن شهاب مع الشامي؛ و قرأ كل مصر بما في مصحفه.
فالجمع الأوّل كان جمع الآيات حين نزولها في الكتب و أمثالها ممّا كانت العرب تكتب عليه و عرضها على النبي (ص)، و الجمع الثاني في عهد الخليفة أبي بكر كان جمع القرآن بين لوحين و نسخها في قطع الأديم، و الجمع الثالث في عهد عثمان (رض) كان جمع المسلمين على قراءة واحدة.
ذكر عليّ بن محمّد الطاوس العلوي الفاطمي في كتابه (سعد السعود) نقلا عن كتاب أبي جعفر محمّد بن منصور و رواية محمّد بن زيد بن مروان في اختلاف المصاحف، أنّ القرآن جمعه على عهد أبي بكر زيد بن ثابت، و خالفه في ذلك (ابيّ) و (عبد اللّه بن مسعود) و (سالم) مولى أبي حذيفة، ثمّ عاد عثمان فجمع المصحف برأي مولانا عليّ بن أبي طالب (ع)، و أخذ عثمان مصاحف ابيّ و عبد اللّه ابن مسعود و سالم مولى أبي حذيفة فغسلها (كذا) (3)و كتب عثمان مصحفا لنفسه، و مصحفا لأهل المدينة، و مصحفا لأهل مكّة، و مصحفا لأهل الكوفة، و مصحفاا.
لأهل البصرة، و مصحفا لأهل الشام، (و مصحف الشام رآه ابن فضل اللّه العمري في أواسط القرن الثامن الهجري). يقول في وصف مسجد دمشق: (و إلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رض)) ا ه (1).
و يظن قويا أن هذا المصحف هو الّذي كان موجودا في دار الكتب في لنينغراد و انتقل الآن إلى انجلترا.
و رأيت في شهر ذي الحجة سنة 1353 ه في دار الكتب العلوية في النجف مصحفا بالخط الكوفي كتب على آخره: كتبه عليّ بن أبي طالب في سنة أربعين من الهجرة، لتشابه أبي و أبو في رسم الخط الكوفي قد يظن من لا خبرة له: أنّه:
كتب عليّ بن أبو طالب بالواو.
و في كلام ابن طاوس (ره) في كتاب سعد السعود أن عثمان عاد و جمع المصحف برأي عليّ (ع) تأييد لما ذكره الشهرستاني في مقدّمة تفسيره برواية سويد بن علقمة قال: سمعت عليّ بن أبي طالب (ع) يقول: أيّها الناس! اللّه اللّه إيّاكم و الغلو في أمر عثمان، و قولكم حرّاق المصاحف، فو اللّه ما حرقها إلّا في ملأ من أصحاب رسول اللّه (ص). جمعنا و قال: ما تقولون في هذه القراءة الّتي اختلف الناس فيها: يلقى الرجل الرجل فيقول قراءتي خير من قراءتك، و هذا يجر إلى الكفر، فقلنا بالرأي، قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنّكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا نعم ما رأيت، فأرسل إلى زيد بن ثابت و سعيد بن العاص قال: يكتب أحدكما و يملي الآخر، فلم يختلفا في شيء إلّا في حرف واحد في سورة البقرة فقال أحدهما: (التابوت)، و قال الآخر: (التابوة) و اختار قراءة زيد بن ثابت لأنّه كتب الوحي.).
1) في كتابه مسالك الأبصار 1/ 195 (طبع مصر).
و اخترنا ذكر ترتيب السور في مصاحف بعض كبار الصحابة و التابعين عن المدارك المعتبرة القديمة، لما له مساس بتاريخ القرآن، و فهم أنّ ترتيبه كان باجتهاد منهم.
فقد قال ابن النديم في الفهرست: قال ابن المنادي: حدّثني الحسن بن العبّاس قال: أخبرت عن عبد الرّحمن بن أبي حماد عن الحكم بن ظهير السدوسي عن عبد خير عن عليّ (ع) أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّ (ص) فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتّى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيّام حتّى جمع القرآن، فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن من قلبه، و كان المصحف عند أهل جعفر (رض)، و رأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني (ره) مصحفا قد سقط منه أوراق بخط عليّ بن أبي طالب (ع)، يتوارثه بنو حسن على مر الزمان، و هذا ترتيب السور من ذلك المصحف، و سقط ذكر ترتيب السور من أصل النسخة المطبوعة في (ليبسك-leipzig ( من سنة 1871 إلى سنة 1872 و لكن ذكره اليعقوبي (1)في الجزء الثاني من تاريخه، ص 152- 154 طبعbrill سنة 1883.
و قال: و روى بعضهم أن عليّ بن أبي طالب (ع) كان جمعه (يعني القرآن) لما قبض رسول اللّه (ص) و أتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن جمعته و كان
1) و هو أحمد بن أبي يعقوب بن واضح المعروف باليعقوبي، يؤخذ من سياق كتابه أنّه توفّي سنة 287 ه. و له في التاريخ كتاب يعرف بتاريخ اليعقوبي، نشره المستشرق (هو سما) في ليدن.
قد جزّأه سبعة أجزاء:
الجزء الأوّل/ الجزء الثاني/ الجزء الثالث/ الجزء الرابع البقرة .../ آل عمران .../ النّساء .../ المائدة ...
يوسف .../ هود .../ النحل .../ يونس ...
العنكبوت .../ الحج .../ المؤمنون .../ مريم ...
الروم .../ الحجر .../ يس .../ طسم ...
لقمان .../ الاحزاب .../ حمعسق .../ الشعراء ...
حم السجدة .../ الدّخان .../ الواقعة .../ الزخرف ...
الذاريات .../ الرحمن .../ تبارك ... الملك .../ الحجرات ...
هل أتى على/ الحاقة .../ يا أيّها المدثر .../ ق و القرآن المجيد ...
الإنسان .../ .../ .../ ...
الم تنزيل .../ سأل سائل .../ أ رأيت .../ اقتربت الساعة ...
السجدة .../ عبس و تولى .../ تبت .../ الممتحنة ...
النازعات./ و الشمس و ضحاها/ قل هو اللّه أحد .../ و السماء و الطارق إذا الشّمس كوّرت/ إنّا أنزلناه .../ و العصر .../ لا اقسم بهذا البلد إذا السماء انفطرت/ إذا زلزلت .../ القارعة .../ أ لم نشرح لك ...
إذا السماء انشقت/ ويل لكل همزة .../ و السماء ذات البروج/ و العاديات ...
سبّح اسم ربك الأعلى/ أ لم تر كيف .../ و التين و الزيتون .../ إنّا أعطيناك الكوثر لم يكن .../ لإيلاف قريش .../ طس ... النمل .../ قل يا أيها الكافرون فذلك جزء البقرة/ فذلك جزء آل عمران/ فذلك جزء النّساء/ فذلك جزء المائدة
الجزء الخامس/ الجزء السادس/ الجزء السابع الأنعام .../ الأعراف .../ الأنفال ...
سبحان .../ إبراهيم .../ براءة ...
اقترب .../ الكهف .../ طه ...
الفرقان .../ النور .../ الملائكة ...
موسى .../ ص .../ الصافات ...
فرعون .../ الزمر .../ الأحقاف ...
حم .../ الشريعة .../ الفتح ...
المؤمن .../ الذين كفروا .../ الطور ...
المجادلة .../ الحديد .../ النجم ...
الحشر .../ المزمل .../ الصّف ...
الجمعة .../ لا اقسم بيوم القيامة/ التغابن ...
المنافقون .../ عمّ يتساءلون .../ الطلاق ...
ن و القلم .../ الغاشية .../ المطففين ...
إنا أرسلنا نوحا .../ و الفجر .../ المعوذتين ...
قل اوحي إليّ .../ و الليل إذا يغشى .../ ...
المرسلات .../ إذا جاء نصر اللّه .../ ...
و الضحى .../ .../ ...
الهاكم .../ .../ ...
فذلك جزء الأنعام/ فذلك جزء الأعراف/ فذلك جزء الأنفال
(1)قال ابن النديم (2): قال الفضل بن شاذان أخبرنا الثقة من أصحابنا. قال: كان تأليف السور في قراءة أبيّ بن كعب بالبصرة في قرية يقال لها قرية الأنصار على رأس فرسخين عند محمّد بن عبد الملك الأنصاري أخرج إلينا مصحفا و قال: هو مصحف ابيّ رويناه عن آبائنا، فنظرت فيه و استخرجت أوائل السّور و خواتيم الرّسل و عدد الآي. فأوله:
1/ فاتحة الكتاب/ 8/ الأنفال .../ 17/ الأحزاب./ 26/ الرعد ...
2/ البقرة .../ 9/ التوبة .../ 18/ بني اسرائيل/ 27/ طسم ...
3/ النّساء .../ 10/ هود .../ 19/ الزمر .../ 28/ القصص ...
4/ آل عمران .../ 11/ مريم .../ 20/ حم تنزيل .../ 29/ طس ...
5/ الأنعام .../ 12/ الشعراء .../ 21/ طه .../ 30/ سليمان ...
6/ الأعراف .../ 13/ الحج .../ 22/ الأنبياء .../ 31/ الصافات ...
7/ المائدة .../ 14/ يوسف .../ 23/ النور .../ 32/ داود ...
/ الّذي التبسته/ 15/ الكهف .../ 24/ المؤمنون .../ 33/ ص ... القرآن الكريم و روايات المدرستين ج2 778 الفصل الرابع ترتيب سور القرآن في مصحف ابي بن كعب(رض) الصحابي الجليل المتوفى سنة 20 ه .....
يونس (3)/ 16/ النحل .../ 25/ حم المؤمن/ 34/ يس ...
35/ أصحاب الحجر/ 55/ النجم .../ 75/ الفجر .../ 92/ اللّهمّ إيّاك نعبد 36/ حم عسق .../ 56/ ن .../ 76/ الملك ...// و آخرها بالكفار 37/ الروم .../ 57/ الحاقة .../ 77/ و اللّيل إذا يغشى ...// ملحق اللمز ...
38/ الزخرف .../ 58/ الحشر .../ 78/ إذا السماء/ 93/ إذا زلزلت ...
39/ حم السّجدة./ 59/ الممتحنة ...// انفطرت .../ 94/ العاديات ...
40/ إبراهيم .../ 60/ المرسلات .../ 79/ الشمس و ضحاها/ 95/ أصحاب الفيل ...
41/ الملائكة .../ 61/ عم يتساءلون/ 80/ و السماء ذات/ 96/ التين ...
42/ الفتح .../ 62/ الإنسان ...// البروج .../ 97/ الكوثر ...
43/ محمّد (ص) .../ 63/ لا اقسم .../ 81/ الطارق .../ 98/ القدر ...
44/ الحديد .../ 64/ كورت .../ 82/ سبّح اسم ربّك/ 99/ الكافرون ...
45/ الظهار (1)/ 65/ النازعات ...// الأعلى .../ 100/ النصر ...
46/ تبارك .../ 66/ عبس .../ 83/ الغاشية .../ 101/ أبي لهب ...
47/ الفرقان .../ 67/ المطففين .../ 84/ عبس (2).../ 102/ قريش ...
48/ الم تنزيل .../ 68/ إذا السماء انشقت/ 85/ الصف .../ 103/ الصمد ...
49/ نوح .../ 69/ التين .../ 86/ الضحى .../ 104/ الفلق ...
50/ الأحقاف .../ 70/ اقرأ باسم ربك/ 87/ أ لم نشرح .../ 105/ الناس ...
51/ ق .../ 71/ الحجرات .../ 88/ القارعة ...
52/ الرّحمن .../ 72/ المنافقون .../ 89/ التكاثر ...
53/ الواقعة .../ 73/ الجمعة .../ 90/ الخلع ...
54/ الجن .../ 74/ النبيّ (ص) .../ 91/ الجيد ...ح.
ترتيب سور القرآن في مصحف عبد اللّه بن مسعود (رض) الصحابي الجليل المتوفّى سنة 32 أو 33 ه (1)روى ابن النديم (2)عن الفضل بن شاذان أنّه قال: وجدت في مصحف عبد اللّه بن مسعود تأليف سور القرآن على هذا الترتيب:
1/ نبأ .../ 13/ الأنبياء .../ 25/ الفرقان .../ 37/ حم الزخرف ...
2/ النّساء .../ 14/ المؤمنون .../ 26/ الحجّ .../ 38/ السجدة ...
3/ آل عمران .../ 15/ الشعراء .../ 27/ الرعد .../ 39/ الأحقاف ...
4/ المص .../ 16/ الصّافّات .../ 28/ سبأ .../ 40/ الجاثية ...
5/ الأنعام .../ 17/ الأحزاب .../ 29/ الملائكة .../ 41/ الدخان ...
6/ المائدة .../ 18/ القصص .../ 30/ إبراهيم .../ 42/ إنّا فتحنا ...
7/ يونس .../ 19/ النور .../ 31/ ص .../ 43/ الحديد ...
8/ براءة .../ 20/ الأنفال .../ 32/ الذين كفروا/ 44/ سبّح ...
9/ النحل .../ 21/ مريم .../ 33/ القمر .../ 45/ الحشر ...
10/ هود .../ 22/ العنكبوت./ 34/ الزمر .../ 46/ تنزيل ...
11/ يوسف .../ 23/ الروم .../ 35/ الحواميم المسبحات (3)/ 47/ السجدة ...
12/ بني اسرائيل/ 24/ يس .../ 36/ حم المؤمن/ 48/ ق ...
49/ الطّلاق .../ 64/ الطور .../ 80/ هل أتاك حديث الغاشية .../ 95/ لم يكن الذين 50/ الحجرات .../ 65/ اقتربت الساعة/ 81/ الغاشية ...// كفروا من أهل 51/ تبارك الّذي/ 66/ الحاقة .../ 82/ سبح اسم// الكتاب ...
/ بيده الملك/ 67/ إذا وقعت ...// ربك الأعلى/ 96/ الشمس و ضحاها 52/ التغابن .../ 68/ ن و القلم .../ 83/ و اللّيل اذا يغشى .../ 97/ التين ...
53/ المنافقون ../ 69/ النازعات ../ 84/ الفجر .../ 98/ ويل لكلّ همزة ...
54/ الجمعة .../ 70/ سأل سائل .../ 85/ البروج .../ 99/ الفيل ...
55/ الحواريون ../ 71/ المدثر .../ 86/ انشقت .../ 100/ لايلاف قريش ...
56/ قل اوحي .../ 72/ المزمل .../ 87/ اقرأ باسم ربّك .../ 101/ التكاثر ...
57/ انا أرسلنا نوحا/ 73/ المطفّفين .../ 88/ لا اقسم بهذا البلد .../ 102/ إنا أنزلناه ...
58/ المجادلة ../ 74/ عبس ../ 89/ و الضّحى .../ 103/ و العصر ...
59/ الممتحنة .../ 75/ الدهر .../ 90/ أ لم نشرح .../ 104/ إذا جاء نصر اللّه ...
60/ يا أيّها النبيّ لم تحرّم .../ 76/ القيامة .../ 91/ و السماء و الطارق/ 105/ الكوثر ...
61/ الرّحمن .../ 77/ عمّ يتساءلون/ 92/ و العاديات ../ 106/ الكافرون ...
62/ النجم ../ 78/ التكوير .../ 93/ أ رأيت .../ 107/ المسد ...
63/ الذاريات .../ 79/ الانفطار .../ 94/ القارعة .../ 108/ قل هو اللّه أحد ...
فذلك مائة سورة و عشر سور (1)و في رواية اخرى الطور قبل الذاريات.ت.
1) مع الحواميم المسبحات.
قال الفضل بن شاذان: قال ابن سيرين: و كان عبد اللّه بن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، و لا فاتحة الكتاب.
و روى الفضل أيضا باسناده عن الأعمش، قال: في قراءة عبد اللّه (حمسق) (1).
قال محمّد بن إسحاق: رأيت عدّة مصاحف ذكر نساخها أنّها مصحف ابن مسعود ليس فيها مصحفان متفقان، و أكثرها في رق كثير النسخ، و قد رأيت مصحفا قد كتب منذ نحو مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب؛ و الفضل بن شاذان أحد الأئمة في القرآن و الروايات. فلذلك ذكرنا ما قاله دون ما شاهدناه- انتهى (2).ر.
الفصل السادس ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن عباس (رض) الصحابي الجليل المتوفّى سنة 68 ه (1)
نجد في التاريخ و الحديث للصحابي الجليل ابن عباس (رض)- الّذي تخصّص في تفسير القرآن- صلة خاصة بعليّ (ع)، فما يذكر عنه في القرآن له مزيّة كبيرة.
ذكر ابن طاوس (2)في كتاب سعد السعود أنّه اشتهر بين أهل الإسلام أن ابن عباس كان تلميذ عليّ (ع).
و ذكر محمّد بن عمر الرازي في كتاب الأربعين أنّ ابن عباس رئيس المفسّرين كان تلميذ عليّ بن أبي طالب (ع)، فآثرنا نقل ترتيب مصحفه كما ذكره الشهرستاني في مقدّمة تفسيره و هو سند أمين.
1/ اقرأ .../ 7/ تبّت يدا .../ 13/ الرحمن .../ 19/ الكافرون ...
2/ ن .../ 8/ كوّرت .../ 14/ و العصر .../ 20/ الاخلاص ...
3/ و الضّحى .../ 9/ الأعلى .../ 15/ الكوثر .../ 21/ النجم ...
4/ المزّمّل .../ 10/ و اللّيل .../ 16/ التكاثر .../ 22/ الأعمى ...
5/ المدّثّر .../ 11/ و الفجر .../ 17/ الدين .../ 23/ القدر ...
6/ الفاتحة .../ 12/ أ لم نشرح لك/ 18/ الفيل .../ 24/ و الشمس ...
25/ البروج .../ 48/ يونس .../ 71/ المؤمنون .../ 94/ الحج ...
26/ التين .../ 49/ هود .../ 72/ الرعد .../ 95/ الحديد ...
27/ قريش .../ 50/ يوسف .../ 73/ الطور .../ 96/ محمّد (ص) ...
28/ القارعة .../ 51/ الحجر .../ 74/ الملك .../ 97/ الإنسان ...
29/ القيامة .../ 52/ الأنعام .../ 75/ الحاقة .../ 98/ الطلاق ...
30/ الهمزة .../ 53/ الصافات .../ 76/ المعارج .../ 99/ لم يكن ...
31/ و المرسلات .../ 54/ لقمان .../ 77/ النّساء .../ 100/ الجمعة ...
32/ ق .../ 55/ سبأ .../ 78/ و النازعات/ 101/ الم السجدة ...
33/ البلد .../ 56/ الزّمر .../ 79/ انفطرت .../ 102/ المنافقون ...
34/ الطارق .../ 57/ المؤمن .../ 80/ انشقت .../ 103/ المجادلة ...
35/ القمر .../ 58/ حم السجدة./ 81/ الروم .../ 104/ الحجرات ...
36/ ص .../ 59/ حم عسق .../ 82/ العنكبوت .../ 105/ التحريم ...
37/ الأعراف .../ 60/ الزّخرف .../ 83/ المطفّفون .../ 106/ التغابن ...
38/ الجن .../ 61/ الدّخان .../ 84/ البقرة .../ 107/ الصّف ...
39/ يس .../ 62/ الجاثية .../ 85/ الأنفال .../ 108/ المائدة ...
40/ الفرقان .../ 63/ الأحقاف .../ 86/ آل عمران .../ 109/ التوبة ...
41/ الملائكة .../ 64/ الذاريات .../ 87/ الحشر .../ 110/ النصر ...
42/ مريم .../ 65/ الغاشية .../ 88/ الأحزاب .../ 111/ الواقعة ...
43/ طه .../ 66/ الكهف .../ 89/ النور .../ 112/ و العاديات ...
44/ الشعراء .../ 67/ النحل .../ 90/ الممتحنة .../ 113/ الفلق ...
45/ النمل .../ 68/ نوح .../ 91/ الفتح .../ 114/ الناس ...
46/ القصص .../ 69/ إبراهيم .../ 92/ النّساء ...
47/ بني اسرائيل/ 70/ الأنبياء .../ 93/ إذا زلزلت ...
كما ذكره الشهرستاني في مقدمة تفسيره.
1/ اقرأ .../ 17/ الكافرون .../ 33/ ق .../ 49/ بني اسرائيل ...
2/ ن .../ 18/ الفيل .../ 34/ البلد .../ 50/ يونس ...
3/ المزّمّل .../ 19/ الفلق .../ 35/ الطارق .../ 51/ هود ...
4/ المدثر .../ 20/ الناس .../ 36/ القمر .../ 52/ يوسف ...
5/ تبّت .../ 21/ الاخلاص .../ 37/ ص .../ 53/ الحجر ...
6/ كوّرت .../ 22/ و النجم .../ 38/ الأعراف .../ 54/ الأنعام ...
7/ الأعلى .../ 23/ الأعمى .../ 39/ الجن .../ 55/ الصافات ...
8/ و اللّيل .../ 24/ القدر .../ 40/ يس .../ 56/ لقمان ...
9/ و الفجر .../ 25/ و الشمس .../ 41/ الفرقان .../ 57/ سبأ ...
10/ و الضّحى .../ 26/ البروج .../ 42/ الملائكة .../ 58/ الزّمر ...
11/ أ لم نشرح .../ 27/ و التين .../ 43/ مريم .../ 59/ المؤمن ...
12/ و العصر .../ 28/ قريش .../ 44/ طه .../ 60/ حم السجدة ...
13/ و العاديات .../ 29/ القارعة .../ 45/ الواقعة .../ 61/ حم عسق ...
14/ الكوثر .../ 30/ القيامة .../ 46/ الشعراء .../ 62/ الزخرف ...
15/ التكاثر .../ 31/ الهمزة .../ 47/ النمل .../ 63/ الدخان ...
16/ الدين .../ 32/ المرسلات .../ 48/ القصص .../ 64/ الجاثية ...
65/ الأحقاف .../ 78/ المعارج .../ 91/ النّساء .../ 104/ المنافقون ...
66/ الذاريات .../ 79/ النبأ .../ 92/ إذا زلزلت .../ 105/ المجادلة ...
67/ الغاشية .../ 80/ و النازعات .../ 93/ الحديد .../ 106/ الحجرات ...
68/ الكهف .../ 81/ انفطرت .../ 94/ محمّد (ص) .../ 107/ التحريم ...
69/ النحل .../ 82/ انشقت .../ 95/ الرعد .../ 108/ الصف ...
70/ نوح .../ 83/ الروم .../ 96/ الرحمن .../ 109/ الجمعة ...
71/ إبراهيم .../ 84/ العنكبوت .../ 97/ الإنسان .../ 110/ التغابن ...
72/ الأنبياء .../ 85/ المطفّفون .../ 98/ الطّلاق .../ 111/ الفتح ...
73/ المؤمنون .../ 86/ البقرة .../ 99/ لم يكن .../ 112/ التوبة ...
74/ الم السجدة .../ 87/ الأنفال .../ 100/ الحشر .../ 113/ المائدة ...
75/ الطّور .../ 88/ آل عمران .../ 101/ النصر ...
76/ الملك .../ 89/ الأحزاب .../ 102/ النور ...
77/ الحاقّة .../ 90/ الممتحنة .../ 103/ الحج ...
نرى أنّ سبب الثناء على الزنجاني و التنويه بمؤلفه انّه كتب فيه:
انّه لما استحرّ القتل بالقرّاء في حرب اليمامة و سأل عمر عن آية فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة و أمر الخليفة أبو بكر زيدا أن يكتب المصحف فجمعه ممّا كان مكتوبا فيه و ما شهد عليه شاهدان و وجد آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة فقبلها منه لأنّ الرسول (ص) جعل شهادته شهادة رجلين.
و لمّا كان الصحابة يقرءون القرآن بألفاظ مختلفة مثل امض و اسرع ممّا لا يغيّر المعنى، اشتدّ اختلافهم حولها على عهد عثمان فأخذ المصحف من امّ المؤمنين حفصة و نسخ عليها نسخا و وزّعها على البلاد الإسلامية و جمع المصاحف الّتي كانت عند الصحابة و غسلها.
ثمّ نقل المؤلف في جداول ما روي من ترتيب السور في مصاحف الصحابة و ظهر منه ان عدد السور كان:
أ- خمسا و مائة سورة في مصحف ابيّ! ب- عشرا و مائة سورة في مصحف ابن مسعود، و لم يكتب في مصحفه الحمد و المعوذتين و انّه زاد في مصحفه سورة (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ...).
ج- أربع عشرة و مائة سورة في مصحف ابن عباس.
د- ثلاث عشرة و مائة سورة في مصحف الإمام جعفر الصادق (ع) و لم يكتب سورة الحمد.
و انتخب الزنجاني عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق، كما انتخب عضوا فيه أمثال:
لويس ماسينيونlouis masignon من المستشرقين الخطرين (ت:
1962 م).
و دافيد صموئيل مرجليوثdavide samuel margoliouth و هو ابن حزقيال الإنجليزي البروتستانتي، متعصّب ضدّ الإسلام (ت: 1940 م).
و كارل بروكلمانcarl brocklmann )ت: 1956 م).
و ايفارست ليفي بروفنسالprqvencal evariste )ت: 1955 م).
و كارل فلهلم سترستينkarl vilhelm zettersteen )ت: 1953 م).
و فرانتس بول (بوهر)frantz buhi )ت: 1932 م) (1).ه.
1) راجع بحث (دائرة المعارف الإسلامية، هويّة و خلفية أبرز كتابها) من كتاب: (الإسلام و شبهات المستشرقين) لفضيلة الشيخ كاظم فؤاد المقدادي، نشر المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، ط. سنة 1416 ه، و هو كتاب جيّد في موضوعه.
و أمثالهم من المستشرقين و الشرقيين الّذين كان في بحوثهم تهديم لجانب من جوانب الإسلام.
قال في كتابه الإسلام (1):
تثبيت نص القرآن- عند وفاة محمّد لم يكن هناك أيّة مجموعة للنصوص القرآنية قررت بشكل نهائي. و ما من شك في ان عددا من مجموعة الوحي الأوّل لم تكن قد حفظت؛ و لكن شذرات مهمّة كانت قد سجّلت كتابة على عظام مسطّحة، و أوراق نخيل أو حجارة. و بسبب الأهمية التجارية للمدن المقدسة كان عدد من سكانها يعرفون القراءة و الكتابة دون شك، و تسرد التقاليد أسماء الأشخاص الذين قاموا بوظيفة الكتابة للنبيّ: ابيّ بن كعب، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و زيد بن ثابت بشكل خاص.
و يعود فضل جمع هذه الشذرات المبعثرة للمرّة الاولى إلى أبي بكر خليفة محمّد، أو إلى عمر الّذي أشار عليه بذلك. و في السنة الحادية عشرة و الثانية عشرة للهجرة فان عددا من الناس الذين كانوا يعرفون الآيات القرآنية غيبا قد ماتوا في الحرب ضد النبي الكاذب مسيلمة. و قد خاف عمر حينذاك أن يختفي النص المقدس بكامله فحمل أبا بكر على جمع الوحي. و تردّد أبو بكر أوّلا في أن يقوم بعمل لم يحدثه النبيّ عنه، و لكنّه امتثل و دعا الفتى زيد بن ثابت، و هذا جمع بدوره كل ما وجده مكتوبا على مختلف المواد و كل ما احتفظ به رفاق النبي في ذاكراتهم، ثم صنف هذه الشذرات و نسخها في صحف و أعطاها لأبي بكر.
و هذا الجمع الأوّل لمخطوط القرآن لم يكن ذا صفة رسمية، بل كان فقط
1) ترجمه بهيج شعبان إلى العربية و نشره عويدات. بيروت و عليه ترخيص ماكس لوكير الفرنسي بترجمته لجميع الناطقين باللّغة العربية.
مشروعا خاصا من أبي بكر و عمر، و لكنّه اكتسب أهمية كبرى بعد بضع سنوات و ذلك عند تثبيت النص القانوني للقرآن في أيام الخليفة عثمان.
و بعد وفاة أبي بكر أصبحت هذه المخطوطات الاولى الّتي قام بها زيد في حوزة الخليفة عمر الّذي عهد بها إلى ابنته حفصة، أرملة النبيّ؛ و هذا العمل سيؤكد عند الحاجة الصفة النافعة لهذا الجمع الأوّل للقرآن. و لكن من المقبول به انّ هناك مجالا للتمييز بين جمع المواد الّتي تؤلف الصحف و بين الكتابة الحقيقية المنسوبة إلى زيد- الكتابة المرتكزة على الصحف-. و في هذه الحالة فان هذه الصحف، و قد انتفع بها، فقدت أهميتها و اودعت لدى حفصة أرملة النبيّ كتذكار بسيط.
و فضلا عن ذلك، فإنّ كتابة زيد هذه لم تكن وحيدة؛ فقد عزيت بعض الكتابات الخاصّة إلى أربعة من رفاق محمّد هم: ابيّ بن كعب، و عبد اللّه بن مسعود، و أبو موسى الأشعري، و المقداد بن عمرو. و هذه الكتابات كانت تمثل اختلافات في التفصيل لا نرى من لزوم لذكرها. أمّا ما يهمّنا، فهو أنّ هذه الاختلافات تولد منها انقسامات بين المؤمنين. فقد تبنى أهالي دمشق اولى هذه الكتابات، و تبنى الثانية أهالي الكوفة، و الثالثة أهالي البصرة، و الرابعة أهالي حمص. و هكذا أصبحت المنازعات الخطرة تهدد الإسلام. و تقول التقاليد أنّ القائد حذيفة أشار على الخليفة عثمان (نحو عام 650 م) أن يقرر نصّا نهائيا للقرآن. و هكذا دعا عثمان زيد بن ثابت كاتب المخطوط الأوّل و ضم إليه بعض القرشيين كمساعدين.
و يمكن الافتراض انّه كان لعثمان هدف سياسي بعمله هذا يعادل الهدف الديني. فقد وصل إلى الخلافة بجهد، و كان أن عزّز مركزه بإقراره نصّا لا يتغيّر للكتاب المقدّس. و قد صنع منه عدّة نسخ حفظت واحدة منها في المدينة و أصبحت النسخة النموذجية (الإمام)، و ارسلت النسخ الاخرى إلى الكوفة و البصرة و دمشق- إلى المدن الّتي توجد فيها حاميات أو الّتي يتمسّك أهلها
بواحدة من النسخ المتباينة الّتي اتلفت على الأثر. و تؤكّد التقاليد أنّ عثمان كتب بيده إحدى هذه النسخ- و في هذه الحالة تكون هذه النسخة هي نسخة المدينة، و لكن الراجح هو انّه ترك هذا الأمر لزيد.
و هذا القرآن الرسمي يضم، وفقا للتقليد، سورتين أقل من مخطوط ابيّ، و سورتين أكثر من مخطوط ابن مسعود. وعدا ذلك فهناك بعض الفروق في الإملاء و الكلمات تفصل بين النسخ.
و لكن سؤالا أكثر أهمية يفرض نفسه: هل تحتوي نسخة عثمان على مقاطع مختلقة؟
لقد رفض الخوارج مثلا السورة الثانية عشرة، معلنين أنّ اللهجة الغرامية لقصّة يوسف و المرأة المصرية تجعلها متنافرة مع كتاب مقدس! و يعتقدون بالتأكيد أنّ و حيا من هذا النوع لا يأتي من اللّه. و لكن مع أنّ قسما من السورة فقط قد خصّص لهذه القصّة، فإنّ التقليد يؤكّد انّها موجودة في أقدم النسخ الخاصة.
يضاف إلى ذلك أنّ نولدكه يلاحظ بحق انها تتلاءم مع بقيّة القرآن من ناحية اللغة و النسق الانشائي.
و من ناحية اخرى فإنّ الشيعيين يؤكّدون أنّ المقاطع الّتي تتعلّق بعلي و عائلته قد حذفت بأمر عثمان. و يستندون في ذلك إلى عدم تلاحم بعض المقاطع، و يعتبرون أنّ النصّ الأصلي قد انتقل سرّا من كلّ إمام إلى خلفه، و سيظهر في النهاية عند ظهور الإمام المختفي.
و ما من شك- و يجب تكرار ذلك- في ان القرآن كما وصل إلينا لا يتضمن الوحي كلّه؛ و مقابل ذلك فقد ظهرت له بعض الإضافات التفسيرية و التذييلات (الّتي لا يستنتج منها شيء)، و كذلك تغيير مكان بعض الجمل. و لكن الأمر لا يتعلق أبدا بتحريفات يعترض عليها المؤمنون. و الخلاصة ان أقدم المؤرخين قد صمتوا حول هذه النقطة.
و هناك تسع و عشرون سورة تنتمي كلّها تقريبا إلى العصر الّذي سبق الهجرة مباشرة، و تبتدئ بحروف مفردة لا تزال تحير مفسري القرآن مسلمين و غيرهم. فالعلماء المسلمون بعد أن بحثوا لها عن إيجازات، وجدوا فيها لغزا لا يعرفه إلّا اللّه وحده. و عاد بعض المستشرقين إلى فكرة الإيجازات هذه. و أراد آخرون أن يجدوا فيها الحروف الاولى لأسماء المالكين الاول للنسخ الّتي كتبها زيد. أما عناوين السور فقد أعطيت لها في ما بعد، و كذلك التقسيم إلى آيات فإنّه تقرر بعد ذلك.
و لا يجب الاعتقاد ان كتابة القرآن الّتي تمت بأمر الخليفة عثمان قد ظلت دون تغيير. و هذه التغييرات تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة: الأخطاء الّتي ارتكبها الناسخون، و دروس النص المقدس القديمة الّتي احتفظ بها القرّاء و المرتلون المحترفون في ذاكرتهم رغم كل شيء، و عدم كفاية و وضوح الكتابة العربية الّتي تختلط فيها بعض الحروف بسهولة، و الّتي تخلو من أي حرف صوتي موجز (الأمر الّذي يمنع معرفة الفعل مثلا إذا كان للمعلوم أم للمجهول). و زيادة على ذلك فإنّ الأمويين القليلي الاهتمام بهذه القضايا الدينية لم يعملوا على حذف مصادر الاختلاف هذه.
و قد أصبحت هذه الاختلافات بالتدريج مصدر قلق، و انتهوا في القرن العاشر الميلادي، و بعد شيء من التردد، إلى أن يضعوا نهائيا أساس النص الرسمي، مستندا إلى حكم سبعة علماء مشهورين أضيف إلى كل منهم اثنان من القرّاء المجربين. و هذا اختيار تحكمي إلّا انّه أوقف المجادلات. و في القرن الحادي عشر اعترف بحكمهم هذا تدريجيا. و قد بقي اثنتان قيد الاستعمال من هذه القراءات السبع، واحدة خاصّة بمصر و الاخرى بإفريقيا الشمالية. و من ناحية اخرى فإنّ الكتابة قد تحسّنت في النصف الثاني من القرن الثامن، و ذلك بإدخال إشارات صوتية كانت في أوّل أمرها نقاطا ثمّ خطوطا تمنع كل خطأ في القراءة.
محتوى و تاريخ القرآن:
من المعلوم ان ترتيب السور مؤسس بكل بساطة وفقا لطول كل سورة.
و السور الأكثر قصرا (و هي الأقدم) موجودة في نهاية القرآن. و لم يستطع زيد و رفاقه أن يرتبوا القرآن على أساس معنى الآيات؛ لأنّ صفة الوحي المتقطعة تعترض ذلك. و لم يستطيعوا التفكير بالترتيب التاريخي لأنّ الوقت كان متأخّرا لإثبات هذا الترتيب. و على كلّ حال، فإنّ الترتيب النازل وفقا لطول السور فيه أمران شاذان: فمن ناحية اولى نرى السورتين الأخيرتين (رقم 113 و 114 الناقصتين بالتأكيد من قرآن ابن مسعود) ليستا هما الأكثر قصرا، و مع ذلك فهما تمثّلان صفة خاصّة جدّا لأنّهما، و الحق يقال، قواعد ضدّ الرّقى المؤذية. و من ناحية اخرى فإنّ السورة الاولى (الفاتحة) قد وضعت على رأس الكتاب مع انّها لا تعدّ سوى سبع آيات، و قد كان ذلك دون شك لأن لها شكل الصلاة. و فضلا عن ذلك فانها تنتهي عادة بعد أن ترتل بكلمة (آمين)، الأمر الّذي لا يحدث في السور الاخرى؛ و قد أوحي أيضا بوجوب تلاوتها في أغلب الأحيان (القرآن 15، 87).
و لكن هذا الترتيب الاصطناعي، الّذي تبنّاه زيد و رفاقه لا يستطيع أن يرضي النفوس المفكّرة.
قال في كتابه (تطور العقيدة و الشريعة في الإسلام):
(إنّ رسول اللّه نفسه قد اضطرّ بسبب تطوّره الداخلي الخاص و بحكم الظروف الّتي أحاطت به، إلى تجاوز بعض الوحي القرآني إلى وحي جديد في الحقيقة و إلى أن يعترف أنّه ينسخ بأمر اللّه ما سبق أن أوحاه اللّه إليه.
فإذا كان الأمر كذلك في عصر النبيّ (ص)، فمن الأولى أن يكون كذلك- بل أكثر من ذلك- عند ما تجاوز الإسلام حدود البلاد العربية و تأهّب لكي يصير قوة دولية) (1).
أوردنا أمثلة من أقوال المستشرقين الذين قصدوا في ما نشروا الطعن بالإسلام و برسوله و كتابه، و من المستشرقين من لم يقصد الطعن في ما نشر غير ان الروايات و الاجتهادات اللاتي درسناها في ما سبق أدت بهم أن ينشروا ما نشروا مثل ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية كما يأتي:
1) العقيدة و الشريعة في الإسلام- المستشرق اجناس كولد زيهر، تعريب د. محمّد يوسف، د. عليّ حسن عبد القادر و الاستاذ عبد العزيز عبد الحق. الطبعة الثانية، مصر، بحث محمّد (ص) و الإسلام، ص 41.
على الأغلب أنّ ما تذكره المصادر من أنّ قراءة ابن مسعود و ابيّ و أبي موسى كانت الغالبة في الكوفة و سوريا و البصرة يقال ان هذه الثلاثة بدأت في عصر الرسول. عبد اللّه بن مسعود كان خادما للرسول و مرافقا له في معظم الأحداث و أخبر عنه انّه معلم للقرآن.
و بعدها عيّن في مسئولية إدارية في الكوفة في عهد عمر. و هنا أصبح مسئولا عن القرآن و الحديث.
ابن مسعود، أخبر عنه انّه رفض اتلاف نسخة القرآن الّتي لديه أو توقيف دراسته لهذه النسخة في حين انّ قرآن عثمان أصبح رسميا، و كذلك هنالك أخبار عن بعض المسلمين في الكوفة انّهم استمروا في تدريس قرآن ابن مسعود بعد وفاته و لذلك انقسم المسلمون.
ابيّ بن كعب، هو مسلم من أهل المدينة، خدم الرّسول كسكرتير له، و الظاهر أنّه كان أكثر تخصّصا في القرآن من ابن مسعود في عهد الرسول. يقال أنّ قرآن ابن مسعود كان يختلف عن كتاب عثمان في نقاط عديدة و مهمّة، المصادر تؤكّد أنّ كتاب ابن مسعود لا يحتوي على الفاتحة (السورة الاولى).
و اختلف في وجود سورة الفاتحة عند ابن مسعود، و لقد أخبر ابن النديم انّه رأى عدّة نسخ من قرآن ابن مسعود، واحدة منها كان عمرها 200 سنة كانت تحتوي على الفاتحة.
يقال إنّ ترتيب السور عند كتاب ابيّ يختلف عن نسخة عثمان و نسخة ابن
مسعود، و كذلك هناك اختلاف جزئي بينهم في القرآن (1).
و جاء في دائرة المعارف الإسلامية ما موجزه:
كعب الأحبار: أبو إسحاق بن ماتع، يهودي يمني اعتنق الإسلام عام 17 ه (الطبري 1/ 2514) و يعتبر من أقدم المتخصصين في حقل الإسرائيليات، كلمة حبر أو حبر مشتقّة من كلمة حابار العبرية و هي كنية يكنى بها الراباي أو الربّاني، كما هو معهود إلى اليوم بين علماء اليهود في بابل.
لا يعرف الكثير عن هذا الرجل الّذي قدم إلى المدينة حين خلافة عمر بن الخطاب و صاحب الخليفة إلى أورشليم عام 15 ه (الطبري 1/ 2408) و بعد اسلامه أصبح من المقربين للخليفة، و أصبح بعد ذلك من خواص الخليفة عثمان و تنازع أبو ذر معه في مجلس عثمان (الطبري 1/ 2946- 2947). و بعدها حاول معاوية أن يتخذه كمشاور له في دمشق.
كان يشتهر بإلمامه التام بالتوراة و التقاليد الاجتماعية لجنوب الجزيرة العربية و كان ذا سياسة و دهاء (تهذيب النووي/ 523)، و يعتبر كعب مصدرا لأحاديث تخصّ عمر بن الخطاب، و يتّهم بإدخال أفكار يهودية في الإسلام.
و رويت عنه أحاديث و روايات كثيرة منها: ما تخصّ قصص الأنبياء (ع) كقصّة:
ذي الكفل (بروكلمان 101:sl ط. بولاق 1283) أو يوسف (ع) (2).
بعد هذه الجولة الطويلة في دراسة أعمال المستشرقين و أهدافهم في الاستشراق، نوجزها بإذنه تعالى في ما يأتي: .
وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ* قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ* وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ* إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ. (النّحل/ 101- 105) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
(فصّلت/ 26) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. (الفرقان/ 32) وجدنا المسيحي الشرقي يوحنا الدمشقي الّذي كان يعيش في كنف البلاط الأموي أوّل من تصدّى هو و خليفته أبو قرة للإسلام و القرآن و نشر الجدل البيزنطي الّذي كان يتقنه المسيحيون المتأثرون بالفلسفة اليونانية مثل: كلام اللّه هل مخلوق أم غير مخلوق؟ و الّذي انتشر في العصر العباسي في المجتمع الإسلامي و أدّى إلى حبس و قتل علماء من المسلمين، و كان أوّل من طعن بالقرآن و الرسول (ص) في قصّة زيد و زينب. و قال: إنّ المفاهيم القرآنية منقولة عن التوراة و الإنجيل، و أخذ منه بعد ذلك مسيحيون بيزنطيون ثمّ الغربيون الذين أدركوا قوّة الإسلام في الحروب الصليبية و اتجهوا لإقامة حرب فكريّة ضدّ الإسلام و كتابه
القرآن، كان في مقدّمتهم بطرس الكلوني في سنوات (1094- 1156 م) و الّذي أقام الحرب الفكرية بترجمة الكتب الإسلامية و في مقدّمتها ترجمة القرآن من العربية إلى اللّاتينية محرّفة و مشوهة و بعيدة عن الأصل العربي بما افتروا به على كتاب اللّه الكريم، و قد كتب أحد المترجمين يصف ترجمته و يقول:
(لقد كشفت بيدي قانون المدعو محمّد و يسّرت فهمه ...).
(و يجب أن يشكر- بطرس الكلوني- لتعرية مبادئ الإسلام للضوء بعد ما سمح الدارسون في الكنيسة لهذا الكفر أن يتّسع و يتضخّم و ينشر لمدّة خمسمائة و سبعة و ثلاثين عاما، و قد وضّحت في ترجمتي في أي مستنقع فاشل يعشش مذهب السراسين- المسلمين- متمثلا في عملي جنديا من المشاة يشق الطريق لغيره، لقد قشعت الدخان الّذي أطلقه محمد).
(لعلّك- الخطاب لبطرس- تطفئه بنفخاتك).
و كانت روح الاستهزاء و السخرية ظاهرة في كتاباته و ترجمته للقرآن الكريم لا سيما في تسميته للسور و صرّح أنّه تصرف بحرية في ترجمة النصّ و زاد عدد السور في ترجمته أكثر ممّا في القرآن الكريم.
و من أمثال هذه الترجمة اللّاتينية ترجم إلى 21 لغة أوربية، و عند ما انتشرت الطباعة جاء في مقدّمة المترجم في نسخة أمستردام بكلمات الشهادتين هكذا:
رسول اللّه لا إله إلّا اللّه محمّد و مهما كان السبب استهزاء أو عدم فهم تكون النتيجة أنّ المترجمين الغربيّين كانوا يحرّفون ترجمة القرآن الكريم و غيره من الكتب الإسلامية كتحريفهم هذا لكتابة الشهادتين، و انتشرت هذه الترجمات في بلاد الغرب بعد
انتشار الطباعة و أصبحت بمتناول يد عامّة الغربيين بعد أن كان ميسورا للقساوسة و الرّهبان، و امتدّ هذا النوع من العدوان على القرآن الكريم إلى مراودة الشرقيين مع الغربيين و تعرّف بعضهم إلى بعض، و كان لا بدّ للمستشرقين من تغيير سلاحهم في حربهم الفكريّة للقرآن الكريم، و وجدوا ضالّتهم المنشودة في الروايات الّتي درسناها في بحوث هذا الكتاب و الاجتهادات الخاطئة الّتي استندت إلى تلك الروايات، فقاموا بتسليط الأضواء على تلك الروايات و الاجتهادات أينما كانت و حققوا مصادر المخطوط منها و طبعوها و نشروها و نشروا المطبوع منها و أشادوا بذكر مؤلفيها و أثنوا عليهم، و شاء اللّه تعالى أن تدرس تلك الروايات و الاجتهادات في مجلّدات هذا الكتاب، و صدق اللّه العظيم حيث يقول: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.
و آخر دعوانا أنّ الحمد للّه ربّ العالمين.
مقدّمة الطبعة الثانية 7 مقدّمة الطبعة الاولى 9 التسمية بالتحريف 12 قصّتي مع المبشر المسيحي في بغداد 12 تلميذ الشيخ النوري يتحدّث عن مقصد أستاذه من التحريف 14 منهج البحث 18 مخطط البحوث للمجلّد الثاني 21 البحث الأوّل الدليل المشترك بين المدرستين على وقوع التحريف في شرائع الأنبياء أوّلا: مثال واحد ممّا وقع من التحريف في التوراة 26 ثانيا: ما جاء في الأحاديث المروية عن الرسول (ص) 30 روايات تحريف القرآن الكريم- معاذ اللّه- و حفظ اللّه كتابه من التحريف 37 البحث الثاني روايات البسملة و تناقضها و منشؤه البسملة لدى المدرستين 41 أوّلا: ما يدلّ على أنّ البسملة آية من سور القرآن 42 ثانيا: أنّ البسملة آية من سورة الحمد و قرأها النبي (ص) في الصلاة 44
ثالثا: الجهر بالبسملة في الصلاة 47 رابعا: من قال صلّيت خلف رسول اللّه (ص) فجهر بالبسملة 48 خامسا: من قال صلّيت خلف بعض الخلفاء فجهر بالبسملة 50 سادسا: يفتتح القراءة بالبسملة و يستفتح، أي يجهر بقراءتها 52 سابعا: أقوال الصحابة و التابعين و الفقهاء في البسملة 53 ثامنا: تواتر القول بجزئية البسملة من السورة في مدرسة الخلفاء 56 تاسعا: اجماع مدرسة أهل البيت على وجوب قراءة البسملة في الصلاة 57 عاشرا: أفرد عدة من العلماء كتبا في وجوب قراءة البسملة 58 حادي عشر: الروايات المناقضة لروايات وجوب قراءة البسملة 59 ثاني عشر: اختلاف الفقهاء بمدرسة الخلفاء في شأن البسملة 60 ثالث عشر: أسّ العلل في ما روي مناقضا لروايات وجوب قراءة البسملة 61 رابع عشر: منشأ تناقض الروايات في البسملة 62 الصلاة التي لم يقرأ فيها معاوية البسملة 63 خامس عشر: هل يتيسّر الرجوع إلى القرآن الكريم دون الحديث؟ 66 رواية أخرى مفتراة في شأن البسملة 68 نتيجة البحث 71 البحث الثالث روايات جمع القرآن و تناقضها تناقض روايات جمع القرآن و استدلال الشيخ النوري بها 75 من قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر 75 من قال: إنّ الخليفة عمر بن الخطاب جمع القرآن في المصحف 79 من قال: إنّ الخليفة عمر بدأ بجمع القرآن و الخليفة عثمان أتمّه 80 من قال: إنّ الخليفة عثمان جمع القرآن في المصحف 81
خلاصة روايات جمع القرآن 85 مناقشة روايات جمع القرآن استنادا إلى ما جاء فيها 87 محاولة العلماء رفع تناقض الروايات بعضها مع بعض 90 البحث الرابع روايات اختلاف المصاحف و الزيادة و النقيصة في القرآن روايات الزيادة و النقيصة في القرآن الكريم 97 أوّلا: زيادة سورتين و نقصان سورتين 97 زيادة سورتي الحفد و الخلع 100 تسجيل السورتين المزعومتين في عداد السور القرآنية 103 روايات حك ابن مسعود سورتي المعوذتين من القرآن 106 ثانيا: روايات نقصان آيات من بعض سور القرآن الكريم 108 ثالثا: روايات نقصان آيات فيها أحكام شرعية 111 باب اختلاف مصاحف الصحابة 113 أوّلا: مصاحف أمهات المؤمنين 113 ثانيا: مصاحف الصحابة 116 ما قيل إنّ الحجاج غيّر في مصحف عثمان 119 البحث الخامس روايات نزول القرآن على سبعة أحرف و (على سبعة أوجه) أ- الخليفة عمر بن الخطاب 123 ب- أمّ أيوب 125 ج- عمرو بن العاص 125
د- أبو جهيم الأنصاري 126 ه- أبيّ بن كعب 126 و- أبو بكرة 132 ز- أبو هريرة 132 ح- عبد اللّه بن مسعود 133 خلاصة محتوى الروايات 135 مغزى هذه الروايات 138 أربعون اجتهادا خاطئا في توجيه الأحرف السبعة و الأوجه السبعة 140 النوع الأوّل: قولهم بأنّ المقصود من السبعة أحرف: سبعة أوجه 140 النوع الثاني: قولهم أنّ المقصود من الحروف السبعة سبع لغات 142 المجموعة الاولى: أقبل، تعال، حيهلا، هلمّ 159 المجموعة الثانية: اذهب، أسرع، عجل 161 المجموعة الثالثة: عليما، حكيما، غفورا، رحيما 162 تناسب الآيات مع ما يرد من أسماء اللّه فيها 169 اللّه و الإله و الرّب 170 أ- الإله 170 ب- الرّب 172 عود على بدء 173 توازن الألفاظ في القرآن الكريم 182 اشتهار عدم وجود المترادف في اللغة 184 حيرتي في العمل مع الروايات الآنفة 186 قول أئمة أهل البيت (ع) في روايات السبعة أحرف 188
البحث السادس القراءات المختلفة و قرّاؤها منشأ القراءات المختلفة للقرآن الواحد 195 منشأ القراءات المختلفة 195 أوّلا- ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن و ظنّ أنّها قراءة أخرى للنصّ القرآني 197 ثانيا- ما روي من اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني بألفاظ استحسنوها 199 أ- ما روي عن الصحابة في تبديل النصّ القرآني حسب اجتهادهم 199 ب- اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني ليوافق المألوف من لغتهم 200 ثالثا- أثر روايات مختلقة في جواز تبديل النصّ القرآني بغيره 202 رابعا- أخطاء في رسم خط المصاحف العثمانية 203 خامسا- قياس النصّ القرآني بقواعد اللغة العربية 208 القانون في الكلام الموزون 212 قواعد خاصّة بالكلام الموزون 212 1- قاعدة جواز دمج الكلمتين في كلمة واحدة 213 2- قاعدة جواز حذف حرف واحد أو أكثر من الكلمة 214 3- قاعدة جواز حذف الكلمة في الكلام 216 4- قاعدة جواز اضافة حرف أو أكثر في الكلمة 221 5- قاعدة جواز تبديل حرف بحرف آخر 223 6- قاعدة جواز تبديل السكون بالحركة 225 7- قاعدة جواز مجيء الضمير المتصل بدل المنفصل و بالعكس 227 8- قاعدة جواز ردّ المحذوف 228
9- قاعدة جواز فكّ الادغام 229 10- قاعدة جواز مخالفة القواعد النحوية 231 سادسا- اجتهاد القرّاء و تبديلهم النصّ القرآني بغيره استنادا إلى ما سبق ذكره 240 نتيجة دراسة قراءات (عليهم) 244 نتيجة الدراسة 251 أمثلة من أثر اختلاف قراءاتهم على معرفة حلال اللّه و حرامه 262 رأي مدرسة أهل البيت (ع) في القراءات 264 الحقيقة الناصعة و القول الفيصل 265 البحث السابع بحوث النسخ و الإنساء في القرآن الكريم أوّلا- مصطلح النسخ 272 ثانيا- المؤلفات في النسخ 275 ثالثا- تحرير مورد الخلاف 276 رابعا- تناسب الأحكام الإسلامية مع فطرة الإنسان و حكمة نسخ الأحكام 278 1- الأحكام الإسلامية التي تحقق مصالح الإنسان من حيث هو إنسان 278 2- تناسب الأحكام الإسلامية المشرعة للإنسان الذّكر و للإنسان الانثى مع فطرة كل منهما 284 3- أحكام إسلامية تتناسب مع فطرة الإنسان في حالة خاصّة 286 4- الأحكام الإسلامية التي تتناسب و فطرة الإنسان الذي يعيش في زمان خاص و مكان خاص و حالة خاصّة 287 أ- حكمة نسخ بعض الأحكام أو صور الاحكام في شرائع الأنبياء 288 ب- حكمة النسخ في بعض أحكام شريعة خاتم الأنبياء و حقيقة الأمر فيها 289
خامسا- كيف نفسّر الآيات في السور الكبيرة؟ 291 سادسا- دراسة موارد استعمال مادة الآية في المعنى اللغوي و الاصطلاحي في القرآن الكريم 293 سابعا- استدلالهم على قولهم بالنسخ بآيتين كريمتين 297 ثامنا- مناقشة استدلالهم بالآيتين 299 تاسعا- تسرب اجتهادات مدرسة الخلفاء و رواياتهم في النسخ إلى تفاسير مدرسة أهل البيت (ع) 304 عاشرا- التنبيه على ثلاثة أمور قبل دراسة (ما نسخ حكمها في قولهم) 307 حادي عشر- دراسة آيات تقصّ حكاية الحكم المنسوخ 312 1- حكم تعدد أزواج الرسول (ص) 313 2- آيات القبلة 315 أ- أخبار ما قبل تحويل القبلة 315 ب- أخبار تحويل القبلة و ما بعدها 317 دراسة مجموعة آيات القبلة 319 3- مورد واحد ذكر فيه الحكم المنسوخ في القرآن قد يوهم أنه ينقض ما ذهبنا إليه 322 4- آية أولها منسوخ و آخرها ناسخ 325 ثاني عشر- حكمة ذكر الحكم المنسوخ بوحي غير قرآني في القرآن 327 1- في عصر الرسول (ص) 327 2- بعد الرسول (ص) 327 ثالث عشر- درجهم روايات نقصان القرآن في صنفي منسوخ التلاوة 329 رابع عشر- ردّ بعض علماء مدرسة الخلفاء القول بنسخ التلاوة 331 خامس عشر- رأي مدرسة أهل البيت في نسخ القرآن بالسنّة و نسخ التلاوة 333
سادس عشر- دراسة روايات النسخ و الانساء 335 1- روايات منسوخ التلاوة و الحكم جميعا 335 فتوى أمّ المؤمنين عائشة في الرضاع و ظروفها 336 2- روايات منسوخ التلاوة و سائر روايات النسخ 339 سابع عشر- مناقشة روايات زيادة القرآن و نقصانه 343 ثامن عشر- شأن الروايات المتضاربة في نقصان القرآن و زيادته و علاجها 347 مناقشة رواية أمّ المؤمنين عائشة في الرضاع و بيان أثرها 352 تاسع عشر- خلاصة بحوث النسخ في القرآن 356 دراسة الروايات السابقة و الاجتهادات الخاطئة خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة أبي بكر 367 البيعة العامّة 374 بعد بيعة أبي بكر العامّة 376 بعد دفن الرسول (ص) 376 نهاية أمر المعارضة 379 المنافرة بين القبيلين بعد بيعة أبي بكر 381 خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة عمر 385 استخلاف عمر و بيعته 385 سياسة الخلافة على عهد الخليفة عمر 386 الشورى و بيعة عثمان 390 الإمام عليّ (ع) يعلم بأنّ الخلافة قد زويت عنه 394 خلاصة البحوث 402 أخبار القرآن بعد الرسول (ص) 406
أصل سليم أو كتاب سليم 409 1- اهتمام الإمام عليّ (ع) بجمع القرآن 411 2- كيف جمع الإمام عليّ القرآن مع تأويله و تنزيله بعد وفاة الرسول؟ 412 3- أين كان القرآن الذي جمعه الإمام عليّ 413 أخبار القرآن على عهد الخليفة أبي بكر 419 سياسة الحكم في شأن القرآن 419 تدوين القرآن 421 من أخبار القرّاء في عصر أبي بكر 421 أخبار القرآن على عهد الخليفة عمر 423 أ- أمر الخليفة عمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص) 423 ب- تنكيل الخليفة بمن يسأل عن تفسير القرآن 323 ج- سياسة الخليفة في منع نشر حديث الرسول (ص) و احراقه ما كتب منه 427 د- أثر تنكيل الخليفة بمن يحدّث عن رسول اللّه (ص) في تفسير القرآن 429 ه- استثناء بعض الصحابة و بعض علماء أهل الكتاب عن نهي نشر الحديث 429 و- عمل أمّ المؤمنين عائشة و ابن عباس بسياسة الخلافة في أمر رواية الحديث 436 ز- السماح لكعب الأحبار برواية الأخبار 438 ح- أخبار القراءة و الاقراء و تدوين القرآن 442 كثرة القرّاء في عصر عمر 446 خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الخليفة عثمان 449 تولية بني أميّة على رقاب المسلمين 454 أ- أخبار ولاته على الشام 456 سيرة معاوية على عهد عمر 458
ب- الكوفة 465 ج- البصرة 476 موقف الصحابي المقرئ ابن مسعود و مآل أمره 479 موقف عمار بن ياسر 482 موقف عمرو بن العاص 484 موقف معاوية 484 موقف عبد الرحمن بن عوف 485 موقف امّ المؤمنين عائشة من تلكم الأحداث 486 د- مصر و تولية عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عليها 490 محنة المسلمين و موقف الإمام عليّ منها 495 مسير أهل الأمصار إلى عثمان 498 استمداد الخليفة من الإمام عليّ لفكّ الحصار عنه 517 مقتل الخليفة 518 دفن الخليفة 521 أخبار القرآن و السنّة على عهد الخليفة عثمان 524 متابعة الخليفة عثمان من سبقه في شأن رواية حديث الرسول (ص) 524 أبو ذرّ في موسم الحج بمنى 524 أبو ذرّ في بيت اللّه الحرام 525 أبو ذرّ في مسجد الرسول (ص) و غيره 526 خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الإمام عليّ (ع) 529 سياسة حكم الإمام عليّ و آثارها 531 تقسيم الإمام عليّ بالسّويّة و غضب الأشراف من ذلك 553 موجز أخبار المجتمع الإسلامي على عهد الإمام عليّ (ع) 558
أخبار القرآن على عهد الإمام عليّ (ع) 562 أ- القراءة و الإقراء 562 دعوة عامّة للسؤال عن تفسير القرآن 562 الإمام يحيي سنّة الرسول (ص) في إقراء القرآن 565 اهتمام الإمام بأمر القرّاء 567 ب- أمر تدوين القرآن 568 أسّس الإمام نظاما يصان به القرآن عن الخطأ في التلاوة 569 ذكر أوّل من وضع النحو و ما قاله الرواة في ذلك 571 سبب وضع النحو 575 من أخذ النحو عن أبي الأسود 576 ج- القرّاء 577 د- حصيلة الأخبار 578 جدول تأسيس علم النحو و طبقات النحويين 579 خلاصة أخبار المجتمع و القرآن على عهد الإمام عليّ 580 خصائص المجتمع الإسلامي على عهد بني أميّة 584 أوّلا- على عهد الخليفة معاوية 584 سياسة معاوية مع الأنصار 584 سياسة معاوية مع الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) 585 أثر تربية معاوية لأهل الشام خاصّة 599 نتيجة البحث 600 ثانيا- على عهد خلفاء آل العاص 601 الحجّاج في عصره 603 الحجّاج في المدينة 605
أخبار سجون الحجاج 611 موت الحجّاج و دفنه 612 أخبار الحجّاج بعد موته 613 أخبار القرآن على عهد معاوية فما بعده من الأمويين 620 أ- أخبار القراءة و القرّاء 620 ب- كيف تنقط المصاحف 621 تبديل النقاط بالحروف 627 الأمر بكتابة تفسير الآيات في المصاحف 627 خصائص المجتمع الإسلامي على عهد العباسيين 629 عصر تدوين الحديث 634 كيفية رواية الحديث في عصر منع تدوينه و عصر الأمر بتدوينه 639 أ- في عصر الصحابة 639 ب- بعد عصر الصحابة 641 ج- الزنادقة و عملهم التخريبي في الإسلام 642 وضع الحديث و الدسّ فيه صونا لمقام الخلافة 646 خلاصة أخبار القرآن بعد الرسول (ص) 647 المقاوم الوحيد لحرق المصاحف 648 خاتمة بحوث من تاريخ القرآن على عهد الخلفاء الثلاثة 650 سبب تجريدهم القرآن من حديث الرسول (ص) و نهيهم عن كتابة حديثه 652 موجز عام لأخبار القرآن و السنّة أوّلا- موجز عام لأخبار القرآن في عهد الرسول (ص) 663 1- إقراء القرآن 666
2- نظام المفاضلة 667 اهتمام الرسول (ص) بسور خاصة 669 1- اهتمام الرسول (ص) بأمر تدوين القرآن 671 2- كيفية تدوين القرآن 672 ثانيا- موجز عام لأخبار القرآن و السنّة بعد الرسول (ص) 674 على عهد الخليفتين الصحابيين القرشيين أبي بكر و عمر 674 العمل بشعار حسبنا كتاب اللّه 674 أخبار الكتاب و السنّة على عهد الخليفة القرشي عمر 676 على عهد الخليفة الصحابي عثمان 680 على عهد الإمام عليّ (ع) 680 على عهد بني أميّة 681 على عهد العباسيين 681 خلاصة بحوث المجلدين حسب تسلسلها الزمني 682 أوّلا- دراسة روايات البسملة و زمان روايتها و مكانها 686 ثانيا- دراسة روايات جمع القرآن و زمان روايتها و مكانها 687 ثالثا- دراسة روايات اختلاف المصاحف و الزيادة و النقيصة في القرآن 691 أ- ما لم يفهم فيه معنى الرواية لتغيير معنى المصطلح 691 ب- ما افتري بها على اللّه و كتابه و رسوله (ص) و أصحاب رسوله 696 ج- ما لم يفهم فيها كلام الصحابي و في بعضها لم ترو الرواية بلفظ الصحابي نسيانا أو تعمدا 704 د- ما افتري بها على كتاب اللّه و على أحد ولاة الجور 710 رابعا- روايات نزول القرآن على سبعة أحرف 715
البحث الثامن المستشرقون و القرآن الكريم بداية الطعن في الإسلام و القرآن بعد عصر الرسول (ص) 723 المجموعة الطليطلية و الترجمة اللّاتينية الاولى للقرآن الكريم 729 طباعة الترجمة الاولى للقرآن الكريم باللغة اللّاتينية 732 أوّلا- المستشرق الانجليزي د. آرثر جفري 755 ثانيا- المستشرق هنري ماسيه 789 ثالثا- المستشرق اليهودي كولد زيهر 794 رابعا- المستشرقون في دائرة المعارف الإسلامية 795 خلاصة البحث الثامن 797 الفهرست 801