مستند الشیعه جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

مستند الشيعة

في أحكام الشريعة

سرشناسه : نراقي، احمدبن محمد مهدي، ۱۱۸۵-۱۲۴۵ق.

عنوان و نام پديدآور : مستند‌الشيعه في احكام الشريعه/ تاليف احمدبن محمدمهدي النراقي؛ تحقيق موسسه آل‌البيت عليهم‌السلام لاحياء‌التراث.

مشخصات نشر : مشهد: موسسه آل البيت (عليهم‌السلام) لاحياء الثرات، ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳-

مشخصات ظاهري : ج.

فروست : موسسه آل‌البيت لاحياء التراث؛ ۱۵۶، ۱۵۷، ۱۵۸، ۱۶۰، ۱۶۵، ۱۶۶، ۱۶۷، ۱۶۸، ۱۷۱، ۲۴۲.

شابك : ۲۵۰۰ريال: ج.۱‌964-5503-75-2 : ؛ : ج.۳: 964-5503-78-7 ؛ ۴۰۰۰ ريال: ج.۵: 964-5503-80-9 ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۶) ؛ ۴۰۰۰ ريال (ج.۷) ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۸‌964-5503-83-3 : ؛ ۵۰۰۰ ريال: ج.۱۰‌964-319-014-5 : ؛ ۶۰۰۰ ريال: ج.۱۱‌964-319-015-3 : ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۲: 964-319-038-2 ؛ ۵۵۰۰ ريال: ج.۱۳: 964-319-073-0 ؛ ۷۵۰۰ ريال: ج.۱۶: 964-319-125-7 ؛ ۷۵۰۰ ريال (ج.۱۷) ؛ ۳۵۰۰۰ ريال: ج.۲۰‌978-964-319-502-1 :

وضعيت فهرست نويسي : برونسپاري

يادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = ۱۳۷۳).

يادداشت : ج. ۶ (چاپ اول: ۱۴۱۵ق. = [۱۳۷۳]).

يادداشت : ج. ۷ (چاپ اول:۱۴۱۶ق. = [۱۳۷۴]).

يادداشت : ج. ۸ (چاپ اول: ۱۴۱۶ق. = ۱۳۷۵).

يادداشت : ج.۱۰و ۱۱و ۱۲(چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۶).

يادداشت : ج. ۱۳ (چاپ اول: ۱۴۱۷ق. = ۱۳۷۵).

يادداشت : ج. ۱۶ و ۱۷ (چاپ اول: ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷).

يادداشت : ج.۲۰ (چاپ اول: ۱۴۳۱ق. = ۱۳۸۹).

يادداشت : كتابنامه.

مندرجات : v. 5):)ISBN 964-5503-75-2 (set): ISBN 964-5503-75-2 (8 vols): ISBN 964-5503-82-5 (v.7): ISBN 964-5503-81-7 (v. 6): ISBN 964-5503-80-9

موضوع : فقه جعفري -- قرن ۱۳ق.

شناسه افزوده : موسسة آل البيت عليهم‌السلام لاحياء التراث (قم)

رده بندي كنگره : BP۱۸۳/۳/ن۴م۵ ۱۳۷۳

رده بندي ديويي : ۲۹۷/۳۴۲

شماره كتابشناسي ملي : م‌۷۴-۱۲۵۶

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

مستند الشيعة

في أحكام الشريعة

تأليف: العلامة الفقيه المولى أحمد بن محمد مهدي النراقي

المتوفى سنة 1245ه

الجزء الثامن

تحقيق

موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1429ه - 2008 م

موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

بيروت - لبنان - ص ب 34 / 24 - تلفاكس 541431 - هاتف 544805

E-mail:alalbayt@inco.com.lb

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقصد الثالث : في منافيات الصلاة ، ومبطلاتها ، ومكروهاتها ، وأحكام الخلل الواقع فيها

اشارة

والكلام فيه إمّا في منافيات الصلاة ، أو في الخلل الواقع في الصلاة والسهو في شرائطه أو أفعاله والشك. فهاهنا بابان.

الباب الأول : في منافيات الصلاة ومبطلاتها ومكروهاتها

اشارة

وفيه فصلان :

الفصل الأوّل : في منافياتها ومبطلاتها

اشارة

وهي أمور :

الأول :

ما يبطل الطهارة وينقضها من الأحداث.

وهو يبطل الصلاة ويقطعها إن كان حدثا أكبر مطلقا بالإجماع.

وكذا إن كان أصغر وصدر عمدا ، واستفاض عليه نقل الإجماع أيضا (1).

وكذا لو صدر من غير اختيار ، أو سهوا عن كونه في الصلاة مع اختيارية الحدث ، على الأظهر الأشهر. بل في الناصريات : الإجماع على الأول (2). وفي التذكرة ونهاية الإحكام وشرح الجعفرية على الثاني (3). وفي شرح الإرشاد للأردبيلي فيهما إذا كانت الطهارة المنتقضة مائية (4). وحكي نفي الخلاف في ذلك عن التهذيب أيضا (5).

وفي الأمالي : إنّ قطع الصلاة بخروج ما ينقض الوضوء - الشامل لجميع ما ذكر بعمومه - من دين الإمامية (6).

لا لبطلان الصلاة بالفعل الكثير إجماعا.

أو لشرطية الطهارة في الصلاة.

أو لأصالة الاشتغال.


1) انظر التذكرة 1 : 129 ، والمدارك 3 : 455 ، والحدائق 9 : 2.

2) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 199.

3) التذكرة 1 : 129 ، نهاية الإحكام 1 : 513.

4) مجمع الفائدة 3 : 48.

5) التهذيب 1 : 205.

6) الأمالي : 513.

أو توقيفية العبادة المستلزمة للاقتصار بما نقل عن الشارع.

لضعف الأول : بمنع كون مجرّد الطهارة - الذي هو محل الكلام خصوصا إذا كانت تيمّما - فعلا كثيرا أولا. ومنع إبطال كلّ فعل كثير ثانيا ، فإنّ مستنده الإجماع وهو منتف في محلّ النزاع.

والثاني : بأنّ اللازم منه عدم وقوع شي‌ء من أجزاء الصلاة من غير طهارة ، لا عدم تخلّل الحدث في الأثناء.

والقول بأنّ الصلاة ليست تلك الأجزاء بالخصوص ، بل هي وما بينها من الانتقالات.

كلام واه ، وإلاّ لكان غسل الرعاف وردّ السلام وصفق اليدين للتنبيه ، منها.

ودعوى خروجها بالدليل فاسد ، لأنّ الدخول محتاج إليه ، ولا دليل على كون غير الأجزاء المخصوصة صلاة. ولذا ترى جماعة (1)يصرّحون بعدم بطلان الصلاة بنية القطع أو المنافي لو رجع عنها ولم يشتغل حينئذ بشي‌ء من أجزاء الصلاة.

وأيضا : ثبوت أجزاء الصلاة إنّما هو بالشرع ، وأجزاؤها معدودة ، ولم يعدّ منها السكوت بقدر التطهّر لو أحدث.

فإن قيل : قوله : « تحليلها التسليم » يدلّ على أنّه في الصلاة ، إذ الانصراف إنّما هو بالتسليم.

قلنا : الكون في الصلاة وعدم الانصراف عنها غير التلبّس بأجزائها ، ألا ترى أنّ الجالس في أثناء طريق السفر ، والمتكلّم في خلال الأكل ، والساكت قليلا في أثناء القراءة ، غير منصرف عنها ، مع أنّه غير متلبّس به؟

والثالث : بمنع العلم بالاشتغال بالزائد عمّا فعله ، مع أنّ حرمة إبطال ما فعل محتملة ، فلا يتيقّن بالبراءة - بترك البناء والاستئناف - عن جميع ما اشتغلت


1) كالشيخ في المبسوط 1 : 102 ، والعلامة في المنتهى 1 : 267 والتذكرة 1 : 111.

به الذمّة.

والرابع : بأنّ لازم توقيفية العبادة الاقتصار في أجزائها أو شرائطها بما ورد من الشرع ، ولم يرد منه أنّ اتّصال الطهارة أيضا من الأجزاء أو الشرائط. وعدم فعل الشارع نحو المدّعى لعلّه لعدم سبق حدث منه.

بل (1)للإجماع فيما إذا كان المنتقض الطهارة المائيّة ، لعدم ظهور مخالف فيه - كما يأتي - وعدم قدح من نسب الخلاف إليه - لو كان مخالفا - في الإجماع.

وللنصوص المستفيضة المعتضدة بالشهرة العظيمة مطلقا ، منها : موثّقة الحضرمي : « لا يقطع الصلاة إلاّ أربع : الخلاء ، والبول ، والريح ، والصوت » (2).

والساباطي : عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع كيف يصنع؟ قال : « إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شي‌ء ولم ينقض وضوءه ، وإن كان متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء ، وإن كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة » (3).

ورواية ابن جهم الواردة فيمن أحدث حين جلس في الرابعة ، وفيها : « وإن لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد » (4).

والكناني : عن الرجل يخفق وهو في الصلاة ، قال : « إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان ، فعليه الوضوء وإعادة الصلاة » (5).

والحسين بن حمّاد : « إذا أحسّ الرجل أنّ بثوبه بللا وهو يصلّي فليأخذ ذكره


1) عطف على قوله : لا لبطلان الصلاة .. ( في ص 9 ).

2) الكافي 3 : 364 الصلاة ب 50 ح 4 ، التهذيب 2 : 231 - 1362 ، الاستبصار 1 : 400 - 1030 ، الوسائل 7 : 333 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 2.

3) التهذيب 1 : 11 - 20 ، الاستبصار 1 : 82 - 258 ، الوسائل 1 : 259 أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 5.

4) التهذيب 1 : 205 - 596 ، الاستبصار 1 : 401 - 1531 ، الوسائل 7 : 234 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6.

5) التهذيب 1 : 7 - 8 ، الاستبصار 1 : 80 - 250 ، الوسائل 1 : 253 أبواب نواقض الوضوء ب 3 ح 6.

بطرف ثوبه فيمسّه بفخذه ، فإن كان بللا ينصرف فليتوضأ ويعيد الصلاة » (1)الحديث. والمراد ما إذا لم يستبرئ.

والمرويّين في قرب الإسناد والمسائل : عن رجل يكون في صلاته فعلم أنّ ريحا قد خرجت عنه ولا يجد ريحا ولا يسمع صوتا ، قال : « يعيد الوضوء والصلاة ، ولا يعتدّ بشي‌ء ممّا صلّى إذا علم ذلك يقينا » (2).

وضعف بعضها سندا منجبر بما مرّ ، وقصور بعض عن إفادة الوجوب مجبور بعدم القول باستحباب إعادة الصلاة ، بل القائل بين محرم لها وموجب.

خلافا للمحكي عن السيد في المصباح (3)، والشيخ في المبسوط والخلاف (4)في صورة سبق الحدث ، فقالا بالتطهير والبناء.

للاستصحاب.

والأصل.

وصحيحة الفضيل : أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا ، فقال : « انصرف ثمَّ توضّأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا ، فإن تكلّمت ناسيا فلا شي‌ء عليك ، فهو بمنزلة من تكلّم في الصلاة ناسيا » قلت : وإن قلّب وجهه عن القبلة؟ قال : « نعم وإن قلّب وجهه عن القبلة » (5).

ورواية القماط : عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول


1) التهذيب 2 : 353 - 1465 ، الوسائل 7 : 234 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 5.

2) قرب الإسناد : 200 - 769 مسائل علي بن جعفر : 184 - 359 ، الوسائل 7 : 235 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 7.

3) حكاه عنه في المعتبر 2 : 250.

4) المبسوط 1 : 117 ، الخلاف 1 : 410.

5) الفقيه 1 : 240 - 1060 ، التهذيب 2 : 332 - 1370 ، الاستبصار 1 : 401 - 1533 ، الوسائل 7 : 235 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 9.

• إلى أن قال - : « فقال إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس أن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ، ثمَّ ينصرف إلى مصلاّه الّذي كان يصلي فيه ، فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام » قال ، قلت : وإن التفت يمينا وشمالا ، أو ولّى عن القبلة؟ قال : « نعم ، كلّ ذلك واسع » (1).

وحسنة زرارة (2)وموثقته (3)وموثقة ابنه (4)، الواردة في الحدث بعد السجدة الأخيرة وقبل التشهّد ، الآمرة بالوضوء والبناء.

ويجاب عن الأصلين : بالاندفاع بما مرّ.

وعن الأخبار : أوّلا : بمعارضتها مع ما مرّ ، مع اختصاص أكثره بمورد الكلام بحيث لا يمكن التخصيص فيه بغيره ، فإنّ الثلاثة الأخيرة مخصوصة بمن سبقه الحدث. بل وكذلك الثانية ، إذ الظاهر أنّ خروج حبّ القرع لا يكون في الصلاة اختياريا.

ويرجّح ما مرّ عليها ، لموافقتها للعامّة ، فإنّ ذلك مذهب مالك وأبي حنيفة ، والشافعي في قوله [ القديم ] (5)كما في الناصريات وفي الخلاف والتذكرة والمنتهى (6)، وغيرها (7).

وثانيا : بعدم حجيّتها ، لشذوذها ومخالفتها لشهرة القدماء والمتأخرين. بل لمذهب ناقليها. بل للإجماع ، لإطباق العلماء قديما وحديثا على خلافها.


1) التهذيب 2 : 355 - 1468 ، الوسائل 7 : 237 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11.

2) الكافي 3 : 347 الصلاة ب 33 ح 2 ، الوسائل 6 : 411 أبواب التشهد ب 13 ذ. ح 1.

3) التهذيب 2 : 318 - 1300 ، الوسائل 6 : 411 أبواب التشهد ب 13 ح 2.

4) الكافي 3 : 346 الصلاة ب 33 ح 1 ، الاستبصار 1 : 342 - 1290 ، الوسائل 6 : 411 و 412 أبواب التشهد ب 13 ح 2 و 4.

5) في النسخ : الجديد ، والظاهر هو سهو من قلمه الشريف ، كما يظهر من كتب العامّة والخاصة.

6) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 199 ، الخلاف 1 : 412 ، التذكرة 1 : 130 ، المنتهى 1 : 307.

7) كالرياض 1 : 177.

ومخالفة من ذكر - سيّما في بعض الكتب بعد الموافقة في سائر كتبه (1)- لا تقدح في الإجماع.

مع أنّ المخالفة في الخلاف أيضا غير معلومة ، بل صرّح الشيخ فيه بعد نقله الروايتين الأولى البطلان ، والثانية البناء وجعله الأول أحوط ، بأنّ الّذي أعمل وافتي به هو الاولى (2).

ولا ينافيه جعلها أحوط أوّلا ، لأنّ الاحتياط - والمراد تحصيل البراءة اليقينيّة - عنده دليل شرعي. ولذا استدلّ على ما أفتى به في الخلاف بتيقّن البراءة ، ولذا تراه كالسيد وتابعيه يستدلّون على مذاهبهم بطريقة الاحتياط.

ومن هذا يظهر حال المبسوط أيضا ، لتصريحه فيه بأحوطيّة البطلان (3)، بل السيد أيضا ، لذلك.

هذا مع عدم مطابقة الروايتين الأوليين للدعوى ، لأنّها في صورة سبق الحدث بغير اختيار ، ومدلولهما الحدث اختيارا ، حيث أمر بالانصراف وقضاء الحاجة. ولو لم تحملا على ذلك يكون عدم المطابقة أظهر ، لأنّ الغمز وأخويه ليس إحداثا.

والثلاثة الأخيرة أخصّ ، لورودها قبل التشهّد الأخير خاصّة. ولا إجماع مركب ، لأنّ الصدوق قد أفتى في الفقيه بمضمونها (4). وقوّاه المحدّث المجلسي في البحار حتى في صورة العمد أيضا (5)، وكذا والد شيخنا البهائي في شرح الألفيّة.

وهذا قول ثان مخالف للمشهور ، وهو الفرق بين ما بعد السجدة الأخيرة وبين ما قبلها ، فالبناء في الأوّل ، والإعادة في الثاني.

ودليله ما مرّ ، وجوابه قد ظهر ، سيّما أنّ الموافقة للعامّة هنا أشدّ وأظهر ،


1) كما في الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 185 ، والاقتصاد : 264.

2) الخلاف 1 : 412.

3) المبسوط 1 : 117.

4) الفقيه 1 : 233 ذيل الحديث 1030.

5) البحار 81 : 282.

حيث إنّ أبا حنيفة ومالك وجمعا آخر من فقهائهم ينفون وجوب التشهّد الأخير (1).

مع أنّ الظاهر أنّ البطلان في صورة العمد إجماعيّ ، بل قيل : كاد أن يكون ضروري المذهب (2).

وهنا خلاف ثالث للمشهور ، وهو : القول بالبناء فيما إذا كان المنتقض الطهارة الترابيّة خاصّة ، حكي عن العماني والشيخين وابن حمزة في الواسطة (3)، ومال إليه في المعتبر (4)، وقوّاه في المدارك (5)، ونفى عنه البعد في شرح الإرشاد للأردبيلي (6).

لصحيحة زرارة ومحمّد : رجل دخل في الصلاة وهو متيمّم ، فصلّى ركعة ثمَّ أحدث فأصاب الماء ، قال : « يخرج ويتوضّأ ثمَّ يبني على ما مضى من صلاته التي صلّى بالتيمّم » (7).

ونحوها صحيحة زرارة الأخرى (8).

وهما أخصّان من المدّعى على ما يظهر من نهاية الشيخ (9)، وما حكاه الحلّي في السرائر (10)من وجوب الطهارة والبناء على المتيمّم إذا أحدث مطلقا.


1) بداية المجتهد 1 : 129 ، المغني والشرح الكبير 1 : 614.

2) كما في الرياض 1 : 177.

3) حكاه عن العماني في المختلف 1 : 53 ، المفيد في المقنعة : 61 ، الطوسي في النهاية : 48 ، حكاه عن ابن حمزة في الذكرى : 111.

4) المعتبر 1 : 407.

5) المدارك 3 : 459.

6) مجمع الفائدة 3 : 49.

7) الفقيه 1 : 58 - 214 ، التهذيب 1 : 204 - 594 ، الاستبصار 1 : 167 - 580 ، الوسائل 7 : 236 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 10.

8) التهذيب 1 : 403 - 1263 ، الاستبصار 1 : 167 - 579 ، الوسائل 3 : 383 أبواب التيمم ب 21 ح 5.

9) النهاية : 48.

10) السرائر 1 : 139.

نعم تنطبقان عليه على ما نقله في المنتهى والمدارك من أنّه إذا أحدث فوجد الماء (1).

فيجاب عنهما : بأنّهما تعارضان ما مرّ ، وتوافقان العامّة (2).

ومع ذلك لا بدّ من ارتكاب تخصيص أو تجوّز فيهما ، إذ لا شكّ في البطلان في صورة العمد ، والتخصيص بالسهو ليس أولى من حمل الركعة على الصلاة ، كما عن المختلف (3)، فيكون المراد من قوله : « يبني على ما مضى » أي : يجتزئ بتلك الصلاة السابقة ، فإنّه لم يثبت للبناء حقيقة شرعية في هذا المعنى المدّعى ، كما مرّ في مسألة واجد الماء في أثناء الصلاة من بحث التيمّم.

أو تخصيص الرجل بمن صلّى صلاة بالتيمّم ثمَّ دخل في الأخرى ، كما عن المنتقى (4)، فيكون المراد بالصلاة في قوله : « يبني على ما مضى من صلاته » هو صلاته التي صلاّها بالتيمّم تامّة قبل هذه الصلاة الّتي أحدث فيها ، ومرجعه إلى أنّه يخرج من هذه الصلاة ولا يعيد ما صلاّها بهذا التيمّم وإن كان في الوقت ، ويشعر بهذا المعنى قوله : « التي صلّى بالتيمّم ».

الثاني :

التكفير ، بمعنى وضع اليمين على الشمال ، كما فسّره به في صحيحة محمّد (5)، أو هو أو عكسه ، كما به فسّره في المروي في الدعائم (6).

وحرمته في الصلاة مشهورة ، صرّح بها في الانتصار والخلاف والنهاية والجمل والسرائر والوسيلة والغنية والنافع والمنتهى والتذكرة ونهاية الإحكام


1) المنتهى 1 : 157 ، المدارك 3 : 459.

2) انظر : بدائع الصنائع 1 : 220.

3) المختلف 1 : 53.

4) المنتقى 1 : 362.

5) التهذيب 2 : 84 - 310 ، الوسائل 7 : 265 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 1.

6) الدعائم 1 : 159 ، مستدرك الوسائل 5 : 421 أبواب قواطع الصلاة ب 14 ح 2.

والتحرير والإرشاد والقواعد وشرحه والروضة (1)، وغيرها ، بل عامّة المتأخّرين كما قيل (2).

إلاّ أنّ بعضهم عبّر بالمعنى الأوّل ، وبعضهم بالثاني ، وبعضهم بالتكفير ، وفي الانتصار والغنية الإجماع عليها في المعنى الأوّل مطلقا (3)، وفي الخلاف على الثاني كذلك (4).

وعن الحلبي والإسكافي والمعتبر عدمها بشي‌ء من المعنيين (5).

والحق هو الأوّل بمعنى حرمته ، سواء فسر بالمعنى الأوّل أو بالثاني ، للمروي في كتاب المسائل لعليّ ، عن أخيه عليه السلام : عن الرجل يكون في صلاته يضع إحدى يديه على الأخرى بكفّه أو ذراعه ، قال : « لا يصلح ذلك ، فإن فعل فلا يعودنّ له » (6).

فإنّ نفي الصلاحيّة يستلزم الحرمة ، كما بيّنا وجهه في عوائد الأيام (7). ولا ينافيه ما بعده ، لأنّ معناه أنّه إن كان فعل ذلك قبل هذا فلا يعود إليه بعد ذلك ، وهذا ملائم للحرمة لا مناف لها.

وضعفه منجبر بدعوى الشهرة على تحريم الأصل والعكس في طائفة من العبارات ، منها في شرح الجعفرية ، بل الإجماع في الخلاف (8).


1) الانتصار : 41 ، الخلاف 1 : 321 ، النهاية : 73 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 184 ، السرائر 1 : 217 ، الوسيلة : 97 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 558 ، النافع : 34 ، المنتهى 1 : 311 ، التذكرة 1 : 132 ، نهاية الإحكام 1 : 523 ، التحرير 1 : 42 ، الإرشاد 1 : 268 ، القواعد 1 : 35 ، جامع المقاصد 2 : 344 ، الروضة 1 : 235.

2) الرياض 1 : 179.

3) الانتصار : 41 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 558.

4) الخلاف 1 : 322.

5) الحلبي في الكافي في الفقه : 125 ، حكاه عن الإسكافي في المختلف : 100 ، المعتبر 2 : 257.

6) مسائل علي بن جعفر : 170 - 288 ، الوسائل 7 : 266 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 5.

7) عوائد الأيام : 82.

8) الخلاف 1 : 322.

وتؤيده روايات مستفيضة أخرى ، كصحيحة محمّد (1)، ومرسلة حريز (2)، والمرويّات في الخصال (3)، والدعائم (4)، وقرب الإسناد (5).

وعدم الاستدلال بها - كالأكثر - لخلوّها عن الصريح في التحريم ، لأنّها بين ألفاظ إخباريّة أو محتملة لها.

وأمّا قوله في رواية الدعائم : « ولكن أرسلهما إرسالا » وإن كان أمرا ، إلاّ أنّها - لضعفها وعدم حصول الانجبار لها في وجوب إرسالها ، لاحتمال جواز وضع اليدين على الثديين أو الضلعين ، أو إحداهما - لا تصلح لإثبات الحرمة.

وأمّا المروي في تفسير العياشي : أيضع الرجل يده على ذراعيه في الصلاة؟

قال : « لا بأس » (6).

فضعيف غير منجبر ، ومع ذلك للعامّة موافق.

ولا فرق في الحرمة بين كون الوضع فوق السّرة أو تحتها ، وضع الكفّ على الكفّ أو على الساعد ، لإطلاق الرواية والإجماعات المنقولة الجابرة لها ، بل صرّح بالإجماع في الخلاف على عموم فوق السرّة وتحتها (7).

ثمَّ إنّه هل هو موجب لبطلان الصلاة؟ كما صرّح به كثير من المحرّمين (8)، ومنهم والدي - رحمه اللّه - في بحث المنافيات من التحفة الرضويّة.


1) التهذيب 2 : 84 - 310 ، الوسائل 7 : 265 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 1.

2) الكافي 3 : 336 الصلاة ب 29 ح 9 ، التهذيب 2 : 84 - 309 ، الوسائل 7 : 266 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 3.

3) الخصال : 622 ، الوسائل 7 : 267 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 7.

4) الدعائم 1 : 159 ، مستدرك الوسائل 5 : 421 أبواب قواطع الصلاة ب 14 ح 2.

5) قرب الإسناد 208 - 809 ، الوسائل 7 : 266 أبواب قواطع الصلاة 15 ح 4.

6) تفسير العياشي 2 : 36 - 100 ، مستدرك الوسائل 5 : 421 أبواب قواطع الصلاة ب 14 ح 4.

7) الخلاف 1 : 322.

8) كالعلامة في نهاية الأحكام 1 : 523 ، والتذكرة 1 : 132 ، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 237.

أو لا؟ كما في شرح الإرشاد للأردبيلي ، والروضة والمسالك (1)، ووالدي - رحمه اللّه - في بحث القيام من الكتاب المذكور.

الحقّ هو الثاني ، للأصل الخالي عن المعارض مطلقا ، إلاّ ما استدلّ به من الإجماع البسيط المنقول في الخلاف (2)، والمركّب المصرّح به في كلام الثانيين (3)، وكونه فعلا كثيرا ، وأصل الاشتغال ، وتوقيفيّة العبادة ، ولزوم الزيادة في الصلاة.

والكلّ ضعيف ، يظهر وجهه ممّا مرّ مرارا.

ولا يحرم ذلك في حال التقيّة مطلقا إجماعا ، بل يجب ، ومعها لو تركه لم تبطل صلاته قطعا.

الثالث :

الالتفات عن القبلة.

وتحقيقه : أنّ الالتفات إمّا يكون خطأ في القبلة مع التقصير أو بدونه.

أو جهلا بوجوب مراعاتها.

أو ظنّا بتمام الصلاة كمن سلّم في غير موقعه.

أو عمدا.

أو سهوا من أنّه في الصلاة ، أو من أنّه لا يجوز الانحراف ، ومنه الغفلة كأن يسمع صوتا من خلفه فيلتفت من غير شعور.

أو مكرها.

والأوّلان قد مضيا في باب القبلة.

والثالث يأتي في مسألة السلام في غير موضعه.

والكلام هنا في الثلاثة الأخيرة.


1) مجمع الفائدة 3 : 51 ، الروضة 1 : 235 ، المسالك 1 : 32.

2) الخلاف 1 : 322.

3) المحقق الثاني في جامع المقاصد 2 : 345 ، والشهيد الثاني في روض الجنان : 330.

فإن كان عمدا فهو إمّا يكون بالبدن كلّه أو الوجه خاصّة ، وعلى التقديرين إمّا يكون إلى الخلف ، والمراد به ما يجاوز عن أحد الجانبين وإن لم يبلغ مقابل القبلة ، ولذا تراهم قابلوه باليمين والشمال ، أو إلى أحد الجانبين ، أو إلى ما بينه وبين القبلة.

فعلى الأوّل ، فإن كان إلى الخلف يبطل بالإجماع ، والمستفيضة من الصحاح وغيرها الآتية.

وإلاّ فعلى الأقوى ، إن بلغ أحد الجانبين ، وفاقا لنهاية الشيخ والمعتبر وروض الجنان والذكرى والبيان والروضة وشرح الجعفرية وشرح القواعد والحدائق (1)والمعتمد ، بل للأكثر ، بل للجميع كما يظهر من اشتراطهم في بحث القبلة عدم الانحراف عمدا ولو يسيرا ، وهو قرينة على أنّ مرادهم من الالتفات الغير المبطل هنا هو الالتفات بالوجه خاصّة ، كما صرّح به بعضهم أيضا (2)، وقد استعمل كثيرا مطلقا فيه كما يظهر للمتتبّع ، وإن أمكن حمل كلامهم في القبلة على ما إذا صلّى على غير القبلة ، وهنا على ما إذا التفت بدون إيقاع شي‌ء من الصلاة حينئذ.

للمستفيضة من الصحاح وغيرها ، كصحيحة ابن أذينة : عن رجل رعف وهو في الصلاة وقد صلّى بعض صلاته ، فقال : « إن كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت ، وليبن على صلاته ، فإن لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة » (3).

وزرارة : « الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه » (4).


1) النهاية : 94 ، المعتبر 2 : 260 ، الروض : 332 ، الذكرى : 216 ، البيان : 182 ، الروضة 1 : 236 ، جامع المقاصد 2 : 347 ، الحدائق 9 : 31.

2) انظر : الذخيرة : 353.

3) الفقيه 1 : 239 - 1056 ، الوسائل 7 : 238 أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 1.

4) التهذيب 2 : 199 - 780 ، الاستبصار 1 : 405 - 1543 ، الوسائل 7 : 244 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 3.

ومحمّد : عن رجل يلتفت في الصلاة؟ قال : « لا » (1).

وحسنة الحلبي : « إذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا » (2).

والمروي في الخصال : « الالتفات الفاحش يقطع الصلاة » (3).

ومرسلة الفقيه : « ولا تلتفت عن يمينك ولا عن يسارك ، فإن التفتّ حتى ترى من خلفك وجب عليك إعادة الصلاة » (4).

والمستفيضة الآتية المصرّحة بالبطلان بتقلّب الوجه وصرفه وتحويله ، اللازمة للالتفات بالجميع.

وأمّا رواية عبد الحميد : عن الالتفات ، أيقطع الصلاة؟ قال : « لا ، وما أحبّ أن يفعل » (5).

فهي عامّة مطلقة بالنسبة إلى ما مرّ من جهة الالتفات والصلاة حيث تشمل النافلة أيضا ، فتخصّص بما مرّ ، سيّما مع أنّ الأخبار المبطلة معاضدة بأشهريّتها رواية ، وبالموافقة لقوله سبحانه ( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (6).

وأمّا مفهوم خبري قرب الإسناد والمستطرفات ، وصحيحة علي الآتية (7)فلا يفيد الجواز في غير الخلف ، لأنّ مفهومها ما ذكر فيها بقوله : « وإن كانت نافلة » وبقوله : « إن كان في مقدّم ثوبه أو جانبيه » ومثل ذلك لا يعتبر فيه مفهوم آخر ،


1) الكافي 3 : 366 الصلاة ب 50 ح 12 ، التهذيب 2 : 199 - 781 ، الاستبصار 1 : 405 - 1544 ، الوسائل 7 : 244 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 1.

2) الكافي 3 : 365 الصلاة ب 50 ح 10 ، التهذيب 2 : 323 - 1322 ، الاستبصار 1 : 405 - 1547 ، الوسائل 7 : 245 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2.

3) الخصال 2 : 622 ، الوسائل 7 : 245 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 7.

4) الفقيه 1 : 197 - 917 ، الوسائل 5 : 509 أبواب القيام ب 15 ح 3.

5) التهذيب 2 : 200 - 784 ، الاستبصار 1 : 405 - 1546 ، الوسائل 7 : 245 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 5.

6) البقرة : 144.

7) في ص : 23.

لانتفاء التبادر المثبت للمفهوم ، مع أنّ الصحيحة مختصّة بالالتفات بالوجه كما يأتي.

وأمّا مفهوم الحسنة والمرسلة ، فلا ينافي ما مرّ ، لأنّ الالتفات إلى أحد الجانبين فاحش جدا وموجب لرؤية الخلف قطعا.

وإن لم يبلغ حدّ أحد الجانبين (1)فمع الاشتغال بشي‌ء من أجزاء الصلاة قطع صلاته إجماعا ، له ، ولأدلّة اشتراط الاستقبال في أجزائها.

بل لولاه للغى شرط الاستقبال في الصلاة ، إذ لا فرق في الأجزاء بين قليلها وكثيرها إجماعا.

وإن لم يشتغل به فالظاهر عدم البطلان ، لتعارض مفهوم المرسلة مع بعض المبطلات بالخصوص المطلق ، فيخصّصه ، ومع بعض آخر بالعموم من وجه ، وحيث لا مرجّح يرجع إلى الأصل وهو مع الصحّة.

نعم لو التفت إلى قريب من أحد جانبيه بحيث يعدّ فاحشا عرفا ، ويكون موجبا لرؤية الخلف - حيث إنّ الخلف لا يختصّ بنقطة مقابل القبلة ويمكن رؤية الخلف قبل البلوغ حدّ أحد الجانبين أيضا - يمكن القول أيضا بكونه مبطلا.

ولا يلزم منه الإبطال في غير هذه الصورة بالإجماع المركّب ، لأنّه غير ثابت.

نعم لو ثبت لكان مفيدا. ولا يعارضه حينئذ ضمّ الإجماع المركّب مع ما دون ذلك والحكم بالصحّة ، لأنّ هذا الحكم يكون حينئذ بالأصل ، فلا يعارض ما ثبت من جهة الدليل.

وعلى الثاني (2)، فإن كان إلى الخلف - وهو أمر جائز على ما ذكرنا من تعميم الخلف ، سيّما مع أنّ الالتفات بالوجه إلى خصوص شي‌ء يحصل بميله إليه وإن لم ينقلب كلّه إليه - فيبطل أيضا ، وفاقا لظاهر النهاية والجمل والخلاف والسرائر


1) أي : إذا كان الالتفات بجميع البدن ولم يبلغ أحد الجانبين.

2) وهو : إذا كان الالتفات بالوجه خاصّة.

والوسيلة والغنية والشرائع والنافع والتذكرة والمنتهى والتحرير والإرشاد ونهاية الإحكام والقواعد والذكرى وشرح القواعد للمحقق الثاني (1)، وغير ذلك ، بل هو مذهب الأكثر حيث ذكروا البطلان بالالتفات إلى ما وراءه ، وهو يصدق على الالتفات بالوجه وإن لم يكن صريحا ، ولذا قال المحقق الثاني : لا تصريح للأصحاب فيه (2).

لخصوص صحيحة علي : عن الرجل يكون في صلاته فيظنّ أنّ ثوبه قد انخرق أو أصابه شي‌ء ، هل يصلح له أن ينظر فيه أو يفتّشه؟ قال : « إن كان في مقدّم ثوبه أو جانبه فلا بأس ، وإن كان في مؤخّره فلا يلتفت ، فإنه لا يصلح » (3).

ولغير الصحيحة الثانية من الأخبار المتقدّمة.

وصحيحة زرارة : « ثمَّ استقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلّب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك » (4).

وقريبة منها حسنته (5)، ومرسلة الفقيه (6).

وحسنة الحلبي : « وإن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته » (7)..


1) النهاية : 94 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 184 ، الخلاف : لم نجد فيه مبحث الالتفات ، السرائر 1 : 243 ، الوسيلة : 97 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 558 ، الشرائع 1 : 91 ، النافع : 34 ، التذكرة 1 : 132 ، المنتهى 1 : 307 ، التحرير 1 : 43 ، الإرشاد 1 : 268 ، نهاية الإحكام 1 : 522 ، القواعد 1 : 36 ، الذكرى : 217 ، جامع المقاصد 2 : 347.

2) جامع المقاصد 2 : 348.

3) التهذيب 2 : 333 - 1374 ، قرب الإسناد 191 - 716 ، الوسائل 7 : 245 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 4.

4) الكافي 3 : 300 الصلاة ب 16 ح 6 ، الفقيه 1 : 180 - 856 ، التهذيب 2 : 286 - 1146 ، الوسائل 4 : 312 أبواب القبلة ب 9 ح 3.

5) الفقيه 1 : 180 - 855 ، الوسائل 4 : 312 أبواب القبلة ب 9 ح 2.

6) الفقيه 1 : 197 - 917 ، الوسائل 5 : 509 أبواب القيام ب 15 ح 3.

7) الكافي 3 : 365 الصلاة ب 50 ح 10 ، التهذيب 2 : 323 - 1322 ، الاستبصار 1 : 405 - 1547 ، الوسائل 7 : 244 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2.

ورواية أبي بصير : « إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد » (1).

ومحمّد ، وفيها : « فإذا حوّل وجهه فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالا » (2).

والمرويّات في قرب الإسناد ، والمسائل ، والمستطرفات : « إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته ، فيعيد ما صلّى ولا يعتدّ به ، وإن كانت نافلة فلم يقطع ذلك صلاته » (3). وغير ذلك.

خلافا لثاني الشهيدين في شرح الألفيّة ناسبا له إلى ظاهر الأصحاب ، وللمحكي عن ظاهر المعتبر (4)، فلا يبطل ، لصحيحة الفضيل ، ورواية القماط ، المتقدّمتين في النقض بالحدث (5)، ومفهوم صحيحة زرارة الاولى (6)، ورواية عبد الحميد (7).

ويجاب عن جميع ذلك : بعدم حجيّة الأوّلتين ، لورودهما في حقّ المحدث ، وصلاته باطلة كما مرّ.

وتعارض باقييها مع كثير ممّا ذكر وإن كان بالعموم من وجه ، إلاّ أنّ صحيحة عليّ أخصّ مطلقا منهما ، إذ المراد بالالتفات فيها الالتفات بالوجه قطعا - إذ لو كان بكلّ البدن لما أمكن التفتيش ، لانتقال الثوب بانتقاله أيضا - فهو المراد قطعا بل خاصّة ، فيخصّصان بها.


1) الفقيه 1 : 239 - 1057 ، الوسائل 7 : 245 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 6.

2) التهذيب 2 : 184 - 732 ، الاستبصار 1 : 368 - 1401 ، الوسائل 8 : 209 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 6 ح 2.

3) قرب الإسناد : 210 - 820 ، مستطرفات السرائر : 53 - 2 ، الوسائل 7 : 246 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 8.

4) المعتبر 2 : 160.

5) راجع ص : 12.

6) المتقدمة في ص : 20.

7) المتقدمة في ص : 21.

وإن كان إلى غيره (1)لا يبطل مطلقا ، سواء بلغ أحد الجانبين أو لا ، وفاقا لصريح أكثر من ذكر ، بل ظاهر الجميع ، لصحيحة عليّ ، ومفهومي الحسنة وصحيحة زرارة (2)

وقال في الحدائق 9 : 34 : والظاهر أنّه فخر المحققين ابن العلامة كما نقله غير واحد من الأصحاب.

.

خلافا للمحكي عن فخر المحقّقين ، فقال بالبطلان بالالتفات بالوجه مطلقا (3)، وقوّاه الأردبيلي في شرح الإرشاد (4)، ومال إليه في المدارك (5)، واستجوده في الحدائق (6)، وحكي عن جمع آخر من المتأخّرين أيضا (7)، للعمومات المتقدّمة.

ويردّ : بوجوب تخصيصها بما ذكر ، لكون الأكثر أخصّ مطلقا منها حيث إنّ غير الفاحش يختصّ بهذه الصورة على الظاهر ، والصحيحة أيضا مخصوصة بالالتفات بالوجه خاصّة ، كما مرّ.

هذا كلّه في العمد.

وأمّا السهو فهو أيضا كالعمد على الأقوى في جميع الصور ، إلاّ إذا لم يبلغ الالتفات بالبدن كلّه إلى أحد الجانبين ، فلا يبطل حينئذ وإن اشتغل بالصلاة حين الالتفات ، والتفت بالوجه إلى الخلف (8).

أمّا الأوّل فلإطلاق أكثر الأدلّة المذكورة بالنسبة إلى العمد والسهو ، فيتّحد مقتضاها في الحالين.

وليس دليل آخر مخالف في الحكم يختصّ بصورة السهو سوى ما قد يتوهّم


1) أي : إذا كان الالتفات بالوجه ، وكان إلى غير الخلف.

2) قال في الذكرى : 217 : كان بعض مشايخنا المعاصرين يرى أنّ الالتفات بالوجه يقطع الصلاة.

3) المتقدمتين في ص : 20 و 21.

4) مجمع الفائدة 3 : 62.

5) المدارك 3 : 461.

6) الحدائق 9 : 35.

7) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1 : 219 ، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 241.

8) أي : .. وإلاّ إذا التفت بالوجه إلى الخلف ، فلا يبطل إذا كان سهوا.

من بعض الأخبار الواردة في الصلاة على غير القبلة ، الفارقة بين الوقت وخارجه في الإعادة (1)، المتقدمة في بحث القبلة.

وهو خطأ ، لأنّها إمّا صريحة في خطإ القبلة أو ظاهرة فيه ، ولا دخل لها بالسهو.

مع أنّها أيضا لا تنافي شيئا ممّا ذكر ، لأنّ موردها الانحراف بكلّ البدن ، لأنّه معنى الصلاة على غير القبلة ، وقد حكم فيها بالإعادة. وأمّا نفي القضاء في بعضها فلا يضرّ ، لأنّه بأمر جديد.

وأمّا رواية ابن الوليد : عن رجل تبيّن له وهو في الصلاة أنّه على غير القبلة ، قال : « يستقبلها إذا أثبت ذلك » (2)فلإجمالها - حيث يحتمل إرجاع الضمير في « يستقبلها » إلى كلّ من الصلاة والقبلة - لا يصلح منشأ لحكم.

وأمّا الثاني فلموثقة الساباطي : في رجل صلّى على غير القبلة ، فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته ، قال : « إن كان متوجّها فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة حين يعلم ، وإن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ، ثمَّ يحوّل وجهه إلى القبلة ، ثمَّ يفتتح الصلاة » (3).

فإنّها مختصّة بالساهي والخاطئ بقرينة قوله : « فيعلم .. » وهي إمّا أخصّ مطلقا من عمومات القطع بالالتفات إن قلنا بشمولها أيضا للخاطئ كما تشمل الساهي والعامد ، فتخصّص بها ، أو من وجه ، فيرجع إلى أصل الصحّة.

وأمّا الثالث فلأنّك قد عرفت أنّ الإبطال فيه مستند إلى صحيحة عليّ ، وهي مخصوصة بالعمد.

وأمّا إن كان مكرها ، فإن كان بالاختيار - كأن يأمره قاهر بالالتفات - فهو


1) انظر : الوسائل 4 : 315 أبواب القبلة ب 11.

2) التهذيب 2 : 48 - 158 ، الاستبصار 1 : 297 - 1096 ، الوسائل 4 : 314 أبواب القبلة ب 10 ح 3.

3) الكافي 3 : 285 الصلاة ب 8 ح 8 ، التهذيب 2 : 48 - 159 ، الاستبصار 1 : 298 - 1100 ، الوسائل 4 : 315 أبواب القبلة ب 10 ح 4.

كالسهو أيضا ، لاتّحاد الدليل.

وإن كان اضطرارا - كأن يقلّبه متغلّب عن القبلة - فإن كان بالوجه مطلقا ، والبدن إلى غير أحد الجانبين وما وراءه ، لم يبطل قطعا ، للأصل السالم عن المعارض ، لعدم شمول غير صحيحة زرارة : « الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه » (1)ورواية الخصال (2)من المبطلات لهذه الصورة قطعا.

وهما وإن شملتاها إلاّ أنّهما معارضتان في غير ما كان بالكلّ ، فيرجع فيه إلى الأصل. وكذا فيما كان بالكلّ من غير تفاحش.

مع أنّ عدم الإبطال حينئذ عمدا يوجب عدمه هنا بطريق أولى.

وإن كان بالكلّ إلى أحد الجانبين أو ما وراءه فمقتضى إطلاق الصحيحة والرواية الإبطال ، وبهما تخصّص رواية عبد الحميد (3).

إلاّ أنّ هذا إذا لم نقل بظهور لفظ الالتفات فيما كان بعمل الملتفت واختياره ، وإلاّ فلا تبطل بالالتفات الاضطراري من حيث هو مطلقا ، إلاّ أن يترتّب عليه أمر آخر من فعل كثير ، أو خروج عن صورة الصلاة ، أو نحوهما.

ثمَّ إنّ كثيرا من الأخبار المتقدّمة وإن كان اختصّ بواسطة التقييد أو الأمر بالإعادة بالفرائض ، إلاّ أنّ بعضها يشمل النوافل أيضا.

ولكن ورد في جملة من النصوص الفرق بينهما بتخصيص الحكم بالأولى ، كما في المرويّات في قرب الإسناد والمسائل والمستطرفات (4). وفيما خصّ البطلان بالمكتوبة أيضا إيماء إليه.

فالقول بعدم البطلان فيها ما لم يمح صورة الصلاة ولم يشتغل حين الالتفات بالكلّ بأجزاء الصلاة أجود.


1) تقدمت في ص : 20.

2) المتقدمة في ص : 21.

3) المتقدمة في ص : 21.

4) المتقدمة في ص : 24.

الرابع :
اشارة

التكلّم عمدا بغير أجزاء الصلاة الواجبة أو المستحبّة إلاّ ما يجي‌ء استثناؤه ، إجماعا محقّقا ، ومحكيّا في كلام جماعة ، منهم : الخلاف والتذكرة والمنتهى والذكرى وغيرها (1)، له ، وللنصوص المتقدّم بعضها.

ومنها : صحيحة محمّد وفيها : « فإن تكلّم فليعد الصلاة » (2).

ومرسلة الفقيه : « من تكلّم في صلاته ناسيا كبّر تكبيرات ، ومن تكلّم في صلاته متعمّدا فعليه إعادة الصلاة ، ومن أنّ في صلاته فقد تكلّم » (3).

ومقتضى إطلاقها بطلان الصلاة بما يصدق عليه التكلّم مطلقا ، ومنه ما تركّب من حرفين فتبطل به أيضا ، كما صرّح به في الخلاف والسرائر والشرائع والنافع والقواعد والمنتهى والتذكرة وشرح القواعد والذكرى (4)، وغيرها ، بل في الثلاثة الأخيرة الإجماع عليه.

وهل يشترط التركّب منهما ، فلو نطق بحرفين من غير تركيب كأن يقول : ب ت لم يبطل ، أو لا يشترط؟.

الظاهر الأوّل سيّما مع قليل فصل ، لعدم ثبوت الصدق ولا الإجماع.

والظاهر عدم اشتراط الإفهام والوضع للمعنى فيهما ، فلو تكلّم بالمهمل بطلت ، كما صرّح به في نهاية الإحكام (5)، لصدق التكلّم عرفا.

ولا تبطل بالحرف الواحد الغير الموضوع ، على ما قطع به الأصحاب كما في


1) الخلاف 1 : 403 ، التذكرة 1 : 129 ، المنتهى 1 : 308 ، الذكرى : 216 ، وانظر الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 558.

2) الكافي 3 : 365 الصلاة ب 50 ح 9 ، التهذيب 2 : 323 - 1323 ، الوسائل 7 : 282 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 7.

3) الفقيه 1 : 232 - 1029 ، الوسائل 7 : 281 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2.

4) الخلاف 1 : 407 ، السرائر 1 : 225 ، الشرائع 1 : 91 ، النافع : 34 ، القواعد 1 : 35 ، المنتهى 1 : 308 ، التذكرة 1 : 129 ، جامع المقاصد 2 : 341 ، الذكرى : 216.

5) نهاية الاحكام 1 : 515.

المدارك (1)، بل بلا خلاف كما في التذكرة (2)، بل إجماعا كما في المنتهى والذكرى (3)، للأصل ، وعدم صدق التكلّم ، ولا أقلّ من الشك فيه.

وأمّا الموضوع منه فيبطل ، وفاقا لصريح جماعة ، منهم : المنتهى والمدارك والذكرى وشرح القواعد (4)، لصدق التكلّم عرفا ، كما صرّح به نجم الأئمّة (5)، وحكي عن شمس العلوم (6)، ونسبه في الحدائق إلى ظاهر الأصحاب (7). فإنّه لو قال أحد : ق ، بعد سؤال غيره عنه : هل أقيه أم لا؟ يقال : تكلّم.

واستشكل فيه في نهاية الأحكام والتذكرة (8)، وتردّد في القواعد (9).

وهو للشك في الصدق.

ومفهوم قولهم : النطق بحرفين فصاعدا.

ويدفع الأوّل : بما مرّ.

والثاني : بأنّه في أعم من المفهم وغيره ، مع أنّ كلامهم وارد في الغالب الشائع.

والمراد بالموضوع الموضوع لمعنى ولو كان لفظا ، فتبطل بالتكلّم بلفظة ف وب وت ونحوها ، لكونها موضوعة للباء والفاء والتاء.

ولا يشترط في الوضع كونه وضعا لغويّا أو عرفيّا عامّا ، بل يكفي الوضع مطلقا ولو عند المتكلّم وشخص آخر ، أو في لغة غير معروفة ، لصدق التكلّم في الجميع.


1) المدارك 3 : 463.

2) التذكرة 1 : 130.

3) المنتهى 1 : 309 ، الذكرى : 216.

4) المنتهى 1 : 309 ، المدارك 3 : 463 ، الذكرى : 216 ، جامع المقاصد 2 : 341.

5) شرح الكافية : 2.

6) حكاه عنه في كشف اللثام 1 : 238.

7) الحدائق 9 : 18.

8) نهاية الأحكام 1 : 515 ، التذكرة 1 : 130.

9) القواعد 1 : 35.

نعم يشترط قصد المتكلّم منه الحرف الموضوع ، بل معناه الموضوع له ، لعدم معلومية الصدق بدونه.

ولا تبطل بالحرف الواحد الممدود ولو بقدر خمسة أحرف ، ولا بالمشبع ما لم يحصل من الإشباع حرف آخر ظاهر ، للشك في الصدق.

وتبطل بحرف بعده حرف مدّ ، لصدق الحرفين.

فروع :

أ : يستثنى من الكلام المبطل كلّ ما كان ذكر اللّه سبحانه أو دعاء وطلبا منه ، للمستفيضة من النصوص ، منها مرسلة حمّاد : « كلّ ما كلّمت اللّه به في صلاة الفريضة فلا بأس وليس بكلام » (1).

ومرسلة الفقيه : « كلّ ما ناجيت به ربّك في الصلاة فليس بكلام » (2).

وصحيحة ابن مهزيار : عن الرجل ، يتكلّم في صلاة الفريضة بكلّ شي‌ء يناجي ربّه؟ قال : « نعم » (3).

ورواية عبد اللّه بن هلال ، وفيها : فأدعو في الفريضة وأسمّي حاجتي؟

فقال : « نعم قد فعل ذلك رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، فدعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وفعله عليّ عليه السلام بعده » (4).

وصحيحة الحلبي : « كلّ ما ذكرت اللّه والنبي صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة » (5).


1) الكافي 3 : 302 الصلاة ب 17 ح 5 ، التهذيب 2 : 325 - 1330 ، الوسائل 7 : 264 أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 3.

2) الفقيه 1 : 208 - 939 ، الوسائل 6 : 289 أبواب القنوت ب 19 ح 4.

3) التهذيب 2 : 326 - 1337 ، الوسائل 7 : 263 أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 1.

4) الكافي 3 : 324 الصلاة ب 25 ح 11 ، مستطرفات السرائر : 98 - 20 ، الوسائل 6 : 371 أبواب السجود ب 17 ح 3.

5) الكافي 3 : 337 الصلاة ب 30 ح 6 ، التهذيب 2 : 316 - 1293 ، الوسائل 7 : 263 أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2.

وصحيحة إسماعيل بن الفضل : عن القنوت وما يقال فيه ، فقال : « ما قضى اللّه على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئا موقّتا » (1).

وصحيحة الحلبي (2)، المتقدّمة في القنوت أيضا.

والأخبار المصرّحة بجواز التسبيح لإرادة الحاجة ، كموثّقة الساباطي (3)، وصحيحتي عليّ (4)والحلبي (5)، إلى غير ذلك.

وتؤكده عمومات الأمر بالذكر والدعاء والتمجيد في كلّ حال ، أو في السجود (6).

ومقتضى إطلاق الجميع جواز ذلك في كلّ حال من حالات الصلاة ، سواء كان قائما أو قاعدا ، راكعا أو ساجدا ، قائما أو متشهّدا ، ما لم يخلّ بشي‌ء من الصلاة ، كالدعاء الطويل في خلال القراءة.

والظاهر - كما صرّح به بعضهم - أنّه إجماعي أيضا إذا كان ذلك بالعربيّة (7).

ومقتضى الأصل وعموم كثير من الأخبار المذكورة جوازه بغير العربيّة أيضا ، كما حكى القول به بعض من تأخّر (8).

بل هو مختار الشيخ في النهاية (9)، وإن قيّده بمن لم يحسن العربيّة ، ولكن


1) الكافي 3 : 340 الصلاة ب 31 ح 8 ، التهذيب 2 : 314 - 1281 ، الوسائل 6 : 277 أبواب القنوت ب 9 ح 1.

2) الفقيه 1 : 207 - 933 ، الوسائل 6 : 278 أبواب القنوت ب 9 ح 4.

3) الفقيه 1 : 242 - 1077 ، الوسائل 7 : 255 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 4.

4) التهذيب 2 : 331 - 1363 ، قرب الإسناد : 200 - 767 ، الوسائل 7 : 256 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 6.

5) الكافي 3 : 365 الصلاة ب 50 ح 7 ، الفقيه 1 : 242 - 1075 ، الوسائل 7 : 254 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 2.

6) كما في الوسائل 6 : 370 أبواب السجود ب 17.

7) كما في الانتصار : 47.

8) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 333.

9) النهاية : 74.

لعدم إيجاب العجز عن العربيّة في غير الواجبات لتجويز ما لا يجوز ، يفهم تجويزه مطلقا.

والفاضل في المنتهى والتذكرة والتحرير والقواعد والمختلف ، والتنقيح وكنز العرفان والدروس والبيان والكفاية وشرح الإرشاد للأردبيلي (1).

وهو المحكي عن الشيخ المتقدّم محمّد بن الحسن الصفّار وابن بابويه (2)، والمحقق (3)، وغيرهم.

ونسبه في شرح القواعد إلى الشهرة بين الأصحاب ، بل قال : إنّه لا يعلم قائل بالمنع سوى سعد (4).

وكلام أكثر هؤلاء وإن كان في القنوت ، إلاّ أنّ الظاهر عدم الفرق ، بل غيره أولى منه بالجواز ، حيث إنّه أمر موقّف.

خلافا للمحكي عن سعد بن عبد اللّه فمنعه (5)، ونقله والدي - طاب ثراه - عن جماعة واختاره ، كطائفة من مشايخنا المعاصرين (6).

للاقتصار في الكلام المنهي عنه ، على الظاهر حصول الرخصة فيه (7).

وانصراف الأخبار المجوّزة إلى الكلام المتعارف عندهم.

وتوقيفيّة العبادة.

وقوله : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » (8).


1) المنتهى 1 : 310 ، التذكرة 1 : 125 ، التحرير 1 : 42 ، القواعد 1 : 35 ، المختلف 1 : 98 ، التنقيح 1 : 215 ، كنز العرفان 1 : 145 ، الدروس 1 : 171 ، البيان : 180 ، الكفاية : 20 مجمع الفائدة 2 : 302.

2) انظر : الفقيه 1 : 208.

3) المعتبر 2 : 241.

4) جامع المقاصد 2 : 322.

5) حكاه عنه في الفقيه 1 : 208.

6) كالسيد بحر العلوم في الدرة النجفية : 149 ، وصاحب الحدائق 8 : 371.

7) أي : على ما هو ظاهر حصول الرخصة فيه ، وهي العربية.

8) سنن الدار قطني 1 : 273 - 2 ، عوالي اللئالي 1 : 197 - 8.

والكلّ ضعيف جدّا :

أمّا الأوّل ، فلحصول الرخصة بما مرّ. ولو شكّ فيه من جهة انصراف المرخّصات إلى الكلام المتداول عندهم - مع كونه ممنوعا غايته سيّما مع شيوع سائر اللغات بين أهل الإسلام في زمن الصادقين ومن بعدهما - لجرى مثله في الناهيات أيضا ، فيبقى غير العربي تحت أصل الجواز.

ثمَّ منه يظهر ضعف الثاني أيضا. مع أنّ الانصراف إلى الشائع إنّما هو في المطلقات ، وأكثر ما ذكر عمومات ، وإرجاع عمومها إلى المعاني دون الألفاظ - كما قيل - تخصيص بلا دليل.

وأمّا الثالث ، فلتحقق التوقيف بما مرّ. مع أنّ المحتاج إلى التوقيف من العبادات هو أجزاؤها وشرائطها ، وهي معلومة في الصلاة ، لا ما يخرج منها.

ومنه يظهر ضعف الرابع أيضا ، فإنّ مورد النزاع ليس من الصلاة.

هذا كلّه إنّما هو في غير الأذكار الواجبة.

وأمّا الواجبة منها فلا تجوز بغير العربية ، وإن قلنا بكفاية مطلق الذكر في الركوع والسجود ، بالإجماع بل الضرورة الدينيّة.

وهل يشترط في جواز الأذكار ونحوها قصد القربة بها ، وقصد كونها ذكر اللّه سبحانه ، أم لا؟.

الظاهر الثاني ، لعدم توقّف صدق الذكر عليه ، وللتصريح به في صحيحة علي : عن الرجل يكون في صلاته ، وإلى جنبه رجل راقد ، فيريد أن يوقظه ، فيسبّح ويرفع صوته ، لا يريد إلاّ أن يستيقظ الرجل ، أيقطع ذلك صلاته؟ وما عليه؟ قال : « لا يقطع ذلك صلاته ، ولا شي‌ء عليه » (1).

ب : ذكر جماعة من الأصحاب اشتراط جواز الدعاء بعدم كونه سؤال شي‌ء محرّم ، فلو طلب محرّما بطلت صلاته (2). قيل : بلا خلاف أجده (3)، وعن


1) قرب الإسناد : 200 - 766 ، الوسائل 7 : 257 أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 9.

2) كما في جامع المقاصد 2 : 322 ، والمدارك 3 : 476 ، وكشف اللثام 1 : 239.

3) الرياض 1 : 182.

التذكرة : الإجماع عليه (1).

واستدل له بعموم النهي عن التكلّم (2)، فيقتصر في التعدي عنه على المتيقّن ، وهو ما جاز طلبه ، لاختصاص أكثر مجوّزات الدعاء به ، باعتبار تجويز تكلّمه ، أو الأمر به ، أو نفي البأس عنه ، وشي‌ء منها لا يتحقّق في المحرّم.

أقول : إن ثبت الإجماع فهو. وإلاّ فإن ثبت حرمة طلب المحرّم من اللّه سبحانه فكذلك أيضا ، لما ذكر. وإلاّ - كما هو الظاهر ، إذ لا دليل أجده يوجب حرمة سؤال المحرّم من اللّه سبحانه - فللنظر فيه مجال ، لصدق التكلّم مع اللّه ، أو المناجاة معه ، إلاّ أن يدّعى تبادر غير سؤال المحرّم منه ، ولكنّه للمنع قابل ، وأمر الاحتياط واضح.

نعم لو كان نفس السؤال محرّما فلا شكّ في الإبطال به ، لما ذكر.

ثمَّ إنّه هل يتقيّد الحكم بالبطلان فيما يبطل بصورة العلم بحرمة المدعوّ به أو الدعاء ، أم لا؟.

الظاهر التفصيل بالتقصير وعدمه ، فإن كان مقصّرا في تحصيل العلم تبطل ، وإلاّ فلا.

ج : لو قرأ دعاء غلطا فلو أخرجه عن كونه دعاء بطلت الصلاة ، بأن يغيّر المعنى إلى ما لا معنى له ، أو له معنى غير الدعاء ، سواء كان الغلط في الكلمة ، أو الحرف ، أو الإعراب. وإلاّ فلا تبطل. وكذا الكلام في الغلط في الأذكار المستحبّة في الصلاة.

د : الظاهر الإجماع على استثناء القرآن أيضا ، فتجوز قراءته في جميع حالات الصلاة ما لم يتحقّق بها القرآن بين السورتين.


1) التذكرة 1 : 131.

2) كما في كشف اللثام 1 : 239.

وتدلّ عليه أيضا عمومات الأمر بقراءة القرآن فيها (1)، تعارض ما نهى عن التكلّم ، ويرجع في موضع التعارض إلى الأصل.

ويدلّ على جواز ما كان منه ذكر اللّه أو دعاء ما مرّ من الأخبار ، وحيث كان الدليل في غير ما كان كذلك الإجماع والعمومات ، فيقتصر فيه على ما يدلاّن عليه. فلو قرأ آية لمحض الإفهام ، كما إذا قال مستفهما ما بيد شخص اسمه موسى : ( وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ) لم يجز ، لعدم الإجماع ، ولا قصد التقرّب حتى يشمله الأمر.

وبما ذكر يظهر اشتراط كون القراءة ممّا لم يمنع منه الشرع ، كآية السجدة في الفريضة ، أو القران بين السورتين فيها.

ه- : لا فرق في الكلام بين ما كان لمصلحة الصلاة وبين غيره ، بالإجماع ، كما عن الخلاف والمنتهى والتذكرة (2)، لإطلاق الأدلّة.

و : في حكم العمد الجهل بالإبطال ، أو بكون هذا الكلام مبطلا ، لعموم الأدلّة ، وظاهر المنتهى الإجماع عليه ، حيث نسب الخلاف إلى الشافعي (3).

وكذا الإكراه على الأقوى ، وفاقا لنهاية الاحكام والتذكرة والتحرير (4)، والجعفريّة ، لعموم النصوص والفتاوى.

وخلافا للقواعد ، وظاهر الذكرى والمدارك وشرح الجعفريّة ، فتردّدوا (5).

للأصل.

وحصر وجوب الإعادة في الخمسة.


1) كما في الوسائل 6 : 186 أبواب قراءة القران ب 11.

2) الخلاف 1 : 402 ، المنتهى 1 : 308 ، التذكرة 1 : 129.

3) المنتهى 1 : 308.

4) نهاية الإحكام 1 : 516 ، التذكرة 1 : 130 ، التحرير 1 : 43.

5) القواعد 1 : 35 ، الذكرى : 216 ، المدارك 3 : 464.

ورفع ما استكرهوا عليه.

وتبادر الاختيار من الإطلاق.

ويردّ الأوّل : بالإطلاقات.

والثاني : بأعميّة ما عدا موضع الحصر عن التكلّم مطلقا ، فيخصّ بأدلّة إبطاله.

والثالث : بعدم الدلالة ، إذ غاية ما يسلّم رفع المؤاخذة.

والرابع : بالمنع.

والفرق بين ضيق الوقت واتساعه ، والبطلان في الثاني ، لما مرّ ، والصحة في الأوّل ، لأنّه مع الضيق مضطرّ إلى فعله مؤدّ لما عليه.

مردود : بأنّه مع السعة أيضا كذلك ، ولا دليل على أنّ الضيق شرط في الاضطرار ، ولا على إعادة المضطر إذا بقي الوقت.

ز : وإن كان التكلّم سهوا عن كونه في الصلاة ، أو غفلة بأن يسبق على لسانه من غير قصد ، أو ظنّا لخروجه عنها ، لم تبطل الصلاة ، إجماعا في الأوّلين ، وعلى الأصحّ الأشهر في الثالث.

وفي الناصريّات والتذكرة والمنتهى وغيرها : الإجماع على الأوّل (1).

فهو الحجّة فيه ، مضافا إلى النصوص المستفيضة كصحيحة الفضيل ، ومرسلة الفقيه المتقدّمتين (2).

وصحيحة البجلي : عن الرجل يتكلّم ناسيا في الصلاة ، يقول : أقيموا صفوفكم ، قال : « يتمّ صلاته ، ثمَّ يسجد سجدتين » (3)الحديث.


1) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 199 ، التذكرة 1 : 130 ، المنتهى 1 : 309 ، وانظر : الذكرى : 216.

2) في ص : 12 و 28.

3) الكافي 3 : 356 الصلاة ب 42 ح 4 ، التهذيب 2 : 191 - 755 ، الاستبصار 1 : 378 - 1433 ، الوسائل 8 : 206 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 1.

وزرارة : في الرجل يسهو في الركعتين ، ويتكلّم ، قال : « يتمّ ما بقي من صلاته تكلّم أو لم يتكلّم ، ولا شي‌ء عليه » (1).

وبما ذكر يقيّد إطلاق بعض الأخبار إن شمل الساهي أيضا (2).

ومنه تظهر الحجّة في الثاني ، لصدق السهو. مضافا إلى ظهور رواية عقبة : في رجل دعاه رجل وهو يصلّي ، فسها ، فأجابه لحاجته ، قال : « يمضي على صلاته ، ويكبّر تكبيرا كثيرا » (3)فيه بخصوصه.

وأمّا حجّة الثالث : فصحيحة محمّد : في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة ، فسلّم ، وهو يرى أنّه قد أتمّ الصلاة ، وتكلّم ، ثمَّ ذكر أنّه لم يصلّ غير ركعتين ، فقال : « يتمّ ما بقي من صلاته ، ولا شي‌ء عليه » (4).

والمستفيضة الواردة في سهو النبي صلی اللّه عليه وآله وإتمامه مع تكلّمه ، واستفهامه عن ذي الشمالين أو غيره ، كصحيحة الأعرج (5)، وموثّقة سماعة (6)، وغيرهما.

خلافا للمحكي عن الشيخ في بعض أقواله (7)، وعن الحلبي (8)، وبعض


1) التهذيب 2 : 191 - 756 ، الاستبصار 1 : 378 - 1434 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 5.

2) انظر : الوسائل 7 : 281 أبواب قواطع الصلاة ب 25.

3) التهذيب 2 : 351 - 1456 ، الاستبصار 1 : 378 - 1435 ، الوسائل 8 : 206 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 2.

4) التهذيب 2 : 191 - 757 ، الاستبصار 1 : 379 - 1436 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 9.

5) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 6 ، التهذيب 2 : 345 - 1433 ، الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 16.

6) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 42 ح 1 ، التهذيب 2 : 346 - 1438 ، الاستبصار 1 : 369 - 1405 ، الوسائل 8 : 201 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 11.

7) انظر : النهاية : 90.

8) حكاه عنه في المختلف : 101.

آخر (1).

ولم أعثر لهم على دليل معتبر ، ولعلّه لبعض الإطلاقات (2)، الواجب تقييده بما مرّ لو سلّم شموله لمثله. وإن لم يشمله - كما قيل (3)- حيث إنّ الظاهر من التكلّم عمدا في الصلاة أن يعلم أنّه فيها ، ومن ظنّ خروجه منها لم يتعمّد الكلام في الصلاة ، ارتفع الإشكال رأسا ، ولا يحتاج إلى تقييد.

ومنه يظهر أنّه لو تكلّم بعد السلام مع احتماله عدم الإتمام ، كأن يسأل عن التمام ونحوه ، لم تبطل الصلاة أيضا ، وإن لم أعثر على مصرّح بالصحّة هنا. ولكن يحتمل شمول ظنّ الإتمام في كلماتهم له أيضا ، لعدم صدق التكلم عمدا في الصلاة.

وتدلّ عليه أخبار سهو النبي صلی اللّه عليه وآله صريحا. ولا يوجب اشتمالها على سهوه ضعفا ، لأنّ المسلّم امتناع سهوه لا إسهائه.

وأمّا لو تكلّم عمدا بعد العلم بعدم تمامية الصلاة فتبطل صلاته قطعا ، لصدق التعمّد بالتكلّم في الصلاة ، وكأنّه إجماعي أيضا.

وأمّا صحيحة الرازي : كنت مع أصحاب لي في سفر ، وأنا إمامهم ، وصلّيت بهم المغرب ، فسلّمت في الركعتين الأوليين ، فقال أصحابي : إنّما صلّيت بنا ركعتين ، فكلّمتهم ، وكلّموني ، فقالوا : أمّا نحن فنعيد ، فقلت : لكنّي لا أعيد وأتمّ بركعة ، فأتممت بركعة ، ثمَّ سرنا ، فأتيت أبا عبد اللّه عليه السلام فذكرت له الذي كان من أمرنا ، فقال : « أنت كنت أصوب منهم فعلا » (4).

• حيث صوّب عليه السلام فعله ، مع قوله : لكنّي لا أعيد وأتمّ بركعة - فمحمول على قوله ذلك في نفسه لا بلسانه ، أو بفعله أي : فعلت ذلك ،

1) كابن حمزة في الوسيلة 102.

2) كما في الوسائل 7 : 282 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 7 و 8.

3) الحدائق 9 : 25.

4) الفقيه 1 : 228 - 1011 ، التهذيب 2 : 181 - 726 ، الاستبصار 1 : 371 - 1411 ، الوسائل 8 : 199 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 3.

أو على سبق اللسان من غير قصد.

وأمّا كون القوم مصيبين أيضا - كما يدلّ عليه التفضيل - فلأنّهم كلّموا بالأجنبي كما صرّح به قوله : « فقال أصحابي » فكان حكمهم الإعادة.

وأمّا أصوبيّة الرازي فلأنّه لم يتكلم وأتمّ ، وهذا أصوب ممّن تكلّم وأعاد.

فإن قلت : بناء على وجوب الإتمام - كما هو المذهب - يكون التكلّم حراما لا صوابا ، ولذا جرّد الصيغة بعضهم عن معنى الأفضليّة (1)، ورخّص آخر في الإعادة (2).

قلت : لعلّ تكلمهم كان جهلا من غير تقصير ، فلا يكون حراما وتجب عليهم الإعادة ، ويكون هذا حكمهم ، ولكنّ الأصوب ما فعله الرازي.

ويمكن أن يكون تصويبهم في مجرّد الإعادة بعد التكلّم يعني : أنّهم أصابوا في الإعادة لتكلّمهم ، وهو في [ الإتمام ] (3)ولكنّه أصوب ، لأنّ ما فعل هو الواجب عليه ابتداء ، وما فعلوا وجب عليهم بفعل محرّم ، فتأمّل.

ح : لا تبطل الصلاة بالتنحنح ، والتنخّم ، والتأوّه ، والأنين ، ونفخ موضع ، بالإجماع ، له ، وللأصل والأخبار.

وأمّا ما في رواية طلحة وغيرها « من أنّ في صلاته فقد تكلّم » (4).

فلا يدلّ على البطلان ، لعدم كونه كلاما حقيقة. ويمكن أن يكون مجازه المراد أنّ : من أنّ عرّض نفسه معرض التكلّم ، فيقرب أن يصدر منه كلام.

وهل تبطل لو خرج من أحد هذه الأمور حرفان ، أم لا؟

صرّح جماعة بالأوّل ، لصدق التكلّم (5).


1) انظر : الحدائق 9 : 25.

2) انظر : الوافي 8 : 959.

3) في النسخ : الإعادة.

4) التهذيب 2 : 330 - 1356 ، الوسائل 7 : 281 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 4.

5) انظر : التذكرة 1 : 131 ، والذكرى : 216.

وفيه نظر ، لمنع الصدق في مثل هذين الحرفين. فالحقّ عدم البطلان.

وخصّه في المعتبر بما إذا كان التأوّه من خوف اللّه (1).

واعترض بأنّه إن كان الجواز من حيث عدم صدق الكلام عليه فلا اختصاص له بما كان من خوفه سبحانه ، وإن كان من حيث الخوف مع صدق الكلام ، فلا دليل على التخصيص (2).

وفيه : أنّه لصدق الكلام ، ومع الخوف يكون ممّا ناجى به ربّه فيكون مستثنى ، فتأمّل.

الخامس :

القهقهة ، وهي مبطلة للصلاة مع العمد ، إجماعا محقّقا ومحكيّا في كلام جماعة ، منهم المعتبر والمنتهى ونهاية الإحكام والتذكرة والذكرى (3)، له ، وللمعتبرة من النصوص ، كصحيحة زرارة : « القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة » (4).

وموثّقة سماعة : عن الضحك هل يقطع الصلاة؟ قال : « أمّا التبسّم فلا يقطع ، وأمّا القهقهة فهي تقطع الصلاة » (5).

وبمعناها مرسلة الفقيه (6)، ورواية الخصال (7).


1) المعتبر 2 : 254.

2) انظر : الحدائق 9 : 190.

3) المعتبر 2 : 254 ، المنتهى 1 : 310 ، نهاية الإحكام 1 : 519 ، التذكرة 1 : 131 ، الذكرى : 216.

4) الكافي 3 : 364 الصلاة ب 50 ح 6 ، التهذيب 2 : 324 - 1324 ، الوسائل 7 : 250 أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 1.

5) الكافي 3 : 364 الصلاة ب 50 ح 1 ، التهذيب 2 : 324 - 1325 ، الوسائل 7 : 250 أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 2.

6) الفقيه 1 : 240 - 1062 ، الوسائل 7 : 251 أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 4.

7) الخصال : 629 ، الوسائل 5 : 471 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 16.

وإطلاقها يشمل الجاهل بالمسألة ، وبكونه قهقهة ، والمختار ، وغيره ، كمن سبقه الضحك بحيث لا يمكنه دفعه ، فيبطل مع الاضطرار أيضا ، كما صرّح به في الذكرى وشرح القواعد والبيان (1)، بل قيل : يظهر من التذكرة أنّه مجمع عليه (2).

وعن جمل العلم والعمل احتمال عدم البطلان (3)، وظاهر الروضة التردّد (4)، ولا وجه لهما.

وظاهر الإطلاق وإن شمل السهو أيضا إلاّ أنّه خرج بالإجماع المحقّق والمحكيّ في الذكرى وشرح القواعد ونهاية الإحكام وشرح الجعفرية والتذكرة وغيرها (5).

ثمَّ المراد بالقهقهة هل هو الضحك المتضمّن لصدور قه قه؟ كما عن الديوان والصحاح والأساس (6).

أو المشتمل على المدّ والترجيع؟ كما عن العين (7)وابن المظفّر ، وهو يشمل بظاهره ترجيع النفس أو الصوت في الصدر أو الحلق.

أو المشتمل على الصوت مطلقا؟ كما عن القاموس (8)والمفصّل والمصادر للزوزنيّ والبيهقيّ ، وقريب منها ما عن المجمل والمقاييس من أنّها الإعراب في الضحك (9)- إن قرئ بالمهملة - وهو يشمل بظاهره ظهور الصوت في الحلق أو


1) الذكرى : 216 ، جامع المقاصد 2 : 349 ، البيان : 183 ، وتعمّد القهقهة لا التبسم.

2) الحدائق 9 : 39.

3) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 34.

4) الروضة 1 : 234.

5) الذكرى : 216 ، جامع المقاصد 2 : 349 ، نهاية الإحكام 1 : 519 ، التذكرة 1 : 131 ، وانظر المدارك 3 : 465.

6) الصحاح 6 : 2246 ، أساس البلاغة : 380.

7) العين 3 : 341.

8) القاموس 4 : 293.

9) المجمل لابن فارس 4 : 111 ، المقاييس 5 : 5.

الخيشوم وإن كان في صدق الصوت على الثاني نظر.

أو المبالغة في الضحك والشدّة فيه؟ كما عن شمس العلوم والقاموس أيضا ، بل المجمل والمقاييس ، إن قرئ الإغراب بالمعجمة.

أو الترجيع مع الشدّة كما عن روض الجنان (1)؟

كلّ محتمل ، إلاّ أنّ العرف يوافق أحد الأوّلين. والأصل يقتضي الأوّل ، فعليه العمل. وترك الثاني أيضا أحوط سيّما إذا اشتمل على الصوت والشدّة أيضا. بل لا بعد في اتّحاد ذلك مع الأول ، إذ لا يبعد أن يكون المراد بقه‌قه ما فيه التكرار والشدّة ، لا ما تضمّن خصوص لفظي القاف والهاء ، فيكون ذلك اسما لهذا النوع من الضحك ، كطق طق لضرب شي‌ء له صوت.

ومقابلة القهقهة للتبسّم - الذي هو ما لا صوت له - لا تدلّ على أنّه يراد بها ما له صوت مطلقا ، إذ لا يفيد الانحصار فيهما ، لجواز الواسطة.

ولو سلّم فلا دليل على دخول ما له صوت من غير ترجيع وشدّة في الأوّل مجازا ، لجواز أن يدخل في الثاني كذلك.

والتبسّم لا يبطل إجماعا نصّا وفتوى.

السادس :
اشارة

الفعل الكثير الخارج من الصلاة ، ذكره أكثر الأصحاب ، بل استفاضت على البطلان به عمدا حكاية الإجماع والوفاق ، حكاه الأردبيلي والكركي نافيا عنه الخلاف بين علماء الإسلام (2)، والمنتهى ناسبا له إلى أهل العلم كافّة (3)، والتذكرة ونهاية الإحكام (4)، وشرح الجعفريّة ، وعن المعتبر (5)، وغيرها. وهو المستند لهم في


1) روض الجنان : 332.

2) الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 69 ، الكركي في جامع المقاصد 2 : 350.

3) المنتهى 1 : 310.

4) التذكرة 1 : 131 ، نهاية الأحكام 1 : 521.

5) المعتبر 2 : 255.

الحكم.

وقد يراد أيضا الخروج به عن كونه مصليّا ، كما في المنتهى (1)، وشرح الإرشاد للأردبيليّ ، قال : كان دليله الإجماع والعقل الدالّ على أنّ في الصلاة إذا اشتغل بفعل ، يخرجه العرف عن كونه مصليّا (2).

كما قد يضاف المرويّان في قرب الإسناد :

أحدهما : في التكتّف في الصلاة : « إنّه عمل في الصلاة ، وليس فيها عمل » (3).

وثانيهما : عن الرجل يقرض أظافيره أو لحيته وهو في صلاته ، وما عليه إن فعل ذلك متعمّدا؟ قال : « إن كان ناسيا فلا بأس ، وإن كان متعمّدا فلا يصلح له » (4).

وبعض الأخبار الناهي عن قتل الحيّة بعد أن يكون بينه وبينها أكثر من خطوة (5)، أو عن الإيماء في الصلاة (6)، ونحو ذلك.

ثمَّ إنّهم بعد ذلك اختلفوا في حدّ الكثير المبطل :

فمنهم من أرجعه إلى العرف والعادة ، ذكره في السرائر ونهاية الإحكام والدروس وشرح القواعد والتذكرة (7)، ونسبه فيه إلى علمائنا ، قال : والذي عوّل عليه علماؤنا البناء على العادة ، فما يسمّى في العادة كثيرا فهو كثير ، وإلاّ فلا.


1) المنتهى 1 : 310.

2) مجمع الفائدة 3 : 69.

3) قرب الإسناد : 208 - 809 ، الوسائل 7 : 266 أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 4.

4) قرب الإسناد : 190 - 813 ، الوسائل 7 : 29 أبواب قواطع الصلاة ب 34 ح 1.

5) الفقيه 1 : 241 - 1072 ، التهذيب 2 : 331 - 1364 ، الوسائل 7 : 273 أبواب قواطع الصلاة ب 19 ح 4.

6) الكافي 3 : 305 الصلاة ب 18 ح 20 ، التهذيب 2 : 54 - 185 ، الاستبصار 1 : 301 - 1111 ، الوسائل 5 : 396 أبواب الأذان والإقامة ب 10 ح 12.

7) السرائر 1 : 238 ، نهاية الأحكام 1 : 521 ، الدروس 1 : 185 ، جامع المقاصد 2 : 350 ، التذكرة 1 : 131.

واستدلّ له تارة : بأنّ المرجع فيما لم يبيّن الشارع معناه العرف. واخرى : بأنّ عادة الشارع ردّ الناس فيما لم ينصّ عليه إلى عرفهم.

ومنهم من جعله ما يخرج المصلّي عن كونه مصليّا ، وهو المراد من محو صورة الصلاة ، وهو صريح الروضة (1)، وظاهر كلّ من استدلّ لإبطاله بإيجابه الخروج عن وصف الصلاة ، كالمنتهى (2)، وغيره.

ولا بدّ فيه أيضا من الرجوع إلى العرف ، قال الأردبيلي : والظاهر أنّ المحتاج إلى الحوالة إلى العرف ما يخرج عن كونه مصلّيا ، لأنّه المبطل عقلا (3).

ومنهم من قال بأنّ مستند الحكم لما كان هو الإجماع فتجب إناطة الحكم بمورد الاتّفاق ، فكلّ فعل ثبت الاتّفاق على كونه فعلا كثيرا فهو مبطل ، ومتى ثبت انّه ليس بكثير هو ليس بمبطل. ومتى اشتبه الأمر فلا يبعد القول بعدم كونه مبطلا ، لأنّ اشتراط الصحّة بتركه يحتاج إلى دليل. ويحتمل البطلان ، لتوقّف البراءة اليقينيّة عليه (4).

ومن العامّة من حدّ القليل بما لا يسع زمانه فعل ركعة ، والكثير ما اتّسعه (5).

وبعضهم بما لا يحتاج إلى فعل اليدين ، وما يحتاج إليه (6).

أقول : لا شكّ للمتتبّع في انعقاد الإجماع على إبطال الفعل الكثير للصلاة في الجملة.

ولا في انعقاده على أنّ للصلاة جزءا صوريّا زائدا على أجزائها الماديّة ، إذ لا


1) الروضة 1 : 233.

2) المنتهى 1 : 310.

3) مجمع الفائدة 3 : 69.

4) انظر : الذخيرة : 355.

5) حكاه العلامة في التذكرة 1 : 132 عن بعض الشافعية ، ولم نعثر عليه في كتب العامة التي بأيدينا.

6) انظر : بدائع الصنائع 1 : 241.

شكّ في اشتراط الترتيب بل نوع توال وتركيب لأجزائها ، بل الزائد على ذلك أيضا ، ضرورة خروج الشخص عن كونه مصليّا عند جميع العلماء بأفعال صادرة من بعض الجوارح ، ولو لم يخلّ بالترتيب أو التوالي ، كالمشتغل بالرياضة أو الحياكة أو الضرب الطويل ونحوها.

ولا في أنّ ما يخرج المصلّي عن كونه مصليّا يبطل الصلاة ، لإيجابه انتفاء جزئها الصوريّ. وإلى هذا يشير قول من جعله مبطلا عقلا.

والمراد بالإخراج عن كونه مصليّا - كما أشرنا إليه - محو صورة الصلاة عنه بحيث لم يصدق عليه أنّه صلّى ، لا مجرّد صدق عدم اشتغاله بالصلاة حين ارتكابه ذلك الفعل ولو عاد إليها بعد تركه الفعل ، فإنّ الساكت لحظة في الأثناء ليس حينئذ مصليّا ، ولكن لو عاد وأتّم الصلاة يقال : إنّه صلّى.

والحاصل : أنّه لو أتى بأفعال الصلاة مع شغله بهذا الفعل لم يصدق عليه المصلّي والمشتغل بالصلاة أيضا ، أو لم يصدق عليه أنّه صلّى لو أتى معه بجميع أجزاء الصلاة أيضا.

ثمَّ إنّه ليس أمر آخر وراءهما نافع في المقام.

وأمّا الأخبار : فبين غير دالّ ، كالخبر الأوّل ، حيث إنّه لا يتعيّن معنى قوله : ليس عمل في الصلاة ، أنّه ليس مأمورا به فيها ، أو مستحبا ، أو مباحا ، أو جائزا.

ومع ذلك فما يتضمّن ذلك خبر ضعيف لم يثبت انجباره بتمام ما يفيده.

وبين معارض بما هو أقوى منه سندا وعملا.

وبين مخصوص بفعل خاصّ لا ينفع للمقام.

فاللازم متابعة الأمرين ، وبعد ما عرفت من الإجماع عليهما لا يبقى إشكال في إيجابهما الإبطال ، إنّما الإشكال في تعيينهما.

أمّا الأوّل فقد عرفت تحديده تارة بالعرف ، واخرى بالخروج به عن الصلاة ، وثالثة بما اجمع على أنّه كثير.

وردّ الأوّل تارة : بأنّه إنّما يكون فيما إذا ثبت من الشارع لفظ ، وكان مستنده

النصّ ، وأمّا إذا كان مستنده الإجماع فلا وجه للرجوع إلى العرف قطعا (1).

أقول : يمكن أن يكون الثابت بالإجماع هو مصداق هذا اللفظ ، فيجب تعيين معناه بالعرف. ولكن البيان في إثبات ذلك ، فإنّ كلام أكثر القدماء خال عن ذكر الفعل الكثير. نعم ذكر جماعة منهم خصوص بعض الأفعال ، والثابت بالإجماع ليس إلاّ هذا المدلول في الجملة.

واخرى : بأنّ العادة المحكوم بالرجوع إليها إن كان المراد بها ما يرادف العرف العامّ ففساده واضح ، إذ لا اطّلاع لغير المتشرعة على ذلك. وإن كان المراد بها عرف المتشرّعة فهو فرع ثبوته ، وهو في حيّز المنع لو أريد بهم العلماء خاصّة ، لاختلافهم في الكثير المبطل ، ومعه لا تتحصّل الحقيقة ، وكذا لو أريد بهم العوام مع أنّهم ليسوا المرجع في شي‌ء (2).

أقول : يمكن أن يقال : إنّ المراد العرف العامّ. ولا فساد فيه ، إذ لا شكّ أنّ للفعل الكثير في العرف العامّ معنى ، ولا حاجة في تعيين معناه إلى علمهم بالإبطال أيضا.

فإن قيل : الكثير له معنى بنفسه ، ومعنى بالنسبة إلى غيره ، كما أنّه يقال : في القدر حنطة كثيرة ، إذا كان فيه نصف منّ ، ولا يقال : في البيت حنطة كثيرة ، إلاّ إذا كان فيه ألف منّ مثلا ، ولا يقال في البلد إلاّ إذا كان أضعاف ذلك بكثير ، وكذا المال الكثير بالنسبة إلى الأشخاص ، ونحو ذلك.

ولا شكّ أنّ الأوّل ليس منضبطا في حدّ خاصّ وأنّ أهل العرف لا يفهمون من الحنطة الكثيرة قدرا معيّنا ، والثاني - وهو الكثير بحسب كلّ شي‌ء - فيلاحظ هنا بالنسبة إلى الصلاة ، ولا شكّ أنّ الفعل الكثير بحسب الصلاة لا يعيّن إلاّ بعد العلم بالصلاة وشرائطها ، ولا اطّلاع للعرف العامّ في ذلك ، وإنّما يعلمها المتشرعة.


1) الرياض 1 : 179.

2) الرياض 1 : 179.

قلنا : لا يشترط في تعيين العرف العامّ الكثير بحسب الصلاة اعتقادهم بوجوبها ، وعلمهم بشرائطها ، بل يكفي أن يعرض أجزاء الصلاة عليهم ، ونسبة الفعل إليها ، فما يحكمون بكثرته بحسبها يكون كثيرا.

ومن هذا ظهرت صحّة الحوالة في تحديدها إلى العرف والعادة. ولكن قد عرفت أنّها إنما تتمّ لو ثبت الإجماع على هذا المصداق وهو غير معلوم ، لخلوّ كلام أكثر القدماء عن هذا العنوان. مع أنّه لو فرض وجوده في جميع الكلمات لا يفيد الإجماع على العنوان ، لجواز أن يكون التعبير بالعنوان باعتبار معتقدهم ، وكان المبطل عند كلّ طائفة نوعا من الفعل اعتقده كثيرا فعبّر به.

ومن هذا يظهر بطلان ما قيل - بعد ردّ الحوالة على العادة بالوجهين - من لزوم الاقتصار على مورد الإجماع على كونه كثيرا : فإنّه لو ثبت الإجماع على البطلان بما يصدق عليه الكثير ، فما الضرر في الحوالة على العرف؟ وإن لم يثبت فما الفائدة في الإجماع على كون فعل كثيرا؟ وإذ عرفت عدم الثبوت فلا يفيد شي‌ء منهما.

نعم لما ثبت الإجماع على البطلان ببعض الأفعال الكثيرة ، فالصواب الإناطة بالإجماع على البطلان ، فكلّ فعل ثبت الإجماع على البطلان به يحكم بالبطلان ، ويحكم فيما عداه بمقتضى الأصل.

ومن هذا يظهر حال التحديد الثالث أيضا ، ولكن لا يبعد اتّحاد مقتضى الإجماعين ، فإنّ كلّ ما كان كثيرا إجماعا يبطل إجماعا وبالعكس ، فتأمّل.

وأمّا التحديد الثاني - وهو جعل الكثير ما يخرج به عن كونه مصليّا - فصحته موقوفة على ثبوت التلازم بين الوصفين ، وهو ممنوع جدّا.

مضافا إلى ما في هذا الوصف أيضا من الإجمال الموجب للاقتصار على موضع الإجماع ، وذلك لأنّك قد عرفت أنّ المراد ليس ما يخرج به عن الصلاة حين الاشتغال به ، إذ لا ملازمة بين هذا الخروج وبين بطلان الصلاة ، كما في الغسل الترتيبيّ ، فإنّه يخرج الغاسل عن كونه غاسلا ببعض الأفعال المتخللة بين أجزائه ، مع أنّه يصحّ الغسل.

بل المراد ما يخرج به عن كونه مصليّا مطلقا ، حتّى لو أتى بتمام الإجزاء أيضا

يقال : إنّه ما صلّى ، والحاصل أن يكون الآتي بأفعال الصلاة مع هذا الفعل بحيث لم يصدق عليه أنّه مصلّ ، فإنّه إذا كان كذلك تبطل به الصلاة ، لانتفاء جزئها الصوريّ ، كما مرّ.

ولكن لعدم انضباط ذلك عرفا ، بل لا سبيل للعرف إلى فهم ذلك أصلا ، فإنّه يتوقّف على فهم الصورة الموضوعة لها ، فالمرجع في فهم ذلك أيضا إلى الإجماع ، فكلّ ما يبطل الصورة بالإجماع يكون مبطلا ، ولا يبعد اتّحاد ذلك أيضا مع مورد الإجماعين المتقدمين.

ومن ذلك ظهر أنّه لا حاجة إلى بعض الأبحاث في المسألة ، مثل أنّه هل يشترط في الكثرة التوالي أم لا؟ وأنّه هل يكون غيره بالعدد أم لا؟ ونحو ذلك.

وظهر أيضا عدم بطلان الصلاة بالفعل الكثير إذا صدر ناسيا أو ساهيا ، لعدم كونه مورد الإجماع. بل ظاهر بعضهم - كالتذكرة والذكرى وغيرهما (1)- الإجماع على عدم كونه مبطلا. نعم لو انمحت به الصورة قطعا وخرج به عن كونه مصليّا إجماعا ، اتّجه البطلان ولو كان سهوا ، لانتفاء الجزء الصوريّ ، وأصالة بطلان المأمور به بانتفاء جزئه ولو سهوا.

فائدة :

لا يخفى أنّ ها هنا أفعالا نطقت الروايات بجوازها في الصلاة ، فيحكم به فيها ما لم يثبت الإجماع على خلافه ، وإن كان كثيرا ، بل ولو ماحيا للصورة ، إذ يكون ذلك خروجا عن تحت القاعدة بالدليل.

فيجوز غسل الرعاف وغسل الثوب منه ومن النجاسة الطارئة في الأثناء ، لأخبارهما كما مرّ في موضعه.

وعدّ الصلاة بالخاتم أو حصى يأخذها بيده ، وتسوية الحصى في موضع السجود ، ومسح التراب عن الجبهة ، ونفخ موضع السجود ما لم يظهر منه حرفين ،


1) التذكرة 1 : 131 ، الذكرى : 215 ، وانظر : جامع المقاصد 2 : 350.

وضرب الحائط أو الفخذ باليد لإعلام الغير ، وصفق اليدين لذلك ، والإيماء ورمي من يمرّ بالحصى لإشعاره ، ومناولة العصا للغير ، وحمل الصبيّ مطلقا ، وإرضاعه في التشهّد ، واحتكاك الجسد ، والتقدّم بخطوة بل خطوتين ، وقتل الأسودين والبرغوث والبقّة والقمّلة ، ودفنها ، وقطع الثواليل ، ومسح الدماميل ، وأخذ الذكر ، ونزع المتحرّك من الأسنان ، وحكّ خرء الطير ، ورفع القلنسوة ووضعها ، ورفع اليد من الركوع أو السجود لاحتكاك الجسد ، وإدارة السبحة.

كلّ ذلك للمعتبرة من الروايات (1).

السابع :

الأكل والشرب عمدا ، عند جماعة من الأصحاب ، منهم : الخلاف والمبسوط والتذكرة ونهاية الإحكام والسرائر والقواعد والإرشاد (2)، وغيرها ، بل الشيخ ادّعى عليه الإجماع (3)، ونسبه في كفاية الأحكام إلى المشهور (4)، ونسب إلى نهاية الشيخ أيضا (5)، ولم أعثر عليه إلاّ تصريحه بجواز ما ورد في الوتر (6)، كما يأتي ، وظهوره في المنع عن غيره ممنوع ، لاشتماله على أمور أخر أيضا.

ومنعه المحقّق في المعتبر (7)، واختاره الأردبيليّ (8)، ووالدي - رحمه اللّه - في المعتمد ناسبا له إلى أكثر الثالثة ، وصاحب الحدائق (9)، وغيرهم (10)، فلم يبطلوا


1) انظر : الوسائل 7 : أبواب قواطع الصلاة ب 19 إلى 27.

2) الخلاف 1 : 413 ، المبسوط 1 : 118 ، التذكرة 1 : 131 ، نهاية الاحكام 1 : 522 ، السرائر 1 : 215 ، القواعد 1 : 36 ، الإرشاد 1 : 268.

3) كما في الخلاف 1 : 413.

4) كفاية الأحكام : 24.

5) كما في التنقيح الرائع 1 : 216 ، والمهذب البارع 1 : 393 ، والرياض 1 : 180.

6) النهاية : 121.

7) المعتبر 2 : 259.

8) مجمع الفائدة 3 : 77.

9) الحدائق 9 : 55.

10) كالشهيد الثاني في المسالك 1 : 33.

به من حيث هو.

وهو مذهب من قيّد الإبطال بهما بحصول الفعل الكثير ، كالذكرى والمنتهى (1)، أو الإعراض عن الصلاة ، كما نقله الكركيّ عن بعض كتب الشهيد (2).

وهو الحقّ ، للأصل الخالي عن المعارض ، سوى :

ما مرّ من الإجماع المنقول ، الممنوع انصرافه إلى القليل ، ثمَّ حجيّته ، سيّما مع مخالفة الفحول.

وما قيل من استلزامه الفعل الكثير لاحتياجه إلى الأخذ والوضع والازدراد والابتلاع (3)، الممنوع احتياجه إليها مطلقا ، ثمَّ كونها فعلا كثيرا بإطلاقها جدّا.

وتؤيّده النصوص المجوّزة لكثير من الأفعال ، المتقدّمة في بحث الفعل الكثير ، والإجماع المدّعى في المنتهى على عدم البطلان بابتلاع نحو ما بين الأسنان ، وبوضع سكّرة في فيه ، فتذوب وتسوغ مع الريق (4).

إلى أن يبلغ حدّا تنمحي به صورة الصلاة قطعا ، أو يكون في الكثرة حدّا يبطل الصلاة إجماعا.

ثمَّ إنّه قد استثني الشرب في الوتر لمريد الصوم ، إذا لم يستدع منافيا غيره ، بلا خلاف بين الأصحاب كما قيل (5)، بل بالإجماع.

لرواية الأعرج المنجبرة بالعمل : إنّي أبيت وأريد الصوم ، فأكون في الوتر ، فأعطش ، فأكره أن أقطع الدعاء وأشرب ، وأكره أن أصبح وأنا عطشان ، وأمامي قلّة ، وبيني وبينها خطوتان أو ثلاثة ، قال : « تسعى إليها وتشرب منها حاجتك ،


1) الذكرى : 215 ، المنتهى 1 : 312.

2) جامع المقاصد 2 : 352.

3) كما في التذكرة 1 : 132 ، والذكرى : 215.

4) المنتهى 1 : 312.

5) الحدائق 9 : 55.

وتعود في الدعاء » (1).

والاستثناء إنّما هو على مذهب الشيخ ، أو كون ما ذكر فعلا كثيرا عند من يبطل بمطلق الكثير ، وأمّا على ما ذكرنا فلا حاجة إليه.

وعلى قول الشيخ هل يتعدّى إلى مطلق النافلة ، وإلى الوتر لغير مريد الصوم ، وخائف العطش؟.

قيل : لا ، لاختصاص النصّ (2). حتّى قيل بالاقتصار على دعاء الوتر ، لذلك (3).

ويضعّف بأنّ هذا إنّما يصحّ لو كان له دليل مطلق على الإبطال ، حتّى يلزمه الاقتصار على مورد النصّ. وليس كذلك ، بل دليله الإجماع ، فلعلّه غير ثابت في غير الفريضة ، بل صرّح بذلك في المبسوط ، قال : لا بأس بشرب الماء في صلاة النافلة ، لأنّ الأصل الإباحة ، وإنما منعناه في الفريضة بالإجماع (4).

الثامن :

البكاء ، على الحقّ المشهور ، بل نسبه في التذكرة إلى علمائنا (5)، مشعرا بدعوى الإجماع عليه ، وفي شرح الإرشاد إلى قول الأصحاب ، وقال : وكأنّه إجماع (6).

لرواية أبي حنيفة : عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة؟ قال : « إن بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة ، وإن كان ذكر ميّتا له فصلاته


1) التهذيب 2 : 329 - 1354 ، الوسائل 7 : 279 أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 1.

2) كما في المعتبر 2 : 260.

3) كما في روض الجنان : 334 ، والذخيرة : 357 ، وكشف اللثام 1 : 240.

4) المبسوط 1 : 118.

5) التذكرة 1 : 131.

6) مجمع الفائدة 3 : 73.

فاسدة » (1).

وضعفها سندا - لو كان - ينجبر بالشهرة.

والرواية وإن كانت مخصوصة بالبكاء للميّت ، إلاّ انّ الأكثر عمّموه لكلّ أمر دنيويّ ، حتّى أنّه يظهر منهم الشمول لطلب الأمور الدنيويّة من اللّه سبحانه ، قيل : لعدم القائل بالفرق ، مضافا إلى قرينة المقابلة الظاهرة في أنّ ذكر خصوص البكاء على الميّت إنّما هو لمجرّد التمثيل ، وإلاّ لجعل مقابله مطلق البكاء على غيره ، لا البكاء على خصوص ذكر الجنّة والنار (2)، وإلى مفهوم صدر الخبر.

ويخدشه : عدم كفاية عدم القول بالفرق ، بل اللازم الإجماع على عدم الفرق ، وهو غير معلوم ، سيّما بالنسبة إلى طلب الأمور المباحة الدنيويّة من اللّه سبحانه الذي هو مأمور به ومندوب إليه ، بل صرّح بعض مشايخنا بعدم البطلان به (3)، وهو الظاهر من النهايتين (4).

ودلالة المقابلة على التمثيل لا تدلّ على شمول الممثّل لمثل ما ذكر أيضا ، بل لعلّه داخل في التمثيل بالجنّة والنار.

ومفهوم الصدر معارض بمفهوم الذيل ، مع أنّه ليس إلاّ عدم كون غير المنطوق أفضل الأعمال ، وهذا القدر غير كاف.

فالحقّ اختصاص الإبطال بالبكاء لفوات الأمور الدنيويّة ، لا طلبها من اللّه جلّ شأنه.

وهل يختصّ الإبطال بالبكاء المشتمل على الصوت والنحيب ، أو يعمّ جميع أنواعه؟.


1) التهذيب 2 : 317 - 1295 ، الاستبصار 1 : 408 - 1558 ، الوسائل 7 : 247 أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 4.

2) انظر : الرياض 1 : 179.

3) الحدائق 9 : 52.

4) النهاية : 74 ، نهاية الإحكام 1 : 516.

الحقّ هو الأوّل ، كما في كلمات جماعة منها : الروضة (1)، وشرح الجعفريّة ، اقتصارا على المتيقّن.

وقيل بالثاني ، لإطلاق النصّ (2).

ويضعّف : باشتماله على لفظ البكاء ، ولا يدرى أممدود فيه فيختصّ ، أم مقصور فيعمّ ، كما نصّ عليه جمع من أهل اللغة منهم صاحب القاموس (3).

وأصالة عدم الزيادة في لفظ البكاء ولا في معناه فيكون مقصورا ، باردة جدّا بل فاسدة.

والقول بأنّ لفظ البكاء المحتمل للأمرين إنّما هو في كلام الراوي ، وأمّا لفظ الإمام الذي هو المعتبر فإنّما هو « بكى » بصيغة الفعل المطلق الشامل للأمرين ، كما في شرح الإرشاد وغيره (4).

باطل ، إذ بعد الإجمال في المصدر يسري إلى فعله أيضا ، لعدم تعيّن مبدئه.

وجعل الفرق لغويّا لا عرفيّا إنّما يفيد لو قدّم العرف على اللغة مطلقا ، وهو باطل جدّا ، وإنّما كان كذلك لو ثبت عرف زمان الشارع أيضا.

وإطلاق النصّ يقتضي عدم الفرق في البكاء المبطل بين كونه عمدا أو سهوا أو علما أو جهلا بالمسألة ، كما في الوسيلة والروضة (5)، وشرح الجعفريّة ، وعن المبسوط والمهذّب (6)، والإصباح.

خلافا للتحرير والذكرى (7)، والمحكيّ عن الحلبيّين (8)، لتبادر صورة


1) الروضة 1 : 233.

2) كما في الرياض 1 : 179.

3) القاموس المحيط 4 : 306 ، وانظر : الصحاح 6 : 2284 ، ومجمع البحرين 1 : 59.

4) مجمع الفائدة 3 : 73 ، وانظر : الرياض 1 : 179.

5) الوسيلة : 97 ولكن اختصّ فيها بالعمد ، الروضة 1 : 233.

6) المبسوط 1 : 118 ، المهذب 1 : 98.

7) التحرير 1 : 43 ، الذكرى : 216.

8) أبو الصلاح في الكافي في الفقه : 120 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 558.

العمد ، وهو ممنوع. ورفع القلم ، وهو غير دالّ. وحصر وجوب الإعادة في الخمسة. ودليله أعمّ مطلقا ممّا ذكر ، فيجب التخصيص به.

والظاهر مساواة النافلة للفريضة ، لإطلاق الصلاة في الرواية ، وكلام الجماعة. فالتقييد باطل. ووقوع المساهلة فيها مخصوص بمواقعها.

ثمَّ إنّ المجمع عليه بين الطائفة وصريح الرواية : عدم البطلان بالبكاء للآخرة ، وعليه دلّت روايتا بزرج (1)، وسعيد (2).

وهل يعمّ عدم البطلان حينئذ ما إذا اشتمل على التنطّق بحرفين أيضا كما في التذكرة ونهاية الإحكام (3)، وغيرهما ، أو يختصّ بما إذا لم يشتمل عليه ، كجمع آخر (4)؟.

الحقّ هو الأوّل ، لا لعموم المجوّزات ، لأنّ عمومها في البكاء ، والحرفان خارجان عن حقيقته لغة وعرفا ، والحروف عوارض للصوت.

بل لأنّ البطلان بالحرفين إنّما هو للإجماع ، أو صدق الكلام ، وكلاهما ممنوعان في المقام.

التاسع :

السكوت الطويل ، ذكره جماعة من الأصحاب (5)، مستدلّين عليه بفوات الموالاة بين أجزاء الصلاة.

ويضعف : بعدم ثبوت اشتراط الولاء فيها بإطلاقه.


1) الفقيه 1 : 208 - 940 ، الوسائل 7 : 247 أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 1.

2) الكافي 3 : 301 الصلاة ب 17 ح 2 ، التهذيب 2 : 287 - 1148 ، الاستبصار 1 : 407 - 1557 ، الوسائل 7 : 248 أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 5.

3) التذكرة 1 : 131 ، نهاية الاحكام 1 : 519.

4) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : 333 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 74.

5) منهم الشهيد الأول في الذكرى : 217 ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 2 : 344 ، والفاضل الهندي في كشف اللثام 1 : 238.

وقيّده في القواعد بصورة الإخراج عن كونه مصليّا (1)، ومثّل بمن مضى عليه ساعتان وساعات ومعظم اليوم. وهو جيّد جدّا.

العاشر :

نقص جزء من الأجزاء الواجبة للصلاة ، أو شرطها ، عمدا.

الحادي عشر :

زيادة جزء كذلك ، بالتفصيل الآتي في بحث الخلل.


1) القواعد 1 : 35.

الفصل الثاني : فيما يكره فعله في الصلاة

اشارة

وهو أيضا أمور :

منها : الالتفات بالبصر أو الوجه يمينا وشمالا ، عند معظم الأصحاب كما قيل (1)، وهو عليه الدليل.

مضافا في الأوّل إلى استحباب النظر إلى المسجد المستلزم لكراهة تركه.

وفي الثاني إلى ما روي عنه عليه السلام : « أما يخاف الذي يحوّل وجهه في الصلاة أن يحوّل اللّه تعالى وجهه وجه حمار؟! » (2).

والمراد بتحويل وجهه وجه الحمار أنّه يصرفه عن سجدته سبحانه وعبادته ، أو المراد أنّه في معرض هذا التحويل. وإطلاقه يشمل التحويل عن القبلة مطلقا. والحمل على تحويل وجه القلب صرف عن الظاهر ، مع إمكان إرادة الوجهين ، فيكون أحدهما من البطون.

وفيهما إلى رواية عبد الحميد المتقدّمة في مسألة الالتفات (3)، وإلى المرويّ في جامع البزنطيّ « ولا تلتفت فيها ، ولا يجز طرفك موضع سجودك » (4).

وأمّا الاستدلال بقوله عليه السلام : « لا صلاة لملتفت » (5).

فليس بجيّد ، إذ حمله على نفي الكمال ليس بأولى من تخصيصه بالالتفات إلى الخلف ، أو بكلّ البدن.


1) الحدائق 9 : 56.

2) أسرار الصلاة ( رسائل الشهيد الثاني ) : 107 ، البحار 81 : 259 - 58.

3) راجع ص : 21.

4) نقله عنه في البحار 81 : 222 - 6 ، ومستدرك الوسائل 4 : 86 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 5.

5) عمدة القارئ 3 : 311 عن الرسول 6.

ومنها : عقص الرجل شعره ، وفاقا للأكثر ، منهم المفيد والحلّي والديلمي والحلبي (1)، وكافّة المتأخّرين ، له ، ولرواية مصادف (2)، القاصرة عن إفادة البطلان ، لمقام الجملة الخبريّة.

والمروي في الدعائم : « نهاني رسول اللّه عن أربع » وعدّ منها : « وأن أصلّي وأنا عاقص رأسي من خلفي » (3)القاصر عنها ، لقصور السند.

فالقول به ، كما عن التهذيب والمبسوط والخلاف (4)- مدّعيا في الأخير عليه الإجماع - والذكرى (5)، واختاره بعض الأخباريّين من المتأخّرين (6)، ضعيف.

والإجماع المنقول ليس بحجّة ، والاحتياط المستدلّ به لا يفيد الحرمة.

هذا مع أنّ كلام اللغويين في معناها مختلف (7)

وفي الصحاح 3 : 1046 : عقص الشعر : ضفره وليّه على الرأس. وفي القاموس 2 : 320 : عقص شعره : ضفره وفتله. وفي كشف اللثام 1 : 240 عن ابن دريد : عقصت شعرها : شدّته في قفاها ولم تجمعه جمعا شديدا.

، والحكم بكراهة واحد ممّا ذكروه تحكّم ، وبكراهة الكلّ غير صحيح ، فالمسألة عن الفائدة خالية.

ومنها : التثاؤب ، من الثوباء بضم المثلّثة وفتح الواو والمدّ ، وهو : ما يقال له بالفارسيّة : خميازة.

والتمطّي ، وهو : مدّ اليدين.

والعبث بلحيته أو بشي‌ء من أعضائه.


1) المفيد في المقنعة : 152 ، الحلّي في السرائر 1 : 271 ، الديلمي في المراسم : 64 ، الحلبي في الكافي في الفقه : 125.

2) الكافي 3 : 409 الصلاة ب 67 ح 5 ، التهذيب 2 : 232 - 914 ، الوسائل 4 : 424 أبواب لباس المصلي ب 36 ح 1.

3) الدعائم 1 : 174 ، مستدرك الوسائل 3 : 221 أبواب لباس المصلي ب 27 ح 1.

4) التهذيب 2 : 232 ، المبسوط 1 : 119 ، الخلاف 1 : 510.

5) الذكرى : 217.

6) كالحر العاملي في الوسائل 4 : 424 أبواب لباس المصلي ب 36.

7) قال في المغرب 2 : 52 : العقص : جمع الشعر على الرأس ، وقيل : ليّه وإدخال أطرافه في أصوله.

ونفخ موضع السجود.

والتنخّم والبصاق ، خصوصا إلى القبلة أو اليمين.

وفرقعة الأصابع أي نقضها ، والضرب بها لتصوت.

كلّ ذلك لروايات الأطياب (1)، وفتاوى الأصحاب ، ومنافاتها للخشوع والإقبال.

ومنها : التأوّه بحرف واحد ، ذكره في الشرائع والنافع (2)، وغيرهما (3)، بل نفي عنه وعن سوابقه الخلاف (4). وهو الأصل لنا في الكراهة ، وإلاّ فلم نعثر على دليل عليه.

والقيد للاحتراز عن ظهور الحرفين ، فإنّه مبطل عندهم ، وأمّا عندنا فهو أيضا يكون مكروها ، للأولويّة.

ومنها : مدافعة البول ، أو الغائط ، أو الريح ، ذكره الأصحاب ، بل قيل : لا خلاف فيه (5)، وفي المنتهى : أنّه قول من يحفظ عنه العلم (6)، وهو الحجة فيه.

مضافا في الجميع إلى منافاتها للخشوع والإقبال المطلوبين في الصلاة.

وفي الأوّلين إلى الأخبار ، ففي صحيحة هشام : « لا صلاة لحاقن ولا حاقنة (7)، كما في بعض النسخ ، أو « ولا حاقب » كما في بعض آخر.


1) انظر : الوسائل 7 : أبواب قواطع الصلاة ب 11 و 12 و 14.

2) الشرائع 1 : 92 ، النافع : 34.

3) كالمعتبر 2 : 262 ، والدروس 1 : 184.

4) انظر : الرياض 1 : 181.

5) كما في الرياض 1 : 181.

6) المنتهى 1 : 312.

7) التهذيب 2 : 333 - 1372 ، المحاسن : 83 - 15 ، الوسائل 7 : 251 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 2.

والحاقن : حابس البول ، والحاقب : حابس الغائط.

وفي رواية الحضرميّ : « لا تصلّ وأنت تجد شيئا من الأخبثين » (1).

والمرويّ في الخصال : « ثمانية لا يقبل لهم صلاة » إلى أن قال : « والزبّين قالوا : يا رسول اللّه - صلی اللّه عليه وآله - وما الزّبّين؟ قال : الذي يدافع البول والغائط » (2).

وفي معاني الأخبار : « لا صلاة لحاقن ولا لحاقب » (3).

وفي المحاسن : « لا يصلّي أحدكم بأحد العصرين ، يعني البول والغائط » (4).

وأكثرها وإن كان ظاهرا في الحرمة والبطلان ، إلاّ أنّ الإجماع المحقّق والمصرّح به في المنتهى وغيره أوجب صرفه عن الظاهر.

وقيل (5): أيضا لصحيحة عبد الرحمن : عن الرجل يصيب الغمز في بطنه ، وهو يستطيع أن يصبر عليه ، أيصلّي على تلك الحال أو لا يصلّي؟ قال : « إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلاة فليصلّ وليصبر » (6).

وفيه نظر ، لأنّ الأمر بالصلاة والصبر ظاهر في أنّه عرض في الأثناء ، فهو دليل على ما صرّحوا به من أنّ الحكم المذكور مخصوص بما إذا عرض له ذلك قبل دخوله في الصلاة ، وإلاّ فلو كان في الأثناء فلا كراهة إجماعا.

وبه ، وبما مرّ يخصص إطلاق الأخبار أيضا ، مضافا إلى معارضته مع ما دلّ على حرمة قطع الصلاة.

وتلحق بالمقام مسائل :


1) التهذيب 2 : 326 - 1333 ، الوسائل 7 : 252 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 3.

2) الخصال : 407 - 3 ، الوسائل 7 : 252 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 6.

3) معاني الأخبار : 237 - 1 ، الوسائل 7 : 252 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 5.

4) المحاسن : 82 - 14 ، الوسائل 7 : 253 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 8.

5) الحدائق 9 : 63.

6) الكافي 3 : 364 الصلاة ب 50 ح 3 ، الفقيه 1 : 240 - 1061 ، التهذيب 2 : 324 - 1326 ، الوسائل 7 : 251 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 1.

المسألة الأولى :

قد وقع التصريح في كلمات جملة من الأصحاب ، كالوسيلة والشرائع والنافع والمنتهى والتذكرة والتحرير والإرشاد ونهاية الإحكام والروضة والذكرى والقواعد وشرحه (1)، وغيرها (2)، بحرمة قطع الصلاة ، إمّا مطلقا كأكثر من ذكر ، أو مقيدا بالفريضة كالثلاثة الأخيرة.

ونفي عنه الريب في الأخير ، والخلاف المعروف في الحدائق (3)، ومطلقا في كلام جماعة (4). وفي شرح الإرشاد : كأنّه إجماعيّ في الفريضة (5).

بل صرّح به جملة في جملة من المنافيات المتقدّمة ، كالشهيد في الذكرى في الكلام والحدث والقهقهة (6).

وكان بعض متأخّري المتأخّرين - على ما حكي عنه - يفتي بجواز قطع الصلاة اختيارا ، ويجوّزه في الشكوك المنصوصة والإعادة (7).

والحقّ هو الأوّل.

لا لما قيل من أنّ الإتمام واجب وهو ينافي القطع (8)، لكونه مصادرة.

ولا لقوله سبحانه ( لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (9).


1) الوسيلة : 97 ، الشرائع 1 : 92 ، النافع : 34 ، المنتهى 1 : 311 ، التذكرة 1 : 132 ، التحرير 1 : 43 ، الإرشاد 1 : 268 ، نهاية الإحكام 1 : 522 ، الروضة 1 : 292 ، الذكرى : 215 ، القواعد 1 : 36 ، جامع المقاصد 2 : 358.

2) كما في روض الجنان : 338 ، والذخيرة : 363 ، وكشف اللثام 1 : 241 ، والرياض 1 : 180.

3) الحدائق 9 : 101.

4) انظر : كشف اللثام 1 : 241 ، والرياض 1 : 180.

5) مجمع الفائدة 3 : 109.

6) الذكرى : 215.

7) انظر : الحدائق 9 : 101.

8) كما في الذكرى : 215 ، وكشف اللثام 1 : 241.

9) محمّد صلی اللّه عليه وآله : 33.

لعدم تماميّة الاستدلال به ، من جهة تعارض التجوّز والتخصيص في النهي والأعمال ، ومن جهة الإجمال في معنى الإبطال كما بيّناه في العوائد (1).

ولا لمفهوم مرسلة حريز الآتية ، إذ مفهومها - على فرض حجيّته - عدم وجوب القطع دون عدم جوازه.

ولا لصحيحة زرارة : « ولا تقلّب وجهك عن القبلة » (2).

لعدم صراحتها في النهي.

بل للأخبار المتكثّرة المصرّحة بأنّ تحريمها التكبير (3)، ولا معنى لكون التكبير تحريما إلاّ تحريمه ما كان حلالا قبله.

وصحيحة البجلي : عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه ، وهو يستطيع أن يصبر عليه ، أيصلّي على تلك الحال ، أو لا يصلّي؟ فقال : « إذا احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلاة فليصلّ وليصبر » (4).

والأمر بالصبر حقيقة في الوجوب ، ولو لا حرمة القطع لما وجب.

وصحيحة ابن أذينة المتقدّمة في مسألة الالتفات (5)، فإنّه لو لا حرمة القطع ، لما وجب الغسل من غير التفات.

وموثّقة الساباطيّ المتقدّمة فيها أيضا ، الآمرة بالتحويل إلى القبلة إن كان متوجّها إلى المشرق أو المغرب ، وبالقطع إن كان متوجّها دبر القبلة (6)، والتقريب ما ذكر.

ومقتضى إطلاق الثلاثة الأخيرة عموم الحكم للفريضة والنافلة ، فيعمهما.


1) عوائد الأيام : 151.

2) الكافي 3 : 300 الصلاة ب 16 ح 6 ، الفقيه 1 : 180 - 856 ، التهذيب 2 : 286 - 1146 ، الوسائل 4 : 312 أبواب القبلة ب 9 ح 3.

3) انظر : الوسائل 6 : 9 أبواب تكبيرة الإحرام ب 1.

4) الكافي 3 : 364 الصلاة ب 50 ح 3 ، الفقيه 1 : 240 - 1061 ، التهذيب 2 : 324 - 1326 ، الوسائل 7 : 251 أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 1.

5) راجع ص : 20.

6) راجع ص : 26.

وخصّ جماعة - مرّت إليهم الإشارة - بالأولى ، تبعا للحلّي (1)، لمفهوم المرسلة المذكورة ، وبعض الأخبار الواردة في الالتفات عن القبلة (2)، وبهما تقيّد الإطلاقات.

ويردّ الأوّل : بعدم الدلالة ، والثاني : بأنّه يدلّ على عدم انقطاع النافلة بالالتفات ، لا على جوازه مع كونه قاطعا.

ويستثنى من تحريم القطع ما إذا خاف من تركه ضررا في مال أو نفس أو عرض من نفسه أو غيره ، والظاهر - كما قيل (3)- اتّفاقهم عليه ، له ، ولعمومات نفي الضرر ، وانتفاء العسر والحرج.

ولمرسلة حريز : « إذا كنت في صلاة الفريضة ، فرأيت غلاما لك قد أبق ، أو غريما لك عليه مال ، أو حيّة تتخوّفها على نفسك ، فاقطع الصلاة ، واتّبع غلامك وغريمك ، واقتل الحيّة » (4).

ورواها الصدوق بطريق صحيح (5).

وموثّقة سماعة : عن الرجل يكون قائما في صلاة الفريضة ، فنسي كيسه أو متاعا يخاف ضيعته أو هلاكه ، قال : « يقطع ويحرز متاعه ، ثمَّ يستقبل القبلة » قلت : فيكون في صلاة الفريضة ، فتفلت عليه دابّته ، فيخاف أن تذهب أو يصيب منها عنتا ، فقال : « لا بأس بقطع صلاته ويتحرّز ويعود إلى صلاته » (6). .


1) قال في السرائر في كتاب الاعتكاف 1 : 422 .. لأنّ عندنا العبادة المندوب إليها لا تجب بالدخول فيها - بخلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة - ما خلا الحج المندوب ، فإنه يجب بالدخول فيه ، وحمل باقي المندوبات عليه قياس ..

2) انظر : الوسائل 7 : 246 أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 8.

3) انظر : الرياض 1 : 180.

4) الكافي 3 : 367 الصلاة ب 52 ح 5 ، التهذيب 2 : 331 - 1361 ، الوسائل 7 : 276 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1.

5) كما في الفقيه 1 : 242 - 1073.

6) الكافي 3 : 367 الصلاة ب 52 ح 3 ، الفقيه 1 : 241 - 1071 ، التهذيب 2 : 330 - 1360 ، الوسائل 7 : 277 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 2.

وفي القويّ : في رجل يصلّي ويرى الصبيّ يحبو إلى النار ، والشاة تدخل البيت لتفسد الشي‌ء ، قال : « فلينصرف وليتحرّز ما يتخوّف منه ويبني على صلاته ما لم يتكلّم » (1).

واختصاصها ببعض أفراد المطلوب مجبور بالإجماع المركّب.

ثمَّ إنّ القطع على سبيل الوجوب إذا كان الخوف على النفس ، أو المال المحترم المحرّم إتلافه شرعا ، كما يدلّ عليه الأمر في بعض تلك الأخبار. وعلى سبيل الجواز إن كان على مطلق المال المحترم ، كما يقتضيه إطلاق الكيس والمتاع والشي‌ء في الخبرين الأخيرين.

ومن هذا تظهر صحة ما ذكره الشهيدان وغيرهما من تقسيم القطع إلى الأقسام الخمسة (2)، وتندفع مناقشة بعضهم في بعض الأقسام (3).

وهل يعيد الصلاة بعد القطع ، كما هو الظاهر من القطع؟.

أو يبني على ما هو مضى؟ كما هو ظاهر قوله « ويعود إلى صلاته » في الخبر الثاني ، وصريح الثالث.

الظاهر الأوّل إن ارتكب ما يبطل الصلاة عمدا ، لعمومات إبطاله بلا معارض ، وقوله « ما لم يتكلّم » في الخبر الأخير. ويبني على صلاته إن لم يفعله ، للأصل ، والقويّ.

المسألة الثانية :

يجوز على الأظهر الأشهر ، بل يستحبّ للمصلّي تسميت العاطس ، بالمهملة والمعجمة.

وهو : الدعاء له عند العطاس بنحو قوله : يرحمك اللّه ، إذا كان مؤمنا كما


1) التهذيب 2 : 333 - 1375 ، الوسائل 7 : 278 أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 3.

2) الشهيد في الذكرى : 215 ، الشهيد الثاني في الروضة 1 : 292 ، وانظر : جامع المقاصد 2 : 359.

3) كما في المدارك 3 : 478.

قيل (1)، أو مسلما كما ذكره بعضهم (2)، أو مطلقا كما يقتضيه عموم روايات التسميت (3)، وخصوص مرسلة ابن أبي نجران : عطس رجل نصرانيّ عند أبي عبد اللّه عليه السلام ، فقال له القوم : هداك اللّه ، فقال أبو عبد اللّه : « يرحمك اللّه » فقالوا له : إنّه نصرانيّ ، فقال : « لا يهديه اللّه حتّى يرحمه » (4).

وإنّما جاز التسميت للمصلّي لكونه دعاء جائزا في الصلاة مطلقا ، وعمومات ما دلّ على جواز التسميت ، بل استحبابه لكلّ أحد إلاّ إذا زادت العطسة عن الثلاث (5).

وعن المعتبر التردّد فيه ، ولا وجه له ، مع أنّه رجع عنه بعده إلى الجواز ، وجعله مقتضى المذهب (6).

وأمّا المرويّ في مستطرفات السرائر عن جعفر عليه السلام : في رجل عطس في الصلاة ، فسمّته رجل ، فقال : « فسدت صلاة ذلك الرجل » (7).

فحمله بعضهم على التقيّة (8)- حيث إنّ المنسوب إلى الشافعيّ وبعض العامّة تحريمه (9)- وردّه آخر بالشذوذ.

والصواب ردّه بالإجمال ، إذ لم يذكر فيه كون المسمّت في الصلاة ، وفساد صلاة العاطس لا وجه له.

وقد يستند في التردّد إلى بعض الروايات العاميّة القاصرة دلالة (10).7.


1) الرياض 1 : 181.

2) كالسبزواري في الذخيرة : 367.

3) انظر الوسائل 12 : أبواب أحكام العشرة ب 57 و 58.

4) الكافي 2 : 656 العشرة ب 15 ح 18 ، الوسائل 12 : 96 أبواب أحكام العشرة ب 65 ح 1.

5) انظر : الوسائل 12 : 91 أبواب أحكام العشرة ب 61.

6) المعتبر 2 : 263.

7) مستطرفات السرائر : 98 - 19 ، الوسائل 7 : 272 أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 5.

8) كصاحب الحدائق 9 : 100.

9) انظر : مغني المحتاج 1 : 197.

10) كما في سنن أبي داود 4 : 307.

وكذلك يجوز له ردّ المسمّت بقوله : يغفر اللّه لك ويرحمك ، كما في بعض الأخبار ، أو : يغفر اللّه لك ولنا ، كما في بعض آخر (1)، لما مرّ.

بل يجب عليه وعلى كلّ عاطس ردّه ، للمرويّ في الخصال : « إذا عطس أحدكم فسمتوه ، قولوا : يرحمكم اللّه ، وهو يقول : يغفر اللّه لكم ويرحمكم ، قال اللّه عزّ وجل ( إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) (2).

وتؤيّده رواية محمّد : « إذا عطس الرجل فليقل : الحمد لله لا شريك له ، وإذا سمعت الرجل يعطس فلتقل : يرحمك اللّه ، وإذا رددت فلتقل : يغفر اللّه لك ولنا » (3).

فالقول بعدم الوجوب - كما عن المحقّق الثاني والمدارك لعدم صدق التحيّة عليه (4)- ضعيف.

ولكن لا يجب ما في الرواية ، بل يجوز بمثل التسميت أو أحسن منه كلّ ما كان.

وكما يجوز له التسميت ، يجوز له التحميد والصلاة على النبيّ وآله عند سماع العطسة ، فإنّه أيضا مستحبّ ، بل ورد في الأخبار الأمر به وإن كان بينك وبينه البحر (5)، وورد في بعض المعتبرة : « إنّه من سمع العطسة ، فحمد اللّه تعالى ، وصلّى على نبيّه وأهل بيته ، لم يشتك عينيه ولا ضرسه » (6).

وكذا يجوز له ولكلّ عاطس أن يحمد اللّه تعالى ، ويصلّي على النّبي وآله ، كما ورد في الأخبار المتكثّرة (7)، وفي المنتهى أنّه مذهب أهل البيت عليهم


1) انظر : الوسائل 12 : 88 أبواب أحكام العشرة ب 58.

2) الخصال : 633 ، الوسائل 12 : 88 أبواب أحكام العشرة ب 58 ح 3.

3) الكافي 2 : 655 العشرة ب 15 ح 13 ، الوسائل 12 : 88 أبواب أحكام العشرة ب 58 ح 2

4) المحقق الثاني في جامع المقاصد 2 : 354 ، المدارك 3 : 472.

5) انظر الوسائل 7 : 271 أبواب قواطع الصلاة ب 18.

6) انظر الوسائل 12 : 94 أبواب أحكام العشرة ب 63 ح 2.

7) كما في الوسائل 7 : 271 أبواب قواطع الصلاة ب 18 ، والوسائل 12 : أبواب أحكام العشرة ب 62 و 63.

السلام (1). وأن يكون ذلك بعد وضع إصبعه على أنفه.

ويستحبّ أيضا للعاطس أن يقول بعد التحميد والصلاة واضعا إصبعه على أنفه : رغم أنفي لله رغما داخرا.

المسألة الثالثة :
اشارة

يجوز السلام على المصلّي ، للأصل ، والعمومات (2)، وخصوص الروايات في ردّ السلام للمصلّي (3)، وتقرير النبي صلی اللّه عليه وآله ، والإمام صلوات اللّه عليه ، المسلّمين عليهم في الصلاة (4)، والمرويّ في الذكرى : « إذا دخلت المسجد والناس يصلّون ، فسلّم عليهم ، وإذا سلّم عليك فاردد ، فإنّي أفعله » (5).

وأمّا المروي في الخصال : « لا تسلّموا على اليهود والنصارى » إلى أن قال : « ولا على المصلّي ، لأنّه لا يستطيع أن يردّ السلام » (6).

وفي قرب الإسناد : « إذا دخلت المسجد الحرام والقوم يصلّون فلا تسلّم عليهم » (7).

فلا يعارض ما مرّ ، لندرته رواية وفتوى.

مع أنّ الثابت ممّا مرّ ليس الزائد على الجواز ، أمّا غير رواية الذكرى فظاهر ، وأمّا هي فلعدم كون الأمر فيها للوجوب قطعا ، فيمكن أن يكون مجازه الجواز ، سيّما مع كونه في مقام توهّم الحظر ومقابلتها مع الروايتين الأخيرتين ، وهما أيضا لا تثبتان الزائد من الكراهة ، أمّا الأخيرة فلضعفها ، واحتمالها الجملة الخبريّة ، وأمّا الأولى فلاشتمالها على بعض من يكره السلام عليه ، وعدم جواز استعمال اللفظ في


1) المنتهى 1 : 313.

2) كما في الوسائل 12 : أبواب أحكام العشرة ب 32 و 33.

3) الوسائل 7 : 267 أبواب قواطع الصلاة ب 16.

4) الوسائل 7 : أبواب قواطع الصلاة ب 16 و 17.

5) الذكرى : 218 ، الوسائل 7 : 271 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 3.

6) الخصال : 484 - 57 ، الوسائل 7 : 270 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 1.

7) قرب الإسناد : 94 - 317 ، الوسائل 7 : 270 أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 2.

حقيقته ومجازه.

فالقول بالكراهة - كما ذهب إليه بعض المتأخّرين (1)- هو الأقوى.

وبالروايتين الأخيرتين تخصص عمومات التسليم.

ويجوز للمصلّي بل يجب عليه ردّه ، كما يجب على غير المصلّي ، بلا خلاف كما قيل (2)، بل بالإجماع كما صرّح به جماعة (3).

لعمومات الكتاب ، والسنّة المستفيضة ، وخصوص المعتبرة ، منها : صحيحة محمّد : دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو في الصلاة فقلت : السلام عليك فقال : « السلام عليك » فقلت : كيف أصبحت؟ فسكت ، فلما انصرف قلت : أيردّ السلام وهو في الصلاة؟ فقال : « نعم مثل ما قيل له » (4).

والأخرى : « إذا سلّم عليك مسلّم وأنت في الصلاة فسلّم عليه ، تقول : السلام عليك ، وأشر بأصابعك » (5).

وموثّقة سماعة : عن الرجل يسلّم عليه وهو في الصلاة ، قال : « يردّ بقوله : سلام عليكم ، ولا يقول : عليكم السلام » (6).

وغير ذلك من الأخبار المتكثّرة.

والظاهر عدم تعيّن صيغة الردّ لغير المصلّي من الصيغ الأربع المشهورة ، بل الثمان ، للأصل ، وبعض الروايات ، وإن كان الأولى له الردّ بتقديم الظرف. وأوجب بعضهم الردّ به ، لأخبار غير صالحة لإثبات الوجوب (7).


1) كصاحب المدارك 3 : 475.

2) في الحدائق 9 : 79.

3) كالسيد في الانتصار : 47 ، وصاحب المدارك 3 : 473 ، وصاحب الحدائق 9 : 75.

4) التهذيب 2 : 329 - 1349 ، الوسائل 7 : 267 ، أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1.

5) الفقيه 1 : 240 - 1063 ، مستطرفات السرائر : 98 - 18 ، الوسائل 7 : 268 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 5.

6) الكافي 3 : 366 الصلاة ب 51 ح 1 ، التهذيب 2 : 328 - 1348 ، الوسائل 7 : 267 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

7) انظر : الحدائق 9 : 70.

وأمّا المصلّي فهل يجب عليه الردّ بالمثل؟ كما نسب إلى المشهور بين الأصحاب (1)، وعن صريح السيّد والخلاف (2)، وظاهر المدارك (3)، بل روض الجنان (4)، وغيره : إجماعهم عليه.

لصحيحة محمّد الاولى ، وصحيحة منصور : « إذا سلّم عليك الرجل وأنت تصلّي ، قال : تردّ عليه خفيّا كما قال » (5).

ولا تنافيهما صحيحة محمّد الثانية ، ولا الموثّقة ، لكونهما مبنيين على ما هو الشائع من وقوع التسليم هكذا.

أو بقوله : سلام عليكم؟ كما هو ظاهر النافع (6)، وصريح بعض آخر (7)، للموثّقة.

أو يجوز الردّ بأيّ نحو كان ، ولو بقوله : عليكم السلام؟ كما عن الحلّي والمختلف (8).

الظاهر الأخير ، للأصل ، وعدم دلالة شي‌ء من الروايات على الوجوب ، لمكان الجملة الخبريّة ، مع أنّها معارضة بعضها مع بعض ، وغلبة السلام بقوله : السلام عليكم لا تفيد للصحيحة الثانية ، مع أنّها لا تخصّص العموم المستفاد من ترك الاستفصال.

مضافا إلى أنّه يمكن أن يراد بالمماثلة في الصحيحة عدم الزيادة على التسليم من قوله : ورحمة اللّه وبركاته ، وهو المناسب للخبرين الأخيرين. وبه يحصل الجمع


1) كما في الرياض 1 : 181.

2) السيد في الانتصار : 47 ، الخلاف 1 : 388.

3) المدارك 3 : 474.

4) الروض : 339.

5) الفقيه 1 : 241 - 1065 ، التهذيب 2 : 332 - 1366 ، الوسائل 7 : 268 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3.

6) النافع : 34.

7) كصاحب الرياض 1 : 182.

8) الحلي في السرائر 1 : 236 ، المختلف : 102.

التامّ بينها.

ويمكن أن يكون المراد المماثلة في تقديم السلام ، لأنّه الأقرب إلى ما ورد في القرآن ، فتخلو الصلاة عن كلام الآدميين.

ولا يختصّ وجوب الردّ على المصلّي أو غيره بصورة كون التسليم بتأخير الظرف ، وفاقا للحلّي (1)، بل - كما قيل (2)- هو ظاهر الأصحاب ، للأصل ، وصدق التسليم عليه.

وعن التذكرة والذخيرة وغيرهما : الاختصاص (3)، لأنّ صورة تقديم الظرف صيغة الجواب ، دون السلام الواجب ردّه.

ويضعّف بالمنع ، لعدم دليل على اختصاص التسليم بتقديم السلام ، ووروده كذلك في حكاية بعض التسليمات لا يدلّ على الوجوب ، كما أنّ بعض الروايات العاميّة لا يفيد في إثباته (4).

وهل يجب الردّ إذا سلّم بنحو قوله : سلام ، أو السلام من غير ذكر الظرف؟.

أنكره جماعة (5)، للأصل. وتردّد بعض آخر ، بل أوجب (6)، لصدق التحيّة والتسليم. وهو الأظهر ، لذلك.

ولا يجب الردّ إذا سلّم بما لا يصحّ لغة ، كبعض الأعجام يسلّم بقوله : سرام ، أو سلوم ونحوهما ، للأصل ، وعدم معلوميّة صدق التحيّة.


1) في السرائر 1 : 236.

2) حكاه عن بعض المتأخرين في الحدائق 9 : 72.

3) التذكرة 1 : 130 ، الذخيرة : 366 ، وانظر المعتبر 2 : 264.

4) سنن أبي داود 4 : 353 - 5209.

5) كصاحب الحدائق 9 : 74.

6) كما في مجمع الفائدة 3 : 117 ، وكفاية الأحكام : 23.

فروع :

أ : لا خلاف - كما قيل (1)في أنّ الردّ واجب كفاية لا عينا ، إذا كان الرادّ من المسلّم عليهم ، لتحقّق التحيّة والردّ.

وفيه نظر ، لأنّ السلام إذا كان على الكلّ ، كان كلّ أحد مأمورا بالردّ بمقتضى الأخبار ، بل الآية ، والأصل عدم السقوط عنه بفعل الغير ، فإن ثبت الإجماع ، وإلاّ فيجب على الكلّ.

وعلى القول بالكفاية ، هل يستحبّ للباقين الردّ حينئذ أيضا؟.

عن روض الجنان : الاتّفاق على استحبابه (2)، ونحوه كاف في المقام ، فيكون مستحبّا.

وقد يستدلّ بعموم الروايات ، ولا يخلو عن نظر.

وهل يشمل الاستحباب المصلّي أيضا؟.

فيه نظر ، لاختصاص حكاية الاتّفاق بغير المصلّي ، وجوازه بقصد القرآن أمر آخر. إلاّ أن يقال : إنّ ردّه دعاء للمسلّم ، فيكون جائزا ، بل مستحبّا من هذه الجهة ، إلاّ أنّه أيضا غير استحباب الردّ من حيث هو.

وكذا قالوا : إنّ الابتداء بالسلام من المستحبّات كفاية أيضا (3)، وعن التذكرة الإجماع عليه (4).

وتدلّ عليه موثّقة غياث (5)، ومرسلة ابن بكير (6)، ومقتضاهما كفائيّة الاستحباب إذا كان الداخلون جماعة ، لا أنّه إذا سلّم أحد على جماعة مطلقا أجزأ عن غيره كذلك.


1) الحدائق 9 : 75.

2) الروض : 339.

3) كما في الحدائق 9 : 75.

4) لم نعثر عليه في بحث قواطع الصلاة من التذكرة ، ولكن حكاه عنه في الحدائق 9 : 75.

5) الكافي 2 : 647 العشرة ب 7 ح 3 ، الوسائل 12 : 75 أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 2.

6) الكافي 2 : 647 العشرة ب 7 ح 1 ، الوسائل 12 : 75 أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 3.

ثمَّ المستفاد من قوله « أجزأ » فيهما أنّ تسليم الواحد يكفي عن تسليم الكلّ ، وهل يستحبّ لغير الواحد التسليم بعد تسليم أحدهم؟ فيه احتمالان.

ب : يجب ردّ سلام الصبيّ المميّز ، في الصلاة وغيرها ، وفاقا لجملة من الأصحاب ، منهم روض الجنان والمدارك (1).

لا لعموم الآية كما قيل (2)، لاتّحاد المرجع في « حييتم » و « حيّوا » والثاني مخصوص بالمكلّفين فكذا الأوّل.

بل لعموم طائفة من الأخبار المتقدّمة وغيرها.

وهل يكتفى بردّه؟.

الظاهر لا ، وفاقا للمدارك وغيره (3)، لأنّ الأمر بالتحيّة بالمثل في الآية ، والردّ في الأخبار مخصوص بالمكلّفين.

ج : وجوب الردّ على المصلّي وغيره إذا علم دخوله في المسلّم عليه. وإن شكّ فيه فلا يجب ، بل يشكل جوازه للمصلّي ، إلاّ إذا قصد القرآن ، أو من حيث كونه دعاء للمسلّم.

د : قالوا : يجب إسماع الردّ للمسلّم تحقيقا أو تقديرا (4). وهو صحيح ، إذ لا يعلم صدق التحيّة والردّ ، ولرواية ابن القدّاح : « فإذا ردّ أحدكم فليجهر بردّه ، لا يقول : سلّمت ولم يردّوا عليّ » (5).

إلاّ أنّ في كفاية التقديري نظر ، إذ ظاهر أنّ صدق الردّ أمر لا يتوقّف على الإمكان وعدمه ، فإن صدق ردّه بدون الإسماع لم يجب مطلقا ، وإلاّ وجب مع الإمكان ، ويسقط وجوب الردّ مع عدم إمكان الإسماع.


1) الروض : 339 ، المدارك 3 : 475.

2) في الحدائق 9 : 76.

3) المدارك 3 : 475 ، وانظر : الروض : 339.

4) كما في الروض : 339 ، والحدائق 9 : 77.

5) الكافي 2 : 645 العشرة ب 7 ح 7 ، الوسائل 12 : 65 أبواب أحكام العشرة ب 38 ح 1.

ولا يبعد صدق الردّ عليه بالتسليم مع الإشارة المفهمة له بالإصبع أو الرأس ، فيكون كافيا كذلك مطلقا.

ولا تنافيه رواية ابن القدّاح ، لأنّ المستفاد من تعليلها أنّ المطلوب إفهام المسلّم ، وهو يحصل بذلك ، فإن لم يمكن ذلك أيضا سقط وجوب الردّ.

هذا في غير المصلّي ، وأمّا هو فالمشهور فيه أيضا وجوب الإسماع ، لما ذكر.

وعن المحقّق والأردبيليّ - طاب ثراهما - عدمه (1)، لصحيحة منصور المتقدّمة (2)، وموثّقة الساباطيّ : « إذا سلّم عليك رجل من المسلمين وأنت في الصلاة تردّ عليه فيما بينك وبين نفسك ، ولا ترفع صوتك » (3).

وتدلّ عليه صحيحة محمّد الثانية (4)، حيث تضمّنت قوله « وأشر بأصابعك » فإنّه لو كان جهرا لما احتاج إلى ذلك.

وردّ بالحمل على التقيّة ، لأنّ عدم وجوب ردّ المصلّي نطقا مذهب أكثر العامّة (5).

وهو كان حسنا لو كان وجوب الإسماع ثابتا. وأمّا على ما ذكرنا من وجوب الإفهام ، فلا داعي للحمل عليها ، بل يسلّم خفيّا ، ويشير بالإصبع - كما في صحيحة محمّد - تحصيلا للتفهيم. إلاّ أنّه لا يجب ذلك ، كما حكي عن الفاضلين المذكورين ، لقصور الروايات عن إفادة الوجوب ، حتّى الصحيحة الأخيرة الآمرة بالإشارة ، لعدم وجوب خصوص هذه الإشارة إجماعا.

ه- : المشهور بين الأصحاب أنّ وجوب الردّ في الصلاة وغيرها فوريّ ، إذ هو المتبادر من الردّ ، ومقتضى الفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة في الآية.


1) المحقق في المعتبر 2 : 264 ، الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 119.

2) في ص : 68.

3) الفقيه 1 : 240 - 1064 ، التهذيب 2 : 331 - 1365. الوسائل 7 : 268 أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 4.

4) المتقدمة في ص : 67.

5) انظر : بداية المجتهد 1 : 181 ، والمغني 1 : 747.

والأوّل ممنوع ، وكذا الثاني في الفاء الجزائيّة ، ولذا توقّف فيه بعضهم (1).

إلاّ أنّ المعلوم من سيرة النبيّ والأئمة وأصحابهم والعلماء المسارعة إلى الجواب ، فالظاهر أنّه إجماعيّ.

إلاّ أنّه - كما صرّح به بعضهم (2)- الفوريّة المعتبرة هنا إنّما هو تعجيله بحيث لا يعدّ تاركا عرفا ، فلا يضرّ إتمام كلمة أو كلام وقع السلام في أثنائه.

و : لو ترك المصلّي ردّا هل تبطل صلاته ، أم لا؟.

المشهور هو الأوّل ، لقاعدتي عدم اجتماع الأمر والنهي ، وكون الأمر بالشي‌ء نهيا عن ضدّه.

والحقّ عدم البطلان وإن صحّت القاعدتان ، كما بينّا وجهه في كتبنا الأصوليّة.

ز : يجب ردّ السلام الواقع في وراء ستر أو جدار أيضا.

وهل يجب إذا سلّم عليه بلسان رسول؟ الظاهر نعم ، لصدق التحية والسلام.

وفي وجوبه إذ كتب بالسلام نظر ، لعدم معلومية الصدق. نعم لو كان جواب الكتاب واجبا - كما اختاره بعض الأصحاب (3)وتدل عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان صريحة (4)، وهو الأقوى لذلك - كان واجبا من هذه الجهة.

وهل يختصّ وجوب جواب الكتاب بما إذا تضمّن الدعاء والسلام ، بل كان مخصوصا به ، أو يجب مطلقا؟ فيه تأمّل.

ح : الحقّ جواز تسليم الأجنبية على الأجنبي ، للأصل والأخبار.


1) انظر : الحدائق 9 : 81.

2) انظر : الذخيرة : 367.

3) كصاحب الحدائق 9 : 82.

4) الكافي 2 : 670 العشرة ب 27 ح 2 ، الوسائل 12 : 57 أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1.

وقيل بعدمه (1)، لأنّ صوتها عورة.

وهو ممنوع ، والخبر المانع عنه لا يفيد أزيد من الكراهة (2).

ط : لا يبتدئ بالسلام على الكافر ، بل الظاهر عدم جوازه ، للنهي عنه في رواية غياث (3)، المؤيّدة برواية الخصال المتقدّمة (4). إلاّ أن تدعو إليه الضرورة ، كما يدلّ عليه خبر عبد الرحمن بن الحجاج (5).

ولو سلم كافر على مسلم فهل يجب الردّ أم لا؟.

الظاهر نعم ، لعموم الآية ، وأكثر الأخبار ، وخصوص رواية غياث ، وموثّقتي محمّد (6)، وسماعة (7).

والمشهور المنصور أنه يردّ على أهل الذمّة ب- « عليك » ، للرواية والموثقتين المذكورة.

وهل يجب الاقتصار على ذلك ، أم يجوز بغيره؟.

ظاهر الأمر فيها يقتضي الوجوب. إلاّ أنّ في رواية زرارة : « تقول في الردّ على اليهودي والنصراني : سلام » (8).

ومقتضى القاعدة التخيير ، إلاّ أنّ الأوّل أشهر رواية ، وهو من المرجّحات المنصوصة ، وعلى هذا فلا يجوز بمثل عليك السلام.


1) كما في الحدائق 9 : 83.

2) الكافي 5 : 535 النكاح ب 83 ح 2 ، الوسائل 20 : 234 أبواب مقدمات النكاح ب 131 ح 2.

3) الكافي 2 : 648 العشرة ب 11 ح 2 ، الوسائل 12 : 77 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 1.

4) في ص : 66.

5) الكافي 2 : 650 العشرة ب 11 ح 7 ، الوسائل 12 : 83 أبواب أحكام العشرة ب 53 ح 1.

6) الكافي 2 : 649 العشرة ب 11 ح 4 ، مستطرفات السرائر : 138 - 7 ، الوسائل 12 : 77 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 3.

7) الكافي 2 : 649 العشرة ب 11 ح 3 ، الوسائل 12 : 79 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 6.

8) الكافي 2 : 649 كتاب العشرة ب 11 ح 6 ، الوسائل 12 : 77 أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 2.

ي : المستفاد من بعض الأخبار أنّه يستحبّ أن يسلّم الراكب على الماشي والقائم على الجالس ، والطائفة القليلة على الكثيرة ، والصغير على الكبير ، وأصحاب الخيل على أصحاب البغال ، وهم على أصحاب الحمير (1). ولكن ذلك مستحبّ في مستحبّ ، فلو وقع العكس في بعض الصور لم يخرج من الاستحباب أيضا.


1) انظر : الوسائل 12 : 73 أبواب أحكام العشرة ب 45.

الباب الثاني : في الخلل الواقع في الصلاة المتعلق بأجزائها ، أو صفاتها ، أو شرائطها

اشارة

وهو : إمّا عن عمد ، أو جهل ، أو سهو ، أو بسبب تعلّق الشكّ بأحد هذه الأمور ، أو الظنّ. ثمَّ الخلل الحاصل بسبب أحد هذه الأمور إمّا نقص أو زيادة.

والمراد بالعمد : كونه بشعور وقصد.

وبالسهو : عزوب المعنى عن القوّة الذاكرة مع بقائه في الحافظة ، ولهذا يحصل بالتذكّر ، ويرادفه النسيان.

وقد يطلق النسيان على عزوبه عن القوّتين ، فيحتاج حصوله إلى المراجعة والتعلّم ، وعلى ذلك يرادف الجهل بأحد معنييه ، والمعنى الآخر عدم حصول المعنى في الذهن أوّلا أيضا.

وبالشك : تساوي الاعتقادين المتضادين. وقد يطلق السهو في الأخبار وكلام الأصحاب على الشك أيضا.

وبالظن : رجحان أحد الطرفين.

فهاهنا مباحث ، نذكرها بعد ذكر أصل ، يحصل منه حكم كثير من مسائل الباب ، هو : أنّ الأصل في كلّ شرط أو جزء واجب أو صفة واجبة بطلان الصلاة بنقصه عمدا ، أو جهلا ، أو سهوا. وكذا في زيادة الأجزاء.

أمّا أصالة البطلان بنقص ما ذكر عمدا ، أو جهلا مع التقصير واحتمال الخلاف ، فلإيجابه عدم الإتيان بالمأمور به ، ومخالفته الموجبة لعدم تحقّق الامتثال.

وأمّا أصالته بنقصه جهلا من غير تقصير ، أو سهوا ، فالمراد بالبطلان حينئذ ليس عدم موافقة ما فعل للمأمور به حين الجهل والنسيان ، إذ لا تكليف على الغافل فوق ما عمله. بل المراد وجوب الفعل في الوقت ثانيا - إن ارتفع الجهل أو النسيان فيه - مع الشرط أو الجزء المتروك أوّلا ، سواء كان الترك لأجل الخطإ جهلا أو نسيانا ، في حكم الجزء أو الشرط ، أو في موضوعه.

أمّا الأوّل فكمن ظنّ عدم وجوب السورة في الصلاة ، أو عدم وجوب الاستقبال ، أو ستر العورة فيها ، وصلّى بدون السورة ، أو غير مستقبل القبلة ، أو

مكشوف العورة ، ثمَّ تبيّن له خلافه مع بقاء الوقت.

والوجه في البطلان بالمعنى المذكور حينئذ أنّ بعد تبيّن الخلاف حصل له أمر ، وهو : أنّ كلّ مكلّف يجب عليه الفعل مع هذا الجزء أو الشرط في الوقت الفلاني ، والمفروض بقاء الوقت ، فيكون داخلا في الموضوع ، فيجب عليه الفعل.

ولا ينافي ذلك صحة ما فعله أوّلا ، حيث إنّه له المأمور به حينئذ ، لأنّه المأمور به له حين يعلم أنّه المأمور به له ، ولا يضرّ ذلك في كون شي‌ء آخر مأمورا به له في وقت آخر.

والحاصل أنّ ها هنا أمرين : مطلقا ومقيّدا ، وكان الأوّل واجبا عليه في الوقت الأوّل ، والثاني في الثاني.

وأمّا الثاني فهو إمّا خطأ في المفهوم ، أو المصداق.

فالأوّل كمن ظنّ سهوا أو جهلا أنّ المراد بالمغرب غروب الشمس ، فصلّى ، ثمَّ تبيّن له مع بقاء الوقت أنّ مفهومه زوال الحمرة.

أو ظنّ أنّ القبلة ما بين المشرق والمغرب ، فصلّى في العراق إلى حوالي المشرق ، ثمَّ ظهر له أنّ ذلك قبلة المتحيّر.

أو ظنّ أنّ ستر العورة يتحقّق مع اللباس الحاكي أيضا ، ثمَّ ظهر له أنّه ليس بساتر.

أو ظنّ أنّ السورة الواجبة في الصلاة صادقة على آية من السورة أيضا ، ثمَّ ظهر له خطؤه.

وأمّا الثاني فكمن علم أنّ المراد بالمغرب زوال الحمرة ، وسها ، فظنّ حصوله قبل حصوله ، وصلّى ، ثمَّ تبيّن خطؤه.

أو علم أنّ القبلة الجهة المخصوصة للكعبة وظنّها في سمت ، وصلّى إليه ، ثمَّ ظهر خطؤه.

ويظهر وجه وجوب الإعادة في الوقت فيهما أيضا ممّا مرّ.

هذا حكم الإعادة في الوقت.

وأمّا القضاء فالأصل ينفيه ، وثبوته إنّما هو بأمر جديد ، فلا يندرج تحت

ضابطة كليّة ، بل تجب متابعة الأمر في كلّ موضع. إلاّ أنّه ثبت وجوبه في الخلل العمدي الحاصل في أجزاء الصلاة الواجبة نقصا ، أو زيادة ، أو نقص أوصافها الواجبة ، كما يأتي بعد ذلك.

وإن أردت تحقيق المقام في هذه الأقسام ، مع نقض وإبرام بما لا يتصوّر مزيد عليه ، فارجع إلى كتابنا المسمّى بعوائد الأيّام ، فقد استوفينا الكلام في أقسام الخاطئ والجاهل ، وذكرنا تحقيقات لا توجد في غيره (1).

ثمَّ لا يخفى أنّ البطلان بهذا المعنى أي : وجوب الإعادة في الوقت إنّما هو مقتضى الأصل ، وقد يدلّ دليل خارجي على عدم الوجوب ، كما في نسيان الفاتحة أو السورة ، وبالجملة غير الأركان من أجزاء الصلاة.

كما قد يوجد دليل على وجوب القضاء خارج الوقت أيضا ، كما في السهو عن الأركان ، أو الطهارة ونحوها. بل الظاهر الإجماع على أنّ ما يوجب الإعادة في الوقت من نقص أجزاء الصلاة سهوا يوجب القضاء خارجه.

وأمّا أصالة بطلان الصلاة بزيادة الأجزاء بأحد الوجوه الثلاثة ، فلرواية أبي بصير : « من زاد في صلاته فعليه الإعادة » (2).

وصحيحة زرارة وبكير : « إذا استيقن أنّه زاد في صلاته [ المكتوبة ] لم يعتدّ بها ، واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا » (3).

وقوله : « زاد في صلاته » يحتمل معنيين :

أحدهما : أنّ من زاد صلاته بمعنى أن يصلي صلاة زائدة عمّا يجب عليه ، كما يقال : زاد زيد في داره ، إذا اشترى دارا أخرى أيضا.


1) عوائد الأيام : 83.

2) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 5 ، التهذيب 2 : 194 - 764 ، الاستبصار 1 : 376 - 1429 ، الوسائل 8 : 231 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

3) الكافي 3 : 354 الصلاة ب 41 ح 2 ، التهذيب 2 : 194 - 763 ، الاستبصار 1 : 376 - 1428 ، الوسائل 8 : 231 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1 ، وما بين المعقوفين ليس في النسخ ، أضفناه من المصادر.

وثانيهما : أنّ من زاد فيها شيئا.

والأوّل يحتاج إلى كون لفظة « في » زائدة وإرادة الركعة ومثلها عن الصلاة ، إذ لا تبطل الصلاة بزيادة صلاة أخرى قطعا ، وكلاهما خلاف الأصل ، فالمعنى : زاد فيها غيرها.

ولا يتوهّم أنّه يقتضي تقدير المفعول لقوله : « زاد » وهو غير معيّن ، لاحتمال الركن أو الركعة أو غيرهما ، فيسقط الاستدلال.

إذ المبطل هو مهيّة الزيادة من غير احتياج إلى التقدير ، نحو : من أكل اليوم ، أو قتل فعليه كذا ، وزيد أكول ، فإنّ الشرط والمخبر عنه هو مطلق الأكل ، والقتل ، وكثرة الأكل.

فالمبطل هو الزيادة ، ويكون المفعول نسيا منسيّا ، كقولهم : فلان يمنع ويعطي ، فالمبطل الزيادة في الصلاة لا المزيد.

وقد يستدلّ للمطلوب في الجملة بما في بعض الصحاح : « لا يعيد الصلاة من سجدة ، ويعيدها من ركعة » (1).

ومقابلة الركعة فيها بالسجدة قرينة على أنّ المراد منها الركوع.

وفيه : أنّه يحتمل الزيادة والنقصان ، فلا يتمّ الاستدلال بها ، كما لا يضرّ حكمها بعدم الإعادة بالسجدة لذلك أيضا.

والتأمل في الخبرين الأوّلين باعتبار استلزامهما خروج الأكثر باطل ، وإن كان عمومهما لغويّا أيضا ، لمنع خروج الأكثر ، لشمولهما للعمد والجهل والسهو ، ولم يخرج من الأولين شي‌ء ممّا يصدق عليه الزيادة على ما ذكرنا ، ولا من الثاني أكثر الأفعال وإن خرج أكثر الجزئيّات ، ولكن المقصود كلّيات الأفعال.

ويشترط أن يكون المزيد من أجزائها ، لأنّه معنى ذلك المركّب ، فإنّه لا يقال لمن أمر ببناء معيّن على نحو معيّن كوضع خمس لبنات وتطيينه إلى ذراعين : إنّه زاد في البناء ، إلاّ إذا زاد في اللبنة ، أو الجصّ ونحوهما. ولا يقال : إنّه زاد فيه ، لو قرأ


1) الفقيه 1 : 228 - 1009 ، الوسائل 6 : 319 أبواب الركوع ب 14 ح 2.

حين البناء شعرا ، أو فعل فعلا آخر ، فيلزم أن يكون المزيد ممّا يعدّ من أجزاء الصلاة لو زاد. هذا.

ثمَّ إنّ ما يزاد فيه شي‌ء إمّا يعرف ما منه وما ليس منه عرفا ، فالمناط ما كان منه عرفا ، كالبناء ، فلو أدخل فيه خشبا يكون قد زاد فيه.

وإمّا ما يتوقّف معرفة ما منه وليس منه على التوقيف الشرعي ، فلا بدّ في معرفة كون الزائد من الصلاة أو ليس منها من الرجوع إلى الشرع ، وهي إنّما تتحقّق بالتطبيق على الأجزاء المعلومة أنّها من الصلاة قطعا ، فزيادة مثلها تكون زيادة في الصلاة ، وما ليس منها لا يكون زيادة فيها ، فلو حرّك يده في الصلاة مثلا لم يكن زيادة في الصلاة.

وقد يتوهّم أنّه يكون زيادة إذا اعتقد جزئيتها.

وهو سهو ، لأنّ الاعتقاد لا يكون إلاّ عن دليل ، فما لم يدلّ دليل له على الجزئية لا يمكن له الاعتقاد ، وإذا دلّ دليل عليها لا يكون زيادة بل يكون جزءا من الصلاة في حقّه مع ذلك الاعتقاد.

نعم يشترط في صدق الزيادة في الصلاة أن يكون الزائد ممّا يعدّ جزءا من الصلاة عرفا ، فلو كان فعل يتحقّق في الصلاة وفي غيرها ، فلا بدّ إمّا قصد كونه من الصلاة ، أو انضمام خصوصيّة أخرى تختص بالصلاة ، كالانحناء ، فإنّه يتحقّق تارة في ركوع الصلاة واخرى في غيره ، فلا يكون زيادة إلاّ بقصد جعله من ركوع الصلاة ، أو ضمّ الخصوصيات الواردة في الصلاة كالانحناء بالحدّ الخاصّ مع الطمأنينة والذكر ، فإنّ مثل ذلك من الصلاة. وبالجملة لا بدّ من ضمّ شي‌ء يصرفه ويطبقه على أجزاء الصلاة.

ولا يخفى أيضا أنّ الزيادة في الأجزاء إنّما تتحقّق إذا زاد شيئا منها على القدر المعيّن شرعا عدده ، كالركعة والركوع والسجود ، أو محلّه من حيث هو صلاة ، فيزيد إذا أتى به في غير محلّه أيضا من حيث هو للصلاة ، وإن لم يعيّن عدده أيضا ، كالقراءة بعد الركوع ، والتشهد في الركعة الأولى ، إذا قرأ قبله أيضا ، وتشهد

بعدها ، أمّا لو اقتصر على غير المحلّ فلا يعدّ زيادة عرفا ، بل هو إخلال بالترتيب.

فلا زيادة ما لم يتعيّن عدده شرعا وإن تعيّن قدره الواجب عقلا ، مثلا لو أمر بكتابة عشر صفحات في كلّ صفحة عشرة أسطر ، وشرط عدم الزيادة في الكتابة ، فيزيد لو زاد السطر عن العشرة ، أو الصفحة عنها ، بخلاف ما لو كتب في السطر عشر كلمات ، وإن تأدّي الواجب بخمس كلمات مثلا أيضا لصدق السطر ، إذ هو ممّا لم يعيّنه الآمر.

وعلى هذا فكلّما عيّن الشارع في الصلاة كميّة يكون الزائد على ما عيّن زيادة ، بخلاف ما لم يعيّنه الشارع وإن عيّن الأصل. فلا تصدق الزيادة بتكرار الآيات ، ولا السورة ، ولا القراءة مطلقا لو لا النهي عن قران السورتين ، لأنّ المأمور به مطلق الفاتحة والسورة.

وكذا تتحقّق الزيادة بزيادة ما لم يعيّن الشارع عدده ، ولكن عيّن محلّه ، إذا أتى به في غير محلّه وفي محلّه. ولو أتى في غير المحلّ خاصّة لم يكون زيادة ، بل إخلالا. ولو أتى أوّلا في غير المحلّ ، فإن قصد الإتيان في المحلّ أيضا فهو زيادة ، وإلاّ فإخلال.

ولو أتى به سهوا لا تتحقق الزيادة إلاّ بعد أن يفعله في المحلّ أيضا ، فهو سبب تحقّق الزيادة ، وإن كان الزائد ما وقع في غير المحلّ.

وهل الزيادة في أجزاء الفاتحة أو السورة - بأن يقرأ جزءا منها سهوا في غير المحلّ ، ثمَّ قرأه بعد ذلك - زيادة في الصلاة؟.

فيه نظر ، فإنّ الظاهر أنّ المصداق هو زيادة الأجزاء المقرّرة للصلاة المرتّبة ، لا جزء الجزء.

لا يقال : قد ورد في الأخبار : « إنّه لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود » (1)فهو يعارض خبري أبي بصير وزرارة4.


1) التهذيب 2 : 152 - 597 ، الوسائل 7 : 234 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4.

المتقدّمتين (1).

لأنّا نقول : التعارض بالعموم المطلق ، فإنّه أعمّ مطلقا منهما ، فيجب التخصيص. وذلك حيث إنّه لا شكّ أنّ الإعادة من خمسة تحتاج إلى تقدير من نقص أو زيادة ، إذ لا معنى للإعادة من الخمسة نفسها ، ولا شك أن المقدّر للوقت والقبلة بل الطهور النقص والخلل دون الزيادة ، فهو مقدّر قطعا ولا يعلم تقدير شي‌ء آخر ، فالمعنى : لا تعاد الصلاة من غير نقصان الخمسة ، ومن البيّن أنّه أعمّ مطلقا من الزيادة.

لا يقال : قد ورد في رواية سفيان بن السمط : « تسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة تدخل عليك أو نقصان » (2).

دلّت على ثبوت سجدتي السهو في جميع زيادات الصلاة سهوا أو نقصاناتها. ولا سجدة سهو إلاّ مع الصحّة ، للإجماع على عدم سجدة السهو في الزيادة أو النقيصة المبطلة. فتدلّ على صحة الصلاة بكلّ زيادة ونقصان سهوا ، إذ لا سجدة سهو في العمد. فهي أخصّ مطلقا من جميع ما مرّ ، فيخصّ بها ، ومقتضاها صحّة الصلاة بالزيادة أو النقيصة سهوا.

قلنا : قد اعترفت بالإجماع على اختصاص سجدة السهو بالزيادة أو النقيصة الغير المبطلة ، وهو كذلك أيضا ، فيكون معنى الحديث : كلّ زيادة غير مبطلة ، أو نقص كذلك ، وعلمنا أيضا من الزيادات والنقائص السهويّة ما يبطل الصلاة قطعا.

إذا عرفت ذلك فنقول :


1) في ص 81.

2) التهذيب 2 : 155 - 608 ، الاستبصار 1 : 361 - 1367 ، الوسائل 8 : 251 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

المبحث الأوّل: في العمد

اشارة

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى :

كلّ من نقص من واجب صلاته شيئا عمدا بطلت صلاته ، جزءا كان أو وصفا أو شرطا ، بالإجماع ، له ، وللأصل المتقدّم الخالي عن مكاوحة شي‌ء ممّا يعارضه.

المسألة الثانية :

كلّ من زاد في صلاته

تكبيرة الإحرام ، أو ركوعا ، أو سجودا ولو واحدا ، أو ركعة ، عمدا ، بطلت صلاته.

وكذا لو قرأ في غير موضعه ، أو تشهّد كذلك ، بقصد قراءة الصلاة وتشهّدها ، أو جلس أو قام كذلك ، كلّ ذلك للأصل المتقدّم.

ويستفاد بعضها من عموم بعض الأخبار الآتية في مطاوي المباحث الآتية أيضا.

ولا تبطل بتكرير آيات الفاتحة ، أو السورة ، أو فقرات التشهّد ، أو القنوت ، ونحو ذلك ، للأصل ، وعدم صدق الزيادة في الصلاة ، كما مرّ بيانه.

ويدلّ على بعضه بعض الروايات الدالّ على تكرار الإمام بعض آيات الفاتحة (1).

ولا بأس بالانحناء بقصد تناول شي‌ء من الأرض ، ولو بلغ حدّ الراكع ، لعدم كونه زيادة في الصلاة كما سبق ، وورد في الأخبار أيضا (2).


1) كما في الوسائل 6 : 151 أبواب القراءة في الصلاة ب 68.

2) الوسائل 5 : 503 أبواب القيام ب 12.

المبحث الثاني : في الجهل

كلّ من ترك شرطا من شروط الصلاة المتقدّمة ، أو جزءا واجبا منها ، أو صفة واجبة ، جهلا بالحكم أو بموضوعه ، أثم وبطلت صلاته ، إن كان الجهل مستندا إلى تقصيره بأن يحتمل عنده الخلاف وقصّر في التحصيل ، لكونه عامدا حقيقة غير آت بالمأمور به تاركا له ، فتجب عليه الإعادة في الوقت ، والقضاء في خارجه.

وكذا إن زاد في الصلاة جهلا ، لعمومات مبطلات الزيادة المتقدّمة.

وإن لم يكن مستندا إلى تقصيره ، ولم يحتمل عنده الخلاف ، فحكم الخلل الواقع بسببه المتعلّق بالشروط والمنافيات ما مرّ كلّ في موضعه ، فما كان مبطلا للصلاة يوجب إعادتها وقضاءها ، وما لم يكون كذلك لا يوجبهما.

وأمّا ما له تعلّق بأجزاء الصلاة أو أوصافها الواجبة ، فلا شكّ في عدم ترتّب الإثم ، والوجه ظاهر.

ولكنّه في بطلان الصلاة بمعنى وجوب الإعادة والقضاء بالنقص والزيادة فحكمه حكم العمد.

أمّا في وجوب الإعادة بالنقص ، فبالإجماع والأصل المتقدّم ، والأخبار الآتية.

وأمّا في وجوبها وجوب القضاء بالزيادة ، فبالإجماع البسيط والمركّب ، حيث إنّ كلّ من يقول بوجوبها بالنقص ، يقول به بالزيادة ، وبإطلاق الخبرين المتقدّمين (1).


1) في ص 81.

وأمّا في وجوب القضاء بالنقص ، فبالإجماع ، وإطلاق الأخبار ، كموثّقة البقباق ، وابن أبي يعفور : في الرجل يصلّي فلم يفتتح بالتكبير ، هل يجزئه تكبيرة الركوع؟ قال : « لا ، بل يعيد صلاته ، إذا حفظ أنّه لم يكبّر » (1).

وصحيحة محمّد وفيها : « إذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد » (2).

وصحيحة أبي بصير : « إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة ، وقد سجد سجدتين ، وترك الركوع ، استأنف الصلاة » (3).

وما يأتي من قولهم عليهم السلام : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود ».

وهذه الأخبار وإن كانت واردة في بعض الأفعال ، ولكنّه يتمّ المطلوب بالإجماع المركّب.

بل هنا إجماع مركّب آخر أيضا ، وهو : أنّ كلّ من يقول بوجوب الإعادة في الوقت بخلل حاصل بالجهل يقول بوجوب القضاء في خارجه به أيضا.

بل لنا أن نقول بأنّ ما يفعله جهلا عمد ، لأنّه في الفعل متعمّد ، وإن كان جاهلا بحكمه ، والجهل بالحكم لا يخرج الفعل عن التعمّد ، فيدلّ على المطلوب جميع الأخبار المتضمّنة للفظ التعمّد ، أو الدالّة بمفهوم عدم النسيان على الإعادة والقضاء.

ويستثنى من الجهل الموجب للبطلان الجهل بالجهر والإخفات ، فإنّ الجاهل فيهما معذور إجماعا ، كما مرّ في بحثهما. وكذا الجهل بحكم السفر كما يأتي في بحثه.


1) الكافي 3 : 347 الصلاة ب 34 ح 2 ، التهذيب 2 : 143 - 562 ، الاستبصار 1 : 352 - 1333 ، الوسائل 6 : 16 أبواب تكبيرة الإحرام ب 3 ح 1.

2) التهذيب 2 : 143 - 558 ، الاستبصار 1 : 351 - 1327 ، الوسائل 6 : 13 أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 2.

3) التهذيب 2 : 148 - 580 ، الاستبصار 1 : 355 - 1343 ، الوسائل 6 : 313 أبواب الركوع ب 10 ح 3.

والجهل بالموضوع الموجب للبطلان إنّما هو إذا لم يكن العلم جزءا للموضوع ، وإلاّ فلا يوجب الجهل البطلان ، لعدم ترك الواجب حينئذ ، كما في غصبية الثوب والمكان ، ونجاسة الثوب أو البدن ، فإنّ الشرط الواجب في الصلاة ليس عدم غصبيّة الثوب ، ولا عدم نجاسته واقعا ، بل هو عدم العلم بالغصبية وعدم العلم بالنجاسة. بل الطاهر الشرعي حقيقة هو ما لم يعلم نجاسته ، إذ كلّ شي‌ء طاهر حتى تعلم أنّه قذر. فلا تجب الإعادة على جاهل الغصبية ، أو النجاسة ، إلاّ أنّه قد دلّت الأخبار في الثاني على الإعادة في الوقت ، فهو بأمر جديد ، كما تقدّما مع سائر ما يتعلّق بهذه المسائل في أبحاثهما.

المبحث الثالث : في السهو

اشارة

وهو إمّا بالنقص ، أو الزيادة ، فهاهنا فصلان :

الفصل الأوّل : في الخلل الواقع بالنقص سهوا
اشارة

وهو على قسمين ، لأنّه إمّا يوجب البطلان ، أو لا يوجبه.

القسم الأوّل :
اشارة

فيما يوجب البطلان والإعادة ، وفيه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى :
اشارة

كلّ من ترك النيّة ولم يتذكّر حتى كبّر للإحرام ، أو التكبير ولم يتذكّر حتى دخل القراءة ، أو الركوع ولم يتذكّر حتى دخل السجدة ، أو السجدتين ولم يتذكّر حتى دخل الركوع ، تبطل صلاته ، وتجب عليه إعادة الصلاة ، بلا خلاف في غير الركوع والسجدتين ، ووفاقا للمشهور ومنهم : المفيد والسيّد والعماني والديلمي والحلّي والحلبي والقاضي (1)، بل جمهور المتأخرين ، فيهما أيضا.

أمّا في غير النّية فلاستلزام التدارك الزيادة في الصلاة ، وعدمه النقص فيها ، وهما مبطلان.

وتخصيص المبطل بزيادة الركن - فلا يجري الدليل في صورة تذكّر ترك الركوع بعد الدخول في السجدة الاولى - ليس بجيّد ، لما عرفت.

مضافا في الركوع مطلقا إلى خبر أبي بصير المنجبر ضعفه - لو كان - بالشهرة


1) المفيد في المقنعة : 137 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 35 ، حكاه عن العماني في المختلف : 129 ، الديلمي في المراسم : 89 ، الحلي في السرائر 1 : 242 ، الحلبي في الكافي : 119 ، القاضي في المهذّب 1 : 153.

العظيمة : عن رجل نسي أن يركع ، قال : « عليه الإعادة » (1).

وفيه إذا دخل السجدتين ، إلى صحيحته : « إذا أيقن الرجل أنّه ترك الركعة من الصلاة ، وقد سجد سجدتين ، وترك الركوع ، استأنف الصلاة » (2).

وعدم دلالة الأخيرة على الوجوب مجبور بظاهر الإجماع على انتفاء الاستحباب ، وإن احتمله بعض المتأخّرين (3).

وفي السجدتين ، إلى رواية معلّى : في الرجل ينسى السجدة من صلاته - إلى أن قال - : « وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة » (4).

وأمّا في النيّة - الغير الثابت بطلان الصلاة بزيادتها ، لاحتمال شرطيتها - فلإيجاب تركها وقوع التكبير بلا نيّة ، وهي شرط فيه أيضا.

وفرض نيّة التكبير دون الصلاة غير مفيد ، إذ لو نوى تكبيرة الإحرام للصلاة فقد نوى الصلاة ، وإن نوى مطلق التكبير ، فلم ينو تكبيرة الإحرام.

وقد يستدلّ للحكم في الركوع بصحيحة رفاعة (5)وموثّقة ابن عمّار (6).

ويضعّفان باحتمال إرادة فعل الركوع من قوله فيهما : « يستقبل ».

خلافا في الركوع للمحكي في المبسوط وغيره عن بعض الأصحاب (7)، وفي


1) التهذيب 2 : 149 - 584 ، الاستبصار 1 : 356 - 1346 ، الوسائل 6 : 313 أبواب الركوع ب 10 ح 4.

2) التهذيب 2 : 148 - 580 ، الاستبصار 1 : 355 - 1343 ، الوسائل 6 : 313 أبواب الركوع ب 10 ح 3.

3) انظر : المدارك 4 : 218.

4) التهذيب 2 : 154 - 606 ، الاستبصار 1 : 359 - 1363 ، الوسائل 6 : 366 أبواب السجود ب 14 ح 5.

5) الكافي 3 : 348 الصلاة ب 36 ح 2 ، التهذيب 2 : 148 - 582 ، الاستبصار 1 : 355 - 1345 ، الوسائل 6 : 312 أبواب الركوع ب 10 ح 1.

6) التهذيب 2 : 149 - 583 ، الاستبصار 1 : 356 - 1347 ، الوسائل 6 : 313 أبواب الركوع ب 10 ح 2.

7) المبسوط 1 : 119.

المنتهى وغيره عن الشيخ (1)، فيلفّق أي يسقط الزائد ، ويتدارك الفائت ، ويأتي بما بعده مطلقا ، لصحاح محمّد (2)، والعيص (3)، وابن سنان (4)، والمروي في مستطرفات السرائر (5).

ويردّ : بالشذوذ ، ومخالفة الشهرة القديمة ، المخرجين لها عن الحجّية ، وبالمعارضة مع ما مرّ من خبر أبي بصير ، ولو لا ترجيحه بموافقة الشهرة يرجع إلى القاعدة المذكورة.

ولا يتوهّم أعميّته مطلقا منها باعتبار شموله لما بعد الفراغ أيضا ، فيخصص به.

لبيان صحيحة محمّد حكم بعد الفراغ أيضا بما يخالفه.

بل بالمعارضة مع صحيحته أيضا (6)، حيث إنّها دلّت على رجحان الاستئناف لا أقلّ ، وهو يخالف الوجوب (7).

والحمل على الاستحباب - كما قيل - لو صحّ لم يكن مفيدا لذلك المخالف.

مضافا في صحيحة العيص إلى قصور الدلالة ، لعدم ارتباطها بالمسألة أصلا ، لورودها في التذكّر بعد الفراغ.

والمحكي عن المبسوط والتهذيب والاستبصار ، فيلفّق في الركعتين الأخيرتين من الرباعيّة خاصّة (8)، جمعا بين الصحيحين المذكورين ، وبين ما مرّ ، بناء على ما ادّعاه هو والمفيد من أنّ كلّ سهو يلحق بالأوليين في الأعداد والأفعال فهو موجب


1) المنتهى 1 : 408.

2) الفقيه 1 : 228 - 1006 ، التهذيب 2 : 149 - 585 ، الاستبصار 1 : 356 - 1348 ، الوسائل 6 : 314 أبواب الركوع ب 11 ح 2.

3) التهذيب 2 : 149 - 586 ، الوسائل 6 : 315 أبواب الركوع ب 11 ح 3.

4) الفقيه 1 : 288 - 1007 ، التهذيب 2 : 350 - 1450 ، الوسائل 6 : 316 أبواب الركوع ب 12 ح 3.

5) مستطرفات السرائر : 81 - 17 ، الوسائل 6 : 318 أبواب الركوع ب 13 ح 7.

6) أي : بل يردّ دليل المخالف بالمعارضة مع صحيحة أبي بصير أيضا.

7) أي : وجوب التلفيق.

8) المبسوط 1 : 109 ، التهذيب 2 : 149 ، الاستبصار 1 : 356.

للإعادة (1).

ويضعّف : بأنّ الجمع فرع الحجيّة والدلالة ، وكلتاهما - كما مرّ - ممنوعتان ، مع أنّه فرع الشاهد عليه ، وهو وإن كان على فرض ثبوت ما ادّعاه مع المفيد ، ولكنّه غير ثابت ، بل - كما عرفت - بعض الأصحاب ، فيه ، باعتراف الشيخ ، مخالف.

وعن نهاية الشيخ والإسكافي ووالد الصدوق أقوال أخر شاذّة جدّا غير واضحة المستند (2)، سوى الرضوي الضعيف الغير المنجبر في بعضها (3).

ومن المتأخّرين (4)، من يظهر منه الميل إلى الفرق بين التذكّر بعد الدخول في السجدة الواحدة ، وبينه بعد الدخول في السجدتين :

فالتلفيق في الأوّل ، لعدم إيجاب زيادة السجدة الواحدة إبطالا ، وضعف خبر أبي بصير الدالّ على البطلان مطلقا.

وجوابه قد ظهر.

والتخيير بينه وبين الإعادة مع أفضليّتها ، في الثاني ، جمعا بين الأخبار.

وهو كان حسنا على فرض التكافؤ ، وقد عرفت عدمه.

وخلافا في السجدتين لمن حكم بالتلفيق فيهما أيضا مطلقا ، كما نسب إلى بعضهم.

وللمحكي عن الجمل والاقتصاد ، فحكم به في الركعتين الأخيرتين من الرباعيّة (5).

ومستندهما غير واضح ، سوى ما قد يتوهّم من اتحاد طريق المسألتين. وهو ممنوع. مع أنّ الحكم في الأصل - كما عرفت - غير ثابت.


1) انظر : المقنعة : 145 ، والمختلف : 131 نقلا عن الشيخ عن بعض علمائنا.

2) النهاية : 88 ، حكاه عن الإسكافي ووالد الصدوق في المختلف : 129.

3) فقه الرضا « ع » : 116 ، مستدرك الوسائل 4 : 429 أبواب الركوع ب 9 ح 2.

4) انظر : المدارك 4 : 218.

5) الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 188 ، الاقتصاد : 266.

فرع :

لا فرق في بطلان الصلاة بنسيان الركوع حتى دخل السجود بين ما إذا وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه ، أو ما لا يصحّ ، على الحقّ المشهور كما قيل (1)، لإطلاق الأخبار.

خلافا لبعض مشايخنا ، لعدم كون ذلك سجودا شرعيا (2).

وفيه نظر ، لأنّه سجود شرعي ، وإن وجب الزائد عليه أيضا.

المسألة الثانية :

لو تيقّن ترك سجدتين ، ولم يدر أنّهما من ركعة أو ركعتين ، بطلت الصلاة على الأقوى ، لما مرّ من أصالة بطلان الصلاة بالنقص ، ولإطلاق رواية معلّى : في الرجل ينسى السجدة من صلاته - إلى أن قال - : « وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة » (3).

خرج نسيان السجدة الواحدة ، أو السجدتين من ركعتين تعيينا - بما يأتي من أدلّتها - عن تحت الأصل والإطلاق ، وبقي الباقي.

المسألة الثالثة :
اشارة

لو نقص من صلاته ركعة فما زاد ، فإن تذكّر بعد التسليم ، وقبل فعل المنافي مطلقا ، يتمّ الصلاة بدون إعادة ، بلا خلاف كما قيل (4)، للأصل الثابت بما سيأتي من عدم بطلان الصلاة بزيادة التشهّد والتسليم سهوا ، والمتواترة معنى من


1) انظر : البحار 85 : 138.

2) راجع الحدائق 9 : 156.

3) التهذيب 2 : 154 - 606 ، الاستبصار 1 : 359 - 1363 ، الوسائل 6 : 366 أبواب السجود ب 14 ح 5.

4) الحدائق 9 : 125.

الأخبار ، كصحيحتي الأعرج (1)، وجميل (2)، وموثّقتي سماعة (3)، وأبي بصير (4)، الواردة كلّها في خصوص سهو النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، والصحاح الأربع لمحمد (5)، والرازي (6)، وابني المغيرة (7)، وزرارة (8)، وحسنة ابن أبي العلاء (9)، والموثّقات الثلاث للساباطي (10)، وابن زرارة (11)، وغيرها.

وكذلك إن تذكّر بعد فعل المنافي غير الحدث والتحويل عن القبلة ، وإن طال الزمان وكثر الكلام بحيث خرج عن كونه مصلّيا ، على الأقوى ، بل الأشهر


1) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 6 ، التهذيب 2 : 345 - 1433 ، الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 16.

2) التهذيب 2 : 345 - 1434 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 7.

3) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 42 ح 1 ، التهذيب 2 : 346 - 1438 ، الاستبصار 1 : 369 - 1405 ، الوسائل 8 : 201 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 11.

4) التهذيب 2 : 346 - 1435 ، المقنع : 31 ، الوسائل 8 : 201 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 10.

5) التهذيب 2 : 191 - 757 ، الاستبصار 1 : 379 - 1436 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 9.

6) الفقيه 1 : 228 - 1011 ، التهذيب 2 : 181 - 726 ، الاستبصار 1 : 371 - 1411 ، الوسائل 8 : 199 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 3.

7) التهذيب 2 : 180 - 725 ، الاستبصار 1 : 370 - 1410 ، الوسائل 8 : 198 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 2.

8) الفقيه 1 : 229 - 1013 ، التهذيب 2 : 346 - 1437 ، الاستبصار 1 : 367 - 1399 ، وفيه عن ابن زرارة ، مستطرفات السرائر : 99 - 23 ، الوسائل 8 : 210 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 6 ح 4.

9) الكافي 3 : 383 الصلاة ب 62 ح 11 ، التهذيب 2 : 183 - 731 ، الاستبصار 1 : 367 - 1400 ، الوسائل 8 : 209 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 6 ح 1.

10) موثقة الساباطي الأولى : التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل ب 3 ح 14. موثقته الثانية : الفقيه 1 : 229 - 1012 ، التهذيب 2 : 192 - 758 ، الاستبصار 1 : 379 - 1437 ، الوسائل 8 : 204 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 20.

11) التهذيب 2 : 182 - 729 ، الوسائل 8 : 204 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 18.

أيضا ، بل عن التذكرة نسبته إلى ظاهر علمائنا (1)، للأصل المذكور ، وإطلاق أكثر الأخبار المذكورة وغير المذكورة ، أو عمومه الناشئ من ترك الاستفصال ، وصريح طائفة كثيرة منها في خصوص التكلّم ، الثابت منها حكم الباقي ممّا لا يبطل الصلاة سهوا بالإجماع المركّب ، وبه يدفع إطلاق ما يشمل المورد ظاهرا كروايتي القهقهة والبكاء (2)، وترجّح إطلاقات المسألة عليه ، مع معاضدتها بالأصل ، مضافا إلى عدم جريان دليل بعضه - كالأكل والشرب والفعل الكثير - في المقام أيضا.

خلافا في التكلّم للشيخ في بعض أقواله ، كما مرّ في بحث المنافيات (3). وفي الفعل الكثير لبعضهم ، لإيجابه سهوا بطلان الصلاة ، وعمومات إبطاله.

والأوّل ممنوع ، بل ادّعي الإجماع على عدم إبطاله فيما نحن فيه. والثاني غير موجود ، كما عرفت في بحثه (4).

وفيما إذا طال الزمان ، أو كثر الكلام بحيث يخرج عن كونه مصلّيا ، لبعض آخر ، لكونه فعلا كثيرا ، وقد عرفت حاله.

وأمّا ما في موثّقتي سماعة وأبي بصير ، وصحيحة جميل ، وحسنة ابن أبي العلاء ، المتقدّمة ، من إعادة الصلاة إن تذكّر بعد ما ذهب أو برح من مكانه أو انصرف.

فمع عدم دلالة غير الأخير على الوجوب ، واحتمال الأخير بل ظهوره في إرادة الانصراف عن القبلة ، وأعميّتها من صدور الفعل الكثير أو طول الزمان.

معارضة بأكثر ممّا ذكر وأصرح ، كصحيحة عبيد وموثّقته المصرّحتين بالصحة إن ذهب وجاء ، وصحيحته المصرّحة بها إن خرج في حوائجه (5)، وموثّقة الساباطي


1) التذكرة 1 : 134.

2) الوسائل 7 : أبواب قواطع الصلاة ب 5 و 7.

3) راجع ص : 37.

4) راجع ص : 42.

5) التهذيب 2 : 347 - 1439 ، الاستبصار 1 : 368 - 1402 ، الوسائل 8 : 210 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 6 ح 3.

المصرّحة بها إن قام وتكلّم ومضى في حوائجه ، بل ولو بلغ إلى الصين ، وحسنة ابن أبي العلاء المصرّحة بها إن تذكّر بعد أن يذكر اللّه حتى طلعت الشمس.

ولو تذكّر تحويل وجهه بكلّيته عن القبلة ، أو صدور الحدث تجب إعادة الصلاة.

أمّا الأوّل ، فلخصوص صحيحة محمّد في المورد ، وفيها : « فإذا حوّل وجهه فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالا » (1).

مضافا إلى المعتبرة المستفيضة الدالّة على القطع به ، المتقدّمة في بحث الالتفات (2)، وبه يخصص ما مرّ من المطلقات.

وأمّا ما ينافيها بظاهره ، كصحيحة زرارة المصرّحة بالصحّة لو صلّى بالكوفة وتذكّر في بلدة اخرى (3)، وموثّقة عمّار المصرّحة بها ولو بلغ إلى الصين (4).

فلا تكافئ ما مرّ ، لشذوذها جدّا ، إذ لم ينقل القول بمضمونها إلاّ عن المقنع (5)، مع أنّه ذكر بعض الأجلّة عدم وجدانه فيما عنده من نسخ المقنع (6)، ومع ذلك للتقيّة محتملة كما قيل (7).

وأمّا الثاني ، فلعمومات بطلان الصلاة بالحدث ، الخالية عن معارضة غير ما عرفت حاله (8).


1) التهذيب 2 : 184 - 732 ، الاستبصار 1 : 368 - 1401 ، الوسائل 8 : 209 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 6 ح 2.

2) راجع ص : 23.

3) التهذيب 2 : 347 - 1440 ، الاستبصار 1 : 368 - 1403 ، الوسائل 8 : 204 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 19.

4) التهذيب 2 : 192 - 758 ، الاستبصار 1 : 379 - 1437 ، الفقيه 1 : 229 - 1012 ، الوسائل 8 : 204 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 20.

5) نقله عنه في المختلف : 136. ولكن فيما عندنا من نسخة المقنع ص 31 : وإن صلّيت ركعتين ثمَّ قمت فذهبت في حاجة لك فأعد الصلاة ولا تبن على ركعتين.

6) كشف اللثام 1 : 274.

7) في الرياض 1 : 213.

8) راجع ص : 12.

مع أنّه بعد ثبوت الحكم في الأوّل يثبت فيه أيضا بالإجماع المركّب.

فالقول بالصحّة في الأوّل ، كما حكي عن المقنع ، وبعض المتأخرين (1)، أو بالتخيير فيه بين البناء والإعادة ، كبعض آخر منهم (2)، ضعيف جدّا.

فروع :

أ : لو فعل المنافي عمدا بعد التذكّر وقبل الشروع في الإتمام ، فمقتضى إطلاق بعض الأخبار المتقدّمة ، بل عمومه المستفاد من ترك الاستفصال الصحّة.

ولكن ظاهر الأصحاب البطلان ، لأدلّة الإبطال به عمدا ، ولكن يعارضه ما مرّ بالعموم من وجه ، فيرجع إلى الأصل لو لا الإجماع على البطلان ، ولكن الظاهر تحقّقه.

ب : لا فرق بين أن يتذكّر والوقت باق أو خرج ، للمطلقات ، وخصوص حسنة ابن أبي العلاء.

ج : لو فعل المنافي بعد التشهّد قبل التسليم لم تبطل صلاته ، لكون التسليم خارجا.

القسم الثاني :
اشارة

في النقص سهوا الذي لا يوجب بطلان الصلاة ، وهو على أنواع ، لأنّه إمّا يجب تداركه في الصلاة ، أو لا يجب تداركه أصلا ، أو يجب تداركه وقضاؤه بعد الفراغ بلا سجدة سهو ، أو معها ، فهاهنا مواضع :

الموضع الأوّل : فيما يجب تداركه في أثناء الصلاة
اشارة


1) كالفيض في المفاتيح 1 : 175.

2) انظر : المدارك 4 : 228 ، والذخيرة : 360.

فكلّ من نسي القراءة كلاّ أو بعضا ، وتذكّر قبل الدخول في الركوع ، أو الركوع قبل السجود ، أو إحدى السجدتين أو كلتيهما أو التشهّد قبل الركوع ، لم تبطل الصلاة ووجب عليه العود والإتيان بالمنسي ، ثمَّ الإتيان بما بعده ، بلا خلاف ، بل بالإجماع في غير السجدتين ، وعلى الأظهر الأشهر فيهما أيضا.

لا لما قيل من إمكان الإتيان بالمنسي على وجه لا يؤثر خللا ، ولا إخلالا بمهيّة الصلاة ، أو لفحوى ما دلّ على هذا الحكم في صورة الشك ، كما في الذخيرة (1)، وغيره (2).

لردّ الأوّل : بمنع عدم الخلل في جميع الصور ، لإيجاب بعضها الزيادة في الصلاة ، وهي خلل.

والثاني : بمنع الفحوى ، لأنّها إنّما هي إذا علمت علّة الحكم في صورة الشك ، وهي غير معلومة ، فلعلّه لخصوصية الشك فيه مدخليّة.

بل في الأوّل وهو نسيان القراءة كلا أو بعضا : للدليل الأوّل ، مضافا إلى الإجماع المحقّق والمحكي في الجميع (3)، ورواية أبي بصير : عن رجل نسي أمّ القرآن ، قال : « إن كان لم يركع فليعد أمّ القرآن » (4).

وموثّقة سماعة : عن الرجل يقوم في الصلاة ، فينسى فاتحة الكتاب - إلى أن قال - : « ثمَّ ليقرأها ما دام لم يركع » (5)في نسيان خصوص الفاتحة.

وصحيحتي ابني حكيم وسنان الآتيتين ، وبهما يثبت الحكم في أجزاء الفاتحة والسورة أيضا ، كما صرّح به جماعة


1) الذخيرة : 371.

2) كالرياض 1 : 213.

3) انظر : الرياض 1 : 213.

4) الكافي 3 : 347 الصلاة ب 35 ح 2 ، الوسائل 6 : 88 أبواب القراءة في الصلاة ب 28 ح 1.

5) التهذيب 2 : 147 - 574 ، الاستبصار 1 : 354 - 1340 ، الوسائل 6 : 89 أبواب القراءة في الصلاة ب 28 ح 2.

ولكنّه تعارضهما رواية ابن وهب (1)، المتقدّمة في بحث القراءة في السهو عن بعض أجزاء سورة ، الدالّة على عدم الالتفات بالسهو في الأجزاء ووجوب المضي ، وهي أخصّ مطلقا. ومقتضاه عدم الالتفات لو لا الإجماع على خلافه ، وشذوذ الرواية لأجله ، وأمر الاحتياط واضح.

ثمَّ إنّه لو كان السهو في الفاتحة بعد دخول السورة ، يقرأ السورة بعدها أيضا ، لأدلّة وجوب قراءتها بعد الفاتحة.

ولا تجب إعادة السورة الأولى ، على المشهور ، للأصل الخالي عن المعارض.

وأمّا ما في الرضوي : « وإن نسيت الحمد حتى قرأت السورة ، ثمَّ ذكرت قبل أن تركع ، فاقرأ الحمد وأعد السورة ، وإن ركعت فامض » (2).

فالمراد مطلق السورة ، والإتيان بلفظ الإعادة لسبق المطلق أيضا.

ومنه يظهر أنّ قول بعض الأصحاب بإعادة السورة (3)، ليس ظاهرا في إعادة السورة المخصوصة.

إلاّ أن يعارض الأصل في صورة التذكّر عند تمام السورة ، باستلزام اختلاف السورة القران المحرّم ، على المختار من اختصاص القران بالسورتين المتغايرتين ، وتعميمه بالنسبة إلى المتّصلتين والمنفصلتين ، كما مرّ في بحثه.

وفي الثاني وهو نسيان الركوع : للإجماع ، وصحيحة ابن حكيم : عن رجل ينسى من صلاته ركعة ، أو سجدة ، أو الشي‌ء منها ، ثمَّ تذكّر بعد ذلك ، فقال : « يقضي ذلك بعينه » قلت : يعيد الصلاة؟ قال : « لا » (4).

وصحيحة ابن سنان : « إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا ، أو سجودا ، أو


1) التهذيب 2 : 351 - 1458 ، الوسائل 6 : 95 أبواب القراءة في الصلاة ب 32 ح 1.

2) فقه الرضا « ع » : 116 ، مستدرك الوسائل 4 : 195 أبواب القراءة في الصلاة ب 23 ح 1.

3) انظر : الذكرى : 220.

4) التهذيب 2 : 150 - 588 ، الاستبصار 1 : 357 - 1350 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 6.

تكبيرا ، ثمَّ ذكرت ، فاصنع الذي فاتك سهوا » (1).

وأمّا خبر أبي بصير المتقدّم الدالّ على الإعادة في نسيان الركوع مطلقا (2)، فيخصّ بما إذا دخل السجود ، كما تحمل هاتان الصحيحتان على ما قبله جمعا ، والشاهد الإجماع.

وبه يجاب عن الاعتراض بشمول الصحيحتين لما إذا دخل السجود أيضا ، مع أنّ لمخالفتهما فيه للشهرة العظيمة الجديدة والقديمة - الموجبة لشذوذهما فيه - أخرجتا فيه عن الحجيّة.

ولا يضرّ لزوم زيادة الهويّ ، لكون الصحيحين من حيث التصريح بالركوع والسجود أخصّ في المورد من أخبار الزيادة.

والظاهر أنّه يجب عليه الانتصاب ، ثمَّ الركوع ، لتوقّف صدق الركوع عليه ، فإنّه الانحناء من الانتصاب.

إلاّ أن لم يبلغ بعد حدّ الراكع ، بأن يهوي بقصد السجود فتذكّر قبل الوصول إلى حدّ الركوع أنّه لم يركع ، فينحني بقصد الركوع ، لعدم اشتراط الانحناء من إقامة الصلب في الركوع ، مع أنّه أيضا متحقّق. ولا يضرّ إرادة السجود أصلا.

وكذا لو بلغ حدّ الركوع ولم يتجاوز عنه ، على احتمال ، فإنّه إذا تذكّر ونوى كفى ، ولا يشترط الهوي بقصد الركوع ، لأصالة عدم اشتراط هذا القصد ، لأنه وجوب تبعيّ.

ويمكن أن يمنع تبعيّة الهوي ، بل هو مقصود بالأصالة ، لأنّه جزء مفهوم الركوع المصدري الذي هو المأمور به ، فيجب قصده خصوصا ، أو استدامة ، وعلى ذلك فيجب الانتصاب حينئذ أيضا ، وهو الأظهر ، كما كان يجب لو تجاوز.

ولا تتوهّم زيادة الركوع حينئذ لو بلغ هويّه أوّلا إلى هيئة الراكع ، لأنّه ليس


1) التهذيب 2 : 350 - 1450 ، الوسائل 6 : 316 أبواب الركوع ب 12 ح 3.

2) راجع ص : 90.

زيادة في الصلاة ، إذ لم يقصد به الركوع ، ولا انضمّ إليه ما يصرفه إليه.

ولو قصد بالهوى الركوع ، فنسيه بعد الوصول إلى حدّه وهوى للسجود ، فهو حقيقة نسيان للطمأنينة والذكر والرفع ، وسيجي‌ء حكمه.

وفي الثالث وهو نسيان إحدى السجدتين : لما ذكر من الإجماع المحقّق ، والمصرّح به في كلام جماعة (1)، ولصحيحتي أبي بصير ، وابن جابر :

الاولى : عمّن نسي أن يسجد سجدة واحدة ، فذكرها وهو قائم ، قال : « يسجدها ، إذا ذكرها ما لم يركع ، فإن كان قد ركع ، فليمض على صلاته ، فإذا انصرف قضاها وحدها ، وليس عليه سهو » (2).

والثانية : في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام ، فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد ، قال : « فليسجد ما لم يركع ، فإذا ركع ، فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد ، فليمض على صلاته حتى يسلّم ، ثمَّ يسجدها فإنّها قضاء » (3).

وفي الرابع وهو نسيان السجدتين : لصحيحة ابن سنان المتقدّمة ، ولرواية معلّى بن خنيس - المنجبر ضعفها لو كان بادّعاء الشهرة العظيمة (4)، بل تحقّقها - في الرجل ينسى السجدة من صلاته ، قال : « إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها ، وبنى على صلاته ، ثمَّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه ، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة ، ونسيان السجدة في الأوّلتين والأخيرتين سواء » (5).

وإطلاق السجدة فيها وإن شمل الواحدة والاثنتين ، إلاّ أنّ قوله : « وإن


1) كما في المدارك 4 : 235 ، والحدائق 9 : 135 ، والرياض 1 : 213.

2) الفقيه 1 : 228 - 1008 ، التهذيب 2 : 152 - 598 ، الوسائل 6 : 365 أبواب السجود ب 14 ح 4.

3) التهذيب 2 : 153 - 602 ، الاستبصار 1 : 359 - 1361 ، الوسائل 6 : 364 أبواب السجود ب 14 ح 1.

4) انظر : الرياض 1 : 213.

5) التهذيب 2 : 154 - 606 ، الاستبصار 1 : 359 - 1363 ، الوسائل 6 : 366 أبواب السجود ب 14 ح 5.

ذكرها بعد ركوعه » إلى آخره قرينة على إرادتهما.

وقد يستدلّ أيضا : ببقاء المحلّ بدلالة تدارك السجدة الواحدة.

وبأصالة بقاء الصحّة.

وبالصحيحة المتضمّنة لقوله : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة » (1).

والأخرى المتضمّنة لتدارك الركوع بعد السجدتين (2)، فإنّه إذا جاز تداركه مع تخلّل السجدتين اللتين هما ركن ، جاز تدارك السجود مع تخلّل القيام خاصّة بطريق أولى.

ويظهر ضعف الأوّل باحتمال اختصاص المحلّ بالواحدة.

والثاني بزوال الأصل بلزوم أحد المحذورين من زيادة القيام ، بل هو مع القراءة ، أو نقص السجدتين.

والثالث بأنّ السجود من الخمسة إلاّ أن يراد أنّه لو رجع وسجد لم تلزم عليه إعادة لأجل الزيادة.

والرابع ببطلان حكم الأصل.

خلافا للمقنعة والحلّي والحلبي ، فأوجبوا الإعادة (3).

للروايات الدالّة على البطلان بنسيان السجود (4)، خرج منها ما خرج ، فيبقى الباقي.

وللزوم أحد المحذورين المذكورين.

ويجاب عن الأوّل : بخروج المورد أيضا بما مرّ.

وعن الثاني : بعدم كون الزيادة محذورة بعد دلالة الدليل على جوازها.


1) التهذيب 2 : 152 - 597 ، الوسائل 7 : 234 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4.

2) الفقيه 1 : 228 - 1006 ، التهذيب 2 : 149 - 585 ، الاستبصار 1 : 356 - 1348 ، الوسائل 6 : 314 أبواب الركوع ب 11 ح 2.

3) المقنعة : 138 ، الحلّي في السرائر 1 : 241 ، الحلبي في الكافي : 119.

4) الوسائل 6 : 389 أبواب السجود ب 28.

وفي الخامس أي نسيان التشهّد : للإجماع أيضا ، وللأخبار المستفيضة ، كالصحاح الأربع ، للحلبي ، والفضيل ، وابن أبي يعفور ، وسليمان بن خالد ، ورواية علي بن أبي حمزة.

أولاها : « إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها ، ولم تتشهد فيهما ، فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع ، فاجلس وتشهّد وقم ، فأتمّ صلاتك ، وإن أنت لم تذكر حتى تركع ، فامض في صلاتك حتى تفرغ ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلّم » (1).

وثانيتها : في الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة ، فيقوم قبل أن يجلس بينهما ، قال : « فليجلس ما لم يركع ، وقد تمّت صلاته ، فإن لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته ، فإذا سلّم سجد سجدتين وهو جالس » (2).

وثالثتها : عن الرجل يصلّي ركعتين من المكتوبة ، فلا يجلس فيهما ، فقال : « إن كان ذكر وهو قائم في الثالثة فليجلس ، وإن لم يذكر حتى يركع فليتمّ صلاته ، ثمَّ يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلّم » (3).

ورابعتها : عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوليين ، فقال : « إن ذكر قبل أن يركع فليجلس ، وإن لم يذكر حتى يركع فليتمّ الصلاة حتى إذا فرغ فليسلّم ، ويسجد سجدتي السهو » (4).

وخامستها : « إذا قمت في الركعتين الأوليين ولم تتشهّد ، فذكرت قبل أن تركع فاقعد وتشهّد ، وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت ، فإذا


1) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 8 ، التهذيب 2 : 344 - 1429 ، الوسائل 6 : 406 أبواب التشهد ب 9 ح 3.

2) الكافي 3 : 356 الصلاة ب 42 ح 2 ، التهذيب 2 : 345 - 1431 ، الوسائل 6 : 405 أبواب التشهد ب 9 ح 1.

3) الفقيه 1 : 231 - 1026 ، التهذيب 2 : 159 - 624 ، الوسائل 6 : 402 أبواب التشهد ب 7 ح 4.

4) التهذيب 2 : 158 - 618 ، الاستبصار 1 : 362 - 1374 ، الوسائل 6 : 402 أبواب التشهد ب 7 ح 3.

انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ، ثمَّ تشهّد التشهّد الّذي فاتك » (1). إلى غير ذلك.

فروع :

أ : لو نسي الصلاة على النبي وآله في التشهّد الأوّل ، وتذكّر قبل الركوع ، فالمستفاد من بعض الكلمات ، والمصرّح به في بعض آخر أنّه كالتشهّد (2)، فيؤتى بها ، ثمَّ بما بعدها ، ولم يذكره بعض آخر.

فإن ثبت عليه الإجماع ، وإلاّ فلا دليل عليه ، ولزوم الزيادة ينفيه. وصحيحتا ابني سنان وحكيم (3)لا تدلاّن على فعلها هنا ، بل تحتملان القضاء بعد الصلاة أيضا ، وأوامر الصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله ليست بحيث تشمل المقام.

إلاّ أن يضمّ الإجماع المركّب مع الصحيحين حيث إنّ من يقول بفعله إذا تذكّر قبل الركوع يقول به في الأثناء.

ولكن تتعارضان حينئذ مع أخبار الزيادة ، والأصل مع عدم وجوب التدارك ، إلاّ أنّ الظاهر انعقاد الإجماع على خلافه.

ب : لو نسي رفع الرأس من الركوع ، أو مع طمأنينة الركوع ، أو مع ذكره أيضا وتذكّر قبل السجدة يرفع رأسه قطعا ، لوجوبه وإمكان الامتثال بلا محذور.

وهل يعود قبله إلى حالة الركوع للطمأنينة والذكر؟.

الظاهر نعم ، لوجوبهما وعدم محذور إلاّ توهّم زيادة الركوع ، وليس كذلك ، لأنّه الانحناء من الانتصاب ولم يتحقّق ، بل ما يفعله حينئذ حقيقة تتمّة من


1) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 7 ، التهذيب 2 : 344 - 1430 ، الوسائل 8 : 244 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26 ح 2.

2) انظر : المنتهى 1 : 415 ، والحدائق 9 : 144.

3) المتقدمتان في ص 100.

الركوع السابق.

ومنه يظهر أنّه لو سقط من الركوع قبل الرفع يرفع ، وقبل الذكر أو الطمأنينة يعود ويطمئن ويذكر ثمَّ يرفع ، وقبل الوصول إلى حدّ الركوع يركع ثمَّ يرفع ، والوجه في الكلّ ظاهر بعد ما مرّ.

ج : لو كان المنسي مجموع السجدتين وعاد إليهما لا يجلس قبلهما ، للأصل.

ولو كان إحداهما ، فإن كان قد جلس عقيب الأوّل واطمأنّ بنيّة الفصل ، أو بلا نيّة لم يجب الجلوس قبل السجدة أيضا ، بلا كلام كما قيل (1)، لحصوله من قبل.

وإن لم يكن قد جلس كذلك ، أو لم يطمئنّ وجب ، كما به صرّح شيخنا الشهيد الثاني وصاحب المدارك (2)، لأنّه من أفعال الصلاة الواجبة بالإطلاقات ، ولم يأت به مع إمكان تداركه بلا استلزامه محذورا من جهة أصلا.

خلافا للمحكي عن المبسوط والمنتهى (3)، وهو ظاهر الذخيرة (4)، فجوّزوا تركه.

لتحقّق الفصل بين السجدتين.

ولأنّ القدر الذي ثبت هو وجوب الجلوس والفصل بين السجدتين المتّصل بهما ، وقد فات ولا يمكن تداركه.

ويتبيّن ضعف الأوّل : بأنّ الواجب هو الجلوس على الوجه المخصوص الغير الحاصل ، لا مطلق الفصل.

والثاني : بأنّ الخصوصيّة التي ذكرت لا دخل لها في وجوب الجلوس وإن اتّفق ذلك ، وإلاّ لزم إجراء هذا الكلام في جميع الأجزاء التي يجب تداركها.


1) الحدائق 9 : 137.

2) الشهيد الثاني في المسالك 1 : 41 ، المدارك 4 : 236.

3) المبسوط 1 : 120 ، المنتهى 1 : 414.

4) الذخيرة : 372.

ولو كان جلس ولكن بنيّة الاستراحة لمظنّة أنّه قد أتى بالسجدتين ، ففي الاكتفاء به للفصل ، وعدمه ، وجهان.

الظاهر الثاني ، إذ لكلّ امرئ ما نوى (1)، ولأنّ قصده الاستراحة مانع عن انطباقه على الأمر الموجب للفصل.

وقال بعض مشايخنا الأخباريين - طاب ثراه - بالاكتفاء (2).

لاقتضاء نيّة الصلاة كون كلّ فعل في محلّه ، فلا تعارضها النيّة الطارئة سهوا.

وللأخبار الدالّة على أنّه لو دخل في الصلاة بنيّة الفريضة ، ثمَّ سها في أثنائها وقصد الندب ببعض أفعالها لم يضرّه ذلك (3).

والأوّل مع عروض النيّة المنافية ممنوع.

والثاني غير المسألة ، فإنّ هذا المنوي سهوا أيضا من أجزاء هذه الفريضة.

ولو شكّ هل جلس أم لا بنى على الأصل ، فيجب الجلوس وإن كان حالة الشك قد انتقل من المحلّ ، لأنّه بالعود إلى السجدة مع استمرار شكّه يصير في المحلّ ، كذا قيل (4).

والأولى أن يقال : إنّ ذلك إنّما هو للشك في تجاوز محلّه فيستصحب المحلّ.

أو المراد بالتجاوز عن الفعل المعلّق عليه عدم العود للشك المذكور في الأخبار : التجاوز عن المحلّ المقرّر له شرعا ، لعدم صحّة غيره. وهو في المورد بعد السجدة الاولى وقبل الثانية.

وهو كذلك ، وكون القيام المتقدّم على السجدة الثانية المأمور بإلقائه تجاوزا عن الموضع غير معلوم.

ومثله ما لو نسي سجدة وشكّ في أخرى ، فإنّه يجب الإتيان بهما معا عند


1) الوسائل 1 : 48 أبواب مقدمة العبادات ب 5 ح 10.

2) صاحب الحدائق 9 : 138.

3) الوسائل 6 : 6 أبواب النية ب 2.

4) روض الجنان : 345.

الجلوس وإن كان ابتداء الشك بعد الانتقال.

ومنه ما لو تذكّر نسيان السجدتين قبل الركوع ، وشكّ في الركوع السابق مع العلم بالهويّ ، على القول بعدم كون الهويّ تجاوزا عن المحلّ ، فيركع للسابق ويسجد السجدتين ، فيقوم.

د : متى تدارك المنسي تجب عليه إعادة ما بعده من تشهّد أو تسبيح أو قراءة وإن أتى به أوّلا ، إجماعا ، له ، ولإطلاق الأمر به بعده ، ولرعاية الترتيب.

ولا يعتدّ بما أتى به قبله ، لوقوعه في غير محلّه فيكون كالعدم. ولا تضرّ الزيادة ، لا لعدم كونها ركنا ، لإطلاق مبطلات الزيادة. بل للإجماع ، ولصحة الصلاة قطعا مع اشتمالها على هذه الزيادة.

ه- : لو كان المنسي سجدتي الركعة الأخيرة أو إحداهما ، وتذكّر في أثناء التشهّد ، أو بعده وقبل السلام على القول بجزئيّته ، عاد وأتى بالمنسي ، للإجماع المركّب والبسيط ، وإطلاق صحيحتي ابن سنان وحكيم (1). وبما بعده ، تحصيلا للترتيب الواجب ، واتّباعا لإطلاق الأمر بالتشهّد والسلام بعد السجدة الثانية.

ولو تذكّر بعد التشهّد وقبل السلام على القول بعدم جزئيّته ، فإن كان المنسي السجدة الواحدة فلا شكّ في صحّة الصلاة ووجوب الإتيان به.

فهل يأتي به قضاء حتى يجوز تأخيره عن التسليم ولا يضرّ تخلّل الحدث ونحوه بينه وبين الصلاة ، أو أداء حتى يجب تقديمه والإتيان بالتشهّد بعده؟.

الظاهر الثاني ، لعدم بطلان الصلاة إجماعا ، ووجوب الإتيان به كذلك ، وأصالة عدم جواز تأخيره عن التسليم ، وعدم الفراغ عن الصلاة ، لأنّه بعد التشهّد الذي تسبقه السجدتان. وليس هناك عموم أو إطلاق دالّ على تمام الصلاة بالتشهّد مطلقا. وشمول ما دلّ عليه لمثل المقام غير معلوم.

ولإطلاق الأمر بالتشهّد بعد السجدتين من غير معارض. واستلزامه


1) المتقدمتين في ص : 100.

الزيادة في الصلاة معارض باستلزام الآخر نقص السجدة ، حيث إنّ المقضي بعد التسليم إنّما هو بأمر آخر. مع أنّك قد عرفت أنّ تكرار التشهّد ليس زيادة مبطلة من حيث التعدّد ، نعم تكون زيادته بإيقاعه في غير محلّه مبطلا وهو قد حصل بالتشهّد السابق ، ولم يوجب الإبطال قطعا ، فلا تلزم من التشهّد اللاحق زيادة أصلا.

وإن كان السجدتين ، فهل تبطل الصلاة؟ لتركهما إلى الفراغ واستلزام التدارك الزيادة وعدمه النقيصة.

أولا ، فيأتي بهما ثمَّ بالتشهّد؟ لظاهر الإجماع المركّب بينهما وبين السجدة الواحدة ، وإطلاق الصحيحتين المتقدّمتين ، وأصالة عدم الفراغ ، وعدم البطلان ، ومطلقات الأمر بالسجدتين ثمَّ التشهّد ، والزيادة هنا غير مبطلة ، للصحيحين.

كلّ محتمل. والثاني أظهر ، لما مرّ. والاحتياط بالإتيان بالمنسي وما بعده والتسليم وإعادة الصلاة لا ينبغي أن يترك.

وتبطل الصلاة بتخلّل الحدث هنا قطعا.

ولو تذكّر بعد التسليم نسيان السجدة الأخيرة فعلها ، للصحيحين المذكورين.

وهل يتشهّد بعدها ويسلّم لإطلاق الأمر بهما بعد السجدة ، أو لا؟.

الظاهر الثاني ، لحصول الفراغ من الصلاة ، والانصراف عنها بالتسليم ولو في غير موضعه ، للأخبار المتقدّمة في باب التسليم كرواية أبي كهمش (1)، وغيرها ، فخرج عن الصلاة به ، فإذا نقصت السجدة فالأصل يقتضي بطلان الصلاة ، ولكنّه اندفع بالإجماع على عدم الإعادة هنا ، وبصحيحة ابن حكيم ، فلم يبق إلاّ العود إلى الصلاة والدخول فيها ، أو المضي بلا تدارك ، أو تدارك السجدة خارج


1) الفقيه 1 : 229 - 1014 ، التهذيب 2 : 316 - 1292 ، مستطرفات السرائر : 97 - 16 ، الوسائل 6 : 426 أبواب التسليم ب 4 ح 2.

الصلاة. والأوّل خلاف الأصل ، والثاني باطل بالصحيحين ، فلم يبق إلاّ الأخير. فتكون هذه السجدة غير ما أمر به في الصلاة ، والأمر بالتشهّد بعدها إنّما هي في سجدة الصلاة.

ولو كان المنسي بعد التسليم السجدتين الأخيرتين بطلت صلاته ، لفوات الركن مع الخروج عن الصلاة ، وهو مبطل بالأصل والإجماع.

ومنع الخروج مدفوع بالأخبار المتقدّمة. وكون التسليم في غير المحلّ لا يضرّ. ولا يرد لزوم بطلان الصلاة بالتسليم في غير المحل مطلقا ، مع أنّه ليس كذلك ، لأنّ ما ليس كذلك يعاد فيه إلى الصلاة بالدليل.

وأمّا الصحيحان فيعارضان الصحيح : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة » (1)وعدّ منها السجود.

دلّ على الإعادة من نقصان السجود مطلقا ، خرجت السجدة الواحدة بالإجماع والأخبار التي منها صحيحة ابن حكيم ، فيبقى الباقي.

و : لو نسي التشهد الأخير ثمَّ تذكّر بعد السلام قضاه بعده.

لا لما قيل من عدم الفرق بينه وبين التشهّد الأوّل (2)، لمنع عدم الفرق. ولا يتوهّم أنّ بناء الأصحاب على اتّحاد التشهّدين ، إذ ليس كذلك. قال في الحدائق في بحث قضاء التشهّد : أمّا صحيحة محمّد فموردها التشهّد الأخير ، ومحلّ البحث في الأخبار وكلام الأصحاب التشهّد الأوّل (3).

بل للصحيحين المتقدّمين ، وصحيحة محمّد : في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهّد حتى ينصرف ، فقال : « إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهّد ، وإلاّ طلب مكانا نظيفا فتشهّد فيه » (4).


1) التهذيب 2 : 152 - 597 ، الوسائل 7 : 234 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 4.

2) كما في الذكرى : 221.

3) انظر : الحدائق 9 : 143.

4) التهذيب 2 : 157 - 617 ، الوسائل 6 : 401 أبواب التشهد ب 7 ح 2.

ورواية محمّد الحلبي : عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهّد ، قال : « يرجع فيتشهّد » قلت : أيسجد سجدتي السهو؟ فقال : « لا ، ليس في هذا سجدتا السهو » (1).

إلاّ أنّ في دلالة بعضها على الوجوب نظرا يندفع بضمّ البعض الآخر ، والإجماع المركّب.

ولا يجب السلام بعده ، على الأشهر ، للخروج عن الصلاة.

خلافا للمحكي عن الخلاف والنهاية وموضع من المقنعة ، والسيّد في موضع من الجمل (2)، وابن حمزة والحلّي (3)، فقالوا بأنّه يسلّم بعده ، استنادا إلى أنّ هذا السلام لم يكن في موقعه ، فبه لم يخرج عن الصلاة ، بخلاف ما إذا نسي التشهّد الأوّل وسائر ما كان قبل الركوع ممّا يقضى ، حيث إنّ لورود الأمر بالمضي في الصلاة يقع السلام موقعه ، فيخرج به عن الصلاة ويكون قضاء.

ويلزمهم على ذلك أن تكون السجدة الواحدة في الأخيرتين ، بل السجدتان الأخيرتان أيضا كذلك ، فيجب تداركها والإتيان بما بعدها ، ولا يبعد أن يقولوا به أيضا ، وإن لم يحضرني الآن تصريحهم به أو بخلافه ، وإن صرّح بعضهم به.

ويلزمهم أيضا بطلان الصلاة بتخلّل الحدث ونحوه ، كما صرّح به بعض هؤلاء في التشهّد (4).

ثمَّ إنّه يردّ قولهم بمنع توقّف الخروج عن الصلاة بكون السلام في موقعه ، بل المستفاد من الأخبار العموم وإن حصل العود في بعض الصور بالدليل.

ولا فرق فيما ذكر من وجوب القضاء في السجدة الواحدة والتشهّد ،


1) التهذيب 2 : 158 - 622 ، الاستبصار 1 : 363 - 1376 ، الوسائل 6 : 406 أبواب التشهد ب 9 ح 4.

2) لا يوجد الحكم بوجوب التسليم في الكتب المذكورة الموجودة بأيدينا ، ولم نجد أيضا من حكاه عنها.

3) الحلّي في السرائر 1 : 259 ، ولم نعثر على قول ابن حمزة في الوسيلة.

4) وهو الحلي في السرائر 1 : 259.

والبطلان في السجدتين ، بين ما إذا تخلّل الحدث ونحوه - ممّا يبطل الصلاة سهوا - بين التسليم وبين القضاء أم لا.

فإن كان المنسي السجدتين تبطل الصلاة ، ووجهه ظاهر.

وإن كان السجدة أو التشهّد يقضيهما ، ولم يقع الحدث في أثناء الصلاة حتى يبطلها ، ولا دليل على كونه مبطلا إذا وقع بين الصلاة وأجزائها المقضيّة ، كما يأتي.

ز : لو نسي جلسة الاستراحة - على القول بوجوبها - لم يجب تداركها إذا تذكّر بعد القيام ، لتقييد دليل وجوبها بأنّها حين يريد أن يقوم بعد السجدة ، فإذا قام فاتت ولا يمكن التدارك.

ح : حكم الصلاة على النبي وآله في التشهّد الأخير حكم التشهّد ، فيأتي بها لو نسيها إلى أن سلّم.

لا لما قيل من أنّ التشهّد يقضى بالنصّ فكذا أبعاضه ، تسوية بين الكلّ والجزء (1).

لمنع التسوية ، ولذا تقضى أمور لا تقضى أجزاؤها.

قيل : الأصل يقتضي التسوية ، إذ فوات الجزء يستلزم فوات كلّه المستلزم للقضاء بالنصّ (2).

قلنا : هذا إنّما يتمّ في الجزء الذي يفوت بفوته الكلّ عرفا لا مطلقا ، وليس المورد كذلك.

ولا لما قيل من أنّ فوات المحلّ لا يقتضي الصحّة ، بل الفساد كما في كلّ جزء ، وانتفاؤه هنا بالإجماع لا يدلّ على الصحة بدون التدارك أيضا ، بل غاية ما علم منه الخروج عن الاشتغال مع التدارك خاصّة ، لا بدونه ، فقاعدة أصالة


1) كما في الذكرى : 221.

2) كما في الرياض 1 : 214.

الاشتغال تقتضي لزوم التدارك (1).

إذ يخدش ذلك أنّ ما علم به الاشتغال هو الصلاة في محلّ خاصّ ، كما هو المفروض وإلاّ لم يكن محلّه فائتا ، وهي قد فاتت ، وعلم براءة الذمّة من الإتيان بها في المحلّ بإعادة الصلاة بالإجماع ، والاشتغال بغيرها يحتاج إلى دليل آخر.

بل لإطلاق الصحيحين المتقدّمين. ولا يضرّ خروج كثير من الأفراد منهما ، إذ لم يخرج الأكثر ، ولو خرج أيضا فعمومهما إطلاقي لا يضرّ فيه ذلك.

وهل يجب قضاء التشهّد معها أيضا؟.

الحقّ لا ، للأصل ، وعدم التوقّف.

ولا يجب التسليم بعده ، للأصل. وإطلاق الأمر به بعد التشهد إنّما هو فيما يقع في الصلاة دون ما يقضى في الخارج بدليل خارجي.

ولا تجب في شي‌ء من هذه سجدة سهو ، للأصل ، واختصاص سجدة السهو في التشهّد بالأوّل كما يأتي. إلاّ أنّه تستحبّ ، لأنّه أيضا نقصان.

وكذا يقضي الصلاة على النبي وآله لو تركها من التشهّد الأوّل وتذكّر بعد الفراغ ، لإطلاق الصحيحين. بل بعد الركوع مطلقا ، لهما ، وعدم العود حينئذ إجماعا.

الموضع الثاني : فيما لا تدارك له أصلا

وهو من نسي الجهر أو الإخفات مطلقا ، أو القراءة كلا أو بعضا حتى يركع ، أو الذكر في الركوع ، أو الطمأنينة فيه حتى يرفع ، أو الرفع منه ، أو الطمأنينة فيه حتى يسجد ، أو الذكر في السجدة ، أو الطمأنينة فيها ، أو السجود على أحد الأعضاء غير الجبهة منها حتى يرفع ، أو إكمال رفع الرأس منه ، أو الطمأنينة فيه حتى يسجد ، أو الطمأنينة في الجلوس للتشهّد حتى يقوم.


1) انظر : الرياض 1 : 214.

بالإجماع في أكثرها ، وبلا خلاف يعتدّ به في الجميع.

للصحيح : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور ، والوقت ، والقبلة ، والركوع ، والسجود » (1).

وبه يخرج عن الأصل المتقدّم. دلّ على عدم إعادة الصلاة بنقصان شي‌ء ممّا ذكر وإن تذكّر في أثناء الصلاة ولم يعد إلى الإتيان به ، فتكون صلاته حينئذ صحيحة ، فلا يجب التدارك.

مع أنّ مقتضى الصحيح عدم الإعادة بنقصه ولو تركه في الأثناء عمدا ، خرج ما خرج منه بالإجماع ، فيبقى الباقي ، ومقتضاه اختصاص جزئيّة هذه الأمور بصورة تركها في غير محلّ الكلام هنا.

وأمّا تعارض الصحيحين (2)في أكثر هذه الموارد فيجاب عنهما بأنّهما فيه خلاف الإجماع ، لعدم قول بالعود ولا بالقضاء.

هذا ، مضافا في الجهر والإخفات إلى الصحيحين (3)

الثاني : التهذيب 2 : 147 - 577 ، الوسائل 6 : 86 أبواب القراءة ب 26 ح 2.

، المتقدّمين في بحثهما.

وفي القراءة إلى ما مرّ في بحثها من المعتبرة المستفيضة (4). وما دلّ على خلافه فيها شاذّ (5)، كخلاف ابن حمزة - على ما قيل (6)- فيها ، كما مرّ.

وفي طمأنينتي الركوع والسجود إلى اختصاص دليلهما بما لا يتمّ في المورد ، لأنّه إمّا الإجماع ، أو الخبر الضعيف المحتاج إلى الانجبار ، وشي‌ء منهما لم يتحقّق في المقام.7.


1) تقدّم في ص : 110.

2) وهما صحيحتا ابني حكيم وسنان المتقدّمتان في ص 100.

3) الأول : الفقيه 1 : 227 - 1003 ، التهذيب 2 : 162 - 635 ، الاستبصار 1 : 313 - 1163 ، الوسائل 6 : 86 أبواب القراءة ب 26 ح 1.

4) الوسائل 6 : 87 أبواب القراءة ب 27.

5) التهذيب 2 : 146 - 573 ، الاستبصار 1 : 354 - 1339 ، الوسائل 6 : 88 أبواب القراءة ب 27 ح 4.

6) حكاه عنه في التنقيح 1 : 197.

فما حكي عن الشيخ فيهما من الخلاف ضعيف ، كدعواه الإجماع عليه (1)، مع أنّ الظاهر من الخلاف أنّ مراده بالركنيّة هو الوجوب ، كما هو ظاهر القدماء أيضا ، وعليه دعواه الإجماع.

وفي ذكرهما إلى روايتي القدّاح وابن يقطين :

الاولى : عن رجل ركع ولم يسبّح ناسيا ، قال : « تمّت صلاته » (2).

والثانية : عن رجل نسي تسبيحة في ركوعه وسجوده ، قال : « لا بأس بذلك » (3).

وإن أمكن الخدش في أولاهما بإرادة تسبيح القيام أي التسبيحات الأربع.

وفي الثانية بأنّ نسيان التسبيحة لا يدلّ على نسيان مطلق التسبيح ، إلاّ أن يقرأ « تسبيحه » بالضمير ، كما عليه النسخ الصحيحة.

وفي الرفعين وطمأنينتهما إلى أنّ ثبوتها في مواضعها بالإجماع المنتفي في المقام ، أو الأمر الغير المتعلّق بالساهي قطعا ، وعدم ثبوت أمر بعد الدخول فيما بعدها.

الموضع الثالث : فيما يتدارك بعد الصلاة ، ويسجد له سجدتا السهو أيضا
اشارة

وهو أن ينسى السجدة الواحدة حتى يدخل الركوع ، أو التشهّد كذلك ، فيقضيهما بعد الصلاة ويسجد سجدتي السهو.

وأمّا قضاء السجدة فعلى الأظهر الأشهر ، للصحيحتين المتقدّمتين (4)، وصحيحتي أبي بصير ، وابن جابر المتقدّمتين (5)، وموثّقة الساباطي : في الرجل


1) الخلاف 1 : 359 و 348.

2) التهذيب 2 : 157 - 613 ، الوسائل 6 : 320 أبواب الركوع ب 15 ح 1.

3) التهذيب 2 : 157 - 614 ، الوسائل 6 : 320 أبواب الركوع ب 15 ح 2.

4) في ص 100.

5) في ص 102.

ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام وركع ، قال : « يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلّم ، فإذا سلّم سجد مثل ما فاته » (1)، إلى غير ذلك.

ولا يضرّ عدم صراحة بعضها في الوجوب ، لكون البواقي قرينة على إرادة الوجوب عنه أيضا.

خلافا للمحكي عن الكليني والعماني (2)، فأفسدا الصلاة بترك السجدة مطلقا ، كما مرّ في بحث السجود بدليله وجوابه.

وعن المفيد والتهذيب (3)، فكذلك إذا كانت السجدة من الركعتين الأوليين خاصّة ، لصحيحة البزنطي : عن رجل صلّى ركعة ثمَّ ذكر - وهو في الثانية ، وهو راكع - أنّه ترك سجدة من الاولى ، فقال : « كان أبو الحسن عليه السلام يقول : إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر واحدة أم ثنتين استقبلت حتى يصحّ لك أنّهما ثنتان ، وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن يكون قد حفظت الركوع أعدت السجود » (4).

ورواها في الكافي مع زيادة ونقصان (5)، فزاد لفظ الصلاة بعد قوله : « استقبلت » ونقص قوله : « وإذا كان في الثالثة » إلى آخره.

وأجيب عنه (6)تارة : بحمل قوله : « ولم تدر .. » على الشك بين الواحدة والاثنتين من الركعة.

ويضعّفه بعده جدّا.

واخرى : بحمل الرواية على الشك في ترك السجدة ، فلا ينطبق على


1) التهذيب 2 : 153 - 604 ، الاستبصار 1 : 359 - 1362 ، الوسائل 6 : 364 أبواب السجود ب 14 ح 2.

2) الكليني في الكافي 3 : 349 ، حكاه عن العماني في المختلف : 131.

3) حكاه عنهما في الذكرى : 220 ، وهو في التهذيب 2 : 154.

4) التهذيب 2 : 154 - 605 ، الاستبصار 1 : 360 - 1364 ، قرب الإسناد 365 - 1308 ، الوسائل 6 : 365 أبواب السجود ب 14 ح 3.

5) الكافي 3 : 349 الصلاة ب 37 ح 3.

6) انظر : الحدائق 9 : 147.

المدّعى.

وتردّه صراحتها في ترك السجدة الواحدة والشك في الزائد. ولا عبرة به ، لفوات المحلّ.

وثالثة : بحمل « استقبلت » على استقبال السجود.

ولا يلائمه التفصيل بين الركعتين الأوليين وغيرهما ، مع أنّ في غيرهما أيضا حكم بذلك.

والصواب أن يجاب - مضافا إلى عدم دلالتها على الوجوب ، وشذوذها المخرج لها عن الحجّية جدّا - بأنّها غير دالّة على مطلوبهم ، لأنّها تبيّن حكم ما إذا ترك السجدة ولم يدر الوحدة والتعدّد.

وأمّا وقوع السؤال عن ترك السجدة خاصّة وانضمام الشك في الجواب لا محالة لا بدّ وأن يكون لفائدة ، وإلاّ لغت الضميمة ، فيحتمل أن تستحبّ الإعادة حينئذ ، وعدل عن جواب السؤال لمصلحة.

وقد يستدلّ للشيخ أيضا برواية أبي بصير : « إذا سهوت في الركعتين الأوليين فأعدهما » (1).

وحسنة الوشاء : « الإعادة في الركعتين الأوليين ، والسهو في الركعتين الأخيرتين » (2).

ويجاب عن الأولى : بأنّ السهو في الركعة غير السهو في أجزائها ، فيمكن أن يكون المراد ترك الركعة ، أو المراد الشك ، كما هو الشائع في الأخبار.

وعن الثانية : بعدم تعيّن سبب الإعادة ، وعدم دليل على العموم.

وأمّا كون قضائها بعد الصلاة فعلى الحقّ الموافق للأكثر بل غير من شذّ


1) التهذيب 2 : 177 - 706 ، الاستبصار 1 : 364 - 1383 ، الوسائل 8 : 191 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 15.

2) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 38 ح 4 ، التهذيب 2 : 177 - 709 ، الاستبصار 1 : 364 - 1386 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 10.

وندر ، لما مرّ من الأخبار.

وأمّا صحيحة ابن أبي يعفور : « إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنّه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد ، قبل أن يسلّم » الحديث (1).

فلم يفت بمضمونها - الذي هو وجوب كون القضاء قبل التسليم ، واجبا كان أو مستحبّا - أحد ، فهي للشذوذ مطروحة.

مع أنّها تعمّ ما إذا تذكّر النسيان قبل الركوع ، ويكون المراد أن يقعد ويسجد.

هذا مضافا إلى معارضتها مع ما مرّ ، وترجيحه للأشهريّة رواية وفتوى.

خلافا لوالد الصدوق ، فأوجب قضاءها بعد ركوع الثالثة إن كانت المنسيّة من الاولى وتذكّر بعد ركوع الثانية ، وفي الرابعة إن تذكّر بعد ركوع الثالثة إن كانت من الثانية ، وبعد التسليم إن تذكّر بعد ركوع الرابعة إن كانت من الثالثة (2).

للرضوي المصرّح بذلك (3)، القاصر عن معارضة ما مرّ بوجوه.

وعن المفيد في العزيّة ، فقال : فإن ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث سجدات : واحدة منها قضاء ، والاثنتان للركعة التي هو فيها (4).

وهو أيضا قريب من سابقة ، وجوابه ظاهر.

وأمّا وجوب سجدتي السهو لها فعلى المشهور ، بل عن المنتهى والتذكرة الإجماع عليه (5).

للإجماع المنقول ، ورواية ابن السمط : « تسجد سجدتين في كلّ زيادة


1) التهذيب 2 : 156 - 609 ، الاستبصار 1 : 360 - 1366 ، الوسائل 6 : 370 أبواب السجود ب 16 ح 1.

2) حكاه عنه في المختلف : 131.

3) فقه الرضا 7 : 117 ، مستدرك الوسائل 4 : 461 أبواب السجود ب 12 ح 1.

4) حكاه عنه في المختلف : 131.

5) المنتهى 1 : 417 ، التذكرة 1 : 138.

تدخل عليك أو نقصان » (1).

وفيها : أنّها غير دالّة على الوجوب ، بل تحتمل.

وللأمر بالسجدة في صحيحة الحلبي في صورة الشكّ (2)، فيثبت في السهو بالطريق الأولى.

وفيه : منع الأولويّة ، سيّما مع تدارك السجدة مع احتمال الزيادة.

خلافا للمحكي عن الصدوقين ، والمفيد في العزيّة ، والعماني (3)، وأكثر متأخري المتأخرين (4)، فلم يوجبوهما لها ، للأصل ، وخلو ظواهر الصحاح الواردة في مقام البيان الآمرة بقضاء السجدة عن ذكرهما ، وصريح صحيحة أبي بصير المتقدّمة (5)، وموثقة الساباطي : عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة ، هل عليه سجدتا السهو؟ قال : « لا ، قد أتمّ الصلاة » (6).

ولا يضرّ عدم ثبوت هذا الحكم للركوع ، لأنّ الحكم فيه محمول على ما قبل دخول السجود.

وموثقة سماعة : « من حفظ سهوه وأتمّه فليس عليه سجدتا السهو ، إنّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها » (7).

وهذه الأخبار كما ترى أكثر من الاولى وأصرح ، ومعاضدة بالأصل ،


1) التهذيب 2 : 155 - 608 ، الاستبصار 1 : 361 - 1367 ، الوسائل 8 : 251 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 3.

2) الفقيه 1 : 230 - 1019 ، التهذيب 2 : 196 - 772 ، الاستبصار 1 : 380 - 1441 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

3) الصدوق في الفقيه 1 : 225 - ذ ح 993 ، حكاه عن والد الصدوق والمفيد والعماني في المختلف : 140.

4) منهم السبزواري في الذخيرة : 373 ، وصاحب الحدائق 9 : 151 ، وصاحب الرياض 1 : 215.

5) في ص : 102.

6) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 245 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26 ح 3.

7) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 4 ، الوسائل 8 : 239 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 8.

وبعضها أخصّ مطلقا من رواية ابن السمط ، فالحقّ عدم الوجوب.

وأمّا قضاء التشهّد فهو المشهور ، بل عن الخلاف الإجماع عليه (1)، لصحاح محمّد وابني حكيم وسنان ، ورواية علي بن أبي حمزة ، المتقدّمة جميعا (2).

إلاّ أنّ الإجماع المنقول ليس بحجّة ، وغير صحيحة ابن سنان منها لا يدلّ على الوجوب أصلا ، فيحتمل الاستحباب.

مضافا إلى أنّه يجوز أن يراد من التشهّد في الرابعة تشهّد سجدتي السهو ، كما يشعر به العطف ب- « ثمَّ » حيث إنّهم يقولون بوجوب تقديم قضاء المنسي على السجدتين.

ولا يفيد التقييد بالتشهّد الذي فاتك مع أنّ تشهّد سجدتي السهو خفيف ، لجواز الخفيف مطلقا على المشهور.

مع أنّه على التغاير لا يفيد أيضا ، لأنّ القيد لا يفيد أزيد من المماثلة في الشهادة. ولذا ورد في الرضوي : « وتشهّد فيهما بالتشهّد الذي فاتك » (3).

فذكر القيد مع التصريح بقوله : « فيهما ».

ولكن صحيحة ابن سنان كافية في إثبات الوجوب ، فهو الحقّ.

خلافا للمحكي عن الصدوقين والمفيد في الرسالة (4)، فقالوا بإجزاء تشهّد السجدتين عن قضاء التشهّد ، وإليه مال بعض الميل صاحب المدارك (5)، واستظهره في الحدائق (6).

للأصل.

وخلوّ الأخبار المصرّحة بوجوب سجدة السهو لنسيان التشهّد - الواردة في


1) الخلاف 1 : 453.

2) في ص 100 و 104 و 110.

3) فقه الرضا 7 : 118 ، مستدرك الوسائل 5 : 12 أبواب التشهد ب 5 ح 1.

4) انظر : الفقيه 1 : 233 ، وحكاه عنهم في الذكرى : 221.

5) المدارك 4 : 243.

6) الحدائق 9 : 153.

مقام البيان - عن ذكر القضاء.

ويجاب عنه : بكفاية صحيحة ابن سنان لدفع الأصل.

ولا يضرّ عدم القائل بعمومها ، إذ يخرج منها ما خرج بالدليل.

ولا الإيراد بخروج الأكثر منها ، لمنعه. مع أنّه لو كان لم يضرّ ، لكون العموم فيها إطلاقيا.

وبعدم دلالة خلوّ بعض الأخبار عنه على العدم ، إذ لعلّه كان معلوما.

فالحقّ مع المشهور.

وأمّا وجوب سجدتي السهو له ، فهو أيضا الحقّ المشهور بين الأصحاب ، وعن الخلاف الإجماع عليه (1)، ونفى بعض الأصحاب الخلاف فيه (2).

وتدلّ عليه صحيحة الحلبي المتقدّمة (3)، المتأيّدة بصحاح أخر.

ولا ينافيها حديث محمّد الحلبي السابقة (4)، لأنّها إمّا فيما إذا تذكّر قبل الركوع بدليل قوله : « يرجع فيتشهّد » أو في التشهّد الأخير.

وقد ينسب الخلاف فيه إلى العماني والجمل والاقتصاد وأبي الصلاح (5)، ولعلّه لبعض العمومات الواجب تخصيصه بما مرّ.

والظاهر اختصاص سجدة السهو بالتشهّد الأوّل ، لأنّه مورد الأخبار. وأمّا الأخير فلا دليل عليه ، وعدم الفصل غير ثابت. كيف؟! وقد قيّد المفيد في العزيّة والشيخ في المبسوط والخلاف (6)التشهّد - الواجب لنسيانه السجدة - بالأوّل. وهو ظاهر المقنعة والكافي وجمل السيّد (7)، بل كلّ من قيّد نسيانه بقوله : حتى يركع.


1) الخلاف 1 : 453.

2) كما في المدارك 4 : 242.

3) في ص : 104.

4) في ص : 111.

5) حكاه عن العماني في المختلف : 140 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 188 ، الاقتصاد : 267 ، أبو الصلاح في الكافي في الفقه : 149.

6) حكاه عن المفيد في المختلف : 140 ، المبسوط 1 : 122 ، الخلاف 1 : 453.

7) المقنعة : 148 ، الكافي 3 : 361 ، حكاه عن جمل السيّد في شرحه للقاضي : 107.

وصرّح بعضهم بأنّ محلّ البحث هو الأوّل ، قال في الحدائق : أمّا صحيحة محمّد فموردها التشهّد الأخير ، ومحلّ البحث في الأخبار وكلام الأصحاب هو الأوّل (1).

وأمر الاحتياط ظاهر.

فروع :

أ : تقضى أبعاض التشهّد أيضا ، لإطلاق الصحيحين.

ومن المتأخّرين من فرّق بين إحدى الشهادتين وبين أبعاضها ، فحكم بالقضاء في الأوّل ، إذ تصدق عليه الشهادة ، دون الأخير ، للأصل (2).

وضعفهما ظاهر.

وإذا قضى البعض لا يضمّ إليه غيره إلاّ ما توقّف تمام المعنى عليه.

ب : لا يضرّ تخلّل الحدث ونحوه بين السلام وبين شي‌ء ممّا يقضى ، للأصل.

ج : المراد بالقضاء في الأجزاء المنسيّة الإتيان بها بعد الصلاة ، سواء كان في وقتها أو في خارجه. ولا تعتبر فيه نيّة القضاء ، ولا وقت الصلاة ، ولا الفوريّة ، جميع ذلك للأصل.

د : لا يجب الترتيب بين الأجزاء المنسيّة ولا بينها وبين سجود السهو لها ، أو لغيرها ، لإطلاق الأدلّة ، والأصل الخالي عن المعارض.

ومنهم من أوجبه في بعض ما ذكر (3). ولا دليل عليه.


1) الحدائق 9 : 154.

2) كما في الروضة 1 : 325.

3) انظر : الذكرى : 229.

الفصل الثاني : في الخلل الواقع بالزيادة سهوا
اشارة

وفيه مسائل :

المسألة الاولى :

من زاد تكبيرة الإحرام ، أو الركوع ، أو السجدتين بطلت صلاته ، بلا خلاف أجده ، وبه صرّح جماعة (1)، بل هو إجماعي ، له ، وللقاعدة المتقدّمة.

ومنه ظهر البطلان بزيادة الركعة أيضا ، بأن يزيدها قبل التسليم مطلقا ، بعد التشهّد أو قبله ، كما هو المتّفق عليه - على ما حكاه جماعة منهم الفاضلان والشهيد (2)، وغيرهم (3)- إذا لم يجلس عقيب الرابعة بقدر التشهّد ، وعلى المشهور إذا جلس أيضا وإن قلنا بعدم جزئيّة التسليم.

لصدق الزيادة عرفا ما لم يتمّ الصلاة ، مضافا إلى رواية الشحام : « عن الرجل صلّى العصر ستّ ركعات ، أو خمس ركعات ، قال : إن استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد » (4).

خلافا للمحكي عن الإسكافي والمعتبر والتحرير والمختلف ، بل المنتهى (5)، فلا إعادة إن جلس في الرباعيّة بقدر التشهّد وإن لم يتشهّد.


1) كصاحب المدارك 4 : 223 ، والسبزواري في الكفاية : 25 ، وصاحب الرياض 1 : 212.

2) المحقق في المعتبر 2 : 380 ، العلامة في التحرير 1 : 49 ، الشهيد في الذكرى : 219.

3) كالسبزواري في الذخيرة : 359.

4) التهذيب 2 : 352 - 1461 ، الوسائل 8 : 225 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 5.

5) حكاه عن الإسكافي في الذكرى : 219 ، المعتبر 2 : 380 ، التحرير 1 : 49 ، المختلف : 135 ، المنتهى 1 : 409.

وجعله المحقق أحد قولي الشيخ (1)، ونسبه في المنتهى إلى التهذيب (2)، وفيه تأمّل واضح.

دليلهم : أنّ نسيان التشهّد غير مبطل ، فإذا جلس بقدره فقد فصل بين الفرض والزيادة ، ولصحيحتي زرارة (3)، وجميل (4)، ورواية محمّد (5).

ويضعّف الأوّل : بأنّ الفصل بالجلوس لا يقتضي عدم وقوع الزيادة.

والخبران : بمرجوحيّتهما عمّا مرّ ، لمخالفته العامّة ، فإنّ أكثرهم ، بل جميعهم على الصحّة مع زيادة الركعة سهوا ، ورواياتهم بها ناطقة متضافرة ، وإن اختلفوا في اشتراط الجلوس بقدر التشهّد وعدمه ، وأبو حنيفة وأتباعه على الأوّل (6)، والباقون على الثاني ، والموافقته شهرة الأصحاب.

وبأنّ المراد فيهما من الجلوس بقدر التشهّد التشهّد ، لشيوع مثل ذلك ، وندور تحقّق الجلوس بهذا القدر من دون الإتيان به.

أقول : تضعيف الأوّل وإن كان قويّا ، إلاّ أنّه يرد على أوّل التضعيفين للخبرين : بأنّ التعارض إنّما هو بالعموم والخصوص المطلقين ، وتلك الأخبار أخصّ مطلقا. وليس بناؤهم حينئذ على الرجوع إلى المرجّحات ، لعدم التعارض حقيقة ، بل الخاص قرينة معيّنة لمعنى العام ، فلا تفيد مخالفة أحدهما للعامة ، أو موافقته للشهرة ، إلاّ أنّ تصل الشهرة إلى حدّ شذوذ خلافها ، وهو في ذلك المقام غير معلوم.


1) المعتبر 2 : 380.

2) المنتهى 1 : 409.

3) التهذيب 2 : 194 - 766 ، الاستبصار 1 : 377 - 1431 ، الوسائل 8 : 232 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 4.

4) الفقيه 1 : 229 - 1016 ، الوسائل 8 : 232 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 6.

5) التهذيب 2 : 194 - 765 ، الاستبصار 1 : 377 - 1430 ، ورواها في المقنع : 31 مرسلة ، الوسائل 8 : 232 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 5.

6) انظر : المغني 1 : 721.

والثاني : بأنّه مجاز لا يصار إليه إلاّ بقرينة ، والندرة المدّعاة حتى في صورة السهو ، وكونها واصلة حدّ صلاحية القرينة ممنوعة ، والاستعمال في خبر أو خبرين - كما قيل - لا يوجب ثبوت الشيوع.

مع أنّ مقتضى ذلك الجواب الصحّة بالزيادة بعد التشهّد قبل التسليم وإن قلنا بوجوبه وجزئيّته ، ولا يقول به بعض المجيبين بهذا الجواب ، وإن حكي عن بعض آخر.

فهو على ذلك خلاف آخر في المسألة مستندا إلى هذا الحمل.

ويردّ : بأنّ حمله على ذلك خلاف ظاهر اللفظ وإن عبّر عن التشهّد بالجلوس في بعض الأخبار (1). فإنّ كان الاستناد إليه فهو غير صالح له ، وإن كان إلى شمول الجلوس بقدر التشهّد للتشهّد أيضا ، فيثبت الحكم فيه أيضا ، فالعمل به فرع العمل بأصله ، وهو القول بالصحّة مع الجلوس مطلقا ، فيكون صحيحا على ذلك القول ، وإلاّ فهو دلالة تبعيّة تنتفي بانتفاء متبوعها.

نعم يكون لذلك القول وجه على المختار من عدم جزئيّة التسليم ، حيث إنّه تتمّ الصلاة بالتشهّد.

مع أنّ فيه أيضا نظرا ، لصدق زيادة الركعة عرفا ما لم يتحقّق الانصراف عن الصلاة بالتسليم أو صارف آخر ، فلو لا الأخبار المذكورة لكان الحكم بالبطلان حينئذ أيضا متّجها ، إلاّ أنّ معها يثبت اغتفار الزيادة. هذا.

ثمَّ إنّ ما ذكرناه إنّما هو إذا تذكّر بعد الركوع الخامس ، أمّا لو تذكّر قبله فلا تبطل الصلاة أصلا ، بل يجلس ويتمّها.

وعلى القول بالصحّة إذا جلس بقدر التشهّد مطلقا هل ينسحب حكمه إلى زيادة أكثر من ركعة وإلى زيادة الركعة في غير الرباعيّة؟.

فيه وجهان ، أظهرهما العدم إن اختصّ المستند بالصحيحتين. والانسحاب إن استند إلى تماميّة الصلاة وعدم صدق الزيادة.


1) انظر : الوسائل 6 : 402 أبواب التشهد ب 7 ح 3 و 4.

المسألة الثانية :

قالوا : تبطل الصلاة بزيادة القيام المتّصل بتكبيرة الإحرام ، أو الركوع ، لكونه ركنا.

وفيه : أنّه لا دليل على البطلان بزيادة خصوص الركن ، إلاّ أن يوجّه بأنّ سبب الإبطال القاعدة المتقدّمة ، خرج منها غير الركن بالإجماع ، فيبقى الباقي.

ولكن المسألة قليلة الجدوى جدّا ، إذ لو لم يجتمع مع التكبير ، أو الركوع لم يكن مقارنا له ، فلا يكون ركنا ، ولو اجتمع تفسد بزيادة التكبير أو الركوع.

المسألة الثالثة :
اشارة

لا تبطل الصلاة بزيادة غير ما ذكر سهوا ، بالإجماع ، فهو الحجّة فيه ، مضافا في النيّة إلى عدم ثبوت جزئيّتها ، وعدم صدق الزيادة في الصلاة بزيادتها ، وفي غيرها إلى الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة ، كأخبار سهو النبي الدالّة على عدم البطلان بزيادة التشهّد والتسليم (1)، وأخبار أخر دالّة عليه أيضا (2)، والأخبار الواردة في حكم التسليم في غير موضعه ، الدالّة على عدم البطلان بزيادته (3)، وأخبار سجدة السهو لمن قام أو قعد في غير موضعهما ، الدالّة على عدم البطلان بزيادة القيام والقعود (4)وما صرّح بأنّه لا تعاد الصلاة من سجدة (5)إلى غير ذلك.

فائدة :

إذا سها الإمام أو المأموم ، أو كلاهما ، فيأتي حكمه في الفصل الرابع من المبحث الآتي ، بعد بيان حكم شكّ الإمام والمأموم.


1) الوسائل 8 : 199 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 4 و 7 و 11.

2) الوسائل 8 : 198 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 2 و 9 و 14.

3) الوسائل 8 : 198 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3.

4) الوسائل 8 : 244 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 26.

5) الوسائل 6 : 319 أبواب الركوع ب 14.

المبحث الرابع : في الشك والظنّ ، وبيان سائر مواضع سجدة السهو ، وكيفيّتها ، وكيفيّة صلاة الاحتياط ، وحكم الشاكّ المتذكّر بعد الفراغ من الصلاة

اشارة

ثمَّ الشك إمّا يتعلّق بأعداد الركعات ، أو بغيرها ، فهاهنا فصول :

الفصل الأوّل : في حكم الشك في أعداد الركعات
اشارة

وفيه مسائل :

المسألة الاولى :
اشارة

من شكّ في عدد الفريضة الثنائيّة يوميّة كانت ، أو غيرها بطلت صلاته ، وكذا الثلاثيّة ، بلا خلاف ، كما قيل (1)، بل بإجماع غير الصدوق ، كما في المنتهى (2)، بل مطلقا ، كما عن الخلاف والاستبصار والانتصار والسرائر (3)، وجعله في الأمالي من دين الإماميّة الذي يجب الإقرار به (4)، فهو الدليل في المسألة.

مضافا إلى المستفيضة كصحيحة الحلبي (5)، وروايتي عنبسة (6)،


1) الحدائق 9 : 162.

2) المنتهى 1 : 410.

3) الخلاف 1 : 447 ، الاستبصار 1 : 372 ، الانتصار : 48 ، السرائر 1 : 245.

4) الأمالي : 513.

5) التهذيب 2 : 180 - 723 ، الاستبصار 1 : 366 - 1396 ، الوسائل 8 : 194 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 5.

6) التهذيب 2 : 179 - 718 ، الاستبصار 1 : 366 - 1393 ، الوسائل 8 : 194 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ملحق بالحديث 5.

وحفص (1): « إذا شككت في المغرب فأعد ، وإذا شككت في الفجر فأعد ».

ورواية موسى بن بكر : « في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك » (2).

وموثّقة سماعة : في صلاة الغداة ، قال : « إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فأعد الصلاة من أوّلها ، والجمعة أيضا إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة ، لأنّها ركعتان ، والمغرب إذا سها فيها ، فلم يدر كم ركعة صلّى فعليه أن يعيد الصلاة » (3).

وعموم التعليل فيها يثبت الحكم في جميع الثنائيّات ، بل يدلّ عليه عموم قوله : « إذا لم تدر .. » وخصوص السؤال لا يخصّص الجواب.

ويدلّ على عمومه أيضا ما دلّ على وجوب الإعادة إذا شكّ بين الواحدة والاثنتين ، كحسنة محمّد (4)، ورواية الجعفي وابن أبي يعفور (5)، وغيرهما.

وأمّا موثّقتا عمّار ، الواردتان في المغرب والفجر (6)

الثانية : التهذيب 2 : 182 - 728 ، الاستبصار 1 : 366 - 1397 ، الوسائل 8 : 196 أبواب الخلل ب 2 ح 12.

، الدالّتان على صحّة الصلاة ، فيسلّم ويضيف إليها ركعة ، فلا تعارضان ما مرّ ، لعدم فتوى أحد من

1) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 39 ح 1 ، التهذيب 2 : 178 - 714 ، الاستبصار 1 : 365 - 1390 ، الوسائل 8 : 193 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 1.

2) التهذيب 2 : 179 - 719 ، الوسائل 8 : 195 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 9.

3) التهذيب 2 : 179 - 720 ، الاستبصار 1 : 366 - 1394 ، الوسائل 8 : 195 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 8.

4) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 39 ح 2 ، التهذيب 2 : 179 - 715 ، الاستبصار 1 : 365 - 1391 ، الوسائل 8 : 189 أبواب الخلل ب 1 ح 7.

5) التهذيب 2 : 176 - 702 ، الاستبصار 1 : 363 - 1379 ، الوسائل 8 : 191 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 16.

6) الاولى : التهذيب 2 : 182 - 727 ، الاستبصار 1 : 371 - 1412 ، الوسائل 8 : 196 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 11.

الطائفة بمضمونهما ، مع أنّهما موافقتان لجمع من العامّة ، كما عن الوسائل (1).

خلافا للمحكي عن الصدوق ، فخيّر بين الإعادة ، والبناء على الأقلّ في الموضعين ، كما قيل (2)، أو في الثلاثيّة فقط مع الرباعيّة مطلقا كما ذكره بعض آخر (3)، وإن أنكر بعض المتأخّرين النسبتين (4).

جمعا بين ما مرّ وبين ما دلّ على وجوب البناء على الأقلّ مطلقا ، كرواية إسحاق بن عمّار (5)، وصحيحتي عبد الرحمن بن الحجاج (6)، وزرارة (7)، أو إذا لم يدر واحدة صلّى أم ثنتين أو ثلاثة ، كصحيحة ابن يقطين (8)، أو إذا لم يدر واحدة صلّى أم ركعتين ، كصحيحتي ابن أبي العلاء (9)، ورواية ابن أبي يعفور (10).

ويجاب عنها : بأنّ الجمع فرع حجيّة الطرفين. وليس هنا كذلك ، لضعف أخبار المخالف بالشذوذ جدّا.

مع أنّه على التعارض تتعارض أخبارنا بالأشهرية رواية والموافقة للخاصّة والمخالفة للعامّة ، وكلّ ذلك من المرجّحات المنصوصة ، بخلاف أخبار المخالف ، فإنّها في طرف الضدّ من الجميع.


1) الوسائل 8 : 197 أبواب الخلل ب 2 ذيل الحديث 12. وفيه : لجميع العامة.

2) حكاه عنه في المنتهى 1 : 410.

3) حكاه عنه في الذكرى : 224.

4) الحدائق 9 : 162 و 193 و 210.

5) الفقيه 1 : 231 - 1025 ، الوسائل 8 : 212 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 2.

6) التهذيب 2 : 344 - 1427 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 5.

7) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 2 ، التهذيب 2 : 188 - 747 ، الاستبصار 1 : 374 - 1422 ، الوسائل 8 : 228 أبواب الخلل ب 16 ح 2.

8) التهذيب 2 : 187 - 745 ، الاستبصار 1 : 374 - 1420 ، الوسائل 8 : 227 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 6.

9) التهذيب 2 : 177 - 710 و 713 ، الاستبصار 1 : 364 - 1387 ، الوسائل 8 : 192 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 20 و 21.

10) التهذيب 2 : 178 - 712 ، الاستبصار 1 : 365 - 1389 ، الوسائل 8 : 192 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 22.

ومع هذا كلّه فما ذكرناه مقتضى وجوب تحصيل البراءة اليقينيّة ، مضافا إلى كون القسم الأوّل من هذه الأخبار أعمّ مطلقا من حيث شموله الركعتين الأخيرتين ، والكلّ كذلك من حيث شموله للنوافل أيضا ، سوى صحيحة ابن يقطين الظاهرة في الفرائض حيث تضمّنت سجدة السهو ، إلاّ أنّها غير صالحة لمعارضة ما مرّ جدّا ، ومع ذلك يمكن أن يكون لفظ الجزم فيها بالحاء المهملة ، ويكون المراد تحصيل اليقين بالإعادة.

ولوالده ، فحكم بالإعادة في الشكّ في الركعة الاولى والثانية مرّة واحدة ، وبالبناء على الأقلّ ، وصلاة الاحتياط إن شكّ مرّة أخرى (1). ولا أعرف له مستندا ، وأمّا الرضوي فهو لا يفيد ذلك الحكم (2).

فروع :

أ : لا فرق في الشك بين أن يكون في النقصان ، أو في الزيادة ، لإطلاق الفتاوى ، وأكثر الأخبار.

قيل (3): وبه صرّحت رواية موسى بن بكر في المغرب : قال : « إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع ، فأعد صلاتك » (4).

وفي كونها صريحة نظر. مع أنّها مختلفة ، وقد رواها في الاستبصار بنوع آخر (5).

خلافا للمحكي عن المقنع فيها إذا تعلّق بالزيادة ، فيضيف إليها ركعة أخرى (6).


1) حكاه عنه في الذكرى : 224.

2) فقه الرضا 7 : 117.

3) انظر : الرياض 1 : 215.

4) التهذيب 2 : 179 - 719 ، الوسائل 8 : 195 أبواب الخلل ب 2 ح 9.

5) الاستبصار 1 : 370 - 1407.

6) حكاه عنه في المختلف : 134 ، والموجود فيما عندنا من نسخة المقنع هكذا : فاذا شككت في المغرب فأعد ، وروي : وإذا شككت في المغرب ولم تدر واحدة صليت أم اثنتين فسلّم ثمَّ قم فصلّ ركعة ، وإن شككت في المغرب فلم تدر في ثلاثة أنت أم أربع وقد أحرزت الاثنتين في نفسك وأنت في شك من الثلاث والأربع فسلّم وصلّ ركعتين وأربع سجدات. ( المقنع : 30 ).

وهو قول نادر جدّا غير واضح المستند.

ب : الحكم يعمّ صلاة السفر والمنذورة ثنائية ، وصلاة الجمعة والعيدين - على وجوبهما - لما تقدّم من دليل التعميم ، مضافا إلى حسنة محمّد المصرّحة به في الجمعة وصلاة السفر (1).

ج : قد ذكر كثير من المتأخّرين أنّ حكم صلاة الآيات في الشكّ المتعلّق بالركعتين حكم الثنائيّة ، لكونها ركعتين ، فيشملها حكمها. وفي المتعلّق بالركوعات البناء على الأقلّ إن لم يتجاوز المحلّ ولم يوجب الشك في الركعة (2).

وعن الراوندي وابن طاوس قولان آخران مبنيّان على كونها عشر ركعات (3)، كما ورد في الصحاح (4).

وردّ بأنّ المراد منها الركوع لا الركعة المصطلحة بقرينة قوله في الصحاح المذكورة : « عشر ركعات ، وأربع سجدات » وإلاّ قال : بأربع سجدات ، ولذا ورد في أخبار أخر أنّها ركعتان في أربع سجدات ، ولأنّه قد ورد في خبرين آخرين أنّها ركعتان. والحكم بالإعادة في الأخبار إنّما هو للركعات المصطلحة ، كما هو ظاهر من سياق أكثرها ، ويشعر به قوله فيها : « إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين » فإنّه لا يقال للركوع : صلّيته ، فيعمل في الشكّ في الركوعات بالأصل.

أقول : لا شكّ في أنّ الركعة لغة هي الركوع.

وأمّا في عرف الشارع فيستعمل فيه ، وفي الركعة المصطلحة التي هي مجموع الركوع وما قبله من القراءة وما بعده من السجود والتشهّد. والاستعمالان في


1) راجع ص 128.

2) انظر : الذكرى : 225 ، والمسالك 1 : 41 ، والمدارك 4 : 246 ، والرياض 1 : 215.

3) حكاه عنهما في الذكرى : 225.

4) انظر : الوسائل 7 : 492 أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 7.

الأحاديث ذائعان. بل يمكن في كثير منها أن يكون المستعمل فيه الركوع ، وما قبله من القراءة.

وقد تحقّق الاستعمالان الأوّلان ، أو الأخيران في صلاة الآيات في الروايات.

وأمّا أخبار حكم الشك المتضمّنة للركعة ومثلها - الممكن شمولها لصلاة الآيات - فمنها ما يتضمّن الركعة ، ومنها ما يتضمّن الواحدة والثلاث ، والظاهر منها عدم إرادة المعنى اللغوي. ولكن إرادة ما تضمّن السجود أيضا غير معلوم. فيمكن أن يكون المراد منها مجموع القراءة والقنوت والركوع ، فيشمل العشر أيضا ، كما يمكن أن يكون مجموع ما مرّ مع السجود. ولا دليل صحيحا على تعيين أحدهما.

وعلى هذا وإن كان ما ذكروه في أحكام الشك في الركوعات من الرجوع إلى الأصل تامّا ، إلاّ أنّه لا يكون الحكم بالبطلان في الشك في الركعتين في موضعه. مع أنّ شمول الركعتين لمثل ذلك الفرد المشتمل على خمس ركوعات أيضا خفيّ جدّا.

بل في البناء في الشك في الركوعات على الأقلّ مع استفاضة النصوص على وجوب البناء على الأكثر في الشك في الصلاة - كما يأتي - نظر.

والقول بعدم انصرافها إلى هذا الفرد مناف لإجراء أحكام أخبار الإعادة هنا.

وتضمّنها لصلاة الاحتياط لا يصرفها عنه ، لإمكان الإتيان بصلاة الاحتياط هنا أيضا ، كما ذكره الراوندي وابن طاوس.

ومعارضة أخبار أخر دالة على البناء على اليقين لا تضرّ ، إذ سيأتي أنّ المراد بالبناء على اليقين يمكن أن يكون الأكثر.

فهو الوجه في المسألة سواء كان الشك في الركوعات أو الركعتين. ولا يترك الاحتياط بالإعادة في شي‌ء من الأحوال.

المسألة الثانية :

من شكّ في الأوليين من الرباعيّة تجب عليه الإعادة ، على الأظهر الأشهر ،

سواء كان المشكوك فيه أنّ الركعة التي فيها هل هي الأولى أو الثانية ، أو أنّ التي صلاّها وأتمّها هل هي الأولى أو الثانية.

أمّا الأوّل فيدلّ عليه رواية عنبسة : « إذا شككت في الركعتين الأوليين فأعد » (1).

وصحيحة البقباق : « إذا لم تحفظ الركعتين الأوليين فأعد صلاتك » (2).

وصحيح زرارة ، ورواية العامري ، وصحيح ابن أذينة الآتية (3).

وصحيح محمّد : « عن رجل شكّ في الركعة الأولى ، قال : يستأنف » (4)وغيرها.

وأمّا الثاني فيدلّ عليه ما تقدّم من أوامر الإعادة إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين (5).

وموثّقة سماعة : « إذا سها الرجل في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والعتمة ، ولم يدر واحدة صلّى أم ثنتين ، فعليه أن يعيد الصلاة » (6).

وصحيحة زرارة : « رجل لا يدري واحدة صلّى أم ثنتين ، قال : يعيد » (7).6.


1) التهذيب 2 : 176 - 701 ، الاستبصار 1 : 263 - 1378 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 14.

2) التهذيب 2 : 177 - 707 ، الاستبصار 1 : 364 - 1384 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 13.

3) في ص 138.

4) التهذيب 2 : 176 - 700 ، الاستبصار 1 : 363 - 1377 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 11.

5) راجع ص 128.

6) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 38 ح 2 ، التهذيب 2 : 176 - 704 ، الاستبصار 1 : 364 - 1381 ، الوسائل 8 : 191 أبواب الخلل ب 1 ح 17.

7) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 38 ح 3 ، التهذيب 2 : 192 - 759 ، الاستبصار 1 : 364 - 1385 ، الوسائل 8 : 189 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 6.

ونحوها صحيحة محمّد ، إلاّ أنّ فيها : « يستقبل » مكان « يعيد » (1).

وفي رواية الجعفي وابن أبي يعفور : « إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فاستقبل » (2)إلى غير ذلك.

والخلاف في المسألة محكيّ عن الصدوقين ، كما مرّ مع بيان ضعفه (3).

المسألة الثالثة :

المستفاد من صحيحة البقباق ، ورواية العامري ، وابن أذينة وصحيحة محمّد بطلان الصلاة كلّما تعلّق الشك بالواحدة ، كالشّك بين الواحدة والثلاث ، والواحدة والأربع ، وغير ذلك. ويستلزمه البطلان بالشك في الثانية أيضا ، لاستلزامه الشك فيها وعدم حفظها.

المسألة الرابعة :

من شكّ في جميع ركعات الرباعية ، ولم يدر كم صلّى من ركعة واحدة أو ثنتين أو ثلاث أو أربع ، تجب عليه إعادة الصلاة ، بالإجماع ، صرّح به بعضهم (4).

لصحيحة ابن أبي يعفور : « إذا شككت فلم تدر أفي ثلاث أنت أم في ثنتين أم في واحدة أم في أربع ، فأعد ولا تمض على الشكّ » (5).

وصفوان : « إن كنت لا تدري كم صلّيت ، ولم يقع وهمك على شي‌ء ، فأعد


1) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 39 ح 2 ، التهذيب 2 : 179 - 715 ، الاستبصار 1 : 365 - 1391 ، الوسائل 8 : 189 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 7.

2) التهذيب 2 : 176 - 702 ، الاستبصار 1 : 363 - 1379 ، الوسائل 8 : 191 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 16.

3) راجع ص 129.

4) كصاحب الرياض 1 : 215.

5) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 3 ، التهذيب 2 : 187 - 743 ، الاستبصار 1 : 373 - 1418 ، الوسائل 8 : 226 أبواب الخلل ب 15 ح 2.

الصلاة (1).

وتؤيّده صحيحة علي : عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلّى شيئا أم لا ، قال : « يعيد الصلاة » (2).

وصحيحة زرارة وأبي بصير : الرجل يشكّ كثيرا في الصلاة حتى لا يدري كم صلّى ، ولا ما بقي عليه ، قال : « يعيد » (3).

وصحيحة الرازي : « إنما يعيد من لم يدر ما صلّى » (4).

والأخبار الكثيرة الدالّة على بطلان الصلاة مع عدم سلامة الأوليين.

وأمّا رواية ابن أبي حمزة : عن الرجل يشكّ ، فلا يدري واحدة صلّى أم ثنتين أم ثلاثا أم أربعا تلتبس عليه ، قال : « كلّ ذلك؟ » قلت : نعم ، قال : « فليمض على صلاته » (5)إلى آخره.

فهو محمول على ما بعد الفراغ ، لعمومه له ، أو على كثير الشك بقرينة قوله بعد ما ذكر : « ويتعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم ، فإنّه يوشك أن يدعه ».

وعن علي بن بابويه : أنّه إن شككت فلم تدر واحدة صلّيت أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ، صليت ركعتين من قيام ، وركعتين من جلوس (6). لمرسلة الفقيه فيمن تلبس عليه الأعداد كلها ، قال : وروي « أنّه يصلّي ركعة من قيام وركعتين


1) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 1 ، الوسائل 8 : 225 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

2) التهذيب 2 : 189 - 748 ، قرب الإسناد : 197 - 751 ، الوسائل 8 : 227 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 5.

3) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 2 ، التهذيب 2 : 188 - 747 ، الاستبصار 1 : 374 - 1422 ، الوسائل 8 : 228 أبواب الخلل ب 16 ح 2.

4) التهذيب 2 : 181 - 726 ، الاستبصار 1 : 371 - 1411 ، الوسائل 8 : 226 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 4.

5) الفقيه 1 : 230 - 1022 ، التهذيب 2 : 188 - 746 ، الاستبصار 1 : 374 - 1421 ، الوسائل 8 : 228 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 4.

6) حكاه عنه في المختلف : 132 ، والذكرى : 225 ، وفيه : ركعة من قيام ، بدل : ركعتين.

من جلوس » (1).

وجوابها - مع شذوذها - عدم تكافئها لما مرّ ، لأصحّيته ، وأشهريته رواية وفتوى ، وأصرحيته دلالة ، حيث إنه لا تصريح أصلا في الرواية بعدم الإعادة ، فلعلّ ما فيها حكم تعبّدي مستحب.

واستدلّ له بصحيحة ابن يقطين : عن الرجل لا يدري كم صلّى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ، قال : « يبني علي الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهّد تشهّدا خفيفا » (2).

وبعموم صحيحة زرارة : « لا تعتدّ بالشك في حال » (3).

ورواية عمّار : « إذا سهوت فابن على الأكثر » (4).

ورواية عنبسة : عن الرجل لا يدري أركعتين ركع ، أم واحدة أم ثلاثا ، قال : « يبني صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، ويسجد سجدتي السهو » (5).

على أن يكون المراد بالبناء على ركعة أنّه يبني على الأكثر ، ويضيف ركعة واحدة ، كما أنّه قد فهم منها الشيخ ذلك.

ويضعّف : بأنّها بين غير دالّ على مذهبه ، بل على حكم لم يقل به أحد ، وبين مجمل ، وبين عامّ للنوافل ، يجب تخصيصه بما مرّ.

مع أنّ إرادة البناء على الأقلّ من الجزم في الصحيحة الأولى - كما عن


1) الفقيه 1 : 231 - 1024 ، الوسائل 8 : 223 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 3.

2) التهذيب 2 : 187 - 745 ، الاستبصار 1 : 374 - 1420 ، الوسائل 8 : 227 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 6.

3) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 40 ح 3 ، التهذيب 2 : 186 - 740 ، الاستبصار 1 : 373 - 1416 ، الوسائل 8 : 216 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 3.

4) التهذيب 2 : 349 - 1448 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل ب 8 ح 3.

5) التهذيب 2 : 353 - 1463 ، الاستبصار 1 : 376 - 1427 ، الوسائل 8 : 193 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 24.

الشيخ (1)- ممكنة ، ومع ذلك فمدلولها موافق للعامّة (2)، فيحمل على التقيّة.

ونسب الخلاف في المسألة هنا إلى الصدوق أيضا بتجويزه البناء على الأقلّ (3).

وكلامه في الفقيه صريح في موافقة المشهور ، قال : ومن لم يدر كم صلّى ، ولم يقع وهمه على شي‌ء ، فليعد الصلاة (4).

وكيف كان فدليله الجمع بين ما مرّ ، وبين صحيحة ابن يقطين السابقة ، ومثل رواية ابن اليسع فيما إذا تلبس عليه الأعداد كلّها « أنّه يبني على يقينه ، ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهّد تشهّدا خفيفا » (5).

وجوابه ما مرّ من الشذوذ ، وموافقة العامّة ، وجواز كون المراد من البناء على اليقين والجزم البناء على الأكثر ، كما قيل ، ويأتي (6)، فيحصل الإجمال في الحديث.

المسألة الخامسة :

الظاهر عدم الخلاف في بطلان الصلاة بالشك بين الركعة الثانية وغيرها قبل تمام الثانية ، لعموم قوله في صحيحة زرارة : « من شكّ في الأوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين » (7).

وفي الأخرى : « عشر ركعات - إلى أن قال - : لا يجوز الوهم فيهنّ ، ومن


1) لم نعثر على هذا الحمل في كتب الشيخ (ره) الموجودة عندنا ، بل حمل في التهذيب 2 : 188 والاستبصار 1 : 374 على استئناف الصلاة واستحباب سجدتي السهو.

2) انظر : بداية المجتهد 1 : 202.

3) انظر : المدارك 4 : 253 ، والذخيرة : 362.

4) الفقيه 1 : 233.

5) الفقيه 1 : 230 - 1023 ، الوسائل 8 : 223 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 2.

6) في ص 145.

7) الفقيه 1 : 128 - 605 ، مستطرفات السرائر : 74 - 18 ، الوسائل 8 : 187 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.

وهم في شي‌ء منهنّ استقبل الصلاة » (1).

وفي رواية العامري : « من شكّ في أصل الفرض في الركعتين الأوليين استقبل صلاته » (2).

وفي صحيحة ابن أذينة : « ومن أجل ذلك صارت الركعتان كلّما أحدث فيهما حدثا كان على صاحبهما إعادتهما » (3).

ولا ريب أنّ حصول الشك حدث.

وفي صحيحة البقباق : « إذا لم تحفظ الركعتين الأوليين فأعد صلاتك » (4).

ولا ريب أنّه لو شكّ في الركعة ما لم يتمّ الثانية يصدق عدم حفظ الأوليين والشك فيهما ، فإنّ المراد به الشك في إحداهما.

بل - كما قيل - يدلّ عليه أيضا جميع الأخبار المتقدّمة المصرّحة بوجوب إعادة الصلاة إذا لم يدر واحدة صلّى أم ثنتين ، إذ معناها أنّه لم يدر هل ما صلاّها وأتمّها الركعة الاولى وما دخل فيه هو الثانية ، أو أنّ ما دخل فيه الثالثة أو غيرها ، فإنّ قبل تمام الركعة لا يصحّ أن يقال لها صلاّها. ولذا استدلّ بعض الأجلّة على البطلان في المسألة بأنّه قبل تمام الثانية يكون في الحقيقة شكّا بين الاولى والثانية.

وقد يستدلّ له أيضا بصحيحة عبيد : عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثا ، قال : « يعيد » ، قلت : أليس يقال : لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال : « إنّما ذلك في الثلاث والأربع » (5).3.


1) الكافي 3 : 273 الصلاة ب 3 ح 7 ، الوسائل 4 : 49 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 12.

2) الكافي 3 : 487 الصلاة ب 24 ح 2 ، الوسائل 8 : 189 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 9.

3) الكافي 3 : 482 الصلاة ب 24 ح 1 ، علل الشرائع : 312 - 1 ، الوسائل 5 : 465 أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10.

4) التهذيب 2 : 177 - 707 ، الاستبصار 1 : 364 - 1384 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 13.

5) التهذيب 2 : 193 - 760 ، الاستبصار 1 : 375 - 1424 ، الوسائل 8 : 215 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 9 ح 3.

فحمل صدرها على ما قبل تمام الثانية ، وذيلها على ما بعده والدخول في الثالثة ، حتى يكون الشك في أنّه هل دخل في الثالثة أم الرابعة.

وبصحيحة زرارة : رجل لم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثا ، فقال : « إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ، ثمَّ يصلّي الأخرى ولا شي‌ء عليه ، ويسلّم » قلت : فإنّه لم يدر في ثنتين هو أم في أربع ، قال : « يسلّم ويقوم ، فيصلّي ركعتين ، ثمَّ يسلّم » (1).

فإنّ معنى قوله : « بعد دخوله » أي بعد أن يعلم ذلك ، المجامع مع العلم بعدم الزيادة ومع الشك فيها ، وهو لا يتحقق إلاّ مع العلم بتمام الثانية ، فيدلّ بالعموم على المسألة ويخرج عنها ما خرج بالدليل.

ولا يخفى أنّ تمامية الاستدلال بالصحيحة الأولى تتوقّف على ارتكاب التجوّز في قوله : « صلّى » بحمله على ما قبل تمام الركعة. وهو ليس بأولى من التخصيص بالثنائية والثلاثية ، كما فعله الشيخ طاب ثراه (2).

وتماميته في الثانية تتوقّف على كون الحكم في المفهوم إعادة الصلاة ، وهو أمر غير معلوم. إلاّ أن يتمّم بالإجماع المركّب ، وهو كذلك.

ولا ينافي حكم المسألة بعض العمومات الآمرة بالبناء على الأكثر في بعض صور الشك بين الاثنتين وغيرها ، لأنّه ظاهر في إتمام الاثنتين بالتقريب المذكور.

ولا الآمرة به مطلقا ، لأعمّيته مطلقا ، فيجب التخصيص.

ثمَّ إنّه هل تتمّ الثانية بتمام ركوعه ، أو بدخوله في السجدة الثانية مطلقا ، أو في إكمال ذكرها وإن لم يرفع رأسه ، أو في رفع الرأس منها؟ كما قال بكلّ منها طائفة. ويستدلّ للأخير بأنّ رفع الرأس من السجدة الأخيرة من متممات الركعة وأجزائها ، فلا يصدق تمام الركعة بدونه.


1) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 38 ح 3 ، التهذيب 2 : 192 - 759 ، الاستبصار 1 : 375 - 1423 ، الوسائل 8 : 214 أبواب الخلل ب 9 ح 1.

2) الاستبصار 1 : 375 - ذ ح 1424.

ولا يخفى ما فيه بعد ما عرفت ما حقّقناه في بيان الركعة في بيان شك صلاة الآيات (1).

ومقتضاه الحكم بالبطلان قبل تمام الركوع ، والشك في جميع ما بينه وبين رفع الرأس من السجدة الأخيرة.

ولا يفيد استصحاب الركعة ، إذ الركعة بمعنى الركوع ، وما قبله قد تمَّ يقينا ، ومع ما بعده لا يعلم إرادته. واستصحاب بقاء ما أراده الإمام بعد ، يعارض استصحاب عدم إرادة الزائد.

ولا أخبار حفظ الأوليين واعتبار اليقين فيهما ، حيث لا حفظ هنا ، إذ مراد الإمام عليه السلام الحفظ من جهة الشك بين الركعات ، وعدم العلم هنا لأجل الجهل بمعنى الركعة ، وهذا غير مراد قطعا.

وعلى هذا ، فكان الحكم في موضع الشك في تمام الركعة الرجوع إلى عمومات البناء على الأكثر لو لا صحيحة زرارة الأخيرة ، إلاّ أنّ مقتضى مفهومها بضميمة الإجماع المركّب المتقدم البطلان إلاّ في صورة رفع الرأس عن السجدة الأخيرة ، فهو الأظهر.

المسألة السادسة :

لو شكّ بعد إتمام الثانية وقطعه بإحرازها بينها وبين الثالثة ، أو الرابعة ، أو الثالثة والرابعة ، أو بين الثالثة والرابعة ، بنى في الجميع على الأكثر ، على الأظهر الأشهر بين من تقدّم وتأخّر ، بل عليه الإجماع عن صريح الانتصار ، والخلاف ، وظاهر السرائر (2)، وغيره (3)، وعن أمالي الصدوق أنّه جعله من دين الإماميّة الذي يجب الإقرار به (4).


1) راجع ص 131.

2) الانتصار : 49 ، الخلاف 1 : 445 ، السرائر 1 : 254.

3) كالتذكرة 1 : 139.

4) الأمالي : 513.

لموثّقة عمّار : « أجمع لك السهو كلّه في كلمتين : متى ما شككت فخذ بالأكثر ، وإذ سلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك قد نقصت » (1).

والأخرى : « إلا أعلّمك شيئا إذا فعلته ، ثمَّ ذكرت أنك أتممت أو نقصت ، لم يكن عليك شي‌ء؟ » قلت : بلى ، قال : « إذا سهوت فابن على الأكثر ، فإذا فرغت وسلّمت ، فقم ، فصلّ ما ظننت أنّك نقصت » (2)الحديث.

وثالثة : « كلّما دخل عليك الشك في صلاتك ، فاعمل على الأكثر » قال : « فإذا انصرفت ، فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت » (3).

مضافا في الاولى ، والثانية إلى صحيح زرارة المتقدّم ، فإنّ ظاهر قوله « مضى في الثالثة » أن يحكم بأنّ ما فعله الثالثة « ثمَّ يصلّي الأخرى » أي : الرابعة. واستعمال الإمضاء فيما مضى أكثر من استعماله فيما بقي ، كما يأتي في أحاديث الشك في الأجزاء قبل تجاوز المحل.

وهذه الصحيحة وإن اختصّت في الصورة الأولى بما إذا دخل في أفعال الثالثة أو مقدّماتها أيضا ، ولا تشمل ما إذا كان جالسا للتشهد ، إلاّ أنّه يتمّ المطلوب بالإجماع المركب.

وفي الأولى خاصّة إلى ما حكي عن العماني من تواتر الأخبار بها (4). وهو وإن كان مرسلا ، إلاّ أنّه بالعمل منجبر. إلاّ أنّه يخدشه ما يأتي من احتمال إرادته العمومات.

والمروي في قرب الإسناد الآتي (5)، المنجبر أيضا.

وفي الثانية خاصة إلى صحيحة محمّد : عن رجل صلّى ركعتين ، فلا يدري


1) الفقيه 1 : 225 - 992 ، الوسائل 8 : 212 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1.

2) التهذيب 2 : 349 - 1448 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

3) التهذيب 2 : 193 - 762 ، الاستبصار 1 : 376 - 1426 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 4.

4) حكاه عنه في الذكرى : 226.

5) في ص 146.

ركعتان هي أو أربع ، قال : « يسلم ، ثمَّ يقوم ، فيصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب ، ويتشهّد ، وينصرف ، وليس عليه شي‌ء » (1).

وصحيحة ابن أبي يعفور : عن الرجل لا يدري ركعتين صلّى أم أربعا ، قال : « يتشهّد ويسلّم ، ثمَّ يقوم ، فيصلّي ركعتين وأربع سجدات ، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ، ثمَّ يتشهّد ويسلّم » إلى أن قال : « وإن تكلّم فليسجد سجدتي السهو » (2).

وفي الثالثة كذلك إلى مرسلة ابن أبي عمير : في رجل صلّى ولم يدر ثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا ، قال : « يقوم فيصلّي ركعتين من قيام ويسلّم ، ثمَّ يصلّي ركعتين من جلوس ويسلّم ، فإن كانت أربع ركعات ، كانت الركعتان نافلة ، وإلاّ تمّت الأربع » (3).

والمراد بالأربع ركعات الزائدة صلاة الاحتياط. لا أن يكون الأوليان تتمة الصلاة ، ويكون البناء على الأقلّ ، إذ على ذلك لم يكن الأمر بركعتين جالسا صحيحا إجماعا. مع أنّ في قوله : « يقوم » إشارة إلى ذلك ، إذ لو لا إرادة الاحتياط لم تكن إليه حاجة ، بل كان مخلا ، إذ يمكن أن يكون الشك حال القيام. وكذا في قوله : « من قيام » إشارة إليه ، إذ لا حاجة إليه في تتمة الصلاة.

وصحيحة البجلي : رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا ، فقال : « يصلّي ركعة من قيام ثمَّ يسلّم ، ثمَّ يصلّي ركعتين وهو جالس » (4).4.


1) التهذيب 2 : 185 - 737 ، الاستبصار 1 : 372 - 1414 ، الوسائل 8 : 221 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 6.

2) الكافي 3 : 352 الصلاة ب 40 ح 4 ، التهذيب 2 : 186 - 739 ، الاستبصار 1 : 372 - 1315 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

3) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 6 ، التهذيب 2 : 187 - 742 ، الوسائل 8 : 223 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 4.

4) الفقيه 1 : 230 - 1021 ، الوسائل 8 : 222 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 1 وفي الفقيه ونسخة من الوسائل : « ركعتين من قيام » وستأتي الإشارة من المصنف - ره - الى هذا الاختلاف في ص 154.

ولا يضرّ عدم صراحتهما في الوجوب ، للإجماع ، ولأنّهما بيان للموثّقات الآمرة.

وفي الثانية والرابعة إلى صحيحة الحلبي : « إذا لم تدر ثنتين صلّيت أم أربعا ، ولم يذهب وهمك إلى شي‌ء فتشهّد وسلّم ، ثمَّ صلّ ركعتين وأربع سجدات ، تقرأ فيهما بأمّ القرآن ، ثمَّ تشهّد وتسلّم » إلى أن قال : « وإن كنت لا تدري ثلاثا صلّيت أم أربعا ، ولم يذهب وهمك إلى شي‌ء ، فسلّم ، ثمَّ صلّ ركعتين وأنت جالس ، تقرأ فيهما بأمّ الكتاب » (1)الحديث.

وفي الرابعة خاصّة إلى موثّقة البقباق : « إذا لم تدر ثلاثا صلّيت أو أربعا ، ووقع رأيك على الثلاث ، فابن على الثلاث ، وإن وقع رأيك على الأربع ، فسلّم وانصرف ، وإن اعتدل وهمك ، فانصرف ، وصلّ ركعتين وأنت جالس » (2).

وصحيحة ابن أبي العلاء : « إن استوى وهمه في الثلاث والأربع ، سلّم وصلّى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس ، يقصر في التشهد » (3).

خلافا في الأولى للمحكي عن السيد ، فيبني على الأقلّ.

لصحيحة زرارة المتقدّمة بحمل قوله : « مضى في الثالثة » على أن يجعل الركعة التي دخل فيها ثالثة ، وهي الأقلّ ، حيث إنّه لعلمه بتمام الثانية يشكّ في أنّ ما دخل فيها الثالثة أو الرابعة ، فتكون الركعة مترددة بين الثالثة والرابعة.

وللأخبار الدالّة على البناء على الأقلّ مطلقا ، كصحيحة زرارة : من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟ قال : « يركع ركعتين وأربع سجدات وهو


1) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 8 ، الفقيه 1 : 229 - 1015 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1.

2) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 7 ، التهذيب 2 : 184 - 733 ، الوسائل 8 : 211 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 7 ح 1.

3) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 40 ح 2 ، التهذيب 2 : 185 - 736 ، الوسائل 8 : 218 أبواب الخلل ب 10 ح 6.

قائم بفاتحة الكتاب ، ويتشهّد ، ولا شي‌ء عليه ، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع وقد أحرز الثلاث ، قام فأضاف إليها أخرى ، ولا شي‌ء عليه ، ولا ينقض اليقين بالشك » (1)الحديث.

فإنّ قوله في آخر الحديث : « ولا ينقض اليقين » عامّ لهذه الصورة أيضا ، وهو دليل على أنّ المراد بالركعتين والركعة المضافة هي تتمة الصلاة دون صلاة الاحتياط.

ورواية ابن اليسع : عن رجل لا يدري ثلاثا صلّى أم ثنتين ، قال : « يبني على النقصان ، ويبني على الجزم ، ويتشهّد بعد انصرافه تشهّدا خفيفا كذلك في أوّل الصلاة وآخرها » (2).

ورواية ابن عمّار : « إذا شككت فابن على اليقين » قلت : هذا أصل؟ قال : « نعم » (3).

وروايتي البجلي وعلي : في السهو في الصلاة ، فقال : « تبني على اليقين ، وتأخذ بالجزم ، وتحتاط بالصلوات كلّها » (4).

والجواب عن الأوّل : أنّها في البناء على الأكثر أظهر وعليه أدلّ ، بالتقرير الذي مرّ ، بحمل الثالثة على ما مرّ ، والركعة الأخرى على الركعة التي فيها دخل. ولو لا الأظهرية ، فلا أقلّ من تساوي الاحتمالين الموجب لسقوط الاستدلال.

وقد تحمل الثالثة على هذه الركعة ويحمل المضي فيها على إتمام الصلاة بها ، وتحمل الركعة الأخرى على ركعة الاحتياط ، فتكون الرواية دالّة على البناء على الأكثر.


1) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 40 ح 3 ، التهذيب 2 : 186 - 740 ، الاستبصار 1 : 373 - 1416 ، وأورد صدره في الوسائل 8 : 220 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 3 ، وذيله في ص : 216 ب 10 ح 3.

2) الفقيه 1 : 230 - 1023 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل ب 8 ح 6.

3) الفقيه 1 : 231 - 1025 ، الوسائل 8 : 212 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 2.

4) التهذيب 2 : 344 - 1427 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 5.

وفيه بعد ظاهر.

وعن البواقي : بمعارضتها مع ما مرّ ، وترجيحه بوجوه عديدة كالأشهرية رواية وفتوى ، والأصرحية دلالة ، والأبعدية عن طريقة العامّة التي هي من المرجّحات المنصوصة ، فإنّهم يبنون على الأقلّ ، كما يظهر من الانتصار والمعتبر وروض الجنان والبحار والوسائل (1)، بل من كتب أنفسهم كصحيح مسلم وشرح السنة وغيرهما (2).

مضافا إلى أنّ الظاهر أنّ المراد بالركعتين والركعة في صحيحة زرارة صلاة الاحتياط بقرينة قوله : « وهو قائم » فإنّه لو كان المراد تتمة الصلاة لم يحتج إلى هذا القيد ، وكذا قوله : « بفاتحة الكتاب ».

وأمّا التعليل بقوله : « ولا ينقض اليقين » فلا يدلّ على ما راموه ، لجواز أن يكون المراد اليقين بالصحة ، ويكون المعنى : ولا ينقض اليقين بصحة الصلاة بواسطة الشك. أو المراد اليقين بعدم فعل الطرف الزائد ، ويكون التعليل لإضافة صلاة الاحتياط ، فإنّه لو كان ينقض اليقين بالشكّ في الزائد ، لكان يبني عليه من غير تدارك. وأمّا مع التدارك فهو عين عدم الالتفات إلى الشك.

ومنه يظهر جواب آخر عن البواقي وهو : أنّ المراد بالبناء على اليقين يمكن أن يكون البناء على الصحة ، فلا ينافي ما مرّ. وأن يكون البناء على الأكثر وصلاة الاحتياط ، فإنّه لو كان بانيا على الشكّ لبني على الأكثر من غير احتياط ، وأمّا مع الاحتياط فليس بناء عليه ، بل بناء على اليقين قطعا ، كما صرّح به في الأخبار تعليلا لصلاة الاحتياط من أنّه لو كانت الصلاة ناقصة لأتمّت (3)، فليس ذلك إلاّ عدم الالتفات بالشك والأخذ باليقين.


1) الانتصار : 49 ، المعتبر 2 : 391 ، ولم نعثر عليه في روض الجنان ، البحار 85 : 183 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل ب 8 ذيل الحديث 6.

2) انظر : صحيح مسلم 1 : 400 ، وسنن البيهقي 2 : 339 ، وسنن الترمذي 1 : 247 ، وعمدة القارئ 7 : 313 ، وبدائع الصنائع 1 : 165.

3) انظر : الوسائل 8 : 212 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8.

فالأخذ بالنقصان واليقين كما يمكن أن يكون بالبناء على الأقلّ ، يمكن أن يكون بالبناء على الأكثر وصلاة الاحتياط ، فإنّه أيضا بناء على النقصان والجزم واليقين ، وإلاّ لم يحتط بالصلاة.

بل الظاهر من الأخبار إرادة هذا المعنى ، كما يدلّ عليه قوله في آخر رواية البجلي وعلي : « وتحتاط بالصلوات كلّها ».

والمروي في قرب الإسناد : رجل صلّى ركعتين وشكّ في الثالثة ، قال : « يبني على اليقين ، فإذا فرغ تشهّد ، وقام قائما يصلّي ركعة بفاتحة الكتاب » (1).

والمراد بالبناء على اليقين هنا الأكثر قطعا ، لمكان أمره بصلاة الاحتياط. ولا يمكن حملها على بقية الصلاة ، والحمل على الأقلّ ، لأنّ الباقي حينئذ ركعتان ، وليس فيهما فاتحة الكتاب ، ولم يكن معنى لقوله : « فإذا فرغ تشهد ».

وصحيحة زرارة المتقدّمة (2)بالتقريب الذي ذكرناه (3).

بل لنا أن نقول : ينحصر البناء على اليقين بالبناء على الأكثر ، لأنّ المراد اليقين بعدم وقوع خلل في الصلاة ، فلو بنى على الأقلّ احتملت الزيادة المبطلة إجماعا بلا تدارك ، بخلاف ما لو بنى على الأكثر مع صلاة الاحتياط.

وإلى ذلك أشار السيد في الانتصار ، قال في توجيه المذهب المشهور بعد دعوى الإجماع عليه : ولأنّ الاحتياط أيضا فيه ، لأنه إذا بنى على النقصان لم يأمن أن يكون قد صلّى على الحقيقة الأزيد ، فيكون ما أتى به زيادة في صلاته - ثمَّ قال - : فإذا قيل : إذا بنى على الأكثر كان كما تقولون لا يأمن أن يكون إنّما فعل الأقلّ ، فلا ينفع ما فعله من الجبران ، لأنّه منفصل من الصلاة ، وبعد التسليم. قلنا : ما ذهبنا إليه أحوط على كلّ حال ، لأنّ الإشفاق من الزيادة في الصلاة لا يجري مجرى الإشفاق من تقديم السلام في غير موضعه (4).


1) قرب الإسناد : 30 - 99 ، الوسائل 8 : 215 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 9 ح 2.

2) في ص 139.

3) في ص 141.

4) الانتصار : 49.

وقريب منه كلام المعتبر والمنتهى (1)، وكلامهما كالصريح في أنّ البناء على اليقين إنّما يحصل بالبناء على الأكثر ، لا الأقلّ.

ومن هنا يظهر فساد نسبة القول بالبناء على الأقلّ إلى السيد في الناصريّات ، لأنّ ما أوجب هذه النسبة إليه قوله فيها - في ذيل قول جدّه الناصر : ومن شكّ في الأوليين استأنف ، ومن شكّ في الأخيرتين بنى على اليقين - : هذا مذهبنا ، وهو الصحيح عندنا ، وباقي الفقهاء مخالفون في ذلك (2). انتهى.

وفي قوله هذا أيضا دلالة على ما ذكرنا ، لأنّ مذهب المخالفين البناء على الأقلّ وسجدة السهو ، وكتبهم بذلك مشحونة ، ودلائلهم عليه مشهورة.

قال البغوي في شرح السنة بعد ذكر رواية مصرّحة بالبناء على الأقلّ مطلقا في الشك في الركعات عن صحيح مسلم : هذا الحديث يشتمل على أحكام ، أحدها : أنّه إذا شك في صلاته فلم يدر الركعة يأخذ بالأقلّ. والثاني : أنّ محل سجدتي السهو قبل التسليم. أمّا الأوّل فأكثر العلماء على أنّه يبني على الأقلّ ، إلى آخره (3).

هذا مع احتمال البناء على اليقين والنقص معنى آخر ، ذكره الحلّي في توجيه كلام السيد ، زعما منه كون البناء في كلامه البناء على الأقلّ ، وهو : البناء عليه بعد التسليم والخروج عن الصلاة ، قال : فقبل سلامه يبني على الأكثر ، لأجل التسليم ، وبعده يبني على الأقلّ ، كأنّه ما صلّى إلاّ ما تيقنه ، وما شك فيه يأتي به ، ليقطع على براءة ذمته (4).

وبالجملة فهذه الأخبار موافقة لما مرّ ، ولو قطع النظر عنها فمعارضتها له غير معلومة ، ولو سلّم التعارض فالمكافأة مفقودة.


1) المعتبر 2 : 391 ، المنتهى 1 : 415.

2) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 201.

3) حكاه المجلسي (ره) في البحار 85 : 183.

4) السرائر 1 : 255.

وعن الصدوق (1)في الفقيه ووالده في الرسالة ، فقالا بالتخيير في هذه الصورة (2). واستوجهه في الذخيرة (3).

جمعا بين الفريقين من الأخبار.

وللرضوي المصرّح بالخيار مع اعتدال الوهم في هذه الصورة (4).

ويردّ الأوّل : بعدم التعارض أوّلا ، كما مرّ ، وعدم التكافؤ ثانيا.

وقد يردّ أيضا : بأنّه جمع بلا شاهد.

ويخدشه أنّ قول الإمام بالتخيير عند التعارض وعدم الترجيح أقوى الشواهد.

هذا مع أنّ في نسبته إلى الصدوق نظرا ظاهرا ، كيف؟! وهو قد صرّح في الأمالي بأنّ البناء على الأكثر من دين الإمامية (5).

وقال أيضا في الفقيه : ومن شكّ في الثانية والثالثة والرابعة بنى على الأكثر ، وإذا سلّم أتمّ ما ظنّ أنّه قد نقص (6).

وهذا صريح في موافقة المشهور.

وكأنّ منشأ الاشتباه في النسبة إليه هنا وفيما تقدّم من الشكّ في الأوليين والثنائيّة والثلاثيّة كلام له في الفقيه ، بعد تصريحه أوّلا بوجوب الإعادة في الصور الثلاث المذكورة ، والبناء على الأكثر في ما مرّ ، ثمَّ ذكره صورا كثيرة من الشك وبيان حكمها ، ثمَّ ذكره أخبارا أخر ، حيث قال : وليست هذه الأخبار مختلفة ، وصاحب هذا السهو بالخيار بأيّ خبر منها أخذ (7).

فأرجع كثير من المتأخّرين الإشارة إلى جميع ما تقدّم من المسائل المتفرّقة ،


1) أي : وخلافا للمحكي عن الصدوق .. ، في الصورة الأولى ، وهو الشك بين الثانية والثالثة.

2) الفقيه 1 : 231.

3) الذخيرة : 376.

4) فقه الرضا 7 : 118 ، مستدرك الوسائل 6 : 408 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 9 ح 2.

5) الأمالي : 513.

6) الفقيه 1 : 225.

7) الفقيه 1 : 231.

مع أنّه غير معلوم ، فهذه النسبة أيضا كالأوّل مقدوحة.

وعن المقنع ، فحكم بوجوب الإعادة في هذه الصورة (1)، لموثّقة عبيد المتقدّمة (2).

وفيه - مضافا إلى منع دلالتها على الوجوب ، وشذوذها المخرج لها عن الحجية لو دلت عليه - : أنّها أعمّ مطلقا من المروي في قرب الإسناد المجبور ضعفه بالشهرة العظيمة ، بل الإجماع في الحقيقة ، إذ لم ينقل القول بالبطلان إلاّ منه ، وفي كونه قولا منه أيضا نظر ، فإنّه ذكره بعنوان الرواية ، ومثله على الفتوى غير دالّ.

وللمحكي عن الصدوق في الثانية ، فحكي عنه التخيير أيضا (3)، واحتمله في المدارك قويا (4).

جمعا بين ما مرّ ، وبين صحيحة زرارة المتقدّمة (5)دليلا لقول السيد.

وموثّقة أبي بصير : « إذا لم تدر أربعا صلّيت أم ركعتين ، فقم واركع ركعتين ثمَّ سلّم ، واسجد سجدتين وأنت جالس ، ثمَّ سلّم بعدهما » (6).

ويردّ الأول : بما مرّ من ظهورها في البناء على الأكثر ، كما مرّ.

والثانية : باحتمالها له أيضا ، فيكون المراد بالركعتين صلاة الاحتياط. وأمّا الأمر بالسجدتين فلعلّه لاستحبابهما ، كما قيل (7)، أو محمول على من تكلّم ناسيا ، كما صرّح به في صحيحة ابن أبي يعفور المبيّنة لحكم صورة الشك بين الاثنتين والأربع ، فقال بعد الأمر بالبناء على الأكثر وصلاة الاحتياط : « وإن تكلّم فليسجد


1) المقنع : 31.

2) في ص 138.

3) حكاه عنه في الرياض 1 : 218.

4) المدارك 4 : 260.

5) راجع ص 143.

6) التهذيب 2 : 185 - 738 ، الوسائل 8 : 221 أبواب الخلل ب 11 ح 8.

7) الرياض 1 : 219.

سجدتي السهو » (1).

ولو سلّم فيعارض ما مرّ ممّا هو أكثر منهما ، وأوفق بالعمل ، ومع ذلك توافقان العامّة كما مرّ. مع أنّ في نسبته إلى الصدوق ما مرّ.

ولا تبعد نسبة البناء على الأقلّ هنا إلى السيد أيضا عند من ينسب إليه الخلاف في الأولى ، لأنّ كلامه يشملهما ، بل الصورتين الأخيرتين أيضا.

وعن المقنع ، فحكم بالإعادة (2)، واحتملها الفاضل في نهاية الإحكام ، والشهيد في الذكرى أيضا (3)، وظاهرهما استحبابها ، حيث عبّرا عن البناء على الأكثر بالرخصة ، وهو ظاهر المدارك أيضا (4).

لصحيحة محمّد : عن الرجل لا يدري صلّى ركعتين أم أربعا ، قال : « يعيد الصلاة » (5).

والجواب عنها : بشمولها لغير الرباعية أيضا ، واختصاص ما مرّ من معارضاتها بالرباعية بقرينة الأمر بصلاة الاحتياط ، فيجب تخصيصها به.

وفي الثالثة للمحكي عن الصدوق أيضا (6)، وإن كان فيه ما مرّ ، والإسكافي (7)، واستوجهه في الذخيرة (8)، فخيّرا بين ما مرّ وبين البناء على الأقلّ ، لصحيحة زرارة المتقدّمة بجوابها (9).

وفي الرابعة للمنقول عن الإسكافي ، فجوّز البناء على الأقلّ ما لم يخرج


1) راجع ص 142.

2) المقنع : 31.

3) نقل عن النهاية والذكرى في البحار 85 : 182 ، ولكن لم نجده فيهما.

4) المدارك 4 : 260.

5) التهذيب 2 : 186 - 741 ، الاستبصار 1 : 373 - 1417 ، الوسائل 8 : 221 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 7.

6) حكاه عنه في المدارك 4 : 258.

7) حكاه عنه في المدارك 4 : 258.

8) الذخيرة : 377.

9) راجع ص 139.

الوقت (1)، لبعض ما مرّ. وجوابه ظاهر.

المسألة السابعة :

تجب في الصور الأربع المذكورة بعد البناء على الأكثر صلاة الاحتياط ، إجماعا من كلّ من يقول بالبناء عليه.

ففي الأولى (2)يحتاط بركعتين من جلوس ، أو بركعة من قيام ، مخيّرا بينهما على الأشهر ، كما صرّح به جماعة (3)، بل عن الانتصار والخلاف الإجماع عليه (4)، له ، ولما عن العماني من تواتر الأخبار به (5)، وعن الحلّي من ورود الخبر بكلّ من الأمرين (6)، وهما بمنزلة مرسلتين منجبرتين بما مرّ ، ولورود النصّ بهما في الصورة الرابعة ، وعدم القول بالفرق بينهما ، كما يظهر من الذكرى وروض الجنان (7).

خلافا للمحكي عن العماني والجعفي فقالا بالأوّل (8)، ولم يذكرا التخيير ، لظاهر الصحاح الآمرة به في الرابعة ، بضميمة عدم الفرق بينها وبين هذه الصور.

وردّ بورود الخيار فيها أيضا ، كما يأتي.

وعن عليّ بن بابويه وعن المفيد والقاضي وظاهر الديلمي : تحتم القيام (9)، واختاره في الحدائق ، وإليه يميل كلام الذخيرة (10).


1) حكاه عنه في الذكرى : 226.

2) وهو الشكّ بين الثانية والثالثة.

3) منهم : الشهيد في الذكرى : 226 ، وصاحب الرياض 1 : 218.

4) الانتصار : 49 ، الخلاف 1 : 445.

5) حكاه عنه في الذكرى : 226.

6) السرائر 1 : 254.

7) الذكرى : 226 ، الروض : 351.

8) حكاه عن العماني في المختلف : 133 ، وعن الجعفي في الذكرى : 227.

9) حكاه عن ابن بابويه في المختلف : 133 ، وعن المفيد والقاضي في الرياض 1 : 218 ، الديلمي في المراسم : 89.

10) الحدائق 9 : 226 ، الذخيرة : 377.

لقوله عليه السلام في المستفيضة المتقدّمة : « فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت » (1)فإنّ ظاهرها بل صريحها الموافقة لما نقص.

والمروي في قرب الإسناد المتقدّم (2).

وردّ : بضعف الأخير. وعدم صراحة الأول ، لأنّ إتمام ما نقص كما يمكن بالموافق يمكن ببدله أيضا ، بل ثبوت الخيار في الرابعة - مع شمول هذه الأخبار لها أيضا - يعيّن أنّ المراد بإتمامه أعمّ من الإتيان بموافقة ، أو ما يقوم مقامه.

أقول : هذا كان حسنا لو لا الأمر بالقيام في إحدى الموثّقات ، ولكن قال في بعضها : « فإذا فرغت وسلّمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت » (3)ومع ذلك لا يرد هذا.

فدلالة الموثقة على مطلوبهم صريحة.

ولا يعارضها ما سبق من الإجماع المنقول ، لعدم حجّيته.

ولا دعوى العماني ولا الحلّي ، إذ لا يعلم بعد ما ادّعياه حتّى يظهر دلالته أو عدمها ، والاكتفاء بفهمهما غير جائز.

نعم لو ثبت الإجماع المركّب الذي تقدّم ، تعارض به الموثقة ، بل يقدّم عليها ، إلاّ أنّ ثبوته مشكل.

وقد يستدلّ على المشهور بصحيحة ابن أبي العلاء المتقدّمة (4)، حيث إنّه يصدق حينئذ أنّه يستوي وهمه في الثلاث والأربع ، فتجوز له الركعتان جالسا بها ، كما تجوز الركعة قائما بما مرّ. بل بخبر جميل الآتي (5)، المصرّح بالخيار.

ولو شكّ في الصدق بعد الفراغ عن السجدتين قبل القيام ، فلا شكّ في الصدق بعده ، ويتمّ المطلوب بالإجماع المركب.


1) انظر : الوسائل 8 : 212 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8.

2) في ص 146.

3) التهذيب 2 : 349 - 1448 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل ب 8 ح 3.

4) في ص 143.

5) في ص 157.

ويرد عليهما : أنّ معنى اعتدل وهمه في الثلاث والأربع إمّا في فعل الثلاث والأربع ومضيّهما ، أو في التلبس بهما.

والظاهر من الخبر : الأوّل ، بقرينة السؤال ورجوع الضمائر في الجواب إلى المسؤول عنه. بل هو مراد قطعا - للسؤال - وإرادة المعنى الأخير غير معلومة.

وأمّا الصحيحة فهي مجملة من هذه الجهة فلا تصلح للتخصيص.

إلاّ أن يقال : العامّ المخصّص بالمجمل ليس بحجة ، فتخرج الموثّقة أيضا عن الحجية ، فلا يجب القيام أيضا ، ويكون المكلّف مخيّرا. إلاّ أنّه يمكن أن يقال : إنّ الركعة من قيام مجزية قطعا ، فتجب لأصل الاشتغال. فإن منعت قطعية إجزائها ، ثبت بواسطة رواية قرب الإسناد (1)، المنجبر ضعفها باشتهار إجزائها.

لا يقال : ليس المورد محلّ جريان أصل الاشتغال ، بل يجري أصل البراءة عن القيام ، لثبوت القدر المشترك بينهما بالإجماع.

لمنع ثبوت القدر المشترك من جهة القول بالتخيير ، فإنّه ثبت الزائد عن مهيّة الصلاة ، من التخيير أو أحد الفردين ، فيجب العمل بأصل الاشتغال ، حتّى تعلم البراءة ، وهي لا تعلم إلاّ بالقيام ، فوجوبه الأظهر ، سيّما مع أنّ الموثّقة تثبت المطلوب في صورة الجلوس قبل القيام بلا معارض ، فيضمّ معه الإجماع المركب.

ولعلّه لبعض ما ذكر ، وللأوفقيّة للفائت جعل الفاضلان - طاب ثراهما - الركعة من قيام هنا وفي الرابعة (2)أولى من الركعتين جالسا (3).

وفي الثانية (4)بركعتين من قيام حتما إجماعا ، كما عن الانتصار والخلاف (5)، لما مرّ من الموثّقات ، وخصوص الصحاح المتقدّمة الواردة في المورد.


1) المتقدمة في ص 146.

2) أي : الصورة الرابعة ، وهو الشكّ بين الثالثة والرابعة.

3) المحقق في المعتبر 2 : 393 ، الفاضل في التذكرة 1 : 140.

4) وهو الشكّ بين الثانية والرابعة.

5) لم نجده في الانتصار ، الخلاف 1 : 445.

وفي الثالثة (1)بركعتين من قيام ، وركعتين من جلوس ، على الأظهر الأشهر ، كما صرّح به جماعة ممن تأخّر (2)، لمرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة (3).

وعن الصدوقين والإسكافي : الاحتياط بركعة من قيام وركعتين من جلوس (4)، واستقربه في الروضة (5).

لصحيحة البجلي عن أبي إبراهيم عليه السلام : قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا ، فقال : « يصلّي ركعة من قيام ، ثمَّ يصلّي ركعتين وهو جالس » (6).

والرضوي : « وإن شككت فلم تدر اثنتين صلّيت أم ثلاثا أم أربعا ، فصلّ ركعة من قيام وركعتين من جلوس » (7).

وقوّاه في الذكرى من حيث الاعتبار أيضا ، لأنّهما تنضمّان حيث تكون الصلاة اثنتين ، ويجزئ بإحداهما حيث تكون ثلاثا (8).

ويردّ الصحيحة ، مع ما في سندها من عدم معهودية رواية الكاظم عليه السلام عن الصادق عليه السلام بهذا النحو ، ومن الاقتصار في بعض النسخ على أبي إبراهيم ، وما في مضمونها من المخالفة للشهرة العظيمة ، أنّها غير صالحة للاستناد ، للاختلاف في متنها ، ففي بعض النسخ - كما في المنتقى (9)وغيره - وفي أكثر النسخ - كما صرّح به بعض الأجلّة (10)- : « يصلّي ركعتين من قيام » بدل


1) وهو الشكّ بين الثانية والثالثة والرابعة.

2) منهم : السبزواري في كفاية الأحكام : 26 ، وصاحب الرياض 1 : 219.

3) في ص 142.

4) حكاه عنهم في المختلف : 133.

5) قال في الروضة 1 : 330 : .. وهو قريب من حيث الاعتبار .. إلاّ أنّ الأخبار تدفعه.

6) الفقيه 1 : 230 - 1021 ، الوسائل 8 : 222 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 1.

7) فقه الرضا 7 : 118 ، مستدرك الوسائل 6 : 411 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 12 ح 1.

8) الذكرى : 226.

9) منتقى الجمان 2 : 311.

10) الرياض 1 : 219.

« ركعة ».

والرضوي : بالضعف.

والاعتبار : بعدم الاعتبار ، مع أنّه ينازع في قوّته ، من حيث إنّه يستلزم تلفيق البدل الواحد من الفعل قائما وقاعدا على تقدير كون الواحد ركعتين ، ويستلزم زيادة بعض الأفعال كالنية والتكبير في البدل ، وتغيير صورته على التقدير المذكور.

ثمَّ في تبديل الركعتين جالسا بركعة قائما حتما ، كما عن العزّية والديلمي (1).

أو تخييرا ، كما عن الفاضل والشهيدين (2)، واختاره بعض مشايخنا الأخباريين (3).

أو عدم جوازه ، كما عن الأكثر ، ونسبه في الذكرى إلى الأصحاب (4).

أقوال ، أحوطها الأخير ، بل هو أقواها.

للرضوي المنجبر بالشهرة في المقام ، بل لأصل الاشتغال أيضا ، حيث إنّ جواز الجلوس يقيني بما مرّ.

للأوّل : ظواهر الأوامر العامّة المصرّحة بإتمام ما ظننت قائما.

وللثاني : فحوى مرسلة ابن أبي عمير ، لأنّها إنّما تصلّى لتكون بدلا عن المحتمل فواته ، والركعة قائما أقرب إليه.

ويضعّف الأوّل : بتحقّق القيام المأمور به هنا ، لمكان الركعتين قائما ، ولم يثبت وجوب القيام في كلّ ما يفعل. مع أنّ المرسلة أخصّ منها ، فتخصّصها.

والثاني : بمنع الأولوية ، لأنّها إنما هي على فرض معلوميّة العلّة ، وهي ممنوعة.

وهل يجب تقديم الركعتين من قيام؟ كما عن المفيد في المقنعة والسيّد في أحد


1) حكاه عن العزية في المختلف : 134 ، الديلمي في المراسم : 89.

2) الفاضل في التذكرة 1 : 140 ، الشهيد في الذكرى : 226 ، الشهيد الثاني في الروضة 1 : 330.

3) انظر : الحدائق 9 : 243.

4) الذكرى : 226.

قوليه ، والحلّي والروضة والبيان والألفيّة (1)، وجمع من متأخري المتأخرين (2)، وحكي عن الروضة نسبته إلى المشهور (3)، وهو غير ظاهر ، لإمكان رجوعه إلى الأربع ركعات لا إلى الترتيب ، كما تؤكّده نسبته التخيير في الذكرى والمسالك إلى الأكثر (4).

أو الركعتين من جلوس؟ كما يحكى عن بعضهم.

أو يتخيّر في تقديم أيّهما شاء؟ كما هو المشهور.

للأوّل : مكان لفظة « ثمَّ » الدالّة على الترتيب في النصّ.

وفي إثبات الوجوب به هنا نظر.

ودليل الثاني غير معلوم.

وللثالث : الأصل. وهو الأظهر.

وفي الرابعة (5)بركعتين من جلوس ، أو ركعة من قيام ، مخيّرا بينهما على الأقوى الأشهر.

للأمر بالأوّل في صحيحتي الحلبي وابن أبي العلاء ، وموثقة البقباق المتقدّمة جميعا (6).

وبالثانية في عموم الموثّقات السابقة (7)، وخصوص قوله : « قام فأضاف إليها ركعة أخرى » في صحيحة زرارة المتقدّمة (8)بالتقريب المذكور.


1) المقنعة : 147 ، حكاه عن السيّد في المختلف : 134 ، الحلي في السرائر. 254 ، الروضة 1 : 330 ، البيان : 254 ، وقال في الألفية : 73 : والاحتياط بركعتين جالسا وبركعتين قائما.

2) كصاحب المدارك 4 : 261 ، والسبزواري في الذخيرة : 378 ، وصاحب الرياض 1 : 219.

3) الروضة 1 : 330.

4) الذكرى : 226 ، المسالك 1 : 402.

5) أي : الصورة الرابعة ، وهو الشكّ بين الثالثة والرابعة.

6) في ص 143.

7) راجع ص 141.

8) في ص 143.

فيجمع بينهما بالتخيير ، بشهادة خبر جميل المنجبر ضعفه - لو كان - بالشهرة العظيمة والإجماع المنقول ، وفيها : « وإذا اعتدل وهمه في الثلاث والأربع فهو بالخيار إن شاء صلّى ركعة وهو قائم ، وإن شاء صلّى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس » (1).

بل هو بنفسه قرينة على إرادة الوجوب التخييري.

المسألة الثامنة :

لو شكّ بين الأربع والخمس ، فإن كان بعد الفراغ من السجدتين يبني على الأقلّ

وفاقا ، ويسجد سجدتي السهو على الأظهر الأشهر ، وعن العماني نسبته إلى آل الرسول صلی اللّه عليه وآله (2).

للمستفيضة من الصحاح وغيرها ، كصحيحة ابن سنان : « إذا كنت لا تدري أربعا صلّيت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ، ثمَّ سلّم بعدها » (3).

وأبي بصير ، وهي أيضا قريبة منها (4).

والحلبي : « إذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا ، أم نقصت أم زدت ، فتشهّد وسلّم ، واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهّد فيهما تشهّدا خفيفا » (5).

وصحيحة زرارة : « إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلم يدر زاد أم نقص


1) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 9 ، التهذيب 2 : 184 - 734 ، الوسائل 8 : 216 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 2.

2) حكاه عنه في المختلف : 140.

3) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 3 ، التهذيب 2 : 195 - 767 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1.

4) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 6 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل ب 14 ح 3.

5) الفقيه 1 : 230 - 1019 ، التهذيب 2 : 196 - 772 ، الاستبصار 1 : 380 - 1441 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

فليسجد سجدتين وهو جالس » (1).

والفضيل : « من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو ، وإنّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها » (2).

ويدلّ عليه أيضا جميع الأخبار المتقدّمة الدالّة على البناء على اليقين والنقصان والجزم ، إذ لا معنى للبناء عليها وصحّة الصلاة بعد احتمال الزيادة إلاّ ذلك. ولا تعارضها أخبار البناء على الأكثر ، لاختصاصها بعدم احتمال الزيادة من جهة اشتمالها على الأمر بإتمام ما نقص.

خلافا للمحكي عن المفيد والخلاف والديلمي والحلبي ، فلم يذكروا سجدتي السهو (3). بل عن ظاهر الأوّلين : نفيهما. ولم أجد مستنده.

وعن المقنع ، فحكم مع البناء على الأقلّ بصلاة الاحتياط ركعتين جالسا ، بدلا عن سجدة السهو (4).

وتدلّ عليه رواية الشحّام : « إن استيقن أنّه صلّى خمسا أو ستّا فليعد ، وإن كان لا يدري أزاد أم نقص فليكبّر وهو جالس ، ثمَّ ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ، ثمَّ يتشهّد » (5).

والرضوي : « وإن لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا ، أو زدت أو نقصت ، فتشهّد وسلّم وصلّ ركعتين وأربع سجدات وأنت جالس بعد تسليمك » قال : وفي حديث آخر : « يسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة » (6).

ويجاب عنهما بالشذوذ الموجب لرفع اليد عنهما.


1) الكافي 3 : 354 الصلاة ب 41 ح 1 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 2.

2) الفقيه 1 : 230 - 1018 ، الوسائل 8 : 225 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 6.

3) المفيد في المقنعة : 148 ، الخلاف 1 : 451 ، الديلمي في المراسم : 90 ، الحلبي في الكافي : 148.

4) المقنع : 31.

5) التهذيب 2 : 352 - 1461 ، الوسائل 8 : 225 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 5.

6) فقه الرضا عليه السلام : 120 ، مستدرك الوسائل 6 : 412 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 1.

مضافا إلى ما في الثاني من الضعف الشديد ، وفي الأوّل من قصور الدلالة باعتبار أعميّته من المسألة وأخبارها.

وإن كان قبله ، فإن كان قبل الركوع أيضا ، فيجلس حتى ينقلب شكّه إلى ما بين الثلاث والأربع ، فيبني على الأربع ويسلّم ويحتاط ، كما في الشكّ بين الثلاث والأربع ، بلا خلاف ، كما صرّح به جماعة (1)، لأنّه ما لم يركع شاكّ في أنّ ما صلّى ثلاث حتى يكون ما قام إليه الرابعة ، أم أربع حتى يكون ما قام إليه الخامسة ، فيشمله جميع الأخبار الواردة في حكم من لم يدر أنّه صلّى ثلاثا أم أربعا.

بل يكون الشكّ حقيقة في أوّل الأمر بين الثلاث والأربع ، إذ الشكّ إنّما هو فيما فعل لا ما لم يفعل ، وأمّا ما شرع فيه فلا تصدق عليه الركعة بعد.

وإن كان بعد دخول الركوع وقبل إتمام السجدتين بأقسامه فالمشهور أيضا - كما قيل (2)- أنّه أيضا كما بعد السجدتين ، فيبني على الأربع ويسجد سجدتي السهو ، وهو الحقّ.

أمّا البناء على الأربع فلأصالة عدم الزائد الخالية عن المعارض بالمرّة ، إذ ليس إلاّ أخبار البناء على الأكثر ، وهي - لاشتمالها على الأمر بإتمام ما نقص - لا تشمل هذه الصورة قطعا. وأصالة عدم البطلان المترتّب عليها ذلك ، الخالية عن المعارض ، إذ ليس إلاّ ما يأتي بجوابه. ولأخبار البناء على اليقين والنقصان ، فإنّها بأيّ معنى فسّرت تدلّ على ما ذكرنا من الحكم في المسألة.

وأمّا وجوب سجدتي السهو فلصحيحتي زرارة والفضيل المتقدّمتين.

خلافا للمحكي عن الفاضل (3)، وتبعه بعض من لحقه (4)، فقال ببطلان الصلاة به ، لما ذكره نفسه ، وهو : التردّد بين محذورين : الإكمال المعرض للزيادة ،


1) منهم صاحب الحدائق 9 : 247 ، وحكاه أيضا عن الشيخ عبد اللّه البحراني.

2) في الحدائق 9 : 248.

3) في التحرير 1 : 50 ، والقواعد 1 : 43 ، والتذكرة 1 : 140.

4) نسبه في مفتاح الكرامة 3 : 363 إلى الموجز الحاوي لابن فهد الحلّي ، وكشف الالتباس للصيمري.

والهدم المعرض للنقيصة ، بل للزيادة أيضا ، حيث إنّ بدخول الركوع يزيد الركن.

وما ذكره في الروضة (1)، وهو : خروجه عن النصوص ، فإنّه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه أنّه شكّ.

ويرد على الأوّل : أنّه إن أراد من المحذورين تيقّن الزيادة والنقيصة فهو ممنوع ، كيف؟! وليس في الإكمال إلاّ احتمال الزيادة. وإن أراد احتمالها فكونه مبطلا ممنوع ، ولا دليل عليه ، بل في الموثّقة : « إذا استيقن أنّه زاد فعليه الإعادة » (2)ومفهومها أنّه لا يعاد مع عدم التيقّن.

وبتقرير آخر : إن كان نظره إلى أنّه يشترط في صحّة الصلاة أن يفعل على وجه لا يحتمل البطلان فهو ظاهر البطلان ، إذ لا يتحقّق في شي‌ء من صور الشك. وإن أراد أنّه يشترط فيه أن يفعل على وجه يحتمل الصحّة فالإكمال هنا كذلك.

وعلى الثاني : أنّه إن أراد خروجه عن نصوص الشكّ بين الأربع والخمس ، كما هو ظاهر كلامه ، فهو كذلك ، ولكن لا يفيد ، إذ لا يقتضي ذلك البطلان بوجه. وإن أراد خروجه من مطلقها عامّها وخاصّها فهو ممنوع ، كما عرفت ، مع أنّ اقتضاءه البطلان أيضا ممنوع.

وممّا يمكن أن يستدلّ له أيضا أخبار الشكّ بين الثلاث والأربع ، فإنّ المسألة من أفراده ، فإنّه يشكّ في أنّ الركعة التي صلاّها وأتمّها قبل ما هو فيه ، هل الثالثة أم الرابعة ، ومقتضى أخباره البناء على الرابعة ، وإذا بنى عليها يكون ما فعله بعدها زائدا ، فتلزم زيادة الركوع قطعا ، فتبطل.

ويردّ : بأنّ مقتضى تلك الأخبار البناء على الرابعة ، وأنّ الصلاة صحيحة بقرينة الأمر بالاحتياط وإتمام الصلاة ، فلا تشمل صورة البطلان. مع أنّه لو سلّم


1) الروضة 1 : 330.

2) الكافي 3 : 354 الصلاة ب 41 ح 2 ، التهذيب 2 : 194 - 763 ، الاستبصار 1 : 376 - 1428 ، الوسائل 8 : 231 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

لدلّت الأخبار على صحّة هذه الصلاة ، وهي غير مطلوبة. على أنّ المذكور في تلك الأخبار ليس البناء على الرابعة ، بل يأمر بالتشهّد والتسليم ، ومقتضاه البناء على الأربع في المسألة أيضا ، فتأمّل.

ثمَّ إنّه لا فرق في هذه الصورة بين رفع الرأس من الركوع وما قبله. وتجويز الهويّ لو لم يرفع ، وهدم الركعة وصرف الشكّ إلى ما بين الثلاث والأربع ضعيف ، لحصول الركوع الموجب للزيادة.

المسألة التاسعة :

ما مرّ من صور الخمس للشكّ فيما زاد عن الأوليين من الرباعيّة كان ممّا يفرض له في النصوص

بالخصوص ، وها هنا صور أخر غير منصوصة بخصوصها.

منها : الشك بين ركعتين أو ثلاث ركعات والخمس ، وهو أربع صور : الشكّ بين الاثنتين والثلاث والخمس بعد إكمال السجدتين ، أو الاثنتين والأربع والخمس كذلك ، أو الاثنتين والثلاث والأربع والخمس كذلك ، أو الثلاث والأربع والخمس.

وفي جميع هذه الصور أقوال ثلاثة - بعد الاتّفاق في الأخيرة على هدم الركعة ، والرجوع إلى حكم الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع لو كان قبل الركوع - :

أحدها : البناء على الأقلّ وسجدتي السهو. اختاره في الذخيرة (1).

وهو الحقّ ، لما مرّ في الشكّ بين الأربع والخمس.

وثانيها : البناء على الثلاث في الاولى ، والأربع في البواقي ، وصلاة الاحتياط بما تقتضيه الصورة بعد إلقاء الخمس منها. اختاره في الحدائق (2).


1) الذخيرة : 380.

2) الحدائق 9 : 252 ، ولكنّه استظهر في الصورة الأولى البطلان ، فراجع.

لإطلاق الأخبار المتقدّمة لهذه الصور إذا لم يكن معها خمس ، فإنّها مطلقة غير مقيّدة لحال الانفراد أو الاجتماع ، فإنّ ما تضمّن أنّ من شكّ بين الثلاث والأربع مثلا حكمه كذا ، مطلق شامل لما إذا اجتمع معهما الخمس أيضا ، أم لا.

ويضعّف : بأنّ الظاهر منها ما إذا تعلّق الشكّ بما تضمّنته الرواية فحسب.

وثالثها : البطلان ، حكي عن بعض الأصحاب ، لمثل ما مرّ دليلا للفاضل في الشكّ بين الأربع والخمس. وقد عرفت ضعفه.

ومنها : الشكّ بين غير الأربع من ركعة أخرى واحدة وبين الخمس ، وهو صورتان : الشكّ بين الاثنتين والخمس بعد إكمال السجدتين ، وبين الثلاث والخمس بعد دخول الركوع ، إذ قبله يهدم الركعة حتى ينقلب الشكّ إلى ما بين الاثنتين والأربع بعد إكمال السجدتين.

وقد اختلفوا فيها على قولين : البناء على الأقلّ وسجدة السهو. رجّحه في الذخيرة (1). وهو الأقوى ، لما مرّ.

والبطلان ، لمثل بعض ما مرّ بجوابه.

ولا تتوهّم دلالة صحيحة صفوان المتقدّمة (2)على وجوب الإعادة في غير المنصوص من هذه الصور ، لأنّ من لم يدر أنّه صلّى أربعا أو خمسا مثلا يصدق عليه أنّه لا يدري كم صلّى.

لمنع الصدق ، لأنّه يدري أنّه صلّى أربعا ، ولا يدري الزائد.

المسألة العاشرة :

لو شكّ بين الأربع وما زاد على الخمس ففيه أوجه :

البطلان. احتمله في المختلف استنادا إلى أنّ زيادة الركن مبطلة ، ومع


1) الذخيرة : 380.

2) في ص 134.

احتمالها لا يتيقّن البراءة (1).

ويردّ : بأنّ الزيادة المبطلة هي المتيقّنة ، واليقين الشرعي بعد إجراء أصل عدم الزيادة حاصل.

والتسوية بينه وبين الخمس. نقل الفاضل عن العماني ، واختاره هو (2)، ومال إليه الشهيدان في الرسالة الصلاتيّة (3)وشرحها ، فيصحّ حيث يصحّ ، ويبطل حيث يبطل ، لإطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة (4)، على القول بالبطلان في بعض صوره.

والبناء على الأقلّ مطلقا. نقله في الذخيرة عن بعض الأصحاب ، وقال : إنّه وجيه (5).

وهو كذلك ، لما مرّ من أصالة عدم الزيادة ، وأخبار البناء على اليقين ، وتجب حينئذ سجدتا السهو ، لما مرّ.

والظاهر اتّحاد ذلك مع الوجه السابق ، إذ الحكم فيه أيضا ذلك. نعم من يبطله في سابقة يلزمه البطلان أيضا هنا ، لاتّحاد الدليل.

وسواء في ذلك ما لو كان الشكّ قبل الركوع أو بعده. ولا يهدم الركعة ، لعدم دليل عليه ، وعدم ترتّب فائدة على هدمها.

وكذا الحكم في جميع صور الشكّ بين الست وغيرها من الاثنتين بعد إكمال الركعة ، والثلاث والأربع ، وما لم يتعلّق الشكّ بإحدى الأوليين ، بل وكذا إذا تجاوز المشكوك فيه عن الست أيضا.

ولو كان الشكّ بين الخمس والست يهدم الركعة إن كان قبل الركوع ليرجع


1) المختلف : 135.

2) كما في المختلف : 135.

3) الألفية : 75.

4) في ص 157.

5) الذخيرة : 380.

إلى الشكّ بين الأربع والخمس. وحكمه كمن زاد ركعة بعد الأخيرة إن كان بعد الركوع.

الفصل الثاني : في الشك في أفعال الصلاة
اشارة

وبيانه : أنّ من شكّ في فعل من أفعالها ولم ينتقل من موضعه إلى غيره أتى به ، وأتمّ الصلاة. قيل : لا أعرف فيه خلافا (1).

لأصالة عدم فعله ، وإمكان الإتيان به من غير خلل ولا إخلال ، وبقاء الخطاب بفعله ، والمستفيضة من الصحاح وغيرها الواردة في الشكّ في الركوع وهو قائم ، أو في السجود ولم يستو جالسا ، أو قائما ، وهي وإن كانت مختصّة بالركوع والسجود إلاّ أنّه لا قائل بالفرق على ما صرّح به بعضهم (2).

ويؤيّده عموم مفهوم جملة من الأخبار المصرّحة بعدم التدارك للشي‌ء بعد الخروج عن موضعه والانتقال عنه.

وأمّا موثّقة الفضيل : أستتمّ قائما فلا أدري ركعت أم لا ، قال : « بلى قد ركعت فامض صلاتك ، فإنّما ذلك من الشيطان » (3).

فلا ينافي ما مرّ ، لاحتمال إرادة الشكّ في الركوع بعد استتمام القيام الذي بعد الانحناء للركوع ، أو بعد السجدتين. بل أحدهما هو الظاهر من استتمامه ، إذ لا معنى لاستتمام القيام قبل الركوع ولا الانحناء. فيحمل على ما ذكر ، أو على إرادة ترك الطمأنينة ، أو الذكر في الركوع ، فأطلق عليه الركوع على التجوّز.

ويمكن الحمل على القيام من الانحناء قبل الوصول إلى حدّ الراكع المورث للظّن بالركوع.


1) كما في الحدائق 9 : 168.

2) انظر : الذخيرة : 374 ، والرياض 1 : 215.

3) التهذيب 2 : 151 - 592 ، الاستبصار 1 : 357 - 1354 ، الوسائل 6 : 317 أبواب الركوع ب 13 ح 3.

أو على كثير الشكّ ، كما يشعر به قوله : « أستتمّ » بصيغة الاستقبال الدالّة على التجدّد الاستمراري وقوله : « إنّما ذلك من الشيطان ».

ولو كان الشكّ في شي‌ء من الأفعال بعد الانتقال من موضعه ودخوله في غيره مضى في صلاته ولم يتدارك ، وصحّت ، إجماعا إذا لم يكن من الركعتين الأوليين ، وعلى الأشهر الأقوى إذا كان منهما.

للمستفيضة من الصحاح وغيرها ، كصحيحة زرارة : رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة ، قال : « يمضي » قلت : رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر ، قال : « يمضي » قلت : رجل شكّ في التكبير وقد قرأ ، قال : « يمضي » قلت : شكّ في القراءة وقد ركع ، قال : « يمضي » قلت : شكّ في الركوع وقد سجد ، قال : « يمضي على صلاته » ثمَّ قال : « يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثمَّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء » (1).

وموثّقة محمّد : « كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو » (2).

وصحيحة ابن جابر : « إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض ، كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه » (3).

ونحوها خبر أبي بصير (4).

وصحيحة حمّاد : أشكّ وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا ، قال : « امض » (5)إلى غير ذلك.


1) التهذيب 2 : 352 - 1459 ، الوسائل 8 : 237 أبواب الخلل ب 23 ح 1.

2) التهذيب 2 : 344 - 1426 ، الوسائل 8 : 237 أبواب الخلل ب 23 ح 3.

3) التهذيب 2 : 153 - 602 ، الاستبصار 1 : 358 - 1359 ، الوسائل 6 : 317 أبواب الركوع ب 13 ح 4.

4) الفقيه 1 : 228 - 1008 ، التهذيب 2 : 152 - 598 ، الوسائل 6 : 365 أبواب السجود ب 14 ح 4.

5) التهذيب 2 : 151 - 593 ، الاستبصار 1 : 358 - 1355 ، الوسائل 6 : 317 أبواب الركوع ب 13 ح 1.

وبهذه الأخبار يقيّد بعض المطلقات الآمرة بالركوع والسجود بعد الشكّ فيهما بالإطلاق (1).

خلافا في الحكمين في الركعتين الأوليين للمحكي عن المقنعة والنهاية والتهذيب (2).

فقال الأول : كلّ سهو يلحق الإنسان في الركعتين الأوليين من فرائضه حتى تلبّس عليه ما صلّى منهما ، أو ما قدّم وأخّر من أفعالهما فعليه لذلك إعادة الصلاة. إلاّ أنّه قال قبله : فإن شكّ في الركوع وهو قائم ركوع ، وإن كان قد دخل في حالة اخرى من السجود وغيره مضى في صلاته وليس عليه شي‌ء ، فأطلق ولم يخصّه بما عدا الأوليين.

وقال الثاني : ومن شكّ في الركوع والسجود في الركعتين الأوليين أعاد الصلاة.

ومثله في الثالث.

وحكي عن الشيخ قول بوجوب الإعادة بكلّ شكّ متعلّق بكيفيّة الأوليين ، كأعدادهما. وعن الشيخ عن بعض القدماء نقله أيضا (3).

كلّ ذلك للمستفيضة ، كصحيحة زرارة : « من شكّ في الأوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين ، ومن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم » (4).

ورواية موسى بن بكر : « إذا شككت في الأوليين فأعد » (5).


1) كما في الوسائل 6 : 315 أبواب الركوع ب 12.

2) المقنعة : 145 ، النهاية : 88 ، التهذيب 2 : 150.

3) قال الشيخ (ره) في النهاية : 92 : من شكّ في الركوع أو السجود في الركعتين الأوليين أعاد الصلاة. وما في المتن حكاه عنه المحقق (ره) في المعتبر 2 : 388 ، وما نقله الشيخ (ره) عن بعض القدماء حكاه الشهيد (ره) في الذكرى : 224.

4) الفقيه 1 : 128 - 605 ، مستطرفات السرائر : 74 - 18 ، الوسائل 8 : 187 أبواب الخلل ب 1 ح 1.

5) التهذيب 2 : 176 - 703 ، الاستبصار 1 : 364 - 1380 ، الوسائل 8 : 192 أبواب الخلل ب 1 ح 19.

وصحيحة البقباق : « إذا لم تحفظ الركعتين الأوليين فأعد صلاتك » (1).

وصحيحة أخرى [ لزرارة ] المصرّحة بأنّه عشر ركعات لا يجوز الوهم فيهنّ ، ومن وهم في شي‌ء منهنّ استقبل الصلاة ، وعدّ الركعات الأوليين من الصلوات الأربع وركعتي الفجر (2).

ورواية العامري وفيها : « فمن شكّ في أصل الفرض في الركعتين الأوليين استقبل صلاته » (3).

ويجاب عن غير الثلاثة الأخيرة : بأنّ الشك في الركعة حقيقة في الشكّ في نفسها ، وصدقه على الشكّ في الأجزاء والكيفيّات والشرائط غير معلوم ، فيرجع إلى الشكّ في العدد ، ولا كلام فيه.

بل هو الجائز في صحيحة البقباق أيضا ، لجواز أن يكون المراد حفظ نفس الركعة.

بل هو المحتمل في ما قبل الأخيرة أيضا ، إذ من الجائز أن يكون المراد من قوله : « في شي‌ء منهنّ » أي واحدة من الركعات.

ولو سلّم الشمول فتعارض هذه الأخبار مع عموم ما مرّ من الصحاح المستفيضة المتقدّمة المصرّحة بصحّة الصلاة والتدارك مع بقاء المحلّ ، والمضيّ مع خروجه ، بالعموم من وجه.

فإن رجّحنا المتقدّمة بالشهرة العظيمة ، وإلاّ فيرجع إلى أصالة الصحّة وعدم وجوب الإعادة ، المستلزمتين للتدارك في المحلّ ، لأصالة عدم الفعل ، والمضي بعده للإجماع المركّب.

مع أنّ في المتقدّمة ما صرّح بالحكم في التكبير والقراءة ، وهما مختصّان


1) الكافي 3 : 487 الصلاة ب 105 ح 2 ، الوسائل 8 : 189 أبواب الخلل ب 1 ح 9.

2) التهذيب 2 : 177 - 707 ، الاستبصار 1 : 364 - 1384 ، الوسائل 8 : 190 أبواب الخلل ب 1 ح 13.

3) الكافي 3 : 273 الصلاة ب 3 ح 7 ، الوسائل 4 : 49 أبواب أعداد الفرائض ب 13 ح 12.

بالأوليين.

وتوافقه أيضا رواية محمّد بن منصور : عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية ، أو شكّ فيها ، فقال : « إذا خفت أن لا تكون وضعت جبهتك إلاّ مرّة واحدة فإذا سلّمت سجدت سجدة واحدة ، وتضع وجهك مرّة واحدة ، وليس عليك سهو » (1).

وهذه أخصّ مطلقا من أخبار المخالف ينضمّ إليها الإجماع المركّب في سائر الأفعال ، فيجب التخصيص بها ، سيّما مع تأيّدها بما يدلّ على صحّة الصلاة بالسهو عن السجدة الواحدة ولو من الأوليين ، وعلى أنّ نسيان السجدتين في الأوليين والأخريين على السواء ، مع عدم قول بالفرق بين الشكّ والسهو.

ولا تعارضها صحيحة البزنطي المتقدّمة (2)فيمن ترك السجدة في الركعة الأولى ، حيث ذكر فيها « استقبلت الصلاة » لما عرفت من إجمالها ، مع عدم صراحتها في الوجوب.

ثمَّ إنّ الفاضل - طاب ثراه - في التذكرة استصوب الفرق بين الركن وغيره (3)، فالإعادة في الأوّل و [ عدم ] (4)الإعادة في الثاني ، لوجه اعتباري فيه ضعف جدّا.

فروع :

أ : إطلاق الأخبار - كما عرفت - يقتضي عدم الفرق بين الشك في الركن وغيره.


1) التهذيب 2 : 155 - 607 ، الاستبصار 1 : 360 - 1365 ، الوسائل 6 : 366 أبواب السجود ب 14 ح 6.

2) في ص 116.

3) التذكرة 1 : 136.

4) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

ب : وكذلك يقتضي عدم الفرق بين أن يكون الغير الذي دخل فيه من الأفعال المستحبّة للصلاة أو الواجبة. وتوهّم كونه مخصوصا بالواجبات فاسد.

وكذا بين الأفعال المطلوبة حقيقة ، أو تبعا.

وتحقيق المقام : أنّك قد عرفت وجوب الإتيان بالمشكوك فيه قبل دخوله في غيره ، ووجوب المضيّ بعده.

وقد وقع الخلاف في ذلك الفعل الذي يتجاوز المحلّ بالدخول فيه ، هل هو ما كان من الأفعال الحقيقيّة للصلاة ، المطلوبة بالذات ، المقرّرة بالترتيب الخاصّ في كتب الفقهاء من النيّة ، والتكبير ، والقراءة ، ونحو ذلك من الأمور المعدودة فيها ، أو الأعمّ منها ومن مقدّمات تلك الأفعال أيضا ، كالهويّ للسجود ، والانحناء للركوع ، والنهوض للقيام ونحو ذلك.

فاختار الشهيدان (1)، وغيرهما (2)الأوّل ، لأنّه المتبادر من الغير الذي حكم في الأخبار بالمضيّ بعد الدخول فيه ، ولعموم صحيحة ابن جابر ، وخبر أبي بصير المتقدّمتين (3)، سيّما مع تذييله بعد ذلك بقوله : « كلّ شي‌ء شكّ فيه بعد ما جاوزه .. » فإنّ الظاهر منه أنّ هذا هو التجاوز.

وخصوص موثّقة البصري : رجل رفع رأسه من السجود ، فشكّ قبل أن يستوي جالسا ، فلم يدر سجد أم لم يسجد ، قال : « يسجد » قلت : فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما ، فلم يدر سجد أم لم يسجد ، قال « يسجد » (4).

ولعطف قوله : « دخلت في غيره » في صحيحة زرارة (5)، بلفظة « ثمَّ » الدالّة6.


1) الشهيد الأول في البيان : 253 ، الشهيد الثاني في الروضة 1 : 323 ، والروض : 349 ، والمسالك 1 : 41.

2) كصاحبي الحدائق 9 : 179 ، والرياض 1 : 216.

3) في ص 166.

4) التهذيب 2 : 153 - 603 ، الاستبصار 1 : 361 - 1371 ، الوسائل 6 : 369 أبواب السجود ب 15 ح 6.

5) المتقدمة في ص 166.

على المهلة المشعرة بوجود الواسطة بين الخروج والدخول ، وإلاّ فالخروج من الشي‌ء يستلزم الدخول في غيره.

وذهب بعض المتأخرين إلى الثاني (1)، لأنّه المفهوم لغة وعرفا من الدخول في غيره ، ولموثّقة اخرى للبصري : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر ركع أم لم يركع ، قال : « قد ركع » (2).

وردّ ذلك (3)تارة بظهورها فيما إذا كان الشك حال السجود لا قبله ، وإلاّ كان يقول : « للسجود » بدل « إلى السجود » ، ولو سلّم فيعمّه أيضا ، فيجب تخصيصها بما مرّ ، وموردهما وإن كان مختلفا إلاّ أنّهما من باب واحد لاشتراكهما في كونهما من مقدّمات أفعال الصلاة. واخرى بحملها على كثير السهو.

ولم يتعرّض في المدارك لبيان ذلك الفعل بضابط كلّي ، إلاّ أنّه قال في الشكّ في السجود قبل الاستواء بالعود ، وفي الركوع بعد الهويّ بالمضي ، عملا بالروايتين (4).

وأصرّ في الذخيرة على تعميم ذلك الفعل بالنسبة إلى المقدّمات ، وغيرها ، وجعل غيره خلاف المفهوم لغة وعرفا (5)، إلاّ أنّه عمل بكلّ من الروايات في موقعه من باب التخصيص والاستثناء فيما يخالف الضابطة.

أقول : إنّ الحكم في الأخبار متعلّق بالخروج عن فعل والتجاوز والدخول في غيره. وظاهر أنّ المراد بالخروج عنه ليس بعد الدخول فيه ، لأنّ فعله مشكوك فيه ، بل المراد الخروج من موضعه ومحلّه ، والمراد من محلّه الموضع الذي قرّر له الشارع من بين الأفعال.


1) كصاحب الذخيرة : 376.

2) التهذيب 2 : 151 - 596 ، الاستبصار 1 : 358 - 1358 ، الوسائل 6 : 318 أبواب الركوع ب 13 ح 6.

3) انظر : الرياض 1 : 216.

4) المدارك 2 : 249.

5) الذخيرة : 376.

وعلى هذا فلو فعل فعلا آخر غير أجزاء الصلاة ، ثمَّ شكّ في فعل قبله لم يكن خارجا عنه وإن كان داخلا في غيره. كما إذا هوى لأخذ شي‌ء وشكّ في القراءة. ولكن إذا دخل في فعل آخر بعد ذلك الفعل ممّا رتّبه الشارع أو طلبه وجوبا أو استحبابا يصدق الوصفان : الخروج والدخول.

واللازم في تحقّق ذلك صدق الغيريّة وكون محلّ الغير بعد الفعل المشكوك فيه ، لصدق الخروج حينئذ. سواء في ذلك كونه مطلوبا ذاتيا أصليّا ، أو تبعيّا مفهوما من الخطاب. فإنّا نعلم قطعا أنّ الشارع طلب تبعا الهوي إلى السجود والنهوض إلى القيام وأنّهما بعد الركوع والسجود ، ولا مدخليّة للمطلوبيّة الأصليّة في ذلك أصلا ، فلا وجه لتخصيص الغير بما خصّصوه به.

والتبادر الّذي ادّعاه الأوّلون ممنوع جدّا ، ولذا ادّعى بعضهم تبادر العموم.

ودلالة بعض الأخبار مفهوما أو منطوقا على الإتيان بالمشكوك فيه بعد دخول بعض المقدّمات ، لا تدلّ على خروج جميع المقدّمات من معنى الغيريّة.

وتعليل دخول السجود أو القيام في التذييل بكونه تجاوزا ودخولا في غيره لا يدلّ على أنّ غيره ليس كذلك.

ولو سلّمت إفادة لفظة « ثمَّ » للتراخي فليس هو المراد هنا قطعا ، لعدم تحقّقه بين النيّة والتكبير ، وبين التكبير والقراءة ، وكذا كثير ممّا يحكمون فيه بتجاوز المحلّ. مع أنّ صدق التراخي العرفي بمجرّد الانحناء إلى الركوع ، أو الهويّ إلى السجود ممنوع. ولو سلّم فالتجوّز فيها ليس بأبعد من تقييد الغير ، ولذا أتى في أخبار أخر بلفظة « الواو ». مع أنّ موثّقة محمّد (1)لا تتضمّن الدخول في الغير أيضا ، بل اكتفى فيها بمجرّد مضيّ المحلّ.

ومنه يظهر عدم وقع ما يتوهّم تأييدا لإرادة الأفعال المعهودة ، من عطف الدخول في الغير على الخروج من المشكوك فيه ، حيث إنّه يشعر بفصل بينهما فلا بدّ من عدم شمول الغير للمقدّمات. مع أنّ في إشعاره بالفصل منعا ظاهرا ، بل


1) المتقدمة في ص 166.

هو مشعر بالتغاير وهو متحقّق مفهوما وإن اجتمعا وجودا ، كما في : أخذت قلنسوتي وكشفت رأسي.

وقد ظهر من ذلك أنّ الحقّ في الضابط هو الثاني ، وهو الأصل في المسألة ، ولو حصل التخلّف عنه فإنّما هو بالدليل ، ويكون هو المخصّص ، وقياس غيره به وجعلهما من باب واحد خلاف التحقيق.

ج : وإذ عرفت الضابطة يعلم أنّه لو شكّ في أصل النيّة ، أو في شي‌ء من خصوصيّاتها ، أو في مقارنتها للتكبير بعد أن كبّر يمضي ، ولو شكّ في أصل التكبير ، أو شي‌ء من واجباته ، ومنها المقارنة للنيّة بعد أن شرع في القراءة يمضي ، إجماعا فيهما.

ولو شكّ في الفاتحة وهو في السورة يمضي على الأظهر ، وفاقا للمفيد في رسالته إلى ولده والحلّي والمعتبر والذخيرة والأردبيلي والمجلسي (1)، لصدق التجاوز عن شي‌ء هو الفاتحة ، والدخول في الغير الذي هو السورة.

وقيل : تجب الإعادة ، وهو اختيار المدارك (2)، ونسب إلى المشهور (3).

لعدم تحقّق التجاوز عن محلّ القراءة.

وأنّه يلوح من قوله : قلت : شكّ في القراءة وقد ركع (4)أنّه لو لم يركع لم يمض.

ويضعّف الأوّل : بعدم لزوم التجاوز عن محلّ القراءة ، بل اللازم التجاوز عن محلّ المشكوك وقد تحقّق.

والثاني : بأنّه في السؤال عن محلّ الوصف فلا يلوح منه شي‌ء.

وجعل قول الإمام في قوّة أن يقال : إذا شكّ في القراءة وقد ركع فليمض ،


1) حكاه عن المفيد في السرائر 1 : 248 ، الحلي في السرائر 1 : 249 ، المعتبر 2 : 231 ، الذخيرة : 375 ، الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 147 ، المجلسي في البحار 85 : 158.

2) المدارك 4 : 249.

3) كما في الحدائق 9 : 181.

4) كما في صحيحة زرارة المتقدمة في ص 166.

فيدلّ على العود في المقام بمفهوم الشرط ، كما في الحدائق (1).

من غرائب الاستدلالات ، فإنّ المسلّم أنّه في قوّة أن يقال : فليمض هذا الشاك ، فمفهومه لقبي. وأغرب منه تمسّكه بتقرير الإمام السائل على ما ذكره.

وقد يستدلّ بأنّ المراد من الأخبار الدخول في أحد الأفعال المعهودة التي منها القراءة. وظهر ما فيه.

ومنه يظهر أنّه لو شكّ في آية من الفاتحة أو السورة بعد الدخول في آية أخرى ، بل في كلمة بعد الدخول في غيرها لا يعود ، بل يمضي ، كما صرّح به الأردبيلي وصاحب الذخيرة أيضا (2)، ونفى عنه البعد في البحار (3).

ولا يبعد إجراء الحكم في الحرف من الكلمة الواحدة ، إذا شكّ في إخراجه من مخرجه ، إذا دخل في حرف آخر.

ولو شكّ في القراءة وهو في القنوت فالظاهر المضي ، كما اختاره في الذخيرة (4)، لما مرّ.

وقيل : يجب العود (5)، للأمر بالعود إلى السجود لو شكّ قبل استتمام القيام في موثّقة البصري (6)، فكذا هنا بالطريق الأولى.

والأولويّة ممنوعة ، إذ العلّة غير معلومة. مع أنّها معارضة بالأمر بالمضي إذا شكّ في الركوع بعد الهوي في موثّقته الأخرى.

ولأنّ القنوت ليس من أفعال الصلاة المعهودة فلا يدخل في الأخبار.

ويردّ : بأنّه إن أريد بالمعهودة : الواجبة فالأوّل مسلّم والثاني ممنوع. وإن أريد المطلق فكلاهما ممنوعان.


1) الحدائق 9 : 182.

2) الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 172 ، الذخيرة : 375.

3) البحار 85 : 158.

4) الذخيرة : 375.

5) كما في الروض : 350.

6) المتقدمة في ص 170.

ولو شكّ فيها وهو كبّر للركوع ، أو انحنى له لا يعود ، لما مرّ.

ولو شكّ في الركوع وقد رفع رأسه منه بأن يعلم انحناءه بقصد الركوع ، وشكّ في وصوله حدّ الراكع بعد الرفع منه ، فالظاهر المضيّ أيضا ، كما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين (1)، لما مرّ ، ولموثّقة الفضيل المتقدّمة (2).

خلافا لبعضهم ، فحكم بالعود (3)، لصحيحة عمران : الرجل يشكّ وهو قائم فلا يدري أركع أم لا ، قال : « فليركع » (4).

ونحوها صحيحة أبي بصير (5).

ويردّ : بكونها أعمّ مطلقا من الموثّقة ، لاختصاصها بالقيام الاستتمامي المسبوق بالانحناء ، وأعميّة هذه. ولو قيل باختصاص هذه أيضا بالقيام المتقدّم على السجود بقرينة الأمر بالركوع ، وعموم الموثّقة بالنسبة إليه لكان التعارض بالعموم من وجه ، فيرجع إلى عمومات المضي بعد تجاوز المحلّ.

وكذا لو شكّ في طمأنينته أو ذكره حينئذ.

وكذا لو شكّ في الركوع بعد الهوي للسجود قبل دخوله فيه ، وفاقا لجماعة (6)، لما مرّ ، ولموثّقة البصري. وتخصيصها بما إذا دخل السجود لا وجه له ، إذ الهوي إلى السجود أعمّ منه قطعا.

وخلافا لبعض آخر (7)، لعدم دخوله في الأفعال المعهودة ، ولمفهوم قوله في


1) قال صاحب الحدائق 9 : 192 : واحتمل بعض مشايخنا عدم العود.

2) في ص 165.

3) كما في الروض : 347 ، والحدائق 9 : 191 ، والرياض 1 : 215.

4) التهذيب 2 : 150 - 589 ، الاستبصار 1 : 357 - 1351 ، الوسائل 6 : 315 أبواب الركوع ب 12 ح 1.

5) الكافي 3 : 348 الصلاة ب 36 ح 1 ، التهذيب 2 : 150 - 590 ، الاستبصار 1 : 357 - 1352 ، الوسائل 6 : 316 أبواب الركوع ب 12 ح 2.

6) كصاحب المدارك 4 : 249 ، والسبزواري في الذخيرة : 375.

7) كالشهيد الثاني في الروض : 350 ، وصاحب الحدائق 9 : 185 ، وصاحب الرياض 1 : 215.

صحيحة ابن جابر : « إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض » (1).

وجواب الأوّل ظاهر ممّا مرّ.

وجواب الثاني : أنّ المفهوم هنا غير معتبر ، لأنّ الشرط إنّما هو لدفع توهّم كون المنطوق مانعا من المضي ، حيث إنّه معرض هذا التوهّم ، كما في : إن ضربك زيد فلا تضربه ، وإن سهوت في الصلاة فصلاتك صحيحة.

مع أنّه لو كان معتبرا لدلّ على انتفاء الحكم عند عدم الشك بعد ما قام (2)، وهو ليس كذلك قطعا ، لأنّ انتفاء الشك بعده لا يصلح لعليّة عدم الإمضاء.

وأمّا اجتماع الشك قبل القيام مع عدمه بعده وإن كان من صور المفهوم ، ولكن لو اعتبر المفهوم لدلّ على انتفاء الحكم حينئذ أيضا لانتفاء الشك بعد ما قام ، لا لما اجتمع معه ، مع أنّه ليس كذلك.

ولو شكّ في السجود والتشهّد بعد استكمال القيام فيمضي على الأظهر الأشهر ، لما قد مرّ.

خلافا لنهاية الشيخ - طاب ثراه - فيرجع إلى السجود ما لم يركع (3).

ونسب في الذكرى إليه الرجوع إلى التشهّد أيضا ما لم يركع (4)، كما نسب الخلاف فيهما في المدارك (5)إلى المبسوط أيضا.

وكلاهما خطأ ، لتصريحه في النهاية بعدم الرجوع في التشهّد بعد القيام (6)، وفي المبسوط بعدم رجوعه إلى شي‌ء منهما بعده (7).2.


1) راجع ص 166.

2) لا يخفى أنّ المناسب للفرع المفروض واستدلال المخالف بمفهوم فقرة « إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض » تبديل « قام » ب- « سجد » وكذلك فيما ذكره بعدا.

3) النهاية : 92.

4) الذكرى : 224.

5) المدارك 4 : 250.

6) النهاية : 92.

7) المبسوط 1 : 122.

واحتجّ له بصحيحة الحلبي : عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة أم سجدتين ، قال : « يسجد اخرى » (1).

وبمضمونها صحيحة الشّحام (2)، ورواية أبي بصير (3).

فإنّها بإطلاقها تشمل المورد أيضا.

ويجاب عنها : بوجوب تخصيصها بما قبل القيام لمنطوق صحيحة ابن جابر.

وللقاضي في أحد قوليه ، فيرجع إلى التشهد ما لم يركع دون السجود (4).

وهو محجوج بالصحيحة المذكورة أيضا.

د : لو شكّ في السجود وهو في التشهّد ، أو بعده وقبل استكمال القيام ، يمضي عند الشيخ في المبسوط (5)، وجملة من الأصحاب (6)، كما مرّ.

وعن ظاهر الذكرى الرجوع (7).

استنادا إلى موثّقة البصري المتقدّمة من جهة إطلاق عدم استكمال القيام ، فيشمل ما لو تشهّد بعد السجود أيضا.

ولأصالة عدم فعله وبقاء محلّه.

ولمفهوم الشرط في قوله : « وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض ».

ويضعّف الأول : بأنّها ظاهرة فيما إذا كان النهوض بعد السجود من غير تشهد في البين ، لأنّ النهوض يستعمل فيما إذا كان إلى القيام. فالنهوض من


1) الكافي 3 : 349 الصلاة ب 37 ح 1 ، التهذيب 2 : 152 - 599 ، الاستبصار 1 : 361 - 1368 ، الوسائل 6 : 368 أبواب السجود ب 15 ح 1.

2) الكافي 3 : 349 الصلاة ب 37 ح 4 ، التهذيب 2 : 152 - 601 ، الاستبصار 1 : 361 - 1370 ، الوسائل 6 : 368 أبواب السجود ب 15 ح 2.

3) الكافي 3 : 349 الصلاة ب 37 ح 2 ، التهذيب 2 : 152 - 600 ، الاستبصار 1 : 361 - 1369 ، الوسائل 6 : 368 أبواب السجود ب 15 ح 3.

4) المهذب 1 : 156.

5) المبسوط 1 : 122.

6) كالشهيد الثاني في الروضة 1 : 323 ، وصاحبي الحدائق 9 : 183 ، والرياض 1 : 216.

7) الذكرى : 224.

السجود أن يتحرّك للقيام منه. ويؤيّده التعبير برفع الرأس في الأول المتضمّن لقوله : « قبل أن يستوي جالسا » وعطف قوله : « فشك » بالفاء التي هي للتعقيب بلا مهلة.

والثاني : باندفاع الأصل بما مرّ.

والثالث : بما سبق في جواب الاستدلال بالمفهوم في الركوع.

نعم ، يمكن أن يستدلّ له بإطلاق صحيحتي الحلبي والشّحام ، ورواية أبي بصير المتقدّمة ، بل عمومها الحاصل من ترك الاستفصال.

وهي تعارض أخبار المضيّ بعد التجاوز عن المحل بالعموم من وجه ، ولا ترجيح. ولا يمكن العمل بأصل عدم الفعل ، والرجوع إلى السجود ، لأنّه يستلزم زيادة التشهد المبطلة. وإن مضينا يلزم النقص ، لأصالة عدم الفعل. ولا إجماع على أحد الطرفين ، إذ مضى قول الشيخ في النهاية بالرجوع إلى السجود ما لم يركع ، وكذا الفاضل في النهاية (1). ولا تبطل الصلاة أيضا بالإجماع. فالظاهر التخيير بين العود والمضيّ.

ولو شكّ في السجود بعد رفع الرأس منه وقبل الجلوس للتشهد إن كان موضعه ، وقبل استكمال القيام لو لم يكن موضعه ، يعود على الأظهر ، وفاقا للشهيدين والمدارك (2)، وجمع آخر (3)، لموثّقة البصري ، وإطلاق صحيحتي الحلبي ، والشحام ، ورواية أبي بصير. وبها تخصّص الأخبار السابقة.

وهذا وسابقة مستثنى من الضابطة.

وأمّا التشهد فلو شكّ فيه بعد الأخذ في القيام وقبل استكماله فالظاهر عدم الرجوع ، لما مرّ.6.


1) نهاية الاحكام 1 : 539.

2) الشهيد الأول في الذكرى : 224 ، الشهيد الثاني في الروضة 1 : 323 ، المدارك 4 : 250.

3) يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 85 ، العلامة المجلسي في البحار 85 : 160 ، صاحب الرياض 1 : 216.

ه- : لو تدارك ما شكّ في محله ، ثمَّ ذكر فعله ، فإن كان ركنا أعاد الصلاة ، بلا خلاف أجده ظاهرا ، للزيادة المبطلة بالنصّ.

وإن كان واجبا غير ركن صحّت الصلاة مطلقا على الأشهر الأظهر ، لصحيحة منصور (1)، وموثقة عبيد (2).

وهما وإن كانتا واردتين في خصوص السجدة ، إلاّ أنّه يتمّ المطلوب بالإجماع المركب ، إذ لا قول بإعادتها من زيادة غير السجدة. نعم حكي القول بالإعادة بزيادة السجدة الواحدة هنا عن السيّد ، والعماني والحلبي (3). والروايتان حجّة عليهم.

و : لو تلافى ما شكّ فيه بعد الانتقال ، فالظاهر المصرّح به في عبارات جملة من الأصحاب البطلان (4).

لا لما قيل من حصول الإخلال بنظم الصلاة (5)، ولا لأنّ المأتي به ليس من أفعالها ، ولا لأصل الاشتغال ، لأنّ الكلّ محلّ نظر لا يخفى.

بل لحصول الزيادة ، فإنّ ما تداركه ليس من أفعال هذه الصلاة الواجبة أو المستحبّة. ولكن ذلك يختصّ بما يوجب الزيادة كالركوع والسجود لا مثل القراءة وأجزائها (6).

ز : لو شكّ في الركوع وهو قائم ، فركع ثمَّ ذكر في أثناء الركوع أنّه قد ركع بطلت صلاته على الأظهر الأشهر بين المتأخّرين ، لصدق الزيادة المبطلة ، وعدم توقّف صدق الركوع على رفع الرأس منه.


1) الفقيه 1 : 228 - 1009 ، التهذيب 2 : 156 - 610. الوسائل 6 : 319 أبواب الركوع ب 14 ح 2.

2) التهذيب 2 : 156 - 611 ، الوسائل 6 : 319 أبواب الركوع ب 14 ح 3.

3) حكاه عن السيد والعماني في المختلف : 131 ، الحلبي في الكافي : 119.

4) روض الجنان : 351 ، البحار 85 : 163 ، الحدائق 9 : 189.

5) كما في المدارك 4 : 251.

6) قد مرّ توضيح ذلك في ص 84.

فلا يفيد اشتراك الانحناء بين الركوع والهوي للسجود والتميز يتوقّف على الرفع ، لمنع هذا التوقّف ، للتميز بالقصد أيضا كما في سائر الأفعال. ولا يعارضه التحاق الهوي له ، لأنّه إنّما هو بعد صيرورته ركوعا بالقصد واستباق الركوع عليه ، وإلاّ لزم عدم زيادة ركوع أصلا.

هذا ، مع أنّ الصدق العرفي للزيادة واضح.

خلافا للمحكي عن الكليني والشيخ والسيّد والحلّي والحلبي (1)، وجماعة من المتأخّرين ، منهم : الدروس والذكرى والمدارك وشرح الإرشاد للأردبيلي ، فقالوا : يرسل نفسه إلى السجود ، ولا شي‌ء عليه (2).

واستدلّ لهم ببعض الوجوه الضعيفة. ويمكن أن يكون لنصّ وصل إليهم.


1) الكليني في الكافي 3 : 360 ، الشيخ في النهاية : 92 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 36 ، الحلّي في السرائر 1 : 251 ، الحلبي في الكافي : 118.

2) الدروس 1 : 199 ، الذكرى : 222 ، المدارك 4 : 223 ، مجمع الفائدة والبرهان 3 : 171.

الفصل الثالث : في حكم الظنّ
اشارة

بأن يتردد ذهنه بين أمرين ، وكان أحدهما راجحا عنده.

وحكمه البناء على الظنّ ، بمعنى جعل الواقع ما ظنّه من غير احتياط ، وتقدير الصلاة كأنّها وقعت على هذا الوجه ، سواء اقتضى الصحة أو الفساد.

فإن ظنّ الأقلّ بنى عليه ، وإن ظنّ الأكثر من غير زيادة في عدد الصلاة كالأربع ، تشهّد وسلّم ، وإن ظنّ الزيادة كالخمس فكأنّه زاد ركعة ، فتبطل إن لم يكن جلس في الرابعة أو مطلقا ، وهكذا.

بلا خلاف يوجد إذا تعلّق ذلك بعدد الركعتين الأخيرتين من الرباعيّة.

لا لدفع العسر كما قيل (1)، إذ لا عسر إلاّ مع الكثرة ، ومعها يرتفع حكم الشك.

بل للنبويين العاميّين :

أحدهما : « إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه » (2).

والآخر : « إذا شكّ أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب » (3).

ولموثّقة البقباق ، وصحيحتي الحلبي ، وابن أبي العلاء ، المتقدّمة جميعا في المسألة السادسة من الفصل الأوّل (4).


1) في الذكرى : 222.

2) صحيح مسلم 1 : 400 - 90 ، سنن النسائي 3 : 28.

3) صحيح مسلم 1 : 400 - 90 ، سنن النسائي 3 : 28 ، سنن أبي داود 1 : 268 - 1020.

4) راجع ص 143.

وقد يستدلّ أيضا بمفهوم صحيحة صفوان المتقدّمة في الرابعة منه (1).

ولا يخفى أنّها مختصة بما كان متعلّق الشك جميع الركعات لا الأخيرتين. وإثبات الحكم فيهما بعدم الفصل إنّما يفيد لو تمَّ الحكم في الأصل ، وسيأتي عدم تماميّته فيه. فالدليل ما مرّ. ولكنّه لا يشمل جميع صور الشكّ بين الأخيرتين ، وإنّما يتعدّى إلى الجميع بالإجماع المركّب.

وعلى هذا ، فيشكل الحكم فيما إذا كان أحد طرفي الشك ما زاد على الأربع ، إلاّ إذا ثبت عدم القول بالفصل فيه أيضا كما هو الظاهر. وأمر الاحتياط واضح.

وعلى الأشهر - كما صرّح به جمع (2)- إذا تعلّق بأعداد الركعات مطلقا ، بل قيل : إنّه إجماع (3).

للشهرة.

ونقل الإجماع.

وعموم النبويين.

ومفهوم الصحيحة الأخيرة.

واستقراء اعتبار الظن في غير الأوليين ، فيعتبر فيهما أيضا.

ومفهوم مثل قوله : « إذا شككت في الفجر فأعد » (4).

ويردّ الأوّلان : بعدم الحجّية ، سيّما مع ظنّ مخالفة جمع من الأجلة (5).

والثالث : بالضعف سندا ، وعدم فائدة الانجبار في الأخبار العاميّة ، والقصور بل الإجمال دلالة ، لعدم صراحتهما في المطلوب ، لاحتمال أن يكون المراد


1) راجع ص : 134.

2) انظر : الذخيرة : 368 ، والحدائق 9 : 206 ، والرياض 1 : 217 ، وفي الجميع : على المشهور.

3) كما في مجمع الفائدة 3 : 128.

4) انظر : الوسائل 8 : 193 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2.

5) كما سيأتي في ص : 184.

سيّما في الثاني منهما التروّي لنيل الصواب.

والرابع - بعد تسليم دلالته بالمفهوم على المطلوب - : بمعارضته مع ما هو أكثر عددا ، وأصرح دلالة ، وأوفق بما نهي عن متابعة الظنّ وغير العلم من الكتاب والسنّة ، من الروايات الدالّة على البطلان في صورة عدم اليقين وعدم الدراية في عدد الأوليين أو الثنائية أو الثلاثية ، ووجوب التحفّظ فيها ، كما مرّ ، بل جميع الروايات الدالّة على الإعادة بالشكّ فيها ، لأنّه لغة ما قابل اليقين ، بالعموم من وجه.

ومع صحيحة زرارة : « كان الّذي فرض اللّه على العباد من الصلاة عشر ركعات ، وفيهنّ القراءة وليس فيهنّ وهم » إلى أن قال : « فمن شكّ في الأوليين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين ، ومن شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم » (1).

المؤيّدة بالأخرى : « عشر ركعات - إلى أن قال - : لا يجوز الوهم فيهنّ ، ومن وهم في شي‌ء منهنّ استقبل الصلاة » (2).

بالعموم والخصوص المطلق ، فإنّ قوله في الأولى : « عمل بالوهم » أي إذا وقع وهمه على شي‌ء ، وإلاّ لما كان للعمل بالوهم معنى ، فيكون معنى صدره : من شكّ في الأوليين وقع وهمه على شي‌ء لم يعمل به ، بضميمة كون التفصيل قاطعا للشركة ، وموردها خاصّ بالأوليين.

فإن قيل : المراد من قوله : « كم صلّى » في صحيحة صفوان إمّا الشاكّ في الجميع بخصوصه ، أو من لم يدر قدر ما صلّى مطلقا. والأوّل لا يشمل الشك في غير الأخيرتين ، وعلى الثاني أيضا يختصّ بغيرهما ، للإجماع على عدم وجوب الإعادة بالشك فيهما ، فلو وجبت الإعادة مع وقوع الوهم على غيرهما يصير التقييد لغوا


1) الفقيه 1 : 128 - 605 ، مستطرفات السرائر : 74 - 18 ، الوسائل 8 : 187 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.

2) الكافي 3 : 273 الصلاة ب 4 ح 7 ، الوسائل 4 : 49 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 13 ح 12.

بالمرّة.

قلنا : هذا إنّما يفيد على حجيّة مفهوم الوصف ، لأنّ مرجع الكلام إنّما هو إليها.

إلاّ أنه يمكن أن يقال : إنّ أخصّية صحيحة زرارة مطلقا إنّما هي بعد إرادة الظن من الوهم في قوله « عمل بالوهم » وهو ليس بأولى من أن يراد بالعمل بالوهم العمل بمقتضى الشك من البناء على الأكثر. مضافا إلى أنّ مقتضاها العمل بالظن في المغرب أيضا ، وهو مخالف لما يضمّ مع إعادة الأوليين من الإجماع المركب. وإلى احتمال أن يكون قوله : « فمن شك » من كلام الفقيه.

والخامس : بعدم حجيّة هذا الاستقراء.

والسادس : بأنه مبني على كون المراد بالشك ما يتساوى طرفاه ، وهو خلاف ما ذكره اللغويون وما تساعده الأخبار ، فمنطوقه على خلاف المطلوب أدلّ. مع أنّه على فرض الشمول يعارض ما مرّ.

وعلى هذا فالقول بعدم مساواة غير الأخيرتين لهما في ذلك الحكم ، بل بطلان الصلاة في غيرهما قوي جدّا ، كما عن الحلّي (1)، بل قيل (2): هو ظاهر الكليني والفقيه والمقنعة والنهاية والمبسوط والخلاف والمنتهى والنافع (3)، وهو ظاهر الانتصار أو محتمله (4)، واختاره بعض مشايخنا المتأخّرين (5). وظاهر الأردبيلي والذخيرة والكفاية التردّد (6).


1) في السرائر 1 : 245.

2) انظر : الرياض 1 : 217.

3) الكليني في الكافي 3 : 359 ، الفقيه 1 : 225 ، المقنعة : 145 ، النهاية : 90 ، المبسوط 1 : 121 ، الخلاف 1 : 447 ، المنتهى 1 : 410 ، النافع : 44.

4) الانتصار : 48.

5) قوّى صاحب الحدائق 9 : 208 ، القول بالبطلان ، وقال البهبهاني في شرح المفاتيح ( المخطوط ) وصاحب الرياض 1 : 217 : بالاحتياط بالإتمام والإعادة ، فراجع.

6) الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 128 ، الذخيرة : 368 ، الكفاية : 25.

وهذا القدر كاف في عدم ثبوت الإجماع في المسألة. ولا يضرّ شي‌ء من الاضطراب في بعض كلمات هؤلاء الموجب لاحتمال موافقة المشهور ، لأنّ عدم ثبوت الموافقة لهم كاف لجواز مخالفتهم بالدليل.

لا يقال : رواية ابن عمّار : « إذا ذهب وهمك إلى التمام ، ابدأ في كلّ صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع » (1).

تشمل بعمومها الثنائية والثلاثيّة أيضا ، فتكونان صحيحتين مع الوهم.

قلنا : وهم التمام لا يكون إلاّ مع الفراغ ، ولا اعتبار بشكّ ولا ظنّ حينئذ أصلا. مع أنّها أيضا أعمّ مطلقا ممّا مرّ.

ومما ذكر ظهر الحكم في الأفعال أيضا ، وأنّ الحقّ أنّ الظنّ فيها كالشك ، وفاقا لظاهر كلّ من لم يذكر حكم الظن إلاّ في الأعداد ، ومنهم المحقّق في النافع (2).

ولا يرد أنّ أخبار حكم الشك في الأفعال متضمّنة للفظ الشك ، وصدقه على الظنّ غير معلوم.

لأنّا نجيب بأعميّته لغة عن الظن. والحقيقة الشرعية غير ثابتة وإن لم تثبت الأعميّة في عرف الشارع أيضا كما هو الظاهر من الأخبار. مع أنّ الحكم في بعضها متعلّق بعدم الدراية الشامل للظنّ قطعا. واختصاصه ببعض الصور - بعد عدم القول بالفرق - غير ضائر.

وخلافا للمشهور ، لبعض ما مرّ مع ضعفه ، وللقياس على الأعداد بالطريق الأولى. والأولوية ممنوعة جدّا.

وعن علي بن بابويه قول آخر وهو : البطلان في الشك في الأوليين أوّلا ، والبناء على ظنّه فيهما ثانيا ، مع صلاة الاحتياط عند البناء على الثانية (3)، للرضوي


1) التهذيب 2 : 183 - 730 ، الوسائل 8 : 211 أبواب الخلل ب 7 ح 2.

2) النافع : 44.

3) حكاه عنه في المختلف : 132.

المصرّح بذلك (1).

وهو ضعيف لا يصلح لمعارضة ما مرّ. ومع ذلك موافق - على ما حكي - لقول أبي حنيفة (2). مضافا إلى شذوذه المخرج للخبر الصحيح عن الحجّية أيضا.

كما أنّ قوله الآخر ، وهو : البناء على الثلاث مع صلاة الاحتياط وسجدة السهو إذا شكّ بينها وبين الاثنتين فظنّ الثلاث (3)، أيضا كذلك. ومع ذلك خال عن المستند. وتوهّم دلالة موثقة أبي بصير (4)عليه فاسد. بل هي دالّة على حكم آخر شاذّ أيضا لم يعمل به أحد ، كبعض أخبار أخر دالّة على صلاة الاحتياط ، أو سجدة السهو في بعض صور البناء على المظنون ، أو كلّها (5). فكلّ ذلك بالشذوذ مطروح ، وحملها على الاستحباب ممكن ، بل منها ما لا يفيد أزيد منه أيضا.

فرع :

هل يجب التروّي عند حصول الشك ليحصل اليأس عن الترجيح ، أو يترجّح أحد الطرفين فيبني عليه ، أم لا؟

قيل : لا (6)، للأصل ، والإطلاقات ، وعدم تقدير حدّ التروي.

وقيل : نعم (7)، لجريان العادة بالتّروي في استحصال المطالب ، بل لعدم صدق الشاك ولا أدري ونحوهما إلاّ بعد التروّي. وبه يدفع الأصل. والإطلاق ينصرف إلى الكامل ، وهو المستقرّ لا بمجرد الخطور والبدار. ويقدّر حدّه بما يبني عليه أهل العرف أمرهم في حكمهم بأنّا شاكّون في كذا وكذا ، وهو حدّ معروف


1) فقه الرضا 7 : 117 ، مستدرك الوسائل 6 : 401 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1 ح 1.

2) انظر : بدائع الصنائع 1 : 165.

3) حكاه في المختلف : 132.

4) التهذيب 2 : 185 - 735 ، الوسائل 8 : 218 أبواب الخلل ب 10 ح 7.

5) انظر : الوسائل 8 : 211 و 218 أبواب الخلل ب 7 ح 2 وب 10 ح 8 و 9.

6) انظر الذخيرة : 368.

7) روض الجنان : 340.

يبنى عليه في المحاورات كثيرا.

وهو الأقوى ، لما أشير إليه من عدم معلومية صدق الموضوع بمجرد الخطور ما لم يتروّ شيئا ما.

ويؤيده استلزام عدمه الهرج في الصلاة ، والإشارة إليه في بعض الأخبار ، كالأخبار المتضمّنة لقوله : « وقع رأيك على الثلاث » وقوله : « وإن ذهب وهمك » « وإن وقع شكه » وأمثال ذلك. فتأمّل.

ثمَّ المتروّي لا يرتكب شيئا من أفعال الصلاة حال التروّي حتّى يبنى أمره على طرف ، لعدم معلومية وظيفته. إلاّ إذا كانت الوظيفة مشتركة. ولو أتى بغير المشترك بقصد الصلاة تفسد الصلاة إن كان ممّا يفسدها.

الفصل الرابع : في بقيّة أحكام الشك والظن
اشارة

وفيه مسائل :

المسألة الاولى :
اشارة

لا حكم للشك مع الكثرة اتفاقا ، كما صرّح به بعض الأجلّة ، وبعض آخر ممّن لحقه (1).

لصحيحة زرارة وأبي بصير : الرجل يشكّ كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه ، قال : « يعيد » قلنا : فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ ، قال : « يمضي في شكه » ثمَّ قال : « لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه ، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد ، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة ، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك » (2)الحديث.

ولا يضرّ في الاستدلال بها قوله : « يعيد » أوّلا مع كون السؤال أيضا عمّن يشكّ كثيرا ، كما أنّ السؤال عنه أيضا ثانيا ، كما توهّمه المحقق الأردبيلي ، ولأجله حكم بتخيير كثير الشك بين المضيّ وعدم الالتفات ، وبين العمل بمقتضى الشك (3)، واحتمله في الذكرى والذخيرة أيضا (4).

لأنّ المراد بالكثرة أولا كثرة أطراف الشك لا أفراده كما يشعر به قوله : « حتى


1) انظر : شرح المفاتيح للبهبهاني (ره) ( مخطوط ).

2) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 2 ، التهذيب 2 : 188 - 747 ، الاستبصار 1 : 374 - 1422 ، الوسائل 8 : 228 أبواب الخلل ب 16 ح 2.

3) مجمع الفائدة 3 : 142 و 147.

4) الذكرى : 223 ، الذخيرة : 370.

لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه » وبها ثانيا كثرة أفراده التي هي محلّ البحث بقرينة قوله : « كلّما أعاد شك » ولو سلّم عدم صراحة الأول في كثرة الأطراف ، فلا أقلّ من احتماله المسقط لمدافعته مع الثاني.

وكذا لا يضرّ في إفادة الوجوب الإتيان بالجملة الخبرية في قوله : « يمضي في شكّه ».

لصريح النهي في التعليل بقوله : « لا تعودوا » وصريح الأمر في قوله : « فليمض أحدكم في الوهم » المراد به الشك قطعا كما يدلّ عليه قوله : « لم يعد إليه الشك ».

وصحيحة محمّد : « إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك ، فإنّه يوشك أن يدعك ، إنّما هو من الشيطان » (1).

وهي وإن كانت متضمّنة للسهو الذي شموله للشك محلّ كلام ، إلاّ أنّ التعليل فيها يفيد التعميم ، كما يظهر من الصحيحة السابقة وغيرها.

وموثّقة الساباطي : في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة ، فيشكّ في الركوع ، فلا يدري أركع أم لا ، ويشكّ في السجود فلا يدري أسجد أم لا ، قال : « لا يسجد ، ولا يركع » (2).

ورواية عليّ بن أبي حمزة ، المتقدّمة في مسألة الشك في جميع الركعات (3)، فإنّها وإن لم يصرّح فيها بكثرة الشك ، إلاّ أنّ تعليله بقوله : « يوشك .. » كالصريح في إرادتها.

وهل الحكم مختصّ بالشك؟ كما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة ونهاية


1) الكافي 3 : 359 الصلاة ب 43 ح 8 ، الفقيه 1 : 224 - 989 ، التهذيب 2 : 343 - 1424 ، الوسائل 8 : 227 أبواب الخلل ب 16 ح 1.

2) التهذيب 2 : 153 - 604 ، الاستبصار 1 : 362 - 1372 ، الوسائل 8 : 229 أبواب الخلل ب 16 ح 5.

3) راجع ص 135.

الإحكام ، وفي المدارك (1)، بل قيل : إنّه مذهب الأكثر (2).

أو يجري في السهو أيضا؟ كما عن الشيخ وابن زهرة والحلّي وفي روض الجنان والروضة والذخيرة (3)، إمّا مطلقا أو في غير الركن ، وقال بعض مشايخنا الأخباريين : الظاهر أنّه المشهور (4)، ونسبه في الذخيرة إلى كثير من الأصحاب (5)، بل يستفاد من الذكرى أن عليه ظاهر الأصحاب ، حيث حكم بشمول ظاهر كلامهم لسقوط سجدة السهو واختاره (6).

وهو الحقّ مطلقا ، لصحيحة محمّد المتقدّمة ، ومرسلة الفقيه : « إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض في صلاتك ولا تعد » (7).

وصحيحة ابن سنان : « إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك » (8).

وكذا يدلّ عليه العموم المستفاد من التعليل في الصحيحة الاولى.

وبذلك يخصّص عموم ما دلّ على لزوم الإتيان بمتعلّق السهو وموجبه.

وتوهّم عدم صلاحيتها للتخصيص ، لأنّ المراد بالسهو فيها الشك ، للاتفاق على إرادته منه ، فلو أريد المعنى الحقيقي يلزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وعموم المجاز يتوقّف على قرينة دالّة عليه ، وهي مفقودة ، والاتفاق على إرادة الشك أعمّ من إرادته ، لاحتمال كونه قرينة على إرادة الشك بالخصوص (9).9.


1) المعتبر 2 : 393 ، المنتهى 1 : 411 ، التذكرة 1 : 136 ، نهاية الأحكام 1 : 533 ، المدارك 4 : 271.

2) الحدائق 9 : 288 وفيه : نقل بعض مشايخنا أنه مذهب الأكثر.

3) الشيخ في النهاية : 93 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، الحلي في السرائر 1 : 248 ، روض الجنان : 343 ، الروضة 1 : 339 ، الذخيرة : 370.

4) الحدائق 9 : 288.

5) الذخيرة : 370.

6) الذكرى : 223.

7) الفقيه 1 : 224 - 988 ، الوسائل 8 : 229 أبواب الخلل ب 16 ح 6.

8) التهذيب 2 : 343 - 1423 ، الوسائل 8 : 228 أبواب الخلل ب 16 ح 3.

9) انظر : الرياض 1 : 219.

مردود : بمنع الاتفاق المذكور.

واستدلال بعضهم بها أيضا في المقام قد يكون لجمعه بين حكم السهو والشك معا فيحتجّ برواياتهما. وقد يكون لاستفادة حكم الشك أيضا بالتعليل المذكور كما تقدّم منا ، أو بضميمة الإجماع المركب ، إذ كلّ من يقول بسقوط حكم السهو يقول به في الشك أيضا.

ولو كان صريح بعضهم أيضا الاستدلال بها لحكم الشك بخصوص إرادته من السهو لا يثبت منه اتفاق ولا حجة.

ونسبته في الصحيحة الاولى إلى الشيطان لا ترجّح إرادة الشك منه حيث إنّه المنسوب إليه في كثير من الأخبار ، والسهو من لوازم طبيعة الإنسان ، لأنّ السهو أيضا منه ، قال اللّه سبحانه ( وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) (1). وقال ( وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ ) (2).

وبالجملة لم يثبت اتفاق ، ولم يعلم من جهة أخرى إرادة الشك من السهو في هذه الروايات أصلا لا من حيث الخصوص ، ولا من حيث العموم. وبمجرّد احتمالها وقول بعض أو طائفة ، لا ترفع اليد عن الحقيقة اللغوية والعرفية المعلومتين.

مع أنّه على فرض ثبوت الاتفاق يمكن ترجيح إرادة الأعمّ بكونه أقرب المجازين. ولكنّه محل نظر.

ودعوى أنّ كثرة استعمال السهو في الشك بلغت حدّا لا يمكن حمله على أحدهما بدون القرينة كما في البحار (3).

مدفوعة بالمنع ، كيف؟! وغاية ما روي استعماله فيه خمس أو عشر أو ما يقربهما ، ولا تثبت بذلك الكثرة الموجبة لرفع اليد عن الحقيقة.


1) الأنعام : 68.

2) الكهف : 63.

3) البحار 85 : 281.

هذا ، مع أنّ الحجية ليست منحصرة بما يتضمن لفظ السهو ، بل عموم التعليل أيضا - كما عرفت - يدلّ على المطلوب.

والقول بأنّ حمله على السهو يوجب تخصيصات كثيرة تخرجه عن الظهور ، للإجماع على وجوب الإتيان بما بقي محلّه من المتروك ، والبطلان إذا كان المتروك ركنا ، وقضاء ما يقضى بعد الصلاة من الأجزاء المنسية ، فتنحصر فائدة نفي السهو في سقوط سجدتي السهو ، وارتكاب مثل هذا التخصيص بعيد جدّا ، وأبعد بكثير من حمل السهو على خصوص الشك. مع أنّ مدلول الروايات المضيّ في الصلاة ، وهو لا ينافي وجوب سجود السهو ، إذ هو خارج عن الصلاة ، فلا تحصل للروايات على حملها على المعنى الحقيقي فائدة ، كما قاله في البحار (1).

غير جيد ، إذ ليس هناك تخصيص ، إذ المذكور في الأخبار « امض في صلاتك » فلو ثبتت الإجماعات المذكورة لا بدّ أن يجعل ذلك تجوّزا عن إرادة عدم الإتيان بسجود السهو ، فكان عليه أن يقول : إنّ ذلك المجاز ليس بأولى من إرادة الشك من السهو. إلاّ أنّ مبنى كلامه مردود بعدم ثبوت الإجماعات المذكورة ، ولا دليل آخر على هذه الأمور ، بل صرّح بعض مشايخنا بالمضيّ في الجميع (2)، فتكون الروايات بجميع ألفاظها باقية على حقائقها.

ولا يحتاج في تصحيح الاستدلال بالأخبار إلى ما قيل من أنّ وجوب تدارك المسهوّ عنه في الصلاة أو بعدها لا يوجب تخصيص معنى السهو ، إذ ليس هو السبب في وجوب الحكم بتداركه ، وإنّما هو عموم أدلّته ، وسببيّة السهو ليست إلاّ بالنسبة إلى سجود السهو ، فلا يجب مع الكثرة وليس فيه تخصيص. وبالجملة المراد من السهو المنفي موجبه ، وهو ليس إلاّ سجود السهو ، وإلاّ فالمسهوّ عنه ما وجب أداء وتداركا إلاّ لعموم أدلّة لزوم فعله ، وكذا فساد الصلاة بالسهو عن


1) البحار 85 : 277.

2) الحدائق 9 : 295.

الركن لم ينشأ من نفس السهو ، بل من حيث الترك ، حتى لو حصل من غير جهته لفسدت أيضا (1).

مضافا إلى ما فيه أنّه ليس في رواياتنا نفي سهو حتى يصحّ ذلك ، بل المذكور فيها : « امض في صلاتك ». نعم ورد ذلك في بعض كلمات الأصحاب.

مع أنّ قوله : سببيّة السهو ليست إلاّ بالنسبة إلى سجود السهو ، غير صحيح ، لأنّ التدارك أيضا مسبّب للسهو بأنه لولاه لما حصل التدارك ، وعموم أدلّته لا يفيد إلاّ وجوب الأجزاء أداء ، ولذا يقتصر في التدارك على ما عليه دليل بخصوصه. وإن أراد بالأدلّة أدلّة التدارك فسجود السهو أيضا كذلك ، فإنّه لا يسجد سهوا إلاّ فيما عليه دليل خاص.

وبالجملة سببيّة السهو للزوم التدارك وسجدة السهو مشتركة وإن احتاج بيان سببيّته إلى التوقيف ، بل وكذلك في السهو عن الركن لو قلنا بالبطلان والفساد من غير جهته لا ينفي الفساد من جهته أيضا.

احتجّ المخالف في السهو بعموم أدلّة أحكام السهو ، مع تضعيف مخصّصاتها ببعض ما ذكر بجوابه.

فروع :

أ : كثير الظن مثل كثير الشك ، فلا يلتفت إلى ظنّه لو كان مقتضاه مخالفا لحكم كثير الشك ، لصدق الموضوع ، فإنّ الشكّ هو خلاف اليقين ، كما يظهر من الأخبار بل اللغة. ولجريان العلّة ، فإنّ الظنّ أيضا لا يكون إلاّ مع سهو ونسيان لا محالة ، والنسيان من الشيطان ، بل لا يكون إلاّ مع غفلة ، والغفلة هو معنى السهو ، فتشمله الأخبار المتضمّنة للسهو أيضا.

ويؤيّده أيضا قوله : « حتى يستيقن يقينا » في آخر موثقة الساباطي (2)، كما


1) انظر : الرياض 1 : 220.

2) التهذيب 2 : 153 - 604 ، الاستبصار 1 : 362 - 1372 ، الوسائل 8 : 229 أبواب الخلل ب 16 ح 5.

يدلّ على عدم اعتبار ظنّ كثير الشك ، إذ دلّت على أنّه لا يلتفت كثير الشك إلاّ إذا استيقن يقينا فلا يعبأ بظنّه.

ب : المرجع في معرفة الكثرة العرف ، وفاقا للفاضل والشهيدين (1)، وأكثر المتأخّرين (2)، بل مطلقا كما قيل (3)، لأنه المحكّم فيما لم يرد به بيان من الشرع ولا تعيين من اللغة.

وأمّا صحيحة ابن أبي حمزة : « وإذا كان الرجل يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن يكثر عليه السهو » (4).

فليست فيها مخالفة للعرف ، إذ كلّ من لا يسلم كلّ ثلاث صلوات متتالية منه من سهو فهو كثير السهو عرفا قطعا. وصدقه على غير ذلك - كمن يسهو في ثلاث واحدة أو ثلاثين متكررا - غير ضائر ، إذ ليست في الصحيحة دلالة على الحصر.

ولا يتوهّم أنّ مفهومها يدلّ عليه ، لعدم اعتبار المفهوم فيه ، إذ مقتضى منطوقه أنّ ما ذكر فيه بعض أفراد من يكثر عليه السهو ، فيكون له بعض أفراد أخر أيضا هو ممّن لم يكن كذلك ، فلو اعتبر فيه المفهوم لزم التناقض. مع أنّا نعلم قطعا عدم انحصار كثير السهو في ذلك ، فعلى اعتبار المفهوم لا بدّ من ارتكاب تجوّز في قوله : « ممّن يكثر عليه السهو » بإرادة من يكون له حكم كثير السهو ، أو إرادة نوع خاصّ من كثير السهو ، وهو الّذي أراده الشارع ، وليس ذلك بأولى من التجوّز بعدم اعتبار المفهوم ، فلا يعلم معارض للمنطوق.

وأمّا ردّ الحديث بالإجمال وتعدّد الاحتمال فليس بجيد ، لكونه ظاهرا فيما


1) الفاضل في التذكرة 1 : 136 ، الشهيد الأول في الذكرى : 222 ، الشهيد الثاني في الروضة 1 : 339.

2) كالفيض في المفاتيح 1 : 180 ، والسبزواري في الكفاية : 26.

3) في الرياض 1 : 221.

4) الفقيه 1 : 224 - 990 ، الوسائل 8 : 229 أبواب الخلل ب 16 ح 7.

ذكرنا من المعنى.

والمراد بعدم خلوّ كلّ ثلاث كونه كذلك أيضا عرفا ، أي يقال في العرف : إنّه يسهو في كلّ ثلاث ، لا كلّ ثلاث من أيام تكليفه أو حياته ، أو من شهر أو سنة أو غير ذلك ممّا يتصور ، فلا إجمال فيه من هذه الجهة أيضا ، فهو ممّا يبيّن أحد المصاديق العرفية.

وله مصداقات أخر أيضا ، والظاهر صدقه على من يسهو في كلّ من صلوات خمس من يوم ، أو أكثرها من يومين أو أكثر ، وعلى من يسهو خمسا أو أكثر في صلاة واحدة. بل لا يبعد صدقه بالسهو ثلاثا في صلاة واحدة أو في ثلاث صلوات متتالية فرائض أو نوافل ، فيعمل في الرابعة بعمل كثير السهو دون الثالثة ، إذ الظاهر عدم صدق الكثرة إلاّ بالسهو الرابع. ولو حصلت تلك الثلاث غير متتالية لم يعتدّ بها. نعم لو تكرّر أياما بحيث تصدق الكثرة عرفا تعيّن اعتبارها.

ولعلّ إلى ذلك نظر من حدّه بثلاث مرّات متتالية كابن حمزة (1)، أو في شي‌ء واحد ثلاث مرات ، أو في أكثر الخمس كالحلّي (2).

والتحديد بالاثنين لقوله : « لا إعادة في إعادة » (3)غير صحيح ، لعدم الدلالة.

والشك كالسهو في ذلك كلّه.

وما لم يعلم تحقّق الكثرة يعمل بمقتضى السهو أو الشك.

ج : لو كثر شكّه أو سهوه في فعل بعينه يعمل بعمل ذي الكثرة في غيره أيضا ، لصدق الكثرة ، وإطلاق الأدلّة ، وجريان العلّة.

نعم يشترط أن يكون الفعلان جزأي عبادة واحدة ، كالوضوء أو الصلاة. أمّا مع تغاير نوع العبادة فلا ، فكثير الشك في الصلاة لا يرفع اليد عن حكم


1) الوسيلة : 102.

2) السرائر 1 : 248.

3) انظر : الوسائل 8 : 243 أبواب الخلل ب 25 ح 1.

الشك في الوضوء ، وبالعكس ، لعدم دليل على هذا التعميم ، فإنّ الأخبار منحصرة في الصلاة.

نعم يستفاد التعميم من التعليل ، ودلالة عمومه على مثل ذلك غير معلومة ، ولو سلّمت فمفهوم الشرط في مرسلة الفقيه المتقدمة (1)يخصّص ، ويثبت الحكم في غير موردها بالإجماع المركّب.

ويشترط أيضا في صدق الكثرة تعدّد الشك أو السهو ، ولا يكفي تعدّد المسهوّ منه والمشكوك فيه خاصة. فلو سها عن أفعال متعدّدة متّصلة بسهو واحد ، كأن يترك السجدتين وواجباتهما والتشهد من ركعة لم يكن كثير السهو.

وأمّا رواية ابن أبي حمزة فالظاهر منها - كما مرّ - كثير الشك بقرينة قوله : « يوشك أن يدعه » (2).

مع أنّها معارضة مع صدر صحيحة زرارة المتقدّمة في صدر المسألة (3)، فلا تصير حجة علينا.

ولا يشترط كون متعلّق الشكوك ما يترتّب على الشك فيه حكم ، كنقض أو تدارك أو سجود سهو ، لعدم توقّف صدق كثير الشك عليه. فلو شكّ كثيرا بعد تجاوز المحل ، أو في النافلة ، أو مع رجحان أحد الطرفين ، في الأخيرتين أو مطلقا - على اختلاف القولين - ثمَّ شكّ شكّا له حكم ، سقط حكمه.

وقيل بالاشتراط ، للاقتصار في موضع خالف حكم الأصل - الدالّ على لزوم حكم الشك - على المتيقّن من النصّ ، وليس إلاّ شكّ كثير له حكم (4).

وفيه : منع انحصار المتيقّن إن أراد بالنصّ أعمّ ممّا هو ظاهر بحسب


1) في ص 190.

2) راجع ص 135.

3) راجع ص 188.

4) الرياض 1 : 220.

الإطلاق أو العموم ، ومنع لزوم الاقتصار عليه إن أريد الأخصّ منه.

د : يجب في صدق كثرة الشك والسهو تحقّق الكثير ، فلا تكفي دلالة الحال على وقوعهما كثيرا من غير تحقّق ، كتشاغل قلب وكثرة همّ ، للأصل والاستصحاب ، كما أنّه لو كثر شكّه لمثل تلك الحالة ، ثمَّ ارتفعت بحيث يعلم انتفاء الكثرة بعد ذلك ، لا يرتفع حكم كثير الشك ما لم يصلّ صلوات خالية عن الشك أيضا ، لما سبق.

ه- : متى حكم بثبوت الكثرة لشخص يستمرّ له حكم كثير الشك والسهو إلى أن يزول الصدق في العرف ، فيتعلّق به حكم السهو أو الشك الطارئ.

ويتحقّق زواله بزوال السهو والشك غالبا ، وعدم حصوله إمّا مطلقا أو إلاّ نادرا في مدّة يعتدّ بها ، بحيث يحكم في العرف أنّه غير كثير السهو أو الشك.

وقيل : زواله أن تخلو من السهو فرائض يتحقّق بها وصف الكثرة إن حدّدناها بها أو مطلقا ، كما في الذكرى وروض الجنان والروضة (1). وجزم في الموجز بزواله بتوالي ثلاث بغير شك ، وفي المهذّب اكتفى بواحدة (2).

ويشترط في انتفاء كثرة الشك أن يكون عدم شكّه لحالة نفسانية ، فلو تكلّف كثير الشك في صلوات كثيرة بأن يعدّ الركعات بخاتم ، أو يأمر شخصا خارجيا بأن يحفظ صلواته ، ولذلك لم يشكّ ، وكان بحيث لو خلّي ونفسه شك ، لم يفد ذلك ، للشك في انتفاء الصدق ، فيستصحب.

و : لو شكّ أو سها في الصلاة بما له تدارك بعد الصلاة ، ثمَّ شكّ ثانيا فيها ثمَّ ثالثا ، ثمَّ رابعا حتى صار كثير الشك ، يسقط حكم الرابع دون ما تقدّم عليه ، لاستقراره في ذمّته قبل صيرورته كثير الشك ، فيستصحب.


1) الذكرى : 223 ، روض الجنان : 343 ، الروضة 1 : 340.

2) المهذب البارع 1 : 456.

ز : المراد بانتفاء الحكم عن كثير الشك ، كما به صرّح جمع (1)، بل - كما قيل (2)- من غير خلاف بينهم يعرف : أنّه لا يلتفت إليه ويبني على وقوع المشكوك فيه وإن كان في محلّه ما لم يستلزم الزيادة ، وإن اشتمل على ما يبطلها في غير تلك الحال.

وإن استلزم الزيادة يبني على الصحيح. فيبني على الأكثر في الركعات طرّا حتى الأوليين والثنائية والثلاثية ، وليست عليه صلاة احتياط.

لأنّه المتبادر من المضيّ في الصلاة أو في الشك ، الواردين في النصوص ، والموافق للتعليل المذكور فيها ، إذ لو بنى على الأقلّ كان معوّدا للخبيث ، والمصرّح به في موثقة الساباطي المتقدّمة في خصوص الركوع والسجود (3)، ورواية علي بن أبي حمزة في الشاك بين جميع الركعات (4)، مع عدم قول بالفصل.

وتوقّف بعضهم - كالأردبيلي والهندي - في سقوط صلاة الاحتياط ، لعدم دلالة الأحاديث عليه (5).

وفيه : أنّ التعليل المذكور فيها ينفيها ، لأنّ الإتيان بها يوجب تعويد الخبيث ، لأنه عين الالتفات إلى الشك ، بل هو يبني حقيقة على البناء على عدم الفعل. مع أنّ الظاهر أنّه إجماعي.

ومع الزيادة يبني على العدد المصحّح ، لئلاّ يلزم نقض الصلاة الممنوع منه في تلك الأخبار.

ولو تعدّد العدد المصحّح حينئذ كالشك بين الثلاث والأربع والخمس ، فالظاهر البناء على الأقلّ ، للأصل.


1) كالشهيد الأول في الذكرى : 223 ، والشهيد الثاني في الروضة 1 : 339 ، والسبزواري في كفاية الأحكام : 25.

2) في الرياض 1 : 220.

3) راجع ص 189.

4) المتقدمة في ص 135.

5) الأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 145 ، والهندي في كشف اللثام 1 : 274.

وأمّا كثير السهو - فعلى المختار من اعتبار الكثرة فيه أيضا - فالمراد بانتفاء حكم السهو فيه - على ما صرّح به جماعة (1)- انتفاء وجوب سجود السهو عنه ، دون تدارك ما يتدارك بعد الصلاة أو في أثنائها مع بقاء محلّه ، أو بطلان الصلاة مع الانتقال عن المحلّ إن كان ركنا.

قيل : للإجماع على عدم سقوط هذه الأحكام ، وللعمومات الدالّة على ثبوتها (2).

ومنهم من احتمل انتفاء التدارك بعد الصلاة (3). وفي الذكرى : جواز اغتفار زيادة الركن منه أيضا (4).

وقال بعض مشايخنا بالعموم ، فقال بانتفاء جميع أحكام السهو عنه أيضا ، كما في الشك (5).

وهو الظاهر من الأخبار ، والمستفاد من قوله « لا تعد » في المرسلة (6).

والإجماع المدّعى ممنوع ، وإن كان في البحار مذكورا (7)، كيف؟! مع أنّ الواقع في كلام كثير من الأصحاب أنّه لا حكم للسهو مع الكثرة وإرادتهم ما ذكرناه منه محتملة بل ظاهرة.

والعمومات مخصّصة بأخبار كثير السهو ، كما تخصّص عمومات أحكام الشك بأخبار كثير الشك.

نعم ، لو جاز تأمّل لكان في سقوط سجدة السهو ، لعدم صراحة الأخبار في نفيها. إلاّ أنّ الإجماع المركّب والتعليل ينفيانها. والاحتياط الإتيان بها ، بل بصلاة


1) كالشهيد في الذكرى : 223 ، والسبزواري في الذخيرة : 370 ، وصاحب الرياض 1 : 220.

2) كما في الرياض 1 : 219 ، وقال في حاشيته : إنّ الإجماع منقول عن البحار 85 : 280.

3) الروض : 343.

4) الذكرى : 223.

5) انظر : الحدائق 9 : 291.

6) المتقدمة في ص 190.

7) البحار 85 : 280 ، لكن عبارته غير صريحة في ادّعاء الإجماع ، فراجع.

الاحتياط أيضا.

ح : مقتضى الأمر بالإمضاء والنهي عن تعويد الخبيث في الأخبار : أنّ الحكم المذكور لكثير الشك والسهو حتم لا رخصة ، كما هو الظاهر من الفتاوى أيضا ، وعلى هذا فلو خالفه وأتى بالمشكوك فيه أو المسهوّ عنه ارتكب المحرم مطلقا ، وبطلت الصلاة إن كان ممّا تبطل بزيادته فيها مطلقا ، أو مع حرمته.

ط : الحكم المذكور شامل لجميع أجزاء الصلاة وأفعالها ، واجباتها ومستحباتها ، للإطلاق.

ي : لو شكّ كثير الشك في أصل فعل الصلاة لا يلتفت إليه ، ويبني على الفعل ، كما صرّح به بعض مشايخنا المحققين (1)، وتدلّ عليه العلّة المتقدّمة.

المسألة الثانية :

المصلّي جالسا فحكم شكّه حكم شك القائم ، للإطلاقات بل العمومات.

إلاّ أنّه قال بعض مشايخنا المحققين (2): لا يختار الركعتين جالسا موضع الركعة ، لأنّ الركعتين نصف صلاته لا ربعها ، فإن اختارهما تزيد صلاته على الأربع ، بل يأتي بركعة جالسا موضع الركعتين جالسا. ولا يختار الركعتين قائما ، لعدم ثبوت كونهما بدلا عن الركعتين جالسا. ففي الشك بين الثلاث والأربع يأتي بركعة جالسا ، وفي الثنتين والأربع بركعتين جالسا ، وفي الثنتين والثلاث والأربع بركعتين جالسا وركعة كذلك.

كلّ ذلك لأنّ من لم يقدر على القيام فغير داخل فيما يتضمّن الأمر بصلاة الاحتياط قائما تخييرا أو تعيينا ، فيستخرج حكمه من مثل قوله : « متى شككت


1) البهبهاني (ره) في شرح المفاتيح ( المخطوط ).

2) البهبهاني (ره) في شرح المفاتيح ( المخطوط ).

فابن على الأكثر ، فإذا سلمت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت ».

أقول : حاصله أنّ أخبار صلاة الاحتياط قائما لا يمكن شمولها للمورد ، فيرجع فيه إلى عموم : « ما ظننت أنّك نقصت ».

وفيه : أنّه لو سلّم ذلك ، فلا شكّ أنّ الأخبار المتضمنة للصلاة جالسا فقط شاملة له ، فما وجه تنصيف صلاة الجالس؟.

فإن قلت : انصراف هذه الأخبار إلى المورد غير معلوم ، لكونه الفرد النادر.

قلنا - مع أنّ أكثرها عمومات - : يرد مثله في جميع أخبار حكم الشك.

والتحقيق أنّه كما يحتمل رفع اليد عن أخبار تفصيل صلاة الاحتياط لما ذكر ، والرجوع إلى عمومات إتمام « ما ظننت أنّك قد نقصت » كذلك يحتمل العمل بأخبار صلاة الاحتياط ، والرجوع فيما حكم فيه بالقيام إلى حكم العاجز عن القيام ، فيحكم بشمولها للعاجز أيضا وإن تضمّنت الأمر بالقيام ، لبيان حكم من حكمه القيام ، ولا يقدر عليه.

وهنا احتمالان آخران : من جهة أنّ من أخبار تفصيل صلاة الاحتياط ما لا يتضمّن إلاّ الصلاة جالسا ، فيحكم بعموم هذه للقادر وغيره ، ويرجع فيما تضمّنت القيام إمّا إلى أخبار حكم العاجز ، وإمّا إلى عمومات إتمام ما ظنّ أنّه نقص. والأوجه هذا الوجه ، لعدم مخصّص للأخبار المتضمّنة لصلاة الاحتياط جالسا ، واختصاص ما تضمّن القيام منها بالقادر ، فيرجع إلى العمومات ، لعدم عموم في أخبار حكم العاجز بحيث يشمل المورد أيضا البتة ، فتدبّر.

المسألة الثالثة :

لو شكّ في شي‌ء من أجزاء الصلاة بعد الفراغ منها - المتحقّق بالتسليمة الاولى من التسليمتين الأخيرتين - لم يلتفت إليه ومضى ، سواء كان شكّا في الأعداد أو الأفعال ، لما مرّ من أخبار عدم الالتفات إلى الشكّ بعد الدخول في غيره ، ولصحيحتي محمّد ، إحداهما : في الرجل يشك بعد ما انصرف من صلاته ،

فقال : « لا يعيد ولا شي‌ء عليه » (1).

والأخرى : « كلّ ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد » (2).

المسألة الرابعة :

لو شكّ في أصل الصلاة هل أتى بها أم لا ، فإن كان في وقتها وجب الإتيان بها ، وإن كان قد خرج وقتها لم يلتفت إلى شكّه ، صرّح به في الذكرى (3)، بل هو المشهور في الحكمين ، كما في البحار (4).

ويدلّ على الأوّل : قيام السبب وأصالة عدم الفعل.

وعلى الثاني : ما مرّ من عمومات عدم الالتفات إلى الشك بعد مضيّه أي : مضيّ وقته ، أو بعد الخروج عن موضعه.

مضافا فيهما إلى صحيحة زرارة والفضيل : « ومتى ما استيقنت أو شككت في وقتها أنّك لم تصلّها ، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها صلّيتها ، فإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل ، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن ، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت » (5).

وأمّا ما رواه في السرائر عن كتاب حريز : « فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها ، وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت إلاّ أن يستيقن ، لأنّ العصر حال فيما بينه وبين الظهر ، فلا يدع الحائل لما كان من


1) التهذيب 2 : 348 - 1443 ، الاستبصار 1 : 369 - 1404 ، الوسائل 8 : 246 أبواب الخلل ب 27 ح 1.

2) التهذيب 2 : 352 - 1460 ، الوسائل 8 : 246 أبواب الخلل ب 27 ح 2.

3) الذكرى : 130.

4) البحار 85 : 190.

5) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 10 ، التهذيب 2 : 276 - 1098 ، الوسائل 4 : 282 أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

الشكّ إلاّ بيقين » (1).

فمقتضاه وإن كان عدم الفعل مع الشك في الوقت أيضا إذا دخل في صلاة أخرى ، وهو أيضا مقتضى أخبار المضيّ بعد دخول الغير ، إلاّ أنّه - كما في البحار (2)- خلاف فتوى الأصحاب. ومع ذلك يعارض الصحيحة بالعموم من وجه ، والأصل مع عدم الفعل.

المسألة الخامسة :

من شكّ في ركعة أنّها رابعة الظهر أو أوّل العصر أتّمها ظهرا ، ثمَّ صلّى بعده العصر ، للأصل والاستصحاب.

وكذا من شكّ في ركعة أنّها رابعة الظهر أو العصر ، أو أولى الظهر أو العصر ، وكذا في جميع الفرائض ، لما ذكر ، كما صرّح به بعض مشايخنا المحقّقين.

وكذا الحال في النوافل. وكذا لو دخل في فريضة وشكّ في ركعة أنّها هل هي من الفريضة ، أو أتمّها وشرع في النافلة ، أو بالعكس فيبني على الاولى التي دخل أوّلا فيها ، ويأتي بعده باللاحقة.

المسألة السادسة :

لو تحقّقت نيّة الصلاة وشكّ هل نوى الندب مثلا أو الفرض ، أو الظهر أو العصر ، أو الأداء أو القضاء ، فالظاهر البطلان ، كما صرّح به جماعة (3).

هذا إذا تعدّدت الصلوات التي أمر بها ، ولو اتّحدت الصلاة وما كان مقصوده ، وشكّ فيما أخطره بالبال فلا يضرّ.


1) مستطرفات السرائر : 75 - 20 ، الوسائل 4 : 283 أبواب المواقيت ب 60 ح 2.

2) البحار 85 : 190.

3) كالشهيد الثاني في روض الجنان : 337 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 101 ، والسبزواري في الذخيرة : 362.

المسألة السابعة :

لو ظنّ بعد الصلاة نقصا في الصلاة ، فحكمه عند من يلحق الظنّ بالعلم مطلقا واضح. وأمّا على المختار من اختصاص اعتبار الظنّ بمواقع خاصّة ، والرجوع في البواقي إلى حكم الشك فيشكل الأمر ، إذ الرجوع فيها إليه لتعلّق هذه الأحكام بعدم الدراية ، الصادق على الظانّ أيضا كلا أو بعضا بضميمة الإجماع المركّب ، وفي المورد لم يتعلّق حكم بعدم الدراية ، إلاّ أن يتمسّك بشمول لفظ الشكّ للظنّ لغة كما مرّ ، إلاّ أنّ ترتّب الحكم عليه فقط لا يخلو عن إشكال ، ومقتضى أصل الاشتغال بالصلاة الإعادة لو تعلّق الظّن بالمبطل. نعم ، إن كان الموهوم النقص أو البطلان فالظاهر الصحّة والمضي ، لأنّه كذلك مع الشك فمع الوهم أولى.

والحاصل : أنّ المظنون إن كان ما يوجب البطلان مع العلم يعيد ، إلاّ إذا صار كثير الظّن.

وإن كان ما لا يلتفت إليه مع العلم ، فكذلك هنا ، للأولوية.

وإن كان ما يوجب التدارك مع العلم ، فالظاهر الصحّة للأولوية ، وعدم التدارك للأصل ، فإنه كانت صلاته صحيحة ولو لم يتدارك.

المسألة الثامنة :
اشارة

قد صرّح الأصحاب بأنّه : لا سهو في سهو.

والأصل فيه صحيحة البختري : « ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو ، ولا على السهو سهو ، ولا على الإعادة إعادة » (1).

ومرسلة يونس : « ولا سهو في سهو » (2).


1) الكافي 3 : 359 الصلاة ب 43 ح 7 ، التهذيب 2 : 344 - 1428 ، الوسائل 8 : 240 و 243 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 و 25 ح 3 و 1.

2) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 5 ، الوسائل 8 : 243 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 25 ح 2.

ولكن في كلّ من العبارتين إجمالا من حيث المراد من السهو في الموضعين ، والمراد من السهو الثاني بخصوصه باعتبار احتمال الحذف وعدمه في السهو ، والمراد من نفي السهو.

أمّا الأوّل : فباعتبار احتمال إرادة الشك منه ، أو النسيان ، أو الأعم ، ولأجله تحصل احتمالات تسعة : نفي الشك في الشك ، وفي السهو بالمعنى الأخص ، وفي الأعم ، ونفي السهو كذلك ، ونفي الأعمّ كذلك.

وأمّا الثاني : فباعتبار احتمال إرادة نفس السهو بأحد معانيه الثلاثة عنه ، أو إرادة مسبّبه وموجبه ، كالتدارك ، أو صلاة الاحتياط ، أو سجدة السهو ، فهذه ثمانية عشر احتمالات.

وأمّا الثالث : فباعتبار عدم إمكان إرادة الحقيقة من النفي ، ومجازه هنا متعدّد من عدم الالتفات ، أو عدم الموجبيّة ، بالكسر ، أو غير ذلك.

فالاستدلال بالحديثين في شي‌ء من الموارد غير ممكن. والحمل على الجميع باطل ، لاستلزامه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، بل استلزام التقدير وعدمه.

ولو فرض ترجيح بعض المعاني : كحمل السهو على معناه الحقيقي ، لأصالة الحقيقة.

أو على الشك ، لحمل جمع من الفقهاء عليه ، مع ظهوره في الجملة من السياق.

أو حمل السهو الثاني على المسبّب والموجب ، لكون نفي السهو في السهو نفسه مقتضى الأصل ، فلا يحتاج إلى النصّ ، والمحتاج إليه إنّما هو حكم الشك في موجبه ، لمخالفته الأصل الدال على لزوم تحصيل المأمور به على وجهه ، ولا يتمّ إلاّ مع عدم الشك ، مضافا إلى إطلاق ما دلّ على لزوم تدارك المشكوك مع بقاء المحلّ ، والتأسيس أولى من التأكيد ، والظاهر إرادة إثبات حكم مخالف للأصل ، مضافا إلى تصريح بعضهم (1)بأنّه مراد الفقهاء.


1) منهم العلاّمة في المنتهى 1 : 411.

فلا شكّ (1)في عدم خروج الكلام عن الإجمال بعد أيضا ، مع أنّ إثبات الترجيح ببعض ما ذكر غير تامّ.

فاللازم رفع اليدين عن الحديثين والكلام في كلّ من الاحتمالات الثمانية عشر بخصوصه.

ثمَّ بعد ملاحظة أنّ ببيان حكم كلّ من السهو والشك يظهر حكم احتمالات المعنى الأعم ، يبقى اللازم بيان حكم ثمانية احتمالات ، وهي التي ذكرها طائفة من متأخّري المتأخّرين (2).

فنقول :

الاحتمال الأوّل :

أن يشكّ في نفس الشك ، بأن شكّ في أنّه هل شكّ أم لا.

فقيل : لا يلتفت إليه (3)، لأصالة عدمه.

وقيل : إن كان زمان الشكّين واحدا فهو شاكّ في أصل الفعل ، فيحكم بمقتضاه. وإن كان في زمانين فإن كان في هذا الزمان أيضا شاكّا فيما شكّ في شكّه فكالأوّل ، وإلاّ فيحكم بمقتضى علمه وجزمه ، ولا يتيقّن بالشكّ السابق ، والأصل عدمه (4).

ولا يخفى أنّ الظاهر من الشك في الشك هو ما كان في زمانين دون الأوّل. والبناء فيه على اليقين منه بإطلاقه غير جيّد. وأصالة عدم الشكّ غير تامّة ، لأصالة عدم اليقين أيضا ، لأنّ كلا منهما حادث ، لأنّ الموجود سابقا هو اليقين بفعل آخر غير ما شكّ في الشك فيه.


1) جواب لقوله : ولو فرض ترجيح بعض المعاني.

2) منهم المجلسي في البحار 85 : 257 ، وصاحبا الحدائق 9 : 259 ، والرياض 1 : 220.

3) انظر : الروضة 1 : 340 ، ونسبه في البحار 85 : 257 إلى الأصحاب.

4) البحار 85 : 257.

والتحقيق : أنّ الشكّ السابق المشكوك فيه إمّا في الأفعال ، أو الأعداد.

والأوّل إمّا تجاوز محلّه لو كان شكّ ، أولا.

فعلى الأوّل ، كأن شكّ بعد القيام في أنّه هل شكّ قبله في السجود ولم يعد ، أم لا ، أو يشك في العود أيضا. ويتعارض فيه أصل عدم الشك فيه مع أصالة عدم اليقين بفعله أيضا ، فلا حكم لذلك الأصل. ولكن يمضي لأصول أخر ، لأنّ شكّه إن كان في الشكّ مع اليقين بعدم العود عمدا وتبطل صلاته [ إن كان شك ] (1)، فالأصل الصحّة. وإن كان في الشك مع اليقين بعدم العود سهوا ، إن كان شكّ ، فالأصل عدم وجوب عود عليه وصحّة صلاته. وإن كان مع الشك في العود أيضا ، فلمضيّ محلّ العود المشكوك فيه ، وأصالة عدم وجوب عود آخر وصحّة صلاته.

وعلى الثاني ، كأن شكّ في آخر التشهّد في أنّه هل شكّ في ابتدائه في إحدى السجدتين - على القول بعدم تجاوز المحلّ بدخول التشهّد - فإن كان حينئذ باقيا على الشكّ أيضا يعود. وإن تيقّن الفعل يسقط حكم الشكّ الأوّل قطعا.

وإن كان في الأعداد ، كأن يشكّ في الرابعة في أنّه هل شكّ سابقا وبنى على عدد هذه رابعته فتجب صلاة الاحتياط ، أو هذه رابعة واقعيّة فلا تجب ، والأصل حينئذ عدم وجوب صلاة الاحتياط. ولا تعارضه أصالة الاشتغال بالصلاة ، لوجوب إتمام الصلاة بهذه الرابعة على التقديرين ، والأصل براءة الذمّة عن الزائد.

ولو شكّ في أنّه هل شكّ سابقا ، وعلى الشك هل بنى على ما يقتضيه أم لا ، فلا يلتفت إليه ، لمضيّ المحل.

وهنا شقوق أخر :

أحدها : أن يشكّ في أنّ ما فيه شكّ أو ظنّ. والظاهر البناء على الشك ،


1) أضفناه لاستقامة المتن.

إذ ما دام في هذا الشك فهو لا يتيقّن بترجيح أحد الطرفين فهو شاكّ. أو في أن ما سبق هل كان شكّا أو ظنّا. والظاهر عدم الالتفات إليه إن بنى أوّلا على أحدهما وأتى بمقتضاه.

وثانيها : أن يشكّ في المشكوك فيه ، كأن يشكّ في أنّ ما شكّ فيه هل هو السجدة أو التشهّد. فإن علم أنّه بنى على أحدهما وأتى بمقتضاه فقد مضى. وإن لم يعلم ذلك ، فإن بقي محلّهما فيأتي بهما ، لأنّه حينئذ شاك فيهما ، وإن تجاوز فلا يلتفت إليه.

وثالثها : أن يشكّ بعد الفراغ وإرادة التدارك في المشكوك فيه ، كأن يشكّ في أنّ الشك هل كان بين الاثنتين والأربع ، أو الثلاث والأربع حتّى يأتي بصلاة الاحتياط بمقتضى ما شكّ. والظاهر وجوب الإتيان بوظيفتهما معا ، مع التداخل إن أمكن وبدونه إن لم يمكن ، لأصل الاشتغال.

الاحتمال الثاني :

أن يشكّ في موجب الشك - بالفتح - كأن يشكّ في صلاة الاحتياط أو سجدة السهو.

فإن كان الشك في أصل فعله ، كأن يشكّ أنّه هل أتى بسجدة السهو ، أو صلّى الاحتياط أم لا. والظاهر وجوب فعله ، لأصالة عدم فعله.

وإن كان في عدد أحدهما ، أو فعل من أفعاله ، فالمصرّح به في كلام كثير منهم عدم الالتفات إليه ، والبناء على الفعل (1)، بل قيل : ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه (2)، واستدلّوا بالروايتين السابقتين.

وعن الأردبيلي الميل إلى البناء على الأقلّ وعدم الفعل ، لأصالة عدم


1) انظر : المنتهى 1 : 411 ، والتنقيح 1 : 362 ، والحدائق 9 : 269 ، والرياض 1 : 220.

2) الحدائق 9 : 262.

الفعل (1).

وهو قويّ جدّا ، لما عرفت من إجمال الروايتين ، وعدم ثبوت الاتّفاق المدّعى علينا. إلاّ إذا كان قد خرج من موضع المشكوك فيه ، فلا يلتفت إلى الشك ، لما مرّ.

ومن هذا الاحتمال ما لو علم أنّه شكّ في السجدة قبل تجاوز المحلّ ، أو بين الاثنتين والثلاث مثلا ، وكان موجب الأوّل العود ، وموجب الثاني البناء على الثلاث ، وشكّ في أنّه هل أتى بالسجدة أم لا ، أو هل بنى على الثلاث أم لا ، مع علمه بأنّ ما فيه حينئذ الركعة الأخيرة مثلا. والظاهر عدم الالتفات ، للدخول في الغير. إلاّ أن يكون في موضعه ، فيأتي بالموجب المشكوك فيه ، فيسجد في الأوّل ، ويبني على الثالث في الثاني.

الاحتمال الثالث :

الشك في السهو نفسه ، بأنّ يشكّ في أنّه سها أم لا. فإن كان بعد الصلاة لا يلتفت إليه. وإن كان في أثنائها فهو حقيقة شكّ في الفعل الذي شكّ في السهو فيه ، فيأتي به مع عدم الدخول في الغير ، ويمضي مع الدخول فيه.

الاحتمال الرابع :

أن يشك في موجب السهو - بالفتح - كأن يشكّ في السجدة أو التشهّد المنسيين ، اللذين يقتضيهما بعد الصلاة ، أو في سجدة السهو.

فإن كان الشك في الإتيان بها يأتي بلا خلاف ، كما قيل (2).

وإن كان في بعض أجزائها فعلا أو عددا ، فقيل : يبني على الفعل (3)، بل


1) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 136.

2) الحدائق 9 : 264.

3) كما في الحدائق 9 : 264.

هو ظاهر الأكثر ، للخبرين المذكورين. وبعد ما عرفت من إجمالهما تعلم وجوب الإتيان به ، إلاّ فيما دخل في غيره.

ومن هذا الاحتمال ما لو شكّ في أثناء الصلاة أنّه هل تدارك ما سها فيه وتذكّر قبل تجاوز المحلّ ، ويجب عليه الإتيان به لو كان ذلك في المحلّ ، والمضيّ لو تجاوز عنه أي المحلّ المعتبر في الشكّ ، وهو الدخول في الغير. فلو شكّ في حال القراءة أنّه هل أتى بالسجدة التي سها فيها وتذكّر بعد القيام أم لا ، فيمضي.

الاحتمال الخامس :

السهو في نفس الشك ، كأن شكّ في شي‌ء قبل الدخول في غيره ، ثمَّ نسي الشك ومضى ، فقيل : إنّه لا يلتفت إليه إن تذكّر بعد تجاوز المحلّ ، ويأتي به إن كان المحل باقيا (1).

أقول : إن أراد بتجاوز المحلّ ما يعتبر في السهو ، وهو الدخول في ركن آخر ، فهو صحيح. وإن أراد ما يعتبر في الشك ففيه نظر ، لأنّ بعد الشك قبل الدخول في الغير وجب عليه المنسي. فإذا سها عنه يأتي به ما لم يدخل في ركن آخر ، للعمومات الواردة في النسيان.

والتنظر في شمولها للمورد ، لأنّها وردت في أجزاء الصلاة الأصليّة وهذا ليس منها.

غير وارد ، لأنّ ذلك أيضا من أجزاء الصلاة الأصليّة ، لأصالة عدم فعله.

الاحتمال السادس :

السهو في موجب الشك ، كأن يسهو في شي‌ء من أفعال صلاة الاحتياط ، أو سجدتي السهو.

ولا ينبغي الشكّ في عدم وجوب سجدة سهو للسهو في سجدة السهو.


1) انظر : الحدائق 9 : 269.

وأمّا لصلاة الاحتياط ، فقيل : لا تجب أيضا ، بل هو الأشهر ، للأصل ، وعدم معلوميّة شمول الأدلّة لمثل ذلك السهو أيضا ، بل الظاهر منها السهو في أصل الفرائض (1).

وفيه تأمّل ، لإطلاق الأدلّة. فوجوبها أظهر. والإجماع على العدم غير معلوم ، بل ظاهر بعض مشايخنا عدمه ، حيث نسب عدمه إلى الأشهر الأظهر (2).

وأمّا نفس الفعل المسهوّ عنه ، فيأتي به قطعا إن تذكّر قبل التجاوز عن محلّه ، بمعنى عدم الدخول في غيره ، للأمر بهذه الأفعال ، فيجب الإتيان بها. وكذا إن دخل في غيره ما لم يفرغ عن العمل في سجدة السهو ، فيرجع ويأتي بالمسهوّ عنه ، ثمَّ بما بعده. وإن فرغ عنها فيعيدها من رأسها ، مع احتمال إعادة المسهوّ عنه مع ما بعده خاصّة حينئذ أيضا.

وأمّا في صلاة الاحتياط ، فالظاهر أنّها كالأصل ، فيفعل كما يفعل في الأصل ، لإطلاق أدلّته ، وعدم تيقّن الاختصاص بالأصل ، وكذا في قضاء الأجزاء المنسيّة.

ومن السهو في موجب الشك السهو فيما يفعله بعد الشك فيه قبل تجاوز محلّه ، كالسجدتين قبل استتمام القيام إذا ترك واحدا منهما ، أو الطمأنينة ، أو الذكر فيهما سهوا. والظاهر أنّ حكمه حكم السهو فيما سها عنه في الأصل ، لأنّه منه أيضا.

الاحتمال السابع :

أن يسهو في نفس السهو بأن ينسى تدارك ما نسيه وتذكّر في المحلّ ونسي نسيانه ، فإن تذكّر ثانيا قبل تجاوز المحلّ أتى به ، وإلاّ مضى وقضاه إن كان له قضاء ، وتبطل الصلاة إن كان ذلك مبطلا.


1) انظر : البحار 85 : 265.

2) انظر : الحدائق 9 : 265.

ومن ذلك يظهر أنّه لا يترتّب على السهو هنا حكم جديد ، بل ليس حكمه إلاّ حكم السهو في نفس الفعل.

الاحتمال الثامن :

أن يسهو في موجب السهو كأن يسهو عن قضاء الأجزاء المنسيّة ، أو سجدة السهو ، ويأتي بما نسيه إذا تذكّر.

ومنه أيضا السهو في التدارك في الأثناء قبل تجاوز المحل ، كما ذكر في السابق.

ومنه السهو عن أجزاء الفعل المتروك الذي يجب تداركه ، وحكمه حكم نفس الفعل.

ومنه السهو عن أجزاء الفعل الذي يقضيه بعد الصلاة ، كالسجدة ، أو التشهّد ، أو عن أجزاء سجدة السهو.

فقيل فيه : بعدم الالتفات (1)، وقيل : هو كالسهو في أجزاء الصلاة (2).

وهما ضعيفان. وقوله : « لا سهو في سهو » الذي هو مستند الأوّل مجمل ، كما عرفت. فالتحقيق الإتيان بالمسهوّ قبل الفراغ عمّا هو جزؤه ، وإعادته بعده.

المسألة التاسعة :

مقتضى قوله في الصحيحة المتقدّمة : « لا إعادة في إعادة » (3)أنّه لو أعاد الصلاة لما يوجبها كالشك في الأوليين ، ونحوهما ، ثمَّ شكّ فيها أو سها بما يوجب الإعادة لا يعيدها ، فهو كذلك.

والاحتمالات الأخر التي ذكروها لمعنى العبارة خلاف الظاهر. والإجماع


1) كما في الدروس 1 : 200 ، والمسالك 1 : 42.

2) كما في البحار 85 : 267.

3) راجع ص : 204.

على خلافه ، أو الشهرة الموجبة للشذوذ غير ثابت. وأمر الاحتياط واضح.

المسألة العاشرة :
اشارة

يرجع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لو شكّ وحفظ عليه الآخر ، بلا خلاف بين الأصحاب ، كما صرّح به جماعة (1). وقال جمع : إنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (2)، بل قال بعض الأجلّة باتّفاق الأصحاب.

للصحيحة المتقدّمة (3)، وصحيحة علي : رجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى ، هل عليه سهو؟ قال : « لا » (4).

ومرسلة يونس : عن الإمام يصلّي بأربعة أنفس ، أو خمسة أنفس ، فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثا ، ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعا ، ويقول هؤلاء : قوموا ، ويقول هؤلاء : اقعدوا ، والإمام مائل مع أحدهما ، أو معتدل الوهم ، فما يجب عليه؟ قال : « ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق (5)منهم ، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام ، ولا سهو في سهو ، وليس في المغرب والفجر سهو ، ولا في الركعتين الأوليين من كلّ صلاة ، ولا في نافلة ، فإذا اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم » (6).

والمراد بالسهو هنا الشك ، كما يستفاد من قرائن المقام وسياق الكلام.


1) كالفيض في المفاتيح 1 : 179 ، وصاحبي الحدائق 9 : 268 ، والرياض 1 : 221.

2) كما في المدارك 4 : 269 ، والذخيرة : 369.

3) في ص : 203.

4) التهذيب 2 : 350 - 1453 ، الوسائل 8 : 239 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 1.

5) هذا موافق لنسخة الوافي ج 8 : 1000 باب من لا يعتدّ بسهوه ، وكذلك موافق للفقيه ، وأما في النسخة المطبوعة من الكافي والتهذيب. « بإيقان ».

6) الكافي 3 : 358 الصلاة ب 43 ح 5 ، التهذيب 3 : 54 - 187 ، الوسائل 8 : 241 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8 ، ورواها في الفقيه 1 : 231 - 1028 عن نوادر إبراهيم بن هاشم.

وبما تتضمّنه الأخيرة من اشتراط حفظ المرجوع إليه في رجوع الآخر ونفي الشك عنه ، يقيّد إطلاق البواقي ، مع أنّه بدون الحفظ لا معنى للرجوع.

ومقتضى عموم الأخبار رجوع الشاك منهما إلى المتيقّن مطلقا ، سواء كان الشك في الركعات ، أو الأفعال ، وسواء كان موجبا للاحتياط ، أو التدارك في المحلّ ، أو سجدة السهو ، أو الإبطال. وبالأوّل والأخير تصرّح الصحيحة الثانية. وسواء كان في الرباعيّة أو غيرها.

وبها تخصّص الأخبار الآمرة بالإعادة في بعضها ، وبالتدارك في آخر ، وبالبناء على أحد الطرفين في ثالث.

ولا يضرّ كون أخبار المسألة أعمّ من وجه من كلّ من هذه الفرق الثلاث ، لأنّها وإن كانت كذلك إلاّ أنّ معارضتها لا تختصّ بفرقة منها حتى يجوز تخصيص كلّ منهما ، بل هي معارضة مع الجميع ، فالجميع في طرف وأخبار المسألة في طرف آخر ، وأخصّ مطلقا من الجميع.

ولو لوحظت معارضته مع كلّ وجاز تخصيصها به لزم إمّا الترجيح بلا مرجّح إن خصّت بفرقة دون أخرى ، أو طرح أخبار المسألة بالمرّة.

ولا تجب حينئذ صلاة احتياط ، ولا سجدة سهو ، للأصل واختصاص أدلّة وجوبهما بصورة البناء على أحد الطرفين.

فروع :

أ : لا ريب في حكم المذكور مع شكّ أحدهما ويقين الآخر ، فيرجع الشاك إلى المتيقّن.

وهل يرجع الشاكّ إلى الظانّ ، أو الظانّ إلى المتيقّن ، أم لا؟.

الظاهر في الأول : لا ، وفي الثاني : نعم.

أمّا الأوّل فللأصل ، واختصاص الرجوع - كما عرفت - بحفظ المأموم الظاهر في اليقين ، وعدم سهو الإمام ، والسهو شامل للظن أيضا قطعا ، لا سيّما

مع ملاحظة ما في نسخ التهذيب والكافي من المرسلة من لفظ « الإيقان » مكان « الاتفاق » كما في الفقيه.

وأما الثاني فلإطلاق الصحيحة الثانية بضميمة الإجماع المركب ، ولأن السهو شامل للظن أيضا ، كما يستفاد من صحيحة محمّد ، حيث قسّم فيها السهو على قسمين وقال : « ومن سها » ثمَّ فصّل حكمه بأنّه إن اعتدل شكه كذا ، وإن ذهب وهمه إلى الأربع كذا (1)، وغيرها من الأخبار ، ومن كلام بعض أهل اللغة.

ولرواية محمّد بن سهل : « الإمام يتحمّل أوهام من خلفه إلاّ تكبيرة الإحرام » (2).

ويدخل في الأوهام الظنّ ، لإطلاقه عليه في الأخبار بل في كلام اللغويين (3)، ومعنى تحمّله أوهامهم : أنّهم يتركون أوهامهم ويرجعون إلى يقين الإمام. وإذا ثبت الحكم فيه ثبت في العكس أيضا بالإجماع المركب.

وقد يستدلّ أيضا بأنّ اليقين أقوى من الظنّ فيجب الرجوع إليه (4).

وفيه : أنّه أقوى منه إذا لوحظا في واحد. وأمّا مع تعدّد المحلّ فلا نسلّمه ، بل ربما كان ظنّ شخص له أقوى من يقين غيره.

خلافا في الموضعين لبعضهم ، فقيل برجوع الشاكّ إلى الظانّ ، لأنّ الظن في باب الشك في الصلاة بمنزلة اليقين (5).

وفيه : منع المنزلة بالنسبة إلى غير الظانّ.

وقيل بعدم رجوع الظانّ إلى المتيقّن ، للأصل ، وعموم ما دلّ على تعبّد


1) الكافي 3 : 352 الصلاة ب 40 ح 5 ، الوسائل 8 : 217 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 4.

2) الفقيه 1 : 264 - 1205 ، التهذيب 3 : 277 - 812 ، الوسائل 8 : 240 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 2 ، وفي الجميع : الافتتاح ، بدل : الإحرام.

3) انظر : المصباح المنير : 674 ، ولسان العرب 12 : 644.

4) كما في الروض : 342.

5) كما في الروضة 1 : 341 ، والمفاتيح 1 : 179 ، والذخيرة : 369 ، والحدائق 9 : 270.

المصلّي بظنّه مطلقا ، أو في الأعداد كذلك ، أو في الأخيرتين ، على اختلاف الأقوال.

والتخصيص يحتاج إلى دليل وليس. وشمول الوهم في الخبر والسهو في الأخبار للظنّ غير معلوم (1).

والأصل يردّ بما مرّ. والعموم يخصّص به. ومنع شمول الوهم والسهو للظنّ ضعيف ، كما يستفاد من تتبّع الأخبار واللغة. ولو سلّم فشمول عدم الدراية - الواردة في الصحيحة الثانية (2)- له ، لا يقبل المنع. وضمّ الإجماع المركّب إليها يعمّم المطلوب.

هذا إذا لم يحصل من يقين الآخر للظانّ يقين ، وإلاّ فيرجع إليه البتة ، بل لم يحصل له ظنّ أقوى من ظنّه ، وإلاّ فالظاهر عدم الخلاف في رجوعه إلى يقينه أيضا ، وطرح ظنّه فيما يرجع فيه إلى الظنّ لحصول الظنّ لنفسه ، فيرجع إليه لأجل ذلك وإن لم يرجع لكونه يقين الآخر.

بل وكذا في الموضع الأوّل فيرجع الشاكّ إلى الظانّ إذا حصل ظنّ له من ظنّه ، لما مرّ بعينه. ولكن الثمرة في هذا الموضع قليلة ، إذ درك كون الآخر ظانّا في أثناء الصلاة متعذّر جدّا.

ب : مقتضى إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب عدم الفرق في رجوع الإمام الشاكّ أو الظانّ إلى المأموم المتيقّن بين كون المأموم ذكرا أو أنثى ، عادلا أو فاسقا ، واحدا أو متعدّدا ، مع اتفاقهم يحصل اليقين أو الظنّ بقولهم أو لم يحصل ، بل وكذا لو كان صبيّا مميزا ، لإطلاق قوله : « من خلفه ».

وأمّا غير المأموم فلا تعويل عليه وإن كان عدلا ، للأصل. نعم لو أفاد قوله الظنّ رجع إليه لذلك فيما يعتبر فيه الظنّ ، لا لكونه مخبرا.

ج : لو شكّ الإمام والمأموم معا ، فإمّا يتّحد محلّه كما إذا شكّا بين الثلاث


1) انظر : الذخيرة : 369 ، والحدائق 9 : 270 ، والرياض 1 : 221.

2) وهي صحيحة علي المتقدّمة في ص 213.

والأربع ، فيلزمهما حكمه.

أو يختلف ، فإن كان لأحدهما متيقّن وجب الرجوع إليه لما مرّ ، كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع ، فيبنيان على الثلاث ، لأنّ المأموم متيقّن فيه والإمام شاكّ ، كما أنّ الإمام متيقّن بانتفاء الأربع والمأموم شاكّ ( ولا فرق في ذلك بين كون شكّ أحدهما موجبا للبطلان وعدمه ) (1).

ولو كان الباقي بعد أخذ المتيقّن أيضا شكّا في محلّ واحد يؤخذ بالمتيقّن ويلزمهما حكم الشك ، كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والأربع ، والآخر بين الثلاث والأربع.

وإن لم يكن لأحدهما متيقّن كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث ، والآخر بين الأربع والخمس ، تعيّن الانفراد ولزم كلا منهما العمل بمقتضى شكّه.

وكذا الحكم لو تعدّد المأمومون واختلفوا هم وإمامهم ، فيرجع الجميع إلى المتيقّن إن وجد ، وإلى الانفراد إن لم يوجد.

د : لو كان كلّ من المأموم والإمام موقنا أو ظانّا بخلاف ما تيقّنه الآخر أو ظنّه ، ينفرد المأموم ويعمل كلّ منهما بمقتضى يقينه أو ظنّه.

ه- : لو اختلف المأمومون بأن كان بعضهم متيقّنا وبعضهم شاكّا ، فإن كان الإمام موافقا للموقنين رجع الشاكون اليه ، والوجه ظاهر.

وإن كان شاكّا قيل : يرجع إلى الموقنين لما مرّ ، والشاكّون إليه (2).

ولا شكّ فيه إن حصل الظنّ للشاكّين. وإلاّ ففيه نظر ، لأصالة عدم الرجوع إلى الغير ، وعمومات أحكام الشك ، واختصاص المرسل الدالّ على الرجوع بصورة اتّفاق المأمومين ولو في بعض النسخ ، لوجوب الاقتصار في الحكم المخالف للأصل على المتيقّن ، وليس إلاّ صورة الاتّفاق. سيّما أنّ قوله : « ولو


1) ما بين القوسين لا توجد في « ق ».

2) كما في الروضة 1 : 341 ، والبحار 85 : 245 ، والحدائق 9 : 276 ، والذخيرة : 370.

اختلف » في آخر المرسلة ظاهر في صحّة هذه النسخة.

مع أنّ الظاهر من النسخة الأخرى أيضا ذلك ، لقوله « منهم » بضمير الجمع الراجع إلى المأمومين.

ولا يفيد إطلاق غير المرسلة من الأخبار النافية للسهو عن الإمام والمأموم ، لظهورها في صورة الاتّفاق.

فرجوع كلّ من الإمام والمأمومين الشاكّين إلى حكمه أقوى ، كما هو المشهور على ما صرّح به بعضهم (1).

فإن اتّحد مقتضاه كأن تيقّن بعضهم بالأربع وشكّ الإمام والباقون بين الثلاث والأربع ، يبني الشاكّون أيضا على الأربع ويتمّون الصلاة كلّهم جماعة.

وإن اختلف انفرد المخالفون مع الإمام.

ولا ينافيه قوله في آخر المرسلة : « فإذا اختلف على الإمام .. » حيث إنه يدلّ على أنّ في صورة اختلاف المأمومين تجب الإعادة.

إذ الظاهر من قوله « اختلف على الإمام من خلفه » أن تيقّن كل على أمر ، وأمّا مع شكّ بعضهم ويقين الآخر ففي صدق اختلافهم عليه نظر. مع أنّه على فرض الصدق يتمّ الحكم بالمنافاة لو كان قوله : « في الاحتياط الإعادة » بدون إقحام الواو بين الاحتياط وبين الإعادة. وأمّا معه كما في بعض النسخ فلا ، بل يكون المعنى : أنّ على الإمام وعلى كلّ من المأمومين أن يعمل كلّ منهم على ما يقتضيه شكّه أو يقينه في الاحتياط والإعادة والأخذ بجزمه ، والظاهر منه حينئذ وجوب عمل كلّ بمقتضى شكه.

وهذه النسخة هي الموافقة للقواعد ، إذ لا وجه لإعادة الموقنين إذا لم يحصل لهم شكّ.

ولو منع الظهور في هذا المعنى فلا أقلّ من الإجمال المسقط للاستدلال


1) البحار 85 : 246.

الموجب للرجوع إلى الأصل والعمومات.

ولو كان الإمام شاكّا ، والمأمومون متيقّنون مختلفون في محلّ اليقين ، فعلى الأظهر الأشهر ينفردون كلا إلاّ من كان يقينه موافقا لمقتضى عمل الإمام بشكّه إن كان ، لما مرّ ، والوجه فيه يظهر مما مرّ ، ولا يعارضه آخر المرسلة ، لما عرفت من اختلاف النسخ.

ثمَّ إنّه قد ذكر بعضهم في المقام صورا عديدة لا ينبغي للمحقّق التعرض لها ، لعدم ترتب فائدة عليها من جهة ما ذكرنا من تعذّر اطّلاع الإمام أو المأموم بحال الآخر في أكثر تلك الصور.

و : إذا شكّ الإمام يجب عليه الاستعلام ممّن خلفه ولو بالبناء على أحد الطرفين لأجل الاستعلام ، لوجوب بنائه على يقينهم وتوقفه على الاستعلام.

واختصاص الوجوب بصورة وجود اليقين لهم ، وهو غير معلوم لاحتمال شكّهم أيضا.

مردود بأصالة عدم شكّهم ، مع أنّ في صورة شكّهم أيضا له واجب يتوقّف امتثاله على الاستعلام.

فإذا استعلم فإن نبّهه من خلفه بكونه خطأ يرجع إلى ما نبّهوه عليه ، وإلاّ فيمضي ، لما مرّ من أصالة عدم شكّهم ، ولمفهوم قوله : « فإذا اختلف على الإمام » في المرسلة المتقدمة. وليس عليه سجدة سهو أو احتياط إن كان المبني عليه ما يقتضيه لو كان منفردا ، لأنّ حفظ المأمومين بمنزلة اليقين إجماعا ، وللمفهوم المذكور.

ز : يظهر ممّا مرّ من الأصل والمفهوم والإطلاقات المتقدّمة أنّه تجب على كلّ منهما حين الشك متابعة الآخر ما لم يعلم شكّه أو خطاءه ، ولا يلتفت إلى احتمال شكه أو خطائه ، وعليه الإجماع أيضا ويوافقه الظاهر.

المسألة الحادية عشرة :

لو اشترك الإمام والمأموم في السهو فلا خلاف ظاهرا - كما قيل (1)- في وجوب عمل كلّ منهما بما يقتضيه حكم ذلك السهو ، اتّفقا في خصوصيّته أو اختلفا.

فالأول كما إذا تركا سجدة فذكراها بعد الركوع ، فيمضيان في الصلاة ، ويقضيان السجود بعدها ، ويسجدان للسهو على وجوبها هنا. ولو ذكرها قبل الركوع يأتيان بها ويستأنفان الركعة.

والثاني كما إذا ذكر الإمام السجدة المنسيّة بعد ركوعه ، والمأموم قبله ، فيأتي المأموم بها ثمَّ يلحق الإمام ، والإمام يقضيها بعد تمام صلاته.

ولو نسيا السجدتين معا ، وذكرهما الإمام بعد الركوع ، والمأموم قبله ، بطلت صلاة الإمام ، والمأموم يأتي بهما وينفرد.

كلّ ذلك لعمومات أحكام السهو وإطلاقاتها. ولا يعارضها ما ورد من « أنّه لا سهو على من خلف الإمام » (2)ومن « أنّ الإمام ضامن » (3)إذ لكلّ من الفقرتين احتمالات عديدة - سيأتي ذكرها - موجبة لإجماله ، ومعه يسقط جواز الاستدلال به. ومع ذلك معارض بما هو أرجح منه كما يأتي.

ولو اختصّ المأموم بالسهو فالظاهر عدم الخلاف في وجوب التدارك لو تذكّر في المحلّ ، ولا في البطلان لو تذكّر بعده وكان المسهوّ عنه ركنا أو زاد ركنا سهوا.

وتدلّ عليه عمومات تلك الأحكام ، وموثّقة عمار : عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة ، قال : « يعيد الصلاة » (4).

ولا يعارضها ما مرّ ، لما يأتي.

وإنّما الخلاف في سجود السهو وفي قضاء المسهوّ عنه لو كان ممّا يقضى.


1) في الحدائق 9 : 280.

2) انظر : الوسائل 8 : 239 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24.

3) انظر : الوسائل 5 : 378 أبواب الأذان والإقامة ب 3 ح 2.

4) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 241 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 7.

فالحقّ المشهور وجوبهما عليه أيضا ، لعموماتهما ، ورواية القصّاب : أسهو في الصلاة وأنا خلف الإمام ، فقال : « إذا سلّم فاسجد سجدتين ولا تهب » (1)

قال في الحدائق 9 : 286 : « ولا تهب » يحتمل أن يكون من المضاعف أي : لا تقم من مكانك حتى تأتي بهما .. ويحتمل أن يكون على بناء الأجوف ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد به عدم الخوف عليه من تشنيع الناس عليه بالسهو في الصلاة ، أو عدم الخوف من المخالفين للخلاف بينهم في ذلك. واللّه العالم.

.

وصحيحة عبد الرحمن : عن رجل يتكلّم ناسيا في الصلاة يقول : أقيموا صفوفكم ، قال : « يتمّ صلاته ثمَّ يسجد سجدتين » (2).

فإنّ قوله : « أقيموا صفوفكم » يقرب كون المتكلّم مأموما ، ولو منع فتكون من العمومات أيضا ، وتدلّ على المطلوب بالعموم.

وتؤيده المستفيضة النافية لضمان الإمام كصحيحتي زرارة ، إحداهما : عن الإمام يضمن صلاة القوم؟ قال : « لا » (3).

وفي الأخرى : « ليس على الإمام ضمان » (4).

وصحيحة أبي بصير : أيضمن الإمام للصلاة؟ قال : « لا ليس بضامن » (5).

وصحيحة ابن وهب : أيضمن الإمام صلاة الفريضة؟ فإنّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن ، فقال : « لا يضمن ، أيّ شي‌ء يضمن » (6).

ورواية ابن كثير وفيها : « ليس يضمن الإمام صلاة من خلفه ، إنّما يضمن


1) التهذيب 2 : 353 - 1464 ، الوسائل 8 : 241 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 6.

2) الكافي 3 : 356 الصلاة ب 42 ح 4 ، التهذيب 2 : 191 - 755 ، الاستبصار 1 : 378 - 1433 ، الوسائل 8 : 206 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 1.

3) الكافي 3 : 377 الصلاة ب 58 ح 5 ، التهذيب 3 : 269 - 769 ، الوسائل 8 : 354 أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 4.

4) الكافي 3 : 378 الصلاة ب 59 ح 3 ، الفقيه 1 : 264 - 1207 ، التهذيب 3 : 269 - 772 ، الوسائل 8 : 371 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 2.

5) الفقيه 1 : 264 - 1206 ، التهذيب 3 : 279 - 819 ، الوسائل 8 : 353 أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 2.

6) التهذيب 3 : 277 - 813 ، الوسائل 8 : 373 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 6.

القراءة » (1).

خلافا في سجود السهو للمحكيّ عن السيّد والخلاف والمبسوط والمعتبر والذكرى (2)، فنفوها عن المأموم مطلقا ، ونقل الأول في المصباح ، والثاني عليه إجماع العلماء إلاّ مكحولا في القيام مع قعود الإمام (3)، له ، ولصحيحة حفص المتقدّمة (4)، حيث صرّح فيها بأنّه ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو ، وسائر ما تضمّن ذلك المعنى.

ولما دلّ على أنّ الإمام ضامن.

ولرواية سهل السابقة (5).

ولموثقتي عمار : إحداهما : عن الرجل سها خلف الإمام بعد ما افتتح الصلاة ، فلم يقل شيئا ولم يكبّر ولم يسبّح ولم يتشهد حتى يسلّم ، فقال : « قد جازت صلاته ، وليس عليه شي‌ء إذا سها خلف الإمام ولا سجدتا السهو ، لأنّ الإمام ضامن لصلاة من خلفه » (6).

والأخرى : عن الرجل ينسى وهو خلف الإمام أن يسبّح في السجود أو في الركوع ، أو ينسى أن يقول بين السجدتين شيئا ، فقال 7 : « ليس عليه شي‌ء » (7).


1) الفقيه 1 : 247 - 1104 ، التهذيب 2 : 279 - 820 ، الوسائل 8 : 353 أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1.

2) حكاه عن السيد في المعتبر 2 : 395 ، الخلاف 1 : 463 ، المبسوط 1 : 123 ، المعتبر 2 : 395 ، الذكرى : 223.

3) الخلاف 1 : 464.

4) في ص 204.

5) كذا في النسخ ، ولكن لم يسبق منه (ره) ذكر الرواية المشار إليها ، والظاهر وقوع سهو من قلمه الشريف أو من النساخ ، ويشهد له أنّه (ره) لم يتعرّض لها في مقام الجواب.

6) الفقيه 1 : 264 - 1204 ، التهذيب 3 : 278 - 817 ، الوسائل 8 : 240 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 5.

7) الفقيه 1 : 263 - 1202 ، التهذيب 3 : 278 - 816 ، الوسائل 8 : 240 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 4.

والجواب عن الأوّل : بعدم الحجية ، مع أنّ إرادة علماء العامة عنه محتملة ، بل هو الظاهر حيث عبّروا بالفقهاء ، المتعارف عندهم إرادة فقهاء العامة منها.

وعن الثاني : بعدم إمكان حمله على نفي سجدة السهو أو القضاء ، لنفي السهو عن الإمام أيضا. مع أنّهما ليس منفيين عنه قطعا ولا يقول المخالف بهما جزما. فيحتمل أن يكون المراد منه الشك أو معنى آخر ، بل قيل : إنّه مراد منه قطعا (1)، فلا يمكن حمله على السهو أيضا لاستلزامه استعمال اللفظ في المعنيين ، إلاّ بعموم المجاز الذي هو مرجوح لندرته ، وإن كان راجحا لأقربيته ، إلاّ أنّ في إرادته منه قطعا تأملا ، وانتفاء الشك عنه لا يدلّ على أنه المراد هنا أيضا.

وعن الثالث : بمعارضته مع ما هو أكثر منه وأصحّ كما مرّ ، مع رجحان ما مرّ بمخالفة العامة كما تدلّ عليه صحيحة ابن وهب المتقدمة ، وصرّح به جمع من الخاصة (2).

مضافا إلى أنّ المراد من ضمان الإمام غير معلوم ، وقد ذكروا فيه وجوها منها : ضمان القراءة كما يدلّ عليه بعض تلك الأخبار ، ومنها : ضمان الإخلال بالشرائط والأفعال ، فلو أخلّ الإمام كان ضامنا ، ومنها : ضمان الثواب والعقاب ، ومنها غير ذلك.

وعن الرابع : بمعارضته مع رواية القصّاب ، ورجحانها عليه بموافقة الأصحاب ومخالفة أكثر ذوي الأذناب ، فيحمل على التقية ، ويشهد لها التعليل بضمان الإمام الذي هو مذهب العامة.

وعن الخامس : بالقول بمضمونه ، لعدم وجوب سجدة السهو لما تضمنه.

وللمعتبر ، فنفى مع سجود السهو قضاء الأجزاء المنسية (3)، لبعض ما مرّ بجوابه.


1) الرياض 1 : 221.

2) انظر : الذخيرة : 370 ، والبحار 85 : 256 ، والحدائق 9 : 283 ، والرياض 1 : 221.

3) المعتبر 2 : 394.

ولو اختصّ الإمام به ، فلا شكّ في تداركه مع بقاء المحلّ ، وقضائه ما يقضى منه بعده ، وإتيانه بسجدتي السهو فيما فيه سجدة.

وهل يتبعه المأموم فيها ، أم لا؟.

المشهور العدم ، للأصل.

وخلافا لصريح المبسوط وظاهر الخلاف (1)، فيما إذا سها الإمام فيما اقتدى به المأموم ، دون ما لم يقتد به كما في الإمام السابق إذا سها في أول صلاته قبل لحوق المأموم.

ونقل ذلك القول عن جملة من أتباع الشيخ (2)، وجعله في الروضة الأحوط (3). وظاهر الذخيرة التردّد (4).

لما دلّ على وجوب المتابعة.

وموثّقة عمّار : عن الرجل يدخل مع الإمام وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فسها الإمام ، كيف يصنع؟ فقال : « إذا سلّم الإمام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذي دخل معه ، وإذا قام وبنى على صلاته وأتّمها وسلّم سجد الرجل سجدتي السهو » (5).

وأجيب عن الأول : بمنع ثبوت وجوبها إلاّ في نفس الصلاة ، وسجدة السهو خارجة عنها.

وعن الثاني : بالحمل على التقية - فإنّه مذهب أكثر العامّة (6)- وعلى اشتراكهما في السهو.

والجواب عن الأوّل تام.


1) المبسوط 1 : 124 ، الخلاف 1 : 462.

2) انظر : البحار 85 : 253 ، والحدائق 9 : 285.

3) الروضة 1 : 342.

4) الذخيرة : 370.

5) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 241 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 7.

6) انظر : المغني 1 : 731 ، وبداية المجتهد 1 : 197 ، والام 1 : 131 و 132.

ويرد على الثاني أنّ موافقة العامّة تؤثّر مع وجود المعارض ، وأمّا بدونه فلا وجه للحمل على التقية. والحمل على الاشتراك بعيد في الغاية.

نعم ، هي على الوجوب غير دالّة فغاية ما يثبت منها الرجحان ، إلاّ أن يضمّ معها الإجماع المركّب حيث لا قول بالجواز بدون الوجوب في المسألة. فالقول بالوجوب لا يخلو عن قوّة.

ثمَّ الواجب متابعته هو فيما إذا كان السهو فيما أدركه المأموم ، فلو كان مسبوقا وسها الإمام قبل لحوقه لم تجب المتابعة ، كما صرّح به الشيخ في الكتابين.

وتدلّ عليه الموثقة ، لمكان لفظة الفاء في قوله « فسها » فإنّها تدلّ على أنّ السهو بعد دخول المأموم.

وكذا فيما علم المأموم أنّه سجد لسهو في تلك الصلاة وجوبا ، فلو احتمل كونها لصلاة أخرى وقد نسيها سابقا ، أو لأمر يوجبها في هذه الصلاة استحبابا لم تجب.

المسألة الثانية عشرة :

إن كانت الصلاة الواقع فيها الخلل نافلة ، فإن كان من عمد أو جهل ، فحكمها حكم الفريضة إن كان نقصا أو زيادة غير مبطلة ، لموافقته الأصل الجاري في النافلة أيضا.

وأمّا إن كان زيادة مبطلة في الفريضة فلا دليل على إبطالها النافلة أيضا ، لاختصاص أخبار البطلان بالزيادة بالمكتوبة ، إمّا بصريحها أو لإيجاب الإعادة المنتفي في النافلة ، إلاّ أن يثبت الإجماع على البطلان كما هو المحتمل بل المظنون ، سيّما إن كان الزائد من الأركان.

وإن كان سهوا أو شكّا فقال في المدارك : لا فرق في مسائل السهو والشك بين الفريضة والنافلة إلاّ في الشك في الأعداد ، فإنّ الثنائية من الفريضة تبطل بذلك بخلاف النافلة ، وفي لزوم سجود السهو ، فإنّ النافلة لا سجود فيها بفعل

ما يوجبه في الفريضة (1). انتهى.

واستجوده بعض آخر أيضا (2).

أقول : تفصيل الكلام في المقام أن يقال : إنّ مقتضى أكثر عمومات أحكام السهو والشك المتقدمة في الفريضة أو إطلاقاتها ثبوت جميع ما مرّ من الأحكام - حتى قضاء الأجزاء المنسيّة وسجدة السهو - في النافلة أيضا وإن وردت بالألفاظ الدالّة على الوجوب ، إذ على ما اخترنا من حرمة قطع النافلة يتمشّى وجوب جميع هذه الأحكام سوى ما كان يوجب الإعادة من زيادة الأركان أو نقصها ، فإنّ الإعادة في النوافل لا تجب قطعا.

ومع ذلك روى الصيقل : في الرجل يصلّي الركعتين من الوتر يقوم فينسى التشهّد حتى يركع فتذكّر وهو راكع ، قال : « يجلس من ركوعه فيتشهّد ثمَّ يقوم فيتم » قال ، قلت : [ أليس قلت ] في الفريضة إذا ذكر بعد ما ركع مضى ثمَّ سجد سجدتين بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال : « ليس النافلة مثل الفريضة » (3).

وهي صريحة في عدم البطلان بالزيادة سهوا ولو ركنا.

وتدلّ عليه أيضا صحيحة الحلبي : عن رجل سها في ركعتين من النافلة ولم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة ، قال : « يدع ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ، ثمَّ يستأنف الصلاة بعد » (4).

ومعنى قوله « ثمَّ يستأنف الصلاة » أي : يستأنف الركعتين الأخريين ، فإنّ المستفاد من قول السائل : ولم يجلس بينهما ، أنّه يريد فعل النافلة بعد هاتين الركعتين أيضا يبني على الركعة الزائدة ، لا أنه يستأنف الركعتين الأوليين.


1) المدارك 4 : 274.

2) كما في الحدائق 9 : 346.

3) الكافي 3 : 448 - 22 ، التهذيب 2 : 189 - 751 ، الوسائل 6 : 404 أبواب التشهد ب 8 ح 1 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.

4) التهذيب 2 : 189 - 750 ، الوسائل 8 : 231 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4.

وتؤيده رواية زرارة : « لا تقرأ في المكتوبة بشي‌ء من العزائم ، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة » (1).

فهذا هو الأصل في المسألة أي : شمول أحكام السهو والشك مطلقا للنوافل سوى البطلان بالزيادة سهوا ولو كان الزائد ركنا.

ولا يتوهم أنّ مقتضى رواية الصيقل وصحيحة الحلبي الرجوع إلى المسهوّ عنه ولو بعد دخول ركن آخر ، لأنّهما إنّما يختصان بمورد خاص نسلّمهما فيه ، ولا دليل على التعدّي إلى غيره.

إلاّ أنه خرج من الأصل حكمان في السهو وحكمان في الشك.

أما الأوّلان فوجوب قضاء الأجزاء المنسية وسجود السهو ، فلا يثبتان للنوافل ، لصحيحة محمّد : عن السهو في النافلة ، قال : « ليس عليك شي‌ء » (2).

فإنّ معناها أنه لا يجب عليك شي‌ء باعتبار السهو ، والواجب لأجله القضاء وسجدة السهو ، فيكونان منفيين. ولو عورضت بها عموماتهما أيضا لرجعنا الى الأصل. ولا يتوهّم شمولها لغير الأمرين من أحكام السهو ، إذ ليس شي‌ء منها غيرهما مما وجب لأجل السهو.

ويؤيد المطلوب نفي السهو في النافلة في الصحيحة وغيرها (3)، الشامل للأمرين أو المختصّ بسجدة السهو. فلا وجه لما عن روض الجنان من إثبات سجدة السهو في النوافل أيضا (4)، مع أنّ ظاهر المنتهى والمدارك عدم الخلاف فيه (5).4.


1) الكافي 3 : 318 الصلاة ب 23 ح 6 ، التهذيب 2 : 96 - 361 ، الوسائل 6 : 105 أبواب القراءة ب 40 ح 1.

2) الكافي 3 : 359 الصلاة ب 43 ح 6 ، التهذيب 2 : 343 - 1422 ، الوسائل 8 : 230 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

3) انظر : الوسائل 8 : 241 أبواب الخلل ب 24 ح 8.

4) إنّ الموجود في الروض مخالف لما نسب إليه ، راجع ص 353.

5) المنتهى 1 : 417 ، المدارك 4 : 274.

وأما الثانيان فوجوب البناء على الأكثر في الشك في الركعات وصلاة الاحتياط فلا يثبتان في النافلة ، بل لا احتياط فيها ، ويتخيّر بين البناء على الأقلّ والأكثر.

أمّا الأول فللأصل ، واختصاص أكثر موجباته بالفرائض ، وإيجاب سقوط موجب السهو لسقوطه إمّا باعتبار شمول السهو له ، أو اختصاصه به ، أو بالطريق الأولى.

وأما الثاني فللإجماع المصرّح به في كلام جمع من الأصحاب (1).

مضافا في البناء على الأقلّ إلى الأصل ، ومرسلة الكافي : « إذا سها في النافلة بنى على الأقل » (2).

وفي البناء على الأكثر إلى عدم وجوب النافلة بالشروع ، فله فيها ما أراد ، ونفي السهو في النافلة في الأخبار ، وعدم وجوب شي‌ء بالسهو الشامل للشك أو المختص به فيها ، كما في صحيحة محمد السابقة ، وعمومات البناء على الأكثر الشاملة للنوافل أيضا. ولا يضرّ تضمّنها لصلاة الاحتياط الغير الواجبة هنا ، لأنّ عدم وجوب جزء لا ينفي عموم جزء آخر.

أقول : أمّا الأصل في الأول مندفع بإيجابه في الموثقات الموجبة له عموما.

ومنه يظهر جواب الاختصاص المدّعى.

وإيجاب سقوط موجب السهو لسقوطه ممنوع ، لمنع شمول السهو له أو إرادته منه فيما لا قرينة فيه.

والأولويّة ممنوعة.

وعدم وجوب النافلة بالشروع الذي جعلوه دليلا للبناء على الأكثر في الثاني


1) انظر : المعتبر 2 : 395 ، والتذكرة 1 : 138 ، والذخيرة : 379 ، والحدائق 9 : 345 ، والرياض 1 : 222.

2) الكافي 3 : 359 الصلاة ب 43 ح 9 ، الوسائل 8 : 230 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 2.

ممنوع. ولو سلّم لا يفيد ، لأنّ الكلام في تحقق الامتثال وتحصيل ثواب النافلة بذلك لا في جواز قطعها.

ونفي السهو لا يدلّ على نفي الشك بدون قرينة على التجوّز فيه. ولو سلّم فلا يثبت منه جواز البناء على الأكثر أصلا.

ومنه يظهر عدم شمول عدم وجوب شي‌ء بالسهو للشك أيضا.

وعمومات البناء على الأكثر دالّة على الوجوب المنتفي هنا بالمرسل ، واستعمال اللفظ في المعنيين غير جائز ، وعموم المجاز فيها غير ثابت.

نعم ، الظاهر انعقاد الإجماع على الحكمين ، مضافا في جواز البناء على الأقلّ إلى المرسل المتقدم المنجبر بالعمل. ولا يثبت منه التعيين ، لعدم صراحته في الوجوب فيه.

وبالإجماع المذكور يخرج في الحكمين عن الأصل المتقدّم ، ويبقى سائر الأحكام باقية تحته. إلاّ أنّ البناء على الأقل هو الأحوط في تحصيل امتثال الأمر الندبي.

وبذلك يظهر ضعف ما قيل من انتفاء جميع أحكام الشك حتّى في الأفعال في النوافل ، استنادا إلى عموم روايات نفي السهو فيها ، لمنع الشمول.

وهل جواز البناء على الأكثر يعمّ ما لو استلزم فساد النافلة كما إذا شكّ في الزائد عن الركعتين ، أو يختص بما لم يستلزمه وإلاّ فيبني على الأقلّ؟.

الظاهر الثاني ، لما عرفت من انحصار دليل البناء على الأكثر في الإجماع ، الغير المعلوم ثبوته هنا البتة ، بضميمة حرمة إفساد النافلة.

الفصل الخامس : في بقية مواضع سجدتي السهو
اشارة

وفي بيان كيفيتهما ، وصلاة الاحتياط ، وحكم الشاكّ المتذكّر بعد الفراغ. وفيه أربع مسائل :

المسألة الأولى :
اشارة

قد تقدم وجوب سجدتي السهو في موضعين : أحدهما : في نسيان التشهد الأول. والثاني : في الشك بين الأربع والخمس ، بل كلّما تعلّق الشك بالزائد عن الأربع.

وتجب في مواضع أخر أيضا :

منها : التكلم في أثناء الصلاة ناسيا ، وفاقا للعماني وعلي بن بابويه والمقنعة والعزّية والكافي (1)، والمبسوط والنهاية والجمل والخلاف والاقتصاد (2)، وجمل السيد والفقيه (3)، والديلمي والحلبي والقاضي وابني حمزة وزهرة والحلّي (4)، والمعتبر


1) حكاه عن العماني في المختلف : 140 ، المقنعة : 148 ، حكاه عن العزية في المختلف : 140 ، الكافي 3 : 360.

2) المبسوط 1 : 123 ، النهاية : 93 ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : 189 ، الخلاف 1 : 459 ، الاقتصاد : 267.

3) جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى 3 ) : 37 ، الفقيه 1 : 232.

4) الديلمي في المراسم : 90 ، الحلبي في الكافي : 148 ، القاضي في المهذّب 1 : 156 ، ابن حمزة في الوسيلة : 102 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، الحلّي في السرائر : 257.

والجامع والنافع والشرائع (1)، والمنتهى والمختلف والإرشاد والتبصرة بل سائر كتبه (2)، وشرحي القواعد والإرشاد لفخر المحققين (3)، والدروس والبيان والروضة (4)، وغير ذلك ، بل هو المشهور ، بل عن العماني نسبته الى آل الرسول (5)، وعن الغنية والمنتهى الإجماع عليه (6).

لصحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة في مسألة الشك بين الاثنتين والأربع (7).

( ولا يضرّ احتمالها إرادة التكلم في صلاة الاحتياط أو بينها وبين الأصل ، لإيجابه وجوبها للتكلم في الأصل بالطريق الأولى.

ولموثقة الساباطي : عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ، ثمَّ ذكر من قبل أن يقدّم شيئا أو يحدث شيئا ، قال : « ليس عليه سجدة السهو حتى يتكلم بشي‌ء » (8).

دلّت بمفهوم الغاية - الذي هو أقوى المفاهيم - على وجوب سجدة السهو بعد التكلم.

ولا يضرّ كون مورده القائم في محل القعود ، لعدم الفصل ، مع أنه يمكن أن يكون مرجع المجرور الرجل فيكون عاما. وتخصيص التكلم بشي‌ء بالفاتحة أو التسبيح - كما في الوافي (9)- لا وجه له ) (10).

وصحيحة ابن الحجاج ، المتقدمة في مسألة اشتراك الإمام والمأموم في


1) المعتبر 2 : 396 ، الجامع للشرائع : 86 ، النافع : 45 ، الشرائع 1 : 119.

2) المنتهى 1 : 417 ، المختلف : 140 ، الإرشاد 1 : 270 ، التبصرة : 37.

3) الإيضاح 1 : 142.

4) الدروس 1 : 206 ، البيان : 251 ، الروضة 1 : 327.

5) حكاه عنه في المختلف : 140.

6) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، المنتهى 1 : 417.

7) راجع ص 142.

8) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 250 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

9) الوافي 8 : 993.

10) ما بين القوسين لا توجد في « ق ».

السهو (1)، وصحيحة الأعرج (2)، وموثقة سماعة (3)، الواردتين في سهو النبي وتكلّمه وسجوده سجدتين. إلاّ أنّ الثلاثة الأخيرة عن الصريح في الوجوب خالية ، فإنّما هي مؤيدة.

خلافا للمحكي عن الصدوقين (4)، فلم يوجباهما هنا ، ومال إليه في الذخيرة (5)، لصحيحة زرارة : في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم ، قال : « يتمّ ما بقي من صلاته ، تكلّم أم لم يتكلّم ، ولا شي‌ء عليه » (6).

ومحمد : في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة ، فسلّم وهو يرى أنه قد أتمّ الصلاة وتكلّم ، ثمَّ ذكر أنه لم يصلّ ركعتين ، فقال : « يتمّ ما بقي من صلاته ولا شي‌ء عليه » (7).

وصحيحة الفضيل وفيها : « وإن تكلّمت ناسيا فلا شي‌ء عليك » (8).

ويردّ : بأنّ الشي‌ء أعمّ من الإثم والإعادة وسجدة السهو ، وما ذكرنا يختص بالأخير ، والخاصّ يقدّم على العام عند التعارض ، سيما مع موافقة الخاص لعمل الأكثر بل الإجماع المحقّق عند المحقّق ، لعدم قدح مخالفة من ذكر فيه ، مع أنّ مخالفة الصدوق غير واضحة.


1) راجع ص : 120.

2) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 6 ، التهذيب 2 : 345 - 1433 ، الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 16.

3) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 42 ح 1 ، التهذيب 2 : 346 - 1438 ، الوسائل 8 : 201 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 11.

4) حكاه عنهما في المختلف : 140.

5) الذخيرة : 379.

6) التهذيب 2 : 191 - 756 ، الاستبصار 1 : 378 - 1434 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 5.

7) التهذيب 2 : 191 - 757 ، الاستبصار 1 : 379 - 1436 ، الوسائل 8 : 200 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 9.

8) الفقيه 1 : 240 - 1060 ، التهذيب 2 : 332 - 1370 ، الاستبصار 1 : 401 - 1533 ، الوسائل 7 : 282 أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 5.

ثمَّ الظاهر عدم الفرق عندهم بين التكلم ناسيا أو ظانّا لخروجه عن الصلاة وإن تكلّم حينئذ عمدا ، وهو موافق لظاهر إطلاق الصحيحة والموثقة.

إلاّ أنّ صحيحة محمد النافية للشي‌ء عليه مختصة بالظانّ للخروج ، فيصير التعارض فيه بالعموم من وجه ، والأصل يرجّح العدم. فلو ثبت الإجماع المركب - كما يشعر به كلام الذخيرة (1)- فهو ، وإلاّ فللتوقف في وجوبها على الظانّ للخروج مجال واسع ، وأمر الاحتياط واضح.

ومنها : السلام في غير موضعه ، فأوجب المشهور فيه سجدتي السهو ، بل عن الغنية والمنتهى وظاهر المعتبر : الإجماع عليه (2).

لأنّه كلام زيادة أو نقصان.

ولأنّه كلام غير مشروع في غير موضعه ، فتجب له السجدة لما مرّ.

ولموثّقة سماعة وصحيحة الأعرج ، الواردتين في تسليم النبي صلی اللّه عليه وآله في غير موضعه وسجدته سجدة السهو.

وموثقة عمار : عن رجل صلّى ثلاث ركعات وظنّ أنها أربع فسلّم ، ثمَّ ذكر أنّها ثلاث ، قال : « يبني على صلاته ويصلي ركعة ويتشهد ويسلّم ويسجد سجدتي السهو » (3).

وصحيحة العيص : عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ، ثمَّ ذكر أنه لم يركع ، قال : « يقوم فيركع ويسجد سجدتين » (4).

ويرد على الأول : منع وجوب السجدة لكل زيادة ونقصان كما يأتي.


1) الذخيرة : 379.

2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، المنتهى 1 : 417 ، المعتبر 2 : 381.

3) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

4) التهذيب 2 : 350 - 1451 ، الوسائل 6 : 315 أبواب الركوع ب 11 ح 3.

[ وعلى الثاني ] (1): أنّ المتبادر من التكلّم المأمور فيه بسجدة السهو غير ذلك.

وعلى البواقي : بعدم الدلالة على الوجوب ، مضافا إلى معارضة الموثقة الاولى والصحيحة بما دلّ على أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله لم يسجد سجدة السهو أصلا (2)، مع احتمال أن تكون سجدته - لو سجد - للتكلّم. واحتمال الموثقة الثانية أن يكون السجود للجلوس في غير موضعه أو زيادة التشهد ، والصحيحة أن يكون لأجل ذلك أيضا أو لنسيان الركوع.

إلاّ أنه يمكن أن يستدلّ للمطلوب برواية إسحاق بن عمار : « إذا ذهب وهمك إلى التمام ابدأ في كلّ صلاة ، فاسجد سجدتين بغير ركوع » (3).

فإنّ معناها : ذهب وهمك إلى التمام مطلقا ، خرج ما إذا لم يظهر خلافه ولم يحتمل الخلاف بالإجماع ، وبقي الباقي ، فيشمل المطلوب أيضا. وتخصيصها بمن غلب على ظنّه التمام واحتمل النقص لا وجه له.

والرضوي المنجبر ضعفه بما مرّ : عن رجل سها في الركعتين من المكتوبة ، ثمَّ ذكر أنه لم يتمّ صلاته ، قال : « فليتمّها وليسجد سجدتي السهو » (4).

فإنّ الظاهر من قوله : « فليتمّها » التسليم في غير موضعه ، ولو سلّم عدم الاختصاص فيشمله قطعا. ولم يزد هنا جلوس ولا تشهد ، لوجوبهما في الركعتين.

فاحتمال كون السجدة لهما - كما قيل (5)- باطل. والجلوس للتسليم لو كان موجبا لها لكان المطلوب ثابتا بالكلية ، غاية الأمر أنّك تقول إنّ السجدة لجلوس التسليم لا نفسه ، وهو سهل.


1) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

2) انظر : الوسائل 8 : 203 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 17.

3) التهذيب 2 : 183 - 730 ، الوسائل 8 : 211 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 7 ح 2.

4) فقه الرضا عليه السلام : 120 ، مستدرك الوسائل 6 : 403 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 1.

5) الحدائق 9 : 317 ، لكنه اختار ظهور الرواية في المطلوب ، فراجع.

وبهاتين الروايتين يخصّص عموم صحيحة محمد المتقدمة ، وبعض الإطلاقات الأخر ، والروايات المتضمنة لبعض أحكام من سلّم في غير موضعه من غير تعرض لسجدة السهو.

فالخلاف في المسألة ، كصريح الكليني وعن علي بن بابويه وولده في المقنع (1)، وهو ظاهر العماني والمفيد والسيد والديلمي وابني زهرة وحمزة (2)، ومال إليه بعض المتأخّرين (3)، غير جيّد. واللّه سبحانه هو المؤيّد.

ومنها : القيام في موضع القعود أو بالعكس ، أوجبها لهما الصدوق والسيّد والديلمي والحلبي والحلي والقاضي وابني حمزة وزهرة والفاضل في التبصرة والشهيد في اللمعة (4)، لأنه زيادة في الصلاة ، ولرواية القصاب المتقدمة في مسألة سهو المأموم (5)، حيث دلّت على وجوب سجدة السهو لمطلق السهو ، والمورد منه.

وموثقة الساباطي : عن السهو ، ما تجب فيه سجدة السهو؟ قال : « إذا أردت أن تقعد فقمت ، أو أردت أن تقوم فقعدت ، أو أردت أن تقرأ فسبّحت ، أو أردت أن تسبح فقرأت ، فعليك سجدتا السهو » (6)الحديث.


1) الكليني في الكافي 3 : 360 ، حكاه عن علي بن بابويه في المختلف : 140 ، وولده في المقنع : 31 - 33.

2) حكاه عن العماني في المختلف : 140 ، المفيد في المقنعة : 147 - 148 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 37 ، الديلمي في المراسم : 90 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، ابن حمزة في الوسيلة : 102.

3) كالسبزواري في الذخيرة : 379.

4) الصدوق في الأمالي : 513 ، السيد في الجمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 37 ، الديلمي في المراسم : 90 ، الحلبي في الكافي : 148 ، الحلي في السرائر 1 : 257 ، القاضي في المهذب 1 : 156 ، ابن حمزة في الوسيلة : 102 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 566 ، التبصرة : 37 ، اللمعة ( الروضة 1 ) : 327.

5) راجع ص 220.

6) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 250 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

ولا يضادّها قوله في هذه الرواية : عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ، ثمَّ ذكر من قبل أن يقدّم شيئا أو يحدث شيئا ، قال : « ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم ».

لأنّ المراد منه قبل استتمام القيام وحصوله.

وصحيحة معاوية بن عمار : عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود ، أو يقعد في حال قيام ، قال : « يسجد سجدتين بعد التسليم ، وهما المرغمتان يرغمان الشيطان » (1).

خلافا للمنقول عن العماني والإسكافي وعلي بن بابويه والكليني والشيخين والمحقق وصاحب الجامع (2)، والفاضل في جملة من كتبه منها المنتهى (3)، وغيرهم ، للأصل ، وموثقة سماعة : « من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو ، إنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها » (4).

ورواية محمد بن علي الحلبي : عن الرجل يسهو في الصلاة فنسي التشهد ، فقال : « يرجع ويتشهد » قلت : أيسجد سجدتي السهو؟ فقال : « ليس في هذا سجدتا السهو » (5).

وصحيحة أبي بصير : عن رجل نسي أن يسجد واحدة فذكرها وهو قائم ، قال : « يسجدها إذا ذكرها ولم يركع ، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته ، فإذا


1) الكافي 3 : 357 الصلاة ب 42 ح 9 ، الوسائل 8 : 250 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1.

2) حكاه عن العماني والإسكافي وعلي بن بابويه في المختلف : 140 ، الكليني في الكافي 3 : 360 ، المفيد في المقنعة : 147 - 148 ، الطوسي في المبسوط 1 : 123 ، والخلاف 1 : 459 ، المحقق في المعتبر 2 : 399 ، الجامع للشرائع : 86.

3) المنتهى 1 : 417.

4) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 4 ، الوسائل 8 : 239 أبواب الخلل ب 23 ح 8.

5) التهذيب 2 : 158 - 622 ، الاستبصار 1 : 363 - 1376 ، الوسائل 6 : 406 أبواب التشهد ب 9 ح 4.

انصرف قضاها وحدها وليس عليه سهو » (1).

والصحاح وغيرها المتكثرة الواردة في نسيان السجدة الواحدة أو التشهد قبل تجاوز المحلّ وبعده ، الخالية عن ذكر سجدتي السهو الظاهرة في عدم وجوبهما ، مع أنّ في بعضها الأمر بهما في التشهد أو السجدة بعد تجاوز المحلّ ، ولم يتعرض لهما قبله ، والتفصيل قاطع للشركة.

أقول : عدم ذكر السجدة للسهو في مقام السؤال عن حكم سهو السجدة ، أو التشهد - لو دلّ على عدم وجوبهما - لدلّ عليه لأجل سهو السجدة أو التشهد ، وهو لا ينافي وجوبهما لأمر آخر مقارن له.

ومنه يظهر ضعف الاستناد إلى التفصيل ، فإنّه إنّما هو في بيان حكم نسيان السجدة والتشهد. وكذا ضعف الاستناد إلى صحيحة أبي بصير ورواية الحلبي.

كما يظهر ضعف الاستناد إلى الدليل الأول (2)بما يأتي من عدم وجوبهما لكل زيادة.

فما يصلح مستندا لنفي الوجوب ليس إلاّ الأصل وعموم الموثقة. وهما كافيان في المسألة ، إذ ليس فيها شي‌ء يصلح لمعارضتهما سوى إطلاق رواية القصاب ، إذ ليس إلاّ ما مرّ. والصحيحة الأخيرة منه غير دالّة على الوجوب ، وكذا الموثّقة المتقدّمة عليها ، لاشتمالها على القراءة في موضع التسبيح التي لا تجب لها سجدة سهو قطعا ، فإخراج الدالّ عليه عنه لازم ، واستعمال اللفظ في معنييه غير جائز.

والإطلاق المذكور وإن عارض العموم المتقدم إلاّ أنّ العموم أرجح ، لمخالفته العامة حيث إنّ القول بالوجوب هنا منقول عن أبي حنيفة والشافعي


1) الفقيه 1 : 228 - 1008 ، التهذيب 2 : 152 - 598 ، الوسائل 6 : 365 أبواب السجود ب 14 ح 4.

2) أي : الدليل الأوّل لوجوب السجدتين ، وهو الزيادة في الصلاة.

وأتباعهما (1). ولو لا الترجيح لكان يرجع إلى الأصل أو التخيير ، وهما أيضا كافيان لنفي الوجوب.

ومنها : كلّ زيادة ونقصان غير مبطل ، نقله في الخلاف عن بعض الأصحاب (2)، ونسب إلى ظاهري التهذيب والاستبصار (3)، واختاره الفاضل في جملة من كتبه منها التحرير (4)، وولده في شرحي القواعد والإرشاد (5)، والشهيد الأوّل في اللمعة والذكرى (6)، مع أنّه قال في الدروس : ولم أظفر بقائله ولا بمأخذه (7)، والثاني في روض الجنان (8)، وحكاه في التحرير والروضة عن الصدوق (9)، وكأنه - كما قيل - لإيجابه إياها في صورة الشك في الزيادة والنقصان (10)، فيقول به مع اليقين بالطريق الأولى أيضا.

لرواية سفيان السمط : « تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك ونقصان » (11).

ولما دلّ على وجوبهما بالشّك في الزيادة أو النقصان ففي اليقين أولى.

ويردّ الأوّل : بعدم الدلالة على الوجوب.

والثاني : بمنع الأولوية لو ثبت الحكم في الأصل.


1) انظر : بدائع الصنائع 1 : 164 ، والامّ 1 : 128 ، والمحلّى 4 : 160.

2) الخلاف 1 : 459.

3) انظر : التهذيب 2 : 155 ، والاستبصار 1 : 361.

4) التحرير 1 : 50.

5) الإيضاح 1 : 142.

6) اللمعة ( الروضة 1 ) : 327 ، الذكرى : 229.

7) الدروس 1 : 207.

8) الروض : 354.

9) التحرير 1 : 50 ، الروضة 1 : 327.

10) الرياض 1 : 222.

11) التهذيب 2 : 155 - 608 ، الاستبصار 1 : 361 - 1367 ، الوسائل 8 : 251 أبواب الخلل ب 32 ح 3.

ولذا ذهب الأكثر - كما صرّح به جماعة (1)- إلى عدم الوجوب. وهو الأقوى ، للأصل المؤيّد بل المدلول عليه بجملة من الأخبار النافية لسجدة السهو في مواضع تحقق فيها أحد الأمرين ، منها موثقة الساباطي : عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة ، هل عليه سجدتا السهو؟ قال : « لا » (2).

ويتمّ المطلوب بعدم الفصل.

فرع :

لو جلس بعد السجدة الثانية في الاولى والثالثة ولم يتشهد ، قيل : صرف إلى جلسة الاستراحة

ولا سجود له واجبا أو مستحبا (3).

وقيل : إن جلس بقدر التشهد يسجد (4).

وقيل : إن جلس بقصد التشهد يسجد وإن جلس بقصد الاستراحة لا يسجد وإن طال (5). وهو أجود الأقوال. وإن جلس لا عن قصد يصرف إلى الاستراحة.

ومنها : الشك في أنّه زاد أو نقص ، نسب إلى الخلاف والمختلف (6)، ومال إليه في روض الجنان (7)، واختار المفيد في العزيّة وجوبهما إن لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة ، أو نقص ركوعا أو زاد ركوعا.


1) منهم السبزواري في الذخيرة : 381 ، والكفاية : 27 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 152 ، وصاحبا الحدائق 9 : 326 والرياض 1 : 223.

2) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 238 أبواب الخلل ب 23 ح 5.

3) انظر : الذكرى : 230.

4) نسبه الشيخ (ره) في الخلاف 1 : 459 ، الى من قال من أصحابنا بوجوب سجدتي السهو في كلّ زيادة ونقصان.

5) انظر : الحدائق 9 : 339.

6) الخلاف 1 : 460 ، المختلف : 141.

7) الروض : 354.

لصحيحة الفضيل المتقدمة (1)، وصحيحة زرارة : « إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص ، فليسجد سجدتين وهو جالس » (2).

وصحيحة الحلبي : « إذا لم تدر أربعا صلّيت أم خمسا ، أم نقصت أم زدت ، فتشهد وسلّم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة ، يتشهد فيهما تشهّدا خفيفا » (3).

ولا يخفى أنّ تلك الأخبار يحتمل أحد المعاني الثلاثة :

أحدها : أن يكون المعنى إذا شكّ في الزيادة وعدمها أو في النقيصة وعدمها فتجب سجدة السهو لكل منهما.

وثانيها : أن يكون المراد إذا شكّ في أنّ الواقع هل هو زيادة أو نقص مع القطع بوقوع أحدهما فتجب السجدة.

وثالثها : أن يكون المراد إذا شكّ في أنّه هل وقع زيادة أو نقص أو لم يقع شي‌ء منهما تجب السجدة ، فيشترط على هذا اجتماع احتمال الزيادة والنقص.

وظهورها في بعض هذه المعاني وإن ادّعي ولكنه ليس ظهورا يليق للاتّكال ويتمّم الاستدلال ، فلذلك يحصل فيها الإجمال المانع عن الاحتجاج.

ولعلّه لأجل ذلك لم يذهب إلى مدلولها غير شاذّ نادر ، وهو أيضا أحد وجوه ضعفها المسقط لحجّيتها ، سيّما مع خلوّ أخبار أحكام الشكّ عن ذكرها ، فعدم الوجوب هو الأقوى.

وقد وردت سجدة السهو في بعض مواضع أخر في بعض الروايات ، ولكنّها لعدم القول بها أو شذوذه لا تصلح لإثبات الحكم المخالف للأصل بل لإطلاق


1) لا يخفى أنّه لم تتقدم صحيحة الفضيل وقد تقدمت موثقة سماعة في ص : 236 ، ومتنها موافق للصحيحة ، انظر : الوسائل 8 : 238 أبواب الخلل ب 23 ح 6.

2) الكافي 3 : 354 الصلاة ب 41 ح 1 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 2.

3) الفقيه 1 : 230 - 1019 ، التهذيب 2 : 196 - 772 ، الاستبصار 1 : 380 - 1441 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

بعض الروايات.

المسألة الثانية :
اشارة

في بيان كيفية سجدة السهو وأحكامها :

اعلم أولا أنّ موضع سجدتي السهو بعد التسليم ، وفاقا للمحكي عن الصدوقين والعماني والشيخين والسيد والحلبي والديلمي (1)، بل هو المشهور ، بل عن الناصريات والخلاف والأمالي : أنّ عليه إجماعنا (2)، وإليه ذهب عامّة متأخري أصحابنا ، للمستفيضة من الصحاح وغيرها ، كصحاح ابن سنان (3)، وأبي بصير (4)، وابن خالد (5)، وابن الحجاج (6)، ورواية القداح (7)، وغير ذلك ، بضميمة عدم الفصل لبعضها.

خلافا للمحكي في المعتبر عن قوم من أصحابنا (8)، فموضعهما للنقيصة قبل


1) الصدوق في الأمالي : 513 ، حكاه عن والد الصدوق والعماني في المختلف : 142 ، الشيخ المفيد في المقنعة : 148 ، الشيخ الطوسي في الخلاف 1 : 448 ، والمبسوط 1 : 125 ، والنهاية : 93 ، السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 37 ، والناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 201 ، الحلبي في الكافي : 148 ، الديلمي في المراسم : 90.

2) الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : 201 ، الخلاف 1 : 449 ، أمالي الصدوق : 513.

3) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 3 ، التهذيب 2 : 195 - 767 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1.

4) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 6 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 3.

5) التهذيب 2 : 158 - 618 ، الاستبصار 1 : 362 - 1374 ، الوسائل 6 : 402 أبواب التشهد ب 7 ح 3.

6) الكافي 3 : 356 الصلاة ب 42 ح 4 ، التهذيب 2 : 191 - 755 ، الاستبصار 1 : 378 - 1433 ، الوسائل 8 : 207 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 1.

7) الفقيه 1 : 225 - 994 ، التهذيب 2 : 195 - 768 ، الاستبصار 1 : 380 - 1438 ، الوسائل 8 : 208 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 3.

8) المعتبر 2 : 399.

التسليم وللزيادة بعده ، وتدلّ عليه صحيحتا الأشعري (1)، والجمّال (2).

وفي الشرائع عن قائل (3)، فقبل التسليم مطلقا ، وتدلّ عليه رواية أبي الجارود (4).

ويجاب عنهما تارة بالشذوذ ، إذ لم ينقل الأوّل إلاّ عن الإسكافي (5)، مع أنه أنكره في الذكرى (6)، ولم ينسب الثاني إلى قائل ، بل في المدارك عدم الظفر بقائله (7).

وثانيا بمرجوحيتهما بالنسبة إلى ما مرّ ، لموافقتهما للعامّة كما تظهر من الفقيه والتهذيبين والذكرى (8).

نعم في المعتبر والمنتهى نسب إلى أبي حنيفة الموافقة لأصحابنا (9)، وبه يضعّف الجواب بموافقة العامّة ، كما يضعّف الجواب بالشذوذ بمنعه ، سيّما مع النسبة في المعتبر إلى قوم منّا.

إلاّ أنّ أكثر أخبار المشهور يدلّ على الوجوب ، ودلالة أخبار القولين الأخيرين عليه غير معلومة ، فغاية ما تدلّ عليه الجواز ، إلاّ أن تتمّم الدلالة بالإجماع المركب ، فالقول بالتفصيل غير بعيد.

ثمَّ اعلم أنّه يجب بعدهما التشهّد والتسليم ، على المشهور ، بل عن المعتبر


1) التهذيب 2 : 195 - 769 ، الاستبصار 1 : 380 - 1439 ، الوسائل 8 : 208 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 4.

2) الفقيه 1 : 225 - 995 ، الوسائل 8 : 208 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 6.

3) الشرائع 1 : 119.

4) التهذيب 2 : 195 - 770 ، الاستبصار 1 : 380 - 1440 ، الوسائل 8 : 208 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 5 ح 5.

5) حكاه عنه في المختلف : 142.

6) الذكرى : 229.

7) المدارك 4 : 282.

8) الفقيه 1 : 225 - 995 ، التهذيب 2 : 195 ، الاستبصار 1 : 380 ، الذكرى : 229.

9) المعتبر 2 : 399 ، المنتهى 1 : 418.

والمنتهى الإجماع عليه (1)، للأخبار المستفيضة الواردة في الموارد الجزئية الآمرة فيهما بالتشهّد والتسليم. إلاّ أنه ليس شي‌ء منها صريحا في وجوب التشهّد ، لورودها بالجمل الخبرية الغير الصريحة في الوجوب جدا.

وأمّا صحيحة ابن أبي يعفور : « إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنّه قد تركها - إلى أن قال - : وإن كان شاكّا فليسلّم ثمَّ ليسجدها وليتشهّد تشهّدا خفيفا ولا يسمّيها نقرة » (2).

فهي وإن تضمّنت الأمر إلاّ أنّ المراد بالتشهّد فيها السجدة ، وهي ليست بواجبة في المورد قطعا ، فلا يكون الأمر للوجوب أيضا ، وكذا ما تضمّن الأمر بالتشهّد الفائت فيها إذا نسي التشهّد ، فإنّه يمكن أن يكون وجوبه حينئذ لقضاء التشهّد.

نعم ، في صحيحة ابن سنان : « إذا كنت لا تدري أربعا صلّيت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثمَّ سلّم بعدهما » (3).

دلّت على وجوب التسليم وبه يثبت وجوب التشهد أيضا للإجماع المركب.

إلاّ أنّه تعارضها موثقة الساباطي : عن سجدتي السهو ، هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال : « لا ، إنّهما سجدتان فقط ، فإن كان الذي سها هو الإمام كبّر إذا سجد وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنه قد سها ، وليس عليه أن يسبّح فيهما ، ولا فيهما تشهّد بعد السجدتين » (4).

وهي تدلّ على عدم وجوب التشهّد الموجب لعدم وجوب السلام أيضا


1) المعتبر 2 : 401 ، المنتهى 1 : 418.

2) التهذيب 2 : 156 - 609 ، الاستبصار 1 : 360 - 1366 ، الوسائل 6 : 370 أبواب السجود ب 16 ح 1.

3) الكافي 3 : 355 الصلاة ب 41 ح 3 ، التهذيب 2 : 195 - 767 ، الوسائل 8 : 224 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1.

4) الفقيه 1 : 226 - 996 ، التهذيب 2 : 196 - 771 ، الاستبصار 1 : 381 - 1442 ، الوسائل 8 : 235 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 3.

بالإجماع المركّب ، فيكون قرينة على عدم كون الأمر بالسلام للوجوب أيضا.

مضافا إلى النصوص الواردة بالأمر بالسجدتين من غير إيجاب لشي‌ء بعدهما مع ورودها في مقام الحاجة ظاهرا. وغايته التعارض الموجب للرجوع إلى وجوه التراجيح ، والترجيح مع الموثّقة ، لمخالفتها لما عليه أكثر العامّة ومنهم أصحاب أبي حنيفة كما صرّح به في المنتهى (1).

مع أنّه لولاه أيضا لوجب الرجوع إلى الأصل أو التخيير النافيين للوجوب أيضا ، فهو الحق ، كما اختاره في المختلف (2)، وتبعه في الوافي والذخيرة (3)، وإليه يميل كلام المدارك (4)، وغيره أيضا (5).

ويستحبان فيهما قطعا ، لما مرّ.

وكذا لا يجب فيهما تكبيرة ولا تسبيح ، وفاقا في الأوّل للأكثر ، وفي الثاني للمعتبر والنافع والمنتهى والمدارك والذخيرة (6)، وجمع آخر من متأخري أصحابنا (7)، للأصل ، والموثّقة المتقدمة ، فإنّها تصرّح بأنّهما سجدتان فقط ، وهو ظاهر في نفي الغير سيّما مع السؤال عن التكبير والتسبيح.

وبذلك يظهر دفع ما قيل في عدم دلالة الموثقة بأنّها تنفي التسبيح وهو مسلّم ، إذ ذكرهما ليس تسبيحا (8).

وخلافا في الأول للمنقول عن المبسوط (9)، ولم ينقل له دليل.

وفي الثاني للأكثر ، للأخبار المتضمّنة لذكرهما ، كصحيحة الحلبي : « تقول


1) المنتهى 1 : 418.

2) المختلف : 143.

3) الوافي 8 : 996 ، الذخيرة : 382.

4) المدارك 4 : 283.

5) كالحدائق 9 : 333 ، وكفاية الأحكام : 27.

6) المعتبر 2 : 401 ، النافع : 45 ، المنتهى 1 : 418 ، المدارك 4 : 283 ، الذخيرة : 382.

7) كابن فهد في المهذّب البارع 1 : 450 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 162.

8) الحدائق 9 : 336.

9) المبسوط 1 : 125.

في سجدتي السهو : بسم اللّه وباللّه اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد » قال : وسمعته مرّة أخرى يقول فيهما : « بسم اللّه وباللّه السلام عليك أيّها النبي ورحمة اللّه وبركاته » (1).

والأخرى مثلها أيضا إلاّ أنّ فيها : « وصلّى اللّه على محمّد وآل محمّد » (2).

وفي بعض النسخ « والسلام عليك » بزيادة الواو.

وقريبة منها في الرضوي (3).

وتردّ بعدم دلالتها على الوجوب ، فيكون مستحبا كالتكبير أيضا ، لفتوى الجماعة الكافية في مقام الاستحباب. لا للموثقة ، لاختصاصها بالإمام وأنه للإعلام لا لخصوص السجدة.

ثمَّ الظاهر أداء المستحب من الذكر بكلّ واحد من النسخ المذكورة ، وأما القول باستحباب مطلق الذكر فيهما فلا مستند له.

وأمّا التشهد المستحب فيهما فالظاهر حصوله بمطلق الشهادتين ، لإطلاق التشهد. لا للتقييد بالخفيف في الأخبار ، لأنّه كما يمكن أن يكون المراد به مقابل التشهد الواجب في الصلاة ، يمكن أن يكون المراد مقابل التشهد الطويل المستحب فيها وإن كان الظاهر الأول.

ويضمّ الصلاة على النبي وآله معه أيضا ، للإجماع.

وأمّا التسليم فهو أيضا وإن كان مطلقا إلاّ أنّ الشائع في الأخبار عند الإطلاق إحدى الصيغتين الأخيرتين ، فالظاهر تعيّن إحداهما وعدم حصول الانصراف بالأولى كما عن الحلبي (4).


1) الكافي 3 : 356 الصلاة ب 42 ح 5 ، الوسائل 8 : 234 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 1.

2) الفقيه 1 : 226 - 997 ، التهذيب 2 : 196 - 773 ، الوسائل 8 : 234 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 20 ح 1.

3) فقه الرضا عليه السلام : 120 ، مستدرك الوسائل 6 : 415 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

4) الكافي في الفقه : 148.

والحقّ عدم وجوب الطهارة والاستقبال فيهما أيضا ، وفاقا لبعض الأجلّة ، وظاهر التحرير والمختلف (1)، وتردّد في القواعد فيهما (2)، للأصل.

وقيل بوجوبهما (3)، لما دلّ على وجوبهما قبل التكلّم ، ولكونهما مكمّلتان للصلاة التي يشترط الأمران فيها.

وضعفهما ظاهر.

ولا السجود على الأعضاء السبعة ، لما ذكر.

نعم ، الظاهر وجوب السجود على ما يصحّ السجود عليه ، لما مرّ في سجود التلاوة.

وكذا يجب رفع الرأس عن الأول تحقيقا للتثنية.

وأمّا الطمأنينة في السجود ، أو الجلوس بينهما ، أو الطمأنينة فيه ، فلا دليل عليها ، والأصل ينفيها.

فروع :

أ : لو ترك سجدة السهو عمدا لم تبطل صلاته ، ووجب الإتيان بها وإن طالت المدة ، على الحق المشهور ، لأصالة عدم اشتراط صحة الصلاة بها.

وعن الخلاف الاشتراط (4)، لأصل الاشتغال.

ويردّ بحصول البراءة ممّا علم الاشتغال به.

ب : هل وجوبها فوري ، أم لا؟.

صرّح بعضهم بالأول (5)، لدلالة الأخبار على أنّ محلّها بعد التسليم قبل


1) التحرير 1 : 50 ، المختلف : 143.

2) القواعد 1 : 44.

3) كما في نهاية الإحكام 1 : 548 ، والألفية : 72.

4) الخلاف 1 : 462.

5) كما في الحدائق 9 : 339.

التكلم.

وفيه : أنّه غير دالّ على الفورية.

والأصل يقتضي الثاني ، وهو الأظهر ، له ، ولموثقة عمار : عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر ذلك حتى يصلّي الفجر ، كيف يصنع؟ قال : « لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها » (1).

وممّا ذكر يظهر عدم وجوب كونها في الوقت أيضا.

ج : لو تعدّد الموجب للسجود فالحقّ التداخل وكفاية سجدتين للجميع ، وفاقا للمبسوط (2)، وجمع من أفاضل متأخّري المتأخّرين (3)، للأصل ، وصدق الامتثال ، ولقولهم : المروي بأسانيد عديدة : « إذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأك عنها حقّ واحد » (4).

ولأصالة تداخل الأسباب كما بيّناها في موضعه.

خلافا للفاضل (5)، وجمع من المتأخّرين (6)، فقالوا بعدم التداخل مطلقا.

لما روي عن النبي صلی اللّه عليه وآله أنّه قال : « لكلّ سهو سجدتان » (7).

ولأصالة عدم التداخل.

ويردّ الأول : بعدم ثبوت الخبر ، بل هو عامي غير حجة.


1) التهذيب 2 : 353 - 1466 ، الوسائل 8 : 250 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 2.

2) المبسوط 1 : 123.

3) منهم السبزواري في الذخيرة : 382 ، والمجلسي في البحار 85 : 227 ، وصاحب الحدائق 9 : 341.

4) الكافي 3 : 41 الطهارة ب 28 ح 1 ، التهذيب 1 : 107 - 279 ، الوسائل 2 : 261 أبواب الجنابة ب 43 ح 1 ، وفي الجميع : « أجزأك عنها غسل واحد ».

5) في التحرير 1 : 50 ، والتذكرة 1 : 142 ، ونهاية الإحكام 1 : 549.

6) كالشهيد في الذكرى : 229 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة 3 : 198 ، ونسب في مفتاح الكرامة 3 : 376 إلى العلاّمة والموجز الحاوي وكشف الالتباس والجعفرية والعزية وإرشاد الجعفرية وشرح الألفية للكركي والجواهر.

7) سنن أبي داود 1 : 272 - 1038.

والثاني : بالمنع.

وقد أطال بعضهم زمام الكلام في هذا المقام بذكر ما يذكر في الأصول من أدلّة أصالة عدم التداخل ، وقد ذكرناها هناك.

وللحلّي ، فقال بالتفصيل بالتداخل مع تجانس الأسباب المتعددة ، وبعدمه مع التغاير في الجنس (1)، إذ مع التجانس كتكرار التكلم ليس إلاّ أمر واحد هو مثلا قوله : « من تكلّم ساهيا يجب عليه سجدتا السهو » فيمتثل بفعل واحد ، ومع التغاير كالتكلّم ونسيان التشهد تتعدد الأوامر ، إذ ورد لكلّ منهما أمر على حدة ، فيحتاج امتثال كلّ منهما إلى فعل آخر.

ويردّ : بمنع المقدمة الأخيرة ، لحصول امتثال الأوامر العديدة بفعل واحد أيضا.

د : ظاهر جمع من الأصحاب تحريم تخلّل منافيات الصلاة بينها وبين سجدة السهو ، وربما كان التفاتهم إلى ورود الأمر بها قبل الكلام الذي هو من المنافيات ، وتخصيصه بالذكر من حيث إنّه الغالب وقوعه بعد الفراغ ، وذكره من باب التمثيل.

وفيه : منع كون ذلك من هذا القبيل ، ومقتضى الأصل التخصيص بخصوص ما ورد ، مع أنّ الأخبار المتضمنة لكونها قبل الكلام لا صراحة لها على الوجوب أصلا.

فالحقّ عدم تحريم تخلّل الكلام الذي هو مورد الأخبار أيضا ، كما ذكره الشهيد في الألفية (2)، فكيف بغيره من المنافيات؟!.

المسألة الثالثة :
اشارة

فيما يتعلق بصلاة الاحتياط من الأحكام ، وهي أمور :


1) السرائر 1 : 258.

2) الألفية : 72.

منها : أنّه يجب أن تكون بعد التسليم ، بلا خلاف يوجد ، كما قيل (1)، للأخبار المستفيضة المصرّحة ، كالموثقات الأربع المتقدمة لعمّار والبقباق (2)، والصحاح الخمس السابقة لمحمّد وابن أبي يعفور والحلبي والبجلي وابن أبي العلاء (3)، وغير ذلك ، المؤيّدة كلّها بتضمّن جملة منها أنه إن كان ما صلّى تماما كانت هذه نافلة ، ولا يستقيم ذلك إلاّ بعد انفرادها عن الفريضة ، وبما ذكر يقيّد ما تضمّن الأمر بها مطلقا.

ومنها : أنّه يجب فيها النية ، وتكبيرة الإحرام ، والتشهّد ، والتسليم ، وسائر ما يجب في الصلاة غير القيام في الجملة ، لا لما قيل من أنّه لازم انصرافها إلى النافلة المصرّح به في الروايات (4)، لمنع الاستلزام ، بل لظاهر الإجماع.

مضافا في النية ، إلى ما يدلّ على اعتبارها في سائر الأفعال. وفي التكبيرة بل في سائر الواجبات ، إلى مطلقات الأمر بها في مطلق الصلاة الذي هذا أيضا فرد منه ، كما يظهر من الأخبار الآمرة بها في موارد كلّ منها بخصوصه ، سيّما التكبيرة. وعدم صراحة بعضها في الوجوب غير ضائر ، للإجماع المركّب.

وفي التكبيرة ، إلى رواية الشحّام الواردة فيمن صلّى الست والخمس المتقدّمة (5). ولا يضرّ عدم وجوب صلاة الاحتياط هنا ، لأنّ انتفاء حكم بدليل عن شي‌ء لا ينفي غيره أيضا ، مع أنّه لا قائل بالفصل ، فكلّ من يثبت التكبير يوجبه.

وفيها وفي التسليم ، إلى الروايات المصرّحة بأنّ تحريمها التكبير وتحليلها


1) الرياض 1 : 219.

2) راجع ص 141 و 143.

3) راجع ص 142 و 143.

4) الرياض 1 : 219.

5) في ص 158.

التسليم ، حيث إنّه حلّل عن الصلاة الأولى بالتسليم الذي هو محلّل بالأخبار ، فلا بدّ لهذه الصلاة من محرّم.

وفيه ، إلى صحيحة زرارة (1)، ومرسلة ابن أبي عمير (2).

وفيه وفي التشهّد ، إلى صحيحة محمد (3).

وفيهما وفي السجدة ، إلى صحيحتي ابن أبي يعفور (4)، والحلبي (5).

وعن الراوندي أنّه قال : من أصحابنا من قال : إنّه لو شكّ بين الاثنتين والأربع أو غيرهما من تلك الأربعة فإذا سلّم قام ليضيف ما شكّ فيه إلى ما يتحقق ، قام بلا تكبيرة الإحرام ولا تجديد نيّة ، ويكفي بذلك علمه وإرادته ، ويقول : لا تصح نيّة متردّدة بين الفريضة والنافلة على الاستئناف ، وإنّ صلاة واحدة تكفيها نيّة واحدة ، وليس في كلامهم ما يدلّ على خلافه ، وقيل : ينبغي أن يؤدّي ركعات الاحتياط قربة إلى اللّه ، ويكبّر ويصلّي. انتهى (6).

وظاهر الراوندي نفسه التردد ، وهو ظاهر بعض مشايخنا الأخباريين ، بل ظاهره الميل إلى العدم ، وقال : إطلاق الأخبار في الاحتياط يعضده ، والذي وقفت عليه من عبارات جملة من المتقدمين وجلّ المتأخرين خال عن ذكر التكبير أيضا.


1) الكافي 3 : 350 الصلاة ب 38 ح 3 ، التهذيب 2 : 192 - 759 ، الاستبصار 1 : 375 - 1423 ، الوسائل 8 : 214 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 9 ح 1.

2) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 6 ، التهذيب 2 : 187 - 742 ، الوسائل 8 : 223 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 13 ح 4.

3) التهذيب 2 : 185 - 737 ، الاستبصار 1 : 372 - 1414 ، الوسائل 8 : 221 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 6.

4) الكافي 3 : 352 الصلاة ب 40 ح 4 ، التهذيب 2 : 186 - 739 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

5) الكافي 3 : 353 الصلاة ب 40 ح 8 ، الفقيه 1 : 229 - 1015 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1.

6) حكاه في الحدائق 9 : 302 عن بعض متأخري أصحابنا عن القطب الراوندي في شرح النهاية الطوسية.

انتهى (1).

أقول : ما ذكره البعض من كفاية العلم والإرادة فإن أراد العلم والإرادة المتحققين للصلاة الأصلية حتى يكون مراده كفاية الاستدامة الحكمية ، فقد عرفت في المباحث السالفة أنّ تحققها فرع عدم نية المنافي ، وهي هنا بالتسليم قد تحققت ، فلا يفيد العلم والإرادة السابقان. وإن أراد العلم والإرادة المتجدّدين حين صلاة الاحتياط فهو عين النية ولا يريد منها.

إلاّ أن يكون غرضه عدم الاحتياج إلى ضمّ القربة. وبطلانه ظاهر ، لأنّه إن أراد كفاية قصد القربة المتقدم فليقل به في العلم والإرادة أيضا. وإن أراد عدم الحاجة إلى قصد القربة مطلقا ففساده ظاهر.

وليست النّية المتجدّدة متردّدة بين الفرض والنافلة ، بل ينوي الفريضة البتة ، نعم ورد في الأخبار أنّ مع تمامية الصلاة يحسب تلك نافلة ، لا أنّ المصلي ينويها.

وليست هذه الصلاة مع الأصل صلاة واحدة ، لتخلّل التسليم بينهما.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من اعتضاد إطلاق الأخبار لذلك وكذا خلوّ أكثر العبارات ففيه : أنّ ذلك موكول إلى الظهور ، فإنّ الأمر بالصلاة يكفي عن الأمر بجميع ذلك ، لظهور جزئيتها لها ، ولذا لم يتعرّض في أوامر الصلوات الكثيرة الواجبة أو المستحبة لشي‌ء منها.

ومنها : أنّه تجب فيها قراءة الفاتحة ، على الأظهر الأشهر ، كما صرّح به جماعة من المتأخرين (2)، لأنّها صلاة منفردة ، كما يظهر من الأخبار ، ولا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب. وانصراف الأخبار إلى الأفراد الشائعة إنّما هو في الإطلاق دون العمومات ، مع أنّ صلاة الاحتياط ليست بأندر من كثير مما يستدلّون بذلك فيه.

ولأصالة الاشتغال ، فإنّ وجوب أحد الأمرين من الفاتحة والتسبيح ثابت


1) الحدائق 9 : 302.

2) انظر : كفاية الأحكام : 26 ، والبحار 85 : 211 ، والحدائق 9 : 307 ، والرياض 1 : 219.

قطعا ، فلا تحصل البراءة اليقينية إلاّ بالإتيان بما يوجب البراءة يقينا وهو الفاتحة.

ويؤيّده تضمّن المستفيضة الواردة في المسألة للفاتحة أو أمّ القرآن أو أمّ الكتاب وإن كان بالجملة الخبرية التي هي في الوجوب غير صريحة.

خلافا للمنقول عن المفيد والحلّي ، فخيّرا بينها وبين التسبيح (1).

لأصالة عدم التعيين.

وإطلاق كثير من الروايات.

ونصّ بعضها بأنّه « يتمّ ما ظنّ أنّه نقص » والصلاة بالتسبيح أيضا مثل ما نقص.

ولأنّها بدل من الناقص ، والبدل لا يزيد حكمه عن المبدل.

ويردّ الأول : باندفاعه بما مرّ.

والثاني : بتقييده به وبالإجماع ، حيث إنّه يجب في هذه الصلاة غير ما أطلق في هذه الروايات من الركعتين شي‌ء آخر من الفاتحة أو التسبيح.

والثالث : بأنّ الصلاة المتضمّنة لكلّ من الفاتحة والتسبيح وإن كانت مثل ما نقص إلاّ أنّه لا ينافي ثبوت الزيادة بدليل آخر كما علمت زيادة التكبير والتشهّد والتسليم ، مع أنّه لا عموم للفظة ما الموصولة ، والزائد عمّا يقتضيه واجب قطعا فيعمل فيه بأصل الاشتغال.

والرابع : بمنع عدم إمكان الزيادة.

ومنها : أنّه هل يجب الاحتراز عن منافيات الصلاة بينها وبين صلاة الأصل ، أم لا؟ وعلى الأول هل تبطل الصلاة بعدم الاحتراز ، أم لا؟.

أمّا الأول فيظهر من الذكرى أنّ ظاهر الفتاوى والأخبار وجوب الاحتراز (2)، ونسبه بعض مشايخنا إلى الأكثر (3).9.


1) المفيد في المقنعة : 146 ، الحلي في السرائر 1 : 254.

2) الذكرى : 227.

3) الرياض 1 : 219.

ويظهر من بعض المتأخرين الميل إلى عدم الوجوب (1)، بل هو ظاهر أكثر من يقول بعدم الإبطال. وهو الأظهر ، لحصول التحليل بالتسليم ، وللأصل الخالي عن المعارض سوى ما قيل (2)من أنّه مبطل للصلاة كما يأتي ، وإبطال العمل حرام ، فتركه واجب.

ومن الأمر بسجدة السهو لو تكلّم في صحيحة ابن أبي يعفور ، قال فيها - بعد الأمر بصلاة الاحتياط - : « وإن تكلّم فليسجد سجدتي السهو » (3)ولا يمكن أن يكون المراد التكلّم في أصل الصلاة ، إذ لا مدخل له في جواب السؤال ، ولا في صلاة الاحتياط ، لأنها من السهو الذي لا حكم له ، فالمراد التكلم بين الصلاتين.

وللأمر بها بعد التسليم بالفاء المفيدة للتعقيب بلا مهلة في عدة روايات ، كموثقات عمار المتقدمة (4)، ورواية أبي بصير (5)، وغيرها.

ولقوله في صحيحة زرارة : « وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع [ وقد أحرز الثلاث ] قام فأضاف إليها أخرى » (6)فإنّ جعل القيام جزاء يقتضي تعقيب فعله بالشرط.

وللاستصحاب.

ويردّ الأوّل : بمنع إبطاله الصلاة كما يأتي.

والثاني : بمنع ترتّب سجدة السهو على التكلّم في صلاة الاحتياط ،


1) كما في الذخيرة : 378.

2) انظر : الرياض 1 : 219.

3) الكافي 3 : 352 الصلاة ب 40 ح 4 ، التهذيب 2 : 186 - 739 ، الاستبصار 1 : 372 - 1415 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

4) في ص 141.

5) التهذيب 2 : 185 - 738 ، الوسائل 8 : 221 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 8.

6) الكافي 3 : 351 الصلاة ب 40 ح 3 ، التهذيب 2 : 186 - 740 ، الاستبصار 1 : 373 - 1416 ، الوسائل 8 : 216 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 10 ح 3 ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.

فيحتمل أن يكون هو المراد ، أو يكون المراد التكلّم في الصلاة ولم يكن جوابا عن السؤال بل بيانا لحكم من الأحكام ، سلّمنا ولكن ترتب سجدة السهو عليه غير صريح في تحريمه.

والثالث : بمنع دلالة الفاء الجزائية على التعقيب بلا مهلة - كما صرّح به بعضهم (1)- أولا ، ومنع منافاة كلّ مناف للصلاة للتعقيب ثانيا.

وقد يجاب عنه أيضا بوجوب إخراج الفاء عن معنى التعقيب بلا مهلة هنا قطعا بدلالة ذكر « ثمَّ » في بعض الأخبار ، وعدم ذكر شي‌ء منهما في بعض آخر.

ووهنه ظاهر ، إذ لا يجب التراخي هنا إجماعا ، فلا تبقى لفظة « ثمَّ » على معناها بالإجماع ، وذلك لا يوجب الخروج عن حقيقة لفظ آخر أيضا ، فهو باق على حقيقته مقيّد لما لم يتعرض ، لعدم ذكر شي‌ء منهما.

والرابع : بمنع اقتضاء الجزاء تعقيب فعل الجزاء له ، بل يقتضي تعقيب الترتّب وهو حاصل.

والخامس : باندفاع الاستصحاب ببعض ما مرّ ، مع أنّه معارض باستصحاب الحلّية قبل الصلاة.

وأمّا الثاني فعن القواعد والمختلف والذكرى (2)، وجمع آخر (3): البطلان ، وهو ظاهر المفيد (4)، لبعض ما مرّ بجوابه ، مضافا إلى أنّ تسليم وجوب المبادرة والاحتراز لا يستلزم البطلان بانتفائهما.

ولأنّ الاحتياط معرض لأن يكون تماما للصلاة ، فكما تبطل الصلاة بتخلّل المنافي بين أجزائها المحقّقة فكذا ما هو بمنزلتها.

ويردّ : بأنّ فعل شي‌ء استدراكا للفائت في الصلاة لا يقتضي جزئيتها لها ،


1) الذخيرة : 378.

2) القواعد 1 : 43 ، المختلف : 139 ، الذكرى : 227.

3) منهم صاحب الرياض 1 : 219 ، ونسبه في مفتاح الكرامة 3 : 367 إلى الدرّة والمصابيح وغيرهما.

4) حكاه عنه في المختلف : 139.

سيّما مع انفصالها عنها بالنية والتكبير ونحوهما.

وذهب الحلّي ، والفاضل في التحرير والإرشاد ، وولده في شرح القواعد إلى عدم البطلان (1).

وهو الأقوى ، للأصل ، وإطلاق ما ورد من أنّ تحليل الصلاة التسليم ، وهو شامل للمورد أيضا ، فتكون المنافيات حلالا ، فلا تبطل بها الصلاة. وإطلاق الأخبار الدالّة على صحّة الصلاة بتخلّل الحدث قبل التسليم.

ومنها : أنّه هل يجب أن يكون في وقت صلاة الأصل؟.

لا يحضرني الآن من تعرّض له ، إلاّ أنّ القول بجزئيتها لها يستلزمه ، ولكن الجزئية ممنوعة.

ومنها : أنّه هل يجب الفور بها؟.

الأصل يقتضي عدمه.

فائدة :

حكم الأجزاء المنسية المقضية بعد الصلاة حكم صلاة الاحتياط في عدم وجوب الفورية والاحتراز عن تخلل المنافي ، وعدم بطلان الصلاة لو تخلل ، للأصل السالم عن المعارض بالمرة.

وقال جماعة منهم الفاضل في التذكرة والنهاية بالبطلان (2)، بل قيل بأنّ الحكم بالبطلان هنا أولى منه في صلاة الاحتياط ، لمحوضة الجزئية اليقينية هنا (3).

وفيه : منع المحوضة بل الجزئية ، وإنما هي أفعال اخرى يؤتى بها بأوامر أخرى ، وقد حلّل بالتسليم ما كان حراما ، فلا وجه لتحريمه بلا دليل.


1) الحلي في السرائر 1 : 256 ، التحرير 1 : 50 ، الإرشاد 1 : 270 ، الإيضاح 1 : 142.

2) التذكرة 1 : 140 ، نهاية الإحكام 1 : 545.

3) الرياض 1 : 219.

وبه يظهر الجواب عن التمسك باستصحاب الحرمة والإبطال ، مضافا إلى ما مرّ من معارض الاستصحاب.

وعن شرح القواعد لفخر المحققين (1)، وابن فهد في المحرّر (2): أنّه لو أحدث قبل الأجزاء المنسية عامدا بطلت صلاته ، ولو كان سهوا ، أو بعد الوقت ، أو بعد أن مضى بعد التسليم زمان يخرج عن كونه مصليا ، لم تبطل. بل ظاهر الأول الإجماع على عدم البطلان في هذه الصور ، إذ مع ذلك يخرج عن الجزئية فلا تبطل ، بخلاف ما قبله ، فإنّها جزء حينئذ.

وفيه منع ظاهر.

وقد يستدل للجزئية بالأصل والظاهر ، لأنّ الأصل والظاهر عدم إجزاء عبادة عن أخرى ، وأيضا الأصل بقاؤها على الجزئية ، والظاهر اتحاد المتوافقين في الهيئة.

وضعف الجميع في غاية الظهور.

وممّا ذكرنا ظهر عدم دليل على اشتراط الطهارة في الأجزاء المنسية أيضا ، كما هو مقتضى الأصل.

المسألة الرابعة :

لو تذكّر الشاك بعد الفراغ من الصلاة الأمر المشكوك فيه ، فإمّا يتذكّر بعد صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو قبلها ، وعلى التقادير إمّا يتذكّر عدم الحاجة إلى صلاة الاحتياط وكون ما بني عليه من الأكثر مطابقا للواقع ، أو الحاجة إليه.

فإن تذكّر بعدها عدم الحاجة إليها ، كأن يتذكّر الشاك بين الثلاث والأربع بعد صلاة الاحتياط أنّ ما صلاّها كان أربعا فلا خلاف ولا إشكال في صحة الصلاة.


1) الإيضاح 1 : 143.

2) حكاه عن المحرّر في غاية المرام على نقل صاحب مفتاح الكرامة 3 : 370.

وإن تذكّر في الأثناء أو قبلها فظاهرهم الاتفاق على تماميّة الصلاة ، وجواز قطع الاحتياط في الأول من جهة عدم توقّف صحة الصلاة عليه وإن اختلف فيه من جهة جواز قطع النافلة وعدمه ، والاستغناء عنها في الثاني.

ويدلّ عليه قوله في صحيحة ابن أبي يعفور : « وإن كان صلّى أربعا كانت هاتان نافلة » (1).

فإنّه بعد تذكّر عدم الحاجة إلى الاحتياط يعلم كونها نافلة ، فيكون مستغنى عنها لأجل الصلاة ، وبذلك يدفع استصحاب وجوب الاحتياط.

وإن تذكّر الحاجة إليها أي نقصان الصلاة عمّا بنى عليه : فإن كان بعد الفراغ عن الاحتياط لم يلتفت إلى ما تذكّر وصحّت صلاته ، على الأظهر الأشهر كما قيل (2)، بل بالاتفاق كما صرّح به بعض الأجلّة.

للاستصحاب ، واقتضاء الأمر للإجزاء ، وتصريح الأخبار بأنّ الصلاة لو كانت ناقصة كان الاحتياط متمّما ، بل صرّح في موثّقة الساباطي بقوله : « وإن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت » (3).

وبه يدفع ما لعلّه يتوهّم من دلالة ما دلّ على بطلان الصلاة بالنقص ، على البطلان أو إتمام الصلاة مع عدم تخلّل المنافي هنا ، مع أنّ في شمول أدلّتها للمورد نظرا ظاهرا ، كما لا يخفى على المتتبّع فيها.

وعن بعض الأصحاب البطلان في صورة مخالفة الاحتياط للناقص (4)، كما إذا شكّ بين الاثنتين والثلاث والأربع ، ثمَّ ظهر له بعد الاحتياط كون ما صلّى ثلاثا ، للزوم الاختلال بنظم الصلاة ، حيث إنّ ما يبدأ به من الاحتياط ركعتان


1) الكافي 3 : 352 الصلاة ب 40 ح 4 ، التهذيب 2 : 186 - 739 ، الاستبصار 1 : 372 - 1415 ، الوسائل 8 : 219 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

2) نسبه صاحب الحدائق ( 9 : 308 ) إلى المشهور.

3) التهذيب 2 : 349 - 1448 ، الوسائل 8 : 213 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

4) الظاهر هو أبو العبّاس ابن فهد في كتابه الموجز الحاوي ، كما حكاه عنه صاحب مفتاح الكرامة 3 : 358.

من قيام ، وهو مخالف الناقص ، والمطابق له متأخّر.

وفيه : أنّ ذلك إنّما يتمّ على جزئية صلاة الاحتياط ، وهي ممنوعة ، مع أنّه لو اشترط المطابقة بين الاحتياط وما يعوّض عنه لم يسلم احتياط تذكّر فاعله الحاجة إليه ، لتحقق زيادة النية والتكبيرة ونحوهما.

وإن كان في أثنائه فلا يخلو إمّا أن يكون الاحتياط مطابقا للناقص أو غير مطابق.

فعلى الأول فيه قولان :

بطلان الصلاة واستئنافها ، نظرا إلى أنّ المعلوم ثبوته من الأخبار ورودها بالنسبة إلى الشك المستمرّ إلى الفراغ من الاحتياط ، والشرط المذكور فيها بأنّه إن كانت صلاته تامّة فكذا وإن كانت ناقصة فكذا ، إنّما هو بالنظر إلى الواقع لا بالنظر إلى ظهور ذلك للمكلّف.

وصحّتها وجوب إتمام الاحتياط ، لعموم الأدلة. واختصاصها بالشك المستمر ممنوع غايته بعد تسليم الاختصاص بالمستمرّ إلى الفراغ عن صلاة الأصل.

وهو الحقّ ، لما ذكر ، وللاستصحاب.

وعلى الثاني قيل (1): فيه احتمالات : إتمام الاحتياط كما كان يتمّه قبل التذكر ، والاقتصار على القدر المطابق إن لم يتجاوزه ، وبطلان الصلاة.

أجودها الأول ، لما مرّ.

وإن كان بين الصلاتين فقيل (2): إمّا أن يكون فعل منافيا يبطل الصلاة عمدا وسهوا ، أو لا. فعلى الثاني يتمّ صلاة الأصل ويسجد سجدة السهو لما زاده من التشهد والتسليم. وعلى الأول يبني على المسألة المتقدمة المبيّنة لحكم من سلّم في غير موضعه من كون المنافي مبطلا أم لا.


1) الحدائق 9 : 309.

2) الحدائق 9 : 309.

أقول : لو قلنا بوجوب إتمام الاحتياط وعدم الالتفات إلى التذكّر لعموم أدلته ، لم يكن ذلك ببعيد.

وعدم انصرافها إلى مثل تلك الصورة لندرتها ، معارض بورود ذلك بعينه في أدلّة إتمام الصلاة قبل فعل المنافي لو سلّم في غير موضعه ، وبطلانها بعده.

والمسألة محلّ تردّد ، والأولى العمل بالأمرين معا.

هذا كلّه إذا لم يحتمل الزيادة. وأمّا إذا احتملها كما إذا شكّ بين الخمس وغيرها وبنى على الأقلّ ، فإن تذكّر المطابقة فلا إشكال. وإن تذكّر الزيادة فإن كان الشك بين غير الخمس والأربع فالظاهر عدم الإشكال في بطلان الصلاة ، لأخبار البطلان بتيقن الزيادة ، وكان البناء على الأقل للأصل الغير المقاوم للخبر.

وإن كان بينهما فيحصل الإشكال من جهة ما ذكر ومن جهة خصوص الأمر المقتضي للإجزاء هنا ، والاحتياط ثانيا فيه طريق الاحتياط.


المقصد الرابع : في سائر ما يتعلق بالصلاة من أحكام القضاء ، والجماعة ، والسفر

اشارة

وفيه ثلاثة أبواب :

الباب الأول : في القضاء

اشارة

وهو إمّا يكون قضاء للقاضي نفسه أو لغيره ، فهاهنا فصلان :

الفصل الأول : فيما يقضي كلّ أحد عن نفسه

اشارة

والكلام فيه إمّا فيما يجب قضاؤه أو في أحكام ما يجب قضاؤه ، فهاهنا بحثان :

البحث الأول : فيما يجب قضاؤه
اشارة

وفيه مسائل :

المسألة الاولى :

من ترك الصلاة من المكلّفين المسلمين مستحلا تركها أو مستخفا بها ، خرج عن الإسلام وكفر ، وجرت عليه أحكام الارتداد ، بلا خلاف يوجد ، وفي المنتهى وغيره : الإجماع عليه (1)، لإنكاره ما علم ثبوته من الدين ضرورة ، ولصحيحة ابن سنان : « من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنّها حلال أخرجه من الإسلام » (2).

وأمّا كون ترك الصلاة كبيرة فتدل عليه الأخبار ، منها رواية عبيد : عن الكبائر ، فقال : « هنّ في كتاب علي عليه السلام سبع : الكفر باللّه « إلى أن قال : قلت : فما عددت ترك الصلاة في الكبائر! فقال : « أيّ شي‌ء أوّل ما قلت لك؟

قال : قلت : الكفر ، قال : « فإنّ تارك الصلاة كافر » (3).

ولرواية مسعدة وفيها بعد السؤال عن وجه تسمية تارك الصلاة كافرا قال : « وتارك الصلاة لا يتركها إلاّ استخفافا بها - إلى أن قال - : وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر » (4).


1) المنتهى 1 : 424 ، وانظر : التذكرة 1 : 86 ، والذكرى : 131 ، والتحرير 1 : 51.

2) الكافي 2 : 285 - 23 ، الوسائل 1 : 33 أبواب مقدمة العبادات ب 2 ح 10.

3) الكافي 2 : 278 - 8 ، الوسائل 15 : 321 أبواب جهاد النفس وما يناسبه ب 46 ح 4.

4) الفقيه 1 : 132 - 616 ، الوسائل 4 : 41 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 11 ح 2.

والمروي في ثواب الأعمال ومحاسن البرقي : « ما بين المسلم وبين أن يكفر إلاّ أن يترك الصلاة الفريضة متعمدا أو يتهاون بها ولا يصليها » (1).

ولا يتوهّم تعارض مفهومي الصحيحة ورواية مسعدة في المستحلّ والمستخفّ بالعموم من وجه فلا يثبت الحكم في مادة التعارض ، لأنّ كلّ مستحلّ مستخفّ ، فالتعارض بالعموم المطلق فلا يضرّ.

وبمفهوم الصحيحة ورواية مسعدة يقيّد إطلاق كفر تارك الصلاة في كثير من الروايات بالمستحل والمستخفّ ، أو تحمل الإطلاقات على المبالغة ، أو على ضرب من الكفر غير ما يوجب الارتداد ، أو على ترتّب بعض أحكام الكفر عليه من وجوب القتل بعد تكرره ، كما هو ظاهر أكثر تلك الروايات من اعتبار التكرر.

ثمَّ مقتضى الإطلاقات الارتداد بتركها مستحلا أو مستخفّا وإن احتملت الشبهة في حقه ، إلاّ أنّ الأصحاب قيّدوه بعدم احتمالها كما هو مقتضى الدليل الأول ، وهو الموافق للاحتياط في الدماء.

قيل : وفي حكم ترك الصلاة ترك جزء أو شرط معلوم ثبوته من الدين ضرورة ، كالركوع والطهارة ، دون ما ليس كذلك.

وهو كذلك إذا لم تحتمل الشبهة في حقّه ودلّ على إنكاره النبي 6.

ولو تركها لا عن استحلال أو استخفاف عزّر ، فإن عاد يعاد إلى التعزير ، فإن عاد ثالثة يقتل على قول ، وقيل : يقتل في الرابعة (2).

والخلاف هنا مبني على الخلاف في أصحاب الكبائر هل يقتلون في الثالثة أو الرابعة ، ولتحقيق المسألة محلّ آخر يأتي إن شاء اللّه.


1) ثواب الأعمال : 274 - 1 ، المحاسن 1 : 80 - 8 ، الوسائل 4 : 42 أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 11 ح 6.

2) كما في المبسوط 1 : 129 ، والذكرى : 131 ، وروض الجنان : 355.

المسألة الثانية :

الأصل في كلّ من أخلّ بالصلاة الواجبة الموقّتة عمدا كان الإخلال بها أو سهوا أو جهلا أو لعذر أو ضرورة ، وبالجملة بأيّ نحو كان ، أنّه يجب عليه القضاء.

لصحيحة زرارة والفضيل : « ومتى ما استيقنت أو شككت في وقتها أنك لم تصلّها ، أو في وقت فوتها أنك لم تصلها ، صليتها ، فإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل ، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن ، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أي حال كنت » (1).

وروايته : « إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى ، فإن كنت تعلم أنك إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك ، فإنّ اللّه تعالى يقول : أقم الصلاة لذكري ، وإن كنت تعلم أنك إذا صلّيت التي فاتتك فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها فصلّها ، ثمَّ أقم الأخرى » (2).

والنبوي المشهور : « من فاتته فريضة فليقضها إذا ذكرها فذلك وقتها » (3).

وغير ذلك من الأخبار المتواترة الواردة في خصوص النائم والناسي والساهي والمغمى عليه والمصلّي بغير طهور.

وتوهّم عدم شمول ما تضمّن لنحو قوله « فاتته » لمن لم يكلّف بالأداء - كما هو مذكور في عبارات كثير من العلماء كالمنتهى وروض الجنان والذكرى (4)، وغيرها - لأنّ موضعها من صدق عليه الفوت ، وليس إلاّ من طولب بالأداء ، وإلاّ لم يصدق الفوت ، كما لا يصدق على الصغير والمجنون ونحوهما ، غير صحيح.


1) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 10 ، التهذيب 2 : 276 - 1098 ، الوسائل 4 : 283 أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

2) الكافي 3 : 293 الصلاة ب 12 ح 4 ، التهذيب 2 : 268 - 1070 ، الاستبصار 1 : 287 - 1051 ، الوسائل 4 : 287 أبواب المواقيت ب 62 ح 2.

3) صحيح مسلم 1 : 471 - 309.

4) المنتهى 1 : 420 ، روض الجنان : 355 ، الذكرى : 134.

لا لما قيل من عدم صحة السلب ، فلا يقال للنائم الفائت عنه صلواته : ما فاتته الصلاة (1)، لجواز استناد ذلك إلى اشتراط قابليّة المحلّ في صدق الفوت وعدمه ، ولذا لا يقال للصغير : فاتته الصلاة ولا ما فاتته.

بل لمنع توقف صدق الفوت على وجوب الأداء ، كيف؟! وقد استعمل في الإغماء المستوعب والنسيان والنوم إلى خارج الوقت بحيث لا يحصى كثرة في الأخبار ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، إذ لا يعلم له معنى سواه غير شامل لذلك ، بل مقتضى المعنى اللغوي أيضا شموله له.

نعم ، يشترط في صدقه أن يكون الموضع من كان من شأنه الطلب منه الأداء ولو فعله كان مأمورا به صحيحا ، ولذا لا يستعمل ذلك في الصغير والمجنون ونحوهما.

مع أنّه لو سلّم ذلك فلا ينحصر دليل ذلك بما تضمن لفظ الفوت ، بل فيها ما يشمل الكل قطعا كصحيحة زرارة والفضيل.

هذا فيما إذا ترك أصل الصلاة أو عمدتها التي يصدق معه ترك الصلاة عرفا.

وأما وجوب القضاء بمجرد الإخلال بجزء أو شرط واجب فقد ثبت بالموارد الجزئية الآمرة بالقضاء ، أو الإعادة المستلزمة لوجوب القضاء إن ترك الإعادة الواجبة بتلك الأخبار ، هذا.

ثمَّ إنّ ما ذكرناه هو الأصل ، وقد خرج منه موارد إجماعا ، ووقع الخلاف في بعض موارد أخر.

منها : ما فات عن الحائض والنفساء حالتي الحيض والنفاس ، فلا يجب قضاؤها إجماعا ، كما مرّ في بحث الطهارة.

ومنها : ما فات لفقد الطهور ، فقد وقع الخلاف فيه ، وقد مرّ تحقيقه في بحث التيمم.


1) الرياض 1 : 225.

ومنها : ما فات عن الكافر الأصلي ، وغير البالغ ، والمجنون المطبق ، أو الدوري المستوعب للوقت ، فلا يجب عليهم قضاؤه ، بالإجماع المحقق والمحكي مستفيضا (1).

وهو الدليل عليه ، دون الأصل كما قيل (2)، لما عرفت ، ولا حديثي جبّ الإسلام ورفع القلم ، لإجمال الأول ، واستلزام الثاني رفع القلم حال الصغر والجنون دون ما بعدهما ، نعم كان يصحّ ذلك لو كنّا نقول بترتب القضاء على الأداء ، وليس كذلك ، بل هو بأمر جديد شامل لهما بعد رفع الحجر ، وعلى هذا فلا يسقط عنه قضاء ما فات بجنون مسبّب من فعله ، لعدم الإجماع فيه.

ومنها : ما فات عن غير المؤمن من فرق المسلمين باعتبار الإخلال بشرط واجب عندنا إذا كان صحيحا عنده ، وأما إذا لم يكن صحيحا عنده أو فات من أصله فيجب قضاؤه بعد الاستبصار.

أما الثاني فلعموم الأدلة الدالة على وجوب قضاء الفوائت.

وأما الأول فللمستفيضة من الصحاح وغيرها المصرّحة به ، كصحيحة الفضلاء (3)، وصحيحة ابن أذينة (4)، وصحيحة العجلي (5)، وغيرها ، بل ورد في رواية عمّار المروية في كتاب الكشي ، وفي الذكرى عن كتاب الرحمة : سقوط قضاء ما فات عنهم حال الضلالة أيضا (6)، إلاّ أنها لضعفها غير صالحة لتخصيص العمومات.


1) كما في التذكرة 1 : 81 ، وروض الجنان : 355 - 356 ، والمدارك 4 : 289 ، والحدائق 11 : 2 ، والرياض 1 : 224.

2) استدلّ به لسقوط القضاء عن المجنون في كشف اللثام 1 : 170.

3) الكافي 3 : 545 الزكاة ب 28 ح 1 ، التهذيب 4 : 54 - 143 ، العلل : 373 - 1 ، الوسائل 9 : 216 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 2.

4) الكافي 3 : 546 الزكاة ب 28 ح 5 ، الوسائل 9 : 217 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 3.

5) التهذيب 5 : 9 - 23 ، الوسائل 9 : 216 أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 1.

6) رجال الكشي 2 : 652 - 667 ، الذكرى : 136 ، الوسائل 1 : 127 أبواب مقدمة العبادات ب 31 ح 4.

ومنها : المغمى عليه ، فإنّه يقضي ما فاته حال الإغماء أن أفيق في وقته بقدر الطهارة وركعة من الصلاة ، إجماعا ، ولا يقضي ما استوعب الإغماء وقته ، على الأظهر الأشهر بين من تقدّم وتأخّر ، بل - كما قيل (1)- بلا خلاف فيه إلاّ عن نادر ، بل بالإجماع كما عن الغنية (2)، وعن المنتهى والدروس الإشعار بدعوى الإجماع أيضا (3).

أما الأول فللأصل المتقدم ، وخصوص المستفيضة ، كصحيحة أبي بصير : عن المريض يغمى عليه ثمَّ يفيق ، كيف يقضي صلاته؟ قال : « يقضي الصلاة التي أدرك وقتها » (4).

والأخرى : عن المريض يغمى عليه نهارا ثمَّ يفيق قبل غروب الشمس ، قال : « يصلي الظهر والعصر ، ومن الليل إذا أفاق قبل الصبح يقضي صلاة الليل » (5).

والحلبي : عن المريض هل يقضي الصلاة إذا أغمي عليه؟ قال : « لا ، إلاّ الصلاة التي أفاق فيها » (6).

والرضوي : « ليس على المريض أن يقضي الصلاة إذا أغمي عليه إلاّ الصلاة التي أفيق في وقتها » (7). وغير ذلك.

وأما الثاني فقيل : للأصل ، وعدم دليل على وجوب القضاء هنا ، إذ ليس


1) الرياض 1 : 224.

2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562.

3) المنتهى 1 : 420 ، الدروس 1 : 145.

4) الكافي 3 : 412 الصلاة ب 70 ح 4 ، التهذيب 3 : 304 - 932 ، الاستبصار 1 : 459 - 1779 ، الوسائل 8 : 262 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 17.

5) التهذيب 3 : 305 - 940 ، الاستبصار 1 : 460 - 1787 ، الوسائل 8 : 263 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 21.

6) الفقيه 1 : 236 - 1040 ، التهذيب 3 : 304 - 933 ، الاستبصار 1 : 459 - 1780 ، الوسائل 8 : 258 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 1.

7) فقه الرضا عليه السلام : 125 ، مستدرك الوسائل 6 : 433 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 1.

إلاّ عمومات قضاء الفائتة المتضمنة لقوله « من فاتته » وهي غير معلومة الشمول لمفروض المسألة كما مرّ (1).

وفيهما نظر ظهر وجهه.

بل للمستفيضة من الأخبار كصحيحة الحلبي المتقدمة ، والخزاز : عن رجل أغمي عليه أياما لم يصلّ ، ثمَّ أفاق أيصلّي ما فاته؟ قال : « لا شي‌ء عليه » (2).

وحفص : في المغمى عليه قال : « ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (3).

ومحمّد : في الرجل يغمى عليه الأيام ، قال : « لا يعيد شيئا من صلاته » (4).

ورواية معمر : عن المريض يقضي الصلاة إذا أغمي عليه؟ فقال : « لا » (5).

وابن سنان : « كلّ ما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شي‌ء » (6).

وصحيحة ابن مهزيار : عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب : « لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة » (7).

والمروي في الخصال : الرجل يغمى عليه اليوم واليومين والأربعة وأكثر من ذلك كم يقضى من صلاته؟ فقال : « ألا أخبرك بما يجمع كلّ هذا وأشباهه؟ كلّ ما غلب اللّه عز وجل عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده » (8). إلى غير ذلك.

خلافا للمحكي عن المقنع ، فيقضي كلّ ما فاته (9)، للعمومات وخصوص


1) الرياض 1 : 225.

2) الكافي 3 : 412 الصلاة ب 70 ح 3 ، التهذيب 3 : 302 - 924 ، الاستبصار 1 : 457 - 1771 ، الوسائل 8 : 261 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 14.

3) الكافي 3 : 413 الصلاة ب 70 ح 7 ، التهذيب 3 : 302 - 923 ، الوسائل 8 : 261 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 13.

4) التهذيب 4 : 243 - 713 ، الوسائل 8 : 263 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 23.

5) الكافي 3 : 412 الصلاة ب 70 ح 2 ، التهذيب 3 : 303 - 926 ، الاستبصار 1 : 457 - 1773 ، الوسائل 8 : 261 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 15.

6) التهذيب 4 : 245 - 726 ، الوسائل 8 : 263 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 24.

7) التهذيب 3 : 176 - 395 ، الوسائل 8 : 262 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 18.

8) الخصال : 644 - 24 ، الوسائل 8 : 260 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 8.

9) المقنع : 37.

الروايات كصحيحة ابن سنان : « كلّ شي‌ء تركته من صلاتك لمرض أغمي عليك فيه فاقضه إذا أفقت » (1).

ومحمد : عن الرجل يغمى عليه ثمَّ يفيق ، قال : « يقضي ما فاته » (2).

وابن حازم : في المغمى عليه قال : « يقضي كلّ ما فاته » (3).

ورفاعة : عن المغمى عليه شهرا ما يقضيه من الصلاة؟ قال : « يقضيها كلّها ، إنّ أمر الصلاة شديد » (4).

وحفص : « يقضي المغمى عليه ما فاته » (5).

والجواب عنها :

أولا : بتضعيف دلالة غير الاولى على الوجوب ، والاولى وإن دلّت عليه إلاّ أنها تشمل ما أدرك وقتها أيضا ، فهي أعمّ مطلقا من بعض ما مرّ فيجب تخصيصها به.

وثانيا : بأنّه على فرض دلالتها ومساواتها محمولة على الاستحباب بقرينة الأخبار السابقة ، وتشعر به رواية أبي كهمس : عن المغمى عليه أيقضي ما ترك من الصلاة؟ فقال : « أمّا أنا وولدي وأهلي فنفعل ذلك » (6).

وقريبة منها رواية ابن حازم (7).

وثالثا : بأنّها على فرض كونها للوجوب لا تصلح لمعارضة ما مرّ ، لشذوذها ،


1) التهذيب 4 : 244 - 721 ، الاستبصار 1 : 459 - 1782 ، الوسائل 8 : 264 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 1.

2) التهذيب 3 : 304 - 936 ، الاستبصار 1 : 459 - 1783 ، الوسائل 8 : 265 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 2.

3) التهذيب 3 : 305 - 937 ، الاستبصار 1 : 459 - 1784 ، الوسائل 8 : 265 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 3.

4) التهذيب 4 : 244 - 719 ، الاستبصار 1 : 459 - 1785 ، الوسائل 8 : 265 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 4.

5) التهذيب 4 : 243 - 716 ، الوسائل 8 : 266 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 8.

6) التهذيب 4 : 245 - 724 ، الوسائل 8 : 266 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 12.

7) التهذيب 4 : 245 - 725 ، الوسائل 8 : 266 أبواب قضاء الصلاة ب 4 ح 13.

ومخالفتها الشهرة القديمة المخرجة لها عن الحجية.

ورابعا : بأنّ مع المعارضة يرجّح ما مرّ بأحدثيّة بعضها ، وأبعديّتها عن فتاوى العامة ، وأشهريّتها ، وأصرحيّتها.

وللمحكي عن بعض آخر من أصحابنا ، فيقضي آخر أيام إفاقته إن أفاق نهارا وآخر ليلة إن أفاق ليلا (1)، لمرسلة المقنع : ( وروي أنّه « ليس على المغمى عليه أن يقضي إلاّ صلاة اليوم الذي أفاق فيه والليلة التي أفاق فيها » (2).

ورواية العلاء وفيها : « إن أفاق قبل غروب الشمس فعليه قضاء يومه هذا ، فإن أغمي عليه أياما ذوات عدد فليس عليه أن يقضي إلاّ آخر أيامه إن أفاق قبل غروب الشمس ، وإلاّ فليس عليه قضاء » (3).

وصحيحة الحجّال وفيها : « يقضي صلاة اليوم الذي يفيق فيه » (4).

والجواب عنها - مع ندرتها ، وشذوذها ، وضعف الاولى ، وقصور البواقي عن إفادة الوجوب ، وعدم ظهور حكم الليلة من غير الأولى الضعيفة ، بل دلالة الثانية على عدم القضاء مطلقا إن أفاق بعد الغروب - : أنّ الظاهر منها إرادة الصلاة التي أدرك وقتها.

ومما ذكر يظهر الجواب عن بعض أخبار أخر منافية على الظاهر للمختار من قضاء ثلاثة أيام أو يوم مطلقا (5)، إذ لا قائل بشي‌ء منها ، ولا صراحة على الوجوب


1) في الذكرى : 135 : قال ابن الجنيد : والمغمى عليه أيّاما من علّة سماويّة غير مدخل على نفسه ما لم يبح عليه إدخاله عليها ، إذا أفاق في آخر نهاره إفاقة يستطيع معها الصلاة قضى صلاته ذلك اليوم ، وكذلك إن أفاق في آخر الليل قضى صلاة تلك الليلة ، إلى آخره.

2) المقنع : 37 ، الوسائل 8 : 260 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 10.

3) التهذيب 3 : 303 - 931 ، الاستبصار 1 : 458 - 1778 ، الوسائل 8 : 262 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 19.

4) التهذيب 3 : 305 - 939 ، الاستبصار 1 : 459 - 1776 ، الوسائل 8 : 263 أبواب قضاء الصلاة ب 3 ح 22.

5) انظر : الوسائل 8 : 264 أبواب قضاء الصلاة ب 4.

فيها ، فيحمل على الاستحباب وتحمل الاختلافات على تفاوت مراتب الفضيلة ، فأعلاها الجميع ، ثمَّ الشهر خاصة كما حكاه في السرائر رواية (1)، ثمَّ ثلاثة أيام ، ثمَّ يوم.

وهل سقوط القضاء في هذه الصورة يعمّ ما إذا كان المكلّف نفسه سبب الإغماء أيضا ، أم يختص بما إذا لم يكن السبب فعله؟.

ظاهر النافع والبيان والدروس والذخيرة ، بل - كما قيل - الصدوق في الفقيه : الأول (2)، لإطلاق الأدلة.

وعن السيّد والإسكافي والحلّي والديلمي : الثاني (3)، وصرّح به في الذكرى ، وأسنده إلى فتوى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع (4)، لعمومات قضاء الفوائت ، الخالية حينئذ عن مكاوحة تخصيص مسقطات القضاء عن المغمى عليه ، لانصرافها إلى الأفراد الشائعة وهي غير المورد ، بل يدلّ التعليل في جملة من الأخبار بأنّ « ما غلب اللّه أولى بالعذر » عليه أيضا ، فتخصّص به العمومات ، بل المتبادر من الأخبار من لفظ « أغمي عليه » أو « المغمى عليه » ما لا يكون بفعل نفسه.

ولا يخفى أنّ الشيوع المدّعى بحيث يوجب الانصراف غير معلوم ، واختصاص العلة فيما تضمّن التعليل بما إذا كان الإغماء عن فعله سبحانه يوجب اختصاص اقتضائها به ، لا نفي الاقتضاء عن غيرها إذا كان مندرجا تحت العمومات ، وكون المتبادر منه كون إغمائه عن غيره لا عن نفسه غير مسلّم ، بل يشمل الجميع ، ولا أقل من احتمال الجميع ، فتكون العمومات مخصوصة


1) السرائر 1 : 276.

2) النافع : 46 ، البيان : 256 ، الدروس 1 : 145 ، الذخيرة : 383 ، الفقيه 1 : 237 - 1042 ذ. ح.

3) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 38 ، الذكرى : 135 حكاه عن الإسكافي الحلي في السرائر 1 : 276 ، الديلمي في المراسم : 91 و 92.

4) الذكرى : 135.

بالمجمل ، فلا تكون حجة في موضع الإجمال ( فالقول بالسقوط فيما كان بفعله أيضا أقوى ) (1).

وعلى هذا فيسقط في جميع أفراد المغمى عليه ، ولا حاجة إلى التطويل بذكر بعض الفروع التي تختلف أحكامها بواسطة التفصيل بين ما إذا كان الإغماء لا بعمله أو بعمله ، كما إذا لم يعلم أداء عمله إلى الإغماء ، أو علمه ، أو أكره عليه ونحو ذلك.

وظاهر بعضهم أنّ السكران من المغمى عليه (2)، وفي صدقه على جميع أفراده نظر ، فكلّ ما يعلم صدقه عليه يحكم في حقه بالسقوط مع استيعاب الوقت ، وما لم يعلم - كالذي يدرك الخوف والألم والجوع والعطش - فيبقى تحت عمومات وجوب القضاء.

بل تظهر من بعضهم مغايرته له مطلقا حيث صرّح بعدم نصّ في السكران ، وأنّ دليل سقوط القضاء عنه التعليل الوارد بعدم القضاء مع الإغماء (3).

والظاهر أنّه كذلك ، وعلى هذا فيجب الاقتصار في السقوط في حقّه على مورد التعليل.

لو قيل : يتعارض عمومه مع عمومات القضاء.

قلنا : فيرجع إلى أصالة عدم وجوب القضاء ، فيجب القضاء على من كان سكره بفعله ولو أغمي عليه واستوعب.

المسألة الثالثة :

النائم عن صلاة يقضيها وجوبا ، ولو استوعب النوم الوقت أو كان على


1) ما بين القوسين ليس في « ق ».

2) كما في الذكرى : 135 ، وروض الجنان : 355.

3) الرياض 1 : 224.

خلاف العادة ، لعمومات قضاء الفوائت ، ومرسلتي ابني مغيرة ومسكان :

الأولى : في رجل نام عن العتمة فلم يقم إلاّ بعد انتصاف الليل ، قال : « يصلّيها ويصبح صائما » (1).

والثانية : « من نام قبل أن يصلّي العتمة فلم يستيقظ حتى يمضي نصف الليل ، فليقض صلاته وليستغفر اللّه » (2).

وصحيحة زرارة : عن رجل صلى بغير طهور ، أو نسي صلوات لم يصلّها ، أو نام عنها ، فقال : « يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها » إلى أن قال : « إذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى » (3).

وموثقة البصري : « إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين تذكّرها » (4).

وصحيحة ابن سنان : « إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما » إلى أن قال : « وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمَّ المغرب ثمَّ العشاء قبل طلوع الشمس » (5).

خلافا للذكرى ، فألحق النوم على غير العادة بالإغماء في عدم وجوب القضاء ، قال : وقد نبّه عليه في المبسوط (6)، للأصل ، وعدم دليل على وجوب القضاء هنا ، لاختصاص النصوص الواردة به في النوم العادي منه ، لأنه المتبادر منه إلى الذهن عند الإطلاق.

وفيه : أنه لو سلّم التبادر المذكور وعدم دلالة نصوص النوم ، فلا شكّ في


1) الكافي 3 : 295 الصلاة ب 12 ح 11 ، الوسائل 4 : 216 أبواب المواقيت ب 29 ح 8.

2) التهذيب 2 : 276 - 1097 ، الوسائل 4 : 215 أبواب المواقيت ب 29 ح 6.

3) الكافي 3 : 292 الصلاة ب 12 ح 3 ، التهذيب 3 : 159 - 341 ، الاستبصار 1 : 286 - 1046 ، الوسائل 8 : 256 أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

4) الكافي 3 : 293 الصلاة ب 12 ح 5 ، التهذيب 2 : 269 - 1071 ، الوسائل 4 : 291 أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

5) التهذيب 2 : 270 - 1076 ، الوسائل 4 : 288 أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

6) الذكرى : 135 ، وهو في المبسوط 1 : 126.

اندراجه تحت عمومات الفوائت ، سيّما صحيحة زرارة والفضيل المتقدمة (1)، فبها يخرج عن الأصل.

نعم تعارض العمومات بعموم التعليل الوارد في أخبار الإغماء ، ومقتضاه الرجوع إلى أصالة عدم الوجوب ، إلاّ أنّ في التبادر المذكور نظرا ، وأخبار القضاء بالنوم أخصّ مطلقا من عموم التعليل ، فيخصّص بها.


1) في ص : 267.

البحث الثاني في بيان أحكام القضاء
اشارة

وفيه مسائل

المسألة الأولى :
اشارة

هل يجب قضاء الفائتة من الفرائض فورا أو يجوز التأخير؟.

المحكي عن السيّد والحلّي والحلبي : الفورية (1)، حتى حكي عنهم المنع عن الأكل والشرب والنوم إلاّ ما لا بدّ منه والتكسب ، وهو ظاهر المفيد والديلمي أيضا (2).

ويظهر من طائفة من المتأخّرين أنّه مذهب كلّ من يقول بوجوب تقديم القضاء على الفريضة الحاضرة ، ولذا لم يذكروا إلاّ مسألة واحدة واستدلّوا بما يدلّ على كلّ منهما للآخر ، وأنكره بعض مشايخنا المحققين وجعلهما مسألتين ، وقال : من حكم بوجوب تقديم الفائتة فإنّما هو من حيث هو هو مع قطع النظر عن الفورية ، ثمَّ قال : سلّمنا عدم ظهور الاتحاد (3)ولكن ظهور كون وجوب تقديم الفائتة من جهة خصوص الضيق من أين؟ وكذا لو ادّعي الإجماع المركب بأنّ كلّ من قال بالوجوب قال بالفور البتة ، بحيث يكشف عن قول المعصوم؟.

ونعم ما قال.

ويشعر به كلام الفاضل في التذكرة حيث قال : إنّ أكثر علمائنا على وجوب


1) السيد في حمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 38 ، الحلي في السرائر 1 : 272 - 274 ، الحلبي في الكافي : 149.

2) انظر : نهاية الإحكام : 125 ، تحرير الأحكام 1 : 50 ، إرشاد الأذهان 1 : 271 ، قواعد الأحكام 1 : 44 ، المختصر النافع : 46 ، المقتصر : 89.

3) شرح المفاتيح للبهبهاني ( مخطوط ) ، قال فيه - بعد أن ادّعى ظهور جملة من كلمات الأصحاب في عدم اتحاد المسألتين - : سلّمنا عدم الظهور لكن ظهور كون وجوب .. ، فلعلّ الصحيح في المتن : سلّمنا عدم ظهور عدم الاتحاد.

الترتيب ، ثمَّ قال : وجماعة من علمائنا ضيّقوا الأمر في ذلك وشدّدوا على المكلف غاية التشديد (1).

فإنّ نسبة الترتيب إلى الأكثر والتضييق إلى جماعة مشعرة باختلاف المسألتين.

وكيف يعلم اتحاد المسألتين وكون القول بالترتيب مترتبا على القول بالفورية والتضيق مع أنّ كثيرا من علمائنا عنونوا المسألة بوجوب تقديم الفائتة وعدمه ، ولم يتعرّضوا للفورية وما يترتب عليها ، كما في نهاية الشيخ والتحرير والإرشاد والقواعد والنافع وغيرها (2)؟!.

بل يشعر التفصيل بين الفائتة الواحدة والمتعددة وفائتة اليوم وغيرها أنّ الكلام في مسألة الترتيب غير الكلام في التضيق والفورية.

نعم لما كانت طائفة من القائلين بالترتيب كانوا يقولون بالفور أيضا ، بل كان الترتيب عندهم لأجل الفورية واستدلّوا بكون الأمر للفور ، فلأجله توهّم بعضهم اتحاد المسألتين.

وبالجملة الظاهر - كما قلنا - اختلاف المسألتين ، وعلى هذا فلا يمكن دعوى الشهرة على الفورية أيضا ، بل الظاهر أنّها على المواسعة ، إذ لم يتعرض لفورية القضاء إلاّ من ذكر ، أو مع نادر غيرهم ، وظاهر بعض القدماء كون المواسعة إجماعية (3)، ونسبها في الذخيرة ظاهرا إلى شهرة القدماء (4)، كما يأتي في المسألة السابعة.

وكيف كان ، فالحقّ عدم الفورية وجواز التأخير ، للأصل الخالي عمّا يصلح للمعارضة رأسا ، ولزوم العسر والحرج المنفيين ، بل التكليف بما لا يطاق عادة في بعض الأحيان لولاه ، وعمل المسلمين من السلف والخلف ، إذ قلّ من لم تتعلق ذمته بفائتة ولو لإخلال شرط أو ترك تقليد سيّما في أوائل بلوغه ، ومع ذلك ينامون


1) التذكرة 1 : 82.

2) انظر : ص : 278 ، هامش رقم : 2.

3) انظر : ص 288.

4) الذخيرة : 210.

ويجلسون ويكتسبون ويصلّون في أوائل الأوقات ، مع أنّ المشهور عندهم أنّ الأمر بالشي‌ء نهي عن ضده ، وما يأتي من المستفيضة المجوّزة لتأخير الفائتة عن الحاضرة ، مع أنّ كل من يقول بجواز تأخيرها عنها يقول بعدم الفورية.

وصحيحة ابن سنان : « إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله رقد فغلبته عيناه ولم يستيقظ حتى آذاه حرّ الشمس ، ثمَّ استيقظ فعاد ناديه ساعة وركع ركعتين ثمَّ صلّى الصبح » (1).

قوله « فعاد ناديه ساعة » أي : عاد إلى مكانه الذي فيه أصحابه فمكث ساعة ، ولو كان فوريا لما أخّر ذلك القدر ، وكذا لم يحوّل من مكانه قبل القضاء ، مع أنّ في مضمرة سماعة تنحيّه عنه قبله (2)، وفي صحيحة زرارة مع ذلك مخاطبته لبلال واستماع جوابه وأمر الأصحاب بالتنحّي عن مكان الغفلة (3).

والقدح في هذه الأخبار ، بإيجابها القدح في النبي باعتبار رقوده عن فرض ، سيّما مع أنّه لا ينام قلبه ، وسيّما مع تضمّن بعضها لقوله عليه السلام : « إنّما نمتم بوادي الشيطان » الدالّ على أنّ منشأ نومهم تسلّط الشيطان مع أنّ سلطانه على الّذين يتولونه لا على المؤمنين الذين معه.

مخدوش جدّا ، لمنع كون رقوده قدحا فيه بل رحمة للأمة كما ورد في بعض هذه الأخبار (4). وإنامته سبحانه له لمصلحة لا توجب قدحا فيه أصلا ، ولا ينافي تيقظ قلبه. وكونه وادي الشيطان لا يدلّ على تسلّطه على الجميع ، غايته إنامته لبعض منهم ، وهذا ليس بمنفي ، إذ لم يكن الجميع من أهل العصمة بل لعلّ أهل النفاق كانوا فيهم أيضا.

وتدلّ على المطلوب أيضا صحيحة زرارة الطويلة ، وفي آخرها : « أيّهما - أيّ : أيّ العشاءين - ذكرت فلا تصلّيهما إلاّ بعد شعاع الشمس » قال ، قلت : لم


1) التهذيب 2 : 265 - 1058 ، الاستبصار 1 : 286 - 1049 ، الوسائل 4 : 283 أبواب المواقيت ب 61 ح 1.

2) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 8 ، الوسائل 8 : 267 أبواب قضاء الصلوات ب 5 ح 1.

3) الذكرى : 134 ، الوسائل 4 : 285 أبواب المواقيت ب 61 ح 6.

4) انظر : الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 9.

ذلك؟ قال : « لأنك لست تخاف فوتها » (1).

يعني : أنّها ليست موقّتة ولا فوريّة حتى يجب التعجيل فيها وفعلها في الأوقات المكروهة.

ولا يضرّ الأمر بتقديم الفائتة على الحاضرة في صدر هذه الصحيحة ، لعدم ملازمة بين انتفاء الترتيب والمواسعة.

والقدح فيها بعدم مرجوحيّة قضاء الفرائض في الأوقات المكروهة عند الإمامية بالإجماع ، ومع ذلك تعارضها أخبار كثيرة كما مرّت في بحث الأوقات ، فيتعين حملها على التقية.

مردود بأنّ مقتضى الإجماع عدم المرجوحيّة ، وهو لا ينافي جواز التأخير ، فيمكن أن يكون قوله « لا تصلّهما » مجازا في الإباحة ، كما قالوا في النهي الواقع عقيب الوجوب ، بل هو هنا أيضا كذلك ، لتقديم الأمر بتقديم الفائتة على الحاضرة ، ويؤكّده التعليل لأنّه إنّما يلائم علّة لجواز التأخير ، فيكون مطلوبه عليه السلام بيان جواز التأخير عن شعاع الشمس ، حتى لا يتوهّم الراوي حرمته فيوجب ذلك وقوعه في موقع نفيه.

مع أنّه لو سلمنا عدم دلالة قوله « فلا تصلّهما » على المطلوب لمخالفته الإجماع أو وجود المعارض له ، فلا شك في دلالة التعليل عليه ، ولا معارض له من إجماع أو خبر.

وتدلّ على المطلوب أيضا موثقة الساباطي وفيها : عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها وهو مسافر؟ قال : « نعم يقضيها بالليل على الأرض ، وأما على الظهر فلا » (2).

دلّت على رجحان فعل ما يجب على المسافر من قضاء الحضر بالليل ، وإن


1) الكافي 3 : 291 الصلاة ب 12 ح 1 ، التهذيب 3 : 158 - 340 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

2) التهذيب 2 : 273 - 1086 ، الوسائل 8 : 268 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 2.

أمكن في النهار بعد النزول ( عن الظهر ، بل وإن أمكن النزول ) (1)في أثناء الطريق ، ولو كان القضاء فوريا لما كان ذلك جائزا فضلا عن الرجحان.

فإن قيل : رجحان التأخير إلى الليل مناف للإجماع على رجحان التعجيل.

قلنا : لا نسلّم ذلك الإجماع بالإطلاق ، لجواز أن يكون الراجح للمسافر التأخير إلى الليل ، ليستريح غبّ نزوله عن مشقة الركوب ويهيّئ ما يحتاج إليه ، مع أنّه يمكن أن يكون قوله « يقضيها » للإرشاد دون الرجحان.

ومن هنا يظهر جواز الاستدلال للمطلوب برواية الساباطي أيضا : عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس وهو في سفر ، كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال : « لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار ، ولا يجوز له ولا يثبت له ، ولكن يؤخرها فيقضيها بالليل » (2).

فإنّ المراد أنّ الرجل المسؤول عنه - الذي هو في السفر - لا يقضي بالنهار ، أي حال الركوب ، حيث إنّه الغالب للمسافر في النهار ، بل في حال النزول أيضا ، لكونه كسلا متعبا حينئذ ، بل يؤخّرها إلى الليل ، ويكون التأكيد محمولا على غاية الكراهة للمسافر ، وعلى هذا ليس خلاف إجماع في الرواية كما قيل (3). وكون رجحان التعجيل في القضاء حتى من المسافر في النهار إجماعيا ممنوع جدا.

ويدلّ على المطلوب أيضا تقديم رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قضاء ركعتي النافلة على قضاء الفريضة كما ورد في أخبار رقوده ، المتقدم صدرها.

ورواية أبي بصير : عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس ، قال : « يصلي ركعتين ثمَّ يصلي الغداة » (4).


1) ما بين القوسين لا توجد في « ق ».

2) التهذيب 2 : 272 - 1081 ، الاستبصار 1 : 289 - 1057 ، الوسائل 8 : 258 أبواب قضاء الصلاة ب 2 ح 6.

3) الحدائق 6 : 362.

4) التهذيب 2 : 265 - 1057 ، الاستبصار 1 : 286 - 1048 ، الوسائل 4 : 284 أبواب المواقيت ب 61 ح 2.

دلّت على جواز تقديم النافلة - قضاء كما في الأول أو مطلقا كما في الثاني - على قضاء الفريضة ، وهو مناف للفورية قطعا.

والخدش في الأخيرة بأنّها تدلّ على استحباب تقديم ركعتين على القضاء وإن لم تفت عنه ركعتا النافلة ، وهو ممّا لم يقل به أحد.

مردود بأنّه من أين يثبت الإجماع على عدم استحباب ذلك ، وعدم ذكره لا يدلّ على العدم.

وعلى هذا فيمكن أن يستدلّ للمطلوب بموثّقة الساباطي : « إذا أردت أن تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصلّ شيئا حتى تبدأ فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة لها ، ثمَّ اقض ما شئت » (1).

وقد يستدل أيضا بما دلّ على استحباب الأذان والإقامة لقضاء الفرائض (2).

وفيه نظر ، لأنّهما من مقدمات الصلاة ، غاية الأمر كونهما من المقدمات المستحبة ، والاشتغال بمقدمات الشي‌ء لا ينافي فوريته ، لأنها تعدّ معه فعلا واحدا.

احتجّ أهل المضايقة بوجوه :

الأوّل : الأمر بالقضاء

وهو للفور.

الثاني : قوله سبحانه( أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (3).

فإنّها واردة في الفائتة ، كما ورد في صحيحة زرارة في رقود رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله (4)، وفي رواية أخرى له : « إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت اخرى


1) التهذيب 2 : 273 - 1086 ، الوسائل 4 : 284 أبواب المواقيت ب 61 ح 5.

2) انظر : الوسائل 8 : 254 و 270 أبواب قضاء الصلوات ب 1 ح 3 و 4 وب 8.

3) طه : 14.

4) الذكرى : 134 ، الوسائل 4 : 285 أبواب المواقيت ب 61 ح 6.

فإن كنت تعلم أنك إذا كنت صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك ، فإنّ اللّه تعالى يقول ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (1).

فيكون المعنى : أقم الصلاة وقت ذكر صلاتي ، على أن يكون اللام للظرفية ويقدّر المضاف ، أو : وقت ذكري إيّاك لما نسيت من الصلاة ، فيكون الذكر مضافا إلى الفاعل ، فيكون القضاء وقت التذكر واجبا فورا.

الثالث : الأخبار الدالّة على وجوب فعل القضاء حين التذكر وأنه وقته ، كصحيحة زرارة : عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلاة أن يصلّيها أو نام عنها ، فقال : « يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتمّ ما فاته فليقض ما لم يتخوف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت » (2).

وموثقة البصري : عن رجل نسي صلاة حتى دخل في وقت صلاة أخرى ، فقال : « إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها ، وإن ذكرها وهو في صلاته بدأ بالتي نسي ، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثمَّ صلّى المغرب » (3)الحديث.

وصحيحة زرارة : « أربع يصليهنّ الرجل في كل ساعة : صلاة فاتتك متى ذكرتها أدّيتها » (4)الحديث.


1) الكافي 3 : 293 الصلوات ب 12 ح 4 ، التهذيب 2 : 268 - 1070 ، الاستبصار 1 : 287 - 1051 ، الوسائل 4 : 287 أبواب المواقيت ب 62 ح 2.

2) الكافي 3 : 292 الصلاة ب 12 ح 3 ، التهذيب 2 : 266 - 1059 ، الاستبصار 1 : 286 - 1046 ، الوسائل 4 : 284 أبواب المواقيت ب 61 ح 3.

3) الكافي 3 : 293 الصلاة ب 12 ح 5 ، التهذيب 2 : 269 - 1071 ، الوسائل 4 : 291 أبواب المواقيت ب 63 ح 2.

4) الكافي 3 : 288 الصلاة ب 10 ح 3 ، الفقيه 1 : 278 - 1265 ، الخصال : 247 - 107 ، الوسائل 4 : 240 أبواب المواقيت ب 39 ح 1.

وصحيحة ابن عمار : « خمس صلوات لم تترك على كل حال : إذا طفت بالبيت ، وإذا أردت أن تحرم ، وصلاة الكسوف ، وإذا نسيت فصلّ إذا ذكرت ، وصلاة الجنازة » (1).

وصحيحة يعقوب : عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس ، أيصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تبسط الشمس؟ قال : « يصلي حين يستيقظ » قلت : يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال : « يبدأ بالفريضة » (2).

ورواية الرازي : عن رجل فاته شي‌ء من الصلاة فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها ، قال : « فليصلّ حين ذكرها ولو بعد العصر » (3).

وصحيحة زرارة والفضيل : « فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال كنت » (4).

وقوله عليه السلام : « من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها » (5).

ويزيد فيه دلالة أنه متضمن للفاء المفيدة للتعقيب بلا مهلة.

وقد زيد في بعض الروايات : « فذلك وقتها » (6)وفي بعضها : « أنّ من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها » (7).

وحديث زرارة : « إذا نسي الرجل صلاة أو صلاّها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فليقض الذي وجب عليه ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص ، ومن نسي أربعا


1) الكافي 3 : 287 الصلاة ب 10 ح 2 ، التهذيب 2 : 172 - 683 ، الوسائل 4 : 241 أبواب المواقيت ب 39 ح 4.

2) التهذيب 2 : 265 - 1056 ، الاستبصار 1 : 286 - 1047 ، الوسائل 4 : 284 أبواب المواقيت ب 61 ح 4.

3) التهذيب 2 : 171 - 680 ، الوسائل 4 : 244 أبواب المواقيت ب 39 ح 16.

4) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 10 ، التهذيب 2 : 276 - 1098 ، الوسائل 4 : 282 أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

5) عوالي اللئالي 1 : 201 - 17 ، مستدرك الوسائل 6 : 430 أبواب قضاء الصلاة ب 1 ح 11.

6) سنن ابن ماجه 1 : 228 - 698 ، المعتبر 2 : 406 ، بتفاوت.

7) سنن الدار قطني 1 : 423 - 1 ، بتفاوت يسير.

فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما ، وإن نسي ركعتين صلّى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما » (1).

وصحيحته وفيها : « وإن كنت قد صلّيت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها » (2).

والجواب عن الأوّل : بمنع كون الأمر للفور.

وعن الثاني : بأنّ للآية محتملات كثيرة كأن يكون الذكر بمعنى وقت الصلاة ، أو بمعنى الآذان ، أو قصد القربة ، أو يكون اللام للتعليل أي لتذكّري فيها ، أو لذكري لها وأمري بها ، أو لأذكرك كما قال جلّ شأنه ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (3)أو لذكري خاصّة غير مشوب برياء ، أو ليكون ذاكرا لي.

وليس في الحديثين دلالة على إرادة المعنى الأوّل ، إذ يمكن أن يكون التعليل لمطلق الأمر بالقضاء والحثّ عليه ، وبعض المحتملات يلائم التعليل بذلك. أو يكون مبنى التعليل على أمر لا نعلمه ، فإنّ تطبيق الآية على معنى يلائم تعليل التضيق به يحتاج إلى ارتكاب تخصيصات وتقديرات وتأويلات ليس بأقرب من ارتكاب خلاف ظاهر في التعليل.

مع أنّ الصلاة تشمل النوافل أيضا وتعجيل قضائها مستحب ، وليس حمل الأمر على الاستحباب بأبعد من تخصيص الصلاة.

ومع أنّ هذا التعليل ورد في صحيحة زرارة أيضا مع أنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لم يعجّل بالقضاء ، بل تحوّل من مكانه وتنفّل وتكلّم ثمَّ قضى (4).

وعلى فرض تسليم جميع ما ذكر لا يدلّ على أزيد من أنّ وقت الذكر وقت القضاء ، وأمّا الفورية والتضيق فلا.


1) الفقيه 1 : 282 - 1283 ، التهذيب 3 : 225 - 568 ، الوسائل 8 : 269 أبواب قضاء الصلاة ب 6 ح 4.

2) الكافي 3 : 291 الصلاة ب 12 ح 1 ، التهذيب 3 : 158 - 340 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

3) البقرة : 152.

4) الذكرى : 134 ، الوسائل 4 : 285 أبواب المواقيت ب 61 ح 6.

وعن الثالث : بأنّ أكثر أخباره بين متضمّن للجملة الخبرية الغير الدالّة على الوجوب صريحا ، أو للفظ الصلاة الشاملة للنوافل ، فلا يكون تخصيصها بالواجبة أولى من حمل الأمر فيها على مطلق الرجحان أو الجواز الذي هو أيضا من مجازات الأمر ، أو للأمرين معا ، مع أنّ منها ما هو عامي لا يصلح للحجية.

وما خلا عن أحد هذه الوجوه - وليس هو إلاّ رواية زرارة وصحيحته الأخيرتين - ففي دلالته على الفورية نظر. بل يدلّ على وجوب القضاء حين يذكرها أو أيّ ساعة ذكرها سواء كان أول حال الذكر أو بعدها ، فإنّه يصدق على الكلّ أنّه حين يذكرها وساعة كذلك.

مضافا إلى أنّ الاولى منهما منساقة لبيان كيفية القضاء من القصر والإتمام ، فالمعنى أنّه يجب القضاء على نحو نسيها حين التذكر.

وإلى أنّ الأمر في الأخيرة بل في الجميع وارد مورد توهّم الحظر أو الكراهة ، حيث نهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة ، وكان ذلك شائعا معروفا ، وهذه الأوامر لدفع هذا التوهم كما يشعر به قوله « في أيّ ساعة » وقوله « ولو بعد العصر » بل ذكر بعض هذه الأوقات ، وفي مثل ذلك الأمر ألف كلام.

ولو قطع النظر عن جميع ذلك فتعارض تلك الأخبار ما مرّ من أخبار المواسعة ، وأخبارا كثيرة أخر واردة في موارد غير عديدة من مجوّزات النوافل وقضائها في أيّ وقت ، ومرغّبات الصلاة في أول الوقت ومجوّزاتها تخييرا ، ومجوّزات سائر الأفعال ، فيرجع إلى الأصل أو التخيير. مع أنّ أخبار المواسعة تصلح قرينة لحمل هذه على الندب أو الجواز ، فيجب الحمل عليه.

وترجيح أخبار التضيّق بموافقة الكتاب ومخالفة العامة ممنوع.

لمنع التوافق للأوّل كما عرفت ، بل أخبار المواسعة أوفق لمثل قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) (1)كما يأتي.

ومنع التخالف للثاني. مع أنّ المرجّح هو المخالف لروايات العامّة ، وبعض


1) الإسراء : 78.

ما مرّ من أخبار المضايقة عامي ، فرواياتها لأخبارهم موافقة. بل الظاهر أن ذلك معنى قوله « خذ بما خالف العامة ».

بل القول بالمضايقة والترتيب مذهب أكثر العامة أيضا (1)، كما صرّح به بعض مشايخنا المحققين ، قال بعد ترجيحه المضايقة والترتيب : ويخدشه كون ذلك مذهب أكثر العامة ، فلعلّهم ذكروا ذلك في أخبارهم الصحاح الكثيرة اتقاء للشيعة (2).

هذا كلّه مع أنّ في دلالة أكثر أخبار المضايقة عليها تأملا من وجوه أخر أيضا.

المسألة الثانية :
اشارة

لا خلاف نصّا ولا فتوى في وجوب تقديم الحاضرة على الفائتة مع ضيق وقت الحاضرة ، والأخبار مع ذلك به مستفيضة.

وأمّا مع سعته ، ففي عدم وجوب تقديم الفائتة الواجبة مطلقا ، أو وجوبه كذلك ، أو التفصيل فالأول مع تعدّد الفائتة والثاني مع وحدتها ، أو الأول إن صلّى القضاء في غير يوم الفوات والثاني إن صلاّها في يوم فواتها ، أقوال.

الأول - وهو الحقّ - مذهب عبيد اللّه بن علي الحلبي في أصله الذي عرض على الصادق عليه السلام وأثنى عليه.

وأبي الفضل محمّد بن أحمد بن سليم ، قال في كتابه الفاخر : والصلوات الفائتة يقضين ما لم يدخل وقت صلاة ، فإذا دخل بدأ بالتي دخل وقتها وقضى بالفائتة متى أحبّ.

بل يظهر منه أنّه إجماعي حيث قال في خطبته لهذا الكتاب : إنّه ما روى فيه إلاّ ما اجمع عليه وصحّ من قول الأئمة :.

وأبي عبد اللّه الحسين بن أبي عبد اللّه الواسطي ، قال في كتابه النقض : إن


1) انظر : المغني والشرح الكبير 1 : 676 ، وبداية المجتهد 1 : 183.

2) البهبهاني في شرح المفاتيح ( مخطوط ).

سأل سائل وقال : أخبرونا عمّن ذكر صلاة وهو في أخرى ما الذي يجب عليه؟ قال : يتم التي هو فيها ويقضي ما فاته ، ثمَّ ذكر خلاف المخالفين.

ذكر هذه الثلاثة السيد ابن طاوس في بعض رسائله (1).

والقدح في الأخيرين بأنّ ظاهرهما وجوب تقديم الحاضرة ، وهو خلاف الإجماع والأخبار.

فاسد ، لعدم دلالة الأول على الوجوب أصلا ، فإنّ الجملة الخبرية لم تثبت دلالتها على الوجوب سيّما في كلمات القدماء أبدا. وأما الثاني فمقتضاه عدم جواز العدول عن الحاضرة ووجوب إتمامها ، وهذا غير وجوب تقديم الحاضرة مطلقا ( وإجماعية خلافه بل اشتهاره بل قول أحد ممن يقول بالمواسعة به في غير الفريضتين المشتركتين في الوقت ممنوع جدا ، بل وكذا إجماعية عدم وجوب تقديم الحاضرة مطلقا ) (2).

ونسب ابن إدريس في رسالة عملها في هذه المسألة هذا القول إلى طائفة من العلماء الخراسانيين.

وهو أيضا مختار الصدوقين ، والحسين بن سعيد ، والراوندي ، ونصير الدين عبد اللّه بن حمزة الطوسي ، وسديد الدين محمود الحمصي ، ويحيى بن سعيد جدّ المحقق ، ونجيب الدين يحيى ابن عمّه ، والسيد ضياء الدين بن الفاخر ، والشيخ أبي علي بن طاهر الصوري ، جميعا من قدماء أصحابنا ، نقل عنهم الشهيد (3).

وهو محتمل الكلام العماني (4). ونسبة القول بوجوب تقديم الفائتة إليه غير جيّد.

وفي الذخيرة : وكأنّ القول بالمواسعة كان مشهورا بين القدماء (5).0.


1) نقلها في البحار 85 : 327.

2) ما بين القوسين لا توجد في « س ».

3) الظاهر أنه نقل عنهم في غاية المراد ، انظر : مفتاح الكرامة 3 : 386.

4) حكاه عنه في المختلف : 144.

5) الذخيرة : 210.

وهو مختار الفاضل في أكثر كتبه (1)، ووالده وولده (2)، وأكثر من عاصره من المشايخ ، نقله في المختلف (3)، والشهيدين في اللمعة والروضة (4)، بل أكثر المتأخرين ومتأخريهم (5)، ودعوى شهرتهم عليه مستفيضة ، واختاره ابن طاوس والأردبيلي وصاحب الذخيرة (6).

والثاني لكلّ من قال في المسألة السابقة بالفورية والمضايقة ، وهو مذهب الشيخ والإسكافي وابن زهرة والحلّي (7)، وادعي عليه شهرة القدماء مستفيضة (8)، بل عن الخلاف والغنية والسرائر ورسالتي المفيد والحلي : الإجماع عليه (9)، واختاره بعض مشايخنا مع قوله في المسألة الأولى بالمواسعة (10).

والثالث للمعتبر والشرائع والنافع والمدارك (11)، وقواه الشهيد في بعض كتبه (12).

والرابع للمختلف (13).


1) كالمنتهى 1 : 421 ، والتذكرة 1 : 81 ، ونهاية الاحكام 1 : 322 ، والتحرير 1 : 50.

2) ولده في الإيضاح 1 : 146 ، ونقل عن والده في المختلف : 144.

3) المختلف : 144.

4) اللمعة والروضة 1 : 345.

5) كالمحقق الثاني في جامع المقاصد 2 : 494 ، والفيض الكاشاني في المفاتيح 1 : 185 ، والمجلسي في البحار 85 : 323.

6) ابن طاوس في رسالته التي أورد بعضها في البحار 85 : 327 ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 2 : 39 ، الذخيرة : 210.

7) الشيخ في النهاية : 125 ، والخلاف 1 : 382 ، والمبسوط 1 : 126 حكاه عن الإسكافي في المختلف : 144 ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562 ، الحلي في السرائر 1 : 203 و 272.

8) انظر : الرياض 1 : 226.

9) الخلاف 1 : 385 ، الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562 ، السرائر 1 : 203.

10) الرياض 1 : 226.

11) المعتبر 2 : 405 ، الشرائع 1 : 121 ، النافع : 46 ، المدارك 4 : 295.

12) نقله في مفتاح الكرامة 3 : 390 عن غاية المراد.

13) المختلف : 144.

لنا وجوه :

الأوّل : الأصل.

الثاني : إطلاق قوله سبحانه ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1).

دلّت على جواز صلاة الظهر عند الدلوك مطلقا ، فعلى من يقول بعدم الجواز لمن عليه الفائتة الإثبات.

والقول بأنّه لو تمَّ لدلّ على وجوب تقديم الحاضرة أو رجحانه ، والأكثر لا يقولون به.

مردود بأنّ الأمر في الآية مجاز إمّا في الوجوب التخييري أو الجواز ، وارد لبيان التوقيف ، وإلاّ فلا معنى للوجوب أو الرجحان العيني إلى غسق الليل.

الثالث : إطلاق الأخبار المبيّنة لأوقات الصلاة ، والمجوّزات أو الأوامر للصلاة فيها ، كقوله : « إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر » (2).

وصحيحة سعد : « إذا دخل الوقت عليك فصلهما فإنّك لا تدري ما يكون » (3).

وعمومات الأخبار الدالّة على فضيلة أول الوقت أو أفضليته.

والإيراد عليه بنحو ما مرّ من أنّ مقتضاها - بعد ملاحظة الإجماع والأدلّة الخارجية الدالّة على عدم الوجوب في أوّل الوقت - رجحان فعل الحاضرة ولو على من كانت عليه فائتة ، وهم لا يقولون به ، والحمل على الجواز ليس بأولى من التخصيص بمن ليست عليه فائتة.

مردود بأنّه إنّما يجري في بعضها دون الجميع مما لا يتضمن أمرا أو نحوه. مع أنّه إنّما يتمّ لو سلّم الإجماع على عدم رجحان تقديم الحاضرة ، وهو بعد غير


1) الإسراء : 78.

2) انظر : الوسائل 4 : 125 أبواب المواقيت ب 4.

3) التهذيب 2 : 272 - 1082 ، الوسائل 4 : 119 أبواب المواقيت ب 3 ح 3.

معلوم.

وقد يردّ الإيراد أيضا بأنّ غايته ترك أفضلية تقديم الحاضرة بسبب المعارض فيبقى الجواز.

وفيه نظر يظهر وجهه مما مرّ من عدم أولوية التجوز عن التخصيص.

الرابع : العمومات المجوّزة لفعل النوافل أداء أو قضاء على من عليه قضاء فريضة.

منها : ما مرّ في المسألة السابقة.

ومنها : الأخبار المصرّحة بأنّ الصلاة الفائتة - الشاملة لقضاء النوافل - تقضى في كلّ وقت وفي كلّ ساعة وحين ذكرها (1)، الشامل للمورد أيضا.

ومنها : المصرّحة بأن خصوص النوافل تقضى في كلّ وقت ، كصحيحة حسان بن مهران (2)، ومكاتبة محمد بن يحيى (3)، ورواية سليمان بن هارون (4).

فإنه لو جاز فعل النوافل وقضاؤها قبل قضاء الفريضة جاز فعل الفريضة الحاضرة بالطريق الأولى والإجماع المركب.

ومنع جواز النافلة لمن عليه فريضة ، باطل ، كما مرّ في بحث الأوقات.

نعم يمكن منع الأولوية والإجماع المركب بالنسبة إلى قضاء النوافل ، كما صرّح به بعضهم (5)، وتدل عليه صحيحة زرارة المتضمنة لإخباره بما سمع لحكم ابن عيينة وأصحابه ، فإنها تدلّ على أنّ الترتّب إنّما هو بين الحاضرة والفائتة ، دون النافلة الفائتة والفريضة الكذائية (6).


1) الوسائل 8 : 253 و 256 أبواب قضاء الصلوات ب 1 و 2.

2) التهذيب 2 : 272 - 1084 ، الاستبصار 1 : 290 - 1064 ، الوسائل 4 : 242 أبواب المواقيت ب 39 ح 9.

3) الكافي 3 : 454 الصلاة ب 90 ح 17 ، التهذيب 2 : 272 - 1083 ، الوسائل 4 : 240 أبواب المواقيت ب 39 ح 3.

4) التهذيب 2 : 173 - 690 ، الاستبصار 1 : 290 - 1061 ، الوسائل 4 : 243 أبواب المواقيت ب 39 ح 11.

5) انظر : شرح المفاتيح للبهبهاني ( مخطوط ).

6) الذكرى : 134 ، الوسائل 4 : 285 أبواب المواقيت ب 61 ح 6.

الخامس : صحيحتا ابن سنان وأبي بصير : « إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء الآخرة - إلى أن قال - : « وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمَّ المغرب ثمَّ العشاء قبل طلوع الشمس » (1)الحديث.

ولا تضرّ دلالتهما على كراهة قضاء الفرائض عند طلوع الشمس ، ولا على امتداد وقت العشاءين إلى الفجر.

لأنّ مخالفة جزء من الحديث للقاعدة لا تخرج باقيه عن الحجية.

مع أنّ الثاني - أي امتداد وقتهما إلى الفجر في الجملة - هو الأظهر ، كما في موضعه قد مرّ.

بل قد يرجّح الأول - وهو ترك القضاء في الأوقات المكروهة - لمصلحة ، فيمكن أن يكون المقام منه ، فيرجح الترك اتقاء عن العامة. وليس مرادنا أنّ ما ذكر في ذلك الخبر تقية حتى لا يكون الحكم واقعيا ، بل المراد أنّه مع تشدّد العامة وجعله من علائم الرفض يكون القضاء في هذه الأوقات مرجوحا واقعا ، فلا مخالفة في الصحيحين للقاعدة أصلا.

والقدح فيهما بدلالتهما على وجوب تقديم الحاضرة.

مردود بأنّه لو سلّم عدم وجوبه فيكون الدليل عليه قرينة لإرادة الرجحان المطلق ، ولو كان دليل على انتفائه أيضا يكون ذلك دليلا على إرادة الجواز من الأمر أو الوجوب التخييري.

السادس : صحيحة الحلبي ورواية محمد :

الأولى : رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال : « متى شاء ، إن شاء بعد المغرب وإن شاء بعد العشاء » (2).

والثانية : عن الرجل تفوته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال : « متى شاء ، إن


1) التهذيب 2 : 270 - 1076 و 1077 ، الاستبصار 1 : 288 - 1053 و 1054 ، الوسائل 4 : 288 أبواب المواقيت ب 62 ح 3 و 4.

2) الكافي 3 : 452 الصلاة ب 90 ح 6 ، التهذيب 2 : 163 - 639 ، الوسائل 4 : 241 أبواب المواقيت ب 39 ح 7.

شاء بعد المغرب وإن شاء بعد العشاء » (1).

والإيراد عليه بأنّ الظاهر من « صلاة النهار » نافلته فاسد ، لعدم تحقق شي‌ء يوجب الظهور أصلا. وقياسه على صلاة الليل المختصة بصلاة مخصوصة كما ترى.

والخدش بأنّ الحوالة على المشيّة توجب التسوية مع أنّ تقديم الفائتة راجح ، يأتي جوابه.

السابع : مرسلة جميل : تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب ويذكر عند العشاء ، قال : « يبدأ بالوقت الذي هو فيه ، فإنّه لا يأمن [ الموت ] (2)فيكون قد ترك الفريضة في وقت قد دخل ، ثمَّ يقضي ما فاته الأول فالأول » (3).

والقدح فيها بدلالتها على رجحان تقديم الحاضرة وهو خلاف الإجماع.

مردود بما مرّ ويأتي من منع الإجماع على خلافه. ولو سلّم فيكون هو قرينة على إرادة مطلق الجواز.

وبأنّ (4)وقت العشاء مشترك فلا معنى لتقديم العشاء ، يأتي جوابه.

الثامن : موثقة الساباطي : عن الرجل يفوته المغرب حتى تحضر العتمة ، فقال : « إن حضرت العتمة وذكر أنّ عليه صلاة المغرب فإن أحبّ أن يبدأ بالمغرب بدأ ، وإن أحبّ بدأ بالعتمة ثمَّ صلّى المغرب بعدها » (5).

وأورد عليها بأنّ المراد بوقت العتمة إن كان وقتها المختص فالحكم بالتخيير غير معقول ، لوجوب تقديم العتمة. وإن كان الوقت المشترك فمع عدم وجه لاختصاصه بالحكم لا يعقل التخيير أيضا ، لوجوب تقديم المغرب. والحمل على


1) الكافي 3 : 452 الصلاة ب 90 ح 7 ، التهذيب 2 : 163 - 640 ، الوسائل 4 : 241 أبواب المواقيت ب 39 ح 6.

2) في النسخ : الفوات ، وما أثبتناه موافق للمصدر.

3) المعتبر 2 : 407 ، الوسائل 4 : 289 أبواب المواقيت ب 62 ح 6.

4) عطف على قوله : بدلالتها ، أي : والقدح فيها بأنّ ..

5) التهذيب 2 : 271 - 1079 ، الاستبصار 1 : 288 - 1055 ، الوسائل 4 : 288 أبواب المواقيت ب 62 ح 5.

المغرب السابقة خلاف الظاهر. فالرواية شاذّة مطروحة.

والجواب عنه : أمّا على ما هو الحقّ المختار من اختصاص وقت المختار للمغرب بزوال الحمرة المغربية فواضح ظاهر ، بل هي أيضا من أدلة ذلك المذهب.

وأمّا على اشتراك الوقت فبأنه لا شكّ أنّ اللفظ صالح للمغرب السابقة ، ولا قرينة في الكلام على مغرب هذه الليلة أصلا ، فلم لا يحمل على السابق بقرينة عدم معقولية غيرها مع أنّهم يحملون الألفاظ على مجازات أبعد من ذلك بقرائن أخفى من هذه؟! وليس هذا مجازا بعيدا ، بل هو من باب استعمال المطلق في فرد ، مع أنّ اللاحقة أيضا ليست إلاّ فردا آخر من المطلق.

والإيراد بأنّ الحوالة على مشتهى المكلف خلاف الإجماع ، لأنّ تقديم الفائتة راجح إجماعا.

ففيه : أنّه لو سلّم ذلك الإجماع لم يضرّ تلك الحوالة ، لوقوعها في المستحبات كثيرا ، ولم يذكر في الخبر إلاّ جواز الأمرين مع إرادته ، وذلك لا يناقض استحباب أحد الطرفين أصلا. ألا ترى أنّه ورد في الوتر « أنها ليست بمكتوبة فإن شئت صلّيتها » (1)؟ وورد في الصلاة « فمن أراد استقلّ ومن أراد استكثر » (2).

التاسع : المروي في قرب الإسناد للحميري : عن رجل نسي الفجر حتى حضر الظهر ، قال : « يبدأ بالظهر ثمَّ يصلّي الفجر » (3).

العاشر : المروي في كتاب الحسين بن سعيد بإسناده عن الصادق عليه السلام : عن رجل نسي أو نام عن الصلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى - إلى أن قال - : « وإن كانت صلاة العصر فليصلّ العشاء ثمَّ يصلّ العصر » (4).


1) الوسائل 4 : 67 أبواب أعداد الفرائض ب 16 ح 1 ، ورواها الشيخ في التهذيب 2 : 11 - 22.

2) مستدرك الوسائل 3 : 43 أبواب أعداد الفرائض ب 10 ح 9 عن النفلية للشهيد (ره).

3) قرب الإسناد : 198 - 754 ، الوسائل 8 : 255 أبواب قضاء الصلاة ب 1 ح 9.

4) مستدرك الوسائل 6 : 428 أبواب قضاء الصلاة ب 1 ح 6 عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد (ره).

والإيراد ببعض ما مر عليهما يظهر دفعه مما مرّ.

احتجّ القائلون بالقول الثاني :

أولا : بالإجماع المنقول كما تقدّم.

وثانيا : بأصل الاشتغال وطريقة الاحتياط المطلوبة في العبادات.

وثالثا : بجميع ما مرّ دليلا للمضايقة.

ورابعا : بالمرويّ عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله مرسلا : أنّه قال : « لا صلاة لمن عليه صلاة » (1).

وخامسا : بالأخبار ، وهي كثيرة :

منها : صحيحة زرارة الطويلة وفيها : « وإن كنت ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلّ العصر ثمَّ صلّ المغرب ، وإن كنت قد صليت المغرب فقم فصلّ العصر ، وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمَّ ذكرت العصر فانوها العصر ، ثمَّ قم فأتمّها بركعتين ثمَّ سلم ثمَّ صلّ المغرب ، وإن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب فقم فصلّ المغرب ، وإن كنت ذكرتها وقد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمَّ سلّم ثمَّ قم فصلّ العشاء الآخرة ، وإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصلّ العشاء الآخرة ، وإن كنت ذكرتها وأنت في ركعة أولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمَّ قم فصلّ الغداة وأذّن وأقم ، وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة ثمَّ ابدأ بالمغرب ثمَّ العشاء ، فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثمَّ بالغداة ثمَّ صلّ العشاء ، فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمَّ صلّ المغرب والعشاء » (2)الحديث.


1) مستدرك الوسائل 3 : 160 أبواب المواقيت ب 46 ح 2 عن الرسالة السهوية للشيخ المفيد (ره).

2) الكافي 3 : 291 الصلاة ب 12 ح 1 ، التهذيب 3 : 158 - 340 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

ومنها : رواية الحلبي : عن رجل نسي الأولى - إلى أن قال - : « وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ، ولا يؤخّرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا ، ولكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها ، ثمَّ ليصلّي الأولى بعد ذلك على أثرها » (1).

وجه الدلالة : الأمر بالأولى بعد الفراغ من العصر على أثرها.

ومنها : ما مرّ في المسألة السابقة من رواية زرارة المتضمنة لقوله « فابدأ بالتي فاتتك » وصحيحته المشتملة على قوله « فليقض ما لم يتخوف » إلى آخرها ، وموثقة البصري (2).

وصحيحة صفوان : عن الرجل نسي الظهر حتى غربت الشمس وقد كان صلّى العصر ، فقال : « كان أبو جعفر عليه السلام أو كان أبي يقول : إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها ، وإلاّ صلّى المغرب ثمَّ صلاّها » (3).

ورواية أبي بصير : عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر قال : « يبدأ بالظهر ، وكذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلاّ أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ، ثمَّ تقضي التي نسيت » (4).

ومعمّر بن يحيى : رجل صلّى إلى غير القبلة ثمَّ تبين له وقد دخل وقت صلاة أخرى ، قال : « يعيدها قبل أن يصلّى هذه التي قد دخل وقتها » (5).

وصحيحة الحلبي : عن رجل أمّ قوما في العصر ، فذكر وهو يصلّي بهم أنّه لم يكن صلّى الأولى ، قال : « فيجعلها الأولى التي فاتته ، ويستأنف بعد صلاة


1) التهذيب 2 : 269 - 1074 ، الاستبصار 1 : 287 - 1052 ، الوسائل 4 : 129 أبواب المواقيت ب 4 ح 18.

2) راجع ص : 284.

3) الكافي 3 : 293 الصلاة ب 12 ح 6 ، التهذيب 2 : 269 - 1073 ، الوسائل 4 : 289 أبواب المواقيت ب 62 ح 7.

4) الكافي 3 : 292 الصلاة ب 12 ح 2 ، التهذيب 2 : 172 - 684 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 62 ح 8.

5) التهذيب 2 : 46 - 150 ، الاستبصار 1 : 297 - 1099 ، الوسائل 4 : 313 أبواب القبلة ب 9 ح 5. والراوي في جميعها : عمرو بن يحيى.

العصر » (1).

والمروي في قرب الإسناد : عن رجل نسي العشاء ثمَّ ذكر بعد طلوع الفجر ، كيف يصنع؟ قال : « يصلي العشاء ثمَّ الفجر » وسألته عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر ، قال : « يبدأ بالفجر ثمَّ يصلّي الظهر ، كذلك كل صلاة بعدها صلاة » (2).

والجواب أمّا عن الأوّل : فبعدم حجيّة الإجماع المنقول جدا ، سيّما مع مخالفة فحول القدماء ، ومعارضته بظاهر دعوى الإجماع المتقدم عن كتاب الفاخر (3)، واستفاضة دعوى الشهرة المتأخرة (4).

وأمّا عن الثاني : فبما مرّ مرارا من أنّ في مثل المقام يجري أصل البراءة دون أصل الاشتغال ، وأمّا الاحتياط فلو سلّم جريانه هنا فليس إلاّ مستحبا.

وأمّا عن الثالث : فبما مرّ في المسألة السابقة. مضافا إلى عدم استلزام الفورية للترتّب المطلوب ، لحصول التعارض بين أدلّة فوريته وبين أدلّة تجويز الحواضر في جميع أوقاتها وترغيب أول أوقاتها بالعموم من وجه ، والترجيح لأدلّة الحواضر بالأكثرية ومخالفة العامة وموافقة الكتاب.

وأمّا عن الرابع : فبضعفه الخالي عن الجابر. واشتهار القول بالترتّب - لو سلّم - لا يوجب اشتهار بطلان الحاضرة ، كيف؟! ومن القائلين بالترتّب جمع لا يقولون ببطلان الحاضرة لو فعلها (5).

مع أنّ نسبته إلى الحاضرة والفائتة على السواء ، إذ يصدق على من دخل


1) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 7 ، التهذيب 2 : 269 - 1072 ، الوسائل 4 : 292 أبواب المواقيت ب 63 ح 3.

2) قرب الإسناد 197 - 753 و 754 ، الوسائل 8 : 255 أبواب قضاء الصلاة ب 1 ح 8 و 9.

3) راجع ص : 288.

4) راجع ص 290.

5) قال الشهيد في الذكرى : 134 : ولم يصرّح في النهاية والخلاف ببطلان الحاضرة لو أوقعها لا مع الضيق ، وكذلك المفيد وابن أبي عقيل وابن الجنيد ، نعم صرّح به المرتضى وابن البرّاج وأبو الصلاح والشيخ في المبسوط وابن إدريس.

عليه وقت الفريضة أنه عليه صلاة الحاضرة ، فلا تتم منه صلاة الفائتة.

هذا كلّه مع أنّه معارض برواية علي بن جعفر ، وفيها : « لا صلاة في وقت صلاة » (1).

وأمّا عن الأخبار : فبأنّ غير الأربعة الأولى منها خالية عن الدالّ على الوجوب بالمرة ، بل لا يتضمن إلاّ جملا إخبارية هي عن الدلالة على الوجوب قاصرة ، بل لكلّ من الوجوب والرجحان بل مطلق الجواز محتملة.

ودعوى إفادتها الوجوب ناشئة من عدم حقّ التأمّل في المسألة ، فإنّها مستعملة في معان مجازية ، فلو سلّمت إفادتها الوجوب في هذا العصر فهي إفادة حادثة ، والأصل في كلّ حادث التأخر.

مضافا إلى ما في موثقة البصري من عدم دلالتها - مع الإغماض عن جميع ما ذكر - إلاّ على وجوب تقديم الفائتة الواحدة ، فإنّ قوله : « أتمّها بركعة ثمَّ صلّى المغرب » يدلّ على أنّ الفائتة صلاة واحدة ، فكيف يستدل بها للقول بالترتّب المطلق؟!.

ومنه يظهر قدح آخر في صحيحتي صفوان والحلبي ورواية قرب الإسناد. مع ما في صحيحة الحلبي أيضا من خروجها عن المتنازع فيه البتة ، لعدم الخلاف في وجوب تقديم الظهر على العصر ، فإنّه من باب ترتّب الحواضر.

ومنه يظهر قدح آخر في رواية أبي بصير ، لأنّه أيضا من ذلك الباب.

ولا يتوهّم إطلاق قوله : « وكذلك الصلوات ».

إذ مقتضى تشبيهها بما تقدّم عليه أنّ المشتركين في الوقت إذا نسي أوّلهما تقدّم على اللاحقة ، فيكون اللام في « الصلوات » للعهد بقرينة التشبيه. ولا أقلّ عن تساوي الاحتمالين المسقط للاستدلال.

ولو أبيت إلاّ عن الإطلاق فيكون شاملا للنوافل المنسية أيضا ، ولا شكّ في عدم وجوب تقديمها بل عدم رجحانه ، فيعارض التخصيص مع التجوّز بإرادة


1) التهذيب 3 : 320 - 996 ، الوسائل 3 : 124 أبواب صلاة الجنازة ب 31 ح 3.

الندب أو الإباحة ، والحقّ عدم أولوية أحدهما عن الآخر ، سيّما عن تجوّز استعمال الدالّ على الوجوب - لو كان - في الاستحباب الذي هو في الشيوع بمكان يتوقف في تقديم الوجوب عليه فيما هو حقيقة في الوجوب.

ومن ذلك يظهر قدح آخر في رواية معمر ، فإنّ الصلاة فيها أيضا مطلقة ، مضافا إلى مخالفتها لما عليه الفتوى من عدم إعادة الصلاة خارج الوقت مع تبيّن الخطأ في القبلة.

ومن ذلك ظهر عدم دلالة غير الأربعة الاولى.

والأخيرتان منها أيضا مقدوحتان بما مرّ من إطلاق الصلاة فيهما الشاملة للنافلة والفريضة ، الغير الواجب تقديم الاولى قطعا ، الموجب لتعارض التخصيص والتجوّز.

فلم يبق إلاّ الأوليين.

والأخيرة منهما أيضا مختصّة بالفائتة الواحدة ، فالاستدلال بها على الإطلاق غلط. مضافا إلى أنّ في دلالة قوله « على أثرها » على التعجيل والتقديم على المغرب نظرا.

مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك أيضا فلا شكّ أنّها مختصة بالفائتة المقضية في يومها ، التي أفتى الفاضل باختصاص التقديم بها ، فكيف يستدلّ بها على الإطلاق؟!.

ومن ذلك يظهر قدح آخر في كثير مما مرّ ، بل في الصحيحة الأولى أيضا إن كان المراد بيوم الفائتة ما يشمل الليلة أيضا أو احتمل ذلك حتى يوجب الوهن للإجماع المركّب.

مع أنّه لو قطع النظر عن ذلك غايته تكون هناك صحيحة واحدة دالّة معارضة مع أخبار كثيرة ، فكيف تقدم عليها؟!.

مع أنّه لو سلّمت دلالة الجميع فتحصل المقابلة بين الفريقين من الأخبار ، ومن البديهيات أن تجويز الترك قرينة واضحة على عدم إرادة الحقيقة من الأمر ، ويجب صرفه عن الحقيقة.

ولو قطع النظر عن ذلك أيضا لحصل التعارض بين الفريقين ، فيجب الرجوع إلى المرجّح ، ولا شكّ أنّ أخبار عدم الترتّب أرجح من جميع وجوه المرجّحات المنصوصة : فإنّها موافقة لعموم الكتاب الدالّ على جواز إقامة الصلاة في أول أوقاتها ، والدالّ على انتفاء العسر والحرج ، ومطابقة للسنة النبوية من كونه مبعوثا بالملّة السهلة السمحة ، ومخالفة لروايات العامة وفتواهم ، إذ - كما صرّح به جمع من علمائنا منهم صاحب الذخيرة وبعض مشايخنا المحققين وغيرهما ، وتدل عليه رواياتهم - القول بالمضايقة والترتّب فتوى أكثر العامة.

بل من جهة بعض المرجّحات الغير المنصوصة أيضا ، كموافقة الأصل ، وأوفقية العمومات الكثيرة الغير العديدة ، وعمل الناس من الصدر الأول إلى زماننا هذا.

وترجيح أخبار المضايقة والترتّب بالأكثرية والأصحية غلط واضح.

نعم ، قد تترجّح بموافقة شهرة القدماء والإجماعات المنقولة.

ويعارضه ما مرّ من شهرة المتأخرين المستفيضة حكايتها ودعوى الإجماع من بعضهم على خلافه.

مع أنّه يستفاد من كلام الحلّي الوهن في دعوى إجماعه بل إجماع غيره جدا ، حيث إنه في الرسالة الّتي عملها للمسألة قال : أطبقت عليه الإمامية خلفا عن سلف - إلى أن قال - : لأنّ ابني بابويه والأشعريين كسعد بن عبد اللّه وسعد بن سعد ومحمد بن علي بن محبوب ، والقميين كعلي بن إبراهيم ومحمد بن الحسن بن الوليد عاملون بالأخبار المتضمنة للمضايقة ، لأنّهم ذكروا أنّه لا يحلّ ردّ الخبر الموثوق روايته. انتهى.

ولا يخفى ما في تعليله لعمل هؤلاء بأخبار المضايقة ، فإنّه بعينه يجري في أخبار المواسعة أيضا.

ثمَّ لو سلّمت مكافاة الترجيحين فالعمل إمّا بالأصل أو التخيير ، ومقتضاهما أيضا عدم الترتّب.

ومما ذكرنا ظهر أنّ المسألة واضحة جدا وإن توهّم بعض مشايخنا الأخباريين

الأمر بالعكس ، وجعل الوضوح للمضايقة ، وأطال في المسألة بما أكثره استعجابات وخطابيات لا تسمن ولا تغني من جوع (1).

احتجّ كلّ من المخالفين الآخرين : بالأمر بتقديم الفائتة الواحدة أو فائتة اليوم في بعض الأخبار ، وتجويز تأخيرها في المتعددة أو من غير اليوم في بعض آخر.

وضعفهما ظاهر ممّا مرّ ، فإنّ كلاّ من الأمر بالتقديم وتجويز التأخير ورد في كلّ من الواحدة والمتعدّدة وفائتة اليوم وغيرها ، فإنّ صحيحة زرارة الطويلة تتضمّن الأمر بتقديم الواحدة والمتعدّدة من غير يوم الفوات (2)، كما أنّ موثّقة الساباطي وما بعدها من روايتي قرب الإسناد وكتاب الحسين تتضمّن تجويز التأخير في الفائتة الواحدة (3)، ومرسلة جميل وغيرها تتضمّن تجويز التأخير في يوم الفوات أيضا (4).

والانصاف أنّه لا مناص عن القول بالتفصيل بين الواحدة والمتعدّدة على طريقة صاحب المدارك ومن يحذو حذوه من عدم العمل بالموثّقات وأخبار غير الكتب الأربعة ، إذ ليس ما يصرّح بتجويز تقديم الفائتة الواحدة إلاّ العمومات والموثّقة وما بعدها ، والصحيحة الآمرة بتقديمها خاصّة ، فعلى أصله لا تقاومها الموثقة وما يتعقبها ، ويجب تخصيص العمومات بها.

نعم ، على أصلنا من العمل بالموثقات - سيّما على ما اخترنا من انتهاء وقت المغرب بزوال الحمرة - لا يكون للتفصيل دليل تامّ ، لدلالة الموثقة على تقديم العشاء على المغرب مع انتهاء وقتها ، مع العمومات وسائر ما مر.

فروع :

أ : إذ قد عرفت أنّ الحق عدم ترتّب الفوائت على الحواضر(5)، فهل الراجح


1) انظر : الحدائق 6 : 338 الى 368.

2) راجع ص 296.

3) راجع ص 294.

4) راجع ص 294.

5) الظاهر أنّ التعبير بترتّب الفائتة على الحاضرة من باب صناعة القلب ، والأصل : ترتّب الحاضرة على الفائتة ، كما نبّه عليه الشهيد الثاني (ره) في روض الجنان : 189.

تقديم الفائتة كما اختاره أكثر المتأخرين القائلين بعدم الترتب (1)؟ أو الحاضرة كما عن الصدوقين (2)، ومال إليه بعض المتأخرين (3)؟.

والتحقيق أنّه قد ورد الأمر بكلا الأمرين في الفريقين من الروايات ، ويشتركان في عمومات الأمر بالاستباق والمسارعة إلى الخيرات.

ومزية تقديم الحاضرة بالأخبار الغير العديدة من الصحاح وغيرها الدالّة على أفضلية أول الوقت ، والمرغّبة للتعجيل إلى الصلاة في أوائل أوقاتها وأنّها رضوان اللّه ، إنّما كانت مفيدة لو لا معارضتها مع ما مرّ من تقديم الفائتة من الظواهر في الرجحان أو الوجوب ، وأدلّة الاحتياط. واشتهار رجحان تقديم الفائتة - لو كانت - شهرة في الفتوى ، وهي ليست من المرجّحات المنصوصة.

فلو لا موافقة أخبار تقديم الفائتة لروايات العامة وفتاوى أكثرهم - التي هي من موجبات مرجوحيّة الخبر نصا وفتوى - لكانت وظيفتنا الحكم بتساوي الأمرين ، لا بمعنى أنّه الحكم واقعا ، بل لكونه حكم من لم يظهر له ترجيح أحد الطرفين. ولكن الموافقة المذكورة تمنعنا عن الحكم المذكور ، ويترجّح عندنا رجحان تقديم الحاضرة لأجل ذلك.

وأمّا ما يستفاد من كلام بعض مشايخنا من توهّم الإجماع على رجحان تقديم الفائتة (4).

فليس بشي‌ء ، إذ مذهب أكثر من تقدّم من القائلين بعدم الترتب لنا غير معلوم ، فكيف يمكن دعوى الإجماع فيه ، سيّما مع مخالفة مثل الصدوقين صراحة؟!.

ب : لو قلنا بفورية القضاء يحرم تركها قطعا ، ويكون جميع أضداد القضاء


1) كالعلامة في المنتهى 1 : 421 ، والشهيدين في اللمعة والروضة 1 : 345.

2) المقنع : 32 ، الفقيه 1 : 232 ، وحكاه عن والده في المختلف : 144.

3) المحقق السبزواري في الذخيرة : 213.

4) انظر : الرياض 1 : 226.

الخاصة منهيا عنها على المختار ، فيحرم كلّ ما ليس على جوازه أو استحبابه أو وجوبه دليل عامّ يعارض ذلك النهي ، ويرجع إلى حكم التعارض فيما كان فيه عامّ كذائي ، كما بيّناه في الأصول.

ج : لو قدّم الحاضرة مع سعة وقتها حال كونه ذاكرا للفائتة ، فعلى القول بوجوب تقديم الفائتة تجب إعادتها ، لكونها باطلة ، لأنّ النهي عن ضدّ الأمر بالابتداء بالفائتة مطلقا أو فوائت مخصوصة كالمغرب والعشاء ونحوهما أخصّ مطلقا عمّا يتضمّنه الأمر بالحاضرة في جميع أوقاتها أو الترغيب بها في أوائل أوقاتها ، فيخصّ بها ، وتبطل به الحاضرة.

ولو فعل ذلك سهوا لم يعد الحاضرة قولا واحدا ، لعدم تعلّق النهي بالساهي.

د : لو تذكر من عليه فائتة في أثناء الحاضرة عدل إلى الفائتة - على القول بالترتب - مع الإمكان ، وهو حيث لا تتحقق زيادة ركوع ، بلا خلاف من القائلين بالترتب ، وتدل عليه الصحيحة الطويلة وموثقة البصري (1). ومقتضى الأولى جواز العدول مع الفراغ من الفريضة ، ولم نعثر على قائل به.

المسألة الثالثة :
اشارة

من فاتته فريضة واحدة حضرا من يوم ، ولم يعلمها بعينها ، صلّى ثنائية وثلاثية ورباعية بنية قضاء ما في ذمته ، على الأقوى الأشهر ، كما صرّح به جماعة (2)، وعن الخلاف والسرائر : الإجماع عليه (3).

لأصالة عدم اشتغال الذمة بالزائد عن ذلك. ولا تعارضها أصالة الاشتغال ، لعدم تيقّن الشغل بالأزيد ، وما علم الشغل به فقد حصل.


1) المتقدمتان في ص 284 و 296.

2) كالعلامة في التذكرة 1 : 82 ، والسبزواري في الكفاية : 27 ، وصاحب الرياض 1 : 227.

3) الخلاف 1 : 309 ، السرائر 1 : 275.

فإن قلت : اشتغلت الذمة بشي‌ء معين ، والحاصل أمر غير معين.

قلنا : لا معنى لحصول غير المعيّن ، إذ الشي‌ء ما لم يتعيّن لم يوجد. نعم لا يتعيّن في القصد ، ولم يثبت اشتغال الذمة بالمعيّن في القصد هنا ، والتعيّن الذي كان واجبا في الفائت - من الأدائية والظهرية مثلا - غير ممكن التحقق فيما نحن فيه ، فلا يكون مكلفا به قطعا.

ومنه يظهر عدم اندفاع الأصل بعموم المماثلة الواردة في بعض الأخبار (1)لو سلّم العموم.

فإن قلت : إن كان الفائت الظهر مثلا فقد اشتغلت الذمة بقضاء الظهر ، والحاصل ليس ذلك.

قلت : إن أردت اشتغال الذمة بقضاء صلاة بنية كونها ظهرا فهو باطل قطعا ، وإن أردت اشتغالها بقضاء صلاة بقصد كونها قضاء ظهر فلا نسلّم الاشتغال به ، بل المسلّم اشتغالها بقضاء أربع ركعات للأربع الفائتة.

والقول بأنّ العبادات توقيفية ، ولم يثبت من الشارع الاكتفاء بواحدة.

مردود بأنّه لم يثبت من الشارع أزيد من وجوب ركعات.

وأضعف منه تأيّد التعدد في الأربع بأصالة عدم التداخل كما في الحدائق (2)، فإنّ الاكتفاء بالواحدة لأجل عدم ثبوت الزائد ، لا لتداخل أكثر من الواحدة.

وتدلّ على المطلوب أيضا مرسلة ابن أسباط : « من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة ولم يدر أيّ صلاة هي صلّى ركعتين وثلاثا وأربعا » (3).

والمروي في محاسن البرقي : عن رجل نسي صلاة من الصلوات ما يدري أيها هي ، قال : « يصلّي ثلاثا وأربعا وركعتين ، فإن كانت الظهر أو العصر أو


1) انظر : الوسائل 8 : 268 أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1 ، عوالي اللئالي 2 : 54 - 143.

2) الحدائق 11 : 19.

3) التهذيب 2 : 197 - 774 ، الوسائل 8 : 275 أبواب قضاء الصلاة ب 11 ح 1.

العشاء فقد صلّى أربعا ، وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلّى » (1).

وإرسالهما غير ضائر ، للانجبار بما مرّ.

خلافا للمحكي عن الحلبي وابن حمزة ، فأوجبا الخمس (2)، ويستنبط ذلك من باب الوضوء من المبسوط أيضا حيث حكم بأنّ من توضّأ وصلّى الظهر ، ثمَّ توضّأ وصلّى العصر ، ثمَّ ذكر انه أحدث عقيب إحدى الطهارتين قبل أن يصلّي توضّأ وأعاد الصلاتين معا (3).

لتحصيل نية التعيين الواجبة إجماعا مع الإمكان ، ولوجوب الجهر أو الإخفات الغير الممكن جمعهما في صلاة واحدة.

ويردّان : بأنّهما اجتهاد في مقابلة النصّ.

مضافا في الأول إلى أنه إن أراد الإجماع على وجوبها إذا كان معيّنا عند المكلّف فلا يفيد هنا ، وإن أراد الإجماع عليه مع عدم التعيين عند المكلّف فهو أوّل المسألة.

وفي الثاني إلى أنّ مقتضاه الاكتفاء بالأربع بزيادة رباعية يجهر في إحداهما ويخفت في الأخرى. مع أنّ ثبوت وجوب الجهر أو الإخفات في المورد ممنوع ، إذ قد عرفت أنّ إيجابه في القضاء بالإجماع الغير المتحقّق هنا.

ومن ذلك يظهر تخيّر المكلف في الرباعية الواحدة بين الجهر والإخفات ، للأصل ، واستحالة التكليف بهما ، وعدم الترجيح.

ولو كان في وقت العشاء ، يردّد بين الأداء والقضاء إن أوجبنا نيتهما.

ولو فاتته الواحدة سفرا يصلّي مغربا وثنائية مطلقة بين الثنائيات الأربع ، وفاقا لجماعة (4)، للأصل المذكور.


1) المحاسن : 325 - 68 ، الوسائل 8 : 276 أبواب قضاء الصلاة ب 11 ح 2.

2) الحلبي في الكافي : 150 ، ولم نعثر عليه في الوسيلة وحكاه عن ابن زهرة في المختلف : 148 وهو موجود في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 562.

3) المبسوط 1 : 25.

4) كالعلامة في التذكرة 1 : 82 ، والشهيد الأول في الذكرى : 99 ، والشهيد الثاني في الروض : 358.

لا لفحوى النصّين المتقدّمين ، لعدم انفهام الأولوية أصلا.

ولا لظهور قوله في رواية المحاسن : « فإن كانت الظهر والعصر .. » في العموم ، لأنه - لو سلّم - لم يفد هنا ، لضعف الرواية وعدم ظهور الجابر في المسألة ، لاختصاص الشهرة الجابرة بغيره ، وجبره بالاعتبار وفتوى طائفة لا اعتبار به.

خلافا للمحكي عن الحلّي (1)، فأوجب هنا الخمس اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النصّ المنجبر بالعمل.

فرعان :

أ : لا ترتيب هنا بين الثلاث قطعا ، للأصل ، وعدم المقتضي.

ب : لو تعدّدت الفائتة المجهولة شخصا مع العلم بالعدد ، يقضيها على الوجه المذكور. فلو علم فوات صلاتين من يوم ولم يعلمهما ، صلّى ثنائية وثلاثية ورباعيتين. ولو كانت ثلاثة أو أربعة ثلّث الرباعية. ولو كان مسافرا صلّى ثلاثية مع ثنائيتين في الأول ومع ثلاث ثنائيات في الأخيرتين. ولو كانت الفائتتان من يومين صلّى ثنائيتين وثلاثيتين ورباعيتين ، وهكذا.

المسألة الرابعة :

لو فاتته من الفرائض ما لم يحصه عددا فالمشهور أنّه يجب عليه القضاء حتى يغلب على ظنّه الوفاء ، بل في المدارك : أنّه المقطوع به في كلام الأصحاب (2)، مشعرا بالإجماع.

لصحيحة مرازم : عليّ نوافل كثيرة ، فقال : « اقضها » فقلت : لا أحصيها ،


1) السرائر 1 : 275

2) المدارك 4 : 306.

فقال : « توخّ » (1).

ورواية ابن سنان : في رجل فاته من النوافل ما لا يحصى ، لا يدري ما هو من كثرته ، كيف يصنع؟ قال : « يصلّي حتى لا يدري كم صلّى من كثرته » (2).

دلّتا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى على وجوب ذلك في الفرائض أيضا. بل يحتمل وجوب الأزيد منه من تحصيل العلم بالبراءة ، ولكنّه نفي بعدم إمكان تحصيل العلم ، واستلزامه العسر والحرج عادة ، فبقيت المساواة.

ولاستصحاب شغل الذمّة ، فلا تحصل البراءة إلاّ مع العلم بها الموجب للإتيان بأكثر ما يحتمل فواته. إلاّ أنه لما مرّ من عدم إمكان تحصيل العلم يكتفي بالظنّ ، لوجوب الرجوع إلى الظنّ بعد سدّ باب العلم ، ولنحو قوله عليه السلام : « ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه » (3).

ويرد على الروايتين - بعد تسليم الأولوية - : أنّ الحكم فيهما على الاستحباب قطعا ، فغايته استحباب التوخّي ولا كلام فيه.

وعلى الاستصحاب : بأنّ ما علم الشغل به يقينا - وهو ما تيقّن بفواته أي الأقلّ - تحصل البراءة عنه بالأقلّ ، فلا معنى لاستصحاب الاشتغال به ، والزائد لم يعلم به شغل أولا حتى يصحّ استصحابه. واستصحاب نفس اشتغال الذمة مطلقا لا معنى له ، لأنّ الاشتغال لا بدّ له من متعلّق.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين في توجيه الاستصحاب بأنّ المكلّف حينما علم الفوات صار مكلّفا بقضاء هذه الفائتة قطعا وكذلك الحال في الفائتة الثانية والثالثة وهكذا. ومجرّد عروض النسيان بعد ذلك لا يرفع الحكم الثابت من الإطلاقات والاستصحاب ، ولا تأمّل في التكليف بالقضاء قبل النسيان (4).


1) الكافي 3 : 451 الصلاة ب 90 ح 4 ، التهذيب 2 : 199 - 779 ، علل الشرائع 362 - 2 ، الوسائل 4 : 78 أبواب أعداد الفرائض ب 19 ح 1.

2) الكافي 3 : 453 الصلاة ب 90 ح 13 ، الفقيه 1 : 359 - 1577 ، التهذيب 2 : 11 - 25 ، الوسائل 4 : 75 أبواب أعداد الفرائض ب 18 ح 2.

3) عوالي اللئالي 4 : 58 - 207.

4) شرح المفاتيح للوحيد البهبهاني ( المخطوط ).

فمن أغرب الغرائب ، إذ بعد ما أتى بما تيقّن فواته لم يبق شي‌ء علم فواته أوّلا ونسيه بعد ذلك حتى يستصحب ، وكيف يعلم الفائت أوّلا؟!.

وكذا ما ذكره أيضا من أنّ ردّ صاحب الذخيرة وبعض آخر دليل استصحاب الاشتغال هنا مبني على عدم حجية الاستصحاب عنده مع أنّه يقول بحجيته فيما يتحقّق فيه الإطلاق.

فإنّ ردّهم ليس لذلك أصلا ، بل لعدم كونه موضع جريان الاستصحاب كما عرفت.

وكذا ما ذكره أيضا من أنّهم يسلّمون استدعاء الشغل اليقيني بأمر واقعي البراءة اليقينية مهما أمكن وإن وقع الإجمال وتعدّد الاحتمال في ذلك الواقعي ، فلم لا يقولون به هنا؟!.

وذلك لأنّه إنّما هو فيما إذا لم يعلم المكلّف به اليقيني ، أي كان ما علم التكليف به يقينا مجملا كالصلاة الواحدة الفائتة المترددة بين الخمس ، فإنّه لا صلاة هنا يحكم بالتكليف بها يقينا.

وما نحن فيه ليس كذلك ، إذ ما علم التكليف به يقينا معلوم وهو الأقلّ ، ولا إجمال فيه ، والزائد لا علم به ، فيجري فيه أصل البراءة الثابت بالشرع والعقل والإجماع.

وعدم التفرقة في جريان أصل الاشتغال بين هذه المسألة ومسألة الصلاة الواحدة المترددة - كما ذكره بعض الأجلّة - ناشئ من عدم التأمّل.

ثمَّ إنّا لو سلّمنا جريان أصل الاشتغال والاستصحاب هنا فمقتضاهما وجوب تحصيل العلم ، كما عن روض الجنان في بعض الصور (1)، وبعض آخر (2)، فالاكتفاء بالظنّ لا وجه له.

والقول بعدم إمكان تحصيل العلم فاسد جدّا ، إذ كيف لا يمكن مع أنّ مبدأ زمان التكليف معلوم ، ومنتهاه - وهو زمان إرادة القضاء - أيضا كذلك ،


1) روض الجنان : 359.

2) كصاحب الرياض 1 : 228.

ووظيفة كلّ يوم من الفرائض أيضا معلومة ، فلو قضى جميع ما بين الطرفين يحصل العلم. ولو علم قطعا أنّه لم يترك بعضها كنصف أيام تكليفه أو ثلثه أو عشرة يحصل العلم بفعل ما نقص عنه ذلك أيضا ، ولا يلزم أن يكون تحصيل العلم بالإتيان بما فات من غير زيادة ونقصان ، بل اللازم فيه الإتيان بما لا ينقص عن الفائت قطعا.

وأما استلزامه العسر والحرج المسقطين للتكليف فهو ممنوع البتة ، كيف؟! ولو علم أحد أنّه فاتت صلوات كثيرة منه منذ سنة أو سنتين أو ثلاث سنين ولم يعلم عددها ، فغايته فوت تمام صلوات هذه الأيام ، فيقضي صلوات ثلاث سنين ، وقد ينقص ثلثها أو أقلّ أو أزيد أيضا بأن علم قطعا الإتيان بالثلث أو نحوه ، وكثير من الناس يصير أجيرا لأزيد من ذلك فيفعله في شهر أو شهرين.

وكذا كثيرا ما يحكمون بوجوب قضاء صلوات عشر سنين أو عشرين أو أزيد - لوقوع خلل أو ترك تقليد - لأجل الدليل ، ولا ينفونه بالعسر والحرج.

فإذا كان الاستصحاب هنا أيضا دليلا فلم لا يحكم بمقتضاه لأجل العسر والحرج لو سلّمنا؟ مع أنّ التفاوت فيما يحصل به الظن وما به يحصل العلم لا يكون كثيرا غالبا ، فإذا وجب الأول بدون عسر وحرج يكون الثاني أيضا كذلك.

ثمَّ لو سلّمنا عدم إمكان تحصيل العلم واستلزامه العسر والحرج فمقتضاه سقوط تحصيل العلم وما يقتضيه الاستصحاب والاشتغال ، وأمّا الاكتفاء بالظنّ فلا دليل عليه أصلا. ومثل « ما لا يدرك كلّه لا يترك كله » لا يدلّ بوجه كما بيّنا في موضعه ، والرجوع إليه بعد سدّ باب العلم ممنوع غايته ، بل يرجع إلى سقوط التكليف فيما ليس فيه علم ، ومن ذلك ظهر عدم دليل تامّ لشي‌ء من ذينك القولين.

وهنا قول آخر ، وهو : الاكتفاء بقضاء ما تيقّن فواته. استوجهه في المدارك والذخيرة (1)، وهو ظاهر التذكرة ونهاية الإحكام (2).5.


1) المدارك 4 : 307 ، الذخيرة : 384.

2) التذكرة 1 : 83 ، نهاية الإحكام 1 : 325.

وهو الأقوى ، لأصالة البراءة عن الزائد عمّا علم فواته. ولا يعارضها استصحاب شغل الذمّة كما مر.

وأمّا ما قيل من عدم إمكان حصول العلم بالأقل ، إذ كلّ عدد يفرضه مثل ذلك الشخص يحتمل النقصان عنه والزيادة عليه (1).

فكلام واه جدّا ، ظاهر وجهه مع التأمل.

وتدل عليه أيضا صحيحة زرارة والفضيل وفيها : « وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوات فقد دخل حائل ، فلا إعادة عليك من شي‌ء حتى تستيقن ، وإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حال » (2).

فإنّه إذا فعل ما تيقّنه من العدد الأقلّ يكون الزائد مشكوكا فيه بعد خروج الوقت ، فلا يكون فيه قضاء.

والإيراد بأنّ المتبادر من الرواية هو الشكّ في ثبوت أصل القضاء في الذمّة وعدمه ، وهو غير ما نحن فيه وهو الشكّ في مقدار القضاء بعد القطع بثبوت أصله في الذمّة والاشتغال به مجملا ، والفرق بينهما واضح.

مردود بأنّ بعد إخراج العدد المقطوع به عن الثاني يكون ثبوت أصل القضاء الزائد عنه موضع الشك ، فلا فرق.

وها هنا قول آخر اختاره الفاضل في الإرشاد (3)، وهو : الاكتفاء بالظن مع تعيين الصلاة الفائتة كيفية وترديدها عددا ، ووجوب تحصيل العلم مع عدم التعيين كما وكيفا.

ووجه التفصيل غير واضح.

المسألة الخامسة :

يستحب قضاء النوافل الرواتب اليومية استحبابا مؤكدا ، بالإجماع ، كما عن


1) انظر : شرح المفاتيح للوحيد البهبهاني ( المخطوط ).

2) الكافي 3 : 294 الصلاة ب 12 ح 10 ، التهذيب 2 : 276 - 1098 ، الوسائل 4 : 282 أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

3) الإرشاد 1 : 271.

الخلاف والمنتهى وروض الجنان (1)، وغيرها (2)، له ، وللمستفيضة من الأخبار المتكثرة.

منها : رواية ابن سنان : عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها ، كيف يصنع؟ قال : « فليصلّ حتى لا يدري كم صلّى من كثرتها ، فيكون قد قضى بقدر ما علم من ذلك » ثمَّ قال : « قلت له : فإنّه لا يقدر على القضاء ، فقال : « إن كان شغله في طلب معيشة لا بدّ منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شي‌ء عليه ، وإن كان شغله لجمع الدنيا والتشاغل به عن الصلاة فعليه القضاء ، وإلاّ لقي اللّه تعالى وهو مستخفّ متهاون مضيّع لحرمة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله » قال ، قلت : فإنّه لا يقدر على القضاء فهل يجزئ أن يتصدّق؟ فسكت مليّا ، ثمَّ قال : « فليتصدّق بصدقة » قلت : فما يتصدّق؟ قال : « بقدر طوله ، وأدنى ذلك مدّ لكلّ مسكين مكان كلّ صلاة » قلت : وكم الصلاة التي يجب فيها مدّ لكلّ مسكين؟ قال : « لكلّ ركعتين من صلاة الليل ولكلّ ركعتين من صلاة النهار مدّ » فقلت : لا يقدر ، فقال : « مدّ إذا لكلّ أربع ركعات من صلاة النهار » قلت : لا يقدر ، فقال : « مدّ إذا لصلاة الليل ومدّ لصلاة النهار ، والصلاة أفضل والصلاة أفضل والصلاة أفضل » (3).

أقول : المراد أنّ صلاة القاضي أفضل من صدقة المتصدّق وأكثر ثوابا منه ، لا أنّ الصلاة للمتصدّق أفضل ، لأنّ المفروض عدم قدرته.

ولو فاتت النافلة لمرض لم يتأكّد القضاء تأكّد غيره ، لما في صحيحة مرازم : كنت مرضت أربعة أشهر لم أتنفل فيها ، فقلت : أصلحك اللّه تعالى ، أو : جعلت فداك ، إنّي مرضت أربعة أشهر لم أصلّ فيها نافلة ، فقال : « ليس عليك قضاء ، إنّ المريض ليس كالصحيح ، كلّ ما غلب اللّه تعالى [ عليه ] فاللّه أولى


1) الخلاف 1 : 524 ، المنتهى 1 : 423 ، روض الجنان : 361.

2) كالمعتبر 2 : 413 ، والتذكرة 1 : 83 ، والذكرى : 137.

3) الكافي 3 : 453 الصلاة ب 90 ح 13 ، الفقيه 1 : 359 - 1577 ، التهذيب 2 : 11 - 25 ، الوسائل 4 : 75 أبواب أعداد الفرائض ب 18 ح 2.

بالعذر فيه » (1).

ويستفاد من التعليل عموم ذلك الحكم لكلّ معذور من غير اختصاص بالمريض ، ولا بأس به.

وتستحب الصدقة مع العجز عن القضاء عن كلّ ركعتين بمدّ ، على التفصيل المتقدّم في رواية ابن سنان.

والمذكور في كلام الأصحاب أنّه إن عجز عن المدّ لكلّ ركعتين يتصدّق عن كلّ يوم مدّا. ولم أقف على مستنده ، والعمل بالرواية أولى.

المسألة السادسة :

يجوز الاحتياط بقضاء صلاة احتمل اشتمالها على خلل ، أو احتمل تركها بعد الوقت ، أو شك فيه ، لأنّ جميع الأخبار المطلقة في الاحتياط يدلّ عليه ، لصدق الاحتياط لغة وعرفا.

وأمّا توهّم أنّه ربما يوجب التشريع فقد يقتضي الاحتياط الترك ، فيظهر جوابه ممّا ذكرنا في بحث صلاة الجمعة ، ومنه يظهر ما في الذكرى من أنّ للبحث فيه مجالا (2).

المسألة السابعة :
اشارة

من فاتته صلاة يومية واجبة وعلم الترتيب ، تجب عليه مراعاته في قضائها ، إجماعا محققا ومحكيا في الخلاف والمعتبر والمنتهى والتنقيح (3)، وشرح الألفية لابن أبي جمهور ، وشرح الإرشاد للمحقق الثاني.

ولا يقدح فيه ما نسبه في الذكرى إلى بعض من صنّف في المضايقة والمواسعة


1) الكافي 3 : 451 الصلاة ب 90 ح 4 ، التهذيب 2 : 199 - 779 ، علل الشرائع 362 - 2 ، الوسائل 4 : 80 أبواب أعداد الفرائض ب 20 ح 2 ، وما بين المعقوفين من المصادر.

2) الذكرى : 138.

3) الخلاف 1 : 382 ، المعتبر 2 : 405 ، المنتهى 1 : 421 ، التنقيح 1 : 267.

من أصحابنا من القول بالاستحباب (1)، ومال إليه بعض متأخري المتأخرين (2).

فهو الحجة فيه ، مضافا إلى صحيحة زرارة : « إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن ، فأذّن لها وأقم ثمَّ صلّها ، ثمَّ صلّ ما بعدها بإقامة ، إقامة لكلّ صلاة » وفي آخرها : « وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلي الغداة ابدأ بالمغرب ثمَّ العشاء » إلى أن قال : « فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمَّ صلّ المغرب والعشاء ابدأ باولاهما » (3).

ورواية جميل : تفوت الرجل الاولى والعصر والمغرب ، وذكرها عند العشاء الآخرة ، قال : « يبدأ بالوقت الذي هو فيه ، فإنه لا يأمن الموت ، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت ، ثمَّ يقضي ما فاته الأولى فالأولى » (4).

وصحيحة ابن سنان : « إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة - إلى أن قال - : وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمَّ المغرب ثمَّ العشاء قبل طلوع الشمس » (5).

وإن كان في دلالة الأخيرتين على الوجوب نظر : أمّا الأولى فلأنها خالية عن الدالّ عليه ، وأمّا الثانية فلعدم وجوب تقديم الصبح قطعا.

كما أنّه لا دلالة لما استدلّوا به من عموم النبوي : « من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته » (6).

وحسنة زرارة : رجل فاتته صلاة السفر فذكرها في الحضر ، فقال : « يقضي


1) الذكرى : 136.

2) هو المحقق السبزواري في الذخيرة : 385 ، والكفاية 28.

3) الكافي 3 : 291 الصلاة ب 12 ح 1 ، التهذيب 3 : 158 - 340 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

4) المعتبر 2 : 407 ، الوسائل 4 : 289 أبواب المواقيت ب 62 ح 6 ، وتقدمت أيضا في ص 218 مع اختلاف يسير.

5) التهذيب 2 : 270 - 1076 ، الوسائل 4 : 288 أبواب المواقيت ب 62 ح 4.

6) عوالي اللئالي 2 : 54 - 143 ، وج 3 : 107 - 150.

ما فاته كما فاته ، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها ، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته » (1).

قالوا : إنّ الأصل في التشبيه حيث لم يظهر وجه شبهه - ولو بتبادر أو غلبة أو شيوع أو نحوها - المشاركة في جميع وجوه الشبه ، ومنها الترتيب هنا. وورود الثانية في مورد خاص غير ضائر بعد عموم الجواب وعدم القائل بالفرق من الأصحاب.

لمنع (2)اقتضاء التشبيه المماثلة من جميع الجهات أوّلا ، وتعديّه إلى الأوصاف الغير المعتبرة في مهيّة الممثّل له - كما في ما نحن فيه - ثانيا ، فإنّه لا شكّ أنّه لو سلّم العموم فالمتبادر منه المماثلة فيما هو داخل في حقيقة الممثّل له ، بل هو حقيقة مقتضى معناها الحقيقي ، ولا شكّ أنّ الترتيب غير داخل في مهيّة الصلاة.

مع أنّ العصر التي فاتته مثلا كانت تجب قبل قضاء الظهر الفائتة قطعا ، إذ فواتهما لا يكون إلاّ بخروج وقتهما ، ولا شكّ أنّ بعد خروج وقت الظهر وبقاء وقت العصر خاصّة يجب تقديمها على القضاء ، وكذا فيما يلحق بهما ، فالثابت من الرواية خلاف المطلوب. وأيضا : الثابت أنّ ما فات من الظهر يترتّب شرعا على العصر الأدائي دون القضائي وإن ترتّب عليه عقلا أيضا ، ولكنه لا يثبت به هنا حكم الشرع.

وإن جهل الترتيب فالأكثر على سقوط وجوب مراعاته ، للأصل ، واختصاص دليله بصورة العلم : أمّا الإجماع فهو ظاهر.

وأمّا غيره فلأنّه بين مخصوص بها كذيل الصحيحة ، ومخصّص بها كصدرها ، لتقييد المكلّف به بالعلم قطعا ، فمعنى « فابدأ بأولاهنّ » : ابدأ بها إذا علمتها - وإن كانت الألفاظ للمعاني النفس الأمرية - لاشتراط التكليف بموضوع


1) الكافي 3 : 435 الصلاة ب 83 ح 7 ، التهذيب 3 : 162 - 350 ، الوسائل 8 : 268 أبواب قضاء الصلاة ب 6 ح 1.

2) تعليل لقوله : كما أنّه لا دلالة ..

بالعلم به لئلاّ يلزم التكليف بما لا يطاق ، ولعدم تبادر صورة الجهل من الإطلاق ، بل ظهور عدمه.

ومنه يظهر اختصاص سائر ما استدلّوا به أيضا على الترتيب لو تمّت دلالته.

مع أنّه على فرض إطلاق الأدلّة يجب التخصيص ، لامتناع التكليف بالمحال والحرج ، اللازمين لكثير من صور وجوبه ، مع عدم القول بالفرق كما صرّح به جماعة (1)، مضافا إلى أنسبيته بالملّة السمحة ، وشهرته بين الطائفة.

ويضعف الأصل بوجود الدليل على وجوب الترتيب ، وهو استصحاب وجوبه قبل عروض الجهل به.

والمسلّم من تقييد التكليف بالعلم إنّما هو في الجملة ، ولا دليل على تقييده بالعلم من جميع الجهات حتّى التعيين من بين أمور يمكن الامتثال بالإتيان بالجميع.

ولزوم العسر والحرج إنّما هو في بعض الصور ، ولازمه اختصاص السقوط به ، وعدم القول بالفصل غير ثابت.

بل مال إليه بعض المحققين من مشايخنا قال : وبالجملة المسألة لا تخلو من إشكال ، وإن كان القول بالسقوط في صورة لزوم الحرج وعدم تقصيره أصلا لا يخلو من قوّة.

بل صرّح باختصاص القول بالترتيب بغير صورة التكليف بالمحال ، قال : لا شك في عدم قول أحد بالترتيب وإن لزم التكليف بالمحال (2).

وتخصيصه بصورة عدم تقصيره مبني على ما قيل من جواز التكليف بما لا يطاق إذا كان عدم إطاقته ناشئا من تقصير المكلّف.

وهو عندي في حيّز المنع ، لعموم أدلّة عدم جواز التكليف بما لا يطاق ، وعموم قبحه ، وعدم مخصّص بل عدم قبوله للتخصيص. وما ورد من تكليف


1) كالشهيد الثاني في الروضة 1 : 345 ، والمحقق السبزواري في الذخيرة : 385 ، وصاحب الرياض 1 : 225.

2) انظر : شرح المفاتيح للوحيد البهبهاني ( المخطوط ).

المصوّر بإحداث الروح في صورة حيوان صوّره ، والكاذب في نومه بعقد الشعير وأمثاله - لو ثبت - فالمراد غير ظاهر ، ولو سلّم فإنّما هو في غير دار التكليف ، والكلام فيه.

هذا مع أنّ الممتنع الذي لا يجوز التكليف به هو ما لا يطاق الذي يستحيل امتثاله ، وأمّا ما يمكن ولكن يشتمل على العسر والحرج ولو كانا شديدين فلا نسلّم عدم جواز التكليف به ، بل يحكم به مع وجود الدليل الشرعي ، كيف؟! وفي الدين حرج كثير اقتضاه الدليل.

بل كثيرا ما يتحقّق في نفس القضاء أيضا كترتيبه ، كمن ظهر بطلان جميع صلواته بعد ثمانين سنة مثلا ، سيّما إذا علم أنّ فيها صلاة سفرية أيضا مع عدم تعيين مقدارها ، سيّما مع القول بالمضايقة ، وقد صرّح الحلّي في السرائر بوجوب الاشتغال بالقضاء وحرّم عليه جميع الأفعال المانعة إلاّ بقدر سدّ الرمق المحتاج إليه في التعيّش ، سيما إذا كان هو الابن الأكبر وفاتت من أبيه صلوات كثيرة ، فبعد التكليف بالقضاء نفسه مع لزوم الحرج في بعض صوره بعموم الأدلة لم لا يكلّف بالترتيب معه به مع اشتراكهما في عدم ظهور القول بالفرق؟.

والتبادر الذي ادّعوه بالمنع (1).

والأوفقية للملّة السمحة والشهرة بعدم الحجية.

ولذا خالف فيه جماعة ، فأوجبوا الترتيب من غير تقييد بعدم لزوم الحرج مع الجهل أيضا ، ومنهم : الفاضل في التذكرة والإرشاد مطلقا (2)، والشهيد في الدروس مع ظنّه أو وهمه ، وفي الذكرى مع ظنّه خاصة (3).

ولكن يمكن أن يقال : إنّ الدليل وإن كان عامّا بالنسبة إلى العسر والحرج أيضا ، ولكن لأدلّة نفيهما أيضا عموما بالنسبة إليه فيتعارضان بالعموم من وجه.

والترجيح لأدلّة نفي الحرج ، لموافقتها للعقل والكتاب. وتخصيصها


1) أي : ويضعّف التبادر .. بالمنع. والأوفقية .. بعدم الحجيّة.

2) التذكرة 1 : 82 ، الإرشاد 1 : 271.

3) الدروس 1 : 145 ، الذكرى : 136.

بعمومات القضاء في عدد الفائتة والقول بوجوب قضاء الجميع بالإجماع - ولو سلّم - لا يستلزم تخصيصها في الترتيب أيضا مع عدم المرجّح ، بل رجحانها بما مرّ.

وعلى هذا فيكون الترجيح للتفصيل ، بثبوت الترتيب مع الجهل أيضا إلاّ إذا استلزم العسر والحرج.

إلاّ أنه يمكن الخدش في أصل دليل وجوب الترتيب مع الجهل : أمّا عن الاستصحاب ، فبمعارضته مع استصحاب العقل ، مع أنّ موضوع وجوب الترتيب أوّلا هو الأداء ، والكلام في القضاء الذي هو بأمر جديد.

وأمّا عن الروايات ، فبعدم دلالة غير إطلاق صدر الصحيحة ، لما عرفت من أنّه بين غير دالّ على الوجوب ومخصوص بصورة العلم.

وأمّا هو وإن كان مطلقا على الظاهر إلاّ أنه يعلم تقييده بالعلم بعد التأمّل ، لأنّ العلم في الجملة وإن كان كافيا في إمكان الامتثال ولكنه يتمّ في مثل التكليف بأحد الأمرين أو الأمور معيّنا في الواقع مجهولا في الظاهر ، فيمتثل بالإتيان بالجميع ، ولكنّه لا يتمشّى في مثل قوله : « فابدأ بأولاهن » إذ ما لا يعلم التعيين لا يمكن البدأة به ، وكلّ ما يبتدئ به لا يعلم أنّه الاولى.

والحاصل أنّ خصوص الأمر بالابتداء بشي‌ء لا يمتثل إلاّ بعدم مسبوقية شي‌ء عليه ، وهو يتوقف على اليقين ، كما إذا قيل : ابدأ بإكرام زيد ثمَّ عمرو ، فإذا لم يعلم تعيين زيد لا يعلم الابتداء بإكرامه بإكرام كل مرّة ثمَّ إكرام غيره ، لأنّ ما بدئ به هو ما بدئ به أوّلا ، وكل ما عداه فليس مبتدأ به.

مع أنّ في دلالة الصحيحة على الوجوب خدشة تحصل من قوله : « فأذّن وأقم » حيث إنّ الفاء فيه تفصيلية ، وهو تفصيل لقوله « فابدأ » وبعض التفصيل ليس بواجب قطعا.

( ومن ذلك يظهر أنّ الحق في المسألة هو المشهور من عدم وجوب الترتيب في صورة الجهل ) (1).».


1) ما بين القوسين غير موجود في « ق ».

ثمَّ وجوب الترتيب - على القول به - إنّما هو مختصّ بفوائت الفرائض ، ومنها باليومية ، كما هو الأشهر الأظهر ، للأصل ، وعدم الدليل ، لأنّه إمّا الإجماع وحاله ظاهر ، أو الصحيحة واختصاص غير صدرها بقضاء اليومية واضح ، وكذا صدرها للأمر بالأذان والإقامة.

ولو دخل في اللاحقة سهوا قالوا : إن ذكر في أثنائها حيث يمكن العدول إلى السابقة عدل ، للإجماع المحكي من الشيخ (1)، وصحيحة زرارة : « فإن ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى وأنت في صلاة العصر وقد صلّيت منها ركعتين ، فانوها الاولى وصلّ الركعتين الباقيتين ، وقم فصلّ العصر » إلى أن قال : « وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمَّ ذكرت العصر ، فانوها العصر ثمَّ قم فأتمها ركعتين ثمَّ سلّم ثمَّ صلّ المغرب ، وإن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب قم فصلّ المغرب ، وإن كنت ذكرتها وقد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة ، فانوها المغرب ثمَّ سلّم ، وإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر فصلّ العشاء الآخرة ، وإن كنت ذكرتها وأنت في ركعة أولى أو في الثانية من الغداة ، فانوها العشاء ثمَّ قم فصلّ الغداة » (2)الحديث.

قالوا : وإن لم يمكن العدول أو تمّت اللاحقة أتى بعدها بالسابقة واغتفر الترتيب هنا ، لما مرّ في الصحيحة. ولكن دلالتها بصورة الإتمام مختصّة.

وفسّروا عدم الإمكان بلزوم زيادة ركن في السابقة لو عدل ، وجعلوا زيادة غيره من الواجبات من الإمكان ، لاغتفار زيادة غير الركن سهوا.

ويمكن أن يستدلّ على جواز العدول بعموم صحيحة البصري المتقدمة في مسألة الاشتغال بالعصر قبل الظهر (3)، وفيها أيضا ما يمكن أن يستدل به لاغتفار زيادة غير الركن ، لعموم الأمر بالعدول في الصلاة خرج بعد دخول الركن بالإجماعة.


1) الخلاف 1 : 385.

2) الكافي 3 : 291 الصلاة ب 12 ح 1 ، التهذيب 3 : 158 - 340 ، الوسائل 4 : 290 أبواب المواقيت ب 63 ح 1.

3) تقدّمت أيضا في ص 284 معبّرا عنها بالموثقة.

فيبقى الباقي.

وفي الكلّ نظر : أما الإجماع المنقول فلعدم حجيته.

وأما الروايتان فلظهورهما في الأداء. والتعدّي قياس باطل.

وإن منع الظهور وجعلنا أعمّ من الأداء فلا بدّ من تخصيصهما بغير ما إذا اقتضى الترتيب في القضاء تقديم العصر أو العشاء أو الفجر ، وهو ليس بأولى من تخصيصهما بالأداء.

وأمّا اغتفار زيادة غير الركن سهوا فلمنع كون الزيادة هنا سهوا ، بل زيد عمدا ، والسهو تعلّق بأمر آخر ، ودليل الاغتفار سهوا غير جار في مثل ذلك ، والأصل يقتضي عدم الاغتفار ، مع أنّ المجوّز في الروايتين من العدول إنّما هو فيما لا تلزم الزيادة مطلقا ، ولذا جعل السيّد والفاضل في المنتهى فوات محل العدول بزيادة الواجب مطلقا (1).

فهو الأقوى لو جوّزنا العدول. وهو أيضا محلّ نظر لو لا الإجماع على خلافه ، لمخالفته الأصل ، وعدم دليل تامّ عليه.

بل اغتفار الترتيب في صورة التذكّر عند [ عدم ] (2)إمكان العدول أو بعد إتمام اللاحقة أيضا خلاف أصالة وجوبه الخالية عن الرافع.

ولذا توقّف فيه في المدارك (3). وهو في محلّه جدّا إن كان التذكّر في الأثناء. وشرعيّة الدخول لا تستلزم شرعيّة الإتمام. والنهي عن إبطال العمل - لو سلّم - لا يفيد ، لأنّ النزاع في البطلان. وتحقّق الامتثال الموجب للصحّة ممنوع في الباقي.

نعم ، إن كان بعد الإتمام يقوّى الصحة والاغتفار ، لصحة هذه الصلاة ، الموجبة لبراءة الذمة عن قضائها ، الموجبة للخروج عن عنوان « وإن كان عليك


1) السيد في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى 3 ) : 38 ، المنتهى 1 : 422.

2) أضفناه لتصحيح المتن.

3) المدارك 3 : 104.

قضاء صلوات » بالنسبة إليها.

ومن ذلك يعلم الاغتفار والصحة لو أتمّ اللاحقة جهلا بالحكم جهلا ساذجا.

بل يمكن أن يستدلّ على الصحة والاغتفار مطلقا بإطلاق قوله « وإن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب .. » بضميمة عدم الفصل لتمام المطلوب. ولكنّها مخصوصة بصورة العلم ، والمسألة حينئذ مشكلة.

فرع :

لو علم الترتيب في البعض وجهل في بعض آخر فله صور :

منها : أن يعلم ما فات أولا ودخل الجهل فيما بعده ، كأن يعلم فوات الظهر من يوم معين أو مع عصره أيضا وعلم فوات صلوات كثيرة أخرى بعدها وجهل الترتيب فيها.

فتجب حينئذ البدأة بالظهر المذكورة أولا ، ثمَّ بالعصر المذكورة إن كانت ، ثمَّ بسائر الفوائت ولا ترتيب فيها. أمّا الأول فلصحيحة زرارة ، وأمّا الثاني فلما دلّ على وجوب تقديم المغرب على العشاء بقول مطلق ، وأما الثالث فللأصل وعدم الدليل كما عرفت.

ومنها : أن تفوت منه صلوات مجهولة الترتيب ، ثمَّ فاتت منه صلاة واحدة.

ولا ترتيب حينئذ أصلا ، لعدم تعيين الأولى حتى تستدلّ لها بالصحيحة ، وعدم دليل آخر.

ومنها : السابقة إلاّ أن تتعدّد الفوائت اللاحقة.

ولا ترتيب بينها وبين السابقة ، للأصل. وتجب مراعاة الترتيب بينها بأنفسها مع العلم به ، لما مرّ من أخبار تقديم المغرب.

ومنها : أن تفوت صلاة معيّنة أولا أو صلوات كذلك ، ثمَّ فاتت صلوات وجهل ترتيبها ، ثمَّ فاتت صلاة معيّنة أو صلوات كذلك.

وتجب البدأة بالفائتة الأولى أولا للصحيحة ، ثمَّ ما بعدها مرتبا إن علم

الترتيب لما مرّ ، ثمَّ البواقي ولا ترتيب بينها حتى بين المتوسطة والأخيرة. نعم لو تعدّدت الأخيرة وعلم الترتيب بينها تجب مراعاته لما مرّ ) (1).

فائدة :

إذا جهل الترتيب وقلنا بوجوب تحصيله يكرّر الصلاة حتى يعلم حصوله.

وضابطه أنّ الفائتة إن كانت اثنتين يصلّي ثلاثا بتوسيط إحداهما بين الأخرى ومثلها ، كأن يصلّي عصرا بين ظهرين أو بالعكس. فإن زادت ثالثة يفعل مثل المرتبة السابقة قبلها وبعدها ، أي توسيط الثالثة بين وظيفة السابق ومثلها.

فإن زادت رابعة توسّطها بين وظيفة الثالثة وهكذا.

وبطريق آخر : يبتدئ بما شاء ويصلّي حتى يتم عدد الفائتة ويكرر هذا العمل بعدد الفائتة إلا واحدة ثمَّ يختم بالصلاة التي ابتدأ بها.

فإذا كانت الفائتة ظهرا وعصرا يكون عدد الفائتة اثنتين ، فيصلّي ظهرا وعصرا وظهرا. وإن ضمّت معها المغرب يصلّي ظهرا وعصرا ومغربا وظهرا وعصرا ومغربا وظهرا. وإن ضمّت معها عشاء يصلّي الأربعة المبتدأة بالظهر ثلاثا ويضمّ إليها ظهرا.

وله البدأة بغير الظهر ، فإن كانت الفائتة صلوات يوم يصلّي أربعة أيام بترتيب واحد ويزيد عليها صلاة واحدة هي ما ابتدأ به وهكذا.

وبطريق ثالث : يبدأ بما شاء ويصلّي حتى يتمّ عدد الفائتة بأي ترتيب شاء ، ثمَّ يبدأ بما بعد ما ابتدأ به أولا ويصلي بالترتيب المتقدم حتى يختم بما ابتدأ به أولا ، ثمَّ يبدأ بما بعد ما ابتدأ به ثانيا ويصلّي بالترتيب حتى يختم بما ابتدأ به ثانيا ، وهكذا يكرّر بعدد الصلوات الفائتة. وتلك الضابطة ضابطة أخذ الزمام المصطلح للأعداديين.

وبطريق رابع : يصلّي الصلوات الفائتة بأيّ ترتيب أراد إلى أن يتمّ ويكرّر


1) هذا الفرع بتمامه غير موجود في « س ».

ذلك بعدد الفائتة ، فمن فاتت منه صلوات يوم وجهل الترتيب يصلّي خمسة أيّام بترتيب واحد ، ومن فاتته صلوات عشرة أيام يصلّي خمسين يوما وهكذا.

والأخيران متساويان في الحاصل ، ويزيدان على الثاني بعدد الفائتة إلاّ واحدة ، وينقصان عن الأول بكثير إذا تجاوز عدد الفائتة عن الأربع ، ويزيدان عليه بواحدة في الأربع وباثنتين في الثلاث.

ولا يخفى أنّ الاحتياج إلى التكرار في جميع الصلوات على النحو المذكور إنّما هو إذا كان الترتيب في الجميع مجهولا ، وأما مع العلم به في بعضه فلا يكرّر إلاّ في المجهول ترتيبه ، وعلى هذا فلو فاتته صلوات عام مثلا متصلة وجهل مبدأها ، يعمل بوظيفة الجاهل في صلاة يوم ويكرّرها حتى يحصل الترتيب في صلاته ، ثمَّ يتمّ الباقي إلى العام.

وهناك طريق خامس يسهل به الأمر ويرتفع العسر والحرج كثيرا وهو : أن يقضي جميع صلوات مدة يجوز أن تكون الفائتة منها.

وبعبارة أخرى : يعيّن أول وقت يحتمل فوت صلاة فيه وآخر وقت كذلك ويقضي جميع ما بينهما.

وبعبارة ثالثة : يقضي عن أول صلاة يمكن أن تكون الفائتة ويختم بآخر صلاة كذلك.

فإذا علم فوات صلاة يوم متّصلة ولم يعلم الترتيب ، فيقضي صلاة يومين متصلة. وإذا علم فوات مائة صلاة من شهر معيّن ولم يعلم الترتيب ، يقضي الشهر كلّه ، فيبدأ من أول صلاة يمكن أن تكون الفائتة ويختم بآخرها. وإذا علم فوات ألف صلاة من عام يقضي جميع صلوات العام.

وهذا أخصر الطرق غالبا لمن يراعي الترتيب مع الجهل سيّما إذا تكثّرت الفوائت. نعم لو كانت قليلة وزمانها كثيرا كعشر صلوات مجهولة الترتيب من عام فالأسهل العمل بإحدى الضوابط المتقدمة.

ولو كانت الفائتة في مدة نوعين من الصلاة أو ثلاثة أو أربعة اقتصر على قضاء هذه الأنواع لا غيرها ، فمن يعلم فوات مائة ظهر وعصر ومغرب من سنة

ولم يعلم الترتيب ، يبتدئ من أول زمان احتمال الفوت ويقضي الثلاثة من كل يوم الى آخر الستة.

الفصل الثاني : في قضاء الصلاة عن الأموات والصلاة لهم
اشارة

وفيه مسائل :

المسألة الأولى :

تجوز الصلاة للميّت بأن يصلّي صلاة ويجعلها له وإن لم يكن عليه قضاء ولم يكن المصلّي ولده.

وتدلّ عليه المستفيضة من الأخبار التي ذكر كثيرا منها السيّد الجليل رضي الدين علي بن طاوس في كتابه المسمّى ب- « غياث سلطان الورى لسكّان الثرى » وقد نقلها في الذكرى والذخيرة والحدائق عنه ، فمن أراد الاطّلاع عليها فليرجع إليها (1).

فيجوز لكلّ أحد أن يصلّي صلاة ويجعلها لميّت بأن ينوي الصلاة عنه ، أو يصلّي الصلاة لنفسه ويجعل ثوابها له.

ويدلّ على الأول عموم رواية الفقيه : « من عمل من المسلمين عملا صالحا عن ميّت أضعف اللّه أجره ونفع اللّه به الميّت » (2).

ونحوها رواية عمر بن يزيد (3)، والمرويّ في كتاب حمّاد بن عثمان (4).

وخصوص رواية عمر بن يزيد : كان أبو عبد اللّه عليه السلام يصلّي عن


1) انظر : الذكرى : 74 ، والذخيرة : 385 ، والحدائق 11 : 32 ، ونقلها عنه أيضا في الوسائل 8 : 276 - 282 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ، والبحار 85 : 309.

2) الفقيه 1 : 117 - 555 ، الوسائل 2 : 444 أبواب الاحتضار ب 28 ح 4.

3) الذكرى : 75 ، الوسائل 8 : 282 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 25 ، عن غياث سلطان الورى.

4) الذكرى : 75 ، الوسائل 8 : 281 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 24 ، عن غياث سلطان الورى.

ولده في كلّ ليلة ركعتين ، وعن والده في كلّ يوم ركعتين - إلى أن قال - : وكان يقرأ فيهما القدر والكوثر » (1).

ورواية محمّد بن مروان : « ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين يصلّي عنهما ، ويتصدّق عنهما ، ويحجّ عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما ، وله مثل ذلك ، فيزيده اللّه ببرّه وصلته خيرا كثيرا » (2).

وظاهر أنّ ذلك غير القضاء ، لعدم جوازه عن الحي.

ورواية الفقيه : أيصلّى عن الميت؟ فقال : « نعم حتّى إنّه ليكون في ضيق فيوسّع عليه ذلك الضيق ، ثمَّ يؤتى فيقال له : خفّف اللّه عنك ذلك الضيق لصلاة فلان أخيك عنك » (3).

ونحوها رواية محمّد بن عمر بن يزيد المروية في التهذيب (4).

والمروي في مسائل علي : عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال : « نعم فيصلّي ما أحبّ ويجعل تلك للميّت ، فهو للميّت إذا جعل ذلك له » (5).

ونحوه روايته الأخرى (6).

ورواية علي بن أبي حمزة : عن الرجل يحجّ ويعتمر ويصلّي ويصوم ويتصدق عن والديه وذوي قرابته ، « قال لا بأس به ، يؤجر فيما يصنع ، وله أجر آخر بصلته قرابته » (7).ى.


1) التهذيب 1 : 467 - 1533 ، الذكرى : 75 ، الوسائل 2 : 445 أبواب الاحتضار ب 28 ح 7.

2) الكافي 2 : 159 الايمان والكفر ب 69 ح 7 ، الوسائل 8 : 276 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 1.

3) الفقيه 1 : 117 - 554 ، الوسائل 2 : 443 أبواب الاحتضار ب 28 ح 1.

4) لم نجدها في التهذيب ، ولكن رواها في الذكرى : 73 ، والوسائل 8 : 277 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 4 عن غياث سلطان الورى.

5) الوسائل 8 : 277 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 2 ، مسائل علي بن جعفر : 199 - 429.

6) الوسائل 8 : 277 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 3 ، البحار 10 : 291.

7) الوسائل 8 : 278 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 8. عن غياث سلطان الورى.

والمروي في كتاب الحسين الكوكبي : أحجّ وأصلّي وأتصدّق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال : « نعم تصدّق عنه وصلّ عنه » (1). إلى غير ذلك.

ولا شكّ في جواز ذلك في النوافل التي يجوز للمكلّف الإتيان بها لنفسه في كلّ وقت شاء وأراد.

وهل ينسحب إلى الفرائض بأن يصلّي صلاة ظهر عنه مع علمه بفراغ ذمة الميت عنها؟.

ظاهر الذخيرة والبحار التوقّف (2)، وصرّح في الحدائق بالعدم (3). وهو الأصحّ ، لأنّ الإتيان بمثل هذه الصلاة للميّت إمّا يكون بقصد القضاء عنه ، أو لا بقصده بل يصلّي صلاة ظهر - مثلا - له. وأيّ منهما كان تتوقّف شرعيّته على التوقيف ، ولم تثبت شرعية قضاء فعل فعله المكلّف أو لم يتعلّق بذمته عموما. نعم ثبتت في بعض الفوائت الغير الواجبة على المكلّف بالعمومات المخصوصة بمواضع مخصوصة ، كما مرّ في قضاء النائم ونحوه. وكذا لم تثبت صلاة ظهر مشروعة - مثلا - إلاّ أداء واحد في وقته للمكلف ، أو القضاء لمن كان عليه قضاؤها.

مضافا في الأول إلى موثقة أبي بصير : عن امرأة مرضت في شهر رمضان ، فماتت في شوال ، فأوصتني أن أقضي عنها ، قال : « هل برئت من مرضها؟ » قلت : لا ماتت عليه ، قال : « لا يقضى عنها ، فإن اللّه تعالى لم يجعله عليها » قلت : فإنّي أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك ، قال : « كيف تقضي شيئا لم يجعله اللّه تعالى عليها؟! » (4).

والسؤال وإن كان مخصوصا بالصوم إلاّ أنّ التعليل يثبت العموم.

وأمّا الأخبار المتقدّمة المجوّزة فغير واضحة الدلالة على العموم.


1) الوسائل 8 : 278 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 9 عن غياث سلطان الورى.

2) الذخيرة : 387 ، البحار 85 : 320.

3) الحدائق 11 : 42.

4) الكافي 4 : 137 الصيام ب 9 ح 8 ، التهذيب 4 : 248 - 737 ، الاستبصار 2 : 109 - 358 ، الوسائل 10 : 332 أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

وأمّا قضية صفوان بن يحيى وعبد اللّه بن جندب وعلي بن النعمان ، وتعاقدهم على أنّ من مات منهم يصلّي من بقي صلاته ويصوم عنه ويحجّ عنه ما دام حيا ، فمات صاحباه وبقي صفوان فكان يفي لهما بذلك ، فيصلّي كلّ يوم وليلة خمسين ومائة ركعة (1).

فغير ثابتة. ولو ثبتت فليست لنا بحجّة. ولو كانت حجة فعلى العموم غير دالّة ، فلعلّه كان عليهم قضاء يقينا أو احتمالا.

وتدل على الثاني رواية ابن جندب : كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله من الصلاة والبرّ والخير أثلاثا ، ثلثا له وثلثين لأبويه ، أو يفردهما من أعماله بشي‌ء ممّا يتطوّع وإن كان أحدهما حيّا والآخر ميتا ، فكتب إليّ : « أمّا الميّت فحسن جائز ، وأما الحيّ فلا إلاّ البرّ والصلة » (2).

فإن الظاهر أنّ المراد جعل ثوابها لهما ، لأنّه الصالح للتشريك ثلثا وثلثين والتفريد ، ولأنه لا تجوز صلاة نفسه الواجبة عنهما ، بأن ينوي إنّي أصلّي الظهر عنهما ، إذ لا تصحّ صلاته لنفسه حينئذ.

المسألة الثانية :

إذا علم فوات الصلاة عن ميّت فلا شكّ في جواز القضاء عنه.

ويدلّ عليه ما مرّ من إطلاق روايات الصلاة عن الميّت ، وروايات قضاء الولي ، ورواية الساباطي : عن الرجل يكون عليه صلاة أو يكون عليه صوم ، هل يجوز له أن يقضيه رجل غير عارف؟ قال : « لا يقضيه إلاّ رجل مسلم عارف » (3).

وعموم صحيحة محمّد : « يقضى عن الميّت الحجّ والصوم والعتق وفعاله الحسن » (4).


1) راجع رجال النجاشي : 197 ، وفهرست الشيخ : 83.

2) الوسائل 8 : 280 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 16 عن غياث سلطان الورى.

3) الوسائل 8 : 277 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 5 عن غياث سلطان الورى.

4) الوسائل 8 : 281 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 23 عن غياث سلطان الورى.

ونحوها صحيحة ابن أبي يعفور (1)، وأخبار كثيرة أخرى.

وتدلّ عليه قضيّة الخثعميّة المشهورة في كتب الفريقين : « سألت رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ، فقالت : إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ شيخا زمنا لا يستطيع أن يحجّ ، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت : نعم ، قال : فدين اللّه أحقّ بالقضاء » (2).

ولا شكّ أنّ الصلاة أيضا دين اللّه ، كما استفاضت به الأخبار ، منها المروي في الفقيه : « إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها بشي‌ء ، صلّها واسترح منها ، فإنّها دين » (3)ونحوها رواية حماد (4)، إلى غير ذلك.

وهل يجوز ذلك باحتمال أنّ عليه قضاء أو توهّمه أو تخيّله؟

قال في الذخيرة : فيه نظر وشك ، لعدم الدليل ، وتوقف العبادات على التوقيف (5). انتهى.

أقول : قد مرّ جواز ذلك بل استحبابه للمكلّف نفسه في صلاته لأدلّة الاحتياط. ولكن في شمولها للمقام نظر ظاهر ، إذ لا احتياط على الغير في حقّ الغير ، ولا يجب على الولي إلاّ ما علم فواته قطعا.

إلاّ أنّ الظاهر كفاية مثل قولهم : : « لكلّ امرئ ما نوى » و « إنّما الأعمال بالنيات » (6)وقضية تعاقد المشايخ الثلاثة المذكورة - مع التسامح في أدلّة السنن ، وغلبة الظنّ بأنّ ذلك لم يكن لقضاء صلاة متروكة يقينا - في إثبات


1) الوسائل 8 : 281 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 19 عن غياث سلطان الورى.

2) الذكرى : 75 عن غياث سلطان الورى ، ونقل مضمونها في الدعائم 1 : 336 ، وفي مستدرك الوسائل 8 : 26 أبواب وجوب الحج ب 18 ح 3 عن الدعائم وعن تفسير الشيخ أبي الفتوح الرازي ، وانظر : سنن النسائي 5 : 117 ، وسنن البيهقي 4 : 328.

3) الفقيه 2 : 195 - 884 ، الوسائل 11 : 440 أبواب آداب السفر ب 52 ح 1.

4) الوسائل 8 : 282 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 26 ، عن غياث سلطان الورى.

5) الذخيرة : 387.

6) الوسائل 1 : 46 أبواب مقدمة العبادات ب 5.

الجواز والاستحباب وحصول التوقيف ، فإنّ عدم التوقيف إنّما يمنع من الفعل بقصد التوقيف ، فإذا فعله بقصد الدخول في تلك العمومات فأيّ مانع منه؟ ولم لا يثاب عليه؟

المسألة الثالثة :
اشارة

لا شكّ في عدم وجوب قضاء ما علم فواته من الميّت من الصلوات على غير الولي ، للأصل الخالي عن المعارض مطلقا.

وأمّا الولي ففيه أقوال :

الأول : أنّه يجب عليه قضاء جميع ما فات عن الميّت ، ونسب إلى ظاهر الشيخين والعماني والقاضي وابن حمزة والفاضل في أكثر كتبه (1).

الثاني : أنّه يجب عليه قضاء ما فات عنه من صلاة أو صوم لعذر ، كالمرض والسفر والحيض ، لا ما تركه الميّت عمدا مع قدرته عليه ، وهو المنقول عن المحقّق في بعض مصنفاته (2)، والسيّد عميد الدين (3)، ونفى عنه البأس في الذكرى (4).

الثالث : أنه يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة عنه في حال مرض موته فحسب ، ذهب إليه الحلّي ويحيى بن سعيد والشهيد في اللمعة (5)، ومال إليه في الروضة (6).


1) المفيد في المقنعة : 684 ، الطوسي في النهاية : 633 ، الذكرى : 128 نقلا عن العماني ، والقاضي في المهذب 2 : 132 ، وابن حمزة في الوسيلة : 150 ، والفاضل في التحرير 2 : 164 والقواعد 2 : 171 ، والتبصرة : 173 ، والتذكرة 1 : 271.

2) نقله في الذكرى : 138 عن البغدادية للمحقق ، ولا يخفى أن ظاهره (ره) في الشرائع 4 : 25 والنافع : 268 وجوب قضاء جميع ما فات ، فراجع.

3) نقله عنه في الذكرى : 138.

4) الذكرى : 138.

5) الحلي في السرائر 1 : 409 ، يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع : 89 ، اللمعة ( الروضة 1 ) : 352 ، وقال : وقيل ما فاته مطلقا وهو أحوط.

6) الروضة 1 : 352.

الرابع : أنه يجب عليه قضاء ما فات عنه في المرض مطلقا ، مخيّرا بينه وبين التصدّق لكلّ ركعتين بمدّ ، فإن لم يقدر فلكلّ أربع مدّ ، فإن لم يقدر فمدّ لصلاة النهار ومدّ لصلاة الليل مع أفضلية القضاء ، حكي عن الإسكافي والسيّد (1).

الخامس : أنه يجب عليه قضاء جميع ما فات عنه لمرض أو غيره ، مخيّرا بينه وبين الصدقة على النحو المذكور ، نسب إلى ابن زهرة (2).

ومرجع الأخيرين إلى عدم وجوب القضاء عليه بخصوصه.

ومنهم من نسب إلى هؤلاء الأجلّة الثلاثة مع التخيير التخصيص بمرض الموت أيضا (3).

السادس : عدم وجوب القضاء عنه مطلقا ، يظهر من السيّد ابن طاوس في رسالته المذكورة وجود القائل به (4).

وظاهر الذخيرة التوقف في أصل وجوب القضاء مطلقا (5).

دليل الأول : رواية الساباطي المتقدّمة في المسألة الثانية (6)، حيث إنّها دلّت على الوجوب على المسلم العارف ، خرج غير الولي بالإجماع ، فبقي الولي.

وصحيحة البختري : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، قال : « يقضيه أولى الناس به » قلت : إن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال : « لا ، إلاّ الرجال » (7).

ومرسلة ابن أبي عمير : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، قال :


1) حكاه عنهما في المختلف : 148.

2) الغنية ( الجوامع الفقهية ) 563.

3) نسب التخصيص بمرض الموت إلى الإسكافي والمرتضى ، في المختلف : 148 ، ولم نجد من نسبه الى ابن زهرة.

4) انظر : الذكرى : 75.

5) الذخيرة : 387.

6) راجع ص 328.

7) الكافي 4 : 123 الصيام ب 44 ح 1 ، الوسائل 10 : 330 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 5.

« يقضيه أولى الناس به » (1).

ورواية ابن سنان : « الصلاة التي حصل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به » (2).

وعموم الأخبار الكثيرة ، المتقدم بعضها المتضمن لقوله : « يقضى عن الميّت فعاله الحسن » (3).

ويرد على الجميع خلوّه عن الدالّ على الوجوب رأسا ، وأيّ دلالة في قوله : « يقضى » على الوجوب؟ مع أنّ استعمال الإخبار في المستحبات أكثر من أن يحصى. ودعوى تبادر الوجوب ممنوعة جدا. ولو سلّم فما فائدته لزمان الشارع؟

وقياسه على الأمر فاسد ، إذ يضمّ مع تبادره أصالة عدم النقل ، وهو هنا متحقّق قطعا لو سلّم التبادر ، فتجري فيه أصالة تأخّر الحادث.

هذا مع أنّ الظاهر من الأول ليس إلاّ الجواز ، ولو سلّم ظهور الوجوب فتخصيص المسلم العارف بالولي ليس بأولى من حمل « يقضيه » على الجواز.

وكذا العمومات الأخيرة ، إذ لا يجب قضاء جميع فعاله الحسن قطعا ، والتخصيص بالصلاة - مع كونه قبيحا لكونه فردا نادرا - ليس بأولى من حمل « يقضى » على الاستحباب.

نعم وردت الأخبار - الظاهرة في الوجوب - في خصوص الصوم (4). وقياس الصلاة عليه فاسد ، والإجماع المركب غير ثابت ، بل عدمه ثابت ، لتحقق الفصل بينهما في هذه المسألة في كثير من الموارد.

دليل الثاني - على ما في الذكرى - : إطلاق الأخبار المتقدّمة بحمله على الغالب ، وهو كون ترك الصلاة للعذر ، قال : أمّا تعمّد ترك الصلاة فإنّه نادر ،


1) الوسائل 8 : 278 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 6 عن غياث سلطان الورى.

2) الوسائل 8 : 281 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 18 عن غياث سلطان الورى.

3) راجع ص 328.

4) الوسائل 10 : 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23.

قال : نعم قد يتفق فعلها لا على الوجه المبرئ للذمّة ، والظاهر أنّه يلحق بالتعمّد للتفريط (1). انتهى.

ويردّ : بمنع دلالة الإطلاقات على الوجوب أولا ، كما مرّ. ومنع الغلبة المدّعاة الموجبة لانصراف المطلق إليها - سيّما مع إلحاق ما ذكره بالتعمّد - ثانيا.

دليل الثالث : أمّا على عدم وجوب قضاء ما فات في غير مرض الموت فالأصل الخالي عن المعارض. وأمّا على وجوب قضاء ما فات في مرض موته فالإجماع ، نقله الحلّي (2).

ويردّ : بعدم حجية الإجماع المنقول ، وعدم ثبوت المحقّق ، كيف؟! ولا يوجبه السيّد والإسكافي وابن زهرة عينا وإن أوجبوا تخييرا.

ودليل الرابع والخامس غير معلوم ، كما صرّح به جماعة (3).

ودليل السادس : الأصل ، وهو حسن.

إلاّ أنّ الظاهر ثبوت الإجماع على وجوب شي‌ء على الولي عينا أو تخييرا ، ولا أقلّ من الفائتة في مرض الموت ، فإنّ من

يقول بعدم الوجوب أصلا غير معلوم ، وإن كان فهو نادر ، خلافه في الإجماع غير قادح.

ثمَّ إنّ هذا الشي‌ء الواجب قطعا هو قضاء الفائتة في مرض الموت قطعا ، إذ كلّ من يقول بوجوب شي‌ء يقول بوجوبه لا أقلّ ، فهو بأحد الوجوبين - العيني بخصوصه أو في ضمن الزائد ، أو التخييري - موصوف البتة ، ووجوب الزائد غير معلوم البتة ، ثمَّ بضميمة أصل الاشتغال يثبت وجوبه عينا ، فإنّ كلّ من يقول بالتخيير بين الصلاة والصدقة يقول بحصول البراءة بالصلاة.

ومن ذلك يظهر أنّ الأقوى هو القول الثالث ، وهو اختصاص الوجوب على الولي بقضاء ما فات في مرض الموت ، والأحوط قضاؤه ما فات في المرض مطلقا.


1) الذكرى : 138.

2) في السرائر 1 : 399 و 408.

3) كصاحب الحدائق 11 : 57.

فروع :

أ : يستحب للولي قضاء جميع ما فات عن الميت ، للأخبار المتقدمة ، والتحرز عن الخلاف.

ب : المشهور أنّ الولي الذي يجب عليه القضاء الرجال من الورثة دون النساء ، والأولاد من الرجال منهم دون غيرهم ، والأكبر من الأولاد دون غيره.

فيختصّ القاضي بالابن الأكبر سواء وجد غيره أم لا.

وعن المفيد والصدوقين والإسكافي وابن زهرة والقاضي : إطلاق الولي من غير تخصيص (1).

وظاهر الذكرى التخصيص بالذكور دون غيره (2).

ومن مشايخنا الأخباريين من خصّه بالرجل والأكبر دون الولد (3).

واستدلّوا على هذه التخصيصات بوجوب الاقتصار على المتيقّن ، فإنّ الأصل يقتضي عدم القضاء إلاّ ما وقع الاتفاق عليه وهو الابن الأكبر ، وعدم صدق الولي على غيره.

مضافا في التخصيص بالرجال إلى صحيحة البختري المتقدمة (4)، فإنّ مقتضى قوله « يقضيه » فيها إمّا الجواز أو الاستحباب أو الوجوب ، وأيّ منها كان ينتفي بنفيه الوجوب عن الإناث.

وفي التخصيص بالأكبر إلى صحيحة الصفار : رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليّان ، هل يجوز لهما أن يقضيا [ عنه ] جميعا ، خمسة أيام


1) المفيد في المقنعة : 823 ، الصدوق في المقنع : 63 ، وفي المختلف : 242 نقلا عن والده وفي ص 148 حكاه عن الإسكافي ، ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : 563 ، القاضي في شرح الجمل : 112.

2) الذكرى : 139.

3) المحدث البحراني في الحدائق 11 : 55.

4) في ص 331.

أحد الوليين وخمسة أيام الآخر؟ فوقّع عليه السلام : « يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيام ولاء إن شاء اللّه تعالى » (1).

واحتجّ من أطلق الولي بإطلاقاته ، مضافا إلى رواية الصدوق : « إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله » (2).

ومن خصّ بالذكور بصحيحة الحفص في التخصيص ، والإطلاق بالنسبة إلى غيره لعدم المخصص.

ومن خصّ معه بالأكبر بصحيحة الصفار في التخصيص والإطلاق في غيره.

أقول : أمّا دليل الاقتصار على المتيقّن ففيه : أنه يصحّ فيما إذا انحصر الوارث بغير الابن ، فيصحّ أن يقال : الأصل عدم الوجوب عليه ، وأمّا إذا اجتمع الابن وغيره كالأب فالأصل كما يقتضي عدم الوجوب على غير الابن يقتضي عدم الوجوب عليه عينا أيضا.

وأمّا دليل عدم الصدق ففاسد جدا ، لمنعه. كيف؟! مع أنّه تعلّقت أحكام من الميّت بالولي وأولى الناس به أيضا ، وعمموه فيها كما مرّ.

وأمّا دليل التخصيص بالأكبر ففيه : أنه مخصوص بقضاء الصوم. وإثبات عدم الفصل مشكل جدّا. مضافا إلى معارضته مع رواية الصدوق المتقدّمة ، وقصوره عن إفادة الوجوب ، لاحتمال إرادة الرجحان ، بل هي المتضمّنة ، للتقييد بقوله « ولاء » وهو غير واجب.

وأما دليل الإطلاق بالنسبة إلى الولي أو غير الأكبر أو الرجل فإنما يتمّ لو كان دليل الوجوب هو الإطلاقات ، وقد عرفت قصورها عن إثباته حتى رواية الصدوق


1) الكافي 4 : 124 الصيام ب 44 ح 5 ، الفقيه 2 : 98 - 441 ، التهذيب 4 : 247 - 732 ، الاستبصار 2 : 108 - 355. الوسائل 10 : 330 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3. وما بين المعقوفين من المصادر.

2) الفقيه 2 : 98 - 440 ، الوسائل 10 : 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 1.

المتضمنة للأمر ، لعدم الوجوب على من شاء.

والتحقيق : أنّه لا ينبغي الريب في الاختصاص بالذكور ، لصحيحة البختري بالتقريب المتقدم.

ولا في عدم الوجوب على غير الابن في صورة عدم وجود ابن ، للأصل المتقدم ، حيث إنّه - كما عرفت - ينحصر الدليل على الوجوب بالإجماع المنتفي في المقام.

ولا في عدم الوجوب على غير الابن والأب مع وجود الابن ، لانتفاء الولاية ، فلا قول بالوجوب عليه البتة.

فبقي الإشكال في صورة اجتماع الابن والأب ، وصورة تعدّد الأبناء ، فإنّه وإن وجب إمّا على الابن الأكبر معيّنا أو على أحدهم مخيّرا ، لعدم قول بغير ذلك ، إلاّ أنّه تجري أصالة عدم الوجوب المعيّن في حقّ الابن الأكبر والمخيّر في حقّ البواقي ، فلا يمكن الحكم بالوجوب المعيّن على الابن الأكبر ، كما في واجدي المني في الثوب المشترك. والأحوط للولد الأكبر قضاء ما فات في مرض الموت حينئذ.

ج : لو كان الولد الأكبر أو غيره من الأولياء - على القول بالتعميم - غير مكلّف

فهل يتعلّق الوجوب به أم لا؟

قال في الذكرى : الأقرب اشتراط كمال الولي حال الوفاة ، لرفع القلم عن الصبي والمجنون (1).

وفيه : أنّه لو تمَّ لزم عدم وجوبه على الغافل عند الموت والنائم ، والجاهل بالموت ، لمشاركتهما مع غير الكامل في عدم التكليف حال الوفاة. ولو جاز التعلّق بعد رفع المانع لجاز في غير البالغ أيضا ، فيلحقه الأمر عند البلوغ.

وقيل : الأقوى عدم الاشتراط ، لثبوت الحبوة لغير البالغ ، المستلزم لثبوت القضاء ، ولعموم النصّ (2).


1) الذكرى : 139.

2) شرح المفاتيح للوحيد البهبهاني ( المخطوط ).

ويردّ الأول : بمنع التلازم. والثاني : بمنع وجود النصّ المقتضي للوجوب.

والحقّ عدم الوجوب ، لما عرفت من انحصار الدليل في الإجماع المنتفي في موضع النزاع.

د : لا يشترط خلوّ ذمّة الولي من صلاة واجبة ، فتلزمان معا. ولا ترتيب بينهما ، ولا بين فوائت الميّت لو علم الولي الترتيب أو لم يعلمه.

كلّ ذلك للأصل ، وعدم الدليل ، وظهور أدلّة الترتيب في فوائت نفسه.

ووجوب الترتيب على الميّت لو كان يقضيه بنفسه لا يستلزم وجوبه على الولي أيضا ، سيّما مع اختصاص الوجوب بالفائتة في مرض الموت التي لم يتعلّق وجوب قضائها بذمة الميت أصلا.

ودعوى تبادر وجوب القضاء على الولي بالنحو الذي كان واجبا على الميّت غريبة جدا ، إذ لا تبادر في ذلك أصلا.

ه- : لو مات هذا الولي قبل قضائه فوائت الميّت لا يتحمّلها وليه ، للأصل ، والاقتصار على المجمع عليه.

ولو كان المستند الروايات لقوي القول بالتحمل ، لإطلاقها. وانصرافه إلى الشائع إنما يسلّم إذا بلغ الشيوع حدا يوجب التبادر ، وهو في المقام ممنوع.

و : المقضي عنه هو الرجل ، اقتصارا على موضع الوفاق ، وفاقا للحلّي والفخري (1)، وأكثر المتأخرين (2).

وكلام المحقّق مؤذن بالقضاء عن المرأة (3)، قال في الذكرى : لا بأس به (4)،


1) الحلي في السرائر 1 : 399 ، فخر المحققين في الإيضاح 1 : 240.

2) كالشهيد الأول في الذكرى : 139 ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد 3 : 80 ، والشهيد الثاني في المسالك 1 : 78 ، وصاحب الرياض 1 : 322.

3) المختصر النافع : 70.

4) الذكرى : 139.

واختاره بعض مشايخنا المحققين (1)، بل هو مختار الشيخ في النهاية (2)، وعن القاضي والتذكرة والمختلف والدروس (3).

أخذا بظاهر الروايات ، حيث إنّ معظمها يتضمّن لفظ الميّت ، وهو في الاستعمال مشترك ، ولأنّ المرأة مثل الرجل في التكليفات الشرعيّة ، ولأنّ عناية اللّه سبحانه بالنسبة إليهما على السواء.

والأول كان حسنا لو كانت الرواية دالّة على الوجوب ، والثاني ضعيف ، لأنّ المسلّم المماثلة في تكاليف أنفسهم ، والثالث من الاستحسانات المردودة في مذهبنا.

واستدلّ الفاضل أيضا ببعض الأخبار الظاهرة في جواز قضاء الصوم عن المرأة (4).

وضعفه ظاهر ، فإنّ الكلام في الوجوب ثمَّ على الولي.

ز : لو أوصى الميّت إلى غير الولي بقضائها عنه بأجرة أو غيرها ، فالأقرب عدم الوجوب على الولي

ولو قبل إتيان الغير به ، لما مرّ من الاقتصار في الوجوب عليه على موضع الإجماع.

هذا إذا لم تفت من الميّت بعد الوصية صلاة. ولو تقدّمت الوصيّة فوت بعض الصلوات يجب على الولي ما فات بعده في مرض الموت ، لأنّ الوصية تعلّقت بقضاء ما تقدّمت على الوصية.

هذا إذا أوصى بقضاء ما علم فواته. ولو أوصى بقضاء صلوات احتياطا ثمَّ فاتت عنه صلوات فلا يبعد الاكتفاء بالوصية. فتأمل.

ح : هل يجوز للولي استئجار ما يجب عليه من القضاء ، أم لا؟


1) الوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح ( المخطوط ).

2) النهاية : 158.

3) القاضي في المهذب 1 : 196 ، التذكرة 1 : 276 ، المختلف : 243 ، الدروس 1 : 289.

4) المختلف : 243 ، والتذكرة 1 : 276.

الأقرب الثاني ، وفاقا للحلّي والمنتهى والذكرى والحدائق (1)، لأصالة عدم السقوط عنه بفعل الغير ، واستصحاب الوجوب ، وعدم ثبوت جواز الاستنابة في الصلاة عن الحي ، والولي حيّ والتكليف عليه. والفرق بينه وبين وصيّة الميّت ظاهر ، إذ في صورة الوصيّة لم يثبت الوجوب على الولي بخلاف المورد ، فإنّ الوجوب ثبت عليه ، والسقوط يحتاج إلى دليل.

خلافا للمحكي عن التذكرة وصوم الدروس وابن فهد (2)، فجوّزوا الاستيجار.

لأنّ قوله « يقضي » الوارد في أكثر تلك الأخبار ليس صريحا في المباشرة.

ولدلالة الأخبار على كون الصلاة دينا ، والدين يصحّ أن يقضيه كلّ أحد.

ولقوله في رواية عمار السابقة : « لا يقضيه إلاّ رجل مسلم عارف » (3)دلّ على جواز قضاء كلّ أحد.

ولقبول القضاء عن الميّت النيابة والاستيجار.

ويردّ الأول : بأنّ قوله « يقضي » حقيقة في قضائه بنفسه ، لأنّه معناه ، فكيف ليس صريحا؟! بل هو المتبادر منه ، والاستيجار ليس معنى لقوله « يقضي ».

والثاني : بأنّا لا نسلّم أنّ كلّ دين مما يصحّ أن يقضيه كلّ أحد ، ولذا لا تصحّ الصلاة عن الحي. والتعليل في قضية الخثعمية (4)- لو ثبت - فإنّما ينفع في موضع الانجبار ، لضعفها.

سلّمنا ، ولكن الكلام ليس في سقوط الصلاة عن الميت ، بل عن الولي ، ولا استبعاد في سقوطها عنه بفعل الغير وبقائها على ذمّة الولي أيضا ، لتعلّق الوجوب به أولا ، ولذا نقول بالوجوب عليه لو تبرّع أحد بالصلاة للميت أيضا.


1) الحلي في السرائر : 399 ، المنتهى 2 : 604 ، الذكرى : 139 ، الحدائق 11 : 62.

2) التذكرة 1 : 276 ، الدروس 1 : 289 ، المهذب البارع 2 : 76.

3) راجع ص : 328.

4) المتقدمة في ص : 329.

فإن قلت : لا صلاة على الميّت حينئذ حتى يجب قضاؤها على الولي.

قلنا : كانت عليه الصلاة حين الوفاة ، وصار هو سببا لتعلّق الوجوب بالولي ، فيستصحب وجوبه عليه ، وإن سقط عن الميت بفعل غيره تبرعا. ولذا لو استأجر الوصي أحدا لقضاء ما لا يجب على الولي من فوائت الميت لا يرتفع الوجوب عن الأجير بتبرّع غيره.

مع أنّ في صحة هذه الصلاة إجارة وسقوطها عن الميت نظرا ، فإنّ وجوبها عينا على الولي ينافي السقوط بفعل الغير. ولو كان كذلك لما وجب قضاء على ولي عينا أبدا بل يكون واجبا عليه وعلى سائر الناس تخييرا ، ويكون واجبا كفائيا ، وهم لا يقولون به ، ولا يقولون بعقاب غير الولي مع الترك ، وهو معنى الوجوب العيني ، وإذا وجب عليه عينا فلا معنى لوجوبه على غيره أيضا بمعنى أنه لو فعله لسقط أيضا.

والثالث : بأنّه لا كلام في جواز قضاء كلّ أحد عن الميّت ، بل الكلام في جواز استيجار الولي فيما وجب عليه ، وجواز قضاء ما وجب على الولي.

والرابع : بمنع قبول مطلق القضاء للاستنابة والاستيجار ، والسند واضح مما مرّ.

المسألة الرابعة :
اشارة

ألحقّ المشهور بين أصحابنا الإمامية جواز الاستيجار للصلاة ، بل في الحدائق : أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب فيما أعلم (1).

إذ تجوز لكل أحد الصلاة عن الميت ، وكلّ ما يجوز لأحد فعله لغيره يجوز استيجاره له.

أمّا الأول فللعمومات الكثيرة المتقدمة (2)، والإجماع كما صرّح به غير


1) الحدائق 11 : 44.

2) في ص 325.

واحد (1).

وأمّا الثاني فللإجماع ، ولذا لا يطلب في الاستيجار لكلّ فعل فعل بخصوصه نصّ بخصوصه.

فإن سلّم المخالف الإجماع على الكلّية - كما هو الواقع - فلا وجه لمخالفته في المسألة ، وإلاّ فلم يجوّز الاستيجار في كلّ فعل مباح غير الصلاة؟ ومن أين ثبت له الإجماع على كلّية غير هذا الفرد؟ أو أين العامّ الشامل لكلّ فعل سوى الصلاة؟

فإن قلت : الفارق ثبوت الإجماع في غيرها.

قلنا : إن أردت تصريح الجميع في الجميع فأين ذلك؟ وإن أردت عدم التعرّض للخلاف فأين التعرّض له في الصلاة سوى من بعض المتأخرين الذي لا يعبأ بخلافه ووفاقه في انعقاد الإجماع؟

ويدلّ على الثاني أيضا بعض العمومات أو الإطلاقات ، كرواية محمد بن سنان : سألته عن الإجارة ، فقال : « صالح لا بأس بها إذا نصح قدر طاقته ، قد آجر موسى عليه السلام نفسه واشترط » (2).

وهو بإطلاقه بل عمومه المستفاد من ترك الاستفصال يشمل المطلوب.

والمروي في تحف العقول للشيخ الحسن بن شعبة ، عن الصادق عليه السلام ، المنجبر ضعفه بالشهرتين بل نقل عدم الخلاف (3)، قال : « وأما تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه لوجه الحلال من جهات الإجارات ، أو يوجر نفسه أو داره أو شيئا يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل بنفسه وولده ومملوكه أو أجيره » إلى أن قال :


1) كالشهيد الأول في الذكرى : 75 ، ونقل عن إرشاد الجعفرية في مفتاح الكرامة 2 : 61.

2) الكافي 5 : 90 المعيشة ب 16 ح 2 ، الفقيه 3 : 106 - 442 ، التهذيب 6 : 353 - 1003 ، الاستبصار 3 : 55 - 178 ، الوسائل 17 : 238 أبواب ما يكتسب به ب 66 ح 2.

3) الذكرى : 75.

« وكلّ من آجر نفسه أو آجر ما يملك أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقة على ما فسرناه مما تجوز الإجارة فيه فحلال فعله وكسبه » (1).

فإنّه دلّ على أنّ كلّ ما تجوز إجارته حلال مطلق عمله ، وأنّ الإنسان مما تجوز إجارته.

وتدلّ عليه أيضا عمومات وجوب الوفاء بالشرط ، ولازمه وجوب الاستيجار أو الإجارة لو شرطه ، بل نفس الإجارة أيضا شرط.

خلافا لنادر من متأخري المتأخرين كصاحبي الذخيرة والوافي (2).

ومنشأ شبهة الأول زعمه انحصار مستند هذه الإجارة في الإجماع وعدم ثبوته عنده في المقام.

وهو لا يضرّ من ادّعى ثبوته عند نفسه. مع أنّه يلزمه ما مرّ من توقّفه في صحّة الإجارة على غير شاذّ من الأعمال ، لانتفاء النصّ المخصوص ، وعدم موجب لثبوت الإجماع في غير الصلاة دونها.

وسبب منع الثاني ما مرّ أيضا مضافا إلى منافاة الاستيجار لنية الأجير القربة المقصودة في العبادة ، قال : وأمّا جواز الاستيجار للحجّ فلأنّه إنّما يجب بعد الاستيجار ، وفيه تغليب لجهة المالية ، فإنّه إنّما يأخذ المال ليصرفه في الطريق ليتمكّن من الحجّ. انتهى.

ويردّ : بمنع منافاة الاستيجار لنية القربة ، لإمكان الإخلاص بعد إيقاع عقد الإجارة ، فإنّ العمل يصير بعده واجبا ، ويصير من قبيل ما لو وجب بنذر وشبهه ، فيمكن تحقّق الإخلاص في العمل وإن صارت الأجرة سببا لتوجّه الأمر الإيجابي إليه.

قيل : المتصوّر من نيّة التقرب من جهة الإجارة إنّما هي من جهتها لا من جهة أنّها عبادة مخصوصة ، ولا ريب أنّ المعتبر في الصلاة ونحوها نية التقرب بها


1) تحف العقول : 248 ، الوسائل 17 : 83 أبواب ما يكتسب به ب 2 ح 1.

2) الذخيرة : 387 ، صاحب الوافي في المفاتيح 3 : 12.

إلى اللّه تعالى من حيث إنّها هي.

قلنا : لم يثبت من أدلة وجوب الإخلاص أزيد من وجوب قصد كون الفعل لله سبحانه ولأجل إطاعته وامتثال أمره ، وهو يتحقّق من الأجير ، وإلاّ يأخذ الأجرة ويترك الصلاة. أمّا وجوب نية الإطاعة من حيث إنّ الفعل هذا الفعل أو لأجل الإيجاب من هذه الجهة فلا ، ولو وجب ذلك لم يبرأ من نذر واجبا أصليا أبدا ، فيدفع الإشكال.

بل الظاهر عدم وروده ابتداء أيضا ، لأنّ القدر المسلّم وجوب الإخلاص في كلّ عبادة على من يتعبّد بها. وكون ما يلزم بالإجارة ممّا هو في الأصل عبادة عبادة للأجير ممنوع. وكونه عبادة لمن وجب عليه بأصل الشرع لا يقتضي كونه عبادة للأجير أيضا. ووجوبه بالإجارة لا يجعله عبادة ، كسائر الأفعال الواجبة بالإجارة.

نعم ، يشترط فيه قصد ما يميّزه عن غيره من الأفعال إن لم يتميز بغيره ، وقصد كونه أداء لما وجب بالإجارة ، كما هو شرط في أداء كلّ حقّ لازم. وأمّا وجوب ما سوى ذلك فلا دليل عليه.

فإن قيل : لا شك أنّ الصلاة الفائتة التي تتدارك بالاستيجار كان قصد القربة جزءا لها ، فتجويز تداركها بالاستيجار يقتضي تدارك جميع أجزائها.

قلنا : كون قصد الإخلاص جزءا لمهية الصلاة ممنوع ، وإنّما هو شرط في صحّتها في الجملة أي حين التعبد بها. ولو سلّم فلا نسلّم جزئيّته لمطلق الصلاة ، وإنّما هو جزء للصلاة الصادرة ممن يتعبّد بها.

ثمَّ بما ذكرنا من عدم كونها عبادة للأجير يندفع إشكال آخر أورد من جهة اعتبار الرجحان في العبادة. والرجحان من جهة الإجارة غير مفيد في رجحان أصل المنفعة.

هذا كله مع أنّ ما اعتذر به في الاستيجار للحجّ غير تامّ جدا ، كما لا يخفى على المتأمل.

وسيأتي تمام الكلام في ذلك ، وبيان عدم تمامية سائر ما اعتذر به لانتفاء نيّة

القربة هنا في بحث المكاسب.

فروع :

أ : قد ظهر ممّا ذكرنا عدم وجوب قصد التقرب على الأجير من جهة أنّها عبادة ، بل ولا من جهة الإجارة أيضا.

ب : يجوز الاستيجار لأن يصلّي للميّت ما يحتمل تركه عنه أو يتوهّم فيه خلل ، بل قضاء جميع صلواته إذا احتملت الخلل ، لما عرفت من جواز فعلها عن الميّت ، وجواز الاستيجار في كلّ ما يجوز فعله عن الغير. نعم لا يجوز الاستيجار لقضاء ما علم عدم فواته عن الميّت وعدم خلل فيه ، ويظهر وجهه مما مرّ في المسألة الأولى.

ج : لا يجب الترتيب على الأجير إلاّ مع الشرط ، ولا قرار الترتيب بين الأجراء المتعدّدة ، للأصل فيهما.

د : يجوز استيجار كلّ من الرجل والمرأة لقضاء صلاة الآخر ، للأصل.

وهل يجوز استيجار المميّز من الصبيان بإذن وليّه؟

مقتضى الأصل ذلك. ولا تمنع عنه تمرينيّة عبادة نفسه ، لأنّ الصلاة نيابة ليست عبادة للنائب حقيقة.

وأما رواية عمار : عن الرجل تكون عليه صلاة أو يكون عليه صوم هل يجوز له أن يقضيه رجل غير عارف؟ قال : « لا يقضيه إلاّ رجل مسلم عارف » (1)ولا شكّ أنّ الصبي ليس برجل.

فهي منساقة لبيان أمر آخر وهو اشتراط المعرفة ، مع أنّها عن إفادة الحرمة قاصرة.


1) الوسائل 8 : 277 أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 5. عن غياث سلطان الورى.

إلاّ أن يجعل السؤال عن الجواز قرينة على إرادة عدمه في الجواب ، والسياق لا ينافي مع الإطلاق ، فيثبت منها عدم الجواز.

مع أنّ أصل الإجماع المدّعى في مطلق الإجارة هنا غير معلوم.

ورواية تحف العقول وإن شملت المورد بل نصّت عليه (1)، إلاّ أنّها ضعيفة ، وانجبارها في المورد غير معلوم. فالمنع أظهر.

ه- : لو كان على شخص قضاء صلوات فهل يجب عليه إعلام الولي عند موته

إن كان مما يجب على الولي قضاؤه؟ أو الوصية بالاستيجار ونحوه إن كان مما لا يجب عليه؟

الظاهر لا ، للأصل ، وعدم دليل على الوجوب.

فإن قيل : ذمّته مشغولة بالصلاة ، وتحصيل البراءة عنها واجبة ، ولا تحصل إلاّ بالإعلام والوصية ، ومقدمة الواجب واجبة.

قلنا : الثابت اشتغال ذمّته بأن يصلّي نفسه أو يقضي بنفسه ، والمفروض أنه غير متمكّن منهما ، ولم يثبت الاشتغال بشي‌ء آخر حتى تجب مقدمته.

نعم ، يكون هو عاصيا آثما لو ترك الصلاة أو قضاءها بالاختيار.

فإن قلت : دفع مضرّة العصيان والإثم واجب ، وهو لا يتحقّق إلاّ بالإعلام والوصية.

قلنا : الدافع للمضرّة هو التوبة والتلافي بنفسه مع الإمكان ، وأما فعل الغير فليس دافعا لمضرّة العصيان لو لم يتب. نعم به يصل ثواب إليه ، ووجوب تحصيل الثواب غير معلوم ، وكونه من شرائط قبول التوبة غير معلوم علينا.

و : هل تشترط عدالة الأجير للصلاة للميّت ، أو لا؟

لم أعثر على مصرّح بأحد الطرفين في المسألة.

نعم ، ذكروه في مسألة أجير الحج الواجب ، واشترط المتأخّرون فيه عدالة


1) راجع ص 341.

الأجير استنادا إلى أنّ الإتيان بالحجّ الصحيح إنّما يعلم بأخبار النائب ، والفاسق لا تعويل على إخباره ، لآية التثبّت. واكتفى بعضهم فيه بكونه ممّن يظنّ صدقه ويحصل الوثوق بقوله.

أقول : لا شكّ في أنّه لا دليل على اشتراط عدالته من حيث هو هو ، بحيث لو جعل غير العادل أجيرا وصلّى كانت صلاته باطلة.

وعلى هذا فنقول : لا ريب في جواز الوصية باستئجار شخص معيّن وإن لم يكن معلوم العدالة ، أو شخص مطلقا سواء كان عادلا أم لا ، إذ عرفت عدم وجوب تحصيل العلم بتحقّق القضاء من الغير على الميّت. وكذا لا ريب في جواز استيجار المتبرّع للميت كلّ من شاء وأراد.

وإنّما الإشكال في الوصي إذا لم يصرّح الموصي باستئجار العادل أو استيجار شخص ولو غير عادل.

فمقتضى الأصل وإن كان عدم اشتراط شي‌ء فيمن يستأجره الوصي ، إلاّ أنّ القرينة الحالية قائمة على عدم إرادة الموصي استئجار كلّ أحد ، فإنّا نعلم قطعا أنه لو سئل عنه عن استيجار شخص كان المظنون في حقه عدم الإتيان بالفعل لا يجوّزه ، بل وكذا من تساوى الفعل وعدمه في حقه ، بل نعلم قطعا أنّه لا يريد إلاّ استيجار من كان المظنون في حقه الفعل ، لا مجرّد الظنّ الشرعي الحاصل من أصالة حمل فعل المسلم على الصحة ، بل الظنّ الواقعي ، لا أقل من ذلك البتة.

فاشتراط كون الأجير موثوقا به من هذه الجهة مما لا شكّ فيه ، ولمّا كان لا يحصل هذا الظنّ والوثوق غالبا إلاّ من جهة العدالة فتكون شرطا من باب المقدمة ، نعم ، لو فرض حصوله من جهة أخرى فلا بأس بالاكتفاء بها.

وكذا الكلام في من يستأجره وكيل الوصي.

وأما الاستناد إلى ما ذكروه من أنّ الإتيان بالحج الصحيح يعلم بأخبار النائب.

ففيه : أنّه لا يحصل العلم من قول العادل أيضا ، وبعد عدم إمكانه

فاشتراط تحصيل الظنّ بالإتيان به لا دليل عليه من غير الجهة التي ذكرناها. بل يمكن الاكتفاء بمجرّد إخباره كما في التذكية والتطهير ونحوهما.

وبالجملة إن أريد لزوم تحصيل العلم بالفعل الصحيح فهو غير ممكن ، وإن أريد لزوم تحصيل الظن فلا دليل عليه إلاّ ما ذكرناه.

ز : يلزم على المستأجر قبول إخبار الأجير في الإتيان بالصلاة - فيما يترتب على الإتيان بالفعل ويتفرّع عليه من الأحكام - ما لم يظهر عليه خلافه علما أو ظنا بقرينة ، لأنّ ذلك مقتضى هذه الإجارة ، لعدم إمكان غير ذلك في المسألة ، فلو أراد غيره كان تكليفا بالمحال. نعم لو ادّعى المستأجر ظنّ كذبه أو علمه فيسمع دعواه ، والظاهر الاكتفاء فيه بتحليف الأجير.

ح : يجب أن يكون الأجير حال الصلاة عالما بفقه الصلاة

في أجزائها الواجبة وشرائطها ومنافياتها ومبطلاتها ، اجتهادا أو تقليدا ، فعلا ، وبأحكامها العارضة غالبا كأحكام السهو والشك ، قوّة قريبة ، بحيث يتمكن منها عند الحاجة.

لتوقّف الإتيان بالعمل الواجب عليه ، ولفحوى رواية مصادف : أتحجّ المرأة عن الرجل؟ قال : « نعم إذا كانت فقيهة مسلمة » (1).

وهل يشترط علم المستأجر بعلم الأجير أو عدم علمه بعدم علمه أو ظنه بعلمه ، أو لا يشترط شي‌ء منها؟

الظاهر الثاني ، إذ لم يعهد من أحد استعلام كلّ جزئي جزئي من أجزاء الصلاة وشرائطها ومنافياتها من الأجير.

إلاّ أن يقال : إنّه إن تتوقّف صحّة الإجارة على التمكّن من الفعل الموقوف على العلم بالأجزاء والشرائط ، فهو شرط في صحّة الإجارة ، وما لم يعلم الشرط لا يعلم المشروط. على هذا فاللازم في الحكم بصحّة الإجارة العلم بعلم الأجير بالأجزاء والشرائط والمنافيات.


1) التهذيب 5 : 413 - 1436 ، الاستبصار 2 : 322 - 1142 ، الوسائل 11 : 177 أبواب النيابة في الحج ب 8 ح 7.

إلاّ أنّ الظاهر كفاية ثبوت عدالته شرعا في ذلك العلم ، بل لا يبعد الاكتفاء في ذلك بظاهر حاله من إسلامه وإيمانه ، بل على ذلك البناء في الجمعة والجماعات والشهادات وغير ذلك.

ط : لو حصل للأجير في الصلاة شك أو سهو ، يعمل بأحكامه كالمصلّي لنفسه ، ولا تجب عليه الإعادة ، لعمومات أحكامهما من غير معارض.

ي : لو عرض للأجير عذر مسوّغ للتيمم أو الصلاة قاعدا أو مومئا أو راكبا أو نحو ذلك ، لم تجز له صلاة الإجارة كذلك إذا كانت الإجارة حال عدم العذر ، أو لم تكن قرينة على إرادة نحو ذلك أيضا ، سواء كان وقت الصلاة الاستيجارية موسّعة أو مضيّقة.

بل يجب عليه مع التوسعة التأخير إلى انتفاء العذر ، ومع الضيق فكالعاجز عن أصل الصلاة ، لأصالة عدم وجوب وظيفة المعذور عليه ، وعدم استحقاق الأجرة بالإتيان بها ، ولأنّ الظاهر أنّ المعهود بين طرفي الإجارة ومنظورهما حين العقد هو الصلاة بالوضوء - مثلا - وقائما ونحو ذلك ، فهو المقصود بالإجارة ، فهو الواجب ، فلا يكفي غيره.

فإن قيل : لا شكّ أنّ وجوب ما يجب بالإجارة إنّما هو بأمر الشارع ، وهو أيضا قد جوّز التيمم والجلوس - مثلا - للمعذور ، فتشمل عمومات العذر لمثل هذا الشخص أيضا.

قلنا - مع أنّ ظهور الصلاة الاستيجارية من تلك العمومات محلّ كلام ، وعدم ظهور أكثرها معلوم - : إنّها إنّما هي تعارض عمومات الوفاء بالعقد والعهد والإجارة والشرط بالعموم من وجه ، فلا يعلم براءة الذمة بالصلاة مع العذر.

وأيضا : مدلول عمومات العذر أنّ من تجب عليه الصلاة وحصل له العذر يصلّي كذا وكذا ، ولا نسلّم وجوب الصلاة على مثل ذلك الشخص ، لأنّ ما وجب عليه بالعقد هو الصلاة مع الوضوء مثلا ، فمع عدم التمكّن منها لا يكون شي‌ء واجبا عليه. ولا يمكن استصحابه ، لأنّ الواجب أولا هو المشروط.

نعم لو كان عموم متضمّن لمثل قوله : من وجبت عليه الصلاة متوضئا أو قائما فيفعل كذا وكذا مع العذر ، لدلّت العمومات. ولكنّها ليست كذلك.

مع أنّ كونه معذورا مع عدم تعيين زمان الإجارة - كما هو الأكثر - أو تعيينه وسعته ممنوع ، فلا تشمله عمومات المعذور. ولو كان مثل تلك العمومات يجري في الأجير أيضا لزم أن يجب عليه القصر في صلاة الإجارة لو سافر ، وبطلانه ظاهر.

فإن قيل : الصلاة في الاستيجار للصلاة مطلقة ، فتشمل صلاة المتيمم مع العذر أيضا.

قلنا : إن أريد أنّ الصلاة فيه مطلقة عامّة للفردين مطلقا فتكون الإجارة باطلة ، لعدم تعيين العمل ، واستلزامه كفاية التيمم بدون العذر أيضا. وإن أريد أنّ المقصود بالإجارة التوضّؤ بدون العذر والتيمم معه ، فهذه لا تكون مطلقة بل فرد خاصّ لا بدّ من ثبوت وقوع الإجارة عليه ، وهو غير معلوم.

والفرق بين ذلك وبين أحكام السهو والشك ظاهر ، فإنّا نعلم قطعا أنّ مراد المستأجر الرجوع فيها إلى حكم الشارع ، ومع ذلك تشمل عموماتها الصلاة الاستيجارية جدّا ، بخلاف مثل التيمم والقعود.

فنقول : إنّ منظور المستأجر منها الرجوع إلى حكم السهو والشك ، مع أنّ شمول الصلاة في استيجار الصلاة لمثل ذلك واضح ، وليس بين الفردين اختلاف يضرّ معه عدم التعيين ، فالصلاة مطلقة شاملة لمثل ذلك أيضا ، ولذا نقول بحصول البراءة بكلّ من الصلاتين مطلقا : الخالية عن السهو والشك ، والمتضمّنة لأحدهما ، بخلاف مثل التوضّؤ ، فإنّه لا يمكن أن يقال بحصول الامتثال بكلّ من الفردين مطلقا كما هو مقتضى الإطلاق ، بل لو صحّ لكان المراد الامتثال بالتوضّؤ بدون العذر وبالتيمم معه ، وهذا ليس من باب الإطلاق ، بل هو فرد معين لا يحكم بصحته وكفايته إلاّ مع العلم بالإرادة.

ومن ذلك علم أنّ المناط والضابط أنّه إذا كان الفردان ممّا يمكن إرادة الإتيان بأيّهما حصل في كلّ وقت حتّى يشملهما إطلاق اللفظ ، ولم يكن بينهما

اختلاف معتدّ به ينافي التعيين ، يحصل الامتثال بكلّ منهما إذا كان اللفظ حين الإجارة مطلقا ، وإلاّ فلا ، بل يجب الإتيان بالمتيقّن إرادته.

يا : هل تجوز للأجير صلاة الإجارة مع الجماعة على ما هو وظيفة المأموم ، حتّى يكتفي بقراءة الإمام بل بركعته لو أدركه في الركوع ، ويسقط عنه الأذان والإقامة ، أم لا؟

الظاهر أنّه إن صرّح في العقد بشي‌ء تنافيه الجماعة - كما يصرّحون بأن يقيم لكل صلاة ويؤذّن في مجلس ، وبأن يقرأ الحمد والسورة - ففي الجواز إشكال يظهر وجهه ممّا مرّ في الفرع السابق.

وإن صرّحوا بتجويز الجماعة فلا إشكال.

وإن أطلقوا فإن قلنا بتبادر غير الجماعة ومعهوديته - كما هو المحتمل - فلا تجوز أيضا ، لما مرّ. وإن قلنا بعدم تبادره تصحّ.

والأحوط عدم الائتمام في صلاة الإجارة أو التصريح به حين العقد.

يب : لا شكّ في أنّ الأجير يعمل فيما يعرض له من الشك والسهو ونحوهما بمقتضى رأيه لو كان مجتهدا ، ومقتضى رأي مجتهده إن كان مقلّدا ، ولا يقلّد مجتهد الميت أو المستأجر.

وهل يجوز له تقليده لو لم يثبت عنده عدالته أو اجتهاده أو كان مجتهده ميّتا ولم يجز للأجير تقليد الميت؟

الظاهر لا ، لعدم كون هذا العمل صحيحا في حقّه وإن صحّ في حقّ المقضي عنه لو فعل نفسه ، والمتبادر من الاستيجار إرادة الصلاة الصحيحة في حقه.

نعم ، لو شرطوا البناء على رأي مجتهد المقضي عنه أمكن الجواز. ويحتمل عدمه أيضا ، لأنّه شرط غير مشروع في حقّه. إلاّ أن يمنع عدم ثبوت عدم المشروعية في حقّه في المورد ، وهو الأقرب.

والظاهر أنّ الحكم كذا في الأجزاء والشرائط أيضا ، فلو قضى عن ميّت لا

تجوز له قراءة السورة العزيمة وجازت لذلك النائب ، يقضي كما يجوز له ، وكذا في سائر الأجزاء والشرائط ، لأنّ وجوب ذلك العمل إنّما هو بأمر آخر غير أمر الميت بالصلاة. وكذا الحكم في قضاء المكلف نفسه. والأحوط التصريح بذلك حين العقد.

يج : لو فات صلاة عن المقضي عنه حال العذر ، كفقد الماء أو تعذّر استعماله أو العجز عن القيام ، يقضيه النائب الصحيح صحيحا ، بالإجماع ، وكذا القاضي لنفسه إلاّ المسافر ، كما يأتي في بحث السفر.

يد : لو أوصى أحد باستئجار صلاة أيام تكليفه وعلم مسافرته في بعض تلك الأحيان ، وجب استئجار الصلاة القصرية أيضا بقدر ما علم مسافرته ، ويعمل في مورد الشك بالأصل.

يه : يشترط في صلاة الإجارة كلّ ما يشترط في الصلاة ، وينافيها كلّ ما ينافيها ، بالإجماع والعمومات. بل يستحبّ فيها كلّ ما يستحبّ فيها ، لذلك ، إلاّ مع شرط فعله فيجب.

ولو شرطا شرطا مباحا أو مرجوحا غير محرّم ، كأن يصلّي في بيته أو في الحمام أو مع الثياب السود أو نحوها فالظاهر وجوبه.

يو : لا شكّ أنّ من يستأجر لميّت تبرّعا يجوز له استيجار ذوي الأعذار كالعاجز عن القيام والمعذور عن استعمال الماء ونحوهما.

ولو استأجر وصاية فيتّبع إرادة الموصي المفهومة بالقرائن الخارجية وشاهد الحال. ولو لم يعلم مراده أصلا فالظاهر التخيير ، للأصل.

وهل يجوز للموصي الوصيّة باستئجار ذوي الأعذار؟

نعم ، للأصل ، وما مرّ من عدم وجوب وصيّة قضاء الفوائت.

فهرس الموضوعات

مبطلات الصلاة

الأول : ما يبطل الطهارة... 9

خلاف الشيخ والسيد في صورة سبق الحدث... 12

الخلاف في المسألة إذا أحدث بعد السجدة الأخيرة... 14

الخلاف في المسالة إذا كان المنتقض الطهارة الترابية... 15

الثاني : التكفير... 16

حرمة التكفير... 17

عدم مبطلية التكفير... 19

الثالث : الالتفات عن القبلة

صور الالتفات عمدا وأحكامها... 20

حكم الالتفات سهوا... 25

حكم الالتفات مكرها... 26

الرابع : التكلم عمدا... 28

عدم مبطلية ذكر اللّه والدعاء... 30

جواز الدعاء بغير العربية... 31

هل تبطل الصلاة بطلب المحرم؟... 33

لو قرأ دعاء غلطا... 34


هل تجوز قراءة القرآن؟... 34

حكم الجاهل بإبطال التكلم والمكره عليه... 35

حكم التكلم سهوا... 36

عدم بطلان الصلاة بالتنحنح والتنخم و ... 39

الخامس : القهقهة... 40

المراد بالقهقهة... 41

السادس : الفعل الكثير... 42

الضابط في الفعل الكثير... 43

ما يجوز فعله في الصلاة... 48

السابع : الأكل والشرب... 49

الثامن : البكاء... 51

عدم البطلان بالبكاء للآخرة... 54

التاسع : السكوت الطويل... 54

العاشر : نقص جزء من الصلاة أو شرطها... 55

الحادي عشر : زيادة جزء في الصلاة... 55

مكروهات الصلاة

الالتفات يمينا وشمالا... 56

عقص الشعر... 57

التثاؤب والتمطي و ... 57

التأوه... 58

مدافعة البول أو الغائط أو الريح... 58

مسائل :

حكم قطع الصلاة... 60

ما يستثنى من تحريم القطع... 62

استحباب تسميت العاطس للمصلي... 63

جواز رد المسمت... 65

جواز التحميد والصلاة على النبي وآله للمصلي عند سماع العطسة... 65

جواز التحميد والصلاة على النبي وآله للمصلي إذا عطس... 65

جواز السلام على المصلي... 66

وجوب رد السلام على المصلي... 67

كيفية رد السلام... 67

هل يجب رد السلام كفاية إذا كان الراد من المسلم عليهم؟... 70

وجوب رد سلام الصبي المميز... 71

اختصاص وجوب الرد بما إذا علم دخوله في المسلم عليه... 71

وجوب اسماع الرد... 71

فورية وجوب الرد... 72

هل تبطل الصلاة بترك الرد؟... 73

وجوب رد السلام الواقع من وراء ستر أو جدار... 73

جواز تسليم الأجنبية على الأجنبي... 73

عدم جواز الابتداء بالسلام على الكافر... 74

وجوب رد سلام الكافر... 74

استحباب تسليم الراكب على الماشي والقائم على الجالس... 75

الخلل الواقع في الصلاة

تأسيس الأصل في النقيصة والزيادة... 79

بطلان الصلاة بالنقص أو الزيادة العمدي... 86

حكم النقص أو الزيادة جهلا... 87

أحكام السهو :

حكم السهو في الأركان... 90

لو تيقن ترك سجدتين وشك في أنهما من ركعة أو ركعتين... 94

حكم نسيان الركعة... 94

حكم نسيان القراءة... 99

حكم نسيان الركوع والتذكر قبل السجود... 100

حكم نسيان السجدتين والتذكر قبل الركوع... 102

حكم نسيان التشهد والتذكر قبل الركوع... 104

حكم نسيان الصلاة على النبي وآله في التشهد الأول... 105

حكم نسيان أحد واجبات الركوع... 105

حكم الجلوس لو نسي السجدة وعاد إليها... 106

وجوب إعادة ما بعد المنسي بعد تداركه... 108

حكم نسيان سجدة الركعة الأخيرة... 108

حكم نسيان التشهد الأخير... 110

حكم نسيان جلسة الاستراحة... 112

حكم نسيان الصلاة على النبي وآله في التشهد الأخير... 112

مواضع لا يتدارك فيها المنسي... 113

حكم نسيان السجدة الواحدة والتذكر بعد الركوع... 115

حكم نسيان التشهد والتذكر بعد الركوع... 120

فروع في قضاء الأجزاء المنسية... 122

بطلان الصلاة بزيادة الركن... 123

بطلان الصلاة بزيادة الركعة... 123

بطلان الصلاة بزيادة القيام المتصل بالتكبير أو الركوع... 126

عدم بطلان الصلاة بزيادة غير الركن سهوا... 126

أحكام الشك :

الشك في أعداد الركعات...

بطلان الصلاة بالشك في الثنائية والثلاثية... 127

خلاف الصدوق في المسالة... 129

عدم الفرق في البطلان بين الشك في الزيادة والنقيصة... 130

شمول الحكم لصلاة المسافر... 131

حكم الشك في صلاة الآيات... 131

بطلان الصلاة بالشك في الأوليين من الرباعية... 132

بطلان الصلاة كلما تعلق الشك بالواحدة... 134

بطلاق الصلاة بالشك في جميع الركعات... 134

بطلان الصلاة بالشك بين الركعة الثانية وغيرها قبل تمام الثانية... 137

الشكوك الصحيحة... 140

خلاف السيد في الشك بين الاثنتين والثلاث... 143

خلاف الصدوق في الشك بين الاثنتين والثلاث... 148

خلاف الصدوق في الشك بين الاثنتين والأربع... 149

وجوب صلاة الاحتياط في الشكوك الصحيحة... 151

حكم الشك بين الأربع والخمس... 157

الصور الأخرى للشكوك الصحيحة... 161

حكم الشك بين الأربع والزائد على الخمس... 162

الشك في أفعال الصلاة...

لو شك في فعل ولم يتجاوز عن موضعه... 165

لو شك في فعل بعد الدخول في الغير... 166

المراد ب- « الغير »... 170

فروع في الشك بعد الدخول في الغير... 173

فروع في الشك في السجود... 177

لو تدارك ما شك في محله ثم ذكر فعله... 179

بطلان الصلاة لو تدارك ما شك بعد الدخول في الغير... 179

لو شك في الركوع وهو قائم فركع ثم ذكر أنه قد ركع... 179

احكام الظن...

حكم الظن إذا تعلق بعدد الركعات... 181

حكم التروي عند حصول الشك... 186

مسائل في الشك والظن...

حكم كثير الشك... 188

هل يجري حكم الكثرة في السهو؟... 190

حكم كثير الظن... 193

الضابط في معرفة الكثرة... 194

جريان حكم كثرة الشك في غير ما تعلق به الكثرة... 195

اشتراط تعدد الشك أو السهو... 196

لا يشترط في صدوق الكثرة ترتب حكم على الشكوك... 196

عدم كفاية دلالة الحال على وقوع الكثرة من غير تحقق... 197

الضابط في زوال الكثرة... 197

يشترط في الكثرة عدم استقرار حكم الشك في الذمة... 197

المراد بانتفاء الحكم عن كثير الشك... 198

المراد بانتفاء الحكم عن كثير السهو... 199

كون حكم كثير الشك عزيمة... 200

شمول حكم كثير الشك لجميع أجزاء الصلاة... 200

شمول حكم كثير الشك لو شك في أصل فعل الصلاة... 200

حكم شك المصلي جالسا... 200

عدم الالتفات إلى الشك في أجزاء الصلاة بعد الفراغ منها... 201

حكم الشك في أصل فعل الصلاة... 202

لو شك في ركعة أنها رابعة الظهر أو أول العصر... 203

لو شك في كيفية نية الصلاة... 203

لو ظن بعد الصلاة نقصا فيها... 204

مسالة لا سهو في سهو... 204

مسالة لا إعادة في إعادة... 212

رجوع كل من الإمام والمأموم إلى الاخر لو شك وحفظ عليه الاخر... 213

هل يرجع الشاك إلى الظان أو الظان إلى المتيقن؟... 214

عدم اختصاص الحكم بالمأموم المذكر أو العادل... 216

لو شك الإمام والمأموم معا... 216

لو كان كل من الإمام والمأموم موقنا بخلاف ما تيقنه الاخر... 217

لو كان بعض المأمومين متيقنا وبعضهم شاكا... 217

وجوب الاستعلام على الامام الشاك... 219

ولو اشترك الإمام والمأموم في السهو... 220

لو اختص المأموم بالسهو... 220

لو اختص الامام بالسهو... 224

حكم وقوع الخلل في النافلة... 225

مواضع سجدة السهو وأحكامها...

وجوب سجدتي السهو للتكلم ناسيا... 230

وجوب سجدتي السهو للتسليم في غير موضعه... 233

وجوب سجدتي السهو للقيام موضع القعود وبالعكس... 235

هل تجب سجدتي السهو لكل زيادة ونقصان؟... 238

هل تجب سجدتي السهو للشك في الزيادة والنقصان؟... 239

محل فعل سجدتي السهو... 241

كيفية سجدتي السهو... 242

لو ترك سجدتي السهو عمدا... 246

هل وجوب سجدتي السهو فوري؟... 246

هل تتداخل سجدة السهو لو تعدد موجبها؟... 247

هل يحرم تخلل المنافي للصلاة بينها وبين سجدة السهو؟... 248

أحكام صلاة الاحتياط...

وجوب كونها بعد التسليم... 249

وجوب ما يجب في الصلاة... 249

وجوب قراءة الفاتحة... 251

هل يجب الاحتراز عن منافيات الصلاة بينها وبين صلاة الأصل؟... 252

هل يجب فعلها في وقت صلاة الأصل؟... 255

هل وجوبها فوري؟... 255

ما يتعلق بقضاء الأجزاء المنسية... 255

لو تذكر الشاك بعد الفراغ من الصلاة الامر المشكوك فيه... 256

قضاء الصلوات

فيما يجب قضاؤه

ثبوت الارتداد بترك الصلاة مستحلا أو مستخفا... 265

وجوب القضاء بالاخلال بالصلاة... 267

عدم وجوب قضاء ما فات عن الحائض والنفساء... 268

هل يجب قضاء ما فات لفقد الطهور؟... 268

عدم وجوب قضاء ما فات عن الكافر وغير البالغ والمجنون... 269

عدم وجوب قضاء ما فات عن غير المؤمن من فرق المسلمين... 269

حكم قضاء ما فات عن المغمى عليه... 270

حكم قضاء ما فات حال النوم... 275

أحكام القضاء...

هل وجوب قضاء الفائتة فوري؟... 278

أدلة القائلين بالمضايقة... 283

الجواب عن أدلتهم... 286

حكم تقديم الفائتة على الحاضرة... 288

أدلة القائلين بوجوب تقديم الفائتة... 296

الجواب عن أدلتهم... 298

هل الراجح تقديم الفائتة؟... 302

حكم أضداد القضاء لو قلنا بفوريته... 303

بطلان الحاضرة على القول بوجوب تقديم الفائتة... 304

لو تذكر في أثناء الحاضرة أن عليه فائتة... 304

حكم من فاتته فريضة واحدة ولم يعلمها بعينها... 304

لو تعددت الفائتة المجهولة شخصا مع العلم بالعدد... 307

لو فاتته من الفرائض ما لم يحصه عددا... 307

استحباب قضاء النوافل... 311

جواز قضاء صلاة احتمل وقوع خلل فيها... 313

وجوب مراعاة الترتيب في قضاء الصلوات... 313

هل يسقط وجوب مراعاة الترتيب لو جهل به؟... 314

حكم العدول إلى السابقة لو دخل في اللاحقة سهوا... 319

لو علم الترتيب في البعض وجهل في بعض آخر... 321

الطرق التي توجب العلم بحصول الترتيب... 322

قضاء الصلاة عن الأموات...

جواز فعل الصلاة للميت وان لم يكن عليه قضاء... 325

جواز القضاء عن الميت... 328

ما يجب على الولي من قضاء فوائت الميت... 330

استحباب قضاء جميع فوائت الميت للولي... 334

هل يختص الولي بالذكور؟... 334

لو كان الولي غير مكلف... 336

عدم اشتراط خلو ذمة الولي من صلاة واجبة... 337

لو مات الولي قبل قضائه فوائت الميت... 337

اختصاص المقضي عنه بالرجل... 337

هل يجب على الولي لو أوصى الميت إلى غيره؟... 338

هل يجوز للولي الاستيجار؟... 338

حكم الاستيجار للصلاة... 340

جواز الاستيجار للصلوات المحتمل تركها أو قوع خلل فيها... 344

عدم وجوب الترتيب على الأجير بدون الشرط... 344

جواز استيجار كل من الرجل والمرأة... 344

هل يجوز استيجار الصبي المميز... 344

هل يجب إعلام الولي أو الوصية بالاستيجار؟... 345

هل تشترط عدالة الأجير؟... 345

لزوم قبول إخبار الأجير في الاتيان بالصلاة... 347

وجوب علم الأجير بفقه الصلاة... 347

هل يجوز للأجير الصلاة متيمما أو قاعدا مع العذر... 348

هل يجوز للأجير تقليد مجتهد الميت أو المستأجر في أحكام الصلاة؟... 350

وجوب قضاء الأجير ما فات عن الميت حال عذره صحيحا... 351

لو شرط المستأجر شرطا مباحا أو مرجوحا... 351

جواز استيجار ذوي الأعذار إذا كان تبرعا... 351