مع الرکب الحسینی من المدینه الی المدینه جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : جمعي از نويسندگان

عنوان و نام پديدآور : مع الرکب الحسینی من المدینه الی المدینه/ تالیف علي الشاوي؛ اعداد مرکز الدراسات الاسلامیه لممثلیه الولی الفقیه فی حرس الثوره الاسلامیه - مدیریه دراسات عاشوراآ.

مشخصات نشر : قم: حرس الثوره الاسلامیه، ممثلیه الولی الفقیه، مرکز الدراسات الاسلامیه، دراسات عاشوراآ، ۱۴ق= -۱۳

فروست : مرکز الدراسات الاسلامیه. المجموعه الموضوعیه ؛ ۳

شابک : ۱۸۰۰۰ریال 9645879094 : ؛ ۲۴۰۰۰ریال : 9647935528 ؛ ۱۸۰۰۰ ریال ( ج.۵)

يادداشت : عربی

يادداشت : فهرست‌نویسی براساس جلد سوم: ۱۴۲۱ق. = ۱۳۸۰

يادداشت : ج. ۵ (۱۴۲۴ ق. = ۱۳۸۲).

يادداشت : چاپ دوم: ۱۳۸۳.

یادداشت : کتابنامه

مندرجات : ج. ۱. .-- ج. ۲. .-- ج. ۳. وقائع الطریق من مکه الی کربلاآ

موضوع : حسین‌بن علی(ع)، امام سوم، ق‌۶۱ - ۴

موضوع : واقعه کربلا، ق‌۶۱

شناسه افزوده : پژوهشکده تحقیقات اسلامی. تحقیقات عاشورا. سپاه پاسداران انقلاب اسلامی. نمایندگی ولی فقیه

رده بندی کنگره : BP۴۱/۴/ط۲۷م‌۶

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۵۳

شماره کتابشناسی ملی : م‌۸۱-۱۳۹۹۲

الفصل الاول: الامام الحسين) ع) بعد اخيه الامام الحسن) ع)

مكانة الامام الحسين (ع) في الامّة:

--- امتاز الحسنان (ع) بمكانتهما السامية وقداستهما الخاصّة في وجدان هذه الامّة الاسلاميّة منذ عهد جدّهما الرسول الاكرم (ص) وإلى يوم تقوم الساعة.

فهما من أهل آية المباهلة وآية التطهير وآية المودّة وآية الابرار ...

وهما ريحانتا رسول اللّه (ص)، والامامان إن قاما وإن قعدا، وسيّدا شباب أهل الجنّة، وهما السبطان، وهما إبنا رسول اللّه (ص). «1»

وفي البيانات النبويّة الكثير في الدعوة إلى حبّهما والتحذير من بغضهما .. وقد عرف لهما الصحابة موقعهما الخاصّ من قلب رسول اللّه (ص)، فعظم عند المخلصين من الصحابة قدرهما وتنافسوا في تكريمهما وتقديسهما ..

اعترض مُدرك بن زياد على ابن عبّاس، وقد أمسك ابن عبّاس للحسن والحسين بالركاب وسوّى عليهما

قائلا: أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب؟!

فقال: يالُكَع، وتدري من هذان؟ هذان ابنا رسول اللّه (ص)، أوليس ممّا أنعم


(1) راجع: نهج الحق وكشف الصدق: 173

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:194

اللّه به عليّ أن أمسك لهما واءُسوّىٍّ عليهما؟! «1»

وبلغ من تعظيم المسلمين وتكريمهم لهما، أنّهما لمّا كانا يحجّان إلى بيت اللّه الحرام ماشيين والنجائب تقاد بين أيديهما، يترجّل كلُّ راكبٍ يجتاز الطريق عليهما إكبارا لهما وتعظيما لشاءنهما، حتّى شقّ المشي على كثير من الحجّاج، فكلّموا أحد أعلام الصحابة، وطلبوا منه أن يعرض عليهما الركوب أو التنكّب عن الطريق، فعرض عليهما ذلك، فقالا: (لانركب، قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت اللّه الحرام على أقدامنا، ولكنّا نتنكّب عن الطريق.) «2»

(وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما ممّا يزدحمون عليهما للسلام عليهما ..) «3»

ومابرح الحسنان (ع) فرقدَي سماء هذه الامّة، تتطلّع إليهما قلوب المؤ منين حبّا وإكبارا وتقديسا، حتّى غاب أبومحمّد الحسن المجتبى عن هذه الدنيا منتقلا إلى جوار ربّه تبارك وتعالى وجدّه (ص) وأمّه وأبيه (ع) ...

وبقي الامام أبوعبداللّه الحسين (ع) وحده ...

فصارت الامّة ترى فيه فضلا عن قدسيّته الخاصّة بقيّة أهل الكساء وآية التطهير وآية المودّة وآية الابرار وأهل البيت وتذكار الرسول وعليٍّ وفاطمة والحسن صلوات اللّه عليهم أجمعين، فكان (أعظم الخلف ممّن مضى) كما عبّرت عن ذلك إحدى رسائل التعزية التي وصلته من الكوفة. «4»


(1) مناقب آل اءبي طالب، 3: 400.

(2) الارشاد: 280

(3) البداية والنهاية، 8: 37.

(4) أنساب الاشراف، 3: 151، حديث 13.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:195

وكان محلّه من الناس محلّ جدّه النبىٍّ (ص)، تجد فيه الارواح الحائرة القلقة ما تشتهي من طماءنينة وسكينة، حتّى النفوس المنحرفة عن هدى أهل البيت (ع) لم تكن تملك أمام أبي عبداللّه (ع) إلّا أن تُجلَّه وتظهر له فائق الاكبار وتعترف له بسمّو القدر والمنزلة.

تقول الرواية: (.. أعيى الحسين (ع) فقعد في الطريق، فجعل أبوهريرة ينفض د التراب عن قدميه بطرف ثوبه ...

فقال الحسين (ع): يا أباهريرة، وأنت تفعل هذا!؟

قال أبوهريرة: دعني، فواللّه لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.) «1»

وكان (ع) في المدينة الشمس التي تفيض على الناس نورا وهدىً وأمنة وطماءنينة، وكان (ع) إذا خطب في مسجد جدّه (ص) أوتحدّث إلى حضّاره انبهرت له القلوب وتسمّرت إلى محيّاه الاعين، وكاءنّ على رؤ وس الناس الطير.

هذا معاوية العدوّ اللدود يقول لرجل من قريش:

(إذا دخلت مسجد رسول اللّه (ص) فرأيت حلقة فيها قومٌ كاءنّ على رؤ وسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبداللّه، مؤ تزرا على أنصاف ساقيه، ليس فيها من الهزيلى «2» شئٍ «3»


(1) تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 149، حديث 191.

(2) الهزيلى: إذا خفّت يدا المشعوذ بالتخاييل الكاذبة يقال لفعله: الهزيلى وأراد معاوية أنّ حلقة الامام الحسين ع ليس فيها إلّا الحق والصدق والجدّ.

(3)- تاريخ ابن عساكر- حديث 189.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:196

ويجتاز الامام الحسين (ع) في مسجد جدّه رسول اللّه (ص) على جماعة فيهم عبداللّه بن عمرو بن العاص، فيسلّم الامام عليهم، فيردّون عليه السلامَ، ثمّ ينبري عبداللّه بن عمرو بن العاص فيردّ السلام بصوت عالٍ، (.... ثمّ أقبل على القوم.

فقال: ألاأخبركم باءحبّ أهل الارض إلى أهل السماء؟

قالوا: بلى.

قال: هو هذا المُقْفي، واللّه ماكلّمته كلمة ولاكلّمني كلمة منذ ليالي صفّين، واللّه لا ن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل اءُحُد! ...). «1»

وكان (ع) سيّد أهل الحجاز وسيّد العرب في دهره، وسيّد المسلمين ...

قال ابن عبّاس في إحدى محاوراته مع الامام (ع): (إنّ أهل العراق قوم غدرٌ فلاتقربنّهم، أقم بهذا البلد فإ نّك سيّد أهل الحجاز ..). «2»

وممّا قال له عبداللّه بن مطيع العدويّ وهو يحذّره ألّايغرّه أهل الكوفة: (فالزم الحرم فإ نك سيّد العرب في دهرك هذا ..). «3»

وكان هذا العدويّ يعلم أنّ أباعبداللّه الحسين (ع) من مساكن بركة اللّه ووسائط فيضه، فقال للا مام (ع): (إنّ بئري هذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شي من ماء، فلو دعوت اللّه لنا فيها بالبركة!!

فقال له الامام (ع): (هات من مائها).


(1) مجمع الزوائد، 9: 186

(2) تاريخ الطبري، 4: 288.

(3) الفتوح، 5: 23.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:197

فاءتى من مائها في الدلو، فشرب منه ثمّ تمضمض ثمّ ردّه في البئر فاءعذب وأمهى. «1»

وأقام (ع) بمكّة المكرّمة (فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأمّا ابن الزبير فإ نّه لزم مصلّاه عند الكعبة، وجعل يتردّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولايمكنه أن يتحرّك بشي ممّا في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إيّاه عليه ...

بل الناس إنّما ميلهم إلى الحسين لا نّه السيّد الكبير، وابن بنت رسول اللّه (ص)، فليس على وجه الارض د يومئذٍ أحد يساميه ولايساويه ...). «2»

وفي فقرات رسائل أهل الكوفة إليه ما يكشف عن مكانته (ع) في قلوبهم، كمثل قولهم:

(إنّه ليس علينا إمام، فاءقبل لعلّاللّه أن يجمعنا بك على الهدى). «3»

وقولهم (أمّا بعد: فحيَّ هلّا، فإ نّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل، والسلام عليك). «4»

وقام يزيد بن مسعود النهشلي (ره) وهومن أشراف البصرة خطيبا في جموع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد في البصرة، يدعوهم إلى نصرة الحسين (ع)، فكان ممّا قاله لهم في التعريف بمكانة الامام (ع):

(.. وهذا الحسين بن علي، إبن بنت رسول اللّه (ص) ذوالشرف الاصيل،


(1) تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 155، حديث 201.

(2) البداية والنهاية، 8: 151.

(3) مقتل الحسين ع لا بي مخنف: 16.

(4) المصدر السابق.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:198

والرأي الاثيل، له فضل لايوصف، وعلم لاينزف، وهو أولى بهذا الامر لسابقته وسنّه وقدمته وقرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فاءكرم به راعي رعيّة، وإمام قوم وجبت للّه به الحجّة، وبلغت به الموعظة ..). «1»

ولم تخل قلوب بعض بني أميّة من استشعار حرمة ومكانة أبي عبداللّه الحسين (ع)، ويبدو أنّ قلب الوليد بن عتبة والي المدينة عند موت معاوية كان من تلك القلوب، فقد قال لمروان بن الحكم الذي أشار عليه بحبس الحسين (ع) حتّى يبايع أو تضرب عنقه:

(ويحك إنّك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي، واللّه ما اءُحبّ اءنّ ملك الدنيا باءسرها لي وأننّي قتلت حسينا، واللّه ما أظنّ أحدا يلقى اللّه بدم الحسين (ع) إلّا وهو خفيف الميزان، لاينظر اللّه إليه ولايزكّيه وله عذاب أليم). «2»

وهذا يحيى بن الحكم أخو مروان يعترض مستنكرا قتل الامام الحسين (ع) في بلاط يزيد قائلا:

لهامٌ بجنب الطفّ أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

سميّة امسى نسلها عددالحصى وليس لال المصطفى‌اليوم من نسل) «3»

ولمّا استشعر المجرمون سخط الامّة لقتل الامام (ع) حتّى في بيوتهم، حاولوا التهرّب من مسؤ وليّة قتله، وصار بعضهم يُلقي بالمسؤ وليّة على بعض! فهذا


(1) اللهوف: 38.

(2) نفس المصدر: 10.

(3) تاريخ الطبري، 4: 352.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:199

الطبري يروي أنّه لمّا وضع رأس الامام (ع) بين يدي يزيد، وسمعت بذلك زوجة يزيد هند بنت عبداللّه بن عامر، تقنّعت بثوبها فخرجت ..

(وقالت: يا اميرالموءمنين، أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه!؟

قال: نعم، فاعولي عليه، وحُدِّي على ابن بنت رسول اللّه (ص) وصريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد فقتله، قتله اللّه!!!). «1»

وأراد عبيداللّه بن زياد بعد قتل الامام (ع) أن ياءخذ من عمر بن سعد الكتاب الذي أمره فيه بقتل الامام (ع) ..

فقال: (يا عمر! أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين!؟

قال: مضيتُ لا مرك، وضاع الكتاب.

قال: لتجيئنَّ به!

قال: ضاع.

قال: واللّه لتجيئنَّ به!

قال: تُرِك واللّه يُقرأ على عجائز قريش إعتذارا إليهنّ بالمدينة! أما واللّه لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقّاص كنت قد أدّيتُ حقّه.

قال عثمان ابن زياد أخو عبيداللّه: صدق، واللّه لوددت أنّه ليس من بني زياد رجلٌ إلّا وفي أنفه خِزامةٌ إلى يوم القيامة وأنّ حسينا لم يقتل ...). «2»


(1) تاريخ الطبري، 4: 356.

(2) نفس المصدر، 4: 357.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:200

الاخبار بمقتله (ع):

و من أبعاد مكانته في الامّة، بُعد معرفتها باءنّه سيّد الشهدأ الذي يقتل مظلوما مع كوكبةٍ من أهل بيته وأصحابه عند شاطئ الفرات في أرض كربلاء من العراق، وأنّ شفاعة النبىٍّ (ص) لاتنال قتلة الحسين (ع)، وكانت الامّة تعرف أيضا أيَّ طاغية ياءمر بقتل الامام (ع)، ومن يتولّى قيادة الجيوش التي تخرج لقتاله، وتعرف أيضا كثيرا من تفاصيل تلك الفاجعة المرتقبة!!

وقد عرفت الامّة كلّ ذلك لما شاع فيها من الاخبارات الكثيرة عن رسول اللّه (ص) وعن علي (ع) وعن الحسين نفسه (ع) حول مصرعه ومصرع أنصاره وزمان ومكان ذلك.

فلقد نعى رسول اللّه (ص) سبطه الحسين (ع) منذ يوم ولادته، وأقام عليه العزأ فبكى وأبكى من حوله في مناسبات متعدّدة، وكذلك كان اميرالموءمنين عليّ (ع) يَبكي ويُبكي من معه كلّما تذكّر ما يجري على مولانا الحسين (ع).

فكان الامام الحسين (ع) الشهيد الحىَّ فى الامّة، تتطلّع إليه أعين المؤ منين، وقلوبهم المنشدَّة إليه يعتصرها الاسى حسرة عليه وحزنا لمصابه وعظمة رزيّته، ويَغمر أرواحهم خشوع الاجلال والاكبار لمقام سيّد الشهدأ (ع) ومقام أنصاره الذين لايسبقهم سابق ولايلحق بهم لاحق.

وقد وردت هذه الاخبارات في كتب الخاصّة والعامّة، ننتقي هنا نماذج منها:

(.. قالت أسماء: فلمّا ولدت فاطمة الحسين (ع) نفّستها به، فجاءني النبىٍّ فقال: هلمّ ابني يا أسماء. فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسن، قالت: وبكى رسول اللّه، ثمّ قال: إنّه سيكون لك حديث. أللّهمّ العن قاتله. لاتُعلمي فاطمة بذلك.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:201

قالت أسماء: فلمّا كان في يوم سابعه جاءني النبىّ فقال: هلمّي ابني. فاءتيته به، ففعل به كما فعل بالحسن وعقّ عنه كما عقّ عن الحسن ... ثمّ وضعه في حجره ثمّ قال: يا أباعبداللّه، عزيزٌ عليَّ، ثمّ بكى.

فقلت: باءبى أنت وأمّي، فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الاوّل فما هو؟ قال:

أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أميّة لعنهم اللّه، لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر باللّه العظيم ...). «1»

ولمّا بلغ عمر الحسين (ع) عامين (خرج النبي إلى سفر فوقف في بعض الطريق، واسترجع ودمعت عيناه، فسُئِل عن ذلك فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشطّ الفرات يقال لها كربلاء يُقتل فيها ولدي الحسين، وكاءنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها، وكاءنّي أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا، وقد اءُهدي راءس ولدي الحسين إلى يزيد لعنه اللّه، فواللّه ما ينظر اءحد إلى رأس الحسين ويفرح إلّا خالف اللّه بين قلبه ولسانه وعذّبه اللّه عذابا أليما.

ثمّ رجع من سفره مغموما مهموما كئيبا حزينا، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين، وخطب ووعظ الناس، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس د الحسن، ويده اليسرى على رأس الحسين، وقال: أللّهمّ إنّ محمّدا عبدك ورسولك، وهذان أطائب عترتي وخيار أرومتي وأفضل ذريّتي ومن اءُخلّفهما في اءمّتي، وقد اءخبرني جبرئيل اءنّ ولدي هذا مقتول بالسمّ، والاخر شهيد مضرّج بالدم، أللّهمّ فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهدأ، أللّهمّ ولاتبارك في قاتله وخاذله، وأصلِه حَرَّ نارك واحشره في أسفل درك الجحيم.

قال: فضجّ الناس بالبكاء والعويل، فقال لهم النبيّ: أيّها الناس، أتبكونه


(1) أمالي الطوسي، 367

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:202

ولاتنصرونه، أللّهمّ فكن أنت له وليّا وناصرا ...). «1»

(ولمّا اشتدّ برسول اللّه (ص) مرضه الذي مات فيه، وقد ضمّ الحسين (ع) إلى صدره، يسيل من عرقه عليه، وهو يجود بنفسه، ويقول: مالي وليزيد، لا بارك اللّه فيه، أللّهمّ العن يزيد. ثمّ غشي عليه طويلا وأفاق وجعل يقبّل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: أما إنّ لي ولقاتلك مقاما بين يدي اللّه عزّ وجلّ). «2»

وعن اءُمّ سلمة قالت: قال رسول اللّه (ص): (يُقتل الحسين راءس ستّين من مهاجري). «3»

وعن عائشة أنّ رسول اللّه (ص) قال لها: (يا عائشة إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني حسينا مقتول في أرض الطف، وأنّ أمّتي ستفتن بعدي ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم عليُّ، وأبوبكر، وعمر، وحذيفة، وعمّار، وأبوذرّ، وهويبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول اللّه!؟ فقال: أخبرَني جبرئيل (ع) أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي باءرض الطفّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه). «4»

وعن ابن عبّاس قال: (كنتُ مع اميرالموءمنين (ع) في خرْجته إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو بشطّ الفرات قال باءعلا صوته: يا ابن عبّاس، أتعرف هذا الموضع؟ قلت له: ماأعرفه يا اميرالموءمنين. فقال (ع): لوعرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي. قال: فبكى طويلا حتّى اخضلّت لحيته،


(1) بحار الانوار، 44: 248 عن مثير الاحزان؛ وفي المصدر الاصل: 18

(2) مثير الاحزان: 22.

(3) تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 175، حديث 235؛ قال المحمودي: ورواه أيضا الطبراني في الحديث: 41

(4) مجمع الزوائد، 9: 187

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:203

وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا وهو يقول: أوّه أوّه، مالي ولا ل أبي سفيان؟ مالي ولا ل حرب، حزب الشيطان وأولياء الكفر!؟ صبرا يا أباعبداللّه، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم). «1»

و (روي عن أبي جعفر عن أبيه (ع) قال: مرّ عليّ (ع) بكربلاء فقال لمّا مرّ به أصحابه وقد أغرورقت عيناه يبكي ويقول: هذا مناخ ركابهم، وهذا مُلقى رحالهم، هاهنا مراق دمائهم، طوبى لك من تربة عليها تراق دماء الاحبّة.

وقال الباقر (ع): خرج عليُّ يسير بالناس حتّى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل تقدّم بين أيديهم حتّى طاف بمكان يقال لها المقذفان، فقال: قُتل فيها مائتا نبيّ ومائتا سبط كلّهم شهدأ، ومناخ ركاب ومصارع عشّاق شهدأ لايسبقهم من كان قبلهم ولايلحقهم من بعدهم). «2»

وعن حذيفة قال: (سمعت الحسين بن عليٍّ يقول: واللّه ليجتمعنّ على قتلي طغاة بني أميّة، ويقدمهم عمر بن سعد. وذلك في حياة النبىٍّ (ص)!

فقلت: أنباءك بهذا رسول اللّه؟

قال: لا.

فاءتيتُ النبىٍّ فاءخبرته فقال: علمي علمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونته). «3»


(1) أمالي الصدوق: 478، المجلس 87، حديث 5.

(2) البحار، 41: 295، باب 114، حديث 18.

(3) دلائل الامامة: 183

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:204

ويقول ابن عبّاس: (ماكنّا نشكُّ، وأهل البيت متوافرون، أنّ الحسين بن علىّ يقتل بالطفّ). «1»

وروى عبداللّه بن شريك العامري قال: (كنت أسمع أصحاب عليّ (ع) إذا دخل عمر بن سعد من باب المسجد يقولون: هذا قاتل الحسين بن علي (ع).

وذلك قبل أن يقتل بزمان). «2»

وروي أنّ عمر بن سعد قال للحسين (ع): يا أباعبداللّه، إنّ قِبَلَنا ناسا سفهاء يزعمون أنيّ اءَقتلك.

فقال له الحسين (ع): إنّهم ليسوا بسفهاء، ولكنّهم حلماء، أما إنّه تقرّ عيني أن لاتاءكل من برّ العراق بعدي إلّا قليلا!). «3»

وعُنِّف ابن عبّاس على تركه الحسين فقال: (إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا، نعرفهم باءسمائهم من قبل شهودهم!!) «4»

وقال محمّد بن الحنفيّة: (وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون باءسمائهم وأسماء آبائهم!!). «5»

إنّ أخبار الملاحم والفتن الماءثورة عن أهل بيت العصمة (ع) عامّة وعن


(1) مستدرك الحاكم، 3: 179.

(2) الارشاد: 282.

(3) المصدر السابق.

(4) مناقب آل أبي طالب، 4: 53.

(5) المصدر السابق.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:205

رسول اللّه (ص) خاصّة فضلا عن أنّها تؤ كّد على أنّ علم هؤ لاء المصطفين الاخيار (ع) علمٌ لدنّيٌ ربّانيُّ كاشف عن مكانتهم الالهيّة الخاصّة المنصوص عليها من قبل اللّه تعالى، تؤ كّد أيضا على مدى حرصهم الكبير على رعاية هذه الامّة وإنقاذها من هلكات مدلهمّات الفتن التي أحاطت بها منذ بداية التيه في يوم السقيفة.

لقد كان رسول اللّه (ص) يعلم مدى الانحراف الذي سيصيب الامّة من بعده ويلقي بها في متاهات تنعدم فيها القدرة على الرؤ ية السديدة إلّا على قلّة من ذوي البصائر، ويصعب فيها تشخيص الحقّ من الباطل إلّا على من تمسّك بعروة الثقلين، وكان (ص) يعلم خطورة حالة الشلل النفسي والازدواجية في الشخصيّة التي ستتعاظم في الامّة من بعده حتّى لايكاد ينجو منها إلّا أقلّ القليل.

لذا لم ياءلُ (ص) جهدا في تبيان سبل الوقاية والنجاة من تلك الهلكات، ومن جملة تلك السبل سبيل إخبار الامّة بملاحمها وبالفتن التي ستتعرّض لها إلى قيام الساعة، فكشف لها (ص) عن كلّ الملاحم والفتن وأوضح لها مزالق وعثرات الطريق إلى أن تنقضي الدنيا، يقول حذيفة بن اليمان (ره): (.. واللّه ما ترك رسول اللّه (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلّاقد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته). «1»

وذلك لكي لاتلتبس على الامّة الامور، ولاتقع في خطاء الرؤ ية أو انقلابها فترى المنكر معروفا والمعروف منكرا، إضافة إلى ما يتضمّنه بيان الملاحم للا مّة من دعوة إلى نصرة صفّ الحق وخذلان صفّ الباطل بعد تشخيص كلٍّ من الصفين.


(1) سنن أبي داود، 4: 95، حديث 4243.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:206

وعلى هذا النهج، ولهذه الغاية أيضا، كانت أخبار الملاحم والفتن التي وردت عن أئمّة أهل البيت (ع).

وقد اختُصّ قتل الحسين (ع) بنصيب وتركيز أكبر في الاخبارات الواردة عن النبىٍّ (ص) وعن اميرالموءمنين (ع)، وذلك لعظيم حرمة الامام الحسين (ع)، ولنوع مصرعه المفجع ومصارع أنصاره، ولشدّة مصابهما بتلك الوقعة الفظيعة والرزيّة العظيمة، ولا همّية واقعة عاشورأ بلحاظ ما يترتّب عليها من حفظ الاسلام وبقائه، ولا هميّة المثوبة العظيمة والمنزلة الرفيعة المترتّبة على نصرة الحسين (ع)، واللعنة الدائمة والعقوبة الكبيرة التي تلحق من يقاتله ويخذله.

ولعلّ قرب عاشورأ الزمني من عهد النبىٍّ (ص) وعليّ (ع) عامل أيضا من عوامل هذا التركيز، لا نّ النبيّ (ص) ووصيّه (ع) يعلمان أنّ جماعة غير قليلة من الصحابة والتابعين سوف يدركون يوم عاشورأ، فالتركيز على الاخبار بمقتله (ع) ومخاطبة هؤ لاء مخاطبة مباشرة بذلك يؤ ثّران التاءثير البالغ في الدعوة إلى نصرته (ع)، والتحذير من الانتماء إلى صفّ أعدائه، مع ما في ذلك من إتمام الحجّة على هؤ لاء الناس آنئذٍ.

ولذا كان رسول اللّه (ص) يخاطب الباكين معه لبكائه على الحسين (ع) خطابا مباشرا، فيقول لهم: (أيّها الناس، أتبكونه ولاتنصرونه!؟). «1»

ويخاطب عليّ (ع) البراءَ بن عازب قائلا: (يا براء، يُقتل ابني الحسين واءنت حيّ لاتنصره.). فلمّا قتل الحسين (ع) كان البرأ بن عازب يقول: صدق واللّه عليّ بن أبي طالب، قتل الحسين ولم أنصره، ثمّ أظهر على ذلك الحسرة والندم. «2»


(1) بحار الانوار، 44: 248 عن مثير الاحزان.

(2) الارشاد: 192.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:207

وفي المقابل فقد انتفع بهذا الاخبار جمع من أهل الصدق والاخلاص من الصحابة والتابعين، فقدروى الصحابيّ الجليل أنسُ بن الحارث رضوان اللّه تعالى عليه عن النبيّ (ص) أنّه قال: (إنّ ابني هذا- وأشار إلى الحسين- يُقتل باءرض د يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره.). ولمّا خرج الامام الحسين (ع) إلى كربلاء خرج معه الصحابي الجليل أنس بن الحارث رضوان اللّه تعالى عليه، واستشهد بين يدي الحسين (ع). «1»

ولعلّ سرّ التحوّل في موقف زهير بن القين رضوان اللّه تعالى عليه ما كان يحفظه من قول سلمان الفارسيّ رضوان اللّه تعالى عليه وإخباره عن بشرى نصرة الامام الحسين (ص)، يقول زهير: (ساءحدّثكم حديثا، إنّا غزونا البحر، ففتح اللّه علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسيّ (ره): أفرحتم بما فتح اللّه عليكم وأصبتم من الغنائم؟

فقلنا: نعم.

فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد (ص) فكونوا أشدَّ فرحا بقتالكم معهم ممّا أصبتم اليوم من الغنائم). «2»

و (قال العريان بن الهيثم: كان أبي يتبدّى «3»، فينزل قريبا من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنّا لانبدو إلّا وجدنا رجلا من بني أسد هناك.

فقال له أبي: أراك ملازما هذا المكان!!؟


(1) راجع: تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 239، حديث 283.

(2) الارشاد: 246.

(3) يتبدّى: يخرج إلى البادية.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:208

قال: بلغني أنّ حسينا يقتل هاهنا، فاءنا أخرج إلى هذا المكان لعلّي أصادفه فاءقتل معه!!

قال ابن الهيثم: فلمّا قتل الحسين قال أبي: انطلقوا بنا ننظر هل الاسديّ فيمن قتل مع الحسين؟

فاءتينا المعركة، وطوّفنا، فإ ذا الاسديُّ مقتول!!). «1»

زوبعة اليوم الاوّل:

لم ينطوِ معاوية إلّا على الخيانة ونقض العهد من اليوم الاوّل للصّلح بل منذ أن فكّر في الصلح، وقد أعلن عن غدره في الايّام الاولى بعد الصلح، ولا أوضح من قوله في خطبته الاولى بعد الصلح:

(ألا وإنّ كلّ شي أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدميَّ هاتين لا أفي به!!). «2»

وقوله:

(يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتُكم على الصلاة والزكاة والحجّ، وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون؟ ولكنّي قاتلتُكم لا تاءمّر عليكم وألِيَ رقابكم، وقد آتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون!، ألا إنّ كلّ دمٍ أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكلّ شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!!). «3»

ومع أنّ معاوية لم يفِ باءيّ بندٍ من بنود المعاهدة، لكنّه لم يجد الراحة


(1) تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودى: 212، حديث 269.

(2) شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، 16: 16 عن المدائني.

(3) صلح الحسن ع: 285 عن المدائني.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:209

والاستقرار في نفسه والاطمئنان على مستقبل خلافة يزيد من بعده وهو يرى أبامحمّدٍ الحسن (ع) حيّا، فمكر لقتله مرارا لكنّه لم ينجح في ذلك إلّا أخيرا على يد جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندىٍّ التي سمّت الامام (ع) طمعا في الزواج من يزيد بعد أن أغراها معاوية بذلك وخطّط لها المكيدة.

وانتقل الامام المظلوم أبومحمّد الحسن المجتبى إلى جوار ربّه وجدّه وأبيه وأمّه بعد أن كابد مرارة السم وآلامه أربعين يوما، وكانت شهادته في السابع من صفر سنة خمسين، أوفي آخر صفر سنة تسع وأربعين للهجرة. «1»

فابتدأت في ذلك اليوم إمامة سيّد الشهدأ (ع) ...

وكانت زوبعة اليوم الاوّل من امامته (ع) مشكلة دفن أخيه الحسن (ع)، تلك المشكلة التي أثارتها عائشة بتخطيط وتحفيز من مروان بن الحكم.

وفي قصّة هذه الزوبعة روايات كثيرة متفاوتة رواها الفريقان، ننتقي هنا هذه الرواية منها، وفيها أنّ الحسن (ع) قال لا خيه الحسين (ع):

إذا متُّ فغسّلني، وحنّطني، وكفّنّي، وصلّ عليَّ، واحملني إلى قبر جدّي حتّى تُلحدني إلى جانبه، فإن مُنعتَ من ذلك فبحقّ جدّك رسول اللّه (ص) وأبيك اميرالموءمنين وأمّك فاطمة، وبحقّي عليك إن خاصمك أحدٌ ردّني إلى البقيع، فادفنّي فيه ولاتهرق فيَّ محجمة دم.

فلمّا فرغ من أمره، وصلّى عليه، وسار بنعشه يريد قبر جدّه رسول اللّه (ص) ليلحده معه، بلغ ذلك مروان بن الحكم طريد رسول اللّه (ص)، فوافى مسرعا على بغله، حتّى دخل على عائشة ...


(1) بحار الانوار، 44: 134.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:210

فقال لها: يا أمّ المؤ منين، إنّ الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن عند قبر جدّه، وواللّه لئن دفنه معه ليذهبنّ فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة.

فقالت له: فما أصنع يامروان؟

قال: إلحقي وامنعيه من الدخول إليه.

قالت: فكيف ألحقه؟

قال: هذا بغلي فاركبيه والحقي القوم قبل الدخول.

فنزل لها عن بغله، وركبته، وأسرعت إلى القوم، وكانت أوّل امرأة ركبت السرج هي، فلحقتهم وقد صاروا إلى حرم قبر جدّهما رسول اللّه (ص)، فرمت بنفسها بين القبر والقوم.

وقالت: واللّه، لايُدفن الحسن هاهنا أو تحلق هذه وأخرجت ناصيتها بيدها.

وكان مروان لمّا ركبت بغله جمع من كان من بني أميّة وحثّهم، فاءقبل هو وأصحابه وهو يقول: يارُبّ هَيْجا هيَ خيرٌ من دِعَة. أيُدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن مع رسول اللّه؟! واللّه، لايكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف.

و كادت الفتنة تقع!!

وعائشة تقول: واللّه لايدخل داري من أكره.

فقال لها الحسين (ع): هذه دار رسول اللّه (ص)، وأنتِ حشيّة من تسع حشيّاتٍ خلّفهنّ رسول اللّه (ص)، وإنّما نصيبك من الدار موضع قدميك.

فاءراد بنوهاشم الكلام وحملوا السلاح!

فقال الحسين (ع): اللّه اللّه، لاتفعلوا فتضيعّوا وصيّة أخي.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:211

وقال لعائشة: واللّه، لولا أنّه أوصى إليّ ألّا اءُهرق فيه محجمة دم لدفنتُه هنا ولو رغم لذلك أنفك.

وعدل به إلى البقيع فدفنه مع الغرباء!

وقال عبداللّه بن عبّاس: يا حميرأ، كم لنا منكِ!؟ فيوم على جمل، ويوم على بغل!

فقالت: إن شاء أن يكون يوم على جمل ويوم على بغل، واللّه ما يدخل الحسن داري ..). «1»

وروي أنّ الامام الحسين (ع) حاجَّ عائشة هكذا:

(قديما هتكتِ أنتِ وأبوك حجاب رسول اللّه (ص)، وأدخلتِ بيته من لايحبّ رسول اللّه (ص) قربه وإنّ اللّه سائلك عن ذلك يا عائشة.

إنّ أخي أمرني أن اءُقرّبه من اءبيه رسول اللّه (ص) ليحدث به عهدا، واعلمي أنّ أخي أعلم الناس باللّه ورسوله، وأعلم بتاءويل كتابه من أن يهتك على رسول اللّه (ص) ستره، لا نّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (يا أيّها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبيّ إلّا أن يؤ ذن لكم)، وقد أدخلتِ أنتِ بيت رسول اللّه (ص) الرجال بغير إذنه.

وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (يا أيّها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ)، ولعمري لقد ضربتِ أنتِ لا بيك وفاروقه عند أذنِ رسول اللّه (ص) المعاول!

وقال اللّه عزّ وجلّ: (إنّ الذين يغضّون أصواتهم عند رسول اللّه أولئك


(1) دلائل الامامة: 161

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:212

الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى)، ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول اللّه (ص) بقربهما منه الاذى، وما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه به على لسان رسول اللّه (ص)، إنّ اللّه حرّم على المؤ منين أمواتا ما حرّم منهم أحياء.

وتاللّه يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات اللّه عليهما جائزا فيما بيننا وبين اللّه لعلمت أنّه سيدفن وإن رغم معطسك ...). «1»

وروى ابن عساكر أنّ مروان كان قد راسل معاوية باءخبار الامام الحسن (ع) وما آلت إليه حالته الصحيّة عند ما ثقل عليه السمُّ. «2»

وروي أيضا أنّ معاوية بلغه ما كان قد أراد الامام الحسين (ع) في دفن أخيه الحسن (ع) إلى جوار جدّه (ص)، فقال: (ما أنصفتنا بنوهاشم حين يزعمون أنّهم يدفنون حسنا مع النبيّ (ص) وقد منعوا عثمان أن يُدفن إلّا في أقصى البقيع.

إن يك ظنّي بمروان صادقا لايخلصون إلى ذلك.

وجعل يقول: ويها مروان! أنت لها!) «3»

إذن فهذا الموقف الامويّ الذي قام بتنفيذه مروان في قضيّة دفن الامام الحسن (ع) كان رسالة موجهة إلى الامام الحسين (ع) في وقت مبكّر، هذه الرسالة تتضمّن رسم الحدود المسموح بها له والحدود الممنوعة عليه من قبل معاوية، فكاءنّ الامويّين أرادوا أن يقولوا له منذ البدء: لك أن تتكلّم كما


(1) الكافي، 1: 302

(2) تأريخ مدينة دمشق، 13: 291.

(3) نفس المصدر، 13: 291.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:213

تحبّ، وليس لك أن تقوم باءي فعل لانرضاه، وإلّا فالسيف!

نظرة الامام الحسين) ع) إلى صلح أخيه) ع) مع معاوية

القيام عند أهل البيت (ع):

إنّ لا ئمة أهل البيت (ع) دورا عامّا يشتركون جميعا في السعي إلى تحقيقه بالرغم من تفاوت الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي يمرّون بها، كمثل مسؤ وليّتهم في الحفاظ على الرسالة الاسلاميّة وتحصينها من كلّ ما يشوبها من عوالق لا إسلاميّة، ومسؤ وليّتهم في الحفاظ على الامّة ووقايتها من الاخطار التي تهدّدها، وتبيين الاحكام الشرعيّة والحقائق القرآنيّة، وإنقاذ الدولة الاسلاميّة من كلّ تحدٍّ كافر، وتعريف الامّة بفضل أهل البيت (ع) وأحقّيّتهم بالا مر ما سنحت الفرصة واتّسع المجال، وإلى غير ذلك من مصاديق دورهم العام المشترك.

ولكلٍّ منهم أيضا دور خاصّ به، تحدّده طبيعة الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي يعيشها كلُّ من الاسلام والامام والامّة. وقد تتشابه الادوار الخاصّة لبعضهم نتيجة تشابه تلك الظروف، كما هي الحال في الظروف التي عاشها كلّ من الباقر والصادق (ع) أوالهادي والعسكريّ (ع). وقد تتعارض الادوار الخاصّة لبعضهم نتيجة التغاير بين تلك الظروف، كما هي الحال في مهادنة الامام الحسن (ع) مع معاوية والثورة التي قام بها الامام الحسين (ع) ضدّ يزيد بن معاوية.

ومن الدور العامّ المشترك لا ئمة أهل البيت (ع) أصل القيام بوجه الحاكم الظالم إذا توفرّت (العدّة) اللّازمة للقيام بكلّ أبعادها لا في بُعد العدد فقط، ويمكن استفادة هذه الحقيقة أوهذا الهدف من أهداف دورهم العام المشترك من مجموعة روايات وردت عنهم (ع)، فاءمير المؤ منين عليّ (ع) بعد السقيفة

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:214

كان قد حرّض د البدريّين من المهاجرين والانصار على القيام والثورة، فلم يدع أحدا منهم إلّا أتاه في منزله، يذكّرهم حقّه ويدعوهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم إلّا أربعة وأربعون، فاءمرهم أن يصبحوا بكّرة محلّقين رؤ وسهم معهم السلاح ليبايعوا على الموت، فما وافاه في الصباح منهم إلّا أربعة، ثمّ أتاهم أيضا في الليلة التالية فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة، فما أتاه غير أولئك الاربعة، وكانت النتيجة نفسها أيضا في غداة اليوم التالي، فلمّا رأى غدرهم وقلّة وفائهم له لزم بيته. «1»

ولم يقل اميرالموءمنين (ع) قوله المشهور: (.. وواللّه، لا سلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلّا عليَّ خاصّة ..) «2» إلّا بعد أن ظهرت نتيجة مؤ امرة الشورى واءُعطِيت الخلافة لعثمان، وزويت عنه للمّرة الثالثة، وهو يرى الامّة في غمرتها تغطُّ في غفلة عميقة عن حقّه المغتصب، فما صبر على ما صبر إلّا لعدم توفّر عدّة القيام حتّى فيما بعد الشورى. «3»

ويستفاد هذا الاصل أيضا من قصّة سدير الصيرفي مع الامام الصادق (ع)، التي قال له الامام (ع) في آخرها:

(واللّه يا سدير، لوكان لي شيعة بعدد هذه الجدأ ما وسعني القعود!) «4»

وكان عدد هذه الجدأ سبعة عشر!.


(1) راجع سليم بن قيس: 81؛ والكافي، 8: 33 في ذكر الخطبة الطالوتية؛ واختيار معرفة الرجال، 1: 38 حديث 18؛ وتأريخ اليعقوبي، 2: 84

(2) نهج البلاغة: 102، حديث 74 ضبط صبحي الصالح.

(3) راجع: شرح النهج، 9: 392.

(4) الكافي، 2: 242

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:215

كما يستفاد من رواية ماءمون الرقّي في قصّة الصادق (ع) مع سهل بن حسن الخراساني الذي اعتذر للا مام (ع) عن امتثال أمره في دخول التنّور المسجور، ودخله هارون المكّي (ره)، فقال (ع) للخراساني: (كم تجد بخراسان مثل هذا؟) فقال: واللّه ولا واحدا، فقال (ع):

(لا واللّه ولا واحدا، أما إنّا لانخرج في زمانٍ لانجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت). «1»

وكان هذا الاصل أيضا عند الامام الحسن (ع)، إذ كان أوّل ما فعله بعد اميرالموءمنين (ع) هو مواصلة التعبئة العامّة لقتال معاوية في حرب مصيريّة، ولولا الخيانات الكبرى والخذلان الخطير والوهن المتفشّي في عسكره وما أشبه ذلك من أسباب أجبرته على ترك الحرب لما آل الامر إلى صلح مع معاوية، وكان الامام الحسن (ع) قد ابتلى الناس في عزمهم على الجهاد قبل المهادنة فما وجد فيهم إلّاالخَور والضعف وحبّ السلامة والدنيا، حين صعد المنبر فخطبهم قائلا:

(.. ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمرٍ ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه (وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجلّ بضُبا السيوف)، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا.)

فناداه القوم (من كلّ جانب): البقية! البقية!، (فلمّا أفردوه أمضى الصلح). «2»


(1) مناقب آل أبي طالب، 4: 237.

(2) المجتنى لا بن دريد: 23؛ وأسد الغابة، 2: 14 بسند إلى ابن دريد، وفيه إضافة العبارات التي بين قوسين.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:216

ولمّا أن شكى إليه الصحابيّ البطل الشهيد حجر بن عديّ (ره) مرارة الحال بقوله: (خرجنا من العدل ودخلنا في الجور، وتركنا الحقّ الذي كنّا عليه ودخلنا في الباطل الذي كنّا نذمّه، وأعطينا الدنيّة ورضينا بالخسيسة، وطلب القوم أمرا وطلبنا أمرا، فرجعوا بما أحبّوا مسرورين، ورجعنا بما كرهنا راغمين) أجابه الامام الحسن (ع):

(يا حجر، ليس كلّ الناس يحبّ ما أحببت، إنّي قد بلوت الناس، فلو كانوا مثلك في نيّتك وبصيرتك لا قدمت). «1»

الخيارات المتاحة للا مام الحسن (ع):

اشارة

لقد وقف الامام الحسن (ع) من هذه المحنة المحيّرة الموقف المعصوم الذي لايعتوره خطاء في فكرٍ أو قولٍ أو عملٍ، هذا ما يفرضه اعتقادنا الحقّ بإ مامة مولانا أبي محمّد الحسن المجتبى (ع)، لكنّنا في معرض تحليل ورصد الخيارات التي كانت متاحة له (ع) يمكن أن نحدّدها تاءريخيّا كما يلي:

1 (بقاء الحالة القائمة

: وهي حالة اللّاسلام واللّاحرب، وكان الامام (ع) يعلم أنّ بقاء هذه الحالة أمر غير ممكن آنذاك، وذلك لتزايد الوهن في أهل الكوفة وخذلانهم له، وكثرة الخيانات ممّن حوله، ولا نّ معاوية ياءبى حالة المتاركة هذه بسبب إصراره على مدّ سلطانه على كلّ البلاد طوعا أوكرها. فإ ذن لابدّ من حالة حرب أو حالة سلم. مع الركب الحسيني ج‌1 216 2(حالة الحرب واحتمالاتها ..... ص : 216

2 (حالة الحرب واحتمالاتها

: لم يكن للا مام (ع) أىّ أمل في نصر مؤ زّر حاسم على ضوء الحالة النفسيّة والروحيّة لجيشه المكوّن من أخلاط وأهوأ


(1) أنساب الاشراف تحقيق المحمودي، 3: 151، حديث 12.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:217

مختلفة وهممٍ هامدة، كما أنّ الامل ضعيف جدّا في أن تنتهي الحرب مع معاوية كما انتهت صفّين إلى حالة اللاحسم وذلك لا نّ ميزان القوى قد تغيّر تغيّرا ملحوظا لصالح معاوية.

إذن لم يبق إلّا احتمال هو أقرب إلى اليقين منه إلى الظنّ، وهو احتمال الهزيمة المنكرة للا مام (ع) والنصر الحاسم لمعاوية.

وعندها فإ مّا أن يُقتل الامام (ع) وأهل بيته وأصحابه فينتهي الصفّ الاسلامي تماما، ويخسر الاسلام قادته ومن معهم دون أيّة استفادة، ذلك لا نّ معاوية لِمابلغ به من تضليل الناس ولِما يملكه من دهاء وحنكة وقدرة على قلب الحقائق، كان يستطيع أن يُلقي على مقتلهم ألف حجاب وحجاب.

وإمّا أن يؤ سر الامام (ع) فيُقتل ومن معه صبرا أو يمنّ عليهم معاوية ويطلقهم في ذلٍّ مقابلة ليوم فتح مكّة، فتكون سُبّة على بني هاشم، ومنّة لبني أميّة عليهم، باقية إلى آخر الدهر. وقد صرّح الامام (ع) بذلك حيث قال:

(فواللّه، لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمنّ عليّ فتكون سُبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لايزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميّت). «1»

3) الصلح‌

: وهذا ما اقتضت حكمة المعصوم (ع) القبول به، وإن كان قذىً في العين وشجىً في الحلق وأمرَّ من العلقم، لا نّه الخيار الوحيد الذي يحفظ للا سلام بقاءه وبقاء رجاله، ويعرّي حقيقة نفاق معاوية وجاهليّته وكفره، ذلك لا نّه إذا استتبّ له الامر بلامنازع تخلّى عن تحفّظاته وكشف تماما عن عدائه للا


(1) الاحتجاج، 2: 10 11.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:218

سلام. هذا وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ الامام الحسن (ع) لم ينظر إلى الصلح على أنّه نهاية القضيّة مع معاوية، بل كان ينظر إليه كمتاركة مؤ قّتة حتّى ياءتي الوقت المناسب للقيام ضدّ معاوية في حربٍ أخرى، فها هو يجيب حجربن عدي الكندي بقوله:

(إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على شيعتنا خاصّة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يومٍ ما، فإ نّ اللّه كلّ يومٍ هو في شاءنٍ). «1»

صدق أبومحمّد (ع)

كان الامام الحسين (ع) قد وقف من كلّ قرارات ومواقف الامام أبي محمّد الحسن (ع) موقف الشريك المعاضد والنصير المؤ ازر، هذا ما تؤ كّده المتابعة التاءريخيّة للعلاقة بينهما طيلة فترة إمامة الحسن (ع)، فضلا عن أنّ الاعتقاد الحقّ بإ مامتهما وعصمتهما يفرض القطع باءنّ كلّا منهما يصدّق الاخر في القول والفعل والتقرير. وفيما يتعلّق باءمر الصلح مع معاوية كان الامام الحسين (ع) قد أكّد دعمه التامّ للقرار الحسني، وعبّر عن اشتراكه مع أخيه في موقفه، وعن امتثاله لا مره كإ مام مفترض الطاعة في أكثر من مناسبة. فقد قال له عديّ بن حاتم (ره): (يا أباعبداللّه، شريتم الذلّ بالعزّ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، اءَطِعنا اليوم واعصِنا الدهر، دعِ الحسن وما راءى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولّني وصاحبي (يعني عبيدة بن عمر) هذه المقدّمة، فلايشعر ابن هند إلّا ونحن نقارعه بالسيوف).

فاءجابه الحسين (ع): (إنّا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل لنقض بيعتنا). «2»


(1) الاخبار الطوال: 220.

(2) الاخبار الطوال: 220.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:219

ولمّا طلب منه حجر بن عديّ (ره) مثل ذلك أجابه الامام الحسين (ع) أيضا:

(إنّا قد بايعنا، وليس إلى ما ذكرت سبيل). «1»

كما أظهر تصديقه لا خيه في الالتزام بالمعاهدة ولوازمها عمليّا في جوابه لعليّ بن محمّد بن بشير الهمداني حين ذكر له امتناع الامام الحسن (ع) من إجابة من دعاه إلى الثورة بعد الصلح قائلا: (صدق أبومحمّد، فليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس د بيته مادام هذا الانسان حيّا). «2»

وعبّر (ع) عن امتثاله التامّ لا مر الامام الحسن (ع) في هذا الموقف لمّا دعاهما معاوية ومن معهما من أصحاب عليّ (ع) للبيعة في الشام، وكان معهم قيس بن سعد بن عبادة الانصاري، فلمّا أتوه دعا معاوية الحسن (ع) للبيعة فبايعه، ثمّ دعا الحسين (ع) أيضا فبايعه، فلمّا طلب من قيس بن سعد البيعة التفت قيس د إلى الحسين (ع) ينظر ما ياءمره، فقال الحسين (ع): (يا قيس إنّه إمامي). يعني الحسن (ع). «3»

ولاينافي هذه الحقيقة ما ورد في مجموعة أخرى من النصوص أنّه (ع) كان كارها لتلك البيعة، كمثل قوله لبعض الشيعة:

(قد كان صلح، وكانت بيعة كنت لها كارها، فانتظروا مادام هذا الرجل حيّا، فإن يهلك نظرنا ونظرتم). «4»

ذلك لا نّ هذا الصلح كان أبغض الاختيارات أمام الامام الحسن (ع)، وقد


(1) أنساب الاشراف، 3: 151، حديث 12.

(2) الاخبار الطوال: 221.

(3) إختيار معرفة الرجال، 1: 325، حديث 176.

(4) أنساب الاشراف، 3: 150، حديث 10.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:220

اضطرّ إليه اضطرارا حرصا على مصالح إسلاميّة كبرى، ولاشك أنّ رعاية هذه المصالح قد تفرض على الامام في ظروف صعبة غير مساعدة أن يقدم على أمرٍ هو عند الامام أمرّ من العلقم، وأشدّ من السمّ، وأفجع من الموت.

ولا تفاوت في كراهيّة هذا الصلح عند الحسن والحسين (ع)، كما أنّ التعبير عن الكراهيّة لا مرٍ لايعني التعبير عن عدم الرضا بفعله. ذلك لا نّ الرضا بهذا الصلح بلحاظ ما يترتّب عليه من نتائج مرجّوةٍ أمرٌ آخر.

ولا تفاوت في الرضا به أيضا عند الحسن أوالحسين أو أيّ إمام آخر من أئمّة أهل البيت (ع)، ولقد عبّر الامام الباقر (ع) عن نظرة الرضا بهذا الصلح قائلا:

(واللّه، للّذي صنعه الحسن بن عليّ (ع) كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس ...). «1»

ومع اعتقادنا باءنّ الموقف الذي يتّخذه الامام المعصوم هو الافضل في ظرفه، أي أنّ كلًّا من صلح الحسن (ع) وقيام الحسين (ع) كان هوالافضل في ظرفه، صحّ لنا إذن أن نقطع باءنّ إمامة الحسين (ع) لوكانت قبل إمامة الحسن (ع) لصالح معاوية كما فعل الحسن (ع) في ظرفه، ولوكانت إمامة الحسن (ع) بعد إمامة الحسين (ع) لثار الحسن (ع) كما فعل الحسين (ع) في ظرفه.

أمّا ما ورد في مجموعة أخرى من الروايات أنّ الامام الحسين (ع) قال لا خيه الامام الحسن (ع) حينما عزم على الصلح: (يا أخي، أعيذك باللّه من هذا) «2» اعتراضا عليه، أو أنّه قال: (نشدتك اللّه أن تصدّق أحدوثة معاوية وتكذّب اءُحدوثة عليّ!). «3» اءو (اءنشدك اللّه اءن تكون اءوّل من عاب


(1) الكافي، 8: 330، حديث 506.

(2) الفتوح، 4: 289.

(3) تاريخ الطبري، 4: 122.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:221

أباك وطعن عليه ورغب عن أمره!) فاءجابه الامام الحسن (ع): (إنّي لاأرى ما تقول، واللّه لئن لم تتابعني لا سندتك في الحديد، فلاتزال فيه حتّى أفرغ من أمري!) «1» أو أنّه (ع) قال: (أعيذك باللّه أن تكذّب عليّا في قبره وتصدّق معاوية!)، فيجيبه الامام الحسن (ع): (واللّه ما أردت أمرا قطّ إلّا خالفتني إلى غيره، واللّه لقد هممت أن أقذفك في بيت فاءُطيّنه عليك حتّى أقضي أمري!). «2» فإ نّ هذه الروايات كلّها عاميّة، مردودة لايمكن القبول بها، لا نّها تعارض الاعتقاد الحقّ بمعنى الامامة وحقائقها والادب الرفيع الذي يتعامل به حجج اللّه تعالى فيما بينهم، وهي من افتعال الخيال السنّي المتاءثّر بالتضليل الامويّ الذي عمد إلى تشويه صورة الامام الحسن (ع) بشكل خاصّ ليظهره بمظهر الموادع الذي يحبّ السلامة والراحة والنساء والمال، وأنّه لا عزم له على حرب ولا شدّة، كلّ ذ لك ليجرّده في أذهان الناس عن أهليّته للخلافة. ومن المؤ سّف حقّا أنّك قد لاتجد في تواريخ العامّة كتابا لم يتاءثّر بهذا التضليل الظالم!!

مواصلة الامام (ع) الالتزام بالهدنة

آثر الامام (ع) مواصلة الالتزام بالهدنة، وحرص (ع) في حياة الامام الحسن (ع) على تهدئة ثائرة الشيعة، وأمرهم بالصبر والترقّب، وأوصاهم بالتخفّي عن أعين السلطة، وبالا نتظار، وواصل السير على هذا الخطّ أيضا بعد شهادة الامام الحسن (ع)، فقدروى البلاذري: أنّه لما توفّي الحسن بن عليٍّ اجتمعت الشيعة، ومعهم بنوجعدة بن هبيرةبن أبي وهب المخزومي وأمّ جعدة أمّ هاني بنت أبي طالب، في دار سليمان بن صرد، وكتبوا إلى الحسين كتابا بالتعزية، وقالوا في كتابهم: إنّ اللّه قد جعل فيك أعظم الخلف ممّن


(1) أنساب الاشراف، 3: 51، حديث 61.

(2) تأريخ مدينة دمشق، 13: 267.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:222

مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لا مرك.

وكتب إليه بنوجعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه وحبّهم لقدومه وتطلّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يُرضى هديه ويُطماءنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وباءسه، فاءَنضَوا إليهم ما هم عليه من شن‌آن ابن أبي سفيان والبرأة منه، ويساءلونه الكتاب إليهم برأيه.

فكتب الحسين (ع) إليهم:

(إنّي لا رجو أن يكون رأي أخي رحمه اللّه في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا، فالصقوا بالا رض، وأخفوا الشخص، وأكتموا الهوى، واحترسوا من الاضاء مادام ابن هند حيّا، فإن يحدث به حدثٌ وأنا حيّ ياءتكم رأيي إن شاءاللّه). «1»

وكذلك نقل الشيخ المفيد (ره) عن الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة أنّهم قالوا: (لمّا مات الحسن (ع) تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين (ع) في خلع معاوية، والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لايجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة، فإ ذا مات معاوية نظر في ذلك). «2»


(1) أنساب الاشراف، 3: 151 152، حديث 13.

(2) الارشاد: 221.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:223

موقف معاوية من الامام الحسين) ع)

دعوى) الدم المضنون في بني عبد مناف (وحقيقتها

روى ابن عساكر أنّ الوليد بن عتبة أغلظ للا مام الحسين (ع) في القول، فشتمه الامام (ع) وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ...

فقال الوليد: إن هجنا باءبى عبداللّه إلّا أسدا!

فقال له مروان أو بعض جلسائه: أقتله.

قال الوليد: إنّ ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف!!. «1»

لاشك أنّ الوليد بن عتبة وهو والي المدينة يومئذٍ لم ينطق عن رأيه الشّخصيّ، بل نطق عن الرأي الرسمي للحكم الامويّ الذي كان معاوية بن أبي سفيان على رأسه آنئذٍ. والدم المضنون في بني عبد مناف معناه الدم الذي يعزّ على القتل ولايجوز سفكه، فهل كان دم الامام الحسين (ع) كذلك فعلا في عهد معاوية؟ وما هي حدود الحقيقة في هذه الدّعوى!؟

لقد كتب معاوية إلى واليه سعيد بن العاص على المدينة قبل الوليد بن عتبة بصدد الموقف من الامام الحسين (ع) قائلا:

(... وأنظر حسينا خاصّة فلايناله منك مكروه، فإ نّ له قرابة وحقّا عظيما لاينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لاتقوى عليه ...). «2»

إذن فمشكلة معاوية في موقفه من الامام الحسين (ع) هي في قرابة الامام


(1) تأريخ ابن عساكرترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 200، حديث 255.

(2) الامامة والسياسة، 1: 179.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:224

الحسين (ع) الخاصّة من رسول اللّه (ص)، إنّه ابن فاطمة الزهرأ (س)، وهذه الصلة الخاصّة قد فرضت له (ع) حقّا عظيما على كلّ مسلم ومسلمة، وقد عرفت الامّة كلّها هذا الحقّ العظيم فهي لاتنكره.

من هنا فإ نّ أيّة مواجهة علنيّة بين النظام الامويّ وبين الامام (ع) لاتكون في مصلحة هذا النظام الحريص على التظاهر بالزيّ الديني.

لكنّ هذا الموقف الامويّ في عدم مسّ الامام (ع) بمكروه هو محدّد غير مطلق، ويلتزم به الحكم الامويّ في حال عدم قيام الامام (ع) ضدّ هذا الحكم، وقد صرّح الوليد بن عتبة للا مام الحسين (ع) بحدود الموقف الامويّ الرسمي منه حينما عنّفه الامام (ع) على منعه أهل العراق من اللقاء به، فقال الوليد يخاطب الامام (ع):

(ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلاتخطر بها فتخطر بك ...). «1»

أي لك أن تقول ما شئت وكما تحبّ مادمت لم تقم ضدّنا ولم تخرج علينا، وأمّا إذا تحرّكت عمليّا ضدّنا وخرجت علينا فلا غفران ولا أمان، ولايكون بيننا وبينك عندها إلّا السّيف والقتل. هذا هوالخطّ الاحمر المرسوم للدّم المضنون في بني عبدمناف! وعليه ألّايتجاوزه حتّى لايطاله القتل فيسفك كاءيّ دم آخر غير مضنون!

هذا هو الموقف الامويّ الرسمي بحدوده وأبعاده سافرا في تصريح الوليد بن عتبة، ولقد بلّغ الامويّون الامام الحسين (ع) بهذا الموقف وأشعروه بهذه


(1) أنساب الاشراف، 3: 156، حديث 15.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:225

الحدود أيضا قبل ذلك في زوبعة اليوم الاوّل من إمامته (ع) في المواجهة التي أثاروها لمنع دفن الامام الحسن (ع) قرب جدّه (ص).

إذن فدم الامام الحسين (ع) دم مضنون في بني عبدمناف عند الحكم الامويّ ما لم يخرج الامام (ع) على هذا الحكم، وهو دم مظنون لا عن إيمان بحقّه العظيم وقداسته، بل لا نّ سفك هذا الدم المقدّس يمزّق الاطار الديني الذي يتشبّث به الحكم الامويّ.

وظلّ معاوية مدّة بقيّة حياته يهتمّ باءمر الامام الحسين (ع) اهتماما فائقا، ويحسب له حسابا خاصّا، في موازنة دقيقة بين عدم التحرّش به وتحاشي إثارته وبين مراقبته ليل نهار مراقبة دقيقة متواصلة للحيلولة دون خروج فكرة القيام والثورة عند الامام (ع) من مكنون النيّة إلى حيّز التطبيق والتنفيذ العملي، خشية من مواجهة الخيارات الحرجة التي يسبّبها لمعاوية قيام الامام (ع) في حال تمكّنه من تنفيذ هذا القيام عمليّا.

الرقابة المشدّدة على الامام (ع)

ولذا فلانعجب إذا شدّد معاوية الرقابة على الامام (ع)، ورصد عليه الصغيرة والكبيرة من سكناته وحركاته في حياته الخاصّة والعامّة، وفي حِلّه وترحاله.

وكان معاوية يتعمّد تحسيس الامام (ع) وإشعاره بهذه المراقبة، وإعلامه باءنّ الصغيرة والكبيرة من مجريات حياته مرفوعة إليه آنا ف‌آنا بلا انقطاع بواسطة جواسيسه، لعلّ ذلك ينفع في ردع الامام (ع) عن الفكرة بالخروج والقيام!!

والامثلة على هذه الحقيقة كثيرة، ننتقي منها هذا المثال الدال على أنّ معاوية كان قد رصد على الامام حتّى شؤ ونه الخاصّة في منزله، يقول التاءريخ: (وكان لمعاوية بن أبي سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:226

أمور الناس وقريش، فكتب إليه: أنّ الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوّجها، فكتب معاوية إلى الحسين:

من اميرالموءمنين معاوية إلى الحسين بن عليّ:

أمّا بعدُ: فإ نّه بلغني أنّك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجّد به في الصهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.

فكتب إليه الحسين بن علي (ع):

(أمّا بعد: فقد بلغني كتابك، وتعييرك إيّاي باءنّي تزوّجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش، فليس فوق رسول اللّه منتهى في شرف، ولا غاية في نسب، وإنّما كانت ملك يميني خرجت عن يدي باءمرٍ التمست فيه ثواب اللّه تعالى، ثمّ ارتجعتها على سُنّة نبيّه (ص)، وقد رفع اللّه بالا سلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة، فلا لوم على امرىٍ مسلم إلّا في أمر ماءثم، وإنّما اللوم لوم الجاهليّة).

فلمّا قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد، فقرأه وقال: لشدّما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنّها ألسنة بني هاشم الحداد التي تفلق الصخر، وتغرف من البحر! «1»

ولاريب أنّ الامام (ع) وإن اقتصر في ردّه على معاوية بالاحتجاج عليه فيما يتعلّق بموضوع هذه الجارية، إلّا أنّه قد أدرك مراد معاوية الخفيّ من ورأ هذه الرسالة، وهو أنّني على علم بكلّ ما تفعله حتّى شؤ ونك الخاصّة في داخل منزلك! فمابالك بعلاقاتك الاجتماعيّة وشؤ ونك السياسيّة العامّة!؟ فاحذر


(1) زهر الاداب، 1: 101.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:227

ولاتتجاوز تربّصك بنا إلى القيام بفعلٍ لاتكون عاقبته إلّا وقوع السيف بيننا!

لقد كانت الموازنة دقيقة وحسّاسة جدّا في المتاركة القائمة بين الامام الحسين (ع) وبين معاوية، لكنّ بعض الامويّين ممّن كانت قلوبهم تغلي بنار الحقد على أهل البيت (ع)، وليس لهم دهاء معاوية، كانوا يستعجلون معاوية في تقاريرهم التي يبعثونها بالا خذ على يد الامام (ع) أخذا شديدا أو التخلّص منه قبل أن تستفحل الامور وتستعصي معالجتها على بني أميّة!

وأشدّ هؤ لاء الامويّين حقدا على أهل البيت (ع)، وأكثرهم عجلة وخرقا، كان مروان بن الحكم الذي كانت تقاريره تتوالى على معاوية، وتشعُّ بالا ندفاع والاستعجال، فقد كتب إلى معاوية ذات مرّة (يعلمه أنّ رجالا من أهل العراق قدموا على الحسين بن عليّ (ع)، وهم مقيمون عنده، يختلفون إليه، فاكتب إليَّ بالذي ترى). «1»

وقال البلاذري: (وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظّمونه، ويذكرون فضله، ويدعونه إلى أنفسهم، ويقولون إنّا لك عضدٌ ويدٌ، ليتّخذوا الوسيلة إليه، وهم لايشكّون في أنّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسينٍ أحدا.

فلمّا كثر إختلافهم إليه أتى عمرو بن عثمان بن عفّان مروان بن الحكم وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسينٍ، واللّه إنّي لا رى أنّ لكم منه يوما عصيبا.

فكتب مروان ذلك إلى معاوية ...). «2»


(1) الاخبار الطوال: 224.

(2) أنساب الاشراف، 3: 152، حديث 13.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:228

وكتب إليه أيضا: (إنّي لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظنّ يومكم من حسين طويلا!). «1»

لكنّ معاوية الذي كان يرى أنّ من مصلحته أن يبقى الامام الحسين (ع) ملتزما بالهدنة ولو ظاهرا، لم يكن ليرغب في الخروج عن حال المتاركة مع الامام (ع)، فكان يردّ مروان عن تجاوز هذه المتاركة، وياءمره بالصبر وينهاه عن الخرق والعجلة، فقد كتب إليه:

(اترك حسينا ما تركك ولم يظهر لك عداوته ويُبدِ صفحته، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء اللّه، والسلام). «2»

ومع هذا فإ نّ مروان الذي كان أشدّ ولاة المدينة الامويّين على أهل البيت (ع) لم يكن ليطيق وجود الامام الحسين (ع) في المدينة وهويري التفاف الامّة حوله وانشدادها إليه، فاقترح على معاوية إبعاد الامام عن المدينة وفرض الاقامة الجبريّة عليه في الشام، لينقطع بذلك اتصاله باءهل العراق، لكنّ معاوية رفض هذا الاقتراح أيضا، وردّ عليه قائلا:

(أردت واللّه أن تستريح منه وتبتليني به، فإن صبرتُ عليه صبرتُ على ما أكره، وإن أساءتُ إليه قطعتُ رحمه). «3»

وفوق الرقابة المشدّدة على الامام (ع) كان بعض ولاة المدينة الامويّين يتدخلون عمليّا فيمنعون وفود الامّة من لقاء الامام (ع) خوفا من تطوّر الامور عمليّا لصالح الامام (ع)، فقد روى البلاذري عن العتبي أنّ الوليد بن عتبة


(1) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 197، حديث 254.

(2) أنساب الاشراف، 3: 152، حديث 13.

(3) حياة الامام الحسين بن علي ع، 2: 223.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:229

حجب أهل العراق عن الامام الحسين (ع).

فقال الحسين (ع): يا ظالما لنفسه، عاصيا لربّه، علامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلته أنت وعمّك!؟

فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلاتخطر بها فتخطر بك، ولوعلمت ما يكون بعدنا لا حببتنا كما أبغضتنا!!). «1»

وإضافة إلى ما قدّمناه قبل ذلك في أن تصريح الوليد هذا كاشف عن حقيقة ما يعنيه الحكم الامويّ في دعوى (الدم المضنون)، نلفت هنا الانتباه إلى أنّ قول الوليد (ولو علمت ما يكون بعدنا لا حببتنا كما أبغضتنا) ربّما كان إشارة إلى أنّ هذه المتاركة الموزونة بيننا وبينك سوف لن تتحقّق في غير عهد معاوية، وأنّ يزيد الذي سيخلف أباه شخصيّة أخرى، لاترى في التعامل معك غير الشدّة والصرامة، وسوف تضيق عليك الارض بما رحبت، وعندها إذا التفتَّ إلى ورأ ستذكر أيّامنا وعفونا وسماحتنا!! فكاءنّه يمنّ على الامام (ع) بهذه المتاركة الموزونة التي هي في نفعهم هم أوّلا وأساسا!!

الخطّ العامّ في رسائل معاوية إلى الامام (ع)

لعلّ أوّل ما يلفت انتباه المتاءمّل في رسائل معاوية إلى الامام الحسين (ع) هو المكر الظاهر في الموازنة بين الترغيب والترهيب، ولاتكاد تخلو واحدة من رسائل معاوية إلى الامام (ع) من النهج المتوازن بين الترغيب والترهيب.

وهذه الظاهرة إنعكاس واضح لما يتبنّاه معاوية من مبدأ الحفاظ على حالة


(1) أنساب الاشراف، 3: 156 157، حديث 15.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:230

المتاركة مع الامام (ع)، وهذه الرسائل نفسها برهان على تبنّي معاوية هذا المبدأ أيضا.

ولننتق هنا أمثلة من هذه الرسائل ...

(كان مالٌ حُمل من اليمن إلى معاوية، فلمّا مرّ بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي (ع) فاءخذه وقسّمه في أهل بيته ومواليه، وكتب إلى معاوية:

(من الحسين بن عليّ إلى معاوية بن أبي سفيان.

أمّا بعد: فإ نّ عيرا مرّت بنا من اليمن تحمل مالا وحلالا وعنبرا وطيبا إليك، لتودعها خزائن دمشق وتعلُّ بها بعد النهل بني أبيك، وإنّي احتجت إليها فاءخذتها، والسلام).

فكتب إليه معاوية:

(من عند عبداللّه معاوية اميرالموءمنين إلى الحسين بن عليّ سلام عليك ...

أمّا بعد: فإ نّ كتابك ورد عليّ تذكر أنّ عيرا مرّت بك من اليمن تحمل مالا وحلالا وعنبرا وطيبا إليَّ، لا ودعها خزائن دمشق، وأعلّ بها بعد النهل بني أبي، وأنّك احتجت إليها فاءخذتها.

ولم تكن جديرا باءخذها إذ نسبتها إليّ، لا نّ الوالي أحقّ بالمال ثمّ عليه المخرج منه، وأيمُ اللّه لو تركت ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فاءعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنّي واللّه أتخوّف أن تبتلى بمن لاينظرك فُواق ناقة). «1»


(1) شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، 18: 327.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:231

ولايخفى أنّ معاوية في هذه الرسالة مع إظهاره المسامحة والتجاوز كان قد هدّد الامام (ع) بمن ياءتي بعده، يعني يزيد.

كما كتب إليه نتيجة التقارير الكثيرة التي كانت تبعث بها عيونه إليه عن حركة الامّة وحركة الامام (ع):

(أمّا بعد: فقد انتهت إليَّ أمور أرغب بك عنها، فإن كانت حقّا لم أقارّك عليها، ولعمري) إنّ من أعطى اللّه صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء. (وإن كانت باطلا، فاءنت أسعد الناس بذلك، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد اللّه تفي، فلاتحملني على قطيعتك والاساءة بك، فإ نّي متى أنكرك تنكرني، وإنّك) متى تكدني أكدك. وقد اءُنبئتُ اءنّ قوماً من اءهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، (فإ تّق شقّ عصا هذه الامّة، وأن يرجعوا على يدك إلى الفتنة). وأهل العراق من قد جرّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، (وقد جرّبت الناس وبلوتهم، وأبوك كان أفضل منك، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولاأظنّه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه). فاتّق اللّه، واذكر الميثاق، (وانظر لنفسك ودينك، ولايستخفّنّك الذين لايوقنون). «1»

فكتب إليه الامام (ع) جوابا على رسالته هذه كان بمثابة الصاعقة التي نزلت على رأس معاوية الذي ارتبك وتاءثّر بشدّة من حدّتها إلى درجة أن كان يشكو إلى مقرّبيه من قوّة جواب الامام (ع)، وقد أوردت كتب التاءريخ والتراث ه ذا الجواب كاملا، وسنورده في محلّه من هذا الكتاب.


(1) الحسين ع سماته وسيرته: 115 116؛ وقال صاحب الكتاب: ... لفّقنا الكتاب ممّا أورده ابن عساكر خارج الاقواس وما ذكره البلاذري داخلها وأنا أعتقد أنّ الكتاب نسخة واحدة وإنّما الاختصار عن الرواة.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:232

لماذا لم يثر الامام الحسين (ع) على معاوية!؟

كان رأي أهل بيت العصمة (ع) هو رفض أن يكون معاوية حاكما ولو لمدّة سواد ليلة واحدة رفضا تامّا، ولم يساوم اميرالموءمنين عليّ (ع) على هذا المبدأ قيد أنملة، ورفض كلّ نصيحة تدعو إلى المداهنة في ذلك، وخاض حرب صفّين الطاحنة لتحقيق هذا الرفض، ثمّ لم يتزعزع عن هذا الرأي حتّى قتل (ع).

وواصل الامام الحسن (ع) الاصرار على هذا الرأي، ولم ياءل جهدا في الاعداد لتحقيق ذلك، لكنّ نكد الدهر وانقلاب الامور اضطرّه في الختام إلى القبول باءَمَرِّ اختيار، وحسبك من أمرين أحلاهما مُرّ!، فسلّم الامر إلى معاوية مؤ جّلا الحرب ضدّه إلى يوم آخر قد ياءتي به مستقبل الايّام (فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإ نّ اللّه كلّ يوم هو في شاءنٍ) «1»، وانطوى على ذلك حتّى مضى شهيدا (ع).

فمسوّغات الثورة على معاوية ودواعيها كانت قائمة وموجودة منذ أوّل يومٍ من أيّام ولايته على الشام، لكنّ دواعي الثورة عليه ودوافعها تكاثرت وتعاظمت بعد شهادة الامام الحسن (ع)، وكان الامام الحسين (ع) يعلم ذلك ويشخّص أبعاده، ويصرّح به لثقاته، بل وقد صرّح به لمعاوية نفسه في الكتب والمحاورات التي كانت بينهما، ومن هذه التصريحات على سبيل المثال:

(وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرُج، ولقد فضّلتَ حتّى أفرطتَ، واستاءثرتَ حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجُرتَ حتّى جاوزتَ، وما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الاوفر، ونصيبه الاكمل ...). «2»


(1)

الاخبار الطوال: 220.

(2) الامامة والسياسة، 1: 187.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:233

وممّا خاطبه به في رسالةٍ أخرى:

(... وقلتَ فيما قلتَ: لاتردَّ هذه الامّة في فتنة، وإنّي لاأعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، وقلتَ فيما قلتَ: انظر لنفسك ولدينك ولا مّة محمّد، وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإ نّه قربة إلى ربّي وإن لم أفعله فاءستغفراللّه لديني وأساءله التوفيق لما يحبّ ويرضى ...). «1»

وهنا يفرض هذا السؤ ال نفسه على مجرى البحث وهو: لماذا لم يثر ولم يقم الامام الحسين (ع) على معاوية أيّام إمامته مع توافر جميع الدواعي والدوافع للقيام بالثورة!؟

وفي الاجابة عن هذا السؤ ال لابدّ في البدء من تحديد الهدف المنشود من الثورة، فما هو هدف الامام الحسين (ع) من الثورة على معاوية؟

لاشك أنّ هدفه (ع) هوذات الهدف الذي أعلن عنه في قيامه ضدّ يزيد بن معاوية، وهو طلب الاصلاح في أمّة جدّه (ص) بالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يتضمّن ذلك من إزالة الحكومة الفاسدة وإقامة الحكومة الحقّة، من خلال قيام الامّة مع الامام (ع) لتحقيق نصر حاسم يتوفّر في ظلِّه هذا الهدف.

اوتعريض الامّة لصدمة مروّعة في الوجدان وصعقة كبرى في الضمير من خلال ملحمة بطوليّة وفاجعة ماءساوية تنتهي بمقتله (ع) ومقتل أنصاره من أهل بيته وصحبه الابرار الذين هم صفوة أخيار هذه الامّة، في إطار عمل


(1) نفس المصدر، 1: 182.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:234

إعلامي وتبليغي كبير ناجح يتكشّف نتيجة له كلّ الزيف الذي تستّر به معاوية، وتتراجع كلّ خطط وآثار حركة النفاق الحاكمة منذ يوم السقيفة إلى نقطة الصفر، ويعود الاسلام المحمّدي الخالص خالصا من كلّ شائبة، وتتحرّر الامّة روحيّا ونفسيّا من كلّ آثار التضليل والافساد الذي تعرّضت له بعد غياب النبيّ الاكرم محمّد (ص) وتتمزّق الغشاوة عن بصيرتها فتعرف الحقّ وأهله وتنهج على هدي نوره.

فهل كان بإ مكان الامام الحسين (ع) أن يحقّق أحد هذين الاختيارين في زمن معاوية؟

أمّا الاختيار الاوّل، وهو طريق الانتصار العسكريّ الحاسم على معاوية، فكان لابدّ فيه من تعبئة شطر من الامّة كافٍ على الاقلّ لتحمّل تبعات ومقتضيات حرب طاحنة حتّى النصر، فهل كانت الامّة آنئذٍ تنطوي على مثل هذا الاستعداد الكبير نفسيّا وعمليّا!؟

لنقرأ هذا المقطع الذي يصوّر فيه صاحب كتاب (ثورة الحسين ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الانسانيّة) حال الامّة آنئذٍ، يقول: (لقد كانت حروب الجمل وصفّين والنهروان، والحروب الخاطفة التي نشبت بين القطع السوريّة وبين مراكز الحدود في العراق والحجاز واليمن بعد التحكيم قد ولّدت عند أصحاب الامام (ع) حنينا إلى السلم والموادعة، فقد مرّت عليهم خمس سنين وهم لايضعون سلاحهم من حرب إلّا ليشهروه في حرب أخرى، وكانوا لايحاربون جماعات غريبة عنهم، وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالا مس، ومن عرفهم وعرفوه ... وما نشك في أنّ هذا الشعور الذي بدأ يظهر بوضوح في آخر عهد عليّ (ع) إثر إحساسهم بالهزيمة أمام مراوغة خصمهم في يوم التحكيم أفاد خصوم الامام من زعماء القبائل ومن إليهم ممّن إكتشفوا أنّ سياسته لايمكن أن تلبّي مطامحهم التي تؤ ججها سياسة معاوية في المال والولايات، فحاولوا إذكاء هذا الشعور والتاءكيد عليه، وقد ساعد على تاءثير هؤ لاء الزعماء ونفوذهم في أوساط المجتمع الروح القبليّة التي استفحلت

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:235

في عهد عثمان بعد أن أطلقت من عقالها بعد وفاة النبيّ (ص)، فإ نّ الانسان ذا الروح القبليّة عالمه قبيلته، فهو ينفعل بانفعالاتها، ويطمح إلى ما تطمح إليه، ويعادي من تعادي، وينظر إلى الامور من الزاوية التي تنظر منها القبيلة، وذلك لا نّه يخضع للقيم التي تخضع لها. وتتركّز مشاعر القبيلة كلّها في رئيسها، فالرئيس في المجتمع القبلي هوالمهيمن والموجّه للقبيلة كلّها ... وقد عبّر الناس عن رغبتهم في الدعة وكراهيتهم للقتال بتثاقلهم عن الخروج لحرب الفرق السوريّة التي كانت تغير على الحجاز واليمن وحدود العراق، وتثاقلهم عن الاستجابة للا مام (ع) حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفّين.

فلمّا استشهد الامام عليّ (ع) وبويع الحسن (ع) بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدّها، وبخاصّة حين دعاهم الحسن (ع) للتجهز لحرب الشام، حيث كانت الاستجابة بطيئة جدّا. وبالرغم من أنّ الامام الحسن (ع) قد استطاع بعد ذلك أن يجهّز لحرب معاوية جيشا ضخما إلّا أنّه كان جيشا كتبت عليه الهزيمة قبل أن يلاقي العدوّ بسبب التيارات المتعدّدة التي كانت تتجاذبه، فقد: (خفّ معه أخلاط من الناس: بعضهم شيعة له ولا بيه، وبعضهم محكّمة أي خوارج يؤ ثرون قتال معاوية بكلّ حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وأصحاب عصبيّة اتبعوا رؤ ساء قبائلهم). وقد كان رؤ ساء القبائل هؤ لاء قد باعوا أنفسهم من معاوية الذي كتب إلى كثير منهم يغريهم بالتخلّي عن الحسن (ع) والالتحاق به، وأكثر أصحاب الحسن (ع) لم يستطيعوا مقاومة هذا الاغرأ، فكاتبوا معاوية واعدين باءن يسلّموا الحسن (ع) حيّا أو ميّتا. وحين خطبهم الامام الحسن (ع) ليختبر مدى إخلاصهم وثباتهم هتفوا به من كلّ جانب: البقية، البقية، بينما هاجمته طائفة منهم تريد قتله، هذا في الوقت الذي أخذ الزعماء يتسلّلون تحت جنح الليل إلى معاوية بعشائرهم!

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:236

ولمّا رأى الامام الحسن (ع) أمام هذا الوقع السّي ء أنّ الظروف النفسيّة والاجتماعيّة في مجتمع العراق جعلت هذا المجتمع عاجزا عن النهوض بتبعات القتال وانتزاع النصر، ورأى أنّ الحرب ستكلّفه استئصال المخلصين من أتباعه بينما يتمتّع معاوية بنصر حاسم، حينئذٍ جنح إلى الصلح بشروط منها ألّايعهد معاوية لا حد من بعده، وأن يكون الامر للحسن (ع)، وأن يُترك الناس ويؤ منوا ... ولقد كان هذا هوالطريق الوحيد الذي يستطيع الحسن (ع) أن يسلكه باعتباره صاحب رسالة قد اكتنفته هذه الظروف الموئسة ...). «1»

تُرى هل بقيت الامّة في العراق خاصّة على هذه الحال بعد ذلك، أم أنّها قد تغيّرت نحو الاحسن إلى درجة أن صار بالا مكان أن يعتمد عليها الامام الحسن (ع) في حياته أو الامام الحسين (ع) بعده في تعبئة عامّة لحرب طاحنة حتّى النصر الحاسم على معاوية!؟

صحيح أنّ الناس الذين كرهوا الحرب لطول معاناتهم منها، ورغبة منهم في الدنيا والسلامة والدعة، وطاعة لرغبات زعماء قبائلهم، كانوا قد اكتشفوا بعد مدّة مدى الخطاء الذي وقعوا فيه بضعفهم عن القيام بتبعات القتال وخذلان الامام (ع)، بعد ما عرفوا طبيعة حكم معاوية وذاقوا طعم واقعيّته، وما يقوم به من اضطهاد وإرهاب، وتجويع وحرمان، ومطاردة مستمرّة، وخنق للحرّيات واستهزأ بالشريعة واستخفاف بالقيم، وإنقاص من أعطياتهم ليُزاد في أعطيات أهل الشام، وحمل معاوية إيّاهم على محاربة الخوارج، الامر الذي لم يُتح لهم أن ينعموا بالسلم الذي كانوا يحنّون إليه والدعة التي يتمنّونها ... فندموا على ما فرّطوا في جنب أهل البيت (ع)، (وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيّام عليّ فيحزنون عليها، ويندمون على ما كان من تفريطهم في جنب خليفتهم ويندمون كذلك على ما كان من الصلح بينهم


(1) ثورة الحسين ع ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الانسانيّة: 138 143.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:237

وبين أهل الشام، وجعلوا كلّما لقي بعضهم بعضا تلاوموا فيما كان، وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون، ولم تكد تمضي أعوام قليلة حتّى جعلت وفودهم تفدُ إلى المدينة للقاء الحسن (ع)، والقول له والاستماع منه ...). «1»

وصحيح أنّ كثيرا من الناس، وعامّة أهل العراق بنوع خاصّ، صاروا يرون بغض د بني أميّة وحبّ أهل البيت (ع) دينا لهم، نتيجة ظلم معاوية وجوره وبُعده عن الاسلام، لكنّ هذه العاطفة لم تستطع أن تخترق حاجز الازدواجيّة في الشخصيّة عند أكثر هؤ لاء، بل ظلّت تعشعش في إطارها في باطن الشخصيّة الرافض لا ل أميّة ولحكمهم خلافا لظاهر الشخصيّة المطيع لكل أوامرهم، فهم في إزدواج الشخصيّة كما وصفهم اميرالموءمنين عليّ (ع) في ظلّ ظلم بني أميّة حيث قال:

(واللّه لايزالون حتّى لايدعوا للّه محرّما إلّا استحلّوه، ولا عقدا إلّا حلّوه ...

وحتّى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه، وحتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه ...). «2»

فالوصف العام للا مّة آنئذٍ هو أنّ جُلَّها خاضع لا رادة الحكم الامويّ طائع لا مره، سوأ الذين عُمِّي على بصيرتهم تحت تاءثير التضليل الامويّ، فتوهّموا أنّ الاسلام متمثّل بحكم معاوية، أو ضعاف النفوس الذين قادهم حبّ الدنيا


(1) الفتنة الكبرى، 2: 188.

(2) نهج البلاغة: 143 144، حديث 98.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:238

فباعوا دينهم بدنيا غيرهم، أو الذين عرفوا الحقّ وأهله فاءحبّوهم في الباطن وتنكّروا لهم في الظاهر خوفا من الارهاب الامويّ، وفي القليل المتبقّي كثير ممّن يمنعه الشلل النفسي عن نصرة الحقّ والالتحاق بركبه مع معرفته باءهل الحقّ (ع)!

هذا الوصف العام ظلّ منطبقا على هذه الامّة حتّى بعد موت معاوية!! إذن فالا مّة لم تتاءهّل لكي يعتمد عليها الامام الحسين (ع) في التخطيط لحرب طاحنة تقصر أو تطول حتّى النصر الحاسم على معاوية، وشواهد هذه الحقيقة في الوصف العام للا مّة كثيرة جدّا مرّ بنا بعضها في المدخل.

بقي الاختيار الثاني المتاح أمام الامام الحسين (ع) في الثورة على معاوية، وهو تعريض الامّة لصدمة مروّعة في وجدانها وصعقة كبرى يهتزّ لها ضميرها، من خلال ملحمة بطوليّة ماءساويّة تنتهي بمصرعه ومصرع أنصاره، مقرونة بعمل إعلامي وتبليغي كبير ينجح في كشف الزيف الامويّ، وينهي الاثار العمليّة الناشئة عنه.

وهذا الاختيار الذي كُتب له النجاح التام أيّام حكم يزيد، كان محكوما عليه بالفشل التام في حياة معاوية، وسرّ ذلك يكمن في شخصيّة معاوية، وأسلوبه الخاص في معالجة الامور، فإ نّ معاوية لم يكن من الجهل بالسياسة بالمثابة التي يُتيح فيها للحسين (ع) أن يقوم بثورة مدوية، بل الراحج أنّه كان من الحصافة بحيث يُدرك أن جهر الحسين (ع) بالثورة عليه وتحريضه الناس على ذلك كفيل بزجّه في حروب تعكّر عليه بهاء النصر الذي حازه بعد صلح الحسن (ع)، إن لم يكن كافيا لتفويت ثمرة هذا النصر عليه، لا نّه عارف ولا ريب بما للحسين (ع) من منزلة في قلوب المسلمين.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:239

وأقرب الظنون في الاسلوب الذي يتبعه معاوية في القضاء على ثورة الحسين (ع) لوثار في عهده هو أنّه كان يتخلّص منه بالسمّ قبل أن يتمكّن الحسين (ع) من الثورة، وقبل أن يكون لها ذلك الدويّ الذي يموّج الحياة الاسلاميّة التي يرغب معاوية في بقائها هادئة ساكنة.

والذي يجعل هذا الظنّ قريبا ما نعرفه من أسلوب معاوية في القضاء على من يخشى منافستهم له في السلطان، أوتعكير صفو السلطان عليه، فإ نّ الطريقة المثاليّة عنده في التخلّص منهم هي القضاء عليهم باءقلّ ما يمكن من الضجيج. ولقد مارس معاوية هذا الاسلوب في القضاء على الحسن بن عليّ (ع)، وسعد بن أبي وقّاص، ومارسه في القضاء على الاشتر لمّا توجّه إلى مصر، ومارسه في القضاء على عبدالرحمن بن خالد بن الوليد لمّا رأى افتتان أهل الشام به. وقد أوجز هو أسلوبه هذا في كلمته الماءثورة (إنّ للّه جنودا من العسل).

والذي يرتفع بهذا الظنّ إلى مرتبة الاطمئنان ما نعلمه من أنّ معاوية كان قد وضع الارصاد والعيون على الحسين (ع) وعلى غيره ممّن يخشاهم على سلطانه، وأنّهم كانوا يكتبون إليه بما يفعل هؤ لاء، ولايغفلون عن إعلامه باءيسر الامور وأبعدها عن إثارة الشك والريبة)، «1» كمثل ما كتبوا إليه في أمر جارية كان الحسين (ع) قد أعتقها ثمّ تزوّجها. «2»

(فلو تحفّز الحسين (ع) للثّورة في عهد معاوية، ثمّ قضي عليه بهذه الميتة التي يفضّلها معاوية لا عدائه، فماذا كانت تكون جدوى فعله هذا الذي لم يخرج عن حدود الفكرة إلى أن يكون واقعا يحياه الناس بدمائهم


(1) ثورة الحسين ع ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الانسانيّة: 153 155.

(2) زهر الاداب، 1: 101.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:240

وأعصابهم، وما كان يعود على المجتمع الاسلامي من موته وقد قضى كما يقضي سائر الناس بهدوء وبلا ضجيج؟ إنّه لن يكون حينذاك سوى علويّ مات حتف أنفه، يثير موته الاسى في قلوب أهله ومحبّيه وشيعة أبيه إلى حين ثمّ يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات). «1»

وقد صرّح معاوية للا مام (ع) بهذا التهديد بقوله: (... فإ نّك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق شقّ عصا هذه الامّة ...). «2»

ولو قُدّر للا مام (ع) أن يخترق حصار جواسيس وعيون معاوية، ويقوم بالثورة عمليّا، فيخرج مع صفوة أنصاره في جيش قليل العدّة والعدد، ويتّجه إلى العراق مثلا، فهل كان سينجح في صنع ملحمة بطوليّة ماءساويّة يهتزّلها ضمير الامّة كما صنع ذلك بالفعل أيّام يزيد؟

وهل كان العمل الاعلاميّ والتبليغي المطلوب في مثل هكذا نهضة أن ينجح في عهد معاوية كما نجح بالفعل في زمن يزيد؟

لا شك أنّ معاوية في مثل هذا الفرض سيواجه ماءزقا عمليّا صعبا، لكنّ معاوية من الدهاء والخبرة في معالجة الم‌آزق بما يمكّنه من استيعاب هذا الماءزق المحرج، والمتوقّع أنّه سيحاصر جيش الامام الصغير، وسيحرص على سلامة الامام (ع) وسلامة بني هاشم خاصّة، ويعفو عنهم بطريقة فنيّة مقرونة بعملٍ إعلاميّ كبير، تكون نتيجته سقوط الامام (ع) في عين الامّة وتجريده من قداسته الدينيّة، وقد يحجزه ومن معه بعد ذلك في الشام في إقامةٍ جبريّة لاتنتهي إلّا بموته الذي قد يكون بالسمّ أيضا ... ويخرج معاوية من هذا الماءزق في النهاية بمظهر من عفا بعد المقدرة، وقابل الاساءة بالا


(1) ثورة الحسين ع ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الانسانيّة: 153 155.

(2) إختيار معرفة الرجال، 1: 252، حديث 99.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:241

حسان، والقطيعة بالصلة، فيكسب قلوب الناس د ويزدادون حبّا له ويزداد هو شاءنا وعظمةً، وعندها لايتحقّق للا مام الحسين (ع) ما كان يؤ مِّله في هذا التحرّك من أثرٍ إيجابيٍّ فضلا عن ما سيلحقه من آثار سلبيّة بسبب دهاء معاوية.

ولقد صرّح معاوية للا مام (ع) بهذا النهج حين كتب إليه على أثر قضيّة الاموال المحمولة إليه التي أخذها الامام (ع) قائلا: (ولكنّني قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فاءعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك، ولكنّني واللّه أتخوّف أن تبلى بمن لاينظرك فواق ناقة). «1»

ولايبعد أنّ معاوية يتمنّى لو يوفّق لمثل موقف العفو هذا، فيطلق أسارى بني هاشم في منّة يقابل بها منّة الرسول (ص) على الطلقاء في مكّة، فيكونون سوأ في حلبة المفاخرة، وهذا ما كان يحذره الامام الحسن (ع) كما مرّ بنا، ولاشك أنّ هذا الامر لم يكن ليغيب عن بال الامام الحسين (ع) أيضا.

وعلى فرض أنّ معاوية لوثار عليه الامام (ع) قد يضطرّ إلى قتل الامام (ع) ومن معه من أنصاره، فإ نّ في مسحة الدين التي كان معاوية يحرص على إسباغها على سلوكه وسائر تصرّفاته أمام العامّة وفي صفة الشرعيّة التي أفلح في أن يسبغها على منصبه لدى جانب كبير من الرأي العام الاسلامي ما يمكّنه من إطفاء وهج مصارع هؤ لاء الثوّار، وإثارة الناس عليهم لا لهم، ذلك (لا نّ الجواب الذي كان سيقدّمه معاوية وأعوانه للناس حين يتساءلون عمّا حمل الحسين (ع) على الثورة، أو يجيب به الناس أنفسهم، هو أنّ الحسين طالب ملك! ولو قُتل الحسين في سبيل ما توهّمه الناس هدفا من ثورته لما أثار قتله استنكارا، ولما عاد قتله بشي على مبادئه ودوافعه الحقيقيّة للثورة، بل ربّما


(1) شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، 18: 327.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:242

عدّه فريق من الناس مستحقّا للقتل! ولن يُجدي الحسين (ع) وأنصاره أن يُعلنوا للناس أنّ ثورتهم لحماية الدين من تحريف وتزييف معاوية وإنقاذ الامّة من ظلمه، فلن يصدّقهم الناس لا نّهم لايرون على الدين من باءس، ولم يُحدِث معاوية في الدين حدثا ولم يجاهر بمنكر، بل سيرى الناس أنّ مقالتهم هذه ستار يخفي مقاصدهم الحقيقيّة). «1»

وعلى كلّ الفروض، فإ نّ معاوية كان سيستثمر في سبيل تشويه ثورة الحسين (ع) لو ثار في عهده قضيّة الميثاق الذي كان نتيجة صلح الحسن (ع) مع معاوية، فلقد عرف عامّة الناس أنّ الحسن والحسين (ع) قد سلّما الامر إلى معاوية وعاهداه على السكوت عنه، فلوثار الامام (ع) لا مكن معاوية أن يصوّره بصورة الخائن الناقض لبيعته وميثاقه الذي أعطاه!

ولايضرّ معاوية هنا أنّه كان قد نقض العهد قبل ذ لك ولم يف بشرط من شروطه، ولم يعرف له حرمة ولم يحمل نفسه مؤ ونة الوفاء به ...

كما لايغيّر في النتيجة شيئا هنا أيضا سوأ أكان الحسن والحسين (ع) بايعا أو لم يبايعا معاوية بل سلّما له الامر تسليما مشروطاً. «2»

ذلك لا نّ وسائل معاوية الاعلاميّة المهيمنة على أذهان عامّة الناس هي الغالبة والمؤ ثّرة في ميدان التبليغ والدعاية، وباستطاعتها التضليل تماما على الرأي العام فيما تطرحه من إدانة دينيّة لقيام الامام (ع). ثمّ إنّ نفس المجتمع الذي لم يكن أهلا للقيام بالثورة، والذي كان يؤ ثر السلامة والعافية، كان يرى أنّ الامام (ع) قد بايع وعاهد، سوأ كما هوالواقع أو كما أشاع الاعلام الامويّ


(1) ثورة الحسين ع ظروفها الاجتماعية وآثارها الانسانية: 158.

(2) كما ذهب إلى ذلك الشيخ راضي آل ياسين في كتابه القيّم صلح الحسن ع.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:243

فيه، فهو يرى أنّ على الامام (ع) أن يفي بالعهد وألّا ينقض البيعة.

إذن فشخصيّة معاوية بما انطوت عليه من دهاء وحيلة ومكر وغدر وطول ممارسة وتجربة في العمل السياسي الاجتماعي كانت العامل الاهمّ إن لم تكن العامل الوحيد الذي اضطرّ الامام (ع) إلى عدم القيام ضدّه.

ومن هنا نفهم سرّ حصر السبب بوجود معاوية في الاجوبة التي أفاد بها الامام (ع) ردّا على مطالب بعض شيعته بالنهضة والقيام، كمثل: (ليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس بيته مادام معاوية حيّا ... فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ...) «1» أو (... فالصقوا بالا رض، واخفوا الشخص، واكتموا الهوى ... مادام ابن هند حيّا) «2» أو (... مادام هذا الانسان «3» حيّا).


(1)

الامامة والسياسة، 1: 167.

(2) أنساب الاشراف، 3: 151، حديث 382. 13

(3)- الاخبار الطوال 221.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:245

الفصل الثانى: المعالم العامة لنهج الامام الحسين (ع) في عهد معاويه‌

اشارة

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:247 الفصل الثانى: المعالم العامة لنهج الامام الحسين (ع) في عهد معاويه ضمن إطار موقفه العامّ في رعاية حالة الهدنة مع معاوية وعدم القيام ضدّه في الظروف الراهنة آنذاك، كان الامام الحسين (ع) يقوم بمهامّه في حياة الامّة الاسلاميّة كإ مامٍ لها من قبل اللّه تبارك وتعالى. ومن مهامّه ما كان في إطار الدور العامّ المشترك لجميع أئمّة أهل البيت (ع)، ومنها ما كان في إطار دوره الخاصّ الذي حدّدته طبيعة الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي كانت تحيط به وبالا سلام وبالا مّة الاسلاميّة. ويمكننا أن نتصوّر المعالم العامّة لنهجه صلوات اللّه عليه في عهد معاوية كما يلي:

الدعوة إلى الحقّ والدفاع عنه:

اشارة

في خضم تيّار التضليل الامويّ الديني والسياسي المهيمن على الرأي العامّ الاسلامي كان الامام الحسين (ع) يصارع هذا التيار ويحاول اختراقه في تبيين الحقّ والدعوة إليه والدفاع عنه، وكشف الضلال وزيفه عن ذهنيّة الامّة بإ يضاح الحجّة والدلالة على المحجّة البيضاء، وبالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الامّة وتربيتها من خلال حلقات الوعظ والارشاد التي كان يقوم بها في المدينة ومكّة، وكان الناس في حلقة الامام الحسين (ع) كاءنّ على رؤ وسهم الطير كما وصف ذلك معاوية نفسه، وذلك لسموّ مكانته، وعناية

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:248

الناس الفائقة بحديثه، ولقوّة انشدادهم إليه، ولا نّ حديثه الحقّ الفصل الذي (ليس فيه من الهُزيلى شي) على حدّ تعبير معاوية. ويمكننا أن نلحظ هذا الخطّ في الدعوة إلى الحقّ والدفاع عنه في المجالات التالية:

التعريف بمكانة أهل البيت (ع) وفضلهم ومعرفتهم:

وننتقي في هذا المجال النماذج التالية:

قيل لمعاوية: إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين (ع)، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإ نّ فيه حصرا أوفي لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظننّا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس د وفضحنا. فلم يزالوا به حتّى قال للحسين (ع): يا أباعبداللّه، لو صعدت المنبر فخطبت. فصعد الحسين (ع) المنبر، فحمد للّه وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ (ص)، فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين (ع):

(نحن حزب اللّه الغالبون، وعترة رسول اللّه (ص) الاقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللّه (ص) ثاني كتاب اللّه تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كلّ شي، لاياءتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوَّل علينا في تفسيره، لايُبطينا تاءويله، بل نتّبع حقائقه، فاءطيعونا فإ نّ طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة، قال اللّه عزّ وجلّ:

(أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شيٍ فردّوه إلى اللّه والرسول)، وقال: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلّا قليلا). واءُحذّركم الاصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإ نّه لكم عدوُّ مبين، فتكونوا كاءوليائه الذين قال لهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جارٌ لكم،

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:249

فلمّا ترأت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنّي بري منكم)، فتُلقَون بالسيوف ضربا، وللرّماح وردا، وللعُمُد حطما، وللسهام غرضا، ثمّ لايقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.)

قال معاوية: حسبك يا أباعبداللّه، قد بلغت. «1»

وقال الامام الحسين (ع) ذات مرّةٍ في مجلس معاوية:

(أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الناقب والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضا الرحمن وسخطه سخط الرحمن.

ثمّ ردّ وجهه للخصم فقال:

هل لك أبٌ كاءبي، أو قديم كقديمي؟ فإن قلت: لا، تُغلب، وإن قلت: نعم.

تُكذَّب.

فقال الخصم: لا، تصديقا لقولك. فقال الحسين (ع):

الحقّ أبلج، لايزيغ سبيله، والحقّ يعرفه ذوو الالباب). «2»

وعن الباقر (ع)، عن أبيه (ع) أنّه قال: (صار جماعة من الناس بعد الحسن إلى الحسين (ع)، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها؟

فقال (ع): هل تعرفون أبي؟

قالوا: كلّنا نعرفه.


(1) الاحتجاج، 2: 22 23.

(2) إحقاق الحقّ، 11: 595.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:250

فرفع له سترا كان على باب بيت، ثمّ قال: (أنظروا في البيت).

فنظروا فقالوا: هذا اميرالموءمنين، ونشهد أنّك خليفة اللّه حقّا). «1»

وفي رواية أخرى: سئل الحسين بن عليّ (ع) بعد مضيّ اميرالموءمنين فقال لا صحابه: (أتعرفون اميرالموءمنين (ع) إذا رأيتموه)؟

قالوا: نعم.

قال: (فارفعوا هذا الستر).

فرفعوه، فاذاهم به لايُنكرونه.

فقال لهم عليّ (ع): (إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبقى من بقي منّا حجّة عليكم). «2»

وساءله حبيب بن مظاهر الاسدي (ر) قائلا: أيّ شي كنتم قبل أن يخلق اللّه عزّ وجلّ آدم (ع)؟

فقال الامام الحسين (ع): (كنّا أشباح نورٍ ندور حول عرش الرحمن، فنعلّم الملائكة التسبيح والتهليل والتحميد). «3»

وعن عقيصا وهو أبوسعيد دينار قال:

سمعت الحسين (ع) يقول: (من أحبّنا نفعه اللّه بحبّنا وإن كان أسيرا في الديلم، وإنّ حبّنا ليساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق). «4»


(1) الخرائج والجرائح، 2: 811، حديث 20.

(2) إثبات الهداة، 183: 2، حديث 37، الفصل الثامن.

(3) بحار الانوار، 60: 311 عن كتاب محمّد بن بحر الشيباني المعروف بالدهني.

(4) مناقب عليّ بن أبي طالب لا بن المغازلي: 400، حديث 454.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:251

وعن اسماعيل بن عبداللّه قال:

قال الحسين بن عليّ (ع): (لمّا أنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الاية (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه) ساءلت رسول اللّه (ص) عن تاءويلها.

فقال: واللّه ما عنى غيركم، وأنتم أولوا الارحام، فإ ذا متّ فاءبوك عليُّ أولى بي وبمكاني، فإ ذا مضى أبوك فاءخوك الحسن أولى به، فإ ذا مضى الحسن فاءنت أولى به.

قلت، يا رسول اللّه، فمن بعدي أولى بي؟

قال: إبنك عليّ أولى بك من بعدك، فإ ذا مضى فابنه محمّد أولى به من بعده، فإ ذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به وبمكانه من بعده، فإ ذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإ ذا مضى موسى فابنه عليّ أولى به من بعده، فإ ذا مضى عليّ فابنه محمّد أولى به من بعده، فإ ذا مضى محمّد فابنه عليّ أولى به من بعده، فإ ذا مضى عليّ فابنه الحسن أولى به من بعده، فإ ذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الائمّة تسعة من صلبك، أعطاهم علمي وفهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤ ذونني فيهم، لاأنالهم اللّه شفاعتي). «1»

وعن النضر بن مالك قال: قلت للحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع): يا أباعبداللّه، حدّثني عن قول اللّه عزّ وجلّ (هذان خصمان اختصموا في ربّهم).

قال: (نحن وبنوأميّة اختصمنا في اللّه عزّ وجلّ، قلنا: صدق اللّه. وقالوا: كذب اللّه. فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة) «2»

وعن أبي جعفر (ع) قال:


(1) كفاية الاثر: 175 176.

(2) الخصال، 1: 42 43 باب الاثنين، حديث 35.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:252

قال الحارث بن عبداللّه الاعور للحسين بن علي (ع): يا ابن رسول اللّه، جعلت فداك، أخبرني عن قول اللّه في كتابه: (والشمس وضحيها). قال: (ويحك يا حارث، ذلك محمّد رسول اللّه (ص).

قال: قلت: جعلت فداك، وقوله: (والقمر إذا تليها).

قال: (ذاك اميرالموءمنين عليّ أبي طالب (ع)، يتلو محمّدا (ص).

قال: قلت: (والنهار إذا جلّيها).

قال: (ذلك القائم (ع) من آل محمّد (ص)، يملا الارض عدلا وقسطا «1» (والليل إذا يغشيها) بنوأميّة). «2»

وقيل مرّ المنذر بن الجاورد بالحسين (ع) فقال: كيف أصبحت جعلني اللّه فداك يا ابن رسول اللّه؟

فقال (ع): (أصبحنا وأصبحت العرب تعتدُّ على العجم باءنّ محمّدا (ص) منها، وأصبحت العجم مقرّة لها بذلك، أصبحنا وأصبحت قريش يعرفون فضلنا ولايرون ذلك لنا، ومن البلاء على هذه الامّة أنّا إذا دعوناهم لم يُجيبونا، وإذا تركناهم لم يهتدوا بغيرنا). «3»

وفي رواية أخرى أنّه اجتاز به وقد اءُغضب، فقال (ع): (ماندري ما تنقم الناس منّا، إنّا لبيت الرحمة، وشجرة النبوّة، ومعدن العلم). «4»

وكان في خُلُقه العظيم دعوة مفتوحة للا قبال على الحقّ وتعريف رائع


(1) تفسير فرات الكوفي: 563، حديث 721.

(2) بحار الانوار، 24: 79، حديث 20.

(3) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 85، حديث 20.

(4) نفس المصدر: 85، حديث 21.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:253

باءهل الحقّ (ع).

فقد روي عن عصام بن المصطلق أنّه قال: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن عليّ (ع)، فاءعجبني سمته ورواؤ ه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لا بيه من البغض.

فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟

فقال (ع): (نعم).

فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطفٍ رؤ وفٍ.

ثمّ قال: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه إنّه سميع عليم، إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا فإ ذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ ثمّ لايقصرون).

ثمّ قال (ع) لي: (خفّض عليك، أستغفر اللّه لي ولك، إنّك لو استعنتنا لا عنّاك ولو استرفدتنا لرفدناك، ولواسترشدتنا لا رشدناك).

قال عصام فتوسّم منّي الندم على ما فرط منّي.

فقال (ع): (لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين. من أهل الشام أنت؟)

قلت: نعم.

فقال (ع): (شِنشِنةٌ أعرفها من أخزم. «1» حيّانا اللّه وإيّاك، انبسط إلينا في


(1) شنشنة أعرفها من أخزم: جزء من بيت شعر: ذهبت مثلا في القضيّةالمعروف أصل سببها.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:254

حوائجك وما يعرض لك، تجدني عند أفضل ظنّك إن شاء اللّه تعالى).

قال عصام: فضاقت عليَّ الارض بما رحبت، ووددت لو ساخت بي، ثمّ سللت منه لواذا وما على الارض أحبّ اليَّ منه ومن أبيه. «1»

وعن عبداللّه بن عمر قال:

سمعت الحسين بن عليّ (ع) يقول: (لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملا ها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، كذلك سمعت رسول اللّه (ص) يقول). «2»

وعن عبدالرحمن بن سليط قال:

قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع): (منّا إثنا عشر مهديّا، أوّلهم اميرالموءمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيي اللّه به الارض بعد موتها، ويُظهر به دين الحقّ على الدين كلّه ولوكره المشركون، له غيبة يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤ ذَون ويقال لهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)؟، أما إنّ الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه (ص). «3»

ومرّ الحسين (ع) على حلقةٍ من بني أميّة وهم جلوس في مسجد الرسول (ص).

فقال (ع): (أما واللّه لاتذهب الدنيا حتّى يبعث اللّه منّي رجلا يقتل منكم


(1) نفثة المصدور: 614 615.

(2) كمال الدين، 1: 317 318، باب 30، حديث 4.

(3) كمال الدين، 1: 317، باب 30، حديث 3.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:255

ألفا، ومع الالف ألفا ومع الالف ألفا).

فقال له عبيداللّه بن شريك: جعلت فداك، إنّ هؤ لاء أولاد كذا وكذا، لايبلغون هذا.

فقال (ع): (ويحك، في ذلك الزمان يكون الرجل من صلبه كذا وكذا رجلا، وإنّ مولى القوم من أنفسهم). «1»

وقال رجلٌ للحسين (ع): يا ابن رسول اللّه أنا من شيعتكم.

قال (ع): (إتّق اللّه، ولاتدّعين شيئا يقول اللّه تعالى لك كذبت وفجرت في دعواك. إنّ شيعتنا من سلمت قلوبهم من كلّ غشٍّ وغلٍّ ودغلٍ، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبّيكم). «2»

وعن يزيد بن رويان قال: دخل نافع بن الازرق المسجد الحرام، والحسين بن عليّ (ع) مع عبداللّه بن عبّاس جالسان في الحجر، فجلس إليهما.

ثمّ قال: يا ابن عبّاس، صف لي إلهك الذي تعبده.

فاءطرق ابن عبّاس طويلا مستبطئا بقوله.

فقال له الحسين (ع): (إليّ يا ابن الازرق المتورّط في الضلالة، المرتكن في الجهالة، أجيبك عمّا ساءلت عنه).

فقال: ما إيّاك ساءلت فتجيبني.

فقال له ابن عبّاس: مَهْ! عن ابن رسول اللّه، فإ نّه من أهل بيت النبوّة، ومعدن الحكمة.


(1) غيبة الطوسي: 190 191، حديث 153.

(2) التفسير المنسوب للا مام العسكري ع: 309، حديث 104.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:256

فقال له: صف لي.

فقال (ع): (أصفه بما وصف به نفسه، وأعرّفه بما عرّف به نفسه، لايدرك بالحواس، ولايقاس بالناس، قريب غير ملتزق، وبعيد غير مقصٍ، يُوحَّد ولايتبعّض، لا إله إلّا هو الكبير المتعال).

قال فبكى ابن الارزق بكاء شديدا!

فقال له الحسين (ع): (ما يبكيك؟)

قال: بكيت من حسن وصفك.

قال (ع): (يا ابن الازرق، إنّي اءُخبرتُ اءنّك تُكفّر اءبي واءخي وتُكفّرني).

قال له نافع: لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكّام ومعالم الاسلام، فلمّا بدّلتم استبدلنا بكم.

فقال له الحسين (ع): (يا ابن الازرق، أساءلك عن مساءلةٍ، فاءجبني عن قول اللّه لاإله إلّا هو: (وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزٌ لهما) إلى قوله (كنزهما)، مَن حُفِظَ فيهما؟).

قال: أبوهما.

قال (ع): (فاءيّهما أفضل أبوهما أم رسول اللّه (ص) وفاطمة؟).

قال: لا، بل رسول اللّه وفاطمة بنت رسول اللّه (ص).

قال (ع): (فما حفظنا حتّى حال بيننا وبين الكفر).

فنهض ابن الازرق، ثمّ نفض ثوبه، ثمّ قال: قد نبّاءنا اللّه عنكم معشر قريش

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:257

أنتم قوم خصمون). «1»

وعن أبي عبداللّه (ع) قال:

(خرج الحسين بن عليّ (ع) على أصحابه فقال: (أيّها الناس، إنّ اللّه جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه فإ ذا عرفوه عبدوه، فإ ذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه).

فقال له رجل: يا ابن رسول اللّه، باءبى أنت وأمّي، فما معرفة اللّه؟

قال: (معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته). «2»

وروى عبدالعزيز بن كثير: أنّ قوما أتوا إلى الحسين (ع).

وقالوا: حدّثنا بفضائلكم!

قال (ع): (لاتطيقون، وانحازوا عنّي لا شير إلى بعضكم، فإن أطاق ساءحدّثكم).

فتباعدوا عنه، فكان يتكلّم مع أحدهم حتّى دهش ووَلِهَ وجعل يهيم ولايجيب أحدا، وانصرفوا عنه. «3»

استثمار المناسبات الدينيّة لنشر الحقّ وكشف التضليل الامويّ‌

ومن الامثلة على ذلك ما رواه سليم بن قيس (ره)، قال:

(فلمّا مات الحسن بن عليّ (ع) لم تزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدّان، فلم يبق وليُّ للّه إلّا خائفا على دمه (وفي رواية أخرى: إلّا خائفا على دمه أنّه


(1) تفسير العيّاشي، 2: 337، حديث 64.

(2) علل الشرايع: 9، باب 9، حديث 1.

(3) مناقب آل أبي طالب، 4: 51.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:258

مقتول) وإلّاطريدا وإلّا شريدا، ولم يبق عدو للّه إلّا مظهرا حجّته غير مستترٍ ببدعته وضلالته، فلمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه وعبداللّه بن عبّاس وعبداللّه بن جعفر معه، فجمع الحسين (ع) بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم من الانصار ممّن يعرفه الحسين (ع) وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلا: لاتدعوا أحدا ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللّه (ص) المعروفين بالصلاح والنسك إلّا أجمعهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه، عامّتهم من التابعين ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبيّ (ص)، فقام فيهم خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه. ثمّ قال:

(أمّا بعد: فإ نّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي أريد أن أساءلكم عن شيٍ، فإن صدقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني، وأساءلكم بحقّ اللّه عليكم وحقّ رسول اللّه (ص) وقرابتي من نبيّكم لما سيّرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم من آمنتم من الناس (وفى رواية أخرى بعد قوله فكذّبوني: اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس) ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإ نّي أتخوّف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحقّ ويُغلَب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون).

وما ترك شيئا ممّا أنزل اللّه فيهم من القرآن إلّا تلاه وفسرّه، ولاشيئا ممّا قاله رسول اللّه (ص) في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه.

وكلّ ذلك يقول أصحابه: أللّهمّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا.

ويقول التابعي: أللّهمّ قد حدّثني به من أصدّقه وأئتمنه من الصحابة.

فقال: أنشدكم اللّه إلّا حدّثتم به من تثقون به وبدينه.

(قال سليم): فكان فيما ناشدهم الحسين (ع) وذكّرهم أن قال:

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:259

(أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول اللّه (ص) حين آخى بين أصحابه ف‌آخى بينه وبين نفسه وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والاخرة؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ رسول اللّه (ص) اشترى موضع مسجده ومنازله، فابتناه ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لا بي، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك من تكلّم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ اللّه أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه، ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول اللّه (ص) فولد لرسول اللّه (ص) وله فيه أولاد؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّةٍ قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فاءبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ اللّه أمرني أن أبنيَ مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) نصبه يوم غدير خمّ فنادى له بالولاية وقال: ليبلّغ الشاهد الغائب؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال له في غزوة تبوك:

أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤ من بعدي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:260

قال: (أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم ياءت إلّا به وبصاحبته وابنيه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أنشدكم اللّه، أتعلمون أنّه دفع إليه اللوأ يوم خيبر، ثمّ قال: لَادفعه إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله ويحبّ اللّه ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها اللّه على يديه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه بعثه ببرائة، وقال: لايبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) لم تنزل به شدّة قطّ إلّا قدّمه لها ثقة به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلّا يقول: يا أخي، وادعوا لي أخي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قضى بينه وبين جعفرٍ وزيدٍ، فقال: يا عليّ، أنت منّي وأنا منك، وأنت وليّ كلّ مؤ من بعدي؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّه كانت له من رسول اللّه (ص) كلّ يوم خلوة وكلّ ليلة دخلة، إذا ساءله أعطاه، وإذا سكت أبداه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة (س): زوّجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:261

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال: أنا سيّد ولد بني آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين إبناي سيّدا شباب أهل الجنّة؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيل يعينه عليه؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: (أتعلمون أنّ رسول اللّه (ص) قال: في آخر خطبة خطبها: إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟)

قالوا: أللّهمّ نعم.

فلم يدع شيئا أنزله اللّه في عليّ بن أبي طالب (ع) خاصّة وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان نبيّه (ص) إلّا ناشدهم فيه.

فيقول الصحابة: أللّهمّ نعم، قد سمعنا.

ويقول التابع: أللّهمّ قد حدّثنيه من أثق به، فلان وفلان.

ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: (من زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّا فقد كذب، ليس د يحبّني ويبغض عليّا. فقال له قائل: يا رسول اللّه، كيف ذلك؟

قال: لا نّه منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض د اللّه).

فقالوا: أللّهمّ نعم، قد سمعنا.

وتفرّقوا على ذلك ... «1»


(1) كتاب سليم بن قيس: 206 207.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:262

وفي هذه الرواية دلالة بليغة على شدّة وشمول الحصار الاعلاميّ والتعتيم الذي فرضه الحكم الامويّ على البيان النبويّ المتعلّق بفضائل أهل البيت (ع)، وتقادم الايّام على هذا الحصار والتعتيم المتواصل، الامر الذي اضطرّ الامام الحسين (ع) إلى عقد مثل هذا الاجتماع والمحفل الكبير ليذكّر بقيّة الصلحاء من الصحابة والاخيار من التابعين بفضائل أهل البيت (ع). وكاءنّه يذكّر باءمر يكاد يُنسى، ويُنفِّس د عن حقيقة تكاد تموت إختناقا من شدّة الحصار وطول مدّته!

هاهو (ع) يقول: (فإ نّي أتخوَّف أن يُدرس هذا الامر ويذهب الحقّ ويُغلَب ...)!

وهاهو (ع) يدعو إلى اختراق هذا الحصار فيقول لبقيّة الصحابة والتابعين:

(وأساءلكم بحقّ اللّه عليكم وحقّ رسول اللّه (ص) وقرابتي من نبيّكم لما سيّرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم من أمنتم من الناس ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا ...

أنشدكم اللّه إلّا حدّثتم به من تثقون به وبدينه).

كما أنّ في هذه الرواية دلالة بليغة على المجهود العظيم الذي كان يبذله الامام الحسين (ع) لاختراق ذلك الحصار والتعتيم، وعلى الصعوبة الكبيرة التي كان يواجهها في هذا السبيل، ذلك لا نّ أثر هذا الحصار والتعتيم بلغ أشدّه في زمانه (ع)، فلم يكن على هذه الشدّة في زمن الحسن (ع) ولا في زمن أمير المؤ منين (ع).

احتجاجه (ع) على العلماء ودعوتهم إلى نصرة الحقّ:

ومن كلام له (ع) في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يخاطب به أهل العلم من الصحابة خاصّة والتابعين عامّة، يحتجّ عليهم فيه ويدعوهم إلى نصرة الحقّ وإتّخاذ الموقف المشرّف اللّائق باءهل العلم.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:263

قال (ع): (اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار إذ يقول (لولا ينهاهم الربّانيّون والاحبار عن قولهم الاثم) وقال: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله لبئس ما كانوا يفعلون)، وإنّما عاب اللّه ذلك عليهم لا نّهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلاينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة ممّا يحذرون، واللّه يقول: (فلا تخشوا الناس واخشونِ) وقال: (المؤ منون والمؤ منات بعضهم أولياء بعض ياءمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فبدأ اللّه بالا مر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه باءنّها إذا اءُدّيت واءقيمت استقامت الفرائض كلّها، هيّنها وصعبها، وذلك أنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الاسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفي والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.

ثمّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وباللّه في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف، ويؤ ثركم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلّابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر، أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ اللّه، وإن كنتم عن أكثر حقّه تُقصّرون، فاستخففتم بحقّ الائمّة، فاءمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالا بذلتموه ولا نفسا خاطرتم بها للّذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه، أنتم تتمنّون على اللّه جنّته ومجاورة رسله وأمانا من عذابه!

لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على اللّه أن تحلّ بكم نقمة من نقماته لا نّكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فُضّلتم بها، ومن يعرف باللّه لاتُكرِمون، وأنتم باللّه في عباده تُكرَمون، وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلاتفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمّة رسول اللّه (ص) محقورة، والعميُ والبكم والزُمنَّ في المدائن مهملة، لاترحمون ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تُعينون، وبالا دهان والمصانعة عند الظلمة تاءمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم اللّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك باءنّ مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء باللّه، الامناء على حلاله وحرامه، فاءنتم

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:264

المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلّا بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الاذى وتحمّلتم المؤ ونة في ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم أمور اللّه في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحيوة التي هي مفارقتكم، فاءسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبَد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك ب‌آرائهم ويستشعرون الخزي باءهوأهم اقتدأ بالا شرار وجرأة على الجبّار، في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالا رض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خَوَل لايدفعون يد لامس، فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضَّعَفة شديد، مطاع لايعرف المبدي ء المعيد.

فيا عجبا، وما لي لاأعجب، والارض من غاش غشوم ومتصدّق ظلوم وعامل على المؤ منين بهم غير رحيم، فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

أللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافسا في سلطان ولا التماسا من فضول الحطام، ولكن لنُري المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، وياءمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك.

فإ نّكم إلّا تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا اللّه وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير). «1»


(1) تحف العقول: 171 172.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:265

إحتجاجاته (ع) على معاوية وبني أميّة

لم يمنع التزام الامام (ع) بالهدنة والمتاركة من إعلانه المتواصل عن اعتراضه على منكرات معاوية وعلى نقضه شروط الهدنة، واحتجاجه المتواصل عليه وعلى ولاته في انحرافهم عن الاسلام وظلمهم الامّة.

ومن أشمل احتجاجات الامام (ع) على معاوية ذلك الكتاب الذي بعث به إليه جوابا لكتاب دعا معاوية فيه الامام (ع) إلى رعاية الهدنة، وحذّره فيه من مغبّة الفتنة وشقّ عصا الامّة بزعمه.

وهذا نصّ جوابه (ع): (... أمّا بعدُ: فقد بلغني كتابك، تذكر أنّه قد بلغك عنّي أمور أنت لي عنها راغب، وأنا لغيرها عندك جدير، فإ نّ الحسنات لايهدي لها ولايسدّد إليها إلّا اللّه.

وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي، فإ نّه إنّما رقاه إليك الملّاقون المشّاؤ ون بالنميم، وماأريد لك حربا ولا عليك خلافا، وأيمُ اللّه إنّي لخائف للّه في ترك ذلك، وما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك ولا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك، وفي أولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولايخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلّظة والمواثيق المؤ كّدة لاتاءخذهم بحدثٍ كان بينك وبينهم، ولا بإ حنة تجدها في نفسك. «1»


(1) حجر بن عدي الكنّدي: قال عمرو بن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب: كان حجر من فضلاء الصحابة مع صغر سنّه عن كبارهم: وقال غيره: كان من الابدال: وكان صاحب راية النبيّ: ص وهو يُعَدُّ من الرؤ ساء والزهاد، ومحبّته وإخلاصه لا مير المؤ منين أشهر من أن تذكر، وكان على كندة يوم صفّين: وعلى الميسرة يوم النهروان: وكان يُعرف بحجر الخير ... قال الاعمش: أوّل من قتل في الاسلام صبرا هو حجر بن عديّ وأوّل رأس اءُهدي من بلدٍ إلى بلدٍ رأس عمرو بن الحمق الدرجات الرفيعة: 423 429. وقال له اميرالموءمنين ع: كيف لي بك إذا دُعيت إلى البرأة منّي، فما عساك أن تقول؟ فقال: واللّه يا أمير المؤ منين: لو قطّعت بالسيف إربا إربا، وأضرم لي النار وألقيت فيها، لا ثرت ذلك على البرأة منك. فقال ع: وفّقت لكلّ خيرٍ يا حجر، جزاك اللّه خيرا عن أهل بيت نبيّك. سفينة البحار، 223: 1. وفي سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عديّ الكنّدي، وهوأوّل من قتل صبرا في الاسلام، حمله زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر م

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:267

أولستَ قاتل عمرو بن الحمق 1 صاحب رسول اللّه (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود اللّه ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأة على ربّك واستخفافا بذلك العهد. «1»


(1) عمرو بن الحمق الخزاعي: صاحب رسول اللّه ص، ومن حواريّ اميرالموءمنين عليّع، وشهد معه مشاهده كلّها اختيار معرفة الرجال، 248: 1. ألقى زياد بن سميّة القبض غدرا على حجر بن عديّره وطلب أصحابه، فخرج عمروبن الحمق حتّى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شدّاد فاختفيا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، فسار إليهما، فخرجا إليه، فاءمّا عمرو فقد استسقى بطنه ولم يكن عنده امتناع، وأمّا رفاعة فكان شابّا قويّا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ماينفعني قتالك عنّي؟ أنجُ بنفسك! فحمل عليهم فاءفرجوا له فنجا، وأخذ عمرو أسيرا ... فبعثوه إلى عامل الموصل وهو عبدالرحمن بن عثمان الثقفي الذي يُعرف بابن أمّ الحكم، وهو ابن اءُخت معاوية ... فكتب فيه إلى معاوية، فكتب إليه: إنّه زعم أنّه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه، فاطعنه كما طعن عثمان، فاءُخرج وطُعن، فمات في الاولى منهنّ أو الثانية. الكامل في التاريخ، 3: 477 وبعث برأسه إلى معاوية، فكان رأسه اءّ

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:268

أولست المدّعي زياد بن سميّة 1 المولود على فراش عبد ثقيف!؟ فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللّه (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فتركت سنّة رسول اللّه تعمّدا وتبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثمّ سلّطته على العراقين، يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمّل أعينهم، ويصلّبهم على جذوع النخل، كاءنّك لست من هذه الامّة، وليسوا منك!. «1»


(1) تعتبر قضية استلحاق معاوية زياد بن عبيد الرومي كاءخ له من أبي سفيان بلا بيّنة شرعيّة مثلا من الامثلة الكثيرة على استخفاف معاوية باءحكام الشريعة الاسلاميّة، وقد احتجّ الامام ع على معاوية بها في هذا البعد، ويلاحظ هنا أنّه ع كشف عن بعد آخر من أبعاد هذا العمل المنكر وهو البعد النفسيّ الذي شكّل الغاية من هذا الاستلحاق، بقوله: ثمّ سلّطته ... ذلك لا نّ زيادا قبل الاستلحاق كان يتعصّب للموالي لا نّه يرى نفسه عبدا لثقيف، فيحنو عليهم ويدرأ عنهم مكائد الحقد القوميّ العربي، كما فعل في ردّ عمر عن خطّته في الفتك بالموالي والاعاجم التي كتب بها إلى أبي موسى الاشعري. وقد لامه معاوية بعد الاستلحاق على ذلك في كتابه السرّي إليه قائلا: فشاورك أبوموسى في ذلك فنهيته، وأمرته أن يراجع فراجعه، وذهبت أنت بالكتاب إلى عمر، وإنّما صنعتَ ما صنعتَ تعصّبا للموالي وأنت يومئذ تحسب أنّك عبد ثقيف، فلم تزل بعمر حتّى رددته عن رأيه ...، سليم بن قيس: 174 179. فلمّا استلحقه معاوية تحرّر من عقدة الموالي وانفصل نفسيّا عنهم، فانطلق يبطش بهم وجلّ الشيعة م

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:269

أولست صاحب الحضرميّين «1» الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم كانوا على دين عليٍّ صلوات اللّه عليه، فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم ومثّل بهم باءمرك. ودين عليّ (ع) واللّه الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين. «2»

وقلت فيما قلت: «3» (أنظر لنفسك ولدينك ولا مّة محمّد، واتّق شقّ عصا


(1) الحضرميّون هم: عبداللّه بن يحيى الحضرمي وجماعته، قتلهم زياد بن‌سميّة باءمر معاوية ومثّل بهم كما وصف الامام ع. وروي عن اميرالموءمنين ع أنّه قال لعبداللّه بن يحيى الحضرمي يوم الجمل: أبشر يا ابن يحيى، فاءنت وأبوك من شرطة الخميس حقّا، لقد أخبرني رسول اللّه ص باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس، واللّه سمّاكم شرطة الخميس على لسان نبيّه ع، إختيار معرفة الرجال، 24: 1، رقم 10. وشرطة الخميس: الخميس الجيش لا نّه يتكوّن في تلك الايّام من خمس فرق: المقدّمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة. شرطة الخميس هم أوّل كتيبة تشهد الحرب وتتهيّاء للموت. وشرطة الخميس في جيش اميرالموءمنين ع كانوا ستّة أو خمسة آلاف رجلٍ. وساءل رجل الاصبغ بن نباته قائلا: كيف سمّيتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ قال: إنّا ضمّنا له الذبح، وضمن لنا الفتح، يعني اميرالموءمنين ع.، إختيار معرفة الرجال، 25: 1 و 321 رقم 165.

(2) يعني بالرحلتين: رحلة الشتاء والصيف.

(3) مرّت بنا بعض فقرات هذه الرسالة في موارد سابقة من البحث، وقدأتينا بتمام هذه الرسالة هنا كنصّ إحتجاجي شامل كاشف عن أحد المعالم العامّة لنهج الامام ع في مواجهة معاوية.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:270

هذه الامّة وأن تردّهم إلى فتنة)، وإنّي لاأعلم فتنة أعظم على هذه الامّة من ولايتك عليها، ولاأعلم نظرا لنفسي ولديني ولا مّة محمّد (ص) وعلينا أفضل من أجاهدك، فإن فعلتُ فإ نّه قربة إلى اللّه، وإن تركتُه فإ نّي أستغفر اللّه لديني (لذبني)، وأساءله توفيقه لا رشاد أمري.

وقلت فيما قلت: (إنّي إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني)، فكدني ما بدا لك، فإ نّي أرجو أن لايضرّني كيدك فيّ، وأن لايكون على أحد أضرّ منه على نفسك، لا نّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤ لاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلّا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمرٍ لعلّك لو لم تقتلهم متَّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فاءبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ للّه تعالى كتابا لايغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، وليس اللّه بناسٍ لا خذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلام حدث، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب.

لاأعلمك إلّا وقد خسرت نفسك وتبّرت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيّ لا جلهم، والسلام).

فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال: لقد كان في نفسه ضبٌ ما أشعر به!

فقال يزيد: يا اميرالموءمنين، أجبه جوابا يصغّر إليه نفسه، وتذكر فيه أباه بشرّ فعله.

قال: ودخل عبداللّه بن عمرو بن العاص.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:271

فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين؟

قال: وما هو؟

قال: فاءقرأه الكتاب.

فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغّر إليه نفسه؟ وإنّما قال ذلك في هوى معاوية.

فقال يزيد: كيف رأيت يا أميرالمؤمنين رأيي؟

فضحك معاوية، فقال: أمّا يزيد فقد أشار علىّ بمثل رأيك!

فقال عبداللّه: فقد أصاب يزيد.

فقال معاوية: أخطاءتما، أرأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليٍّ محقّا، ما عسيتُ أن أقول فيه!؟ ومثلي لايحسن أن يُعيب بالباطل وما لايُعرف، ومتى ما عبت به رجلا بما لايعرفه الناس لم يُحفل بصاحبه، ولايراه الناس شيئا وكذّبوه، وما عسيتُ أن أعيب حسينا، واللّه ما أرى للعيب فيه موضعا، وقد رأيتُ أن أكتب إليه أتوعّده وأتّهدّده، ثمّ رأيت أن لاأفعل ولاأمحكه). «1»

و (لمّا قتل معاوية حجر بن عديّ وأصحابه حجّ ذلك العامّ، فلقي الحسين بن عليّ (ع). فقال: يا أباعبداللّه، هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه، وشيعة أبيك؟

فقال (ع): وما صنعت بهم!؟

قال: قتلناهم، وكفنّاهم، وصلّينا عليهم!


(1) إختيار معرفة الرجال، 1: 252 259 رقم 99؛ واعتمدنا المفردات الواضحة المعنى من نصّ بحار الانوار، 44: 212 214 رقم 9 بدلا من مفردات غامضة في نصّ الكشّي.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:272

فضحك الحسين (ع)، ثمّ قال: خصمك القوم يا معاوية، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم، ولا صلّينا عليهم، ولا قبرناهم. ولقد بلغني وقيعتك في عليٍّ، وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإ ذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ثمّ سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيبا فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلاتوترنّ غير قوسك، ولاترمّينّ غير غرضك، ولاترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإ نّك واللّه لقد أطعت فينا رجلا ما قدُم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أودع يعني (عمروبن عاص). «1»

وروي أنّ الامام الحسين (ع) كتب إلى معاوية كتابا يقرّعه فيه ويبكّته باءمور صنعها، كان فيه: (ثمّ ولّيت ابنك وهو غلام يشرب الشراب، ويلهو بالكلاب، فخُنت أمانتك وأخربت رعيّتك، ولم تؤ دّ نصيحة ربّك، فكيف تولّي على أمّة محمّد من يشرب المسكر!؟ وشارب المسكر من الفاسقين، وشارب المسكر من الاشرار، وليس شارب المسكر باءمين على درهم فكيف على الامّة!؟ فعن قليل ترد على عملك حين تُطوى صحائف الاستغفار). «2»

وكان معاوية يحيط علما بالكثير من حالات وأوضاع الامام الحسين (ع) لكثرة جواسيسه وعيونه الذين يرصدون الصغيرة والكبيرة من حياة الامام (ع) الخاصّة والعامّة، ولقد ضاقت ذات يد الامام (ع) لكثرة جوده وسخائه، فركبه الدين.

فاغتنم الفرصة معاوية، فكتب إلى الامام (ع) يريد أن يشتري منه (عين أبي نيزر) التي حفرها اميرالموءمنين عليّ (ع) بيده الشريفة، وأوقفها على فقرأ أهل المدينة وابن السبيل، وأرسل معاوية مع الكتاب مائتي ألف دينار.


(1) الاحتجاج، 2: 19 20.

(2) دعائم الاسلام، 2: 133، حديث 468.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:273

فاءبى الامام الحسين (ع) أن يبيعها وقال: (إنّما تصدّق بها أبي ليقي اللّه بها وجهه حرّ النار! ولست بائعها بشي). «1»

وروي أنّه كان بين الامام الحسين (ع) وبين معاوية كلام في أرض للا مام (ع)، فقال له الامام الحسين (ع): (اختر خصلة من ثلاث خصال: إمّا أن تشتري منّي حقّي، وإمّا أن تردّه عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن الزبير وابن عمر، والرابعة الصَّيلَم.

قال: وما الصيلم؟

قال: أن أهتف بحلف الفضول.

قال: فلا حاجة لنا بالصيلم). «2»

وروي عن محمّد بن السايب أنّه قال:

(قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن عليّ (ع): لولا فخركم بفاطمةبم كنتم تفتخرون علينا!؟

فوثب الحسين (ع) وكان (ع) شديد القبضة فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه حتّى غشي عليه، ثمّ تركه.

وأقبل الحسين (ع) على جماعة من قريش، فقال: أنشدكم باللّه إلّا صدّقتموني إن صدقت، أتعلمون أنّ في الارض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول اللّه (ص) منّي ومن أخي؟)

قالوا: أللّهمّ لا.


(1) الكامل للمبرّد، 3: 208.

(2) الاغاني، 17: 189.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:274

قال: وإنّي لاأعلم أنّ في الارض ملعون بن ملعون غير هذا وأبيه، طريدي رسول اللّه، واللّه ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والاخر بباب المغرب رجلان مّمن ينتحل الاسلام أعدى للّه ولرسوله ولا هل بيته منك ومن أبيك إذا كان. وعلامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤ ك عن منكبك!

قال: فواللّه ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب، فانتفض وسقط رداؤ ه عن عاتقه). «1»

و (استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة، وأمره أن يفرض لشباب قريش د ففرض لهم.

فقال عليّ بن الحسين (ع): فاءتيته.

فقال: ما اسمك؟

فقلت: عليّ بن الحسين.

فقال: ما اسم أخيك؟

فقلت: عليّ.

فقال: عليّ وعليّ! ما يريد أبوك أن يدع أحدا من ولده إلّا سمّاه عليّا!!

ثمّ فرض لي، فرجعت إلى أبي فاءخبرته.

فقال: ويلي على ابن الزرقاء دبّاغة الادُم، لو ولد لي مائة لا حببت أن لا أسمّي أحدا منهم إلّاعليّا). «2»


(1) الاحتجاج، 2: 23 24.

(2) الكافي، 6: 19، حديث 7.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:275

وروي أنّه (خطب الحسن (ع) عائشة بنت عثمان، فقال مروان: أزّوجها عبداللّه بن الزبير.

ثمّ إنّ معاوية كتب إلى مروان وهو عامله على الحجاز ياءمره أن يخطب أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن جعفر لابنه يزيد، فاءبى عبداللّه بن جعفر، فاءخبره بذلك، فقال عبداللّه: إنّ أمرها ليس اليَّ إنّما هو إلى سيّدنا الحسين وهو خالها.

فاءخبر الحسين بذلك فقال: أستخير اللّه تعالى، أللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (ع) وعنده من الجلّة، وقال: إنّ اميرالموءمنين أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، ومع صلح ما بين هذين الحيّين، مع قضاء دينه، واعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لاكفو له، وبوجهه يستسقى الغمام، فرُدَّ خيرا يا أباعبداللّه!!

فقال الحسين (ع): الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه)، إلى آخر كلامه.

ثمّ قال: يا مروان قد قلت فسمعنا، أمّا قولك مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول اللّه في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقية يكون أربعمائة وثمانين درهما!

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤ نا يقضين عنّا ديوننا!؟

وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين فإ نّا قوم عاديناكم في اللّه، ولم نكن نصالحكم للدّنيا، فلعمري فلقد أعيي النسب فكيف السبب!؟

وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر، فقد استمهر من هو خيرٌ من يزيد ومن أب يزيد ومن جدّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو من لا كفوله، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:276

وأمّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإ نّما كان ذلك بوجه رسول اللّه (ص).

وأمّا قولك: من يغبطنا به أكثر ممّا يغبطه بنا، فإ نّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمّ قال بعد كلام: فاشهدوا جميعا أنّي قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهما، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أوقال: أرضي بالعقيق، وإنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنىً إن شاء اللّه.

قال: فتغيّر وجه مروان، وقال: أغدرا يا بني هاشم، تاءبون إلّا العداوة.

فذكّره الحسين (ع) خطبة الحسن عائشة وفعله ثمّ قال: فاءين موضع الغدر يا مروان!؟ ...). «1»

وروي أنّه (ع) كان جالسا في مسجد النبيّ (ص) فسمع رجلا من بني أميّة يقول ويرفع صوته ليسمع الامام (ع): إنّا شاركنا آل أبي طالب في النبوّة حتّى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب والنسب، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا، فبم يفخرون علينا!؟ وكرّر هذا القول ثلاثا.

فاءقبل عليه الحسين (ع) فقال له: (إنّي كففت عن جوابك في قولك الاوّل حلما، وفي الثاني عفوا، وأمّا في الثالث فإ نّي مجيبك. إنّي سمعت أبي يقول:

إنّ في الوحي الذي أنزله اللّه على محمّد (ص): إذا قامت القيامة الكبرى حشر اللّه بني أميّة في صور الذرّ، يطاءهم الناس د حتّى يفرغ من الحساب، ثمّ يؤ


(1) مناقب آل أبي طالب، 4: 38 39.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:277

تى بهم فيحاسبوا، ويُصار بهم إلى النار).

فلم يُطقَ الامويّ جوابا وانصرف وهو يتميّز من الغيظ. «1»

رعاية الامام (ع) للا مّة عامّة وللشيعة خاصّة

من الدور العامّ المشترك لجميع ائمّة أهل البيت (ع) رعايتهم للا مّة الاسلاميّة عامّة وللشيعة منها خاصّة، فليس بدعا من أمر الامامة الحقّة أن يهتمّ الامام الحسين (ع) إهتماما فائقا باءمور هذه الامّة في جميع مجالات حياتها، وأن لاياءلو جهدا في الدفاع عنها وانقاذها من كلّ خطر وهلكة يحيقان بها، وهو الذي قدّم نفسه الزكيّة وأهل بيته وخاصّته وأصحابه قرابين مقدّسة على مذبح الهدف العام من قيامه وخروجه وهو إصلاح هذه الامّة المنكوبة بعد ما شملها الفساد في كلّ أبعاد حياتها (... وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمّة جدّي ...)

ولمّا كانت مصاديق رعايته لهذه الامّة في قضاياها العامّة قد وردت مبثوثة في ثنايا أبحاث الابواب والفصول الاخرى من هذا الكتاب، فإ نّنا نقتصر هنا على تقديم نماذج منتقاة من رعايته لا فراد هذه الامّة، تمثّل عفوه ورأفته وحنانه وكرمه وباقي سجاياه السامية، ثمّ نعرض بعدها نماذج من رعايته للشيعة خاصّة:

(جنى له غلام جناية توجب العقاب، فاءمر (ع) به أن يضرب.

فقال: يا مولاي، (والكاظمين الغيظ).

قال (ع): (خلّوا عنه!)


(1) حياة الامام الحسين بن علي ع، 2: 35 نقلا عن المناقب والمثالب للقاضي نعمان المصري ص 61.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:278

فقال: يا مولاي، (والعافين عن الناس).

قال (ع): (قد عفوتُ عنك!)

قال: يا مولاي، (واللّه يحبّ المحسنين).

قال (ع): (أنت حرّ لوجه اللّه، ولك ضعف ما كنت أعطيك.) «1»

و (خرج سائل يتخطّى أزقّة المدينة حتّى أتى باب الحسين بن عليّ (ع)، فقرع الباب وأنشاء يقول:

لم يَخبِ اليوم من رجاك ومن حرّك من خلف بابك الحلقه

فاءنت ذوالجود، أنت معدنُه أبوك قد كان قاتل الفسقه

قال: وكان الحسين بن عليّ (ع) واقفا يصلّي، فخفّف من صلاته، وخرج إلى الاعرابي فرأى عليه أثر ضُرٍّ وفاقة، فرجع ونادى بقنبر

فاءجابه: لبّيك يا ابن رسول اللّه (ص).

قال (ع): ما تبقّى معك من نفقتنا؟

قال: مائتا درهم، أمرتني بتفريقها في أهل بيتك.

فقال (ع): فهاتها، فقد أتى من هو أحقُّ بها منهم.

فاءخذها (من قنبر) وخرج فدفعها إلى الاعرابي، وأنشاء يقول:

خذها فإ نّي إليك معتذر واعلم باءنّي عليك ذوشفقه

لوكان في سيرنا الغداة عصا كانت سمانا عليك مندفقه


(1) كشف الغمّة، 2: 31.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:279

لكنّ ريب الزمان ذونَكَدٍ والكفُّ منّا قليلة النفقه

قال: فاءخذها الاعرابيّ وولّى، وهو يقول:

مطهَّرون نقيّاتٌ جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

وأنتم أنتم الاعلون، عندكم علم الكتاب وما جاءت به السوَرُ

من لم يكنْ علويّا حين تنسبه فماله في جميع الناس مفتخرُ «1»

وفي رواية: (قال: فاءخذها الاعرابي وبكى.

فقال (ع) له: لعلّك استقللت ما أعطيناك؟

قال: لا، ولكن كيف ياءكل التراب جودك!؟). «2» مع الركب الحسيني ج‌1 279 رعاية الامام(ع) للا مة عامة وللشيعة خاصة ..... ص : 277

(دخل الحسين (ع) على أسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: واغمّاه.

فقال له الحسين (ع): ما غمّك يا أخي؟

قال: ديني، وهوستّون ألف درهم.

فقال له الحسين (ع): هو عليّ.

قال: إنّي أخشى أن أموت.

فقال له الحسين (ع): لن تموت حتّى أقضيها عنك.

فقضاها قبل موته). «3»

وروي أنّه (ع): (دخل المستراح، فوجد لقمة ملقاة، فدفعها إلى غلام له،


(1) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع: 160 161، حديث 205.

(2) مناقب آل أبي طالب، 4: 66.

(3) نفس المصدر، 4: 65.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:280

فقال: يا غلام، أذكرني بهذه اللقمة إذا خرجتُ.

فاءكلها الغلام.

فلمّا خرج الحسين بن عليّ (ع) قال: يا غلام أين اللقمة؟

قال: أكلتها يا مولاي.

قال: أنت حرّ لوجه اللّه تعالى.

قال له رجل: أعتقته يا سيّدي!؟

قال: نعم، سمعت جدّي رسول اللّه (ص) يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها أو غسل ما عليها ثمّ أكلها لم تستقرّ في جوفه إلّا أعتقه اللّه من النار. (ولم أكن أستعبد رجلا أعتقه اللّه من النار). «1»

و (مرّ الحسين بن عليّ (ع) بمساكين قد بسطوا كساءً لهم فاءلقوا عليه كِسَرا،

فقالوا: هلمَّ يا ابن رسول اللّه (ص)!

فثنّى وركه فاءكل معهم، ثمّ تلا: (إنّ اللّه لايحبّ المستكبرين).

ثمّ قال: قد أجبتكم فاءجيبوني.

قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه (ص) ...

فقاموا معه حتّى أتوا منزله ...

فقال (ع) للرّباب: أخرجي ما كنت تدّخرين). «2»


(1) عيون أخبار الرضا، 2: 43 44، حديث 154؛ والعبارة الاخيرة بين القوسين عن نصّ الرواية في صحيفة الامام الرضا: حديث 177.

(2) تفسير العيّاشي، 2: 257، حديث 15.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:281

(وجاءه رجل من الانصار يريد أن يساءله حاجة ...

فقال (ع): يا أخا الانصار صُن وجهك عن بذل المساءلة، وارفع حاجتك في رقعة، فإ نّي آتٍ فيها ما سارّك إن شاء اللّه.

فكتب: يا أباعبداللّه، إنّ لفلان عليّ خمسمائة دينار، وقد ألحّ بي، فكلّمه ينظرني إلى ميسرة.

فلمّا قرأ الحسين (ع) الرقعة دخل إلى منزله فاءخرج صرّة فيها ألف دينار،

وقال (ع) له: أمّا خمسمائة فاقض بها دينك، وأمّا خمسمائة فاستعن بها على دهرك، ولاترفع حاجتك إلّا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دين أو مروّة أو حسب، فاءمّا ذو الدين فيصون دينه، وأمّا ذو المروّة فإ نّه يستحيي لمروّته، وأمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردّك بغير قضاء حاجتك). «1»

و (مرّ الحسين بن عليّ (ع) براعٍ، فاءهدى الراعي إليه شاة،

فقال له الحسين (ع): حرُّ أنت أم مملوك؟

فقال: مملوك.

فردّها الحسين (ع) عليه ..

فقال له المملوك: إنّها لي.

فقبلها منه، ثمّ اشتراه واشترى الغنم، فاءعتقه، وجعل الغنم له). «2»

و روي (أنّ الحسين (ع) كان جالسا في مسجد جدّه رسول اللّه (ص)، بعد


(1) تحف العقول: 177 178.

(2) المحلّي، 8: 514 515.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:282

وفاة أخيه الحسن (ع)، وكان عبداللّه بن الزبير جالسا في ناحية المسجد، وعتبة بن أبي سفيان في ناحية أخرى، فجاء أعرابيّ على ناقة فعقلها باب المسجد ودخل، فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلّم فردّ عليه السلام

فقال له الاعرابي: إنّي قتلت ابن عمٍّ لي، وطولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئا؟

فرفع رأسه إلى غلامه وقال: إدفع إليه مائة درهم.

فقال الاعرابي: ما أريد إلّا الدية تماما!

ثمّ تركه وأتى عبداللّه بن الزبير، وقال له مثل ما قال لعتبة.

فقال عبداللّه لغلامه: إدفع إليه مائتي درهم.

فقال الاعرابيّ: ماأريد إلّا الدية تماما!

ثمّ تركه وأتى الحسين (ع)، فسلّم عليه

وقال: يا ابن رسول اللّه، إنّي قتلت ابن عمّ لي، وقد طولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئا؟

فقال (ع) له: يا اعرابي، نحن قوم لانعطي المعروف إلّا على قدر المعرفة.

فقال: سل ما تريد.

فقال له الحسين (ع): يا أعرابيّ، ما النجاة من الهلكة؟

قال: التوكّل على اللّه عزّ وجلّ.

فقال (ع): وما الهمّة؟

قال: الثقة باللّه.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:283

ثمّ ساءله الحسين (ع) غير ذلك وأجاب الاعرابيّ، فاءمر له الحسين (ع) بعشرة آلاف درهمٍ، وقال له: هذه لقضاء ديونك. وعشرة آلاف درهم أخرى، وقال:

هذه تلمّ بها شعثك وتحسّن بها حالك وتنفق منها على عيالك. فاءنشاء الاعرابيّ يقول:

طَرِبْت وما هاجَ لي مَعبقُ‌ولا لي مقام ولا مَعشقُ

ولكنْ طربتُ لا لِ الرسولِ‌فلذَّ لي الشعرُ والمنطقُ

هم الاكرمون، هم الانجبون‌نجومُ السماء بهم تُشرِقُ

سبقتَ الانام إلى المكرمات‌فقصّر عن سبقك السُّبَّقُ

بكم فتح اللّه باب الرشادوباب الفساد بكم مغلق «1»

وفي رواية أنّه (وجد على ظهره (ع) يوم الطفّ أثر، فسئل زين العابدين (ع) عن ذلك، فقال: هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الارامل واليتامى والمساكين). «2»

وأمّا عنايته الخاصّة بالشيعة ورعايته لهم ...

فقد أولى الامام الحسين (ع) شاءن جميع أئمّة أهل البيت (ع) شيعته عناية فائقة ورعاية خاصّة، وحرص في ظرفه السياسي الاجتماعي الشديد الحسّاسيّة والخطورة على حفظهم من كلّ سوء، وعمل بما وسعه الامكان على إبقائهم بمناءى عن منال يد البطش الامويّ الهادف إلى محو الوجود الشيعي من خريطة المجتمع الاسلاميّ.


(1) أعيان الشيعة، 1: 580.

(2) نفس المصدر، 1: 580.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:284

ويمكن أن نلحظ بوضوح تامّ حرص الامام (ع) على حفظ الشيعة في وصاياه العامّة لهم بعد الصلح مع معاوية في حياة الامام الحسن (ع) وبعد شهادته، كمثل قوله (ع): (... فالصقوا بالا رض، وأخفوا الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا ...). «1» وكقوله (ع): (... فليكن كلّ رجل منكم حلسا من أحلاس د بيته ...)، «2» كما يمكن أن نلحظ ذلك في استقباله وفود الشيعة من أقطار البلاد الاسلاميّة وحرصه على إخفاء هذه اللقاءات عن عيون الرصد الامويّ، وكان صلوات اللّه عليه يحرص على توعية وفود الشيعة ووجهائهم على حقائق مجريات الامور في إطار التزامه بالهدنة مع معاوية، ويبثّ فيهم من هدي أهل البيت (ع) ما يركّز الايمان والمعرفة في قلوبهم، ويقوّي ارتباطهم بإ مامهم، ويزيد من صبرهم على المكاره، ويعرّفهم منزلتهم عند اللّه تعالى.

روي أنّه: (وفد إلى الحسين صلوات اللّه عليه وفدٌ

فقالوا: يا ابن رسول اللّه، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية، ووفدنا نحن إليك.

فقال: إذن أجيزكم باءكثر ممّا يجيزهم.

فقالوا: جعلنا فداك، إنّما جئنا لديننا.

قال فطاءطاء رأسه ونكت في الارض، وأطرق طويلا، ثمّ رفع رأسه ...

فقال: قصيرة من طويلة، من أحبّنا لم يحبّنا لقرابة بيننا وبينه ولا لمعروفٍ أسديناه إليه، إنّما أحبّنا للّه ورسوله، جاء معنا يوم القيامة كهاتين وقرن بين سبّابتيه). «3»

وروي عنه (ع) أنّه قال: (واللّه، البلاء والفقر والقتل أسرع إلى من أحبّنا من


(1) أنساب الاشراف، 3: 151، حديث 13.

(2) الاخبار الطوال: 221.

(3) بحارالانوار، 27: 127 128، حديث 118.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:285

ركض د البراذين، ومن السيل إلى صمره!). «1»

وعن حبّابة الوالبيّة قالت: (سمعت الحسين بن عليّ (ع) يقول: نحن وشيعتنا على الفطرة التي بعث اللّه عليها محمّدا (ص) وسائر الناس منها برأ). «2»

وكان صلوات اللّه عليه يحثّ أهل المعرفة والعلم من الشيعة ليكفلوا إخوانهم المحرومين من العلم، المنقطعين عن مواليهم، الذين هم يتامى آل محمّد (ص)، ويرشدوهم ويهدوهم ويخرجوهم من ظلمة الجهل.

وقد رويت عنه (ع) في ذلك نصوص كريمة منها: (فضل كافل يتيم آل محمّد المنقطع عن مواليه، الناشب في رتبة الجهل، يخرجه من جهله، ويوضّح له ما اشتبه عليه على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السُّها). «3»

و (من كفل لنا يتيما قطعته عنّا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتّى أرشده وهداه، قال اللّه عزّ وجلّ: يا أيّها العبد الكريم المواسي لا خيه أنا أولى بالكرم منك، إجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كلّ حرف علّمه ألف ألف قصر، وضمّوا إليها ما يليق بها من سائر النعيم). «4»

وكان صلوات اللّه عليه يحنو على أفراد الشيعة حنوّا خاصّا يفوق حنوّ الوالد على ولده، وقد رويت عنه (ع) في ذ لك أخبار كثيرة، اخترنا منها نماذج على


(1) بحار الانوار، 67: 246، حديث 85؛ والبرذون: نوع من الخيل غير العربيّة سريع الجري، وصمر السيل: منتهاه.

(2) اختيار معرفة الرجال، 1: 331 332، حديث 182.

(3) الاحتجاج، 1: 7 8.

(4) نفس المصدر.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:286

سبيل المثال:

روي عن صالح بن ميثم أنّه قال: (دخلتُ أنا وعباية الاسدي على حبّابة الوالبيّة.

فقال لها: هذا ابن أخيك ميثم.

قالت: إبن أخي واللّه حقّا، ألا أحدّثكم بحديث عن الحسين بن عليّ (ع).

فقلت: بلى.

قالت: دخلتُ عليه وسلّمت فردّ السلام ورحّب.

ثمّ قال (ع): ما بطّاءَ بك عن زيارتنا والتسليم علينا يا حبّابة؟

قلت: ما بطّاءني إلّا علّة عرضت.

قال: وما هي؟

قالت: فكشفتُ خماري عن برص.

قالت: فوضع يده على البرص، ودعا فلم يزل يدعو حتّى رفع يده، وكشف اللّه ذلك البرص، ثمّ قال: يا حبّابة، إنّه ليس أحدٌ على ملّة إبراهيم في هذه الامّة غيرنا وغير شيعتنا، ومن سواهم منها برأ). «1»

وعن يحيى بن أمّ الطويل قال: (كنّا عند الحسين (ع) إذ دخل عليه شابّ يبكي.

فقال له الحسين (ع): ما يبكيك؟

قال: إنّ والدتي توفّيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مالٌ، وكانت قد


(1) اختيار معرفة الرجال، 1: 332، حديث 183.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:287

أمرتني ألّااءُحدثَ في اءمرها شيئا حتّى اءُعلمك خبرها.

فقال الحسين (ع): قوموا بنا حتّى نصير إلى هذه الحرّة.

فقمنا معه حتّى انتهينا إلى باب البيت الذي توفّيت فيه المرأة، وهي مسجّاة.

فاءشرف على البيت ودعا اللّه ليحييها حتّى توصي بما تحبُّ من وصيّتها، فاءحياها اللّه تعالى، فإ ذا المرأة جلست وهي تتشهّد، ثمّ نظرت الى الحسين (ع).

فقالت: أدخل البيت يا مولاي، ومرني باءمرك.

فدخل وجلس على مخدّة، ثمّ قال (ع) لها: وصّي، يرحمك اللّه.

فقالت: يا ابن رسول اللّه، إنّ لي من المال كذا وكذا في مكان كذا وكذا، وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لابني هذا، إن علمت أنّه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفا فخذه إليك، فلا حقّ للمخالفين في أموال المؤ منين.

ثمّ ساءلته أن يصلّي عليها وأن يتولّى أمرها، ثمّ صارت المرأة ميتة كما كانت). «1»

و (عن الحسن البصري قال: كان الحسين (ع) سيّدا زاهدا، ورعا، صالحا، ناصحا، حسن الخلق، فذهب ذات يومٍ مع أصحابه إلى بستان له، وكان في ذلك البستان غلام يقال له، صافي.

فلمّا قرب من البستان رأى الغلام يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى الكلب وياءكل نصفه، فتعجّب الحسين (ع) من فعل الغلام، فلمّا فرغ من الاكل قال:

الحمد للّه ربّ العالمين، أللّهمّ اغفرلي ولسيّدي، وبارك له كما باركت على أبويه، يا أرحم الراحمين.


(1) الخرائج والجرائح، 1: 245 246، حديث 1.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:288

فقام الحسين (ع) ونادى: يا صافي.

فقام الغلام فزعا وقال: يا سيّدي وسيّد المؤ منين إلى يوم القيامة، إنّي ما رأيتك فاعفُ عنّي.

فقال الحسين (ع): إجعلني في حلٍّ يا صافي، دخلت بستانك بغير إذنك!

فقال صافي: بفضلك وكرمك وسؤ ددك تقول هذا!

فقال الحسين (ع): إنّي رأيتك ترمي بنصف الرغيف إلى الكلب وتاءكل نصفه، فما معنى ذ لك؟

فقال الغلام: يا سيّدي، إنّ الكلب ينظر إليّ حين آكل، فإ نّي أستحيي منه لنظره إليّ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الاعدأ، وأنا عبدك، وهذا كلبك، ناءكل من رزقك معا.

فبكى الحسين (ع) ثمّ قال: إنْ كان كذلك، فاءنت عتيق للّه.

ووهب له ألف دينار!

فقال الغلام: إن أعتقتني فإ نّي أريد القيام ببستانك.

فقال الحسين (ع): إنّ الكريم إذا تكلّم بكلامٍ ينبغي أن يصدّقه بالفعل، البستان أيضا وهبتُه لك، وإنّي لمّا دخلت البستان قلت: إجعلني في حلٍّ فإ نّي قد دخلتُ بستانك بغير إذنك، كنت قد وهبتُ البستان بما فيه، غير أنّ هؤ لاء أصحابي، لا كلهم الثمار والرطب فاجعلهم أضيافك وأكرمهم لا جلي، أكرمك اللّه يوم القيامة، وبارك لك في حسن خلقك ورأيك.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:289

فقال الغلام: إن وهبت لي بستانك، فإ نّي قد سبلته لا صحابك). «1»

قاطعيّته) ع) في رفض الاقرار بولاية يزيد والبيعة له‌

مختصر قصّة البيعة ليزيد بولاية العهد

كان المغيرة بن شعبة وهو من رؤ وس جماعة النفعيّين في حركة النفاق، ومن دهاة العرب ومحترفي المكر والغدر، وممّن خدم معاوية طويلا قد بلغه أنّ معاوية يريد عزله عن ولاية الكوفة واستعمال سعيد بن العاص مكانه، فرأى أن يذهب إلى معاوية فيستعفي من منصبه عنده قبل صدور الامر بعزله، ليظهر للناس د بمظهر الكاره الولاية الزاهد فيها.

لكنّ تعلّقه الشديد حقيقة بمنصب الولاية دفعه إلى التفكير مليّا وهو في الطريق إلى الشام بحيلة تصرف معاوية عن عزله، فلم يرَ وهو الخبير بمعاوية من حيلة أفضل من إثارة أمنية معاوية الكبرى التي لم تساعده الظروف على التحرّك عمليّا لتحقيقها حتّى ذلك الوقت، وهي أمنيّته في عقد البيعة بالخلافة من بعده لابنه يزيد.

فقرّر المغيرة بن شعبة أن يعزف على أوتار هذه الامنيّة المكنونة في قلب معاوية، ويدعو إلى إثارتها وإظهارها، ويُبدي استعداده للخدمة من أجل تحقيقها، لعلّ معاوية ينصرف بذلك عن عزله فيبقيه واليا على الكوفة.

ورأى المغيرة أن يدخل أوّلًا على يزيد نفسه فيثير فيه خفّته إلى مثل هذا الامر، ليكون يزيد بعد ذلك مفتاح المدخل إلى قلب أبيه، (ومضى حتّى دخل على يزيد، وقال له: إنّه قد ذهب أعيان أصحاب النبىٍّ (ص)، وآله


(1) مستدرك الوسائل، 7: 192 193، باب 17، حديث 6 عن مجمع البحرين في مناقب السبطين للسيّد وليّ اللّه الرضوي.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:290

وكبرأ قريش وذوو أسنانهم، وإنّما بقي أبناؤ هم، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم بالسنّة والسياسة!، ولاأدري ما يمنع اميرالموءمنين أن يعقد لك البيعة!؟

قال: اءَوَتَرى ذلك يتمُّ!؟

قال: نعم.

فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فاءحضر المغيرة ...

وقال له: ما يقول يزيد!؟

فقال: يا اميرالموءمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له فإ نْ حدث بك حادثٌ كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولاتُسفَك دماء ولاتكون فتنة.

قال: ومن لي بهذا!؟

قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحدٌ يخالفك.

قال: فارجع إلى عملك وتحدَّث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونرى.

فودّعه ورجع إلى أصحابه، فقالوا: مه!؟

قال: لقد وضعتُ رِجل معاوية في غرزٍ بعيد الغاية على أمّة محمّد، وفتقت عليهم فتقا لايُرتق أبدا ...!!

وسار المغيرة حتّى قدم إلى الكوفة، وذاكَر من يثق إليه ومن يعلم أنّه شيعة لبني أميّة أمر يزيد، فاءجابوا إلى بيعته، فاءوفد منهم عشرة، ويقال أكثر من عشرة، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة،

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:291

وقدموا على معاوية فزيّنوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها.

فقال معاوية: لاتعجلوا بإ ظهار هذا، وكونوا على رأيكم.

ثمّ قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤ لاء دينهم!؟

قال: بثلاثين ألفا.

قال: لقد هان عليهم دينهم ... «1»

وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، فاءرسل إلى زياد يستشيره، لكنّ زيادا كتب إلى معاوية يشير عليه بالتريث وعدم العجلة حتّى ياءتي الوقت المناسب.

وهناك رأيٌ يقول إنّ معاوية كان قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الامام الحسن (ع) وعرّض بها، ولكنّه لم يكشفها ولا عزم عليها إلّا بعد موت الحسن (ع). «2» ويؤ يّد ذلك الرواية التاءريخيّة التي تقول إنّ معاوية سافر إلى المدينة سنة خمسين قبيل وفاة الامام الحسن (ع)، في محاولة لجسّ نبض المدينة في قضيّة فكرة البيعة ليزيد، وعقد فيها اجتماعا مغلقا مع عبداللّه بن جعفر، وعبداللّه بن عبّاس، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر وطرح عليهم نيّته في عقد البيعة ليزيد، لكنّ هذا الاجتماع المغلق باء بالفشل الذريع لا نّ هؤ لاء العبادلة عارضوا هذه الفكرة بشدّة. فسكت معاوية عن ذكر البيعة ليزيد إلى سنة إحدى وخمسين، أي إلى ما بعد وفاة الامام الحسن (ع). «3» وتقول بعض المصادر التاءريخيّة إنّ معاوية لم يلبث بعد وفاة الامام الحسن (ع) إلّا يسيرا


(1) الكامل في التاءريخ، 3: 503 504.

(2) راجع: الاستيعاب، 391: 1، دار الجيل بيروت.

(3)+++ راجع: الامامة والسّياسة، 1: 173 174.+++

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:292

حتّى بايع ليزيد في الشام، وكتب ببيعته إلى الافاق. «1» وقيل إنّه تريّث في ذلك حتّى مات زياد الذي لم يكن في الحقيقة يرجّح لمعاوية هذا التوجّه في عقد البيعة ليزيد. «2»

فلمّا مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد ... وكتب إلى مروان بن الحكم قائلا: (إنّي قد كبرتْ سنّي، ودقّ عظمي، وخشيت الاختلاف على الامّة بعدي!، وقد رأيت أن أتخيّر لهم من يقوم بعدي، وكرهتُ أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاءعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردّون عليك).

فقام مروان في الناس فاءخبرهم به ...

فقال الناس: أصاب ووفّق، وقد أحببنا، أن يتخيّر لنا فلا ياءلو!!

فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فاءعاد إليه الجواب يذكر يزيد.

فقام مروان فيهم وقال: إنّ اميرالموءمنين قد اختار لكم فلم ياءل، وقد استخلف إبنه يزيد بعده ...). «3»

فقام إليه وجهاء المدينة فاءنكروا ذلك عليه وعلى معاوية، كالا مام الحسين (ع) وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن الزبير وابن عمر.

وكان معاوية قد قام حينذاك بحملة إعلاميّة ودعائيّة كبيرة ليزيد، فقد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه بالا وصاف الحميدة التي تجعله في أعين الناس د أهلا للخلافة، كما أمر عمّاله أن يوفدوا إليه الوفود من الامصار، ولم


(1) راجع: الامامة والسياسة، 1: 176 177.

(2) راجع: الكامل في التاءريخ، 3: 506.

(3) الكامل في التاريخ، 3: 506.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:293

يزل معاوية يعطي المقارب ويُداري المباعد ويلطف به حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعوه على ذلك!!

وبقيت معضلة معاوية الكبرى في استعصاء المدينة بوجهائها، وتقول المصادر التاءريخيّة إنّ معاوية استشعر برودة موقف مروان وعدم اندفاعه في مشروع أخذ الناس بالبيعة ليزيد، فعزله وجعل محلّه سعيد بن العاص، الذي حاول أخذ الناس د في ذلك بالغلظة والشدّة، لكنّه لم يفلح في مسعاه، فكتب إلى معاوية قائلا: (أمّا بعد، فإ نّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد بن اميرالموءمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن أبطاء، وإنّي اءُخبرك اءنّ الناس عن ذلك بطاء لاسيّما أهل البيت من بني هاشم، فإ نّه لم يجيبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الامر فعبداللّه بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلّا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسلام). «1»

المواجهات الحادّة

فكتب معاوية إلى كلّ من الامام الحسين (ع) وعبداللّه بن عبّاس وعبداللّه بن جعفر وعبداللّه بن الزبير، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ثمّ يبعث إليه بجواباتها، وأمره بالحزم والتصلّب مع الرفق وتجنّب الخرق، وكان ممّا أوصاه في التعامل مع الامام الحسين (ع) أن قال: (وانظر حسينا خاصّة، فلايناله منك مكروه، فإ نّ له قرابة وحقّا عظيما لاينكره مسلم ولا مسلمة، وهوليثٌ عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لاتقوى عليه ...). «2»

وكان كتاب معاوية إلى الامام الحسين (ع): (أمّا بعدُ: فقد انتهت اليّ منك أ مور، لم أكن أظنّك بها رغبة عنها، وإنّ أحقّ الناس بالوفاء لَمن أعطى بيعته من


(1) الامامة والسياسة، 1: 179.

(2) المصدر السابق.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:294

كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتّق اللّه ولاتردّنّ هذه الامّة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمّة محمّد، ولايستخفّنّك الذين لايوقنون). «1»

أمّا الامام الحسين (ع) فقد ردّ على معاوية الردّ الاحتجاجي الشامل الذي تضمّن إدانته معاوية بقتل حجر بن عديّ وأصحابه العابدين، وبقتل الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وبقتل عبداللّه بن يحيى الحضرمي، وباستلحاقه زياد بن عبيد الرومي ثمّ تسليطه على الامّة يبطش بها، وذكّره مغبّة سوء العاقبة وزوال الدنيا، وأنّ للّه كتابا لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، وكانت الفقرة الختاميّة في هذا الردّ الشامل: (واعلم أنّ اللّه ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلّا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية، والسلام). «2»

يقول ابن قتيبة: (وذكروا أنّه لمّا جاوب القوم معاوية بما جاوبوه من الخلاف لا مره والكراهيّة لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص ياءمره أن ياءخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد أخذا بغلظة وشدّة، ولايدع أحدا من المهاجرين والانصار وأبناءهم حتّى يبايعوا، وأمره ألّا يحرّك هؤ لاء النفر ولايهيجهم. فلمّا قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الاخذ وأغلظه فلم يبايعه أحدٌ منهم. فكتب إلى معاوية أنّه لم يبايعني أحد، وإنّما الناس تبع له ؤلاء النفر، فلو بايعوك بايع الناس جميعا ولم يتخلّف عنك أحد. فكتب إليه معاوية ياءمره ألّا يحرّكهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجّا، فلمّا أن دنا من المدينة خرج إليه الناس د يتلقّونه ... حتّى إذا


(1) الامامة والسياسة، 1: 180.

(2) نفس المصدر، 1: 182؛ وقد أوردنا النصّ الكامل لجواب الامام ع برواية الكشّي في احتجاجاته ع على معاوية وبني أميّة، فراجع.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:295

كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد اللّه بن عبّاس، فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول اللّه، وابن صنو أبيه، ثمّ انحرف إلى الناس فقال: هذان شيخا بني عبد مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحبّ وقرّب، وجعل يواجه هذا مرّة ويضاحك هذا أخرى حتّى ورد المدينة، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل فانصرفا عنه ...). «1»

ثمّ إنّه أرسل إلى الامام الحسين (ع)، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر، وعبدالرحمن بن أبي بكر، كلٍّ على انفراد، ودعاهم إلى قبول البيعة ليزيد، لكنّه لم يحصل منهم على ما يريد ...

وفي اليوم الثاني، جلس مجلسه، وأمر حاجبه أن لاياءذن لا حد من الناس وإن قرب، (ثمّ أرسل إلى الحسين بن علي وعبداللّه بن عبّاس، فسبق ابن عبّاس، فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليّا ...

حتّى أقبل الحسين بن عليّ (ع)، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلّم، فاءشار إليه فاءجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فساءله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم، فاءخبره ثمّ سكت.

قال: ثمّ ابتدأ معاوية فقال: أمّا بعدُ، فالحمد للّه وليّ النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لاإله إلّا اللّه المتعالي عمّا يقول الملحدون علوّا كبيرا، وأنّ محمّدا عبده المختصّ المبعوث إلى الجنّ والانس كافّة لينذرهم بقرآن لاياءتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، فاءدّى عن اللّه وصدع باءمره وصبر عن الاذى في جنبه، حتّى أوضح دين اللّه وأعزّ أولياءه،


(1) الامامة والسياسة، 1: 182 183.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:296

وقمع المشركين وظهر أمر اللّه وهم كارهون، فمضى صلوات اللّه عليه وقد ترك من الدنيا ما بُذل له واختار منها الترك لما سخّر له زهادة واختيارا للّه واءَنفة واقتدارا على الصبر بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول (ص).

ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان.

وقد كان من أمر يزيد ما سُبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم اللّه ما أحاول به من أمر الرعيّة، من سدّ الخلل ولمّ الصدع بولاية يزيد، بما أيقظ العين وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، وفيكما فضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما، مع علمه بالسنّة وقرأة القرآن والحلم الذي يرجح بالصمّ الصلاب!!

وقد علمتما أنّ الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدّم على الصدّيق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سُنّة مذكورة، فقادهم الرجل باءمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال ولم يقل معه، وفي رسول اللّه (ص) أسوة حسنة.

فمهلا بني عبدالمطلّب، فإ نّا وأنتم شعبا نفعٍ وجدٍّ، وما زلت أرجو الانصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلّا بفضل قولكما، فَرِدّا على ذي رحم مُستَعتِبٍ ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر اللّه لي ولكما.

قال: فتيسّر ابن عبّاس للكلام، ونصب يده للمخاطبة.

فاءشار إليه الحسين فقال: على رسلك، فاءنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر!

فاءمسك ابن عبّاس، فقام الحسين فحمد اللّه وصلّى على الرسول، ثمّ قال:

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:297

(أمّا بعدُ يا معاوية فلن يؤ دّى القائل وإن أطنب في صفة الرسول (ص) من جميعٍ جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه من إيجاز الصفة والتنكّب عن استبلاغ البيعة.

وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السُّرُج، ولقد فضّلتَ حتّى أفرطتَ، واستاءثرتَ حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى بخلتَ، وجُرتَ حتّى جاوزتَ، ما بذلت لذي حقّ من اءَتمّ حقّه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الاوفر ونصيبه الاكمل!!

وفهمت ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لا مّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كاءنّك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أوتخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ.

وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المُهارشة عند التحارش، والحمام السُّبَّق لا ترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا.

ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللّه بوزر هذا الخلق باءكثر ممّا أنت لاقيه، فواللّه ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حتّى ملا ت الاسقية، وما بينك وبين الموت إلّاغمضة، فتقدم على عملٍ محفوظٍ في يومٍ مشهودٍ، ولات حين مناص.

ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الامر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد لعمرُاللّه أورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول، فاءذعن للحجّة بذلك، وردّه الايمان إلى النصف، فركبتم الاعاليل وفعلتم الافاعيل، وقلتم كان ويكون، حتّى أتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الابصار.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:298

وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه (ص) وتاءميره له، وقد كان ذ لك ولعمرو بن العاص يومئذٍ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وما صار لعمرو يومئذٍ حتّى اءَنِفَ القوم اءمرته وكرهوا تقديمه وعدوّا عليه اءفعاله، فقال (ص): لا جرم معشر المهاجرين لايعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف يُحتجّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب!؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لايؤ مَن في صحبته ولايعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرفٍ مفتون، تريد أن تلبس الناس د شبهة يُسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر اللّه لي ولكم.

قال: فنظر معاوية إلى ابن عبّاس، فقال: ما هذا يا ابن عبّاس!؟ ولما عندك أدهى وأمرُّ.

فقال ابن عبّاس: لعمراللّه، إنّها لذرّيّة الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطّهر، فَالْهَ عمّا تريد، فإ نّ لك في الناس مقنعا حتّى يحكم اللّه باءمره، وهو خير الحاكمين ...) «1»

وكان قد أرسل بعدهما إلى عبدالرحمن بن أبي بكر وعبداللّه بن الزبير وعبداللّه بن عمر، وطلب إليهم أن يبايعوا يزيد، وادعّى أنّها قضاء من قضاء اللّه الذي ليس د للعباد الخيرة فيه!، فردّ عليه عبدالرحمن بن أبي بكر بشدّة رافضا ذلك، وكذلك فعل ابن الزبير، ومع أن ابن عمر كان ليّنا في ردّه لقوله: (... ولكنّي إن استقام الناس د فساءدخل في صالح ما تدخل فيه أمّة محمّد) «2» لكنّ اجتماع معاوية بهؤ لاء الثلاثة قد انفضّ أيضا دون أيّة نتيجة يرجوها معاوية.


(1) الامامة والسياسة، 1: 185

(2) نفس المصدر، 1: 189.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:299

ثمّ إنّه (احتجب عن الناس ثلاثة أيّام لايخرج، ثمّ خرج فاءمر المنادي أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لا مرٍ جامعٍ، فاجتمع الناس في المسجد، وقعد هؤ لاء حول المنبر. فحمداللّه وأثنى عليه، ثمّ ذكر يزيد وفضله وقرأته القرآن، ثمّ قال: يا أهل المدينة، لقد هممتُ ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة إلّا بعثت إليها ببيعته فبايع الناس جميعا وسلّموا، وأخّرت المدينة بيعته، وقلتُ بيضته وأصله ومن لاأخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله، وواللّه لو علمتُ مكان أحدٍ هو خيرٌ للمسلمين من يزيد لبايعت له!

فقام الحسين فقال: واللّه لقد تركت من هو خير منه أبا وأمّا ونفسا!

فقال معاوية: كاءنّك تريد نفسك؟

فقال الحسين: نعم، أصلحك اللّه.

فقال معاوية: إذن أخبرك، أمّا قولك خيرٌ منه أمّا، فلعمري أمّك خير من أمّه، ولولم يكن إلّا أنّها امرأة من قريشٍ لكان لنساء قريش فضلهنّ، فكيف وهي ابنة رسول اللّه صلّى عليه وسلّم، ثمّ فاطمة في دينها وسابقتها، فاءمّك لعمرُ اللّه خير من أمّه، وأمّا أبوك فقد حاكم أباه إلى اللّه فقضى لا بيه على أبيك!

فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على الاجل!

فقال معاوية: وأمّا ما ذكرت من أنّك خير من يزيد نفسا فيزيد واللّه خير لا مّة محمّد منك!!

فقال الحسين: هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير منّي!؟ «1»


(1) الامامة والسياسة، 1: 189 190.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:300

وفي رواية أخرى ...

(فقال الحسين (ع): من خيرٌ لا مّة محمّد، يزيد الخمور والفجور!؟

فقال معاوية: مهلا أباعبداللّه، فإ نّك لوذكرت عنده لما ذكر منك إلّا حسنا.

فقال الحسين (ع): إن علم منّي ما أعلمه منه أنا فليقل فيَّ ما أقول فيه.

فقال له معاوية: أبا عبداللّه، إنصرف إلى أهلك راشدا، واتّق اللّه في نفسك، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته، فإ نّهم أعداؤ ك وأعدأ أبيك.

قال: فانصرف الحسين (ع) إلى منزله). «1»

وقدروى ابن أعثم الكوفي في كتابه الفتوح هذه القصّة بنحو آخر: (أنّه لما كان من الغد خرج معاوية وأقبل حتّى دخل المسجد، ثمّ صعد المنبر فجلس عليه، ونودي له في الناس فاجتمعوا إليه، وأقبل الحسين بن علي (ع)، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير، حتّى جلسوا إلى المنبر ومعاوية جالس، حتّى علم أنّ الناس قد اجتمعوا وثب قائما على قدميه، فحمد اللّه وأثنى عليه.

ثمّ قال: أيّها الناس، إنّا قد وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، وإنّهم قد زعموا أنّ الحسين بن علي، وعبدالرحمن بن أبي بكر، وعبداللّه بن عمر، وعبداللّه بن الزبير لم يبايعو يزيد، وهؤ لاء الرهط الاربعة هم عندي سادة المسلمين وخيارهم، وقد دعوتهم إلى البيعة فوجدتهم إذا سامعين مطيعين، وقد سلّموا وبايعوا وسمعوا وأجابوا وأطاعوا!

قال: فضرب أهل الشام باءيديهم إلى سيوفهم فسلّوها، ثمّ قالوا:

يا اميرالموءمنين، ما هذا الذي تُعظمه من أمر هؤ لاء الاربعة!؟ إئذن لنا أن


(1) الفتوح، 4: 339.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:301

نضرب أعناقهم، فإ نّا لانرضى أن يبايعوا سرّا ولكن يبايعوا جهرا حتّى يسمع الناس أجمعون.

فقال معاوية: سبحان اللّه، ما أسرع الناس بالشرّ، وما أحلى بقائهم عندهم، إتّقوا اللّه يا أهل الشام ولاتسرعوا إلى الفتنة، فإ نّ القتل له مطالبة وقصاص.

قال: فبقي الحسين بن علي (ع)، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير، حيارى لايدرون ما يقولون، يخافون إن يقولوا: لم نبايع، الموت الاحمر تجاه أعينهم في سيوف أهل الشام أو وقوع فتنة عظيمة، فسكتوا ولم يقولوا شيئا، ونزل معاوية عن المنبر، وتفرّق الناس وهم يظنّون أنّ ه ؤلاء الاربعة قد بايعوا.

قال: وقُرّبت رواحل معاوية فمضى في رفاقه وأصحابه إلى الشام.

قال: وأقبل أهل مكّة إلى هؤ لاء الاربعة فقالوا لهم: يا هؤ لاء، إنّكم قد دعيتم إلى بيعة يزيد فلم تبايعوا وأبيتم ذ لك، ثمّ دعيتم فرضيتم وبايعتم!!

فقال الحسين (ع): لا واللّه ما بايعنا، ولكنّ معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما كادكم به، ثمّ صعد المنبر وتكلّم بكلام، وخشينا إن رددنا مقالته عليه أن تعود الفتنة جذعا، ولاندري إلى ماذا يؤ ول أمرنا، فه ذه قصّتنا معه). «1»

روايات مكذوبة على سيرة الامام الحسين (ع)

اشاره

في التراث الروائي الاسلامي هناك الكثير من الروايات المفتريات، وفيما يتعلّق بتاءريخ حياة أهل بيت العصمة (ص) نصيب غير قليل من هذه الروايات المكذوبة.

ولم ينجُ تأريخ حياة سيّد الشهدأ (ع) من أن تعلق به مجموعة من هذه


(1) الفتوح، 4: 343.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:302

الروايات المفتريات.

والمؤ سف أنّ بعض الذين كتبوا في حياة الامام الحسين (ع) تلقّوا هذه الروايات المكذوبة تلقّي المسلّمات، وتناولوها بالشرح والتعليق، واستلهموا عظات موهومة منها، «1» ونذكر هنا من هذه الروايات المكذوبة أهمّ ما اعترضنا في متابعاتنا أثناء تحضيرنا لهذا البحث:

الرواية الاولى:

يقول ابن عساكر في مطلع ترجمته للا مام الحسين (ع):

(ووفد على معاوية، وتوجّه غازيا إلى القسطنطينيّة في الجيش الذي كان أميره يزيد بن معاوية). «2»

لاشك أنّ من له أدنى معرفة بشخصيّة الامام الحسين (ع) وحكمته وإبائه ومعرفته بزمانه وأهل زمانه ومنهم معاوية ويزيد خاصّة، لايحتاج في تفنيد هذه الرواية المكذوبة إلى تحقيق في سند ومناقشة في متن.

ومع هذا فإ نّنا نقول هنا: إنّ ابن عساكر تفرّد بهذا الادّعاء المُرسَل، ولم ياءتِ له حتّى بشاهدٍ واحدٍ، ولو بخبرٍ ضعيفٍ!

وقصّة غزوة القسطنطينية ذكرها ابن الاثير في (الكامل في التاءريخ) في أحداث سنة تسع وأربعين ه كذا: (في هذه السنّة، وقيل: سنة خمسين، سيَّرَ


(1) كما تورّط بهذا مثلا عبداللّه العلايلي في كتابه الامام الحسين ع مع أنّه‌ادّعى لنفسه في هذا الكتاب قدرة تحقيقية وتحليلية تلملم أطراف التاءريخ ودقائقه المبعثرة فتخرج منها باستنتاجات وتقريرات صائبة!!

(2) ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع المحمودي: 5.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:303

معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلَّ، فاءمسك عنه أبوه، فاءصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض د شديد، فاءنشاء يزيد يقول:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم بالفرقدونة من حُمّى ومن مومِ

إذا اتكاءتُ على الانماط مرتفقا بدَيْرِ مُرّانَ عندي أمُّ كلثومِ

وأمّكلثوم امرأته، وهي بنت عبداللّه بن عامر.

فبلغ معاوية شعره فاءقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم، ليصيبه ما أصاب الناس، فسار معه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في هذا الجيش ابن عبّاس د وابن عمر وأبوأيّوب الانصاري وغيرهم، وعبدالعزيز بن زرارة الكلابي ... ثمّ رجع يزيد والجيش إلى الشام، وقد توفّي أبوأيّوب الانصاري عند القسطنطينيّة فدفن بالقرب من سورها ...). «1»

فالمتيقّن من نصّ ابن الاثير إذن: هو أنّ يزيد لم يكن قائد هذا الجيش وأميره، وأنّ الامام الحسين (ع) لم يكن في من حضر هذه الغزوة!

ويؤ كّد الطبري في تاءريخه عدم حضور الامام الحسين (ع) في هذه الغزوة، وإن ادّعى أنّ أميرها يزيد، قائلا: (وفيها: كانت غزوة يزيد بن معاوية الروم، حتّى بلغ القسطنطينيّة، ومعه ابن عبّاس وابن عمر وابن الزبير وأبوأيّوب الانصاري). «2»

أمّا اليعقوبي فيقول: (وأغزى معاوية يزيد ابنه الصائفة ومعه سفيان بن عوف الغامدي فسبقه سفيان بالدخول إلى بلاد الروم، فنال المسلمين في


(1) الكامل في التاءريخ، 3: 458 459.

(2) تاريخ الطبري، 4: 173.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:304

بلاد الروم حمّى وجدري، وكانت أمّ كلثوم بنت عبداللّه بن عامر تحت يزيد بن معاوية، وكان لها محبّا ...) «1»

وأقوى الادلّة على عدم حضور الامام الحسين (ع) هذه الغزوة التي لم يكن يزيد أميرها أيضا، هو أنّ الفضل بن شاذان (ره) سئل عن أبي أيّوب الانصاري (خالد بن زيد) وقتاله مع معاوية المشركين، فقال (ره): (كان ذلك منه قلّة فقه وغفلة، ظنّ أنّه إنّما يعمل عملا لنفسه يقوّي به الاسلام ويوهي به الشرك، وليس عليه من معاوية شي كان معه أو لم يكن). «2» وهذا التصريح الصادر عن الفضل بن شاذان، وهو من أصحاب الائمة: الجواد والهادي والعسكري (ع)، وقيل إنّه من أصحاب الامام الرضا (ع) أيضا، وهو من أجلّ فقهاء الشيعة ومتكلّميهم في عصره، هذا التصريح كاشف عن عدم حضور الامام الحسين (ع) في هذه الغزوة، وذلك لا نّ الفضل لم يكن ليعيب على أبي أيّوب إشتراكه فيها مع علمه باشتراك الامام (ع) فيها.

ولايقال إنّ هناك احتمالا في أنّ الفضل بن شاذان علم باشتراك أبي أيّوب ولم يعلم باشتراك الامام (ع)، ذلك لا نّ منزلة الفضل العلميّة تمنع من ذلك، خصوصا وهو من أصحاب مجموعة من أئمة الحقّ (ع)، ثمّ إنّه لايُتصوّر أنّ حضور أبي أيّوب الانصاري في واقعةٍ ما أشهر وأظهر من حضور الامام الحسين (ع) فيها بطبيعة الحال!!

هذا ولو أنّ الامام (ع) كان قد اشترك فعلا في هذه الغزوة، لصار ذلك الحدث من أشهر مسلّمات التاءريخ، لا نّ الاعلام الامويّ خاصّة في عهد


(1) تأريخ اليعقوبي، 1: 166. إلى آخر القصّة.

(2) اختيار معرفة الرجال رجال الكشّي، 1: 177، حديث 77.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:305

معاوية كان سيستثمر هذا الحدث أوسع الاستثمار في التبليغ والدعاية لصالح النظام الامويّ في كلّ أنحاء البلاد الاسلاميّة، الامر الذي يجعل من قضيّة اشتراك الامام في هذه الغزوة أشهر من أن تخفى على أحد، وأمنع من أن يرقى إليها شكّ!

من كلّ ما مضى يكون المتيقّن في قصّة هذه الغزوة أمران هما: عدم اشتراك الامام الحسين (ع) فيها، وثبوت اشتراك أبي أيّوب الانصاري (ره) فيها.

الرواية الثانية

قال ابن عساكر أيضا: أخبرنا أبومحمّد طاهر بن سهل بن بشر، أخبرنا أ بوالحسن عليّ بن الحسن ابن صصرى إجازة، أخبرنا أبومنصور طاهر بن العبّاس بن منصور المروزي العماري بمكّة، أخبرنا أبوالقاسم عبيداللّه بن محمّد بن أحمد بن جعفر السقطي بمكّة، أخبرنا إسحق بن محمّد بن إسحق السوسي، أخبرنا أبوعمر الزاهد:

أخبرنا عليّ بن محمّد بن الصائغ، حدّثني أبي: قال:

رأيت الحسين بن عليّ بن أبي طالب بعينيّ وإلّا فعميتا، وسمعته باءذنيّ وإلّا فصمتا، وفد على معاوية بن أبي سفيان زائرا فاءتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيبا

فقال له رجل من القوم: يا اميرالموءمنين إئذن للحسين بن عليّ يصعد المنبر.

فقال معاوية: ويلك، دعني أفتخر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا ابن بطحاء مكّة؟

فقال الحسين (ع): إي‌والذي بعث جدّي بالحقّ بشيرا!

ثمّ قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا خال المؤ منين؟

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:306

فقال: إي‌والذي بعث جدّي نبيّا!

ثمّ قال: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، أليس أنا كاتب الوحي؟

فقال: إي‌والذي بعث جدّي نذيرا!

ثمّ نزل معاوية، فصعد الحسين بن عليّ، فحمد اللّه عزّ وجلّ بمحامد لم يحمده الاوّلون والاخرون، ثمّ قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن جبرئيل (ع)، عن ربّه عزّ وجلّ: أنّ تحت قائمة كرسيّ العرش ورقة آسٍ خضرأ مكتوب عليها: لاإله إلّااللّه، محمّد رسول اللّه، يا شيعة آل محمّد، لاياءتي أحد منكم يوم القيامة يقول لاإله إلّااللّه إلّا أدخله اللّه الجنّة.

قال: فقال معاوية بن أبي سفيان: ساءلتك باللّه يا أباعبداللّه، من شيعة آل محمّد؟

فقال: الذين لايشتمون الشيخين أبابكر وعمر، ولايشتمون عثمان، ولايشتمون أبى، ولايشتمونك يا معاوية!

ثمّ قال ابن عساكر: هذا حديث مُنكَر، ولا أرى إسناده متّصلا إلى الحسين، واللّه أعلم). «1»

إضافة إلى هذا، فإ نّ عليّ بن محمّد الصائغ الراوي عن أبيه في سند هذه الرواية ممّن ضعفهم الخطيب أبوبكر على ما في (ميزان الاعتدال، 3: 153 رقم 5924 (وكذلك في (لسان الميزان، 4: 254 رقم 691 (.

وفي السند أيضا من هو مجهول مثل المروزي العماري (لا ترجمة له في كتب الرجال المعروفة).

فالرواية لايُعبَاء بها سندا ... أما متنها فيغني عن متابعة سندها لما فيه من


(1) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع المحمودي: 8، حديث 6.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:307

افترأ واضح على الامام (ع)، حتّى أنكره ابن عساكر نفسه الذي قد يغفل عن روايات منكرة كثيرة أو قد يغضّ الطرف عنها!

نعم، في متن هذه الرواية نصّ تؤ يّده وتسنده روايات أخرى عندنا، وهو:

(لاإله إلّااللّه، محمّدا رسول اللّه، يا شيعة آل محمّد، لاياءتي أحدٌ منكم يوم القيامة يقول لاإله إلّااللّه إلّا أدخله اللّه الجنّة).

غير أنّ صاحب الافترأ في هذه الرواية نسج حول هذا النصّ الادعاءات الاخرى الكاذبة! المنافية للماءثور عن نهج وسيرة أبي عبداللّه (ع).

إنّ سيرة الامام الحسين (ع) شاهدة على أنّه ما خطب في محفل عام إلّا ونشر من فضائل أهل البيت (ع) وفضل شيعتهم ما تشرأبّ له الاعناق وتهفو له الارواح، وكشف عن نقائص ومثالب أعدائهم من بني أميّة وغيرهم ما تشمئزّ منه النفوس.

والعارف بمنسوجات الاعلام الامويّ ومفتعلاته من الروايات التي تصبّ في مجرى تنظيف سمعة معاوية وعثمان وبعض الصحابة ممّن ليس لهم منقبة تُذكر في حياة النبىٍّ (ص) يعلم من نسق المتن أنّ هذه الرواية من تلك المفتعلات المكذوبة والمنسوجات الموهومة.

الرواية الثالثة

(وقال عمر بن سُبينة: حجّ يزيد في حياة أبيه، فلمّا بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستاءذن عليه ابن عبّاس والحسين فقيل له: إنّ ابن عبّاس إن وجد ريح الشراب عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلمّا دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب.

فقال: للّه درُّ طيبك ما أطيبه! فما هذا؟

قال: هوطيب يصنع بالشام.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:308

ثمّ دعا بقدح فشربه، ثمّ دعا ب‌آخر، فقال: إسق أباعبداللّه.

فقال له الحسين: عليك شرابك أيّها المرء لا عين عليك منّي!

فقال يزيد:

ألا يا صاح للعجب دعوتك ثمّ لم تجب

إلى الفتيات والشهوات والصهباء والطرب

وباطية مكلّلة عليها سادة العرب

وفيهنّ التي تبلت فؤ ادك ثمّ لم تتب

فنهض الحسين وقال: بل فؤ ادك يا ابن معاوية تبلت). «1»

إنّ عمر بن سُبينة أو (عمر بن سبيئة: كما في الكامل في التاءريخ: 317: 3 (إدارة الطباعة المنيريّة مصر الطبعة الاولى) أو عمر بن سمينة على إحتمال ثالث، ليس د له ترجمة في كتب الرجال المعروفة. أمّا احتمال كونه عمر بن سفينة فقد قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال: (لايُعرف ... وقال البخاري إسناده مجهول) «2» وعلى احتمال كونه عمر بن شيبة؛ فقد قال فيه الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال: (مجهول). «3»

أمّا من جهة محتواها فهو أيضا يغنينا في تكذيبها عن متابعة نوع سندها، ذلك لا نّه على فرض أنّ يزيد قد ذهب للحجّ فعلا، فقد ذهب في السنين الاواخر من عمر أبيه معاوية، والاقوى أن أباه دفعه إلى الحجّ بعد أو أثناء محاولاته لا خذ البيعة له بولاية العهد من بعده، لتشيع عنه مقالة الايمان والصلاح


(1) الكامل في التاءريخ، 4: 127.

(2) ميزان الاعتدال، 3: 201.

(3) نفس المصدر، 3: 205.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:309

والتقوى خدعة، ودلائل هذه الحقيقة عديدة منها أنّ معاوية لما أراد أن ياءخذ البيعة ليزيد من الناس، طلب من زياد أن ياءخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: (فما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبّغ ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبداللّه بن عبّاس، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر!؟

ولكن تاءمره ويتخلّق باءخلاق هؤ لاء حولا أو حولين، فعسانا أن نُمَوِّه على الناس!!). «1»

وهذا دليل على أنّ خدعة التخلّق بمظاهر التديّن في حياة يزيد إنّما كانت تمهيدا لا خذ البيعة له بولاية العهد، وما كان هذا إلّا بعد وفاة الامام الحسن (ع)، أي في العقد الاخير من حياة معاوية.

وقد نصّ اليعقوبي في تاءريخه أنّ يزيد وليَ الحجّ سنة إحدى وخمسين للهجرة، «2» وكذلك قال ابن الاثير في تاءريخه، «3» وكذلك قال الطبري في تاءريخه. «4»

وفي تلك الايّام، كان فسق وفجور يزيد أظهر من أن يخفى على أكثر الناس بدليل نفس نصّ جواب زياد لمعاوية! فكيف يخفى ذلك على الحسين (ع)!؟

في تلك الايّام خاطب الامام الحسين (ع) معاوية بصدد يزيد قائلا:

(وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لا مّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد كاءنّك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عمّا كان


(1) تأريخ اليعقوبي، 2: 220.

(2) نفس المصدر، 2: 239.

(3) الكامل في التاءريخ، 3: 490.

(4) تاريخ الطبري، 4: 213.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:310

ممّا احتويته بعلم خاصّ! وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عندالتحارش، والحمام السُّبَّق لا ترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول ...). «1»

وفي تلك الايّام قال (ع) لمعاوية أيضا:

(... هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر مشتري اللهو خير منّي ...!؟). «2»

إذا كان هذا، فكيف نصدّق أنّ الامام الحسين (ع) يستاءذن للدّخول على يزيد في المدينة، وهو على هذه المعرفة التامّة بفسق يزيد وفجوره!؟

أليس في دخوله عليه ومجالسته معنى التاءييد والدعم له!؟ وكيف يوافق هذا معارضة الامام (ع) الشديدة والصريحة لمعاوية في مساءلة البيعة ليزيد!؟ إنّ هذا ما لايفعله مؤ من عاديّ يدرك الاثر السياسي والاجتماعي لمثل هذا الفعل، فما بالك بالا مام الحسين (ع)!؟ وهو يعلم أنّ في كلّ حركة أو سكنة منه إشارة ذات معنى للا مّة.

ثمّ كيف يجسر يزيد على مثل هذا التصرّف بمحضر الامام (ع) على فرض أنّهما اجتمعا فعلا خصوصا وأن سفر يزيد إلى مكّة والمدينة كان لا ظهار تديّنه وصلاحه وإظهار لياقته للخلافة!؟

لقد علّق المؤ رّخ المصري الشيخ عبدالوهّاب النجّار في حاشية (الكامل في التاءريخ) على هذه الرواية قائلا:


(1) الامامة والسياسة، 1: 187.

(2) نفس المصدر، 1: 190.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:311

(أعتقد أنّ هذه الابيات مصنوعة منحولة، فلم يكن يزيد من البلاهة بحيث يعرض د ذلك على الحسين ويوجد عليه مقالا، وإذا نظرنا من جهة أخرى إلى أنّ معاوية إنّما ولّى ابنه الحجّ لتشيع عنه قالة الخير، ويوصف بالدين والتقوى، فلانشك في أنّ يزيد كان في حجّه يتسمّت ويظهر التمسّك بالدين وهذا ينافي هذه الرواية. وقد أحسن ابن جرير (الطبري) كلّ الاحسان في إهمالها ولعلّها اخترعت بعد زمانه!). «1»

الرواية الرابعة

(وأخبرنا محمّد بن أبي الازهر قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثنا أبوزيد عمر بن شبّة قال: حدّثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن جويريّة بن أسماء قال:

لمّا أراد معاوية البيعة ليزيد ولده كتب إلى مروان وهو عامله على المدينة، فقرأ كتابه وقال: إنّ اميرالموءمنين قد كبر سنّه ودقَّ عظمه، وقد خاف أن ياءتيه أمر اللّه تعالى فيدع الناس كالغنم لا راعي لها، وقد أحبّ أن يُعلِمَ عَلَما ويقيمَ إماما!

فقالوا: وفّق اللّه اميرالموءمنين وسدّده، ليفعل!

فكتب بذلك إلى معاوية، فكتب إليه: أن سمِّ يزيد!

قال: فقرأ الكتاب عليهم وسمّى يزيد، فقام عبدالرحمن بن أبي بكر (ر).

فقال: كذبت واللّه يا مروان وكذب معاوية معك! لايكون ذلك! لاتُحدِثوا علينا سنّة الروم! كلّما مات هرقل قام مكانه هرقل!

فقال مروان: إنّ هذا الذي قال لوالديه: اءُفٍّ لكما اءتعدانني اءن اءُخرج. قال:

فسمعت ذلك عائشة (رض) فقالت: ألا بن الصديق يقول هذا!؟ استروني.


(1) الكامل في التاءريخ، 3: 317 إدارة الطباعة المنيرية مصر الطبعة الاولى.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:312

فستروها، فقالت: كذبت واللّه يا مروان، إنّ ذلك لرجلٌ معروف نسبه.

قال: فكتب بذلك مروان إلى معاوية، فاءقبل، فلمّا دنا من المدينة استقبله أهلها، فيهم عبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير والحسين بن علي وعبدالرحمن بن أبي بكر رضوان اللّه عليهم أجمعين.

فاءقبل على عبدالرحمن بن أبي بكر فسبّه فقال: لا مرحبا بك ولا أهلا!

فلمّا دخل الحسين (ع) قال: لا مرحبا بك ولا أهلا، بَدَنَةٌ يترقرق دمها واللّه مهريقه!

فلمّا دخل ابن الزبير قال: لا مرحبا بك ولا أهلا، ضبُّ تلعة مدخلٌ رأسه تحت ذنبه!

فلمّا دخل عبداللّه بن عمر قال: لا مرحبا بك ولا أهلا وسبّه.

فقال: إنّي لست باءهل لهذه المقالة.

قال: بلى، ولما هو شرّ منها!

قال: فدخل معاوية المدينة وأقام بها، وخرج هؤ لاء الرهط معتمرين، فلمّا كان وقت الحجّ خرج معاوية حاجّا.

فاءقبل بعضهم على بعض فقالوا: لعلّه قد ندم!

فاءقبلوا يستقبلونه. قال: فلمّا دخل ابن عمر قال: مرحبا بك وأهلا بابن الفاروق، هاتوا لا بي عبدالرحمن دابّة! وقال لابن أبي بكر: مرحبا بابن الصدّيق، هاتوا له دابّة! وقال لابن الزبير: مرحبا بابن حواريّ رسول اللّه، هاتوا له دابّة! وقال للحسين: مرحبا بابن رسول اللّه، هاتوا له دابّة!

وجعلت ألطافُه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس، ويُحسن إذنهم وشفاعتهم.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:313

قال: ثمّ أرسل إليهم!

فقال بعضهم لبعض: من يكلّمه؟

فاءقبلوا على الحسين فاءبى!

فقالوا لابن الزبير: هات، فاءنت صاحبنا.

قال: على أن تعطوني عهد اللّه ألّا أقول شيئا إلّا تابعتموني عليه!

قال: فاءخذ عهودهم رجلا رجلا، ورضي من ابن عمر بدون ما رضي به من صاحبيه.

قال: فدخلوا عليه، فدعاهم إلى بيعة يزيد، فسكتوا!

فقال: أجيبوني. فسكتوا!

فقال: أجيبوني. فسكتوا!

فقال لابن الزبير: هات، فاءنت صاحبهم!

قال: إخترْ منّا خصلة من ثلاث!

قال: إنّ في ثلاث لمخرجا.

قال: إمّا أن تفعل كما فعل رسول اللّه (ص).

قال: ماذا فعل؟

قال: لم يستخلف أحدا!

قال: وماذا؟

قال: أو تفعل كما فعل أبوبكر.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:314

قال: فعل ماذا؟

قال: نظر إلى رجل من عرض قريش فولّاه!

قال: وماذا؟

قال: أو تفعل كما فعل عمر بن الخطّاب.

قال: فعل ماذا!؟

قال: جعلها شورى في ستّة من قريش!

قال: ألاتسمعون!؟ إنّي قد عوّدتكم على نفسي عادة، وإنّي أكره أن أمنعكموها قبل أن أبيّن لكم، إن كنت لاأزال أتكلّم بالكلام فتعترضون عليّ فيه، وتردّون عليّ، وإنّى قائم فقائل مقالة، فإ يّاكم أن تعترضوا حتّى أتمّها، فإن صدقت فعليَّ صدقي، وإن كذبتُ فعليَّ كذبي، واللّه لاينطق أحدٌ منكم في مقالتي إلّا ضربتُ عنقه!

ثمّ وكّل بكلّ رجل من القوم رجلين يحفظانه لئلّا يتكلّم ...

وقام خطيبا فقال: إنّ عبداللّه بن عمر وعبداللّه بن الزبير والحسين بن علي وعبدالرحمن بن أبي بكر قد بايعوا، فبايعوا.

فانجفل الناس عليه يبايعونه، حتّى إذا فرغ من البيعة ركب نجائبه فرمى إلى الشام وتركهم. فاءقبل الناس على الرهط يلومونهم!

فقالوا: واللّه ما بايعنا، ولكن فعل بنا وفعل). «1»

ورواها ابن الاثير مرسلة بتفاوت في كتابه الكامل في التاءريخ، «2» وفيها:

أنّ معاوية قال لابن الزبير أخيرا: هل عندك غير هذا!؟


(1) كتاب الامالي النوادر منه لا بي علي القالي، 3: 175 176، دارالكتب العلميّة بيروت.

(2) الكامل في التاءريخ، 3: 508 511.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:315

قال: لا.

ثمّ قال: فاءنتم!؟

قالوا: قولنا قوله!

كما رواها ابن قتيبة مرسلة بتفاوت أيضا في الامامة والسياسة. «1»

ويكفي في مناقشة سندها أن نقول إنّ الراوي الذي ينتهي إليه سند هذه الرواية هو جويريّة بن أسماء الذي قال فيه الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع): (وأمّا جويريّة فزنديق لايفلح أبدا). «2»

وأمّا أوّل رجل في سندها، وهو محمّد بن أبي الازهر فقد قال الذهبي في ترجمته: (يروي عن الزبير بن بكّار، فيه ضعف وقد تُرك، واتُّهم وقيل بل هو متّهم بالكذب. قال الخطيب: قد وضع أحاديث). «3»

فالرواية ساقطة سندا.

أمّا متنها فقد احتوى على ما تاءباه ساحة الحسين (ع) المقدّسة وتتنزّه عنه، من قبيل سكوته وهو صاحب شعار (هيهات منّا الذلّة) على الاهانة التي وجّهها إليه معاوية عندما لقيه على مشارف المدينة حيث قال له بزعم هذه الرواية:

(لا مرحبا بك ولا أهلا، بدنة يترقرق دمها واللّه مهريقه!).

ومن قبيل تفويض الامر لابن الزبير ليكون ناطقا باسم كبّار المعارضين، والامام الحسين (ع) يعلم من هو ابن الزبير وما هي دوافعه للمعارضة! ويعلم انحراف عقيدته! ويعلم رأيه في أهل البيت (ع) وفي قضيّة الخلافة بالذات التي


(1) الامامة والسياسة، 1: 190 191.

(2) إختيار معرفة الرجال رجال الكشّي، 2: 700، حديث 742.

(3) ميزان الاعتدال، 4: 35، دارالفكر.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:316

هي أساس المحاجّة مع معاوية!!

فكيف يمكن للا مام (ع) أن يُمضي قول ابن الزبير وادّعاءه أنّ رسول اللّه (ص) قبض ولم يستخلف أحدا!؟

أليس إمضاء هذا القول إقرارا بالمغالطة الكبرى التي اءُغتُصبت بها الخلافة، وتنازلا عن مبدأ القول بالنصّ على خلافة عليّ (ع)!؟

هذا فضلا عن أنّ الامام (ع) لاتنقصه الجرأة والقدرة والبلاغة على مخاطبة معاوية بما هوالحقّ، وكلّ مواقف الامام (ع) مع معاوية شاهدة على جرأته في الصدع بالحقّ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر!

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:317

الفصل الرابع بداية رحلة الفتح بالشهادة

اشارة

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:373 الفصل الرابع بداية رحلة الفتح بالشهادة

لماذا لم يبق الامام (ع) في المدينة المنوّرة؟

لماذا عزم الامام الحسين (ع) على ترك المدينة المنوّرة وآثر الخروج منها؟

ألم يكن له فيها ماءمنٌ مع كثرة من فيها من بني هاشم والصحابة من مهاجرين وأنصار وكثرة من فيها من التابعين!؟

هل كان هناك من يستطيع أن يجسر على قتال الامام الحسين (ع) في المدينة ومواجهته فيها مواجهة عسكريّة علنيّة مع ما كان يتمتّع به الامام (ع) من قدسيّة خاصّة ومنزلة سامية وشاءن رفيع في قلوب أهل المدينة!؟

هل كان ثَمَّ احتمال لاغتيال الامام (ع) في المدينة!؟

وهل كان خروج الامام (ع) (خائفا يترقّب) خشية من تحقّق هذا الامر خوفا على نفسه الشريفة وعلى صفوة أنصاره من أهل بيته وأصحابه!؟

أم أنّ الامام (ع) أراد من ورأ كلّ ذلك أمرا آخر؟

لايخفى على متاءمّل أنّ احتمال وقوع مواجهة عسكريّة في المدينة بين الامام (ع) وأنصاره من جهة وبين قوّات السلطة الامويّة من جهة أخرى كان احتمالا قويّا بسبب رعونة يزيد بن معاوية التي تجسّدت في أوامره المشدّدة لوالي المدينة آنئذٍ الوليد بن عتبة بقتل الامام الحسين (ع) في حال رفضه

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:374

البيعة، خصوصا في رسالته الاخيرة إلى الوليد الذي ذكر له في رسالة بعد لقائه بالا مام (ع) وإعلان الامام (ع) رفضه المبايعة: (أنّه ليس يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة)، «1» حيث غضب يزيد لذلك غضبا شديدا، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، وكتب إلى الوليد قائلا: (من عبداللّه يزيد اميرالموءمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعدُ: فإ ذا ورد عليك كتابي هذا، فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبداللّه بن الزبير فإ نّه لن يفوتنا ولن ينجو منّا أبدا مادام حيّا، وليكن مع جوابك إليَّ رأس الحسين بن عليّ، فإ ذا فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنّة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظّ الاوفر والنعمة واحدة، والسلام). «2»

وعلى فرض أنّ والي المدينة الوليد بن عتبة لم يكن ليمتثل لا مر يزيد بقتل الامام (ع)، حيث يروي التاءريخ أنّه لمّا ورد عليه كتاب يزيد قال: (لا واللّه لايراني اللّه قاتل الحسين بن عليّ، وأنا لاأقتل ابن بنت رسول اللّه (ص) ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها)، «3» فإن يزيد لن يُعدم أمويّين آخرين يُسارعون إلى تنفيذ أوامره بقتل الامام (ع)، من أمثال مروان بن الحكم وأضرابه، وحادثة المواجهة المسلّحة التي كادت أن تقع بين الامويّين بقيادة مروان بن الحكم وبين بني هاشم في يوم دفن الامام الحسن (ع) خير شاهد على ذلك.

لكنّ المتاءمّل يجد أنّ الامويّين أنفسهم لايرون هذا الاختيار أفضل من اختيار اغتيال الامام الحسين (ع) في صورة غامضة يمكنهم فيها الظهور بمظهر البُرَآء من دمه، بل ويمكنهم فيها تمثيل دور المطالب بدمه، فيتقرّبون بذلك


(1) الفتوح، 5: 18.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:375

إلى قلوب الامّة ويفوزون بميلها إليهم.

إنّ من الامويّين نخبة من أهل الدهاء والتخطيط والتدبير، كما إنّ فيهم جماعة من الحمقى وذوي الخرق والاعتساف، ولا شك أنّ أهل الدهاء على منهج معاوية في التخلّص من أعدائه يرجّحون أسلوب الاغتيال على أسلوب المواجهة المسلّحة المكشوفة.

لقد كان احتمال الاغتيال هو الاحتمال الاكبر، وقد حسب له الامام الحسين (ع) حسابه الواقعي فاستبق الاحداث زمنيا تحسّبا من تحقّقه وخرج من المدينة.

وكفى برسائل يزيد إلى الوليد بن عتبة دليلا على عزم يزيد وتصميمه على اغتيال الامام (ع) بشكل غامض أو صريح، غير أنّ من الدلائل التاءريخيّة الاخرى على ذ لك ما ورد في رسالة ابن عبّاس إلى يزيد حيث خاطبه فيها قائلا: (... وما أنسَ من الاشياء، فلستُ بناس اطّرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه إلى حرم اللّه، ودسّك عليه الرجال تغتاله، فاءشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفا يترقّب، وقد كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديما، وأعزّ أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لوتبوّأ بها مقاما واستحلّ بها قتالا، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة رسول اللّه، فاءكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست عليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم ...)، «1» فهذا المقطع من رسالة ابن عبّاس كاشف عن أنّ يزيد سعى إلى اغتيال الامام (ع) في المدينة كما سعى إلى ذ لك في مكّة المكرّمة.

واستباقا لما هو متوقّع الحدوث، فقد خرج الامام (ع) بركبه من المدينة، إذ لم تعد مدينة رسول اللّه (ص) ماءمنا لابن بنت رسول اللّه (ص)!!


(1) تأريخ اليعقوبي، 2: 248 249.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:376

وصحيح أنّه (ع) كان قد خرج من المدينة خشية الاغتيال خوفا على نفسه الشريفة، وخوفا من أن تهتك حرمة حرم رسول اللّه (ص) بقتله غيلة أو في مواجهة مسلّحة، لكنّ الصحيح في العمق أيضا أنّ هذا الخوف كان يقع ضمن إطار خوفٍ أكبر، وهو خوفه (ع) من أن تخنق ثورته المقدّسة قبل اشتعالها بقتله غيلة في المدينة في ظروف زمانيّة ومكانيّة وملابسات مفتعلة يقوم بإ عدادها وإخراجها الامويّون أنفسهم، يستطيعون من خلالها الاستفادة حتّى من حادثة قتله لصالحهم إعلاميا فتبقى ماءساة الاسلام على ما هي عليه، بل تترسّخ المصيبة وتشتدّ!!

كان الامام (ع) حريصا على أن يتحقّق مصرعه الذي كان لابدّ منه ما لم يبايع في ظروف زمانيّة ومكانيّة يختارها هو (ع)، لايتمكّن العدوّ فيها أن يعتمّ على مصرعه، أو أن يستفيد من واقعة قتله لصالحه، فتختنق الاهداف المنشودة من ورأ هذا المصرع الذي أراد منه (ع) أن تهتزّ أعماق وجدان الامّة لتتحرّك بالا تّجاه الصحيح الذي أراده (ع) لها.

فكان خروجه (ع) من المدينة وكذلك من مكّة في الاصل انفلاتا بالثورة المقدّسة من طوق الحصار والتعتيم الامويّ، إضافة إلى خوفه (ع) من أن تهتك حرمة أحد الحرمين الشريفين بقتله.

الليلة أو الليلتان الاخيرتان في المدينة:

لنعد إلى مجرى أحداث القصّة في المدينة المنوّرة بعد لقاء الامام الحسين (ع) بوالي المدينة الوليد بن عتبة، ذلك اللقاء الذي أعلن (ع) فيه رفضه للبيعة، كما أعلن فيه أنّه أحقّ الناس بالخلافة.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:377

وقد يتساءل المتابع قائلا: كم بقي الامام الحسين (ع) في المدينة المنوّرة بعد ذلك اللقاء الساخن المشحون بالتوتّر؟

ولايقع المتابع في هذه المساءلة على جواب تاءريخيّ واحد، لا نّ المصادر التاءريخيّة قد اختلفت في الاجابة عن هذا السؤ ال، فالسيّد بن طاووس (ر) في كتابه اللهوف، يقول: (قال رواة حديث الحسين (ع) مع الوليد بن عتبة ومروان: فلمّا كان الغداة توجّه الحسين (ع) إلى مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين ...). «1» وهذا يعني أنّ الامام (ع) لم يبق بعد ذلك اللقاء إلّا سواد تلك الليلة نفسها حيث خرج أوّل صبحها من المدينة!! وهذا لاينسجم من حيث سعة الوقت مع الاخبار التي تتحدّث عن ذهابه إلى زيارة قبر جدّه (ص) مرّتين، وذهابه إلى زيارة قبر أمّه وأخيه (ع)، ولقائه مع كلٍّ من أمّ سلمّة رضى اللّه عنها ومحمّد بن الحنفيّة (ر)، وعمر الاطرف، ونساء بني هاشم، ومروان بن الحكم وغيرهم ... فسواد تلك الليلة لايتّسع لكلّ ذلك، فضلا عن الوقت الذي يستلزمه الاعداد للرّحيل، فضلا عن أنّ لقاءه (ع) مع الوليد بن عتبة كان في ساعة متاءخّرة من تلكم الليلة.

و تقول بعض المصادر الاخرى: (وخرج الحسين في الليلة الاتية باءهله وفتيانه، وقد اشتغلوا عنه بابن الزبير، فلحق بمكّة). «2»


(1)

اللهوف: 13.

(2) تذكرة الخواصّ: 214؛ وهذا يوافق ما في إرشاد المفيد 4: 222 حيث يقول: فاءقام الحسين ع في منزله تلك الليلة يعني ليلة لقاء الوالي وهي ليلة السبت لثلاثٍ بقين من رجب سنة ستّين من الهجرة ... فكفّوا تلك الليلة عنه ولم يلّحوا عليه، فخرج الحسين ع من تحت ليلته وهي ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة ....

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:378

وهذا يعني أنّ الامام (ع) قد خرج في الليلة التي تلت ليلة اللقاء مع الوالى، لكنّ هذا المصدر التاءريخي نفسه (تذكرة الخواصّ) ينقل بعد ذلك مباشرة هذا الخبر: (وقال أبوسعيد المقري: سمعت الحسين (ع) يتمثّل تلك الليلة وهو خارج من المسجد بقول ابن مفرغ: «1»

لا ذعرت السوام في غسق الصبح مغيرا ولا دعوت يزيدا

يوم اءُعطي من المهانة ضيما والمنايا يرصدنني اءن اءَحيدا

قال: فقلت في نفسي ما تمثّل بهذين البيتين إلّا لشيٍ يريده، فخرج بعد ليلتين إلى مكّة). «2»

ويستفاد من هذا الخبر أنّ الامام (ع) قد خرج بعد ليلتين من ليلة اللقاء بالوليد بن عتبة، كما يستفاد منه أيضا أنّه (ع) زار قبر جدّه (ص) زيارته الاولى في نفس ليلة اللقاء «3» في الساعات الاخيرة منها.

وهذا عموما يوافق المستفاد أيضا من سرد ابن أعثم الكوفي لمجريات أحداث القصّة في كتابه الفتوح. «4»

يقول التاءريخ:

(وخرج حسين بن عليّ من منزله ذات ليلة (وهى ذات ليلة اللقاء بالوليد


(1) هو يزيد بن مفرغ الشاعر المشهور، وقد روي البيت في مصادر أخرى بتفاوت يسير.

(2) تذكرة الخواصّ: 214.

(3) كما رجّح ذلك السيّد المقرّم في كتابه المقتل: 131؛ حيث يقول: وفي هذه الليلة زار الحسين قبر جدّه ص فسطع له نور من القبر ....

(4) راجع الفتوح، 5: 16 22.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:379

بن عتبة كما بيّنّا)، وأتى إلى قبر جدّه (ص) فقال:

السلام عليك يا رسول اللّه، أنا الحسين بن فاطمة، أنا فرخك وابن فرختك، وسبطك في الخلف الذي خلّفت على أمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ اللّه أنّهم قد خذلوني وضيّعونى، وأنّهم لم يحفظوني، وهذه شكواي اليك حتّى ألقاك صلّى الله عليك وسلّم.

ثمّ وثب قائما وصفّ قدميه، ولم يزل راكعا وساجدا ...

قال: وأرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر هل خرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله فقال: الحمدللّه الذي لم يطالبني اللّه عزّ وجلّ بدمه، وظنّ أنّه خرج من المدينة.

قال: ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح!) «1»

(قال: وأصبح الحسين من الغد، خرج من منزله ليستمع الاخبار، فإ ذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه ...). «2»

لنتابع ما حدث في الليلة الثانية ...

يقول صاحب الفتوح: (... فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضا فصلّى ركعتين، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول:

أللّهمّ، هذا قبر نبيّك محمّد، وأنا ابن بنت محمّد وقد حضرني من الامر ما قد علمت، أللّهمّ وإنّي أحبّ المعروف وأكره المنكر، وأنا أساءلك يا ذا الجلال والاكرام بحقّ هذا القبر ومن فيه إلّا ما اخترت من أمري هذا ما هو لك


(1) الفتوح، 5: 18؛ وفي بحار الانوار، 44: 327 328 بتفاوت يسير.

(2) الفتوح، 5: 16 17 وقد ذكرنا تفصيل هذه اللقاء بين الامام ع وبين مروان فيالفصل الثالث تحت عنوان: مروان ... والغرض المزدوج، فراجع.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:380

رضى.

قال: ثمّ جعل الحسين (ع) يبكي، حتّى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فاءغفى ساعة، فرأى النبيّ (ص) قد أقبل في كبكبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه.

وقال: يا بنيّ يا حسين، كاءنّك عن قريب أراك مقتولا مذبوحا باءرض كرب وبلاء من عصابة من أمّتي، وأنت في ذلك عطشان لاتُسقى، وظم‌آن لاتروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم!، لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عنداللّه من خلاق. حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليّ، وهم إليك مشتاقون. وإنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشهادة.

قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جدّه (ص) ويسمع كلامه ..

وهو يقول: يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبدا، فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك.

قال: فقال له النبيّ (ص): يا حسين، إنّه لابدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى ترزق الشهادة وما كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم، فإ نّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة). «1»

... وانتبه الامام (ع) وقصّ رؤ ياه على أهل بيته وبني عبدالمطلّب (فلم يكن


(1) الفتوح، 5: 18 19: و ورد في الهامش: قال الحدّادي: فرفع النبي ص يده ورأسه إلى السماء فقال: أللّهمّ أفرغ على حبيبي الصبر وأعظم له الاجر. عن هامش المقتل.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:381

ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشدّ غمّا من أهل بيت الرسول (ص) ولا أكثر منه باكيا ولا باكية.) «1»

ويقول صاحب الفتوح: (وتهيّاء الحسين بن علي (ع) وعزم على الخروج من المدينة ومضى في جوف الليل إلى قبر أمّه فصلّى عند قبرها وودّعها ثمّ قام عن قبرها وصار إلى قبر أخيه الحسن (ع) ففعل مثل ذلك، ثمّ رجع إلى منزله.

وفي وقت الصبح أقبل أخوه محمّد بن الحنفية). «2»

ومع أنّ ابن أعثم لم يحدّد أيّة ليلة كانت تلك الليلة التي زار فيها الامام (ع) قبر أمّه وقبر أخيه (ع)، إلّا أنّ القرينة في قوله: (وفي وقت الصبح أقبل إليه أخوه محمّد) كاشفة عن أنّ تلك الليلة هي الليلة التي سبقت ليلة السفر إلى مكّة، لا نّ لقاء أخيه محمّد معه (ع) كان في آخر نهار له (ع) في المدينة (على ما في الفتوح) كما سياءتي.

لقاءات الوداع في المدينة

اشارة

وفي غضون هذه الفترة الوجيزة هرع إلى الامام (ع) رجال ونساء من بني هاشم ومن غيرهم يودّعونه ويتزوّدون من رؤ يته قبل الفراق، وقد سجّل لنا التاءريخ بعض هذه اللقاءات المشحونة بالحزن والاسى والقلق والخوف على الامام (ع).


(1) الفتوح، 5: 18 19 وممّا يؤ سف له أنّ ابن أعثم الكوفي في هذا الخبر يقع في الغفلة أو الجهل وأخذ عنه ذلك مؤ رّخون آخرون حيث يقول: فانتبه الحسين من نومه فزعا مذعورا فقصّ رؤ ياه ...!! تُرى هل يمكن أن يفزع سيّد الشهدأع ويذعر من بشرى الشهادة والدرجة الرفيعة!؟ أم يزداد سرورا وأنسا؟ وهو الذي كان يترقّب ه ذه الشهادة ويخبر الناس عنها منذ طفولته!!

(2) الفتوح، 5: 19 20.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:382

ونحن نذكر هنا من هذه اللقاءات ما هو متيقّن الحدوث في المدينة، وأمّا ما لم نقطع تحقيقا بحدوثه في المدينة، أو في مكّة، فسوف نذكره ضمن لقاءات الامام (ع) في مكّة لوجود قرينة تجعله مظنون الحدوث في مكّة.

عزأ نساء بني عبدالمطّلب‌

عن الامام الباقر (ع) أنّه قال: (لمّا همّ الحسين (ع) بالشخوص عن المدينة أقبلت نساء بني عبدالمطّلب، فاجتمعن للنياحة حتّى مشى فيهنّ الحسين (ع) فقال: اءُنشدكنَّ اللّه اءن تُبدين هذا الامر معصية للّه ولرسوله.

قالت له نساء بني عبدالمطّلب: فَلِمَ نستبقي هذه النياحة والبكاء؟ فهو عندنا كيومٍ مات فيه رسول اللّه (ص) وعليّ (ع) وفاطمة (س) ورقيّة وزينب وأمّكلثوم، فننشدك اللّه، جعلنا اللّه فداك من الموت، فيا حبيب الابرار من أهل القبور.

وأقبلت بعض عمّاته تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجنّ ناحت بنوحك، وهم يقولون:

وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشمٍ أذلّ رقابا من قريشٍ فذلّتِ

حبيب رسول اللّه، لم يك فاحشا أبانت مصيبتك الانوف وَجَلَّتِ

وقلن أيضا:

بكّوا حسينا سيّدا ولقتله شاب الشَّعَر ولقتله زُلزلتمُ ولقتله انكسف القمر

واحمرّت آفاق السماء من العشيّة والسحر وتغيّرت شمس البلاد بهم وأظلمت الكُوَر

ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلائق والبشر أورثتنا ذُلّا به جَدْعُ الانوف مع الغرر «1»


(1) كامل الزيارات: 96.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:383

وقد ذكر صاحب كتاب معالي السبطين: (ثمّ إنّ نساء بني هاشم أقبلن إلى أمّهاني عمّة الحسين (ع) وقلن لها: يا أمّ هاني، أنت جالسة والحسين (ع) مع عياله عازم على الخروج!؟

فاءقبلت أمّهاني، فلمّا رآها الحسين (ع) قال: أما هذه عمّتي أمّهاني؟

قيل نعم.

فقال: يا عمّة، ما الذي جاء بك وأنت على هذه الحالة!؟

فقالت: وكيف لاآتي، وقد بلغني أنّ كفيل الارامل ذاهب عنّي!؟

ثمّ إنّها انتحبت باكية، وتمثّلت باءبيات أبيها أبي طالب (ع):

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للا رامل

تطوف به الهلّاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

ثمّ قالت: سيّدي وأنا متطيّرة عليك من هذا المسير لهاتف سمعتُ البارحة يقول:

وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشم اءَذلَّ رقابا من قريش فذلّتِ

حبيب رسول اللّه، لم يك فاحشا أبانت مصيبته الانوف وجلّتِ

فقال لها الحسين (ع): يا عمّة لاتقولي من قريش، ولكن قولي (أذلّ رقاب المسلمين فذلّت).

ثمّ قال: يا عمّة، كلُّ الذي مقدّر فهو كائن لامحالة.

وقال (ع):

وما هم بقومٍ يغلبون ابن غالب ولكن بعلم الغيب قد قُدِّرَ الامرُ

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:384

فخرجت أمّ هاني من عنده باكية وهي تقول:

وما أمُّ هاني وحدها ساء حالَها خروج حسينٍ عن مدينة جدّه

ولكنّما القبرُ الشريف ومن به ومنبره يبكون من أجله فقده «1»

عزأ امّ المومنين امّ سلمة (رض):

وروي أنّه: (لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمة رضي اللّه عنها فقالت: يا بنيّ لاتحزنّي بخروجك إلى العراق، فإ نّي سمعت جدّك يقول:

يُقتل ولدي الحسين باءرض العراق في أرض يُقال لها كربلا.

فقال لها: يا أمّاه، وأنا واللّه أعلم ذلك، وإنّي مقتول لامحالة، وليس لي من هذا بدُّ، وإنّي واللّه لا عرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي اءُدفن فيها، وإنّي اءعرف من يُقتل من اءهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أمّاه اءُريك حفرتي ومضجعي.

ثمّ أشار إلى جهة كربلاء فانخفضت الارض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده.

فعند ذلك بكت أمُّ سلمة بكاءً شديدا، وسلّمت أمره إلى اللّه ...

فقال لها: يا أمّاه، قد شاء اللّه عزّ وجلّ أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مُشرَّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، ماءسورين مقيّدين وهم يستغيثون فلايجدون ناصرا ولا معينا.

وفي رواية أخرى:


(1) معالي السبطين، 1: 214 215 ولم يذكر المصدر الذي أخذ عنه هذا التفصيل.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:385

قالت أمّ سلمة: وعندي تربة دفعها إليَّ جدُّك في قارورة.

فقال: واللّه إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضا. ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة، وأعطاها إيّاها.

وقال: إجعليها مع قارورة جدّي، فإ ذا فاضتا دما فاعلمي أنّي قد قُتلت). «1»

امّ سلمة (رض) والودائع‌

وروي أنّه (لمّا توجّه الحسين (ع) إلى العراق دفع إلى أمّ سلمة رضي اللّه عنها زوج النبيّ (ص) الوصيّة والكتب وغير ذلك، وقال لها: إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما قد دفعت إليك.

فلمّا قُتل الحسين (ع) أتى علي بن الحسين (ع) أمَّ سلمة رضي اللّه عنها فدفعت إليه كلّ شي أعطاها الحسين (ع). «2»

وفي رواية أخرى: (وكتب الحسين (ع) وصيّة، وأودعها أمّ سلمة، وجعل طلبها منها علامةً على إمامة الطالب لها من الانام، فطلبها زين العابدين (ع). «3»

وهذا كاشف عن صدق ايمان أمّ المؤ منين (أمّ سلمة رضوان اللّه تعالى عليها) وجلالة شاءنها ومنزلتها الخاصّة عند أهل البيت (ع).

عمر الاطرف ومنطق المداهنة وحبّ السلامة!!

وروي عن عمر الاطرف بن الامام علىٍّ (ع) أنّه قال: (لمّا امتنع أخي


(1) بحار الانوار، 44: 331 332، باب 37؛ وفي الخرائج والجرائج، 1: 253 254، باب 4، حديث 7، مثلها بتفاوت.

(2) الغيبة للشيخ الطوسي: 195، حديث 109.

(3) الصراط المستقيم: 161 النصّ على زين العابدين ع.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:386

الحسين (ع) عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلت عليه فوجدته خاليا.

فقلت له: جُعلت فداك يا أباعبداللّه، حدّثني أخوك أبومحمّد الحسن عن أبيه (ع) ...

ثمّ سبقتني الدمعة، وعلا شهيقي، فضمّني إليه.

وقال: حدّثك أنّي مقتول؟

فقلت: حوشيتَ يا ابن رسول اللّه!

فقال: ساءلتك بحقّ أبيك، بقتلي خبّرك؟

فقلت: نعم، فلو لا ناولت وبايعت!!

فقال: حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (ص) أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بقرب تربته، فتظنُّ أنّك علمت ما لم أعلمه!؟ وإنّه لاأعطي الدنيّة من نفسي أبدا، ولتلقينّ فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذرّيتها من أمّته، ولايدخل الجنّة أحدٌ آذاها في ذرّيتها!!). «1»


(1) اللهوف: 11 12؛ وعمر الاطرف: هو عمر بن الامام اميرالموءمنين عليّ بن أبي طالب ع، وهو آخر من ولد له من الذكور، وأمّه الصهباء التغلبيّة، ولدته مع رقيّة بنت اميرالموءمنين ع توأما، ومات عمر بينبع وهو ابن سبع وسبعين سنة، وقيل خمس وسبعين راجع سفينة البحار، 272: 2؛ وهو ممّن تخلّف عن نصرة الامام الحسين ع ولم يذكر التاءريخ له عذرا في ذلك. وكان قد خاصم الامام السجّادع في صدقات النبيّ وأمير المؤ منين ع وآذاه لكنّ ذلك لم يمنع السجادع من مقابلة القطيعة بالصلة فزوّج ابنه محمّد بن عمر من ابنته خديجة بنت عليّع راجع البحار، 42: 93، باب 120، حديث 20؛ وقيل إنّ عمر أتى المختار من الحجاز فساءله المختار: هل معك كتاب محمّد بن الحنفيّة؟ فقال عمر: لا. فطرده المختار، وسار إلى مصعب بن الزبير، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمائة ألف درهم، وأقبل مع مصعب حتّى حضر الوقعة فقُتِلَ فيمن قُتل من الناس. راجع: الاخبار الطوال: 306 307.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:387

محمّد بن الحنفيّة ... النصيحة والوصيّة

في صباح آخر نهار للا مام الحسين (ع) في المدينة أقبل إليه أخوه محمّد بن الحنفيّة (ر)، وقد غلبه الاسى والحزن، وطغى عليه القلق والخوف على حياة الامام (ع)، وقد قلّب أوجه التفكير في الامر، ورأى أن يقدّم النصيحة بين يدي أخيه (ع)، فلمّا استقّر به المقام:

قال: (يا أخي أنت أحبُّ الناس إليّ، وأعزّهم عليّ، ولستُ أدّخر النصيحة لا حد من الخلق إلّا لك، وأنت أحقّ بها، تنحَّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الامصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعك الناس د وبايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لن يُنقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك ولاتذهب به مروّتك ولا فضلك، إنّي أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الامصار، فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لا وّل الاسنّة غرضا، فإ ذا خير ه ذه الامّة كلّها نفسا وأبا وأمّا أضيعها دما وأذلّها أهلا!!

فقال له الحسين (ع): فاءين أذهب يا أخي؟

قال: إنزل مكّة، فإن اطماءنّت بك الدار بها فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس إليه، فإ نّك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا.

فقال: يا أخي، قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:388

موفّقا. «1»

وفي رواية الفتوح: أخرج إلى مكّة، فإن اطماءنّت بك الدار فذاك الذي تحبُّ واءُحبُّ، وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإ نّهم اءنصار جدّك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوبا، وأوسع الناس


(1) الارشاد: 222 223؛ ومحمّد بن الحنفيّة: هو محمّد بن الامام عليّ بن أبي طالب ع: والحنفيّة لقب أمّه، وهي خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، وهي من سبي اليمامة الذين سبوا لولاية اميرالموءمنين ع وأرادوا بيعها فتزوّجها اميرالموءمنين ع، وكان محمّد 2 يتولّى الحسين ع ويتولّى عليّ بن الحسين ع بعد ما نطق له الحجر الاسود شاهدا بإ مامته.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:389

بلادا، وأرجحهم عقولا، فإن إطماءنّت بك أرض اليمن وإلّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد، لتنظر ما يؤ ول إليه أمر الناس ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين.

فقال له الحسين (ع): يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لما بايعتُ واللّه يزيد بن معاوية أبدا، وقد قال (ص): (أللّهمّ لاتبارك في يزيد).

قال: فقطع عليه محمّد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى معه الحسين ساعة ..

ثمّ قال: (جزاك اللّه يا أخي عنّي خيرا، ولقد نصحت وأشرتَ بالصواب، وأنا أرجو أن يكون إن شاء اللّه رأيك موفّقا مسدّدا، وإنّي قد عزمت على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّاءتُ لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي. وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم، ولاتخف عليّ شيئا من أمورهم). «1»

(ثمّ دعا الحسين (ع) بدواة وبياض وكتب هذه الوصيّة لا خيه محمّد:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا ما أوصى به الحسين بن علىٍّ بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة: أنّ الحسين يشهد أن لاإله إلّااللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور، وإنّي لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدّي (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علىٍّ بن أبي طالب (ع)، فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين، وهذه


(1) الفتوح، 5: 20 21.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:390

وصيّتي يا أخي إليك وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه اءُنيب.

قال: ثمّ طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمّد، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل). «1»

تاءمّل وملاحظات:

الامام (ع) في المدينة يتحدّث عن مصرعه في العراق!!

ملفتٌ للا نتباه أنّ الامام الحسين (ع) مع قصده المرحلي في الخروج من المدينة إلى مكّة المكرّمة كان قد أعلن لا هل بيته وشيعته عن قصده النهائي في الخروج إلى أرض العراق وهو في المدينة لمّا يخرج عنها بعدُ، فها هي أمّ سلمة رضي اللّه عنها تقول له: (يا بنيّ لاتحزنّي بخروجك إلى العراق، فإ نّي سمعتُ جدّك يقول: يُقتل ولدي الحسين باءرض العراق في أرض يُقال لها كربلاء) فيقول (ع): (يا أمّاه وأنا، واللّه أعلم ذلك، وإنّي مقتول لامحالة ...)،

ويقول (ع) لا خيه عمر الاطرف: (حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (ص) أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربتي تكون بقرب تربته ...)، وهناك نصوص أخرى تؤ كّد هذه الحقيقة.

ويستفاد من هذه الحقيقة على صعيد التحليل التاءريخي إضافة إلى البعد الاعتقادي الحاكي عن أنّ الامام الحسين (ع) كان يعلم بكلّ تفاصيل ما يجري عليه بعلمٍ إلهي موهبيّ لكونه إماما أنّ الامام الحسين (ع) على ضوء درايته السياسيّة الاجتماعيّة كان يرى أنّ العراق أفضل أرض يختارها مسرحا للمواجهة وللمعركة الفاصلة بينه وبين السلطة الامويّة، وأنّ العراق أفضل بقعة


(1) البحار، 44: 329 330، باب 37 نقلا عن كتاب المقتل للسيّد محمّد بن أبي طالب.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:391

يختارها للمصرع المحتوم (وإنّي مقتولٌ لامحالة)، وذلك لما في العراق من كمٍّ شيعىٍّ كبير، اءَو قُل كمّ كبير محبّ لا هل البيت (ع)، برغم ما في هذا الكمّ الكبير من مرض الازدواجيّة في الشخصيّة (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، ولا نّ العراق لم ينغلق لصالح الامويّين كما انغلقت الشام تماما، الامر الذي يجعل أرض العراق أفضل البقاع للتاءثّر بإ شعاعات الثورة الحسينيّة وفاجعة الطفّ.

ويؤ كّد التاءريخ في نصوص كثيرة أنّ الشيعة في العراق كانوا على اتّصال دائم بالا مام الحسين (ع) في زمن معاوية منذ عهد الامام الحسن (ع)، وكانوا يساءلونه القيام والخروج على الحكم الامويّ، ويبدون استعدادهم للنصرة والتضحية، غير أنّ الامام الحسين (ع) كان ياءمرهم بالصبر والاحتراس والترقّب مادام معاوية حيّا.

من هنا يستفاد أنّ نيّة التوجّه إلى العراق كانت منعقدة عند الامام (ع) منذ البدء على ضوء درايته السياسيّة الاجتماعيّة وعلى ضوء صلته وارتباطه باءهل العراق.

أي أنّ نيّة التوجّه إلى العراق لم تنعقد عند الامام (ع) بسبب رسائل أهل الكوفة بعد موت معاوية، بل كانت هذه النيّة وهذا العزم عند الامام (ع) قبل هذه الرسائل، على أساس منطق الشهيد الباحث عن أفضل أرض مختارة لمصرعه المحتوم، وما شكّلت رسائل أهل الكوفة إلّا حجّة ظاهرة لتاءكيد هذه النيّة وذلك التصميم.

مع العامل الاهمّ من عوامل الثورة الحسينيّة

في لقائه (ع) مع أخيه عمر الاطرف الذي قال للا مام (ع) (فلولا ناولتَ وبايعتَ!) جدّد الامام (ع) رفضه القاطع لمبايعة يزيد قائلا: (لااءُعطي الدنيّة

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:392

من نفسي أبدا)، وأكّد (ع) لا خيه محمد بن الحنفية (ر) أيضاً على هذه القاطعية في رفض البيعة حيث قال: (يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجاء ولا ماءوى لمابايعتُ واللّه يزيد بن معاوية أبدا ...).

وهذا الرفض القاطع لبيعة يزيد وهو العامل الاوّل من العوامل المؤ ثّرة في النهضة الحسينيّة لو كان منبعثا من سبب شخصي لكان الامام (ع) قد سكت عن الحكم الامويّ في حال سكوت هذا الحكم عن مطالبة الامام (ع) بالبيعة، ولكانت مشكلة هذا الحكم مع الامام (ع) قد انتهت عند هذه الحدّ!!.

لكنّ عامل رفض البيعة عند الامام (ع) كان منبعثا من سبب مبدئي تمثل في الخطر الماحق الذي يهدّد الاسلام في حال سكوت الامام (ع) عن حاكم مثل يزيد بن معاوية: (وعلى الاسلام السلام إذ بُليت الامّة براعٍ مثل يزيد)، وهذا السبب نفسه هو الذي جعل الامام (ع) وجها لوجه أمام مسؤ وليّة التحرّك والنهوض لطلب الاصلاح في أمّة جدّه (ص) والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

و هذا السبب المبدئي المشترك هو الذي مزج في الحقيقة بين عامل رفض البيعة وعامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما التفكيك بينهما في الحديث عنهما إلّا تفكيك إعتباري.

ونتيجة لهذا الامتزاج في الحقيقة، كان عامل رفض البيعة قد استمدَّ أهميّته الكبيرة الناشئة عن الاهمّية العليا التي يختصّ بها عامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلّا لكان من المحتمل أن ينتهي الامر بسكوت الامام (ع) حاشاه عن يزيد بسكوت يزيد عن مطالبته بالبيعة!!

فعامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن هوالعامل الاهمّ في مجموعة العوامل المؤ ثّرة في النهضة الحسينيّة المقدّسة.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:393

وفي الوصيّة التي أوصى بها الامام الحسين (ع) إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة (ر) نجدُ الامام (ع) يحصر العلّة في خروجه بهذا العامل وحده، إنّه (ع) لايعلّل الخروج في هذه الوصيّة بعامل رفض البيعة ولايتحدّث عنه فيها، كما لايعلّله بعاملٍ آخر من العوامل الاخرى المؤ ثّرة في نهضته المقدّسة كعامل رسائل أهل الكوفة مثلا، إنّه (ع) في هذه الوصيّة يتحدّث فقط عن طلب الاصلاح وضرورة تغيير الاوضاع الفاسدة من خلال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا دليل واضح وقاطع على الاهمّية العليا لعامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكاءنّ هذه الوصيّة تتحدّث عن ظهور التاءثير المستقلّ لهذا العامل الاهمّ.

في إطار عامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدُ الامام (ع) هوالذي يقرّر المواجهة مع الحكم الامويّ ابتداءً، لا اءنّ دعوة اءهل الكوفة هي التي دفعته إلى المواجهة، ولا مطالبة الحكم الامويّ إيّاه بالبيعة ورفضه (ع) لهذه البيعة هوالذي دفعه إلى المواجهة، بل لا نّ تحوّل الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام وتفشّي الفساد في حياة الامّة هو الذي وضع الامام (ع) أمام ضرورة المواجهة ووجوب القيام والنهضة.

ولايعني هذا أنّ الامام (ع) كان قد ترك أو تهاون في واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب الاصلاح في الامّة في زمن معاوية، بل قد كان (ع) ينهض في زمن معاوية باءعباء هذا الواجب المقدّس باءشكال مختلفة ومناسبات متوالية، لكنّ أدأ هذا الواجب في إطار النظر إلى الاثار وحساب النتائج المترتّبة على ذلك آنئذٍ (عدم احتمال حصول النتائج المرجوّة) كان يقف دون حدّ الخروج على معاوية مادام حيّا.

وإذا كانت العوامل المؤ ثّرة في أيّة نهضة هي التي تمنحها القيمة والاهمّية

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:394

الجديرة بها، فإ نّ عامل الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد منح الثورة الحسينيّة قيمة أعلى بكثير ممّا منحتها العوامل الاخرى المؤ ثّرة فيها، كعامل رفض د البيعة، وعامل رسائل أهل الكوفة مثلا، فلقد تمكّنت هذه الثورة المقدّسة استنادا إلى عامل طلب الاصلاح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون جديرة بالخلود والحياة، وأن تكون الثورة الاسوة.

وكما أنّ عامل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد رفع من قيمة وأهمّية الثورة الحسينيّة، فإ نّ هذه الثورة المقدّسة بالمقابل قد رفعت من قيمة وأهمّية مبدأ وأصل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إثباتا لا ثبوتا.

وتوضيح ذلك: هوأنّ لمبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قيمة محدّدة وأهميّة معيّنة ثبوتا، أي في واقع الامر، أو في نفس الامر، أو في متن الاسلام، هذه القيمة حدّدها اللّه تبارك وتعالى في متن التشريع الاسلامي، ويعلمها كما هي في الواقع اللّه تبارك وتعالى والراسخون في العلم محمّد وأهل بيته المعصومون صلوات اللّه عليهم أجمعين.

وهذا الامر ينطبق على كلّ الاصول والمبادي الاسلاميّة، فلكلٍّ منها حدُّ معيّن ومقام معلوم وأهمّية محدّدة في متن الاسلام في مقام الثبوت أي في الواقع أو في مقام الشئ بذاته. مع الركب الحسيني ج‌1 394 مع العامل الاهم من عوامل الثورة الحسينية ..... ص : 391

ذا غير مقام الاثبات، أي مقام الشي ء بالنسبة إلينا، حيث يمكن في هذا المقام أن نُخطي في النظر والتاءمّل والاستنتاج، فنقيّم الشي تقييما نبخسه فيه حقّه من القيمة والاهمية، أو نمنحه فوق ما يستحقّ منها.

إذن فمقام الاثبات يختلف عن مقام الثبوت، إذ إنّ هناك فرقا بين ما هو منظور بالنسبة إلينا وبين ما هو واقع الشي ء بنفسه.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:395

وفي مقام الاثبات يلاحظ المتاءمّل أنّ علماء الاسلام مع إقرارهم باءنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الواجبات الدينيّة وأعظمها، لكنّ قيمة هذا المبدأ ودرجة أهمية هذا الاصل الاسلامي والاولويّة الممنوحة له قضيّة تفاوتت فيها نظراتهم في تفصيلات الاحكام المستنبطة في إطار مبحث هذا الاصل خصوصا بلحاظ قضيّة الضرر (المتيقّن أو المظنون أو المحتمل احتمالا يُعتدُّ به) المترتّب على القيام بهذا الواجب.

فتتصاعد القيمة والاهمية والاولويّة التي يتمتّع بها هذا الاصل الاسلامي في عالم الاستنباط: من النظرة الاجتهاديّة التي ترى أنّ من شرائط القيام بهذا الواجب: (أن لايلزم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ضررٌ في النفس أو في العرض أو في المال، على الامر أو على غيره من المسلمين، فإ ذا لزم الضرر عليه أو على غيره لم يجب شي ...)، «1» ثمّ لم تتحدّث عن أكثر من ذلك!.

إلى النظرة الاخرى التي تضيف إلى ما سبق فتقول: (... هذا فيما إذا لم يحرز تاءثير الامر أو النهي، وأمّا إذا اءُحرز ذلك فلابدّ من رعاية الاهمية، فقد يجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتّب الضرر أيضا، فضلا عن الظنّ به أو احتماله). «2»

إلى النظرة الاخرى التي تعتمد في شرائط هذا الواجب شرط عدم حصول المفسدة، وترى في جملة ما ترى في إطار هذا المبحث:

(: لو وقعت بدعة في الاسلام، وكان سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم موجبا لهتك الاسلام وضعف عقائد المسلمين يجب عليهم الانكار باءيّة وسيلة ممكنة، سوأ كان الانكار مؤ ثّرا في قلع الفساد أم لا،


(1) منهاج الصالحين آية اللّه العظمى السيّد المحسن الحكيم، 1: 489.

(2) منهاج الصالحين آية اللّه العظمى السيّد أبوالقاسم الخوئي، 1: 352.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:396

وكذا لو كان سكوتهم عن إنكار المنكرات موجبا لذ لك، ولايلاحظ الضرر والحرج بل تلاحظ الاهمية.

: لوكان في سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم خوف أن يصير المنكر معروفا أو المعروف منكرا يجب عليهم إظهار علمهم، ولايجوز السكوت ولو علموا عدم تاءثير إنكارهم في ترك الفاعل، ولايُلاحظ الضرر والحرج مع كون الحكم ممّا يهتمّ به الشارع الاقدس جدّا.

: لوكان في سكوت علماء الدين ورؤ ساء المذهب أعلى اللّه كلمتهم تقوية للظالم وتاءييد له والعياذ باللّه يحرم عليهم السكوت، ويجب عليهم الاظهار ولو لم يكن مؤ ثّرا في رفع ظلمه). «1»

هذه النماذج التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر شاهدٌ على تفاوت النظر الاجتهادي في إطار مبحث الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي صدد ما نحن فيه: فليس قصدنا أنّ ثورة الامام الحسين (ع) قد غيّرت أو رفعت من القيمة والاهمية الواقعيّة الموضوعة في متن الاسلام لا صل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أهميته في مقام الثبوت.

يقول الشهيد آية اللّه الشيخ مرتضي مطهري في هذه النقطة:

(ما أقصده هو أنّ النهضة الحسينيّة إنّما رفعت من إمكانيّات الاستنباط والاجتهاد لعلماء الاسلام والمسلمين، بشكلٍ عامٍّ، في دائرة أصل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.


(1) تحرير الوسيلة آية اللّه العظمى الامام الخميني، 1: 473، المسائل: 7 و 8 و 9.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:397

وعليه، فإ نّني عندما أقول باءنّ الحسين بن علي (ع) قد رفع من قيمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإ نّ قصدي هوالقول باءنّه (ع) قد رفع هذه القيمة في عالم الاسلام، وليس في الاسلام.

ذلك أنّ الحسين بن علي (ع) قد بيّن للعالم أجمع أنّ مساءلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تصل إلى درجة يتطلّب فيها من الانسان أن يضحّي بنفسه وماله وكلّ ما يملك في سبيل هذا الاصل، ويتحمّل في سبيل ذلك كلّ أنواع اللوم والانتقاد، كما فعل الحسين نفسه.

فهل هناك أحد في الدنيا منح قيمةً لا صل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقدار ما أعطاه الحسين بن علي (ع)!؟

إنّ معنى النهضة الحسينيّة يفيد باءنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالغ القيمة إلى الحدّ الذي يمكن فيه للمرء أن يضحّي في سبيله بكلّ شي). «1»

سيرة الاصلاح‌

في النصّ الذي نقله ابن شهر آشوب (ره) لبعض الوصيّة التي كتبها الامام الحسين (ع) لا خيه محمّد بن الحنفيّة (ر)، «2» وكذلك في نصّها الذي نقله العلّامة المجلسي (ره) عن كتاب المقتل للسيّد محمّد بن أبي طالب الموسوي، والذي أوردناه من قبل، نجدُ الامام (ع) في تعليله لخروجه على الحكم الامويّ يقرن مع طلب الاصلاح في الامّة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله: (وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (ع).


(1) الملحمة الحسينيّة، 2: 106 و 107 و 115.

(2) مناقب آل أبي طالب، 4: 89.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:398

وممّا يستفاد من هذا الاقتران وهذا الحصر بهاتين السيرتين المقدّستين أمران:

الاوّل: هو أنّ الاصلاح العملي في الامّة من خلال تقديم الصورة الحيّة المثلى لهذا الصلاح، والدعوة العمليّة إلى كلّ معروف والنهي العملي عن كلّ منكر، إنّما يتحقّقان بالسير بهاتين السيرتين المقدّستين.

والثاني: هو أنّ الامام (ع) بذكره هاتين السيرتين فقط قد أعلن عن إدانته للسِّيَر الاخرى التي حكمت حياة المسلمين بعد رسول اللّه (ص)، وكانت السبب في مناشي ء الانحراف الذي تعاظم حتّى آلت الامور إلى حاكم مثل يزيد بن معاوية!.

ومعنى هذا أنّ الاصلاح في الامّة وتطبيق مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقا لحياة يحكمها الاسلام المحمّدي الخالص لايكون إلّا بالا عراض عن تلك السِّيَر الاخرى ورفضها.

ويبدو أنّ بعض الاقلام التي دوّنت سيرة الامام الحسين (ع) أو التي استنسخت بعض كتب التاءريخ قد انتبهت إلى قوّة إدانة الامام (ع) لهذه السير الاخرى في قوله: (وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (ع) فقط، فاءضافت إليها عبارة (وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي اللّه عنهم) رفعا لهذه الادانة الحسينيّة لتلكم السير الاخرى.

يقول السيّد مرتضي العسكري وهو محقّق مرموق (إنّ الراشدين اصطلاح تاءخّر استعماله عن عصر الخلافة الامويّة، ولم يرد في نصٍّ ثبت وجوده قبل ذلك، ويُقصد بالراشدين الذين أتوا إلى الحكم بعد رسول اللّه (ص) متواليا، من ضمنهم الامام علي (ع)، فلايصحّ أن يعطف الراشدين على اسم الامام،

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:399

كلّ هذا يدلّنا على أن الجملة اءُدخلت في لفظ الامام الحسين (ع). «1»

ولقد وردت هذه الاضافة في نصّ الوصيّة في رواية كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي وفي كتاب مقتل الحسين (ع) للخوارزمي نقلا عن الفتوح.

لماذا الخروج من المدينة ليلا!!؟

تكاد المصادر التاءريخيّة تجمع على أنّ الركب الحسينيّ خرج من المدينة في جوف الليل، وإن كانت هذه المصادر قد إختلفت في الليلة التي كان الخروج فيها.

والظاهر من متون بعض الروايات أنّ ساعة الخروج من المدينة كانت من ساعات الليل المتاءخّرة، ممّا يوحي باءنّ الخروج كان بصورة سريّة وعلى خوف من طلب السلطة، خصوصا وأنّ الروايات تحدّثت أنّ الامام (ع) قد خرج وهو يقرأ قوله تعالى: (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين).

وظاهر أجوأ وقائع ما بعد لقاء الامام (ع) بوالي المدينة يثير مثل هذا التصوّر ولاينفيه، خصوصا وأنّ الامام (ع) كان حريصا على أن لايُقتل غيلة في المدينة، أو تقع مواجهة مسلّحة في المدينة، فتُهتك بذلك حرمة حرم رسول اللّه (ص)، فاستبق (ع) الزمن والاحداث كي لايقع كلّ ذلك المحذور، وخرج ليلا بتلك الصورة السريّة!

وقد تكرّر الامر نفسه مع الامام (ع) في مكّة المكرّمة أيضا، فخرج (ع) منها مستبقا الزمن والاحداث كي لايقع ذلك المحذور أيضا فتُهتك بذلك حرمة البيت، وكان (ع) قد خرج منها في السحر أو في أوائل الفجر كما في الروايات.

فيكون الدافع واحدا في المرّتين (مع أنّنا قدّمنا من قبل أنّ هذا المحذور يقع


(1) معالم المدرستين، 3: 61.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:400

عند الامام (ع) في إطار خوف أكبر، وهو خوفه من أن تخنق ثورته في مهدها، سوأ في المدينة أو في مكّة ...).

غير أنّ ما يُلفت الانتباه ويثير التاءمّل هو أنّ الامام (ع) قبل خروجه من مكّة قام خطيبا وأعلن في خطبته عن موعد خروجه منها حيث قال فيما قال في تلك الخطبة:

(... من كان باذلا فينا مهجته، وموطّنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإ نّي راحلٌ مصبحا إن شاء اللّه تعالى) «1»

وبهذا يكون الامام (ع) قد كشف عن موعد ارتحاله أوائل الصباح كما في هذه الرواية، أي في الوقت الذي يعتبر أواخر الليل وتكون فيه بعدُ بقيّة من ظلام تصلح للستر والخفاء.

لكنّ كشفه (ع) عن موعد ارتحاله في تلك الساعة ينفي التعليل باءنّه (ع) خرج في ظلام السحر أو في بقيّة ظلام أوائل الصبح تستّرا من رقابة السلطة الحاكمة كي لايدركهُ الطلب!

هذا فضلا عن أنّه من المستبعد أن يخفى على السلطة خروج الركب الحسينيّ ساعة خروجه من المدينة (وهو ركب كبير نسبيّا) أو ساعة خروجه من مكّة (وقد كان أكبر)، إذا حرصت هذه السلطة على أن تعلم متى يخرج هذا الركب، خصوصا والمدن آنئذٍ تعتبر مدنا صغيرة قياسا إلى المدن المعروفة اليوم.

وهذا فضلا عن أنّ والي المدينة آنئذٍ الوليد بن عتبة كان متراخيا في الضّغط على الامام (ع)، وكان يتمنّى خروجه من المدينة وألّا يُبتلى بدمه! وهذا ليس د بخافٍ على الامام (ع) كما هو اعتقادنا وكما تشير إلى ذلك أدلّة


(1) اللهوف: 26.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:401

تاءريخيّة.

إنّ التعليل الذي اءَطمئنُّ له في هذه المساءلة هو اءنّ الامام (ع) لم يخرج في الظلام من المدينة أو من مكّة حذرا من أعين السلطة وخوف الطلب، بل خرج في الظلام من كلتا المدينتين وليس في النهار كي لاتتصفّح أعين الناس فيهما النساء في الركب الحسيني، أو تنظر الاعين عن قربٍ كيف يركبن المطايا، الامر الذي تاءباه الغيرة الحسينيّة الهاشميّة!

ولو لم يكن هذا الامر هو العلّة التامّة لخروج الركب الحسينيّ في جوف الليل، فلاأقلّ من أن يكون العلّة المهمّة جدّا في مجموعة العلل الاخرى التي شكّلت العلّة التامّة لهذا الخروج في ظلمة الليل.

الاصرار على الطريق الاعظم!

وتقول الرواية التاءريخيّة وهي تصف الجادة التي سلكها الركب الحسينيّ بقيادة الامام الحسين (ع) عند خروجه من المدينة إلى مكّة المكرّمة:

(فسار الحسين (ع) إلى مكّة وهو يقرأ: (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين)، ولزم الطريق الاعظم.

فقال له أهل بيته: لو تنكّبت الطريق الاعظم كما فعل ابن الزبير كي لايلحقك الطلب.

فقال: (واللّه، لاأفارقه حتّى يقضي اللّه ما هو قاض!) «1»

وفي رواية الفتوح:

(فقال له ابن عمّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب: يا ابن بنت رسول اللّه


(1) الارشاد: 223.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:402

(ص)، لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة كما فعل عبداللّه بن الزبير كان عندي الرأي، فإ نّا نخاف أن يلحقنا الطلب!

فقال له الحسين (ع): (لا واللّه يا ابن عمّي، لا فارقت هذا الطريق أبدا أو أنظر إلى أبيات مكّة، أو يقضي اللّه في ذلك ما يحبّ ويرضى).

ثمّ جعل الحسين يتمثّل بشعر يزيد بن مفرغ الحميري وهو يقول:

لا سهرت السوام في فلق الصب ح مضيئا ولا دُعيتُ يزيدا

يوم اءُعطي من المخافة ضيما والمنايا يرصدنني اءن اءحيدا «1»

وهنا قد يتساءل المتاءمّل عن سبب إصرار الامام (ع) عن سلوك الطريق الاعظم إصرار من يرضى بمواجهة كلّ خطر محتسب وغير محتسب ولايرضى بالتخلّي عن سلوك هذا الطريق الرئيس!؟

هل هي الشجاعة الحسينيّة من ورأ كلّ هذا الاصرار؟

أم أنّ الامام (ع) أراد من ورأ ذلك أمرا إعلاميّا وتبليغيّا للتعريف بقيامه ونهضته من خلال التقاء الركب الحسينيّ القاصد إلى مكّة بكلّ المارّة والقوافل على الطريق الاعظم، لا نّهم سيتساءلون عن سبب خروج الامام (ع) من مدينة جدّه (ص) مع جلّ بني هاشم ومَن معهم مِن أنصاره، ويتعرّفون من الامام (ع) مباشرة على أهدافه التي نهض من أجلها، فينضمُّ إليه من يوفّقه اللّه تعالى إلى نصرته، وينتشر أمر هذا القيام المقدّس بين الناس في مناطق عديدة، فيتحقّق بذلك عملٌ إعلامي وتبليغي ضروري لتوسيع رقعة هذا القيام المبارك وكسب الانصار له؟


(1) الفتوح، 22: 5.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:403

لاشك أنّ تعليل إصراره (ع) على لزوم الطريق الاعظم بالشجاعة الحسينيّة تعليلٌ صحيحٌ في نفسه، وكذلك تعليله بالهدف الاعلامي والتبليغي للتعريف بقيام الامام (ع) ونهضته، ولا منافاة بين هذين التعليلين.

ولعل التعليل الاهمّ الذي يمكن أن يُضاف إليهما، هو أنّ الامام الحسين (ع) في إصراره على لزوم الطريق الاعظم أراد أن يُعلن للا مّة أنّه ليس من العصاة البغاة الخارجين على حكومة شرعيّة كانوا قد اعترفوا بها ثمّ تمرّدوا عليها، أولئك الذين يلوذون بالطرق الفرعيّة خوفا من رصد الحكّام وفرارا من قبضتهم.

أراد (ع) أن يُعلن للا مّة أنّه هو ممثّل الشرعيّة لا الحكم الامويّ، وأنّه هو صاحب الحقّ بالطريق الاعظم، وبالخلافة، وبكلّ شؤ ون الامّة، وأنّه هو الاصل الشرعي، وأنّ يزيد هو الشذوذ والخلاف والانحراف والمتمرّد على الشرعيّة.

وهذا البعد بعدٌ تبليغي وإعلامي ثابت في حركة الامام الحسين (ع)، وهو مفسّرٌ عامُّ لجميع تفاصيل حركة نهضته المقدّسة منذ حين قال لوالي المدينة:

(أيّها الامير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، وبنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، مثلي لايبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننتظر وتنتظرون أيّنا أحقّ بالخلافة.) «1» إلى ساعة استشهاده (ع) في كربلاء.


(1) الفتوح، 5: 14.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:404

الركب الحسينىّ الخارج من المدينة:

بنو هاشم:

لم يرد في الكتب التاءريخيّة ذكر تفصيليّ لا سماء الهاشميّين في الركب الحسينيّ القاصد من المدينة إلى مكّة المكرّمة، بل ورد في أغلب هذه الكتب ذكر إجمالي لمن خرج من الهاشميّين مع الامام (ع) من المدينة، كمثل قول الشيخ المفيد (ره): (فخرج الحسين (ع) من تحت ليلته وهي ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته وجلّ أهل بيته إلّا محمّد بن الحنفيّة ...). «1»

وقال الدينوري: (فلمّا أمسوا وأظلم الليل مضى الحسين رضي اللّه عنه أيضا نحو مكّة، ومعه أختاه: أمّ كلثوم، وزينب، وولد أخيه، وإخوته أبوبكر وجعفر والعبّاس، وعامّة من كان بالمدينة من أهل بيته إلّا أخاه محمّد بن الحنفيّة ...). «2»

وقال ابن أعثم الكوفي: (وخرج في جوف الليل يريد مكّة بجميع أهله). «3»

وقال الطبري: (وأمّا الحسين فإ نّه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجلّ أهل بيته إلّامحمّد بن الحنفيّة). «4»

كما أشارت بعض المصادر التاءريخيّة الاخرى إلى أنّ الامام (ع) بعث إلى


(1) الارشاد: 222.

(2) الاخبار الطوال: 228.

(3) الفتوح، 5: 21.

(4) تاريخ الطبري، 4: 253.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:405

المدينة (وهوفي مكّة) يستقدم إليه من خفّ من بني هاشم، فخفّ إليه جماعة منهم، وتبعهم إليه محمّد بن الحنفيّة، ولكنّها لم تحدّد من هؤ لاء! «1»

وعلى هذه الاجمال جرت المصادر التاءريخيّة الاخرى التي تعرّضت لهذا الحدث، ولم أعثر على رواية تتحدّث في تفصيلات قضايا هذا الركب وفي أشخاصه إلّا ما ورد في كتاب (أسرار الشهادة) في رواية ضعيفة جدّا: (عن عبداللّه بن سنان الكوفي، عن أبيه، عن جدّه) يصف فيها كيف أركب بعض بني هاشم محارمهم من النساء من عيالات أبي عبداللّه الحسين (ع) على محامل الابل، ثمّ كيف ركب بنوهاشم والامام (ع). والرواية مصوغة باءسلوب هو أقرب إلى الاسلوب المنبري المعتمد على الاثارة العاطفيّة في الوصف، ومع هذا فالرواية غلب عليها الاجمال في ذكر من هم (بنوهاشم) في الركب، وكم كان عددهم. «2»

نعم، تشير الدلائل التاءريخيّة إلى أنّ محمّد بن الحنفيّة، وعمر الاطرف، وعبداللّه بن جعفر، وعبداللّه بن عبّاس لم يكونوا مع الركب الحسينيّ الخارج من المدينة.

و تشير أيضا إلى أنّ الامام (ع) قد خرج بجميع أبنائه، وجميع أبناء أخيه الامام الحسن (ع)، وجميع بقيّة إخوته لا بيه عليه وعليهم السلام.

ومن المتيقّن أيضا أنّ مسلم بن عقيل (ع) كان قد خرج معه، أمّا ولداه عبداللّه ومحمّد فالا ظهر أنّهما كانا مع أبيهما مسلم في الخروج مع الامام الحسين (ع).

وأمّا ولدا عبداللّه بن جعفر، وهما عون ومحمّد، فإ نّ ظاهر القرائن التاءريخيّة يفيد أنّهما كانا مع أبيهما، ثمّ التحقا بالا مام (ع) وانضّما إليه بعد خروجه من مكّة، ويبقى الاحتمال واردا أنهما خرجا مع الامام (ع)، ثمّ صارا


(1) راجع: البداية والنهاية، 8: 178؛ وتأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودى: 298، حديث 256.

(2) راجع: أسرار الشهادة: 367.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:406

مع أبيهما في مكّة، ثمّ عادا فالتحقا.

أمّا بقية الانصار من آل عقيل فالقرائن التاءريخيّة لاتفيد القطع في معرفة من منهم خرج مع الامام (ع) من المدينة، أو من منهم التحق به بعد ذ لك.

الانصار الاخرون:

اشارة

أمّا الانصار الاخرون غير الهاشميّين الذين خرجوا مع الامام (ع) من المدينة فقد لايجد المتتبّع تلك الصعوبة في معرفتهم، وقد أثبت التاءريخ الاسماء التالية:

1 (عبداللّه بن يقطر الحميري‌

: كانت أمّه حاضنة للامام الحسين (ع)، ولم يكن رضع عندها، لا نّه صحّ في الاخبار أنّ الحسين (ع) لم يرضع إلّا من صدر فاطمة (س) ومن إبهام رسول اللّه (ص) وريقه، لكنّ عبداللّه اشتهر في أنّه أخوالحسين (ع) من الرضاعة.

وقال ابن حجر في الاصابة: إنّه كان صحابيّا لا نّه لدة الحسين (ع). وكان الامام (ع) قد سرّحه إلى مسلم بن عقيل بعد خروجه من مكّة في جواب كتاب مسلم إلى الحسين (ع)، فقبض عليه الحصين بن تميم بالقادسيّة، وأرسله إلى عبيداللّه بن زياد، فساءله عن حاله فلم يخبره، فقال له: إصعد القصر والعن الكذّاب بن الكذّاب ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيي. فصعد القصر فلمّا أشرف على الناس قال: أيّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعيّ بن الدعي، فاءمر به عبيداللّه فاءُلقي من فوق القصر إلى الارض، فتكسّرت عظامه، وبقي به رمق فاءتاه عبدالملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة وفقيهها فذبحه، فلمّا عيب عليه، قال إنّي أردت أن أريحه!! «1»


(1) راجع: إبصار العين في أنصار الحسين ع: 93.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:407

2 (سليمان بن رزين مولى الحسين (ع)

: وهو الذي أرسله الامام الحسين (ع) بكتاب إلى رؤ وس الاخماس وإلى الاشراف بالبصرة حين كان بمكّة، ومنهم المنذر بن الجارود، وكانت بحرية بنت الجارود زوجة لعبيداللّه بن زياد، فاءخذ المنذر سليمان بن رزين والكتاب وقدّمهما إلى عبيداللّه بن زياد، فلمّا قرأ الكتاب قتل سليمان، فكان من أنصار الحسين (ع) الذين قتلوا في البصرة. «1»

3 (أسلم بن عمرو مولى الحسين (ع)

: من شهدأ الطف، وقد ذكر أهل السير والمقاتل أنّ الامام الحسين (ع) اشتراه بعد وفاة أخيه الحسن (ع) ووهبه لابنه علي بن الحسين (ع)، وكان أبوه تركيّا، وكان أسلم كاتبا عند الحسين (ع) في بعض د حوائجه، فلمّا خرج الحسين (ع) من المدينة إلى مكّة كان أسلم ملازما له حتّى أتى معه كربلاء، فلمّا كان يوم العاشر وشبّ القتال استاءذن الامام (ع)، وكان قارئا للقرآن، فاءذن له، فجعل يقاتل ويرتجز حتّى قتل من القوم جمعا كثيرا، ثمّ سقط صريعا، فمشى إليه الحسين (ع) فرآه وبه رمق وهو يومي إلى الحسين (ع)، فاعتنقه الحسين (ع) ووضع خدّه على خدّه، ففتح عينيه فتبسّم وقال: من مثلي وابن رسول اللّه واضع خدّه على خدّي، ثمّ فاضت نفسه (ر). آ «2»

4 (قارب بن عبداللّه الدئلي مولى الحسين (ع)

: أمّه جارية للحسين (ع)، واسمها فكيهة، كانت تخدم في بيت الرباب زوجة الامام (ع)، تزوّجها عبداللّه الدئلي فولدت منه قاربا، فهو مولى للحسين (ع)، خرج معه من المدينة إلى


(1) راجع: إبصار العين في أنصار الحسين ع: 94 95.

(2) راجع: تنقيح المقال، 1: 125.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:408

مكّة، ثمّ إلى كربلاء، وقتل في الحملة الاولى التي هي قبل الظهر بساعة. «1»

5 (منجح بن سهم مولى الحسين (ع)

: (حكي عن ربيع الابرار للزّمخشري أنّه قال: حسينيّة كانت جارية للحسين (ع) اشتراها من نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب، ثمّ تزوّجها سهم فولدت منه منجحا فهو مولى للحسين (ع).

(انتهي).

وقد كانت في بيت السجاد (ع)، فلمّا خرج الحسين (ع) إلى العراق خرجت معه ومعها ابنها منجح حتّى أتوا كربلاء، ولمّا تبارز الفريقان يوم الطفّ قاتل القوم قتال الابطال، وقُتل في أوائل القتال رضوان اللّه عليه. «2»

وقيل: (كان منجح من موالي الحسن (ع)، خرج من المدينة مع ولد الحسن (ع) في صحبة الحسين (ع) فاءنجح سهمه بالسعادة وفاز بالشهادة). «3»

6 (سعد بن الحرث الخزاعي مولى علي (ع)

: (كان سعد مولى لعليّ (ع) فانضمّ بعده إلى الحسن (ع)، ثمّ إلى الحسين (ع)، فلمّا خرج من المدينة خرج معه إلى مكّة ثمّ إلى كربلاء، فقتل بها في الحملة الاولى)، «4» وقيل: (له إدراك صحبة النبىٍّ (ص)، وكان على شرطة اميرالموءمنين (ع) بالكوفة، وولّاه آذربيجان ...). «5»

7 (نصر بن أبي النيزر مولى عليّ (ع)

: (كان أبونيزر من ولد بعض ملوك العجم أو من ولد النجّاشي. قال المبرّد في الكامل: صحّ عندي أنّه من ولد


(1) راجع إبصار العين: 96؛ وتنقيح المقال، 3: 18.

(2)+++ تنقيح المقال، 247: 3.+++

(3) إبصار العين: 96.

(4) إبصار العين: 96.

(5) تنقيح المقال، 2: 81.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:409

النجّاشي، رغب في الاسلام صغيرا، فاءُتي به رسول اللّه (ص) فاءسلم، وربّاه رسول اللّه (ص)، فلمّا توفّي صار مع فاطمة وولدها. وقال غيره: إنّه من أبناء ملوك العجم، اءُهدي إلى رسول اللّه (ص)، ثمّ صار إلى اءمير المؤ منين (ع)، وكان يعمل له في نخله ... ونصرُ هذا ولده، انضمّ إلى الحسين (ع) بعد عليّ والحسن (ع)، خرج معه من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى كربلاء، فقتل بها، وكان فارسا فعقرت فرسه، ثمّ قتل في الحملة الاولى (ر). «1»

8 (الحرث بن نبهان مولى حمزة بن عبدالمطلّب (ع)

: (قال أهل السير: إنّ نبهان كان عبدا لحمزة، شجاعا فارسا، مات بعد شهادة حمزة بسنتين، وانضمّ ابنه الحرث إلى اميرالموءمنين (ع)، ثمّ بعده إلى الحسن (ع)، ثمّ إلى الحسين (ع)، فلمّا خرج الحسين (ع) من المدينة إلى مكّة خرج الحارث معه، ولازمه حتّى وردوا كربلاء، فلمّا شبّ الحرب تقدّم أمام الحسين (ع) ففاز بالشهادة (ر). «2»

9 (جون بن حوي مولى أبي ذرّ الغفّاري (ر)

: (كان جون منضّما إلى أهل البيت (ع) بعد أبى ذر، فكان مع الحسن (ع) ثمّ مع الحسين (ع)، وصحبه في سفره من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق ... فلمّا نشب القتال وقف أمام الحسين (ع) يستاءذنه في القتال. فقال له الحسين (ع): يا جون أنت في إذن منّي، فإ نّما تبعتنا طلبا للعافية، فلاتبتل بطريقتنا. فوقع جون على قدمَي أبي عبداللّه الحسين (ع) يقبّلهما ويقول: يا ابن رسول اللّه (ص)، أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم! إنّ ريحي لنتن، وإنّ حسبي للئيم، وإنّ لوني لا سود، فتنفّس عليّ في الجنّة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيضّ لوني، لا واللّه لاأفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم. فاءذن له


(1) إبصار العين: 97 98.

(2) تنقيح المقال، 1: 248.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:410

الحسين (ع) ... ثمّ قاتل حتّى قتل ... فوقف عليه الحسين (ع) وقال: أللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه واحشره مع الابرار، وعرّف بينه وبين محمّد وآل محمّد (ص). وروى علماؤ نا عن الباقر (ع)، عن أبيه زين العابدين (ع) أنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جونا بعد أيّام تفوح منه رائحة المسك ...). «1»

10 (عقبة بن سمعان‌

: كان عقبة بن سمعان مولى للرّباب بنت امري القيس الكلبيّة زوجة الامام الحسين (ع)، وكان في الركب الحسينيّ الخارج من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق. وقال الطبري في تاءريخه: (وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان وكان مولى للرّباب بنت امرئ القيس الكلبيّة وهي أمّ سكينة بنت الحسين (ع) فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك. فخلّى سبيله). «2»

وقد نقل الشيخ عبّاس القمي (ره) في نفس المهموم «3» ذلك عن الطبري والجزري. وقال المامقاني (ره) في تنقيح المقال: (وقد ذكره الطبري وغيره من مؤ رّخي الواقعة، ويفهم ممّا ذكروه أنّه كان عبدا لرباب زوجة الحسين (ع)، وأنّه كان يتولّى خدمة أفراسه وتقديمها له، فلمّا استشهد الحسين (ع) فرّ على فرس د فاءخذه أهل الكوفة فزعم أنّه عبد للرّباب بنت أمرئ القيس الكلبيّة زوجة الحسين (ع) فاءُطلق، وجعل يروي الواقعة كما حدثت، ومنه اءُخذت أخبارها ...). «4»

لكنّ بعض علمائنا ذهب إلى القول باستشهاد عقبة بن سمعان في زمرة


(1) إبصار العين: 176 177.

(2) تاريخ الطبري، 4: 347؛ والكامل في التاءريخ، 4: 80.

(3) نفس المهموم: 298.

(4) تنقيح المقال، 2: 254، حديث 7969.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:411

شهدأ الطفّ (رضى) إستنادا إلى ورود التسليم عليه في زيارة الحسين (ع) (أوّل يوم من رجب وليلته، وليلة النصف من شعبان)، «1» ومن هؤ لاء العلماء السيّد أبوالقاسم الخوئي (ره) في معجم رجال الحديث حيث قال: (من أصحاب الحسين (ع) ... واستشهد بين يدي الحسين (ع)، ووقع التسليم عليه في الزيارة الرجبيّة، وعن بعض المؤ رّخين من العامّة أنّه فرَّ من المعركة ونجا). «2»

ومنهم الشيخ علي النمازي في مستدركات علم رجال الحديث حيث قال:

(عقبة بن سمعان ... من أصحاب الحسين (ع)، وكان معه في كربلاء، واستشهد معه يوم عاشورأ كما ذكره السيّد في عداد الشهدأ في الزيارة الرجبيّة ...). «3»

لقاءات في الطريق‌

اشارة

ومع أنّ الامام الحسين (ع) لزم الطريق الاعظم من المدينة إلى مكّة المكرّمة لكنّ الرواية التاءريخيّة لم تحدّثنا عن كثير من تفاصيل هذا السفر، بل لعلّ ما ورد في التاءريخ من ذلك يعتبر نزرا قليلا جدّا، ومنه:

لقاوه (ع) باءفواج من الملائكة ومؤ مني الجنّ‌

اشارة

نقل العلّامة المجلسي (ره) في بحاره عن كتاب المقتل للسيّد محمّد بن أبي طالب الموسوي قوله: (وقال شيخنا المفيد بإ سناده إلى أبي عبداللّه (ع) قال: لمّا سار أبوعبداللّه من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة في


(1) البحار، 101: 336 341، حديث 1 نقلا عن المفيد والسيّد بن طاووس‌د رحمة اللّه عليهما.

(2) معجم رجال الحديث، 11: 154، حديث 7723.

(3) مستدركات علم رجال الحديث، 5: 248.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:412

أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه وقالوا: يا حجّة اللّه على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ اللّه سبحانه أمدَّ جدّك بنا في مواطن كثيرة، وإنّ اللّه أمدّك بنا.

فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء، فإ ذا وردتُها فاءتوني.

فقالوا: يا حجّة اللّه، مُرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدوٍّ يلقاك فنكون معك؟

فقال: لا سبيل لهم عليّ ولايلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

وأتته أفواج مسلمى الجنّ ...

فقالوا: يا سيّدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا باءمرك، وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوٍّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزّاهم الحسين خيرا وقال لهم: اءَ وَما قراءتم كتاب اللّه المنزل على جدّي رسول اللّه (ص): (أينما تكونوا يدرككم الموت ولوكنتم في بروجٍ مشيّدة)، وقال سبحانه: (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، وإذا أقمت بمكاني فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ وقد اختارها اللّه يوم دحا الارض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا في الدنيا والاخرة؟ ولكنّ تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورأ الذي في آخره أقتل، ولايبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه اللّه.

فقالت الجنّ: نحن واللّه يا حبيب اللّه وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة وأنّه لايجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك!

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:413

فقال صلوات اللّه عليه لهم: نحن واللّه أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينّة ويحيى من حيّ عن بيّنة). «1»

«اشارة»:

لنوع المخاطب أثر في نوع خطاب أهل البيت (ع) مع الغير، وهذه الحقيقة من الحقائق اللّازم استذكارها لفهم وإدراك متون خطاباتهم (ع).

وعلى قدر درجة المخاطب من العقل والايمان واليقين بهم (ع) والتسليم لهم تكون درجة مخاطبتهم (ع) الغير بصريح القضيّة ومُرِّ الحقّ.


(1) البحار، 44: 330 331 باب 37؛ وقد روى السيّد بن طاووس؛ هذه الرواية بتفاوت يسير في كتابه اللهوف: 28 30 عن الشيخ المفيد في كتاب مولد النبى ص ومولد الاوصياءع بإ سناده إلى أبي عبداللّه الصادق ع: قال: لمّا سار أبوعبداللّه الحسين بن علي ع من مكّة ليدخل المدينة لقيه أفواج .... والظاهر أنّ ذلك من اشتباه النسّاخ، والدليل على ذلك: أوّلا: أنّ المنازل التي مرّ بها الامام ع من مكّة إلى العراق لاتمرّ بالمدينة. ثانيا: أنّ السيّد بن طاووس ره في كتابه اللهوف نفسه يقول بعد هذه الرواية مباشرة ص 30: ثمّ سار حتّى مرّ بالتنعيم وهذا يعارض ما أورده في هذه الرواية من أنّه ع سار من مكّة ليدخل المدينة، لا نّ معنى ذلك أنّ الامام ع رجع باتّجاه مكّة مرّة أخرى!! هذا ما تثبته جغرافيّة هذه المنازل، فتاءمّل.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:414

وفي هذه الرواية نجدُ المخاطب من الملائكة ومؤ مني الجنّ، من شيعة أهل البيت (ع) ومن أهل الصدق والاخلاص في الاهبة والنصرة، وعلى درجة عالية جدّا من المعرفة بمنزلة الامام (ع) ومن اليقين والتسليم لا مره، كما هو واضح في متن المحاورة في هذه الرواية.

ولذا نجد الامام (ع) يجيبهم بصريح القضيّة ووضوح تام، إنّه (ع) في هذه المحاورة بمنطق العمق، منطق الشهيد الفاتح يؤ كّد أنّه ماضٍ إلى مصرعه المختار (الموعد حفرتي) على الارض المختارة (بقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء). ويؤ كّد (ع) أنّ الامر لابدّ منه تحقيقا للا رادة الالهيّة في اختبار (هذا الخلق المتعوس) حتّى يتشخّص لهم بوضوح تامّ طريق السعادة من متاهات الشقاء والتعاسة، وليمتاز الحقّ من الباطل تماما بلا شائبة اختلاط وشبهة، حين يتحقّق بذ لك المصرع وعلى تلك البقعة فصل الاسلام المحمّدي الخالص عن الامويّة المتلبّسة بمسوح الاسلام، وهذا من أهمّ أبعاد الفتح الحسينيّ المبين، المتواصل على امتداد الزمان، بركة من بركات مصرع (الذبح العظيم)، وفيضا من فيوضات ذلك القبر المقدّس الذي اختاره اللّه يوم دحا الارض مركزا لا شعاع ذلك الفتح، ومعقلا للشيعة الحسينيّين على مرّ الايّام وأمانا لهم في الدنيا والاخرة.

ويؤ كّد (ع) أيضا أنّ الامر لابدّ من جريان وقائعه في إطار الاسباب العادية بعيدا عن خوارق العادة من أسباب ما فوق العادة، ولو كانت الغاية نصرا ظاهريّا عاجلا ولا سبيل إلى تحقيقه إلّا بالخوارق فإ نَّ الامام (ع) بولايته التكوينيّة العامّة بإ ذن اللّه تبارك وتعالى أقدر من الملائكة والجنّ على تحقيق ذلك (نحن واللّه أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيَّ عن بيّنة ...).

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:415

أنصار آخرون يلتحقون بالركب من منازل جهينة

ويروي لنا التاءريخ من وقائع الطريق من المدينة إلى مكّة أيضا أنّ جماعة من الاعراب كانوا يلتحقون بالركب الحسيني عند مروره بمنازلهم، ومن تلك المنازل منازل جهينة (مياه جهينة)، وقد التحق بالا مام (ع) منها جماعة، منهم ثلاثة رجال لم ينفضّوا عنه فيمن انفضّ من الاعراب عنه بعد ذلك، بل أقاموا معه ولازموه ولم يتخلّوا عنه حتّى فازوا باءسمى مراتب الشرف في الدنيا والاخرة حيث استشهدوا بين يديه في الطفّ يوم عاشورأ، وهم:

1 مجمع بن زياد بن عمرو الجُهَني (ر).

2 عبّاد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني (ر).

3 عقبة بن الصلت الجهني (ر). «1»

هل لقي الامام (ع) ابن عبّاس وابن عمر في الطريق إلى مكّة؟

قال ابن الاثير في الكامل: (وقيل إنَّ ابن عمر كان هو وابن عبّاس بمكّة فعادا إلى المدينة، فلقيهما الحسين وابن الزبير فساءلاهما: ماورأ كما!؟

فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد!

فقال ابن عمر: لاتفرّقا جماعة المسلمين). «2»

أما الطبري فقال: (فزعم الواقدي أنّ ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورود نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأنّ ابن الزبير والحسين لمّا دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا، وخرجا من ليلتهما إلى مكّة، فلقيهما ابن عبّاس وابن عمر جائيين


(1) راجع: كتاب إبصار العين في أنصار الحسين ع: 201 202.

(2) الكامل في التاءريخ، 4: 17.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:416

من مكّة فساءلاهما: ما ورأكما ...) «1» إلى آخر خبر ابن الاثير بتفاوت يسير.

وأمّا ابن كثير في تاءريخه «2» فقال: (وقال الواقدي ...) ثمّ أورد نفس رواية الطبري بتفاوت يسير.

والظاهر أنّ هذه الرواية لم يروها أحدٌ من المؤ رّخين غير هؤ لاء الثلاثة إضافة إلى الواقدي الذي نسبها إليه إثنان منهما!

وقول ابن الاثير في تصدير الرواية: (وقيل)، وقول الطبري: (فزعم الواقدي)، يشعران بعدم اطمئنانهما إلى هذا الزعم وبضعف هذه الرواية، خاصّة وأنّهما قد رويا في تاءريخيهما أنّ عبداللّه بن عمر كان في المدينة حينما كان الامام الحسين (ع) فيها قبل خروجه منها. «3» كما أنّ هذه الرواية مخالفة لما هو مشهور من أنّ عبداللّه بن عبّاس خاصّة كان في مكّة حينما دخلها الامام الحسين (ع)، ومن روايات هذا المشهور قول الدينوري في الاخبار الطوال:

(وأمّا عبداللّه بن عبّاس فقد كان خرج قبل ذلك باءيّام إلى مكّة)، «4» وقول ابن أعثم الكوفي وقد نقله عنه الخوارزمي: (وأقام الحسين بمكّة باقي شهر شعبان، وشهر رمضان، وشوّال، وذي القعدة، وبمكّة يومئذٍ عبداللّه بن عبّاس د وعبداللّه بن عمر بن الخطّاب ...). «5»

هذا فضلا عن أنّ هذه الرواية مخالفة لما ذهب إليه جلّ المؤ رّخين من الفريقين من أن عبداللّه بن الزبير خرج إلى مكّة قبل الامام الحسين (ع)، إذ


(1) تاريخ الطبري، 4: 254.

(2) البداية والنهاية، 8: 158.

(3) الكامل في التاءريخ، 4: 17؛ وتاريخ الطبري، 4: 253 254.

(4) الا خبار الطوال: 228.

(5) مقتل الحسين ع للخوارزمي، 1: 190.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:417

خرج ابن الزبير في سواد نفس الليلة التي استدعاه إلى البيعة فيها الوليد بن عتبة، فيكون الفارق الزمني بين مسيره إلى مكّة ومسير الامام (ع) ليلتين أو ليلة على الاقلّ، هذا فضلا عن أنّ ابن الزبير تنكّب عن الطريق الاعظم الذي أصرّ الامام الحسين (ع) على السير عليه، ممّا يدلّ على أنّهما لم يجمعهما منزل من منازل الطريق، خصوصا وأنّ ابن الزبير قد جدّ في السير إلى مكّة كما يجدّ الهارب حتّى أنّ واحدا وثمانين راكبا من موالي بني أميّة طلبوه فلم يدركوه ورجعوا. «1»

إذن فكيف يصحّ ما في هذه الرواية من أنّهما كانا معا حتّى لقيهما ابن عبّاس وابن عمر!؟

هذه الرواية إذن مخالفة للحقيقة التاءريخيّة فضلا عن إرسالها وضعفها. «2»

أمّا مارواه ابن عساكر في تاءريخه حيث قال: (وخرج الحسين وعبداللّه بن الزبير من ليلتهما إلى مكّة، وأصبح الناس وغدوا إلى البيعة ليزيد وطُلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا ... ولقيهما عبداللّه بن عمر، وعبداللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة بالا بوأ منصرفين من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكّركما اللّه إلّا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس د عليه لم تشذّا عنهم، وإن افترق الناس عليه كان الذي تريدان ... وقال له ابن عيّاش: «3» أين تريد يا ابن فاطمة!؟ قال: العراق وشيعتي. فقال: إنّي لكاره لوجهك هذا، أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك حتّى تركهم سخطة


(1) راجع الارشاد: 222.

(2) لقد ضعّف رجاليّو السنّة الواقدي اءشدّ التضعيف، راجع: سير اءعلام‌النبلاء للذّهبي، 454: 9 469 رقم الترجمة 172.

(3) قال المحمودي في حاشية الصفحة 201: هذا هو الصواب المذكور في‌الطبقات الكبرى، وفي اءَصْلَىٍّ كليهما من تأريخ دمشق: وقال له ابن عبّاس ...

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:418

ومَلَّةً لهم!؟ أذكّرك اللّه أن تغرر بنفسك ...). «1»

فهذه الرواية كتلك مخالفة للحقيقة التاءريخيّة أيضا على ضوء المناقشة التاءريخيّة التي قدّمناها في ردّ الرواية الاولى، هذا فضلا عن ضعفها سندا «2» على الاقلّ بجويرية بن أسماء الذي قال فيه الامام الصادق (ع): (وأمّا جويريّة فزنديق لايفلح أبدا). «3»

ولو فرضنا صحّة وقوع المحاورة الاخيرة في رواية ابن عساكر بين ابن عيّاش د وبين الامام (ع)، فإ نّ الدلائل التاءريخيّة تشير إلى أنّ مثل هذه المحاورات التي تحدّث فيها الامام (ع) بصراحة عن توجّهه إلى العراق وشيعته هناك لم تقع إلّا في مكّة أثناء إقامته فيها أو قبيل خروجه منها، لا نّ الامام (ع) لم يكشف عن نيّة عزمه على التوجّه إلى العراق لكلّ محاور إلّا في مكّة، وأمّا في المدينة وفي الطريق منها إلى مكّة فلم يكشف الامام (ع) عن هذه النيّة إلّا لمن يثق بهم كاءمّ سلمة رضي اللّه عنها ومحمّد بن الحنفيّة (ر) مثلا، أمّا عبداللّه بن مطيع العدوي وأمثاله فكان (ع) لايكشف لهم إلّا عن توجّهه إلى مكّة.

وعبداللّه بن عيّاش «4» هذا لم يعرف له قرب من أهل البيت: أو ولاء لهم، بل


(1) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 201198، الحديث 225.

(2) وسندها هو: قال ابن سعد: واءنباءناعليّبن محمّد، عن جويريّة بن‌اءسماء، عن مسافع بن شيبة قال:

(3) اختيار معرفة الرجال رجال الكشّي، 2: 700، حديث 742.

(4) هو عبداللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي: قيل: كان أبوه قديم‌الاسلام فهاجر إلى الحبشة فولد له عبداللّه فيها، وقيل: إنّ عبداللّه هذا أدرك من حياة النبي ص ثماني سنين، وقيل: مات حين جاء نعي يزيد بن معاوية سنة أربع وستّين. راجع: الاصابة في تمييز الصحابة، 2: 348، حديث 4877.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:419

الظاهر من نصّ هذه المحاورة التي رواها ابن عساكر هو أنّ عبداللّه هذا على فرض حصول هذه المحاورة لم يكن يُحسن حتّى مراعاة الادب مع الامام (ع) فضلا عن معرفة إمامته إذ يقول له: (أذكرّك اللّه أن تغرر بنفسك!)، فهو من نوع عبداللّه بن مطيع العدوي بل هو أسوأ منه لا نّ هذا الاخير على الاقلّ كان يحسن مراعاة الادب مع الامام (ع) والتودّد إليه في محاوراته معه.

لقاؤه (ع) مع عبداللّه بن مطيع العدوي‌

اشارة

يروي لنا التاءريخ لقائين لعبداللّه بن مطيع العدوي مع الامام الحسين (ع)، الاوّل في الطريق من المدينة إلى مكّة، والثاني على ما في رواية المفيد في الارشاد لمّا أقبل الامام الحسين (ع) من الحاجز يسير نحو العراق فانتهى إلى ماء من مياه العرب. «1»

وتهمّنا في هذا المقطع من تأريخ حركة الركب الحسينيّ قصّة اللقاء الاوّل، تقول الرواية التاءريخيّة في متابعتها حركة الامام الحسين (ع) على الطريق من المدينة إلى مكّة: (فبينما الحسين كذ لك بين المدينة ومكّة إذ استقبله عبداللّه بن مطيع العدوي، فقال: أين تريد أباعبداللّه جعلني اللّه فداك؟

قال: أمّا في وقتي هذا أريد مكّة فإ ذا صرتُ إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك.

فقال له عبداللّه بن مطيع: خار اللّه لك يا ابن بنت رسول اللّه فيما قد عزمت عليه، غير أنّي أشير عليك بمشورة فاقبلها منّي!


(1) الارشاد: 245.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:420

فقال له الحسين: وما هي يا ابن مطيع؟

قال: إذا أتيتَ مكّة فاحذر أن يغرَّك أهل الكوفة، فيها قُتل أبوك، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تاءتي على نفسه، فالزم الحرم فاءنت سيّد العرب في دهرك هذا، فواللّه لئن هلكتَ ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك، والسلام.

قال فودّعه الحسين ودعا له بخير). «1»

وفي رواية الدينوري في الاخبار الطوال أنّ ابن مطيع قال للا مام (ع): (إذا أتيت مكّة فاءردت الخروج منها إلى بلد من البلدان فإ يّاك والكوفة، فإ نّها بلدة مشؤ ومة، بها قتل أبوك، وبها خذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تاءتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإ نّ أهل الحجاز لايعدلون بك أحدا، ثمّ ادع اليك شيعتك من كلّ أرض د فسياءتونك جميعا.

قال له الحسين (ع): يقضي اللّه ما اءَحبَّ. «2»

أمّا ابن عساكر فروى قصّة هذا اللقاء على النحو التالي:

(لمّا خرج الحسين بن عليّ (س) من المدينة يريد مكّة مرّ بابن مطيع وهو يحفر بئره، فقال له: أين فداك أبي وأمّي؟

قال: أردت مكّة.

قال وذكر له أنّه كتب إليه شيعته بها.

فقال له ابن مطيع: أين فداك أبي وأمّي؟ متّعنا بنفسك ولاتسر إليهم! فاءبى الحسين (ع)، فقال له ابن مطيع: إنّ بئري ه ذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما


(1) الفتوح، 5: 22 23.

(2) الاخبار الطوال: 228 229.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:421

خرج إلينا في الدلو شي من ماء، فلو دعوت اللّه لنا فيها بالبركة!

قال: هاتِ من مائها.

فاءتى من مائها في الدلو، فشرب منه، ثمّ تمضمض، ثمّ ردّه في البئر، فاءعذب وأمهى). «1»

من هو عبداللّه بن مطيع العدوي؟

ها نحن في محضر الامام الحسين (ع) في الطريق إلى مكّة مع مخاطبٍ آخر من نوع آخر، هو عبداللّه بن مطيع العدوي، رجل من قريش، همّه العافية والمنفعة الذاتية، وحرصه على مكانة قريش والعرب أكبر من حرصه على الاسلام، وهو ليس من طلّاب الحقّ ولا من أهل نصرته والدفاع عنه، وكاذب في دعوى مودّة أهل البيت (ع) مع معرفته بمنزلتهم الخاصّة عنداللّه تبارك وتعالى، والامام الحسين (ع) يعرفه تمام المعرفة!

ولذا نراه (ع) يمرُّ به مرور الكرام ولايعباءُ به، ولايحدّثه بصريح قضيّة النهضة ولايكشف له عن تفاصيل مستقبلها كما حدّث بذلك أمّ سلمة رضي اللّه عنها ومحمّد بن الحنفيّة، (ر) والملائكة، ومؤ مني الجنّ مثلا، بل حدّثه فقط عن مقصده المرحلىٍّ (مكّة)، ولم يكشف له عن شئ بعد ذلك إلّا (فإ ذا صرتُ إليها استخرتُ اللّه تعالى في أمري بعد ذلك!)، أو (يقضي اللّه ما اءَحبَّ!).

في محاورته مع الامام (ع) في لقائه الثاني به (على ما في رواية الارشاد) نجد أكبر همّ ابن مطيع هو ألّا تنهتك (حرمة العرب وحرمة قريش)، ونجده هنا أيضا يخاطب الامام (ع) قائلا: (فاءنت سيّد العرب في دهرك هذا!) ممّا يكشف عن قوّة النزعة العرقيّة (القوميّة) في عقله ونفسيته!


(1) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 222، حديث 203.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:422

ونراه مع معرفته بمنزلة الامام (ع) في الاسلام وفي الامّة، ومع علمه بحقّانيّة خروج الامام (ع) لايندفع إلى نصرة الامام (ع) والانضمام إليه، بل يبقى همّه في ماء بئره كيف يكثر ويحلو! وببركة الامام (ع)!!

لقد فوّت عليه حبّ العافية والمنفعة الذاتيّة فرصة العمر النادرة بمرور الامام (ع) به في عدم اغتنامها بنصرته والالتحاق به والفوز بشرف الدنيا والاخرة في الاستشهاد بين يديه، وتسافل بهمّه إلى درجة أن انحصر في كثرة ماء البئر وعذوبته!

ونرى ابن مطيع هذا يكشف عن كذبه في دعوى حبّه للا مام (ع) بعد مقتل الام «1» ام (ع)، حين انضمَّ إلى ابن الزبير، وصار عاملا له على الكوفة، (فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم)، «2» وقاتلهم في مواجهته لحركة المختار، واستعان عليهم بقتلة الامام الحسين (ع) أنفسهم، أمثال شمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم!!

وفي أوّل خطبة له في الكوفة أعلن عن عزمه على تنفيذ أمر ابن الزبير في السير باءهل الكوفة بسيرة عمر بن الخطّاب وسيرة عثمان بن عفّان، لكنّه فوجئ بحنين أهل الكوفة إلى سيرة عليّ (ع) ورفضهم للسِّيَر الاخرى، حين قام إليه السائب بن مالك الاشعري فقال له: (أمّا حملُ فيئنا برضانا فإ نّا نشهد أنّا لانرضى أن يُحمل عنّا فضلُه، وأن لايُقَسَّم إلّا فينا، وألّا يُسار فينا إلّا بسيرة علىٍّ بن أبي طالب (ع) التي سار بها في بلادنا هذه حتّى هلك، ولا حاجة لنا


(1) راجع: الكامل في التاءريخ، 4: 216 217.

(2) تأريخ اليعقوبي، 2: 258.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:423

في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطّاب فينا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ...). «1»

هل وصلت إلى الامام (ع) رسائل قُبَيْلَ رحيله عن المدينة؟

من الطبيعي أن تكون للا مام الحسين (ع) في زمن معاوية مراسلات بينه وبين شيعته في العراق والحجاز وباقي مناطق العالم الاسلامي آنئذٍ.

لكنّ سؤ النا التحقيقي في هذا المجال حول ما إذا كانت هناك رسائل قد وصلت إلى الامام (ع) في غضون اليومين أو الثلاثة قبيل سفره عن المدينة، أي منذ أن جاء نباء موت معاوية، وطلب منه أن يبايع يزيد، وإلى أن ارتحل (ع) عن المدينة المنوّرة.

هناك ثلاث روايات يوحي ظاهرها بحصول هذا الامر:

الاولى: وهي الرواية التي مرّت بنا عن ابن عساكر في قصّة اللقاء الاول لعبدالله بن مطيع مع الامام (ع)، حيث ورد فيها بعد أن أجاب الامام (ع) ابن مطيع أنّه يريد مكّة قول الراوي إنّ الامام (ع) (ذكر له أنّه كتب إليه شيعته بها).

والمتبادر من ظاهرها أنّ للا مام الحسين (ع) شيعة في مكّة قد كتبوا إليه! وهذا ممكن إذا كانت هذه الرسائل قد كتبت وأرسلت قبل يوم وصول نباء موت معاوية إلى المدينة باءيّام، فوصلت إليه (ع) في غضون اليومين أو الثلاثة أيّام قبيل سفره عن المدينة، لا نّ المسافة بين مكّة والمدينة في السفر العاجل تقتضي زمانيّا ثلاثة أيّام على الاقلّ. وأمّا إذا كانت هذه الرسائل قد كتبت واءُرسلت إليه (ع) بعد خبر موت معاوية، فلا شك اءنّها لاتصل إليه في غضون ما قبيل سفره، بلى، قد تصل إليه وهو في الطريق إلى مكّة وقد فصل


(1) الكامل في التاءريخ، 4: 212 213.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:424

بعيدا عن المدينة، هذا في أحسن الفروض.

لكنّ المتاءمّل في بقيّة الرواية يجد ابن مطيع بعد ذلك مباشرة يقول للا مام (ع): (أين فداك أبي وأمّي؟ متعنّا بنفس ولاتسر إليهم!).

ولا شك أنّ ابن مطيع لم ينه الامام (ع) عن مكّة، بل نهاه عن الكوفة! ممّا يدلّ على أنّ ه ذه الرسائل المذكورة كانت من الكوفة وليست من مكّة! وهنا يظهر لنا الخلط في متن هذه الرواية بين لقاء ابن مطيع الاوّل ولقائه الثاني مع الامام (ع)، حيث كان الامام (ع) في اللقاء الثاني قد حدّث ابن مطيع عن رسائل أهل الكوفة، ولم يحدّثه عنها في اللقاء الاوّل، لا نها لم تصل إليه إلّا في مكّة، ولا نه لم يكن قد وصل إلى مكّة بعدُ.

الثانية: وهي أوضح في الخلط بين وقائع اللقائين من رواية ابن عساكر، وقد رواها صاحب العقد الفريد، وجاء فيها: (... ومرَّ حسين حتّى أتى على عبداللّه بن مطيع وهو على بئر له، فنزل عليه، فقال للحسين: يا أباعبداللّه، لا سقانا اللّه بعدك ماءً طيّبا، أين تريد؟ قال: العراق!. قال: سبحان اللّه! لِمَ؟ قال: مات معاوية، وجاءني أكثر من حمل صحف. قال: لاتفعل أباعبداللّه، فواللّه ما حفظوا أباك، وكان خيرا منك، فكيف يحفظونك؟ وواللّه لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك إلّا استحلّت! فخرج حسين حتّى قدم مكّة ...). «1»

وهذه الرواية مغايرة للرّوايات الكثيرة التي تحدّثت عن وقائع اللقاء الاوّل، لقاء ما بعد المدينة، حيث حكت هذه الروايات أنّ الامام (ع) لم يصرّح لابن مطيع فيه إلّاأنّه يريد مكّة، ولم يحدّثه أنّه يريد العراق!

ثمّ كيف يُتصوّر أنّ حملا من الرسائل يصل إلى الامام وهو في المدينة من


(1) العقد الفريد، 4: 352، دار إحياء التراث العربي لبنان/ ط 1417/ 1 ه. ق 634

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:425

أهل الكوفة بعد انتشار نباء موت معاوية!؟ والثابت تاءريخيّا أنّ أهل الكوفة علموا بموت معاوية بعد وصول الامام (ع) إلى مكّة بفترة، ثمّ كتبوا إليه يدعونه إليهم.

فالرّاوي لهذه الرواية على فرض صحّتها يكون قد خلط بين مجريات اللقائين خلطا ظاهرا من حيث يعلم أو لايعلم! والمقطوع به تاءريخيّا أنّ رسائل دعوة أهل الكوفة للا مام (ع) لم تصل إليه في المدينة، بل في مكّة.

الثالثة: وهي الرواية التي حكاها صاحب (أسرار الشهادة) عن بعض (الثقات الادباء الشعرأ من تلامذتي من العرب) حسب قوله، وأنّ هذا الثقة قد ظفر بها في مجموعة كانت تنسب إلى (الفاضل الاديب المقري) فنقلها عنها، وهذه الرواية أنّه: (قد روى عبداللّه بن سنان الكوفي، عن أبيه، عن جدّه، أنّه قال:

خرجت بكتاب من أهل الكوفة إلى الحسين (ع) وهو يومئذٍ بالمدينة، فاءتيته فقرأه وعرف معناه، فقال: أنظرني إلى ثلاثة أيّام. فبقيت في المدينة، ثمّ تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجّه إلى العراق، فقلت في نفسي أمضي وأنظر إلى ملك الحجاز كيف يركب وكيف جلاله و شانه «1» ثم يصف الراوي كيف أركب الهاشميّون محارمهم من عيالات الامام الحسين (ع) على محامل الابل، ثمّ كيف ركب بنوهاشم والامام (ع).

وهذه الرواية على د فرض صحّتها (وهي ليست كذلك) «2» هي الرواية الوحيدة التي تخبر عن وصول رسالة من أهل الكوفة إلى الامام (ع) وهو في المدينة في أيّام ما بعد رفضه البيعة ليزيد بعد موت معاوية، أو قبل ذلك بيوم!

ولا شك أن هذه الرسالة تعتبر من رسائل أهل الكوفة إلى الامام (ع) في فترة ما


(1)- اسرار الشهاده 367.

(2) لانّ صاحب أسرار الشهادة يرويها عن مجهول، وهذا ينسبها إلى‌مجهول أيضا!!.

مع الركب الحسيني ،ج‌1،ص:426

قبل علم أهل الكوفة بموت معاوية، لا نّ نباء موت معاوية من قرائن تاءريخيّة عديدة لم يصل إلى أهل الكوفة إلّا بعد وصول الامام (ع) إلى مكّة المكرّمة، أو وهو في الطريق إليها.

من كلّ ما قدّمناه في هذه القضيّة نستنتج:

أنّه لم تصل إلى الامام (ع) وهو في المدينة في غضون أيّام إعلانه رفض البيعة ليزيد إلى حين خروجه عنها أيّة رسالة من أهل الكوفة تُنبي عن علمهم بموت معاوية، وعن دعوتهم الامام (ع) إليهم، ولا من مكّة أيضا، ولا من سواهما.

على مشارف مكّة المكرّمة:

وتواصل رواية الفتوح متابعة مسار الامام الحسين (ع) بركب الشهادة من المدينة إلى مكّة حتّى مشارفها من بعيد حيث تبدو جبالها للناظر، فتقول:

(وسار حتّى وافى مكّة، فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد جعل يتلو هذه الاية:

(ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سوأ السبيل). «1»

وتقول رواية الاخبار الطوال:

(ثمّ أطلق عنانه ومضى حتّى وافى مكّة، فنزل شِعبَ عليٍّ ...). «2»

وتقول رواية ابن عساكر:

(فنزل الحسين دار العبّاس بن عبدالمطّلب ...). «3»


(1) الفتوح، 5: 23.

(2) الاخبار الطوال: 229.

(3) تأريخ ابن عساكر ترجمة الامام الحسين ع تحقيق المحمودي: 293 حديث 56.

مع الركب الحسيني ،ج‌2،ص:3